صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه - جوامع العقيدة والفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه
المؤلف: أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني
نشره وعلق عليه: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش
الناشر: مطبعة الفجالة الجديدة
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: 1
الكلمات الدالة: التوحيد، أحكام الطهارات، أحكام الصلاة، أحكام الصوم، أحكام الزكاة، أحكام الحج، أحكام الأيمان، أركان الإسلام
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=358&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/119
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة. كتاب الوضع
مختصر في الأصول والفقه
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة القدوة الإمام أبي زكرياء يحيى
ابن أبي الخير الجناوني رحمه الله
الطبعة الأولى
نشره وعلق عليه الفقير إلى الله
أبو اسحاق
إبراهيم اطفيش
حقوق النشر والتعليق محفوظة قانونا للناشر
مطبعة الفجالة الجديدة
28 شارع الشيخ القويسي خلف مدرسة التجارة بالظاهر (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
كتاب الوضع
مختصر في الأصول والفقه
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة القدوة الإمام أبي زكرياء يحيى
ابن أبي الخير الجناوني رحمه الله
الطبعة الأولى
نشره وعلق عليه الفقير إلى الله
أبو اسحاق
إبراهيم اطفيش
حقوق النشر والتعليق محفوظة قانونا للناشر
مطبعة الفجالة الجديدة
28 شارع الشيخ القويسي خلف مدرسة التجارة بالظاهر (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
التعريف بكتاب الوضع ومؤلفه رحمة الله
ونبذة من تاريخ نفوسة
كتاب "الوضع" مختصر في فنه، مفيد في وضعه وترتيبه، وبالنسبة إلى كتب الفقه له رتبة ممتازة في الفتوى، حيث أن مؤلفه من فحول العلماء البارزين في التحقيق، وتحرير الفروع، وقد اعتبر العلماء هذا المختصر من أهم ما يقدم في المأخوذ به بعد كتاب الإيضاح للإمام "الشيخ عامر الشماخي" الذي هو بلا منازع مرجع الفتوى حتى قبل ديوان "الأشياخ" وديوان "العزابة" اللذين هما كدوائر المعارف، إذ القائمون بتأليف الأول عشرة من العلماء، وتأليف الثاني سبعة من الفقهاء.
وكتاب الوضع تأليف مبارك يستفيد منه المبتدئ، ويرى به الفتح الرباني، وذلك لإخلاص المؤلف لله في تحريره وتبويبه، وقصد الإفادة به لكل من أستمد منه. وقد رأيت بركته واضحة والحمد لله، وعلمت شأنه بين الدواوين الفقهية، ومكانة مؤلفه رحمه الله، إذ رأيته في المنام في حلقة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أني في آخر أيام قطب الأئمة شيخنا - رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وله حلقة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن العلماء، وفيهم المؤلف أبو زكرياء - أو أبو يحيى - غير أنني أعرفه أنه مؤلف كتاب الوضع، وكانت الحلقة بقي فيها مجلس شخص، فجلست في ذلك المكان في مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا عن يميني مؤلف كتاب الوضع، وعن شمالي أحد علمائنا عرفته في المنام ونسيته في اليقظة. وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن كرة من الذهب كأنها نزلت من السماء، فتناولها بيده الشريفة فقال لنا: "أتدرون ما هو أفضل من هذه،؟ فقلنا: الله ورسوله (1/5)
صفحة 6
أعلم. فقال صلى الله عليه وسلم: "ركعتان في السحر أفضل من هذه". أو قال: "خير". فلما أصبحت قصصت رؤياي على شيخنا قطب الأئمة رحمه الله، فسر بها أيما سرور. ولله الحمد والمنة.
وإذا علمنا أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وبشارة وليست مما يأتي من قبل الشيطان لأنه معصوم حتى خياله: لقوله: "من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي" - تبين أن هذه الرؤيا من البشارات والحمد لله، كما ينبغي لجلال قدره وعظيم سلطانه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزاءاً من النبوة"، وقد حققت هذا بما لا مزيد عليه في كتابي "عصمة الأنبياء والرسل"، والحمد لله.
والمؤلف رحمه الله، هو العلامة أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني النفوسي من العلماء الأجلاء، وقد قال فيه المحشي المحقق أبو ستة محمد القصبي الجربي: أنه الغاية القصوى في سائر العلوم، وله عديد من المؤلفات، وقد نسب بعض أصحابنا هذا الكتاب إلى أبي زكريا يحيى بن إبراهيم. وذكر البدر الشماخي رحمه الله في السير أن بعضهم نسب هذا المختصر لأبي زكرياء يحيى الجادوي، والتحقيق ما ذكره الإمام أبو القاسم البرادي رحمه الله أنه لأبي زكرياء الجناوني، ولا أطيل في التعريف بأبي زكرياء فإن موضعه تاريخنا فليطلب فيه ولله المنة. ويسرني أن أجعل لهذا الكتاب مقدمة مختصرة لتاريخ "نفوسة" من الشعب الليبي، فأقول بحول الله وقوته.
"نفوسة" قسم من أصحاب البلاد - شمال أفريقيا - الأصليين الذين يقال لهم: البربر، وهم في الحقيقة من الحميريين رغم اختلاف المؤرخين في أصلهم، والذي يبدو للباحث المدقق أنهم من الموجات المهاجرة من اليمن بعد سيل العرم، وإنما سموا بربرا لأن قائد المهاجرين قال لهم عندما هم سائرون للبحث عن الاستقرار بمكان يختارونه: بربر. يعنى خذوا طريق (1/6)
صفحة 7
البر، والبربر هم أدرى بتاريخهم، وكل أمة أدرى بتاريخها من سواها، وكل قوم أعلم بأصولهم من غيرهم. وقد كانوا يقولون عن أنفسهم أنهم من الحميريين كما ذكره من المؤرخين ابن خلدون، وهذا الذي يجب أن يعتبر.
و "نفوسة" لهم في الإسلام تاريخ حافل بالعظمة الدينية، والعلمية، والكرامات، حتى كانت بلادهم جديرة بأن تسمى جبال الأولياء والأبدال. وقد اشتهرت بلاد نفوسة بكرامات الأولياء والأخبار، وصفوة الصالحين، أينما ذهب المسلم شاهد تلك المناقب التي تشرق كالأنوار المتألقة بين مزن السماء، بل لها إشراق النجوم والأقمار بما لا يستطيع العاقل جحوده. وإنما المنكرون للكرامات هم الملاحدة، والجهلة بمقام الأولياء.
إن الكرامة أمر خارق للعادة يظهر للمتقي الصالح البالغ درجة الولاية، ولا بد أن يكون هذا من العلماء بدينهم المعروفين بالإخلاص لله ولرسوله، المعرضين عن الدنيا وزخارفها ومفاتنها، المجتهدين في العبادة، والإنابة إلى الله.
والكرامة للولي، كالمعجزة للنبي، وكل من المعجزة والكرامة، أمر خارق للعادة لا يدخل في دائرة التعليل، وكل منهما أمر آت من الله تبارك وتعالى لا دخل للعبد فيه، وإنكار مثل هذا الأمر عماية عن الحق، وتدخل في قدرة الله الصالحة لكل ممكن. والدليل على الكرامة قول الله سبحانه:
(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم).
وقد زعم بعض البسطاء أن الكرامات التي تذكر لا يصدقها، فهذا ليس ممن يعتبر قوله لبعده عن هذه المدارك التي تشعر بها النفوس النقية من (1/7)
صفحة 8
الشوائب، وكذلك الذين يثبتون الكرامة للذي يبول على عقبيه ويتغوط الجاهل بدينه فقها وعملا. فمثل هؤلاء في معزل عن العقلاء، فضلا عن أن يكونوا من الصالحين الأولياء.
واشتهار جبل، نفوسة " بأولياء الله من ذوي الكرامات لا كفران له إلا أن يكون المنكر من العشى والملاحدة. وأعود إلى نفوسة: قيل سموا نفوسة لأنهم أسلموا بأنفسهم ولم يكن منهم الإسلام كرهاً. فعندما بلغ الفتح الإسلامي طرابلس، وكان أمير الجيش الإسلامي عمرو بن العاص، قدم عليه ستة نفر من البربر، محلقين الرؤوس واللحى، فقال لهم عمرو: من أنتم وما الذي جاء بكم؟ فقالوا رغبنا في الإسلام فجئنا له، لأن جدودنا قد أوصونا بذلك. فقال لهم عمروا: مالكم محلقي الرؤوس واللحى؟ فقالوا له: ذلك شعر نبت في الكفر فأردنا أن ينبت في الإسلام.
فوجههم عمرو إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكتب إليه يخبرهم، فلما قدموا عليه وهم لا يعرفون العربية كلمهم الترجمان على لسان عمر، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا نحن بنو مازيغ، فقال عمر لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ فقال شيخ من قريش: يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان خرج مغاضباً لأبيه وإخوته، فقال لهم عمر رضي الله عنه: ما علامتكم في بلادكم؟ قالوا نكرم الخيل ونهين النساء. فقال لهم عمر ألكم مدائن تسكنون فيها؟ قالوا: لا. قال: ألكم أعلام تهتدون بها؟ قالوا لا قال عمر: والله لقد تركت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه، فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت، فقال لي رسول صلى الله عليه وسلم: "يا عمر لا تحزن فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن ولا حصون ولا أسواق ولا علامات يهتدون بها في الطريق".
ثم قال عمر: فالحمد لله الذي من على برؤيتهم. ثم أكرمهم ووصاهم وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه، وكتب إلى عمرو بن العاص (1/8)
صفحة 9
أن يحملهم على مقدمة الجيش، وكانوا منذ ذلك العهد خير عنصر مجاهد في سبيل الله، ففتح الله بالبربر سائر البلاد، وظهر منهم الإخلاص لله ولرسوله والوفاء والعمل بالدين. وفي أوائل القرن الثاني للهجرة المصطفوية صلوات الله وسلامه عليه، ظهر انتكاس في سيرة العمال الأمويين.
وكان عمر بن عبيد المرادي من عمال بني أمية وغيره أساؤا السيرة في البربر، يأخذون الخمس من المال ويزعمون أنه الفيء وهم مسلمون ويأخذون الأدم العسلية الألوان، وأنواع طرف المغرب. بل ذكر بعض المؤرخين أشنع من هذا، فكانوا يتغالون في جمع ذلك وانتخابه، حتى كانت الصرمة من الغنم - والصرمة ما بين عشرة إلى أربعين - تهلك ذبحاً لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد.
فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر، فأحس البربر أنهم طعمة للنهب، ورأوا أن أمثال تلك الأعمال تتنافى مع الإسلام، فأجمعوا الانتقاض، فثاروا ثورة عنصرية بعد أن بذلوا جهوداً في صرف العمال عن الظلم، بل وجهوا وفداً إلى الخليفة بالشام، فبقى مدة ينتظر الإذن له في مقابلة الخليفة ليبلغوا إليه شكواهم، فلم يؤذن لهم، هنالك وفد إليهم من البصرة وفد على رأسه سلمة بن سعد البصري من أصحاب الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، فدعاهم إلى الحق، وأفهمهم أن ما يشاهدونه من الظلم هو من حيف الولاة لا دخل فيه للعرب ولا للإسلام، فإنه لا عصبية فيه. وبين لهم الهداية المحمدية الكاملة، فأخذوا بها وسكنوا لها، وتبين لهم الرشد من الغي، فانتشرت تلك الهداية التامة بين البربر إلى أقصى المغرب، فتمكن منهم الإسلام الكامل، مذهب أهل الحق والاستقامة.
فلما أنسوا من أنفسهم القوة والمنعة، بايعوا إماماً يسوسهم بالعدل والقسطاس، وانتخبوا الإمام الحارث الكندي واختاروا صاحبه (1/9)
صفحة 10
عبد الجبار الكندي قاضيا له، فقام الإمام الحارث بالأمر، وساس البلاد خير سياسة، وكان لهما شأن عظيم في صيانة البلاد من العبث والإخلال بالأمن وإقامة العدل.
وإذ كان أصحابنا أهل ثبات على منهج الخلفاء الراشدين، في التسامح والعناية بالعدل والعلم، والتحلي بالخلق الكريم، يفتحون صدورهم لكل من تقدم لطلب الحق، رأى الحاقدون أن يختلسوا منهما غرة لهدم الإمامة، فاغتالوهما، فوجد الناس سيف أحدهما في رقبة الآخر، وذلك من الفاعلين تعمية، وإيهام أن كلا منهما قتل الآخر، فيحصل الخلاف بين الناس. فتتفكك تلك الوحدة المتينة التي جعلت "نفوسة" وما حولها كتلة واحدة، لا تنفصم عراها، فكادت الطامة تقع لولا أن وفداً توجه إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، لطلب حل لهذه المشكلة، فأفتى بأن يتركوا على الولاية الأصلية - لأن الأصل فيهم الولاية. والقضية في الأصل قصد بها إيجاد التفرقة بين تلك القوة العتيدة التي لم يفت في عضدها الجيوش الجرارة، فكان أول إمام بويع من أصحابنا بالمغرب هذا الإمام.
والذي ذكره البدر الشماخي أن ذلك كان عام مائة واحد وثلاثين من الهجرة والذي يبدو لي أن قبل ذلك بكثير، ثم بعد هذا العهد توالت الإمامة بالمغرب، ذلك النظام الإسلامي الذي انفرد به أصحابنا دون سواهم إلى يومنا هذا بالمشرق - عمان - منذ القرن الثاني.
و "نفوسة" كانت في عهد الإمامة قوة وسنداً لها، ولم تكن الإمامة في تيهرت تعتمد في قوة الأمن - الجيش والشرطة - إلا على نفوسة، وكذا مدد العلماء الأجلاء، وقد اشتهر علماء نفوسة بطول الباع في العلوم والتأليف، وامتلأت الخزائن في عصور مديدة بمؤلفاتهم في سائر العلوم العقلية والنقلية والرياضية، ما يصح أن يقال إنها مادة من الأندلس (1/10)
صفحة 11
بدون مبالغة، لو أبقت الفتن المتتالية على تلك المؤلفات، لازدهرت بها الخزائن.
ويدل على ذلك ما قال في شأنها ابن خلدون: لقد ترامت إلينا في هذا العهد من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم، في فقه الدين وتمهيد عقائده وفروعه، ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب.
ولم يمر عصر منذ القرن الثاني للهجرة، إلا وتجد من مؤلفات علمائه ما يبهر العقول، فبين أيدينا اليوم منها ما يدل على تلك الذخائر الهائلة، كديوان الأشياخ الذي ألفه سبعة من العلماء في خمسة وعشرين جزءاً، وديوان العزابة الذي ألفه عشرة من الفقهاء وكل منهما يعتبر من العلماء الأجلاء. ومنها الإيضاح الذي هو معتمد الأصحاب في الفتوى بالمغرب، إذ هو كثيراً ما يجمع الفرع وأصله، وقواعد الإسلام للعلامة المجتهد جمال الدين الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي، فكل من الكتابين في المرتبة العليا من الإجادة والتحقيق، وكل من المؤلفين في الدرجة القصوى من العلم والتحقيق والتدقيق والإجادة.
فبلاد نبغ فيها أمثال هؤلاء الأعلام، لجديرة بأن تكون ذات شعب عظيم، في مواهبه التي أفاضت بها العناية الإلهية.
وقد بلغت، نفوسة من العمران مبلغاً عظيما منذ القرن الثاني، ويبدو لي أن الهداية المحمدية الكاملة تمكنت في "نفوسة" منذ بداية القرن الثاني، إذ رأيت عند زيارتي لتلك البلاد تاريخ مسجد الإمام أبي ساكن عامر بن على الشماخي رحمه الله وهو أقدم مسجد في الجبل - وهو مائة وتسعة 109 من الهجرة.
وإذا كان ما حول عاصمة الجبل - "شروس" كما وصفها ياقوت وغيره - من القرى والعمران، فإنه يستدل به على عظمة "نفوسة"، قال ياقوت في معجمه: (1/11)
صفحة 12
"سروس" أوله مثل آخره، ربما قيل بالشين المعجمة، مدينة جليلة في جبل نفوسة من ناحية إفريقية، وهي كبيرة آهلة، وهي قصبة ذلك الجبل وأهلها إباضية، إلى أن قال حولها من القرى نحو ثلاثماية قرية. اهـ
وقد ذكر في بعض الكتب أن "نفوسة" بلغت من العمران ما كانت به متصلة القرى والبلدان، حتى كأنها حوزة واحدة، ويحقق هذه الرواية ما تراه من الآثار الباقية: قرى متقاربة، ومدن متتالية، ودوح الزيتون كأنها لتقاربها متعانقة، وكانوا ينحتون في الحجر خزانات للزيت، يدخرونها للتغذية في بحر السنة.
واعتبر بما دونه البدر الشماخي وغيره من المناقب إذ يقول: احتوى جبل "نفوسة" على الكرامات وكثرة الصالحين والعلماء مالا يوجد بغيره، حتى إنه بلغ في بعض الأزمنة إلى أنه لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا - عدا جنّاون؛ وويغو، وتندمّيرة، لا تحتاج فيها دار إلى دار في الفتيا.
وقد ذكروا أن جناون وحدها اجتمع فيها سبعون عالماً جليلاً أيام ولاية أبي عبيدة عبد الحميد عامل الإمام على نفوسة.
هذا يدل على انتشار العلم وتفقه الناس في الدين ومحو الأمية، والعناية بالثقافة إلى أن الأمة رجالا ونساء أخذت بقسط من الأدب وافر.
وفي الجبل من النساء القانتات اللواتي لو جمع مالهن من الفضل والعلم والصلاح والمناقب لأفراد بالتأليف.
يستدل المؤرخ على ما ذكرنا بتلك الثروة الهائلة الرائعة من المؤلفات في الفنون الشرعية والتفسير والحديث والفقه والأصول: علم الكلام، وأصول الفقه والتاريخ والشعر وغيرها من العلوم.
وقد ألف علماء "نفوسة" كثيراً من الكتب بالبربرية، منها ما وصل إلينا، ومنها ما لم يصل، لأن العوادي أتت عليها، وبيدنا تفسير الشيخ (1/12)
صفحة 13
هود بن محكم الهواري في أربع مجلدات، وهو أول تفسير للقرآن الكريم بين أيدي المسلمين حتى اليوم.
وقد وقفت على شعر بالبربرية، قصائد ومقطوعات، تدل على عناية الأدباء بالنظم البربري إلى ما بعد الدولة الرستمية بقرون، وأما النثر والنقل من العربية إلى البربرية فكثير، ولقد رأيت نسخة من مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني - المدونة الكبرى مترجمة إلى البربرية.
فلنفوسة الفضل في رسوخ الإسلام في العنصر البربري، وذلك أن نفوسة نقلت العلوم من البصرة إلى بلادها، حتى نبغ فيهم أئمة جهابذة، وظهر فيهم أساطين العلماء الذين أبرزوا من ذخائر العلوم ما فاقوا به، كعلماء المشرق عمان والبصرة والكوفة. واستفرغوا الجهد لاستنباط الأحكام في كثير من القضايا الفقهية. فعرفت نفوسة بآرائها في شتى من المسائل فيقال: هذا قول أهل الجبل، فغالبا ما يقال: هذا مذهب أصحابنا من أهل المغرب، فيراد به أهل الجبل، ولو أردت الإطالة لأتيت ببعض المسائل من ذلك.
ففي نفوسة مجمع الجم الغفير من علماء لواتة ومزاتة وهوارة وغيرهم من قبائل البربر، فكان الطالبون لجلاء القلوب من علماء أصحابنا في الأصقاع الأخرى من شمال إفريقيا يأمون الجبل إذا أحسوا بفتور النفوس في العبادة، أو ضعفها في التحصيل والفهم، أو قساوة القلوب، فيقولون نصعد إلى الجبل لنصقل قلوبنا، يعنى بالعلم والذكر، ومجالسة الصالحين من أهل العلم، لما يشعرون به من النورانية الرائعة عند مجالسة أولئك الأتقياء البررة، والأولياء الصالحين الذين تنزل الرحمة عند ذكرهم، ولا سيما إذا شاهدوا تلك البركات التي كانت تتنزل من السماء عليهم.
رجال شروا لله عقد ضميرهم ... ولم يختلبهم في الحياة سرورها
مجالس ساهرة في دراسة العلم، ومساجد عامرة بذكر الله. (1/13)
صفحة 14
(يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار)
من يزهد في هذا الجلال الديني، أو يتجافى عن ذلك الكمال الإسلامي، اللهم إلا كل محروم ممقوت، نعوذ بالله من الخذلان.
ولقد أدركنا الولي الصالح بقية السلف المفلحين الواصلين العلامة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني، فإنه سأل الله أن لا يريه الاستعمار - حين قرب الطليان من الجبل - فقبضه الله إليه قبل الاحتلال بأيام - رحمه الله ورضي عنه ونفعنا ببركته.
كان أحمد بن طولون غادر مصر مغاضبا لأبيه ومعه نحو ثلاثمائة جمل محملة بالذهب - إلى إفريقيا يريد احتلالها، فاعترضه أبو منصور لمروره من أرض نفوسة وهو ظالم، فحاربه فهزمه - فترك أمواله العظيمة، فزهد فيها أبو منصور لأنها أموال أهل التوحيد، فأخذها أهل طرابلس - في قصة فيها من العلوم شيء كثير فلتطلب في تاريخنا.
ومن رجال نفوسة الذين نبه لهم شأن فارتقوا مدارج الجلال، الإمام العلامة أبو منصور إلياس بن منصور التندميرتي عامل الأئمة على نفوسة في العهد الرستمي، وقصته مع ابن طيلون ما أشرنا إليه، وفيها من العلم شأن والعلامة أبو خرز يغلا بن زلتاف النفوسي، وكان من الأساطين الذين اختصهم المعز الفاطمي بمجلسه، ويرى لهم مكانة كالإمام أبي القاسم يزيد المزاتي، وأبى نوح سعيد بن زنغيل رحمه الله - وقد أصطحبه المعز معه إلى مصر حين أخذها قائده جوهر، وأسس الجامع الأزهر - أخذ المعز معه أبا خرز، خوفاً منه، وكان يلقى دروساً في الأزهر يومئذ كان جامعة إسلامية عامة، تدرس فيها كل المذاهب الفقهية الموجودة في ذلك العهد. (1/14)
صفحة 15
وموضع الإسهاب في الحديث عن أحوال الأئمة الثلاثة مع المعز لدين الله، تاريخنا إن شاء الله.
فبلاد ينبغ فيها مثل هؤلاء ا لأعلام الذين أشرنا إليهم، وأولئك الأولياء حتى اجتمع فيها في عهد واحد اثنا عشر من المستجابين الدعاء - لجديرة بالإجلال والاعتبار والعناية والتماس البركات.
ولا سيما وقد دون الثقات كثيراً من الكرامات المشاهدة حتى إلى عهد قريب في مقام الإمام أبي حاتم الملزوزي، وعاصم السدراتي، وأبي الشعثاء السنتوتي، وأبي زكريا الأرجاني، وغير هؤلاء كثير، وذكرهم وكراماتهم ليس مما تحويه نبذتنا هذه التي أردت بها تنبيه الغافلين إلى تاريخ مجيد، علماً وديناً وصلاحاً وولاية. عسى أن يتذكر الخلف سيرة ذلك السلف الصالح فيتمسك بالدين، ولاسيما لا يزال الخلف على بقية من الخير - وقد بقيت فيه الأمانة وهى دليل على الدين الراسخ الموروث عن الآباء والأجداد.
رحم الله ذلك السلف المجيد ورضي عنه، ووفق الباقي من الخلف أن يأخذ بالحق المبين، ويتمسك بالوفاء لله ولرسوله الذي كان عليه سلفه، ولقي ربه به، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وقد ذكر المؤرخون أن "نفوسة" كانت أكثر المسلمين حجاً إلى بيت الله الحرام، وكانوا يحجون مصطحبين معهم نساءهم، حتى إنه ولد لهم في ركب في أحد الأعوام أثناء الطريق ثلاثمائة صبي باسم واحد
وفضل "نفوسة" في دخول الإسلام إلى السودان لا ينكر، وصلة "نفوسة" بالسودان منذ الإمامة الرستمية، وذلك بطريق التجارة، يستجلب الراحلون من البلاد النفوسية إلى مملكة، مالي - وهي جمهورية اليوم - حاصلات تلك البلاد، ويبدو لي أن أهم شيء يستوردونه هو التبر، وهذا المعدن مشهور بكثرة في الأقاليم السودانية منذ عهود غابرة. (1/15)
صفحة 16
ذكر التاريخ أن الأئمة الرستميين كانوا يستوردون التبر من بلاد غانة ولعل النفوسيين نحوا نحو الأئمة رحمهم الله في العناية بهذا المعدن، على أن كثيراً من فطاحل العلماء من أصحابنا كانوا يتعاطون عملية صنع الذهب، كشمس الدين أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني فيما يذكر عنه رحمه الله.
ونفوسة ذات التجارة الواسعة إلى السودان لا شك أن الأساليب الرابحة لها هي مهنة التجارة في الذهب - التبر - وكان ممن برع في ذلك مع السودان إلى حد بعيد الولي الصالح ذو الكرامات المشتهرة العلامة المستجاب الدعاء أبو الحسن على بن يخلف التميجاري النفوسي رحمه الله.
ومما دون لنا التاريخ أن هذا الولي الصالح قد رحل إلى مملكة "مالي" سنة 575 وكان ملكها يؤمئذ مشركاً - كسائر تلك البلاد - وله اثنا عشر منجما من الذهب، واشتغل هذا العالم الجليل بالتجارة هنالك ونال شهرة ومكانة حتى أتصل بملكها، فحصلت له حظوة عنده، فأمحلت في بعض السنين تلك البلاد، فقربوا إلى أصنامهم القرابين طلباً للغوث، وأنى تنفعهم المعبودات التي لا تضر ولا تنفع، فطلب الملك من الولي الصالح أن يسأل ربه الغوث لعله يغيثهم، فقال للملك: لا يجوز أن أساله لكم وأنتم تعبدون غيره. وطلب منه الملك أن يصف له الإسلام، فما زال به يكشف له عبادة الله ووحدانيته، ويبين له الدلائل حتى سكن قلبه للإسلام فآمن بالله وبرسوله، ونطق بكلمة الشهادة، وعند ذلك خرجا جميعاً إلى كدية قريبة من المدينة، فكان الولي الصالح يصلى والملك يتبعه، فيتضرع الشيخ إلى الله تعالى ويبتهل والملك يؤمن على دعائه، فاستجاب الله لهما، فإذا بالأمطار المنهمرة تعم البلاد بصيبها، فعظمت السيول فسالت الأودية بقدرها، فحالت بينهم وبين المدينة، فجاءت إليهم المراكب فنقلتهم إلى المدينة، فدامت الأمطار تسح أسبوعا ليلا ونهاراً. (1/16)
صفحة 17
فلما رأى الملك ذلك البرهان العظيم، رسخ الإيمان في قلبه، ودعا أهله ومن حوله إلى الدخول في الإسلام، ودعا وزراءه وأهل المدينة ومن حولها، فأجاب القريبون منها، وامتنع من أمتنع. هنالك أصدر أوامره بمنع من امتنع من الإسلام أن يدخل المدينة، ومن قبض عليه من الكفار داخل المدينة قتل، فامتنع المشركون من دخول المدينة.
فأخذ رحمه الله يعلمهم فرائض الإسلام من الصلاة وسائر الشرائع، ويعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، وقد أقبلوا عليه في أخذ تعاليم الإسلام في رغبة وعناية، إذ ورد عليه كتاب من والده العلامة يخلف بن يخلف رحمه الله يحضه على الرجوع ويحجر عليه البقاء - ولما كانت طاعة الوالدين من الفروض التي يقدرها أهل الإنابة إلى الله - استأذن من الملك أن يعود إلى وطنه امتثالا لأمر والده، قال له الملك: لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد الهدى. فقال له الشيخ أبو الحسن: طاعة الوالد واجبة في الدين، وحجر على أن أتخلف ولم أجد بداً من الامتثال. فأخذ في تجهيز أمره فبارح البلاد وقد ترك الإسلام يأخذ بالقلوب ويدخل الناس في دين الله أفواجاً. وترك خلفه حزناً مكيناً، وأسفاً شديداً لدى الملك، ومن أسلم من أهله ووزرائه ورعيته. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ولا يمكنني جمع المناقب الباهرة لذلك السلف العظيم، في مثل هذه العجالة، ولكنى أحيل القارئ إلى تاريخنا الجامع، فإنه يروى غليله بما يشفى الصدور.
ومن عرف ما عليه أصحابنا من الصدق والأمانة، والإخلاص لله ولرسوله، لا يرتاب قط فيما يرونه، والصدق شيمتهم، إذ هو من العقيدة التي هي وثيقة الصلة بالله جل جلاله. ومن كان هذا شأنه لا يتطرق إليه الشبهة بله الكذب، فاعتمد هذه الصفة لتدرك الحق واضحاً وبالله التوفيق. (1/17)
صفحة 18
وقد بدا منهم من حرية المذاهب الإسلامية ما لم يعرف من غيرهم، حيث إن التوحيد هو أساس الاحترام ويدرك ذلك في تعريفهم للمذهب: "المذهب ما بانت به كل فرقة عن الأخرى في الفروع التي لا تأثيم فيها"، كذا في الدليل والبرهان لشمس الدين أبي يعقوب الوارجلاني، فأنت أيها القارئ ترى أن الفروع مهما اختلفت ففيها مندوحة للمجتهد. ولنا بحث واسع في التاريخ في هذه الحقيقة، والحمد لله.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (1/18)
صفحة 19
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا كتاب "الوضع" تأليف العلامة المحقق الشيخ أبي زكريا يحيى بن الخير الجناوني.
الحمد لله الذي لا إله للبرية (1) سواه، ولا خالق ولا رازق حاشاه. أحمده حمدا يوجب (2) مغفرته ورضاه، وأستعينه على ما يحبه من الأعمال ويرضاه. وأصلي على نبيه محمد المبعوث بدينه وهداه (3)، صلاة تزلفنا (4) بكرمه ونداه (5)، صلى الله عليه وعلى آله ومن سلك سبيل تقاه.
" أما بعد ": فإنه رغب إلى راغب من إخواني، وأخ في الله من أخداني (6)، وسألني تلخيص (7) أبواب من أصول الدين والمسائل الشرعيات، ليكون له المجموع من ذلك مفزعا (8) يحور (9) إليه عند الملمات (10) فأسعفت (11) مراده على قصور (12) منى في الدرايات، وقلة
__________
(1) البرية: الخلق. (2) ... يوجب: يستوجب أي يستحق فضلا من الله ورحمة.
(3) هدايته. ... (4) تزلفنا: تقربنا وتجعلنا أهل منزلة لديه
(5) فضله. (6) ... أصحابي. ... (7) التلخيص: التبيين والشرح والتخليص.
(8) مفزعا: مرجعاً. ... (9) ... يحور: يرجع.
(10) الملمات: الشدائد، يريد مشكلات المسائل. ... (11) قضيت.
(12) هذا تواضع منه رحمه الله؛ إذ هو إمام من أئمة العلم وأكابر المحققين. (1/19)
صفحة 20
فهم منى في العلم والروايات، فاستخرت (1) الله تعالى لمقصودي وهو الولي للخيرات، وعليه الاعتماد والاتكال في تيسير المهمات (2).
باب في التوحيد (3) اعلم ألهمنا الله وإياك الرشد، وأتاح (4) لنا من لدنه (5) العون والرفد (6)، إن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية، فشهدت له بها الملائكة المقربون، والعالمون بالله تعالى الموقنون، قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط (7) لا إله إلا هو العزيز (8) الحكيم (9) فأوجب (10) توحيده على كل بالغ مكلف (11) من عباده حراً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى، إذا بلغ الحلم وليس بعقله آفة تمنع التكليف، لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (12) يعني ليوحدون.
وأرسل الرسل
__________
(1) طلبت من الله الخيرة والاستخارة: طلب معرفة آخرة الأمر أي عاقبته.
(2) الأمور الجليلة التى تهم الإنسان.
(3) التوحيد: الإفراد؛ ثم جعل كل ما يتعلق بتنزيه الله عن كل نقص وإفراده بالكمال علم التوحيد؛ الهداية: الرشد.
(4) أتاح: أعطى. ... [5} عنده. ... [6} العون والعطف للتفسير؛ أو العون والتأييد؛ والرفد: الخير والعطاء
[7} العدل. ... [8} القوي. ... [9} الذي يضع الأشياء في مواضعها. ... [10} ألزم.
(11) أي مأمور منهى وهو العاقل. (12) خلق الله الإنسان والجن على هيئة تصلح للعبادة لما جعل فيهم من التهيء لها من عقل وحواس وإدراك؛ والمراد بالتوحيد هنا: الإفراد بالعبادة المشتملة على الاعتقاد والإقرار. (1/20)
صفحة 21
بالدعاء (1) لخلقه إلى توحيده، لقوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم أعبدوا الله مالكم من إله غيره} أي وحدوه، ولقوله: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم أعبدوا الله مالكم من إله غيره} أي وحدوه، وكذلك سائر الرسل.
فإذا تعين على العبد فرض التوحيد، وجب عليه أن يعرف خالقه مع أول البلوغ ولم يسعه جهله طرفة عين (2)
" فصل "
اعلم أنه لا سبيل أوضح لمعرفة الخالق من معرفة الموجودات والتمييز بين جملة المعلومات، وذلك أن تعلم أن الأشياء (3) كلها ضربان: قديم ومحدث، فالقديم هو الله سبحانه المنفرد بالوحدانية والألوهية والربوبية. والمحدث ضربان: جسم (4)، وعرض. والعرض ضربان: حركة، وسكون. والحركة ضربان: كسبية، وضرورية. والجسم ضربان: مرئي كالأشباح (5)، وغير مرئي كالهواء والرياح. والمرئي
__________
(1) الدعاء: الدعوة، أي يفردونه بالوحدانية لا يتخذون له شريكاً في العبادة لأنه المستحق للعبادة وحده. ثم إن الوحدانية صفة الله الأزلية؛ ولم يزل منفرداً بالجلال والكمال؛ فالله سبحانه فرد وما سواه شفع قال تعالى: " ومن كل شيى خلقنا زوجين "
(2) حركة العين بالفتح والغمض. ... [3} الله جل جلاله شيء لا كالأشياء؛ لأنه سمى نفسه شيئاً في قوله: " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ". ... [4} الجسم: ما قام بنفسه، والعرض: ماقام بغيره، أومالا يبقى أكثر من حال. (5) الأشباح: المرئيات (1/21)
صفحة 22
ضربان: حيواني، ومواتي (1). والمواتي ضربان: مواتي يحيى كالأرض والزور، ومواتي لا يحيا كالحديد والصخور، والحيواني ضربان روحي (2) يدب ويدرج، ومائي ينبت (3) ويعرج. والروحي ضربان. عاقل مكلف (4) كالملائكة والثقلين (5)، وغافل مهمل كالوحوش والأنعام. والعاقل ضربان: مؤمن، وكافر. والمؤمن ضربان: معصوم (6) كالملائكة والأنبياء، وغير معصوم كسائر من آمن بالأنبياء. والكافر ضربان: مشرك، ومنافق (7). والمشرك ضربان: جاحد (8)، ومساو. وغير المعصوم (9) ضربان: مقر بالجملة موف (10) بالتفسير، ومقر بالجملة مضيع للتفسير (11). فإذا ثبت وأستقر في فهمك وعقلك أن هذه الأشياء
__________
(1) مواتي: أي ميت. ... (2) يدب: يمشى، ويدرج: يمشى رويداً كالصبي. (3) ينشأ ويرتفع ويتفرع.
(4) مأمور منهى. (5) الإنس والجن: سموا ثقلين لعظم شأنهما أو لثقلهما بالذنوب؛ أو على الأرض أحياء وأمواتاً.
[6} معصوم: أي ممنوع ومحفوظ من المعصية؛ أي لا تصدر منه معصية مطلقاً لا كبيرة ولا صغيرة، لا قبل البعثة ولا بعدها عندى كما أوضحته في كتابي عصمة الأنبياء. (7) المنافق: من أتى بالقول وخان في العمل هذا المنافق الملى؛ وهو الكافر بالنعمة، أما المنافق في أول الإسلام، فهو من أضمر الشرك وأظهر الإسلام. (8) من أنكر وجود الله جل وعلا وهو الكافر، لأن الكفر معناه الجحود كما سيأتى. والمساوى: من ساوى الله بخلقه بعبادة من سواه، أو بتكذيبه سبحانه. (9) مقر: أي معترف بالله وبرسوله وبكل مايجب به الإيمان. (10) متبع لشهادته بالعمل الصالح؛ وهو معنى الشهادة لأن من لم يتبع الشهادة بالعمل كان غير آت بتفسيرها.
(11) غير آت بالعمل مع أنه يشهد أن لا إله إلا الله. (1/22)
صفحة 23
المذكورة محدثة مصنوعة مخلوقة بدليل الحدث والحاجة والعجز، علمت أن لها محدثاً أحدثها، وخالقاً خلقها، لأن الصنعة دالة على صانعها ومحدثها، قال الله تعالى: " أفي الله شك فاطر (1) السموات والأرض "، وقيل لأعرابي: ما الدليل على أن لهذا العالم صانعاً؟ فقال: إن البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المثير، فهيكل (2) علوي بهذه اللطافة (3)، ومركز سفلى بهذه الكثافة (4)، أما يدلان على الصانع الخبير. قال الحكيم:
أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبداً شاهد
وهذه الحجة من واجبات (5) العقل التي لا خلاف بين أهل العقول فيها. وذلك أن العلماء حصروا العلوم الواصلة إلى العباد في ثلاث طرق: وهي: الحس المطبوع (6)، والعقل المجموع، والشرع المسموع.
فالحس المطبوع ينقسم ثلاثة أقسام: حس متصل كاللمس والذوق
__________
(1) فاطر: خالق. ... (2) الهيكل في الأصل بيت الأصنام؛ ويستعمل بمعنى الجرم.
[3} اللطافة: الدقة. [4} ... الكثافة: الثخانة؛ وكبر الجرم.
[5} الواجب مالا يتصور في العقل عدمه. (6) الحس: الإدراك بالحواس الطبيعية؛ والعقل المجموع: هو القوة المدركة في الإنسان إدراكاً مع الحكم، والمسموع: المدرك المأخوذ بالسمع وهو العلم المنقول (1/23)
صفحة 24
وحس منفصل كالرؤية والشم والسمع، وحس بنية (1) كالألم واللذة والفرح والحزن والوجود والعدم.
والعقل المجموع ينقسم ثلاثة أقسام: واجب كمعرفة الفاعل بعد ثبوت الفعل قال الله تعالى: " أفي الله شك فاطر (2) السموات والأرض " فأثبت انتفاء الشك عمن انتفى عنه جهل الفطور.
ومن الواجبات في العقل ثبوت القدرة لمن ثبت له الفعل، وثبوت العلم لمن ثبتت له القدرة وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم، وثبوت الوجود لمن ثبتت له الحياة. ومستحيل (3) كاجتماع الضدين، ووجود شيء واحد في كائنين (4)، وتحرك الجسم إلى جهتين، ومستحيل فاعل غير قادر، وقادر غير عالم، وعالم غير حي، وحي غير موجود. وجائز وهو ما لم يكن في العقل واجباً ولا مستحيلا، وساغ (5) في العقل وجوده وعدمه.
والشرح المسموع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أصل، ومعقول أصل
__________
(1) البنية: الذ ات، أى يدركه الإنسان بذاته
(2) استفهام إنكارى، أى لا شك في الله لأنه سبحانه فاطر السموات والأرض وذلك يدل على وجوده وقدرته وعلمه وإرادته، فالنظر في العالم العلوى يرسخ الإيمان في القلب ويزيده، كلما فكر الإنسان في تلك الكائنات العلوية لما فيها من دلائل الوحدانية وآيات الله البينات ذات الشواهد على جلال الله وكماله لهذا يقول جل جلاله: " إن في خلق السموات والأرض وإختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب " ويقول: " أو لم ينظروا في ملكوات السموات والأرض ". (3) المستحيل: مالا يتصور في العقل وجوده
(4) أى مكانين، وتحرك الجسم إلى جهتين: أى في آن واحد. (5) ساغ: جاز وصح. (1/24)
صفحة 25
واستصحاب حال الأصل. فالأصل ينقسم ثلاثة (1) أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. وينقسم معقول الأصل ثلاثة أقسام: لحن (2) الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب. وينقسم استصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة، وشغل الذمة، والاستحسان. فأما براءة (3) الذمة: فإن الأصل في الفرائض براءة الذمة منها؛ لا فرض إلا بثبوت الشرع (4) عليه، فمن أدعى شغلها فعليه الدليل، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل.
وأما الاستحسان (5): فقول بتقليد لا تقييد ولا دليل ولا برهان. وأما لحن (6) الخطاب: فالضمير الذي لا يتم الكلام إلا به؛ كقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام " يعنى إن حلق. وأما فحوى الخطاب: فالذي يقتضيه المعنى المذكور دون
__________
(1) وإنما لم يذكر القياس لأنه ليس بقطعي كالثلاثة، وهو إلحاق فرق بأصل لاتحاد العلة، والإجماع أصله القياس في الحقيقة كما يعلم من أصول الفقه.
(2) اللحن: صرف الكلام عن سننه، قال الشاعر:
ولقد لحنت لكم لكيا تفهموا ... واللحن يفهمه ذوو الألباب
(3) المراد بالبراءة خلو الذمة وسلامتها.
(4) هذا ما عليه أصحابنا خلافاً للمعتزلة، فالشرع عندنا هو طريق الحكم، وعندهم العقل هو طريق الحكم.
(5) يعنى بالاستحسان: قبول القول بدون دليل ولا حجة، وهذا فيما لم يرد عندنا فيه نص كما هو مقرر في أصول الفقه، وكذا عند كثير من الأصولين.
(6) اللحن: صرف الكلام عن سننه الجارى عليه كقول الشاعر: * وخير الكلام ما كان لحنا * (1/25)
صفحة 26
ما ذكر؛ كقوله: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ". فمعلوم أن القتل والشتم والضرب أولى بالنهي. وأما معنى الخطاب فالمفهوم من ظاهر الكلام. فلما دلت حجة العقل الواجبة فيه على أن الصنعة لا بد لها من صانع كان الصانع لهذه الأشياء المصنوعة المحدثة هو الله القديم الذي لا يجرى عليه صفة من صفات المحدث ولا يوصف بها، ولو كان موصوفا بها للزمه ما يلزم المحدث من الحاجة والعجز، فثبت أن القدم لله وحده، وهو بديع السموات والأرض وما بينهما، لا خالق ولا محدث غيره؛ قال الله تعالى: " هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض " وقال أيضاً: " ألا له الخلق والأمر تبارك (1) الله رب العالمين " ووجبت الوحدانية بحمد الله تعالى لله بدليل العقل ومسموع الشرع، ونبه الله تعالى عباده على ذلك بقوله: " قل هو الله أحد الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا (3) أحد " فقوله: " قل هو الله " رد على الدهرية، وقوله: " أحد " رد على الثنوية (4). وقوله: " الصمد " رد على المجسمة (5). وقوله:
__________
(1) تبارك: تنزه عن النقائص.
(2) الصمد: من انتهى اليه السؤدد أى انتهى إليه الجلال والكمال وإليه يفزع في كل الحاجات. (3) الكفو: الشبيه والمثيل، والمراد نفى مطلق التشبيه عنه سبحانه. (4) الثنوية: القائلون بإلهين اثنين رد الله عليهم في قوله: " لا تتخذوا إلهين اثنين " إذ قالوا إله الظلمة وإله النور، أو الخير والشر. (5) المجسمة: الذين قالوا إن الله جسم له طول وعرض، تعالى الله عما يقول المشركون. (1/26)
صفحة 27
" لم يلد ولم يولد " رد على اليهود والنصارى. وقوله: " ولم يكن له كفواً أحداً " رد على المشبهة (1). وقد قيل: إن أنواع الشرك ثمانية (2) الكثرة، والعدد (3)، والتقلب (4)، والنقائض، والعلة (5)، والمعلول، والأضداد، والأشكال. فنفى الله عن نفسه الكثرة والعدد بقوله: " قل هو الله أحد " ونفى عن نفسه التقلب والنقائض بقوله: " الصمد " ونفى العلة والمعلول بقوله: " لم يلد ولم يولد " ونفى الأضداد والأشكال بقوله: " ولم يكن له كفواً أحد " وقال بعض العلماء: كل موصوف بأنه واحد فذلك جائز؛ فالواحد على الحقيقة هو الله سبحانه؛ لأن الخالق لا يقبل التجزي بخلاف المخلوق. ألا ترى أن الواحد منا هو في الحقيقة اثنان: جسم وروح، ومن اثنين ذكر وأنثى، وباثنين طعام وشراب، وفي أثنين ليل ونهار، ومع اثنين حركة وسكون، والله تعالى بخلاف ذلك. وهو الواحد في ذاته والواحد في صفته والواحد في فعله، أي لا ذات كذاته، ولا أحد يوصف بصفته، ولا أحد يفعل كفعله.
__________
(1) المشبهة: هم الذين وصفوا الله بصفات الخلق كالوجه واليد والساق الخ تعالى عما يقولون علواً كبيراً. ينبغي أن يقول رد على النصارى لأنهم القائلون بألوهية عيسى ومريم في قوله: رد على اليهود والنصارى. واليهود مشبهة.
(2) تقدم تقسيم الشرك إلى جحود ومساواة، وفيهما تجتمع هذه الثمانية.
(3) الكثرة: عدم الحصر والعدد المحصور.
(4) التقلب: التغيير من حال إلى حال، كثول من يقول تبدو له البدوات تعالى الله.
(5) أي ليس بسبب و لا مسبب، وذلك لأنتفاء الحدوث عنه، إذا أراد شيئاً يقوله له كن فيكون. (1/27)
صفحة 28
وتفسير الصمد " في لغة العرب السيد الذي قد انتهى في السؤدد والشرف. قال الشاعر:
ألا بكر (1) الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقيل: الصمد المصمود إليه في طلب الحوائج؛ قال أحمد بن النضر رحمه الله:
فيا ربى إليك صمدت قصدا ... لتقبل توبتي وتحط (2) حوبى
وتفسير الكفؤ (3) القرين قال حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم
أتهجوه ولست له بكفؤ ... فشركما لخيركما فداء
واختلف العلماء في اشتقاق (4) أسم الله تعالى، فقال بعضهم: أصله لاه (5)، واللاه في اللغة العالي، تقول العرب: تألهت الشمس إذا علت، قال الشاعر:
لاه ربى على الخلائق طرا ... خالق الخلق لا يرى ويرأنا
__________
(1) بكر – بالتخفيف والفتح، وضبطه بعضهم بالشد ويروى: بخيرى – جاء أول النهار، الناعى: الذى جاء بخبر موت إنسان، وبنو أسد قبيلة من العرب وحى.
(2) حط: أسقط، حوبى: ذنوبي.
(3) فسر بعضهم الكفو في المنزلة والقدر، والمقصود نفى المكافأة والمساوأة في صفة من صفاته تبارك وتعالى.
(4) أسم الجلالة قيل: غير مشتق، فهو أسم علم للذات العلية.
(5) لاه: علا وارتفع، ومنه سميت الشمس إلاهة. (1/28)
صفحة 29
وقيل: أصله من الوله وهو الحيرة؛ لأن القلوب تأله (1) إليه في طلب الحوائج؛ قال الشاعر:
وأرانى طربا في أثرهم ... طرب (2) الواله أو كالمختبل (3)
وقيل: الله اسم لمن لا يستحق العبادة إلا هو. وقيل: الله أسم تبنى عليه الصفات. وصفاته: العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر. ومعنى الوصف له بهذه الصفات النفي لأضدادها؛ فالله تعالى حي ليس بميت، عالم ليس بجاهل، قادر ليس بعاجز، مريد ليس بمستكره، متكلم ليس بأخرس، سميع ليس بأصم، بصير ليس بأعمى، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
" فصل "
اعلم أن التوحيد لا ينتفع به إلا المؤمن الموفى بدين الله تعالى، ودين الله هو الإسلام (4)، والإسلام ينقسم قسمين: قول وعمل، والقول ينقسم على ثلاثة أقسام: القسم الأول الإقرار: بالله أنه لا إله
__________
(1) تأله إليه: تفزع إليه، وأما الحيرة فمن الوله كما تقدم.
(2) الطرب: خفة تأخذ الإنسان لشدة فرح أو حزن وتخصه العامة بالسرور.
(3) المختبل: الذى أصيب بفساد في عقله.
(4) الإسلام والايمان والدين: ألفاظ ماأصدقها واحد، لقوله تعالى: " إن الدين عند الإسلام " وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الإيمان نيف وسبعون شعبة " الحديث. (1/29)
صفحة 30
إلا هو القديم بلا بداية، الدائم بلا نهاية، الحي بلا تنفس ولا رطوبة، العالم بلا تعلم ولا دراسة، القدير بلا تكلف ولا مشقة المريد بلا شهوة ولا حاجة، المتكلم بلا لسان ولا شفة، السميع بلا إذن ولا إصمخة، البصير بلا جفن ولا حدقة. القسم الثاني: الإقرار بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، بأنه عبد الله ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وختم به أنبياءه، وفضله على جميع خلقه؛ بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " أعطيت لي خمس لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود (1)، وجعلت لي الأرض مسجداً (2) وترابها طهورا (3)، وحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب (4) وهو يسير أمامي شهراً، وأعطيت الشفاعة فادخرتها (5)
__________
(1) الأحمر والأسود أى جميع البشر، قالوا صفان هما ألوان لبنى آدم قاطبة.
(2) محلا للصلاة لقوله عليه السلام: " حيثما أدركتك الصلاة فصل ".
(3) مبالغة في الطهر، إذ التراب مادة مطهرة لكل نجاسة وللجراثيم كما كشف العلم، لهذا ورد على لسانه صلوات الله عليه وسلامه لفظ المبالغة.
(4) الرعب: الخوف والوجل، كذلك كان رسول الله إذا توجه إلى جهة سبقه الرعب إلى الأعداء فحل في نفوسهم قبل أن يصل إليهم صلى الله عليه وسلم.
(5) ادخر: أعد للعقبى، أعد رسول الله الشفاعة للمؤمنين يوم القيامة وهي عامة وخاصة. فالعامة: هي المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، والخاصة: هي أن يطلب للمؤمنين الإذن أن يدخلوا الجنة. فإن أهل الجنة يدخلونها بثلاثة أمور: برحمة الله، والعمل الصالح، وشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم. (1/30)
صفحة 31
لأمتي ". القسم الثالث: الإقرار بما جاء به محمد بن عبد الله أنه حق، وهو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والموت والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار والقدر خيره وشره، إنه من الله. وأما لعمل الذي هو من الإيمان فكل ما أمر الله بامتثاله من فرض (1) ونافلة. والمأمور به ينقسم ثلاثة أقسام: من الكتاب والسنة والإجماع (2) والمنكر (3) لشيء من وجوه القول والعمل مشرك. فمن الكتاب: وجوب الصلوات الخمس، والزكاة في أنواعها، وصيام شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، والوضوء، وحج البيت من أستطاع إليه سبيلا، والجهاد في سبيل الله وفرائض الميراث، وتحريم جميع المحرمات، والحدود الواجبة، وما أشبه ذلك مما ذكرنا.
ومن السنة: عدد الصلوات، ومقادير فرائض الزكاة، ورجم (4) الزاني المحصن، وصلاة الوتر، والمضمضة والاستنشاق، ومسح الأذنين، والاستنجاء، والاختتان، وأن لا وصية لوارث، وما أشبه
__________
(1) الفرض: ماثبت بكتاب الله، والواجب: ما ثبت بالسنة، ومعناهما واحد لأن كلا منهما ما يثاب علىفعله ويعاقب على تركه، والنافلة: ما أمر به ندباً.
(2) كأنه رحمه الله أراد بالإجماع ما يشمل القياس، لأن الإجماع أصله قياس.
(3) المنكر: هو الجاحد لما علم من الدين بالضرورة فيكون كافراً بالله، لأنه مكذب له.
(4) الرجم عندنا من السنة لا من القرآن، لما روى الربيع عن جابر: الاستنجاء والاختتان والوتر والرجم سنن واجبة. (1/31)
صفحة 32
ذلك مما لم يكن في كتاب الله ذكره، ومن الإجماع عقد الإمامة (1)، وأن لا إمامين في سيرة واحدة (2)، والجلد على الخمر، وميراث الجدتين السدس، وقيام شهر رمضان، والفقد، وما أشبه ذلك، مما لم يذكر في كتاب الله ولا في سنة نبيه. واختلف الناس في الإيمان على قولين، فقالت المرجئة الإيمان هو ما أمر الله به من توحيده ونفى الأشباه عنه، والأمثال، وما لا يليق به من صفات خلقه فقط، وما سوى ذلك من أوامر الطاعة، ونواهي المعصية، فليس عندهم بإيمان، ولا بدين، ولا إسلام. واختلفوا فيما بينهم على ثلاث فرق، فرقة قالت: الإيمان معرفة دون إقرار وهو جهم بن صفوان ومن شايعه، وفرقة قالت: الإيمان إقرار ومعرفة وهو أبو حنيفة ومن شايعه. وفرقة قالت: الإيمان إقرار دون معرفة وهو مروان بن غيلان ومن شايعه؛ وحجة جهم من الكتاب قوله تعالى: " قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام: " الإيمان هاهنا " وأشار بيده إلى صدره، في أمثالها، وحجة مروان من الكتاب قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا " أي أقروا. ومن السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن
__________
(1) عقد الإمامة: مبايعة من اختاره المسلمون للرياسة العظمى، وأول إجماع وقع فيها إجماع الصحابة على بيعة أبى بكر رضى الله.
(2) أي لا يجتمع إمامان في إمامة واحدة، ولكنها تتعدد بتعدد الأقطار، كأن يبايع إمام بالمشرق وإمام بالمغرب. (1/32)
صفحة 33
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (1) " في أمثالها، واحتج أبو حنيفة (2) بحجة الأولين والآخرين على قوله، وسائر الأمة قد أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل خلافا لقول المرجئة (3). واختلفوا فيمن أتى بالقول وضيع العمل على خمسة مذاهب: فقالت الصفرية (4): من أتى بالقول وضيع العمل فهو مشرك كافر فاسق ضال عاص، ليس بمسلم ولا بمؤمن. وقالت القدرية (5): من أتى بالقول وضيع العمل، فهو فاسق عاص، ليس بمؤمن ولا بمسلم، ولا بمشرك ولا كافر. وقالت الأشعرية (6): من أتى بالقول وضيع العمل فهو مؤمن مسلم عاص مذنب، ليس بمشرك ولا كافر ولا ضال ولا فاسق، إن شاء الله عذبه وإن شاء رحمه. وقالت المرجئة: من أتى بالقول وضيع العمل، فهو مؤمن مسلم ليس بمشرك ولا كافر ولا ضال ولا فاسق. وقالت الإباضية (7)
__________
(1) الحديث رواه الربيع في صحيحه وكذا سائر الصحاح وتمامه: فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ".
(2) هو النعمان بن ثابت الكوفى إمام الحنفية.
(3) سموا مرجئة: لأنهم يرجون الجنة بغير عمل على وجه:
(4) سموا صفرية: لأنهم خرجوا من الدين صفراً، أى خالين منه، أو نسبة إلى عبدالله بن صفار، أو لصفر وجوههم.
(5) سموا قدرية: نسبة إلى القدر لأنهم نفوا عن الله جل شأنه القدر لأفعالهم ونسبوه لأنفسهم.
(6) أصحاب أبي الحسن الأشعرى.
(7) الإباضية: نسبة إلى الإمام عبدالله بن إباض المرى التميمي البصرى التابعي، والمراد بأصنافها: المشارقة والمغاربة، والأندلسيون والسلف والخلف. (1/33)
صفحة 34
بأصنافها، والزيدية (1) والشيعة (2) من أتى بالقول وضيع العمل فهو كافر منافق ضال فاسق عاص ليس بمؤمن ولا بمسلم ولا بمشرك، وأحكامه أحكام الملة الإسلامية. والملة كل شريعة وطريقة شرعها قوم لأنفسهم واتخذوها دينا. والدين والإيمان والإسلام: أسماء مختلفة لشيء واحد، وهو طاعة الله تعالى؛ يقال: كل إيمان دين، وكل إسلام دين، ولا يقال: كل دين إسلام، ولا كل دين إيمان؛ لأن الدين في لغة العرب ينصرف على وجوه، يكون الدين بمعنى الطاعة قال الشاعر:
لئن حللت بجو (3) في بن أسد ... في دين عمرو وحالت دوننا فدك
ويكون بمعنى العادة؛ قال المثقب العبدي:
تقول (4) إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
__________
(1) الزيدية: أصحاب زيد بن على زين العابدين، وهم معتدلة الشيعة بينهم وبين أصحابنا خلاف بسيط وهم أهل اليمن. والكفر: كفر النعمة، والمراد بليس بمؤمن ولا بمسلم: أى كامل الإيمان وكامل الإسلام. والحق أنه مؤمن لقول الله في الفئة الباغية: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ". وأهل القبلة عند أصحابنا أهل التوحيد، والمنافق هو الملى كما مضى. (2) والشيعة الإمامية الأثنى عشرية والروافض ومن تفرع عنهم.
(3) الجو: اليمامة، رواد، ودين عمرو: طاعته، أراد عمرو بن هند الملك. وفدك: أسم أرض وقرية على ستة مراحل من المدينة من قرى خيبر.
(4) أى الناقة، درأت: دفعت، الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر، وهو للهودج بمنزلة البطان للقتب، ودينه: عادته، ويروى دأبه أى عادته. (1/34)
صفحة 35
أي عادته وعادتي. ويأتي بمعنى الجزاء؛ قال الشاعر:
أعلم وأيقن أن ملكك زائل ... وأعلم بأن كما تدين تدان
أي كما تجازي تجازى. ويأتي بمعنى الحساب: " ذلك الدين القيم " أي الحساب المستقيم. ويأتي بمعنى الحكم " ليأخذ أخاه في دين (1) الملك " أي في حكم الملك. ويقال: كل ملة دين، ولا يقال كل دين ملة، للعلة التي قدمنا. وجميع الملل المذكورة في كتاب الله ستة، وهي في قوله تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة (2) ".
وأحكام هذه الملل عند المسلمين مختلفة، فأحكام ملة الإسلام إذا خرج أحدهم عن الطاعة وعمل بالكبائر، وابتدع في الملة ما لم يأذن به الله ولا رسوله، أن يدعوهم المسلمون إلى ترك ما به ضلوا، فإن أجابوا للطاعة فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وإن أبوا الطاعة وباينوا (3) المسلمين ناصبهم إمام المسلمين الحرب، حتى يفيئوا (4) إلى أمر
__________
(1) على وجه، قيل: سلطانه؛ وقيل: عادته.
(2) هذه الآية جمعت الملل البشرية: الإسلام واليهودية والنصرانية والصابئة وهم الذين اختاروا مطائب التوراة ومطائب الإنجيل فقالوا أصبنا ديناً، والمجوس عبدة النار، والمشركون عبدة الأوثان. وحيث ذكرت في القرآن كانت معرفتها من المفيد حتى يلم العاقل مع البلوغ بالديانات المخالفة للإسلام ليدرك دينه على أكمل وجه، إذ الأشياء تدرك بضدها إدراكاً كاملا.
(3): حالفوا الحق فعملوا الكبائر أو بغوا. (4) يفيئوا: يرجعوا. (1/35)
صفحة 36
الله، ولا يحل منهم غير دمائهم، والبراءة (1) منهم ماداموا مخالفين للمسلمين، ولا تحل غنائمهم ولا تسبى ذراريهم، ولا يجهز (2) على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم (3)، فإن أذعنوا وأطاعوا إمام المسلمين، جبى (4) الصدقات من أموالهم وقسمها في وجوهها، ومنعهم إظهار المنكرات والمعاصي، وتجرى الموارثة بيننا وبينهم، وكذلك المناكحة، وحرمت علينا ولايتهم ماداموا على خلافهم وبدعتهم.
وأما أحكام ملل الشرك فإن اليهود والصابئين والنصارى أحكامهم واحدة، وذلك أن الإمام يدعوهم إلى الدخول في الإسلام فإن دخلوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. وإن امتنعوا من الدخول في الإسلام دعاهم إلى أخذ (5) الجزية عن يد (6) وهم صاغرون. فإن أجابوا لذلك أخذت منهم وأمنوا بأداء الجزية، وحرم منهم ثلاثة: سفك دمائهم، وغنم أموالهم وسبي ذراريهم. وحلت منهم ثلاثة: أكل ذبائحهم (7)، ونكاح الحرائر من نسائهم، وأخذ الجزية من أحرارهم البالغين، وليس على نسائهم وصغارهم ومجانينهم جزية، فإن امتنعوا من إعطاء الجزية مع الامتناع من الدخول في الإسلام، ناصبهم إمام المسلمين
__________
(1) البراءة: هجرة من جاهر بالبغى والعدوان ومن ارتكب الكبائر جهراً حتى يثوب إلى الحق.
(2) يقتل. (3) المنهزم. (4) جمع منهم الزكوات. (5) أى منهم. (6) عن يد: عن انقياد، او عن غنى مسلمين لها بأيديهم وهم مستسلمون. (7) اى التى ذكيت ذكاة شرعية وذكروا أسم الله عليها. (1/36)
صفحة 37
الحرب، واستحل منهم ما يحرم بأداء الجزية، وحرم ما يحل بأدائها، وليس لحربهم أمد (1) حتى يذعنوا لأحد الأمرين: إما الإسلام، وإما الجزية. واختلفوا في مقدار الجزية، فقال بعضهم: درهم في كل شهر، وقال بعضهم: ذلك إلى ما يرى الإمام (2). وقال بعضهم: على الدهقان (3) أربعة دراهم في الشهر، وعلى الأوسط درهمان في الشهر، وعلى الدون درهم في الشهر.
وأما المجوس (4) فأحكامهم كأحكام أهل الكتاب حذو النعل بالنعل، إلا في الذبائح، ونكاح الحرائر منهم، فهما على التحريم ولو مع إعطاء الجزية. وأما الذين أشركوا فهم عبدة الأوثان (5)، فأحكامهم أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في الإسلام؛ فإن دخلوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وإن أبوا وحادوه [6}، ناصبهم الإمام الحرب حتى
__________
(1) غاية ونهاية. (2) رئيس الدولة، ولعل هذا أعدل الأقوال إذ قد يكون فيهم الغنى المفرط فلا بد من معاملته بما يليق بثروته، وقد يكون فيهم الفقير فيعامل حسب قدرته وكسبه، والبائس لا يؤخذ منه شيء بل يعفى من الجزية لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه. وأحكام الجزية مذكورة في التفسير.
(2) الدهقان بالكسر والضم: هو الرئس، وزعيم فلاحى العجم وحاكم إقليم والتاجر ومالك العقار وكثير المال.
(4) المجوس: هم عبدة النيران الناكحون لذوات المحارم.
(5) الأوثان: الأصنام والمراد كل من عبدو غير الله.
(6) اى عارضوه وقاوموا الدعوة الإسلامية. (1/37)
صفحة 38
يسلموا طوعا وكرها ولا تقبل منهم جزية (1)، ويحل سبيهم وغنيمة أموالهم وسفك دمائهم ما داموا على شركهم.
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بلوت (2) اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى، فافترقوا على إحدى وسبعين فرقة، كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وهي التي ذكرها الله في كتابه فقال عز من قائل: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "، وبلوت النصارى فوجدتهم قد كذبوا على أخي عيسى، فافترقوا على اثنين وسبعين فرقة، كلها هالكة ماخلا واحدة ناجية، وهى التي ذكرها الله في كتابه: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون "، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها هالكة ماخلا واحدة ناجية، وكلهم يدعى تلك الواحدة (3) ".
__________
(1) أي ضريبة. (2) بلوت: اختبرت.
(2) لعل من العدل أن نأخذ بقول شمس الدين أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني رحمه الله: أن من عبد الله على ما بلغه من الإسلام وكان ورعا في دينه غير مرتطم بالتصويب والتخطية ترجى له النجاة، فيكون المعنى شاملا لكل من على الإسلام عاملا بالكتاب والسنة على ما وصل إليه من مذهبه مع السلامة من قالة السوء في المسلمين، لأنه عمل بما كلفه الله به من دينه جهد استطاعته، على أن الناجية بينها رسول الله بقوله: " هي التى على ما أنا عليه وأصحابي ". فالذين هم على الوفاء بالدين عقيدة وقولا وعملا، هم الناجية، وذلك ثابت في أصحابنا والحمد لله، لأنهم المنزهون لله كمال ا لتنزيه العاملون بالسنة النبوية.
(4) (1/38)
صفحة 39
ويقوم افتراق هذه الأمة من تسعة أصول، ومنها تشعبت بهم الآراء، حتى وقعوا في الفضول، وذلك أنهم اختلفوا في التوحيد، والعدل، والقدر، والولاية والبراءة، والأمر والنهى، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، وأن لا منزلة بين المنزلتين، والأسماء والأحكام.
أما التوحيد: فقد أطبقت الأمة الإسلامية على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء في أسم ولا صفة ولا ذات، فنقضت المشبهة قولهم حيث شبهوا الله تعالى بخلقه.
واختلفوا فيما بينهم على أربع وعشرين مقالة، وردها الفنرى إلى أربع مقالات. إحداها مقالة مقاتل بن سليمان ومن شايعه، زعموا أن الله جسم طويل عريض لحم ودم، وزعت طائفة أن الله جسم طويل عريض، ولا يقولون لحم ولا دم. وزعمت طائفة أن الله تعالى له جوارح كجوارح الإنسان، من العين واليد والوجه، ووقفوا عما سوى ذلك. وزعمت طائفة أن الله جسم لا كالأجسام. تعالى الله عن مقالة المبطلين علواً كبيراً، وقد كفروا (1) بما قالوا وضلوا ضلالا بعيداً.
وأما العدل؛ فأجمعوا (2) على أن الله عدل، لا ينسب إليه الجور
__________
(1) كفروا كفر شرك.
(2) أي أجمع المسلمون. (1/39)
صفحة 40
ولا يوصف به، فنقضت المجبرة (1) إجماعهم بزعمهم أن الله تعالى أجبرهم على أفعالهم التي زجرهم عنها ثم عذبهم عليها، والحجة عليهم قول الله تعالى: " جزاء بما كانوا يعملون " وقوله: " ذلك بما قدمت أيديهم ".
وأم القدر: فقد أجمعوا على أن الله خالق وما سواه مخلوق؛ فنقضت القدرية (2) قولهم بزعمهم أن الله تعالى لم يخلق أفعالهم (3)، والحجة عليهم قول الله تعالى: " والله خلقكم وما تعملون (4) ".
وأما الولاية والعدواة فقد أتفق الموحدون على أن الله تعالى لم يزل عالما بما كان وما يكون، وما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون (5)، علم ذلك بنفسه لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال، فنقضت الحسنية قولهم بزعمهم أن ولاية الله وعداوته تتقلب (6) والحجة عليهم
__________
(1) سموا مجبرة لأنهم يقولون: إن الإنسان مسير لا مخير، وهؤلاء هم جهم ابن صفوان وأصحابه.
(2) هم واصل بن عطاء وأصحابه، وهم المعتزلة. (3) أى الافعال القبيحة منهم، زعماً منهم أن الله لا يصدر منه مالا يرضى، لقوله سبحانه: " ولا يرضى لعباده الكفر ". (4) زعم الزمخشرى: أن المعنى خلقكم وما تعملون من الأصنام
(5) هذا في تعلق علم الله بالمعدوم، وذلك واضح في قوله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين: " الله أعلم بما كانوا عاملين أن لو كانوا عاملين " وقوله تعالى في شأن أهل النار: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ". قال في السؤالات: القدر معناه أنتهاء الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها. اهـ
[6} هذا قول النكار – اليزيدية – يقولون بتقلب ولاية الله وعداوته، وهذا القول مستمد من اليهود وهم يقولون بأنه تعالى تبدو له البدوات وهو يتفق مع قول الشيعة أيضاً. (1/40)
صفحة 41
قول الله تعالى: " هو سماكم المسلمين من قبل " يعنى في التوراة " وفي هذا " يعني القرآن.
وأما الأمر والنهى: فقد اتفق الموحدون على أن الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على عباده في كل حين وأوان على قدر الطاقة، فنقضت النكاث (1) قولهم بزعمهم أن الإمامة ليست بواجبة (2) على الناس، والحجة عليهم قول الله تعالى: " وأولي الأمر منكم (3) " وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن أمر عليكم عبد حبشي مجدوع الأنف وأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوه ".
وأما الوعد والوعيد: فقد أتفق الموحدون كلهم على أن الله صادق في وعده ووعيده، فنقضت المرجئة قولهم بزعمهم أن الله يخلف وعيده، ولا يخلف وعده، واعتلوا في ذلك بأن الكريم من الناس من إذا أوعد أحداً بشر ثم أخلف وعيده وعفا، كان ذلك مدحاً للكريم، واحتجوا أيضاً بقول الشاعر:
__________
(1) النكاث: هم اليزيدية ثم هم النكار، ثم هم النجوية، ثم مستاوة، وتفصيلها في تاريخنا.
(2) الإمامة: الرئاسة العامة، تجب عند شروطها وهى قوة المسلمين المستجمعة لكل ما يقتضيه الاستقلال التام من رجال وعلم ومال وهى نظام الإسلام.
(3) أمر الله بطاعة أولى الأمر العاملين بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الراشدين، وإنما أمر نبينا محمد بطاعة العبد على سبيل المثل في وجوب الطاعة، وإلا فالعبد لا تجوز إمامته للصلاة فكيف بأمر المسلمين، وهذا رد لمن زعم أن الإمامة لا تكون إلا في قريش. (1/41)
صفحة 42
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والحجة عليهم قول الله تعالى: " ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد ". ثم قلنا لهم حيث رجعتم إلى دلالة الشعر (1) وقد قال الشاعر:
قوم إذا وعدوا أو أعدوا غمروا ... صدق الرواية ما قالوا بما فعلوا
وأما المنزلة بين المنزلتين: فهي منزلة النفاق (2) بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك. وزعمت المرجئة أن لا منزلة بين منزلة الشرك والإيمان، وجعلوا الإيمان كله توحيداً، وجعلوا الكفر (3) كله شركاً، والحجة عليهم قول الله تعالى: " ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً ". وأما قولهم لا منزلة بين المنزلتين: أي لا منزلة بين منزلة الإيمان
__________
(1) من العجب كيف يستدل بحال من تبدو له البدوات، وتتحكم فيه العواطف وهو المخلوق على الخالق ذى الجلال والكمال، والحق أنه لا دليل على تخلف وعيد الله بل هو من القول بالبداء على الله.
(2) النفاق: الاعتقاد والإقرار ثم الخيانة في العمل. وقد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " ثلاث من كن فيه فهو منافق ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم: " من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وأذا أئتمن خان ".
(3) والكفر عندنا كما يأتي: كفر هو الشرك، وكفر كفر النعمة، وهو الذى عبر عنه أهل الحديث بكفر دون كفر. وذلك أن مرتكب الكبائر غير مستحل، لا يكون مشركاً بإجماع المسلمين، وإنما هو كافر لنعمة الإسلام. (1/42)
صفحة 43
ومنزلة الشرك (1)؛ بدليل قوله تعالى: " إما شاكراً وإما كفورا "، أي إما مقر (2) بالوحدانية، وإما جاحد لها.
وأما الأسماء والأحكام: فقد اتفق الموحدون على أن الأسماء تابعة للأحكام، فنقض ذلك عيسى بن عمير، وأحمد بن الحسين، بزعمهما أن أهل الكتاب ليسوا بمشركين (3) بعدما استحلا منهم ما يحل من المشركين، وحرما منهم ما يحرم من المشركين.
فصل
وأكثر اختلاف الأمة أنما جاء من قبل الأسماء، وذلك أنهم اختلفوا في الطاعة والإيمان والمعصية والكفر، فقال بعضهم: إن الطاعة والإيمان كلاهما توحيد، والمعصية والكفر كلاهما شرك، وقال بعضهم: الإيمان كله توحيد، والطاعة منهما توحيد وغير توحيد، والكفر كله شرك، والمعصية منها شرك، وغير شرك. وقال بعضهم: الطاعة كل ما قارنه الأمر من توحيد أو غيره؛ والإيمان كل ما قارنه الثواب من توحيد أو غيره، والمعصية كل ما قارنه النهى من شرك أو غيره، والكفر كل ما قارنه العقاب من شرك أو غيره. وهذا القول الأخير هو قولنا، وبه دان أهل مذهبنا وعليه اعتمادنا.
__________
(1) كذا في الأصول.
(2) ولعل الحق: إما موفى بالدين، وإما لم يوف به، وهو الكفور مبالغة الشامل للكافر بالله والكافر للنعمة.
(3) اى موحدون عندهم. (1/43)
صفحة 44
وأما التوحيد: فكل ما قارنه الإفراد، والإفراد ترك مساواة الخالق بالمخلوق، والمخلوق بالخالق.
وأما الشرك: فكل ماقارنه التساوى، والتساوى هو وصف الخالق بصفات المخلوق، ووصف المخلوق بصفات الخالق. وقد يكون الإيمان في اللغة التصديق؛ قال الله تعالى: " وما أنت بمؤمن لنا " أي بمصدق لنا. والكفر في اللغة الغطاء والستر؛ ولذلك سمى الليل كافراً؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته.
قال الشاعر يذكر الهقلة (1) والظليم:
فتذكرا ثقلا رئيدا بعدما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر
وقال آخر:
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها (2)
وقال آخر:
يعلو طريقة متنها متواتراً ... في ليلة كفر النجوم غمامها (3)
وسمى الحارث كافراً لأنه يستر البذر، قال الله تعالى:"أعجب
__________
(1) الهقلة: أنثى النعام، والظليم: الذكر، والثقل بفتح وسكون: البيض، والرئيد: المتراكب، وذكاء بضيم الذال المعجمة والهمز: الشمس والكافر الليل.
(2) ألقت: أى الشمس واليد: الذات أى نفسها، الكافر: الليل، أجن: ستر عورات جمع عورة: منافذ الأرض التى يخشى منها العدو، وتسمى الثغور والإضافة للبيان.
(3) المتن: الظهر والضمير للناقة، أى يركبها، ستر الغمام نجومها. (1/44)
صفحة 45
الكفار (1) نباته " يعنى الزرع. وأما الكفر في الشرع: فهو الاستفساد (2) إلى ولي النعمة؛ وقد قال عنترة:
نبئت عمرو غير شاكر نعمتى ... والكفر مخبثة لنفس المنعم (3)
وأما النفاق: فأصله الخلف (4) والكذب؛ بدليل قول الله تعالى: " بما أخلفوا الله ماوعدوه وبما كانوا يكذبون " وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة المنافق: " إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان " وأما الإسلام في اللغة: فهو الانقياد والخضوع؛ قال الشاعر:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا (5)
" فصل "
وسمي اليهود يهوداً لتهويدهم عند قراءة التوراة. وقيل لقولهم: إنا هدنا إليك. وقيل: لاتباعهم يهود بن يعقوب عليه السلام. وسمى النصارى نصارى لنزولهم قرية تسمى ناصرة (6). وقيل: لقولهم نحن
__________
(1) الكفار جمع كافر: أى الزراع.
(2) الاستفساد: معنى لغوى فيما يتبادر، ومعنى الكفر شرعاً: ارتكاب ماأوجب الله عليه العقاب، فذلك ستر النعمة بترك أداء شكرها، ومن نعم الله آياته الدالة على توحيده، التى كشفت لذوى العقول أن خالقها واحد لا شريك له وكذلك المعجزات والبراهين التى جاءت بها الرسل.
(3) مخبثة: صفة مفسدة.
(4) أى أصل النفاق الذى يبنى عليه. وإلا فالنفاق الخروج من غير المدخل الذى دخل منه وكتمان شيء وإظهار خلافه.
(5) زلالا: سهلا عذبا سائغاً صاف سلس.
(6) ذكر بعض اللغويين أن اسمها نصرة. (1/45)
صفحة 46
أنصار الله. وسمى الصابئون صابئين لصبوهم (1) من دين إلى دين، وسمى المرجئة مرجئة لإرجائهم أهل الكبائر، ولم يقطعوا فيهم قطعا. وقيل: لإرجائهم عليا ولم يعدوه رابعاً من الخلفاء. والإرجاء في اللغة: التأخير؛ قال الله تبارك وتعالى: " أرجه وأخاه " أي أخره (2). وسمى القدرية قدرية: لنفيهم القدر (3) عن أفعالهم. وسميت المعتزلة معتزلة: لاعتزالهم مجلس الحسن البصري. وقيل: لاعتزالهم أحد القولين (4). وسميت النكاث (5) نكاثا: لنكثهم بيعة الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه وسموا نكارا لإنكارهم لها.
" فصل "
وللدين قوائم (6) وأركان، ومسالك ومجارى وحدود، وأفراز
__________
(1) أى لميلهم، وقيل: اختاروا مطائب التوراة ومطائب الإنجيل فقالوا: أصبنا ديناً.
(2) قال بعض الظرفاء: مما يستدل به على ظرافة أهل مصر وجلافة أهل الشام أن أهل مصر لما دعاهم موسى إلى الإسلام قالوا: أرجه وأخاه، وأما أهل الشام فإنهم لما دعاهم إبراهيم إلى الإسلام قالوا: حرقوه، ولعل الصواب أهل العراق لأن النمروذ أشورى والله أعلم.
(3) نفوا عن الله خلق أفعالهم وتقديرها.
(4) لعل تحقيق القول أنهم اعتزلوا القولين جميعاً كما في الحاشية فلتراجع.
(5) نكاثاً لنكثهم بيعة الإمام عبدالوهاب بن عبدالرحمن الرستمي بعد أن بايعوا وصارت البيعة في أعناقهم، وبذلك سموا نكاراً أيضا، وسموا نجوية لكثرة تناجيهم ليلة مؤامرتهم على قتل الإمام كما هو مفصل في التاريخ، وسموا غداراً لمحاولتهم الغدر بالإمام، وسموا ملاحدة لإلحادهم في أسماء الله إذ زعموا أن أسماء الله مخلوقة، تعالى الله عما يقول المبطلون.
(6) قواعد. (1/46)
صفحة 47
وأحراز. فقوائمه أربعة: العلم والعمل والنية والورع، وأركانه أربعة: الاستسلام لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والتوكل على الله، والتفويض إلى الله. ومسالكه أربعة: الظهور (1) كأيام أبي بكر وعمر، والدفاع (2)، كأيام عبد الله بن وهب الراسبي، والكتمان كأيام أبي عبيدة مسلم، وجابر بن زيد (3) رحمهما الله، والشراء (4) كأيام أبي بلال مرداس بن حدير رحمه الله تعالى. ومجاريه ثلاثة (5): الكتاب، والسنة، والإجماع. وحدوده ثلاثة: علم مالا يسع الناس جهله طرفة عين كالتوحيد، وفعل ما لا يسع الناس تركه كالفرائض (6)
__________
(1) الظهور: الاستقلال التام مع ظهور الأحكام الشرعية كالمثال، والظهور هو الأصل المأمور به الذي يجب أن يكون عليه المسلمون وعليه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحل الاستكانة للأجنبي.
(2) والحق أن إمامة الإمام ابن وهب ظهور لادفاع لأنه رحمه الله بويع فدعا الناس للبيعة، وقد وضحنا هذه المسألة في التاريخ بما يشفى الغليل إن شاء الله. (3) قد أتينا على تراجم هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم في كتاب التاريخ ففيه الكفاية.
(4) الشراء: بيع المسلمين أنفسهم لله كما قال تعالى: " إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم " الآية. وقد حققنا بفضل الله القول في هذا المعنى في التاريخ. (5) شبه رحمه الله الدين بالبستان له مجارى يسقى بها. واقتصر على الإجماع لأن القياس يستمد من الكتاب والسنة والذى في عقيدة التوحيد كمال الدين ثلاثة: الكتاب والسنة والرأى، فهذا أشمل، لأن الرأى يشمل القياس والإجماع، وهما من أصول التشريع.
(6) الفرائض: الأحكام الشرعية وهي تحتوى على الأعمال البدنية والمالية، والتكاليف كلها بعد الإيمان لا تعدو هذين الأمرين. (1/47)
صفحة 48
البدنية والمالية، وترك مالا يسع الناس فعله كالمعاصي. وافرازه (1) ثلاثة: وفاء المؤمن، وتضييع المنافق، وجحود المشرك. وأحرازه (2) ثلاثة: ولاية المؤمن الموفى، وبراءة المنافق والمشرك، والإمساك عن المجهول حتى يعلم. وللكفر قوائم وأركان: فقوائمه أربعة: الكبر، والحسد، والعصبية، والجهل. وأركانه أربعة: الرغبة، والرهبة، والشهوة والغضب.
" فصل "
اعلم أن العلوم ثلاثة: علم مالا يسع الناس جهله طرفة عين، وعلم ما يسع جهله إلى الورود، وقيام الحجة، وعلم ما يسع جهله أبداً (3)؛ فأما علم ما لا يسع جهله طرفة عين: فهو معرفة التوحيد والشرك لا يسع جهلهما لأن من جهل الشرك لم يعلم التوحيد فوجبت (4) معرفتهما مع أول البلوغ، ولذلك قيل: ستة تكون (5) مع ستة: التكليف والبلوغ والأمر والنهى، ومعرفة الله ومعرفة الرسول، والولاية والبراءة،
__________
(1) الأفراز جمع فرز: اى فرز المؤمن من المنافق والمشرك، لأن حقوق المؤمن خاصة به، فوجب فرزه من غيره.
(2) الحرز: الصيانة.
(3) يعنى مالم يحتج إليه.
(4) وجبت معرفة التوحيد والشرك على قول أهل التحقيق، لأن الشيء يدرك إدراكاً وافياً إذا عرف بضده.
(5) تكون: اى تلزم كما في العقيدة: ستة تجب مع ستة. (1/48)
صفحة 49
والخوف والرجاء والمن (1) والدلائل. أما التكليف في اللغة: فهو تحمل ما يشق على النفس؛ قال الشاعر:
تكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالصلائق (2) والصناب
وقال آخر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين عاما لا أبالك يسأم
وأما التكليف في الشرع: فهو الإلزام والإيجاب للفرائض، وأما البلوغ فيقع بخمسة أوجه، يشترك الذكران والإناث في ثلاثة، وتنفرد الإناث باثنتين، أما اللواتي تشترك بينهم: فالنبات [3} والاحتلام والسنون، وأما الاثنتان المخصوصتان بالإناث: فالحيض والحمل وأما الأمر والنهى: فهما يقعان مع أول البلوغ معا على المكلف في حالة التكليف؛ ومعناهما أنه مأمور بالطاعة والإيمان؛ ومنهي عن المنكر والمعاصي. وأما معرفة الله ومعرفة الرسول: فهما تجبان على المكلف معاً في حالة (3) واحدة؛ وقد قيل: يعرف الله بثلاثة: واجب وجائز
__________
(1) المن: التفضل بالإنعام على الخلائق، والدلائل: الكائنات، وسائر الموجودات هى دلائل الوحدانية والألوهية والربوبية لقوله تعالى: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ".
(2) الصلائق: الرقاق من الخبز، والصناب؛ إدام من الخردل والزبيب.
(3) في حالة واحدة يعنى تجب معرفة الله ومعرفة الرسول معاً لا يغنى الإنسان معرفة الله وحده دون معرفة الرسول لأن الايمان بالله يستلزم الايمان بالرسول؛ فالمعرفتان مقترنتان. (1/49)
صفحة 50
ومستحيل. فالواجب: الألوهية والربوبية والوحدانية؛ والجائز: الخلق (1) والإفناء والإعادة. والمستحيل: الشريك والصاحبة والولد، ويعرف الرسول بثلاثة: واجب وجائز ومستحيل؛ فالواجب: الصدق والرسالة والتبليغ. والجائز: النوم والغلط (2) والنسيان. والمستحيل: الكذب والغش والخيانة.
وأما الولاية والبراءة: فيقع وجوبهما مع أول البلوغ في حال التكليف. أما الولاية فتنقسم على أربعة أقسام: القسم الأول: ولاية جملة المؤمنين من الثقلين (3) أحياء وأمواتاً؛ معلومين أو مجهولين. الثاني: ولاية المعصومين [4} الممدوحين في كتاب الله تعالى، الموصوفين
__________
(1) الخلق: الإيجاد، والإفناء: إعدام الموجودات؛ والإعادة: البعث يوم القيامة.
(2) الغلط والنسيان: اى الصفات الى هي من البشرية مما لا يقدح في الرسالة ولا في العصمة؛ والنسيان في الجملة فإنه صلى الله عليه وسلم يعتريه ذلك كسائر العقلاء لا فيما يتعلق بالتبليغ، فإن الأمة أجمعت على أنه لا ينسى شيئاً من التبليغ كما أنه لا يترك شيئاً من ذلك. وعندى أنه صلى الله عليه وسلم أكمل البشرية عقلا وذاكرة وحفظاً ولو لا خوف الإطالة لذكرت كثيراً مما يدل على قوة ذاكرته فليطلب في كتابنا العصمة.
(3) الثقلين: الإنس والجن؛ سموا ثقلين قيل: لثقلهما على الأرض بكثرتهما؛ أو لثقلهما بالذنوب. والولاية والعداوة هما الحب في الله والبغض في الله الواردان في قوله صلى الله عليه وسلم: " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ". (1/50)
صفحة 51
بالطاعة والإحسان. الثابت: ولاية إمام العدل وجمع من شملته بيضته (1) ما لم يظهر من أحد ما يبرأ منه. الرابع: ولاية (2) المخصوص بنفسه المعين بشخصه إذا ظهر لنا منه الوفاء بدين الله تعالى.
وشروط وجوب الولاية أربعة: منظور العين مرضى، ومسموع الأذن مرضى، ومقبول القلب مرضى الحال، وموافقة الشريعة والمذهب؛ ويزيدون في تفسيرها ثلاثة أقسام: ولاية أطفال المسلمين شملتهم الولاية مع آبائهم. وفي ولاية عبيدهم الأطفال قولان: وولاية الراجع من مذهب أهل الخلاف، إلى أهل الحق (3). إذا لم يمنع من ولايته غير الخلاف الذي كان عليه. وولاية الخارج من الشرك إلى الإسلام.
وتنقسم البراءة (4) على أربعة أقسام: القسم الأول: البراءة من جملة الكافرين من الثقلين أحياء أو أمواتاً، معلومين أو مجهولين. والثاني: البراءة من الإمام الجائر، ومن أطاعه في جوره، الثالث: البراءة من
__________
(1) البيضة هنا: الدولة، فهى وقاية للامة.
(2) الولاية الشخصية لمن كان موفياً بدين الله اعتقاداً وقولا وعملا.
(3) لو يعلم المذهبيون الكمال الإسلامي الذى عليه أصحابنا لأخذوا به إن كانوا يطلبون الحق لذاته. وقد وقف بعض أهل الصفاء النفسى على ذلك وأخذوا به والحمد لله، وكل من أجتهد طلباً للحق في الأصول من الكتاب والسنة وجد نفسه فيما عليه أهل الأستقامة. ولنا تحقيق في التاريخ بفضل الله وكرمه.
(4) البراءة: هجرة مرتكبي الكبائر حتى يؤبوا. (1/51)
صفحة 52
المذمومين في كتاب الله، الموصوفين بالإساءة والمعصية، المخصوصين بأسمائهم. الرابع: البراءة ممن عرفناه بعينه إذا ظهر لنا منه فعل يوجب البراءة، ويزيدون في تفسير البراءة، قسمين: أحدهما براءة الخارج من مذهب أهل الحق إلى مذهب أهل الخلاف، الثاني: براءة الخارج من الإسلام إلى الشرك، وإنما تجب البراءة بعمل الكبائر. وأما أطفال المشركين والمنافقين فالكف عنهم حتى يبلغوا (1) الحلم.
وأما الخوف والرجاء: فيقع وجوبهما مع البلوغ أيضاً، وهما من أفعال القلب فالواجب على العبد أن يساوى بينهما حتى يعتدلا كالميزان الهندي لئلا يميل (2) أحدهما بالآخر، لأنه إن مال القلب إلى الرجاء خيف عليه الأمان من عذاب الله. وقد قال الله تعالى: " ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون "؛ وإن مال القلب إلى الخوف خيف عليه الإياس من رحمة الله، قال الله تعالى: " إنه لا ييأس من روح [3} الله إلا القوم الكافرون ".
__________
(1) الحق أن الأطفال جميعاً إن ماتوا قبل البلوغ فمآلهم الجنة، لأنه سبحانه لا يعذب قبل التكليف ويمن بالرحمة، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " سألت الله في اللاهين فأعطاهم خدماً لأهل الجنة ". وهذا الحديث ناسخ لقوله: " الله أعلم بما كانوا عاملين " الحديث.
(2) لقوله عليه السلام: " لو وزن رجاء المؤمن وخوفه بميزان تريص، مازاد أحدهما على الآخر " تريص بالصاد: المحكم المقوم. النهاية. ولكن عند الاحتضار يميل إلى الرجاء كما قال حذيفة بن اليمان رحمه الله. (1/52)
صفحة 53
وأما المن والدلائل: فلتجب معرفتهما مع أول البلوغ، وذلك أن تعلم أن الله تعلى خلق الخلق ورزق الأرزاق، منا منه وفضلاً، لا وجوباً (1) وفرضاً، ولكن خلقهم إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إيرادته، ولما حق في الأزل من كلماته لا لافتقاره إليهم، وحاجته، وأحدثهم بقدرته لا لحاجة ولا لاستفادة، وخلق الملائكة المقربين للقرب والسعادة، وخلق الجن والإنس للابتلاء والعبادة، وخلق سائر الخلق للدلالة والشهادة. وأما الدلائل: فهي مخلوقات الله تعالى، تدل على ربوبيته تعالى، ووحدانيته. والعاقل الصحيح العقل إذا نظر في الأشياء بعين البصيرة علم المعلومات، واستدل ببعضها على بعض. والدليل على صحة العقل حسن المذاهب (2)؛ ولذلك قيل: ثمانية مدلولات، وأدلتها منها: واحد يدل على واحد، واثنان يدلان على واحد، وواحد يدل على أثنين. أما واحد يدل على واحد: فوجود الفعل يدل على الاستطاعة. وأما اثنان يدلان على واحد: فحركة الاضطرار [3} وحركة الاكتساب يدلان على الحياة. وأما واحد يدل على اثنين: فحسن المذاهب يدل على العقل
__________
(1) هذا رد على المعتزلة القائلين بوجوب رعاية الأصلح على الله.
(2) حسن المذاهب: وضع الأشياء في مواضعها، والاستدلال على باطن الأمور بظاهرها، وعلى مايأتى منها بما مضى. انتهى السؤالات. والمراد بصحة العقل كماله، لأنه لا يصل إلى إدراك تلك المعانى إلا أولوا الألباب، لقوله تعالى: " إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب ". (1/53)
صفحة 54
والتكليف، والعقل هو المميز بين المحسوسات، والمحسوس ما أدركته الحواس، والحواس خمس وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، فأما محسوس السمع: فالأصوات بأصنافها، وأما محسوس البصر: فالألوان والصور، وأما محسوس الذوق: فالطعوم بأصنافها من الحلو والمر والقارس (1) والبشيع (2). وأما محسوس الشم: فالأرياح الطيبة والخبيثة. وأما محسوس اللمس: فالليانة والخشونة والحلو والبادر. فتجلب هذه الحواس ما أدركته إلى العقل فيميز ما بينها، ويستدل بما أدركته على ما لم تدركه.
وأما العلم الذي يسع جهله إلى الورود فهو على وجهين: أحدهما: ما يسع جهله إلى ورود الحجة، وذلك كصفات الله تعالى، أو نبى (3) أو ملك قامتبهالحجة، أو ما أشبه ذلك. والوجه الثاني: كالفرائض المرسومات (4) كالصلاة والصوم، يسع جهلهما ما لم يدخل وقتهما (5).
__________
(1) القارس: الشديد الحموضة كماء الليمون.
(2) كذا في نسخ الأصل وهو بشيع بمعنى مستبشع وهو من الطعام: مافيه حفوف – يأخذ بالحلق – ومرارة، والخشن من الطعام.
(3) أى ما خلا آدم ومحمد عليهما السلام فإنه لا يسع جهلهما، ومن جهلهما كان مشركاً، لأن آدم أول الرسل وأبو البشر، ومحمد رسول هذه الأمة وخاتم النبيين.
(4) الموسومات: المعلومات.
(5) كأن يبلغ الإنسان الحلم أول النهار عند طلوع الشمس يوم عيد الفطر فيسعه جهل فريضة الصلاة حتى يدخل وقتها، ورمضان حتى يحل شهره. (1/54)
صفحة 55
وأما العلم الذي يسع جهله أبداً (1): فهو كقسم المواريث، وقصاص الجراحات، وتحريم الرباويات، وجميع المحرمات ماخلا الشرك، يسع جهلها مالم يتقول على الله الكذب، وما لم يقارف (2) الحرام من ذلك نسأل الله علماً نافعاً، وعملا رافعاً (3)، وورعاً حاجزاً (4).
باب في الوضوء
قال الله تبارك وتعالى: " يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ".
واختلف الناس في معناها، فقال بعضهم: معنى الآية إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، وقال بعضهم: معناها إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم على طهر، فأوجبوا الوضوء عند كل صلاة، ولو من غير حدث. والقول الأول هو المعتمد عليه عند أصحابنا؛ لما روى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد. ولما روى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
__________
(1) أى مالم يحتج إليه أو يحضر قسمة على وجه غير الحق، فحينئذ لا يعذر في الجهل، إذ لا عذر في الجهل.
(2) يقارف: يكتسب.
(3) رافعاً إلى الدرجات العلى.
(4) حاجزاً عن المعاصى، والورع: الكف عن محارم الله، وهو درجات، مدونة في شرح التوحيد والقناطر. (1/55)
صفحة 56
" لا وضوء إلا من حدث (1) ". وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الطهور (2) شطر الإيمان "
وروى عن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: قيل: يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك يوم القيامة؟ قال: " إنهم يأتون يوم القيامة غراً [3} محجلين من أثر الوضوء ". وعن عمرو بن عبسة – وكان يسمى ربع [4} الإسلام – قال. قلت يا رسول الله، حدثني عن الوضوء؟ فقال: " ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق، إلا خرجت خطاياه من فيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم إذا غسل يديه إلى المرفقين خرجت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم إذا مسح رأسه خرجت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم إذا غسل رجليه إلى الكعبين
__________
(1) الحدث: الحالة الناقضة للطهارة شرعاً.
(2) لما كان الطهور شرطاً في صحة الصلاة، صار كالشطر، ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا. (1/56)
صفحة 57
خرجت خطايا قدمية من أنامله مع الماء، فإذا قام إلى الصلاة فصلى وحمد الله وأثنى عليه ومجده، انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه ".
وعن أبى ذر قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملا (1) من المهاجرين والأنصار، إذا أقبل عليه عشرة من أحبار اليهود فقالوا: يا محمد إنا أتيناك نسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب؟ فقال عليه السلام: " سلوني تفقها [2} ولا تسألوني تعنتاً " فقالوا: يا محمد، أخبرنا لم أمر الله تعالى بغسل هذه المواضع الأربع، وهي أنظف ما في الجسد؟ فقال لهم النبي عليه السلام: " إن آدم عليه السلام لما قصد إلى الشجرة ونظرها بعينيه ثم مشى إليها، وهى أول قدم مشت إلى معصية [3} ثم تناول بيده وشمها وأكل منها فطار عنه الحلى والحلل، فوضع يده الخاطئة على رأسه؛ فأمره الله تعالى بغسل الوجه لنظره إلى الشجرة وأمره بغسل الساعدين لتناوله بهما، وأمره بمسح الرأس لما أظلته الشجرة ووضع يده على رأسه، وأمره بغسل القدمين لمشيه إلى الخطيئة. فلما فعل
__________
(1) الملأ هنا: الجماعة. (1/57)
صفحة 58
آدم ذلك كفر الله عنه الخطيئة؛ فافترضهن (1) الله على وعلى أمتي ليكفرن ذنوبهم من الوضوء إلى الوضوء (2) " فقالوا له صدقت فاسلموا.
" فصل "
ولا يصح الوضوء إلا بعد ثلاثة شروط. أحدها: وجود الماء المجزى (3) في الوضوء، ورفع ا لأحداث. والثاني: وجود الأسباب (4) الموصلة إلى الماء والثالث: إزالة جميع الأنجاس من بدنه قبل الشروع في الوضوء.
أما الماء فيقسم على أربعة أقسام – أحدها: ماء المطر. والثاني: ماء البحار. والثالث: ماء العيون والآبار. والرابع: ماء النبات والأشجار. فأما المضاف إلى جميع النبات والأشجار، فلا يجزى في رفع الأحداث (5)، ويجزى في غسل النجاسات.
وأما المضاف إلى البحار والأمطار والعيون والآبار، فيجزى في رفع الأحداث مالم يمزجه ما يمنع (6) من استعماله.
__________
(1) افترضهن: أى الغسلات المتعلقة بالأعضاء الأربعة.
(2) في هذا الحديث الترتيب والموالاة وهما من سنن الوضوء، وأن الوضوء من خصائص هذه الأمة، لأن سيماء الوضوء تكون به هذه الأمة غراً محجلين يوم القيامة.
(3) المجزى: أى في الوصف، وهو المطلق الباقى على أوصاف خلقته، وفي الكمية والمقدار.
(4) الأسباب: أى كالدلو والحبل للبئر مثلا.
(5) أى حدث الجنابة والوضوء وغيرهما.
(6) أى ما يدخل عليه من مادة خارجة عنه كالصباغ مثلا، وإلا فهذه المياة التى ذكرها المصنف من أنقى المياه ولا سيما ماء المطر. (1/58)
صفحة 59
والمانع من استعماله ينقسم قسمين: إما نجاسة تمنع التطهر به، وإما تغيير (1) يمنع حكم التطهر بت.
وأما وجود الأسباب الموصلة إلى الماء؛ فتنقسم على أربعة أقسام: بدنية، ومالية، وغيره على الوجود لذلك.
وتنقسم الأنجاس على أربعة أقسام – أحدها: نجاسة تخرج من مخرجيه " أعنى فرجيه ". والثاني: نجاسة تخرج من مدخليه " أعنى الفم والأنف ". والثالث: نجاسة تخرج من قرح أو جرح في بدنه. والرابع: نجاسة تلاقى بدنه من قبل غيره.
" فصل "
وأعيان النجس أحد عشر عيناً: وهى الميتة [2}، والدم [3}، ولحم الخنزير [4}، وكل مسكر [5}، والبول [6}، والغائط [7}، والمني [8}،
__________
(1) كتغيير أحد أوصافه الثلاثة التى شرع لأجلها غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق عند رفع الأحداث، وهى اللون والطعم والرائحة.
(2) الميتة: مامات من حيوان حتف أنفه، وهو كل ذي نفس سائلة من يكتسب دمه لا بأس به كالبرغوث والبعوض.
(3) والدم: هو المسفوح وهو الذى أنتقل من محله بسيلانه. (4) لحم الخنزير: والمراد كل أجزائه.
(5) كل مسكر: أى من الخمر وغيره من المواد المخدرة، فنجاسة هذه المواد معنوية، بخلاف الخمر فإنها نجسة عند الأكثر. والمخدرات كل مادة تبعث النشوة والطرب في النفس، وذلك تغيير للعقل مبعثة ذلك المخدر فيحرم، كالخمر الذى حرم لمخامرة العقل أى ستره.
(6) البول مطلقاً من الإنسان أو الحيوان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه خبثاً، فكل بول خبيث. (7) الغائط: فضلة الإنسان. (8) المنى: الماء الخارج من الإنسان بلذة واندفاق: والمذى: الخارج بتشه وتفكر، والودى: الخارج ببرد أو مرض. (1/59)
صفحة 60
والمذي، والودي والطهر من النساء، والقيء.
وزوال هذه الأنجاس من المنجوسات يكون بأربعة أشياء: بعضها بالغسل كالثياب وما أشبهها، وبعضها يزول بالمسح كالبدن الأملس والحديد وما أشبه ذلك. ومنها ما يطهر بالنار كالأرض وما كان في معناها. ومنها ما يطهر بمرور الأزمان كالنبات والأشجار، وكل ما يطهر من الأرض بالنار.
والدليل على أن الوضوء لا يصح إلا بعد زوال الأنجاس من البدن قول الله تعالى: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (1) "،
وذلك أن هذه الآية نزلت في أهل مسجد قباء (2)؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " ما هذا الطهور الذي أثنى الله به عليكم "؟ فقالوا: كنا نمر بالماء على أثر البول والغائط، ففعله النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون قبل الوضوء. فصار الاستنجاء بالماء قبل الوضوء سنة واجبة (3). وكذلك غسل جميع الأنجاس من البدن قبل الوضوء.
" فصل "
والوضوء في اللغة: النظافة والطهارة، قال الشاعر:
__________
(1) هذه الآية مدح من الله وهو يقتضى الأمر فمدح الفعل أو مدح الفاعل أو ذكر الثواب على الفعل يقتضى الأمر بذلك الفعل، وهذا مما اختص به أصحابنا من المعاني الشرعية.
(2) أول مسجد بنى في الإسلام على ميلين من المدينة المنورة.
(3) أى الجمع بين الحجارة والماء لأن استعمال الحجارة من السنة أولا ثم الماء ثانيا عملا بثناء الله على أهل قباء. (1/60)
صفحة 61
مساميح (1) الفعال ذوو أناة (2) ... مراجيح (3) وأوجههم وضاء (4)
يعنى نظافا من النظافة، والوضوء في الشرع (5): فعل المأمور به في قوله تعالى: "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " وفي الوضوء أربع فرائض، وأربع سنن. أما الفرائض: فغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين. وأما السنن: فالتسمية عند الشروع في الوضوء، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح (6) الأذنين. فأما التسمية: فلقوله عليه السلام: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، أراد بذلك الترغيب في نيل الثواب الجزيل. وأما المضمضة والاستنشاق: فلما روى عن النبي عليه السلام أنه قال للقيط بن صبرة: " إذا توضأت فضع في أنفك ماء ثم استنثر (7) بالاستنشاق ". ولما روى عنه عليه السلام: أنه كان يمضمض فاه في الوضوء. وفي الأثر: أنهما سنتان في الوضوء،
__________
(1) مساميح: أجواد.
(2) الأناة: الحلم والوقار.
(3) مراجيح: حلماء.
(4) وضاء جمع وضىء: أهل الحسن والنظافة.
(5) عرفه بعضهم بأنه تطهير أعضاء مخصوصة بالماء المطلق لتنظف وتحسن، ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح بها العبادة الممنوعة قبل. والماء المطلق: هو الباقى على أوصاف خلقته.
(6) وقيل: مسح الأذنين من الواجب اعتباراً لهما من الرأس. والمعمول به عند أصحابنا أنه سنة واجبة، لما رواه الربيع في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الأذنان من الرأس ".
(7) استنثر: استنشق الماء ثم استخرج مافي الأنف فنثره، أى فلقيه. (1/61)
صفحة 62
وفريضتان في الاغتسال الواجب. وعنه عليه السلام أنه قال: " أشربوا أعينكم الماء لعلها لا ترى ناراً (1) حامية "، وقال: " خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تخلل بمسامير من نار " وقال: " ويل (2) للعواقب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار ". وصلت هنا التصحيح الأولي وتكبير الأدلة
والمستحب في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً لكل جارحة (3)، فإن اقتصر على واحدة أجزأت إذا عم الجارحة بالماء، لما روى عن النبي عليه السلام أنه توضأ واحدة واحدة فقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلابه"، ثم توضاً اثنتين اثنتين فقال: " من ضاعف، ضاعف (4) الله له "، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقال: " هذا وضوئى ووضوء الأنبياء من قبلى ".
وروى عن النبي عليه السلام أنه قال: " ابدءوا بما بدأ اللهبه" فهذا الحديث يدل على وجوب الترتيب (5) والموالاة.
__________
(1) لعلها لا ترى ناراً: أى لا تقع فيها. أما الرؤية فإنها تقع لأهل المحشر كما في القرآن الكريم في قوله تعالى: " وإن منكم إلا واردها " وقوله: " وبرزت الجحيم لمن يرى " لأن الورود كما هو مذهب أصحابنا ورود النظر لا ورود الدخول.
(2) ويل: كلمة عذاب ووعيد، والعقب: مؤخر الرجل. ويروى: للعراقيب جمع عرقوب.
(3) جارحة: عضو، هذا في المغسول دون الممسوح، فإن الزيادة فيه على الواحدة مكروهة عند بعضهم.
(4) ضاعف له الثواب.
(5) أما الترتيب فظاهر من الآية، وأما الموالاة فمأخوذة من فعله صلى الله عليه وسلم. (1/62)
صفحة 63
" فصل "
وينبغى لمن أراد الوضوء أن يراود (1) نفسه على البول والاحداث، وفي المراودة أربع (2) سنن: الإبعاد (3)، والاستتار، وترك الاستقبال للقبلة والاستدبار لها، والاستطابة (4) بالمسح، والاستنجمار.
أما الإبعاد: فلما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذهب لحاجة الإنسان أبعد المذهب. وأما الاستتار: فلما روى عنه عليه السلام أنه قال: " استتروا بستر الله، فإن الستر والحياء من الايمان "، ولقوله عليه السلام: " لعن الله الناظر والمنظور إليه " يعنى في أمر العورة. وأما الاستقبال للقبلة والاستدبار لها، فلقوله عليه السلام: " لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ". وأما المسح والاستجمار: فلما روى عنه عليه السلام: " أنه أمر بالاستجمار " والاستجمار: هو إزالة النجس بالحجارة.
__________
(1) مراودة النفس مطالبتها.
(2) قوله: أربع سنن: الوارد كما في القواعد عشرون مسألة، بين المناهي والأدبيات، لعل المصنف رحمه الله لاختصاره أتى بالأهم.
(3) أى إذا كان في الفضاء وحوله ناس. والاستتار أى بكحائط أو صخر أو راحلة أو ثوب، أما النهى عن استقبال القبلة، فقد روى الربيع رحمه الله في مسنده أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط " قال ابن عباس: ذلك إذا كان في الصحارى والقفار، أما في البيوت فلا بأس.
(4) الاستطابة: كناية عن الاستنجاء، سمى بها من الطيب لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء، أى يطهره. (1/63)
صفحة 64
ونهى صلى الله عليه وسلم في حاجة الإنسان عن أربع: عن رد السلام في تلك الحالة، ونهى عن قضائها في الأجحرة (1)، ونهى عن الاستجمار بالعظم والروث (2)، ونهى عن المسح باليمين (3).
وروى عنه عليه السلام أنه قال: " اتقوا الملاعن وأعدوا النبل " والنبل: حجارة الاستجمار، وأما الملاعن فالمواضع المنهي عنها؛ لقوله عليه السلام: " من قضى حاجة تحت شجرة مثمرة (4) أو على نهر جار (5) أو طريق عامر (6) أو على ظهر مسجد (7) من مساجد الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
وقيل: لبعض العلماء: أين يضع الرجل حاجته؟ فقال: اجتنب مساقط الثمار [8}، ومجارى الأنهار، وأماكن الضرار [9}، وسبل الممار [10}، وضع حيث شئت. وقيل لأعرابي: إنك أعرابي جاف [11}،
__________
(1) الأجحر جمع جحر: إذ هي مساكن الهوام.
(2) الروث: رجيع ذوات ا لحافر.
(3) اليمين الجارحة لا يتناول بها النجاسة إلا عند الضرورة.
(4) أى في حال وجود الثمار فيها لأنها تقع على النجاسة، وقد يأكلها الإنسان وهي ملوثة فتكون سبباً لتوالد الأمراض فيه ومنه إلى غيره فيئول الأمر إلى انتشار الأوبئة. (5) أى قد يرده الناس وهو ملوث. (6) وهذا من الإضرار بالناس.
(5) محل للعبادة ننزهة عن النجاسة.
(6) مكان سقوط الثمار فيأكلها الناس فينشأ عنها أمراض بتلويثها.
(9) مايحصل به أضرار الناس.
(10) الممار جمع ممر: سبل الناس وطرائقهم إلى مصالحهم.
(11) جاف: الجفاء الغلظة والفظاظة. (1/64)
صفحة 65
تبول على عقبيك، لا تحسن أن تحدث، فقال: بلى والله إنى بذلك لحاذق (1)، أنى لاستدبر الريح، وأستقبل الشيح، وأقعى (2) إقعاء الظبي، وأجفل (3) إجفال النعام.
وينبغي (4) أن يقول عند القصد لحاجة الإنسان: أعوذ بالله من الرجس (5) النجس الخبيث المخبث (6) الشيطان الرجيم، اتباعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول عند الفراغ منه: الحمد لله الذي أطعمنى طعاماً طيباً، وأذاقني من نعمه اللذات، وأبقى في جسدي منافعها وقواها، ويسر على إخراج (7) الخبيثات، وكفاني الأذى والمضرات. فإذا فرغ واستجمر فليقصد إلى الاستنجاء بالماء في موضع يستر فيه عورته ممن يراها، فإذا نزع النجس من جسده كله، شرع في الوضوء، بذكر
__________
(1) حذق الشيء إتقانه والمهارة فيه.
(2) الإقعاء: لصق الأليتين بالأرض ونصب الساقين ووضع اليدين على الآرض. وكثير ما يظهر الوباء في بلاد سببه تلوث المياه التى يردها أهل تلك البلاد، لهذا يجب الحذر من قضاء ا لحاجة في المياة، ومن نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد، والإسلام دين النظافة والطهارة والوقاية.
(3) الإجفال: الهروب؛ وهو من صفات النعام.
(4) ينبغى تارة: يقال بمعنى يستحب، وتارة بمعنى يجب.
(5) الرجس هو النجس على وزان الرجس، وهذا من الإتباع كقولك؛ حسن بسن، عفريت نفريت.
(6) المخبث: المجعول خبيثاً والرجيم المرجوم: اى المطرود من رحمة الله.
(7) أى التخلص من فضلات الطعام، لو بقيت في جوف الإنسان من غير خروج لكانت سببا للقضاء عليه، وهذا دعاء المؤمن شكراً لله تعالى واعترافاً بنعمته. (1/65)
صفحة 66
التسمية كما قدمنا، فليقل عند المضمضة والاستنشاق: اللهم أشممني من رائحة الجنة، وأطعمني من ثمارها، واجعل لى لساناً صادقاً يقول الحق ويعمل بت. وليقل عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهى (1) يوم تبيض وجوه المسلمين والمسلمات، وأعوذ بك أن تسود (2) وجهي يوم تسود وجوه الكافرين والكافرات. وليقل عند غسل اليد اليمنى: اللهم إنى أسالك أن تؤتيني كتابي بيميني (3). ويقول عند غسل اليد اليسرى: اللهم إنى أعوذ بك أن تؤتيني كتابي بشمالي (4) ولا من وراء ظهرى (5). ويقول عند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشرى (6) من النار واعتق رقبتي (7) من النيران. ويقول عند مسح الأذنين: اللهم اجعلني ممن يستمع القول فيتبع أحسنه (8)، ويقول عند غسل الرجل اليمنى:
__________
(1) أى بنورك كما ورد.
(2) أى تسلبني نورك، أو تجعل وجهي أسود، قال تعالى: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " اللهم بيض وجوهنا بنورك يوم لقاءك ياأرحم الراحمين.
(3) " فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا.
(4) "وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه.
(5) " وأما من أوتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً "
(6) بشرى: اى جلدى.
(7) رقبتي: أى اعتقنى من النار.
(8) ينبيغي أن يكون اقتباساً للآية: اجعلنى من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. ومسح الأذنين من الواجب، كما في رواية الربيع رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الأذنان من الرأس ". (1/66)
صفحة 67
اللهم ثبت قدمى على الصراط (1) يوم تثبت أقدام المسلمين والمسلمات. ويقول عند غسل الرجل اليسرى: اللهم إنى أعوذ بك أن تزول قدمى على الصراط يوم تزول أقدام الكافرين والكافرات. فإذا فعل ما ذكرنا خرجت خطاياه من أطراف جوارحه مع الماء (2) كما جاء في الحديث.
فصل في الاغتسال
قال الله تعالى: " وإن كنتم جنباً (3) فاطهروا (4) "معناه فاغتسلوا. وروى عن أبى ذر الغفارى قال: أقبل عشرة من أحبار (5) اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يامحمد لم أمر الله تعالى بالغسل من الجنابة، ولم يأمر بالغسل من البول والغائط. وهما أقذر من النطفة؟
__________
(1) هذا على القول بأن الصراط جسر على جهنم يمر عليه الناس يوم القيامة.
(2) والوضوء حكمه كثيرة منها ماذكر، ومنها حصول النشاط الجسماني الذى به يكون نشاط الفكر فيكون العبد المؤمن في انتباه إلى ما هو فيه من عبادة ربه، فيؤديها على أكمل وجه، ومنها الحصول على النورانية التى يكون بها أغر محجلاً، ومنها النظافة لأطرافه التى تكون محملة بالأتربة، وقد يكون منها ما هو من الجراثيم، والماء طهور، لهذا يشترط في ماء رفع الأحداث أن يكون على أوصاف خلقته الثلاثة كما تقدم.
(3) الجنابة: كون الإنسان على غير طهارة بخروج الماء المندفق بلذة منه، يقطة أو مناماً، وسميت الجنابة جنابة لأنها تجنب العبد الصلاة معها.
(4) قوله تعالى: " فاطهروا " معناه بالغوا في الطهارة فيفيد هذا تعميم الغسل بالدلك، وإيصال الماء إلى سائر أجزاء البدن بعد التقاء من أى نجاسة، ويدل على هذا أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: " بلوا الشعر ونقوا البشر ".
(5) جمع حبر: وهم علماء بنى إسرائيل. (1/67)
صفحة 68
فقال لهم النبي عليه السلام: "إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة تجولت (1) في عروقه، فإذا جامع الإنسان نزل من أصل كل شعرة جنابة، فافترضه الله علىّ وعلى أمتى تطهيراً وتكفيراً (2) وشكرا لما أنعم الله عليهم من اللذات (3) التي يصيبونها " قالوا: صدقت يامحمد، فأخبرنا بثواب من اغتسل من لجنابة؟ فقال عليه السلام: " إن المؤمن إذا أراد الغسل من الحلال، بنى الله له قصراً في الجنة، وهى (4) سريرة المؤمن بينه وبين ربه، والمنافق لا يغتسل من الجنابة، فما من عبد ولا أمة من أمتى قاما للغسل من الجنابة، إلا باهى (5) الله بهما الملائكة، فيقول ياملائكتى انظروا إلى عبدى وأمتى قاما للغسل تيقنا إنى ربهما أشهدكم أنى قد غفرت لهما، وكتب الله لهما بكل شعرة ألف حسنة، ومحى عنهما مثل ذلك سيئة، ورفع لهما مثل ذلك درجة "، قالوا صدقت، تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
__________
(1) تجولت: طافت في جميع جسمه.
(2) تكفيراً: اى لسيئاته بامتثال أمر الله. وحكمة الغسل من الجنابة تحصل متى كان الغسل بعد المباشرة بقليل.
(3) اللذات جمع لذة: اى الجماع وتوابعه من أعظم ما يتمتع به الإنسان، ومن أكبر نعم الله على عبده؛ فعليه أن يشكرها باستعمالها فيما أمر الله به، ويجتنب مانهاه عنه، وإلا كان كافراً لتلك النعمة، وكفرها إيذان بزوالها.
(4) الضمير عائد إلى الطهارة من الجنابة، وهي سر فيما بين العبد وربه، لأن العمل بها وفاء من المؤمن، وفارق بينه وبين المنافق.
(5) باهى: فاخر. وهذا يدل على منزلة المؤمن الموفى بدين الله عند الله. (1/68)
صفحة 69
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يابنى إذا أردت الغسل من الجنابة فبالغ فيه، فإن تحت كل شعرة جنابة " فقلت: يارسول الله وكيف أبالغ فيه؟ قال: " رو أصول الشعر (1)، وأنق (2) بشرتك (3)، تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ذنب ".
" فصل "
اعلم أن الاغتسالات المفروضات أربع، والمسنونات أربع. أما المفروضات: فالغسل من الجنابة، والغسل من الحيض، والغسل من النفاس، والغسل للميت فرض على الكفاية (4). وأما المسنونات:
__________
(1) إرواء أصول الشعر: إيصال الماء إليها بكثرة ودلك، لامجرد وصول البلل إليها.
(2) والنقاء: النظافة الحقيقية، وعلى هذا يجب على المؤمن أن يبالغ في الغسل وإزالة الأقذار من الجسم عند الاغتسال إلى حد لا يبقى شيء من الدرن معه.
(3) البشرة: ظاهر الجلد. والاغتسال من الجنابة من أكبر الحكم والفوائد الطبية الإيجابية حيث يسترد بها الجسم ما سلب منه من قوة يكسبه النشاط والصحة. ومما اختص به أصحابنا من مسائل الشريعة، أنهم لا يصح الاغتسال عندهم إلا بعد التبول ليحصل نقاء المجرى البولي من فضلة المنى؛ لأن بقاءها ضرر كبير قد ينشأ عنه خطر على المرء والمنى ولو أنفصل عن مكانه لكن بقاءه في المجارى من جملة الجنابة.
(4) الكفاية: الفرض الذى إذا قام به البعض كفى عن الباقين وأجزى، وذلك في حق ميت أهل القبلة لوجوب الصلاة عليه لقوله عليه السلام: " صلوا على كل بر وفاجر " أى مالم يكن مجدوراً، عند جمهور من العلماء. (1/69)
صفحة 70
فالاغتسال للجمعة (1)، والاغتسال لصلاة العيدين (2)، والاغتسال للاحرام بحج أو بعمرة، والاغتسال من غسل الميت.
ويجب الغسل بشيئين: بالجماع والاحتلام. أما الجماع فسواء كان ببنى آدم أو البهائم، حلالا كان أو حراماً، أنزل (3) أو لم ينزل، إذا التقى (4) الختانان وجب الغسل. وأما الاحتلام فيكون بالمنى والمذى والودى (5). أما المنى: فالاغتسال منه واجب (6)، وأما المذى: ففيه اختلاف، وأما الودى؛ فليس يجب منه غير الوضوء.
وقيل: إن الاغتسال على ثلاثة أوجه: اغتسال المسلمين: فهو أن يبدأ في اغتساله بعد نزع [7} النجس من مواضعه، من أم رأسه، فيغسل
__________
(1) أى على من تجب عليه الجمعة
(2) سن الاغتسال لصلاة العيدين الفطر والأضحى لأنهما يوم الزينة والسرور إذ يلتقى المسلمون في مصلاهم على أحسن هيئة ونظافة وجمال بزة كل على قدر استطاعته.
(3) أنزل: أى المنى، وقضى شهوته أم لم ينزل، بأن وقعت المباشرة دون انقضاء الجماع.
(4) قيل بدخول الحشفة، وقيل لمجرد الالتقاء، كما هو ظاهر لفظ الحديث، وسميا الختانين لأنهما موضع الختان بقطع القلفة للذكر، والبظر للأنثى.
(5) تقدم شرح هذه الألفاظ ولا بأس بإعادتها: فالمنى: مايخرج بالمباشرة للفرج من ماء مندفق مع لذة، والمذى: الماء الخارج بمداعبة وتقبيل، والودى: الماء الخارج بعد البول ببرد أو مرض.
(6) لأنه الجنابة. (1/70)
صفحة 71
الميامن من قبل المياسر، كذلك إلى الرجلين؛ وأما اغتسال اليهود: فهو أن يبدأ من الرأس قبل نزع النجس من بدنه، فإذا بلغ موضع النجس قعد وغسله، ثم يغسل الباقى إلى الرجلين. وقد يجزى هذا الغسل عمن فعله، لكنه خالف فيه السنة. وأما اغتسال الرعاة: فهو أن يبدأ في اغتساله من غير نزع النجس من مواضعه، ويجعل يده تارة عند رأسه، وتارة عند موضع النجس، حتى يبلغ النجس إلى موضع لم يكن فيه، فهذا الاغتسال غير مجز عمن فعله. وإن توضأ بعد الغسل فحسن. وأما السنة فالوضوء قبل الغسل (1).
فصل في التيمم (2)
اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة التي فضلت بها على من سواها؛ بدليل ماروى عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجداً، وترابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وجعلت صفوفنا (3) كصفوف الملائكة ".
__________
(1) قبل الغسل: يعنى يتوضأ وضوء الصلاة غير القدمين وذلك بعد غسل العورة ناوياً غسلها من الجنابة، ثم يغتسل ولا يمس عورته، ثم في النهاية يغسل رجليه.
(2) التيمم لغة: القصد، يممت كذا: قصدته. وشرعاً: طهارة منتسبة إلى الصعيد الطيب – المنبت – ضرورية تشتمل على الوجه واليدين تستعمل عند فقد الماء وعند القدرة على استعماله.
(3) يعنى في الصلاة. (1/71)
صفحة 72
وكان السبب في نزول آية التيمم ماذكر عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيداء (1)، حتى إذا كنا بالأبواء (2) أو بذات الجيش انقطع عقد لى فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه (3)، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ماصنعت ابنتك؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على غير ماء [4} وليس معهم ماء، قالت: فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة: وعاتبنى [5} أبو بكر، وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعن [6} بيده في خاصرتى، ولا يمنعنى من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية
التيمم: " فلم تجدوا ماء
__________
(1) البيداء: البادية.
(2) الأبواء: منزل بين مكة والمدينة قريب من الجحفة من جهة الشمال دون مرحلة.
(3) يطلبونه ويبحثون عنه. (1/72)
صفحة 73
فتيمموا " فقال أسيد بن الحصين: ماهي بأول بركتكم (1) ياآل أبى بكر. قالت: فبعثنا (2) البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.
" فصل "
اعلم أن التيمم لا يصح إلا بأربعة (3) شروط: الشرط الأول: دخول وقت الصلاة والشرط الثاني: طلب الماء، والشرط الثالث: عدم الماء بعد الطلب (4)، والشرط الرابع: العذر المانع من استعمال الماء كالمرض لقوله تعالى: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " والمرض المانع إذا خاف من استعماله الماء التلف (5)، أو خاف زيادة المرض، أو خاف تأخير
البرء،
__________
(1) التيمم بركة حصلت عن فعل أم المؤمنين أنه تخفيف عن الأمة المحمدية ولم تكن الأمم الماضية تصح لها الصلاة بهذا التخفيف، والحمد لله.
(2) بعثنا: أرسلنا البعير. جعل سبحانه هذا الحبس سبباً لنزول حكم التيمم وفضلا لعائشة رضى الله عنها، وكم لها من فضل على هذه الأمة.
(3) ليست هذه الشروط في كل تيمم، بل الشرط الأول وهو المرض المانع من الماء هو سبب الرخصة، وأما بقية الشروط فلها أسباب، كما هو ظاهر.
(4) هل الطلب يتناول وجود الماء بالثمن؟ الراجح نعم إن كان قادراً.
(5) خاف تلف عضو بالوضوء: أى باستمعال الماء وضوءاً أو أستنجاء أو أغتسالاً. وكذا إن خاف حدوث المرض، سواء كان خوف استعمال الماء أن يحصل تلف النفس أو العضو منه أو كان في سفر وخاف التعرى في الخلاء ولم يكن له مكان يستتر فيه فكل ذلك عذر للتيمم، وكم من ناس من أصيب بالحميات بسبب التعرى للأغتسال مثلا في العراء إذا اصابته جنابة بالاحتلام: والله الموفق. (1/73)
صفحة 74
فله أن يتيمم. والتيمم في اللغة: القصد، والصعيد: التراب، والطيب النظيف (1).
واختلف الناس في التيمم على خمسة مذاهب: قال بعضهم: التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين، والذراعين إلى المناكب وقال بعضهم: ضربتان، ضربة للوجه والذراعين، وضربة لليدين. وقال بعض ثلاث ضربات: ضربة للوجه. وضربة لليدين، وضربة للذراعين. وقال بعض: ضربة واحدة للوجه واليدين. وقال بعض: ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، وهو الصحيح بدليل قوله تعالى: " فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " واليد على الإطلاق تتناول الكف إلى الكوع (2)، ولإجماع الناس أن الإمام إذا أقطع يد السارق من الكوع فقد قطع اليد المأمور بقطعها. والدليل على أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للكفين؛ ماروى عن عمار بن ياسر أنه قال: أجنبت فتمعكت [3} في التراب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله
__________
(1) التراب النظيف هو التراب النقى المنبت لأن الله سبحانه يقول: " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه "، ولا بد أن يكون تراب التيمم طاهراً منبتاً يابساً مباحاً تجوز الصلاة عليه، وزد في الديوان: أن يكون تراباً لا مضرة منه، ولا عبرة بلون تراب التيمم، وكذا يصح التيمم على كل ما كان من الأرض عند فقدان التراب، والله أعلم.
(2) الكوع: طرف الزند الذى يلى الإبهام، وه حد القطع ليد السارق. (1/74)
صفحة 75
عليه وسلم، فضحك حتى بدت (1) نواجذه (2)، وقال: " قد يكفيك هكذا " وضرب بيديه إلى الأرض ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ثانية ومسح كفيه إلى الرسغين (3).
والتيمم للجنب والحائض والنفساء كالتيمم للمحدث من الوضوء، في شروطه وأفعاله، والتيمم ينوب على الوضوء والغسل مادام المرض المانع من استعمال الماء، وما دام الماء معدوماً، ولو إلى عشر (4) سنين، بدليل ماروى أبو ذر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الجنب أن يتيمم، فقال: " التيمم طهور (5) المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه (6) بشرته ".
__________
(1) بدت: ظهرت.
(2) نواجذه: الأسنان التىبعد الأنياب وهى أول الأضراس.
(3) الرسغين: الرسغ بين الكوع والكرسوع. قال بعضهم مبيناً لهما:
فعظم يلى الأبهام كوع ومايلي ... لخنصره الكرسوع والرسغ ماوسط
وعظم يلى أبهام رجل ملقب ... ببوع فخد بالعلم وأحذر من الغلط
(4) عشر سنين: ليس تحديداً للمدة إذ مفهوم العدد لايفيد الحصر، والمراد مادام المرض موجوداً.
(5) طهور: صيغة المبالغة على بابها إذ انكشف اليوم أن التراب مادة مطهرة من الجراثيم، فهذا الحديث وأمثاله من أعلام النبوة، اللهم صلى على صفوة خلقك الذى أرسلته طب القلوب ونوراً وهداية ورحمة للعالمين.
(6) فليمسسه بشرته: أى فليستعمل الماء بغسل جلدته. فمن وجد الماء قبل الصلاة انتقض التيمم، ومن وجده فيها خرج منها إلى الماء عند أصحابنا فإذا فرغ منها ووجد الماء أعاد عند أصحابنا استحباباً، إن كان داخل الوقت أما بعده فلا اتفاقاً. (1/75)
صفحة 76
" فصل فيما ينقض الوضوء والتيمم "
اعلم أن الوضوء ينقض بثلاثة أشياء: النوم والحدث والفعل، أما النوم فعلى أربعة أقسام: نوم القيام (1)، ونوم القعود (2)، ونوم الصلاة في أثناء الركوع والسجود، ونوم الاضطجاع (3).
وهذا القسم الأخير هوالناقض للوضوء، دون الأولين (4). وأما الحدث فعلى أربعة أقسام: حدث يجىء من الدبر، وحدث يجىء من القبل، وحدث يجىء من مخرج النفس، وحدث يجىءُ من فرج (5) أو قرح. فالذي يأتى من الدبر: فكحدث الريح والغائط والدم والدابة ونحوها، وأما الذي يأتي من القبل: فكالبول والمنى والمذى والودى والدم. وأما الذي يأتى من مخرج النفس: فكالقىء (6)، والرعاف (7)
__________
(1) نوم القيام: عبارة عن النعاس إذ لو نام القائم لسقط.
(2) نوم القعود: أى الجلوس دون الاتكاء، والذى عندى أنه قد يحدث الإنسان وهو نائم جالساً ووقع هذا بالفعل، ولذا أرى أن نوم الجلوس إذا كان الإنسان ينتبه لحدث منه، أما إن طال به النوم وثقل فإنه ناقض للوضوء، إذا كان بحيث لا يشعر لحدث منه، وهو خروج نفس الضراط منه.
(3) الاضطجاع: الامتداد بحيث لا ينتبه لحدث منه مطلقا، لذا كان نوم الاضطجاع ناقضا مطلقاً
(4) تحقيق العبارة: الأولى.
(5) كذا في كل النسخ وهو تكرار، والقرح: الجرح
(6) رجوع الطعام أو الشراب من البطن إلى الفم باندفاع.
(7) نزول الدم من الأنف. (1/76)
صفحة 77
والقلس (1). وأما الذي يأتى من الجروح والقروح: فكالدم والصيديد (2). واما الفعل فعلى أربعة أقسام: الكلام، والنظر، والاستماع، واللمس. أما الكلام: فكالكذب والغيبة (3)، والنميمة (4)، وإيمان الفجور (5). وأما النظر: فكالنظر إلى العورات ومحاسن النساء وأجواف بيوت الناس بغير إذن (6). وأما الاستماع: فكالاستماع إلى الغيبة، وتجسيس (7) أسرار الناس، واستماع الباطل من الملاهي والمزامير. وأما اللمس: فكلمس النجاسات الرطبة، ولمس أبدان النساء
__________
(1) القلس طلوع المأكول من البطن بحيث لا يتجاوز الحلقوم، أما إذا وصل الفم ثم رجع ففيه خلاف: النقض وعدمه.
(2) الصديد: قيح ممتزج بدم.
(3) الغيبة: ذكر المؤمن بما يكره.
(4) النميمة: السعى بين الناس على وجه الإفساد، وهذه الكبيرة مما به عذاب القبر كالبول، كما في حديث القبرين، وهى التى أمرنا الله بالاستعاذة منها في قوله سبحانه: " من شر النفاثات في العقد " كما أو ضحته في تفسير المعوذتين.
(5) اليمين الفاجرة: اليمين الكاذبة، قال صلى الله عليه وسلم: " اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع " أى خراب.
(6) هذا بناء على ما عليه أصحابنا من أن الكبائر ناقضة للوضوء، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم: " الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء " رواه الحافظ الثبت الربيع رحمه الله في مسنده. وروى الديلمى في مسنده الفردوس عن إن عمر: " الغيبة تنقض الوضوء والصلاة ".
(7) التجسس: استراق أسرار الناس من حديث أو أعمال، أو أكتشاف محتويات منازلهم، كل ذلك من قبيل التجسس والتجسس بالجيم والحاء. وهو من الكبائر، والله يقول: " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً " الآية. وقرىء: " وتحسسوا " (1/77)
صفحة 78
الأجنبيات (1)، ولمس فروج الحيوانات، واختلفوا في أبدان النساء المحرمات.
باب في الحيض والنفاس والاغتسال منهما
قال الله تعالى: " ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى " يعنى مرضاً (2)، وقيل: قذراً (3)، وقيل: دماً " فاعتزلوا النساء في المحيض " يعنى اجتنبوا جماعهن في الفروج في الحيض، وأما غير الفرج (4) فلا بأس. " ولا تقربوهن " ولا تقربوا جماعهن في الفرج. " حتى يطهرن " (5) أي يرين الطهر. " فإذا تطهرن " يعنى النساء اغتسلن بالماء الطاهر. " فأتوهن " أى جامعوهن " من حيث أمركم الله " أى من الوجه المحلل (6) لكم دون المحرم عليكم، أى في وقت الحيض والنفاس والصوم والاعتكاف، والإحرام بحج، أو عمرة، " إن الله يحب التوابين "
__________
(1) مس الأجنبيات بشهوة والمراد الحرائر غير المتبرجات فإن حكمهن كالإماء.
(2) مرضاً للحائض، وقيل: الجماع في الحيض يتولد منه أمراض في مجارى البول وغيرها.
(3) قذراً: وسخاً يجب الابتعاد عنه، وهو نجس كالفضلات.
(4) غير الفرج: قال صلى الله عليه وسلم " إنما أمرتم بعزل الفروج، وقوله تعالى: " ولا تقربوهن " نهى للتحريم، وكذا قوله سبحانه: " فاعتزلوا النساء في المحيض " النهى فيه للتحريم والأحاديث في النهى عن إتيان الحائض في حال الحيض كثير، وكلها وعيد، حتى قال إمامنا جابر بن زيد حين سئل عن المؤتاة في الحيض فقال: لا أ حللها ولا أحرمها وأحب إلى فراقها.
(5) أى حتى يرين علامة الطهر فيتطهرن بالماء.
(6) أى في الفرج الذى سماه الله حرثاً أى محلا لبذر الولد، هذا ظاهر الآية. (1/78)
صفحة 79
من المعاصى والسيئات. " ويحب المتطهرين " من الأحداث والنجاسات وقيل: " إن الله يحب التوابين " من الكبائر، و" المتطهرين " من الصغائر. وقيل: التوابين من الآثام، والمتطهرين من الأجرام، وقيل: التوابين من الجرائم، والمتطهرين من خبث السرائر. وقيل: التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب. وقوله: " نساؤكم حرث لكم " أى مرزع لكم، ومنبت للولد؛ قال الشاعر:
إنما الأرحام أرضون (1) ... لنا محتترثات
فعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات
وفي الآية كناية (2) طريفة على تحريم أدبار النساء؛ لأن الدبر موضع الفرث، لا موضع ا لحرث؛ ولقوله عليه السلام: " لا يكون الحرث إلا من حيث يكون النبات ". ولقوله عليه السلام: " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرهما ". ولقوله عليه السلام: " ملعون (3) من
__________
(1) أرضون: من التشبيه البليغ، أى كالأرضون. ومحترثات: مكان يحرث ويوضع فيه البذر، والزرع وهو الولد.
(2) كناية حيث ذكر سبحانه المحل باسم الحرث إشعاراً بأن الإتيان لا يكون إلا في محل الحرث أى البذر. ثم إن بقية الآية يفيد التحريم إجمالا وفسر الإجمال الأحاديث المتواترة في النهى عن إتيان الأدبار، ولا سيما هى اللوطية التى شنع الله على أصحابها في كلامه العزيز. ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث.
(3) اللعن في مثل هذا الحديث معناه الطرد من رحمة الله، فهو وعيد لشناعة هذه الفعلة. (1/79)
صفحة 80
أتى أمرأة في دبرها ". وقوله: " فأتوا حرثكم " أى نساءكم، والعرب تسمى النساء حرثاً؛ قال الشاعر:
إذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثى (1) همه أكل الجراد
" إنى شئتم ": أى كيف [2} شئتم، ومتى شئتم، مقبلات ومدبرات ومستلقيات، بعد أن يكون الماتى حلالا، " وقدموا لأنفسكم ": يعنى في طلب [3} الولد. وقيل: في تقديم الأفراط؛ بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم: " من قدم ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم "؛ وقيل: واثنان يارسول الله؟ قال: " واثنان واتقوا الله فيما أمركمبهونهاكم عنه ".
__________
(1) يريد امرأتى. (1/80)
صفحة 81
" فصل "
وذكر عن اليهود والمجوس – لعنهم الله – أنهم كانوا إذا حاضت المرأة عندهم، لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها ولم يجالسوها ولم يجامعوها. وأما النصارى أخزاهم الله، فكانوا لايبالون شيئاً من ذلك، ولو مع الحيض، فيجامعون ويؤاكلون ويشاربون، ويساكنون ويجالسون؛ فلما جاء الإسلام سأل أبو الدحداح ثابت بن الدحداح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النساء إذا حضن، فقال له: كيف نصنع بهن؟ فأنزل الله تعالى: " ويسألونك عن المحيض " الآية، فلما نزلت عمد المسلمون إلى النساء الحيض وأخرجوهن من البيوت، واعتزلوهن حتى يطهرن، ويغتسلن، ثم يردوهن إلى البيوت، فجاء قوم من أعراب المدينة، فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزل الحيض، فقالوا: يا رسول الله إن البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر العيال برداً، وإن آثرنا العيال بالثياب هلكت الحيض، وليس كلنا يجد سع فيوسع عليهم جميعاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما أمرتم بعزل الفروج (1) ولم
تؤمروا
__________
(1) يفيد الحديث أن مباشرة الحائض في غير الفرج كالفخذين مثلا جائز، وهو ما ورد في حديث آخر: [يحل من الحائض مافوق الإزار] وورد عنه عليه السلام أنه كان يباشر من فوق الإزار. والإزار: هو الحائل دون الفرج فافهم تصب. ولقد غفل عن هذا المعنى كثير فذهبوا إلى تأويلات لا عبرة بها بتاتاً، وإنما أدرك هذه الحقائق الذين تلقوا الشرائع من ينابيعها، ورسخوا في العلوم الشرعية عن جدارة، أولئك أهل الله والصفوة العلا. (1/81)
صفحة 82
بإخراجهن من البيوت " فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية.
فصل
ويجب على المرأة أن تعلم مسائل الحيض، وما يجوز لها فعله مع الحيض، اعلم أن كل ما يجوز لها قبل الحيض، فهو جائز مع الحيض، إلا خمس عشرة خصلة: وهي الوطىء في الفرج، والصلاة، والصوم، والطواف بالبيت (1)، والأعتكاف، ودخول المسجد، وقراءة القرآن، ومس المصحف، والفراق مع الزوج، والقطع لما أتصل بها، والاحتجام، والامتشاط، والاكتحال، والاستياك، والاختضاب.
أما الوطىء في الفروج: فحرام؛ لقوله الله تعالى: " ولا تقربوهن حتى يطهرن "، ولما روى عن النبي عليه السلام أنه قال: " من جامع امرأته وهى حائض، فقد ركب ذنباً عظيماً " وذكر عنه عليه السلام أنه قال: " من وطىء امرأته وهى حائض فقضى بينهما بولد فأصابه جذام [2} فلا يلومن إلا نفسه، ومن احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء، فأصابه وضح [3} فلا يلومن إلا نفسه ".
__________
(1) إن المرأة تأتى كل مناسك الحج وهى حائض، إلا الطواف بالبيت، فلا يجوز لها حتى تطهر. (1/82)
صفحة 83
وأما الصلاة والصوم: فلقول النبي عليه السلام: " مارأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل من إحداكن " فقلن: يارسول الله، وما نقصان عقولنا وديننا؟ فقال " أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ " قلن بلى، قال: " فذلك نقصان عقلها " ثم قال: " أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم " قلن بلى، قال: " فذلك نقصان دينها ".
وأما دخول النساء المساجد والاعتكاف: فلما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر الحائض أن تعتزل عن مصلى المسلمين. وأما الطواف بالبيت: فلما روى عنه عليه السلام أنه أمر الحائض أن تفعل أفعال الحج كلها إلا الطواف بالبيت فحتى تطهر.
وأما قراءة القرآن: فلما روى عن على بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لايمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنباً؛ فالحائض أولى أن تمتنع. وأما مس المصحف: فلقوله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون " وأما الفراق مع الزوج (1): فلقوله تعالى:" فطلقوهن لعدتهن"
__________
(1) المراد بالفراق مع الزوج: الطلاق، وليس من شأن المرأة بل هو من شأن الزوج، ولعل المصنف جاء به لمجرد أنه لايجوز أن يقع في حال الحيض، لقوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " أى عقب طهرهن، لهذا تفوت المطلقة زوجها بمجرد الانتهاء من اغتسال الحيضة الثالثة، وقيل: عند إفراغ الماء على رأسها منها.
روى الربيع عنه عليه السلام: " الرجل أحق بامرأته مالم تغتسل من الحيضة الثالثة ". (1/83)
صفحة 84
أي لطهرهن. وأما القطع لما أتصل بها: فكتقليم (1) الأظفار ونتف الإبطين، وحلق العانة. وما ذكرناه من الأحتجام والامتشاط (2) والاكتحال والاستياك والاختضاب فمن السنة الا تفعل شيئاً من ذلك حتى تطهر.
" فصل "
اعلم أن الحيض في اللغة الانفجار، تقول العرب حاضت السمرة (3) إذا أنفجر شيء أحمر من أصلها كالدم (4)، وكذلك المرأة إذا انفجرت بالدم قالوا: قد حاضت حيضاً. ولا يكون الحيض إلا الدم الفائض الخالص من الصفرة (5) والكدرة. والفائض يكون حيضا ولو كان قليلا، إذا ظهر
__________
(1) تقليم الأظفار ونتف شعر الإبطين قيل: لأنها لا تصل إلى طهارتها وهى مأمورة بطهارة سائر أجزاء جسدها، وكذا حلق العورة والاحتجام.
(2) الامتشاط: تسريح الشعر، والاكتحال: وضع الكحل في العينين، والسواك: تحمير الشفتين، والاختضاب: وضع الحناء في اليدين والرجلين، كل هذه من الزينة، والتولة: وهى ماتفعله المرأة لتتحبب به إلى زوجها، وكل ذلك من دواعى الجماع، وهو محرم في حال الحيض والنفاس، فلما كانت المعصية محرمة، فالدواعى إليها محرمة، لأن ما يتوصل به إلى الحرام حرام.
(3) السمرة: شجر الطلح: من أشجار البادية.
(4) كالدم: هو صمغها، وشجر الطلع من أشجار ذات الأصماغ.
(5) الصفرة والكدرة والتربة: من توابع الدم، أما الصفرة: فهى ماء خالطه الدم، وأما الكدرة: فماء ثخين عليه شائبة، والتربة: ماء فيه لون الترىء وهذه الثلاثة تعقب دم الحيض عند الانتظار وتعقبها القصة البيضاء. (1/84)
صفحة 85
منها، أو وجدته على علمها (1) إذا مسحت به، وإنما تمسح بعلمها إذا أحست بالحيض أو الطهر (2) بيدها اليسرى من خلفها، وهي بين القيام والقعود، وكل دم، أوطهر لم يفض فلا تفتش (3) وراءه ولا تشتغل به؛ لأنه قيل: إذا صلت المرأة بطهر التفتيش، أو تركت الصلاة بدم التفتيش، فلا تريح رائحة الجنة، وأن ريحها (4) يوجد مسيرة خمسمائة عام.
ودم الحيض منفصل من غيره؛ لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " دم الحيض أسود خثر (5) ثخين منتن "، وكل دم رأته المرأة على جسدها، أو فخذها، أو عرقوبها (6) أو ثوبها أو مع البول أو الغائط، أو حجر المسح (7)، أو في مقعدها، فلا تعتد به. وكذلك الطهر.
وما فاض من الدم بالمرأة في ثلاثة عشر وقتاً فلا يكون لها ذلك حيضاً، خمسة منها لا تعتد بها أصلا، وخمسة تعتد بها إذا زال عنها ذلك الحال، وثلاثة تعتد بها إذا دام بها الدم أكثر من ثلاثة أيام.
__________
(1) العلم بفتحتين: ما تتخذه المرأة لترى به الطهر أو الدم من خرقة وغيرها.
(2) الطهر: هو القصة البيضاء، وهى ما ء أبيض تراه المرأة عند نقائها، ويشبهونه بصوف ناصية الكبش، أو بياض آخر ظفر الإبهام.
(3) التفتيش: البحث، وهى أن تدخل في قبلها شيئا لتكشف به الدم أو الطهر، وهو حرام، لأن الله لم يكلفها أكثر من الانتظار حتى يفيض الدم، أو الطهر خارج المحل بنفسه، والتفتيش باطل، وما بنى على الباطل باطل.
(4) ريحها: أى رائحتها.
(5) خثر: ثخين، وهو عطف تفسير،، منتن: كريه الرائحة.
(6) العرقوب: مؤخر القدم.
(7) حجر المسح: حجر الاستجمار. (1/85)
صفحة 86
وأما الخمسة التي لا تعتد بها اصلا: فما رأته من الدم في حال الطفولة (1)، والثاني مارأته في حال إياسها (2)، والثالث مارأته أيام صلاتها، والرابع مارأته أيام حملها (3)، والخامس ما يكون بقرح أو علة.
وأما الخمسة التي تعتد بها إذا دامت بعد زوال الحال. فأحدها الدم الذي تراه في حال الخوف (4). والثاني الدم الذي تراه مع الحمل الثقيل والثالث مارأته بركوب الدابة. والرابع ما تراه بالقفزة (5)، والوثبة والخامس ما تراه بالجماع غير الأول (6).
وأما الثلاثة التي تعتد بها وتترك الصلاة إذا دامت عليها أكثر من ثلاثة أيام، فأحدها: مارأته بأكل الدواء (7). والثاني: ما رأته بالافتضاض (8). والثالث: ما تراه بحل (9) العقدة.
__________
(1) الطفولة: ماقبل البلوغ.
(2) الإياس: انقطاع الحيض عنها ببلوغها سن الخمسة والأربعين على قول، أو الستين أو الخمسين فكل دم تراه بعد انقطاع الدم عنها ببلوغها السن لا تعتد به.
(3) الحمل: الجنين، يعنى عندما يكون في بطنها جنين، لأنه لا حيض مع الحمل، لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما كان الله ليجعل حيضاً مع الحبل ".
(4) الخوف: الفزع إذا أشتد بالأنثى، قد ينزل منها الدم بما يحصل لها من الاهتزاز ا لجسماني وإلا ضطراب، كما أنه قد ينقطع عنها.
(5) القفزة: هي الوثبة، عطف تفسير، أو إحداهما أشد من الأخرى.
(6) غير الأول، وهو افتضاض البكارة.
(7) الدواء كمسهل، أو حقن تحت الجلد وما شابه هذين.
(8) الافتضاض: إزالة البكارة، وهى غشاء رقيق على باب الفرج إذا فض انبثق منه الدم، وقد يستمر بصاحبتها حتى يصير نزيفاً إن لم يتدارك في الحال بما يرفعه، وربما أفضى إلى الموت بصاحبته، والبكارة عنوان العفة والطهارة.
(9) انبثاق الدم بعد انحباسه، ولعل كما يبدو لى أن حل العقدة هو انفكاك البكارة بسبب جهد عنيف، أو ما هو غير الافتضاض والله أعلم. وفي الحاشية: وذلك أن باب الحيض ينغلق فتفتح فمه بالمرود مثلا، ولا يحل لها ذلك، والله أعلم وأحكم، فهذا غير واضح. (1/86)
صفحة 87
وإنما تناظر المرأة وتجرب (1) دم الحيض إذا أشكل عليها إلى الشيء البليغ في الحمرة كالأرجوان (2) المصرى، أو الخزفة (3) الحمراء الأولية أو الدم الأول (4) من الذبيحة، أو دم الحلمة (5). وأما الطهر (6) إذا أشكل عليها فإنما تناظره وتجربه بما كان أبيض؛ شديد البياض كالدرهم الصافى؛ أو السوار الصافي؛ أو صوف ناصية الكبش المغسولة بالجبس (7)؛ أو أصول أظفار الشباب؛ أو بزاق الصائم؛ أو حصاة الطريق؛ أو طعم الشيح (8).
" فصل "
اعلم أن مسائل الحيض والنفاس تدور على خمس مسائل. أحدها: مسألة الأوقات، والثانية: مسألة الأصول والبناء؛ والثالثة: مسألة
__________
(1) تجرب: يعنى تقييس دم الحيض.
(2) الأرجوان: الشديد الحمرة، وهو أحمر قان، لعله القرمز، وهو البقم بتشديد القاف.
(3) الخزفة: الفخار الأحمر عند إخراجه أولا من الفرن.
(4) الدم الأول هو دم الذبيحة عند شخبه بالذبح.
(5) الحلمة: قراد الجمال.
(6) الطهر: القصة البيضاء.
(7) الجبس: الطين الذى يستخرج من البثر أو الجبل لغسل الأصواف، وثياب الصوف الملونة حفظاً للونها من الانحلال، وإزالة للودك.
(8) طعم الشيح: نوره. (1/87)
صفحة 88
الانتظار (1)، والرابعة: مسألة الانتساب (2)؛ والخامسة مسألة الطلوع (3) والنزول.
فأما مسألة الأوقات: فإن أدنى أوقات الحيض، ثلاثة أيام وأكثرها عشرة أيام (4)؛ وقيل: أكثرها خمسة عشر يوماً؛ وأدنى أوقات النفاس عشرة أيام؛ وأكثرها أربعون يوماً، وقيل: أكثرها ستون يوما؛ وقيل: أكثرها تسعون يوماً والله أعلم.
وأدنى أوقات الصلاة عشرة أيام وأكثرها ستون يوماً (5)؛ ولا تأخذ المرأة الوقت (6) للصلاة مالم تأخذ الوقت للحيض وأما النفاس فإنها تأخذ له الوقت؛ ولو لم يكن لها وقت للحيض.
وأما أوقات الصلاة: فلا تأخذ منها وقتاً؛ إلا ما وجدته بعدما أخذت وقتا للحيض؛ لأنه قيل: خمسة أوقات للطهر، لا تأخذه وقتاً لصلاتها؛ ولا
__________
(1) الانتظار للحيض أو الطهر: أى ترقبهما.
(2) الانتساب: اتخاذ الوقت لمن لا وقت لها اعتباراً بوقت والدتها مثلا. كما سيأتي.
(3) الطلوع والنزول: ازدياد أيام الحيض ونقصانها.
(4) هذا لما ورد في المسند الصحيح للربيع رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام " وهذا هو المعتبر المعمول به.
(5) قيل: وقت الطهر لاحد له، وإنما الغالب يتراوح بين هذه المدة.
(6) لأن ايام الطهر هى الأصل في العبادات الواجبات عليها، والحيض حدث طارىء لا يسقط به ما وجب في الأسل إلا ما قام الدليل على إسقاطه، فالواجب عليها استصحاب حال الأصل، وهو وجوب العبادات من غير توقيت، لتركها ما لم يصح ما تسقط به، وهو الحيض مثلا. (1/88)
صفحة 89
تكون لها وقتاً من أوقات الصلاة؛ طالت تلك الأوقات، أو قصرت: أحدها: الطهر الذي خالطه الدم. والثاني: الطهر الذي تصيبه على الانتظار. والثالث: الطهر الذي اتصل بها مع الحمل. والرابع: الطهر الذي تصيبه بعد النفاس. والخامس: الطهر الذي تصيبه من داخل وقت حيضها، ولا تأخذ في الحيض والنفاس إلا وقتا واحداً. وأما الطهر: فإنها تأخذ فيه أوقاتاً مختلفة، من عشرة إلى ستين.
وأما مسألة الأصول والبناء: فإنما يكون لها أصلاً تبنى عليه في الحيض يومان، ويكون لها أصلا في النفاس ثلاثة أيام. وقيل: إن النفاس أصل بنفسه، ولا يحتاج إلى أصل معدود، والكدرة (1) والصفرة والتريه والعلقة والتيبس، لا تكون هذه المعاني أصلا للحيض ولا للنفاس، ولا حكم لهذه المعانى، إنما الحكم لما سبقها (2) وتقدمها،
__________
(1) تقدم التعريف بهذه المعاني، لكن لزيادة بيان نقول: الكدرة بضم الكاف وسكون الدال: تعتبر في لون المادة التى تلى الصفرة بعد ارتفاع الدم، والصفرة: تلك المادة، واصفرارها لكونها مشوبة بالدم، وهي بعد الدم، تليها الترية: وهى الماء المتغير دون الصفرة. والظاهر أن الترية والكدرة تتعاقبان، والعلقة: قطعة من الدم، تكون حيضاً عند المصنف إذا تقدمها حيض، والله أعلم.
(2) إنما الحكم لما سبقها هذا قول الربيع بن حبيب رحمة الله وهو المعتمد عند أصحابنا. هذه المعانى تراعى عند اصحابنا عملا بالدقة في أمر العبادة واحتياطاً لها، وقد ثبت في الحديث عند الربيع في مسنده أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا تظهر المرأة حتى ترى القصة البيضاء " وبما أنه تسبق هذه المعانى القصة البيضاء كما تقدم وجب فرز ما قبلها من المادة حتى لا تشتبه على المرأة تلك المعانى بد ارتفاع الدم فتقع في المعصية. (1/89)
صفحة 90
إن تقدمها حيض فحكمها حكم الحيض، وإن تقدمها طهر فحكمها حكم الطهر، ولا تحتاج إلى الأصل. والأساس الذي ذكرنا، أنها تبنى عليه إلا في الحيضة الأولى، والنفاس الأول؛ وإذا رأت حيضها الأول، فدام عليه يومين، ثم رأت بعدها طهراً، فكل مارأته من الدم الخالص بعد ذلك الطهر، فإنها تجمعه إلى اليومين الأولين اللذين هما الأصل، وذلك فيما تراه، فيما بين اليوم الأول من الحيض إلى العاشر، وما تراه بعد العاشر فلا تجمعه، فإن قطع بعدما تضمه طهر، جمعت ما قبل الطهر إلى الأصل الأول، فيكون لها وقتاً للحيض، ولا تجمع ما بعد الطهر القاطع، ولا ما بعد العاشر من اليوم الأول، الذي ترى فيه الحيض، واليوم الأول الذي أتاها فيه الحيض، لا تعتد به، ولا تحسبه من أيام حيضها، إلا إن رأت فيه الحيض قبل طلوع الشمس. وقيل: قبل طلوع الفجر وقيل غير ذلك فيما دون صلاة الظهر.
وأما مسألة الأنتظار: فإن الانتظار يكون على وجهين: أحدهما انتظار الدم، والثانى انتظار ما يتبع الدم من الكدورات (1)، فانتظار الدم في الحيض يومان، وفي النفاس ثلاثة أيام، وانتظار الكدورات يوم وليلة؛ في الحيض والنفاس جميعاً. ويكون على المرأة الانتظار في الحيض
__________
(1) الكدورات جمع كدرة: هى توابع الدم المتقدم ذكرها. وفي نسخة: الكدرة بالإفراد، والأشبه الجمع ليشمل المعنى الصفرة والكدرة والترية. (1/90)
صفحة 91
الأول؛ ويكون في غير الأول. فأما في الحيض: إنما يكون عليها الانتظار فيه إذا لم تر ماتتخذه وقتا فيما دون عشرة أيام فإن لم تر الطهر بعد عشرة أيام كان عليها الانتظار في اليوم الحادى عشر والثاني عشر إن تمادى بها الدم وإن تمادى عليها بعد العشرة شيء من الكدورات كان عليها الانتظار يوما وليلة. وأما في غير الحيض الأول: إنما يكون عليها فيه الانتظار، إذا لم تر الطهر عند تمام وقتها في الحيض. وكذلك في النفاس يكون عليها الانتظار في النفاس الأول عند تمام أربعين يوماً كما يكون عليها في الحيض الأول عند تمام عشرة أيام. وأما في غير النفاس الأول: إنما يكون عليها الانتظار عند تمام وقتها في النفاس إذا لم تر الطهر كما ذكرنا في الحيض.
وأما مسألة الانتساب: فإنما يكون عليها الانتساب في الطهر، وأوقات الصلاة، دون الحيض والنفاس، ولا يكون عليها الانتساب على وجهين: أحدهما يكون على المرأة، قبل أن تأخذ الوقت للحيض، والثاني: يكون عليها بعد أخذها الوقت للحيض والنفاس، فأما الوجه الذي يكون فيه قبل أخذ الوقت، فهو أن ترى المرأة أول حيضها، فيدوم الدم بها عشرة أيام، ولم تر الطهر، فإنها تنتظر يومين بعد العشرة، فإن دام بها الدم فلتغتسل، وتصلى، ويكون عليها الاغتسال عند كل صلاة كذلك (1)، الى عشرة
__________
(1) الظاهر أن هذا استحباب كما في القواعد. (1/91)
صفحة 92
أيام بعد تمام الانتظار، فإن لم تر الطهر على تمام العشرة، التي صلت فيها، انتسبت إلى قرابتها من النساء. وإنما تنتسب إلى أمها، أو أختها، أو عمتها أو خالتها، وسواء كانت من أنتسبت إليها، ممن ذكرنا، حرة أو أمة، موحدة أو مشركة، عاقلة أو مجنونة، حية أو ميتة. فإن لم تجد من هؤلاء من تنتسب إليها، انتسبت إلى غيرهن من المسلمات.
ومعنى الانتساب، أن تسأل قريبتها عن وقتها في الصلاة، فإن قالت لها إن صلاتى عشرة أيام، فلتترك الصلاة، إذا أغتسلت، وصلت عشرة أيام، وإن قالت لها: أيام صلاتى خمسة عشر يوما، أو عشرون فلتغتسل وتصلى حتى تنتهى إلى العدد الذي قالت لها، ثم تترك الصلاة عشرة أيام، وتنتظر يومين بعد العشرة، ثم تصلى ما قالت لها قريبتها من عدد الأيام، وتصنع كذلك ما دام بها الدم إلى سنة، فإذا تمت السنة، فتكون مبتلية، تترك الصلاة أثنى عشر يوماً، وتصلى عشرة أيام، حتى يفرج الله ما بها. وهذا إذا دام بها الدم من وقت انتظارها، وأما إن وجدت الطهر بعد الانتظار، فلتغتسل وتصلى حتى يأتيها الدم، فإذا راجعها الدم، انتسبت كما قدمنا.
وأما الوجه الذي تنتسب فيه بعد ما كان لها وقت للحيض، فهو أن ترى المرأة الحيض الأول، فيدوم بها الدم ثلاثة أيام، أو أربعة أو (1/92)
صفحة 93
خمسة أو عشرة ثم ترى الطهر فيدوم بها سبعة أيام، أو ثمانية، أو تسعة ثم يأتيها الدم، فإنها تغتسل وتصلى حتى تتم خمسين صلاة، لعشرة أيام ثم تنتسب إلى قرابتها، كما ذكرنا.
وكذلك إن خولط طهرها الأول فإنها تنتسب، إذا رأت الدم بعد عشرة أيام، كذلك إن رأت الطهر على الانتظار، أو بعده فيما دون عشرة أيام فإنها تنتسب إذا أتاها الدم بعد عشرة أيام. وهي المسألة التي ذكرت عن أم ماطوس، أنها قالت: أعطاني أبو محمد التمصميصى أصل الحيض إذا رأيت الدم داخل ستين يوماً، انتسبت، وإذا رأيت خارج ستين يوماً، أعطيت للحيض، وتركت الصلاة والصوم.
وأما مسألة الطلوع والنزول: فإنها هي زيادة الدم ونقصانه وذلك إذا كان للمرأة وقت معلوم في الحيض أو النفاس، فإنها تطلع في الحيض من ثلاثة إلى عشرة، وفي النفاس من عشرة إلى أربعين، وتنزل في الحيض من عشرة إلى ثلاثة، وفي النفاس من أربعين إلى عشرة. وقد يكون الطلوع بالدرجات باليوم واليومين، والأكثر حتى تنتهى إلى أكثر أوقات الحيض، ويكون الطلوع بمرة واحدة، إلى أكثر الأوقات، وكذلك النزول، تنزل بالدرجات باليوم واليومين. وبالأكثر حتى تنتهى إلى أقل الأوقات وتنزل بمرة واحدة، إلى أقل الأوقات، وإنما تطلع إلى دم خالص. يوالي وقتها في الحيض. (1/93)
صفحة 94
وأما النزول: فإنما تنزل إلى دم خالص، يوالى وقتها في الطهر، ولا يصح للمرأة الطلوع، حتى يتتابع العدد الذي زاد على وقتها، ثلاث مرات. وأما النزول: فلا يصح لها حتى يتتابع العدد الذي انتقض لها من وقتها مرتين، ولا تطلع المرأة من وقتها الأول، حتى ترى طهراً متصلا من داخل وقتها في الطهر، إلى خارج وقتها عدد ما طلعته.
" فصل "
واغتسال الحائض والنفساء كاغتسال المجنبة، لا فرق في ذلك، إلا إن الحائض تؤمر بنقض شعر رأسها عند الغسل، وتغسله بالطفل (1) أو الرمل، وتمشطه، وتجمع الشعر (2) وتغسله ثم تدفنه. وقد قيل: لها بالرخصة إذا قصرت أوقاتها (3) في الحيض، أن تنقض شعر رأسها مرة، وتتركه أخرى.
ولا يجوز للمرأة الاغتسال حتى ترى الطهر البين أو تخرج من الانتظار
__________
(1) الطفل: طين يابس يستعمل في الحمام للنساء.
(2) تجمع الشعر إذا كانت تغتسل في غير الماء الجارى وأما في الماء الجارى فلا تجمع بل تتركه يذهب مع الماء، وما ورد من جمعه وغسله ودفنه فمن السنة.
(3) قصر أوقاتها: مثل أن يكون وقتها أقل الطهر وهو عشرة أيام، ووقت حيضها أقل وقت وهو ثلاثة أيام، فإن ذلك يقتضيها أن تحيض ثلاث مرات في الشهر، والله أعلم.
وهذه هى التى تقتضى عدتها لو طلقت يوم آخر الشهر، إذا أتاها الحيض أول يوم بعد الطلاق. (1/94)
صفحة 95
ان لم تر الطهر، إلا ماذكروه من الرخصة للمرأة الحائض، إذا أرادت أن تسافر. وهي في الحيض أو النفاس، رخصوا لها أن تخفف النجس من جسدها، إذا خافت عدم الماء في السفر.
وهذه المسألة من مسائل نساء قسطالية (1) وذلك أنه ذكر: أن نساء قسطالية كتبن إلى مشائخ الجبل (2) بتسع مسائل: ثلاث منهن في المرأة الحامل؛ وست في المرأة الحائض، فرد المشائخ جوابهن إلى أبى عيسى الدرفى بمدينة جادوا (3) فأجابهن:
أما اللواتى في الحامل: فرخص لها أن تحتجم. ورخص لها أن تكوى بالعود في أطراف بدنها. ورخص لها أن تتيمم إذا لم تصل إلى الاستنجاء؛ لعظم بطنها [4}. وأما اللواتى في الحائض فإحداهن: المرأة
__________
(1) قسطالية بلاد الجريد: نفطة، وتوزر، وما حولهما، كانت من بلاد أصحابنا قروناً.
(2) الجبل: المراد به جبل نفوسة، وهو مرجع أصحابنا العلمى، وكان للجبل شأن في التاريخ الإسلامي عظيم كما فصلنا في التاريخ، واختصرنا منه مقدمة هذا الكتاب.
(3) جادوا: من أكبر بلاد جبل نفوسة بعد العاصمة العظمى شروس، وقد زرتها سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وسبعين من الهجرة، ولم أجدها كما كنت أتصورها في التاريخ، إلا أنها لا تزال على بقية من مكانة التاريخ، عمراناً، وجادوا من المدن القديمة في الجبل، قال ياقوت في معجمه: جادو مدينة كبيرة في جبل نفوسة، من ناحية إفريقية، بها أسواق وبها يهود كثيرة: أنتهى وجادوا متصلة اليوم بجناون بلد المصنف، بحيث لا يكاد الإنسان أن يفرق بينهما، إلا أن جناون في منحدر الجبل، وجادو في أعلاه، وبينهما فارق قليل من المسافة. (1/95)
صفحة 96
إذا رأت الطهر والحيض معاً. فجوابه فيها: إن كان ذلك في وسط وقتها فلتعط للغالب. وإن كان ذلك في أطراف وقتها فلتعط لما تنتظر إليه. والثانية: الدم الخالص إذا دخل على المرأة في انتظارها لغير الدم فإن الدم يزيل حكم الانتظار الأول. والثالثة: إذا دخلت في انتظار الدم، ثم تبعه شيء من الصفرة، أو الكدرة، او التيبس (1)، قبل تمام الانتظار، فإن الانتظار الأول لا يزول حكمه حتى تتمه. والرابعة: المرأةالحائض إذا كانت في البادية وأرادت أن تنتقل عن الماء قبل أن ترى طهرها، فرخص لها أن تخفف النجس (2) من جسدها. والخامسة: المرأة تكون في البادية، أو السفر، فترى من الحيض مايخالف لون الرمل (3)، فرخص لها ان تعطى للحيض وتترك الصلاة. والسادسة: المرأة التي يوهم (4) منها الحمل، لايجوز
لها اكل الدواء (5) 1
__________
(1) التيبس: الخلو من أى مادة من الصفرة والكدرةوالترية، وقد يكون التيبس علامة الطهر لبعض النساء.
(2) تخفيف النجس: كالاستنجاء، وغسل ما عسى أن يكون قد علق بجسدها من بول أو غائط، أو الدم أو توابعه.
(3) لون الرمل: أى الصفرة.
(4) هذه الحال تعترى المرأة حال الطهر بارتفاع في البطن أو توهم حركة فيه.
(5) الدواء: ما تتخذه ا لمرأة لمنع الحمل، فإنه يجوز لها تعاطى ما يمنع الحمل لضعف جسمانى، أو مرض قد يفضى بها إلى هلاك مع الحمل أو يزداد معه، أو يكون خطراً على الجنين أو ضعف ناشئ من توالى الولادة أو الحال التى تعسر معها الولادة، فإنها قد تفضى بالمرأة إلى الموت أو إلى عملية جراحية، كل ذلك وما شابهه يحرز معه منع الحمل؛ لأن بقاء الأصل وهو المرأة أوجب ولو أفضى الأمر إلى قتل الجنين عند التعسر محافظة على الأم لأنها الأصل، هكذا أفتى قطب الأئمة رحمه الله. ولكن الدواء لا يجوز إلا بعد الطهر مباشرة قبل المس؛ أما بعد المس فلا يحل؛ لأنه ربما حصل حمل فإسقاطه جناية ولو كان نطفة. (1/96)
صفحة 97
إلا في أول طهرها قبل الجماع، حال خروجها من الماء. ويذكرون (1) منهن مسألة التقرب، أنه رخص لهن أن يجزى المرأة في التقريب صوم أثنى عشر يوماً، أو تسعة أو ستة، أو ثلاثة، والحمد لله.
باب في الأذان (2)
اعلم أن الأذان، قد ذكره الله في كتابه ولم يأمر به، وهو في قوله تعالى: " وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً "، وكان السبب في نزولها أن الكفار لما سمعوا الأذان، حسدوا النبى عليه السلام والمسلمين على ذلك، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يامحمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية، فإن كنت تدعى النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا ألأذان ولم تفعله الأنبياء والرسل
__________
(1) يذكرون: يريد رحمه الله العلماء وهم أصحاب الديوان؛ قالوا: تتقرب المرأة إلى الله بصوم هذه الأيام المذكورة ككفارة لما عسى أن يكون صدر منها أثناء التربية من سوء التغذية للولد، أو إساءة التربية، والله أعلم.
(2) الأذان شرع للإعلام بدخول وقت الصلاة، لهذا قيل في تعريفه: الإعلان للصلاة بألفاظ شرعية في أوقات مخصوصة. وفي الأذان حكم عظيمة منها: إظهار شعار الإسلام وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، والدعاء إلى الجماعة. قلت: وفي الأذان الدعوة إلى الله، وتبليغ الدعوة الإسلامية إلى الأمم غير المسلمة بإعلان كلمة التوحيد، وضبط الأوقات، وما أبدع صوت المؤذن إذا دوى ورددته موجات الأثير متواترة: لاإله إلا الله. (1/97)
صفحة 98
قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العير؟ فما أقبحه من صوت! وما أسمجه من أمر! فأنزل الله تعالى: " وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ". وأنزل أيضاً: " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين ".
" فصل "
وكان سبب ابتداء الأذان، ماذكره محمد بن عبدالله بن زيد الأنصارى عن أبيه أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولم يكن للمسلمين مايجمعهم إلى الصلاة، جعل المسلمون يتحينون (1) أوقات الصلاة فيجتمعون إليها، وليس ينادى بهن، تكلموا في ذلك، فاستشار (2) النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين فيما يجمعهم إلى الصلاة، فقال بعضهم: ننصب راية (3) فوق ظهر المسجد عند الصلاة، فإذا رأوها أذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك. وقال بعضهم: نورى (4) ناراً على ظهر المسجد، وقال بعضهم: نتخذ قرناً (5) مثل قرن اليهود، فكرهه النبى
__________
(1) يتحينون: أي يترقبون وقت الصلاة حتى يدركوه.
(2) هذا دليل على أن الإمام لا ينفرد بالعمل بل يستشير المسلمين الذين هم أهل الرأى في كل أمر مهم يتعلق بأمور الدين أو أمور الدنيا، لأن استشارة نبينا محمد في أمر الدين يشعرنا بوجوب الاستشارة في أحوال ا لدنيا أولى، والله يقول مدحاً لهم: " وأمرهم شورى بينهم ".
(3) الراية: العلم ولعل ما يوجد في بعض البلاد الاسلامية من رفع الراية عند الزوال مأخوذ من هذا.
(4) نورى: أى نوقد ناراً.
(5) القرن: البوق ينفخ فيه. (1/98)
صفحة 99
صلى الله عليه وسلم من أجل اليهود، وقال بعضهم: نتخذ الناقوس (1) فكرهه عليه السلام من أجل النصارى، ولكن عليه قاموا، وأمروا بالناقوس حتى يصنع.
فقال عبدالله بن زيد: فرأيت في تلك الليلة في المنام، رجلا عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوساً، فقلت: ياعبدالله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به الناس إلى الصلاة، فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: قل الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لاإله إلا الله، إلى آخر الأذان. فلما استيقظت فأخبرت النبى عليه السلام بذلك، فقال: " إنها رؤيا حق إن شاء الله، فألقها على بلال فإنه أندى (2) منك صوتاً ".
فخرجنا إلى المسجد فجعلت القها على بلال وهو يؤذن، فلما سمع
__________
(1) الناقوس: الجرس الذى يتخذونه في كنائسهم. كراهة الرسول صلى الله عليه وسلم لشعار اليهود والنصارى دليل على كراهة كل ما يتخذه هؤلاء من أمور تتعلق بديانتهم، فلا يجوز اعتبارها شعاراً ولا الاقتداء بهم، لأنه يوهم أن ذلك حق وكل أعمالهم باطلة يجب الإعراض عنها.
(2) أندى صوتاً: أى أرفع وأقوى، كما في نسخة. فالمؤذن إذا كان ذا صوت قوى يبلغ إلى كل أنحاء البلد، وهذا يدل على أن اختيار المؤذن الأندى صوتاً من السنة، وتبليغ الصوت بالأذان إلى أرجاء البلد مطلوب ومن السنة. لقد كان المؤذن الندى الصوت موقظاً للنائم منبهاً لمن في سنة أو غفلة، ولا سيما إذا كان جميل الصوت فإنه ذا تأثير في النفوس. (1/99)
صفحة 100
عمر بن الخطاب رضى الله عنه، خرج يجر رداءه (1)، فقال: رأيت مثل الذي رأى، ففرح النبى عليه السلام وقال: " الحمد لله فذلك أثبت ".
فصل في فضل الأذان
عن أبن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة يوم القيامة على كثبان (2) المسك من مسك أسود، لا يهولهم (3) فزع ولا ينالهم حساب حتى يفرغ مابين الناس: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم (4) به قوماً وهم به راضون، ورجل أذن سبع سنين في مسجد من مساجد الله لا يأخذ على أذانه طمعاً (5)، ورجل ابتلاه الله بالرق (6) في دار الدنيا فأحسن عبادة ربه، وأدى حق مولاه (7) ".
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤذن المحتسب (8)
__________
(1) يجر رداءه: خرج مسرعاً مسروراً بما سمع إذ رأى مثله في المنام.
(2) كثبان جمع كثيب: الرمل ا لمستطيل المحدود. والكثبان: التلال أيضاً.
(3) لايهولهم من هال يهول: أفزع وأخاف، وفي رواية: يغبطهم الأولون والآخرون " والغبطة: تمنى مثل ما فيه المغبوط من الخير من غير أن يزول عنه.
(4) أم: أى صار لهم إماماً يصلى بهم.
(5) طمعاً: أى أجراً يطمع فيه، أو يطمع أن يبذل له الناس على أذانه.
(6) الرق: العبودية، والرقيق: المملوك.
(7) مولاه: مالكه وسيده الذى يملك رقبته، وله حق عتقها.
(8) المحتسب: والاحتساب طلب الثواب من الله دون سواه. والمحتسب: من الذى يعمل ابتغاء مرضاة الله ولا يقبل شيئا من مخلوق على ماأحتسب. (1/100)
صفحة 101
كالمتشحط (1) بدمه في سبيل الله مادام في أذانه، ويشهد له كل رطب ويابس يسمع صوته، وإذا مات لم يدود في قبره " وقال عبدالله بن مسعود: لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أحج (2) ولا أعتمر ولا أجاهد.
وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لو كنت مؤذنا لكمل أمرى وما باليت أن لاأنتصب (3) لقيام ليل ولا لصيام نهار، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم اغفر للمؤذنين اللهم اغفر للمؤذنين " ثلاثاً. فقلت: يارسول الله " تركتنا ونحن نجتلد (4) على الأذان بالسيوف " فقال: " كلا، ياعمر سيأتى على الناس زمان يتركون الأذان إلى ضعفائهم، فتلك لحوم حرمها الله على النار " يعنى لحوم المؤذنين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سمعتم الأذان فقولوا مثل مايقول المؤذن (5) " والله الموفق للصواب.
__________
(1) المتشحط: المضطرب بدمه، أى القتيل في سبيل الله.
(2) أى حجاً تطوعاً، لأن الحج الفريضة لا يسد عنه شيء وكذا الجهاد العيني.
(3) أنتصب: أى أتعب قائما تاركاً النوم لعبادة الله.
(4) نجتلد: نتقاتل ونتصارع، والمراد شدة الازدحام الذى صار كالتقاتل، والله أعلم.
(5) رددوا أقوال المؤذن، ورواية الإمام الربيع في المسند: " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل مايقول المؤذن، والأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى ". وفي رواية مسلم: " فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على " الحديث. (1/101)
صفحة 102
" فصل "
اعلم أن الناس قد أختلفوا في الأذان والإقامة. فقال بعضهم: بوجوبها، واحتجوا بقول الله تعالى: " إذا نودى للصلاة " وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجلين (1): " إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما ". وقال بعض العلماء: هما سنتان غير واجبتين. وحجة أهل هذا الرأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعض الصلوات بغير أذان. وقال بعض بوجوبهما على الكفاية، وهما سنتان لكل واحد في خاصة نفسه والمعتمد على هذا القول الثالث.
وفي الأذان أربع سنن أحدها: ألا يؤذن قبل دخول وقت الصلاة؛ لقول الرسول عليه السلام: " إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما " والثانية: استقبال القبلة [2} به، والثالثة: تحريف [3} الوجه إلى اليمين عند قوله حى على الصلاة، واليسار عند قوله: حى على الفلاح، والرابعة: رفع الصوت
__________
(1) في المسند الصحيح للإمام الحافظ الربيع عن أبي سعيد الخدري أنه قال لرجل: " أنى أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت للصلاة، فارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث ليس فيه أمر كالحديث الذى ذكره المصنف فيكون الأمر للندب كما ذهب إليه أهل الرأى الثاني. والذى ذهب إليه أصحابنا هو القول بوجوبهما على الكفاية في اجتماع الناس للصلاة، وبالندب للمفرد. (1/102)
صفحة 103
به لأن النبى صلى الله عليه وسلمقال: " لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ".
ويستحب في الأذان ثلاث – إحداهن: طهارة البدن واللباس، والوقوف فيه مع ترك ما سواه (1) من الأفعال، والإتيان به في أول وقت الصلاة. وليس على النساء أذان ولا إقامة، وكذلك ليس لصلاة السنن أذان ولا إقامة وكذلك ليس لكل صلاة فائتة الوقت أذان ولا إقامة. ولا يجوز الأذان قبل دخول الوقت إلا لصلاة الصبح؛ لقول النبى عليه السلام: " إن بلالا يؤذن بليل " كذلك التثوب (2) لا يكون إلا لصلاة الفجر لقول بلال أمرني النبى صلى الله عليه وسلم أن أتثوب لصلاة الفجر، ونهانى عن ذلك في العشاء. والصلاة على نبى الرحمة هادى الأمة.
" فصل "
وروى عن النبي عليه السلام أنه قال: " المؤذنون أمناء (3) والأئمة ضمناء (4)، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " وسمى عليه السلام
__________
(1) مع ترك ماسواه: لو تكلم فيه لأعاد.
(2) التثوب كذا في الأصول. والذى في النهاية: التثويب، قيل: إنما سمى تثويباً من ثاب يثوب: إذا رجع، وهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، وأن المؤذن إذا قال: " حى على الصلاة " فقد دعاهم إليها.
(3) أمناء جمع أمين: وهو من يثق الناس فيه، لهذا يجب على المؤذن أن يكون عالماً بالمواقيت من فنون الفلك، ولا يجوز لمن لا يعرف الأوقات أن يؤذن.
(4) ضمناء: الضامن من يتحمل المسؤلية عن غيره، لهذا قالوا ك إن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة المأمومين، والإمامة أفضل من الأذان لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء واظبوا عليها، وهى ذات خطر، والفضيلة مع الخطر. (1/103)
صفحة 104
المؤذنين أمناء، لأن الناس أئتمنوهم على أمر صلاتهم وإفطارهم وصومهم وسحورهم. فالواجب للمسلمين على المؤذنين أن لا يؤذنوا إلا بعد دخول الوقت، أعنى وقت الصلاة لئلا يخلطوا على الناس أمر صلاتهم وصيامهم وأما ضمأن الأئمة، فإنما هو أن الإمام إذا فسدت صلاته، فسدت صلاة من صلى بصلاته، وإن صحت صلاته صحت صلاة من صلى بصلاته.
واعلم أن المؤذن يحتاج إلى عشر خصال، وبهن ينال فضل الأذان، إن شاء الله - أولها: أن يعرف أوقات الصلاة، ويحافظ عليها (1)، والثانية: أن يحفظ حلقه (2) من أكل الحرام، والثالثة: إن غاب وأذن أحد في مكانه فلا يغضب بذلك، ولا يسخط عليه، والرابعة: أن يحسن أذانه (3) بغير لحن (4)، والخامسة: أن لا يمن (5) على الناس بأذانه، والسادسة: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والسابعة: أن ينتظر (6) الإمام بقدر مالا يشق على من حضر، والثامنة يغضب
__________
(1) عليها: اى على الصلاة، لأنه إذا كان لا يحافظ على الصلاة فلا يصح أن يكون داعياً إليها.
(2) حلقه: أى طعامه، لأن المؤذن يدعو إلى الله، وآكل السحت النار أولى به كما صح عنه عليه السلام " كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ".
(3) يحسن أذانه: أى صوته فإن جمال الصوت في الأذان من أسباب التأثير في النفوس، فكم من نفس اهتدت إلى الصلاة بجمال صوت المؤذن.
(4) اللحن: الخطأ.
(5) المن: يرى أن له على الناس فضلا في أذانه.
(6) ينتظر: لأن المؤذن هو الذى يقيم الصلاة. (1/104)
صفحة 105
على من وقف بمكانه (1) في المسجد، والتاسعة: أن يتعاهد أمور المسجد، في النظافة والحصر وغير ذلك، والعاشرة: أن يكون أذانه لوجه الله تعالى، خالصاً لا لطلب حظوة الدنيا (2)، ولا رياء، ولا سمعة. وينبغى لمن سمع الأذان أن يقول مثل (3) ما يقول المؤذن.
واعلم أن المؤذن إذا قال: الله أكبر الله أكبر، فمعناه الله أعظم من كل شيء، وعمل الله أوجب من كل عمل، فاشتغلوا به عن أعمال الدنيا، وإذا قال: اشهد أن لا إله إلا الله فمعناه أشهد أنه واحد لا شريك له، فاتبعوا ما أمركم به، فإنه لا ينفعكم أحدٌ إلا هو، وإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فمعناه آمنوا به، وصدقوه، واتبعوه، وإذا قال: حى على الصلاة، فمعناه هلموا (4) وأسرعوا إلى الصلاة، وصلوها لوقتها، في الجماعة، ولا تؤخروها عنه، وإذا قال حى على الفلاح (5)، فمعناه هلموا واسرعوا إلى السعادة التي جعلها الله سببا لبقائكم في الجنة.
__________
(1) مكان المؤذن، كما في سيرة السلف أن يكون خلف الإمام إلى اليمين، أو مباشرة.
(2) حظوة: أى المنزلة والشأن.
(3) مثل ما يقول: المتبادر أن يقول ما يقول المؤذن حتى في الحيهلتين، وهو أحد القولين، إلا أنه في قول آخر أن يقول عندها، لا حول ولا قوة إلا بالله.
(4) هلموا: أى بادروا إلى ما يزلفكم إلى الله من أعظم العبادة، وهو الصلاة التى هي صلتكم بربكم.
(5) أى أقبلوا إلى فوزكم وسعادتكم. (1/105)
صفحة 106
وقد تقدم معنى الله أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله، فمعناه أخلصوا أعمالكم وصلاتكم لله الواحد، الذي لا شريك له.
وأما الإقامة فهى: سنة من سنن الصلاة، وينبغى أن لا يقيم الصلاة إلا من أذن فإن أقام غيره فجائز، والإقامة عندنا مثنى مثنى كالأذان سواء، ولا تجزى إلا بعد دخول الوقت، وينبغى أن يصلى (1) بين الأذان والإقامة، لما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " بين كل أذانين صلاة ". إلا صلاة المغرب، ففى الأثر: أنه لا يصلى قبل المغرب. والحمد لله كثيراً.
باب في الصلاة
اعلم أن الصلاة فريضة [2} من فرائض الإسلام. وركن [3} من
__________
(1) أى الصلاة التى هى الرواتب، وهى ركعتان، أو أربع قبل الفرض. وهذه الصلاة مندوب إليها، وعند قومنا – الحنفية – واجبة، كأنهم حملوا الأمر على الإيجاب. (1/106)
صفحة 107
أركانه؛ لقوله عليه السلام: " بنى الإسلام على خمس (1) على أن يوحد الله تعالى، وإقام (2) الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا "؛ ولقوله عليه السلام: " الصلاة عماد (3) الدين، فمن ترك الصلاة فقد هدم (4) الإيمان " وقوله عليه السلام: " لا إيمان (5) لمن لا صلاة له "، ولقوله عليه السلام: " ليس بين العبد والكفر إلا تركه (6) الصلاة ".
وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لا حظ (7) في الإسلام لمن ترك الصلاة. وقال ابن مسعود: من لم يصل فلا دين (8) له. وقال عليه السلام: "
__________
(1) لا منافاة بين الحديث وما في كتب أصحابنا من أن قواعد الإسلام أربعة، لأنهم نظروا إلى شريعة الله كتكاليف ونظام للعالم ونظام اجتماعى، وإصلاح النفوس فهذا لا بد من الوصول إليه بالعلم، ولما كان ثمرة العلم هو العمل، وأن الأعمال لا تصح إلا بالنية التى هى القصد إلى رضاء الله، وأن الورع – وهو الكف عن محارم الله - سياج وصون لذلك كله، قالوا: قواعد الإسلام أربعة: العلم، والعمل، والنية، والورع.
(2) إقام الصلاة: إقامة سائر وظائفها على أكمل وجه.
(3) عماد الدين: العماد ما يسند به، والعماد الخشبة التى يقوم عليها البيت، أى كمال الإسلام يبنى على المحافظة على الصلاة، فإذا انهدم هذا الأساس انهدم كل شيء من سائر الدين. لهذا قال أبو نصر رحمه الله:
فمن ضيع المفروض من صلواته *** أو أخرم منها فهو أضيع للغير.
(4) يعنى ترك الصلاة ينهار به الإسلام.
(5) أى لا يعتبر إيمانه إذا كان لا يصلى، لأنه لو كان مؤمنا حقاً لحافظ عليها.
(6) أى ترك الصلاة يوقع المرء في الكفر، وهذا كفر نعمة، إن كان تهاونهاً، وإن كان جحوداً فهو كفر شرك.
(7) لا حظ: لا نصيب.
(8) لا دين له: أى ليس بمسلم حقاً. (1/107)
صفحة 108
أول ما يحاسب عليه العبد الإيمان ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم سائر الأعمال ".
" فصل "
إنما سميت الصلاة صلاة؛ لأنها صلة (1) بين العبد وربه، وقيل: سميت صلاة؛ لانحناء (2) الصلوين عند الركوع والسجود. والصلوان عرقان يكتنفان (3) عجم (4) الذنب، وقد قيل: إن أصل الصلاة الدعاء؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء؛ قال الله تعالى: " وصل عليهم إن صلواتك (5) سكن لهم "؛ قال الشاعر:
تقول بنتى وقد قربت مرتحلا
يارب جنب أبى الأوصاب [6} والوجعا [7}
__________
(1) الصلة: الطريق الذى يوصلك إلى الله.
(2) الانحناء: الانثناء والا نعطاف.
(3) يكتنفان: يحيطان به من جانبيه.
(4) عجم الذنب وعجب الذنب: بسكون الجيم وفتح النون، عظم آخر فقرات الظهر، وهو العصعص، وفي النهاية: العظم الذى في أسفل الصلب عند العجز.
(5) قراءة عاصم: " صلاتك " بالإفراد، وقراءة نافع: " صلواتك "، تسكن إليها نفوسهم، وتطمئن قلوبهم، وهؤلاء هم المتخلفون عن الجهاد أو ثقوا أنفسهم على سوارى المسجد فآلوا أن لا يفكوا وثاقهم حتى يحلهم رسول الله، فأقسم رسول الله أن لا يفك وثاقهم حتى ينزل فيهم أمر الله، فنزل فيهم: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " الاية فأطلقهم صلوات الله عليه وسلامه. (1/108)
صفحة 109
عليك مثل الذي صليت (1) فاغتمضى (2)
نوما فإن لجنب المرء مضطجعاَ (3)
صليت: أى دعوت. والله أعلم.
" فصل في فضل الصلاة "
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العبد في كل يوم وليلة، فمن جاء بهن تامة لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً (4) بحقهن، فله عند الله عهد (5) أن يدخله الجنة، ومن لم يأت (6) بهن فليس له عنده عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه "، وقال عليه السلام: " مثل الصلوات الخمس كمثل نهر (7) عذب (8) غمر (9) بباب أحدكم يقتحم (10)
__________
(1) صليت: أى مثل ما دعوت.
(2) اغتمضي: نامى مطمئنة.
(3) مضطجع: مكان النوم يريد الموت.
(4) استخفافاً: تهاوناً.
(5) العهد من الله سبحانه هو قوله: " كتب ربكم على نفسه الرحمة " وذلك العهد لمن كان موفياً بدين الله ومات على الوفاء، بدليل قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: " لمن اجتنب الكبائر " في أحاديث؛ في صحيح الإمام الربيع: " ومن نقص من حقهن شيئاً جاء وله عهد عند الله أن يدخله النار " ولكل منهما وجهة.
(6) أى ضيعهن: أى إن مات على غير توبة، عذب وإن تاب فإنه يرحمه.
(7) النهر: الماء الجارى المتسع.
(8) عذب: حلو، وعذوبة الماء سبب للنقاء ونظافة الجسم.
(9) غمر: يعلو من ينزل فيه لكثرته.
(10) يقتحم: يدخل فيه ويغطس. (1/109)
صفحة 110
فيه كل يوم خمس مرات فما ترون من ذلك أيبقى من درنه (1) شيء"؟ قالوا: لا شيء، قال: " فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن ".
والدليل على ذلك قول الله تعالى: " إن الحسنات يذهبن السيئات " والحسنات: هى الصلوات الخمس يكفرن السيئات لمن أجتنب الكبائر. وبلغنا أن أول ما ينظر من أعمال العبد الصلاة فإن وجدت تامة قبلت وقبل سائر عمله، وإن وجدت ناقصة ردت عليه ورد سائر عمله. وقال بعض العلماء: مثل المصلى كمثل التاجر لا يخلص له الربح حتى يخلص له رأس المال، وكذلك المصلى لا تقبل منه نافلة حتى يؤدى الفريضة.
وقال عليه السلام: " من صلى الصلوات الخمس في وقتها، فأسبغ (2) وضوءها، وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها (3)، عرجت وهي بيضاء
__________
(1) الدرن: الوسخ، فالصلوات تذهب الأقذار الحسية والمعنوية متى جاء المسلم بها كاملة الشروط والصفات، لهذا وصفها الله سبحانه بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهى تنير القلب وتطهر الباطن وتدفع إلى الصالحات.
(2) أسبغ: عم الغسل سائر أعضاء الوضوء مع التدليك.
(3) الخشوع: الخضوع والضراعة، وذلك بالقلب والجوارح، والخشوع من أركان الصلاة، ولا يتأتى إلا مع السكون الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: " أسكنوا في صلاتكم " وهذا أمر للوجوب، وذلك أنه دخل المسجد فرأى ناساً يرفعون أيديهم في الصلاة فقال: " ما بال قوم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في صلاتكم " رواه أصحابنا مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم. ورواه الإمام أفلح عن أبى غانم الخراسان. ورواه مسلم في صحيحه. لهذا يرى أصحابنا الخشوع في كافة أحوال الصلاة ولا يجيزون رفع اليدين مطلقاً في الصلاة. (1/110)
صفحة 111
مسفرة (1) تقول: حفظك الله كما حفظتنى، ومن صلاها لغير وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها، عرجت وهى سوداء مظلمة، تقول: ضيعك الله كما ضيعتنى، حتى إذا كانت بحيث ما شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق (2) فيضرب بها وجه صاحبها "، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن؛ قال الله تعالى: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر "، وقال عليه السلام: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً (3) ".
" فصل في عقوبة تارك الصلاة "
واختلف الناس في تارك الصلاة على أربعة أقوال، فقال بعضهم: يستتاب (4) تارك الصلاة ثلاثاً، فإن ارتدع وتاب، وإلا قتل (5). وقال بعضهم: يضرب نكالا. وقال بعض: يضرب تعزيراً. وقال بعضهم: يؤدب ويسجن.
__________
(1) مسفرة: مستنيرة.
(2) الخلق: البالى.
(3) روى في مقاطيع الإمام أبى الشعثاء، جابر بن زيد رحمه الله، ورواه الطبراني في كبيره عن أبن عباس. والبعد في الحديث يصح أن يكون ضد القرب، ويصح أن يكون بمعنى الهلاك.
(4) يستتاب: يحمل على التوبة والارتداع والرجوع إلى الصلاة.
(5) قتل. هذا حكم المرتد يقتل كفراً لا حداً، لقوله سبحانه في المشركين: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة " الآية، وعلى هذا أكثر سلف الأمة من كل المذاهب. قلت: يقتل تارك الصلاة ردة إن كان منكراً لفرضيتها، لأنه أنكر ما علم من الدين بالضرورة وإلا قتل حداً. هذا مذهب أهل الاستقامة. (1/111)
صفحة 112
وذكر أن إبليس لعنه الله كان يرى في الزمان الأول، فلقيه رجل فقال له: إنى أحب أن أكون مثلك، فبماذا أكون مثلك؟ فقال له الملعون: ويحك [1} لم يطلب منى هذا أحد غيرك، فكيف تطلبه أنت؟ فقال له الرجل: إنى أحب ذلك، فقال له الملعون: إذا أحببت أن تكون مثلى فتهاون بالصلاة، ولا تبالى من الحلف صادقا ولا كاذبا. فقال له الرجل: لقد عاهدت الله أن لا أدع الصلاة، ولا أحلف يميناً أبداً. فقال له إبليس لعنه الله: ما تعلم منى أحد بالاحتيال غيرك. وعن أبى ذر رحمه الله أنه قال: من تهاون بالصلاة فتركها ثلاثة أيام مع لياليها عاقبه الله بخمس عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وثلاثة عند موته، وثلاثة في قبره، وثلاثة في محشره. أما الستة اللواتى في الدنيا: فنزع البركة [2} من عمره، ومن رزقه، ونزع سِيمَ [3} الصالحين (1/112)
صفحة 113
من وجهه، ولا يستجاب دعاؤه، ولا يقبل (1) عمله، ولا يجد ثواب عمله. وأما الثلاثة اللواتى عند الموت: فإنه يكون جائعاً عطشاناً ذليلاً. وأما اللواتى في القبر: فضيق القبر، وظلمته، وعذابه في البرزخ (2)، حتى تقوم القيامة. وأما اللواتى في المحشر: فإنه يسحب (3) على وجهه ويعذب عذاباً أليماً، وينادى عليه مناد هذا جزاء من ضيع فرائض الله تعالى.
" فصل في ثواب الصلاة "
ولا يستحق ثواب الصلاة إلا المقيمون للصلاة، والمقيمون هم المحافظون على الصلاة في أوقاتها، بوظائفها [4} وخشوعها [5}؛ لأن المصلين كثيرون، والمقيمين قليلون. قال الله تعالى: " الذين يؤمنون بالغيب (4) ويقيمون الصلاة " وقال: " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة " وقال: " وأقيموا الصلاة ". وقال تعالى في المنافقين:" فويل
__________
(1) هو العمل المردود على صاحبه، والمحبط، والذى لا يجد صاحبه لذة له.
(2) البرزخ: ما بين الموت والبعث من الزمن، وعذاب أهله ثابت بالنص كما في آية آل فرعون، وعذاب القبرين الذين يعذبان من البول والنميمة وغيرهما.
(3) يسحب: لقوله تعالى: " يوم يسحبون في النار على وجوههم ".
(4) الفرض كالإيجاب، لكن الإيجاب يقال اعتبارً بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. (1/113)
صفحة 114
للمصلين (1) * الذين هم عن صلاتهم ساهون (2) "، فسماهم المصلين، وسمى المؤمنين المقيمين.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الصلاة مرضاة الرب، وحب الملائكة، وسنة الأنبياء وأهل (3) الإيمان، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال، وبركة في الرزق، وراحة الأبدان، وسلاح الأعداء، وكراهية الشيطان، وشفيع لصاحبها عند ملك الموت، وسراج في قبره وفراش لجنبه، وجواب (4) منكر ونكير، ومؤنس معه في القبر، وزائر له في قبره (5). فإذا كان يوم القيامة صارت الصلاة ظلا فوقه، وتاجاً على رأسه، ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى بين يديه، وستراً بينه وبين النار، وحجة بين يدى الرب، وثقلا في الميزان،
__________
(1) سمى الله المنافقين مصلين، ولم يصفهم بالإقامة، لأنهم كما وصفهم في آية أخرى: " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى " فصلاتهم صورة من الصلوات، وليست الصلاة حقيقة كصلاة المسلمين التى وصفها بالإقامة.
(2) وصفهم بالغفلة عن صلاتهم وعدم المبالاة، بحقوقها ووظائفها، لأنهم يصلون رئاء الناس كما قال تعالى: " يراءون الناس " فكذلك صلاة الذين يتهاونون بها مجردة من صفات الإقامة التى هى من واجبات هذا الركن العظيم.
(3) الإتيان بهذه الفريضة على أكمل وجه، دليل كمال الإيمان والرسوخ فيه.
(4) يعنى تجيب عنه دفاعاً عند سؤال الملكين للميت عند دخول القبر.
(5) يعنى تارة تكون الصلاة معه لأنسه، وتارة زائرة، فأحوال القبر ويوم القيامة على أطوار عديدة، لهذا تعدد أسماؤها. (1/114)
صفحة 115
وجوازا (1) على الصراط، ومفتاحا (2) للجنة، ورفعاً للدرجات، لأن الصلاة تسبيح وتحميد وتقديس وتمجيد وتعظيم وقراءة ودعاء (3) ".
وإن أفضل الأعمال كلها الصلاة لوقتها، لأن الصلاة تتضمن جميع طاعة المتعبدين المجتهدين من الملائكة ومن الإنس والجن. ويقال: خلق الله سبع سموات، وحشاها (4) بالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون (5)، وتعبدهم بأصناف العبادات: فأهل سماء قيام حتى ينفخ في الصور، وأهل سماء ركع، وأهل سماء سجد، وأهل سماء مرخية الأجنحة من هيبته (6)، وأهل عليين، ومن حول العرش يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون (7) لمن في الأرض، فجمع الله ذلك للمؤمنين في صلاة واحدة، كرامة لهم؛ لينالوا حظاً من عبادة أهل السموات وزادهم
__________
(1) هذا دليل على أن الصراط جسر على جهنم يمر عليه الناس.
(2) مفتاحاَ: سبباً لدخولها من الأسباب كما أن المفتاح سبباً لدخول المنزل.
(3) دعاء: يعنىهى دعاء لأنها مناجاة الله، والمناجاة دعاء، أو دعاء بعدها، أوكلاهما. فإذا كانت الصلاة مشتملة على ما ذكر من المعانى فهى جامعة لمعانى الدعاء والقربات التى يأتى بها أهل النكال.
(4) حشاها: أى ملأها، فالملائكة أكثر الخلق عدداً.
(5) لايفترون: أى لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس، كما أن بنى آدم يلهمون النفس – بفتح الفاء – فالتسبيح منهم كالنفس منا.
(6) هيبته: إجلالا ومخافة.
(7) يستغفرون للمؤمنين بدليل قوله سبحانه، حكاية عنهم، " فاغفر للذين تابوا " الآية. (1/115)
صفحة 116
القرآن يتلونه (1) فيها. وأنشد في الصلاة شعر:
ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ... لأن بها الأراب (2) لله تخنع (3)
فأول فرض من شريعة ديننا ... وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع
فمن قام للتكبير لاقته رحمة ... وكان كعبد باب مولاه يقرع
فصار لرب العرش حين صلاته ... نجياً فياطوباه إن كان يخشع
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أعطى عبد خيراً من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما ". وقال محمد بن سيرين: لو خيرت بين الجنة وبين الركعتين لاخترت الركعتين على الجنة؛ لأن في الركعتين رضاء الله، وفى الجنة رضاء نفسى، وأنشد:
اغتنم (4) في الفراغ فضل ركوع ... فعسى (5) أن يكون موتك بغته (6)
كم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلته (7)
" فصل "
اعلم أن الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم فرائض، وقسم سنن وقسم نوافل، أما الفرائض: فكل صلاة نص الله تعالى عل وقتها،
__________
(1) إعطاء الله المؤمنين من أمة محمد القرآن يتلونه دليل على تكريم الله، ورفع شأنهم، على من سواهم، لأن القرآن أفضل ما يتلى، وأعظم الكتب.
(2) الأراب: الأعضاء.
(3) تخنع: تتذلل وتخضع.
(4) اغتنم: اكتسب، الغنيمة: الفوز بالشيء وبلا مشقة.
(5) عسى هنا للشفقة: أى خوف أن يكون موتك بغتة.
(6) بغتة: فجأة.
(7) فلتة: أى سريعاً. (1/116)
صفحة 117
وذكرها في قوله: " أقم الصلاة لدلوك (1) الشمس الآية، وفي قوله: " فسبحان الله حين تمسون (2) وحين تصبحون " الآية. فهى خمس صلوات بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة "، ولقوله عليه السلام: " خمس صلوات كتبهن (3) الله على العباد ".
ولكن ورد فرض الصلاة في كتاب الله تعالى مجملا غير مفسر، فبينها (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدودها، وركوعها وسجودها، ووظائفها وقراءتها، وتسبيحها وتعظيمها، وقعودها وتشهدها وتسليمها، وجعلها صلى الله عليه وسلم سبع عشرة ركعة (5) على المقيم، وإحدى عشرة ركعة على
__________
(1) الدلوك: الدفع إلى الغروب والميل إليه، ودلكت الشمس والنجوم: زالت عن الاستواء، غسق الليل: ظلامه، وقرآن الفجر: صلاته، مشهوداً: تشهده الملائكة، أى ملائكة الليل تصعد، وملائكة النهار تنزل.
(2) تمسون: تدخلون في المساء، وتصبحون: تدخلون في الصباح، وعشياً: ما بعد العصر، وتظهرون: تدخلون في الظهيرة، فالآيتان جمعتا أوقات الصلوات الخمس كما هو واضح. والحمد لله.
(3) كتبهن: فرضهن.
(4) بينها صلى الله عليه وسلم بالفعل، وقال: صلوا كما رأيتمونى أصلى ".
(5) سبعة عشرة ركعة: هى مجموع الصلوات الخمس، روى الإمام الحافظ الحجة الربيع في صحيحه عن ابن عباس: " على المقيم سبع عشرة ركعة، وعلى المسافر إحدى عشرة ركعة " فعلى في الحديث للوجوب واللزوم، فثبت بهذا الحديث أن صلاة السفر عزيمة لا رخصة وهو ماعليه أصحابنا. وقد أوضحت هذا في رسالتى " صلاة السفر " بما لا مزيد عليه والحمد لله. (1/117)
صفحة 118
المسافر. والأمة كلها مجتمعة فما تناهى (1) إلينا على هذا العدد الذي ذكرنا: أربع ركعات للظهر، وأربع للعصر، وثلاث للمغرب، وأربع للعشاء، واثنتان للفجر. وهذا النوع من المتواتر (2) الذي لا ينكره إلا متجاهل. يأثره أهل جيل (3) عن جيل، من لدن (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هلم جرا (5)، حتى عرفه الخاص والعام.
وقد ذكر عن عتبة بن أبى سفيان أنه استعمل رجلا من آله على الطائف، فظلم رجلا من أزد شنؤة (6) فأتى الأزدى إلى عتبة شاكياً إليه من عامله، فلما وقف بين يديه قال شعراً:
أمرت من كان مظلوما لياتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوما
فذكر له ظلامته، فقال له عتبة: إنى أراك أعرابيا جافيا، والله ما أحسبك تدرى كم تصلى في كل يوم وليلة. فقال الأزدى: أرأيت إن أنبأتك بذلك أتجعل لى عليك مسألة؟ فقال عتبة: نعم، فقال الأعرابي:
إن الصلاة أربع فأربع ... ثم ثلاث بعدهن أربع
__________
(1) تناهى: بلغ إلينا.
(2) المتواتر: هو مارواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.
(3) الجيل: أهل كل عصر، أى ترويه أهل العصور المتتالية إلى أن وصل إلينا.
(4) من لدن: أى من عند رسول الله وزمانه.
(5) هلم جراً: أى امتد ذلك إلى اليوم، واستدامة الأمر: اتصاله إلى اليوم.
(6) أزد شنوءة: هم أزد البصرة. (1/118)
صفحة 119
ثم صلاة الفجر لا تضيع ... وهى اثنتان فاستمع ما أشرع (1)
قال: صدقت فسل. قال: كم فقار (2) ظهرك؟ قال: لا أدرى. قال: أفتحكم بين المسلمين وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فقال عتبة: ردوا عليه غنيمته.
وأما صلاة السنن فهى على ثلاثة أقسام: سنن واجبات (3)، وسنن مؤكدات، وسنن مرغبات. أما الواجبات فصلاة الوتر، وصلاة الجنائز. وأما الوتر: فوجب بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله زادكم صلاة سادسة هى خير لكم من حمر النعم ألا وهى صلاة الوتر ".
وصلاة الوتر هى ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. وأما صلاة الجنائز: فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلوا على موتاكم ".
وأما المؤكدات (4): فركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان قبل
__________
(1) أشرع: من أشرعت الشيء في وجهه، وشرعته: أظهرته وأوضحته.
(2) فقار الظهر: عقده الشبيهة بالخرز في نظمه ينفذ فيها النخيع، وهى عمود الظهر.
(3) واجبات لأزمات، والواجب وهو مافعله الرسول وأمر به، مرادف للفرض عند أصحابنا، وإن كان الفرض الأمر القطعى من القرآن، والواجب اللازم بالسنة، وكلاهما كما تقدم ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
(4) المؤكد في السنن مثل ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم طول حياته ولم يأمر به، كركعتى الفجر قبل الفرض وركعتى المغرب بعد الفرض، فإنه كان لا يدعهما لا في الحضر ولا في السفر. (1/119)
صفحة 120
صلاة الفجر، وصلاة العيدين (1)، وقيام رمضان (2)، وركعتا الطواف خلف المقام.
وأما المرغوبات: فصلاة الضحى، وصلاة الكسوف (3)، وصلاة الخسوف (4)، وصلاة الزلزلة (5). وأما النوافل: فكل تطوع صلاه المرء لله تعالى من غير ما ذكرنا. والنفل (6) في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: " فتهجد به نافلة لك " أى زيادة لك.
وتنقسم صلاة الفريضة على ثمانية أقسام – أحدها: صلاة الحضر، والثاني: صلاة السفر (7)، والثالث: صلاة الخوف (8)، والرابع: صلاة
__________
(1) صلاة العيدين: الفطر والأضحى، سميا عيدين لأنهما يعودان كل سنة، وتسن صلاة العيد لاجتماع الناس لها يشتركون في المرح والفرح، فهو يوم سرور الخلق كلهم.
(2) قيام رمضان سنة مندوبة لأنه عليه السلام صلاها مرة وتركها أخرى.
(3) الكسوف: للشمس، وهو تغير نورها بسبب مرور جرم فلكى بينها وبين الأرض قيل: هو عطارد.
(4) الخسوف: انطماس نور القمر بسبب مرور الأرض بينه وبين مصدر نوره الشمس. سن رسول الله صلى الله عليه وسلم للكسوف والخسوف صلاة ركعتين لتطمئن نفوس المسلمين بالرجوع إلى الله عند كل شدة وروع.
(5) الزلزلة: هزة أرضية بسبب انفجار في جوفها بانحباس البخار.
(6) النفل: التطوع، وهو غنيمة الثواب.
(7) صلاة السفر عزيمة عندنا كما تقدم.
(8) صلاة الخوف: تخفيف من الله على عباده، لقوله تعالى: " فإن خفتم فرجالا أو ركباناً " يصلى الخائف كما أمكنه ولو بالإيماء إن لم يجده خلافه. (1/120)
صفحة 121
المسايفة (1)، والخامس: صلاة المريض، والسادس: الصلاة في الماء (2) أو على ظهر ا لبحر في السفينة، والسابع: الجمع (3) بين الصلاتين، والثامن: صلاة الجماعة.
فأما صلاة الحضر: فهى سبع عشرة ركعة (4) بين اليوم والليلة كما ذكرنا ست ركعات منهن يقرأ فيهن بأم (5) القرآن وسورة جهراً، وهن الركعتان الأوليان من صلاة المغرب، والأوليان من صلاة العشاء، والركعتان لصلاة الفجر. وإحدى عشرة ركعة يقرأ فيهن بأم القرآن وحدها سراً، وهن أربع ركعات للظهر وأربع للعصر، والآخرة من صلاة المغرب، والأخيرتان من صلاة العشاء. لا يجزىء المرء أقل من هذا العدد، مادام مقيما حاضراً في وطنه إلا في زمان الظهور (6)، وإذا كان الإمام يقيم الجمعة للناس فإنه
__________
(1) المسايفة: الالتحام بالعدو في الحرب، هذا بيان أن الصلاة لا تترك على كل حال ما دأم المسلم على رمق.
(2) في الماء: أى الواقع في الماء أو المحبوس فيه.
(3) الجمع بين الصلاتين في الحضر أو السفر، كما في صحيح الربيع.
(4) سبع عشرة ركعة: كما تقدم عن الربيع في صلاة الحضر.
(5) أم القرآن: الفاتحة، سميت به لأنها متضمنة لجميع علومه.
(6) الظهور: الاستقلال التام تحت لواء إمام ينتخبه المسلمون انتخاباً حراً، يحمى الأمة الاسلامية من كل عدو، ويعلى شأن الإسلام بإظهار عظمته بالعدل، وتنفيذ الأحكام الشرعية وحدوده، وإقامة القسط بين الناس حتى تنعم الأمة بجلال الإسلام ونعمته، ويعبد الله كمال العبادة. أما إن كان استقلال المسلمين موجوداً ولكن الحدود الشرعية لا تقام، فهذا وإن كان ظهوراً تقام فيه الجمعة فتجب فيه الصلاة خلف هذا الإمام، وهو إمام الجور، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صلوا خلف كل بار وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر ". ورواية الإمام الحجة الربيع في مسنده عن الآئمة عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: " الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر " وكأن أئمتنا يصلون بالبصرة خلف الحجاج ومن على منهاجه. وقد قسم أئمتنا طرق تنفيذ الأحكام الإسلامية على أربعة مسالك. الظهور: ومثلوا له بعهد العمرين. والكتمان: وهو عدم الاستقلال التام، ومثلوا له بعهد جابر بن زيد وأبى عبيدة مسلم التميمى ومن على طريقهم، والدفاع: وهو مبايعة إمام عند مفاجأة العدو يحاربون تحت لوائه دفاعاً تزول إمامته بزوال القتال. والشراء: ومثلوا له بعمل أبى بلال مرداس بن حدير ومن معه، وهم المحتسبون والفدائيون. وهو تقسيم بديع اختص به أصحابنا كما في تاريخنا. (1/121)
صفحة 122
يصلى الجمعة مع الإمام، وهى ركعتان بأم القرآن وسورة جهراً، وتكون الصلاة حينئذ خمس عشرة ركعة.
ويجوز لنا أن نصلى الجمعة خلف (1) الجبابرة إذا أقاموها للناس اقتداء بسلفنا الصالح؛ كجابر بن زيد، وأبى عبيدة، والربيع بن حبيب، وصحار بن عباس العبدى، رحمهم الله ورضى عنهم.
والوطن (2) الذي يصلى فيه الإقامة من شروط الصلاة التي لاتتم إلا بها وإنما يوطن المرء بلداً لا يخرجه منه إلا القحط (3) أو العدو. وينبغى له أن يتخذه في موضع محدود (4) طاهر، تمكنه الصلاة عليه، ويأخذه بالقصد
__________
(1) هذا دليل على جواز الصلاة خلف أى إمام من أهل القبلة، ما لم يأت بما يفسد صلاته.
(2) اتخاذ الوطن فرض للفرق بين الفريضتين في الصلاة حضراً وسفراً ليتحقق أداء الفرض وأميال الوطن لصلاة السفر.
(3) القحط: ا لجدب والمجاعة.
(4) هذا لتحديد الوطن بدقة بتحديد الأميال وحدود الوطن. (1/122)
صفحة 123
والنية (1) دون القول. فإذا أراد نزعه فلينزعه بالقول والنية. والمرأة تابعة لزوجها في الأوطان، وكذلك العبد تابع لسيده، والابن (2) تابع لأبيه. وقيل: إنما ينبغى أن يوطن واحداً من أربعة: منزلاً (3) معروفاً أو بئراً معروفاً أو حوضاً في مرج (4)، أو قصراً معروفاً، وإن وطن غير هؤلاء فجائز، وإن أراد أن يوطن أربعة أوطان (5) في حوزة واحدة فجائز كذلك، وأما أكثر من أربعة فلا.
وأما صلاة السفر: فهى إحدى عشرة ركعة (6)، يجهر بالقراءة فيما يجهر به من صلاة الحضر، ويسر الباقى، بأم القرآن وحدها. وصلاة السفر ركعتان، لكل صلاة، إلا صلاة المغرب، فإنها ثلاث ركعات في الحضر والسفر.
__________
(1) النية: لأن هذه القضية تتعلق بركن من أركان الدين، وجبت النية لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، ولكل إمرىء مانوى " رواه الإمام الربيع في مسنده.
(2) الابن مادام في رعاية أبيه.
(3) منزلا: مسكناً لا حوزة.
(4) المرج: أرض ذات نبات ومراع.
(5) أربعة أوطان: لأنه له أن يتزوج أربعاً كأن يتفق له أن يتزوج في أربعة أقطار، وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من تزوج من بلد فهو من أهله " وهذه المسألة هى التى وقع فيها مشادة بين الصحابة والخليفة الثالث في منى، فأسدل لهم بالحديث.
(6) لما تقدم من حديث الربيع: " على المسافر إحدى عشرة ركعة ". (1/123)
صفحة 124
والدليل على صلاة السفر، ما روي عن عائشة رضى الله عنها. أنها قالت: أول ما فرضت (1) الصلاة ركعتان، ثم زيد في صلاة الحضر. وما روى عن جابر بن عبدالله الأنصارى، أنه سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن صلاة السفر أقصر هى أم لا؟ فقال: " لا الركعتان في السفر ليستا قصراً، إنما القصر واحدة عند الخوف (2) ". وحد السفر فرسخان، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع، فإذا جاوز ا لفرسخين من وطنه، صلى صلاة السفر، حتى يعود إلى منزله؛ والدليل على أن حد السفر فرسخان، ماروى عن النبى عليه السلام أنه خرج ذات يوم ومعه أصحابه، حتى صار بذى الحليفة صلى ركعتين بها ثم رجع، فسئل عن ذلك فقال: " أردت أن أعرفكم صلاة السفر " أو قال: " حد السفر ".
وأما صلاة الخوف فهى مذكورة في قوله تعالى: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم " الآية، وصفة صلاة الخوف، ما روى جابر بن زيد عن جملة من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم: " أنهم صلوا معه صلاة الخوف يوم ذات الرقاع (3)، أو في غيره،
فقامت طائفة منهم
__________
(1) هذه رواية الإمام الحافظ الربيع بن حبيب في صحيحه.
(2) هذا الحديث دليل على أن صلاة السفر فرض وعزيمة لا رخصة، وأما القصر فهو صلاة الخوف، كما هو واضح من هذا الحديث.
(3) ذات الرقاع: غزوة من غزواته صلى الله عليه وسلم، سميت بذلك لأنهم شدوا الخرق على أرجلهم من شدة الحر لفقد النعال. قال الصاغاني: هى غزوة محارب خصفه، وبنى ثعلبة من غطفان. وفي حديث جابر: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فلقى جمعاً من غطفان ولم يكن قتال، وقال بعضهم: هى بين الحرمين. قال معبد الخزاعى: وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، وقيل: هو اسم جبل قريب من المدينة فيه بقع حمراء وسوداء وبياض كأنها رقاع. و الله أعلم. (1/124)
صفحة 125
وصفت خلف النبى صلى الله عليه وسلم، وطائفة واجهت العدو، فصلى بالذين وقفوا خلفه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم فانصرفوا وواجهوا العدو، وجاءت طائفة أخرى، فصلى بهم ركعة، ثم ثبت جالساً، وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم، ثم سلم بهم جميعاً. وقالت طائفة أخرى: صلى بالطائفة الأولى ركعة، فانصرفت وواجهت العدو، وجاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعة ثانية، ثم سلم فسلموا جميعاً، من غير أن يثبت لكل طائفة منهم حتى تتم مثل ما قال أصحاب القول الأول. وعلى هذا القول الأخير العمل عندنا، وبه قال ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما.
وأما صلاة المسائفة: فإنها تكون عند الضرب والطعن وهى ترجع إلى الإمكان إن أمكنه أن يصليها قائماً بوظائفها وحدودها فليفعل، وإن لم يمكنه إلا بالتؤمي فليفعل. وهو ماش أو راكب كما قال الله تعالى: " فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً " فإن لم يمكنه هذا كله فليكبر لصلاته.
واختلفوا في التكبير، فقال بعضهم: يكبر تكبير الصلاة (1/125)
صفحة 126
كلها. وقال بعض: يكبر سبعاً. وقال بعض: يكبر ستا. وقال بعضهم يكبر خمساً. وقال بعض: يكبر أربعاً، والله أعلم.
وأما صلاة المريض: فقد ذكر فيها عن النبى عليه السلام أنه قال: " يصلى المريض قائماً، فإن لم يستطع فليصل قاعداً، فإن لم يستطع فنائما، فإن لم يستطع فمستلقياً، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها ".
وقوله عليه السلام: " نائماً " إنما يكون على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة. وقوله: " مستلقيا " تكون رجلاه نحو القبلة ويكون رأسه نحو الشمال مستقبلا القبلة. وإن لم يقدر المريض على هذا فليكبر لصلاته. وقد ذكرنا التكبير واختلافهم فيه. وإن نجست ثيابه أو فراشه بعد دخوله في المرض، ولم يقدر على تحويل ولا تبديل، فليصل كذلك ولا إعادة عليه (1).
وأما صلاة السفينة: فهى وصلاة المريض شرع (2) واحد، في القدرة على القيام والقعود والاضطجاع. وصلاة القاعد والمضطجع: إنما هى بالتومى (3)، ويجعل السجود أخفض من الركوع. وكذلك
المصلى في الماء
__________
(1) لا إعادة عليه لأنه صلى كما أمكن لقوله سبحانه: " فاتقوا الله ما أستطعتم، وليس للمريض أكثر من ذلك، وكل ما ذكر من أطوار الصلاة يدل على أنه لا يحل ترك الصلاة بحال من الأحوال إلا عند فقدان العقل الذى هو أساس التكليف.
(2) شرع: طريق واحد، وسواء.
(3) التؤمى: الإيماء بالرأس، ينخفض برأسه للسجود أكثر مما ينخفض به في الركوع ليميز بينهما. (1/126)
صفحة 127
والوحل (1)، فإنما صلاته بالتؤمى قياماً أو قعوداً، ولا يسجد على الوحل والماء.
وأما الجمع بين الصلاتين: فهو سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل عليها ما روى عن معاذ بن جبل رضى الله عنه، وذلك أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك (2)، فكان يجمع بين الظهر والعصر جميعاً، وبين المغرب والعشاء جميعاً، وفي الأثر أنه يجوز جمع الصلاتين لخمسة – أحدها: المسافر، والثانى: المريض المدنف (3)، والثالث: من خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب، والرابع: الواقف بعرفة يوم عرفة للحج، والخامس: للبائت بجمع، إذا أفاض من عرفات؛ فإنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.
وكيفية الجمع أن يؤخر الأولى قليلا، ويعجل الآخرة قليلا، ولا يكون بينهما إلا الإقامة والتسليم، فإن تكلم القارن بينهما، أو اشتغل
__________
(1) الوحل: الطين الرقين ترتطم فيه الدواب.
(2) تبوك: موقع ببادية الشام في طريق المدينة. غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع في رجب فصالح أهلها ولم يقع كيد – حرب – على الجزية، وكانت خالية من البؤس، فشبهوها بالناقة السمينة، وقد مكث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يقصر الصلاة، وقيل: أربعين يوماً. قالت العرب: باكت الناقة تبوك: سمنت، وبمضارع هذه سميت الغزوة والمكان، وهى قريب من مدائن صالح:
(3) دنف المريض: لازمه المرض كأدنفه. (1/127)
صفحة 128
بغير أمر الصلاة، انتقض قرانه. وأصحابنا يقولون: الجمع في السفر من إحياء السنة.
وأما صلاة الجماعة: فمن فروض الكفاية، إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين وإن تركها الجميع هلكوا (1). وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه لم يزل يصلي الجماعة حتى مات، وأمر المسلمين بالمحافظة عليها، ورغبهم فيها، وشدد عليهم، حتى قال لهم: " من سمع النداء فليجب ومن لم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، والعذر المانع خوف أو مرض؛ فقال له ابن أم مكتوم: إنى ضرير شاسع (2) الدار، ولا قائد لى، فهل لى من رخصة أن أصلى في بيتى؟ فقال له النبى عليه السلام: " هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال " فأجب " وقيل: إنه أمر أن يشد له حبل إلى المسجد، فكان يمشى إليه وقال عليه السلام: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد "
وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: من سره أن يلقى الله مسلماً فليحافظ على الصلوات المفروضات، حيث ينادى بهن في الجماعة، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، فإنهن من سنن الهدى،
ولعمرى
__________
(1) يطلق أصحابنا على الوقوع في الإثم العظيم لفظ الهلاك، فيقولون: هلك فاعل كذا، فلو ترك الناس صلاة الجماعة لكفروا، يقول ابن النضر رحمه الله:
وقيل إذا الورى تركوا ثلاثا ... فقد حملوا بما تركوه كفرا
صلاة جماعة وصلاة ميت ... وتركهم الجهاد إذا اشمخرا
وفي نسخة: وزراً. واشمخر: تطاول.
(2) شاسعاً: واسعأً. (1/128)
صفحة 129
لو صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد أتى علينا زمان ما يتخلف عنهن إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد رأيت الرجل يتهادى (1) بين اثنين حتى يقام في الصف، وما من رجل يتطهر في بيته، ويحسن طهوره، ثم يعمد إلى مسجد من المساحد، فيصلى فيه، إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة، ورفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، وإنا كنا لنقارب بين الخطأ (2)، وإن صلاة الرجل مع الجماعة تفضل على صلاة من صلى وحده بخمس وعشرين درجة.
وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاة مع الجماعة أربعين يوماً كتب الله له براءتين: براءة من النار، وبراءة من النفاق ". وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون (3) مافيهما لأتوهما ولو حبواً (4) ".
وعن مجاهد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يابن عباس ماتقول فيمن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يشهد الجماعة، ولا يصلي فيها ويموت
__________
(1) يتهادى: يتمايل بين رجلين يحملانه لمرضه.
(2) الخطأ: جمع خطوة، يقاربون خطاهم لتكثر فيعظم الثواب.
(3) أى ما فيهما من الثواب.
(4) حبواً: زحفاً. (1/129)
صفحة 130
على ذلك؟ فقال له ابن عباس: هو في النار. فاختلف إليه شهراً يسأله ويقول في كل ذلك: هو في النار. وقال صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاة في جماعة فكأنما ملأ نحره عبادة ". وقال حاتم الأصم: فأتتنى صلاة الجماعة يوماً فعزانى (1) أبو أسحاق البخارى وحده، ولو مات لى ولد لعزانى أكثر من عشرة آلاف رجل؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا. وعن ميمون بن مهران: أنه أتى المسجد فوجد الناس قد صلوا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لفضل هذه الصلاة أحب إلى من ولاية العراق.
وقال سعيد بن المسيب: ما أذن المؤذن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد. وقال محمد بن واسع: ما أشتهى من الدنيا إلا ثلاثاً: أخا في الله تعالى، إن تعوجت (2) قومنى، وقوتاً من الرزق عفواً (3) بلا تباعة، وصلاة في جماعة يرفع (4) عنى سهوها ويكتب لى فضلها. وقال عثمان:
__________
(1) التعزية: تسلية من فقد شخصاً عزيزاً لديه بموت، فكأن من فاتته صلاة الجماعة فقد عزيزاً بموت فقد ثواباً عظيماً.
(2) تعوجت: الأعوجاج عدم الاستقامة كأنه مأخوذ من قول إبى بكر رضى الله عنه في خطبته: وليتكم ولست بخير منكم إن أحسنت فأعينونى، وإن اسأت فقومونى.
(3) عفواً: سهلا لا مشقة فيه ولا محاولة، وليس فيه حق لأحد.
(4) يرفع عنى سهوها: يعنى لا يحصل منى فيها سهو بأن يوفقه الله إلى كمال أداءها وهذا عزيز جداً، لأن السهو لو وقع في الصلاة لجبره بسجود السهو، إن كان السهو ليس مما يفسد الصلاة. (1/130)
صفحة 131
من شهد العشاء في الجماعة فكأنما قام نصف ليله، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليله أجمع. وعنه عليه السلام: أفتقد علياً في صلاة الصبح فدخل على فاطمة فقال لها: " ما شغل ابن عمك "؟ فقالت: بات قائما يصلى فلما طلع عليه الفجر صلى فاضطجع. فقال: " لو صلى مع الجماعة لكان أفضل له ".
واعلم أن صلاة الجماعة يصليها اثنان فما فوقهما؛ لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجلين: " إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليومكما أفضلكما ". وروى عن النبى عليه السلام أنه رأى رجلين يصليان فقال: " هذان جماعة ". ولا تصح صلاة الجماعة إلا بإمام، والمأموم تابع للامام في الوقوف (1) والمقال (2) والأفعال، فإن كان المأموم واحداً ذكراً أقام عن يمين الإمام، وإن كان المأموم أنثى فلتقم على يسار الإمام وإن كان رجلين قاما خلف الإمام، وإن كان ذكراً وأنثى قام الذكر عن يمين الإمام والأنثى حيث شاءت، وليتأخر المأموم الواحد عن الإمام بمقدار رجليه.
ولا ينبغى أن يؤم بالقوم إلا من جمع أربعاً – أحدها: علم السنن
__________
(1) المأموم تابع للإمام في الوقوف مالم يكن جلوسه لمرض حدث إليه أثناء صلاته، لأنه يتم بهم وهو جالس.
(2) يعنى يتبع المأموم الامام عند القيام من الركوع بقوله: ربنا ولك الحمد، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ". (1/131)
صفحة 132
والفقه، والثانية: قراءة القرآن من غير لحن، والثالثة: ترك الذنوب كبيرها وصغيرها، والرابعة: الورع عن جميع الشبهات؛ لأنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: " إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم، فإنهم وفدكم إلى ربكم ". وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا في القراءة فأعلمهم بالسنة فإن استووا فأكبرهم سناً، فإن استوو فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأفضلهم ورعاً ".
وقال بعض العلماء: فإن استووا في هذا كله فأصبحهم وجهاً.
ولا تجوز الصلاة خلف عشرة – أحدهم المقعد، والثاني: العريان، والثالث: السكران، والرابع: المجنب، والخامس: كل من به نجاسة والسادس: المجنون، والسابع: الأخرس، والثامن: الأقلف البالغ، والتاسع: الطفل، والعاشر: المرأة.
وعلى الإمام عشر خصال – إحداها: انتظار القوم بالتكبير، حتى يتهيئوا للصلاة، الثانية: رفع الصوت بالتكبير؛ لئلا يلبس على من صلى خلفه، والثالثة: قراءة القرآن بترتيل من غير لحن، والرابعة: إتمام الركوع والسجود من غير مشقة [1}، والخامسة: التسوية بين القوى (1/132)
صفحة 133
والضعيف، والسادسة: التخفيف من غير سرقة (1) ولا نقصان من أركان الصلاة، السابعة: أن يشمل بدعائه المأمومين وراءه المؤمنين، والثامنة: أن يؤمهم لله تعالى خالصاً لا لطلب شرف ولا غرض من الدنيا، والتاسعة: ترك الرياء والسمعة بإمامته، والعاشرة: ترك الكبر والامتنان على من صلى وراءه.
وعلى المأموم عشر خصال وبها كمال صلاته – إحداها: تسوية الصفوف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " سووا صفوفكم، وخير صفوف الرجال المقدم "، وقال صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا عليهما لتساهموا ". والثانية: ترك الاختلاف لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم ". والثالثة: سد الخلل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " رصوا بين صفوفكم لئلا يتخللكم الشيطان ". والرابعة: توسيط الإمام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " وسطوا الإمام وسدوا الخلل ". والخامسة: رفع الصوت بتكبيرة الإحرام؛ لأن ذلك يرغم الشيطان. والسادسة: اقتفاء الإمام في الأقوال والأفعال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ
__________
(1) السرقة في الصلوات: عدم إتمام الركوع والسجود والتسبيح والتعظيم وأداء ذلك في غير اختطاف، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: " أسوأ الناس سرقة الذى يسرق من صلاته لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها ". (1/133)
صفحة 134
فأنصتوا ". والسابعة: الإنصات (1) والاستماع لقراءة الإمام؛ لقول الله تعالى: " وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ". والثامنة: تنبيه الإمام إذا نعس، وتلقينه إذا حصر (2)؛ لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه جعل التسبيح (3) للرجال والتصفيق للنساء، وذلك لتنبيه الإمام، والتاسعة: التأمين لدعاء الإمام (4). والعاشرة: التزحزح للإمام إذا أنصرف إلى الصف.
" فصل "
اعلم أن مسائل الصلاة كثيرة لا تنحصر، وكتابنا هذا لا يحتمل الإسهاب والإطناب، ولكن لا بد للمصلى من عشرين خصلة، وبها تتم صلاته، عشر منها قبل الدخول في الصلاة، وعشر بعد الدخول. أما العشرة التي قبل الدخول:
فإحداها: دخول الوقت؛ لقوله تعالى: " إن الصلاة كانت على
__________
(1) الإنصات: الاستماع لقراءة الإمام، وعندنا الإنصات عند قراءة سورة في الجهر لأنها هى التى يختص بها الإمام، وأما الفاتحة فعلى كل من الإمام والمأموم.
(2) الحصر: الحبس بأن يحبس لسانه عند القراءة أن تغيب عنه الآية.
(3) تسبيح أن يقول سبحان الله، وقد ينبه بالقرآن كأن يجلس حيث يقوم فينبه بقوله تعالى " وقوموا لله قانتين " أو العكس، فينبه بقوله تعالى: " أقعدوا مع القاعدين " وهكذا.
(4) دعاء الإمام بعد الخروج من الصلاة. (1/134)
صفحة 135
المؤمنين كتاباً (1) موقوتاً " ودخول أوقات الصلاة يكون بأربعة أشياء: اثنان للشمس، واثنان للشفق، واللذان للشمس: زوالها لصلاة الظهر والعصر، وغروبها لصلاة المغرب، واللذان للشفق: فغروب الشفق الأول (2) لصلاة العشاء، وطلوع الشفق الثانى لصلاة الفجر.
والثانية: الطهارة وهى على أربعة أقسام: طهارة البدن. وطهارة الثياب، وطهارة البقعة، وطهارة الجوارح كلها من الآثام؛ والدليل على طهارة الثياب قول الله تعالى: " وثيابك فطهر " وقوله: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " الآية.
والثالثة: العلم لقوله عليه السلام: " عمل قليل في علم، خير من عمل كثير في جهل ". وينقسم العلم على أربعة أقسام – أحدها: العلم بفرض الصلاة. والثاني: العلم بأى صلاة يصلى. والثالث: العلم بأفعالها وأركانها المفروضة والمسنونة. والرابع: العلم لما يتقى فيها ويجتنب مما ينقض الصلاة.
والرابعة: اللباس؛ لقوله الله تعالى: " يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد " يعنى لباسكم عند كل صلاة، في بعض أقوال أهل
__________
(1) كتاباً: أى فرضاً، موقوتاً: محدوداً بوقت، لكل صلاة وقتها على ما مر في قوله سبحانه: * فسبحان الله حين تمسون " الآية.
(2) الشفق الأول: هو الشفق الأحمر، والشفق الثاني: هو الشفق الأبيض. (1/135)
صفحة 136
التفسير. وفي اللباس أربع خصال – أحدها: أن يكون أصله حلالا. والثانية: أن يكون طاهراً من جميع النجاسات. والثالثة: أن يكون من غير ما نهى عنه في الصلاة مثل الحرير (1)، والابريسم، والذهب (2)، والحديد، والنحاس. والرابعة: أن يكون موافقاً للسنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس السدل (3) واشتمال (4) الصماء.
والخامسة: القيام؛ لقول الله تعالى: " وقوموا لله قانتين ". وفي القيام أربع خصال – أحدها ك الانتصاب معتدلا من غير انحراف،
__________
(1) الحرير حرام مطلقاً على الرجل لأنه من قبيل التخنث والمتخنث ملعون، وهو الرجل المتشبه بالمرأة، إلا إذا كان لمداوة كما أباح صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام أن يلبس قميصاً من حرير لتقمل فيه. والإبريسم: ضرب من الحرير.
(2) والذهب حرام لعلة الحرير، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام أخذ قطعة من حرير وقطعة من ذهب فقال: " هذان حرامان على رجال أمتى حلالان لنسائهم " فإن علة التحريم واضحة وهى اختصاصهما بالنساء واستعمال الرجل ما هو من خصائصهن تخنث، فافهم. وإن اتخذ الرجل الذهب لعلة مبيحة جاز، كاتخاذ الأسنان من ذهب للضرورة كما أجاز صلى الله عليه وسلم لعرفجة اتخاذ أنف من ذهب، وقد قطع أنفه يوم الكلاب الثاني فاتخذ أنفاً من فضة فنتن. ويوم الكلاب بالضم من أيام العرب.
(3) السدل: أن يرخى إزاره من على رأسه، ولا يجمع بين طرفيه، كذا في القواعد. وله هيئات أخرى.
(4) اشتمال الضماء كما ذكر عن الإمام الحافظ الربيع، وهو أقرب عهد إلى النبوة أن يرمى بأطراف إزاره على عاتقه الأيسر ويبقى مكشوفة عورته. وللسدل واشتمال الصماء صفات أخرى، المراد بها كلها سد الذريعة، لئلا تنكشف عورته، فكل لباس تبدو به العورة في الصلاة، ولو برقته أو شده، تفسد به الصلاة. (1/136)
صفحة 137
والثانية: ترك الالتفات، والثالثة: رد (1) البصر الى موضع السجود، والرابعة ترك التقمح (2) والتذبح (3) في قيامه.
والسادسة: استقبال القبلة؛ لقول الله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أى نحوه وتلقاءه. وفي الاستقبال أربع خصال – أحدها: العلم بفرض الاستقبال للكعبة، والثانية: الاستقبال بالوجه والقلب نحوها بالنية، والثالثة: التواضع والخشوع بجوارحه كلها، والرابعة: العلم بأن الكعبة في المسجد الحرام، والمسجد الحرام في مكة، ومكة في الحرم.
والسابعة: النية؛ لقول الله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين "؛ ولقول النبى عليه السلام: " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ". والنية على أربعة أوجه – أحدها: أن يقصد بفعله الصلاة أداء الفريضة. والثانية: أن يقصد بها الطاعة لله - عز وجل -، في امتثال ما أمر به. والثالثة: أن يقصد بصلاته القربة لله تعالى. والرابعة: دفع الوسواس والشواغل عن قلبه.
__________
(1) رد البصر إلى موضع السجود من معانى الخشوع.
(2) التقمح: رفع الرأس عند القيام من الركوع أو السجود مع غض البصر. وقد ورد النهى عنه في الحديث.
(3) والتذبح: خفض الرأس عن مستوى الظهر. فيكون الظهر مقبباً، ويبدو هذا العكس التقمح، ومن لا يقيم صلبه في الصلاة فلا صلاة له، كما صح في الحديث. (1/137)
صفحة 138
والثامنة: مكان الصلاة؛ لقوله عليه السلام: " جعلت لى الأرض مسجداً وترابها طهوراً ". وتمام المكان في أربعة أشياء – أحدها: أن يكون طاهراً. والثاني: أن يكون مما تجوز فيه الصلاة؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقبرة والمزبلة (1) والمجزرة (2) ومعاطن (3) الإبل، وقارعة (4) الطريق، والحمام. والثالث: أن يكون متمكناً للقيام والركوع والسجود. والرابع: أن يكون المكان مباحاً للمصلى غير ممنوع، ولا مغصوب.
والتاسعة: التوجيه؛ لقوله تعالى: " فسبح بحمد ربك حين تقوم ". وتمام التوجيه في أربعة أشياء – أحدها: أن يظنها آخر (5) صلاته. والثاني: أن يرجو ثواب الله على تمامها، وثوابه الجنة. والثالث: أن يخاف عقاب الله على تضييع شيء منها، وعقابه النار في الآخرة. والرابع: أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
والعاشر: التكبير؛ لقوله تعالى: " وربك فكبر "، ولقوله
__________
(1) المزبلة: مكان الأوساخ والقاذورات.
(2) المجزرة: مكان الذبح.
(3) معاطن الإبل: مباركها ومبيتها.
(4) قارعة الطريق: ممر الناس يعطل المرور ويشغل بمرور الناس عن عبادته.
(5) آخر صلاته: أى من الدنيا، فيكون قادماً على ربه بعبادة واففية، وكم من أناس فاضت أرواحهم في الصلاة. (1/138)
صفحة 139
عليه السلام: " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ". وتمام التكبير في أربعة أشياء – أحدها: أن يقصد بالتكبير تعظيم الله تعالى. والثانى: أن ينوى به الدخول في الصلاة. والثالث: أن يحرم على نفسه الأشغال كلها، غير ما هو فيه من صلاته؛ ولذلك سميت تكبيرة الإحرام. والرابع: أن يكبر تكبيراً جزماً.
وأما العشرة التي بعد الدخول في الصلاة: فأحدها الاستعاذة؛ لقول الله تعالى: " وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ". وتمام الاستعاذة في ثلاثة أشياء:
فأحدها: الإسرار بها في صلاة الجهر والسر. والثاني: إعجام الذال من أعوذ بالله. والثالث: الاستعاذة كما جاء في نص (1) الكتاب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا يزيد عليه ولا ينقص منه.
والثانية: البسملة لما روى عن النبى عليه السلام: أنه لم يزل يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " في الصلاة حتى مات، وكذلك أبو بكر، وكذلك عمر حتى ماتا رحمهما الله. وتمام البسملة في ثلاثة أشياء – أحدها: قراءتها سراً مع صلاة السر، وقراءتها جهراً مع صلاة الجهر. والثانى: قراءتها في أول كل (2) سورة غير سورة التوبة. والثالث: ترك
__________
(1) نص الكتاب: اى الاستعاذة المأخوذة من قوله تعالى: " أستعذ بالله " الآية لا نص الاستعاذة في الكتاب.
(2) البسملة عندنا آية من كل سورة. (1/139)
صفحة 140
اللحن في قراءتها.
والثالثة: قراءة القرآن بعد البسملة والاستعاذة لقوله تعالى: " فأقرأوا ما تيسر من القرآن " ولقوله عليه السلام: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعداً ". وتمام القراءة في ثلاثة أشياء – أحدها: ترتيل القرآن بغير لحن. والثاني: الإسرار في موضع السر، والإجهار في موضع الجهر. والثالث: التفكير في معانى القرآن.
والرابعة: الركوع بعد القراءة، لقوله تعالى: " واركعوا مع الراكعين ". وتمام الركوع في ثلاثة أشياء – أحدها: أن يركع ركوعاً مستوياً حتى يطمئن. والثاني: وضع اليدين على الركبتين، مع تفريق الأصابع. والثالث: التعظيم ثلاثاً مع تجافي العضدين عن الجنبين.
والخامسة: السجود لقول الله تعالى: " واسجدوا ". وتمام السجود في ثلاثة أشياء – أحدها: وضع اليدين بين الرأس والركبتين. والثاني: السجود على سبعة آرارب: وهى الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان والثالث: التسبيح ثلاثاً مع تجافي العذين عن الجنبين.
والسادسة: ا لقعود؛ لقوله عليه السلام: " إذا رفعت رأسك من السجود وقعدت ". وتمام القعود في ثلاثة أشياء – أحدها: افتراش القدمين، والثاني: القعود بين الرجلين، والثالث: وضع بنان اليمنى في أخمص اليسرى. (1/140)
صفحة 141
والسابعة: قراءة التحيات، وتمام التحيات في ثلاثة أشياء – أحدها: ترك اللحن في قراءتها، والثاني: ترك الزيادة فيها على ماجاءت به السنة، والثالث: ترك النقصان عما جاءت به السنة فيها.
والثامنة: التسليم لقوله عليه السلام: " تحليلها التسليم " وتمام التسليم في ثلاثة أشياء – أحدها: التصفيح بالوجه يميناً ثم شمالاً، والثانى: اللفظ بالكلمتين وهما " السلام عليكم "، والثالث: القصد بالسلام الخروج من الصلاة. وقيل: يقصد به الحفظة.
والتاسعة: الإخلاص؛ لقوله الله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ". وتمام الإخلاص في ثلاثة أشياء – أحدها: قصد النية لله تعالى، والثاني: طلب رضاء الله تعالى في صلاته، والثالث: ترك الرياء والطمع إلى المخلوقين.
والعاشرة: الانتصاب للدعاء بعد الخروج من الصلاة؛ لقوله تعالى: " فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب ". والدعاء لا يجاب إلا بثلاثة أشياء – أحدها: أن يكون مطعم الداعى ومشربه حلالا، والثانى: ترك الإسراف وتجاوز الحد في الدعاء، والثالث: إخلاص النية وترك الإغفال في حال الدعاء.
ويحكى عن إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ فقال: لعشر خصال كانت فيكم – أولها: عرفتم الله فلم تطيعوه، (1/141)
صفحة 142
وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم، والعاشرة تركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.
" فصل "
في قوله تعالى: " الذين هم في صلاتهم خاشعون " اختلف العلماء في معنى الخشوع في الصلاة، فقال عمرو بن دينار: ليس الخشوع بالركوع والسجود، ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. وقال ابن سيرين: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقال بعض: هو جمع الهيئة لها والإعراض عما سواها. وقال بعض: يحتاج المصلى إلى أربع خصال حتى يكون خاشعاً: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الهيئة. وقيل: أبصر النبى صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ".
ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا، وهو يقول: اللهم زوجنى من الحور العين، فقال له الحسن: بئس الخاطب أنت، تطلب الحور وأنت تعبث بالحصا. وقيل لخلف بن أيوب: أيؤذيك الذباب في الصلاة فتطرده؟ فقال: لا أعود نفسى شيئاً يفسد صلاتى، قيل له: وكيف (1/142)
صفحة 143
تصبر على ذلك؟ فقال: بلغنى أن الفساق يصبرون على سياط السلطان ليقال فلان صبور، فيفتخر بذلك، فكيف وأنا قائم بين يدى ربى أفأتحرك لذبابة.
وقيل: عن مسلم بن يسار، إذا أراد الصلاة قال لأهله: تحدثوا فإنى لست أسمعكم. ويروى عنه أنه كان يصلى يوماً في جامع البصرة، فسقطت ناحية من المسجد، فاجتمع الناس لذلك، فلم يشعر بذلك حتى انصرف من صلاته.
ويروى عن حاتم الأصم أنه قيل له: كيف تصلى؟ فقال: إذا أردت الصلاة أسبغت الوضوء، ثم أتيت الموضع الذي أريد ألصلاة فيه، فأقعد حتى تجتمع جوارحى، ثم أقوم في المصلى فأجعل الكعبة بين حاجبى، والصراط تحت قدمى، والجنة على يمينى، والنار عن شمالى، وملك الموت ورائى، وأظنها آخر صلاتى، ثم أقوم بين الرجاء والخوف، وأكبر تكبيراً بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعاً بتواضع، وأسجد سجوداً بتخشع، ثم أجلس على التمام وأتشهد على الرجاء، وأسلم بالسنة، وأتبعها بالإخلاص، ثم لا أدرى أقبلت منى أم لا؟
" فصل "
وأما صلاة السنن: فأولها صلاة الوتر، وقد أختلف الناس فيها. فقال بعضهم: ليست بواجبة، وإنما هى من توابع الصلاة. وقال بعض (1/143)
صفحة 144
هى واجبة (1)؛ لقول النبى عليه السلام: " إن الله زادكم صلاة سادسة هى خير لكم من حمر (2) النعم ". والاعتماد (3) على قول من قال بوجوبها ووقتها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر. واختلفوا في مقدارها، فقال بعضهم: هى سبع ركعات، وقال بعض: خمس، وقال بعض: ثلاث، وقال بعض: واحدة، وبه يقول (4) أصحابنا.
ويستحب فيها قراءة ثلاث سور، غير أم القرآن، وإن قرأ فيها بآية الكرسي، وخواتم البقرة، وسورة القدر، وسورة الإخلاص، فذلك حسن (5) إن شاء الله.
ومن السنة الصلاة على الأموات، وهي واجبة على الكفاية، إذا
__________
(1) مذهب الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب أنها فرض، وهو راوى هذا الحديث. لكن الذين يرون الوتر سنة مؤكدة قالوا: إنما جعلها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه سادسة في الثواب وعظم المنزلة، بدليل قوله: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " الحديث. وقوله: " مثل الصلوات الخمس " الحديث وأمثالهما.
(2) حمر النعم: كرائمها، وهو مثل في كل نفيس.
(3) الراجح في المذهب القول بتأكيدها، والقول بوجوبها عند بعض أصحابنا.
(4) القول بركعة واحدة للوتر ليس هو المعتمد، بل المعتمد عند الجمهور من أصحابنا أن أقل الوتر ثلاث ركعات، والركعة الواحدة إن أقتصر عليها تسمى عندهم بوتر العاجز، ولعل المصنف رحمه الله أعتبر الركعة الواحدة وتراً عندهم أنها تسبق بركعتين نفلا أو أكثر، كما ثبت عن النبى عليه السلام أنه كان يوتر بخمس. والحق أن الوجوب للركعة التى هى الوتر، أما الشفع فليس بواجب.
(5) وهذا الذى ذكره المصنف هو الذى يجرى عليه العمل عند أصحابنا في المغرب. (1/144)
صفحة 145
قام بها البعض أجزأ عن الباقين؛ ووجبت لقول النبى عليه السلام: " صلوا على موتاكم ": وتصلى بالجماعة وبالانفراد، وليس فيها ركوع ولا سجود: ويصلى على كل ميت من أهل القبلة (1)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " صلوا على كل بار وفاجر من أهل القبلة "، إلا ما استخصوه من الباغى والقاتل للنفس، التي حرم الله، والقاعد على فراش محرم عليه، والمرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، فهولاء لا يصلى عليهم إلا إن صحت توبتهم، قبل مماتهم (2). ويصلى على الأموات إذا اجتمعوا صلاة واحدة، وإن كان فيهم ذكور وإناث وعبيد وأطفال، فيرتبونهم أمام المصلى عليهم، يجعلون الأفضل مما يلى الإمام، والمفضول أمام الأفضل، وقيل: يجعل المفضول مما يلى الإمام، والأفضل أمام المفضول.
وأولى الناس بالصلاة على الميت وليه إذا حضر، أو من أذن له الولى. ويستقبل المصلى من الميت صدره، إن كان ذكراً، وإن كان أنثى فليستقبل رأسها؛ وهكذا جاء في السنة عن النبى عليه السلام، وشروطها
__________
(1) لما رواه الإمام الربيع في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة، فمن تركها فقد كفر "، الكفر هذا هو كفر النعمة. وفي نسخة " فمن أنكرها ".
(2) المتبادر أنه يصلى على هؤلاء لعموم الحديث، وأما قوله تعالى: " ولا تصل على أحد منهم " الآية، فالمراد بها المنافقون الذين أضمروا الشرك وأظهروا الإسلام على عهد رسول صلى الله عليه وسلم وما شاكلهم. (1/145)
صفحة 146
في البقعة واللباس كشروط صلاة الفريضة. وكيفيتها أن يوجه لها كتوجيه الصلاة. وقيل: توجيهها أن يقول: سبحان الجليل الكبير، سبحان الله العظيم، ثم يكبر تكبيرة الأحرام، ثم يقرأ فاتحة الكتاب سراً، ثم يكبر ثانية، ثم يقرأ فاتحة الكتاب سراً، ثم يكبر ثالثة، ثم يقول: اللهم إن هذا عبدك ابن عبدك بن أمتك، ونحن عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك توفيته وأبقيتنا بعده، اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره آمين يارب العالمين، ثم يكبر رابعة ويسلم. وهكذا الصلاة على عامة الأموات: اربع تكبيرات مع ما ذكرنا من القراءة والدعاء؛ لأنه روى عن النبى عليه السلام أنه صلى على النجاشى، فكبر أربع تكبيرات وإن كان الميت طفلا زاد في دعائه: اللهم اجعله لنا سلفا وفرطاً [1} وأجراً وذخراً عندك ياأرحم الراحمين. وإن كان الميت من أهل الولاية ترحم عليه، وزاد في دعائه: اللهم اغفر له ذنوبه، ووسع عليه لحده وألحقه بنبيه عليه السلام، واصعد روحه مع أرواح الصالحين، اللهم أبدل له داراً خيراً من داره، وقراراً خيراً من قراره، وأهلا خيراً من أهله برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يكبر الرابعة ثم يسلم. والمولود لا يصلى عليه إلا إن ولد وهو حي، وإن ولد ميتاً فلا يصلى عليه. (1/146)
صفحة 147
ومن السنة ركعتان قبل صلاة الفجر؛ لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " وقيل: عنه عليه السلام أنه لم يتركهما في حضر ولا في سفر. وكان عليه السلام يقرأ في الركعة الأولى منهما بفاتحة الكتاب، وسورة " قل ياأيها الكافرون " وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص ثلاثاً. ويكره الكلام بينهما وبين صلاة الفريضة، ومن الدليل على تأكيدهما أن النائم والناسى لصلاة الفجر يصليهما مع الفريضة ولو خرج الوقت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من فاتته ركعتا الفجر، فليصليهما إذا طلعت الشمس ".
وعن بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: " ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم "، يعنى ركعتى الفجر.
ومن السنة ركعتان بعد صلاة المغرب، وهما مؤكدتان؛ لما روى عن على أنه قال: سألت النبى عليه السلام عن قول الله تعالى: " وأدبار السجود " قال: " ركعتان بعد صلاة المغرب " وعن " أدبار النجوم " فقال: " ركعتان قبل صلاة الفجر ". ويكره الكلام بين ركعتى المغرب وصلاة الفريضة.
ومن السنة قيام رمضان، وقد ذكر عن النبى عليه السلام أنه صلى ثمان ركعات، وزاد أبو بكر ثمان ركعات، وزاد عمر ثمان ركعات، فجميع القيام أربع وعشرون ركعة، واثنتا عشرة تسليمة. للنبى عليه السلام (1/147)
صفحة 148
أربع، ولأبى بكر أربع، ولعمر أربع رضى الله عنهما. وإنما تصلى صلاة القيام بعد صلاة العشاء: وتصلى بالجماعة وبالانفراد، والجماعة أفضل. وإن صلوا القيام والعشاء بالجماعة فليصلوا الوتر والركعتين اللتين قبله بالجماعة، وإن لم يصلوا العشاء والقيام بالجماعة فلا يصلوا الوتر بالجماعة. وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى في رمضان عشرين ركعة.
ومن السنة صلاة العيدين، وقيل: عن النبى عليه السلام قال في قول الله تعالى: " فصل لربك وانحر " أنها نزلت في صلاة العيدين. وقيل: عنه عليه السلام أيضاً قال في قوله تعالى: " قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى " أنها نزلت في زكاة الفطر، وصلاته. والسنة في صلاة العيدين الغسل والسواك والطيب واللباس الحسن والبروز إليها بالرجال والنساء. وذكر عن النبى عليه السلام أنه صلى صلاة العيدين وحض عليها، حتى أمر ببروز العواتق (1) من الخدور.
ويستحب تأخير صلاة الفطر، لانشغال الناس بالصدقة (2)، ويستحب تعجيل صلاة الأضحى، ليرجع الناس إلى ضحاياهم. ومن سننها: التكبير والخطبة بعد الصلاة، والخطب كلها تفتتح بالحمد غير خطبة
__________
(1) العواتق: الشابات أول ما يدركن. وقيل: هى التى لم تبن من والديها ولم تتزوج وقد أدركت وشبت.
(2) الصدقة: زكاة الفطر، لأن إخراجها قبل صلاة العيد آكد. (1/148)
صفحة 149
صلاة العيد فإنها تفتتح بالتكبير. وقد قيل: يستحب ثلاثون تكبيرة في الصلاة والخطبة؛ يكبر في الصلاة سبعأً، أو تسعأً، او إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، فإن كبر في الصلاة سبعاً كبر في في الخطبة ثلاثاً وعشرين، وإن كبر في الصلاة تسعأً، كبر في الخطبة إحدى وعشرين، وإن كبر في الصلاة إحدى عشرة كبر في الخطبة سبع عشرة. والله أعلم.
وأما صفة التكبير في الصلاة: فانه إن كبر بسبع كبر في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام أربعأً قبل القراءة، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة من المفصل، ويستحب بسورة " والشمس " ثم يركع ويسجد، ثم يقوم ويقرأ فاتحة الكتاب، وسورة من المفصل، ويستحب سورة " والضحى " ثم يكبر بعد القراءة ثلاثاً ثم يركع ويسجد ويتشهد ويسلم.
وصلاة العيدين ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، وإن كبر تسعاً كبر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ستا، وفي الثانية بعد القراءة ثلاثاً، وإن كبر بإحدى عشرة، كبر في الركعة الأولى بعد الإحرام ستا، وفي الركعة الثانية بعد القراءة خمساً، وإن كبر في الصلاة ثلاث عشرة، كبر في الأولى بعد الإحرام ستاً، وفي الثانية بعد القراءة أربعاً، ثم يهوى إلى الركوع، فإذا رفع رأسه من الركوع كبر ثلاثاً، ثم يهوى إلى السجود. ويجمع صلاة العيد ثلاثة أنفس فصاعداً، وقيل: أقل من ذلك (1/149)
صفحة 150
كصلاة الفريضة. فإذا فرغ الإمام من الصلاة قام إلى الخطبة، وإن لم يحسن الخطبة قرأ القرآن.
ومن السنة صلاة الكسوف والخسوف: وقد ذكر عن النبى عليه السلام أنه قال: " إذا انكسفت الشمس أو انخسف القمر، فصلوا كأحدى صلاة صليتموها " وهى ركعتان، يستحب فيهما إطالة القراءة، وإطالة الركوع والسجود.
وقد ذكر عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: انكسف الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يوم مات فيه ولده إبراهيم عليه السلام، فصلى بالناس فقام قياماً طويلا فقرأ نحواً من سورة البقرة فركع ركوعاً طويلا ثم سجد، ثم قام قياماً طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجودأً طويلاً وهو دون السجود الأول، ثم أنصرف وقد انجلت الشمس. قال عائشة: فلما أنصرف من الصلاة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتضرعوا، ثم قال: " يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً ".
ومن السنة ركعتان بعد الطواف بالكعبة يصليهما الطائف خلف مقام إبراهيم عليه السلام، أو حيث ما أمكنه في المسجد يصليهما دبر (1/150)
صفحة 151
كل سبعة أشواط، كان طواف فريضة أو نافلة، ويستحب أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص ثلاثاً.
ومن السنة صلاة الضحى، وقد ذكر في قول الله تعالى: " يسبحن بالعشى والإشراق " إنه يعنى به صلاة الضحى. والله أعلم.
وقد ذكر عن النبى عليه السلام أنه قال: " على كل مسلم من بنى آدم كل يوم صدقة ويجزى عن ذلك ركتان يصليهما عند الضحى " وذكر عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، وإنى لأسبحها، وأن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
وعن جابر بن زيد قال: بلغنى عن أم هانىء بنت أبى طال أنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى في بيتى ثمان ركعات ملتحفاً في ثوب واحد يوم فتح مكة. وقد قيل: عليه السلام أنه يصلها إلا مرة واحدة، ثم لم يعد. وذكر عنه عليه السلام أنه صلاها ركعتين، وقد قيل: هى أربع ركعات. وقيل: ست، وقيل: ثمان ركعات وقيل عشر. وقيل: اثنى عشر.
وعن أبى ذر رحمه الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلاها أربعاً كتب من الذاكرين، ومن صلاها ستاً كتب من الفائزين، ومن صلاها ثمانياً (1/151)
صفحة 152
لم يتبعه يومئذ ذنب، ومن صلاها عشراً كتب من القانتين، ومن صلاها اثنتى عشرة بنى له بيت في الجنة ". وقد النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن للجنة باباً يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه "
وصلاة الضحى: يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورة، ويستحب إن صلاها ركعتين أن يقرأ في الأولى بأم القرآن وآية الكرسي وفي الثانية بأم القرآن وخواتم البقرة، وسورة الإخلاص ثلاثاً. فإن صلاها أربعاً، قرأ في الثالثة بفاتحة الكتاب وسورة الفلق، وفي الرابعة بأم القرآن وسورة الوسواس، وسورة الإخلاص ثلاثاً. فإن صلاها ستاً قرأ في الخامسة بأم القرآن وخواتم الحديد، وفي السادسة بأم القرآن وخواتم الحشر، وسورة الاخلاص ثلاثاً. فإن صلاها ثمانياً قرأ في السابعة بام القرآن وسورة ا لتكوير، وفي الثامنة بام القرآن وسورة الانفطار، وسورة الاخلاص ثلاثاً. وإن صلاها عشراً قرأ في التاسعة بأم القرآن وسورة الطارق، وفي العاشرة بأم القرآن وسورة الأعلى، وسورة الإخلاص ثلاثاً. وإن صلاها اثنتى عشرة قرأ في الحادية عشرة بأم القرآن وسورة والشمس، وفي الثانية عشرة بآم القرآن وسورة والضحى وسورة الأخلاص ثلاثا ً.
ومن السنة صلاة الزلزلة، وهى كصلاة الكسوف. وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فعجلت الكرة (1/152)
صفحة 153
وأعظمت الغنيمة، فقالوا يارسول الله ما رأينا قط سرية أعجل كرة ولا أعظم غنيمة من سريتك هذه؟. فقال: " أفلا أخبركم بأعجل كرة وأعظم غنيمة؟ فقالوا: بلى يارسول الله. فقال: " أقوام يصلون الصبح فيجلسون في مجالسهم يذكرون الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يصلون ركعتين فهؤلاء أعظم غنيمة وأعجل كرة ".
ويستحب من النوافل أربع قبل الظهر، وأربع قبل العصر، وأربع قبل العشاء. ويقال: يستحب للمقيم أن يصلى خمسين ركعة بين الليل والنهار. وذلك أنه يصلي أربعاً قبل الظهر، وأربعاً للظهر، وأربعا بعد الظهر، وأربعأً قبل العصر، وأربعاً للعصر، وثلاثاً للمغرب، واثنتين بعد المغرب، وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً للعشاء. وسبعاً بعدها، وركعتين في السحر، وركعتين قبل الفجر، وركعتين لفريضة الفجر، وأربعاً للضحى. والنوافل في بيت الرجل أفضل (1). ويستحب بين المغرب والعشاء عشرون ركعة؛ لأنه ذكر عن النبى عليه السلام أنه قال: " ومن صلى بين المغرب والعشاء عشرين ركعة حفظ الله له أهله وماله ودينه وآخرته ". والعبد والمرأة والأجير [2}
والمقارض والبكر (2) تحت
__________
(1) العمل الذى يكون من قبيل التطوع في العبادات إخفاء عن الناس أفضل للبعد عن الرياء. وصدقة التطوع أعظم أجراً إذا كانت خفية لسلامتها من الرياء، وأمكنها في الإخلاص. لهذا كان تنفل الرجل في بيته أفضل. وفي انفراد المرء. بعبادته جمع الهمة، والبعد عن التشغيب.
(2) البكر الأنثى التى لم تتزوج بعد، فإنها في رعاية والدها تستأذنه في التطوع. (1/153)
صفحة 154
أبيها، لا يصلون من النوافل شيئاً، إلا بإذن، غير السنن المذكورة ركعتان بعد المغرب، وركعتان قبل الفجر، وصلاة الميت والسجدة، وصلاة الكسوف وصلاة الزلزلة، وقيام رمضان، وركعتان خلف المقام، وصلاة العيدين.
" فصل "
في المناهي الواردة عن النبى عليه السلام في الصلاة
وعنه عليه السلام نهى عن الصلاة في ثلاثة أوقات. أحدها: بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، والثاني: وقت توسط الشمس في كبد السماء حتى تزول، والثالث: بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
وعن أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتحر (1) أحدكم أن يصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ". ونهى صلى الله عليه وسلم عن عشر في الصلاة: نهى عن الصفن (2)، والصفد (3)، والصلب (4)، والمخاصرة (5)،
__________
(1) يتحر: أيى يقصد. يقال: فلان يتحرى الأمر أى يتوخاه ويقصده؛ كقوله عليه السلام: " تحروا الصدق ولو رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة " أى توخوه.
(2) الصفن: رفع إحدى الرجلين والوقوف على أطراف أصابعها، والاعتماد على الثانية كما تفعل الفرس.
(3) الصفد: اقتران القدمين معاً.
(4) الصلب: رفع اليدين على الخاصرتين وتجافى العضدين في حال ا لقيام، فإن ذل هيئة الصليب.
(5) المخاصرة: كهيئة الصلب إلا أنها في حال الجلوس. (1/154)
صفحة 155
والمواصلة (1) والإقعاء (2) والسدل (3)، وصلاة الحاقن (4) والحاقب (5). والخارق (6). وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يصل أحدكم وهو يدافع الأخبثين ". وقال عليه السلام لعلى: " ياعلى: إنى أحب لك ما أحب لنفسى، وأكره لك ما أكره لنفسى، لا تتقرن الأرض تقرا راكعاً ولا ساجداً، ولا تنظرن قبل وجهك، ولا عن يمينك ولا عن شمالك، ولا تصل وأنت عاكف (7) شعرك، ولا تقعدن على عقبيك، ولا تفترش ذراعيك كما يفترش الكلب، ولا تعبثن بالحصا ".
ويكره (8) للمصلى: استقبال الأصنام، والألواح، والمصاحف، والبقر، والنار المشتعلة، وكل ماله صورة (9)،والميت، والنائم. ويقطع
__________
(1) المواصلة: أن يصل القراءة بالركوع دون تنفس بينهما.
(2) الإقعاء: الجلوس على الأليتين مع رفع الساقين كجلوس الكلاب وقد تقدم.
(3) السدل: إرخاء الثوب من أعلى الرأس إلى أسفل مع عدم جمع أطرافه، فإنه قد تنكشف عورته، وهذا لمن لبس الحرام – بكسر الحاء.
(4) الحقن: حصر البول.
(5) الحقب: حصر الغائط.
(6) الحزق: ضيق النعل، وفي معناه ضيق الثوب كلبس الفرنجة.
(7) عاكف: أى ضام.
(8) يكره: أى كراهة تحريم استقبال ما بعد من دون الله، وأما سواه فكراهة تنزيه والفرق بينهما واضح. وهذا مالم يكن بين المصلى، وما ذكر سائر أو حائل.
(9) صورة، أى صورة الحيوان. (1/155)
صفحة 156
والصلاة: الجنب (1)، والحائض، والنفساء، والقرد، والخنزير، والكلب الذي له نكتتان فوق عينيه.
ويجوز للمصلى أن يدرأ (2) عن نفسه المار بين يديه ما استطاع؛ لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يدرأ المصلى المار بين يديه عن نفسه ما استطاع، فإن أبى المار فليقاتله فإنما هو شيطان ".
وقال عليه السلام: " لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه، لوقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه ".
وقال جابر قال بعض الناس: أربعين خريفاً، وقال بعض: أربعين شهراً. وقال بعض: أربعين يوماً.
ويجوز للمصلي دفع المضار كلها عن نفسه، ومسح الحصى للسجود وتسوية اللباس، وقتل الدواب المؤذية؛ لما روى عن النبى عليه السلام أنه قال: " اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم". ويجوز له التحول من المكان القريب، إلى المكان القريب؛ لإصلاح صلاته. ويجوز له تنجية الأموال والأنفس، والدخول بالمطر والريح، والخروج
__________
(1) يقطع الصلاة هؤلاء الذين ذكرهم المصنف إذا لم يكن بينهم وبين المصلى ساتر دون قبلته.
(2) يدرأ: يدفع بيده المار دون قبلته إلا في المسجد الحرام، فلا يجوز دفعه للضرورة، أو لكون المصلى يرى الكعبة التى هي القبلة، فمرور أحد بين يدى المصلى لا يحول بينه وبينها. (1/156)
صفحة 157
بالدخان. والمضار (1) كلها، وتلقين (2) الإمام. وللإمام أن يأخذ تلقين من كان معه في صلاته، ويقتدى به، وأما من لم يكن معه في صلاته فلا يأخذ عنه. ويجوز الاستخلاف إذا أحدث ولا يستخلف إلا إن أحدث بثلاثة أشياء: القىء، والرعاف، والخدش؛ لما روى عن النبى عليه السلام أنه قال: " القىء والرعاف والخدش لا ينقضن الصلاة، فإذا انفلت (3) المصلى بهن توضأ وبنى على صلاته.
" فصل "
في سجدتى الوهم وأصلهما من السنن
لما روى عن النبى عليه السلام أنه قال: " إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان فيلبس عليه صلاته، حتى لا يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس ". وسجود الوهم من تمام الصلاة، وإنما يجب على من قام حيث يقعد أو قعد حيث يقوم. وقيل: يجب الوهم في كل غلط في الصلاة. وموضع سجودهما بعد التسليم. وقيل: قبل التسليم. وقيل: إن وجبتا للنقصان، فقبل التسليم، وإن
__________
(1) يجوز له ذلك على أن لا يتحول من القبلة، فإذا استدبر القبلة أو تكلم انتقضت صلاته.
(2) تلقين الإمام إذا حصر عن القراءة بأن غابت عنه الآية.
(3) انفلت: خرج من صلاته بهن فجأة، وأما إذا خرج منها بناقض ففى انتقاض صلاة المأمومين خلاف، الراجح النقض كما جزم به في القواعد، وقيل: لا تنتقض بل يتمون صلاتهم. (1/157)
صفحة 158
وجبتا للزيادة، فبعد التسليم، وإن وجبتا على القارن في الأولى سجدهما قبل القيام إلى الآخرة. وقيل: يسجدها بعد التسليم من الآخرة، وإنما يقول في سجوده: أستغفرك اللهم مما كان. منى ثلاثاً، ثم يصلى على النبى عليه السلام بعد سجودهما، فإن نسيهما فليسجدهما في دبر صلاة أخرى، وقيل: يركع ركعتين، يسجدهما في دبرهما، وإن وجب على الإمام فليسجده وحده، وإن وجب على المأموم يسجد وحده، وإن وهم في وهمه، فلا وهم عليه، وقيل: عليه الوهم.
نسأل الله عوناً يقضى ما أوجبه وشكراً يرضى ما وهبه.
باب في الصوم وبالله التوفيق
اعلم أن الصوم (1) فرض من الفروض، وقاعدة من قواعد الإسلام. والدليل على فرضه ووجوبه، قول الله تعالى: " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ".
معنى كتب: أى فرض ووجب عليكم. وأصل الصوم في لغة العرب: الإمساك؛ تقول العرب: صامت الريح. إذا أمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل: إذا وقفت وأمسكت عن السير.
__________
(1) فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا من شعبان، وفي هذا الشهر تحولت القبلة، بخلاف الزكاة فإنها فرضت قبل الهجرة، بدليل الآيات الكثيرة التى نزلت بمكة في الزكاة، ولعل القول فرضها بعد الهجرة المراد تفصيلها. (1/158)
صفحة 159
قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج (1) وأخرى تعلك (2) اللجما
ويقال: صام النهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة وتوسطت الشمس في كبد السماء؛ قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة (3) ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
وقال آخر:
حتى إذا صام النهار واعتدل ... وصار للشمس لعاب (4) فنزل
ويسمى الإمساك عن الكلام: صوماً؛ قال الله تعالى: " إنى نذرت للرحمن صوما " يعنى صمتاً. وأما المفروض من الصوم فهو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وجميع المحرم على الصائم. وقال لله تعالى: " كما كتب على الذين من قبلكم " يعنى النصارى " لعلكم تتقون " أى تجتنبون الأكل والشرب والجماع وما نيهتم عنه في الصوم.
وذكر أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان فشق عليهم
__________
(1) في عجاج الملحمة عند التقاء الزحفين.
(2) تعلك: تمضع اللجام، كناية عن بقائها في مربطها، وفسروا الصائم من الخيل: بأنه القائم على قوائمه الأربعة من غير حفاء.
(3) جسرة: نافلة جسرة عظيمة ماضية، ذمول: سريعة السير.
(4) لعاب: صار لها أشعة تنحدر منها سائلة كاللعاب، هذا من التشبيه البليغ. (1/159)
صفحة 160
صيامه؛ لأنه ربما أتاهم في الحر الشديد، فيضر بهم في أسفارهم، وطلب معايشهم، فاجتمع رأى رؤسائهم وعلمائهم على أن يجعلوا صومهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف. وازادوا فيه عشرة أيام؛ كفارة لما صنعوا فصار أربعين يوماً، ثم إن ملكهم اشتكى فيه فنذر لله إن هو برىء من مرضه أن يزيد في صومهم أسبوعاً، فلما برىء من مرضه زاد في صومهم أسبوعاً، فمات ذلك الملك فوليهم ملك آخر. فقال لهم: أتموه خمسين يوماً، فصاروا يصومون خمسين يوماً.
" فصل في فضل شهر رمضان "
ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من صام رمضان وأقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ". وقال عليه السلام: " إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران وصفدت الشياطين ".
وقال عليه السلام: " قال الله تعالى كل حسنة يعملها ابن آدم تضاعف له إلى سمعمائة ضعف، إلا الصوم، فإنه لى وأنا أجزى به الجنة، فارق عبدى شهوته وطعامه وشرابه من أجلى ".
وقال عليه السلام: " الصوم جنة، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه ". وقال عليه السلام: " لا إيمان لمن (1/160)
صفحة 161
لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له. ولا وضوء ولا صلاة لمن لا صوم له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله ".
وقال عليه السلام: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، وإن أمرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إنى صائم ".
وعن سلمان الفارسى قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان، فقال: " أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيامه تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن آدى فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، شهر يزاد فيه رزق المؤمن، وشهر أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فمن فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتقاً لرقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص له من أجره شيء " فقالوا: يارسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم؟ فقال صلى الله عليه وسلم " " يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن، أو تمرة أو شربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضى شربة، لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفف فيه على مملوكه، غفر الله له، وأعتقه من النار. فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربكم (1/161)
صفحة 162
وخصلتان لا غناء لكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه لذنوبكم: وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتتعوذون به من النار.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح "، ودعاءه مستجاب وعمله مضاعف ". وعنه عليه السلام أنه قال: " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان أمر الله تعالى رضوان خازن الجنة أن يفتح أبواب الجنان ويزينها للصائمين من أمة محمد عليه السلام، ولا يغلقها عنهم حتى ينقضى شهرهم، وأمر مالك خازن النار أن يغلق أبواب الجحيم عن الصائمين، من أمة محمد عليه السلام، ولا يفتحها عليهم حتى ينقضى شهرهم، ثم أمر جبريل أن ينزل إلى الأرض فيغل مردة الشياطين عن أمة محمد عليه السلام، لئلا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم. ولله - عز وجل - في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النار، عبيد وإماء، وملك ينادى من تحت العرش، هل من تائب يتاب عليه، هل من داع يستجاب له، هل من مظلوم ينصره الله، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى سؤاله ".
وروى عن الحسن: أنه مر بقوم في شهر رمضان وهم يضحكون، (1/162)
صفحة 163
فوقف عليهم فقال لهم: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب من الضاحك اللاعب في الشهر الذي فاز فيه المسارعون، وخاب فيه البطالون. أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته.
وقيل للأحنف بن قيس: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك. فقال: إنى لاعده لشر يوم طويل، فالصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه. وقال على: الصيام يزيد في الحفظ، ويذهب البلغم. وقيل: إن الصوم على وجوه شتى: فصائم صائم، وصائم مفطر، ومفطر صائم. فالصائم الصائم: هو الذي يمنع جوارحه من المعاصى، وأما الصائم المفطر: فالذي يعمل بجوارحه المعاصى، وأما المفطر الصائم: فالذي يأكل ويشرب، ويمنع جوارحه عن المعاصى.
وقال عليه السلام: " لكل شيء باب وباب العبادة الصوم، ونوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، ودعاءه مستجاب، وعمله مضاعف ". وأنشدوا:
وربك لو أبصرت قوماً تتابعت ... عزائمهم حتى لقد بلغوا الجهدا
لأبصرتهم قد حاربوا النوم وارتدوا ... بأردية النساك واستقربوا البعدا (1/163)
صفحة 164
وصاموا نهارا دائماً ثم أفطروا ... على بلغ الأقوات واستعملوا الكدا
أولئك قوم أحسن الله فعلهم ... فأبدلهم من حسن فعلهم الخلدا
وكانوا يقولون (1): من رمضان إلى رمضان، ومن الحج إلى الحج، ومن الجمعة إلى الجمعة ومن الصلاة إلى الصلاة، كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر. ومن أراد أن ينال فضل رمضان فليعرف حرمته، وليحفظ فيه لسانه عن فضول الكلام (2)، والقبيح، والغيبة، والكذب، والنميمة، وليحفظ جوارحه كلها عن المحارم، وليطيب (3) مطعمه الذي عليه المدار، وبه صلاح قلبه وجوارحه، فإذا فعل ذلك كان حقيقيا أن ينال فضل رمضان، ويتقبل الله صومه وقيامه.
" فصل "
ويجب صيام رمضان بدخول الشهر، ودخوله يصح بثلاثة أشياء. أحدها: رؤية الهلال؛ لقوله عليه السلام: " صوموا لرؤيته، وأفطروا
__________
(1) يقولون: هذا من المصنف يدل على أن هذه الأحاديث ليست بصحيحة عنده مع أنها أحاديث مشهورة، ومنها الصحيحة.
(2) فضول الكلام: اللغو واللجاج والهزل، وما قد يسقط المروءة. والقبيح: الفحش، والغيبة: ذكر المؤمن بما يكره، والنميمة وهى أشنع الصفات: السعى بين الناس على وجه الإفساد، فليحذر المسلم هذه الشنعاء النافثة في العقد، وكم من عقدة فصمتها وشتتت أهلها، لهذا يقول أبو نصر التملوشاتى رحمه الله:
وأما النميمة القواطع إنها ... لكالنبل في الأهداف درع وجنن
(3) يطيب: يجعله حلالا طيباً. (1/164)
صفحة 165
لرؤيته " والثاني: الشهادة (1) على دخوله، والثالث: استكمال ثلاثين يوماً من شهر شعبان؛ لقوله عليه السلام: " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً ".
وتنقسم الشهادة بدخوله على ثلاثة أقسام. أحدها: شهادة الأمين الواحد، أجازوها على الصوم، دون الإفطار؛ لما روى أن أعرابياً قال: يارسول الله أبصرت الهلال الليلة، فقال عليه السلام: " أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله "؟ فقال: الأعرابي: نعم. فقال النبى عليه السلام: " قم يابلال فأذن في الناس فليصوموا غداً.
والثاني: شهادة العدلين، أجازوها على الصوم والإفطار.
والثالث: الإشهار ويكون بثلاثة فصاعداً إذا لم يسترابوا (2) ولو كانوا غير عدول. ولا تجوز عليه شهادة مشرك، ولا طفل، ولا مجنون، ولا عبد، ولا نساء إذا لم يكن معهن رجل.
__________
(1) الإخبار بمشاهدته، لأن هذا الإخبار رواية لا شهادة، إذ الشهادة تتعلق بما تقع فيه الحكومة ويتعلق بالذمة من الحقوق، كما حققه قطب الآئمة، وضياء الدين الثمينى وبدر الدين الشماخى رحمهم الله. بيد أن العلماء أطلقوا على هذه الرواية كلمة الشهادة رفعاً لشأنها لكى يعتمد الناس على التثبت فيه، وفي رواية ثقة وأمانة.
(2) لم يسترابوا: أى لم تكن فيهم ريبة بأن يكونوا ممن يتهاون بأمر الدين، أو كان له هدف يرمى إليه بحلول الشهر، أو بإدبار، كحلول الدين، أو أنتهاء عدة المطلقة ليتزوجها أو غير ذلك من الأغراض. فافهم أيها المسلم وتثبت وابتعد عن الشبهات. (1/165)
صفحة 166
" فصل "
أول ما فرض الله على هذه الأمة صوم يوم عاشورا، فكان النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون يصومونه، ويصومون ثلاثة أيام من كل شهر، حتى نزل فرض شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام.
ويدل على ذلك ماروى عن عائشة رضى الله عنها. قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يصومه قبل الإسلام، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض شهر رمضان، كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه، ولكن في صيامه ثواب عظيم.
واختلف العلماء في معنى رمضان: فقال قوم: اسم من أسماء الله تعالى، ويقال: شهر رمضان، كما يقال: شهر الله؛ لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تقولوا رمضان، ولكن انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان، وقال قوم: سمى رمضان لرمض الفصال فيه من الحر، وقال قوم: لرمض الحجارة فيه من الحر، والرمضاء: الحجارة المحمات. وقيل: لأنه يرمض الذنوب، أى يحرقها ويذهبها. وقيل: الرمض مطر يأتى في الخريف يغسل الأرض، فسمى هذا الشهر رمضان؛ لأنه يغسل الأبدان من الذنوب غسلا، ويطهر قلوبهم تطهيراً. (1/166)
صفحة 167
وقد قيل: إنه كان الصوم في الزمان الأول، وفي ابتداء الإسلام، من العشاء إلى غروب الشمس، من الليلة المقبلة، وكان والرجل إذا أفطر بعد غروب الشمس حل له الطعام والشراب والجماع، إلى أن يصلى العشاء الآخرة، أو ينام قبلها، فإذا صلى العشاء، أو رقد قبل أن يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء، إلى الليلة المقبلة، ثم إن عمر رضى الله عنه واقع أهله فقال له إنى أعتذر إليك وإلى الله من نفسى، هذه الخطيئة، إنى رجعت أهلى، بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة فأردتها، فقالت: قد صليت ونمت. فلم أصدقها، فسولت لى نفسى فواقعتها، فهل تجد لى من رخصة؟ فقال عليه السلام: " ما كنت جديراً بذلك ياعمر " فقعد مغموماً محزوناً، فجاء أناس من المسلمين فاعترفوا بما فعلوا بعد النوم، من غشيان النساء، فأنزل الله تعالى: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " فقالوا: يارسول الله ما توبتنا؟ وكيف المخرج؟ فأنزل الله تعالى: " وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع " الآية. والرفث كناية عن الجماع.
قال ابن عباس: إن الله حى كريم يكنى، فكل ما ذكره في القرآن، من المباشرة، والملامسة، والإفضاء، والدخول، والرفث، فإنما يعنى به الجماع. قال الشاعر: (1/167)
صفحة 168
فظلنا هنالك في نعمة ... وكل الملذات غير الرفث
وقال بعض: الرفث الفحش والقبيح من القول؛ قال الشاعر:
ورب أسراب (1) حجيج كظم ... عن اللغا والرفث في التكلم
وقال بعض: الرفث كل مايريده (2) الرجل من النساء. قال الشاعر:
ويرين (3) من أنس الحديث زوانيا ... وبهن عن رفث الرجال نفار
" فصل "
ولا يصح الصوم إلا بالنية من الليل؛ لقول النبى عليه السلام: " لاصوم لمن لم يبيت الصيام من الليل " ومن قال: رمضان كله فريضة واحدة، فتجزيه النيه لصيامه من أول اليلة منه. ومن قال: كل يوم منه فريضة، يحتاج إلى تجديد النية في كل ليلة. والقول الأول هو قول أصحابنا.
ولا يجوز الصوم في أربعة أيام. أحدها: يوم الشك، وهو يوم ثلاثين من شعبان؛ لما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك، فقال: " لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى
تروه، فإن غم
__________
(1) رب للتكثير: أى كثير من أسراب أى جماعات من الحجيج، كظم: ساكتون عن القول الباطل، والفحش في الكلام.
(2) يريده من الجماع ومقدماته.
(3) يظهرن من حديثهن المؤنس كأنهن زوان، ولكنهن ذوات نفار من طلب الرجل وهو الجماع يصفهن بالعفة. (1/168)
صفحة 169
عليكم فأقدروا له ". والثاني والثالث: يوم الفطر من شوال ويوم الأضحى من ذى الحجة؛ لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه صلى بالناس يوم العيد، ثم أنصرف فخطب الناس فقال: هذان اليومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها، يوم فطركم من صيامكم، ويوم تأكلون فيه من نسككم.
والرابع: صوم الليل؛ لما روى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم " نهى عن الوصال " وهو أن يصل الرجل صوم النهار بصيام الليل، وإنما الصيام بالنهار دون الليل؛ لقول الله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " الآية.
وكان السبب في نزول هذه الآية، على ما ذكر أهل التفسير: أن رجلا من الأنصار، يقال له: أبو قيس بن صرمه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله، وقال لها: قدمى الطعام، فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا سخيناً فأخذت تصنع له، وكان الصوم الأول إذا صلى الرجل العشاء أو نام، حرم عليه الطعام والشراب والجماع، فلما عرفت من عمل الطعام وجدته قد نام بالعيا والكلل (1)، فأيقظته فكره أن يعصى الله ورسوله، فأبى أن يأكل،
فأصبح صائماً مجهوداً،
__________
(1) كلل: كذا في الأصول، والمراد الكلال وهو العيا عطف مرادف. (1/169)
صفحة 170
فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه، فلما أفاق أتى النبى صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا قيس مالك أمسيت طليحاً (1)؟ " فقال له: ظللت أمشى في النخل نهارى كله أجر بالجرير (2) حتى أمسيت، فأتيت أهلى، فأرادت المرأة أن تطعمنى شيئاً سخيناً، وأبطأت عنى، ونمت فأيقظونى، وقد حرم على الطعام والشراب، فطويت، فأصبحت من يومى وقد أجهدنى الصوم. فاغتم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " الآية، يعنى بياض النهار من سواد الليل؛ قال الشاعر:
الخيط الأبيض وقت الصبح منصدع ... والخيط الأسود جون الليل مركوم (3)
وقال آخر:
فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا (4)
__________
(1) الطليح: الهزيل من التعب، من قولهم: ناقة طليح أسفار، إذا أجهدها السير وهزلها.
(2) الجرير: الحبل يجعل للبعير في عنقه وهو مفتول من آدم، ويخطم به أيضاً. والحرير الحبل، والمراد يستقى بالحبل لرى النخل.
(3) منصدع: منشق، والجون هنا بمعنى الأسود، وهو من الأضداد يطلق على الأبيض والأسود، ومركوم: بعضه على بعض.
(4) السدفة بالضم والفتح: ا لظلمة في لغة نجد، وعند غيرهم الضوء وهو من الأضداد، ولاح: ظهر. (1/170)
صفحة 171
وقيل: إن النبى صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية لعدى بن حاتم حين علمه الصوم، فقال له: " صم كذا وكذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود وصم ثلاثين يوماً إلا أن ترى الهلال قبل ذلك " قال عدى: فأخذت خيطين من شعر أبيض وأسود، فجعلت أنظر فيهما فلا يتبين لى شيء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: " ياابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل وظلمته ".
" فصل "
اعلم أنه لا رخصة لأحد من البالغين، في إفطار شهر رمضان بعد وجوب صومه، إلا مااستخصوه من أربعة أصناف: صنف عليه القضاء والكفارة، وصنف عليه القضاء دون الكفارة، وصنف عليه الكفارة دون القضاء، وصنف لا قضاء عليه ولا كفارة.
أما الصنف الأول الذي عليه القضاء والكفارة، فهم أربعة: الحامل الخائف من الإسقاط، والمراضع الخائفات على أولادهن، فإنهن يأكلن، ويطعمن لكل يوم أكلته مسكيناً، فإذا أمن قضين ما أكلته، والمرضى والمسافرون المضيعون لما وجب عليهم من القضاء، (1/171)
صفحة 172
حتى يدخل عليهم رمضان الثانى، فإنهم يصومون الحاضر ويطعمون على كل يوم أكلوه من الماضى مسكيناً غذاء وعشاء، فإذا انسلخ الحاضر صاموا الأيام التي أطعموا عنها المساكين، ولا يكون الإطعام إلا على من ضيع القضاء، وأما إن لم يضيع ودام عليه المرض أو السفر حتى دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه الإطعام، ولكن عليه القضاء بعد انسلاخ الحاضر.
وأما الصنف الذي عليه القضاء دون الكفارة، فأربعة: المرضى؛ والمسافرون، إذا لم يضيعوا القضاء، والثالث الحائض، والرابع النفساء. وأما الصنف الذي عليه الكفارة دون القضاء، فهم ثلاثة – أحدهم: ا لشيخ الهرم الذي لا يقدر على الصوم. والثانى: العجوز التي لاتقدر على الصوم، والثالث: المريض الذي لا يرجى برؤه، ولا يقدر على الصوم.
وأما الصنف الذي لا قضاء عليه ولا كفارة: فالمجانين (1).
" فصل فيما يفسد الصوم "
اعلم أن الصوم يفسده ثماينة أشياء – أحدها: كل جسم وصل إلى الجوف بالعمد مأكولا كان أو مشروباً، وغير مأكول ولا مشروب؛
__________
(1) المجانين: اى الذين أصيبوا بالجنون قبل رمضان ولم يفيقوا من جنونهم حتى خرج رمضان، فهؤلاء غير مكلفين بما فاتهم من الصوم والصلاة. (1/172)
صفحة 173
سواء من أى مدخل دخل إلى الجوف، من فم أو أنف أو أذن (1) أو عين أو جرح (2) أو فرج أواحتقان (3). والثاني: الجماع بالنهار عمداً، سواء كان بالانس أو بالبهائم، سواء مع الذكور أو الإناث، أمنى أو لم يمنى، حلالا كان أو حراماً. والثالث: الاستمناء بالمنى نهاراً بالعمد، سواء كان ذلك منه باللمس أو النظر أو الاستماع أو الشم، أو التمنى بالقلب، وسواء كان ذلك حلالا أو حراماً. والرابع: تضييع الغسل من الجنابة (4) أو الحيض أو النفاس حتى يصبح. والخامس: تضييع الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس بالنهار، مقدار ما يغتسل فيه. والسادس:
__________
(1) الأذن لا توصل إلى الجوف والعين توصل بواسطة القناة الدمعية، ولكنهم رخصوا في الكحل لأنه ليس مما يغذى، وعلى نسقه قطرة الدواء في العين على هذا.
(2) الجرح إذا كان نافذاً إلى الجوف ووضع فيه دواء مغذياً، انتقض الصوم.
(3) الاحتقان بأى مادة من الدبر لا من القبل – لأنه غير نافذ إلى الجوف – ناقض للصوم ولا عبرة بقول من قال: الاحتقان مطلقاً غير نافذ إلى الجوف فإنه قول باطل، وكذلك الحقن تحت الجلد بفيتامين التغذية فإنه ناقض للصوم قطعاً، وأما الحقن بمادة أخرى تحت الجلد فلا نقض، إلا إذا كانت مادة مخدرة فإنها حرام ناقضة، والله أعلم.
(4) تضييع الغسل من الجنابة حتى اصبح ناقضاً للصوم، لما رواه الإمام الحجة الحافظ الربيع بن حبيب في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من اصبح جنباً أصبح مفطراً " وما رواه قومنا يرده هذا السند الصحيح، ويؤيده أن الصوم عبادة، والجنابة حدث فلا تصح العبادة مع الحدث، كالصلاة لاتصح من غير الوضوء، فقومنا لم يتنبهوا لهذه العلة التى أدركها أصحابنا رحمهم الله. (1/173)
صفحة 174
الارتداد إلى الشرك بالقول أو الفعل. والسابع: الإفطار على الحرام (1) من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، أو أكل أموال الناب بالباطل، إذا كان ذلك بالعمد مع العلم به. والثامن: فعل الكبائر كلها من المعاصى؛ قياساً على ماروى ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " الكذب والغيبة يفطران الصائم، وينقضان الوضوء ".
واختلفوا في أربعة أشياء – أحدها: القىء بالنهار عمداً، والثاني: القبلة بالنهار، والثالث: بلع ما طلع من الصدر منعقداً (2)، والرابع: بلع ما نزل من الرأس منعقداً.
وكرهوا للصائم أربعاً، فإن فعلهن فلا بأس – إحداهن: الحجامة بالنهار. والثانية: السواك. والثالثة: تقليم الأظفار. والرابعة: نزع الشعر من مواضعه.
ورخصوا لأربعة – أحدهم: المتطهر للصلاة، إذا بلغ الماء عند المضمضة والاستنشاق من غير عمد. والثانى: الماضغ للطفل إذا نزل إلى جوفه شيء من غير عمد. والثالث: المجامع أو الآكل ناسياً.
__________
(1) أى مالم يكن مضطراً لتنجية نفسه من الموت؛ لقوله تعالى: " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ". وكذلك الارتداد بالقول إن كان مكرها؛ لقوله تعالى: " إلا من أكره " الآية.
(2) ولعل صحة العباة: متعمداً. (1/174)
صفحة 175
والرابع: المكره على الأكل والشراب من غير فعل منه. وقال بعض في الناسي المجامع: يعيد ذلك اليوم.
وأربعة يجب عليهم صوم ما بقى من النهار، فإن لم يصوموه هلكواو عليهم الكفارة والإعادة: المشرك إذا أسلم نهاراً، وقد بقى من النهار بقية. والثاني: الطفل إذا بلغ الحلم نهاراً. والثالث: المجنون إذا أفاق نهاراً. والرابع: الآكل يوم الشك ثم صح أنه رمضان.
وأما الحائض والنفساء إذا طهرتا نهاراً، فإنهما تكفان عن الأكل في بقية النهار، فإن لم تكفا فلا بأس، وعلى الجميع الإعادة لذلك اليوم من صامه ومن لم يصمه.
وأما المريض والمسافر إذا كانا مفطرين، ثم صح المريض، وقدم المسافر في بقية من النهار، فلا بأس عليهما في أكل ما بقى من النهار، إذا إكلا قبل ذلك، في ذلك اليوم والله أعلم. وعلى المشرك إعادة ما مضى من الشهر إذا أسلم (1) في بعض منه.
وأما الطفل والمجنون: فليس عليهما إلا ما أدركا (2) من رمضان. واختلفوا في المغمى عليه أياماً، على أربعة أقوال. فقال بعضهم: يعيد
__________
(1) هذا القول بناء على أن رمضان فريضة واحدة، وأن المشرك مخاطب بفروع الشريعة، ولكن الحديث " الإسلام يجب ما قبله " أسقط عليه القضاء عام لم يخص شيئا.
(2) أدركاً: أي ببلوغ الطفل وإفاقه المجنون. (1/175)
صفحة 176
الصوم والصلاة جميعاً. وقال بعضهم: لا يعيدهما جميعاً. وقال بعضهم: يعيد الصوم دون الصلاة. وقال بعضهم: يعيد الصلاة دون الصوم. ومن أفسد رمضان متعمداً لزمه أربعة أشياء: الهلاك (1)، والكفر، والكفارة، والقضاء. وإن أفسده بالتضييع لزمه القضاء، وفي الكفارة قولان. وإن أفسده بالشبهة لزمه إعادة ما أفسده، دون ما مضى.
" فصل "
والمسافر مخير في الصوم، إن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ لما روى أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إنى أجد بى قوة على الصوم في السفر، فهل على جناح؟ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: " هى رخصة من الله فمن أخذها فحسن، ومن صام فلا جناح عليه " والمستحب ألا يسافر بعد دخول شهر رمضان؛ لقول الله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " وقيل: يعنى أنه شهادة الحضور، لا شهادة الرؤية.
وقد روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: لو أدركنى رمضان ببعض الطريق لأقمت له حتى ينقضى. فإن اضطر المسافر فسافر بعد دخول رمضان فلا بأس عليه لقول الله تعالى: " فمن كان منكم
مريضاً
__________
(1) تقدم أن الهلاك: المراد به الوقوع في إثم عظيم، والكفر في مثل هذه الواقعة كفر نعمة. (1/176)
صفحة 177
أو على سفر فعدةٌ من أيام آخر ". ولا يجوز الإفطار للمسافر إلا بشرطين. أحدهما: النية من الليل، والثاني: قصر الصلاة. وكذلك المريض يجوز له الإفطار بشرطين. أحدهما: النية من الليل، والثاني: خوف زيادة المرض بالصوم، وإن أفطر المريض، أو المسافر من غير نية من الليل فسد مامضى من ص (1) ومهما. وأما الاضطرار بالعطش أوالجوع أو المرض، فسواء فيه المقيم والمسافر، إذا خاف على نفسه أفطر بقدر ما ينجى به نفسه، فإن أكل وشرب بعد ما أمن على نفسه فقد أنهدم (2) صومه، ولزمته كفارة. والمسافر إذا صام في السفر، ثم أفطر في السفر فسد (3) ما صام في السفر قبل ذلك، متصلا أو منفصلا.
"فصل "
وعلى المسافر والمريض والحائض والنفساء، قضاء ما أكلوا من رمضان، ويجب عليهم في القضاء أربعة أشياء. أحدها: تعجيله،
والثاني:
__________
(1) وقيل: لافساد لصومهما؛ لأن الله رخص لهما في الإفطار، وذلك في الآية والقائلون بفساد صومهما، قالوا: إن الله تعالى قال: " ولا تبطلوا أعمالكم وحيث أصبحا صائمين وجب عليهما إنمام عملهما وإلا كان مقتحمين للنهى.
(2) انهدم صومه: اى لأنه تجاوز حد إنجاه النفس. وقيل: هذا خاص في إنجاء بالحرام، وأما المباح إذا أضطر إلى أنجاء نفسه به في رمضان فليس عليه حرج مادام قد أبيح له الإفطار ولا معنى لمنعه من الاستمرار في الأكل.
(3) هذا هو الراجح في المذهب، وفيه قولا بخلافه. لأن الله رخص للمسافر أن يفطر فكيف يحكم عليه بانهدام صومه مع رخصة الله له. (1/177)
صفحة 178
صومه متتابعاً، إذا كان من شهر واحد، سواء أكله متصلاً أو منفصلا. والثالث: إطعام المسكين لكل يوم، إن ضيعوا القضاء حتى يدخل عليهم رمضان آخر. والرابع: الوصية به عند الموت إن ضيعوه، وإن لم يضيعوه، أو أطعموا المسكين إن ضيعوا القضاء، فليس عليهم الوصية به، ولا يصيب الصائم للقضاء، ما يصيب في رمضان؛ فإن افطر في صوم القضاء بعذر فقد انهدم قضاؤه، إلا إن أفطر بأربعة أشياء. أحدها: يوم العيد إن عارضه، والثاني: شهر رمضان، والثالث: الحيض إن عارض المرأة، والرابع: النفاس للمرأة. وهذا إذا لم يكن التضييع قبل ذلك، فإنه يبنى على ما مضى من القضاء.
وأما الوصية (1) بالصوم: ففيها ثمان مسائل. إحداهن ك لا يجزى في الصوم عن الميت غير الوارث. والثانية: إذا أوصى بالصوم فإنهم يخيرون بين الصوم والإطعام. والثالث: الإتيان بالصوم متتابعاً
__________
(1) الصوم عن شخص اختلفوا فيه هل يصح أم لا؟ فمن قال: يصح، قال: يصوم الورثة بقدر أنصبائهم ولو وقع يوم بينهم تحمله أحدهم، الظاهر أن يتحمله أكبرهم حصة. ومن قال بعدم صحته قال: إذا أوصى الميت بصوم أطعم عنه الورثة لكل يوم مسكيناً لا دفعة واحدة. وقد أستدل أصحاب هذا القول بأنه لا يصوم أحد عن غيره، كما لا يصلى شخص عن آخر ولا يتوضا. والحق أن الصوم عبادة شخصية كالصلاة فإنها تعبد شخصى لا يتأتى من شخص عن آخر، إذ أساس العبادة الإخلاص المحض من العبد، فيجب أن يتوفر في المتعبد، فكيف يتأتى منه هذا الإخلاص المطالب به وهو يتعبد عن غيره. والله أعلم، بخلاف الحج فإنه يحج عن الغير، لأن الحج مناسك تصح النيابة فيها كما هو ظاهر. (1/178)
صفحة 179
كما ورثوا الميت. والرابعة: إن صامه واحد منهم أجزأ عنهم. والخامسة: إن أوصى بإطعام المساكين عن صومه، فلا يجوز لهم أن يصوموا. والسادسة: تقديم النساء قبل الرجال في الصوم؛ لأجل ما يعارضهن من الحيض والنفاس. والسادسة: لايجوز للورثة أن يصوم بعض ويطعم بعض، ولكن يصومون جميعاً أو يطعمون جميعاً، والثامنة: إن انقطع صومهم، أو فسد بفعل واحد منهم، فقد انهدم كله، ويضمنه الذي قطعه.
فصل في الفطور والسحور
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاتزال طائفة من أمتى على الفطرة (1) ما عجلوا الفطور وأخروا السحور ". فأما تعجيل الفطور فهو إذا غربت الشمس؛ لأنه قال عليه السلام: " إذا سقط القرص وجب الإفطار ". وقال عليه السلام: " إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم أكل أو لم يأكل " وأما السحور فجائز أكله إلى آخر الليل؛ لقول الله تعالى: " فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " الآية؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إن بلالا يؤذن بليل فإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا ".
__________
(1) الفطرة: الإسلام، أو الخير المحض، بدليل رواية أخرى: " لاتزال أمتى بخير ... " الحديث. لأن في تعجيل الفطور وتأخير السحور تيسير العبادة على المكلف، وفيهما إحياء السنة، وفي السحور التمييز بين صومنا وصوم أهل الكتاب كما في الحديث. (1/179)
صفحة 180
وينبغى للصائم أن يحتاط في صومه لفطوره وسحوره، ويكف عن الطعام والشراب والجماع، ويغتسل من الجنابة، ويمضمض من الطعام، قبل الصبح؛ لئلا يفسد صومه، أو يقع في شبهة؛ لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أصبح جنباً أصبح مفطراً ".
والفجر الذي يحرم به الطعام والشراب وتجب به الصلاة، هو الفجر الثانى، المتعرض في الآفاق.
وروى أن قائلا قال لابن عباس: آكل حتى أشك؟ فقال: لا، ولكن كل حتى لاتشك. وقيل: إنه قال له: كل حتى تشك. ومن لا يعرف الليل فلا يأكل حتى يسأل من يثق به في أمر دينه.
وكذلك المنتبه من النوم في ليلة غائمة، لا يأكل إذا لم يعرف ما بقى من الليل لئلا يقع في الشبهة.
فصل في صوم التطوع
يروى أن رجلا جاء لابن عباس فسأله عن الصوم، فقال له ابن عباس، إنى لأحدثك بحديث كان عندى من التحف المخزونة: إن كنت تريد صيام داود عليه السلام، فإنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وإن كنت تريد صيام ابنه سليمان عليه السلام، فإنه كان يصوم ثلاثة أيام من أول الشهر، وثلاثة من وسطه، وثلاثه من آخره، وإن
كنت (1/180)
صفحة 181
تريد صيام ابن العذراء (1) البتول، فإنه كان يصوم الدهر كله، وإن كنت تريد صيام أمه، فإنها كانت تصوم يومين وتفطر يوماً، وإن كنت تريد صيام خير البشر النبى العربي القرشي أبى القاسم عليه السلام، فإنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر.
ويقال: إن الله تعالى أكرم هذه الأمة بعشر كرامات. أولها: شهر الله رجب الأصم (2) في الجاهلية نصلوا الأسنة، وأغمدوا السيف، وتركوا طلب الثأر، ووضعت الحرب أوزارها؛ تعظيماً لحرمة هذا الشهر، فلم تسمع فيه قعقعة السلاح وسموه أصم، وفضله [3} على سائر الشهور، كفضل الله على خلقه، ويستحب صومه؛ لأنه تضاعف فيه الحسنات،
__________
(1) العذراء: مريم عليها السلام، والبتول: المنقطعة عن الأزواج، أو المنقطعة إلى الله بالعبادة المعرضة عن الدنيا. والعذراء: التى لم تفتض بكارتها.
(2) الأصم، ويقال الأصب: لأنه لاتسمع فيه اضطرابات الناس، باختلال الأمن، والتربص بعضهم لبعض، ولا كيد بل سكون مطلقاً وقد روى عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه سئل لم سمى شهر الله؟ قال: " لأنه شهر مخصوص بالمغفرة، فيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ الله أولياءه من أيدى أعداءه " وفيه فضل عظيم، يسعه المقام. (1/181)
صفحة 182
وتكفر فيه السيئات، لمن اجتنب الكبائر. والثانية: شهر شعبان، وهو شهر الرسول عليه السلام، وفضله على سائر الشهور، كفضل الرسول صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، عليهم السلام. وقالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى تقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيته قط أستكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان.
والثالثة: شهر رمضان، وهو شهر الأمة، وفضله على سائر الشهور، كفضل هذه الأمة على سائر الأمم. والرابعة: ليلة القدر، وهى خير من ألف شهر. والخامسة: يوم الفطر من شوال، ولا يجوز صومه، وهو يوم الجزاء والثواب.
والسادسة: أيام العشر، وهي أيام ذكر الله تعالى، وقالت عائشة رضى الله عنها: كان شاب صاحب سماع، فإذا أهل هلال ذى الحجة أصبح صائما، فارتفع الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال له: " ما حملك على صيام هذه الأيام؟ " فقال: يارسول الله هى أيام المشاعر [1}، وأيام الحج، عسى الله أن يشركنى في دعائهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لك بكل يوم تصومه عدل مائة رقبة ومائة بدنة ومائة فرس تحمل (1/182)
صفحة 183
عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم التروية بكل مائة ألف، وإذا كان يوم عرفة فلك بكل مائة ألفان ".
والسابعة: يوم عرفة، ويستحب صيامه إلا لمن وقف بعرفة؛ لئلا يضعفه (1) عن الدعاء. والثامنة: يوم النحر، وهو يوم القربان، ولا يجوز صومه. والتاسعة: يوم الجمعة، وهو سيد الأيام. قال النبى صلى الله عليه وسلم: " لم تطلع الشمس أو تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة ". ويستحب صيامه، ومن صامه كمن صام خمسين ألف سنة.
والعاشرة: يوم عاشوراء؛ لأنه عاشر هذه الكرامات العشر، وقيل: لأنه عاشر يوم من المحرم، وصيامه يعدل صيام سنة. ويرغب في صومه لكثرة فضله.
وعن حفصة رضى الله عنها أنها قالت: أربعة لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيام يوم عاشوراء، وصيام العشر (2)،
وصيام
__________
(1) قد رود أن أم المؤمنين رضى الله عنها كانت تصوم، وفي صومه فضل عظيم، وقد ترك رسول الله صلوات الله عليه صومه ليتأسى الناس به حتى لا يضعف الوافدون إلى الحج عن الوقوف وهو شعار الحاج يوم عرفة، وليس الأمر كما يفعله أكثر الحجاج اليوم من أستمرارهم في الجلوس، وترك الدعاء إلا قليلاً وغفلوا عن فرصة ذلك اليوم العظيم، وذلك المقام الجليل، ربما لا تتاح لهم مرة أخرى، وقد رأيت كثيراً من الحجاج ينغمسون في الممازحة بعرفة، والضحك لقضاء الوقت – على زعمهم – في دفع السآمة عنهم، بالغفلة والجهالة.
(2) العشر تغليباً، لأنها تسعة، وبهذا الإطلاق عرفت بالأيام العشر. (1/183)
صفحة 184
ثلاثة (1) أيام من كل شهر، والركعتان قبل صلاة الغداة.
وعن أبي هريرة قال: علمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا أدعهن حتى أموت. أحدها: أن لا أنام إلا عن وتر، والثانية: أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والثالثة: أن لا أدع صلاة الضحى. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلىلله عليه وسلم: " من صام رمضان ثم أتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر (2) كله ". قال أبو هريرة: تعالوا أحسب لكم، أما صوم رمضان فبثلاثمائة، وأما صوم ستة أيام من شوال فبستين يوماً، لأن الله تعالى قال: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " فكل يوم يقوم مقام عشرة أيام.
وعن أبى موسى الأشعرى قال: ركبنا البحر فبينما نحن نسير في لجة البحر، إذا نحن بمناد ينادى ياأهل السفينة قفوا أخبركم، فانصرفنا ولم نر شيئا، ونادى سبعاً، فلما كانت السابعة قمت فقلت: ياهذا قد ترى ما نحن فيه، ولا نستطيع أن نحتبس عليك؟ فأخبرنا بما تريد أن تخبرنا به، فقال: ألا أخبركم بقضاء الله على نفسه؟ قلنا أخبرنا،
__________
(1) ثلاثة أيام: هى الأيام البيض على المشهور، أو هى الأول من كل شهر، والأوسط والأخير على رواية.
(2) الدهر على حسب هذه الرواية هو السنة، لهذا جعل صوم رمضان ثلاثين يوماً بثلاثمائة والست بستين، فيكون ذلك أكثر من السنة بخمسة أيام، وأين حسابه إذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً. (1/184)
صفحة 185
فقال: إن الله قضى على نفسه ما من عبد أظما نفسه في يوم، حار إلا أرواه الله يوم القيامة. فكان أبو موسى بعد ذلك يتبع يوم الحر الشديد فيصومه.
ومما يستحب صومه من الأيام اليوم السابع (1) والعشرون من رجب، واليوم الخامس عشر من شعبان، واليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة، والأول من المحرم، والسابع من ذى الحجة. فإذا دخل المتطوع في صيام النافلة، ثم أفسده متعمداً لزمه بدله، إلا أن يستثنى فله استثناؤه، مالم ينتصف النهار. وشروط صوم النافلة كشروط صوم الفرض، كل ما يفسد صوم الفرض، يفسد صوم النافلة، والله أعلم وأحكم.
باب في الزكاة
اعلم أن الزكاة قاعدة (2) من قواعد الإسلام، وفريضة من فرائض الدين. وسميت زكاة، لأن المال يزكو (3) بها، وينموا. والزكاة في اللغة النماء والزيادة والطهارة (4). قال أحمد بن النضر العمانى رضى اللهعنه:
__________
(1) السابع والعشرون من رجب هو يوم البعثة وإنها الذكرى انبعاث الإشعاع المحمدى والرحمة العامة للعالمين، وهو يوم الإسراء، فصومه إحياء لهذه الذكرى العظيمة، لأنها إحدى معجزات النبوءة لنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
(2) أى ركن من أركان الدين، فمن أنكره فقد كفر شركا، ومن امتنع من أدائها حاربه الإمام كما فعل أبو بكر فيمن امتنع من أداء الزكاة له كمالك بن نويرة.
(3) يزكو: ينمو ويطهر، وتحل فيه البركة من الله فيكون موفور النفع.
(4) طهارة المال: صفاءه ونقاءه من حقوق الله والعباد. (1/185)
صفحة 186
ما في التجارة لى هم (1) ولا أرب (2) ... إذ ليس يزكوا (3) بها دين ولاحسب (4)
والزكاة قد أوجبها الله تعالى على أهل الأموال بقوله: " وآتوا (5) الزكاة "، وقال: وآتوا حقه يوم حصاده (6) ".
" فصل في فضائلها "
يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حصنوا (7) أموالكم بالزكاة، وداؤوا مرضاكم بالصدقة، واستدفعوا أنواع البلايا بالدعاء ". وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما نقص مال من صدقة، وما تواضع عبد إلا رفعه الله، وما عفا عبد عن أخيه مظلمة إلا زاده الله بها عزاً ". وقال صلى الله عليه وسلم " من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى الأمانة، فقد وقى شح نفسه".
وقال بعض الحكماء: في الدقة عشر خصال محمودة: خمس في الدنيا، وخمس في الآخرة. فأما اللواتى في الدنيا؛ فأولها: حفظ المال؛ لقوله عليه السلام: " حصنوا أموالكم بالزكاة "، والثانية:
__________
(1) هم: اهتمام واشتغال البال.
(2) أرب: حاجة.
(3) يزكو يعلو.
(4) الحسب: النسب.
(5) آتو الزكاة: صيروها آتية أهلها.
(6) الحصاد: الجذاذ.
(7) حصنوا: احفظوا أموالكم من الهلاك والتلف والسرق والغرق والحرق. (1/186)
صفحة 187
تطهير (1) البدن؛ لقوله: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ". والثالثة: إدخال السرور على المساكين من المؤمنين، والرابعة: بركة في المال، وسعة في الرزق، لقوله تعالى: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين "، والخامسة: دفع البلايا والأمراض؛ لقوله عليه السلام: " داووا مرضاكم بالصدقة ".
وأما اللواتى في الآخرة: فتكون لصاحبها ظلا من شدة الحر، وتخفيفاً للحساب، وتثقل الميزان، وتسهل الجواز على الصراط، وترفع الدرجات في الجنة.
ويقال: سبع خصال تزين الصدقة وتعظيماً. أولها: إخراجها من الحلال؛ لقوله تعالى: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ". والثانية: وضعها في مستحقها [2}؛ لقوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء
والمساكين "
__________
(1) تطهير ا لبدن: أى من الشح والبخل، فإن المال المزكى تجود نفس صاحبه به في الخير والنفع العام وإعانة الأمة في النوائب وإغاثة الملهوف، وتنفر نفس صاحبه أن ينفق في المعاصى والمفاسد، لأن المال الطاهر من حقوق الله وحقوق العباد ينشرح صاحبه إلى الإنفاق في القربات إلى الله ويرى أن شكر ما أنعم الله به عليه أن يدخره إلى الآخرة. والمال الذى لا يزكى على عكس هذا كله. والله الموفق. (1/187)
صفحة 188
الآية. والثالثة: تعجليها مخافة الفوت (1). والرابعة: إخراجها من طيب المال؛ لقوله تعالى: " ولا تيمموا (2) الخبيث (3) منه تنفقون ". والخامسة: يعطيها لله لا لرياء، ولا لطمع في مخلوق. والسادسة: ترك المن (4) بها على من أخذها منه. والسابعة: كف الأذى عنه مخافة إبطال (5) الثواب؛ لقوله تعالى: " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " الآية.
" فصل في وعيد مانع الزكاة "
قال الله تعالى: " والذين يكنزون (6) الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " الآية، قال بعض العلماء: إنما يسمى الذهب ذهباً؛ لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة فضة؛ لأنها تنفض، أى تتفرق ولا تبقى. وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما.
واختلف العلماء في معنى الكنز، فقال بعضهم: كل ما فضل عن حاجتك فهو كنز، قال ابن عباس وابن عمر: الكنز ما منعت زكاته.
__________
(1) فوات المال بتضييع أو تلف ما، فإن المضيع تبقى في ذمته ما لم يخرجها من ماله ويعزلها.
(2) تيمموا: تقصدوا وتتعمدوا.
(3) الخبيث: الردىء.
(4) المن: تعديد النعمة والتفضل على من تصدقت عليه، أو استخدامه لأجل تلك المكرمة.
(5) إبطال: أى إفساد ثوابها.
(6) يكنزون: يخزنون، ويحتجزون الذهب والفضة، ولا يخرجون زكاتهما، ولا يتصدقون منها ابتغاء مرضاة الله. (1/188)
صفحة 189
وهذا هو الصحيح؛ لقول جابر بن عبدالله: إذا أخرجت الصدقة من مالك، فقد أذهبت عنك شره، وليس بكنز. وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز، وإن كان فوق الأرض.
وقال النبى عليه السلام: " من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه، ومن زاد فهو خير له ".وقال النبى عليه السلام: " ما من صاحب ذهب ولا ورق فلا يؤدى زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنباه، وظهره حتى يقضى الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وما من صاحب إبل لا يؤدى زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع (1) قرقر أوقر ماكانت تسير عليه كلما مضت عليه أخراها ردت سنة. وما من صاحب غنم لا يؤدى زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر أوقر ما كانت، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيهما عقصاء (2) ولا جلحاء (3) كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى
__________
(1) بطح: القى على وجهه لتطأه. قاع قرقر: المكان المستوى، وقرقر: أملس وأوفر ماكنت: أى سمناً.
(2) عقصاء: الملتوية القرون.
(3) جلحاء: هى التى ذهب قرناها. (1/189)
صفحة 190
يقضى الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ".
وعن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " مانع الزكاة يقتل " قال الربيع: قال أبو عبيدة، ذلك إذا كان منعها من إمام يستحق أخذها، ولذلك قال أبو بكر رضى الله عنه: والله لو منعوا (1) منى عقالاً (2) مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله. وعن أبن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة لمانع الزكاة " قالها ثلاثاً. والمعتدى (3) فيها كمانعها. وعن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " من كثر ماله ولم يتركه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع (4) أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضى بين الخلائق ". والزبيبتان الرغوتان (5) في شدقيه. والله أعلم.
وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد يكون له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلا مثل الله له شجاعاً أقرع
__________
(1) منعوا منى: أى تمردوا عن دفعه وامتنعوا.
(2) عقالا: العقال الحبل الذى كان يربط به البعير من إبل الصدقة، وقيل: المراد ما يساوى عقالا من حقوق الصدقة. وقيل: المراد نصيب الصدقة لعام. ويروى عناقاً، العناق: السخلة. احتج بقول أبى بكر من اجاز أخذ العناق في زكاة الغنم، إذا كانت كلها سخالا. وقيل: هذا تصوير من أبى بكر في التقليل والله أعلم.
(3) المعتدى: هو واضعها في غير مستحقها لهوى في نفسه.
(4) شجاع: ثعبان، وأقرع: هو الذى يتمعط – يمتد – راسه لكثرة السم، له زبيبتان: الزبيبة: نكتة سوداء فوق عينيه، أو نقتطان تكتنفان فاه، أو زبدتان في شدقيه، وقيل: لحمتان مثل القرنين.
(5) الرغوة: السم الذى يظهر على هيئة الزبد من فم الثعبان. (1/190)
صفحة 191
منتن الريح لا يمر بأحد إلا استعاذ منه حتى يدنو من صاحبه، فيقول له: أعوذ بالله منك، فيقول له: لم تستعذ منى وأنا مالك الذي كنت تبخل عليه في الدنيا، فيطوق (1) في عنقه حتى يدخله الله جهنم، وتصديق ذلك في كتاب الله: " سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة " وقال المبرد: السين في قوله: " سيطوقون " سين الوعيد، معناه سوف يطوقون.
وقال أنس: قال النبى صلى الله عليه وسلم: " مانع الزكاة في النار ". وقالت عائشة رضى الله عنها: قال النبى صلىلله عليه وسلم: " لا تخالط الصدقة شيئاً إلا أهلكته "، قال النبى عليه السلام: " ما نقض قوم العهد (2) إلا ابتلاهم الله بالقتل، ولا ظهرت فاحشة الزناء في قوم إلا سلط الله عليهم الطاعون، ولا منع قوم الزكاة إلا منع الله عنهم المطر". ويقال: من منع خمساً منع الله منه خمساً: من منع الزكاة منع الله منه حفظ (3) المال، ومن منع الصدقة (4) منع الله منه العافية، ومن منع العشر (5) منع الله بركة أرضه، ومن منع الدعاء منع الله منه الإجابة، ومن
__________
(1) يطوق: يلف على عنقه.
(2) العهد: الأمان والذمة والموثق والعقد، وكل ما التزمه الإنسان من الإيمان، والإقرار بالوحدانية لله واليمين ورعاية الحرمة والحفاظ.
(3) يصاب ماله بأسأليب الإتلاف، لأن أمان ماله هو الزكاة كما قال صلى الله عليه وسلم: " حصنوا أموالكم بالزكاة " أى من التلف.
(4) الصدقة: التطوع وأنواع القربات.
(5) العشر: زكاة الحبوب التى تسقى بالأمطار والعيون. (1/191)
صفحة 192
تهاون بالصلاة، منع الله منه كلمة التوحيد عند الموت.
وأنشدوا في مانع الزكاة:
ياجامع (1) المال كم تضن (2) به ... تطمع بالله في الخلود معه
هل حمل المال ميت معه ... أما تراه لغيره جمعه
قال بعض العلماء: الزكاة مال يؤدى إلى النار. ومعناه في ذلك: من أخذها كما لا يحل له، ومن أعطاها لمن لا يستحقها، ومن منعها ممن يستحقها، فهم أجمعون في النار. وأنشدوا في حب المال:
ويلهيك عن دار الخلودمطاعم ... ولذات عيش غيها (3) غير نافع
ففي حلها (4) نقش الحساب وحرمها (5) ... يورثك الزقوم (6) يوم الوقائع
"فصل "
اعلم أن الزكاة قد أوجبها الله تعالى في كتابه المرسوم (7)، وأجمل الحق الواجب في الأموال على العموم، فبين رسول الله صلى الله عليه
وسلم سنتها (8)
__________
(1) في نسخة: يامنع المال.
(2) تضن به: تبخل به. أى كثيراً ما تبخل به.
(3) الغب بالكسر: العاقبة.
(4) حلالها مناقشة.
(5) حرمها: أى حرامها عقاب.
(6) الزقوم: شجرة ذات شوك هى طعام أهل النار، قال تعالى: " إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ".
(7) المرسوم: المثبت المبين.
(8) سننها: طرقها. (1/192)
صفحة 193
وأحكامها، ورسم حدودها ومعالمها (1)، وينحصر ذلك كله في ثلاثة أشياء، أولها: النوع الملزوم، والثاني: النصاب (2) المرسوم، والثالث: الفرض المحتوم. أما النوع الملزوم، فهو ينقسم ثلاثة أقسام: نض وحب ونعم. فالنض قسمان: ذهب وفضة. والحب ستة أقسام: بر وشعير وذرة وسلت (3) وتمر وزبيب. والنعم (4) ينقسم خمسة أشياء: إبل وبقر وجوامس وضأن ومعز. واربعة منها تحمل (5) على أربعة فيستتم النصاب بها: الذهب على الفضة، والبر على الشعير، والبقر على الجوامس، والضأن على المعز. وأربعة تحتاج إلى أخذ الوقت (6): الإبل، والبقر، والغنم، والنض. ويستحب لأخذ الوقت شهر معلوم من شهور السنة. ويستحب شهر رجب أو رمضان أو المحرم. وإن دخل المال في ملك الرجل في غير هذه الأشهر الثلاثة، وأراد أن يتخذ أحدها الوقت زكاته
__________
(1) المعالم: ما جعل علامة للطرق يهتدى بها.
(2) النصاب: المقدار الذى تلزم فيه الزكاة: كخمسة أوسق في الحبوب، وأربعين شاة في الضأن، وخمسة من الإبل أو البقر، في الأنعام إلى آخر، وكل ذلك في السوائم.
(3) السلت بالضم: ضرب من الشعير لي له قشر كأنه الحنطة. وهذه التى تؤخذ منها الزكاة عند أصحابنا وهى المعروفة بالحبوب الستة.
(4) النعم: أصله للإبل لأنها عندهم أعظم نعمة ثم أطلقوها على البقر والغنم.
(5) تحمل: فتؤخذ الزكاة من أكثرها. وإن استويا، أخذت من أيهما شاء.
(6) الوقت: هو دوران الحول، وذلك في النض وما في معناه كأموال التجارة، والأنعام السائمة. وأما الحبوب فوقت حصاده كما في تنزيل العزيز الحكيم. (1/193)
صفحة 194
فليخرج (1) ذلك المال من ملكه، ثم يرده في الشهر ا لمرغوب فيه، ولا يأخذ الوقت لما يحتاج إلى الوقت حتى يتم النصاب في ملكه (2).
" فصل في النصاب "
وأما النصاب فينقسم إلى ستة أقسام. أولها: نصاب الذهب، والثاني: نصاب الفضة، والثالث: نصاب الإبل، والرابع: نصاب البقر، والخامس: نصاب الغنم، والسادس: نصاب الثمار والحبوب. فأما نصاب الذهب فهو عشرون [3} مثقالا، وفي المسكك عشرون ديناراً، والمثقال ثلاثة قراريط [4}، والقيراط ثلاثون حبة، والدينار أربعة وعشرون قيراطاً، والقيراط أربع حبات. وما زاد على العشرين فليس فيه شيء، حتى يبلغ أربعة مثاقيل، أو أربعة دنانير. والحجة
على نصاب الذهب
__________
(1) قلت لا يحتاج إلى الإخراج وإنما يضم كل فائدة دخلت عليه إلى نصابه الذى حدد له أول شهر تم فيه النصاب لتوحيد النصاب فيسلم من تعدده والإخراج الذى هو أشبه باللعب والتحايل، ولو كان في توحيد النصاب شيء من الغبن على المزكى.
(2) هذا بيان لشروط وجوب الزكاة فيما يحتاج إلى الوقت، وهى ثلاثة: بلوغ النصاب، واستقرار الملك، واستكمال الحول. (1/194)
صفحة 195
قول النبى صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة "، وعلى نصاب الفضة قول النبى عليه السلام: " ليس فيما دون خمس أواق صدقة "، والأوقية أربعون درهما.
وأما نصاب الفضة وهو مائتا درهم، والدرهم قيراطان، والقراط ثلاثون حبة، وما زاد على المائتين فليس فيه شيء، حتى يكمل أربعين درهماً.
وأما نصاب الغنم فهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى أربعون شاة، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين شاة، ففيها شاتان، وهى الدرجة الثانية، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ إحدى ومائتين ففيها ثلاث، وهى الدرجة الثالثة (1)، ويعد في هذا الحساب الصغير والكبير والذكر والأنثى. والحجة على نصاب الغنم من السنة قوله عليه السلام: " ليس فيما دون أربعين شاة صدقة ". وما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى وائل بن حجر
الحضرمى: " من محمد
__________
(1) لم يذكر المصنف الدرجة الرابعة وهي ما بعد الثالثة، وذلك مازاد على مائتين وواحدة ليس فيه شيء حتى تبلغ أربعمائة ففيها أربع شياه، فما زاد على ذلك ففى كل ماية شاة شاة. ولعل الوجه أن مازاد على الدرجة الثالثة ففي كل ماية شاة شاة. والله أعلم والظاهر أن اقتصار المصنف على الدرجة الثالثة يدل على أنه في كل ما زاد على الثالثة في كل ماية شاة شاة. وهذا قول أو إلى أربعمائة ففي كل مازاد شاة في كل ماية. (1/195)
صفحة 196
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأقيال (1) العباهلة (2) من أهل حضرموت (3) بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعلى التيعة شاة، والتيمة لصاحبها وفي السيوب (4) الخمس ولا خلاط (5) ولا وراط (6) ولا شناق (7) ولا شغار (8) ومن أجبا (9) فقد أربى وكل منكر (10) حرام " والتيعة أربعون شاة، والتيمة ما بين الفريضتين، وقيل: التيمة المعلوفة للذبح.
وأما نصاب الإبل فهو على إحدى عشرة درجة: الدرجة الأولى خمس من الإبل، ثم زيادة خمس أربع مرات، ثم زيادة عشر مرتين،
ثم زيادة
__________
(1) الأقيال: الملوك.
(2) العباهلة: جمع عبهل: وهو من أقر على ملكه. والتاء لتأكيد الجمع.
(3) حضرموت: جنوب جزيرة العرب وهى بلاد ثمود، ومنها الشماخيون، وكانت موطن أصحابنا إلى القرن السادس، ومنها الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس صاحب ديوان السيف النقاد.
(4) السيوب: الركاز وهو دفين الجاهلية، وفي الحديث: " في الركاز الخمس ".
(5) لاخلاط: أى لايجمع بين متفرق.
(6) لوراط: لا يفرق بين مجتمع، وقالوا: الوراط أن تجعل الغنم في وهدة من الأرض لإخفائها عن المصدق، وقيل: إن يغيبها في غنم غيره أو إبله.
(7) الشنق ما بين الفريضتين.
(8) الشغار: نكاح في الجاهلية، وهو أن ينكحه بنته أو أخته، أى واحدة بأخرى. وهذا نكاح حرام إذ هو بضع ببضع.
(9) الإجباء: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.
(10) " كل مسكر " وهو كل مادة يحصل بها للعقل فتور أو نشوة، لأن الإسلام ضمن سلامة العقل الذى به كمال الإنسان وبه يتعلق التكليف. لهذا قال صلوات الله عليه: " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وقال " كل مفتر حرام ". (1/196)
صفحة 197
خمس عشرة ثلاث مرات، ثم زيادة ثلاثين، مرة واحدة، ويعد صغير الإبل وكبيرها، ذكرها أو نثاها؛ والحجة على نصاب الإبل من السنة، قول النبى صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون خمس ذود (1) صدقة ".
وأما نصاب البقر: فهو كنصاب الإبل، حذو (2) النعل بالنعل. وأما نصاب الحبوب والثمار، فهو على درجة واحدة، وهى خمسة أوساق، والوسق ستون صاعاً بصاع النبى عليه السلام، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث، والرطل خمس عشرة أوقية، والأوقية عشرة دراهم، والدرهم قيراطان، والقيراط ثلاثون حبة، والحجة عليه من السنة قول النبى عليه السلام: " ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة "، وكل نصاب كمل في ملك مالك أو ملاك شتى بالشركة، فقد وجب عليهم أخذ الوقت للزكاة، ما خلا النض، لا يستتم فيه الشريك بنصيب شريكه.
" فصل في الفرض المحتوم "
وأما الفرض المحتوم: فيقسم على ستة أقسام: عشر، ونصف العشر، وربع العشر، وناقة، وبقرة، وشاة.
أما العشر: فهو فرض ما سقت الأمطار والأنهار؛ لقوله عليه السلام: " فيما سقت السماء والعيون العشر ".
__________
(1) ذود: جمع لا واحد له من لفظه، وهو من الأبل.
(2) حذو النعل بالنعل: على مثالها وقدرها. (1/197)
صفحة 198
وأما نصف العشر: فهو فرض ما يسقى بالمعالجة (1)؛ لقوله عليه السلام: " فيما سقت السوانى (2) والنواضح (3) نصف العشر ".
وأما ربع العشر: فهو فرض العين: الذهب والفضة؛ لقوله عليه السلام: " في الرقة (4) ربع العشر "؛ ولما يروى أن امرأة دخلت على النبى عليه السلام، وفي يدها سوار (5) من ذهب فيه سبعون مثقالا، فقالت له: أخرج الفريضة، فأخرج منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال. وفرض الذهب في العشرين مثقالا نصف مثقال، وفيما زاد على العشرين، في كل أربعة مثاقيل عشر مثقال. وفرض الفضة في المائتى درهم خمسة دراهم، وما زاد ففى كل أربعين درهما درهم.
وأما الناقة فهى فرض الإبل، إذا بلغت خمساً وعشرين؛ لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كتب كتاباً في زكاة الإبل:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمره الله بها فمن سألها على
وجهها يعطاها،
__________
(1) المعلاجة: بذل الجهد، أو الإنفاق عليه، كما يدل عليه الحديث الآتى.
(2) السوانى: الأبعرة التى يسنى عليها.
(3) النواضح: الناضح البعير الذى يسقى عليه الزرع من بئر أو نهر.
(4) الرقة: الفضة والدراهم المضروبة منها.
(5) هذا دليل على زكاة الحلى الذى تتحلى به المرأة، خلافاً لمن قال: إن الحلى إذا كان مما تتحلى به المرأة لزوجها فليس فيه زكاة. (1/198)
صفحة 199
ومن سألها على غير وجهها لا يعطاها، ألا في الأربع والعشرين من الإبل فما دونها في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض " وقد أجازوا في هذا الوجه ابن لبون (1) ذكراً، إذا لم تكن بنت مخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروفة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان، فإذا زادت واحدة على المائة وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وأما فرض البقر فهو كالأبل إذا بلغت خمساً وعشرين، فما دون خمس وعشرين في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها جذعة
__________
(1) يجمل أن أذكر أسنان الإبل ومعانى أسماءها زيادة في الفائدة نقلا من المحشى رحمه الله، قال: أول ما يولد البعير يسمى ربعاء، ثم هيفاء ثم فصيلا، ثم ابن مخاض، ثم ابن لبون، ثم حق، ثم جذع، فإذا دخل في السادسة فهو ثنى، وفي السابعة رباع، والأنثى رباعية، وفي الثامنة سدس الذكر والأنثى، وفي التاسعة بازل، إلى آخره. والزكاة تختص بابن لبون، وبنت لبون، والحقة، وبنت مخاض، والجذعة، فهى شباب الإبل لا يغبن فيها المزكى، وفي الوقت ينتفع بها من يأخذ الزكاة لأنها في مقتبل العمر. فابن لبون له سنتان، والحقة ثلاث سنين، استحقت أن تركب ويحمل عليها ويطرقها الفحل، وبنت مخاض لها سنة لأن أمها حملت بعدها. والجذعة بالمعجمة وهى التى لها أربع سنين، وهذه الأسنان المنصوص عليها في الزكاة، مختصرة. (1/199)
صفحة 200
البقر، وإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ثنية البقر، وإذا بلغت ستا وأربعين ففيها رباعية البقر، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها سدس البقر، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ثنيتان، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها رباعيتان من البقر، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففي كل أربعين ثنية وفي كل خمسين رباعية، والله أعلم.
وأما فرض الشاة: فهى فرض ثلاثة أصناف: فرض ما دون خمس وعشرين من الإبل، وفرض ما دون خمس وعشرين من البقر، وفرض الغنم أما الإبل والبقر: فقد ذكرناهما.
وأما الغنم: فتفصيل زكاتها ما ذكر عن ابن عمر قال: أعهد إلى عمر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون أربعين شاتاً شىٌ، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة، إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، فما زاد بعد ذلك ففي كل مائة شاة، ومالم تكمل مائة فليس فيها شيء.
" فصل "
فكل نوع يحتاج إلى أخذ الوقت فوجوب زكاته بشيئين: تحويل الحول، مع استكمال النصاب، وكل ما لايحتاج إلى أخذ الوقت فوجوب زكاته بشيئين: الإدراك، وكمال النصاب. وكل ماأخذ له الوقت فلا ينتقص وقته إلا بشيئين: نقصان النصاب قبل الحول، والإخراج من (1/200)
صفحة 201
الملك. إلا أن أخرجه بشيئين، فلا ينتقض وقته؛ أحدهما: الفرار من الصدقة، والثاني: إبداله بجنسه. وقد قال بعض العلماء: لا فرار من الصدقة، " والفأر من الصدقة يؤدى ". وقد قيل: ينتقض بالابدال بالجنس. وأما كل ماله أخرجت منه الزكاة، أو وجبت ولم تخرج، فإن انتقض في يد مالكه عن النصاب فلا ينتقض وقته، وكذلك إن أبدله بجنسه لا ينتقض وقته مالم ينزل عن حد الأصل.
وأصل الذهب ثلاثة مثاقيل فصاعداً، وأصل الورق ثلاثة دراهم أو وزنها فضة، وأصل الغنم ثلاثة رءوس، وأصل البقر ثلاثة رءوس. وأصل الأبل ثلاثة رءوس.
وثلاثة تكون أصلا لثلاثة: الذهب يكون أصلا للفضة، وتكون أصلا له. والبقر تكون أصلا للجوامس، وتكون أصلا لها. والضأن يكون أصلا للمعز، ويكون أصلا له. والنض (1) يكون مخالفاً لأنواع المال في ثلاثة أشياء؛ أحدها: ألا يستتم الشريك فيه بنصيب شريكه في الأصل، ولا في النصاب. والثانى: تودى الزكاة عن ديونه ولو لم تقبض، إذا كانت حالة [2}. والثالث: يسقط المزكى ما وجب عليه من ديون النض مما في يده من النض عند إخراج الزكاة.
__________
(1) النض: الذهب والفضة إذا كانت خاماً قبل أن تسكك. (1/201)
صفحة 202
" فصل فيما عفى عن زكاته "
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس في القتوبة (1) ولا في الجارة (2) ولا في الكسعة (3) ولا في النخة (4) ولا في الجبهة (5) صدقة ". وقال عليه السلام: " ليس في عبد الرجل ولا في فرسه زكاة ". وقال صلى الله عليه وسلم: عفى عن أمتى زكاة الخيل والبغال والحمير ".
واعلم أنه لا زكاة في ذوات القرون (6)، ولا في ذوات الحوافر، ولا الحنابل (7)، ولا التين، ولا الزيتون، ولا في جميع الفواكه من الخضروات. لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه جعل الصدقة في ستة أشياء: في البر والشعير والتمر والزبيب والذرة والسلت.
ولا زكاة في اللآلىء، ولا في الجواهر، ولا الطيب، ولا العسل، ولا الألبان، إلا أن تكون هذه الأشياء للتجارة، فتكون الزكاة في قيمتها دون أعيانها.
__________
(1) القتوبة: التى يوضع عليها القتب للحمل.
(2) الجارة: الركائب.
(3) الكسعة بالضم: الحمير.
(4) النخة: الدقيق.
(5) الجبهة: الخيل.
(6) ذوات القرون: الظاهر أنها البقول ذات القرون كالفول.
(7) الحنابل: كذا في نسخة مخطوطة ولعله شى خاص بنفوسة. (1/202)
صفحة 203
ولا تحل الصدقة (1) لأربعة: لمشرك، ولا منافق (2)، ولا غنى، ولا لعبد. وقال صلى الله عليه وسلم: " لاتحل الصدقة لأربعة: لغنى، ولا لمن يمونه غنى، ولا لذى مرة (3) سوى، ولا لمتاثل (4) مالا " وعنه عليه السلام أنه قال: " أوساخ بنى آدم لا تحل لمحمد ولا لآل (5) محمد ". وقال عليه السلام: " لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم ". وقال عليه السلام: " لا تحل الصدقة إلا لخمسة: عامل عليها، أو مشتريها، أومن أهديت له، أو غاز في سبيل الله، أو فقير متعفف ". وعنه عليه السلام أنه قال: " إن الله لم يكل قسم الصدقة حتى قسمها في كتابه ". وعنه عليه السلام أنه قال: " أمرت أن آخذها من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم ".
وفي هذا الحديث خمس دلالات؛ أولها: أنه لا تؤخذ الزكاة إلا
__________
(1) الصدقة: الزكاة، أما مطلق الصدقة التى هى التطوع فجائز أن تعطى لكل فقير كتابى أو مشرك.
(2) المنافق هنا من جاء بالقول وخان في العمل، وهو المنافق الوراد في قوله عليه السلام:"أربع من كن فيه فهو منافق " الحديث
(3) ذو مرة: اى قوة، وهو من يستطيع الاكتساب.
(4) متأثل: جامع للمال.
(5) آل محمد صلى الله عليه وسلم: بنو عبد المطلب، وبنو هاشم، وبنو عبد مناف، لأن الله أغناهم بسهم في الخمس، وذلك في زمن الظهور – استقلال المسلمين – وهو وجود الدولة لهم كما قدمنا. أما إذا كان سهمهم غير موجود جاز لهم أخذ الزكاة إن كانوا اهلا لها. والآل في الدعاء كل بار تقى إلى يوم الدين. (1/203)
صفحة 204
من المسلمين، والثانية: دلّ على أن صاحب مائتي درهم غنيٌّ. والثالثة: دلّ على أن الزكاة واجبة على الصغير والكبير واليتيم والمجنون. والرابعة: دلّ على أن الزكاة لفقراء المسلمين خاصة. والخامسة: دلّ على منع الزكاة من غير فقراء المسلمين.
فصل في قسم الصدقة
قال الله تعالى: (إنما الصدقات ... عليها) الآية. واختلف العلماء في الفقير والمسكين؛ فقال بعضهم: الفقير الذي له البلغة (1) من العيش، والمسكين الذي لا شيء له. واحتجوا بقول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبتُه وَفقَ العيالِ فلم يُترك له سبدُ
يعني قوتا لا فضل معه. واحتجوا بما ذكر أيضا عن أناسٍ من المهاجرين: أن يكون لأحدهم الدار والزوجة والعبد وناقة يحجُّ عليها ويغزوا، فسمّاهم الله فقراء، وأسهم لهم في الزكاة.
وقال بعضهم: المسكين الذي له البلغةُ، والفقير الذي لا يجد البلغة. واحتجوا بقول الله تعالى:
__________
(1) البلغة: ما تبلغ به من العيش ولا يفضل، يقال: تبلغ إذا اكتفى به وتبلغ. (1/204)
صفحة 205
(أما السفينة ... البحر)، وتسميتهم مساكن على جهة الرحمة، كما يُقال لمن ابتلي ببلية مسكين. قال الشاعر:
مساكين أهلُ الحب حتى قبورُهم عليها تراب الذّل بين المقابر
وأما العاملون عليها فهم الجباة (1) الذين يجبونها من أهلها ويضعونها (2) في مواضعها، ويعطى العامل من الصدقة على قدر ما يرى الإمام.
وأما المؤلفة قلوبهم: فهم قوم من العرب كانوا قد أسلموا (3)، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيرضح (4) لهم من الزكاة، فيقولون هذا دِينٌ صالح، وإن لم يعطهم عابوه وتركوه. وقال بعضهم: هم أشراف قبائل العرب، كان النبي عليه السلام يعطيهم من الصدقة ليَجُرَّ بهم إسلام قومهم. وهم اثني عشر رجلا، ممّن أعطى لهم الإبل يوم حنين، أحدهم: سفيان بن حرب، وصفوان بن أُمِّية، وسُهيل بن عُمير، وحُويطب بن عبد العُزّى، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام، وأبو سفيان بن الحارث، وعُيينة بن حصين، والأقرع بن حابس، ومالك بن عُوف، وعبد الرحمن بن يربوع، والعباس بن مِرداس. أعطاهم النبي عليه السلام الإبلَ يوم حُنين، لكل واحد منهم مائة ناقة، إلا حُويطِب بن عبد العُزّى، وعبد الرحمن بن يربوع،
__________
(1) الجباة جمع جاب: من يجمع الزكاة بأمر الإمام.
(2) يضعونها في مواضعها بأمر الإمام أيضا.
(3) أسلموا، ولم يدخل الإسلام في قلوبهم.
(4) يرضح: يعطي لهم عطاء ليس بالكثير. (1/205)
صفحة 206
والعباس بن مرداس، فهؤلاء الثلاثة أعطاهم خمسين خمسين، فقال ابن مرداس شعرا:
أتجعل نَهبِي (1) ونهبَ العُبَيد بين عُيينةَ والأقرعِ
وقد كنتُ في الحرب ذا تُدرإٍ (2) فلم أُعط شيئا ولم أمنعِ
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ يفوقان مرداسَ في المجمعِ
وما كنتُ دون امرئٍ منهم ومن تضعِ اليوم لا يُرفعِ
فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة، وكان قد أعطى حكيمَ بن حزام سبعين ناقة، فقال يا رسول الله ما كنتُ أظن أن أحدا أولى بإعطائك مني. فزاده عشرا، حتى أتمّ له المائة. فقال: الذي أعطيتني خير أم هذا الذي زدت لي؟ فقال: "بل الذي أعطيتك خير"، فقال: والله لاآخذ غيرها. فأخذ السبعين، فما مات إلا وهو أكثر قرش مالاً.
وقال عليه السلام: "إني لأعطي الرجل وأترك الآخر، والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي له، ولكن أتألّفُ هذا بالعطية، وأكلِ المؤمن إلى إيمانه".
واختلف العلماء في سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، فقال بعضهم: إن احتاج المسلمون إلى تأليف أمثالهم من الزكاة فعلوا ذلك. وقال بعض:
__________
(1) النهب: الغنيمة. والعبيد: اسم فرسه.
(2) التدرأ: القوة والعدة. (1/206)
صفحة 207
انقرض سهم المؤلفة قلوبهم من لدن عمر رضي الله عنه، بدليل ما فعل عمر مع عُيينة بن حِصن، حين جاءه يسأله الزكاة مما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: (وقل الحق من ربكم ... فليكفر)، ذلك إن كان الإسلام حقياً (1)، وأمّا الآن فقد بَزُلَ الإسلام، والإسلام أجلٌ من أن يُرشى عليه.
وأما قوله: (وفي الرقاب) فهم المكاتَبون (2)، يعطون من الزكاة لفكِّ رقابهم من الدَّينِ الذي عليهم، يحملونه لساداتهم.
وأما قوله: (والغارمون) فهم الذين لزمتهم الدّيون من غير إسراف ولا تبذير ولا فساد. وقال بعض: الغارمون من احترق بيته أو ماله، أو ذهب السيلُ بماله، فإنهم يعطون من الزكاة فيقضون ديونهم.
وأما قوله: (وفي سبيل الله) فهم الغزاة والمرابطون في ثغور العدو.
واختلفوا في الغازي في سبيل الله، فقال بعض: يُعطى من الزكاة ولو كان غنيا. وقال بعض: لا يُعطى من الزكاة إلا إن احتاج إليها، أو انقطَعَ به.
وأما قوله: (وابن السبيل) فإنه المسافر المحتاج، يعطى
__________
(1) كذا في النسخ، وصوابه: حقاً، وهو في الإبل البالغ ثلاث سنين كما تقدم، وهذا لا يقدر على الحمل، أما البازل فهو الجمل البالغ تسع سنين فهو قوي.
(2) المكاتبون: أي المملوك الذي فك رقبته بمال فأصبح حرا من أول يوم قبل سيده مكاتبته، ولو لم يصبح حرا لما صحت له الزكاة. فالمكاتب عند أصحابنا حر من أول يوم، وما كاتب به فدين في ذمته. وهذه من المسائل التي اختص بها أصحابنا، إذ الحرية عندهم هي الأصل في الإنسان، فلما كاتب فقد استرد حريته. (1/207)
صفحة 208
من الزكاة إذا انقطع به وإن كان غنيا، إذا لم يكن معه مالٌ. وقال بعض في ابن السبيل: هو الحاجُّ المنقطع به.
واختلفوا في هذه الأصناف الثمانية، فقال بعض: تقسم الزكاة عليهم جميعا. وقال بعض: إن أعطاها الرجل في صنف واحد أجزاهُ، والله أعلم.
وأمرُ الزكاة يرجع إلى الإمام، ويُجبيها السُّعاة بأمره، ويقسمها بين الأصناف المذكورة على ما يرى، وإنما السيرة في ذلك إذا أُجْبِيَت الزكاة من بلد، قسم الجابي نصفها على فقراء ذلك البلد، ويجعل النصف الباقي في بيت المال لمصالح دُولة المسلمين، ونفقة الإمام وعياله من بيت المال، إذا لم يكن له مالٌ، بقدر ما يرى أهل النظر من المسلمين.
وكذلك العُمّال ما داموا في الجِباية، فنفقتهم في الزكاة، فإذا جُمعَت أنفقوا من سهامهم. وسهم العامل الثّمن، وقيل: يُعطى بقدر ما يكفيه لعامله.
وإنما تجب الزكاة من عام إلى عام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "انتظر بأرباب الأموال حولاً، ثم منهم ما أمرتك به، ودع لهم الرُّبّى والماخضَ والأكولةَ والفحلَ واللّبونَ".
والرُّبّى: هي التي تربّي ولدها. والماخضُ: الحامل. والأكُولةُ: (1/208)
صفحة 209
المعلوفة للذبح. واللّبون (1): ذات الللبن.
وإن عُدم الإمامُ قسم الزكاة صاحبُ المال بنفسه، ولا تُعطى إلا للمُتولَّى، ويدفع الرجل زكاته بنفسه، ويستخلف من يدفعها عنه. ولا يجوز دفع الزكاة إلا وهي حاضرةٌ، وإن لم تحضر فلا تجوز، إلا إن وصلت المدفوع له بعد ذلك. وجائز لأصحاب الثمار وأصحاب الزروع أن يأكلوا بغير حساب الزكاة، ما داموا في جمع الثمار وحصاد الزرع، وما جُمع منها فلا يأكلوا منه إلا بحساب الزكاة على أنفسهم.
وأما الكنوز: فهي دفن الجاهالية، وقد أوجب النبي عليه السلام فيه الخمس. ويجوز أخذه في كل زمان، وسبيله سبيل الغنيمة، وكل من لا يأخذ الغنمية لا يجوز أخذه، كالمشرك والمرأة والعبد والطفل. ولا يجوز أخذه إلا بعلامة تُبيّنُ أنه للمشركين كالصّليب والتّمثال ونحوه.
وإن وَجد فيه علامة أهل التوحيد (2)، أو لم يجد فيه علامة أصلا فلا
__________
(1) اللبون: هي الحلوبة. وإنما استثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الأصناف لأنها من كرائم الأنعام، وهي في سبيل انتفاع أصحابها وليست سائمة، وإنما الزكاة في السائمة.
(2) علامة أهل التوحيد: أن أصحابنا رحمهم الله اصطلحوا على إطلاق كلمة "أهل التوحيد" على أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله. فمال أهل التوحيد محرم بالنص، لا يحل أي شيء منه قليلا كان أو كثيرا لأنه معصوم بكلمة التوحيد كالدم، وهذا من خصائصهم رضوان الله عنهم قولا وعملا. (1/209)
صفحة 210
يأخذه (1). وإن وجد كنزا جاهليا أخرج خمسه، ودفعه للإمام، وإن لم يكن الإمامُ دفعه لمن يَدفعُ له زكاة ماله من فقراء المسلمين.
وأما معادن الذهب والفضة فعلى من أخرج منها شيئا زكاتُه، إذا حال عليه الحولُ في ملكه. وقد قيل في المعادن بالخمس، والله أعلم.
فصل في زكاة الفطر
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر من شهر رمضان، وهي سُنّة، الأخذُ بها فضيلة، وتركها ليست بخطيئة. وسبيلها سبيل الزكاة، في الدَّفْع والمدفوع له. وهي: صاع بصاع النبي عليه السلام عن كل نفس، من ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد، أو طفل أو بالغ، يُخرجها المرء عمّن يمونُ، ويخرجها مما يقوته (2)، من جميع الحبوب والثمار والألبان والبقول واللحوم. ولا يخرج فِطرةَ نفسٍ واحدة من جنسين. وأفضل أوقاتها قبل صلاة العيد يوم الفطر، فإن لم يخرجها في ذلك اليوم فهي فطرة إلى يوم الأضحى من شهر الحجِّ، ويخرجها عن جميع من زاد (3)
__________
(1) قوله فلا يأخذه: ينظر هذا بالنسبة للقاعدة الأصولية: المباح لمن سبق إليه، ولعل المصنف رحمه الله يريد أن ما لا علامة فيه لبيت مال المسلمين كله، وإن لم يوجد فسبيله سبيل الفقراء كسائر ما لا صاحب له من الأموال، والله أعلم.
(2) أي من جل قوته. وصاحب اللبن يعطيها حين يحلبه، وصاحب البقل يعطيها كذلك حين يقطعها. وصاحب اللبن هو مالك الأنعام في البراري، فإن هؤلاء جل قوتهم اللبن، وصاحب البقول هو المزارع الذي انقطع إلى زراعة البقول.
(3) من زاد: أي ولد. (1/210)
صفحة 211
عنده من عياله، ما لم تطلع الشمس يوم الفطر، ومن تلف من عياله قبل طلوع الشمس من يوم الفطر فليس عليه منه شيء. وكل من حازاهُ (1) من أولاده البُلّغ فليس عليه منه شيء، وكذلك المغصوبُ والآبق من عبيده، إذا لم يرجع ولم يرج رجوعه. وقيل: في المغصوب إذا أطعمه أن يؤدي عنه. وعبيد التجارة ليس عليه من فطرتهم شيء. وكذلك الزوجاتُ ما لم يجْلبْهُنَّ. حسبنا الله وحده ونسأله العافية وخير ما عنده.
فصل في أسنان الأنعام
وينبغي للمتفقّه أن يعرف أسنان الأنعام؛ لحاجته إلى ما يجب منها في حقوق الزكاة وأُرُوشِ (2) الجراحاتِ والدّياتِ.
أما الإبل: فأول أسنانها إذا وضعت الناقة يسمى نتاجها رَبُعاء، والأنثى رَبُعة، وإن وضعت الناقة في آخر الربيع سمي هُبَعا، ويسمى حُوارا، فإذا فصل عن أمّه وفُطِم سمي فصيلا. ولا يدخل هذا السّنّ في الدّيات، ولا في واجب الصدقات. فإذا استكمل الحول، ودخل في السنة الثانية ولو بيوم فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وإنما
__________
(1) حازه: فصله عنه وانفرد بأحواله عن والده. والمتبادر أن الذكر البالغ لا تلزمه نفقته، فلا تلزمه زكاة فطره، ولا وجه لاختصاص من حازه. وقوله: بالغ، أي تلزمه نفقته كالعاجز عن الكسب.
(2) أرش الجراحات: ديتها، والديات عطف تفسير. (1/211)
صفحة 212
سمي بهذا الاسم؛ لأن أمه تمخّضت عليه بالحمل. وهذا السّنّ يدخل في الدّيات وواجب الصدقات، وكذلك ما بعده من الأسنان يدخل فيما ذكرنا.
وإذا استكمل الثانية ودخل في الثالثة ولو بيوم فهو حينئذ ابن لبون، والأنثى بنت لبون؛ واللّبون ذات اللبن، يعني أن أمه ولدت عليه.
فإذا استكمل الثالثة ودخل في الرابعة ولو بيوم فهو حينئذ حِقٌّ، والأنثى حِقّةٌ؛ سُميت حِقّة لاستحقاقها أن يحمل عليها الفحل، ويسمى الذكر حِقّاً؛ لأنه وإنما استحَقَّ أن يُركب عليه ويُحمل عليه.
فإذا استكمل الرابعة ودخل في الخامسة فهو حينئذ جَذعٌ، والأنثى جَذعةٌ. وليس في واجب الزكاة مما فوق الجذعة شيء.
فإذا مضت الخامسة ودخل في السادسة، وألقى ثنيته فهو ثنيٌّ، والأنثى ثنيّةٌ.
فإذا مضت السادسة ودخل في السابعة فهو حينئذ رَباعٌ، والأنثى رَباعيّة.
فإذا مضت السابعة ودخل في الثامنة فهو سَديسٌ، والأنثى كذلك، بلفظ واحد سواء فيه الذكر والأنثى.
فإذا مضت الثامنة ودخل في التاسعة وطلع نابُه فهو حينئذ بازل، والأنثى بازل، كلاهما بلفظ واحد.
فإذا مضت التاسعة ودخل في العاشرة فهو مُخلِفٌ، وليس بعد الأخلاف اسم، ولكن يقال: بازلُ عام وبازلُ عامين، ومُخلفُ عام ومُخلف عامين، إلى ما زاد على ذلك. فإذا كَبُر فهو عود، والأنثى عُودة، فإذا هرِم فهو قارحٌ، والأنثى نابٌ وشارفٌ. (1/212)
صفحة 213
والخَلِفُ من الإبل الحوامل واحدها خَلِفة، وتسمى عشراء، والجمع عِشارٌ. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ الإبل الحوامل في الزكاة. ونهى عن أخذ كرائم الأموال إلا أن يشاء ربُّها.
وأما أسنان البقر: فهو في السنة الأولى تَبِعٌ وعجلٌ وجذعٌ لسنتين، وثنيٌّ لثلاث، ورَباع لأربعٍ، وسَديس لخمسٍ، وضالع لستٍّ، وهي أقصى أسنانه، وبعد ذلك يقال: ضالع عام، وضالع عامين، وكذلك على ما زاد على ذلك.
وأما أسنان الغنم: فهي كأسنان البقر حذوَ النّعل بالنّعل، إلا أنه في السنة الأولى يسمى ولد الشاة فيها حملا وخروفا، وولد المعز جديا وسخلا. وأسماؤها بعد السنة الأولى موافقة لأسنان البقر، والله أعلم وأحكم.
باب في الحج ومناسكه
اعلم أن الحج فرض من فروض الدِّين، وركن من أركان الإسلام. والدليل على فرضه ووجوبه من الكتاب قوله تعالى: (ولله على الناس سبيلا)، واللام في قوله "ولله" لام الإيجاب والإلزام.
والحج في كلام العرب: القصد، يقال: حججْتُ البيت: إذا قصدته، أحجُّهُ حجّاً. قال الشاعر:
قالت سُليمَى تغيّرتُم فقلت لها لا والذي بيتُه يا سَمى محجُوجُ (1/213)
صفحة 214
أي مقصودٌ. ويسمى السَّفر إلى بيت الله الحرام حجّا دون غيره من الأسفار؛ لكثرة اختلاف الناس إليه، ولذلك سُمّي الطريق الأعظم محجّةً؛ لكثرة اختلاف الناس فيه. وتقول العرب: بنو فلان يحجّون فلانا: إذا أكثروا الاختلاف إليه. قال الشاعر:
وأشهدُ من عوفٍ حُلولا (1) كثيرةً يحجّون سِبَّ (2) الزَّبرقانِ المُزعفرَا
وقال آخر:
أما والذي حجَّ المُصلّونَ بيتَه مشاةً ورُكبانا مُخزَّمَةَ البُزلِ
ويروى والله أعلم أنه لما كمل بنيانُ البيتِ أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: أن (أذن في الناس ... عميق) الآية، فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فأوحى الله إليه: يا إبراهيم عليك الأذانُ وعليّ البلاغ، فقام إبراهيم عليه السلام على المقام، وقيل: على جبل أبي قبيس، فنادى: أيها الناس إن الله قد بنى بيتا وأمركم أن تحجُّوه، فأجيبوا ربّكم فحجُّوه. فأسمع الله نداءَه مَنْ في أصلاب الرجال، ومَنْ في أرحام النساء، ومن بين المشرق
__________
(1) حلولا كثيرة، جمع حِلة بالكسر: القوم النازلون، والأحياء الكثيرة. وتطلق الحلة على البيوت مجازا.
(2) السِّب بالكسر: الخمار والعمامة. والزّبرقان: هو ابن بدر الفزاري، وهو من سادات العرب. (1/214)
صفحة 215
والمغرب، والبر والبحر، مِمَّنْ سبق في علم الله أن يحُجَّ إلى يوم القيامة، فأجابوه: لبّيك اللهم لبّيك. فمن أجاب يومئذ بالتلبية مرة واحدة حجَّ مرة واحدة، ومن أجاب أكثر حجَّ على قدر ذلك، ومن لم يُجبْ لم يحجَّ.
والدليل على وجوب الحجّ من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع: "أيُّها الناس: لا نبيّ بعدي، ولا أُمّةَ بعدكم، فاعبدوا الله ربكم، وصَلّوا خَمْسَكم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم طيّبةً بها أنفسكم، وحُجُّوا بيتَ ربكم، وأطيعوا وُلاّةَ أموركم تدخلوا جنّةَ ربكم"، وقال أيضا عليه السلام: "حجُّوا قبلَ أن لا تحجُّوا، فإنه قد هُدِمَ البيتُ مرّتين، وسيُرفعُ في الثالثة".
وقال ابن مسعود: حجّوا هذا البيت قبل أن تنبُتَ بالباديةِ شجرةٌ لا تأكل منها دابّةٌ إلا نَفَقَتْ: أي هلكت.
فصل في فضائل الحج
روى ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: "من حجّ مكّةَ ماشيا إلى أن يرجع، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم". وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المنفقُ في الحج كالمنفق في الجهاد في سبيل الله، الدرهم بسمعمائة درهم". وقال عليه السلام: "من العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة". (1/215)
صفحة 216
وقال عليه السلام: "من حجّ هذا البيت ولم يرفُث ولم يفسُق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه". وعنه عليه السلام أنه قال: "أيّما مسلم خرج من بيته قاصدا في سبيل الله، فوقَصَتْهُ دابَّتُه قبل القتال، أو لدغتْهُ هامّةٌ، أو مات حتفَ أنفهِ مات شهيدا، وأيّما مسلم خرج من بيته إلى بيت الله الحرام، ثم نزل به الموت قبل بلوغه، أوجَبَ الله له الجنة". وعنه عليه السلام أنه قال: "اللهم اغفر للحاجِّ ولمن استغفر له الحاجّ".
وعن عليٍّ قال: كنتُ طائفا من النبي عليه السلام ببيت الله الحرام، فقلت: فداؤُك أبي وأمّي ما هذا البيت؟ فقال: "يا عليُّ أسّسَ الله هذا البيت في دار الدنيا كفّارة لذنوب أمّتي"، فقلت: فداؤُك أبي وأمّي ما هذا الحجر الأسود؟ فقال: "تلك جوهرة كانت في الجنة، فأهبطها الله إلى دار الدنيا، ولها شعاع كشعاع الشمس، فاشتدَّ سوادها من أيدي المشركين".
وقال الأوزاعي: رأيت رجلا متعلّقا بأستار الكعبة وهو يقول: يا رب إنّي فقيرٌ كما ترى، وصِبيتي قد عُرُوا كما ترى، وناقتي عجفاءَ كما ترى، وبُردتي قد بلِيت كما ترى، فما ترى فيما ترى يا من يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الأعلى؟ فإذا بصوت من خلفِه يا عاصمُ اِلحقْ عمّك بالطائف قد هُلك، وخلّفَ ألف نعجة، وثلاثمائة ناقة، وأربعمائة دينار، وأربعة أعبدٍ، وثلاثة أسيافٍ يمانية، ليس لها وارث غيرك.
قال الأوزاعي: فقت له (1/216)
صفحة 217
يا عاصم إن الذي دعوتَ كان منّا قريبا. فقال لي: يا هذا أما سمعته يقول: (وإذا سألك عبادي ... دعان).
وقال النبي عليه السلام: "رؤي الشيطان هو أصغرَ ولا أدحرَ ولا أحقرَ ولا أغيظَ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى فيه من نُزول الرّحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رُؤي منه يوم بدر".
وعن ابن عباس أنه قال بعد ما كفّ بصرهُ: ما ندمت على شيء ما ندمت على أن أكون حججْتُ ماشيا، لأني سمعت الله يقول: (يأتوك رجالا). وقد قيل: إذا كان الطريق قريبا فالمشيء أفضل من الركوب، وإذا كان بعيدا فالركوب أفضل من المشي؛ لأن المشي يتعب الإنسان ويسيء خُلقه، فإذا أمِنَ من سوء الخُلق فالمشي أقضل؛ لما ورد في الخبر: "أن الملائكة يتلقَّوْنَ الحاج، فيسلّمون على أصحاب الجمال، ويصافحون أصحاب البغال والحمير، ويعانقون الرجال".
وعن محمد بن ياسر أنه قال: رأيت في الطَّواف كهلا قد أجهدته العبادة، واصفرّ لونُه، وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها، فتقدّمتُ إليه وجعلتُ أسائله، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، فقال لي: في أيّ ناحية تكون خراسانُ –كأنه جهلها- فقلت له: في ناحية المشرق، فقال لي: في كم تقطعون الطريق إلى هذا البيت؟ فقلت: في شهرين أو ثلاثة، فقال لي: أفلا تحجُّون في كل عام وأنتم جيرانُ (1/217)
صفحة 218
هذا البيت؟ فقلت له: كم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرةُ خمس سنين، خرجت من بلدي، ولم يكن في رأسي ولا في لحيتي شيبٌ، فقلت: هذا والله الجِدُّ البيِّنُ، والطاعة الجميلة الصادقة، فتبسّم في وجهي وقال شعرا:
زُرْ من هويتَ وإن شطَّتْ بك الدّارُ وحال من دونه حُجبٌ وأستارٌ
لا يمنعنّك بعدٌ من زيارته إن المحب لمن يهواهُ زَوّارُ
فصل في وعيد تارك الحج
روي عن الربيع بن حبيب رضي الله عنه أنه قال: من وجب عليه الحج ولم يحج، فهو دَينٌ عليه ما دام حيًّا، فإن حضره الموت أوصى به أن يحجّ عنه، فإن لم يوص به ومات، وهو مُضيِّع غير تائب مات كافرا، كما قال الله تعالى: (ومن كفر ... العالمين). وكفره على وجهين: أحدهما أنه إذا ترك الحج إنكارا لفرضه، فكفره كفر شرك، وإن كان تركه تضييعا لحقّ الله بعد ما وجب عليه، فكفره كُفر نفاقٍ.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الظهر ذات يوم ثم جلس فقال: "سلوني عما شئتم، ولا يسألني اليوم أحد منكم عن شيء إلا أجبته"، فقال الأقرع بن حابس: يا رسول الله: الحجّ علينا واجب في كل عام؟ فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمرّت وجنتاه، فقال: "والذي نفس محمد بيده (1/218)
صفحة 219
لو قلتُ نعم لوجبَ، ولو وجب لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وعن النبي عليه السلام أنه قال: "من وجد سبيلا إلى الحج ثم لم يحج، فليمت يهوديا أو نصرانيا، وإن شاء فليمت موتة جاهلية، وقد وجبَتْ له النار كما وجبت لليهود والنصارى". وعنه عليه السلام أنه قال: "من لم تحبه حاجة ظاهرة أو مرض حابس، أو سلطان جائر، فمات ولم يحج، فليمت يهوديا أو نصرانيا". وعنه عليه السلام أنه قال: "من مات ولم يحج لم يقبل الله له يوم القيامة عملا".
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لقد هممتُ أن أبعث رجالا من الأنصار، فلا أجد رجلا بلغ السنَّ ووجب عليه الحجُّ فلم يحج، إلا ضربت عليه الجزيةَ، والله ما أولئك بالمؤمنين. قالها ثلاثا.
فصل في شروط وجوب الحج
اعلم أن شروط الحج عشرةٌ؛ أحدها: البلوغ، والثاني: العقل، والثالث: الحرّيّة، والرابع: الإسلام، والخامس: أمنُ الطريق، والسادس: إمكانُ المسير، والسابع: زاد كافٍ، والثامن: راحلة تُبلّغُه، والتاسع: قُوّة مُؤدَّية، والعاشر: عدمُ العوائقِ.
فأما شرط البلوغ فإن الصبيّ إذا حجّ وهو طفل، لم يسقط عنه (1/219)
صفحة 220
فرضُ الحج إذا بلغ الحلم، لقوله عليه السلام: "أيّما صبيّ حجَّ ولم يبلغ الحنث، فعليه حجة أخرى".
وأما العقل: فإن المجنون غير مكلّف في جنونه، فإن حجّ في جنونه لم يُجزِ عنه إذا أفاق، لقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتى يحتلم، وعن النائم حتى ينتبهَ، وعن المجنون حتى يفيقَ".
وأما الإسلام: فإن المشرك إذا حجّ، ثم دخل في الإسلام لزمه الحجّ ثانية، لقوله عليه السلام: "أيما أعرابي حجّ ثم هاجر، فعليه حجة أخرى". وأراد بالهجرة ههنا الإسلام.
وأما الحرية: فلأن العبد إذا حجّ وهو مملوك ثم عَتَقَ (1) لم يُجزه حجُّه وهو مملوك، لقوله عليه السلام: "أيما عبد حجّ ثم عَتَقَ، فعليه حجة أخرى".
وأما شرط الأمن: فهو أن تكون الطريق آمنة من خوف العدوّ وغيره، بدليل قول الله تعالى: (فإن احصرتم ... الهدي)، أي منعتم من الوصول إلى البيت.
وأما إمكان المسير: فهو أن يجد سعة في الوقت للوصول مع وُجودِ الأصحابِ.
وأما الزّاد الكافي: فلأن الخارج إلى السفر بغير زاد ملق نفسه إلى التّهلُكة المنهيِّ عنها، لقول الله تعالى: (ولا تلقوابأيديكم
__________
(1) عتق بالبناء للفاعل: تخلصت من العبودية. (1/220)
صفحة 221
إلى التهلكة).
وأما الراحلة المبلّغة إلى السفر: فهي من شروط الإيجاب، لقوله عليه السلام: "الاستطاعة زادٌ وراحلةٌ".
وأما القوّة المُؤدّيةُ: فهي على وجهين: قُوّةٌ بدنيّةٌ، وقوة مالية. فهما عدمهما المرء كان غير مستطيع، والله يقول: (من استطاع إليه سبيلا).
وأما عدق العوائق: فهو من شروط الإيجاب. والعوائقُ كالمرض المانع، والوالد الكبير الذي لا يستغنى عنه، والسلطان القاهر، بدليل قوله عليه السلام: "من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو سلطان جائر" الحديث.
وقد اختلف الناس في الاستطاعة على أربعة أقوال: فقال بعضهم: صِحّةُ البدن لا غير. وقال بعضهم: الاستطاعة زادٌ وراحلةٌ. وقال بعض: مالٌ واحتيالٌ وأمنٌ في الطريق. وقال بعض: زادٌ وراحلةٌ وأمنُ الطريق والأصحاب.
فصل
في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله). واختلف العلماء في كيفة إتمامهما. فقال بعضهم: إتمامهما إكمال مناسكهما وحودهما وفروضهما وسننهما. وقال بعض: إتمامهما أن تكون النفقة حلالا، وينتهي عما نهاه الله عنه. وقال بعض: إتمامهما أن تخرج من بيتك لهما لا تريد غيرهما، لا تخرج لحاجة ولا لتجارة. يروى عن أنس بن مالك (1/221)
صفحة 222
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على الناس زمان يحج أغنياء الناس للنزهة، وأوسطهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للرياء والسمعة"، ولذلك كان عمر بن الخطاب ض يقول: الوفدُ كثير والحاجّ قليل.
والعمرة في اللغة الزيادة. قال الشاعر:
َيهلُّ بالفرقدِ رُكبانُها ... كما يهلُّ الراكبُ المعتمِر
أي الزائر. وتكون العمرةُ لزوم المكان والإقامة فيه.
واختلف الناس في العمرة، فقال بعض: ليست بفريضة، ولكنها سنة حسنة. واحتجوا بقراءة الشعبيّ، وكان يقرؤها: (وأتموا الحجَّ والعمرةُ لله) رفعاً. واحتجوا أيضا بما روي عنه عليه السلام: سئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: "لا وأن تعتمروا خير لكم". وقالوا أيضا: قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) ولم يذكر العمرة مع الحج. وقال بعض: العمرة فريضة واجبة وهي الحج الأصغر. واحتج هؤلاء بقراءة العامة: (وأتموا الحجَّ والعمرةُ لله) نصبا. واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة داخلة في الحج إلى يوم القيامة". وبما روي عنه عليه السلام قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة". وعلى هذا القول الأخير اعتماد أصحابنا. (1/222)
صفحة 223
فصل فيما يفعله الخارج إلى الحج
اعلم أنه ينبغي للعازم على الحج أن يقدّم قبل خروجه أربعةَ أشياء؛ أحدها: أن يُعطى كل تباعة تلزمه من دَين أو مظلمة؛ في مال أو ذمة. والثاني: أن يقضي ما ضيّع من حقوق الله الواجبة؛ من الصلاة والزكاة والكفارات والنذور الواجبات. والثالث: أن يُوصي بما يلزمه من الوصايا، ويستخلف عليها من يُنفّذها. والرابع: أن يُوسّع من الزاد لكي يتّسع خُلُقه في طريقه. فإذا حضر خروجُه فليقدِّم بين يديْ خروجه أربعا أخرى؛ أحدها: أن يُرضي كل من وَجَدَ عليه من جيرانه وأرحامه، ويحالِلُهم ويودّعهم. والثانية: أن يودّع أهله، ويصليَ في منزله ركعتين، ويدعو في أثر ركوعه بهذا الدعاء: اللهم إنّك افترضت الحجّ وأمرت به، فاجعلني ممّن استجابَ، واجعلني مِنْ وَفدك الذين رضيتَ وكتبتَ وسمّيتَ. والثالثة: أن يتخذ لطريقه أصحابا أمناءَ ثقاةً؛ لأنه يُقال: الرفيقُ قبل الطريقِ. وقال النبي عليه السلام: "لو يعلم الناس ما في الوِحدة ما سار أحدٌ ليلا وحده، والواحد شيطان، واثنان شيطانان، والثلاثة ركب، وخير الأصحاب أربعة". والرابعة: أن يدعوَ عند خروجه من المنزلِ ورُكوبه بهذا الدعاء: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كُنّا له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لَمُنقلبون، اللهم إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى والعمل بما ترضى، اللهم هوِّن (1/223)
صفحة 224
علينا السّفر، واطوِ لنا الأرضَ، اللهم أنت الصّاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل والمال جميعا، أصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا".
فإذا خرج وسافر فعليه أربعة أشياء؛ أحدها: أن يجتنبَ المُماكسةَ في الكراءِ. والثاني: أن يُلازمَ تقوى الله، واجتناب المحارم. والثالث: أن يُحسّنَ أخلاقه مع الأصحاب. والرابع: أن يُكثر ذكر الحجّ مع ذكر الله تعالى، ويُكبّرَ على كل شرفِ، ويُسبّحَ في كل غورٍ.
فصل في المواقيت والإحرام
اعلم أن المواقيت حدودٌ ومعالم للإحرام بالحجّ والعمرة، وإنما وقَّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك إنه وقّت لأهل المدينة ومن سلك طريقهم يريد مكّةَ ذا الحليفةِ. ووقَّتَ لأهل الشام ومن سلك طريقهم يريد مكّةَ الجُحفةَ. ووقّتَ لأهل اليمن ومن سلك طريقهم يريد مكّةَ يَلَمْلَمْ. ووقّتَ لأهل نجدٍ والطائفِ قرناً. ووقّتَ عُمر رضي الله عنه لأهل العراقِ ذات عرقٍ.
والإحرام من الميقات ركن من أركان الحج التي لا يصحُّ إلا بها. وهي أربعة:
الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفات، وطواف الزيارة بعد الذبح والحلق، والسّعيُ بين الصفا والمروةِ، في قول عائشة رضي الله عنها. وكانت تقول: لَعَمرِي لا حجّ لمن ترك السّعي بين الصفا والمروة.
وعلى قول أنس بن مالك: لا يفسد حجُّ من ترك السعي بين الصفا (1/224)
صفحة 225
والمروة، ولكن يلزمه الدّمُ بتركه السعي بين الصفا والمروة.
ويقع الإحرامُ على ثلاثة أوجهٍ: إفرادٌ وإقرانٌ وتمتّعٌ.
فأما الإفراد: فهو أن يحرم بالحجّ مُفرداً، أو يُحرم بالعمرة مُفرَدةً.
وأما الإقرانُ: فهو أن يُحرم بهما جميعا، ويكون على إحرامه إلى يوم النحر، فيحِلُّ منهما جميعا بعد الحلقِ يوم النحر، ويطوف لهما طوافا واحدا، وقيل طوافين.
وأما التّمتّعُ: فهو أن يُحرم بالعمرة مُفردةً في أشهر الحجّ، فإذا قضى عُمرتَه حلَّ من إحرامه إلى يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجّة، أحرم للحجّ من تحت الميزاب أو من حيث أمكنه في المسجد، ويلزمه الهديُ، لقول الله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة ... كاملة).
فصل
والإحرام بالحجّ لا يصحّ إلا في أشهر الحجّ، ومن أحرم به في غير أشهره كان حجُّه عُمرةً نافلةً، لا يُجزيه للفرض، كما لو أحرم لصلاة قبل دخول وقتها كانت صلاة نافلةً، لا تجزيه للفرض؛ لأن الله تعالى جعلَ للحجّ وقتا معلوماً، فقال: (الحج أشهر معلومات).
واختلف العلماء فيها، فقال بعضهم: هي ثلاثة أشهر: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة. وقال بعضهم: شهران وعشرون يوما. (1/225)
صفحة 226
وقال بعضهم: شهران وعشرة أيام، وهو الصواب.
وأما العمرة فيصحّ الإحرام بها في كل شهر من شهور السنة، ويعتمر في السنة ما قدر عليه، وليس في ذلك شيءٌ مُؤقّتٌ في قول الربيع بن حبيب رضي الله عنه، وما جابر بن زيد رضي الله عنه فلا يجُوزُ الإحرام عنده بالعمرة في السّنةِ إلاّ مرّةً واحدة، كما كان الحجُّ مرّةً واحدة في السّنة.
فصل
وإذا أراد من بلغ الميقات أن يُحرم فعليه بأربع خصال؛ أحدها: أن يغتسل بماء وسدر إن أمكنه، وإلا أجزأه الوضوء. والثانية: أن يلبس ثوبين جديدين، أو غسيلين لم يُلبَسَا منذ غُسِلا. والثالثة: الركوع إن لم يحضر وقت الصلاة المكتوبة، فيحرم على إثر الركعتين، أو أثر الصلاة المكتوبة إن حضر وقتُها. والرابعة: التّلبيةُ مع الإحرام، يقول بعد فراغه من الصلاة وهو قاعد: "لبّيكَ اللهم لبّيكَ لا شريك لك، لبّيك إن الحمدَ والنّعمةَ والمُلكَ لكَ لا شريكَ لك، لبّيك بحجَّةٍ تمامُها وبلاغُها عليك يا اللهُ". وإن كان قارنا قال: "لبّيك بحجّةٍ وعُمرةٍ تمامهما وبلاغهما عليك يا الله". وإن كان إحرامُه بعمرة مفردة قال: "لبّيك بعمرةٍ تمامها وبلاغها عليك يا الله". تقول هذا في مكانك وأنت قاعدٌ ثلاثَ مرّاتٍ، ثم تقومُ وأنت تُلبّي متوجِّهاً نحو البيتِ. وفي الأثر: إن هذه تلبيةُ النبي عليه السلام المجتمع عليها. (1/226)
صفحة 227
التّلبيةُ مأخوذة من ألبَّ فلانٌ بالمكان: إذا لزمه وأقام فيه. ومعنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك، وعند أمرك، وغير خارج من رأيك (1). وإنما تُثنّى لأنها إقامة بعد إقامة، وطاعة بعد طاعة، كما قالوا: حنانَيْكَ ربَّنا، أي هبْ لنا رحمةً بعد رحمة.
ويحرُمُ على المحرم بعد الإحرام أربع: النّساءُ، والطّيبُ، والصّيدُ، وتغطيةُ الرّأس؛ لأن إحرام الرجل كشفُ رأسه، وإحرام المرأة كشفُ وجهها (2). فإذ اصطاد أو أكل لحم صيدٍ لزمَه دمٌ. إلا إنْ غطّاه ناسيا نزعه ولبّى في حينه، إلا إنْ نسيَه من النهار إلى الليل أو من الليل إلى النهار، فعليه دم. وإن جامعَ وهو مُحرمٌ فسد حجُّه.
وعلى المحرم أن يجتنب لباس أربعة؛ إحداهما: لباس المخيط من القميص والجلباب والسّراويل. والثاني: لباس الأخفافِ والقُفّازيْن (3)،
__________
(1) كذا في الأصول، ولعل الأصل: وغير خارج عن إرادتك. وأما التعبير بالرأي في حقّ الله فغير جائز، وإنما تثنى التلبية لأنها في معنى: إجابة بعد إجابة، أي: نعم نعم. وقد جعلوا التثنية علماً على مضاعفة العدد وتكثيره في هذا المقام.
(2) يعني يجب عليها ستر شعرها؛ لأنه عورة، ولها سدل ثوبها على وجهها إن خافت الفتنة من جمالها دون أن يمسّ وجهها.
(3) القفّاز لليدين كالنعل للرّجل: وهو مما تتخذه نساء العرب على شكل اليد، يحشى بقطن، يلبس على اليدين لتدفئة الأصابع، وله أزرار على الساعدين. وعلى هذا يكون القفّاز من ابتكار العرب. وفي النهاية: هو بالضم والتشديد: شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن، يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد إلى آخره. ومن حديث ابن عمر: أنه كره للمحرمة لبس القفازين. ومنه حديث عائشة - رضي الله عنه - ـا أنها رخصت لها في لبس القفازين. (1/227)
صفحة 228
إلاّ إن لم يجد النّعلين قطع الخفين من أسفل الكعبين. والثالث: لباس ما مسَّهُ الطِّيبُ من الثياب، مثل الوَرسِ والزّعفرانِ (1) وغيرهما. والرابع: لباس القلائد (2) من الحروز واللؤلؤ والجوهر والعقيقِ والخواتمِ، وكلّ ما يُشدُّ على البدن إلاّ هِميانِ (3) نفقتهِ، فقد رُخِّص له في شدّهِ على حقوَيْهِ (4). ومن لبس مخيطا لزمه دمٌ، إلا إن نسي نَزَعه (5). ومن لبس الخفّين لزمه دمٌ، إلا إن نسي أخرجهما من حينه ولبَّى، ومن لبس مطيباً لزمه دمٌ، إلا إن نسي نَزَعه من حينه ولبَّى، وكذلك من لبس القلائدَ والخواتمَ على هذا الحال، والله أعلم.
وعلى المحرم أن يترك فعل أربعةِ من بدنِه، أحدهما: حلقُ الشّعر ونتفه من مواضعه. والثاني: قلمُ الأظافرِ من أصابع يديه أو رجليه. والثالث: قتل القَمْلِ وطرحه. والرابع: قطع شيء من بدنِه وإدماؤُه.
__________
(1) الورْس بإسكان الراء: ضرب من النبات أصفر، يُصبغ به الثياب، خاص باليمن. والزعفران: كذلك نبت عطري أصفر، يُصبغ به.
(2) القلائد: ما تعلقه المرأة على عنقها كالعقد.
(3) الهميان: كيس يشدُّ على الوسط، تحمل فيه نفقة الرجل، وكل ما هو على منواله مما تحمل فيه نفقة المرء.
(4) الحقو: الخاصرة، غير أنهم توسّعوا فيه فأطلقوه على وسط الإنسان، يشد عليه الإزار.
(5) في النسخة المطبوعة: شقه وأخرجه من أسفل. وهذا هو المعتبر في المناسك، حتى لا يغطي رأسه عمدا إن نزعه من فوق. (1/228)
صفحة 229
فمن نزع شعرةً فعليه مسكينٌ، وفي الشعرتين مسكينان، وفي الثلاثة دمٌ، وفي قملة حبّةٌ أو تمرة، وقيل ينزعها من بدنه ويُلقيها في ثوبه. وأما إن قطع شيئا من بدنه أو أدماهُ فعليه دمٌ، وكذلك إن أدمَى غيره فعليه دم.
وعلى المحرم أن يجتنبَ قتلَ كُلَّ ذي روح، إلا ما أباحه الله من صيدِ البحر، وما أباحه الرسول عليه السلام بقوله: "اقتلوا كلَّ مُؤذٍ في الحلِّ والحرمِ". وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمسٌ ليس على المُحرمِ في قتلهن من جُناحٍ: الحيّةُ والعقربُ والكلبُ العقورُ والفأرةُ والغرابُ". وقد قيل: في الحدأة مثل ذلك، وأما غير ذلك (1) فيحرمُ قتلُه، بقول الله تعالى: (يا أيها الذن آمنوا لا تقتلوا الصّيد ... النعم) الآية. وقيل: إن الآية نزلت فيمن قتل الصّيدَ عمداَ، فجرت السُّنّة بالجزاء ولو على الخطأ (2).
__________
(1) غير ذلك من الحيوانات غير المفترسة التي شملها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتلوا كل مؤذ في الحل والحرم"، إلا أنه يشكل الاستدلال بالآية؛ لأن ما عدا ما ذكر ليس من الصيد، إلا أن أريد غير ذلك من الصيد فيحرم إلى آخره.
(2) الحكم في هذه القضية على الخطأ يدل على القاعدة التشريعية المقررة، وهي: "الخطأ في الدماء والأموال لا يزيل الضمان". فمن أتلف شيئا مما نهى الله عنه خطأً، وجب عليه الغرم ولا إثم عليه، ومن أتلفه متعمدا فعليه الضمان والإثم. لكن الآية تقر الحكم على المتعمد، لقوله سبحانه: (فمن قتله منكم متعمدا)، فالمفهوم يدل على أنه لا حرج في الخطأ. وما عليه أصحابنا أن الضمان ثابت والإثم هو المرفوع. (1/229)
صفحة 230
فصل في الحكم الوارد في الصّيد
رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكمَ في الضّبُعِ كبشاً، وفي النعامة جزُوراً، وفي الأرْوَى (1) بقرة، وفي الحمار (2) جزوراَ، وفي الظّبي شاة، وفي الحمامة شاة، وفي بيضها إذا تفرّخت درهماً، وإلا فنصف درهم، وكذلك في بيضة النّعامة إذا تفرّخت درهم، وإلا فنصف درهم، وفي الأرنب سَخْلَةً، وفي أولاد ما ذكرنا أولاد مثلها من النعم، وفي الضّبِّ صاعٌ من طعام، وفي الرَّخْمةِ دانِقانِ (3)، وفي الجرادةِ والنّملةِ والذّرَّةِ (4) والذّبابةِ والحَلَمةِ (5) والقُرادةِ قبضةٌ من طعام.
وعن ابن عبّاس في الدَّوحةِ (6) –وهي العظيمة من الشّجرِ- بدنة، وفي الجزْلةِ الوسطانية شاةٌ، وفي القضيب درهم. وكلُّ ما لم يذكر من الصّيدِ فإنه يقاس إلى ما ذكرنا في السنة. وهذا الجزاء يُتصدّقُ به في مكّةَ كما قال الله: (يحكم به ذوا ... الكعبة).
ولا يجوز لقاتل أن يحكم على نفسه بالجزاء، ولو كان عالما بالسُّنّة،
__________
(1) الأروى: الوعل.
(2) الحمار: الوحشي.
(3) الدانق: سدس الدرهم.
(4) الذّرة: النملة الدقيقة.
(5) الحلمة: القرادة الكبيرة
(6) الدليل منع شجر الحرم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مكة حرام لحرمة الله تعالى، لا تحل لقطتها، ولا يعضد شجرها، ولا يحل صيدها، ولا ختلا ؤها"، فقال عمه العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فقال: "إلا الإذخر". والإذخر: نبات يصنع منه الحصر، ويعتمد عليه أهل كة في نفعه. (1/230)
صفحة 231
حتى يحكم عليه الفقيهان العدْلان المرضيان، وإن لم يكن مع العدلين علمٌ بالسُّنة عِلْمُهما على سبيل الفُتيا، ثم يحكمان عليه الجزاء، ثم يُقوَّمُ الجزاء بقيمة البلد، فيُشترى بقيمته طعامٌ، ويُتصدّق به في مكة، لكل مسكين نصف صاع. وإن أراد الصوم صام عن كلّ نصف صاع يوما، كما قال الله تعالى: (هديا بالغ ... صياما). فهو مُخيّرٌ بين الذبح والإطعام والصّوم، والذبح والإطعام بمكة، وأما الصوم فحيثما أراد صام. وكل هديٍ بلغ الحرم فقد بلغ مَحِلّه، إلا هدي المُتعة، فإن محِلّهُ بمنىً يوم النّحرِ.
وفي الحديث عن قُبيصة بن جابر قال: خرجنا حُجّاجا، فكنا إذا صلّينا الغداةَ اقتديْنا روَاحِلَنا نتماشا ونتحدّث، فبينما نحن ذات غداةٍ إذْ سنحَ لنا ظبيٌ فابتَدَرْناه، فرميتُه بحجر فأصبتُ خُششَاءَه، فركب درْعَه فأسِنَ فماتَ. فلمّا قدمنا مكّةَ أتيتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فسألته عن ذلك، وبجانبه عبد الرحمن بن عوف، فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فشاورَه، فقال: أرى عليه شاة، فقال عمر: وأنا أرى عليه مثل ذلك. فقال لي: اذهب واهدِ شاةً، فخرجتُ إلى صاحبي فقلت له: أرى أميرَ المؤمنين لم يدرِ ما يقول فيها، حتى سأل غيره، ولم يفاجئني إلاّ عمرُ ومعه الدِّرّةُ، فعلاَني بالدِّرّةِ، فقال: أتقتلُ في الحرمِ وتغمِضُ في الفُتيا؟ والله تعالى يقول: (يحكم بت ذوا عدل منكم)، فأنا عمرُ، وهذا (1/231)
صفحة 232
عبدُ الرحمن.
وقال أبو عبيدة: الخَشَشاءُ: العظم النّاتئُ فوقَ الأذنِ. وقوله: ركبَ درعُه، يعني سقط على رأسه، وأراد بالدّرعِ الدّم. وقوله: فأسِنَ، يعني دير به، ويقال للرجل إذا اشتدّتْ عليه ريح البئر: قد أسِنَ، يأسَنُ أسَناً. قال زهير:
يُغادرُ (1) القِرنَ مُصفرّا أناملُه يميدُ في الرُّمحِ ميدا المائحِ الأسِنِ
المراد بالمائح: الذي يغرفُ الماء من البئر، إذا قلّ ماؤها. وقوله: وتغمِضُ في الفتيا، أي تُسفِّهُ وتحقر وتزدري.
ويجوز للمحرم أربعةٌ: الدُّهن بما لا طِيب فيه، والاكتحال بكحل لا طِيب فيه، والاستياكُ بما لا طِيب فيه، والتّداوي بما لا طِيب فيه.
واختلفوا في الحجامة، فقال بعضهم: يجوز للمحرم أن يحتجم، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم بالحجّ، واحتجم وهو صائم.
وقال بعض: لا يجوز، لما روي أنه قال: "في الدّمِ دمٌ".
وجائز للمحرِمِ أن يفعل أربعة أشياء: الاحتطاب، والاختباز، وإيقاد النار، ودخول البيت والخيمة والعريس والقباب من الحرِّ والبردِ، فإن ألهبت النار شعره فعليه الجزاء. ويجوز له حلقُ رأسه بأربعة أشياء، أحدها: الجُرحُ إن
__________
(1) يغادر: يترك. القرن: المماثل، ويريد المبارز. مصفر الأنامل: الميت. يميد: يضطرب. المائح: الساقي بدلوه من البئر، الذي أصيب بدوار من شدة ريح البئر الكريهة. (1/232)
صفحة 233
أراد مداواتَه، والثاني: القُروحُ، والثالث: الصُّداعُ، والرابع: القَملُ إن أذاه. ويفتدي، كما قال الله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى ... نسك) يعني إن حلق.
ويقال: إن هذه الآية نزلت في كعبِ بن عُجرةَ؛ وذلك أنه قال: مرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم زمان الحُديبية ولي وفرة من شَعَر فيها القمل والصّيبانُ، وهي تتناثر على وجهي، وأنا أطبخ قدرا لي. فقال لي عليه السلام: "أيؤذيك هوامُّ رأسكَ؟ " فقلت: نعم يا رسول الله، فقال: "أحلق رأسكَ وصُم ثلاثة أيام، أو أطعم ستّةَ مساكين، مُدَّين لكل مسكين، أو أنسُك بشاة، أيُّ ذلك فعلت أجزاك".
ويُستحبُّ للمحرم بالحجّ والعمرة أن يُكثر من التّلبية، ويرفع صوتَه بها في دُبرِ كل صلاة، وعند ركوب الراحلة، وعند كل شرفٍ، وفي كل واد، وعندما يستيقظ من نومه، وفي كلّ ما يستقبل أُناسًا، ليعلموا أنه مُحرِمٌ؛ لأن التّلبيةَ شعارُ الحاجِّ.
وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الحجّ فقال: "العجُّ والثّجُّ". فالعجُّ: رفعُ الصوت بالتلبية، والثّجُّ: إهراقُ الدّماءِ يوم النّحرِ.
فصل
فإذا قدم مكّةَ فعل أربعاً قبل دخول المسجدِ، إحداها: الاغتسالُ إن أمكنه، وإلا أجزأه الوضوء. والثانية: أن يقصد الدخول من باب (1/233)
صفحة 234
بني شيبة. والثالثة: أن يدعو بهذا الدعاء عند وقوع بصره على البيتِ، يقول: الله أكبرُ الله أكبرُ الله أكبرُ، اللهم زدْ بيتكَ هذا شرفاً وتعظيماً ومهابةً وتكريماً، وزدْ من عظّمَهُ وشرَّفَه وكرَّمَه ممّن حجَّه واعتمَرَه من عبادك الصالحين تكريماً وإيماناً. والرابعة: أن يُقدّمَ رجلة اليمنى عند دخول المسجدِ، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم أنت السّلام ومنك السّلام وإليك يرجعُ السّلام، فحيِّنا يا ربّنا بالسّلام، وأدخلنا برحمتك دار السّلام، اللهم اغفر لي ذنوبي وأدخلني أبواب رحمتك.
ويفعل أربعا بعد دخول المسجد، إحداهما: أن يدعو بهذا الدعاء وهو يمشي في المسجد، يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم البلدُ بلدُكَ والبيتُ بيتُك، جئتُ أطلب رضاك وإتمامَ طاعتك، مُتَّبعا لأمرك، راضيا بقضائك وقدرك، أسألك مسألة البائسِ الفقير، وأدعوك دعاء الخائف المُستجيرِ، المضطرِّ إليك، المستسلم لأمرك، الخائف من عذابك، المُشفقُ من عقوبتك، أسألك أن تستقبلني بعظيم عفوِكَ، وأن تجودَ لي بمغفرتك، وأن تعينني على أداء فرائضك. ثم تحمدُ الله وتسبِّحه وتهلّله وتكبّره، وتصلّي على محمد صلى الله عليه وسلم، وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.
والثانية: أن تقصد الحجرَ الأسودَ. والثالثة: أن تستلمَه إن قدرت عليه، أو تُشيرَ إليه بيدك. والرابعة: أن تدعو بهذا الدعاء عند الحَجرِ، وأنت واقفٌ مستقبل الحجرَ: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، (1/234)
صفحة 235
اللهم إنّي أسألك إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتّباعا لسُنّتك وسُنّة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم يفعل في الطواف أربعا، إحداها: أن يلُوذَ بالرُّكن حتى يرى البابَ، ثم يأخذ في الطّوافِ على اليمين. والثاني: التّسبيحُ في طوافه، وهو سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، وصلى الله على سيّدنا محمد وآله وسلّم تسليما.
وفي الحديث: "إن الملائكة قالت لآدم عليه السلام: حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام"، فقال: ما كنتم تقولون؟ فقالوا: نقول سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر. فقال آدم: ولا حول ولا قوّة إلا بالله. فلما طاف إبراهيمُ أخبرته الملائكةُ بقول آدم عليه السلام، فزاد فيه: العليّ العظيم. فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم زاد فيه: وصلى الله على محمد النبي عليه السلام. والثالثة: الدعاء عند الباب، وعند الميزاب، وعند الأركان. والرابعة: أن يطوف سبع أشواط كاملة؛ من رُكن الحَجَرِ إلى رُكن الحجَرِ، وهو يُسبّح في طوافه، كما ذكرنا، فكلما بلغ الحجر الأسودَ استلَمهُ إن قدر على ذلك، وإلا أشار إليه بيده وقبَّلها، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إليك بسطتُ يدي، وفيما عندك عظُمتْ رغبتي، فاجعل جائزتي فكاكَ رقبتي من النار، وأسعِدنِي في دنيايَ وآخرتي، اللهم كثُرَتْ ذنوبي، وضعُفَ عملي، فاغفر لي ذنوبي، وتقبَّل (1/235)
صفحة 236
توبتي، وأقِلني عَثرتي، وتجاوز عن خطيئتي، وحُطَّ عنّي وِزري.
وكلما بلغَ البابَ دعا بهذا الدعاء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم اغفر ذنوبنا، وقِنا شُحَّ أنفسِنا، واجعلنا من المفلحين. ثم يمشي وهو يقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد عليه السلام. فإذا بلغ الميزاب دعا بهذا الدعاء: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إنّي أسألك الرّاحة عند الموت، والعفوَ عند الحساب، والنّجاة من العذاب. ثم يمشي وهو يُسبّحُ ويُهلِّلُ ويُكبِّرُ كما ذكرت. فإذا بلغ الركن اليماني دعا عنده بهذا الدعاء، وإن قدر أن يستلمه فعلَ ذلك، وهو يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وضيق الصّدرِ، وعذاب القبرِ، وموقف الخِزيِ، والذلِّ في الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين. ثم يمشي وهو يُسبّح كما ذكرنا. فإذا بلغ رُكنَ الحجَرِ استلمَه، وكبَّرَ كما ذكرنا في ابتدائه، ويدعو بدعائه الأول عند الحجر، يفعل هذا سبعةَ أشواطٍ كاملةً غير ناقصةٍ، من ركن الحجر إلى ركن الحجر.
ويُكرهُ فعلُ أربعةٍ في الطّواف، أحدها: الكلام بغير ذكر الله تعالى. والثاني: دخولُ حِجرِ الكعبةِ في طوافه. والثالث: الأكل والشراب. والرابع: الأذى لأحد من المسلمين.
فإذا كمُلَ سبعة أشواط (1/236)
صفحة 237
فليفعل أربعا: أن يصلّي ركعتين خلفَ مقام إبراهيم عليه السلام، أو حيث أمكنه في المسجد. والثانية: أن يأتي زمزما ويشرب من مائها، ويصبُّ على رأسه، ويدعو بهذا الدعاء: الله إني أسألك إيمانا تامّا، ويقينا ثابتا، وعلما نافعا، ودينا قيّما، وعملا صالحا، ورزقا حلالا واسعا، وشفاء من كل داء. والثالثة: أن يرجع بعد زمزم إلى ركن الحجر، فيقف بين الركن والباب، ويُلصق بطنَه بجدار البيت، ويحمدُ الله ويُهلّله ويكبّره، ويستغفره لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، ويقول: اللهم هذا مقام العائذِ بك من الناّر، فحرِّم لحمي من النار، ثم يدعو بما فتح الله ولا يطيل. والرابعة: أن يخرج إلى الصفا، ويقول في خروجه: اللهم أدخلني مُدخل صدقٍ وأخرجني مُخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.
والسّعيُ بين الصفا والمروة سُنّة، وقيل فريضة، قال الله عز وجل: (إن الصفا ... يطوف بهما). ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة.
واعلم أن في السّعي أربعَ خصال، أحدها: أن يصعد على الصفا بقدر خمس درجات. والثانية: التّهليلُ والتّكبيرُ والدّعاءُ. والثالثة: الرَّمَلُ في مسيل الوادي بين العَلَمَين الأخضرين. والرابعة: أن يفعلَ على المروة كما يفعل على الصفا، فإذا أراد السّعي صعد على الصّفا (1/237)
صفحة 238
وكبّرَ سبعَ تكبيرات، ويُستحبُّ أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله والله أكبر، والحمد لله على ما هدانا وأولانا وأحسن إلينا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويُميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير كلُّه وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إيّاه لا إله إلا الله إلها واحدا ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله إلها واحدا ونحن له عابدون، لا إله إلا الله إلها واحدا ونحن له مخلصون، لا إله إلا الله إلها واحدا فردا صمدا، مبتدئا ميعدا، لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا، لا إله إلا الله أهل التّحميد والتّهليل والثّناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله ولا نعبُدُ إلا إيّاه مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا الله وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه. ثم يصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويقول: اللهم استعملنا لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأعِذْنا من الفتنِ ما ظهر منها وما بطن، ويسألُ اللهَ حوائجَ دُنياه وآخرته، ثم ينحدرُ من الصّفا يمشي قاصدا إلى المروةِ، وهو يقول: اللهم اجعل هذا المشي كفّارة لكلّ مشيٍ كرِهتَهُ منّي ولم ترضَهُ. فإذا بلغ العلمَ الأخضرَ هروَلَ بين العلَمينِ، وهو يقول: ربّ اغفر وارحَمْ، وتجاوزْ عمّا تعلمْ، واهدنا إلى الطّريق الأقومِ، إنك أنت (1/238)
صفحة 239
الأعزّ الأكرمُ، وأنت الرّبُّ وأنت الحكمُ، اللهم نجّنا من النّار سراعا سالمين، ولا تُخزِنا يوم الدين. فإذا بلغ العلمَ الذي يلي المروةَ مشى رُويدا وأمسك على الرَّملِ، فإذا بلغ المروةَ صعد عليها، وفعل عليها كما فعل على الصّفا، ثم يرجع إلى الصّفا، ويفعل هذا سبعَ مرات، يبدأ بالصفا ويختم بالمروةِ، فإذا أتمّ سعيَه حلق رأسَه أو قصّرَ، وحلَّ من إحرامه إن كان متمتّعا، وإن كان قارنا لم يحلق إلا يوم النّحر بمنى، فإذا ذبحَ حلقَ وحلَّ من إحرامه من الحجّ والعمرة جميعا.
وأمّا المُتمتّعُ فإذا حلق بعد السّعي بين الصفا والمروة حلّ من إحرامه، فيحلُّ له كلّ ما يحرم على المحرم إلى الصّيدَ في الحرمِ. والمُتمتّعُ يلزمه مما استيسر من الهدي، لقوله تعالى: (فمن تمتع ... الهدي). والتّمتُّعُ لا يكون إلا لمن أحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، ثم يقطع مناسكَها ويحلُّ من إحرامِه.
والتّمتّعُ هو الانتفاع بما لا يحلُّ له قبل الاحلال؛ من النّساءِ والطّيبِ، وتغطيةِ الرأس، ولبس المخيط، وغير ذلك ممّا لا يجوز فعله للمحرم.
ومناسك العمرة خمسةٌ: الإحرامُ من الميقات، والتّلبيةُ بعد الإحرام، والطّوافُ بالبيت، والسّعيُ بين الصفا والمروة، والحلقُ بعد السّعي.
ومناسك الحج عشرةٌ: الإحرامُ من الميقات، والتّلبيةُ، والمبيتُ بمنىً، والوقوفُ بعرفة، والمبيتُ بالمزدلفة، ورميُ الجمار، والذّبحُ، (1/239)
صفحة 240
والحلقُ، وطوافُ الزّيارة، والسّعيُ بين الصفا والمروة.
فصل
فإذا أحلَّ المُتمتّعُ من العمرة وقعَدَ في مكّة، يفعل كل ما يفعله المحلُّ إلى يوم التروية (1)، وهو الثامن من ذي الحجة، أحرمَ للحجّ من تحت الميزاب أو من أيّ موضع شاء من المسجد، أو من مسجد الجنِّ، فكل ذلك جائز.
فإذا أراد أن يُحرم للحجّ من مكّة فعليه أربع خصال، إحداها: الاغتسال إن أمكنه، وإلا أجزأه الوضوء. والثانية: أن يلبس ثوبيْ إحرامه. والثالثة: الطّواف بالبيت سبعة أشواط. والرابعة: الركوع بعد الطواف، ثم يحرم على أثر الركعتين، يقول في مكانه: لبّيكَ اللهم لبّيكَ، لا شريك لك لبّيك، إن الحمدَ والنّعمةَ والمُلكَ لكَ لا شريكَ لك، لبّيك بحجَّةٍ تمامُها وبلاغُها عليك يا اللهُ. يقول ذلك ثلاث مرات، ويقوم مُتوجّها إلى منى وهو يلبّي ولا يقف ولا يطوف بعد الإحرام، ويمضي حتى يأتي منىً، فإذا بلغ منى فعل بها أربع خصال، إحداها: أن يدعو بهذا الدعاء، يقول: اللهم إن هذه منّي، وهي ما دلّلتَ عليه المناسك، أسألك أن تمُنّ عليّ فيها وفي غيرها بما مننْتَ بت على أوليائك وأصفيائك، (1/240)
صفحة 241
فها أنا عندك، وبين يديك، وفي قبضتك. والثانية: أن يبيتَ بمنىً يذكر الله تعالى. والثالثة: أن يُصلّيَ بها خمسَ صلوات اقتداء بالنبيّ عليه السلام. والرابعة: الإقامة بها حتى تطلع الشمس، ولا يجاوز حدها إلا بعد شروق الشمس. ثم يمضي إلى عرفات، فإذا وصل عرفات فعل بها أربعَ خصال، إحدها: أن يدعُوَ بهذا الدعاء عند بلوغه عرفات، يقول: "اللهم اجمعْ لي في هذا المنزلِ جوامع الخير كلّه، واصرف عنّي جوامع الشر كلّه، وعرِّفني فيه ما عرّفتَ أولياءك وأهلَ طاعتك، واجعلني مُتّبعا لسُنّتك وسنّة نبيّك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إليك صمدتُ، وإياك قصدتُ، وما عندك أردتُّ، أسألك أن تُبارك لي في رزقي، وأن تُلقِّنِّي في عرفات حاجتي، وأن تُباهي بي من هو أفضل منيّ.
والثانية: أن يجمع بين الظهر والعصر بعد الزّوال، والثالثة: أن يقف للدعاء بعد الصلوات، ويجتهدَ في الدعاء إلى غروب الشمس، ويُكثرَ التّسبيحَ والتّحميدَ والتّهليلَ والتّكبيرَ والثّناءَ على الله، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويدعو بحوائج دنياه وآخرته، ويُخلصَ النّيةَ في ذلك الموقف، وُكثرَ من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويُميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير كله، يفعل ما يشاء، وهو على كلّ شيء قدير. ويقول: الحمد لله ربِّ العالمين، ربِّ السموات وربِّ الأرض ربِّ العرش العظيم، سبحانه وتعالى عمّا يَصفون، (1/241)
صفحة 242
(وله الكبرياء ... الحكيم).
والرابعة: أن لا يدفعَ منها إلا بعد غروب الشمس، فإذا غربت الشمس على الواقفِ بعرفةَ دفع منها قبل أن يصلّي المغرب، ويمضي إلى المَشعرِ الحرامِ. ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات قبل غروب الشمس، وأنا أدفع منها بعد غروبها، فلا تُعجّلُوا".
ويُستحبُّ لمن دفع من عرفات أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إليك أفضتُ، ومن عذابك أشفقتُ، وإليك رغبتُ، وبك رضيتُ، فاقبلْ نُسُكي، وقوِّ ضَعفي، وارحم تضرُّعي، وقِلّة حيلتي، وبُعدَ مسيري، وسلّمْ لي ديني". ويُكثر من ذكر الله والتلبية، حتى يصل المُزدلفةَ، فإذا وصل جَمْعاً فعل بها أربعا، إحداها: أن يجمعَ بين المغرب والعشاء هنالك. والثانية: أن يُهيّئ سبعين حصاةً للجمار، ويغسلها بالماء، ويُستحبّ أن تكون كالبُندقِ. والثالثة: أن يبيتَ فيها إلى الصباح. والرابعة: أن يُكثر فيها من الدّعاء والذكر لله تعالى، لقول الله تعالى: (واذكروا الله عند المشعر الحرام)، ويقول في دعائه: اللهم ارزُقني في هذا المنزل جوامعَ الخير كلّه، واصرف عنّي جوامع الشرّ كله، ويُكثر من الاستغفار. فإذا أصبح وصلّى الصبح غدا منها إلى منىً قبل طلوع الشمس، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الشرك والأوثان (1/242)
صفحة 243
كانوا يدفعون من جَمْعٍ بعد طلوع الشمس، وأنا أدفع منها قبل طلوعها". وكان المشركون يقولون: أشرقْ ثبيرُ كيما نفيرُ. وثبيرُ: اسم جبل هناك.
وينبغي لمن دَفعَ من جَمعٍ أن يُكثر من ذكر الله تعالى والتّلبية حتى يبلغ منىً عند جمرة العَقبةِ، فإذا وصل جمرة العقبة قطع التلبية، ودعا بهذا الدعاء: اللهم اهدني للهدى، ووفّقني للتّقوى، وعافني في الآخرة والأولى. وعند جمرة العقبة يفعل أربعَ خصال، إحداها: أن يرميها من بطن الوادي. والثانية: أن يُكبّرَ مع كل حصاةٍ، ويقول في إثرها: ولله الحمدُ. والثالثة: أن يدعو بعد الفراغ منها، يقول: اللهم هؤلاء حَصَياتي وأنتَ أحصى لهنَّ منّي، فتقبّلهن منّي، واجعلهنّ في الآخرة ذُخرا لي، وأثِبنِي عليهن، غُفرانكَ رضوانكَ، اللهم اجعله حجّا مبرورا، وسعيا مشكورا، وارزقني نضرةً وسرورا. والرابعة: أن يمضي عنهاولا يقفُ عندها بعد رميِها. ولا يرمي في يوم النّحرِ إلا جمرة العقبة بتسع حصيات، فإذا فرغ منها فعل بعدها أربع خصال، أولها: ذبحُ الضحية. والثانية: الحلقُ أو التقصيرُ. والثالثة: الدعاء بهذا الدعاء: اللهم بارك لي في تَفَثِي، واغفر لي ذنبي، واشكُرْ لي حَلقي. ويكثر من قول: الحمد لله ربّ العالمين، ربّ السّموات السّبعِ وربّ العرشِ العظيم، (وله الكبرياء ... الحكيم). (1/243)
صفحة 244
والرابعة: زيارة البيت، وتعجيلها أفضل من تأخيرها. ويستحب له إذا حلق أن يأخذ من شاربه، ويقلم أظفاره، وينزع شعر الإبطين، ويحلق العانة؛ لقوله: { ... } (الحج: 29). وإن صلى في ذلك اليوم ركعتين فهو أفضل.
وصلاة العيد لا تصلى بالجماعة في ذلك اليوم بمنى. فإذا ذبح وحلق حل من إحرامه، وحل له الحلال كله، إلا النساء والصيد فحتى يزور البيت. فإذا أراد زيارة الكعبة، فإنه يفعل في زيارته كما ذكرنا قبل هذا في أول قدومه مكة: في دخول المسجد، وفي الطواف، وفي الركوع، وفي زمزم، وفي الخروج إلى السعي، وفي السعي بين الصفا والمروة، فإذا قضى زيارته رجع من حينه إلى منى، ولا يبيت بمكة. فإذا رجع إلى منى أقام بها أيام التشريق. ويرمي في كل يوم منها بعد زوال الشمس ثلاث جمرات: الأولى والوسطى وجمرة العقبة. ويرمي كل يوم جمرة سبع حصيات، يكبر مع كل حصاة تكبيرة، ويدعو عند كل جمرة سبع حصيات، يكبر مع كل حصاة تكبيرة، ويدعو عند كل جمرة بما فتح الله له من الدعاء. ولا رخصة لأحد في البيتوتة بغير منى، في ليالي منى، إلا ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص للرعاة في البيتوتة بغير منى، ويصبحون يرمون مع الناس الجمار أيام التشريق، وذلك ثلاثة أيام بعد يوم النحر، { ... } (البقرة: 203) فإذا نفر من منى رجع إلى مكة (1/244)
صفحة 245
لوداع البيت؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت "، ويفعل في الوداع أربع خصال؛ أولها: الطواف بالبيت أسبوعاً. والثانية: الركوع خلف مقام إبراهيم عليه السلام. والثالثة: الشرب من ماء زمزم. والرابعة: الدعاء بين الباب والحجر، يقول في دعائه: اللهم كما قضيت نسكي، وقويت ضعفي، فأتمم لي قضاء حاجتي، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني ببيتك الحرام، اللهم أتمم لي أجري، ويسر لي أمري، اللهم ربنا آتنا في الدينا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني ببيتك الحرام، فاعف عني واغفر لي وارحمني، أنت مولاي، فنعم المولى ونعم النصير، آيبون تائبون لربنا حامدون، إنا إلى ربنا راغبون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين.
ولا يبيع بعد الوداع ولا يشتري، ويمضي وهو محزون على فراق البيت، فإذا ركب راحتله قال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في المال والأهل والولد. والحمد لله كثيراً.
" فصل في مسائل الحج "
ومن ترك الإحرام من الميقات فسد (1) حجه، ومن ترك طواف
__________
(1) - فسد حجه: الصحيح أن الإحرام من الميقات سنة تجبر بالدم إن لم يرجع إلى الميقات وأحرم منها. (1/245)
صفحة 246
العمرة فسدت عمرته، ومن ترك الركوع خلف المقام لزمه دم، ومن ترك السعي بين الصفا والمروة لزمه دم، وقيل: فسد حجه، ومن ترك المبيت بمنى (1) فعليه دم، ومن ترك الوقوف بعرفة فسد حجه، ومن ترك المبيت بالمشعر الحرام فعليه دم، ومن ترك رمي جمرة العقبة فعليه دم، وإن ترك الذبح (2) فعليه دم، وإن ترك الحلق فعليه دم، ومن ترك طواف الزيارة فسد (3) حجه، وإن ترك الجمار (4) فعليه بكل جمرة دم، وإن ترك حصاة فعليه مسكين، وإن ترك حصاتين فعليه مسكينان، وإن ترك ثلاثاً فصاعداً فعليه دم، وإن قدم نسكاً قبل نسك فعليه دم، وإن ترك الواداع فعليه دم.
" فصل "
قالت العلماء: إنما سميت مكة مكة لقلة مائها؛ تقول العرب: مك الفصيل ضرع أمه وامتكه: إذا مص مافيه من اللبن، قال الشاعر:
* مكت فلم تبق في أجوافها دررا *
__________
(1) - ترك المبيت بمنى: يعني ليلة عرفة وليالي رمي الجمار.
(2) ترك الذبح إذا كان واجباً عليه كالمتمتع والقارن.
(3) طواف الزيارة – وهو طواف الإفاضة – وقته طويل عند أصحابنا مالم يمس النساء، ولو رجع إلى بلده وقد ترك طواف الزيارة، وجب عليه أن يعود لطوافه مالم يمس ا لنساء وإلا فعليه الحج من قابل ودم.
(4) ترك رمي الجمار حتى خرجت أيام التشريق، الثلاثة، أما إن أدرك منها ولو اليوم الاخير فإنه يدرك الرمي بحصى الأيام كلها ولا شيء عليه. (1/246)
صفحة 247
وسميت بكة: لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون، فيبك بعضهم بعضاً؛
قال الشاعر:
إذا الشريب أخذته (1) أَكَّه ... فخله حتى يبك بكه
وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجابرة: أي تدقها، ولم يقصدها جبار قط بسوء إلا قصمه الله. وقال بعض: بكة البيتُ وما حوله من المطاف، ومكة الحرم كله. وقيل: هما واحد. والله أعلم؛ لأن العرب تعاقب بين الباء والميم. وسميت أم القرى (2): لأن الأرض دحيت من تحتها. وقد خلقها الله قبل السماء والأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض من تحتها؛ ويدل على ذلك قول الله تعالى: { ... } (آل عمران: 96 - 97)، والآيات هي المقام، والحجر الأسود، والحطيم، وزمزم، والصفا والمروة، والمشاعر كلها.
فأما الحجر والمقام: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هما يقوتتان من يواقيت الجنة طمس نورهما، فلولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب ".
__________
(1) الأكه: شدة الحر. يقول الشاعر: إذا ضجر الذي يورد إبله مع إبلك لشدة الحر انتظاراً، فخله حتى يزاحمك.
(2) إنما سميت أم القرى: لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم، وأعظم شأناً، لأن الناس مجمعون على احترامها وتعظيمها من بين سائر القرى. (1/247)
صفحة 248
وروي عن ابن عباس أن النبى عليه السلام قال لعائشة وهي تطوف معه بالكعبة: " حتى استلم الحجر ياعائشة لو لا ما طبع الله هذا الحجر من أنجاس الجاهلية، وأرجاسها لاستشفي به من كل عاهة وأذى، ولبقي كيوم أنزله الله، وليعيدنه على ما خلقه أول مرة، وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة، ولكن الله غير حسنه بمعصية العاصين، وستر نوره عن الأئمة الظلمة، لأنه لا ينبغي لهم أن ينظروا لشيء كان بدؤه من الجنة ".
وعن أبي سعيد الخدرى - رضي الله عنه - قال: حججنا مع عمر ... - رضي الله عنه - في أول خلافته، حتى وقف على الحجر فقال: إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، فقال له علي: لا تقل هذا ياأمير المؤمنين، فإنه يضر وينفع بإذن الله تعالى ولو أنك قرأت القرآن لعلمت تأويله. فقال له عمر: يا أبا الحسن، وما تأويله من كتاب الله؟ فقال قول الله تعالى: { ... الآية} (آل عمران: 172) فلما أقروا بالعبودية كتب إقرارهم في رق فألقمه هذا الحجر، فهو أمين الله في هذا المكان، يشهد لمن وافاه يوم القيامة.
وأما الصفا والمروة: فهما جبلان بمكة، والصفا في اللغة: الصخرة الصلبة الملساء؛ قال الشاعر: (1/248)
صفحة 249
لها كفل كصفاة المسيل ... أبرز عنها حجاب مضر
يقال: صفاة وصفاً، مثل حصاة وحصاً، وقطاة وقطا. والمروة في اللغة حجر لين؛ قال الشاعر:
حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشرق كل يوم تقرع
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، فذكر الصفا لتذكير إساف، وأنث المروة لتأنيث نائلة. وزعم أهل الكتاب الأول أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما الله على الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما من بعدهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا بين الصفا والمروة ومسحوا الوثنين، فلما ظهر الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله تعالى: { ... } (البقرة: 158).
وأما مِنًى: فسميت منى لما يمنى فيها من الدماء، تقول العرب: مَنَى لك
الماني، أي قدر لك المُقَدِّر؛ قال الشاعر:
ولا تقول لشيء سوف أفعله حتى تبين ما يمني لك الماني
وروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله إلى إبراهيم عليه السلام ليعلمه مناسك الحج ومشاعره، فكان يقول له: يا إبراهيم هذا مكان كذا وكذا حتى بلغ منى، فإذا هو بإبليس لعنه الله قد استقبله عند الجمرة (1/249)
صفحة 250
الأولى فرماه بسبع حصيات، وكبر فطار، فوقع على الجمرة الثانية، فرماه وكبر، فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه، ذهب فانطلق جبريل عليه السلام بإبراهيم يريه المشاعر حتى أتى به عرفة فقال له عرفت؟ فقال: عرفت. فسميت عرفة، فوقف بها حتى أمسى، فازدلف إلى جمع، فسميت مزدلفة، والله أعلم.
باب في الأيمان
اعلم أن الأيمان مذكورة في كتاب الله - عز وجل -، وقد أوعد الله تعالى الكاذبين في أيمانهم بالعذاب الأليم؛ لقوله تعالى: { ... } إلى قوله { ... } (آل عمران: 77). ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا حلفتم فاصدقوا " وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من حلف على منبري فليحلف بالله أو ليصمت "، وعنه عليه السلام أنه قال: " من حلف على منبري هذا فليتبوأ مقعده من النار "، وعنه عليه السلام أنه قال: ... " أكبر الكبائر ثلاث: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، والذي نفسي بيده لا يحلف أحد يميناً فاجرة على مثل جناح بعوضة إلا كان نكتة في قلبه إلى يوم القيامة "، وعنه عليه السلام أنه قال: " من اقتطع من مال امرئ مسلم شيئاً بيمين كاذبة، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة " فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً؟ فقال: ... " وإن كان قضيباً من أراك "، وعنه عليه (1/250)
صفحة 251
السلام أنه قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء الطريق فمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطى له ما يريد وفى له وإلا لم يوف له، ورجل ساوم سلعة بعد العصر (1) فحلف بالله أنه أعطي فيها كذا وكذا فصدقه الآخر فأخذها منه"، وعنه عليه السلام أنه قال: " إياكم واليمين الفاجرة فإنها تذر (2) الديار بَلاقِع من أهلها "، وعنه عليه السلام أنه قال: " اليمين الفاجرة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب معقمة للرحم ". وقال صلى الله عليه السلام:" إني لا أحكم بينكم بالوحي وإنما أحكم بينكم بالبينات والأيمان، فمن حكمت له حكماً وهو فيه كاذب فإنما أجذ (3) له جذوة من النار، ومن حلف يميناً فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ". ففي الأثر؛ إن على هذا أن يتوب ويرد المال ويكفر اليمين.
" فصل "
في قوله تعالى: { ... الآية} (البقرة: 225).
__________
(1) خص بعد العصر، لأن الملائكة تجتمع فيه، ملائكة الليل وملائكة النهار، وهو وقت ختام الأعمال، وكان السلف يحلفون فيه من لزمه اليمين.
(2) تذر: تترك، وبلاقع: خراب، يقال أرض بلقع: أ قفراء لاشيء فيها.
(3) أجذ: من الجذ وهو القطع. (1/251)
صفحة 252
واعلم أن اللغو في لغة العرب: هو الساقط الذي لا يعتد به، وتقول: ألغيت الشيء: إذا أسقطته؛ قال الشاعر:
وتطرح بينها المَرْئِي (1) لغواً كما ألغيت في الدية الحُوارا
وقال آخر:
أو مائة تجعل أولادها لغوا ... وغرض (2) المائة الجلمد
واللغو واللغا من الكلام: الذي لا خير فيه، ولا معنى له؛ قال الله تعالى: { ... } (المؤمنون: 03)، وقال أيضاً: { ... } (الواقعة: 25). وقال الشاعر:
فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبداً مقيم
وقال آخر:
ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم
واختلف العلماء في معنى اللغو المذكور في هذه الآية على سبعة أقوال؛ فقال بعضهم: هو ما يصل به المتكلم كلامه بسرعة من غير عقد ولا قصد؛ كقول القائل في صلة كلامه: لا والله، وبلى والله، وكلا والله وأمثالها. فقالوا لا كفارة ولا مؤاخذة عليه في مثل هذا حتى يعزم عليه بعقد
__________
(1) المرئي: الناقة الكثيرة اللبن، وهي التي تدر على المسح. واللغو مالا يعد من أولاد الإبل في الدية ولا في غيرها لصغره والحوار: الفصيل أول ما ينتج وفي اللسان: ويهلك وسطها المرئي لغواً.
(2) العرض: السفر، والجلد: الحجارة، يريد عرض هذا البعير السفر والحجارة. قال في النساء عن ابن بري: صواب إنشاده أو مائة بالكسر. (1/252)
صفحة 253
من القلب؛ وبهذا تقول عائشة - رضي الله عنها -، وعليه اعتماد أصحابنا. وقد قال القائل:
ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم
وقال قوم: هو أن يحلف الرجل على شيء في علمه وظنه، فإذا هو بخلاف ما حلف عليه، فيخطئ فيه من غير عمد؛ ودليل هؤلاء الخطأ المرفوع عن هذه الأمة. وقال قوم: هو اليمين في حال الغضب؛ ودليل هؤلاء قول النبي عليه السلام: " لا يمين في الغضب ". وقال قوم: هو اليمين على المعصية وقطيعة الرحم؛ ودليل هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا نذر ولا يمين في معصية الله، ولا في قطيعة رحم ". وقال قوم: هو دعاء الرجل على نفسه بالشر؛ ودليل هؤلاء قول الله تعالى: { ... } (الإسراء: 11)، وقوله: { ... } (يونس: 11) وذلك كقول القائل: أعمى الله بصره، أو أذهب عقله، أو ماله أو ولده، إن لم يفعل كذا وكذا، بلسان دون عقد القلب. وقال قوم: هو اليمين المكفرة، لأنها إذا كفرت سقطت. وقال قوم: هو اليمين على النسيان، ودليلهم قوله عليه السلام: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " والله أعلم.
" فصل "
واعلم أن اليمين على ضربين: مستقبل وماض. فالمستقبل منه على ضربين، أحدهما: والله ليفعلن كذا وكذا، أو ليكونن كذا وكذا. (1/253)
صفحة 254
والثاني: والله لا يكون كذا وكذا، أو لا يفعل كذا وكذا. فلا حنث عليه في المستقبل، حتى يفعل ما منعه باليمين، أو يترك ما أوجبه باليمين. ... والماضي على ضربين؛ أحدهما كقوله: والله لقد فعلت كذا وكذا، أو كان كذا وكذا، وهو لم يفعل، أو لم يكن ما حلف عليه. والثاني: كقوله والله لم أفعل كذا وكذا، أو لم يكن كذا وكذا، وهو قد فعله، أو كان ما حلف عليه؛ فهذان الوجهان يجب عليه الحنث بهما والكفارة من حينه، وهي الغموس (1) التي تغمس صاحبها في الإثم.
وأما المحلوف به: فهو ينقسم على أربعة أقسام؛ أحدها: أن يحلف بالله أو بأسمائه أوبصفاته، كقول القائل: بالله ووالله وتالله، وحق الله، وأيم الله، ولعمر الله، واسم الله، وقدرة الله، وعلم الله، وحياة الله، وعظمة الله، وكلام الله، وما أشبه ذلك، من أسماء الله وصفاته، فإن حنث بهذا اليمين وجبت عليه الكفارة.
والقسم الثاني: أن يحلف بماله للمساكين أو الصدقة، أو العتق، أو الطلاق، أو الحج، أو الصوم، أو الصلاة، أو ما أشبه هذا كله من الأيمان. فإن حنث لزمه ما ألزم لنفسه من ذلك. وقد روي عن جابر بن زيد ... - رضي الله عنه - أنه كان يقول: من ألزم لنفسه شيئاً ألزمناه له. ولكن يكره اليمين بالطلاق والعتاق، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الطلاق والعتاق من أيمان الفساق ".
__________
(1) في الأصل: الغاموس، وهو تحريف من النساخ. (1/254)
صفحة 255
والقسم الثالث: أن يحلف بما يخرجه من الإسلام (1)؛ كقوله: هو مشرك، أو كافر، أو منافق، أو فاسق، أو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو قدري، أو مرجئ، أو يعبد الشمس أو القمر، أو أبعده الله، أو أخزاه الله، أو لعنه الله، أو مقته، أو أدخله نار جهنم، أو عذبه الله في الآخرة، أو غضب الله عليه، أو لارحمه في الآخرة، أو حشره الله مع أهل النار، وما أشبه هذا فإن حنث بهذا كله فإن عليه كفارة التغليظ، وقيل: كفارة يمين مرسلة.
والقسم الرابع: أن يحلف بالكعبة أو المسجد، أو اللوح أو القلم، أو الشمس أو القمر أو النجوم، أو السحاب أو السماء، أو الأرض، أو الملائكة أو النبيين أو الرسل، أو المطر أو النبات، أو الطعام أو الشراب أو بحياته أو برأسه أو حياة فلان أو رأسه أو جوارحه، أو بحق أبيه، أو ما أشبه هذا فإن هذا كله، وما أشبهه، لا حنث فيه ولا كفارة، ولكن الحلف بهذه الأيمان مكروه (2). لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
__________
(1) يخرجه من الإسلام: المراد الإسلام الكامل لمن هو كالمنافق والفاسق والقدري والمرجئ، إذ هؤلاء لايخرجون من الملة الإسلامية، وكذلك الكافر كفر نعمة، كما هو معلوم، وقد مرت هذه المعاني.
(2) مكروه كراهة تحريم، لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به، وتعظيم سوى الله بمثل هذا لا يحل ولا يجوز، لنهي رسول الله صلوات الله عليه وسلامه عن الحلف بغير الله كما في الحديث الآتي. (1/255)
صفحة 256
من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت "، ولقوله عليه السلام: " لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت ". وروي عنه عليه السلام أنه أدرك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك. فقال عمر - رضي الله عنه -: فما حلفت به بعد ذلك ذاكراً (1) ولا داثراً. وروي عنه عليه السلام أنه قال: " لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون ".
" فصل "
ويجوز للرجل أن يحلف بالله صادقاً، لأن الكتاب والسنة قد أباحا ذلك: أما الكتاب فلقوله تعالى لنبيه عليه السلام: { ... } (يونس: 53)، وأما السنة فلقول النبي عليه السلام: " فوالذي نفسي بيده " ولما روي [عنه] عليه السلام أنه كان يقول:" لا ومقلب القلوب ".
وقد كره (2) أصحابنا الحلف بالله ولوعلى الصدق، توقياً وتعظيماً لله - عز وجل -.
وقد اختلفوا فيمن قال في يمينه: أقسمت عليك، أو حلفت، أو معاذ الله، أو أعوذ بالله، أو حاش لله. قال بعضهم: إن أراد به اليمين
__________
(1) ذاكراً: أي عامداً، ولا داثراً: أي حاكياً عن الغير، يريد ما حلفت بالأباء ولا حكيت عن أحد الحلف بالآباء.
(2) الكراهة هنا كراهة تنزيه لقوله تعالى " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ". (1/256)
صفحة 257
ففيه الكفارة إن حنث. وقال بعض: لا يمين ولا كفارة فيها. وأما من حرم حلالاً أو حلل حراما فقد أوجب عليه أصحابنا الكفارة.
وقيل فيمن حلل حراماً: لا شيء عليه (1). ودليل أصحابنا فيمن حرم حلالاً قول الله تعالى: { ... } (التحريم: 01)، وقوله: { ... (2)} (الأنبياء: 95). والحلال الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ قيل: إنه العسل، وقيل: سريته مارية القبطية، وإنما فعل ذلك طلباً لمرضاة أزواجه، فأمره الله تعالى بالكفارة على تحريمه؛ بقوله تعالى: { ... } (التحريم: 02)، ففعل ورجع إلى ما حرم على نفسه والله أعلم.
ولذلك أوجب أصحابنا الكفارة على من حرم طعاماً، أو شراباً، أو سرية، أو امرأة على نفسه، إذا حنث ورجع إلى فعل ما حرم على نفسه.
وقد اختلف العلماء فيمن حرم زوجته على نفسه على أربعة أقوال، قال بعضهم: كثلاث تطليقات، وقال بعضهم: تطليقة واحدة، وقال بعضهم: هو ظهار. وقال بعض: هو يمين إذا مس وجبت عليه
__________
(1) تحليل الحرام أشد وأنكى، كيف لا يلزمه شيء والاستحلال كفر، اللهم إلا إن أراد الاستحلال باللفظ فقط، وأنت خبير بقول أصحابنا في النفاق إنه نفاق خيانة ونفاق تحليل وتحريم، والثاني من أبواب الكفر. وأما تحريم الحلال فهو من الاعتداء على النفس، والله يقول: " لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم ".
(2) لم يتبين وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة. (1/257)
صفحة 258
الكفارة، وإن لم يمس حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وعلى هذا القول الأخير اعتماد أصحابنا.
" فصل "
واعلم أن الاستثناء يهدم اليمين، إذا كان متصلا به، سواء كان بعده أو قبله أو خلاله إذا أراد به هدم اليمين. والاستثناء أن يقول في إثر يمينه: إن شاء الله، أو إن أراد الله، أو إن قضى الله، أو إن حكم الله، أو إن أذن الله، أو أستغفر الله (1)، أو سبحان الله، أو ما أشبه هذا، مما يريد به هدم اليمين. وإن قطع بين يمينه واستثنائه بكلام، أو فعل، أو سكوت طويل، أوأكل أو شرب، فلا ينفعه. وأما إن قطع بينهما بسعلة أو عطسة أو تثاؤب، أو غلط لسان، فإنه ينفعه.
والاستثناء يهدم الأيمان كلها، إلا ثلاثاً (2): الطلاق والعتاق والظهار فإن قال رجل: زوجته طالق إن شاء الله، أو عبده حر إن شاء الله، أو زوجته عليه كظهر أمه إن شاء الله لم ينفعه استثناؤه شيئاً. وأما إن قال رجل: زوجته طالق إن دخلت الدار إن شاء الله، أو عبده حر إن خرج مسافراً إن شاء الله، أو امرأته عليه كظهر أمه إن أكل
__________
(1) الاستغفار استثناء، بناء على قول بعضهم: إن الاستثناء يصح بكل لفظ فيه ذكر الله تعالى.
(2) زاد في الإيضاح: النكاح. كأن يقول: زوجتك ابنتي إن شاء الله. (1/258)
صفحة 259
اللحم
إن شاء، فهذا ينفعه. ولا يمين لطفل ولا عبد ولا مجنون. وإن حلفوا في حال لا يلزمهم فيه اليمين ثم حنثوا بعد الانتقال إلى حال يلزمهم فيه اليمين ففيهم قولان؛ قال بعضهم: عليهم الكفارة. وقال بعضهم: بسقوطها عليهم.
وأما المشرك إن حلف في شركه ثم حنث بعد إسلامه فعليه الكفارة، وقيل: لا كفارة عليه. ومن حلف على شيء محدود معين، لا يأكله فأكل منه بعضاً، ففيه قولان. وأما إن حلف لا يأكل من المحدود المعين، فأكل منه بعضاً، حنث. ومن حلف لا يأكل البسر فله أن يأكل الرطب والتمر، إلا إن قصد بسر نخلة معينة، فلا يأكل البسر، عين أو لم يعين. وعلى هذا القول الثمار كلها. وإن حلف على الزيتون فله أن يأكل الزيت. وإن حلف على الزيت فله أن يأكل الزيتون، إلا إن عين الزيتون، فلا يأكل زيته. ومن حلف لا يأكل مال فلان أو لا يدخل داره فزال المال من ملك الأول والدار إلى غيره بوجه من وجوه الإملاك، فلا بأس عليه في أكل المال ولا في دخول الدار بعد الانتقال. وأما إن عين الدار أو المال باليمين، لم يدخل الدار ولم يأكل المال، وإن فعل حنث. ومن حلف على فعل من أفعال اللسان، مثل البيع، والشراء، والهبة، والرهن، والنكاح،
فأمر من يفعله (1/259)
صفحة 260
فهو حانث إن حلف لا يفعله. وإن حلف على فعل ما ذكرنا فأمر من يفعله لم يبرأ من يمينه، وقيل: يبرأ.
وأما إن حلف على شيء مما تفعله الجوارح غير اللسان، كالحرث والحصاد، والبناء والحفر، وما أشبه ذلك، فأمر من يفعله، لم يحنث. وإن حلف على أن يفعل ما ذكرنا فأمر من يفعله لم يبرأ من يمينه حتى يفعل بنفسه. وإن حلف لا يكلم فلاناً فسلم على قوم وهو معهم لم يحنث حتى يقصده بالسلام. وإن كتب إليه كتاباً أو أرسل إليه رسولاً فإنه يحنث إذا بلغه الرسول أو قرأ الكتاب. ومن حلف لا يكلم الرجال فكلم واحداً حنث. وعلى هذا الحال غير الرجال. وأما إن حلف لا يكلم رجالاً لا يحنث حتى يكلم ثلاثاً فصاعداً.
ومن حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه، أو لا يركب دابة وهو راكبها، أو لا يدخل دار فلان وهو فيها، فقد حنث. وقيل: إن طرح الثوب، أو نزل على الدابة، أو خرج من الدار، من حينه وساعته، لا يحنث. ومن حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك (1) حنث. وكذلك الطير. وإن أكل الشحم النابت على اللحم حنث. وإن أكل الرأس حنث. وإن أكل الفؤاد (2) ففيه قولان. وأما إن حلف على
__________
(1) السمك لحم، إذ سماه الله تبارك وتعالى لحماً في قوله: " تأكلون منه لحماً طرياً ".
(2) وإن أكل الفؤاد ففيه قولان: الظاهر أن الاختلاف فيه اعتباري، لأن الفؤاد - وهو الصقب - يعتبر في بعض البلاد غير لحم كالغضاريف والكبد والكلى والمخ. (1/260)
صفحة 261
الشحم لا يأكله
فلا بأس عليه بأكل اللحم الخالص. وكذلك إن حلف لا يأكل الرأس فإنه يأكل غيره من الشاة. ومن حلف لا يدخل بيتا فدخل بيتا من صوف، أو شعر، أو جلد، حنث. وإن حلف لا يأكل ما طبخته امرأته لم يأكل كلما جعلته امرأته على النار. وإن حلف لا يأكل خبزها فقرصت وأكل منه حنث. وإن عجنت وقرص غيرها لم يحنث إن أكل. ومن حلف لا يشرب لبناً فأكل الزبد حنث؛ لأنه لا يخلو من اللبن. وإن حلف على الزبد فشرب اللبن حنث؛ لأنه لا يخلو من الزبد. وأما إن حلف على اللبن، فلا بأس بأكل السمن. وكذلك إن حلف على السمن، فلا بأس بشرب اللبن.
ومن حلف بالمشي إلى بلد من البلدان لم يلزمه شيء (1)، إلا إن حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام فحنث فإنه يلزمه الحج. ومن حلف بماله للمساكين فحنث فعليه العشر (2). وكذلك إن قال: ماله صدقة فحنث. وأما إن قال: ماله للكعبة، أو للمسجد، أو لسور (3) المسلمين فحنث
__________
(1) لم يلزمه شيء: لأن شد الرحال لا يجوز إلا للمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
(2) ألزموه العشر استحساناً تشبيهاً بالزكاة.
(3) سور المسلمين: أي سور البلد، هذه المسألة من المنافع العامة، عليه أن يخرج من ماله لها كله إن حنث، أما التي قبلها ففيمن يستحق الزكاة. (1/261)
صفحة 262
فإنه يعطيه كله. وكذلك إن حلف بثلث ماله للمساكين فحنث فإنه يعطيه كله. وأما النصف فما فوقه فالعشر. وأما إن قال: ماله صدقة لليهود، أو للنصارى، أو للمجوس، أو للمشركين، أو للأغنياء، أو للمنافقين، أو للعاصين، أو للزفانين، أو للزواني أو للخمارين، ثم حنث، لزمه العشر (1) يتصدق به على فقراء المسلمين. وأما إن قال: ماله صدقة على الملائكة، أوالجن أو الشياطين، أو الوحوش، أو البهائم، أو الحُكْل (2)، ففيه قولان؛ قال بعضهم: يتصدق بعشره على المساكين. وقال بعض: لا شيء عليه في مثل هذا. والله أعلم.
" فصل في الكفارات "
واعلم أن الكفارات على ضربين: تغليظ وتخفيف، فكفارة التغليظ تجب من وجوه: مثل قتل النفس، والظهار، والمفسد لصيام شهر رمضان بالجماع أو الطعام أو الشراب، متعمداً، أو كفارة أكل الميتة، أو الدم أو لحم الخنزير، أو النجاسات (3)،والمحرمات [4}،
__________
(1) لزمه العشر في هذه المسألة لأن الصدقة جعلها الله في المساكين لا فيمن ذكره، فوجب أن يعود ماله إليهم لا إلى أولئك الذين ذكرهم.
(2) الحكل: ما لايسمع له صوت كالنمل.
(4) المحرمات: كل مادة يحرم تعاطيها كالمخدرات من الدخان والحشيش والأفيون والبنج وجوزة الطيب والكوكايين والهوريين والقات، وكل مسكر أو مفتر مما هو محرم، لكنه ليس بنجس لأنه من النباتات.
(3) النجاسات: عموم بعد خصوص، وذلك ليشمل الأخبثين والخمر وسائر ما اشتق منها. (1/262)
صفحة 263
وكفارة الحالف بما يخرجه من الاسلام إذا حنث. وكذلك الحالف بعهد الله وميثاقه، وبأمانات (1) أولاد يعقوب عليهم السلام، وما أشبه ذلك من الأيمان، فكفارة جميع ماذكرنا تغليظ. وكفارة التغليظ على ثلاثة أوجه: عتق، أو صوم، أو إطعام. أما العتق: فتحرير رقبة مؤمنة، سالمة من العيوب ونقصان الجوارح. وأما الصوم: فصيام شهرين متتابعين. وأما الإطعام (2): فإطعام ستين مسكيناً، أكلتين مادُومَتين غداء وعشاء، حتى يشبعوا، أو يقولوا شبعنا. فهو مخير بين هذه الوجوه الثلاثة، إلا في الظهار، وقتل (3) النفس، فإنه يقدم فيهما العتق، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً، غداء وعشاء، غير أنا لم نسمع بالإطعام في قتل النفس.
وإن أراد أن يَكيل للمساكين حباً أو تمراً كال لكل مسكين مُدين بلا إدام، ولا يطعم منها عبداً، ولا مشركاً، ولا طفلاً لا يأخذ حوزته من الطعام، أعني الرضيع.
__________
(1) أمانات يعقوب: مواثيقه التي أخذها من أبنائه.
(2) الإطعام: أي بالحبوب الستة لأنها هي المعتبرة عند أصحابنا كما في الزكاة، لأن هذه طهارة وتلك طهارة، والمعتبر في الإطعام الشبع، لا مجرد الأكل، وإن غلب الحياء على المسكين فاكتفى بأقل أكل اجتهد المطعم في إشباعه، أو إعطائه شيئاً احتياطاً يحمله معه.
(3) لم يرد في القتل إطعام - يعني في القتل الخطأ - إلا العتق. وأما في القتل العمد فالقود، أو الدية، إن عفى ولي الدم، فكان ينبغي حذف هذه المسألة: كما يظهر. والله أعلم. (1/263)
صفحة 264
وأما كفارة التخفيف: فهي كفارة الأيمان المرسلة، كالحالف بالله وأسمائه وصفاته وكتبه، وما أشبه ذلك. وهي تنقسم على أربعة أقسام: عتق، وإطعام، وكسوة، وصوم. والمكفر مخير بين العتق والإطعام والكسوة. فإن عجز عن هذه الثلاثة، رجع إلى الصوم. أما العتق فتحرير رقبة مؤمنة سالمة من العيوب ونقصان الجوارح. وأما الإطعام فإطعام عشرة مساكين حتى يشبعوا، أكلتين مادُومَتين، وإن أراد أن يكيل لهم كال لكل مسكين مدين، وذلك نصف صاع بصاع النبي عليه السلام، وهو ربع الوِيبَة القديمة، والمد ثمن الوبية. وأما الكسوة فإنه يجزي منها ما تجوز به الصلاة. وقيل: ما يستر العورة، والعورة عندنا من السرة إلى الركبة.
وأما الصوم فصيام ثلاثة أيام { ... الآية} (المائدة: 89).
ثم طبع هذا المختصر المفيد النافع المبارك بعون الله وتوفيقه وتأييده، والحمد لله على ما أولى، وله الحمد على ما أنعم، وأسأله مدده الذي لا ينقطع حتى أقوم بالوفاء بكل ما يجب من إبراز مناقب الأصحاب الذين أخذوا بالكمال الإسلامي، وأدركوا من جلال التشريع المحمدي ما لم يصل إليه أحد من المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. (1/264)
صفحة 265
فهرس كتاب االوضع (1/265)
صفحة 266
[صفحة بيضاء] (1/266)
صفحة 267
[فهرس لم يرقن] (1/267)
صفحة 268
[فهرس لم يرقن] (1/268)
صفحة 269
[فهرس لم يرقن] (1/269)
صفحة 270
[فهرس لم يرقن] (1/270)
صفحة 271
[فهرس لم يرقن] (1/271)
صفحة 272
[فهرس لم يرقن] (1/272)
صفحة 273
جدول الخطأ والصواب
[جدول لم يرقن] (1/273)