صفحة 1
الكتاب: مختصر الأديان لتعليم الصبيان لعلي المنذري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب مختصر الأديان لتعليم الصبيان
تأليف: الشيخ علي بن محمد بن علي المنذري
مقدمة المؤلف
... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله (1) وصحبه الطيبين الطاهرين،... وبعد:
[ الباب الأول: بيان ما لا يسع جهله ]
[ الفصل الأول: أول ما ينبغي على المكلف معرفته ]
[ الجملة ]
... يلزم كل بالغ عاقل معرفة الله أنه واحد (2)
__________
(1) - آل النبي - صلى الله عليه وسلم - ( في مقام المدح والدعاء): هم كل مؤمن تقي، قال في المشارق ج1 ص94 (وفي مقام المدح كل مؤمن تقي أخذاً مما ورد "آل محمد كل تقي" وإن كان ضعيفاً).
وذهب البيجوري إلى أن العصاة يدخلون في الآل، لأن العاصي أشد احتياجا للدعاء من غيره [شرح التوحيد، إبراهيم بن محمد البيجوري، ص18، دار الكتب العلمية] ورد عليه الإمام السالمي في المشارق ج2 ص94، بقوله (إن دخول العاصي تحت هذه الصفة في هذا المقام لا يتم على المذهب الحق فإن الله تعالى أوجب علينا الدعاء عليه لا الدعاء له وتعليله بأشدية احتياجه إلى الدعاء ليس بشيء لأنه في مقابلة النص قال تعالى { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة 22 ] ولا ينشأ الدعاء بالخير الأخروي إلا عن محض مودة دينية وهي المشار إليها في الآية الكريمة ولا شك أن العاصي محاد لله ورسوله حيث ارتكب ما حجر عليه ولا يرد علينا خصوصية السبب فإنه لا عبرة بخصوصه مع عموم اللفظ.
(2) - الواحد في اللغة: من صفات الله تعالى، معناه أنه لا ثاني له ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد فأما أحد فلا ينعت به غير الله تعالى، لخلوص هذا الاسم الشريف له، وتقول:- أحدت الله تعالى ووحدته وهو الواحد الأحد [لسان العرب لابن منظور باب وحد].
... وإذا وصف الله عز وجل بالواحد معناه هو الذي لا يصح عليه التجزيء ولا التكثر، قال الله تعالى{وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} [الزمر45] [تاج العروس الزبيدي، ط، إحياء التراث العربي، باب وحد] ... ... ... ... ... ... ... ... ==
== ... معنى التوحيد اصطلاحاً: الوحدانية شاملة لوحدانية الذات والصفات والأفعال، ومعنى أنه واحد في الذات أن ذاته ليست بذات جسم فيوصف بالتجزء أو التكثر والتعدد فالواحد في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى لأن الخالق لا يقبل التجزء بخلاف المخلوق، يقول الجناوني في كتاب الوضع ما نصه "ألا ترى أن الواحد منا هو في الحقيقة اثنان: جسم وروح، ومن اثنين ذكر وأنثى، وباثنين طعام وشراب وفي اثنين ليل ونهار، ومع اثنين حركه وسكون والله تعالى بخلاف ذلك" أهـ. [كتاب الوضع للجناوني] ومعنى أنه واحد في الصفة أي أنه تعالى متفرد بصفات الألوهية والربوبية فلا أحد يتصف بصفاته الكمالية.
ومعنى أنه واحد في الفعل: أي لا يفعل أحد كفعله فلا خالق ولا رازق إلا هو. (1/1)
صفحة 2
ليس كمثله شيء، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد من عند الله حق (1) ،
__________
(1) - اصطلح أصحابنا -رحمهم الله- على تسمية هذه العبارة بالجملة وذلك لأنها تعبر عن كليات الإيمان التي تندرج تحتها مدلولات جزئياته، فكل اعتقاد صحيح عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله تفسير لها، كما أن كل عمل صالح منبني على هذه الجملة فهي القاعدة التي يقوم عليها صرح الإيمان اعتقادياً كان أو عملياً.
ولقد قسم العلماء تفسيرها إلى قسمين اعتقادي وعملي، فالاعتقاد جميع المعتقدات التي تلزم من قامت عليه حجتها كالإيمان بصفات الله كالعلم والقدرة والسمع والبصر وانتفاء أضدادها وعدم مشابهته لخلقه في شيء، والإيمان بجميع كتبه ورسله، ويأتي اندراج هذه المعتقدات في الجملة من وجهين.
1- ... أن الإيمان بوحدانية الله وألوهيته يستتبع الإيمان بكل صفات الألوهية من الكمالات التي لا تليق إلا بواجب الوجود.
2- ... أن الإيمان برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه ينطوي على الإيمان بكل هذه الجزئيات لدخولها تحت ما أخبر به عليه الصلاة والسلام.
أما التفسير العملي فهو الالتزام بكل ما أمر به المولى جل وعلا واجتناب كل ما نهى عنه وذلك لأن جملة (لا إله إلا الله) معناها لا معبود بحق إلا الله فالواجب على من أعتقد ذلك أن يذعن لطاعة المولى جل وعلا والانقياد لأمره.
واقتصر بعض العلماء -ومنهم قطب الأئمة- على الفقرتين الأوليتين لأن الشهادة بنبوة محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- واليقين بتصديقه يتضمن تصديقه بكل ما أخبر به عن الله سبحانه وتعالى أما العبارة الثالثة داخلة في مضمون العبارة الثانية [تعليق الشيخ أحمد بن أحمد الخليلي، المشارق ج 1 ص 273]. (1/2)
صفحة 3
وأن يعلم أن الله هو الذي خلقه وخلق كل شيء، ورزقه ورزق كل شيء (1) ، وأنه العالم بكل شيء والقادر على كل شيء (2) ، وهو الذي يحيي ويميت، ويبعث (3) يوم القيامة من في القبور، فيدخل الجنة من أطاعه، والنار من عصاه.
[ بيان المطيع ]
... والمطيع الذي يستحق –عند الله- الجنة برحمته، من عمل فرائضه، واجتنب محارمه.
[ بيان الفرائض ]
__________
(1) - الخالق والرازق والمحي والمميت، هذه صفات أفعال وصفات الفعل هي معان حقيقية قائمة بالمخلوق، اتصف تعالى بما أشتق منها كالخالق والرازق والمحيي والمميت ولكن حصول ما يترتب على هذه المعاني هو الأثر الحاصل من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها وإلا فالتأثير اعتباري. ... وعرفها التلاتي: بأنها مدلولات المصادر الواقع منها الاشتقاق كإيجاد العباد الذي هو مدلول لفظ خلق المشتق منه خالق وإيجاد الرزق الذي هو مدلول لفظ رزق المشتق منه رازق [البعد الحضاري ص245، المشارق ج1 ص342] .
(2) - العالم والقادر هذه صفات ذاتية وهي أمور اعتباريه أي معان لا حقيقة لها في الخارج، وإنما وصف الله تعالى بها نفسه ليعلمنا أن أضدادها منتفية عنه تعالى، فمعنى العالم بذاته أي أن المعلومات تتكشف لذاته من غير قيام صفة مقتضية لذلك الانكشاف، ومعنى كونه قادراً بذاته أي أن ذاته تعالى كافيه في التأثير في جميع المقدورات من غير احتياج إلى قديم زائد عليه قائم به يتأتى به التأثير.[البعد الحضاري ص331-332 نقلاً عن شرح كتاب الديانات]
(3) - أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثت البعير أرسلته وحللت عقاله وبعثته من نومه فانبعث أي فانتبه ويوم البعث يوم القيامة [كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي باب بعث] (1/3)
صفحة 4
وفرائضه معرفة ما تقدم ذكره، والولاية (1) والبراءة (2) والوقوف (3)
__________
(1) - الولاية في اللغة: الولاية بالفتح وبالكسر، النصرة، يقال: هم علىَّ ولاية وولاية أي مجتمعون في النصرة ، وقال سيبويه الولاية بالفتح المصدر، والولاية بالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة، وذهب الزجاج إلى أن الفتح يكون في النصرة والنسب، والكسر بمنزلة الإمارة ليفصل بين المعنيين ويجوز الكسر في المعني الأول [لسان العرب باب ولى، وراجع معجم متن اللغة للشيخ أحمد رضا باب ولى]
... والولاية في الاصطلاح: هي القرب من أهل الطاعة وحبهم والثناء عليهم والدعاء لهم أحياءً وأمواتا بالمغفرة والرضوان والرحمة [العقيدة الوهبية لأبى مسلم، تحقيق صالح القنوبي مخطوط بمكتبة معهد القضاء الشرعي ص238]
(2) - البراءة في اللغة: التباعد والتولي قال الزهري: وأما قولهم برئت من الدين والرجل أبرأ براءة، وبرئت إليك من فلان أبرأ براءة، وتبرأ تولى وتباعد لعداوة، وتبرأ الشريكان تفارقا[لسان العرب باب برء، متن اللغة باب برء]، والبراءة في الاصطلاح: هي البعد عن عصاة الله وبغضهم ولعنهم وشتمهم وخلعهم ومفارقتهم[العقيدة الوهبية ص238].
(3) - الوقوف في اللغة بمعنى الإمساك والإقلاع عن فعل الشيء قال الجوهري: وليس في الكلام أوقفت إلا حرف واحد، أوقفت عن الأمر الذي كنت فيه أي أقلعت وقال: حكى أبو عمرو كلمتهم ثم أوقفت أي سكت، وكل شيء تُمسك عنه تقول أوقفت ويقال: كان على أمر فأوقف أي قصر [لسان العرب باب وقف، قاموس المحيط باب وقف]
- ... وموجب الوقوف هو الجهل بفعل الشخص، هل فعله يوجب الولاية أم البراءة؟ فإذا صارت حالته يتنازعها حكمان ولم يترجح عندك ما يوجب أحدهما وجب عليك الوقوف حتى تعلم حكم ذلك الفعل فتؤدي ما يلزمك من ولاية أو براءة.[العقيدة الوهبية لأبي مسلم ص311]. (1/4)
صفحة 5
والصلاة بالطهارة، والصوم والزكاة، والحج، وإيتاء حق الوالدين، والأرحام، وكل ذي حق، والأمر بطاعة الله، والنهي عن معصية الله، واتباع الحق، وترك الباطل، وتحريم الحرام/2، وتحليل الحلال، وجهاد النفس (1) .
[ الفصل الثاني: الولاية وأقسامها وشروطها ]
أما الولاية فهي أن تحب في الله جملة المؤمنين (2) ، ثم من صحت عنده لك صفة الإيمان من التوحيد والطاعة، وموافقة المسلمين ومفارقة المبطلين فيما خالفوا فيه المسلمين (3) ، قولاً قيل وعملاً (4) ، بمعاينة، (5)
__________
(1) - سيفصل الشيخ كل ذلك لاحقاً
(2) - يسمى ذلك عند العلماء بولاية الجملة، وصورتها أن يعتقد المكلف ولاية أهل الطاعة الأولين والآخرين إلى يوم الدين إنسهم وجنهم وملائكتهم.[المشارق ج2 ص218]
ويسميها الإمام الكدمي بولاية الشريطة وهي أن يوالي المكلف جميع أولياء الله أو يوالي جميع أهل طاعته، أو يوالي جميع المؤمنين في الجملة.[الاستقامة، أبو الحسن الكدمي، ط، وزارة التراث، ج1 ص29]
(3) - ويطلق على هذه الصفة من الولاية، الولاية بحكم الظاهر.[المشارق، ج2 ص218، الاستقامة، ج1 ص66]
(4) -اتفق أصحابنا رضوان الله عليهم على وجوب الولاية بحكم الظاهر إذا وافق الولي المسلمين قولا وعملا، واختلفوا في الولاية إذا وافق القول قبل معرفة العمل، فذهب الإمام نور الدين السالمي إلى ولايته، ومنعهاآخرون، واستدل رحمه الله بقوله تعالى{يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ... ... ... ... فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم}[الممتحنة 12] فأمره بالاستغفار لهن ولم يأمره بالانتظار في أمرهن فإذا صح لدينا أن فلاناً موافق لنا في الاعتقاد فلا يلزمنا الانتظار حتى نعلم العمل منه بشرط أن لا تظهر منه إمارة تدل على مخالفة ما صح لدينا من الاعتقاد.[المشارق، ج2 ص222]
(5) - يبدأ الشيخ بذكر طرق الولاية. ... ... ... ... ... ... ...
-الطريق الأول: المعاينة، ويقصد بها المشاهدة وهي أن تشاهد من المكلف الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات. (1/5)
صفحة 6
أو شهرة حجة (1) ، أو شهادة (2) حُرّين من أهل الاستقامة (3) ، والعلم بالولاية، قيل أو برجل، كذلك قيل أو بامرأة، كذلك قيل أو بعبد، أو أمة كذلك، وقيل لا تجب بشهادة غير الاثنين (4) ، وأن توالى بها جازت أو شهرة ولاية المسلمين له، وإن لم يصح ما به تولوه (5) ،
__________
(1) -الطريق الثاني: الشهرة، فمن علمه لا يعلم منه إلا الخير، ومن جهله جهله، لأن المشهور في الخير يتولى بغير بينة وتثبت الولاية بمجرد الظن.
(2) -الطريق الثالث: شهادة عدلين وهي أن يشهدا أن فلاناً ولي، وكذلك خبرهما بولايته، ويشترط في العدلين الحرية فلا تقبل شهادة العبد عند البعض وقيل تقبل.[المشارق، ج1ص229، قواعد الإسلام، ج1ص62، الاستقامة، ج1ص102]
(3) -وزاد صاحب الوضع شرطاً آخر وهو موافقة الشريعة، والمذهب[كتاب الوضع، ص33]
(4) - اختلف العلماء في وجوب الولاية بخبر الواحد العدل بولاية أحد فأجازها بعضهم واشترط الذكورة، والحرية، والعلم بالولاية والبراءة، وذهب البعض إلى عدم اشتراط ذلك فأوجبها برفيعة المرأة والعبد وبعضهم فصل بما إذا سئل الرافع وإذا لم يسأل فقال: إن سأل عن الولاية فأخبر بها لزمت السائل وإن أخبر بها ابتداءً لم تلزم، وقيل بالتخيير في خبر الواحد العدل فمن شاء تولى ومن شاء ترك، وذهب الإمام نور الدين السالمي إلى وجوبها بخبر الواحد العدل سواء كان ذكراً أو أنثى عالما كان أو غير عالم وفي هذه الحالة لا تلزم إلا إذا فسر سبب الولاية الذي استحق به ذلك المتولى الولاية، إلا إذا رفع الولاية عن عالم بالولاية والبراءة.[المشارق، ج2ص232، القواعد، ج1ص62-63، الذهب الخالص، ص42]
(5) - وذلك لأن الشهرة المعتبرة في الولاية تثبت بمجرد الظن، فالشهرة في الولاية أوسع من البراءة، فلا تقبل البراءة إلا بالشهرة المقطوع بصحتها والسبب في ذلك أن البراءة هي إخراج المسلم من الدين والولاية هي إبقاء المسلم على إسلامه، فكل مولود يولد على الفطرة .[.المشارق، ج2ص231] (1/6)
صفحة 7
أو ذكر في القرآن بصفة الإيمان (1) ، وقامت عليك الحجة به (2) ،أو شهد له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالسعادة، وسمعت ذلك من لسانه - صلى الله عليه وسلم - أو صح عندك بالشهرة (3) ، أو صح بها أنه ذكر بالسعادة في شيء من كتب الله
__________
(1) -وتسمى ولاية الحقيقة وقد عرفها الشيخ بأنها من ذكر في القرآن بصفة الإيمان أو شهد له الرسول بالسعادة، ووصف الولي في القرآن الكريم بالإيمان يستلزم الثبوت والدوام، ولهذا سمي هذا القسم بولاية الحقيقة، من حق الشيء إذا ثبت، وقد يكون هذا الذكر بالاسم كالأنبياء المخصوصين المذكورين بأسمائهم، وقد يكون الذكر في القرآن بالكنية كأم موسى وامرأة فرعون، وقد يكون الذكر في القرآن مبهماً فلم يعرف باسم ولا كنية كمؤمن آل فرعون. [المشارق ج2ص215 و220]
(2) -لأن ولاية الأولياء الموصوفين بالعصمة والاصطفاء في القرآن الكريم توحيد، والبراءة منه شرك، والأصل أنه تجب الولاية لهم جملة إن ذكروا بوصف الإيمان إلا إذا قامت عليك الحجة بتسمية أحد من المذكورين بصفة الإيمان في القرآن الكريم فعندها يجب الولاية له باسمه كمن صح عنده بالتواتر في قول الله عز وجل {فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا} [الكهف:65] أن العبد هو الخضر عليه السلام وأن الفتى المذكور في أول الآية هو يوشع بن نون.[القواعد، ج1ص47].
(3) -الطريق الثاني من طرق ولاية الحقيقة، هو ما شهد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أن فلاناً من أهل السعادة والإيمان، واشترطوا في هذا الطريق -كما ذكر الإمام السالمي- أن يسمع السامع من لسان الرسول الكريم مباشرة أو أن ينقل إليه بطريق التواتر وإلا فلا يعتبر من أهل الولاية بالحقيقة وإنما على المنقول إليه أن يتولاه بحكم الظاهر [المشارق، ج2ص216] والشهرة المذكورة في المتن يقصد بها التواتر. (1/7)
صفحة 8
غير القرآن (1) .
وولاية السعيد بالحقيقة باطنها كظاهرها كولاية المؤمنين جملةً، بخلاف ما سواهما، فإن المتولَى به قد يكون عدواً في الباطن، وكذا من صحت شقاوته من هذا الوجه، كانت البراءة منه بالحقيقة ولا تتحول كذلك (2) .
[ بيان الشهرة الحجة ]
__________
(1) -من أقسام الطريق الثاني من طرق الولاية بالحقيقة أن يشتهر عن طريق التواتر القطعي بأن فلانا ذكر في الكتب السماوية غير القرآن الكريم بأنه من أهل السعادة، والضمير في قوله "أو صح بها" عائد إلى الشهرة.
(2) -ولاية السعيد بالحقيقة لا تتبدل ولا تتغير وإن كان ظاهر المتولى أنه فعل معصية، لعلمنا أنه لن يموت على تلك المعصية ومن هنا وجبت ولايته بالحقيقة، وكذلك ولاية الجملة لا يدخل تحتها إلا من مات وهو مرضىّ عنه أما من فعل المعاصي فإنه ينتقل من الولاية بالجملة إلى البراءة بالجملة ولهذا السبب حصل التشابه بين ولاية الحقيقة وولاية الجملة .[المشارق، ج2 ص218-219]
قال الإمام السالمي في مشارقه: أما ولاية الجملة وولاية الحقيقة فلا يصح أن يفترقا لأن من أخبر الصادق بولايته عند الله تعالى هو الذي اعتقدت أنت ولايته في الجملة فعلم من هذا أن ولاية الحقيقة لا تكون في شخص متبرأ منه في الجملة أهـ [بتصرف ج2ص218].
وهذا بخلاف ما سواهما كالولاية بحكم الظاهر فقد يكون الشخص بحكم الظاهر من الولاية ولكن حقيقة الأمر أنه عدو في الباطن وقس على ذلك كله البراءة بالحقيقة وبالجملة والبراءة بحكم الظاهر. (1/8)
صفحة 9
والشهرة (1) /3 الحجة [هي] الخبر المتواتر (2) ، وهو الذي لا يقع دفعه بل يقع على التعاقب والتوالي، حتى يزول بذلك الشك فيه، مع عدم كونه من المدعين فيه، وعدم
تدافع وتناكر ودعوى خلاف فيه (3) ، وهو كالمعاينة (4) .
[ الفصل الثالث: بيان البراءة وأقسامها وشروطها ]
وأما البراءة، فهي أن تعادي في الله جملة أهل الضلال (5) ثم من صحت له عندك صفته الضلال (6) ، بمعاينة (7) ،
__________
(1) -المراد بالشهرة هنا التواتر فهما عبارتان لمعنى واحد عندنا وعند الشافعية أما الحنفية ففرقوا بينهما وجعلوا للشهرة منزلة دون منزلة التواتر والخلاف لفظي.[نقلاً من المشارق، ج2ص225]
(2) -الخبر المتواتر هو الذي يرويه جمع يحيل العقل والعادة تواطؤهم على الكذب، عن جمع مثلهم ، في أول السند ووسطه وآخره.[علوم الحديث ومصطلحة،د. صبحي الصالح،ط دار العلم للملايين، ص146، نقلاً عن شرح نخبة الفكر، التمهيد في علوم الحديث، د. همام عبد الرحيم سعيد،ط دار الفرقان، ص51 ، المشارق، ج2ص226، الذهب الخالص، ص35]
(3) -من شروط الخبر المتواتر أن يكون صادراً عن أهله وأن لا يعارضه من أهله معارض فلا يصح أن يصدر من بعض الرواة خبر ويصدر من الرواة الآخرين خبر يعارضه.[المشارق، ج2ص226 نقلاً عن الشيخ أبي سعيد الكدمي]
(4) -أي أن التواتر كالمعاينة من حيث القوة وقبول الرواية.
(5) -يبدأ الشيخ بذكر البراءة وأقسامها وابتدأ بذكر براءة الجملة لأن براءة الجملة مما لا يسع جهله فلا بد لكل مكلف أن يعتقده ديناً.[المشارق، ج2ص218، العقيدة الوهبيةص273]
(6) -ويعني هنا القسم الثاني من أقسام البراءة وهي البراءة بحكم الظاهر.
(7) -ويذكر الشيخ المنذري طرق الولاية وهي:
* المعاينة: وهي المشاهدة بفعل كبيرة أو الإصرار على الصغيرة [المشارق، ج2، ص224 وما بعدها، القواعد، ج1، ص79، الذهب الخالص، ص48، العقيدة الوهبية، ص284]. (1/9)
صفحة 10
أو بشاهدة وليين (1) عارفين بأحكام الولاية والبراءة، أو بالشهرة الحجة (2) .
ومعاينة صفة الضلال، أن ترى منه فعلاً محرماً بالدين، أو تسمع منه قولاً محرماً، كذلك في حال عدم سعتهما له من كونه غير مضطر، ولا مكره، ولا ناس، ولا غير نازلة عليه بلية التعبد باجتنابهما (3) .
__________
(1) الطريق الثاني: شهادة عدلين اثنين كل منهما يشهد بما يشهد به الآخر وقيل بجواز شهادة متول ومتوليتين، وهو المشهور كما ذكر ذلك القطب في ذهبه وقيل بقبول شهادة متول واحد أو متولاه.
ورد الإمام السالمي على من قال بقبول البراءة بشهادة ولى واحد بأنهم نظروا إلى أن البراءة عبادة لا إسقاط حق للغير وكثير من العبادات تثبت بالظن وتحصل بخبر العدل الواحد [المراجع السابقة].
(2) -الطريق الثالث الشهرة الحجة، ومعنى ذلك أنه من عرفه لا يعرفه إلا بسوء ومن جهله جهلة، فالاشتهار أعظم حجة وهو المعبر عنه بالتواتر لأن البراءة تستلزم الشهرة الحجة دون الولاية فالولاية تثبت بمجرد الظن.
وذكر الإمام السالمي في مشارقه والإمام الجيطالي في قواعده طريقة رابعة وهي إقرار الشخص بفعل المعصية وبعدم التوبة منها.[المراجع السابقة]
(3) -أي لا يسعه أن يفعل فعلاً محرماً أو أن يقول قولاً محرماً في حالة عدم الاضطرار أو الإكراه أو النسيان، وكونه غير متعبد بمعرفة حرمة ذلك القول أو الفعل لجهله وعدم وجود المعبر. (1/10)
صفحة 11
والشهادة أن يشهدا عليه أنه نافق، أو أشرك، أو كفر، وقيل لا حتى يغير ما به كفر (1) ، وأما الشهرة فتوجب البراءة إن أدت اسم الكفر أو صفته، لا (2) إن أدت براءة المسلمين من أحد دون الاسم أو الصفة’ اللَّذَيْن بهما برؤوا منه، فلا توجب البراءة منه، بخلاف الولاية.
[الفصل الرابع : بيان الوقوف]
وأما الوقوف، فهو أن تقف عن كل شخص لم تجب عليك ولايته، ولا البراءة منه، فإن كان عند الله ولياً/4 فقد توليته في ولاية الجملة، وإن كان عدواً فقد تبرأت منه في براءة الجملة.
[الباب الثاني: الطهارة]
[ بيان الطهارة ]
وأما الطهارة التي تقع بها الصلاة، فالختان (3) ، والاستنجاء من البول والغائط بالماء، وإزالة كل نجاسة عن البدن والثوب والمصلى، والاغتسال من الأحداث (4) ، والوضوء.
[ الفصل الأول: الوضوء ]
[ ذكر فرائض الوضوء ]
__________
(1) -الولي إذا ارتكب كبيرة بغير عذر يستتاب فإن أبى كان في البراءة، وقيل يتبرأ منه ثم يستتاب فإن تاب رجع إلى الولاية وإلا فهو على حاله في البراءة.[المشارق ج2ص246]
(2) -في ( ب) إلا والظاهر أن الصحيح كما هو في المتن من النسخة ( أ ).
(3) - وذلك لوجوبه على الرجال فلا يسع تركه إلا من عذر ولا تجوز الصلاة إلا به، أما للنساء فليس بواجب وإنما مكرمة ومستحب لهن روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (الفطرة خمس الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط) رواه مسلم كتاب الطهارة وسنن النسائي كتاب الطهارة [كتاب الدلائل و اللوازم والوسائل، الشيخ درويش بن جمعة المحروقي ص23 ط مكتبة الضامري]
(4) - الاغتسال من الحدث الأكبر وهو المني والاغتسال من الحدث الأصغر البول والغائط. (1/11)
صفحة 12
وفرائض الوضوء النية (1) عند الأكثر وغسل الوجه واليدين إلى
المرفقين (2)
__________
(1) - اختلف العلماء في النية للوضوء، هل هي شرط لصحته أم لا فذهب جمهور الأصحاب -منهم الإمام السالمي- إلى أنها شرط لصحته، على خلاف بعض الأصحاب حيث أنهم لم يعتبروا النية شرطاً في الوضوء وجعلوا الأحاديث الواردة في النية للوضوء، إنما هي حث وترغيب في نيل الثواب واحتجوا بأنه تعالى أوجب الغسل في آية الوضوء ولم يوجب النية فيها فإيجاب النية زيادة على الآية، والزيادة تعتبر نسخا ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.
وردَّ عليهم الإمام السالمي بأن الزيادة على النص لا تعتبر نسخاً وإنما هي حكم مستقل.
... فإن قيل بأنه لا يشترط النية في الوضوء قياساً على غسل النجاسة لأن في الوضوء شبها من النظافة، والوضوء في اللغة شبها من الوضاءة وهي النظافة، رُّدَّ عليه بقياس وجوب نية الوضوء على الوجوب نية التيمم لأن النية في التيمم واجبة إجماعاً.
... واستدل القائلون بوجوب النية بالأحاديث الواردة في ذلك منها قوله عليه الصلاة والسلام
"الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى"، وكذلك قول الله تعالى {وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم....} مع قوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ووجه الاستدلال أن الوضوء مأمور به في آية الوضوء وكل مأمور به لا يصح إلا بالإخلاص بدليل الآية الثانية فيصير التقدير وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ومتى كانت= =النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبراً.[المعارج، ج1، ص271، وراجع قواعد الإسلام ج1ص167 والمصنف ج4ص43].
(2) - المرفقان داخلان في الغسل لقوله تعالى {وأيديكم إلى المرافق} وذلك أنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخل معه فالمرفقان من اليدين وبذلك دخلا في الغسل.
... وقد حكى الإمام الكندي صاحب المصنف إجماع الأمة على وجوب غسلها [المصنف ج4 ص71] وفي ذلك نظر حيث أن الخلاف مبسوط في كتب الفقه والقول بالغسل هو مذهب جمهور علماء الأمة [القواعد، ج1ص169] وقد تعجب العلامة أبو مسلم البهلاني من قول الإمام ابن بركة بإجماع الأمة في هذه المسألة حيث قال (ويا لله العجب من ادعائه الإجماع مع أن الخلاف حتى في المذهب) يشير إلى تصريح الإمام ابن بركة بإجماع العلماء في هذه المسألة [نثار الجوهر، أبو مسلم البهلاني ج1ص178] والظاهر أن الإمام الكندي -رحمه الله- نقله من الجامع نصاً حيث أن اللفظ واحد [الجامع لابن بركة ج1ص245، المصنف ج4 ص71]. (1/12)
صفحة 13
والرجلين إلى الكعبين (1) ومسح الرأس.
[ذكر سننه الواجبة]
وسننه الواجبة، المضمضة، والاستنشاق، والترتيب، عند الأكثر (2) ،
__________
(1) - اختلفوا في دخول الكعبين في الغسل هل هما داخلين في الأرجل أم لا؟ كاختلافهم في المرفقين.
واختلفوا في الواجب للقدمين الغسل أم المسح وسبب الاختلاف القراءة من الآية فقرأت بالنصب {وأرجلَكم} عطفاً على الغسل وقرأت بالكسر {وأرجلِكم} عطفاً على المسح فمن اعتمد قراءة النصب قال بوجوب الغسل ومن اعتمد قراءة الخفض قال بالمسح.
والذي ذهب إليه جمهور الفقهاء والمفسرين والأصحاب أن فرض القدمين الغسل للاعتبارات التالية:
فعل النبي الكريم هو الغسل دون المسح وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام (ويل للعراقيب من النار) وهذا النهي يوافق الغسل وأغلب القراء يقرأون بالنصب وقد اجمعوا على أنه من غسل قدميه فقد أدي الفرض واختلفوا فيمن مسح عليهما هل أدى الفرض أم لا، والاتفاق أولى بالاتباع.[الجامع لابن بركة ج1ص247، المعارج ج1ص294]
(2) - اختلف العلماء في حكم الترتيب في أعمال الوضوء –الواجبة- فقال بعضهم يجوز تقديم ما تأخر ذكره في التلاوة، وقال بعضهم بعدم الجواز مطلقاً، وقيل بعدم جوازه في العمد دون النسيان، وذهب أكثر أصحابنا -رحمهم الله- إلى جواز التقديم والتأخير إن لم يرد بذلك مخالفة السنة النبوية.
... وسبب الخلاف شيئان اثنان، الأول: الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أن الواو يعطف بها الأشياء المرتبة ويعطف بها الأشياء الغير المرتبة، فمن رأى أن الواو يعطف بها الأشياء المرتبة جعل الترتيب واجباً على ما جاء في آية الوضوء وهذا الذي ذهب إليه صاحب المصنف حيث جعل الواو واو النسق ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يرى الترتيب واجباً. ... ... ... ... ... ==
== ... وهذا الذي يراه الإمام الشماخي حيث قال أن الواو تقتضي الجمع لا الترتيب، والترتيب في أعضاء الوضوء سنه، واستدل بقوله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله... }الآية [البقرة 158] أنه عندما نزلت هذه الآية سألوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأيهما يبدأون فقال عليه الصلاة والسلام (ابدأوا بما بدأ الله) فلو كانت الواو تقتضي الترتيب لما سألوا عنها وهم أرباب اللغة، واستدل الإمام رحمه الله بأدلة أخرى تنظر في مكانها.
والأمر الثاني، اختلاف العلماء في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - هل أفعاله محمولة على الوجوب أم على الندب؟ فمن من حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب، ولما روي عنه عليه أفضل الصلاة والسلام من (أنه لم يتوضأ قط إلا مرتباً) أما الذين حملوا أفعاله عليه الصلاة والسلام على الندب قالوا بأن الترتيب في الوضوء مندوب [كتاب الإيضاح، الشماخي ج16ص83 وما بعدها، قاموس الشريعة، الشيخ خلفان بن جميل السعدي ج16 ص85] (1/13)
صفحة 14
والمولاة (1) ، وقيل إن توانى فما لم يجف العضو الذي غسله بنى عليه، قيل نعم إن اشتغل بمصالح الوضوء وإلا فليستأنفه (2) .
[ذكر سننه المستحبة]
__________
(1) - اختلف العلماء في الموالاة، فقال بعضهم بأنها واجبة وقال آخرون بأنها ليست من واجبات الوضوء، وفرق بعضهم بين العمد والنسيان، والسبب في الخلاف الاشتراك في الواو حيث أنه يعطف به الأشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض، وقد يعطف بها الأشياء المتراخية عن بعضها البعض.
... واحتج القائلون بعدم الموالاة بآية الوضوء حيث قال تعالى في آخر الآية {ولكن يريد ليطهركم} فالطهارة حاصلة بدون الموالاة وقوله عليه الصلاة والسلام (مفتاح الصلاة الطهارة) يدل على وجوب الصلاة بالطهارة والطهارة حاصلة بدون الموالاة.
... وأجيب بأن الآية لا تفيد حصر الطهارة على تلك الهيئة وإنما تدل على أن غسل الأعضاء المخصوصة سبب للطهارة واستدلوا كذلك بفعل النبي عليه الصلاة والسلام وحيث ورد أنه كان يتوضأ في أول طهره ويؤخر غسل رجليه إلى آخر الطهر.
... واستدل من قال بالوجوب ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من انه توضأ مرة مرة فقال "هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به" فأشار إلى وضوء مرتب وهذا يلزم منه وجوب الموالاة [ المعارج ج2ص64 وما بعدها، الإيضاح ج1 ص86 وما بعدها].
(2) - وهذا على رأي من قال بوجوب الموالاة. (1/14)
صفحة 15
وسننه المستحبة، الابتداء باسم الله (1) ، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء (2) ، والسواك إلا الصائم فيستحب له تركه، والمبالغة في الاستنشاق وفي المضمضة لغير الصائم، ومسح الأذنين ظاهراً وباطناً (3) ، تخليل اللحية، وقيل تخليلها واجب وغسل كل عضو ثلاثاً والدعاء بعد كل عضو.
[كيفية العمل به وآداب قضاء الحاجة]
... وكيفية العمل بذلك هي إذا أراد قضاء حاجة بول أو غائط -إذ لمَّا لم يكن بدّ/5 منهما قدمنا ذكر آدابهما في عمل الطهارة- أن يبتعد لها عن رؤية الناس، ومحرثهم، وطرقهم، وظلال الشجر المثمر، وشطوط الأنهار، ولا يقضيهما في ماء، وظهر مسجد وحريمه، ومقبرة، وجحر ومهواة (4) ، وموقع حافر دابه، ولا يستقبل في الصحاري القبلة ولا يستدبرها (5) ،
__________
(1) -وقد عدّ بعض العلماء ذلك من مسنونات الوضوء وعدها بعضهم من فروض الوضوء وسبب الخلاف فهم الأحاديث الواردة في التسمية عند الوضوء فمن أخذ بظاهر الأحاديث قال بالوجوب ومن حمل الأحاديث على الحث والترغيب قال بالندب.[الإيضاح ج1 ص55، النيل ج1ص106، المعارج ج2ص45 وما بعدها].
(2) -وقد عدهّ بعض العلماء من سنن الوضوء [النيل ج1ص106، الإيضاح ج1ص56]
(3) -لم أجد من العلماء الأصحاب من قال بأن مسحهما مندوب فقد اختلفوا في حكمهما فقيل هما من الرأس وقيل هما من الوجه وقيل ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه وقيل لا هما من الرأس ولا هما من الوجه وإنما سنه على حيالهما وهذا القول هو المعمول به عند أصحابنا [النيل ج1ص107، القواعد ج1ص178، المصنف ج4ص77، الإيضاح ج1ص77، القاموس ج16ص53 وما بعدها، الجامع لابن بركة ج1ص270].
(4) - الهَوّة الحفرة البعيدة القعر، وهي المِهْوَّاه والمَهْوَّاه هي البئر العميقة.[لسان العرب، باب هوى]
(5) - اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة إلى ثمانية أقوال.
1-قيل بالتحريم مطلقاً ... ... ... ... 2- قيل بالجواز مطلقاً ... ...
3- قيل بالتحريم مطلقاً حتى في القبلة لمنسوخة. 4-قيل النهي عن الاستقبال دون الاستدبار.
5- النهي في الصحاري والقفار دون البيوت وهذا مذهب أصحابنا وجمهور مخالفينا. ... ...
6- جواز الإستدبار في البناء. ... ... 7- التحريم يختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، وأما من كان قبلته جهة المشرق والمغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقاً لعموم قوله عليه الصلاة= =والسلام (شرقوا أو غربوا). ... 8-التحريم يختص بأهل مكة.[حاشية الترتيب ، أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني ج1 ص131،132ط وزارة التراث، شرح الجامع الصحيح، نور الدين السالمي ج1ص132ط مكتبة الاستقامة] (1/15)
صفحة 16
ولا الشمس ولا القمر، ولا
النجوم (1) ، ولا الريح، لئلا يرد الشرر إليه، فإن كان في محل إن لم يستقبل الريح فيه استقبل القبلة أو استدبرها، فليستقبلها أو يستدبرها، ولا يستقبل الريح إلا إن لم يخف ضرر الشرر إن لحقه، ككونه قاصداً للاغتسال من الجنابة أو غيرها، فليحترم القبلة، ويستقبل الريح لأن الغسل مزيل لما لحقه، وكذا القول في ثوبه إن أراد غسله ولم يمكنه احترامها إلا باستقبال الريح به في موضع لا يأمن من إطلاع أحد عليه فإنه لا ينزعه عنه، والشمس والقمر في ذلك كالقبلة وأن يقدم رجله اليسرى إذا دخل موضع قضائهما، ويقول: (أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم) ثم لا يذكر الله ولا يرد السلام/6 ولا يتكلم، ويقعد معتمداً على شقه الأيسر، ثم يستبرئ من البول بعصر الذكر ودلكه (2) بشماله ثم يستجمر بشماله من كل واحد منهما بثلاثة أحجار، أو بواحد ذي ثلاثة أحرف أو بكل يابس طاهر غير مطعوم ولا عظم ولا ورث ولا ذي حرمة أو شرف كجدار المسجد، والفضة، وإن لم ينق بالثلاثة زيدت وترا حتى ينقى ثم يغسل يديه ثلاثاً، ثم ينوي بقوله: (أتطهر من البول والغائط طهارة أزيل بها جميع النجاسات أداء للفرض) ثم يغسل موضع البول فالقضيب والعانة والانثيين فموضع الغائط، مستقصيا له حتى ينقى فحواليه إلى المقعدتين والعورة وعجم الذنب، ثم يقول (3) : (
__________
(1) - لعل السبب في ذلك هو أن الله سبحانه وتعالى عظمها بأن أقسم بها في كتابه الكريم.[ المعارج ج1ص247,246، الإيضاح ج1ص14].
(2) -وقيل ليس عليه أن يعصره، وإنما عليه أن ينثره ثلاثاً، والنثر جذب فيه جفوه، والاستبراء يكون للبول والاستجمار للغائط [المصنف ج4ص396]
(3) - لا يشترط أن يتلفظ بلسانه وإنما يكفيه أن يستحضر النية بقلبه. [.الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد الكدمي ج1ص125] (1/16)
صفحة 17
أتوضأ للصلاة أداءً للفرض طاعة لله ولرسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ) ويبسمل، ثم يغسل يديه ثلاثاً، ثم يتمضمض، فيقول: (اللهم اسقني من الرحيق المختوم) ثم يستنشق، فيقول: ( اللهم نشقني من روائح رحمتك في جنتك)، ثم يغسل وجهه، فيقول: (اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك) ثم يغسل يده اليمنى فيقول/7: (اللهم اعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً) ثم يده اليسرى فيقول: (اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري) ثم يمسح رأسه فيقول: (اللهم توجني تاج الرحمة في جنتك)، ثم أذنيه فيقول: (اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ثم رقبته -لأن المسلمين من أهل عمان استحسنوا مسحها (1) - فيقول: (اللهم اعتق رقبتي من النار والعار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال)، ثم يغسل رجله اليمنى، فيقول: (اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم) ثم رجله اليسرى فيقول: (اللهم ثبت قدمي يوم تزل الأقدام)، وقد يختم كل دعاء بيا الله كما ابتدأ باللهم، ثم يقرأ سورة القدر ويرفع رأسه إلى السماء قائلاً: (لا إله إلا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين، رب أغفر لي ذنوبي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين، اللهم اجعلني عبداً طهوراً، واجعلني صباراً شكوراً واجعلني أذكرك كثيراً وأسبحك بكرة وأصيلا ولك الحمد إلهي كثيراً، وصلى/8 الله على رسوله سيدنا محمد وعلى آله وسلم، ولا حوله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
[ ذكر نواقض الوضوء ]
__________
(1) - يقول الإمام السالمي:
ويُستحبُ قيل مسحُ الرقبهْ ... وهو من الغُلِّ أمانٌ وثُبَهْ
[جوهر النظام ج1 ص66] ... وذكر الإمام أبو مسلم تعليل عقلي نفيس فليراجع في مكانه [نثار الجوهر ج1ص188، وراجع المصنف ج4ص52]. (1/17)
صفحة 18
وينقضه كل ما خرج من قُبل أو دُبر، إلا ريح خرج من قبل المرأة (1) ، والقيء والقلس الواصل إلى الفم، والرعاف وكل دم مسفوح (2) خرج منك، ومس القبل أو الدبر بالكف أو بغيره من أعضاء الوضوء (3)
__________
(1) - وقيل ينقض الوضوء إلا إن كان خارجاً من قبل بكر فإنه لا ينقض وهذا هو قول الإمام الربيع رحمه الله [المصنف ج4ص218 ، النيل ج1ص148].
(2) -الدم المسفوح هو الدم الخارج من العروق نتيجة جرح نحوه أما الدم الغير مسفوح فهو الذي خرج من جرح قديم وما أشبه ذلك والفرق بينه وبين المسفوح هو أن المسفوح يفسد الصلاة قليله وكثيره، أما الدم الغير مسفوح فإنه لا يفسد الصلاة إن صلى به على غير علم إلا إن زاد على مقدار الظفر أو= =الدينار [قاموس الشريعة ج14ص178، بيان الشرع ج7ص63، المصنف ج3ص99، كتاب لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار، مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي ج1ص448]
(3) - اختلف العلماء في الماس لعورته قيل أن وضوءه منتقض والعورة هي القبل والدبر لقوله عليه الصلاة والسلام "أيما رجل أفضى بيده إلى فرجه فمسه بكفه انتقض وضوءه " واسم الفرج يقع على العورة بأكملها وقيل لا ينقض الوضوء إلا الإحليل والدبر لقوله عليه الصلاة والسلام "ليس على من مس عجم الذنب وضوء ولا على من مس موقع الاستحداد وضوء" وقيل مس القضيب كله ينقض الوضوء ويدل على هذا القول ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" فقيد عليه الصلاة والسلام المس بالذكر.
... واختلفوا في من مس فرجه ناسياً قيل بالنقض وقيل لا.
واختلفوا في مس الفروج بغير اليد قيل ينقض الوضوء لقوله عليه الصلاة والسلام "من مس ذكره فليتوضأ" واللمس معنى في ظاهر الجلد يقع به اللامس معرفة الشيء الملموس، وقيل لا ينقض الوضوء إلا اللمس باليد لقوله عليه الصلاة والسلام "أيما رجل أفضى بيده إلى فرجه فمسه بكفه انتقض وضوءه ". (1/18)
صفحة 19
وقيل مس كل عوره ينقضه (1) ، ووقوع النجاسة كانت دما أو غيره في أي موضع من بدنه وهما رطبان، أو أحدهما رطب، ونوم الاضطجاع أو (2) الاتكاء بحد ما لو زال المتكأ لسقط النائم (3) ، والإغماء، والجنون، والضحك في الصلاة وهو ضحك (4)
__________
(1) -اختلف العلماء في حكم الوضوء من مس العورات وفرعوا لذلك تفريعات طويلة لا يسع المقام بذكرها، فقد أختلف العلماء في حد العورة التي بمسها ينقض الوضوء بالنسبة للمتعمد، وكذلك اختلفوا في الناسي والمخطئ، واختلفوا في مس أحد الزوجين لعورة الآخر، واختلفوا في مس عورات الصبيان، واختلفوا في مس عورات الإماء والعبيد، واختلفوا في مس الإنسان لعورته، واختلفوا في مس جسد المحارم فيما دون العورة، واختلفوا في المرأة تمس الأجنبي في غير عورته من دون شهوة واختلفوا في الممسوس عن إكراه أو عن غير قصد سواءً من القبل أو الدبر، واختلفوا فيمن مس فرجه بشيء من جوارحه غير جوارح الوضوء. .. [قاموس الشريعة ج16ص36 وما بعدها، المصنف، ج4، ص199وما بعدها، المعارج، ج2، ص134 وما بعدها].
(2) - في النسخة ب (والاتكاء).
(3) -واختلفوا فيما عدا ذلك من النوم إلا أن يكون خفيفاً قصيراً غير مزيل للعقل فلا ينقض الوضوء. [المعارج ج2ص284 وما بعدها].
(4) -اختلف العلماء في الضحك في الصلاة هل ينقض الوضوء أم لا؟ أما الضحك في غير الصلاة فقد ذكر بعض العلماء الإجماع على عدم النقض ومنهم الإمام محمد بن إبراهيم الكندي صاحب بيان الشرع ومنهم الإمام أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي صاحب المصنف وكذلك ذكر الإجماع على أنه في الصلاة ينقضها. [.بيان الشرع ، ج8 ص193، المصنف ج4ص140، الجامع لابن بركة ج1ص327] (1/19)
صفحة 20
القهقهة وهو في الصلاة وغيرها سواء لكونه معصية، فإن جاءه عن غلبة فلا ينقض على الأصح لكونه غير معصية، قال تعالى {وأنه هو أضحك وأبكى} (1) وكذا جميع المعاصي، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (غيبة المؤمن تنقض الطهارة وتفطر الصائم) (2) والشرك ينقضه بالإجماع (3) .
[الفصل الثاني: بيان ما هو نجس وما ليس بنجس من الحيوان والإنسان]
والنجس إما ذو روح أو ما خرج منه، وليس ما سواهما بنجس، قيل إلا الخمر ومثلها وبه نأخذ (4) /9.
[ذكر الإنسان والحيوان وغيره]
... وذو الروح إنسان وحيوان، فالإنسان طاهر إلا المشرك (5) ، والاقلف البالغ غير المعذور، فنجسان وما مساه برطوبة نجَّساه، قيل إلا ما خبزته المشركة لزوجها المسلم بعد غسل يديها، وهو ينظر إليها ولم تعرقا.
__________
(1) -سورة النجم /43
(2) - رواه الإمام الربيع في مسنده من طريق ابن عباس. [الجامع الصحيح باب (ما يقطر الصائم ووقت الإفطار والسحور) حديث رقم (317) ورواه صاحب كنز العمال ج3/8025] [كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين علي المتقن بن حسام الدين الهندي ج3ص586].
(3) -لم أجد في كتب المذهب من حكى الإجماع ولكن غاية ما يقال أنهم اتفقوا على أن الشرك ينقض الوضوء، وقد صرح بالاتفاق الشيخ نور الدين السالمي في المعارج وذكر الخلاف في ذلك [المعارج ج2ص247].
(4) -اختلفوا في نجاسة الخمر على قولين فقيل بنجاستها وهو قول الجمهور قيل بطهارتها وعلى هذا الاختلاف اختلفوا فيما شابهها من المسكرات [قواعد الإسلام ج1ص143، شرح كتاب النيل ج1ص421].
(5) -لقوله تعالى: {إنما المشركون نجس} التوبة/28، وقيل بطهارتهم واحتجوا بأن الآية نزلت في مشركي العرب ألا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ذلك [لباب الآثار ج1ص450]. (1/20)
صفحة 21
... والحيوان طاهر إلا الخنزير والقرد والكلب وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وأما الخيل والبغال والحمير ونحوها فطاهرة غير أنه لا يؤكل لحمها، وقيل بطهارة ذوات الناب والمخالب (1) ، والكلب إلا جلده ولو دبغ، والميتة نجسة إلا المؤمن من بنى آدم ومن الحيوان كل ما لا يعيش إلا في الماء، أو عاش فيه وفي غيره كالضفدع فكان فيه حتى مات لا أن جاء من البر فمات فيه.
وكل ما لا دم له يجري إذا قطع عضوه كالذباب والجراد والذرَّة فميتته طاهرة، وقيل فيما يجتلب الدم بنجاسة ميتته وذرقه، وبوله.
[ذكر ما يخرج من الإنسان]
وما خرج من الإنسان طاهر (2) ما لم يكن مشركاً أو أقلف إلا الدم المسفوح، وقدر الظفر من غير المسفوح (3) ، والقيء والقلس، وقيل أن الماء الخارج قبل استقراره في المعدة طاهر (4) ، وما خرج من/10 السبيلين إلا الولد والحصاة إذا غسلا ونحوهما من الأشياء الجامدة غير المنعقدة من البول والغائط، والمني الذي بلغ مجرى البول.
[ذكر ما يخرج من الحيوان]
__________
(1) -روي ذلك عن الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة والإمام مالك بن أنس وقالا بأن آسارها ولحومها حلال [المصنف ج3ص195- المعارج ج5ص62].
(2) -كالمخاط والعرق والبزاق ونحوه.
(3) -سبق التعريف به.
(4) -وقيل إن وصل إلى اللسان فهو ناقض للوضوء [مكنون الخزائن وعيون المعادن، موسى بن عيسى البشري ج3ص363،364، المصنف ج4ص170] (1/21)
صفحة 22
... وما خرج من الحيوان فنجس إن كان نجساً، وطاهر إن كان طاهراً إلا الدم والبول (1) ، والحكم بنجاسة دم الحيوان الطاهر أقوى من الحكم بنجاسة بوله، وقيل في الفرس ونحوه بنجاسة ما خرج من سبيليه ومن حلقه لأنه لا يؤكل لحمه (2) ، وما اختلف في حله وحرمته اختلف في نجاسة سؤره وما خرج منه سوى الدم والبول، وقيل عند من أجاز أكله بنجاسة خبثه وما خرج من حلقه.
[ذكر ما يرعى الأنجاس]
وما يرعى الأنجاس منه كالدجاج والبط فخزقه وما خرج من جوفه ومن فيه نجس، قال الشيخ أبو سعيد (3) -رحمه الله-: "وذلك على وجه التنزه للاسترابة وفي الحكم طاهر ما لم يصر جلالاً".
... وما اجتلب الدم ولم يكن له في الأصل دم فما خرج منه من دم وغيره طاهر، وقيل بتنجيس دمه إن كان كظفر الإبهام وقيل بنجاسته مطلقاً، والقمل نجس بوله وذرقه وميتته.
[ذكر الجلاَّلة]
__________
(1) -أما أرواثها فهي طاهرة إلا إن لامسها نجاسة كالبول ونحوه [المعارج ج5ص106].
(2) - اتفق اكثر الأصحاب على طهارة أرواث ذوات الحوافر من الخيل والبغال والحمير واختلفوا كذلك في رجيعها وما يخرج من حلقها [المعارج ج5 ص53 وما بعدها، القاموس ج14ص295].
(3) - هو الشيخ العلامة والبحر الفهامة محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، وكدم من أعمال ولاية الحمراء ، يعتبر أحد أئمة المذهب المقتدى بهم، ولد رحمه الله سنة 305هـ وقد تتلمذ رحمه الله على يد كبار العلماء في عصره منهم محمد بن روح الكندي، و الشيخ رمشقي بن راشد والشيخ أبو الحسن محمد بن الحسن وغيرهم، وله مؤلفات عده منها كتاب الاستقامة والمعتبر وغيرها وكانت وفاته رحمه الله ما بين سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وسنه ست وخمسين وثلاثمائة للهجرة [إتحاف الأعيان في تاريخ علماء عمان، سيف بن حمود بن حامد البطاشي، ج2ص215 وما بعدها] (1/22)
صفحة 23
... والجلاَّلة/11 نجسه، وهي ما لم يأكل إلا النجس، وما خلط فمختلف في نجاسته، وتطهر بالحبس يوما وليله إن كانت من الدجاج ونحوه وثلاثة أيام إن كانت من الشياه ونحوها، وسبعة أيام إن كانت من الإبل والبقر ونحوهما (1) ، وتنتقل من حكم الطهارة إلى حكم الجلالة بما تنتقل به من حكم الجلالة إلى حكم الطهارة من الأيام في رأي الشيخ الصبحي (2) -رحمه الله- لأنه لم يجد لأصحابنا في ذلك قولا، وعندي ذلك كثير إذ يبيح أكل البقر مثلاً مع انقطاعها على الأنجاس ستة أيام، فأرى أن تنتقل إلى حكم الجلالة إذا انحدر ما في معدتها من الطاهر وصارت النجاسة فيها غير مخلّطة بشيء من الطاهر، وانهضمت لصيرورة الدابة حينئذ غير مخلطتها بشيء من الطاهر، هذا رأيي في ذلك قبل أن أجد فيه شيئاً عن أصحابنا وغيرهم غير ما ذكرنا عن الصبحي -رحمه الله- والله أعلم.
[ذكر الدم الطاهر والنجس]
__________
(1) -وذهب البعض إلى عدم تحديد وقت لطهارتها وإنما تحبس بقد ما يزول منها النجس الذي أكلته [المعارج ج5ص140، المعتبر ج3ص143، جواهر الآثار،ج4، ص201].
(2) - الشيخ سعيد بن بشير الصبحي، عالم جليل وجهبذ نبيل، من محققي العلماء الجامعين بين المعقول والمنقول، مرجع أهل زمانه وقد صارت إليه رئاسة الفُتيا في زمانه، فقد طلب منه الإمام سلطان بن سيف بن سلطان قبل عزله أن يزيد له في الفريضة على ما جعل لآبائه، حيث أن المسلمين قد جعلوا للأئمة فريضة معينه من بيت المال فقال الشيخ الصبحى:"لا بل فريضة آبائه" وهذا يدل على أن الشيخ= =كان ممسك بزمام الفُتيا في عصره. مقره وسكنه في نزوى وأصله من قرية بن صبح بولاية الحمراء، مات قبل دخول العجم إلى عمان [ تحفة الأعيان، الإمام نور الدين السالمي ص10ص142،160/ الجامع الكبير، الشيخ سعيد بن بشير الصبحي ج1ص5]. (1/23)
صفحة 24
وليس من الدماء طاهر على الإطلاق، إلا دم السمك ودم اللحم إذا غسل المنحر أو المذبحة (1) ، وقيل بفساد ما في العروق والأوداج والفؤاد/12 والرئة من الدم، وأنه ليس بدم اللحم (2) .
[ذكر إزالة النجاسة بالماء وبغيره]
... والأصل في إزالة النجاسة أن تغسل بالماء حتى نزول عينها وطعمها، ولا حكم لبقاء عرفها إذا عسر زواله، وفي بقاء لونها في الثوب بعد استقصاء غسلها اختلاف في طهارته، وما لا يمكن إزالتها إلا به وجب غسلها به (3) ، ولا بد في الغسل من العرك، إلا ما قيل في بول الصبي الذي لم يطعم، من إجزاء صب الماء عليه بلا عرك والأحسن عندي أن يصب عليه ثلاثاً، والله أعلم.
__________
(1) -لأن دم المنحر أو المذبحة يعتبر دماً مسفوحاً من الأنعام [ منهج الطالبين، الشيخ خميس بن سعيد الشقصي، ج3ص139 ط وزارة التراث].
(2) - وقيل أن دم اللحم الفاسد هو ما خالط اللحم من العلق وأما ما كان من دم العروق فليس من دم اللحم [منهج الطالبين ج3ص131].
(3) - اختلف أصحابنا في تطهير النجاسات بغير الماء فقيل بالجواز وهو قول مروي عن الإمام الربيع والإمام بشير بن محمد بن محبوب وقيل بعدم الجواز فلا تطهر النجاسة إلا بالماء [المصنف ج3ص297، قاموس الشريعة ج14ص119، الإيضاح ج1ص354]. (1/24)
صفحة 25
... وقد ورد في الأثر في أشياء شتى بزوال نجاستها بضرب الريح والشمس لها أو أحدهما، إذا زال أثرها وريحها، وإن تنجست بما لا عين له قائمة كالماء النجس، فإذا ضربتاها (1) ثلاثة أيام طهرت منه، وقيل لا حدّ فيه أيضاً إلا ذهابه فقط، وتلك الأشياء هي الأرض، والخشبة، والبساط والحصير (2) ونحوها، لا (3) البدن قيل ولا الثوب فلا يطهرهما غير (4) الماء أو التراب، وقيل ما عدى الأرض من هذه الأشياء لا يطهر بغير الماء أو يقرض مكانها منه (5) ، وكذلك ورد الأثر في النعال والدواب بزوال نجاستها إذا سير عليها أو مسحت بالأرض حتى/13 زالت عين النجاسة أو أكلت أو شربت أو تمرغت (6) في التراب، أو استعملت أو غابت حيناً حتى لم يبق لها أثر، وكذا الفم إن (7) أدمى فبزق (8) حتى ذهب الأثر طهر.
[ الفصل الثالث: الغسل ]
[ ذكر الأحداث الموجبة للغسل ]
__________
(1) -أي فإذا ضربت الشمس والريح النجاسة...... الخ
(2) - الحصير نوع من الفراش يشبه البساط قال في القاموس "كل ما نسج من جميع الأشياء، وثوب مزخرف موشى إذا نشر أخذت القلوب مآخذه لحسنه. [القاموس، الفيروزأبادي المحيط مادة حصر]
(3) -في ب (إلا).
(4) - في ب (إلا).
(5) - أي يقطع مكان النجاسة عن الحصير والبساط.
(6) -ويقصد به التتريب.
(7) -في ب (إذا).
(8) -البُزاق والبساق ماء الفم إذا خرج منه [القاموس المحيط مادة بصق] (1/25)
صفحة 26
... والأحداث التي يجب الاغتسال منها، الشرك، وتغييب الحشفة في قبل أو غيره من آدمي أو بهيمة، عمداً أو خطأً، ولو من فوق الثوب، ونزول الماء الدافق، في يقظة أو منام، وأن تقع على البدن نجاسة ولم تعلم هي في أي موضع منه، والميت يجب غسله على الأحياء، والطهر من الحيض والنفاس، قال الربيع (1) رحمه الله: "ليس على المرأة غسل في الماء الدافق" قلت: والقول بوجوبه عليها أحوط، وإن قذف على فرجها الجنابة فولجت فيه فعليها الغسل، وإن استحاضت وجب عليها أن تغتسل لكل صلاة غسلاً، وقيل لكل صلاتين غسلاً وتجمعهما، وقيل ليس في الاستحاضة غسل.
[ ذكر فرائض الغسل ]
__________
(1) -هو الإمام الكبير والمحدث الشهير، الربيع بن حبيب بن عمرو ابن الربيع بن راشد بن عمرو الفراهيدي العماني البصري وكنيته أبوعمرو، وقد اختلف المؤرخون في سنة ولادته والذي يرجحه الشيخ سعيد القنوبي -حفظه الله- أنه ولد في النصف الثاني من العقد الثامن من القرن الأول، أي بين سنتي 75 و80هـ، وتتلمذ رحمه الله على يد أكابر العلماء ومنهم أبو عبيده مسلم بن أبي كريمة= =وضمام بن السائب وأبو نوح ويحيى بن أبي قرة وقتادة وغيرهم كثير وتتلمذ عليه حملة العلم إلى المشرق والمغرب ومنهم موسى بن أبي جابر الأزكوي ومنير النير الجعلاني ومن تلامذته أيضاً محبوب ابن الرحيل القرشي والإمام أبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة وغيرهم كثير، توفي رحمه الله على رأي الشيخ القنوبي ما بين سنة 157و180 تقريباً [الإمام الربيع بن حبيب، مكانته ومسنده للشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، مكتبة الضامري ص15 وما بعدها]. (1/26)
صفحة 27
... وفرائض الغسل، المضمضة والاستنشاق (1) ، إلا الغسل من وقوع النجاسة على البدن، وعموم الجسد والرأس بالماء، وإن ترك موضعا من بدنه ثم غسله أجزاه، وإن كان قد جفَّ/14 ما غسله أولا، كان تركه بعمد أو نسيان، وقيل إن جف أعاد، وعليه يمر (2) يده على ما قدر عليه من رأسه وجسده فيعركه بها، وقيل عموم الجسد بالماء بلا دلك مجزئ، قلت ذلك في الجنابة والحيض ونحوهما، لا في الغسل من النجاسة فلا تزول إلا بعموم الجسد بالعرك، أو ما يشبهه من حركة الماء، والله أعلم، قيل وإنما جاز كون عموم الماء للجسد مجزياً في الغسل إذا كان منه حركة تشبه العرك لا غير، وعندي أن النية من شروط صحته، لأنه تعبد، فلا ينحط بلا قصد لأدائه (3) والله أعلم.
[ذكر سنن الغسل]
وسننه، التسمية وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء والسواك، وأن يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من الماء قبل غسل الجسد (4) .
[كيفية العمل بذلك]
__________
(1) -وقيل هما سنتان في الغسل كالوضوء [النيل ج1ص179، كتاب الإيضاح ج1ص154].
(2) -هكذا في الأصل ولعل الصحيح (وعليه أن يمُرَّر يده).
(3) - اختلف العلماء في حكم النية للغسل فقيل واجبة وهو قول الجمهور وقيل بعدم الوجوب [قواعد الإسلام ج1ص207، شرح النيل ج1ص179].
(4) -ولعل ذلك ما روي عن جبير بن مطعم قال تذاكرنا الغسل من الجنابة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال (أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثاُ ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي) أخرجه البخاري من كتاب= =الغسل باب (من أفاض على رأسه ثلاثا)، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الطهارة باب (ذكر يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسه). (1/27)
صفحة 28
... وكيفية العمل بذلك ، أن يغسل يديه ثم يفرغ الماء بيده اليمنى على يده اليسرى يغسل بها عورته، ثم يغسل يده، ثم يستاك، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، قيل إلا القدمين فيؤخرهما، ثم يدخل أصابعه في الماء ويخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيده، ثم يفيض الماء على رأسه/15 وجسده كله، ثم يتنحى من مكانه فيغسل القدمين إن أخرهما، واستحسن إن كان بين الأرض وقدميه حائل يمنعهما من ملاقاة وسخها أن لا يؤخرهما، وإلا فلا يؤخرهما أيضاً بل يتنحى من ذلك المكان بعد غسل العورة والنجس إلى غيره ليتوضأ وضوءه كله فيه ولا يؤخرهما ثم يكمل الغسل والله أعلم.
[ذكر حد ما يتوضأ به ويغتسل به من الماء]
... وليس للغسل ولا للوضوء حدٌّ معين من الماء، إلا أنه ينبغي أن لا يقتصر في الوضوء عن مُده - صلى الله عليه وسلم - ولا في الغسل عن صاعه - صلى الله عليه وسلم - بل يقتصر بهما فصاعداً (1) ما لم يكن إسرافا.
[ذكر الاغتسالات المسنونة]
والسنة من الاغتسالات غسل الجمعة، وغسل العيدين ، وغسل الإحرام وغسل عشية عرفه، وغسل غاسل الميت، وغسل الحجامة.
[الفصل الرابع: أقسام المياه وأحكامها]
والماء ثلاثة، ماء طاهر مطهر للأنجاس ورافع للأحداث أي يصح الوضوء به،
وغسل الموتى، والاغتسالات التعبدية (2) وهو ماء مطر أو نهر أو بحر.
__________
(1) - ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه (كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد). [أخرجه البخاري في كتاب الحيض باب (الوضوء بالمد) ومسلم في كتاب الحيض باب (القدر المستحب من الماء) في الغسل وأبو داود كتاب الطهارة باب (ما يجزي من الماء في الوضوء) والصاع ثمانية أرطال والمدُّ ربع صاع فعلى هذا يكون مقدار المدُّ رطلان ومقدار الصاع ثمانية أرطال المصنف ج7ص249-250].
(2) - وهي الاغتسال الذي تعبد الإنسان بفعله كالغسل من الشرك وغسل يوم الجمعة ونحوها. (1/28)
صفحة 29
وماء طاهر مطهر للأنجاس، غير رافع للأحداث، وهو ما استخرج أو أعتصر أو استعرق من الشجر (1) ، أو رشح من جلد حيوان/16 طاهر من إنسان موحد غير سكران ولا أقلف، وبهيمة طاهرة، وكذا اللبن والنبيذ (2) والخل والزيت فيما تمكن إزالته به إذا اضطر إليها لعدم ماء طاهر وإلا فلا له تنجيسها، وكذا البزاق والمخاط واللعاب والدموع، أعني مما يزيل النجس ولا يرفع الحدث.
[ذكر الماء إذا وقعت فيه النجاسة أو غيرها]
__________
(1) - وهو الماء الخارج من عروق الشجر.
(2) 4-وقيل إذا أسكر فهو نجس لأنه خمر والخلاف في نجاسة الخمر مشهور[المعارج ج2ص141] (1/29)
صفحة 30
وماء نجس وهو ما عدى المياه الطاهرة والمطهرة، وكل ماء طاهر مطهر وقعت فيه نجاسة، فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فهو الماء النجس الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس، وإن لم تغير شيئاً من ذلك بقى على طهارته وتطهيره، إلا أن يكون أقل من القلتين فينجس مطلقاً (1) ، وهذا أصح عندي لأنه لما قال - صلى الله عليه وسلم - (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً) (2) كان ينبغي كونه ما دونهما يحمله أن يتنجس بما وقع فيه من النجاسة ولو لم يغيره، وأن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - : (الماء الطاهر لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) (3) أي ذلك الماء الكثير البالغ قلتين، قيد به كون عدم حمله/17 للخبث ما لم يتغير به، بدليل أنه إن تغير به صار نجساً مع الجميع،
فدل ذلك على أنه قيدٌ (4) لذلك، وبقى القليل على تنجيسه ولو لم يتغير لقصوره عن الحدَّ المشروط (5) والله أعلم.
__________
(1) -اختلف العلماء في الماء القليل إذا أصابته نجاسة ولم تتغير أوصافه وذهب أكثر الأصحاب إلى القول بنجاسته [المعارج ج3ص90، منهج الطالبين ج3ص9].
(2) - رواه الإمام الربيع في مسنده في باب (أحكام المياه) رقم(157)، أبو داود كتاب الطهارة باب (ما ينجس الماء) ج1، والنسائي في كتاب المياه باب (التوقيت في الماء).
(3) -رواه الإمام الربيع في مسنده باب (أحكام المياه) من طريق ابن عباس بلفظ مختلف، ورواه البيهقي في سننه الكبرى من طريق ابن أمامة بألفاظ مختلفة ورواه عبدالرزاق من طريق عامر بن سعيد بلفظ مختلف.
(4) -في (أ) قيداً بالفتح والصحيح بالضم كما في (ب) على أنه خبر لأن.
(5) - يقصد المؤلف بالحد المشروط القلتين. (1/30)
صفحة 31
وقيل القليل كالكثير، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (الماء الطاهر لا ينجسه شيء..الخ ) (1) والأحوط حمله على ما حملناه عليه، وإن وقع فيه (2) دهن أو طيب أو شيء من الأشجار أو غيرها من الأشياء الطاهرة، فغلب عليه بلونه أو طعمه أو ريحه حتى أخرجه عن حدِّ الماء المطلق فصار ماءً مضافاً إلى ما وقع فيه كماء الزعفران وماء العصفر، فهو غير مطهر أيضاً، أي لا يرفع الحدث، لكن يزيل الأنجاس، وقيل في بعض آثار المسلمين بجواز الوضوء به ونحوه كالمطلق ما لم يكن تغيره عن طبخ (3) ، وحمل بعض الجواز على قليل التغير، والمنع على كثيره، وهذا هو المضاف إلى ما وقع فيه، وتقدم حكم المضاف إلى ما خرج منه وهو كماء النارجيل، ولا تضر إصابته إلى ما هو قائم فيه كالبحر (4) ، ولا تغيره يما تولد منه كطحلب أو بطول/18 مكثه، أو بتراب طرح فيه، أو جرى عليه، ولا جمعه من ندى، وإن كان قليلاً قد توضأ به أو أغتسل به فلا يرفع الحدث اتفاقاً (5) ، لأنه مستعمل لكن يزيل الخبث، قيل إلا إن لم يوجد غيره، فهو بدل التراب وخير منه.
[ذكر البئر إذا وقع فيها نجس]
__________
(1) -سبق تخريجه
(2) -انتقل الحديث عن الماء المطلق إلى الماء المضاف إلى ما وقع فيه والضمير عائد إلى الماء المطلق
(3) - راجع المعارج ج3 ص143.
(4) -ومثله كماء العيون وماء الأنهار.
(5) -يقصد بالاتفاق هو اتفاق أصحابنا على أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث وإلا فالخلاف موجود في بقية المذاهب الأخرى[الجامع، ابن بركة ج1ص308، المعارج ج3ص158، منهج الطالبين ج3ص14] (1/31)
صفحة 32
وإن وقع في البئر حيوان برى ذو دم سائل من إنسان (1) أو غيره، ومات فيها، أو وقع فيها ميت، أو وقع فيها لحم خنزير ونحوه، ولم يغير مائها لونا ولا طعماً ولا ريحاً، نزح منها أربعون دلواً أو خمسون، وإن كان مائها أكثر من القلتين قد بلغ حدَّ الماء الكثير الذي لا ينجسه إلا ما غيره، لأنه إنما نزح للسنَّة لا للقطع بنجاستها (2) ، لما روى عن أبن عباس وابن الزبير أنهما نزحا زمزم لزنجي مات فيها (3) ، وقيل أيضاً بالنزح إن وقعت فيها نجاسة غير متجسده، ولم تغيرها أيضاً كبول ودم وعذرة وقي وعرق مشرك أو أقلف غير معذور، أو جلاَّلَّة، أو سبع، أو خنزير، أو غيره من رطوباتهم وأسوارهم (4) ، وأما إن تغيرت بشيء من المنجسات المتجسدة وغيرها فلا ينفع نزح ذلك المقدار منها ما لم يزل (5) لون النجاسة وطعمها وعرفها/19 ، لا نزح إلا بعد إخراج الميتة ونحوها، ولا يجب غسل جوانب البئر اتفاقا (6) ،
__________
(1) -يعرف بعض العلماء الإنسان بأنه الحيوان الناطق فقد قال الإمام السالمي في البهجة "والإنسان هو الحيوان الناطق" [بهجة الأنوار ص27، وراجع كتاب التعريفات للجرجاني ص56، والكليات لأبي البقاء ص198 وما بعدها].
(2) - وذهب المشارقة من الأصحاب إلى عدم اشتراط النزح من البئر إن كانت مستبحرة بخلاف المغاربة حيث أنهم جعلوا النزح سنة[ المعارج ج3ص121].
(3) -رواه البيهقي في سننه الكبرى من طريق محمد بن سيرين ومن رواية أبن أبي عروة عن قتادة ورواه عبد الرزاق عن معمر.
(4) - والصحيح آسارها لأن سؤر لا تجمع على أسوار [لسان العرب باب سأر].
(5) -أي ما دام باقياً.
(6) -وحكى الاتفاق كذلك محشي الإيضاح الشيخ أبو محمد عبدالله بن سعيد السدويكشي وحكى الإمام أبو محمد في جامعه الإجماع على عدم وجوب غسل جوانب البئر[ الإيضاح ج1ص100، الجامع أبو محمد ج1ص387].. (1/32)
صفحة 33
لأنها إن نزحت طهرت هي والدلو، قيل والحبل، ولا نزح بدلو نجسة أو لبير أخرى وإن كانت لها دلاء مختلفة فالأرجح عندهم عدم وجوب نزحها بأكبرهن، واستحسنتُ إن لم تنزح بأكثرهن فلا تنزح بأصغرهن بل بأوسطهن والله أعلم، وإن بقى من العدّ دلوٌ لا لأجل فراغ الماء، وجب إعادة النزح وإن كان لفراغه، فما جاء نزح وبنى على ما سبق حتى يتم العد، وقيل إن نزح عشر دلاء وفرغ طهرت (1) ، وإن أدخلت الدلو التي ينزح بها من المتنجسة في بئر طاهرة قبل أن يتم العدد، وجب نزحها أيضاً، كذلك بعد تطهير الدلو (2) ، ولا يضر ما رجع إلى البئر منالدلو بخرقها (3) ، أو بانحرافها، وقيل بجواز النزح بدلو نجسة، والعمل عندنا بخلافه.
[ذكر الماء الجاري]
وإن كان الماء جارياً ولو قليلاً فلا يتنجس بما لم يغيِّره، وإن كان يجري إلى الساقية (4) ولا يخرج منها أو يخرج منها ولا يجري إليها فقيل لا يتنجس به أيضاً، وقيل يتنجس به ما لم يبلغ حدَّ الكثير.
[ذكر حدّ الماء الكثير]
__________
(1) -وسبب الخلاف، هل النزح للطهارة أم للسنة فقط فمن قال بأن النزح لطهارة أوجب أن يكون النزح في وقت واحد، أما من قال بأن النزح للسنة فأجاز تفريق النزح ويبني على النزح السابق [المعارج ج3ص131، الإيضاح ج1، ص99 وما بعدها]
(2) -أي يجب تطهير البئر الثانية بعد أن يطهر الدلو.
(3) -ولعلَّ الصحيح (بخرقه أو بانحرافه) ولا أدري ما سبب التأنيث.
(4) -الساقية هي النهر الصغير الذي يسقى به الزروع [لسان العرب باب سقى] وهي على حسب عرف العمانيين الجدول الذي يجري فيه الماء. (1/33)
صفحة 34
والقلتان قربتان أو القلة الجرة/20 الكبيرة، أو القلة تسعة عشر مكوكاً بالصاع، والقل في لغة العرب، ما تقله الأيدي، يقال أقله إذا طاقه وحمله (1) ، وقال أكثر أصحابنا أن القلة الجرة التي يحملها الخدم في العادة الجارية، وقد جعل بعضهم حدَّ الكثير أربعين جره، قيل قال الربيع (2) -رحمه الله- (إذا بلغ الماء بقدر أربعين قله لم ينجسه شيء) (3) ، وحدَّه بعضهم بما إذا حرك من طرفه لم يتحرك طرفه الآخر من الكثرة.
[الفصل الخامس: باب التيمم وأحكامه]
__________
(1) - راجع كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي باب (قلَّ).
(2) - سبق التعريف به.
(3) - الجامع الصحيح باب (أحكام المياه) ج1 حديث رقم 157. (1/34)
صفحة 35
وإن عدم الماء أو خيف منه الضرر أو نقصانه عما لا بدَّ له من شربه، أو شرب دوابه ، أو عبيده، أو عمل طعاماً، لزم التيمم وإن خيف منه ضرر بعض الأعضاء، غسل غيره وتيمم له، وقيل إذاً لا يجب له تيمم (1) ، ولا يصح عدم الماء (2) إلا بعد طلبه بالنظر إلى الجهات بلا نداء بلفظ إلا إن كان معه أحد أو كان أعمى فعليه الطلب والنداء، ثم يتيمم، ولا يصح إلا بالتراب الطاهر الذي لم يستعمل (3) ، وأن ينوي به في ابتدائه رفع الحدث وطهارة للصلاة، فيضرب على التراب بيديه ضربة يمسح بها جميع وجهه، ثم يضرب أخرى فيمسح ظاهر كل يد بالأخرى، وأن يكون ذلك كله بعد دخول/21 وقت ما يتيمم له من العبادة (4) ، إن كان موقتاً وإلا فعند إرادة عمله كالنوافل وأما التسمية والترتيب فسنتان، ولا نقض بتركهما وقيل الترتيب فرض كالنية (5) .
[ ذكر جواز الصلاتين بتيمم واحد ]
ويجزي من يجمع صلاتين ولو جر الآخرة إلى الأوّله تيمم واحد لهما، وإن كانت الآخرة لم يدخل وقتها لجواز تأديتها في ذلك الوقت فصار وقتا لها، وكذا من يبدل صلاتين فصاعداً في مقام واحد يجزيه لها تيمم واحد.
[ ذكر سنن الطهارة ]
__________
(1) - وفول ثالث أنه يغسل الأعضاء السليمة ويمسح الأعضاء المصابة بالماء وقول رابع أنه عليه التيمم لأنه مطالب بفعل إحدى الطهارتين [ الإيضاح ج1ص272 وما بعدها، قواعد الإسلام ج1ص196، المعارج ج3ص221]
(2) -أي ولا يسمى غير واجد للماء إلا بعد طلبه والبحث عنه.
(3) -يقصد بالتراب المستعمل هو التراب المتساقط من الوجه أو اليدين عند التيمم لا التراب الذي ضرب بالكف فيه فهو بمثابة الماء الذي غرف منه للوضوء.
(4) -وهذا هو القول المعمول به عند الأصحاب والخلاف في المسألة موجود[ المعارج ج3ص257، جامع ابن بركة ج1ص339].
(5) -اختلفوا في حكم النية للتيمم فذهب جمهور الأصحاب إلى أنها واجبة وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة [كتاب الإيضاح، ج1، ص278]. (1/35)
صفحة 36
وسنن الطهارة، فرق الشعر إذا طال، وقص الشارب كذلك وقلم الأظفار في كل أسبوع وأفضل يومه الخميس أو الجمعة أو الإثنين، ويستحب أن يبدأ من اليمين بقص المسبحة ثم الإبهام ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر، ومن اليسرى بالوسطى ثم المسبحة ثم الإبهام ثم البنصر ثم الخنصر، ومن الرجلين بخنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى، ونتف الإبطين في كل أسبوع، وحلق العانة كل شهر، وقيل كل أربعين يوما، والمرأة كل عشرين يوما.
[ الباب الثالث: الصلاة ]
[بيان الصلوات المفروضة وذكر مواقيتها] (1/36)
صفحة 37
وأما الصلوات المفروضة فخمس، أولها صلاة الظهر، وأول وقتها إذا زالت الشمس عن وسط السماء، وآخره إذا صار/22 ظل كل شيء مثله، بعد القدر الذي زالت عليه الشمس، ثم صلاة العصر، وأول وقتها إذا زاد الظل قليلاً على آخر وقت الظهر، وآخره إذا غاب قرن الشمس، ثم صلاة المغرب وأول وقتها إذا غابت الشمس كلها، وآخره، إذا غاب الشفق الأحمر، قيل والأبيض، ثم صلاة العشاء الآخرة، وأول وقتها إذا كمل غياب الشفق الأحمر أو الأبيض، وآخره ثلث الليل، وقيل نصفه، ثم صلاة الفجر، وأول وقتها إذا طلع الفجر الصادق، وآخره إذا طلع قرن من الشمس (1) ، وتأديتهن في أوائل أوقاتهن أفضل إلا صلاة الظهر في الحرِّ الشديد فالسنة تأخيرها (2) .
[ذكر أركان الصلاة]
__________
(1) - وذلك للحديث الوارد عنه عليه الصلاة والسلام من طريق جابر (أن جبريل عليه السلام أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت فاء الفيء قدر الشراك فصلى به الظهر، ثم صلى به العصر في وقت كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العتمة حين غاب الشفق، ثم صلى به الغداة حين طلع الفجر ثم جاءه مرة أخرى فصلى به الظهر في وقت كان ظل كل شيء مثله ثم صلى به العصر في وقت كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى به المغرب عند غياب الشفق، ثم صلى به العتمة عند ثلث الليل، ثم صلى به الغداة عندما احمرَّ الفجر ودنا وقت طلوع الشمس).
(2) -لورود السنة بذلك فقد روى أنه عليه الصلاة والسلام قال (إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) [رواه الإمام الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في (أوقات الصلاة)، حديث رقم (179)، ورواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة باب (الإبراد بالظهر من شدة الحر)]. (1/37)
صفحة 38
وأركان الصلاة، الطهارة على ما مر، وثوب طاهر يستر عورته، وهي ما بين السرة والركبة، واختلف فيها فقيل من العورة وقيل لا، وقيل الركبة منهما لا السرة وقيل انكشاف أقل من ربع الفخذ جائز، والمرأة الحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين، والأمة كالرجل وكون ما لا يبدو منها عند المهنة ما سوى الرأس عورة مطلقاً عندي أعدل، ولا يجوز ستر العورة بشيء من الحرير، ولا من معادن الأرض (1) /23، ولا صلاة بشيء منها ماسا للجسد غير الفضة إلا في الجهاد، أو يعدم غيره إلا ما كان من الحرير عرضه قدر إصبعين عرضا في الثوب (2) ، أو أربعة أصابع إن كان مختلطاً بغيره، وقيل في هذا بجواز الصلاة به مطلقاً، وقيل في الخالص بحله أيضاً فيما روي عن ابن عباس -رضى الله عنه- وأن النهي عنه منه - صلى الله عليه وسلم - للكبر (3)
__________
(1) -لما روي عن أبي عبيده رضي الله عنه قال: (بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة بالآنك والشبه) رواه الإمام الربيع في مسنده، كتاب الزكاة، باب (جامع الصلاة) حديث رقم (294).
(2) - وذلك لما روي عنه عليه الصلاة والسلام من (أنه أجاز موضع الإصبعين من الحرير من الثوب في الصلاة).
(3) -انظر موسوعة عبد الله بن عباس، د.محمد رواس قلعه جي ط دار النفائس ص292 وأخرجه البيهقي في كتاب الصداق باب (الرخصة فيما يوطأ من الصور أو يقطع رؤوسها).. (1/38)
صفحة 39
كذا حكى العلامة أبو نبهان (1) -رضي الله عنه- في جوابه لأهل المغرب -رحمهم الله- قلت فإذا كان كذا فما يدعوا إلى الكبر في هذا الزمان من لباس الفخر وغيره شيء لا يحصى وذلك كله في الرجال ويجوز للنساء الذهب والفضة والحرير مطلقاً.
__________
(1) - هو الشيخ العلامة الرباني جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي اليحمدي الأزدي القحطاني اليمني ولقبه الرئيس المدقق وكنيته أبو نبهان، ولد سنة1147هـ في قرية العلياء من وادي بني خروص أخذ العلم في بداية حياته من والده واخوته حيث كان لهم دور كبير في تعليمه العلوم الأساسية ومن شيوخه الذين درس على يديهم الشيخ ناصر بن سلمان بن عبدالله الخليلي الخروصي والشيخ سعيد بن أحمد الكندي والشيخ حبيب بن سالم أمبوسعيدي والشيخ هلال بن عبدالله العدوي، ولقد تتلمذ على يديه خلق كثير منهم ابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان والشيخ خميس بن أبي نبهان والشيخ راشد بن خميس ابن أبي نبهان، وكانت وفاته رحمه الله في الثالث من ذي الحجة سنة 1237هـ.[نهضة الأعيان، محمد بن عبدالله بن حميد السالمي ص380 مكتبة التراث، تحفة الأعيان ج2ص216، تحقيق كتاب شرح حياة المهج مبارك الحجري، مخطوط بمكتبة المعهد]. (1/39)
صفحة 40
وعليه مع القدرة ستر جميع بدنه من المناكب إلى الكعبين ، فإن ذلك قيل من الأركان، ومنها البقعة الطاهرة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والقيام مع القدرة عليه، والنية، وتكبيرة الإحرام، والقراءة بالفاتحة مع بسملتها في قيام الركعتين الأولتين من الظهر والعصر، وقيل في قيام كل ركعة (1) وبها مع آية فصاعداً من غيرها في الركعتين الأولتين من المغرب/24 والعشاء والفجر (2) ، والركوع والرفع من الركوع، والسجود والفرق بين السجدتين في كل ركعة، والقيام من السجود إلى الركعة الثانية، والقعود بعد الركعة الثانية عند قراءة التشهد الأول، وقراءة التشهد الأول على قول، والاعتدال من الركوع والسجود على قول، والقيام من القعود إلى الركعة الثالثة، وتكبير الركوع والسجود والقيام، والقعود كله ركن، وقيل النصف من تكبيرها ركن، وكذا القول في التسبيح، وفي قول "سمع الله لمن حمده" وفي "ربنا ولك الحمد"، ومنها القعود آخر الصلاة مقدار التشهد، وقراءة التشهد فيه إلى قوله "عبده ورسوله" على قول والصلاة على النبي فيه أيضا بعد قوله "عبده ورسوله" على قول، وترتيب الأركان والتسليم على قول، وما سوى ذلك مما يقال فيها فسنة وما قلت فيه أنه على قول ففيه قول بأنه سنه.
[ذكر سنن الصلاة]
__________
(1) -ذهب بعض الأصحاب إلى القول بعدم وجوب الفاتحة في الركعتين الأخريين ويكتفى بالتسبيح عوضاً عنها وهو قول أبو معاوية عزان بن الصقر وذهب جمهور الأصحاب إلى أن الفاتحة واجبة في جميع الركعات.[نثار الجوهر ج1ص443، المعارج ج8ص100، قواعد الإسلام ج1ص278].
(2) 3-اختلفوا في القدر المجزي من قراءة السورة في الصلاة فقيل تجزي آية واحدة وقيل آية منتظمة طويلة كآية الدين واتفقوا على أن الثلاث آيات مجزية. [القواعد ج1ص279، المعارج ج8ص107]. (1/40)
صفحة 41
وسننها الأذان والإقامة والتوجيه، وقيل هما ركنان، والاستعاذة وقراءة الفاتحة في سوى الركعتين الأولتين من الركعات (1) والتكبير والتسبيح، وقول "سمع الله لمن حمده وربنا لك/25 الحمد"، والاعتدال، وقد أشرنا إلى ما في ذلك كله من الأقوال، ومنها أن لا يسجد إذا رفع من الركوع حتى يتم قيامه، ولا إذا رفع من السجدة الأولى حتى يتم قعوده، ومنها التورك (2) في القعود كله، وأن يضع ركبتيه على الأرض قيل يديه عند ما يخر للسجود، وأن يرفع من الأرض يديه قبل ركبتيه عندما يرفع من السجود إلى القيام ، وقيل بعكسهما قيل وعكسهما خاص لمن ضعفت قوته لا مطلقاً، وأن يجافي بين فخذيه وإبطيه (3) ، ويرسل يديه إرسالاً في حال القيام، وأن يسجد على أنفه مع جبهته، وأن يجعل نظره في موضع سجوده وأن يسبح في الركوع والسجود ثلاثاً ثلاثاً، وأن يفصل بسكتة بين الفاتحة والسورة وبين القراءة والركوع وبين تكبير القيام والقراءة وبين التكبير والتسبيح، وأن يدعو بما أحب من دين ودنيا بعد الصلاة على النبي، والمختار أن يدعو بقوله "ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وما قيل بكونه منها باختلاف ذكرناه في الأركان.
[ذكر حكم من ترك شيئاً من الأركان أو من السنن أو شك فيه]
__________
(1) - وهذا على قول من قال بعدم وجوب الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة، أما الجمهور فعلى وجوبها في جمع الركعات.[ النثار ج1ص443، المعارج ج8ص100، قواعد الإسلام ج1ص278]
(2) - الورك ما فوق الفخذ، والتورك على اليمين وضع الورك في الصلاة على الرجل اليمنى، وتورك على الدابة أي ثنى رجله ووضع إحدى وركيه على السرج. [مختار الصحاح ، الرازي ، باب ورك]
وصفة القعود عند أصحابنا المشارقة هو أن يفرش رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب قدمه اليمنى جاعلاً رجله اليمنى في حال انتصابها في أخمص رجله اليسرى. [المعارج ج8ص193]
(3) - أي في السجود. (1/41)
صفحة 42
فمن ترك شيئاً من الأركان عامداً أو ناسياً بطلت صلاته، غير أنه إن تركه ناسياً/26 فرجع إليه قبل أن يتعدى ثلاثة أركان لم تبطل صلاته، نحو أن ينسى القراءة فيركع فإذا ذكرها قبل أن يصل إلى السجود لم تبطل، وإلا بطلت، وأما إن شك في شيء منها وهو بعد لم يخرج منه إلى غيره فعليه فعله وإلا بطلت، وإن شك فيه بعد خروجه منه فلا له الرجوع إليه بالشك وإن رجع بطلت وإن ترك شيئاً من السنن ناسياً لم تبطل صلاته وإن ذكره قاله حيث ذكره منها، وقيل يتركه حتى يكون في مثل موضعه فيقوله فيه مثل أن ينسى الاستعاذة فيذكرها في الركوع فإنه يؤخرها حتى يقوم من السجود ويكون في موضع القراءة، وإن تركه عمداً خلافاً للسنة فلا صلاة له وإن كان لإغفاله وعجزه فلا تبطل لكنها ناقصة، إلا إن كان من السنن المؤكدة فتبطل بترك شيء منها.
[ذكر سننها المؤكدة]
والمؤكدات منها قراءة الفاتحة أو التسبيح فيما سوى الركعتين الأولتين، وقول "سمع الله لمن حمده" إلا المأموم فيجوز له تركه ويتحمله عنه إمامه وقول "ربنا لك الحمد" والاعتدال في الركوع والسجود والاستواء في القيام من الركوع وفي القعود بين السجدتين/27 والتسبيح والتكبير والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير.
[ذكر سجدة السهو وما يفعل الشاك في عدد الركعات] (1/42)
صفحة 43
ويجب على من نسى سنة أو ركناً فرجع إليه قبل البطلان أن يسجد لسهوه سجدتين بعد التسليم (1) ، وكذا إن جهر فيما يسر فيه أو أسر فيما يجهر فيه ناسياً وإن تعمد لذلك بلا عذر بطلت لمخالفة السنة، وإن شك فيها فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً بنى على يقينه فإذا سلّم سجدهما أيضاً، وقيل من شك كذلك يقعد متشهداً إلى عبده ورسوله ثم يأتي بركعة تامة فيقعد أيضا متشهدا ثم يسلم ويسجدها (2) فإن كان صلى أربعاً فقد تشهد لهن ولا تضره هذه الركعة لخروجها عنه بوقوعها بعد تمامها وإن كان صلى ثلاثاً كانت هذه رابعتهن ولا يضره زيادة ذينك الجلوس والتشهد لأنهما قد يزادان بالنسيان ولا يبطلان الصلاة، واستحسنه الفقيه شيخنا مبارك بن خلفان العوسجى (3) -حفظه الله- وكون تلك الركعة لا تضر إن وقعت بعد الرابعة مبني على القول بأن التسليم غير واجب على ما ظهر لي، وليس على من نسي سجدتي السهو/28 أن يسجد لهما أيضاً بل يسجدهما فقط إذا ذكرهما إثر صلاة أخرى.
[ذكر ما يفسد الصلاة]
__________
(1) - اختلف العلماء في محل سجود السهو، فقيل أنهما يسجدان بعد التسليم مطلقاً، وهذا هو مشهور المذهب كما ذهب إلى ذلك أبو مسلم في نثاره، والإمام السالمي في معارجه، وقيل موضعهما قبل التسليم لأنهما من تمام الصلاة، وقيل كل سهوٍ أدى إلى النقص في الصلاة فيسجد له قبل التسليم، وكل سهوٍ أدى إلى الزيادة في الصلاة فيسجد له بعد التسليم، وفي المسألة تفصيلات وأقوال أخرى ذكرها أبو مسلم في نثاره فلتنظر هناك.[ المعارج ج8ص304، النثار ج1ص586 وما بعدها]
(2) - ولعل ذلك لحديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليصل ركعة وليسجد سجدتين وهو جالسٌ قبل التسليم...."
(3) -لم أجد له ترجمه. (1/43)
صفحة 44
ويفسدها ما مر بيانه (1) والكلام والضحك قيل ولو تبسما وطويل العمل، والعمل ما كان في أمر الصلاة، ولا يضر قصيره كإماطة الأذى وتسوية الأرض للسجود وشدّ الإزار أو العمامة ما لم تنحل كلها، وكالتقدم والتأخر بخطوه أو خطوتين إلى موضع أمكن للقيام أو السجود بلا رفع القدم ونحو ذلك، وطوله فيما أرى أن يكون بقدر ما يسبح فيه ثلاثاً، وصرف الوجه إلى السماء عمداً وفي نقضها بصرفه يميناً وشمالاً خلاف ما لم ير ما خلفه، والاشتغال بفكر أو نظر أو سمع عمداً، وكل حركة في غير أمر الصلاة، وإن كان شيء من ذلك بالنسيان فلا ينقض حتى يطول، وذهاب العقل بنوم أو غيره، وبلوغ الحلم فيها والأحداث التي تنقض الوضوء إلا القيء والرعاف فقد قال بعض أصحابنا أنهما ينقضان الطهارة دونها (2) ،
__________
(1) -كمن ترك شيئاً من أركانها عامداً أو ناسيا أو ترك شيئاً من شروطها المذكورة سابقاً.
(2) - ولعل ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام "القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على صلاته".. (1/44)
صفحة 45
ورؤية الماء فيها للمتيمم بعدمه ووجود الاستطاعة فيها على استعماله للمتيمم بعدمها والعلم بأنه صلى بغير الطهارة أو نحوها من الشروط/29 التي لا تتم بدونها فيها أو بعدها، وزوال كل ضرورة أجيز له بها ترك شيء من شروطها فيها، وإن زالت بعد الخروج منها فلا، وذلك كالعريان والمريض القاعد والمومئ وذي الرعاف إذا انقطع رعافه فيها أو وجد ثوباً أو عافيه فيها وغير ذلك مما بمعناه، وزيادة ركن عمداً أو ركعة تامة نسياناً إلا أن تكون بعد قعود للتشهد الأخير، وإن ذكر صلاة نسيها أو نام عنها في صلاة فسدت التي هو فيها ووجب أن يأتي بالمنسية أولاً إلا أن يكون بحد ما إذا قطعها لأجل المنسية فاتت فإنه قيل يتمها عند البعض فكل صلاة صلاها بعد صلاة تركها أو نسيها فذكرها فهي فاسدة لا ما صلى بعد صلاة فسدت عليه لأنها دين عليه غير محدود ولكن يؤمر بتعجيل قضائها (1) ، وإن إئتم بمن لا تجوز إمامته أو لا تجزيه (2)
__________
(1) - اختلف العلماء في من نسي صلاة ثم ذكرها أثناء تأديته لصلاة حاضرة، فقيل ليس عليه أن يخرج من صلاته لأن ذمته مشغولة بأداء الصلاة الحاضرة وقيل عليه أن يتركها ويصلى الفائتة ثم يعيد الحاضرة، وتمسك بذلك بعض العلماء حتى أنه قال عليه بالقضاء حتى ولو خاف فوات الصلاة الحاضرة، وقول ثالث أنه إذا انتهى من صلاته الحاضرة ثم ذكر الصلاة المنسية فعليه القضاء ثم إعادة الصلاة الحاضرة ما دام في الوقت، أما إذا خرج وقت الصلاة الحاضرة ثم ذكر الصلاة المنسية فلا إعادة عليه. [ منهج الطالبين، ج4ص282، المعارج ج12ص22]
(2) -لعله أراد بذلك إمامة العبد بالحر وما شابه ذلك والخلاف في إمامة العبد بالحر موجود وسبب الخلاف معارضة الأشباه بالعبيد، فمن شبههم بالمال قال بعدم الجواز ومن غلّب عليهم حكم التكليف أجاز إمامتهم. [.الإيضاح ج2ص153، جامع بن بركة ج1ص507] (1/45)
صفحة 46
أو صلى بجنب أجنبية أو خلفها في جماعة فسدت صلاته، وإن صلت هي بجنبه فسدت صلاتها وكذا إن صلى خلف الصف وحده عن يمين الإمام أو شماله على قول، وأن صلى بإزائه جازت، وقيل لا بل/30 يجر إليه أحدا من الصف وهو الأقوى ولعله قيل أو يلتصق بالصف إن قام ويتأخر إن ركع أو سجد (1) وكذلك إن تقدم أمامه أو صلى أمام العراة قدامهم عرياناً فسدت على الجميع (2) أو صلى العاري وحده قائماً، وقيل لا إن لم يره أحد، وقال أبو محمد (3) بما يقتضي عدم فسادها وإن رآه لأن عليه الغض عنه ولا عليه قعود لأجله لموضع فرض القيام (4) ،
__________
(1) - والقول موجود في المذهب، وإنما أمر بذلك لوجب الصف عليه ولأنه منهي عن القيام وحده ثم يتأخر للركوع والسجود لتعذرهما عليه إلا بالتأخر.[المعارج ج9ص218]
(2) - اختلفوا في صفه صلاة الإمام العريان، فقيل يصلي قاعداً ويكون في وسط الصف حتى لا تنكشف عورته، وقيل بوجوب القيام في الصلاة وإن كان عاريا ولا يسقط عنه إلا بعذر. [منهج الطالبين ج4ص328، المعارج ج9ص181]
(3) - هو الشيخ العلامة الأصولي، عبدالله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي وكنيته أبو محمد، مسكنه حلة الضرح من ولاية بهلا وهو من علماء القرن الرابع الهجري، ومن أشياخه الإمام سعيد بن عبد الله ابن محمد بن محبوب والعلامة أبو مالك غسان بن الخضر بن محمد الصلاني وأبو مروان. تلاميذه : أنشأ الإمام أبو محمد مدرستاً في الضرح وكانت قبلة الطلاب العمانيين وغير العمانيين فقد درس على يديه بعض الطلاب المغاربة حيث أن الإمام كان موسر الحال ومن تلامذته العلامة الشيخ أبو الحسن البسيوي، ومن أشهر مؤلفات الإمام كتاب الجامع وكتاب الشرح لجامع ابن جعفر الأزكوي وكتاب التقيد وكتاب الموازنة وكتاب المبتدئ وكتاب التعارف وكتاب الإقليد. [إتحاف الأعيان في تاريخ علماء عمان ج1ص226]
(4) - أنظر الجامع لأبن بركة ج1ص541.. (1/46)
صفحة 47
قلت وعندي كشف العورة له معصية ولا يؤدي الفرض بمعصية فلا يصلي بهيئة ينكشف بها عورته له إذا أمكن سترها عنه بماء أو حفرة أو قعود والله أعلم.
وكذا إن قام المأموم عن يسار الإمام مع علمه بالنهي أو قامت (1) امرأة عن يمينه، أو كان بينه وإمامه أكثر من مد الصوت، أو بينه وبين الإمام أو الصف الآخر حائط حاجزا أو طريق شارع، أو نهر جار على قول، أو دخل مع الاثنين المصطفين عن يمين إمامهما بعد إحرامه بهما، فصف معهما ولم يجرهما معه خلف الإمام، ولم يتقدم الإمام عنهم ويوسطوه، فسدت صلاة الداخل، وإن اصطفوا هناك معا فأحرم على جميعهم/31 فسدت عليهم جميعا، وقيل لا تفسد حتى يكونوا أربعة فيحرم عليهم أو يدخل الرابع معهم بعد الإحرام فتفسد صلاته، وقيل بذلك في الخامسة لا دونهم، وقيل لا ولو كانوا أكثر من عشرة ما لم يكونوا عن يساره، وكذا إن أم جنبا ناسيا، وقيل لا تفسد إلا صلاته وحده (2) ، وإن تعمد فسدت عليهم جميعا.
__________
(1) - في الأصل [وقامت] والصحيح ما أثبته فلا معنى للواو هنا.
(2) وقول ثالث أنه تفسد صلاة الذي خلف الإمام خاصة دون غيره، وقد حكى الشيخ عامر في إيضاحه إجماع أصحابنا على فساد صلاة الجميع مع أن الخلاف موجود. [الإيضاح، ج2، ص 183، المعارج، ج9، ص 168] (1/47)
صفحة 48
وكذا إن ارتفع عن المأمومين بقدر ذراع، إلا إن ارتفع معه صف فلا يضر الصفوف الأخر، وإن كان أسفل منهم فلا وإن لم يكن معه أحد منهم، وقيل حتى يكون معه أحد أيضا (1) ، وكذا إن أحرم قبل إمامه ناسيا أو عامدا، فلم يرجع يكبر بعده، أو ركع أو سجد أو رفع من سجوده، أو من ركوعه قبله عامدا، أو نوى الخروج من الجماعة، أو نوى قطعها أو التنفل بها، وقيل لا ما لم يفعل ما نوى، وكذا إن صلى بلا سترة وقدامه نجاسة بينه وبينها أقل من خمسة عشر ذراعا فسدت، وقيل لا تفسد إلا أن يكون بينهما أقل من ثلاثة أذرع، وكذا القول في الأقلف، والجنب والحائض والمشرك والخنزير والسباع/32 النجسة، إن مروا قدامه، وقيل لا يفسدها شيء من ذلك ما لم يمس المصلي منجس منه، والسنة تقوي خلافه (2) .
وإن لغا في صلاة الجمعة، فلم يخرج من المسجد ويرجع فينصت، فسدت على قول، وإن أحرم على جماعة خلفه وليس بإزائه منهم أحد فسدت على الجميع، وإن خرج من بإزائه بعد الإحرام ولم يسدوا الفرجة فسدت صلاتهم دون صلاة الإمام، وقيل صلاة الجميع أيضا، والأول أنظر عندي، وكذا إن سهى عن حفظها فلم يدر كم مضى منها، إلا أن يكون مع إمام فتجزيه باتباعه على قول.
... [ ذكر ما يقطع به المصلي صلاته ]
__________
(1) اختلف الفقهاء في ارتفاع الإمام أو انخفاضه عن المأمومين، فقال قوم بعدم جواز الارتفاع أو الانخفاض، وإنما يكون مساويا لهم، وقيل بالجواز مطلقا، وقيل بجواز الارتفاع دون الانخفاض، وقيل بجواز الانخفاض دون الارتفاع، وقيل إذا كان معه أحد يستخلفه إن لزم ذلك فلا بأس مطلقا. [المعارج، ج9، ص197، النثار، ج2، ص156، جوهر النظام، ج1، ص108].
(2) وذلك بالنظر إلى أحاديث السترة. (1/48)
صفحة 49
وليس للمصلي قطع صلاته بلا حدوث مفسد لها فيها، إلا لشيء خاف منه على نفسه أو على غيره من المسلمين أو على ما له ضرر (1) كالحريق والسيل والمطر والسبع، والدابة خاف منها على طعامه، أو على طعام دوابه، أو لأحد وقع في متلف فينجيه من الهلكة، أو لثوبه ذهبت به الريح وخاف غيبه ونحو ذلك، وقيل يفعل ذلك فيها ويبني عليها ولا يقطعها ولا يأتي بشيء منها/33 وقت اشتغاله بذلك، إلا إن خاف فوت الوقت فيجب عليه الإتيان بها على ما أمكنه.
... [ الفصل الثاني: صلاة الجماعة ]
وصلاة الجماعة في المفروضات (2) ، سوى الجمعة فرض على الكفاية، وفي السنن سنة (3) ، وليس من السنن ما يصلى بجماعة إلا صلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وصلاة الضحى، وصلاة الكسوفين، والاستسقاء، والتراويح في رمضان، والوتر فيه أيضا، وما سوى ذلك فلا يصلى إلا فرادى.
...
[ ذكر حكم تعدد الجماعات ]
__________
(1) وفي الأصل [ضررا] والصحيح بالرفع كما أثبته.
(2) اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجماعة، فقال قوم: أنها فرض كفائي، واستدلوا بأدلة منها قوله - صلى الله عليه وسلم - "الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" واستدلوا كذلك بأدلة أخرى فلتنظر في مكانها، وذهب قوم إلى أنها فرض عين، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام "هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم أتخلف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء" وكذلك استدلوا بحديث ابن أم مكتوم وغيرها من الأدلة. [الإيضاح، ج2، ص144، الجامع لابن جعفر، ج2، ص243].
(3) اختلف العلماء في صلاة الجمعة فقيل أنها فرض كفاية، وقيل فرض عين، وهذا مذهب جمهور الأمة لظاهر قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... "الجمعة/9 [النثار، ج2، ص217، المعارج، ج10، ص23، الإيضاح، ج2، ص213]. (1/49)
صفحة 50
وتكره الصلاة بالجماعة في مسجد قد صليت فيه تلك الصلاة بجماعة، وقيل لا كراهة في ذلك وأنه عمارة للمسجد، وإن شك في صلاة فلزمته إعادتها صلاها فرادى، وكذا إن ذكر فسادها وقد فات وقتها فإنه يبدلها فرادى.
... [ ذكر من تجوز إمامته ]
ولا يكون أحد إماما فيها إلا أن يكون أفضل من مأمومه أو مثله، فإن كان دونه في شيء من الصفات والأحوال فلا تجزيه إمامته، إلا العبد والفاجر والأعمى والخصي فقد قيل بجواز إمامتهم مع كونهم أنقص حالا ووصفا، وكذا قيل بإمامة/34 المقيد لغير مثله، وإمامة المسافر للمقيم، وإذا سلم أتموا صلاتهم، وكذلك لا تجوز إمامة متطوع لمؤدي فرض، أو مؤدي فرض لمؤدي غيره من الفروض لا من النوافل.
... [ ذكر اللحن الذي يفسد الصلاة ] (1/50)
صفحة 51
واللحن الذي يفسدها عندنا، مد إحدى الألفين من الله أكبر، وكسر الكاف من إياك، وضم التاء من أنعمت وكسرها، وأوجب الشافعي (1) الفساد (2) إن لم يبين الضاد من الظاء بإخراجه من طرف اللسان إلى ما يلي الأضراس يمينا أو شمالا، ولا يسع للمصلي وغيره إشباع فتحة باء أكبر، وضمة الهاء من الله، وزيادة تفخيم لام الجلالة على ما هو لها (3) ، لأن لا تميل إلى ضمة مشبعة المولودة للواو الخفيفة الإشباعية للممعن له في المخرج نظرا، فيصير النطق به أللواه، أو أللوه، وكذا تفخيم الباء، لأن لا يميل كذلك كأكبوار وأكبور، كلغة بعض العرب، ولا إشباع ضمتي أخريهما فيختليان في المعنى، وليس بمختار قطعهما بالسكوت أو إحالة الهاء إلى الخياشيم، لأن ذلك خلاف الأصل، بل يأتيهما بضمة خفيفة مع تفخيم لام الجلالة/35 وسطا بقدر الماح (4)
__________
(1) هو الإمام محمد بن إدريس بن العباس الشافعي وكنيته أبو عبدالله، ولد سنة 150هم، تتلمذ على يد إسماعيل بن قسنطنطين، وسفيان بن عيينه ومسلم بن خالد الزنجي، ومالك بن أنس، وغيرهم كثير، وتتلمذ على يديه أئمة العلم منهم أحمد بن حنبل، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وغيرهم كثير، وله مؤلفات عدة من أشهرها: كتاب الأم، والإملاء الصغير، والأمالي الكبرى، وجماع العلم وغيرها، وتوفي سنة 204ه. [توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس، للحافظ بن حجر العسقلاني، ط دار الكتب العلمية، ص12، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحسن بن أحمد بن محمد، ط دار ابن كثير، ص19].
(2) وهو قول في المذهب، وانتصر له الشيخ أبو مسلم في نثاره، وفند قول الفخر الرازي فليراجع هناك. [نثار الجوهر، ج1، ص491-492].
(3) الجملة (على ما هو لها) ساقطة في (ب).
(4) الماح: لهجة محلية يقصد بها الشد أو المط، ولم أجد لها في المعاجم ما يدل على هذا المعنى فهي لازمة وتدل على الثوب الخلِق البالي. [.لسان العرب، باب (محَّ)]. (1/51)
صفحة 52
لسانه (1) مع فتح الشفتين لهما مرخيا بالسفلى عن الثنايا التي تليها مع مده وسطا وقطع همزتي أولهما عن المد حسما، من غير تشبيع فتحة باء أكبر وإفخامه كما مر، فهذا هو الأفصح وإلا حق لهما لوضع كل موضعه، كذا في جواب العلامة والدي رحمه الله.
وتجوز قراءة "الصراط" بالسين وفتح الكاف من "مالك يوم الدين" وقد قرأ بعض القراء من غيرنا "الحمد لله" بضم اللام الأول من الله طلبا للخفة، ولم يروا ذلك لحنا لكنه عندي ضعيف.
... [ ذكر ما يحمل الإمام عن مأمومه ]
ويحمل الإمام القراءة كلها عن مأمومة، وقيل ما عدا الفاتحة، وعليه العمل، وكذلك قول: "سمع الله لمن حمده" والمعمول به أن يقوله مع إمامه (2) .
...
[ ذكر ما يجب فيه الجهر وما لا يجهر ]
ويجب في الجماعة الجهر بالقراءة والتكبير وبسمع الله لمن حمده والتسليم، وترك ذلك عمدا يفسدها، قلت إلا التسليم على قول قياسا والله أعلم.
__________
(1) في (أ) شانه، والصحيح كما هو في (ب) لسانه.
(2) اختلف العلماء في المأموم عند رفعه من الركوع، هل يقول سمع الله لمن حمده أم لا؟ فقيل أنه يقوله ولا يحمله الإمام عنه، وهو قول أبو معاوية، وحجتهم في ذلك ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع من سجوده قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" والاقتداء برسول الله واجب لقوله عليه الصلاة والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
... وذهب بعض الأصحاب إلى أن الإمام يحمله عن المأموم، ولا يلزم المأموم قوله، واستدلوا بحديث أبي هريرة أنه قال: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، قال من خلفه ربنا ولك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" وهذا هو المعمول به، وانتصر له الإمام السالمي في معارجه حيث جعل الحديث الأول عام والحديث الثاني مخصص له. [المعارج، ج8، ص161وما بعدها، الذهب الخالص، ص158]. (1/52)
صفحة 53
وحده إسماع الغير إلا في صلاة الظهر والعصر والركعة الثالثة من المغرب والآخرتين من العتمة، وفي صلاة الجنازة، فيجب/36 في ذلك كله الإسرار بها، وكذا كل مصل وحده أو خلف إمام فالجهر بالقراءة وغيرها محجور عليه.
... [ ذكر موضع الإمام ]
ولا يكون الإمام إلا مقدما، فإن كان اثنان فقط، صف المأموم عن يمين الإمام، وإن كانت أنثى قامت خلفه حذاء كتفه الأيسر، وإن صلت إلى جنبه جاز إن كانت ذات محرم منه أو حليلة له لكن لا يتعدى سجودها منكبه، وقيل لا بأس إن ساوى سجودها سجوده، فإن كانت غير ذات محرم منه فلا يصلي بها وحدها مطلقا.
وقد جاء عن فحول العلماء كأبي عبدالله (1) وأبي سعيد (2) –رحمهما الله- جواز أن يصف الواحد خلف إمامه منفردا، ومنهم من أجاز له ذلك إذا لم يحسن الوقوف عن يمينه، والمنع عندي أحوط، لأن السنة وردت بخلافه حتى يصح لنا عدم وجوبيتها والله أعلم، إلا أن يكون إمام العراة عاريا فيجب كونه في الصف وسطهم، وكذا إن أمت امرأة بالنساء كانت وسطهن.
...
[ الفصل الثالث: صلاة الجمعة ]
__________
(1) المشهور بهذه الكنية هو الشيخ العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي من أشهر علماء عصره وإليه صارت الفتوى في زمانه، ويبدو أنه نشأ في أيام الإمام غسان بن عبدالله الذي بويع سنة 192ه، وعاصر الإمام المهنا بن جيفر، ثم علت رايته زمن الإمام الصلت بن مالك حيث كان على رأس العلماء المبايعين للإمام الصلت سنة 237ه، وتقلد القضاء في عصره سنة 251ه، من شيوخه العلامة موسى بن علي الأزكوي، ومن تلامذته ابناه العلامتان بشير بن محمد وعبدالله بن محمد والعلامة عزان بن الصقر وغيرهم كثير، توفي رحمه الله سنة 260ه، ودفن في صحار. [إتحاف الأعيان، ج1، ص191].
(2) سبق التعريف به. (1/53)
صفحة 54
والجمعة تجب بدخول الوقت، وظهور دعوة المسلمين مع إمام/37 أو سلطان عادل، وكونها أربعين رجلا فصاعدا أحرارا بالغين مقيمين في مصر من السبعة، قيل أو قرية وكونهم على ذلك الحال إلى الإحرام بالصلاة، وقيل الإمام والسلطان ليسا من شرطها إذا كانت الدعوة ظاهرة، كذلك وقد قيل تجب أيضا في كل مصر جامع وإن كانت الدعوة غير ظاهرة، والأمصار السبعة هي التي مصّرها عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وهي مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام واليمن والبحران مع عمان.
... [ ذكر فرائض صلاة الجمعة ]
وفرائضها، الأذان لها وحضور أربعة رجال فصاعدا أحرارا من أهل التعبد مسلمين، فيهم من يصلي بهم، وقيل ثلاثة، وقيل اثنان، كذلك وأن يكونوا على ذلك الحال إلى آخر ركن منها، وقيل إلى الإحرام، وأن يخطب لها رجل متعبد (1) متطهر ويقيم (2) لها بعد الخطبة ثم يصلي بهم ركعتين، وألا تصلى خلف غير الإمام أو واليه إن كان موجود، ولا في غير البلد الذي هما فيه، ولا بعد أن صلاها فيه غيرهما، وأن لا يدخل العصر قبل تمامها وإلا أتموها/38 ظهرا ومن دخل فيها ولم يدرك ركعة أتمها ظهرا، وقيل من أدرك آخر التشهد أتمها جمعة.
... [ ذكر سنن صلاة الجمعة ]
وسننها السواك، والغسل قبل الزوال، مس الطيب والبخور، والخطبة الثانية، والاستماع للخطبتين، وقيل الاستماع واجب، والسكتة بين الخطبتين، والأذان لها قبل دخول الوقت على قول.
... [ ذكر من لا تجب عليه الجمعة ]
ولا تجب الجمعة على الصبيان والعبيد والنساء والمسافرين والذي به علة تمنعه منها والخنثى والذي بينه وبين البلد الذي يجمع فيه فرسخان، وإن صلوها أجزتهم.
... [ ذكر ما يجزئ من الخطبة لها ]
وأقل ما يجزئ من الخطبة ثلاث كلمات، أن يحمد الله أولا، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويأتي بما تيسر من كلام الموعظة.
__________
(1) أي واجب عليه.
(2) لا يشترط أن يقيم لها بنفسه، فيصح أن يكون المقيم غير الإمام. (1/54)
صفحة 55
... [ الفصل الرابع: صلاة السفر ]
والفرض على المسافر قصر كل صلاة رباعية (1) ، إذا تعدى فرسخين (2) وخرج من عمران بلده، وكذا إن خرج ناويا مجاوزة فرسخين فأدركته صلاة قبل مجاوزتهما وقد خرج من العمران، صلاها قصرا (3) إلا التي وجبت عليه قبل خروجه من وطنه/39 فعليه أن يؤديها صلاة حضر (4) .
__________
(1) القصر في الصلاة عزيمة وليست رخصة، لما روى عن السيدة عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر". [الجامع الصحيح، باب (فرض الصلاة في الحضر والسفر)، حديث (186)]. وذهب بعض القوم إلى أن القصر رخصة وليس عزيمة، [معارج الآمال، ج10، ص182 وما بعدها، شرح الجامع الصحيح، ج1، ص264 وما بعدها].
(2) الفرسخ: هو ثلاثة أميال، ويقاس الميل بالذراع بأربعة آلاف ذراع، فيكون الفرسخ اثني عشر ألف ذراع، والفرسخان أربعة وعشرون ألفا وعلى اختلافهم في صفة الذراع اختلفوا في تقدير المسافة في هذا الزمن، والذي عليه العمل أنه اثنا عشر كيلو متر. [فقه العبادات، معهد القضاء الشرعي، ج1، ص247، الجامع لابن جعفر، ج2، ص321، النثار، ج2، ص299 وما بعدها].
(3) وقيل هو بالتخيير بين القصر وعدمه، والجمهور على القول بالقصر، وسبب الخلاف معارضة مفهوم الاسم بدليل الفعل فكل من شرع بالسفر صدق عليه اسم مسافر، ومن اعتبر الدليل قال بعدم جواز القصر إلا بتعدي ثلاثة أميال، لحديث أنس أنه قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال صلى ركعتين".[النثار، ج2، ص310 وما بعدها].
(4) اختلف العلماء فيمن أدركته الصلاة وهو في الحضر، ثم شرع في السفر، فقيل يصليها صلاة حضرية، وهؤلاء نظروا إلى وقت وجوبها، وقيل يصليها سفرية بالنظر إلى وقت الأداء، لأن تأخيرها إلى ذلك الوقت جائز، وقيل هو مخير إن شاء أتم وإن شاء قصر، لأن لكل واحد منهما علة توجبه وفي المسألة أقوال غير هذه فلتراجع. [.الجامع لابن جعفر، ج2، ص328، المعارج، ج10، ص240]. (1/55)
صفحة 56
ومن نسي صلاة حضر أو نام عنها فذكرها في سفر، صلاها قصرا، ومن نسي صلاة سفر أو نام عنها فذكرها في الحضر صلاها تماما (1) ، ومن فسدت عليه صلاة حضر أو سفر ثم علم بفسادها صلاها كما فسدت عليه كان في سفر أو حضر، وإن صلى خلف مقيم صلى أربعا تبعا له، وما لم ينو ذلك الموضع وطنا أبديا وإنما هو فيه إلى حد معين فهو مسافر فيه وعليه القصر.
[ ذكر حكم الجمع وشروطه ]
ومن وجب عليه القصر في السفر جاز له الجمع بين الصلاتين وكذا جاز للمريض وذي ضرورة كسلس البول ونحوه الجمع بينهما (2) .
__________
(1) وقيل يصليها قصرا، وسبب الخلاف الاستدلال بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها" فمن جعل الوقت وقت الوجوب قال بالتمام، ومن جعل الوقت وقت الأداء قال بالقصر. [الجامع لابن بركة، ج1، ص577].
(2) دون القصر. (1/56)
صفحة 57
وشروطه أن ينويه –أي الجمع لهما- عند قيامه لهما، وأن يقدم الأولى (1) منهما قبل الآخرة في النية والعمل، فيقول: "يصلي فريضة كذا الحاضرة ركعتين أو ثلاث ركعات وأجرُّ إليها فريضة كذا ركعتين أصليهما جمعا صلاتي سفر" هذا إن صلى في وقت الأولى، وأما إن صلى في وقت الآخرة فكذلك أيضا، غير أنه يذكر الأولى صلاة/40 كذا الفائتة ركعتين أو ثلاث ركعات وأضيفهما إلى صلاة كذا الحاضرة ركعتين أصليهما جمعا صلاتي سفر، غير أنه (2) أخرها إلى وقت الثانية فلينو قبل خروج وقتها أنه يؤخرها إلى ذلك الوقت ليصليهما جمعا، وإن لم ينو حتى فات وقتها صار مضيعا لها ولزمه ما لزم مضيعها، ويجزيه أن ينوي مرة واحدة في سفره كله بنية الجملة، وهي قوله: "اللهم نيتي في سفري هذا أنه مذ دخول وقت الظهر إلى آخر وقت العصر، هو لي وقت واحد لهما، ومذ دخول وقت المغرب إلى آخر وقت العتمة هو لي وقت واحد لهما"، وتجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العتمة، وتجمع معهما الوتر في وقت الأولى، ولا تجمع الفجر مع شيء، ولابد من تعيين الصلاة في النية حينما يصليها أنها صلاة سفر، وإن لم يعين كذلك في نحو صلاة الفجر فلا يبلغ إلى الفساد، وإن انقطع السفر وارتفعت الضرورة (3) قبل أن يحرم بالآخرة بطل الجمع ووجب تأخير الآخرة إلى وقتها، أو فصلها عنها، وكذلك إن قطع بينهما بتطوع أو عمل طويل أو كلام.
[ الفصل الخامس: بيان الصلوات الغير المفروضة ]
... [ المبحث الأول: صلاة العيدين ]
وصلاة العيدين سنة مؤكدة/41 على الكفاية، ووقتها طلوع الشمس من أول يوم من شوال، ومن اليوم العاشر من ذي الحجة، وهي ركعتان بعدها خطبة.
__________
(1) في الأصل (الأوله) والصحيح ما أثبته.
(2) كذا في الأصل، ولعل الصحيح (أنه إذا أخرها).
(3) أي إذا انقطع السفر، أو ارتفعت الضرورة. (1/57)
صفحة 58
والسنة أن تصلى خارج البلد إلا في مكة وبيت المقدس، وإظهار التكبير صباحيهما قبل الصلاة، وأن يأكل في الفطر قبل الخروج إليها، ولا يأكل في الأضحى قبل الفراغ منها، وأن يلبس لها اللباس الحسن، والتكبير فيها غير التكبير المعتاد للصلوات، والخطبة الثانية، والابتداء فيهما بالتكبير قبل التحميد، والسكتة بينهما، والغسل ومس الطيب والبخور.
... [ كيفية التكبير فيها وموضع التكبير ]
والتكبير فيها على وجوه (1) ، والمعمول به عندنا أن يكبر فيها ثلاث عشرة تكبيرة، خمسا بعد تكبيرة الإحرام، وخمسا بعد القراءة من الركعة الثانية، وثلاثا بعد الرفع من الركوع منها، وإن زاد أو نقص عن المعمول به عمدا، أعاد وإلا فلا حتى يزيد أو ينقص ثلاث تكبيرات، وإن ذكرهن بعدها كبرهن في الخطبة، ويكبر في الخطبتين ما يتم به ما كبره في الصلاة ثلاثين تكبيرة، وإن زاد أو نقص فلا بأس ويكبر خلف المكتوبات بعد التسليم في أيام التشريق.
... [ ذكر التكبير أيام التشريق وصفته ]
__________
(1) الوجه الأول: وهو ما ذكره المصنف وهو المعمول به.
الوجه الثاني: أن يكبر في الركعة الأولى قبل القراءة سبعا، وفي الركعة الثانية بعد القراءة ستا.
الوجه الثالث: أن يكبر قبل القراءة من الركعة الأولى ستا، وفي الثانية بعد القراءة سبعا.
الوجه الرابع: أن يكبر في الركعة الأولى قبل القراءة ثمانا، وفي الركعة الثانية بعد القراءة خمسا.
الوجه الخامس: أن يكبر أحد عشر تكبيرة، يكبر في الركعة الأولى قبل القراءة ستا، وفي الثانية بعد القراءة خمسا.
الوجه السادس: أن يكبر تسع تكبيرات، في الركعة الأولى قبل القراءة خمس، وفي الثانية بعد القراءة أربع تكبيرات. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ==
== وفي المسألة أقوال أخرى. [النثار، ج2، ص563، معارج الآمال، ج11، ص80 وما بعدها، الجامع لابن جعفر، ج2، ص406 وما بعدها]. (1/58)
صفحة 59
وأول ما يكبر خلفهن، صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر صلاة/42 العصر من الثالث عشر من ذي الحجة، وقيل غير ذلك (1) ، والعمل عندنا بما ذكرنا، وصفة تكبير التشريق أن يقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر تكبيرا، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
... [ المبحث الثاني: أحكام صلاة الكسوفين ]
__________
(1) وقيل أوله من صلاة الفجر من أول يوم من أيام التشريق إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس أنهم يقولون بالتكبير من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وروي عن ابن مسعود أنه كان يكبر من صلاة الفجر من يوم عرفة ويقطع في صلاة الظهر من يوم النحر.[منهج الطالبين، ج4، ص560-561، النثار، ج2، ص565]. (1/59)
صفحة 60
وصلاة الكسوفين سنة مؤكدة، ويستحق فعلها عند انكساف الشمس أو القمر (1) ، ولا تصلى في وقت لا يجوز فيه التطوع، والسنة أن يصليهما مع الناس، المقيم والمسافر، وأن تكون في المساجد، وأن يطوّل في قراءتها وركوعها وسجودها، وأن تكون الركعة الأوله أطول من الآخرة في جميع أحوالها، والركوع أطول من السجود، والسجدة الأوله أطول من الآخرة (2) ، وأن يخطب بعدها (3) .
... [ المبحث الثالث: أحكام صلاة الاستسقاء ]
وصلاة الاستسقاء سنة مستحبة، ويستحق فعلها إذا انقطع الغيث، ولا تصلى إلا في وقت يجوز فيه التطوع، والسنة أن يصليها جميع الناس، حيث تصلى الأعياد، وأن لا يلبسوا لها ثيابا سوى ما عليهم، وأن يخطب لها بعدها، ورأس الأمر الندم من أعمالهم/43 القبيحة.
... [ المبحث الرابع: أحكام صلاة الخوف ]
__________
(1) يقال كسف القمر يكسف كسوفا، والشمس تكسف، إلا أن الأجود أن يقال خسف القمر. [ترتيب كتاب العين، للفراهيدي، باب كسف وخسف].
(2) واختلفوا في صفة الصلاة، فقيل هي ركعتين كبقية السنن، وقيل ركعتين في كل ركعة ركوعين، وصفتها أنه يركع بعد القراءة، ثم يقوم فيقرأ مرة أخرى، ثم يركع مرة ثانية، وبعد الركوع يقوم ويسجد سجدتين، ثم يقوم للركعة الثانية فيفعل كما فعل في الركعة الأولى. [الإيضاح، ج2، ص332، النثار، ج2، ص677].
(3) اختلفوا في الخطبة بعدها، فقيل هي شرط فيها، واستدلوا بحديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله" وقيل أن الخطبة ليست شرطا فيها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما خطب فيهم لأن الناس ظنوا أن الكسوف وقع لموت ولده إبراهيم عليه السلام. [الإيضاح، ج2، ص333-334، النثار، ج2، ص688]. (1/60)
صفحة 61
ومن كان مقاوما لما يخافه على نفسه أو ماله، أو من لزمته معاونته من سبع أو سيل أو إنسان باغ أو غيره، أو كان منهزما منه وحضرته الصلاة صلاها كما أمكنه راكبا أو نازلا، مستقبلا أم لا، فإن قدر على الركوع والسجود (1) وإلا أومى، وإن لم يقدر على الإيماء، قرأ وكبر وسبح، وإن لم يقدر على ذلك كبر لكل صلاة خمس تكبيرات إن قدر على ذلك، وإن أمن قبل إتمامها وجب استئنافها بكمال شروطها، ونحب (2) إن أمن بعد الإتمام قبل فوت الوقت أن يعيدها أيضا.
...
[ ذكر ما يجوز به القصر في الخوف ]
ويجزي القصر في الخوف إذا وجدت طائفتان وإمام، -وأقل الطائفة رجلان- فصلى الإمام بطائفة، وحرست الأخرى العدو ولم ينقطع الخوف قبل تمامها، وتكون هذه الصفة في حال ما يكون مقاومين للعدو (3) من (4) غير اصطدام ولا انهزام، إذا كانوا جماعة من خمسة فصاعدا، ولم يقدروا أن يصلوا لشدة الخوف حتى يحرس بعضهم بعضا، فيصلي من تجزيهم إمامته بطائفة منهم، والأخرى تواجه العدو بعد أن يحرم بهم جميعا، فإذا قام للركعة الثانية قعدوا/44 وتشهدوا لأنفسهم، ثم واجهوا العدو، وجاءت الطائفة الأخرى والإمام قائم يصلي بهم الركعة الثانية ويتشهد بهم، ويسلم فيسلموا جميعا، فيكون لكل طائفة ركعة، والإمام ركعتان (5) ، وقيل إذا قام الإمام قامت الأولى إلى العدو بلا تشهد (6) .
__________
(1) ساقطة في (ب).
(2) وفي (ب) وتجب، والصحيح كما في (أ).
(3) في (ب) العدو.
(4) في (ب) ومن.
(5) وفي صفة صلاة الخوف، قول آخر وهو أن طائفة منهم تصلي مع الإمام الركعة الأولى، فإذا قام ثبت فيكمل الركعة الثانية بنفسهم دون الإمام، ثم ينصرفوا للجهاد، فتأتي الطائفة الثانية ويصلوا معه ركعة، ثم يثبت جالسا فيتموا الركعة الثانية بأنفسهم، ثم يسلم بهم جميعا. [الإيضاح، ج2، ص257 وما بعدها، شرح النيل، ج2، ص398].
(6) وهو المعمول به عند الأصحاب، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة. [الإيضاح، ج2، ص259]. (1/61)
صفحة 62
... [ المبحث الخامس: صلاة المريض ]
والمريض يصلي على قدر طاقته، قائما أو قاعدا أو مضطجعا، بإيماء أو بلا إيماء، -بالقراءة والتكبير والتسبيح- أو بشيء من ذلك، أو بلا شيء من ذلك انحطت (1) عنه، وإن لم يقدر إلا بالتكبير كبر لكل صلاة خمسا، ويؤمر إن كان عليه ثوب نجس ولم يستطع نزعه عنه أو التحول إلى موضع طاهر –لشدة الألم- أن يلقي عليه ثوب طاهر، وان وجد خفة فقدر على الإتيان بها على وجه أفضل ما كان (2) عليه أو لا، قبل تمامها وجب عليه استئنافها، وقد مر في النواقض، وإن وجد فيها زيادة الضعف فوق ما كان عليه أولا، فلم يقدر على ما كان يقدر عليه أولا، صلى الباقي منها بما قدر عليه ويبني على ما مضى.
... [ المبحث السادس: صلاة الميت ]
... [ ذكر أحكام الجنائز واختلاف الموتى ]
وكل ميت من أهل القبلة يجب غسله، وتكفينه والصلاة عليه، ودفنه إلا أن يكن قتل/45 شهيدا في المعركة، فلا يغسل ولا يكفن إلا في ثيابه التي عليها، إلا إن لم يوجد عليه ثيابه فيكفن في سواها، أو قتل وهو جنب فيغسل، أو قتل باغيا فلا يغسل ولا يصلى عليه بل يكفن ويدفن، أو يكن جنينا خرج ميتا فلا يصلى عليه، بل يغسل ويكفن ويدفن.
... [ ذكر فروض غسل الميت وسننه ]
والفرض في غسل الميت إزالة النجاسة عنه إن كانت به، وعموم جسده بالماء المطهر، وستر عورته عند نزع ما عليه، وعند غسله، ولف اليد بالخرقة، عند غسل عورته لحرمة مسها.
__________
(1) وفي الأصل (وانحطت) ولعل الصحيح (انحطت) إذ لا معنى للعطف.
(2) كذا في الأصل ولعل الصحيح (مما كان). (1/62)
صفحة 63
والسنة أن يجلس مائلا إلى قفاه، ويسند ظهره ويمر الغاسل يده على بطنه فيعصره عصرا رقيقا حتى يخرج ما فيه، ثم يغسل عورته، ثم يوضيه وضوء الصلاة، ثم يعمه بالماء مبتدءا بشقه الأيمن من رأسه ثم الأيسر، هكذا عضوا فعضوا إلى أسفله، وأن يكون الغسل ثلاثا الأولى بماء وحده، والثانية بماء وسدر أو خطمي (1) ، والثالثة بماء فيه شيء من الكافور، ثم ينشفه في ثوب طاهر، ثم يجمر (2) وترا، ثم تسد جميع منافذه بقطن ويحنط في مساجده ومنافذه بحنوط فيه كافور، ويرش الحنوط على جسده/46 وعلى كل طبقة من أكفانه، وعلى القطن وذلك إن لم يكن محرما، فإن كان محرما فلا يجمر ولا يحنط.
... [ ذكر فروض كفنه وسننه إلى آخر دفنه ]
والفرض في كفنه ستر جميع بدنه بكفن طاهر، ولو لفافة واحدة إلا أن يكون محرما فيكشف وجهه ورأسه، أو محرمة فيكشف وجهها.
والسنة كون الكفن أبيض، مما لا تكره الصلاة به، وكونه للرجال ثلاثة أثواب، قميص وإزار ولفافة، وللمرأة خمسة، درع وخمار وإزار وخرقة ولفافة، وينبغي عندي أن لا يقتصر في لفافة كل منهما على أقل من ثلاث لفايف وإن كان معهن قميص وغيره مما ذكر.
__________
(1) الخطمي: نبات محلل منضج ملين وله منافع كثيرة في الاستعمالات الطبية، ويغسل به، قال الأزهري: وهو بفتح الخاء، ومن قال خِطمي بكسر الخاء فقد لحن، وفي الحديث "أنه كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب ... " [القاموس المحيط، مادة خطم، لسان العرب، مادة خطم].
(2) يقصد بالتجمير التبخير، قال في لسان العرب: وجمر الثوب إذا بخره. [لسان العرب، باب جمر]. (1/63)
صفحة 64
ومن السنة حمله على النعش والمشي خلفه، وحمل جوانبه الأربع، وأن لا ينفصل عنه من شيعه حتى يدفنه، وأن يلحد قبره ويسل من قِبل رأسه، ويلي (1) وضعه في القبر أولى الناس به ويقول إذا وضعه في اللحد: "بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله" إن كان متولى، وإلا اقتصر على قوله: "بسم الله وبالله" فقط ثم يسد عليه باللبن أو غيره مما يمنع التراب عنه –قبل التراب- ثم يدفن بتراب القبر ويستر القبر عند وضعه فيه (2) وكذا/47 النعش، ويسنم (3) القبر ويرش بماء، وأن لا يقعد أحد حتى يوضع عن العواتق، وأن يترك الحديث في أمر الدنيا عند تشييعه حتى يفرغ من أمره، ثم يؤتى إلى أهله لتعزيتهم فيه، وهي الدعاء بحسن العزاء –أي الصبر- والخلف والثواب في الآخرة إن كان المعزى وليا وإلا فبالخلف في الدنيا، ويرد لهم بنحو قوله: "لله البقاء".
... [ ذكر الصلاة عليه وشروطها وسننها ]
وأقل ما يجزي من الصلاة عليه، النية وأربع تكبيرات وقراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى وبعد الثانية، وقيل إن كبر أربعا بلا قراءةأجزاه.
__________
(1) أي يتولى وضعه في القبر أولى الناس به.
(2) أي يغطى بثوب عند وضع الميت فيه.
(3) أي يجعل القبر على هيئة السنام، فلا يساوى به الأرض ويسطح، وإنما يحدب على هيئة السنام. (1/64)
صفحة 65
والسنة أن يوجه ويقول بعد التوجيه: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتعالى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" قيل وهذه السبع من المثاني التي ذكرها الله، ثم يحرم، ثم يستعيذ، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يكبر، ثم يقرأ الفاتحة ثانية، ثم يكبر ثانية، ثم يقول: "الحمد لله الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، الحمد لله الذي يميت الأحياء، ويحيي الموتى ويبعث من في القبور، الحمد لله الذي منه المبدأ وإليه الرجعى/48 وله الحمد في الآخرة والأولى"، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما" ويدعو للمؤمنين والمؤمنات بقوله: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم" (1) إلى تمام الآيات، ثم يدعو للميت إن كان متولى بقوله: "اللهم اغفر لعبدك هذا ذنبه ووسع عليه لحده وألحقه بنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - واصعد روحه مع أرواح الصالحين، اللهم أبدله دارا خيرا من داره، وقرارا خيرا من قراره، وأهلا خيرا من أهله، ولا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده برحمتك يا أرحم الراحمين" وإن كان طفلا لمتوليين قال: "اللهم اجعله لأبويه سلفا وذخرا، وأضيء به وجهيهما، وثقل به موازينهما، ولا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده" وإن كان المتولى أحد الأبوين أفرده بذلك، وإن كان لغير المتولى قال: "اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا، وأجرا وذخرا/49 عندك يا أرحم الراحمين" ثم يكبر الرابعة، ثم يسلم تسليمة خفيفة يسمعها من بقربه.
وأولى الناس بها إمام المسلمين أو واليه، ثم من كان أقرب إلى الميت، ويقوم المصلي عليه حذاء صدره فإن كانت امرأة فعلى رأسها.
... [ المبحث السابع: بيان السنن ]
... [ ذكر ما يصلى مع المفروضات من السنن ]
__________
(1) غافر/ 8 (1/65)
صفحة 66
وما يصلى مع المفروضات منه مؤكد وغيره، فالمؤكد شيئان، صلاة الوتر، ووقتها بعد صلاة العتمة إلى طلوع الفجر، وقيل هي واجبة، وركعتان للفجر، ووقتها بعد طلوع الفجر، وغير المؤكد ما عدا ذلك، وهو خير موضوع، فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر، والمستحب إلا يقتصر في كل يوم وليلة على أقل من ثلاثين ركعة تطوعا، منها ثماني ركعات ما بين طلوع الشمس ووقوفها وسط السماء (1) ، وأربع بعد الزوال، وأربع بعد صلاة الظهر، وهن ركعتان لسنتها وركعتان للتطوع، وأربع بعد صلاة المغرب، وهن ركعتان لسنتها –وكونهما مؤكدتان أصح- وركعتان لتطوعها، وأربع قبل صلاة العتمة، وأربع بعدها، وهن ركعتان لسنتها/50 والركعتان اللتان مع الوتر، لأن الوتر هو الأخير من الثلاث ركعات (2) ، وركعتان قبل طلوع الفجر، فإن كان في رمضان فالمندوب إليه بعد العتمة صلاة التراويح.
... [ ذكر ما يقضى من السنن ]
__________
(1) المقصود بها سنة الضحى.
(2) يصح أن تكون صلاة الوتر بثلاث ركعات متصلات يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة، ويصح أن يفصل بين الركعة الثالثة والركعتين الأوليتين. [الجامع لابن جعفر، ج2، ص375، جامع أبي الحسن البسيوي، ج2، ص138]. (1/66)
صفحة 67
ولا يقضى ما فات من السنن إلا ركعتي الفجر، وصلاة الوتر، وركعتي الطواف، -وستذكران في موضعهما- وليس لصلاة التطوع وقت سوى ما ذكرنا غير أنه ينهى عن التطوع بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (1) ، وما بين ركعتي الفجر وفرضه (2) ، وبعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس، وما بين الأذان والإقامة للمغرب (3) ، وبعد الوتر -على قول- ما لم ينم بعدها، وعند قراءة الخطبة للجمعة أو غيرها، وعندما تقام صلاة الجماعة حتى يفرغ منها الإمام، وبعدما يصلي الرجل مع الجماعة العيد الكبير (4) على قول.
وثلاثة أوقات لا تجوز فيها الصلاة، تطوعا كانت أو فرضا أو قضاء فرض، وهن وقت قيام الشمس في وسط السماء حتى تزول، وعند غروبها حتى يغيب قرنها، وعند طلوع قرنها/51 حتى يكمل طلوعها.
[ الباب الرابع: كتاب الزكاة ]
... [ ذكر أحكام الزكاة وما تجب فيه ]
وأما ما تجب فيه الزكاة، فالذهب والفضة والتمر والزبيب والحبوب المقتاتة كالبر والأرز والذرة ونحوها، والإبل والبقر والغنم والمعز.
... [ ذكر حكم النقدين والتجارة وصفة الحمل فيها ]
__________
(1) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
(2) لما روي عنه عليه الصلاة والسلام من أنه قال: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر".
(3) لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "بين كل أذانين صلاة إلا صلاة المغرب".
(4) أي عيد الأضحى المبارك. (1/67)
صفحة 68
وتجب في الذهب والفضة إذا كان نصابا فصاعدا، وحال عليها الحول في ملك موحد، والنصاب في الذهب عشرون مثقالا (1) ، وفي الفضة مائتا درهم (2) ، وهي فيها ربع العشر، ويحمل كل منهما على الآخر، كمن كان له عشرة مثاقيل ذهبا ومائة درهم فضة، فيخرج من كل منهما ربع العشر لكمال النصاب بهما، وعلى هذا، وكل ما نوي للتجارة من حيوان وغيره، فإذا بلغت قيمته نصابا وحال عليه الحول، زكي تزكية النقدين من القيمة، ولا يعتبر نقصانها عن النصاب في بعض الحول إن رجعت إليه حين تمام الحول، وإن كان عنده شيء منهما حُملت قيمة التجارة عليه (3) ، وكل ما زاد على النصاب في هذا الباب يخرج ربع عشره مع نصابه (4) ، وقيل لا زكاة في ما زاد على النصاب حتى يبلغ/52 خمس النصاب فصاعدا، وهذا عندنا أقوى، وكل من له نصاب من ذلك أو من النعم فدخل في ملكه بشراء أو غيره، شيء من جنس ذلك النصاب أو ما يحمل عليه، فإنه يحمل عليه ويزكى بحوله إن كان بحد ما يزكى معه.
[ ذكر حكم ما أخرجته الأرض وصفة الحمل فيها ]
__________
(1) أي ما يعادل 85 غرام. [فقه العبادات، معهد القضاء الشرعي، ج2، ص88].
(2) أي ما يعادل 600 غرام. [فقه العبادات، معهد القضاء الشرعي، ج2، ص88].
(3) أي إن كان عنده شيء من النقدين –الذهب والفضة- حمل على التجارة.
(4) وهذا هو مذهب جمهور الأصحاب، وهو أن تضم الفائدة إلى النصاب. [معارج الآمال، ج14، ص172، جامع أبي الحسن البسيوي، ج2، ص180، الجامع لابن بركة، ج1، ص624]. (1/68)
صفحة 69
وتجب في التمر والزبيب والحبوب إذا بدا صلاحها، ولا تخرج منها إلا إذا بلغت نصابها بعد الجز والتيبيس والتنقية من الحشف ونحوه، ونصاب كل منها خمسة أوساق، والوسق ستون صاعاً (1) بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا بلغه (2) وجب إخراجها منه، ولو كان مشتركاً فيه، فإن كان شريكه من تجب عليه مشركاً، أو كانت الأرض لمشرك أو صافية (3) لبيت المال أو مسبلة (4) للفقراء، زرعها من تجب عليه على سبيل الشركة أخرجت من نصيبه من ذلك النصاب، وهو الأصح والأسلم، وقيل لا تجب في حصته من هذا النصاب، لعدم وجوبها على شركائه فيه حتى تبلغ حصته نصابا (5) .
__________
(1) والصاع أربعة أمداد بمُد النبي - صلى الله عليه وسلم - والمد رطل وثلث. [الإيضاح، ج3، ص14، المعارج، ج14، ص260].
(2) أي النصاب.
(3) الصافية: هي الأملاك والأراضي التي جلى عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، قال أبو المؤثر: "أما الصوافي فهي من الفيء، والفيء ما لم يوجف عليه وهو ما أخذه المسلمون صلحا، وما غلب عليه المسلمون عليه المشركين من الأصول فهي من الفيء". [المصنف، ج19، ص104، جوهر النظام، ج3، ص394].
(4) المسبلة: هي التي جعلت في سبيل الله، وفي سبيل الخير. [معجم متن اللغة، باب (سبل)، أساس البلاغة، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، باب (سبل)].
(5) والخلاف مبني على مسألة المشرك، هل مكلف بفروع الشريعة أم لا؟، فمن قال بتكليفه أوجب الزكاة على المسلم ولو لم يبلغ نصيبه النصاب، ومن قال بأن المشركين غير مطالبين بفروع الشريعة لم يوجب الزكاة في نصيب المسلم، والقول بعدم وجوب الزكاة إذا لم يبلغ حد النصاب هو قول أبي إسحاق. [مختصر الخصال، ص105، معارج الآمال، ج14، ص198]. (1/69)
صفحة 70
قلت عدم وجوبها عليهم في هذا النصاب إنما يسقطها عنهم في حصتهم منه (1) لا عن من تجب عليه في حصته منه/53 من شركائهم، لأنه كما وجبت عليه في حصته منه حين كان شركائه من تجب عليهم تجب عليه في حصته منه، إن كانوا من لا تجب عليهم، لأن وجوبها عليه في حصته منه لا في حصة غيره، والله أعلم.
وإن أخذ هذه الأرض بأجرة معلومة فعليه كل الزكاة ولأهلها أجرتهم، وما زاد على النصاب يزكى معه، وقيل لا حتى يبلغ عشرة أصوع، وقيل حتى يبلغ عشرين صاعاً وعندي العشرة فيما فيه العشر، والعشرون فيما فيه نصف العشر، ليكون في كل عشرة من ذاك (2) صاع، وفي كل عشرين من
ذا (3) صاع، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ "في الدراهم إذا زاد على المائتين ففي كل أربعين درهماً درهمٌ (4) " فلم يوجبها فيما لم تخرج زكاته درهماً تاماً من الدراهم.
وأما الذهب فحملوه على قيمة الدراهم، لأنها واحد فأخرجت في زيادته من كل أربعة مثاقيل منه لكونهن أربعين درهماً في ذلك الزمان والله أعلم.
وهي (5) فيما سقي بالدواليب منها نصف العشر وفيما سقي بالسيل والنهر بلا تعب/54 العشر التام.
وثمر النخيل كله جنس، والكرم كله جنس، وجميع أنواع الحنطة كلها جنس، والشعير كله جنس، والأرز كله جنس، والذرة كلها جنس، وقيل الحنطة والشعير كلها جنس، وقيل الحبوب كلها جنس، وكل جنس يحمل بعض أنواعه على بعض.
[ ذكر الإبل ]
__________
(1) أي من المال الذي بلغ النصاب.
(2) أي مما سقي بالأمطار والأنهار.
(3) أي مما سقي بالدوالي والغرب.
(4) رواه أبو داود في كتاب الزكاة، باب (ما تجب فيه الزكاة) حديث رقم (1561) ورواه ابن ماجة في كتاب الزكاة، باب (زكاة الورق والذهب) حديث رقم (1790) ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، ج1، ص145، حديث رقم (1237).
(5) أي الزكاة. (1/70)
صفحة 71
وتجب في الإبل إذا بلغت نصابها فصاعداً وحال عليه الحول في ملك موحد، ونصابها خمس منها فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى تسع، فإذا بلغت عشرا فشاتان إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة فثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا بلغت عشرين فأربع شياه إلى أربع وعشرين، فإذا زادت على ذلك فابنة مخاض (1) إلى خمس وثلاثين، فإن زادت على ذلك فابنة لبون (2) ، إلى خمس وأربعين، فإن زادت على ذلك فحقه (3) إلى ستين، فإن زادت على ذلك فابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت على ذلك فحقتان إلى مائه وعشرين، فإن زادت على ذلك فثلاث بنات لبون إلى تسع وعشرين ومائه، فإذا زادت على ذلك/55 ففيها ابنتا لبون وحقه، ثم على هذا القياس كلما زادت عشرا، ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسن حقه، ولا شيء فيما بين الفريضتين.
[ ذكر البقر ]
والبقر كالإبل في جميع الأحكام، إلا أن ما كان في سن بنت مخاض من البقر يسمى جذعة (4) ، وما في سن بنت لبون ثنية (5) ، وما في سن حقه رباعية (6) ، وما في سن جذعه سدسية (7) ، فلا اختلاف بينهما إلا في التسمية، غير أنه لا يحمل بعض على بعض.
[ ذكر المعز والضأن ]
__________
(1) هي التي استكملت سنة ودخلت في الثانية. [قواعد الإسلام، ج2، ص71].
(2) هي التي استكملت الثانية ودخلت في الثالثة. [المرجع السابق].
(3) هي التي استكملت الثالثة ودخلت في الرابعة. [المرجع السابق].
(4) هي التي استكملت سنة ودخلت في الثانية. [المرجع السابق].
(5) هي التي استكملت الثانية ودخلت في الثالثة. [المرجع السابق].
(6) هي التي استكملت الثالثة ودخلت في الرابعة. [المرجع السابق].
(7) هي التي استكملت الرابعة ودخلت في الخامسة. [المرجع السابق]. (1/71)
صفحة 72
والمعز والضأن جنس واحد وتجب فيها إذا بلغت نصابها فصاعداً وحال عليه الحول في ملك موحد، ونصابها أربعون شاه، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أربعمائة إلا واحدة، فإذا كملت أربعمائة ففي كل مائة شاه.
[ ذكر ما يجوز للساعي أخذه، وصفة الحمل في زكاة الأنعام ]
ولا يجزي فيها الشاة الجرباء ولا الهرمة ولا المهزولة ولا السخلة (1) ، وليس للساعي أخذ كرايم أموالهم إلا برضاهم، والكرايم ذوات الحمل والمرضعات، والمعلوفة والفحل وما يحمل/56 عليه الراعي زاده، بل يأخذ الأوسط.
وما كان لناس متفرقة من الغنم أو الإبل أو البقر مجتمعاً في الحلب والمرعى والماء والفحل والمربض، أخذة الصدقة منه على جميعهم حملاً لبعضه على بعض، وإن كان اجتماعه في بعض ذلك فمختلف في أخذها منه، كذلك فقيل بالأخذ منه إن أجتمع في الحلب، وقيل في الحلب والمربض، وقيل في الحلب والمرعى، وقيل في الحلب والماء، وقيل في الحلب والمرعى والماء والفحل، وقيل أن الاجتماع اجتماع الملك، قلت والعمل على الأول.
[ ذكر من تدفع لهم الزكاة ]
__________
(1) هي التي تتبع أمها وهي ترضع منها.[المرجع السابق]. (1/72)
صفحة 73
وأهل الصدقات الذين تدفع إليهم (1) ، الفقراء والمساكين (2) والعاملون عليها، وهم السعاة والولاة والشراة، والمؤلفة قلوبهم (3) ،
__________
(1) ومستند ذلك قول الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} التوبة/60
(2) الفقراء هم الذين لا يسألون الناس إلحافا وهم أحسن حالا من المساكين لقوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} فدل هذا على أنهم أحسن حالا من الفقراء، وقيل أن المساكين أشد احتياجا من الفقراء لقوله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} فقالوا أنه من شدة الاحتياج التصق جسده بالتراب، وقيل هما سواء، والمسألة مبسوطة بسطا جيدا في تيسير التفسير فلتراجع في مكانها. [تيسير التفسير، محمد بن يوسف أطفيش، ج5، ص60].
(3) وهم قادات العرب إذا تؤلفوا للإسلام، أو أنهم ضعاف الإيمان يعطوا حتى يقوى إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم.
... واختلف في حكمهم الآن هل يعطون من الزكاة أم لا؟ فقيل بطل سهم المؤلفة قلوبهم لما قوي الإسلام، لما روي عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- من أنه أبطل سهم المؤلفة قلوبهم فرد الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس وقال: "قوي الإسلام، اثبتوا على الإسلام أو تقتلوا"، ووافقه على ذلك خليفة المسلمين أبو بكر الصديق –رضي الله عنه-، وقيل أن سهم المؤلفة باق، وأن الحاجة إليهم ماسة إذا أطاعوا الإمام وجرت أحكامه عليهم ما داموا في عسكره فله أن يؤلف قلوبهم. [تيسير التفسير، ج5، ص62، مختصر الخصال، ص110، المصنف، ج6، ص293]. (1/73)
صفحة 74
وهم قوم من قادة العرب أعطوا منها ليتألفوا على الإسلام، وفي الرقاب، يعني الكاتبين (1) ، والغارمون أي من لزمتهم الديون في غير معصية ولا تبذير، وفي سبيل الله (2) ، أي الجهاد، وابن السبيل أي المنقطع عن أهله في غير معصية إذا كان محتاجاً في سفره، وقيل يعطى ولو كان فيه (3) غنياً والعمل على الأول./57
[ ذكر صفة دفعها في زمن الإمام ومن لا تنحط إن دفعت إليه ]
ومن حازته بيعة الإمام مع ماله فليس له أن يدفعها إلى غيره، إذ هو المتصرف فيها إلا أن يأذن له بذلك، وإن دفعها إلى غيره لم تنحط عنه، وكذا من ولي قسمة زكاة ماله بنفسه عند عدم الإمام إن أعطاها من تلزمه مئونته وإن كان فقيراً لم تنحط عنه، وكذا إن دفعها إلى غير مسلم من الفقراء ونحوهم لم تنحط عنه، إلا إن لم يجد أحداً من أهل الولاية، ولا من فساق أهل الدعوة، أو وجدهم إلا أنه فضل شيء بعدما أعطاهم ما يكفيهم حولاً فصاروا بذلك في حكم الغني، فله حينئذ أن يعطي ذلك الفاضل من كان من قومنا ولا يعطي منها في دين ميت ولا في كفنه ولا في بناء مسجد ولا في شراء مصحف ولا في حج، ويجوز لمن أعطيها بشيء من الوجوه الجائزة، صرفها في ذلك لأن له أن يتصرف فيما صار ملكاً له بلا معصية، وكذلك لا يعطى منها المملوك ولا لغني غير مسافر محتاج إلى السفر، ولا لمن يعوله غنيٌ من أولاده الصغار وأزواجه، وجاز على قول للإمام إعطاء غير موحد من المؤلفة، وغير فقير/58 من العاملين والغزاة، وهو الأرجح.
__________
(1) أي العبيد المكاتِبون وهم العبيد يشترون أنفسهم من أسيادهم فيكاتبوهم على حق يدفعونه إليهم. [منهج الطالبين، ج5، ص211، مختصر الخصال، ص110].
(2) قيل أنه أشمل من الجهاد، فتشمل إصلاح الطرق وبناء القناطر وطالب العلم لوجه الله وتشمل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. [كشف الكرب، محمد بن يوسف أطفيش، ج2، ص89، تيسير التفسير، ج5، ص66، منهج الطالبين، ج5، ص12].
(3) أي في بلده وأهله. (1/74)
صفحة 75
وكذا إن قامت الجماعة مقامه جاز لهم ذلك، ولا يستأجر منها في إنفاذها إلى أهلها، ولا يجوز نقلها عن فقراء بلد من وجبت عليه وإن كانوا فساقاً إلى غيرهم لكونهم أبراراً، فإن كانت في تصرف الإمام أو نائبه، فرق على فقراء بلد من وجبت عليها ثلثها، وقيل نصفها، وحمل إليه الباقي وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم".
[ ذكر زكاة الفطر ] (1/75)
صفحة 76
ومن أدرك ليلة الفطر، وقيل فجر الفطر، أخرج عنه زكاة الفطر، وهي فرض، وقيل سنة مرغب فيها، يخرجها الغني (1) عن نفسه وعن من لزمته مئونته، قيل إلا عن الزوجة (2) وعبيد التجارة (3) وعبد مشرك، ويخرج عن المشترك فيه كل من المشتركين فيه قدر سهمه منه، وهي صاع (4) من غالب قوته وقوت من يخرجها عنه ويجزي على قول إعطاء قيمته نقداً، وهي لا تعطى إلا من يعطى من الزكاة.
[ الباب الخامس: كتاب الصوم ]
[ الفصل الأول: بيان أحكام الصيام وشروطه وما يفسده ]
__________
(1) وهو قول أكثر الأصحاب. [مختصر الخصال، ص108، المعارج، ج15، ص266].
(2) اختلفوا في ثبوت إخراج زكاة الفطر عن الزوجة، فقيل أنها تثبت عليه سواء كانت الزوجة غنية أم فقيرة، لأن عولها واجب عليه كأولاده، وقيل إن إخراج زكاة الفطرة تجب على الزوجة ولا تلزم الزوج لأنها داخلة في المتعبدين من جميع المكلفين، فإن كانت غنية أخرجت الزكاة وإلا فلا تلزمها، وقيل إن كانت غنية فيجب عليها إخراجها وان كانت فقيرة فعلى زوجها. [المصنف، ج7، ص219].
(3) اختلف العلماء في العبيد الذين هم للتجارة هل يجب إخراج زكاة الفطر عنهم أم لا؟ فقيل يخرج عنهم، وقيل لا يخرج عنهم، وقيل إذا كانت تجب الزكاة في أثمانهم، أو إذا حملوا على التجارة لم تخرج زكاة الفطر لبلوغهم نصاب الزكاة، أما إذا لم تجب فيهم الزكاة فيخرج زكاة الفطر عنهم. [المصنف، ج7، ص221-222، جامع أبي الحسن البسيوي، ج2، ص218].
(4) والصاع الواجب في زكاة الفطر عند الأصحاب هو ثلاثة أرطال إلا ثلثا، وفي المُد يعادل أربعة أمداد والمُد رطل وثلث، أي خمسة أرطال وثلث. [المصنف، ج7، ص249، الجامع لابن جعفر، ج3، ص262]. (1/76)
صفحة 77
... وأما صوم رمضان فيجب على كل بالغ عاقل رأى هلاله، أو صحت عنده رويته بالشهرة، أو بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين من أهل العدالة، وقيل بواحد منهم/59 أو باستكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو الإمساك عن المفطرات كلها من الفجر إلى الليل، ولا يقع صوماً إلا بالنية من الليل، والتوحيد.
... ويفسده كل ما دخل الجوف من الفم أو غيره بالعمد، قيل وبالخطأ (1) والجماع كذلك والاستمناء والحيض والارتداد والجنون وصرف النية فيه إلى التطوع به عمداً وتركها عمداً والتقيؤ عمداً وترك الاغتسال من الجنابة إلى الفجر عمداً، والإغماء يومه كله (2) ، وإن استعط (3) أو استنشق أو تمضمض فدخل شيء في جوفه بلا تعمد فسد الصوم إلا إن تمضمض لغرض فدخل في جوفه شيء من إحدى المرات (4) لا مما زاد عليهن.
__________
(1) اختلف العلماء فيمن أكل أو شرب ناسيا، فقيل لا بأس عليه، وقيل عليه البدل، وإنما أسقطوا عنه الإثم قياسا على الصلاة. [الإيضاح، ج3، ص206، الجامع لابن جعفر، ج3، ص168].
(2) اختلف العلماء في الإغماء، هل هو مفسد للصوم أم لا؟، فقيل بأنه مفسد للصوم وأوجبوا عليه قضاء كل يوم أغمي فيه، وقيل بأنه غير مفسد للصوم، وهؤلاء لم يوجبوا عليه القضاء، وقيل بأنه إن أغمي عليه قبل طلوع الفجر واستمر معه إلى طلوعه فعليه القضاء، وان طلع عليه الفجر وهو يعقل ثم طرأ عليه الإغماء فلا قضاء عليه. [الإيضاح، ج3، ص196، المعارج، ج18، ص59 وما بعدها].
(3) السعط: هو إدخال الماء ونحوه في الأنف، قال في اللسان: "السعوط هو النشوق في الأنف، وسعطه الدواء يسعطه سعطا" أي أدخله في أنفه. [لسان العرب، باب (سعط)، معجم متن اللغة، باب (سعط)].
(4) أي من إحدى المرات المأمور بها في الوضوء ونحوه، فإن زاد عنها ودخل شيء في جوفه فسد صومه. (1/77)
صفحة 78
... ومن أراد صحة صومه فليصن نفسه عن جميع الشهوات والغيبة والنميمة وكل فعل أو قول قبيحٍ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "غيبة المؤمن تفطر الصائم وتنقض الطهارة (1) " وقال "من لم يدع فعل المنكر وقول الزور فليس لله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه (2) " فعلمنا بذلك أن المعاصي تفسده أيضا.
[ ذكر ما يوجب الإفطار ويبيحه ]
... ويوجب عليه الإفطار منه رؤيته لهلال شوال أو صحة رؤيته عنده بالشهرة أو بشهادة عدلين أو عدل وعدلتين لا بواحد فيلزم من أكل به البدل والكفارة إن لم تصح رؤيته.
... ويبيحه في رمضان السفر الذي تعدى فيه صاحبه عمران بلده قبل طلوع الفجر (3) ، والمرض الذي من صام فيه ازداد ضعفاً وخوف الضرر على الحمل أو على در المرضعة، والكبر الذي لا يستطاع مع الصوم.
... ومن خاف الهلاك من شدة العطش ونحوه، أبيح له قدر ما يدفع به الهلاك، وإن زاد أثم ولزمته الكفارة، وإن خاف ضرراً من شرب الماء وحده بلا سبق مأكول أكل قدر ما يمنع الضرر، كذلك وإن تعين الضرر به في جميع ذلك وجب الإفطار، ويوجبه (4) فيه أيضاً الحيض والنفاس.
[ ذكر من يجب عليه البدل ومن لا يجب عليه ]
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الصوم باب (الغيبة للصائم) رقم (2362) ورواه التبريزي في مشكاة المصابيح باب (تنزيه الصوم) الفصل الأول رقم (1999) بلفظ مختلف، ورواه الترمذي في باب (ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم).
(3) اختلفوا في الحد الذي يجوز فيه للمسافر أن يفطر فيه، والذي ذهب إليه جمهور العلماء وبه قال أصحابنا أنه الحد الذي تقصر فيه الصلاة. [قواعد الإسلام، ج2، ص98، المعارج، ج17، ص198].
(4) أي ويوجب الفطر. (1/78)
صفحة 79
... ويلزم كل من أفسد صومه بدله، وكذا من أبيح لهم الإفطار أو أوجب عليهم، يلزمهم بدل صيامهم إلا الكبير المسن فلا بدل عليه بل يطعم عن كل يوم مسكيناً مدين بمده - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك من جن شهره كله، أو أغمي كذلك فلا قضاء عليه لأنه زال عنه الخطاب لخروجه/61 قبل صيرورته مخاطباً به.
[ ذكر من أخر القضاء حتى دخل رمضان أخر ]
... وكل من لزمه قضاء رمضان أو بعض أيامه فلم يقض حتى دخل رمضان آخر، فإنه يصوم الحاضر ويطعم فيه عن كل يوم من الأيام التي لزمه بدلها من رمضان الماضي مسكيناً، هكذا يفعل في كل رمضان حتى يقضيها (1) .
[ ذكر من عليه بدل ما مضى من عليه الكفارة ]
... وكل من أفسد صومه بفعله عمداً منتهكاً للحرمة فسد عليه ما مضى من صومه، ولعل ذلك على قول من جعل الشهر كله فرضا واحداً، وأما على قول من قال كل يوم منه فرض وحده فيرى عليه بدل ما أفسده فقط، وكل من لزمه بدله ممن أفسده بفعله عمداً منتهكاً للحرمة لزمته الكفارة، إلا في التقيؤ وفي ترك الاغتسال من الجنابة بالليل فأصبح جنباً، فإنما عليه البدل بلا كفارة (2) .
[ ذكر صفة الكفارة وحكمها ]
... والكفارة عتق رقبةٍ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وقيل بالتخيير فيها، والواحدة كافية لجميع ما أفسده من أيام شهره، ولشهره كله إلا أن يكون أفسد يوماً فكفر له، فإن أفسد بعده يوم لزمته كفارة أخرى، وقيل عليه لكل يوم كفارة كفر لما تقدم/62 أم لا.
[
__________
(1) وهذا على مذهب أصحابنا والجمهور من قومنا، وقيل عليه الإطعام والقضاء، وفرق بعضهم بين التأخير لعذر وبين التفريط، فقالوا بالإطعام على المعذور، والإطعام والقضاء على المفرط. [المعارج، ج18، ص193 وما بعدها، قواعد الإسلام، ج2، ص105].
(2) وصرح بذلك العلامة أبو إسحاق في مختصره، والخلاف في المسألة موجود. [مختصر الخصال، ص119، المعارج، ج18، ص126 وما بعدها، جامع ابن بركة، ج2، ص25 وما بعدها]. (1/79)
صفحة 80
ذكر ما يسن صومه من الأيام وما لا يجوز صومه ]
... والسنة من الصيام صوم يوم عرفه، وثمانية أيام قبله ويوم عاشوراء وهو العاشر من المحرم وقيل التاسع والأولى صومهما كليهما، وأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، ومن صام رمضان وستة أيام بعد يوم الفطر كمن صام الدهر.
... والمستحب صوم اليوم السابع والعشرين من رجب، والخامس عشر من شعبان، والخامس والعشرين من القعدة، والأول من المحرم وقيل الثالث منه، وقيل ثلاثة أيام منه الخميس والجمعة والسبت وقيل كله.
ويجوز الصوم في جميع الأيام عن واجب أو تطوع إلا يوم الفطر ويوم الأضحى ويوم الشك وقيل إن صامه بلا قطع منه أنه من رمضان بل على أنه إن كان منه فهو قد صامه وأجزاه عنه إن صح أنه منه، وقيل لا يجزيه لأن الفرض لا يؤدى إلا بيقين، وكذا نهي عن صوم أيام التشريق ومن صام الدهر فلا صوم له.
[ الباب السادس: الحج ]
[ ذكر أركان الحج وشروطه ]
وأما الحج فيجب بالبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة/63 عليه، -في وقت يمكنه موافاة الوقوف بعرفة- وهي الزاد والراحلة وصحة البدن وأمان الطريق ومرافقة الأصحاب، ومن لم يكن عنده من المئونة ما يكفيه في سفره ويكفي من تلزمه مئونته من يوم خروجه إلى رجوعه فليس بواجب عليه.
ولا يصح إلا بالتوحيد والنية والإحرام به في شيء من أشهره، وهن شوال وذو القعدة وتسعة أيام من ذي الحجة (1) ، والوقوف بعرفات جزءاً من نهار اليوم التاسع من ذي الحجة بعد الزوال مع جزء من ليلة العاشر منه متواصلين، وطواف الزيارة والسعي بين الصفا والمروة على قول، وقيل هو سنة ولا يصح الإحرام به إلا بالتلبية.
[ ذكر سنن الحج ]
__________
(1) ومذهب جمهور الأصحاب أنه شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، وفي المسألة أقوال أخرى. [كتاب الجامع الصغير، الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، ج3، ص148 وما بعدها، الإيضاح، ج3، ص245-246]. (1/80)
صفحة 81
والسنة أن يحرم له من الميقات، وأن يغتسل لإحرامه أو يتوضأ له بعد أن يتدهن بدهن لا طيب فيه، وأن يكون إحرامه خلف صلاة، -فريضة كانت أو نافلة- في إزار أو رداء طاهرين وأن يداوم التلبية إذا علا شرفاً أو هبط وادياً في كل حال مع رفع الصوت بذلك حتى يرمي جمرة العقبة، وأن يسعى بين الصفا والمروة بعد كل طواف لازم، وقيل ذلك فرض، وأن لا يطوف إلا وهو طاهر بثياب طاهرة، وأن لا يتطيب بطيب ولا يلبس مخيطاً إن كان رجلاً، ولا يغطي رأسه ووجه أو الوجه فقط أن كانت امرأة مادام محرما، وأن لا يحني على بدن ولا شعر ولا ظفر من نفسه وغيره، وأن يبيت بمنى ليلة عرفه، وأن يغدو إلى عرفه بعد طلوع الشمس ويبيت في بمزدلفة ليلة النحر إلى طلوع الفجر ويفيض من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس ويرمي جمرة العقبة يوم النحر ثم يذبح ويرمي الجمار كلها اليوم الحادي عشر بعد الزوال والثاني عشر، وإن وقف إلى الليل فلا ينفر حتى يرمي الجمار كلها يوم الثالث عشر بعد الزوال ويبيت بمنى أيام التشريق، ويطوف للزيارة ويسعى في أيام التشريق، ويؤمر أن يطوف لها يوم النحر بعد أن يحلق، وأن يصلي ركعتين خلف كل طواف قبل السعي، وأن يذكر الله ويدعو إليه لدينه ودنياه بأدعية ذكرت في غير كتابنا هذا معروفة/65 في الطواف والسعي وعند رمي الجمار وفي الوقوف بعرفة والمزدلفة، وقيل ذكر الله عند المشعر الحرام واجب، وأن يترك المراء والجدال وجميع المعاصي فيه والجماع ودواعيه، ومن السنة طواف الوداع والهرولة في السعي بين الصفا والمروة، وتقبيل الحجر الأسود في الطواف، وأن لا يعترض بشيء من صيد الحرم ولا من شجره.
[ ذكر ما يبطل الحج ]
ولا حج لمن ترك الإحرام عامداً أو ناساً حتى غربت الشمس يوم عرفه، أو ترك النية كذلك أو الوقوف بعرفات على ما ذكرنا عامداً أو ناسياً، أو جامع أو استمنى كذلك قبل أن يحل ويطوف للزيارة أو ترك طواف الزيارة. (1/81)
صفحة 82
ووجدنا عن بعض أصحابنا (1) أن من دفع من عرفات قبل غروب الشمس ولم يرجع حتى غربت الشمس لزمه دم وتم حجه، وقال بعض من غربت عليه الشمس ولم يقف بعرفات، فإذا وقف بعد ذلك ساعة من الليل ولحق مع الناس صلاة الفجر بمزدلفة فقد أدرك الحج.
[ ذكر ما يلزم به الدم أو الإطعام ]
وإن ضيع شيئا من السنن بترك أو فعل لزمه دم وتم حجه إلا في قلم الظفر، فما لم يقلم ثلاثة/66 أظفار فصاعداً فلا دم عليه (2) ، بل يطعم عن كل ظفر مسكيناً وكذلك القول في الشعر، وقيل إن أدمى نفسه أو غيره فلا دم عليه أيضا وكذا إن لبس المنهي عنه، أو غطى رأسه أو وجهه أو تطيب ناسياً ثم نزع ذلك عنه حين ذكره قبل أن يلحقه الليل ولبى فلا دم عليه، وإن نسي حتى لحقه الليل فعليه الدم وكذا إن سب مؤمناً أو مارى أو جادل في باطل فلا دم عليه وليطعم عن كل من هذه المعاصي مسكيناُ.
[ ذكر ما يوجب بدنة وما يرجع إلى حكومة العدلين وما لا بأس بقتله ]
ويجب عليه بدنة إن أفسده بجماع أو استمناءٍ أو قتل صيداً مثل بقرة أو نعامة أو حمارة أو قطع دوحة -وهي الكبيرة من شجر الحرم- وكل ما يلزم بقطع شجر الحرم أو بقتل صيده يرجع أمره إلى حكومة العدلين، وأكثر ما يلزم في ذلك بدنة وأقله إطعام مسكين على حسب ما قطع أو قتل.
__________
(1) وقد ذكر ذلك الشيخ أبو إسحاق حيث قال: "وقد وجدت عن بعض الفقهاء وهو عثمان ولا أحسبه إلا أنه ممن يدين بدعوة المسلمين الإباضية في هذه المسألة ذكر اختلاف الناس فيها" ثم ذكر المسألة ثم قال: "ووجدت في كتاب المعقدي قولا مجملا، أن من دفع قبل غروب الشمس لم يتم حجه ولم يذكر ما قال أصحابنا، فيحتمل أن يكون القولان فيهما لأصحابنا ... ". [مختصر الخصال، ص133].
(2) وإن زاد على ثلاثة أظفار فعليه دم وكذلك الشعر. (1/82)
صفحة 83
ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والفأر والحداة والغراب والكلب العقور وكل سبع عدى عليه، وإن عدى عليه سوى ذلك مثل حمار الوحش/67 أو بقرة الوحش فقتله لزمه الجزاء ولا إثم عليه.
[ ذكر العمرة وشروطها وحكمها ]
والعمرة فريضة وقيل سنه فإن أحرم بها وجب عليه إتمامها، وهي كالحج لا تتم إلا بالإحرام والنية والطواف والسعي بين الصفا والمروة، وتجوز في كل وقت، إلا في وقت يكون فيه محرماً بالحج.
وسننها كالحج إلا إنه إن فرغ من السعي حلق أو قصر ثم أحل إذا كان متمتعا، ويقطع التلبية عند دخوله في الطواف لها.
[ ذكر صفة التمتع والقران ]
وصفة التمتع أن يحرم بعمرة فقط، فإذا دخل مكة طاف لها وسعى وحلق أو قصر وصار حلال ثم يحرم بالحج في عامه ذلك، ولا يرجع إلى أهله قبل أن يحرم به وعليه دم أو صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، قيل يصومها في الطريق.
وإن كان غير متمتع وهو الذي يحرم بالحج والعمرة معاً، أو يدخل على العمرة حجه قبل أن يحل منها وهو القارن، وهو كالمتمتع إلا أنه لا يحل من عمرته حتى يحل من حجته ويلزمه دم كذلك.
[ ذكر حكم المرأة في الحج ووقت إحلال المحرم ]
والواجب على المرأة خفض صوتها في التلبية، وأن تفعل جميع أفعال الحج وإن كانت حايضاً/68 أو نفساء إلا الطواف بالبيت فحتى تطهر منها.
ويحل المحرم بالحج عند الحلق من كل شيء، ما خلا الصيد أو النساء فإلى طواف الزيارة.
[ ذكر ما يجزي من الهدي ] (1/83)
صفحة 84
ولا يجزئ الهدي في الحج إلا الجذع من الضأن (1) أو الثني من المعز (2) ، وقيل يجزى الجذع من المعز إذا كان سميناً، أو ما له حول من الإبل والبقر، ولا يجزئ ما به داء من جرب أو نحوه، ولا يجزئ الاعجف (3) ولا الأعور ولا الاعسم (4) ولا مقطوع الأذن إلى أكثر من الثلث، ولا مخلوع الضلف ولا مكسور القرن، وقيل ذا يجزئ، ولا يجزئ ما كان من الغنم وإن كان أفضل إلا عن واحد، وما كان من الإبل له حول لا يجزئ أيضا إلا عن واحد، وابن لبون يجزئ عن اثنين، والحقة عن ثلاثة، وقيل في كل من هذه الثلاثة بعدم إجزائه إلا عن واحد، والجذعة عن خمسة، والثني عن سبعة، والحولي من البقر عن واحد، وما له حولان عن ثلاثة وما له ثلاثة أحوال عن خمسه، والسديس عن سبعه وقيل عن خمسة.
[ ذكر حكم الضحية ما يجوز أكله من الدماء ]
ولا تجب الضحية إلا على المتمتع/69 والقارن والمحصر عن الحج، ولا تلزم أهل الأمصار، ويجزئ فيها ما يجزئ في الهدي، وله أن يأكل منها ويتصدق ويدخر إن شاء، ولا يجوز له أكل شئ من الدماء غير دم المتعة ودم القران، وليس له أن يأكل أكثر من الثلث.
[ بيان زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ]
__________
(1) وهو ابن ستة أشهر فصاعدا.
(2) وهو ما جاوز السنة.
(3) الأعجف: هو الهزيل.
(4) الأعسم: هو الذي به يبس في المرفق أو الرسغ تَعْوَج منه قوائمه. [لسان العرب، باب (عسم)]. (1/84)
صفحة 85
وأما زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فسنة مؤكدة، ويستحب للزائر إكثار الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - في طريقه، لا سيما إذا رأى أشجار المدينة وحرمها، وأن يغتسل إذا دخل البلد ويتوضأ وضوء الصلاة ويلبس أحسن لباسه، ثم يدخل المسجد فيصلي ركعتين ما بين القبر والمنبر ثم يأتي إلى القبر فيقف تلقاء وجهه - صلى الله عليه وسلم - وله علامة يعرف بها مستقبلاً له بخشوع وخضوع فيسلم عليه ويحسن الثناء عليه يطيل في ذلك إن شاء، ثم يتأخر جهة يمينه قدر الذراع فيسلم على سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- مثنياً عليه، ثم يتأخر قليلاً فيسلم على سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كذلك، ثم يرجع/70 فيقف عند رأسه - صلى الله عليه وسلم - مستقبلا للقبلة فيحمد الله ويشكره ويتوسل إليه به - صلى الله عليه وسلم - مستغفراً له تعالى و تايباً إليه من ذنوبه وتقصيره، ثم يجعله - صلى الله عليه وسلم - خلف كتفه مستقبلاً للقبلة فيدعوا بما أحب من خير الدنيا والآخرة.
[ الباب السابع: كتاب الحقوق ]
[ بيان حق الوالدين (1) ]
وأما حق الوالدين فبرهما بلزوم (2) طاعتهما وإجابة دعوتهما، وخفض جناح الذل من الرحمة لهما، وتعاهدهما بالسلام عليهما، وإن لا يخرج الولد من أمرهما (3) إلا أن يبين له الرشد في غيره من غير إسخاطهما، وإن كانا فقيرين واساهما بنفسه وبماله وآثرهما على نفسه، وإن كانا وليين تولاهما وإلا فلا يظهر البراءة منهما في وجهيهما، ولا ينظر شزراً إليهما، ويمتثل أمرهما إلا إن أمراه بمعصية فعليه أن يعصيهما فيها مع اجتناب إسخاطهما والتزام برهما، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن.
__________
(1) بتصرف من كتاب قواعد الإسلام ج2، ص200.
(2) في (ب) يلزم.
(3) جملة (من أمرهما) ساقطة في (ب). (1/85)
صفحة 86
وحقوقهما عليه كثيرة لا سيما الوالدة حملته/71 أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً (1) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بر الوالدة على الولد ضعفان لأنها أرحم من الأب ودعوة الوالدة أسرع إجابة ودعوة الرحم لا تسقط (2) " وإن كانا قد ماتا التزم الاستغفار لهما -إن كانا متوليين- وانفذ عهدهما وأكرم صديقهما وإن كان عقهما فتوبته الندم والاستغفار، والإحسان إلى قريب لهما وقضاء ما عليهما من حقوق الله وحقوق العباد.
[ بيان حق الولد ]
وعليهما من حقوقه تأديبه وتعليمه القرآن وما يحتاج إليه من أمر دينه ودنياه، وحسن تربيته والقيام به حتى يبلغ ويقدر على الكسب وتتزوج الأنثى، وأن يسميه بالأسماء الحسنة، ويختار له الأخوال بأن لا يتزوج أمه من قوم يعير بهم.
__________
(1) يشير إلى قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ... } الأحقاف/15.
(2) خرجه الغزالي في إحيائه، ج2، ص217، وخرجه العلامة العراقي في المغني عن حمل الأسفار، ج2، ص217 من الإحياء، وخرجه الزبيدي في شرحه للإحياء، ج6، ص316. (1/86)
صفحة 87
والمندوب إليه تفريح الصبي وتقبيله والبداية بالطِّرف (1) من أنثى، لأن من رق لها غفر له، ومن فرحها فرحه الله يوم الحزن (2) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - "من له ثلاث بنات أو أخوات فكفلهن وسترهن وجبت له الجنة فقيل وثنتان فقال: وثنتان" و لو/72 قيل واحدة لقال: نعم (3) .
ومما ندب إليه إذا ولد له أن ينسك للذكر بشاتين وللأنثى بشاة وتسمى عقيقة، وحكمها في الإجزاء والأكل والتصرف كالضحية، والسنة أن يأذن في أذن المولود اليمنى حين ولادته وتقام الصلاة في أذنه اليسرى بلا رفع الصوت بهما، وأن يحنكه حينئذ شخص من أهل الخير بشي حلو، وأن يحلق رأسه ولو أنثى ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضه.
[ بيان حق الأرحام (4) ]
__________
(1) المقصود به ما يعطى للصبيان من الهدايا ونحوها لتفريحهم، جاء في كتاب ترتيب كتاب العين "الشيء الطِّرِيف.. المستحدث المستطرف وهو الطريف، والاسم الطرفة، وأطرفته شيئا لم يملك مثله فأعجبه". [ترتيب كتاب العين، مختار الصحاح، باب (طرف)].
(2) روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حمل طرفة من السوق إلى ولده حتى بلغها عنه كان كحامل صدقة وليبدأ بالإناث قبل الذكور فإن الله عز وجل يرق للبنات والإناث، ومن رق للإناث كان كمن بكى من خشية الله، ومن بكى من خشية الله غفر الله له، ومن فرح أنثى فرحه الله يوم الحزن" رواه الجوزي في كتاب الموضوعات، ج2، ص276، ورواه الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، كتاب النكاح، حديث رقم (49).
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ج3، ص303، من طريق جابر بن عبدالله، والجملة "لو قيل واحدة لقال نعم" هي إدراج من الراوي كما جاء في نص الحديث في مسند الإمام أحمد.
(4) بتصرف من كتاب قواعد الإسلام، ج2، ص199. (1/87)
صفحة 88
وأما حق الأرحام فصلتهم ولو قطعوك، ولا لها وقت محدود، وهي أن تصلهم بالنفس والمال إن احتاجوا إليه، وتحضر لفرحهم وحزنهم، وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وإن منعك مانع من الوصول إليهم فصلهم ولو بالسلام في الكتاب لأن الله قد أوجب الوعيد الشديد على قطعهم في جملة من الآيات والأحاديث.
[ بيان حق الزوجة ]
وأما حق الزوجة، فأن ينفق عليها نفقة مثلها، ويكسوها كسوة مثلها، ويسكنها في مسكن الرافق بها، ويحضر لها كل ما تحتاج إليه ويخدمها بخادمة أو بنفسه إن كانت ممن تخدم، وأن لا يمنع الداخل عليها/73 من ذي محارمها وإمائها ونساء جيرانها، إلا من علم أنه يفسدها وأن يحسن معاشرتها وينبسط في وجهها، ويعلمها ما يلزمها في دينها ولا يتوعدها بالمضرة ولا يضرها في نفسها أو مالها، ولا يهددها بالطلاق، ولا يهجر فراشه إلا إن تمادت على النشوز، ولا يفشي سرها وإن طلقها، وكان آخر كلامه - صلى الله عليه وسلم - "الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم (1) " أي أسيرات، وقد عظم الله حقهن فقال {وأخذن منكم ميثاقاً غليظا} (2) فمن نقض الميثاق الذي هو عند الله ميثاق غليظ فقد خسر خسراناً مبينا نجانا الله من نقضه.
[ بيان حق الزوج ]
__________
(1) أخرجه العلامة الزبيدي في إتحافه، ج5، ص352، والغزالي في إحيائه، ج2، ص42، وانظر كتاب المُغني في نفس الصفحة.
(2) النساء/21. (1/88)
صفحة 89
وحق الزوج عليها أن تحفظه في نفسها وماله ولا تحمله مالا يطيقه من المئونة ولا تدخل موضعاً رابه ولا منزل من يكرهه، ولا تصادق من يبغضه ولا تعادي صديقه إلا بالخفاء إن لم يكن لها بد من ذلك، بأن وجب عليها معاداته لكفر منه، وتبر أقربيه وجيرانه، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تعصيه في مباح وتحفظه في نفسها ولا تمنع نفسها عنه إذا دعاها، ولا تنفل (1) إلا بإذنه/74 وتلا تسأله طلاقاً، وليس له عليها غزل ولا نسج ولا خياطة ولا خبز ولا طحن ولا طبخ ولا عليها ذلك عنده لنفسها إلا إن شاءت بل ينبغي له أن تعاونه في ذلك.
[ بيان حق العبيد ]
وأما حق العبيد فأن يشبع بطونهم، ويكسوا ما يستر عورتهم وما يقيهم ضرر الحر والبرد إذا كان، ولا يكلفهم فوق الطاقة، ولا يستخدمهم بعد العشاء إلا إن أراحه بالنهار، فله استخدامهم (2) قدر ما أراحهم (3) فيه ولا ينظر إليهم بعين الكبر والازدراء، وليعف عن زلتهم رجاء أن يعفو الله عن زلته، لأن من لم يغفر لمن أذنب إليه ولم يقبل منه توبة ولا معذرة فحقيق بأن لا يقبل الله منه ذلك، وليذكر عند غضبه عليهم غضب الله عليه على تقصيره في طاعته (4) .
وقد أمر الله كُلا منا أن يرشد أهله إلى طاعته من الأرحام والأزواج والعبيد والأولاد، وأن يحذرهم الحرام وجميع المعاصي وأن يعينوهم على ما به نجاتهم في المعاد بقوله { قوا أنفسكم وأمليكم نارا} (5) ، وقد غفل كثير من أهل بلادنا عن حق أهل هذا الفضل لجهلنا بما ينتهي إليه بنا تضييعه ولكثرة غفلتنا وميلنا إلى الدنيا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
[ بيان حق السيد ]
__________
(1) أي ولا تتنفل إلا بإذنه.
(2) في (أ) استخدامه، والصحيح ما في (ب) لمناسبة السياق.
(3) في (أ) أراحه، والصحيح ما في (ب) لمناسبة السياق.
(4) مقتبس من كتاب قواعد الإسلام، ج2، ص206.
(5) التحريم/6 (1/89)
صفحة 90
ثم أن/75 العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين (1) وكان أول ثلاثة يدخلون الجنة، صح ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - ، فالواجب عليه أن يناصحه في ضيعته ويحسن خدمته ويحفظه في نفسه وماله ولا يعصيه إلا في معصية الله (2) .
[ بيان حق اليتامى ]
وأما حق اليتامى فالقيام بهم وإن لم يكن لهم مال، وأن يوكل لهم أولياءهم أو الحاكم أو الجماعة عدلا يقوم بهم وبمالهم، إن لم يكن لهم من أبيهم وصي يحفظه لهم وينفق منه عليهم ويبيع منه ما جاز بيعه لهم ولا يدفعه إليهم بعد الحلم حتى يونس رشدهم.
[ بيان حق المساكين ]
وأما حق المساكين فالإحسان إليهم، وإطعامهم إن جاعوا، وحسن القول لهم إن سألوا ولم تجد ما تطعمهم.
[ بيان حق الجار ]
وأما حق الجار فكف الأذى عنهم عنه قال ابن محبوب (3) -رضي الله عنه- ليس من حق الجار أن تكف أذاك عنه و لكن أن تحمل أذاه ومن حقه أن تجيبه إذا دعاك وتعوده إن مرض وتعينه إن استعان بك، وتعزيه إن أصابته مصيبة وتهنيه إن أصابه خير ولا تؤذيه بقتار قِدرك إلا أن تهدي إليه منها (4) .
وإن كان لك جاران فأهديت إلى أقربهما منك باباً انحط/76 به عنك حق الجار إن لم يكن من لزمتك مئونته، وإن كان ذاك فلا حتى تهدي إلى غيره من الجيران، وإن سألك حاجة وأنت تقدر عليها فلم تقضها له فما لم تخف الهلاك عليه بمنعها فلا بأس عليك.
[ بيان حق الأصحاب والأخوة ]
__________
(1) روي ذلك من طريق ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين" [الجامع الصحيح، باب رقم (49)، (الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم) حديث رقم (686)].
(2) بتصرف من كتاب قواعد الإسلام، ج2، ص206.
(3) سبق التعريف به.
(4) روى هذا الأثر كذلك الشيخ الشماخي في إيضاحه، ج4، ص215. (1/90)
صفحة 91
وأما حق الأصحاب والإخوان، فهو أن يحسن إليهم ويرى لهم ما يرى لنفسه ويكف الأذى عنهم ويمنع عنهم الضرر والتلف إن قدر ويواسيهم بنفسه وماله.
والصحبة تلزم بها الحقوق إذا عقدوها على الخروج فإذا خرجوا لزم كلا حق صاحبه حتى يصلوا الموضع الذي عقدوها على الخروج إليه إلا من كان خروجه معصية كالآبق وقاطع طريق ومانع ما عليه أو طعن في الدين، ووجب هجرانه فإنه لاحق لهم.
وفي أثر المسلمين -رحمهم الله- والأخ الصديق الناصح الشفيق هو الذي يعينك على التقوى، ويميط عنك الأذى ويواسيك في الشدة ويهديلك عيوبك ويقومك عند اعوجاجك، ويحفظك حياً وميتاً، وينتصر لك في مغيبك شفقة لك وحمية، وينبغي للعاقل أن يتألف الأعداء بإظهار التودد لهم والمداراة دفعها لشرهم/77 وجراً لنفعهم، ويحذر من المداهنة لأنها مداراة الناس على وجه يذهب فيه الدين بخلاف المداراة فإنها مخالفتهم على أخلاقهم على وجه يسلم معه الدين.
[ بيان حق ابن السبيل ]
وأما حق ابن السبيل، فأن تحسن إليه وتطعمه إن احتاج، وتضيّفه إذا نزل عليك وتحفظ دابته بالعلف والسقي، والواجب من الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد فصدقة، ولا يحل أن تفعل له ذلك إن كان في خروجه عاصياً كما مر.
[ بيان حق المسلم على المسلم ] (1/91)
صفحة 92
وأما حق المسلم على المسلم فأن يحب له ما يحب لنفسه ويمنع عنه أذاه ويرد عنه غيبة المغتابين له وتمزيق الممزقين لعرضه من وراء ظهره، وأن لا يقبل عليه ما سمعه من أهل النميمة والحسد فيه ولا يبلغه إياه إلا إن رجا به نفعاً من إصلاح حال، أو تحذر ضرر، فيجوز عندي على وجه يحصل به الإصلاح، والتحذير خاصة وأن لا يهجره فوق ثلاثة أيام وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام، وأن لا يدخل عليه ولا على غيره بلا استئذان وأن يقبل يد المعظم في الدين ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، وتمام توقير المشايخ أن لا يتكلم بين أيديهم إلا/78 بإذن وأن يكون مع كافة الخلق مستبشراً طلق الوجه رفيقاً ولعهودهم موفياً، ومن نفسه لهم منصفاً وأن يزيد في توقير من دلت هيأته على عظيم منزلته فينزل الناس منازلهم كما قال - صلى الله عليه وسلم - : "إذا أتاكم كريم فأكرموه (1) " وأن يكون بين المسلمين مصلحاً، ولعوراتهم ساتراً لكي يستر الله عليه في الدنيا والآخرة ولا يتبع عوراتهم لأن من تبع عورة أخيه المسلم تبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته فإذا زل أحدهم استتابوه فإن تاب ستروا عليه وإن عطس أحدهم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل الآخر يرحمك الله، وليجيبه بقوله يهديك الله، وإن عطس فوق ثلاث فزاكم لا يشمت، وأن ينصح لهم ويعود مرضاهم ويشيع جنائزهم ويزور قبورهم لكي يعتبر بهم ويدعوا للأولياء منهم ويعزيهم عن موتاهم ولا يسيء الظن بأحد منهم.
[ بيان الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية ]
وأما الأمر بطاعة الله، والنهي عن معصية الله فيجب على كل مكلف صح عنده على أحد منكر بعيان أو شهادة، كان المنكر في حقوق الله أو في/79 حقوق العباد، ولا يحل له تجسسه عليه ولزمه النهي عنه إن بلغ إلى صحته بالتجسس والتوبة منه.
__________
(1) رواه ابن ماجة، ج2، ص1223، حديث رقم (3712)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، ج8، ص168. (1/92)
صفحة 93
وأهل المناكر قسمان، جاهل بمنكره وعالم به، فَنَهْيُّ الجاهل تعليمه ما جهل، ونهيُّ العالم وعظه وتخويفه ونصحه ثم سبه (1) وتعنيفه بالقول الغليظ إن ظهر استهزاؤه بالوعظ وقدر على ذلك، وفي بعض المواضع باليد كإخراجه من المظلمة وكسر ملاهيه ونحو ذلك، ثم بالتهديد والتخويف بما يجوز إيقاعه عليه كالضرب والقتال إن لم يزدجر بذلك، ثم بإيقاع الضرب والقتال والاستعانة عليه بأعوان، فإن خاف من ذلك الضرر على نفسه أو ماله أو أقاربه وعياله، اقتصر على إظهار الغضب والاستحقار له لأجل معصيته، والتعبس والهجران، فإن خاف أنكر بقلبه واجتنبه (2) ، ولا ينهى عن منكر فرغ منه صاحبه إلا عن العودة إليه، أو يكون مما يجب به حد فيرجع أمره إلى الإمام إن صح عنده، ولا يكون عذر الترك الإنكار، خوف التعرض به للسب والتجهيل والتحميق، والنسبة إلى الرياء والنفاق وإرادة غير وجه/80 الله في حضرته، أو لأنواع الشتم أو الافتراء عليه، والغيبة في غَيْبَته.
وأما الخطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي أن ترده عليه لأنه يستفيد منك علما، ويصير لك عدوا، إلا إن علمت أنه يغتنم العلم -أي يرى ردك غنيمة له- وذلك عزيز جدا، كذا في القناطر، أي وإنما يجب رد خطأه عليه في أمر الدين، وان كان يستفيد منك علما ويصير لك عدوا وينسبك إلى الحمق والجهل ونحوهما كما هو الموجود غالبا.
[ بيان الحق الواجب اتباعه ]
وأما الحق الذي يجب اتباعه، فكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع المسلمين، وأما الباطل الذي يجب تركه فهو ما خالف ذلك.
وأما الحلال الذي يجب تحليله فهو ما جاء تحليله في هذه الثلاثة، والحرام الذي يجب تحريمه ما جاء تحريمه فيها.
[
__________
(1) ولا يكون السب بالقول الفاحش، ولكن يقول له: يا فاسق، ويا عدو الله، يا أحمق، يا جاهل، ونحو ذلك. [قناطر الخيرات، ج2، ص173].
(2) راجع كتاب قناطر الخيرات، فقد ذكر الشيخ ذلك بشرح مطول. [قناطر الخيرات، ج2، ص171 وما بعدها]. (1/93)
صفحة 94
بيان المحارم الواجب اجتنابها ]
وأما المحارم التي وجب اجتنابها فهي كل ما جاء تحريمه في الكتاب أو السنة أو الإجماع، كأكل أموال الناس بالباطل، وأنواع الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر وسائر المسكرات، والأنجاس التي ذكرنا، وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن من/81 الزنا والنظر إلى العورات ومقدمات الزنا من النظر واللمس والقبلة والمباشرة للنساء الأجنبيات، والربا، والغش في البيع والشراء وغيرهما، والتطفيف في الكيل والوزن، والسرقة والخيانة والبغي والكذب والقول بالزور، والنميمة والبهتان وقذف البريء والشرك، وقتل النفس بغير الحق، والإعانة على قتلها ولو بشطر كلمة، وغيبة غير الكافر، والتنابز بالألقاب، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقطع الرحم ومنع كل حق واجب، والسحر والميسر والغلول في الغنائم والحكم بغير ما أنزل الله، والرشوة في الحكم وكتمان الشهادة، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وترك شيء من الفرائض –وقد مرت- وترك الحج إلى الموت لمن لزمه، بلا وصية به، والكبر والحسد والرياء والعجب وسوء الظن بالمسلم والإياس من رحمة الله والأمن من عذاب الله، والغل وطلب العلو وحب الثناء وسخط المقدور والمكر والخديعة والفخر والمداهنة ونحو ذلك (1) .
[ بيان جهاد النفس]
__________
(1) بتصرف من كتاب قواعد الإسلام، ج2، ص245-251. (1/94)
صفحة 95
وأما جهاد النفس فمنعها/82 عن المعاصي الظاهرة والباطنة، بكسر شهوتها وتذليلها بالصوم، وإشغالها بأنواع العبادات والطاعات وتذكيرها الموت وغرور الدنيا وقلة متاعها وسرعة انقلابها على أهلها، ونعيم الآخرة وبقاءه، وأليم عذابها ودوامه، وأن يذكرها بما أنعم به الله عليه من الحيوية والقدرة والعقل والنطق والسمع والبصر والرزق وغير ذلك مما لا يحصى، وأن الله الذي أنعم عليه بهذه النعم يطالبه بشكره وخدمته، وأنه عالم بأسراره مطلع على ضمائره، وأنه وعده أن يدخله جنته التي هي النعمة العظمى إن التزم طاعته، وتوعده بالعذاب الأليم الخالد إن عصى أمره إلى غير ذلك، حتى يتمكن منها الخوف من عقابه والرجاء في ثوابه، فتدبر عن هواها وتنقاد له إلى ما دعاها إليه من صلاحها كالتوبة من المعاصي والاحتراز منها وأداء الفرائض والتزامها والخضوع لله والتضرع إليه والتوكل عليه والتفويض إليه والرضاء بقضائه والصبر/83 على بلائه، والشكر له على نعمائه، والإخلاص له في جميع طاعته، فيكون في الدارين بتوفيقه تعالى من الفائزين، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
فرغ تأليفه في اليوم الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1314هجرية،
وقد طبع هذا الكتاب بالمطبعة الأمينية البارونية الكائنة
بشارع الجودريه بمصر القاهرة المعزية
سنة 1318هجرية من هجرة خير
البرية عليه أفضل الصلاة
والسلام وأزكى التحية
آمين.
فهرس الموضوعات
الموضوع ... الصفحة
الباب الأول: بيان ما لا يسع جهله. 1 – 9 ... 1
الفصل الأول: أول ما ينبغي على المكلف معرفته ... 1
? الجملة ... 3
? بيان المطيع ... 3
? بيان الفرائض ... 5
7
الفصل الثاني: الولاية وأقسامها وشروطها ... 8
? بيان الشهرة ... 9
الفصل الثالث: بيان البراءة وأقسامها وشروطها
الفصل الرابع: بيان الوقوف ... 10
الباب الثاني: الطهارة 10 – 29 ... 10
الفصل الأول: الوضوء ... 11
? ذكر فرائض الوضوء ... 13
? ذكر سننه الواجبة ... 13 (1/95)
صفحة 96
? ذكر سننه المستحبة ... 15
? كيفية العمل به وآداب قضاء الحاجة ... 17
? ذكر نواقض الوضوء ... 17
18
الفصل الثاني: بيان ما هو نجس وما ليس بنجس من الحيوان والإنسان ... 18
? ذكر الإنسان والحيوان وغيره ... 19
? ذكر ما يخرج من الإنسان ... 19
? ذكر ما يخرج من الحيوان ... 20
? ذكر ما يرعى من الأنجاس ... 20
? ذكر الجلالة ... 21
? ذكر الدم الطاهر والنجس ... 21
? ذكر إزالة النجاسة بالماء وبغيره ... 22
22
الفصل الثالث: الغسل ... 23
? ذكر الأحداث الموجبة للغسل ... 23
? ذكر فرائض الغسل ... 23
? ذكر سنن الغسل ... 23
? كيفية العمل بذلك ... 24
? ذكر حد ما يتوضأ به ويغتسل به من الماء ... 26
? ذكر الاغتسالات المسنونة ... 27
27
الفصل الرابع: أقسام المياه وأحكامها ... 28
? ذكر الماء إذا وقعت فيه النجاسة أو غيرها ... 28
? ذكر البئر إذا وقع فيها النجس ... 29
? ذكر الماء الجاري
? ذكر حد الماء الكثير ... 30
30
الفصل الخامس: التيمم وأحكامه ... 32
? ذكر جواز الصلاتين بتيمم واحد ... 33
? ذكر سنن الطهارة ... 33
34
الباب الثالث: الصلاة 30 – 52 ... 34
الفصل الأول: بيان الصلوات المفروضة وذكر مواقيتها ... 38
? ذكر أركان الصلاة ... 38
? ذكر سنن الصلاة ... 39
? ذكر حكم من ترك شيئا من الأركان أو من السنن أو شك فيه ... 39
? ذكر سننها المؤكدة ... 39
? ذكر سجدة السهو وما يفعل الشاك في عدد الركعات ... 40
? ذكر ما يفسد الصلاة ... 41
? ذكر ما يقطع المصلي صلاته ... 41
42
الفصل الثاني: صلاة الجماعة ... 42
? ذكر حكم تعدد الجماعات ... 42
? ذكر من تجوز إمامته ... 42
? ذكر اللحن الذي يفسد الصلاة ... 43
? ذكر ما يحمل الإمام عن مأمومه ... 43
? ذكر ما يجب فيه الجهر وما لا يجهر فيه ... 44
? ذكر موضع الإمام ... 45
الفصل الثالث: صلاة الجمعة ... 45
? ذكر فرائض صلاة الجمعة ... 45
? ذكر سنن صلاة الجمعة ... 45
? ذكر من لا تجب عليه الجمعة ... 46
? ذكر ما يجزئ من الخطبة لها ... 47
الفصل الرابع: صلاة السفر ... 47
? ذكر حكم الجمع وشروطه ... 48
الفصل الخامس: بيان الصلوات الغير المفروضة ... 48
* المبحث الأول: صلاة العيدين ... 49 (1/96)
صفحة 97
? كيفية التكبير فيها وموضع التكبير ... 49
? ذكر التكبير أيام التشريق وصفته ... 49
* المبحث الثاني: أحكام صلاة الكسوفين ... 50
* المبحث الثالث: أحكام صلاة الاستسقاء ... 50
* المبحث الرابع: أحكام صلاة الخوف ... 51
? ذكر ما يجوز به القصر في الخوف ... 51
* المبحث الخامس: صلاة المريض ... 52
* المبحث السادس: صلاة الميت
? ذكر أحكام الجنائز واختلاف الموتى ... 53
? ذكر فروض غسل الميت وسننه ... 53
? ذكر فروض كفنه وسننه إلى آخر دفنه ... 53
? ذكر الصلاة عليه وشروطها وسننها ... 55
* المبحث السابع: بيان السنن ... 56
? ذكر ما يصلى مع المفروضات من السنن ... 56
? ذكر ما يقضى من السنن ... 56
الباب الرابع: كتاب الزكاة 53 – 59 ... 57
? ذكر أحكام الزكاة وما تجب فيه ... 58
? ذكر حكم النقدين والتجارة وصفة الحمل فيها ... 58
? ذكر حكم ما أخرجته الأرض وصفة الحمل فيها
? ذكر الإبل ... 60
? ذكر البقر ... 61
? ذكر المعز والضأن ... 61
? ذكر ما يجوز للساعي أخذه وصفة الحمل في زكاة الأنعام ... 62
? ذكر من تدفع لهم الزكاة ... 62
? ذكر صفة دفعها في زمن الإمام ومن لا تنحط من دفعت إليه ... 62
? ذكر زكاة الفطر ... 62
الباب الخامس: كتاب الصوم 60 – 63
? بيان أحكام الصيام وشروطه وما يفسده ... 64
? ذكر ما يوجب الإفطار ويبيحه ... 64
? ذكر من يجب عليه البدل ومن لا يجب عليه ... 65
? ذكر من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر ... 65
? ذكر من عليه بدل ما مضى ومن عليه كفارة ... 66
? ذكر صفة الكفارة وحكمها ... 66
? ذكر ما يسن صومه من الأيام وما لا يجوز صومه ... 66
الباب السادس: كتاب الحج 64 – 68 ... 67
? ذكر أركان الحج وشروطه ... 67
? ذكر سنن الحج ... 67
? ذكر ما يبطل الحج ... 68
??ذكر ما يلزم به الدم أو الإطعام
? ذكر ما يوجب بدنة وما يرجع إلى حكومة العدلين وما لا بأس بقتله ... 69
? ذكر العمرة وشروطها وحكمها ... 69
? ذكر صفة التمتع والقران ... 70
? ذكر حكم المرأة في الحج ووقت إحلال المحرم ... 71
? ذكر ما يجزئ من الهدي ... 71
? ذكر حكم الضحية وما يجوز أكله من الدماء ... 71 (1/97)
صفحة 98
? بيان زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 72
الباب السابع: كتاب الحقوق 69 – 77 ... 72
? بيان حق الوالدين ... 73
? بيان حق الولد ... 73
? بيان حق الأرحام ... 73
? بيان حق الزوجة ... 74
? بيان حق الزوج ... 74
? بيان حق العبيد ... 75
? بيان حق السيد ... 76
? بيان حق اليتامى ... 76
? بيان حق المساكين ... 76
? بيان حق الجار
? بيان حق الأصحاب والأخوة
? بيان حق ابن السبيل
? بيان حق المسلم على المسلم
? بيان الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية
? بيان الحق الواجب اتباعه
? بيان المحارم الواجب اجتنابها
? بيان جهاد النفس (1/98)