صفحة 1
الكتاب: كتاب مختصر البسيوي
المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد البسياني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) كتاب
مختصر البسيوي
للعلامة أبو الحسن الشيخ علي بن محمد البسياني
مراجعة
سعادة الشيخ عبدالله بن علي الخليلي
مستشار وزارة التراث القومي
تقديم
فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
مفتي عام السلطنة
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد من القضايا المسلمة أن الفقه في الدين فضيلة يجب أن يحرص عليها كل عاقل، فإن الإنسان لم يخلق في هذه الحياة سدى، وإنما أوجد ليكون خليفة في الأرض وسيداً في هذا الكون، وطبيعة حياة الإنسان تختف عن طبيعة أي كائن آخر، ولذلك فقد كلف ما لم يكلف به غيره، وأنيطت به مهمات لا يقوم بها سواه، ومن المعلوم أن الإنسان لا يقدر أن يقوم بهذا العبء الثقيل قياماً يكفل له السلامة في حياته، إلا إذا كان على بينة من أمره لا يأتي ولا يذر إلا عن برهان من ربه الذي استخلفه في أرضه وفضله على كثير من خلقه تفضيلاً، وهذا أمر يستدعي الإنسان إلى معرفة أحكام الله سبحانه حتى يرد ويصدر في كل شئون حياته عنها، ولذلك كان الفقه في الدين مصدر الخير وينبوع السعادة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين« ولقد تعاقب في المحيط الإسلامي الواسع فقهاء محققون استخرجوا دقائق المسائل الفقهية من مظانها وأوسعوا القضايا المستجدة –عبر الأحداث- بحثاً وتحليلاً، وألفوا في ذلك المؤلفات الجمة التي قد تطول أحياناً وتقصر أحياناً أخرى حسب الظروف والملابسات التي تحيط بجو تأليفها وحسبما يتبادر لمؤلفيها من المصلحة للقراء. (1/1)
صفحة 2
وفي هذا الجهد الدئب الذي يبذلونه باستمرار مصداق لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين« وقد أبرز العلماء عمق النظر والقدرة على الاستخراج، فقد أبانوا وحققوا ووسعت مؤلفاتهم ما لا يمكن استيعاب ما فيه إلا الجهابذة العلماء المتبحرين، ومنها ما يسهل فهمه حتى للمبتدئين البسطاء، ومن حيث إن هذه الكنوز الغالية لا يزال معظهما قابعاً في خزائن خاصة لا يستفيد منه إلا القليل رأى صاحب الجلالة السلطان المفدى قابوس بن سعيد سلطان عمان المعظم ضرورة المحافظة على هذا التراث الخالد ونشره ليسهل الارتواء من معينه الدافق للنفوس الظامئة إلى علم الفقه الشريف فأصدر جلالته –حفظه الله- مرسومه السامي بإنشاء وزارة التراث القومي واختار لها من عرفت فيه الهمة الشماء والغرم الثاقب والتفاني والإخلاص في خدمة هذه الدولة الفتية وهذا الوطن العالي سمو السيد فيصل بن علي بن فيصل الذي هو بدوره لم يأل جهداً في القيام بهذه المهمة الملقاة على عاتقه مع صعوبة البداية وثقل المسئولية، وقد رأى سموه أن تكون بداية عمله الميمون –في نشر التراث الفقهي الإباضي- بالكتب المختصرة لأن حاجة الجمهور إليها أكثر، واستيعاب ما فيها للعامة أيسر، وقد وقع اختياره على كتاب (المختصر) للعلامة الجليل أبي الحسن علي بن محمد البسيوي العماني رحمه الله ليكون باكورة هذا العمل الموفق، ونعم ما اختار فإن مؤلف الكتاب من عرف بطول الباع في الفقه وكثرة الاطلاع على أقوال الفقهاء، وعباراته من أسهل العبارات وأقربها إلى أفهام العامة، وهو مستوعب لما لابد منه من مسائل الأديان؛ كما أنه أخذ بقدر لا بأس به من مسائل الأحكام، وهذا المختصر إنما هو اختصار لمؤلف أبي الحسن الكبير المعروف بجامع أبي الحسن وهو من أحسن المؤلفات جمعاً وتحقيقاً يجد فيه المتعطش لعلم الشريعة ما يروى ظمأه ويشبع (1/2)
صفحة 3
رغبته وعسى الله أن يمن بالتوفيق لنشره كما وفق سبحانه لنشره مختصره إن الله سبحانه ولي التوفيق.
أحمد بن حمد الخليلي
مسقط 25 من ذي القعدة 1397م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على سبوغ النعم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم.
الباب الأول
في تعليم العلم
قال: »تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، ومذكراته تسبيح، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام«، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »تعليم العلم فريضة على كل مسلم حالم* من ذكر أو أنثى حراً كان أو عبداً«، وقال: »اطلبوا العلم ولو بالصين وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء لما يطلب، فمن تعلم العلم لله لم يجز منه باباً إلا ازداد في نفسه تواضعاً ولله خوفاً، وفي الدين اجتهاداً ورغبة، وفي نفسه ذلاً وفي الناس تواضعاً، فليكثر من العلم إذا كان على هذه الصفة«.
ومن غير الكتاب: وقيل: [كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابع فتهلك، وقيل: الناس ثلاثة: عالم ومتعلم وسائرهم همج رعاع، وقيل: العلماء غرباء لكثرة الجهال، وقيل: إذا مات عالم انثلم في الإسلام ثلمة* لا يسدها شيء إلى يوم القيامة، وقيل: من خدم عالماً فكأنما خدم سبعين نبياً، وقيل: مكتوب على باب الجنة: من زار علمائي فكأنما زار أنبيائي، رجع]*.
ومن طلب العلم للدنيا وللحظوة عند السلطان لم يجز منه باباً إلا ازداد في نفسه عظمة، وعلى الناس استطالة، وبالله اغتراراً، وعن طاعة الله توانياً، فليمسك عن هذا ويذكر حجة الله عليه »فأول ما ابتدأ نابه في العلم تعليم القرآن«. (1/3)
صفحة 4
ويروى أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: علمني العلم، فقال له: علمني العلم، فقال: »اذهب فتعلم القرآن«، ثم عاد إليه ثانية، فقال له مثل ذلك، ثم عاد إليه ثالثة فقال له مثل ذلك ثم عاد إليه في الرابعة: »اقبل الحق ممن جاءك به، أجنبياً كان أو قريباً، ورد الباطل على ما جاءك به حبيباً كان أو بغيضاً، وتعلم القرآن ومل معه حيث مال لأنه معالم الحلال والحرام«، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »خيركم من تعلم القرآن وعلمه«، وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: »هذا القرآن مأدبة لله، فتعلموا مأدبة الله ما استطعتم وإن لقارئ القرآن لكل حرف منه عشر حسنات، وقد قال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } والذكر هو القرآن.
الباب الثاني
في* ذكر ما لا يسع جهله
والذي لا يسع جهله على كل عالم عاقل بالغ الحلم معرفة الله تعالى أنه واحد ليس كمثله شيء، وأنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله وأن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله فهو الحق المبين، وأنه صادق فيما قاله مما أمر به أو نهى عنه، فمن أقر بهذه الجملة وصدق بها فقد أقر بدين محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد آمن بما جاء به من علم الله في الجملة التي أقر بها وصدق بها في الجملة من دين محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإن هو رد شيئاً منها أو أنكر شيئاً من هذه الجملة كان مشركاً، وإن شك في شيء من هذه الجملة لم يسعه ذلك، وقد قامت عليه الحجة وأتته به الرسالة. (1/4)
صفحة 5
ذكر الإسلام: والإسلام هو الاستسلام لأمر الله، والانقياد له بالطاعة فيما أقر به من جملة الإسلام مما أمره به من أداء الفرائض، والعمل باللازم، وترك المحارم، والانتهاء من المظالم كلها، وتحريم ما حرم الله، واستحلال ما أحل الله، والإيمان هو التصديق بجملة الإسلام والطاعة له والعمل بها، ومما يجب على العبد الإيمان به: أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه وما جاءوا به، والبعث والحساب، والجنة والنار، وأن لله ثواباً لا يشبهه ثواب، وعقاباً لا يشبهه عقاب، وأن وعده ووعيده حق وأنه لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده وأنه صادق في كل ما قال.
الباب الثالث
في معرفة التوحيد
وعلى العبد معرفة خاله وأنه الله الذي أحياه ورزقه، وأن الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، لم يلد ولم يولد، عالم سميع بصير، قادر لطيف خبير، الرءوف الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، العدل الذي لا يجور*، الغني العلي، الملك الجبار المتكبر، الرازق الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، خلق الخلق على مشيئته وإرادته، فهم لما علم منهم منقادون، وعلى ما شاء وأراد يعملون، ولا يشبه في ذلك إلى شيء من خلقه محيط بخلقه، ولا يحيط به خلقه، ولا تدركه الأوهام ولا يشبه بالأجسام، ولا بالصور ولا الألوان، ولا الحركات ولا السكون، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حي قيوم، له ما في السموات وما في الأرض، ويعلم ما في الأرحام، وما في ظلمات البر والبحر، ويعرف بقدرته، ويستدل عليه بآياته وما خلق الله في ملكوت السموات والأرض وما في خلق الله من شيء وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون!.
الباب الرابع
في ذكر النعم* التي أنعم الله بها على عباده (1/5)
صفحة 6
فأول نعمة أنعمها عليهم: أن خلقهم أحياء غير أموات، وخلق لهم السمع والبصر والفؤاد، والكلام واللمس والشم والحس والذوق ليبلغوا منافع لهم ويذكروا النعم والملاذ ثم تفضل عليهم بكمال العقول، فجعل لهم عقولاً كاملة، يعرفون بها الحسن والقبيح، وأوجب عليهم معرفته عند كمال عقولهم، وأن يعلموا أنه خالقهم ورازقهم، وأنه الله الذي أحياهم وأخرجهم من العدم إلى الوجود، ثم تفضل عليهم بتمام النعمة، وارتضى لهم الإسلام ديناً، وأرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين، وأمرهم أن يدعوا إلى دين الإسلام، وأن يؤمنوا أنه خالق ورازق ومتفضل عليهم ابتدأهم بالنعم من قبل أن يستحقوها وأكمل عقولهم من بعد أن كانوا لا يعقلون شيئاً، وهداهم طريق الإسلام، وبين لهم الحلال والحرام، وبين لهم ما يأتون وما يتقون، فمن صدق واتقى نجا، ومن خالف ذلك ضل وغوى وعمى، ولم يهتد* وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
الباب الخامس
في الإسلام وإكماله
ثم أكمل الله دينه الإسلام على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فدعا إلى الإسلام، وأن تترك عبادة الأصنام والأوثان والأصنام والأزلام، وأن يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن جميع ما جاء به حق من عند الله، فكذبه مكذبون، وصدقه مصدقون، وأنزل الله عليه الجهاد والحدود والأحكام، وشرائع الإسلام، وبين الحلال والحرام، فدعا مجتهداً وشمر مجرداً حتى أكمل الله دينه، وتمت نعمته، ثم قبضه الله إليه، وقد أقام الحجة وبين الفرائض، فصلى الله وملائكته عليه.
الباب السادس
في الفرائض
والفرائض هي الصلاة والزكاة والصيام والحج، والجهاد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتباع الحق وترك الارتياب، وتحريم المحارم، واستحلال الحلال وطاعة ذي الجلال.
الباب السابع
في الفرائض التي إذا قام بها البعض أجزى عمن لم يقم بها (1/6)
صفحة 7
وأما الفرائض التي إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين: الجهاد إذا قام به البعض أجزأ عمن لم يقم به، وإن تركه الجميع من الناس كفروا، وكذلك تعليم القرآن والسنة، وتعليم العلم والفرائض، وصلاة الجماعات للصلوات، وغسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، ومواراتهم، لو ترك جميع هذه الفرائض جميع الناس كفروا، وإن قام بذلك البعض لم يكفروا.
الباب الثامن
في الجهاد
وإنما يجب الجهاد بالأسباب الكاملة، وأن يكونوا في العدد كنصف العدو من العدد والعدة والسلاح والكراع* والأوقية* والحمولة* والطعام والعلوفة* وما يحمل عليه، وما يكون فيه، وما تشرب الدواب والناس فيه، والعدة الكاملة بهذا يجب فرض الجهاد لمن أراد جهاد مشرك أو باغ، أو من يجب جهاده مع الإمام والطاعة له، من غير بسط الأيدي إلى حرام ولا ارتكاب في مسيرهم مما لا يحل لهم بتحريم ولا استحلال بدعوة ضلال ويكون الخارج إلى الجهاد بعد قضاء دينه والخلاص من تبعاته*، وإرضاء جيرانه وصلة أرحامه وإحكام وصيته وبر والديه، لأنه إنما يريد الموت في طاعة الله وجهاده أعداء الإسلام لله وفي الله، ورباط العدو، فذلك كذلك لا يخرج إلا بعد الخلاص. (1/7)
صفحة 8
وأما إذا بغت العدو البلد* فلهم أن يجاهدوا عن حريم البلد، من تخلص ومن لم يتخلص، ومن عليه دين يوصي به ويجاهد عدوه، ويدافع عن البلد، وإن لم تمكنه الوصية لبغت العدو جاهد مع أهل البلد، واجب عليه الدفع بالحق، قال الله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } *، أو ادفعوا فهما هما ولا يكون الجهاد والدفع إلا بعد الدعوة وإقامة الحجة إلا من قامت عليه الحجة فردها فلا دعوة له ومن قتل المسلمين قتل فلا دعوة له، وإن حارب الباغي قوتل حتى يفيء إلى أمر الله، ومن قتل المسلمين قتل وإذا قتلهم على دينهم قتل، ومن المسلمين ببغيه على دينهم أو بيعته أو بدلالته قتل، وقائد البغاة يقتل، ولا دعوة له إذا كانوا قد قتلوا المسلمين، وإذا انهزم البغاة إلى فئة قتل مدبرهم وأجيز على جريحهم*، حتى تؤمن معاودتهم، وإذا انهزموا إلى غير فئة وأمن منهم ألا يرجعوا لم يقتل موليهم ولم يجز على جريحهم، إلا من علم أنه قتل أحداًًً من المسلمين فإنه يقتل، ولا يستحل من البغاة شيء غير قتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، كما أمر الله، ولا سباء عليهم ولا غنيمة مال.
وأما أهل الشرك فإنهم قسمان: اليهود والنصارى والمجوس فإنهم يقاتلون في حال حربهم حتى يقروا بالجزية ويصيروا ذمة أو يقتلوا وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم، وذلك حلال في حال محاربتهم، وإن أقروا بالجزية وطلبوا الصلح والأمان قبل منهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم، وفي حال غنيمة أموالهم وسباء ذراريهم لا يحل تزويجهم، ولا يحل نكاح نسائهم، ولا يحل أيضاً وطء إمائهم بتزويج، ولا ملك يمين حتى يسلموا، وإذا صاروا صلحاً وأعطوا الجزية حل تزويج نساء أهل الكتاب ولا يحل سباء بعد الصلح، ولا يحل تزويج إمائهم.
وأما المجوس فلا يحل تزويج نسائهم لأن الله حرم المشركات مجملاً، ثم استثنى نساء أهل الكتاب بالتزويج عند السلم والصلح، وإعطاء الحق، وهو الجزية. (1/8)
صفحة 9
وأما عبدة الأوثان من العرب فلا يحل تزويج نسائهم ولا سباء ذراريهم ولا يقروا على دينهم، ولا يقبل منهم مصالحة ولا عهد، إلا: إما الدخول في الإسلام أو ضرب أعناقهم بعد نزول سورة براءة، وقد كان من قبل ذلك يقبل منهم العهد، وفي حال الحرب تغنم أموالهم، وأما إذا كانوا في حال السلم، لم تغنم أموالهم، ولم يؤخذ ممن دخل إليهم بأمان، وجميع مال أهل الشرك وغيرهم إذا لم يكونوا حرباً لم يحل من أموالهم شيء ولا سباء، وإذا كانوا حرباً كان في أموالهم الغنيمة والسباء ولا يحل تزويجهم على كل حال.
والمرتد يدعى إلى الدخول فيما خرج منه، فإن امتنع قتل، وإن حارب حورب، ولا يحل منه إلا ما أحل الله ورسوله لقوله: »من بدل دينه فاقتلوه«، ووقف عما سوى ذلك، وإذا مات المرتد فما له لولده* الصغار الذين ولدوا في حال محاربته بعد ارتداده، وإن كان ماله حيث كان مسلماً فإن ماله لولده الذين كانوا في بلده وهو مسلم ومات وهم صغار وخلفهم في دار الإسلام، وإن كان له مال في دار الحرب، ومال في دار الشرك ومال في بلاد الإسلام: فماله من بلد الحرب لولده من بلد الحرب وماله من بلد الإسلام لولده الصغار من بلد الإسلام، وإن مات ولا إرث له فماله لأهل دينه، من أهل حرب المسلمين، ولا ترثه زوجته المسلمة ولا أهله المسلمون، لأنه لا يتوارث المسلم والمشرك، وقيل إن مال المرتد إذا لم يكن له وراث يدفع إلى قرابته على ما جاءت به السنة.
الباب التاسع
في تعليم القرآن والعلم (1/9)
صفحة 10
وتعليم العلم فريضة على الكفاية، والقرآن إن تركه جميع الناس كفروا، وإن قام بذلك البعض ولم يقم أجزأ عمن لم يقم به، إذا كان الذي يتعلم لم يرتكب شيئاً من الحرام، ولم يترك شيئاً من الفرائض، ولم يتقدم على ما لا يجوز له وإنما يسقط عمن لم يقم بقيام من قام، إذا كان من لم يقم قد قام بما لا يمنعه جهله، وإنما ذلك في نقل الشريعة غير ما لا يسع جهله ولا ركوبه ولا ترك العمل به، وكذلك معرفة الله تعالى ونفي الأشباه عنه لا يسع جهلها، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاءوا به عنه، ومعرفة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما جاء به عن الله والثواب والعقاب، والبعث والحساب، والجنة والنار، ولا يسع رد شيء من ذلك، ولا الشك فيه والإيمان به يجب، ويسع جهل أداء الفرائض إذا أقر بالجملة ما لم يبتل بالعمل بها فإذا وجب عليه العمل بها لم يسعه جهل ذلك، وذلك أنه يسع جهل الوضوء والعلم بالصلاة ما لم يحضر الوقت، فإذا حضر وقت الصلاة لم يسعه جهل ذلك، وعليه الطهارة والصلاة، فإذا تطهر ثم ركب ما ينقض عليه طهارته لم يعذر بذلك، فإن صلى بغير وضوء أو صلى وقد فسد طهره لم يعذر بذلك، ولم يسعه جهل ركوبه ذلك، وكذلك الصلاة يسعه جهلها ما لم تحضر، فإذا حضرت لم يسعه تركها، وعليه أن يصليها بكمالها فإن لم يصل حتى يفوت وقتها، فإن فات الوقت لم يسعه جهل ذلك، ولم يعذر بذلك، والقبلة يسعه جهلها، فإذا حضرت الصلاة لم يسعه إلا أن يستقبل القبلة، ولبس الثياب الطاهرة عند الصلاة يسعه جهلها، فإذا حضرت الصلاة لم يسعه أن يصلي بثياب نجسة إلا من عذر، وكذلك ما يصلى عليه يعذر بجهل ذلك، فإذا أراد الصلاة لم يسعه أن يصلي على غير ما تجوز فيه الصلاة، فإن صلى على ما لا يثبت له به الصلاة ولا تجوز فيه لم يسعه ذلك، وكذلك إذا صلى بما لا يجوز فيه من اللباس المحرم والحلي المحرم للرجال يسعه ما لم يركب، وعند ركوبه لا يسعه جهل ذلك ولا يعذر بركوبه ولا يعذر (1/10)
صفحة 11
بترك الحق، وكذلك ما تصح به الصلاة من فرائضها وما يفسدها يسعه ما لم يصل ويحضر الوقت، فإن حضر الوقت فلم يصل على ما ينبغي، لم يعذر بذلك ولم يسعه، وكذلك لو لم يتعلم من القرآن شيئاً وحضرت الصلاة لم يسعه إذا صلى بغير قراءة وإنما يجزئ فيه قيام البعض به، ما لم يبتل أحد بشيء من العمل، مما لا يسعه تركه.
وكذلك الزكاة يسعه جهلها ما لم يبتل بملك ما تجب فيه الزكاة، فإذا وجبت عليه لم يسعه ترك ذلك، وعليه علمه والعمل به ودفعه إلى مستحقه.
وكذلك الصيام، يسعه جهله ما لم يحضر الشهر، فإذا حضر وقت شهر رمضان لم يسع كل بالغ عاقل صحيح مقيم إلا صومه، فإن جهل ذلك وتركه، لم يعذر بذلك ولم يسعه، وإن هو ركب ما يفسد صومه لم يسعه ذلك ولم يعذر بذلك.
وكذلك الحج إذا وجب عليه لزمه إذا ملك مالاً في شهر الحج، ولا يسعه تركه فإن لم يفعل حتى يموت ولم يحج ولم يوص لم يعذر بذلك، فإذا دخل في الحج لزمه اجتناب كل ما لا يجوز له أكله ولا لبسه ولا فعله ولا القول به، فإن فعل لم يسعه ذلك ولزمه ما لزمه من الجزاء وإن لم يأت بفرائض الحج لم يتم له حجه، ولم يسعه ذلك.
وكذلك كل ما حرم الله شربه أو أكله أو فعله أو قوله من جميع المحارم، فواسع لمن لم يعلمه إذا قام به البعض ما لم يركب شيئاً من ذلك الذي لا يجوز له فإن ركب شيئاً لم يسعه ولم يعذر بذلك.
وكذلك أموال الناس ودماؤهم، يسعه جهل حرمتها ما لم يتقدم على شيء من ذلك، فإن فعل شيئاً من ذلك بجهل أو علم لم يسعه ولم يعذر بذلك.
وكذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وما حرم الله، يسعه جهل معرفته ما لم يركب شيئاً من ذلك، فإن ركب شيئاً من ذلك لم يسعه ولم يعذر بذلك، ولا تسعه ولاية من ركب ما حرم الله بجهل ولا علم، ولا ولاية من ترك ما افترض الله عليه بجهل ولا علم. (1/11)
صفحة 12
وكل ما كان يسع جهله فهو كالذي وصفت لك، ففي هذا ما يستدل به على غيره وإنما قيل إنه يسعه جهل نقل الشريعة والكتاب إذا قام به البعض ما لم يركب أو يترك، فإن ركب باطلاً أو ترك فرضاً أو استحل حراماً، أو حرم حلالاً بجهل أو علم لم يعذر، ولا يسعه ولايته على ذلك العمل، من علم منه ذلك الفعل ولا تجوز ولايته على الجهل ولا العلم ومن أجهل هذا قيل إن على الناس تعليم العلم وأن يكونوا علماء، لأن هذا ما على الناس العمل به لأنه إنما عذر ما لم يترك أو يركب وكذلك تعليم الفرائض في المواريث والأحكام ونقل الشرائع ومحق البدع يجزئ فيه نقل البعض عن الكل، ما لم تعطل السنن أو يترك العمل، فإن ذلك غير واسع لهم، وغسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ومواراتهم لو تركه جميع الناس كفروا، وإذا قام بعضهم لم يكفروا، ولو أن قوماً حضروا الميت فدفنوه ولم يغسلوه ولم يصلوا عليه كفروا، وإن تركوه ولم يدفنوه ولم يصلوا عليه لم يعذروا بذلك، إلا من عذر فإذا قام به بعض الناس سقط عمن لم يقم به، وكذلك الأذان والإقامة وصلاة الجماعة، ذلك على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ما لم يعطل صلاة الجماعة، فإن ترك صلاة الجماعة جميع الناس لم يعذروا بذلك وكفروا، وصلاة الجمعة حيث تجب في الأمصار فرض لازم، ما قام بها أهل الأمصار سلم الناس، ولو تركت لم يعذروا بذلك وكفروا، ومن كان مقيماً في البلد الذي تجب فيه الجمعة وهو مقيم غير مسافر ولا مريض ولا مقهور فإنه لا يعذر إلا من عذر فإن ترك ذلك ثلاث جمع متواليات، فقد قيل إنه يكفر، وقد روى عن ابن عباس رحمه الله أنه سئل عن رجل كان لا يصلي الجمعة ولا جماعة فقيل إنه قال: إنه في النار.
الباب العاشر
في الأمر بالقيام بالقسط (1/12)
صفحة 13
وقد أمر الله المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، فعلى كل مؤمن أن يقوم لله بالقيام بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسهم، أو الوالدين والأقربين فعليهم القيام بالشهادة بالحق على ما أوجب الله ذلك عاماً حيث تبلغ قدرتهم مع قوله: { ليسأل الصادقين عن صدقهم } فهو يسأل الصادق عن صدقه والكاذب عن كذبه قال الله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً } * يسأل كل من كان له سمع وبصر وفؤاد يعقل به فهو يسأل عما جنى وعمل، والله أعلم.
الباب الحادي عشر
فيما يجب من الفرائض المفروضة على العبد في نفسه
فالواجب على العبد من الفرائض في كل حال مؤبداً في نفسه ألا ينظر مما لا يحل له، ولا يسمع مما لا يحل له، ولا يتكلم بالمحجور من الكلام المحرم عليه، ولا يركب محرماً، ولا يأكل حراماً في غير اضطرار، ولا يشرب حراماً، فإنه لا يحل له مال امرئ مسلم إلا من حيث أحل الله: من الموارثة والبيع عن التراضي أو ما طابت به الأنفس فيما بينهم، وما وجب بحق من الحقوق التي تجري في المعاملات، ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بارتداد عن الإسلام أو زنى بعد إحصان*، أو قتل نفس بغير نفس تعمداً ظلماً أو عدواناً، ولا يحل فرج امرأة إلا بتزويج أو ملك يمين على أي وجه ملكها من وجوه الإملاك، فصارت له ما لم تكن مشركة، فإن ذلك لا يجوز أي نكاح المشركات، ولا يحل بتزويج ولا ملك إلا ما أحل الله بالتزويج بالمحصنات من نساء أهل الكتاب، إذا كانوا سلماً للمسلمين، وإذا كانوا حرباً فنساؤهم حرام.
الباب الثاني عشر
في سنن الإنسان
وفي الإنسان عشر سنن: خمس في الرأس، وخمس في البدن، فاللواتي في الرأس فرق الشعر، والمضممة، والاستنشاق، وأخذ الشارب، والسواك، واللواتي في البدن: قلم الأظافر، ونتف شعر الإبطين، وحلق العانة، والختان للرجل –وهو للنساء مكرمة- والاستنجاء بالماء من البول والغائط، فأما الختان والاستنجاء فقد ألحق ذلك بالفرائض.
الباب الثالث عشر (1/13)
صفحة 14
في فرائض الصلاة
والفرائض في الصلاة خمس صلوات: صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء الآخرة، وصلاة الفجر، والسنن في الصلاة خمس صلوات: الوتر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان قبل صلاة الفجر، وصلاة العيدين، وصلاة الجنازة، فأما صلاة الوتر والجنازة، فقد ألحق ذلك بالفرض غير أن صلاة الجنازة إذا قام بها البعض أجزأ عمن لم يقم بها، وهي تجب على الكفاية في البعض، وما بقي من سنن الصلاة غير ما ذكرنا سنن نفل، والفرض الذي لا تقوم الصلاة إلا به، ولا تبنى إلا عليه، وبه تتم، يصح العمل بسبع خصال: العلم بالوقت، والنية،والطهارة، ولبس الثياب الطاهرة، والصلاة على البقعة الطاهرة، والانتصاب للصلاة، واستقبال القبلة، فهذا لا تتم الصلاة إلا به، والفرض في الصلاة تكبيرة الإحرام، والقراءة في حال القيام، والركوع والسجود، والقعود، وما يقال في الصلاة في غير هذه المواضع، بعدما ذكرت فرضه فهو سنن، والأذان سنة على الكفاية، والإقامة سنة، والتوجيه سنة، والاستعاذة سنة عند القراءة في الصلاة، والتسبيح سنة في الركوع، يقال: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سنة، يقول: سبحان ربي الأعلى، لأنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك، وقول: سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد، سنة، والتكبير للركوع والسجود، والقيام، والقعود سنن في الصلاة، والتحيات أكثر القول سنة، وقيل: فرض والله أعلم، والتسليم سنة، ولهذا توابع وتفسير يطول ذكره، ويتسع شرحه.
الباب الرابع عشر
في العلم بالوقت والنية والوضوة
فإذا حضر الوقت وجب على الإنسان علم ذلك، ولم يعذر بترك الصلاة حتى يفوت الوقت، فإذا ثبت العلم بالوقت وجب عليه إتيانها والقيام لأدائها بفرائضها، واعتقاد النية لفعل الصلاة والقيام إليها والطهارة لها، وقيل إذا توضأ رجل وفي جارحة من جوارح الوضوء نجاسة وصلى بذلك، فقيل يمضي على غالب ظنه وصلاته ووضوئه، إذا لم يبق أثر النجاسة تامتان*.
الباب الخامس عشر (1/14)
صفحة 15
في الطهارة
والفرض في الطهارة الماء الطاهر، والنية، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرافق، ومسح الرأس، وغسل القدمين، والسنن في الوضوء: ذكر اسم الله [عند الوضوء، وغسل اليدين، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين، والاستنجاء، فهذه حدود الوضوء، فإذا أراد الوضوء قصد بنية ثم ذكر اسم الله] وغسل يديه ثلاثاً ثم استنجا إن كان به أذى ثم بدأ، فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً ثم غسل وجهه من الأذن إلى الأذن ثلاثاً، ثم يديه إلى المرافق ثلاثاً، وخلل أصابعه، ومسح رأسه ثلاثاً، ثم مسح أذنيه ثلاثاً، وغسل قدمه إلى الكعبين ثلاثاً، ويخلل أصابعه وباطن قدميه لما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من نار« وقال - عليه السلام -: »ويل لبطون الأقدام من النار، وويل للعراقيب من النار«، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله«، وروى عنه - عليه السلام -: »لا وضوء لمن لم يقل: بسم الله الرحمن الرحيم«، وروي خبر أنه قال: »أشربوا أعينكم الماء لعلها لا ترى ناراً حامية« ويخلل لحيه الأسفل، ويستحب أن يخلل لحيته، وليست اللحية في حدود الوضوء، ولكن يستحب ذلك، ويبالغ في الاستنشاق لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل: »إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائماً فذلك في الوضوء مؤكد«، ويمسح أذنيه باطنهما وظاهرهما على ما قد قيل به، [وقيل إذا كان الماء في إناءين وأحدهما نجس ولم يعلم (من)* منهما المتنجس، وليس معه ماء غيرهما فقيل: يتوضأ خوفاً أن يكون الماء الآخر الذي توضأ به نجساً، ولا يتيمم قبل أن يتوضأ بهما لن (ذلك)* لا يبطل وضوءه فربما يكون الماء الذي يتوضأ (ب)* آخراً طاهراً، والله أعلم. (1/15)
صفحة 16
وإذا توضأ لنافلة ولم ينوه لصلاة الفريضة فلا يجوز له أن يصلي به الفريضة إلا أن ينوي به]* وقيل من ترك موضعاً من حدود الوضوء لم يغسله، بعث الله حيات وعقارب ينهشن ويلدغن موضع ما ترك من حدود الوضوء، حتى يقضي الله بين الناس، وذلك بعد أن يكون الماء طاهراً، ولا يتوضأ بماء نجس، ولا بماء مضاف ولا مستعمل بالوضوء ولا غيره مما قد هلك فيه، بماء المشركين ولا بآنيتهم، ولا تجوز الطهارة بشيء غير الماء (الطاهر) المطلق الذي ذكره الله في كتابه { وأنزلنا من السماء ماء طهوراً } *، وقال: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض } *، وقال: { وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } * فذلك كله طاهر مطهر للأنجاس، ويجوز به الوضوء، والماء الطاهر لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، وغيره عن حاله، وكانت النجاسة ظاهرة عليه في لونه أو عرفه أو طعمه وذوقه فذلك ماء نجس، لأن حكم ذلك على الأغلب، ما جرى عليه اسم ماء مطلق، فهو طاهر، وقد اختلف الناس في أوصاف الماء ولم يذكر ذلك، والماء إذا صار في حال قد حكم عليه بالنجاسة، فإذا حدث فيه حكم يوجب طهارته لما قالوا به من نزح البئر أو سيل أو ما يزيل حكم النجاسة ويرجع إلى حكمه الأول طهور الماء إذا كان قليلاً ونزح كله (وفرغ) وجاء في العيون ماء آخر وطهر، [ومن غير الكتاب عن أبي الحواري في بئر وقعت فيها ميتة أو عذرة فتركت ولم يخرج منها ما شاء الله، إلى أن أصاب الغيث، وكثر ماؤها، فإذا استبحرت جاز لهم أن يستقوا منها، وإن قلت بعد ذلك فقد طهرت إلا أن يتغير ماؤها بطعم أو ريح، وإن كانت الميتة قد هلكت، لم تضرها القلة بعد الكثرة، والله أعلم].
الباب السادس عشر
في ذكر ما ينقض الطهارة (1/16)
صفحة 17
والذي ينتقض به الطهارة والوضوء والصلاة هو كل ما يخرج من الإنسان من جوبه من مخرج الطام فما خرج (من فيه من قيء أو دم أو رعاف من الرأس نقض الوضوء وكل ما خرج) من الفرج من رطوبة من ماء أو بول أو حيض أو غائط أو دم أو عذرة أو جنابة أو مذي أو ودي أو دابة أو ريح بادية العرف أو صوت فإن ذلك ينقض الوضوء وكل ما خرج من البدن من الدم نقض الوضوء، وما وقع في البدن من النجاسة من الإنسان أو غيره ينقض الوضوء، (وقيل إن ما خرج من الإنسان من جلد ميت فلا ينجس ولو وقع في الماء، وقيل إن الجرجر* إذا طبخ بماء نجس أنه يعاد يطبخ ثانية بماء طاهر، والبيض إذا شوي وهو غير مغسول وانكسر فلا بأس به، وإن طبخ وانشق في حال الطبخ وهو غير مغسول لم يؤكل، وقيل في امرأة سارت لصيد الجراد وهي متوضئة ثم خرج ما من فرجها فقيل إن كان بارداً فلا نقض عليها، وإن كان سخناً انتقض وضوئها، والعمل إن وضوءها ينتقض على الوجهين جميعاً، لأنه خرج من موضع البول، وقيل فيمن يتوضأ وهو يتكلم ويتحدث، فقيل يكره له ذلك، ولا نقض عليه في وضوئه إذا أتى ما أمره به في وضوء من غسل أو مسح، وقيل فيمن يتوضأ وهو عريان اختلاف في تمام وضوئه، ويعجبني نقض وضوئه، وفيه قول لا ينتقض إذا كان بموضع مستتر، وإذا أقلع المتوضئ شعرة من جسده فلا ينتقض وضوءه حتى يخرج منه دم، وإذا أخرج قملة بيده ولم يخرج من القملة شيء بيده فلا نقض عليه في وضوئه إذا لم يخرجها* لم ينقض وضوءه، ولك ما تكلم به من ذكر الفروج والعذرة* بأقبح أسمائها أو شتم به أحداً انتقض وضوءه، وكل من شتم المسلمين أو اغتابهم أو قذفهم، أو كذب أو لعن مؤمناً، أو قبح من لا يستحق، أو لعن من لا يستحق، أو تكلم بزور أو شيء من الفجور انتقض وضوءه، ولا ينقض وضوءه غيبة المنافق ومن لعن من لا يستحق من الدواب والأطفال، انتقض وضوءه، ومن دخل منازل الناس بغير إذن انتقض وضوءه، ومن استمع سراً بين اثنين أو نظر حرمة في منزل قوم، (1/17)
صفحة 18
انتقض وضوءه، ومن نظر أبدان النساء متعمداً انتقض وضوءه، ومن نظر المحارم والفروج ممن لا يحل له أو المحارم، انتقض وضوءه، وأما الأمة فإن النظر إلى بدنها لا ينقض الوضوء إلا الفرج، وكذلك من نظر أبدان النساء اللاتي يتبرجن ويخالطن الرجال لا ينقض وضوءه حتى ينظر الفرج، ونظره فرج الصبي لا ينقض الوضوء، وفرج الجارية من نظره انتقض وضوءه، ومس الفروج كلها ينقض الوضوء، ومن مس فرجه أو فرج غيره انتقض وضوءه، إلا من الدواب، فلا ينقض ذلك وضوء من مسه، والنظر إلى ذوي المحارم من النساء سوى الفرج اختلاف في نقض الوضوء، ومن مس نجاسة يابسة لم ينتقض عليه وضوءه، والرطبة منها تنقض الوضوء.
[وقيل في رجل استغفر وهو على وضوء فقيل إن كان ناسياً فلا فساد عليه، والمتعمد فيه اختلاف والذي يوجب عليه النقض مخافة الكذب والنفاق ومزاح الصدق لا ينقض الوضوء، وقيل إن البكاء لا ينقض الوضوء إذا كان من خشية الله، وإن كان من غير ذلك فإنه ينقض الوضوء، وذلك إذا كذب في بكائه، مثل من يبكي على الميت عند (....)*، إذا غلبه البكاء فلا نقض عليه إذا لم يكن عما ذكرت، والله أعلم. (1/18)
صفحة 19
ومن نقض صلاته من غير وجه يجوز له نقضها ففي نقض وضوءه اختلاف على القول الذي ينقض الوضوء بالمعاصي فهو معصية لأنه يقول تبارك وتعالى: { ولا تبطلوا أعمالكم } [وأما الميتة فقد قيل إن من مس الميتة] انتقض وضوءه، وقد جاء في الحديث: »أن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً«، واختلفوا في مس الميت الولي وأحب إلي أن لا ينقض الوضوء من مسه إلا أن ميس منه أذى إذا كان ولياً أو مؤمناً، وقيل إن مسه ينقض الوضوء ولو كان ولياً، ودم السمك والكبد لا ينقض الوضوء، وكل دابة لا دم لها فلا تنقض وضوء من مسها، ولا تنجس ما وقعت فيه ولا ماتت فيه، ولا بأس بدم البعوض حتى يصير كالظفر على قول، والقمل ذرقه نجس وميتته نجسه ودمه نجس فإن مات في الطعام أو الماء أفسده، وذرقه نجس ينقض الوضوء إذا مسه الإنسان ولا بأس به في الثياب، وإن مات فيها أخرج منها، وإن مات فيها وهي رطبة غسل موضعها، ودم الضمج* والقردان* والحلم ينقض الوضوء وكل دم سافح من كل حي ينقض الوضوء إلا السمك، ودم الأوداج والعروق والمذبحة من الذبيحة ينقض الوضوء لمن مسه، وخاصة اللحم والكبد لا ينقض إذا غسل المذبحة، وذرق الطير الوحشي الذي هو صيد لا بأس به من جميع ذلك، وكل طير قد جاء النهي عن أكل لحمه من ذوات المخالب من الطير طرحه نجس ينقض الوضوء وسؤر السباع كلها وطرحها نجس ينقض الوضوء، وطرح الدجاج نسج ولا بأس بسؤره، والحمام الأهلي مثل الحقم* فلا بأس بسؤره وطرحه نجس، وطرح الأجدل* نجس، والأفاعي والأماحي والحيات والخناز* نجس طرحه، وسؤره نجس، وسؤر الفأر نجس، ولا بأس بسؤر السنور، ولا بأس بسؤر الأنعام وبعرها، وأما بول الأنعام فنجس، وما في كرشها من فرث نجس، وما تخلص من الكرش من الأنعام إلى الأمعاء والحوايا فذلك طاهر ولا بأس به، وسلح الجمال طاهر، وما ضربت بأذنابها مما لاقى البول نجس، وما وقع في الأنعام والدواب من النجاسات منها أو من غيرها، في أفواهها أو على ظهورها، أو في (1/19)
صفحة 20
جنوبها أو ضروعها، أو في قبلها أو دبرها، كائناً ما كان من نجاسة، عند بعض الفقهاء إذا يبس وذهب، أو تمرغت به في التراب ويبس، وذهبت أو غابت مقدار ما تأكل وتشرب، ولم ير أثر ذلك في النجاسة، فقد وقع عليه حكم الطهارة ولا تنجس ما أصاب ولا ما مسته وأعراق* الدواب والأنعام عندنا طاهرة كلها وأسوارها*، وكذلك الغيلة إذا غيلت* بماء نجس، فإذا بنى بها في الجدار ويبس فهي طاهرة، وأسوار السباع كلها نجسة إلا السنور، وأهل الذمة ما مسوه من رطوبة نجسوه وإن مسوا شيئاً برطوبة نجسوه وآنيتهم وثيابهم نجسة، لحكم ما يلحقهم من الشرك، ولا يصلى بثيابهم، ولا ينتفع بآنيتهم إلا مع اضطرار، بعد أن يغسل بالماء ويطهر، والآنية التي تنشف الماء* إذا تنجست جعل فيها الماء الطاهر، حتى يدخل مداخل الماء النجس، ثم يكفى ويغسل وقد طهرت.
الباب السابع عشر
في ذكر الغسل من الجنابة
والغسل من الجنابة فرض في كتاب الله - عز وجل -، ولا عذر لمن جهله بعد أن تصيبه الجنابة وتحضر الصلاة، فإن أصابته جنابة وحضرته الصلاة فصلى بغير غسل لم يعذر بذلك، وعليه التوبة والبدل والكفارة، قال الله تعالى: { وإن كنتم جنباً فاطهروا } * معناه فاغتسلوا بالماء، [وقيل إن للجنب والحائض أن يغسلا الميت وييمما المريض للصلاة ويكبرا له، والجارية الصغيرة إذا جامعها زوجها البالغ، فليس عليها الغسل من طريق اللزوم، وتؤمر أن تغتسل إلى الرقبة، وفيه اختلاف، والعمل على ما ذكرنا، وقيل أن على من ترك الغسل من الجنابة زماناً التوبة والندم والاستغفار، وبدل ما صلى وصام، واختلفوا فيما يلزمه من الكفارات، والأوسط من أقاويلهم أن عليه خمس كفارات لما ضيع من صلوات، وكفارة واحدة لصيام شهر رمضان، والله أعلم، والجنب إذا لم يتيمم لجنابته لصلاته جهلاً منه بذلك، ففي بعض القول لا كفارة عليه، والله أعلم]*. (1/20)
صفحة 21
فإذا أراد الجنب الغسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم غسل موضع النجاسة ثم توضأ وضوء الصلاة، ثم غسل رأسه يميناً وشمالاً، ووجه وحلقه وعنقه، ثم يغسل يديه اليمنى وما يلي ذلك من بدنه، ثم يده اليسرى وما يلي ذلك من بدنه، وظهره وصدره، ويغسل رجليه اليمنى ثم اليسرى، ويبالغ في الغسل، فإنه قيل: تحت كل شعرة جنابة لمعنى التعبد يعمه الغسل، وغسل الجنابة والحيض سواء في الحكم، إلا أن الحائض تؤمر بحمل الغسل، ولا بأس أن يغتسل الرجل وامرأته من إناء واحد، يتنازعان الماء من الوعاء، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: غسلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاعين ونصف من ماء من إناء واحد، كل واحد منا يقول لصاحبه أبق لي، فعلى هذا يجزئ الماء القليل للغسل، والوضوء أيضاً القليل كاف، ولا خير في السرف في ذلك، ولا بأس بسؤر الحائض والجنب وما مساه من رطب أو يابس، ولا بأس بسؤرهما من الماء للوضوء والشراب، لأنهما ليسا بنجسين إلا موضع النجاسة من الجنابة والحيض، وسائر البدن طاهر ولا بأس بما مساه من رطب ويابس، وقيل: إن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن ويمنع دخول المسجد وكذلك الحائض وهما ممنوعان من ذلك، ومن حمل المصاحف والتعاويذ وإذا أراد الجنب دخول المسجد تيمم، ويجوز له بعد ذلك دخول المسجد وقراءة القرآن (وقيل يجوز للرجل أن يقضي شهوته في سائر بدن زوجته)*، وأما قولهم لا يتوضأ بفضل ماء المرأة، فذلك ماء أفضل من قطر وضوئها مما لاقى البدن، فذلك هو الفضل وذلك ماء مستعمل فلا يتوضأ به، وأما الماء الذي في الوعاء لم يحمله للوضوء فلا بأس به وثوب الجنب والحائض طاهر، وريقهما طاهر، وعرقهما طاهر، ولا بأس بمناومة الحائض، ما لم يقرب الفرج، فإن جماع الحائض في الفرج في حال الحيض حرام محرم*، ومن دخل نهراً وبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس به وأجزأه، ومن دخل نهراً له حركة أو موج فضربه فنضفه* أجزأه، إذا كان نيته في ذلك الغسل، ومن (1/21)
صفحة 22
وقف في غيث للغسل حتى ينضفه أجزأه، وإذا عمم الماء بدن الجنب كله أجزأه مرة واحدة، والمأمور به ثلاثاً، ومن كان به جراحة أو جبائر وخاف إن غسله أن يزداد علي غسل حتى إذا وصله أجرى الماء حوله سواء، ومن كان جنباً ولم يعلم بجنابته وصلى، ثم علم، غسل ثم أبدل ما صلى بغير غسل، والنية للغسل من الجنابة تقول: باسمك اللهم أغتسل من الجنابة الفريضة، ومن كل نجاسة، أداء عما علي من فرض غسلها، وطاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقيل إن الجنب إذا اغتسل من الجنابة ولم يرق البول فإنه يلزمه الغسل ثانية إذا أراق، وإن صلى قبل أن يريق البول واغتسل فلا بدل عليه، وإذا كان في فلاة وأجنب خاف الهلاك من البرد، فاستنجى وتوضأ وصلى، ولم يتيمم لجنابته، فيعجبني أن يبدل صلاته، لأنه يوجد عن سليمان بن عثمان: لا بدل عليه ولا كفارة والله أعلم.
الباب الثامن عشر
في التيمم وذكره (1/22)
صفحة 23
والتيمم فرض في كتاب الله تعالى، عند عدم الماء للطهارة للصلاة والجنابة، قال الله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا* ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } * معناه من ضيق، والتيمم: هو التعمد والقصد إلى الأرض، والصعيد: هو ما صعد على وجه الأرض من التراب، طيباً والطيب: هو الحلال الطاهر، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم، فيضرب بيديه الأرض ثم يردهما إلى التراب ضربة أخرى فيمسح بهما كفيه إلى الرسغين*، ما ظهر وما بطن، ولا يزيد على ذلك وتيمم واحد يجزئه عن الجنابة والصلاة إذا نوى ذلك لهما، والنية للتيمم يقول: أرفع بتيممي هذا جميع الأحداث وأتيمم للصلاة بدلاً للماء، وطهارة من كل نجاسة، طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإن تيمم للصلاة تيمماً وللغسل تيمماً، كان ذلك أفضل له، فإذا خرج الرجل حيث لا يجد ماء في سفره، فإنه إذا حضرت الصلاة وطلب الماء فإن لم يجد ماء تيمم وأجزأه، ولو وجد الماء بعد أن صلى فلا بدل عليه في الصلاة، وإن كان الماء في رحلة أو قريباً منه، ولم يطلبه، ثم علم، أعاد الصلاة بالماء، وقيل: إنه ينبغي له أن يلاحظ يمنة ويسرة في منزله الذي هو فيه، وليس عليه أن يتعدى إلى مكان بعيد، وإن لم يلاحظ ويطلب الماء، ثم وجد الماء ووقت الصلاة بعده قائم فعليه بدل الصلاة، وإن فات الوقت وكان قد صلى –بلا ملاحظة ولا طلب- فعليه البدل، وفي الكفارة اختلاف، والله أعلم. (1/23)
صفحة 24
وإن كان معه ماء لطعامه وشرابه، فليس عليه أن يتوضأ منه، إذا كان يخاف النقصان عن طعامه وشرابه (لم يتوضأ منه)* إلا أن يعلم أن فيه فضلة، أو قد استغنى عنه، وقيل: يجوز التيمم بتراب المسجد إذا ضرب بيده ولم يحمل منه شيئاً لأنه ذلك لا قيمة له، ومن المقبرة فيه اختلاف، وأما أخذ التراب من الطريق إذا لم يخرجه فجائز، والتيمم الواحد يجزئه لجمع الصلاتين، وذلك إذا كان يصليهما جميعاً، فإن رأى ماء –وقد تيمم- قبل أن يصلي انتقض تيممه، وإن كان رآه بعد أن صلى وقد طلبه ولم يجد شيئاً فلا بدل عليه، ومن كان رآه بعد أن صلى وقد طلبه ولم يجد شيئاً فلا بدل عليه، ومن كان متجاوزاً في سفره، وليس معه ماء، ولا بقربه ماء، تيمم ولا يذهب يطلب الماء، وإن كان الماء قريباً منه بقدر ما يعوقه به أصحابه ذهب إليه، وإن كان بعيداً بقدر ما يعوقه عن طريقه، أو يشق على أصحابه في الذهاب إليه، تيمم وصلى، وكل من لم يجد الماء، ولم يكن بالقرب منه ماء في سفره، أو غيره، فإنه يجزئه الصعيد، وكل من كان به على أو جراحة مؤذية أو مرض يخاف منه عليه إن مسه الماء أن تزداد به علته، تيمم، ولا يغتسل إذا خاف عليه الزيادة، وينبغي له أن يتوضأ قبل أن يتيمم، إن كان في شيء من جوارحه على لا يمكنه أن يوضئها* كأنه إذا توضأ بعد أن تيمم الجارحة* أذهب الوضوء التيمم، ونية التيمم كالنية للتيمم عند عدم الماء، وكل صحيح أو مريض مسافر أو مقيم، أصابته جنابة وحضرته الصلاة، وخاف على نفسه الهلاك من برودة الماء أو على نصيبه تؤدي به إلى التلف، فإنه يتيمم بالتراب، ولا يخاطر بنفسه إلى الهلاك، وقيل: إن المريض إذا لم يقدر على الوضوء والتيمم، وأعسره أن يوضئه، أعليه لازم أن يستعين بمن يوضئه وييممه من أهله؟ فقول: عليه أن يستعين بمن حضره من المتعبدين من أهله إذا عجز، وقول: ليس عليه ذلك، ويؤدي فرضه كيف ما قدر، والله أعلم. (1/24)
صفحة 25
والذي يكون في القرية، ويخاف على نفسه من القود إذا سار إلى الماء، فقيل: يجوز له التيمم، ولا يجوز للمريض أن يتيمم وعنده زوجة، وكانت لا تمتنع عن استنجائه من البول والغائط، ولا يثقل عليها، وإن لم يجد أحداً أو وجد أحداً وثقل عليه ذلك ولم يتبرع من ذات نفسه إلى إعانته فهو معذور ويؤدي فرضه بما قدر، وقد روي أن قوماً غسلوا رجلاً مجدوراً لهم بالماء فمات، أو قوماً غسلوا رجلاً كان به جرح فكز فمات، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »قتلوه قتلهم الله إنما كان يجزئه التيمم«، وكذلك ما روي عن عمرو بن العاص، أنه أصابته الجنابة في غزوة للنبي كان أميراً عليها، فتيمم فصلى، فلما قدم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبره أصحابه فقال: من أين علمت يا عمرو؟ أو من أين لك ذلك؟ قال: يا رسول الله وجدت الله تعالى يقول في كتابه: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } * فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه شيئاً، وكذلك كل من كانت به علة أو جراحة تؤذيه مثوية، أو خاف على نفسه الهلاك من شدة الماء والبرد، فالتيمم له كاف، إلا أن يكون في موضعه ويقدر على أن يسخن له ماء، (فعسى ذلك يغسل بالماء مسخوناً)* وإن لم يكن ذلك فالتيمم له كاف). (1/25)
صفحة 26
وطالب الشوع والجراد إذا كان غنياً فلا يجوز له التيمم للصلاة إذا لم يجاوز الفرسخين، وإن كان فقيراً فالتيمم جهلاً منه وصلى فقول عليه الكفارة]*، ومن أجنب ولم يجد ماء إلا بشرى اشترى، إلا أن يمتنع الماء لغلائه، فإنه يتيمم بالصعيد، والتيمم للجنب والحائض واحد، وقد روي أن رجلاً يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عدي بن حاتم الطائي فقال: إنا نغيب عن الماء ومعنا الأهلون، فقال: »الصعيد كاف ما لم تجد الماء ولو إلى سنين«، وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر رحمه الله أو لغيره: »الصعيد الطيب كاف ولو إلى عشر سنين« ففي هذا ما يجزئ الصعيد لكل من لم يجد الماء، وإن كان معه امرأته جاز له مجامعتها، والتصعد بالتراب لهما جائز، ما لم يجد الماء، والحائض إذا طهرت من حيضها تيممت وصلت، وجائز لزوجها مجامعتها بعد التطهر بالصعيد على قول بعض الفقهاء، وشدد آخرون في ذلك حتى تغتسل بالماء من الحيض والنفاس كله سواء، والمطلقة إذا حضرت الصلاة وقد طهرت من آخر حيضة عند انقضاء عدتها، فتصعدت بالتراب، فقد فاتت مطلقها وانقضت عدتها وحلت للأزواج، والمستحاضة تتيمم لجمع الصلاتين وللوتر تيمماً واحداً، وإن أرادت أن تبدل أحدثت تيمماً آخر، وكذلك إن غسلت من الاستحاضة عند الجمع للصلاتين وصلت الجمع والوتر، فإن أرادت أن تبدل اغتسلت أيضاً مرة أخرى كذلك، والتيمم لا يجوز بالتراب كما قال الله تبارك وتعالى: { صعيداً طيباً } ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: »جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً فلا يتطهر بغير التراب«، ولا يجوز التيمم بتراب نجس، ولا بتراب قد تيمم به مرة أخرى، ولا بهك، وبرماد، وبجص ولا آجر، ولا قمح، ولا سبخ، ولا ملح، ولا شيء غير التراب.
الباب التاسع عشر
في ذكر لبس الثياب عند فعل الصلاة (1/26)
صفحة 27
ولا تكون الثياب إلا طاهرة لقوله تعالى: { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } والزينة لا تكون مستقذرة يقول: البسوا ثيابكم عند كل مسجد، وقوله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: { وثيابك فطهر } فأمره بتطهير ثيابه، وقيل إنها كانت مستقذرة فتطهير الثياب واجب على كل من أراد أن يصلي، ولا يجوز بثياب نجسة إلا إذا لم يجد ثياباً طاهرة، وتطهير الثياب لا يكون إلا بالماء الطاهر، ولا يطهر بماء نجس، وجائز قبول طهارتها ممن يعرف بغسل النجاسات، أو قد علم منه ذلك، ومن أهل الإسلام يقبل منهما إذا رأى عليها أثر الغسالة وذهاب عين النجاسة قبل ذلك ممن يغسل النجاسة، وغسل النجاسة من الثياب ثلاث عركات* وقد طهر، إلا أن يكون عين النجاسة قائمة، لم تذهب العين بالثلاث، فحتى تخرج النجاسة من الثوب، وهي على وجهين: إما أن تذهب العين بالثلاث، أو تغسل حتى تذهب ثم تطهر، ولا تجوز الصلاة بالثوب النجس، ومن صلى بثوب نجس ولم يعلم أعاد صلاته إذا علم، وإن رأى في ثوبه نجاسة ولم يعلم متى وقعت فيه، وقد صلى به، فإنه على الاحتياط يبدل صلاة يوم وليلة، وأما في الحكم فلا يلزمه إلا حين علم، وفي الجنابة من آخر نومة نامها، والعذرة* من آخر قعدة قعدها، والدم يحدث بكل حال، فلا يلزمه حتى يعلمه أنه كان في الثوب قبل الصلاة، ومن كان معه أربعة أثواب، ثوب فيه جنابة، وثوب فيه دم، وثوب فيه بول، وثوب فيه عذرة، فليصل بثوب الدم إذا لم يكن دماً مسفوحا، ثم الجنابة، ثم البول، ثم العذرة، وإن كان الدم مسفوحاً فإنه يصلي بالثوب الذي فيه الجنابة، ثم البول، والعذرة ثم الدم، وإذا كان الثوب فيه هذه النجاسات، وليس معه إلا هو وحده، صلى به إذا لم يجد غيره. (1/27)
صفحة 28
ولا يصلي بثوب فيه شعر مشرك، ولا شعر أقلف* بالغ، ولا شعر جنب، ولا شعر حائض، ولا شعر قرد، ولا شعر خنزير، لأن كل هذا لا يجوز الصلاة به، وشعر الجنب والحائض إذا غسل جازت به الصلاة، والصلاة بالثوب السوجي جائزة، وبالعمامة إذا ستر الصدر والظهر، وإذا لم يكن إلا هي –وثوب نجس- صلى بها إن كانت تواري عورته من السرة إلى الركبة، وإن لم تكن تواريه صلى بالثوب النجس، ولا يصلي بثوب ليس على عاتقه منه شيء إلا أن يخالف بين طرفيه، وقيل في الثوب إذا كان فيه نقط دم متفرقة، أن لو جمعت صارت كظفر الإبهام، فاختلاف في الصلاة به، فمن لم يصل به وتركه احتياطاً فهو أحسن، ومن توسع بالقول الآخر لأجل البلوى به لم يضق عليه إن شاء الله، والصوغ الذي يصوغه الكفار مجوفاً من الذهب والفضة ونالوه برطوباتهم، فإذا كان محشواً بشمع فلا تجوز به الصلاة، ولو غسل ظاهره، وإن لم يكن محشواً بشمع فإذا غسل ظاهره جازت به الصلاة والله أعلم. (1/28)
صفحة 29
وقيل إن أواني الآزورد والحشف لا ينشفن النجاسة، وجائز الصلاة بثوب المرأة وثياب أهل الصلاة، ولا يجوز بثياب أهل الذمة ولا المشرك، وكل ثوب صنعه مشرك أو يهودي لم يصل به، حتى يغسل غسل النجاسة، وإذا عمل المجوسي الثوب لم يصل فيه حتى يغسل، وذلك إذا باعه وهو مقموط غير منشور، وجائز الصلاة بالقميص الواحد، والمرأة تصلي بقميص وجلباب وخمار، وجائز أن تصلي بإزارها وحده إذا دخلت فيه ولا تمس بيديها فخذيها، ولا تصلي إلا بخمار، ولا تصلي ورأسها مكشوف، وقد أجازوا ذلك، ويوجد في الأثر عن محمد بن محبوب رحمه الله أن للمرأة أن تصلي في بيتها ورأسها مكشوف، قال أبو محمد رحمه الله: إن ذلك لا يجوز وإن تغطية رأسها في الصلاة واجب في بيتها وغير بيتها، وإذا كان ثوب منسوجاً بحرير إلا أن السداة منه غير حرير ففي جواز الصلاة به اختلاف، وإن كانت السداة حريراً وكان الحرير قدر عرض إصبعين فلا تجوز به الصلاة، ولا تجوز الصلاة للرجال بثياب القز ولا الحرير ولا الإبريسم، ولا الخز الملحم إلا للنساء، وجائز بالخز الخالص، ولا بثوب فيه تصاوير ذوات الأرواح، ولا بثوب ليس من نبات الأرض، ويصلى بثوب الصوف والشعر ولا يسجد عليه، وجائز للأمة أن تصلي ورأسها مكشوف بارز، وجائز أن يصلى بالجلد ولا يسجد عليه، ولا تجوز الصلاة بثوب يشف، ويكره بثوب يصف، وجائز الصلاة بالقباء والجبة والقميص، ويشتمل بالثوب الواحد وإن لم يصل، لواه ولو بحبل على رقبته.
الباب العشرون
في ذكر الصلاة على البقعة الطاهرة (1/29)
صفحة 30
روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً« ولا تجوز الصلاة إلا على الأرض، حكمه حكمها في القياس والناس على ذلك متفقون، واختلفوا في غير الأرض ونباتها، فتركنا ما اختلفوا فيه من غير الأرض ونباتها، والصلاة جائزة على الأرض الطاهرة كلها، وما أنبتت الأرض من النبات كله من البقاع الطاهرة، إلا ما استثنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، مما لا تجوز الصلاة عليه بالسنة أيضاً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: »لا تصل في المنحرة، ولا المجزرة، ولا المزبلة، ولا الحمام، ولا المقبرة، ولا معاطن الإبل، ولا قارعة الطريق، ولا موضع نجس، ولا على عود« وهو عود الخشب، إلا ما استوى مع الأرض، ولا على وسادة، ولا يسجد على وسادة ولا مسواك، ولا على ظهر رجل ولا دابة، ولا على الصفا* الصغير ولا الكبير إلا إذا كان صلداً متصلاً لا منقطعاً، ولا على الجص ولا الآجر لأنه محروق بالنار، ولا على الحديد، ولا على الصفر، ولا على الشبه، ولا الرصاص، ولا النحاس، ولا الذهب، ولا الفضة، ولا الحرير، ولا الإبريسم، ولا الجلد، ولا الشعر، ولا الصوف، ولا اللحم، ولا الخز الملحم، ولا على النجاسة، ومن سدعته نجاسة في صلاته انتقضت، وجائز الصلاة على الأرض الطاهرة كلها غير المغتصبة، والثياب والحب والتمر والحمولة من الأطعمة مما أنبتت الأرض، والخشب وعلى ظهر البيت وجذوع النخل والدعن والعريش والسرير والتخت، كل شيء يتمكن عليه المصلي من الأرض وما أنبتت جائز الصلاة عليه، مع طهارة الموضع منه، فإن كان فيه شيء غير طاهر فصلى المصلي على جانب طاهر جازت صلاته، وليس كذلك الثوب فإن صلى بثوب فيه نجاسة لم تجز صلاته ولا يصلي على ظهر الكعبة، ولا كنيسة اليهود، ولا الكنيف، ولا على موضع نجس إلا المضطر جائز له.
الباب الواحد والعشرون
في ذكر ما لا يصلي به الرجل (1/30)
صفحة 31
ولا يصلي المصلي بخاتم حديد ولا شبه، ولا صفر ولا ذهب ولا بحرير إلا موضع الإصبعين، ولا يصلي وهو حامل نجاسة، ولا ما يشغله عن صلاته.
الباب الثاني والعشرون
في ذكر ما يقطع على المصلي صلاته
وإذا صلى المصلي على ما وصفت لك من الثياب الطاهرة، في البقعة الطاهرة، فلينصب بين يديه سترة، ثم لا يضره ما مر بين يديه من خلفها، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي طلحة أو جعل طلحة قبلته وصلى، وكان مدبراً به، فإن كان مدبراً كان سترة وإذا أقبل نقض، لأنه صورة ومن ذلك السترة قالوا: تكون كمؤخرة الرجل، وقيل ثلاثة أشبار فهذه صفة السترة بالأخبار، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »من صلى إلى سترة فليدن منها لئلا يمر الشيطان بينه وبينها« وقيل أيضاً إنه قال: »من صلى فليجعل شيئاً بين يديه ثم لا يضره ما مر أمامه«، فدل هذا على أن لابد من شيء يقطع الصلاة، وقد قيل إنه قال: »إن لم يكن سترة فليخط خطاً« فهذا هو السترة للمصلي على ما تناهى إلينا، فمن صلى إلى شيء مما يستره فهو سترة له، وإن لم ينوه سترة، وإن وضع خشبة أو عوداً أو شيئاً لا يواريه، لم يكن له سترة حتى ينويه أنه سترة له، والله أعلم. (1/31)
صفحة 32
والمصلي إذا رفع قدميه في حال سجوده وقيامه وقعوده، فإنه تنتقض صلاته إذا كان عمداً، وفي رفع الواحدة اختلاف، والقهقهة تفسد الوضوء، والصلاة إذا كان قد دخل فيها، وأما التبسم فينقض الصلاة وأما الوضوء فلا ينتقض، وأما حركة القلب ففيها اختلاف، قول تنتقض، وقول ليس هي بشيء إذا لم يمتخض البدن، وإذا كان سترة لم يضر ما مر بين يدي المصلي كائناً ما كان من خلف السترة إلا الكنيف، فقد قالوا سترتان جداران أو حضاران أو غمايان أو ثوبان بينهما فرجة، وذلك عندي أن سترة الكنيف سترة، وسترة المصلي سترة، وبينهما الفرجة الخارجة من ذلك الذي بينهما، وإذا لم يكن بينهما سترة، فمر بينهما شيء مما يقطع على المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعا قطع عليه، وإن كان خمسة عشر ذراعاً إلى ما أكثر لم يقطع عليه، وقيل إن ثوب الجنب يقطع الصلاة إذا كان فيه نجاسة، وكذلك الكنيف إذا كان بينه وبين المصلي خمسة عشر ذراعاً لم يقطع عليه، ويقطع على المصلي صلاته في أقل من خمسة عشر ذراعاً الكنيف والمشرك والحائض والجنب والأقلف البالغ، والميتة والدم والخنزير والقرد والكلب، وجميع السباع، إلا السنور فلا يقطع، والعذرة إذا كانت من الثلاث فصاعداً فهي مثل الكنيف، واختلفوا في النجاسة مثل العذرة الواحدة، وقال قوم البول لا يقطع، وقال قوم خمسة عشر ذراعاً، وقال قوم ثلاثة أذرع، والقبور إذا كانت في قبلة المصلي والطريق الجائز والنهر الجاري، والنار الموقودة، يقطع هذا أيضا والسراج فلا يقطع، وليس هو كالنار الموقودة، وقد قيل أن النهر لا يقطع وأنه سترة، وكذلك الطريق لا يقطع، وقالوا إذا خفق الماء أو علا ثلاثة أشبار لم يضر ولم يقطع، وإن وضع عوداً أو خشباً أو شيئاً لا يواريه لم يكن سترة حتى ينويه أنه سترة، وتكره الصلاة خلف النائم، أو قم يتحدثون قدام المصلي، أو في قبلته صورة، ولا يضر المصلي ما مر بين يديه من جميع الناس الظاهرين والصببيان والدواب والأنعام ما لم (1/32)
صفحة 33
يمسوه بنجاسة، إلا أن الناس إذا مروا بين يدي المصلي لم يجز لهم، لخبر روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لانتظره ولو إلى أربعين خريفاً«، وأما ما كان عن يمين المصلي أو عن شماله من النجاسة أو المرأة الحائض أو الجنب أو غير ذلك، لم يفسد عليه حتى يمسه، والإمام سترة لمن يصلي خلفه ولا يقطع على ما مر بين يديه ما يقطع على المصلي حتى يجاوز قفا الإمام، وإذا مر كلب قدام الإمام فقطع عليه انتقضت صلاته وصلاة من صلى معه، وإن مر خلف الإمام في الصف الأول حتى يجاوز قفا الإمام قطع على من مر بين يديه، ولم يقطع على غيرهم من الصفوف، وفي الصلاة على الجنازة لا يقطع، أعني الكلب إذا مر عليهم قدامهم، وإن مر قدام الصف الثاني قطع على من مر عليهم، ولم يضر الإمام ولا الصف الأول، وإذ مر الكلب قدام الإمام على شرفة الجدار لم يقطع عليه حتى يستفرغ الجدار، فإن استفرغ السرة قطع عليهم والله أعلم بذلك، وكذلك قالوا فيه.
الباب الثالث والعشرون
في ذكر الانتصاب في القيام للصلاة والنية
لفعل الصلاة واستقبال القبلة (1/33)
صفحة 34
وإذا أراد المصلي القيام للصلاة استوى ونوى أن يصلي فرضاً أو نفلاً، واستقبل القبلة لقوله: { وقوموا لله قانتين } *، قيل إنه دائمين وقيل مطيعين وقيل قائمين، وكل هذا سواء وصواب، والأعمال بالنيات، واستقبال القبلة لقول الله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } * وكل هذا لا تقوم الصلاة إلا به، فإن قام على غير طهر بلا عذر له وصلى فلا صلاة له، وإن حول وجهه إلى غير القبلة متعمداً في غير عذر فلا صلاة له، وإن لم ينو أنه يصلي الفريضة لم تصح له صلاة، حتى يكون على ما وصفنا من ذلك، ومن استقبل غير القبلة ناسياً أو نوى القبلة وتحراها وهو زال عنها فصلاته جائزة، ومن تحير عن القبلة وتحراها وصلى جازت صلاته، وإن لم يعلم بالقبلة –وقد صلى بغض صلاته- تحول إلى القبلة واستدار إليها ولا تنتقض صلاته، ومن لم يعلم بالقبلة فأعلمه بها ثقة قبل قوله وصلى إلى ذلك، وإن أعلمه بها غير ثقة لم تكن حجة عليه وعليه التحري للقبلة، ولا يقلد في القبلة، والعلم بالوقت، إلا الثقة، والمؤذنون أمناء الأئمة ضمناء على ائتمنوا عليه في علم الوقت، وينوي في صلاته أنه يؤدي فريضة إذا صلى بصلاة الإمام أدى فرضه بصلاة الإمام، أو بصلاة الجماعة، وإذا كان وحده نوى أن يصلي الفريضة، وأن نوى الفريضة وأحرم ثم سها عنها ثم ذكر فليرجع إلى ذكر صلاة الفريضة، ويمضي على صلاته ولا نقض عليه فيما عارضه في نيته، والنية لب العمل، فيجب على العميد إحكام النية واستقبال القبلة لأداء الواجب، والقيام مطيعاً لله في أداء ما افترض عليه من الصلاة، والقيام والخشوع لله، والتواضع فيها، وترك العبث كله، ولا يعبث المصلي بشيء من ثيابه ولا جسده ولا لحيته، ولا ينقع أصابعه، ولا يرفع نظره إلى السماء أمام رأسه، ويكون نظره موضع سجوده، ويرسل يديه إرسالاً في قيامه ولا يستمع ولا يستاخ كلام غيره، ولا يصغي لاستماع غيث ولا رعد ولا صائح، ولا يتزر ولا يحل إزاره إلا أن يرتخي فيشده، ولا (1/34)
صفحة 35
يعتم ولا يحل عمامته إلا أن ترتخي فيردها مكانها، وإن وقعت على وجهه عزلها، وإن وقع رداؤه أخذه، وإن تباعد عند اشتمل بإزاره، وإن خلف عليه أن يسرق أو تحمله الريح وقد تباعد منه أخذه وابتدأ صلاته، إلا أن تكون نحو خطوة أو خطوتين أخذه وبنى على صلاته، ويكون بسحب رجليه سحباً لا يرفعهما في خطوه، ومن رفع قدميه في الصلاة نقض صلاته، وقيل تجوز الصلاة بالكوش والنعل، إذا كان من ضرورة من حر أو برد، ولا يشغل المصلي وكان طاهراً، وإن تزايد في التثاؤب انتقضت صلاته، وإن ضحك انتقضت صلاته، وإن قهقه انتقض وضوءه وصلاته، وإن قطع شعرة من بدنه أو لحيته متعمداً انتقضت صلاته، ولا يشبك أصابعه ولا ينقع مفاصله ولا أصابعه في الصلاة، وإن وقع في عينه شيء أو في سمعه ما يشغله عن صلاته أخرج ذلك عنه، وإن آذاه شيء أذاه بدنه مما يشغله حك ذلك عنه، وإن وقع عليه شيء يخاف أن يلدغه صرفه عن نفسه بأقل حركة، وإن مسح ناخباً أو ذباباً عنه لم يضره إذا خاف أن يشغله، وإن وقع علي دبي أخرجه، وإن أحجفت به حية أو عقرب قتلهما إذا خافهما، وابتدأ الصلاة أحب إلي، وقد قيل يبني على صلاته، وإن أصابه قيء أو رعاف* في الصلاة انصرف وتوضأ ويبدأ بصلاته، وعند أصحابنا أنه يبني على صلاته ما لم يبتعد عنها –والابتداء أحب إلي- ولا يرفع المصلي نظره إلى السماء أمام رأسه فينقض ذلك صلاته، والمقعد إذا صلى قاعداً ثم قوى على القيام وهو في الصلاة فإنه يبتدئ الصلاة من أولها قياماً، وإن رفع رأسه قدامه فهي ناقصة، ولا يلتفت في الصلاة التفاتاً يرى منه ما خلفه لأن ذلك ينقض عليه، وإن التفت يميناً أو شمالاً فهي ناقصة، لأنه جاء النهي ألا يلتفت التفات الثعلب، ولا ينقرها في السجود نقر الديك، وذلك لا تتم الصلاة، وهي ناقصة، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وذلك مما يكون به غير تام وهي ناقصة ولا نقض عليه، ولا يقعي في الصلاة إقعاء القرد فتكون ناقصة، ولا يقعد على عقبيه كعقب (1/35)
صفحة 36
الشيطان، ولا يتربع في صلاته ولا يجعل يده على صدره كالمغلولة يده، ولا يرفع يديه في صلاته، ويقبل عليها بكل قلبه ويذكر الحساب، وقيل إذا نسي الرجل شيئاً من الصلوات لم يصلها، فعليه أن يصليها إذا ذكرها، فإن صلى الحاضرة وصلى بعد ذلك الذي نسيه في الصلاة ففي لزوم الكفارة اختلاف، والذي عليه العمل أن البدل يكفيه، والله أعلم.
ومن نام بعد أن علم بدخول وقت الصلاة ثم انتبه، وقد فات وقتها فعليه الكفارة والبدل، وإن نام قبل ذلك فلا شيء عليه إذا انتبه بعد فوات وقتها]*.
الباب الرابع والعشرون
في ما يقطع المصلي صلاته
وللمصلي أن يقطع صلاته من المطر إذا خاف منه الضرر على نفسه وعلى طعامه، والحريق والسيل الذي يخاف منه، أو لصبي يقع في شيء يخاف أن يهلك فيه، أو أحد وقع في بئر فينقذه من الهلكة، أو يخاف على طعامه إن وقعت فيه دابة تأكله، أو لدابة ابتعدت عنه يخاف أن تذهب أو لثوب تحمله الريح إلى موضع يخاف أن يسرق، وما كان مثل ذلك فله أن يقطع صلاته، ويحرز ذلك ثم يستأنف الصلاة وليس له قطعها لغير معنى، قال الله تعالى: { ولا تبطلوا أعمالكم } * ويكون العمل كله لوجه الله وابتغاء مرضاته واتباع أمره، خوفاً من عقابه، وطلباً لثوابه، ولا يرائي في صلاته ولا في عمله، فإن الرياء يحبط العمل.
الباب الخامس والعشرون
في الأذان والإقامة (1/36)
صفحة 37
والأذان سنة على الكفاية، والإقامة سنة متبعة في صلاة الفريضة للواحد والجماعة، على الكفاية تجزئ إقامة الإمام لهم، والمؤذنون أمناء والأئمة ضمناء، ولا يجوز الأذان للصلاة قبل وقتها في الصلوات كلها، إلا صلاة الفجر، فقد جاز ذلك لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد غائبكم ويسحر صائمكم، فإذا سمعتم أذان ابن أم مكتوم فصلوا«، وإن بلالاً كان إذا أذن دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، فإذا قيل له هو نائم قال الصلاة خير من النوم، وروي أن عبدالله بن زيد رأى في النوم هذا الأذان فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به، فقال علمه بلالاً وزاد في الإقامة، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم ابن أم مكتوم الأذان، والإقامة مثنى مثنى، وإنما أفرد الأذان معاوية وقيل إن أذان الجمعة أذان وإقامة، وهذا الذي زادوه محدثاً لم يكن في أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في أيام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد قيل إن الذي رأى الأذان رأى أن رجلاً قام فأذن مثنى مثنى حتى أتم الأذان ثم قعد هنيهة ثم قام فأقام الصلاة مثنى مثنى، ثم قال: قد قامت الصلاة مرتين ثم أتم الأذان، والأذان سنة يؤمر بها فالرجال لا أحب لهم أن يصلوا جماعة إلا بأذان، وإن كانوا في بلد يؤذن فيه فإن الأذان لهم أفضل والمنفرد جائز له أن يصلي بلا أذان، ويستحب الأذان في السفر لمن يكن حيث يسمع الأذان، وإن صلى فلا بأس، والإقامة للصلاة سنة متبعة، وإذا أقام الإمام أجزأ عمن صلى خلفه، وإذا كان الرجل وحده أمر بالإقامة لاتباع السنة، ولا إقامة على المرأة، وقيل بالإقامة نؤمر، [وقيل إلى محمداً رسول الله ومن ترك الإقامة كلها متعمداً كان خسيس الحال ناقص المنزلة، وقد قيل إن الصلاة تنتقض، وفي قول أنه لا نقض عليه، وتكون ناقصة، ويستحب إذا أقام الصلاة ألا يتكلم ولا يلتفت ولا يزول عن مقامه، (1/37)
صفحة 38
وأما ذلك الخبر فإنه إذا أقيمت الصلاة لم يحرم حتى يلتفت يميناً وشمالاً، فإنما ذلك إذا كان الإمام غير الذي أقام، لأن الإمام قد يمكن أن يقيم له غيره، وأما إذا أقام لنفسه فلا يخطو ولا يتكلم، ويؤمر إذا أقام المقيم حي على الصلاة أن يقوم الناس إلى الصلاة لأن حي على الصلاة هو الحث عليها، وحي على الفلاح هو الظفر بالمراد، ويقول المقيم قد قامت الصلاة والناس في حال القيام للصلاة، ويستحب ألا يكون المؤذن والمقيم إلا ثقة، فإن كان غير ثقة فلا بأس على من صلى بإقامة غير الثقة، إذا كان الإمام ثقة، ولا يؤذن إلا وهو طاهر، وكذلك لا يقيم إلا بطهارة، وإن لم يكن كذلك فلا نقض على من صلى معه.
الباب السادس والعشرون
في ذكر التوجيه
والتوجيه قبل الإحرام سنة مؤكدة، وقد اجتمع الناس عليها، وقيل إنها فريضة وقد بلغنا رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك فزاد أصحابنا في التوجيه توجيه إبراهيم عليه السلام: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين } * ويستحب التوجيه للمصلي بهذا كله، فإذا أتم التوجيه لم يتكلم بشيء ولا يلتفت إلى شيء غير الصلاة وما يقال فيها، وأقبل عليها بكل قلبه، ومما يدل على أن الكلام لا يجوز في الصلاة ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: »صلاتنا هذه لا يصلح أن يتكلم فيه بشيء أو يقال فيها بشيء من كلام الآدميين الشك مني«، والكلام في الصلاة لا يجوز فيها ويقطعها إلا قول: سبحان الله لمعنى الصلاة ومن ترك التوجيه متعمداً انتقضت صلاته، وإن نسي فلا نقض عليه، وقد قيل إنه يعيد إذا نسي التوجيه كله، والله أعلم. (1/38)
صفحة 39
ومن شك في التوجيه وقد جاوزه وصار في حد الإحرام فلا يرجع إلى الشك بعد أن خرج منه، فإن شك فيه وهو بعد لم يحرم يوجه فإنه لا يجاوزه حتى يحكمه÷ وإن نسي من التوجيه شيئاً فلا نقض عليه ولا إعادة، وإذا دخل في الصلاة وأتم التوجيه فليمض ولا يتوقف ولا يعرج على أحد في الصلاة.
الباب السابع والعشرون
في الإحرام
فإذا قام المصلي للصلاة فوجه ونوى الصلاة واستقبل القبلة أحرم لها وقال: الله أكبر، وهي تكبيرة الإحرام، وإنما صارت تكبيرة الإحرام لأنها يحرم بها ما كان محللاً قبلها من النظر وغيره قبل الصلاة، وقد قيل إن تكبيرة الإحرام هي أول الصلاة وهي تكبيرة الافتتاح، وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال في الصلاة: »تحريمها التكبير وتحليلها التسليم« فعقدها بطرفين، وأصل تكبيرة الإحرام على ما بلغنا من كتاب الله تعالى قوله: { يا أيها المدثر - قم فأنذر - وربك فكبر } * وهي تكبيرة الإحرام، فمن تركها ناسياً أو متعمداً أفسدت صلاته، لأنها فريضة واجبة، لا تجوز الصلاة إلا بها، وإن أحرم وجاوزها ثم شك فيها بعد أن أخرج منها إلى حد غيرها من القراءة فأكثر القول أنه يمضي في صلاته، ولا يرجع إلى لاشك، وقال آخرون إن تكبيرة الإحرام هي الدخول في الصلاة، فلا يجاوزها أحد حتى يحكمها، وإن شك فيها أحرم وابتدأ الصلاة حتى يدخل على يقين، وإن جاوزها إلى حد ثالث، ثم ذكر أنه نسيها فإنه يبتدئ الصلاة لأنها لا تتم إلا بها.
الباب الثامن والعشرون
في الاستعاذة (1/39)
صفحة 40
والاستعاذة سنة في الصلاة ويقرؤها سراً في نفسه، يقول المصلي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وموضعها عند القراءة إذا افتتح القراءة في الصلاة والتارك لها متعمداً تفسد صلاته، والاختلاف بينهم فيها؛ وإن نسي الاستعاذة فلا نقض عليه وإن ذكر أنه نسيها وقد جاوزها استعاذ من حيث ذكرها، ومنهم من قال يستعيذ إذا قام للقراءة استعاذ عند القراءة لقول الله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } * وإن جهر بالاستعاذة في الصلاة متعمداً خفت عليه النقض، وإن جهر ناسياً فلا نقض عليه، وإن نسي حتى قضى الصلاة فصلاته جائزة.
الباب التاسع والعشرون
في ذكر القراءة في الصلاة (1/40)
صفحة 41
فإذا قام المصلي للصلاة ونواها وأحرم وجعل نظره نحو موضع سجوده، وقام منتصباً وخشع لله بكل قلبه، وأقبل على صلاته، وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى يكمل الحمد، فإن كانت صلاة النهار لم يقرأ فيها إلا الحمد سراً في نفسه، كان إماماً أو غير إمام أو صلى وحده، وإن كانت صلاة (مما) يقرأ فيها القرآن قرأ مع الحمد سورة ما تيسر من القرآن إلى ثلاث آيات من القرآن ما تيسر بلا حد محدود، فإن كان إماماً جهر في صلاة الليل، وما يجهر فيه وقرأ من خلفه الحمد وحدها، ولا يجهر في صلاة النهار، وإن كان غير إمام قرأ الحمد وسورة، أو ما تيسر من القرآن سراً في نفسه، بقدر ما يسمع الأذان، إلا أن يشك فله أن يبين القراءة عند الشك (أو المعنى الصلاة أو لغير ذلك*، ولا تجوز الصلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب العظيم لما قد جاء في الكتاب: { ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم } *، قيل: هي سورة الحمد، سميت بذلك لأنها تثنى في كل صلاة، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج«، والخداج ليس يكون تاماً، وقول آخر: »لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب« فهذا ما يؤكد قراءة فاتحة الكتاب، وبسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب، ولا يجوز تركها في الصلاة، وما كان يقرأ فيه من فاتحة الكتاب سورة أخرى فما تيسر من القرآن، لقول الله تبارك وتعالى: { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } * وقوله: { فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة } أقيموها بتمامها في أوقاتها، فالقراءة في الصلاة فرض لا يتم إلا به، ومن ترك القراءة في الصلاة متعمداً أو ناسياً فصلاته فاسدة، وإن نسي شيئاً حتى يجاوز الحد ثم ذكر، رجع فقرأ، ثم بنى على صلاته وأتمها، وإن جاوز القراءة من الركوع إلى حد السجود ولم يقرأ فسدت صلاته وابتدأها، وإن هو صار في حد الركوع أو السجود ثم شك أنه لم يقرأ، فإنه يمضي على صلاته ولا يرجع إلى الشك بعد أن جاوز الحد (1/41)
صفحة 42
وخرج منه، وقد قيل إن شك فيها وقد فرغ منها فلا يرجع إلى الشك، إذا قال مثل قوله: { ولا الضالين } ثم شك فلا يرجع، وقد اختلفوا فيه أيضاً، وإن شك في الحمد وهو في قراءة السورة فلا يرجع إلى الشك وهو أكثر القول، وفيه قول آخر، ومن ترك القراءة في الصلاة أو الإحرام أو ترك من الفرائض شيئاً متعمداً وجهلاً لم يصل حتى فات الوقت فعليه البدل والكفارة، وإن نسي حتى جاوز الوقت، ولم يذكر حتى فات وقت الصلاة فعليه البدل، ولا كفارة عليه، وإن تجب الكفارة على التارك متعمداً، وإن شك في الاستعاذة وقد دخل في قراءة الحمد أو السورة فلا يرجع إلى الشك.
الباب الثلاثون
في ذكر الركوع والسجود (1/42)
صفحة 43
قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } فالركوع* في الصلاة فرض في كتاب الله، فإذا فرغ الإنسان من القراءة خر راكعاً بتكبيرة يقول الله أكبر، فإذا صار في حال الركوع وضع يديه على ركبتيه وساوى ظهره معتدلاً، ولم ينكس رأسه ولم يرفعه، وتوسط في ذلك واستوى للركوع، وجعل نظره نحو موضع سجوده وسبح ثلاثاً، وإن زاد أو نقص فلا نقض عليه، والأمور به ثلاثاً، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا ركع لو وضع على ظهره قدح من ماء لم يتحرك، من اعتداله في ركوعه، ولما نزلت هذه الآية قوله: { فسبح باسم ربك العظيم } * قال لأصحابه: »اجعلوها في ركوعكم«، فسن بذلك سنة، فمن ترك التسبيح في ركوعه متعمداً انتقضت صلاته، وإن كان ناسياً فلا نقض عليه حتى ينسى التسبيح في أكثر ركوعه، وكذلك التكبير في الركوع للصلاة سنة، فمن تركه متعمداً فسدت صلاته، وإن نسي منه شيئاً فلا فساد عليه، حتى ينسى ذلك في أكثر ركوعه، وإن شك في التكبيرة بعد أن جاوزها إلى التسبيح لم يرجع إلى الشك، وإن ذكر أنه نسيها قالها حيث ذكرها، وإن شك في التسبيح في السجود والركوع بعد أن جاوزه إلى حد القيام من الركوع لم يرجع إلى الشك، ويمضي في صلاته، وإن شك في الركوع وقد صار في السجود لم يرجع في الشك، ويمضي في صلاته، وإن ذكر أنه لم يسبح في الركوع فيسبح حيث ذكر، ولا يرجع الشك ولا يفسد صلاته بعد أن جاوزها إلى السجود، وأما الركوع إذا جاوزه إلى السجود ثم ذكر أنه لم يركع فإنه يرجع إلى حده فيركع ويبني على صلاته، وإذا جاوز ذلك إلى حد ثالث فسدت صلاته إذا لم يركع وجاوزه، وإذا فرغ من الركوع قام وقال سمع الله لمن حمده، واستوى قائما، حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، ثم قال ربنا لك الحمد وهو سنة في الصلاة، ومن ترك قول سمع الله لمن حمده، أو ربنا لك الحمد متعمداً إذا صلى وحده، فسدت صلاته، فإن كان ناسياً فلا فساد عليه حتى ينسى ذلك في أكثر ركوعه، ثم (1/43)
صفحة 44
تفسد صلاته، وإن ذكره وقد جاوزه قاله حيث ذكره، وقد اختلفوا في خلف الإمام، فقال قوم يقول: سمع الله لمن حمده، وقال آخرون لا يقولها، ويقول: ربنا لك الحمد، أو الحمد لله لا شريك له، وإن شك في قول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد وقد جاوزه إلى السجود فلا يرجع إلى الشك، ثم يخر بتكبيرة في حال السجود، وهي سنة، من تركها عامداً فسدت صلاته، وإن نسي فلا فساد عليه حتى ينسى ذلك في أكثر صلاته، وإن شك فيها وهو ساجد لم يرجع إليها، وإن ذكر أنه نسيها وقد جاوزها قالها حيث ذكرها.
الباب الحادي والثلاثون
في ذكر السجود في الصلاة (1/44)
صفحة 45
والسجود في الصلاة فرض في كتاب الله تعالى، من تركه ناسياً أو متعمداً فسدت صلاته، وقيل هما حدان، وقد قيل حد واحد، قال الله تعالى: { اركعوا واسجدوا } * ومن شك في السجود بعد أن جاوزه لم يرجع إلى الشك، وإن ذكر أنه لم يسجد وهو في حال القعود فإنه يرجع إلى حده ويسجد، وإن سجد وشك أنه سجد سجدة أو سجدتين، فإنه يرجع ويسجد حتى لا يشك فيه، لأنه لم يجاوز الحد، وإذا خر ساجداً من قيامه خر على أطراف أصابعه، ووضع يديه على ركبتيه إن أمكنه ذلك، وقدم ركبتيه إلى الأرض قبل يديه إن قدر على ذلك، وإن لم يمكنه ذلك قدم يديه قبل ركبتيه للعذر، إن أمكنه ذلك من الكبر أو لعلة، فإذا طرح ركبتيه إلى الأرض للسجود جعل يديه حذاء أذنيه، وبسط كفيه على الأرض، وضم أصابعه، وفتح بين مرفقيه، حتى يرى بياض إبطه، واعتدل في سجوده وأمكن جبهته من الأرض، من غير أن يجعل عليها الاعتماد، ولكن يعتمد على كفيه، ولينل طرف أنفه الأرض، ويجعل أطراف أصابع قدميه على الأرض، ويسجد على السبعة الأعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والقدمين، كما جاءت السنة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء« فهي التي وصفناها، »ولا أكف شعراً ولا ثوباً« فأما كف الشعر فهو أن يكف شعره ألا يقع في التراب، وأم كف الثوب فإنه يرفعه عن الأرض إذا قعد وسجد، ومن فعل ذلك خفت عليه النقض، ثم يسبح في سجوده ثلاثاً، يؤمر بذلك، ولا نقض عليه إن زاد أو نقص، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال لما نزلت: »سبح اسم ربك الأعلى«* قال: »اجعلوها في سجودكم فهي سنة«، ومن تركها متعمداً فسدت صلاته، ولا فساد على من تركها ناساً، حتى ينسى ذلك التسبيح في أكثر سجوده، وإن شك في التسبيح وقد جاوزه لم يرجع إلى الشك، وإن ذكر أنه لم يقله وقد جاوزه قاله حيث ذكره، والقعود بن السجدتين حتى يرجع كل عضو إلى مفصله ثم يسجد بتكبيرة أخرى ويكبر مع كل سجدة تكبيرة ويرفع رأسه بتكبيرة، (1/45)
صفحة 46
وتلك سنة من تركها متعمداً فسدت صلاته، ولا فساد على من نسي حتى ينسى أكثر ذلك في صلاته، وإن شك وقد جاوزه فلا يرجع إلى الشك، ومن لم يسجد على السبعة الأعضاء فسدت صلاته، وإن لم يسجد على جبهته فسدت صلاته إلا من عذر، وإن لم يجعل أنفه على الأرض فيكره ذلك له، ولا فساد عليه في صلاته، ومن لم يسجد على يديه فسدت صلاته، ومن رفع ركبتيه متعمداً في سجوده فسدت صلاته، واختلفوا في الركبتين، وقيل من نفخ في صلاته انتقضت صلاته، لأنه قيل إن النفخ كلام، ومن لم يسجد على قدميه ويديه فسدت صلاته، قال الله تعالى: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } * فهذه المساجد هي الأعضاء التي وصفت لك، فمن لم يسجد عليها فصلاته منتقضة غير تامة، ولا يدعى في السجود غير الله، ولا يرى في عمله أحداً كما قال الله: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } * يعني من خلقه، ولا يسجد المصلي على عود ولا على فراض ولا مسواك ولا وسادة، ويسجد على ما يتمكن عليه مما أنبتت الأرض لا غير ذلك، وإذا فرغ من السجود وقعد جعل ظاهر قدمه الشمال مما يلي الأرض، وتورك على فخذه الأيسر، وجعل ظاهر قدمه الأيمن على باطن قدمه الأيسر، وجعل أطراف ظاهر رجله اليمنى مما يلي الأرض، وتورك وسجد وقعد متمكناً، وجعل يديه على فخذيه مما قاصد ركبتيه، وبسط أصابعه وفرق بينهما، وجعل نظره فيما بين يديه وسجوده وركبتيه.
الباب الثاني والثلاثون
في ذكر الحيات والقعود (1/46)
صفحة 47
ثم يقرأ التحيات في القعود، وهي سنة، والقعود فرض في الصلاة، قال الله تعالى: { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } * فإذا قعد للتحيات قال: التحيات المباركة لله، والصلوات الطيبات، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وقد تمت التحيات، ويدعو عند الفراغ يقول: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون* وأشهد لله بما شهد به لنفسه، وشهدت له به ملائكته وكتبه ورسله، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه عبده ورسوله، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويسأله النجاة من النار والدخول في رحمته ويسلم، ومن ترك القعود في الصلاة متعمداً من غير عذر فسدت صلاته، وإن ترك قراءة التحيات متعمداً فسدت صلاته، وإن كان ناسياً فلا فساد عليه، حتى ينسى أكثر من نصف التحيات، وقد قيل إنه إذا وصل إلى الطيبات ثم أحدث حدثاً فلا فساد عليه في العمد والخطأ، ولا في الإحداث وفي في النسيان إذا بلغ إلى »الطيبات« من قراءة التحيات، والتحيات هي الملك لله، والتحيات أيضاً قيل إنها الملك، والمدح هو المجد، والمجد هو الثناء، ومن أحدث حدثاً ولم يقرأ منها غير قوله التحيات، فقد تمت صلاته ولا فساد عليه، وإن كان خلف الإمام فلا فساد عليه مع الحدث وتفسد صلاته في ترك التحيات على العمد، ولا فساد عليه في النسيان حتى ينسى أكثرها في الصلاة، والتسليم هو تحليل الصلاة بالرواية الواردة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »تحريمها التكبير وتحليلها التسليم«، فالتسليم في تحليل الصلاة أي قد انصرفت وحل لك ما كان محرماً عليك في الصلاة، ومن لم يسلم متعمداً من غير عذر فقد قيل تفسد صلاته، والناسي والمحدث فلا فساد عليهما، والله أعلم. (1/47)
صفحة 48
ومن نسي التحيات كلها أبدل، وإن نسي الأكثر منها في الصلاة أبدل، وإن تركها متعمداً أبدل، وإن نسي الأقل منها لم يبدل، وقد قيل من قعد بقدر ما يقرأ التحيات فلا بدل عليه، وإن قرأن إلى »والطيبات« فلا بدل عليه، ومن ترك التحيات فلا كفارة عليه وعليه البدل، والكفارة على من ترك تكبيرة الإحرام، أو القراءة أو الركوع، أو السجود، أو القعود، متعمداً فعليه البدل والكفارة، ومن نسي فقرأ التحيات في القيام أو قرأ القرآن في القعود أو قرأ في الركوع والسجود، أو كان عليه القيام فقعد أو القعود فقام، أو سها في صلاته فعليه سجدتا السهو أيضاً لصلاته، وليكن بعد التسليم، ويسبح فيها كالصلاة ويسلم كتسليم الصلاة، وقد قيل التسليم أن يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن صلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها فهي ناقصة، وذلك سارق في صلاته، وأسرق الناس من سرق صلاته، ومن صلى صلاة رياء سمعة لم تبلغ صلاته تراقيه، والصبي يؤمر بالصلاة ويعملها ابن سبع سنين، ويضرب عليها إذا بلغ عشر سنين، ويعلم الوضوء وغسل النجاسات ويحذر المحارم: من انتهاك أخذ أموال الناس، وأكل الحرام من الميتة والدم والأنجاس لينشأ على ذلك، لقوله - عز وجل -: { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } * وليس يقدر مخلوق يقي مخلوقاً من النار، ولكنه يعلمه اجتناب المحارم وأداء اللوازم كي يقيهم الله بذلك النار، وبالله التوفيق.
ومن جامع ابن جعفر: ومن صلى بعمامة لا يتطوقها فجائز، وإنما التطويق بالعمائم أمام المسلمين، أمر المسلمون به حتى يعرفوا، ولا يخالف أمر الإمام وأما في الآثار فليس للتطويق ذكر، هكذا عن أبي محمد، قال أبو الحسن لا يؤمر المصلي أن لا يرد تحت حلقه من عمامته فإن صلى كذلك فصلاته جائزة، ولا نقض فيها، إلا أنه قد خالف عمل المسلمين وهو تشبيه بأهل الذمة ولبسهم والله أعلم.
الباب الثالث والثلاثون
في صلاة الجماعة (1/48)
صفحة 49
وصلاة الجماعة واجبة على الكفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين وهو مرغوب فيها، وتجب المحافظة عليها، وقيل من حافظ على صلاة الجماعة فقد ملأن نحره عباة، وقيل إن صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد خمساًً وعشرين درجة في الفضل، والإمام يكون له من الأجر كأجر من يصلي خلفه إذا أحسن الصلاة، وإن فسد كان عليه مثل أوزارهم، والأئمة ضمناء، وقد جاء الحديث: »إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم فإنهم وفدكم إلى ربكم«، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »يؤمكم أفضلكم«، وقيل يؤم القوم أقرؤهم للقرآن وأعلمهم بالسنة والبيان، فإن استووا فأرفعهم حسباً، فإن استووا فأسنهم، وإن استووا فأقدمهم هجرة، ومن غيره فإن استووا فأصبحهم وجهاً، وإذا كان الناس لا يقلدون دينهم إلا أهل الأمانة، فالصلاة أولى بألا يقلد فيها إلا الثقة لتكون صلاة خلفه أفضل، وأما الصلاة خلف غير الثقة فقد أجازوها، وهي في الفضل كصلاة المصلي وحده في باب الثواب، والأفضل أولى بالتقديم به، وقيل إنه يجوز أن يصف رجل عن يمين الإمام وآخر عن شماله، قال جائز إذا كان وراءه رجل متصل به، ويجوز أن يصف رجل خلفه حيث يقوم الصف، وقد عمل بهذا بعض الأشياخ، وإذا صلى رجل في المسجد بعض صلاته ثم أقام إمام الجماعة الصلاة فإنه يقطع صلاته، فإن كان قد صلى ركعتين جعلهما نافلة، وإن كان صلى ركعة فيجعلها وتراً، وقول إذا صلى أكثر صلاته وأقام الإمام الصلاة فله أن يتمها للعمل على ما تقدم، وإذا كان ثلاثة صفوف جماعة ومر كلب أو غيره مما يقطع الصلاة، قدام الصف الأول أو الوسط، فإنه يقطع على الذين مر عليهم، ولا يقطع على من لم يمر عليه من الصفوف، إذا كان الصف الوسط والمؤخر، أقل من خمسة عشر ذراعاً بينهم وبين الإمام، بحيث تجوز صلاتهم بصلاته، وبهذا إذا مر الكلب على الصف المقدم، وقيل إذا انتقضت صلاة الرجل في وسط الصف ثم خرج من الصف فقيل عليهم أن يزحفوا متوركين، وإن مكثوا (1/49)
صفحة 50
قاعدين إلى أن يقوموا فيزحفوا، فأرجو ألا نقض عليهم، وإذا كان يصلي خلف الإمام الولي، قال المأموم أصلي بصلاة الإمام أو إمام الجماعة، وإن كان خلف غير الولي قال بصلاة الجماعة، هكذا يستحب له، وإمام الجماعة إذا قرأ شيئاً من آيات الدعاء فإن كان أراد بذلك الدرس فلا بأس عليه في قراءتها وإن كان يريد الدعاء فأخاف عليه نقض صلاته، وقيل إذا وجد الرجل صف الجماعة متفلقاً فجائز له أن يصف وحده خلف الصف، وكذلك إذا ضاق المسجد فجائز أن يصف الرجل عن يمين الإمام أو شماله، وقد قيل إن الرجل أولى بالتقدم في الصلاة في بيته، وقد روي في ذلك خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل أولى بصدر دابته والصلاة في بيته، ولا صلاة لمن يصلي بقوم وهم له كارهون، وقيل يصلي بهم صلاة أضعفهم، ولا يصلى خلف (الأقلف البالغ، ولا خلف الصبي، ولا يؤم العبد ولا يكون إماماً في الصلاة ولا غيرها، ولا يصلى خلف الأعمى، وفي الأعمى اختلاف في التقديم، ولا يصلى خلف من انتحى إلى غير عشيرته، أو ادعى إلى غير مواليه، للخبر الوارد عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »من انتحى إلى غير عشيرته أو تولى غير مواليه رغبة منه عنهم فعليه لعنة الله«، ولا أحب أن يصلى خلف من في يدم الحرام، ولا خلف من يأوي إلى فرج حرام، ولا خلف شارب خمر مدمن عليه، ولا خلف سكران، وتكره الصلاة خلف المقيد والخصي والمجنون، إلا بمن هو مثلهم، والصلاة خلف أهل الخلاف لدين المسلمين من أهل القبلة جائزة إذا صلوها في وقتها، ولم يكن فيها ما ينقضها في قول المسلمين، ولا يصلى خلف من يقنت في الصلاة إذا علم ذلك منه، ولا خلف من يقول في الصلاة ولا الضالين آمين، وإن علمت أنه يقول ولا الضالين آمين، فلا يصلى خلفه، لأن ذلك كلاماً يفسد الصلاة، لما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين«، وبالله التوفيق. (1/50)
صفحة 51
ولا يصلي القاعد بالقائم، ولا البادئ بالحاضر، ولا المسافر بالمقيم، ولا المشتمل بالمرتدي، ولا المتيمم بالمتوضئ من أجل أن الأفضل في الهيئة واللباس أولى بالتقديم، وفي هذا اختلاف أيضاً، وقد أجازوا ذلك إلا القاعد بالقائم فإنه لا يجوز، والعراة جائز لهم أن يصلوا جماعة، ويكون إمامهم في وسط الصف، ويصلون قعوداً ويرددون على أنفسهم شجراً أو رملاً، ولا يجوز لمسجد واحد إمامان، ولا يصلى في مسجد واحد صلاة واحدة في وقت واحد جماعتان، ولا جماعة بعد جماعة في موضع واحد، حيث تجوز الصلاة خلف الإمام الأول، فإذا أقيمت الصلاة لم يجز لأحد أن يصلي في المسجد وحده حتى تنقضي صلاة الجماعة، ومن دخل المسجد بدل صلاة فائتة، ومن جاء إلى الصلاة والإمام يصلي فليمش ولا يسعى فيصلي ما أدرك، ويبدل ما فاته وسبقه به الإمام، لا ينقص من ذلك ولا يزيد، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة، للخبر المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة«، وقيل إذا انقطع من الصف الأول من الجماعة اثنان أو ثلاثة، وكان بينهما وبين الصف قدر مقام رجل، فإن كان على العمد منهما ولم يزحفا فعليهما النقض، وإن كان على النسيان وبجهالة وكانوا ثلاثة فلا فساد عليهم، وفيه اختلاف في الاثنين، وقيل في رجلين أتيا إلى الجماعة فصفا طرف الصف، فأحرم أحدهما وركع مع الإمام، والآخر الذي بينه وبين الصف ثبت واقفاً ففي تمام صلاة صاحبه الذي دخل مع الإمام اختلاف، وقيل لا ينبغي للمأموم أن ينفلت عن موضع الصلاة قبل أن يسلم الإمام، لأنه قيل إنه لتنشر عليهم الرحمة عند التفات الإمام، وعمارة المسجد إذا كان جاره لازمة عليه إذا حصل له واحد يصلي هو وإياه فيه وهما جماعة، وليس له أن يتخطى إلى غيره، وفيه تشديد إذا كان غير معمور، وإن كان معموراً فيجوز له أن يتخطى إلى غيره والله أعلم. (1/51)
صفحة 52
وإن لم يتهيأ له رجل يصلي معه في المسجد الذي هو جاره فعسى أن يكون معذوراً، ومن صلى بصلاة إمام فليكن تابعاً له في كل صلاته ولا يسابقه، وإن سابقه فلا صلاة له إذا تعمد، وإن سجد معه وخفض معه ورفع معه فصلاته ناقصة غير تامة، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به، فإذا قرأن فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا«، فعلى هذا يكون تبعاً للإمام مع قوله فإذا قرأن فأنصتوا يجب الإنصات لقول الله: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } * والإنصات هو الاستماع لقراءة الإمام، وذلك خاص في قراءة السورة ليس في قراءة الحمد، لأن على المأموم قراءة الحمد خلف الإمام، للرواية عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »لا تقرءوا خلفي إلا فاتحة الكتاب« وكل صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج، فجائز القراءة خلف الإمام بفاتحة الكتاب، ولا يجوز أن يقرأ خلف الإمام غيرها، لما قد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى الرجل الذي قرأ خلفه السورة من القرآن، وقال: »لا تقرءوا خلفي إلا فاتحة الكتاب«، وقال الله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } * والصلاة خير موضوع، وصلاة الجماعة خير من صلاة المنفرد وحده، وقد قيل لا يحافظ على الصلاة في الجماعة منافق، وعلامة ما بيننا وبين المنافقين تركهم الصلاة، ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، وقيل: إذا كان الإمام يقرأ السورة والمأموم قد أحرم فإنه يستحب له أن يسمع قراءة السورة ويأتي بالحمد إذا سلم الإمام، وإن قرأ الحمد واستمع لقراءة السورة من الإمام فقيل يجزيه ذلك، وقيل يجوز أن يصف الناس عن يمين الإمام وشماله إذا ضاق المسجد من داخل ومن خارج، والمصلي إذا كرر البسملة أو الحمد فقيل إن صلاته تنتقض، والبسملة فيها اختلاف، قول أنها من الحمد وقول ليس منها، وقد قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم (1/52)
صفحة 53
يعذر ابن أم مكتوم في التخلف عن صلاة الجماعة وكان أعمى، وليس على النساء والصبيان جماعة، ولا تجوز صلاة الجماعة إلا صفوفاً، قال غيره إلا في السفينة، وفي صلاة الركبان جماعة، لأنه ربما لا يستقيم لهم صفوف والله أعلم، رجع.
كما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »راصوا بين صفوفكم وحاذوا بالأعناق«، وقال: »لا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم«، وقد قيل إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يساوي بين الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة حتى يستووا والصف المقدم من الرجال أفضل، والصف المؤخر من النساء أفضل، والمبادر في الصف الأول كالمتشحط بدمه* في سبيل الله، وقيل أفضل خطوة في الأرض خطوة يسد بها الرجل فرجة في الصلاة، وخطوة يسد بها صفاً في الجهاد في سبيل الله، والماشي إلى المسجد له بكل خطوت حسنات ودرجات، وقيل الانتظار من الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما، والمساجد بيوت الله في أرضه وزوارها هم زواره، والربط هو الانتظار من الصلاة إلى الصلاة، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الجماعة وحث عليها، ولم يزل على فعلها حتى مات صلوات الله عليه، فإذا كان رجلان صليا جماعة لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »هذان جماعة« وإذا صلى اثنان صف المأموم عن يمين الإمام فإن كان رجل وامرأتان صف الرجل عن يمين الإمام والمرأتان خلف ذلك الإمام، فإن كان رجلان وامرأتان صف الرجلان خلف الإمام والمرأتان خلف الرجلين كعرف الديك، فإن كان رجل وامرأة كان الرجل على قول خلف الإمام والمرأة خلف الرجل، والذي أختاره أن يصف الرجل عن يمين الإمام والمرأة حيث شاءت، لأنها لا صف عليها على قول ولا جماعة عليها، وإذا صلى رجل واحد وإمام فلا يجاوز سجوده منكب الإمام، ويقوم قصده متأخراً قليلاً، ويكون تابعاً له وأصابع رجليه عند رصغي الإمام عن يمين الإمام، فإن ساواه في السجود فلا نقض عليه*، وعن رجل صلى هو ورجل جماعة، وكان (1/53)
صفحة 54
الإمام مرتفعاً عن المأموم بقدر شبرين أو ثلاثة أشبار، فإذا كان ارتفاعه قدر ثلاثة أشبار لم تجز الصلاة للمأموم، وكذلك المأموم إذا كان مرتفعاً ثلاثة أشبار فلا تجوز صلاته بصلاة الإمام والله أعلم.
وقيل في رجل أخذ قفوة الإمام ثم علم أن ثوبه نجس وبدنه، فقول لا بأس على الذي يليه من الصف إذا لم تنله النجاسة، وعلى قول من يقول إن القفوة إمام ثان أفسد عليهم، وقيل إن من صلى مع الترك جماعة، وخاف إن لم يرفع يديه في الصلاة عقوبة إن صلاته تامة إذا فعل ذلك تقية ولم يتدين به، وإذا صلى رجل وامرأته فلا يجاوز سجودها منكبيه وتقوم متأخرة عنه، وأما المرأة الأجنبية فلا يجوز لها أن تصلي خلف الأجنبي وحدها، لأن ذلك معصية، فلا تجوز صلاتها لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: »لا تخلو امرأة عند رجل غير ذي محرم منها فإن الشيطان أحدهما أو قال ثالثهما«، ويقرأ الإمام ما تيسر من القرآن غير محدود، ومن صلى بقوم فليقصد بهم، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أخف الناس إذا أم الناس، وأثبت الناس لنفسه إذا صلى وحده، ومن المأمومين يتم بهم الصلاة، فإن كان في السجود فيرفع رأسه ويأمر الرجل الذي يقدمه ويقول يا فلان تقدم، فيقضي الرجل الحد الذي هو فيه، أعنى الرجل الذي قدمه الإمام، فإذا أتمه رفع رأسه من السجدة الأولى بتكبيرة، وهو بعد في موضعه ويكون إماماً وهو في موضعه، ثم يزحف إلى مكان الإمام فيتم السجدة الثانية فيه، فإن كان في السجدة الثانية من الركعة الثانية فيرفع رأسه بتكبيرة ثم يزحف فيكون في موضع الإمام ويقضي التحيات ويقضي لهم الصلاة فإن كان في حال السجود، فإذا رفع رأسه زحف وهو متورك، وإن كان في حال القيام مشى ويسحب رجليه، ولا يتربع، ويكون قيامه عن يمين الإمام، فإن كان يقرأ الإمام سراً أعلم الذي يقدمه حيث وصل من الحمد والتحيات، وأن يقدم الرجل الذي يتم بالقوم صلاتهم بحيث يكون أحد من الجماعة في قفوته، ولو لم يقف (1/54)
صفحة 55
مكان الإمام، جاز ذلك إن شاء الله إذا كان في حال السجود والله أعلم.
فإن كان المأموم ولم يصل إلى قراءة الإمام من الحمد قرأ حيث وصل بنفسه، وإن كان قرأ أكثر من الإمام منها، بدأ حيث وصل الإمام والله أعلم، وقيل على الإمام انتظار الجماعة إلى ثلث الوقت، وعلى الجماعة انتظار إمامهم إلى ثلثي الوقت، [ومن غيره وتكون الصلاة في الثلث والثلثين من وقت الصلاة رجع والله أعلم] وإذا كان الإمام غير صحيح فتقدم رجلاً ثقة مكانه يصلي بالجماعة ولا يقدم رجلاً يصلي بالجماعة وهم له كارهون، ويجوز للمأموم إذا تيقن أن الإمام سها أن يسبح له، وإذا سها الإمام في صلاته سبح له من خلفه من الرجال، يقول سبحان الله، وإن كان خلفه نساء فيصفقن بأيديهن، وخير صفوف الرجال ما تقدم، وخير صفوف النساء ما تأخر، ولو يعلموا بفضل صف المقدم على المؤخر لتجالدوا عليه بالسيوف، واللحن في قراءة إمام الجماعة إذا كان يبدل المعنى اختلاف في نقض الصلاة إذا كان على وجه الخطأ، وإن كان على الجهالة فتنتقض الصلاة والله أعلم، وقيل إن رجلاً صلى خلف معاذ بن جبل فسلم وبادر الرجل فخرج عجلان، فقال ذلك منافق، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتد عليه وقال يا معاذ أتكون فتاناً؟ من صلى بقوم فليصل بهم صلاة أضعفهم، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة الفجر في الركعة الأولى بكهيعص وفي الركعة الآخرة بقل هو الله أحد، فسئل عن ذلك فقال: »سمعت صوت طفل يبكي، فظننت أن تكون أمه خلفي«، فقرأ في الركعة المؤخرة بقل هو الله أحد، وصلى عبدالرحمن بن عوف –يوم طعن عمر رحمه الله- بالناس صلاة الفجر بالمعوذتين، وقد قال الله ما فيه شفاء »فاقرءوا ما تيسر من القرآن« وإذا لبس الإمام في الصلاتين قميصاً وإزاراً فهو جائز، وإزاراً ورداء فهو جائز، أو سراويل ورداء جاز ذلك، ويعقد التكة، وسروايل وقيمصاً، ورداء أو قميصاً أو إزاراً أو عمامة وجبة، وعمامة أو جبة، ولا (1/55)
صفحة 56
يؤم بالقباء ولا بالقميص وحده، ولا بالسراويل وحده، ولا بثوب رقيق، ولا بثوب يشف ولا يصف، ولا بثوب حرير، ولا يثوب ملحم بالحرير، ولا بقز، ولا يسجد على الحرير ولا القز، ولا يؤم المتيمم من الجنابة بالمتيمم من غير الجنابة، وجائز أن يصلي أحد هؤلاء بعضهم ببعض، المتيمم بالمتيمم، والجنب بالجنب، والعادي بالعادي، والمشتمل بالمشتمل، والأعمى بالأعمى، والعبد بالعبد، والمقيد بالمقيد، والخصي بالخصي، والمجبوب بالمجبوب، يصلي كل واحد بمن هو مثله، وكل هؤلاء جائز لهم أن يصلي خلف الثقة الكامل من الثياب واللباس، لأن الأفضل أولى بالتقدم، ولا يؤم الصبي ولا المرأة، وللمرأة أن تؤم بالنافلة، وتكون وسطاً من صف النساء ولا تؤم الرجال، [وقيل إن إمام المسجد إذا صلى في مسجده الذي يؤم فيه جماعة فليس يجوز أن يصلي فيه جماعة في وقت تلك الصلاة بحيث تجوز الصلاة بصلاة الإمام الأول إن لو اتصلت الصفوف، وإن صلى أحد فيه جماعة ثم جاء إمام ذلك المسجد وصلى فيه جماعة في وقت تلك الصلاة فسدت صلاة الذين صلوا قبله، إذا كان إمام الذين صلوا قبله صلى في الموضع الذي يؤم فيه إمام المسجد، وإن كان صلى في موضع غيره جازت صلاتهم ولا فساد عليهم والله أعلم]، وقيل إن الوتر تجوز أن تصلى جماعة في غير شهر رمضان، إلا أن المستحب أن تصلى جماعة في شهر رمضان والله أعلم، وقيل لا تؤم امرأة رجلاً، ولا فاجراً براً ولا إعرابي مهاجراً، وقيل إذا التبس على إمام الجماعة فلم يدرك صلى ثلاثة أو أربعاً، فقيل يمضي على غالب ظنه، إن كان له غالب ظن، وإلا فيجلس للتحيات ولا يزيد ركعة، فإن سبح له من خلفه أتم صلاته وزاد ركعة، وإن لم يسبح له فقد تمت صلاته، ويعجبني إن كان الجماعة الذين خلفه يجري على مثلهم الشك في الصلاة سألهم، وإن كان لا يجري على مثلهم الشك لم يسألهم والله أعلم، وقيل إن الصلاة بعد الصلاة جماعة في موضع واحد جائز، وإن كان إمامان يصليان في وقت واحد، فإن (1/56)
صفحة 57
كان بين الإمامين أقل من خمسة عشر ذراعاً فلا يجوز، وإن كان الإمام يصلي بحيث لا تجوز الصلاة بصلاة صاحبه فجائز، وأما الرجل الواحد فيجوز له أن يصلي وحده على كل حال، وهذا إذا كان في غير مسجد والله أعلم.
الباب الرابع والثلاثون
في صلاة الجمعة
وتصلى الجمعة في الأمصار السبعة خلف كل بار وفاجر، لأنها واجبة هنالك، ولا توجد إلا في ذلك الموضع، في ذلك الوقت، وهي عندهم واجبة، وقد صلى المسلمون خلف الجبابرة الجمعة، والجمعة لا تكون جمعة إلا بالخطبة والإمام والجهر بالقرآن ما تيسر، وإذا حضر وقت صلاة الجمعة ونودي للصلاة حرم البيع والشراء، ووجبت صلاة الجمعة، ويكون الأذان متصلاً بالخطبة، والخطبة متصلة بالإقامة، والإقامة متصلة بالصلاة، والقراءة فيها جهراً، وهي ركعتان، ويسلم ويدعو بما فتح الله، ومن سنن الجمعة الغسل والبخور والغدو إلى الجمعة والإنصات عند الخطبة حتى تنقضي الصلاة، ومن لغا ولم ينصت فلا جمعة له، ولا جمعة على مسافر ولا مريض ولا امرأة ولا عبد ولا صبي، إلا أن يحضروا ذلك فجائز لهم أن يصلوا بصلاة الإمام، ولا يكون المسافر إماماً في صلاة الجمعة لأنه لا فرض عليه فيها، ولا يجوز لمن لا فرض عليه أن تؤدى بإمامته فريضة لمن وجبت عليه فريضة، والمقيم أولى بالصلاة في ذلك، والواجب أن يتقدم الأفضل في الجمعة، ومن تكلم في الجمعة والإمام يخطب فعلى قول أنه يبرز من المسجد، ثم يرجع فيبتدئ الصلاة، وقد أبطل ما كان عمله قبل ذلك إذا لغا في الجمعة، وقيل: من لغا فلا جمعة له، وقد قيل يحضر الجمعة ثلاثاً، فرجل يحضرها بلغو ولهو فذلك حظه منها، ورجل يحضرها بدعاء فذلك رجل سأل ربه فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل يحضرها بسكون وإنصات فذلك مؤد حقها، ولا تكون الجمعة إلا في الأمصار، وعند أئمة العدل، وحيث تقام الحدود، وما لم يكن إمام عدل صلوا أربعاً حتى يكون إمام عدل، أو في المصر الذي تجب فيه الجمعة، والخطبة ليس هي من الصلاة، (1/57)
صفحة 58
ولكن الخطبة من شرط الجمعة، لأنها لا تكون إلا بخطبة كما جاءت السنة فانتشروا في الأرض، ومن فسدت عليه صلاة الجمعة في الوقت أبدلها أربعاً صلاة الظهر، وإن علم بنقضها بعد الوقت أبدل صلاة الجمعة التي كانت فسدت عليه، ومن فسدت عليه صلاة الجمعة لم يصلها في جماعة أخرى في غير الجمعة، وقيل لا يجوز أن يصلي المقيم –في موضع تصلى فيه الجمعة يوم الجمعة- الظهر وأما المسافر فجائز له لأنه غير مطالب* بها، وقيل في معنى قوله - عليه السلام -: »لا صلاة لمن عليه صلاة« فالمعنى في ذلك إذا صلى صلوات بعد ما يذكر الصلاة التي عليه فإذا صلى بعدما ذكرها صلوات، ففي بدل ما صلى اختلاف، ويعجبنا إذا تطاول ذلك أن يؤخذ له بالرخصة، إذا لم يكن في فعله مخالفاً، وأما إذا صلى صلوات ولم يكن ذاكراً لصلاته فلا بدل عليه فيها، ومن فسدت عليه صلاة أبدلها في الوقت جماعة، وإن شك فيها لم يصلها جماعة، وإن لم يذكر أنها فسدت عليه إلا بعد الوقت لم يصلها جماعة، ومن نسي صلاة حتى فات وقتها ثم ذكرها فله أن يصليها جماعة بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك من نام عن صلاة حتى فات وقتها جائز له أن يصليها جماعة والله أعلم، ومن نسي صلاة أو نام عنها فإنه يصليها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، وإن أخرها لم يجز له، وقد قيل عليه الكفارة، وإن كانت فسدت عليه من بعد أن صلاها فهي دين عليه، متى أبدلها سقط عنه أداؤها ولا كفارة عليه، ومن فسدت عليه صلاة في سفر فذكرها في الحضر، أبدلها صلاة السفر حيث انتقضت عليه في السفر كذلك يبدلها، وإن انتقضت عليه صلاة في الحضر فلم يذكرها حتى صار في حد السفر، فإنه يبدلها صلاة الحضر، لأنه قد لزمه ذلك في الحضر، وإن نسي صلاة في السفر فذكرها في الحضر صلاها تماماً، وإن نسيها في الحضر فذكرها في السفر صلاها صلاة السفر، لأن ذلك وقتها وفي هاتين المسألتين اختلاف، ويعجبنا أن يصليها تماماً، والنية في ذلك أصلي فريضة صلاة الظهر (1/58)
صفحة 59
الفائتة أربع ركعات، وأما إذا نسيها في السفر وذكرها فإنه يصليها تماماً، والنية في ذلك أن يقول: أصلي لله تعالى فريضة الظهر التي نسيتها في سفري وفاتتني أربع ركعات، ومن أغمي عليه في الصلاة وقد حضر وقتها فإن انتبه صلاها، وإن أغمي عليه أو جن في صلاة قبل وقتها حتى يحضر الوقت وفات، فإنه لا يلزمه من حيث الوجوب ساقط عنه، ويؤمر أن يصلي إذا انتبه، ولم أر ذلك له لازماً لأنه لم يخاطب إلا في حال العقل، ولا قلم ضائع العقل ولا بدل، ومن صلى صلاة ناقصة لا يتم حدودها ولا فرائضها، جاهلاً لذلك أو متعمداً، كان ذلك عملاً لا يثاب عليه، ولا بدل عليه إن تاب، وإن ترك من الحدود شيئاً أبدلها، ومن صلى بلا طهارة ولا تيمم أبدل الصلاة إذا وجد الماء، وإن كان واجداً للماء أو التراب وترك ذلك وصلى لزمته الصلاة وكفارتها، والمسافر إذا لم يجد الماء وتيمم وصلى ثم وجد الماء فلا بدل عليه، ومن كان حيث لا يجد ماء ولا تراباً وصلى أبدل إذا وجد الماء، وقيل لا بدل عليه، وهو اختيار الشيخ أبي محمد رحمه الله، ومن صلى بالتيمم لعذر من برد، أو من مرض، أو جدري، أو جراحة ما كانت، ثم قوى وصح فلا بدل عليه، ومن صلى عرياناً لعدم الثياب، ثم وجد الثياب فلا بدل عليه، إلا أن يجد في وقت الصلاة، فإنه يبدل الصلاة بالثياب، ومن صلى في ماء أو طين قائماً لعذر، ثم قدر بعد ذلك فلا بدل عليه، ومن صلى قاعداً لعذر من مرض أو في بحر وما يمكن عذره ثم قدر بعد فراغه فلا بدل عليه، ومن صلى قاعداً لمرض أو لعلة بعض صلاته ثم وجد قوة فإنه يبتدئ أول صلاته قائماً بتمامها، فإن صلى قائماً ثم ضعف فإنه يتم ما بقي قاعداً، ولا ابتداء عليه، ومن صلى بالإيماء قائماً أو قاعداً من جهة التقية أو لخوف جاز له ولا بدل عليه، وإن أمن في الوقت أبدل صلاته، ومن صلى بالتكبير في المرض أو في الخوف أو في الحرب أو كان هارباً خائفاً مطلوباً على دمه فلا بدل عليه بعد ذلك، فإن قدر أن يصلي في (1/59)
صفحة 60
وقت الصلاة وأمن من ذلك الخوف في الوقت، فأحب أن يبدل الصلاة في الوقت ولا بدل عليه بعد الوقت، ومن لم يجد الماء لغسل الجنابة إلا ما يجزئه للوضوء فتوضأ وصلى ولم يتيمم فإنه يلزمه البدل لتلك الصلاة، وإن تيمم فلا بدل عليه، والحائض والجنب فلا بدل عليهما إذا صليا بالتيمم من الجنابة والحيض عند عدم الماء، وإن وجدا الماء بعد أن صليا في الوقت لم يلزمهما في الحكم بدل، لرواية عن النبي - عليه السلام - أن التيمم كاف لمن لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك، لأنه فريضة على كل مسلم، والحائض والجنب إذا وجدا الماء بعد أن صليا وقد فات فعليهما الغسل، ولا بدل عليهما بعد ذلك يلزم، وإن أبدلا في الوقت فإني أحب ذلك فلا حكم منى عليهما، ولا بدل عليهما بعد انقضاء الوقت، ومن صلى بثوب نجس أو جنب إذا لم يجد غيره جاز له لا بدل عليه بعد ذلك، ومن كان به كسر وعليه جبائر وهو واجد للماء فتوضأ ولم يمس الماء الجبائر ولا الجارحة لخوف الماء جاز له ذلك، فإن صلى بذلك ولم يتيمم لحال الجبائر ولو فرغت الجارحة فلا بدل عليه، لأنه قد صلى بالماء، والتيمم إنما هو بدل عند العدم للماء، وقد توضأ وهو بمنزلة المعدوم من الأعضاء والله أعلم، والتيمم في ذلك احتياط، والذي يوجب التيمم إذا فرغت الجارحة لعلة يلزمه البدل، والذي يقصر الصلاة في موضع التمام يلزمه البدل والكفارة، والذي يتم الصلاة في موضع السفر يبدل بلا كفارة عليه في ذلك، والنائم عن الصلاة والناسي لها يلزمه البدل في الوقت وبعد الوقت، إذا ذكرها صلاها ولا كفارة عليه، والذي يصلي صلاة فاسدة، أو بثوب غير طاهر أو به نجاسة في بدنه، أو صلى على موضع نجس ولا يدري، فكل ذلك إذا علم عليه بدل الصلاة لذلك ولا كفارة عليه، ويؤمر بالتعجيل في البدل في مقام إن قدر فليبدأ الأول فالأول، ومن ترك صلاته عمداً أو لسكر أو نسيان فذكر ولم يصل فصلى غيرها، فكل صلاة صلاها لم يصح له حتى يصلي تلك الصلاة (1/60)
صفحة 61
التي ترك أو نسى، ثم تثبت له ولو تطاول عليه من ذلك الزمان للزمه بدل جميع تلك الصلاة كلها، فكل صلاة فاسدة لعلة من العلل بعد أن صلاها ثم علم فعليه بدلها، وإن لم يبدل ذلك وصلى غيرها من الصلوات الحاضرة جاز له ما صلى ولا بدل عليه، لأنه قد صلاتها وإنما هي فاسدة بعينها لسبب أو لعلة يبدلها سواء كالدين الذي إلى غير حد محدود، والله أعلم.
والذي يجعل شيئاً من فرائض الصلاة التي لا يسعه تركها ولا تصلح الصلاة إلا بها، ثم صلى على ذلك فإنه يلزمه البدل والكفارة، ولا يعذر بجهل ركوب ذلك، وقيل إن سنة الفجر إذا فاتت المصلي لما صلى مع الجماعة، فالمستحب له أن يصليها بعد طلوع الشمس في ذلك اليوم، وفي غير ذلك اليوم يصليها، ولو قيل طلوع الشمس والله أعلم.
والمصلي إذا سجد على زورة من دعن أجزأه وإن سجد على زورتين أجزأه هكذا عن الشيخ ابن مالك، وقيل معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: »لا صلاة لمن عليه صلاة« أن معنى ذلك إن كان ناسياً لصلاته أو كانت منتقضة عليه، فصلى بعدها صلوات قبل أن يبدلها أو يصليها، وأما إذا نسي صلاة وصلى صلوات في حال نسيانه، فذلك لا بدل عليه فيما صلى في حال نسيانه، ولو كان ذكرها وقت صلاة قد صلاها، فإنه يصلي الصلاة التي نسيها، ولا بدل عليه في الصلاة التي صلاها قبل أن يذكر صلاته ولو كان وقتها حاضراً هكذا من كتاب منهاج العدل.
الباب الخامس والثلاثون
في صلاة المريض (1/61)
صفحة 62
والمريض يصلي كما أمكنه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإن قدر المريض أن يصلي قائماً صلى قائماً وسجد، وإن كان لا يقدر أن يصلي قائماً صلى قاعداً، وإن كان يقدر أن يصل إلى المسجد أو المصلى فعليه أن يسجد، وإن لم يقدر وصلى على فراشه صلى عليه وأومأ للسجود وللركوع، وإن كان فراشه طاهراً صلى عليه، وإن كان نجساً وهو يقدر أن يجعل عليه شيئاً طاهراً (كان) مثل حصير وضع له فإن لم يقدر صلى على فراشه، وإن كان غير طاهر أومأ للصلاة، وإن كان يقدر أن يلبس ثياباً طاهرة فلا يصلي بالثياب النجسة وإن لم يقدر أن يخرج ثيابه ويلبس ثياباً غيرها، لشدة الحركة والتحول، أو لثقل العلة، أو لمعنى غير ذلك، صلى بثيابه التي عليه، وإن كانت غير طاهرة فإن قدر أن يتوضأ بالماء توضأ وإن لم يقدر وكان عنده من يوضئه مثل زوجته أو جارية وضؤوه بالماء بأمره ونيته لذلك، وإن لم يمكنه ذلك تصعد بالتراب، فإن لم يمكنه الصعيد بنفسه، صعده بالتراب من حضر من أهله أو غيرهم، وإن كانت به نجاسة فقدر أن يستنجي ويتوضأ فعل ذلك، أو توضئه زوجته، وإن لم تكن له زوجة لم يكن له أن يتعرى لغيرها وتصعد بالتراب وصلى، وإن أمكنه أن يحفظ وضوءه من صلاة إلى صلاة فعل، وإن لم يمكنه توضأ عند كل صلاة إن قدر، وإن لم يمكنه واشتدت عليه الحركة في الوضوء لتلك العلة تصعد بالتراب وصلى، فإن قدر أن يصلي كل صلاة في وقتها، صلاها في وقتها على ما يمكنه إن لم يمكنه ذلك، وإن لم يقدر أن يحفظ الوضوء ولا يتوضأ لكل صلاة جاز له أن يجمع الصلاتين بالتمام، على قول من رأى ذلك، فإن قدر أن يصلي قائماً صلى قائماً، وإن لم يقدر أن يصلي قائماً صلى قاعداً، وإن لم يقدر أن يصلي قاعداً صلى نائماً على جنبه مستقبل القبلة، وإن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة فحيث كان فثم وجه الله، وإن لم يقدر أن يصلي نائماً على جنبه، صلى مستلقياً على قفاه، واستقبل بوجهه القبلة وكانت رجلاه مما يلي القبلة وصلى، فإن لم (1/62)
صفحة 63
يقدر أن يصلي وحده واحتاج إلى من يحفظ عليه، حفظ عليه صلاته، وإن كان لا يقدر أن يحفظ عليه ولا يفهم ما يقول، ولا ما يصلي ولا يبقي، وصار في حال لا يقدر على الصلاة، كبر خمس تكبيرات لكل صلاة، وللوتر خمس تكبيرات أيضاً، وقد أجاز له بعض أن يجمع الصلاتين بالتكبير، ولا أحب ذلك إن قدر أن يكبر في وقت كل صلاة لوقتها، كان أحب إلي من الجمع، والمصلي بالتكبير ليس عليه تسليم.
الباب السادس والثلاثون
في ذكر صلاة المسافر (1/63)
صفحة 64
وكل مسافر خرج من بلده يتعدى فرسخين، فإذا صار في حد السفر وجاوز فيه العمران صلى صلاة السفر حتى يرجع، وإذا رجع فهو على صلاة السفر حتى يدخل عمران بلده، والعمران هو اتصال النخل والمنازل، فأما الزراعة فلا يلتفت إليها، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج من المدينة –حاجاً أو غازياً- صلى صلاة السفر، وصلاة السفر ركعتان، إلا صلاة المغرب فإنها ثلاث ركعات، في الحضر والسفر، لا نقصان فيها، والمسافر يقرأ في الصلاة بما يقرأ المقيم، ولا يجوز لمسافر أن يصلي صلاة الحضر وهو مسافر، فإن صلى في السفر أربع ركعات، فعليه البدل، لأن الفرض في السفر عليه ركعتان في صلاة الظهر والعصر، وصلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة، ومن نسي صلاة أو نام عنها وهو في بلده فذكرها في سفره صلاها صلاة السفر ركعتين، وإن فسدت عليه صلاة في بلده فأراد أن يبدلها في سفره أبدلها كما لزمته تماماً، وإن فسدت عليه صلاة في سفره فأراد أن يبدلها في بلده صلاها صلاة السفر في بلده، وإن نام عن صلاة أو نسيها في سفره، فذكر ذلك وقد صار في بلده أبدلها تماماً صلاة المقيم، للخبر الوارد عن النبي عليها أنه قال: »من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها«، فإذا كان ذلك وقتها صلاها في وقتها كما لزمته ركعتين أو أربع ركعات مسافراً كان أو مقيماً، وإذا أراد أن يصليها فيذكرها فائتة وإنما معنى قوله - عليه السلام -: »فإن ذلك وقتها« في معنى رفع الإثم عنه إذا نام، ويرى أن في الوقت سعة، وإن نام مهملاً ومخاطراً لصلاته ولا يبالي، فإن فات وقتها عليه فعليه الكفارة، وكذلك إذا أشغل نفسه عنها على حسب ما تقدم يف القول، والله أعلم.
وقيل في الوالي إذا ولاه الإمام على قرية، وحد له أياماً معروفة فيصلي فيها قصراً، وإذا كانت غير بلده إن لم يحد له فيصلي فيها تماماً والله أعلم. (1/64)
صفحة 65
وقيل في امرأة لها شرط سكن، وزوجها يقصر الصلاة في بلدها وهي تتم فيه، فليس لها أن تكون تبعاً لزوجها تتم الصلاة في بلده إلا أن يتخذه بلده وطناً فإنه تتم الصلاة في البلدين جميعاً، ما لم تهدم شرطها، فإذا هدمت شرطها صارت تبعاً لزوجها، وإن رجعت إلى شرطها بعد أن هدمته فليس لها ذلك، وقيل إن المسافر إذا صلى صلاته الأولى في مسجد ثم أقام إمام المسجد الصلاة فإن كان يصلي في موضع قدام إمام المسجد فإنه يتم صلاته الآخرة، وإن كان في موضع خلف الإمام فإنه يقف إلى أن يتم الإمام صلاته ثم يتم صلاته من بعد، وكل مسافر في بلد لابث فيه إلى وقت أو إلى أن يخرج، فأحب أن يصلي كل صلاة في وقتها، ولا أحب أن يجمع في هذا المكان، ولكن كل صلاة في وقتها صلاة المسافر، وقد تنازع الناس في صلاة المسافر فسماها قوم قصراً، وسماها قوم تماماً، واتفقوا جميعاً على أنها ركعتان، والتنازع بينهم في تأويل الآية، قال الله تبارك وتعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } * والضرب هو السفر والسير، فقالوا كل ضارب في الأرض مسافر، حيث يجب سم السفر صلى صلاة السفر قصراً، وبيان الآية تدل على المراد، قوله: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } * قال فهذا إنما يكون القصر مع الخوف، وهو صلاة الحرب، وآخر الآية يدل على ذلك، لقوله: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة الصلاة } * إلى تمام الآية، يدل على ذلك أن القصر في الحرب وأن صلاة السفر هي ركعتان غير قصر، وأن الصلاة نزل فرضها مجملاً فبينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعرف أمته صلاة السفر من صلاة الحضر، وصلاة المقيم من صلاة الأعياد، والسنن، وصلاة الجمعة وصلاة الحرب، ولولا ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان للناس إلى معرفة ذلك سبيل، وذكر قوم أن أول فرض الصلاة ركعتان، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، (1/65)
صفحة 66
زيد في صلاة الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، فصارت كل واحدة أربع ركعات للمقيم، وكأن الصلاة الأولى تركت بحالها للمسافر إلا صلاة الفجر والمغرب، فلا نقص فيهما ولا زيادة في الحضر ولا في السفر، والذي يحتج بالآية أن صلاة المسافر قصر، يحتج مع ما تقدم من الآية، يحتج أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب رحمه الله، فقال: يا أمير المؤمنين لم جاز قصر الصلاة في الأمن والله تبارك وتعالى يقول: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: قد عجبت مما عجبت فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: »صدقة تصدق الله بها على المؤمنين فاقبلوا صدقته«، ففي هذه الأخبار ما يدل على اتفاقهم على أن صلاة المسافر ركعتان، فمن صلى في سفره أربعاً، فقد خالف الكتاب والسنة وعليه البدل، وفيما بيناه فساد لقول من أجاز للمسافر أربع.
الباب السابع والثلاثون
في ذكر صلاة الجمع في السفر (1/66)
صفحة 67
والجمع هي سنة أماتها للناس، وفي إحياء سنن الإسلام أعظم الثواب، وللمسافر السائر أن يجمع الصلاتين في أول الوقت وفي آخره، إذا نوى الجمع عند حضور الأولى، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا حضرت الصلاة وهو نازل لم يرحل حتى يصلي، وإذا رحل ارتحل قبل الوقت أخر الأولى إلى الآخرة وجمع بينهما، وقد روي أنه كان يفرد في السفر ويجمع إذا سار، وأنه قد جمع الصلاتين في غزوة تبوك، وفي منى، وجمع في عرفات* واتفاق الأمة على إجازة الجمع بعرفات والمزدلفة ومنى* وفي إجماعهم هذا دحض لحجة من أبطل الجمع، وقد أجازوا الجمع للمسافر والمستحاضة، ولمن به جراحة مؤذية لا يرقأ دمها، والمبطون والمريض الثقيل، لحال المشقة وفي اليوم المطير، وفي السحاب إذا غمى الوقت، وفي هذا كله قد أجاز الفقهاء الجمع فيه، ولو صلى المصلي الصلاة في أوقاتها وهو غير جاحد للجمع في هذه المواضع، ولا يخطئ من فعل ذلك كان ذلك جائزاً له، فإذا جمع وأخذ بالرخصة فقد أخذ بسنة وفرض لأن الفرض صلاة السفر والسنة الجمع في السفر، وللمسافر أن يجمع إذا خرج من حد الفرسخين، فإن جاوز عمران بلده فله أن يجمع، كذلك جائز له الجمع إلى يدخل عمران بلده ولو جمع ثم دخل بلده في وقت الأولى كان قد صلى ولا يلزمه شيء، والذي آمر به وأختاره: أنه إذا جاء مسافر يريد بلده، إذا كان يطمع بالدخول في وقت الأولى لم يجمع حتى يصلي في البلد، وإن كان يخاف فوت الأولى صلى الأولى، وأخر صلاة الآخرة حتى يصليها في بلده، وإن جمع فلا بأس، وإن صلاها فلا بأس، والمسافر إذا خرج من بلده وقد حضرت الصلاة ولم يصل فأراد الصلاة وقد خرج من عمران بلده، وكان الوقت قد حضر قبل خروجه، فأحب أن يصلي تلك الصلاة كما لزمته في البلد صلاة المقيم، ولا أحب له أن يجمع في هذا المكان، ولا أحب له أن يؤخرها وقد لزمته في البلد حتى يفوت الوقت ويجمع، وقيل إن الصبي إذا بلغ في السفر فإنه يتم الصلاة في (1/67)
صفحة 68
الموضع الذي بلغ فيه حتى يتعدى الفرسخين ويخرج عنه، والعبد إذا اشتراه مسافر يقصر الصلاة فإنه يقصر الصلاة تبعاً لسيده، والقصر يدخل على التمام في هذا، وإذا اشتراه في وقت صلاة قد حضرت، وهو في ملك السيد الذي يتم الصلاة ثم اشتراه مسافر وكان وقتها حاضراً والعبد بعده لم يصل، فالذي نحب للعبد أن يصلي تلك الصلاة تماماً، وقيل إن المميتة* والبائنة بثلاث يوجد أن صلاتهما بصلاة نفسهما إن كانتا من قبل يقصران الصلاة وأما إذا طلقها زوجها طلاقاً رجعياً فتكون صلاتها بصلاة زوجها، والمختلعة* إن كانت تصلي قصراً من قبل تبعاً لزوجها فإنها ترجع إلى التمام إذا خالعها، وإن كانت تتم في بلد زوجها فلا تقصر حتى تتعدى الفرسخين، خلافاً لمسألة العبد، وكذلك المميتة والبائنة القول فيهما واحد، والصبية التي يزوجها أبوها تكون صلاتها في السفر صلاة زوجها في أكثر القول، وأما اليتيمة تكون صلاتها في السفر صلاة أبيها حتى تبلغ وترضى بزوجها، وتكون صلاتها في الموضع تماماً، حتى تنتقل منه وتتعدى الفرسخين، ثم تكون تبعاً لزوجها في الصلاة إن رضيت به زوجاً، وكذلك المغيرة من زوجها تكون صلاتها صلاة نفسها، إلا أنها تتم الصلاة في الموضع الذي تبلغ فيه، مثل ما تقدم في القول، وقيل إذا تزوج الرجل امرأة مسافرة، وهو مسافر، ثم إنهما سارا إلى بلد الزوج، وبعده لم يدخل بها، فقيل إذا رضيت به زوجاً فإنها تصلي بصلاته وقيل إذا أدى إليها عاجلها وقول إذا دخل بها، والنية لبدل صلاة السفر يقول: أصلي لله بدل ما لزمني في سفري من فريضة صلاة الظهر والعصر أربع ركعات متوجهاً إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله، وكذلك المغرب والعشاء الآخرة والوتر، وجدناه بخط الشيخ محمد بن عمر رحمه لله تعالى، ومن الفقهاء من قد أجاز له أن يجمع وأن يصلي صلاة السفر ولو حضرت الأولى في البلد، وقال قوم يصلي الأولى تماماً ويجمع إليها الثانية قصراً، واختياري ألا يجمع في هذا المكان، ولكن يصلي (1/68)
صفحة 69
الأولى في وقتها كما لزمته في البلد صلاة المقيم، ويؤخر الآخرة إلى وقتها ويصليها صلاة المسافر، والذي يقدم من سفره وتحضره الصلاة في السفر ولم يصل حتى دخل البلد وقد حضرت وقت الصلاة صلاها صلاة المقيم، وإن لم يصل في السفر حتى دخل البلد وقد فات الوقت، فلا آمن عليه من الكفارة، لأن هذا ترك الصلاة حتى فات الوقت، ومن صلى بالصعيد عند عدم الماء ثم وجد الماء في وقت الصلاة فقد جازت صلاته ولا إعادة عليه إلا أن يكون لم يطلب الماء، أو كان الماء في رحله أو قريباً منه، فصلى بالصعيد ثم علم بالماء، فعليه الوضوء والصلاة، وجائز للمسافر أن يصلي بالصعيد الطيب ما لم يجد الماء، ولو تطاول ذلك عليه حتى يجد الماء، وليس على المسافر جمعة ولا جماعة إلا أن يحضر ذلك فيصلي. (1/69)
صفحة 70
وقيل إذا صلى مسافر خلف مقيم ثم فسدت عليه، فإنه يبدلها في وقتها قصراً وبعد فوت وقتها تماماً كالجمعة وغيرها، وللمسافر أن يصلي بصلاة المقيم في الجماعة باتفاق منهم ولا خلاف، والاختلاف بينهم في صلاة المقيم خلف المسافر، فالكثير منهم لم يجز ذلك لأن المسافر لا جماعة عليه، والجماعة منه تطوع وصلاته أنقص من صلاة المقيم، والمقيم أولى بالتقديم، فمن هذا لم يجز صاحب هذا الرأي صلاة المقيم خلف المسافر، والمسافر إذا صلى بالصعيد ولم يجد الماء للغسل من الجنابة والحيض أو كان به نجاسة ثم وجد الماء في وقت الصلاة فلا إعادة عليه في صلاته، إلا أن يكون الماء قريباً منه ولم يطلبه، فقد قلنا فيه، وكلمن صلى بالصعيد صلاة فسدت عليه لوجه يلزمه بدلها، كان مسافراً أو مقيماً أو مريضاً أو حائضاً ثم ذكر فسادها بحضرة الماء أبدل ذلك الوضوء، وإن لم يجد الماء تيمم وصلى، وكل مقيم أو مسافر أو واجد للماء في حال من الأحوال وصلى بالوضوء صلاة يلزمه بدلها من فساد، كان مسافراً أو مقيماً أو مريضاً أو حائضاً، ثم ذكر ذلك وأراد البدل وهو لا يجد الماء، أجزأه التيمم ويتصعد ويصلي، مسألة في صلاة الإمام سئل محمد بن محبوب رحمه الله في الإمام إذا خرج من موضعه إلى رباط أو غيره، أيقصر الصلاة أو يتم ما دام في حدود عمان؟ قال: بل عليه القصر إذا تعدى الفرسخين من موضعه حتى يرجع، فإن أخرج حاكماً إلى مصر ومعه أصحاب، فإن على الحاكم وأصحابه التمام ما داموا في موضع حكمهم، فإن خرج مسافراً سفراً يتعدى فيه الفرسخين من الموضع الذي هو فيه، يحكم فيه أو لم يحكم فيه، فعليه وعلى أصحابه قصر الصلاة، وكذلك الوالي الذي ولاه الإمام وأصحابه أن يتموا الصلاة إلا أن يوليه الإمام إلى وقت معروف ويجد له حداً، وكذلك الوالي الكبير إذا ولاه الإمام على الرستاق وولى فيها ولاة على القرى، فعليه وأصحابه الذين ولاهم التمام، وكذلك الشراة الذين معهم تبع لهم، وأما أولادهم (1/70)
صفحة 71
البالغون فلهم التمام، وصلاتهم صلاة أنفسهم إذا لم يكونوا شراة عندهم الله أعلم.
وإذا صلى المسافر صلاة السفر ركعتين في سفر فدخل بلده فإذا هو قد صلى صلاة فاسدة أو بنجاسة ولزمه البدل، فإن كان ذكر ذلك في وقت الصلاة، صلى الفرض الذي عليه وقد فسدت صلاته وصلى في البلد بالتمام، وإن كان قد فات الوقت ودخل البلد وذكر فساد الصلاة، وقد كان صلى صلاة السفر أبدلها بعد الوقت صلاة السفر، وإن كان في بلده وكذلك المقيم إذا ذكر في الوقت يبدل فرضه، وبعد فوت الوقت يبدل تلك الصلاة التي فسدت عليه، وكذلك من صلى قاعداً صلاة فاسدة، فذكر ذلك وهو يقدر على القيام أبدل ذلك قياماً، ومن صلى قائماً ثم ذكر فساد صلاته وهو لا يقدر على القيام من مرض أو علة أو في السفينة أبدل ذلك كما أمكنه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ونسأله التوفيق للرشاد.
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر صلاة العيدين (1/71)
صفحة 72
وصلاة العيدين سنة معمول بها على الكفاية، ومرغب فيها، ويؤمر بأفضل اللباس لمن أمكنه، وتبرز النساء والعبيد والصبيان، ويستحب ذلك من غير لزوم على العبيد ولا الصبيان البروز في ذلك، وهي فضيلة لمن رزقها، وقال الله تبارك وتعالى في صلاة الفطر: { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } * فجعلهم مفلحين في إخراج صدقة الفطر، ثم الصلاة وكذلك صلاة الأضحى، قال الله تبارك وتعالى: { فصل لربك وانحر } * قدم الصلاة قبل النحر وقيل إن هاتين الآيتين في صلاة العيدين، ويؤمر بالتكبير يوم العيد لقول الله تعالى: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } * وقد قال الله: { واذكروا الله في أيام معدودات } * وقال: { في أيام معلومات } ويستحب التكبير عند رؤية الهلال للفطر، ويوم الفطر عند الخروج إلى الصلاة، والتكبير أيضاً يوم النحر، وعند الذبح، وأيام التشريق، وهذا ما يستحب لأن التكبير أيام التشريق سنة وفضيلة، فإذا خرج الناس إلى صلاة العيد خرجوا وعليهم السكينة والوقار، فإذا أرادوا الصلاة ولم يقدموا أفضلهم في دينه وأعلمهم بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأقرأهم لكتاب الله، ذلك أزكى لصلاتهم، فإذا قضى الصلاة كانت الخطبة والرغبة إلى الله، ويوم الفطر يسمى يوم الجائزة فإذا قام الإمام للصلاة، قام واستقبل القبلة، وأراد الصلاة ونوى ذلك أداء لسنة صلاة العيد طاعة لله ولرسوله، إماماً لمن يصلي خلفه بصلاته، يستحب ذلك ثم وجه وأحرم، فإن أراد أن يكبر ثلاث عشر تكبيرة كبر بعد الإحرام خمساً، ثم استعاد وقرأ وركع وسجد ثم قام فقرأ، فإذا فرغ من القراءة كبر خمساً وركع بتكبيرة أخرى، فإذا قام من الركوع وقال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، كبر ثلاثاً ثم سجد بتكبيرة أخرى وقضى وتمت صلاته بعد التحيات والتسليم، وإنما القراءة في الركعتين الحمد وسورة، وإن أراد أن يكبر إحدى عشر تكبيرة كبر بعد تكبيرة الإحرام ستاً ثم قرأ وركع وسجد وقام فقرأ، (1/72)
صفحة 73
فإذا فرغ من القراءة كبر خمساً وقضى صلاته، وإن أراد أن يكبر سبعاً كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعاً، ثم قرأ وركع وسجد وقام فقرأ فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاثاً وأتم صلاته، فهذا في صلاة الأعياد، وما هو جائز في قول أهل عمان دون من خالفهم، ومن لم يصل مع الإمام فصلى وحده أو في بيته صلى ركعتين بلا تكبير صلاة العيد على قول بعض الفقهاء، وإن زاد الإمام في التكبير أو نقص عليه لأن صلاة العيد سنة، وقد قيل إن عليه النقض في الزيادة والنقصان، وقال آخرون عليه النقض في النقصان، ولا نقض عليه في الزيادة، وإذا لم يعلموا بالهلال إلا بعد الزوال أخروا البروز إلى الغد، وقال آخرون يبرزون متى علموا، وإذا سبق الإمام المصلي بشيء من صلاة العيد، فإذا سلم الإمام أبدل ما سبقه به، وإن انقضت عليهم صلاة العيد صلوها في الوقت جماعة، ولا يصلوها بعد الوقت جماعة، ويصلي كل واحد وحده، وإن انتقضت صلاة الإمام قدم غيره ليتم بهم، وإن ذكر بعد أن قضى الصلاة لم يكن عليهم أبد وبدل الإمام صلاته ويقطع صلاة العيد ما يقطع صلاة الفريضة والله أعلم.
الباب التاسع والثلاثون
في ذكر صلاة الضحى
وصلاة الضحى هي صلاة الأوابين، وهي سنة فضيلة أقلها ركعتان والأكثر من ذلك أفضل، ووقتها من ارتفاع* الشمس قدر رمح إلى أن ينتصف النهار، وأفض ذلك إذا رمضت الفصال* على ما قالوا، وأقول إن أفضل ذلك الوقت الذي يكون فيه العبد أشد نشاطاً وإقبالاً إلى الصلاة أي ساعة كانت، قال الله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق } * وقد روي عن ابن عباس رحمه الله أنه قال: ما ظننت أن لصلاة الضحى فضيلة حتى أتيت على هذه الآية، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى يم فتح مكة ضحوة النهار ركعتين أو أربع –الشك مني- فصارت سنة متبعة وللمصلي من الفضل درجات لا يعلمها إلا الله رب العالمين.
الباب الأربعون
في ذكر صلاة كسوف الشمس والقمر (1/73)
صفحة 74
وروي عن النبي - عليه السلام - أن الشمس انكسفت يوم موت إبراهيم فقال الناس أصيبت الشمس لموت إبراهيم، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام وصلى ركعتين جماعة، وأطال فيهما القيام والقراءة فلما قضى الصلاة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: »يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لأحد من خلفه، ولكن يذكر بذلك عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وارغبوا لله إلى أن ينجلي« (أيهما انكسف) معنى الرواية ليس الإسناد بعينة، واختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: إن كليهما يصلى جماعة، وقال قوم القمر فرادى والشمس جماعة، وفي آثار أهل عمان أن الشمس تصلى فرادى والقمر يصلى جماعة، إذا أصيب، وأقول إنهما آيتان من آيات الله كما قال في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصلاة الجماعة عند كسوفهما جائزة وسنة وفضيلة.
الباب الواحد والأربعون
في ذكر صلاة القيام في شهر رمضان (1/74)
صفحة 75
في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه برز في أول ليلة من شهر رمضان فصلى وصلى الناس خلفه، فلما كان الليلة الثانية لم تبرز وبرز في الليلة الأخرى، فروي أنه قال: »لم يمنعني عن البروز إلا أن أشق على أمتي وألا تتخذوها سنة –الشك مني- في ذلك«، وأظن أنه قال: »لا أشق عليهم«، وكان يصلي فرادى في شهر رمضان والمسلمون من غير أن يجعل عليهم ذلك مؤكداً، فلما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان في أيام عمر بن الخطاب رحمه شاور أصحابه في أن يصلوا القيام جماعة، وأمر أبياً أن يصلي بهم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا على ذلك، فمضى أثراً متبعاً ومثبتاً، وفضلاً مجتمع عليه، وأفضله خمس ترويحات، ومن صلى أقل فجائز، وإن زاد كان أفضل، وكلما صلى الإنسان أكثر كان أعظم لأجره، وقيل إن المأموم إذا دخل في صلاة الإمام وقد فاته ركعة أو ركعتان من التراويح، أو صلاة الضحى، أو شيء من التكبير في صلاة الجنازة، فليس عليه أن يأتي بما فاته، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر« ومع ذلك فقد قال الله تعالى في كتابه: { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } * فإن ذكرته في الصلاة ذكرك بخير، كان ذكر الله بالخير أفضل من ذكرك إياه في الصلاة، وقيل: يجوز للمسافر أن يصلي التراويح في وقت المغرب ويؤخر الوتر إلى وقتها ولا يجوز للمقيم إلا بعد حضور العشاء الآخرة.
الباب الثاني والأربعون
في صلاة الجنازة (1/75)
صفحة 76
وصلاة الجنازة واجبة على من حضر الميت، وهي على الكفاية، فإذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين، وإذا ترك ذلك جميع الناس كفرا، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »اغسلوا موتاكم وصلوا على موتاكم« فوجب اتباع أمره، ولو تركوا ذلك كانوا عصاة لله ولرسوله، وهي أربع تكبيرات يصلى على البار والفاجر من أهل القبلة، تقرأ فيها الحمد مرتين بعد التوجيه والإحرام، ويوجه كتوجيه الصلاة، أو يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، ثم يحرم ثم يقرأ الحمد مرة ثم يكبر مرة، ثم يقرأ الحمد ثانية، ثم يكبر الثالثة ثم يحمد الله فيقول: الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، الحمد لله الذي يميت الأحياء ويحيي الموتى ويبعث من في القبور، الحمد لله الذي منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، ثم يستغفر لذنبه ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يدعو للميت إن كان من الأولياء أو يقول: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم - ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم } * إلى تمام الآيات كلهن، ثم يكبر الرابعة، ثم يسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن سلم الله عليه، ثم يسلم يصفح بوجهه يميناً وشمالاً، ويصلى على البار والفاجر من أهل القبلة، ويكره الكلام عند حمل الميت خلف الجنازة إلا بذكر الله، وحين يوضع في قبره حتى يدفن، إلا ما يكون من الكلام في أمر دفن الميت. (1/76)
صفحة 77
[ومن غير الكتاب: وإذا كان الميت غريباً ولم يكن له أحد من الأولياء، وكان عليه كسوة فإذا مر أحد يغسله فتدع الكسوة إلى من أمره بغسله والله أعلم]* وقيل إنه يكره دفن الميت عند نصف النهار في الحر الشديد سوى يوم الجمعة، وعند طلوع الشمس حتى يستتم، وعند غروبها حتى يحضر المغرب، وكذلك الصلاة على الميت يكره في هذين الوقتين، وعند نصف النهار في الحر الشديد، والسقط إذا خرج من بطن أمه ولم يستهل فإنه يغسل ولا يصلى عليه، وقيل إذا دفن الميت ولم يصل عليه فإنه يصلى عليه بعد ذلك في أي موضع كان وينوى بالصلاة على فلان الميت، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنجاشي، وإذا ماتت ابنة الرجل أو أخته فليس عليه أن يأخذ العزاء، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: »لسنا نعزي بالبنات ولا بالأخوات«، هكذا يوجد عن الشيخ عبدالله بن محمد القرن رحمه الله، القاتل نفسه عمداً بسم أو إلقاء أو حبل اختلاف في غسله، والصلاة عليه، والله أعلم. (1/77)
صفحة 78
ومن صلى على جنازة وأراد أن ينصرف فينصرف بإذن أوليائها أو يقعد حتى يدفن، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم حينما يوضع الميت في القبر، ثم قد في آخر الزمان عند وضع الميت في القبر، ويكره المشي قدام الجنازة إلا لمن يريد حملها، والمشي خلفها أفضل، والسنة حمل جوانب السرير الأربع، ثم تطوع إن شئت وفي قول أهل عمان أن الصلاة على الميت إلا الأولياء هم أولى بالصلاة عليه، أو يأمرون من يصلى عليه، وكذلك دفنه إلا الأولياء ولا سيما الحرمة إنما يدفنها الأولياء، وقال قوم إن الصلاة إنما هي إلا من يحضر الميت يأمرون من يصلي بهم، وإذا لم يكن أولياء لم يكن بد أن يقدموا من يصلي بهم، ولابد أن يدفن الميت من يحضر الميت، ودفنه إلا الأولياء أحب، ولا أحب أن يصلى عليه بثوب نجس، ولا يتيمم عند وجود الماء، وقد رخص بعضهم، أنه إذا تنجس ثوبه ولم يدر بنجاسة حتى تحضر الصلاة أنه يصلى بذلك، وأما من يخرج من بيته بثوب نجس يصلي به فلا، وقد رخصوا له إذا انتقضت طهارته، أو خاف فوت الجنازة، أن يتيمم بالتراب ويصلي، وقال قوم إذا كان الماء بالقرب فليس له أن يتيمم وإن فات الوقت، لأن من صلى فقد أجزأ عمن لم يصل، وقيل إن أولى بالصلاة على الميت الأب، ثم الزوج، ثم الابن، ثم الأخ، ثم العم، وإذا اجتمعت الجنائز من رجل وصبي وعبد وامرأة وحرة وأمة، فإنه يكون جنازة الرجل مما يلي المغرب، والصبي مما يليه، والعبد مما يليه، والمرأة الحرة مما يليه، والأمة مما يليها، قدام المصلي على الترتيب، ولا يقطع صلاة الميت ما يقطع غيرها من الصلوات، وجائزة صلاة النساء على الميت إذا عدم الرجال، وإذا دفن الميت ولم يصل عليه، فإنه يصلى عليه لو كان بعيداً عن القبر، إذا نوى بالصلاة عليه، وإذا مات رجل ولم يحضر أحد من الرجال وحضره نساء صبين عليه الماء فوقه، إذا كان أجنبياً، وإذا كان ذام محرم منهن فلا بأس عليهم في غسله، وعليهن غض البصر عن العورة، (1/78)
صفحة 79
وكذلك إذا ماتت امرأة ولم يحضرها نساء فيصب عليها الرجال الماء صباً* والله أعلم.
والمجدور إذا غسل خيف عليه أن يتهرأ لحمه، فإنه يتيمم بالتراب، ويصلى على الجنين إذا استهل، والمرجوم إذا جاء تائباً فإنه يصلى عليه، وكذلك من قتله اللصوص فإنه يغسل، وقيل إن صلاة الجنازة لا يقطعها مثل ما يقطع غيرها من الصلوات، كالجنب أو الكلب إذا مر في الصف، أو قدام المصلي، والله أعلم، وكذلك المرأة الميتة يجوز أن تعطر وتكفن بثوب حرير، وأما النزول في القبر فينزلها ذو محرم مها أولى من غيره وإن عدم فمن حضر أجزأ وجاز له دفنها ويتوقى الحد بما أمكن، والله أعلم.
الباب الثالث والأربعون
في الزكاة (1/79)
صفحة 80
قال الله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } * وقال: { وآتوا حقه يوم حصاده } * وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة فيما سقته السماء والأنهار، وفيما سقته الدلاء، وبينها في الثمار فيما يجب، ومما تجب، وفيما لا تجب به، فوجوبها في الثمرة مما أنبتت الأرض من الثمر والزبيب والبر والشعير والسلت* والذرة، وقد قيل: إن السلت هو جميع الحبوب، وقيل هو الشعير الأقشر فمن قال إن السلت هو جميع الحبوب فالزكاة في جميع الحبوب المأكولة كلها، منها ما سقته السماء والأنهار والزواجر والدلاء، ففيما سقته السماء والنهر العشر في ثمرة تام، وما سقي بالدلاء فنصف العشر، ولا يحمل الزرع الذي سقي بالزجر على الزرع الذي سقي بالنهر حتى يتم في كل واحد منهما نصاب الزكاة وإذا أصاب الزرع جائحة من سلطان أو حمله السيل، أو ذهب بشيء من الآفات قبل أن يعرف مبلغ كيله فلا زكاة فيه، وكل نخل لا تشرب بزجر ولا نهر العشر في ثمرتها تام، إذا بلغت الثمرة ثلثمائة صاع بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - -وهو ثلاثون جرباً- فالعشر قد وجب فيه وما سقته السماء والنهر العشر تام، وإذا أسس الزرع على الفلج ثم أدرك على الزجر فقول على ما أسس، وقول على ما أدرك، وقول بالحساب ما سقي بالفلج وبالزجر فيخرج منه الزكاة، وكذلك القول في النخل مثل الزرع، إذا سقت بالفلج والزجر، والله أعلم، والزجر والدلاء نصف العشر، فهذا المقدار منه ما يجب فرض الزكاة، ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »ليس فيما دون خمسى أوسق صدقة«، والوسق ستون صاعاً فذلك ثلثمائة صاع، وقيل إن وزن الثلاثين جرى من تمر الفرض تسعمائة من بمن نزوى، ومن الساير ثمانمائة ومن وفراسلة البسر خمسون مناً بمن نزوى والله أعلم، وقيل من وجبت عليه زكاة في ماله فأراد أن يخرج دراهم مكان الحب والتمر فلا يجوز له ذلك، ومن مات ولم يقسم ماله وأدركت تمرته ففيه الزكاة إذا بقي (1/80)
صفحة 81
مجتمعاً وكذلك قيل يجوز أن يخرج مكان الدراهم عروضاً إذا كان يعدل السعر في الزكاة، وقيل إذا طنى* رجل ماله بالنداء فإنه يخرج الزكاة من جملة القيمة، وليس على الزكاة أجرة المنادي، والصدقة في ثمرة النخل إذا يبس به وصار تمراً وجبت فيه الصدقة، ولا صدقة في البسر والرطب حتى يصير تمراً، وما أكل الناس من نخلهم رطباً وبسراً فلا زكاة فيه، ولا زكاة في الحشف ولا في البسر، إلا أن يطبخ أو يغلى ففيه الصدقة، ومن أطنى ماله فأكله المطني رطباً وبسراً ففيه الزكاة تخرج منه، ومن أطنى ماله وعرف مبلغ التمر أخر تمراً، وإن لم يعرف أخرج من الدراهم العشر من كل عشرة درهماً، والزبيب مثل التمر في الكيل.
الباب الرابع والأربعون
في ثمرة الزرع
وثمرة الزرع إذا بلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، فذلك ثلثمائة صاع، وجبت فيه الصدقة على من كان له ذلك، وإن كان له شريكاً في الزراعة أو في نخل وجبت فيها الصدقة أخرج من جملتها الزكاة، ويخرج من كل عشرين* واحداً وتخرج الزكاة قبل جميع الإجارات من الجملة وتجبر بها الزكاة إن لم يبلغ الزرع النصاب، وكل أرض مشتركة بين قوم، أو زرع مشترك، وجبت فيه الزكاة فالزكاة على الجميع، والعامل تبع لصاحب الزرع، والثمرة في الزكاة، وإذا لم تجب منه لم يلزم العامل، وإن كان بعض الشركاء يجب عليه في زرع له آخر أخذ الزكاة إذا حمله على حصته من هذا أخرج الزكاة من زراعته ومن الذي له من الشركة، وحمل بعضه على بعض، والعامل تبع له في حصته من الزكاة في ذلك، ومن زرع أرضاً ولغيره فالزكاة عليه فيها وفي زراعته، وإن امتنح أرضاً* فزرع فالزكاة عليه إذا وجبت فيها وفي زراعته، ومن اكترى أرضاً وزرع فالزكاة عليه ولا تحمل زراعته على صاحب الأرض.
الباب الخامس والأربعون
في الزكاة في الدراهم والذهب والرقة (1/81)
صفحة 82
الرقة بكسر الراء وفتح القاف مخفف الفضة فيه ربع العشر من كل أربعين درهماً درهم، ومن كل أربعين ديناراً دينار، والمقدار الذي تجب فيه الزكاة من ذلك من الذهب والفضة إذا بلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال، وليس فيما دون العشرين مثقالاً شيء، حتى تتم عشرين مثقالاً، ويحول الحول عليها عند صاحبها مذ ملكها ثم يخرج منها نصف مثقال، وليس فيما زاد شيء حتى يزيد إلى أربعة مثاقيل، وفي أربعة مثاقيل عشر مثقال، وفي أربعين واحد، وصدقة الدراهم إذا بلغت مائتي درهم، وحال عليها حول، ففيها خمسة دراهم، وفي الأربعين درهماً درهم، وليس فيما دون المائتين شيء حتى يتم ويحول عليها الحول، ومن كان معه ذهب وفضة حمل بعضه على بعض في الصرف، وأخرج الزكاة بعد الصرف، يخرج من الذهب ما يجب فيه، ومن الفضة ما يجب فيها، وينظر صرف ذلك إذا حمل على الأوفر للصدقة، ومن دخل شهره الذي يزكي فيه دراهمه، وقد استفاد دراهم أخرى حملها عليها في الصرف، وإذا استفاد وقد أخرج الزكاة لم يلزمه في الفائدة شيء، حتى يحول عليها الحول، ويدخل الشهر الذي كان يزكي فيه ثم يحملها عليها، [ومن وجبت عليه زكاة الدراهم فأخرج منها ما لزمه من الزكاة إلا شيئاً يسيراً لم يؤده حتى استفاد فائدة، لزمه أن يخرج الزكاة من الفائدة] ومن كان عنده دراهم فلم يزكها سنيناً ولم يعرف كم سنة ترك زكاتها من السنين فإنه يتحرى ذلك ويخرج زكاتها، وإن كان لم يعرف، ولم يعرف بالتحري فقد قيل يكفيه أن يخرج عنها زكاة سنة واحدة، وقيل لا زكاة في القطن على أربابه، وقال بعض الفقهاء، إذا بلغ ثلثمائية من ففيه الزكاة، وقيل لا يجوز دفع الزكاة إلى الأم إذا لم يكن محكوماً عليها بنفقتها، وأما اليتيم فجائز له الزكاة إذا دفعها إلى من يكفله من وصي أو وكيل من المسلمين، وأما إذا قبضها له غيرهما فلا يبرأ حتى يعلم أنه صيرها له في مصالحه من نفقة وكسوة، وذلك إذا كان اليتيم فقيراً، وقيل في رجل وجبت عليه الزكاة (1/82)
صفحة 83
وعليه دين، فقول: يرفع له دينه الحال الذي يريد قضاءه في وقته، وقول: لا يرفع له، وعليه زكاة جميع الذي عنده من المال والدراهم، وما تجب فيه الزكاة، وقيل في المال إذا كان فيه وقف لفطرة ولم يبلغ فيه الزكاة إلا بنصيب الفطرة، فقيل إنه لا يحمل نصيب الفطرة لتمام نصاب الزكاة وهو أكثر القول، والله أعلم، وإن كان معه دراهم يزكيها فذهب أكثرها، وبقي ما لا تجب فيه الزكاة، ثم استفاد دراهم مع دخول شهره أخرج زكاتها، وإن انقضى شهره فلا زكاة عليه، حتى يحول الحول ويدخل شهره ويخرج الزكاة، ومن استفاد فائدة فلا زكاة عليه حتى يحول على ذلك الحول مذ ملكه، لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول« وقال آخر لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه -: انتظر بأرباب الأموال حولاً ثم خذ منهم ما أمرتك به، ومن كان له مال غائب عنه ثم وجده، فإنه يخرج منه زكاته لما مضى من تلك السنين، كان المال غائباً في الأرض أو الرجل غائباً عن ماله فكله سواء، ويخرج لما مضى والزكاة في مال البالغ والصبي واليتيم إذا وجبت فيه الصدقة، ووصي اليتيم يخرج عنه، ومن ورث مالاً كانت تجري فيه الزكاة وإن كان له شركاء فحتى تجب عليه في حصته ثم يخرج منه، والتاجر يقوم ما كان معه من الأمتعة والعروض، ومن الحب والتمر الذي للتجارة، ويخرج زكاته، ويقوم ذلك قيمة وسطاً*، وقد قيل يقوم بسعر يومه ثم يخرج زكاته، ومن كان له مال يزكيه وله دين على الناس حال أخرج زكاة دينه مع ماله، إلا أن يكون الدين على من لا يرجوه، أو على مفلس، فحتى يقبضه ثم يخرج زكاته، وإن كان الدين الذي له على الناس إلى أجل، فإذا حل وقبضه أخرج زكاته، وكذلك السلف إذا قبضه أخرج زكاته، ومن كان معه دراهم كان يزكيها وتحمل عليها ديناً مثلها فلا زكاة عليه في ذلك، وإن كان له دراهم وعليه دين، والدراهم تفضل* على الدين أخرج زكاة ما يفضل عن الدين إذا كان تجب فيه زكاة يرفع (1/83)
صفحة 84
أن يقضى في سنة، وقد قيل يزكيه ولا يرفع الدين، وزكاة البحر كزكاة البر سواء لا زيادة ولا نقصان، ومن قدم من الغرباء بتجارة وقعد يبيع، فإذا حال الحول وأخذت منه الصدقة، ومن قدم بمال في البحر فسئل عن الزكاة فإن أقر بها أخذت منه، وإن قال إنه أخرجها في شهر ذكره قبل قدومه إلى بلد الإسلام لم تؤخذ منه زكاة، ومن سئل عن الزكاة واتهم فقد قيل يحلف وقول إنهم أمناء فيها، وإذا قدم أهل الحرب بتجارة أخذ منهم مثل ما يأخذون من المسلمين إذا قدموا إليهم، ولا صدقة في أموال أهل الذمة ولا النصارى العرب منهم، فإنه يؤخذ منهم الخمس وهو الضعف مما يؤخذ من المسلمين، وأما اليهود والنصارى فيؤخذ منهم الجزية { عن يد وهم صاغرون } * كما قال الله تعالى: { ومن أعطى شيئاً عن كره فهو عن يد مذل به وإنما تجب الجزية على البالغين من الرجال، في كل سنة على كل حالم دينار، وقد قال أصحابنا إنه يؤخذ منهم في كل شهر الدهقان* أربعة دراهم، والوسط درهمان، ودون ذلك درهم، ولا تؤخذ الجزية من امرأة ولا مسكين ولا صبي، ولا صدقة في أموالهم ولا صدقة في الصوافي، والصوافي: ما غنم المسلمون من أموال المشركين، وافتتحوه، واستصفوه بالسيف وجعلوه فيئاً لهم، ويأكلوه غلته الأولى ولمن يأتي من بعدهم مثل الأهواز وفارس والسواد وصوافي عمان، فذلك كله فيء وإنما سمي فيئاً لأنه رجع إليهم، وسمي صوافي لأنه صفا لهم وطاب ليس فيه شبهة ولا كدر، وإنما سمي غنيمة لأنهم ربحوه من مال المشركين، لأن الربح يسمى غنماً، والغنيمة هي الربح، لأنهم غنموه في حرب العدو حلالاً، وأما ما غنموا في الحرب وقسموه بينهم من الغنائم فإنه يخرج منه خمسه الذي جعله الله فيه، ثم يقسم الباقي: للفارس سهما، وللراجل سهم، والخمس الذي جعله الله له وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، يقسم عليهم، وإذا لم يكونوا قواماً بالقسط أخذوا سهم الله وسهم الرسول وذي القربى، وقسموا الباقي كما ذكر (1/84)
صفحة 85
الله، يقسم على اثني عشر سهماً، لله وللرسول ولذي القربى ثلاثة أسهم، ولليتامى ثلاثة أسهم، وللمساكين ثلاثة أسهم، ولابن السبيل ثلاثة أسهم، والصدقة للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فهؤلاء موضع الصدقة فمن أخرج زكاته فدفعها في أحد هذه الوجوه برئ منها، وإن وجد جميعهم وأعطاهم فله ذلك، وإن كان إمام دفعت إليه وهم العاملون عليها، والفقراء والمساكين كلهم فقراء، والغارمون هم أصحاب الديون، وقيل الغارمون هم المكاتبون، والمؤلفة قلوبهم كانوا قوماً من قادة العرب أعطوا من الصدقة ليتألفوا إلى الإسلام، وفي سبيل الله في الجهاد في سبيل الله، وابن السبيل المسافر، فهؤلاء لهم الصدقة.
الباب السادس والأربعون
في صدقة الغنم
وصدقة الغنم في كل أربعين شاة شاة، إذا حال عليها الحول عند صاحبها، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وعشرين شاة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائتي شاة، فإذا زادت واحدة* ففيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها، حتى تبلغ أربعمائة شاة، ثم في كل مائة شاة شاة، ولا تؤخذ جرباً ولا هرمة ولا مهزولة، ولا سخلة*، ولا تؤخذ كرائم الأموال، ولا مرضعة، ولا عليفة، ولا فحل الغنم، ويؤخذ الوسط من ذلك وتصدع نصفين، فيختار رب الغنم النصف، ثم يختار من النصف الآخر شاة، ويختار المصدق شاة حتى يستوفي الذي له، وفي زماننا هذا يعطى ما يشاء والأفضل أفضل، وإن أعطى رب الغنم برأيه ما شاء أخذ منه، والغنم إذا كانت مجتمعة في الحلب والمرعى والمربط أخذت الصدقة منها على جميعهم، وقد قيل إن الاجتماع إنما هو اجتماع الملك، وتحمل الضأن مع الغنم.
الباب السابع والأربعون
في صدقة الإبل (1/85)
صفحة 86
وأما صدقة الإبل فإذا حال عليها حول عند صاحبها ففي الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين فريضة ابنة مخاض، وفي ست وثلاثين ابنة لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي عشرين ومائة ثلاثة بنات لبون، وقد قيل في إحدى وعشرين ومائة ثلاثة بنات لبون، وفي ثلاثين ومائة ابنتا لبون وحقة، وفي أربعين ومائة حقتان وابنة لبون، وفي خمسين ومائة ثلاثة حقاق* وفي مائتين أربع حقاق، وفي مائتين وخمسين خمس حقاق، وفي ثلثمائة ست حقاق فعلى هذا بعد أن يبلغ مائة وعشرين يكون في الأربعين ابنة لبون، وفي الخمسين حقة، وليس في العوامل صدقة.
الباب الثامن والأربعون
في صدقة البقر
وصدقة البقر عند أصحابنا مثل صدقة الإبل في العدد والمقدار، يجب ذلك حذو النعل بالنعل، لا زيادة في ذلك ولا نقصان، وليس في الجارة منها صدقة، ولا في الزواجر صدقة؛ وإذا كان مع واحد أربع بقرات وعند واحد له بقرة فيها ربع، ومع الآخر أربع بقرات فعليهما كل واحد شاة، ويسقط عنهما كل واحد بقدر نقصان حصته من تمام الخمس، فإذا كان قائم بالقسط قد حمى البلاد سنة من الجوار أخذ صدقة الماشية، وليس له قبل ذلك إلا أن يشار بها، فيعطى ما يشاء، وله أن يأخذ الصدقة إذا احتاج إليها في جهاد العدو وفي عز الدولة.
الباب التاسع والأربعون
في الجهاد (1/86)
صفحة 87
والجهاد إنما يجب بالقدرة والعدة والأسباب الكاملة من العدد في الرجال والسلاح والكراع* والحمولة* والعلوفة* والأوقية والطعام والماء، وإذا كانوا كنصف العدو لزمهم الجهاد، ولا يلزمهم في أقل من هذا الأمر طلب وسيلة، فله فضل ذلك، فإذا أراد الجهاد قضى دينه وأوصى بوصاياه وتخلص من تبعاته، وبر أبويه، وأما الدفاع فإذا جاء العدو إلى البلد، يريد استباحته فله أن يجاهد، ولو لم يكن معه ما يقضي دينه، فعليه أن يدفع العدو، وقال الله تعالى: { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } * وقتال أهل البغي بعد الدعوة إلى الحق وإقامة الحجة عليهم، ومن قامت عليه الحجة فلا دعوة له، ويجاز على جريحهم، وإذا انهزموا إلى غير فئة، وأمن من معاودتهم لم يتبع موليهم، ولم يجز* على جريحهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، وأما أهل الشرك فيجاز على جريحهم، وتغنم أموالهم، وتسبى ذراريهم، من بعد الدعاء إلى الإسلام، إلا العرب فلا سبيل عليهم، وجائز غنيمة أموالهم، ومن قتل أحداً من المسلمين قتل ببيعته أو بغيه، وقائد البغاة يقتل.
الباب الخمسون
في الصيام (1/87)
صفحة 88
وفرائض الصيام العلم بالشهر، والنية للصوم، والإمساك عن الطعام والشراب، والإمساك عن الجماع في الصوم، واستكمال طرق الشهر المفترض صومه، ثم يجتنب ما يفسد الصوم، فإنه بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »من لم يدع المناكر وقول الزور« أو قال: »عمل المعاصي« الشك مني في إحدى الروايتين في الخبر »فليس لله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه« فكل فعل المناكر وقول الزور يفسد الصوم، وهذا يشتمل على كثير من ذلك، ألا ترى أن الكذب والغيبة يفطرن الصائم؟ لأن ذلك من قول الزور والمعاصي المحرمة، وكل محرم أو قول زور أو فعل فجور من المناكر ينقض الصوم، ومن أساغ شيئاً في حلقه متعمداً، أو أكل متعمداً أو شرب متعمداً، أو جامع متعمداً، أو اشتهى امرأة حتى قذف الجنابة متعمداً، على النهي في الصوم وهدمه لذلك فقد أفسد صومه، وعليه بدل الشهر والكفارة صوم شهرين، ومن كذب أو اغتاب مسلماً أو قذف محصناً أو مؤمناً أو شتم المؤمنين ينقض عليه صومه في ذلك اليوم، وأحب أنه إن نظر المحارم أو عمل المعاصي مثله ينقض صوم يومه مثل ذلك، ومن تقيأ أو استعط* أو قطر في أذنيه، انتقض صوم يومه ويبدل صوم يومه، وإن احتقن في دبره، أو رد قيئه متعمداً أفسد عليه ما مضى من صومه، وقيل في الذي تقيأ ثم رده عامداً، إن عليه الكفارة، ومن خاف على نفسه من العطش فشرب بقدر ما يحيي به نفسه، أبدل يومه، وإن تعمد فزاد على أكثر ما يحييه فسد صومه، وعليه الكفارة، وإن تعمد وأفطر بعدما شرب ما يحييه، كان آثماً مع البدل والكفارة، ومن عبث بذكره حتى أمنى متعمداً لزمه البدل والكفارة، وإن غلبه القيء فلا شيء عليه ما لم يرجع، ومن نسى فأكل أو شرب أو جامع أبدل يومه ذلك، لنه لم يتعمد*، ومن توضأ لنافلة أو توضأ لفريضة قبل وقتها، فدخل الماء في حلقه، أبدل يومه، وإن توضأ لصلاة الفريضة وقد دنا وقتها فلا بلد عليه إذا دخل الماء في حلقه، حتى يتعمد، ومن أصابته الجنابة في (1/88)
صفحة 89
النهار فقام غسل من حينه فلا بدل عليه، وإن توانى لشيء غير أمر غسله انتقض عليه ما مضى من صومه، لإهماله الغسل وتوانيه عنه بغيره، وإن كان توانيه لثوب يأخذه أو ماء يسخن له إن كان برداً شديداً، أو تخطى إلى مورد هو أسخن وأستر فهو في أمر الغسل، ولا فساد عليه في صومه، وإن تلكم وهو مار أو رد السلام فلا بدل عليه، وإن توانى لحديث وقد عن الغسل بالكلام، أو صافح أحداً باليدين فسد عليه ما مضى من صومه، وإن إصابته الجنابة في الليل فنام بعد أن علم بها حتى أصبح، فسد عليه ما مضى من صومه، وإن نام على أنه يقوم قبل الصبح فذهب به النوم حتى أصبح، أبدل يومه، وإن قام في الليل فأدركه الصبح قبل أن يغسل أبدل يومه إذا لم يتوان، لأن الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »من أصبح جنباً أصبح مفطراً«، ومن أصابه المذي فلا شيء عليه، ومن قبل امرأته فلا نقض عليه، ويكره له أن يوسخ صومه، ومن خرجت منه جنابة على غير عمد فغسل من حينه فلا شيء عليه، وفيها قول غير هذا، وجائز للصائم أن يكيل الدقيق وسقي التراب، ويذوق الشيء، ليعرف حلوه من مالحه، ونحو هذا، فلا فساد عليه في صومه، إذا لم يسغه مع الرقيق في حلقه، إذا ذاق الشيء، وأحب أن يلف على فيه بثوب عند سقي التراب وكيل الدقيق، ومن دخل في حلقه ذباب أو دابة أو نحوها على حد الغلبة فلا نقض عليه، وإن تعمد فلا تأمن عليه الكفارة، والمريض إذا لم يقدر على الصيام ولم يقدر يأكل ما يبلغه إلى الليل وخاف زيادة العلة في الصوم، واحتاج إلى معالجة الدواء، فله أن يفطر ويقضي إذا صح، ويؤمر بالتعجيل في البدل، وإذا أراد أن يفطر نوى الإفطار من الليل، فإن أفطر في النهار بلا نية في الليل فسد عليه ما مضى من صومه، إلا أن يأتي عليه حالة يخاف عليه الهلاك على نفسه فله أن يفطر ولو لم ينو الإفطار من الليل، وإذا صار لا يطلب شيئاً ولا يتكلم فجائز للقائم به النظر في حاله، ولا يتركه يهلك جوعاً (1/89)
صفحة 90
وعطشاً، والله أعلم، وإن مات من مرضه فلا شيء عليه، ولا على ورثته من البدل، إلا أن يوصي بذلك، فهو من ماله، وعليهم أن يصوموا عنه، والمريض على إفطاره حتى يقوى على الصيام، وإن صح وبقي صحيحاً بعد شهر رمضان ثم مات بعد ذلك فعليه القضاء، ويوصي به، ويقضى عنه إذا أوصى به، والمرأة الحالم التي تخاف على ولدها فلها أن تفطر وتقضي ذلك، والمرضع إذا خافت على ولدها يهلك بالجوع ويذهب لبنها فلها أن تفطر وتقضي، وإن أدرك المريض والمرضع والحامل شهر رمضان الثاني ولم يقضوا بدل الشهر الأول، فإنهم يصومون الشهر الذي حضر ويطعمون عن الماضي كل يوم مسكيناً، وإذا انقضى شهر رمضان الذي هم فيه أبدلوا الأول أيضاً، وإن دام المريض على مرضه في الشهر الثاني فلا طعم* عليه كذلك، وإن صح بعد ذلك صام عن الأول ثم الثاني، ولا طعم عليه، وكذلك كل من لزمه الصوم فلم يبدله حتى يحضر الشهر الثاني، فإنه يصوم الذي حضر ويطعم عن الماضي، والمسافر جائر له الإفطار في سفره، إذا خرج مسافراً سفراً يتعدى فيه فرسخين، فهو مسافر وله أن يفطر، والمسافر إذا أراد أن يفطر نوى الإفطار من الليل وأصبح على الإفطار، وإن أفطر المسافر من غير نية في الليل في السفر فسد عليه ما مضى من صومه، وإن هو نوى السفر ونوى الإفطار وأن يصبح مفطراً، ولم يخرج حتى أصبح فإنه يفسد عليه ما مضى من صومه، حيث أصبح في البلد على نية الإفطار، وليس له أن ينوي الإفطار حتى يخرج من عمران بلده قبل الصبح، ولا يفطر في البلد، وإن أفطر المسافر في سفره ثم رجع إلى بلده، ثم سافر ثم أفطر جاز له، وإنما عليه ما أفطر ولو سافر مراراً في شهر رمضان، وإذا أفطر في سفره ثم صام في سفره ثم أفطر في سفره كان عليه بدل ما أفطر وما صم في سفره الذي أعقبه الإفطار في السفر، لأنه قيل كل صوم في السفر بين قطرين فهو منتقض، وإن أفطر في السفر ثم صام في السفر حتى أتم الشهر، لم يلزمه إلا بدل ما أفطر، لأن صومه لم يعقبه (1/90)
صفحة 91
إفطار، وقد تركت الاختلاف في هذا المعنى، وإن أفطر المسافر ثم مات في سفره لم يلزمه شيء، وإن رجع من سفره ثم مات كان عليه بدل ما أفطره، ولو كان شيئاً من الأيام التي أفطر فيها كان عليه البدل في ذلك، وعليه أن يوصي به، وعلى ورثته أن يصوموا عنه كل واحد منهم بقدر ميراثه منه، وإن أوصى عليهم أطعموا عنه من ماله فجائز، وإن لم يوص لم يحكم عليهم ويصومون صوماً متتابعاً، فإن فسد على أحدهم صومه انتقض صومه وصوم من صام قبله لأنه صوم واحد، وإن رغب واحد من الورثة فصام عنه فجائز ذلك لهم، ومن كبر عن الصيام وأطعم عنه إذا لم يقدر أو يصام عنه، وفيه قول أنه إذا لم يطق الصوم فلا يلزمه شيء، ومن صام من الصبيان برأيه أو برأي أبيه فجائز، وإن فطره أحد من أرحامه بعد أن صام لزم ذلك الذي فطره وأطعم عنه، وإذا بلغ الصبي في شهر رمضان ولم يكن صائماً فإن عليه أن يصوم ما يبقى، ويبدل ما مضى من ذلك، لأنه فرض واحد، وكذلك المشرك عليه البدل إذا أسلم لأنه فرض واحد –وتركت الاختلاف- وقيل في امرأة عادة أيام حضيها فجاءها الحيض ثلاثة أيام أو ستة أيام، فتركت الصلاة والصوم ثم طهرت فلم تصل ولم تصم إلى تمام الست، فقيل في ذلك اختلاف قول عليها بدل ما أفطرت وبدل صيامها، وقول عليها بدل ما مضى من صومنها وبدل صلاتها، وذلك إذا لم يراجعها الدم إلى تمام الست، فإن راجعها قبل انقضاء أيام حيضها في الست فليس عليها بدل إلا ما أفطرت، والحائض تفطر أيام حضيها وتقضي إذا طهرت وتؤمر بتعجيل القضاء، وكذلك كل من أفطر لعلة من ذلك، وإن أخر فعدة من أيام أخر غير محدودة، وتؤمر الحائض ألا تأكل يومها إذا جاءها الحيض وتمسك عن الأكل بقية يومها إذا طهرت واغتسلت من الحيض، وإن أكلت لم يلزمها شيء لأن ذلك يوم عليها بدله، وكذلك المسافر يؤمر ألا يأكل في بلده بقية يومه، وإن أكل لم يلزمه شيء، لأن ذلك يوم عليه بدله، وقيل كذلك المريض إذا قوي على الصوم أن يمسك بقية يومه، (1/91)
صفحة 92
وإن كان قد أفطر، والله أعلم، وقيل إن الحاكم الذي هو ثابت حكمه على الرعية إذا قال إنه قد صح عنده هلال شهر كذا ليلة كذا كان قوله حجة على رعيته، إذا حكم بصحته كان من طريق شهرة لا ترد، أو شهادة عدول، أو معاينة تثبت حجته على رعيته، ولزوم حج أو إفطار أو صيام على ما عرفناه من آثار المسلمين ولم يجز لهم خلافه، وقيل إذا كان في يوم الشك غيم، فالمستحب صيامه، وإن كانت السماء نقية فيمسك فيه، إلى الوقت الذي جاء به الأثر، وقول: إن الصحو والسحاب واحد ولا بأس بإفطاره، ويكره صوم يوم الشك إلا لمن كان يصوم من قبل، وقد جاء الحديث: »صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته فإذا غمى عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوماً«، ويؤمر الناس بالإمساك عن الأكل في يوم الشك إلى وقت الضحى، فإن صح الخبر أتموا الصيام وإن لم يصح الخبر أفطروا، ويصام بقول واحد أو بشهرة لا تدفع، وهو تواتر الأخبار وارتفاع الريب، ولا يفطر إلا بشاهدي عدل إن لم يكن صاموا برؤية أو شهرة، والشهرة في تواتر الخبر، وانتشار الناس من المخرج، وقد قيل في الحديث: »إنه أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة اثنين على الصوم والإفطار« وليس لهم أن يفطروا بقول واجد، إذا صاموا بقول شاهد واحد عدل صاموا ثلاثين يوماً غير اليوم الذي شهد به العدل، إن لم يكن رؤية أو شهرة، »وإن أفطروا على الثلاثين يقول واحد أفطروا بشهادة واحد« ومن أكل يوم الشك ثم صح الخبر فعليه أن يمسك عن الأكل، وإن تعمد بعد الصحة على الأكل فعليه الكفارة، ومن صام يوم الشك ثم صح الخبر في ذلك اليوم، فقد قيل يتم له صومه، وقال آخرون يبدل لأنه صامه على الشك، وإن صح في الشهر فعليه البدل في ذلك القول، لأنه صامه في الشك، وإن صح الخبر بعد انقضاء الشهر وقد خرج من الفريضة لم يلزمه البدل، وقد قيل يبدله على كل حال، لأنه صامه على الشك، والذي انتظر من يوم الشك ثم صح الخبر وأتم الصيام، قالوا لا بلد عليه، وقد قيل (1/92)
صفحة 93
يبدل لأنه صام على الشك حتى يقعد النية على يقين لفرض الصوم من الشهر، ومن رأى هلال شوال بالنهار يوم ثلاثين، فليس له أن يأكل حتى يجيء الليل، فإن أكل فعليه بدل ما مضى من صومه، وقالوا يبدل يومه، وإن اعتمد على الأكل من يوم ثلاثين من شهر رمضان، وصح الخبر أن ذلك اليوم كان يوم الفطر لزمته الكفارة، وقد قيل إنه لا كفارة عليه أراد شيئاً عفي عنه، ومن رأى هلال شوال فله أن يفطر وليس له أن يظهر ذلك فيقتدي به غيره، إلا أن يصح الهلال بغيره، وإن أطهر كان مخطئاً، ولم آمن عليه الضمان إن أكل أحد بقوله، ويستحب الأكل يوم القصر قبل البروز إلى المصلى، ولو شيئاً يسيراً أو يشرب ماء، ويصلي قبل صلاة الفطر وبعدما ما شاء من ذلك.
الباب الواحد والخمسون
في زكاة لفطرة
ويستحب إخراج الفطرة غداة الفطر قبل الخروج إلى المصلى، ومن رأى من الفقراء محتاجاً فقدمها إليهم فجائز، ويخرجها الغني ويأخذها الفقير، وهي صاع من طعام، أو صاع من حب، أو صاع من تمر، أو ما كان مثله قياساً عليه مثل الزبيب واللبن، ويخرج كل مما يأكل ويخرج المرء عن نفسه وعن زوجته وعمن يمون* من أولاده وعبيده، وإنما تجب على من أيسر بها وقدر عليها بلا دين يتحمله فيها، ولا يضار فيها بعيال فيما يستقبل، وقيل في يومه والله أعلم، والفطرة واجب إخراجها على الغني ولا عذر له في تركها. (1/93)
صفحة 94
وقيل إذا كان عند زوجته أمة وكانت مشروطة عليه من صداقها، ويتفق عليها، فعليه أن يخرج عنها زكاة الفطر، وإن لم تكن قد شرطت عليه، وكان ينفق عليها بطيبة نفسه، كان على زوجته أن تخرج عنها زكاة الفطر، إذا كانت غنية والله أعلم، وقيل في رجل عنده طعام يكفيه لعياله قوت سنة، وعليه دين يستغرق ماله، ولم يطلب ديانه ما بيده من الطعام، فقيل لا فطرة عليه، وقيل في رجل وجبت عليه زكاة الفطر وهو في السفر، هل عليه إخراجها في سفره؟ فقيل: إن كان أوصى أهله أن يخرجوها عنه فأخرجوها، أجزأه ذلك، وإن لم يكن أوصاهم بإخراجها، فيلزمه إخراجها في سفره إن وجد اليسار، وإن أخرجها أهله من غير وصية منه لهم، أجزأه ذلك، والله أعلم، والمرأة إذا كان ابنها في حجرها تنفق عليه، ويسكن معها، وأبوه حي، فقيل: فطرته على أبيه، والله أعلم.
الباب الثاني والخمسون
في الحج (1/94)
صفحة 95
قال الله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } * وفرائض الحج التي لا يتم إلا بها بالإجماع عليها من المسلمين، بلا اختلاف فيها، مع ما دلت عليه السنة ونطق الكتاب: أولها: الإحرام والوقوف بعرفات وزيارة البيت الحرام يوم النحر بعد الذبح، فهذه فرائض متفق عليها، من فاته خصلة منها فلا حج له، وإن أفسدها ما يفسد به الحج فسد حجته، وهي قواعد الحج التي يخرج منها مسائل الحج، في كل ما يلزم في الإحرام من أحدث فيه، وأما العمرة، فقال قوم: إنها فريضة، وقال قوم: هي من شروط الحج، وهي في أشهر الحج متعة، ومن اعتمر في أشهر الحج كان متمتعاً، وإن كانت في غير أشهر الحج كانت تامة، والإحرام فيها واجب كالإحرام في الحج، والطواف بالبيت، والسعي والإحلال، والحلق، والتلبية في الإحرام سنة، والنية فرض في الأعمال كلها في فرائض الحج، فالنية واجبة، والطواف لزيارة البيت فرض، والتسبيح والتكبير الذي يقال في الطواف سنة، والدعاء يستحب، والوقوف بعرفات فرض، والدعاء فيه والذكر فيه لله سنة وبإجماع، وهو شيء غير محدود، والإفاضة من عرفات بعد الغروب سنة، فمن أفاض قبل الغروب لم يتم حجه لأن الوقوف إلى الليل فرض، والإفاضة سنة، والوقوف عند المشعر الحرام سنة، والذكر عند المشعر الحرام سنة، والوقوف عند المشعر الحرام سنة، والذكر عند المشعر الحرام سنة، وقال قوم فرض، والإفاضة قبل طلوع الشمس عند المشعر الحرام سنة، ومن تخلف حتى تطلع الشمس لزمه الجزاء دام، ورمي الجمار سنة، ومن لم يرم جمرة العقبة يوم النحر لزمه دم، والذبح سنة، والحلق سنة، ومن حلق قبل الذبح لزمه دم، ومن حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة لزمه دم، لأن كل من حلق قبل أن يحل من إحرامه، لزمه دم، ولحلقه، حتى يرمي الجمار، ثم يذبح ويحلق، ثم يحل، ثم يزور، ويؤمر بتعجيل الزيارة يوم النحر فريضة، وإن أخر ذلك لم يلزمه شيء إذا زار، فإذا ذبح (1/95)
صفحة 96
وحلق، فقد حل من إحرامه وحل له الحلال إلا النساء والصيد، حتى يزور البيت، ومن جامع في الحج وهو محرم فقد فسد حجه، وإذا زار وطاف بالبيت وركع، خرج وسعى بين الصفا والمروة، والسعي بين الصفا والمروة سنة، والدعاء على الصفا والمروة يستحب، ومن ترك السعي لزمه دم، ومن لم يزر ووطئ النساء فسد حجه، ولا حج له، والوداع سنة، ومن لم يودع لزمه الجزاء دم، ومن بات بمكة ليالي منى بعد الزيارة لزمه دم في كل ليلة، إذا نام ليلة فعليه الجزاء { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } *، فمن فرض فيهن الحج أحرم بالحج، فلا رفث، وهو الجماع، فإن جامع فسد حجه، ولا فسوق، والفسوق معصية الله، فمن عصى الله في الحج مما يلزمه الجزاء لزمه، ومن عصاه وفسق بشيء يلزمه فيه فساد الحج، مثل الجماع فسد حجه، ولا جدال في الحج، وهو الخصام، فمن خاصم وجادل بالباطل، فعليه الجزاء، وكل ما يلزم فيه الجزاء، فما كان في فرض الإحرام لأنه فرض، يجب به الحج، والمحرم لا يمس الطيب ولا يتطيب بدهن ولا غيره، مما فيه عرف طيب، وإن فعل لزمه الجزاء لذلك دم، ولا يلبس قميصاً ولا عمامة ولا كمة* ولا يغطي رأسه ولا يعقد على نفسه عقداً بخيط ولا بثوب، فإن فعل شيئاً من ذلك متعمداً لزمه الجزاء دم، وإن لم يحرم من الميقات حتى يجاوزه أحرم من حيث ذكر، أو من الحرم، ولزمه لترك الإحرام من الميقات دم، وإن غطى المحرم رأسه لزمه دم، وإن اصطاد أو أكل لحم صيد أو قتل صيداً في الحرم لزمه لكل شيء من ذلك الجزاء دم إذا فعله، وإن غطى رأسه خطأ أو لبس خطأ وخلع ذلك ولبى، وإن دام يوماً لزمه دم على الخطأ، وإن جاء المحرم عدو وليس آلة حربه وفدا بدم، وإن لبس القبا لزمه دم، وإن لبس الحرير لزمه دم، وفي لبس الحلي دم، إلا الخاتم، وإن قطع نفسه لزمه دم، وإن قطع فأدمى لزمه دم، وإن قطع غيره فأدمى ففي الدم دم، وإن نتف شعره فمسكين، وفي اثنتين فمسكينان، وفي ثلاث (1/96)
صفحة 97
شعرات إلى ما أكثر دم، وإن حلق دم، وإن قصر دم، وإن قطع ظفراً لزمه مسكين، وفي ظفرين مسكينين، وفي ثلاثة أظفار دم، وإن ترك الهرولة بين الصفا والمروة لزمه دم، وإن قطع شيئاً من شجر الحرم لزمه الجزاء بما يحكم به الحاكمان من مثل ذلك وجزاء مثل ذلك، وربما يحكمان عليه من قيمة ذلك، وإن قتل شيئاً من الصيد يحكم عليه ذوا عدل جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم عليه بقيمة مثله، قل أو كثر، مما يرى الحكمان، وأكثره بدنة، وأقله إطعام مسكين فهذا من الشجر والصيد، وكل من قتل شيئاً في الحرم فعليه الجزاء إلا الفأرة والحدأ والغراب، والكلب العقور، والحية والعقرب، فإن هؤلاء لا جزاء على من قتلهن في الحل ولا في الحرم، ويقتل كل مؤذ لأنهن ضارات، وفي الجرادة حكومة، وقيل تمرة، وفي الذرة لقمة أو قبضة من طعام، وفي القملة حبة أو تمرة، وما أطعم عنها خير منها، وفي الرخمة* دانقان* وفي الضب صاع وقيل جدي، وفي الضبع كبش، وفي الآرنب سخلة، وفي الظبي شاة، وفي الحمامة شاة، وفي البقرة بقرة، وفي الحمار جزور، وفي النعامة بقرة أو جزور، وفي بيض النعامة نصف درهم، وفي ولد النعامة ولد جزور مثله، وفي ولد الحمار ولد جزور مثله، وفي بيض الحمامة نصف درهم، وذلك كله يرجع إلى الحكومة، وفي الجزلة من الشجر شاة، وفي الدوحة جزور، وفي العود درهم، وفي قضيب صغير نصف درهم، وفي الورقة طعام مسكين، وهذا في الشجر حكومة، وإنما هذا إلى حكومة العدلين، وجائز للمحرم أن يضعف على ثوبي إحرامه، بثياب مخيطة أو غير مخيطة، وأما ما يذكر من لبس الطيلسان للمحرم، فالطيلسان هو كساء يعمل من خز أو صوف، والخز هو شجر مثل الكتان، والمحرم إذا أحرم على أثر صلاة مكتوبة أن نافلة، فليس له أن يصلي نافلة بعد صلاة العصر أو الفجر، ويجزيه إحرامه بغير صلاة والله أعلم، وأما المتمتع فهو إذا أراد دخول مكة في أشهر الحج، وأراد ألا يقيم على إحرامه إلى يوم النحر، فيلبي بعمرة، فإذا أتى البيت (1/97)
صفحة 98
طاف، وسعى بين الصفا والمروة، وحلق وحل من إحرامه، فإن كان غنياً ذبح شاة يوم النحر، وإن كان فقيراً صام يوم سابع، ويوم ثامن، ويوم تاسع، وسبعة الأيام إذا رجع إلى بلده، وقول ولو رجع في الطريق، وقيل إن المتمتع بالعمرة إلى الحج، الذي يلزمه الهدي، هو الذي عنده ما يكفيه هو وعياله سنة، ولو كان ليس عنده في سفره ما يكفيه لقوته، وقال بعض الفقهاء إذا كان فقيراً في سفره، وليس معه ما يقوته ويخاف النقصان، فهذا غير واجد، ويجوز له الصوم، ولو كان غنياً في وطنه وهو أكثر القول، وكذلك الحاج بالأجرة، وأما إذا كان المعتمر بالحج فقيراً في وطنه في سفره، فليس عليه الذبح للمتعة، ويجزيه الصوم، ولو كان المحجوج له غنياً، والله أعلم، ومن أثر ينسب إلى محمد بن روح، رحمه الله، أن من كان ثلث ماله يكفي لحجة مكية ولم يكف لحجة كاملة باختلاف في لزومها عليه، فقيل عليه أن يوصي بها، وقيل ليس عليه وصية في ذلك ولا يلزمه، والله أعلم، والمتمتع إذا لم يجد هدياً صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع تلك عشرة كاملة، ثلاثة في السفر، وسبعة بعد رجوعه، والأيام المعدودات هي أيام التشريق، والأيام المعلومات هن أيضاً في العشر، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، لأن ذلك مطلوب فيه، أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام* فهي على الذبح، والمعدودات أيام الجمار في منى، ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى*، والحائض والجنب هما على إحرامهما، ولا ينتفض، ويلبس المحرم الثوب الدنس ويستبدل ثياباً غيرها، والحائض تفعل كما يفعل الحاج إلا الطواف بالبيت، حتى تظهر، ثم تطوف طوافاً واحداً لحجها وعمرتها، يجزيها ذلك، وفي بعض الحديث أن من طاف بالبيت من المحرمين فقد أحل من إحرامه، والمحصور إذا لم يصل الحاج بعث ما استيسر من الهدي، وينحر عنه، ثم يحل هو من إحرامه، ويحج ما قابل، ومن كان به أذى من رأسه (1/98)
صفحة 99
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك* والصيام ثلاثة أيام إلى ستة أيام، والصدقة طعام عشرة مساكين، وقول ستة مساكين، والنسك شاة، ومن كان به هوام يؤذيه في رأسه حلق وفدى ذلك كما قلنا، وقيل إن طواف الصدر فصفته، إذا دخل الحاج في أشهر الحج وتمتع بعمرة فإذا كان يوم ثامن من شهر الحج أمر أن يغتسل وطوف بالبيت هذا هو طواف الصدر، ويلبي بالحج ويحرم ويخرج إلى منى فيصلي فيها خمس صلوات فهذا هو طواف الصدر، وأما ما يوجد في الأثر في تأخير الزيارة إلى طواف الصدر، فالصدر هاهنا طواف الوداع، للخروج من مكة، وفيما يوجد في الأثر في تقليد الهدي فقيل: يجعل عليه علامة ليعرف أنه هدي، واختلفوا في الحاج فقول يلزمه الإحرام من حيث قلد هديه، وقول لا يلزمه إلا من الميقات، ومسائل الحج أكثر من هذه.
الباب الثالث والخمسون
في الدلالة في الحج
الحمد لله الذي فرض الفرائض، وعظم فريضة الحج فقال: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } *. (1/99)
صفحة 100
فإذا أردت الحج فكفر أيمانك، وأوف بنذرك، واقض دينك، وتخلص من تبعاتك، وصل أرحامك، واعتب على من وجد عليك من جيرانك وأخوتك، ووسع من زادك ليتسع خلقك، فإذا وقفت راحلتك وأردت الخروج، فصل ركعتين في منزلك وقل: »اللهم إنك افترضت الحج وأمرت به، فاجعلني ممن استجاب لك، واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وكنيت وسميت، فإذا أردت أن تركب راحلتك، فسلم على أهلك وودعهم، وأظهر لهم الشفقة، فإذا ركبت فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والولد والمال، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا بحسب صنيعك، وقل: اللهم أنت معي في سفري، وأنت مع خلقك أينما كانوا، فاحفظني في سفري واخلفني في أهلي، فإذا سرت فقل: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن ومن علينا بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فإذا ركبت فقل: الحمد لله الذي حملنا في البر والبر ورزقنا من الطيبات، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين، فإذا صعدت* شرقاً فكبر، وإذا هبطت فسبح، وقال قوم: إذا هبطت فاحمد الله وإذا نزلت منزلاً فقل: الحمد لله الذي بلغنا سالمين، اللهم ربنا أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، اللهم ارزقنا بركة منزلنا هذا، واصرف عنا شره وبأسه ووبأه* فإذا أقدمتنا من منزل إلى منزل فأبدل لنا ما هو خير منه، ولتحسن خلقك لرفيقك، ووسع من زادك ما قدرت عليه ليتسع خلقك، وإن استطعت أن تودع المنزل بركعتين فافعل، فإذا انتهيت إلى المواقيت التي وقتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي: الحليفة لأهل المدينة، ولملم لأهل اليمن، والجحفة لأهل الشام، وقرن لأهل نجد، وذات عرق لأهل العراق، فإذا بلغت إلى أحد هذه المواقيت وأردت أن تحرم فادهن بدهن لا طيب فيه، من خل أو زيت أو ما أشبهه، ثم اغتسل بسدر* أو خطمي* إن أمكنك ذلك، (1/100)
صفحة 101
وإلا أجزأك الوضوء، ثم تلبس بثوبي إحرامك ثوبين جديدين لم يكونا لبسا، أو غسيلين* مذ غسلا لم يلبسا، يستحب ذلك، وإلا أجزأك الإحرام بثيابك التي عليك، ثم تصلي ركعتين إن لم تكن قد حضرت* صلاة مكتوبة، فإذا سلمت وأردت الإحرام، إن أردت أن تحرم بعمرة، فقل بعد أن تسلم من صلاتك وتعقد النية على ما تريد أن تعقد عليه الإحرام، فتقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك بعمرة أو بحجة تمامها وبلاغها عليك، تقول ذلك في مقامك ثلاث مرات، ثم تقوم فتركب راحلتك وأنت تلبي، فإذا سارت بك راحلتك فقل كما وصفت لك أول مرة من التحميد والتكبير والثناء على الله تعالى، وتقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، تقول ذلك وأنت مع ذلك تلبي، وتلبي بالأسحار وتلبي إذا طلع الفجر وتلبي وأنت على غير وضوء، وقد قيل تلبي وأنت جنب، واجتنب في إحرامك غشيان النساء والحلي ولبس الحرير، ولبس الثياب المصبوغة بالورس* والزعفران والمشبع بالشوران* غير الملون، واجتنب الطيب، ولا تلبس في إحرامك السراويل ولا قميصاً ولا عمامة ولا كمة*، ولا الخفين، ولا بأس بالنعلين، ولا يلبس المحرم شيئاً ينزع عنه إذا مات، ويكره لبس الخاتم، وبعض لم ير بالخاتم بأساً، وإن لبست شيئاً من ذلك لزمك الجزاء، واجتنب الصيد، ولا تصد وأنت محرم، فإن ذلك حرام على المحرمين، ولا يأكل لحم الصيد، ولا يقطع شيئاً من شجر الحرم، ولا يقطع التلبية حتى يقدم مكة، فإذا قدمت مكة، ووقفت على باب المسجد، ونظرت إلى الكعبة، أمسكت عن التلبية، بعد أن تنظر لنفسك موضعاً تنزل فيه، فإذا نزلت من منزلك وأردت البيت فاغتسل، إن أمكنك ذلك، وإلا أجزأك الوضوء، فإذا أتيت البيت ونظرت إلى الكعبة فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم زد بيتك هذا شرفاً، وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من عظمه وشرفه وكرمه، ممن حجه واعتمره، تكريماً (1/101)
صفحة 102
وإيماناً وبراً من عبادك الصالحين، فإذا وقفت على الباب وأردت الدخول فقل: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يرجع السلام، فحينا بالسلام، وأدخلنا دار السلام، فإذا قصدت ماضياً إلى البيت وأنت تمشي، فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم إن البلد بلدك، والبيت بيتك، جئت أطلب رضاك، وتمام طاعتك، متبعاً لأمرك، راضياً بقدرتك، أسألك مسألة البائس الفقير، وأدعوك دعاء الخائف المستجير، المضطر إليك، المستسلم لأمرك، الخائف من عذابك، المشفق من عقوبتك، أن تستقبلي بعظيم عفوك، وأن تجود لي بمغفرتك، وأن تعينني على أداء فرائضك، ثم تحمد الله وتسبحه، وتهلل وتكبر* وتصلي على محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، فإذا أتيت الحجر فقل: اللهم كثرت ذنوبي، وضعف عملي، فاغفر لي ذنوبي، وتقبل موتي، وأقلني عثرتي، وتجاوز عن خطيئتي، وحط عن وزري، فإذا أتيت إلى الحجر لتستلمه فقل: اللهم إليك بسطت يدي، وفيما عندك عظمت رغبتي، فاجعل جائزتي فكاك رقبتي، واسعدني في دنياي، وآخرتي، ثم قف حيال الحجر، ثم تحمد الله وتهلل وتسبح* وتكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وتصلي على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تأخذ في الطواف، فإذا أردت الطواف فلذ بركن الحجر قليلاً، بقدر ما لا ترى الباب، ثم تأخذ في الطواف عن يمينك، وتقول عند ركن الحجر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إني أسألك إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنتك، وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم تمشي في الطواف وأنت تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله، وسلم تسليماً، فإذا قصدت الباب فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وقنا شح أنفسنا، (1/102)
صفحة 103
واجعلنا من المفلحين، ثم تمشي وأنت تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، ولا تدخل الحجر في شيء من طوافك، فإذا قصدت الميزاب فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب، والنجاة من العذاب، ثم تمشي وأنت تقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم، فإذا أتيت إلى الركن اليماني فقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك عذاب النار، واستلم الركن اليماني –إن قدرت على ذلك- وامسحه ولا تؤذ أحداً، ثم تمشي وأنت تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم، فإذا وصلت إلى ركن الحجر فاستلمه، وإلا فكبر حياله، ولا تؤذ أحداً ثم تقول عند الحجر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إني أسألك إيماناً، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنتك، وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فعلت ذلك سبع تطويفات وتممت* سبعة أشواط من الحجر إلى الحجر، خرجت من الطواف، وأت* زمزم فاشرب من مائها، وصب على رأسك الماء وقل: اللهم إني أسألك إيماناً تاماً، ويقيناً ثابتاً، وديناً قيماً، وعلماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ورزقاً حلالاً واسعاً، وشفاء من كل داء، ثم صل ركعتين خلف مقام إبراهيم أو حيث ما أمكنك من المسجد، فإذا قضيت الركعتين فأت ركن الحجر وقم حياله، واحمد الله وسبحه وهلل* وكبر وأثن عليه وصل* على النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، وتسأله حوائجك لدنياك وآخرتك – ولا تطل- ثم امض إلى الصفا من باب الصفا –وهو (1/103)
صفحة 104
بين الأسطوانتين المذهبتين- وقل: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، فإذا أتيت الصفا، فاصعد عليه بقدر ما تقابل الكعبة، ولا تعلون عليها –وقال قوم مقدار خمس درجات- ثم قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيراً*، والحمد لله حمداً كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، والحمد لله حمداً كثيراً، لا إله إلا الله، والله أكبر على ما هدانا وأولانا، والحمد لله على ما أعطانا، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله إلهاً واحداً، ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله إلهاً واحداً، ونحن له عابدون، لا إله إلا الله إلهاً واحداً، ونحن له مخلصون، لا إله إلا الله إلهاً واحداً، فراداً صمداً أبدياً، بديعاً مبتدعاً، لم يتخذ ربنا صاحبة ولا ولداً، لا إله إلا الله، أهل التهليل والتحميد والثناء الحسن المجيد، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، وله كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم تصلي على محمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تقول: اللهم استعملنا بسنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتوفنا على ملته، وأعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، -تقول ذلك ثلاث مرات- ثم تنحدر من الصفا قاصداً إلى المروة، تمشي وأنت تقول: اللهم اجعل هذا المشي كفارة لكل ممشى كرهته مني، فإذا أتيت العلم، هرولت بين العلمين وأنت تقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، واهدنا الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم، اللهم نجنا من النار، سراعاً سالمين، ولا تخزنا يوم الدين، فإذا أتيت العلم مما يلي المروة، أمسكت عن (1/104)
صفحة 105
الهرولة، ومشيت إلى المروة، وقلت كقولك حين هبطت من الصفا، فإذا أتيت المروة فاصعد عليها –بقدر ما تقابل الكعبة- ثم تدعو مثل دعائك على الصفا، تقول ذلك ثلاث مرات في كل شوط، تقول على الصفا ثلاث مرات ذلك الدعاء، فإذا أتممت سبعة أشواط من الصفا إلى المروة، وحلقت رأسك، فقد أحللت من عمرتك، وقد حل لك الحلال كله –إلا الصيد في الحرم فإنه حرام على المحلين والمحرمين- فإذا كان يوم التروية، وأردت الإحرام بالحج، فادهن رأسك بدهن لا طيب فيه، ثم اغتسل إن أمكنك ذلك، وإلا أجزأك الوضوء، ثم البس ثوبي إحرامك، ثم ائت بالبيت فطف به سبعة أشواط، فصل ركعتين لإحرامك، وأكثر الفقهاء يقولون: يحرم من المسجد الذي يقال له مسجد الجن، ويقال مسجد الحرس، فصل ركعتين أينما أمكنك أمكنك فعلت جائز، ثم تقول بعدما تسلم من الركعتين: لبيك اللهم لبيك، بحجة تمامها وبلاغها عليك، تقول ذلك ثلاث مرات، ثم تقوم من مجلسك -متجاوزاً إلى منى- وأنت تقول: اللهم إليك قصدت، وإياك أردت، فاعطني سؤلي، ويسر لي أمري، فإذا أتيت إلى منى فقل: اللهم هذه منى، وهي مما دللت عليه من المناس، فامنن علي فيها وفي غيرها، بما مننت به على أوليائك، وأهل طاعتك، وسل فيها خمس صلوات، صلاة الظهر والعصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الغداة، ثم امض إلى عرفات، فإذا بلغت إلى محسر فقف حتى تطلع الشمس، ولا تجاوز منى إلا بعد طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس فامض إلى عرفات، وأنت في ذلك تلبي، ولا تقطع التلبية، فإذا أتيت عرفات فانزل بها، وقل: اللهم هذه عرفات، فاجمع لي فيها جوامع الخير كله، واصرف عني فيها جوامع الشر كله، وعرفني فيها ما عرفت أوليائك واقعد فيها وانزل بها، فإذا زالت الشمس فاغتسل بالماء –إن أمكنك ذلك- فإنه يستحب وإلا أجزأك الوضوء، ثم تصلي صلاة الظهر والعصر مع الإمام –إن أمكنك ذلك تصف خلف الإمام أو عن يمينه- فإذا قضيت الصلاة فقف مع الناس، وادع بما فتح الله لك، (1/105)
صفحة 106
واجتهد في الدعاء والمسألة، وادع مثل دعائك على الصفا والمروة، وأكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وتسأله حوائجك كلها، وأكثر من المسألة والدعاء حتى تغرب الشمس، ويجب الإفطار، ثم امض من عرفات إلى المشعر الحرام، وأنت تقول: اللهم إليك أفضت وإياك قصدت، ومما عندك أردت، ومن عذابك أشفقت، فإذا أتيت جمعاً فقل: اللهم هذه جمع فاجمع لي فيها جوامع الخير كله، واصرف عني فيها جوامع الشر كله، وعرفني فيها ما عرفت أولياءك وأهل طاعتك، وانزل بها وبت مع الناس، وهيئ مها سبعين حصاة، مثل حصى الخذف وتغسله، فإذا طلع الفجر فصل بغلس، ثم قف عند المشعر الحرام، فادع مثل دعائك على الصفا والمروة، واحمد الله وأثن عليه، وصل على محمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات، ثم أفض مع من جمع قبل طلوع الشمس – وأنت في ذلك تلبي، ولا تقطع التلبية- حتى تأتي جمرة العقبة، فإذا أتيت جمرة العقبة، فأمسك عن التلبية، وقل اللهم اهدني بالهدى، ووفقني للتقوى، وعافني في الآخرة والأولى، وتأتيها من تكبيرة، وتقول مع كل …بطن الوادي، ثم ترميها بسبع حصيات، وتكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، وفي آخر حصاة تقول: ولله الحمد، فإذا فرغت من رميها، فقل: اللهم هؤلاء حصياتي، وأنت أحصى لهن مني، فتقبلهن عني، واجعلهن في الآخرة ذخراً لي، وأثبني عليهن غفرانك ورضوانك، ثم انصرف عنها من حيث جئت، ولا تقف عندها إذا رميتها، ثم ائتم منزلك فاذبح ذبيحتك، ثم احلق رأسك وقلم أظفارك، وإن أنت صليت ركعتين ثم ذبحت، فذلك يستحب وليس بواجب صلاة العيد بمنى، فإذا فرغت من ذبيحتك، وفرقت منها ما أمكنك، وحلقت وأخذت شعرك، وقلمت أظفارك، فقد حل لك (1/106)
صفحة 107
الحلال كله إلا النساء والصيد، حتى تزور البيت، وأفضل ذلك أعجله، وامض إلى البيت للزيارة، فإذا أتيت البيت فقل: اللهم قد أعنتني على نسكي، فتقبله مني، وسلمه لي، فإذا أردت الطواف بالبيت، فقل كما قلت في عمرتك، على ما وصفت لك في العمرة، من التكبير والدعاء، ثم برزت إلى الصفا من باب الصفا، وفعلت كما وصفت لك في العمرة، فإذا فرغت من السعي، فقد حل لك الحلال كله من النساء، وغيره من اللباس والطيب، إلا صيد الحرم، فإنه حرام على المحلين والمحرمين، فإذا أردت الخروج إلى منى بعد الزيارة، أخذت ما تحتاج إله من منزلك، مثل ثياب وطعام، واخرج إلى منى، ولا نبت بمكة، واقعد بمنى أيام التشريق، فقد حل لك الحلال كله، فأقم بها ثلاثة أيام بعد يوم النحر أيام التشريق، وترمي الجمار بعدما تزول الشمس، ولا ترمي الجمار إلا وأنت طاهر على وضوء، ويستحب ذلك، فابدأ بالجمرة التي تلي المشرق، فارمها بسبع حصيات، وتكبر مع كل تكبيرة فإذا فرغت من رميها، تقدمها استقبل البيت، وادع مثل دعائك على الصفا والمروة، وتفعل ذلك ثلاث مرات، ثم امض إلى الجمرة الوسطى، فاجعلها على يمينك، وارمها بسبع حصيات، وكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها، فتقدمها على يسارك عند المسيل، وادع كما وصفت لك عند الأولى، ثم ائت جمرة العقبة فارمها من بطن الوادي، وتكبر مع كل حصاة تكبيرة، فإذا فرغت من رميها فانصرف من حيث جئت، ولا تقف عندها إذا رميتها، ثم تفعل ذلك أيام التشريق، فإذا فرغت من رميك يوم الثالث أو يوم الثاني، إن أردت أن تعجل في يومين، رح مع الناس إلى مكة فأقم فيها ما بدا لك، وأكثر من الطواف، فإذا أردت أن ترجع إلى بلادك فطف بالبيت سبعة أشواط، ثم صل ركعتين في مقام إبراهيم، ثم ائت زمزم فاشرب من مائها، وصب على رأسك، وقل ما وصفت لك عند العمرة، وكذلك تفعل عند الزيارة من الدعاء، ثم ارجع فقف بين الباب وبين الحجر الأسود، فاعتمد بيدك اليمنى على أسكفة الباب* (1/107)
صفحة 108
حيث تبلغ يدك اليمنى، ويدك اليسرى قابضة أستار الكعبة، ثم ألزق بطنك بجدار الكعبة، فادع وإلا فقم حياله، وادع بما فتح الله لك من الدعاء، وقل عند ذلك: اللهم لك حججنا، وبك آمنا، ولك أسلمنا، وعليك توكلنا، وبك وثقنا، وإياك دعونا فتقبل نسكنا، واغفر ذنوبنا، واستعملنا بطاعتك، اللهم إنا نستودعك ديننا وإيماننا وسرائرنا، وخواتم أعمالنا، وصل على محمد - صلى الله عليه وسلم - اقلبنا منقلب المدركين رجاءهم، المحطوط خطاياهم، الممحوة سيئاتهم المطهرة قلوبهم، منقلب من لا يعصى لك بعدها أمراً، ولا يحمل لك وزراً، منقلب من أعمرت بذكرك لسانه، وزكيت بزكاتك نفسه، وأدمعت من مخافتك عينه، اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، حملتني على دابتك، وسيرتني في بلادك، حتى أقدمتني حرمك وأمنك، فقد رجوت بحسن ظني أن تكون قد غفرت لي، فإن كنت قد غفرت لي فازدد عني رضا، وقربني إليك زلفى، وإن كنت لم تغفر لبي فامنن الآن علي، قبل أن أبتعد من بيتك الحرام، فهذا أوان انصرافي، غير راغب عنك ولا عن بيتك، ولا مستبدل بك ولا ببيتك، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني ببيتك الحرام، واغفر لي وارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، ولا تنزع رحمتك عني اللهم، فإذا أقدمتني إلى أهلي فاكفني مئونة ومئونة عيالي، ومئونة خلقك، فإنك أنت أولى بخلقك مني، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، في الأهل والمال والولد، تائبون آيبون عابدون لربنا حامدون، وإلى ربنا راغبون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم اخرج إذا ودعت، ولا تبع ولا تشتر بعد الوداع، ومر وأنت محزون على فراق البيت، والله أعلم بالصواب. (1/108)
صفحة 109
قال والفريضة في الحج: الإحرام والوقوف بعرفات وزيارة البيت يوم النحر، والعمرة قال قوم فريضة، وقال آخرون سنة، ومنهم من قال من أسباب الحج، وقال الله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } * قال والسعي بين الصفا والمروة منهم من قال فريضة، وأكثر القول أنه سنة، والدعاء بين الصفا والمروة يستحب، وحلق الرأس عند الإحلال من العمرة سنة، ويبدأ حلق رأسه الأيمن ثم الأيسر، وهو مستقبل القبلة، والدعاء الذي يدعى به عند الأركان في الطواف يستحب، والتسبيح والتكبير في الطواف سنة، ورمي الجمار سنة، وحلق الرأس عند الإحلال من الحج سنة، والأضحية واجبة على المتمتع، فإن لم يحد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، والدعاء بعرفات ليس هو بشيء محدود، إلا ما فتح الله، وكلما ألح العبد في المطلب إلى الله كان أقرب، والوقوف عند المشعر الحرام سنة في أكثر قول الفقهاء، والذكر لله سنة، ومنهم من قال إن الوقوف بعرفات والذكر عند المشعر الحرام فرض، واجتناب قتل الصيد على المحرم واجب، فإن قتل شيئاً من الصيد وهو محرم أو في الحرم فعليه الجزاء، يحكم به ذوا عدل منكم: رجلان مسلمان حران، هديا بالغ الكعبة، وأقل الجزاء إطعام مسكين، فيما يجب به الحكم، أو نصف درهم، وقيل: في الرخمة دانقان، وأكثره جزور بدنة أو بقرة، على ما يحكم به الحكمان، والوسط من ذلك شاة، وإنما هو جزاء مثل ما قتل من النعم، وقطع شجر الحرام يجب به الجزاء أيضاً، وقتل الصيد حكم ذوي عدل فيما قل أو كثر، مثل قيمة ذلك على ما وصفت لك في الحكم في قتل الصيد، وقد وصفت لك الدلالة في صدر الكتاب ما يجتنب من الطيب ولبس الحرير والحلي، والثياب المصبوغة واجتناب الرفث والفسوق والجدال في الحج، ولا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا العمامة ولا الكمة، وعلى الحاج إذا أراد الانصراف أن يودع البيت ولا يعرج على فعل شيء بعد الوداع، فإن ترك الوداع فعليه دم، وإن بات الحاج ليالي (1/109)
صفحة 110
منى بمكة فعليه دم، وإن لم يحرم من الميقات فعليه أن يرجع ليحرم* من الميقات، فإن لم يفعل وخاف الفوت أحرم من الحرم وعليه دم، وإن ترك رمي الجمار أيام التشريق، فعليه لكل جمرة تركها في كل يوم دم، وإن يفض من عند المشعر الحرام قبل طلوع الشمس فعليه دم، وما كان من الهوام الذي ليس من الصيد، فمن قتله ليس في حكومة فجزاؤه مختلف فيه، ففي الذرة والقملة تمرة أو لقمة، وقد قيل قبضة من طعام، والله أعلم بالصواب، قال والقملة ما أطعم عنها فهو خير منها، وفي الجرادة حكومة، وقد قيل تمرة، وإذا لبس المحرم الحلي فعليه دم، وإذا لبس الحرير فعليه دم، وإذا تطيب بالطيب فعليه دم، وإذا لبس العمامة متعمداً فعليه دم، وإذا قنع رأسه خطأ كشف القناع ولبى، وإن قنعه متعمد فعليه دم، ومنهم من قال حتى يغطيه بالقناع يوماً ثم عليه دم، وإن لبس المحرم القميص متعمداً يوماً إلى الليل فعليه دم، وإحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، وليس للرجل أن يغطي رأسه ولا للمرأة أن تغطي وجهها، فإن فعلا ذلك فعليهما جزاء، وإذا حلق المحرم رأسه فعلبيه دم، وإن نتف ثلاث شعرات فعليه دم، وفي الشعرة إطعام مسكين، وفي الشعرتين إطعام مسكينين، وفي الظفر مسكين، ومن قطع ثلاثة أظافير فعليه دم، ومن ترك الهرولة والسعي كله فعليه دم، وإن ترك أكثر من النصف فعليه دم. (1/110)
صفحة 111
المرأة تجتنب الطيب، والثياب المصبوغة بالورس والزعفران، والزينة والحلي، ولا تغطي وجهها، وتلبس الخفين والنعلين، وليس عليها هرولة ولكن تسرع المشي بين الصفا والمروة، والمرأة الحائض إذا بلغت الميقات فإنها تغتسل، وتجعل ثوباً وقاية لثياب إحرامها، ثم تهلل بالحج والعمرة، وتحرم وتصنع ما يصنع الحاج في كل شيء، إلا الطواف بالبيت، فإنها لا تطوف بالبيت إلا بعد أن تطهر*، فإذا طهرت اغتسلت، وطافت بالبيت لحجها وعمرتها، فمنهم من قال طواف واحد يجزئها لحجها وعمرتها، ومنهم من قال طوافان: طواف للعمرة وطواف للحج، قلت: وتقف مع الناس بعرفات؟ قال: نعم تقف بعرفات مع الناس وترمي الجمار، وتفعل كما يفعل الحاج، من الذبح وأخذ الشعر والوقوف عند المشعر الحرام، كل ما يفعل الحاج، إلا الطواف والزيارة والعمرة فحتى تطهر، وليس عليها أن تسعى بين الصفا والمروة، ولكن تسرع في المشي، فإذا أراد أصحابها الخروج، فإنها لا تخرج حتى تطوف وتودع أيضاً، وينتظرها جمالها حتى تطوف، فإن كانت قد قضت الحج ثم حاضت قبل الوداع، فإنها يلزمها لتركها الوداع دم، وأما المستحاضة فإنها تغتسل، وتفعل كما يفعله الحاج من الإحرام، والطواف والوقوف، وترمي الجمار، وكل ما* يلزم الحاج يلزمها وهي بمنزلة الطاهر، وليس هي مثل الحائض، وقال الله تعالى: { واذكروا الله في أيام معلومات } وهن عن قول بعض الفقهاء يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق، وقت ما يكون الذبح، والأيام المعدودات هي أيام التشريق، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، ومن نفر في اليومين قبل اليوم الثالث، فلا إثم عليه، وإنما ينفر بعدما يرمي الجمار بعد الزوال، فإن قعد إلى الليل لزمه القعود حتى يرمي في اليوم الثالث بعد الزوال، ومن مرض ولم يرم الجمار رمى عنه وليه، ومن كان معه نسك المتعة فذبح، وإلا صام ثلاثة أيام في الحج، يوم التروية، ويوم الثاني، ويوم عرفة، وقال من قال يصومهن في (1/111)
صفحة 112
العشر وسبعة إذا رجع، قال قوم يصومهن بالأجرة يقول الأجير: إني أشهدكم فاشهدوا، إني قد أجرت نفسي بكذا وكذا، على أن أخرج حاجاً عن الهالك فلان بن فلان الفلاني، من بلده إلى بيت الله الحرام، وعلى أن أزور عنه قبر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، من مكة إلى مدينة يثرب، وعلى أن أسلم له عليه وعلى صاحبيه، أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وعلى أن أفعل عنه في هذه الحجة والزيارة، ما يفعله الحاجون والزائرون، من فرض وسنة، وما شاء الله، من المستحب من لدن إحرامهما إلى تمام مناسكها، طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن لزمه دم ولم يجد، فإنه يبعث به إذا وصل إلى منزله ينحر عنه بمكة أو بمنى، أن وجد الهدي إلا أنه لزمه الجزاء في حكم، فلم يجد من يحكم عليه، فإن يرجع إلى بلده، فإذا وجد من يحكم عليه من العدول، بعث به إلى مكة ينحر عنه، ومن لزمه الجزاء من قتل الصيد أو شجر، لم يجز له الأكل من ذلك الجزاء، فإن أكل منه لزمه بدله، وقال آخرون يلزمه ما أكل، ومن خرج لإنسان بحجة بالأجرة، ثم رجع من الطريق قبل أن يؤدي الحجة فعليه رد الدراهم كلها، وليس له عناء، وإن هو رجع حج من قابل، وكان للحجة مدة، فقد أدى ما استؤجر له، وإن كان أخذ الحجة على وجه التطوع، فإنه ما فضل منه بعد قضاء الحج، يرده على أربابه، إلا أن يتموا ذلك له ويتركوه بطيبة أنفسهم، وإن كان أخذ الحجة على وجه الضمان، ثم رجع من الطريق قبل القضاء، فعليه أن يخرج حتى يقضي الحجة، ومن أخذ حجة ثم خرج، ثم رجع فقال قد أديت، فإنه يكون أميناً مصدقاً بها في بعض القول، ومنهم من قال يشهد بذلك، في مواضع الحج بعرفات والمواقف بعرفات عند الإحرام، وعند الزيارة أنه قد أحرم بحجة فلان، وأنه واقف بحجة فلان، كذلك عند* الزيارة يشهد أنه قد طاف بالبيت، وقضى حجة فلان، ولا يجوز أن يعطي الحجة عن الميت إلا أميناً مصدقاً، فإن لم يوجد ثقة، جاز ذلك، وقيل ليس لأحد أن (1/112)
صفحة 113
يحج عن أحد حتى يحج عن نفسه، وقيل إن ذلك إذا كان من الضرورة، فجائز أن يحج بالأجرة، ولو لم يحج عن نفسه، وقالوا لا يحج أحداً إلا عمن يتولاه، وقيل جائز أن يحج عمن لا يتولاه، ولا يدعو له، وقال آخرون إذا حج عمن لا يتولاه، أنه يشترط ذلك الأولياء أنه لا يدعو لميتهم، وقد قيل: إنه لا يجوز له أن يشترط ذلك، وقد قيل إن الحجة يكون أجرها للحاج بها، وللموصي أجر المئونة بالدراهم، وقال آخرون: الحجة كلها للمحجوج عنه، وإنما للأجير عوض عنائه بالدراهم التي أخذها، وبالله التوفيق.
وقيل في الوالي إذا أراد أن يسير إلى الحج، فقالت له رعيته: لا يمكننا أن تكون بلدنا ليس فيها أحد يكتب الحقوق للناس، وربما يمرض أحد منهم فلا يجد أحداً يكتب عليه، وشكوا إلى الإمام ذلك، والذي يكون له والدة وتمنعه من المسير إلى الحج، هل يجوز له الوقوف عن المسير؟ وهل للإمام منعه من ذلك؟ الجواب إن الحج أمره عظيم، ولا ينبغي أن يترك (الوالي)* فرضاً قد لزمه لأجل ما يعوق رعيته، إلا أنه لم يكن عليه أداؤه في سنة محدودة، فإذا أراد أن يقف على أن يجد فراغاً من أمور المسلمين، وخاف أن يضيع فلا يضيق عليه تأخير ذلك وكذلك الوالدة، القول في ذلك مثل ما تقدم. (1/113)
صفحة 114
وإذا أوصى رجل بدراهم ليحج بها عنه وكانت لا تكفي الحجة، فإنه يحج بها من حيث تبلغ فإن لم يجد من يحج بها عنه فجائز أن تخلط هي وحجة غيرها، إن كانت التي خلطت معها لا تكفي دراهم الحجة تامة، ولا يعنو بها أحد وخلط الحجج موجود في إجازته في آثار المسلمين، وقيل في رجل استأجر رجلاً ليحج عن هالك، ويزور عنه قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعاقه عن الزيارة أمر، فقيل إنه يسقط للزيارة من أجرته الربع، وقول الثلث، والذي عليه عمل أصحابنا أنه يسقط ربع الأجرة، كان تركه عمداً أو خطأ، وقيل في الذي استؤجر للحج والزيارة فاستأجر الأجير للزيارة، فقيل إن كان استؤجر للحج والزيارة ليزور بنفسه، فليس له أجره، وإن كان استأجره على تأديتها فقيل يجوز له ذلك إذا كان الذي استأجره أميناً وأدى ما يجب في الزيارة.
وإذا حج رجل حجة كان حنث فيها، فلا تجزئه عن حجة واجبة عليه، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تحج عن الرجل* (وفيمن يقول إن أكلت هذا الشيء فهو هدية لمكة أو لمسجد كذا أو لقبر الشيخ، ففي كل هذا لا يلزمه شيء، والله أعلم).
الباب الرابع والخمسون
في ذكر كفارة الأيمان على من حنث واجبة (1/114)
صفحة 115
وهي اليمين التي ذكرها الله في المائدة لكل يمين، واليمين هي الحلف بالله، والقسم والألية بالحلف بالله، ووالله، وتالله، ولا والله، وبلى والله، وربي، وربك، ورب الكعبة، ورب السماء، ورب الأرض، وإي وربي، ورب القرآن، وفي كل ما ذكر الله حالفاً به فهو يمين، وإذا حنث لزمه الكفارة، ومن حلف على محدود لا يأكله، فأكل منه لم يحنث، حتى يأكله كله، ومن حلف على غير محدود لا يأكله فأكل منه حنث، ومن حلف على غير محدود جاز له بدله، ومن حلف بعهد الله وميثاقه، فيختلف في الكفارة عليه، وأكثر القول أنه يمين مغلظ، وفيمن يقول: والله والله والله ما فعلت كذا وكذا، فقيل عليه في هذا كفارة واحدة، وليس للمملوك أن ينذر بغير إذن سيده، وإن نذر بإذنه، ووجب عليه الإطعام فليس له أن يطعم إلا بإذن سيده، وإن لزمه بدل صوم أو صلاة أو كفارة، فأما الصلاة فيبدلها، وأما الصوم والكفارة فيعتقد تأديتها، إن لم يأذن له سيده، متى قدر، أو أعتق فيقضي ذلك، وفي امرأة قالت: إن تزوجت فلاناً فعلي حجة أمشيها حافية، وهي فقيرة، وتزوجت ما يلزمها، فقيل في ذلك اختلاف، بعض ألزمها صيام أربعة أشهر، وقول: لا شيء عليها، وإن قدرت على الحج حجت، وقول عليها كفارة يمين مرسلة: صيام ثلاثة أيام –والغني يطعم عشرة مساكين، إلا أن مثل هذا يستر عن الجهال- وإن كان يمينها بالمشي عن الحج، وقدرت على الحج راكبة، فإن شاءت حجت راكابة في عامين، وإن شاءت حجت وأحجت معها رجلاً أو امرأة، تحمله إلى أن يصل مكة الشريفة، وليس عليها حمله راجعاً، وقيل في رجل حلف إن فعل كذا وكذا، فعليه صيام سنة، أو صيام الدهر، ثم حنث، فقال من قال: عليه ما جعل في نفسه، وقول: عليه كفارة يمين مرسل، ومن حلف لا يشرب الخبائث، فكل حرام خبيث، وكذلك ما أجمع المسلمون على تحريمه، فهو حرام خبيث، وقيل في امرأة نذرت أن يجيئها ولد ذكر ويعيش فهي* تصوم لله تعالى سبعة أشهر، فجاءها ولد وعاش سبعة أشهر ثم مات، فقيل، (1/115)
صفحة 116
إن كانت أرسلت القول في يمينها فيلزمها ما جعلت على نفسها، وإن كانت نوت في يمينها أن يعيش سنين معروفة، فلا يلزمها وفاء النذر، والله أعلم، وقيل في امرأة قالت يلزمني ألف يمين، إن فعلت لزوجي كذا وكذا، فقيل يلزمها في كل شيء تفعله له يمين، وقول يمين واحد يجزيها لجميع ما حلفت، وتكفر كفارة يمين مرسلة إذا حنثت، ويختلف في قولها ألف يمين، ولم تقل بالله، فقول ليس بيمين حتى يقصد به اليمين، وقول هو يمين، وفي امرأة قالت لزوجها حرام على عيشك إن أكلت منه، فقيل: يجوز لها أن تأكل منه وتتوب إلى الله سبحانه، وتكفر كفارة يمين مرسل، ومن حلف لا يبيع فباع حنث، ومن حلف لا يبادل فبادل حنث، وإن حلف لا يشرب فشرب حنث، أو لا يذوق فذاق، أو لا يأكل فأكل، أو لا يفعل ففعل حنث، ومن حلف عن فعل شيء أنه لا يفعله مما له فيه الثواب فليكفر عن يمينه، ولا بأس باليمين، ومن حلف بالحج أو المشي إلى بيت الله الحرام، أو حلف بالصدقة، أو العتق، أو الصيام أو الصلاة، أو الاعتكاف، أو العهد، ثم حنث لزمه ما جعل من ذلك على نفسه كله، ومن قال لعنه الله، أو أخزاه، أو قبح الله وجهه، أو مقته، الله، أو أدخله الله النار في الآخرة، أو في نار جهنم فحنث، إذا حلف به لزمه كفارة يمين مرسل، وقد قيل مغلط، ومن قال هو مشرك بالله، أو يهودي أو نصراني، أو من ملل المشركين، أو من المنافقين، أو من الكافرين، أو من الظالمين، أو يعبد الشمس، أو يعبد الجمجمة، أو يعبد النار، أو الشياطين، إن فعل ثم حنث لزمه كفارة يمين مغلظ، واليمين إنما تقع على الأسماء في لفظ الحالف، ولو نوى اليمين ولم يحلف، لم يكن يميناً، وإن قال أقسمت يميناً بالله، أو على يمين بالله لا فعلت أو لأفعلن، ثم حنث، فعليه اليمين، يمين مرسل، ومن حلف على طعام لا يأكل منه فأكل منه، أو من بديله، حنث، ومن حلف على شيء محدود لا يأكله لم يحنث حتى يأكله كله، ولا يحنث* من حلف لا يأكل البسر فأكل الرطب، ومن (1/116)
صفحة 117
حلف لا يأكل الرطب فأكل التمر فأكل الدبس، والخل، لأن هذا اسمه غير اسم هذا، ومن حلف لا يأكل بسر نخلة أو شيئاً محدوداً لم يأكل رطب تلك النخلة ولا تمرها، ولا دبسها، ولا خلها، وكذلك إذا كان تمراً محدوداً لم يأكل دبسه ولا خله، وإذا حلف لا يأكل مال فلان، ولا من مال فلان، فزال ذلك المال إلى الحالف، أو إلى غيره فأكل منه لم يحنث، لأنه قد زال، وليس ذلك المال مال فلان، وإن حلف على شيء محدود من مال فلان لا يأكل منه، فزال ذلك إلى الحالف، أو إلى غيره، فأكل منه حنث، وقيل في رجل حلف لا يشتري ولا يتزوج، فاشترى شراء وتزوج امرأة، ثم تبين له أن الشراء الذي اشتراه منتقض وفيه عيب، وتزويجه فاسداً، فلا يقع عليه الحنث في التزويج، لأن ذلك ليس بتزويج، إذا تبين له أنه لا يجوز، أو هو حرام بوجه من الوجوه، وأما الشراء فيمكن أن يرضى بالعيب الذي فيه، ويتم فيه البيع ويلزمه الحنث، والله أعلم. (1/117)
صفحة 118
ومن حلف بالله العظيم ففي ذلك اختلاف، قول عليه كفارة يمين مرسلة إذا حنث، وقول يمين مغلظة، وكذا من حلف بالعظيم ولم يقل بالله فإنه يلزمه أيضاً يمين مثل ما تقدم من الاختلاف، لأن العظيم اسم من أسماء الله، وفيمن قال على صيام شهرين إن فعلت كذا وفعل، فإنه يلزمه الصوم ولو لم يذكر الله –وأما النذر فحتى يقول على نذر أو نذر لله- فكذا في كتاب بيان الشرع، ومن حلف بالله ما على لك يا فلان كذا وقطع بها حقاً، فعليه كفارة التغليظ وإن حلف بالله لا يفعل كذا وفعل، فعليه في هذا كفارة يمين مرسل، ومن حلف لا يفعل كذا وكذا إلى الربع فتربع النخل إلا نخلة قش أو فرض بقيتا ثم فعل، فقيل لا يحنث، ومن حلف لا يأكل الرؤوس، فقيل لا بأس عليه في أكل رؤوس السمك، إلا أن يكون له نية، فله ما نوى، وإن حلف لا يشرب لبن شاة حدها، فأتى به مخلوطاً بلبن غيرها، فعلى هذا القول إن شرب منه لا يحنث حتى يشربه كله، وإن قال لا يشرب من لبن هذه الشاة فأتى بلبن منها مخلوطاً بغيره فعليه الحنث، وفي رجل قال إن أكلت هذا الشيء فهو علي حرام، فإذا أكل منه فعليه كفارة يمين، إن كان غنياً إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قال إن أكلت هذا الشيء فهو حرام، ولم يقل على فلا يلزمه شيء، وقيل فيمن حلف لا يأكل من هذا الحب فزرع فليس له أن يأكل من ثمرة الزرع الذي جاء منه، وإن حلف لا يأكل هذا الحب فإذا زرع وحصت ثمرته، فجائز له أن يأكل منها، لأنه قد استهلكته الأرض، وعن رجل حلف لا يأكل من سمن بقرة زيد، فاشتراها عمرو، أله أن يأكل يذوق من سمتها وهي عند عمرو؟ فقيل إن كان نوى في يمينه ما دامت قائمة لزيد فله أن يأكل من سمنها، على قول من يقول إن الأيمان على النيات، وإن كان حد في يمينه البقرة بعينها، كانت عند زيد أو غيره ألا يأكل من سمنها، فإنه يحنث إذا أكل منه، وكذلك في النخلة أو الدار أو البيت، إذا حلف عن دخولهما أو عن أكل رطب (1/118)
صفحة 119
النخلة، والله أعلم، وإن حلف لا يشرب النبيذ فأكل الخل لم يحنث، وإن حلف لا يشرب اللبن فأكل منه بالخبز حنث، وإن حلف لا يأكل السمن أكل اللبن، وإن حلف لا يأكل اللبن أكل السمن، وإن حلف لا يأكل اللبن، أكل السمن، وإن حلف لا يأكل لبناً محدوداً، أو لبن شاة محدودة لم يأكل سمنها، وإن حلف لا أيكل سمنها لم يأكل لبنها، لأن هذا لا يتخلص بعضه من بعض، واليمين واقعة عليه، وهو منه خارج، وإن حلف لا يأكل اللحم أكل الشحم الخالص من اللحم، وإن حلف لا يأكل الشحم أكل اللحم الخالص من الشحم، وإن حلف لا يأكل لحم شاة محدودة لم يأكل شحمها لأن الشحم من اللحم يخرج، وإن كان محدوداً حنث، وإذا حلف لا يأكل الشعير فأكل خبز بر فيه شعير حنث، وإن حلف لا يأكل خبز شعير فأكل خبز فيه شعير لم يحنث، وإذا حلف لا يأكل البر فأكل خبز ذرة فيه بر حنث، وإن حلف لا يأكل خبز بر فأكل خبز ذرة فيه بر لم يحنث، وإن حلف لا يشتري الحديد فاشترى أبواباً فيه حديد لم يحنث، لأن هذا غير ذلك، وإن حلف لا يأكل اللحم فأكل الطري من السمك لم يحنث، وإن حلف لا يشتري الخشب فاشترى داراً فيها خشب لم يحنث، لأنه اشترى الدار، وإن حلف لا يشتري النوى فاشترى تمراً فيه نوى لم يحنث، لأنه اشترى التمر ولم يقصد إلى النوى في ذلك، وإن حلف لا يشتري الشعير فاشترى براً فيه شعير لم يحنث، لأنه اشترى البر، وإن حلف لا يأكل شيئاً ولا يذوق فكل شيء وقع عليه اسم أكل أو ذوق حنث، وإن حلف لا يأكل العيش فأكل، فكل شيء أكل مما يعاش به حنث، لأن كل شيء يعاش به، وإن حلف لا يأكل الطعام فأكل مما يكون طعاماً، ما يطعم حنث، وإن خالف في ذلك من خالف فهذا قولنا، إذا أكل منه لأن الله تعالى يقول: { يطعم ولا يطعم } * وقوله - عز وجل -: { إنما نطعمكم لوجه الله } * لو أطعم بطيخاً أو قثاء أو نبقاً فقد أطعم، وقولهم (في قول الله تعالى): { لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من (1/119)
صفحة 120
بقلها قثائها وفومها وعدسها وبصلها } فقد قصد إلى أن كل هذا الطعام يؤكل ويطعم، وما وقع عليه اسم الطعام أطعم طعاماً، والله أعلم.
وإن كانوا قالوا غير هذا وإن حلف لا يكلم إنساناً فأرسل إليه ولكه الرسول حنث، إذا بلغ إليه كلامه، فإن حلف لا يكلمه فكتب إليه كتاباً، فإذا بلغه الكتاب فقرأه حنث، لأنه ضمنه كلامه، وإن حلف لا يكلم فلاناً وفلاناً فلكم واحداً لم يحنث، حتى يكلمهما جميعاً، وإن حلف لا يكلم فلاناً أو فلاناً فكلم من كلم منهما حنث، وإن حلف لا يكلم الرجال فكلم واحداً حنث، وإن حلف لا يدخل بلداً، فأدخل فيه كرهاً، أو دخل ناسياً، حنث، لأن الحنث يقع في النسيان، ولا إثم عليه في ذلك، وإن حلف لا يدخل بيتاً فأدخل فيه كرهاً لم يحنث، وإن حلف لا يدخل السوق فمر فيه حنث، وإن حلف لا يذهب إلى السوق فخرج على جنازة ودخل السوق حنث، لأنه أتاه، وإن حلف لا يدخل بيت فلان فدخل منه رأسه أو بعضه حنث، لأنه قد دخل البيت، وإن حلف لا يأكل هذا الطعام المحدود، فأكل بعضه لم يحنث، حتى يأكله، وكذلك كل محدود، وإن حلف لا يبيع هذا العبد فبادل به حنث، وإن حلف لا يبيعه فمتى أوجبه على المشتري حنث، وإن لم يقبل المشتري لأنه قد باعه، وإن حلف لا يلبس غزل امرأته فإن لبس من غزلها شيئاً حنث، وإن حلف لا يلبث من غزلها ثوباً فلبس ثوباً من غزلها، لم يحنث، حتى يلبس ثوباً من غزلها، وإن أعطت من غزلها لها فإن ذلك من غزلها، إلا أن يحلف مما تغزل بيدها، وإن حلف لا يأكل خبز امرأته فعجنت، وصفحت وطرح الخبز في التنور غيرها فأكل حنث، فإن عجنت وخبز غيرها فأكل منه لم يحنث، لأنها لم تخبزه، والذي خبز غيرها، وإن حلف لا يأكل لحماً فأكل مرقاً بخبز مطبوعاً بلحم حنث، لأن ذلك لا يخلو من اللحم، وإن حلف لا يأكل لحم الأنعام، فأكل لحم الطير لم يحنث، وإن حلف لا يذهب إلى دار فلان، فانقلب ذاهباً إلى دار فلان حنث، لأن الانقلاب ذهاب، وإن حلف لا يمضي إلى فلان (1/120)
صفحة 121
فخطى خطوات ماضياً إليه حنث، وإن حلف لا يخرج إلى دار فلانة فإذا خرج من البيت خارجاً إلى قرية فلانة حنث، وإن لم يصل، وإن رجع قبل وصوله فقد حنث، وإن قال أقسمت بالله فهي يمين، وإن قال حلفت فليس بيمين، والأيمان كلها كفارتها ما ذكر الله تعالى في كتابه.
إلا أن بعضاً قد أوجب التغليظ على من حلف باللعنة والقبحة، وما يوجب السخط من الله وبالشرك، ومثله وما ينفيه، وينتفي به الإنسان من الإسلام التغليظ، والتغليظ: صوم شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً، أو عتق رقبة، والمرسل إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ومن حلف بصدقة ماله وحنث أخرج عشرة، لأن الصدقة إنما هي العشر، ومن حلف بصدقة ماله ولا مال له (حنث وإن كان له مال أخرج عشره، وإن حلف وله مال وحنث ولا مال له)* فلا عشر عليه، ويكفر يمينه على قول، وإن جعل ماله كله صدقة، ثم حنث أخرج أيضاً عشره، وإن حلف على جميع ملكه أخرح عشر جميع ما يقع عليه اسم ملكاً، حتى ثيابه التي على بدنه، (والذي يحلف بصدقة ماله لا بعشر ثيابه ويرفع له دينه الذي عليه) وإن حلف بثلث ماله صدقة كان كل ذلك صدقة، وإن حلف بنصف ماله رجع إلى عشره كما قالوا، وإن حلف بالحلال عليه حرام، والحرام له حلال حنث، وعليه يمين مرسلة، وقال قوم مغلظة، ومن حلف بعهد الله ثم حنث فهي يمين مرسلة، وقال قوم مغلظة، ومن حلف بالحج لزمه الحج، ومن حلف بالحج ماشياً ثم حنث، ركب وأحج آخر معه، يحجان راكبين، أو يحج مرتين، إن لم يقدر يمشي، ومن جعل ماله صدقة على الشياطين، والأغنياء، والعصاة، والمردة، والمماليك، والجن أخرج عشر ماله للفقراء، وقد قيل في الشياطين والعصاة والأغنياء لا شيء عليه، ومن حلف بالحج وقال: كلما عطش رجع وشرب من عمان فعليه الحج ويهدي بشاة، ولا أيمان معلقة بالحنث، ومن استثنى في يمينه هدم اليمين، والاستثناء أن يقول في اليمين متصلاً: إن شاء الله وإن قدم الاستثناء قبل (1/121)
صفحة 122
اليمين نفعه، وانهدم اليمين، وإن قطع بين ذلك بسكوت أو كلام لم ينفعه الاستثناء والله أعلم.
ومن حلف لا يستظل تحت ظل فاستظل تحت السماء أو تحت السحاب، أو ظل بيت، فأما ظل السماء وظل البيت من خارج فلا يحنث فيهما، وأما ظل السحاب وفي داخل البيت فإنه يحنث.
الباب الخامس والخمسون
في النذور والاعتكاف
قال الله تعالى: { يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً } * أي منتشراً، والنذر الواجب ما كان طاعة لله، ولم يكن معصية لله، لأنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم، ومن نذر بشيء يريد به قربة لله ثم بلغه ذلك فعليه الوفاء، وذلك مثل أن يقول إن عافا الله ولدي صليت لله صلاة أو أطعمت المساكين، أو تقربت إلى الله، بصوم، أو بحج، أو اعتكاف، أو ما يكون به مطيعاً لله، فإذا فعل الله له ذلك، فعليه الوفاء، بتلك الطاعة والاتمام بها، وإن نذر أن يصلي في بلد غير بلده أو يصل رحمه بنفسه، وهو لا يقدر أن يبلغ ذلك البلد، فإنه يصلي في بلده وينظر قدر كرائه إلى ذلك البلد فيعطيه الفقراء، وأحب أن يكفر نذره ولا يخرج من الاختلاف، ومن نذر أن يصلي في مائة مسجد، فلم يستطع، فقد قيل يخط مائة* مسجد ويصلي فيه مائتي ركعة، وإن نذرت امرأة أن تحج ماشية حاسرة عن رأسها، فلتغط رأسها وتحج راكبة وتحج أخرى معها، وتغطية رأسها لا يلزمها به شيء لأنها لو أخرجت رأسها كانت عاصية، ولا نذر في معصية الله، ومن نذر أنه يصوم ثلاثة أيام بلياليها، فصوم الليل معصية، ويصوم ثلاثة أيام، ولا شيء عليه في نذر صوم الليل، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، وتركنا الاختلاف، ومن نذر أنه يتصدق بماله ويطعم اللعابين* فهذا يطعم الفقراء من الصبيان والصغار، والمساكين ما كانوا صغاراً أو كباراً، ولا يطعم اللعابين من الكبار شيئاً، لأن ذلك معصية في اللعب، ومن نذر أنه يخرج من بلده لا لمعنى، فلا يخرج ويكفر نذره إذا حنث، فإن نذر أنه يخرج يصل (1/122)
صفحة 123
رحماً له وقدر فعل، وإن لم يقدر نظر كراه وأعطاه الفقراء، وإن نذر أنه يعتكف وقتاً معروفاً في مسجد معروف، لزمه ذلك ويدخل المسجد قبل غروب الشمس، لئلا يفوته شيء من الشهر، ويخرج من المعتكف إذا أتمه، بعد غروب الشمس، لأنه قد قضاه، ولا يكون الاعتكاف إلا بصوم، والمعتكف يكون في المسجد مقيماً الليل والنهار، لأن الاعتكاف لزوم المكان والإقامة فيه، ولا يخرج من المعتكف إلا لبول أو غائط أو طعام يأتى به يأكله في المسجد، ولا يبيع ولا يشتري ولا يتحدث في غير موضع اعتكافه، ويخرج إلى منزله للبول والغائط، ولطعامه يأتى به، ولا مستأنس لحديث، وإن مر لوضوء فلقيه أحد فسلم عليه فليرد عليه السلام، ولا يعرج عليه لغير ذلك، ولا يتجاوز إلى مورد غير الذي عنده، ولا إلى خلاء أبعد من ذلك، فإن فعل أو تخطى أو تحدث أو اشتغل بغير معتكفه في بروز ما ينتقض اعتكافه، وجائز له أن يتحدث ف موضع اعتكافه بما لا إثم عليه فيه (ويأمر بضيعته وإن كانت له ضيعة عمل) ويؤمر أن يشتغل بذكر الله، لأن الاعتكاف إنما هو لذكر الله في بيوته، وقد قالوا يعود المرض ولا يقعد عنده، ولا يدخل بيتاً مسقفاً، ويخرج إلىالجنازة التي يلي الصلاة عليها، والله أعلم بذلك، واختلفوا في المعتكف فقال قوم لا يجوز إلا في المسجد الحرام، وقال قوم في المسجد الحرام، وفي مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال آخرون في المساجد التي يصلى فيها الجماعات جائز الاعتكاف فيها، لمن نذر بذلك والنذر في المعصية لا يوفى به، والاختلاف في الكفارة له، (ومن غير الكتاب وإذا نذرت المرأة أن تصوم أو تصلي أو تقضي نذرها ففي منع الزوج لها اختلاف، قول له وقول ليس له منعها عن أداء ما يجب عليها من اللوازم، وإذا أذن لها في الصوم وأراد أن يطأها فليس له ذلك، ولها أن تمنعه كان صومها كفارة أو نذراً أو تطوعاً، إذا أذن لها، والله أعلم)*.
الباب السادس والخمسون
في ذكر وصية الأقارب (1/123)
صفحة 124
وأما وصية الأقربين قال الله تعالى: { إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين } *، فأوجب الله - عز وجل - ذلك على من كان له مال –وخلف خيراً- أن يوصي لأقاربه، واجب عليه ذلك، وإن تركه متعمداً لم يعذر بذلك، وليس له أن يجوز في وصيته ولا يجاوز في وصيته الثلث، لأن الرواية عن النبي - عليه السلام - حين سأله سعد أن يوصي بماله كله فقال: لا، قال فبالنصف؟ قال: لا، قال: فالثلث: قال: الثلث والثلث ثلث أموالكم، عند الموت زيادة في أعمالكم وزاداً لكم ولا وصية لوارث أبداً للخبر الوارد عن الرسول - عليه السلام -، لا وصية لوارث، فمن أوصى بشيء من ماله لأحد من ورثته لم يثبت له، وإن زاد في وصيته عن الثلث، ولو حبة لم يجز له ذلك أيضاً، والوصية إنما هي لله فيما أمر ولرسوله طاعة لله، فإذا دخل فيها شيء مما قد نهى عنه الرسول - عليه السلام - كان معصية وإثماً، وجار في الوصية فليتق الله صاحب الوصية، فإذا أوصى لبعض أرحامه بوصية وترك بعضهم كانت الوصية لمن أوصى له بها، وإن أوصى له بوصية مخصوصة فأوصى للأقربين بشيء مجملاً، لم يدخل معهم، لأنه أوصى له منفرداً، ولهم مجملاً، وقد أوصى له خاصاً ولا شيء له، ولكل ما أوصى له به، وتركنا ما اختلفوا فيه من جميع ذلك، ومن أوصى لأخواله وأعمامه كانت عندنا بينهم بالسواء، وقد قيل للعم الثلثان وللخال الثلث، ومن أوصى للأقربين والفقراء كان للأقربين الثلثان وللفقراء الثلث، ومن أوصى للفقراء والأقربين والأيمان كان لأيمانه الثلث وللفقراء الثلث، وللأقربين الثلث، ويجمع للأقربين وما للفقراء ثم يكون للأقربين ثلثاً، ذلك على قول، وإن أوصى للأقربين بوصية مفردة وللفقراء بوصية مفردة كان للفقراء ما أوصى لهم به، وللأقارب ما أوصى لهم به، ومن أوصى للفقراء ولم يوص للأقربين بشيء، دخلوا عليهم بالثلثين فأخذوا معهم، وكان للفقراء الثلث، وللأقربين ثلثا الوصية، ومن أوصى للأقربين (1/124)
صفحة 125
وعليه دين يستغرق ماله كله ولم يبق منه شيء للوارث فإن الورثة يأخذون ثلثي تلك الوصية إن بقيت بعد الدين، ولا يثبت للموصي لهم إلا ثلث ما بقي بعد الدين، وإن لم يبق وحازها أصحاب الحقوق فإن الورثة يأخذون أيضاً الثلثين من ذلك، وإن ترك ذلك أصحاب الحقوق من عندهم لمن أوصى لهم به، لم يدخلوا معه غيرهم، وإن كان مجملاً وتركوه للأقربين أخذ كل قريب لم يرث فيها، والورثة أيضاً لم يرثوا، والوصية في العتق جائزة، وتخرج من الثلث، والوصية في الصدقة والأيمان والحج والنذور والسبيل والجهاد والرباط، وجميع العرف وللأقربين وللأجنبيين كل ذلك جائز من الثلث، ولا تجاوز الثلث بشيء، وإن خرج من الثلث كان لكل ما أوصى له به، وإن لم يخرج من الثلث نقص عن كل صنف مما أوصى لهم به، يقدر ما نقص من ذلك بالحصة، وإن كان عشراً فعشراً أو ربعاً فربعاً، إنما ينقص بالقسط والحساب، والعتق في الوصية من الثلث إلا أن يكون رقب ذلك على نفسه في صحته فإنه من جملة ماله، ومن رقب عبداً على الورثة في المرض بوصية، لم يجز للمرقب عليه، والخدمة بين الورثة والعتق، إذا مات المرقب عليه جائز، وإذا أوصى لقرابته وللأجنبيين بوصية يتوصل إلى معرفتها، وبلوغ العلم إليها، فهي ثابتة لمن أوصى له بها، وإن أوصى بشيء لا يوقف عليه ولا يوصل إلى معرفته لم يجز ذلك، والوصية للحمل جائزة، ولا تجوز الوصية لعبد من سيده، لأن ذلك مال يرجع للورثة، ولا وصية لوارث، ولا لعبد وارث، وإن أعتقه في الموت وأوصى له بوصية بعد موته، ثبت له الوصية، وإذا أوصى لقرابته بوصية ثبت ذلك، واختلفوا فيه إذا قال قد أوصيت للأقربين حتى يقول: قد أوصيت لقرابتي، وإذا أوصى للأقربين بوصية كانت على ما عرفنا في بعض القول بينهم بالسوية، وأكثر قول أصحابنا أنهم تقسم درجات على أربع درجات أو أربعة آباء، ويكون انقطاعها عن دانق ونصف، وأول الأقربين ولد الولد، ثم الأجداد، ثم الأخوة، ثم الأعمام، والأخوال، فإذا (1/125)
صفحة 126
اجتمعوا قسمت بينهم ويكون انقطاعها عن دانق ونصف، وإن لم يلحق كل الدرجة الآخرة رجعت إلى الدرجة العليا، وقطعت إلى نصف درهم، وإن كثروا في العدد وبلغت الدراهم عليها دانقاً، قطعت على ذلك، ويأخذ ولد الولد ثمانية أسهم، والأجداد أربعة أسهم والإخوة سهمين، وأولادهم سهماً وإن سفلوا، فكل درجة تأخذ نصف ما يأخذ آباؤهم، ويأخذ العم نصف ما يأخذ آخر واحد من ولد الإخوة، ويأخذ الخال نصف ما يأخذ العم، وللذكور والإناث سواء في باب الوصية، ويأخذ ابن العم نصف ما يأخذ أبوه، وابن الخال نصف ما يأخذ أبوه حتى تفرغ الدراهم كذلك عندهم، فإن عدم ولد الولد أخذ الجد وإن عدم الجد وكان ولد الولد وأخ قام الأخ فأخذ مكان الجد، وقام في ذلك عندهم مقامه، فإن عدم الجد والولد وكان أخ أخذ الأخ ثم العم والخال، وإن لم يكن إلا أعمام وأخوال أخذ الأعمام الثلثين والأخوال الثلث، وعلى القول الأول يأخذ الخال نصف ما يأخذ العم، وولد الخال نصف ما يأخذ الخال، وولد العم نصف ما يأخذ العم، وعم الأب نصف ما يأخذ آخر واحد من ولد العم، كذلك أخوال الأم وأعمام الأب وأخواله كلهم أعمام في الوصية سواء، وأخوال الأم وأعمامها كلهم أخوال في الوصية سواء، وإن كان خال وابن عم أو عم وابن خال قام ابن العم مقام أبيه وأخذ سهم أبيه وكذلك ابن الخال يقوم مقام أبيه ويأخذ سهم أبيه، وقال آخرون يقوم مقام أبيه ويأخذ سهم نفسه أن لو كان أبو حياً، وعن رجل أوصى لأقربيه بثماني لا رياب فضة وترك جدة وجداً، وأخوين وعمين، وخالين، وابني عم، وابني خال، وابن ابن عم، وابن ابن خال، فنظرنا في هذه المسألة فوجدناها تنقسم في ستة وستين سهماً، وسقط ابن ابن العم، لسقوط ابن ابن الخال، وناب كل سهم منهم ثمانية عشر فلساً، وفضل من الدراهم اثنا عشر فلساً، تقسم على ستة وستين سهماً، أو تعطى أفقرهم والله أعلم*، وجعل ابن العم وابن الخال في درجة واحدة في التضعيف والعطاء، لأنه إذا سقط ابن العم (1/126)
صفحة 127
سقط ابن الخال، فافهم ذلك، والقول الذي عليه عمل أصحابنا: أنه إذا عدم العم، وكان ابن عم، وخال أو خالة كانا في العطاء سواء، ولا يأخذ ابن العم سهم أبيه، ولكن يأخذ سهم نفسه، وكذلك أولاد الأخوال، ولكن إذا لحق الخال ولم يبق شيء لابن العم، ولم تنله الوصية لم يسقط الخال لسقوطه، لأنه لم يكن في درجته ولو كانا في العطاء سواء، لأن العم والخال في درجة واحدة والله أعلم، وقيل يجوز للوصي أن يقايض بشيء من الأصل لمن له حق على الهالك، ولو بقي شيء من الحب والتمر إذا كان الأولاد محتاجين له لقوتهم والله أعلم، واختلفوا إذا لم تقسم الوصية حتى يولد من الأقربين مولود، قال قوم يدخلون في الوصية وإن مات قبل القسمة لم يدخل معهم، ومن ولد قبل قسم الوصية ثم مات، فله سهمه يدفع إلى ورثته، وأكثر القول أنه لا سهم له، وهو المعمول به، والغائب من المصر حيث لا ترجى أوبته لا يحسب له، واختلفوا فيه أيضاً، وجميع الوصايا لا تجاوز الثلث، ولا وصية لوارث ولا لعبد من سيده، والعبد من غير سيده جائز له الوصية، وتقسم الوصية عندي على القرابة بالسوية، على قول من قال بها وهو أعدل، ومن أوصى له بثمرة نخلة معلومة، وفيها ثمرة فإنما له تلك الثمرة، حتى يتبين له غير ذلك، وإن أوصى له بثمرة نخلة ولا ثمرة فيها فله ثمرتها ما دامت، ومن أوصى له بنخلة بعينها فهي له وثمرتها، إلا أن تكون ثمرة النخلة قد وجب حصادها، وقطع الثمرة فالثمرة للورثة. (1/127)
صفحة 128
وقد قيل إذا باع نخلة وفيها ثمرة مدركة فهي للبائع، وإن كانت غير مدركة فهي للمشتري، وأما إذا أقر له بها فالثمرة للمقر له بها، وإنما يبطلها الرجوع عنها، والله أعلم، وإذا أوصى الهالك بحق ولم يعرف ربه يجوز أن يفرق على الفقراء برأي الورثة، وإذا أوصى الموصي بشيء من ماله، وقال بحق، ولم يقل بحقه على، أو بحق له على، فإن كان الموصى له وارثاً فلا تثبت له الوصية، وإن كان غير وارث ثبتت له الوصية، وهذا إذا كانت الوصية في المرض، وإذا أقر رجل لولده بما في بيته، وفي البيت سلاح مرهون، فقيل إنه لا يدخل في الإقرار، فإذا فدى صار فداؤه من الدراهم لجميع الورثة، وإن كان مباعاً بيع الخيار وأتمه البائع، وانقضت به المدة صار أصلاً للمالك، وثبت للمقر له بما في البيت، والله أعلم، وإذا أراد أحد من الورثة فداء نصيبه من مال الهالك وكره البيع، وكان على الهالك دين، وإذا بيع المال جملة قام بوفاءالديون التي على الهالك، ولم ذا بيع متفرقاً لم يفق، فعندي أنهم يجبرون على بيع المال جملة، كان فيهم أيتام أو لم يكن، وكذلك ما لا ينقسم من العروض، وقيل إذا أوصى رجل لرجل بخمس نخلات مبسلي من ماله الفلاني، فهذا من باب المودع، فإن وجد له نخلات مبسلي في ماله، وكان له أوسطها، وقول: أجودها، وقول: أدونها، وقول: بل الأجزاء، وإن لم يوجد في ماله نخلات مبسلي، وإلا اشترى له من غيره نخلات مبسلي وسطه، وإذا أوصى له بنخلته المبسلي من ماله فوجد له نخلة مبسلي في ماله كان له من النوع الذي جرى فيه الاختلاف فيما تقدم، وإن لم يوجد له نخلة مبسلي لم يكن له شيء، وإذا أقر رجل لزوجته بما في بيته، بعد موته، ففي ثبوت ما في البيت يوم الإقرار اختلاف، وبعد الموت فما وجد في البيت فالقول فيه قول الزوجة، وما كان منه خارجاً فالقول فيه قول الورثة، هذا في الذي يجيء ويذهب، مثل الحيوان وغيرها والذي جعل أوصياءه المسلمين، وفرض أجرة الوصية ولم يتهيأ للحاكم أحد (1/128)
صفحة 129
ينفذها بتلك الأجرة، فجائز للحاكم أن يزيده في الأجرة إذا لم يكن الورثة بالغين كلهم، وإن كانوا بالغين كان عليهم إنفاذ وصية هالكهم بالحكم، وإن اعتذروا إلى الحاكم منها، جعل من أراد في إنفاذها، وكانت زيادة أجرة الوصية برضاهم، وإن كان مالك الهالك ليس فيه فضلة لزيادة الأجرة، وكان مستهلكاً في الدين كانت الزيادة من بيت مال المسلمين، والله أعلم، ومن أوصى له بنخلة غير معينة، وهي في المال، فلا ثمرة له حتى يسلمها إليه الوصي، أو الورثة، ومن أوصى له بشيء في المرض وقال بحق، ولم يبين ذلك، فذلك ضعيف ولا يثبت، وإن قال بحق على له فذلك قضاء في المرض ضعيف أيضاً، وللورثة الخيار إن شاءوا أتموا لمن أوصى له به، وإن شاءوا أعطوه قيمته برأي العدول، وأخذوا ذلك، وإن أوصى له وقال بحق له فذلك إقرار به، والإقرار ثابت لمن أقر له به، ولا ينتقض الإقرار ولا رجعة لمن أقر فيما أقر، وإن أقر لوارث ثبت له ذلك، وليس على من أقر له بشيء إحراز، وقد ثبت له ذلك، والإقرار الكبير والصغير جائز، لمن كان يمكن له أن يملك إذا أقر له ثبت، وإذا كان الإقرار معلوماً ثبت، وإن الإقرار لا يعرف فذلك ليس بشيء، والإقرار في المال المشترك جائز، وفي كل المتاع ثابت، والإقرار بالنصيب وبالسهم والحصة والأصول والعروض، كل ذلك جائز، ولا يجوز الإقرار بالحمل في بطن أمه ولا لما لا يعلم.
الباب السابع والخمسون
في العطية (1/129)
صفحة 130
وكل العطايا لا تجوز للبالغين إلا بالإحراز، ومن لم يحرز للمعطي الرجعة، وإن مات ولم يحرز ما أعطى، فليس لورثته حجة، لأن الأصل لا يثبت إلا من طريق الإحراز، وإن مات الذي أعطاه ثم رجع ورثته لم يكن لورثته رجعة، والله أعلم، والعطية للقريب والبعيد والأجنبي، والوالدين والولد وغيرهم، جائزة ثابتة، إذا أحرز المعطي ما أعطى، وإن لم يحرز فلمن أعطى أن يرجع ما لم يحرز عليه، فإذا أحرز عليه لم يجز له رجعة، وهو كالراجع في قيئه، لأن الخبر ورد أن الراجع في هبته كالراجع في قيئه، والإحراز أن يزيله إلى عامل أو يستعمل فيه أو يرضم أو يشرط خوصاً أو شيئاً مما يعلم قبضه له به وحوزه إياه عن صاحبه إلا الزوجان، فإنهما إذا أعطى أحدهما الآخر عطية فقبلها، فقد أحرز والقبول يجزئهما عن القبض، ولا إحراز عليهما غير القبول، ولا رجعة لأحدهما بعد أن يقبل الآخر ما أعطاه، وإن أعطى أحدهما الآخر شيئاً في الصحة فرده عليه في الصحة، أو في المرض فقد قيل إنه جائز، فانظر في ذلك، وأما الذي عليه عمل أصحابنا أنه لا يجوز رد العطية في المرض للزوجين ولا غيرهما، والله أعلم، وأما الذي خلط تمره بتمر زوجته وحبه بحبها، وكانا متفاوضين، فلما اختلفا طلبت إليه ذلك، قال إن كان خلطه بطيبة نفسها، ولا تنكر ذلك، ولا نكره، فلا شيء لها في جميع ذلك، وإذا كان ثمر نخلها معتزلاً، ولم تصبح له منها عطية، فحكمه لها، ولو كان بقي مالها ويعمره لأن الرجل يعمر مال زوجته ويسقيه، عند طيبة الأنفس، وإن مات أو ماتت فلا شيء لها ولا لورثتها في الذي خلطه من ثمرة مالها، والله أعلم، هكذا موجود في كتاب الإيجاز عن الشيخ صالح بن وضاح، وكذلك الحب إذا كان من زرع أرضها، زرعه بنفسه، وكان غير مخلوط فحكمه لها، وقيل في رجل أعطى رجلاً بعيراً غائباً، ثم قبض المعطي ما أعطى، ثم باع البعير المعطي بعدما قبضه، ثم رجع المعطي بعد ذلك، فقيل: إن كان غيبة البعير في مكان، إن لو أراده صاحبه (1/130)
صفحة 131
أدركه، فليس له رجوع في ذلك، وإن وجب عليه رجوعه، وكان قد باعه، ولم يقدر عليه، فعليه مثله إن أدرك مثله أو قيمته، وإن لم يدرك معرفة قيمته، فالقول في القيمة قول الغارم، وإن طلب رد عليه فالغلة بالضمان، والله أعلم، والصبي إذا أعطى فلا إحراز عليه، فيما أعطى، فكلما أعطى الصبي شيئاً ثبت له، وإن مات كان لورثته، إلا أن يبلغ الحلم فلا يحرز ما أعطى، فقد قيل إنه إن بلغ ولم يحرز، وقد علم بذلك، فلم يحرز، فرجع من أعطاه، فله الرجعة فيه، إلا الوالد وحده، فإن عطيته لولده الصغير عندهم لا تجوز، ولا هبته ولا نحله ولا يثبت له من ذلك شيء، ولو أحرز في صغره لم يثبت له حتى يبلغ، فإن بلغ وأعطاه ثم أحرز ثبت، وإن لم يحرز لم يثبت له ذلك، وإن أعطاه في صغره وبلغ الصبي وأحرز، وتمم له الأب ولم يرجع عليه، فله ذلك، وأما البالغ فإذا أعطاه أبوه عطية فأحرز، ثبت له ذلك بالإحراز، وقد قالوا إن للأب أن يرجع فيما أعطى أولاده البالغين، وأما الوالدة فلا رجعة لها، وهي كغيرها من الناس، إذا أحرز البالغ ثبت له، وإذا أعطت الصبي جازت له، ولا إحراز عليه، فإن أعطى البالغ أبوه شيئاً فأحرزه، ثم أعطى عند موته الصغار مثل ما أعطى البالغ، أو بدلاً منه ثبت لهم ما أعطوه، على أخيهم، في ذلك الذي أعطوه، ولا يثبت على غيره من الورثة، وقد قيل إن له الخيار إذا أعطى إخوته مثله، فإن شاء أتم ذلك لهم، وإن شاء خلط ما أعطى إلى ما أعطى إخوته، وقسم ذلك بينهم، وكل من أعطى عطية من ماله في الصحة لمن لا إحراز عليه، فقد ثبت له ذلك، مثل أن يعطي في الشذا أو في الرباط والجهاد الفقراء وابن السبيل وفي سبيل الله، وفي المساجد وفي إصلاح الطرق والسبيل ومن لا يقع عليه إحراز ممن تجوز له العطية قربة إلى الله فلا إحراز عليه في ذلك الله أعلم، وقد ثبت له ما أعطى من ذلك فهذا ما يأتي من العطايا والهبة عطية أيضاً، وقيل إذا أوصى رجل لولده بشيء عوض ما أعطى إخوته، فقال إخوته (1/131)
صفحة 132
لم يعطنا أبونا شيئاً، وأنكروا ذلك بقولهم ويدخلون مع أخيهم فيما أوصى له به أبوه، وأما الإقرار فلا يدخلون معه.
وإذا أبرأ رجل أحداً من حق عليه له، ولم يقل الذي أبرأه قد قبلت برائتك فللذي أبرأه أن يرجع في برائه وإحراز البرآن، هو القبول، والله أعلم.
وقيل في رجل أهدى إلى رجل هدية في كراع أو أرسل إليه خطاً هل عليه رد الكراع والقرطاسة، قال أما القرطاسة فلا، وأما الكراع فعليه رده، والله أعلم.
الباب الثامن والخمسون
في الهدية وهي ضرب من ذلك (1/132)
صفحة 133
والهدية ثبتت بالسنة الموجبة، ولذلك قول الرسول - عليه السلام - »تهادوا تحابوا وأن الهدية تذهب السخيمة« (وهي الضغينة) وتثبت المودة وإن الهدية تجلب السمع والبصر وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قبل الهدية، وكانت له حلالاً، والصدقة عليه حراماً، وإنه أيضاً قد أهدى إلى النجاشي وقد مات، وقد رجعت الهدية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلفوا في هذا المعنى وفصول الهدية متفقون عليه بأن الهدية إذا قبضها من أهديت إليه فلا رجعه له فيها، وهي له، والاختلاف بينهم إذا لم تصله ومات، وقال قوم هي لورثته، وقال آخرون هي مردودة إلى من أهدى، كهدية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما اختلافهم في الخبر وتأويله إن كل هدية فصلت من عند المهدى، فهي للمهدى إليه، وإن مات فهي لورثته، وقال قوم إذا مات فهي رد، واختلفوا في فصولها، قال: فولها خروجها من يد من أعطى، وقال آخرون فصولها قبض المعطى إياها، والأشبه أن فصولها قبضه أو قبض رسوله، والهدية جائزة بين الجيران والأرحام والإخوان والأجنبيين، وكل من أهدى إليه لصلة أو لصداقة جائزة طيبة، إلا الرشوة أو التقية أو لمعونة على ظلم، أو رشوة في حكم، فإن هذا لا تجوز الهدية فيه، ويكره للحاكم قبول الهدية من الغرباء لصرف الطمع، ولا نقول حراماً، حتى يأخذ رشوة للحكم فذلك حرام، وإن كان لتقية لم يجز، وجائز له قبول الهدية من عند من كان عود تهاديه من الإخوان والأصدقاء والأرحام، قبل أن يكون حاكماً، ومن أهدى هدية لمكافأة أو لصلة رحم فجائز ومثاب، ومن أهدى هدية ليعطى أكثر منها، فذلك لا يضاعف عند الله له الأجر، وإنما تضعيف الهدية أن يكون قربة لله - عز وجل -، وقد تأولوا قوله تعالى: { وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله } * قالوا: هي من أعطى عطية ليعطى أكثر منها، والهدية بين الناس البار منهم والفاجر، وبين الغني منهم والفقير جائز إذا قصد المهدي بها (1/133)
صفحة 134
ابتغاء وجه الله، ولمكافأة تجزيه بإحسانه مثلها.
وقد قيل إن ترك المكافأة من التطفيف، وقيل لا بأس على الرجل إذا أعطى زوجته شيئاً، ولم يعط أولاده لأن عليه العدل بين أولاده في المحيى والممات، وليس عليه العدل بين زوجته وأولاده، إذا لم يرد الجاء ولا حيفاً ولا أثرة، وإنما ذلك لأجل إحسانهما إليه، والله أعلم،و إذا كان عنده زوجتان وأراد أن يعطي واحدة أكثر من الأخرى، فإذا أنصفها وأدى غليها ما يحب، فلا بأس عليه إذا أعطى الأخرى أكثر منها، والله أعلم، ومن أهدى من ماله لسلطان* ودفع* شرهم بماله وكسر شوكتهم عنه بذلك، فجائز له ذلك، وإن أعطاهم مخافة شرهم جائز له، ولا إثم عليه في ذلك، وكل المكافأة في الهدايا والعطايا جائزة بين جميع الناس، والوالد وأولاده وغيرهم، إلا أن يريد به الوالد أن يفضل أحد بنيه على الآخر، من غير استحقاق، فإن ذلك لا يجوز له فيما فعل، حتى يسوي بينهم في العطية، كما قال الله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } * في المحيى والممات.
الباب التاسع والخمسون
في ذكر الفرائض (1/134)
صفحة 135
وأما الفرائض فإن الأب له السدس مع الأولاد، وله ما أبقت الفرائض بالعصبة إذا لم يكن له ولد ذكر، والجد له السدس مع الولد، فإن لم يكن ولد فله ما بقي بعد الفرائض بالعصبة، ولا يرث الجد مع الأب شيئاً، ولا يرث الإخوة مع الجد والأب شيئاً، وميراث الأم الثلث، إذا لم يكن ولد ولا أخوان فلها الثلث وإن كان ولداً وأخوان فصاعداً فلها السدس، وقيل إن للأم –عند عدم من لها معه السدس- الثلث كاملاً، ومع الأب لها ثلث ما بقي، وقيل إن الوارثين عشرة من الذكور، وتسع من الإناث، فالذكور الابن وابن الابن –وإن سفل-، والأب وأبو الأب –وإن علا- والأخ وابن الأخ –كان لأب وأم أو لآب- والعم للأب وللأم أو لألم والزوج، وأما النساء: فالابنة وابنة الابن –وإن سفل- والأم والجدة –وإن علون- والأخت للأب والأم أو للأب أو للأم، ومن لا يرث بحال ستة: العبد والقاتل عمداً والمدبر وأمهات الأولاد والمرتد والمخالف في الملة، ومن لا يسق بحال: الزوجان والأبوان والأولاد ذكراً كان أو أنثى أو خنثى، والله أعلم، وميراث الجدة السدس، لا تزاد عليه شيئاً وإن كانت* الجدات أكثر من واحدة، فليس لها إلا السدس، ولا يزدن عليه، ولا ميراث لهن مع الأم، وميراث الزوج النصف إذا لم يكن ولد ولا ولد ولد، فإن كان لهن ولد فله الربع، ولا يزاد على ذلك، كان الولد منه أو من غيره، كان ذكراً أو أنثى فليس له إلا الربع، وميراث الزوجة الربع إذا لم يكن له ولد، فإن كان له ولد منها أو من غيرها كان لها الثمن، وميراث الإخوة للأم للواحد السدس، فإن كان أخوان فلكل واحد منهما السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، ولا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ولد: ذكراً ولا أنثى، وميراث الأولاد إذا اجتمعوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان ذكراً كان عصبة، فله ما أبقت الفرائض، ممن يرث، وإن كانت ابنة واحدة كان لها النصف، وإن كانتا ابنتين أو أكثر كان لهن الثلثان، لا يزدن على (1/135)
صفحة 136
الثلثين شيئاً، فإن كانت ابنة واحدة، وابنة ابن، كان للابنة النصف، والسدس لابنة الابن، وإن كان ابنتي ابن لم يكن لهما إلا السدس، مع البنت الواحدة، وإن كن أكثر فليس لهما إلا السدس، فإن كان أسفل منهن ابنة ابن ابن، لم يكن لها شيء، فإن كان معها أخ، كان ما بقي بعد البنت، وبنات الابن، له ولأخته، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كان ابنتان وبنات ابن، لم يرثن مع الابنتين شيئاً، حتى يكون معهن أخ أو أسفل منهن ابن أخ، فرد عليهن ما بقي له ولهن، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان ابنة وأخت لأب كان للابنة النصف وللأخت ما بقي، وإن كانتا اثنتين كانا لهما الثلثان، وللأخت ما بقي، وإن كانتا ابنتين وأخت لأب وأم وأخت لأب، كان ما بقي ما بعد ميراث البنتين من الثلثين، وللأخت للأب والأم، ولم ترث الأخت للأب معها شيئاً، فإن كان مع الابنة أخت لأب وأم وأخت وأخ لأب، كان للابنة النصف، وما بقي للأخت للأب والأم، ولا شيء للأخ والأخت من الأب، فإن لم يكن أخ وأخت لأب وأم وكان أخت لأب أو أخوة وأخوات لأب، كان لهم ما بقي بعد ميراث الابنة، وكانوا هم العصبة، وقاموا في ذلك مقام الأخوات للأب والأم، وميراث الإخوة من الأب والأم، للذكر مثل حظ الأنثيين، إذا اجتمعوا ولا يرث الإخوة من الأب معهم شيئاً، والإخوة من الأم ورثة معهم، فإن لم يكن إخوة لأب وأم، كان إخوة لأب كانوا في الميراث مثل الإخوة للأب والأم، وقاموا في ذلك مقامهم، فإن كانت أخت فلها النصف، وإن كانتا ابنتين فلهما الثلثان، فإن كانت أخت لأب وأم وأخت لأب، كان للأخت من الأب والأم النصف، وللأخت من الأب السدس، تكملة الثلثين، وإن كانتا أختان لأب وأم، وأختان لأب، كان للأختين من الأب والأم الثلثان، ولا ترث الأختان من الأب معهما شيئاً إلا أن يكون معهما أخ فيرد عليهما ما بقي، الذكر مثل حظ الأنثيين، وميراث العصبة: أولهم الولد للذكر، ثم ولد الولد، ثم الأب، ثم الجد، ثم الأخ للأم والأب، ثم (1/136)
صفحة 137
الأخ للأب، ثم ابن أخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأب والأم، ثم العم للأب، ثم ابن العم للأب والأم، ثم ابن العم للأب، ثم عم الأب للأب والأم، ثم عم الأب للأب، فالابن لا يرث معه ابن الابن، وابن الابن لا يرث معه الأب إلا السدس، والأب لا يرث معه الجد شيئاً، والأخ لا يرث مع الأب ولا مع الجد شيئاً، والأخ للأب لا يرث مع الأخ للأب والأم شيئاً، وكذلك أولادهم وابن الأخ للأب والأم لا يرث مع الأخ للأب شيئاً، وابن العم لا يرث مع العم، وكان أقرب كان أولى بالميراث كله، والخنثى له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، والغرقى والهدما يرث كل واحد من صلب مال الآخر، ولا يرث مما ورث من الآخر، وميراث الأرحام جائز لهم إذا لم يكن لهم عصبة ولا فريضة، ولا يرثون مع من له فريضة أو يرث بعصبة، وإذا عدموا أهل الميراث والرحم من كان أقرب كان أولى كالفرائض وعلى قول على ميراث الآباء وهو التنزيل وقول بمنزلة العصبات والموالي لا يرثون شيئاً، مع قول أصحابنا ممن أعتقهم أو أعتقوه، ولا يتوارث بالجنس، إلا الزنج والهند والحبشة والنوبة، وميراث المجوس بالأرحام والفريضة، كميراث أهل الإسلام، وإن كان واحد له زوجة هي أخته وأمه أو ابنته فإنها ترث، لأنها أخت أو أم أو ابنة، ولا ترث من قبل الزوجية شيئاً.
الباب الستون
في معرفة الفرائض (1/137)
صفحة 138
إذا مات الرجل وترك بنيه رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن ترك ابنتيه من ذلك أو أكثر نساء ليس معهن ذكرن فلهن الثلثان، لا يزدن عليه ولا ينقصن، فإن ترك ابنته لصلبه ليس معها ذكر فلها النصف، لا تزاد عليه ولا تنقص، وولد الابن بمنزلة ولد الصلب إذا لم يكن ولد صلب، رجل مات وترك بني ابنه رجالاً ونساء فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن ترك ابنتي ابنة أو أكثر ليس معه نذكر فلهن الثلثان، فإن ترك ابنة ابنه ليس معها ذكر، فلها النصف، فإن لم يكن للميت ولد لصلبه، ولا ولد ابن، كان له ولد ابن ابن، فإن كل ذلك يجري على ما وصفت لك، فافهم ذلك، وإن ترك ابنته لصلبه وابنة ابنه، فلابنته لصلبه النصف ولابنة ابنه السدس، تمام الثلثين، وإن ترك ابنتيه لصلبه وابنة ابنه، فلابنته لصلبه النصف ولابنة ابنه السدس، تمام الثلثين، وإن ترك ابنته لصلبه وابنة ابنه فلا بنتيه لصلبه الثلثان، وما بقي للعصبة، ولا شيء لابنة الابن بعد تمام الثلثين، فإن كان مع ابنة الابن ابن ابن أخ لها، كان ما بقي بعد الثلثين لابن ابن الابن ويرد على ابنة الابن ثلث ما بقي، مما في يده، فيكون له الثلثان ولها الثلث، فإن ترك ثلاث بنات أو أكثر وبنات ابن، فللبنات الثلثان، ولا شيء لبنات الابن، فإن كان ابنة الصلب واحدة وبنات الابن أكثر، فلابنة الصلب النصف، ولبنات الابن السدس، لا يزدن عليه ولو كثرن، وما بقي للعصبة، فإن ترك ابنة وابنة ابن وابنة ابن ابن معها أخ، فلابنة الصلب النصف ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فلابن ابن الابن، يرد على أخته للذكر مثل حظ الأنثيين، ولولدهم، لم ترث شيئاً، لآن الابنة وابنة الابن قد استكملتا الثلثين، فإن ترك ابنتين وابنة ابن وابنة ابن ابن أسفل، وابن ابن ابن، كان للابنتين الثلثان، وما بقي فلابن ابن الابن الأسفل، يرد على أخته وعلى عمته للذكر مثل حظ الأنثيين، ولولا هو لم ترث شيئاً، فإن رك ابنة وابنة ابن، (1/138)
صفحة 139
وبنات ابن ابن أسفل من ذلك، فللابنة النصف، وما بقي فلابن الابن، ولا شيء لبنات ابن الابن الأسفل، لأن ابن الابن يرد على من بحذاه، وعلى من فوقه، ولا يرد على من كان أسفل منه، فإن ترك ابن ابن وابن ابن ابن فالمال لابن الابن دون الذي أسفل منه، فافهم ما فسرت لك.
واعلم أن الزوج ليس له إلا الربع، مع الولد ومع ولد الولد ذكراً كان أو أنثى، فإن لم يكن لها ولد لصلبها، ولا لود ولد ذكر ولا أنثى فله النصف، وكذلك الزوجة ليس لها إلا الثمن مع الولد وولد الابن، فإن لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن فلها الربع، رجل مات وترك زوجته وابنته، فللزوجة الثمن، ولابنته النصف، والباقي للعصبة، وكذلك إن ترك زوجته وابنة ابن، فللزوجة الثمن، ولابنة الابن النصف، والباقي للعصبة، وكذلك إن ماتت امرأة، وتركت زوجها وابنتها وابنها، فليس للزوج إلا الربع، وكذلك لو تركت زوجها وابنة ابنها، فللزوج الربع،ولابنة الابن النصف، والباقي للعصبة، وكذلك إن ماتت امرأة وتركت زوجها وابنتها وابنة ابنها، فللزوج الربع وللابنة أو ابنة الابن النصف، والباقي للعصبة، واعلم أن الأبوين لهما السدس مع الولد لكل واحد منهما السدس، رجل مات وترك أبويه وابنه، فلأبويه السدسان، وما بقي فللابن، وكذلك إن كان له أبوان، وابن ابن فمثل ذلك، رجل مات وترك زوجته وأبويه وابنته، فللابنة النصف، ولأبويه السدسان، لكل واحد منهما السدس، وللزوجة الثمن، من أربعة وعشرين، وبقي منها سهم، وهو للأب مع السدس، الذي فرضه الله، لأن الأب عصبة، فله ما بقي، وكذلك ولد الابن على هذه الصفة، رجل مات وترك أبويه، وابنة ابنه، فلأبويه لكل واحد مهما السدس، ولابنة الابن النصف، وما بقي للأب، لأنه عصبة، وكذلك لو ترك ابنة ابن ابن وأبويه فلابنة ابن ابن ابنه النصف، ولأمه السدس وما بقي فلأبيه لأنه عصبة، فافهم، واعلم أن الجد بمنزلة الأب، ويحجب ما يحجب الأب، وهو بمنزلة الأب إذا لم يكن أب، إلا في فريضتين (1/139)
صفحة 140
وهما الزوجة والأبوان، فإن مات رجل وترك زوجته، وأبويه، فللزوجة الربع، وللأم ثلث ما يبقى، وما بقي فللأب وكذلك إن ماتت امرأة، وتركت زوجها، وأبويها فللزوج النصف، ولأمها ثلث ما بقي، وللأب الباقي، وقد اختلف في هذه، فإن ترك رجل زوجته وجده أبا أبيه، وأمه فللزوجة الربع، وللأم الثلث كاملاً، وما بقي للجد، وكذلك إن ماتت ارمأة وتركت زوجها، وأمها، وجدها، فلزوجها النصف ولأمها الثلث كاملاً بعد الربع، وما بقي فللجد، وقد اختلفوا في هذه، إلا أن أكثر الناس على القول الأول، واعلم أنه لا يرث جد مع أب، ولا جدة مع أم، واعلم أن الجد لا يحجبه إلا الأب، والجدة لا يحجبها إلا الأم، واعلم أن الإخوة من الأب والأم، وافخوة من الأب والإخوة من الأم لا يرثون مع الابن، ولا مع ابن الابن، ولا يرثون مع الأب، ولا مع الجد، فافهم ذلك، وقد اختلفوا في هذه، واعلم أنه لا يرث أحد من الإخوة للأم مع الولد، ولا مع ولد الولد ذكراً كان أو أنثى، ولا مع الأب ولا مع الجد، فافهم ذلك، ولو أن رجلاً مات، ولم يخلف من الورثة إلا ابنة ابن، وإخوة لأم، لكان المال كله لابنة الابن، واعلم أن الأم ليس لها مع الولد إلا السدس، ذكراً كان أو أنثى، وكذلك ليس لها مع ولد الابن إلا السدس، ذكراً كان أو أنثى، رجل مات وخلف ابنته وأمه، فلأمه السدس، ولابنته النصف، وما بقي فهو للعصبة، وكذلك إن كانت أم، وابنة ابن، وابنة ابن ابن، فعلى ما وصفت لك، رجل مات وترك أخوين لأب وأم، وأماً فلأمه السدس، وما بقي فلأخوته من أبيه وأمه، رجل مات وترك أخوين لأب وأم، وأخوين لأم، وأماً فلأخوته لأمه الثلث، ولأمه السدس، وما بقي لأخوته لأمه وأبيه، رجل مات وترك أختين لأب وأم، وأمه فلأمه السد، ولأختيه لأبيه وأمه الثلثان، والباقي للعصبة، رجل مات وترك أختين لأب وأم، وأمه، فلأمه السدس، وللأختين الثلثان، بقي سدس للعصبة، فإن لم يكن عصبة رجع عليهم، رجل مات وترك أختين لأم، وأمه وأباه، (1/140)
صفحة 141
فلأمه السدس، وما بقي للأب، ولا شيء للأختين من الأم، لأن الأخوة لا يرثون مع الأب شيئاً، ويحجبون الأم عن الثلث، رجل مات وترك أبويه وأختين لأب وأم، فللأم السدس، والأختين فما فوقهما وحجبها عن الثلث والأختان، وما بقي فلأب واعلم أن الأخوين فما فوقهما يحجبون الأم عن الثلث، ولا يرثون مع الأب شيئاً، وكذلك يحجبون الأم عن الثلث مع الجد، ولا يرثون معه شيئاً، رجل مات وترك أخويه لأبيه وأمه، وأمه وجده أبا أبيه، فلأمه السدس، وما بقي فلجده، حجب الإخوة الأم عن الثلث، ولم يرثوا مع الجد شيئاً، كما لا يرثون مع الأب شيئاً، أترى لو أن رجلاً مات، وترك ابن ابن ابن ابن وإخوة لأب وأم، كان المال لابن الابن الأسفل، يقوم مقام ابن الصلب، وكذلك لو ترك ابن ابن ابن وأباً، كان للأب السدس، وما بقي فلابن الابن الأسفل، يقوم مقام ابن الصلب، وكذلك الجد يقوم مقام الأب وإن علا، اعلم أن الأخ الواحد لا يحجب الأم عن الثلث، ولا يحجبها إلا اثنان فصاعداً، رجل مات وترك أماً وأخاً لأم وأب، فللأم الثلث لا يحجبها عنه الأخ الواحد، وللأخ ما بقي، فافهم ذلك، اعلم أن الإخوة بمنزلة البنين، إذا لم يكن للميت بنون ذكور ولا إناث ولا بنو بنين، ولا أب ولا جد، إلا أنهم لا يحجبون الزوج عن النصف، ولا يحجبون الزوجة عن الربع، رجل مات وترك إخوة وأخوات لأب وأم، فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، رجل مات وترك إخوته لأبيه، رجالاً ونساء، فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كان له أختان لأبيه كان لهما الثلثان تاماً، وإن خلف أخته لأبيه كان لها النصف، واعلم أن الزوج له النصف، إذا لم يكن لزوجته ولد منه ولا من غيره، فإن كان لها ولد منه أو من غيره، كان له الربع، وكذلك المرأة، فاعلم ذلك، وأنها ترث منه الربع إذا لم يكن له ولد منها أو من غيرها، فإذا كان له ولد منها أو من غيرها فلها الثمن رجل مات وترك أخته لأبيه وأمه، وأخته لأبيه، فلأخته لأبيه وأمه (1/141)
صفحة 142
النصف، ولأخته لأبيه السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللعصبة، وإن ترك أخته لأبيه وأمه، وأربع أخوات لأب، فللأخت من الأب والأم النصف، وللأخوات من الأب السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللعصبة، وإن ترك أختين لأب وأم، وأخوات لأب، فلأختين من الأب والأم الثلثان، وما بقي فللعصبة، ولا شيء للأخوات من الأب، فإن كان مع الأخوات للأب أخ لهن، كان لهم ما بقي، يرد عليهن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولولا هو لم يرثن شيئاً، رجل مات وترك أختاً لأب وأم، وأخاً وأختاً لأب، فلأخته لأبيه وأمه النصف، وما بقي فللأخ والأخت من الأب، للذكر مثل حظ الأنثيين، فافهم ما وصفت لك، واعلم أن الأخوات للأب والأم، والأخوات للأب، يكن عصبة مع البنات ومع بنات الابن، فأما الإخوة من الأم فلا يرثن مع الولد شيئاً أبداً، ذكراً كان أو أنثى، رجل مات وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، فلابنته النصف، ولأخته لأبيه وأمه النصف، لأنها عصبة، رجل مات وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، وأخاه لأبيه، فلابنته انلصف، وما بقي فلأخته لأبيه وأمه، ولا شيء لأخيه من الأب، رجل مات وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه، وأخاه لأمه فلابنته النصف، وما بقي فلأخته لأبيه وأمه، ولا شيء للأخ من الأم، فإن ترك ابنته وإخوته رجالاً ونساء، فلابنته النصف، والباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، رجل ماتو ترك ابنته، وابنة ابنه، وأخته لأبيه وأمه، فلابنته النصف، ولابنة ابنه السدس تكملة الثلثين، وما بقي فلأخته لأبيه وأمه بالعصبة، رجل مات وترك ابنتيه، وبنات ابنه، وأخاه ولأبيه وأمه، وإخوته لأبيه رجالاً ونساء، فلابنتيه الثلثان، وما بقي فلأخيه لأبيه وأمه، رجل مات وترك ابنته وابنة ابن، وابنة ابن ابن أسفل، وأختاً الأب وأم، فلابنته النصف، ولابنة ابنه السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فلأخته لأمه وأبيه، وسقط ما وراءه ذلك، رجل مات وترك جدته أم أبيه، وأباه، فلجدته السدس، وما بقي فلأبيه، واعلم أن الجدة الثانية (1/142)
صفحة 143
والثالثة ليس لهن إلا السدس، واعلم أنه إن ترك جدة أم أم أمه، وجدته أم أبى أمه، وجدته أم أبى أبيه، وجدته أم أم أبيه، فلهن السدس بأربعين، إذا لو يكن جدة دونهن، ولا أم، واعلم أن الجدات إذا استوين فهن سواء في السدس، فإن قرب بعضهن من بعض أخذ السدس منهن أقربهن، وقد قيل في ذلك قول آخر أن الجدة من قبل الأم، إذا كانت أقرب من الجدة التي من قبل الأب كان السدس للجدة من قبل الأم، وإن كانت الجدة من قبل الأب أقرب، كان السدس بينهما جميعاً، وبالقول الأول نأخذ، وقد قال قوم لا يرث من الجدات إلا ثلاث وهي: أم أم أم الهالك، وأم أم أبى الهالك، وأم أبى أبى الهالك، ولا ميراث للجدة التي هي أم أبى أم الهالك، ولسنا نأخذ بذلك، بل الجدات الأربع إذا استوين فالسدس بينهن سواء.
الباب الحادي والستون
في الفرائض (1/143)
صفحة 144
اعلم أن العصبة يرث الأقرب فالأقرب، فإن استووا أو كان بعضهم أقرب من بعض، كان المال لأقربهم تاماً، وأول العصبات وأقربهم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ من الأب والأم، ثم الأخ من الأب، ثم ابن الأخ من الأب والأم، ثم ابن الأخ من الأب، كذلك ما تناسلوا، ثم العم من الأب والأم، ثم العم من الأب، ثم بن العم من الأب والأم، ثم ابن العم من الأب كذلك ما تناسلوا، ثم عم الأب للأب والأم، ثم عم الأب للأب، فهم على ذلك ما تناسلوا، واعلم أنه لا يكون من النساء عصبة، إلا الأخوات من الأب والأم، والأخوات من الأب، إذا لم يكن أخوات لأب وأم، فإنهن يكن عصبة مع البنات، فأما ما سوى ذلك فلا، إلا أن يكون معهن أخ، فيكن عصبة بأخيهن، فافهم ما وصفت لك من هذا الباب، واعلم أنه لا يرث أحد من بني البنات، ذكراً كان أو أنثى، ولا من بني الأخوات، ولا بنات الأخ للأب والأم، ولا يرث ابن الأخ للأم، ولا العم أخ الأب للأم، ولا العمات ولا الخالات، ولا الأخوال، ولا يرث الجد أب الأم، إلا أنه قد قال بعض المسلمين: إنه إذا لم يبق من الأجداد أحد إلا الجد أبا الأم أعطي السدس، فأما أصحابنا اليوم، فلا يعطونه شيئاً، ولا يرث المشرك المسلم، ولا يرث اليهود النصارى، ولا المسلم اليهودي، وكذلك المملوك لا يرث ولا يحجب، فإن أسلم يهودي أو نصراني، بعد موت وارثه من المسلمين قبل أن يقسم المال، فإنه يرث بفريضة، إن كانت له فريضة، أو بعصبة إن كانت له عصبة، وقيل في الأخ الغريق اختلاف، فقول يحجب وقول لا يحجب، والله أعلم، وكذلك المملوك لا يرث ولا يحجب، فإن عتق بعد موت ولي له حر، قبل أن يقسم المال، فإنه يرثه بفريضة، إن كانت له فريضة، أو بعصبة، إن كانت له عصبة، وإذا قسم المال، ثم عتق العبد، أو أسلم الذمي فلا شيء له، إذا قسم المال فقد ذهب، إلا الزوجان فإنهما لا يدركان قسم المال أو لم يقسم، ولو أن رجلاً مات وهو مسلم، وترك (1/144)
صفحة 145
زوجته يهودية أو نصرانية، فأسلمت قبل أن يقسم المال، لم يكن لها شيء، وكذلك إن مات رجل وله زوجة مملوكة ثم عتقت قبل أن يقسم المال، فلا شيء لها، وكذلك لو ماتت امرأة حرة، وتركت زوجها مملوكاً، ثم عتق الزوج قبل أن يقسم المال، لم يكن له شيء، رجل مات وترك زوجته مملوكة وهو حر، ثم عتقت الزوجة، حرة وأخاه لأبيه حراً، وأخته لأبيه وأمه مملوكة، ثم عتقت الزوجة، والأخت للأب، والأم، قبل أن يقسم الميراث، فإنه لا ميراث لزوجته، ولابنته النصف، وللأم السدس، وما يبقى فللأخت من الأب والأم، لأنها عتقت قبل أن يقسم المال، فإن قسم المال قبل أن تعتق الأخت، كان للابنة النصف وللأم السدسـ وما يبقى فللأخ من الأب، فافهم ذلك، واعلم أن المولى إذا أعتق غلامه، ثم مات الغلام، لم يرث المولى شيئاً، ومال العبد الذي أعتق عليه بين ورثته، على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يكن له وارث ولا عصبة فهو لرحمه، فإن لم يكن له رحم، فهو لجنسه، فإن لم يقدر له على جنس فماله صدقة عنه، وكذلك كل ميت مات حراً أو عبداً، ولم يكن له وارث ولا عصبة ولا رحم، فماله صدقة للفقراء، إلا العبد المملوك فماله لمولاه، حتى يعتق، والمعتق إذا لم يكن له وارث كان لجنسه.
الباب الثاني والستون
في أصول الفرائض (1/145)
صفحة 146
اعلم أن كل فريضة فيها نصف، فهي من اثنين، وكل فريضة فيها ثلث فهي من ثلاثة، وكل فريضة فيها ربع ونصف* فهي من أربعة، وكل فريضة فيها سدس فهي من ستة وأقصى ما تعول إلى عشرة، وكل فريضة فيها نصف وسد، فكل هذا أصله من ستة، وربما قد عالت الستة إلى سبعة وإلى ثمانية وتسعة وعشرة، وهو أقصى ما تعول إليه الستة، وربما لم تعل الستة، وكل فريضة فيها ثمن ونصف، أو ثمن وما بقي قسمه فأصلها من ثمانية، وكل فريضة فيها سدس وربع، أو سدس وثلث، وربع، أو ربع وثلث، فأصلها من اثني عشر، وأقصى ما تعول إلى سبعة عشر، وكل فريضة فيها ثمن ونصف وسدس، أو ثمن وثلث، أو ثلثان وثمن، فأصلها من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين وربما لم تعل.
الباب الثالث والستون
في ما يعول من ستة إلى سبعة
امرأة ماتت وتركت زوجها وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأمها، فأصلها من ستة، وتعول إلى سبعة، لزوجها النصف ثلاثة، ولأختها لأمها السدس سهم، ولأختها لأبيها وأمها النصف ثلاث، فذلك سبعة، رجل مات وترك أختيه لأبيه وأمه، وأختيه لأمه، وأمه، فلأختيه لأبيه وأمه الثلثان: أربعة أسهم، ولأختيه لأمه الثلث: سهمان، ولأمه السدس: سهم أصلها من ستة وتعول إلى سبعة، رجل مات وترك أخته لأبيه وأمه، وأخته لأبيه، وأختيه لأمه، وأمه، فلأخته لأبيه وأمه: النصف: ثلاثة، ولأخته لأبيه السدس: سهم، تكملة الثلثين، ولأخته لأمه الثلث: سهمان، ولأمه السدس: سهم، فذلك سبعة، امرأة ماتت وتركت زوجها وأختيها لأبيها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأختيها لأبيها الثلثان: أربعة، أصلها من ستة وتعول إلى سبعة.
الباب الرابع والستون
في ما يعول إلى ثمانية (1/146)
صفحة 147
امرأة ماتت وتركت زوجها وأمها، وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأمها، فلأمها السدس: سهم، ولزوجها النصف: ثلاثة، ولأختها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأختها لأمها السدس: سهم، فذلك ثمانية، أصلها من ستة، وتعول إلى ثمانية، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها، وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأبيها، فلزوجها النصف ثلاثة، ولأمها السدس: سهم، ولأختها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأختها لأبيها السدس: سهم، تكملة الثلثين، أصلها من ستة وتعول إلى ثمانية، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها، وأختها لأبيها، وأختها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأمها السدس سهم، ولأختها لأبيها النصف: ثلاثة، ولأختها لأمها السدس: سهم، أصلها من ستة وتعول إلى ثمانية، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأبيها، وأختها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأختها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأختها لأبيها السدس: سهم تكملة الثلثين، ولأختها لأمها السدس: سهم، أصلها من ستة وتعول إلى ثمانية.
الباب الخامس والستون
في ما يعول إلى تسعة (1/147)
صفحة 148
امرأة ماتت وتركت زوجها، وأختيها لأبيها وأمها، وأختيها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأختيها لأبيها وأمها الثلثان: أربعة؛ ولأختيها لأمها الثلث: سهمان، أصلها من ستة وتعول إلى تسعة، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأختيها لأبيها وأمها، وأختيها لأمها، وأختها لأبيها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأختيها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأختيها لأبيها السدس: سهم، تكملة الثلثين، ولأختيها لأمها الثلث: سهمان، أصلها من ستة وتعول إلى تعسة، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها، وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأبيها، وأختها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأختها لأمها السدس: سهم، ولأمها السدس: سهم، ولأختها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأختها لأبيها السدس: سهم، تكملة الثلثين، أصلها من ستة وتعول إلى تسعة، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأختها لأبيها وأمها، وأختيها لأمها، وأمها، فللزوج النصف: ثلاثة، ولأختيها لأمها الثلث: سهمان، ولأختها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأمها السدس: سهم، أصلها من ستة، وتعول إلى تسعة.
الباب السادس والستون
في ما يعول إلى عشرة
امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها، وأختيها لأبيها وأمها، وأختيها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأختيها لأبيها وأمها الثلثان: أربعة، ولأختيها لأمها الثلث: سهمان، ولأمها السدس: سهم، أصلها من ستة، وتعول إلى عشرة، امرأة ماتت وتركت زوجها، وجدتها، وأختها لأبيها وأمها، وأختها لأبيها، وأختيها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولجدتها السدس: سهم، ولأختها لأبيها وأمها النصف: ثلاثة، ولأختها لأبيها السدس: سهم، تكملة الثلثين، ولأختها لأمها الثلث: سهمان، أصلها من ستة وتعول إلى عشرة، امرأة ماتت وتركت زوجها، وجدتها، وأختيها لأبيها وأمها، وأختيها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولجدتها السدس: سهم، ولأختيها لأبيها وأمها الثلثان: أربعة أسهم، ولأختيها لأمها الثلث: سهمان، أصلها من ستة، وتعول إلى عشرة. (1/148)
صفحة 149
الباب السابع والستون
في ما يعول من اثني عشر إلى ثلاثة عشر
رجل مات وترك زوجتيه، وأخته لأبيه وأمه، وأخته لأمه (أصلها من اثني عشر)* فللزوجة الربع: ثلاثة، وللأختين للأب والأم الثلثان: ثمانية، ولأخته لأمه السدس: سهمان، أصلها من اثني عشر، تعول إلى ثلاثة عشر، رجل مات وترك زوجته، وأختيه لأبيه وأمه، وأمه، فللزوجة الربع: ثلاثة، ولأمه السدس: سهمان، ولأخته لأبيه وأمه الثلثان: ثمانية أسهم، أصلها من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر، رجل مات وترك زوجتيه، وأختيه لأبيه*، أخته لأمه، فللزوجة الربع: ثلاثة، ولأختيه لأبيه وأمه* الثلثان: ثمانية، ولأخته لأمه السدس: سهمان، أصلها من اثني عشر، تعول إلى ثلاثة عشر، رجل مات وترك زوجته، وأمه، وأخته لأبيه وأمه، وأخته لأمه، فلزوجته الربع: ثلاثة، ولأمه السدس: سهمان، ولأخته لأبيه وأمه النصف: ستة، ولأخته لأمه السدس: سهمان، أصلها من اثني عشر، تعول إلى ثلاثة عشر.
الباب الثامن والستون
في ما يعول إلى خمسة عشر (1/149)
صفحة 150
رجل مات وترك زوجته، وأمه، وأختيه لأبيه وأمه، وأخته لأمه، فلزوجته الربع: ثلاثة أسهم، ولأمه السدس: سهمان، لأختيه لأبيه وأمه الثلثان: ثمانية أسهم، ولأخته لأمه السدس: سهمان، أصلها من اثني عشر، تعول إلى خمسة عشر، رجل مات وترك زوجته، وجدته، وأخته لأبيه وأمه، وأخته لأبيه وأخته لأمه فالزوجة لها الربع: ثلاثة، ولجدته السدس: سهمان، ولأخته لأبيه وأمه النصف: ستة، ولأخته لأبيه السدس: سهمان، تكملة الثلثين، ولأخته لأمه السدس: سهمان، أصلها من اثني عشر وتعول إلى خمسة عشر، رجل مات وترك زوجته، وأمه، وأختيه لأبيه، وأخته لأمه، فللزوجة الربع: ثلاثة أسهم، وللأم السدس: سهمان، وللأختين للأب الثلثان: ثمانية أسهم، ولأخته لأمه السدس: سهمان، أصلها من اثني عشر وتعول إلى خمسة عشر، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأبويها، وابنتيها، فللزوج الربع: ثلاثة أسهم، وللأبوين السدسان: أربعة أسهم، ولابنتيها الثلثان: ثمانية أسهم، أصلها من اثني عشر وتعول إلى خمسة عشر، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها وجدها أبيا أبيها، وابنتها، وابنة ابنها، فللزوج الربع: ثلاثة أسهم، ولأمها السدس: سهمان، ولجدتها السدس: سهمان، ولابنتها النصف: ستة، ولابنة ابنها السدس: سهمان، تكملة الثلثين، أصلها من اثني عشر، وتعول إلى خمسة عشر.
الباب التاسع والستون
في ما يعول إلى سبعة عشر
رجل مات وترك زوجته، وأختيه لأبيه وأمه، وأختيه لأمه، وجدته، فلجدته السدس: سهمان، ولزوجته الربع: ثلاثة، ولأختيه لأبيه وأمه الثلثان: ثمانية، ولأختيه لأمه الثلث: أربعة، أصلها من اثني عشر تعول إلى سبعة عشر، رجل مات وترك زوجته، وجدته، وأختيه لأبيه، وأختيه لأمه، فلزوجته الربع: ثلاثة أسهم، ولجدته السدس: سهمان، ولأختيه لأبيه الثلثان: ثمانية أسهم، ولأختيه لأمه الثلث: أربعة أسهم، أصلها من اثني عشر، تعول إلى سبعة عشر، فافهم ما فسرت لك.
الباب السبعون (1/150)
صفحة 151
في ما يكون من أربعة وعشرين ويعول إلى سبعة وعشرين
رجل مات وترك زوجته، وأبويه، وابنتيه، فلزوجته الثمن: ثلاثة أسهم، ولأبويه السدسان: ثمانية أسهم، وللابنتين الثلثان: ستة عشر سهمان، أصلها من أربعة وعشرين وتعول إلى سبعة وعشرين، رجل مات وترك أربع زوجات، وثلاث جدات، وجدا أبا أبيه، وابنته، وابنة ابن، فللزوجات الثمن: ثلاثة، وللجدات السدس: أربعة، وللجد السدس: أربعة، ولابنته النصف: اثني عشر، ولابنة الابن السدس: أربعة أسهم، تكملة الثلثين، أصلها من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبعة وعشرين، رجل مات وترك زوجته، وأباه، وجدته وأم أبيه، وابنة ابن، وابنة ابن ابن أسفل منها، فللزوجة الثمن: ثلاثة أسهم، ولابنة ابن النصف: اثنا عشر سهماً، ولابنة ابن الابن الأسفل السدس: أربعة أسهم، ولابنة ابنه النصف: اثنا عشر سهماً، ولابنة ابن الابن الأسفل السدس: أربعة، تكملة الثلثين، أصلها من أربعة وعشرين تعول إلى سبعة وعشرين، رجل مات وترك زوجته، وابنته، وثلاث بنات ابن، وأربع جدات، وأباه، فلزوجته الثمن: ثلاثة، وللجدات السدس: أربعة، وللأب السدس: أربعة، تكملة الثلثين، أصلها من أربعة وعشرين تعول إلى سبعة وعشرين، فافهم ما فسرت لك، واعلم أن الأصول التي تعول من هذه الثلاثة الأصول كلما كان أصله من ستة تعول إلى سبعة وإلى ثمانية وإلى تسعة وإلى عشرة وهو أقصى ما تعول إليه الستة، وربما لم تعل، والأصل الثاني ما كان من اثني عشر وهو يعول إلى ثلاثة عشر وإلى خمسة عشر وهو أقصى ما يعول إليه الاثنا عشر، وربما لم تعل، والأصل الثالث ما كان من أربعة وعشرين وهو يعول إلى سبعة وعشرين فقط وربما لم تعل.
الباب الحادي والسبعون
في المشتركة (1/151)
صفحة 152
وهي امرأة ماتت وتركت زوجها وأمها، وإخوتها لأبيها وأمها، وإخوتها لأمها، فلزوجها النصف: ثلاثة، وهذه أصلها من ستة، ولأمها السدس: سهم، ولإخوتها لأمها الثلث: سهمان، كملت الفريضة، والإخوة من الأب والأم فهم عصبة ولم يبق من المال شيء، فيرجع الإخوة من الأب والأم على الإخوة من الأم في ثلثهم، لأنهم إخوة لأم يكون لهم الثلث بينهم سواء، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها، وإخوتها لأمها رجالاً ونساء، وإخوتها لأبيها وأمها رجالاً ونساء، فلزوجها النصف: ثلاثة، ولأمها السدس: سهم، ولإخوتها لأمها الثلث: سهمان ولم يبق للأخوة من الأب والأم شيء، فيرجع الإخوة من الأب والأم على الإخوة من الأم في ثلثهم، فيقسمونه بينهم سواء، لا يفضل فيه ذكر على أنثى، امرأة ماتت وتركت زوجها، وأمها، وأخوين، وأختاً لأم، وأخوين وأختا لأب وأم، فللزوج النصف: ثلاثة، وللأم السدس: سهم، وللأخوين والأخت من الأم الثلث: سهمان، يشركهم فيها الأخوان والأخت من الأب والأم، فلا ينقسم بينهم، فانظر كم عددهم، وعددهم ستة، وما في أيدهم سهمان، وافق ما في أيديهم عددهم بالإنصاف، فخذ نصف عددعهم وهو ثلاثة فاضربه في أصل الفريضة وهي ستة، فذلك ثمانية عشر منه تصح الفريضة، فإذا أردت أن تعطي كل واحد نصيبه فارجع إلى أصل الفريضة وهي ستة، فكل ما كان له شيء منها فاضربه فيما ضربت فيه الفريضة، وهو ثلاثة، فللزوج النصف: وهو ثلاثة مضروبة في ثلاثة فذلك تسعة، وللأم السدس واحد من ستة مضروب في ثلاثة فذلك ثلاثة، وللإخوة من الأم الثلث اثنان مضروبان في ثلاثة فذلك ستة، وهم أخوان وأخت لم وأخوات وأخت لأب وأم تكون هذه الستة بين الإخوة على عددهم لكل واحد منهم سهم، فافهم ما فسرت لك.
الباب الثاني والسبعون
في القسمة بين الورثة والضرب (1/152)
صفحة 153
رجل مات وترك أمه، وأربعة بنين، وأربع بنات، أصلها من ستة أسهم، للأم السدس: سهم، تبقى خمسة أسهم بين البنين والبنات، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم اثني عشر، لأن البنين الذكور أربعة تكون لهم ثمانية، وأربع بنات لهن أربعة، فذلك اثني عشر، فاضرب الاثني عشر في أصل الفريضة، وهي ستة، فذلك اثنان وسبعون سهماً، فإذا أردت أن تعطي كل واحد من الورثة نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة، وهي ستة للأم من الستة سهم وهو السدس، واحد مضروب فيما ضربت فيه الفريضة، فذلك اثنا عشر، وللبنين خمسة، مضروبة فيما ضربت فيه الفريضة وهو اثنا عشر، فذلك ستون، فإذا أردت أن تعلم كم لكل ابن وكم لكل ابنة، فارجع إلى أصل الفريضة وهو ستة، فأعط الأم سدسها سهماً، يبقى خمسة أسهم فهو نصيب الجارية وللغلام ضعف ذلك وهو عشرة فافهم ذلك، رجل مات وترك أمه، وثلاثة بنين، وثلاث بنات، أصلها من ستة: للأم السدس: سهم، تبقى خمسة بين البنين والبنات وهم تسعة أسهم لا ينقسم بينهم فاضرب عدد أسهمهم وهي تسعة في الفريضة، وهي ستة، فذلك أربعة وخمسون سهماً، فإذا أردت أن تعطي كل واحد نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة وهي ستة، فأعط الأم منها السدس؛ سهماً، مضروباً فيما ضربت فيه الفريضة وهو تسعة، فذلك تسعة، وللبنين خمسة من ستة مضروبة في تسعة ذلك خمسة وأربعون، فإذا أردت أن تعلم كم يبقى لكل ابن ولكل ابنة، فارجع إلى أصل الفريضة وهي ستة فانظر كم نصيب البنين، فأعط ذلك كل جارية وللغلام ضعف ذلك، للغلام عشرة، وللجارية خمسة فإن ترك أمه وخمسة بنين، وأربع بنات، فللأم السدس: واحد من ستة، تبقى خمسة بين البنين والبنات، وعدد سهامهم أربعة عشر ونصيبهم خمسة لا ينقسم بينهم، فاضرب عدد سهامهم أربعة عشر ونصيبهم خمسة، لا ينقسم بينهم، فاضرب عدد سهامهم في أصل الفريضة وهي ستة وعددها أربعة عشر فذلك أربعة وثمانون سهماً، لا تصح من أقل من هذا، فإذا أردت أن تعط الأنصبة* فارجع إلى أصل الفريضة، وهي (1/153)
صفحة 154
ستة، فلأم منها سهم مضروب فيما ضربت فيه الفريضة وهو أربعة عشر، فذلك أربعة عشر، لأنك ضربت سهماً في أربعة عشر، فإذا أردت أن تعلم نصيب كل ابن، وكل ابنة، فارجع إلى نصيبهم من الفريضة وهو الخمسة التي بقيت بعد سدس الأم، فأعط لكل جارية خمسة، فذلك لكل جارية، وللغلام ضعف ذلك وهو عشرة أسهم، رجل مات وترك زوجته، وأربعة بنين، وأربع بنات، أصلها من ثمانية لأن فيها ثمناً، فللزوجة الثمن: واحد، يبقى سبعة بين البنين والبنات وهم اثنا عشر سهماً، لا ينقسم بينهم فاضرب عدد سهامهم وهي اثنا عشر في أصل الفريضة، وهي ثمانية، فذلك ستة وتسعون سهماً، فأعط الزوجة الثمن سهماً، فإن أردت أن تعطي الأنصبة فارجع إلى أصل الفريضة وهي ثمانية، فأعط الزوجة منها الثمن: سهماً، مضروباً فيما ضربت فيه الفريضة، وهي اثنا عشر، يبقى أربعة وثمانون بين البنين والبنات، فإن أردت أن تعرف كم يقع لكل ابن، وكم لكل ابنة، فارجع إلى نصيب البنين والبنات، وهي ثمانية ونصيبهم منها سبعة فأعطها الجارية، والغلام له ضعف ذلك، وهو أربعة عشر سهماً، فاعرف ذلك، امرأة ماتت وتركت زوجها، وثلاثة بنين، وابنتين، أصلها من أربعة للزوج الربع: سهم، تبقى ثلاثة بين البنين والبنات ورؤوسهم ثمانية لا ينقسم بينهم، فاضرب عدد سهامهم في الفريضة، وهي أربعة وعددهم ثمانية، فذلك اثنان وثلاثون سهماً، فإن أردت أن تعطي كل واحد نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة وهي أربعة، فأعط الزوج منها الربع: واحد مضروباً فيما ضربت فيه الفريضة، وهي ثمانية، فواحد مضروب في ثمانية، فذلك أربعة وعشرون، فإذا أردت أن تعلم كم يبقى لكل ابن وابنة فارجع إلى أصل الفريضة وهي أربعة، فانظر كم لها منها وكان لهم منها ثلاثة، فهو لكل جارية ولكل غلام ضعف ذلك، وهو ستة، فافهم ما ذكرت لك، امرأة مات وتركت زوجها وأبويها، وثلاثة بنين، وثلاث بنات، أصلها من اثني عشر، لأن فيها ربعاً وسدسين، للزوج الربع: ثلاثة، وللأبوين (1/154)
صفحة 155
السدسان: أربعة، تبقى خمسة بين البنين والبنات وهم تسعة، لا ينقسم بينهم، فاضرب عدد سهام البنين والبنات وهم تسعة في أصل الفريضة وهي اثنا عشر، فذلك مائة وثمانية، فإن أردت أن تعطي كل واحد نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة، وهي اثنا عشر، للزوج منها الربع: ثلاثة مضروبة في تسعة فذلك سبعة وعشرون، وهو نصيب الزوج، وللأبوين لكل واحد منهما السدس: سهمان، مضروبان في تسعة، فذلك ثمانية عشر، لكل واحد منهما ثمانية عشر، فيكون لهما ستة وثلاثون سهماً، وللبنين والبنات خمسة أسهم من اثني عشر، مضروب في تسعة فذلك خمسة وأربعون، فإذا أردت أن تعلم كم يبقى لكل ابن وابنة، فانظر نصيبهم من أصل الفريضة، كم هو، ونصيبهم من أصل الفريضة خمسة، بين البنين والبنات، من اثني عشر سهماً خمسة أسهم فادفع إلى كل جارية خمسة، وللغلام ضعف ذلك وهي عشرة، فافهم فإن تركت زوجها وأبويها وابنة وابنا، فأصل الفريضة من اثني عشر، للزوج الربع: ثلاثة، وللأبوين السدسان: أربعة، تبقى خمسة أسهم بين الابن والابنة، لا ينقسم بينهما فاضرب عدد سهامهم وهي ثلاثة، في أصل الفريضة وهي اثنا عشر، فذلك ستة وثلاثون سهماً، وإنما تضرب أبداً عدد الذين انكسر عليهم في أصل الفريضة، وأما الذين صحت سهامهم فلا تضرب فيهم الفريضة أبداً، فافهم ذلك، فإن أردت أن تعطي كل واحد نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة وهي اثنا عشر، فأعط الزوج منها الربع: ثلاثة، مضروبة فيما ضربت فيه الفريضة وهي ثلاثة، فذلك تسعة، وللأب سهما من اثني عشر مضروباً في ثلاثة فذلك ستة، وللأم أيضاً مثل ذلك، وللابن والابنة خمسة من اثني عشر، مضروبة في ثلاثة فذلك خمسة عشر، فإن أردت أن تعلم كم للابنة، فانظر نصيبها من أصل الفريضة، وهي خمسة فهو نصيب الجارية، وللغلام ضعف ذلك وهو عشرة، رجل مات وترك زوجته، وأبويه، وابنا وابنة، أصلها من أربعة وعشرين، لأن فيها ثمناً وسدسين، فللزوجة الثمن ثلاثة، وللأبوين السدسان ثمانية، تبقى (1/155)
صفحة 156
ثلاثة عشر سهماً لا ينقسم بين الابن والابنة، وهما ثلاثة أسهم فاضرب ثلاثة في أصل الفريضة وهي أربعة وعشرون، فذلك اثنان وسبعون سهماً، فإذا أردت أن تعطي كل واحد نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة وهي أربعة وعشرون سهماً، فللزوجة الثمن ثلاثة، مضروبة في ثلاثة، فذلك تسعة، وللأبوين السدسان ثمانية مضروبة في ثلاثة، فذلك أربعة وعشرون سهماً، وللابن والابنة ثلاثة عشر سهماً، مضروبة في ثلاثة، فذلك تسعة وثلاثون سهماً، فإذا أردت أن تعلم كم نصيب الابنة والابن، فارجع إلى أصل الفريضة من نصيبها ونصيب أخيها وهو ثلاثة عشر سهماً، فهو نصيب الجارية، وللغلام ضعف ذلك وهو ستة وعشرون سهماً.
الباب الثالث والسبعون
في الاختصار (1/156)
صفحة 157
امرأة ماتت وتركت زوجها، وابنين، وابنتين، أصلها من أربعة، لأن فيها ربعاً للزوج الربع: سهم، تبقى ثلاثة بين الابنين والابنتين، وعدد سهامهم ستة أسهم، لا ينقسم بينهم، فانظر إلى عددهم، وما في أيديهم فما وافق عددهم ما في أيديهم من شيء، فخذ من عددهم واضربه في أصل الفريضة، وعدد أسهم ستة، لأن للذكر سهمان، وللأنثى سهم، ونصيبهم ثلاثة، وافق عددهم ما في أيدهم بالأثلاث، لأن لسهامهم ثلثاً، ولما في أيديهم ثلث فخذ ثلث عددهم ستة، وثلثها سهمان، فاضرب سهمين في أصل الفريضة وهو أربعة فذلك ثمانية، فإن أردت أن تعطي الزوج نصيبه فارجع إلى أصل الفريضة وهي أربعة أسهم، فأعط الزوج منها سهماً، مضروباً في اثنين، فذلك سهمان، تبقى ستة أسهم بين الابنين والابنتين، لكل غلام سهمين، ولكل جارية سهم، فافهم، وإن تركت زوجها وثلاثة بنين، وثلاثة بنات، فأصلها من أربعة، للزوج الربع: سهم تبقى ثلاثة بين البنين والبنات، وهم تسعة أسهم، لا ينقسم بينهم، فانظر إلى عددهم وما في أيديهم مما يبقى، فإنك تجده إن شاء الله يتفق بالأثلاث، لأن للثلاثة ثلثاً، وللتسعة ثلثاً، فخذ ثلث التسعة ثلاثة، فاضربه في أصل الفريضة وهي أربعة فذلك اثنا عشر، فإن أردت أن تعطي الزوج نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة وهي أربعة، للزوج منها الربع: سهم واحد مضروب في ثلاثة، فذلك ثلاثة، وللبنين والبنات ثلاثة مضروبة في ثلاثة، فذلك ثلاثة، وللبنين والبنات ثلاثة مضروبة في ثلاثة، فذلك تسعة، ينقسم بينهم، لكل غلام سهمان ولكل جارية سهم، فإن تركت زوجها، وأربعة بنين، وأربع بنات، أصلها من أربعة، للزوج الربع: سهم واحد، يبقى ثلاثة أسهم، بين البنين والبنات، وهي ثلاثة اسهم، وهم اثنا عشر سهماً، ووافق عددهم ما في أيديهم بالأثلاث، فخذ ثلث عدد سهامهم وهو أربعة، فاضرب أربعة في أربعة، فذلك ستة عشر سهماً، فإن أردت أن تعلم كم للزوج، فارجع إلى أصل الفريضة وهي أربعة، فأعط الزوج منها سهماً، (1/157)
صفحة 158
مضروباً في أربعة، فذلك أربعة، تبقى اثنا عشر سهماً، بين البنين والبنات، وهم اثنا عشر، ينقسم بينهم لكل غلام سهمان، ولكل جارية سهم، رجل مات وترك أمه، وأربعة بنين، وابنتين، وهم عشرة أسهم لا ينقسم بينهم، فانظر ما في أيديهم وهو خمسة، وافق عددهم بالأخماس، وعددهم عشرة، فلعددهم خمس ولما في أيديهم خمس، فخذ خمس عددهم سهمين، فاضربه في ستة فذلك اثنا عشر سهماً، فإن أردت أن تعطي كل واحد نصيبه، فارجع إلى أصل الفريضة، وهي ستة، فأعط الأم السدس: سهماً، مضروباً في اثنين فذلك اثنان، وللبنين والبنات خمسة مضروبة في اثنين، فذلك عشرة، فإنه ينقسم بينهم، رجل مات وترك أمه، وخمسة بنين، وخمس بنات، أصلها من ستة، للأم السدس: واحد، تبقى خمسة بين البنين والبنات، وهم خمسة عشر، لا ينقسم بينهم، فلعددهم خمس، ولما في أيديهم خمس، فخذ خمس عددهم ثلاثة، فاضربه في ستة فذلك ثمانية عشر، للأم السدس واحد من ستة، مضروب في ثلاثة، فذلك ثلاثة، تبقى خمسة عشر، بين البنين والبنات، وهم خمسة عشر سهماً، ينقسم بينهم لكل غلام سهمان، ولكل جارية سهم، رجل مات وترك أمه وعشرت بنين وعشر بنات، أصل الفريضة من ستة، للأم السدس: سهم، تبقى خمسة بين البنين والبنات، وهم ثلاثون سهماً، ووفق عددهم ما في أيديهم بالأخماس فلعددهم خمس، ولما في أيديهم خمس، فخذ خمس عدد سهامهم وهو ستة، فاضربه في أصل الفريضة هو ستة، فذلك ستة وثلاثون، فإن أردت أن تعطي نصيب الأم فارجع إلى أصل الفريضة وهي ستة، فأعط الأم منها سهماً، مضروباً في ستة، فذلك ستة، ويبقى ثلاثون سهماً، لكل غلام سهمان، ولكل جارية سهم، رجل مات وترك أمه، وعشرة بنين وتسع بنات، أصلها من ستة، للأم السدس سهم، تبقى خمسة بين البنين والبنات، وهم تسعة وعشرون سهماً، لا ينقسم بينهم، ولا يوافق عددهم بشيء، فاضرب عددهم وهم تسعة وعشرون، في أصل الفريضة وهي ستة، فذلك مائة وأربعة وسبعون سهماً، لا يصح من أقل من هذا، فإن (1/158)
صفحة 159
أردت أن تعطي الأم نصيبها، فارجع إلى أصل الفريضة، وهو ستة، لها سهم مضروب في تسعة وعشرين، فذلك تسعة وعشرون سهماً، تبقى مائة وخمسة وأربعون سهماً، فإن أردت أن تعلم كم يقع لكل ابن، وكم يقع لكل ابنة، فانظر إلى نصيبهم من أصل الفريضة، وهو خمسة، فهو نصيب كل جارية، وللغلام ضعف ذلك عشرة، فافهم ما فسرت لكل، رجل مات وترك زوجته، وسبعة بنين، وسبع بنات، أصلها من ثمانية، للزوجة الثمن: واحد تبقى سبعة بين البنين والبنات، وهم واحد وعشرون، لا ينقسم بينهم، ووافق عددهم ما في أيديهم بالأسباع، لأن لعددهم سبعاً وما في أيديهم سبعاً فخذ سبع عددهم ثلاثة، فاضربه في أصر الفريضة وهي ثمانية، فذلك أربعة وعشرون سهماً، فإن أردت أن تعطي الزوجة نصيبها، فانظر كم لها في أصل الفريضة وهو سهم مضروب في ثلاثة، فذلك ثلاثة، يبقى واحد وعشرون سهماً، ينقسم بينهم، لكل غلام سهمان، ولكل جارية سهم، رجل مات وترك زوجته وأربعة عشر ابناً، وأربعة عشر ابنة، أصلها من ثمانية، للزوجة الثمن: سهم، تبقى سبعة بين البنين والبنات، وهم اثنان وأربعون سهماً، لهم سبع وما في أيديهم سبع، فخذ سبع سهامهم، وهو ستة، فاضربه في أصل الفريضة وهي ثمانية، فذلك ثمانية وأربعون سهماً، للزوجة الثمن سهم: من ثمانية، مضروب في ستة فذلك ستة، تبقى اثنان وأربعون سهما على عددهم لكل غلام سهمان، ولكل جارية سهم، فافهم ذلك، رجل مات وترك أمه، وزوجته، وسبعة إخوة، وسبع أخوات، أصلها من اثني عشر، للزوجة الربع: ثلاثة، وللأم السدس: سهمان، تبقى سبعة أسهم بين الأخوة والأخوات، وهم واحد وعشرون سهماً، لهم سبع ولما في أيديهم سبع، فخذ سبع عددهم وهو ثلاثة فاضربه في اثني عشر، فذلك ستة وثلاثون سهماً، للزوجة الربع: ثلاثة أسهم، من اثني عشر، مضروبة في ثلاثة فذلك تسعة، وللأم سهمان مضروبان في ثلاثة، فذلك ستة، يبقى واحد وعشرون للإخوة والأخوات، وهم واحد وعشرون سهماً، للذكر مثل حظ الأنثيين، للذكر (1/159)
صفحة 160
سهمان وللأنثى سهم، رجل مات وترك زوجته، وأبويه، وثلاثة عشر ابناً، وثلاث عشرة ابنة، أصلها أربعة وعشرون، لأن فيها سدسين وثمناً للزوجة الثمن ثلاثة، وللأبوين لكل واحد منهما السدس: أربعة، فذلك ثمانية، تبقى ثلاثة عشر سهماً، بين تسعة وثلاثين سهماً، لأن للبنين ستة وعشرين، وللبنات ثلاثة عشر سهماً، ووفق نصيب عددهم بالأجزاء، من كل ثلاثة عشر جزء واحد، فخذ جزء تسعة وثلاثين، من كل ثلاثة عشر واحداً، فذلك ثلاثة، فاضرب ثلاثة في أربعة وعشرين، فذلك اثنان وسبعون، فللزوجة الثمن: ثلاثة، من أربعة وعشرين، مضروبة في ثلاثة فذلك تسعة، وللأبوين ثمانية مضروبة في ثلاثة، فذلك أربعة وعشرون، لكل واحد اثنا عشر سهماً، وللبنين والبنات ثلاثة عشر سهماً، مضروبة في ثلاثة، فذلك تسعة وثلاثون، منقسمة بينهم، لكل رجل سهمان، ولكل جارية سهم، فإن ترك زوجته، وأمه وسبعة عشر ابناً، وسبع عشرة ابنة، أصلها من أربعة وعشرين سهماً، للزوجة الثمن: ثلاثة، وللأم السدس: أربعة، تبقى سبعة عشر بين البنين والبنات، وهم واحد وخمسون سهماً، وافق عددهم ما في أيدهم بالأجزاء، من كل سبعة عشر جزءاً جزء، فخذ جزء واحد وخمسين، ثلاثة من كل سبعة عشر واحد مضروباً في أصل الفريضة، وهو أربعة وعشرون، فذلك اثنان وسبعون، للزوجة الثمن، ثلاثة من أربعة وعشرين، مضروبة في ثلاثة فذلك تسعة، وللأم السدس: أربعة، مضروبة في ثلاثة فذلك اثنا عشر، يبقى واحد وخمسون بين البنين والبنات، للذكر سهمان، وللأنثى سهم.
الباب الرابع والسبعون
في إذا اجتمع أهل المواريث فانكسر على جميعهم أو على بعضهم دون بعض فإنك تعمل فيه كما أصف لك إن شاء الله تعالى (1/160)
صفحة 161
رجل مات وترك أربع زوجات، وست جدات، وأربعاً وعشرين أختاً لأب وأم، وست عشرة أختاً لأم، أصل الفريضة من اثني عشر، لأن فيها ربعاً وسدسا، للزوجات الربع: ثلاثة، وهن أربع لا ينقسم بينهن، وللجدات السدس: سهمان، وهن ست لا ينقسم بينهن، وللأخوات للأب والأم الثلثان: ثمانية، وهن أربع وعشرون لا ينقسم بينهن، وللأخوات للأم السدس: أربعة، وهن ست عشرة، لا ينقسم بينهن، أصل الفريضة من اثني عشر، تعول إلى سبعة عشر، فللزوجات الربع: ثلاثة، وهن أربع لا ينقسم بينهن، ولا يوافق عددهن ما في أيديهن بشيء، وللجدات السدس: سهمان، وهن ست جدات يوافقهن بالأنصاف، لهن نصف وفي أيديهن نصف، فخذ نصف عددهن ثلاثة، وللأخوات للأب والأم الثلثان: ثمانية، وهن أربعة وعشرون أختاً سهماً يوافقهن بالأثمان فلهن ثمن، وفي أيديهن ثمن، فثمن عددهن ثلاثة، فثلاثة تجزئك عن ثلاثة نصف الجدات، والأخوات من الأم الثلث: أربعة، وهن ست عشرة، ووفق عددهن بالأرباع، لهن ربع وما في أيديهن ربع، فخذ ربع عددهن أربعة، فأربعة تجزئك عن أربعة، لأن الزوجات أربع، فاضرب أربعة في ثلاثة، فذلك اثنا عشر، فاضرب اثني عشر في أصل الفريضة يعولها، وهي سبعة عشر، فذلك مائتا وأربعة، منها تصح فريضتين، فإذا أرادت أن تعطى كل واحدة حقه، فارجع إلى أصل الفريضة بعولها، فمن كان له منها شيء، فاضربه في اثني عشر، فما بلغ فهو حقه، فللزوجات الربع: ثلاثة، من سبعة عشر، مضروبة في اثني عشر، فذلك ستة وثلاثون سهماً، وهن أربع، لكل واحدة تسعة أسهم، وللجدات سهمان، مضروبان في اثني عشر، فذلك أربعة وعشرون سهماً، وهن ست جدات، لكل واحدة منهن أربعة أسهم، وللأخوات للأب والأم الثلثان: ثمانية، مضروبة في اثني عشر، فذلك ستة وتسعون سهماً، وهن أربع وعشرون أختاً، لكل واحدة منهن أربعة أسهم، وللأخوات للأم الثلث: أربعة، مضروبة في اثني عشر، فذلك ثمانية وأربعون، وهن ست عشرة، لكل واحدة منهن ثلاثة، فافهم ما ذكرت لك. (1/161)
صفحة 162
وإذا لم يكن للميت عصبة، وكان له أرحام، فقيل إن الأرحام إذا استوت درجاتهم في النسب أخذ فيهم بالتنزيل، وإذا تفاوتت درجاتهم أخذ فيهم بالقرابة، وبذلك عمل أصحابنا، وموجود ذلك عن الشيخ عبدالله بن محمد القرن رحمه الله*.
الباب الخامس والسبعون
في الربا في البيع
والربا قد حرمه الله تعالى في كتابه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ف سنته، وأجمع المسلمون على تحريمه، قال الله تبارك وتعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا } * وهو الزيادة في الحق، إذا كان عليه حق أجله عليه إلى أجل آخر، وأضعفه عليه، وهذا حرام، وليس له إلا رأس ماله، وقد قال الله تبارك وتعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } ، وحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الربا وهو الزيادة والتفاضل في البيع، من جنس واحد إلى أجل، وذلك قوله - عليه السلام -: »الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، ومثلاً بمثل، فمن زاد وازداد فقد أربى«* وقد اتفق الناس على أن هذه الأجناس محرمة بعضها ببعض، إلى أجل إلا مثلاً* بمثل، واختلفوا فيها، إذا كانت يداً بيد، فأجاز أصحابنا ذلك، إذا كان يداً بيد، ولم يجز ذلك لأكثر من غيرهم، والصرف جائز عندهم أيضاً، يداً بيد ومثلاً بمثل وزيادة، ولا يجوز بتأخير، وحجتهم عن ابن عباس رحمه الله أنه أجاز ذلك يداً بيد، وتأول في خبر أن أسامة بن زيد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأجازه يداً بيد، ولا يجوز بتأخير للنهي الأول، والمخالفون لهم أجازوا البيع في الزيادة، إذا اختلف الجنسان، ولم يجيزوا التفاضل من جنس إلا مثلاً بمثل، وذلك عن أصحابنا جائز بالنقد، ويداً بيد، ولا يجوز بتأخير، وجاء النهي في السنة، الأصناف المكيلة والموزونة، فكل ما يكال بما يكال، وما يوزن بما يوزن، لا يجوز بيعه بتأخير، ولا إلى أجل، إلا مثلاً بمثل، وبيعه بنقد جائز، مثلاً (1/162)
صفحة 163
بمثل، وزيادة على ما اتفق عليه المتبايعان، فهذا أصل يشتمل على كل موزون ومكيل، وأصل آخر أن ما أنبتت الأرض بما أنبتت، لا يجوز واحد بمثله، إلا يداً بيد، ولا يجوز بتأخير ولا إلى أجل، إلا مثلاً بمثل، لأن النهي قد وقع على ما أنبتت الأرض، ويشتمل على كل أصناف نبات الأرض، مما يقتات به ويدخر، وغير ذلك، ووجه آخر أن كل ما يكال من الطعام بما يكال من الطعام، لا يجوز بيعه بعضه ببعض، إلى أجل وزيادة، إلا مثلاً بمثل، وجائز يداً بيد، بعضه ببعض، وزيادة على ما اتفقا عليه فهذا يشتمل على كل مكيل موزون، ومقتات وغير مقتات، وطعام وغير طعام، ونبات الأرض وغير نبات الأرض، ولا يجوز إلى أجل وزيادة، والنقد جائز فيه البيع بالزيادة، إلا الدراهم والدنانير، فإن بيع ذلك كله بها إلى أجل جائز، وبنقد وبتأخير، على ما اتفقا عليه، وقد جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه اشترى بعيراً ببعيرين، يداً بيد، فقد يجوز ذلك يداً بيد، ولا يجوز بتأخير، فقد صح أن الربا في الزيادة إلى أجل، وقد جاء في الحديث أنه اشترى جزوراً بتمر، ويرى أن ذلك عنده فنظر فلم ير شيئاً فطلب إلى البائع أن ينظره إلى الجداد فقال واغداره فافترض وقضاه فيجوز أن يكون هذا يخص به التأخير، لأنه ثمنه وليس هنالك زيادة يلحق فيه أن يكون رباً، وهو مما لم تنبت الأرض، وقد اختلفوا فيه وفي كل هذه الأشياء والله أعلم.
الباب السادس والسبعون
في بيع الغرر (1/163)
صفحة 164
وبيع الغرر كله لا يجوز، للنهي عن ذلك من الغرر، وبيع الغرر: الحب في سنبله والتمر في الضروف والحب في الجواليق داخل لا يعلم، والسمك في البحر، واللبن في ضرع الشاة، والشحم في الشاة قبل أن تذبح، كل هذا من الغرر، والمجهولات التي لا تثبت، وبيع جميع المغشوشات كله فاسد، وبيع الذي فيه العيب مردود على البائع إذا علم بالعيب، فإن لم يرده المشترى على البيع بالعيب، ولم يعلم به حتى حدث به عيب آخر، لم يرده بالعيب إلى من اشترى منه، حتى يخلصه من ذلك العيب، وقد جاء النهي عن بيع الثمرة قبل أن تزهو وتعرف ألوانها، وهي ثمرة النخل، لا يجوز بيعها حتى تفصح وتعرف بألوانها، ولا يجوز بيع ما في شبكة الصياد، ولا بيع ما ليس معك، من كل بيع، ولا يجوز بيع المنابذة والملامسة، وحبل الحبلة، وبيع المنابذة هو أن يتبايعا على أنه إذا نبذ كل واحد منهما إلى صاحبه وجب البيع، فهذا لا يجوز، والملامسة هو أن يقول إذا لمسه فقد وجب البيع، أو بيعه في موضع مظلم، ويقول إذا لمسته فقد وجب البيع، فهذا لا يجوز، ولا يجوز شرطان في البيع، ولا بيعان في بيعة، ولا يأخذ ربح ما لم يضمن، ولا بيع الحيوان حتى يحضر عند البيع، ولا بيع الدين حتى يقتضى، ولا يقضى الدين بالدين، وما ابتعت وزناً فلا تأخذ جزافاً، وما ابتعت كيلاً فلا تأخذ وزناً ولا جزافاً، وما ابتعت عدداً فلا تأخذ وزناً ولا كيلاً ولا جزافاً، وجائز البيع بالدراهم جزافاً بجزاف، وكيلاً ووزناً، ومساومة إذا عرف البايع والمشتري ما يتبايعان عليه، فقد ثبت وإن غاب عنهما، وكل حر بالغ عاقل مميز تجرى عليه الأحكام من ذكر وأنثى، فبيعه إذا باع واشترى جائز عليه، إذا كان البايع والمشتري عارفين بما تبايعا عليه، كان المباع حاضراً أو غائباً، فالبيع ثابت، لا ينتقض إلا أن يوجد للغائب متغيراً أو ناقصاً أو زائداً، عما كانا عرفاه، فلهما أن ينقضاه، والبيع بيعان بيع بنقد، وبيع بتأخير، فيبع النقد جائز بالدراهم، (1/164)
صفحة 165
وبالعروض بعضه ببعض، كيف ما اتفقا عليه في البيع، عند حضور الشيء الذي يتبايعان فيه، ولا يختلف في ذلك وإنما الاختلاف عندهم في الغائب، وبيع النسيئة، فمنه ما يجوز ومنه ما لا يجوز، وكل ذلك مع المعرفة به بالدراهم والدنانير جائز بنقد وبتأخير على الأجرة والدين والسلف وما أشبه ذلك، إلا الحيوان، فلا يجوز بيعه، حتى يحضر، ويوقف عند عقدة البيع، إلا في السلف على عقدة صفة معلومة، فإن ذلك عندهم في السلف جائز، والسلف جائز في كل ما كان موجوداً في أيدي الناس، من الأطعمة والمتاع والدواب والرقيق والصفر والرصاص، وجميع العروض ما يجد ولا ينقطع من أيدي الناس، إذا كان يعرف بصفة معلومة، وجنس معروف، فما كان من الدقيق فعلى من معلوم وجنس معروف، وصفة من الدواب معروفة إلى أجل معلوم، وما كان من أوصاف ما يعرف بالطول والعرض والذرع والصفة، فبذرع وصفة معلومة وأجل معلوم، وما كان من الأمتعة مما يعرف بالكيل والوزن، فبكيل أو وزن معروف من صنف معروف موجود إلى أجل محدود، وما كان من الأطعمة فبالكيل مما يكال، وبالوزن مما يوزن، من شيء معلوم معروف، وعقد يسمى به ويوصف بمكيال أو بوزن، إلى أجل معلوم، فقد اتفقا عليه من عدد الأيام والشهور، والأوقات المعلومة بينهما في المدة، وأقل مدة السلف ثلاثة أيام، وما زاد فجائز، ولا يجوز السلف إلا بالدراهم والدنانير، ويكون ذلك حاضراً مع عقدة السلف من الدراهم، بشيء معلوم، أو بكيل أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم، فأصل ذلك الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: »من أسلم فليسلم في شيء معلوم، من صنف معلوم، إلى أجل معلوم«، والسلم هو تسليم الدراهم في السلف، الذي قد ثبت بالسنة، وتقول في السلف قد أسلفتك هذه الدراهم بكذا وكذا، من جنس كذا وكذا، وكيل كذا وكذا مما يشتمله السلف، محل هذا السلف عليك إلى شهر كذا وكذا، أو يوم كذا وكذا من هذه السنة، فإذا قال: قد قبلت، ثبت عليه السلف، وإن قال قد أسلفتك (1/165)
صفحة 166
هذه الدراهم، كل درهم منها بكذا وكذا قفيزاً ومكوكاً* براً أو ذرة أو شعيراً محل هذا الحق عليك غرة شهر كذا وكذا من هذه السنة فجائز هذا.
الباب السابع والسبعون
في ما يحل من الصيد والأنعام وما يحرم من ذلك
والأنعام كلها حلال أكل لحومها، بعد الذباح لها، والتذكية، مع ذكر اسم الله عليها، حل للمحل والمحرم، ولا يحرم منها شيء إلا الميتة والدم منها، وما في كروشها من الفرث وبولها وهي حية أو ميتة، والأنعام وهي الثمانية الأزواج، التي فيها الصدقة، ويضحي بها، ويهدي إلى مكة، إلى غير ذلك، هذه الأنعام المباح أكل لحومها في كل حال، وحرام أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، إلا لمن اضطر إليه فحلال له في حال الاضطرار، أن يأكل قدر ما يبلغه ويحييه، وجاء النهي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وكل سبع حرام أكل لحمه لهذا الخبر، إلا ما قام بهذا دليله في أنه جائز، وحرام أكل لكل ذي مخلب من الطير بهذا الخبر، ويعرف دليله ليدل ما يغدو به، فأما السباع المحرم أكل لحومها، فهي التي تأكل وتغدوا بالأنجاس والميتة، ولا ترعى الشجر، فهي محرم أكل لحومها، وكذلك الطير الذي إنما غذاؤه أكل الجيف والأنجاس والدود والميتة والدم، ولا يرعى الشجر، ويحمل بمخلبه فهو محرم أكل لحومها، وحرام أكل لحم الحمير الأهلية، لني النبي - عليه السلام - عن ذلك، حتى يصح أنه نهى أدب، قال الله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } * فما نهي عنه فحرام، ولا يحل من الميتة إلا الجراد والسمك بالسنة والاتفاق من الناس على ذلك، ولا تنجس ما وقعت فيه، وكل ميتة لا دم لها إذا وقعت في ماء أو طعام لم تنجسه، وأما الصيد كله حلال أكل لحمه بعد التذكية له، إذا وجد حياً، وإذا اصطاده بجارحة فذكر اسم الله علياه، من سهم أو كلب صيد، وما كان مثله ما يصطاد به فذكر اسم الله عليه، وأسله أكل ما أمسك عليه من الصيد، إن (1/166)
صفحة 167
كان حياً ذبحه، وإن أدركه وقد مات وهو ممسوك، أكله، فإن أكل الكلب منه شيئاً قيل أن يأخذه، ولم يكن ممسكاً، لم يؤكل حتى تدرك ذكاته، وإن وجده حياً ثم مات في يده قبل أن يذبحه، لم يأكل منه لأنه ميتة محرمة، والصيد من الوحوش كلها التي يجوز أكل لحومها، هي التي يكون غذاؤها الشجر، وما أنبتت الأرض، كالأنعام التي ترعى، والصيد من الطير الذي يجوز أكل لحمه هو الصيد الذي يأكل الحب ويرعى بذور الشجر في القرى والقفار، والحب غذاؤه، ولا يأكل الميتة، وأما ما بين ذلك من الهوام فلا أحب أكل لحمه أيضاً، وما كان من الهوام من جنس السباع لم يجز أكل لحمه أيضاً كالإمحاة والحية وما كان من ذلك الجنس، وأما طير البحر الذي يغذو بالسمك ويرعى الماء فأكله جائز بعد التذكية له، لأنه غذاؤه من الميتة الحلال، ويعيش في الماء، إلا الغراب من ذلك فلا يجوز أكل لحمه لأنه ذو مخلب من ذلك، ولحم صيد البر كله حرام على المحرم في الحل والحرم، ولا يحل له أن يصطاده ولا يأكل لحم صيد حتى يحل من إحرامه، ولا يأكل الصيد في الحرم وإن كان قد أحل من إحرامه حتى يخرج من الحرم قال الله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } .
الباب الثامن والسبعون
في ذكر ما يحرم من النكاح (1/167)
صفحة 168
وحرام تزويج الأمهات وأمهاتهن وإن علون، والبنات وبناتهن وإن سفلن، وبنات الابن وإن سفلن، والأخوات وبناتهن وإن سفلن، وبنات الأخ وإن سفل من ذلك، وبنات الأخت وإن بعدن، والعمات والخالات حرام، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم وأمهاتهن وإن علون، وبناتهن، وإن سفلن، وبنات بنيهن وإن سفلن، والأخوات من الرضاعة وما ولدن وإن سفلن، وما ولدن، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وأمهات نسائكم وأم الزوجة حرام وما علا من ذلك، والربائب التي دخل بأمهاتهن حرام تزويجهن وما ولدن وإن سفل، وإن لم تدخل بأمها فحلال تزويجها وبناتها أيضاً، ونساء الأبناء حرام على الآباء، قال الله تعالى: { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } * { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } * فحرام امرأة الأب على الابن أبداً، وإن لم يدخل بها، وحرام أن يجمع بين أختين في التزويج، ولا في ملك اليمين في النكاح، وحرام نكاح المحصنات من النساء بغير تزويج، إلا ما ملكت أيمانكم بالتزويج، وبالتسري مما ملكت اليمن، وما وراء هذا حلال تزويجه إن أراد التزويج والإحصان غير مسافحين، ولا متخذي أخدان من الزنا، وحرام أن يتزوج المرأة على عمتها وخالتها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى، وأما ما يحل من التزويج فكل امرأة حرة عفيفة لا بعل لها ولا هي من عدة من زوج ولا حامل وهي محصنة غير معلنة بالزنا، فنكاحها جائز إذا اتفقا على ذلك ورضيته من غير إكراه لها من الولي ولا الذي يريد أن يتزوجها، فإن أكرهها أحد ولم تكن راضية لم يجز ذلك وكان حراماً، وحلال تزويج الأمة والولائد برأي أربابهن، وحرام بالزنا في كل حال، وحرام نكاح الزانيات في كل حال إذا علم منهن ذلك، وحلال نكاح نساء أهل الكتاب، وحرام ذلك بالسفاح، ولا يحل عندنا نكاح بلا شهود، وإن شهدوا بعد ذلك، وحرام عندنا تزويج المتعة لأنه النهي ورد فيها، وحرام التزويج تحلة للمطلق، وحرام (1/168)
صفحة 169
التزويج في العدة، وحرام المواعدة في العدة بالتزويج حتى يبلغ الكتاب أجله وتنقضي العدة، وقيل إن مواعدة المرأة في النكاح ليس كمواعدة الرجل ولا يحرم بها التزويج، يكره تزويج السريرة كراهية بلا تحريم إلا أن يكون بلا ولي ولا شهود، فذلك حرام تزويجه هذا، وحرام تزويج الصغار بعضهم ببعض ولا يثبت عليهم ولا بينهم، (ومن غير الكتاب: وقيل إذا تزوج لليتيم وكيله أو وصيه فله الغير إذا بلغ، ويلزمهما ضمان ما سلماه من ماله من الصداق، من كتاب الضياء) وقيل في رجل تزوج صبية زوجه بها أبوها وله بنت غيرها، فقال الزوج هي هذه، وقال الأب بل هي هذه، ونسيت الصبية اسمها، فقيل النكاح منتقض ويجبر على طلاقهما جميعاً، ولا شيء عليه، فإن مات الزوج أو ماتا جميعاً فإن كان اسمهما واحداً فقال الأب الكبيرة وقال الزوج الصغيرة في القول قول الأب، ويجدد النكاح وإن اختلفا في الصداق، فإن شاء الزوج سلم ما قال الأب وإن شاء طلق وأدى نصف ما أقر به، (وقيل يحرم على الرجل إحدى عشر نسوة، وهن سبع من النسب، وأربع من الصهر، فمن النسب أمه وابنته وأخته، وعمته وخالته وبنت أخته وبنت أخيه فهؤلاء سبع، ومن الصهر أربع وهن امرأة أبيه وامرأة ابنه وأم امرأته وبنت امرأته إن كان دخل بها)، (وكذلك يحرم على المرأة سبعة عشر رجلاً: فمن النسب أبوها وابنها وأخوها وعمها وخالها وابن أخيها وابن أختها فهؤلاء سبعة، ومن الرضاع أبوها وابنها وأخوها وعمها وخالها فهؤلاء خمسة، ومن الصهر أبو بعلها وبعل ابنتها وابن بعلها وابن ابن بعلها، كذا وجدته عن الشيخ أبي الحواري أنه حرام تزويجها به مفرق بينهما، كذا وجدته في جامع ابن جعفر وبعل أمها إن كان دخل بها فهؤلاء سبعة عشر رجلاً)، وأما البالغ إذا عقد نكاحاً وأوجبه على نفسه بصبية برأي وليها، فذلك ثابت عليه، ومراعى به بلوغ الصبية ورضاها فإن رضيت تم ذلك، وإن لم ترض انتقض، فإن كان قد جاز بها أخذت صداقها منه، وخرجت بلا طلاق، ولا (1/169)
صفحة 170
يجوز تزويج امرأة لها زوج غائب لا مشاهد، وإن غاب وطالت المدة فحتى يصح موته، ولا يجوز تزويج امرأة مفقود، حتى تنقضي العدة وتعتد، ولا يجوز تزويج المشركات من غير أهل الكتاب، ولا يجوز تزويج إماء أهل الكتاب، ولا يجوز أن يعقد نكاح على مجنونة ولا مغلوبة على عقلها ولا معتوهة ولا منزوعة العقل في ذلك الحال، حتى تفيق أو تصحو وترضى، ولا يجوز تزويج الرجل بخامسة وعنده أربع، ولا يجوز له إذا طلق الرابعة أن يتزوج حتى تنقض عدة التي طلق، (وقيل إن المطلقة ثلاثاً، والبائنة بحرمة، اختلاف في إجازة التزويج، قبل انقضاء عدتهما إذا كان عنده أربع، أو كانت أخت امرأته، وغيرها ممن لا يجوز له تزويجها عليها، ولا يجوز للرجل أن ينكح أمة زوجته، والله أعلم، وقيل جائز للعبد أن يتزوج برأي سيده، فإن تزوج برأي سيده ومات العبد فالصداق في رقبته)* وإن طلق زوجته لم يجز له تزويج أختها حتى تنقضي عدتها منه ثم يتزوج أختها، وإن كانت امرأة مفقودة لم يتزوج بالأخت حتى ينقضي أجل الفقد من أختها، ولا يجوز له أن ينكح جاريته التي قد نكح أمها، ولا بناتها ما سفلن، ولا الأمهات وإن علون، ولا يجوز له أن ينكح أختها حتى يملك فرجها غيره بتزويج أو هبة أو ملك أو بيع، ومن زنى برجل لم يجز له أن يتزوج بأحد من أمهاته وإن علون، ولا بناته وإن سفلن، (ومن غير الكتاب وأما المنكوح فجائز له تزويج بنات الناكح وأمهاته، وأما أخواته وعماته وخالاته أعني المنكوح فجائز للناكح تزويجهن، وأما ابنة المنكوح وأمه فلا يجوز للناكح تزويجهما، وجائز لهما أعني الفاعل والمفعول به تزويج مطلقته كل واحد منهما كذا في المصنف ومن مس فرج امرأة أو نظر إليه عمداً لم يجز له أن يتزوج بها ولا بأس بالخطأ من غير عمد، ومن زنى بامرأة لم يجز له تزويجها ولا يجوز لابنه ولا لأبيه ولا لابن ابنه تزويجها، وما ولدت فجائز لابنه ولا يجوز له هو، ومن نظر فرج صبية فقد قيل لا يحرم عليه تزويجها، ومن (1/170)
صفحة 171
نظر فرج امرأة أبيه لم يضره ذلك الأب، ولا أحب تزويج العجماء والأعجم، لأن ذلك يتعذر معرفة الرضى منهما فكيف يعلم ثبوت التزويج وهم ما يعرف منهم الرضى ولا قبول في ذلك، وكذلك تزويج المرأة السكرى لا يثبت والله أعلم، وللحر أن يتزوج أمتين وليس له من الإماء أكثر من ذلك، وله من الحرائر أربع، وللعبد أن يتزوج حرتين أو أمتين أو حرة أو أمة، وله من الإماء أربع، و ذلك إذا كان التزويج بإذن سيده والله أعلم، وقيل إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها، فإن كان متعمداً لتزويج أختها فقال من قال: حرمتا عليه جميعاً، وقال من قال تحرم عليه الآخرة، وكان الشيخ أبو المؤثر يذهب إلى التحريم، وأما العمة والخالة فإنه يفرق بينهما ولا تحرم عليه الأولى.
الباب التاسع والسبعون
في التزويج عند العقد (1/171)
صفحة 172
ولا يجوز التزويج على أقل من أربعة، الزوج والمزوج وشاهدان، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: »كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح« أو قال »من صنيع البغاة«، وليس لولي امرأة أن زوجها إلا برضاها ورأيها، ورضى البكر سكوتها والثيب تعلم بلسانها، ولا يجوز له أن يحمل المرأة في التزويج على الكراهية إذا كرهت، ولا يجوز التزويج إلا بولي وشاهدين وزوج ورضى المرأة وقبول الزوج وصداق مسمى عند ذلك، لأنه لا يجوز استباحة فرج بغير عوض ولا رضى في التزويج، وإذا وقع التزويج على ما وصفنا ثبت، وإن عقد الولي نكاحاً على غير صداق مسمى مع البيئة والزوج ورضى المرأة ثم جاز الزوج بالمرأة فلها صداق مثلها من النساء، وكل امرأة لها ولي فلا يجوز تزويجها عندنا إلا بأمر وليها أو وكالته إن كان حاضراً في البلد أو حيث تناله الحجة يحتج عليه أن يزوج أو يأمر من يزوج عنه للخبر الوارد أنه لا يجوز تزويج امرأة إلا بولي وشاهدين، وفي قول آخر في الصداق على ما تراضى عليه الأهلون، فإن امتنع الولي ولم يقدر عليه جاز لها أن تتزوج بلا رأيه لأنه منعها حقاً يجب لها، فلها أخذه حيث قدرت، وإن كان قاطع البحر حيث لا تبلغه الحجة فلها أن تتزوج بلا رأيه، ولو كان أباً، يزوجها الحاكم، فإن لم يكن حاكم فجماعة المسلمين، وقد قيل السلطان ولي من لا ولي له فيزوجها، وإن جهلت وجهل الزوج وتزوج بها عند غير ولي من القرابة ولم يشرط عليه وجاز الزوج بالمرأة ورضيت بالتزويج وكان كفؤاً ففي نفس من ذلك حرج ولا أتقدم على الفراق بينهما، لحال ما اختلفوا فيه بينهم، وإن لم يجز الزوج أمروا أن يأتوا الأمر في التزويج على وجهه، برأي الولي، ويؤمر بتزويجها ويجبر على ذلك إن قدر عليه، وإن امتنع زوج الحاكم أو رجل من المسلمين بأمرها جائز لها بعد امتناع الولي، وإن كانت ثيباً وكلت من زوجها فذلك أيضاً مختلف فيه –وفي نفسي منه حرج- حتى يكون برأي الولي، فإنما لها الولاية أن تختار من تريد (1/172)
صفحة 173
أن تزوج به، والعقد إلى الأولياء أحب إلى في البكر والثيب، وإن زوجت الثيب وجاز الزوج فإني لا أقدم على الفراق، وفي نفسي منه حرج، وأحب إن لم يجز أن يجدد النكاح بأمر الولي، وإن زوجها الولي ولم ترض فرق بينهما، وإن زوجها الولي بلا رأيها فبلغها فرضيت جاز ذلك عليها ولها، وإن زوجها الولي ولم يعلم منها رضاً ولا كراهية، ودخل الزوج بها، فأجازته على نفسها برضاها جاز ذلك عليها، وإن زوجها الولي ولم تعلم وبلغها ولم يكن برأيها فلم يسمع منها رضاً ولا كراهة، فلما أراد الجواز غيرت وقالت لم أكن رضيت، فهي على التغيير حتى يعلم رضاها، فإن كانت ثيباً فبلسانها يعلم رضاها والبكر تعلم ويقال لها سكوتك رضاك، فإن سكتت بعد ذلك ثبت عليها ولو غيرت بعد هذا لم يقبل منها قد ثبت العقد، وإن بلغها التزويج فصاحت وبكت ولم تغير لم يضر ذلك، لأن هذا قد يكون من المرأة وهي في نفسها راضية فلو لم ترض لغيرت ذلك، وإن زوجها وليان برجلين في وقت واحد أو واحد بعد واحد، فالتزويج لمن رضيت به أولاً منهما، وإن رضيت بهما جميعاً، فالتزويج الأول هو التزويج، والآخر فاسد، وإن رضيت بهما جميعاً والعقد في وقت واحد فالعقدان فاسدان، حتى ترضى بواحد، ثم يتزوج بها ثانية، وإن زوجت صبية برجل فلما بلغت غيرت كان لها التغيير، وإن زوجت أمة برجل فلما أعتقت غيرت فلها التغيير، وإذا زوجت امرأة برجل على صداق أقل من صداقها فلما بلغها لم ترض إلا بالصداق الذي لها، فلها ذلك، إن شاء أني تم لها الصداق وإن شاء أن يعطي نصف الصداق الذي عقد لها ويخرجها، وإن زوجت على صداق أقل من صداقها فأجازت الزوج على نفسها، فلما بلغها ذلك أجازت التزويج ولم ترض بالصداق فليس لها إلا ما فرض الولي، وكان يجب عليها أن لا تبيح نفسها إلا حتى تعلم كم صداقها، ودعواها بعد الجواز أنها لم تعلم، لا يقبل ولا يجوز على الزوج ذلك.. وإن زوجها وليها فلما بلغها التزويج قالت: لا أرضى، ثم قالت: رضيت، لم (1/173)
صفحة 174
يقبل ذلك، وانفسخ التزويج، حتى يكون الرضى بالزوج بغير تغيير له، وإن زوج رجل ولداً له وضمن بالصداق فمات الابن كان الصداق على الأب فإن مات الأب كان الصداق في ماله، وإن زوج ابنه وقبل بالصداق، فلما بلغ الصبي فلم يرض، كان على الأب جملة الصداق، إن كان الصبي قد جاز بالمرأة، وإن لم يكن جاز فنصف الصداق، وإن زوج ابنه ولم يضمن بشيء، ولم يرض الابن فذلك التزويج فاسد، ولم أر على الأب شيئاً، والله أعلم، وسئل عن ذلك ومن تزوج على رجل برأيه، فلما بلغه ذلك رضي ثبت ذلك له وعليه، وإن تزوج عليه بلا رأيه فبلغه فرضي ثبت عليه أيضاً، فإن بلغه فقال رضيت بالتزويج ولم أرض بالصداق لم يثبت ذلك التزويج لأنه لم يأمره ولم يتم له ما فعل، وإن أمره أن يتزوج عليه بصداق معلوم فتزوج عليه على صداق معلوم، فقال رضيت بالتزويج ولا أرضى بالصداق، ثبت عليه ولم يقبل منه ذلك، وإن أمره أن يتزوج عليه بصداق معلوم فتزوج عليه بأكثر لم يجز على الزوج أكثر مما أمره به، وعلى المتزوج ما فعل وزاد على نفسه، والله أعلم بذلك، وقد خالف أمره، ولا أراه إلا وقد خرج من الوكالة حين زاد ولم يجز فعله، فانظر في ذلك، وأهل الإسلام أكفاء بعضهم لبعض من العرب الأحرار قال الله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: »المسلمون تتكافأ دماؤهم وأموالهم« والتكافؤ هو التساوي، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: »إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير« } * فعلى هذا لا يرد نكاح أحد من تزوج من أهل الإسلام، إذا كانت من جنسه، وقد اختلفوا في أقل الصداق، والذي نقول به أقل الصداق ما يستهلك* به القطع: ربع دينار، لأن اليد تقطع على ربع دينار، فأقل عندنا ذلك، والاختلاف فيه كثير وصفه، وقد تركت ذكره، وأكثر ما اتفقوا عليه ربع دينار، والتزويج على الصدقات المجهولة كلها جائز بالغنم (1/174)
صفحة 175
والعبيد والنخل، وما ذكر في التزويج ثبت به ولها الوسط من ذلك، وكل من لم يسم صداقاً فراجعه إلى صداق المثل، وإن تزوج على دراهم ودنانير فجائز وعلى حق آجل جائز، وإن كان عاجلاً فجائز، فإذا تزوج على صداق كثير إن جاز بها فإن لم يقدر فأقل من ذلك، فإن ولدت فألف وإن لم تلد فأقل من ذلك، ولم يكن لهذه الشروط فذلك يرجع إلى صداق المثل عندي والله أعلم، وإذا تزوجها على صداق إن جاز بها لم يقدر فعليه الصداق، لأن العجز إنما جاء منه، وإن تزوج على صداق ولم يسم عاجلاً ولا آجلاً فهو عاجل، وإن كان لها سنة فهي على سنة نسائها، وإن كان مختلفاً فالصداق عاجل، وليس لرجل أن يتوكل لرجل في تزويج امرأة لا يعلم أنه وليها، وإن زوج الذي يدعي أنه وكيل بلا صحة فقد قال بعضهم: إنهم يشهدون على العقد وإنه قد زوج، ويشهدون على المتزوج بما أقر به الصداق للمرأة، ولا يشهدون أنه زوج لها حتى يصح أنه ولي أو وكيل من ولي ثم يشهدون على التزويج أنه زوج، وقد تزوج بجواز في الحكم، ولا تعقد المرأة لنفسها عقد النكاح ولا لأحد من بناتها ولا أخواتها، وإن كانت وصية في تزويج نفسها أو كيلة في تزويج غيرها أمرت من يزوج من الرجال بالرسم الذي جعل لها من الوصاية في ذلك والوكالة إذا علم ذلك وصح.
الباب الثمانون
في الصداق (1/175)
صفحة 176
وكل من تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها فعليه نصف الصداق إلا أن تعفو عنه وتترك له، فإن نظر الفرج أو مسه ثم طلق فقد وجب عليه الصداق في الحكم إلا أن تصدقه وتقول إنه لم يمسها ولا نظر إليها، فإنها تصدق في الصداق، وليس لها إلا النصف ولا تصدق في العدة لن الصداق لها والعدة عليها، ومن مس فرج امرأة كرهاً أو نظر إليه فإني آخذ بقول من قال عليه التوبة، وإن زنى بها كرهاً لزمه الصداق بالوطء لها، وإن كانت أمة فلها العقد في المطاوعة وفي الإكراه يحسب ذلك لمولاها ويتخلص منه إليه، وقد قيل إن كانت بكراً فعشر ذلك لمولاها ويتخلص منه إليه، وقد قيل إن كانت بكراً فعشر قيمتها، وإن كانت ثيباً فنصف العشر، ومن تزوج امرأة ونظر إلى فرجها في النار أو في الماء أو في الليل وما يكون به مستمتعاً ثم طلقها فلها الصداق، ومن تزوج امرأة على أنها بكر فإذا هي ثيب فلها الصداق وهي زوجته إلا أن يعلم أن صداق الثيب من نسائها أقل من صداق البكر، فإنها ترجع إلى صداق الثيب من نسائها الثيبات.
وإذا تزوج الرجل امرأة على صداق وشيء من الشروط المجهولة، فأكثر القول أن الشروط المجهولة تثبت في الصدقات، ومن تزوج امرأة على أنه لا جماع فيه أو على أنها لا يجامعها بأقل من صداقها، ثم أراد أن يجامعها أو وجد الذي لا جماع فيه نشاطاً وجامعها، فإن ذلك لهما جائز والشرط باطل، وترجع المرأة في صداقها إلى صدقات نسائها مثلها، وعن رجل طلق زوجته طلاقاً رجعياً أو بائناً ثم كتمها الطلاق وتباريا هل يبرئ من صداقها فإن كان رجعياً برئ وإن كان بائناً فلا يبرئ والله أعلم.
الباب الحادي والثمانون
ما يرد به التزويج (1/176)
صفحة 177
ومما يرد به التزويج من النساء، المجنون والمجذومة، والعفلاء، والبرصاء، والنخشاء، والبخراء، إذا كان ذلك بها قبل التزويج ولم يعلم، فلما اطلع على ذلك كرهها، فإنه له ذلك وتخرج بلا صداق، إذا لم يجزيها، فإن كان قد علم وتزوجها على علم منه بذلك الذي بها ثم كرهها وأراد أن يخرجها فله ذلك يعطيها نصف الصداق، وإن تزوجها ولم يعلم أن بها شيئاً مما يرد به حتى جاز بها ثم اطلع عليه فقد لزمه بعد الجواز الصداق، فإن أراد تركها فله ذلك ولها الصداق بما نال منها، وإن كان سأل عن ذلك فكتمته، أو سأل وليها فكتمه، فلما جاز بها اطلع على العيب، فإن كانت هي التي كتمته وغرته فلا صداق عليه، وإن كان وليها كتمه وغره فلها الصداق عليه ويرجع هو على من غره، وإن كان سأله فقال لا برص فاحش ولا نحش فيها ولا جذام ولا جنون ولا عفل، فتزوج ثم علم، فإن رضي زوجته أن كره فأخرجها فعليه الصداق لها ويرجع به هو على غره من الأولياء، وكذلك المرأة لها مثل الرجل إذا كان به شيء من ذلك فلها رده، وإن كرهته قبل الجواز وبعد الجواز إن شاءت تتبرأ وتخرج بلا صداق، وأما الرتقاء إذا كان بها عاهة أو معالجة فتؤجل في معالجة نفسها سنة، فإن أصلحت نفسها فهي زوجته وتثبت معه، وإن لم يكن فيها معالجة أو لم تعالج نفسها وأراد أن يخرجها بعد ذلك، فإن ذلك له وتخرج بلا صداق ولا شيء عليه فيما مس من فرجها أو نظر، لأن العلة كانت منها والمنع للوطء منها للعيب الذي بها فلم يلزمه صداق، ونفقتها في مدة إصلاح نفسها عليها، والزوج العنين أيضاً مثلها ويرد في التزويج بعد أن يمدد سنة، فإن قدر في السنة على مجامعتها فهي زوجته، وإن عجز ولم يقدر خرجت منه ولها صداقها إن كان مس الفرج أو نظر إليه، لأن العيب جاء منه ولم يكن منها، وإن عجل فطلقها قبل السنة فلها الصداق، وإن لم يمس الفرج ولا نظر إليه ثم طلقها فلها نصف الصداق، وكذلك إن عجل زوج الرتقاء فطلق في المدة فهلا نصف الصداق، وإن (1/177)
صفحة 178
مات أحدهما في المدة بينهما الميراث، وإن كان الزوج جاز بزوجته مرة واحدة ثم ذهب ذلك منه لم يحكم عليه بفراقها وعليه النفقة، فإن عجز عن نفقتها ولم ينفق الزوج على زوجته من الإعدام فطلبت الخروج منه حكم عليه أن يخرجها أو يعطيها صداقها، وإن لم يجد كان ديناً عليه ويؤديه إذا قدر، وإن رغبت في المقام معه على الجوع فذلك إلهيا، والرجل إذا كان به على الفرنج أجارنا الله منها فهو عيب يرد به التزويج.
تم الجزء الأول
الباب الثاني والثمانون
في النفقة (1/178)
صفحة 179
وإنما يحكم على الرجل في نفقة زوجته متى جاز بها أو أجابته إلى أن يجوز بها فكره، فحين ذلك يلزمه وإذا لم يلزمه، وإذا طلبت النفقة وطلب الجواز فامتنعت عن ذلك حتى يوفيها عاجل الصداق فذلك لها، وإن تأخر ولم يؤد ذلك مدد في ذلك مدة قدر ما يرى الحاكم فإن انقضت المدة ولم يؤد وطلبت النفقة حكم عليه بعد المدة بالنفقة، ويمدد في ذلك ما شاء وعليه النفقة لها في ذلك والكسوة، ونفقة المرأة على زوجها الوسط من ذلك، نفقة شاري ربع صاع من الحب لكل يوم ومن تمر، وفي البر بر وفي وقت الذرة ذرة، وإن كانت ممن يأكل البر أبداً فلها البر والأدم لكل شهر من درهمين إلى ثلاثة دراهم لأدمها ودهنها على ما يرى الحاكم، ولها مع ذلك إحضار كل ما تحتاج إليه من الماء للشراب والوضوء، ولغسلها ولغسل ثيابها ومعالجة طعامها، وما تعالج به طعامها، وما يكون فيه طعامها وما تأكل فيه، وما تشرب به من الآنية، وما تغسل به وما يكون فيه الماء لغسل ثيابها، والسكن الرافق لا مضرة عليها فيه، وحيث تأنس فيه أو يوانسها بنفسه، ويحسن المعاشرة لها وترك المضارة لها، ولا يضارها في نفسها ولا في مالها، ولا يمنعها الداخل عليها من الرحم والجار والخدم والأولاد والأرحام، أجازوا دخول كل أولئك عليها إلا من يعلم أنه يفسد ويحضرها خادماً إن كانت ممن يخدم ونفقة الخادم أيضاً عليه، ونفقة أولادها معها، وإن شاءت أن يحضرها طعاماً معمولاً ما تشبعها ويجزئها، فذلك جائز، وإن أحبت أن تتولى طعامها فذلك لها، وإن أبت فعليه إحضار ذلك وعليه الكسوة لها لكل سنة ستة أثواب قميصها وجلبابان وإزار وخمار على قدر كسوة مثلها من نسائها وقدرها، ونفقة الأمة على سيدنا وإن كان لها زوج وخلاها مولاها له الليل والنهار فعلى الزوج النفقة، وإن حبسها الليل والنهار فعلى السيد النفقة، وإن حبسها بالنهار وخلاها بالليل فعلى المولى النفقة بالنهار، وعلى الزوج النفقة بالليل، ونفقة الأمة من تمر وربع صاع حب، (1/179)
صفحة 180
ولكل شهر درهما أدم، والكسوة على المولى ثوب وعلى المزوج ثلاثة أثواب، الكسوة بفتح الكاف وضمها وكسرها من القاموس.
الباب الثالث والثمانون
في نفقة الأولاد
ونفقة البنين على أبيهم، ونفقتهم وكسوتهم ومؤونتهم ما كان الغلمان في حال الصغر، فإذا بلغوا لم يلزم الأب لهم شيء إلا الجارية، فعلى الأب النفقة ما لم تزوج، فإذا تزوجت لم يلزمه لها نفقة إلا أن تطلق فترجع إلى الأب فعليه النفقة، وإن لم ترجع إلى الأب لم يلزمه لها نفقة، ونفقة الصغير في حال الطفولية إذا كانت أمه مطلقة أو زوجة أيضاً ثلث نفقة إذا فطم وفصلاه من الرضاع حتى يبلغ خمسة أشبار، ثم له نصف النفقة حتى يصير إلى ستة أشبار، ثم يكون له ثلثا النفقة حتى يبلغ، وفي ذلك قول إلى نظر العدول فيه عند ذلك لأن الأحوال بينهم تختلف.
الباب الرابع والثمانون
في نفقة العبد
ونفقة العبد على مولاه، نفقة شاري ربع صاع حب ذرة أو شعير، ومن تمر لكل يوم، أو يطعمه حتى يشبع بطنه ويستعمله من الفجر إلى العتمة، ونفقة زوجة العبد على مولاه لها النفقة، وإن كانت الزوجة حرة فعلى مولاه النفقة، وليس على المولى من نفقة أولاد زوجة العبد شيء كانت حرة أو مملوكة، لأن الولد لأمه ليس للعبد فيه حكم، وإن لم ينفق المولى على زوجة عبده كانت النفقة في رقبة العبد يباع بها ويعطي الزوجة ويرد على المولى ما فضل، وإن باعه ورضي المشتري فعلى المشتري النفقة وصداقها على البائع، في الثمن الذي باعه، إلا أن يشترط ذلك على المشتري، وإن شاء المشتري طلق الأمة من العبد ولا نفقة عليه والصداق على البائع، وأن بيعت الأمة فعلى الزوج النفقة ما كانت زوجته إذا خلاها مولاها لزوجها كما وصفنا في أول المسألة إذا رضي بذلك، وإن حملها إلى بلد آخر جاز له إذا عرض على الزوج الخلع فيأبى، فعلى قول يلزم الزوج النفقة، والذي نأخذ به أنه لا يلزمه في الحكم إلا أن يخليها لها فيلزمه ذلك.
الباب الخامس والثمانون
في نفقة المطلقة (1/180)
صفحة 181
ونفقة المطلقة للسنة في الطلاق الذي يملك فيه رجعتها لازم للمطلقة من تمر وربع صاع حب لكل يوم، إذا كانت في عدة منه حتى تنقضي العدة، والسكنى عليه لها في العدة حتى تنقض العدة، ولا نفقة على المطلق في طلاق الثلاث ولا المختلعة، وإذا خرجت المطلقة من بيت مطلقها فلا نفقة لها، ولا نفقة عليه لكل بائن منه بحرمة أو طلاق أو برآن أو لعان أو غير ذلك، ولا نفقة للمميتة أيضاً إلا الحامل، فإن النفقة لكل حامل على زوجها أو مطلقها، أو على تزويج بلغط أو وطء بخطأ لها النفقة إلا المميتة فلا نفقة للميتة على زوجها، ومن غير الكتاب والمميتة إذا أوصى لها زوجها بنفقتها من ضمان عليه لها فلها الإدام، وقول لا أدم لها أو فيه اختلاف، وأما المطلقة فأكثر القول لا أدم لها، ولا يجوز للمميتة أن تطيب وتلبس الحلي، وإن أرادت أن تطيب أولادها فلا بأس عليها والله أعلم، وإن كانت حاملاً فلا بأس عليها أن تمس الطيب وتلبس الحلي والزينة إذا انقضت الأربعة أشهر والعشرة أيام، وإن قصرت المميتة ولم تجتنب الطيب فعدتها تنقضي وعليها التوبة في تقصيرها ومخالفتها لما أمر به المسلمون، والنفقة لكل امرأة مرضعة كانت زوجة أو مطلقة، ولها في حال الرضاع النفقة، وقد قالوا للمطلقة ربابة رضاعها أجرة لكل شر درهمان إلى ثلاثة دراهم أكثر ذلك ورأينا أن لها النفقة، وأما غير الوالدة فمن يرضع بالأجرة فلها الأجرة على ما يكون إن أحسن وأنفق وأعطى أجرى برضى المرأة بها بذلك، وعلى الوارث إذا مات الأب مثل ذلك من نفقة الرضاع، وقد قيل وارث الصبي والذي أداه نطري أن الوارث هو وارث مال الهالك الذي كان عليه، والنفقة في حال الرضاع فلما مات رجع ذلك إلى وارث المال وهو الولد الذي ورث مال أبيه وذلك أنه إذا كان يتيماً له والدة ترضعه فطلبت النفقة فإنما يفرض لها في مال ولدها ولا يفرض لها على غير ولدها من ورثته ويترك ماله والله أعلم، ونفقة اليتيم في ماله يكون مع والدته هي أولى (1/181)
صفحة 182
به، فإن ذهب الوالدان فالجدات أولى به، والجدة أم الأب أولى به من الجدة أم الأم في الحكم، والإخوة أولى به من الأعمام، والأعمام أولى به من الأخوال، وقد قيل بالخالات وإن لم يكن أحد من هؤلاء جعله الحاكم حيث يأمن عليه وعلى ماله ولو بأجرة، وإن اتفق من سمينا من أرحامه فحيث كان أصلح له إلى أن يعق الخيار، فحيث اختار كان، وعلى الوالد في الحالين ما يلزمه له من النفقة والكسوة إلا الجارية، فإن الأم أولى بها، وإن اختارت أباها إلا أن تكون أمها متهمة في نفسها أو عندها من الرجال من زوج أو أحد لا يؤمن على الجارية، فإن الأب أولى بها من الأم على هذه الصفة، وكسوة الصبي ثوب، وفي الصغر قميص ودثار يكنه عن البرد والحر، والأنثى قميص وإذا صارت امرأة فأربعة أثواب.
الباب السادس والثمانون
في طلاق السنة (1/182)
صفحة 183
وإذا باع الرجل طلاق زوجته فطلق المشتري فإن للزوج ردها ولو كرهت ما لم يكن ثلاثاً، وصداق المرأة على زوجها والزوج يلحق المشتري، وإذا تزوج رجل صبية ودخل بها وباع طلاقها على وكيلها بصداقها، أله أن يراجعها وهي بعد صبية، أم حتى تنكح زوجاً غيره، فقيل إن له أن يردها وهي في العدة كانت صبية أو بالغاً، والله أعلم، وعن رجل اتهم رجلاً في شيء فأنكره، فقيل له: أتحلف بالطلاق، قال: نعم، وكان القول الذي أنكره صحيحاً، فإذا قال: نعم أحلف لزمه الطلاق، وإن لم يقل أحلف فلا يلزمه طلاق، وعن رجل جعل طلاق زوجته في يد صبي، فقيل: إن الطلاق يقع عليها والله أعلم، وأما طلاق السنة فقد قال الله تعالى: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } * يعني لطهرهن، فإذا أراد الرجل أن يطلق زوجته طلقها واحدة بعد أن تطهر من حيضها قبل أن يجامع ثم تكون في بيته ونفقته ولا يخرجها، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، يعني من شتمه أو قفة أو زنا، فإذا كان ذلك فله إخراجها، فإن أراد مراجعتها في العدة راجعها بشاهدين عدلين ما لم تنقض العدة وتكون معه على ما بقي من الطلاق، وقيل ذلك لا يدخل عليها إلا بإذن، وليس له أن يمس فرجها ولا ينظر إلى فرجها حتى يراجعها ويشهد على مراجعتها، ولا بأس يبيتا في بيت واحد، ما لم تبن منه بثلاث تطليقات أو فدية، أو تنقضي العدة، وإن انقضت العدة ولم يشهد على رجعتها بانت بالعدة وحلت للأزواج، وإن اتفقا على الرجعة كان خاطباً في الخطاب بتزويج جديد وولي وشاهدين وصداق، وكذلك المختلعة له مراجعتها بشاهدين في العدة إذا اتفقا برأيها ورضاها، وإن لم يراجعها حتى تنقضي العدة لم تحل له إلا بنكاح جديد، وإذا كان الطلاق بائناً فلا سكنى لها ولا نفقة ولا مراجعة بينهما حتى تنكح زوجاً غيره، وكذلك المختلعة إذا بانت بالثلاث لم يكن له (1/183)
صفحة 184
مراجعتها حتى ينكحها زوج غيره، والمختارة مثل ذلك، وإذا قال لزوجته: أنت طالق ولو لم يكن جاز بها طلقت من حين ما فرغ من كلامه وحلت للأزواج ولا عدة عليها، وإذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، ولم يكن جاز بها بانت بواحدة وكانت التطليقتان الباقيتان فيما لا يملك جاز له أن يرجع إليها بنكاح جديد وولي وشاهدين ورضى المرأة وصداق، وإذا قال: أنت طالق للسنة ولم يكن جاز بها وحاضت حيضة وطهرت طلقة وبانت منه، وإن كان قد جاز بها وقال: أنت طالق للسنة فإذا طهرت من حيضها طلقت وجاز له مراجعتها بعد ذلك بشاهدين ما لم تنقض العدة أو تبين منه بثلاث تطليقات أو فدية بثلاث، فلا رجعة إليها حتى تنكح زوجاً غيره، وإذا قال لزوجته الصغيرة: أنت طالق للسنة طلقت إذا هل الهلال، وقال قوم: إذا خلا شهر طلقت، فإن كانت ممن لا تحيض وقال: أنت طالق للسنة فإذا هل الهلال طلقت أو خلا شهر مذ طلق على ما قلنا، وإن كانت حاملاً فقال: أنت طالق للسنة طلقت من حينها بلا اختلاف في ذلك من أحد، فهذا طلا السنة وليس له أن يطلقها ضراراً والضرار أن يطلق واحدة ثم إذا دنا انقضاء العدة راجعها ثم طلق أخرى ليضارها ويمنعها من الأزواج فهذا حرام واعتداء منه.
الباب السابع والثمانون
في طلاق البدعة وما أشبه ذلك (1/184)
صفحة 185
وإذا طلقها للبدعة أو جاهلية طلقت أيضاً، وذلك أنه إذا قال: أنت طالق اثنتين بكلمة واحدة، أو قال: أنت طالق ثلاثاً لا يقول للسنة ولا غيرها ولا بعد طهرها فذلك بدعة، وإذا قال جاهلية: أنت طالق اثنتين أو قال: أنت طالق ثلاثاً فذلك بدعة، وإذا قال: أنت طالق عشراً، أو قال: أنت طالق ألفاً، أو مائة، فإنها تبين ولا سكنى عليه ولا نفقة ويكون ظالماً لها ولنفسه، وفي قوله: أنت طالق اثنتين فله الرجعة ولها السكنى حتى تنقضي العدة، وإذا قال: أنت طالق ملء بيت أو ملء قفيز أو ملء الدنيا، فذلك واحدة ما لم يرد أكثر من ذلك، وإن قال: أنت طالق عدد النجوم، بانت بثلاث والباقي عليه أوزار، فإن قال: أنت طالق عدد الرمل وورق الشجر وزبد البحر، فإنها تبين بثلاث، وإذا قال: أنت طالق أكبر الطلاق أو أعظمه أو أصغره أو أفحشه، أو أشده، أو أقبحه فإنها واحدة، وإن قال: أنت طالق أكثر الطلاق فهما اثنتان، وإن قال: أنت طالق كل الطلاق فهي ثلاث والله أعلم، وفيه اختلاف وسل عن ذلك، ومن غير الكتاب، وقد قيل إذا طلق زوجته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فهي واحدة، وإذا قال: أنت طالق واحدة في ثلاث ففي ذلك اختلاف، فقول واحدة وليس هو مثل ضرب الحساب وقول ثلاث تطليقات، وإذا طلقت المرأة زوجها فلا يكون طلاقاً والله أعلم، وإن قال أنت طالق ما شرقت الشمس وما غربت فهي واحدة، وإن قال: أنت طالق إذا شرقت الشمس وإذا غربت فهما اثنتان، وإن قال: عند شروق الشمس وعند غروبها فهي اثنتان، وإذا طلعت الشمس طلقت واحدة وإذا غربت طلقت أخرى فصار اثنتين، وإن قال: أنت طالق كلما شرقت الشمس وكلما غربت، فإنها تطلق ثلاثاً في تلك الأوقات تتبع بعضها بعضاً، وإن قال: أنت طالق كلما طلقتك، فإذا طلقها واحدة فإنها تطلق اثنتين وقد قيل ثلاثاً، وإن قال: أنت طالق كلما وقع عليك طلاقي فطلقها واحدة طلقت ثلاثاً، وإن قال: أنت طالق تطليقة قبل تطليقة قالوا واحدة، وإن قال أنت طالق تطليقة قبلها (1/185)
صفحة 186
تطليقة فهي اثنتان، وكذلك إن قال بعدها تطليقة، وإن قال: أنت طالق اليوم وغداً طلقت اليوم وغداً حشواً، وإن قال: أنت طالق إذا جاء غد طلقت غداً حين يطلع الفجر، وإن قال أنت طالق أمس إذا جاء غد، طلقت من حينها، وإن قال: أنت طالق إذا هل الهلال طلقت إذا هل الهلال، وإن قال: أنت طالق إن كلمت زيداً وعمراً، فلا تطلق حتى تكلمهما جميعاً، وإن قال: أنت طالق إن كلمت زيداً أو عمراً فأنت طالق فكلمت أحدهما طلقت، وإن قال: إن حدثتني بهذا الحديث الذي أخبرك به أحداً فأنت طالق، فحدثت به صبياً طلقت، وإن قال: إن حدثني به فأنت طالق فحدثت ببعضه ولم تحدث به كله لم تطلق حتى تحدث به كله، وإن قال: إن دخلت بيت فلان فأنت طالق فدخل منها شيء طلقت، لأن الطلاق لا يتجزأ وإن دخلت ناسية طلقت وإن أدخلت كرهاً لم تطلق، وقد قيل تطلق، وإن قال: إن دخلت بيت فلان فأنت طالق وهي فيه داخلة فإنها لم تخرج منه مع فراغ كلامه طلقت، وإن قال: إن أكلت هذا الخبز فأنت طالق وهو خبز محودد فأكلت بعضه لم تطلق حتى تأكله كله، وإن كان الخبز غير محدود طلقت، وإن قال: إن شربت الماء الذي في هذا الكوز فأنت طالق، فشربت بعضه لم تطلق حتى تشربه كله، وإن قال: إن لم تشربي الماء الذي في هذا الكوز فأنت طالق والكوز لا ماء فيه، فإنها تطلق لأنه حلف على معدوم، وإن كان فيه ماء فجاءت تشربه فلم تجده شيئاً أو سبقها عليه من شربه طلقت، وإن قال: إن لم تشربي الماء الذي في هذا الكوز وهو لا يدري ما في الكوز ماء ولا غيره فإنها تطلق، لأنه حلف على غيب وأيمان الغيب كلها حنث، ومن حلف بطلاق زوجته فقال: إن من مات على هذا الدين الإباضي فهو من أهل الجنة، ومن مات على غيره فهو من أهل النار، فقيل إن زوجته لا تطلق، وإن قال إن كان ما في هذه الجواليق براً فأنت طالق فوجد فيها براً، فإنها لا تطلق لأنه لم يكن فيها بر كما حلف، وكان براً وذرة، وإن قال: إن كان فيه هذه الجواليق بر فأنت طالق، (1/186)
صفحة 187
فوجد فيه براً وذرة فإنها تطلق لأنه فيها بر، كما حلف عليها، وإن قال: إن ذهبت إلى أمك فأنت طالق فخطت خطوات ذاهبة طلقت، وإن لم تصل، وإن قال: إن خرجت إلى أمك فأنت طالق فخرجت إلى أمها من باب الدار تريد خارجة إلى أمها طلقت، وإن قال: إن مضيت إلى أمك فأنت طالق فخطت خطوات ماضية طلقت لأن المضي ذهاب، وإن قال: إن خرجت من منزلي بغير أمري فأنت طالق، فخرج من غير أن يأمرها وبلا أمره طلقت، وإن قال: إن خرجت بغير علمي فأنت طالق فخرجت وهو يراها لم تطلق حتى تخرج وهو لا يعلم بها، وإن قال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق: فخرجت وهو يراها طلقت حتى يأذن لها، فإن أذن لها مرة وخرجت فقد أذن لها فلا تطلق إذا خرجت والله أعلم بذلك، وإذا قال لزوجته: إذا بدأتك بكلام فأنت طالق فقالت المرأة: إن بدأتك بكلام فعبيدي أحرار فكلمها ثم كلمته فلا يقع طلاق ولا عتاق لأنها حلفت بالعتق بدأته بالكلام حالفة ثم كلمها وقد بدأته فلا يقع طلاق وكلمته من بعد أن كلمها ثانية، وقد بدأها أيضاً فلم يعتق عبيدها، وإن قال لزوجته أو جاريته: إن فتحتما هذا الباب فأنت طالق وهي حرة، ولم يكن بد من فتح الباب فوهب جاريته لزوجته وفتحت الجارية الباب وليست له فلم يعتق ولم تفتح الزوجة الباب لم تطلق، وسلمتا جميعاً، فإن قال: إن كان ما في بطنك غلام فأنت طالق مرة، وإن كان ما في بطنك جارية فأنت طالق اثنتين، فولد غلاماً وجارية أنها لا تطلق، فإن قال: إن كان في بطنك غلام فأنت طالق واحدة، وإن كان في بطنك جارية فأنت طالق اثنتين، فولدت غلاماً وجارية طلقت ثلاثاً، وإن قال: إن ولدت غلاماً فأنت طالق واحدة، وإن ولدت جارية فأنت طالق اثنتين، فولدت غلاماً وجارية لم ندر أيهما ولد قبل صاحبه فإن في الاحتياط أن تطلق اثنتين، وتنقضي العدة بالولد الثاني ولا يقع به طلاق، والحيلة في الطلاق إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت دار زيد فدخلته من فوق سطحه أو من نقب كان فيه فلا تطلق، (1/187)
صفحة 188
وكذلك إذا قال لها: إن خرجت من هذا البيت فأنت طالق فصعدت فوق سطحه وهبطت منه أو خرجت من نقبه فلا يقع عليها طلاق، وكذلك إذا قال لها إن لم تخبريني بالذي أكلتيه من تمره وكانت تأكل وترمي بالنوى في البحر فأنت طالق، فالحيلة في ذلك أن تقول: أكلت واحدة أكلت اثنتين أكلت ثلاثاً حتى تخرج من الشك، وإن قال: هي طالق إن لبس غزلها فلبس ثوباً فيه من غزلها طلقت، وإن قال: هي طالق إن لبس ثوباً من غزلها فلا تطلق، حتى يلبس ثوباً من غزلها، فإن قال هي طالق إن أكل من مالها طعاماً فوهبت له ذلك، فأكل فذلك طعامه وليس يقع عليه شيء من الطلاق، فإن قال: هي طالق إن أكل من خبزها، فعجنت وخبزت وأعطت من طرح لها في التنور فأكل منه فإن الطلاق واقع عليها، وإن قال: أنت طالق إن لم تردي الدراهم التي أخذتيها، ولم تكن أخذت شيئاً فلا يقع عليها طلاق، والله أعلم، وقد حلف على ما لا يقدر على رده، وإن كانت أخذت الدراهم فردتهما لم يقع الطلاق، وإن قال أنت طالق إن كلمت الرجال فكلمت رجلاً طلقت لأن كلامها للرجل يقع في المعنى أنها قد كلمت الرجال، وإن قال: أنت طالق إن ذبحت هذه الشاة، والشاة قد ذبحت طلقت، ومن حلف على غيب أو على ما لا يقدر على فعله بحال فإن الطلاق يقع، وإذا حلف إن لم ينسف الجبل أو يصعد إلى السماء هذا كلام فلان وأن البحر مكانه فهذا يوجب الطلاق لمن حلف به، وإن حلف لا يدخل البيوت فدخل القبيب والأخبية فهي بيوت والله أعلم، وقد سمى الله بيت العنكبوت بيتاً والقبة التي للبداة بيت لهم، هذه مختلف في مثلها لأن بعضاً قال: لا تطلق حتى تدخل بيوتاً معروفة، وإن حلف بطلاقها ألا تأتي مأتماً فدخلت على أمها وفي بيتها ميت طلقت، وإن حلف بطلاقها ألا تذهب إلى مأتم فأتت أمها وفي بيتها ميت فرجعت، لم تطلق لأنها لم تذهب إلى مأتم، وإنما ذهبت إلى أمها، وإن حلف لا يحضر لأخيه حزناً ولا فرحاً فمات أبوه وحضر جنازته لم يحنث، وإن حلف لا يأوي على أهله (1/188)
صفحة 189
فأتاهم بالنهار حنث وطلقت زوجته، إن حلف بالطلاق، وإن حلف بطلاق زوجته لا يسكن هذا البيت فبات فيه أو جامع زوجته طلقت لأن الليل سكن والزوجة سكن، وكذلك الأكل سكن مثل النوم والجماع، وإن حلف بالطلاق فقال: إن شاء الله متصلاً باللفظ لم ينفعه الاستثناء ولم ينهدم الطلاق، لأن الاستثناء يهدم الإيمان ولا يهدم الطلاق، فإن قال: هي طالق إن شاء الله وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء، وإن قال: أنت طالق إن دخلت بيت فلان إلا أن يشاء الله نقع الاستثناء ولم تطلق، وإن قال لزوجته: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا فقالت: إنها قد فعلت وقع الطلاق بها، لأن القول قولها في ذلك، وإن قال لزوجته: أنت طالق إن فعلت أنا كذا كذا ففعل طلقت، وإن لم يفعل فقالت هي إنه قد فعل لم يقبل قولها عليه وعليه اليمين، وإن قال: هي طالق إن فعل زيد كذا، كذا، فقال زيد إنه فعل لم يقبل ذلك إلا بالصحة، وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا فهي زوجته حتى تفعل، وإن شهد عليه رجلان بحق فحلف بالطلاق أنهما شهدا ليه زوراً لم تطلق في الحكم لأنه حلف على علمه، وإن قالت له: يا ابن الزانية، فقال: إن كانت أمه زانية فهي طالق، فلا يقطع الطلاق حتى يعلم أنها زانية مع الناس، وإن قالت له: يا سفلة، فقال: إن كنت سفلة فأنت طالق، فإن كان كافراً فهو سفلة طلقت، وإن مر على نساء وقال: إحداكن طالق وفيهن له امرأة طلقت.
وإن قال لزوجته أنت طالق إن رض فلان أو إن شاء فلا فلم يرض فلان أو لم يشأ فلا يقع طلاق، كان بالغاً أو صبياً أو مجنوناً، وإذا لزوجته: هي طالق بضم اللام، فقال إنه لم ينو به طلاقاً، فالقول قوله، وكذلك إذا مر على عبيد، وقال أحدكم عتيق وله فيهم عبد وقع العتق، علم أنه فيهم أو لم يعلم والله أعلم. (1/189)
صفحة 190
وإن قال: يا طوالق طلقت أيضاً، وإن تعلقت به وقالت طلقني فأخذ بقرن شاته فقال أنت طالق طلقت زوجته حتى يقول أنت طالق يا شاة، ولا يقبل قوله إنه أراد الشاة حتى يقول أنت يا شاة طالق، وإذا لك تكن تخاطبه بالطلاق فقال أنت طالق طلقت ولو لم يسم باسمها، وإذا لم تكن تخاطبه فقال: أنت طالق فقالت: أنت طلقتني فقال: لا، كان القول قوله في الحكم، وإن قال: أم عمرو طالق ما كان كذا وكذا وقد كان ذلك طلقت، فإن قال لم أعن لزوجتي فلا يقبل قوله لأن الحكم يتوجه إلى الزوجة.
الباب الثامن والثمانون
في ما يقع به الطلاق وما لا يقع (1/190)
صفحة 191
وطلاق الحكاية والخبر عن غيره لا يجب به الطلاق، وذلك إذا قال لزوجته: عمروا طلق امرأته فقال: كيف قال لها: قال: أنت طالق لم يلحقه طلاق، وإن قرأ كتاباً يذكر فيه الطلاق، وهو يقرأ الكتاب ويقول: امرأته طالق يقرأ خبر الكتاب لم تطلق، وإذا قال ماذا علي لو ذهبت إلى أهلك فقلت إني طلقتك ثلاثاً؟ وإذا قال لقد أغضبتني أمس حتى أردت أن أقول: أنت طالق ثم من الله علي، فلا يقع الطلاق عليه، لو قال: لو قلت أم عمرو طالق لكان ذلك إلي ولكن لا أقول لم يقع الطلاق، ولو قال عبدالله لهند زوجته: أنت طالق ثلاثاً لم يلزمه طلاق، وما كان مثل هذه الحكاية فلا طلاق حتى يعزم على الطلاق، ومن طلق زوجته ثم حلف بطلاقها لحقها الطلاق، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما كانت المرأة في العدة، ومن أجبر على طلاق زوجته حتى طلقها مخافة الضرب أو القتل لم تطلق، ومن طلق ناسياً طلقت، ومن غلط لم يلزمه في الحكم، ولا فيما بينه وبين الله، لأنه لا غلط على مسلم، ومن رأى في المنام أنه طلق زوجته لم يلزمه شيء حتى تطلق، ولو قص عليه رؤياه لم يلحقه طلاق، لأن الأشياء على الفعل والعزم في النيات والمقاصد لها، وقيل في جل حلف بطلاق زوجته لا يكلم فلاناً أو لا يفعل شيئاً وكلمه أو فعله* لم يحنث، وكذلك إذا كلمه مكرهاً لأن اليمين يعقدها الإنسان على ما تجب قدرته فليس في قدرته الامتناع من النسيان، والله أعلم، وإذا قال الرجل فلانة بنت فلان طالق ولم يكن سمعته زوجته وقال: عنيت بغيرها فله نيته وإن حاكته حكم عليه بالفراق.
الباب التاسع والثمانون
في المخاطر (1/191)
صفحة 192
ومن خطر بباله طلاق زوجته لم يقع طلاق ولو قال له الخاطر متي تكلمت أو مشيت أو صليت أو تحركت أو نمت أو قمت أو تحرك الدقل أو الرياح لزمك الطلاق، لم يكن بذلك طلاق ولا يلزمه طلاق، ولو قال له الخاطر: متى ذكرت شيئاً من هذا لزمك الطلاق لم يكن ذلك شيء ولا يلحقه طلاق، وإن كان سبح الله أو كبر أو هلل الله أو عظمه فخطر بباله الطلاق لم يكن ذلك شيء، وإن سبح الله أو حمده ونوى بذلك طلاقاً لم يلزمه طلاق، ومن حلف بطلاق زوجته على فعل ثم خالفها ثم فعل ثم ردها لم يلحقه طلاق، وقيل إذا طلقت نفسها مرسلة ولم تسم واحدة ولا اثنتين فأكثر القول أن الإرسال من المرأة كالثلاث وليس له ردها، وإن طلقت نفسها طلاقاً رجعياً فله ردها والله أعلم، ومن جعل طلاق زوجته في يدها وطلقت نفسها في مقامها طلقت، وإن لم تطلق حتى يفترقا من مجلسهما لم تطلق عند الأكثر من أصحابنا، وقد خرج الطلاق من يدها، وإن كان يحق لم يخرج الطلاق من يدها حتى تؤديه، وإن جعل طلاقها بيد رجل لم يخرج الطلاق من يده حتى يرتجعه من يده، إلا أن يكون جعله في يده بحق فليس له فيه رجعة حتى يؤدي الحق، فإذا جعل طلاقها بيدها فطلقت نفسها بانت منه عندهم وإن شاءها فبتزويج جديد، وقيل إذا كتب الرجل طلاق زوجته فلا تطلق حتى يقرأه، وقول تطلق وكذلك إذا كتب في الهواء بمداد أو غيره، والصبي لا يجوز طلاقه حتى يبلغ، وإن طلقها الوكيل وكان بق بينهما شيء من الطلاق فله الرجعة إن لم تبن منه بالثلاث، وليس للوكيل أن يطلق إلا كما يجعل له، والواحدة من المرأة عندهم كالثلاث من الزوج، وتبين، وإن جعل طلاقها بيدها إلى هلال شهر كان في يدها إلى ذلك، فمتى رأت الهلال فلم تطلق نفسها خرج ذلك من يدها، وعند أصحابنا أن بيع الطلاق جائز لغير المرأة، ولا تطلق حتى يطلقها المشتري، وإذا كان البيع للمرأة فجائز ويقع الخلع، لأنه فدية الثمن، وعندهم أن الرهن في الطلاق جائز، وإذا طلق المرتهن أو الزوج وقع الطلاق (1/192)
صفحة 193
وفي نفسي من رهن الطلاق.
الباب التسعون
في أسماء الطلاق من الصريح والكناية
إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق فقد صرح وبين الحكم، وإن قال قد سرحتك أو قد فارقتك وأراد به الطلاق وقع الطلاق، وإن كان ذلك القول مطلقاً، فقال قوم إنه مثل الطلاق، وقد قال الله تعالى: { فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } * ومنهم من لم يوجب ذلك، وطلاق الكناية مثل قوله: اذهبي واشتري وتباعدي عني واعتدي وتزوجي والحقي بأهلك، أو أنت مني بريئة أو خلية وحبلك على غاربك، ونحو هذا هو الذي يريد به الطلاق، ويكنى عن ذكره فإذا أراد به الطلاق وقع وإن لم يرد به الطلاق فقد اختلفوا فيه.
الباب الحادي والتسعون
…ذكر الإيلاء (1/193)
صفحة 194
والإيلاء هو الألية باليمين، أن يحلف الرجل بطلاق زوجته على فعل، وذلك مثل قوله: إن جامعتك فأنت طالق، فإن جامعها فأمضى حرمت عليه، وإن طعن بقدر ما يلتقي الختانان ثم نزع طلقت وله مراجعتها، وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، والذي عندي إن قربها قبل أن تمضي أربعة أشهر حرمت عليه، وإذا قال: إن لم أجامعك فأنت طالق فتركها أربعة أشهر، بانت بالإيلاء، وإذا قال: إن أخرج إلى بلدة فلانية فأنت طالق فلم يخرج حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وقيل إن أجل الأمة في الإيلاء شهران نصف أجل الحرة، وإن قربها قبل أن تخرج حرمت عليه وما كان مثله وحروف الإيلاء، فأما إن لم وإذا لم في الجماع إيلاء وفي غيره ليسا بإيلاء وإن وإذا في غير الجماع إيلاء، وفي الجماع ليسا بإيلاء، هي إن وإن لم وإذا وإذا لم، كقوله: إذا لم أطلقك فأنت طالق، فإن لم يطلقها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وإن قربها حرمت عليه، وإذا قال: إن لم يقدم زيد فأنت طالق فإذا لم يقدم زيد حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء ولا يطأ، وكقوله: إن قدم زيد فأنت طالق فقد قيل إنه لا يطأ لأنه يمكن أن يطأ، وقد قدم زيد فيكون قد وطئ حراما، وإذا قال إن لم يجيء عمرو من سفره فأنت طالق فإنه لا يطأ، وإذا لم يجيء عمرو حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وقوله إن لم تدخل الدار فأنت طالق فهو لا يطأ، وإن لم تدخل الدار إلى أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وقوله: إن لم تأكل هذا الطعام فأنت طالق فهو لا يطأ، فإن لم تأكل هذا الطعام حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وهي تطليقة تحل للأزواج من يومها، ويكون هو خاطبا في الخطاب كغيره إن رجعت إليه، فبولي وشاهدين وصداق، وإن وطئ فيما يلزم الإيلاء حرمت عليه، وأما إذا قال أمرك بيدك يريد الطلق فطلقت نفسها فهو مثل قوله: طلاقك بيدك.
الباب الثاني والتسعون
في الخيار (1/194)
صفحة 195
وأما الخيار فإذا خيرها بينه وبين نفسها فقال لها: اختاريني أو اختاري نفسك، فاختارت نفسها طلقت، وقد قال قوم لا تطلق حتى يريد به الطلاق، وإن قال: اختاريني أو اختاري أباك أو أمك، فاختارت أباها أو أمها لم تطلق حتى يريد به الطلاق، وإن اختارته فلا طلاق، وقيل إذا اختارت المرأة نفسها بتخيير الزوج لها أو تزوج عليها أمة، فإنها تخرج بلا طلاق وتكون تطليقة، قالت عائشة عليه السلام: خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه، فلم ير ذلك طلاقاً، وما كان من الخيار مثله، وقد اختلفوا في الخيار، فمنهم من قال تطليقة بائنة، وقد قيل عليه صداقها، ومنهم من قال رجعية.
الباب الثالث والتسعون
في الخلع (1/195)
صفحة 196
وأما الخلق فهو الفدية، وهو أن تختلع المرأة بشيء من مالها، وقد قيل إن حبيبة بنت عبدالله بن أبي أو ابنته وابنة سهيل زوجة ثابت بن قيس ابن شماس الأنصاري اختلعت إليه في أيام النبي - عليه السلام -، فأجاز له أخذ الفدية، وهو أول خلع كان في الإسلام، والخلع لا يكون إلا بفدية، وهي تطليقة واحدة تبين بها وليس له مراجعتها إلا برأيها، ولا ينقص مما اختلعت منه بشيء ويزاد، وقد قيل يزاد ولا ينقص، وإذا أبرأت المرأة زوجها من حقها، وأبرأ لها نفسها بتطليقة فقد وقع البرآن بينهما، وعدتها كعدة المطلقة، ولا سكنى لها ولا نفقة، وإذا قعد للخلع وأراده وقصرا عن الكلام فقد قالوا إنه برآن، وإذا قالت له قد أبرأته من حقي وما أبرأ لي نفسي، فقال قد أبرأت لك نفسك، فقد وقع البرآن، وإن قال قبلت حقك ولا أبرئ لك نفسك لم يقع البرآن والحق عليه، وإن قالت قد أبرأتك من حقي ما أبرأتك من حقي ما أبرأت لي نفسي فقال قد أبرأت لا نفسك وقع البرآن، فإن قالت قد أبرأتك من حقي ما أبرأت لي نفسي، فقال قد أبرأت لك نفسك ما برأت من حقك وقع البرآن لأنه قد برئ، فإن قال قد أبرأت لك نفسك إذا برئت من حقك أو ما أبرأتيني من حقك لم يقع برآن حتى تبريه ثانية، لأنه قوله يقتضي منها جواباً، وإن قعدا للخلع فقالت قد أبرأتك من حقي فقال قد أبرأتك من حقي فقال قد أبرأت لك نفسك وقع البرآن بينهما، فإن قالت: قد أبرأتك نفسي فقال أنت طالق ثلاثاً طلقت والحق عليه، وإن قال قد أبرأت لك نفسك بالطلاق فهو خلع، وإن قال قد أبرأت لك نفسك بتطليقة فهو خلع، وإن قال قد أبرأت لك نفسك بثلاث تطليقات كان خلعاً بائناً لا رجعة فيه إلا بعد زوج، فإن أبرأ لها نفسها على شرط من الشروط المنتقضة لم يثبت عليه مثل ما يشرط عليها في البرآن رباية ولدها أو رضاعة سنتين، أو يقبل بما في بطنها وأمثال هذا، فإن هذا لا يثبت لأن هذا مجهول، والفدية والبرآن بأكثر من الحق مختلف فيه، وأكثر القول مع (1/196)
صفحة 197
أصحابنا لا يثبت له الزيادة في الحق إن أبرأ لها نفسها على أن لا تخرج ولا تتزوج، فإن هذا لا يثبت، وبرآن الصبية لا يثبت عليها، والحق لها، ويلزم الزوج من ذلك ما ألزم نفسه من أجل الطلاق، وإن قال قد أبرأت لها نفسها وأبرأتها بالطلاق فقد لزمه الطلاق والحق عليه، وإن كان قال قد أبرأت لها نفسها إن برئت وإذا برئت أو متى برئت من حقها لا يقع برآن حتى تبلغ وتتم البرآن أو تنقضه، أو تتم التزويج أو تغييره وتفسده، فالحكم في ذلك إليها إلى حد بلوغها موقوف ولها التغيير في التزويج والبرآن بعد البلوغ، وإن ضمن له ضامن بما يلزمه وأبرأ لها نفسها برآناً يقع في الحكم، وقع الطلاق والحق عليه للزوجة ويرجع هو به على من ضمن له بذلك، يأخذ منه كما ضمن والله أعلم، وإذا خالع الرجل زوجته فإن كانت المرأة صحيحة والزوج مريضاً ومات ففي أكثر القول لا ميراث لها منه إذا مات قبل انقضاء عدتها إذا كان بمطلب منها أعني الخلع، وإذا كان هذا الخلع بمطلب منه لها فلها الميراث في بعض القول، وإن كانت هي المريضة والزوج صحيحاً فالميراث بينهما والله أعلم.
الباب الرابع والتسعون
في رد المطلقة (1/197)
صفحة 198
وأكثر القول أن رد المطلقة والمتبرية والمختلعة سواء في باب لفظ المراجعة، والمطلقة ترد وإن كرهت، والمختلعة لا ترد إلا برأيها، فإذا أراد رد المطلقة ومراجعتها ردها بشاهدي عدل، ولفظ الرد أن يقول: اشهدوا أني قد رددت زوجتي فلانة بنت فلان بحقها وما بقي من طلاقها فذلك جائز، وإن قال: قد رددتها وراجعتها بحقها على ما بقي من طلاقها فذلك جائز، وإن قال: رددتها وراجعتها بحقها، وإن قال قد رددتها على ما كنا عليه من الزوجية فذلك جائز، وإن قال: اشهدوا أني قد راجعتها على ما بقي من طلاقها ولم يذكر الحق فذلك جائز، وقد قيل إنه إذا ذكر الحق عند المراجعة لزمه، وقيل إن المطلقة إذا غسلت بماء نجس أنها تفوت مطلقها، وقيل إن الرجل بعلمها كان الرد بعلمها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: »السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية«، وإن قال: اشهدوا أني قد راجعتها على ما بقي من طلاقها ولم يذكر الحق فذلك جائز، وقد قيل إنه إذا ذكر الحق عند المراجعة لزمه.
وأما إذا قال: اشهدوا أني قد راجعتها على صداقها، بما بقي من طلاقها فذلك جائز.
الباب الخامس والتسعون
في رد المختلعة (1/198)
صفحة 199
وأما المختلعة فإذا قال: اشهدوا أني قد رددتها بحقها على ما بقي من طلاقها جائز إذا رضيت بذلك، وإذا قال: قد رددتها وراجعتها على صداقها بما بقي من طلاقها فذلك جائز برأيها ورضاها في ذلك، وفي قول آخر في رد المختلعة يقول: اشهدوا أني قد رددت على فلانة مالها الذي اختلعت إلي منه وقد رجعت عليها في نفسها بذلك، وتقول هي: اشهدوا أني قد قبلت ما رده علي من الصداق، وقد رددت نفسي عليه على ذلك، وإن قال: قد رددت عليها حقها أو قال صداقها الذي اختلعت إلي منه أو قال الذي بريت إلي منه أو الذي أبرأتني منه وقد رجعت عليها في نفسها بذلك فذلك جائز في رد البرآن، والأول أرفق بالمرأة عند المراجعة، واللفظ يختلف والمعنى والمراد فيه واحد، وتزاد المتبرية ولا تنقص، والمطلقة جائز أن ترد بلا حق بما اتفقا عليه، والمطلقة ترد وإن كرهت، والمختلعة لا تكون المراجعة إلا بإذنها، وإن حضرت فجائز، وإن غابت أعلمها الشاهدان في الرد من الخلع والطلاق، وإن كان الطلاق بلا علمها جائز له أن يراجعها بلا علمها، وإن كان الطلاق بعلمها لم يكن بد لها من أن تعلم بالمراجعة بشاهدين بحضرتها أو يعرفانها، والمختلعة لا يجوز إلا برأيها وحضرتها مع الشاهدين أو يعرفها الشاهدان من بعد، وتقبل ما رد عليها من الصداق، وليس لها أن تجيزه على نفسها من غير أن تعلم المراجعة، من البينة ولا يقبل قوله في ذلك ولا تصدقه، وإن جهلت وأوطأته نفسها على أنه قد راجعها تصديقاً له، فعليها أن تعتزله ويتعرف ذلك من البينة، فإن أحضر البينة وأرخت أن الرد كان في العدة قبل الوطء كانت زوجته، وإن لم يؤرخ الشاهدان ذلك رأيت الفراق واقعاً عليها، لأن ذلك لا يجوز تصديقه فيه، وإن مات الشهود لم يقبل منه إلا أن يأتي بشاهدي عدل يشهدان أنه كان ردها مع بينه سموا بأسمائهم قبل الوطء، وإن طلقها ثم أشهد على رجعتها ولم يعلمها وتركها وغاب عنها ولم يعلمها الشاهدان بالرد حتى تنقضي العدة فقد بانت (1/199)
صفحة 200
منه، إلا أن يأتي بشاهدي عدل يشهدان أن الرد كان في العدة، ويؤرخان ذلك، وإن لم يعلمها الشاهدان حتى انقضت العدة وتزوجت ثم قام الشاهدان بشهادتهما لم تقبل شهادتهما وقد ثبت الزوج الأخير، ولو كانا عدلين أو عدولاً لم يفرق بينهما وبين زوجها بعد أن طلقت وانقضت العدة وتزوجت على الكتاب والسنة، ولا أرى له أن ينظر إلى فرجها قبل مراجعتها لأنه قد فعل فعلاً يمنعه عن ذلك وهو الطلاق الذي يحرمها.
الباب السادس والتسعون
في ذكر العدة في الطلاق والخلع وغيره (1/200)
صفحة 201
وقال الله تعالى: { والطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } * ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من انقضاء العدة بالولد، والمطلقة واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً والمختلعة من الزوج بالفدية إذا كانت ممن تحيض، فعدتها ثلاث حيض تامة، أقل كل حيضة ثلاثة أيام، وهي مصدقة في انقضاء العدة في ذلك إذا قالت: إنها قد انقضت عدتها صدقت وقبل قولها، إذا خلالها شهر أقل ما قالوا أو تعسة وعشرون يوماً على أنها ثلاث حائض فعشر طاهر، وثلاث حائض وعشر طاهر، وثلاث حائض فذلك تسعة وعشرون يوماً، وقد قيل تسعة وثلاثون يوماً، لأن الأقراء هاهنا الأطهار، عشر طاهر وثلاث حائض، وعشر طاهر وثلاث حائض، وعشر طاهر وثلاث حائض، فذلك تسعة وثلاثون يوماً، هذا أقل ما تصدق فيه المرأة في انقضاء العدة في الحيض، وإذا قالت إنها قد حاضت ثلاث حيضات وانقضت عدتها قبل قولها في ذلك، وإن استمر بها الدم ولم ينقطع عنها فعلى قول أنها تعتد ثلاثة أشهر على أن في كل شهر حيضة، وقد قيل أكثر أيضاً تقعد على ما قالوا، والذي يقول ثلاثة أشهر يحتج يقول الله تعالى: { إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } *، وإن كانت المرأة قد كبرت وأيست من المحيض أو جارية لم تحض فعدة كل واحدة ثلاثة أشهر، قال الله تعالى: { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } *، واللائي لم يحضن فهاتان عدتهما كل واحدة ثلاثة أشهر، التي قد أيست من المحيض من الكبر ثلاثة اشهر، والصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر، والحامل عدتها أن تضع حملها، وهو أجلها في العدة، قال الله تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } *، فهذه إذا وضعت انقضت عدتها وهي مصدقة في نفسها في ذلك، متى قالت إنها انقضت عدتها بسقط قبل قولها، أو ولد قبل قولها إذا وضعت سقطاً بين الخلق، فقد انقضت عدتها بوضع ما في بطنها من الولد والحمل الذي كان بها، والمرأة التي لم تحض وهي امرأة ثم طلقت، إنها في الاحتياط تعد (1/201)
صفحة 202
سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة لتخرج من الشبهة لأنها امرأة لم تحض، وأما الصغيرة فثلاثة أشهر، وإذا كانت امرأة ممن تحيض ثم طلقت فلم تحض فإنها تعتد بالحيض وتقعد عن التزويج حتى تحيض ثلاث حيضات ثم تتزوج، فإن لم تحض لم تنقض العدة ولم تعتد بالشهور حتى تصير في حد النساء اللائي يئسن من المحيض، وإياسهن أن تصبر من الكبر في الحال التي لا يحيض مثلها، وقد اختلفوا في هذا المعنى، وأقول إذا بلغت في الكبر ابنة ستين سنة ولم تحض أترابها فقد أيست من المحيض وتعتد بالشهور ثلاثة أشهر، وقد انقضت عدتها والله أعلم، والتي يجامعها السلطان، فقال بعض: تعتد بحيضة واحدة، وبعض قال: لا عدة عليها، وذو السفاح واجبة عليها العدة ولا بأس بمواعدتها في العدة، وكذلك الأمة لا بأس بمواعدتها في العدة والله أعلم، قال الناسخ وجدت في الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنه - إذا حاضت المرأة حيضة واحدة حين بلغت وطلقها زوجها ولم يرجع إليها الحيض أنها تعتد سنة، وكذلك لو رأت الدم يوماً أو يومين فعدتها سنة لأن أقل الحيض ثلاثة أيام والله أعلم، والمطلقة لا تخرج من بيتها ولا تبيت في غيرها حتى تنقضي عدتها، وعلى الزوج المطلق لها النفقة ما دامت في العدة ولا يحل له أن يخرجها من بيتها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، والفواحش هو الزنى والقذف، وإن غاب ثم طلقها وتركها، تأكل من ماله بحق الزوجية، ولم تعلم حتى خلالها أكثر من انقضاء العدة فإذا لم يبلغها طلاقه فلا رد عليها فيما أكلت من ماله، وعليها أن تعتد ثلاثة حيض من وقت ما صح معها خبر الطلاق، حتى تستأنف ذلك بقصد ونية، ولو حاضت ثلاث حيضات لم تنقض بهن العدة حتى تستأنف ذلك بقصد، والمطلقة تلبس ما شاءت من الثياب وتطيب وتلبس من الحلي والحرير في العدة جائز ولا حرج عليها، ولا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها، ولا يحل لها أن تواعد في التزويج وهي في حال عدتها حتى تنقضي العدة، وإن واعدت أحداً في عدتها لم (1/202)
صفحة 203
يجز له أخذها ولا يحل لها، وإن تزوجها أحد في العدة فرق بينهما ولا يجتمعان أبداً، وقد كره أصحابنا التعريض للمطلقة في العدة حتى تنقضي عدتها، وقد حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة لقوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } *.
الباب السابع والتسعون
في عدة المميتة
وعدة المميتة أربعة أشهر وعشر، إذا مات زوجها تربصت عن التزويج أربعة أشهر وعشر، ولها البروز جائز وليس لها أن تلبس ثياب الصبغ والزعفران، والشوران، ولا تمس الطيب ولا الكحل لزينة، ولا تلبس ثياب الحرير لزينة إلا أن يكون من ضرورة، ولا تكتحل بالإثمد وتكتحل بالدواء، لا يحل لها أن تأكل من مال الميت شيئاً، لأنه حين مات زال ماله إلى الورثة، إن أكلت بجهالة أو خطأ أو غلط ضمنت لهم وحسبت ذلك من ميراثها من الزوج، فإن كانت حاملاً فلا نفقة لها أيضاً إلا في حصتها، فإن لم يكن لها حصة لم تأكل من مال ورثة الهالك شيئاً، والله أعلم، وإن كان زوجها غائباً وجاءها خبر موته وقد خلا من الأيام ما تنقضي العدة، فإنها تستأنف العدة بقصد وتربص ونية وتعبد من الله في ذلك، وتعتد أربعة أشهر وعشراً، هذا الذي اختار لها وقد قيل إن عدتها تنقضي بمرور الأيام.
الباب الثامن والتسعون
في المظاهر (1/203)
صفحة 204
وأجل الظهار أربعة أشهر كأجل الإيلاء، لأنه يجري مجرى اليمين، قال الله تعالى: { والذين يظاهرون منكم من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } * يعودون: لجماع الزوجات: { فتحرير رقية من قبل أن يتماسا } * من قبل أن يجامع { فمن لم يجد } * عتق رقبة: { فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } * فإذا قال الرجل لزوجته هي عليه كظهر أمه حرام عليه وطؤها وكان مظاهراً منها حتى يكفر بالعتق، فإن لم يجد العتق ولم يقدر على شراء لقلة ما في يده صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصوم من كبر أو مرض أو ما يمنعه من العجز من استطاعته الصوم أطعم ستين مسكيناً كفارة لظهاره فهذه الثلاث فكارة الظهار، وقيل يبدأ بالأول فالأول كما قال الله تعالى، وليس بمخير ولا يجزئه الصوم إذا وجد العتق لم يصم، وإن قدر على الصوم ولم يطعم، وإن فعل لم ينفعه ولا يعذر بالجهالة فيه إن ركب شيئاً من ذلك حتى يأتي الأمر كما ذكر الله - عز وجل -، فإذا كفر جاز له مجامعة زوجته، وإن جامع قبل أن يكفر حرمت عليه أبداً، وإن لم يكفر حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالظهار، وحلت للأزواج من يومها وحينها وكان خاطباً في الخطاب وعليه الكفارة لظهاره إن تزوجها ثانية لأنه فر من شيء هو عليه، ولا وقت عليه أيضاً في الكفارة بعد انقضاء أجل الظهار ووجوب الحنث عليه، وإن أعتق المظاهر رقبة مؤمنة مصدقة بتوحيد الله فذلك المأمور به، ويعتق رقبة بالغة تقدر على المكسبة لنفسها، فإن أعتق أعور بعين فقد أجاز بعض ذلك وقال آخرون حتى تكون رقبة مؤمنة سالمة الجوارح تقدر على المكسبة، وقد أجاز بعضهم عقت يهودية أو رقبة نصرانية، وفي نفسي من ذلك، ولا أحب إلا رقبة مسلمة قد صلت الخمس، وإن أعتق صبياً عاله حتى يبلغ، ولا يجوز له عتق زمن ولا ناقص الجوارح عن الظهار والله أعلم، وإن لم يجد المظاهر عتقاً فصام شهرين متتابعين، فإن بدأ من الشهرين (1/204)
صفحة 205
الأولين ولم يفرض فانتقض عليه صومه بمرض أو جنابة أبدل ذلك لنه قد صام ولم يفرط، وإن فرط ولم يصم حتى انقضى الشهران الأولان ثم أخذ في الصوم فصام الآخرين وبقي عليه حتى انقضى الشهران الأولان ثم أخذ في الصوم فصام الآخرين وبقي عليه يوم أو شيء فاتته امرأته، وإن انتقض صومه لم أر له البدل في الشهر الخامس، وأخاف أن تفوته، وإن لم يصم وكان يقدر على الصوم فتوانى حتى إذا تقارب الوقت وخاف الفوت أراد أن يطعم وهو يقدر على الصوم لم يجزه الإطعام وفاتته، وإن يجزئ الإطعام لمن لم يستطع الصوم، فإذا لم يستطع الصوم أطعم ستين مسكيناً أكلتين غداء وعشاء أو أكلة بعد أكلة، ولا يطعم مشركاً ولا عبداً، وإن أطعم عبداً لم يجزئه وعليه أن يطعم أحراراً، وإن أطعم عبداً ولم يعلم ثم علم به أطعم حراً مكانه، وإن لم يطعم حراً مكانه وجامع امرأته حرمت عليه لأنه لم يطعم ستين مسكيناً، كما قال الله تعالى، قد أنقص واحداً، وليس العبد مسكيناً ذلك مال وطعم المال لا يجزئ عن الظهار، وإذا أطعم ستين مسكيناً أكلة واحدة ثم عجل فجامع امرأته قبل أن يطعم ثانية فبئس ما فعل، ولا تحرم عليه إذا عاد أطعمهم بأعيانهم أكلة أخرى فقد أطعم ستين مسكيناً ولم تحرم عليه، وإن غابوا أو مات أحد منهم ولم يطعمهم ثانية حرمت عليه والله أعلم، وفي الأكلة الواحدة في تحريمها اختلاف، قد قال قوم تحرم، وإذا قال الرجل لزوجته هي عليه كظهر أمه فهو ظهار لا اختلاف فيه، ولا يقربها حتى يكفر، فإن قال لزوجته هي عليه كظهر من يحرم عليه نكاحه فهو ظهار، ومثل ذلك لو قال: هي عليه كظهر أخته أو كظهر أمه أو كظهر عمته أو خالته أو ابنته أو جدته، أو هي عليه كظهر مجوسية، أو أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو كظهر رجل كان ظهاراً، أو قال: هي عليه كظهر الدواب أو البهائم، إذا ذكر الظهر كان ظهاراً، أو قال: هي عليه كظهر من يحرم عليه نكاحه أبداً كان ظهاراً، وإن قال: هي عليه كظهر هذه (1/205)
صفحة 206
المجوسية لم يكن ظهاراً لأنه يمكن أن تسلم ويتزوج بها ولا ظهار، وإن قال: هي عليه كزوجة أخيه لم يكن ظهاراً لأن ذلك يمكن أن يفارقها أخوه ويتزوج بها فلا ظهار، وإن قال: هي عليه كأمه أو كأخته أو كل من يحرم عليه نكاحه ولم يقل كظهر أحدهم، فإن الاختلاف بينهم فيه، والذي أقول به إنه لا يكون ظهاراً إنما هو كمن حرم زوجته على نفسه كقوله: هي عليه حرام، وقوله: هي عليه كأخته كله عندنا سواء وعليه كفارة يمين مرسل ولا يلزمه ظهار في ذلك، وإن قال لزوجته: أنت كأمي أو كأختي أو ابنتي أو كأخي فإن ذلك لا يكون ظهاراً، ولا يلزمه يمين ولا غير ذلك لأن ذلك يتصرف أن يكون كأمه عنده في المنزلة كحقها وقدرها، أو تكون عنده كأمه في البر منه لها وإيجاب الحق وقدر المنزلة واحتساب الحق، فلا شيء عليه حتى يريد به غير ذلك فهذا فيمن حلف بالظهار، ومن ظاهر من امرأة لم يدخل بها لحقه الظهار، إذا كان يجد طولاً إلى ملامستها. (1/206)
صفحة 207
وإن قال لزوجته إن فعلت كذا وكذا فهي عليه كظهر أمه فلا يلحقه ظهار حتى يفعل هو ذلك، وإن عني لها إن فعلت هي كذا وكذا فهي عليه كظهر أمه فلا ظهار عليه حتى تفعل هي ذلك، ولا تلزمه حرمة ولا إيلاء ولا تبين منه حتى يحنث ولا كفارة عليه حتى يفعل، ولا تلزمه الكفارة إلا بعد الحنث ولا يجزئه إن كفر قبل الحنث، لأن الظهار لم يلزمه حتى يفعل أو تفعل هي ما حلف بالظهار على فعله، فإن قال: إن لم أفعل كذا وكذا فهي عليه كظهر أمه، فإنه ليس له أن يقربها حتى يفعل، وإن لم يفعل حتى تمضي أربعة اشهر بانت منه بالظهار، وكذلك إن قال لها: إن لم تفعلي كذا وكذا فهي عليه كظهر أمه فلم تفعل حتى تمضي أربعة أشهر فإنها تبين منه بالظهار، وإن قربها قبل أن تفعل حرمت عليه أبداً، وإنما تلزمه الكفارة في هذا إذا لم يقع الفعل منه ولا منه حتى تمضي أربعة أشهر وتبين، فإن أراد مراجعتها لزمه الكفارة لأنه فر من شيء لزمه، فإن أراد مراجعتها كفر كفارة الظهار ولا وقت عليه، وقد قيل في ذلك بالاختلاف وتركناه، وإن فعل ما حلف عليه بالظهار فيه أو فعلت هي ذلك فقد بر ولا كفارة عليه، وله وطؤها إاذ فعل قبل أن تبين بالأربعة الأشهر ولم يكن وطئ قبل الفعل، لأنه لا يجوز له أن يطأها قبل أن يفعل ما قال إن لم يفعل، ولا ينفعه إن كفر وترك الفعل لأن اليمين بالظهار معلقة على فعل لزمه فيه الإيلاء، وما كان مثل هذه الأشياء التي قد بينت لك فيها وهي نحو هذا.
الباب التاسع والتسعون
في المفقود (1/207)
صفحة 208
والمفقود هو الذي يصح أنه كان في صف الحرب ثم ينجلي ولا يدري أمات أو حي أو قتل، والذي يكون في السفينة فتنكسر ثم لا يعلم أحي أم غرق أم مات، والذي يكون في الحريق، والذي يحمله السيل، أو يحمله السبع، فهؤلاء مفقودون، والمفقود مدته أربع سنين، وماله له وهو على حكم الحياة، وارث لكل من مات من ورثته حتى ينقضي أجل فقده، وهو وارث مع الورثة ونفقة زوجته وعياله من ماله إلى مدة الأربع السنين، وليس لوارثة في الأربع السنين في ماله حجة ولا مدخل، فإذا انقضت الأربع السنين أماته أهله، وتقاسموا ماله وطلقت زوجته، واعتدت أربعة أشهر وعشراً، وبانت ولا نفقة لها في عدة الأربعة الأشهر لأن تلك عدة مميتة لا نفقة فيها.
وإذا انقضت الأربعة الأشهر والعشر فلها أن تتزوج، وإن لم يطلها الأولياء فالحاكم، ولا تتزوج إلا بعد الطلاق وانقضاء العدة كما وصفنا، ولها بعد ذلك صداقها من ماله إن كان لها حق عليه، وإن تزوجت امرأة المفقود بعد الأربع السنين وأربعة أشهر وعشرة أيام ولم تطلق فقد اختلفوا في الفراق بينهما، فقال قوم: لا يفرق بينهما، ومنهم من فرق وفي نفسي من الفراق ولا أقدم عليه، لأن ذلك طلاق لا يوجب حكماً لو قدم لم يقع موقعه، وإن مات لم يحتج إلى طلاق، والذي يطلق زوجة المفقود لا يجوز له تزويجها، فإن قدم المفقود وقد تزوجت زوجته فإنها تعتزل الزوج الأخير من حين ما علمت بحياة الأول، فإذا قدم المفقود، كان له الخيار إن شاء زوجته، فهي امرأته على النكاح الأول، ولا يقربها حتى تعتد من مطء الأخير، فإن كانت حاملاً فحتى تضع ثم بعد ذلك له مجامعتها، وإن لم يخترها واختار الصداق فله أقل الصداقين، وإنما له الخيار بينهما وبين أقل الصداقين الذي عليه والذي من عند الأخير فيأخذه إذا لم يردها وتكون مع زوجها الأخير، ولا عدة عليها منه إذا لم يخترها المفقود، والله أعلم. (1/208)
صفحة 209
وإذا لم يكن للمفقود عصبة وكان له ابن أو أخ لم يبلغا، وكان له أخت فلها أن تطلق زوجته وإن لم يكن له أحد من الأولياء فالحاكم يطلقها والله أعلم، وامرأة المفقود إذا جاءت بولد لثلاث سنين من فقد زوجها فحكم الولد له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: »الولد للفراش«، ولها الميراث من ماله إذا انقضى فقده قبل أن يموت هذا من التبيان والله أعلم.
الباب المائة
في الغائب وأحكامه
وأما الغائب فإنه من غاب ولم يدر أين توجه ولا ما كان من سببه، فإن ذلك غائب لا يصح موته أبداً ولو تطاول ذلك، وقد قيل فيه بالاختلاف، وأقل الاختلاف مدة مائة سنة، وماله في يد أولاده وزوجته يمتانون منه حتى يصح موته، وإن غاب ولم يدر حي هو أم ميت وقدر خلاله مائة سنة أو مائة وعشرون سنة مد مدة ذلك، أماته وارثه وقسم ماله واعتدت زوجته والله أعلم.
قول ثمانون سنة، وقول مائة سنة وثلاثون سنة، مذ ولد فيما أرجو وأحب إلي أنه في الحياة حتى يصح موته. (1/209)
صفحة 210
وإذا غاب رجل أو امرأة ولم يدر أين توجه وله مال في يد رجل فماله في يد من هو في يده حتى يصح موته، وإن كان في يد بنيه وزوجته فذلك هو في أيديهم والمئونة التي عليه في المال تجري على من له عليه نفقة أو مئونة، ووصاياه لا تؤدى حتى يصح أنه مات، وتنفذ وصيته ويقسم ماله بعد الصحة، وإن كان ماله لم يكن بيد أحد وتنازع فيه الورثة ولا زوجة ولا مئونة فيه ولا وصية لأحد ولا حقوق لأزمة، فأحب إلى أن يضمن ذلك المال ورثته ويكون في أيديهم ضماناً حتى يصح موته وهم ضمناء فيه، وإن أقام الإمام للمال وكيلاً قبضه الوكيل وكان في يده له أمانة حتى يقدم أو يصح موته، وإن لم يعرض له الحاكم أخذه الورثة فهو عليهم ضماناً، وهم ضمناء فيه ليسوا بأمناء، إلا أن يشهدوا على أنفسهم أن هذا مال فلان الغائب تحتسب له فيه ونقبضه حفظاً له وهو أمانة له عندنا، فلا نأكل منه شيئاً حتى يقدم، فإن على ذلك إذا لم يقبضوه إلا على حد الأمانة فهم أمناء فيه، ومن أخذ منه شيئاً ضمنه، وإن كان ما خلف الدراهم ودنانير كله ذلك أمانة له، فإن كان حاكم أو قوام بالحق كان ذلك يلقى في بيت المال، وإن كان ذلك في يد أحد من الناس كان أمانة في يده حشرياً إلى أن يصح موته ويوصي الذي هو في يده له به، ويجعل عنده وصياً أميناً إلى أن يصح موته والله أعلم وبه التوفيق.
وإذا كان عند رجل أربع نسوة وفقدن جميعاً فإنه يتزوج إذا انقضى أجل فقدهن، وإن طلق واحدة منهن تربص سنة للحمل والحيض، وقول سنتين للحوق الولد إن كان بالتي طلقها، وإن لم يكن دخل بها فلا تربص عليه ويجوز له تزويج الخامسة وأختها والله أعلم.
الباب الحادي والمائة
في الحيض (1/210)
صفحة 211
قال الله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن } * فلا يحل مجامعة امرأة في المحيض لنهي الله عن ذلك، فقد أجمعت الأمة وجاء النهي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما نطق به الوحي في كتاب الله في النهي عن وطء الحائض وأن الواطئ في المحيض قد وطئ حراماً عليه وفعل ما لا يحل له، وأنه قد ركب ذنباً عظيماً قد نهاه الله ورسوله عن ركوبه، وأجمع المسلمون على تحريمه، ثم اختلفوا بعد هذا الإجماع في تحرمي الزوجة على زوجها، هل تحرم عليه إذا وطئها في الحيض، فحرمها قوم ولم يحرمها آخرون، وقال يكفر عن معصيته وفعله لا يحرم عليه، ووقف آخرون ولم يحلوها ولم يحرموها، وأكثر الفقهاء في عمان على حكم تحريمها على زوجها، ورأينا الأخذ بقول من أوجب الفرقة بينهما، وأن الحرمة واقعة عليه لتعديه لنهي الله قبل إباحته له مما قد حضر عليه بوقت، كالمال المحلل في وقت إلى مدة مباح لصاحبه محرم عليه قبل ذلك أخذه فعجل فأخذ في حال المدة المحضورة فأخذ حراماً عليه يوجب عليه تركه، ويحرم عليه أخذه له، مثل من له حق إلى أجل فأخذه قبل محله وقاتل وليه الذي يرثه، وأخذ الفيء قبل قسمه، وغال الغنيمة قبل أن تقسم، وكذلك المتزوج بامرأة في عدتها ويجامعها في حال ذلك، وقد نهى الله عن ذلك فحرمت عليه، ولو انتظر إلى أن تنقضي العدة لحلت له بالتزويج، وكذلك وطء الجارية قبل أن تستبرئ لو صبر لحل له فرجها فلما عجل فوطئ عليه فرج الجارية، وحرم عليه تزويج المرأة وفرجها في العدة، فكذلك الذي وطئ في الحيض المحرم عليه قد عجل في النهي فوطئ قبل أن يباح له على المدة فوطئ حراماً يفرق بينهما، وقياس الفروج بالفروج أشبه والملك بالملك أشبه، والحيض هو أذى، وهو خروج الدم من المرأة في أيام أقرائها، وهو دم ثخين له رائجة ولون يعرف به أسود منتن أسس لا يكاد يخرج من الثوب، معروف بلونه عند النساء من سائر الدم، ودم (1/211)
صفحة 212
الاستحاضة دم عق أحمر رقيق لا رائحة له متميز لونه عن لون دم الحيض، والكدرة والصفرة ليستا بحيض ولا دم استحاضة، وذلك داء في الرحم يخرج منه، والواجب على المرأة العاقلة المتعبدة أن تميز بين أحوال دم الحيض من دم الاستحاضة من الكدرة، ولا تهمل أمرها، ولا تجعل الحيض استحاضة ولا الاستحاضة حيضاً، ولا الكدرة حيضاً، وتفعل ذلك وتميزه، والأقراء من المرأة التي تحيض هي الأوقات، وأكثر القول أن الأقراء هو الحيض، وقال آخرون بل القرء هو الطهر، وقد قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمى الحيض قرءاً وذلك أحب إلي، فإذا ابتدأ المرأة الدم في حال بلوغها في أول ما جاءها حين بلغت فذلك حيض حتى يعلم أنه غير ذلك، وأنه داء قد حدث بها، فإذا جاء المبتدئة الحيض تركت له الصلاة والصوم ومنع زوجها عن وطئها، ما كان ذلك الدم بها، فإن انقطع عنها الدم قبل العشر وطهرت غسلت وصلت وصامت وحلت لزوجها، وصار ذلك عادة لها، ووقت ابتدائها، فإن دامت على ذلك فذلك وقتها، وإن زاد في الثاني أو نقص فوقتها هو الأول، وأما إن نقص عن ذلك فإذا طهرت الطهر البين فلا يجوز لها إلا أن تغتسل وتصلي، فإن زاد على وقتها ذلك الأول نظرت فيه يوماً أو ليلة، فإن انقطع غسلت وصلت ولا بدل عليها في اليوم، وإن دام على ذلك بعد انتظارها يوماً أو ليلة غسلت وصلت وكانت مستحاضة فيما يبقى من الأيام التي مد بها الدم وتبدل صلاة ذلك اليوم، وعند بعض أصحابنا تبدل إلا صلاة يوم فهي على هذا، حتى تزيد أو تنقص وتحيض ثلاثاً بالأول على حال واحد، ثم في الرابعة يرجع ذلك الوقت الثاني وقتاً لها، وإن اختلفت أوقاتها فوقتها هو الأول كما وصفت لك حتى تتحول عنه إلى ثلاثة أقراء أو ثلاث حيضات ثم يصير وقتاً لها، وإن جاء المبتدئة الدم فاستمر بها ودام بها حتى يجاوز العشر إلى الخمسة عشر وأما الذي عليه عمل أصحابنا أن أكثر الحيض عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام، والله أعلم، تركت له الصلاة (1/212)
صفحة 213
والصوم وامتنع زوجها عن وطئها، وكانت حائضاً في الدم حتى يبلغ خمسة عشر يوماً، فإن انقطع ذلك كان لها وقتاً لها في الخمسة عشر يوماً أو أقل فهو لها وقت وإن جاوز خمسة عشر يوماً لم يكن حيضاً بعد الخمسة عشر يوماً، كان ذلك وقتها ولا تجاوزه بالإجماع، وإن كان أقل انقطع كان وقتها، فإن انقطع في الثني مثل ذلك فهو وقتها، وإن انقطع في أقل من ذلك غسلت وصلت وكانت تصلي بالطهارة، فإن دام بها ثلاثاً على اقل من ذلك رجعت إليه، وإن لم يثبت فورقتها هو الأول خمسة عشر يوماً، حتى يدوم الثاني على ثلاثة أقراء لم تتحول إليه، وإن جاءها في الابتداء فدام بها الدم أكثر من خمسة عشر يوماً فليس لها أن تترك الصلاة أكثر من خمسة عشر يوماً، وتغسل وتصلي وتصير مستحاضة تغتسل وتصلي ما دام بها الدم ولو تطاول حتى يفرج الله عنها أو تعلم بيقين أن ذلك دم حيض230 (1/213)