صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه
المؤلف: يحيى بن أبي الخير الجناوني أبو زكرياء
تعليق: أبو اسحاق إبراهيم اطفيش - الناصر بن محمد المرموري
تحقيق: أحمد بن صالح الشيخ أحمد - بكير بن محمد فخار
الناشر: مكتبة الضامري
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4704&id_ty=1
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 ذو القعدة 1446ه/ 30 - شهر 04 - 2025م.
كتاب الوضع
مختصر في الأصول والفقه
تأليف العلامة القدوة
الإمام أبي زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير الجنّاوني (رحمه الله)
تعليق الشيخين:
أبي إسحاق إبراهيم اطفيش
ناصر بن محمد المرموري
(رحمهما الله)
تحقيق:
أحمد بن صالح الشيخ أحمد
بكير بن محمد بن عيسى فخّار
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب - سلطنة عمان (1/1)
صفحة 2
جميع
جميع الحقوق محفوظة
الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب
أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
الطبعة الأولى
1436 هـ / 2015 م
نشر وتوزيع
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
t.k.aldhamri@gmail.com
ص ب: 2 السيب - الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
كتَابُ الْوَضْع
مُخْتَصَرَ فِي الْأَصُولِ وَالْفِقْهِ
تأْلِيفُ الْعَلامَةِ الْقَدْوَةِ
الْإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّاءِ يَحْيَى بْنِ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيَ (رَحمَهُ اللهُ)
تعليق الشيخين أبي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ أَطْفَيْش
ناصر بن محمد المرموري
تحقيق
أحمد بن صالح الشيخ أحمد بكير بن محمد بن عيسى فخّار
النشر والتوزيع
با سلطنة عمان
131 السيب
مكتبة الغامدي
فن - ب 2 الرمز البريدي (1/3)
صفحة 4
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
[سورة آل عمران: 102] (1/4)
صفحة 5
مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين مخرج الناس من الظلمات إلى النور القائل: فَإِنَّمَا
يَشَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ) الدخان: 58،
والصلاة والسلام على خير البرية محمد الله القائل في سنته العطرة: "من أراد الله به خيرا فقهه في الدين (الربيع، (25) صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن هذا الكتاب الذي بين أيدينا "كتاب الوضع" يعتبر من أثمن الكتب قيمة، من حيث العلم الغزير الذي يحويه والمنهجية المتبعة فيه، والأبواب المطرقة فيه، ومن حيث الأسلوب الشيّق الذي عُرض به، فكل هذه العناصر جعلته كتابا قيما يرغب في الاغتراف منه العالم وطالب العلم، بل وعامة الناس دون مشقة في فهم الأحكام الواردة فيه، ولذلك سماه مؤلفه كتاب "الوضع" أي كتاب التيسير لأحكام الله. وما زاد هذا الكتاب توضيحا وتيسيرا التعليقات التي وضعها عليه الشيخ أبو إسحاق اطفيش - رحمه الله -، ثم التعليقات التي زادها الشيخ ناصر المرموري - رحمه الله ـ وهي التي ميزت هذا الإصدار الجديد الذي بين أيدينا.
منه إلا طبعة مكانة كتاب الوضع وقيمته العلمية إلا أنه لم يطبع ومع واحدة فقط بتعليقات الشيخ أبي إسحاق ـ رحمه الله، وصدرت بعد ذلك عدة طبعات منه مصورة من الطبعة الأولى. (1/5)
صفحة 6
خطوات العمل:
كتاب
الوضع
أولاً: بعد حصولنا على الكتاب المخطوط لتعليقات الشيخ ناصر المرموري شرعنا في الاستشارات العلمية لإعادة طبع كتاب الوضع بهذه التعليقات، فاستشرنا كلا من الأستاذين الباحثين: مصطفى بن محمد شريفي (أستاذ بمعهد الحياة)، والحاج سليمان بن إبراهيم
بابزيز، فاستفدنا من ملاحظاتهما القيمة.
ثانيا: رقن تعليقات الشيخ ناصر المرموري وضبطها وتخريج ما ورد فيها من نصوص، مثل الآيات والأحاديث، وأقوال العلماء.
ثالثا: تخريج نصوص كتاب الوضع وتعليقات الشيخ أبي إسحاق. رابعا: ضبط نص كتاب الوضع من عدة نسخ، وذلك على مرحلتين: المرحلة الأولى: المقارنة بين أربع نسخ -1 النسخة المرقونة، 2 - الكتاب المطبوع بتعليقات الشيخ أبي إسحاق 3 - مخطوطة الشيخ 4 - مخطوطة مصورة من مكتبة أحمد مسعود الفساطوي،
الناصر،
مرقمة برقم (1).
وكان فريق العمل مكونا من الأساتذة التالية أسماؤهم: بكير بن محمد بن عيسى فخار، أحمد بن صالح بن عمر الشيخ أحمد، محمد بن موسى بن قاسم بكوش، إبراهيم بن عمر بن بهون سليمان بوعصبانه. (1/6)
صفحة 7
كتاب
المرحلة الثانية:
V
الوضع
المقارنة بين ثلاث نسخ:
1 - النص المرقون المقارن مع النسخ السابقة،
2 - مخطوطة مصورة من مكتبة الشيخ حمو بابا وموسى، مرقمة برقم (02).
3 - مخطوطة مصورة من مكتبة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي،
مرقمة برقم (03).
وشارك في هذه العمل كل من بكير بن محمد فخار،
إسماعيل بن لخضر قري، عيسى بن يحي
أحمد تاعموت.
وبالتالي يكون مجموع النسخ المعتمدة في المقارنة ست نسخ.
خامسا: كان الهدف من هذه المقارنة هو ضبط النص، فلم نشر إلى الاختلافات الواردة بين نسخ الكتاب تحاشيا لثقل الهوامش،
ومراعاة لهدف مؤلف الكتاب؛ وهو التيسير للقارئ. سادسا: تم التنسيق بين الأخ الفاضل/ طالب بن خلفان الضامري وبين المحققين لطباعة هذا الكتاب ونشره وتوزيعه.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب فتحا على الناس في أمور دينهم، وأن يجعله ثقلا في ميزان مؤلفه والمعلقين عليه ومحققيه، وكل من ساهم في إخراجه ونشره وتوزيعه، آمين. (1/7)
صفحة 8
كتاب
الوضع
وصف النسخ المخطوطة:
مخطوطة الشيخ ناصر المرموري:
تقع في دفتر ذي مقاس كبير، حيث كتب الشيخ نص كتاب الوضع الأصلي باللون الأسود، ووضع تعليقاته عليه في الهامش باللون الأحمر
بمنهجية الإحالة، وكان يشير إلى تعليقات الشيخ أبي إسحاق أحيانا. أما عن تاريخ كتابة المخطوط فيبدو أنه كتبه في سنوات مديدة، وقد لاحظنا ذلك من خلال تغيّر لون الحبر من مرحلة إلى أخرى. وفيما يتعلق ببداية كتابته فلم يدوّن الشيخ تاريخها، إلا أنه يظهر من عبارة فيه أنه قد شرع فيه منذ حياة الشيخ بيوض ـ رحمه الله ـ المتوفى سنة 1981 م، إذ قال في إحدى تعليقاته: "الشيخ بيوض حفظه الله". والجاري أن نقول: "حفظه الله" للأحياء، و"رحمه الله" للمتوفين. كما أن الشيخ لم يشر إلى تاريخ نهاية كتابته، إلا أننا شاهدناه في السنوات الأخيرة يطلع عليه أحيانا وبشهادة مرافقه: "الشيخ أحمد
بكير بن محمد".
المخطوطة رقم 01:
كلية الدعوة الإسلامية مكتبة الكلية قسم المخطوطات الجماهيرية
الليبية.
مكتبة أحمد مسعود
الفساطوي
أول المخطوط: الحمد لله الذي لا إله للبريئة سواه ... أما بعد، فإنه رغب إلي راغب من إخواني ...
آخر المخطوط: .... وقيل ما يستر العورة والعورة عندنا من السرة إلى (1/8)
صفحة 9
كتاب
9
الركبتين. تم ...
الناسخ: قاسم ابن سعيد الدرجيني
تاريخ النسخ: رجب 1272 هـ
عدد الصفحات: 210، عدد الأسطر: 19
تصوير وفهرسة منذر
المخطوطة رقم 02:
الوضع
المكتبة الشيخ حمو بابا وموسى الرقم في الفهرس: 210. الرقم في
32
الخزانة: حم أول المخطوط: الحمد لله الذي لا إله للبريئة سواه ... أما بعد، رغب إلى راغب من إخواني ...
فإنه
آخر المخطوط: ... وقيل ما يستر العورة، والعورة عندنا من السرة إلى
الركبتين. تم ...
اسم الناسخ: عيسى بن سعيد بن عيسى بن أبي القاسم بن عمر
الباروني.
تاريخ النسخ: الجمعة شعبان 1304 هـ. مكان النسخ: وكالة الجاموس بالديار المصرية
عدد الأوراق: 71. عدد الأسطر:
20
نوع الخط: مغربي واضح.
الحبر أسود وأحمر الآفات: حالة الحفظ متوسطة.
المخطوطة رقم 03:
المكتبة: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، الرقم: AK 35
أول المخطوط: الحمد لله الذي لا إله للبريئة سواه ... أما بعد، فإنه (1/9)
صفحة 10
كتاب
الوضع
رغب إلي راغب من إخواني ...
آخر المخطوط وقيل ما يستر العورة، والعورة عندنا من السرة إلى
الركبتين. والحمد الله رب العالمين.
اسم الناسخ: قاسم بن صالح بن عمر الكاباوي.
تاريخ النسخ: الخميس ربيع الأول 1267 هـ.
مكان النسخ: تونس
عدد الأوراق: 78. عدد الأسطر: 20 نوع الخط: مغربي متوسط الوضوح. الحبر أسود وأحمر الآفات: حالة الحفظ متوسطة.
بقلم المحققين:
:
بكير محمد فخار / أستاذ وإداري بمدرسة الحياة، وباحث، وادي
ميزاب- الجزائر
أحمد صالح الشيخ أحمد إمام وخطيب بسلطنة عمان، وباحث،
وادي ميزاب- الجزائر (1/10)
صفحة 11
ترجمة الشيخ ناصر بن
محمد المرموري
في 1 رجب سنة 1345 هـ / 7 جانفي 1927 م ولد الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري بمدينة القرارة، ولاية غرداية،
الجزائر. • تلقى مبادئ التعليم الابتدائي في مسقط رأسه بمدرسة الحياة على يد الشيخين أبو الحسن علي بن صالح وبسيس قاسم بن الحاج
سعيد.
في 15 جوان سنة 1942 استظهر كتاب الله العزيز على يد أستاذه بسيس عمر بن الحاج سعيد، ثم التحق بمعهد الحياة لمتابعة تعليمه الثانوي، فتلقى تعليمه على يد جملة من الأساتذة الأفاضل منهم: علي يحيى معمر النفوسي الليبي، وبكير بن عمر بيوض، وعمر بن صالح آداود، وبخاصة العلمين الفذين الشيخ بيوض والشيخ عدون رحمهم الله جميعا. ولم يتلق شيئًا من التعليم المنظم عن غيرهم، ولا في مؤسسة تعليمية غير معهد الحياة إلا من
عصاميته التي سودته علما بين الأعلام، وعلمته الكر والإقدام. في 1 أكتوبر سنة 1947 رشحه شيخه الشيخ بيوض رحمه الله للتدريس في معهد الحياة، واستمر في تحمل هذه الرسالة النبيلة والشاقة إلى يوم وفاته طيلة 65 سنة كاملة.
في
1
سبتمبر سنة 1962 انتدبه الشيح بيوض رحمه الله لرئاسة البعثة العلمية العمانية فى القاهرة، التي استمرت ثلاث سنوات، (1/11)
صفحة 12
كتاب
212
الوضع
عاد بعدها إلى رحاب معهد الحياة ليواصل رسالته ثلة
من الأساتذة.
فتح
6
مع
مباركة
لازم ـ وهو في مصر - متابعة محاضرات بعض مشايخ القاهرة في مركز المؤتمر الإسلامي، فاستفاد من معارفهم منهم الشيخ محمد أبو زهرة، محمد الغزالي سيد سابق، أحمد الشرباصي، الله. بدران كما كانت له لقاءات متعددة مع الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش رحمهم الله. في سنة 1965 عاد إلى معهد الحياة مدرسا للعلوم الشرعية والعربية، فنبغ فيهما نبوغا متميزا، وكان فقيها أديبا. في سنة 1971 انضم إلى حلقة العزابة في القرارة فكان مثالا للنشاط والتضحية والقيام بأعظم أعباء المسجد الجسام وأجلها: مسؤولية الوعظ والتوجيه والإرشاد.
في سنة 1979 عينه الشيخ بيوض رحمه الله خَلَفا له على منبرِ الوعظ في المسجد فقام به أحسن قيام عمر بصوته الشجي كل ناد، وغمر بنصحه الندي كل واد ويتميّز وعظه بالحكمة والسلاسة والرزانة والوسطية والاعتدال
في سنة 2004 عين شيخا لحلقة العزابة ورئيسا لها بعد وفاة الشيخ عدون باعتباره أعلم وأفقه عضو فيها. عضو حيوي في مجلس عمي سعيد (الهيئة الدينية العليا المشرفة
من
على مساجد الإباضية في وادي ميزاب ووارجلان)، ومرجع مراجع الإفتاء في القرارة ووادي ميزاب والجزائر، والعالم
الإسلامي. (1/12)
صفحة 13
كتاب
13
الوضع
شيخ لندوة الشيخ عبد الرحمن البكري وعمدة الفتوى فيها بعد
وفاة مؤسسها سنة 1986 م.
شارك في عدة ملتقيات علمية، محلية ووطنية ودولية.
حريص على متابعة العمرة والحج، وربما قاربت حجاته الأربعين حجة، وكان المرشد الديني لبعثات الحج. اشتهر الشيخ برحلاته العلمية الكثيرة إلى مختلف ربوع الجزائر، ودول العالم الإسلامي، داعيا إلى الله، موحدا أمة رسول الله. رئيس لعشيرة أولاد جهلان، وعضو نشيط وفعال وأساسي في
إدارتها.
بوجه
القيامة
ضاحك،
عرف الشيخ الناصر المرموري رحمه الله بخصال عز لها نظير في أبناء عصره، فقد تميّز برحابة الصدر، وحسن المعشر، وسلامة المخبر، فكان من أحب الناس إلى الله، وأقربهم منازلا يوم إلى رسول الله، إذ كان من أحاسن الناس أخلاقا، الموطئين أكنافا، الذين يألفون ويُؤلفون، فلا يلقى أحدا إلا. ولسان مازح، تسبق البسمة حديثه، ويسود الأنس مجلسه؛ فلا تكاد تشعر إلا وهو يغمرك بلطفه، ويعمرك بفضله، ويأسرك بحسن طويته، ويسلبك بصدق لهجته فتلين له القلوب مهما تصلبت، وتسلس له العقول مهما تشعبت، وتخضع له النفوس مهما تقلبت، وأحسبه ممَّن يصدق فيهم قوله: «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانَا فَأَحْبَبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيل فِي أَهْلِ السَّمَاء: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فَلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ (1/13)
صفحة 14
كتاب
14
الوضع
أَهْلُ السَّمَاءِ. ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ». (الربيع، رقم 67،
والبخاري، رقم 3037).
ذاع للشيخ الناصر رحمه الله صيت في الأنام بأنه يملك قلبا سليما لا يجد فيه شيئا على أحد، إذ لا يعرف تمييزا بين الإخوان، ديدنه جمع الشمل، ودأبه وحدة الكلمة، ومذهبه التعايش في وئام مهما اختلفت الأفهام، وتقلبت الأيام، فمصير البلد واحد أن يعيش في أخوة ووئام وهذا الذي أعلى ذكره، وأجل قدره، وأضاء قبره،
وأعظم أجره.
عرف شيخنا بتواضعه الجم، يجلس إلى ذي الحاجة والفقير، كما يجلس إلى ذي المقام والوزير يملك نفسا طموحة، ويعرك عزيمة طفوحة، لا تستهويه المناصب ولا تغريه المراتب، ولا تغره الألقاب، تكفيه شهادة شهادة ربِّ الأرباب بين العباد، ويُجزيه تكريما كرامة العزيز الوهاب له يوم المعاد. عرف قدر ربه فرفع له قدره، تواضع الله افتقارا، فأعلى شأنه افتخارا. هيبته بادية من هيئته، وقدره بارز من نظرته، حُبّب إليه الحياء، وبغض إليه الرياء، يعد المرء مخبوءا تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه. طوح الشيخ مشارق الدنيا ومغاربها حكمة، وعلما، وربط أوصال الأمة رحمة وحِلْمًا، أهلته إلى ذلك مؤهلات إلهه، ودعوات مشايخه، وصالحات أعماله وخالصات مقاصده، فهو بين العلماء عالم، وبين الأدباء أديب، وبين الظرفاء ظريف، وبين العامة عامة،
الخاصة خاصة.
وبين (1/14)
صفحة 15
كتاب
15
الوضع
خلف ترانا فكريًا بشريًا يتمثل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من مدرسته، وكرعوا من علمه، وترانا فكريا نثرياً يتمثل في مئات الفتاوى المبثوثة في مختلف الجهات، ومختصر تفسير الشيخ بيوض في ثمانية أجزاء، وشرح الجامع الصحيح في الحديث، وبحوثاً فقهية كثيرة، وقصائد بليغة، وخطباً ومقالات منشورة في مختلف المجلات. وتراثا مسموعا يتمثل في مئات الدروس المسجلة في مختلف مساجد وادي ميزاب والجزائر وتونس وليبيا وعُمان وزنجبار وغيرها من البلدان التي حلّ فيها ...
انتقل إلى جوار ربه عصر يوم الأحد 11 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق 15 ماي،2011 م، بغرداية وشيعت جنازته في اليوم التالي، في موكب مهيب بمسقط رأسه بالقرارة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. هذه الترجمة مقتبسة من الكلمة التي ألقاها الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج في جنازة الشيخ، يوم الإثنين 12 جمادى الثانية 1432 هـ / 16 ماي 2011 م. (انظر: مجلة الحياة، رمضان 1433 هـ / أوت 2012 م، العدد: 16، ص 286 - 294). (1/15)
صفحة 16
ترجمة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش
هو "إبراهيم بن امحمد بن إبراهيم بن يوسف اطفيش (أبو إسحاق) (و: 1305 هـ / 1886 م - ت: 20 شعبان 1385 هـ / 26 ديسمبر 1965 م) عالم من بني يسجن بميزاب أخذ مبادئ العلم بمسقط رأسه عمه عن قطب الأئمة، وعن الحاج إبراهيم، زرقون، ثم توجه إلى الجزائر العاصمة، وتتلمذ على يد الشيخ عبد القادر المجاوي، ولما لم تتّسع الجزائر لهمته العالية، سافر إلى تونس ليستزيد من العلوم العقلية، فأخذ عن الشيخ محمد بن يوسف الحنفي، والعلامة الشيخ الطاهر بن عاشور - صاحب التحرير والتنوير -
قال أبو اليقظان: «لما وصل إلى تونس تحمّل معنا مسؤولية الإشراف على بعثتنا العلمية ... واقتحم ميدان السياسة أو ان تأسيس حزب الدستور التونسي، مع الشيخ صالح بن يحيى، سنداً للعلامة عبد العزيز الثعالبي، طيلة: 1338 - 1339 هـ / 1919 - 1920 م».
أصدرت فرنسا ضده حكم الإبعاد عن تونس في فيفري 1342 هـ / 1923 م، فاختار التوجه إلى القاهرة، فاستقر بها، وشرع في أداء رسالته ونشاطه، في التأليف والتحقيق والطبع والفتوى، ومن منجزاته: أولا- في الصحافة: إصداره لمجلة «المنهاج» بين سنة 1344 هـ / 1925 م و 1349 هـ /
1930 م. (1/16)
صفحة 17
كتاب
ثانيا- في التحقيق:
17
الوضع
قيامه بتحقيق العديد من أمهات الكتب وطبعها، نذكر منها: 1 - «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للسالمي، في جزأين. (مط). - ثلاثة أجزاء من كتاب شرح النيل» للقطب، (مط). جامع أركان الإسلام» للخروصي، (مط).
- «شامل الأصل والفرع» للقطب اطفيش، (مط). ه - «مسند الربيع بن حبيب» في الحديث، (مط. عدة مرات). 6 - «المقصورة» لابن دريد، (مط).
وفي جوان 1359 هـ / 1940 م أسندت إليه وزارة الداخلية مهمة الإشراف على قسم التصحيح بدار الكتب المصرية، وكان من أجل أعماله فيها انكبابه على تصحيح وتحقيق أجزاء من كتاب «الجامع لأحكام القرآن» في التفسير للقرطبي، وكذا تصحيح كتاب محمد فؤاد عبد الباقي «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم».
وله تهميشات وردود على بعض مقالات المستشرقين في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية ومراسلات علمية قال عنها أبو اليقظان: «لو جمعت لكونت مجلدات ضخمة». (1/17)
صفحة 18
كتاب
ثالثا- في التأليف:
18
الوضع
وضعه لكثير من الكتب منها:
1 - «الدعاية إلى سبيل المؤمنين في الدعوة والفكر، (مط).
2 - «موجز تاريخ الإباضية»، (مخ).
- «المحكم والمتشابه»، (مخ). - رسالة «عصمة الأنبياء»، (مخ).
ه - رسالة «القطب اطفيش» (مخ)؛ مفقودة ذكرها أبو اليقظان. 6. ... ورسالة الفرق بين الإباضية والخوارج»، (مط. عدة مرات).
وكانت له مشاريع لتأليف عديدة - نطالع عناوينها في رسائله إلى الشيخ أبي اليقظان إبراهيم - لم تر النور، بسبب الضائقة المالية التي
ألمت
رابعا في الفتوى:
كان مرجعاً هاماً في الفتوى وعلوم الشريعة الإسلامية، وله إلمام شامل بالمذاهب الفقهية، وتضلُّع أكثر في المذهب الإباضي.
خامسا في السياسة والعمل الإسلامي:
كانت صلات أبي إسحاق بالحركات الإسلامية متينة، عمل في صفوف بعضها مؤسسا أو مؤازراً أو مشاركاً، نذكر منها مشاركته في: (1/18)
صفحة 19
كتاب
19
الوضع
تأسيس جمعية الهداية الإسلامية، التي يترأسها زميله الخضر
حسين التونسي.
نشاطه في جمعية الشبان المسلمين، إذ كان بينه وبين الشيخ حسن البنا علاقات وطيدة.
كما كان عضواً فعالاً بجمعية تعاون جاليات شمال إفريقية. . أسندت إليه وزارة الأوقاف مهمة الإشراف على الأوقاف الإباضية
بمصر.
سادسا - علاقاته مع الشخصيات الكبرى:
تربط أبا إسحاق علاقات وطيدة مع الداعية محب الدين الخطيب، وكذا الشيخ سيد قطب، والعلامة محمد رشيد رضا، والشيخ حسن البنا وغيرهم كثير من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر.
وبالإضافة إلى مصر كانت لأبي إسحاق مساهمة فعالة في الثورة العمانية، فقد كان عضوا نشطا في مكتب إمامة عمان بالقاهرة، واختاره الإمام غالب بن علي العماني، ممثلاً رسمياً لعرض قضية عُمان في هيئة الأمم المتحدة، وسافر لأجل ذلك إلى أمريكا لحضور اجتماعات مجلس الأمن، والدفاع عن القضية العمانية. (1/19)
صفحة 20
كتاب
الوضع
وكانت له رحلات كثيرة ومفيدة، منها رحلته إلى زنجبار (تنزانيا)، وأخرى إلى نفوسة بليبيا؛ وإلى القدس حيث كان ممثلا لإباضية المشرق في المؤتمر الإسلامي بها؛ وأخرى إلى مسقط رأسه ميزاب.
قال أبو اليقظان: رثيته بقصيدة عنوانها قمر القلب، وقد حضر جنازته جم غفير من العلماء»، بعد أن وافاه أجله إثر عملية في الكلى، ودفن بمقبرة المغرب الكبير بالقاهرة حذو صهره الشيخ قاسم بن سعيد الشماخي". (انظر: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، 44/ 2 - 47، ترجمة
رقم: 37) بتصرف بسيط
- (1/20)
صفحة 21
تَمْهِيدُ بَيْنَ يَدَيِ الْكِتَابِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْوَضْعِ لِلشَّيْخِ أَبِي زَكَرِيَّاء يَحْيَى بْنِ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيِّ النُّفُوسِيُّ.
(1) -
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةَ الأَنْبِيَاءِ، وَرَفَعَ بِهِمْ مَنَائِرَ الاهْتِدَاءِ، وَجَعَلَهُمْ نُجُومَ الاقْتِدَاءِ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ تَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ
الْبَيْضَاءِ، وَتَرَكَ لَنَا مَا إِنْ تَمَسَّكْنَا بِهِ لَنْ نَضِلَّ أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَتَهُ الْغَرَّاء.
وبعد:
به
فَإِنَّ مَنْزِلَةَ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ لَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الْعُظْمَى الَّتِي يَصْبُو إِلَيْهَا أَهْلُ التَّوْفِيقِ، وَيَسْهَرُ عَلَيْهَا أَهْلُ التَّحْقِيقِ، كَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ خَيْرًا يُفَقَّهُهُ فِي الدِّينِ (الربيع، (26، وَالْبُخَارِي، 71]، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعْبَدُ بِالْعِلْمِ، لِذَلِكَ رَفَعَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ وَقَرَنَهُمْ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي نَسْقِ؛ فَقَالَ فِي مُحكَم كِتَابِهِ الْكَرِيم: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ
(1) (جَمْعُ مَنَارَةٍ). (1/21)
صفحة 22
كتاب
22
الوضع
وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ (آل عِمْرَانَ: (18)، وَلاَ يَشْكُ مُنْصِفُ أَنَ هَذَا الْعِلْمَ الْمَمْدُوحَ هَذِهِ الْمُدْحَةَ الْخَاصَّةَ؛ هُوَ عِلْمُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ؛ لأَنَّهُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ وَيَدُلُّ عَلَى هُدَاهُ، وَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا؛ فَوَاجِبٌ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَهْتَمَّ بِنَشْرِ عُلُومِ دِينِنَا، وَإِحْيَاءِ تُرَاثِ نَبِيئِنَا، وَمَدٌ هَذَا الإشعاعِ الَّذِي اقْتَبَسَهُ عُلَمَاؤُنَا مِنْ نُورِ اللَّهِ؛ فَأَنَارُوا بِهِ السَّبِيلَ لِلسَّالِكِينَ، حَتَّى اتَّصَلَ بِنَا بَعْدَ مُرُورِ الْقُرُونِ، فَفِي كُلِّ مِشْكَاةٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِمْ مِصْبَاحٌ يُنِيرُ الدُّجى، وَفِي كُلِّ ثَنِيَّةٍ مِنْ طَرِيقِهِمْ نَصَبُوا الْعَلَائِمَ وَالصُّوَى (1)، حِرْصَا مِنْهُمْ
عَلَيْنَا أَنْ نَسِيرَ عَلَى هُدَاهُمْ بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي هَدَاهُمْ.
وبعد:
فَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا كِتَابُ الْوَضْعَ، سَفْرٌ مُهِمْ بِمَا يَحْوِيهِ مِنْ فِقْهِ الْعِبَادَاتِ يَبْسُطُهُ لِلأَنْهَامٍ بَسَطًا سَخِيًّا، ويُقَدِّمُهُ لَهُمْ رُطَبًا جَنِيًّا، وَقَطْفًا دَنِيًّا في متناول الأيدي، سَهْلاً لِكُلِّ مُسْتَقِيدٍ، مُجَرَّدًا مِنَ التَّعْقِيدِ، مُحَرَّرًا مِنَ الاختِلافِ الَّذِي يُحَيِّرُ الْمُرِيدَ، مُبَيِّنًا بَيَانًا مَا عَلَيْهِ مِنْ مَزِيدٍ، أَلَّفَهُ عَالِمٌ مُحَقَّق، فِي عَصْرِ وَمِصْرِ انْتَشَرَ فِيهِ الْعِلْمُ وَالْعُلَمَاءُ، وَسَطَعَتْ فِيهِ نُجُومُ الاهْتِدَاءِ، فَحَازَ عِنْدَهُمْ مَنْزِلَةٌ عُلْيَا، وَحَلَّ الصَّدَارَةَ بَيْنَ كُتُبِ الْفُتْيَا.
(1) (حَجَرٌ يُنصَبُ فِي الطَّرِيقِ كَعَلامَةِ لِلسَّائِرِ). (1/22)
صفحة 23
كَلِمَةٌ فِي التَّعْرِيفِ بِالْمُؤلّف - رَحِمَهُ الله -
-
هُوَ الْعَالِمُ الْعَلَامَةُ التَّقِيُّ الْوَرِعُ الْمُحَقِّقُ أَبُو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بْنُ الْخَيْرِ بْنِ
(1)
أبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيُّ الإِبَاضِيُّ النُّفُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ جَبَلِ وسَةَ، فِي عَصْرِ انْتَشَرَ فِيهِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ فِي جَبَلِ نُفُوسَةَ؛ الْجَبَلِ الْغَرْبِيِّ مِنْ ليبيا، فَحَازَ الصَّدَارَةَ فِي الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ هَيِّنًا أَنْ يَتَصَدَّرَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فِي الْجَبَلِ كِتَابٌ، لَوْلاَ أَنَّهُ بَلَغَ شَأوا بَعِيدًا فِي التَّحْقِيقِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْطَعُ بَيْنَ النُّجُومِ إِلا الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، فَيَا لَهُ مِنْ نَجْمِ سَطَعَ بِهِ أَفْقُ إِجَنَّاونَ، فَأَصَاءَ الآفاق، وَأَشْرَقَ نُورُهُ عَلَى الْقُرُونِ أَيَّمَا إِسْرَاقِ.
وإِلَيْكَ مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ أَطْفَيش (2) - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْوَضْعُ: كِتَابُ الْوَضع مُختَصَرٌ فِي فَنَّهِ، مُقِيدٌ فِي وَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وبالنسبةِ إِلَى كُتُبِ الْفِقْهِ لَهُ رُتْبَةٌ مُمْتَارَةٌ فِي الْفَتْوَى، حَيْثُ إِنَّ مُؤَلَّفَهُ مِنْ فُحُولِ الْعُلَمَاءِ الْبَارِزِينَ فِي التَّحْقِيقِ وَتَحْرِيرِ الْفُرُوعِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الْعُلَمَاء هَذَا الْمُخْتَصَرَ
ص
[342
(1) ذَكَرَهُ أَبُو زَكَرِيَّاءَ فِي الطَّبَقَةِ التَّاسِعَةِ، فَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِي [انظر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة 2، (2) الشيخ أبو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أطفَيَّش، عَالِمٌ كَبِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ مِيزَابَ الجزائر، ولد يبني يزجنَ سَنَةَ 1305 هـ، وَمَاتَ بِالْقَاهِرَةِ سَنَةَ 1385 هـ. (1/23)
صفحة 24
كتاب
24
الوضع
عامر
مِنْ أَهَمِّ مَا يُقَدَّمُ فِي الْمَأْخُوذِ بِهِ؛ بَعْدَ كِتَابِ الإِيضاح؛ لِلإِمَامِ الشَّيْخِ السَّماخِي، الَّذِي هُوَ بِلاَ مُنَازِعٍ مَرْجِعُ لِلْفَتْوَى؛ حَتَّى قَبْلَ دِيوَانِ الْأَشْيَاخِ، وَدِيوَانِ الْعَرَابَةِ"، اللَّذَيْنِ هُمَا كَدَوَائِرِ الْمَعَارِف، إِذِ الْقَائِمُونَ بِتَأْلِيفِ الْأَوَّلِ عَشَرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَتَأْلِيفِ الثَّانِي سَبْعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وكِتَابُ الْوَضع تَألِيفٌ مُبَارَكٌ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الْمُبْتَدِى، وَيَرَى بِهِ الْفَتْحَ الرَّبَّانِيَّ، وَذَلِكَ لإخلاصِ الْمُؤَلَّفَ لِلَّهِ فِي تَحْرِيرِهِ وَتَبْوِيبِهِ، وَقَصَدَ الإِفَادَةَ بِهِ لِكُلِّ مَنِ اسْتَمَدَّ مِنْهُ (2).
وَالْمُؤَلِّفُ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِيِّ، نَشَأُ فِي بَلْدَةِ إِجَنَّاوِنَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الأُسْتَاذُ عَلِيُّ مُعَمَّرَ النُّفُوسِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الإِبَاضِيَّةُ فِي مَوْكِبِ التَّارِيخ": "إِجَنَّاوِنُ مَدِينَةٌ غَنَّاءُ، تَسْتَلْقِي فِي دَلَالٍ عَلَى أَقْدَامِ جَبَلٍ أَشَمَّ، وَتَلْعَبُ عَلَى سُرَّتِهِ الْقَرْيَةُ الظَّرِيفَةُ الضَّاحِكَةُ "تموقت"، وَتَجْتُمُ عَلَى صَدْرِهِ مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ بَلْدَةُ "القصير" الْجَمِيلَةُ، أمَّا هَامَتُهُ الْمُرْتَفِعَةُ الَّتِي تُنَاجِي السُّحُبَ؛ فتُتَوِّجُهَا مَدِينَةُ "جادُو" الْعَظِيمَةُ الْحَدِيثَةُ، أَمَّا كَتِفَاهُ الْقَوِيَّتَانِ فَقَدْ وَقَفَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا "مزو"، وَعَلَى الأُخْرَى "يوجلين"، تُصفّق الأُولَى "للجمارى" وتَبْتَسِمُ الثَّانِيَةُ "لمزغورة"، وَيَقُولُ: وَفِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْجَمِيلَةِ الفسيحةِ الَّتِي كَانَتْ مَنْبَعًا مِنْ مَنَابِعِ الْعِلْمِ، وَمَرْكَزا مِنْ مَرَاكِرِ الإِيمَانِ،؛ وحصنا لإنتاج الرُّجُولَةِ وَالْبُطُولَةِ وَالْفِدَاءِ ... فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ نَشَأَ أَبُو
(1) هَذَا التَّرْتِيبُ فِي الرُّتْبَةِ الْعِلْمِيَّةِ لَا فِي الزَّمَنِ، فَإِنْ كِتَابَ الْوَضْعِ سَبَقَ كِتَابَ الإِيضَاحِ بِعِدَّةِ
قُرُون
(2) يُنْظَرُ كِتَابُ الْوَضع، ص 3]. (1/24)
صفحة 25
كتاب
25
الوضع
زكَرِيَّاء يَحْيَى بْنُ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيُّ، تَظْهَرُ عَلَيْهِ مَخَايِلُ النَّجَابَةِ، وَتَسْطَعُ عَلَى جَبينِهِ أَشِعَةُ الصَّلاحِ، وَتَدلُّ حَرَكَاتُهُ وَكَلِمَاتُهُ عَلَى الذَّكَاءِ والْعَبْقَرِيَّةِ مُنْذُ الصَّغَرِ، وَقَدْ رَبِّي تَحْتَ رِعَايَةِ جَدِّهِ أَبِي الْخَيْرِ، فَغَذَّى عَقْلَهُ بِالْمَعْرِفَةِ، وَمَلاً قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ، وَعُودَ السَّيْرَ عَلَى هُدَى الإِسْلَامِ، فَبَلَغَ شُهْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ لَمْ يَصِلُ إِلَيْهَا جَده ... اهـ (1).
ويَقُولُ صَاحِبُ السِّيرِ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّمَاخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَمِنْهُمْ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيُّ، تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِجَدِّهِ، وَأَنَّهُ أُخِذَتْ فِيهِ بَرَكَةُ الشَّيْخِ أَبِي الْخَيْرِ الزَّواغِيِّ، إِذْ دَعَا لَهُ وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ وَكُنِّي بِكُنْيَتِهِ، وَبَقِيَ أَثَرُهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَأَبُو زَكَرِيَّاء فِي زَمَنَنَا أَشْهُرُ مِنْ جَدِّهِ لِكَثْرَةِ تَالِيفِهِ، وَمِنْ غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَعُمْقٍ بَحْرِهِ أَنَّهُ يُفْتِي لِلنَّاسِ حِينَ رَجَعَ عَنْ أُسْتَاذِهِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي هَارُونَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ وَلَمْ يَتَوَفَّفْ وَلَوْ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ كَثْرَةِ السَّائِلِينَ فِي أَيِّ فَنْ مِنَ الْفُنُونِ سَأَلُوا".
يَقُولُ الشَّمَاخِيُّ وَجَازَتْ عَلَيْهِ نِسْبَةُ الدِّينِ، وَأَخَذَ عَنْهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وكَانَ اعْتِمَادُ أَهْلِ نُفُوسَةَ (2) عَلَى كُتُبِهِ حِفْظًا وَفُتْيَا، لِكَوْنِهِ أَوْدَعَ فِيهِ الْمَأْخُوذَ بِهِ
[342
(1) اينظر علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّةُ فِي مَوكِب التَّارِيخ – الحلقة 2: الإباضية في ليبيا، مراجعة: الحاج سليمان بابزير نشر مكتبة الضامري، ص (2) جَبَلُ نُفُوسَةً جَبَل عَظِيمٌ فِي الْجَانِبِ الْعَرْبِي مِنْ ليبيا، يَمْتَدُّ مِنْ بَلْدَةِ الْخَمْسِ شَرْقًا عَلَى الْبَحْرِ إِلَى بَلْدَةِ وَازْنَ غَرْبًا عَلَى حُدُودِ تُونُسَ فِي نَحْوِ مِائَتَيْ مِيلٍ؛ ثُمَّ يَمْتَدُّ فِي تُونُسَ، وَهُوَ مَقَرُ الإِبَاضِيَّةِ في ليبيا، وكَانُوا يَحُدُّونَهُ قَدِيمًا مِنْ لالوتَ إِلَى تغرمين؛ أَي مِنَ الْغَرْبِ إِلَى الشَّرْقِ (1/25)
صفحة 26
كتاب
26
الوضع
مِنَ الْأَقْوَالِ، وَرُبَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ، وَهِيَ كُتُب مُفِيدَةٌ فِي الأَحكام إهـ (1). إِلَى هَذَا الْحَد أَنْتَهِي فِي هَذِهِ النُّبْدَةِ الْقَصِيرَةِ، حُبًّا لِلاخْتِصَارِ فِي التَّعْرِيفِ بِالْمُؤلَّفَ وَكِتَابِهِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْكِتَابَ يُعَرِّفُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ سَلَكَ فِيهِ مُؤلِّفُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقًا عَجَبًا، بِمَا مَزَجَ فِيهِ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْأَدَبِ وَالْمَوَاعِظِ، فَهُوَ يُصَدِّرُ كُلَّ بَابٍ مِنْهُ بِأَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ حَتَّى تُقْبِلَ النَّفْسُ عَلَى الْعِبَادَةِ؛ طَيِّعَةٌ مُخْتَارَةً رَاجِيَةً خَائِفَةٌ مُحْتَسبَةً أَجْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ مُخْلِصَةٌ لَهُ الدِّينَ، فَلَمْ يَكُنْ جَافًا كَسَائِرِ كُتُبِ الْفِقْهِ الَّتِي حَسْبُهَا بَيَانُ الأَحْكَامِ، فَهُوَ فِي هَذَا طَبِيبٌ نَفْسَانِي مَاهِرٌ، مُقْتَبِس طِبَّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْكُتُبِ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ طَبِيبٍ حَاذِقٍ مُوَفَّقٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُ آمِينَ.
وَقَدْ جَرَيْتُ فِي بَعْضِ التَّحْقِيقَاتِ مَجْرَى الْبَحْثِ عَنِ التَّصَورِ الْحَقِيقِيِّ لِلْمَعْنَى، فَرُبَّمَا أَخُذُ مِنْ حَاشِيَةِ أَبِي سِتَّةَ (2) عَلَى الْكِتَابِ، وَرَبِّمَا أَخُذُ مِنْ سِتَّةَ (2) غَيْرِهِ، فَلا أَتَقَيَّدُ وَلَا أَتَكَلَّفُ، وَقَصْدِي فِي ذَلِكَ حُبُّ الاخْتِصَارِ، مَعَ إِثْمَامِ الْمَعْنَى مَا وَجَدْتُ لِذَلِكَ سَبِيلاً، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ناصر محمد المرموري الميزابي الجزائري القرارة، غرداية، وادي ميزاب – الجزائر
(1) يُنْظَرُ كِتَابُ السِّير للشماخي، تحقيق: د. محمد حسن 761/ 2، 762]. (2) هُوَ الْعَلامَةُ أَبو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُو بْن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْن أَبِي سِتَّةَ الْقَصَبِيُّ الْجَرْنِي، اشتهر بالمُحَيِي لِكَثْرَةِ حَوَاشِيهِ الْغَزِيرَةِ الْعِلْمِ، عَاشَ في جزيرة جربة جنوب تُونُسَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا رَحِمَهُ اللَّهُ سَنَةَ 1087 هـ؛ وَلَهُ مِنَ الْعُمِرُ خَمْسَ وَسِيُّونَ سَنَةٌ، وَلَهُ حَاشِيَةٌ عَلَى كِتَابِ الْوَضْعِ؛ فَرُبَّمَا أَنْقُلُ مِنْهَا وَأَقُولُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ أَوْ قَالَ الْمُحَشِي وَأَقْصِدُهُ. (1/26)
صفحة 27
التَّعْرِيفٌ بِكِتَاب الْوَضع وَمُؤلِّفِهِ - رَحِمَهُ الله.
وَتُبْدَةٌ مِنْ تاريخ نُفُوسَةَ
[التَّعْرِيفُ بِكِتَابِ الْوَضْعُ]
كِتَابُ الْوَضع مُخْتَصَرٌ فِي فَنّهِ، مُقِيدٌ فِي وَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِقْهِ لَهُ رُتْبَةٌ مُمْتَازَةٌ فِي الْفَتْوَى، حَيْثُ إِنَّ مُؤَلَّفَهُ مِنْ فُحُولِ الْعُلَمَاءِ الْبَارِزِينَ فِي التَّحْقِيقِ وَتَحْرِيرِ الْفُرُوعِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْمُخْتَصَرَ مِنْ أَهَمِّ مَا يُقَدَّمَ فِي الْمَأْخُوذِ بِهِ بَعْدَ كِتَابِ الإِيضاح لِلإِمَامِ "الشَّيْخِ عَامِرِ السَّمَاخِي" الَّذِي هُوَ بِلاَ مُنَازِعِ مَرْجِعُ الْفَتْوَى حَتَّى قَبْلَ دِيوَانِ "الأَشْيَاحَ" وَدِيوَانِ الْعَرَابَةِ" اللَّذَيْنِ هُمَا كَدَوَائِرِ الْمَعَارِفِ، إِذِ الْقَائِمُونَ بِتَأْلِيفِ الْأَوَّلِ عَشَرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، ووَتَأْلِيفِ الثَّانِي سَبْعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وكِتَابُ الْوَضْعِ تَأْلِيفٌ مُبَارَكٌ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الْمُبْتَدِئُ، وَيَرَى بِهِ الْفَتْحَ الرَّبَّانِيَّ، وَذَلِكَ لإخلاَصِ الْمُؤَلَّفَ لِلَّهِ فِي تَحْرِيرِهِ وَتَبْوِيبِهِ، وَقَصْدِ الإِفَادَةِ بِهِ لِكُلِّ مَنِ اسْتَمَدَّ مِنْهُ. وَقَدْ رَأَيْتُ بَرَكَتَهُ وَاضِحَة وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَعَلِمْتُ شَأْنَهُ بَيْنَ الدَّوَاوِينِ الْفِقْهِيَّةِ، وَمَكَانَةَ مُؤلّفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ إِذْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فِي حَلْقَةٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ أَنِّي فِي آخِرِ أَيَّامٍ قُطْبِ الْأَئِمَّةِ - شَيْخِنَا - رَأَيْتُ (1/27)
صفحة 28
كتاب
28
الوضع
رَسُولَ اللهِ فِي الْمَنَامِ وَلَهُ حَلْقَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهِمُ الْمُؤلِّفُ أَبُو زَكَرِيَّاءَ - أَوْ أَبُو يَحْيَى غَيْرَ أَنَّنِي أَعْرِفُهُ أَنَّهُ مُؤلِّفُ كِتَابِ الْوَضْعِ، وَكَانَتِ الْحَلْقَةُ بَقِيَ فِيهَا مَجْلِسُ شَخْصٍ، فَجَلَسْتُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي مُوَاجَهَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا عَنْ يَمِينِي مُؤَلِّفُ كِتَابِ الْوَضْعِ، وَعَنْ شِمَالِي أَحَدٌ عُلَمَائِنَا عَرَفْتُهُ فِي الْمَنَامِ وَنَسِيتُهُ فِي الْيَقَظَةِ. وَكَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ لا يُحَدِّثُ عَنْ كُرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ كَأَنَّهَا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَناوَلَهَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فَقَالَ لَنَا: أَتَدْرُونَ مَا هُوَ أَفَضَلُ مِنْ هَذِهِ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ فِي السَّحَرِ أَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ أَوْ قَالَ: خَيْرٌ (1). فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى شَيْخِنَا قُطب الأَئِمَّةِ – رَحِمَهُ اللهُ، فَسُرِّ بِهَا أَيَّمَا سُرُورٍ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
حقا،
وَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ رُؤْيَا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ وَبَشَارَةٌ؛ وَلَيْسَتْ مِمَّا يَأْتِي مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ لأَنَّهُ مَعْصُومٌ حَتَّى حَيَالُهُ لِقَوْلِهِ: مَنْ رَأَىنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَىنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَلُ فِي الْبُخَارِي، (110، وَمُسْلِم، 6056]، تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنَ الْبِشَارَاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ قَدْرِهِ وَعَظِيمٍ سُلْطَانِهِ. وَقَدْ قالَ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" (الربيع، راه، والبخاري (6586]، وَقَدْ حَقَّقْتُ هَذَا بِمَا لاَ مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِي عِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ (2)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
(1) [لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ، يَبْدُو أَنَّهُ لَيْسَ حَدِيثًا مَرْوِيًّا عَنِ النَّبِيِّ، بَلْ هُوَ كَلَامُ سَمِعَهُ الشَّيْحُ
أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمَنَامِ.
(2) (هَذَا الْكِتَابُ مِنْ مُؤلَّفَاتِ الشيخ أبي إسحاق الْمَفْقُودَة). (1/28)
صفحة 29
[التَّعْرِيفُ بِالْمُؤَلّف]
وَالْمُؤلّف - رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ الْعَلامَةُ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِيُّ النُّفُوسِيُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الأَجلاءِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمُحَشْرِ الْمُحَقِّقُ أَبو سِتَّةَ مُحَمَّدٌ الْقَصَبِيُّ الْحِرْبِيُّ: إِنَّهُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، وَلَهُ عَدِيدٌ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ، وَقَدْ نَسَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْكِتَابَ إِلَى أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَذَكَرَ الْبَدْرُ السَّمَاخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السِّيرِ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَسَبَ هَذَا الْمُخْتَصَرَ لأَبي زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى الْجَادوي، وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَرادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهُ لأَبِي زَكَرِيَّاءَ الْجَنَّاوِنِيِّ، وَلَا أُطِيلُ فِي
التَّعْرِيفِ بِأَبِي زَكَرِيَّاءَ فَإِنَّ مَوْضِعَهُ تَارِيخنَا (1) فَلْيُطْلَبْ فِيهِ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ.
وَيَسُرُّنِي
أَنْ أَجْعَلَ لِهَذَا الْكِتَابِ مُقَدِّمَةٌ مُخْتَصَرَةً لِتَارِيخِ نُفُوسَةَ مِنَ
الشَّعْبِ اللَّيبِيِّ، فَأَقُولُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ:
نبذة من تاريخ نفوسة]
نُفُوسَةُ" قِسْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْبِلاَدِ - شَمَالِ أَفْرِيقيا الأَصْلِيِّينَ الَّذِينَ يُقَالُ
لَهُمُ الْبَرْبَرُ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْحِمْيَرِيِّينَ رَغْمَ اخْتِلَافِ الْمُؤَرِّخِينَ فِي
(1) [هَذَا أَيْضًا مِنْ مُؤلَّفَاتِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَفْقُودَةِ. (1/29)
صفحة 30
كتاب
الوضع
أَصْلِهِمْ، وَالَّذِي يَبْدُو لِلْبَاحِثِ الْمُدَقِّقِ أَنَّهُمْ مِنَ الْمَوْجَاتِ الْمُهَاجِرَةِ مِنَ الْيَمَنِ بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا بَرَبَرًا؛ لأَنَّ قَائِدَ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ لَهُمْ عِنْدَمَا هُمْ سَائِرُونَ لِلْبَحْثِ عَنِ الاسْتِقْرَارِ بِمكَانٍ يَخْتَارُونَهُ: بربر؛ يَعْنِي: خُذُوا طَرِيقَ الْبَرِّ. وَالْبَرَبَرُ هُمْ أَدْرَى بِتَارِيخِهِمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ أَدْرَى بِتَارِيخِهَا مِنْ سِوَاهَا، وَكُلُّ قَوْمٍ أعْلَمُ بِأَصُولِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ إِنَّهُمْ مِنَ الْحِمْيَرِيِّينَ كَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ ابْنُ خَلْدُونَ، وَهَذَا الَّذِي يَجِبُّ أَنْ يُعْتَبَرَ.
وَنُفُوسَةُ لَهُمْ فِي الإِسْلامِ تَارِيحٌ حَافِلٌ بِالْعَظَمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالْكَرَامَاتِ، حَتَّى كَانَتْ بِلادُهُمْ جَدِيرَةً بِأَنْ تُسَمَّى جِبَالَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَبْدَالِ. وَقَدِ اسْتُهِرَتْ بِلادُ نُفُوسَةَ بِكَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ وَصَفْوَةِ الصَّالِحِينَ، أَيْنَمَا ذَهَبَ الْمُسْلِمُ شَاهَدَ تِلْكَ الْمَنَاقِبَ الَّتِي تُشْرِقُ كَالْأَنْوَارِ الْمُتَأَلِّقَةِ بَيْنَ مُزْنِ السَّمَاءِ، بَلْ لَهَا إِسْرَاقُ النُّجُومِ والأَعْمَارِ بِمَا لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَاقِلُ جُحُودَهُ، وَإِنَّمَا الْمُنْكِرُونَ لِلْكَرَامَاتِ هُمُ الْمَلَاحِدَةُ وَالْجَهَلَهُ بِمَقَامِ الأَوْلِيَاءِ.
إِنَّ الْكَرَامَةَ أَمْرُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَظْهَرُ لِلْمُتَّقِي الصَّالِحِ الْبَالِغِ دَرَجَةَ الْوَلَايَةِ، وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِدِينِهِمُ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الْمُعْرِضِينَ عَنِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا وَمَفَاتِنِهَا الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى
=
الله.
وَالْكَرَامَةُ لِلْوَلِيِّ كَالْمُعْجِزَةِ لِلنَّبِيِّ، وَكُلٌّ مِنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ أَمْرٌ حَارِقُ لِلْعَادَةِ لَا يَدْخُلُ فِي دَائِرَةِ التَّعْلِيلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَمْرُ آتٍ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا دَخلَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، وَإِنْكَارُ مِثْلِ هَذَا الأَمْرِ عِمَايَةٌ عَنِ الْحَقِّ، وَتَدَخُلُ فِي (1/30)
صفحة 31
كتاب
الوضع
قُدْرَةِ اللَّهِ الصَّالِحَةِ لِكُلِّ مُمْكِن وَالدَّلِيلُ عَلَى الْكَرَامَةِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: و ألا إن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا
(63)
وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ
لكامتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس: 62 - 64).
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْبُسَطَاءِ أَنَّ الْكَرَامَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ لَا يُصَدِّقُهَا، فَهَذَا لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ لِبُعْدِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَدَارِكِ الَّتِي تَسْعُرُ بِهَا النُّفُوسُ النَّقِيَّةُ مِنَ السَّوَائِب، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الْكَرَامَةَ لِلَّذِي يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَغَوَّطُ؛ الْجَاهِلِ بِدِينِهِ فِقْهَا وَعَمَلاً فَمِثْلُ هَؤُلاَءِ فِي مَعْزَلٍ عَنِ الْعُقَلَاءِ، فَضَلَا عَنْ أَنْ
يكُونُوا مِنَ الصَّالِحِينَ الأَوْلِيَاء.
وَاشْتِهَارُ جَبَلِ نُفُوسَةَ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ ذَوِي الْكَرَامَاتِ؛ لَا كُفْرَانَ لَهُ إِلَّا
أنْ يَكُونَ الْمُنْكِرُ مِنَ الْعُشْيِ وَالْمَلَاحِدَةِ.
وَأَعُودُ إِلَى نُفُوسَةَ، قِيلَ: سُمُوا نُفُوسَةَ؛ لأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا بِأَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمُ الإِسْلامُ كَرْهًا فَعِنْدَمَا بَلَغَ الْفَتْحُ الإِسْلامِيُّ طَرَابلس، وَكَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ الإسلامي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ عَلَيْهِ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْبَرَبَرِ، مُحَلِّقِينَ الرُّؤُوسَ واللحى، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو: مَنْ أَنْتُمْ؟ وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالُوا: رَغِبْنَا فِي الإِسْلامِ فَجِئْنَا لَهُ؛ لأَنَّ جُدُودَنَا قَدْ أَوْصَوْنَا بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو: مَا لُكُمْ مُحلِّقِي الرُّؤُوسِ وَاللَّحَى؟ فَقَالُوا لَهُ: ذَلِكَ شَعْرٌ نَبَتَ فِي الْكُفْرِ، فَأَرَدْنَا أَنْ يَنبَتَ فِي الإِسلام.
فَوَجَهَهُمْ عَمْرُو إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ (1/31)
صفحة 32
كتاب
الوضع
بخَبَرِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ كَلَّمَهُمُ التَّرْجُمَانُ عَلَى لِسَانِ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو مَازِيعَ. فَقَالَ عُمَرُ لِجُلَسَائِهِ: هَلْ سَمِعْتُمْ قَطُّ بِهَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ شَيْخُ مِنْ قُرَيْشٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَؤُلَاءِ الْبَرَبُرُ مِنْ بر بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ، خَرَجَ مُغَاضِبًا لأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ. فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا عَلَامَتُكُمْ فِي بِلادِكُمْ؟ قَالُوا: نُكْرِمُ الْخَيْلَ وَنُهِينُ النِّسَاءَ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَلَكُمْ مَدَائِنُ تَسْكُنُونَ فِيهَا؟ قَالُوا لاَ قَالَ: أَلَكُمْ أَعْلَامٌ تَهْتَدُونَ بِهَا؟ قَالُوا: لا. قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضٍ مَغَازِيهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى قِلَّةِ الْجَيْشِ وَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا عُمَرُ، لَا تَحْزَنْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُعِزُّ هَذَا الدِّينَ بِقَوْمٍ مِنَ الْمَغْرِبِ لَيْسَ لَهُمْ مَدَائِنُ وَلَا حُصُونٌ وَلَا أَسْوَاقٌ وَلَا عَلَامَاتٌ يَهْتَدُونَ بِهَا فِي الطَّرِيقِ "
(1) ,
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِرُؤْيَتِهِمْ ثُمَّ أَكْرَمُهُمْ وَوَصَّاهُمْ وَقَدَّمَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْجُيُوشِ الْقَادِمَةِ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ عَلَى مُقَدِّمَةِ المُسْلِمِينَ، وَكَانُوا مُنْذُ ذَلِكَ الْعَهْدِ خَيْرَ عُنْصُرٍ مُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِالْبَربْرِ سَائِرَ الْبِلادِ، وَظَهَرَ مِنْهُمُ الإِخلاص للَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَالْوَفَاء وَالْعَمَلُ بِالدِّينِ
وَفِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ الْمُصْطَفَويَّةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ظَهَرَ انْتِكَاسُ فِي سِيرَةِ الْعُمَّالِ الأُمَوِلِينَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ الْمُرَادِي مِنْ
(1) [لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ وَوَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الاسْتِقصا لأخبارِ دُوَلِ الْمَغْرِبِ الأَقْصَى، لأَبِي الْعَبَّاس أَحْمَدَ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاصِرِي، 130/ 1]. (1/32)
صفحة 33
كتاب
الوضع
عُمَّال بني أُمَيَّةَ وَغَيْرُهُ أَسَاؤُوا السِّيرَةَ فِي الْبَرْبَرِ، يَأْخُذُونَ الْخُمُسَ مِنَ الْمَالِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْفَيْء وَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَيَأْخُذُونَ الْأُدُمَ الْعَسَلِيَّةَ الْأَلْوَانِ وَأَنْوَاعَ طُرَفِ الْمَغْرِبِ، بَلْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَسْنَعَ مِنْ هَذَا، فَكَانُوا يَتَغَالُوْنَ فِي جَمْعِ ذَلِكَ وَانْتِخَابِهِ، حَتَّى كَانَتِ الصَّرْمَةُ مِنَ الْغَنَمِ - وَالصَّرْمَةُ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ - تُهْلَك ذَبْحًا لاتِّخَاذِ الْجُلُودِ الْعَسَلِيَّةِ مِنْ سَخَالِهَا، وَلَا يُوجَدُ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ إِلَّا الْوَاحِدُ
ثَوْرَةٌ
فَكَثْرَ عَيْتُهُمْ بِذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْبَرْبَرِ، فَأَحَسَّ الْبَرْبَرُ أَنَّهُمْ طُعْمَةٌ لِلنَّهْب، وَرَأَوْا أَنَّ أَمْثَالَ تِلْكَ الأَعْمَالِ تَتَنَافَى مَعَ الإِسْلامِ، فَأَجْمَعُوا الانْتِفَاضَ، فَتَارُوا عُنْصُرِيَّةٌ بَعْدَ أَنْ بَذَلُوا جُهُودًا فِي صَرْفِ الْعُمَّالِ عَنِ الظُّلْمِ، بَلْ وَجَهُوا وَفْدًا إِلَى الْخَلِيفَةِ بِالشَّامِ، فَبَقِيَ مُدَّةً يَنْتَظِرُ الإِذْنَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَلِيفَةِ لِيُبَلِّغُوا إِلَيْهِ شَكْوَاهُمْ، فَلَمْ يُؤذَنَ لَهُمْ، هُنَالِكَ وَفَدَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ وَقَدْ عَلَى رَأْسِهِ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدِ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ
هُوَ
التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَفْهَمَهُمْ أَنَّ مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الظُّلْمِ مِنْ حَيْفِ الْوُلاَةِ، لا دَخلَ فِيهِ لِلْعَرَبِ وَلَا لِلإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لَا عَصَيَّةَ فِيهِ، وَبَيَّنَ لَهُمُ الْهِدَايَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْكَامِلَةَ، فَأَخَذُوا بِهَا وَسَكَنُوا لَهَا، وَتَبَيَّنَ لَهُمُ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَانْتَشَرَتْ تِلْكَ الْهِدَايَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْبَرْبَرِ إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، فَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ الإِسْلاَمُ الْكَامِلُ، مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ.
فَلَمَّا آنَسُوا مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْقُوَّةَ وَالْمَنَعَةَ؛ بَايَعُوا إِمَامًا يَسُوسُهُمْ بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطَاسِ، وَانْتَخَبُوا الإِمَامَ الْحَارِثَ الْكِنْدِيَّ، وَاخْتَارُوا صَاحِبَهُ عَبْدَ الْجَبَّارِ الْكِنْدِي قاضيًا لَهُ، فَقَامَ الإِمَامُ الْحَارِثُ بِالأمْرِ، وَسَاسَ الْبِلادَ خَيْرَ سِيَاسَةِ، (1/33)
صفحة 34
كتاب
34
الوضع
وَكَانَ لَهُمَا شَانٌ عَظِيمٌ فِي صِيَانَةِ الْبِلادِ مِنَ الْعَبَثِ وَالإِحْلالِ بِالأَمْنِ وَإِقَامَةِ
العدل.
وَإِذْ كَانَ أَصْحَابُنَا أَهْلَ ثَبَاتٍ عَلَى مَنْهَجِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي التَّسَامُحِ وَالْعِنَايَةِ بِالْعَدْلِ وَالْعِلْمِ، وَالتَّحَلِّي بِالْخُلُقِ الْكَرِيمِ، يَفْتَحُونَ صُدُورَهُمْ لِكُلِّ مَنْ تَقَدَّمَ لِطَلَبِ الْحَقِّ، رَأَى الْحَاقِدُونَ أَنْ يَخْتَلِسُوا مِنْهُمَا غُرَّةٌ لِهَدْمِ الإِمَامَةِ، فَاعْتَالُوهُمَا، فَوَجَدَ النَّاسُ سَيْفَ أَحَدِهِمَا فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنَ الْفَاعِلِينَ تَعْمِيَةٌ وَإِيهَامُ أَن كُلاً مِنْهُمَا قَتَلَ الآخَرَ، فَيَحْصُلُ الْخِلافُ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَتَفَكَّكُ تِلْكَ الْوَحْدَةُ الْمَتِينَةُ الَّتِي جَعَلَتْ نُفُوسَةَ وَمَا حَوْلَهَا كُتْلَةٌ وَاحِدَةً لَا تَنْفَصِمُ عُرَاهَا، فَكَادَتِ الطَّامَّةُ تَقَعُ لَوْلا أَنَّ وَفَدًا تَوَجَّهَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ لِطَلَبِ حَلٌّ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ، فَأَفْتَى بِأَنْ يُتْرَكُوا عَلَى الْوَلايَةِ الأَصْلِيَّةِ؛ لأنَّ الأَصْلَ فِيهِم الْوَلايَةُ، وَالْقَضِيَّةُ فِي الْأَصْلِ قُصِدَ بِهَا إِيجَادُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تِلْكَ الْقُوَّةِ الْعَتِيدَةِ الَّتِي لَمْ يَفْتَ فِي عَضُدِهَا الْجُيُوسُ الْجَرَّارَةُ، فَكَانَ أَوَّلَ إِمَامٍ بُويعَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالْمَغْرِبِ هَذَا الإِمَامُ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَدْرُ السَّمَاخِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ مِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَالَّذِي يَبْدُو لِي أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْعَهْدِ تَوَالَتِ الإِمَامَةُ بِالْمَغْرِبِ، ذَلِكَ النِّظَامُ الإِسْلامِيُّ الَّذِي الْفَرَدَ بِهِ أَصْحَابُنَا دُونَ سِوَاهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِالْمَشْرِقِ عُمَانَ- مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّانِي.
و نُفُوسَةٌ كَانَتْ فِي عَهْدِ الإِمَامَةِ قُوَّةً وَسَنَدَا لَهَا، وَلَمْ تَكُنِ الإِمَامَةُ فِي
(1) يُنظَرُ سِيرُ الشماخي ص 125 (طبعة هجرية)]. (1/34)
صفحة 35
كتاب
35
الوضع
تِيهِرْتَ تَعْتَمِدُ فِي قُوَّةِ الأَمْن الْجَيْش وَالشَّرْطَةِ إِلَّا عَلَى نُفُوسَةَ، وَكَذَا مَدَدُ الْعُلَمَاءِ الأَجِلاءِ، وَقَدِ اسْتُهِرَ عُلَمَاءُ نُفُوسَةَ بِطُولِ الْبَاعِ فِي الْعُلُومِ وَالتَّأْلِيفِ، وَامْتَلاتِ الْخَزَائِنُ فِي عُصُورٍ مَدِيدَةٍ بِمُؤَلَّفَاتِهِمْ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ والرياضيَّةِ، مَا يَصحُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا أَغْزَرُ مَادَّةٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ بِدُونِ مُبَالَغَةِ، لَوْ أَبْقَتِ الْفِتَنُ الْمُتَتَالِيَةُ عَلَى تِلْكَ الْمُؤَلَّفَاتِ لَاَزْدَهَرَتْ بِهَا الْخَزَائِنُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَ فِي شَأْنِهَا ابْنُ خَلْدُونَ: لَقَدْ تَرَامَتْ إِلَيْنَا فِي هَذَا الْعَهْدِ مِنْ تِلْكَ الْبِلادِ دَوَاوِينُ وَمُجَلَّدَاتُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فِي فِقْهِ الدِّينِ وَتَمْهِيدِ عَقَائِدِهِ وَفُرُوعِهِ، ضَارِبَةٌ بِسَهُم فِي إِجَادَةِ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْتِيبِ (1)
يبهر
وَلَمْ يَمُرَّ عَصْرٌ مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ إِلَّا وَتَجِدُ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ عُلَمَائِهِ مَا الْعُقُولَ، فَبَيْنَ أَيْدِينَا الْيَوْمَ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تِلْكَ النَّخَائِرِ الْهَائِلَةِ، كَدِيوَانِ الأَشْيَاحَ الَّذِي أَلَّفَهُ سَبْعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَدِيوَانِ الْعَرَابَةِ الَّذِي أَلَّفَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُعْتَبَرُ دَائِرَةَ مَعَارِفَ فِقْهِيَّةٌ. وَنَاهِيكَ بِتَألِيفِ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَى تَحْرِيرِهِ هَذَا الْعَدَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلاءِ، وَمِنْهَا الإِيضَاحُ الَّذِي هُوَ مُعْتَمَدُ الأَصْحَابِ فِي الْفَتْوَى بِالْمَغْرِبِ، إِذْ هُوَ كَثِيرًا مَا يَجْمَعُ الْفَرْعَ
وَأَصْلَهُ، وَقَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ لِلْعَلامَةِ الْمُجْتَهِدِ جَمَالِ الدِّينِ الشَّيْخِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى الْحِيطَالِيُّ، فَكُلٌّ مِنَ الْكِتَابَيْنِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا مِنَ الإِجَادَةِ وَالتَّحْقِيقِ، وكُلٌّ مِنَ الْمُؤلَّفَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ
وَالإِجَادَةِ.
(1) [تَارِيحُ ابْنِ خَلْدُونَ، 170/ 3]. (1/35)
صفحة 36
كتاب
الوضع
فَبِلَادٌ نَبَغَ فِيهَا أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ لَجَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ ذَاتَ شَعْبٍ عَظِيمٍ فِي مَوَاهِبِهِ الَّتِي أَفَاضَتْ بِهَا الْعِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ
وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسَةُ مِنَ الْعُمْرَانِ مَبْلَغَا عَظِيمًا مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَيَبْدُو لِي أَنَّ الْهِدَايَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْكَامِلَةَ تَمَكَّنَتْ فِي نُفُوسَةَ مُنْذُ بِدَايَةِ الْقَرْنِ الثَّانِي، إِذْ رَأَيْتُ عِنْدَ زِيَارَتي لِتِلْكَ الْبِلادِ تَارِيخَ مَسْجِدِ الإِمَامِ أَبِي سَاكِن عَامِرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّمَاخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَقْدَمُ مَسْجِدٍ فِي الْجَبَلِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ 109 مِنَ الْهِجْرَةِ. وَإِذَا كَانَ مَا حَوْلَ عَاصِمَةِ الْجَبَلِ - "شروس" كَمَا وَصَفَهَا يَاقُوتُ وَغَيْرُهُ -
مِنَ الْقُرَى وَالْعُمْرَانِ، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَظَمَةِ نُفُوسَةَ".
قَالَ يَاقُوتُ فِي مُعْجَمِهِ: "سروس" أَوَّلُهُ مِثْلُ آخِرِهِ، رُبَّمَا قِيلَ بِالسِّينِ الْمُعْجَمَةِ، مَدِينَةٌ جَلِيلَةٌ فِي جَبَلٍ نُفُوسَةَ مِنْ نَاحِيَةِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ آهِلَةٌ، وَهِيَ قَصَبَهُ ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَأَهْلُهَا إِبَاضِيَّةٌ إِلَى أَنْ قَالَ: حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى نَحْوُ
ثَلائِمِائَةِ قَرية". اهـ
(1)
وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ نُفُوسَةَ بَلَغَتْ مِنَ الْعُمْرَانِ مَا كَانَتْ مُتَصِلَةَ الْقُرَى وَالْبُلْدَانِ، حَتَّى كَأَنَّهَا حَوْزَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُحَقِّقُ هَذِهِ الرَّوَايَةَ مَا تَرَاهُ مِنَ الآثَارِ الْبَاقِيَةِ: قُرَى مُتَقَارِبَةٍ، وَمُدُنٍ مُتَتَالِيَةٍ، وَدَوحُ الزَّيْتُونِ كَأَنَّهَا لِتَقَارُبِهَا مُتَعَائِقَةٌ، وَكَانُوا يَنْحِتُونَ فِي الْحَجَرِ خَزَانَاتِ لِلزَّيْتِ، يَدَّخِرُونَهَا لِلتَّغْذِيَةِ فِي
بَحْرِ السَّنَةِ.
واعْتَبِرْ بِمَا دَوَّنَهُ الْبَدْرُ السَّمَاخِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَنَاقِبِ إِذْ يَقُولُ: احْتَوَى
(1) [يَاقُوتُ الْحَمَوِيُّ: مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ، 217/ 3]. (1/36)
صفحة 37
كتاب
37
الوضع
جَبَلُ نُفُوسَةَ عَلَى الْكَرَامَاتِ وَكَثْرَةِ الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ مَا لَا يُوجَدُ بِغَيْرِهِ، حَتَّى إِنَّهُ بَلَغَ فِي بَعْضِ الأَزْمِنَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا تَحْتَاجُ فِيهِ قَرْيَةٌ إِلَى قَرْيَةٍ لِلْفُتْيَا - عَدَا إِجَنَّاونَ وَوِيغُو وتندميره؛ لا تَحْتَاجُ فِيهَا دَارٌ إِلَى دَارٍ فِي الْفُتْيَا (1).
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِجَنَّاونَ وَحْدَهَا اجْتَمَعَ فِيهَا سَبْعُونَ عَالِمًا جَلِيلاً أَيَّامَ وِلَآيَةِ أبِي عُبَيْدَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَامِلِ الإِمَامِ عَلَى نُفُوسَةَ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى انْتِشَارِ الْعِلْمِ وَتَفَقَّهِ النَّاسِ فِي الدِّينِ وَمَحْوِ الأُمِّيَّةِ، وَالْعِنَايَةِ بِالثَّقَافَةِ إِلَى أَنَّ الْأُمَّةَ رِجَالاً وَنِسَاءً أَخَذَتْ بِقِسْطِ مِنَ الأَدَبِ وَافِرٍ.
وَفِي الْجَبَلِ مِنَ النِّسَاءِ الْقَانِتَاتِ اللَّوَاتِي لَوْ جُمِعَ مَا لَهُنَّ مِنَ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ وَالْمَنَاقِبِ لأَفْرِدَ بِالتَّألِيف.
يَسْتَدِلُّ الْمُؤَرِّحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِتِلْكَ الثَّرْوَةِ الْهَائِلَةِ الرَّائِعَةِ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ فِي الْفُنُونِ الشَّرْعِيَّةِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ: عِلْمِ الْكَلَامِ، وَأُصولِ الْفِقْهِ، وَالتَّارِيخِ وَالشَّعْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ.
وَقَدْ أَلَّفَ عُلَمَاءُ نُفُوسَةَ كَثِيرًا مِنَ الْكُتُبِ بِالْبَرْبَرِيَّةِ، مِنْهَا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا، وَمِنْهَا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا؛ لأَنَّ الْعَوَادِي أَتَتْ عَلَيْهَا، وَبِيَدِنَا تَفْسِيرُ الشَّيْخِ هُودِ بْنِ مُحكّم الْهَوَارِي فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، وَهُوَ أَوَّلُ تَفْسِيرِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بَيْنَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الْيَوْمِ.
وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى شِعْرِ بِالْبَرْبَرِيَّةِ، فَصَائِدَ وَمَقْطُوعَاتٍ، تَدُلُّ عَلَى عِنَايَةِ
(1) يُنظَرُ: كتاب السِّيرِ للشماخي، تحقيق د. محمد حسن، 772/ 2]. (1/37)
صفحة 38
كتاب
38
الوضع
الأدباء بالنظمِ الْبَرْبَرِي إِلَى مَا بَعْدَ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ بِقُرُونٍ، وَأَمَّا النَّثْرُ وَالنَّقْلُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى الْبَرْبَرِيَّةِ فَكَثِيرٌ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نُسْخَةٌ مِنْ مُدَوَّنَةِ أَبِي عَانِمٍ بِشَرِ بْنِ غَائِمِ الْخُرَاسَانِي - الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى مُتَرْجَمَةً إِلَى الْبَرْبَرِيَّةِ.
فَلِنُفُوسَةَ الْفَضْلُ فِي رُسُوخِ الإِسْلامِ فِي الْعُنْصُرِ الْبَرْبَرِيِّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ نُفُوسَةً نَقَلَتِ الْعُلُومَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بِلاَدِهَا، حَتَّى نَبَغَ فِيهِمْ أَئِمَّةٌ جَهَابِدَةٌ، وَظَهَرَ فِيهِمْ أَسَاطِينُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَبْرَزُوا مِنْ ذَخَائِرِ الْعُلُومِ مَا فَاقُوا بِهِ عُلَمَاءَ الْمَشْرِقِ: عُمانَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَاسْتَفْرَعُوا الْجُهْدَ لَاسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقَضَايَا الْفِقْهِيَّةِ. فَعُرِفَتْ نُفُوسَةُ بِآرَائِهَا فِي شَتَّى الْمَسَائِلِ، فَيُقَالُ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْجَبَلِ، فَغَالِبًا مَا يُقَالُ: هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، فَيُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَلَوْ أَرَدْتُ الإِطَالَةَ لَأَتَيْتُ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ مِنْ ذَلِكَ.
فَفِي نُفُوسَةَ مَجْمَعُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ لَوَاتَةَ وَمَزَّاتَةَ وَهَوَارَةَ وَغَيْرِهِمْ من قبائل البربرِ، فَكَانَ الطَّالِبُونَ لِجَلاَءِ الْقُلُوبِ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا فِي الأصقاع الأخرَى مِنْ شَمَالِ إِفْرِيقْيًا يَأْمُونَ الْجَبَلَ إِذَا أَحَسُّوا بِفُتُورِ النُّفُوسِ فِي الْعِبَادَةِ، أَوْ ضَعْفِهَا فِي التَّحْصِيلِ وَالْفَهْم، أَوْ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ، فَيَقُولُونَ: نَصْعَدُ إِلَى الْجَبَلِ لِنَصْقَلَ قُلُوبَنَا، يَعْنِي بِالْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَمُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا يَشْعُرُونَ بِهِ مِنَ النُّورَانِيَّةِ الرَّائِعَةِ عِنْدَ مُجَالَسَةِ أُولَئِكَ الْأَنْقِيَاءِ الْبَرَرَةِ، وَالأوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا شَاهَدُوا تِلْكَ الْبَرَكَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ.
رِجَالٌ شَرَوْا لِلَّهِ عَقْدَ ضَمِيرِهِمْ وَلَمْ يَخْتَلِبُهُمْ فِي الْحَيَاةِ سُرُورُهَا (1/38)
صفحة 39
كتاب
39
الوضع
مَجَالِسُ سَاهِرَةٌ فِي دِرَاسَةِ الْعِلْمِ، وَمَسَاجِدُ عَامِرَةٌ بِذِكْرِ اللَّهِ.
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وإقام الصلوةِ وَإِن الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا لَنَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ} (النور:
(37،36
مَنْ يَرْهَدُ فِي هَذَا الْجَلاَلِ الدِّينِيِّ أَوْ يَتَجَافَى عَنْ ذَلِكَ الْكَمَالِ الإِسْلَامِي؟!
اللَّهُمَّ إِلا كل مَحْرُوم مَمْقُوتٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلانِ
وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا الْوَلِيُّ الصَّالِحَ بَقِيَّةَ السَّلَفِ الْمُفْلِحِينَ الْوَاصِلِينَ الْعَلَامَةَ الشَّيْحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى الْبَارُونِيَّ، فَإِنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ لَا يُرِيَهُ الاسْتِعْمَارَ - حِينَ قَرُبَ الطَّلْيَانُ مِنَ الْجَبَلِ - فَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَبْلَ الاحْتِلالِ بِأَيَّامٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ
وَرَضِي عَنْهُ وَنَفَعْنَا بِبَرَكَتِهِ.
كَانَ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ غَادَرَ مِصْرَ مُغَاضِبًا لِأَبِيهِ وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثِمِائَةِ جَمَلٍ مُحَمَّلَةٍ بِالذَّهَبِ - إِلَى إِفْرِيقيًا يُرِيدُ احْتِلالَهَا، فَاعْتَرَضَهُ أَبُو مَنْصُورٍ لِمُرُورِهِ مِنْ رْضِ نُفُوسَةَ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَحَارَبَهُ فَهَزَمَهُ، فَتَرَكَ أَمْوَالَهُ الْعَظِيمَةَ، فَزَهِدَ فِيهَا أَبُو مَنْصُورٍ؛ لأنَّهَا أَمْوَالُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، فَأَخَذَهَا أَهْلُ طَرَابُلْسَ – فِي قِصَّةٍ فِيهَا مِنَ الْعُلُومِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلْتُطْلَبْ فِي تَارِيخِنَا (1).
وَمِنْ رِجَالِ نُفُوسَةَ الَّذِينَ لَهُمْ شَأْنُ فَارْتَقَوْا مَدَارِجَ الْجَلَالِ الإِمَامُ الْعَلَامَةُ أبو مَنْصُورٍ إِلْيَاسُ بْنُ مَنْصُورٍ التَّنْدَمِيرَتِي عَامِلُ الْأَئِمَّةِ عَلَى نُفُوسَةَ فِي الْعَهْدِ
(1) [مِنْ مُؤلَّفَاتِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَفْقُودَةِ. (1/39)
صفحة 40
كتاب
2.
الوضع
الرستمي، وَقِصَّتُهُ مَعَ ابْنِ طُولُونَ مَا أَسْرَنَا إِلَيْهِ، وَفِيهَا مِنَ الْعِلْمِ شَأنٌ، وَالْعَلامَةُ أبو خزرٍ يَغْلاَ بْنُ زَلْتَافَ النُّفُوسِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْأَسَاطِينِ الَّذِينَ اختَصَهُمُ الْمُعِزُ الْفَاطِمِيُّ بِمَجْلِسِهِ، وَيَرَى لَهُمْ مَكَانَةٌ كَالْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ يَزِيدَ
3/ 00
الْمُزاتِي، وَأَبِي نُوحٍ سَعِيدِ بْنِ زَنْغِيلَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدِ اصْطَحَبَهُ الْمُعِزُّ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ حِينَ أَخَذَهَا قَائِدُهُ جَوْهَرُ، وَأَسَّسَ الْجَامِعَ الْأَزْهَرَ - أَخَذَ الْمُعِزُّ مَعَهُ أَبَا خزرٍ خَوْفًا مِنْهُ، وَكَانَ يُلْقِي دُرُوسًا فِي الأَزْهَرِ، وَلَهُ مَعَ عُلَمَاءِ مِصْرَ مُحَاوَرَاتٌ أَشَارَ إِلَيْهَا بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ، وَالْأَزْهَرُ يَوْمَئِذٍ كَانَ جَامِعَةً إِسْلَامِيَّةً عَامَّةً، تُدَرِّسُ فِيهَا كُلُّ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ.
وَمَوْضِعُ الإِسْهَابِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَحْوَالِ الأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ مَعَ الْمُعِزِّ لِدِينِ
اللَّهِ تَارِيخُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فَلاَدٌ يَنْبُعُ فِيهَا مِثْلُ هَؤُلاَءِ الأَعْلَامِ الَّذِينَ أَشَرْنَا إِلَيْهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَوْلِيَاءِ حتَّى اجْتَمَعَ فِيهَا فِي عَهْدٍ وَاحِدٍ اثْنَا عَشَرَ مِنَ الْمُسْتَجَابِينَ الدُّعَاءَ؛ لَجَدِيرَةٌ بالإجلال والاعْتِبَارِ وَالْعِنَايَةِ وَالْتِمَاسِ الْبَرَكَاتِ.
وَلَا سِيمَا وَقَدْ دَوَّنَ الثَّقَاتُ كَثِيرًا مِنَ الْكَرَامَاتِ الْمُشَاهَدَةِ حَتَّى إِلَى عَهْدِ قريب في مَقَامِ الإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ الْمَلْزُوزِيٍّ، وَعَاصِمِ السَّدْرَائِي، وَأَبِي السَّعْثَاءِ السَّنْتُونِي، وأبي زَكَرِيَّا الأَرجانِيِّ، وَغَيْرُ هَؤُلاَءِ كَثِيرٌ، وَذِكْرُهُمْ وَكَرَامَاتُهُمْ لَيْسَ مِمَّا تَحْوِيهِ نُبْذَتُنَا هَذِهِ الَّتِي أَرَدْتُ بِهَا تَنْبِيهَ الْغَافِلِينَ إِلَى تَارِيخِ مَجِيدٍ، عِلْمًا وَدِينا وَصَلاحًا وَوِلايَةٌ، عَسَى أَنْ يَتَذَكَّرَ الْخَلَفُ سِيرَةَ ذَلِكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَيَتَمَسَّكَ بِالدِّينِ، وَلاَ سِيَّمَا لاَ يَزَالُ الْخَلَفُ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ – وَقَدْ بَقِيَتْ (1/40)
صفحة 41
كتاب
الوضع
فِيهِ الأَمَانَةُ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى الدِّينِ الرَّاسِحَ الْمَوْرُوثِ عَنِ الآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ. رَحِمَ اللهُ ذَلِكَ السَّلَفَ الْمَجِيدَ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَوَفَّقَ الْبَاقِيَ مِنَ الْخَلَفِ أَنْ يَأخُذ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ، وَيَتَمَسَّكَ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفَهُ، ولَقِيَ رَبَّهُ بِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ نُفُوسَةَ كَانَتْ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ حَبًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَكَانُوا يَحُجُّونَ مُصْطَحِبِينَ مَعَهُمْ نِسَاءَهُمْ، حَتَّى إِنَّهُ وُلِدَ لَهُمْ فِي ركب فِي أَحَدِ الأَعْوَامِ أَثْنَاءَ الطَّرِيقِ ثَلَاثُمِانَةِ صَبِيِّ بِاسْمِ وَاحِدٍ.
وَفَضلُ "نُفُوسَةَ فِي دُخُولِ الإِسْلامِ إِلَى السُّودَانِ لَا يُنْكَرُ، وَصِلَةُ نُفُوسة" بالسُّودَانِ مُنْذُ الإِمَامَةِ الرُّسْمِيَّةِ، وَذَلِكَ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ، يَسْتَجْلِبُ الرَّاحِلُونَ مِنَ الْبِلادِ النُّفُوسِيَّةِ إِلَى مَمْلَكَةِ مَالِي، - وَهِيَ جُمْهُورِيَّةٌ الْيَوْمَ - حاصلاتِ تِلْكَ الْبِلادِ، وَيَبْدُو لِي أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ يَسْتَوْرِدُونَهُ هُوَ التَّبْرُ، وَهَذَا الْمَعْدِنُ مَشْهُورٌ بِكَثْرَةٍ فِي الأَقَالِيمِ السُّودَانِيَّةِ مُنْذُ عُهُودٍ غَابِرَةٍ
ذَكَرَ التَّارِيحُ أَنَّ الأَئِمَّةَ الرُّسْتُمِيِّينَ كَانُوا يَسْتَوْرِدُونَ التَّبْرَ مِنْ بِلَادِ غَانَة، وَلَعَلَّ النُّفُوسِيِّينَ نَحَوْا نَحْوَ الأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي الْعِنَايَةِ بِهَذَا الْمَعْدِنِ، عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ فَطَاحِلِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَ عَمَلِيَّةً صُنْعِ الذَّهَبِ، كَشَمْسِ الدِّينِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَارْجِلانِيِّ فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ
ونُفُوسَهُ ذَاتُ التِّجَارَةِ الْوَاسِعَةِ إِلَى السُّودَانِ لَا شَكَ أَنَّ الأَسَالِيبَ الرَّابِحَةَ لَهَا هِيَ مِهْنَةُ التَّجَارَةِ فِي الذَّهَبِ - التَّبْرِ - وَكَانَ مِمَّنْ بَرَعَ فِي ذَلِكَ مَعَ السُّودَانِ (1/41)
صفحة 42
كتاب
42
الوضع
إِلَى حَد بَعِيدٍ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ ذُو الْكَرَامَاتِ الْمُسْتَهرَةِ الْعَلَامَةُ الْمُسْتَجَابُ الدُّعَاء: أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَخْلُفَ التَّمَيْجَارِيُّ النُّفُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمِمَّا دَوَّنَ لَنَا التَّارِيحُ أَنَّ هَذَا الْوَلِيُّ الصَّالِحَ قَدْ رَحَلَ إِلَى مَمْلَكَةِ "مَالِي" سنة 575 هـ، وكَانَ مَلِكُهَا يَومَئِذٍ مُشْرِكًا - كَسَائِرِ تِلْكَ الْبِلَادِ – وَلَهُ اثْنَا عَشَرَ مَنْجَا مِنَ الذَّهَبِ، وَاشتَغَلَ هَذَا الْعَالِمُ الْجَلِيلُ بِالتِّجَارَةِ هُنَالِكَ، وَنَالَ شُهْرَةً وَمَكَانَةٌ حَتَّى اتَّصَلَ بِمَلِكِهَا، فَحَصَلَتْ لَهُ حَظْوَةٌ عِنْدَهُ، فَأَمْحَلَتْ فِي بَعْضِ
(1)
السِّنِينَ تِلْكَ الْبِلادُ، فَقَرَبُوا إِلَى أَصْنَامِهِمُ الْقَرَابِينَ طَلَبًا لِلْغَوْثِ، وَأَنَّى تَنْفَعُهُمْ الْمَعْبُودَاتُ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ؟! فَطَلَبَ الْمَلِكُ مِنَ الْوَلِيُّ الصَّالِحِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ الْغَوْثَ لَعَلَّهُ يُغِيتُهُمْ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ أَسْأَلَهُ لَكُمْ وَأَنتُمْ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَلِكُ أَنْ يَصِفَ لَهُ الإِسْلاَمَ، فَمَا زَالَ بِهِ يَكْشِفُ لَهُ عِبَادَةَ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتَهُ، وَيُبينُ لَهُ الدَّلائِلَ حَتَّى سَكَنَ قَلْبُهُ لِلإِسْلامِ، فَآمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَنَطَقَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجًا جَمِيعًا إِلَى كُدْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ يُصَلِّي وَالْمَلِكُ يَتْبَعُهُ، فَيَتَضَرَّعُ الشَّيْحُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَبْتَهِلُ، وَالْمَلِكُ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُمَا، فَإِذَا بِالْأَمْطَارِ الْمُنْهَمِرَةِ تَعُمُّ الْبِلادَ بصَبهَا، فَعَظُمَتِ السُّيُولُ، فَسَالَتِ الْأَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا، فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِمُ الْمَرَاكِبُ فَنَقَلَتْهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَامَتِ الأَمْطَارُ تَسِحُ أُسْبُوعًا لَيْلاً وَنَهَارًا.
فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ الْبُرْهَانَ الْعَظِيمَ رَسَحَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، وَدَعَا أَهْلَهُ
(1) [أَمْحَلَتْ المَحْلُ: الجدب، أمحل البلد فهو ماحِلٌ، إذا انقطع عنهُ الْمَطَرُ] [انظر: لسان
العرب، مادة (محل)]. (1/42)
صفحة 43
كتاب
43
الوضع
وَمَنْ حَوْلَهُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، وَدَعَا وُزَرَاءَهُ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، فَأَجَابَ الْقَرِيبُونَ مِنْهَا، وَامْتَنَعَ مَنِ امْتَنَعَ. هُنَالِكَ أَصْدَرَ أَوَامِرَهُ بِمَنْعِ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الإِسْلامِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، وَمَنْ قُبِضَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفَّارِ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ قُتِلَ، فَامْتَنَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ.
فَأَخَذَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُعَلِّمُهُمْ فَرَائِضَ الإِسْلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ، ويُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقَّهُهُمْ فِي الدِّينِ، وَقَدْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ فِي أَخْذِ تَعَالِيمِ الإِسْلامِ فِي رَغْبَةٍ وَعِنَايَةٍ، إِذْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ وَالِدِهِ الْعَلَامَةِ يَخْلُفَ بْن يَخْلُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْضُهُ عَلَى الرُّجُوعِ وَيَحْجِرُ عَلَيْهِ الْبَقَاءَ، وَلَمَّا كَانَتْ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْفُرُوضِ الَّتِي يُقَدِّرُهَا أَهْلُ الإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ - اسْتَأْذَنَ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ امْتِثَالاً لأَمْرِ وَالِدِهِ، قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: لا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَتْرُكَنَا نَعُودُ إِلَى الْعَمَى بَعْدَ الْهُدَى فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: طَاعَةُ الْوَالِدِ وَاجِبَةٌ فِي الدِّينِ، وَحَجْرٌ عَلَيَّ أَنْ أَتَخَلَّفَ وَلَمْ أَجِدْ بُدا مِنَ الامْتِثَالِ. فَأَخَذَ فِي تَجْهِيزِ أَمْرِهِ، فَبَارَحَ الْبِلادَ، وَقَدْ تَرَكَ الإِسْلامَ يَأخُذُ بِالْقُلُوبِ وَيَدْخُلُ النَّاسُ فِي دِينِ! اللَّهِ أَفْوَاجًا. وَتَرَكَ خَلْفَهُ حُزْنًا مكينًا، وَأَسَفًا شَدِيدًا لَدَى الْمَلِكِ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهِ
وَوُزَرَائِهِ وَرَعِيَّتِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
وَلَا يُمْكِتُنِي جَمْعَ الْمَنَاقِبِ الْبَاهِرَةِ لِذَلِكَ السَّلَفِ الْعَظِيمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعُجَالَةِ، وَلَكِنِّي أُحِيلُ الْقَارِئَ إِلَى تَارِيخِنَا الْجَامِعِ، فَإِنَّهُ يَرْوِي غَلِيلَهُ بِمَا
يَسْفِي الصُّدُورَ
(1) مِنْ مُؤلَّفَاتِ الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَفْقُودَةِ. (1/43)
صفحة 44
كتاب
240 الوضع
وَمَنْ عَرَفَ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِنَ الصَّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالإخلاص لِلَّهِ
وو.
وَلِرَسُولِهِ لا يَرْتَابُ قَطَّ فِيمَا يَرْوُونَهُ، وَالصَّدْقُ شِيمَتُهُمْ، إِذْ هُوَ مِنَ الْعَقِيدَةِ الَّتِي هِيَ وَثِيقَةُ الصَّلَةِ بِاللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ لَا تَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ
الشبْهَةُ بِالْكَذِبِ، فَاعْتَمِد هَذِهِ الصَّفَةَ لِتُدْرِكَ الْحَقَّ وَاضِحَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ وَقَدْ بَدَا مِنْهُمْ مِنْ حُرِّيَّةِ الْمَذَاهِبِ الإِسْلاَمِيَّةِ مَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْ غَيْرِهِمْ، حَيْثُ إِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَسَاسُ الاحْتِرَامِ، وَيُدْرَكُ ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِهِمْ لِلْمَذْهَبِ: الْمَذْهَبُ مَا بَانَتْ بِهِ كُلٌّ فِرْقَةٍ عَنِ الأُخْرَى فِي الْفُرُوعِ الَّتِي لَا تَأْثِيمَ فِيهَا، كَذَا فِي الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ لِشَمْسِ الدِّينِ أَبِي يَعْقُوبَ الْوَارِجلَانِي
(1) =
فَأَنتَ أَيُّهَا الْقَارِئُ تَرَى أَنَّ الْفُرُوعَ مَهْمَا اختَلَفَتْ فَفِيهَا مَنْدُوحَةٌ لِلْمُجْتَهِدِ، وَلَنَا بَحْثُ وَاسِعٌ فِي التَّارِيخ فِي هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ أَطْفَيَّش
(1) [الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ، المجلد 2، 43/ 3]. (1/44)
صفحة 45
الله الحر الحمر
مقدمة المؤلف
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
هَذَا كِتَابُ الْوَضْع" تَألِيفُ الْعَلامَةِ الْمُحَقِّقِ الشَّيْخِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ
الْخَيْرِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْجَنَّاوِنِي.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ لِلْبَرِيَّةِ (1) سِوَاهُ، وَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ حَاشَاهُ. أَحْمَدُهُ حَمْداً يُوجب (2) مَغْفِرَتَهُ وَرِضَاهُ (3)، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ ويَرْضَاهُ وَأَصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوتِ بِدِينِهِ وَهُدَاهُ)، صَلَاةٌ تُرْلِفْنَا (5) بِكَرَمِهِ وَنَدَاهُ (6)، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ تُقَاهُ.
(1) الْبَريَّة: الْخَلْقِ.
(2) يُوجِبُ يَسْتَوْجِبُ؛ أَي يَسْتَحِقُ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ.
(3) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَولُهُ: يُوجِبُ مَغْفِرَتَهُ وَرِضَاهُ)؛ أَي: يُحَقِّفُهُما فَيَنْتَانِ لِلْحَامِدِ، وَإِيجَابُ الْحَمْدِ وَالْمَغْفِرَةِ بِمُقْتَضَى الْوَعْدِ وَالإِخْبَارِ، وَإِلا فَاللَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضَل، وكُلَّ نِعْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ، وَأَمَّا إِيجَابَ الرِّضَا بِأَنْ يُظْهِرَ
أَثَرَهُ فِي الْخَارِج وَهُوَ الإِنْعَامُ انْظُرْ أَبو سِتَّةَ، حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع، ص 2].
(4) هِدَايَتُهُ.
(5) تُزْلِفُنَا: تُقَرِّبْنَا وَتَجْعَلُنَا أَهْلَ مَنْزِلَةٍ لَدَيْهِ. (6) فَضلِهِ. (1/45)
صفحة 46
كتاب
الوضع
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ رَغِبَ إِلَيَّ رَاغِبُ مِنْ إِخْوَانِي، وَأَخُ فِي اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أخداني (1)، وَسَأَلَنِي تَلْخِيص (2) أَبْوَاب مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَالْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّاتِ، لِيَكُونَ لَهُ الْمَجْمُوعُ مِنْ ذَلِكَ مَفْزَعًا (3) يَحُورُ (4) إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُلِمَّاتِ) (5) فَأَسْعَفت (6) مُرَادَهُ عَلَى قُصُورِ (7) مِنِّي فِي الدِّرَايَاتِ، وَقِلَّةِ فَهْم مِنِّي فِي الْعِلْمِ وَالرِّوَايَاتِ، فَاسْتَخَرْتُ) اللَّهَ تَعَالَى (9) لِمَقْصُودِي، وَهُوَ الْوَلِيُّ لِلْخَيْرَاتِ، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ وَالاتِّكَالُ فِي تَيْسِيرِ الْمُهِمَّاتِ)
(1) أصحابي.
(2) التلخيص: النَّبيين والشرح والتخليص
(3) مَفْزَعًا: مَرْجِعًا.
(4) يَحُورُ: يَرْجِعُ
(5) الْمُلِمَّاتِ: السَّدَائِدِ، يُرِيدُ مُسْكِلَاتِ الْمَسَائِلِ
(6) قَضَيْتُ.
(7) هَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ إِذْ هُوَ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَأَكَابِرِ الْمُحَقِّقِينَ (8) طَلَبْتُ مِنَ اللَّهِ الْخِيَرَةَ، وَالاسْتِخَارَةُ: طَلَبُ مَعْرِفَةِ آخِرَةِ الأَمْرَ، أَيْ عَافِيَتِهِ. (9) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: الاسْتِخَارَةُ: سُنَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا مُرَغَبٌ فِيهَا، عِنْدَمَا يَهِمُ الْمُسْلِمُ بِأَمْرِ ذِي بال يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرُكَ بِعِلْمِكَ وَاسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ ... إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَنَصُهُ: عَنْ جَابِرٍ عَنْهُ قَالَ: ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ الله يُعَلِّمُنَا الاسْتِحَارَةَ فِي الأُمورِ كُلْهَا كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي؛ أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي؛ أَو قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضْنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ). [الْبُخَارِيُّ، (6019].
(10) الْأُمُورَ الْجَلِيلَةُ الَّتِي تَهُمُ الإِنْسَانَ. (1/46)
صفحة 47
[كِتَابُ التَّوْحِيدِ] بَابٌ فِي التَّوْحِيدِ)
ذكر التوحيد الذي هو ركن من أركان الدين وما له من الأحكام]
(2)
اعْلَمْ أَلْهَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ الرُّشْدَ، وَأَتَاحَ (2) لَنَا مِنْ لَدُنْهُ (3) الْعَوْنَ والرفد (4)، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَشَهِدَتْ لَهُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ، وَالْعَالِمُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى الْمُوقِنُونَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَ: شَهِدَ اللَّهُ
ج
(6)
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ (5) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ)) الْحَكِيمُ) (آل عِمْرَانَ: (18) فَأَوْجَبَ (8) تَوْحِيدَهُ عَلَى كُلِّ بَالِغِ
(1) التَّوْحِيدُ الإِفْرَادُ ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَإِفْرَادُهُ بِالْكَمَالِ. عِلْمٌ
التَّوْحِيدِ الْهَدَايَةُ: الرُّشْدُ
(2) أَتاح: أعْطَى.
(3) عِنْدَهُ.
(4) الْعَوْنَ وَالْعَطْفَ لِلتَّفْسِيرِ؛ أَوِ الْعَوْنَ وَالتَّابِيدَ؛ وَالرِّفْدُ: الْخَيْرُ وَالْعَطَاءُ
(5) الْعَدل.
(6) القوي.
(7) الَّذِي يَضَعُ الأَشْيَاء فِي مَوَاضِعِهَا.
(8) الزم. (1/47)
صفحة 48
كتاب
48
الوضع
مكلف (1) مِنْ عِبَادِهِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ؛ وَلَيْسَ بِعَقْلِهِ آفَةٌ تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ليعبدون الم و (2) (3) (الذاريات: 56)، يَعْنِي لِيُوَحَدُونِ.
وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالدُّعَاءِ (4) لِخَلْقِهِ إِلَى تَوْحِيدِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودُ قَالَ يَنقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ الأَعْرَاف: 65)؛ أَي: وحدُوهُ، وَلِقَوْلِهِ: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ
الله غَيْرُهُ الأَعْرَاف: (73)؛ أي: وَحَدُوهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّسُلِ.
فَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَى الْعَبْدِ فَرْضُ التَّوْحِيدِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ خَالِقَهُ عِنْدَ
أَوَّلِ الْبُلُوغِ وَلَمْ يَسَعْهُ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ (5).
(1) أَيْ: مَأْمُورٌ مَنْهِيُّ، وَهُوَ الْعَاقِلُ.
(2) خَلَقَ اللَّهُ الإِنْسَانَ وَالْجِنَّ عَلَى هَيْئَةٍ تَصْلُحُ لِلْعِبَادَةِ لِمَا جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ التَّهَيُّ لَهَا مِنْ عَقْلٍ وَحَوَاسَ وَإِدْرَاكِ؛ وَالْمُرَادُ بِالتَّوْحِيدِ هنا: الإِفْرَادُ بِالْعِبَادَةِ الْمُسْتَمِلَةِ عَلَى الاعْتِقَادِ
والإقرار (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الْمُرَادُ بالتَّوْحِيدِ: إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي هِي الاعْتِقَادُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110) وَمَا فَسَّرَ الْقُرْآنَ مِثْلَ الْقُرْآنِ. (4) الدُّعَاءُ: الدَّعْوَةُ، أَي يُفْرِدُونَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لاَ يَتَّخِذُونَ لَهُ شَرِيكًا فِي الْعِبَادَةِ؛ لأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ صِفَةُ اللَّهِ الأَزَلِيَّةُ، وَلَمْ يَزَلْ مُنْفَرِدًا بِالْجَلَالِ وَالْكَمَالِ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ فَرْدٌ وَمَا سِوَاهُ شَفْعٌ، قَالَ تَعَالَى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
(الذاريات: 49).
(5) حَرَكَةُ الْعَيْنِ بِالْفَتْحِ وَالْغَمْضِ. (1/48)
صفحة 49
فَصْلٌ في تَقْسِيمِ الْأَشْيَاءِ إِلَى قَدِيمِ وَمُحْدَثِ]
اعْلَمْ أَنَّهُ لا سَبِيلَ أَوْضَحَ لِمَعْرِفَةِ الْخَالِقِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَوْ الْمَوْجُودَاتِ وَالتَّمْيِيز بَيْنَ جُمْلَةِ الْمَعْلُومَاتِ، وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الأَشْيَاء (1) كُلَّهَا ضَرْبَانِ: قَدِيمٌ، وَمُحْدَث. فَالْقَدِيمُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ. وَالْمُحْدَثُ ضَرْبَانِ جسم (2)، وَعَرَضَ وَالْعَرَضُ ضَرْبَانِ: حَرَكَةٌ، وَسُكُون. وَالْحَرَكَةُ ضَرْبَانِ: كَسْبِيَّةٌ، وَضَرُورِيَّةٌ. وَالْجِسْمُ ضَرَبَانِ: مَرْنِي كَالأَسْبَاحِ
،
(3)
وَغَيْرُ مَرْنِي كَالْهَوَاءِ وَالرِّيَاحِ وَالْمَرْنِي ضَرَبَانِ: حَيَوَانِي، وَمَوَانِي. وَالْمَوَانِيُّ (4) ضربان مَوَاتِي يَحْيَى كَالأَرْضِ وَالْبُدُورِ، وَمَوَانِي لَا يَحْيَى كَالْحَدِيدِ وَالصُّحُورِ والصخور. وَالْحَيَوَانِيُّ ضَرَبَانِ: رُوحِي يَدِبُّ وَيَدْرُجُ (5)، وَمَانِي يَنبت (1)
(1) اللهُ جَلَّ جَلالُهُ شَيْءٌ لَا كَالأَشياء لأَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ شَيْئًا فِي قَوْلِهِ: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةٌ قُلِ الله شهيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} (الأَنْعَام: 19).
(2) الْجِسْمُ: مَا قَامَ بِنَفْسِهِ، وَالْعَرَضَ: مَا قَامَ بِغَيْرِهِ، أَوْ مَا لَا يَبْقَى أَكْثَرَ مِنْ حَالٍ.
(3) الأَشباح: الْمَرْثِيَّات
(4) مَوَانِيُّ: أَي مَيِّتُ
(5) يَدِبُ: يَمْشِي، وَيَدْرُجُ يَمْشِي رُوَيْدًا كَالصَّبِي. (1/49)
صفحة 50
كتاب
الوضع
وَالرُّوحِي ضَرَبَانِ عَاقِلٌ مُكَلَّف (2) كَالْمَلَائِكَةِ وَالثَّقَلَيْنِ (3)، وَغَافِلٌ مُهُمَل كَالْوُحُوشِ وَالأَنْعَامِ وَالْعَاقِلُ ضَرَبَانِ: مُؤْمِنٌ، وَكَافِرُ. وَالْمُؤْمِنُ ضَرَبَانِ: مَعْصُوم (4) كَالْمَلائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرُ مَعْصُومٍ كَسَائِرِ مَنْ آمَنَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالْكَافِرُ
(7) 20
ضَرَبَانِ: مُشْرِكٌ، وَمُنَافِق (5). وَالْمُشْرِكُ ضَرَبَانِ: جَاحِدٌ) وَمُسَاو. وَغَيْرُ
ومي (7)
(A)=
الْمَعْصُومِ ضَرْبَانِ: مُقِرٌ (7) بِالْجُمْلَةِ مُوَفَّ (8) بِالتَّفْسِيرِ، وَمُقِرٌ بِالْجُمْلَةِ مُضَيَّع لِلتَّفْسِير (9). فَإِذَا ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ فِي فَهْمِكَ وَعَقْلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ مُحْدَثَةٌ مَصنُوعَةٌ مَخْلُوقَةٌ بِدَلِيلِ الْحَدَثِ وَالْحَاجَةِ وَالْعَجْزِ؛ عَلِمْتَ أَنَّ لَهَا مُحْدِثًا أَحْدَثَهَا، وَخَالِفًا خَلَقَهَا؛ لأنَّ الصَّنْعَةَ تَدُلُّ عَلَى صَانعِهَا وَمُحْدِيْهَا، قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: {هَلْ مِنْ خَلِي غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر: (3) وَقَالَ: فِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (إِبْرَاهِيم: 10)، وَقِيلَ لأَعْرَابِي:
(1) يَنْشَأْ وَيَرْتَفِعُ وَيَتَفرع.
(2) مَأْمُورٌ مَنْهِي
(3) الإنسُ وَالْجِن: سُمُوا ثَقَلَيْنِ لِعِظَم شأنهما أَوْ لِتَقَلِهِمَا بِالذُّنُوبِ؛ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ أَحْيَاء وَأَمْوَانًا. (4) مَعْصُومٌ: أَي مَمْنُوعٌ وَمَحْفُوظٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ؛ أَي لا تَصْدُرُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ مُطْلَقًا لَا كَبِيرَةً وَلَا منا صغيرة، لا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَلَا بَعْدَهَا، عِنْدِي، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِي عِصْمَهُ الْأَنْبِيَاءِ. (5) الْمُنَافِقُ: مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَخانَ فِي الْعَمَلِ هَذَا الْمُنَافِقُ الْمَلِيُّ، وَهُوَ الْكَافِرُ بِالنِّعْمَةِ، أَمَّا الْمُنَافِقُ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ؛ فَهُوَ مَنْ أَضْمَرَ الشِّرْكَ وَأَظْهَرَ الإِسْلَامَ.
(6) مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَاَ وَهُوَ الْكَافِرُ؛ لأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنَاهُ الْجُحُودُ كَمَا سَيَأْتِي. وَالْمُسَاوِي: مَنْ سَاوَى اللَّهَ بِخَلْقِهِ بِعِبَادَةِ مَنْ سِوَاهُ، أَوْ بِتَكْذِيبِهِ سُبْحَانَهُ.
(7) مُقِرٌّ: أَي مُعْتَرِفُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكُلِّ مَا يَجِبُ بِهِ الإِيمَانُ.
(8) منبع لِشَهَادَتِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ وَهُوَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ؛ لأَنَّ مَنْ لَمْ يُتْبِعِ الشَّهَادَةَ بِالْعَمَلِ كَانَ
غَيْرَ آتِ بِتَفْسِيرها.
(9) غَيْرُ آتِ بِالْعَمَلِ مَعَ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. (1/50)
صفحة 51
كتاب
الوضع
مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْعَالَمِ صَانِعًا؟ فَقَالَ: إِنَّ الْبَعْرَةَ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَأَثَرَ الْقَدَم يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَهَيْكَل (1) عُلْوِيٌّ بِهَذِهِ اللَّطَافَةِ (3)، وَمَرْكَزُ سُفْلِيٌّ بِهَذِهِ الْكَثَافَةِ (3)، أَمَا يَدُلانِ عَلَى الصَّانِعِ الْخَبِيرِ؟! قَالَ الْحَكِيمُ)
و (4)
أيا عَجَبًا كَيْفَ يُعَصَى الْإِلَهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
و
وَلِلَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَة وتَسْكِينَةٍ أَبَدًا شَاهِدُ (5)
تقسيم العلوم إلى ثلاث طرق]
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ مِنْ وَاجِبَاتِ (6) الْعَقْلِ الَّتِي لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعُقُولِ فِيهَا. وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ حَصَرُوا الْعُلُومَ الْوَاصِلَةَ إِلَى الْعِبَادِ فِي ثَلَاثِ طُرُقٍ: وَهِيَ: الْحِسُ الْمَطبوع ()، وَالْعَقْلُ الْمَجْمُوعُ، وَالشَّرْعُ الْمَسْمُوعُ.
(7)
(1) الْهَيْكَلُ فِي الأَصْلِ بَيْتُ الأَصْنَامِ، وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْجُرْمِ
(2) اللَّطَافَةُ: الدقة.
(3) الْكَثَافَةُ: الشَّخَانَةُ؛ وَكِبَرُ الْجُرْمِ
(4) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: الأَبْيَاتُ لأبي الْعَتَاهِيَةِ، وَقَبْلَهَا: أَلَا إِنَّا كُلَّنَا بَائِدُ وَأَيُّ بَنِي آدَمَ خَالِدُ وَبَدؤُهُمْ كَانَ مِنْ رَبِّهِمْ وَكُلِّ إِلَى رَبِّهِمْ عَائِدُ.
(5) تُنْسَبُ هَذِهِ الأَبْيَاتُ لابْنِ الْمُعْتَرُ، وَقِيلَ لأبي العتاهية [انْظُرْ دِيوَانَ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ،
[45/ 1
(6) الْوَاجِبُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ. (7) الْحِس: الإِدْرَاكَ بِالْحَوَاسُ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْعَقْلُ الْمَجْمُوعُ: هُوَ الْقُوَّةُ الْمُدْرِكَةُ فِي الْإِنْسَانِ
إِدْرَاكًا مَعَ الْحُكْمِ وَالْمَسْمُوعُ الْمُدْرَكُ الْمَأْخُوذُ بِالسَّمْعِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الْمَنْقُولُ. (1/51)
صفحة 52
كتاب
52
الوضع
فَالْحِبُّ الْمَطْبُوعُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَام: حِس مُتَّصِل كَاللَّمْسِ وَالدَّوْقِ، وحِس منفصل كَالرُّؤْيَةِ وَالسَّمِّ وَالسَّمْعِ، وَحِسٌ بَنِيَّةٍ) كَالأَلَم وَاللَّذَّةِ وَالْفَرَح
وَالْحُزْنِ وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ
وَالْعَقْلُ الْمَجْمُوعُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَام:
وَاجِب كَمَعْرِفَةِ الْفَاعِلِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْفِعْلِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِبْرَاهِيم: (10)، فَأَثْبَتَ انْتِفَاءَ الشَّكُ عَمَّنِ انْتَفَى عَنْهُ جَهْلُ الْفُطُورِ وَمِنَ الْوَاجِبَاتِ فِي الْعَقْلِ ثُبُوتُ الْقُدْرَةِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْفِعْلُ، وثبوت الْعِلْمِ لِمَنْ نَبَتَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ، وَنُبُوتُ الْحَيَاةِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْعِلْمُ، وَتُبُوتُ الْوُجُودِ لِمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْحَيَاةُ.
وَمُسْتَحِيلٍ (3) كَاجْتِمَاعِ الضَّدَّيْنِ، وَوُجُودِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي كَائِنَيْنِ (3)، وَتَحَرُّكِ الْجِسْمِ إِلَى جِهَتَيْنِ، وَمُسْتَحِيلٌ فَاعِلٌ غَيْرُ قَادِرٍ، وَقَادِرٌ غَيْرُ عَالِم، وَعَالِمٌ غَيْرُ حَيٍّ، وَحَيٌّ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
وَجَائِزِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْلِ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَجِيلاً، وَسَاعَ (4) فِي
و و وو روو
الْعَقلِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ.
وَالشَّرْعُ الْمَسْمُوعُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَصْلٍ، وَمَعْقُولِ أَصْلٍ، وَاسْتَصْحَابِ حَالِ الأَصْلِ. فَالأَصْلُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ،
(1) البنية: الذَّاتُ، أَي يُدْرِكُهُ الإِنْسَانُ بِذَاتِهِ.
(2) الْمُسْتَحِيلُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ.
(3) أَيْ: مَكَانَيْنِ، وَتَحَرُّكُ الْجِسْمِ إِلَى جَهَتَيْنِ: أَي فِي آنِ وَاحِدٍ.
(4) ساغ: جَازَ وَصَح. (1/52)
صفحة 53
كتاب
53
الوضع
(1)
والإجماع). وَيَنْقَسِمُ مَعْقُولُ الأَصْلِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: لَحْنِ (2) الْخِطَابِ، وَفَحْوَى الْخِطَابِ، وَمَعْنَى الْخِطَابِ. وَيَنْقَسِمُ اسْتِصْحَابُ حَالَ الْأَصْلِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: بَرَاءَةِ الذَّمَّةِ، وَشَغْلِ الذَّمَّةِ، وَالاسْتِحْسَانِ. فَأَمَّا بَرَاءَةُ (3) الذَّمَّةِ: فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْفَرَائِضِ بَرَاءَةُ الذَّمَّةِ مِنْهَا؛ فلا فَرْضَ إِلَّا بِثْبُوتِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ، فَمَنِ ادَّعَى شَعْلَهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَمَنْ نَفَاهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَأَمَّا الاسْتِحْسَان (5) (6): فَقَوْلُ بِتَقْلِيدِ لا تَفْسِيدٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانِ. وَأَمَّا لَحْنُ (7) الْخِطَابِ: فَالصَّمِيرُ الَّذِي لاَ يَتمُّ الْكَلامُ إِلَّا بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَن كَانَ
(1) وَإِنَّمَا لَمْ يَذكُرِ الْقِيَاسَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِي كَالثَّلَاثَةِ، وَهُوَ إِلْحَاقُ فَرْعَ بِأَصْلِ لاتِّحَادِ الْعِلَّةِ، والإِجْمَاعُ أَصَلُهُ الْقِيَاسُ فِي الْحَقِيقَةِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أُصُولَ الْفِقْهِ.
(2) اللَّحْنُ: صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ سُنَنِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْ تَفْهَمُوا وَاللَّحْنُ يَفْهَمُهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ
(3) الْمُرَادُ بِالْبَرَاءَةِ خُلُو الذَّمَّةِ وَسَلَامَتُهَا.
(4) هَذَا مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَالسَّرْعُ عِنْدَنَا هُوَ طَرِيقُ الْحُكْمِ، وَعِنْدَهُمُ الْعَقْلُ
هُوَ طَرِيقُ الْحُكْمِ (5) يَعْنِي بِالاسْتِحْسَانِ: قَبُولَ الْقَوْلِ بِدُونِ دَلِيلِ وَلاَ حُجَةٍ، وَهَذَا فِيمَا لَمْ يَرِدْ عِنْدَنَا فِيهِ نَص، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وكَذَا عِنْدَ كَثِير مِنَ الأُصُولِيِّينَ. (6) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ: وَأَمَّا الاسْتِحْسَانُ فَقَوْلُ بِتَقْلِيدٍ لَا تَفْسِيدٍ وَلَا دليل وَلاَ بُرْهَانٍ عَرَّفَ فِي السُّؤالاتِ الاسْتِحْسَانَ بأَلهُ شَهْوَةُ النَّفْسِ وَالْمَيْلُ بِالْهَوَى إِلَى الشَّيْءِ، فَإِنْ قَارَنَهُ دَلِيلٌ كَانَ مَحْمُودًا وَإِنْ هَوَتِ النَّفْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهُ} (الْبَقَرَة: 144)، أَي تُؤْثِرُهَا وَتَهْوَاهَا، وَأَمَّا تَعْرِيفُ الْمُصنفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَرِيبٌ مِنْ تَعْرِيف التَّقْلِيدِ. قَالَ فِي السُّوَالاَتِ: وَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائلِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ وَلَا حُجَّةٍ. اهـ. يُنظَرُ: أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 28]. وَالسُّوَالاتُ كِتَابٌ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ لأَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ خَلِيفَةَ السوفِي الْمَارغنِي مِنْ عُلَماء سوف - رَحِمَهُ اللهُ - مِنْ عُلَمَاء الْقَرْنِ السَّادِسِ.
(7) اللَّحْنُ: صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ سُنَنِهِ الْجَارِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَخَيْرَ الْكَلَامِ مَا كَانَ لَحْنَا (1/53)
صفحة 54
كتاب
54
الوضع
مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ) (الْبَقَرَة: 196)، يَعْنِي: إِنْ حَلَقَ. وَأَمَّا فَحْوَى الْخِطَابِ: فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ دُونَ مَا ذُكِرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُل لَّمَا أَفَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} (الإسراء: (23). فَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّتْمَ وَالضَّرْبَ وَالْقَتْلَ أَوْلَى بِالنَّهْي
وَأَمَّا مَعْنَى الْخِطَابِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ.
فَلَمَّا دَلَّتْ حُجَّةُ الْعَقْلِ الْوَاجِبَةُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الصَّنْعَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ صَانِع، كَانَ الصَّانعُ لِهَذِهِ الأَشياءِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمُحْدَثَاتِ هُوَ اللهُ الْقَدِيمُ الَّذِي لاَ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِ الَّتِي لا يُوصَفُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِهَا لَلَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْدَثَ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْعَجْزِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقِدَمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، لاَ خَالِقَ وَلَا مُحْدِثَ غَيْرُهُ؛ قَالَ اللَّهُ تعالى: {هَلْ مِن خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (فَاطِر:3) وَقَالَ أَيْضاً: الا له الخلق وَالأَمْر تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الْأَعْرَاف: 54) وَوَجَبَتِ الْوَحْدَانِيَّةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى لِلَّهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَمَسْمُوعِ الشَّرْعِ
تفسير سورة الإخلاص]
وَنَبَّهَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا (2) أَحَدٌ} (سُورَةُ
(1) الصَّمَدُ: مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ السُّوْدَدُ؛ أَي انْتَهَى إِلَيْهِ الْجَلالُ وَالْكَمَالُ، وَإِلَيْهِ يُفْزَعُ فِي كُلِّ
الْحَاجَاتِ.
(2) الْكُفُرُ: السَّبِيه وَالْمَتِيلُ، وَالْمُرَادُ نَفْي مُطلَقِ التَّسْبِيهِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ. (1/54)
صفحة 55
كتاب
هه
الوضع
الإخلاص). [فَقَوْلُهُ]: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا رَد عَلَى الدَّهْرِيَّةِ وَقَوْلُهُ: واحد رَدُّ عَلَى التَّنَوِيَّةِ). وَقَوْلُهُ: (الصَّمَدُ رَدُّ عَلَى الْمُجَسَّمَةِ (2). وقَوْلُهُ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ رَدُّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقَوْلُهُ: {وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوا " أَحَدُ رَدُّ عَلَى الْمُسْهَةِ (4)
[أقسام الشرك]
(7)
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ ثَمَانِيَةٌ): الْكَثْرَةُ، وَالْعَدَدُ (6)، وَالتَّقَلُّب (7)، وَالنَّقَائِص، وَالْعِلَّة (8)، وَالْمَعْلُولُ، وَالأَضدَادُ، وَالأَشْكَالُ. فَنَفَى اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ الْكَثْرَةَ وَالْعَدَدَ بِقَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ التَّقَلُّبَ وَالنَّقَائِص بِقَوْلِهِ: الصَّمَدُ. وَنَفَى الْعِلَّةَ وَالْمَعْلُولَ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
(1) الشَّتَوِيَّة: الْقَائِلُونَ بِإِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: {وووو» (النَّحْل، 51) إِذْ قَالُوا إله الظُّلْمَةِ وَإِلَهُ النُّور، أو الْخَيْرِ وَالشَّرُ (2) الْمُجَسمَةُ: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ جَسَمٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْض، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ. (3) الْكُفُرُ: السَّبِيه وَالْمَنِيلُ، وَالْمُرَادُ نَفَى مُطلَقَ التَّسْبِيهِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ. (4) الْمُسْبِّهَةُ: هُمُ الَّذِينَ وَصَفُوا اللَّهَ بِصِفَاتِ الْخَلْقِ، كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالسَّاقِ إِلَحْ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. ينبغي أَنْ يَقُولَ: رَدُّ عَلَى النَّصَارَى؛ لأَنَّهُمُ الْقَاتِلُونَ بِأَلُوهِيَّةِ عِيسَى
ومَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ: رَدُّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودُ مُسْبِّهَةٌ.
(5) تَقَدَّمَ تَقْسِيمُ الشِّرْكِ إِلَى جُحُودٍ وَمُسَاوَاةٍ، وَفِيهِمَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الثَّمَانِيَةُ.
(6) الْكَثْرَةُ: عَدَمُ الْحَصْرِ وَالْعَدَدِ الْمَحْصُورِ.
(7) التَّقَلُّبُ: التَّغْسِيرُ مِنْ حَالَ إِلَى حَالٍ، كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: تَبْدُو لَهُ الْبَدَوَاتُ، تَعَالَى اللَّهُ. (8) أي: لَيْسَ بِسَبَبٍ وَلاَ مُسَبَبٍ، وَذَلِكَ لانْتِفَاءِ الْحُدُوثِ عَنْهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا يَقُولُ لَهُ: كُنْ؟
فيكون. (1/55)
صفحة 56
كتاب
الوضع
يولد. ونفى الأضداد والأشكال بقوله: {وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: كُلٌّ مَوْصُوفِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ فَذَلِكَ جَائِرٌ؛ فَالْوَاحِدُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لأَنَّ الْخَالِقَ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِي بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ. أَلاَ تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اثْنَانِ جِسْمٌ وَرُوحٌ، وَمِنَ اثْنَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنثَى، وَبِاثْنَيْنِ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَفِي اثْنَيْنِ لَيْلِ وَنَهَارِ، وَمَعَ اثْنَيْنِ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى بِخِلافِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْوَاحِدُ فِي ذَاتِهِ، وَالْوَاحِدُ فِي صِفَتِهِ، وَالْوَاحِدُ فِي فِعْلِهِ، أَيْ لَا ذَاتَ كَذَاتِهِ، وَلَا أَحَدَ يُوصَفُ بِصِفَاتِهِ، وَلَا أَحَدَ يَفْعَلُ كَفِعْلِهِ.
وَتَفْسِيرُ الصَّمَدِ" فِي لُغَةِ الْعَرَبِ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى فِي السُّؤْدُدِ
وَالشَّرَفِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
(1) -=
ألا بَكَر (1) النَّاعِي بِخَيْر بَنِي أَسَدِ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ
وَقِيلَ: الصَّمَدُ الْمَصْمُودُ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ الْعُمَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
فِيا رَبِّ إِلَيْكَ صَمَدْتُ قَصْدًا لِتَقْبَلَ تَوْبَتِي وَتَحُطَّ)
(1) بكَرَ؛ بِالتَّخْفِيفِ وَالْفَتْحِ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالسَّدُ، وَيُرْوَى (بِخَيْرَي): جَاءَ أَوَّلَ النَّهَارِ. وَالنَّاعِي: الذي جَاءَ بِخَبَرِ مَوْتِ إِنْسَانِ. وَبَنُو أَسَدٍ: قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ وَحَيْ
(2) حَط: أَسْقَطَ حَوْبي: ذُنُوبِي. (1/56)
صفحة 57
كتاب
الوضع
وَتَفْسِيرُ الْكُفْو (1) الْقَرِينُ.
قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
الكلام على اسم الجلالة]
(2)
وَاختَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِفَاقِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (2)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصلُهُ لاَ (3)، واللاهُ فِي اللُّغَةِ الْعَالِي، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَأَلَّهَتِ الشَّمْسُ إِذَا عَلَتْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَاهَ رَبِّي عَلَى الْخَلَائِقِ طَرًّا خَالِقُ الْخَلْقِ لَا يُرَى وَيَرَانَا
(4)
وقيل: أَصْلُهُ مِنَ الْوَلَهِ، وَهُوَ الْحِيرَةُ؛ لأَنَّ الْقُلُوبَ تَأْلَهُ إِلَيْهِ فِي
الْحَوَائِجِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَرَانِي طَرِباً فِي إِثْرِهِمْ طَرَبَ الْوَالِهِ أَوْ كَالْمُخْتَبِلِ (1)
طلب
وقِيلَ: اللَّهُ اسْمٌ لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُ الْعِبَادَةَ إِلا هُوَ وَقِيلَ: اللَّهُ اسْمٌ تُبْنَى عَلَيْهِ
الصفات.
(1) فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْكُفْقَ فِي الْمَنْزلَةِ وَالْقَدْر، وَالْمَقْصُودُ نَفئُ الْمُكَافَاةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي صِفَةٍ مِنْ
صِفَاتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
(2) اسمُ الْجَلَالَةِ، قِيلَ: غَيْرُ مُسْتَقٌ، فَهُوَ اسْمٌ عَلَمٌ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ.
(3) لاه: عَلا وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ سُمِّيتِ الشَّمْسُ الاهة.
(4) تَأْلَهُ إِلَيْهِ: تَفْزَعُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الْحِيرَةُ فَمِنَ الْوَلَهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(5) الطَّرَبُ خِفَةٌ تَأْخُذُ الإِنْسَانَ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ، وَتَخُصُّهُ الْعَامَّةُ بِالسُّرُورِ. (6) الْمُخْتَبِلُ: الَّذِي أُصِيبَ بِفَسَادٍ فِي عَقْلِهِ. (1/57)
صفحة 58
كتاب
[صفات الله الذاتية]
الوضع
وَصِفَاتُهُ: الْحَيَاةُ والْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ. وَمَعْنَى الْوَصْفِ لَهُ بِهَذِهِ الصَّفَاتِ النَّفْيُّ لأَضدَادِهَا؛ فَاللَّهُ تَعَالَى حَيٌّ لَيْسَ بِمَيِّ، عَالِمٌ لَيْسَ بِجَاهِلِ، قَادِرٌ لَيْسَ بِعَاجِز، مُرِيدٌ لَيْسَ بِمُسْتَكْرَه، مُتَكَلِّمْ لَيْسَ بِأَخْرَسَ، سَمِيعٌ لَيْسَ بِأَصَمَّ، بَصِيرٌ لَيْسَ بِأَعْمَى، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. (1/58)
صفحة 59
فَصْلٌ
التوحيد ينتفع به المؤمن الموفي بدين الله]
اعْلَمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ الْمُوَفِّي بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَدِينُ
اللهِ هُوَ: الإسلام).
الإسلام قول وعمل وأقسامهما]
وَالإِسْلَامُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: قَوْلُ وَعَمَلُ وَالْقَوْلُ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ الْقِسْمُ الأَوَّلُ: الإِقْرَارُ بِاللَّهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْقَدِيمُ بِلا بِدَايَةٍ، الدَّائِمُ بِلاَ نِهَايَةِ الْحَيُّ بِلاَ تَنَفْسٍ وَلَا رُطُوبَةِ الْعَالِمُ بِلَا تَعَلَّم وَلَا دِرَاسَةِ، الْقَادِرُ بِلا تكَلُّفٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، الْمُرِيدُ بِلاَ شَهْوَةٍ وَلَا حَاجَةٍ، الْمُتَكَلِّمُ بِلَا لِسَانٍ وَلَا شَفَةٍ، السَّمِيعُ بِلاَ أُذُنِ وَلَا أَصْمِحَةٍ، الْبَصِيرُ بِلا جَفْنِ وَلَا حَدَقَةٍ.
(1) الإِسْلامُ وَالإِيمَانُ وَالدِّينُ: أَلْفَاظُ مَا أَصْدَقَهَا وَاحِدٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ)) (آل عمران (19) وَقَوْلُ رَسُول الله: الإِيمَانُ نَيْفٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةٌ
الْحَدِيث أَبو دَاوُد، 4678، والنَّسَائِي، ر 5004]. (1/59)
صفحة 60
كتاب
الوضع
الرسالة المحمدية وبعض خصائص نبينا عليه السلام]
القِسْمُ الثَّانِي: الإقرَارُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِي رَشِي أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. وَخَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، وَفَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا (2) وَتُرَابُهَا طَهُورًا (3)،
(1)
- (2)
وَحَلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَهُوَ يَسِيرُ أَمَامِي شَهْرًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَادَّ خَرْتُهَا (5) لأُمَّتِي الْبُخَارِيُّ، (427، وَمُسْلِمٌ، (1191]. القِسْمُ الثَّالِثُ: الإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ
(1) الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ أَي جَمِيعُ الْبَشَرِ، قَالَ وَصَفَانُ: هُمَا أَلْوَانُ لِبَنِي آدَمَ قَاطِبَةً. (2) مَحَلاً لِلصَّلاةِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: حَيْتُمَا أَدْرَكَتكَ الصَّلاةُ فَصَلَّ الْبُخَارِي، (3243، وَمُسلِم، (1189]. (3) مُبَالَغَةٌ فِي الظُّهْرِ، إِذِ التُّرَابُ مَادَّةٌ مُطَهِّرَةٌ لِكُلِّ نَجَاسَةِ وَلِلْجَرَاثِيمِ كَمَا كَشَفَ الْعِلْمُ، لِهَذَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ لَفظُ الْمُبَالَغَةِ. (4) الرُّعْبُ: الْخَوْفُ وَالْوَجَلُ، كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى جِهَةٍ سَبَقَهُ الرُّعْبُ إِلَى الأَعْدَاءِ فَحَلَّ فِي نُفُوسِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ. (5) ادَّخَرَ: أَعَدَّ لِلْعُقْبَى، أَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ الشَّفَاعَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ. فَالْعَامَّةُ: هِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخَرُونَ، وَالْخَاصَّةُ: هِيَ أَنْ يَطلُبَ لِلْمُؤْمِنِينَ الإِذْنَ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَهَا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَشَفَاعَةِ الْمُصْطَفَى. (1/60)
صفحة 61
كتاب
الوضع
وَالنَّارِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ. وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ مِنَ الإِيمَانِ فَكُلُّ مَا
أمَرَ اللَّهُ بِامْثَالِهِ مِنْ فَرْضِ) وَنَافِلَةٍ.
وَالْمَأْمُورُ بِهِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ (2)، وَالْمُنكِر (3) لِشَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ مُشْرِك (4). فَمِنَ الْكِتَابِ: وُجُوبُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالزَّكَاةُ فِي أَنْوَاعِهَا، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالاغْتِسَالُ مِنَ الْجَنابَةِ، وَالْوُضُوهُ، وَحَجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَرَائِضِ الْمِيرَاثِ، وَتَحْرِيمُ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْحُدُودُ الْوَاجِبَاتُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا.
و (5)
وَمِنَ السُّنَّةِ: عَدَدُ الصَّلَوَاتِ، وَمَقَادِيرُ فَرَائِضِ الزَّكَاةِ، وَرَجْمُ الْمُحْصَنِ، وَصَلَاةُ الْوِتْرِ، وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَمَسْحُ
الزاني
الأذنين،
(1) الْفَرْضُ: مَا ثَبَتَ بكِتَابِ اللهِ، وَالْوَاجِبُ: مَا ثَبَت بالسُّنَّةِ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ؛ لأَنَّ كُلاً مِنْهُمَا مَا يُنَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرَكِهِ. وَالنَّافِلَةُ: مَا أُمِرَ بِهِ نَدْبًا.
(2) كَأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَرَادَ بِالإِجْمَاعِ مَا يَسْمَلُ الْقِيَاسَ؛ لَأَنَّ الإِجْمَاعَ أَصْلُهُ قِيَاسِ (3) الْمُنْكِرُ: هُوَ الْجَاحِدُ لِمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَيَكُونُ كَافِرًا بِاللَّهِ؛ لأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهُ. (4) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي السُّوَالاَتِ فِي الْفَرَائِضِ الَّتِي هِيَ دُونَ التَّوْحِيدِ: وَالْإِقْرَارُ بِهَا تَوْحيدٌ، وَالإنْكَارُ لَهَا وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّحْطِئَةُ شيرك، وأَمَّا الْجَهْلُ فَحِينَ يَكْفُرُ بِالنَّرْكِ يَكْفُرُ بِالْجَهْلِ. أَي لا يُسَمَّى كَافِرًا بِجَهْلِهِ لِفَرْضِ مِنَ الْفَرَائِضِ حَتَّى يَتْرُكَهُ، مِثْلَ جَهْلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَلَا يُكَفِّرُ بِجَهْلِهِ ذَاكَ إِلَّا إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهَا]. (5) الرَّجمُ عِنْدَنَا مِنَ السُّنَّةِ لَا مِنَ الْقُرْآنِ، لِمَا رَوَى الرَّبِيعُ عَنْ جَابِرٍ: الاسْتِنْجَاء وَالاحْتِنَانُ وَالْوِتْرُ وَالرَّجمُ سُنَنٌ وَاجِبَةٌ [الربيع، (192، بِلَفْظِ: "الْوِتْرُ وَالرَّجْمُ وَالاحْتِتَانُ وَالاسْتِنْجَاء سُنَنٌ وَاجِبَاتٌ]. (1/61)
صفحة 62
كتاب
62
الوضع
وَالاسْتِنْجَاءُ، وَالاخْتِتَانُ، وَأَنْ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ، وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ
فِي كِتَابِ اللَّهِ ذِكْرُهُ
"
وَمِنَ الإِجْمَاعِ: عَقْدُ الإِمَامَةِ)، وَأَنْ لاَ إِمَامَيْنِ فِي سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ (3)، وَالْجَلْدُ عَلَى الْخَمْرِ، وَمِيرَاثُ الْجَدَتَيْنِ السُّدُسُ، وَقِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْفَقْدُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ نَ
[اختلاف الناس في الإيمان]
واختلف النَّاسُ فِي الإِيمَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَتِ الْمُرْجِيَّةُ: الإِيمَانُ هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَنَفْيُ الأَسْبَاءِ وَالأَمْثَالِ عَنْهُ وَمَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ خَلْقِهِ فَقَط وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَوَامِرِ الطَّاعَةِ وَنَوَاهِي الْمَعْصِيَةِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ بِإِيمَانِ وَلَا دِينِ وَلاَ إِسْلَام وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثِ فِرَقِ، فِرْقَةٍ قَالَتْ: الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ دُونَ إِقْرَارِ؛ وَهُوَ جَهُمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمَنْ شَايَعَهُ، وَفِرْقَةٍ قَالَتْ: الإِيمَانُ إِقْرَارُ دُونَ مَعْرِفَةٍ؛ وَهُوَ مَرْوَانُ بْنُ غَيْلَانَ وَمَنْ شَايَعَهُ، وَفِرْقَةٍ قَالَتْ: الإِيمَانُ إِقْرَارٌ وَمَعْرِفَةٌ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ شَايَعَهُ وَحُجَّةٌ جَهُم مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ الْمَائِدَة: 41)، وَمِنَ
(1) عَقْدُ الإِمَامَةِ: مُبَايَعَةُ مَنِ اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلرِّيَاسَةِ الْعُظمى، وَأَوَّلُ إِجْمَاعِ وَقَعَ فِيهَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ. (2) أَيْ لَا يَجْتَمِعُ إِمَامَانِ فِي إِمَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّهَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَقْطَارِ، كَأَنْ يُبَايَعَ إِمَامٌ بِالْمَشْرِقِ وَإِمَامُ بِالْمَغْرِبِ. (1/62)
صفحة 63
كتاب
63
الوضع
السُّنَّةِ قَوْلُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الإِيمَانُ هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ (1) فِي أَمْثَالِهَا. وَحُجَّةً مَرْوَانَ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ أَيْ: أَقَرُّوا وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إلا الله (2) فِي أَمْثَالِهَا. وَاحْتَجَّ أَبو حَنِيفَة (3) بِحُجَّةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ عَلَى قَوْلِهِ، وَسَائِرُ الأُمَّةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلُ وَعَمَلٌ، خِلَافًا لِقَوْلِ الْمُرْجِيَّةِ (4)، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ الْعَمَلَ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَتِ الصُّفْرِيَّةُ): مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ الْعَمَلَ فَهُوَ مُشْرِكٌ صَالٌ فَاسِقٌ كَافِرٌ
(6)
عاص، لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلَا بِمُؤْمِنٍ وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ الْعَمَلَ فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ ضَالَّ، لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا بِمُسْلِمٍ، وَلَا بِمُشْرِك وَلَا بِكَافِرٍ. وَقَالَتِ الأَشْعَرِيَّةُ): مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ الْعَمَلَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ عَاصِ مُذنب؛ لَيْسَ بِمُشْرِك وَلاَ كَافِرٍ وَلاَ ضَالٌ وَلَا فَاسِقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ. وَقَالَتِ الْمُرْجِيَّةُ: مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ الْعَمَلَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ
(1) أَلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرُوِيَ بِلَفْظِ: التَّقْوَى هَاهُنَا؛ ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مُسلِم، (6706، وَأَحْمَد، (7713].
(2) الْحَدِيثُ رَوَاهُ الرَّبِيعُ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الصَّحَاحِ، وَتَمَامُهُ: "فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا الرَّبيع، ر 464، والبخاري، (25).
(3) هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ الْكُوفِيُّ إِمَامُ الْحَنَفِيَّةِ.
(4) سُمُوا مُرْجِنَةٌ؛ لأَنَّهُمْ يَرْجُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَلَى وَجْهِ.
(5) سُمُّوا صَفَرِيَّةٌ لأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الدِّينِ صُفَرًا؛ أي: خَالِينَ مِنْهُ، أَوْ نِسْبَةً إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صفَارِ، أَوْ لِصُفْرٍ وُجُوهِهِمْ.
(6) سُمُّوا قَدَرِيَّةٌ، نسبةً إِلَى الْقَدَرِ؛ لأَنَّهُمْ تَقَوْا عَنِ اللَّهِ جَلَّ سَأَلَهُ الْقَدَرَ لَأَفْعَالِهِمْ، وَنَسَبُوهُ لأَنفُسِهِمْ. (7) أَصْحَابُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِي. (1/63)
صفحة 64
كتاب
64
الوضع
مُسْلِمٌ، لَيْسَ بِمُشْرِك وَلا كَافِرٍ وَلاَ ضَال وَلَا فَاسِقِ. وَقَالَتِ الإِباضية بأصنافها (1)، وَالزَّيْدِيَّة (2) وَالشَّيعَةُ (3): مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ الْعَمَلَ فَهُوَ كَافِرٌ مُنَافِقٌ ضَالٌ فَاسِقٌ عَاصِ، لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا بِمُسْلِمٍ وَلَا بِمُشْرِكِ، وَأَحْكَامُهُ أحكامُ الْمِلَّةِ الإِسْلامِيَّةِ وَالْمِلَّهُ كُلُّ شَرِيعَةٍ وَطَرِيقَةٍ شَرَعَهَا قَوْمٌ لَأَنْفُسِهِمْ
واتَّخَذُوهَا دِينًا.
الدين والإيمان والإسلام]
وَالدِّينُ وَالإِيمَانُ وَالإِسْلَامُ: أَسْمَاء مُختَلِفَةٌ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى؛ يُقَالُ: كُلُّ إِيمَانٍ دِينٌ، وَكُلُّ إِسْلَامِ دِينٌ، وَلَا يُقَالُ: كُلُّ دِينِ إِسْلَامٌ، وَلَا كُلُّ دِينِ إِيمَانُ؛ لأنَّ الدِّينَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهِ، يَكُونُ
الدِّينُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
= (3)
لَئِنْ حَلَلْت بِجَوِّ فِي بَنِي أَسَد فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ دُونَنَا فَدَكُ
(1) الإباضية: نسبة إلى الإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبَاضِ الْمُرْيِّ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيِّ التَّابِعِيِّ، وَالْمُرَادُ بأصنافِهَا: الْمَشَارِقَةُ وَالْمَغَارِبَةُ، والأندلسيونَ وَالسَّلَفُ وَالْخَلَفُ (2) الزَّيْدِيَّةُ: أَصْحَابُ زَيْدِ بْنِ عَلِي زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَهُمْ مُعْتَدِلَةُ الشَّيْعَةِ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا خلافٌ بَسِيطُ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ. وَالْكُفْرَ كُفْرُ النِّعْمَةِ، وَالْمُرَادُ بِلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا بِمُسْلِمٍ؛ أي: كَامِلُ الإِيمَانِ وكَامِلُ الإِسْلامِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ: {وَان طايفنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينهما الْحُجُرَات (9) وَأَهْلُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ، وَالْمُنَافِقُ هُوَ الْمَلِيُّ كَمَا مَضَى.
(3) والشيعَةُ الإِمَامِيَّةُ الإِثْنَا عَشْرِيَّةُ وَالرَّوَافِضُ وَمَنْ تَفَرَّعَ عَنْهُمْ.
(4) الجو: الْيَمَامَهُ، رُوَادٌ، وَدِينِ عَمْرٍو: طَاعَتِهِ، أَرَادَ عَمْرَو بْنَ هِنْدِ الْمَلِكَ. وَفَدَكُ: اسْمُ أَرْضِ وَقَرْيَةٍ عَلَى سِتَّةِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ قُرَى خَيْرَ. (1/64)
صفحة 65
كتاب
ويَكُونُ بِمَعْنَى الْعَادَةِ؛ قَالَ الْمُتَقَبُ الْعَبْدِيُّ:
الوضع
تَقُولُ (1) إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي
أَي عَادَتُهُ وَعَادَتِي وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَاعْلَمْ وَأَبْقِنْ أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ وَاعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ
؛
(2)
أَي كَمَا تُجَازِي تُجَازَى. وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْحِسَابِ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيم الله؛ أي الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ. وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَمَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك كله (يوسف: (76) أَيْ: فِي حُكْم الْمَلِكِ وَيُقَالُ: كُلٌّ مِلَّةٍ دِينٌ، وَلَا يُقَالُ: كُلُّ دِينِ مِلَّةٌ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا.
الملل الست المذكورة في كتاب الله وأحكامه]
وَجَمِيعُ الْمِلَلِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ سِتٌ، وَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّبِئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ
يَفْصِلُ
يفصل بينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (3) (الْحَج: 17).
17).
(1) أَي النَّاقَةُ. دَرَأَتُ: دَفَعْتُ الْوَضِينُ: بطانٌ عَرِيض مَنْسُوجٌ مِنْ سُبُورٍ أَوْ شَعْرِ، وَهُوَ لِلْهَوْدَجِ بِمَنْزِلَةِ الْبَطَانِ لِلْقَتبِ. وَدِينُهُ: عَادَتْهُ، وَيُرْوَى دَابَهُ؛ أَيْ: عَادَتُهُ
(2) عَلَى وَجْهِ، قِيلَ: سُلْطَانِهِ، وَقِيلَ: عَادَتِهِ. (3) هَذِهِ الآيَةُ جَمَعَتِ الْمِلَلَ الْبَشَرِيَّةَ: الإِسْلامَ، وَالْيَهُودِيَّةَ، وَالنَّصْرَانِيَّةَ، وَالصَّابِيَّةَ: وَهُمُ الَّذِينَ اختارُوا مَطَائِبَ التَّوْرَاةِ وَمَطَائِبَ الإِنْجِيلِ، فَقَالُوا: أَصَبْنَا دِينًا، وَالْمَجُوسَ عَبَدَةُ النَّارِ وَالْمُشْرِكُونَ: عَبْدَةُ الأَوْثَانِ. وَحَيْثُ ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ كَانَتْ مَعْرِفَتُهَا مِنَ الْمُقِيدِ حَتَّى يُلِم الْعَاقِلُ مَعَ الْبُلُوغ بالدِّيَانَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلإِسلام، لِيُدْرِكَ دِينَهُ عَلَى أَكْمَلٍ وَجْهِ، إِذِ الأَشْيَاء تُدْرَكُ بِصَدُهَا إِدْرَاكَا كَامِلاً. (1/65)
صفحة 66
كتاب
? ?
الوضع
وأحْكَامُ هَذِهِ الْمِلَلِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مُخْتَلِفَةٌ، فَأَحْكَامُ مِلَّةِ الإِسْلاَمِ إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ وَعَمِلَ بِالْكَبَائِرِ، وَابْتَدَعَ فِي الْمِلَّةِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ، أَنْ يَدْعُوَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى تَرْكِ مَا بِهِ ضَلُّوا، فَإِنْ أَجَابُوا لِلطَّاعَةِ فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَبُوا الطَّاعَةَ وَبَايَنُوا (1) الْمُسْلِمِينَ نَاصِبَهُمْ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ الْحَرْبَ حَتَّى يَفِيئُوا (2) إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَلَا يَحِلَّ مِنْهُمْ غَيْرُ دِمَائِهِمْ، وَالْبَرَاءَةِ (3) مِنْهُمْ مَادَامُوا مُخَالِفِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَحِلُّ غَنَائِمُهُمْ وَلَا تُبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَلاَ يُجْهَرُ (1) عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُتبَعُ
و و. (5)
و
مُدْبِرُهُمْ، فَإِنْ أَنْعَنُوا وَأَطَاعُوا إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ جَبَى (6) الصَّدَقَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَسَمَهَا فِي وُجُوهِهَا، وَمَنَعَهُمْ مِنْ إِظْهَارِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْمَعَاصِي، وَتَجْرِي الْمُوَارَثَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْمُنَاكَحَةُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْنَا وِلَايَتُهُمْ مَادَامُوا عَلَى خلافِهِمْ وَبِدْعَتِهِمْ
وَأَمَّا أَحْكَامُ مِلَلِ الشِّرْكِ: فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ أَحْكَامُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الإِمَامَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، فَإِنْ دَخَلُوهُ فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ
(1) بَايَنُوا خَالَفُوا الْحَقَّ فَعَمِلُوا الْكَبَائِرَ أَوْ بَغَوْا.
(2) يَفِيلُوا: يَرْجِعُوا.
(3) الْبَرَاءَةُ: هِجْرَةُ مَنْ جَاهَرَ بِالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، وَمَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ جَهْرًا حَتَّى يَتُوبَ إِلَى
الْحَقِّ.
(4) يُقتل (5) الْمُنْهَزِمُ
(6) جَمَعَ مِنْهُمُ الزَّكَوَاتِ. (1/66)
صفحة 67
كتاب
67
الوضع
دَعَاهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ (1) الْجِزْيَةِ (2) عَنْ يَدٍ (3) وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَأَمِنُوا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَحُرِّمَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ: سَفْكُ دِمَائِهِمْ، وَغَنْمُ
(4)
أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُّ ذَرَارِيهِمْ وَحَلَّتْ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ: أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ، وَنِكَاحُ الْحَرَائِرِ
مِنْ نِسَائِهِمْ، وَأَخَذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَحْرَارِهِمُ الْبُلَّغ، وَلَيْسَ عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ جِزْيَةٌ، فَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ مَعَ الامْتِنَاعِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسلام؛ نَاصَبَهُمْ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ الْحَرْبَ، وَاسْتَحَلَّ مِنْهُمْ مَا يَحْرُمُ بِالْجِزْيَةِ، وَحَرَّمَ مَا يَحِلُّ بِأَعْطاءِ الْجِزْيَةِ، وَلَيْسَ لِحَرْبِهِمْ أَمَدُ (5) حَتَّى يُدْعِنُوا لأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا الإِسْلَامُ، وَإِمَّا الْجِزْيَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دِرْهَمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ إِلَى مَا يَرَى الإِمَامُ). وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الدِّهْقَانِ (7) أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فِي الشَّهْرِ، وَعَلَى الْأَوْسَطِ
(1) أَي مِنْهُمْ، لأَنَّهُ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَطْبُوعَةِ الْمُعْتَمَدَةِ: "إِلَى أَخْذِ بَدَلَ إِلَى
إعطاء"].
(2) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: الصَّوَابُ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ: حَقَّ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ} (التَّوْبَة (29)؛ أَي أَذِلاءَ، أَذَلَّهُمُ الشِّرْكُ وَالْمَعْصِيَةُ.
(3) عَنْ يَدٍ: عَنِ الْقِيَادِ، أَوْ عَنْ عَنِّى، مُسَلِّمِينَ لَهَا بِأَيْدِيهِمْ وَهُمْ مُسْتَسْلِمُونَ. (4) أَي الَّتِي ذُكِّيَّتْ ذَكَاةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا.
(5) غَايَةٌ وَنهَايَةٌ.
(6) رَئيسُ الدَّوْلَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَعْدَلُ الأَقْوَالِ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ فِيهِمُ الْغَنِيُّ الْمُفَرِّطُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَامَلَتِهِ بِمَا يَلِيقُ بِشَرْوَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمُ الْفَقِيرُ فَيُعَامَلُ حَسَبَ قَدْرَتِهِ وَكَسْبِهِ، وَالْبَائِسُ لا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ يُعْفَى مِنَ الْجِزْيَةِ؛ لأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْجِزْيَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ. وَأَحْكَامُ الْجِزْيَةِ مَذْكُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ.
(7) الدُّهْقَانُ بِالْكَسْرِ وَالصّم: هُوَ الرَّئيسُ، وَزَعِيمُ فَلاحِي الْعَجَمِ وَحَاكِمُ إِقْلِيمِ، وَالتَّاجِرُ وَمَالِكُ الْعَقَارِ وَكَثِيرُ الْمَالِ. (1/67)
صفحة 68
كتاب
68
الوضع
دِرْهَمَانِ فِي الشَّهْرِ، وَعَلَى الدُّونِ دِرْهَم فِي الشَّهْرِ.
وأَمَّا الْمَجُوس (1) فَأَحْكَامُهُمْ كَأَحكام أهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، إلا فِي الذَّبَائِحِ وَنِكَاحِ الْحَرَائِرِ مِنْهُم، فَهُمَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَوْ مَعَ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَشْرَكُوا فَهُمْ عَبَدَةُ الأَوْثَانِ (2)، فَأَحْكَامُهُمْ أَنْ يَدْعُوَهُمُ الإِمَامُ إِلَى الدخول في الإِسْلام؛ فَإِنْ دَخَلُوهُ فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَبَوْهُ وَحَادُّوهُ (3) نَاصَبَهُمُ الإِمَامُ الْحَرْبَ حَتَّى يُسْلِمُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ، وَيَحِلُّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ وَسَفْكُ دِمَائِهِمْ
({) -0
6 (0)
مَا دَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: بَلَوْتُ (5) الْيَهُودَ فَوَجَدْتُهُمْ قَدْ كَذَّبُوا عَلَى أَخِي مُوسَى، فَافْتَرَقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ، كُلُّهَا هَالِكَةٌ مَا خَلَاَ وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (الأعراف: 170)، وَبَلَوْتُ النَّصَارَى فَوَجَدْتُهُمْ قَدْ كَذَّبُوا عَلَى أَخِي عِيسَى، فَافْتَرَقُوا عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا هَالِكَةٌ مَا خَلَا وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ. [ابْنُ مَاجَهْ، (3992، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، (129]، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانَا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} (الْمَائِدَة:
(1) الْمَجُوسُ: هُمْ عَبَدَةُ النِّيرَانِ النَّاكِحُونَ لِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ (2) الأوْثَانُ: الأصنام، وَالْمُرَادُ كُلِّ مَنْ عَبدُوا غَيْرَ اللَّهِ.
(3) أَيْ: عَارَضُوهُ وَقَاوَمُوا الدَّعْوَةَ الإسلامية.
(4) أي: ضريبة.
(5) بَلَوْتُ: اختبرت (1/68)
صفحة 69
كتاب
69
الوضع
(82). "وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ، كُلُّهَا هَالِكَةٌ مَا خَلَا وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ (1) (الربيع، (41).
الأصول التي اختلفت فيها الأمة وكانت سبباً لتشعبها] ويَقُومُ افْتِرَافُ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ تِسْعَةِ أُصُولٍ، وَمِنْهَا تَشَعَبَتْ بِهِمُ الآرَاءُ حَتَّى وَقَعُوا فِي الْفُضُولِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ، وَالْعَدْلِ، وَالْقَدَرِ، وَالْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ، وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَأَنْ لا مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَالْأَسْمَاءِ وَالأَحكام.
أَمَّا التَّوْحِيدُ: فَقَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ فِي اسْمٍ وَلَا صفةٍ وَلاَ ذَاتِ، فَنَقَضَتِ الْمُسْبِّهَةُ قَوْلَهُمْ حِينَ شَبَّهوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مَقَالَةٌ، وَرَدَّهَا الْفَرَّاءُ إِلَى أَرْبَعِ
(1) لَعَلَّ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ نَأْخُذَ بِقَوْلِ شَمْسِ الدِّينِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَرْجِلَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ عَلَى مَا بَلَغَهُ مِنَ الإِسْلامِ وَكَانَ وَرِعًا فِي دِينِهِ غَيْرَ مُرْتَطِيمٍ بِالتَّصْويبِ وَالتَّحْطِيَةِ تُرْجَى لَهُ النَّجَاةُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى شامِلاً لِكُلِّ مَنْ عَلَى الإِسْلَامِ عَامِلاً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِهِ، مَعَ السَّلاَمَةِ مِنْ قَالَةِ السُّوءِ فِي الْمُسْلِمِينَ؛ لأَنَّهُ عَمِلَ بِمَا كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ دِينِهِ جَهْدَ اسْتِطَاعَتِهِ، عَلَى أَنَّ النَّاجِيَةَ بَيْنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: هِيَ الَّتِي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي [التَّرْمِذِي، ر 2641، وَالطَّبَرَانِي الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ، (7659). فَالَّذِينَ هُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِالدِّيْنِ عَقِيدَةً وَقَوْلاً وَعَمَلاً هُمُ النَّاجِيَةُ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي أَصْحَابِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لَأَنَّهُمُ الْمُتَزَّهُونَ لِلَّهِ كَمَالَ التَّنْزِيهِ، الْعَامِلُونَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. (1/69)
صفحة 70
كتاب
V.
الوضع
مقالات: إحْدَاهَا مَقَالَةُ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَمَنْ شَايَعَهُ، زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ طَوِيلٌ عَرِيض لَحْمٌ وَدَمٌ، وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ طَوِيلٌ عَرِيض، وَلَا يَقُولُونَ بِلَحْمٍ وَلَا بِدَمٍ وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ جَوَارِحُ كَجَوَارِحِ الإِنْسَانِ، مِنَ الْعَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ، وَوَقَفُوا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ عُلُوا كَبِيرًا، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا قَالُوا وَضَلُّوا ضَلَالَا بَعِيدًا.
وَأَمَّا الْعَدْلُ؛ فَأَجْمَعُوا (2) عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَدَلٌ، لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْجَوْرُ وَلاَ يُوصَفُ بِهِ، فَنَقَضَتِ الْمُجَبَّرَةُ (3) إِجْمَاعَهُمْ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْبَرَهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمُ الَّتِي زَجَرَهُمْ عَنْهَا، ثُمَّ عَذَبَهُمْ عَلَيْهَا، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السَّجْدَة: (17) وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ بِمَا قدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) (آل عِمْرَانَ: (182).
وَأَمَّا الْقَدَريَّةُ: فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوفٌ؛
فَنَقَضَتِ الْقَدَرِيَّةُ (4) قَوْلَهُمْ قَوْلَهُمْ بِزَعْمِهِمْ
أنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُق أَفْعَالَهُمْ))
(0).
(1) كَفَرُوا كُفْرَ شِرْك. (2) أَيْ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ.
(3) سُمُّوا مُجَبرَةً؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الإِنْسَانَ مُسيَّرٌ لاَ مُخَيَّرٌ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ جَهُمُ بْنُ صَفْوَانَ
وَأَصْحَابه
(4) هُمْ وَاصِلُ بْنُ عَطَاء وَأَصْحَابُهُ، وَهُمُ الْمُعْتَزلَةُ.
(5) أَي الأَفْعَالَ الْقَبِيحَةَ مِنْهُمْ، زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَصْدُرُ مِنْهُ مَا لَا يَرْضَى لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:
ولا يرضى العِبَادِ والكفر) (الزمر، 07) (1/70)
صفحة 71
كتاب
71
الوضع
وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (1) (الصَّافات:
(96
وَأَمَّا الْوَلايَةُ وَالْعَدَاوَةُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْمُوَحَدُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونَ (2)، عَلِمَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ لا بِعِلْمٍ مُتَجَدِّدٍ حَاصِلٍ فِي ذَاتِهِ بِالْحُلُولِ وَالانْتِقَالِ، فَنَقَضَتِ الْحَسَنِيَّةُ قَوْلَهُمْ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ وَلَايَةَ اللَّهِ وَعَدَاوَتَهُ تَتَقَلَّب (3)، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ؛ يَعْنِي: فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي هَذَا (الْحَجِّ 78)؛ يَعْنِي الْقُرْآنَ.
وَأَمَّا الأَمْرُ وَالنَّهْيُّ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْمُوَحَدُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى عِبَادِهِ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، فَنَقَضَتِ النُّكَاتُ (4) قَوْلَهُمْ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ الإِمَامَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ) عَلَى النَّاسِ،
(1) زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى: خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ مِنَ الأَصْنَامِ [الكشاف، ع/52]. (2) هَذَا فِي تَعَلَّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ أَنْ لَوْ كَانُوا عَامِلِينَ الطَّبَرَانِيُّ: الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ، (11906، وَالْبَزار، (7989]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي شَأْنٍ أَهْلِ النَّارِ: {وَلَوْرُدُّ والعَادُ والمَا نُهُوا عَنْهُ الأَنْعَامِ، (28. قَالَ فِي السُّؤالات: "الْقَدَرُ مَعْنَاهُ انْتِهَاء الأمور إلَى أَوْقَاتِهَا وَارْتجَاعُهَا إِلَى مَقْدُورِهَا".
اهـ
(3) هَذَا قَوْلُ النُّكَارِ - الْيَزِيدِيَّةِ - يَقُولُونَ بِتَقَلُّب ولآيَةِ اللَّهِ وَعَدَاوَتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُسْتَمَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّهُ تَعَالَى تَبْدُو لَهُ الْبَدَوَاتُ، وَهُوَ يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِ الشَّيعَةِ أَيْضًا. (4) النكات: هُمُ الْيَزِيدِيَّةُ، ثُمَّ هُمُ التَّكَارُ، ثُمَّ هُمُ النَّجَوِيَّةُ، ثُمَّ مُستَاوَةٌ، وَتَفْصِيلُهَا فِي تَارِيخنَا. (1/71)
صفحة 72
كتاب
72
الوضع
وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأُولِي الأَمِّي مِنكُم (2) (النِّسَاء، 59)، وَقَوْلُ الرَّسُولِ: إِنْ أَمَرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مَجدُوعُ الْأَنْفِ وَأَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ
وَسُنَّتِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ. [الربيع، ر 819، وَالْبُخَارِي، (6723].
وَأَمَّا الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْمُوَحَدُونَ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، فَنَقَضَتِ الْمُرْجِيَّةُ قَوْلَهُمْ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وَعِيدَهُ، وَلَا يُخلِف وَعْدَهُ، وَاعْتَلُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْكَرِيمَ مِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا أَوْعَدَ أَحَدًا بِشَرٌ ثُمَّ أَخلَفَ وَعِيدَهُ وَعَفَا؛ كَانَ ذَلِكَ مَدْحًا لِلْكَرِيمِ، وَاحْتَجُوا أَيْضًا بِقَوْلِ
الشاعر: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
والْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَولُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ الْعَبِيدِ) (الدَّارِيَات)، (29) ثُمَّ قُلْنَا لَهُمْ: حَيْثُ رَجَعْتُمْ إِلَى دَلَالَةِ الشَّعْرِ (3 وَقَدْ قَالَ
() ().:
(1) الإِمَامَةُ: الرِّئَاسَةُ الْعَامَّةُ، تَحِبُّ عِنْدَ شُرُوطِهَا، وَهِيَ قُوَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَجْمَعَةُ لِكُلِّ مَا يَقْتَضِيهِ الاسْتِقْلَالُ النَّامُ مِنْ رِجَالِ وَعِلْمٍ وَمَالٍ، وَهِيَ نِظَامُ الإِسْلَامِ. (2) أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَةِ أُولِي الأَمْرِ الْعَامِلِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسَنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ نَسِينَا مُحَمَّدٌ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَإِلا فَالْعَبْدُ لَا تَجُورُ إِمَامَتُهُ لِلصَّلاةِ، فَكَيْفَ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا رَدَّ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا
فِي قُرَيْشٍ (3) مِنَ الْعَجَبِ كَيْفَ يُستدَلُ بحال مَنْ تَبْدُو لَهُ الْبَدَوَاتُ، وتَتَحَكُمُ فِيهِ الْعَوَاطِفُ وَهُوَ الْمَخْلُوقُ عَلَى الْخَالِقِ ذِي الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ، وَالْحَقِّ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَخَلَّفِ وَعِيدِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْقَوْلِ بِالْبَدَاءِ عَلَى اللَّهِ. (4) وَلَا يَصحُ الرُّجُوعَ إِلَى دَلَالَةِ الشَّعْرِ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، وَكُلُّ مِيزَانِ لِلأَخْلَاقِ غَيْرَ مِيزَانِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ فَلَا تَشْرِ بُو ابو الْأَمْثَالُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل، 74) وَلَوْ صَحت (1/72)
صفحة 73
الشَّاعِرُ:
كتاب
73
الوضع
قَوْمٌ إِذَا وَعَدُوا أَوْ أَوْعَدُوا غَمَرُوا صِدْقَ الرِّوَايَةِ مَا قَالُوا بِمَا فَعَلُوا
or
وَأَمَّا الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ: فَهِيَ مَنْزِلَةُ النِّفَاقِ (1) بَيْنَ مَنْزِلَةِ الإِيمَانِ
وَمَنْزِلَةِ الشِّرْكِ، وَزَعَمَتِ الْمُرْجِيَّةُ أَنْ لاَ مَنْزِلَةَ بَيْنَ مَنْزِلَتَي الشِّرْكِ وَالإِيمَانِ، وَجَعَلُوا الإِيمَانَ كُلَّهُ تَوْحِيدًا، وَجَعَلُوا الْكُفْرَ (2) كُلَّهُ شِركًا، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب، 73). وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لاَ مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ؛ أَي لا مَنْزِلَةَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالشِّرْكِ (3) بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإِنْسَان، (3)؛ يَعْنِي: إِمَّا مُقِرُّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَإِمَّا جَاحِدٌ لَهَا (4).
أَقْوَالُ الشُّعَرَاءِ فِي تَقْدِيرِ القيم الأخلاقِيَّةِ لَمَا كَانَتْ لَنَا حَاجَةٌ إِلَى بَعْثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُتَمِّما لمكارم الأخلاقِ، وَكَمْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ نَظَائِرَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. (1) النَّفَاقُ: الاعْتِقَادُ وَالإِقْرَارُ ثُمَّ الْخِيَانَةُ فِي الْعَمَلِ. وَقَدْ بَينَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَلَوْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اثْتُمِنَ خَانَ" [الرَّبِيعُ، 936. وَالْبُخَارِيُّ، (33]. (2) وَالْكُفْرُ عِنْدَنَا كَمَا يَأْتِي: كُفْرٌ هُوَ الشِّرْكُ، وَكُفْرٌ كَفْرُ النِّعْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِكُفْرِ دُونَ كُفْرٍ. وَذَلِكَ أَنَّ مُرْتكِبَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ مُسْتَحِلَّ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا بِإِجْمَاعِ
الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَافِرُ لِنَعْمَةِ الإِسلام.
(3) كَذَا فِي الأُصول. (4) وَلَعَلَّ الْحَقِّ إِمَّا مُوَفِّي بِالدِّينِ، وَإِمَّا لَمْ يُوَفِّ بِهِ، وَهُوَ الْكَفُورُ مُبَالَغَةٌ، السَّامِلُ لِلْكَافِرِ
بِاللَّهِ وَالْكَافِرِ لِلنِّعْمَةِ. (1/73)
صفحة 74
كتاب
74
الوضع
وأَمَّا الأَسْمَاءُ وَالأَحْكَامُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْمُوَحَدُونَ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَابِعَةٌ للأحكام، فَنَقَضَ ذَلِكَ عِيسَى بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، بِزَعْمِهِمَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ (1) بَعْدَمَا اسْتَحَلاً مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَرَّمَا
مِنْهُمْ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
(1) أَيْ: مُوَحْدُونَ عِنْدَهُمْ. (1/74)
صفحة 75
فَصل
[معاني الطاعة والمعصية والإيمان والكفر والخلاف فيها]
وأكثر اختِلافِ الأُمَّةِ فِي مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْأَسْمَاءِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الطَّاعَةَ وَالإِيمَانَ
كله
كِلاهُمَا تَوْحِيدُ، وَالْمَعْصِيَةَ وَالْكُفْرَ كِلاَهُمَا شِرْكٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الإِيمَانُ تَوْحِيدُ، وَالطَّاعَةُ مِنْهَا تَوْحِيدٌ وَغَيْرُ تَوْحِيدِ، وَالْكُفْرُ كُلُّهُ شِرْكٌ، وَالْمَعْصِيَةُ مِنْهَا
شرْكٌ وَغَيْرُ شِرْكِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الطَّاعَةُ كُلُّ مَا قَارَنَهُ الْأَمْرُ مِنْ تَوْحِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ وَالإِيمَانُ كُلُّ مَا قَارَنَهُ الثَّوَابُ مِنْ تَوْحِيدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَعْصِيَةُ كُلُّ مَا قَارَنَهُ النَّهْيُ مِنْ شِرْكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْكُفْرُ كُلُّ مَا قَارَنَهُ الْعِقَابِ مِنْ شِرْكِ أَوْ غَيْرِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ الأَخِيرُ هُوَ قَوْلُنَا، وَبِهِ دَانَ أَهْلُ مَذْهَبِنَا، وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُنَا.
وَأَمَّا التَّوْحِيدُ: فَكُلُّ مَا قَارَنَهُ الإِفْرَادُ وَالإِفْرَادُ تَرْكُ مُسَاوَاةِ الْخَالِقِ
بِالْمَخْلُوقِ، وَالْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ.
وَأَمَّا الشَّرْكُ: فَكُلُّ مَا قَارَنَهُ السَّسَاوِي، وَالسَّسَاوِي هُوَ وَصَفُ الْخَالِقِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِ، أَوْ وَصَفُ الْمَخْلُوقِ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ. (1/75)
صفحة 76
كتاب
76
الوضع
الإيمان والكفر والنفاق لغة وشرعاً]
وقَدْ يَكُونُ الإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ التَّصْدِيقَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لنا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ) (يُوسُف، (17)؛ أَي بِمُصَدِّقِ لَنَا، وَالْكُفْرُ فِي اللُّغَةِ الْغِطَاءُ وَالسَّتْرُ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِرًا؛ لأَنَّهُ يَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ
بِظُلْمَتِهِ.
قَالَ الشَّاعِرُ يُذَكَّرُ الْهَقْلَةَ وَالظَّلِيمَ:
فَتَذَكَّرَا ثَقَلَا رَئِيدًا بَعْدَمَا أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِرِ (1)
وَقَالَ آخَرُ:
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدَا فِي كَافِرٍ وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ النُّغُورِ ظَلَامُهَا (2)
وَقَالَ آخَرُ:
يَعْلُو طَرِيقَةً مَتْنِهَا مُتَوَاتِرًا فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (3)
وسُمِّيَ الْحَرَّاثُ كَافِرًا؛ لأَنَّهُ يَسْتُرُ الْبِدْرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَمَثَلِ غَيْثٍ
(1)
أَعْبَ الكُفَّارَ (1) نباته (الْحَدِيد، (20) يَعْنِي الزُّرَّاعَ.
(1) الْهَمْلَةُ: أُنثَى النَّعَامِ وَالظَّلِيمُ: الذَّكَرُ. وَالنَّقْلُ بِفَتْحِ وَسُكُونِ: الْبِيضُ وَالرَّبَّيدُ: الْمُتَرَاكِبُ. وَذُكَاهُ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْهَمْرُ: الشَّمْسُ وَالْكَافِرُ: اللَّيْلُ (2) أَلْقَتْ أَي الشَّمْسُ وَالْيَدُ الذَّاتُ أَي نَفْسَهَا الْكَافِرُ: اللَّيْلُ أَجَنَّ سَتْرَ عَوْرَاتٌ جَمْعُ عَوْرَةٍ: مَنَافِذُ الأَرْضِ الَّتِي يُحْشَى مِنْهَا الْعَدُرُّ، وَتُسَمَّى النُّفُورَ، وَالإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ. (3) الْمَتْنُ: الظَّهْرُ، وَالضَّمِيرُ لِلنَّاقَةِ، أَي يَرْكَبُهَا، سَتَرَ الْغَمَامُ نُجُومَهَا. (1/76)
صفحة 77
كتاب
77
الوضع
عنترة:
وأَمَّا الْكُفْرُ فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ الاسْتِفْسَادُ (2) إِلَى وَلِيُّ النِّعْمَةِ؛ وَقَدْ قَالَ
(3)
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي وَالْكُفْرُ مَحْبَتَةٌ لِنَفْسِ الْمُنْعِم) وَأَمَّا النَّفَاقُ: فَأَصْلُهُ الْخُلْفُ (4) وَالْكَذِبُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (التَّوبة، 77)، وَقَوْلِ الرَّسُولِ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ: "إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اثْتُمِنَ خَانَ
الربيع، (936. وَالْبُخَارِي، (33).
وَأَمَّا الإِسْلامُ فِي اللُّغَةِ: فَهُوَ الانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذَبًا زُلَاَلَا (5)
(1) الْكُفَّارُ: جَمْعُ كَافِرِ، أَي الزُّرَّاعَ.
(2) الاسْتِفْسَادُ: مَعْنَى لُغَوِيٌّ فِيمَا يَتَبَادَرُ، وَمَعْنَى الْكُفْرِ شَرْعًا: ارْتِكَابُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعِقَابَ، فَذَلِكَ سَتْرُ النِّعْمَةِ بِتَرْكِ أَدَاءِ شُكْرِهَا، وَمِنْ نِعَمِ اللَّهِ آيَاتُهُ الدَّالَّهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ، الَّتِي كُثيفَتْ لِذَوِي الْعُقُول أَنَّ خَالِقَهَا وَاحِدٌ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُعْجِزَاتُ وَالْبَرَاهِينُ
الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ
(3) مَحْبَتَةٌ صِفَةٌ مُفْسِدَةٌ.
(4) أَي أَصْلُ النِّفَاقِ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ. وَإِلا فَالنِّفَاقُ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ الْمَدْحَلِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ
وَكِتْمَانُ شَيْءٍ وَإِظْهَارُ خِلَافِهِ.
(0) زلالاً: سَهْلاً عَذَبًا سَائِعًا صَافٍ سَلِسًا. (1/77)
صفحة 78
[صفحة فارغة] (1/78)
صفحة 79
فَصْلٌ
بعض الملل والفرق ومعاني أسمائها]
(Y).
(1).
وَسُمِّيَ الْيَهُودُ يَهُودًا لِتَهْوِيدِهِمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ. وَقِيلَ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ. وَقِيلَ: لا تُبَاعِهِمْ يَهُودَ بْنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَسُمِّيَ النَّصَارَى نَصَارَى لِتُزُولِهِمْ قَرْيَةٌ تُسَمَّى نَاصِرَة) وقِيلَ لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَسُمِّيَ الصَّابِئِينَ صَابِئِينَ لِصَبْوِهِمْ مِنْ دِينِ إِلَى دِينِ، وَسُمِّيَ الْمُرْجِنَةُ مُرْجِنَةٌ لإِرْجَائِهِمْ أَهْلَ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يَقْطَعُوا فِيهِمْ قَطْعًا. وَقِيلَ: لإِرْجَائِهِمْ عَلِيًّا وَلَمْ يَعُدُّوهُ رَابعًا مِنَ الْخُلَفَاءِ. وَالإِرْجَاءُ فِي اللُّغَةِ التَّأْخِيرُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ارْجِهْ وَأَخَاهُ} (الشعراء، (26)؛ أَي أَخَره (3) وَسُمِّيِّتِ الْقَدَرِيَّةُ قَدَرِيَّةٌ لِنَفْيِهِمُ الْقَدَرَ
(1) ذَكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنَّ اسْمَهَا نَصْرَة.
(2) أي: لِمَيْلِهِمْ، وَقِيلَ: اخْتَارُوا مَطَائِبَ التَّوْرَاةِ وَمَطَائِبَ الإِنْجِيلِ فَقَالُوا: أَصَبْنَا دِينًا. (3) قَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ: مِمَّا يُسْتَدَلُ بِهِ عَلَى ظَرَافَةِ أَهْلِ مِصْرَ وَجَلَافَةِ أَهْلِ الشَّامِ، أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ لَمَّا دَعَاهُمْ مُوسَى إِلَى الإِسْلامِ قَالُوا: أَرْجِهْ وَأَخَاهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا دَعَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الإِسْلَام قَالُوا: حَرِّقُوهُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَهْلُ الْعِرَاقِ؛ لأَنَّ النَّمْرُودَ أَشْورِي، وَاللهُ أَعْلَمُ (1/79)
صفحة 80
كتاب
80
الوضع
عَنْ أَفْعَالِهِمْ. وَسُمِّيتِ الْمُعْتَزِلَةُ مُعْتَزِلَةً: لاعْتِرَالِهِمْ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وقِيلَ: لاعْتِرَالِهِمْ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ (2) مُؤْمِنًا وَكَافِرًا. وَسُمِّيتِ النُّكَاثُ (3) بُكَانًا:
فيهِمْ بَيْعَةَ الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هِ، وَسُمُوا نُكَارًا لِإِنْكَارِهِمْ
لها.
(1) تقوا عَنِ اللَّهِ خَلْقَ أَفْعَالِهِمْ وَتَقْدِيرَهَا.
(2) لَعَلَّ تَحْقِيقَ الْقَوْلِ أَنَّهُمُ اعْتَزَلُوا الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، فَلْتُرَاجَعْ. (3) نُكَانَا لِنَكيْهِمْ بَيْعَةَ الإِمَام عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّسُتُمِي بَعْدَ أَنْ بَايَعُوا وَصَارَتِ الْبَيْعَةُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَبِذَلِكَ سُمُّوا نُكَارًا أَيْضًا، وَسُمُّوا نَجوِيَّةٌ لِكَثْرَةِ تَنَاجِيهِمْ لَيْلَةَ مُؤَامَرَتِهِمْ عَلَى قَتْلِ الإِمَامِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلْ فِي التَّارِيخ، وَسُمُّوا غُدَّارًا لِمُحَاوَلَتِهِمُ الْغَدْرَ بِالإِمَامِ، وَسُمُّوا مَلاحِدَةً لِإِلْحَادِهِمْ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ. (1/80)
صفحة 81
فَصْلٌ
قَوَائِمُ الدِّينِ وَأَرْكَانُهُ وَمَسَالِكُهُ وذكر بعض الأَئمة]
ولِلدِّينِ قَوَائِمُ (1) وَأَرْكَانُ، وَمَسَالِكُ وَمَجَارِيَ وَحُدُودٌ، وَأَفْرَازُ وَأَحْرَانٌ. فَقَوَائِمُهُ أَرْبَعَةُ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وَالنَّيَّةُ وَالْوَرَعُ، وَأَرْكَانُهُ أَربَعَةٌ: الاسْتِسْلامُ لأَمْرِ اللهِ، وَالرّضا بقضاءِ اللَّهِ، وَالتَّوَكُلُ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ وَمَسَالِكُهُ أربعَةُ: الظُّهُورُ (2) كَأَيَّامٍ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَالدَّفَاعِ (3)، كَأَيَّامٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الراسي، وَالْكِثْمَانُ كَأَيَّامٍ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُمَا الله (xt(5).
(1) قواعد
و
(2) الظهور: الاستقلالُ التَّامُّ مَعَ ظُهُورِ الأحكام الشَّرْعِيَّةِ كَالْمِثَالِ، وَالظُّهُورُ هُوَ الأصل الْمَأْمُورُ بِهِ الَّذِي يَجِبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَيْهِ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا تَحِلُّ الاستكانة للأجنبي
(3) وَالْحَقِّ أَنَّ إِمَامَةَ الْإِمَامِ ابْنِ وَهْبٍ ظُهُورٌ لا دِفَاعٌ؛ لأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ نُويِعَ فَدَعَا النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ، وَقَدْ وَضَحَنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةً فِي التَّارِيخِ بِمَا يَشْفِي الْغَلِيلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(4) قَدْ أَتَيْنَا عَلَى تَرَاجِمِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِ التَّارِيخِ، فَفِيهِ الْكِفَايَةُ. (5) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: هُمَا أَئِمَّةُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ، أَمَّا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فَهُوَ أَزْدِي عُماني. قَالَ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّمَاخِيُّ - صَاحِبُ السِّيرِ: بَحْرُ الْعِلْمِ وَسِرَاجُ الدِّينِ، أَصْلُ الْمَذْهَبِ وَأُمُّهُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ آطَامُهُ، صَاحِبُ ابْنِ عَبَّاسِ هِ، وَكَانَ أَشْهَرَ مَنْ صَحِبَهُ وَقَرَا عَلَيْهِ الدُّرْجيني: الطبقات، 205/ 2 - 214، والشماخي: السير، 67/ 1 - 72]، وأما أبو عُبَيْدَةً فَأَفْضَلُ أَصْحَابِ جَابِرٍ، وَهُوَ مَوَلَّى لِبَنِي نَعِيمٍ، كَانَ يُعَلِّمُ تَلَامِذَتَهُ - = (1/81)
صفحة 82
كتاب
82
الوضع
A
والشراء (1)
كَأَيَّامِ أَبِي بِلاَلِ مِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمَجَارِيهِ ثَلَاثَةٌ (2): الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإجْمَاعُ، وَحُدُودُهُ ثَلاثَةٌ: عِلْمُ مَا لَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنِ كَالتَّوْحِيدِ، وَفِعْلُ مَا لاَ يَسَعُ النَّاسَ تَرَكُهُ كَالْفَرَائِضِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ (3)، وَتَرْكُ مَا لَا يَسَعُ النَّاسَ فِعْلُهُ كَالْمَعَاصِي وَأَفْرَارُهُ (4) ثَلَاثَةٌ: وَفَاءُ الْمُؤْمِنِ، وَتَضيعُ الْمُنَافِقِ، وَجُحُودُ الْمُشْرِكِ. وَأَحْرَازُه (5) ثَلَاثَةٌ: وِلَآيَةُ الْمُؤْمِنِ الْمُوَفِّي، وَبَرَاءَةُ الْمُنَافِقِ وَالْمُشْرِكِ، وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْمَجْهُولِ حَتَّى يُعْلَمَ. وَلِلْكُفْرِ قَوَائِمُ وَأَرْكَانُ، فَقَوَائِمُهُ أَرْبَعَةُ: الْكِبْرُ، وَالْحَسَدُ، وَالْعَصَيَّةُ، وَالْجَهْلُ. وَأَرْكَانُهُ أَربَعَةُ: الرَّعْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ.
حَمَلَةَ الْعِلْمِ فِي غَارِ خَارِجَ الْبَصْرَةِ مُسْتَخْفِيًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَقَدْ تَخَرَّجَ عَلَيْهِ أَيْمَةٌ أَفَاضِلُ
رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ (1) الشَّرَاءُ: بَيعُ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وإِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَن لَهُمُ الجَنَّةَ} (التّوبَة، (111)، وَقَدْ حَقَّقْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى
فِي التَّارِيخ. (2) شَبَّهَ رَحِمَهُ اللهُ الدِّينَ بِالْبُسْتَانِ لَهُ مَجَارٍ يُسْقَى بِهَا. وَاقْتَصَرَ عَلَى الإِجْمَاعِ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَمَدُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالَّذِي فِي عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ كَمَالُ الدِّينِ ثَلَاثَةُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ
وَالرَّيُّ، فَهَذَا أَسْمَلُ؛ لأَنَّ الرَّأْيَ يَسْمَلُ الْقِيَاسَ وَالإِجْمَاعَ، وَهُمَا مِنْ أُصُولِ التَّسْرِيع. (3) الْفَرَائِضُ: الأحكامُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ تَحْتَوِي عَلَى الأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَالتَّكَالِيفُ كُلُّهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ لَا تَعْدُو هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ
(4) الأَفْرَازُ جَمْعُ فَرْز: أَي فَرْزُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمُنَافِقِ وَالْمُشْرِكِ؛ لأَنَّ حُقُوقَ الْمُؤْمِنِ خَاصَّةٌ بِهِ،
فَوَجَبَ فَرْزُهُ مِنْ غَيْرِهِ
(5) الْحِرْز: الصيانة. (1/82)
صفحة 83
فَصْلٌ
ذكر ما لا يسع جهله وما يسع من العلوم]
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلُومَ ثَلَاثَةٌ: عِلْمُ مَا لاَ يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَعِلْمُ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ إِلَى الْوُرُودِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَعِلْمُ مَا يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا (1).
فَأَمَّا عِلْمُ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ: فَهُوَ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ، لَا يَسَعُ جَهْلُهُمَا؛ لأَنَّ مَنْ جَهِلَ الشِّرْكَ لَمْ يَعْلَم التَّوْحِيدَ، فَوَجَبَتْ (2) مَعْرِفَتُهُمَا
(2)
مَعَ أَوَّلِ الْبُلُوغ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: سِتَّةٌ تَكُونَ (3) مَعَ سِتَّةِ: التَّكْلِيفُ وَالْبُلُوغُ وَالأَمْرُ والنهي، وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ، وَالْوَلايَةُ وَالْبَرَاءَةُ، وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ،
وَالْمَنُ وَالدَّلائِل (4) (5)
(1) يَعْنِي: مَا لَمْ يَحتج إِلَيْهِ.
(2) وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ؛ لأَنَّ الشَّيْءَ يُدْرَكُ إِدْرَاكًا وَافِيًا إِذَا عُرف بضده.
(3) تَكُونُ: أَي تَلْزَمُ كَمَا فِي الْعَقِيدَةِ: سِتَّةٌ تَحِبُّ مَعَ سِتَّةٍ (4) الْمَنُ: التَّفَضُلُ بِالإِنْعَامِ عَلَى الْخَلَائِقِ وَالدَّلائِلُ: الْكَائِنَاتُ، وَسَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ هِيَ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ وَالربوبية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وان فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اليلِ وَالنَّهَارِ لايت لأولي الألْبَب) (آل عمران (19). (5) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الْمَنُ: مَعْرِفَةُ أَنَّ جَمِيعَ النَّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَفَضُّلاً وَإِحْسَانًا، وَهَذَا يَنْفِي عَنْكَ الْعُجْبَ الَّذِي هُوَ مَحْبَطَةٌ لِلْعَمَلِ وَالدَّلائِلُ: جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ الْوَاحِدِ الْقَادِرِ جَلَّ جَلالُهُ. (1/83)
صفحة 84
كتاب
84
الوضع
[التكليف لغة وشرعاً]
أَمَّا التَّكْلِيفُ فِي اللُّغَةِ: فَهُوَ تَحَملُ مَا يَشْقُ عَلَى النَّفْسِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ وَمَنْ لِي بِالصَّلَائِقِ وَالصَّنَابِ
وَقَالَ آخَرُ:
(2) (1)
سمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشَ ثَمَانِينَ عَامًا لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمُ
وَأَمَّا التَّكْلِيفُ فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ الْإِلْرَامُ وَالإِيجَابُ لِلْفَرَائِضِ.
[البلوغ وعلاماته]
وأَمَّا الْبُلُوغُ فَيَقَعُ بِخَمْسَةِ أَوْجُهِ، يَسْتَرِكُ الذَّكُورُ وَالإِنَاتُ فِي ثَلَاثَةِ، وتَنْفَرِدُ الإِنَاتُ بِاثْنَتَيْنِ. أَمَّا الأَوْجُهُ الْمُسْتَرِكَاتُ بَيْنَهُمْ: فَالنَّبَاتُ وَالاحْتِلامُ (3) وَالسَّنُونَ (4)، وَأَمَّا الاثْنَتَانِ الْمَحْصُوصَتَانِ بِالإِنَاثِ: فَالْحَيْضُ وَالْحَمْلُ
(1) الصَّلَائِقُ: الرِّقَاقُ مِنَ الْخَبْزِ، وَالصَّنَابُ: إِدَامٌ مِنَ الْخَرْدَلِ وَالرَّبِيبِ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: الصَّلائِقُ الْخَيْزُ الرِّفَاقِ وَالصَّنَابُ: إِدَامَ يُصْنَعُ مِنَ الْخَرْدَلِ وَالرَّبِيبِ. (3) النَّبَاتُ: ظُهُورُ الشَّعْرِ تَحْتَ الإِبْطِ وَالْعَوْرَةِ، فَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ وَالاحْتِلامُ: خَرُوجُ الْمَنِي الْمُنْدَفِقِ مِنَ الْإِنْسَانِ بِجِمَاعِ فِي النَّوْمِ
(4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: فَالنَّبَاتَ: أَي نَبَاتُ الشَّعْرِ الأَسْوَدِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ الإِبِطِ وَالْعَانَةِ، أَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتِ الكِنِّي سَمِعْتُ الشَّيْحَ مِرَارًا يُؤكد بأن لا إثبات إلا فِي الْعَانَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالاحْتِلامُ لِلْجِنْسَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الصَّحِيح والسنونَ أَكثرُ مَا قِيلَ فِيهِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَزَادُوا تَكَعَبَ النَّدَتَيْنِ لِلإِنَاثِ، وَغِلَظَ الصَّوْتِ فِي الذَّكُورِ. (1/84)
صفحة 85
كتاب
85
الوضع
وَأَمَّا الأَمْرُ وَالنَّهْيُّ: فَهُمَا يَفَعَانِ مَعَ أَوَّلِ الْبُلُوغِ مَعَا عَلَى الْمُكَلِّفِ فِي حالة التكليف، وَمَعْنَاهُمَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَمَنْهِي عَنِ الْكُفْرِ
وَالْمَعَاصِي.
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ: فَهُمَا تَجِبَانِ مَعَا عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي حَالَةِ
التكليف)
(1)
الواجب في حق الله عز وجل وما لا يجوز]
وَقَدْ قِيلَ: يُعْرَفُ اللَّهُ بِثَلَاثَةٍ: وَاجِب وَجَائِرٍ وَمُسْتَحِيلِ. فَالْوَاجِبُ: الألوهِيَّةُ وَالرُّبُويَّةُ وَالْوَحْدَانِيَّةُ، وَالْجَائِزُ الْخَلْقُ وَالإِفْنَاء وَالإِعَادَةُ (2).
والْمُسْتَحِيلُ: الشَّرِيكُ وَالصَّاحِبَةُ وَالْوَلَدُ.
الواجب في حق الرسول وما لا يجوز]
ويُعْرَفُ الرَّسُولُ بِثَلَاثَةٍ: وَاجِب وَجَائِرٍ وَمُسْتَحِيلٍ؛ فَالْوَاجِبُ: الصَّدْقُ والرسالةُ وَالتَّبْلِيعُ وَالْجَائِرُ: النَّوْمُ وَالْغَلَطُ وَالنِّسْيانُ (3). وَالْمُسْتَحِيلُ: الْكَذِبُ وَالْغِسُ وَالْخِيَانَةُ.
(1) فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، يَعْنِي: تَجِب مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ مَعًا، لَا يُغْنِي الْإِنْسَانَ مَعْرِفَةٌ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ؛ لأنَّ الإِيمَانَ بِاللَّهِ يَستَلْزِمَ الإِيمَانَ بِالرَّسُولِ، فَالْمَعْرِفَتَانِ
مفترنتان.
(2) الْخَلْقُ: الإِيجَادُ، وَالإِفْنَاهُ: إِعْدَامُ الْمَوْجُودَاتِ وَالإِعَادَةُ: الْبَعْثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (3) الْغَلَطُ وَالنِّسيَانُ: أَي الصَّفَاتُ الَّتِي هِيَ مِنَ الْبَشَرِيَّةِ مِمَّا لَا يَفْدَحُ فِي الرِّسَالَةِ وَلَا فِي الْعِصْمَةِ، والنسيانُ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْعُقَلَاءِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ = (1/85)
صفحة 86
كتاب
86
الوضع
الولاية والبراءة وأقسامهما]
وَأَمَّا الْوَلايَةُ وَالْبَرَاءَةُ: فَيَقَعُ وُجُوبُهُمَا مَعَ أَوَّلِ الْبُلُوغِ فِي حَالِ التَّكْلِيفِ، أَمَّا الْوَلَايَةُ فَتَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامِ القِسْمُ الأَوَّلُ: وَلَايَةُ الجُمْلَةِ، أَعْنِي جُمْلَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ (1) أَحْيَاء وَأَمْوَانَا؛ مَعْلُومِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ وَالثَّانِي: وَلَآيَةٌ الْمَعْصُومِينَ (2) (وَالْمَمْدُوحِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَوْصُوفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالإِحْسَانِ وَالثَّالِثُ: وَلاَيَهُ إِمَامِ الْعَدْلِ وَجَمِيعِ مَنْ سَمِلَتْهُ بَيْضَتُهُ (3) وَطَاعَتُهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَنَا مِنْ أَحَدٍ مَا يَبْرَأُ مِنْهُ وَالرَّابِعُ: وَلَآيَةُ) الْمَحْصُوصِ بِنَفْسِهِ الْمُعَيَّنِ بِشَحْصِهِ إِذَا ظَهَرَ لَنَا مِنْهُ الْوَفَاء بِدِينِ
الله.
وَسُرُوطُ وُجُوبِ الْوَلَايَةِ أَرْبَعَةٌ: مَنْظُورُ الْعَيْنِ مَرْضِيٌّ، وَمَسْمُوعُ الأُذُنِ تَرْضِيُّ، وَمَقْبُولُ الْقَلْبِ مَرْضِيُّ يُّ الْحَالِ، وَمُوَافَقَةُ الشَّرِيعَةِ وَالْمَذْهَبِ؛ وَيَزِيدُونَ
فَإِنَّ الأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْسَى شَيْئًا مِنَ التَّبْلِيغِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَعِنْدِي أَنَّهُ أَكْمَلُ الْبَشَرِيَّةِ عَقلاً وَذَاكِرَةٌ وَحِفْظًا، وَلَوْلَا خَوْفُ الإِطَالَةِ لَذَكَرْتُ كَثِيرًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ ذَاكِرَتِهِ، فَلْيُطْلَبُ فِي كِتَابِنَا الْعِصْمَةِ. (1) الثَّقَلَيْنِ: الإِنْسِ وَالْجِنُّ؛ سُمُّوا ثَقَلَيْنِ قِيلَ: لِيْقَلِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ بِكَثْرَتِهِمَا، أَوْ لِيْقَلِهِمَا بِالذُّنُوبِ. وَالْوَلايَةُ وَالْعَدَاوَةُ هُمَا الْحَبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُعْضُ فِي اللَّهِ الْوَارِدَانِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنْعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ أَبُو دَاوُد، (4683 وَالتَّرْمِذِي، ر 2521].
(2) الْمَعْصُومُونَ: هُمُ الأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَةُ لاَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ عِصْيانُ، أَمَّا الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَعِصْمَتُهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ عَلَى الْكَبَائِرِ، بَلْ عَلَى الْوَفَاءِ بِالدِّينِ، فَكَانَ يَنْبَغِي
أَنْ يَأْتِيَ بِوَاوِ الْعَطْفِ.
(3) الْبَيْضَةُ هُنَا: الدَّوْلَةُ، فَهِيَ وَقَايَةٌ لِلأُمَّةِ.
(4) الْوَلَايَةُ الشَّخصيَّةُ لِمَنْ كَانَ مُوَفِّيَا بِدِينِ اللَّهِ؛ اعْتِقَادًا وَقَوْلاً وَعَمَلاً (1/86)
صفحة 87
كتاب
AY
الوضع
تَفْسِيرِهَا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَلَآيَةُ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ سَمِلَتْهُمُ الْوَلَايَةُ مَعَ آبَائِهِمْ. وفي ولآيَةِ عَبِيدِهِمُ الأَطْفَالِ قَوْلانِ: وَوَلَايَةِ مَنْ رَجَعَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلَافِ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ (1) (2) إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وِلَايَتِهِ غَيْرُ الْخِلَافِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَوَلَايَةُ الْخَارِجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الإِسْلام.
في
(1) لَوْ يَعْلُمُ الْمَذْهَبِيُّونَ الْكَمَالَ الإِسْلَامِي الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لَأَخَذُوا بِهِ إِنْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْحَقِّ لِذَاتِهِ. وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُ أَهْلِ الصَّفَاءِ النَّفْسِي عَلَى ذَلِكَ وَأَخَذُوا بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وكُلُّ مَنِ اجْتَهَدَ طَلَبًا لِلْحَقِّ فِي الأُصولِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَ نَفْسَهُ فِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الاستقامة. وكنا تحقيق في التاريخ بفَضلِ اللهِ وَكَرَمِهِ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ أَطْفَيَّسُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَذْهَبِيُّونَ الْكَمَالَ الإِسْلَامِي الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لَأَخَذُوا بِهِ إِنْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْحَقِّ لِذَاتِهِ. وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُ أَهْلِ الصَّفَاءِ النَّفْسِي عَلَى ذَلِكَ وَأَخَذُوا بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَكُلُّ مَنِ اجْتَهَدَ طَلَبًا لِلْحَقِّ الأُصُولَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَ نَفْسَهُ فِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الاسْتِقَامَةِ. [وَهُوَ نَفْسُ التَّعْلِيقِ السابق. انْظُرْ تَعْلِيفَاتِهِ عَلَى كِتَابِ الْوَضع، 33]. وَأَقُولُ: لَوْ رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الاعْتِقَادِ الصحيح البسيط النابع مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَرَكُوا الْخَوْضَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْمُتَفَرِّعَةِ لَوَسِعَهُمْ ذَلِكَ، وَفِي قِرَاءَةِ وَتَفَهُمْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَخَوَاتِمِ الْبَقَرَةِ وَسُورَتَي الإِحْلَاصِ الْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ الْكَامِلَةُ، إِنَّ هَذَا الْقُرْمَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ الإِسْرَاء، 09)، ثُمَّ مَا وَرَدَ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يَرُدُّونَهُ إِلَى الْمُحْكَم، ويَتَجَنَّبُونَ الْخَوْضَ فِي فِتَنِ الصَّحَابَةِ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الْبَقَرَة، 134). قَالَ الشَّيْخُ السَّالِمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
وَمَا مَضَى عَنْكَ وَلَوْ بِسَاعَة فَدَعْهُ لَيْسَ الْبَحْثُ عَنْهُ طَاعَة
السَّالِمِيُّ: كَشْفُ الْحَقِيقَةِ، 07].
ثُمَّ لَا يَضُرُّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْخِلافُ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ، فَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا رَحْمَةٌ، لا سيما ما اختَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ أَنْفُسُهُمْ لَوْ رَجَعُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَنْهَج القويم (1/87)
صفحة 88
كتاب
88
الوضع
وَتَنْقَسِمُ الْبَرَاءَةُ (1) عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَام، القِسْمُ الأَوَّلُ: الْبَرَاءَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَافِرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا مَعْلُومِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ. وَالثَّانِي: الْبَرَاءَةُ مِنَ الإِمَامِ الْجَائِرِ وَمَنْ أَطَاعَهُ فِي جَوْرِهِ. وَالثَّالِثُ: الْبَرَاءَةُ مِنَ الْمَشْمُومِينَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى الْمَوْصُوفِينَ بِالإِسَاءَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؛ وَالْمَحْصُوصِينَ بِأَسْمَائِهِمْ. وَالرَّابع: الْبَرَاءَةُ مِمَّنْ عَرَفْنَاهُ بِعَيْنِهِ إِذَا ظَهَرَ لَنَا مِنْهُ عَمَلٌ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ، وَيَزِيدُونَ فِي تَفْسِيرِ الْبَرَاءَةِ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا بَرَاءَةُ الْخَارِجِ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلَافِ والثَّانِي: بَرَاءَةُ الْخَارِجَ مِنَ الإِسْلَامِ إِلَى الشِّرْكِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْبَرَاءَةُ بِعَمَلِ الْكَبَائِرِ. وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَالْكَفْ عَنْهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا (2) الْحُلُمَ.
وَجَعَلُوا الإِنصَافَ رَائِدَهُمْ لَتَخَلَّصُوا مِنْ سُوْمِ الاخْتِلافِ وَالافْتِرَاقِ، وَلَوْ تَأَمَّلْنَا وَنَظَرْنَا فِي الأسباب الَّتِي جَعَلَتِ الأَوَائِلَ يَخْتَلِفُونَ بَعْدَ الاتِّفَاقِ لَوَجَدْنَاهَا زَالَتْ وَحَلَّ مَحَلَّهَا أَسْبَابٌ تَدْعُونَا الْيَوْمَ إِلَى الْوَحْدَةِ وَالاتِّفَاقِ حَوْلَ دِينِنَا - نَحْنُ الْبَقِيَّةَ الْبَاقِيَةَ - عَلَّنَا نَقِفُ صَفًّا فِي وَجْهِ تَيَّارَاتِ الْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ الْمُنْدَفِعَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَلَا تَقْوَى عَلَى دَفْعِهَا إِلَّا وَنَحْنُ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلَمْ تَتَفَرَّق بنا الأهْوَاء، فَاللَّهُمَّ عَونَكَ وَتَوْفِيقَكَ وَهُدَاكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(1) الْبَرَاءَةُ: هِجْرَةُ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ حَتَّى يَؤُوبُوا. (2) الْحَقُّ أَنَّ الأَطْفَالَ جَمِيعًا إِنْ مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغ فَمَالُهُمُ الْجَنَّةُ؛ لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُعَذِّبُ قَبْلَ التكليف وَيَمُنُ بِالرَّحْمَةِ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ: سَأَلْتُ اللَّهَ فِي اللأمِينَ فَأَعْطَاهُمْ خَدَما لَأَهْلِ الْجَنَّةِ أَبو يَعْلَى، (3570، وَالطَّبَرَانِيُّ الْمُعْجَمُ الأَوْسَطُ، (5957، بِمَعْنَاهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخُ لِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ الْحَدِيث سَبَقَ
تخريجه (1/88)
صفحة 89
كتاب
89
الوضع
(1) -
الخوف والرجاء، والمن والدلائل]
وَأَمَّا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ: فَيَقَعُ وُجُوبُهُمَا مَعَ الْبُلُوغِ أَيْضًا، وَهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُسَاوِي بَيْنَهُمَا حَتَّى يَعْتَدِلَا كَالْمِيزَانِ الْهِنْدِي لئلا يميل (1) أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ؛ لأَنَّهُ إِنْ مَالَ الْقَلْبُ إِلَى الرَّجَاءِ خِيفَ عَلَيْهِ الأَمَانُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الخَسِرُونَ الأَعْرَاف (99)، وَإِنْ مَالَ الْقَلْبُ إِلَى الْخَوْفِ خِيفَ عَلَيْهِ الإِيَاسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَا يَأَيْنَسُ مِن زَوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَفِرُونَ) (يوسف، (87)
وَأَمَّا الْمَنُ وَالدَّلائِلُ: فَتَجِبُ مَعْرِفَتُهُمَا مَعَ أَوَّلِ الْبُلُوغ؛ وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، وَرَزَقَ الأَرْزَاقَ مَنَّا مِنْهُ وَفَضلاً، لا وُجُوبًا ولا فَرْضًا (3)، وَلَكِنْ خَلَقَهُمْ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَتَحْقِيقا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرَادَتِهِ، وَلِمَا حَقَّ فِي الأَزَلِ مِنْ كَلِمَتِهِ، لا لافْتِقَارِهِ إِلَيْهِمْ وَحَاجَتِهِ، وَأَحْدَثَهُمْ بِقُدْرَتِهِ لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لاسْتِفَادَةٍ، وَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ لِلْقُرْبِ وَالسَّعَادَةِ، وَخَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِلابْتِلَاءِ وَالْعِبَادَةِ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْخَلْقِ لِلدَّلَالَةِ وَالشَّهَادَةِ.
(1) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ وُزِنَ رَجَاءُ الْمُؤْمِنِ وَخَوْفُهُ بِمِيزَانٍ تَرِيصٍ، مَا زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخر [البيهقي: شُعَبُ الإِيمَانِ، (1025، مَوْقُوفًا عَلَى مُطَرْفِ تَرِيصٍ بِالصَّادِ الْمُحكم الْمُقَومِ النِّهَايَةِ [ابْنُ الأَثير: النَّهَايَةُ فِي غَريب الأَثَرِ، 492/ 1]. وَلَكِنْ عِنْدَ الاحْتِصَارِ يَمِيلُ إلَى الرَّجَاء كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَحِمَهُ اللهُ.
(2) الرَّوْحُ الرَّحْمَةُ.
(3) هَذَا رَةٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحَ عَلَى اللَّهِ (1/89)
صفحة 90
كتاب
الوضح
وو
وَأَمَّا الدَّلائِلُ: فَهِيَ مَخْلُوقَاتُ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالَّهُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ. وَالْعَاقِلُ الصَّحِيحُ الْعَقْلِ إِذَا نَظَرَ فِي الأَشْيَاءِ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ عَلِمَ الْمَعْلُومَاتِ،
وَاسْتَدَلَّ بِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ
المدلولات الثمانية وأدلتها]
وَالدَّلائِلُ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْلِ حُسْنُ الْمَذَاهِب (1)؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ: ثَمَانِيَةُ مدلولات، وَأَدِلَّتُهَا مِنْهَا: وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ، وَاثْنَانِ يَدُلانِ عَلَى وَاحِدٍ، وَوَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى اثْنَيْنِ. أَمَّا وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ: فَوُجُودُ الْفِعْلِ يَدُلُّ علَى الاسْتِطَاعَةِ. وَأَمَّا اثْنَانِ يَدُلانِ عَلَى وَاحِدٍ: فَحَرَكَةُ الاضْطِرَارِ (2) وَحَرَكَةُ الاكتساب يَدَلانِ عَلَى الْحَيَاةِ. وَأَمَّا وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى اثْنَيْنِ: فَحُسْنُ الْمَذَاهِب يَدلُّ عَلَى الْعَقْل وَالتَّكْلِيفِ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمُمَيِّرُ بَيْنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَالْمَحْسُوسُ مَا أَدْرَكَتْهُ الْحَوَاسُ، وَالْحَوَاسُ خَمْسَ، وَهُنَّ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمْ، وَالدَّوْقُ، وَاللَّمْسُ فَأَمَّا مَحْسُوس السَّمْع: فَالأَصْوَاتُ بِأَصْنَافِهَا. وَأَمَّا مَحْسُوسُ الْبَصَرِ: فَالأَلْوانُ وَالصُّوَرُ. وَأَمَّا مَحْسُوسُ الدَّوْقِ: فَالطُّعُومُ بِأَصْنَافِهَا مِنَ الْحُلْوِ وَالْمُرِّ وَالْقَارِصِ (3) وَالْبَشِيع (4) وَأَمَّا مَحْسُوس
ها،
(1) حُسْنُ الْمَذَاهِبِ: وَضعُ الأَشْيَاءِ فِي مَوَاضِعِهَا، وَالاسْتِدْلاَلُ عَلَى بَاطِنِ الأُمُورِ بِظَاهِرِهَا وَعَلَى مَا يَأْتِي مِنْهَا بِمَا مَضَى التَهَى السُّؤالات. وَالْمُرَادُ بِصِحَةِ الْعَقْلِ كَمَالُهُ، لأَنَّهُ لَا يَصلُ إِلَى إِدْرَاكِ تِلْكَ الْمَعَانِي إِلا أُولُوا الأَلْبَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى
لأولِي الألْبَبِ)) (الزمر، (21).
(2) حركةُ الاضْطِرَارِ: كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ الْقَارِصِ: الشَّدِيدِ الْعُمُوضَةِ كَمَاءِ اللَّيْمُونِ.
(4) كَذَا فِي نُسَخ الأصلِ، وَهُوَ بَشِيعٌ بِمَعْنَى مُستَبْشَعٍ، وَهُوَ مِنَ الطَّعَامِ: مَا فِيهِ حُفُوفٌ - يَأْخُذُ بِالْحَلْقِ – وَمَرَارَةٌ، وَالْخَشِينُ مِنَ الطَّعَامِ (1/90)
صفحة 91
كتاب
الوضع
السم: فَالأَرْيَاحُ الطَّيِّبَةُ وَالْخَبِيثَةُ. وَأَمَّا مَحْسُوسُ اللَّمْسِ: فَاللَّيَانَةُ وَالْخُشُونَةُ وَالْحَارُّ وَالْبَارِدُ. فَتَجْلِبُ هَذِهِ الْحَوَاسُ مَا أَدْرَكَتْهُ إِلَى الْعَقْلِ فَيُمَيِّزُ بَيْنَهَا، وَيُستَدَلُّ بِمَا أَدْرَكَتْهُ عَلَى مَا لَمْ تُدْرِكْهُ.
ما يسع جهله إلى الورود، وما يسع أبداً]
وَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي يَسَعُ جَهْلُهُ إِلَى الْوُرُودِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: مَا جَهْلُهُ إِلَى وُرُودِ الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ نَبِي (1)، أَوْ مَلَكِ قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ، أَوْ مَا أَشبَهَ ذَلِكَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: كَالْفَرَائِضِ الْمَوْسُومَاتِ)
يسع
(2)
الأَوْقَاتِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، يَسَعُ جَهْلُهُمَا مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُمَا (3). وَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا فَهُوَ كَقِسْم الْمَوَارِيثِ (4)، وَقَصَاصِ: الجراحاتِ، وَتَحْرِيمِ الرِّبَاوِيَّاتِ، وَجَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ مَا خَلَاَ الشَّرْكَ، يَسَعُ جَهَلُهَا مَا لَمْ يَتَقَوَّلُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَمَا لَمْ يُقَارِف (5) الْحَرَامَ مِنْ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلاً رَافِعًا (6)، وَوَرَعًا وَازِعًا حَاجِرًا (7).
(1) أَيْ مَا خَلَا آدَمَ وَمُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا السَّلامُ، فَإِنَّهُ لا يَسَعُ جَهْلُهُمَا، وَمَنْ جَهِلَهُمَا كَانَ مُشْرِكَا؟ لأنَّ آدَمَ أَوَّلُ الرُّسُلِ وَأَبُو الْبَشَرِ، وَمُحَمَّدًا رَسُولُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ.
(2) الْمَوْسُومَاتِ: الْمَعْلُومَاتِ.
(3) كَانَ يَبْلُغَ الإِنْسَانُ الْحُلُمَ أَوَّلَ النَّهَارِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ، فَيَسَعُهُ جَهْلُ فَرِيضَةِ
الصَّلَاةِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا، وَرَمَضَانُ حَتَّى يَحِلَّ شَهْرُهُ.
(4) أَيْ مَا لَمْ يَحْتَجُ إِلَيْهِ أَوْ يَحْضُرْ قَسْمَهُ عَلَى وَجْهِ غَيْر الْحَقِّ، فَحِينَئِذٍ لَا يُعْذَرُ فِي الْجَهْلِ، إِذْ لَا
عُذْرَ فِي الْجَهْلِ
(5) يُقَارِف: يكتسب.
(6) رَافِعًا إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى.
(7) حاجزاً عَنِ الْمَعَاصي. وَالْوَرَعُ: الْكَفْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَهُوَ دَرَجَاتٌ، مُدَوَّنَةٌ فِي شَرْحِ التَّوْحِيدِ وَالْقَنَاطِرِ (1/91)
صفحة 92
[صفحة فارغة] (1/92)
صفحة 93
[كِتاب الطهارة] بَابٌ فِي الْوُضُوءِ
الوضوء وأحكامه وشروطه]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ
(الْمَائِدَة، 60).
واختَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْآيَةِ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلاةِ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهَا إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلاةِ وَأَنْتُمْ عَلَى طُهْرٍ، فَأَوْجَبُوا الْوُضُوءَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ. وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِوَضُوءٍ وَاحِدٍ (1). وَلِمَا رُوِيَ عَنِ
(A)"
ابْنِ عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ وُضُوءَ إِلا مِنْ حَدَثٍ (2) -[الْبُخَارِي، 1951،
(1) (مُسلِمٌ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوَضُوءٍ وَاحِدٍ ... ، ر 664. وَأَبُو
دَاوُدَ، (172].
(2) الْحَدَث: الْحَالَةُ النَّاقِضَةُ لِلطَّهَارَةِ شَرْعًا. (1/93)
صفحة 94
كتاب
94
الوضع
" (1)
وَأَحْمَد، ر 9301]. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ " [مُسلِم،
,556، وَأَحْمَد، ر 22953].
الوضوء من خصائص الأمة المحمدية]
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: "إِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّا (2) مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ". [الربيع، (43، وَالْبُخَارِي، (136]. وَعَنْ عُمَرِو بْنِ عَبَسَةَ – وَكَانَ يُسمى ربع (3) الإِسلام - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ فَيُمَضمِضُ وَيَسْتَنْشِيقُ؛ إِلا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ خَرَجَتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ خَرَجَتْ
(1) لَمَّا كَانَ الطُّهُورُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ، صَارَ كَالشَّطْرِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ
نصفا حقيقيا.
(2) غُراً: جَمْعُ أَغَرَّ، أَي بيضا، وَالْغُرَّةُ: بَيَاضُ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ اسْتُعِيرَتِ لِلْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وَجْهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ. وَالتَّحْجِيلُ الْبَيَاضِ الَّذِي فِي قَوَائِمِ الْفَرَسِ
أيضا، ثُمَّ اسْتَعِيرَ لِلْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَرْجُلِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْحَشْرِ مِنَ الْوُضُوءِ. (3) ربع بِضَمَّتَيْنِ، وَبِضَمْ وَإِسكان. عَبَسَةُ: بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَدَةٍ وَسِينٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا أَوَّلَ الْبَعْثَةِ رَابِعَ أَربَعَةَ، تَرْجَمَتُهُ فِي أَسْدِ الْغَابَةِ، [858/ 1]. وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ، أَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْنَا بِمَكَّةً (مُسلِم، (1967، وأَحْمَد، (17060]، هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ ذَاكِرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحِفْظِهِ. (1/94)
صفحة 95
كتاب
95
الوضع
خَطَايَا قَدَمَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَدَهُ، انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ [مُسلِم، (1967، وَأَحْمَد،
ر 17060].
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَلا (1) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ؛ إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ يَعْلَمُهَا إِلا نَبِيُّ مُرْسَلٌ، أَوْ مَلَكَ مُقَرَّبِّ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ
(Y),
السَّلامُ: "سَلُونِي تَفَقُهَا وَلَا تَسْأَلُونِي تَعَتُنَا (2). [ذَكَرَهُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ، 30/ 4، وَالْبَغَوِيُّ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ، 149/ 6]. فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا لِمَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَسْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الأَرْبَعِ وَهِيَ أَنْطَفُ مَا فِي الْجَسَدِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ اللهِ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا قَصَدَ إِلَى الشَّجَرَةِ وَنَظَرَهَا بِعَيْنَيْهِ ثُمَّ مَشَى إِلَيْهَا، وَهِيَ أَوَّلُ قَدَمٍ مَشَتْ إِلَى مَعْصِيَةٍ (3) ثُمَّ تَنَاوَلَ بِيَدِهِ وَشَمَّهَا وَأَكَلَ مِنْهَا، فَطَارَ عَنْهُ الْحُلِيُّ وَالْحُلَلُ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْخَاطِئَةَ عَلَى رَأْسِهِ؛ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِغَسْلِ الْوَجْهِ لِنَظَرِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَأَمَرَهُ بِغَسْلِ السَّاعِدَيْنِ لِتَنَاوُلِهِ بِهِمَا، وَأَمَرَهُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ لَمَّا أَظَلَّتْهُ الشَّجَرَةُ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ
(1) الْمَلَأُ هُنَا: الْجَمَاعَةُ.
(2) نَفَقُهَا: تَعَلُّما نَعَتُنَا: مُعَانَدَةً، أو الْمُتَعَنْتُ مَنْ جَاءَ يَطْلُبُ زَلْتَكَ. (3) أَيْ: مُخَالَفَةِ الأمْرِ، وَذَلِكَ مَعْصِبَةٌ لُغَةٌ؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْصِيَةٌ مَقْصُودَةٌ، كَمَا هُوَ اللائِقُ بِعِصْمَةِ الأنبياء، وَلَا يَصِحُ فِي حَقٌّ مَنِ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَجَعَلَ قُلُوبَهُمْ مَحَطَّةَ اسْتِقْبَالِ لِلْوَحْيِ أَنْ تَصْدرَ مِنْهُمُ الْمَعْصِيَةُ، وَهِيَ مِنَ الْقَوَادِح، لِهَذَا نَفْهَمُ كَمَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْبَشَرِيَّ. وَقَدْ أَوْصَحْتُ الْبَرَاهِينَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِي عِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ (1/95)
صفحة 96
كتاب
الوضع
لِمَشْبِهِ إِلَى الْخَطِيئَةِ، فَلَمَّا فَعَلَ آدَمُ ذَلِكَ كَفَرَ اللَّهُ عَنْهُ الْخَطِيئَةَ، فَافْتَرَضَهُنَّ (1) اللهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي لِيُكَفِّرَنَّ ذُنُوبَهُمْ مِنَ الْوُضُوءِ إِلَى الْوُضُوءِ (2) ذَكَرَهُ النيسابوري فِي الْكَشفِ وَالْبَيَانِ، (30/ 4، فَقَالُوا لَهُ: صَدَقْتَ فَأَسْلَمُوا
(1) افْتَرَضَهُنَّ أَي الْغَسَلَاتِ الْمُتعلقة بالأعضاء الأربعة.
(2) فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ، وَهُمَا مِنْ سُنَن الوضوء، وَأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصِ هذه الأُمَّةِ؛ لأنَّ سِيمَاء الْوُضُوءِ تَكُونُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ غُراً مُحَجَلِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (1/96)
صفحة 97
فَصْلٌ شروط الْوُضُوء]
وَلا يَصِحُ الْوُضُوءُ إِلا بَعْدَ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: وُجُودُ الْمَاءِ الْمُجْزِي (1) فِي الْوُضُوءِ وَرَفْعِ الأَحْدَاثِ. وَالثَّانِي: وُجُودُ الأَسْبَابِ (2) الْمُوَصَّلَةِ إِلَى الْمَاءِ وَالثَّالِثُ: إِزَالَهُ جَمِيعِ الأَنْجَاسِ مِنْ بَدَنِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْوُضُوءِ أَمَّا الْمَاءُ فَيَنْقَسِمُ عَلَى أَرَبْعَةِ أَقْسَامِ. أَحَدُهَا: مَاءُ الْمَطَرِ. وَالثَّانِي: مَاءُ الْبِحَارِ. وَالثَّالِثُ: مَاءُ الْعُيُونِ وَالآبَارِ. وَالرَّابِعُ: مَاءُ النَّبَاتِ وَالأَسْجَارِ. فَأَمَّا الْمُضَافُ إِلَى جَمِيعِ النَّبَاتِ وَالأَسْجَارِ فَلاَ يُجْزِئُ فِي رَفْعِ الأَحْدَاثِ (3) (4)،
وَيُجْزِئُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ.
وَأَمَّا الْمُضَافُ إِلَى الْبِحَارِ وَالأَمْطَارِ وَالْعُيُونِ وَالآبَارِ؛ فَيُجْزِئُ فِي رَفْعِ ره گه و (5) الأَحْدَاثِ مَا لَمْ يَمْزجْهُ مَا يَمْنَعُ (5) مِنَ اسْتِعْمَالِهِ.
(1) الْمُجْزِي: أَي فِي الْوَصْفِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ، وَفِي الْكَمِّيَّةِ وَالْمِقْدَارِ
(2) الأسباب: أَي كَالدَّلُو وَالْحَبْلِ لِلْبَر مَثَلاً.
(3) أَيْ حَدَثُ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا.
(4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: أَيْ حَدَثُ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ وَأَنْوَاعِ الْاغْتِسَالَاتِ الْأُخْرَى
(5) أَيْ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَادَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ كَالصَّباغ مَثَلاً، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْمِيَاهُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ
مِنْ أَنْقَى الْمِيَاءِ وَلَا سِيَّمَا مَاءُ الْمَطَرِ. (1/97)
صفحة 98
كتاب
98
الوضع
تَغيير (3)
وَالْمَائِعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ (1): إِمَّا نَجَاسَةٌ تَمْنَعُ التَّطَهُرَ بِهِ، وَإِمَّا
يمنع حكم التَّطَهِّرِ بِهِ
وأمَّا وُجُودُ الأَسْبَابِ الْمُوَصَّلَةِ إِلَى الْمَاءِ فَتَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: بَدَنِيَّةٍ، وَمَالِيَّةٍ، وَبَدَنِيَّةِ غَيْرِهِ، وَمَالِيَّةِ غَيْرِهِ عَلَى الْوُجُودِ لِذَلِكَ (3).
[أَقْسَامُ الْأَنْجَاسِ]
وتنقَسِمُ الأَنْجَاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: نَجَاسَةٌ تَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجَيْهِ أَعْنِي فَرْجَيْهِ. وَالثَّانِي: نَجَاسَةٌ تَخْرُجُ مِنْ مَدْخَلَيْهِ أَعْنِي الْقَمَ والأنف. وَالثَّالِثُ: نَجَاسَةٌ تَخْرُجُ مِنْ قَرْحٍ أَوْ جُرْحٍ فِي بَدَنِهِ، وَالرَّابِعُ: نَجَاسَةٌ تُلاقِي بَدَنَهُ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: التَّغْيِيرُ الْمَانِعُ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ مَا كَانَ فِي أَحَدِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ: الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ، هَذَا إِذَا تَغَيَّرَ الْمَاء بِشَيْءٍ يَنْفَكُ عَنْهُ غَالِبًا، كَأَنْوَاعِ الأَصْبَاغِ وَعَصِيرِ الْخُصَارِ وَالْفَوَاكِهِ وَأَنْوَاعِ الطِّيبِ، أَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ بِمُغَيْرِ طَبِيعِي كَمُلُوحَةِ مَاءِ الْبَحْرِ، أَوْ بِطُولٍ مُكْثِ، أَوْ حُمْرَةِ مَاءِ السَّيْلِ، أَوْ بِمَا لاَ يَنْفَكُ عَنْهُ غَالِبًا، كَقَلِيلٍ مِنْ قَطِرَانِ السقاء، فلا بأس بذلك. (2) كَتَغْيِيرِ أَحَدٍ أَوْصَافِهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي سُرِعَ لأَجْلِهَا غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ عِنْدَ رفع الأحداث؛ وَهِيَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ. (3) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: يَعْنِي يَتَوَكَّلُ إِلَى الْمَاءِ بِقُوَّتِهِ أَوْ مَالِهِ إِذَا كَانَ السِّعْرُ مَعْقُولاً، أَوْ بِقُوَّةٍ
غَيْرِهِ أَوْ مَالِهِ إِنْ تَبَرَّعَ لَهُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ أَوْ عَبْدَهُ، وَالزَّوْجَةُ زَوْجَهَا. (1/98)
صفحة 99
فَصْلٌ أَعْيَانُ النَّجَاسَاتِ وأحكامها]
وَأَعْيَانُ النَّجَسِ أَحَدَ عَشَرَ عَيْنَا: وَهِيَ
الميتة
والدم (3) (4).
6
وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
(5) (6)، وكُلُّ مُسْكِير
(Y)(1) 2 - 0 -
(8)(7)
6
(1) الْمَيْتَةُ: مَا مَاتَ مِنْ حَيَوَانٍ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَهُوَ كُلَّ ذِي نَفْسٍ سَائِلَةٍ، مَنْ حيوان البر، والنفس السائلة الدم، أي إذا لم يكن الدم مكتسباً، فإن الحيوان الذي يَحْتَسِبُ دَمَهُ لاَ
رض
بَأسَ بِهِ كَالْبُرْغُوثِ وَالْبَعُو (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ سَائِلَةٍ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ دَمُهُ مُكْتَسَبَا كَالْبُرْغُوتِ وَالْبَعُوضِ.
(3) وَالدَّمُ: هُوَ الْمَسْفُوحُ، وَهُوَ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْ مَحَلِّهِ بِسَلَانِهِ. (4) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: أَي الْمَسْفُوحُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ
(5) لَحْمُ الْخِنْزِير: وَالْمُرَادُ كُلَّ أَجْزَائِهِ.
(6)
الشيخ النَّاصِرُ: وَالْمُرَادُ كُلَّ أَجْزَائِهِ مِنْ لَحْم وَشَحْم وَعَصَبِ وَغَيْرِهَا. (7) كُلِّ مُسْكِرٍ: أَيْ مِنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَادُ الْمُخَدَّرَةِ، فَنَجَاسَةُ هَذِهِ الْمَوَادُ مَعْنَوِيَّةٌ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا نَحِسَةٌ عِنْدَ الأَكْثَرِ. وَالْمُخَدِّرَاتُ كُلُّ مَادَّةٍ تَبْعَثُ النَّسْوَةَ وَالطَّرَبَ فِي النَّفْسِ، وَذَلِكَ تَغْيِيرُ لِلْعَقْلِ مَبْعَثُهُ ذَلِكَ الْمُخَدِّرُ فَيَحْرُمُ، كَالْخَمْرِ الَّذِي حُرِّمَ لِمُخَامَرَةِ
الْعَقْلِ، أَي سَتْرِهِ (8) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: كُلُّ مُسْكِرِ مِنْ خَمْرٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نَجَاسَتُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهَا، وَقَدْ رَأَيْتُ فِيهَا بَحْنَا لِلشَّيْخ السَّالِمِي فِي الْجُزْءِ الأَوَّلِ مِنْ مَعَارِجِ الآمَالِ رَبِّحَ فِيهِ الْقَوْلَ بِطَهَارَتِهَا بَعْدَ بَحْثٍ صَافِ فِي الْمَوْضُوعِ، وَاختَارَ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم بِإِهْرَاقِهَا وكَسْرِ الدَّنَانِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَطْعِ أَثَرِهَا وَالابْتِعَادِ عَنْهَا، لَا سِيَّمَا عِنْدَ قَوْمٍ = (1/99)
صفحة 100
كتاب
الوضع
(4) (3)
يره)
وَالْبَول (1) (2)، وَالْغَائِط ()، وَالْمَنِي (5)، وَالْمَذْيُّ، وَالْوَدْي (6) وَالظُّهْرُ (7) مِنَ
النِّسَاءِ، وَالْقَيْءُ
وَزَوَالُ هَذِهِ الأَنْجَاسِ مِنَ الْمَنْجُوسَاتِ يَكُونُ بِأَربَعَةِ أَشْيَاءَ: بَعْضُهَا بِالْغَسْلِ كَالثِّيَابِ وَمَا أَسْبَهِهَا، وَبَعْضُهَا يَزُولُ بِالْمَسْحِ كَالْبَدَنِ الْأَمْلَسِ وَالْحَدِيدِ وما أشبه ذلِكَ، وَمِنْهَا مَا يُطَهَّرُ بِالنَّارِ كَالأَرْضِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا. وَمِنْهَا مَا يُطَهَّرُ بِمُرُورِ الأَزْمَانِ كَالنَّبَاتِ وَالأَسْجَارِ، وَكُلِّ مَا يُطَهَّرُ مِنَ الْأَرْضِ بِالنَّارِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْأَنْجَاسِ مِنَ الْبَدَنِ قَوْلُ
- أَلِفُوهَا وَأَدْمَنُوا عَلَيْهَا، فَكَانَ الأَنْسَبُ أَنْ يُكَسُرُوا آنيّينَهَا حَتَّى لَا يُعَاودَ نُفُوسَهُمُ الشَّوْقِ إِلَيْهَا السَّالِمِيُّ: مَعَارِجُ الأَمَالِ عَلَى مَدَارِجِ الْكُمَالِ بِنَظْم مُخْتَصَرَ الْخِصَالِ،
[104/ 1 - 230
(1) الْبَولُ مُطلَقًا مِنَ الإِنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمَّاهُ خَبَيًّا، فَكُلُّ بَوْلِ خَبِيث. (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: بَوْلُ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ مُطْلَقًا.
(3) الْغَائِدُ: فَضْلَةُ الإِنْسَانِ. (4) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: فَضْلَةُ الإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ لاَ الأَنْعَامُ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ والْخَيْل وَالْبِغَالِ وَالْحَمِير والطيور، فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ، مَا خَلَا الْجَلالَ مِنْهَا فَرَوْتُهُ نَجِس. (5) الْمَنِيُّ: الْمَاء الْخَارِجُ مِنَ الإِنْسَانِ بِلَذَّةٍ وَانْدِفَاقِ وَالْمَدْيُّ: الْخَارِجُ بِتَشَهُ وَتَفَكَّرِ وَالْوَدْي: الْخَارِجُ بِبَرْدِ أَوْ مَرَض (6) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: الْمَنِيُّ: هُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ، وَهُوَ نَخِينٌ أَبْيَضُ، وَقَدْ يَصْفَرُّ مِنْ عِلَّةٍ، وَتَنْقَطِعُ بِهِ الشَّهْوَةُ وَيَصْطَرِبُ الْقَضِيبُ وَالْمَذْيُّ: مَاءً رَقِيقٌ كَاللُّعَابِ يَخْرُجُ حَالَ النَّشَهي، وَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ الشَّهْوَة وَالْوَدْي: مَاء أَبْيَضُ يَخْرُجُ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ لِبَرْدٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَلَا تُصَاحِبُهُ شَهْوَةٌ. (7) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: العَهْرُ: هُوَ الْمَاءُ الأَبيضُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَرْأَةِ عَلَامَةٌ عَلَى خُرُوجِهَا
مِنَ الْحَيْضِ. (1/100)
صفحة 101
كتاب
الوضع
(1)
اللَّهِ تَعَالَى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنطَهَرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ) (التوبة، 108)، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَسْجِدِ قُبَاء (2)، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ: مَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ؟ [الْبَيْهَقِيُّ، (514، وَابْنُ أَبِي شيبة، (1629] فَقَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ بِالْمَاءِ عَلَى أَثَرِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، فَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ. فَصَارَ الاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ قَبْلَ الْوُضُوءِ سُنَّةً وَاجِبَةٌ (3). وَكَذَلِكَ غَسْلُ
جميع الأَنْجَاسِ مِنَ الْبَدَنِ قَبْلَ الْوُضُوءِ.
(1) هَذِهِ الآيَةُ مَدْحٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الأَمْرَ؛ فَمَدْحُ الْفِعْلِ، أَوْ مَدْحُ الْفَاعِلِ، أَوْ ذِكْرُ النَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ يَقْتَضِي الأَمْرَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهَذَا مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنَ الْمَعَانِي
الشَّرْعِيَّةِ.
(2) أَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِي فِي الإِسْلَامِ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ (3) أَي الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِجَارَةِ وَالْمَاءِ؛ لأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْحِجَارَةِ مِنَ السُّنَّةِ أَوَّلاً ثُمَّ الْمَاء ثَانِيَا،
عَمَلاً بَنَاءِ اللَّهِ عَلَى أَهْل قباء. (1/101)
صفحة 102
[صفحة فارغة] (1/102)
صفحة 103
فَصْلٌ [الوضوء لغةً وشرعا]
وَالْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ: النَّظَافَةُ وَالطَّهَارَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مَسَامِيحُ
(1) الْفِعَال ذَوُو أَنَاةٍ (2)
مراجيح واوجههم وضاء (4)
يَعْنِي نِظَافًا مِنَ النَّظَافَةِ.
وَالْوُضُوءُ فِي السَّرْع (5): فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ)
(الْمَائِدَة، 06).
(1) مَسَامِيحُ: أَجوَادٌ. (2) الأَناةُ: الْحِلْمُ وَالْوَقَارُ
(3) مراجيح: حُلَمَاء.
(4) وَضَاءُ: جَمْعُ وَضيء، أَهْلُ الْحُسْنِ وَالنَّطَافَةِ.
(5) عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ تَطْهِيرُ أَعْضَاء مَخصُوصةٍ بِالْمَاء الْمُطلَق لِتُنفَّفَ وَتَحْسُنَ، وَيُرْفَعَ عَنْهَا حكْمُ الْحَدَثِ لِتُسْبَاحَ بِهَا الْعِبَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ قَبْلُ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ: هُوَ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ
خلقتِه. (1/103)
صفحة 104
كتاب
الوضع
فرائض الوضوء وسننه]
وَفِي الْوُضُوءِ أَرْبَعُ فَرَائِضَ، وَأَرْبَعُ سُنَنِ. أَمَّا الْفَرَائِضُ: فَغَسْلُ الْوَجْهِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحُ الرَّأْسِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ. وَأَمَّا السُّنَنُ: فَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْمَضْمَضَةُ، والاستنشاق، وَمَسَحُ الأُذُنَيْنِ). فَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَلِقَوْلِهِ الةِ: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" (الربيع، (88، وَالتُرْمِذِيُّ، (25)، أَرَادَ بِذَلِكَ التَّرْغِيبَ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ. وَأَمَّا الْمَضَمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ الةِ أَنَّهُ قَالَ للقيط بن صَبرَة: إِذَا تَوَضَّأَتَ فَضَعْ فِي أَنْفِكَ مَاءً ثُمَّ اسْتَنْثِرُ بِالاسْتِنْشَاقِ (2) الربيع، (93]، وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ اللهِ أَنَّهُ كَانَ يُمَصْمِضُ فَاهُ فِي الْوُضُوءِ مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، (119، وَالْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ، (677]. وَفِي الأَثَرِ: أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ، وَفَرِيضَتَانِ فِي الاغْتِسَالِ الْوَاجِبِ مُوَطَّأَ مَالِكٍ، 51/ 1]. وَعَنْهُ الله أَنَّهُ قَالَ: أَشْرِبُوا أَعْيُنَكُمُ الْمَاءَ لَعَلَّهَا لاَ تَرَى نَارًا (3) حَامِيَةٌ (4) وَقَالَ: "خَلَّلُوا بَيْنَ
(1) وَقِيلَ: مَسْحُ الأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَاجِبِ اعْتِبَارًا لَهُمَا مِنَ الرَّأْسِ وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سُنَةٌ وَاجِبَةٌ، لِمَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ الربيع، (97، وأبو داود، (134].
(2) اسْتَثَرَ: اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مَا فِي الْأَنْفِ فَتَشَرَهُ؛ أَيْ: فَلَقِيَهُ. (3) لَعَلَّهَا لا تَرَى نَاراً أَي لا تَقَعُ فِيهَا. أَمَّا الرُّؤْيَةُ فَإِنَّهَا تَقَعُ لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} (مريم، 71)، وَقَوْلِهِ: {وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لمن يرى الا النَّازعات (36)؛ لأَنَّ الْوُرُودَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وُرُودُ النَّظَرِ لَا ورود الدخول. (4) [الدَّيْلَمِيُّ، (207، بِلَفْظ: "افْتَحُوا أَعْيُنَكُمْ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَعَلَّهَا لَا تَرَى نَارَ جَهَنَّمَ]. (1/104)
صفحة 105
كتاب
الوضع
أَصَابِعِكُمْ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّلَ بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ [الربيع، (90]، وَقَالَ: "وَيْلٌ لِلْعَوَاقِب (1) مِنَ النَّارِ، وَوَيْلٌ لِبُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ" (الربيع، 92].
(Y).
وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثَةٌ لِكُلِّ جَارِحَةٍ (3)، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَجْزَات إِذَا عَمَّ الْجَارِحَةَ بِالْمَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ اللهِ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا تُقْبَلُ الصَّلَاةُ إِلا بِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ: "مَنْ ضَاعَفَ ضَاعَفَ (3) اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوء
الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي". [الربيع، (89، وَالْبَيْهَقِيُّ، (385].
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ الةِ أَنَّهُ قَالَ: "ابْدَأوا بمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ (4). فَهَذَا الْحَدِيثُ
يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالاَ (5).
(1) وَيْلٌ: كَلِمَهُ عَذَابِ وَوَعِيدٍ، وَالْعَقِبُ: مُؤَخِّرُ الرِّجْلِ وَيُرْوَى: لِلْعَرَاقِيبِ جَمْعِ عُرْقُوب،
وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ.
(2) جَارِحَةٍ: عُضو، هَذَا فِي الْمَغْسُولِ دُونَ الْمَمْسُوح، فَإِنَّ الزَّيَادَةَ فِيهِ عَلَى الْوَاحِدَةِ مَكْرُوهَةٌ
عِنْدَ بَعْضهمْ (3) ضَاعَفَ لَهُ الثَّوَابَ.
(4) [وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْحَجِّ، بِلَفْظِ: "تَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، الرّبيع، (415، وَمُسْلِم،
ر 2137].
(5) أَمَّا التَّرْتِيبُ فَظَاهِرٌ مِنَ الآيَةِ، وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ فَمَأْخُوذَةٌ مِنْ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم (1/105)
صفحة 106
[صفحة فارغة] (1/106)
صفحة 107
فَصْلٌ ما ينبغي لمريد الوضوء]
وينبغي لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوءَ أَنْ يُرَاوِدَ (1) نَفْسَهُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْأَحْدَاثِ، وَفِي الْمُرَاوَدَةِ أَربع (2) سُنَن: الإِبْعَادُ، وَالاسْتِتَارُ، وَتَرَكُ الاسْتِقْبَالِ لِلْقِبْلَةِ وَالاسْتِدْبَارِ لَهَا (3)، وَالاسْتِطَابَةُ) بِالْمَسْحِ، وَالاسْتِجْمَارُ.
أَمَّا الإِبْعَادُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَهَبَ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ أَبْعَدَ الْمَذْهَبَ الطَّبَرَانِيُّ الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ، (1064]. وَأَمَّا الاسْتِتَارُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ اللَ أَنَّهُ قالَ: "اسْتَتِرُوا بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ السِّتْرَ وَالْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ (5)، وَلِقَوْلِهِ الي:
(1) مُرَاوَدَةُ النَّفْسِ مُطَالَبَتُهَا.
(2) قَولُهُ: أَربع سنن: الْوَارِدُ كَمَا فِي الْقَوَاعِدِ عِشْرُونَ مَسْأَلَةٌ، بَيْنَ الْمَنَاهِي وَالأَدَبِيَّاتِ، لَعَلَّ
الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللهُ لاَخْتِصَارِهِ أَتَى بِالأَهَمِّ الْجِيطَالِيُّ: قَوَاعِدُ الإِسْلامِ 1/ 132]. (3) أَيْ إِذَا كَانَ فِي الْفَضَاءِ وَحَوْلَهُ نَاسٌ وَالاسْتِتَارُ أَي بِحَائِطِ أَوْ صَحْرَ أَوْ رَاحِلَةٍ أَوْ ثَوْبٍ، أَمَّا النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِوَل وَلَا غَائِطِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ، أَمَّا فِي الْبُيُوتِ فَلَا بَأْسَ [الربيع، 77].
(4) الاسْتِطَابَةُ: كِنَايَةُ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ سُمِّيَ بِهَا مِنَ الطَّيب؛ لأَنَّهُ يُطَيِّبُ جَسَدَهُ بِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَبثِ بالاسْتِنْجَاء أَي يُطَهِّرُهُ. (5) أَلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، (4014، بِلَفْظِ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيٍّ
سير يُحِبُّ الْحَيَاء وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيستر، والنَّسَائِي، (406]. (1/107)
صفحة 108
كتاب
1. A
الوضع
لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إِلَيْهِ الْيْهَقِيُّ، (13344، والديلمي، (5441]؛ يعني: في أَمْرِ الْعَوْرَةِ. وَأَمَّا الاسْتِقْبَالُ لِلْقِبْلَةِ وَالاسْتِدْبَارُ لَهَا فَلِقَوْلِهِ ال: "لَا تَسْتَقْبلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا (1) بِبَوْلِ وَلاَ غَائِطِ الرَّبيع، (77، وَمُسلِم، (388]. وَأَمَّا الْمَسْحُ وَالاسْتِجْمَارُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ الله: أَنَّهُ أَمَرَ بِالاسْتِعْمَارِ (الربيع، (80 وَالْبُخَارِي، (160 بِمَعْنَاهُ. وَالاسْتِجْمَارُ: هُوَ إِزَالَةُ النَّجَسِ بِالْحِجَارَةِ.
(Y).-
ونَهَى فِي حَاجَةِ الإِنْسَانِ عَنْ أَرْبَعِ: عَنْ رَدَّ السَّلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أبو داود (330)، وَنَهَى عَنْ قَضَائِهَا فِي الأَجْحِرَةِ (3) [الربيع، (83)، وَنَهَى عَن الاسْتِعْمَارِ بِالْعَظمِ وَالرَّوَثِ (3) (الربيع، (81)، وَنَهَى عَنِ الْمَسْحِ بِالْيَمِينِ ()
[الْبُخَارِيِّ، (152].
(4)
وَرُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ وَأَعِدُّوا النَّبَلَ. كَثَرُ الْعُمَّالِ، ر 26489، وتهذيب الآثار لِلطَّبَرِيِّ، 116/ 3]. والنَّبَلُ: حِجَارَةُ الاسْتِعْمَارِ. وَأَمَّا الْمَلَاعِنُ فَالْمَوَاضِعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، كَقَوْلِهِ ال: "مَنْ قَضَى حَاجَتَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْفَضَاء وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حَائِلٌ، وَفِي مُسْتَدِ الإمام الربيع بن حَبِيبٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلِ وَلَا غَائِطِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ، أَمَّا فِي الْبُيُوتِ فَلَا بَأْسَ [سَبَقَ تَخْرِيجُهُ الأَنَّهُ قَدْ حَالَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حِيَالٌ وَهُوَ الْجِدَارُ).
(2) الأجْحِرَةُ جَمْعُ جُحْرٍ: إِذْ هِيَ مَسَاكِنُ الْهَوَامُ (3) الرُّوْتُ: رَجِيعُ ذَوَاتِ الْحَافِرِ.
(4) الْيَمِينُ: الْجَارِحَةُ لَا يَتَنَاوَلُ بِهَا النَّجَاسَةَ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
(5) أي: في حال وُجُودِ الشِّمَارِ فِيهَا؛ لأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَقَدْ يَأْكُلُهَا الإِنْسَانُ وَهِيَ مُلَوَّثَةٌ
فَتَكُونُ سَبَبًا لِتَوَالُدِ الْأَمْرَاضِ فِيهِ، وَمِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَيَؤُولُ الْأَمْرُ إِلَى انْتِشَارِ الْأَوْبِنَةِ (1/108)
صفحة 109
(1)
كتاب
(A)
الوضع
أَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ (1) أَوْ عَلَى طَرِيقٍ عَامِرٍ أَوْ عَلَى ظَهْرِ مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ
(E)?-
اللَّهِ (3)، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"
(8)
6
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَيْنَ يَضَعُ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: اجْتَنِبْ مَسَاقِطَ الثَّمَارِ (5)، وَمَجَارِيَ الأَنْهَارِ، وأَمَاكِنَ الضَّرَارِ)، وَسُبُلَ الْمَمَار (7)، وَضَعَ حَيْثُ شِئْتَ وَقِيلَ لأَعْرَابِيِّ: إِنَّكَ أَعْرَابِي جَافٍ، تَبُولُ عَلَى عَقِبَيْكَ، لا تُحْسِنُ أَنْ تُحْدِثَ فَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي بِذَلِكَ لَحَاذِق)، إِنِّي لَأَسْتَدْبِرُ الريحَ، وَأَسْتَقْبِلُ الشَّيحَ، وَأَقْعِي (10) إِفْعَاءَ الظَّبْي، وَأَجْفل (11) إِجْفَالَ النَّعَامِ.
(1) أَيْ: قَدْ يَرِدُهُ النَّاسُ وَهُوَ مُلَوَّفٌ.
(2) وَهَذَا مِنَ الإِصْرَارِ بِالنَّاسِ. (3) مَحَلَّ لِلْعِبَادَةِ نُنَزِّهُهُ عَنِ النَّجَاسَةِ.
(10)
(4) أَلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، (26، بلفظ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبُرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيق، والظل»، والبيهقي، (475، بلفظ: مَنْ سَل سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيق عَامِرٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ].
(5) مَكَانُ سُقُوطِ الشِّمَارِ، فَيَأْكُلُهَا النَّاسُ، فَيَنْشَأُ عَنْهَا أَمْرَاضٌ بِتَلْوِيثِهَا.
(6) مَا يَحْصُلُ بِهِ إِصْرَارُ النَّاسِ.
(7) الْمَمَانُ: جَمْعُ مَمَرٌّ، سُبُلُ النَّاسِ وَطَرَائِقُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ.
(8) جاف: الْجَفَاءُ الْغِلْظَةُ وَالْفَطَاظَةُ.
(9) حذقُ الشَّيء: إِثْقَانُهُ وَالْمَهَارَةُ فِيهِ.
(10) الإِفْعَاءُ: لَصْقُ الأليتين بالأَرْض وَنَصْبُ السَّاقَيْن وَوَضعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ. وَكَثِيرًا مَا يَظْهَرُ الْوَبَاءُ فِي بِلادِ سَبَةَ تَلَوُّثُ الْمِيَاءِ الَّتِي يَرِدُهَا أَهْلُ تِلْكَ الْبِلادِ، لِهَذَا يَجِبُّ الْحَذَرُ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمِيَاهِ، وَمِنْ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ [مُسلِم، 681، وَابْنُ مَاجَة، (343]، وَالإِسْلَامُ دِينُ النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْوِقَايَةِ
(11) الإِجْمَالُ: الْهُرُوبُ؛ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ النَّعَامِ. (1/109)
صفحة 110
كتاب
الوضع
أذكار تقال عند التوضؤ]
(3)
(2)
ويَنْبَغِي (1) أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْقَصْدِ لِحَاجَتِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الرِّجْسِ النَّجْسِ الْخَبِيثِ الْمُحْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ إِبْنُ مَاجَهُ، (299، وَالطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ، (7849]، اتباعًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُولُ عِنْدَ الْفَرَاغَ مِنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
(E)-
أَطْعَمَنِي طَعَامًا طَيِّبًا، وَأَذَاقَنِي مِنْ نِعَمِهِ اللَّذَّاتِ، وَأَبْقَى فِي جَسَدِي مَنَافِعَهَا وَقَوَّاهَا، وَبَسَّرَ عَلَيَّ إِخْرَاج (4) الْخَبِيثَاتِ، وَكَفَانِي الْأَذَى وَالْمَضَرَّاتِ. فَإِذَا فَرَغَ وَاسْتَجْمَرَ فَلْيَقْصدْ إِلَى الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِ يَسْتُرُ فِيهِ عَوْرَتَهُ مِمَّنْ يَرَاهَا، فَإِذَا نَزَعَ النَّجَسَ مِنْ جَسَدِهِ كُلِّهِ؛ شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ بِذِكْرِ التَّسْمِيَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلْيَقُلْ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ: اللَّهُمَّ أَسْمِمْنِي مِنْ رَائِحَةِ الْجَنَّةِ، وَأَطْعِمْنِي مِنْ ثِمَارِهَا، وَاجْعَلْ لِي لِسَانًا صَادِقًا يَقُولُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ. وَلْيَقُلْ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيضَ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ تُسَوَّدَ (6) وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ وُجُوهُ الْكَافِرِينَ وَالْكَافِرَاتِ. وَلْيَقُلْ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُؤْتِيَنِي كِتَابِي
(0)
(1) يَنْبَغِي: تَارَةً يُقَالُ بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ، وَتَارَةٌ بِمَعْنَى يَجِبُ. (2) الرِّجْسُ هُوَ النَّجْسُ عَلَى وَزْنِ الرِّجْسِ، وَهَذَا مِنَ الانْبَاعِ كَقَوْلِكَ: حَسَنٌ بَسَنُ، عِفْرِيتٌ
نفريت.
(3) الْمُحْبَث: الْمَجْعُولُ خَبِينًا، وَالرَّحِيمُ الْمَرْجُومُ: أَي الْمَطْرُودُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. (4) أَي التَّخَلُصُ مِنْ فَضَلَاتِ الطَّعَامِ لَوْ بَقِيَتْ فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ لَكَانَتْ سببًا لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَهَذَا دُعَاءُ الْمُؤْمِنِ شَكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَاعْتِرَافًا بِنِعْمَتِهِ.
(5) أَيْ: بِنُورِكَ كَمَا وَرَدَ. (6) أي: تَسْلَبَنِي نُورَكَ، أَوْ تَجْعَلَ وَجْهِي أَسْوَدَ، قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وجُوهُ) (آل عمران (106). اللَّهُمَّ بَيض وُجُوهَنَا بِنُورِكَ يَوْمَ لِفَائِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. (1/110)
صفحة 111
بِيَمِينِي
كتاب
الوضع
(1) وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ الْبَدِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تُؤْتِينِي
(2)
(3)
كِتَابِي بِشِمَالِي (2) أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي (3). وَيَقُولُ عِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرَّمْ
(4)
شَعْرِي وَبَشَرِي مِنَ النَّارِ وَأَعْتِقْ رَقَبَنِي (5) مِنَ النَّارِ. وَيَقُولُ عِنْدَ مَسْحٍ
(9)
الأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَسْتَمِعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ، وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصَّرَاطِ (7) يَوْمَ تُنَبِّتُ أَقْدَامَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. وَيَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي عَلَى الصَّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ أَقْدَامُ الْكَافِرِينَ وَالْكَافِرَاتِ. فَإِذَا فَعَلَ مَا ذَكَرْنَا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ أَطْرَافِ جَوَارِحِهِ مَعَ الْمَاءِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
السُّيُوطِيُّ، جَامِعُ الأَحَادِيثِ، (33327، وكَيْرُ الْعُمَّالِ، (26990 بِمَعْنَاهُ].
(1) فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبُهُ بِيَمِينِهِ، فَأَوَلَتَبِكَ يَقْرَهُ ونَ كَتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} (الإسراء، 71). (2) {وَأَمَّا مَنْ أُولَ كَتَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَننِي لَمْ أُوتَ كتيبة) وَلَوْ أَدْرِ مَا حِسَابَة) (الْحَاقَّة، 25، 26). (3) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كَتَبَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا بُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا (الانشقاق، 10 - 12). (4) بَشَرِي: أي جلْدِي. (0) رَقَبَتِي: أَي أَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ.
(7)
(6) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اقْتِبَاسًا لِلآيَةِ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ وَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَمَسْحُ الأذنينِ مِنَ الْوَاجِبِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: "الأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ سَبَقَ تَخْرِيجُهُ).
(7) هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الصَّرَاطَ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (8) وَالْوُضُوءُ حِكَمَةَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا ذُكِرَ، وَمِنْهَا حُصُولُ النَّشَاطِ الْجُسْمَانِيُّ الَّذِي بِهِ يَكُونُ نَشَاطُ الْفِكْرِ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فِي انْتِبَاءِ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، فَيُؤَدِّيهَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهِ، وَمِنْهَا الْحُصُولُ عَلَى النُّورَانِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا أَغَرَّ مُحَجَلاً، وَمِنْهَا النَّظَافَةُ لأَطْرَافِهِ الَّتِي تَكُونُ مُحَمَّلَةٌ بِالأَتْرِبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا مَا هُوَ مِنَ الْجَرَاثِيمِ، وَالْمَاءُ طَهُورٌ،
لِهَذَا يُسْتَرَطُ فِي مَاءِ رَفع الأَحْدَاثِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (1/111)
صفحة 112
[صفحة فارغة] (1/112)
صفحة 113
كتاب
113
فَصْلٌ
في الاغتسال]
الوضع
الاغتسال من الجنابة وأحكامه]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً (1) فَاطَهَرُوا (2) (الْمَائِدَة، 06) مَعْنَاهُ فَاغْتَسِلُوا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ عَشَرَةٌ مِنْ أَحْبَارِ (3) الْيَهُودِ إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لِمَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْغُسْلِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَهُمَا أَقْذَرُ مِنَ النُّطْفَةِ؟
(£).
فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تجولت (4) فِي عُرُوقِهِ، فَإِذَا جَامَعَ الإِنْسَانُ نَزَلَ مِنْ أَصْل كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَافْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي تَطْهِيرًا وَتَكْفِيرًا (5) وَشَكْرًا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
(1) الْجَنَابَةُ: كَوْنُ الإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بِخُرُوج الْمَاءِ الْمُنْدَفِقِ بِلَذَّةٍ مِنْهُ، يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا، وَسُمِّيتِ الْجَنَابَةُ جَنَابَةٌ؛ لأَنَّهَا تُجَنُّبُ الْعَبْدَ الصَّلَاةَ مَعَهَا. (2) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاظَهَرُوا مَعْنَاهُ: بَالِغُوا فِي الطَّهَارَةِ، فَيُفِيدُ هَذَا تَعْمِيمَ الْغُسْلِ بِالدَّلْكِ، وإيصال الْمَاءِ إِلَى سَائِرِ أَجْزَاء الْبَدَنِ بَعْدَ الْتِقَاءِ مِنْ أَيِّ نَجَاسَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلاَمُ بلُوا الشَّعْرَ وَنَقُوا الْبَشَرَ" [الربيع، (139، وَالْبَيْهَقِي، (816].
(3) جَمْعُ حَبْرٍ: وَهُمْ عُلَمَاءُ بْنِي إِسْرَائِيلَ.
(4) تجولت: طَافَتْ فِي جَمِيعِ جِسْمِهِ.
(5) تكفيرًا: أَي لِسَيِّئَاتِهِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ. وَحِكْمَةُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ تَحْصُلُ مَتَى كَانَ الْغُسْلُ
بَعْدَ الْمُبَاشَرَةِ بِقَليل (1/113)
صفحة 114
كتاب
الوضع
(3)
اللَّذَّاتِ (1) الَّتِي يُصِيبُونَهَا (2). قَالُوا: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَخْبِرْنَا بِثَوَابِ مَنِ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ الْحَلَالِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْحَلَالِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ (3) سَرِيرَةُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالْمُنَافِقُ لَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَمَا مِنْ عَبْدٍ وَلَا أَمَةٍ مِنْ أُمَّتِي قَامَا لِلْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، إِلا بَاهَى (4) اللَّهُ بِهِمَا الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي وَأَمَتِي قَامَا لِلْغُسْلِ تَيَقُنَا أَنِّي رَبُّهُمَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمَا، وَكَتَبَ لَهُمَا بِكُلِّ شَعْرَةٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَى عَنْهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ سَيِّئَةٌ، وَرَفَعَ لَهُمَا مِثْلَ.
ذَلِكَ دَرَجَةً (5) قَالُوا: صَدَقْتَ، نَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا بُنَيَّ، إِذَا أَرَدْتَ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَبَالِغ فِيهِ، فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ أَبَالِغُ فِيهِ؟ قَالَ: رَو أَصُولَ الشَّعْرِ (6)، وَأَنْقِ (1)
(1) اللَّذَّاتُ جَمْعُ لَذَّةٍ: أَيِ الْجِمَاعُ وَتَوَابِعُهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَمِنْ أَكْبَرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْكُرَهَا بِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَجْتَنِبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَإِلا كَانَ كَافِرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وَكُفْرُهَا إِيذَانُ بِزَوَالِهَا.
(2) [لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بهذا اللفظ). (3) الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الطَّهَارَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَهِيَ سِرِّ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ؛ لَأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا وَفَاء
مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَفَارِقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنَافِقِ.
(4) بَاهَى: فَاخَرَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الْمُوَفِّي بِدِينِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ
(5) [لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بهذا اللفظ].
(6) إِزْوَاهُ أَصُولِ الشَّعْرِ: إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا بِكَثْرَةِ وَدَلْكٍ، لَا مُجَرَّدُ وُصُولِ الْبَلَلِ إِلَيْهَا. (1/114)
صفحة 115
كتاب
115
الوضع
بَشَرَتَكَ (2)، تَخْرُجْ مِنْ مُعْتَلِكَ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ كُلُّ ذَنْبٍ (3) وَكَيْرُ الْعُمَّالِ،
273610، وَتَهذيب الآثار للطَّرَى، 24290.
(1) وَالنَّقَاءُ: النَّظَافَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْغُسْلِ وَإِزَالَةِ الْأَقْدَارِ مِنَ الْجِسْمِ عِنْدَ الاغْتِسَالِ إِلَى حَدٌ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الدَّرَنِ مَعَهُ (2) الْبَشَرَةُ: ظَاهِرُ الْجِلْدِ. وَالاعْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ أَكْبَرِ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ الطَّبَيَّةِ الإِيجَابِيَّةِ، حَيْثُ يَسْتَرِدُّ بِهَا الْجِسْمُ مَا سُلِبَ مِنْهُ مِنْ قُوَّةٍ يُكْسِبُهُ النَّشَاطَ وَالصَّحَةَ. وَمِمَّا اختص أَصْحَابُنَا مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ، أَنَّهُمْ لا يَصحُ الاغْتِسَالُ عِنْدَهُمْ إِلَّا بَعْدَ التَّبولُ لِيَحْصُلَ نَقَاء الْمَجْرَى الْبَوْلِي مِنْ فَضْلَةِ الْمَنِيِّ؛ لأَنَّ بَقَاءَهَا ضَرَرٌ كَبِيرٌ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ خَطَرٌ عَلَى الْمَرْءِ، وَالْمَنِي وَلَوِ انْفَصَلَ عَنْ مَكَانِهِ، لَكِنَّ بَقَاءَهُ فِي الْمَجَارِي مِنْ جُمْلَةِ الْجَنَابَةِ. (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَالَ فِي الدِّيوَانِ: إِنَّ كُلَّ مَوْضِعِ لَمْ يَعُمَّ غَسْلُهُ مِنْ جَسَدِهِ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيَّاتٍ تَلْدَعُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ انْظُرْ بِشَرَ بْنَ عَانِمٍ: الْمُدَونَةَ الْكُبْرَى، 15/ 1]. وَعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "تَحْتَ كُلَّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ (وَنَصهُ: تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ" [الربيع، (139]. وَكُلُّ شَعْرَةٍ لَمْ يَعْمَ غَسْلُهَا تَسْتَعِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا، فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَبْقَى مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَلَمْ يَعمَّ غَسَلُهُ إهـ يُنظَرُ: أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 156]. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَمَفْرُوضَاتُ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ سِتَّةُ: أَحَدُهَا النَّيَّةُ عِنْدَ التَّلَبَسِ بِهِ، وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَعُمُومُ الْجَسَدِ بِالْغَسْلِ، وَإِمْرَارُ الْيَدِ مَعَهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْيَدِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَالْمُوَالاَةُ مَعَ الذِّكْرِ يَعْنِي وَالْفُدْرَةَ، وَتَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، واختلف في السَّادِسَةِ، وهِيَ الْمَضَمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ إِلَخ [انْظُرْ الْجِيطَالِيُّ: قَوَاعِدَ الإسلام، 198/ 1]. (1/115)
صفحة 116
[صفحة فارغة] (1/116)
صفحة 117
فَضْلُ
ضروب الاغتسال وأحكامها وكيفيتها]
اعلم أنَّ الاغْتِسَالَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ أَربع، والْمَسْنُونَاتِ أَرْبَعُ أَمَّا الْمَفْرُوضَاتُ: فَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْحَيْضِ، وَالْغُسْلُ مِنَ النَّفَاسِ، وَالْغُسْلُ
لِلْمَيِّتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَة (1).
وَأَمَّا الْمَسْنُونَاتُ: فَالاغْتِسَالُ لِلْجُمُعَةِ (2)، وَالاغْتِسَالُ لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ ()
وَالاغْتِسَالُ لِلإِحْرَامِ بِحَجِّ أَوْ بِعُمْرَةٍ، وَالاعْتِسَالُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ. وَيَجِبُ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ بِشَيْتَيْنِ: بِالْجِمَاعِ وَالاحْتِلامِ. أَمَّا الْحِمَاعُ فَسَوَاءٌ كَانَ بِبَنِي آدَمَ أَوْ بِالْبَهَائِمِ، حَلالاً كَانَ أَوْ حَرَامًا، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل (4)
(1) الْكِفَايَةُ: الْفَرْضُ الَّذِي إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ كَفَى عَنِ الْبَاقِينَ وَأَجْرَى، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مِّيِّتِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: صَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرَّ وَفَاجِرٍ" [الرَّبيع، (208،
776، والبيهقي، (6623]، أَي مَا لَمْ يَكُنْ مَجْدُورًا عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
(2) أي: عَلَى مَنْ تَحِبُّ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ. (3) سُنَّ الاغْتِسَالُ لِصَلاةِ الْعِيدَيْن الْفِطْر وَالأَضْحَى؛ لأَنَّهُمَا يَوْمُ الزِّينَةِ وَالسُّرُورِ، إِذْ يَلْتَقِي الْمُسْلِمُونَ فِي مُصَلاهُمْ عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَنَظَافَةٍ وَجَمَالِ بَزَّةٍ، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ (4) أَنْزَلَ: أَي الْمَنِيَّ، وَقَضَى شَهْوَتَهُ أَمْ لَمْ يُنْزِلْ، بِأَنْ وَقَعَتِ الْمُبَاشَرَةُ دُونَ انْقِضَاءِ الْجِمَاعِ. (1/117)
صفحة 118
كتاب
118
الوضع
إِذَا الْتَقَى (1) الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ. وَأَمَّا الاحْتِلَامُ فَيَكُونُ بِالْمَنِي وَالْمَذْي وَالْوَدْي (2). أَمَّا الْمَنِيُّ فَالاغْتِسَالُ مِنْهُ واجِب (3)، وَأَمَّا الْمَذْيُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ،
وَأَمَّا الْوَدْيُّ فَلَيْسَ يَجِبُ مِنْهُ غَيْرُ الْوُضُوءِ
وَقِيلَ: إِنَّ الاغْتِسَالَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ اغْتِسَالُ الْمُسْلِمِينَ، وَاعْتِسَالُ الْيَهُودِ، وَاعْتِسَالُ الرُّعَاةِ، فَأَمَّا اغْتِسَالُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَنْ يَبْدَأُ فِي اغْتِسَالِهِ بَعْدَ نَزْعِ النَّجَسِ مِنْ مَوَاضِعِهِ، مِنْ أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَغْسِلُ الْمَيَامِنَ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ، كَذَلِكَ إِلَى الرَّجْلَيْنِ
(4)
وَأَمَّا اغْتِسَالُ الْيَهُودِ فَهُوَ أَنْ يَبْدَأُ مِنَ الرَّأْسِ قَبْلَ نَزْعِ النَّجَسِ مِنْ جَسَدِهِ، فَإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَ النَّجَسِ فَعَدَ وَغَسَلَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْبَاقِيَ إِلَى الرِّجْلَيْنِ. وَقَدْ يُجْزِئُ هَذَا الْغُسْلُ عَمَّنْ فَعَلَهُ، لَكِنَّهُ خَالَفَ فِيهِ السُّنَّةَ.
وَأَمَّا اغْتِسَالُ الرُّعَاةِ فَهُوَ أَنْ يَبْدَأُ فِى اغْتِسَالِهِ مِنْ غَيْرِ نَزْعِ النَّجَسِ مِنْ مَوَاضِعِهِ، وَيَجْعَلُ يَدَهُ نَارَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَتَارَةٌ عِنْدَ
(1) قِيلَ: بِدُخُولِ الْحَشَفَةِ. وَقِيلَ: لِمُجَرَّدِ الالْتِقَاءِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَسُمِّيا الْخِتَانَيْنِ؛ لأَنَّهُمَا مَوْضِعُ الْخِتَانِ بِقَطْعِ الْقَلْقَةِ لِلذَّكَرِ، وَالْبَطْرِ لِلأُنثَى. (2) تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الأَلْفَاظِ وَلَا بَأْسَ بِإِعَادَتِهَا: فَالْمَنِيُّ: مَا يَخْرُجُ بِالْمُبَاشَرَةِ لِلْفَرْجِ مِنْ مَاءٍ مُنْدَفِي مَعَ لَذَّةٍ. وَالْمَدْعُ: الْمَاء الْخَارِجُ بِمُدَاعَبَةٍ وَتَقْبِيلِ وَالْوَدْي: الْمَاء الْخَارِجُ بَعْدَ الْبَوْلِ
بِبَرْدٍ أَوْ مَرَضِ
(3) لأَنَّهُ الْجَنابَةُ.
(4) بَعْدَ نَزْعِ النَّجَسِ: أَيْ بَعْدَ الاسْتَبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ وَالاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ. (1/118)
صفحة 119
كتاب
الوضع
موضع النَّجَسِ؛ حَتَّى يَبْلُغَ النَّجَسُ إِلَى مَوْضِع لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَهَذَا الاغْتِسَالُ غَيْرُ مُجْزٍ عَمَّنْ فَعَلَهُ. وَإِنْ تَوَضَأَ بَعْدَ الْغُسْلِ فَحَسَنُ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ
الْغُسْلِ
(2) (1)
(1) قَبْلَ الْغُسْلِ: يَعْنِي يَتَوَضَأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ غَيْرَ الْقَدَمَيْنِ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَسْلِ الْعَوْرَةِ نَاوِيًا غَسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَلاَ يَمَسُّ عَوْرَتَهُ، ثُمَّ فِي النَّهَايَةِ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.
(2) - عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: وَذَلِكَ أَنْ يَتَوَضَاً وُضُوءَ الصَّلاةِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ حَتَّى يَغْسِلَهُمَا لِلْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ مَعا، وَلْيُلاحِظُ أَنْ لاَ يَمَسَّ عَوْرَتَهُ الْكُبْرَى بَعْدَ أَنْ تَوَضَا حَتَّى لا ينقض وُضُوءَهُ، وَيَكُونُ قَدْ غَسَلَهَا إِثْرَ الاسْتِنْجَاء بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ حَتَّى لَا يَمَسَّهَا عِنْدَ
الْغُسْلِ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالنَّقْضِ عَلَى مَنْ مَسَّهَا [الربيع، (115، وَأَبُو دَاوُد، (181]. (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
فَضْل فِي التَّيَمُّم)
[التيمم وأحكامه]
اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ بِهَا عَلَى مَنْ سيواهَا؛ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فُضَّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاث: جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا (2) كَصُفُوفِ الْمَلاَئِكَةِ" (مُسلِم، (522، وَالْبَيْهَقِيُّ، (1001].
الْمَاءَ،
وكَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّم مَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ بِالْبَيْدَاءِ (3)، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِذَاتِ
(†)
(4)
الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ
(1) التَّيَمُّمُ لُغَةٌ: الْقَصْدُ، يَمَّمْتُ كَذَا قَصَدْتُهُ. وَشَرْعًا طَهَارَةٌ مُنتَسِبَةٌ إِلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ - الْمَنْبَتِ - ضَرُورِيَّةٌ تَسْتَمِلُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، تُستَعْمَلُ عِنْدَ فَقَدِ الْمَاءِ وَعِنْدَ [عدم]
الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
(2) يَعْنِي فِي الصَّلاةِ.
(3) الْبَيْداءُ: الْبَادِيَة.
(4) الأَبْوَاءُ: مَنزِل بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ دُونَ مَرْحَلَةٍ.
(5) يَطْلُبُونَهُ وَيُبْحَثُونَ عَنْهُ. (1/121)
صفحة 122
كتاب
122
الوضع
(1)
مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءً فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتِ ابْنَتُكَ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى
فَخِذِي قَدْ نَامَ. فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاء وَلَيْسُوا
(2)
عَلَى مَاءٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَاتَبَنِي (2) أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ (3) بِيَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي فَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آية التيمم: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا الْمَائِدَة (6)، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُصَيْنِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ) يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ (5) الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ
(4)
فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ الْبُخَارِي، (327، وَمُسلِم، (842].
(1) عَلَى غَيْرِ مَاء: أي في مكانٍ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، وَلاَ هُوَ قَريبٌ مِنْ مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ، فَيَرْنَادُونَهُ. (2) يُعَاتِبُنِي: يَلُومُنِي عَلَى مَا جَرَى مِنْ حَبْسِ رَسُولِ اللَّهِ وَالصَّحَابَةِ، وَهَذَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لَوْمِ الأَبِ لا بْنَتِهِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهَا وَهِيَ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ (3) يَطْعُنُ: بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَرَوَى الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ، وَهُمَا بِمَعْنَى، وَقِيلَ: ضَمِّ بِمَعْنَى الزَّج بكَالرُّمْحِ، وَالْفَتْحُ قَدَحَ فِي عَرْضِ الْإِنْسَانِ أَوْ نَسَبِهِ. (4) التيمم بَرَكَةٌ حَصَلَتْ عَنْ فِعْلِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ تَخْفِيفٌ عَنِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَمْ تَكُنِ الأُمَمُ الْمَاضِيَةُ تَصِحُ لَهَا الصَّلَاةُ بِهَذَا التَّخْفِيفِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
(5) بَعَثْنَا: أَرْسَلْنَا الْبَعِيرَ جَعَلَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْحَبْسَ سَا لِنُزُولِ حُكْمِ التَّيَتُم وَفَضْلاً لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَمْ لَهَا مِنْ فَضْلٍ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ! (1/122)
صفحة 123
فضل شرُوطُ التَّيَمُّم والاختلاف في صفتِهِ]
اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لا يَصحُ إِلا بِأَربَعَةِ شُرُوطٍ (1). الشَّرْطُ الأَوَّلُ: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلاَةِ (3)، وَالشَّرْطُ الثَّانِي: طَلَبُ الْمَاءِ، وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: عَدَمُ الْمَاءِ
6
(1) لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّرُوطُ فِي كُلِّ تَيَمُّم، بَلِ الشَّرْطُ الأَوَّلُ وَهُوَ الْمَرَضُ الْمَانِعُ مِنَ الْمَاءِ هُوَ سبب الرخصةِ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الشَّرُوطِ فَلَهَا أَسْبَابٌ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَوْلُهُ: الشَّرْطُ الأَوَّلُ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلاةِ عَلَى الأصح لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُو وُجُوهَكُمْ) (الْمَائِدَة (6) وَمِنَ الْمَعْلُوم أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الْوَقْتَ، فَخَصَّ السَّرْعُ الْوُضُوءَ بِجَوَازِ التَّقْدِيمِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى حُكْمِهِ لاَ يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ .. "إهـ. انظر: أبو سنةَ، حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع، ص 163]. وَأَقُولُ: دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ هُنَا تَحتَاجُ إلَى دَليل؛ وَلاَ دَلِيلٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ أَحكام الْوُضُوءِ تَنْسَحِبُ عَلَى مَا جُعِلَ عِوَضًا عَنْهُ وَهُوَ التَّيَمُّمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ نَوَاقِصَ الْوُضُوءِ تَنقُضُ التَّيَمُّمَ، فَلِمَاذَا لَمْ نَدْعُ الْخُصُوصِيَّةَ هُنَا أَيْضًا.
ثُمَّ قَالَ: وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُونَ لَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ بِأَنَّ التَّوْقِيتَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِي، وَهُوَ مَفْقُودُ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ قِيَاسِهِ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقِيَاسُهُ عَلَى الْوُضُوءِ أَولَى؛ لأَنَّهُ بَدَل مِنْهُ، وَاختَلَفُوا أَيْضًا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشَّرُوطِ؛ هَلْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَفِي وَسَطِهِ وَفِي آخِرِهِ كَالْوُضُوءِ أَوْ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي آخِرِهِ لإمكانِ الرَّاحَةِ وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَالأَحْسَنُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الأَيسَ يَتَيَمَّمُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ= (1/123)
صفحة 124
كتاب
124
الوضع
بَعْدَ الطلب (1)، وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْعُذْرُ الْمَانِعُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَالْمَرَضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ (الْمَائِدَةَ، 6)، وَالْمَرَضِ الْمَانِعِ
(Y)-
إِذَا خَافَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ التَّلَفَ (3)، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، أَوْ خَافَ تَأْخِيرَ الْبُرْءِ، فَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ.
=
إِنْ شَاءَ، وَالْمُتَرَدِّدَ فِي وَسَطِهِ، وَالرَّاجِيَ فِي آخِرِهِ. [انْظُرْ أَبُو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ
ص 163].
وَأَقُولُ: كَانَ الأُخْرَى أنْ لا يَتَعَرَّضُوا لِلتَّيَمُّم، وَالْمُتَيَمَّمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ تَيَمُّمُهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ، لَكِن يَسْتَحْسِنُونَ تَأخِيرَ الصَّلاةِ لِلرَّاجِي لَعَلَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ أَوْ تَزُولَ عِلْتُهُ، فَإِنْ بَقِيَ
الْعُدْرُ فَلْيُصَلُ بيَميهِ الأَوَّل وَلَا لُزُومَ إِلَى تَكْرِيرِ تَبْهُم آخَرَ.
ثُمَّ قَالَ: وَاختَلَفُوا أَيْضاً إِذَا نَبَمَّمَ بَعْدَ اسْتِيفاء الشَّرْطِ هَلْ يُصَلِّي بِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ كَالْوُضُوءِ مَا لَمْ يُحْدِتْ أَوْ يَجِدِ الْمَاءَ وَالرَّاحَةَ، أَوْ يُجَدِّدُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُجْزِيهِ تَيَهُمْ وَاحِدٌ، قَالَ بِالأَوَّلِ الْبَصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ بِالثَّانِي الرَّبِيعُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْعُمَانَينَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَيْلُ إِلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ، حَيْثُ صَدَّرَ بِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ إِذَا حَصَلَ متيممًا فَلْيُصَلِّ بِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ كَالْوُضُوءِ إِلَ انْظُرْ الْجِيطَالِي: قَوَاعِدَ الإِسلام،
[192/ 1
قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي ذِكْر كَيْفَيْتِهِ: ثُمَّ لاَ يُنتَقَصُ عَلَيْهِ حَتَّى يُحْدِثَ كَالْوُضُوءِ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ الرَّبِيعِ وَجَابِرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَخ الظُّرُ الْجِيطَالِي: قَوَاعِدَ الإِسلام، 196/ 1]، والْمُخْتَارُ عِنْدَ صَاحِبِ الإِيضَاحِ أَنَّهُ يُجَدِّدُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ خُرُوجًا مِنَ الْخِلافِ .. إلخ إهـ. [انْظُرْ: الشماخي: الإيضاح 306/ 1].
(1) هَلِ الطَّلَبُ يَتَنَاوَلُ وُجُودَ الْمَاءِ بِالشَّمَنِ الرَّاجِحُ نَعَمْ إِنْ كَانَ قَادِرًا. (2) خَافَ تَلَفَ عُضو بِالْوُضُوءِ: أَي بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وُضُوءاً أو اسْتَنْجَاء أو اغْتِسَالاً، وَكَذَا إِنْ خَافَ حُدُوثَ الْمَرْضِ، سَوَاءٌ كَانَ خَوْفُ اسْتِعْمَال الْمَاء أَنْ يَحْصَلَ تَلَفَ النَّفْسِ أو الْعُضوِ مِنْهُ أَوْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَخافَ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلاَءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَكَانَ يَسْتَتِرُ فِيهِ، فَكُل = (1/124)
صفحة 125
كتاب
125
الوضع
وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَالصَّعِيدُ: التُّرَابُ، وَالطَّيِّبُ: النَّظيف (1). وَاختَلَفَ النَّاسُ فِي التَّيَمُّم عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّيَمُّمُ ضربتانِ؛ ضَرَبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرَبَةٌ لِلْيَدَيْنِ وَالذَّرَاعَيْنِ إِلَى الْمَنَاكِبِ. وَقَالَ بَعْضُ: ضربتان؛ ضَرَبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالذَّرَاعَيْنِ، وَضَرَبَةٌ لِلْيَدَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ: ثَلَاثُ ضربات: ضَرَبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرَبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَضَرَبَةٌ لِلذَّرَاعَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُ: ضَرَبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُ: ضَرَبْتَانِ؛ ضَرَبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرَبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الرُّسْغَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأيديكم منه الْمَائِدَةَ، (06، وَالْيَدُ عَلَى الإِطْلَاقِ تَتَنَاوَلُ الْكَفَّ إِلَى الكوع (3)، وَلإِجْمَاعِ النَّاسِ أَنَّ الإِمَامَ إِذَا قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ فَقَدْ قَطَعَ الْيَدَ الْمَأْمُورَ بِقَطْعِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرَبْتَانِ؛ ضَرَبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرَبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ مَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ: أَجْنُبْتُ فَتَمَعَكُتُ في التُّرَابِ (3)، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ حَتَّى بَدَت (4)
ذَلِكَ عُدْرٌ لِلتّيمم، وكَمْ مِنْ نَاسِ مَنْ أُصِيبَ بِالْحُمَّيَاتِ بِسَبَبِ التَّعَرِّي لِلاغْتِسَالِ مَثَلاً فِي الْعَرَاءِ إِذَا أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ بِالاحْتِلام، وَاللَّهُ الْمُوَفَّق (1) التُّرَابُ النَّظِيفُ هُوَ التُّرَابُ النَّقِيُّ الْمُنبت؛ لأنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بإذن ربه (الأعراف، (58)، وَلَا بُدَّ أنْ يَكُونَ تُرَابُ التَّيَمُّم طَاهِرًا مُنْبِنَا يَابِسًا مُبَاحًا تَجُورُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَزَادَ فِي الدِّيوَانِ أَنْ يَكُونَ تُرَابًا لاَ مَضَرَّةَ مِنْهُ، وَلَا عِبْرَةً بِلَوْنِ تُرَابِ التيمم، وكَذَا يَصحُ التَّيَمُّمُ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ فَقْدَانِ التُّرَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (2) الكُوعُ: طَرَفُ الزِّنْدِ الَّذِي يَلِي الإِبْهَامَ، وَهُوَ حَدُّ الْقَطْعِ لِيَدِ السَّارِقِ.
(3) تَمَعَكَ فِي التُّرَابِ: تَمَرَّغَ فِيهِ.
(4) بَدَتْ: ظَهَرَت. (1/125)
صفحة 126
دو (1) تواجده
کتاب (2126 الوضع
وَقَالَ: "يَكْفِيكَ هَكَذَا". وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ وَمَسَحَ بِهِمَا
(2)
وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِمَا ثَانِيَةٌ وَمَسَحَ كَفَّيْهِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ (2 الربيع، 170، والبخاري، (331].
والتيمم لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَالتَّيَمُّ لِلْمُحْدِثِ مِنَ الْوُضُوءِ فِي شُرُوطِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَالتَّيَمُّمُ يَنُوبُ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مَادَامَ الْمَرَضُ الْمَانِعُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَمَا دَامَ الْمَاءُ مَعْدُومًا، وَلَوْ إِلَى عَشْرِ (3) سِنِينَ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى أبو ذَرِّه أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، فَقَالَ: التَّيَمُّمُ طُهُورُ الْمُسْلِم (4) وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بِشَرَتَهُ (5)، (الربيع،
(4)
ر 168، 169، وأبو داود، (333، وَالتَّرْمِذِي، (124].
* (0) "
(1) تواجده: الأسنانُ الَّتِي بَعْدَ الأَنْبَابِ، وَهِيَ أَوَّلُ الْأَضْرَاسِ. (2) الرُّسُعَيْنِ: الرُّسُعُ بَيْنَ الْكُوعِ وَالْكُرْسُوعِ قَالَ بَعْضُهُمْ مُبَيِّنًا لَهُمَا:
فَعَظْمُ يَلِي الإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَط وَعَظمُ يَلِي إِبْهَامَ رَجُلٍ مُلَقَّب بِيَوْعِ فَخُدْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرُ مِنَ الْغَلَط (3) عَشْرِ سِنِينَ: لَيْسَ تَحْدِيداً لِلْمُدَّةِ، إِذْ مَفهُومُ الْعَدَدِ لا يُقِيدُ الْحَضْرَ، وَالْمُرَادُ مَا دَامَ الْمَرَضُ مَوْجُودًا. (4) طُهُورٌ: صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ عَلَى بَابِهَا، إذ انكَشَفَ الْيَوْمَ أَنَّ التَّرَابَ مَادَّةٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْجَرَاثِيم، فَهَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى صَفْوَةِ خَلْقِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ طِبْ الْقُلُوبِ وَنُورًا وَهِدَايَةٌ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. (5) فَلْيَمْسَهُ بَشَرَتَهُ: (ولفظ الحديث: فَلْيُمِسَّهُ بِشرته أي فَلْيَسْتَعْمِلِ الْمَاءَ بِغَسْلِ جِلْدَتِهِ، فَمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ انْتَقَضَ التَّيَمُّمُ، وَمَنْ وَجَدَهُ فِيهَا خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ عِنْدَ أصْحَابِنَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا وَوَجَدَ الْمَاءَ أَعَادَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا اسْتِحْبَابًا، إِنْ كَانَ دَاخِلَ الْوَقْتِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا اتَّفَاقًا. (1/126)
صفحة 127
فضا
افِيمَا يَنْقُصُ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ]
اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ يَنْتَقِصُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: النَّوْمِ، وَالْحَدَثِ، وَالْفِعْلِ.
(1)
أَمَّا النَّوْمُ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: نَوْمِ الْقِيَامِ، وَنَوْمِ الْقُعُودِ (3)، وَنَوْمِ
الصَّلاةِ فِي أَثْنَاءِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَنَوْمِ الاصْطِجَاعِ (3). وَهَذَا الْقِسْمُ الأَخِيرُ هُوَ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ، دُونَ الأَوَّلَيْن
(4)
وَأَمَّا الْحَدَثُ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: حَدَتْ يَجِيءُ مِنَ الدَّبُرِ، وَحَدَتْ يَجِيءُ مِنَ القبلِ، وَحَدَتْ يَجِيءُ مِنْ مَخْرَجَ النَّفْسِ، وَحَدَتْ يَجِيءُ مِنْ قُرْح أَوْ جُرْحه).
(1) نَوْمُ الْقِيَامِ: عِبَارَةٌ عَنِ النُّعَاسِ، إِذْ لَوْ نَامَ الْقَائِمُ لَسَقَطَ.
(0)
(2) نَوْمُ الْقُعُودِ: أَي الْجُلُوسُ دُونَ الاتِّكَاءِ، وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ قَدْ يُحْدِثُ الإِنْسَانُ وَهُوَ نَائِمٌ جَالِسًا، وَوَقَعَ هَذَا بِالْفِعْلِ، وَلِذَا أَرَى أَنَّ نَوْمَ الْجُلُوسِ إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَنْتَبِهُ لِحَدَثٍ مِنْهُ، أَمَّا إِنْ طَالَ بِهِ النَّوْمُ وَثَقُلَ فَإِنَّهُ نَاقِضُ لِلْوُضُوءِ، إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ لِحَدَثٍ مِنْهُ، وَهُوَ خروج نفس الضُّرَاطِ مِنْهُ.
(3) الاضطجاع: الامْتِدَادُ بِحَيْثُ لا يَنتَبِهُ لِحَدَثٍ مِنْهُ مُطلَقًا، لِذَا كَانَ نَوْمُ الاصْطِجَاعِ نَاقِضَا
مطلقا.
(4) تَحْقِيقُ الْعِبَارَةِ: الأُولَى
(5) كَذَا فِي كُلِّ النُّسَخِ، وَهُوَ تَكْرَارُ، وَالْقُرْحُ الْجُرْحُ (1/127)
صفحة 128
كتاب
128
الوضع
فأَمَّا الَّذِي يَأْتِي مِنَ الدُّبُرِ: كَحَدَثِ الرِّيحِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَالدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا. وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْقُبُلِ: فَكَالْبَوْلِ وَالْمَنِي وَالْمَدْيِ وَالْوَدْي وَالدَّمِ. وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي
مِنْ مَخْرَجَ النَّفَسِ: فَكَالْقَيْ (1)، وَالرُّعَافِ (2) وَالْقَلْسِ (3). وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي مِنَ الجُرْحِ وَالْقُرْح: فَكَالدَّمِ وَالصَّدِيدِ (4).
(4)
وأمَّا الْفِعْلُ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَام: الْكَلَامِ، وَالنَّظَرِ، وَالاسْتِمَاعِ، وَاللَّمْسِ. أَمَّا الْكَلَامُ: فَكَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ (5) (6)، وَالنَّمِيمَةِ (7) (8)، وَأَيْمَانِ الْفُجُورِ (9). وَأَمَّا
(1) رُجُوعُ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى الْقَمِ بِانْدِفَاعِ
(2) نُزُولُ الدَّم مِنَ الْأَنْفِ. (3) الْقَلْسُ طُلُوعُ الْمَأكُولِ مِنَ الْبَطْنِ بِحَيْثُ لا يَتَجَاوَزُ الْحُلْقُومَ، أَمَّا إِذَا وَصَلَ الْقَمَ ثُمَّ رَجَعَ
فَفِيهِ خِلافُ: النَّقْصُ وَعَدَمُهُ
(4) الصَّدِيد: قَيْحٌ مُمْتَزِجُ بِدَم (5) الْغِيبَةُ: ذِكْرُ الْمُؤْمِنِ بِمَا يَكْرَهُ.
(6) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: ذِكْرُ الْمُسْلِمِ بِمَا يَكْرَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسْلِم الْخَفِيفُ الظَّهْرِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، خَفِيفٌ بَطْنُهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، أَخْرَسُ النِّسَانِ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ، الَّذِي لا يَكُونُ فَاسِقًا وَلاَ غَاشا وَلا كَذَّابًا وَلَا مُجَاهِرًا بِمَعْصِيَتِهِ وَلَا وَفَّاعًا
فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ. (7) النَّمِيمَةُ: السَّعْيُ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الإِفْسَادِ، وَهَذِهِ الْكَبِيرَةُ مِمَّا بِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ كَالْبَوْلِ كَمَا فِي حَدِيثِ القَبْرَينِ، وهي الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَمِن شر النفشَتِ فِي الْعُقَدِ} (الْفَلَقِ، (4) كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُعَوَّذَتَيْنِ (8) - عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَالنَّمِيمَةُ نَقْلُ الأَحَادِيثِ الْمُفْسِدَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الْحَدِيثِ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَتَاتُ الْبُخَارِي، (5709، وَمُسلِم، (304]، وَأَيْمَانُ الْفُجُورِ الأَيْمَانُ
الْكَاذِبَةُ.
"لا
(9) الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ: الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، قَالَ: الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ تَذَرُ الدَّبَارَ بَلَافِعَ، أَيْ: حَرَابٌ
البيهقي، (19655، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، ر 20231]. (1/128)
صفحة 129
كتاب
2129 الوضع
النَّظَرُ (1): فَكَالنَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ وَمَحَاسِنِ النِّسَاءِ وَأَجْوَافِ بُيُوتِ النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنِ (3). وَأَمَّا الاسْتِمَاعُ: فَكَالاسْتِمَاع إِلَى الْغِيبَةِ، وَتَجْسِيس (3) أَسْرَارِ النَّاسِ، وَاسْتِمَاع الْبَاطِلِ مِنَ الْمَلاهِي وَالْمَزَامِيرِ. وَأَمَّا اللَّمْسُ فَكَلَمْسِ النَّجَاسَاتِ الرَّطْبَةِ (4)،
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: عَوْرَاتُ الْبُلَّغ مِنَ الآدَمِيِّينَ، أَمَّا الأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ، فَقَالَ فِي الدِّيوَانِ: إِنْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ فِي حَالِ الانْتِشَارِ مُتَعَمِّدًا فَقَدِ انْتَقَضَ وُضُوءَهُ، وَفِيهَا رُحْصَةٌ، وَأَمَّا إِنْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ فِي غَيْرِ حَالِ الانْتِشَارِ فَلا يَنْتَقِصُ عَلَيْهِ وُضُوءَهُ الدِّيوَانُ مَصْدَرٌ مَفْقُودٌ، غَيْرَ أَنَّ الشيخ يَسْتَقِي مِنْ كُتب أُخْرَى. (2) هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْكَبَائِرَ نَاقِضَةٌ لِلْوُضُوءِ، كَمَا صَحَ عَنْهُ: الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَتَنْقُصُ الْوُضُوءَ رَوَاهُ الْحَافِظُ النَّبْتُ الرَّبِيعُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ [105]. وَرَوَى الدَّيْلَمِي فِي مُسندِهِ الْفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْغِيبَةُ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ
[4322]
(3) التَّجَمُّ: اسْتِرَاقُ أَسْرَارِ النَّاسِ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ أَعْمَالِ، أَوِ اكْتِشَافُ مُحْتَوَيَاتِ مَنَازِلِهِمْ، كُلَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّجَسُّسِ وَالتَّحَسُّ بِالْجِيمِ وَالْحَاءِ. وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَاللَّهُ يَقُولُ:
وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا الْحُجُرَات، 12)، وَقُرِئَ: (وَلَا تَحَسَّسُوا). (4) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: يَعْنِي غَيْرَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّ مَسَّهَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَيْتَةِ الأَدَمِيٌّ وَغَيْرِهِ، وَلاَ بَيْنَ الْمُتَوَلَّى وَغَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ صَاحِب الإيضاح؛ لأنَّ النَّقْضَ لِلسُّنَّةِ لاَ لِلنَّجَاسَةِ، لِقَوْلِهِ: مَسَ الْمَيِّنَةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ الَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ الْمُتَوَلَّى، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ وَصَاحِبُ الدَّعَائِمِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مينَا الْبُخَارِيُّ، (283، وَمُسْلِمٌ، (371]. قَالَ الْمُحَشي: وَمَحَلُّ النَّفْضِ فِي مَسَ مَيِّنَةِ غَيْرِ الْمُتَوَلَّى إِذَا لَمْ يُغَسَلْ، وَأَمَّا إِذَا غُسلَ فَلَا نَقْضَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ جَعْفَرٍ وَصَاحِبُ الدَّعَائِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ابْنُ جَعْفَرِ الأَرْكَوِيُّ: الْجَامِعُ لابْنِ جَعْفَرٍ، 390/ 1)، (الشيخ أبو بكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ النَّظرِ: كِتَابُ الدَّعَائِمِ، 43] [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ
س 177، وَالسَّمَّاخِي: الإيضاح 130/ 1، وَالْحِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسْلامِ، 181/ 1]. (1/129)
صفحة 130
كتاب
130
الوضع
وَلَمْسِ أَبْدَانِ النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ (1)، وَلَمْسِ فُرُوحِ الْحَيَوَانَاتِ (2)، وَاخْتَلَفُوا فِي
أَبْدَانِ النِّسَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ.
(1) من الأجنبيَّاتِ بِشَهْوَةٍ، وَالْمُرَادُ الْحَرَائِرُ غَيْرُ الْمُبَرِّجَاتِ فَإِنَّ حُكْمَهُنَّ كَالإِمَاء.
(2) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ فَرْجُ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الآدَمِيِّينَ البُلْعَ، أَمَّا الأَطْفَالُ فَفِيهَا اخْتِلافُ إِذَا لَمْ تَكُنْ رَطْبَةٌ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الذُكُورِ وَالإِنَاثِ، أَمَّا الْبَهَائِمُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ مَا لَمْ تَكُنْ رَطْبَةٌ، هَذَا إِذَا كَانَ الْمَسُّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ (1/130)
صفحة 131
[كتاب. . . . .]
بَاب فِي الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ وَالاغْتِسَالِ مِنْهُمَا]
الحيض والنفاس وأحكامها]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى} (الْبَقَرَة، (222) يَعْنِي: مَرَضاً (1)، وَقِيلَ: قَذَرًا (2)، وَقِيلَ: دَمًا فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ يعني: اجْتَنِبُوا جِمَاعَهُنَّ فِي الْفُرُوجِ فِي الْحَيْضِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْفَرْجُ (3) فَلَا بَأْسَ. وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ، أَيْ: وَلَا تَقْرَبُوا جَمَاعَهُنَّ فِي الْفَرْجِ حَتَّى يَطْهُرْنَ (4)؛ أَي: يَرَيْنَ الطُّهْرَ فَإِذَا تَطَهَرْنَ؛ يَعْنِي: اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ. فَأَتُومُنَ؛ أَي:
(?)
(1) مَرَضًا لِلْحَائِضِ، وَقِيلَ: الْجِمَاعُ فِي الْحَيْضِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَمْرَاضٌ فِي مَجَارِي الْبَوْلِ وَغَيْرِهَا. (2) قَذَراً: وَسَخا يَجبُ الابْتِعَادُ عَنْهُ، وَهُوَ نَجَسٌ كَالْفَضَلَاتِ. (3) غَيْرُ الْفَرْج: قَالَ صلى الله عليه وسلم "إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِعَزْلِ الْفُرُوجِ أَلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ]، [ذكره الزيعلي في تخريج الأحاديث والآثار (133) بلفظ: "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن"] وقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ نَهْي لِلتَّحْرِيمِ، وَكَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ الله النَّهْي فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَالأَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ إِثْيَانِ الْحَائِضِ فِي حَالِ الْحَيْضِ كَثِيرةٌ، وَكُلُّهَا وَعِيدٌ، حَتَّى قَالَ إِمَامُنَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْمُؤْتَاةِ فِي
الْحَيْضِ فَقَالَ: لا أَحَلُلُهَا وَلَا أُحَرِّمُهَا، وَأَحَبُّ إِلَيَّ فِرَاقُهَا [الربيع، (544]
(4) أي حتَّى يَرَيْنَ عَلَامَةَ الطُّهْرِ فَيَتَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ. (1/131)
صفحة 132
كتاب
132
الوضع
ري
جَامِعُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ؛ أَي مِنَ الْوَجْهِ الْمُحَلَّلِ (1) لَكُمْ دُونَ الْمُحَرَّمِ عَلَيْكُمْ؛ أي: فِي وَقْتِ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ وَالصَّوْمِ وَالاعْتِكَافِ، وَالإِحْرَامِ بِحَج أَوْ بِعُمْرَةٍ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} مِنَ الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ. وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (الْبَقَرَة: (222) مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الصَّغَائِرِ. وَقِيلَ: التَّوَّابِينَ مِنَ الْأَفْعَالِ، الْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الأَقْوَالِ. وَقِيلَ: التَّوَّابِينَ مِنَ الآثَامِ الْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الْأَجْرَامِ. وَقِيلَ: التَّوَّابِينَ مِنَ الْجَرَائِمِ، وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ حُبْثِ السَّرَائِرِ وَقِيلَ: التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، الْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الْعُيُوبِ. وَقَوْلُهُ: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ؛ أَي مَزْرَعٌ لَكُمْ، وَمَنبت لِلْوَلَدِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
(2)
إِنَّمَا الْأَرْحَامُ أَرَضُونَ (2) لَنَا مُحْتَرَنَاتُ
فَعَلَيْنَا الزَّرْعُ فِيهَا وَعَلَى اللَّهِ النَّبَاتُ
وفِي الآيَةِ كِنَايَةٌ (3) طَرِيْفَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَدْبَارِ النِّسَاءِ؛ لأَنَّ الدُّبُرَ مَوْضِعُ الْفَرْثِ، لَا مَوْضِعُ الْحَرْثِ؛ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا مِنْ
(1) أَي فِي الْفَرْجِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ حَرْنًا، أَيْ مَحَلَا لِبَدْرِ الْوَلَدِ، هَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ. (2) أَرَضُونَ: مِنَ التَّسْبِيهِ الْبَلِيغِ؛ أَي كَالأَرَضُونَ. وَمُحْتَرَثَات: مَكَانُ يُحْرَثُ وَيُوضَعُ فِيهِ الْبَدْرُ وَالزَّرْعُ؛ وَهُوَ الْوَلَدُ. (3) كِنايةٌ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ الْمَحَلَّ بِاسْمِ الْحَرْثِ إِسْعَارًا بِأَنَّ الإِنْيَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَحَلِّ الْحَرْثِ أَي الْبَدْرِ. ثُمَّ إِنْ بَقِيَّةَ الآيةِ يُفيدُ التَّحْرِيمَ إجْمَالاً، وَفَسَّرَ الإِجْمَالَ الأَحَادِيث الْمُتَوَاتِرَةُ فِي النَّهْي عَنْ إِثْيَانِ الأَدْبَارِ، وَلاَ سِيَّمَا هِيَ اللُّوطِيَّةُ الَّتِي شَنَّعَ اللَّهُ عَلَى أَصْحَابِهَا كَلامِهِ الْعَزِيزِ فَفَرْجَ الْمَرْأَةِ كَالأَرْضِ، وَالنُّطْفَةُ كَالْبَدْرِ، وَالْوَلَدُ كَالنَّبَاتِ، فَالْحَرْتُ
في
بِمَعْنَى الْمُحترَثِ (1/132)
صفحة 133
كتاب
133
الوضع
حَيْثُ يَكُونُ النَّبَاتُ (1). وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً أَوِ امْرَأَةٌ فِي دُبُرِهِمَا التَّرْمِذِي، (1086، وَالنَّسَائِي، 9001]. وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَلْعُونَ (2) مَنْ أَتَى امْرَأَةٌ فِي دُبُرِهَا أَبُو دَاوُد، (1847، وَالنَّسَائِي، (9015]. وَقَوْلِهِ: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ؛ أَي: نِسَاءَكُمْ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي النِّسَاءَ حَرْنًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
(3)
إِذَا أَكَلَ الْجَرَادُ حُرُوتَ قَوْمٍ فَحَرْنِي (3) هَمُّهُ أَكْلُ الْجَرَادِ
انى شنتم؛ أَي: كَيْفَ (4) شِئْتُمْ، وَمَتَى شِئْتُمْ، مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتِ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْتِي حَلَالاً، وَقَدَمُوا لأَنفُسِكُمْ يَعْنِي فِي طَلَبِ (5) الْوَلَدِ. وَقِيلَ: فِي تَقْدِيمِ الأَفْرَاطِ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةٌ
(1) [ذَكَرَهُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي الْكَشفِ وَالْبَيَانِ، 163/ 2. وَابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي، 190/ 8، بلفظ: " عَنْ مَالِكِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ رَوْحٍ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ، هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إِلَّا مَوْضِعَ الزَّرْعِ؟! "] وروي عن ابن عباس بلفظ "اسق حرثك من حيث "نباته سنن النسائي الكبرى، ر 9003]. (2) اللَّعْنُ فِي مِثْل هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ الطَّرْدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَهُوَ وَعِيدٌ لِشَنَاعَةِ هَذِهِ الْفِعْلَة.
(3) يُرِيدُ امْرَأَتِي. (4) أَيْ: عَلَى أَي كَيْفِيَّةٍ شَاءَ الزَّوْجُ، وَمَتَى لِلزَّمَانِ: أَي مَتَى شِئْتُمْ مِنَ الزَّمَانِ، يَعْنِي بَعْدَ التطهير، فيكون المعنى مَتَى شِئْتُمْ مِنَ الزَّمَن غَيْرَ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ، وَالْجَمَاعُ كَيْفَ شَاءَ الزَّوْجُ يَعْني بالكَيْفِيَّةِ الَّتِي بَيْنَهَا مِنَ الاسْتِلْقَاء والاستدبار والاضطجاع وباركة وَالْمَأْتِي هُوَ الْقَبلُ، وَمَا كَانَ الذَّبُرُ يَوْمًا مُبَاحًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْإِجْرَامِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَيْمَتِنَا بِتَحْرِيم الْمَرْأَةِ الْمُوْتَاةِ فِي الدُّبُر، فَحَذَار.
(5) لَعَلَّ مِمَّا يَسْمَلُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَقَدَمُوا لأَنفُسِكُ المُقَدَّمَاتُ الْجِمَاعِ مِنْ مُدَاعَبَةٍ وَمُلاعَبَةٍ وَتَقْبِيل، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَشَارَ بِقَوْلِهِ: هَلَا بِكْرًا تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ البخاري، (2805، وَمُسلِم، (3715) إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَآدَابُ الْجِمَاعِ = (1/133)
صفحة 134
كتاب
134
الوضع
مِنَ الْوَلَدِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَم الربيع، ر 709، وَالْبُخَارِي، ر 6280]، قيل: وَاثْنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَاثْنَانِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ
الربيع، (708، وَالْبُخَارِيِّ، (1192].
مُرَغَبٌ فِيهَا، وَهِيَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَغْفَلَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ، وَلَا يَصِحُ أَنْ يُبَاشِرَ الْعَاقِلُ حَرْثَهُ
دُونَ مُقَدَّمَاتٍ وَإِلا كَانَ كَالْبَهِيمَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُدَاعَبَةَ وَالْمُلَاعَبَةَ يَسْتَدْعِيَانِ مَبَاهِجَ النَّفْسِ وَمَلَذَاتِهَا، لِيُتِمَّ كُلِّ مِنْهَا مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِهِ مِنَ الأنس بِزَوْجَتِهِ وَسُرُورِ كُلِّ مِنْهُمَا بالآخرِ، لِيَظْهَرَ مِنْهُمَا مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَحَمَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ} (الرُّوم، 21). (1/134)
صفحة 135
فَصْلٌ سبب نزول آية الحيض]
وحكِي عَنِ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُسَاكِنُوهَا وَلَمْ يُجَالِسُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا. وَأَمَّا النَّصَارَى أَحْزَاهُمُ اللَّهُ - فَكَانُوا لَا يُبَالُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ الْحَيْضِ، فَيُجَامِعُونَ وَيُؤَاكِلُونَ وَيُشارِبُونَ، وَيُسَاكِنُونَ وَيُجَالِسُونَ؛ فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلَ أَبُو الدَّحْدَاحِ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ النِّسَاءِ إِذَا حِضْنَ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِهِنَّ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ الله الآية (الْبَقَرَة، (222)، فَلَمَّا نَزَلَتْ عَمَدَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى النِّسَاءِ الْحُيَّضِ وَاخْرَجُوهُنَّ مِنَ الْبُيُوتِ، وَاعْتَزَلُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ وَيَعْتَسِلْنَ، ثُمَّ يَرُدُّوهُنَّ إِلَى الْبُيُوتِ، فَجَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَعْرَابِ الْمَدِينَةِ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَزْلَ الْحَيْضِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْبَرْدَ شَدِيدٌ، وَالنِّيَابَ قَلِيلَةٌ، فَإِنْ آثَرْنَاهُنَّ بِالنِّيَابِ هَلَكَ سَائِرُ الْعِيَالِ بَرْدًا، وَإِنْ أَثَرْنَا الْعِيَالَ بِالشَّيَابِ هَلَكَتِ الْحُيَّضِ، (1/135)
صفحة 136
كتاب
136
الوضع
وَلَيْسَ كُلُّنا يَجِدُ سَعَةٌ فَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِعَزْلِ الْفُرُوجِ (1) وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِإِحْرَاجِهِنَّ مِنَ الْبُيُوتِ). فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ صلى الله عليه وسلم الآيَةَ.
(1) يُقِيدُ الْحَدِيثُ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ كَالْفَخِذَيْن مَثَلاً جَائِرٌ، وَهُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخر: يَحِلُّ مِنَ الْحَائِضِ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ أَبُو دَاوُد، (212، وَالْبَيْهَقِيُّ، (1394]، وَوَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يُبَاشِرُ مِنْ فَوْقِ الإِزَارِ الْبُخَارِي، (296، وَمُسلِم، ر 705 بِمَعْنَاهُ]. وَالإِزارُ: هُوَ الْحَائِلُ دُونَ الْفَرْجِ فَافْهَمْ تُصِيبُ. وَلَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ فَذَهَبُوا إِلَى تأويلات لا غيرة بها بنانا، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ هَذِهِ الْحَقَائِقَ الَّذِينَ تَلَقُوا الشَّرَائِعَ مِنْ يَنَابِيعِهَا، سَحُوا فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ جِدَارِهِ، أُولَئِكَ أَهْلُ اللَّهِ وَالصَّفْوَةُ الْعُلاَ. (2) [لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخريج الأحاديث والآثار، (133]. (1/136)
صفحة 137
فَصْلٌ ما يجوز للمرأة أن تفعله في وقت الحيض وما لا يجوز]
ويَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَعْلَمَ مَسَائِلَ الْحَيْض، وَمَا يَجُوزُ لَهَا فِعْلُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ لَهَا فِعْلُهُ مَعَ الْحَيْضِ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ لَهَا قَبْلَ الْحَيْضِ فَهُوَ جَائِزٌ مَعَ الْحَيْضِ، إِلا خَمْسَ عَشْرَةَ حَصْلَةٌ: وَهِيَ الْوَطْء فِي الْفُرُوجِ، وَالصَّلاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ (1)، وَالاعْتِكَافُ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ، وَالْفِرَاقُ مَعَ الزَّوْجِ، وَالْقَطْعُ لِمَا اتَّصَلَ بِهَا،
والاحْتِجَامُ، وَالامْتِشَاطُ، وَالاكْتِحَالُ، وَالاسْتِيَاكُ، وَالاخْتِصَابُ.
أَمَّا الْوَطْءُ فِي الْفُرُوجِ فَحَرَامٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (الْبَقَرَة، (222)، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضِ فَقَدْ رَكِبَ ذَنْبًا عَظِيمًا أَلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظا، وَذُكِرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضِ فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا بِوَلَدٍ فَأَصَابَهُ
(1) إِنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي كُلَّ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهِيَ حَائِضِ، إِلا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَتَّى
تَطْهُرَ. (1/137)
صفحة 138
كتاب
138
الوضع
(1)
جذام) فَلَا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ الْمُعْجَمُ الأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِي، (3300، وَكَيْرُ الْعُمَّالِ، (44885]،
وَمَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ وَالأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ وَضح (2) فَلاَ يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ.
[مُصنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، (19816، مُسنَدُ الْبَزَّارِ، (7800].
وَدِينِ
وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ: فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ أَذْهَبَ لِلبِّ الرَّجُلِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ عُقُولِنَا وَدِينِنَا؟ فَقَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ " قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: "فَذَلِكَ نُقْصَانُ عَقْلِهَا، ثُمَّ قَالَ: "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ " قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: "فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا". [الْبُخَارِيِّ، (298، وَابْنُ حِبَّانَ،
ر 5744].
وأَمَّا دُخُولُ النِّسَاءِ الْمَسَاجِدَ وَالاعْتِكَافُ فَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَمَرَ الْحَائِضِ أَنْ تَعْتَزِلَ عَنْ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ (البُخَارِي، (318، وَمُسْلِم، (1473]. وَأَمَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أَمَرَ الْحَائِضِ أَنْ تَفْعَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَحَتَّى تَطْهُرَ الْبُخَارِي، (1567، وَالتَّرْمِذِي، (945]. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَمْتَنعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِلا إِذَا كَانَ جُنُبا التَّرْمِذِي، (146 وَالنَّسَائِي، (262]،
(1) الْجُذَامُ: مَرَضٌ عُصَالٌ لا زَالَ الْعِلْمُ حَائِرًا فِيهِ، حَذَرَ مِنْهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ الْبُخَارِي، (5380، وَأَحْمَد، (9720]، تَبَيَّنَ أَنَّ جُرْثُومَتَهُ كَشَكْلٍ وَجْهِ الْأَسَدِ.
(2) الْوَضَحُ: مَرَضٌ يُصَابُ صَاحِبُهُ بِبُقَعِ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِهِ، وَهُوَ الْبَرَصُ (1/138)
صفحة 139
كتاب
139
الوضع
فَالْحَائِضِ أَوْلَى أَنْ تَمْتَنِعَ وَأَمَّا مَرُّ الْمُصْحَفِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ الْوَاقِعَة، (79) وَأَمَّا الْفِرَاقُ مَعَ الزَّوْج (1) فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (الطَّلاق، (10)؛ أي: لِطُهْرِهِنَّ وَأَمَّا الْقَطْعُ لِمَا اتَّصَلَ
•
بِهَا فَكَتَقْلِيم (3) الأَظْفَارِ وَنَتْفِ الإِبطَيْنِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ. وَمَا ذَكَرَنَاهُ مِنَ الاحْتِجَامِ وَالامْتِشَاطِ والاكتحال وَالاسْتِيَاكِ وَالاخْتِصَاب (3) فَمِنَ السُّنَّةِ أَلا تَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى تَطْهُرَ.
(1) الْمُرَادُ بِالْفِرَاقِ مَعَ الزَّوْجِ الطَّلَاقُ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمَرْأَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ شَأْنِ الزَّوْجِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ جَاءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي حَالِ الْحَيْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ} (الطلاق، 1)، أَي عَقِبَ طُهْرهِنَّ، لِهَذَا تَفُوتُ الْمُطَلَّقَةُ زَوْجَهَا بِمُجَرَّدِ الانْتِهَاءِ
مِنَ اغْتِسَالِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: عِنْدَ إِفْرَاغِ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهَا مِنْهَا. رَوَى الرَّبِيعُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الرَّجُلُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ مَا لَمْ تَغْتَسِلُ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ
الربيع، (542، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا بِمَعْنَاهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، (18889]. (2) تَعْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ شعر الإبطين قيلَ: لَأَنْهَا لاَ تَصِلُ إِلَى طَهَارَتِهَا وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِطَهَارَةِ سَائِرِ أَجْزَاء جَسَدِهَا، وَكَذَا خَلْقُ الْعَوْرَةِ وَالاحْتِجَامُ. (3) الامتشاط: تسريحُ الشَّعْرِ وَالاكْتِحَالُ: وَضعُ الكُحْلِ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالسَّوَاكُ: تَحْمِيرُ الشَّفَتَيْنِ وَالاحْتِصَابُ: وَضَعُ الْحِنَّاءِ فِي اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، كُلُّ هَذِهِ مِنَ الزِّينَةِ. وَالتَّوَلَةُ: وَهِيَ مَا تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ لِتَتَحَبَّبَ بِهِ إِلَى زَوْجِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ مُحَرَّم فِي حَالِ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَالدَّوَاعِي إِلَيْهَا مُحَرَّمَةٌ؛ لأَنَّ مَا يُتَوَصَلُ بِهِ إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ. (1/139)
صفحة 140
[صفحة فارغة] (1/140)
صفحة 141
فَصْلٌ
الحيض لغة وشرعا، والقول في توابعه وعلامة الطهر]
اعْلَمْ أَنَّ الْحَيْضَ فِي اللُّغَةِ الانْفِجَارُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: حَاضَتِ السَّمْرَةُ (1)؛ إِذَا انْفَجَرَ مِنْ أَصْلِهَا شَيْءٌ أَحْمَرُ كَالدَّمِ (2)، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا انْفَجَرَتْ بِالدَّمِ قَالُوا: قَدْ حَاضَتْ حَيْضًا. وَلاَ يَكُونُ الْحَيْضُ إِلا الدَّمُ الْفَائِضِ الْخَالِصُ مِنَ الصُّفْرَةِ وَالْعُدْرَةِ (3)، وَالْفَائِضُ يَكُونُ حَيْضًا وَلَوْ كَانَ قَلِيلاً، إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَوْ وَجَدَتْهُ عَلَى عَلَمِها (4) إِذَا مَسَحَتْ بِهِ، وَإِنَّمَا تَمْسَحُ بِعَلَمِهَا إِذَا أَحَسَّتْ بِالْحَيْضِ أَوِ الظُّهْرِ) بِيَدِهَا الْيُسْرَى مِنْ خَلْفَهَا، وَهِيَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَكُلُّ دَم أَوْ
(E),
(1) السَّمرَةُ: شَجَرُ الطَّلْحَ، مِنْ أَسْجَارِ الْبَادِيَةِ.
(2) كَالدَّمِ: هُوَ صَمْعُهَا، وَشَجَرُ الطَّلْعِ مِنْ أَسْجَارِ ذَاتِ الْأَسْمَاعِ (3) الصَّفَرَةُ وَالْعُدْرَةُ وَالثَّرِيَّةُ: مِنْ تَوَابِعِ الدَّم، أمَّا الصَّفْرَةُ: فَهِيَ مَاءً خَالَطَهُ الدَّمُ، وَأَمَّا الْكُدْرَةُ: فَمَاء شَخِينٌ عَلَيْهِ شَائِبَةٌ، وَالثَّرِيَّةُ: مَاءً فِيهِ لَوْنُ التَّرِيءِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَعْقُبُ دَمَ الْحَيْضِ عِنْدَ الانْتِظَارِ وَتَعْقُبُهَا الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ
(4) الْعَلَمُ بِفَتحتين: مَا تَتَّخِذُهُ الْمَرْأَةُ لِتَرَى بِهِ الطُّهْرَ أو الدَّمَ مِنْ خِرْقَةٍ وَغَيْرِهَا.: مَ (5) الطَّهْرُ: هُوَ الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ؛ وَهِيَ مَاءً أَبْيَضُ تَرَاهُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ نَقَائِهَا، وَيُشَبِّهُونَهُ بِصُوفِ نَاصِيَةِ الْكَبْش، أَوْ بَيَاضِ آخِرِ ظُفْرِ الإِنْهَام. (1/141)
صفحة 142
كتاب
142
الوضع
طُهْرٍ لَمْ يَفِضِ فَلَا تُفتش (1) وَرَاءَهُ وَلَا تَسْتَغلُ بِهِ؛ لأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ بطهرِ التَّفْتِيشِ، أَوْ تَرَكَتِ الصَّلاةَ بِدَمِ التَّفْتيش، فَلَا تُرِيحُ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ
ريحتها (2) که ليوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ
وَدَمُ الْحَيْضِ مُنْفَصِلٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ خَيْرٌ نَخِينٌ مُنَتِين (3) (4)، وكُلُّ دَم رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى جَسَدِهَا أَوْ فَخِذِهَا أَوْ عُرْقُوبِهَا (5) أَوْ ثَوْبِهَا أَوْ مَعَ الْبَوْلِ أَوِ الْغَائِطِ، أَوْ حَجَرِ الْمَسْحُ، أَوْ فِي مَقْعَدِهَا، فَلَا تَعْتَدُّ بِهِ (7). وَكَذَلِكَ الطُّهَرُ
(1) التفتيش: الْبَحْتُ، وَهِيَ أَنْ تُدْخِلَ فِي قَبْلِهَا شَيْئًا لِتكثيف به الدَّمَ أو الطَّهِّرَ، وَهُوَ حَرَام؛ لأنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفُهَا أَكْثَرَ مِنَ الانْتِظارِ حَتَّى يَفِيضَ الدَّمُ، أَو الظُّهْرُ خَارِجَ الْمَحَلَّ بِنَفْسِهِ،
والتفتيش باطل، وَمَا بُنِي عَلَى الْبَاطِلِ بَاطِل
(2) رِيحَهَا: أَي رَائِحَتَهَا.
(3) خَيْرٌ: نَخِينٌ، وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرِ مُنْتِنٌ: كَرِيهُ الرَّائِحَةِ.
(4) [البيهقي، (1452، وَالدَّارَ قُطْنِيُّ، (59، بلفظ: "وَدَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ خَائِرٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ]
(5) الْعُرْقُوبُ: مُؤَخَرُ الْقَدَمِ
(6) حجرِ الْمَسْحَ: حَجَرِ الاسْتِعْمَارِ
(7) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح وَفِي الأَثَرِ الَّذِي يَكُونُ لَهَا سُبْهَةٌ تِسْعَةُ دِمَاءِ: دَمٌ وَجَدَتْهُ عَلَى فَخِذِهَا، أَوْ عَقِيهَا، أَوْ حِجْرٍ قَمِيصِيهَا، أَوْ فِي مَكَانٍ قَامَتْ مِنْهُ، أَوْ عَلَى حَجَرٍ مَسْجِهَا، أَوْ دَم رَأَتْهُ بَعْدَ حَمْلِهَا، أَوْ بَعْدَ إِيَاسِهَا، وَالصُّفْرَةُ الَّتِي الَتْ إِلَى الدَّم، فَإِذَا تَرَكَتِ الصَّلاةَ وَأَكَلَتْ فِي رَمَضَانَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ جَاهِلَةٌ لِذَلِكَ؛ فَقَدْ رَخَصُوا لَهَا أَنْ لَا يَنْهَدِمَ صَوْمُهَا، وَلَا يُكَفِّرُونَهَا؛ لأنَّ ذَلِكَ سُبْهَةٌ، ولَكِنَّهَا تُعِيدُ مَا تَرَكَتْ مِنْ صَلَاتِهَا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَتُعِيدُ صَوْمَ مَا أَكَلَتْ فِي رَمَضَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإيضاح
[184/ 1 (1/142)
صفحة 143
كتاب
143
الوضع
وَمَا فَاضَ مِنَ الدَّمِ بِالْمَرْأَةِ فِي ثَلاثَةَ عَشَرَ وَقْتًا فَلَا يَكُونُ لَهَا ذَلِكَ حَيْضا، خَمْسَةٌ مِنْهَا لا تَعْتَدُّ بِهَا أَصْلاً، وَخَمْسَةٌ تَعْتَدُّ بِهَا إِذَا زَالَ عَنْهَا ذَلِكَ
الْحَالُ، وَثَلَاثَةٌ تَعْتَدُّ بِهَا إِذَا دَامَ بِهَا الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الَّتِي لَا تَعْتَدُّ بِهَا أَصْلاً: فَمَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ فِي حَالِ الطُّفُولَةِ (1)، وَالثَّانِي مَا رَأَتْهُ بَعْدَ إِيَاسِهَا (2)، وَالثَّالِثُ مَا رَأَتْهُ فِي أَيَّامٍ صَلَاتِهَا،
وَالرَّابِعُ مَا رَأَتْهُ فِي أَيَّامٍ حَمْلِهَا (3)، وَالْخَامِسُ مَا يَكُونُ بِفُرْح أَوْ عِلَّةٍ.
وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الَّتِي تَعْتَدُّ بِهَا إِذَا دَامَتْ بَعْدَ زَوَالِ الْحَالِ، فَأَحَدُهَا: الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ فِي حَالِ الْخَوْفِ (4) وَالثَّانِي: الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ مَعَ الْحَمْلِ النَّقِيلِ. وَالثَّالِثُ: مَا رَأَتْهُ بِرُكُوبِ الدَّابَّةِ. وَالرَّابِعُ: مَا تَرَاهُ بِالْقَفْزَةِ (5) وَالْوَثْبَةِ.
وَالْخَامِسُ: مَا تَرَاهُ بِالْجِمَاعِ غَيْرِ الْأَوَّلِ).
(1) الطُّفُولَة: مَا قَبْلَ الْبُلُوغ. (2) الإِيَاسُ: انْقِطَاعُ الْحَيْضِ عَنْهَا بِبُلُوغِهَا سِنَّ الْخَمْسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ عَلَى قَوْلٍ، أَوِ السِّيِّينَ أَوِ الْخَمْسِينَ فَكُلُّ دَم تَرَاهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهَا بِبُلُوغِهَا السِّنَّ لَا تَعْتَدُّ بِهِ.
(3) الْحَمْلُ: الْجَنينُ، يَعْنِي عِنْدَمَا يَكُونُ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ؛ لأَنَّهُ لَا حَيْضَ مَعَ الْحَمْلِ، لِقَوْلِهِ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ حَيْضًا مَعَ الْحَمْلِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، مَوْقُوفًا عَلَى عِكْرِمَةَ وَالْحَكَمِ
وَحَمَّادٍ بِلَفْظِ قَرِيبٍ، ر 6054].
(4) الْخَوْفُ الْفَزَعُ إِذَا اسْتَدَّ بِالأُنْثَى قَدْ يَنْزِلُ مِنْهَا الدَّمُ بِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الاهْتِزَانِ الْجُسْمَانِي وَالاضْطِرَابِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهَا.
(5) الْقَفْرَةُ: هِيَ الْوَثْبَةُ، عَطْفٌ تَفْسِيرٍ، أَوْ إِحْدَاهُمَا أَشَدُّ مِنَ الْأُخْرَى.
(6) غَيْرِ الأَوَّلِ، وَهُوَ افْتِضَاضُ الْبَكَارَةِ. (1/143)
صفحة 144
كتاب
144
الوضع
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَعْتَدُّ بِهَا وَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ إِذَا دَامَتْ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَحَدُهَا: مَا رَأَتْهُ بِأَكْلِ الدَّوَاءِ). وَالثَّانِي: مَا رَأَتْهُ: بِالافْتِضَاض (2) وَالثَّالِثُ: مَا تَرَاهُ بِحَل (3) الْعُقْدَةِ (4).
وَإِنَّمَا تُنَاظِرُ الْمَرْأَةَ وَتُجَرِّب (5) دَمَ الْحَيْضِ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهَا إِلَى الشَّيْءِ
(1).
البليغ فِي الْحُمْرَةِ كَالأَرْجُوَانِ (1) الْمِصْرِيُّ، أَوِ الْخَزَفَةِ الْحَمْرَاءِ الْأَوَّلِيَّةِ أَوِ
(1.)
الدَّمِ الأَوَّلِ (8) مِنَ النَّبِيحَةِ، أَوْ دَمِ الْحَلَمَةِ. وَأَمَّا الطُّهْرُ (10) إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهَا
(1) الدَّوَاء كَمُسَهْلٍ، أَوْ حُفَنٍ تَحْتَ الْجِلْدِ، وَمَا شَابَهَ هَذَيْنِ (2) الاقْتِصَاضُ إِزَالَةُ الْبَكَارَةِ، وَهِيَ غِشَاء رَقِيقٌ عَلَى بَاب الْفَرْج، إِذَا فُضَ البَقَ مِنْهُ الدَّمُ، وَقَدْ يَسْتَمِرُّ بِصَاحِبَتِهَا حَتَّى يَصِيرَ نَزِيفًا إِنْ لَمْ يُنَدَارَكَ فِي الْحَالَ بمَا يَرْفَعُهُ، وَرَبِّمَا أَفْضَى إِلَى الْمَوْتِ بِصَاحِبَتِهِ، وَالْبَكَارَةُ عَنْوَانُ الْعِفْةِ والطَّهَارَةِ. (3) انْبِثَاقُ الدَّمِ بَعْدَ انْحِبَاسِهِ، وَلَعَلَّ كَمَا يَبْدُو لِي أَنَّ حَلَّ الْعُقْدَةِ هُوَ انْفِكَاكُ الْبَكَارَةِ بِسَبَبٍ جهْدٍ عَنِيفِ، أَوْ مَا هُوَ غَيْرُ الافْتِصَاضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَاشِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّ بَابَ الْحَيْضِ يَنْغَلِقُ فَتَفْتَحُ فَمَهُ بِالْمُرُودِ مَثَلاً، وَلاَ يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمْ، فَهَذَا
غَيْرُ وَاضح (4) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: وَلَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَتْ تَابَتْ وَغُرُمَتْ أَرْسُ مَا أَفْسَدَتْ. (5) تُجرِّبُ: يَعْنِي نَقِيسُ دَمَ الْحَيْض. (1) الأَرْجُوَانُ: الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ، وَهُوَ أَحْمَرُ قَانِ، لَعَلَّهُ الْقُرْمُزُ، وَهُوَ الْبُقْمُ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ. (7) الْخَزَفَةُ: الْفَخَارُ الأَحْمَرُ عِنْدَ إِحْرَاجِهِ أَوَّلَا مِنَ الْفُرْنِ.
(8) الدَّمُ الأَوَّلُ هُوَ دَمُ النَّبِيحَةِ عِنْدَ شَحْبِهِ بِالذَّبْحِ.
(9) الْحَلَمَةُ: قُرَادُ الْجَمَال.
(10) الطُّهْرُ: الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ (1/144)
صفحة 145
كتاب
145
الوضع
فَإِنَّهَا تُنَاظِرُهُ وَتُجَرِّبُهُ بِمَا كَانَ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ كَالدَّرْهَمِ الصَّافِي، أَوِ السَّوَارِ الصَّافِي، أَوْ صُوفِ نَاصِيَةِ الْكَبْشِ الْمَغْسُولَةِ بِالْجِبْسِ (1)، أَوْ أُصُولِ أَظْفَارِ الشَّبَابِ، أَوْ بُرَاقِ الصَّائِمِ، أَوْ حَصَاةِ الطَّرِيقِ، أَوْ طَعْمِ الشَّيح
(1) الجنس: الطِّينُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبِيْرِ أَوِ الْجَبَلِ لِغَسْلِ الْأَصْوَافِ، وَثِيَابِ الصُّوفِ الْمُلَوَّنَةِ حِفْظًا لِمَوْنِهَا مِنَ الانْحِلَالِ، وَإِزَالَةٌ لِلْوَدَكِ
(2) طعم الشيح: نَوْرِهِ. (1/145)
صفحة 146
[صفحة فارغة] (1/146)
صفحة 147
فَصْلٌ
الأمور التي يدور عليها الحيض والنفاس والطلوع والنزول
اعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ تَدُورُ عَلَى خَمْسٍ مَسَائِلَ أَحَدُهَا: مَسْأَلَةُ الأَوْقَاتِ، وَالثَّانِيَةُ: مَسَأَلَةُ الأُصُول وَالْبنَاء، وَالثَّالِثَةُ: مَسْأَلَةُ الانْتِظَار))
وَالرَّابِعَةُ: مَسْأَلَةُ الانْتِسَابِ (3)، وَالْخَامِسَةُ: مَسَأَلَةُ الطُّلُوعِ (3) وَالنُّزُولِ.
أدنى أوقات الحيض والنفاس وأقصاها]
(1)
((!) ,
،
فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الأَوْقَاتِ: فَإِنَّ أَدْنَى أَوْقَاتِ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكثرُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ (4) (5). وَقِيلَ: أَكْثَرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَدْنَى أَوْقَاتِ النَّفَاسِ عَشَرَةُ
(1) الانْتِظَارُ لِلْحَيْضِ أَوِ الظُّهْرِ: أَيْ تَرَقُبُهُمَا.
(2) الانتسَابُ: اتَّخَاذَ الْوَقْتِ لِمَنْ لاَ وَقْت لَهَا اعْتِبَارًا بِوَقْتِ وَالِدَتِهَا مَثَلاً، كَمَا سَيَأْتِي. (3) الطُّلُوعُ وَالنُّزُولُ: ازْدِيَادُ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَنُقْصَانُهَا.
(4) هَذَا لِمَا وَرَدَ فِي الْمُسْتَدِ الصَّحِيحِ لِلرَّبِيعِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ [541]، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ الْمَعْمُولُ بِهِ.
(5) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ الْمُحَيِي: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ وَأَكْثَرَهُ مَا ذُكِرَ مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ = (1/147)
صفحة 148
*
كتاب
1 EA
الوضع
أَيَّامٍ، وأكثرُهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا). وَقِيلَ: أَكْثَرُهَا سِتُّونَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَكْثَرُهَا تَسْعَوْنَ
يَوْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
=
قَالَ: أَقَلُ الْحَيْضِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكثرُهُ عَشَرَةُ أَيَّام الربيع، ر 541]، فَلِذَلِكَ كَانَ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِحَيْضِ. [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ ص 199]. (1) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا نَقْعُدُ فِي النَّفَاسِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَربَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهُرَ قَبْلَ ذَلِكَ. التَّرْمِذِي، (139، وَابْنُ مَاجَهْ (649]. قَالَ فِي الإِيضاح بَعْدَ حِكَايَةِ هَذِهِ الأَنْوَالِ: وَمَدْرَكُ كُلِّ قَوْلِ وَمُستَندُهُ مَا نَصهُ: وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضٍ كُتُبِ أَهْلِ الْخِلَافِ أَنْ التوقيت في أَيَّامِ الْحَيْضِ وَأَيَّامِ الظُّهْرِ وَأَيَّامِ النَّفَاسِ لَا مُسْنَدَ لَهُ إِلَّا التَّجْرِبَةَ وَالْعَادَةَ، ولِذَلِكَ كَثرَ الْخِلافُ فِيهِ لاختِلافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْظُرُ: الشماخي: الإيضاح 197/ 1].
تَتِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنُّفَسَاءِ: قَالَ فِي الإِيضاح: وَاخْتَلَفُوا فِي النُّفَسَاءِ مَتَى تَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَتْرُكُ الصَّلاةَ إِذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاصُ وَرَأَتِ الدَّمَ وَقَالَ آخَرُونَ: حَتَّى تَرْكَدَ لِلْوِلادَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: حَتَّى يَخْرُجَ بَعْضُ الْوَلَدِ. وَقَالَ آخَرُونَ: حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا. وَقَالَ آخَرُونَ حَتَّى نَضَعَ آخِرَ مَا فِي بَطْنِهَا إِذَا كَانَ فِي بَطْنَهَا أَكثرُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَحْ فَذَكَرَ سَبَبَ الْخِلافِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَصَحُ هَذِهِ الأَقْوَال قَوْلُ مَنْ قَالَ: حَتَّى تَضَعَ آخِرَ مَا فِي بَطْنِهَا؛ لأَنَّهَا بِذَلِكَ يَرْتَفِعُ عَنْهَا اسْمُ الْحَامِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا أَسْقَطَتْ هَلْ تستحق اسْمَ نُفَسَاءَ، وَتَفُوتُ زَوْجَهَا إِنْ طَلَّقَهَا وَنَحِلُّ لِلأَزْوَاجِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَسْقَطَتْ ما لاَ يَذُوبُ فِي الْمَاء فَهيَ نُفَسَاءُ، وَتَفُوتُ زَوْجَهَا. وَقَالَ آخَرُونَ حَتَّى يَسْتَبِينَ مِنْ، السَّقْطِ جَارِحَةٌ ثُمَّ تَكُونُ نُفَسَاءَ. وَقَالَ آخَرُونَ: حَتَّى تَضَعَ مَا يُسَمَّى وَلَدًا، وَلَا يُسَمَّى ولَدًا حَتَّى يَكُونَ تَامَّ الْخِلْقَةِ؛ لأنَّ بِذَلِكَ يَصحُ لَهَا اسْمُ نُفَسَاءَ، وَلَا يَصِحُ بِمَا دُونَ ذلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْظُرْ أبو سنة: حاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع، ص 201، والشماخي: الإيضاح 243/ 1]. (1/148)
صفحة 149
كتاب
149
الوضع
وَأَدْنَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّونَ يَوْمًا (1)؛ وَلَا تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ الْوَقْت (2) لِلصَّلَاةِ مَا لَمْ تَأْخُذِ الْوَقْتَ لِلْحَيْضِ، وَأَمَّا النَّفَاسُ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ
لَهُ الْوَقْت؛ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتُ لِلْحَيْضِ
وَأَمَّا أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ: فَلاَ تَأْخُذُ مِنْهَا وَقْتا، إِلَّا مَا وَجَدَتْهُ بَعْدَمَا أَخَذَتِ الوقت للحيض؛ لأَنَّهُ قِيلَ: خَمْسَةُ أَوْقَاتِ لِلطَّهر، لا تَأْخُذُهَا وَقْتًا لِصَلاتِهَا، وَلَا تَكُونُ لَهَا وَقْتًا لِلصَّلاَةِ، طَالَتْ تِلْكَ الأَوْقَاتُ أَوْ قَصُرَتْ أَحَدُهَا: الطُّهْرُ الَّذِي خَالَطَهُ الدَّمُ، وَالثَّانِي: الظُّهْرُ الَّذِي تُصِيبُهُ عَلَى الانْتِظَارِ، وَالثَّالِثُ: الظُّهْرُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهَا مَعَ الْحَمْلِ، وَالرَّابِعُ الطُّهْرُ الَّذِي تُصِيبُهُ بَعْدَ النَّفَاسِ، وَالْخَامِسُ الطُّهْرُ الَّذِي تُصِيبُهُ مِنْ دَاخِلِ وَقْتِ حَيْضِهَا. وَلَا تَأْخُذُ فِي الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ إِلا وقتا وَاحِدًا، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ فِيهِ أَوْقَانًا مُخْتَلِفَاتِ، مِنْ
عَشَرَةٍ إِلَى سِتِّينَ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الأُصُولِ وَالْبِنَاءِ: فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهَا أَصْلَا تَبْنِي عَلَيْهِ فِي الْحَيْضِ يَوْمَانِ، وَيَكُونُ لَهَا أَصْلاً فِي النَّفَاسِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَقِيلَ: إِنَّ النَّفَاسَ أصل بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ مَعْدُودٍ، وَالْكُدْرَةُ (3) وَالصُّفْرَةُ
(1) قيلَ: وَقْتُ الظُّهْرِ لاَ حَدَّ لَهُ، وَإِنَّمَا الْغَالِبُ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ هَذِهِ الْمُدَّةِ. (2) لأَنَّ أَيَّامَ الظُّهْرِ هِيَ الأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهَا، وَالْحَيْضُ حَدَثُ طَارِيٌّ لَا يَسْقُطُ بِهِ مَا وَجَبَ فِي الأصل، إلا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إِسْقَاطِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا استصحاب حَالِ الأَصْلِ، وَهُوَ وَجُوبُ الْعِبَادَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتِ، لِتَرْكِهَا مَا لَمْ يَصِحٌ مَا تَسْقُطُ بِهِ، وَهُوَ الْحَيْضَ مَثَلاً.
(3) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي، لَكِنْ لِزِيَادَةِ بَيَانِ تَقُولُ: الْكُدْرَةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُون الدَّالِ: تُعْتَبَرُ فِي لَوْنِ الْمَادَّةِ الَّتِي تَلِي الصُّفْرَةَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الدَّمَ وَالصُّفْرَةُ: تِلْكَ الْمَادَّةُ، = (1/149)
صفحة 150
كتاب
10.
الوضع
(Y),.
والتريةُ وَالْعَلَقَة (1) وَالتَّيَسُ؛ لاَ تَكُونُ أَصْلاً لِلْحَيْضِ وَلَا لِلنَّفَاسِ، وَلَا حُكْمَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، إِنَّمَا الْحُكْمُ لِمَا سَبَقَهَا (2) وَتَقَدَّمَهَا، إِنْ تَقَدَّمَهَا حَيْضُ فَحُكْمُهَا حكمُ الْحَيْضِ، وَإِنْ تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الظُّهْرِ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الأصل، والأَساسُ الَّذِي ذَكَرنَا أَنَّهَا تَبْني عَلَيْهِ، إِلا فِي الْحَيْضَةِ الأُولى وَالنَّفَاسِ الأَوَّلِ، وَإِذَا رَأَتْ حَيْضَهَا الأَوَّلَ فَدَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ، ثُمَّ رَأَتْ بَعْدَهَا طُهْرًا، فَكُلُّ مَا رَأَتْهُ مِنَ الدَّمِ الْخَالِص بَعْدَ ذَلِكَ الطَّهْرِ فَإِنَّهَا تَجْمَعُهُ إِلَى الْيَوْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الأَصْلُ، وَذَلِكَ فِيمَا تَرَاهُ بَيْنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَيْضِ إِلَى الْعَاشِرِ، وَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ الْعَاشِرِ فَلاَ تَجْمَعُهُ، فَإِنْ قَطَعَ بَيْنَ مَا تَضُمُّهُ طُهْرٌ؛ جَمَعَتْ مَا قَبْلَ الظُّهْرِ إِلَى الأَصْلِ الأَوَّلِ، فَيَكُونُ لَهَا وَقْتًا لِلْحَيْضِ، وَلَا تَجْمَعُ
=
وَاصْفِرَارُهَا لِكَوْنِهَا مَشُوبَةٌ بِالدَّم، وَهِيَ بَعْدَ الدَّمِ، تَلِيهَا النَّرِيَّةُ: وَهِيَ الْمَاء الْمُتَغَيِّرُ دُونَ الصُّفْرَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّرِيَّةَ وَالْكُدْرَةَ تَتَعَاقَبَانِ. وَالْعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِنَ الدَّم، تَكُونُ حَيْضًا عِنْدَ الْمُصنف إذَا تَقَدَّمَهَا حَيْضَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الْكُدْرَةُ: مَاءً نَخِينُ عَلَيْهِ أَثَرُ الدَّمِ. وَالصُّفْرَةُ: مَاءً خَالَطَهُ دَمَ. وَالتَّرِيَّةُ: غُسَالَةُ الدَّمِ وَالْعَلَقَةُ: الدَّمُ الْغَلِيظُ الْقِطْعَةُ مِنْهُ عَلَقَةٌ. وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا سَبَقَهَا، إِلَّا أَنَّ فِيهَا قَوْلاً عَنِ ابْنِ عَبَّادٍ أَنَّهَا حَيْضُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ. وَفِي الإِيضاح فِيهَا بَحْتُ، فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ فِي الْمَسْأَلَةِ انْظُرُ: الشماخي: الإيضاح 178/ 1 -
[190
(2) إِنَّمَا الْحُكْمُ لِمَا سَبَقَهَا؛ هَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. هَذِهِ الْمَعَانِي تُرَاعَى عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَمَلاً بالدُّقَةِ فِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ وَاحْتِيَاطًا لَهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الرَّبِيعِ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَطْهُرُ الْمَرْأَةُ حَتَّى تَرَى الْقَصَّةَ البَيْضَاءَ الرَّبيع، (543]. وَبِمَا أَنَّهُ تَسْبِقُ هَذِهِ الْمَعَانِي الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ وَجَبَ فَرْزُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْمَادَّةِ حَتَّى لا تشتبه عَلَى الْمَرْأَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي بَعْدَ ارْتِفَاعِ الدَّمِ فَتَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ. (1/150)
صفحة 151
كتاب
151
الوضع
مَا بَعْدَ الطَّهْرِ الْقَاطِعِ، وَلاَ مَا بَعْدَ الْعَاشِرِ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَرَى فِيهِ الْحَيْضَ، وَالْيَوْمُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَاهَا فِيهِ الْحَيْضُ لَا تَعْتَدُّ بِهِ، وَلَا تَحْسِبُهُ مِنْ أَيَّامٍ حَيْضِهَا، إِلا إِنْ رَأتْ فِيهِ الْحَيْضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ: قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ فِيمَا دُونَ صَلَاةِ الظُّهر.
ووَأَمَّا مَسْأَلَةُ الانْتِظَارِ: فَإِنَّ الانْتِظَارَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا انْتِظَارُ الدَّمِ، وَالثَّانِي انْتِظَارُ مَا يَتْبَعُ الدَّمَ مِنَ الْكُدُورَاتِ (1)، فَانْتِظَارُ الدَّمِ فِي الْحَيْضِ يَوْمَانِ، وَفِي النَّفَاسِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَانْتِظَارُ الْكُدْرَةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ جَمِيعًا، وَيَكُونُ عَلَى الْمَرْأَةِ الانْتِظَارُ فِي الْحَيْضِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ فِي غَيْرِ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا فِي الْحَيْضِ الأَوَّلِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهَا الانْتِظَارُ فِيهِ إِذَا لَمْ تَرَ مَا تَتَّخِذُهُ وَقْتًا فيما دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الظُّهْرَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ كَانَ عَلَيْهَا الانْتِظَارُ فِي الْيَوْمِ الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ، إِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَيْهَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ شَيْءٌ مِنَ الْحُدُورَاتِ كَانَ عَلَيْهَا الانْتِظَارُ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْحَيْضِ الأَوَّلِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهَا فِيهِ الانْتِظَارُ، إِذَا لَمْ تَرَ الطَّهْرَ عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهَا فِي الْحَيْضِ، وكَذَلِكَ فِي النَّفَاسِ يَكُونُ عَلَيْهَا الانْتِظَارُ فِي النِّفَاسِ الْأَوَّلِ عِنْدَ تمَام أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كَمَا يَكُونُ عَلَيْهَا فِي الْحَيْضِ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَأَمَّا فِي غَيْرِ النَّفَاسِ الأَوَّلِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهَا الانْتِظَارُ عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهَا فِي النَّفَاسِ إِذَا لَمْ تَرَ الظُّهْرَ؛ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَيْضِ.
(1) الكُدُورَات جَمْعُ كُدْرَةٍ: هِيَ تَرَابِعُ الدَّمِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: الْكُدْرَةِ بِالإِفْرَادِ، وَالأَسْبُهُ الْجَمْعُ لِيَسْمَلَ الْمَعنى الصُّفْرَةَ وَالْعُدْرَةَ والتَّرِيَّةَ. (1/151)
صفحة 152
كتاب
152
الوضع
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الانْتِسَابِ: إِنَّمَا يَكُونُ الانْتِسَابُ فِي الظُّهْرِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ دُونَ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ، وَلَا يَكُونُ الانْتِسَابُ إِلَّا بَعْدَ الْحَيْضَةِ الأُولَى وَالنَّفَاسِ الأول. والانْتِسَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يَكُونُ عَلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَ الوقت لِلْحَيْضِ، وَالثَّانِي يَكُونُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَخْذِ الْوَقْتِ لِلْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ؛ فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قَبْلَ أَخْذِ الْوَقْتِ فَهُوَ أَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ أَوَّلَ حَيْضِهَا، فَيَدُومُ الدَّمُ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ تَرَ الظُّهْرَ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ يَوْمَيْنِ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ دَامَ بِهَا
إلي
الدَّمُ فَلْتَعْتَسِلْ وَتُصَلِّي، وَيَكُونُ عَلَيْهَا الاغْتِسَالُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ كَذَلِكَ (1) عَشَرَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ الانْتِظَارِ، فَإِنْ لَمْ تَرَ الطُّهْرَ عَلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ الَّتِي صَلَّتْ فِيهَا؛ انْتَسَبَتْ إِلَى قَرَابَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا تَنْتَسِبُ إِلَى أُمَّهَا، أَوْ أُخْتِهَا، أَوْ عَمَّيْهَا، أَوْ خَالَتِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَن انْتَسَبَتْ إِلَيْهَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً، مُوَحدَةً أَوْ مُشْرِكَةً، عَاقِلَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، حَيَّةٌ أَوْ مَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَنتَسِبُ إِلَيْهَا انْتَسَبَتْ إِلَى غَيْرِهِنَّ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ.
ومعنى الانْتِسَابِ: أَنْ تَسْأَلَ قَرِيبَتَهَا عَنْ وَقْتِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ قَالَتْ لَهَا قرِيبَتُهَا: إِنَّ أَيَّامِي فِي الصَّلَاةِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ؛ فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ
عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ قَالَتْ: أَيَّامُ صَلَاتِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ عِشْرُونَ يَوْمًا؛ فَلْتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَدَدِ الَّذِي قَالَتْ لَهَا، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَشَرَةَ أَيَّام، وتنتظرُ يَوْمَيْنِ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ تُصَلِّي مَا قَالَتْ لَهَا قَرِيبَتُهَا مِنْ عَدَدِ الأيام، وتَصْنَعُ كَذَلِكَ مَا دَامَ بِهَا الدَّمُ إِلَى سَنَةٍ، فَإِذَا تَمَّتِ السَّنَةُ فَتَكُونُ
(1) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اسْتِحْبَابٌ كَمَا فِي الْقَوَاعِد [قواعد الإسلام، 211/ 1]. (1/152)
صفحة 153
كتاب
153
الوضع
مُبْتَلَاةً، تَتْرُكُ الصَّلاةَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَتُصَلِّي عَشَرَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ مَا بِهَا. وَهَذَا إِذَا دَامَ بِهَا الدَّمُ مِنْ وَقْتِ انْتِظَارِهَا، وَأَمَّا إِنْ وَجَدَتِ الظُّهْرَ بَعْدَ الانْتِظَارِ، فَلْتَعْتَسِلْ وَتُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَهَا الدَّمُ، فَإِذَا رَاجَعَهَا الدَّمُ انْتَسَبَتْ كَمَا
قَدَّمْنَا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي تَنْتَسِبُ فِيهِ بَعْدَ مَا كَانَ لَهَا وَقْتُ لِلْحَيْضِ؛ فَهُوَ أَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ الْحَيْضِ الأَوَّلَ، فَيَدُومَ بِهَا الدَّمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ عَشَرَةً، ثُمَّ تَرَى الطُّهْرَ فَيَدُومَ بِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً، ثُمَّ يَأْتِيهَا الدَّمُ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي حَتَّى تَتِمَّ خَمْسِينَ صَلَاةٌ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَنْتَسِبُ إِلَى قَرَابَتِهَا كَمَا
ذكرنا.
وكَذَلِكَ إِنْ خُولِط طُهْرُهَا الأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَنْتَسبُ، إِذَا رَأْتِ الدَّمَ بَعْدَ عَشَرَةِ أيام، كَذَلِكَ إِنْ رَأْتِ الظُّهْرَ عَلَى الانْتِظَارِ أَوْ بَعْدَهُ فِيمَا دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّهَا تَنتَسِبُ إِذَا أَتَاهَا الدَّمُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْ أُمّ مَاطُوس)، أَنَّهَا قَالَتْ: أَعْطَانِي أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمْصَمِيصِيُّ (2) أَصْلَ الْحَيْضِ إِذَا رَأَيْتُ الدَّمَ دَاخِلَ سِتِّينَ يَوْمَا انْتَسَبْتُ، وَإِذَا رَأَيْتُهُ خَارِجَ سِتِّينَ يَوْمًا أَعْطَيْتُ لِلْحَيْضِ وَتَرَكْتُ الصَّلاةَ وَالصَّوْمَ.
(1)
(1) أم ماطوس (ق 4 هـ / 10 م) عالمة وفقيهة من نفوسة. أنظر: معجم أعلام إباضية المغرب،
ترجمة 762].
(2) خصيب بن إبراهيم التمصميصي، أبو محمد (ق 4 هـ / 10 م) عالم فقيه من تمصميص بجبل معجم أعلام إباضية المغرب، ترجمة 290.
نفوسة، (1/153)
صفحة 154
كتاب
154
الوضع
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الطُّلُوعِ وَالنُّزُولِ: فَإِنَّهَا هِيَ زِيَادَةُ الدَّمِ وَنُقْصَانُهُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَقت مَعْلُومٌ فِي الْحَيْض أو النَّفَاسِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ فِي الْحَيْضِ مِنْ أَوِ ثَلاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَفِي النَّفَاسِ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، وَتَنْزِلُ فِي الْحَيْضِ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى ثَلاثَةِ، وَفِي النَّفَاسِ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى عَشَرَةٍ وَقَدْ يَكُونُ الطُّلُوعُ بِالدَّرَجَاتِ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالأَكْثَرِ، حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى أَكْثَرِ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ، ويَكُونُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى أَكْثَرِ الأَوْقَاتِ، وكَذَلِكَ النُّزُولُ، تَنْزِلُ بِالدَّرَجَاتِ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالأكثرِ حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى أَفَلِّ الأَوْقَاتِ وَتَنْزِلَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى
أَقَلُّ الأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا تَطْلُعُ إِلَى دَم خَالِص يُوَالِي وَقْتَهَا فِي الْحَيْضِ. وَأَمَّا النُّزُولُ: فَإِنَّمَا تَنْزِلُ إِلَى دَم خَالِص يُوَالِي وَقْتَهَا فِي الظُّهْرِ، وَلَا يَصحُ لِلْمَرْأَةِ الطُّلُوعُ حَتَّى يَتَتَابَعَ الْعَدَدُ الَّذِي زَادَ عَلَى وَقْتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا النُّزُولُ: فَلَا يَصِحُ لَهَا حَتَّى يَتَتَابَعَ الْعَدَدُ الَّذِي انْتَقَضَ لَهَا مِنْ وَقْتِهَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا تَطْلُعُ الْمَرْأَةُ مِنْ وَقْتِهَا الأَوَّلِ حَتَّى تَرَى طُهْرًا مُتَّصِلاً مِنْ دَاخِلِ وَقْتِهَا فِي الظُّهْرِ إِلَى خَارِجِ وَقْتِهَا عَدَدَ مَا تَطْلَعُهُ (1/154)
صفحة 155
فَصْلٌ
كيفية الاغتسال من الحيض والنفاس
وَاغْتِسَالُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَاغْتِسَالِ الْمُجَنَّةِ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْحَائِضِ تُؤْمَرُ بِنَقْضِ شَعْرِ رَأْسِهَا عِنْدَ الْغُسْلِ، وَتَغْسِلُهُ بِالطَّفْلِ (1) أَوِ الرَّمْلِ، وتَمْشُطُهُ، وَتَجْمَعُ الشَّعْرَ وتَغْسِلُهُ، ثُمَّ تَدْفِنُهُ (3). وَقَدْ قِيلَ لَهَا بِالرُّحْصَةِ إِذَا قَصَرَتْ أَوْقَاتَهَا (3) فِي الْحَيْضِ، أَنْ تَنْقُضَ شَعْرَ رَأْسِهَا مَرَّةٌ، وَتَتْرُكَهُ أُخْرَى. وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الاغْتِسَالُ حَتَّى تَرَى الطَّهَرَ الْبَيِّنَ أَوْ تَخْرُجَ مِنَ الانْتِظَارِ إِنْ لَمْ تَرَ الطَّهِّرَ، إِلَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الرُّحْصَةِ لِلْمَرْأَةِ الْحَائِضِ، إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُسَافِرَ وَهِيَ فِي الْحَيْضِ أَوِ النَّفَاسِ، رَخَصُوا لَهَا أَنْ تُخَفِّفَ النَّجَسَ مِنْ جَسَدِهَا
خَافَتْ عَدَمَ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ.
(1) الطَّفْلُ: طِين يَابِسٌ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَمَّامِ لِلنِّسَاءِ. (2) تَجْمَعُ الشَّعْرَ إِذَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْجَارِي، وَأَمَّا فِي الْمَاءِ الْجَارِي فَلَا تَجْمَعُ، بل تتركُهُ يَذْهَبُ مَعَ الْمَاءِ. وَمَا وَرَدَ مِنْ جَمْعِهِ وَغَيْلِهِ وَدَفْنِهِ فَمِنَ السُّنَّةِ.
(3) قَصَرَتْ أَوْقَاتَهَا: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ وَقَنهَا أَقَلَّ الظُّهْرِ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَوَقْتُ حَيْضِهَا أَقَلَّ وَقْتِ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِيهَا أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ مَرَاتِ فِي الشَّهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي تُقْتَضَى عِدَّتُهَا لَوْ طُلَّقَتْ يَوْمَ آخِرِ الشَّهْرِ، إِذَا أَتَاهَا الْحَيْضُ أَوَّلَ يَوْمٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ (1/155)
صفحة 156
كتاب
??
الوضع
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ نِسَاءِ قَسْطَالِيَّة (1)؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ نِسَاءَ قَسْطَالِيَّةَ كَتَبْنَ إِلَى مَشَائِحُ الْجَبَلِ (2) بِتِسْع مَسَائِلَ: ثَلَاثُ مِنْهُنَّ فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ؛ وَسِةٌ فِي الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ، فَرَدَّ الْمَسَائِحُ جَوَابَهُنَّ إِلَى أَبِي عِيسَى الدَّر فِي بِمَدِينَةِ جَادُو (3) (4) فَأَجَابَهُنَّ:
أَمَّا اللَّوَانِي فِي الْحَامِلِ: فَرُخْصَ لَهَا أَنْ تَحْتَجِمَ وَرُخْصَ لَهَا أَنْ تُكْوَى بِالْعُودِ فِي أَطْرَافِ بَدَنِهَا. وَرُحْصَ لَهَا أَنْ تَتَيَمَّمَ إِذَا لَمْ تَصِلُ إِلَى الاسْتِنْجَاءِ لِعِظَمِ بَطْنِهَا. وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْحَائِضِ فَإِحْدَاهُنَّ الْمَرْأَةُ إِذَا رَأْتِ الظُّهْرَ وَالْحَيْضَ مَعَا فَجَوَابُهُ فِيهَا: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَسَطِ وَقْتِهَا فَلْتُعْطِ لِلْغَالِبِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَطْرَافِ وَقْتِهَا فَلْتُعْطِ لِمَا تَنْتَظِرُ إِلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: الدَّمُ الْخَالِصُ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي انْتِظَارِهَا لِغَيْرِ الدَّمِ فَإِنَّ الدَّمَ الْخَالِصَ يُزِيلُ
(1) قَسْطَالِيَّةُ بِلادُ الْجَرِيدِ: نقطة وتوزر وَمَا حَوْلَهُمَا، كَانَتْ مِنْ بِلَادِ أَصْحَابِنَا قُرُونًا. (2) الْجَبَلُ: الْمُرَادُ بِهِ جَبَلُ نفُوسَةَ، وَهُوَ مَرْجِعُ أَصْحَابَنَا الْعِلْمِيُّ، وَكَانَ لِلْجَبَلِ شَانٌ فِي التاريخ الإِسْلامِي عَظِيمٌ كَمَا فَصَّلْنَا فِي التَّارِيخ، واحْتَصَرْنَا مِنْهُ مُقَدَّمَةَ هَذَا الْكِتَابِ. (3) جَادُو مِنْ أَكْبَرِ بِلادِ جَبَلِ نفُوسَةَ بَعْدَ الْعَاصِمَةِ الْعُظمى شروس، وَقَدْ زُرْتُهَا سَنَةَ أَلْفِ وَثَلاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ أَجِدُهَا كَمَا كُنْتُ أَتَصَوَّرُهَا فِي التَّارِيخ، إلا أَنَّهَا لَا تَزَالُ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ مَكَانَةِ التَّارِيخ، عُمْرَانَا، وَجَادُوا مِنَ الْمُدُنِ الْقَدِيمَةِ فِي الْجَبَلِ قَالَ يَاقُوتُ فِي مُعْجَمِهِ: جَادُو مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ فِي جَبَلِ نفُوسَةَ، مِنْ نَاحِيَةِ إِفْرِيقِيَّةَ، بِهَا أَسْوَاقٌ وَبِهَا يَهُودٌ كَثِيرَةٌ. انْتَهَى [يَاقُوتُ الْحَمَوِيُّ: مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ، 92/ 2]. وَجَادُو مُتَّصِلَةٌ الْيَوْمَ إِجَنَاونَ بَلَدِ الْمُصَنِّفِ بِحَيْثُ لا يَكَادُ الإِنْسَانُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنَّ إِجَنَّاونَ فِي متحدرِ الْجَبَلِ، وَجَادُو فِي أَعْلَاهُ، وَبَيْنَهُمَا فَارِقٌ قَلِيلٌ مِنَ الْمَسَافَةِ. (4) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: جَادُو مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ فِي جَبَلِ نفُوسَةَ عَلَى قِمَّةٍ مِنْ قِمَمِهِ الْعَالِيَةِ، مُشْرِفَةٌ عَلَى مَدِينَةِ إِجَنَاونَ؛ بَلْدَةِ الشَّيْخِ أَبِي زَكَرِيَّا صَاحِبِ الْكِتَابِ.
(5) عِظَمَ بَطْنِهَا: بِالْحَمْلِ بِحَيْثُ لا يَسْمَحُ لَهَا أَنْ تَصِلَ إِلَى الاسْتِنْجَاءِ بِيَدِهَا. (1/156)
صفحة 157
كتاب
157
الوضع
(2)
حكم الانْتِظَارِ الأَوَّلِ (1). وَالثَّالِثَةُ: إِذَا دَخَلَتْ فِي انْتِظَارِ الدَّم، ثُمَّ تَبِعَهُ شَيْ مِنَ الصُّفْرَةِ أَوِ الْكُدْرَةِ أَوِ التَّيْسِ (2) قَبْلَ تَمَامِ الانْتِظَارِ؛ فَإِنَّ الْانْتِظَارَ الْأَوَّلَ لَا يَزُولُ حُكْمُهُ حَتَّى تُتِمَّهُ وَالرَّابِعَةُ: الْمَرْأَةُ الْحَائِصُ إِذَا كَانَتْ فِي الْبَادِيَةِ وَأَرَادَتْ أن تَنْتَقِلَ عَنِ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَرَى طُهْرَهَا فَرُحْصَ لَهَا أَنْ تُخَفِّفَ النَّجَسَ مِنْ جَسَدِهَا (3). وَالْخَامِسَةُ: الْمَرْأَةُ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ أَوِ السَّفَرِ فَتَرَى مِنَ الْحَيْضِ مَا يُخَالِفُ لَوْنَ الرَّمْلِ (4)، فَرُخَّصَ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ لِلْحَيْضِ وَتَتْرُكَ الصَّلَاةَ. وَالسَّادِسَةُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي يُوهَمُ (5) مِنْهَا الْحَمْلُ، لَا يَجُوزُ لَهَا أَكْلُ الدَّوَاءِ (6) (7)
و (ه)
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: وَانْتِظَارُ الدَّمِ يُزِيلُ انْتِظَارَ غَيْرِ الدَّمِ، وَانْتِظَارُ غَيْرِ الدَّم لا يُزِيلُ انْتِظَارَ الدَّمِ؛ لأنَّ حُكْمَ الدَّمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحُكْمَ غَيْرِ الدَّمِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ،
فَالْمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَقْوَى، وَلِذَلِكَ يُزِيلُهُ إِلَخ ... [انْظُرْ: الشماخي: الإيضاح 223/ 1]. (2) النَّبسُ: الْخُلُو مِنْ أَيِّ مَادَّةٍ مِنَ الصَّفَرَةِ وَالكُدْرَةِ وَالثَّرِيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ النَّيْسَ عَلَامَةَ الطُّهْرِ لِبَعْضِ النِّسَاءِ (3) تَخْفِيفُ النَّجَسِ: كَالاسْتِنْجَاءِ، وَغَسْلِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلَقَ بِجَسَدِهَا مِنْ بَولِ أَوْ
معه،
غَائِطِ، أو الدم أَوْ تَوَابِعِهِ. (4) لَوْنُ الرَّمْلِ: أَي الصُّفْرَةُ. (5) هَذِهِ الْحَالُ تَعْتَرِي الْمَرْأَةَ حَالَ الظُّهْرِ بِارْتِفَاعِ فِي الْبَطْنِ أَوْ تَوَهُم حَرَكَةٍ فِيهِ (6) الدَّوَاهُ: مَا تَتَّخِذُهُ الْمَرْأَةُ لِمَنع الحَمَلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا تَعَاطِي مَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ لِضَعْفِ جُسْمَانِي، أَوْ مَرَضِ قَدْ يُفْضِي بِهَا إِلَى هَلَاكِ مَعَ الْحَمْلٍ أَوْ يَزْدَادُ أَوْ يَكُونُ خَطَرًا عَلَى الْجَنِينِ، أَوْ ضَعْفٌ نَاشِي مِنْ تَوَالِي الْوِلادَةِ، أَوِ الْحَالُ الَّتِي تَعْسُرُ مَعَهَا الْوِلَادَةُ، فَإِنَّهَا قَدْ تَفْضِي بِالْمَرْأَةِ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ إِلَى عَمَلِيَّةٍ جرَاحِيَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ وَمَا شَابَهَهُ يَجُوزُ مَعَهُ مَنْعُ الْحَمْلِ؛ لأَنَّ بَقَاءَ الأَصْلِ وَهُوَ الْمَرْأَةُ أَوْجَبُ وَلَوْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِ الْجَنِينِ عِنْدَ لتَعَسُّرِ مُحَافَظَةٌ عَلَى الأُم؛ لأنَّهَا الأَصْلُ، هَكَذَا أَفْتَى قُطْبُ الأَئِمَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَكِنَّ الدَّوَاء لَا يَجُوزُ إِلا بَعْدَ الظُّهْرِ مُبَاشَرَةٌ قَبْلَ الْمَس، أمَّا بَعْدَ الْمَسَ فَلَا يَحِلَّ؛ لأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ حَمْلُ فَإِسْقَاطُهُ جَنَايَةٌ وَلَوْ كَانَ نُطْفَةٌ. (7) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: "الدَّوَاء مَا تَتَّخِذُهُ الْمَرْأَةُ .. وَلَوْ كَانَ نُطْفَةٌ. أَنَقَلَ الشيخ النَّاصِرُ تَعْلِيقَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّابِقَ نَفْسَهُ، انْظُرْ تَعْلِيقَاتِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ
عَلَى كِتَابِ الْوَضْعِ،
ص (1/157)
صفحة 158
كتاب
158
الوضع
إِلا فِي أَوَّلِ طُهْرِهَا قَبْلَ الْجِمَاعِ حَالَ خُرُوجِهَا مِنَ الْمَاءِ.
ويَذْكُرُونَ (1) مِنْهُنَّ مَسْأَلَةَ التَّقَرُّب (2)، أَنَّهُ رُخص لَهُنَّ أَنْ يُجْزِيَ الْمَرْأَةَ فِي التَّقَرُّبِ صَوْمُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةٍ، أَوْ سِتَّةٍ، أَوْ ثَلَاثَةٍ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
تِسْعَةٌ
(1) يَذْكُرُونَ: يُرِيدُ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعُلَماء، وَهُمْ أَصْحَابُ الدِّيوَانِ؛ قَالُوا: تَتَقَرَّبُ الْمَرْأَةُ إِلَى اللَّهِ بِصَوْمٍ هَذِهِ الأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ كَكَفَّارَةٍ لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنْهَا أَثْنَاءَ التَّرْبِيَةِ مِنْ سُوءِ التَّغْذِيَةِ لِلْوَلَدِ، أَوْ إِسَاءَةِ التَّرْبِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: يَعْنِي بِذَلِكَ أَصْحَابَ الدِّيوَانِ؛ فِي الدِّيوَانِ الَّذِي أَلَّفَهُ الْعَذَابَةُ فِي غَارِ أمجمَاجَ فِي سِتَّةِ أَجزاء في جربَةَ، حَوَالَيْ سَنَةٍ 500 هِجْري، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ، وَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَهُمُ الشَّيخُ: يخلفتن بْنُ أَيُّوبَ النُّفُوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ النفُوسِيُّ الْمَسَنانِيُّ، وَالشَّيْخُ يُوسُ والشيخ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى مِنْ قنطرار، والشيخ يُوسُفُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الْمَرَاتِيُّ مِنْ تيجديت، والسَّيْحُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ سَلَامٍ مِنْ أرِيعَ، وَالشَّيْخُ جَابِرُ بْنُ حَمو، وَالشَّيْحُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أريغ، وَالشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ البكري، والشيخ إسْمَاعِيلُ بْنُ يدير. قَالَ فِي الدِّيوَانِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا: مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ طفلاً رَضِيعًا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ كَانَ الطِّفْلُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ لِتَرْبِيَتِهِ لِذلِكَ الطفللِ، وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُ إِلا يَوْمًا وَاحِدًا لِحَوْطَةِ مَا يُطْعِمُهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَقَرَّبُ لِكُلِّ طِفْلِ بِطَعَامٍ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ صِيَامٍ اثْنَيْ عَشْرَةَ يَوْمًا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ تِسْعَةِ أَيَّامٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ سِنَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ثَلَاثَةِ، أَوْ إطْعَامِ ثَلاثَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ طِفْلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ مَا يُجْزِيهِ لِوَاحِدٍ يُجْزِيهِ لَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قُل أَوْ كَثرَ، وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ مَنْ زَنَى وَأَرَادَ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ وَيَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَأَنْ يُوصِي بِكَذَا وَكَذَا لِتَرْبِيَةِ الأَوْلادِ فَجَائِرٌ، وَيُنْفِقَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة. وَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَا يُوصِي بِالصَّيَامِ لِلتَّرْبِيَةِ وَإِنَّمَا يُوصِي بِالإِطْعَامِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ النَّذْرُ، وَإِنَّمَا يُوصِي بِالإِطْعَامِ وَلَوْ أَنَّ مَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ .. إِلَحْ
ربي (1/158)
صفحة 159
[كِتاب الصلاة] باب فِي الأَذَانِ)
اعْلَمْ أَنَّ الأَذَانَ قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا نَا دَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبَا الْمَائِدَة، 58)، وَكَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِهَا أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا سَمِعُوا الأَذَانَ حَسَدُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ أَبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيمَا مَضَى مِنَ الأُمَمِ الْخَالِيَةِ، فَإِنْ كُنتَ تَدْعِي النُّبُوَّةَ فَقَدْ خَالَفْتَ فِيمَا أحدثت مِنْ هَذَا الأَذَانِ وَلَمْ تَفْعَلْهُ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ قَبْلَكَ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ صِبَاحٌ كَصَبَاحِ الْعِيرِ؟ فَمَا أَقْبَحَهُ مِنْ صَوْتِ! وَمَا أَسْمَجَهُ مِنْ أَمْرًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
(1) الأَذَانُ: شُرِعَ لِلإِعْلامِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لِهَذَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: الْإِعْلَانُ لِلصَّلَاةِ بِأَلْفَاظِ شَرْعِيَّةٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخصُوصةٍ. وَفِي الأَذَانِ حِكَمٌ عَظِيمَةٌ مِنْهَا: إِظْهَارُ شِعَارِ الإِسْلَامِ وكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالإِعْلامُ بدُخُول وقتِ الصَّلاةِ، وَالدُّعَاء إِلَى الْجَمَاعَةِ، قُلْتُ: وَفِي الأَذَانِ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، وَتَبْلِيعُ الدَّعْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ إِلَى الأُمَمِ غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ بِإِعْلَانِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَضَبْطِ الأَوْقَاتِ. وَمَا أَبْدَعَ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ إِذَا دَوَّى وَرَدَّدَتْهُ مَوْجَاتُ الْأَثِيرِ مُتَوَاتِرَةٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (1/159)
صفحة 160
كتاب
17.
الوضع
وَإِذَا نَادَيْتُم إلى الصَّلَوةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبا. وأَنْزَلَ أَيْضًا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا ممَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت، 33). (1/160)
صفحة 161
فَصْلٌ السبب في تشريع الأذان]
وكَانَ سَبَبُ ابْتِدَاءِ الأَذَانِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ
عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ مَا
(1)
يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلاَةِ، جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَيَّنُونَ (1) أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ يُنَادَى بِها فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَاسْتَشَارَ (2) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: نَنْصِبُ رَايَةٌ (3) عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَأَوْهَا أَذِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُورِي نَاراً عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَتَّخِذُ قَرْنا (5) مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ.
(4)
(1) يَتَحَيَّنُونَ: أَي يَتَرَقَّبُونَ وَقتَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُدْرِكُوهُ. (2) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ لَا يَنْفَرِدُ بِالْعَمَلِ، بَلْ يَسْتَشِيرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الرَّأْيِ فِي كُلِّ أَمْرٍ. مُهِمْ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ أَوْ أُمُورِ الدُّنْيَا؛ لأَنَّ اسْتِشَارَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ الاسْتِشَارَةِ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا أَولَى، وَاللَّهُ يَقُولُ مَدْحًا لَهُمْ: وَاة
يُشعرنا
بِوُجُوبِ
شوري) (الشورى، 38)
(3) الرَّايَةُ: الْعَلَمُ، وَلَعَلَّ مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْبِلادِ الإِسْلَامِيَّةِ مِنْ رَفْعِ الرَّايَةِ عِنْدَ الزَّوَالِ مَأْخُوذُ
مِنْ هَذَا. (4) نُورِي: أَي تُوقِدُ نَارًا.
(5) الْقَرْنُ: الْبُوقُ يُنْفَخُ فِيهِ. (1/161)
صفحة 162
كتاب
162
الوضع
به؟
فَكَرِهَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَتَّخِذُ النَّاقُوس (1). فَكَرِهَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَقَامُوا، وَأَمَرَ بِالنَّاقُوسِ حَتَّى يُصْنَعَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: فَرَأَيْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْمَنَامِ رَجُلاً عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْضَرَانِ، يَحْمِلُ نَاقُوسًا، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ النَّاسَ إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: أَفَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذلِكَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... إِلَى آخِرِ الأَذَانِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ أَخْبَرْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَلْقِهَا عَلَى بِلالِ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى (2) مِنْكَ صَوْنًا" [ابْنُ حَيَّان، (1679 والبيهقي، (1739]. فَخَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ وجَعَلْتُ أُلْقِيهَا عَلَى بِلَالٍ وَهُوَ يُؤَذِّنُ، فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الأَذَانَ خَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَ (3)، فَقَالَ: رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى فَفَرِحَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَذَلِكَ
أَثْبَتْ" [التَّرْمِذِي، ر 189، وَابْنُ خُزَيْمَة، 370].
الله
(1) النَّاقُوسُ: الْجَرَسُ الَّذِي يَتَّخِذُونَهُ فِي كَنَائِسِهِمْ كَرَاهَةُ الرَّسُولِ لِشِعَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يَتَّخِذُهُ هَؤُلاَءِ مِنْ أُمُورٍ تَتَعَلَّمُ بِدِيَانَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهَا شِعَارًا
وَلَا الاقتداء بهم؛ لأنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَكُلُّ أَعْمَالِهِمْ بَاطِلَةٌ يَجِبُ الإِعْرَاضُ عَنْهَا. (2) أَنْدَى صَوْتًا: أَي أَرْفَعُ وَأَقْوَى، كَمَا فِي نُسْخَةٍ. فَالْمُؤذَنَ إِذَا كَانَ ذَا صَوْتٍ قَوِيٌّ يَبْلُعُ إِلَى كُلِّ أَنْحَاءِ الْبَلَدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ احْتِيَارَ الْمُؤَذِّنِ الأَنْدَى صَوْنَا مِنَ السُّنَّةِ، وَتَبْلِيغ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ إِلَى أَرْجَاءِ الْبَلَدِ مَطْلُوبٌ وَمِنَ السُّنَّةِ. لَقَدْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ النَّدِيُّ الصَّوْتِ مُوقِطًا لِلنَّائِمِ مُنَبِّهَا لِمَنْ فِي سِنَةٍ أَوْ غَفْلَةٍ، وَلا سِيمَا إِذَا كَانَ جَمِيلَ الصَّوْتِ، فَإِنَّهُ ذُو
تَأثِيرِ فِي النُّفُوسِ. (3) يَجُرُّ رِدَاءَهُ: خَرَجَ مُسْرِعًا مَسْرُورًا بِمَا سَمِعَ إِذْ رَأَى مِثْلَهُ فِي الْمَنَامِ. (1/162)
صفحة 163
فَصْلٌ
فِي فَضل الآذان]
فضائل الأذان والقول فيمن يكون مؤذنا]
عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كُتُبَانِ (1) الْمِسْكِ مِنْ مِسْك أَسْوَدَ، لاَ يَهُولُهُمْ (2) فَزَعٌ وَلَا يَنَالُهُمْ حِسَابٌ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ: رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَأَمَّ (3) بِهِ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُل أَذْنَ سَبْعَ سِنِينَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانَهِ طَمَعًا (4)، وَرَجُلٌ ابْتَلاهُ اللهُ بِالرِّق (5) فِي دَارِ الدُّنْيَا فَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَدَّى حَقَّ مَوْلاهُ (6) [التَّرْمِذِي، ر 1986، وأَحْمَد، ر 4799].
(7)
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ (7) كَالَشَهِـ
(1) كُتبَان جَمْعُ كُتيب: الرَّمْلُ الْمُسْتَطِيلُ الْمَحْدُودُ. وَالْكُتُبَانُ: التَّلَالُ أَيْضًا. (2) لا يَهُولُهُمْ مِنْ هَالَ يَهُولُ: أَفْزَعَ وَأَخَافَ، وَفِي
روَايَة: "يَغْبِطُهُمُ الْأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ" [الترمذي، (2566]، وَالْغِبْطَةُ: تَمَنِّي مِثْلِ مَا فِيهِ الْمَغْبُوطُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ.
(3) أَمْ: أَيْ صَارَ لَهُمْ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ
(4) طَمَعًا: أَي أَجْرًا يَطْمَعُ فِيهِ، أَوْ يَطْمَعُ أَنْ يَبْزُلَ لَهُ النَّاسُ عَلَى أَذَانِهِ.
(5) الرق: الْعُبُودِيَّةُ، وَالرَّقِيق: الْمَمْلُوكُ.
(6) مَوْلَاهُ: مَالِكِهِ وَسَيّدِهِ الَّذِي يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ، وَلَهُ حَقٌّ عِنْقِهَا. (7) الْمُحْتَسِبُ، وَالاحْتِسَابُ: طَلَبُ الثَّوَاب مِنَ اللَّهِ دُونَ سِوَاهُ. وَالْمُحْتَسِبُ: مِنَ الَّذِي يَعْمَلُ
ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَلَا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ مَخَلُوقٍ عَلَى مَا احْتَسَبَ. (1/163)
صفحة 164
كتاب
164
الوضع
(1)
الْمُتَشَحْطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا دَامَ فِي أَذَانِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ يَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوِّدْ فِي قَبْرِهِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ، ر 13554، وكَيْرِ الْعُمَّالِ، (20918]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ كُنْتُ مُؤَذِّنَا لَمَا بَالَيْتُ أَنْ لَا أَحُجَّ (2) وَلَا أَعْتَمِرَ وَلَا أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، (2358، وَكَثِرُ
و
الْعُمَّال، 23158].
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ كُنْتُ مُؤَذِّنَا لَكَمْلَ أَمْرِي، وَمَا بَالَيْتُ أَنْ لا أَنْتَصِب (3) لِقِيَامٍ لَيْلِ وَلَا لِصِيَامٍ نَهَارِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ"، ثَلَانَّا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَرَكْتُنَا وَنَحْنُ نَجتَلِدُ (4) عَلَى الأَذَانِ بِالسُّيُوفِ قَالَ: "كَلاً، يَا عُمَرُ، سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتْرُكُونَ الأَذَانَ إِلَى ضُعَفَائِهِمْ، فَتِلْكَ لُحُومٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ كَثرُ الْعُمَّالِ، (23158. وكشفُ الْخَفَاءِ، 2118]، يَعْنِي لُحُومَ الْمُؤَذِّنِينَ.
و
"%822 = (0) "
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سَمِعْتُمُ الأَذَانَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذَنَ الربيع، 175، وَالْبُخَارِي، 586]. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَاب.
(1) الْمُتَشَرِّطُ الْمُصْطَرِبُ بِدَمِهِ، أَي الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (2) أَي حَجًا تَطَوُّعًا؛ لأَنَّ الْحَجَّ الْفَرِيضَةَ لاَ يَسُدُّ عَنْهُ شَيْءٌ، وَكَذَا الْجِهَادُ الْعَيْنِيُّ. (3) أَنْتَصبَ: أَي أَتْعَبَ قَائِمًا تَارِكًا النَّوْمَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ.
(4) نَجْتَلِدُ: نَتَقَاتَلُ وَنَتَصَارَعُ، وَالْمُرَادُ شِدَّةُ الازْدِحَامِ الَّذِي صَارَ كَالتَّقَاتُلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (5) رَدْدُوا أَقْوَالَ الْمُؤَدِّنِ، وَرِوَايَةُ الإِمَامِ الرَّبيع في المُسندِ: إِذَا سَمِعْتُمُ النَّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، وَالأَذَانُ مَتَى مَثْنَى، وَالإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى [الربيع، (175]، وَفِي رِوَايَةِ
مُسْلِمٍ: فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ الْحَدِيث [مُسلِم، (875]. (1/164)
صفحة 165
فَصْلٌ
القول في الأذان والإقامة، والسنن الواردة في الأذان]
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهَا، وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ الْجُمُعَة، 09)، وَبِقَوْلِ
رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلرَّجُلَيْنِ: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذْنَا وَأَقِيمَا وَلْيُؤْمَكُمَا أَفْضَلُكُمَا الْبُخَارِي، (627، وَمُسلِم، (674]. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُمَا سُنَتَانِ غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ. وَحُجَّةً أَهْلِ هَذَا الرَّأْيِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بَعْضَ الصَّلَوَاتِ بِغَيْرِ أَذَانِ. وَقَالَ بَعْضُ بِوُجُوبِهِمَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُمَا سُنَّتَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ. وَالْمُعْتَمَدُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ (1).
(1) فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ لِلإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنتَ فِي غَنَمِكَ وَبادِيَتِكَ فَأَذَلتَ لِلصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتِ الْمُؤَذَنَ جِنِّ وَلاَ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [الربيع، 176]. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ أَمْرُ كَالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصنِّفُ، فَيَكُونُ الأَمْرُ لِلنَّدْبِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْي الثَّانِي. وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا هُوَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِمَا عَلَى الْكِفَايَةِ في اجتماع النَّاسِ لِلصَّلاةِ، وَبِالنَّدْبِ لِلْمُفْرَد. (1/165)
صفحة 166
كتاب
177
الوضع
وفي الأَذَانِ أَرْبَعُ سُنَنِ؛ إِحْدَاهَا: أَلا يُؤَذِّنَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذْنَا وَأَقِيمَا" نَفْسِ الْحَدِيث وَالثَّانِيَةُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ) وَالثَّالِثَةُ: تَحْرِيفُ الْوَجْهِ (3) إِلَى الْيَمِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، وَإِلَى الْيَسَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَالرَّابِعَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِن
السابق.
وَلَا إِنْسَ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [الربيع، (176، وَالْبُخَارِيِّ، (584]. تَحَبُّ فِي الأَذَانِ ثَلَاثَةٌ، إِحْدَاهُنَّ: طَهَارَةُ الْبَدَنِ وَاللُّبَاسِ، وَالْوُقُوفُ فِيهِ مَعَ تَرْكِ مَا سِوَاهُ (3) مِنَ الأَفْعَالِ، وَالإِنْيَانُ بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانُ وَلَا إِقَامَةٌ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِصَلاةِ السُّنَنِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَائِتَةِ الْوَقْتِ أَذَانُ وَلاَ إِقَامَةٌ. وَلَا يَجُوزُ الْأَذَانُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ إِلا لِصَلاَةِ الصُّبْحِ (4)؛ لِقَوْلِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ البخاري، 597، ومُسلِم، (2588]، كَذَلِكَ الثوب (5) لَا يَكُونُ إِلا لِصَلاةِ
* (0)
(1) استقبالُ الْقِبْلَةِ بِهِ: أَيْ لأَنَّ هَذَا الاستقبال حُكْمُهُ الْوُجُوبُ، وَلَوْ أَذَّنَ غَيْرَ مُسْتَقْبِل لِلْقِبْلَةِ أَعَادَ الأَذَانَ، كَذَلِكَ الإِقَامَةُ فِيمَا يَتَبَادَرُ؛ لأنَّ حُكْمَ كُلَّ مِنْهُمَا حُكْمُ الصَّلاةِ.
(2) تَحْرِيفُ الْوَجْهِ إِلَى الْيَمِينِ: الْمُرَادُ الالْتِفَاتُ إِلَى كُلِّ مِنَ الْجَهَتَيْنِ.
(3) مَعَ تَرْكِ مَا سِوَاهُ: لَوْ تَكَلَّمَ فِيهِ لَأَعَادَ. (4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: فِي قَوَاعِدِ الشَّيْخ إِسْمَاعِيلَ رَحِمَهُ اللهُ، وَقَدْ سُئِلَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: مَتَى يَكُونُ الأَذَانُ لِلْفَجْرِ؟ فَقَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يَنْتَبِهُ النَّائِمُ الْجُنُبُ فَيَغْتَسِلُ وَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ. انْظُرْ أَبُو غَائِمِ الْخُرَاسَانِيُّ الْمُدَونَةُ الصُّغَرَى،36/ 1، الْمُدَونَةُ الْكُبْرَى 44/ 1]، [انْظُرْ: الْحِيطَالِيُّ: قَوَاعِدُ الإِسْلامِ، 264/ 1]. (5) التَوبُ: كَذَا فِي الأُصولِ، وَالَّذِي فِي النّهَايَةِ: التَّنْوِيبُ، قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ تَنْوِيبًا مِنْ ثَابِ يَتُوبُ إِذَا رَجَعَ، وَهُوَ رُجُوع إِلَى الأَمْرِ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلاةِ، وَأَنَّ الْمُؤَذَنَ إِذَا قَالَ:
حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ فَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَيْهَا النَّهَايَةُ فِي غَرِيب الأثر، 652/ 1]. (1/166)
صفحة 167
كتاب
167
الوضع
الْفَجْرِ؛ لِقَوْلِ بلال: أَمَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ أُنَوِّبَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ فِي الْعِشَاءِ ابْنُ مَاجَة، (715، وأَحْمَد، (23960]، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ هَادِي
الأمة. (1/167)
صفحة 168
[صفحة فارغة] (1/168)
صفحة 169
فَصْلٌ الْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاء]
رُوِيَ عَنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ (1) وَالْأَئِمَّةُ ضمَنَاء (2)، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ" (أبو دَاوُد، (517، وَالتَّرْمِذِي، ر 207]. وَسَمَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُؤَذِّنِينَ أَمَنَاءَ؛ لأَنَّ النَّاسَ اثْتَمَنُوهُمْ عَلَى أَمْرِ صَلَاتِهِمْ وَإِفْطَارِهِمْ وَصَوْمِهِمْ وَسُحُورِهِمْ فَالْوَاجِبُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُؤَذِّنِينَ أنْ لا يُؤَذِّنُوا إِلا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَعْنِي وَقتَ الصَّلَاةِ؛ لِئَلَّا يَحْلِطُوا عَلَى النَّاسِ أمْرَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ. وَأَمَّا ضَمَانُ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّمَا هُوَ أَنَّ الإِمَامَ إِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَسَدَتْ صَلَاةٌ مَنْ صَلَّى بِصَلَاتِهِ، وَإِنْ صَحَتْ صَلَاتُهُ صَحتْ صَلَاةٌ مَنْ صَلَّى بِصَلَاتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَذَنَ يَحْتاجُ إِلَى عَشْرِ خِصَالِ، وَبِهِنَّ يَنَالُ فَضْلَ الْأَذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوَّلُهَا: أَنْ يَعْرِفَ أَوْقَاتَ الصَّلاةِ وَيُحَافِظُ عَلَيْهَا (3). وَالثَّانِيَةُ: أَنْ
(1) أَمَنَاهُ جَمْعُ أمين: وَهُوَ مَنْ يَبْقُ النَّاسُ فِيهِ، لِهَذَا يَجِبُّ عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَوَاقِيتِ مِنْ فَنُونِ الْفَلَكِ، وَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ أَنْ يُؤَذِّنَ. (2) ضَمَنَاءُ: الصَّامِنُ مَنْ يَتَحَمَّلُ الْمَسْئُولِيَّةَ عَنْ غَيْرِهِ، لِهَذَا قَالُوا: إِنَّ صَلَاةَ الإِمَامِ إِذَا فَسَدَتِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ، وَالإِمَامَهُ أَفْضَلُ مِنَ الأَذَانِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْخُلَفَاءَ وَاظَبُوا عَلَيْهَا، وَهِيَ ذَاتُ خَطَرَ، وَالْفَضيلَةُ مَعَ الْخَطَرِ.
(3) عَلَيْهَا: أَيْ عَلَى الصَّلاةِ؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ لا يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُ أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا إِلَيْهَا. (1/169)
صفحة 170
كتاب
170
الوضع
يَحْفَظَ حَلْقَهُ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ). وَالثَّالِثَةُ: إِنْ غَابَ وَأَذَّنَ أَحَدٌ فِي مَكَانِهِ فَلَا يَغْضَبُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يُحَسِّنَ أَذَانَهُ (3) بِغَيْرِ لَحْنٍ (3). وَالْخَامِسَةُ: أَنْ لاَ يَمُنُ (4) عَلَى النَّاسِ بِأَذَانِهِ، وَالسَّادِسَةُ: أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَالسَّابِعَةُ: أَنْ يَنْتَظِرَ الإِمَامَ بِقَدْرِ مَا لَا يَشْقَ عَلَى مَنْ حَضَرَ وَالثَّامِنَةُ: أَنْ لاَ يَغْضَبَ عَلَى مَنْ وَقَفَ بِمَكَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ (6). وَالتَّاسِعَةُ: أَنْ يَتَعَاهَدَ أُمُورَ الْمَسْجِدِ فِي النَّظَافَةِ وَالْحَصْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْعَاشِرَةُ: أَنْ يَكُونَ أَذَانُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا لَا لِطَلَبِ حَظْوَةٍ) وَلَا رِيَاءِ ولا سُمْعَةٍ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ يَسْمَعُ الأَذَانَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّن)
(8)
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إِذَا قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ؛ فَمَعْنَاهُ: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ
(1) حَلْقَهُ: أَيْ طَعَامَهُ؛ لأَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَدْعُو إِلَى اللهِ، وَآكِلُ السُّحْتِ النَّارُ أُولَى بِهِ، كَمَا صَحْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ لَحْم نَبَتَ مِنْ سَحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" (الربيع، 941، وَالتَّرْمِذِي،
ر 614].
(2) يُحَسِّنَ أَذَانَهُ: أَي صَوْتَهُ، فَإِنَّ جَمَالَ الصَّوْتِ فِي الأَذَانِ مِنْ أَسْبَابِ التَّأْثِيرِ فِي النُّفُوسِ، فَكَمْ مِنْ نَفْسٍ اهْتَدَتْ إِلَى الصَّلَاةِ بِجَمَالِ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ!
(3) اللحن: الْخَطَاً.
(4) الْمَنُ: يَرَى أَنْ لَهُ عَلَى النَّاسِ فَضْلاً فِي أَذَانِهِ.
(5) يَنتظِرُ لأَنَّ الْمُؤَذَنَ هُوَ الَّذِي يُقِيمُ الصَّلاةَ.
(6) مَكَانُ الْمُؤَدِّنِ، كَمَا فِي سِيرَةِ السَّلَفِ أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الإِمَامِ إِلَى الْيَمِينِ، أَوْ مُبَاشَرَةٌ.
(7) حَظْوَة أَي الْمَنْزِلَةُ وَالسَّانُ. (8) مِثْلَ مَا يَقُولُ: الْمُتَبَادَرُ أَنْ يَقُولَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى فِي الْحَيْهَلَتَيْنِ أَي حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ إِلا أَنَّهُ فِي قَوْلِ آخَرَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَهَا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. (1/170)
صفحة 171
كتاب
171
الوضع
كُلِّ شَيْءٍ، وَعَمَلُ اللَّهِ (1) أَوْجَبُ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ، فَاسْتَغِلُوا بِهِ عَنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا. وَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَمَعْنَاهُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَاتَّبِعُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ لا يَنْفَعُكُمْ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ وَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ فَمَعْنَاهُ آمِنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوهُ، وَاتَّبِعُوهُ وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ فَمَعْنَاهُ: هَلُمُوا (2) وَأَسْرِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَلا تُؤَخِّرُوهَا عَنْهُ. وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (3)؛ فَمَعْنَاهُ: هَلُمُوا وَأَسْرِعُوا إِلَى السَّعَادَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبًا لِبَقَائِكُمْ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ؛ فَمَعْنَاهُ: أَخْلِصُوا
أَعْمَالَكُمْ وَصَلَاتِكُمْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ.
وأَمَّا الإِقَامَةُ فَهِيَ: سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقِيمَ الصَّلاةَ إِلَّا مَنْ أَذَّنَ، فَإِنْ أَقَامَ غَيْرُهُ فَجَائِزُ، وَالإِقَامَهُ عِنْدَنَا مَثْنَى مَثْنَى، كَالْأَذَانِ سَوَاء،
(1) عَمَلُ اللَّهِ: أَيْ فَرَائِضُهُ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ مِنْ سَائِرِ الطَّاعَاتِ.
(2) هَلُمُوا: أَي بَادِرُوا إِلَى مَا يُزْلِفُكُمْ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ الصَّلاةُ الَّتِي هِيَ
صلَتُكُمْ بِرَبِّكُمْ
(3) أي: أَقْبِلُوا إِلَى فَوْزِكُمْ وَسَعَادَتِكُمْ.
(4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْمِهَا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤكَّدَةً أَبْلَغَ مِنْ تَأْكِيدِ الأَذَانِ وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَعْفَرِ الْعُمَانِيُّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الإِقَامَةَ مُتَعَمِّداً حَتَّى صَلَّى أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلاةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. انْظُرْ ابْنُ جَعْفَرِ: الْجَامِعُ، 70/ 2]. وَفِي سُبُوعَ النَّعَمِ مَنْزِلَةٌ خَسِيسَةٌ [انْظُرُ: أَبُو الْحَسَنِ
البَيَانِي مُخْتَصَرُ البسيوي، ص 27، والْحِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسلام، 264/ 1]. (1/171)
صفحة 172
كتاب
172
الوضع
وَلَا تُجْزِي إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى (1) بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ الربيع، 941، والتَّرْمِذِي، (614] إِلا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ [رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأوسط، (8328، والبزار، (7436]. ففي الأثر: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِب (3). وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا.
(1) أَي الصَّلاةُ الَّتِي هِيَ الرَّوَاتِبُ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ أَوْ أَربعٌ قَبْلَ الْفَرْضِ. وَهَذِهِ الصَّلَاةُ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَعِنْدَ قَوْمِنَا – الْحَنَفِيَّةِ - وَاجِبَةٌ، كَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى الإِيجَابِ.
(2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ الْمُحَيِي: قَوْلُهُ وَفِي الأثر لا يُصَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ، يَعْنِي إِلَّا رَكْعَتَي الطَّوَافِ لِمَنْ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى الْمَغْرِبِ، وَتَأْخِيرُهُمَا عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 237]. (1/172)
صفحة 173
بَابٌ فِي الصَّلَاةِ
الصلاة ركن من أركان الدين]
اعْلَمْ أَنَّ الصَّلاةَ فَرِيضَةٌ (1) مِنْ فَرَائِضِ الإِسْلامِ وَرُكُن (2) مِنْ أَركَانِهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ (3) عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ (4)، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمٍ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" [الْبُخَارِي، (8، وَمُسلِم، (120]، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الصَّلَاةُ عِمَادُ
(1) الْفَرْضُ كَالإِيجَابِ، لَكِنَّ الإِيجَابَ يُقَالُ اعْتِبَارًا بوقوعِهِ وَثَبَاتِهِ، وَالْفَرْضُ بِقَطْعِ الْحُكم فِيهِ، قُلْتُ: الْفَرْضَ مَا كَانَ بِنَص الْقُرْآنِ وَالإِيجَابُ مَا كَانَ بِنَصِ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الصَّلَوةُ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَا مَوْقُونَ} (النِّسَاء، 103)؛ أي: فَرْضًا، وكُلُّ مِنَ الْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ يُقَالُ فِي تَعْرِيفِهِ: مَا يُنَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى
تركيه.
(2) الرُّكْنُ: أَرْكَانُ كُلِّ شَيْءٍ جَوَانِبُهُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا وَيَقُومُ بِهَا. (3) لا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَمَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّ قَوَاعِدَ الإِسْلَامِ أَرْبَعَةٌ؛ لأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ كَتَكَالِيفَ وَنِظَامِ لِلْعَالَمِ وَنِظَامِ اجْتِمَاعِي وَإِصْلَاحِ النُّفُوسِ، فَهَذَا لَا بُدَّ مِنَ الوصولِ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ، وَلَمَّا كَانَ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ هُوَ الْعَمَلَ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَصِحُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الَّتِي هِيَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاءِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْوَرَعَ - وَهُوَ الْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ - سَيَا وَصَوْنَ لِذَلِكَ كُلِّهِ، قَالُوا: قَوَاعِدُ الإِسْلَامِ أَرْبَعَةُ: الْعِلْمُ، وَالْعَمَلُ، وَالنِّيَّةُ، وَالْوَرَعُ (4) إِقَامِ الصَّلاةِ: إِقَامَةِ سَائِرِ وَطَائِفِهَا عَلَى أَكْمَلٍ وَجْهِ. (1/173)
صفحة 174
كتاب
174
الوضع
الدين، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ فَقَدْ هَدَمَ (2) الإِيمَانَ". [الْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّعَبِ، (2807، وَالْعَجْلُونِي فِي كَشفِ الْخَفَاءِ، (1621]، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا إِيمَانَ (3) لِمَنْ لاَ صَلاةَ لَهُ. [الربيع، ر 91، والطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، (5459]، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ
بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلا تَرْكُهُ الصَّلاةَ (4) [الربيع، (303، وَالنِّسَائِي، (330]. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لاَ حَظَ (5) فِي الإِسْلَام لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مصنف عَبْدِ الرَّزَّاقِ، ر 581، وَالْبَيْهَقِي، (6291]. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ البيهقي، (6291، والطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، 8941]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الإِيمَانُ ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ، ثُمَّ سَائِرُ الأَعْمَالِ
التَّرْمِذِي، (413، والنَّسَائِي، (466، (دُونَ ذِكْرِ الإِيمَان)].
(1) عِمَادُ الدِّينِ: الْعِمَادُ مَا يُسْنَدُ بِهِ، وَالْعِمَادُ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْبَيْتُ أَيْ: كَمَالُ الإسلام يُبْنَى عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلاةِ، فَإِذَا انْهَدَمَ هَذَا الْأَسَاسُ انْهَدَمَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ
سائر الدين. لِهَذَا قَالَ أَبُو نَصْرُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
فَمَنْ ضَيَّعَ الْمَفْرُوضَ مِنْ صَلَوَانِهِ أَوْ أَخْرَ مِنْهَا فَهُوَ أَصْبَعُ لِلْغَيْرِ
(2) يَعْنِي: تَرَكُ الصَّلَاةِ يَنْهَارُ بِهِ الإِسْلَامُ
(3) أي لا يُعتَبَرُ إِيمَانُهُ إِذَا كَانَ لَا يُصَلِّي؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا حَقًّا لَحَافَظَ عَلَيْهَا.
(4) أَيْ: تَرْكُ الصَّلَاةِ يُوقِعُ الْمَرْء فِي الْكُفْرِ، وَهَذَا كُفْرُ نِعْمَةٍ إِنْ كَانَ تَهَاؤُنَا، وَإِنْ كَانَ جُحُودًا
فَهُوَ كُفْرُ شيرك
(5) لا حَقَّ: لا نصيب. (1/174)
صفحة 175
فَصْلٌ [الصلاة لغة وشرعا]
إِنَّمَا سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ صَلَاةٌ؛ لأنَّهَا صِلَةٌ (1) بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَقِيلَ: سميت صلاة؛ لانْحِنَاءِ (2) الْمُصَلِّينَ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالصَّلَوَانُ عِرْقَانِ يَكْتَنِفَانِ (3) عجمَ الذَّنَب (4). عجمَ الذَّنْبِ (4)، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ مِنَ الدُّعَاءِ؛ لأَنَّ اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ (5) سَكَنُ
الصَّلاةَ فِي
م (التَّوْبَة، 103). قَالَ الشَّاعِرُ:
(1) الصَّلَة: الطريق الَّذِي يُوَصِّلُكَ إِلَى اللَّهِ.
(2) الانْحِنَاء: الانْتِنَاء وَالانْعِطَافُ
(3) يكتنفانِ: يُحِيطَانِ بِهِ مِنْ جَانِبَيْهِ.
(4) عجمُ الذَّنْبِ: وَعَجَبُ الذَّنْبِ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتح النُّونِ، عَظْمُ آخِرِ فِقْرَاتِ الظُّهْرِ، وَهُوَ الْعُصْعُ، وَفِي النَّهَايَةِ الْعَظَمُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ عِنْدَ الْعَجْزِ [النَّهَايَةُ فِي غَرِيبٍ
:
الأثر، 403/ 3]. (0) قراءة عاصيم: صَلَاتَكَ بالإِفْرَادِ، وَقِرَاءَةُ نَافِعِ: صَلَوَاتِكَ، تَسْكُنُ إِلَيْهَا نُفُوسُهُمْ، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الْمُتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجِهَادِ أَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالُوا أَنْ لا يَفكُوا وَثَاقَهُمْ حَتَّى يَحُلَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ لَا يَفُكَ وَثَاقَهُمْ حَتَّى يَنْزِلَ فِيهِمْ أَمْرُ اللَّهِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ: وَ آخَرُونَ أَعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} (التَّوْبَة، (102)، فَأَطلَقَهُمْ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. (1/175)
صفحة 176
كتاب
176
الوضع
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَربْتُ مُرْتَحِلاً
يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ (1) وَالْوَجَعَا (2)
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ (3) فَاعْتَمِضِي ()
(4)
نوما فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا (5)
صَلَّيْتِ: أَي دَعَوْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الْأَوْصَابَ: الأَمْرَاضَ. (2) الْوَجَعَ: الألم.
(3) صَلَّيْتِ: أَيْ مِثْلَ مَا دَعَوْتِ.
(4) اعْتَمِضِي: نَامِي مُطْمَئِنَّةٌ.
(5) مُضطَجَع: مَكَانُ النَّوْم، يُرِيدُ الْمَوْن (1/176)
صفحة 177
فَصْلٌ [فِي فَضائلِ الصَّلاةِ وثوابها]
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ تَامَّةٌ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِحْفَافًا (1) بِحَقِّهِنَّ، فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدُ (2) أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ (3) بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ؛ إِنْ شَاءَ عَذَبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ (4) الربيع، ر 189، وَأَبُو دَاوُد، (1422]،
(1) اسْتِحْفَافًا: تَهَاوُنًا.
?
(2) الْعَهْدُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ قَوْلُهُ: كَتَب رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأَنْعَام 54)، وَذَلِكَ الْعَهْدُ لِمَنْ كَانَ مُوَفِّيًا بِدِينِ اللَّهِ وَمَاتَ عَلَى الْوَفَاءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لِمَنِ اجتنبَ الْكَبَائِرَ فِي أَحَادِيثَ فِي صَحِيح الإِمَامِ الربيع: وَمَنْ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا جَاءَ وَلَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ [الربيع، (189]، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا
(3) أي: ضَيَّعَهُنَّ، أَي إِنْ مَاتَ عَلَى غَيْر تَوْبَةٍ عُذْبَ، وَإِنْ تَابَ فَإِنَّهُ يَرْحَمُهُ. (4) عَلْقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي مُستَدِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ: " ... وَمَنْ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ [الربيع، (189)، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوِتْرَ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ وَاحِبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: أَنَّ مَنْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ نَقَصَ مِنْ حَقِّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّلَوَاتِ، وَهُوَ لَا يَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ فَيَمُوتُ= (1/177)
صفحة 178
كتاب
178
الوضع
و
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ (1) عَذَبٍ (2) غَمْرٍ (3) بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَقْتَحِمُ) فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا تَرَوْنَ مِنْ ذَلِكَ؟ أَيَبْقَى مِنْ (5) شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا شَيْء. قَالَ: فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تُذْهِبُ الذُّنُوبَ
كَمَا يُذْهِبُ الْمَاءُ الدَّرَنَ" [الْبُخَارِي، ر 505، وَمُسلِم، ر 1554].
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (يوسف، 114)، وَالْحَسَنَاتُ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ يُكَفِّرْنَ السَّيِّئَاتِ لِمَنِ اجتنب الْكَبَائِرَ وَبَلَغَنَا أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْظُرُ مِنْ أَعْمَالِ الْعَبْدِ الصَّلَاةُ؛ فَإِنْ وُجِدَتْ تامة قبلَت وَقُبِلَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ وُجِدَتْ نَاقِصَةٌ رُدَّتْ عَلَيْهِ وَرُدَّ سَائِرُ عَمَلِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَثَلُ الْمُصَلِّي كَمَثَلِ التَّاجِرِ الَّذِي لَا يَخْلُصُ لَهُ الرِّبْحُ حَتَّى يَخلُص رَأْسُ مَالِهِ وكَذَلِكَ الْمُصَلِّي لا تُقْبَلُ مِنْهُ نَافِلَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي وَقْتِهَا، وأَسْبَغَ
(1)
مُصِراً عَلَى ذَلِكَ، فَيُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ فَيُوَفِّقُ لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ، فَيَرْحَمُهُ
اللهُ. هَذَا مَا رَأَىهُ العُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1) النَّهْرُ الْمَاء الْجَارِي الْمَتَّعُ.
(2) عَذَبٌ: حُلْوٌ، وَعَدُوبَةُ الْمَاءِ سَببٌ لِلنَّقَاءِ وَنَطَافَةِ الْجِسْم.
(3) عَمْرٍ: يَعْلُو مَنْ يَنْزِلُ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ.
(4) يَقْتَحِمُ: يَدْخُلُ فِيهِ وَيَغْطَسُ
(5) الدَّرَةُ: الْوَسَحُ، فَالصَّلَوَاتُ تُذهِبُ الأَقْدَارَ الْحِرِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ مَتَى جَاءَ الْمُسْلِمُ بِهَا كَامِلَةَ الشروط والصَّفَاتِ، لِهَذَا وَصَفَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ، وَهِيَ
تنير القلب، وتطهرُ الْبَاطِنَ، وَتَدْفَعُ إِلَى الصَّالِحَاتِ. (6) أَسْبَعَ: عَمَّ الْغَسْلُ سَائِرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ التَّدْلِيكِ. (1/178)
صفحة 179
كتاب
179
الوضع
وُضُوءَهَا، وَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَخُشُوعَهَا، عَرَجَتْ وَهِيَ بَيْضَاءُ مُسفِرَةٌ (2) تَقُولُ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتُنِي، وَمَنْ صَلَاهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا وَلَمْ يُسْبِعْ وُضُوءَهَا وَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا وَلاَ خُشُوعَهَا، عَرَجَتْ وَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، تَقُولُ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِحَيْثُ مَا شَاءَ اللَّهُ لُفَتْ كَمَا يُلَفُ الثَّوْبُ الْخَلِق (3) فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا" [الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، 3095، والبيهقي في الشعب، (3140]. وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ الْمُوَفِّي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وإِن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ (العنكبوت: 45)، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا (4).
(1) الْخُشُوعُ: الْخُضوعُ وَالصَّرَاعَةُ، وَذَلِكَ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْخُشُوعُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، ولا يتأتى إلا مَعَ السُّكُونِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ يَقُولُ: اسْكُنُوا صَلَائِكُمْ وَهَذَا أَمْرٌ لِلْوُجُوبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى نَاسًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: مَا بَالُ قَوْم رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شَمْسِ اسْكُنُوا فِي صَلَائِكُمْ. رَوَاهُ أَصْحَابُنَا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ، وَرَوَاهُ الإِمَامُ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي غَانِم الخرساني (الربيع، (912]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ [مُسلِم، 996]. لِهَذَا يَرَى أَصْحَابُنَا
الْخُشُوعَ فِي كَافَّةِ أَحْوَالِ الصَّلاَةِ، وَلَا يُجِيزُونَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ.
(2) مُسفِرَةٌ: مُستنيرة
(3) الْخَلِقُ الْبَالِي.
(4) رُوِيَ فِي مَقَاطِيعِ الإِمَامِ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ [ر 954]، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ في كبيره عَنِ ابْنِ عَبَّاس ((11025) وَالْبُعْدُ فِي الْحَدِيثِ يَصحُ أَنْ يَكُونَ ضِدَّ الْقُرْبِ، وتصح أن يَكُونَ بمَعْنَى الْهَلَاكِ. (1/179)
صفحة 180
[صفحة فارغة] (1/180)
صفحة 181
فَضْل فِي عُقُوبَةِ تَارِكِ الصَّلاةِ]
حكم تارك الصلاة والاختلاف في عقوبته]
وَاختَلَفَ النَّاسُ فِي عُقُوبَةِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُستتاب (1) تَارِكُ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا، فَإِنِ ارْتَدَعَ وَتَابَ وَإِلا قُتِلَ (2). وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
ورة و رو ه - و (3)
يُضْرَبُ نَكَالاً. وَقَالَ بَعْضُ: يُضْرَبُ تَعْزِيرًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤَدَّبُ وَيُسْجَنُ
وَذُكِرَ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ كَانَ يُرَى فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ
(1) يُسْتَابُ: يُحْمَلُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالارْتدَاعِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الصَّلاةِ. (2) قُتِلَ: هَذَا حُكْمُ الْمُرْتَد يُقْتَلُ كُفْرًا لاَ حَدًا، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي الْمُشْرِكِينَ: فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصلوة (التَّوبة، 05)، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ سَلَفِ الأُمَّةِ مِنْ كُلِّ الْمَذَاهِبِ. قُلْتُ: يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ رِدَّةٌ إِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِفَرْضِيَّتِهَا؛ لأَنَّهُ أَنْكَرَ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَإِلَّا قُتِلَ حدا. هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الاسْتِقَامَةِ.
(3) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْحُ إِسْمَاعِيلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ النُّونِيَّةِ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّكَالِ وَالتَّعْزِيرِ وَالأَدَبِ، حَيْثُ قَالَ فِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ مِنَ الْعَبِيدِ: وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ عَلَيْهِ النكال بالضرب، وَحَدُّ التَّعْزِيرِ مَا دُونَ أَرْبَعِينَ، وَالأَدَبِ مَا دُونَ عِشْرِينَ، وَالنِّكَالِ فَوْقَ الْحَد وَدُونَهُ، وَلاَ يُوقَفُ عَلَى الْحَدَّ، وَقِيلَ: لاَ يُبْلَغُ بِالنَّكَالِ حَدَّ التَّعْزِيرِ، وَلَا يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ حَدَّ الأَدَبِ، وَالتَّعْزِيرُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى كَبِيرٍ. إهـ. (1/181)
صفحة 182
كتاب
182
الوضع
(1)
لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِثْلَكَ، فَبِمَاذَا أَكُونُ مِثْلَكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلْعُونُ: ويُحك (1) لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي هَذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ، فَكَيْفَ تَطْلُبُهُ أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي أُحِبُّ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ الْمَلْعُونُ: إِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلِي فَتَهَاوَنَ بِالصَّلَاةِ وَلَا تُبَالِ مِنَ الْحَلِفِ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَقَدْ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لَا أدع الصَّلاةَ، وَلَا أَحْلِفَ يَمِينًا أبدا. فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ: مَا تَعَلَّمَ أَحَدٌ مِنِّي بِالاحْتِيَالِ غَيْرَكَ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّلَاةِ وَتَرَكَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ لَيَالِيهَا عَاقَبَهُ اللَّهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةٌ: سِتّ فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَثَلاثِ فِي قَبْرِهِ، وَثَلاثِ فِي مَحْشَرِهِ؛ أَمَّا السِّتُ الَّتِي فِي الدُّنْيَا: فَنَزْعُ الْبَرَكَةِ (2) مِنْ عُمْرِهِ وَمِنْ رِزْقِهِ، وَنَزْعُ سِيمَ (3) الصَّالِحِينَ مِنْ وَجْهِهِ، وَلَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ، وَلَا يُقْبَلُ عَمَلُهُ (4)، وَلَا يَجِدُ ثَوَابَ عَمَلِهِ.
وَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي عِنْدَ الْمَوْتِ: فَإِنَّهُ يَمُوتُ جَائِعًا عَطْشَانًا ذَلِيلاً.
(1) وَيْحَكَ: كَلِمَةً تَرَحْم وَتَوَجُعِ، تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُهَا، وَكَأَنَّ إِبْلِيسَ أَسْفَقَ مِنْ طَلَبِ الرَّجُلِ (2) البركة: النمو والزيَادَةُ، فَالْبَرَكَةُ فِي الْعُمُرِ اسْتِعْمَالُ الأَيَّامِ وَاللَّحَظَاتِ فِي صَالِحِ الْأَعْمَالِ وَاسْتِرَادَةِ الْخَيْرِ وَعَدَمُ إِنْفَاقِهَا فِي الشَّهَوَاتِ وَخَسَائِسِ الْخِصَالِ، وَالْبَرَكَةُ فِي الْمَالِ نُمُوهُ بِإِنْفَاقِهِ فِي جَلِيلِ الأَعْمَالِ وَالسُّحُ بِهِ فِي الْمَعَاصِي وَسَفَاسِفِ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ يُشَاهَدُ بِهِ الْمَالُ مَحْفُوظًا مَوْفُورًا بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِهِ، إِنِ اسْتَغَلَّهُ فِي الْأَعْمَالِ اسْتَفَادَ، وَإِنْ أَنْفَقَهُ فِي
سَبِيلِ الْخَيْرِ وَجَدَ فَضْلَهُ وَحَلَاوَتَهُ، وَتِلْكَ بَرَكَةُ الْمَالِ الطَّاهِرِ.
(3) السيمُ جَمْعُ سيماء: وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَبْدُو عَلَى وُجُوهِ الأَخيار. (4) هُوَ الْعَمَلُ الْمَرْدُودُ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْمُحْبَطُ، وَالَّذِي لا يَجِدُ صَاحِبُهُ لَذَّةٌ لَهُ. (1/182)
صفحة 183
كتاب
183
الوضع
(1)
وَأَمَّا الثَّلاثَةُ الَّتِي فِي الْقَبْرِ: فَضِيقُ الْقَبْرِ، وَظُلْمَتُهُ، وَعَذَابُهُ فِي الْبَرْزَخ)
حَتَّى تَقُومَ الْقِيَامَةُ
و (2)
وأَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْمَحْشَرِ: فَإِنَّهُ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيُعَذِّبُ عَذَابًا أَلِيمًا، وَيُنَادِي عَلَيْهِ مُنَادٍ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ ضَيَّعَ فَرَائِضَ اللَّهِ.
(1) الْبَرْزَخٌ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ مِنَ الزَّمَنِ، وَعَذَابُ أَهْلِهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِ، كَمَا فِي آيَةٍ آلِ
فِرْعَوْنَ، وَعَذَابِ الْقَبْرَيْنِ الَّذِينَ يُعَذِّبَانِ مِنَ الْبَوْلِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِهِمَا.
(2) يُسْحَبُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} (الْقَمَرَ، 48). (1/183)
صفحة 184
[صفحة فارغة] (1/184)
صفحة 185
فَصْلٌ فِي ثَوَابِ الصَّلَاةِ]
وَلَا يَسْتَحِقُ ثَوَابَ الصَّلاَةِ إِلا الْمُقِيمُونَ لِلصَّلاةِ، وَالْمُقِيمُونَ هُمُ الْمُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، بِوَظَائِفِهَا (1) وَخُشُوعِهَا (2)؛ لأَنَّ الْمُصَلِّينَ
كَثِيرُونَ، وَالْمُقِيمِينَ قَلِيلُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ الْبَقَرَة: 03، وَقَالَ: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةُ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَونَ} (النِّسَاء: 162)، وَقَالَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوةَ النُّور: (56)، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: فويل لمصلين (3) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (الْمَاعُونَ: 05)، فَسَمَّاهُمْ مُصَلِّينَ، وَسَمَّى الْمُؤْمِنِينَ مُقِيمِينَ.
(1) وَظَائِفُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ وَالطَّهَارَةُ قَبْلَهُ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، وَالنِّيَّةُ وَالإِخلاص (2) الْخُسُوعُ: اسْتِسْعَارُ عَظَمَةِ الْمَقَامِ وَشانِ الصَّلاةِ الَّتِي هِيَ مُنَاجَاةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَكَوْنِ الْمُصَلِّي وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيِ الْبَارِي سَبْحَانَهُ. (3) سَمَّى اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ مُصَلِّينَ، وَلَمْ يَصِفُهُمْ بِالإِقَامَةِ؛ لأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمْ فِي آيَةٍ أخرى: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) (التّوبَة، 54)، فَصَلَاتُهُمْ صُورَةٌ مِنَ
الصَّلَوَاتِ، ولَيْسَتِ الصَّلاَةَ حَقِيقَةٌ كَصَلاةِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي وَصَفَهَا بِالإِقَامَةِ. (4) وَصَفَهُمْ بِالْغَفْلَةِ عَنْ صَلَاتِهِمْ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِحُقُوقِهَا وَوَظَائِفِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ رِئَاءَ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: براءُونَ النَّاسَ النِّسَاء، 142)، فَكَذَلِكَ صَلَاةُ الَّذِينَ يَتَهَا وَنُونَ بِهَا مُجَرَّدَةٌ مِنْ صِفَاتِ الإِقَامَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ وَاجِبَاتِ هَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيم. (1/185)
صفحة 186
كتاب
186
الوضع
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الصَّلَاةُ مَرْضَاةُ الرَّبِّ، وَحُبُّ الْمَلاَئِكَةِ، وَسُنَّةُ الأَنْبِيَاءِ، وَأَصْلُ الإِيمَانِ)، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ، وَقَبُولُ الأَعْمَالِ، وَبَرَكَةٌ فِي الرِّزْقِ، وَرَاحَةُ الْأَبْدَانِ، وَسِلَاحُ الأَعْدَاءِ، وَكَرَاهِيَةُ الشَّيْطَانِ، وَشَفِيعٌ لِصَاحِبِهَا عِنْدَ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَسِرَاجٌ فِي قَبْرِهِ،
و (2)
وَفِرَاشِ لِجَنْبِهِ، وَجَوَاب (3) مُنْكَرِ وَنَكِيرِ، وَمُوْنِسٌ مَعَهُ، وَزَائِرٌ لَهُ فِي قَبْرِهِ (3) فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صَارَتِ الصَّلَاةُ ظِلاً فَوْقَهُ، وَتَاجًا عَلَى رَأْسِهِ، وَلِبَاسًا عَلَى بَدَنِهِ، وَنُورًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسِتْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، وَحُجَّةٌ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَثَقلاً فِي الْمِيزَانِ، وَجَوَازًا (4) عَلَى الصَّرَاطِ، وَمِفْتَاحًا لِلْجَنَّةِ (5)، وَرَفْعًا لِلدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ تَسْبِيحَ وَتَحْمِيدٌ وَتَقْدِيسِ وَتَمْجِيدٌ وَتَعْظِيم وَقِرَاءَةٌ وَدُعَاء (6) (لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَإِنَّ أَفْضَلَ الأَعْمَالَ كُلَّهَا الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا؛ لأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَضَمَّنُ جَمِيعَ طَاعَاتِ الْمُتَعَبدِينَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَيُقَالُ: خَلَقَ
(1) الإنْيَانُ بِهَذِهِ الْفَرِيضَةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهِ دَلِيلُ كَمَالِ الإِيمَانِ وَالرُّسُوخِ فِيهِ.
(2) يعني: تُجِيبُ عَنْهُ دِفَاعًا عِنْدَ سُؤالِ الْمَلَكَيْنِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ دُخُولِ الْقَبْرِ. (3) يَعْنِي تَارَةً تَكُونُ الصَّلاةُ مَعَهُ لأُنْسِهِ، وَنَارَةً زَائِرَةً، فَأَحْوَالُ الْقَبْرِ وَيَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى أَطْوَارِ عديدَةٍ، لِهَذَا تَعَدَدَتْ أَسْمَاؤُهَا.
(4) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّرَاطَ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ
(5) مفتاحا: سببًا لِدُخُولِهَا مِنَ الأَسْبَابِ، كَمَا أَنَّ الْمِفْتَاحَ سَببٌ لِدُخُولِ الْمَنْزِلِ. (6) دُعَاءُ: يَعْنِي هِيَ دُعَاء؛ لأَنَّهَا مُنَاجَاةُ اللَّهِ، وَالْمُنَاجَاةُ دُعَاء، أَوْ دُعَاء بَعْدَهَا، أَوْ كِلَاهُمَا. فَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ مُسْتَمِلَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَعَانِي فَهِيَ جَامِعَةٌ لِمَعَانِي الدُّعَاءِ وَالْقُرُبَاتِ
الَّتِي يَأْتِي بِهَا أَهْلُ الْكَمَالِ (1/186)
صفحة 187
كتاب
187
الوضع
(2)
اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتِ، وَحَشَاهَا (1) بِالْمَلاَئِكَةِ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يفترُونَ (2)، وَتَعَبَّدَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَأَهْلُ سَمَاءِ قِيَامٌ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ، وَأَهْلُ سَمَاءِ رُكَّعٌ، وَأَهْلُ سَمَاءِ سُجَّدٌ، وَأَهْلُ سَمَاءِ مَرْخِيَّةُ الأَجْنِحَةِ مِنْ هيته (3)، وَأَهْلُ عِلِّيِّينَ، وَمَنْ حَوْلَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ (4) لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، فَجَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَرَامَةً لَهُمْ لِيَنَالُوا حَظًّا مِنْ عِبَادَةِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ، وَزَادَهُمُ الْقُرْآنَ يَتْلُونَهُ (5) فِيهَا. وَأَنْشَدَ فِي الصَّلاةِ:
(V)e
أَلا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ لأَنَّ بِهَا الْآرَابَ لِلَّهِ تَخْنَع) فَأَوَّلُ فَرْضِ مِنْ شَرِيعَةِ دِينَا وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يُرْفَعُ فَمَنْ قَامَ لِلتَّكْبِيرِ لَاقَتْهُ رَحْمَةٌ وَكَانَ كَعَبْدِ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ فَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ نجا فَيَا طُوبَاهُ إِنْ كَانَ يَخْشَعُ
(1) حَشَاهَا: أَيْ مَلَأَهَا، فَالْمَلَائِكَةُ أَكْثَرُ الْخَلْقِ عَدَدًا. (2) لا يَفْتُرُونَ: أَي لا يَضعُفُونَ وَلَا يَسْأَمُونَ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّقْدِيسَ، كَمَا أَنَّ بَنِي آدَمَ يُلْهَمُونَ النَّفْسَ - بِفَتْحِ الْفَاءِ - فَالنَّسْيحُ مِنْهُمْ كَالنَّفَسِ مِنَّا.
(3) هَيْبَتِهِ: إِجلالاً وَمَخَافَةٌ.
(4) يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيل قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ حِكَايَةً عَنْهُمْ: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا) (غَافِرٌ، 07). (5) إِعْطَاءُ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنَ يَتْلُونَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَكْرِيمِ اللَّهِ، وَرَفْعِ شَأْنِهِمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ؛ لأَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مَا يُتْلَى، وَأَعْظَمُ الْكُتُبِ.
(6) الآرَابَ: الأَعْضَاء.
(7) نَخْتَعُ: تَتَذَلَّلُ وتَخْضَعُ أورد في بعض النسخ المخطوطة بلفظ: "تخشع]. (1/187)
صفحة 188
كتاب
188
الوضع
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ خَيْرًا مِنْ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ، (7656، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، 7714]. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَوْ خَيِّرْتُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَبَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ لاَختَرْتُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْجَنَّةِ؛ لأَنَّ فِي
الرَّكْعَتَيْنِ رِضَاءَ اللَّهِ، وَفِي الْجَنَّةِ رِضَاءَ نَفْسِي، وَأَنْشَدُوا:
ه (1)
اغتيمُ فِي الْفَرَاعَ فَضْلَ رُكُوعِ فَعَسَى (2) أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَة (3) كُمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سقم ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتُة (1)
(1) اغتنم اكتُسِبُ الْغَنِيمَةُ: الْفَوْزُ بِالشَّيْء وَبِلا مَشَقَّةٍ. (2) عَسَى: هُنَا لِلشَّفَقَةِ، أَيْ: خَوْفَ أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةً.
(3) بَغْتَةً: فَجْأَة
(4) فَلْتَةٌ: أَي سَرِيعًا. (1/188)
صفحة 189
فَصْلٌ أَقْسَامُ الصَّلاةِ]
الصلاة فرضاً وسنة ونفلاً]
اعْلَمْ أَنَّ الصَّلاةَ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْسَام: قِسْم فَرَائِضِ، وَقِسْم سُنَنٍ، وَقِسْم نَوَافِل؛ أَمَّا الْفَرَائِضُ: فَكُلُّ صَلَاةٍ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَقْتِهَا، وَذَكَرَهَا في قوله: وأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْهَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (الإسراء: (78)، وَفِي قَوْلِهِ: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَمِينَ تُظهِرُونَ الرُّوم (17. فَهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ
(1) الدُّلُولُ: الدَّفْعُ إِلَى الْغُرُوبِ وَالْمَبْلُ إِلَيْهِ، وَدَلَكَتِ الشَّمْسُ وَالنُّجُومُ: زَالَتْ عَنِ الاسْتِوَاءِ، غَسَقَ اللَّيْلُ: ظَلامُهُ، وَقُرَأَىنُ الْفَجْرَ: صَلَاتُهُ، مَشْهُودًا: تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ؛ أَيْ: مَلَائِكَةُ اللَّيْل نَصْعَدُ، وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ تَنْزِلُ. (2) تُمْسُونَ: تَدْخُلُونَ فِي الْمَسَاءِ، وَتَصْبِحُونَ: تَدْخُلُونَ فِي الصَّبَاحِ، وَعَشِيًّا: مَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُظهِرُونَ: تَدْخُلُونَ فِي الظَّهِيرَةِ، فَالآيَتَانِ جَمَعَنَا أوقات الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (1/189)
صفحة 190
كتاب
(19.)
الوضع
واللَّيْلَةِ (أبو داود، (1586، والنَّسَائِي، (2522]، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ (1) اللهُ عَلَى الْعِبَادِ سَبَقَ تَخْرِيجه).
(2)
وَلَكِنْ وَرَدَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُجْمَلاً غَيْرَ مُفَسَّرٍ، فَبَيِّنَهَا (3) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحُدُودِهَا، وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَوَطَائِفِهَا وَقِرَاءَتِهَا، وَتَسْبيحها وتَعْظِيمِهَا، وَقُعُودِهَا وَتَشَهدِهَا وَتَسْلِيمِهَا، وَجَعَلَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ كعَةٌ) عَلَى الْمُقِيمِ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً عَلَى الْمُسَافِرِ. وَالأُمَّةٌ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةٌ فيمَا تَنَاهَى (4) إِلَيْنَا عَلَى هَذَا الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرْنَا: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ لِلظُّهْرِ، وَأَرْبَعُ لِلْعَصْرِ، وَثَلاثُ لِلْمَغْرِبِ، وَأَرْبَعٌ لِلْعِشَاءِ، وَاثْنَتَانِ لِلْفَجْرِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ) الَّذِي لَا يُنْكِرُهُ إِلا جَاهِلٌ يَأْتُرُهُ أَهْلُ جيل) عَنْ جِيلٍ مِنْ لَدُن (7)
(0)
(1) كَتَبَهُنَّ فَرَضَهُنَّ
(2) بينها صلى الله عليه وسلم بِالْفِعْلِ، وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلِّي البُخَارِي، ر 605، وَأَحْمَد
ر 20549].
(3) سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً: هِيَ مَجْمُوعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، رَوَى الإِمَامُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ الرَّبِيعُ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: عَلَى الْمُقِيمِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَعَلَى الْمُسَافِرِ إِحْدَى عَشَرَةَ ركعة الربيع، (188]، فَعَلَى فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ وَاللُّزُومِ، فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلاةَ السَّفَرِ عَزِيمَةٌ لا رُحْصَةٌ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا. وَقَدْ أَوْصَحْتُ هَذَا فِي رِسَالَتِي "صَلاةُ السَّفَرِ" كِتَابٌ في صلاة السفر للشيخ أبِي إِسْحَاقَ. (مغ)]، بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (4) تَنَاهَى: بَلَغَ إِلَيْنَا.
(5) الْمُتَوَاتِرِ: هُوَ مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً. (1) الْجِيلُ: أَهْلُ كُلِّ عَصْرِ، أَي تَرْوِيهِ أَهْلُ الْعُصُورِ الْمُتَتَالِيَةِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَيْنَا. (7) مِنْ لَدُنْ: أَيْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَزَمَانِهِ. (1/190)
صفحة 191
كتاب 191
الوضع
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى هَلُمَّ جَرًا (1)؛ حَتَّى عَرَفَهُ الْخَاصِ وَالْعَامِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْ آلِهِ عَلَى الطَّائِفِ، فَظَلَمَ رَجُلاً مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَأَتَى الْأَزْدِيُّ إِلَى عُتْبَةَ شَاكِبًا إِلَيْهِ مِنْ
عَامِلِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ شِعرًا:
أَمَرْتَ مَنْ كَانَ مَظْلُومًا لِيَأْتِيَكُمْ فَقَدْ أَتَاكُمْ غَريبُ الدَّارِ مَظْلُومًا فَذَكَرَ لَهُ ظلامَتَهُ، فَقَالَ لَهُ عُتْبَهُ: إِنِّي أَرَاكَ أَعْرَابِيًّا جَافِيًا، وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُكَ تَدْرِي كَمْ تُصَلِّي بَيْنَ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ. فَقَالَ لَهُ الْأَزْدِيُّ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَنْبَأَتُكَ بِذَلِكَ أَتَجْعَلُ لِي عَلَيْكَ مَسْأَلَةٌ؟ فَقَالَ عُتْبَةُ: نَعَمْ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ:
إِنَّ الصَّلاةَ أَرْبَعُ فَأَرْبَعُ ثُمَّ ثَلَاثُ بَعْدَهُنَّ أَرْبَعْ
ثُمَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ لَا تُصَبِّعْ وَهِيَ اثْنَتَانِ فَاسْتَمِعْ مَا أَشْرَعَ)
قَالَ: صَدَقْتَ فَسَلْ قَالَ: كَمْ فَقَارُ (4) ظَهْرِكَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي (5). قَالَ: أَفَتَحْكُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْتَ تَجْهَلُ هَذَا مِنْ نَفْسِكَ؟ فَقَالَ عُتْبَهُ: رُدُّوا عَلَيْهِ
غنِيمَتَهُ.
(1) هَلُمَّ جَرَّاً: أَي امْتَدَّ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ، وَاسْتِدَامَةُ الأَمْرِ: اتَّصَالُهُ إِلَى الْيَوْمِ
(2) أَزْدِ شَنُوءَةَ: هُمْ أَزْدُ الْبَصْرَةِ.
(3) أَسْرَعَ: مِنْ أَسْرَعْتُ الشَّيْء فِي وَجْهِهِ، وَشَرَعَتُهُ: أَظْهَرْتُهُ وَأَوْصَحْتُهُ (4) فَقَارُ الظَّهْرِ: عُقَدُهُ السَّبِيهَةُ بِالْخَرَز فِي نَظْمِهِ يَنْفُذُ فِيهَا النَّخِيعُ، وَهِيَ عَمُودُ الظَّهْرِ. (5) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: فى كتب الطَّبُ: عَدَدُ فَقار الظهْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ فِقْرَة، وَالْفِقْرَةُ عَظم مَنْقُوبٌ يَمُرُّ مِنْ وَسَطِهِ النَخَاعَ الْمُسْتَطِيلُ الَّذِي تَتَصلُ بِهِ أَعْصَابُ الْبَدَنِ مَا خَلَاَ الرَّأْسَ، = (1/191)
صفحة 192
كتاب
192
الوضع
وَأَمَّا صَلَاةُ السُّنَنِ فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامِ: سُنَنِ وَاجِبَاتٍ (1)، وَسُنَنِ مُؤكَدَاتٍ، وَسُنَنِ مَرْغُوبَاتِ. أَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَصَلَاةُ الْوِتْرِ، وَصَلَاةُ الْجَنَائِزِ. وَأَمَّا الْوِتْرُ: فَوَاجِبْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةٌ سَادِسَةٌ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ، أَلاَ وَهِيَ صَلَاةُ الْوِتْرِ (2) [الربيع، (192، وَأَبُو دَاوُد، 1420]. وَصَلَاةُ الْوِتْرِ هِيَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
فَانْظُرْ إِلَى لُطْفِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْبَدَنَ يَقُومُ بِالظُّهْرِ الْمُسْتَمِلِ عَلَى سَبْعَ عَشْرَةَ فِقْرَةٌ، وَجَعَلَ الإِسْلامَ يَقُومُ بِالصَّلَاةِ الْمُسْتَمِلَةِ عَلَى سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَشَرَعَهَا لِلإِنْسَانِ شكرًا عَلَى نِعْمَةٍ هَذِهِ الْفَقَارِ الَّتِي تَنْحَنِي كَمَا يَشَاءُ، فَكَانَ مِنْ شَكْرِهَا أَنْ يُحْنِيهَا عَلَى الأَقَلِّ سَبْعَ عشرة مَرَّةً شكرًا وَتَوَاضُعا لِلرَّبِّ الْعَظيمِ الْمُنْعِم. (1) وَاجِبَاتٍ: لاَزِمَاتِ، وَالْوَاجِبُ هُوَ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ وَأَمَرَ بِهِ، مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ الْأَمْرَ الْقَطْعِيُّ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْوَاجِبُّ اللأَزِمُ بِالسُّنَّةِ، وَكِلاهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ مَا يُنَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
(2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: اخْتَارَ طَائِفَةٌ. مِنَ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ زَادَ لَكُمْ صَلَاةٌ سَادِسَةٌ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ، وَهِيَ صَلَاةُ الْوِتْرِ [الربيع، (192]، فَاخْتَارُوا الْقَوْلَ بِوُجُوبِهَا لَمَّا جَعَلَهَا سَادِسَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ فَأَعْطَوُا الْوِتْرَ حُكْمَهَا، وَقَالَ آخَرُونَ بِعَدَمِ فَرْضِيَّهَا، وَاسْتَدلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِهِ: "صَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ وَحُجُوا بَيْتَ رَبِّكُمْ وَأَطِيعُوا وَلَاةَ أُمُورِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ [التَّرْمِذِي، (616، وَأَحْمَد، ر 22215]. فَذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْفَرْضِيَّةِ لَقَالَ: صَلُّوا سِتَّكُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ صَاحِبُ الإِيضاح [أبو ساكن عامر الشماخي] وَشَارِحُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ
[أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي]. [انظر: الشماخي: الإيضاح 372/ 1، 373]. (1/192)
صفحة 193
كتاب
193
الوضع
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجَنَائِزِ: فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا عَلَى مَوْتَاكُمْ ابْن
ماجه، (1522، وَالْبَيْهَقِي، 6731].
وَأَمَّا الْمُؤَكَّدَات (1): فَرَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ (2)، وَقِيَامُ رَمَضَانَ (3)، وَرَكْعَنَا الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ. وَأَمَّا الْمَرْغُوبَاتُ: فَصَلاَةُ الضُّحَى، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ (4)، وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ (5)، وَصَلَاةُ الزَّلْزَلَةِ (6).
وَأَمَّا النَّوَافِلُ: فَكُلُّ تَطَوُّع صَلَاةِ الْمَرْءِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا. وَالنَّفْل (7) فِي اللُّغَةِ الزَّيَادَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَهَ جَدْ بِهِ نَافِلَهُ لَكَ} (الإسراء 79)؛ أَي: زيَادَةٌ لَكَ.
(1) الْمُؤكِّدُ فِي السُّنَنِ مِثْلُ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم طُولَ حَيَاتِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، كَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَرَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْفَرْضِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُمَا لَا فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي السَّفَرِ (2) صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، سُمِّيَا عِيدَيْنِ لأَنَّهُمَا يَعُودَانِ كُلَّ سَنَةٍ، وَتُسَنُ صَلَاةٌ العيدِ لاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا يَشْتَرِكُونَ فِي الْمَرَحِ وَالْفَرَحِ، فَهُوَ يَوْمُ سُرُورِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ
(3) قيامُ رَمَضَانَ سُنَةٌ مَنْدُوبَةٌ؛ لأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَاهَا مَرَّةً وَتَرَكَهَا أُخْرَى.
(4) الكُسُوفُ لِلشَّمْسِ، وَهُوَ تَغَيَّرُ نُورِهَا بِسَبَبٍ مُرُورِ القَمَرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ. (5) الْخُسُوفُ انْطِمَاسُ نُورِ الْقَمَرِ بِسَبَبِ مُرُورِ الْأَرْضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَصْدَرِ نُورِهِ الشَّمْسِ سَنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْكُسُوفِ وَالْخَسُوفِ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ
إِلَى اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَرَوْعُ
(6) الزَّلْزَلَةُ: هِزَةٌ أَرْضِيَّةٌ بِسَبَبِ انْفِجَارِ فِي جَوْفِهَا بِانْحِبَاسِ الْبُخَارِ
(7) النَّفَلُ: التَّطَوُّعُ، وَهُوَ غَنِيمَةُ الثَّوَابِ. (1/193)
صفحة 194
[صفحة فارغة] (1/194)
صفحة 195
فَصْلٌ أَحْوَالُ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ]
[الصلاة حضرًا وسفرًا، وخوفًا ومرضا، وجمعًا وفردًا وجماعة]
وتَنْقَسِمُ صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: صَلَاةُ الْحَضَرِ، وَالثَّانِي: صَلَاةُ السَّفَرِ (1)، وَالثَّالِثُ: صَلَاةُ الْخَوْفِ (3)، وَالرَّابِعُ: صَلاةُ الْمُسَايَفَةِ (3)، وَالْخَامِسُ: صَلَاةُ الْمَرِيضِ، وَالسَّادِسُ: الصَّلَاةُ الْمَاءِ (4) أَوْ عَلَى ظَهْرِ الْبَحْرِ فِي السَّفِينَةِ، وَالسَّابِعُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ)،
وَالثَّامِنُ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ.
(1) صَلَاةُ السَّفَرِ عَزِيمَةٌ عِنْدَنَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(0)
في
(2) صَلَاةُ الْخَوْفِ: تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا (البقرة: (239) يُصَلِّي الْخَائِفُ كَمَا أَمْكَنَهُ وَلَوْ بِالإِيمَاءِ إِنْ لَمْ يَجِدْ خِلَافَهُ. (3) الْمُسَايَفَةُ: الالْتِحَامُ بِالْعَدُوِّ فِي الْحَرْبِ، هَذَا بَيَانُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتْرَكُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا دَامَ الْمُسْلِمُ عَلَى رَمَقٍ.
(4) فِي الْمَاءِ: أَي الْوَاقِعُ فِي الْمَاءِ أَوِ الْمَحْبُوسُ فِيهِ. (5) الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ، كَمَا فِي صَحِيحِ الرَّبِّيعِ [وَوَرَدَ بِلَفْظِ: صَلَّى الظهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ جَمِيعًا؛ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ وَلَا سَحَابٍ وَلَا مَطَرٍ" (الرَّبيع، ر 251)]. (1/195)
صفحة 196
كتاب
196
الوضع
صَلَاةُ الْحَضَرِ]
فَأَمَّا صَلَاةُ الْحَضَرِ: فَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ (1) بَيْنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَمَا قَدَّمنا، ستُ رَكَعَاتٍ مِنْهُنَّ يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ (1) وَسُورَةٍ جُهْرًا، وَهُنَّ الرَّكْعَتَانِ الأُولَيَانِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالأُولَيَانِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَالرَّكْعَتَانِ
مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا سِرًّا، وَهُنَّ أربعُ رَكَعَاتٍ لِلظُّهْرِ وَأَرْبَعُ لِلْعَصْرِ، وَالأَخِيرَةُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالْأَخِيرَتَانِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. ولاَ يُجْزِئُ الْمَرْءَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ، مَا دَامَ مُقِيمًا حَاضِرًا فِي وَطَنِهِ إِلا فِي زَمَانِ الظُهُورِ (3)، وَإِذَا كَانَ الإِمَامُ يُقِيمُ الْجُمُعَةَ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ
(1) سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً: كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الرَّبِيعِ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ. (2) أُمُّ الْقُرْآنِ الْفَاتِحَةُ، سُمِّيِّتْ بِهِ لَأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيع عُلُومِهِ. الأمة (3) الظهور: الاستقلالُ النَّامُ تَحْتَ لِوَاءِ إِمَامٍ يَنْتَخِبُهُ الْمُسْلِمُونَ انْتِخَابًا حُرَّا، يَحْمِي الإسلامية مِنْ كُلِّ عَدُوٌّ، وَيُعْلِي شَأنَ الإِسلام بإظْهَارِ عَظَمَتِهِ بِالْعَدْلِ، وَتَنْفِيذ الأحكام الشَّرْعِيَّةِ وَحُدُودِهِ، وَإِقَامَةِ الْقِسْطِ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى تَنْعَمَ الأُمَّهُ بجَلال الإِسْلامِ وَنِعْمَتِهِ، ويُعبد الله كَمَالَ الْعِبَادَةِ، أَمَّا إِنْ كَانَ اسْتَقَلاَلُ الْمُسْلِمِينَ مَوْجُوداً وَلَكِنَّ الْحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ لا تُقَامُ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظُهُورًا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَتَجِبُ فِيهِ الصَّلَاةُ خَلْفَ هَذَا الإِمَامِ، وَهُوَ إِمَامُ الْجَوْرِ، وَقَدْ صَحَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "صَلُّوا خَلَفَ كُلِّ بَرَّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرَّ وَفَاجِرٍ [البيهقي، (6623، والدارقطني، (1788]. وَرِوَايَةُ الإِمَامِ الْحُجَّةِ الرَّبيع في مُسْنَدِهِ عَنِ الْأَئِمَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ: الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَرَّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَر وَفَاجِرٍ [الربيع، (776]، وَكَانَ أَيْمَنَا يُصَلُّونَ بِالْبَصْرَةِ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَمَنْ عَلَى مِنْهَاجِهِ. وَقَدْ قَسَّمَ أَيْمَتُنَا طُرُقَ تَنْفِيذ الأحكام الإِسْلامِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَسَالِكَ. الظَّهُورُ: وَمَثَلُوا لَهُ بِعَهْدِ الْعُمَرَينِ. وَالْكِثْمَانُ: وَهُوَ عَدَمُ الاستقلال النَّامُ، وَمَثْلُوا لَهُ بِعَهْدِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وأبي عبيدة مُسلِم التَّمِيمِيُّ وَمَنْ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَالدَّفَاعُ: وَهُوَ مُبَايَعَةُ إِمَامٍ عِندَ = (1/196)
صفحة 197
كتاب
197
الوضع
يُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ الإِمَامِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا، وَتَكُونُ
الصَّلاةُ حِينَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
(1) -
وَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ خَلْفَ (1) الْجَبَابِرَةِ إِذَا أَقَامُوهَا لِلنَّاسِ اقْتِدَاءً
بِسَلَفِنَا الصَّالِح؛ كَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، وَصُحَارِ بْنِ عبَّاسِ الْعَبْدِي، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَرَضِي عَنْهُمْ.
وَالْوَطَنُ (2) الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِقَامَهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهَا، وَإِنَّمَا يُوَطَّنُ الْمَرْءُ بَلَدًا لا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا الْقَحْط (3) أَوِ الْعَدُو. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهُ فِي مَوضع مَحْدُودٍ (4) طَاهِرِ، تُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُهُ بِالْقَصْدِ والنِّيَّةِ (5) دُونَ الْقَوْلِ. فَإِذَا أَرَادَ نَزْعَهُ فَلْيَنْزَعْهُ بِالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ. وَالْمَرْأَةُ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا فِي الأَوْطَانِ، وكَذَلِكَ الْعَبْدُ تَابِعٌ لِسَيِّدِهِ، وَالابْنُ (6) تابع لأَبِيهِ، وَقِيلَ:
= مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ يُحَارِبُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ دِفَاعًا تَزُولُ إِمَامَتُهُ بِزَوَالِ الْقِتَالِ وَالشَّرَاءُ: وَمَثَلُوا لَهُ بِعَمَلِ أَبِي بِلالِ مِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرِ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُمُ الْمُحْتَسِبُونَ وَالْفِدَانِيُّونَ، وَهُوَ تَقْسِيم بديع اختص بِهِ أَصْحَابُنَا كَمَا فِي تَارِيخِنَا. (1) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ خَلْفَ أَي إِمَامٍ مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ، مَا لَمْ يَأْتِ بِمَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ. (2) اتَّخَاذُ الْوَطَنِ فَرْضَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ حَضَرًا وَسَفَرًا؛ لِيَتَحَقَّقَ أَدَاءُ الْفَرْضِ
وَأَمْيَالُ الْوَطَنِ لِصَلَاةِ السَّفَرِ.
(3) الْقَحْطُ: الْجَدْبُ وَالْمَجَاعَةُ.
(4) هَذَا لِتَحْدِيدِ الْوَطَنِ بِدِلَّةٍ بِتَحْدِيدِ الأَمْثَالِ وَحُدُودِ الْوَطَنِ.
(5) النية: لأَنَّ هَذِهِ الْقَضَيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِرُكْنِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَجَبَتِ النَّيِّةُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى رَوَاهُ الإِمَامُ الرَّبِيعُ فِي مُسنَدِهِ [الربيع، را، وَالْبُخَارِي، را]. (6) الابْنُ مَا دَامَ فِي رِعَايَةِ أَبِيهِ. (1/197)
صفحة 198
كتاب
198
الوضع
إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَطَّنَ وَاحِدًا مِنْ أَربَعَةِ: مَنْزِلاً (1) مَعْرُوفًا أَوْ بِثْرًا مَعْرُوفًا أَوْ حَوْضًا فِي مَرْج (3)، أَوْ قَصْرًا مَعْرُوفًا، وَإِنْ وَطَّنَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ فَجَائِرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أنْ يُوَطَّنَ أَرْبَعَةَ أَوْطَانٍ (3) فِي حَوْزَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَائِرٌ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ
فلا.
صَلَاةُ السَّفَر]
وَأَمَّا صَلَاةُ السَّفَرِ: فَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ (4)، يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَيُسِرُّ فِي الْبَاقِي بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا. وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ لِكُلٍّ صَلَاةٍ، إِلا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صَلَاةِ السَّفَرِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ (5) الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ [الرَّبِيعِ، 186، وَأَبُو داود، (1200]. وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ أَقَصْرُ هِيَ أَمْ لاَ؟ فَقَالَ: "لا؛ الرَّكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ لَيْسَتَا
(1) منزلاً: مسكنا لا حَوْزَةٌ. (2) الْمَرْجُ: أَرْضِ ذَاتُ نَبَاتِ وَمَرَاع.
(3) أَرْبَعَةَ أَوْطَانٍ: لأَنَّهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا كَأَنْ يَتَّفِقَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي أَرْبَعَةِ أَقْطَارِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ بَلَدٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَرَدَ بلفظ: مَنْ تَأَمَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَل صَلَاةَ الْمُقِيمِ أَحْمَد، (443]، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مُشَادَّةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْخَلِيفَةِ الثَّالِثِ فِي مِنِّي، فَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِالْحَدِيثِ.
(4) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ: " عَلَى الْمُسَافِرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً".
(5) هَذِهِ رِوَايَةُ الإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ فِي صَحِيحِهِ. (1/198)
صفحة 199
كتاب
199
الوضع
„ (1)
قَصْرًا، إِنَّمَا الْقَصْرُ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْخَوْفِ (1)) [ابْنُ خَزَيْمَة، (1364، وَالْبَيْهَقِي، (5848]. وَحَدُّ السَّفَرِ فَرْسَخَانِ، وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَالْمِيلُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ (2)، فَإِذَا جَاوَزَ الْفَرْسَخَيْنِ مِنْ وَطَنِهِ صَلَّى صَلَاةَ السَّفَرِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حَدَّ السَّفَرِ فَرْسَخَانِ؛ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى صَارَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَعَرَّفَكُمْ صَلَاةَ السَّفَرِ أَوْ قَالَ: حَدَّ السَّفَرِ" لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ].
صَلَاةُ الْخَوْفِ]
وأَمَّا صَلَاةُ الْخَوْفِ فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَة إِنْ خِفْتُمُ النِّسَاء: (101)، وَصِفَةٌ صَلَاةِ الْخَوْفِ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ صَلَّوْا مَعَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ (3) أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَصَفَّتْ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛
(1) هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلاةَ السَّفَرِ فَرْضٌ وَعَزِيمَةٌ لَا رُحْصَةٌ، وَأَمَّا الْقَصْرُ فَهُوَ صَلَاةٌ الْخَوْفِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. (2) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: الْمِيلُ أَلْفُ وَسِتِّمِائَةِ مِثْرٍ (1600 م) بِتَحْقِيقِ الأستاذ الشيخ إِبْرَاهِيمَ بيوض حفظَهُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ حَدُّ السَّفَرَ فِي حُدُودِ عَشَرَةِ كِيلُو مِتْرَاتِ ذَكَرَ الْفَرْسَخَيْنِ
دُونَ تَحْدِيدِهِمَا، وَيَبْدُو أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ سَمَاعاً؛ لأَنَّهُ شَيْخهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بكَيْرُ
السَّيْحُ بِالْحَاجِ: فَتَاوَى الشَّيْخ بيوض 139/ 1)]. (3) ذَاتُ الرِّقَاعِ: غَزْوَةٌ مِنْ غَزَوَانِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَنَّهُمْ سُدُّوا الْخِرَقَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرُ لِفَقْدِ النَّعَالِ. قَالَ الصَّاغَانِيُّ: هِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبِ حَصَفَةً، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرَّقَاعِ. = (1/199)
صفحة 200
كتاب
الوضع
وَطَائِفَةٌ وَاجَهَتِ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بالَّذِينَ وَقَفُوا خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَت قَائِمًا (1)، وَأَتَمُّوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لأَنْفُسِهِمْ؛ فَانْصَرَفُوا وَوَاجَهُوا الْعَدُوَّ، وَجَاءَتْ طَائِفَةٌ أخرى، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأتَمُّوا الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَةً، فَانْصَرَفَتْ وَوَاجَهَتِ الْعَدُوَّ، وَجَاءَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثَانِيَةً، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ حَتَّى تُتِمَّ مِثْلَ مَا قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الأَخِيرِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ ا عباس وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
ر
فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ وَلَمْ يَكُنْ قِتَالُ الْبُخَارِي، و 3898، وأبو داود، (1243]، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ. قَالَ مَعَبْدُ الْخَزَاعِيُّ: وَقَدْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرقاع، وقِيلَ: هُوَ اسْمُ جَبَل قَرِيبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِيهِ بُقَع حَمْرَاءُ وَسَوْدَاءُ وَبَيَاض كَأَنَّهَا رِقَاعٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: ذَكَرَ فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ مِنْ خَبَرِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاق أَنَّهُ غَذَا نَجِدًا يُرِيدُ بَنِي مُحَارِب وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: سَبْعِمِائَةٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَتَى جَمْعًا مِنْهُمْ، فَتَقَارَبَ النَّاسُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ خَافَتِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ النَّاسُ ابْنُ حَجَرِ الْعَسْقَلانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي، 1/ 421]، وَذَكَرَ الْبَيْضَاوِيُّ غَيْرَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْظُرْ أَبو سِتَّة حَاشِيَة عَلَى الْوَضع ص 267]. (1/200)
صفحة 201
كتاب
صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ]
الوضع
وَأَمَّا صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ: فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ؛ وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى الإمكان، إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيهَا قَائِمًا بِوَطَائِفِهَا وَحُدُودِهَا فَلْيَفْعَلْ، وَإِنْ لَمْ يُمكنه إِلا بِالْتَوَمِّي فَلْيَفْعَلْ وَهُوَ مَاشٍ أَوْ رَاكِبُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} الْبَقَرَة،239)، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَهُ هَذَا كُلَّهُ فَلْيُكَبِّرْ لِصَلَاتِهِ. وَاختَلَفُوا فِي التَّكبير. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ تكبير الصَّلاةِ كُلَّهَا. وَقَالَ بَعْضٍ يُكَبِّرُ سَبْعًا. وَقَالَ بَعْضُ: يُكَبِّرُ سِتّا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ خَمْسًا. وَقَالَ بَعْضُ: يُكَبِّرُ أَربَعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
صَلَاةُ الْمَرِيضِ]
وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَرِيضِ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "يُصَلِّي الْمَرِيضِ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُصَلِّ قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَنَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (الطَّبَرَانِيُّ فِي الأوسط، (3997، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، (1690].
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "نَائِمًا"؛ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلاً لِلْقِبْلَةِ، وَقَوْلُهُ: "مُسْتَلْقِيّا"؛ تَكُونُ رِجْلاَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَيَكُونُ رَأْسُهُ نَحْوَ السَّمَالِ مستقبلاً الْقِبْلَةَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمَرِيضُ عَلَى هَذَا فَلْيُكَبِّرْ لِصَلَاتِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَبِيرَ وَاخْتِلافَهُمْ فِيهِ. وَإِنْ نَحِسَتَ ثِيَابُهُ أَوْ فِرَاشُهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الْمَرَضِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْوِيلٍ وَلَا تَبْدِيل؛ فَلْيُصَلِّ كَذَلِكَ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ
(1)
(1) لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ صَلَّى كَمَا أَمْكَنَ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التَّغَابُن 16) وَلَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا ذَكِرَ مِنْ أَطْوَارِ الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَرْكُ الصَّلاةِ بِحالِ مِنَ الأَحْوَالِ؛ إِلَّا عِنْدَ فَقْدَانِ الْعَقلِ الَّذِي هُوَ أَسَاسُ التَّكْلِيفِ. (1/201)
صفحة 202
كتاب
202
الوضع
صَلَاةُ السَّفِينَةِ]
وأمَّا صَلَاةُ السَّفِينَةِ فَهِيَ وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ شَرْعُ وَاحِدٌ (1) فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالاصْطِجَاعِ، وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِع: إِنَّمَا هِيَ بِالتَّوَمِّي (2)
وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ. وكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فِي الْمَاءِ وَالْوَحْلِ
فَإِنَّمَا صَلَاتُهُ بِالْتَوَمِّي قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، وَلَا يَسْجُدُ عَلَى الْوَحْلِ وَالْمَاءِ.
[الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ]
(4)
6
(2)
(3)
وأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَهُوَ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ
(1) شَرْعُ: طَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَسَوَاء
(2) التومي: الإِيمَاء بِالرَّأْسِ، يَنْخَفِضُ بِرَأْسِهِ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْخَفِضُ بِهِ فِي الرُّكُوعِ لِيُمَيِّزَ
بينهما.
(3) الْوَحْلُ: الطِّينُ الرَّقِيقُ تَرْتَطِمُ فِيهِ الدَّوَابُ.
(4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي هَذَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمَسْنُونَ فِي السَّفَرِ إِنَّمَا هُوَ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي الْبَلَدِ، فَحِينَئِذٍ الإِفْرَادُ وَالتَّفْصِيرُ هُوَ الْأَصْلُ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ الإمام أبو عبيد الله كَمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ السِّيرِ كَانَ يَجْمَعُ فِي الْفَلَاةِ، فَإِذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ فَإِنْ شَاءَ جَمَعَ وَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ، وَإِنْ نَزَلَ بِقَرْيَةٍ يُقِيمُ فِيهَا أَفَرَدَ إِلَخ [أبو سِتَّةِ: حَاشِيَةُ الترتيب، 1 300، وَهَذَا الْعَمَلُ مُوَافِقُ لِمَا رُوي في كتب السُّنَّةِ، وَلَا شَكٍّ فِي وُجُوبِ تَحَرِّي السُّنَّةِ واتباعها، وقل إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران (31). (1/202)
صفحة 203
كتاب
الوضع
الله صلى الله عليه وسلم عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا [الربيع، (252، وَمُسلِم، (706]، وَفِي الأَثَرِ أَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ الصَّلاتَيْنِ لِخَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا الْمُسَافِرُ، وَالثَّانِي: الْمَرِيضُ الْمُدْنف (2)، وَالثَّالِثُ: مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتُ الصَّلاةِ بِالسَّحَابِ، وَالرَّابِعُ: الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ لِلْحَجِّ، وَالْخَامِسُ: الْبَائِتُ بِجَمْعِ إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَبُو دَاوُد، ر 1915، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، (958].
وكَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ أَنْ يُؤَخِّرَ الأُولَى قَلِيلاً، وَيُعَجِّل الآخِرَةَ قَلِيلاً، وَلا يَكُونُ بَيْنَهُمَا إِلا الإِقَامَةُ وَالتَّسْلِيمُ، فَإِنْ تَكَلَّمَ الْقَارِنُ بَيْنَهُمَا أَوِ اسْتَغَلَ بِغَيْرِ أمْرِ الصَّلَاةِ انْتَقَضَ إِقْرَانُهُ وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ مِنْ إِحْيَاءِ
السنة.
(1) تبوك: مَوْقِعٌ بِبَادِيَةِ الشَّامِ فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ. غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ تِسْعُ فِي رَجَبٍ، فَصَالَحَ أَهْلَهَا وَلَمْ يَقَعْ كَيْدٌ - حَرْبَ - عَلَى الْجِزْيَةِ، وكَانَتْ خَالِيَةٌ مِنَ الْبُؤْسِ، فَشَبَّهُوهَا بِالنَّاقَةِ السَّمِينَةِ، وَقَدْ مَكَثَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهْرًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا ارُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ، الربيع، (915، وأبو داود، (1237]. قَالَتِ الْعَرَبِ: بَاكَتِ الثَّاقَةُ تبوك: سَمُنَتْ، وَبِمُضَارِعِ هَذِهِ سُمِّيَتِ الْغَزْوَةُ
وَالْمَكَانُ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنْ مَدَائِنِ صَالِحٍ. (2) دَفَ الْمَرِيضِ: لَأَزَمَهُ الْمَرَضُ كَادْفَهُ. (1/203)
صفحة 204
كتاب
204
الوضع
(1)
صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ]
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ: فَهِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ أَجْزَا عَنِ الْبَاقِينَ (1) وَإِنْ تَرَكَهَا الْجَمِيعُ هَلَكُوا (3) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي الجَمَاعَةَ حَتَّى مَاتَ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَرَغْبَهُمْ فِيهَا، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: مَنْ سَمِعَ النَّدَاءَ فَلْيُجِبْ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُدْرٍ، وَالْعُدْرُ الْمَانِعُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: و (3) إِنِّي صَرِيرٌ شَاسِيع (3) الدَّارِ، وَلاَ قَائِدَ لِي، فَهَلْ لِي مِنْ رُحْصَةٍ أَنْ أُصَلِّي فِي
بَيْتِي؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: هَلْ تَسْمَعُ النَّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَاجِب". [مسلم (1518، والنَّسَائِي، (850). وقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُشَدَّ لَهُ حَبْلٌ إِلَى
(1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: يُتَأَمَّلُ هَذَا الْحُكْمُ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يَهْجُرُ الْجَمَاعَةَ بالكلية لا خَيْرَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: هُوَ فِي النَّارِ التَّرْمِذِي، (218]، وَكَانُوا يُعِدُّونَ هُجْرَانَهَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَخْرَى أَنْ يُقَالَ فِيهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هِيَ فَرْضٌ بِالْكُلِّ لَا فَرْضَ بِالْجُزْءِ، وَقَدْ قَسَمَ الأَعْمَالَ إِلَى قِسْمَيْنِ: فَرْضَ بِالْجُزْءِ: وَهُوَ مَا لَا يَجُوزُ تَرَكُهُ وَلَوْ مَرَّةٌ، وَفَرْضَ بِالْكُلِّ وَهُوَ مَا لاَ يَجُوزُ هِجْرَانُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي الْغَالِبِ فلا بَأْسَ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ ... إلخ.
(2) يُطْلِقُ أَصْحَابُنَا عَلَى الْوُقُوعِ فِي الإِثْمِ الْعَظِيمِ لَفْظَ الْهَلَاكِ، فَيَقُولُونَ: هَلَكَ فَاعِلُ كَذَا، فَلَوْ ترك النَّاسُ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَكَفَرُوا، يَقُولُ ابْنُ النَّصْرُ رَحِمَهُ اللهُ:
وَقِيلَ إِذَا الْوَرَى تَرَكُوا ثَلاثاً فَقَدْ حَمَلُوا بِمَا تَرَكُوهُ كُفْرًا صَلَاةَ جَمَاعَةٍ وَصَلَاةَ مَيِّتٍ وَتَرْكَهُمُ الْجِهَادَ إِذَا اشْمَخَرَّا
وفِي نُسْخَةٍ وِزْرا وَاسْمَخَرَّ: تَطَاوَلَ.
(3) تاسعا: واسعا. (1/204)
صفحة 205
كتاب
الوضع
الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَمْشِي إِلَيْهِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدِ " (الربيع، 256، والبيهقي، (4724].
فِي
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظُ
عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الله شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، فَلَعَمْرِي لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلَّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ مَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُنَّ إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَتَهَادَى (1) بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فِي بَيْتِهِ، وَيُحْسِنُ طُهُورَهُ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَإِنَّا كُنَّا لَنُقَارِبُ بَيْنَ الْخَطَا (2)، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةٍ مَنْ
(2)
صَلَّى وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" [الربيع، ر 216، والبخاري، ر 619].
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَتَيْنِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النَّفَاقِ التَّرْمِذِي، 241، وَالْبَزار، 7570]. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ (3) مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ
حبوا (4) الربيع، 292، وَالْبُخَارِي، (626].
(1) يَتَهَادَى: يَتَمَايَلُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَحْمِلَانِهِ لِمَرَضِهِ.
(2) الْخُطَا: جَمْعُ خُطْوَةٍ، يُقَارِبُونَ خُطَاهُمْ لِتَكْثرَ فَيَعْظُمَ الثَّوَابُ.
(3) أَيْ مَا فِيهِمَا مِنَ الثَّوَابِ.
(4) حبوا: زَحَفًا. (1/205)
صفحة 206
كتاب
الوضع
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا تَقُولُ فِي مَنْ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ وَلاَ يَشْهَدُ الْجَمَاعَةَ وَلَا يُصَلِّي فِيهَا وَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ فِي النَّارِ. فَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ شَهْرًا يَسْأَلُهُ وَيَقُولُ فِي كُلِّ ذَلِكَ: هُوَ فِي النَّارِ. الترمذي، ر 218، وابن أبي شيبة، ر 3494] وَقَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةٌ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا مَلأَ نَحْرَهُ عِبَادَةٌ إِلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ حَاتِمُ الأَصَمُّ: فَاتَتْنِي صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ يَوْمًا فَعَزَّانِي (1) أَبو إِسْحَاقَ النَجَّارِيُّ وَحْدَهُ، وَلَوْ مَاتَ لِي وَلَدٌ لَعَزَانِي أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ رَجُلٍ؛ لأَنَّ مُصِيبَةَ الدِّينِ أَهْوَنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ مُصِيبَةِ الدُّنْيَا. ورُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَفَضلُ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وِلَآيَةِ الْعِرَاقِ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةٌ إِلَّا وَأَنَا فِي
الله
الْمَسْجِدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: مَا أَسْتَهِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا ثَلَاثًا: أَخا فِي تَعَالَى؛ إِنْ تَعَوَّجت (2) قَوَّمَنِي، وَقُونَا مِنَ الرِّزْقِ عَفُوا (3) بِلا تَبَاعَةٍ، وَصَلَاةٌ فِي جَمَاعَةٍ يُرْفَعُ عَنِّي سَهْوُهَا (4) وَيُكتبُ لِي فَضلُهَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ
(1) التَّعْزِيَةُ: تَسْلِيَةُ مَنْ فَقَدَ شَحْصًا عَزِيزًا لَدَيْهِ بِمَوْتِ، فَكَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فَقَدَ عَزِيزاً بِمَوْتِ؛ فَقَدَ ثَوَابًا عَظِيمًا. (2) تَعَوَّجْتَ: الاعْوِجَاجُ عَدَمُ الاسْتِقَامَةِ كَأَنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْ قَول أبي بكر له فِي خُطْبَتِهِ: وَلَيْتُكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِ مِنْكُمْ، إِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأَنَّ فَقَوْمُونِي [الطَّبَرَانِيُّ: الْمُعْجَمُ الأوسط، (5897، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، ر 20701].
(3) عَفُوا: سَهْلاً لاَ مَشَفَّةً فِيهِ وَلاَ مُحَاوَلَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ حَقٌّ الأَحَدٍ. (4) يُرْفَعُ عَنِّي سَهْرُهَا: يَعْنِي لاَ يَحْضُلُ مِنِّي فِيهَا سَهْرٌ بِأَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ إِلَى كَمَالِ أَدَائِهَا، وَهَذَا عَزِيزٌ جدا، لأنَّ السَّهْوَ لَوْ وَقَعَ فِي الصَّلاةِ لَجَبَرَهُ بِسَجُودِ السَّهْو؛ إِنْ كَانَ السَّهْرُ لَيْسَ مِمَّا
يُفْسِدُ الصَّلاةَ. (1/206)
صفحة 207
كتاب
الوضع
فِي الْجَمَاعَةِ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلِهِ، وَمَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَهُ أَجْمَعَ. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَقَدَ عَلِيًّا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ لَهَا: مَا شَغَلَ ابْنَ عَمِّكِ؟ فَقَالَتْ: بَات قَائِمًا يُصَلِّي، فَلَمَّا طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ صَلَّى فَاضْطَجَعَ. فَقَالَ: لَوْ صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ لَكَانَ أَفْضَلَ لَهُ إِلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ).
الإمامة ومن تصح الصلاة خلفه وما على الإمام والمأموم]
وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ يُصَلِّيهَا اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذْنَا وَأَقِيمَا وَلْيُؤْمَكُمَا أَفْضَلُكُمَا سبَقَ تَخْرِيجُهُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ، فَقَالَ: هَذَانِ جَمَاعَةٌ. أَحْمَد، ر 22243، وَالطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ، (7857]. وَلَا تَصِحُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا بِإِمَامٍ، وَالْمَأْمُومُ تَابِعٌ لِلإِمَامِ فِي الْوُقُوفِ (1) وَالْمَقَالِ (2) وَالْأَفْعَالِ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا ذَكَرًا فَلْيَقُمْ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أُنْثَى فَلْتَقَمْ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ قَامَا خَلْفَ الإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَامَ الذَّكَرُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ وَالأُنْثَى حَيْثُ شَاءَتْ، وَلْيَتَأَخَّرِ الْمَأْمُومُ الْوَاحِدُ عَنِ الْإِمَامِ بِمِقْدَارِ رِجْلَيْهِ.
(1) الْمَأْمُومُ تَابِعٌ لِلإِمَامِ فِي الْوُقُوفِ مَا لَمْ يَكُنْ جُلُوسُهُ لِمَرَضِ حَدَثَ إِلَيْهِ أَثْنَاءَ صَلَاتِهِ، لأَنَّهُ يُتِمُّ بِهِمْ وَهُوَ جَالِسٌ. (2) يَعْنِي: يَتْبَعُ الْمَأْمُومُ الإِمَامَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الرُّكُوعِ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ لِقَوْلِهِ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ الرَّبِيعُ، (240، وَالْبُخَارِيُّ، (657، وَمُسْلِمٌ،
ر 948]
ر (1/207)
صفحة 208
كتاب
الوضع
[شُرُوطُ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ]
ولاَ يَنْبَغِي أَنْ يَؤُمَ بِالْقَوْمِ إِلَّا مَنْ جَمَعَ أَرْبَعًا؛ أَحَدُهَا: عِلْمُ السُّنَنِ وَالْفِقْهِ، وَالثَّانِيَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ لَحْنٍ، وَالثَّالِثَةُ: تَرْكُ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وصغيرها، وَالرَّابِعَةُ: الْوَرَعُ عَنْ جَمِيعِ الشُّبُهَاتِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ سَرَّكَمْ أَنْ تُرَكُوا صَلَاتَكُمْ فَقَدِّمُوا خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَقُدُكُمْ إِلَى ربِّكُمْ (الربيع، (781، والطَّبَرَانِيُّ في الكبير، (777]. وَعَنْهُ وَ أَنَّهُ قَالَ: يَؤُمُ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَأَكْبَرُهُمْ سِنًا، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَأَفْضَلُهُمْ وَرَعًا" [الرَّبِيعِ،
209، ومُسلِم، (1564].
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ فَأَصْبَحُهُمْ وَجْهَا. وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ عَشَرَةٍ؛ أَحَدُهُمْ: الْمُقْعَدُ، وَالثَّانِي: الْعُرْيَانُ، وَالثَّالِثُ: السَّكْرَانُ، وَالرَّابِعُ: الْمُجْنِبُ، وَالْخَامِسَ: كُلُّ مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ لَا تصحُ مَعَهَا الصَّلَاةُ وَالسَّادِسُ: الْمَجْنُونُ، وَالسَّابِعُ: الْأَخْرَسُ، وَالنَّامِنُ: الأَقْلَفُ الْبَالِعُ، وَالتَّاسِعُ: الطِّفْلُ، وَالْعَاشِرُ: الْمَرْأَةُ (1).
??
وعلى الإِمَامِ عَشْرُ خِصَالٍ؛ إِحْدَاهَا: انْتِظَارُ الْقَوْمِ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَتَهَيَّنُوا
(1) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ لاَ تَصِحُ إِلا بِالنِّسَاءِ فِي النَّوَافِلِ، كَمَا قَالَ في يضاح: وكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُصَلِّي بِالنِّسَاءِ النَّوَافِلَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَمْ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأم سَلَمَةَ: هَلَا صَلَّيْتِ بِالنِّسَاءِ؟ قَالَتْ: أَيَصِحُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَكُنَّ عَنْ يَمِينِكِ وَشِمَالِكِ لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ الظُّرْ: الشماخي: الإيضاح 540/ 1]. (1/208)
صفحة 209
كتاب
209
الوضع
لِلصَّلاةِ، الثَّانِيَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ لِئَلا يُلْبِسَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَالنَّالِتَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِتَرْتِيلِ مِنْ غَيْرِ لَحْنٍ، وَالرَّابِعَةُ: إِثْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ)، وَالْخَامِسَةُ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالصَّعِيفِ، وَالسَّادِسَةُ: التَّخْفِيفُ مِنْ غَيْرِ سَرِقَةٍ (2) وَلَا نُقْصَانٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالسَّابِعَةُ: أَنْ يَسْمَلَ بِدُعَائِهِ الْمَأْمُومِينَ وَرَاءَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالثَّامِنَةُ: أَنْ يَؤُمَّهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا لا لِطَلَبِ شَرَفٍ وَلَا غَرَضِ مِنَ الدُّنْيَا، وَالتَّاسِعَةُ: تَرْكُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بِإِمَامَتِهِ، وَالْعَاشِرَةُ: تَرْكُ الْكِبْرِ وَالامْتِنَانِ عَلَى مَنْ يُصَلِّي وَرَاءَهُ.
ما على المصلي قبل الدخول في الصلاة وبعده]
وَعَلَى الْمَأْمُومِ عَشْرُ خِصَالِ، وَبِهَا كَمَالُ صَلَاتِهِ إِحْدَاهَا: تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "سَرُّوا صُفُوفَكُمْ، وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُقَدَّمُ [أَحْمَدَ، (8409، والبيهقي، (2098)، وَقَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسَ مَا فِي النَّدَاءِ وَالصَّفْ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَتَسَاهَمُوا عَلَيْهِمَا لَتَسَاهَمُوا" [الرَّبيع، (292، والْبُخَارِيِّ، (590]. وَالثَّانِيَةُ: تَرْكُ الاخْتِلافِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَخْتَلِفُوا فَيُخَالِفُ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [أبو دَاوُد، (664، والنَّسَائِي، 881]. وَالثَّالِثَةُ: سَدُّ الْخَلَلِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:
(1) الْمَشَقَّةُ: التَّكَلِّفُ فِي الرُّكُوعِ بِسَبَبٍ مَانِعَ فِي ظَهْرِهِ مَثَلًا، وَفِي السُّجُودِ كَذَلِكَ فِي رُكْبَتَيْهِ مَثَلاً، فَإِنَّ اسْتِغَالَهُ بِمُحَاوَلَةِ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ فِي مَشَفَةٍ يَجْعَلُهُ فِي شُغْلِ عَنِ الصَّلَاةِ وَلَا سيمَا الْخُشُوع (2) السَّرِقَةُ فِي الصَّلَوَاتِ: عَدَمُ إِثْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ وَأَدَاءِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ اخْتِطَافِ، فَقَدْ صَحَ عَنْهُ: أَسْوأُ النَّاسِ سَرِقَةُ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ لَا يُتِمُّ
ركوعها ولا سُجُودَهَا وَلَا خُشُوعَهَا الْبَيْهَقِيُّ: شُعَبُ الإِيمَان، (3115). (1/209)
صفحة 210
كتاب
210
الوضع
ر
رُضُوا بَيْنَ صُفُوفِكُمْ لِئَلاً يَتَخَلَّلَكُمُ الشَّيْطَانُ [أبو دَاوُد، (667، وَالطَّبَرَانِي فِي الصغير، (330]. وَالرَّابِعَةُ: تَوْسِيطُ الإِمَامِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "وَسَطُوا الإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَل" أبو داود، ر 681، والبيهقي، (4984]. وَالْخَامِسَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بتكبيرة الإحرام؛ لأَنَّ ذَلِكَ يُرْغِمُ الشَّيْطَانَ. وَالسَّادِسَةُ: اقْتِفَاءُ الإِمَام فِي الأقوال والأفعال (1)؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا سَبَقَ تَحْرِيجُهُ. وَالسَّابِعَةُ: الإنصات (2) وَالاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الإِمَامِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا الْبَقَرَة: 204) وَالثَّامِنَةُ: تَنْبِيهُ الإِمَامِ إِذَا نَعَسَ، وَتَلْقِينُهُ إِذَا حُصر لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَعَلَ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ،
(Y),
(3)
(1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: وَمَنْ سَبَقَ الإِمَامَ مُتَعَمِّدًا فِي التَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُما بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ رَجَعَ إِلَى الْحَدُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ لِيَكُونَ مُتَّبِعًا للإمام، وَقَالَ بَعْضُ: يُمْسِكُ مَكَانَهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ الإِمَامُ، وَذَلِكَ عِنْدِي؛ لأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَلَمْ يَتَعمَّد، فَيُمْسِكُ مَكَانَهُ لِئَلَّا يَزِيدَ فِي صَلَاتِهِ، وَإِنِ اصْطَحَبَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ وَكَانَ يَرْكَعُ. وَيَسْجُدُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ اللي: الإِمَامُ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَسْجُدُ قَبْلَكُمْ مُسلِم، (931، وأَبو دَاوُد، (974]. وَقَالَ بَعْضُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْبِقُهُ، وَإِنَّمَا فَاتَهُ أَجْرُ الْجَمَاعَةِ ... إلخ. [انْظُرُ: السَّماخِي: الإيضاح 570/ 1]، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ. [انْظُرْ الْجِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسْلامِ، 309/ 1]. (2) الإِنْصَاتُ: الاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الإِمَامِ، وَعِنْدَنَا الإِنْصَاتُ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ فِي الْجَهْرِ لأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُخْتَصُّ بِهَا الإِمَامُ، وَأَمَّا الْفَاتِحَةُ فَعَلَى كُلٌّ مِنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
(3) الْحَصْرُ: الْحَبْسَ بِأَنْ يُحْبَسَ لِسَانُهُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ أَنْ تَغِيبَ عَنْهُ الآيَةُ. (4) تَسْبيح: أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللهِ، وَقَدْ يُنَبَّهُ بِالْقُرْآنِ، كَأَنْ يَجْلِسَ حَيْثُ يَقُومُ فَيُنَبَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وقوموا لله قانتين) (الْبَقَرَة: 238) أو العكس، فيُنَبِّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَقْعُدُوا مَعَ
القاعدين كم (التوبة: (46) وهكذا. (1/210)
صفحة 211
كتاب
الوضع
وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ؛ [البخاري، (1145، ومسلم، (982] وَذَلِكَ لتنبيه الإمام. وَالتَّاسِعَةُ: التَّأْمِينُ لِدُعَاءِ الإِمَامِ (1) وَالْعَاشِرَةُ: التَّزَحْرُحُ لِلإِمَامِ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى
الأمام.
(1) دعاء الإِمَامِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ (1/211)
صفحة 212
[صفحة فارغة] (1/212)
صفحة 213
فَصْلٌ [شُرُوطُ الصَّلَاةِ]
اعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ الصَّلَاةِ كَثِيرَةٌ لاَ تَنْحَصِرُ، وَكِتَابُنَا هَذَا لَا يَحْتَمِلُ الإِسْهَابَ وَالإِطْنَابَ، وَلَكِنْ لاَ بُدَّ لِلْمُصَلِّي مِنْ عِشْرِينَ خَصْلَةٌ، وَبِهَا تَتِمُّ صلاتُهُ، عَشْرٌ مِنْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَشْرُ بَعْدَ الدُّخُولِ.
العشرة التي قبل الدخول في الصلاة]
أَمَّا الْعَشَرَةُ الَّتِي قَبْلَ الدُّخُولِ:
فَإِحْدَاهَا: دُخُولُ الْوَقْتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَوَة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كتبا موقوت (1) (النِّسَاء: (103) وَدُخُولُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ يَكُونُ بِأَربَعَةِ أشياء: اثْنَانِ لِلشَّمْسِ، وَاثْنَانِ لِلشَّفَقِ، فَاللَّذَانِ لِلشَّمْسِ: زَوَالُهَا لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (2)، وَغُرُوبُهَا لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وأَمَّا اللَّذَانِ لِلشَّفَقِ: فَغُرُوبُ الشَّفَقِ
(1) كِتَابًا: أَيْ فَرْضًا مَوْقُوتًا: مَحْدُودًا بوقتِ، لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقتُهَا عَلَى مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} (الروم: 17). (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: أَمَّا زَوَالُهَا لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَكَذَلِكَ، أَمَّا الْعَصْرُ فَيَعْنِي بِهِ ضَبْطَ حِسَابِ الأَقْدَامِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الظُّلُ عِنْدَ الزَّوَالِ؛ إِذَا امْتَدَّ الْفَيْءُ سَبْعَةَ أَقْدَامِ أَيَ
مقْدَارَ صَاحِبِ الظَّلِّ، فَذَلِكَ نِهَايَةٌ وَقْتِ الظُّهْرِ وَبِدَايَةُ وَقْتِ الْعَصْرِ. (1/213)
صفحة 214
كتاب
214
الوضع
الأَوَّلِ (1) لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَطُلُوعُ الشَّفَقِ الثَّانِي لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. وَالثَّانِيَةُ: الطَّهَارَةُ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: طَهَارَةِ الْبَدَنِ، وَطَهَارَةِ النيابِ، وَطَهَارَةِ الْمُفْعَةِ، وَطَهَارَةِ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا مِنَ الآثَامِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى الطَهَارَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَعَرَ اللهِ الْمُدَّكِّر 04) وَقَوْلُهُ: وَإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} (الْمَائِدَة: 06).
(Y),
وَالثَّالِثَةُ: الْعِلْمُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كثيرٍ في جَهْلٍ. وَيَنْقَسِمُ الْعِلْمُ عَلَى أَربَعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِفَرْضِ الصَّلاةِ، وَالثَّانِي: الْعِلْمُ بِأَيِّ صَلَاةٍ يُصَلِّي وَالثَّالِثُ: الْعِلْمُ بِأَفْعَالِهَا وَأَرْكَانِهَا الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ، وَالرَّابِعُ: الْعِلْمُ بِمَا يُتَّقَى فِيهَا وَيُجْتَنَبُ مِمَّا يَنْقُضُ الصَّلَاةَ.
وَالرَّابِعَةُ: اللُّبَاسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَنبَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ
(الأعراف: (31) يَعْنِي لِبَاسَكُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فِي بَعْضِ أَقْوَالِ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وَفِي اللُّبَاسِ أَرْبَعُ خِصَال؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ حَلالاً، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنْ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ مِثْلَ الْحَرِيرِ وَالإِبْرَيْسَم (3)،
(1) الشَّفَقُ الأَوَّلُ: هُوَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ، وَالشَّفَقُ الثَّانِي: هُوَ الشَّفَقُ الأَبْيَضُ. (2) (لَمْ نَجِدهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرُوِيَ بِلَفْظِ: عَمَل قَلِيلٌ فِي سَنَةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ. عَبْدُ الرَّزَّاقِ، (20568، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَب، (9523]. (3) الْحَرِيرُ حَرَامٌ مُطلَقًا عَلَى الرَّجُلِ؛ لأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَ التَّخَتُثِ؛ وَالْمُتَخَنِّتُ مَلْعُونَ، وَهُوَ الرَّجُلُ الْمُتَشَبِّهُ بِالْمَرْأَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ لِمُدَاوَاةٍ؛ كَمَا أَبَاحَ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنْ يَلْبَسَ قَمِيصًا مِنْ حريرٍ لِتَقَمُّلٍ فِيهِ الْبُخَارِي، (2762، وَمُسلِم، (5550]. وَالإِبْرَيْسَمُ: ضَرْبٌ مِنَ الْحَرِيرِ. (1/214)
صفحة 215
كتاب
215
الوضع
والذَّهَب (1) وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا للسنة؛ لأنه نَهَى عَنْ لِبَاسِ السَّدْلِ (2) (أبو داود، (643، والترمذي، (378]
(?) (r) ==
وَاشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ الربيع، ر 270، وَالْبُخَارِيِّ، (360].
وَالْخَامِسَةُ: الْقِيَامُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (الْبَقَرَة 238).
(1) وَالذَّهَبُ حَرَامٌ لِعِلَّةِ الْحَرِيرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ قِطْعَةٌ مِنْ حَرِيرٍ وَقِطْعَةٌ مِنْ ذَهَب فَقَالَ: هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى رِجَالِ أُمَّتِي حَلَالان لِنسَائِهِمْ [الربيع، ر 471]، فَإِنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيم وَاضِحَةٌ، وَهِيَ اخْتِصَاصُهُمَا بِالنِّسَاءِ، وَاسْتِعْمَالُ الرَّجُلِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِنَّ تَخَنُّتْ، فَافَهُمْ وَإِنِ اتَّخَذَ الرَّجُلُ الذَّهَبَ لِعِلَّةٍ مُبِيحَةٍ جَازَ، كَأَتِّخَاذِ الْأَسْنَانِ مِنْ ذَهَبَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا أَجَازَ صلى الله عليه وسلم لِعَرْفجَةَ اتَّخَاذَ أَنْفِ مِنْ ذَهَب أَبُو دَاوُد، ر 4234، والترمذي، (1770]، وَقَدْ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ الثَّانِي، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَنَتِنَ. وَيَوْمُ الْكُلَابِ بِالضَّمِّ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ. (2) السَّدْلُ: أَنْ يُرَخَيَ إِزَارَهُ مِنْ عَلَى رَأْسِهِ؛ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، كَذَا فِي الْقَوَاعِدِ [قواعد الإسلام، 245/ 1] وَلَهُ هَيْئَاتُ أُخْرَى.
(3) اسْتِمَالِ الصَّمَّاءِ كَمَا ذُكِرَ عَنِ الإِمَامِ الْحَافِظِ الرَّبِيعِ - وَهُوَ أَقْرَبُ عَهْدٍ إِلَى النُّبُوَّةِ - أَنْ يَرْمِي بِأَطْرَافِ إِزارِهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَر وتبقى مكشوفَةٌ عَوْرَتُهُ، وَلِلسِّدْلِ وَاسْتِمَالِ الصَّمَّاء صفات أُخرَى الْمُرَادُ بِهَا كُلَّهَا سَد الذريعَةِ، لِئَلاً تَنكَشِفَ عَوْرَتُهُ، فَكُلْ لِبَاسِ تَبْدُو بِهِ الْعَوْرَةُ فِي الصَّلاةِ، وَلَوْ بِرَقِّتِهِ أَوْ شَدَّتِهِ، تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ. (4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهِيَ أَنْ يَحْتَبِيَ الإِنْسَانُ بِثَوْبِهِ وَلَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ يء؛ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعَنْ لُبْسِ السَّدْلِ؛ وَهُوَ أَنْ يُرْخِي إِزَارَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا يَجْمَعُ طَرَفَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ سَدُّ ذَريعَةٍ لِئَلا تَنكَشَفَ عَوْرَتُهُ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى بِبَعْضٍ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ إِنْ لَمْ تَنكَشِفَ عَوْرَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (انظر: الْجِيطَالِي: قوَاعِدُ الإِسلام، 245/ 1] وَقَالَ فِي الإِيضاح: وَاسْتِمَالُ الصَّمَّاءِ هُوَ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ توبه في الصَّلاةِ وَيَشُدَّهُ عَلَى يَدَيْهِ وَبَدَنِهِ وَلَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا وَيُصِيرُ مُتَجَلَّلاً لَهُ، حَتَّى لا يَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَصلَ بِأَعْضَائِهِ كُلِّهَا إِلَى الْأَرْضِ انْظُرُ: الشماخي: الإيضاح 423/ 1]. (1/215)
صفحة 216
كتاب
216
الوضع
وَفِي الْقِيَامِ أَرْبَعُ خِصَالٍ؛ أَحَدُهَا: الانْتِصَابٌ مُعْتَدِلاً مِنْ انْحِرَافِ وَالثَّانِيَةُ: تَرْكُ الْالْتِفَاتِ. وَالثَّالِثَةُ: رَدُّ الْبَصَرِ إِلى مَوْضِعِ السُّجُودِ
(2) و (3) (4) وَالرَّابِعَةُ: تَرْكُ التَّقَمُّحِ وَالتَّذبح في قِيَامِهِ.
(1)
وَالسَّادِسَةُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ) (البقرة: 144)؛ أَي نَحْوَهُ وَتِلْقَاءَهُ. وَفِي الاسْتِقْبَالِ أَرْبَعُ خِصَالٍ؛ أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِفَرْضِ الاسْتِقْبَالِ لِلْكَعْبَةِ وَالثَّانِيَةُ: الاسْتِقْبَالُ بِالْوَجْهِ وَالْقَلْب نَحْوِهَا بِالنِّيَّةِ) وَالثَّالِثَةُ: التَّوَاضِعُ وَالْخُشُوعُ بِجَوَارِحِهِ كُلِّهَا. وَالرَّابِعَةُ: الْعِلْمُ
(1) رَدُّ الْبَصَرِ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ مِنْ مَعَانِي الْخُشُوع. (2) التَّقَمُّحُ: رَفَعُ الرَّأْسِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الركوع أو السُّجُودِ مَعَ غَضَ الْبَصَرِ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عنْهُ فِي الْحَدِيث لَمْ نَجِدْ هَذَا الْحَدِيث.
(3) وَالتَّذْبَحُ: خَفْ الرَّأْسَ عَنْ مُسْتَوَى الظهر. فَيَكُونُ الظَّهْرُ مُقَيِّبًا، وَيَبْدُو هَذَا عَكس التَّقَمُّحِ، وَمَنْ لَا يُقِيمُ صَلْبَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلاَ صَلَاةَ لَهُ، كَمَا صَحَ فِي الْحَدِيثِ لَمْ نَجِدْ هَذَا الْحَدِيث.
(4) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: هُوَ رَفْعُ الرَّأْسِ، قَالَ فِي الصَّحَاحِ: وقَمَحَ الْبَعِيرُ بالْفَتْحِ قُمُوحًا، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْحَوْضِ وَامْتَنَعَ مِنَ السُّرْبِ فَهُوَ بَعِيرٌ قَامِحٌ، وَالْجَمْعُ قمح، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالإِثْمَاحُ رَفْعُ الرَّأْسِ وَغَضِ الْبَصَرِ إِلَخ، [الْجَوْهَرِيُّ: الصَّحَاحُ فِي اللغة 397/ 2]، وَالتَّذَبِّحُ الْمُنَاسِبُ لِمَا فِي الصَّحَاحِ التَّدْبِيحُ، وَهُوَ بِالْحَاءِ وَالْخَاءِ؛ رَفْعُ الظَّهْرِ وَخَفْضُ الرَّأْسِ، قَالَ فِيهِ: ذَبَّحَ الرَّجُلُ تَذبيحًا؛ إِذَا قَبَّبَ ظَهْرَهُ وَطَاطَا رَأْسَهُ، بالْخَاءِ وَالْحَاءِ جَمِيعاً. [الْجَوْهَرِيُّ: الصَّحَاحُ فِي اللُّغَةِ 140/ 2]، قَولُهُ: "فِي قِيَامِهِ"، أَقُولُ كَذَلِكَ فِي رَكُوعِهِ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ التَّدْبِيحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ كَثِيرًا فِي الرُّكُوعِ وكَذَلِكَ التَّقَمُّحُ إِنَّمَا يَظْهَرُ كَثِيرًا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ ص 299]. (5) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: أَقُولُ: الاستقبالُ بِالْوَجْهِ وَالْقَصْدُ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، أَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقَلْبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَحْوَ رَبِّ الْبَيْتِ، وَإِنِي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأَنْعَام 79). (1/216)
صفحة 217
كتاب
217
الوضع
بِأَنَّ الْكَعْبَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي مَكَّةَ، وَمَكةَ فِي الْحَرَمِ. وَالسَّابِعَةُ: النِّيَّةُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) البينة: (05)؛ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى [الربيع، را، وَالْبُخَارِي، را]. وَالنِّيَّةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهِ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَ بِفِعْلِهِ الصَّلاةَ أَدَاءَ الْفَرِيضَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِهَا الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَ فِي امْثَالِ مَا أَمَرَ بِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْصِدَ بِصَلَاتِهِ الْقُرْبَةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالرَّابِعُ: دَفْعُ الْوَسْوَاسِ وَالشَّوَاغِلِ عَنْ قَلْبِهِ.
وَالثَّامِنَةُ: مَكَانُ الصَّلاَةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضِ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا" الربيع، (167، وَالْبُخَارِيُّ، (328]. وَتَمَامُ الْمَكَانِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءِ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لأَنَّ النَّبِيِّ نَهَى عَن الصَّلاَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْمَرْبَلَةِ (1) وَالْمَجْزَرَةِ (2) وَمَعَاطِنِ الإِبل ()
(4)
وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ الرَّبيع، 293، وَالتَّرْمِذِي، (346]. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ متمكنا لِلْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ مُبَاحًا لِلْمُصَلِّي
غَيْرَ مَمْنُوعٍ وَلَا مَعْصُوبٍ).
(1) الْمَرْبلَةُ: مَكَانُ الْأَوْسَاحَ وَالْقَاذُورَاتِ. (2) الْمَجْزَرَةُ: مَكَانُ الذَّبْح.
(3) معَاطِنُ الإِيلِ: مَبَارِكُهَا وَمَبِيتُهَا.
?
(4) قَارِعَةِ الطَّرِيقِ مَمَرَّ النَّاسِ يُعَطِّلُ الْمُرُورَ، وَيُشْغَلُ بِمُرُورِ النَّاسِ عَنْ عِبَادَتِهِ
(5) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يُجِيرُوهَا لِلْغَاصِب دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذَا مَعْقُول؛ لأنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَنَا فِي الانْتِفَاعِ بِالْبُيُوتِ غَيْرِ الْمَسْكُونَةِ بِبَعْضِ الْمَتَاعِ، وَاعْتَبَرُوا الصَّلاةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَتَاعِ الَّذِي لَا جُنَاحَ عَلَيْنَا فِيهِ. (1/217)
صفحة 218
كتاب
218
الوضع
وَالتَّاسِعَةُ: التَّوْجِيهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَبْحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ الطُّور: 48) وَتَمَامُ التَّوْجِيهِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَظُنُّهَا آخَرَ صَلَاتِهِ (1). وَالثَّانِي: أَنْ يَرْجُو ثَوَابَ اللَّهِ عَلَى تَمَامِهَا، وَتَوَابُهُ الْجَنَّةُ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى تَضيع شَيْءٍ مِنْهَا، وَعِقَابُهُ النَّارُ فِي الآخِرَةِ وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ
وَالْعَاشِرَةُ: التَّكْبِيرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبِّكَ فَكَر (الْمُدثر: 03) وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (الربيع، (220، وَأَبُو داود، (61). وتَمَامُ التَّكْبِيرِ فِي أَربَعَةِ أَشياء؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَ بِالتَّكْبِيرِ تَعْظِيم اللهِ تَعَالَى وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِي بِهِ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الأَسْغَالَ كُلَّهَا، إِلا مَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيت تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ.
والرابع: أنْ يُكَبُرَ تَكْبِيرًا جَرَمًا لَا لَحْنَ فِيهِ.
العشرة التي بعد الدخول في الصلاة]
وَأَمَّا الْعَشَرَةُ الَّتِي بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَأَحَدُهَا: الاسْتِعَاذَةُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْمانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ (2) (النَّحْل: 98).
(1) آخِرَ صَلاتِهِ: أَي مِنَ الدُّنْيا، فيكونُ قادِمَا عَلَى رَبِّهِ بِعِبَادَةِ وَافِيَةٍ، وَكَمْ مِنْ أُناسٍ فَاضَتْ أَزْوَاجُهُمْ فِي الصَّلَاةِ. (2) عَلَّق الشيخ النَّاصِرُ: وَقَدْ جَعَلَ الاسْتِعَاذَةَ فِي الْخِصَالِ الَّتِي قَبْلَ الدُّخُولِ مَقْرُونَةٌ بالتَّوْجِيهِ، وَذَكَرَهَا فِي الْعَشْرِ الَّتِي بَعْدَ الدُّخُول فِيهَا، وَذَلِكَ لأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ اسْتَحَب الاستعاذة قبل الإحْرَام كَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَبَعْضَهُمُ اسْتَحَبُّ قِرَاءَتَهَا بَعْدَ الإِحْرَامِ وَقَبْلَ
الْقِرَاءَةِ، إِلا أَنَّهُ يَجِبُ إِعْجَامُ ذَالِهَا وَيَجِبُ الإِسْرَارُ بِهَا فِي السِّرُ وَالْجَهْرِ. (1/218)
صفحة 219
كتاب
219
الوضع
وتَمَامُ الاسْتِعَاذَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
فأحدها: الإِسْرَارُ بِهَا فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَالْجَهْرِ جَمِيعًا، وَالثَّانِي: إِعْجَامُ الدَّالِ مِنْ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَالثَّالِثُ: الاسْتِعَاذَةُ كَمَا جَاءَ فِي نَصُ الْكِتَابِ (1): أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ.
وَالثَّانِيَةُ: الْبَسْمَلَةُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلاةِ حَتَّى مَاتَ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ حَتَّى مَاتَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ (2). وَتَمَامُ الْبَسْمَلَةِ فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: قِرَاءَتُهَا سِرًّا مَعَ
صَلاةِ السِّرِّ، وَقِرَاءَتُهَا جَهْرًا مَعَ صَلَاةِ الْجَهْرِ. وَالثَّانِي: قِرَاءَتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ
سُورَةٍ غَيْر سُورَةِ التَّوْبَةِ. وَالثَّالِثُ: تَرْكُ اللَّحْنِ فِي قِرَاءَتِهَا.
(3) 4
وَالثَّالِثَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالاسْتِعَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْرَهُ وَأَمَا يسَرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (الْمُزَّمِّل: (20)، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَصَاعِدًا" [أبو داود، (822، والنَّسَائِي، (911]. وَتَمَامُ الْقِرَاءَةِ فِي ثَلَاثَةِ أشياء؛ أَحَدُهَا: تَرْتِيلُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ لَحْنٍ وَالثَّانِي: الإِسْرَارُ فِي مَوْضِعِ السِّرِّ، وَالإِجْهَارُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ. وَالثَّالِثُ: التَّفَكَّرُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ.
(1) نَصُ الْكِتَابِ: أي الاسْتِعَاذَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، لَا نَص الاسْتِعَادَةِ
فِي الْكِتَابِ. (2) [لَمْ نَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرُوِيَ بِلَفْظِ: "أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزَلْ يَجْهَرُ فِي السُّورَتَيْنِ بـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى قُبِضَ، الدارقطني، (1175).
(3) الْبَسْمَلَهُ عِنْدَنَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ. (1/219)
صفحة 220
كتاب
220
الوضع
والرابعةُ: الرُّكُوعُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَارْكَمُوا مَعَ الرَّكِمِينَ} (الْبَقَرَة 43). وتَمَامُ الرُّكُوعِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا: أَنْ يَرْكَعَ رُكُوعًا مُسْتَوِيًا حَتَّى يَطْمَئِنَّ وَالثَّانِي: وَضعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَعَ تَفْرِيقِ الأَصابع. وَالثَّالِثُ:
التَّعْظِيمُ ثَلَاثًا مَعَ تَجَافِي الْعَصْدَيْنِ عَنِ الْجَنْبَيْنِ
وَالْخَامِسَةُ: السُّجُودُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاسْجُدُوا وَتَمَامُ السُّجُودِ فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: وَضعُ الْيَدَيْنِ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالثَّانِي: السُّجُودُ عَلَى سَبْعَةِ آرَابِ وَهِيَ الْجَبْهَةُ، وَالْيَدَانِ، وَالرُّكْبَتَانِ، وَالْقَدَمَانِ. وَالثَّالِثُ: التَّسْبِيحُ ثَلَاثًا مَعَ تَجَافِي الْعَصْدَيْنِ عَنِ الْجَنْبَيْنِ
وَالسَّادِسَةُ: الْقُعُودُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ وَقَعَدْتَ ابْنُ مَاجَهْ، (896، وَابْنُ حَيَّانَ، 1787]. وَتَمَامُ الْقُعُودِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: افْتِرَاسُ الْقَدَمَيْنِ، وَالثَّانِي: الْقُعُودُ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، وَالثَّالِثُ: وَضَعُ بَنَانِ الْيُمْنَى فِي أَحْمَصِ الْيُسْرَى.
وَالسَّابِعَةُ: قِرَاءَةُ التَّحِيَّاتِ، وَتَمَامُ التَّحِيَّاتِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: تَرْكُ اللَّحْنِ فِي قِرَاءَتِهَا، وَالثَّانِي: تَرْكُ الزَّيَادَةِ فِيهَا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَالثَّالِثُ: تَرْكُ النُّقْصَانِ عَمَّا جَاءَتْ بهِ السُّنَّةُ فِيهَا (1).
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَاخْتَلَفَ الْمَسَائِحُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ التَّحِيَّاتِ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجُوزُ الأَخذ بِأَيْهَا شِئْنَا؛ فَإِنَّهُ يُجْزِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ كَاخْتِلافِهِمْ فِي الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَعنى التَّحِيَّاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْمُلْكُ وَالْبَقَاءُ، وَالاقْتِصَارُ فِي التَّشَهُدِ الأَوَّلِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا فِي التَّشَهُدِ الأَخِيرِ فَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ ثُمَّ لِيُسَلَّمْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الربيع، ر 505، وَالْبُخَارِي، (3189، وَمُسلِم، (934]. (1/220)
صفحة 221
كتاب
221
الوضع
وَالثَّامِنَةُ: التَّسْلِيمُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَحْلِيلُهَا التَسْلِيم سَبَقَ تَخْرِيجُه)، وَتَمَامُ التَّسْلِيم فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: التَّصْفِيحُ بِالْوَجْهِ يَمِينًا وشِمَالاً، وَالثَّانِي: اللَّفْظُ بِالْكَلِمَتَيْنِ وَهُمَا: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ، وَالثَّالِثُ: الْقَصْدُ بِالسَّلَامِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: يَقْصِدُ بِهِ الْحَفَظَةَ.
وَالتَّاسِعَةُ: الإِخلاص؛ لِقَوْلِهِ اللَّه تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (الْبَيِّنَة: (05). وتَمَامُ الإخلاص فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: قَصْدُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي: طَلَبُ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّالِثُ: تَرْكُ الرِّيَاءِ والطَّمَعِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ
وَالْعَاشِرَةُ: الانْتِصَابُ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فإذا فرغتَ فَأَنصَبْ السَّرْح: (وَالدُّعَاءُ لَا يُجَابُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ سُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَطْعَمُ الدَّاعِي وَمَشْرَبُهُ حَلَالاً، وَالثَّانِي: تَرَكُ الإِسْرَافِ وَتَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي الدُّعَاءِ (1)، وَالثَّالِثُ: إخلاص النَّيَّةِ وَتَرْكُ الغَفْلَةِ فِي حَالِ
الدعاء.
(1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَذَلِكَ كَالإِسْهَابِ فِيهِ، وَتَكَلُّفِ الأَسْجَاعِ وَالتَّعَنِّي بِهِ، وَطَلَبِ مَا يُخَالِفُ سُنَنَ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ، كَأَنْ يَطْلُبَ الانْتِقَالَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ مَوْتِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ نَبِينًا بَعْدَ أَنْ خُتِمَتِ النُّبُوءَةُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا اعْتِدَاء، وَمِنَ الاعْتِدَاءِ التَّوَسُلُ بِمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ نَبينًا، أَمَّا التَّوَسُلُ بدَعَوَاتِ الصَّالِحِينَ الأَحْيَاءِ فَقَدْ صَحَ فِي الأَثر مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطاب له في الاسْتِقَاء قَالَ: اللَّهُمَّ أَنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِينِكَ وَالْيَوْمَ نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمْ نَبِيكَ الْعَبَّاسِ، فَدَعَا الْعَبَّاسُ مَنْ فَسُقُوا الْبُخَارِيِّ، (964، وَابْنُ حَيَّانَ، (2861) وَالتَّوَسُّلُ يَكُونُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، رَبَّنَا = (1/221)
صفحة 222
كتاب
222
الوضع
عشر خصال لا يستجاب الدعاء معها]
وَيُحكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا لَنَا نَدْعُو اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَنَا؟ فَقَالَ: لِعَشْرِ خِصَالِ كَانَتْ فِيكُمْ أَوَّلُهَا: عَرَفْتُمُ اللَّهَ فَلَمْ تُطِيعُوهُ، وَعَرَفْتُم الرَّسُولَ فَلَمْ تَتَّبِعُوا سُنتَهُ، وَعَرَفْتُمُ الْقُرْآنَ فَلَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَأَكَلْتُمْ نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ تُؤَدُّوا سُكْرَهَا، وَعَرَفْتُمُ الْجَنَّةَ فَلَمْ تَطْلُبُوهَا، وَعَرَفْتُمُ النَّارَ فَلَمْ تَهْرَبُوا مِنْهَا، وَعَرَفْتُمُ الشَّيْطَانَ فَلَمْ تُحَارِبُوهُ وَوَافَقَتُمُوهُ، وَعَرَفْتُمُ الْمَوْتَ فَلَمْ تَسْتَعِدُوا لَهُ، وَدَفَتُمُ الأَمْوَات فَلَمْ تَعْتَبِرُوا بِهِمْ، وَالْعَاشِرَةُ تَرَكْتُمْ عُيُوبَكُمْ فَلَمْ تَسْتَغِلُوا بِهَا
وَاسْتَغَلْتُمْ بِعُيُوبِ النَّاسِ.
=
امَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ) (آل عِمْرَانَ: 53)، ولْيَدْعُ بِأَدْعِيَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ، كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلِ وَعَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. (1/222)
صفحة 223
:
فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْخُشُوع]
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ 02) اختَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى الْخُشُوعِ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: لَيْسَ الْخُشُوعُ بالركوع ولا بالسُّجُودِ، وَلَكِنَّهُ السُّكُونُ وَحُسْنُ الْهَيْئَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ سيرين: هُوَ أَنْ لَا تَرْفَعَ بَصَرَكَ عَنْ مَوْضِعِ سُجُودِكَ. وَقَالَ بَعْضُ: هُوَ جَمْعُ الْهَيْئَةِ لَهَا وَالإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهَا وَقَالَ بَعْضُ يَحْتَاجُ الْمُصَلِّي إِلَى أَربع خِصَالٍ حَتَّى يَكُونَ خَاشِعًا: إِعْظَامِ الْمَقَامِ، وَإِخْلَاصِ الْمَقَالِ، وَالْيَقِينِ النَّام، وَجَمْعِ الْهَيْئَةِ. وَقِيلَ: أَبْصَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَعْبَتُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ الْبَيْهَقِيُّ، (3365، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، (6787، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَوْقُوفًا].
وَنَظَرَ الْحَسَنُ إِلَى رَجُلٍ يَعْبَثُ بِالْحَصَا، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بِئْسَ الْخَاطِبُ أَنْتَ، تَخْطِبُ الْحُورَ وَأَنْتَ تَعْبَتُ بِالْحَصَا). وَقِيلَ لِخَلَفِ بْن أَيُّوبَ: أَيُؤذِيكَ الذُّبَابُ فِي الصَّلاةِ فَتَطْرُدُهُ؟ فَقَالَ:
(1) [أنظر: تفسير الكشاف 179/ 3، وإحياء علوم الدين 101/ 1 وينسب هذا القول إلى عمر بن العزيز، انظر: حلية الأولياء 287/ 5، 288]. (1/223)
صفحة 224
كتاب
224
الوضع
لا أُعَوِّدُ نَفْسِي شَيْئًا يُفْسِدُ عَلَيَّ صَلَاتِي، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَال: بَلَغَنِي أَنَّ الْفُسَّاقَ يَصْبِرُونَ عَلَى سِيَاطِ السُّلْطَانِ لِيُقَالَ فُلانٌ صَبُورٌ،
?
فَيَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ وَأَنَا قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي أَفَأَتَحَرَكَ لِذُبَابَةٍ).
وقِيلَ: عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ قَالَ لِأَهْلِهِ: تَحَدَّثُوا فَإِنِّي لَسْتُ أَسْمَعُكُمْ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمًا فِي جَامِعِ الْبَصْرَةِ، فَسَقَطَتْ نَاحِيَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِذَلِكَ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ صلاته (2)
وَيُرْوَى عَنْ حَاتِمٍ الأَصَمِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تُصَلِّي؟ فَقَالَ: إِذَا أَرَدْتُ الصَّلاةَ أسبعْتُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْمَوْضِعَ الَّذِي أُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ، فَأَقْعُدُ حَتَّى تجتمع جَوَارِحِي، ثُمَّ أَقُومُ فِي الْمُصَلَّى فَأَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَ حَاجِبَيَّ، وَالصَّرَاطَ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَالْجَنَّةَ عَلَى يَمِينِي، وَالنَّارَ عَنْ شِمَالِي، وَمَلَكَ الْمَوْتِ وَرَاءِي، وأظنها آخرَ صَلَاتِي، ثُمَّ أَقُومُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، فَأَكَبِّرُ تَكْبِيرًا بِتَحْقِيقِ، وأقْرَأْ قِرَاءَةٌ بِتَرْثِيلٍ، وَأَرْكَعُ رُكُوعًا بِتَوَاضُعُ، وَأَسْجُدُ سُجُودًا بِتَخَشُعُ، أَجْلِسُ عَلَى السَّمَامِ وَأَتَشَهدُ عَلَى الرَّجَاءِ، وَأَسَلِّمُ بِالسُّنَّةِ، وَأَتْبَعُهَا بِالإِخلاص،
ثُمَّ لَا أَدْرِي أَقْبَلَتْ مِنِّي أَمْ لَا (3)؟
(1) [انظر: إحياء علوم الدين، 151/ 1].
(2) [انظر: حلية الأولياء،291/ 2، وإحياء علوم الدين، 151/ 1].
(3) [انظر: إحياء علوم الدين، 151/ 1]. (1/224)
صفحة 225
ا
فَصْلٌ [الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ]
صَلَاةُ الْوِتْرِ: القول في فرضيتها ونسبتها]
وَأَمَّا صَلَاةُ السُّنَنِ: فَأَوَّلُهَا صَلَاةُ الْوِتْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا. فَقَالَ
(4) "
بَعْضُهُمْ: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ بَعْضُ: هِيَ واجبة (1)؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةٌ سَادِسَةً هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ (2) [سَبَقَ تَخْرِيجُهُ. وَالاعْتِمَادُ (3) عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا. وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ سَبْعُ رَكَعَاتٍ وَقَالَ بَعْضُ: خَمْس وَقَالَ بَعْضُ: ثَلَاثُ وَقَالَ
(1) مَذْهَبُ الإِمَامِ الْحَافِظِ الْحُجَّةِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا فَرْضَ، وَهُوَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ. لَكِنَّ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤكَدَةً قَالُوا: إِنَّمَا جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ سَادِسَةٌ فِي الثَّوَابِ وَعِظَمِ الْمَنْزِلَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ الحديث الربيع، (189، وَأَبُو دَاوُد، (1422]. وَقَوْلِهِ: مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ" الْحَدِيثِ الْبُخَارِي، ر 505، وَمُسلِم، ر 1554]، وَأَمْثَالِهِمَا.
(2) حُمُرِ النَّعَمِ: كَرَائِمِهَا، وَهُوَ مَثَلٌ فِي كُلِّ نَفِيسٍ. (3) الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْقَوْلُ بِتَأْكِيدِهَا، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا عِنْدَ بَعْضٍ أَصْحَابِنَا. (1/225)
صفحة 226
كتاب
226
الوضع
بَعْضُ: وَاحِدَةٌ. وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُنَا (1).
وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا قِرَاءَةُ ثَلَاثِ سُوَرٍ غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَإِنْ قَرَأَ فِيهَا بِآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَخَوَاتِمِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ الْقَدْرِ وَسُورَةِ الإِخلاص؛ فَذَلِكَ حَسَن (2) إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
صَلَاةُ الْجَنَازَةِ]
الصلاة على الميت وأحكامها
وَمِنَ السُّنَّةِ الصَّلَاةُ عَلَى الأَمْوَاتِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ أَجْزَأَ عَنِ الْبَاقِينَ؛ وَوَجَبَتْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: صَلُّوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سَبَقَ تَخْرِيجُهُ: وَتُصَلَّى بِالْجَمَاعَةِ وَبِالانْفِرَادِ، وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ (3)؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٌ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ (4) (الربيع، (208)، والبيهقي، (6623]، إِلا مَا اسْتَخَصُّوهُ
(1) الْقَوْلُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِلوثر لَيْسَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ، بَل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ أقل الوثرِ ثَلَاثُ رَكَعَاتِ، وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ إنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا تُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِوتْرِ الْعَاجِز، ولَعَلَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتَبَرَ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ وِتْرًا عِنْدَهُمْ؛ أَنَّهَا نُسْبَقُ بِرَكَعَتَيْنِ نَفَلا أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْس [مُسْلِم، (1754، وَأَبُو دَاوُد، ر 1340]. وَالْحَقُّ أَنَّ الْوُجُوبَ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي هِيَ الْوِتْرُ، أَمَّا الشَّفْعُ فَلَيْسَ بِوَاجِب (2) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْمَغْرِبِ (3) لِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ الرَّبِيعُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُقِرِّينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَاجِبَةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ [الربيع، (777]، الكفرُ هَذَا هُوَ كُفْرُ النِّعْمَةِ. وَفِي نُسْخَةٍ: فَمَنْ أَنْكَرَهَا". (4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: هَذَا هُوَ نَص الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُؤْذِنٌ بِعُمُومِ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ مُقِرِّ بِالتَّوْحِيدِ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَخَضُّوا مِنْ بَيْنِهِمُ الْبَاغِيَ وَالْقَاتِلُ لِلنَّفْسِ إِلَخ، وَذَلِكَ (1/226)
صفحة 227
كتاب
227
الوضع
مِنَ الْبَاغِي وَالْقَاتِلِ لِلنَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْقَاعِدِ عَلَى الْفِرَاشِ الْحَرَامِ، وَالْمَرْأَةِ الْعَاصِيَةِ لِزَوْجِهَا، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ إِلَّا إِنْ صحت تَوْبَتُهُمْ قَبْلَ مَمَاتِهِمْ (1). ويُصَلَّى عَلَى الْأَمْوَاتِ إِذَا اجْتَمَعُوا صَلَاةٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُكُورٌ وَإنَاتٌ وَعَبِيدٌ وَأَطْفَالَ؛ فَيُرَبِّبُونَهُمْ أَمَامَ الْمُصَلِّي عَلَيْهِمْ، يَجْعَلُونَ الأَفْضَلَ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالْمَفْضُولَ أَمَامَ الأَفْضَلِ، وَقِيلَ:
يُجْعَلُ الْمَفْضُولُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالْأَفْضَلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ.
وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلِيُّهُ إِذَا حَضَرَ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ، وَيَسْتَقْبِلُ الْمُصَلِّي مِنَ الْمَيِّتِ صَدْرَهُ إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلْيَسْتَقْبِل
رَأْسَهَا؛ وَهَكَذَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَسُرُوطُهَا فِي الْبُقْعَةِ وَاللَّبَاسِ كَشُرُوطِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ.
وكَيْفِيَّتُهَا أَنْ يُوَجِّهَ لَهَا كَتَوْجِيهِ الصَّلاةِ، وَقِيلَ: تَوْجِيهُهَا أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ
قياسًا مِنْهُمْ لِهَؤُلاء عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نقم عَلَى قَبْرِو) (التوبة (84)، ويَبْدُو أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَصْمَرُوا الشِّرْكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللهُ فِي حَاشِيَتِهِ [أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ أطفَيْ: تَعْلِيقَاتُهُ عَلَى كِتَابِ الْوَضع، 127]. ثُمَّ إِنَّ الأَمْرَ يَبْدُو أَنَّهُ مُوَجَّهُ لِلنَّبِيِّ خَاصَّةً، وَعَلَى فَرْضِ صِحَةِ الْقِيَاسِ يَتَوَجَّهُ النَّهْي بَعْدَ النَّبي صلى الله عليه وسلم لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْجَمَاعَةِ الْقَائِمَةِ مَقَامَهُ؛ حَيْثُ لاَ إِمَامَ، وَيَتَعَيَّنُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ حِينَئِذٍ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1) الْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى هَؤُلاَءِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم، فَالْمُرَادُ بِهَا الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ أَصْمَرُوا الشِّرْكَ وَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا شَاكَلَهُمْ (1/227)
صفحة 228
كتاب
228
الوضع
الْجَلِيلِ الْكَبِيرِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحَرَامِ، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سِرًّا، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَانِيَةً، ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سِرًّا، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَالِثَةً، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَبْدُكَ بْنُ عَبْدِكَ بْنُ أَمَتِكَ، وَنَحْنُ عَبِيدُكَ بَنُو عَبِيدِكَ بَنُو إِمَائِكَ، تَوَفَّيْتَهُ وَأَبْقَيْتَنَا بَعْدَهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَا بَعْدَهُ؛ آمِينَ يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ (1). ثُمَّ يُكَبِّرُ رَابِعَةً وَيُسَلَّم.
كذلك الصَّلَاةُ عَلَى عَامَّةِ الأَمْوَاتِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتِ؛ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتِ الربيع، (479، وَالْبُخَارِي، (1268]. وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلاً زَادَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرطًا (2) وَأَجْرًا وَذُخْرًا عِنْدَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ الْوَلَايَةِ تَرَحَمَ عَلَيْهِ، وَزَادَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُم اغْفِرْ لَهُ ذَنْبَهُ، وَوَسَعْ عَلَيْهِ لَحْدَهُ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَصْعِدْ رُوحَهُ مَعَ أرواح الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ أَبْدِلْ لَهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَقَرَارًا خَيْرًا مِنْ قَرَارِهِ،
وأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ. وَالْمَوْلُودُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا إِنْ وُلِدَ وَهُوَ حَيٍّ، وَإِنْ وُلِدَ مَيْتًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(1) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح بَعْدَ إِيرَادِ هَذَا الدُّعَاءِ وَأَدْعِيَةٍ أُخْرَى غَيْرِهِ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ عَلَى الْمَيِّتِ: هَذَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، إِنْ تَغْفِرْ لَهُ تَغْفِرْ لِفَقِيرِ، وَإِنْ تُؤَاخِذَهُ تُؤَاخِذَهُ بِكَبير، أَصْبَحَ مُفْتَقِرًا إِلَيْكَ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لَمْ نَجِدْ هَذَا النَّص). (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِنْدِيُّ: بَيَانُ الشرع، ص 141). [انظر: الشماخي: الإيضاح 760/ 1]. (2) الْفَرَطُ مَنْ يَتَقَدَّمُ الْقَوْمَ لِيَرْتَادَ لَهُمُ الْمَاء وَيُهَى لَهُمُ الدَّلاءَ وَالأَرْشِيَةَ الْجِبَالَ أَي:
يتقدمنا. (1/228)
صفحة 229
كتاب
229
الوضع
سنَّةُ الْفَجْرِ]
وَمِنَ السُّنَّةِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (مُسلِم، 1721، وَالتَّرْمِذِي، (416]، وَقِيلَ: عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُمَا فِي حَضَرٍ وَلَا فِي سَفَرٍ [أَحْمَد، ر 25301، وَأَبُو عَوَانَةَ، ر 2111]. وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْهُمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ الإِخلاص ثَلاثًا مُسلِم، (1723، وأَبو دَاوُد (1258]. ويُكْرَهُ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى تَأْكِيدِهِمَا أَنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِي لِصَلَاةِ الْفَجْرِ يُصَلِّيهِمَا مَعَ الْفَرِيضَةِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ؛ فَلْيُصَلِّهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ التَّرْمِذِي، (423، وَابْنُ مَاجَهْ، (1155].
وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَ النجوم) (الطُّور: 49)، يَعْنِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
[سنَّةُ الْمَغْرِبِ
وَمِنَ السُّنَّةِ رَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَهُمَا مُؤكَدَتَانِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَدْبَرَ السُّجُودِ قَالَ: رَكْعَتَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِب". وَعَنْ وَادْبَرَ النُّجُومِ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ" [التَّرْمِذِي، 3275، وَالْحَاكِم، 1198]. وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ. (1/229)
صفحة 230
كتاب
230
الوضع
قِيَامُ رَمَضَانَ]
وَمِنَ السُّنَّةِ قِيَامُ رَمَضَانِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ صَلَّى ثَمَانِ ركَعَاتٍ ابْنُ حِبَّانَ، (2409، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، (1070]، وَزَادَ أَبُو بَكْرٍ ثَمَان رَكَعَاتِ، وَزَادَ عُمَرُ ثَمَان رَكَعَاتٍ، فَجَمِيعُ الْقِيَام أَرْبَعُ وَعِشْرُونَ رَكْعَةً، وَاثْنَتَا عَشْرَةَ تَسْلِيمَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَربع، وَلأَبِي بَكْرٍ أَرْبَعُ، وَلِعُمَرَ أَرْبَعُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وَإِنَّمَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْقِيَام بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَتُصَلَّى بِالْجَمَاعَةِ وَبِالانْفِرَادِ، وَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ. وَإِنْ صَلَّوا الْعِشَاءَ وَالْقِيَامَ بِالْجَمَاعَةِ فَلْيُصَلُّوا الْوِتْرَ وَالرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا الْعِشَاءَ وَالْقِيَامَ بِالْجَمَاعَةِ فَلا يُصَلُّوا الْوِتْرَ بِالْجَمَاعَةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً ابن أبي شيبة، (7692، والبيهقي، (4391). صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ]
وَمِنَ السُّنَّةِ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ، وَقِيلَ: عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر لك الْكَوْثَرَ: 2) أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ البيهقي في الصغرى، (700]. وكَذَلِكَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ أسمريه فصلى (الأعْلَى 14 - 15) أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ ابن خزيمة، (2420، والبيهقي، (7457). والسنة فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ الْغُسْلُ وَالسَّوَاكُ والطيب واللُّبَاسُ الْحَسَنُ وَالْبُرُوزُ إِلَيْهَا بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (1). وَذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: الْمُرَادُ الْبُرُوزُ إِلَى مَكَانٍ عَرَاءِ، حَيْثُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ حجاب، وَقَدْ صَحتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَإِقَامَتُهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَلُ إِلا (1/230)
صفحة 231
كتاب
231
الوضع
عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ وَحَضَ عَلَيْهَا، حَتَّى أَمَرَ بِبُرُوزِ الْعَوَاتِقِ (1) مِنَ
الْخُدُورِ الْبُخَارِيُّ، (318، وَمُسْلِمٌ، (2091].
ويُستَحَبُّ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْفِطْرِ لانْشِغَالِ النَّاسِ بِالصَّدَقَةِ (2)، وَيُسْتَحَبُّ
تَعْجِيلُ صَلَاةِ الأَصْحَى؛ لِيَرْجِعَ النَّاسُ إِلَى صَحَايَاهُمْ.
وَمِنْ سُنَنِهَا: التَّكْبِيرُ وَالْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالْخُطَبُ كُلُّهَا تُفْتَتَحُ بِالْحَمْدِ؛ إِلا خِطْبَةَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهَا تُفْتَتَحَ بِالتَّكْبِيرِ، وَقَدْ قِيلَ: يُسْتَحَبُّ ثَلَاثُونَ تكْبِيرَةً فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ؛ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ سَبْعًا، أَوْ تِسْعًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَإِنْ كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَبْعًا كَبَّرَ فِي الْخُطْبَةِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ تِسْعًا كَبَّرَ فِي الْخُطْبَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ كَبَّرَ فِي الْخُطْبَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ كَبَّرَ فِي الْخُطْبَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا صِفَةُ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ: فَإِنَّهُ إِنْ كَبَّرَ بِسَبْعِ كَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ أَرْبَعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَيُسْتَحَبُّ بِسُورَةِ وَالشَّمْسِ" ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيَقْرَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَيُسْتَحَبُّ سُورَةُ وَالضُّحَى"، ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ
فِي مَسْجِدِ مَكةَ، وَلَيْسَ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَذَانٌ وَلاَ إِقَامَةٌ [انْظُرْ: الْحِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإسلام، 325/ 1]. (1) الْعَوَاتِقُ: السَّابَاتُ أَوَّلُ مَا يُدْرِكْنَ وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَمْ تَبِنْ مِنْ وَالِدَيْهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجُ وَقَدْ
أدركت وشست.
(2) الصَّدَقَةُ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، لأَنَّ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ أَكَدُ (1/231)
صفحة 232
كتاب
الْقِرَاءَةِ ثَلاثاً، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيَتَشَهدُ وَيُسَلَّم.
الوضع
وَصَلاةُ الْعِيدَيْنِ رَكْعَتَانِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ كَبَّرَ تِسْعًا كَبَّرَ فِي الأُولَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ سِتّا؛ وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَبَّرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ كَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بَعْدَ الإِحْرَامِ سِتّا؛ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ خَمْسًا، وَإِنْ كَبَّرَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ؛ كَبَّرَ فِي الأُولَى بَعْدَ الإِحْرَامِ سِتّا، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الرُّكُوعِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ. وَيَجْمَعُ صَلَاةَ الْعِيدِ ثَلَاثَةُ أَنْفُسِ فَصَاعِدًا، وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ كَصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ. فَإِذَا فَرَغَ الإِمَامُ مِنَ الصَّلَاةِ قَامَ إِلَى الْخُطْبَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْخُطْبَةَ قَرَأَ الْقُرْآنَ.
[صَلَاةُ الْخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ]
وَمِنَ السُّنَّةِ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ، وَقَدْ ذُكَر عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ أَو انْخَسَفَ الْقَمَرُ؛ فَصَلُّوا كَإِحْدَى صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا" (أبو دَاوُدَ، (1187، وَالنَّسَائِيُّ، (1485، بِلَفْظ: كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ، يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا إِطَالَهُ الْقِرَاءَةِ، وَإِطَالَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ فِي يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ وَلَدُهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَامَ قيامًا طَوِيلاً، فَقَرَأَ نَحْوا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الركوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ (1/232)
صفحة 233
كتاب
233
الوضع
وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يُحْسَفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَتَضَرَّعُوا. ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً
وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" [الرَّبِيعُ، (195، وَالْبُخَارِيُّ، (997].
رَكْعَنَا الطَّوَافِ]
وَمِنَ السُّنَّةِ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ يُصَلِّيهِمَا الطَّائِفُ خَلْفَ مَقَامٍ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمكِنْهُ فَلْيُصَلِّهِمَا فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ أمكنه دُبُرَ كُلِّ سَبْعَةِ أَسْوَاطِ، كَانَ طَوَافَ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْراً
فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ الإِحْلَاصِ ثَلَاثًا.
صَلَاةُ الضُّحَى]
وَمِنَ السُّنَّةِ صَلاَةُ الضُّحَى وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإسْرَاقِ الله (ص: (18) أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ صَلَاةَ الضُّحَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ بَنِي آدَمَ كُلَّ يَوْم صَدَقَةٌ) وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا عِنْدَ الضُّحَى" (مُسْلِمٌ، (1704،
(1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الْحَدِيثُ صَوَابُهُ: "عَلَى كُلِّ سُلامَى كَمَا بَيْنَهُ صَاحِبُ الْقَنَاطِرِ رَحِمَهُ الله، حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْخَبَرِ: يُصْبِحُ ابْنُ آدَمَ وَعَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ جَسَدِهِ صَدَقَةٌ، يَعْنِي (1/233)
صفحة 234
كتاب
234
الوضع
وأبو داود، (1287]. وقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ لا سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنَّي لأُسَبِّحُهَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ الربيع، (196، وَالْبُخَارِيُّ، (1076].
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ هَانِي بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلاَةَ الضُّحَى فِي بَيْنِي ثَمَان رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَةَ الربيع، (197، وَالْبُخَارِيُّ، (1052]. وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ لَمْ يُعِدْ أَحْمَد، ر 9757، وَكَثِرُ الْعُمَّالِ، ر 23444]. وَذُكِرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ صَلَاهَا رَكْعَتَيْنِ، وقِيلَ: هِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَقِيلَ: ست. وَقِيلَ: ثَمَان رَكَعَاتٍ وَقِيلَ: عَشْرُ. وَقِيلَ: اثْنَنَا عَشْرَةَ.
وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلَاهَا أَربَعًا كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَمَنْ صَلاهَا سِنًّا كُتِبَ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَمَنْ صَلَاهَا ثَمَانِيَا لَمْ يَتْبَعْهُ يَوْمَئِذٍ ذَنْبٌ، وَمَنْ صَلاهَا عَشْرًا كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَاهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ بُنِيَ لَهُ بَيْتُ فِي الْجَنَّةِ البيهقي، (4685، وَالْبَزَّار، (3890]. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِلْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدَاوِمُونَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؟ هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوهُ [الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَط، (5060، والديلمي، (788).
مَفَاصِل جَسَدِهِ، وَهِيَ ثَلاتُمِائَةٍ وَسِئُونَ مَفْصِلاً، فَأمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْبُكَ عَنِ
الْمُنكَرِ صَدَقَةٌ .. إلخ (الْبُخَارِي، (2560، وَمُسلِم، (1704]. (1/234)
صفحة 235
كتاب
235
الوضع
وَصَلَاةُ الضُّحَى: يُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَاهَا رَكْعَتَيْنِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَخَوَاتِمِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ الإِخْلَاصِ ثَلَاثًا. وإِنْ صَلَاهَا أربعا؛ قَرَأَ فِي الثَّالِثَةِ بأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْفَلَقِ، وَفِي الرَّابِعَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْوَسْوَاسِ وَسُورَةِ الإِخلاَصِ ثَلاَثًا. وإِنْ صَلاهَا سِتّا؛ قَرَأَ فِي الْخَامِسَةِ بِأَمْ الْقُرْآنِ وَخَوَاتِمِ الْحَدِيدِ، وَفِي السَّادِسَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَخَوَاتِمِ الْحَشْرِ وَسُورَةِ الإخلاص ثَلاثًا. وإِنْ صَلَاهَا ثَمَانِيًا؛ قَرَأَ فِي السَّابِعَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ التكويرِ، وَفِي الثَّامِنَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الانْفِطَارِ وَسُورَةِ الإِخْلَاصِ ثَلَاثًا. وَإِنْ صَلاهَا عَشْرًا؛ قَرَأَ فِي التَّاسِعَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الطَّارِقِ، وَفِي الْعَاشِرَةِ بِأَمْ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الأَعْلَى وَسُورَةِ الإِخلاصِ ثَلَاثًا وَإِنْ صَلَاهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؛ قَرَأَ فِي الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ بِأَمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ وَالشَّمْسِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ وَالضُّحَى وَسُورَةِ الإِخْلَاصِ ثَلَاثًا.
صَلَاةُ الزَّلْزَلَةِ]
وَمِنَ السُّنَّةِ صَلَاةُ الزَّلْزَلَةِ، وَهِيَ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ الله أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَريَّةٌ فَعَجَلَتِ الْكَرَّةَ وَأَعْظَمَتِ الْغَنِيمَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَطُّ سَرِيَّةٌ أَعْجَلَ كَرَّةً وَلَا أَعْظَمَ غَنِيمَةً مِنْ سَرِيَّتِكَ هَذِهِ؟! فَقَالَ: أَفَلاَ أُخبِرُكُمْ بِأَعْجَلَ كَرَّةً وَأَعْظَمَ غَنِيمَةٌ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَقْوَامٌ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ، فَيَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ، فَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ غَنِيمَةٌ وَأَعْجَلُ كَرَّةً كَثِرُ الْعُمَّالِ، 4989 (وَهُوَ غَرِيبٌ)]. (1/235)
صفحة 236
كتاب
236
الوضع
صَلَاةُ النَّافِلَةِ]
وَيُسْتَحَبُّ مِنَ النَّوَافِلِ: أَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعُ بَعْدَ الظَّهْرِ، وَأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعُ قَبْلَ الْعِشَاءِ. وَيُقَالُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُقِيمِ أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسِينَ رَكْعَةً بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الظهر، وأربعا للظهر، وأربعا بَعْدَ الظَّهْرِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَأَرْبَعًا لِلْعَصْرِ، وَثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ، وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَأَرْبَعًا لِلْعِشَاءِ وَسَبْعًا بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ فِي السَّحَرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكعَتَيْنِ لِفَرِيضَةِ الْفَجْرِ، وَأَرْبَعًا لِلضُّحَى. و وَالنَّوَافِلُ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ أَفْضَلُ (1). ويُسْتَحَبُّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِشْرُونَ رَكْعَةً؛ لأَنَّهُ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَلَّى بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِشْرِينَ رَكْعَةً حَفِظَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَدِينَهُ وَآخِرَتَهُ اكثر
الْعُمَّال، (19453، والسيوطي في جامع الأحاديث، (22755).
وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالأَجِيرُ (2) وَالْمُقَارِضُ وَالْبِكْرُ (3) تَحْتَ أَبِيهَا؛ لَا يُصَلُّونَ مِنَ النَّوَافِلِ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ غَيْرَ السُّنَنِ الْمَذْكُورَةِ: رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَصَلَاةُ الْمَيِّتِ، وَالسَّجْدَةُ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ، وَصَلَاةُ الزَّلْزَلَةِ، وَقِيَامُ رَمَضَانَ، وَرَكْعَتَانِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
(1) الْعَمَلُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قَبيلِ التَّطَوُّع في الْعِبَادَاتِ؛ إحْفَاء عَنِ النَّاسِ أَفْضَلُ لِلْبُعْدِ عَنِ الرِّيَاءِ. وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ أَعْظَمُ أَجْرًا إِذَا كَانَتْ حَفِيَّةٌ؛ لِسَلَامَتِهَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَمَكَنِهَا فِي الإخلاص. لِهَذَا كَانَ تَنقُلُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ. وَفِي الْفِرَادِ الْمَرْءِ بِعِبَادَتِهِ جَمْعُ الْهِمَّةِ، وَالْبُعْدُ عَن التشغيب. (2) الْعامِلُ بِالْأَجْرَةِ؛ لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّفَلِ (3) البكرُ: الأُنْثَى الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجَ بَعْدُ، فَإِنَّهَا فِي رِعَايَةِ وَالِدِهَا تَسْتَأْذِنُهُ فِي التَّطَوُّعِ (1/236)
صفحة 237
فَضْل
فِي الْمَنَاهِي الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ في الصَّلاة
رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ أَحَدُهَا: بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَالثَّانِي: وَقْتَ تَوَسُطِ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُولَ، وَالثَّالِثُ: بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ الرَّبِيعُ، ر 295، وَالْبُخَارِيُّ، ر 559، دُونَ ذِكْرِ (وَقْتِ تَوَسَطِ الشَّمْسِ)].
(1) =-
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْحَر (1) أَحَدُكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا" [الْبُخَارِيُّ، (560، وَمُسْلِمٌ، 1961]. ونهى صلى الله عليه وسلم عَنْ عَشَرَةٍ فِي الصَّلاَةِ: عَنِ الصَّفْنِ (2)، وَالصَّفْدِ (3)،
وَنَهَى
(2)
(1) يَتَحَرَّ: أَي يَقْصِدُ. يُقَالُ: فُلاَنٌ يَتَحَرَّى الأَمْرَ؛ أَي يَتَوَخَاهُ وَيَقْصِدُهُ؛ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَحَرَّوا الصَّدْقَ وَلَوْ رَأَيْتُمْ فِيهِ الْهَلَكَةَ؛ فَإِنَّ فِيهِ النَّجَاةَ، أَيْ: تَوَخَوْهُ [الدَّيْلَمِي، (4026، وكَيْرُ الْعُمَّال، ر 6855].
(2) الصَّفنُ: رَفْعُ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَالْوُقُوفُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا، وَالاعْتِمَادُ عَلَى الثَّانِيَةِ كَمَا
تَفْعَلُ الْفَرَسُ
(3) الصَّعْدُ: اقْتِرَانُ الْقَدَمَيْنِ مَعًا. (1/237)
صفحة 238
كتاب
238
الوضع
6
وَالصَّلْبِ (1)، وَالْمُخَاصَرَةِ (2)، وَالْمُوَاصَلَةِ (3) وَالإِفْعَاءِ (4) وَالسَّدْلِ (5)، وَصَلَاةِ الْحَاقِنِ (1) وَالْحَاقِب (7). وَالْحَازِقِ (8) (9). وَقَالَ: "لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ
(1) الصَّلْبُ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ وَتَجَافِي الْعَصْدَيْنِ فِي حَالِ الْقِيَامِ، كَهَيْئَةِ الصَّلِيبِ. (2) الْمُخَاصَرَةُ: كَهَيْئَةِ الصَّلْبِ إِلَّا أَنَّهَا فِي حَالِ الْجُلُوسِ
(3) الْمُوَاصَلَةُ: أَنْ يَصِلَ الْقِرَاءَةَ بِالرُّكُوعِ دُونَ تَنَفْسٍ بَيْنَهُمَا.
(4) الإقعاء: الْجُلُوسُ عَلَى الأَلْيَتَيْنِ مَعَ رَفَعَ السَّاقَيْنِ؛ وَجُلُوسِ الْكِلابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. (5) السَّدْلُ: إِرْحَاءُ التَّوْبِ مِنْ أَعْلَى الرَّأْسِ إِلَى أَسْفَلَ مَعَ عَدَمَ جَمْع أَطْرَافِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَنَكَشِفُ عَوْرَتُهُ، وَهَذَا لِمَنْ لَبِسَ الْحِرَامَ - بِكَسْرِ الْحَاءِ.
(1) الْحَفْنُ: حَصْرُ الْبَول.
(7) الْحَقْبُ: حَصْرُ الْغَائِطِ
(8) الْحَزْقُ: ضيقُ النَّعْلِ، وَفِي مَعْنَاهُ ضِيقُ الثّوْبِ؛ كَلْبْسِ الْفِرِنْجَةِ.
(9) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الصَّفَنُ: هُوَ رَفَعَ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْقِيَامِ عَلَى أطراف أصابعهما، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الصَّدِفِنَتُ الْيَادُ) (سورة ص 31). والصَّفْدُ: هُوَ افْتِرَانُ الْقَدَمَيْنِ مَعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (سُورَة ص، 38). وَالصَّلْبُ: هُوَ وَضَعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ وَتَجَافِي العَصْدَيْنِ فِي حَالِ الْقِيَامِ كَصِفَةِ الْمَصْلُوب، رب، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُخَاصَرَةُ وَالْمُوَاصَلَّهُ: أَنْ يَصلَ الْقِرَاءَةَ بِالرُّكُوعِ وَالإِفْعَاء: هُوَ الْجُلُوسُ عَلَى الْأَلْيَتَيْنِ مَعَ نَصْبٍ سَاقَيْهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ كَمَا تَفْعَلُ الْكِلَابُ وَالسَّبَاعُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ الْبَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِعُقْبَى الشَّيْطَانِ، وَالسَّدْلُ: هُوَ أَنْ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ وَيَجُوزَ بِهِ رَأْسَهُ عَلَى الْمَنَاكِبِ إِلَى أَسَفَلَ؛ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ أَطْرَافِهِ فِيمَا رَدَّتِ الركبتان الرُّكْبَتَانِ، وَلَهُ صِفَاتَ كَثِيرَةٌ، وَالْمُرَادُ سَدُّ الذَريعَةِ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ. وَالْحَاقِنُ: هُوَ الَّذِي يَجْمَع الْبَوْلَ فِي مَثَانَتِهِ، وَالْحَاقِبُ: هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْغَائِطَ. وَالْحَازِقُ: الَّذِي ضَاقَ عَلَيْهِ خَفَهُ؛ فَإِنْ ذَلِكَ كُلَّهُ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ ص 366). [لَمْ نَجِد مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْطِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي جَامِعِ الأُصولِ فِي أَحَادِيثِ الرَّسُولِ، (3756، بِلَفْظِ: وَمِمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الْحَاقِنِ، وَالْحَاقِبِ، وَالْحَارِقِ، وَالْمُسْلِ، وَالْمُخْتَصِرِ، وَالْمُصَلِّبِ، وَالصَّافِنِ، وَالصَّافِدِ، وَالْكَافِتِ، وَالْوَاصِلِ، وَالْمُلْتَفِتَ، وَالْعَابِثِ
بالْيَدِ، وَالْمُسْدِلِ، وَعَنْ مَسْحَ الْحَصَّبَاءِ مِنَ الْجَبْهَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاةِ، وَأَنْ يُصَلِّي بِطَرِيقِ مَنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ». (1/238)
صفحة 239
كتاب
239
الوضع
يُدَافِعُ الأَخْبَتَيْنِ" [الربيع، (298، وَالْبَيْهَقِيُّ، (4805]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَلِيُّ: "يَا عَلِيُّ، إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تَنْقُرَنَّ الْأَرْضَ نَقْرًا رَاكِعًا وَلاَ سَاجِدًا، وَلَا تَنْظُرَنَّ قِبَلَ وَجْهِكَ، وَلَا عَنْ يَمِينِكَ وَلَا عَنْ شِمَالِكَ، وَلاَ تُصَلِّ وَأَنْتَ عَاكِف (1) شَعرَكَ، وَلَا تَقْعُدَنَّ عَلَى عَقِبَيْكَ، وَلَا تَفْتَرِضْ ذِرَاعَيْكَ كَمَا يَفْتَرِشُ الْكَلْبُ، وَلَا تَعْبَشَنَّ بِالْحَصَا" [الْبَزَّارُ، (769، وَكَثِرُ الْعُمَّال، (44059].
وبكره (2) لِلْمُصَلِّي: اسْتِقْبَالُ الأصنام، والأَلْوَاحِ، وَالْمَصَاحِفِ، وَالْبَقَرِ، وَالنَّارِ الْمُسْتَعِلَةِ، وَكُلِّ مَا لَهُ صُورَةٌ (3)، وَالْمَيِّتِ، وَالنَّائِمِ. وَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءُ، وَالْقِرْدُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَالْكَلْبُ الَّذِي لَهُ نُكْتَتَانِ
(4)
فَوْقَ عَيْنَيْهِ وَيَجُوزُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْرَ (5) عَنْ نَفْسِهِ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا اسْتَطَاعَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ لا أَنَّهُ قَالَ: "يَدْرَأُ الْمُصَلِّي الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ مَا
(1) عَاكِفُ: أَي ضَامٌ. (2) يُكْرَهُ: أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيم؛ اسْتِقْبَالُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَمَّا سِوَاهُ فَكَرَاهَةٌ تَنْزِيهِ، وَالْفَرْقُ بيْنَهُمَا وَاضِحٌ. وَهَذَا مَالَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَمَا ذُكِرَ سَائِرٌ أَوْ حَائِلٌ
(3) صُورَةٌ، أَيْ صُورَةُ الْحَيَوَانِ. (4) يَقْطَعُ الصَّلاةَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الْمُصنِّفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي سَاتِرٌ دُونَ
قبلته.
(5) يَدْرَأَ: يَدْفَعُ بِيَدِهِ الْمَارَّ دُونَ قِبْلَتِهِ إِلا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ لِلضَّرُورَةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُصَلِّي يَرَى الْكَعْبَةَ الَّتِي هِيَ الْقِبْلَةُ، فَمُرُورُ أَحَدٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَا يَحُولُ بَيْنَهُ
وبينها. (1/239)
صفحة 240
كتاب
240
الوضع
اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى الْمَارُّ فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" [الرَّبِيعُ، (243، وَالْبُخَارِيُّ،
ر 487].
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ؛ لَوَقَفَ
أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّبِيعُ، (242، وَالْبُخَارِيُّ، (488]. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ بَعْضُ: أَرْبَعِينَ شَهْرًا. وَقَالَ بَعْضُ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَيَجُوزُ لِلْمُصَلِّي دَفْعُ الْمَصَارُ كُلَّهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَمَسْحُ الْحَصَى لِلسُّجُودِ، وَتَسْوِيَةُ اللُّبَاسِ، وَقَتْلُ الدَّوَابِّ الْمُوْذِيَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: اقْتُلُوا الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَإِنْ كُنتُمْ فِي صَلَاتِكُمْ الْبَيْهَقِيُّ، (14365، وَالْحَاكِمُ، 7706]. وَيَجُوزُ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنَ الْمَكَانِ الْقَريب إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ؛ لإِصْلَاحِ صَلاتِهِ وَيَجُوزُ لَهُ تَنْجِيَةُ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ، وَالدُّخُولُ بِالْمَطَرِ وَالرِّيحِ، وَالْخُرُوجُ بِالدُّخَانِ وَالْمَصَار (1) كُلَّهَا، وَتَلْقِينَ (2) الإِمَامِ. وَلِلإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ تَلْقِينَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ، وَيَقْتَدِي بِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ فَلا يَأْخُذُ عَنْهُ وَيَجُوزُ لَهُ الاسْتِخْلافُ إِذَا أَحْدَثَ (3) وَلَا يَسْتَخْلِفُ إِلَّا إِنْ
201
(1) يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لا يَتَحَوَّلَ مِنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا اسْتَدبَرَ الْقِبْلَةَ أَوْ تَكَلَّمَ انْتَقَصَتْ صَلَاتُهُ. (2) تَلْقِينُ الإِمَامِ إِذَا حُصِرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ بِأَنْ غَابَتْ عَنْهُ الْآيَةُ (3) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَصِفَةُ الاسْتِخْلافِ أَنْ يَجْذِبَهُ الْإِمَامُ مِنْ يَدِهِ وَيُوقِفَهُ في مكانه، وَيَأْخُذَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الإِمَامُ إِنْ عَلِمَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ كَانَ هُوَ، ويُصَلِّي بِالْقَوْم صَلاةَ الإِمَامِ مُقِيمَا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، وَإِنْ بَقِيَ لِلْخَلِيفَةِ شَيْءٌ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ أوْ فِي آخِرِهَا اسْتَدْرَكَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاةِ، وَلاَ يُسَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى يَسْتَدْرِكَهُ، ثُمَّ (1/240)
صفحة 241
كتاب
241
الوضع
أَحْدَثَ بِأَحَدٍ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: الْقَيْءِ، وَالرُّعَافِ، وَالْخَدْشِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "الْقَيْءُ وَالرُّعَافُ وَالْخَدْسُ لَا يَنْقُضَنَّ الصَّلَاةَ، فَإِذَا انْفَلَت (1) الْمُصَلِّي بهِنَّ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ الرَّبِيعُ، (113 دُونَ ذِكْرِ الْخَدَشِ)].
يُسَلَّمُ فَيُسَلِّمُوا مَعَهُ جَمِيعًا، وَلَا يَسْتَخْلِفُ إِلا الإِمَامُ وَيُسَاعِدُهُ الْمُسْتَخْلِفُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَسْتَخْلِف غَيْرَهُ إِلَى ثَلَاثَةِ، وَقِيلَ: لَا يَتَجَاوَزُ وَاحِدًا. [انْظُرْ: الْحِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسلام، 310/ 1]. قَالَ فِي الإِيضاح: وَإِنْ أَحْدَثَ وَخَرَجَ وَلَمْ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ؛: فَإِنَّهُمْ يَمْضُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ أَحْدَثَ الإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ وَلَمْ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَمْضُوا عَلَى صَلاتِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْفَحْصِ فَحَتَّى يُجَاوِزَ الصَّفَ، أَوْ يَمْشِيَ أَمَامَ الصُّفُوفِ مِقْدَارَ مَا يُجَاوِزُ فِيهِ الصَّفَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [انظر: الشماخي: الإيضاح 583/ 1]. (1) انْفَلَتَ: خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ بِهِنَّ فَجْأَةٌ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ مِنْهَا بِنَاقِضِ؛ فَفِي انْتِقَاضِ صَلَاةِ الْمَأمُومِينَ خِلافُ، الرَّاجِحَ النَّقْصُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ [الْجِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسْلَامِ،
310/ 1]، وقيل: لا تَنْتَقِضُ، بَلْ يُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ. (1/241)
صفحة 242
[صفحة فارغة] (1/242)
صفحة 243
فَصْلٌ [سُجُودُ السَّهْوِ]
فِي سَجدَتَي السَهْوِ وَأَصْلِهِمَا مِنَ السُّنَّةِ]
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدُ سَجْدَتَيْن وَهُوَ جَالِسٌ (الربيع، (246، وَالْبُخَارِيُّ، (1174]. وَسُجُودُ الْوَهْمِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَامَ حَيْثُ يَفْعُدُ أَوْ قَعَدَ حَيْثُ يَقُومُ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْوَهْمُ فِي كُلِّ غَلَط فِي الصَّلَاةِ. وَمَوْضِعُ سُجُودِهِمَا بَعْدَ التسليم. وَقِيلَ: قَبْلَ التَّسْلِيم وَقِيلَ: إِنْ وَجَبَنَا لِلنُّقْصَانِ فَقَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ وَجَبَنَا لِلزَّيَادَةِ فَبَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ وَجَبَنَا عَلَى الْقَارِنِ فِي الْأُولَى سَجَدَهُمَا قَبْلَ الْقِيَامِ إِلَى الآخِرَةِ، وَقِيلَ: يَسْجَدُهَا بَعْدَ التَّسْلِيم مِنَ الآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: أَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ مِمَّا كَانَ مِنّي ثَلاثاً)، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ
(1) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُسَبِّحُ فِيهَا تَسْبِيحَ الصَّلَاةِ فِي السُّجُودِ، وَهُمُ الَّذِينَ اعتبروها جبرا لنقص الصَّلاةِ وَإصْلَاحًا لَهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِكُلِّ سَهْوِ سُجُودُهُ، وَيُعَضُدُ هَذَا الْقَوْلَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ سَهُو سَجْدَتَانِ بَعْدَ التَّسْلِيم أَبُو دَاوُد، ر 1040، وَابْنُ مَاجَهْ، (1219]. (1/243)
صفحة 244
كتاب
244
الوضع
السَّلامُ بَعْدَ سُجُودِهِمَا، فَإِنْ نَسِيَهُمَا فَلْيَسْجُدْهُمَا فِي دُبُرِ صَلَاةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: ركع رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْجُدُهُمَا فِي دُبُرِهِمَا، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الإِمَامِ فَلْيَسْجُدْهُمَا وَحْدَهُ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُومِ يَسْجُدُ وَحْدَهُ، وَإِنْ وَهِمَ فِي وَهْمِهِ، فَلَا وَهُمَ
عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْوَهُمُ
نَسْأَلُ اللهَ عَوْنًا يَقْضِي مَا أَوْجَبَهُ وَشَكْرًا يُرْضِي مَا وَهَبَهُ. (1/244)
صفحة 245
كتاب الصَّوْمِ
باب فِي الصَّوْمِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ
الصوم ركن من أركان الدين - معناه لغة وشرعا وحكمته] اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ (1) فَرْضٌ مِنَ الْفُرُوضِ، وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الإِسْلام، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِهِ وَوُجُوبِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: لا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كيب عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الْبَقَرَة: 183). ومَعْنَى كُتِبَ: أَي فُرِضَ وَأُوجِبَ عَلَيْكُمْ. وَأَصْلُ الصَّوْمِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الإِمْسَاكُ؛ تَقُولُ العرب: صَامَتِ الرِّيحُ؛ إِذَا أَمْسَكَتْ عَنِ الْهَبُوبِ، وَصَامَتِ الْخَيْلُ؛ إِذَا وَقَفَتْ
وَأَمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
خيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ
تَحْتَ الْعَجَاجِ (2) وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللَّجُمَا (3)
(1) فُرِضَ الصَّوْمُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَنَا مِنْ شَعْبَانَ، وَفِي هَذَا الشَّهْرِ تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، بدليل الآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي نزلت بمكة فِي الزَّكَاةِ، وَلَعَلَّ الْقَوْلَ: فَرَضَهَا بَعْدَ الْهَجْرَةِ الْمُرَادُ تَفْصِيلُهَا.
(2) فِي عَجَاجِ الْمَلْحَمَةِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ (3) تَعْلَكُ: تَمْضِعُ اللَّجَامَ، كِنَايَةٌ عَنْ بَقَائِهَا فِي مَربَطِهَا، وَفَسَّرُوا الصَّائِمَ مِنَ الْخَيْلِ: بِأَنَّهُ
الْقَائِمُ عَلَى قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ غَيْرِ حَفَاءِ (1/245)
صفحة 246
كتاب
246
الوضع
وَيُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ؛ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَتَوَسَطَتِ الشَّمْسُ فِي
كَبِدِ السَّمَاءِ؛ قَالَ امْرُزُ الْقَيْسِ:
فَدَعْهَا وَسَلَّ الْهَمَّ عَنْكَ بِحَسْرَةٍ ذَمُولٍ (1) إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجْرًا
وَقَالَ آخَرُ:
حتَّى إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَاعْتَدَلَ وَصَارَ لِلشَّمْسِ لُعَابِ (2) فَنَزَلَ
وَيُسَمَّى الإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ: صَوْمًا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صوْمَا (مَرْيَمَ: (26) يَعْنِي صَمْنَا.
وَأَمَّا الْمَفْرُوضُ مِنَ الصَّوْمِ فَهُوَ: الإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْجِمَاعِ، وَجَمِيعِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الصَّائِمِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ من قبلِكُمْ يَعْنِي النَّصَارَى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ؛ أَي تَجْتَنِبُونَ الأَكل وَالشَّرْبَ وَالْجَمَاعَ وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فِي حَالِ الصَّوْمِ.
؛
وَذُكِرَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَوْمُ شَهْرٍ رَمَضَانَ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ صِيَامُهُ؟ لأنَّهُ رُبَّمَا أَتَاهُمْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ الشَّدِيدِ، فَيَضُرُّ بِهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَطَلَبِ مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ رُؤَسَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صَوْمَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشتاءِ وَالصَّيْفِ، وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ كَفَّارَةٌ لِمَا صَنَعُوا،
(1) جَسرَةٍ؛ نَاقَةٌ جَسرَةٌ: عَظِيمَةٌ مَاضِيَةٌ، ذَمُولٍ: سَرِيعَةِ السَّيْرِ. (2) لعاب: صَارَ لَهَا أَسْعَةٌ تَنْحَدِرُ مِنْهَا سَائِلَةٌ كَاللُّعَابِ، هَذَا مِنَ التَّسْبِيهِ الْبَلِيغِ (1/246)
صفحة 247
كتاب
247
الوضع
فَصَارَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمُ اشْتَكَى فِيهِ؛ فَنَذَرَ لِلَّهِ إِنْ هُوَ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ أَسْبُوعًا، فَلَمَّا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ زَادَ فِي صَوْمِهِمْ أَسْبُوعًا، فَمَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فَوَلِيَهُمْ مَلِكُ آخَرُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتِمُوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَارُوا يَصُومُونَ خَمْسِينَ يَوْمًا. (1/247)
صفحة 248
[صفحة فارغة] (1/248)
صفحة 249
فَصْلٌ فِي فَضْلِ شَهْرٍ رَمَضَانَ]
ذُكِرَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فِي فَضْلِ رَمَضَانَ لَتَمَنَّيْتُمْ أَنْ يَكُونَ سَنَةً [الربيع، (327، وَالْبُخَارِي، (38]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامَ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَغُلَقَتْ أَبْوَابُ النَّيرَانِ، وَصُفَدَتِ الشَّيَاطِينُ" [مُسلِم
ر 2547، وَالنَّسَائِي، (2097].
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا ابْنُ آدَمَ تُضَاعَفُ لَهُ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ الْجَنَّةَ، فَارَقَ عَبْدِي شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي" [مُسلِم، (2763، وَابْنُ مَاجَهْ، (1638].
y":{
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ الْبُخَارِي، (7054، ومُسلِم، (2762]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام: "لا إِيمَانَ لِمَنْ لاَ صَلَاةَ لَهُ، وَلاَ صَلَاةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا صَوْمَ إِلَّا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ" [الربيع، 91].
وقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيِّبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحَ الْمِسْكِ)،
(1) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: جَزَاء وفاقا، وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ: هُوَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ فِي الْقَمِ بِطُولِ الإِمْسَاكِ عَنِ الأَكْلِ وَالشَّرْبِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ فِي اعْتِبَارِهِ وَمِيزَانِهِ أَطْيَبَ مِنْ (1/249)
صفحة 250
*
كتاب
250
الوضع
فإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُتْ وَلَا يَفْسُقُ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ [الربيع، (330، وَالْبُخَارِي، (1795].
وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيُّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَهُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَهُ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، وَشَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحِمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِنْقٌ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقًا لِرَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ لَهُ مِنْ أَجْرِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفَطَّرُ بِهِ الصَّائِمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله: "يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَدْقَةِ لَبَنِ، أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرَبَةِ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةٌ، وَمَنْ خَفَّفَ فِيهِ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ. فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَربَعَ خِصَالٍ: خَصْلَتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَانِ لَا غِنَى لَكُمْ عَنْهُمَا فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ لِذُنُوبِكُمْ، وَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ لا غِنَى لَكُمْ عَنْهُمَا: فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ" [ابْنُ خَزَيْمَةَ، ر 1887، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّعَبِ، (3608].
=
ريح الْمِسْكِ، لَمَّا كَانَتْ تَحْدُثُ بِسبب الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّب، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ الْخُلُوفِ عَلَى دَم الشهيد، لأنَّ الدَّمَ شُبه الْمِسْكِ، وَالْخُلُوف بريح وصف بِأَنَّهُ أَطْيَبُ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَنَظْرَةٌ صَادِقَةٌ. (1/250)
صفحة 251
كتاب
251
الوضع
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَصَمْتُهُ تَسْبِيحٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ وَعَمَلُهُ مُضَاعَفُ البيهقي في الشعب، (3939، وكثرِ الْعُمَّالِ، (23562]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرٍ رَمَضَانَ؛ أَمَرَ اللَّهُ
تَعَالَى رِضْوَانَ - خَازِنَ الْجَنَّةِ - أَنْ يَفْتَحَ أَبْوَابَ الْجِنَانِ وَيُزَيَّنَهَا لِلصَّائِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلَا يُعْلِقَهَا عَنْهُمْ حَتَّى يَنْقَضِيَ شَهْرُهُمْ، وَأَمَرَ مَالِكَ خَازِنَ النَّارِ أَنْ يُعْلِقَ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ عَنِ الصَّائِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا يَفْتَحَهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْقَضِيَ شَهْرُهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الأَرْضِ فَيَعْلَّ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِئَلَّا يُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ صِيَامَهُمْ وَإِفْطَارَهُمْ وَلِلَّهِ وَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ وَقْتِ الإِفْطَارِ عُتَقَاءُ يُعْتِقُهُمْ مِنَ النَّارِ، عَبِيدًا وَإِمَاءً، ومَلَكُ يُنَادِي مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ: هَلْ مِنْ تَائِبِ يُتَابُ عَلَيْهِ، هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مَظْلُومٍ يَنْصُرُهُ اللَّهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُوْلَهُ
التَّرْمِذِيُّ، (682، وَابْنُ مَاجَهْ، (1642].
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَارًا لِخَلْقِهِ يَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ، فَسَبَقَ أَقْوَامٌ فَفَازُوا، وَتَخَلَّفَ أَقْوَامٌ فَخَابُوا، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الصَّاحِكِ اللاعِبِ فِي الشَّهْرِ الَّذِي فَازَ فِيهِ الْمُسَارِعُونَ، وَخَابَ فِيهِ الْبَطَالُونَ. أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لا شتَغَلَ الْمُحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ
بإستاء يه (1)
(1) [انظر: إحياء علوم الدين 236/ 1]. (1/251)
صفحة 252
كتاب
252
الوضع
وَقِيلَ لِلأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّكَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَإِنَّ الصَّيَامَ يُضْعِفُكَ. فَقَالَ: إِنِّي لأعدُّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ طَوِيلٍ، فَالصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ أَهْوَنُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى
عَذَابِهِ.
(1)
وَقَالَ عَلِيٌّ: الصَّيَامُ يَزِيدُ فِي الْحِفْظِ، وَيُذْهِبُ الْبَلْغَم).
وَقِيلَ: إِنَّ الصَّوْمَ عَلَى وُجُوهِ شَتَّى فَصَائِمٌ صَائِمٌ، وَصَائِمٌ مُفْطِرُ، وَمُفْطِرٌ صَائِمٌ. فَالصَّائِمُ الصَّائِمُ: هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ جَوَارِحَهُ عَنِ الْمَعَاصِي، وَأَمَّا الصَّائِمُ الْمُفْطِرُ: فَالَّذِي يَعْمَلُ بِجَوَارِحِهِ الْمَعَاصِيَ، وَأَمَّا الْمُفْطِرُ الصَّائِمُ: فَالَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَمْنَعُ جَوَارِحَهُ عَنِ الْمَعَاصِي.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: لِكُلِّ شَيْءٍ بَابٌ، وَبَابُ الْعِبَادَةِ الصَّوْمُ الدِّيلمي ر 4992، وكثرُ الْعُمَّالِ، (23591)، وَنَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَصَمْتُهُ نَسيحُ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ، وَعَمَلُهُ مُضَاعَفٌ) (سبق تخريجه]. وَأَنْشَدُوا:
وَرَبِّكَ لَوْ أَبْصَرْتَ قَوْمًا تَتَابَعَتْ عَزَائِمُهُمْ حَتَّى لَقَدْ بَلَغُوا الْجَهْدا لأَبْصَرتَهُمْ قَدْ حَارَبُوا النَّوْمَ وَارْتَدُوا بِأَرْدِيَةِ النُّسَاكِ وَاسْتَقْرَبُوا الْبُعْدًا
فَصَامُوا نَهَارًا دَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرُوا عَلَى بُلَغَ الْأَقْوَاتِ وَاسْتَعْمَلُوا الْكَدًا) أُولَئِكَ قَوْمٌ أَحْسَنَ اللَّهُ فِعْلَهُـ فَأَبْدَلَهُمْ مِنْ حُسْنِ فِعْلِهِم الْخُلْدَا
(1) [لم نجده بهذا اللفظ، ورد بلفظ: «السواك يزيد في الحفظ. انظر: إحياء علوم الدين 133/ 1]. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: فَمَا صَحِبُوا الأَيَّامَ إِلا تَعْفُفًا وَمَا وَجَدُوا مِنْ حُبِّ سَيْدِهُمْ بُدًا أفَاضِلُ صِدِّيقُونَ أَهْلُ ولآيَةٍ إِلَى سَيِّدِ السَّادَاتِ قَدْ جَعَلُوا الْقَصْدَا تَحَلَّلَ عَقْدُ الصَّبْرِ مِنْ كُلِّ صَابِرٍ وَمَا حَلَّتِ الأَيَّامُ مِنْ عَزْمِهِمْ عَقْدَا (1/252)
صفحة 253
كتاب
253
الوضع
(1)
وكَانُوا يَقُولُونَ (1): مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، وَمِنَ الْحَجِّ إِلَى الْحَجِّ، وَمِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الصَّلاةِ إِلَى الصَّلاةِ؛ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا لِمَن اجتَنَبَ الْكَبَائِرَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَالَ فَضْلَ رَمَضَانَ فَلْيَعْرِفْ حُرْمَتَهُ، وَلْيَحْفَظُ فِيهِ
(2)
لِسَانَهُ عَنْ فُضُولِ الْكَلاَمِ الْقَبيحِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ (2) وَالْكَذِبِ، وَلْيَحْفَظُ جَوَارِحَهُ كُلَّهَا عَنِ الْمَحَارِمِ، وَلْيُطَيِّب (3) مَطْعَمَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَدَارُ، وَبِهِ صَلَاحُ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقِيقًا أَنْ يَنَالَ فَضْلَ رَمَضَانَ، وَيَتَقَبَّلَ اللَّهُ
صَوْمَهُ وَقِيَامَهُ.
(1) يَقُولُونَ: هَذَا مِنَ الْمُصَنِّف؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهَا أحادِيثُ مَشْهُورَةٌ، وَمِنْهَا الصَّحِيحَةُ [انظر أحمد ر 7129، ومسند الحارث بزوائد
:
الهيثمي، ر 605]. (2) فُضُولُ الْكَلام: اللَّغْرُ وَاللُّجَاجُ وَالْهَزْلُ وَمَا قَدْ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ وَالْقَبِيحُ الْفُحْشُ وَالْغَيبَةُ: ذِكْرُ الْمُؤْمِنِ بِمَا يَكْرَهُ. وَالنَّمِيمَةُ؛ وَهِيَ أَسْنَعُ الصَّفَاتِ: السَّعْيُ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الإِفْسَادِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ هَذِهِ السَّنْعَاءَ النَّافِئَةَ فِي الْعقْدِ، وَكَمْ مِنْ عُقْدَةٍ فَصَمَتْهَا وَشَتَتْ أَهْلَهَا، لِهَذَا يَقُولُ أَبُو نَصْرِ الْمَلوشَائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا النَّمِيمَةُ الْقَوَاطِعُ إِنَّهَا لَكَالنَّيْلِ فِي الْأَهْدَافِ دِرْعٌ وَجَنن (3) يُطَيِّبُ: يَجْعَلُهُ حَلالاً طَيِّبًا. (1/253)
صفحة 254
[صفحة فارغة] (1/254)
صفحة 255
فَصْلٌ
في ثبوت دخول شهر الصيام]
ويجب صِيَامُ رَمَضَانَ بِدُخُولِ الشَّهْرِ، وَدُخُولُهُ يَصِحُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاء. أَحَدُهَا: رُؤْيَةُ الْهِلَالِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ الْبُخَارِي، (1810، وَمُسلِم، (2567]، وَالثَّانِي: الشَّهَادَةُ) عَلَى دُخُولِهِ، وَالثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ ثَلاثِينَ يَوْمًا مِنْ شَهْرٍ شَعْبَانَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا [الْبُخَارِيُّ، (1808، وَالنَّسَائِيُّ، ر 2124].
وتَنْقَسِمُ الشَّهَادَةُ بِدُخُولِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: شَهَادَةُ الْأَمِينِ الْوَاحِدِ، أَجَازُوهَا عَلَى الصَّوْمِ دُونَ الإِفْطَارِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "قُمْ يَا بِلَالُ وَأَذَنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا" (أبو دَاوُدَ، (2342، وَالتَّرْمِذِيُّ، (691].
(1) الإخبارُ بِمُشَاهَدَتِهِ، لأَنَّ هَذَا الإخبار روَايَةٌ لاَ شَهَادَةٌ، إذِ الشَّهَادَةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا تَفَعُ فِيهِ الحكومة ويتعلق بالذَّمَّةِ مِنَ الْحَقُوقِ، كَمَا حَقَّقَهُ قُطْبُ الأَئِمَّةِ، وَضَبَاءُ الدِّينِ النَّمِينِي وَبَدْرُ الدِّينِ السَّمَاخِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ بَيْدَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَطْلَقُوا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ؛ رَفْعًا لِشَأْنِهَا لِكَيْ يَعْتَمِدَ النَّاسُ عَلَى التَّأْتِ فِيهِ، وَفِي رُوَاتِهَا ثِقَةٌ وَأَمَانَةٌ [انظر: شرح النيل 239/ 13]. (1/255)
صفحة 256
كتاب
256
الوضع
وَالثَّانِي: شَهَادَةُ الْعَدلَيْنِ، أَجَازُوهَا عَلَى الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ جَمِيعًا. وَالثَّالِثُ: الإِشْهَارُ، وَيَكُونُ بِثَلاثَةٍ فَصَاعِدًا (1) إِذَا لَمْ
(1) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ الْمُحَيِي: لَكِنْ فِي كَوْنِ الثَّلاثَةِ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ يَحْصُلُ بِهِمُ التَّوَاتُرُ الَّذِي يُوجِبُ الْعِلْمَ نَظَر، لأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ تَرَكْنَا وَصِحةَ الْيَقِينِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةً فَكَيْفَ يَصحُ الْعِلْمُ بِثَلاثَةٍ، وَأَيْضًا قَدْ يُقَالُ: الْأَمِينَانِ أَبْلَعُ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ، بدليل أنَّ الأمِينَيْنِ لا تُدْفَعُ شَهَادَتْهُمَا إِذَا وَقَعَ الإِنْكَارُ، بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ. إهـ. [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ ص 400]. وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ أَنَّ أَمْرَ الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ خَبَرٌ لَا شَهَادَةٌ، مَا دَامَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْعِبَادَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ مَخلُوقِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِمُدَّعِي الرُّؤْيَةِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ رِيبَةٌ فِي حَقِّهِ؛ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِلا فَهُوَ خَبَرٌ مَرْجِعُهُ التَّصْدِيقُ وَانْتِفَاءُ الرِّيبَةِ، وَلِذَلِكَ قَبلَ النَّبِيُّ خبرَ الْوَاحِدِ فِي نُبُوتِ هِلاَلِ رَمَضَانَ، وَلِذَلِكَ قَبلَ قَوْلَ أَهْلِ الْجُمْلَةِ، وَلِذَلِكَ قُبل الْخَبَرُ بالتليفون والتيليغرَافِ وَالْمِدْيَاعِ فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَالْحَجِّ، وَإِلَّا فَالشَّهَادَةُ لَا تقْبَلُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، قَالَ الشَّيْخُ خَلْفَانُ بْنُ جَمِيلِ السَّيَابِيُّ فِي هَذَا الشَّأْنِ:
إِلَى أَنْ قَالَ:
أَمَا لَوْ سَمِعْتُ مَنْ تَكَلَّمَا فِيهِ وَقَدْ عَرَفْتُ ذَاكَ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ صَوْتُ فُلان قَطعا وَتَعَرَّفْتُهُ بالوتُوقِ شَرْعًا فَهَا هُنَا جَازَ لَكَ الْأَخْذُ بِهِ وَهُوَ عَلَيْكَ حُجَّةٌ فَانْتَبِهْ
وَالْفِطْرُ بِالْوَاحِدِ لا يَصحُ وَقَالَ بَعْضُ قَوْمِنَا: يَصحُ وَلَيْسَ يَحْلُو قَوْلُهُمْ مِنْ حَقٌّ لَأَنَّهُ حَقٌّ لِرَبِّ الْخَلْقِ خَلْفَانُ بْنُ جَمِيل السيابي (1308 هـ – 1889 م / 1392 هـ - 1972 م) أَبُو يَحْيَى، مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَعِبُوا دَوْرًا قِيَادِيًا فِي التَّارِيخِ الْعُمَانِيِّ الْحَدِيثِ، لَهُ عِدَّةُ مُؤَلَّفَاتِ؛ مِنْهَا: سلْكُ الدُّرَرِ الْحَاوِي غُرَرَ الأَثَرِ، وَجِلاَءُ الْعَمَى مَعَ شَرْحُهَا، وَفُصُولُ الأُصُولِ، وَغَيْرُهَا. ذَكَرَ الأَبْيَاتِ السَّابِقَةَ فِي سَلْكِ الدُّرَرِ الْحَاوِي غُرَرَ الأَثَرِ، 275/ 1]. (1/256)
صفحة 257
كتاب
257
25 الوضع
يُسْتَرَابُوا (1) (2) وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ. وَلَا تَجُوزُ عَلَيْهِ شَهَادَةُ مُشْرِكِ، وَلَا طِفْلٍ،
وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا نِسَاءِ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ.
(1) لَمْ يُسْتَرَابُوا: أَيْ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ رِيبَةٌ بِأَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَهَاوَنُ بِأَمْرِ الدِّينِ، أَوْ كَانَ لَهُ هَدَفٌ يَرْمِي إِلَيْهِ بِحُلُول الشهر، أَوْ بإدبار، كَحُلُول الدين، أو انْتِهَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ لِيَتَزَوَّجَهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ فَافَهُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، وَتَثَبِّتْ وَابْتَعِدْ عَنِ الشَّبُهَاتِ. أَ (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظَّنَّة [البيهقي، (20647، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، (29705]، أَي الْمُتَّهَم فِي دِينِهِ، وَمِنَ الرِّيبَةِ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ رَأَوْهُ وَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الْغَمَامِ، أَوْ كَانُوا فِي مَوْضِع مُستَتِرٍ عَنْ مَوَاضيع الأهِلَّةِ، أَوْ كَانُوا فِي حَبْس، أَوْ مَنْ جَرَّ إِلَى نَفْسِهِ مَنْفَعَةٌ مِثْلَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُتَعَلِّقٌ إِلَى رُؤْيَةِ الهلال، وكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ، وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّ جَمِيعَ مَنْ جَرَّ إِلَى نَفْسِهِ مَنْفَعَةٌ، أَوْ دَفَعَ عَنْهَا مَضَرَّةٌ، لَمْ تُجْزْ شَهَادَتُهُ أَمِينًا كَانَ أَوْ غَيْرَ أَمِينٍ إهـ انْظُرُ: السَّمَاخِيُّ: الإِيضاح 153/ 2]. قَالَ الأستاذ الشيخ بيوض: مِنَ الرِّيبَةِ ادْعَاءُ الرُّؤْيَةِ فِي وَقْتِ يَنْفِي عِلْمُ الْفَلَكِ فِيهِ وُجُودَ الهلال، أَيْ تَخَلَّفَهُ عَن الشَّمْسِ وَانْفِصَالُهُ عَنْهَا، لأنَّ حِسَابَ الْفَلَكِ مَبْنِي عَلَى عِلْمٍ دَقِيقِ
لا يقبلُ الْجَدَلَ بُكَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّيْحُ بِالْحَاجِ: فَتَاوَى الشَّيْخِ بَيوض 271/ 1]. (1/257)
صفحة 258
[صفحة فارغة] (1/258)
صفحة 259
فَصْلٌ فِي فَرْضِ الصيام]
أَوَّلُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ يَصُومُونَهُ، وَيَصُومُونَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ حَتَّى نَزَلَ فَرْضُ
شَهْرٍ رَمَضَانَ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَأَيَّامٍ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ قَبْلَ الإِسْلامِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ؛ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ (مُسْلِم، (2695،
وأحمد، (6292]، ولَكِنْ فِي صِيَامِهِ ثَوَابٌ عَظِيمٌ.
[فصل في معنى رمضان]
وَاختَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى رَمَضَانَ: فَقَالَ قَوْمُ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ: شَهْرُ رَمَضَانَ؛ كَمَا يُقَالُ: شَهْرُ اللَّهِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لاَ تَقُولُوا رَمَضَانَ، وَلَكِنِ انْسَبُوهُ كَمَا نَسَبَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ:
شَهْرُ رَمَضَانَ الْبَيْهَقِيُّ، ر 7693، والدَّيْلَمِيُّ، (7433]، وَقَالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ رَمَضَانَ (1/259)
صفحة 260
كتاب
260
الوضع
لِرَمضِ الْفِصَالِ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ، وَقَالَ قَوْمٌ لِرَمَضِ الْحِجَارَةِ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ، وَالرَّمْضَاءُ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ. وَقِيلَ: لأَنَّهُ يَرْمُضُ الذُّنُوبَ؛ أَي يُحْرِقُهَا ويُذهِبُهَا. وَقِيلَ: الرَّمَضُ مَطَرُ يَأْتِي فِي الْخَرِيفِ يَغْسِلُ الْأَرْضِ، فَسُمِّيَ هَذَا الشَّهْرُ رَمَضَانَ؛ لأَنَّهُ يَغْسِلُ الْأَبْدَانَ مِنَ الذُّنُوبِ غَسْلاً، وَيُطَهِّرُ قُلُوبَهُم بَهُمْ تَطْهِيرًا.
[فصل في وقت الإمساك]
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ الصَّوْمُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فِي ابْتِدَاءِ الإِسْلَامِ مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَفْطَرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ حَلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجَمَاعُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، أَوْ يَنَامَ قَبْلَهَا، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْ رَقَدَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ؛ حُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاء إِلَى اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ وَاقَعَ أَهْلَهُ بَعْدَ مَا صَلَّى الْعِشَاءَ، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ يَبْكِي وَيَلُومُ نَفْسَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ وَإِلَى اللَّهِ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ الْخَطِيئَةَ، إِنِّي رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي بَعْدَ مَا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ، فَوَجَدْتُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَأَرَدْتُهَا، فَقَالَتْ: قَدْ صَلَّيْتُ وَنِمْتُ، فَلَمْ أُصَدَّقْهَا، فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَوَاقَعْتُهَا، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُحْصَةٍ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَا كُنت جَدِيرًا بِذَلِكَ يَا عُمَرُ. فَقَعَدَ عُمَرُ مَعْمُومًا مَحْزُونًا، فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاعْتَرَفُوا بِمَا فَعَلُوا بَعْدَ النَّوْمِ مِنْ غَشَيَانِ النِّسَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَا بِكُمْ (الْبَقَرَة: 187)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَوْبَتُنَا؟ وكَيْفَ الْمَخْرَجُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (الْبَقَرَة: 186) [الزَّيْلَعِيُّ: تَخْرِيجُ (1/260)
صفحة 261
كتاب
261
الوضع
الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ فِي تَفْسِيرِ الْكَشافِ، (82]. وَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَبِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي، فَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالإِنْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثِ؛ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْجَمَاعَ
عبدالرزاق، ر 10826].
قَالَ الشاعر:
فَظَلْنَا هُنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ وَكُلُّ الْمَلَذَّاتِ غَيْرَ الرَّفَتِ
وَقَالَ بَعْضُ: الرَّفَثُ الْفُحْسُ وَالْقَبِيحُ مِنَ الْقَوْلِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: وَرُبَّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُلَّم عَنِ اللَّغَا وَرَقَتِ التَّكَلُّم
وَقَالَ بَعْضُ: الرَّفَثُ كُلُّ مَا يُرِيدُهُ (2) الرَّجُلُ مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَيُرَيْنَ (3) مِنْ أُنْسِ الْحَدِيثِ زَوَانِيَا وَبِهِنَّ عَنْ رَبِّتِ الرِّجَالِ نِفَارُ
روره
(1) رُبَّ لِلتَّكْثِيرِ: أَي كَثِيرٌ مِنْ أَسْرَاب؛ أَي: جَمَاعَاتِ مِنَ الْحَجِيمِ، كُلِّم: سَاكِنُونَ عَنِ الْقَوْلِ
الْبَاطِلِ، وَالْفُحْشِ فِي الْكَلَامِ.
(2) يُرِيدُهُ مِنَ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ.
(3) يُظهِرْنَ مِنْ حَدِيثِهِنَّ الْمُؤنِسِ كَأَنَّهُنَّ زَوَانٍ، وَلَكِنَّهُنَّ ذَوَاتُ نِفَارٍ مِنْ طَلَبِ الرَّجُلِ، وَهُوَ
الْجِمَاعُ يَصِفُهُنَّ بِالْعِفَّةِ. (1/261)
صفحة 262
[صفحة فارغة] (1/262)
صفحة 263
و
فَصْلٌ في اشتراط النية في الصوم]
وَلَا يَصحُ الصَّوْمُ إِلا بِالنِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصَّيَّامَ مِنَ اللَّيْلِ النَّسَائِي، (2640، وَالْبَيْهَقِي، (7698]، وَمَنْ قَالَ: رَمَضَانُ كُلُّهُ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَتُجْزِيهِ النِّيِّةُ لِصِيَامِهِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلَةِ مِنْهُ، وَمَنْ قَالَ: كُلِّ يَوْمٍ مِنْهُ فَرِيضَةٌ؛ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِي كُلٌّ لَيْلَةٍ، وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
[الأيام المنهي صومها]
وَلا يَجُوزُ الصَّوْمُ فِي أَربَعَةِ أَيَّامٍ، أَحَدُهَا: يَوْمُ الشَّكَ، وَهُوَ يَوْمُ ثَلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكَ، فَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ الربيع، (323، وَالْبُخَارِي، (1807]. وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: يَوْمُ الْفِطْرِ مِنْ شَوَّالَ، وَيَوْمُ الأَضْحَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ هُ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ (1/263)
صفحة 264
كتاب
264
الوضع
صِيَامِهِما، يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ (الربيع، ر 325، وَالْبُخَارِي، (1889].
وَالرَّابِعُ: صَوْمُ اللَّيْلِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْوِصالِ الربيع، (326، وَالْبُخَارِي، (1861]؛ وَهُوَ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ صَوْمَ النَّهَارِ بِصِيَامِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا الصَّيَامُ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يتبين لكرة الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} (الْبَقَرَة:
(187
وكَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلَى مَا ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ؛ ظَلَّ نَهَارَهُ يَعْمَلُ فِي أَرْضِ لَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا أَمْسَى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لَهَا: قَدِّمِي الطَّعَامَ، فَأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُطْعِمَهُ شَيْئًا سَخِينًا، فَأَخَذَتْ تَصْنَعُ لَهُ، وَكَانَ الصَّوْمُ الْأَوَّلُ إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ الْعِشَاءَ أَوْ نَامَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالسَّرَابُ وَالْحِمَاعُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ عَمَلِ الطَّعَامِ وَجَدَتْهُ قَدْ نَامَ مِنَ الْعَيَا وَالْكَلَل (1)، فَأَيْقَظَتْهُ، فَكَرِهَ أَنْ يَعْصِيَ وَرَسُولَهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، فَأَصْبَحَ صَائِمًا مَجْهُودًا، فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَأَىهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَا أَبَا قَيْس مَا لَكَ أَصْبَحْتَ طَلِيحًا (2) (3)، فَقَالَ لَهُ: ظَلَلْتُ أَمْشِي فِي النَّحْلِ
الله
(1) کلل: كَذَا فِي الأُصُولِ، وَالْمُرَادُ الْكَلالُ، وَهُوَ الْعَيَا، عَطْفٌ مُرَادِفِ. (2) الطَّلِيحُ: الْهَزِيلُ مِنَ التَّعَبِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ طَلِيحُ أَسْفَارِ، إِذَا أَجْهَدَهَا السَّيْرُ وَهَزَلَهَا. (3) [رُوِيَ بِلَفْظِ: "يَا أَبَا قَيْسٍ مَا لَكَ أَمْسَيْتَ طَلِيحًا؟ وَلَّمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ، انْظُرْ تَفْسِيرَ الطبري، 502/ 3، وَتَفْسِيرَ الْبَغَوِيُّ، 208/ 1]. (1/264)
صفحة 265
265
الوضع
(1)
نَهَارِي كُلَّهُ أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ (1) حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْعِمَنِي شَيْئًا سَخِينًا، وَأَبْطَاتْ عَنِّي، فَنِمْتُ وأَيْقَظُونِي وَقَدْ حُرِّمَ عَلَيَّ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَطَوَيْتُ، فَأَصْبَحْتُ مِنْ يَوْمِي وَقَدْ أَجْهَدَنِي الصَّوْمُ. فَاغْتَمَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ الْبُخَارِي، ر 1816، وَالتَّرْمِذِي، (2968]، يَعْنِي بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
الْخَيْطُ الأَبيضُ وَقْتُ الصُّبْحِ مُنْصَدِعٌ وَالْخَيْطُ الأَسْوَدُ جَوْنُ اللَّيْلِ مَرْكُومُ (2)
وَقَالَ آخَرُ:
فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سُدْقَةٌ وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطُ أَنَارَ (3)
،
وقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ لِعَدِي بْنِ حَاتِمٍ حِينَ عَلَّمَهُ الصَّوْمَ، فَقَالَ لَهُ: "صُمْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَكُلْ وَاشْرَبْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ، وَهُمْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى الْهِلَالَ قَبْلَ
(1) الْجَرِيرُ: الْحَبْلُ يُجْعَلُ لِلْبَعِيرِ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ مَفْتُولُ مِنْ آدَمَ، وَيُحْطَمُ بِهِ أَيْضًا. وَالْجَرِيرُ: الْحَبْلُ، وَالْمُرَادُ يُسْتَقَى بِالْحَبْلِ لِرِي النَّخْلِ. (2) مُنْصَدِعٌ: مُنشَقِّ، وَالْجَوْنَ هُنا بمعنى الأَسْوَدِ، وَهُوَ مِنَ الْأَصْدَادِ، يُطْلَقُ عَلَى الْأَبْيَض والأسودِ، وَمَرْكُومٌ: بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ (3) السُّدْفَةُ بِالصَّمُ وَالْفَتْح: الظُّلْمَةُ فِي لُغَةِ نَجْدٍ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمُ الضَّوْءُ؛ وَهُوَ مِنَ الْأَصْدَادِ،
ولاح: ظهر (1/265)
صفحة 266
كتاب
266
الوضع
ذَلِكَ. قَالَ عَدِيٍّ: فَأَخَذْتُ خَيْطَيْنِ مِنْ شَعْرِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِيهِمَا فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي شَيْءٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ، وَقَالَ: "يَا ابْنَ حَاتِمٍ، إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ أحمد، (19394، وَمُستَدُ الصَّحَابَةِ، 142/ 48]. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، وَغَابَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُل البُخَارِيِّ، (1853، وَمُسلِم، (2612]. (1/266)
صفحة 267
فَصْلٌ في رخصة الإفطار وأحكام أصحاب الأعذار]
اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ رُحْصَةَ لأَحَدٍ مِنَ الْبَالِغِينَ فِي إِفْطَارِ شَهْرٍ رَمَضَانَ بَعْدَ وُجُوبِهِ، إِلا مَا اسْتَخَصُّوهُ مِنْ أَربَعَةِ أَصْنَافِ صِنْفٌ عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة (1)، وَصِنْفٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَصِنْفٌ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ، وَصِنف لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
فأَما الصَّنْفُ الأَوَّلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ فَهُمْ أَرْبَعَةُ: الْحَوَامِلُ الْخَائِفَاتُ مِنَ الإِسْقَاطِ، وَالْمَرَاضِعُ الْخَائِفَاتُ عَلَى أَوْلَادِهِنَّ، فَإِنَّهُنَّ يَأْكُلْنَ؛ وَيُطْعِمْنَ لِكُلِّ يَوْمٍ أَكَلْتَهُ مِسكينًا، فَإِذَا أَمِنَّ قَضَيْنَ مَا أَكَلْنَهُ، وَالْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ الْمُضَيَّعُونَ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَضَاءِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ رمَضَانُ الثَّانِي، فَإِنَّهُمْ يَصُومُونَ الْحَاضِرَ؛ وَيُطْعِمُونَ عَلَى كُلِّ يَوْمٍ أَكَلُوهُ مِنَ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: يُعَبِّرُ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِالْكَفَّارَةِ، يَعْنِي بِهَا الإِطْعَامَ، أَيْ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ فِيهِ أَوْ ضَيَّعَ قَضَاءَهُ أَحَدُ ذَوِي الأَعْذَارِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا حَسَبَ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْكَفَّارَةَ لَتَعَلَّقَت بالدمة حتَّى وَلَوِ انْصَرَمَ الشَّهْرُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَوِ انْصَرَمَ شَهْرُ رَمَضَانَ عَنْ هَؤُلاَءِ وَلَمْ يُطْعِمُوا لَلَزِمَ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ حِينًا وَسَقَطَ الإطعام. (1/267)
صفحة 268
كتاب
268
الوضع
الْمَاضِي مِسكينًا؛ غَدَاءً وَعَشَاء، فَإِذَا انْسَلَخَ الْحَاضِرُ صَامُوا الأَيَّامَ الَّتِي أَطْعَمُوا عَنْهَا الْمَسَاكِينَ، وَلاَ يَكُونُ الإِطْعَامُ إِلا عَلَى مَنْ ضَيَّعَ الْقَضَاءَ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُضيعُ وَدَامَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ أَوِ السَّفَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الإِطْعَامُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بَعْدَ انْسِلَاحَ الْحَاضِرِ.
وَأَمَّا الصَّنْفُ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ فَأَرْبَعَةٌ: الْمَرْضَى، وَالْمُسَافِرُونَ؛ إِذَا لَمْ يُضَيِّعُوا الْقَضَاءَ، وَالثَّالِثُ الْحَائِضِ، وَالرَّابِعُ النُّفَسَاءُ. وَأَمَّا الصنف الَّذِي عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهُمُ الشَّيْخُ الْهَرِمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ والثَّانِي الْعَجُوزُ الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ، وَالثَّالِثُ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ. وَأَمَّا الصِّنْفُ الَّذِي لَا و (1) قضاءً عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ: فَالْمَجَانِينَ)
(1) الْمَجَانِينُ: أَي الَّذِينَ أُصيبُوا بِالْجُنُونِ قَبْلَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُفِيفُوا مِنْ جُنُونِهِمْ حَتَّى خَرَجَ رَمَضَانُ، فَهَؤُلاء غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِمَا فَاتَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ. (1/268)
صفحة 269
فَصْلٌ في مفسدات الصوم ومكروهاته]
اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ يُفْسِدُهُ ثَمَايِنَةُ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: كُلُّ حِسْمٍ وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ بِالْعَمْدِ مَأْكُولاً كَانَ أَوْ مَشْرُوبًا، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ؛ سَوَاءٌ مِنْ أَيِّ مَدْحَلٍ دَخَلَ إِلَى الْجَوْفِ، مِنْ فَمِ أَوْ أَنْفِ أَوْ أُذُنِ) أَوْ عَيْنٍ أَوْ جُرْح (3) أَوْ فَرْجِ أَوِ احْتِقَانِ (3) وَالثَّانِي: الْجِمَاعُ بِالنَّهَارِ عَمْدًا، سَوَاءٌ كَانَ بَالْإِنْسِ أَوْ بالْبَهَائِمِ، سَوَاءٌ مَعَ الذَّكَرِ أَوْ مَعَ الأُنْثَى، أَمْنَى أَوْ لَمْ يُمْنِ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا وَالثَّالِثُ: الاسْتِمْنَاءُ بِالْمَنِي نَهَارًا بِالْعَمْدِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بِاللَّمْسِ النَّظَرِ أَوِ الاسْتِمَاع أَوِ السَّم؛ أوِ التَّمَنِّي بِالْقَلْبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا أَوْ
(1) الأُذُنُ لا تُوصِلُ إِلَى الْجَوْفِ، وَالْعَيْنُ تُوصِلُ بِوَاسِطَةِ الْقَنَاةِ الدَّمْعِيَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ رَحْصُوا فِي الكحل؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُغَنِّي، وَعَلَى نَسَقِهِ قَطْرَةُ الدَّوَاءِ فِي الْعَيْنِ عَلَى هَذَا.
(2) الْجُرْحُ إِذَا كَانَ نَافِذَا إِلَى الْجَوْفِ وَوُضِعَ فِيهِ دَوَاءٌ مُعَلِّ، انْتَقَضَ الصَّوْمُ (3) الاحْتِفَانُ بِأَيِّ مَادَّةٍ مِنَ الدُّبُرِ - لاَ مِنَ الْقَبلِ لأَنَّهُ غَيْرُ نَافِذِ إِلَى الْجَوْفِ - نَاقِضِ لِلصَّوْمِ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الاحْتِقَانُ مُطْلَقًا غَيْرُ نَافِذٍ إِلَى الْجَوْفِ، فَإِنَّهُ قَوْلُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ الْحَقِّنُ تَحْتَ الْجِلْدِ بِفَيْنَامِينِ التَّغْذِيَةِ؛ فَإِنَّهُ نَاقِضُ لِلصَّوْمِ قَطْعًا، وَأَمَّا الْحَقْنُ بِمَادَّةٍ أُخْرَى تَحْتَ الْجِلْدِ فَلَا نَقْضَ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَادَّةٌ مُخَدِّرَةٌ فَإِنَّهَا حَرَامٌ نَاقِضَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1/269)
صفحة 270
كتاب
270
الوضع
حَرَامًا. وَالرَّابِعُ: تَضيعُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ (1) أَوِ الْحَيْضِ أَوِ النَّفَاسِ حَتَّى يُصْبحَ). وَالْخَامِسُ: تَضِيعُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ أَوِ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ بِالنَّهَارِ، مِقْدَارَ مَا يَغْتَسِلُ فِيهِ. وَالسَّادِسُ: الارْتِدَادُ إِلَى الشِّرْكِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ.
(3)
وَالسَّابِعُ: الإِفْطَارُ عَلَى الْحَرَامِ مِنَ الْمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ أَكْلِ
(1) تَضيعُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ حَتَّى يُصْبِحَ؛ نَاقِضِ لِلصَّوْمِ، لِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ الْحُجَّةُ الْحَافِظُ الربيع بن حَبِيبٍ فِي صَحِيحِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَصْبَحَ جَنْبًا أَصْبَحَ مُفْطِرًا". وَمَا رَوَاهُ قَوْمَنَا يَرُدُّهُ هَذَا السَّنَدُ الصَّحِيحُ، وَيُؤَيَّدُهُ أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ، وَالْجَنَابَةُ حَدَتْ، فَلَا تَصِحُ الْعِبَادَةُ مَعَ الْحَدَثِ، كَالصَّلَاةِ لَا تَصِحُ مِنْ غَيْرِ الْوُضُوءِ، فَقَوْمُنَا لَمْ يَتْنَبِهُوا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي أَدْرَكَهَا أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
ووه
(2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: مَنْ أَصْبَحَ جنبًا أَصْبَحَ مُفْطِرًا" [الربيع، (315] أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَالْتَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} (الْبَقَرَة: 187) فَهِيَ إِذْن بِالْمُبَاشَرَةِ طُولَ اللَّيْلِ، حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ إِلا مِقْدَارُ مَا يَغْتَسِلُ فِيهِ فَيَكُفَّ، فَهِيَ عُمُومٌ مُخَصَّص، وَلَمْ يَخْرُجْ وَالْمُخَصَّصَ إِلا مِقْدَارًا ضَئيلاً مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ، وَالْحَالُ أَنَّ هنَالِكَ عُمُومَاتٍ خُصَّصَتْ مِنْهَا أَجْزَاء صَخَمَةٌ، ويَبْقَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَى يَتَبَيَّنَ لكم الخيط الأبيض من الخيط الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ عَلَى عُمُومِهِ، وَالَّذِينَ يَحْتَجُونَ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَصْبَحَ جُنَّبًا وَاغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَبُو دَاوُدَ، 2391، وَأَحْمَدُ، ر 26125]، فَعَلَى فَرْضِ صِحَةِ الْحَدِيثِ، يَكُونُ الْمَصِيرُ إِلَى الأَخذِ بِالْقَوْلِ؛ لأَنَّهُ مُرَبَّحٌ عَلَى الْفِعْلِ، فِعْلُهُ إِنَّ صَحَ لَا يَخْلُو مِنَ احْتِمَالَاتِ أَخِرُهَا الْخُصُوصِيَّةُ، فَيَتَعَيَّنُ الْأَخِذُ بِالْقَوْلِ، هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ كَالصَّلَاةِ، لا يَصِحُ عَمْدُ التَّلَبُسِ بِحَالِ نَجَاسَةٍ كُبْرَى، مِنْ حَدَثٍ جَنابَةٍ أَوْ حَيْضِ أَوْ نِفَاسِ، وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ جَعَلُهُ لَا يَنْتَقِصُ بِالاحْتِلامِ؛ لأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الطَّاقَةِ، بَلْ أَوْجَبَ الْمُسَارَعَةَ إِلَى الاعْتِسَالَ، وَعَفَا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْيَسِيرِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ جِدًّا لأَنْفَاسِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ، وَالدِّينُ يُر (3) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مُضطَرًا لِتَنْجِيَةِ نَفْسِهِ مِنَ الْمَوْتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفِ لإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الْمَائِدَة: 03). وكَذَلِكَ الارْتِدَادُ بِالْقَوْلِ إِنْ كَانَ
ويؤيد
مُكْرَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِلَّا مَنْ أُكْرِة) (النحل: 106). (1/270)
صفحة 271
كتاب
271
الوضع
أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْعَمْدِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ. وَالثَّامِنُ: فِعْلُ الْكَبَائِرِ كُلِّهَا مِنَ الْمَعَاصِي؛ قِيَاسًا عَلَى مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: الْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ يُفْطِرَانِ الصَّائِمَ، وَيَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ [الربيع، (105].
واختَلَفُوا فِي أَربَعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: الْقَيْء بِالنَّهَارِ عَمْدًا، وَالثَّانِي: الْقُبْلَهُ بِالنَّهَارِ، وَالثَّالِثُ: بَلْعُ مَا طَلَعَ مِنَ الصَّدْرِ مُنْعَقِدا (1)، وَالرَّابِعُ: بَلْعُ مَا نَزَلَ مِنَ الرأس منعقدم (2).
وكَرِهُوا لِلصَّائِمِ أَربَعًا، فَإِنْ فَعَلَهُنَّ فَلَا بَأْسَ؛ إِحْدَاهُنَّ: الْحِجَامَةُ بالنَّهَارِ. وَالثَّانِيَةُ: السَّوَاكُ، وَالثَّالِثَةُ: تَقْلِيمُ الْأَطْفَارِ. وَالرَّابِعَةُ: تَزْعُ الشَّعْرِ مِنْ
مواضعه.
وَرَخَصُوا لأَربَعَةِ؛ أَحَدُهُمْ الْمُتَطَهِّرُ لِلصَّلاةِ، إِذَا بَلَعَ الْمَاءَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ (3) مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ. وَالثَّانِي: الْمَاضِعُ لِلطِّفْلِ؛ إِذَا نَزَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ. وَالثَّالِثُ: الْمُجَامِعُ أَوِ الآكِلُ نَاسِيّا. وَالرَّابِعُ: الْمُكْرَهُ عَلَى الأَكْلِ وَالشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ، وَقَالَ بَعْضٍ فِي النَّاسِي
الْمُجَامِعِ: يُعِيدُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
(1) ولَعَلَّ صِحةَ الْعِبَارَةِ: مُتَعَمدم.
(2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: التَّعْبِيرُ بِالْمُنْعَقِدِ تَبْسِيرُ مِنَ الْمَسَائِحَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، لأَنَّ مَا لَيْسَ مُنْعَقِدا مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الرِّيقِ، وَلَعَلَّ الشَّرِيعَةَ السَّمْحَةَ تَتَسَامَحُ حَتَّى فِي الْمُنْعَقِدِ، لأَنَّ ذَلِكَ دَاخِلَ الْفَمِ كَالرِّيقِ، قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ الإِنْسَانُ مِنَ الاحْتِرَازِ مِنْهُ وَالدِّينُ يُسْرٌ
(3) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: أَيْ إِذَا سَبَقَهُ الْمَاء إِلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ. (1/271)
صفحة 272
كتاب
272
الوضع
أحكام من زال عذر إفطارهم في نهار رمضان]
وأَرْبَعَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ صَوْمُ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، فَإِنْ لَمْ يَصُومُوهُ هَلَكُوا وَعَلَيْهِمُ الْكَفَّارَةُ وَالإِعَادَةُ، أَحَدُهُمْ: الْمُشْرِكُ إِذَا أَسْلَمَ نَهَارًا؛ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ بَقِيَّةٌ. وَالثَّانِي: الطِّفْلُ إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ نَهَارًا، وَالثَّالِثُ: الْمَجْنُونُ إِذَا أَفَاقَ نَهَارًا. وَالرَّابِعُ: الآكِلُّ يَوْمَ السَّكُ ثُمَّ صَحَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا طَهُرَنَا نَهَارًا، فَإِنَّهُمَا تَكُفَّانِ عَنِ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ، فَإِنْ لَمْ تَكُفَّا فَلا بَأْسَ، وَعَلَى الْجَمِيعِ الإِعَادَةُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ مَنْ صَامَهُ
وَمَنْ لَمْ يَصُمْهُ.
وَأَمَّا الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرُ إِذَا كَانَا مُفْطِرَيْنِ، ثُمَّ صَحَ الْمَرِيضُ، وَقَدِمَ الْمُسَافِرُ فِي بَقِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ؛ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِمَا فِي أَكْلِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، إِذَا أكلاً قَبْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْمُشْرِكِ إِعَادَةُ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ إِذَا أَسْلَمَ فِي بَعْضِ وَأَمَّا الطَّفْلُ وَالْمَجْنُونُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إِلَّا مَا أَدْرَكَا (2) مِنْ رَمَضَانَ.
(1) هَذَا الْقَوْلُ بِنَاء عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ الْمُشْرِكَ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، ولَكِنَّ الْحَدِيثَ: الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مُسلِم، (173، وَأَحْمَد، ر 17861]، أَسْقَطَ
عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ عَامٌ لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا.
(2) أدركا: أَيْ بِبُلُوغِ الطِّفْلِ وَإِفَاقَهِ الْمَجْنُونِ (1/272)
صفحة 273
كتاب
273
الوضع
الخلاف في قضاء المغمى عليه الصلاة والصيام]
وَاختَلَفُوا فِي الْمُعْمَى عَلَيْهِ عَلَى أَربَعَةٍ أَقْوَال؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعِيدُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ يُعِيدُهُمَا جَمِيعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعِيدُ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ دُونَ الصَّوْمِ.
حكم من أفسد رمضان متعمدا]
وَمَنْ أَفْسَدَ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَزِمَهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْهَلَاكُ، وَالْكُفْرُ (1) (2)، وَالْكَفَّارَةُ، وَالْقَضَاءُ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ بِالتَّضيعِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ بِالشَّبْهَةِ لَزِمَهُ إِعَادَةُ مَا أَفْسَدَهُ دُونَ مَا مَضَى.
(1) تَقَدَّمَ أَنَّ الْهَلَاكَ: الْمُرَادُ بِهِ الْوُقُوعُ فِي إِثْمٍ عَظِيمٍ، وَالْكُفْرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كُفْرُ نِعْمَةٍ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: يَظْهَرُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ كَمَا قَالَ الْمُحَشِي، وَقَالَ أَيْضًا: وَلِلْكَفَّارَةِ يَعْنِي عِنْقَ رَقَبَةٍ وَصِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسكينًا عَلَى التَّحْيِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 434]. (1/273)
صفحة 274
[صفحة فارغة] (1/274)
صفحة 275
فَصْلٌ في الصوم في السفر]
وَالْمُسَافِرُ مُخَيَّرٌ فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "هِيَ رُحْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ صَامَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ" [مُسلِم، (2685، وَالنَّسَائِي، (2303]. وَالْمُسْتَحَبُّ أَلا يُسَافِرَ بَعْدَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
ر من شهدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (الْبَقَرَة: (185) وَقِيلَ: يَعْنِي أَنَّهُ شَهَادَةُ الْحُضُورِ،
لا شَهَادَةُ الرُّؤْيَةِ.
وَقَدْ
رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَنِي رَمَضَانُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ لأَقَمْتُ لَهُ حَتَّى يَنْقَضِي ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، (9103]. فَإِنِ اضْطُرَّ الْمُسَافِرُ فَسَافَرَ بَعْدَ دُخُول رَمَضَانَ فَلاَ بَأْسَ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَمَن كَانَ منكم مريضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ آيَامٍ أُخَرَ الْبَقَرَة: 184). وَلَا يَجُوزُ الإِفْطَارُ لِلْمُسَافِرِ إِلا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: النِّيَّةُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالثَّانِي: قَصْرُ الصَّلَاةِ. وكَذَلِكَ الْمَرِيضُ لَا يَجُوزُ لَهُ الإِفْطَارُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: النِّيَّةُ مِنَ اللَّيْلِ، (1/275)
صفحة 276
كتاب
276
الوضع
وَالثَّانِي: خَوْفُ زِيَادَةِ الْمَرَضِ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ أَفْطَرَ الْمَرِيضِ أَوِ الْمُسَافِرُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَسَدَ مَا مَضَى مِنْ صَوْمِهِمَا (1) (2) وَأَمَّا الاضْطِرَارُ بِالْعَطَشِ أَوِ الْجُوعِ أَوِ الْمَرَضِ، فَسَوَاءٌ فِيهِ الْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ؛ أَفْطَرَ
(3) --
بِقَدْرِ مَا يُنَجِّي بِهِ نَفْسَهُ، فَإِنْ أَكَلَ وَشَرِبَ بَعْدَمَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدِ انْهَدَمَ
(1) وَقِيلَ: لَا فَسَادَ لِصَوْمِهِمَا؛ لأَنَّ اللَّهَ رَخَّصَ لَهُمَا فِي الإِفْطَارِ، وَذَلِكَ فِي الْآيَةِ، وَالْقَائِلُونَ بِفَسَادِ صَوْمِهِمَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (مُحَمَّد 33) وَحَيْثُ أَصْبَحَا صائِمَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا إِثْمَامُ عَمَلِهِمَا، وَإِلا كَانَا مُقْتَحِمينِ لِلنَّهْي. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَفِي الإِيضاح قَوْلُ آخَرُ حَكَاهُ الشَّيْخُ عَامِرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ أَفْطَرَ الْمَرِيضِ أَوِ الْمُسَافِرُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الإِفْطَارِ مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَمَا أَصْبَحَا صَائِمَيْنِ بِلا أَمْرٍ يَخَافَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، فَقَدِ انْهَدَمَ مَا مَضَى مِنْ صَوْمِهِمَا، لَأَنَّهُمَا أَصْبَحَا عَلَى الصَّوْمِ فَلَا يُبْطِلانِ صَوْمَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُو (مُحَمَّد 33) وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لَا بَدَلَ عَلَى الْمُسَافِرِ لِمَا مَضَى مِنْ صَوْمِهِ، وَلَوْ أَفْطَرَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ صَائِمٌ فِيهِ لأَنَّ ذَلِكَ لَهُ فِي السَّفَرِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ بَدَلُ يَوْمِهِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ أيضا، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مَكةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْحَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ الربيع، (305، والبخاري (4026]. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ بَيْتَ الصَّيَامَ، وَأَمَّا النَّاسُ فَلَا شَكَ أَنَّهُمْ أَفْطَرُوا بَعْدَ تَبْسِيتِهِمُ الصَّوْمَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُ إهـ[انْظُرْ: الشماخي: الإيضاح،180/ 2]، هَذَا قَولُهُ، وَأَقُولُ: الْحَدِيث أَخَصُ مِنَ الآيَةِ، وَالْأَخْذُ بالأخص أَولَى لَأَنَّ فِيهِ عَمَلَا بِالدَّلِيلَيْنِ مَعًا. (3) انْهَدَمَ صَوْمُهُ: أَيْ لأَنَّهُ تَجَاوَزَ حَدَّ إِنْجَاءِ النَّفْسِ وَقِيلَ: هَذَا خَاصٌ فِي إِنْجَاءِ النَّفْسِ بِالْحَرَامِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى إِنْجَاءِ نَفْسِهِ بِهِ فِي رَمَضَانَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَرَجٌ، مَادَامَ
قَدْ أُبِيحَ لَهُ الإِفْطَارُ، وَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهِ مِنَ الاسْتِمْرَارِ فِي الْأَكْلِ (1/276)
صفحة 277
كتاب
277
الوضع
(1) -
صَوْمُهُ، وَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، وَالْمُسَافِرُ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ فَسَدَ (1)
مَا صَامَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ ذَلِكَ، مُتَّصِلاً أَوْ مُنْفَصِلاً (2).
(1) هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَب وَفِيهِ قَوْل بِخِلافِهِ، لأَنَّ اللَّهَ رَحْصَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ؛ فَكَيْفَ يُحكَمُ عَلَيْهِ بِالْهَدَامٍ صَوْمِهِ مَعَ رُخصةِ اللَّهِ لَهُ.
(2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: يَبْدُو لِلْمُتَأمل في الأدلَّةِ الهُ لا يَفْسُدُ، فَهِيَ رُحْصَةٌ مَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا، فَمَنْ شَاءَ أَخَذَهَا أَنِّى شَاءَ فَلاَ حَرَجَ، وَيُؤَيَّدُ هَذَا الْقَوْلَ أَمْرُ النَّبيء صلى الله عليه وسلم الصَّحَابَة بالإفطار بَعْدَ أَنْ صَامُوا فِي سَفَرِهِمْ ذَاكَ، وَمَا كَانَ لِيَأْمُرَهُمْ إِلَّا بِمَا يَسَعُهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَصِحَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِقَضَاءِ مَا مَضَى؛ بَلْ تَرَكَهُمْ وَمَا أَمَرَتْهُمْ بهِ الآيَةُ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ الْبَقَرَة 184) وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا. ذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ [انْظُرْ الْجِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسلام، 97/ 2] (1/277)
صفحة 278
[صفحة فارغة] (1/278)
صفحة 279
فَصْلٌ في قضاء الصوم وأحكامه]
وَعَلَى الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قَضَاءُ مَا أَكَلُوا مِنْ
:
رَمَضَانَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْقَضَاءِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: تَعْجِيلُهُ. وَالثَّانِي: صَوْمُهُ مُتَتَابِعًا إِذَا كَانَ مِنْ شَهْرٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ أَكَلَهُ مُتَّصِلاً أَوْ مُنْفَصِلاً. وَالثَّالِثُ: إطْعَامُ الْمِسْكِينِ لِكُلِّ يَوْمٍ، إِنْ ضَيَّعُوا الْقَضَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ آخَرُ وَالرَّابِعُ: الْوَصِيَّةُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ إِنْ ضَيَّعُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُضَيَّعُوهُ أَوْ أَطْعَمُوا الْمَسَاكِينَ إِنْ ضَيَّعُوا الْقَضَاءَ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّةُ بِهِ، وَلَا يُصِيبُ الصَّائِمِ للقضاءِ مَا يُصِيبُ فِي رَمَضَانَ؛ فَإِن أَفْطَرَ فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ بِعُذْرِ انْهَدَمَ قَضَاؤُهُ، إِلا إِنْ أَفْطَرَ بِأَربَعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: يَوْمُ الْعِيدِ إِنْ عَارَضَهُ، وَالثَّانِي: شَهْرُ رَمَضَانَ، وَالثَّالِثُ: الْحَيْضُ إِنْ عَارَضَ الْمَرْأَةَ، وَالرَّابِعُ: النَّفَاسُ لِلْمَرْأَةِ. وَهَذَا
إِذَا لَمْ يَكُنِ التَضيعُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَضَاءِ. (1/279)
صفحة 280
كتاب
280
الوضع
الْوَصِيَّةُ بِالصَّوْمِ
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ (1) بِالصَّوْمِ: فَفِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ؛ أَحَدُهُا: لا يُجْزِي فِي الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ غَيْرُ الْوَارِثِ. وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَوْصَى بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالإِطْعَامِ وَالثَّالِثَةُ: الإِنْيَانُ بِالصَّوْمِ مُتَتَابِعًا كَمَا وَرِثُوا الْمَيِّتَ. وَالرَّابِعَةُ: إِنْ صَامَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَجْزَا عَنْهُمْ وَالْخَامِسَةُ: إِنْ أَوْصَى بِإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ عَنْ صَوْمِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَصُومُوا وَالسَّادِسَةُ: تَقْدِيمُ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ فِي الصَّوْمِ؛ مِنْ أَجْلِ مَا يُعَارِضُهُنَّ مِنَ الْحَيْضِ وَالنَّفَاسِ وَالسَّابِعَةُ: لَا يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَصُومَ بَعْضُ وَيُطْعِمَ بَعْضُ، وَلَكِنْ يَصُومُونَ جَمِيعًا أَوْ يُطْعِمُونَ جَمِيعًا، وَالثَّامِنَةُ: إِنِ انْقَطَعَ صَوْمُهُمْ أَوْ فَسَدَ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ فَقَدِ انْهَدَمَ كُلُّهُ، وَيَضمَنُهُ الَّذِي قَطَعَهُ.
(1) الصَّوْمُ عَنْ شَخص اختَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَصحُ أَمْ لا؟ فَمَنْ قَالَ: يَصحُ، قَالَ: يَصُومُ الْوَرَثَةُ بِقَدْرِ أَنْصِيبَتِهِمْ وَلَوْ وَقَعَ يَوْمَ بَيْنَهُمْ يَتَحَمَّلُهُ أَحَدُهُمْ الظَّاهِرُ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ أَكْبَرُهُمْ حِصَّةً. وَمَنْ قَالَ بِعَدَم صحتِهِ قَالَ: إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِصَوْمٍ أَطْعَمَ عَنْهُ الْوَرَثَةَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا؛ لا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَدِ استَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بأَنَّهُ لاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَا يُصَلِّي شَخص عَنْ آخَرَ وَلَا يَتَوَضَاً، وَالْحَقِّ أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ شَخْصِيَّةٌ كَالصَّلاةِ؛ فَإِنَّهَا تَعَبدٌ شَخصي لا يَتَأَنَّى مِنْ شَخْصٍ عَنْ آخَرَ، إِذْ أَسَاسُ الْعِبَادَةِ الإِحْلَاصُ الْمَحْضُ مِنَ الْعَبْدِ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي الْمُتَعَبدِ، فَكَيْفَ يَتَأَنَّى مِنْهُ هَذَا الإِخْلَاصُ الْمُطَالَبُ بِهِ وَهُوَ يَتَعَبَّدُ عَنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَحُجُ عَنِ الْغَيْرِ؛ لأَنَّ الْحَجِّ مَنَاسِكَ تَصِحُ النِّيَابَةُ فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (1/280)
صفحة 281
فَصْلٌ [فِي الْفُطُورِ وَالسُّحُور
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ (1) مَا عَجَلُوا الْفُطُورَ وَأَخَرُوا السُّحُورَ الربيع، (320، وَأَحْمَد، ر 21350]. فَأَمَّا تَعْجِيلُ الْفُطُورِ فَهُوَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ لأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا سَقَطَ الْقُرْضُ وَجَبَ الإِفْطَار [لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلِّ سَبَقَ تَحْرِيجُهُ، وَأَمَّا السَّحُورُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى اللَّيْلِ الْبَقَرَة) (187)؛ وَلِقَوْلِهِ: إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَإِذَا سَمِعْتُمُ ابْنَ أُمَّ مكتوم فَكُفُوا سَبَقَ تَخْرِيجُهُ). وينبغي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَاطَ فِي صَوْمِهِ لِفُطُورِهِ وَسُحُورِهِ، وَيَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، وَيَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ،
(1) الْفِطْرَةُ: الإِسْلاَمُ، أَوِ الْخَيْرُ الْمَحْضُ بِدَلِيلِ رِوَايَةٍ أُخْرَى: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ الربيع، (320، وَأَحْمَد، (21350). لأَنَّ فِي تَعْجِيلِ الْفُطُورِ وَتَأْخِيرِ السَّحُورِ تَبْسِيرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَفِيهِمَا إِحياء السُّنَّةِ، وَفِي السُّحُورِ التَّمْشِيرُ بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. (1/281)
صفحة 282
كتاب
282
الوضع
وَيُمَضْمِضَ فَاهُ مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ الصُّبْحِ؛ لِئَلاً يُفْسِدَ صَوْمَهُ، أَوْ يَقَعَ فِي سُبُهَةٍ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَالله أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَصْبَحَ جنبًا أَصْبَحَ مُفْطِرًا" [الربيع، (315،
وَابْنُ مَاجَهْ، (1702].
بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَتَجِبُ بِهِ الصَّلَاةُ هُوَ الْفَجْرُ
وَالْفَجْرُ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ الثَّانِي الْمُعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ قَائِلاً قَالَ لَابْنِ عَبَّاسٍ: أَكُلُ حَتَّى أَشْكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ كُلْ حَتَّى لا تشك ابن أبي شيبة، (9057]. وَقِيلَ إِنَّهُ قَالَ لَهُ: كُلِّ حَتَّى تَشْكَ (1). وَمَنْ لا يَعْرِفُ اللَّيْلَ فَلَا يَأْكُلُ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ يَيْقُ بِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمُنْتَبِهُ مِنَ النَّوْمِ فِي لَيْلَةٍ غَائِمَةٍ، لاَ يَأْكُلُ إِذَا لَمْ يَعْرِف مِنَ اللَّيْلِ لِئَلا يَقَعَ فِي السُّبْهَةِ.
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفَائِدَةُ الْخِلافِ إذَا انْكَشَفَ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعُ بَعْدَمَا أَكَلِّ، فَمَنْ قَالَ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ هُوَ الطُّلُوعُ نَفْسُهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَدُّ هُوَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ؛ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أَحْوَطُ، وَسَبُ الْخِلافِ الاحْتِمَالُ الْوَاقِعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَن يتبين لكم الخيط الأبيض مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ الْبَقَرَة: (187) فَإِضَافَةُ النَّبِينِ إِلَيْنَا هُوَ الَّذِي أوْقَعَ الْخِلافَ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَبينُ فِي نَفْسِهِ؛ وَلَمْ يَتَبَيَّنَ لَنَا إِلَحْ إهـ. يُنظَرُ أَبُو سِتَّةَ: حَاشِيَةً عَلَى الْوَضع ص 447]، [انْظُرْ الْحِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسْلامِ 79/ 2]. وَأَقُولُ: الْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإضَافَةُ النَّبِينِ إِلَيْنَا هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الْخِلَافَ، بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِضَافَةُ التَّبِينِ إِلَيْنَا هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْخِلافَ وَيَقْطَعُهُ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ مِنْ بَيَانِ! أوِ الْعَجَبُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ حَيْثُ قَالُوا: لأَنَّهُ قَدْ يَتَبَيَّنُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَتَبَيَّنَ لَنَا فَأَقُولُ: كَانَ يَقَعُ هَذَا الإِسْكَالُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ إِضَافَةَ التَّبِينِ إِلَيْنَا، أَمَا وَقَدْ وَرَدَتْ فَلَا مَحَلَّ لِلإِسْكَالِ أَبَدًا، فَالرَّاجح هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسَ: كُلِّ حَتَّى لَا تَشْكَ، وَلَا يَنْبَغِي لِتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ أَنْ يُفَتِيَ إِلَّا
بِهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1/282)
صفحة 283
فَصْلٌ
فِي صَوْمِ التَّطَوُّع]
يُرْوَى أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاس: أَلاَ أَحَدَّتُكَ بِحَدِيثٍ كَانَ عِنْدِي مِنَ التَّحْفِ الْمَحْزُونَةِ: إِنْ كُنتَ تُرِيدُ صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صِيَامَ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ أَوَّل الشَّهْر وَثَلاثَةٌ مِنْ وَسَطِهِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ آخِرِهِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صِيَامَ عِيسَى ابْنِ الْعَدْرَاءِ الْبَثُولِ (1)، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صِيَامَ أُمِّهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَيْنِ وَتُفْطِرُ يَوْمًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صِيَامَ خَيْرِ الْبَشَرِ الْعَرَبِيِّ الْقُرَشِيِّ أَبِي الْقَاسِمِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ ثَالِثَ عَشَرَ، وَرَابِعَ عَشَرَ، وَخَامِسَ عَشَرَ كَيْرُ الْعُمَّال، (24629، والسّيُوطِيُّ فِي جَامِعِ الأَحَادِيثِ، (38723].
وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِعَشْرِ كَرَامَاتٍ:
أَوَّلُهَا: شَهْرُ اللَّهِ رَجَبُ الأَصَمُّ، (2) وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَصَمَّ لأَنَّ مِنْ كَرَامَاتِهِ
(1) الْعَدْرَاءُ: مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلامُ، وَالْبَتُولُ: الْمُنْقَطِعَةُ عَنِ الْأَزْوَاجِ، أَوِ الْمُنْقَطِعَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ الْمُعْرضَةُ عَن الدُّنْيَا وَالْعَدْرَاءُ: الَّتِي لَمْ تُقْتَضَ بَكَارَتُهَا. (2) الأَصَمُّ، وَيُقَالُ الأَصَبُّ؛ لأَنَّهُ لا تُسْمَعُ فِيهِ اضْطِرَابَاتُ النَّاسِ، بِاخْتِلَالِ الْأَمْنِ، وَالتَّرَبُّصِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ، وَلا كَيْدَ بَلْ سُكُونَ مُطلَقًا، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ = (1/283)
صفحة 284
كتاب
284
الوضع
وَفَضْلِهِ إِذَا أَهَلَّ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَصَلُوا الأَسِنَّةَ، وَأَعْمَدُوا السيوف، وَتَرَكُوا طَلَبَ النَّارِ، وَوَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا؛ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ تُسْمَعْ فِيهِ السلاح، فَسَمُوهُ أَصَمَّ، وَفَضْلُهُ (1) عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ (2)، وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ؛ لأَنَّهُ تُضَاعَفُ فِيهِ الْحَسَنَاتُ وَتُكَفِّرُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ
سَائِرِ
وَالثَّانِيَةُ: شَهْرُ شَعْبَانَ، وَهُوَ شَهْرُ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفَضْلُهُ عَلَى الشُّهُورِ كَفَصْلِ الرَّسُولِ عَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُهُ قَطُ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ
فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ الْبُخَارِيِّ، (1868، وَابْنُ حِبَّان، 3648].
سُئِلَ لِمَ سُمِّيَ شَهْرَ اللَّهِ؟ قَالَ: لأَنَّهُ شَهْرٌ مَخصُوص بِالْمَغْفِرَةِ، فِيهِ تُحْفَنُ الدَّمَاءُ، وَفِيهِ تَابَ اللهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَفِيهِ أَنْقَذَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِهِ ابْنُ الْجَوْزِي: الْمَوْضُوعات، 124/ 2، وَالسُّيُوطِيُّ: اللآلِي الْمَصْنُوعَةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ، 46/ 2، وَفِيهِ فَضَلُ عَظِيمٌ لَا يَسَعُهُ الْمَقَامُ
(1) أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الرَّغَائِبِ أَحَادِيثَ لَا مَحَلَّ لَهَا فِي دِيوَانِ الْقَبُولِ، إِلَّا أَنَّهُ يَقْبَلُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ فِي الترغيب والترهيب استجلابا لِلنُّفُوسِ إِلَى الْحُصُولِ عَلَى الثَّوَابِ، وَلِتَعْوِيدِ النَّفْسِ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وتَنْفِيرِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنَايَا، بَيْدَ أَنْ الْحَدِيثَ مَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فَلَا يَجُوزُ الاسْتِدْلالُ بِهِ مُطَلَقًا؛ هَذَا مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْعُلَمَاء. (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: يَنْبَغِي التَّأْمُلُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَإِلا فَلَا يَصِحُ أَنْ يُقْرَنَ بِفَضْلِ الْخَالِقِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَقَدَّسَ. (1/284)
صفحة 285
كتاب
285
الوضع
وَالثَّالِثَةُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرُ الأُمَّةِ، وَفَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ
كَفَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ
وَالرَّابِعَةُ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
وَالْخَامِسَةُ: يَوْمُ الْفِطْرِ مِنْ شَوَّالَ، وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهُ، وَهُوَ يَوْمُ الْجَزَاءِ
والنواب.
(1)
وَالسَّادِسَةُ: أَيَّامُ الْعَشْرِ، وَهِيَ أَيَّامُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كَانَ شَابٌ صَاحِبُ سَمَاعِ، فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَارْتَفَعَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى صيَامٍ هَذِهِ الأَيَّامِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ أَيَّامُ الْمَشَاعِرِ (1) وَأَيَّامُ الْحَجِّ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يُشْرِكَنِي فِي دُعَائِهِمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لَكَ بِكُلِّ يَوْمٍ تَصُومُهُ عدْلَ مِائَةِ رَقَبَةٍ وَمِائَةِ بَدَنَةٍ وَمِائَةِ فَرَسَ؛ تَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَلَكَ بِكُلِّ مِائَةٍ أَلْفٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَلَكَ بِكُلِّ مِائَةٍ أَلْفَانِ الْمَوْضُوعَاتُ لابْنِ الْجَوْزِيُّ،198/ 2، واللآلِي الْمَصْنُوعَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ
للسيوطي، 91/ 2).
وَالسَّابِعَةُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ (2) إِلَّا لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَات؛ لِئَلاً
(1) الْمَشَاعِرُ: جَمْعُ مَشعَرِ، مَكَانُ الشَّعَائِرِ، وَالسَّعَائِرُ: أَعْمَالُ الْحَجَ، وَكُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمًا لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ شَعِيرَةٌ.
(2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: رَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ النَّهْيَ عَنْ إِفْرَادِ الْجُمُعَةِ بِالصَّيَامِ، بَلْ يُصَامُ مَعَهُ الْخَمِيسُ أَوِ السَّبْتُ. وَنَصَّهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ له قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ثُمَّ لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، (1884،
وَمُسلِم، (2739]. (1/285)
صفحة 286
كتاب
286
الوضع
يُضعفه (1)
9900
صومة.
عَنِ
الدُّعَاءِ وَالثَّامِنَةُ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقُرْبَانِ، وَلَا يَجُوزُ
وَالتَّاسِعَةُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَيَّامِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَمْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَمْ تَغْرُبْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَحْمَد، (7673، وَابْنُ حَيَّان، (2770]. وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ، وَمَنْ صَامَهُ كَمَنْ صَامَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَالْعَاشِرَةُ: يَوْمُ عَاشُورَاء (2)؛ وَسُمِّيَ عَاشُورَاءَ لأَنَّهُ عَاشِرُ هَذِهِ الْكَرَامَاتِ الْعَشْرِ، وَقِيلَ: لأَنَّهُ عَاشِرُ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمَ، وَصِيَامُهُ يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ. وَيُرَغَبُ فِي صَوْمِهِ لِكَثْرَةِ فَضْلِهِ.
(1) قَدْ رَوَدَ أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَصُومُهُ، وَفِي صَوْمِهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ صَوْمَهُ لِيَتَأَسَى النَّاسُ بِهِ حَتَّى لَا يَضَعُفَ الْوَافِدُونَ إِلَى الْحَجِّ عَنِ الْوُقُوفِ، وَهُوَ شِعَارُ الْحَاجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ الْحُجَّاجِ الْيَوْمَ مِنَ اسْتِمْرَارِهِمْ فِي الْجُلُوسِ، وَتَرْكِ الدُّعَاءِ إِلا قَلِيلاً، وَغَفَلُوا عَنْ فُرْصَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ الْمَقَامُ الْجَلِيلُ، رُبَّمَا لاَ تُتَاحُ لَهُمْ مَرَّةٌ أُخْرَى، وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الْحُجاج يَنْعَمِسُونَ فِي الْمُمَازَحَةِ بِعَرَفَةَ، وَالصَّحِكِ لِقَضاء الْوَقْتِ - عَلَى زَعْمِهِمْ - فِي دفع السَّامَةِ عَنْهُمْ، بِالْغَفْلَةِ وَالْجَهَالَةِ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: رُويَتْ فِيهِ أَحْدَاثُ كَبِيرَةٌ مِنْهَا: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقُ آدَمَ، وَفِيهِ نَجَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ النَّارِ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ، وَكَشَفَ الْبَلاءَ عَنْ أَيُّوبَ، وَفِيهِ تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ، وَغَفَرَ ذَنْبَ دَاوُدَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَحْ [الطَّبَرَانِيُّ الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ 5538، والديلمي، (856]، وَوَرَدَ فِي فَضل صَوْمِهِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ تَسْقِيعَ صَوْمِهِ بِصَوْمِ الْيَوْمِ التَّاسِعِ حَتَّى نُخَالِفَ الْيَهُودَ؛ لَأَنَّهُمْ يَصُومُونَهُ إحياء لِذِكْرَى نَجَاتِهِمْ وَإِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ، وَيَرْوُونَ فِي ذَلِكَ أَثَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ونَصهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاس مَرْفُوعًا: "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، صُومُوا يَوْمًا
قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ أَحْمَد، ر 2154، وَالْبَيْهَقِي، (8189]. (1/286)
صفحة 287
كتاب
287
الوضع
وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَرْبَعَةٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: صِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، وَصِيَامُ الْعَشْرِ (1)، وَصِيَامُ ثَلَاثَةِ (3) أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ
شهْرٍ، وَالرَّكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ [النَّسَائِي، ر 2724، وَأَحْمَد، (26502].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ خِصَالِ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أمُوتَ؛ إِحْدَاهَا: أَنْ لا أَنَامَ إِلا عَنْ وِثْرٍ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ أَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ لا أَدَعَ صَلَاةَ الضُّحَى [الْبُخَارِي، (1124، وَمُسلِم، (1705]. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتَةٍ مِنْ شَوَّالَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ (3) كُلَّهُ (4) [الربيع، ر 321، وَمُسلِم، (2815]. قَالَ أَبو هُرَيْرَةَ: تَعَالَوْا أَحْسِبُ لَكُمْ، أَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ فَبِثَلَاثِمِائَةِ يَوْمٍ، وَأَمَّا صَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالَ فَبِسِتِّينَ يَوْمًا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَمَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} (الأَنْعَام: (160)، فَكُلُّ يَوْمٍ يَقُومُ مَقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ
(1) الْعَشْرُ تَغْلِيبًا؛ لأَنَّهَا تِسْعَةٌ، وَبِهَذَا الإِطْلَاقِ عُرِفَتْ بِالأَيَّامِ الْعَشْرِ. (2) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هِيَ الأَيَّامُ الْبيضُ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَو هِيَ الْأَوَّلُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْأَوْسَطُ وَالأَخِيرُ عَلَى رِوَايَةٍ. (3) الدَّهْرُ عَلَى حَسَبِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ السَّنَةُ، لِهَذَا جُعِلَ صَوْمُ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِثَلَاثِمِائَةٍ والستَ بِسِتِّينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنَ السَّنَةِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَأَيْنَ حِسَابُهُ إِذَا كَانَ الشَّهْرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؟! (4) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: يَظْهَرُ عَلَى حَسَب الآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ أَنَّ صِيَامَ الدَّهْرِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَيْسَ مِنَ القُربَاتِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: أَمَا إِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ. فَلَيْسَ مِنِّي [الْبُخَارِي، (4776، وَمُسلِم، (3469]. وَقَالَ صَاحِبُ الإِيضاح: أمَّا صَوْمُ الدَّهْرِ؛ فَقَدْ بَلَغَنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَا صَوْمَ لِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ الْبُخَارِي، (1879، وَمُسلِم، (2798] [انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإِيضاح 218/ 2]. (1/287)
صفحة 288
كتاب
288
الوضع
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: رَكِبْنَا الْبَحْرَ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ إِذَا بِمُنَادٍ يُنَادِي يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ، قِفُوا نُخْبِرُكُمْ فَانْصَرَفْنَا وَلَمْ نَرَ شَيْئًا، فَنَادَى سَبْعًا، فَلَمَّا كَانَتِ السَّابِعَةُ قُمْتُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا، هَلْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؛ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْتَبِسَ عَلَيْكَ؟ فَأَخْبِرْنَا بِمَا تُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَنَا بِهِ. فَقَالَ: أَلاَ أخبركُمْ بِقَضَاءِ قَضَاهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قُلْنَا: أَخْبِرْنَا. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَضَى عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْ عَبْدِ أَطْمَأَ نَفْسَهُ فِي يَوْمٍ حَارٌ إِلا أَرْوَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَانَ أَبُو مُوسَى بَعْدَ ذَلِكَ يَتْبَعُ يَوْمَ الْحَرِّ الشَّدِيدِ فَيَصُومُهُ البزار، ر 4974، وعبد الرزاق،
ر 7897].
وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ مِنَ الأَيَّامِ الْيَوْمُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ رَجَب (1)، وَالْيَوْمُ الْخَامِسُ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ، وَالْيَوْمُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَالأَوَّلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَالسَّابِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. فَإِذَا دَخَلَ الْمُتَطَوِّعُ فِي صِيَامٍ النَّافِلَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ لَزِمَهُ بَدَلُهُ، إِلا إِنِ اسْتَثْنَى فَلَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ؛ مَا لَمْ
يَنتَصفِ النَّهَارُ
وَسُرُوطُ صَوْمِ النَّافِلَةِ كَشُرُوطِ صَوْمِ الْفَرْضِ، وَكُلُّ مَا يُفْسِدُ صَوْمَ الْفَرْضِ يُفْسِدُ صَوْمَ النَّافِلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(1) السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ رَجَب: هُوَ يَوْمُ الْبَعْتَةِ؛ وَإِنَّهَا الذِّكْرَى لا تبعَاتِ الإِسْمَاعِ الْمُحَمَّدِي وَالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ لِلْعَالَمِينَ، وَهُوَ يَوْمُ الإِسْرَاءِ، فَصَوْمُهُ إحياء لِهَذِهِ الذِّكْرَى الْعَظِيمَةِ؛ لأنَّهَا
إحْدَى مُعْجِزَاتِ النُّبُوءَةِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. (1/288)
صفحة 289
كتاب الزكاة] بَابٌ فِي الزَّكَاةِ
معنى الزكاة وأدلة مشروعيتها]
اعْلَمْ أَنَّ الزَّكَاةَ قَاعِدَةٌ (1) مِنْ قَوَاعِدِ الإِسْلامِ، وَفَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ، وَسُمِّيت زَكَاةً؛ لأَنَّ الْمَالَ يَزْكُو (2) بهَا، وَيَنْمُو، وَالزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ:
النَّمَاء وَالزِّيَادَةُ وَالطَّهَارَة (3). قَالَ أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ الْعُمَانِيُّ الله:
(?) 2 o
ما فِي التِّجَارَةِ لِي هَمْ وَلَا أَرَ) إِذْ لَيْسَ يَزْكُوا بِهَا دِينُ وَلَا حَسَبٍ
و (7)
(1) أي: رُكُنُ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَقَدْ كَفَرَ شِركًا، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا حَارَبَهُ
الإِمَامُ، كَمَا فَعَلَ أَبو بَكْرٍ فِيمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَهُ؛ كَمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ. (2) يَرْكُو: يَنْمُو، وَيَطْهُرُ، وَتَحُلُّ فِيهِ الْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ، فَيَكُونُ مَوْنُورَ النَّفْعِ
(3) طَهَارَةَ الْمَالَ: صَفَاءَهَ وَنَقَاءَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَالْعِبَادِ.
(4) هم: اهْتِمَامُ وَاسْتِغَالُ الْبَالِ.
(5) أَرَب: حاجة.
(6) يَرْكُو يَعْلُو. (7) الْحَسَبُ: النَّسَبُ. (1/289)
صفحة 290
كتاب
290
الوضع
وَالزَّكَاة قَدْ أَوْجَبَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَمْوَالِ بِقَوْلِهِ: وَاتُوا (1)
الزكوة} (الحج (78)، وَقَالَ: {وَمَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (2) (الأنعام 141) (3).
(1) آتُوا الزَّكَاةَ: صَيرُوهَا آتِيَةً أَهْلَهَا. (2) الْحَصَادُ: الْجِدَانُ.
(3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الرَّاجِحُ أَنَّ الآيَةَ مَكَّيَّةٌ، نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّ إِنْيَانَ الْحَقِّ بِالْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ لِلْفُقَرَاءِ يَوْمَ الْحَصَادِ كَانَ فَرْضًا؛ فَنُسِحَ ذَلِكَ بِفْرَضَ الْعُشْرِ وَنِصف
الْعُشْرِ. (1/290)
صفحة 291
فَصْلٌ فِي فَضَائِلِهَا]
يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: حَصَنُوا أَمْوَالَكُمْ (1) بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَاسْتَدْفِعُوا أَنْوَاعَ الْبَلايَا بِالدُّعَاءِ الْبَيْهَقِيُّ، (6385، وَالطَّبَرَانِي في الْكَبِيرِ، (10196]. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا تَوَاضَعَ عَبْدٌ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ (3)، وَمَا عَفَا عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّا زَادَهُ عزا (مُسلِم، (6757، والتَّرْمِذِي، (2029]. وَقَالَ: "مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ وَقَرَى الضَّيْفَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ، فَقَدْ وَقَى شُحَّ نَفْسِهِ" [الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير، (4097، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّعَبِ، (10842].
الله
بِهَا
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: فِي الصَّدَقَةِ عَشْرُ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ خَمْسَ فِي
الدُّنْيَا، وَخَمْسَ فِي الآخِرَةِ.
(1) حَصَنُوا احْفَظُوا أَمْوَالَكُم مِنَ الْهَلَاكِ وَالتَّلَفِ والسَّرْقِ وَالْغَرقِ وَالْحَرَقِ.
(2) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: التَّوَاضُعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَلِلْعُلَمَاءِ وَلِلْوَالِدَيْنِ، وَلِمَنْ أمرنا بِالتَّواضع لَهُ مِنْ إِخْوَانَنَا الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الشَّعَرَاء) (215)، أَمَّا التَّوَاضِعُ لأهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ دُنْيَاهُمْ، وَلَأَهْلِ النَّجَرِ وَلِلْكُفَّارِ؛ فَهُوَ ضَعْفٌ ومَقْتُ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَضَعُفَ، فَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: أَسْنَاهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الْفَتْح (29). (1/291)
صفحة 292
كتاب
292
الوضع
خصال الزكاة في الدنيا]
فَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا؛ فَأَوَّلُها: حِفْظُ الْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: حَصَّنُوا أَمْوَالَكُم بِالزَّكَاةِ [سَبَقَ تَخْرِيجُهُ، وَالثَّانِيَةُ: تَطْهِيرُ الْبَدَنِ (1)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التَّوْبَة: 103)، وَالثَّالِثَةُ: إدْخالُ السُّرُورِ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرَّابِعَةُ: بَرَكَةٌ فِي الْمَالِ، وَسَعَةٌ في الرِّزْقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ (سبا: (39)، وَالْخَامِسَةُ: دَفْعُ الْبَلايَا وَالأَمْرَاضِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ سَبَقَ نَخْرِيجُهُ).
خصال الزكاة في الآخرة]
وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الآخِرَةِ: فَتَكُونُ لِصَاحِبهَا ظِلَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَتَحْفِيفًا لِلْحِسَابِ، وَتُنْقِلُ الْمِيزَانَ، وَتُسَهْلُ الْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَتَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ فِي
الْجَنَّةِ.
(1) تَطْهِيرُ الْبَدَنِ: أَي مِنَ الشَّرِّ وَالْبُخْلِ، فَإِنَّ الْمَالَ الْمُرَكَّى تَجُودُ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِهِ فِي الْخَيْرِ: وَالنَّفْعِ الْعَام وَإِعَانَةِ الأُمَّةِ فِي النَّوَائِبِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَتَنْفُرُ نَفْسُ صَاحِبِهِ أَنْ يُنْفَقَ فِي الْمَعَاصِي وَالْمَقَاسِدِ؛ لأَنَّ الْمَالَ الطَّاهِرَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، يَنْشَرِحُ صَاحِبُهُ إِلَى الإِنْفَاقِ فِي الْقُرْبَاتِ إِلَى اللَّهِ، وَيَرَى أَنَّ شكر مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَدَّخِرَهُ إِلَى
الآخِرَةِ. وَالْمَالُ الَّذِي لَا يُزَكَّى عَلَى عَكْسِ هَذَا كُلِّهِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ (1/292)
صفحة 293
كتاب
293
الوضع
خصال تزين الصدقة وتعظمها]
وَيُقَالُ: سَبْعُ خِصَالِ تُزَيِّنُ الصَّدَقَةَ وَتُعَلِّمُهَا. أَوَّلُهَا: إِحْرَاجُهَا مِنَ الْحَلَال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (الْبَقَرَة: 267). وَالثَّانِيَةُ: وَضَعُهَا فِي مُسْتَحِقَّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ (التوبة: (60). وَالثَّالِثَةُ: تَعْجِيلُهَا مَخَافَةَ الْفَوْتِ (2) أَوِ الْمَوْتِ وَالرَّابِعَةُ:
(4)
إِخْرَاجُهَا مِنْ طَيِّبِ الْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا (3) الخَبِيثَ (4) مِنْهُ تُنفِقُونَ) (البقرة: 267. وَالْخَامِسَةُ: يُعْطِيهَا لِلَّهِ لَا لِرِيَاء وَلَا لِطَمَع فِي مَخْلُوقٍ. وَالسَّادِسَةُ: تَرْكُ الْمَنُ (5) بِهَا عَلَى مَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَالسَّابِعَةُ: كَفُّ الأَذَى عَنْهُ مَخَافَةَ إِبْطَالِ (6) الثَّوَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنِ وَالْأَذَى كم (الْبَقَرَة: 264).
(1) مُسْتَحِقُّ الزَّكَاةِ: مَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ كَفُونِهِ وَعِبَالِهِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَدَفْعِ دَيْنِ، وَالاسْتِعَانَةُ بِهَا عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَّا مَنْ يُنْفِقُهَا عَلَى الْمَعَاصِي؛ مِنْ فِسْقِ وسُرْبِ الْمُخَدِّرَاتِ وَأَمْثَالَ هَذِهِ الْمَنَاكِرِ، فَمَنْ أَعْطَاهُ زَكَاتَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُزَكُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا
متربا.
(2) فَوَاتُ الْمَالِ بِتَضييع أَوْ تَلَفٍ مَا، فَإِنَّ الْمُضَيِّعَ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ مَالِهِ
وَيَعْزِلُهَا.
(3) تَيَمَّمُوا: تَقْصِدُوا وَتَتَعَمَّدُوا.
(4) الْخَبِيثَ: الرديء.
(5) الْمَنُ: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ وَالتَّفَضُلُ عَلَى مَنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِ، أو استخدامه لأجلِ تِلْكَ الْمَكْرُمَةِ.
(6) إِبْطَالِ: أَيْ إِفْسَادِ ثَوَابِهَا. (1/293)
صفحة 294
[صفحة فارغة] (1/294)
صفحة 295
فَصْلٌ فِي وَعِيدِ مانع الزَّكَاةِ]
(1)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ (1) الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التَّوبة: (34)، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لأَنَّهُ يَذْهَبُ وَلاَ يَبْقَى وَسُمِّيِّتِ الْفِضَةُ فِضَةً؛ لأَنَّهَا تَنْفَضُّ؛ أَيْ: تَتَفَرَّقُ وَلَا تَبْقَى وَحَسْبُكَ بِالاسْمَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى فَنَائِهِمَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْكَثْرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلَّ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِكَ فَهُوَ كَنرٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس وَابْنُ عُمَرَ: الْكَنْرُ مَالٌ مُنعَتْ زَكَاتُهُ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح؛ لِقَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا أَخْرَجْتَ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِكِ فَقَدْ أَذْهَبْتَ عَنْكَ شَرَّهُ، وَلَيْسَ بِكَثْرِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلُّ مَالٍ أُدْيَتْ زَكَانُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزِ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَكُلُّ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزُ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ
الأَرْضِ [البيقهي (7022، والطبراني في الأوسط مرفوعا إلى النبي (ص) ر 8279].
(1) يَكْتِرُونَ: يُحْزَنُونَ وَيَحْتَجرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا يُخْرِجُونَ زَكَاتَهُمَا، وَلَا يَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ. (2) هذا حديث رفعه جابر بن عبدالله إلى النبي (ص) بلفظ: "إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره". [البيقهي، ر 7030، وابن خزيمة، ر 2258]. (1/295)
صفحة 296
كتاب
296
الوضع
وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَقَدْ أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ، (7033، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، (9934]. وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السلام: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبِ وَلَا وَرِقٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفْحَت لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْباهُ وَظَهْرُهُ؛ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُطِحَ لَهُ بِقَاعِ قَرْقَرٍ (1) أَوْفَرَ مَا كَانَتْ (2) تَسِيرُ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَانَهَا إِلا بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعِ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَتَطَوُّهُ بِأَخْلافِهَا وَتَنْطَحْهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ (3) وَلَا جَلْحاء (4) كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ
كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ" (مُسلِم، (2337، والبيهقي، (12893]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَانِعُ الزَّكَاةِ يُقْتَلُ" [الربيع، (340، وَالْبُخَارِي، (1335، بِلَفْظ: وَاللَّهِ لأَقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ... ] .. قَالَ الرَّبِيعُ:
(1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: فِي الصَّحَاحِ الْقَرْقَرُ هُوَ الْقَاعُ الأَمْلَسُ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ "الْجَلْحاء" هِيَ الَّتِي ذَهَبَ قَرْنَاهَا، وَالْعَقْصَاءُ". هي الَّتِي الْتَوَى فَرْنَاهَا. (2) بُطِحَ: أَلْقِيَ عَلَى وَجْهِهِ لِتَطَأَهُ. قَاعُ فَرْقَرِ: الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي، وَقَرْقَرُ: أَمْلَسُ، وَأَوْفَرُ مَا
كانت: أي سمنا.
(3) عَقْصَاءُ: الْمُلْتَوِيَةُ الْقُرُونِ. (4) جَلْحاهُ: هِيَ الَّتِي ذَهَبَ قَرْنَاهَا. (1/296)
صفحة 297
كتاب
297
الوضع
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَلِكَ إِذَا مَنْعَهَا مِنْ إِمَامٍ يَسْتَحِقُ أَخذَهَا (الربيع، (341)، وكذلِكَ قال أبو بكر له: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُوا (1) مِنِّي عِقَالاً (2) مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ الربيع، ر 341، والنسائي، (3094) حَتَّى أَلْحَقِّ بِاللَّهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَانِعِ الزَّكَاةِ (3) قَالَهَا ثَلاثًا [الربيع، (342]. وَالْمُتَعَدِّي (4) فِيهَا كَمَانِعِهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ كَثُرَ مَالُهُ وَلَمْ يُزَكِّهِ جَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةٍ شُجَاعٍ أَقْرَعَ لَهُ زَبِيتَانِ) مُوَكَّلْ بِعَذَابِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ الرَّبيع، (343، وَالْبُخَارِيِّ، 1338]. وَالرَّبِيبَتَانِ: الرَّغْوَتَانِ فِي شِدْقَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1)
(1) مَنَعُوا مِنِّي: أَيْ تَمَرَّدُوا عَنْ دَفْعِهِ وَامْتَنَعُوا أورد الحديث بلفظ: "والله لو منعوني ... "]. (2) عِقَالاً: الْعِقَالُ الْحَبْلُ الَّذِي كَانَ يُرْبَطُ بِهِ الْبَعِيرُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا يُسَاوِي عِقَالاً مِنْ حُقُوقِ الصَّدَقَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَصِيبُ الصَّدَقَةِ لِعَامِ. وَيُرْوَى عَنَاقًا، الْعَنَاقِ: السَّحْلَةُ احْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ مَنْ أَجَازَ أَخذَ الْعَنَاقِ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ، إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا سحَالاً وَقِيلَ: هَذَا تَصْويرُ مِنْ أَبِي بَكْرِ فِي التَّقْلِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: إِنْ كَانَ مَنْعُهُ لَهَا عَلَى جِهَةِ التَّدَينِ وَالاسْتِحْلَالِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا لأَنَّهُ مُشْرِكٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الشَّهْوَةِ وَالاسْتِحَلاءِ؛ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لا ثَوَابَ لَهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لاختِلاَل شَرْطِ الثَّوَابِ وَهُوَ الْوَرَعُ انْظُرْ أَبو سنة: حاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 474].
(4) الْمُعْتَدِي: هُوَ وَاضِعُهَا فِي غَيْرِ مُسْتَحِقَّهَا لِهَوَى فِي نَفْسِهِ. (5) شُجَاعِ: تُعبَانِ، وَأَقْرَعَ: هُوَ الَّذِي يَتَمَعَطُ - يَمْتَدُّ - رَأْسُهُ لِكَثْرَةِ السُّمَّ، لَهُ زَبِيبَتَانِ: الرَّبِيبَةُ: لكتَةٌ سَوْدَاء فَوْقَ عَيْنَيْهِ، أَوْ نُقْتَطَانِ تَكتَنفَانِ فَاهُ، أَوْ زِيْدَتَانِ فِي شِدَقَيْهِ، وَقِيلَ: لُحْمَتَانِ
مِثْلُ الْقَرْتَين.
(6) الرَّغْوَة: السُّمُّ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى هَيْئَةِ الزَّبَدِ مِنْ فَمِ الثَّعْبَانِ (1/297)
صفحة 298
كتاب
298
الوضع
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ لَهُ مَالٌ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ يَضَعُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ إِلا مَثْلَهُ اللَّهُ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ مُنْتِنَ الرِّيحِ، لاَ يَمُرُّ بِأَحَدٍ إِلَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ؛ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَيَقُولُ: لِمَ تَسْتَعِيدُ مِنِّي وَأَنَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِي فِي الدُّنْيَا، فَيُطَوق (1) فِي عُنُقِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ التّرْمِذِي، (3012، وَالنَّسَائِي، (2221]، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّهِ: سَيْطَوَقُونَ مَا يَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَة) (آل عِمْرَانَ: 180) قَالَ الْمُبَرِّدُ: السِّينُ فِي قَوْلِهِ: {سَيْطَوَفُونَ سِينُ الْوَعِيدِ، مَعْنَاهُ: سَوْفَ
يُطَوَّقُونَ.
وَقَالَ أَنس: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَانِعُ الزَّكَاةِ فِي النَّارِ" [الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، ر 935، وكثر الْعُمَّالِ (15809]. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تُخَالِطُ الصَّدَقَةُ مَالاً إِلَّا أَهْلَكَتْهُ الْبَيْهَقِيُّ، (7455، وَمُسنَدُ الشَّافِعِيِّ، (454]، قَالَ
(2)
النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَا نَقَضَ قَوْمُ الْعَهْدَ (2) إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَتْلِ، وَلَا ظَهَرَتْ فَاحِشَةُ الزَّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، وَلَا مَنَعَ قَوْمُ الزَّكَاةَ إِلَّا مَنْعَ الْمَطَرَ الْبَيْهَقِيُّ، (6190، وَالْحَاكِمُ، (2577]. وَيُقَالُ: مَنْ مَنَعَ خَمْسًا مَنَعَ اللَّهُ
الله
عنهم
مِنْهُ خَمْسًا: مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ حِفْظَ الْمَالِ
، وَمَنْ مَنَعَ الصَّدَقَة (4) مَنَعَ
(1) يُطَوق: يُلَفٌ عَلَى عُنُقِهِ. (2) الْعَهْدُ: الأَمَانُ وَالدِّمَةُ وَالْمُوَثَقُ وَالْعَقْدِ، وَكُلُّ مَا الْتَزَمَهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِقْرَارِ
بالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ، وَالْيَمِينِ وَرَعَايَةِ الْحُرْمَةِ وَالْحِفاظ
(3) يُصَابُ مَالُهُ بِأَسَالِيبِ الإِثَلافَ؛ لأَنَّ أَمَانَ مَالِهِ هُوَ الزَّكَاةُ؛ كَمَا قَالَ: "حَصَنُوا أَمْوَالَكُمْ بالزَّكَاةِ سَبَقَ تَخْرِيجه)؛ أَي: مِنَ التَّلَفِ
(4) الصَّدَقَةُ: التَّطَوُّعُ وَأَنْوَاعُ الْقُرْبَاتِ. (1/298)
صفحة 299
كتاب
299
الوضع
اللهُ مِنْهُ الْعَافِيَةَ، وَمَنْ مَنَعَ الْعُشْرَ (1) مَنَعَ اللَّهُ بَرَكَةَ أَرْضِهِ، وَمَنْ مَنَعَ الدُّعَاءَ مَنَعَ
اللهُ مِنْهُ الإِجَابَةَ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّلَاةِ مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَأَنْشَدُوا فِي مَانِعَ الزَّكَاةِ:
(2)
و (3)
يَا جَامِعَ الْمَالِ كَمْ تَضِنُّ بِه تَطْمَعُ بِاللَّهِ فِي الْخُلُودِ مَعَه هَلْ حَمَلَ الْمَالَ مَيِّتٌ مَعَه أَمَا تَرَاهُ لِغَيْرِهِ جَ ره جمعه
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الزَّكَاةُ مَالٌ يُؤَدِّي إِلَى النَّارِ. وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ: مَنْ أَخَذَهَا كَمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ، وَمَنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقَّهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا عَمَّنْ يَسْتَحِقُهَا، فَهُمْ جَمِيعًا فِي النَّارِ. وَأَنْشَدُوا فِي حُبِّ الْمَالِ:
(1) ,
وَيُلْهِيكَ عَنْ دَارِ الْخُلُودِ مَطَاعِم وَلَذَّاتُ عَيْشِ غَيُّهَا (1) غَيْرُ نَافِعِ فَفِي حِلِّهَا نَفْسُ الْحِسَابِ وَحَرْمُهَا (4) وَحَرْمُهَا (ه) يُورِئُكَ الزَّقُومَ يَوْمَ الْوَقَائِعِ
(1) الْعُشْرُ: زَكَاةُ الْحُبُوبِ الَّتِي تُسْقَى بِالْأَمْطَارِ وَالْعُيُونِ
(2) فِي نُسْخَةٍ: يَا مَانِعَ الْمَالِ.
(3) تَضِنُ بِهِ: تَبْخَلُ بِهِ؛ أَيْ: كَثِيرًا مَا تَبْخَلُ بِهِ.
(4) حَلالها مناقشة
(5) حَرَمُهَا؛ أَي: حَرَامُهَا عِقَابٌ.
(7) الزَّقُومُ: شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكِ هِيَ طَعَامُ أَهْلِ النَّارِ؛ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
طعامُ الْأَيْمِ} (الدخان 44).
(6) الْغَبُ بِالْكَسْرِ: الْعَاقِبَةُ. (1/299)
صفحة 300
[صفحة فارغة] (1/300)
صفحة 301
فَصْلٌ في أَقْسَامِ الزَّكَاةِ]
(1)
اعْلَمْ أَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمَرْسُومِ، وَأَجْمَلَ الْحَقَّ
الْوَاجِبَ فِي الأَمْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُنَهَا (2) وَأَحْكامَهَا، وَرَسَمَ حُدُودَهَا وَمَعَالِمَهَا (3)، وَيَنْحَصِرُ عِلْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، أَوَّلُهَا: النَّوْعُ الْمَلْزُومُ، وَالثَّانِي: النَّصَابُ (4) الْمَرْسُومُ، وَالثَّالِثُ: الْفَرْضُ الْمَحْتُومُ. أَمَّا النَّوْعُ الْمَلْرُومُ فَهُوَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: نَضُ، وَحَبُّ، وَنَعَمْ. فَالنَّضِ قِسْمَانِ: ذَهَبٌ، وَفِضَةٌ، وَالْحَبُّ سِتَّةُ أَقْسَام): بُرِّ، وَشَعِيرٌ، وَذُرَةٌ، وَسُلْتُ، وَتَمْرُ، (6)
(1) الْمَرْسُومِ الْمُثْبَتِ الْمُبِينِ
(2) سُنَنَهَا: طُرُقَهَا.
(0)
(3) الْمَعَالِمُ: مَا جُعِلَ عَلَامَةٌ لِلطَّرُقِ يُهْتَدَى بِهَا.
(4) النَّصَابُ: الْمِقْدَارُ الَّذِي تَلْزَمُ فِيهِ الزَّكَاةَ؛ كَخَمْسَةِ أَوْسُقِ فِي الْحُبُوبِ، وَأَرْبَعِينَ شَاةٌ فِي
الضَّانِ، وَخَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ فِي الأَنْعَامِ إِلَى آخِرِهِ، وَكُلِّ ذَلِكَ فِي السَّوَائِمِ (5) - عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَاحْتَجُوا بِمَا رَوَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَطَانِي صَدَقَةٌ إِلَّا فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ أَلَمْ نَجِدْ مَنْ
خَرَّجَهُ، وَهِيَ الْقَمْحُ وَالسَّعِيرُ إِلَخ. [انْظُرِ الْجِيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسْلامِ، 19/ 2]. (6) السُّلْتُ بِالضم: ضَرَبُ مِنَ السَّعِيرِ لَيْسَ لَهُ قِشْرٌ كَأَنَّهُ الْحِنْطَةُ، وَهَذِهِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ أَصْحَابَنَا، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بالحبوب السنة. (1/301)
صفحة 302
و (1) --
كتاب
الوضع
وزبيب. وَالنَّعَمُ (1) يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَام إبِلٌ، وَبَقَرُ، وَجَوَامِس، وَضَانٌ، وَمَعْز. وأربَعَةٌ مِنْهَا تُحْمَل (2) عَلَى أَربَعَةٍ؛ فَيَسْتَتِمُ النِّصَابُ بِهَا: الذَّهَبُ عَلَى الْفِضَّةِ، والبُرُّ عَلَى السَّعِيرِ، وَالْبَقَرُ عَلَى الْجَوَامِسِ، وَالضَّانُ عَلَى الْمَعْزِ. وأَربَعَةٌ مِنْهَا تَحتَاجُ إِلَى أَخذِ الْوَقْتِ (3): الإِبلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَالنَّضِ. وَيُسْتَحَبُّ لأَخْذِ الْوَقْتِ لِلزَّكَاةِ شَهْرٌ مَعْلُومٌ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ (4). وَيُسْتَحَبُّ شَهْرُ رَجَب أَوْ رَمَضَانَ أَوِ الْمُحَرَّمِ وَإِنْ دَخَلَ الْمَالُ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ
(1) النَّعَمُ: أَصْلُهُ لِلإِيلِ؛ لأَنَّهَا عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ، ثُمَّ أَطْلَقُوهَا عَلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (2) تُحْمَلُ: فَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَكْثَرِهَا. وَإِنِ اسْتَوَيَا أُخِذَتْ مِنْ أَيْهِمَا شَاءَ. (3) الْوَقْتُ: هُوَ دَوَرَانُ الْحَوْلِ، وَذَلِكَ فِي النَّضْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَأَمْوَالِ التَّجَارَةِ وَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَأَمَّا الْحُبُوبُ فَوَقْتُ حَصَادِهِ كَمَا فِي تَنْزِيلِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
(4) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: يَسْتَحِبُّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هَذَا، وَاحْتَالُوا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَالَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِالْهِبَةِ، ثُمَّ يَستَرِدَّهُ فِي الشَّهْرِ الْمَعْلُومِ أَقُولُ: وَلاَ يُعْجِبُنِي هَذَا الاحْتِيَالُ، بَلِ الْأَصْلُ أَنَّهُ يُوقتُ الشَّهْرَ الَّذِي يَكْمُلُ فِيهِ النَّصَابُ وَهُوَ الْفَرْضُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيُّ: مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ الْبُخَارِي، (6137، وَابْنُ حِبَّان، (347]. وَهَذَا فَرْضٌ مُؤفَّتْ بِكَمَالِ النَّصَاب؛ كَالصَّلاةِ الَّتِي هِيَ مُؤقته بأوقات لَا يَصِحُ لَنَا أَنْ نَحْتَالَ لِتَأْخِيرِهَا وَلَا لِتَقْديمها لأوقاتٍ فَاضِلَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ فِي النَّاسِ مُسْتَمِرانِ طَوَالَ شُهُورٍ السَّنَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَابُ الزَّكَاةِ الَّذِي يَسُدُّ الْحَاجَاتِ الْمُتَجَدِّدَةَ مَفْتُوحًا كَامِلَ السَّنَةِ، وَمَنْ أَرَادَ فَضْلَ الشُّهُورِ الْفَاضِلَةِ فَلْيَتَصَدَّق ووَلْيَتَطَوَّعَ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فَضْلَ النَّافِلَةِ فِي رَمَضَانَ يَعْدِلُ الْفَرْضَ فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنْ سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَقَدْ قَالَ الشيخ أبو إِسْحَاق رَحِمَهُ اللهُ فِي تَعْلِيفِهِ عَلَى الإِخراج: هُوَ أَشبَهُ بِاللَّعِب وَالتَّحَابُلِ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيمُ أَطْفَيَّسُ: تَعْلِيقَاتُهُ عَلَى كِتَابِ الْوَضْعِ، 176]. (1/302)
صفحة 303
كتاب
303
الوضع
الأَشْهُرِ الثَّلاثَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدَهَا لِوَقْتِ زَكَاتِهِ فَلْيُخْرِجُ (1) ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ يَرُدَّهُ فِي الشَّهْرِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ، وَلَا يَأْخُذُ الْوَقْتَ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَى أَخْذِ
(2)
الْوَقْتِ حَتَّى يَسْتَتِمَّ النَّصَابُ فِي مِلْكِهِ (2).
(1) قُلْتُ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى الإِحْرَاجِ، وَإِنَّمَا يَضُمُّ كُلَّ فَائِدَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ إِلَى نِصَابِهِ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ أَوَّلَ شَهْرٍ تَمَّ فِيهِ النَّصَابُ لِتَوْحِيدِ النّصاب؛ فَيَسْلَمُ مِنْ تَعَدُّدِهِ، وَالإِخْرَاجُ الَّذِي هُوَ أشبه باللَّعِب وَالتَّحَابُلِ، وَلَوْ كَانَ فِي تَوْحِيدِ النَّصَابِ شَيْءٌ مِنَ الْغَيْنِ عَلَى الْمُزكِّي. (2) هَذَا بَيَّانٌ لِشَرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَحْتاجُ إِلَى الْوَقْتِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: بُلُوغُ النَّصَابِ، واستقرَارُ الْمُلْكِ، وَاسْتِعْمَالُ الْحَوْلِ. (1/303)
صفحة 304
[صفحة فارغة] (1/304)
صفحة 305
فَصْلٌ
فِي النَّصَابِ]
الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها]
وَأَمَّا النِّصَابُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ أَوَّلُهَا: نِصَابُ الذَّهَبِ، وَالثَّانِي: نصَابُ الْفِضَّةِ، وَالثَّالِثُ: نصَابُ الإبل، وَالرَّابِعُ: نِصَابُ الْبَقَرِ، وَالْخَامِسُ:
نِصَابُ الْغَنَمِ، وَالسَّادِسُ: نَصَابُ الثَّمَارِ وَالْحُبُوبِ.
نصاب الذهب]
فَأَمَّا نِصَابُ الذَّهَب فَهُوَ عِشْرُونَ مِثْقَالاً (1)، وَفِي الْمُسَكَكِ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَالْمِثْقَالُ ثَلاثَةُ قَرَاريط، وَالْقِيرَاطُ (2) ثَلَاثُونَ حَبَّةٌ، وَالدِّينَارُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطَا وَالْقِيرَاطُ أَرْبَعُ حَبَّاتٍ وَمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ فَلَيْسَ فِيهِ
(1) عِشْرُونَ مِثْقَالاً: فِي سَبَائِكِ الذَّهَبِ وَالْحُلِيُّ وَالْمَصُوغ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: فِي الْمُسكَكَ ...
إلى آخره. (2) الْقِيرَاطُ ثَلاثُونَ حَبَّةٌ: يَعْنِي قِيرَاطَ الْفِضَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَالدِّينَارُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالْقِيرَاطُ أَرْبَعُ حَبَّاتٍ وَالْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ السَّمَاخِيُّ فِي الإِيصَاحِ وَالْمِثْقَالُ عِنْدَهُمْ وَزْنُ ثَلَاثَةِ قَرَارِيطَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَالْقِيرَاطُ ثَلاثُونَ حَبَّةٌ مِنْ شَعِيرِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَزْنُ الدِّينَارِ عِنْدَهُمْ أَربَعَ وَثَمَانُونَ حَبَّةٌ؛ ونَقَصَتْ مِنْهُ سِيتُ حبَّاتٍ بالنَّارِ، انْتَهَى [انْظُرِ السَّمَاخِي:
الإيضاح، 44/ 2]. (1/305)
صفحة 306
كتاب
306
الوضع
شَيْءٌ، حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ، أَوْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَالْحُجَّةُ عَلَى نِصَابِ الذَّهَبِ قَوْلُ النَّبِيِّ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً صَدَقَةٌ [الربيع، (332، وَالدَّارَ قُطْنِي، ر 1925]، وَعَلَى نِصَابِ الْفِضَّةِ قَوْلُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ (الربيع، (332، وَالْبُخَارِي، (1340]، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَما.
[نصاب الفضة]
(1)
وَأَمَّا نِصَابُ الْفِضَّةِ فَهُوَ مِائَنَا دِرْهَم)، وَالدَّرْهَمُ قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُونَ حبَّةٌ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، حَتَّى يَكْمُل أَرْبَعِينَ دِرْهَما.
[نصاب الغنم]
وَأَمَّا نِصَابُ الْغَنَمِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: الدَّرَجَةُ الأُولَى أَرْبَعُونَ شَاءَ، ثُمَّ لاَ شَيْءٍ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةٌ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةٌ، فَفِيهَا شَاتَانِ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ، ثُمَّ لَا شَيْء فِي الزَّيَادَةِ حَتَّى تَبْلُغَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثُ شَيَاءٍ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَة (2) (3)، وَيُعَدُّ فِي هَذَا الْحِسَابِ الصَّغِيرُ
(1) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: التَّحْفِينُ فِي نِصَابِ الْفِضَّةِ بِالْمَوَازِينِ الدُّوَلِيَّةِ الْحَالِيَّةِ؛ سِثْمِائَةٍ وَسِنَّةٌ وَسِئُونَ غَرَامًا، وَفِي الذَّهَبِ مِائَهُ غِرَامٍ (2) لَمْ يَذكُرِ الْمُصنِّفُ الدَّرَجَةَ الرَّابِعَةَ، وَهِيَ مَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمَانَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شَيَاءٍ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ. وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الثَّالِثَةِ فِي كُلِّ مِائَةِ شاةٍ شَاةٌ، وَهَذَا قَوْلٌ، أَوْ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ؛ فَفِي كُلِّ مَا زَادَ شَاةٌ فِي كُلِّ مِائَةٍ. (3) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٍ شَاءٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْعُقُودِ شَيْءٌ كَمَا سَيَأْتِي. (1/306)
صفحة 307
كتاب
الوضع
وَالْكَبِيرُ وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى وَالْحُجَّةُ عَلَى نِصَابِ الْغَنَمِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ شَاءَ صَدَقَةٌ (الربيع، (332، وَالْبُخَارِي، (1386]. وَمَا يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى وَايْلِ بْنِ حجر الْحَضْرَمِي مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى الأَقْبَالِ (1) الْعَبَاهِلَةِ (2) (3) مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ
صلى الله عليه وسلم
(1) الأقيال: الْمُلُوك.
(2) -
(2) الْعِبَاهِلَة: جَمْعُ عَبْهَلِ: وَهُوَ مَنْ أَقرَّ عَلَى مُلْكِهِ، وَالنَّاءُ لِتَأْكِيدِ الْجَمْعِ (3) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الْمُرَادُ بِهِمْ مُلُوكُ الْيَمَنِ، قَالَ فِي الصَّحَاحِ: عَبَاهِيلُ الْيَمَنِ مُلُوكُهُمُ الَّذِينَ أُقِرُوا عَلَى مُلْكِهِمْ لا يُزَالُونَ عَنْهُ، قَوْلُهُ: وَفِي السَّيُوبِ الْخُمُسِ، قال في الصحاح؛ السَّيِّوبُ: الرِّكَازُ، وَهِيَ دَفِينُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَأَنَّهُ رَكَزَ الْأَرْضِ ركزا [الْجَوْهَرِيُّ: الصَّحَاحُ فِي اللُّغَةِ 151/ 1]، وَفِي الْحَدِيثِ: وَفِي الرِّكَازِ الْحُمُسِ الربيع، (334، وَالْبُخَارِي، (1428]. قَوْلُهُ: وَلَا خِلاطَ وَلَا وِرَاطَ فِي الصَّحَاحِ الصحاح في اللغة، 261/ 4]، وَأَمَّا الْحَدِيثُ لاَ خِلاَطَ وَلَا وَرَاطَ؛ فَيُقَالُ: هُوَ كَقَوْلِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وفي رواية: "متفرق"]، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ [البخاري، (1382، وأبو داود، ر 1570]، قال في الإِيضاح: الْمُجْتَمِعُ هُوَ الْمَشَاعُ، وَالْمُفْتَرِقُ هُوَ الْمَقْسُومُ وَلَيْسَ بِمُجْتَمِع؛ غَيْر الْمَشَاعِ وَإِنْ جَمَعَهُ الْمَرْبَضُ وَالْمَحْلَبُ، انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإيضاح 83/ 2] قَولُهُ: وَلاَ شِنَاقَ فِي الصَّحَاحِ [354/ 1]: السَّنقُ يَعْنِي بِالْفَتْحِ فِي الصَّدَقَةِ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ، وَلاَ شِغَارَ؛ في الصحاح [354/ 1]: وَالشَّعَارُ بِكَسْرِ السِّينِ: نَكَاحَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لَآخَرَ: زَوِّجُنِي ابْنَتَكَ أَوْ أَخْتَكَ عَلَى أَنْ أَزَوِّجَكَ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي، عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِضَعُ الأُخْرَى، كَأَنَّهُمَا رَفَعَا الْمَهْرَ وَأَحْلَيَا الْبِضْعَ عَنْهُ. وَمَنْ أَجْبًا فَقَدْ أَرْبَى؛ فِي الصَّحَاحِ [119/ 1]: والإجباءُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاحُهُ انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الوضع ص 486، 487]. (4) حَضَرَمَوْتُ: جَنُوبُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَهِيَ بِلادُ ثَمُودَ، وَمِنْهَا السَّمَاخِيُّونَ، وَكَانَتْ مَوْطِنَ أَصْحَابِنَا إِلَى الْقَرْنِ السَّادِسِ، وَمِنْهَا الإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَيْسٍ، صَاحِبُ: دِيوَان
السَّيْفِ النَّقَادِ. (1/307)
صفحة 308
كتاب
الوضع
الزَّكَاةِ، وَعَلَى التِّيعَةِ شَاةٌ، وَالنِّيمَةُ لِصَاحِبِهَا، وَفِي السُّيُوبِ (1) الْخُمُسِ، وَلَا خلاط (2) وَلاً ورَاط (3) وَلاَ شِنَاق (4) وَلاَ شِغَارَ (5)، وَمَنْ أَجْبَا (1) فَقَدْ أَرْبَى، وَكُلُّ مُسْكِر (7) حَرَام [الْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّعَبِ، (1433، وَالْهَيْثَمِيُّ، 16006]. وَالتَّبَعَةُ أَرْبَعُونَ شَاةً، وَالتِّيمَةُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ، وَقِيلَ: التِّيمَةُ الْمَعْلُوفَةُ لِلذَّبْحِ
(7)
نصاب الإبل والبقر]
وَأَمَّا نِصَابُ الإِبِلِ فَهُوَ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ دَرَجَةً: الدَّرَجَةُ الأُولَى خَمْسٌ منَ الإِيلِ، ثُمَّ زِيَادَةُ خَمْسٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ زِيَادَهُ عَشْرٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ زِيَادَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ زِيَادَةُ ثَلاثِينَ مَرَّةً وَاحِدَةٌ، وَيُعَدُّ صَغِيرُ الإِبِلِ وكَبِيرُهَا، ذَكَرُهَا وَأَنْتَاهَا. وَالْحُجَّةُ عَلَى نصاب الإبل مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
(1) السيوبُ: الرِّكَازُ؛ وَهُوَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "فِي الرِّكَازِ الْخُمُسِ". (2) لا خلاط؛ أَي: لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّق. (3) لا وِراطَ: لا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجتمع، وَقَالُوا الْوِرَاطُ أَنْ تُجْعَلَ الْغَنَمُ فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لإخْفَائِهَا عَنِ الْمُصَدقِ، وَقِيلَ: أَنْ يُغَيِّيهَا فِي غَنَم غَيْرِهِ أَوْ إِيلِهِ.
(4) الشنق: مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَينِ (5) الشَّغَارُ: نِكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُنْكِحَهُ بِنتَهُ أَوْ أَخْتَهُ، أَيْ وَاحِدَةً بِأُخْرَى. وَهَذَا نِكَاح
حرام، إِذْ هُوَ بِضع ببضع.
(6) الإجباء: بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. (7) كُلِّ مُكِرٌ وَهُوَ كُلُّ مَادَّةٍ يَحْصُلُ بهَا لِلْعَقْل فُنُورٌ أَوْ نَشْوَةٌ؛ لأَنَّ الإِسْلامَ ضَمِنَ سَلَامَةَ الْعَقْلِ الَّذِي بِهِ كَمَالُ الإِنْسَانِ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ التَكْلِيفُ، لِهَذَا قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلَيلُهُ حَرَامٌ أَبُو دَاوُدَ، (3683، وَالتَّرْمِذِيُّ، (1865] وَقَالَ: "كُلُّ مُفْتِرٍ حَرَامٌ لَمْ نَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرُوِيَ بِلَفْظِ: "كُلُّ شَرَابِ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام. الربيع، ر 629 وَالْبُخَارِي، (239]. (1/308)
صفحة 309
كتاب
الوضع
لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ (1) صَدَقَةٌ [الربيع، (332، وَالْبُخَارِيِّ، (1340].
وَأَمَّا نِصَابُ الْبَقَرِ: فَهُوَ كَنصَابِ الإِبِلِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ (3).
نصاب الحبوب والثمار]
وأَمَّا نِصَابُ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ فَهُوَ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ خَمْسَةٌ أَوْسَاقِ، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْمُد رطلٌ وَثُلُثُ، وَالرِّطْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ أُوقِيَّةٌ، وَالْأُوقِيَّةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَالدَّرْهَم قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطُ ثَلاثُونَ حَبَّةٌ. وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقِ صَدَقَةٌ [الربيع، (332، وَالْبُخَارِيِّ، (1378]، وَكُلُّ نِصَابٍ كَمُلَ فِي مِلْكِ مَالِكِ أَوْ مُلاكٍ شَتَّى بِالشَّرِكَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَخَذُ الْوَقْتِ لِلزَّكَاةِ، مَا خَلاَ النَّصَّ؛ لَا يَسْتَتِمُ فِيهِ الشَّرِيكُ بِنَصِيبٍ
شريكه.
(1) ذَوْدٍ: جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَهُوَ مِنَ الإِبل.
(2) حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ: عَلَى مِثَالِهَا وَقَدْرِهَا. (1/309)
صفحة 310
[صفحة فارغة] (1/310)
صفحة 311
فَصْلٌ
فِي الْقَرْضِ الْمَحْتُوم)
المقدار الذي يجب إخراجه]
وَأَمَّا الْفَرْضُ الْمَحْتُومُ: فَيَنْقَسِمُ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: عُشْرٌ، وَنِصْفُ الْعَشْرِ، وربعُ الْعُشْرِ، وَنَاقَةٌ، وَبَقَرَةٌ، وَشَاةٌ.
أَمَّا الْعُشْرُ: فَهُوَ فَرْضٌ مَا سَقَتِ الأَمْطَارُ وَالْأَنْهَارُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
فِيمَا سَفَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ" (الربيع، ر 331، وَالْبُخَارِي، (1412]. وَأَمَّا نِصْفُ الْعُشْرِ: فَهُوَ فَرْضٌ مَا سُقِيَ بِالْمُعَالَجَةِ (1) (2)؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
(1) الْمُعَالَجَةُ: بَدْلُ الْجَهْدِ، أَوِ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: هُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ بَحْتُ، وَهُوَ مَا سُقِيَ بِالْمَطَرِ وَالسَّوَانِي، وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ الْحَاشِيَةِ فِيهِ كَلامًا، قَالَ فِيهِ: اعْلَمْ أَنَّ مَا سُقِيَ بِالْمَطَرِ وَالسَّوَانِي فِيهِ خِلافُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، فَقِيلَ: عَلَى مَا أَسُ وَقِيلَ: عَلَى مَا أَدْرك. وقيل: بالتوزيع، وَهُوَ مُختار
صاحب الإيضاح؛ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكرِ الْقَوْلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ صَدَقَتُهُمَا بِالْمُقَاسَمَةِ، فَلْيَنظُرْ كَمْ شَرِبَتْ مِنْ شَرَبَةٍ، ثُمَّ يَنظُرُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِالزَّجْرِ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِ الزَّجْرِ مِنْ سَفْيِ الْغَيْثِ وَالأَنْهَارِ، فَيَعْلَمْ أَنَّهُ نصفٌ أَوْ تُلْتُ أَوْ رَبِّعَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، فَتُوحَذَ الزَّكَاةَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجَزْءِ الَّذِي شَرِبَ بِالْغَيْثِ العُشْرُ، وَمِنَ الْجُزْءِ الَّذِي شَرِبَ= (1/311)
صفحة 312
كتاب
312
الوضع
(1)
السَّلامُ فِيمَا سَفَتِ السَّوَانِي (1) وَالتَّوَاضِحُ (2) نصفُ الْعُشْرِ" [الربيع، (331
وَالْبُخَارِيِّ، (1412].
(£)
وَأَمَّا ربعُ الْعُشْرِ: فَهُوَ فَرْضُ الْعَيْنِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: في الرقة (3) رُبْعُ الْعُشْرِ الْبُخَارِي، (1386، وأَبو دَاوُد، (1569]، وَلَمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةٌ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِي يَدِهَا سِوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ (4) فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالاً، فَقَالَتْ لَهُ: أَخْرِجُ الْفَرِيضَةَ؟ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مِثْقَالاً وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ مِثْقَالٍ الدارقطني، (1975، وَالزَّيْلَعِيُّ، 373/ 2]. وَفَرْضُ الذَّهَبِ فِي الْعِشْرِينَ مِثْقَالاً نِصْفُ مثْقَالِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ عُشْرٌ مِثْقَالِ. وَفَرْضُ الْفِضَّةِ فِي الْمِائَتَيْ دِرْهَم خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَا دِرْهَمْ.
وَأَمَّا النَّاقَةُ فَهِيَ فَرْضُ الإِبِلِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؛ لَأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا فِي زَكَاةِ الإِبل:
= بِالزَّجْرِ نصفُ العُشْرِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ عِنْدِي لِمَا فِيهِ مِنَ الاحْتِيَاطِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الأَنْوَاعُ لِلشركاء، بَعْضُهُمْ يَسْقِيهَا بِالْمُعَالَجَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَسْقِيهَا بِالْعُيُونِ عَلَى مَا قدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَم. إهـ[انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 493]، [انْظُرْ:
السَّمَاخِي: الإيضاح 21/ 2].
(1) السَّوَانِي: الأَبْعِرَةُ الَّتِي يُسْنَى عَلَيْهَا.
(2) النَّوَاضِحُ: النَّاضِحُ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْقَى عَلَيْهِ الزَّرْعُ مِنْ بِثْرٍ أ
(3) الرقةُ: الْفِضَةُ وَالدَّرَاهِمُ الْمَصْرُوبَةُ مِنْهَا.
(4) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى زَكَاةِ الْحُلِيِّ الَّذِي تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْحُلِيَّ إِذَا كَانَ مِمَّا
تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةً. (1/312)
صفحة 313
كتاب
الوضع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمعَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَا، فَمَنْ سَأَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا يُعْطَاهَا، وَمَنْ سَأَلَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا لَا يُعْطَاهَا، أَلا فِي الأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ؛ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضِ [الْبُخَارِي، 1386، وأَبُو دَاوُد، (1569]، وَقَدْ أَجَازُوا فِي هَذَا الْوَجْهِ ابْنَ لبون (1) ذَكَرًا، إِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتَ مَخَاضِ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِرًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ؛ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتّاً وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ؛ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ؛ فَفِيهَا جَدَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِئًا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ؛ فَفِيهَا بِئْنَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ؛ فَفِيهَا حِقَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ؛ فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونِ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.
(1) يَجْمُلُ أَنْ أَذْكُرَ أَسْنَانَ الإِيلِ وَمَعَانِيَ أَسْمَائِهَا؛ زِيَادَةٌ فِي الْفَائِدَةِ، نَقْلاً مِنَ الْمُحَشِي رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: أَوَّلُ مَا يُولَدُ الْبَعِيرُ يُسَمَّى رَبْعَاءَ، ثُمَّ هَيْفَاءَ، ثُمَّ فَصِيلاً، ثُمَّ ابْنَ مَخَاضِ، ثُمَّ ابْنَ لَبُونِ، ثُمَّ حِقٌّ، ثُمَّ جَدَعٌ، فَإِذَا دَخَلَ فِي السَّادِسَةِ فَهُوَ ثَنِي، وَفِي السَّابِعَةِ رَبَاعٌ، وَالأُنثَى رَبَاعِيَةٌ، وَفِي الثَّامِنَةِ سُدُسُ الذَّكَرِ وَالأُنثَى وَفِي التَّاسِعَةِ بَازِل، إِلَى آخِرِهِ. وَالزَّكَاة تَختص بابْنِ لَبُونِ، وَبَنْتِ لَبُونِ، وَالْحَقَّةُ، وَبَنْتُ مَخَاضِ، وَالْجَذَعَةُ، فَهِيَ تَخْتَصُّ شباب الإبل لاَ يَعينُ فِيهَا الْمُزكِّي وَفِي الْوَقْتِ يَنتَفِعُ بِهَا مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ؛ لأَنَّهَا فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُرِ. فَابْنُ لَبُونِ لَهُ سَنَتَانِ، وَالْحَقَّةُ ثَلَاثُ سِنِينَ، اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُركَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا وَيَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَبِنْتُ مَخَاضٍ لَهَا سَنَةٌ؛ لأَنَّ أُمَّهَا حَمَلَتْ بَعْدَهَا. وَالْجَزَعَهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَهَذِهِ الأَسْنانُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ،
مختصرة (1/313)
صفحة 314
كتاب 310 الوضع
وَأَمَّا فَرْضُ الْبَقَرِ فَهُوَ كَالإِبَلِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ فَفِي كُلِّ خَمْسٍ شَاءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؛ فَفِيهَا جَدَعَةً
الْبَقَرِ، وَإِذَا بَلَغَتْ سِئًا وَثَلاثِينَ؛ فَفِيهَا ثَنِيَّةُ الْبَقَرِ، وَإِذَا بَلَغَتْ سِرًّا وَأَرْبَعِينَ؛ فَفِيهَا رَبَاعِيَةُ الْبَقَرِ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ؛ فَفِيهَا سُدُسُ الْبَقَرِ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِئًا وَسَبْعِينَ؛ فَفِيهَا ثَنِيَّتَانِ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ؛ فَفِيهَا رَبَاعِيَتَانِ مِنَ الْبَقَرِ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ؛ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ثَنِيَّةٌ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ رَبَاعِيَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فَرْضُ الشَّاةِ: فَهُوَ فَرْضٌ ثَلاَثَةِ أَصْنَافِ: فَرْضُ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَفَرْضُ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْبَقَرِ، وَفَرْضِ الْغَنَمِ أَمَّا الإِبِلُ وَالْبَقَرُ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَأَمَّا الْغَنَمُ: فَتَفْصِيلُ زَكَاتِهَا مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَعْهَدَ إِلَيَّ عُمَرُ كِتَابَ النَّبِيِّ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةً شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ؛ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاءٍ، فَمَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَمَا لَمْ
تكمُلْ مِائَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ الْبُخَارِي، (1386، وَأَبُو دَاوُد، ر 1570]. (1/314)
صفحة 315
فَصْلٌ
في اشتراط الحول والنصاب والإدراك]
كُلُّ نَوْعِ يَحْتَاجُ إِلَى أَخذِ الْوَقْتِ، فَوُجُوبُ زَكَاتِهِ بِشَيْتَيْنِ: تَحْوِيلِ الْحَوْلِ مَعَ اسْتِكْمَالِ النِّصَابِ، وَكُلُّ مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَحْذِ الْوَقْتِ فَوُجُوبُ زَكَاتِهِ بِشَيْئَيْنِ: الإِدْرَاكِ، وَكَمَالِ النَّصَابِ. وَكُلُّ مَا أُخِذَ لَهُ الْوَقْتُ؛ فَلَا يَنْتَقِصُ وَقْتُهُ إلا بِشَيْتَيْنِ: نُقْصَانِ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَالإِخْرَاجِ مِنَ الْمُلْكِ، إِلَّا إِنْ أَخْرَجَهُ بِشَيْتَيْنِ فَلَا يَنْتَقِصُ وَقتُهُ؛ أَحَدُهُمَا: الْفِرَارُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالثَّانِي: إِبْدَالُهُ بِجِنْسِهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: "لا فِرَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالْفَارُّ مِنَ الصَّدَقَةِ يُؤَدِّي). وَقَدْ قِيلَ: يَنْتَقِصُ بِالإِبْدَالِ بِالْجِنْسِ، وَأَمَّا كُلُّ مَالٍ أُخْرِجَتْ مِنْهُ الزَّكَاة أَوْ وَجَبَتْ وَلَمْ تُخْرَج، فَإِنِ انْتَقَضَ فِي يَدِ مَالِكِهِ عَنِ النَّصَابِ؛ فَلَا يَنتَقِصُ وَقْتُهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَبْدَلَهُ بِجِنْسِهِ لاَ يَنْتَقِصُ وَقْتُهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ عَنْ حَدَّ
الأصل.
وأَصْلُ الذَّهَبِ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ فَصَاعِدًا، وَأَصْلُ الفِضَّةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ
(1) هذه المقولة كان ينادي بها أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني، والي قنطرارة. [انظر: سير الشماخي، ط. الهجرية، 195/ 1]. (1/315)
صفحة 316
كتاب
316
الوضع
وَرَنَّهَا فِضَّةٌ، وَأَصْلُ الْغَنَمِ ثَلَاثَةُ رُؤُوسِ، وَأَصْلُ الْبَقَرِ ثَلَاثَةٌ رُؤُوسِ وَأَصْلُ الإِبَلِ ثَلَاثَةُ رُؤُوس
وَثَلاثَةٌ تَكُونُ أَصْلاً لِثَلَاثَةِ: الذَّهَبُ يَكُونُ أَصْلاً لِلْفِضَّةِ، وَتَكُونُ أَصْلاً لَهُ. وَالْبَقَرُ تَكُونُ أَصْلاً لِلْجَوَامِس، وتَكُونُ أَصْلاً لَهَا. وَالضَّانُ يَكُونُ أَصْلاً لِلْمَعْزِ، ويكون أصلاً لَهُ وَالنَّضِ (1) يَكُونُ مُخَالِفًا لَأَنْوَاعِ الْمَالِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: أَلا يَسْتَتِمَّ الشَّرِيكُ فِيهِ بِنَصِيبٍ شَرِيكِهِ فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي النِّصَابِ. وَالثَّانِي: تُؤَدَّى الزَّكَاةَ عَنْ دُيُونِهِ وَلَوْ لَمْ تُقْبَضَ إِذَا كَانَتْ حَالَة (2) (3) وَالثَّالِثُ: يُسْقِطُ الْمُزكِّي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ النَّصّ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنَ النَّضْ عِنْدَ إخراج الزَّكَاةِ.
(1) النَّص: الذَّهَبُ وَالْفِضَةُ إِذَا كَانَتْ حَامًا قَبْلَ أَنْ تُككَ. (2) يَبتُ قَبْضُهَا إِذَا هِيَ عَلَى مَلِي يُرْجَى قَبْضُهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ؛ فَلَا يُخْرِجُ زَكَانَهَا، فَإِذَا أَيْسَرَ الْمُغْسِرُ أَوْ دَفَعَهَا مَنْ كَانَ مُمتنعًا مِنْ دَفْعِهَا؛ أَخْرَجَ زَكَانَهَا عَنْ سَنَةٍ
واحدة.
(3) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: الدَّيْنُ الَّذِي حَلَّ أَجَلُهُ فَرَكَاتُهُ عَلَى الْغَرِيمِ أَي الدَّائِنِ؛ إِذَا أَمْكَنَ قَبْضُهُ بِأَنْ كَانَ الْمَدِينُ مُوسِيرًا وَلَمْ يُنكِرْهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْلَّ أَجَلُهُ، وَكَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا أَوْ مُنْكِرًا لَهُ بَعْدَ التَّحْلِيفِ؛ فَلَا تَجِبُ رَكَاتُهُ عَلَى الْغَرِيم؛ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْمَدِينِ، أَيْ لَا تَسْقُطُ الديونُ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يَحُلُّ أَجَلُهَا، وَذَلِكَ عِنْدَ وَقْتِ زَكَاتِهِ، فَإِنْ قَبَضَ الْغَرِيمُ دَيْنَا كَانَ أَيسَ مِنْهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ فَلْيُزَكِّهِ عَنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، لأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى قَبْضِهِ، هَذَا مَا رَجَحَهُ صَاحِبُ الإِيضاح، وَافَقَهُ صَاحِبُ الْحَاشِيَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ، لأَنَّ الدَّيْنَ مَا لَمْ يَحُلُّ أَجَلُهُ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالذَّمَّةِ، وَفَرْق بَيْنَ مَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ وَمَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَالِ أَوِ التَّرِكَةِ عِنْدَ وَفَاةِ الْمَدِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْظُرْ أَبُو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ ص 503] انظر: الشماخي: الإيضاح 54/ 2] (1/316)
صفحة 317
في الكسعة (3)
فَصْلٌ فِيمَا عُفِيَ عَنْ زَكَاتِهِ]
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْقَتُوبَةِ) وَلَا فِي الْجَارَّةِ (2) وَلَا وَلَا فِي النُّخَةِ (4) وَلَا فِي الْجَبَهَةِ (5) صَدَقَةٌ (الربيع، (338، والبيهقي، (7202]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَيْسَ فِي عَبْدِ الرَّجُلِ وَلَا فِي فَرَسِهِ زَكَاةٌ الربيع، (339، وَالْبُخَارِي، (1394]. وَقَالَ: عُنِي عَنْ أُمَّتِي زَكَاةُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ" [انْظُرْ حَدِيث: "لا صَدَقَةَ فِي الْكُسْعَةِ وَالْجَبْهَةِ وَالنُّخَةِ وَقَدْ سَبَقَ تَحْرِيجُهُ؛
لأنَّ الْجَبْهَةُ: الْخَيْلُ، وَالْكُسْعَة الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، وَالنُّحْةَ الْعَيدُ البيهقي، (7201، 7202).
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي ذَوَاتِ الْقُرُونِ
(6 () 7).
6
وَلَا فِي ذَوَاتِ الْحَوَافِرِ، وَلَا
(1) القتُوبَةُ الَّتِي يُوضَعُ عَلَيْهَا الْقَتَبُ لِلْحَمْلِ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الْقُنُوبَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
(2) الْجَارَّةُ: الرَّكَائِبُ.
(3) الْحُسْعَةُ بالضم: الْحَمِيرُ.
(4) النُّخَةُ: الدقيق
(5) الْجَبَهَةُ: الْخَيْلُ
(6) ذَوَاتُ الْقُرُونِ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا الْبُقُولُ ذَاتُ الْقُرُونِ كَالْفُولِ.
(7) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: ذَوَاتُ الْقُرُونِ مِنَ النَّبَاتَاتِ كَالْفُولِ وَالْحِمَّصٍ (1/317)
صفحة 318
كتاب
الوضع
الْحَنَابِلِ، وَلاَ التِّينِ، وَلَا الزَّيْتُونِ، وَلَا فِي جَمِيعِ الْفَوَاكِهِ مِنَ الْخَصْرَاوَاتِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَعَلَ الصَّدَقَةَ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فِي الْبُرِّ وَالسَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالذُّرَةِ وَالسُّلْتِ رُوِيَ بِلَفْظ: "لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا
في خَمْسَةِ أشياء: الْحِنْطَةِ، وَالسَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزّبيب، وَالدُّرَةِ الْبَيْهَقِيُّ، (7270].
وَلَا زَكَاةَ فِي اللآلئ، وَلاَ فِي الْجَوَاهِرِ، وَلَا الطَّيبِ، وَلَا الْعَسَلِ، وَلَا الأَلْبَانِ، إِلا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأَشْيَاء لِلتِّجَارَةِ، فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا لَا فِي
أعيانها.
(1) الْحَنَابِلِ: كَذَا فِي نُسْخَةٍ مَخطُوطَةٍ، وَلَعَلَّهُ شَيْءٌ خَاصٌ بِنفُوسَة [الحنبل: اللوبياء، المعجم
الوسيط، مادة حنبل، 201/ 1]. (1/318)
صفحة 319
فَصْلٌ
من تحل له الزكاة ومن لا تحل]
(3)
وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ (1) الأَربَعَةِ (2): لِمُشْرِكِ، وَلَا مُنَافِقٍ، وَلَا غَنِي، وَلَا عبد. وَقَالَ: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ الأَربَعَةِ: لِغَنِيُّ، وَلَا لِمَنْ يَمُونُهُ غَنِيٌّ، وَلَا لذي مرَّةٍ (4) سَوِيٌّ، وَلَا لِمُتَأَتِّلِ (5) مَالاً (الربيع، (356، وَأَبُو دَاوُد، (1636]، وَعَنْهُ
(1) الصَّدَقَةُ: الزَّكَاةُ، أَمَّا مُطلَقَ الصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ التَّطَوُّعُ فَجَائِرٌ أَنْ تُعْطَى لِكُلِّ فَقِيرٍ كِتَابِي أَوْ
مشرك
(2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: لِغَنِيُّ: قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي حَدَّ الْغَنِيُّ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ هُوَ وَعِبَالُهُ؛ نَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ وَمُوْتَهُمْ إِلَى الْحَوْلِ فَهُوَ فَقِيرٌ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ وَيَشْهَدُ بِصِحَتِهِ الْخَبَرُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُهُ مَا لَوْ بَاعَهُ قَاتَهُ سَنَةً، مَا خَلَا بَيْتًا يَسْكُنُهُ، وَخَادِمًا يَحْدُمُهُ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: لاَ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى قِيمَةِ الْمَمْلُوكَاتِ الَّتِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا، مِثْلَ الْبَيْتِ وَالدَّارِ وَالْخَادِم وَالدَّابَّةِ، وَالأَصلِ الَّذِي لاَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَم [انظر الْجِيطَالِي: قَوَاعِدَ الإِسلام، 47/ 2]. وَجَاءَ مَعْنَاهُ فِي الإِيضاح [انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإيضاح 104/ 2، 108]. (3) الْمُنَافِقُ هُنَا مَنْ جَاءَ بِالْقَوْلِ وَخَانَ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْوَارِدُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرْبَعُ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ الْحَدِيث أَبُو دَاوُد، (4690، والتَّرْمِذِي، (2632].
(4) ذُو مِرَّةٍ: أَي قُوَّةٍ، وَهُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ الاحْتِسَابَ. (5) مُتَأثل: جَامِعِ لِلْمَالِ. (1/319)
صفحة 320
كتاب
320
الوضع
(1) "
عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: أَوْسَاحُ النَّاسِ لَا نَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لَآلِ مُحَمَّدٍ (1)، (مُسلِم، ر 2530، وأبو داود (2987) وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ" (أبو دَاوُد، (1652، وَابْنُ حَيَّان، (3293]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلا لِخَمْسَةٍ: عَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ مُشْتَرِيهَا، أَوْ مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ، أَوْ غَازِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فَقِيرٍ مُتَعَفَّفَ [أبو دَاوُدَ، (1637، وَابْنُ مَاجَهْ، 1841]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكِلْ
قسْمَ الصَّدَقَةِ حَتَّى قَسَمَهَا فِي كِتَابِهِ أبو داود، ر 1632، وكثرُ الْعُمَّالِ، (16544]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ، وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ" [البخاري، 6937].
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ دَلاَلَاتِ أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ إِلَّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِيَةُ: دَلَّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ مِائَتَيْ دِرْهَم غَنِيٌّ وَالثَّالِثَةُ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ وَالرَّابِعَةُ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً. وَالْخَامِسَةُ: دَلَّ عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ فُقَرَاءِ
الْمُسْلِمِينَ
(1) آل مُحَمَّدٍ: بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِيمٍ، وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، لأَنَّ اللَّهَ أَغْنَاهُمْ بِسَهُم فِي الْخُمُسِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الظُّهُورِ - اسْتِقْلالِ الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ وُجُودُ الدَّوْلَةِ لَهُمْ كَمَا قدَّمْنَا، أَمَّا إِذَا كَانَ سَهْمُهُمْ غَيْرَ مَوْجُودٍ؛ جَازَ لَهُمْ أَخَذُ الزَّكَاةِ إِنْ كَانُوا أَهْلَا لَهَا. وَالْآلُ في الدُّعَاءِ كُلُّ بَارٌ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (1/320)
صفحة 321
فَضْل فِي قَسْمِ الصَّدَقَةِ]
الأصْنَافُ الَّذِينَ تُعطى لَهُمُ الزَّكَاةُ]
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا الله (التوبة: (60) الآية. واختَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَقِيرِ وَالْمِسكين؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ (1) مِنَ الْعَيْشِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءٍ لَهُ. وَاحْتَجُوا
بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
و (2)
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِبَالِ فَلَمْ يُتْرَك لَهُ سَبَدُ (2) يَعْنِي: قُوتًا لاَ فَضْلَ مَعَهُ. وَاحْتَجُوا بِمَا ذُكِرَ أَيْضًا عَنْ أُنَاسِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: أَنَّهُ تَكُونُ لِأَحَدِهِمُ الدَّارُ وَالزَّوْجَةُ وَالْعَبْدُ وَالنَّاقَةُ يَحُجُّ عَلَيْهَا وَيَغْزُو، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ فُقَرَاءَ، وَأَسْهَمَ لَهُمْ فِي الزَّكَاةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ الْبُلْغَةُ، وَالْفَقِيرُ الَّذِي لاَ يَجِدُ الْبُلْغَةَ.
(1) بُلْغَةٌ: مَا تُبْلُغَ بِهِ مِنَ الْعَيْشِ وَلَا يَفْضُلُ، يُقَالُ: تَبَلَّغَ إِذَا اكْتَفَى بِهِ وَتَبَلَّغَ (2) السَّبَدُ الْوَبَرُ أَوِ الشَّعْرُ يُكَنَى بِهِ عَنِ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَيْتُ لِلرَّاعِي يَشْكُو لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
مَرْوَانَ سُعَاتَهُ (1/321)
صفحة 322
كتاب
322
الوضع
وَاحْتَجُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِي الكهف: (79) فَتَسْمِيتُهُمْ مَسَاكِينَ عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ مِسْكِينُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
مَسَاكِينُ أَهْلُ الْحُبُّ حَتَّى قُبُورُهُمُ عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلُّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ وَأَمَّا الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا فَهُمُ الْجُبَاةُ (1) الَّذِينَ يَجْبُونَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَيَضَعُونَهَا
فِي مَوَاضِعِهَا (2)، وَيُعْطَى الْعَامِلُ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الإِمَامُ. وَأَمَّا الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ (3): فَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا (4)،: فَيَأْتُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَرْضَحُ (5) لَهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٍ، وَإِنْ لَمْ
(1) الْجُبَاةُ جَمْعُ جَابِ: مَنْ يَجْمَعُ الزَّكَاةَ بِأَمْرِ الإِمَامِ. (2) يَضَعُونَهَا فِي مَوَاضِعها بأمر الإمام أيضاً. (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَقَدْ مَنَعَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اللَّهِ حِينَ جَاءُوا يَسْأَلُونَ حقوقهُمْ؛ فَقَالَ لَهُمْ لاَ حَقٌّ لَكُمْ، ذَلِكَ إِذْ كَانَ الإِسْلَامُ حَقِيًّا، أَمَّا الْآنَ فَقَدْ بَزُلَ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ [تاريخ الطَّبَرِيُّ: 179/ 2]، وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يُبْطِلُ سَهْمَهُمْ إِلَى الأَبَدِ، وَمَا كَانَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَإِنِ اقْتَضَى نظر الإمام تأليف جَمَاعَةٍ فِي تَألِيفِهِمْ مَصْلَحَةٌ لِلإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ فَلْيُعْطِهِمْ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَئِمَّةِ عُمَانَ، مِنْهُمُ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلِيلِيُّ رَحِمَهُ الله ولد بِسمَائِل سنة 1299 هـ، وأَقَامَ بِتَرْوَى مِنْ أَشْهَر أَئِمَّةِ عُمَانَ وَأَعْدَلِهِمْ، تَوَلَّى الإِمَامَةَ عقب مقتلِ الإِمَامِ الرَّضِيُّ: سَالِمِ بْنِ رَاشِيدِ الْخَرُوصي (1919 م)، انْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ سنة: 1373 هـ / 1953 م. وَكَانَتْ مُدَّهُ إِمَامَتِهِ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةٌ انْظُرْ مُعْجَمَ أَعْلَامِ
الإباضية - قِسْمَ الْمَشْرِقِ، رقم: 1256]. (4) أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِسْلَامُ فِي قُلُوبِهِمْ (5) يَرْضَحُ: يُعْطِي لَهُمْ عَطَاء لَيْسَ بِالْكَثِيرِ. (1/322)
صفحة 323
كتاب
323
الوضع
يُعْطِهِمْ عَابُوهُ وَتَرَكُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ أَشْرَافُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعْطِيهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ لِيَجُرَّ بِهِمْ إِسْلامَ قَوْمِهِمْ. وَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مِمَّنْ أَعْطَى لَهُمُ الإِبِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، أَحَدُهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُيِّينَةُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسِ. أعْطَاهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ الإِبلَ يَوْمَ حُنَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةَ نَاقَةٍ، إِلا حُويْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعَ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسِ، فَهَؤُلاَءِ الثَّلَاثَةُ أَعْطَاهُمْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ، فَقَالَ ابْنُ مِرْدَاسِ شِعرًا:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْدِ
وَمَا كَانَ حِصْنُ وَلَا حَـ
(1)
عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ
ابس يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمُ وَمَنْ تَضَعَ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَ) فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
فَأَعْطَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِائَةَ نَاقَةٍ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ سَبْعِينَ نَاقَةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا أولَى بِعَطَائِكَ مِنِّي، فَزَادَهُ عَشْرًا، حَتَّى أَتَمَّ لَهُ الْمِائَةَ، فَقَالَ حَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي خَيْرٌ أَمْ هَذَا الَّذِي زِدْتَ لِي؟ فَقَالَ: "بَلِ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ خَيْرٌ [عَبْدُ الرَّزَّاقِ، (16407، مُخْتَصَرًا، فَقَالَ:
(1) النَّهْبُ: الْغَنِيمَةُ وَالْعَيدُ: اسْمُ فَرَسِهِ.
(2) التَّدَرُ: الْقُوَّةُ وَالْعُدَّةُ. (1/323)
صفحة 324
كتاب
324
الوضع
وَاللَّهِ لَا أَخُذُ غَيْرَهَا. فَأَخَذَ السَّبْعِينَ، فَمَا مَاتَ إِلَّا وَهُوَ أَكْثَرُ قُرَيْشٍ مَالاً. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَتْرُكُ الْآخَرَ، وَالَّذِي أَتْرُكُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِيهِ، وَلَكِنْ أَتَأَلَّفُ هَذَا بِالْعَطِيَّةِ، وَأَكِلُ الْمُؤْمِنَ إِلَى إِيمَانِهِ
أحمد، ر 20691، وَالْبَزَّار، (722].
وَاختَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَهم الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِن احتاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى تَأْلِيفِ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ: انْقَرَضَ سَهُمُ الْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ لَدُنْ عُمَرَ، بِدَلِيلِ مَا فَعَلَ عُمَرُ مَعَ عيينةَ بْنِ حِصْنٍ، حِينَ جَاءَهُ يَسْأَلُهُ الزَّكَاةَ مِمَّا كَانَ يُعْطِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ الْكَهف (29) [انظر: الزيلعي: نصب الراية 394/ 2، وابن معز الدراية في تخريج أحاديث الهداية 265/ 1]، ذلِكَ إِذْ كَانَ الإِسْلامُ حَقِيًّا)، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ بَزِلَ الإِسْلَامُ، وَالإِسْلَامُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُرْشَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَفِي الرِّقَابِ) (2) فَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ (3)، يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ لِفَك
(1) كَذَا فِي النَّسَخِ، وَصَوَابُهُ: حَقًّا، وَهُوَ فِي الإِيلِ الْبَالِغُ ثَلَاثَ سِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا لَا
يَقْدِرُ عَلَى الْحَمْلِ، أَمَّا الْبَازِلُ فَهُوَ الْجَمَلُ الْبَالِغُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهُوَ قَوِي. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: هُمْ أَحْرَارٌ عِنْدَنَا مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، وَلِذَلِكَ تُعْطَى لَهُمُ الزَّكاةُ، بِخِلافِ مَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا أَقُولُ: وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا يَتَّفِقَ مَعَ رُوحِ الإِسْلَامِ الَّذِي
جَاءَ لِتَحْرِيرِ الْعَبِيدِ. [انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإِيضاح 113/ 2]. (3) الْمُكَاتِبُون: أَي الْمَمْلُوكُ الَّذِي فَكَ رَقَبَتْهُ بِمَال، فَأَصْبَحَ حُرًّا مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ قَبِلَ سَيِّدَهُ مكاتبته، وَلَوْ لَمْ يُصْبحْ حُرًّا لَمَا صَحْت لَهُ الزَّكَاةُ، فَالْمُكَاتِبُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا حُرٌّ مِنْ أَوَّلِ (1/324)
صفحة 325
كتاب
325
الوضع
رقَابِهِمْ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِمْ، الَّذِي تَحَمَّلُوهُ لِسَادَاتِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْغَرِمِينَ} فَهُمُ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمُ الدُّيُونُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَبْذِيرٍ وَلَا فَسَادٍ. وَقَالَ بَعْضُ: {وَالْغَرِمِينَ: مَنِ احْتَرَقَ بَيْتُهُ أَوْ مَالُهُ، أَوْ ذَهَبَ السَّيْلُ بِمَالِهِ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ فَيَقْضُونَ دُيُونَهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَهُمُ الْغُزَاةُ وَالْمُرَابِطُونَ فِي تُغُورِ الْعَدُوِّ.
وَاختَلَفُوا فِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ بَعْضٍ: يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَقَالَ بَعْضُ: لا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ إِلَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، أَوِ انْقَطَعَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ الْمُسَافِرُ الْمُحْتَاجُ، يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ إِذَا انْقَطَعَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ، وَقَالَ بَعْضٍ فِي ابْنِ السَّبِيلِ: هُوَ الْحَاجُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ.
وَاختَلَفُوا فِي هَذِهِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُقْسَمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَقَالَ بَعْضُ: إِنْ أَعْطَاهَا الرَّجُلُ فِي صِنْفِ وَاحِدٍ أَجْزَاهُ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ
يَوْمٍ، وَمَا كَاتَبَ بِهِ فَدَيْنُ فِي ذِمَّتِهِ. وَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي اختص بِهَا أَصْحَابُنَا، إِذِ الْحُرِّيَّةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الأَصْلُ فِي الإِنْسَانِ، فَلَمَّا كَاتَبَ فَقَدِ اسْتَرَدَّ حُرِّيَّتَهُ
وديرو (1/325)
صفحة 326
كتاب
326
الوضع
الزكاة زمان الإمامة وشروط دَفْعِها]
(1)
وأَمْرُ الزَّكَاةِ يَرْجِعُ إِلَى الإِمَامِ)، وَيُحْيِيهَا السُّعَاةُ بِأَمْرِهِ، وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَا يَرَى، وَإِنَّمَا السِّيرَةُ فِي ذَلِكَ إِذَا أُجْبِيَتِ الزَّكَاةُ مِنْ بلدٍ، قَسَمَ الْجَابِي نِصْفَهَا عَلَى فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَيَجْعَلُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَصَالِحِ دَولَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفَقَةُ الإِمَامِ وَعِيَالِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ؛ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَهْلُ النَّظَرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وكَذَلِكَ الْعُمَّالُ مَا دَامُوا فِي الْجِبَايَةِ، فَنَفَقَتُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِذَا جُمِعَتْ أَنْفَقُوا مِنْ سِهَامِهِمْ. وَسَهُمُ الْعَامِلِ الثُّمُنُ، وَقِيلَ: يُعْطَى بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ لِعَامِلِهِ. وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْ عَامٍ إِلَى عَامٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "انْتَظِرْ بِأَرْبَابِ الأَمْوَالِ حَوْلاً، ثُمَّ خُذْ مِنْهُمْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، وَدَعْ لَهُمُ الرَّبِّى وَالْمَاخِضَ وَالأَكُولَةَ وَالْفَحْلَ وَاللَّبُونَ لَمْ نَجِدْ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مُعَاذِ الْمُعْجَمُ الكبير، (8336، وَالْبَيْهَقِيُّ، (7093].
فَالربى: هِيَ الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا، وَالْمَاخِضُ: الْحَامِلُ، وَالأَكُولَةُ: الْمَعْلُوفَةُ لِلذِّبْحِ، وَاللَّبُونَ (2): ذَاتُ اللَّبَنِ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: أَمَّا فِي زَمَانِ الْإِمَامِ إِذَا كَانَ إِمَامَ عَدْلٍ؛ فَأَمْرُ الصَّدَقَةِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لأَحَدٍ فِي أَيَّامِهِ أَنْ يُقَسَمَ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الإِمَامُ
بِذَلِكَ، وَإِنْ قَسَّمَهَا بِرَأْي نَفْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإِيضاح 116/ 2]. (2) اللَّبُونُ: هِيَ الْحَلُوبَةُ. وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الأَصْنَافَ لَأَنَّهَا مِنْ كَرَائِمِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ فِي سَبِيلِ انْتِفَاعِ أَصْحَابِهَا وَلَيْسَتْ سَائِمَةٌ، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي السَّائِمَةِ. (1/326)
صفحة 327
كتاب
327
الوضع
وَإِنْ عُدِمَ الإِمَامُ قَسَمَ الزَّكَاةَ صَاحِبُ الْمَالِ بِنَفْسِهِ، وَلَا تُعْطَى إِلَّا لِلْمُتَوَلَّى، وَيَدْفَعُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَدْفَعُهَا عَنْهُ. وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلا وَهِيَ حَاضِرَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْ فَلَا تَجُورُ، إِلَّا إِنْ وَصَلَتِ الْمَرْفُوعَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَجَائِرٌ لأَصْحَابِ الشِّمَارِ وَأَصْحَابِ الزُّرُوعِ أَنْ يَأْكُلُوا بغَيْرِ حِسَابِ الزَّكَاةِ، مَا دَامُوا فِي جَمْع الثَّمَارِ وَحَصَادِ الزَّرْعِ، وَمَا جَمَعُوا مِنْهَا فَلا يَأْكُلُوا مِنْهُ إِلَّا بِحِسَابِ الزَّكَاةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
أَحْكَامُ الْكُنُونِ
وَأَمَّا الرِّكَازُ - الْكُنُوزُ -: فَهِيَ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ الْخُمُس (الربيع (334، والبخاري (1428]. وَيَجُوزُ أَخَذُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِثْلُ الْغَنِيمَةِ، فَكُلُّ مَنْ لاَ يَأْخُذُ الْغَنِمَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخَذُهُ، كَالْمُشْرِكِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالطَّفْلِ. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ إِلَّا بِعَلَامَةٍ ظَاهِرَةٍ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ؛ كَالصَّلِيبِ وَالنِّمْثَالِ وَنَحْوِهِ. وَإِنْ وَجَدَ فِيهِ عَلَامَةَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ (1) (2)، أَوْ لَمْ يَجِدْ فِيهِ عَلَامَةٌ أَصْلاً فَلَا
(1) عَلَامَةُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ: إِنَّ أَصْحَابَنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ اصْطَلَحُوا عَلَى إِطْلَاقِ كَلِمَةِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ" عَلَى أَهْل لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَالُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مُحَرَّمُ بِالنَّصَ، لَا يَحِلُّ أَيُّ شَيْءٍ مِنْهُ؛ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، لأَنَّهُ مَعْصُومٌ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ كَالدَّم، وَهَذَا مِنْ خصائِصِهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَنْهُمْ قَوْلاً وَعَمَلاً. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَامَةُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ: إِنَّ أَصْحَابَنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ .. قَوْلاً وَعَمَلاً نَقَلَ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ لِلشَّيْخ أبِي إِسْحَاقَ] [أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ
أطفيش: تَعْلِيقَاتُهُ عَلَى كِتَابِ الْوَضْعِ، 191]. (1/327)
صفحة 328
كتاب
328
الوضع
يأخذه (1) وَإِنْ وَجَدَ كَثرًا جَاهِلِيًّا أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَدَفَعَهُ لِلإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الإِمَامُ دَفَعَهُ لِمَنْ يَدْفَعُ لَهُ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا مَعَادِنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَعَلَى مَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا زَكَاتُهُ، إِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي مِلْكِهِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَعَادِنِ بِالْخُمُسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1) قَوْلُهُ: "فَلَا يَأْخُذُهُ يُنظَرُ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَاعِدَةِ الأُصُولِيَّةِ: الْمُبَاحُ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ، [الْكَاسَانِيُّ: بدائع الصنائع، 13/ 7] وَلَعَلَّ الْمُصنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُرِيدُ: أَنَّ مَا لَا عَلَامَةَ فِيهِ؛ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدَ؛ فَسَيلُهُ سَبِيلُ الْفُقَرَاءِ كَسَائِرِ مَا لَا صَاحِبَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1/328)
صفحة 329
،
فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْر]
(1)
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. (الربيع، (333، والبخاري، (1432)، وَهِيَ سُنَّةٌ، الأخذُ بِهَا فَضِيلَةٌ، وَتَرَكُهَا لَيْسَتْ بِخَطِيئَةٍ. وَسَيلُهَا سَبِيلُ الزَّكَاةِ فِي الدَّفْعِ وَالْمَدْفُوعِ لَهُ. وَهِيَ: صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ حُرِّ أَوْ عَبْدِ، أَوْ طِفْلٍ أَوْ بَالِغِ، يُخْرِجُهَا الْمَرْءُ عَمَّنْ يَمُونُ، وَيُخْرِجُهَا مِمَّا يَفْتَاتُ جميع الحبوب مِنْ جَمِيع وَالثَّمَارِ وَالأَلْبَانِ وَالْبُقُولِ وَاللُّحُومِ. وَلَا يُخْرِجُ فِطْرَةَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهِيَ فِطْرَةٌ إِلَى يَوْمِ الأَصْحَى مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَيُخْرِجُهَا عَنْ جَمِيعِ مَنْ زَادَ عِنْدَهُ مِنْ عِبَالِهِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَمَنْ تَلِفَ مِنْ عِبَالِهِ قبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْ (3) وَكُلٌّ مَنْ حَازَهُ مِنْ
(1) أَيْ: مِنْ جُلِّ قُوتِهِ. وَصَاحِبُ اللَّبَنِ يُعْطِيهَا حِينَ يَحْلِبُهُ، وَصَاحِبُ الْبَقْلِ يُعْطِيهَا كَذَلِكَ حِينَ يَقْطَعُهَا. وَصَاحِبُ اللَّبَنِ هُوَ مَالِكُ الأَنْعَامِ فِي الْبَرَارِيِّ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ جُلُّ قُوتِهِمُ اللَّبَنُ، وَصَاحِبُ الْبُقُول هُوَ الْمَزَارِعُ الَّذِي انْقَطَعَ إِلَى زِرَاعَةِ الْبُقُول.
(2) مَنْ زَادَ: أَي وُلِدَ. (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْرُهُ مِنْ أَوْلَادِهِ البُلَّعَ تَلْزَمُهُ نفَقَتُهُ، فَلِذَلِكَ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ الذَّكَرَ الْبَالِغَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَا زَكَاةً = (1/329)
صفحة 330
كتاب
الوضع
أَوْلَادِهِ الْبُلَّغ (1) فَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ الْمَعْصُوبُ وَالآبِقُ مِنْ عَبِيدِهِ، إِذَا لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُرْجَ رُجُوعُهُ، وَقِيلَ: فِي الْمَعْصُوبِ أَنَّهُ إِذَا أَطْعَمَهُ يُؤَدِّي عَلَيْهِ، وَعَبِيدُ التَّجَارَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ فِطْرَتِهِمْ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَاتُ مَا لَمْ يَجْلُبْهُنَّ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ وَخَيْرَ مَا عِنْدَهُ.
فِطْرِه ... [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 532]، وَقَالَ فِي الإِيضاح: فَإِنَّهُ يُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَقُولُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، مِثْلَ: أَوْلادِهِ الأطفال، أَوْ عَبِيدِهِ مُوَحَدِينَ كَانُوا أَوْ مُشْرِكِينَ [انظر: الشماخي: الإيضاح 140/ 2). (1) حَازَهُ: فَصَلَهُ عَنْهُ وَانْفَرَدَ بِأَحْوَالِهِ عَنِ وَالِدِهِ. وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ الذَّكَرَ الْبَالِغَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَلَا تَلْزَمُهُ زَكَاةً فِطْرِهِ، وَلَا وَجْهَ لاخْتِصَاصِ مَنْ حَازَهُ. وَقَوْلُهُ: بَالِغ؛ أَي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ
كَالْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ. (1/330)
صفحة 331
فَصْلٌ فِي أَسْنَانِ الأَنْعَامِ]
وَيَنْبَغِي لِلْمُتَفَقِّهِ أَنْ يَعْرِفَ أَسْنَانَ الأَنْعَامِ؛ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَا يَجِبُ مِنْهَا فِي حقوقِ الزَّكَاةِ وَأَرُوشِ الْحِرَاحَاتِ وَالدِّيَاتِ (1).
أَمَّا الإِبلُ: فَأَوَّلُ أَسْنَانِهَا إِذَا وَضَعَتِ النَّاقَةُ فِي أَوَّلِ الرَّبِيعِ؛ يُسَمَّى نِتَاجُهَا ربعاء، والأُنثَى رَبَّعَةٌ، وَإِنْ وَضَعَتِ النَّاقَةُ فِي آخِرِ الرَّبيع سُمِّيَ هُبَعًا، وَيُسَمَّى حوارًا، فَإِذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ وَقُطِمَ سُمِّيَ فَصِيلاً. وَلَا يَدْخُلُ هَذَا السِّنُ فِي الديَاتِ، وَلاَ فِي واجب الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْحَوْلَ وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَلَوْ بِيَوْمٍ فَهُوَ ابْنُ مَخَاضِ، وَالأُنْثَى بِنْتُ مَخَاضٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَذَا ا؛ لأَنَّ أُمَّهُ تَمَخَضَتْ عَلَيْهِ بِالْحَمْلِ وَهَذَا السِّنُّ يَدْخُلُ فِي الدِّيَاتِ
الاسم؛
وَوَاجِبِ الصَّدَقَاتِ، وكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَسْنَانِ يَدْخُلُ فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَإِذَا اسْتَكْمَلَ الثَّانِيَةَ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ وَلَوْ بِيَوْمٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ ابْنُ لَبُونِ، وَالأُنثَى بِنت لبون؛ واللَّبُونُ ذَاتُ اللَّبَنِ؛ لأَنَّ أُمَّهُ وَلَدَتْ عَلَيْهِ.
(1) أَرْسُ الْجِرَاحَاتِ: دِيَتُهَا، وَالدِّيَاتُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ. (1/331)
صفحة 332
كتاب
الوضع
الذَّكَرُ حِقًا؛
فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الثَّالِثَةَ وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ وَلَوْ بِيَوْمٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ حِقٌّ، وَالْأُنْثَى حِقَّةٌ سُمِّيَتْ حِقَّةٌ لاسْتِحْقَاقِهَا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ، وَيُسَمَّى لأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَن يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُركَبَ عَلَيْهِ.
فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الرَّابِعَةَ وَدَخَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَهُوَ حِينَئِذٍ جَدَعٌ، وَالأُنثَى جَدَعَةٌ. وَلَيْسَ فِي وَاجِبِ الزَّكَاةِ مِمَّا فَوْقَ الْجَذَعَةِ شَيْءٌ.
فَإِذَا مَضَتِ الْخَامِسَةُ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ وَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِي،
والأُنثَى ثَيَّة.
فَإِذَا مَضَتِ السَّادِسَةُ وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةِ فَهُوَ حِينَئِذٍ رَبَاعٌ، وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَّةٌ. فَإِذَا مَضَتِ السَّابِعَةُ وَدَخَلَ فِي الثَّامِنَةِ فَهُوَ سُدس، وَالْأُنْثَى كَذَلِكَ، بِلَفْظِ
وَاحِدٍ، سَوَاءٌ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي هَذَا الْوَجْهِ.
فَإِذَا مَضَتِ الثَّامِنَةُ وَدَخَلَ فِي التَّاسِعَةِ وَطَلَعَ نَابُهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ بَازِلٌ، وَالْأُنْثَى بَازِلٌ، كِلَاهُمَا بِلَفْظِ وَاحِدٍ.
فَإِذَا مَضَتِ التَّاسِعَةُ وَدَخَلَ الْعَاشِرَةِ فَهُوَ مُخْلِفٌ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْأَخْلَافِ اسم، ولَكِنْ يُقَالُ: بَازِلُ عَامٍ وَبَازِلُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ عَامٍ وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ، إِلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. فَإِذَا كَبُرَ فَهُوَ عَوْدٌ، وَالأُنْثَى عَوْدَةٌ، فَإِذَا هَرِمَ فَهُوَ قَارِحٌ، وَالْأُنْثَى نَابٌ وَشَارِفٌ.
وَالْخُلفُ مِنَ الإِبِلِ الْحَوَامِلُ وَاحِدُهَا خَلِفَةٌ، وَتُسَمَّى عُشَرَاءَ، وَالْجَمْعُ عِشَارٌ. وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَخْذِ الإِبلِ الْحَوَامِلِ فِي الزَّكَاةِ أَلَمْ تَجِدْ مَنْ (1/332)
صفحة 333
كتاب
الوضع
اخرجَهُ وَنَهَى عَنْ أَخْذِ كَرَائِمِ الأَمْوَالِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا الْبُخَارِي، (1389، ومسلم، (130).
وَأَمَّا أَسْنَانُ الْبَقَرِ: فَهُوَ فِي السَّنَةِ الأُولَى نَبِيعٌ، وَعِجْلٌ وَجَدَعْ لِسَنَتَيْنِ، وَثَنِي لِثَلاثِ، وَرَبَاعٌ لأَرْبَعِ، وَسَدَسُ لِخَمْسِ، وَضَالِعُ لِسِةٌ، وَهُوَ أَقْصَى أسنانِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُقَالُ: صَالِعُ عَامٍ، وَضَالِعُ عَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى
ذلك.
وَأَمَّا أَسْنَانُ الْغَنَمِ: فَهِيَ كَأَسْنَانِ الْبَقَرِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي السَّنَةِ الأُولَى يُسَمَّى وَلَدُ الشَّاةِ فِيهَا حَمَلاً وَخَرُوفًا، وَوَلَدُ الْمَعْزِ يُسَمَّى جَدْيًا وَسَخْلاً. وَأَسْمَاؤُهَا بَعْدَ السَّنَةِ الأُولَى مُوَافِقَةٌ لأَسْنَانِ الْبَقَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وأحكم. (1/333)
صفحة 334
[صفحة فارغة] (1/334)
صفحة 335
[كتاب الحج] بَابٌ فِي الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ]
معنى الحج وأدلة مشروعيته]
اعْلَمْ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الدِّينِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ. والدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِهِ وَوُجُوبِهِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عِمْرَانَ: (97)، واللامُ فِي قَوْلِهِ: (وَلِلَّهِ) لَامُ الإِيجَابِ
والإلزام.
وَالْحَجِّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْقَصْدُ، يُقَالُ: حَجَجْتُ الْبَيْتَ؛ إِذَا قَصَدْتُهُ،
أحُجُهُ حَبًّا، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَالَتْ سُلَيْمَى تَغَيَّرْتُمْ فَقُلْتُ لَهَا لَا وَالَّذِي بَيْتُهُ يَا سَلْمَى مَحْجُوجُ
أَي: مَقْصُودٌ. وَيُسَمَّى السَّفَرُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَجًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأَسْفَارِ؛ لِكَثْرَةِ اخْتِلافِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الطَّرِيقُ الْأَعْظَمُ مَحَجَةٌ؛ لِكَثْرَةِ اخْتِلافِ النَّاسِ فِيهِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَنُو فُلانٍ يَحُجُونَ فُلَانًا؛ إِذَا أَكْثَرُوا (1/335)
صفحة 336
كتاب
336
الوضع
الاخْتِلَافَ إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةٌ) يَحُجُّونَ سِبَّ الزَّبْرِقانِ (3) الْمُزَعْفَرَا
وَقَالَ آخَرُ:
أَمَا وَالَّذِي حَجَّ الْمُصَلُّونَ بَيْنَهُ مُشَاةً وَرَكْبَانًا مُخَزَّمَة الْبُرْلِ
وَيُرْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا كَمُلَ بُنْيَانُ الْبَيْتِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنْ: {وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَجَ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عميق (الْحَج (27)، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْكَ الأَذَانُ وَعَلَيَّ الْبَلاغُ فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَقَامِ، وَقِيلَ: عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسِ، فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَنَى بَيْتًا وأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُوهُ، فَأَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَحُجُوهُ. فَأَسْمَعَ اللَّهُ نِدَاءَهُ مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَمَنْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ، وَمَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْبَرَّ وَالْبَحْرَ، مِمَّنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَحُجَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فَمَنْ أَجَابَ يَوْمَئِذٍ بِالتَّلْبِيَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً حَجٌ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ أَجَابَ أَكْثَرَ حَجَّ
عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ لَمْ يَحُجَّ [ابن أبي شيبة، (32478].
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَيُّهَا النَّاسُ: لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَكُمْ، فَاعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ،
(1) حُلُولاً كَثِيرَةٌ، جَمْعُ حِلَّةٍ بِالْكَسْرِ: الْقَوْمُ النَّازِلُونَ، وَالأَحْيَاءُ الْكَثِيرَةُ. وَتُطْلَقُ الْحِلَّةُ عَلَى البيوت مجازا.
(2) السِّبُّ بِالْكَسْرِ: الْخِمَارُ وَالْعِمَامَةُ وَالزَّبْرِقانُ: هُوَ ابْنُ بَدْرِ الْفَزَارِيُّ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ (1/336)
صفحة 337
كتاب
337
الوضع
وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةٌ بِهَا أَنْفُسُكُمْ، وَحُجُوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، وَأَطِيعُوا وَلَاةَ أُمُورِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ [التَّرْمِذِي، (616، وَالطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ، (7535]، وَقَالَ أَيْضًا عَلَيْهِ السَّلامُ: "حُجُوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُوا،
فَإِنَّهُ قَدْ هُدِمَ الْبَيْتُ مَرَّتَيْنِ، وَسَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ (1).
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حُجُوا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ بِالْبَادِيَةِ شَجَرَةٌ لَا تَأْكُلُ مِنْهَا دَابَّةٌ إِلَّا نَفَقَتْ، أَيْ: مَاتَتْ [النيسابوري: الكشف والبيان، 157/ 3].
(1) لَمْ نَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِرِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبي شيبة، (14307 بِلَفْظِ: تَمَتَّعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَن يُرْفَعَ، فَإِنَّهُ سَيُرْفَعُ وَيُهْدَمُ مَرَّتَيْنِ، وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ"]. وقوله: "حجوا قبل أن تحجوا"
رواه الدارقطني، ر 294، والبيهقي، ر 8480]. (1/337)
صفحة 338
[صفحة فارغة] (1/338)
صفحة 339
فصل فِي فَضَائِلِ الْحَج
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: "مَنْ حَجَّ مَكَّةَ مَاشِيًا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ؛ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ الْيَهْقِيُّ، (8429، وابن خزيمة، (2791]. وَعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "الْمُنْفِقُ فِي الْحَجِّ كَالْمُنْفِقِ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الدَّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَم (1). وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاء إلا الْجَنَّةَ" [الربيع، (443، وَالْبُخَارِيِّ، (1683].
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ وَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ يَفْسُقُ؛ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ الْبُخَارِي، (1449، وَمُسلِم، (3357]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا مُسْلِمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَاصِدا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ قَبْلَ الْقِتَالِ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَةٌ، أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ؛ مَاتَ شَهِيدًا، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ قَبْلَ بُلُوغِهِ؛ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ
(1) [لَمْ نَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ، (2761، بِلَفْظِ: "مَنْ أَرْسَلَ بِنَفَقَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَم سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَم سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهُمْ). (1/339)
صفحة 340
كتاب
340
الوضع
الْجَنَّةَ أَحْمَد، (16414، وَالْبَيْهَقِي، (18317]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ الْبَيْهَقِيُّ، (10161، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، 12801]. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ طَائِفًا مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَقُلْتُ: فِدَاؤُكَ أَبِي وَأُمِّي، مَا هَذَا الْبَيْتُ؟ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ، أَسَّسَ اللَّهُ هَذَا الْبَيْتَ فِي دَارِ الدُّنْيا كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِ أُمَّتِي. فَقُلْتُ: فِدَاؤُكَ أَبِي وَأُمِّي، مَا هَذَا الْحَجَرُ الأَسْوَدُ فَقَالَ: تِلْكَ جَوْهَرَةٌ كَانَتْ فِي الْجَنَّةِ، فَأَهْبَطَهَا اللَّهُ إِلَى دَارِ وَلَهَا شُعَاعٌ كَشْعَاعِ الشَّمْسِ، فَاسْتَدَّ سَوَادُهَا لِمَا مَسَّهَا مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ أَلَمْ
نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ.
الدُّنيا
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: رَأَيْتُ رَجُلاً مُتَعَلَّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنِّي فَقِيرٌ كَمَا تَرَى، وَصِبْيَتِي قَدْ عُرُوا كَمَا تَرَى، وَنَاقَتِي عَجْفَاءُ كَمَا تَرَى، وَيُرْدَتِي قَدْ بَلِيَتْ كَمَا تَرَى فَمَا تَرَى فِيمَا ذَكَرْتُ مَا تَرَى؛ يَا مَنْ يَرَى وَلَا يُرَى، وَهُوَ بِالْمَنْظَرِ الأَعْلَى؟ فَإِذَا بِصَوْتِ مِنْ خَلْفِهِ: يَا عَاصِمُ الْحَقِّ عَمَّكَ بالطَّائِفِ قَدْ هَلَكَ، وَخَلَّفَ أَلْفَ نَعْجَةٍ، وَثَلاثَمِائَةِ نَاقَةٍ، وَأَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ، وَثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ يَمَانِيَّةٍ، لَيْسَ لَهُ وَارِثُ غَيْرِكَ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَاصِمٌ إِنَّ الَّذِي دَعَوْتَ لَقَدْ كَانَ مِنْكَ قريبا. فَقَالَ لِي: يَا هَذَا، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَيْ فَإِنِّي قرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (الْبَقَرَة: 186).
وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَا رُوِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى فِيهِ مِنْ نُزُولِ الرَّحْمَةِ، (1/340)
صفحة 341
كتاب
341
الوضع
وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ؛ إِلا مَا رُوِيَ مِنْهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشعب، (4069، وموطأ مالك، (1597).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ مَا كُفَّ بَصَرُهُ: مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ مَا نَدِمْتُ عَلَى أَنْ أَكُونَ حَجَجْتُ مَاشِيًا؛ لأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: يَأْتُوكَ رجالات كان (الحج: (27). [انظر تفسير الطبري 608/ 18، وفتح الباري 379/ 3]، وَقَدْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ قَرِيبًا فَالْمَشْيُ أَفْضَلُ مِنَ الرُّكُوبِ، وَإِذَا كَانَ بَعِيدًا فَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ؛ لأَنَّ الْمَشْيَ يُنْعِبُ الإِنْسَانَ وَيُسِيءُ خَلْقَهُ، فَإِذَا أمِنَ سُوءَ الْخَلْقِ فَالْمَشْيُ أَفْضَلُ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَلَقَّوْنَ الْحَجَّاجَ، فَيُسَلِّمُونَ عَلَى أَصْحَابِ الْجِمَالِ، وَيُصَافِحُونَ أَصْحَابَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَيُعَانِقُونَ الرُّجَّالَ (1).
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الطَّوَافِ كَهْلاً قَدْ أَجْهَدَتْهُ الْعِبَادَةُ، وَاصْفَرَّ لَوْتُهُ، وَبَيَدِهِ عَصا، وَهُوَ يَطُوفُ مُعْتَمِداً عَلَيْهَا، فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ وَجَعَلْتُ أسْأَلُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ خُرَاسَانَ. فَقَالَ لِي: فِي أَيِّ نَاحِيَةٍ تَكُونُ خُرَاسَانُ؟ كَأَنَّهُ جَهَلَهَا - فَقُلْتُ لَهُ: فِي نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. فَقَالَ لِي: فِي كَمْ تَقْطَعُونَ الطَّرِيق إِلَى هَذَا الْبَيْتِ؟ فَقُلْتُ: فِي شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ. فَقَالَ. تَحُجُّونَ فِي كُلِّ عَامٍ وَأَنتُمْ جِيرَانُ هَذَا الْبَيْتِ؟! فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِ سِنِينَ، خَرَجْتُ مِنْ بَلَدِي، وَلَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِي
لي:
أفلا
(1) [ذَكَرَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ، ر 1518، بِلَفْظِ: "إِذَا بَلَغَ الْحَاجُ أَنْصَابَ الْحَرَمِ تَلَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى جَنَبَتَيِ الْحَرَمِ، فَأَشَارُوا بِالسَّلَامِ عَلَى الْجَمَالَةِ، وَصَافَحُوا الْبَغَالَةَ، وَاعْتَنَقُوا
الرَّجَالَةَ اعْتِنَافًا". (1/341)
صفحة 342
كتاب
342
الوضع
وَلَا فِي لِحْيَتِي شَيْب فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ الْجِدُّ الْبَيِّنُ، وَالطَّاعَةُ الْجَمِيلَةُ وَالْمَحَبَّةُ
الصَّادِقَةُ، فَتَبَسَّمَ فِي وَجْهِي وَقَالَ:
زُرْ مَنْ هَوَيْتَ وَإِنْ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ وَحَالَ مِنْ دُونِهِ حُجْبٌ وَأَسْتَارُ
لَا يَمْنَعَنَّكَ بُعْدُ مِنْ زِيَارَتِه إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ (1/342)
صفحة 343
فصل فِي وَعِيدِ تَارِكِ الْحَجِّ
رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ. الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَمْ يَحْجَّ؛ ه فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا، فَإِنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بِهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ؛ وَهُوَ مُضَيِّعٌ غَيْرُ تَائِبٍ؛ مَاتَ كَافِرًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ عَن عَنِ الْعَالَمِينَ الله آل عِمْرَانَ: 97) [الربيع، (892].
مد
وَكُفْرُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْحَجَّ إِنْكَارًا لِفَرْضِهِ؛ فَكُفْرُهُ كُفْرُ شِرْكِ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُ تَضيعًا لِحَقِّ اللَّهِ بَعْدَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَكُفْرُهُ كُفْرُ
نفاق.
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: "سَلُونِي عَمَّا شِثْتُمْ، وَلاَ يَسْأَلُنِي الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَجَبْتُهُ [الربيع، (394، وَالْبُخَارِي، (92، مُختصرا، فَقَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَيْنَا فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَتَنَاهُ، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ، وَلَوْ وَجَبَ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَكَفَرْتُمْ، وَلَكِنْ إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانتَهُوا عَنْهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الربيع، (394، ومُسلِم، (3321]. (1/343)
صفحة 344
كتاب
344
الوضع
وَعَنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَجَدَ سَبِيلاً إِلَى الْحَجِّ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ؛ فَلْيَمُتْ يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَمُتْ مَوْتَةً جَاهِلِيَّةٌ، وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ
كَمَا وَجَبَتْ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْبَزَّار (861، وَالْبَيْهَقِيُّ في الشعب، (3978 مختصرا. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ لَمْ تَحْبِسَهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَ، فَلْيَمُتْ يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًّا الدَّارِمِيُّ، (1785، وَابْنُ أَبِي شَيْبة، (14665]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ عَمَلاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الدَّرَايَةِ فِي تَخْرِيج
أحَادِيثِ الْهِدَايَةِ، 293/ 2، وَالزَّيْلَعِيُّ فِي نصبِ الرَّايَةِ، 412/ 4].
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رِجَالاً إِلَى الأَنْصَارِ، فَلا أَجِدُ رَجُلاً بَلَغَ السِّنَّ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُ وَلَمْ يَحُجَّ، إِلا ضَرَبْتُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. قَالَهَا ثَلَاثًا وَكَثَرُ الْعُمَّالِ،
ر 14400، وَالزَّيْلَعِيُّ، 411/ 4]. (1/344)
صفحة 345
فَصْلٌ [فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ]
اعْلَمْ أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ الْحَجِّ عَشَرَةٌ، أَحَدُهَا: الْبُلُوغ، وَالثَّانِي: الْعَقْلُ، وَالثَّالِثُ: الْحُرِّيَّةُ، وَالرَّابِعُ: الإِسْلَامُ، وَالْخَامِسُ: أَمَانُ الطَّرِيقِ، وَالسَّادِسُ: إِمْكَانُ الْمَسِيرِ، وَالسَّابِعُ: زَادٌ كَافٍ، وَالثَّامِنُ: رَاحِلَةٌ تُبَلِّغُهُ، وَالتَّاسِعُ: قُوَّةٌ تُؤَدِّيهِ، وَالْعَاشِرُ: عَدَمُ الْعَوَائِقِ.
فَأَمَّا سُرُوطُ الْبُلُوغِ فَإِنَّ الصَّيَ إِذَا حَجَّ وَهُوَ طِفْلٌ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ فَرْضٌ الْحَجِّ إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أَيُّمَا صَبِيٌّ حَجَّ وَلَمْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ؛
فَعَلَيْهِ حَجَةٌ أُخْرَى الْبَيْهَقِيُّ، 8396، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، (15105].
وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَإِنَّ الْمَجْنُونَ غَيْرُ مُكَلَّفَ فِي جُنُونِهِ، وَإِنْ حَجَّ فِي جُنُونِهِ لَمْ يَجُزْ عَنْهُ إِذَا أَفَاقَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَ: عَنِ الطِّفْلِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ أَبُو دَاوُدَ، (4403،
وَابْنُ مَاجَهْ، ر 2041].
وَأَمَّا الإِسْلَامُ: فَإِنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا حَجَّ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ لَزِمَهُ الْحَجُّ ثانيا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: أَيُّمَا أَعْرَابِيٌّ حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى (1/345)
صفحة 346
كتاب
346
الوضع
الْبَيْهَقِيُّ، (8396، وَابْنُ أَبِي شيبة، (15105]. وَأَرَادَ بِالْهِجْرَةِ هَهُنَا الإِسْلَامَ. وأَمَّا الْحُرِّيَّةُ: فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا حَجَّ ثُمَّ أُعْتِق (1) لَمْ يُجْزِهِ حَجُهُ وَهُوَ مَمْلُوكُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَ ثُمَّ أُعْتِقَ؛ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى البيهقي، (8396، وابن أبي شيبة، (15105].
وَأَمَّا شَرْطُ الأَمَانِ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} (الْبَقَرَة: 196)؛ أَي: مُنِعْتُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ.
وَأَمَّا إِمْكَانُ الْمَسِيرِ: فَهُوَ أَنْ يَجِدَ سَعَةٌ فِي الْوَقْتِ لِلْوُصُولِ مَعَ وُجودِ
الأصحاب.
وأَمَّا الزَّادُ الْكَافِي (3): فَإِنَّ الْخَارِجَ إِلَى السَّفَرِ بِغَيْرِ زَادٍ مُلْقٍ نَفْسَهُ إِلَى التَهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ الْبَقَرَة 195).
(1) عَتَقَ بِالْبَنَاءِ لِلْفَاعِلِ: تَخَلَّصَتْ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الأولى الاستدلال عَلَى خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وتزودوام، قَالَ فِي الإِيضاح وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّزَودِ فِي قَوْلِهِ: وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى الْبَقَرَة،197)، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يَحُجُونَ بِغَيْرِ زَادٍ، فَيُصِيبُونَ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقِ ظُلْمًا، فَتَزَلَتْ: وَتَزَوَّدُوا) يعْنِي مِنَ الطَّعَامِ [انْظُرُ السَّمَاخِي: الإيضاح 240/ 2]، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمُصنفِ بِالآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَعَلَّهُ بالنَّظَرِ إِلَى عُمُوم اللفظ، وَأَمَّا الْمُرَادُ مِنْهُ فَفِيهِ خِلافٌ. قَالَ فِي الْقَنَاطِرِ فِي شُرُوطِ الْقُدْرَةِ عَلَى إِبْكَارِ الْمُنكَرِ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إلى اللَّهلَكَةِ الْبَقَرَة: 195)، (فَنَاطِرُ الْخَيْرَاتِ: أَبُو طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ (1/346)
صفحة 347
كتاب
347
الوضع
وأَما الرَّاحِلَةُ الْمُبَلِّغَةُ إِلَى السَّفَرِ: فَهِيَ مِنْ شُرُوطِ الإِيجَابِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "الاسْتِطَاعَةُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ" [الرَّبِيعُ، (938، وَالتَّرْمِذِيُّ، (2998].
وَأَمَّا الْقُوَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ: فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: قُوَّةٍ بَدَنِيَّةٍ، وَقُوَّةٍ مَالِيَّةٍ. فَمَتَى عَدِمَهُمَا الْمَرْءُ كَانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)
(آل عمران (97).
وَأَمَّا عَدَمُ الْعَوَائِقِ: فَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الإِيجَابِ. وَالْعَوَائِقُ كَالْمَرَضِ الْمَانع، وَالْوَالِدِ الْكَبِيرِ الَّذِي لاَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ، وَالسُّلْطَانُ الْقَاهِرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ لَمْ تَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ [سَبَقَ تَحْرِيجُهُ]. الْحَدِيث.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الاسْتِطَاعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: صحةُ الْبَدَنِ لَا غَيْرَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الاسْتِطَاعَةُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ: مَالٌ وَاحْتِيَالُ وَأَمَانُ الطَّرِيقِ. وَقَالَ بَعْضَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ وَأَمَانُ الطَّرِيقِ وَالْأَصْحَابِ.
مُوسَى الْحِيطَالِيُّ النَّفُوسِيُّ 143/ 2] [ط 2، 1418 هـ / 1998 م، مَطَابِعُ النَّهْضَةِ، سَلْطَنَةُ عُمَانَ، قُلْنَا: لا خلاف في أَنَّ الْمُسْلِمَ الْوَاحِدَ لَهُ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى صَفَ الْكُفَّارِ وَيُقَاتِلَ؛ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَكْسِرُ قُلُوبَ الْكُفَّارِ لِمُشَاهَدَتِهِمْ جَرَاءَتَهُ، وَاعْتِقَادِهِمْ فِي سائِرِ الْمُسْلِمِينَ قِلَّةَ الْمُبَالَاةِ؛ وَحُبّهُمُ الشَّهَادَةَ في سَبيل الله، فيكسر بذلك شوكتهم، فَيَكْسِرُ بِذَلِكَ شَوْكَتَهُمْ، وَأَمَّا مَعْنَى الْآيَةِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: التَّهْلُكَةُ: تَرْكُ النَّفَقَةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. [الْبُخَارِي، ر 4244، وَالْبَيْهَقِي، (17702، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّهْلُكَةُ: أَنْ يُذنَبَ الإِنْسَانُ ذَنْبًا فَيَاسَ مِنَ النوبة البيهقي، (17705، وَالطَّبَرَانِي: الْمُعْجَمُ الأَوْسَطُ، (5672]، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَقْعُدَ عَنِ الْجِهَادِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُذبَ ثُمَّ لاَ يَعْمَلَ بَعْدَهُ خَيْرًا حَتَّى يَهْلِكَ إِلَخ [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع
ص 547].
: (1/347)
صفحة 348
[صفحة فارغة] (1/348)
صفحة 349
فَصْلٌ في بيان كيفية إتمام الحج والعمرة، وحكم العمرة]
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ الْبَقَرَة: 196). وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ كَيْفِيَّةِ إِثْمَامِهِمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِثْمَامُهُمَا إِكْمَالُ مَنَاسِكِهِمَا وَحُدُودِهِمَا وَقُرُوضِهِمَا وَسُنَنِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُ: إِثْمَامُهُمَا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالاً، وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ: إِثْمَامُهُمَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِكَ لَهُمَا لَا تُرِيدُ غَيْرَهُمَا، لَا تَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ، يُرْوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَحْجُ فِيهِ أَغْنِيَاءُ النَّاسِ لِلنُّزْهَةِ، وَأَوْسَطُهُمْ لِلتِّجَارَةِ، وَفُقَرَاؤُهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ، وَقُرَاؤُهُمْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ" [الدَّيْلَمِيُّ، 8689، وَالْبَغْدَادِي، (5433]، وَلِذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب له يَقُولُ: الْوَفْدُ كَثِيرٌ،
وَالْحَاجُ قَليل [انظر: تفسير البغوي، 217/ 1].
وَالْعُمْرَةُ فِي اللُّغَةِ الزِّيَارَةُ. قَالَ السَّاعِرُ:
يَهِلُ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا بِهِلُ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ (1/349)
صفحة 350
كتاب
350
الوضع
أَي الزَّائِرُ. وَتَكُونُ الْعُمْرَةُ لُزُومَ الْمَكَانِ وَالْإِقَامَةَ فِيهِ.
واختَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعُمْرَةِ، فَقَالَ بَعْضَ: لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ. وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقِرَاءَةِ الشَّعْبِيِّ: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ رَفْعًا وَاحْتَجُوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: "لَا؛ وَإِنْ تَعْتَمِرُوا فَخَيْرٌ لَكُمْ التَّرْمِذِي، (931، وَأَحْمَد، (14437]، وَقَالُوا أَيْضًا: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عِمْرَان: 97) وَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ مَعَ الْحَجِّ، وَقَالَ بَعْضَ: الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَهِيَ الْحَجِّ
الأَصْغَرُ.
واحتجَّ هَؤُلاَءِ بِقِرَاءَةِ الْعَامَّةِ: وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ نَصْبًا، وَاحْتَجُوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْعُمْرَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَبُو دَاوُدَ، (1792، والترْمِذِيُّ، (932)، وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابُ إِلا الْجَنَّةِ التَّرْمِذِيُّ، (810، وَالنِّسَانِيُّ، ر 2631]. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الأَخِيرِ اعْتِمَادُ أَصْحَابِنَا. (1/350)
صفحة 351
فَصْلٌ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْخَارِجُ إِلَى الْحَجِّ]
اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَازِمٍ عَلَى الْحَجِّ أَنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَقْضِيَ كُلَّ تَبَاعَةٍ تَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنِ أَوْ مَظْلَمَةٍ؛ فِي مَالِ أَوْ دَم وَالثَّانِي: أَنْ يَقْضِيَ مَا ضَيَّعَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ؛ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْوَاجِبَةِ وَالثَّالِثُ: أَنْ يُوصِيَ بِمَا لَزِمَهُ مِنَ الْوَصَايَا، ويستخلِفَ عَلَيْهَا مَنْ يُنَفِّذَهَا، وَالرَّابِعُ: أَنْ يُوَسَّعَ مِنَ الزَّادِ لِكَيْ يَتَّسِعَ خُلُقُهُ فِي طَرِيقِهِ. فَإِذَا حَضَرَ خُرُوجُهُ فَلْيُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ خُرُوجِهِ أَرْبَعًا أُخْرَى؛ أَحَدُهَا: أَنْ يُرْضِيَ كُلَّ مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَرْحَامِهِ، وَيُحَالِلَهُمْ وَيُوَدِّعَهُمْ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُوَدِّعَ أَهْلَهُ، وَيُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ فِي أَثَرِ رُكُوعِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنَّكَ افْتَرَضَ الْحَجَّ وَأَمَرْتَ بِهِ، فَاجْعَلْنِي مِمَّنِ اسْتَجَابَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَفْدِكَ الَّذِينَ رَضِيتَ وَكَتَبْتَ وَسَمِّيْتَ. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّخِذَ لِطَرِيقِهِ أصْحَابًا أَمَنَاءَ ثِقَاةً؛ لأَنَّهُ يُقَالُ: الرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ. قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوِحْدَةِ مَا سَارَ أَحَدٌ لَيْلاً وَحْدَهُ [الْبُخَارِي، (2836، وَالتَّرْمِذِي، (1673]، "وَالْوَاحِدُ شَيْطَانٌ، وَالاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ، وَخَيْرُ الأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ رُوِيَ بِلَفْظ: "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةِ رَكْبٌ، أَبو دَاوُد، (2609، (1/351)
صفحة 352
كتاب
352
الوضع
والترمذي، (1674]. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَنْزِلِ وَرُكُوبِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالْعَمَلَ بِمَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، وَاطْوِ لَنَا الْأَرْضَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ جَمِيعًا، اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا، وَاحْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا" [مسلم، ر 3339، والترمذي، ر 3439].
في
فَإِذَا خَرَجَ وَسَافَرَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَنبَ الْمُمَاكَسَةَ الْكِرَاءِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُلازِمَ تَقْوَى اللَّهِ، وَاجْتِنَابَ الْمَحَارِمِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُحَسِّنَ أخلاقهُ مَعَ الأَصْحَابِ وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ الْحَجِّ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، ويُكبرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَيُسَبِّحَ فِي كُلِّ غَوْرٍ).
(1)
(1) - عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلاً فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغْنَا سَالِمِينَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْنَا مُنزَلاً مُبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَر وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا بَرَكَةَ مَنْزِلِنَا هَذَا وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّهُ وَبَأْسَهُ. هكَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَلَمْ نَجِدهُ كَامِلاً، انْظُرْ: مُسلِم، (7053،
وَالتَّرْمِذِي، (3437]. (1/352)
صفحة 353
فَصْلٌ فِي الْمَوَاقِيتِ وَالإِحْرَامِ]
اعْلَمْ أَنَّ الْمَوَاقِيتَ حُدُودٌ وَمَعَالِمُ لِلإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا وَقَتَهَا رَسُولُ اللهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ يُرِيدُ مَكَّةَ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَوَقَتَ لأَهْلِ السَّامِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ يُرِيدُ مَكَّةَ الْجُحْفَةَ، وَوَفَّتَ لأَهْلِ الْيَمَنِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ يُرِيدُ مَكَةَ يَلَمْلَمَ، وَوَفَّتَ لَأَهْلِ نَجْدٍ وَالطَّائِفِ قَرْنا وَوَقَت عُمَرُ الله لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ (1).
رضي
وَالإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ رُكُنُ مِنْ أَرْكَانِ الْحَرِّ الَّتِي لَا يَصحُ إِلَّا بِهَا)، وَهِيَ أَربعة:
(1) ورد في الأحاديث أن رسول الله وقت لأهل العراق ذات عرق. انظر: الربيع، ر 396، ومسلم، (2867]. (2) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: أَمَّا الإحْرَامُ فَهُوَ رُكُن لَا شَكٍّ فِيهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ تُجْبَرُ بِالدَّم؛ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ. قَالَ فِي الإِيضاح: وَإِنْ جَاءَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَحَدٌ يُرِيدُ الْحَجَ وَلَمْ يُحْرِمْ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَيُحْرِمَ مِنْهَا وَلَا شَيْءٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَافَ فَوَات الْحَجَ أَحْرَمَ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَبْلَ الْحَرَمِ؛ وَعَلَيْهِ دَم، وَذَلِكَ أَنَّ الْمِيقَاتَ سُنَّةٌ [انْظُرْ أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 558]، [انْظُرْ: الشماخي: الإيضاح 244/ 2]. (1/353)
صفحة 354
كتاب
354
الوضع
الإحرام مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَاتِ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فِي قَوْلِ عَائِشَةَ (رضي الله عنها).
وَكَانَتْ تَقُولُ: لَعَمْرِي لَا حَجَّ لِمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ).
وَعَلَى قَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لاَ يَفْسُدُ حَقٌّ مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
[أنواع الإحرام]
&
وَيَقَعُ الإِحْرَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: إِفْرَادُ، وَإِقْرَانٌ، وَتَمَتَّع (3).
فَأَمَّا الإِفْرَادُ: فَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مُفْرَدَةٌ.
(1) [رُوِيَ بِلَفْظِ: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، الْبُخَارِي، ر 1561، وَمُسلِم، ر 3141]. (2) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: وَالتَّمْتُعُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اختارَهُ النبي صلى الله عليه وسلم الأصْحَابِهِ الْحَجِيجِ وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَمَنَّى لَوِ اسْتَقْبَلَ مِنْ أَمْرِهِ مَا اسْتَدْبَرَ؛ مَا سَاقَ الْهَدْيَ وَلَجَعَهَا عُمْرَةً، فَمَا كَانَ يَمْنعُهُ مِنَ التمتع إلا أَنَّهُ قَلَّدَ هَديَهُ وَلَبَّدَ رَأْسَهُ. [البخاري، (1568، ومسلم، (3009] وَلِلتَّمَتُّعِ سِتَّةُ شُرُوطٍ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ؛ قَالَ: أَحَدُهَا: بينها وبينَ الْحَجِّ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ، لأَنَّهُ إِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الإِحْلَالِ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعَ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، الثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَلَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَعْنِي أَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِيهَا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلا دَمَ عَلَيْهَا وَلَوْ أَتَمَّهَا فِيهَا الرَّابِعُ أَنْ يُقَدَّمَهَا عَلَى الْحَقِّ، الْخَامِسَ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، يَعْنِي بِخِلَافِ مَا إِذَا أَرْدَفَهَا بِالْحَجِّ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا مُتَمَتِّعًا، بَلْ يَصِيرُ فَارِنَا، وَالسَّادِسُ أَنْ يَكُونَ وَطَنْهُ خَارِجَ الْحَرَمِ انْظُرِ الجيطَالِي: قَوَاعِدُ الإِسْلَامِ، 134/ 2]. (1/354)
صفحة 355
كتاب
355
الوضع
وَأَمَّا الإِقْرَانُ: فَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَكُونُ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَحِلُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا بَعْدَ الْحَلْقِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَطُوفُ لَهُمَا طَوَافًا
وَاحِدًا، وَقِيلَ طَوَافَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَأَمَّا التَّمَتَّعُ: فَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مُفْرَدَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَةِ، أَحْرَمَ لِلْحَجِّ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ أَوْ مِنْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيَلْزَمُهُ الْهَدْي؛
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَمَن تَمَنَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) (الْبَقَرَة: 196). (1/355)
صفحة 356
[صفحة فارغة] (1/356)
صفحة 357
فَصْلٌ [في بيان أشهر الحج]
والإِحْرَامُ بِالْحَجِّ لاَ يَصحُ إِلا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ كَانَ حَجَّهُ عُمْرَةً نَافِلَةٌ، لا يُجْزِيهِ لِلْفَرْضِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا كَانَتْ صَلَاةٌ نَافِلَةٌ، لا تُجْزِيهِ لِلْفَرْضِ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْحَجِّ وقتًا مَعْلُومًا، فَقَالَ: الْحَبُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ الْبَقَرَة: 197). وَاختَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ: شَوَّالُ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَهْرَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَهْرَانِ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَهُوَ
الصَّوَاب.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَيَصحُ الإِحْرَامُ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ، وَيَعْتَمِرُ السَّنَةِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَت فِي قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ حبيب، وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الله فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ الإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةٌ، كَمَا كَانَ الْحَجُّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي السَّنَةِ. (1/357)
صفحة 358
[صفحة فارغة] (1/358)
صفحة 359
فَصْلٌ ما يفعله الحاج عن بلوغ الميقات]
وَإِذَا أَرَادَ مَنْ بَلَغَ الْمِيقَاتَ أَنْ يُحْرِمَ فَعَلَيْهِ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلا أَجْزَاهُ الْوُضُوءُ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ، أَوْ غَسِيلَيْنِ لَمْ يُلْبَسَا مُنْذُ غُسِلاً وَالثَّالِثَةُ: الرُّكُوعُ إِنْ لَمْ يَحْضُرُ وَقْتَ صَلاةٍ مكتُوبَةٍ، فَيُحْرِمُ عَلَى أَثَرِ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَثَرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ إِنْ حَضَرَ وَقْتُهَا. وَالرَّابِعَةُ: التَّلْبِيَةُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، يَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَاعِدٌ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ وَالْمُلْكَ لَكَ لَا شَرِيكَ لَك، لَبَّيْكَ بِحَجَةٍ تَمَامُهَا وَبَلَاغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَارِنَا قَالَ: لَبَّيْكَ بِحَجَةٍ وَعُمْرَةٍ تَمَامُهُمَا وَبَلَاغُهُمَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ. وَإِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ قَالَ: "لبيك بِعُمْرَةٍ تَمَامُهَا وَبَلاغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ تَقُولُ هَذَا فِي مَكَانَكَ وَأَنْتَ "لَبَيْكَ
".
قَاعِدٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَقُومُ وَأَنْتَ تُلَبِّي مُتَوَجِّهَا نَحْوَ الْبَيْتِ، وَفِي الأَثَرِ: إِنَّ هَذِهِ تَلْبِيَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا.
وَالتَّلْبِيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَلَبَّ فُلاَنٌ بِالْمَكَانِ؛ إِذَا لَزِمَهُ وَأَقَامَ فِيهِ، وَمَعْنَى (1/359)
صفحة 360
كتاب
360
الوضع
لَبَّيْكَ: أَنا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، وَعِنْدَ أَمْرِكَ، وَغَيْرُ خَارِجِ مِنْ رَأيك (1) (2)، وَإِنَّمَا تُشَتَّى لأَنَّهَا إِقَامَةٌ بَعْدَ إِقَامَةٍ، وَطَاعَةٌ بَعْدَ طَاعَةٍ، كَمَا قَالُوا: حَنَانَيْكَ رَبَّنَا، أَيْ
هَبْ لَنَا رَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ.
[ما يحرم على المحرم]
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بَعْدَ الإِحْرَامِ أَربع (3): النِّسَاءُ، وَالطَّيبُ، وَالصَّيْدُ، وتَعْطِيَةُ الرَّأْسِ؛ لأَنَّ إِحْرَامَ الرَّجُلِ كَشفُ رَأْسِهِ، وَإِحْرَامَ الْمَرْأَةِ كَشْفُ
(1) كَذَا فِي الأُصُولِ، وَلَعَلَّ الأَصْلَ: وَغَيْرُ خَارِج عَنْ إِرَادَتِكَ. وَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِالرَّأْيِ فِي حَقٌّ فَغَيْرُ جَائِزِ، وَإِنَّمَا تُتَنَى التَّلْبِيةُ لأَنَّهَا فِي مَعنى: إجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، أَيْ: نَعَمْ نَعَمْ، وَقَدْ جَعَلُوا التَّشْنيَةَ عَلَمَّا عَلَى مُضَاعَفَةِ الْعَدَدِ وَتَكْثِيرِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: كَذَا فِي الأَصْلِ، وَلَعَلَّهُ: مِنْ إِرَادَتِكَ، لأَنَّهُ لَا يَصِحُ نِسْبَةُ الرَّأْيِ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. (3) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: لَمْ يَتَعَرَّضُ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى الْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ فِي الْحَجِّ، وَقَدْ بَيْنَهُ صَاحِبُ الإِيضاح - رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الْفُسُوقَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ فَهُوَ الْمَعَاصِي، فَمَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقِيلَ: وَلَا فُسُوقَ؛ يَعْنِي: وَلَا سبَابَ، وَالْمَعْنَى كُلُّهُ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ: سَبَابُ الْمُؤْمِن فُسُوقٌ [الْبُخَارِي، (48، وَمُسلِم، (30]، أَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ يَعْنِي الْمِرَاءَ، فَمَنْ فَعَلَ وَمَارَى بِالْبَاطِلِ حَتَّى يَغْضَبَ أَوْ يُغضِبَ صَاحِبَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَمَنْ جَادَلَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَفِي كِتَابِ تَفْسِير [لأَصْحَابِنَا] خَمْسَمِائَةِ آيَةٍ ... وَلَا جِدَالَ؛ أَي: ولا مراءَ فِي الْحَجِّ حَتَّى يَغْضَبَ وَهُوَ مُخْرِمٌ، أَوْ يُغْضِبَ صَاحِبَهُ وَهُوَ مُحْرٍمٌ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُطْعِمْ مِسكينًا. [انْظُرُ: السَّمَّاخِي: الإيضاح 271/ 2]، [الدَّرَايَةُ وَكَثرُ الْغَايَةِ وَمُنْتَهَى الْغَايَةِ وَبُلُوغُ الْكِفَايَةِ فِي تَفْسِيرِ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ: أَبُو الْحَوَارِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَوَارِيِّ الْعُمَانِيُّ الإِبَاضِيُّ؛ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهَجْرِي، تَحْقِيقُ وَتَعْلِيقُ: أ. د. مُحَمَّد مُحَمَّد زنَاتِي عَبْد الرَّحْمَن، ط 1411، 1 هـ / 1991 م، مَطَابِعُ النَّهْضَةِ، سَلْطَنَةُ عُمَانَ، 107/ 1]. (1/360)
صفحة 361
كتاب
361
الوضع
وَجْهِهَا (1). فَإِنِ اصْطَادَ أَوْ أَكَلَ لَحْمَ صَيْدٍ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ تَطَيِّبَ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ غَطَّى رَأْسَهُ لَزِمَهُ دَمٌ؛ إِلَّا إِنْ غَطَّاهُ نَاسِبًا نَزَعَهُ مِنْ حِينِهِ وَلَبَّى؛ إِلَّا إِنْ نَسِيَهُ مِنَ النَّهَارِ إِلَى اللَّيْلِ أَوْ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ فَعَلَيْهِ دَمْ، وَإِنْ جَامَعَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَسَدَ
ما يجتنبه المحرم من اللباس والأفعال]
وَعَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ لِبَاسَ أَرْبَعَةٍ؛ إِحْدَاهَا: لِبَاسُ الْمَخِيطِ مِنَ القميص وَالْجِلْبَابِ وَالسَّرَاوِيلِ. وَالثَّانِي: لِبَاسُ الْأَحْفَافِ وَالْقُفَّازَيْنِ (3)، إِلَّا إِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ؛ قَطَعَ الْخُفَّيْنِ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعَتَيْنِ وَلَبِسَهُمَا، وَالثَّالِثُ: لِبَاسُ مَا مَسَهُ الطَّيبُ مِنَ الشَّيَابِ، مِثْلَ الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ (3) وَغَيْرِهِمَا. وَالرَّابِعُ: لِبَاسُ
(1) يَعْنِي: يَجِبُّ عَلَيْهَا سَتْرُ شَعْرِهَا؛ لأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَلَهَا سَدْلُ ثَوْبِهَا عَلَى وَجْهِهَا إِنْ خَافَتِ الْفِتْنَةَ مِنْ جَمَالِهَا؛ دُونَ أَنْ يَمَسَّ وَجْهَهَا.
(2) الْقُفَّانُ لِلْيَدَيْنِ كَالنَّعْلِ لِلرِّجْلِ: وَهُوَ مِمَّا تَتَّخِذُهُ نِسَاءُ الْعَرَبِ عَلَى شَكْلِ الْيَدِ، يُحْشَى بِقُطْنِ، يُلْبَسُ عَلَى الْيَدَيْنِ لِتَدْفِئَةِ الأَصَابِعِ، وَلَهُ أَزْرَارٌ عَلَى السَّاعِدَيْنِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقُفَّارُ مِنَ ابْتِكَارِ الْعَرَبِ. وَفِي النَّهَايَةِ: هُوَ بِالصّمُ وَالتَّشْدِيدِ: شَيْءٌ يَلْبَسُهُ نِسَاءُ الْعَرَبِ فِي أَيْدِيهِنَّ، يُغطي الأصابعَ وَالْكَفَّ وَالسَّاعِدَ مِنَ الْبَرْدِ إِلَى آخِرِهِ النَّهَايَةُ فِي غَرِيب الآثر، 138/ 4] وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسَ الْقُفَّازَيْنِ الْبُخَارِي، (1741، وأبو داود، ر 1827]. وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا رَخَصَتْ لَهَا فِي لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ الْهَيْثَمِي زَوَائِدُ مُستَدِ الْحَارِثِ، (370]. (3) الْوَرْسُ بِإِسكَانِ الرَّاءِ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ أَصْفَرُ، يُصْبَعُ بِهِ الشَّيَابُ، خَاصٌ بِالْيَمَنِ. والزَّعْفَرَانَ: كَذَلِكَ نَبْتَ عِطْرِي أَصْفَرُ، يُصْبَعُ بِهِ. (1/361)
صفحة 362
كتاب
362
الوضع
(1)
(2)
و (4)
الْقَائِدِ مِنَ الْحُرُوزِ وَاللآلئ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَقِيقِ وَالْخَوَاتِمِ، وَكُلِّ مَا يُشَدُّ عَلَى الْبَدَنِ إِلَّا هِمْيَانَ (2) نَفَقَتِهِ، فَقَدْ رُخَّصَ لَهُ فِي شَدِّهِ عَلَى حِقْوَيْهِ) شَدِّهِ عَلَى حِفْوَيْهِ (3). وَمَنْ لَبِسَ مِخيَطَا لَزِمَهُ دَمٌ؛ إِلَّا إِنْ نَسِيَ نَزَعَهُ، وَمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ لَزِمَهُ دَم؛ إِلَّا إِنْ نَسِيَ أَخْرَجَهُمَا مِنْ حِينِهِ وَلَبَّى، وَمَنْ لَبِسَ مُطَيَّبًا لَزِمَهُ دَمٌ؛ إِلَّا إِنْ نَسِيَ نَزَعَهُ مِنْ حينه وكبي، وكَذَلِكَ مَنْ لَبِسَ الْقَلَائِدَ وَالْخَوَاتِمَ عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَتْرُكَ فِعْلَ أَرْبَعَةِ مِنْ بَدَنِهِ، أَحَدُهَا: حَلْقُ الشَّعْرِ وَنَتْفُهُ مِنْ مَوَاضِعِهِ. وَالثَّانِي: قَلَمُ الأَظافِرِ مِنْ أَصَابِع يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: طَرْحُ الْقَمْلِ وَقَتْلُهُ وَالرَّابِعُ: قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَإِدْمَاؤُهُ فَمَنْ نَزَعَ شَعْرَةً فَعَلَيْهِ مسكين، وَفِي السَّعْرَتَيْنِ مِسْكِينَانِ، وَفِي الثَّلاثَةِ دَمُ، وَفِي الظُّفْرِ مِسْكِينُ؛ وَاثْنَانِ مِسْكِينَانِ؛ وَالثَّلاثَهُ دَمُ، وَفِي قَتْلِهِ الْقَمْلَةِ حَبَّةٌ أَوْ تَمْرَةٌ، وَقِيلَ: يَنْزِعُهَا مِنْ بَدَنِهِ وَيُلْقِيهَا فِي ثَوْبِهِ، وَأَمَّا إِنْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ أَوْ أَدْمَاهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَدْمَى غَيْرَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
(1) الْقَلَائِدُ: مَا تُعَلِّمُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى عُنُقِهَا كَالْعِقْدِ. (2) الْهِمْيانُ: كيس يُشَدُّ عَلَى الْوَسَطِ، تُحْمَلُ فِيهِ نَفَقَةُ الرَّجُلِ، وَكُلُّ مَا هُوَ عَلَى مِنْوَالِهِ مِمَّا
تُحْمَلُ فِيهِ نَفَقَةُ الْمَرْءِ.
(3) الْحِفْرُ الْخَاصِرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ تَوَسَعُوا فِيهِ، فَأَطلَقُوهُ عَلَى وَسَطِ الإِنْسَانِ، يُشَدُّ عَلَيْهِ الإِزارُ (4) فِي النُّسْخَةِ الْمَطْبُوعَةِ: شَقَّهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ أَسْفَلَ وكَذَا فِي النُّسَخ الْمَخْطُوطَةِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي
الْمُقَارَنَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَنَاسِكِ، حَتَّى لاَ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ عَمْدًا إِنْ نَزَعَهُ مِنْ فَوْقِ (1/362)
صفحة 363
كتاب
363
الوضع
ما يجوز للمحرم قتله وما لا يجوز]
وَعَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ قَتْلَ كُلِّ ذِي رُوحٍ، إِلَّا مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَمَا أَبَاحَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِقَوْلِهِ: اقْتُلُوا كُلَّ مُؤْذٍ فِي الْحِلَّ وَالْحَرَمِ أَلَمْ نَجِده بهذا اللفظ، روي بمعناه. انظر: مسلم، ر 2918، وأبو داود، ر 1849]. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "خَمْس لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ مِنْ جُناح: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْفَارَةُ، وَالْغُرَابَ. (مُسلِم، ر 2918، وأبو داود، (1849). وَقَدْ قِيلَ: فِي الْحِدَأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ (1) فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ بِقَولُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم متَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّقوم (الْمَائِدَة 95). وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ قتلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِالْجَزَاءِ وَلَوْ عَلَى مَنْ أَخْطَا (2) (3).
(1) غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ الْمُفْتَرِسَةِ الَّتِي سَمِلَهَا قَوْلُهُ: اقْتُلُوا كُلَّ مُؤْذِ فِي الْحِلَّ وَالْحَرَمَ، إِلا أَنَّهُ يُشكل الاستدلال بِالآيَةِ؛ لأنَّ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ الصَّيْدِ إِلا إِنْ أُريد
غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّيْدِ فَيَحْرُمُ إِلَى آخِرِهِ. (2) الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ عَلَى الْخَطَا يَدُلُّ عَلَى الْقَاعِدَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ الْمُقَرَّرَةِ، وَهِيَ: "الْخَطَأُ فِي الدَّمَاءِ وَالأَمْوَالِ لَا يُزِيلُ الصَّمَانَ" [قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ. فَمَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ خَطَاً، وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَرَمُ وَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَتْلَفَهُ مُتَعَمِّداً فَعَلَيْهِ الصَّمَانُ وَالإِثْمُ. لَكِنَّ الآيَةَ تُقِرُّ الْحُكْمَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَمَن قَتَلَمُ مِنكُم مُتَعَيّدًا) (الْمَائِدَة 95)، فَالْمَفْهُومُ يَدُلُّ
عَلَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي الْخَطَاً، وَمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّمَانَ ثَابِتٌ، وَالإِثْمُ هُوَ الْمَرْفُوعُ (3) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن قتله منكم متعمدا) (الْمَائِدَة 95) يَعْنِي مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، وَمَعَ هَذَا التَّخصيص أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْجَزَاء فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَا جَمِيعًا، وَلَمْ يَمْتَتِلُوا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَهُوَ الأَسْبَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ، لأَنَّ الْخَطَأَ لَا يُزِيلُ الصَّمَانَ، وَإِنَّمَا يُزِيلُ الإِثْمَ فَقَط [انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإيضاح 274/ 2]. (1/363)
صفحة 364
[صفحة فارغة] (1/364)
صفحة 365
فَصْلٌ
فِي الْحُكْمِ الْوَارِدِ مِنَ السُّنَّةِ فِي جَزَاءِ قَتْلِ الصَّيْدِ]
رُوِيَ أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ فِي الصّبعِ كَبْشًا، وَفِي النَّعَامَةِ جَزُورًا، وَفِي الأَرْوَى (1) بَقَرَةً، وَفِي الْحِمَارِ (2) جَزُورًا، وَفِي الظَّنِّي شَاةٌ، وَفِي الْحَمَامَةِ شَاءَ، وفي بَيْضِهَا إِذَا تَفَرَّخَتْ دِرْهَمَا، وَإِلا فَنِصْفُ دِرْهُم، وَكَذَلِكَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ إِذَا تَفَرَّخَتْ دِرْهَمْ، وَإِلا فَنِصْفُ دِرْهَم وَفِي الْأَرْتَبِ سَحْلَةٌ، وَفِي أَوْلَادِ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَادُ مِثْلِهَا مِنَ النَّعَمِ، وَفِي الضَّبِّ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي الرَّحْمَةِ دَائِقَانِ (3)، وَفِي الْجَرَادَةِ وَالنَّمْلَةِ وَالدَّرَّةِ (4) وَالدُّبَابَةِ وَالْحَلَمَةِ (5) وَالْفُرَادَةِ قَبْضَةٌ
مِنْ طَعَام)
(1) الأَرْوَى الْوَعْلُ
(2) الْحِمَارِ: الْوَحْشِيُّ
(3) الداني: سُدُسُ الدَّرْهَم.
(4) الزَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الدَّقِيفَةُ.
(5) الْحَلَمَةُ: الْقُرَادَةُ الْكَبِيرَةُ.
(6) [هِيَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مُنفصلة، انظر: سُنن البيهقي، والدَّارَاقُطْنِي، وَمُصَنَّفَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،
وَغَيْرَهُمْ. (1/365)
صفحة 366
كتاب
366
الوضع
(1) -0=
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدَّوْحَةِ - وَهِيَ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ- بَدَنَةٌ، وَفِي
الْجَزْلَةِ وَهِيَ الْوُسْطَى شَاءٌ، وَفِي الْقَضِيبِ دِرْهَم).
وَكُلُّ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنَ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يُقَاسُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي السُّنَّةِ، وَهَذَا الْجَزَاءُ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الكعبة (الْمَائِدَة: 95).
وَلَا يَجُوزُ لِقَاتِلِ الصَّيْدِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجَزَاءِ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا
بالسنَّةِ فِيهِ، حَتَّى يَحْكُمَ عَلَيْهِ الْفَقِيهَانِ الْعَدْلَانِ الْمَرْضِيَّانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَدلَيْنِ عِلْمٌ بِالسُّنَّةِ؛ أَعْلَمَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْفُتْيَا، ثُمَّ يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ، ثُمَّ يَقُومُ الْجَزَاءِ بِقِيمَةِ الْبَلَدِ، فَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ طَعَامٌ، وَيُتَصَدَّقُ بِهِ فِي لِكُلِّ مِسكين نِصْفُ صَاعٍ. وَإِنْ أَرَادَ الصَّوْمَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعِ يَوْمًا،
مكة،
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا (الْمَائِدَة: 95). فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ، فَالذَّبْحُ وَالإِطْعَامُ بمَكَّةَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَحَيْثُمَا أَرَادَ صَامَ، وَكُلُّ هَدْيِ بَلَغَ الْحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، إلا هَدْيَ الْمُتْعَةِ، فَإِنَّ مَحِلَّهُ بِمِنِّى يَوْمَ النَّحْرِ.
(1) الدَّلِيلُ: مَنَعَ شَجَرَ الْحَرَمِ قَوْلُهُ: مَكَةُ حَرَامٌ لِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا، وَلَا يُعضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَحِلُّ صَيْدُهَا، وَلا يُختَلاَ خَلاَؤُهَا، فَقَالَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ: إلا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "إِلا الإِذْخِرَ" [الربيع، (398]. وَالإِذْخِرُ: نَبَاتٌ يُصْنَعُ مِنْهُ الْحُصْرُ،
(2)
ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ فِي نَفْعِهِ.
روي
هذا الأثر عن
عطاء، بلفظ: "في القضيب درهم وفي الدوحة بقرة". [البيقهي،
ر 9730،، وابن أبي شيبة، ر 14140]. (1/366)
صفحة 367
كتاب
367
الوضع
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ قُبَيْصَةَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَاجًا، فَكُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ اقْتَدنَا رَوَاحِلَنَا نَتَمَاشَا وَنَتَحَدَّثُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ ذَاتَ غَدَاةٍ إِذْ سَنَحَ لَنَا ظَبْي فَابْتَدَرَنَاهُ، فَرَمَيْتُهُ بِحَجَرٍ فَأَصَبْتُ خَششَاءَهُ، فَرَكِبَ رَدْعَهُ فَأَسِنَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَبِجَانِبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ فَشَاوَرَهُ، فَقَالَ: أَرَى عَلَيْهِ شَاةً، فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَرَى عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لِي: اذْهَبْ وَاهْدِ شَاةٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى صَاحِبِي فَقُلْتُ لَهُ: أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهَا حَتَّى سَأَلَ غَيْرَهُ، وَلَمْ يُفَاجِثْنِي إِلا عُمَرُ وَمَعَهُ الدَّرَّةُ، فَعَلَانِي بِالدَّرَّةِ، فَقَالَ: أَتَقْتُلُ فِي الْحَرَم وَتُغْمِضَ فِي الْفُنّيَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ (الْمَائِدَة: 95) فَأَنا عُمَرُ، وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ البيقهي، ر 29642، وعبد الرزاق، ر 8240]. قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: الْخَششَاءُ الْعَظْمُ النَّاشِرُ - النَّاتِيُّ - فَوْقَ الأُذُنِ). وَقَوْلُهُ: رَكِبَ ردْعَهُ؛ يَعْنِي سَقَطَ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَرَادَ بِالرِّدْعِ الدَّمَ. وَقَوْلُهُ: فَأَسِنَ؛ يَعْنِي: دِيرَ بِهِ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا اسْتَدَّتْ عَلَيْهِ رِيحُ الْبِثْرِ: آسِينُ، يَأْسَنُ
أسنا. قَالَ زُهَيْرُ:
يُغَادِرُ الْقِرْن مُصْفَرًا أَنَامِلُهُ يَمِيدُ فِي الرُّمْحِ مَيْدَ الْمَائِحِ الأَسِينِ (2) الْمُرَادُ بِالْمَائِحِ: الَّذِي يَعْرِفُ الْمَاءَ مِنَ الْبِيْرِ، إِذَا قَلَّ مَاؤُهَا، وَقَوْلُهُ:
وَتَعْمِضُ الفتيا؛ أَي: تُسَفَهُ وَتُحَقِّرُ وَتَزْدَرِي.
(1) انظر: لسان العرب مادة "خشش"].
(2) يُغَادِرُ: يَتْرُكُ الْقِرْنُ: الْمُمَائِلُ، وَيُرِيدُ الْمُبَارِزَ مُصَفَرُ الأَنَامِلِ: الْمَيِّتُ. يَمِيدُ: يَصْطَرِبُ. الْمَائِحُ: السَّاقِي بِدَلُوهِ مِنَ البشر، الذي أصيبَ بِدُوَارٍ مِنْ شِدَّةِ رِيحَ الْبَيْرِ الْكَرِيهَةِ. (1/367)
صفحة 368
كتاب
368
الوضع
ما يجوز للمحرم فعله]
وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَرْبَعَةُ: الدُّهْنُ بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ، وَالاكْتِحَالُ بِكُحْل لا طيبَ فِيهِ، وَالاسْتِيَاكُ بِمَا لاَ طِيبَ فِيهِ، وَالتَّدَاوِي بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ.
واختَلَفُوا فِي الْحِجَامَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم بِالْحَجِّ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ [الْبُخَارِي، (1836، وأبو داود (2375]، وَقَالَ بَعْضُ: لاَ يَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: "فِي الدَّمِ دَمَ لَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: الاحْتِطَابُ، وَالاخْتِبَازُ، وَإِيقَادُ النَّارِ، وَدُخُولُ الْبَيْتِ وَالْخَيْمَةِ وَالْعَرِيشِ وَالْقِبَابِ؛ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَإِنْ أَلْهَبَتِ النَّارُ شَعْرَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَيَجُوزُ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: الْجُرْحُ إِنْ أَرَادَ مُدَاوَاتَهُ، وَالثَّانِي: القُرُوحُ، وَالثَّالِثُ: الصَّدَاعُ، وَالرَّابِعُ: الْقَمْلُ إنْ آذَاهُ، وَيَفْتَدِي كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن ررَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ} (الْبَقَرَة: 196) يَعْنِي: إِنْ حَلَقَ
،
وَيُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ بِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم زَمَانَ الْحُدَينِيَةِ؛ ولي وَفَرَةٌ مِنَ الشَّعْرِ فِيهَا الْقَمْلُ وَالصَّيْبَانُ، وَهِيَ تَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي وَأَنَا أَطْبُحُ قِدْرًا لِي فَقَالَ لِي عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُ رَأْسِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "احْلِقْ رَأْسَكَ وَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوِ انْسُكَ بِشَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَاكَ. [الْبُخَارِي، ر 3954، وَمُسلِم، (2934]. (1/368)
صفحة 369
كتاب
369
الوضع
ما يستحب للمحرم فعله]
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَعِنْدَ رُكُوبِ الرَّاحِلَةِ، وَعَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَفِي كُلِّ وَادٍ، وَعِنْدَمَا يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ، وَفِي كُلِّ مَا اسْتَقْبَلَ أَنَاسًا، لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ مُحْرِمٌ؛ لأَنَّ
التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْحَجِّ.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَفْضَلِ الْحَجِّ فَقَالَ: "الْعَجُ وَالنَّحِ التَّرْمِذِي، (827، وَابْنُ مَاجَة، (2896]. فَالْعَجُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالنَّج: إِهْرَاقُ الدِّمَاءِ مِنَ
الذَّبَائِحِ يَوْمَ النَّحْرِ. (1/369)
صفحة 370
[صفحة فارغة] (1/370)
صفحة 371
فَصْلٌ
ما يفعله المحرم عِنْدَ دُخُول مَكَةً]
فَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ فَعَلَ أَرْبَعًا قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، أَحَدُهَا: الاعْتِسَالُ إِنْ أمكنه، وإلا أَجْزَاهُ الْوُضُوءُ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْصِدَ الدُّخُولَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَى الْبَيْتِ، يَقُولُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا شَرَفًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَتَكْرِيمًا، وَزِدْ مَنْ عَظَمَهُ وَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَكْرِيمًا وَإِيمَانًا، وَاجْعَلْهُ مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يُقَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلامُ، فَحَيْنَا يَا رَبَّنَا بِالسَّلامِ، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ دَارَ السَّلَامِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَأَدْخِلْنِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ".
وَيَفْعَلُ أَرْبَعًا بَعْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ، أَحَدُهَا: أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَهُوَ يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ، يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ الْبَلَدُ بَلَدُكَ وَالْبَيْتُ بَيْتُكَ، جَنْتُ أَطْلُبُ رِضَاكَ وَإِثْمَامَ طَاعَتِكَ، مُتَبعًا لأمْرِكَ، رَاضِبًا بِقَضائِكَ وَقَدَرِكَ، أَسْأَلُكَ مَسَأَلَةَ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ الْمُضْطَرَّ إِلَيْكَ، الْمُستَسلِم لأمْرِكَ، الْخَائِفِ مِنْ عَذَابِكَ، الْمُسْفِقِ (1/371)
صفحة 372
كتاب
372
الوضع
مِنْ عُقُوبَتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَني بعظيم عَفُوكَ، وَأَنْ تَجُودَ لِي بِمَغْفِرَتِكَ، وَأَنْ تُعِينَني عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِكَ. ثُمَّ تَحْمَدُ اللهَ وَتُسَبِّحُهُ وَتُهَلله وتكبره، وتُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتَسْتَغْفِرُ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
60
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَقْصِدَ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالثَّالِثَةُ: أَنْ تَسْتَلِمَهُ إِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، أَوْ تُشير إِلَيْهِ بِيَدِكَ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ تَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَ الْحَجَرِ، وَأَنْتَ وَاقِفٌ مُسْتَقْبِلُ الْحَجَرِ تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا بك، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاء بِعَهْدِكَ، وَاتَّبَاعًا لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّد. ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الطَّوَافِ أَرْبَعًا، أَحَدُهَا: أَنْ يَلُوذَ بِالرُّكْنِ حَتَّى يَرَى بَابَ البَيْتِ، ثُمَّ يَأْخُذَ فِي الطَّوَافِ عَلَى الْيَمِينِ. وَالثَّانِيَةُ: التَّسْبِيحُ فِي طَوَافِهِ، وَهُوَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا".
وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ
لآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: حَجَجْنَا هَذَا البَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. فَقَالَ: مَا كُنتُمْ تَقُولُونَ؟ فَقَالُوا: كُنَّا نَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ آدَمُ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ. فَلَمَّا طَافَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِقَوْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَزَادَ فِيهِ: الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ. فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم زَادَ فِيهِ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلَمْ نَجِدْ مَنْ خَرَّجَهُ، ذَكَرَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ، 575]. وَالثَّالِثَةُ: الدُّعَاءُ عِنْدَ الْبَابِ، وَعِنْدَ الْمِيزَاب، وَعِنْدَ الْأَرْكَانِ. وَالرَّابِعَةُ: أَنْ (1/372)
صفحة 373
كتاب
373
الوضع
يَطُوف سَبْعَ أَسْوَاطِ كَامِلَةٍ؛ مِنْ رُكْنِ الْحَجَرِ إِلَى رُكْنِ الْحَجَرِ، وَهُوَ يُسَبِّحُ فِي طَوَافِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَكُلَّمَا بَلَغَ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ اسْتَلَمَهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلا أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا، وَيَدْعُو عِنْدَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ بَسَطْتُ يَدِي، وَفِيمَا عِنْدَكَ عَظُمَتْ رَغْبَتِي، فَاجْعَلْ جَائِزَتِي فكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، وَأَسْعِدْنِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَنِي، اللَّهُمَّ كَثُرَتْ ذُنُوبِي، وَضَعْفَ عَمَلِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي،
وَتَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَأَقِلْنِي عَشْرَنِي، وَتَجَاوَزْ عَنْ خَطِيئَتِي، وَحُطَّ عَنِّي وِزْرِي.
ور و
وَكُلَّمَا بَلَغَ الْبَابَ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَقِنَا شُحَّ أَنْفُسِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُفْلِحِينَ. ثُمَّ يَمْشِي وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِذَا بَلَغَ الْمِيزَابَ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ الْعَذَابِ". ثُمَّ يَمْشِي وَهُوَ يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَقُولُ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ دَعَا عِنْدَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَسْتَلِمَهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَضِيقِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمَوْقِفِ الْخِزْيِ، وَالذُّلِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". ثُمَّ يَمْشِي حُ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِذَا بَلَغَ رُكْنَ الْحَجَرِ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَكَبَّرَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي ابْتِدَائِهِ، وَيَدْعُو بِدُعَائِهِ الأَوَّلِ عِنْدَ الْحَجَرِ، يَفْعَلُ هَذَا سَبْعَةَ أَسْوَاطِ كَامِلَةٍ غَيْرِ ناقصة، مِنْ رُكْنِ الْحَجَرِ إِلَى رُكْنِ الْحَجَرِ
وهو يسبح (1/373)
صفحة 374
كتاب
374
الوضع
ما يكره فعله في الطواف]
ويُكْرَهُ فِعْلُ أَربَعَةٍ فِي الطَّوَافِ، أَحَدُهَا: الْكَلَامُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِيَةُ: دُخُولُ حِجْرِ الْكَعْبَةِ فِي طَوَافِهِ. وَالثَّالِثَةُ: الأَكْلُ وَالشَّرَابُ وَالرَّابِعَةُ: الْأَذَى لَأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِذَا كَمَّلَ سَبْعَةَ أَسْوَاطِ فَلْيَفْعَلْ أَرْبَعًا أَحَدُهَا: أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَوْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَا وَيَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَيَصُبَّ مِنْهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاء: "اللَّهُ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا تَاما، ويقِينًا صَادِقًا ثابتاً، وَعِلْمًا نَافِعًا، وَدِينَا قَيِّمًا، وَعَمَلاً صَالِحًا، وَرِزْقًا حَلالاً واسعًا، وَشِفَاء مِنْ كُلِّ دَاء". وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ زَمْزَمَ إِلَى رُكْنِ الْحَجَرِ، فَيَقِفَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَيُلْصِقَ بَطْنَهُ بِجِدَارِ الْبَيْتِ، ويَحْمَدَ اللَّهَ وَيُهَللَهُ وَيُكَبِّرَهُ، وَيَسْتَغْفِرَهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَيَقُولَ: "اللَّهُمَّ هَذَا مَقامُ الْعَائِذٍ بِكَ مِنَ النَّارِ، فَحَرَّمْ لَحْمِي مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا اللَّهُ لَهُ وَلَا يُطِيل (1) وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّفَا لِلسَّعْيِ بَيْنَ
فَتَحَ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: الدُّعَاءُ فِي كُلِّ مَنَاسِكِ الْحَجِّ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ، وَأَغْلَبُ مَا وَرَدَ مِنْ أَلْفَاظِ الأَدْعِيَةِ فِيهَا إِرْشَادُ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَلَمْ يَصِحَ لِلْحَجِّ مَا خَلَاَ التَّلْبِيَةَ دُعَاء خاص عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَقَيَّدُ بِهِ الطَّائِفُ أَوِ السَّاعِي أَوِ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ، وَلَا سَنَّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يَكُونُ تَارِكُهُ مَخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الْغَرَّاءِ، إِنَّمَا كَانَ يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ وَالصَّحَابَةُ يَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ، كُل بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْفَاطِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالسَّانُ فِي ذَلِكَ هُوَ الإِخلاص وَحُضُورُ الْقَلْبِ وَالابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ، وَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُ النَّاسَ دُعَاء خَاصَّا فِي الْحَجِّ، إِلَّا مَا سُمِعَ مِنْهُ فِي أَخَوَالٍ نَادِرَةٍ وَنُقِلَتْ عَنْهُ، كَقِرَاءَةِ الآية: {إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ) (الْبَقَرَة: 185) عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ إِلَخ. الربيع، ر 419]، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ
مِنَ الذِّكْرِ فِي الطَّوَافِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَمَا تَقَدَّمَ. (1/374)
صفحة 375
كتاب
الوضع
الاسْطُوَانَتَيْنِ الْمُذَهَبَتَيْنِ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَيَقُولَ فِي خُرُوجِهِ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا".
السعي بين الصفا والمروة وما يفعل فيه]
والسعي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةٌ، وَقِيلَ فَرِيضَةٌ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَوَّفَ بِهِمَا (الْبَقَرَة: 158) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الْبُخَارِي، (1470، وَمُسلِم، (3057].
6
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي السَّعْيِ أَرْبَعَ خِصَالٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَصْعَدَ عَلَى الصَّفَا بِقَدْرِ خَمْسٍ دَرَجَاتٍ وَالثَّانِيَةُ: التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالدُّعَاءُ وَالثَّالِثَةُ: الرَّمَلُ فِي مَسِيلِ الْوَادِي بَيْنَ العَلَمَيْنِ الأَحْضَرَيْنِ وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَفْعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا يَفْعَلُ عَلَى الصَّفَا فَإِذَا أَرَادَ السَّعْيَ صَعِدَ عَلَى الصَّفَا وَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا وَأَوْلاَنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٍّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِلَها وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَهَا وَاحِدًا فَرْدًا صَمَدًا، مُبْدِنَا مُعِيدًا، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (1/375)
صفحة 376
كتاب
376
الوضع
أَهْلُ التَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَسْتَغْفِرُ لِذُنُوبِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِسُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَعِذْنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ". وَيَسْأَلُ اللَّهَ حَوَائِجَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ مِنَ الصَّفَا يَمْشِي قَاصِداً إِلَى الْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْمَشْيَ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مَشي كَرِهْتُهُ مِنِّي وَلَمْ تَرْضَهُ". فَإِذَا بَلَغَ الْعَلَمَ الأَخْضَرَ هَرْوَلَ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ، وَهُوَ يَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَاهْدِنَا إِلَى الطَّرِيقِ الأَقْوَمِ، إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، وَأَنْتَ الرَّبُّ وَأَنْتَ الحكم، اللَّهُمَّ نَجْنَا مِنَ النَّارِ سِرَاعًا سَالِمِينَ، وَلَا تُحْزِنَا يَوْمَ الدِّينِ". فَإِذَا بَلَغَ الْعَلَمَ الَّذِي يَلِي الْمَرْوَةَ مَشَى رُوَيْدًا وَأَمْسَكَ عَنِ الرَّمَلِ، فَإِذَا بَلَغَ الْمَرْوَةَ صَعِدَ عَلَيْهَا، وَفَعَلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الصَّفَا وَيَفْعَلُ هَذَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، فَإِذَا أَتَمَّ سَعْيَهُ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ، وَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ قَارِنَا لَمْ يَحْلِفْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنِّي، فَإِذَا ذَبَحَ حَلَقَ وَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا.
ما يحل للمتمتع بعد الإحلال وما يلزمه]
وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَإِذَا حَلَقَ بَعْدَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَيَحِلُّ لَهُ كُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ؛ إِلا الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ، وَالْمُتَمَتِّعُ يَلْزَمُهُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ (1/376)
صفحة 377
كتاب
377
الوضع
المدي الْبَقَرَة: (196. وَالتَّمَتُّعُ لا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَقْطَعُ مَنَاسِكَهُ وَيَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ.
والتَّمَتُّعُ هُوَ الانْتِفَاعُ بِمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الإِحْلال؛ مِنَ النِّسَاءِ وَالطَّيب، وَتَعْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَلُبْسِ الْمَخِيطِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لِلْمُحْرِم.
مناسك العمرة]
وَمَنَاسِكَ الْعُمْرَةِ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالتَّلْبِيَةُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، والطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالْحَلْقُ بَعْدَ السَّعْي.
[مناسك الحج]
وَمَنَاسِكَ الْحَج عَشَرَةُ: الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالتَّلْبِيةُ، وَالْمُبِيتُ بِمِنِّى، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتُ بِالْمُرْدَلِفَةِ، وَرَمْيُّ الْحِمَارِ، وَالذَّبْحُ، وَالْحَلْقُ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالسَّعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَمَتِّعًا؛ وَكَانَ مَنْزِلُهُ دَاخِلَ
الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ. (1/377)
صفحة 378
[صفحة فارغة] (1/378)
صفحة 379
فَصْلٌ ما يفعله المتمتع بعد الإحلال]
فَإِذَا أَحَلَّ الْمُتَمَتِّعُ مِنَ الْعُمْرَةِ وَقَعَدَ فِي مَكَّةَ؛ يَفْعَلُ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُحِلُّ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ (1)، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَحْرَمَ لِلْحَجِّ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ (2) أَوْ مِنْ أَيِّ مَوْضِعِ شَاءَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ مِنْ مَسْجِدِ الْجِنِّ، فَكُلُّ
ذَلِكَ جَائِز
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ لِلْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ خِصَالٍ، إِحْدَاهَا: الاغْتِسَالُ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلا أَجْزَاهُ الْوُضُوء. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَلْبَسَ ثَوَتِي إِحْرَامِهِ.
(1) سُمِّيَ هَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لأَنَّهُ تَرَوَى فِيهِ وَتَفَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَمْرِ ذَبْحِ إِسْمَاعِيلَ فِي الرُّؤْيَا، وَقِيلَ: لأَنَّهُمْ يَرْتَوُونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لِمَا بَعْدَهُ؛ أَيْ: يَسْتَقُونَ وَيَسْقُونَ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَإِنْ شَاءَ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِهِ كَمَا أَحْرَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَطْحَاءِ مَكَةَ الْبُخَارِي، ر 1637، وأَحْمَد، ر 14965]، وَلْيُهِلَّ بِالتَّلْبِيةِ بِالْحَجِّ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ إِنْ شَاءَ، أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَرْضِ إِنْ صَلَّى الظُّهَرَ فِي مَكَّةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الظهرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فِي مِنِّي، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُسلِم، (3009، وأبو داود، (1907]، وليكن خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا هِيَ السُّنَّةُ، وَلَا شَكَ أَنَّ اتَّبَاعَ السُّنَّةِ
أَفْضَلُ (1/379)
صفحة 380
كتاب
YA.
الوضع
وَالثَّالِثَةُ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطِ وَالرَّابِعَةُ: الرُّكُوعُ بَعْدَ الطَّوَافِ، ثُمَّ يُحْرِمُ عَلَى أَثَرِ الرَّكْعَتَيْنِ، يَقُولُ فِي مَكَانِهِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ وَالْمُلْكَ لَكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ بِحَجَةٍ تَمَامُها وبلاغُهَا عَلَيْكَ يَا اللَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَقُومُ مُتَوَجِّهَا إِلَى مِنِّى وَهُوَ يُلَبِّي وَلَا يَقِفُ وَلَا يَطُوفُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَيَمْضِي حَتَّى يَأْتِيَ مِنِّى.
ما يفعله الحاج في منى وفي عرفات يوم الوقوف]
فَإِذَا بَلَغَ مِنّى فَعَلَ بِهَا أَرْبَعَ خِصَالِ إِحْدَاهَا: أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ مِنّى، وَهِيَ مِمَّا دَلَّلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ، فَهَا أَنَا عِندَكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَفِي قَبْضَتِكَ". وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيتَ بِمِنِّي يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا خَمْسَ صَلَوَاتِ اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالرَّابِعَةُ: الإقامة بِهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ يُجَاوِزُ حَدَّهَا إِلَّا بَعْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَمْضِي إِلَى عَرَفَاتٍ، فَإِذَا وَصَلَ عَرَفَاتٍ فَعَلَ بِهَا أَرْبَعَ خِصَالٍ، إِحْدَاهَا: أَنْ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: لَمْ يُثبت عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الطَّوَافُ وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ [مُسلِم، (3197، وَالنَّسَائِي، (3062]، وَقَالَ الشَّيْخُ عَامِرٌ السَّمَاخِيُّ فِي الإِيضاح: وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ الطَّوَافُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ عِنْدَ الإِحْرَامِ ... إِلَخ، انظُرُ: السَّماخِي: الإيضاح 306/ 2، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: يَعْنِي بَلْ هُوَ مُسْتَحَبُّ فَقَط، فَلَا شَيْءٌ عَلَيْهِ إِنْ تَرَكَهُ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى غَيْرِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. اهـ. [انْظُرْ أَبو ستَّةَ: حَاشِيَةً عَلَى الْوَضع ص 612]، وَحَتَّى الرَّكْعَتَيْنِ مُسْتَحَبَّتَانِ، قَالَ فِي الإِيضاح: وَإِن شاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلإحْرَام [انْظُرْ الشماخي: الإيضاح 306/ 2]. (1/380)
صفحة 381
كتاب
381
الوضع
يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَ بُلُوغِهِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْمَعْ لِي فِي هَذَا الْمَنْزِلِ جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَاصْرِفْ عَنِّي جَوَامِعَ الشَّرِّ كُلِّهِ، وَعَرَّفْنِي فِيهِ مَا عَرَّفْتَ أَوْلِيَاءَكَ وَأَهْلَ طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنِي مُتَبعًا لِسُنَّتِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، اللهُمَّ إلَيْكَ صَمَدْتُ، وَإِيَّاكَ قَصَدْتُ وَمَا عِنْدَكَ أَرَدْتُ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُبَارِكَ لِي فِي رِزْقِي، وَأَنْ تُلَفِّنِّي فِي عَرَفَاتٍ حَاجَتِي، وَأَنْ تُبَاهِيَ بِي مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنِّي". وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يقِفَ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَيَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُكْثِرَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ وَالثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ، وَالصَّلَاةَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، وَيَدْعُوَ لِحَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَيُخْلِص النِّيَّةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَيُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: "لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٍّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَدْفَعَ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَى الْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ؛ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، وَيَمْضِي إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَنَا أَدْفَعُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِهَا، فَلَا تُعَجِلُوا" [الربيع، (422، وَالْبَيْهَقِي، (9304]. (1/381)
صفحة 382
كتاب
382
الوضع
"
وَيُستحَبُّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفَضْتُ، وَمِنْ عَذَابِكَ أَسْفَفْتُ، وَإِلَيْكَ رَغِبْتُ، وَبِكَ رَضِيتُ، فَاقْبَلْ نُسُكِي، وقو ضعفي، وَارْحَمْ تَضَرُّعِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَبُعْدَ مَسِيرِي، وَسَلَّمْ لِي دِينِي". وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّلْبِيَةِ، حَتَّى يَصلَ الْمُزْدَلِفَةَ.
ما يفعله الحاج في المزدلفة – وفي منى عند الرمي] فَإِذَا وَصَلَ جَمْعًا فَعَلَ بِهَا أَربَعًا إِحْدَاهَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ هُنَالِكَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُهَيِّئَ سَبْعِينَ حَصَاةَ لِلْحِمَارِ (1)، وَيَغْسِلَهَا بِالْمَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ كَالْبُندقِ وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيتَ فِيهَا إِلَى الصَّبَاحِ وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يُكْثِرَ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الْحَرَامِ الْبَقَرَة: (198)، وَيَقُولَ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي فِي هَذَا الْمَنْزِلِ جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَاصْرِفْ عَنِّي جَوَامِعَ الشَّرِّ كُلِّهِ، وَيُكْثِرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ. فَإِذَا أَصْبَحَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غَدَا مِنْهَا إِلَى مِنِّي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ جَمْعِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَنَا أَدْفَعُ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِهَا" [الْبُخَارِيِّ، 3626، وَالنَّسَائِي، 4054]. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: أَشْرِق نَبِيرُ كَيْمَا نَفِيرُ. وَثَبِيرُ: اسْمُ جَبَلٍ
هناك.
?
(1) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: وَإِنْ جَمَعَ سَبْعًا فَلا بَأسَ وَالْبَاقِي يَجْمَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ مِنْ أَي موضع شَاءَ، وَيُسْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَصا الْحَرَمِ، وَلَا لُزُومَ لِغَسْلِهِ مَا لَمْ تَظْهَرْ
نجاستُهُ؛ لأنه يُشترط أن يكُونَ طَاهِرًا، أَمَّا مُجَرَّدُ غَسْلِهِ فَلَيْسَ بِسُنَّةِ. (1/382)
صفحة 383
كتاب
383
الوضع
وينبَغِي لِمَنْ دَفَعَ مِنْ جَمْعِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّلْبِيَةِ حَتَّى يَبْلُغَ مِنِّي عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا وَصَلَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ، وَدَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِلْهُدَى، وَوَفِّقْنِي لِلتَّقْوَى، وَعَافِنِي فِي الْآخِرَةِ وَالأُولَى". وَعِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَفْعَلُ أَرْبَعَ خِصَالِ إِحْدَاهَا: أَنْ يَرْمِيَهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقُولَ فِي إِثْرِهَا: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، يَقُولَ: "اللَّهُمَّ هَذِهِ حَصَبَاتِي وَأَنْتَ أَحْصَى لَهُنَّ مِنِّي، فَتَقَبَّلُهُنَّ مِنِّي، وَاجْعَلْهُنَّ فِي الآخِرَةِ ذُخْرًا لِي، وَأَنِبْنِي عَلَيْهِنَّ، غُفْرَانَكَ وَرِضْوَانَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَبًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيا مَشْكُورًا، وَارْزُقْنِي نَصْرَةً وَسُرُورًا". وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَمْضِيَ عَنْهَا وَلَا يَقِفَ عِنْدَهَا بَعْدَ رَمْيِهَا. وَلَا يَرْمِيَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ إِلا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا فَعَلَ بَعْدَهَا أَرْبَعَ خِصَالٍ، أَوَّلُهَا: ذَبْحُ الصَّحِيَّة). وَالثَّانِيَةُ: الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ. وَالثَّالِثَةُ: الدُّعَاءُ
(1) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ الْمُحَيِي: يَعْنِي لِقَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُو حَتَّى يَبْلُغَ الهُدَى يَحِلَّهُ فَلَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الذَّبْحِ لَزِمَهُ دَمٌ عَلَى الصَّحِيح. إهـ. [يُنْظَرُ: أَبو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضْعِ ص 624]. وَأَقُولُ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم التَّرْخِيصُ فِي تَقْدِيمِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَكَانَ يَقُولُ حِينَ يُسْأَلُ: ارْم وَلاَ حَرَجَ احْلِقُ وَلاَ حَرَج ... [وَنَصهُ فِي الرَّبِيعِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَخَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذُبَحَ، فَقَالَ لَهُ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ". فَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرُ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي. فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجٌ فَمَا سُئِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم عَنْ شَيْءٍ إِلا قَالَ: وَلَا حَرَجٌ قَالَ الربيع: قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ رُخصةٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْبَابُ النَّاسِعُ: في التمتع وَالإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالرُّحْصَةِ، (436] (1/383)
صفحة 384
كتاب
384
الوضع
بهَذَا الدُّعَاءِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي تَفَتِي، وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَاشْكُرْ لِي حَلْقِي. وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وَالرَّابِعَةُ: زِيَارَةُ الْبَيْتِ، وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا حَلَقَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَارِبِهِ، وَيُقَلَّمَ أَظْفَارَهُ، وَيَنْزِعَ شَعْرَ الإِبطَيْنِ، وَيَحْلِقَ الْعَانَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَنَهُمْ} (الْحَجّ) (29). وَإِنْ صَلَّى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ
وَصَلَاةُ الْعِيدِ لَا تُصَلَّى بِالْجَمَاعَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمِنِّي، فَإِذَا ذَبَحَ وَحَلَقَ وَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ؛ حَلَّ لَهُ الْحَلَالُ كُلُّهُ إِلا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ فَحَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ. فَإِذَا أَرَادَ زِيَارَةَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي زِيَارَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا فِي أَوَّلِ قُدُومِهِ مكة: فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَفِي الطَّوَافِ، وَفِي الرُّكُوعِ، وَفِي زَمْزَمٍ، وَفِي الْخُرُوج إِلَى السَّعْيِ، وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِذَا قَضَى زِيَارَتَهُ رَجَعَ مِنْ حِينِهِ إِلَى مِنِّي، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا غَلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهُدَى عَجَلَهُ الْبَقَرَة: 196) فَهَذَا لِمَنْ سَاقٍ الْهَدْيَ مِنْ خارج الْحَرَم، لا يَتَمَتَّعُ وَلاَ يَحْلِقُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْئُ مَحِلَّهُ؛ كَمَا قَالَ: لبَدْتُ رَأْسِي وَسُقْتُ الْهَدْي، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُفْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةٌ". [الربيع، (428، والْبُخَارِي، (1568، وَمُسلِم، 3009]، ثُمَّ إِنَّ هَدْيَ الْعُمْرَةِ لَزِمَ مِنَ الْعُمْرَةِ لاَ مِنَ الْحَج فَلا يَتَفَيَّدُ بِهِ خَلْقُ الْحَجُ إِلا عَلَى سَبِيلِ التَّرْغِيب، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} (الْبَقَرَة: 196) ظَلَّ عَلَى الْمَوْضُوعِ يقضي بِالْيُسْرِ، وَمِنَ الْحَرَجِ أَنْ يَبْقَى الْحَاجُ أَسْعَتَ أَغْبَرَ مُدَّةَ الْحَجِّ وَأَكْثَرَ، لأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَصَّلْ إِلَى الْهَدْي، إلا فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/384)
صفحة 385
كتاب
385
الوضع
أيام التشريق ورمي الجمار]
فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مِنِّى أَقَامَ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَرْمِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ثَلَاثَ جَمَرَاتِ الأُولَى وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَيَرْمِي كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً، وَيَدْعُو عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَلَا رُحْصَةَ لأَحَدٍ فِي الْمَبِيتِ بِغَيْرِ مِنِّي فِي لَيَالِي مِنِّى، مَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ بِغَيْرِ مِنِّي، وَيُصْبِحُونَ يَرْمُونَ مَعَ النَّاسِ الْجِمَارَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمٍ النَّحْرِ، فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: 203).
ما يفعله الحاج في الوداع وبعده]
فَإِذَا نَفَرَ مِنْ مِنى (1) رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ لِوَدَاعِ الْبَيْتِ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَنْفِرُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ" [الْبُخَارِي، (1668،
وَمُسلِم، (3283].
وَيَفْعَلُ فِي الْوَدَاعِ أَرْبَعَ خِصَالٍ؛ أَوَّلُهَا: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سُبُوعًا (2).
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: أَي وَمَنْ تَأَخَّرَ بَعْدَ أَيَّامِ النَّشْرِيق فِي مِنِّى؛ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى الْبِدْعَةَ أَوِ الزَّيَادَةَ فِي الْمَنَاسِكِ، أَمَّا الْمُكُوثُ فِي مِنّى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كُلَّهَا فَهُوَ السُّنَّةُ؛ وَأَجْرُهُ أَكْمَلُ، وَلَا تُعْتَبَرُ تَأْخُرًا، وَمَنْ تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي مِنِّى؛ لَزِمَهُ أَنْ يُكْمِلُ الثَّالِثَ وَأَنْ يَنفَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ وَيُرْمِي ثَانِيَةً وَإِلا فَعَلَيْهِ دَم. (2) [الطواف بالبيت سبعة أشواط ويقال أيضاً: طاف بالبيت سبعا، أو أسبوعا، تاج العروس، مادة سبع]. (1/385)
صفحة 386
كتاب
386
الوضع
وَالثَّانِيَةُ: الرُّكُوعُ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالثَّالِثَةُ: السُّرْبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَم وَالرَّابِعَةُ: الدُّعَاءُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْحجرِ، يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ كَمَا قَضَيْتُ نُسُكِي، وقَوَّيْتَ ضَعْفِي، فَأَتْمِمْ لِي فَضَاءَ حَاجَتِي، اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي بِبَيْتِكَ الْحَرَامِ، اللّهُمَّ أَتْمِمْ لِي أَجْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، اللَّهُم ربَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ مِنِّي بِبَيْتِكَ الْحَرَامِ، فَاعْفُ عَنِّي وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، أَنْتَ مَوْلايَ، فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، تَائِبُونَ آيبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، وَإِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ وَمُنْقَلِبُونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
وَلَا يَبيعُ بَعْدَ الْوَدَاعِ وَلاَ يَسْتَرِي، وَيَمْضِي وَهُوَ مَحْزُونٌ عَلَى فِرَاقِ الْبَيْتِ، فَإِذَا رَكِبَ رَاحِتَلَهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْتَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ
الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ
والْمَالِ وَالْوَلَدِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا". (1/386)
صفحة 387
فَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْحَجِّ]
ما يلزم بتركه الدم، وما يلزم به إعادة الحج]
وَمَنْ تَرَكَ الإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ فَسَدَ (1) حَجُّه (2)،، وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ، وَمَنْ تَرَكَ الرُّكُوعَ خَلْفَ الْمَقَامِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَمَنْ تَرَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَقِيلَ: فَسَدَ حَجَهُ، وَمَنْ تَرَكَ الْمَرِ بِمِنِّي (3) فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجَهُ)، وَمَنْ تَرَكَ الْمَبِي
(1) فَسَدَ حَجَهُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ سُنَّةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ
وَأَحْرَمَ مِنْهَا.
(2) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: أَيْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعَا بِعُمْرَةٍ، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ دَمَ؛ وَصَحْ حَجَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا شَيْءٍ عَلَيْهِ
(3) تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنِّى: يَعْنِي لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَلَيَالِيَ رَبِّيِ الْحِمَارِ. (4) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: يَظْهَرُ هَذَا لِمَنْ تَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا حَتَّى فَاتَهُ، كَمَنْ خَرَجَ مِنْ حُدُودِهَا قَبْلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُضَيَّعْ فَلْيَقِف سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ لِيُفِضِ لِيُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي جَمْعِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ فِي الإِيضاح: فَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الشَّمْسِ بِقَدْرِ مَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَ حَدِيثُ = (1/387)
صفحة 388
كتاب
388
الوضع
65
بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَعَلَيْهِ دَمَ، وَإِنْ تَرَكَ الذَّبْح (1) فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الزيارَةِ فَسَدَ حَجه (3)، وَإِنْ تَرَكَ الْجِمَارَ (3) فَعَلَيْهِ بِكُلِّ جَمْرَةٍ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ حَصَاةٌ فَعَلَيْهِ مِسكينٌ، وَإِنْ تَرَكَ حَصَاتَيْنِ فَعَلَيْهِ مِسْكِينَانِ، وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثًا فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ الْوَدَاعَ فَعَلَيْهِ
دم.
النَّبِي) [سنن البيهقي، (9593، فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَقِف بعَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ وَقَفَ بَعْدَ ذَلِكَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَلَحِقَ مَعَ النَّاسِ صَلاةَ الْفَجْرِ بِجَمْعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ وَلَحِقَ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِجَمْع فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ التَّرْمِذِي ر 814، وأحمد (18797] [انْظُرُ: الشَّمَّاخي: الإيضاح 214/ 2]، أَقُولُ: وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِيُسْرِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: 185). (1) تَرَكَ الذَّبْحَ؛ إِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَالْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ. (2) طَوَافُ الزِّيَارَةِ - وَهُوَ طَوَافُ الإِفَاضَةِ - وَقتُهُ طَوِيلٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَا لَمْ يَمَسَّ النِّسَاءَ، وَلَوْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَقَدْ تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِطَوَافِهِ مَا لَمْ يَمَسَّ النِّسَاءَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلِ وَدَمٌ. (3) تَرَكَ رَمْيَ الْحِمَارِ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ، أَمَّا إِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا وَلَوِ الْيَوْمَ الْأَخِيرَ؛ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّمْيَ بِحَصَى الْأَيَّامِ كُلِّهَا وَلَا شَيْءٍ عَلَيْهِ. (1/388)
صفحة 389
فَضْل
في معاني مكة، والحجر والمقام
والصفا والمروة، ومنى وعرفات]
قَالَتِ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَكَةُ مَكَةً لِقِلَّةِ مَائِهَا؛ تَقُولُ الْعَرَبُ: مَكَ الْفَصيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ وَامْتَكَهُ: إِذَا مَصَّ مَا فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مَكَّتْ فَلَمْ تُبْقِ فِي أَجْوَافِهَا دَرَرًا
وَسُميت بكَة؛ لأَنَّ النَّاسَ يُبَاكُونَ فِيهَا؛ أَي يَزْدَحِمُونَ، فَيَبكُ بَعْضُهُمْ
بَعْضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَنَّهُ فَخَلَّهِ حَتَّى يَبكَ بَكَه (1)
وَقِيلَ: سُمِّيت بكَةٌ لأَنَّهَا تَبكُ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ، أَيْ: تَدْقُهَا، وَلَمْ يَقْصِدْهَا جَبَّارٌ قَطَ بِسُوءٍ إِلا قَصَمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ بَعْضُ: بكَةُ الْبَيْتُ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْمَطَافِ، وَمَكَةُ الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأَنَّ الْعَرَبَ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْبَاءِ
(1) الأَكَّه: شِدَّةُ الْحَرِّ يَقُولُ الشَّاعِرُ: إِذَا ضَجَرَ الَّذِي يُوردُ إبلَهُ مَعَ إِيلِكَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ انْتِظَارا، فَخَلهِ حَتَّى يُرَاحِمَكَ انْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْحُسَيْنِيُّ، تَاجُ الْعَرُوسِ مِنْ جَوَاهِرِ الْقَامُوسِ، 27/ 79]. (1/389)
صفحة 390
كتاب
390
الوضع
والعيم. وسميت أُمَّ الْقُرَى (1)؛ لأنَّ الأَرْضَ دُحيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، وَقَدْ خَلَقَهَا اللَّهُ قَبْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ بِالْفَي عَامٍ، وَكَانَتْ زُبْدَةً بَيْضَاءَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، فَدُحِيَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا؛ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: تَوَلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ للَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ وَايَتُ بِنَنتُ مَقَامُ وَيُرَهِيمَ (آل عمران: 96 - 97)، وَالآيَاتُ هِيَ: الْمَقَامُ، وَالْحَجَرُ الأَسْوَدُ، وَالْحَضِيمُ، وَزَمْزَمٌ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ، وَالْمَشَاعِرُ كُلُّهَا.
نَ لَا مَا
فَأَمَّا الْحَجَرُ وَالْمَقَامُ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: هُوَ يَقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ طُمِسَ نُورُهُمَا، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَ الْمُشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الترمذي، (878، وَأَحْمَد، ر 7000]. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ نَبِيَّ قَالَ لِعَائِشَةَ وَهِيَ تَطُوفُ مَعَهُ بالكعبة حينَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ: طَبَعَ اللَّهُ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيةِ وأَرْجَاسِهَا لَاسْتَنِي بِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَأَذًى، وَلَبَقِيَ كَيَوْمٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَلَيُعِيدَنَّهُ اللَّهُ عَلَى مَ حَسَنَهُ وَلَ مَرَّةٍ وَإِنَّهُ لَيَاقُونَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ غَيْرَ حُسنَهُ بِمَعْصِيَةِ نُعَصِينَ. وَسَتَرَ نُورَهُ عَنِ الأَئِمَّةِ الظُّلَمَةِ؛ لأَنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا نِشَيْءٍ كَانَ يَدْؤُهُ مِنَ الْجَنَّةِ [الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، (11028، وَالْهَيْثَمِيُّ، 5492].
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ عُمَرَ فِي أَوَّنِ خِلَافَتِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرُ لاَ تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ الْبُخَارِيُّ، (1520، وَمُسْلِمٌ، (3128]، فَقَالَ لَهُ
(1) إِنَّمَا سُمِّيت أُمَّ الْقُرَى: لأَنَّهَا قِبْلَةُ أَهْلِ الْقُرَى وَمَحَبُّهُمْ وَمُجْتَمَعُهُمْ، وَأَعْظَمُ شَأْنَا؛ لأَنَّ النَّاسَ مُجْمِعُونَ عَلَى احْتِرَامِهَا وَتَعْظِيمِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْقُرَى. (1/390)
صفحة 391
كتاب
الوضع
عَلِيٌّ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ أَنَّكَ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ لَعَلِمْتَ تَأْوِيلَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، وَمَا تَأْوِيلُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية (آل عمران (172) (المستدرك، (1682]. فَلَمَّا أَقَرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ كَتَبَ إِقْرَارَهُمْ فِي رق وَأَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ، فَهُوَ أَمِينُ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ يَوْمَ القيامة.
وَأَمَّا الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ: فَهُمَا جَلَانِ بِمَكةَ، وَالصَّفَا فِي اللُّغَةِ: الصَّحْرَةُ الصنْيَةُ الْمَلْسَاءُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَهَا كِفْلٌ كَصَفَاةِ الْمَيلِ أَبْرَزَ عَنْهَا جُحَافٌ مُضِيرٌ يُقَالُ: صَفَاةٌ وَصَفَا مِثْلُ حَصَاةٍ وَحَصًا، وَقَضَاةِ وَقَضًا. وَالْمَرْوَةُ فِي اللُّغَةِ
حَجَرٌ لَيِّنٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
حَتَّى كَانِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفَا الْمَشْرِقِ كُلَّ يَوْمٍ نُشْرَعُ
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَلَى الصَّفَا صَنَمٌ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: إِسَافُ، وَعَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمٌ عَلَى صُورَةِ امْرَأَةٍ تُدْعَى نَائِلَةَ، فَذَكَّرَ الصَّفَا لِتَذْكِيرِ إِسَاف، وَأَنْتَ الْمَرْوَةُ لِتَأْنيثِ نَائِلَةَ. وَزَعَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأُوَّلُ أَنَّهُمَا زَنْيَا فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْن، فَوَضَعَهُمَا اللَّهُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا مَنْ بَعْدَهُمَا، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَسَحُوا الْوَثَنَيْنِ، فَلَمَّا ظَهَرَ الإِسْلَامُ وَكُسَّرَتِ الأَصْنَامُ كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا لأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
تَعَالَى: {وَإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} (البقرة: 158) [مسلم، (3138]. (1/391)
صفحة 392
كتاب
392
الوضع
وَأَمَّا مِنِّى: فَسُمِّيَتْ مِنِّى لِمَا يُمْنَى فِيهَا مِنَ الدَّمَاءِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَنَى لَكَ الْمَانِي؛ أَي: قَدَّرَ لَكَ الْمُقَدِّرُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ سَوْفَ أَفْعَلُهُ حَتَّى تَبَيَّنَ مَا يُمْنِي لَكَ الْمَانِي وَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُعَلِّمَهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَمَشَاعِرَهُ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، هَذَا مَكَانُ كَذَا وَكَذَا حَتَّى بَلَغَ مِنِّي، فَإِذَا هُوَ بِإِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ قَدِ اسْتَقْبَلَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الأُولَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَكَبَّرَ فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ، فَرَمَاهُ، وَكَبَّرَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لا يُطِيقُهُ ذَهَبَ، فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِبْرَاهِيمَ يُعَلِّمُهُ الْمَشَاعِرَ حَتَّى أَتَى بِهِ عَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ: عَرَفْتَ؟ فَقَالَ: عَرَفْتُ. فَسُمِّيَتْ عَرَفَةَ [أحمد ر 2707، الطبراني: المعجم الكبير، (10628]، فَوَقَفَ
،
بِهَا حَتَّى أَمْسَى، فَازْدَلَفَ إِلَى جَمْعِ، فَسُمِّيَتْ مُزْدَلِفَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/392)
صفحة 393
[كتاب الأيمان] بَاب فِي الأَيْمَانِ
اعْلَمْ أَنَّ الأَيْمَانَ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَاذِبِينَ فِي أَيْمَانِهِمْ بِالْعَذَابِ الأَلِيم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوَلَيْك لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} آل عِمْرَان: 77). وَيُرْوَى عَنِ
رو-
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا حَلَفْتُمْ فَاصْدُقُوا ارُوِيَ بِلَفْظُ: مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيُصْدُق، التَّرْمِذِي، (2101، وَالْبَيْهَقِي، 20512]، وَعَنْهُ وَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِف بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتُ الربيع، (655، وَالْبُخَارِي، 2533]، وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ أَبُو دَاوُد، (3248، وَابْنُ مَاجَهْ، (2325]، وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ثَلَاثُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوس (1)، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ
(1) عَلَّقَ الشَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِى الْحَاشِيَةِ: وَالْيَمِينُ الْغَامُوسُ بِأَلِفِ بَعْدَ الْغَيْنِ فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنَ النسخ، وَصَوَابُهُ الْغَمُوسُ بِغَيْرِ أَلِفِ، قَالَ فِي الْفَتْحِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، قِيلَ سُمِّيت بِذَلِكَ لأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، وَهُوَ فَعُول بِمَعْنَى فَاعِلِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ التِّينِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الَّتِي تَعْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكُ: لا كَفَّارَةَ فِيهَا إِلَحْ. التَّمْهِيدُ لابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: 247/ 21]، (1/393)
صفحة 394
كتاب
394
الوضع
يَمِينًا فَاجِرَةً عَلَى مِثْلِ جُنَاحٍ بَعُوضَةٍ إِلا كَانَ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ التَّرْمِذِي، (3020، وَأَحْمَدُ (16086]، وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ مِنْ مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَيْئًا بِيَمِينِ كَاذِبَةٍ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ فَقَالَ: "وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ الربيع، (660، ومُسلِم، (370)، وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءِ الطَّرِيقِ فَمَنَعَ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَى لَهُ مَا يُرِيدُ وَفَّى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُوَفَّ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ سِلْعَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ
(2) (1)
وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ الْيَمِينُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَاضِي فِعْلاً أَوْ تَرَكا، قَالَ فِي السُّوَالاتِ: وَقِيلَ يَمِينَانِ يُكَفِّرَانِ، وَيَمِينَانِ لَا يُكَفِّرَانِ، فَأَمَّا اللَّذَانِ يُكَفِّرَانِ: فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ لا يَفْعَلَ، وَاللَّذَانِ لَا يُكَفِّرَانِ: فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَهُوَ قَدْ فَعَلَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَذِبٌ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ، وَهَذَا هُوَ يَمِينُ الْغَمُوسِ، وَتَذَرُ الديار بلاقِعَ خَرَابًا يَبَابًا لاَ شَيْءٍ فِيهَا، قَالَ الشَّيْخُ حَمُّو بْنُ الْمِيعْرِ: انْظُرْ إِلَى رَمَيَاتِ الْمُدَّعِينَ، وَجَدُوهَا فِي مُصْحَفِ هُودِ بْنِ مُحكَم الْهَوَارِي فَجَعَلُوهَا مُعْتَمَدًا وَمَأْخُودًا، إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ غَيْرِنَا. إهـ. وَقَوْلُهُ: انْظُرْ إِلَى رَمْيَاتِ الْمُدَّعِينَ، يَعْنِي: حَيْثُ قَالُوا: يَمِينَانِ لَا يُكَفِّرَانِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَذْهَبُ الإِمَامِ مَالِكِ، لأَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ عِنْدَهُ لَا يُكَفِّرُ، وَعِنْدَنَا يُكَفَّرُ، وَلَكِنْ لَا يَنْفَعُ فِيهِ الاسْتِثْنَاء كَمَا ذَكَرُوهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ [انْظُرْ: أَبُو سِتَّةَ: حَاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 646]. (1) خُصَّ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَجْتَمِعُ فِيهِ؛ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَهُوَ وَقْتُ خِتَامِ الأَعْمَالِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُحَلِّفُونَ فِيهِ مَنْ لَزِمَهُ الْيَمِينُ. (2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ خُص لأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَجْتَمِعُ فِيهِ؛ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ، وَهُوَ وَقْتُ خِتَامِ الأَعْمَالِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُخَلِّفُونَ فِيهِ مَنْ لَزِمَهُ الْيَمِينُ. انظر: أبو سيئة: حاشِيَةٌ عَلَى الْوَضع ص 647]. (1/394)
صفحة 395
كتاب
395
الوضع
فَحَلَفَ بِاللَّهِ أَنَّهُ أُعْطِيَ فِيهَا كَذَا وَكَذَا؛ فَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فَأَخَذَهَا مِنْهُ الْبُخَارِي، ر 2527، وأبو داود، (3476]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ،
(1) -
فَإِنَّهَا تَذَرُ الدِّيارَ بَلاقِعَ مِنْ أَهْلِهَا الْبَيْهَقِيُّ، (19655، وكثرُ الْعُمَّال، (46374]. وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ مَعْقَمَةٌ لِلرَّحِمِ الْبَيْهَقِيُّ، (10189، وَأَحْمَدُ، (7206. دُونَ: "مَعْقَمَةٌ لِلرَّحِم]. وَقَالَ: إِنِّي لا أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِالْوَحْيِ، وَإِنَّمَا أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ، فَمَنْ حَكَمْتُ لَهُ حُكْمًا وَهُوَ فِيهِ كَاذِبٌ فَإِنَّمَا أَجْدٌ (2) لَهُ جَدْوَةٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ الْبُخَارِيُّ، (2229، وَابْنُ حَيَّانَ، (5084]. وفِي الأَثَرِ: إِنَّ عَلَى هَذَا أَنْ يَتُوبَ وَيَرُدَّ الْمَالَ
وَيُكَفِّرَ الْيَمِينَ.
(1) تَذَر: تَتْرُك، وَبَلاقِع: خَرَاب يُقَالُ أَرْضِ بِلْقَعَ؛ أَيْ: قَفْرَاءُ لَا شَيْءٍ فِيهَا. (2) أَجِذُ: مِنَ الْجَذَّ وَهُوَ الْقَطْعُ. (1/395)
صفحة 396
[صفحة فارغة] (1/396)
صفحة 397
فَصْلٌ في يَمِينِ اللَّغْوِ]
[معنى اللغو، وبيان معنى قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} (الْبَقَرَة: 225). وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّغْوَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: هُوَ السَّاقِط الَّذِي لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، وَتَقُولُ: أَلْغَيْتُ الشَّيْء؛ إِذَا أَسْقَطْتَهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَتَطْرَحُ بَيْنَهَا الْمَرْنِي لَغْوًا كَمَا أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الْحُوَارَ (1)
وَقَالَ آخَرُ:
أوَ مِائَةٍ تُجْعَلُ أَوْلَادُهَا لَغْوًا وَعُرْضِ (2) الْمِائَةَ الْجَلْمَدُ
(1) الْمَرَنِي النَّاقَةَ الْكَثِيرَةَ اللَّبَنِ، وَهِيَ الَّتِي تُدِرُ عَلَى الْمَسْحُ وَاللَّغْرُ مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَوْلَادِ الإبل في الديَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا لِصِغَرِهِ. وَالْحَوَارُ: الْفَصِيلُ أَوَّلُ مَا يُنْتَجُ وَفِي النِّسَانِ:
وَيَهْلِكُ وَسَطَهَا الْمَرَنِي لَغَوا.
(2) [الْعُرْضُ: يقال ناقةٌ عُرْضُ أسفار قوية على السَّفَرُ، انظر: المعجم الوسيط مادة "عرض"]. وَالْجَلْمَدُ: الْحِجَارَةُ، يُرِيدُ عُرْضُ هَذَا الْبَعِيرِ السَّفَرُ وَالْحِجَارَةُ. قَالَ فِي النِّسَانِ
عَنِ ابْنِ بَري: صَوَاب إِنْشَادِهِ: أَوْ مِائَةٍ بِالْكَسْرِ لسان العرب، مادة "عرض"]. (1/397)
صفحة 398
كتاب
398
الوضع
وَاللَّغْرُ وَاللغَا مِنَ الْكَلَامِ: الَّذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} الْمُؤْمِنُونَ: 03)، وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغُوا وَلَا تَأْثِيمًا} (الْوَاقِعَة: 25). قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيمَ فِيهَا وَمَا فَاهُوا بِهِ أَبَدًا مُقِيمٌ
وَقَالَ آخَرُ:
وَرَبِّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُلِّم عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَاختَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى اللَّغْوِ الْمَذْكُور فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَال؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا يَصِلُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ بِسُرْعَةٍ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا قَصْدٍ؛ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي صِلَةِ كَلَامِهِ: لاَ وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، وَكَلاً وَاللَّهِ وَأَمْثَالَهَا؛ فَقَالُوا لاَ كَفَّارَةَ وَلَا مُؤَاخَذَةً عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا حَتَّى يَعْزِمَ عَلَيْهِ بِعَقْدِ مِنَ الْقَلْبِ، وَبِهَذَا تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُ أَصْحَابِنَا. قَالَ
الْقَائِلُ:
وَلَسْتَ بِمَأْخوذ بِلَغْوِ تَقُولُهُ إِذَا لَمْ تَعْمَدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْءٍ فِي عِلْمِهِ وَظَنَّهِ، فَإِذَا هُوَ بخلاف ما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَيُخْطِئُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ؛ وَدَلِيلُ هَؤُلَاءِ الْخَطَأ الْمَرْفُوعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْيَمِينُ فِي حَالِ الْغَضَبِ؛ وَدَلِيلُ هَؤُلَاءِ قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لا يَمِينَ فِي الْغَضَبِ" [الدَّارَقُطْنِيُّ، (4366، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الأوسط، (2029) وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ؛ وَدَلِيلُ (1/398)
صفحة 399
كتاب
399
الوضع
هَؤُلاَءِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لا نَذَرَ وَلَا يَمِينَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ أبو داود، (3274، وَالنَّسَائِيُّ، (4734]. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ دُعَاءُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشَّرِّ وَدَلِيلُ هَؤُلاَءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِ دُعَاءَهُ بِالخير (الإسراء: (11)، وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ يُعَجِلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ (يُونُس: 11)، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَعْمَى اللَّهُ بَصَرَهُ، أَوْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ؛ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، بِلِسَانِهِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْيَمِينُ الْمُكَفِّرَةُ؛ لأنَّهَا إِذَا كُفْرَتْ سَقَطَتْ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْيَمِينُ عَلَى النِّسْيَانِ؛ وَدَلِيلُهُمْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْبَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ الربيع، ر 794، وَابْنُ مَاجَهْ، ر 2045]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (1/399)
صفحة 400
[صفحة فارغة] (1/400)
صفحة 401
فَصْلٌ في أَقْسَامِ الْيَمِينِ]
اليمين قسمان: مستقبلة وماضية]
وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى ضَرَبَيْنِ: مُسْتَقْبَل وَمَاضٍ فَالْمُسْتَقْبَلُ مِنْهُ عَلَى ضَرَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لَيَكُونَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَالثَّانِي: وَاللَّهِ لا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لا يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فَلَا حِنْتَ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، حَتَّى يَفْعَلَ مَا مَنَعَهُ بِالْيَمِينِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا أَوْجَبَهُ بِالْيَمِينِ.
وَالْمَاضِي عَلَى ضَرَبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، أَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ قَدْ فَعَلَهُ، أَوْ كَانَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحِنْتُ بِهِمَا وَالْكَفَّارَةُ مِنْ حِينِهِ، وَهِيَ
الْغَمُوس (1) الَّتِي تَعْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ.
(1) في الأصل: الْغَامُوسِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ مِنَ النِّسَاخِ (1/401)
صفحة 402
كتاب
الوضع
المحلوف به أقسامه وأحكامه]
6
وَأَمَّا الْمَحْلُوفُ بِهِ فَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ أَوْ بِأَسْمَائِهِ أَوْ بِصِفَاتِهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ بِاللَّهِ، وَوَاللَّهِ، وَتَاللهِ، وَحَقٌّ اللَّهِ، وَأَيْمِ اللَّهِ، وَلَعَمْرِ اللَّهِ، وَاسْمِ اللَّهِ، وَقُدْرَةِ اللَّهِ، وَعِلْمِ اللَّهِ، وَحَيَاةِ اللَّهِ، وَعَظَمَةِ اللَّهِ، وَكَلامِ اللَّهِ، وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِنْ حَنِتَ بِهَذَا الْيَمِينِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ بِمَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ أوِ الصَّدَقَةِ، أَوِ الْعِتْقِ، أَوِ الطَّلَاقِ، أَوِ الْحَجِّ أَوِ الصَّوْمِ أَوِ الصَّلاةِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَيْمَانَ. فَإِنْ حَنِتَ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَلْزَمَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا أَلْزَمْنَاهُ لَهُ وَلَكِنْ يُكْرَهُ الْيَمِينُ بِالطَّلاقِ وَالْعَتَاقِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَاقِ أَلَمْ نَجِدْ مَنْ حَرَّجَهُ،
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيثِ.
(1)
وَالقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ بِمَا يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلامِ)؛ كَقَوْلِهِ: هُوَ مُشْرِكٌ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ مُنَافِقٌ، أَوْ فَاسِقٌ، أَوْ يَهُودِيُّ، أَوْ نَصْرَانِيُّ، أَوْ مَجُوسِي، أوْ قَدَرِي، أَوْ مُرْجِيُّ، أَوْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ أَوِ الْقَمَرَ، أَوْ أَبْعَدَهُ اللَّهُ، أَوْ أَخْزَاهُ الله، أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَوْ مَقَتَهُ اللَّهُ، أَوْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ نَارَ جَهَنَّمَ، أَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ فِي
(1) يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسلام: الْمُرَادُ الإِسْلامُ الْكَامِلُ لِمَنْ هُوَ كَالْمُنَافِقِ وَالْفَاسِقِ وَالْقَدَرِي وَالْمُرْجِيَّ؛ إذْ هَؤُلاَءِ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمِلَّةِ الإِسْلاميَّةِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ كُفْرَ نِعْمَةٍ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الْمَعَانِي. (1/402)
صفحة 403
كتاب
403
الوضع
الآخِرَةِ، أَوْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ لاَ رَحِمَهُ فِي الآخِرَةِ، أَوْ حَشَرَهُ اللَّهُ مَعَ أَهْلِ النَّارِ، وَمَا أَشبَهَ هَذَا؛ فَإِنْ حَنِتَ بِهَذَا كُلِّهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةَ التَّعْلِيطِ، وَقِيلَ: كَفَّارَةَ يَمِينٍ مُرْسَلَة (1).
وَالقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالْكَعْبَةِ أَوِ الْمَسْجِدِ أَوِ التَّوْحِ أَوِ الْقَلَمِ أَوِ الشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ أَوِ النُّجُومِ، أَوِ السَّحَابِ أَوِ السَّمَاءِ، أَوِ الْأَرْضِ، أَوِ الْمَلَائِكَةِ أوِ النَّبِيِّينَ أوِ الرُّسُلِ، أَوِ الْمَطَرِ أَوِ النَّبَاتِ، أَوِ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ، أَوْ بِحَيَاتِهِ أَوْ برَأْسِهِ؛ أَوْ حَيَاةِ فُلانٍ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ جَوَارِحِهِ، أَوْ بِحَقِّ أَبِيهِ، أَوْ مَا أَشبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ وَمَا أَشبَهَهُ لاَ حِنْتَ فِيهِ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَلَكِنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَيْمَانِ مَكْرُوه (3). لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت سَبَقَ تَخْرِيجُهُ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا
(1) عَلَّقَ السَّيْحُ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: أَنْ يَحْلِفَ بِمَا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِسْلامِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ أَوْ يَهُودِيُّ أَوْ نَصَرَانِي، أَوْ مِنْ مِلَلِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أو الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ أَوِ الظَّالِمِينَ، أَوْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ أَوِ الْجُمْجُمَةَ أَوْ يَعْبُدُ النَّارَ أَوِ الشَّيْطَانَ، إِنْ فَعَلَ ثُمَّ حَيْتَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ كَفَّارَةٌ مُعَلَّظَةٌ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ: مَنْ قَالَ هُوَ كَافِرُ أَوْ يَهُودِيُّ أَوْ نَصْرَانِي فَهُوَ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ [السَّالِمِيُّ: جَوَابَاتُ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي 215/ 2]، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَرَكَةَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: وَقَدْ فَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيمَا يَحْلِفُ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالَّذِي نَخْتَارُهُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآية؛ أَنَّ كَفَّارَةَ الأَيْمَانِ كُلِّهَا سَوَاء، إِلَّا كَفَّارَةَ الظُّهَارِ؛ فَإِنَّهُ لَا حَقٌّ لِلنَّظَرِ مَعَ وُجُودِ
النَّص [انْظُرْ: ابْنُ بَرَكَة: كِتَابَ الْجَامِعِ، 85/ 2]، [انْظُرُ: السَّمَاخِيُّ: الإيضاح 365/ 2]. (2) مَكْرُوهُ كَرَاهَةً تَحْرِيم؛ لأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعْظِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ بِهِ، وَتَعْظِيمُ سِوَى اللَّهِ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ؛ لِنَهْي رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الآتي. (1/403)
صفحة 404
كتاب
الوضع
بِالطَّوَاغِيتِ" الربيع، (655، دُونَ وَلَا بِالطَّوَافِيتِ، وَالنَّسَائِي، (3774]. وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا حَلَفْتُ بهِ بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا وَلاَ أَيْرًا (1) [الْبُخَارِي، (1271، وَمُسلِم، (4343]. وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ" [أَبُو دَاوُد، (3250، وَالنِّسَائِي،
ر 3769].
(1) ذَاكِرًا: أي عَامِدًا وَلا أَيْرًا: أَي حَاكِبًا عَنِ الْغَيْرِ يُرِيدُ مَا خَلَفْتُ بِالآبَاءِ وَلَا حَكَيْتُ عَنْ
أَحَدٍ الْحَلِفَ بِالْآبَاءِ. (1/404)
صفحة 405
فَصْلٌ
جواز الحلف بالله لمن كان صادقًا]
ويَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ صَادِقًا؛ لأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يُبِيحَانِ ذَلِكَ: أَمَّا الْكِتَابُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قُلْ إِلى وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقُ (يونس: 53)، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ الربيع، (8، والبخاري، (618]، وَلِمَا يُرْوَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "لَا وَمُقَلِّبَ الْقُلُوبِ الْبُخَارِيُّ، (6243، وَأَبُو دَاوُدَ، (3265].
وَقَدْ كَرِهَ (1) أَصْحَابُنَا الْحَلِفَ بِاللَّهِ وَلَوْ عَلَى الصِّدْقِ، تَوَفَّيَا وَتَعْظِيمًا لِلَّهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ، أَوْ حَلَفْتُ، أَوْ مَعَاذَ اللَّهِ، أَوْ أَعُوذُ بِاللَّهِ، أَوْ حَاشَ لِلَّهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ
إِنْ حَنتَ. وَقَالَ بَعْضُ: لا يَمِينَ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
(1) الْكَرَاهَةُ هُنَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْمَلُوا اللهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَانِكُمْ} (الْبَقَرَة 224). (1/405)
صفحة 406
كتاب
الوضع
وجوب الكفارة على من حرم حلالاً أو حلّل حرامًا] وَأَمَّا مَنْ حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ حَلَّلَ حَرَامًا، فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا أَصْحَابُنَا الْكَفَّارَةَ. وَقِيلَ فِيمَنْ حَلَّلَ حَرَامًا: لاَ شَيْءٍ عَلَيْهِ (1). وَدَلِيلُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ حَرَّمَ حَلالاً قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَنَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} (التَّحْرِيم: 01)، وَقَوْلُهُ: وَحَرَام عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَك ةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (2) (الأنبياء: 95). وَالْحَلَالُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ عَلَى نَفْسِهِ؛ قِيلَ: إِنَّهُ الْعَسَلُ، وَقِيلَ: سُرِّيَّتُهُ مَارِيَةً الْقِبْطِيَّة [تفسير الكشاف، 568/ 4، 569]، وإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ أَزْوَاجِهِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَفَّارَةِ عَلَى تَحْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنكُمْ التَّحْرِيم: (02)، فَفَعَلَ وَرَجَعَ إِلَى مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ أَصْحَابُنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَرَّمَ طَعَامًا، أَوْ شَرَابًا، أَوْ
سريته، أوِ امْرَأَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، إِذَا حَيْثُ وَرَجَعَ إِلَى فِعْلِ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: كَثَلاثِ تَطْلِيقَاتِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَطلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ظهار. وَقَالَ بَعْضُ: هُوَ يَمِينُ إِذَا مَسَّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ حَتَّى تَمْضِي أَربَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ بِالإِيلاءِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الأَخِيرِ اعْتِمَادُ أَصْحَابِنَا.
(1) تَحْلِيلُ الْحَرَامِ أَشَدُّ وَأَنكَى كَيْفَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالاسْتِحْلَالُ كُفْرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِنْ أَرَادَ الاستخلالَ باللَّفْظِ فَقَط وَأَنتَ خَبِيرٌ بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي النَّفَاقِ: إِنَّهُ نِفَاقُ خِيَانَةٍ وَنَفَاقُ تحليل وتخريم، والثَّانِي مِنْ أَبْوَابِ الْكُفْرِ. وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْحَلَالِ فَهُوَ مِنَ الاعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ وَاللَّهُ يَقُولُ: لَا تُحَرِّمُوا طَيْبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (الْمَائِدَة: (87).
(2) لَمْ يَتبين وجه الاستدلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ. (1/406)
صفحة 407
فَصْلٌ
الاستثناء في اليمين)
وَاعْلَمْ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَهْدِمُ الْيَمِينَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلاً بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ خِلالَهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ هَدَمَ الْيَمِينِ وَالاسْتِثْنَاهُ أَنْ يَقُولَ فِي إِثْرِ يَمِينِهِ: إِنْ شاء الله (1)، أَوْ إِنْ أَرَادَ اللَّهُ، أَوْ إِنْ قَضَى اللَّهُ، أَوْ إِنْ حَكَمَ اللَّهُ، أَوْ إِنْ أَذِنَ اللَّهُ، أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّه (2)، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، مِمَّا يُرِيدُ بِهِ هَدْمَ الْيَمِينِ. وَإِنْ قَطَعَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَاسْتِثْنَائِهِ بِكَلامِ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ سُكُوتِ طَوِيلٍ، أَوْ
(1) عَلَّقَ الشَّيْخُ النَّاصِرُ: وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ أَنمُوا لَبَصرِ مُنْهَا مُصْبِينَ) ولا يستنونَ الله (القلم: 18، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فِي يَمِينِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَا يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تفسير الكشاف، 594/ 4]، وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا نَقُولَنَّ لِشَاء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) (الْكَهْف: 23) فَاسْتَمْنَى وَقَالَ: إِلا أَن يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) (الْكَهْف: 24)، قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا ذَكَرَ فَاسْتَثْنَى قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِهِ فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؛ وَلَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَقَالَ صَاحِبُ الإِيضاح: إِذَا ذَكَرْتَ قَبْلَ أَنْ تَحنَتَ فَاسْتَثْنِ، وَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. انظر: الشماخي: الإيضاح 368/ 2]. (2) الاسْتِغْفَارُ اسْتِثْنَاء، بِنَاءً عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَصِحُ بِكُلِّ لَفْظِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ
تَعَالَى. (1/407)
صفحة 408
كتاب
E.A
الوضع
أكل أو شرب؛ فَلَا يَنْفَعُهُ. وَأَمَّا إِنْ قَطَعَ بَيْنَهُمَا بِسَعْلَةٍ أَوْ عَطْسَةٍ أَوْ تَنَاوُبٍ، أَوْ
غَلَطِ لِسَانٍ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ.
وَالاسْتِثْنَاء يَهْدِمُ الأَيْمَانَ كُلَّهَا، إِلا ثَلاَنا (1): الطَّلَاقُ وَالْعَتَافُ وَالظَّهَارُ، فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: زَوْجَتُهُ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ عَبْدُهُ حُرِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ زَوْجَتُهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لَمْ يَنْفَعُهُ اسْتِثْنَاؤُهُ شَيْئًا، وَأَمَّا إِنْ قَالَ: زَوْجَتُهُ طَالِقٌ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ عَبْدُهُ حُرٌّ إِنْ خَرَجَ مُسَافِرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوِ امْرَأَتُهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ أَكَلَ اللَّحْمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَهَذَا يَنْفَعُهُ. وَلَا يَمِينَ لِطِفْلِ وَلَا عَبْدٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَإِنْ حَلَفُوا فِي حَالٍ لاَ يَلْزَمُهُمْ فِيهِ الْيَمِينُ؛ ثُمَّ حَنِثُوا بَعْدَ الانْتِقَالِ إِلَى حَالٍ يَلْزَمُهُمْ فِيهِ الْيَمِينُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِسُقُوطِهَا.
وَأَمَّا الْمُشْرِكُ إِنْ حَلَفَ فِي شِرْكِهِ ثُمَّ حَنِثَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ الكفَّارَةُ. وَقِيلَ: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ مَحْدُودٍ مُعَيَّنٍ لا يَأْكُلُهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضًا، فَفِيهِ قَوْلاَنِ، وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنَ الْمَحْدُودِ الْمُعَيَّنِ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضًا حَنتَ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبُسْرَ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ، إلا إِنْ قَصَدَ بُسْرَ نَحْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلا يَأْكُلُ الرُّطَبَ وَلَا النَّمْرَ، وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّطَبَ، فَلا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْبُسْرَ، عَيَّنَ أَوْ لَمْ يُعَيِّنُ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّمَارُ كُلُّهَا. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الزَّيْتُونِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى
(1) زاد في الإيضاح النكاح. كَأَنْ يَقُولَ: زَوْجَتُكَ ابْنَتِي إِنْ شَاء الله الشماخي: الإيضاح،
[367/ 2 - 370 (1/408)
صفحة 409
كتاب
409
الوضع
الزَّيْتِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتُونَ، إِلَّا إِنْ عَيَّنَ الزَّيْتُونَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ زَيْتَهُ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَالَ فُلاَنٍ أَوْ لاَ يَدْخُلُ دَارَهُ؛ فَزَالَ الْمَالُ مِنْ مِلْكِ الأَوَّلِ، وَالدَّارُ إِلَى غَيْرِهِ بِوَجْهِ مِنْ وُجُوهِ الإِمْلاكِ؛ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِ الْمَالِ وَلَا فِي دُخُولِ الدَّارِ بَعْدَ الانْتِقَالِ. وَأَمَّا إِنْ عَيَّنَ الدَّارَ أَوِ الْمَالَ بِالْيَمِينِ؛ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلِ الْمَالَ، وَإِنْ فَعَلَ حَيْتَ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّسَانِ، مِثْلِ الْبَيْعِ، وَالشَّرَاءِ، وَالْهِبَةِ، والرَّهْنِ، وَالنِّكَاحِ، فَأَمَرَ مَنْ يَفْعَلُهُ فَهُوَ حَانِتْ إِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَا ذَكَرْنَا فَأَمَرَ مَنْ يَفْعَلُهُ لَمْ يَبْرَأُ مِنْ يَمِينِهِ، وَقِيلَ: يَبْرَأُ.
وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا تَفْعَلُهُ الْجَوَارِحُ غَيْرَ اللَّسَانِ، كَالْحَرْثِ وَالْحَصَادِ، وَالْبَنَاءِ وَالْحَفْرِ، وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ مَنْ يَفْعَلُهُ، لَمْ يَحْنَتْ وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرْنَا فَأَمَرَ مَنْ يَفْعَلُهُ لَمْ يَبْرَأَ مِنْ يَمِينِهِ حَتَّى يَفْعَلَ
بِنَفْسِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلانا؛ فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ مَعَهُمْ لَمْ يَحْنَتْ حَتَّى يَقْصِدَهُ بِالسَّلامِ. وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولاً؛ فَإِنَّهُ يَحْنَتْ إِذَا بَلَغَهُ الرَّسُولُ أَوْ قَرَأَ الْكِتَابَ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ الرِّجَالَ فَكَلَّمَ وَاحِدًا حَيْتَ، وَعَلَى هَذَا الْحَالِ غَيْرُ الرِّجَالِ. وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُ رِجَالاً؛ لَا يَحْنَتُ حَتَّى يُكَلَّمَ ثَلاثًا فَصَاعِدا.
وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ لاَبسُهُ، أَوْ لاَ يَرْكَبُ دَابَّةٌ وَهُوَ رَاكِبُهَا، أَوْ لا يَدْخُلُ دَارَ فُلانٍ وَهُوَ فِيهَا، فَقَدْ حَيْتَ، وَقِيلَ: إِنْ طَرَحَ التَّوْبَ، أَوْ نَزَلَ عَلَى (1/409)
صفحة 410
كتاب
21
الوضع
الدَّابَّةِ، أَوْ خَرَجَ مِنَ الدَّارِ، مِنْ حِينِهِ وَسَاعَتِهِ؛ لَا يَحْنَتُ
وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأَكَلَ السَّمَكَ (1) حَنْتَ، وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ، وَإِنْ أَكَلَ الشَّحْمَ النَّابِتَ عَلَى اللَّحْمِ حَنِثَ وَإِنْ أَكَلَ الرَّأْسَ حَيْثَ وَإِنْ أَكَلَ الْفُؤَادَ (2) فَفِيهِ قَوْلَانِ. وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ عَلَى الشَّحْمِ لَا يَأْكُلُهُ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْخَالِص. وكَذَلِكَ إِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرَّأْسَ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ غَيْرَهُ مِنَ الشَّاةِ.
(2)
وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتًا مِنْ صُوفٍ، أَوْ شَعْرِ، أَوْ جِلْدِ؛ حَنِثَ. وإِنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ مَا طَبَخَتْهُ امْرَأَتُهُ لَمْ يَأْكُلْ كُلَّمَا جَعَلَتْهُ امْرَأَتُهُ عَلَى النَّارِ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزَهَا فَقَرَّصَتْ وَأَكَلَ مِنْهُ حَنْتَ. وَإِنْ عَجَنَتْ وَقَرَّصَ غَيْرُهَا لَمْ يَحْنَتْ إِنْ أَكَلَ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنَا فَأَكَلَ الزَّبْدَ (3) حَيْتَ؛ لأَنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ اللَّبَنِ وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الزُّيْدِ فَشَرِبَ اللَّبَنَ حَنْتَ؛ لأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ الزبد. وَأَمَّا إِنْ حَلَفَ عَلَى اللَّبَنِ، فَلا بَأسَ بِأَكْلِ السَّمْنِ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَلَفَ علَى السَّمْنِ، فَلَا بَأْسَ بِشُرْبِ اللَّبَنِ
وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ لَمْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إِلَّا إِنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَحَنِتَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجِّ
م (ع)
(1) السَّمَك لَحْمٌ، إِذْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَحْمًا فِي قَوْلِهِ: تَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمَاطَرِنَا)
(النحل: 14). (2) وَإِنْ أَكَلَ الْفُؤَادَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ الظَّاهِرُ أَنَّ الاختِلافَ فِيهِ اعْتِبَارِيُّ، لأَنَّ الْفُؤَادَ - وَهُوَ الصَّقْبُ - يُعتبرُ فِي بَعْضِ الْبِلادِ غَيْرَ لَحْم كَالْغَضَارِيفِ وَالْكَبِدِ وَالْكَلَى وَالْمُحْ. (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: الظَّاهِرُ مِنْ أَلْفَاظِ اللُّغَةِ أَنَّ الزُّبْدَ غَيْرُ اللَّبَنِ، وَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الإيضاح أَنَّهُ لَا حِنْتَ عَلَيْهِ. [انْظُرُ: السَّمَاخِي: الإِيضاح 379/ 2]. (4) لَمْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ لأَنَّ شَدَّ الرِّحَالِ لاَ يَجُوزُ إِلا لِلْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيُّ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. (1/410)
صفحة 411
كتاب
211
الوضع
وَمَنْ حَلَفَ بِمَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ فَحَيْتَ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ (1) (2) وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ: مَالُهُ صَدَقَةٌ فَحَنَتَ. وَأَمَّا إِنْ قَالَ: مَالُهُ لِلْكَعْبَةِ، أَوْ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ لِسُورِ الْمُسْلِمِينَ فَحَنَتْ (3) فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ كُلَّهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَلَفَ بِثْلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ فَحَيْتَ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ كُلَّهُ. وَأَمَّا النِّصْفُ فَمَا فَوْقَهُ فَالْعُشْرُ. وَأَمَّا إِنْ قَالَ: مَالُهُ صَدَقَةٌ لِلْيَهُودِ، أَوْ لِلنَّصَارَى، أَوْ لِلْمَجُوسِ، أَوْ لِلْمُشْرِكِينَ، أَوْ لِلأَغْنِيَاءِ، أَوْ
(4)
لِلْمُنَافِقِينَ، أَوْ لِلْعَاصِينَ، أَوْ لِلزَّفَانِينَ، أَوْ لِلزَّوَانِي أَوْ لِلْحَمَّارِينَ، ثُمَّ حَيْتَ، لَزِمَهُ الْعُشْرُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ (5). وَأَمَّا إِنْ قَالَ: مَالُهُ صَدَقَةٌ عَلَى
(1) أَلْزَمُوهُ العُشْرَ اسْتِحْسَانًا تَسْبيهَا بِالزَّكَاةِ.
(2) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: هَذَا إِنْ لَمْ يَقُلْ بِكُلِّ مَالِهِ، وَالْرَامُهُ بِالْعُشْرِ تَسْبِيهَا بِالزَّكَاةِ؛ لأَنَّ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَادِ ميرا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الْبَقَرَة 274)، ولأنَّ الَّذِينَ لا يُزكُونَ تَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيرٍ} (التَّوبة: 34) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُلِّ مَالِ أُديَتْ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَثر أبو دَاوُد، (1566، والبيهقي، (7025]، وَقَالَ فِي الإِيضاح: وَإِنَّمَا أَلْزَمُوهُ الْعُشْرَ اسْتِحْسَانًا؛ لأَنَّ صَدَقَةَ مَالِهِ كُلِّهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَسُطها كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا) الإِسْرَاءِ (29)، فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا؛ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ العُشْرَ تَشبيها بالزَّكَاةِ يُنظَرُ: السَّمَاخِي: الإيضاح
[411/ 2
(3) سُورُ الْمُسْلِمِينَ: أَيْ سُورُ الْبَلَدِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ، عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ لَهَا كُلَّهُ إِنْ حَنتَ، أَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا فَفِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ.
(4) [الزَّفَّانِينَ، جمع زَفَّان، من الزَّفَن وهو الرقص، انظر: لسان العرب، مادة "زفن"]. (5) لَزِمَهُ الْعُشْرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لأنَّ الصَّدَقَةَ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْمَسَاكِينِ لَا فِيمَنْ ذَكَرَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَعُودَ مَالُهُ إِلَيْهِمْ لَا إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ. (1/411)
صفحة 412
كتاب
412
الوضع
الْمَلائِكَةِ، أَوِ الْجِنِّ أَوِ الشَّيَاطِينِ، أَوِ الْوُحُوشِ، أَوِ الْبَهَائِمِ، أَوِ الْحُكَلِ)، فَفِيهِ قَوْلانِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَصَدَّقُ بِعُشْرِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَقَالَ بَعْضُ: لا شَيْءٍ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1) الحكل مَا لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتُ كَالنَّمْلِ. (1/412)
صفحة 413
فَصْلٌ
الكفارات ضربان: مغلظة ومخففة]
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ عَلَى ضَرَبَيْنِ: تَغْلِيظٌ وَتَخْفِيف.
ما تجب به كفارة مغلظة]
فَكَفَّارَةُ التَّعْلِيطِ تَجِبُ مِنْ وُجُوهِ مِثْلِ قَتْلِ النَّفْسِ، وَالظَّهَارِ، وَالْمُفْسِدِ لِصِيَامٍ شَهْرِ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ أَوِ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ مُتَعَمِّدًا، أَوْ كَفَّارَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، أوِ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَوِ النَّجَاسَاتِ (1)، وَالْمُحَرَّمَاتِ (2)، وَكَفَّارَةُ الْحَالِفِ بِمَا يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلامِ إِذَا حَيْتَ. وَكَذَلِكَ الْحَالِفُ بِعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ، وَبِأَمَانَاتِ أَوْلَادِ يَعْقُوب (3) عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَمَا أَسْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَيْمَانِ، فَكَفَّارَةُ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا التَعْلِيظُ
(1) النَّجَاسَات: عُمُومٌ بَعْدَ خُصُوص، وَذَلِكَ لِيَسْمَلَ الأَخْبَتَيْنِ، وَالْخَمْرَ وَسَائِرَ مَا اسْتَقَ مِنْهَا. (2) الْمُحَرَّمَات: كُلُّ مَادَّةٍ يَحْرُمُ تَعَاطِيهَا كَالْمُخَدَّرَاتِ مِنَ الدُّخَانِ وَالْحَشِيشِ وَالْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ، وَجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالْكُوكَابِينِ وَالْهِرْوِينِ وَالْقَاتِ، وَكُلُّ مُسكِرٍ أَوْ مُفْتِرٍ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ
لَيْسَ بِنَجَسِ لأَنَّهُ مِنَ النَّبَاتَاتِ.
(3) أَمَانَاتُ يَعْقُوبَ: مَوَاثِيقُهُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَبْنَائِهِ. (1/413)
صفحة 414
كتاب
414
الوضع
المغلظة على ثلاثة أوجه: عنق أو صوم أو إطعام]
غداء
وَكَفَّارَةُ التَّعْلِيظِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: عِتْقِ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامِ. أَمَّا الْعِتْقُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ وَنُقْصَانِ الْجَوَارِحِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. وَأَمَّا الإِطْعَامُ) فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، أَكْلَتَيْنِ مَأْدُو مَتَيْنِ. وَعَشَاء حَتَّى يَسْبَعُوا أَوْ يَقُولُوا شَبِعْنَا. فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، إِلَّا فِي الظُّهَارِ وَقَتْلِ النَّفْسِ (2)، فَإِنَّمَا يُقَدَّمُ فِيهِمَا الْعِتْقُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ عَجَزَ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا غَدَاءً وَعَشَاءٌ، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِالإِطْعَامِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ.
وإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكِيلَ لِلْمَسَاكِينِ حَبًّا أَوْ تَمْرًا كَالَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ (3) مُدَّيْنِ بادام، وَلَا يُطْعِمُ مِنْهَا عَبْدًا، وَلاَ مُشْرِكَا، وَلا طِفْلاً لَا يَأْخُذُ حَوْزَتَهُ مِنَ الطعام، أعْنِي الرّضيع.
(1) الإِطْعَامُ: أَي بِالْحُبُوبِ السَّتَّةِ؛ لأَنَّهَا هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الزَّكَاةِ؛ لأَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ وَتِلْكَ طَهَارَةٌ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الإِطْعَامِ السَّبَعُ، لا مُجَرَّدُ الْأَكْلِ، وَإِنْ غَلَبَ الْحَيَاءُ عَلَى الْمِسْكِينِ فَاكْتَفَى بِأَقَلُ أَكْلٍ؛ اجْتَهَدَ الْمُطْعِمُ فِي إِسْبَاعِهِ، أَوْ إِعْطَائِهِ شَيْئًا اَحْتِيَاطًا يَحْمِلُهُ مَعَهُ (2) لَمْ يَرِدْ فِي الْقَتْلِ إِطْعَامُ - يَعْنِي فِي الْقَتْلِ الْخَطَاً - إِلَّا الْعِتْقَ وَأَمَّا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ فَالْقَودُ، أو الديَةُ، إِنْ عَفَى وَلِيُّ الدَّمِ، فَكَانَ يَنْبَغِي حَذْفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3) عَلَّقَ الشَّيْخ النَّاصِرُ: قَالَ فِي الإِيضاح: وَإِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ عِنْدَهُمْ طَعَامُ عَشَرَة مَسَكِينَا الْمَائِدَة 89)، فَالْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ مِقْدَارُ طَعَامِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْأَثَرِ مَا يُسْبِهُ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ يُجْزِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إِطْعَامُ ثَلاثَةِ مَسَاكِينَ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،
ويزيدُ تَكْمِلَةَ الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إهـ انظُرُ السَّمَاخِي: الإيضاح 402/ 2]. اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ الَّتِي ادَّخَرْتَهَا لِعِبَادِكَ الْمُحْسِنِينَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. (1/414)
صفحة 415
كتاب
210
الوضع
ما تجب به كفارة مخففة أو مرسلة]
وَأَمَّا كَفَّارَةُ التَّخْفِيفِ: فَهِيَ كَفَّارَةُ الْأَيْمَانِ الْمُرْسَلَةِ، كَالْحَالِفِ بِاللَّهِ
وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَكُتُبِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
المخففة أربعة أقسام: عتق أو إطعام أو كسوة أو صوم] وَهِيَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَام: عِتْقِ، أَوْ إِطْعَامٍ، أَوْ كِسْوَةٍ، أَوْ صَوْمٍ. وَالْمُكَفِّرُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ رَجَعَ إِلَى الصَّوْمِ وأَمَّا الْعِتْقُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ وَنُقْصَانِ الْجَوَارِحِ. وأمَّا الإِطْعَامُ فَإِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ حَتَّى يَسْبَعُوا، أَكْلَتَيْنِ مَأْدُومَتَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكِيلَ لَهُمْ كَالَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ، وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ بِصَاعِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهُوَ رُبْعُ الْوِيبَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالْمُدُّ تُمْنُ الوِيبَةِ. وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَإِنَّهُ يَجْزِي مِنْهَا مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ. وَقِيلَ: مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، وَالْعَوْرَةُ عِنْدَنَا مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبةِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (الْمَائِدَة: (89). (1/415)
صفحة 416
[صفحة فارغة] (1/416)
صفحة 417
تَمَّ طَبْعُ هَذَا الْمُخْتَصَرِ الْمُفِيدِ النَّافِعِ الْمُبَارَكِ بِعَوْنِ اللَّهِ
وَتَوْفِيقِهِ وَتَأييدِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَأَسْأَلُهُ مَدَدَهُ الَّذِي لاَ يَنْقَطِعُ حَتَّى أَقُومَ بِالْوَفَاءِ بِكُلِّ مَا يَجِبُ مِنْ إِبْرَازِ مَنَاقِبِ الأَصْحَابِ الَّذِينَ أَخَذُوا بِالْكَمَالِ الإِسْلَامِيِّ، وَأَدْرَكُوا مِنْ جَلَالِ التَّشْرِيعِ الْمُحَمَّدِيِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (1/417)
صفحة 418
[صفحة فارغة] (1/418)
صفحة 419
فهرس الموضوعات
مقدمة التحقيق
ترجمة الشيخ ناصر بن محمد المرموري
ترجمة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش. تَمْهِيدٌ بَيْنَ يَدَيِ الْكِتَابِ.
كَلِمَةٌ فِي التَّعْرِيفِ بِالْمُؤَلِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ.
التَّعْرِيفُ بِكِتَابِ الْوَضْعِ وَمُؤَلِّفِهِ -رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنُبْذَةٌ مِنْ تَارِيخِ نُفُوسَةً .............
[التعريف بالْمُؤَلِّفُ]
نبذة من تاريخ نفوسة.
مقدمة المؤلف.
[كتاب التوحيد] بَابٌ فِي التَّوْحِيد.
فصل في تقسيم الأشياء إلى قديم ومحدث]. فصل [التوحيد ينتفع به المؤمن الموفي بدين الله]
فصل [معاني الطاعة والمعصية والإيمان والكفر والخلاف فيها] فصل بعض الملل والفرق ومعاني أسمائها] فَصْلٌ [قَوَائِمُ الدِّينِ وَأَرْكَانُهُ وَمَسَالِكُهُ وذكر بعض الأئمة] (1/419)
صفحة 420
الوضع
كتاب
فضل [ذكر ما لا يسع جهله وما يسع من العلوم]. [كتاب الطهارة] بَابٌ فِي الْوُضُوءِ.
فَصْلٌ [شرُوطُ الْوُضُوعِ.
فضل [أَعْيَانُ النَّجَاسَاتِ وأحكامها].
فصل [الوضوء لغة وشرعا.
فضل ما ينبغي لمريد الوضوء. فَصْلٌ فِي الاغْتِسَال ..
فضل ضروب الاغتسال وأحكامها وكيفيتها]
فَصْلٌ [فِي التَّيَمُّم].
فضل شروط التيمم والاختلاف في صفته. فَصْل فِيمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ].
كتاب] بَابٌ فِي الْحَيْضِ وَالنّفَاسِ وَالاغْتِسَالٍ مِنْهُما.
فصل [سبب نزول آية الحيض). فضل ما يجوز للمرأة أن تفعله في وقت الحيض وما لا يجوز]
فصل [الحيض لغة وشرعاً، والقول في توابعه وعلامة الطهر].
.
فصل [الأمور التي يدور عليها الحيض والنفاس والطلوع والنزول] فصل [كيفية الاغتسال من الحيض والنفاس]
كتاب الصلاة باب في الأذان.
فضل [السبب في تشريع الأذان]
فَضْلُ فِي فَضْلِ الْأَذَانِ]
فضل القول فى الأذان والإقامة، والسنن الواردة في الأذان] (1/420)
صفحة 421
الوضع
كتاب
فصل [المؤذنون أمناء]. بَابٌ فِي الصَّلَاةِ
فصل [الصلاة لغة وشرعا.
فَصْلٌ فِي فَضائل الصَّلاةِ وثوابها. فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ تَارِكِ الصَّلَاةِ.
فَصْلٌ فِي ثَوَابِ الصَّلَاةِ]
فَضْلُ أَقْسَامُ الصَّلَاةِ]
فصل [أَحْوَالُ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ]
فَصْلٌ [سُرُوطُ الصَّلاةِ].
فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْخُشُوعِ.
فَصْلٌ [الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ).
فَصْلٌ فِي الْمَنَاهِي الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ.
فَصْلٌ [سُجُودُ السَّهْو].
[كتاب الصَّوْمِ] [بَابٌ فِي الصَّوْمِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيق].
فَصَلِّ فِي فَضْلِ شَهْرُ رَمَضَانَ].
فصل [في ثبوت دخول شهر الصيام]
فَصَلِّ فِي فَرْضِ الصَّيَامِ]
فصل في اشتراط النية في الصَّوْمُ.
فصل في رخصة الإفطار وأحكام أصحاب الأعذار]
فضل أفي مفسدات الصوم ومكروهاته].
فصل في الصوم في السفر). (1/421)
صفحة 422
الوضع
كتاب
فضل في قضاء الصوم و م وأحكامه].
فَصْلٌ فِي الْفُطُورِ وَالسُّحُورِا فَصَلِّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّع.
كتاب الزكاة بَابٌ فِي الزَّكَاةِ. فَصْلٌ فِي فَضَائِلِهَا].
فَصْلٌ فِي وَعِيدِ مَانِعِ الزَّكَاةِ]
فَضْلُ فِي أَقْسَامِ الزَّكَاةِ]. فَصْلٌ [فِي النِّصَاب].
فَصْلٌ فِي الْفَرْضِ الْمَحْتُومِ.
فضل في اشتراط الحول والنصاب والإدراك]
فَصْلٌ فِيمَا عُفِيَ عَنْ زَكَاتِهِ]
فضل من تحل له الزكاة ومن لا تحل].
فَصْلٌ فِي قَسْمِ الصَّدَقَةِ.
فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ. فَصْلٌ [فِي أَسْنَانِ الأَنْعَامِ]
[كتاب الحج] [بَابٌ فِي الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ]
فَصَلِّ فِي فَضَائِلِ الْحَجِّ ..
فَصْلٌ فِي وَعِيدِ تَارِكِ الْحَجِّ.
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ.
فصل في بيان كيفية إتمام الحج والعمرة، وحكم العمرة]. (1/422)
صفحة 423
الوضع
كتاب
فَضْلُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْخَارِجُ إِلَى الْحَجِّ ..
فَصَلِّ فِي الْمَوَاقِيتِ وَالإِحْرَامِ.
فصل [في بيان أشهر الحج]
فصل [ما يفعله الحاج عن بلوغ الميقات].
فَصْلٌ فِي الْحُكْمِ الْوَارِدِ مِنَ السُّنَّةِ فِي جَزَاءِ قَتْلِ الصَّيْدِ]
فصل [ما يفعله المحرم عِنْدَ دُخُول مكة.
فصل [ما يفعله المتمتع بعد الإحلال].
فَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْحَجِّ.
فصل في معاني مكة، والحجر والمقام والصفا والمروة، ومنى وعرفات] .... 389
[كتاب الأيمان] بَابٌ فِي الأَيْمَانِ.
فَصْلٌ فِي يَمِينِ اللَّغْوِ]
فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ الْيَمِينِ
فصل جواز الحلف بالله لمن كان صادقًا].
فَصْلٌ [الاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ).
فصل الكفارات ضربان مغلظة ومخففة.
فهرس الموضوعات. (1/423)
صفحة 424
قيل عن كتاب الوضع
قال الشيخ أبو إسحاق اطفيش
"كتاب الوضع مختصر في فنّه، مفيد في وضعه وترتيبه، وبالنسبة إلى كتب الفقه له رتبة ممتازة في الفتوى حيث أن مؤلّفه من فحول
العلماء البارزين في التحقيق وتحرير الفروع، وقد اعتبر العلماء هذا المختصر من أهم ما يقدّم في المأخوذ به؛ بعد كتاب الإيضاح؛ للإمام الشيخ عامر الشماخي، الذي هو بلا مُنَازِع مرجع للفتوى؛ حتى قبل ديوان الأشياخ، وديوان "العزابة"، اللَّذَيْن هما كدوائر المعارف ... وكتاب الوضع تأليف مبارك يستفيد منه المبتدي، ويرى به الفتح الرباني، وذلك لإخلاص المؤلّف الله في تحريره وتبويبه، وقصد الإفادة به لكلّ من
استمد منه".
قال الشيخ ناصر المرموري
"فهذا الكتاب الذي بين أيدينا "كتاب الوضع"، سفر مهمّ بما يحويه من فقه العبادات، يُبَسّطه للأفهام بسطا سخيّا، ويقدّمه لهم رُطَبًا جَنِيًّا، وقَطْفًا دنيا في متناول الأيدي، سهلا لكلّ مستفيد، مُجَرَّدا من التعقيد، مُحَرَّرا من الاختلاف الذي يحيّر المريد مُبَيِّنا بيانا ما عليه من مزيد، ألفه عالم محقق، في عصر ومضر انتشر فيه العلم والعلماء، وسطعت فيه نجوم الاهتداء، فَحَازَ عندهم منزلة عُليا، وحلّ الصدارة بين كتب الفُتْيَا".
وقال أيضا: والحقيقة أن الكتاب يعرف نفسه بنفسه، فقد سَلَكَ فيه مؤلفه -رحمه الله- طريقا عَجَباً، بما مزج فيه بين الفقه والأدب والمواعظ، فهو يُصدر كل باب منه بأحاديث الترغيب والترهيب؛ حتى تُقبل النفس على العبادة؛ طيّعة مختارة راجية خائفة محتسبة أجرها عند الله مخلصة له الدين، فلم يكن جافا كسائر كتب الفقه التي حَسْبُها بيان الأحكام، فهو في هذا طبيب نفساني ماهر مُقْتَبِسْ طِبّه من كتاب الله الذي هو إمام الكتب، فلله دره من طبيب حاذق موفق رحمه الله وأجزل ثوابه آمين". (1/424)