صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية أهل الحق والاستقامة
المؤلف: محمد نمر المدني
الناشر: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع - دار طارق بن زياد للنشر والتوزيع
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 2011م
الطبعة: 4
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/735
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 رمضان 1446ه/ 15 - شهر 03 - 2025م. محمد نمر المدني
الإباضية
أهْلُ الحَق وَالاسْتِقَامَةِ
دار دمشق للنشر والتوزيع والطباعة (1/1)
صفحة 2
الناصية
أهْلُ الْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ (1/2)
صفحة 3
محمد نمر الكرني
الأَيَّاصِيَّة
أهْلُ الحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ
2011 (1/3)
صفحة 4
كافة حقوق الطبع والترجمة والتأليف
محفوظة لدار دمشق
الطبعة الرابعة
2011
الكتاب: الأباضية أهل الحق والاستقامة
تأليف: محمد نمر المدني
الناشر: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع ودار طارق بن زياد للنشر والتوزيع شارع بورسعيد - هاتف: 2266071 - 2248599 - فاكس: 2211022
س. ت: 7643 ص. ب: 5372
بريد الكتروني: dardimashq 1954@gmail.com
المطبعة: جوهر الشام
التحضير الطباعي: مركز الفوال للتحضير الطباعي - فوال وتنبكجي هاتف: 2232611 - 2239755 (1/4)
صفحة 5
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث الأول
أهل الدعوة
الإباضية في تاريخهم المبكر لم يستعملوا هذه التسمية، بل كانوا يسمون أنفسهم بـ «جماعة المسلمين» و «أهل الدعوة» و «أهل الحق والاستقامة». وأول ما ظهر تلقيبهم بـ الإباضية كان في أواخر القرن الثالث الهجري، حيث أطلقها عليهم أهل السنة، ثم تقبلوها تسليما بالأمر الواقع. وينسب مذهب الإباضية إلى الزعيم الديني المشهور بجرأته وشجاعته، وبموقفه من يزيد بن معاوية لحماية مكة (عبد الله بن إباض التميمي المري، وقد بسط بعض آرائه الفقهية في رسالة وجهها إلى عبد الملك بن مروان يتحدث فيها عن الغلو في الدين وهو لم يكن إماماً له مذهب خاص، ويقول: إن الإباضية اعتمدت على الصحيح الصريح من
الأوامر الشرعية وأتباع سنن الخليفتين أبي بكر وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما). يعتبرون طريقهم أنه إتباع الإسلام الصحيح، بمنهجه السليم القرآن والسنة. فلذلك يقولون أنهم ليسوا أتباع مذهب. وهناك من يعتبرهم أتباع المذهب الإسلامي الخامس، بعد المذاهب الأربعة المعروفة عند السنة.
والإباضية في فقههم ومعتقداتهم، هم الأقرب إلى السنة من الشيعة. ورغم ذلك فهناك بعض العناصر المشتركة بينهم وبين الشيعة، منها قولهم بمرحلة الكتمان والسرية، وإتباعهم للإمام الإباضي المنتخب والإباضية تقتدي بتعاليم القرآن الكريم والحديث النبوي، وهي على النقيض مع مذاهب الغلو.
عبر نضالهم الطويل كانت لهم أكثر من دولة إباضية. وهم ما زالوا يعتبرون أن تلك الدويلات الإباضية كانت تشكل مرحلة الازدهار الإسلامي. وفي عصرنا الحالي يمكن اعتبار دولة عمان (1/5)
صفحة 6
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الخليجية، دولة يجري فيها تطبيق فكر الإباضية. ويتمتع أهل السنة فيها بحرية تامة. نعتمد في هذا البحث على المراجع الإباضية. فهي الأجدر والأقدر على التعريف بهذا المذهب الإسلامي. ولن نأخذ بآراء المنتقدين لهم. لأن أي انتقاد يوجه إلى أتباع أية مدرسة إسلامية، نعتبره تقويضاً لبنيان هذه الأمة. وهناك أيضاً انتقاد بعضه مبطن وبعضه واضح، موجه من قبل بعض أتباع الإباضية إلى غيرهم من المسلمين، وخاصة السنة. وقد غضضنا النظر عن كل هذا. النوع من الخطابات، ولم ننقلها إلى هذا الكتاب. وبالإجمال فإن النقد المتبادل بين السنة والإباضية هو قليل ونادر، ويمكن تصنيفه ضمن مساعي الحوار الديني والمذهبي
إن السلوك الذي اتبعه كثير من المسلمين عموماً، عبر تاريخ طويل، يوصف بأنه سلوك نقدي وعدائي، وقعت في متاهاته غالبية المذاهب الإسلامية تقريباً. لكن اليوم آن الأوان لكي نتبع طريق المصالحة والحوار ونوقف الحرب الكلامية، فتصبح أمة واحدة بعيدة عن النعرات الطائفية. إذ لا يمكن أن
نحارب الطائفية إلا بطريقة واحدة، وهي أن ندعو المسلمين للاعتقاد جميعاً بأننا أمة واحدة. ومن المظاهر الجديدة التي يؤسف عليها في عصرنا هذا، أن ظهر أشخاص من أتباع بعض الفرق الإسلامية ينادون بشعارات تدعو للانفصال عن الإسلام كله. فيقول هؤلاء بأن فرقتهم تشكل ديناً مستقلاً عن الإسلام كله. ونحن نعتبر هذه الظاهرة خطراً كبيراً على الإسلام. وندعو المسلمين لتدارك هذا الخطر الجديد فكل الفرق التي تفرعت عن الإسلام، مهما كانت عقائدها فهي فرق ومذاهب إسلامية. وأتباعها ينتمون إلى الإسلام. وتعتبر الإباضية نموذجاً يحتذى به في مشروع الحوار المذهبي وتوحيد كلمة الأمة. فخطابها يتسم بالسعي للحوار والمصالحة مع المسلمين جميعاً. هناك فرق دينية انشقت أو تفرعت عن السنة وأخرى انشقت أو تفرعت عن الشيعة. وفرق أخرى تفرعت عن الصوفية. لكن الإباضية لم تتفرع عن أي من هذه المدارس الدينية الإسلامية. بل هي تصل بانتمائها المباشر إلى عصر الرسول والصحابة عليهم السلام.
وتتشابه الإباضية مع الزيدية من حيث استقلالها، وتجردها من الإنتماء السني والشيعي. فالزيدية الموجودة في اليمن والتي يسمى أتباعها بالحوثيين تحتل مكان الوسط بين السنة
والشيعة. (1/6)
صفحة 7
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وإن من يطلع على تاريخ وعقائد الإباضية لا يمكنه إلا أن يجل أئمتها ومشايخها وعلماءها منذ نشأة المذهب وحتى يومنا المعاصر.
جميعهم
ومن الطبيعي أن نوجه لأتباع الإباضية بعض النصح، فنطالبهم بإعادة النظر في رأيهم المتوارث حول الخلفاء الراشدين والأمويين.
تتلاقى الإباضية في الكثير والكثير من فقهها وعقائدها مع الإسلام السني. لكنها تختلف مع أهل السنة في مسألة تسمية ومكانة الخلفاء الراشدين. كما تختلف مع المؤرخين المسلمين السنة في مسألة الحكام الأمويين.
أول زعيم إباضي عرف بحضرموت هو: عبد الله بن يحيى الكندي، وقد وصفته بعض كتب التاريخ، بأنه: مجتهد عابد شجاع كريم ذو فصاحة ولسان، كما تدل على ذلك خطبه، وهو صاحب الخروج على (مروان بن محمد الأموي).
وكان قد بويع له بإمامة الإباضية في كل من البصرة وحضرموت كما كان قد تقدم على صنعاء، حيث تم له الاستيلاء عليها عنوة، بعد أن مر من طريقه على أبين ولحج، ويذكر أنه تم له الاستيلاء على الحجاز والشام بعد أن كثر أنصاره.
إن الإباضية الموجودين اليوم يأخذون بمذهب يتصف بالاعتدال، والبعد عن الصفات التي ذكرت عنهم في بعض المصادر التاريخية والكلامية، وهم ليسوا بالمتعصبين. قد يمسك أحد القراء، هذا الكتاب، ويقلب صفحاته بسرعة، فيبحث أولاً عن نقاط الإختلاف بين معتقداته من جهة، ومعتقدات هذا المذهب من جهة أخرى .. وهذا هو السلوك الطائفي الذي ورثناه عن الأجيال السابقة، وهو المتمثل بالبحث عن أفكار يستطيع القارئ أن ينتقد من خلالها هذا المذهب أو ذاك. وأعتقد أننى لو قلت للقارئ بأن الإباضية لا تختلف عن السنة في شيء. فذلك يجعل بعض القراء يغلقون الكتاب، فلا يجدون حاجة للبحث فيه عن نقاط الاختلاف. وهذا سلوك طائفي نجده
في المجتمع، ونسعى لتقويضه وننصح القارئ بأن يبحث عن نقاط الالتقاء مع جميع المسلمين. ومن مصادر مؤلفات مذهب الإباضية ومراجعهم التاريخية والفقهية تعرف الحقيقة عن هذا المذهب، ومن أفواه علمائه وفقهائه، تتجلى الصورة الصحيحة عنه، لا مما حكى عنهم غيرهم،
أو قيل فيهم.
V (1/7)
صفحة 8
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فالمذهب الإباضي من المذاهب الإسلامية الصحيحة، ورجاله رجال تقييد لا تقليد، وأهل
اعتماد على الحق.
تجري الأحكام لديهم على مقتضى الكتاب والسنة والإجماع، ثم على القياس والاستدلال والاستحسان والاستصحاب، وكلها من مصادر التشريعات الفقهية المعمول بها عند السنة والشيعة ولذلك ينكرون ويرفضون أي دعوة تخرجهم عن المؤسسة الإسلامية، كما يكرهون اعتبارهم إحدى فرق الخوارج، في الوقت الذي نجد في مؤلفاتهم وكتبهم التراثية أنهم يتبرؤون من الفرق المغالية، أينما وجدت وحيثما حلت. والخوارج في نظر الإباضية معناها الخروج عن الإسلام، فمن الخطأ الشائع أن يعتبرهم البعض
من الخوارج.
ويقول فقهاء الإباضية ومؤرخوهم قديماً وحديثاً، إن مذهبهم هو الإسلام القائم على القرآن الكريم، وعلى السنة النبوية الشريفة، وهم صادقون فيما يقولون. فكتبهم القديمة والحديثة تستند في كل أفكارها على القرآن والحديث.
كما يذكرون أنهم اختاروا طوال حياتهم طريق الاعتدال، وجعلوا هدفهم الرئيس إقامة تعاليم الدين الإسلامي، علماً وعملاً، وهذا ما نلاحظه فعلاً في كل كتبهم. التي لا تحوي اتهامات ولا
تكفير لغيرهم من المسلمين. يقول الشيخ سالم بن حمود
. لم يكن للإباضية هدف لتكوين حزب أو إنشاء مذهب خاص فمذهبهم الإسلام ودينهم الإسلام، ولم يكن اعتراض الإباضية على سياسة الخليفة عثمان بن عفان بعد السنين الست الأولى من خلافته، ولا على الإمام علي بن أبي طالب بعد قبوله التحكيم، لأسباب شخصية أو لمنفعة مادية، وإنما لأسباب تمت في رأيهم إلى العقيدة الإسلامية ....
ورغم اختلافهم السياسي مع بعض الخلفاء في ذلك العصر، فإنهم لم يناصبوا العداء لغيرهم من المسلمين. ويبدو جلياً من خلال ما كتبه ويكتبه علماء المذهب الإباضي وفقهاؤه، أن المسائل والقضايا التي تدور حولها أسس التقريب وخططه لا تبعد كثيراً عن أقوال أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى. (1/8)
صفحة 9
الإباضية أهل الحق والاستقامة
لقبهم المجتمع الإسلامي بالإباضية، ونسبوهم إلى (ابن إباض) الذي عاصر معاوية بن أبي
سفيان، وعبد الملك بن مروان.
ويرجع الإباضيون نشأة مذهبهم إلى القرن الأول الهجري، وتقول مصادرهم إنه كان يطلق. عليهم اسم «جماعة المسلمين» أو «أهل الدعوة»، وإن أول استعمالهم كلمة الإباضية كان في أواخر القرن الثالث الهجري حيث تقبلوا الوصف تسليما بالأمر الواقع.
وكثيرا ما يصفون مذهبهم بالحركة ويقولون إنها لم تحظ بدراسة صحيحة من قبل المذاهب
الأخرى، لأن أئمة الحركة اعتمدوا:
الكتمان في حركتهم.
والتقية في دينهم خوفا من السلطات.
وتحتل معركة صفين عند الإباضية موقعاً خاصاً، وهي التي وقعت بين الخليفة علي بن أبي طالب، ووالي الشام حينها معاوية بن أبي سفيان، ووقع فيها التحكيم بين الطرفين، وانتهت بأن انفض قسم من جيش علي عنه رفضا للتحكيم.
يطلق الإباضية على المرحلة التي كان فيها جابر بن زيد بمرحلة «الكتمان» التي استمرت حتى وفاته سنة 93 هـ، أما قيام الخلافة الراشدة وفق شروطهم فيسمونها مرحلة «الظهور». وبالمقارنة، نجد أن الشيعة وكثيراً من الفرق التي انشقت عنها، وكذلك الصوفية وبعض فرقها اتخذت هذه المبادئ الكتمان والتقية والظهور). ويبدو أن المناخ السياسي في ذلك العصر هو الذي أدى إلى توليد هذه المسالك الفكرية. فقد عرف الكتمان عند أخوان الصفا و الإسماعيلية، والدروز، و الإيزيدية .. وغيرهم.
وقعت معركة النهروان بين عليّ بن أبي طالب، وبين رافضي التحكيم عندما دعاهم للعودة لأن يخلع نفسه ويدخل في طاعة إمامهم «إمام المسلمين عبد الله بن وهب الراسبي»، وقتل
منهم علي في النهروان عدة آلاف، تقول مصادر الإباضية إنهم كانوا من خيار الأمة وقرائها. ويقول الإباضية إن أبا بلال مرداس بن حدير الأزدي كان من أهل النهروان، لكنه انتهج المعارضة السلمية هو وصحبه في البصرة حيث استقروا، وإنه قتل بدوره وجماعته عام 61 هـ في بلاد فارس دفاعاً عن النفس في مواجهة الأمويين.
? (1/9)
صفحة 10
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ويعزو الإباضيون السبب وراء وصفهم بـ «الإباضية» إلى قيام عبد الله بن إباض بالدفاع عن أصحاب أبي بلال الأزدي في مراسلة له مع السلطة الأموية فكان هو الظاهر منهم، في حين كانت القيادة الحقيقية لمن سموا بالإباضيين تتمثل في جابر بن زيد الأزدي. والأخير كان فقيهاً ومحدثاً كما تقول مصادر الإباضيين، وكان تلميذا لعبد الله بن عباس وله روايات عن عدد من الصحابة منهم عائشة زوج النبي.
ويطلق الإباضية على المرحلة التي كان فيها ابن زيد مرحلة «الكتمان» التي استمرت حتى وفاته سنة 93 هـ. أما عن قيام الخلافة الراشدة وفق شروطهم والتي يسمونها «مرحلة إقامة الظهور»، فيقولون إنها تتمثل بالدول التي قامت لهم في اليمن (129 هـ) وفي عمان (132 هـ) وفي طرابلس (142 هـ) وفي الجزائر (160 هـ).
وهنا يمكننا أن نذكر بأن كل الفرق الإسلامية استطاعت في خلال فترات تاريخية قديمة أن تقيم دويلات لها. وتتصف كل تلك الدويلات بأنها كانت تقام في أطراف العالم الإسلامي، وبعيداً عن مركز الخلافة أو السلطة الحاكمة .. فكان للدروز وللإسماعيلية وللزيدية وللإباضية دويلات صغيرة من هذا النوع. وكانت تلك الدويلات تقام في مناطق جغرافية يصعب الوصول إليها بسبب وعورة أرضها أو ارتفاع جبالها. ففي اليمن، وفي بلاد فارس أقيمت دويلات إسماعيلية وزيدية وإباضية. تقول الإباضية بالرواية سبيلا لنقل تعاليم الإسلام ولهم شروطهم الخاصة للحكم بصحة ما ورد من نقولات عن النبي الكريم، وأشهر المصادر عندهم على الإطلاق هو (مسند الربيع بن حبيب)، وهو عندهم المرجع الديني والفقهي الأساسي. ويسمونه الصحيح الجامع، ويقولون إن غالبية الأحاديث التي رواها الربيع بن حبيب مذكورة في المراجع السنية الأخرى بالنص نفسه، أو بفروق طفيفة. وهم محقون بذلك. ورغم أن المذهب يلتزم منهجاً خاصاً في الرواية والفقه، فإن بعض علمائهم نقل في كتبهم الفقهية مسائل فقهية وأحاديث عن طرق أهل السنة.
مسالك الدين عند الإباضية:
وهذه طرق أربع لنظام الحكم عندهم طبقوها على العهد النبوي والراشدي (عهد الخلفاء
الأربعة وأطلقوا عليها: مسالك الدين، وهي:
10 (1/10)
صفحة 11
1
الإباضية أهل الحق والاستقامة
مسلك الكتمان، عندما يعجزون عن إزاحة السلطة الجائرة المعطلة للشرع، فيلزمون التقية. .. ومسلك الشراء، عندما يبيع أربعون منهم فما فوق أنفسهم الله ويعلنون الجهاد على السلطة. مسلك الدفاع، وتكون باختيارهم إماما لرد الاحتلال، أو لعزل إمام فاسق.
مسلك الظهور، وهو إقامة الخلافة الراشدة.
ونجد عند الدروز أيضاً، ما يسمى بمرحلة الكتمان ومرحلة الظهور. وهي عقائد تستند في أساسها
على العامل السياسي. كما نجد مصطلح (المسلك)، فيسمي الدروز مذهبهم بمسلك التوحيد. ومن أشهر عقائد الإباضية أن الصحابة هم كغيرهم مسيئهم مسيء ومحسنهم محسن، ويخطئون بعضهم. فيقولون أن الإمام علياً أخطأ علياً أخطأ بالتحكيم ثم أخطأ بحربه على المحكمة في
النهروان.
ويقولون بتخطئة عائشة في حربها ضد علي في معركة الجمل،
ولكنهم يثبتون لهم جميعاً التوبة مما كانوا فيه، ولهم تفاصيل أخرى تسير في نفس المنحى.
الشيخ أحمد الخليلي (الثاني يمين) مفتي عمان وهو إباضي مشاركاً في مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب.
11 (1/11)
صفحة 12
الإباضية أهل الحق والاستقامة
حياتهم الاجتماعية لا تنفصل عن الآخرين، يتزاوجون مع المنتمين إلى المذاهب الإسلامية الأخرى، عاداتهم هي نفس عادات الآخرين في المجتمعات التي يعيشون فيها، لهم أراء محددة في الخلافة والحكم، وأسلوب التعامل مع الحكام.
ويؤكد الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان أنه لا توجد أي ممارسات خاصة بالمذهب الإباضي سوى ما أقره شرع الله من صلاة وصيام وحج بيت الله وإيتاء الزكاة. وهو محق بما يقول.
ويقول: أن المذهب يرفض أن تورث الخلافة كما يعتبر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يشمل الكبير والصغير.
ودعا الشيخ الخليلي المسلمين بجميع مذاهبهم إلى التوحد والتكاتف وتناسي خلافاتهم في هذا الوقت، وقال أن المذهب الإباضي يهتم بهموم الأمة الإسلامية وقضاياها. وأفاد الشيخ الخليلي أن الإباضية في سلطنة عمان يمثلون نسبة %75% من الشعب العماني، ويتواجدون كذلك في الجزائر وتونس وليبيا وغانا ومالي والكنغو وتنزانيا ويرى الشيخ الخليلي أن المذهب الإباضي لا يفصل بين السياسة والدين، وأنهما «تومان» ويسيران جنباً إلى جنب، وان المذهب الإباضي يهتم بالدين ولا يغفل السياسة. ويقول مفتي سلطنة عمان أن عادات الإباضية في السلطنة هي نفس عادات الجزيرة العربية، وعاداتهم في شمال إفريقيا، هي أيضاً نفس عادات المنطقة.
الشيخ إبراهيم بن حمود الصبحي، عضو مجلس الدولة في سلطنة عمان يقول أن: .... ما يميز المذهب الإباضي عن بقية المذاهب الإسلامية أنه أول مذهب ينشأ في الدولة الإسلامية حيث تأسس في القرن الأول الهجري، وهو أيضاً أول مذهب عقائدي فكري سياسي له آراؤه المستقلة في العقيدة والحكم وهو الأكثر اعتدالاً. وهو مذهب معتدل في دعوته وسيرته. وفي دولته التي أقامها في العديد من بلدان الإسلام مثل عمان والبصرة وحضرموت والمدينة المنورة ومكة المكرمة ومصر وشمال إفريقيا في طرابلس وجبال نفوسه في ليبيا وفي جربة بتونس وفي جبال الجزائر ووادي ميزاب حتى انه وصل إلى الأندلس وتأسست للمذهب دول في عمان التي مازالت تدين غالبيتها بالمذهب
الإباضي ....
12 (1/12)
صفحة 13
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وهناك ما يزيد على المليون إباضي يقطنون وادي ميزاب بالجزائر والذي لا يبعد عن الجزائر العاصمة أكثر من 700 كيلومتر.
ويقول الدكتور رجب محمد عبد العليم في كتابه (الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة): «ساعدهم على تأسيس دولتهم ما كان يمتاز به مذهبهم من الاعتدال، وما كان يدعو اليه من إصلاح ومساواة وعدالة، وما كان ينادي به من تطبيق لهذه المبادئ في ضوء أخوة الإسلام التي تجمع الجميع ولا تفرق بين عربي ومصري وبربري». ويقول: « .. كانوا في عداء سياسي مع بني أميه وبني العباس، نظراً لأنهم كانوا يقولون بأن الإمامة أو الخلافة حق لأي مسلم
صالح، فلا تكون قاصرة على قريش ولا على بطونها المختلفة .. ».
ويقول مصطفى الشكعة في كتابه إسلام) بلا مذاهب في وصف الإباضية: «ويقولون نحن الإباضية كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون إنهم رموا بلقب (الخوارج) لأنهم رفضوا القرشية، أي التزام أن يكون الإمام من قريش ... » «وعقيدة الإباضية تتفق مع أهل السنة في الكثير وتختلف في القليل، فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون بالرأي
بدلاً من القياس والإجماع .. ». ويقول الأستاذ فهمي هويدي:
. كتاب الشيخ علي يحيى معمر عنوانه (الإباضية بين الفرق الإسلامية) يتولى فيه الرد على كل الاتهامات. وقد هدم مقولات الأشعري مثبتا أن فرق الإباضية التي أشار إليها وأسماء الفقهاء الذين ذكرهم لا وجود لهم على الإطلاق، لا في تاريخ الإباضية ولا في مصنفاتهم - وانتهى إلى أن الأشعري لا يعرف عن الإباضية شيئاً، وإن أكثر ما كتبه لا علاقة لهم به، ولا علاقة
له بهم .. ».
وأن الإباضية ليسوا من الخوارج، غلاتهم أو معتدليهم، وكونهم رفضوا أن يظل الحكم حكرا على قريش، واعتبروا التحكيم بين علي ومعاوية خطأ ما كان له أن يقع، فإن ذلك لا يصنفهم ضمن الخوارج. فالإباضية بنص عبارته. لا يريدون أن ينتسبوا إلى الخوارج، ولا يحسبون أنفسهم كذلك، ولا يعتزون بالخارجية .. ».
13 (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث الثاني
تاريخ الإباضية
يرجع الإباضيون نشأة مذهبهم إلى القرن الأول الهجري، وكثيراً ما يصفون مذهبهم بالحركة ويقولون إنها لم تحظ بدراسة صحيحة من قبل المذاهب الأخرى، لأن أئمة الحركة اعتمدوا الكتمان في حركتهم والتقية في دينهم خوفاً من السلطات، وإن مصادرهم الخاصة هي الوحيدة التي تصف المذهب وصفا صحيحا. ولذلك اعتمدنا عليها في هذا الكتاب.
وتحتل معركة صفين عند الإباضية موقعاً خاصاً، وهي التي وقعت بين الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، ووقع فيها التحكيم بين الطرفين وانتهت بأن انفض قسم من جيش علي بن أبي طالب عنه رفضاً للتحكيم.
يطلق الإباضية على المرحلة التي كان فيها جابر بن زيد بمرحلة «الكتمان» التي استمرت حتى وفاته سنة 93 هـ، أما قيام الخلافة الراشدة وفق شروطهم فيسمونها مرحلة «الظهور». ويقول الإباضية: إن أبا بلال مرداس بن حدير الأزدي الذي كان من أهل النهروان، انتهج المعارضة السلمية هو وصحبه في البصرة حيث استقروا، وإنه قتل بدوره وجماعته عام 61 هـ في بلاد فارس دفاعاً عن النفس في مواجهة الأمويين.
ففي الوقت الذي كان الخوارج يقومون بثوراتهم وحركاتهم ضد الأمويين، كانت هناك جماعة انبثقت بعد معركة النهروان واتخذت من مدينة البصرة مقراً لها، وآثرت السلم وعدم اللجوء إلى السيف أو العنف لفرض آرائها. وقد تزعم هذه الجماعة أبو بلال) مرداس بن أدية التميمي)، وكونت هذه الجماعة البذرة التي أنتجت بما عرف فيما بعد في التاريخ الإسلامي بالفرقة الإباضية. وكان زعيم هذه الفرقة - قبل أن تُعرف بالإباضية - هو أبو بلال مرداس بن أدية التميمي.
15 (1/15)
صفحة 16
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وهو ينتمي إلى قبيلة تميم التي كان يتزعمها الأحنف بن قيس، وقد شهد معركة صفين مع الإمام علي هو وأخوه عروة وفارقه مع أهل النهروان بعد التحكيم وكان من العدد القليل الذين نجوا من القتل في معركة النهروان. قال عنه ابن الأثير: (كان) مرداس عابداً مجتهداً عظيم القدر وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا). وتقول الرواية الإباضية، أنه لم يكن مرتاحاً لما حدث من خلاف وفتنة بين المسلمين وصعق لما حلّ بأصحابه من قتل وتشريد على أيدي إخوانه المسلمين ورأى أن القتال بين أتباع العقيدة الإسلامية أمر لا يصح، فانسحب مع نفر من أصحابه وأقام بالبصرة تحت حماية الأحنف بن قيس الذي كان يمتاز بحكمته وسداد رأيه، وفي ظل هذه الحماية أخذ أبو بلال ينشر آراءه وأفكاره مؤثراً طريق النقاش والإقناع بدلا من طريق الحرب الذي سلكه الخوارج، فدعا أتباعه ألا يجردوا سلاحاً ولا يقاتلوا أحداً إلا إذا تعرضوا للعدوان فأنكر قتل المخالفين واستعراض الناس على طريقة متطر في الخوارج. وكان مما ساعده في نشر أفكاره هو تسامح زياد والي العراق في ذلك الحين معه ومع جماعته، لأنهم لم يحاربوه كما فعل الخوارج. وقد أنكر الخوارج قعود (أبي بلال) وجماعته عن الثورة ضد الأمويين فلقبوهم بالقعدة، أما أهل البصرة فكانوا يسمونهم الحرورية. نسبة إلى
حروراء.
نشط أبو بلال في البصرة لنشر دعوته وأفكاره وكان يعقد المجالس والمناظرات لإقناع الناس بآرائه، فانضم إليه عدد كبير من الناس وازداد عددهم حتى بنوا مسجداً خاصاً لهم بالبصرة وبلغ من حسن سيرته أن جميع الفرق التي خرجت على الدولة الأموية تتولاه بما فيهم الأزارقة
والنجدات والشيعة والمعتزلة
كان أبو بلال ملازماً للإمام جابر بن زيد حتى قيل أنه ما كان يصبر على فراقه، فقد كان من تشوقه إليه أنه يخرج من عند جابر بعد العشاء ويأتيه قبل صلاة الصبح. فيقول له جابر لقد شَقَقْت على نفسك فيرد عليه أبو بلال: والله لقد طال ما همت نفسي بلقاك شوقاً إليك حتى
أتيتك. وهذا يبين مدى الصلة الفكرية والروحية التي كانت تربط أبا بلال بالإمام جابر. وعندما تولى عبيد الله بن زياد إمارة العراق سنة 55 للهجرة اتبع سياسة جديدة مختلفة عن سياسة والده تجاه (القعدة) فاشتد في طلب الخوارج واستعمل القسوة مع كل المعارضين سواء
16 (1/16)
صفحة 17
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كانوا من القعدة، أو من الخوارج ورفض الشفاعة في أي واحد منهم، ورغم كل هذا كان أبو بلال يقول كلمة الحق ولم يخش في الله لومة لائم.
يقول الدرجيني: (ثبت عندنا من طريق صحيح أن أبا بلال رحمه الله كان في المسجد الجامع فسمع زياداً يقول على المنبر: « .. والله لأخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم ...
فقام رحمه الله وقال: .. قد سمعنا ما قلت، وإنك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي وما هكذا ذكر الله. إذ يقول: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَ أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ
سعية: سَوفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَاء الْأَوْلَى ... » [سورة النجم]. كان من نتيجة ذلك أن سجن أبو بلال قبل أن يُقتل أخوه عروة ثم أطلق سراحه. وربما كان سبب ذلك خوفه من إثارة بني تميم التي كان لها آنذاك وزن كبير في البصرة. ولكن هذا العفو لم يشمل أتباعه فاستمر في مطاردتهم وملاحقتهم ولم يفرق بين الرجال والنساء فقد ذكر المؤرخون أنه أتى بامرأة من أصحاب أبي بلال اسمها البلجاء (أو البثجاء) كانت مجتهدة في العبادة وكانت تنتقد
(ابن زياد) ( ... )
فقال لها أبو بلال: إن هذا الجبار) قد ذكرك فتغيبي. قالت: أخشى أن يلقى أحد مكروها بسببي. فأخذها ابن زياد فقطع رجليها ويديها ثم رمى
بها في السوق) كان من نتيجة الاضطهاد الذي مارسه (عبيد الله بن زياد) ضد المسلمين أثره الكبير في نفس أبي بلال فقرر أن يترك البصرة إلى مكان آخر أملاً أن يأمن شر ابن زياد وأن يدعو إلى فكره: في مكان آخر فقال لأصحابه: (إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للفضل مفارقين للعدل والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم ولكننا ننتبذ عنهم ولا نجرد سيفاً ولا نقاتل إلا من قاتلنا).
فخرج من البصرة وهو يقول شعراً:
17 (1/17)
صفحة 18
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ماليس يبقي فلا والله ما اتزنا من كان يرجو بقاء لا نفاد له فلا يكن حبه الدنيا له شجنا تقوى الإله وخوف النار أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا سار ومعه أربعون رجلاً من أتباعه حتى نزلوا بآسك. وقد أعلن أنه وأصحابه لن يخيفوا أحداً أو يجردوا سيفاً ولا يقاتلوا إلا من بدأهم بالقتال. ولكن ابن زياد لم يرتض هذا العمل من أبي بلال فأرسل إليه جيشاً مكوناً من أربعة آلاف رجل بقيادة عباد بن أخضر فقتلهم جميعاً وكان ذلك في
سنة 61 هجرية.
وكان يقول شعراً قبل قتله:
ماذا نبالي إذا أرواحنا خرجت ماذا فعلتم بأجادي وأوصالي. نرجو الجنان إذا طارت جماجمنا تحت المجاج كمثل الحنظل البالي إني امرو باعني ربي لموعده إذ القلوب هوت من خوف أوجالي وكان لمقتل أبي بلال صدى عميق في نفوس أصحابه وآثار نقمة شديدة ضد ابن زياد فقد كان بسلوكه وعمله واستشهاده المثل الأعلى لأتباعه فرثاه كثير من الشعراء. يعتبر مؤسس المذهب الإباضي، جابر بن زيد الأزدي عندهم إمام ومحدّث وفقيه، ومن أخص تلاميذ ابن عباس، وممن روى الحديث عن امّ المؤمنين عائشة وعدد كبير من الصحابة ممن شهد بدرا. كان إماما في التفسير والحديث، وكان ذا مذهب خاص به في الفقه. ولد سنة 21 للهجرة، وكان أكثر استقراره بالبصرة وفيها توفي سنة 93 للهجرة. ولم ينسب
إليه المذهب.
وقد توزع علم جابر بن زيد في روافد كثيرة، لعل أخصبها وأثراها ما أثره عنه تلاميذه الذين انتشر المذهب على أيديهم، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وضمام بن السائب وغيرهم. وقد تم تدوين ذلك الفقه في فترة مبكرة، فكان جابر بن زيد نفسه ممّن يستعمل الكتابة والمراسلة فكتب بأجوبته إلى تلاميذه وأصحابه، واستكتب بعض زملائه من التابعين مثل عكرمة مولى ابن عباس في بعض المسائل.
18 (1/18)
صفحة 19
الإباضية أهل الحق والاستقامة
واكتملت صورة المذهب وتم تحرير أقواله وآرائه في صورتها النهائية في أواخر أيام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي خلف جابر بن زيد على إمامة أشياخ المذهب في البصرة، وهي مركز التجمع الأساسي لعلماء الإباضية؛ حتّى قرابة نهاية القرن الثالث.
وعنه حمله طلبته الذين وفدوا عليه من المغرب والمشرق إلى بلدانهم، التي أضحت (من بعد) مراكز «لدول إباضية»، لعبت دوراً سياسياً خطيراً، في كل من جنوب الجزيرة وشرقها (اليمن، وحضرموت ثُمّ سلطنة عمان وفي شمال إفريقيا: ليبيا، تونس، الجزائر).
وبجهود (حملة العلم) تأسست دولة «الإباضية» في شمال إفريقيا، فكان إمام الظهور الأول لهذه الدولة هو: أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري أحد حملة العلم، وقد بايعه أصحابه بالإمامة في منطقة «صياد» قرب بلدة زنجور في طرابلس سنة 140 الهجري، ولعب دوراً هاماً في سياسة المنطقة في الفترة القصيرة، التي حكمها أيام ملك العباسيين. ثُمّ بعد حروب متصلة بين جيوش الدولة العباسية وجموع «الإباضية» في المغرب. وقد أفلح تلميذ آخر من تلاميذ أبي عبيدة» وأحد «حملة العلم وهو (عبد الرحمن بن رستم الفارسي) في تأسيس الدولة «الإباضية بتاهرت تيارت حاليا، وهي مدينة جزائرية)، والتي استمرت قرابة مائة وعشرين سنة (120) سنة وازدهرت مع ازدهارها، وما هيأته من ظروف الاستقرار حركة علمية ممتازة في كل من جبل نفوسة» و «تاهرت تركت ثروة علمية واسعة ذات
قيمة جليلة.
وبعد سقوط الدولة «الإباضية» في «تاهرت» احتفظت التجمعات السكانية «الإباضية بنوع من الاستقلال الديني والسياسي، مكنها من متابعة تلك النهضة العلمية التي تقوم على رعايتها مجالس العلماء، التي عرفت في اصطلاح الإباضية بمجالس العزابة»، فاتصل الإنتاج العلمي بين «إباضية المغرب في مختلف العلوم الإسلامية حتى أيامنا هذه. إن نشأة الفكر الإباضي، يعود بالدرجة الأولى إلى العامل الديني والسياسي الذي تمثل في مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي من طرف بعض الصحابة والتابعين الذين أنكروا التحكيم على علي بن أبي طالب وفيهم من أهل بدر ومن شهد له الرسول الله بالجنة كحرقوص بن زهير السعدي وفروة بن نوفل وسارية بن لجام السعدي، وكانت هذه النشأة في شوال 37 هـ،
19 (1/19)
صفحة 20
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وقد رفع أصحاب عبد الله بن وهب الراسبي الشعار التالي:
(قبلت الدنية ولا حكم إلا الله)، وهكذا نرى أن الذين مع علي في صفين متوادعين فروا عنه وعرفوا لذلك بالخوارج أو الشُّراة عند المؤرخين عامة. لكن الشيء الوحيد الذي يربط الإباضية بالخوارج هو رفضهم المشترك للتحكيم، والدعوة إلى إمامة المسلمين عن طريق حرية الاختيار والكفاءة الشرعية
لهذا المنصب.
الدعاة الأوائل
تتفق المصادر أن الدعاة الإباضية كانوا خمسة أنفار، وفدوا إلى الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، واحد منهم من اليمن وهو (أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح)، والباقون
مغاربة وهم:
عبد الرحمن بن رستم الفارسي
وعاصم السدراتي
• وأبو المنيب إسماعيل بن درّار الغدامسي.
، وأبو داود القبلي.
درس هؤلاء الطلبة الخمسة على يد الإمام أبي عبيدة مدة خمس سنوات من سنة 135 إلى 140 هـ، ثم اتجهوا جميعاً عائدين إلى بلاد المغرب الإسلامي (شمال إفريقيا).
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافيري أصله من اليمن أخذ العلم عن إمام الإباضية وقتئذ أبي عبيدة مسلم في مدينة البصرة، وبعد خمس سنوات من التلقي اتجه مع زملائه المغاربة إلى بلادهم بعد أن أوصاهم شيخهم بإعلان الإمامة إن أنسوا من أنفسهم قوة، وأشار عليهم بعقدها لأبي الخطاب. ولما وصلوا إلى بلاد المغرب استقروا بطرابلس التي كانت آنئذ في اضطراب كبير وسخط على الحكام العباسيين وقبلهم الأمويين، فعقدوا الإمامة لأبي الخطاب فسار في المغرب بسيرة الخلفاء الراشدين. امتدت إمامته شرقاً إلى برقة وغرباً إلى القيروان وجنوباً إلى فزان. ولكن الأقدار لم تتح له فرصة التمكين لدين الله وسياسة الناس بالعدل، حيث أرسل إليه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور جيشاً ضخماً بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي، فدارت معركة ضارية بين الجيشين انتهت باستشهاد
20 (1/20)
صفحة 21
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أبي الخطاب والقضاء على إمامته سنة 144 هـ.
عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الفارسي
من أكبر أعلام الإباضية، يرجع نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس. ولد بالعراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري على أكبر تقدير، تزوجت أمه الأرملة بحاج مغربي فاصطحبها وابنها اليتيم إلى القيروان، وفيها نشأ عبد الرحمن وترعرع وبها تعلم مبادئ العلوم، ثم صادف نشر الدعوة الإباضية فتعلق بها، ثم سافر إلى البصرة في بعثة علمية للاستزادة من تعاليم المذهب الإباضي والاغتراف من معين شيوخه، وكان ذلك سنة 135 هـ، وبعد خمس سنوات عادت البعثة لتحمل على عاتقها عبء الدعوة الإباضية. أجازه شيخه أبو عبيدة في أن يفتي بما سمع منه وما لم يسمع. عينه الإمام أبو الخطاب والياً على القيروان أيام دولته التي كانت من سنة 140 إلى 144 هـ. بعد استشهاد أبي الخطاب في معركة تاورغا لجأ عبد الرحمن إلى المغرب الأوسط بعيداً عن نفوذ العباسيين، واعتصم في منطقة تيهرت بالغرب الجزائري، وهناك أسس مدينة تيهرت. وفي سنة 160 هـ بايعه الإباضية المغاربة إماما لأول دولة إسلامية مستقلة بالمغرب الأوسط والتي عرفت في التاريخ باسم الدولة الرستمية التي دامت إلى أواخر القرن الثالث الهجري. له كتابان أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز، والآخر جُمعت فيه خطبه، إلا أنهما لم يصلا إلينا. دام في إمامته إلى غاية وفاته سنة 171 هـ.
عاصم السدراتي
من أئمة المغرب الإسلامي جزائري الأصل، وهو أحد حملة العلم الخمسة. بعد العودة من البصرة سنة 140 هـ حمل عاصم لواء الدعوة والتعليم، وظل ينتقل بين القرى والبوادي من جبل نفوسة بليبيا إلى جبال الأوراس بالجزائر. درس على يديه أئمة وعلماء أجلاء منهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ثاني أئمة الرستميين، ومحمد بن يانس وغيرهم. كان مستجاب الدعاء، زاهدا ورعا كما اشتهر بالشجاعة والفروسية. مات مسموماً خلال مشاركته مع الإمام أبي
الخطاب في حصار قبيلة ورفجومة سنة 141 هـ.
أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي
واحد من علماء الإباضية، أصله من طرابلس الغرب، سافر إلى البصرة في البعثة التي أرسلها
21 (1/21)
صفحة 22
الإباضية أهل الحق والاستقامة
سلمة بن سعد والتحق بحلقة الإمام أبي عبيدة المستخفية في سرداب بعيداً عن أعين العباسيين، فقضى ممه خمس سنوات في طلب العلم الشرعي وبخاصة فقه المعاملات والأحكام. وبعد رجوع البعثة سنة 140 هـ وقيام إمامة أبي الخطاب عُين قاضياً للإمامة، فأدى واجبه وقام به أحسن قيام إلى جانب اشتغاله بأداء رسالته في تعليم الأجيال، وكان من أشهر تلاميذه محمد بن يانس. وبعد مقتل زميله عاصم السدراتي اعتزل القضاء واشتغل بالتدريس.
أبو داود القبلي النفزاوي أحد العلماء الكبار، أصله من نفزاوة بتونس، أخذ علومه الأولى عن سلمة بن سعد ثم انطلق مع عبد الرحمن بن رستم وزملائه في بعثة إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كرية. بعد عودته من البصرة سنة 140 هـ اعتزل السياسة واهتم بالتدريس وتكوين الأجيال، كان غزير العلم حتى رُوي أن الإمام عبد الوهاب مع سمة علمه إذا جلس بين يديه ظهر كالصبي أمام المعلم.
دعاة الإباضية في المشرق
الذين حملوا العلم من البصرة إلى المشرق عديدون، ولكن اشتهر منهم الذين حملوه عن الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي - ثالث أئمة الإباضية - إلى عمان. وقد اختلف في عددهم؛
فالبعض يرى أنهم أربعة. وهم:
• أبو المنذر بشير بن المنذر.
ومحمد بن المعلى.
ومنير بن النير.
وموسى بن أبي جابر.
والبعض يرى أنهم خمسة وهم الأربعة المذكورون والإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل)، الذي قيل: إنه رحل إلى عمان مع الإمام الربيع في آخر عمره.
العلامة بشير بن المنذر
هو الشيخ أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري جد بني زياد، وهو من كبار علماء عصره، ومن أعلام الإباضية بالمشرق في القرن الثاني الهجري. كان له دور بارز في إحياء الإمامة الثانية
22 (1/22)
صفحة 23
الإباضية أهل الحق والاستقامة
في أواخر العقد السابع من القرن الثاني الهجري. توفي سنة 178 هـ، وكانت إمامته من سنة 126
إلى سنة 137 هـ،
الشيخ محمد بن المعلى
هو محمد بن المعلى الفشحي من كندة، من أعلام الإباضية في عُمان في القرن الثاني الهجري، ومن تلاميذ الإمام الربيع، كان والياً على مدينة صحار العمانية فترة من الزمن، رشحه العلامة موسى بن أبي جابر للإمامة فاعتذر بأنه شار، فقبل منه.
الشيخ منير بن النير
هو منير بن النير بن عبد الملك الريامي الجعلاني، واحد من تلامذة الإمام الربيع بن حبيب بالبصرة، وحملة العلم إلى عمان كان من، المعمرين وقيل إنه مات شهيدا سنة 280 هـ عن عمر
يناهز المائة وعشر سنين. العلامة موسى بن أبي جابر
هو موسى بن أبي جابر الإزكوي من بني ضبة، وقيل: من بني سامة بن لؤي، درس على يد الربيع بن حبيب، وكان من العلماء المشهورين في زمانه، ولعله كان الأبرز فيهم، حيث لعب دورا هاما في عمان بعد سقوط الإمامة الأولى سنة 134 هـ؛ إذ كان هو المرجع لمن أراد الحكم بما أنزل الله، وإليه يعود الفضل في إحياء (الإمامة الثانية) في أواخر العقد السابع من القرن الثاني الهجري. توفي سنة 181 هـ عن عمر يناهز الأربعة والتسعين عاماً.
العلامة أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي
من تلاميذ الإمام الربيع، وكان ربيباً له، انتقل معه إلى عمان في آخر حياته. والإمام أبو سفيان أب لعائلة عريقة في العلم؛ إذ كان من ذريته علماء فطاحل منهم: محمد بن محبوب وبشير بن الله محمد بن محبوب وسعيد بن عبد بن محمد بن محبوب. ويعود الفضل لأبي سفيان في نقل تاريخ الإباضية الأولى في البصرة وفقه أئمتها، ولكن الكتاب الذي ضمن فيه تلك الآثار قد ضاع وبقيت منه أجزاء مضمنة في كتب أخرى مثل: الطبقات للدرجيني، والسير للشماخي، وكتاب الضياء للعوتبي، وبيان الشرع للكلدي وغيرها.
23 (1/23)
صفحة 24
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الله
الإباضية والخوارج أطلق بعض المؤرخين كلمة الخوارج، على أولئك الذين اعتزلوا أمير المؤمنين علي كرم وجهه عندما قبل التحكيم ورضي به، لأنهم في نظر هؤلاء نقضوا بيعة في أعناقهم وخرجوا عن
إمامة مشروعة.
ويطلقها فريق ثان من المتكلمين في أصول العقائد والديانات، وهم يقصدون بها الخروج عن الدين استناداً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أن ناساً من أمتي يمرقون من الدين مروق
السهم من الرمية.
أما الفريق الثالث: فيطلقها ويقصد بها الجهاد في سبيل الله استناداً لقوله تعالى: ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ الله
[النساء: 100].
علاقة الإباضية بالدولة الأموية
تنتقد الإباضية الخلافة الأموية والخلفاء الأمويين انتقاداً شديداً. ففي عصر الأمويين لوحق أئمة الإباضية، وسجن بعضهم واختبأ البعض الآخر، فلجؤوا للدعوة السرية، والتقية، وكان تاريخهم مأساوي مشابه لتاريخ الشيعة وفرقها في عصر الأمويين. ومنذ ذلك الحين أصبح هؤلاء يشكلون فرقة أو مذهباً عرف بهذا الاسم. المسلمون السنة لا ينتمون سياسياً إلى الأمويين. ولكنهم ينتمون إلى الإسلام وعقائده القرآنية. ولذلك فلعله من الضروري على كل سني ألا ينحاز إلى الأمويين بصفتهم حكاماً، ولا إلى أعمالهم کساسة وحكام. فمن الطبيعي أن يخطئ حاكم وهم عندنا غير معصومين عن الأصح أن نقيم أعمالهم وفق الميزان القرآني. ومن الضروري أن نقرأ بالمقابل تاريخ الأمويين حسب الرواية السنية، ونلتزم بتعاليم الدين
الإسلامي الحنيف.
يقول علماء الإباضية
الخطأ. بل من
تنعقد الإمامة في الدولة الإسلامية بطريق واحد لا ثان له، ألا وهو اختيار أهل الحل والعقد للإمام أو الخليفة، وقبول الإمام أو الخليفة لهذا المنصب. وبهذه الطريقة بويع الخلفاء الراشدون
24 (1/24)
صفحة 25
الإباضية أهل الحق والاستقامة
جميعا. لكن الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم لم يلتزموا بهذا الأصل، (حسب الإباضية)، فتحولت الخلافة الإسلامية منذ أن عهد معاوية بن أبي سفيان إلى ابنه يزيد بالخلافة إلى ملك عضوض (وبذلك تحقق فيهم حسب الإباضية قول الرسول صلي الله عليه وسلم في الحديثين الذين رواهما الإمام أحمد في مسنده.
استناد الإباضية إلى أحاديث منقولة
يستند الإباضية إلى أحاديث ينقلونها عن الرسول الكريم، نذكر أثنان منها:
الحديث الأول: رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولها انقضاء الحكم وآخرهن الصلاة.
والحديث الثاني: رواه حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه إذا شاء الله أن يرفعه ثم يكون ملكا جبريا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».
يشرح علماء الإباضية هذين الحديثين النبويين بطريقة خاصة بهم. يثبتون من خلالها بطلان
حكم الأمويين، وأحقية حكم ومنهج الإباضية. يقول الشارح الإباضي لهذين الحديثين: ... من خلال تتبع ما حدث بعد معركة صفين ومقتل الإمام علي كرم الله وجهه وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة إلى معاوية وما حدث بعدها من أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد، نجد أن عروة الإسلام الأولى، وهي الحكم، قد انتقضت، ومنذ ذلك الحين انتقل الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض توارثه بنو أمية ثم بنو العباس ومن جاء بعدهم كما أخبر النبي. وبقدر ما يؤكد الحديث الثاني أنه ستكون في آخر الزمان خلافة على منهاج النبوة وهي بشارة لهذه الأمة التي تعاني في هذا العصر من الملك الجبري أو الملك العاض في أماكن عدة من بلاد الإسلام، فإنه يبين بوضوح أنه سيحدث انحراف عن منهاج النبوة مباشرة بعد الخلافة الراشدة.
25 (1/25)
صفحة 26
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وأول انحراف حدث - كما هو معروف - هو الانحراف في اختيار الخليفة أو الحاكم وهو ما عناه النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الأول الذي ينص على أن أول ما يُنتقض من عرى الإسلام هو الحكم. وقد بدأ الانحراف في الحكم منذ تحكيم الحكمين بعد معركة صفين، التي راح ضحيتها آلاف من الصحابة والتابعين، وبعدها توارث بنو أمية الخلافة الإسلامية. وقد صاحب هذا الانحراف في اختيار الخليفة عدم الالتزام بالعدل في الحكم وعدم الحرص على أموال الأمة ....
نقد النظام السياسي الأموي
ينتقد علماء الإباضية النظام السياسي الأموي منذ عهد معاوية. وهذا السلوك السياسي هو الذي كوّن جماعتهم، وجعلها مستقلة ومميزة عن غيرهم من المسلمين. ونحن، في هذا الكتاب لا نستطيع بالطبع أن ننقل كل انتقاداتهم، فمنها انتقادات غير ممكنة. ومنها ما نجده مناقضاً للتاريخ الإسلامي. ثم إن هناك روايتان لكل قصة. ولعل روايات أهل السنة تختلف أحياناً كثيرة مع روايات أتباع الإباضية.
وينتقد الإباضية التاريخ الأموي بكليته تقريباً، لدرجة أنهم يتناسون إنجازات الأمويين الباهرة، الذين في عهدهم تحققت الفتوحات الكثيرة، التي بلغت أقصى حدود الدولة الإسلامية في كل الاتجاهات الجغرافية. ولسنا هنا في موضوع الدفاع عن السنة ولا عن الأمويين. بل إن التاريخ يذكر أن الأمويين كانوا فاتحين، فيما كانت الفرق الأخرى تنشغل بمعاداة النظام الأموي وإشغاله عن الفتوحات الإسلامية.
وهذا بعض ما ننقله من انتقادات أتباع الإباضية للأمويين: • في عهد يزيد بن معاوية قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما وقتل معه من أهل بيته ومن. أصحابه سبعون رجلاً في موقعة كربلاء المعروفة، وفي عهده أيضاً في سنة 63 للهجرة خرج أهل المدينة على يزيد فجهز لهم مسلم بن عقبة فخرجوا له بظاهر المدينة ... . في عهد الوليد بن عبد الملك الذي ورث الخلافة عن أبيه سار سيرة والده حتى أن عمر بن عبد العزيز قال: امتلأت الأرض - والله - ظلما وجوراً). وذلك حين كان الوليد بالشام والحجاج بالعراق وعثمان بن حجارة بالحجاز وقرة بن شريك في مصر.
• كان يزيد بن عبد الملك أخو الوليد صاحب لذات وطرب، مولعاً بالغناء.
26 (1/26)
صفحة 27
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أعمال الحجاج لا تحصى فالحجاج بعث إلى ابن عمر من يضربه بطرف رمح مسموم فمات منها، وختم في عنق أنس ابن مالك ختماً يريد بذلك إذلاله. • أهرق الأمويون كثيراً من الدماء (ظلماً وعدواناً). وقد تمثل ذلك في قتلهم لعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وحجر بن عدي وأصحابه. ولقد استطاع الأمويون أن يضفوا على دولتهم صفة شرعية بالقوة والعنف أحياناً، وبالدهاء والحيلة أحيانا أخرى.
:
• من يدرس تاريخ الدولة الأموية يجد أن فترة حكمها كانت أغلبها فترة حروب مع معارضيها حتى انتهت على أيدي العباسيين. قال الثعالبي روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت هنا في هذا القصر - وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة - رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد. الله بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك، فحدثت بهذا الحديث عبد الملك، فتطير منه وفارق مكانه). وكانت الإباضية من أوائل الفرق التي أنكرت على بني أمية استثثارهم بالحكم دون غيرهم. وتصرفهم في بيت مال المسلمين دون حق، لكنها لم ترفع السيف في وجه أحد، إلا أن الدعاية السياسية في العهد الأموي استطاعت أن تضفي لقب الخارجية على كل من عارضها سواء بالسيف أو اللسان، وحتى بالسكوت ومنذ ذلك الوقت صنفت الإباضية من طائفة الخوارج.
انشق عن الإباضية عدد من الفرق التي اندثرت وهي:
الحفصية: أصحاب حفص بن أبي المقدام.
الحارثية: أصحاب الحارث الإباضي.
اليزيدية: أصحاب يزيد الذي زعم أن الله سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتاباً من السماء، ومن ثم ترك شريعة محمد. و للتمييز، فهناك (الإيزيدية والزيدية واليزيدية). وهي فرق ثلاث تختلف كثيراً فيما بينها.
وقد تبرأ سائر الإباضية من أفكار هذه الفرق الأخرى.
27 (1/27)
صفحة 28
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الدولة الرستمية
نشأت الدولة «الرستمية» في المغرب الأوسط - الجزائر حاليا - على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم (عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى، ولد في العراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري على أكبر تقدير، ويرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس، فهم أجداده، إلا أن بعض المؤرخين يعيدون نسبه إلى اللذارقة ملوك الأندلس قبل الإسلام والمهم في هذا أنه سليل بيت الملوك قبل الإسلام، سواء كانوا من الفرس أم من اللذارقة.
سافر أبوه به وأمه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، إلا أن الأب وافاه أجله، وترك
يتيما وأرمله، فتزوجت أمه برجل من أهل المغرب، فأخذها وابنها عبد الرحمن إلى القيروان نشأ عبد الرحمن في القيروان، وصادف هناك نشر الدعوة الإباضية في تلك الربوع فتعلق بها، ونصحه أحد الدعاة بالسفر إلى المشرق لتلقي المزيد من العلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية في ذلك الوقت. توجه إلى البصرة، وظل مع الإمام أبي عبيدة لمدة خمس سنوات يدرس في سرداب أبي عبيدة، الذي أعده أبو عبيده تحت الأرض خوفاً من عيون الأمويين.
عاد عبد الرحمن مع أصحابه حملة العلم إلى المغرب، وكان من ضمنهم أول إمام للإباضية بويع في المغرب، وهو الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، وقد ذكرت بعض المصادر ظهور أئمة للإباضية قبل الإمام أبي الخطاب، كالإمام عبد الحارث الحضرمي، والإمام أبي الزاجر إسماعيل بن زياد النفوسي. إلا أن بعض الباحثين يعتبر أن الإمام أبا الخطاب هو أول إمام للإباضية في المغرب، وذلك أنه استطاع أن يقيم دولة للإباضية في المغرب.
فبعد أن وصل (حملة العلم إلى المغرب، هيؤوا الأجواء لإقامة دولتهم، فلما سنحت لهم
الفرصة في سنة 140 هـ بايعوا أبا الخطاب المعافري بالإمامة، بأمر من شيخهم أبي عبيدة. بعد أربع سنوات من قيام دولة أبي الخطاب في الغرب، وجه أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي جيشا بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي، فاستطاع هذا الأخير القضاء على دولة الإمام أبي الخطاب في معركة عنيفة سنة 144 هـ، استشهد فيها الإمام أبو الخطاب.
28 (1/28)
صفحة 29
الإباضية أهل الحق والاستقامة
حاول عبد الرحمن نجدة الإمام أبي الخطاب، لكنه لم يتمكن من ذلك، فاضطر للفرار من ملاحقة ابن الشعث له، فتوجه إلى المغرب الأوسط، حتى وصل إلى جبل يدعى «صوفجج» فتحصن به، حتى يئس منه ابن الأشعث.
ولما أحسّ عبد الرحمن من نفسه القوة والقدرة على بناء دولته الجديدة، خاصة بعد أن التف عليه الكثير من أنصاره من البربر ومن أهل العلم والصلاح ممن يثق بهم، اتجه إلى مكان تكثر في الأشجار والأحراش والسباع يسمى «تيهرت»، فشرع في بناء دولته الإسلامية الجديدة هناك ما بين 100 هـ ـ 160 هـ، والتي عرفت باسم «الدولة الرستمية نسبة إلى والد عبد الرحمن، وهكذا جرت العادة في تسمية الدول الإسلامية في العصور الوسطى بأسماء آباء المؤسسين.
بذل عبد الرحمن - وهو لم يبايع بالإمامة - جهده مع من معه من العلماء في بناء تيهرت حتى تكون على أجمل هيئة، حتى أن بعض المصادر العلمية تفصل في بناء المدينة بداية بالمسجد الجامع، ونهاية بالدور والقصور والبيوت والأسوار الحصينة.
فازدهرت تيهرت، وشدت إليها الرحال للتجارة والسكن والعيش الرغيد الآمن، مما جعل
الكتاب والرحالة يقصدونها ويشيدون بها. ومن ذلك ما قاله المقدسي واصفا لها فيقول: ... هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها النهار، والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها العين وجل بها الإقليم وانتعش فيه الغريب واستطابها اللبيب يفضلونها على دمشق وأخطؤوا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف ... ». وما أن وصلت سنة 160 هـ حتى قام العلماء وأهل تيهرت بمبايعة عبد الرحمن إماما عليهم، وهو حري بهذا المنصب، فهو الذي استطاع أن يبني لهم هذه الدولة، وهو الذي خصه شيخه أبو عبيدة بقوله له: «أفتِ بما سمعت مني وما لم تسمع». وقد تولى الحكم في الدولة الرستمية عدد من الأئمة، يتم اختيارهم من قبل العلماء والرعية، فكانت الدولة الرستمية سائرة على نهج الخلافة الراشدة.
الشيخ علي يحيى معمر في كتابه الإباضية في موكب التاريخ، ذكر عدة أدلة تدل على أن نظام الحكم في الدولة الرستمية لم يكن وراثيا، وإنما كان يرتسم خطا الخلافة الراشدة بتطبيق مبدأ الشورى، وتكفل أهل الحل والعقد من العلماء باختيار الإمام الجديد. ويقول:
29 (1/29)
صفحة 30
الإباضية أهل الحق والاستقامة
. وأما عن سبب اختيار أهل الحل والعقد الإمام من أبناء الأمام عبد الرحمن فذلك يعود إلى توقر الصفات والشروط المطلوبة في الإمام من صلاح وتقوى وعلم وحنكة سياسية وغيرها من
الصفات ... ».
وقد رد الدكتور محمد صالح ناصر على من اتهم الدولة الرستمية وأتباعها أنهم طبقوا نظام الوراثة والملك العضود، فقال: .... وهذه مغالطة، لأن كتب التاريخ تشهد أن الرستميين كانوا يطبقون الشورى والانتخاب عند تولية كل إمام، وما ذنب الرستميين إن كانت الكفاءة والنزاهة والتقوى ترشحهم كل مرة للفوز برضى الأمة التي ارتضتهم».
وقد اشتهرت هذه الدولة بنظام الشورى المطبق فيها، وبعدالة أئمتها، وصلاحهم وتقواهم وعلمهم، وبازدهارها، وقد كان يعيش تحت ظلها أتباع كل المذاهب الإسلامية، وكانوا يمارسون عباداتهم بكل حرية وأمان، وكانت لهم مساجدهم وبيوتهم الخاصة التي يعيشون فيها مصاني الحقوق بعدل وانصاف من غير تفريق بين مذهب ومذهب
قال ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية
. ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين ... ». وابن الصغير هذا نفسه كان شيعياً وقيل مالكي. ومال د. محمد صالح وإبراهيم بحان الى أنه شيعي المذهب، وقد كان يعيش في الدولة الرستمية. وكان يعيش في الدولة الرستمية أيضاً أصحاب الديانات الأخرى كاليهود والنصارى، وقد كانت للنصارى كنيسة واحدة على الأقل يمارسون فيها عبادتهم، وكان النصارى واليهود يعملون في مهن مهمة كالطب والتجارة داخل الدولة الرستمية.
ولقد اهتم أئمة الدولة الرستمية بالجانب الاقتصادي لدولتهم، فاهتموا بالزراعة، وكانت تكثر فيها البساتين وزراعة الحبوب والعصفر والكتان والسمسم والنخيل ومختلف الفواكه، والتين (1/30)
صفحة 31
الإباضية أهل الحق والاستقامة
والزيتون، فكانت تدر عليهم أرباحاً طائلة، وقد كانت تكثر فيها الأنهار، وأقام الرستميون خزانات وأحواضاً للماء كبيرة اكتشفها الأثريون وكانت محكمة التصميم والهندسة، ليحافظوا على الماء أيام الجفاف، بل إنهم أوصلوا الماء إلى البيوت عن طريق الأنابيب وشق القنوات واهتموا كذلك بالرعي وتربية الماشية.
وكذلك كان لهم اهتمام كبير بالصناعة فكان يوجد في الدولة الرستمية العديد من الصناعات والحرف كالنجارة والحدادة والخياطة والدباغة والطحن، وصناعة السفن والقوارب وصناعة الزجاج والفخار والتحف والعطور، والخشب المنحوت والمخطوط والمموه والمرصع بالعاج أو الصدف، وصناعات الذهب والفضة، حتى أنها كانت تضرب منها الدراهم والدنانير، فكانت لها عملاتها الخاصة التي كشفت عنها الآثار. ......
وقد اهتم الرستميون بالتجارة أيما اهتمام فأنشؤوا الأسواق في مختلف المدن، فكانت رائجة بشتى أنواع البضائع والمؤن التي تأتي من داخل الدولة الرستمية نفسها أو من الدول الأخرى عن طريق العلاقات التجارية، وكانت للدولة الرستمية علاقات تجارية مع الكثير من الدول كالأندلس ومصر وبلاد السودان وغيرها من الدول في المشرق والمغرب.
وقد قام الأئمة الرستميون بإنشاء بيوت للأموال في مدن الدولة الرستمية، وبيت مال مركزي في العاصمة تيهرت مع دار للزكاة، وكانت موارد بيوت المال تختلف عن موارد دار الزكاة، فدار الزكاة موردها هو أموال الزكاة فقط، وكانت تصرف أموال الزكاة من هذه الدار لمستحقيها الشرعيين الذين حددهم الله تعالى في كتابه في قوله:
إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]. وأما دور الأموال فكانت مصادرها الجزية وخراج الأراضي والضرائب والرسوم التي تؤخذ على القوافل التجارية والتجار والحرفيين وكانت أموال هذه الدور تسخر في أجور الموظفين في الدولة، وفي بناء المساجد والطرقات والأسواق ومصالح المسلمين.
ونجد أن الرستميين اهتموا بالجانب العلمي والفكري اهتماما كبيرا، ولا أدل على ذلك أن من الشروط الأساسية في إمام الدولة حتى يتم انتخابه أن يكون عالما بأمور الشريعة والسياسة
والحكم.
31 (1/31)
صفحة 32
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فاهتمت الدولة بإنشاء المؤسسات التعليمية كالكتاتيب وكذلك إقامة حلقات العلم في المساجد سواء في التفسير أو الحديث أو الفقه أو اللغة وغيرها من العلوم، حتى أن أئمة الدولة الرستمية كانوا يساهمون في التعليم بأنفسهم ولا يأنفون من ذلك أو يتكبرون.
وكذلك اهتمت الدولة الرستمية بإنشاء المكتبات العلمية الزاخرة بمختلف فنون العلم والآثار، ومن مكتباتها المشهورة مكتبة «المعصومة» التي كانت تحوي آلافا من المجلدات والكتب، أوصلها بعض الباحثين إلى ثلاثمائة ألف مجلد، ومن المكتبات المشهورة: «خزانة نفوسة» الجامعة لآلاف الكتب، وكذلك لم تخل منازل العلماء في الدولة الرستمية من وجود المكتبات الخاصة. فقدم أئمتها وعلماؤها للأمة الكثير من المؤلفات في مختلف فنون العلم سواء الدينية أم
ألف
الدنيوية، وكان أئمة الدولة الرستمية في مقدمة الركب في ذلك، كالأمام عبد الرحمن الذي كتابا في التفسير، وكتابا جمع فيه خطبه، والأمام عبد الوهاب الذي ترك كتابا يعرف بـ «مسائل نفوسة الجبل، وأما الإمام أفلح فقد ترك لنا الكثير من المؤلفات والرسائل العلمية منها المطبوع ومنها المخطوط، وأما الإمام أبو اليقظان فكان من المكثرين في التأليف ومن مؤلفاته «رسالة في خلق القرآن» وغيرها من المؤلفات.
كذلك فإن الدولة الرستمية لم تهمل جانب العلوم العقلية كعلم الكلام وغيره، فكانت تجري بين العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية والتيارات الفكرية المناظرات والمناقشات العلمية بحرية تامة وبلا تضييق، وذلك أن الدولة الرستمية عاش في كنفها الكثير من أتباع المذاهب الإسلامية كالإباضية والمعتزلة والصفرية والحنفية والمالكية والشيعة وغيرهم، بل كان هناك وجود لليهود والنصارى كما ذكرنا.
ويحدثنا ابن الصغير عن ذلك فيقول:
من أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك»، وابن الصغير نفسه كانت له مناظرات مع علماء الدولة الرستمية من الإباضية.
كذلك نجد أن الدولة الرستمية كان لها اهتمام بالأدب العربي من شعر ونثر، وقد كانت للدولة الرستمية علاقات ثقافية مع بلدان المغرب والأندلس، ومع بلاد السودان وبلدان المشرق العربي، فكانت بينهم مراسلات ولقاءات.
32 (1/32)
صفحة 33
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وتميزت الدولة بجمالها المعماري، فكان بها القصور والبيوت والمساجد والأسواق والفنادق والحمامات يحيط بكل ذلك سور. ومن أشهر مدن الدولة الرستمية مدينة «تيهرت» العاصمة، ومدينة «وهران» ومدينة «شلف» ومدينة «الغدير» والمدينة «الخضراء» وغيرها من المدن. وكان للمرأة دور بارز في الدولة الرستمية، فأنجبت الدولة الرستمية العديد من العالمات والمصلحات، كأمثال أخت الإمام أفلح، وأخت الشيخ عمروس، اللتان تعدان من عالمات الدولة
الرستمية.
كذلك فإن أئمة الدولة الرستمية اهتموا بالجانب العسكري للدولة ونشر الأمن والسلام في ربوعها، فكانت لهم الجيوش الجرارة التي تحمي الدولة من اعتداء الغاشمين، وكان لهم الوزراء والولاة والقضاة الذين يعينون الإمام في تسيير دفة الحكم والمحافظة على حقوق الشعب، وكانت لهم الشرطة التي تحافظ على الأمن والنظام في مدن الدولة الرستمية وأسواقها.
وقد ساهمت الدولة الرستمية مساهمة فعالة في نشر الإسلام في إفريقيا السوداء عن طريق ممارسة التجارة مع تلك المناطق التي لم تكن تعرف الإسلام قبل وصول تجار الدولة الرستمية حاملين معهم مشعل الهداية، ومن أمثال هؤلاء الدعاة التجار الذي أنجبتهم الدولة الرستمية (علي بن يخلف النفوسي)، الذي كان السبب في إسلام ملك مملكة مالي وشعبه. وقد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقاً إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غرباً. وأخيراً هجم على هذه الدولة، أبو عبد الله الشيعي وهو فاطمي في سنة 296 هـ، فدمرها. وقام جنوده بإحراق مكتبة المعصومة بعد أن أخذ منها الكتب الرياضية والصناعية والفنية، (وكل هذا
حسب الرواية الإباضية.
الإباضية في المغرب
أرسل أبو عبيدة دعاته إلى المناطق النائية ووقع اختياره على سلمة بن سعيد للتوجه إلى المغرب في أول القرن الثاني للهجرة، وكان المغرب أرضاً صالحة للدعوة ضد الأمويين فوجد سلمة تشجيعاً لم يتوقعه خاصة وأن البربر وجدوا في دعوة الإباضية المساواة التي حرمهم منها الأمويون فقام سلمة بنشاط كبير بين قبيلتي هوارة ونفوسة وتأكد بأن ما يحلم به أستاذه يمكن تحقيقه في المغرب.
33 (1/33)
صفحة 34
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إلى جانب المذهب الإباضي كان المذهب الصفري قد انتشر في داخل المغرب وسرعان ما أصبح أتباع الفريقين من القوى المعارضة الواضحة الهامة في المغرب منذ العقد الثاني من القرن الثاني الهجري وقادت فرقة الصفرية (الثورة) الكبرى التي انطلقت من طنجة عام 122 هـ (739 م) ثم بدات تحركات الإباضية منذ عام 127 هـ (744 م) ولم يستكينوا بعدها حتى تأسست دولتهم عام
160 هـ (776 م).
مراحل قيام الدولة.
المرحلة الأولى
محاولة الحارث وعبد الجبار 131 هـ (748 م): تمكن عبد الرحمن بن حبيب من فرض نفسه على ولاية إفريقيا وطرد الوالي الأموي من القيروان وسعى إلى بسط سيطرته على أطراف الولاية الثائرة وعندما وصل والي عبد الرحمن إلى طرابلس قتل زعيمهم عبد الله بن مسعود وجاء رد الفعل على خلاف ما كان يريده الوالي. فقد تجمع الإباضية تحت زعامة الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المردي لمهاجمة طرابلس وفشلت محاورة عبد الرحمن بن حبيب لتهدئة الموقف بعزل واليه على طرابلس وتمكن الثوار من فرض سيطرتهم على المدينة عام 131 هـ (748 م) بعد أن حققوا ثلاثة انتصارات متتالية على قوات عبد الرحمن بن حبيب.
تمكن الإباضية في أول محاولة عسكرية أن يحققوا الانتصار لكن هذا الانتصار لم يدم طويلاً فقد فوجئت جماهير الإباضية بموت قائديها في ظروف غامضة، فالدرجيني رجح أن يكونا قد قتلا ووضع سيف كل واحد منهما في جسم الآخر للفتنة. وبعد هذه الحادثة اختار الإباضية لزعامتهم إسماعيل بن زياد النفوسي لكن عبد الرحمن بن حبيب تمكن من استغلال تلك الظروف والحق بهم الهزيمة وقتل إسماعيل بن زياد.
ثم انهارت آمال الإباضية في قيام الدولة ولم يثن هذا الفشل عزيمة سلمة بن سعيد بل رأى ضرورة توسيع قاعدة الدعوة وإعداد الخطة لذلك إعداداً دقيقاً بدأ سلمة في حث الشباب الإباضي للتوجه إلى المشرق للتزود بالعلم على يد أستاذ المذهب أبي عبيدة فأرسل في أول الأمر محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الجناؤني من جبل نفوسة ثم تلا ذلك بعثة العلم التي اختير لها عبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وأبو داود القبلي النفزاوي وإسماعيل بن ضرار
34 (1/34)
صفحة 35
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الغدامسي. غادرت البعثة المغرب إلى البصرة عام 135 هـ وانضم إليهم هناك أبو الخطاب عبد
العلي بن السمح المعافري.
المرحلة الثانية
عاد أفراد البعثة من البصرة بصحبة أبي الخطاب عام 140 هـ بعد أن أعدوا إعداداً تاماً لتركيز دعائم المذهب في المغرب والعمل على تأسيس الدولة وتعاهد القادة على التعاون واستقر رأيهم على أن تكون طرابلس نقطة البداية وقد هيأت فترة عدم الاستقرار التي عاشتها المغرب طيلة العقد الرابع من القرن الهجري الثاني المناخ لزعماء الإباضية بالتحرك ولما علم الإباضية في المغرب بترشيح أبي عبيدة لأبي الخطاب إماماً للدولة المرتقبة اجتمع زعماؤهم في قرية صياد بالقرب من طرابلس وبايعوا أبا الخطاب إماماً واتفقت كلمتهم على دخول طرابلس.
ثم دخلت قوات الإباضية طرابلس خلسة وتمكنوا من السيطرة عليها بغير عناء عام 140 هـ وأعلنوا قيام الدولة وكان أبو الخطاب قوي الشخصية واسع الثقافة غزير العلم سعى إلى وضع أسس قوية للدواة مستر شدا بهدى الخلافة الراشدة. وبسيطرة الإباضية على طرابلس خضعت أهم المناطق الشرقية حتى سرت ومنطقة جبل نفوسه ثم بدأ في التوجه نحو المغرب وذلك لأن فرقة الصفرية تمكنت من السيطرة على القيروان وكان سلوك الصفرية على نقيض الإباضية في طرابلس (فاستحلوا المحارم وارتكبوا الكبائر ... وربطوا دوابهم بالمسجد الجامع) (واستبيحت الأموال والدماء بدون حساب) فضج المسلمون واستنجدوا بإباضية طرابلس. ولما كان أبو الخطاب يعمل لتأسيس جمهورية إسلامية يسود فيها العدل وتطبيق مبادئ الإسلام فقد عقد العزم على محاربة الصفرية.
سار أبو الخطاب بجنوده نحو القيروان واحتل قابس التي كانت الصفرية قد استولت عليها ثم واصل زحفه على القيروان وتمكن من هزيمة الصفرية ودخل القيروان عام 141 هـ / 758 م وضرب أبو الخطاب المثل الأعلى في حروبه، إذ لم يحدث ما اعتاد أهل القيروان مشاهدته بعد نهاية الحروب فلم تمتد يد جنوده إلى جثث أعدائهم والتزموا بحدود الانتصار فلم يسلبوا ميتا ولم يتعرضوا لسكان القيروان وأموالهم، وكان لذلك السلوك وقع حميد في نفوس سكان المنطقة، فتولى عبد الرحمن بن رستم إدارة القيروان ورجع أبو الخطاب إلى طرابلس. أما الصفرية فقد
35 (1/35)
صفحة 36
الإباضية أهل الحق والاستقامة
اتجهوا إلى المغرب الأقصى حيث استقروا هناك واختطوا مدينة سجلماسة» التي أصبحت مركزاً لتجمعاتهم.
وتوسعت حدود دولة أبي الخطاب إذ امتدت إلى منطقة وهران غرباً وقد ضمت حدود دولته في الجنوب منطقتي ودان وزويلة. أزعج قيام دولة أبي الخطاب الدولة العباسية خاصة وأن جنودها ظلوا في المغرب الأوسط ولو لم تعجل بعمل عسكري ستتمكن الدولة الإباضية من السيطرة على المغرب الأوسط بحيث يمكنها أن تشكل خطورة ليس في المغرب فحسب بل وفي مصر أيضاً وبدأت الجيوش العباسية تتحرك من مصر للقضاء عليهم. فتمكن أبو الخطاب من هزيمة جيشين أرسلهما ابن الأشعث قبل أن يصلا إلى طرابلس.
أدرك الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور خطورة الموقف فوجه ابن الأشعث إلى المغرب؛ الذي أعد جيشاً كبيراً قدر بثلاثين أو أربعين ألفاً من جند خرسان والشام وأعد أبو الخطاب بدوره جيشه الذي قدر بنحو 90 ألفاً.
وقد تمكن ابن الأشعث من هزيمة الإباضبة في تورغا عام 144 هـ (761 م) وقتل أبو الخطاب في المعركة كما هزم ابن الأشعث مجموعة زنات التي هبت لنجدة أبي الخطاب فانهارت بذلك آخر مقاومة ودخل ابن الأشعث طرابلس، ولما أحس عبد الرحمن بن رستم بأن ميزان القوى ليس في جانبه انسحب من القيروان غرباً وتركزت تجمعات الإباضية بعد ذلك في زولة وجبل نفوسة
ومنطقة تيهرت.
الإباضية في فزان إمارة بني الخطاب
كانت قبلة هوارة مستقرة على الساحل في المنطقة الواقعة بين سرت شرقاً حتى غربي طرابلس وفي الداخل انتشرت إلى الشرق والجنوب من جبل نفوسة وبعد هزيمة أبي الخطاب بدؤوا ينسحبون نحو الجنوب بعيداً عن قبضة الوالي العباسي ويبدو أن ابن الأشعث أحس بخطورة تجمعهم في منطقتي ودان وزويلة فأرسل إليهم جيشاً عام 145 هـ (762 م) تمكن من إيقاع الهزيمة بهم في ودان وواصلت القوة زحفها إلى فزان حيث تمكنت أيضاً من هزيمتهم وقتل زعيمهم الإباضي الله عبد بن حيان. لكن ابن الأشعث لم ينجح في إخضاع منطقة فزان لسيطرته رغم نجاحه العسكري فقد تزعمت أسرة بني الخطاب الهوارية الإباضية وتمكنت من تأسيس إمارة مستقلة
36 (1/36)
صفحة 37
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عرفت بإمارة بني الخطاب واتخذت من زويلة عاصمة لها؛ فتأسيس الإمارة حدث بعد عام 145 هـ وليس عام 144 هـ.
ثم قويت إمارة بني الخطاب فسيطرت على واحات فزان وقامت بدور طليعي في ربط المنطقة بتجارة الصحراء واشتهرت زويلة في هذا العصر كمركز تجاري هام سيطر على الطريق الصحراوي الشرقي الذي يمر عبر كوار نحو بحيرة تشاد ونهر النيجر وقد ارتبطت زويلة عبر هذا الطريق بمصادر ثروات السودان وتجمع فيها التجار من كل جهة ومنها يفترق قاصدهم وتتشعب طرقهم».
حافظت الإمارة على استقلالها حتى قيام الدولة الرستمية في تهرت فدخلت ضمن حدودها وبعد سقوط الدولة الرستمية في آخر القرن الثالث الهجري استقلت الإمارة مرة أخرى تحت زعامة نفس الأسرة حتى قضى عليها عام 568 هـ قراقوشي الغزي الناصري مملوك تقي الدين أخ صلاح الدين.
المرحلة الثالثة قيام الدولة الرستمية (160 - 296 هـ)
بعد هزيمة أبي الخطاب وانسحاب عبد الرحمن بن رستم من القيروان في اتجاه الغرب، أحس عبد الرحمن بن رستم بضرورة تعديل الخطة التي اتفق عليها مع زملائه في جعل طرابلس نقطة الانطلاق لتأسيس الدعوة فطرابلس تقع بين مركزين هامين للدولة العباسية هما مصر والقيروان وقيام أي قوة مناوئة للخلافة بين هاتين النقطتين يعني ضياع ولاية إفريقيا ولذلك بدأ عبد الرحمن بن رستم يمهد الاستمرار في المغرب الأوسط ويؤيد ذلك تأسيسه لمدينة تيهرت منذ عام 147 هـ / 764 م. اتسعت المدينة في الفترة التي أعقبت تأسيسها حتى إعلان قيام الدولة في عام 160 هـ/776 م وازداد عمرانها بتوافد الإباضية عليها ولذلك ذهبت بعض الروايات إلى تأسيس المدينة عام 160 هـ فقد اتجه عبد الرحمن بن رستم منذ أن غادر جبل فحج جنوب تيهرت والذي التجأ إليه أمام قوات ابن الأشعث اتجه إلى موضع تيهرت واتخذها مقراً له، وليس هنالك سبب يجعل استقراره مؤقتاً في تلك المنطقة بحيث لا يشرع في تأسيس المدينة ومما يؤكد اتساع المدينة قبل إعلان الدولة خروج عبد الرحمن بن رستم منها في خمسة عشر ألف إباضي للمشاركة في حصار طبنة عام 151 هـ / 768 م.
37 (1/37)
صفحة 38
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كانت الدولة العباسية تسعى لتقوية قبضتها في المغرب الأوسط فبدأت في تحصين مدينة طنبة في الذاب لاتخاذها مركزاً يساعد القيروان في ضرب المناهضين لها. وشعر الصفرية بخطورة تحضين طنبة وكانوا قد بايعوا منذ عام 148 هـ / 765 م أبا قره بالخلافة، ولذلك قرروا مهاجمة طنبة واستنفروا الإباضية فالتف أمراء القبائل من كل فج واجتمعوا في اثني عشر ألف عسكري» توجهوا إلى الذاب، وكان أمراء المغرب في ذلك الوقت ورؤساؤهم أبو قرة الصقري في أربعين ألفا وعبد الرحمن بن رستم الإباضي في خمس عشر ألفا وأبو حاتم في عدد كثير.
لم يتمكن الحلف من تحقيق انتصار سريع إذ تمكن عمرو بن حفص - والي إفريقيا الذي كان في داخل طبنة أ. من إثارة الفتنة بين صفوف الصفرية فانسحبوا من الميدان ثم انهزم عبد الرحمن بن رستم وتقهقر إلى تيهرت عام 151 هـ / 769 م أما أبو حاتم الذي كان يتزعم إباضية طرابلس فقد تمكن من احتلال طرابلس عام 154 هـ ثم توجه إلى القيروان وفرض عليها الحصار. ظل عبد الرحمن بن رستم في تيهرت إبان حروب أبي حاتم وبعد سيطرة القائد العباسي يزيد بن حاتم على القيروان لم يحاول الوصول إليه وقنع كلٌّ منهما بالاحتفاظ بما تحت يده وقد أدت الهزائم التي لحقت بالإباضية في طرابلس وجبل نفوسة إلى ازدياد هجرتهم إلى تيهرت خاصة الفترة التي أعقبت هزيمة أبي حاتم وتأكدوا من صعوبة الاحتفاظ بولاية إفريقيا واتفقت كلمتهم على إعلان قيام الدولة في المغرب الأوسط وبويع عبد الرحمن بن رستم إماماً لها في تيهرت عام
160 هـ / 776 م.
لم تقم الدولة العباسية بإجراءات عسكرية كبيرة للقضاء على الدولة الإباضية كما فعلت من قبل ففي سنوات قليلة - عهدي عمرو بن حفص وأول عهد يزيد بن حاتم - خاضت جيوش الدولة العباسية الكثير من الحروب وفي المغربيين الأدنى والأوسط قدرهما ابن خلدون بثلاثمائة وخمسة وسبعين حرباً. ولم تثمر تلك الحروب في القضاء على الثورات وقد أدى هذا الوضع إلى مراجعة الدولة العباسية لسياستها في المنطقة وركزت على الاحتفاظ بمنطقتي طرابلس والقيروان ولم تتدخل بعد في المنطقة غرباً إذ قامت دولة الصفرية في سجلماسة في أول العقد الخامس ثم أعلن قيام الدولة الرستمية في أول العقد السابع وقامت دولة الأدارسة في أول العقد الثامن ثم قامت دولة الأغالبة ممثلة للخلافة في أول العقد التاسع. ودخل إقليم المغرب في مرحلة جديدة من تاريخه.
38 (1/38)
صفحة 39
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وأدت محاورة الرستميين للدولة العباسية التي كانت تسيطر على بعض مناطق تجمعات الإباضية إلى توتر العلاقات بين الجانبين وفي مطلع العقد الثامن من القرن الهجري الثاني أحس عبد الرحمن أن الدولة تحتاج إلى فترة هدوء يتم فيها تنظيم إدارته فسعى إلى والي إفريقيا روح بن حاتم 71/ 174 هـ 87/ 790 م ونجح في تحقيق التصالح معه.
العلاقات الخارجية للدولة الرستمية
ظلت الصلة قوية بين إباضية المشرق و إباضية المغرب وكان علماء تيهرت ونفوسة وجربة يحترمون إخوانهم في المشرق ويعتبرونهم الأساس الذي قام عليه المذهب وكان علماء المغرب يلتمسون المشورة في كثير من أمور دينهم ودنياهم من أمة المشرق ويحترمون آراءهم وينفذون نصائحهم فقد احتكم الإمام عبد الوهاب بن رستم والمنشقون عليه إلى الإمام الربيع بن حبيب في البصرة وأقنعت أجابته جانبا كبيراً من المعارضين وكان إباضية المشرق بدورهم يولون اهتماماً كبيراً للدولة في المغرب ويدعمونها.
وارتبط الإباضية كذلك بعلاقات قوية مع الصفرية في سجلماسة ويبدو أن الصفرية قد اعتدلوا كثيراً. حيث وجدث عناصر تقارب كبير بين المذهبين حتى اتبع الكثير من الصفرية المذهب الإباضي. وقد أدى هذا التقارب إلى عدم التمييز بين الفرقتين في بعض الأحيان كما فعل ابن خلدون عندما تحدث عن أبي القاسم سمكد بن واسول أمير سجلماسة بأنه كان «إباضياً وصفرياً». وقد ازدادت العلاقات قوة بين الدولتين عندما زوج عبد الرحمن بن رستم ابنته إلى مدرار بن اليسع حاكم سجلماسة. أما
دولة الأغالبة الممثلة للخلافة العباسية في المغرب فقد كان طابع العلاقات العام معها رغم العداء التقليدي، هو المهادنة فقد قنع الأغالبة بما تحت أيديهم في إفريقيا واتجهوا إلى التوسيع في البحر المتوسط وبعد حروب عام 196 هـ / 811 م والتي وضحت الحدود بين الدولتين في منطقة طرابلس اتخذت العلاقات طابعاً سلمياً وكان التعاون في ميدان التجارة واضحاً إذ كانت كل علاقات الأغالبة التجارية عبر الصحراء تمر عبر مناطق نفوذ الرستميين. وقد حدث التعاون بين الدولتين عندما تعرضت المنطقة لهجوم العباس بن احمد بن طولون عام 267 هـ / 885 م فقد تصدت له قوات نفوسة.
أيضاً
39 (1/39)
صفحة 40
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ثم توطدت العلاقات بين الرستميين والأمويين وزاد في توطيدها وقوف الدولة الرستمية أمام أطماع الدولة العباسية في المغرب وظلت الصلات طيبة بين قرطبة وتيهرت وكانت السفارات دائمة بينهما تحمل الهدايا والتهاني خاصة عند انتصار المسلمين على أعدائهم في الشمال. ولم تنحصر تلك العلاقات في إطار المحاولات الدبلوماسية فقط بل تعدتها إلى جوانب أخرى، فقد أسهمت الجالية الإباضية في الأندلس بدورها في الحياة العامة كما شارك بعض أفراد البيت الرستمي في الحياة السياسية في بلاط قرطبة إذ تولى حفيدان لعبد الرحمن بن رستم الوزارة والحجابة لدى عبد الرحمن بن حكيم وعبد الرحمن الثاني.
كما كان للجالية الأندلسية في تيهرت آثارها على الحياة الثقافية والتجارية في الدولة الرستمية وكانت الدولة الرستمية تمثل الجسر الذي ربط الأندلسيين بالمشرق الإسلامي.
وكانت ارتباطات الإباضية قوية مع مراكز وممالك السودان قبل قيام الدولة الرستمية. فكانت إمارة بني الخطاب الإباضية في زويلة دائمة الاتصال بغرب إفريقيا عبر الطريق الشرقي من الصحراء الكبرى وبعد قيام الدولة الرستمية انتظمت تلك العلاقات خاصة وأن الإباضية في عهد الرستميين سيطروا على كل مداخل الصحراء ما بين سجلماسة وزويلة.
وقد ادت تلك العلاقات إلى إسهام الإباضية بنصيب كبير في انتشار الإسلام في السودان وذلك لان الإسلام صاحب التجارة، فقد كان التجار يمثلون الطلائع التي وصلت بالدين الإسلامي إلى كل المناطق الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى. إلى جانب ذلك كان الإباضية يعتمدون على مجموعة عرفت تحت اسم أهل الدعوة كانت مهمتها نشر الدين الإسلامي، وكان أهل الدعوة يصحبون
القوافل إلى السودان لأداء مهمتهم.
الأسرة الرستمية
حافظت الأسرة الرستمية على الإمامة في تيهرت حتى نهاية الدولة رغم أن المذهب الإباضي لا يعترف بالوراثة في الحكم وقد سبب ذلك ظهور بعض الجماعات المعارضة التي حملت السلام ضد الأسرة الرستمية، وقد استندت الأسرة إلى الرأي الذي يقول بجواز ولاية المفضل مع وجود الأفضل «إذا وجدت في المفضل مزايا ترجحه ليست للأفضل، فالأئمة لم يرثوا الإمامة بالتعيين أو ولاية العهد، بل كان يتم اختيارهم عن طريق مجلس الشورى المكون من العلماء الكبار ذوي الشخصيات البارزة في الدولة.
40 (1/40)
صفحة 41
معارضة وانشقاق
الإباضية أهل الحق والاستقامة
تعرضت الأسرة الرستمية إلى أول معارضة بعد وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم فقد ترك أمر الإمامة شورى بين سبعة من كبار العلماء بينهم ابنه عبد الوهاب وأبو قدامه يزيد بن فندين اتفقت الجماعة على بيعة عبد الوهاب بن عبد الرحمن غير أن ابن فندين اشترط لعبد الوهاب بن عبد الرحمن «ألا يقضي في شيء دون مشورة جماعة مخصوصة من الناس، فأجابه أحد العلماء: «لا تعلم في الولاية شرطاً غير أن يحكم فينا بكتاب الله وسنة نبيه، وتمت البيعة دون أن تثير جدلاً.
كان ابن فندين يرى في نفسه الكفاية والقدرة، وبدأ في إثارة الناس زاعماً أن الإمامة باطلة لأن عبد الوهاب لم ينفذ الشرط الذي عليه وقت البيعة وهو استشارة جماعة خاصة وحدث الخلاف بين الناس وأرسلوا إلى إمام الإباضية بالبصرة الربيع بن حبيب يستفتونه. استثمر هذه الخلاف شخص آخر من الإباضية كن مقيماً بمصر وهو أبو المعروف شعيب ابن معزوقة وكان قد اختلف مع أبي عبيدة في مسألة القدر حضر أبو المعروف إلى تيهرت ليلفت انتباه الناس اليه طامعاً في
الإمامة.
وانضم أبو المعروف إلى ابن فندين ولما كان غرضهما هو الوصول إلى الحكم فقد ألبا الناس قبل وصول الفتوى من البصرة لعلهما بأنها لن تكون في صالحهما حمل المعارضون السلاح ضد عبد الوهاب ودارت الحرب بين الطرفين انتهت بوفاة ابن فندين وعرف أصحابة اسم النكار وتميز الإباضية الآخرون باسم (الإباضية (الوهبية) ويرى علماء الإباضية أن النكار خرجوا على المذهب لخلافهم جمهور الإباضية في مسائل أخرى كثيرة. ظلت معارضة النكارية في منطقة طرابلس حيث قويت مرة أخرى بعد تولية أفلح بن عبد الوهاب عام 238 هـ /852 م خرج المعارضون تحت قيادة خلف بن السمح غير أن إباضية الجبل تمكنوا من القضاء عليهم وقد تعرض أبو بكر بن افلح أيضاً لاضطرابات شديدة في داخل تيهرت فتمكن أخوه أبو اليقظان بن افلح بعد بيعته من تهدئتها وأعاد للإمامة هيبتها في فترة حكمه الطويلة التي امتدت حتى عام 281 هـ / 892 م وبعد وفاة أبي اليقظان تجدد النزاع واختلف الناس على ابنه الإمام أبي حاتم وخرج عليه عمه يعقوب فدارت الحرب بينهما وحسمت بعد أربعة أعوام
41 (1/41)
صفحة 42
الإباضية أهل الحق والاستقامة
لصالح الإمام أبي حاتم لكنه لقي مصرعه عام 294 هـ 906 م على يد ابني أخيه وبهذا الحدث انتهت الإمامة الإسلامية وتبرأ أهل الدولة من اليقظان الذي نصب نفسه والياً على تيهرت واستقلت كل ناحية من الدولة بواليها القديم وبمجلس الشورى ولذلك وقعت تيهرت فريسة سهلة في أيدي العبيديين فدخلوها دون حرب عام 296 هـ / 908 م.
الإباضية بعد سقوط الدولة
لم تقتل الضربة التي أصابت الإباضية في تيهرت من قبل العبيديين بل بثت الروح في دولتهم فنظموا معارضتهم من داخل تيهرت وذكر ابن عذارى أنهم: .... انتصروا على الوالي الشيعي وقتلوا أكثر أصحابه وكانوا ألف فارس، لكن عززت الدولة العبيدية موقفها وأرسلت إليهم أعداداً عظيمة وخلقاً لا يحصى كثرة، تمكن من إنزال هزيمة قاسية بالإباضية بالمدينة وقتل الألوف من سكانها. أدت هذه الهزيمة إلى هجرة جماعات كبيرة من الإباضية جنوباً فاستقروا في ورجلان بعيداً عن قبضة الشيعة فورثت ورجلان الحضارة الرستمية في المغرب الأوسط وعمروا منطقة سدراته الواقعة إلى الجنوب من ورجلان بسبعة أميال فظهرت القرى العظيمة التي عرفت باسم السبع
مدن
أما
إباضية منطقة طرابلس فقد حاولوا مقاومة الشيعة الفاطمية وتقدموا حتى حوصروا طرابلس ولكنهم انهزموا من الشيعة عام 218 هـ / 910 م وتركز الإباضية بعدها في جبل نفوسة. وفي جربة حافظ الإباضية على حيادهم في أول عهد الدولة العبيدية، وبعد ضعف النفوذ العبيدي في المغرب بانتقال مركزهم إلى مصر سيطر الصهناجيون على إفريقيا وعاش الإباضية حياة هادئة تحت ظلهم حتى في داخل القيروان وظل الإباضية منذ ذلك التاريخ يحافظون على
كيانهم وتراثهم في ميزاب وجبل نفوسة وجربة.
دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي
ابن خلدون ت (1405) والقلقشندي (ت (1418 أشارا إلى إسلام أهل مالي قبل قيام إمبراطوريتهم بوقت طويل.
وكان التجار إلى جانب أعمالهم التجارية يقومون بالدعوة إلى الإسلام، وقد ارتبطت التجارة
42 (1/42)
صفحة 43
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وانتشار الإسلام في غرب إفريقيا، ويتضح ذلك من تتبع سير الإباضية الذين كانوا يمارسون التجارة على نطاق واسع مع غرب إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي. فقد أدى استقرار الإباضية على أطراف الصحراء في واحات فزان وجبل نفوسه وغدامس وواحات الجزائر منذ القرن الثامن الميلادي إلي ارتباطهم القوي بتجارة الصحراء، وعزز من ذلك الارتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة وزناتة للمذهب الإباضي وتخصص كثير منهم بالتجارة عبر الصحراء. وسرعان ما انتظمت تجارة الإباضية في زويلة تحت إمارة ابن الخطاب منذ تأسيسها عام 762 م، وتوسعت تجارة الصحراء بقيام الدولة الرستمية الإباضية في تيهرت (بالجزائر) عام 776 م، فقد أشرفت هذه الدولة على المنطقة الصحراوية ما بين سجلماسة (جنوب المغرب الأقصى) وزويلة التي دخلت ضمن دائرة نفوذها، واهتم الرستميون بالتجارة الداخلية في الصحراء وأرسلوا الجنود بصحبة التجارة لتأمينهم من الأماكن التي يخشى فيها من غارات البدو. وكانت لهم برامج مخططة لأهل الدعوة تضمنها نظام العزابة، وهم أهل الدعوة، (الإباضية)، مجموعة من رجال العلم اتجهت جهودهم لإعلاء كلمة الله وبث تعاليم دينه وتبصير الناس بأمور دينهم ودنياهم، وقد تركز جانب كبير من اهتمام أهل الدعوة على غرب إفريقيا التي كانت تعتبر «دار دعوة» فانشئوا الربط منذ مستهل القرن الثامن عشر الميلادي في المنطقة الصحراوية الوقعة بين ورجلان وسجلماسة.
ويتضح من النصوص التي جمعها Lewicki) نشاط أهل الدعوة الواسع جنوبي الصحراء الكبرى، واقترن ذكر الكثير من فقهاء الإباضية بغرب إفريقيا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، والفقهاء الذين وردت أخبار زيارتهم إلى غرب إفريقيا يعتبرون من كبار الأساتذة في عصورهم، وقد وردت أخبار زياراتهم إلي تلك المناطق عرضاً أثناء تناول بعض أخبارهم مما يرجح احتمال ترددهم الدائم على جنوبي الصحراء ولم تسجله لنا كتب السير. وقد تمكن الإباضية من تجار وفقهاء من تقوية اتصالاتهم بغرب إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي ولعل كثيراً من تلك المناطق قد اعتنقت الإسلام على يد الإباضية منذ ذلك الوقت فقد ذكر الشماخي أن بلاد السودان بغانة وما يليها كانت تدين بالمذهب الإباضي حتى تسامعت بهم المخالفون فقصدوهم من كل صوب فردوهم إلى مذاهبهم.
43 (1/43)
صفحة 44
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وقد ظلت بقايا الإباضية حية في إمبراطورية مالي حتى القرن الرابع عشر الميلادي حيث لاحظ ذلك ابن بطوطة.
وقد كتب الدرجيني بعض المعلومات الهامة، فقد وضح أن أهل مدينة مالي كلهم آمنوا بالإسلام وكذلك فعل كثير من أهل المدن المجاورة الذين كانوا تحت حكم ملك مالي، بينما طلب أهل المدن البعيدة وهم أيضاً تحت نفوذ ملك مالي تركهم على أديانهم فسمح الملك لهم بشرط ألا يدخل مدينة مالي كافر، وهذا كله لا يتفق مع ما ذكره البكري من إسلام الملك فقط، وأهل
مملكته مشركون.
ويفهم من نص الدرجيني أن مملكة مالي كانت قوية باسطة نفوذها على عدد كبير من المدن المجاورة لها ومشرفة على مصادر الذهب وتحتها مملكة عظيمة، وتحته اثنا عشر معدناً يستخرج منها التبر، وهذا يرجع إسلام الملك إلى عهد الملوك الصيادين أو المحاربين. وعهد الملوك المحاربين يشير إلى تلك الفترة المبكرة من تاريخ مالي عندما تمكنت من بناء قوتها الحربية، وتوسعت موحدة مناطق واسعة من إقليم المالنك في الجنوب، وقد تم تدعيم ذلك النظام الحربي عند نادامي كاني؛ وهو ما ينطبق على وصف قوة مالي من خلال نص الدرجيني، وقد اكتسبت مالي تلك القوة منذ القرن الثامن الميلادي وهو الوقت الذي توقفت فيه ارتباطاتها التجارية القارية فأصبح وجود نظام حربي قوي للدفاع عن هذه المكاسب ضرورة قصوى، غير أن الدرجيني ذكر أن الفقيه الذي تم على يده إسلام ملك مالي يسمى علي بن يخلف الذي ذهب مالي عام (1179 م) وهو جد الدرجيني. فالدرجيني هو أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف. إن الروايات المحلية ربطت أسرة كيتا ببلال مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكرت
الروايات أن حفيده لانال كالابي هو الذي أسس الزعامة ووسع حدوده على نهر سان كراتي. كما تورد الروايات المحلية بعض أسماء ملوك مالي الذين اعتنقوا الإسلام والذين أدوا فريضة الحج، وأغلب تلك الأسماء ارتبطت بأسرة كيتا انطلاقاً من بلال جد الأسرة، الحاج لاهيلاتول كالابي الذي توسعت دولته حدود ديجبيبوي والذي ذهب إلى الحج أربع مرات. فإسلام ملوك أسرة كيتا ارتبط في الروايات المحلية بتأسيس المملكة منذ أسرة القرن التاسع الميلادي على أقل
تقدير.
44 (1/44)
صفحة 45
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الصراع بين البربر والمسلمين تورد كتب الفتوح وحوليات التاريخ الإسلامي الكثير من الأخبار المتعلقة بفتوح المغرب والارتداد المتكرر لسكانه والجهود التي بذلها كبار القادة لإخضاع المنطقة فلماذا قاوم البربر الفتح الإسلامي، تلك المقاومة العنيفة؟
تعرض سكان المغرب للغزو الخارجي منذ قرون كثيرة قبل الفتح الإسلامي وكان الغرض الأساسي من تلك الغزوات هو الاستيطان واستغلال ثروات البلاد التجارية والزراعية وإبعاد سكان المغرب عن ترابهم ما أمكن، فقاوموا اليونانيين والرومان والوندال والبيزنطيين.
وعندما زحفت جيوش المسلمين نحو المغرب هب البربر للمقاومة وخاضت الجيوش الإسلامية الكثير من المعارك معهم.
ثم وجد البربر في الدين الإسلامي حلاً لجميع العلاقات التي قادتهم إلى الاصطدام بالشعوب التي دخلت بلادهم وأزالت التشريعات الإسلامية المشاكل التي كانوا يعانون منها وعلى رأسها المساواة ومشكلة الضرائب. وكان البربر يسعون إلى تطبيق مبادئ الإسلام كما فهموه من معلميهم المسلمين السنة الأوائل.
ثم بدأ تحرك البربر في مطلع القرن الثاني للهجرة مع بداية ولاية يزيد لإفريقية عام 102 هـ (720 م) ونكتفي بما ذكره ابن عزاري المراكشي عن هذا الوالي حيث قال: «كان ظلوماً غشوماً .... وكان البربر يحرسونه فقام على المنبر خطيباً فقال: أني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما تصنع ملوك الروم بحرسها فارسم في يمين الرجل اسمه وفي يساره حرسي ليعرفوه بذلك بين سائر الناس فلما سمعوا ذلك منه ـ أعني الحرس ـ اتفقوا على قتلة.
كانت هذه المحادثة في بداية القرن الثاني بعد المحاولات الجادة التي بذلها الخليفة عمر بن عبد العزيز لتدعيم إسلام البربر وإرسال الكثير من التابعين للمغرب يعلمونهم أصول الدين ويبصرونهم بقواعده فقد أحس البربر أن ولاة الأمويين عادوا إلى أنظمة الحكم البيزنطية التي لم يرتضوها وانطلقت الشرارة مرة أخرى في طنجة التي تسلط عليها أحد الحبحاب «فأساء السيرة وتعدى في الصدقات والعشر وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم في للمسلمين (ابن الاثير، الكامل في التاريخ).
ولاة عبيد
الله
بن
45 (1/45)
صفحة 46
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وارتفع صوت الشكوى في كل مكان إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الخلفاء.
يقول ابن غزاري المراكشي:
وكان الخلفاء أنفسهم يستحبون طرائف المغرب ويبعثون فيها إلى عامل إفريقية فبيعت لهم البربريات السنيات فلما أفضي الأمر إلى ابن الحباب مناهم بالكثير وتكلف لهم أو كلفوه فاضطر إلى التعسف وسوء السيرة ابن غزاري المراكشي ج 1 ص 52).
أدت مساوئ الإدارة الأموية إلى التذمر وسخط البربر. فوجد دعاة المذاهب المناهضة للأمويين بيئة صالحة لبث آرائهم فهيؤوا البربر للثورات ونبذ طاعة الولاة كما حركت تلك المساوئ في نفوسهم الرغبة في الانفصال عن مركز الخلافة التي اتهمت بالعجز عن رعاية وتطبيق مبادئ الإسلام. بل وبالخروج عليه في نظر بعضهم. وكان دعوة الإباضية من بين أولئك الدعاة الذين وجدوا أرضاً صالحة لحزبهم.
ونلاحظ في تلك الأحداث أن الإباضية استطاعت أن توظف الوضع السياسي في مناطق البربر. وتستثمره لصالح دعوتها الدينية فكان لها النجاح في ذلك.
المسجد العتيق للإخوة الإباضية
في العاصمة الجزائر، في وسطها يقع المسجد العتيق للإخوة الإباضية
واستناداً إلى الدكتور زكريا محمد، فإن البدايات الأولى لوجود هذا المسجد تعود إلى التواجد الإباضي بالعاصمة حيث أوجد الإباضيون ممن هم يشتغلون بالتجارة بالعاصمة مسجدا لهم، يكون مرفأ للعبادة، وملتقى لهم لتبادل معارفهم الدينية، أو تلقيها، خصوصا ما تعلق منها بالمذهب الإباضي، كان ذلك خلال الحقبة العثمانية وبالضبط في العام 1810 م، ليتم تجديده في العام 1875، فالعام 1975 فأخيراً، حيث تم تحديثه. يحتضن المسجد العتيق مدرسة قرآنية تعنى بتحفيظ كتاب الله
وتدارسه.
واستناداً إلى إمام بالمسجد عبد الوهاب رمضان، فإن من أهم ما تسعى إليه المدرسة منذ نشأتها هو غرس الأخلاق القرآنية في أذهان الناشئة، وتربيتها وفق المنهاج القويم، المنهج الذي وضع أصوله مشايخ بني ميزاب وعلماؤها الأولون والمتأخرون وما يتعلق بعلوم الفقه والتفسير
والتجويد وعلوم العربية.
46 (1/46)
صفحة 47
الإباضية أهل الحق والاستقامة
يحتوي المسجد على مكتبة تحوي كتب القانون والفلسفة والفكر والاقتصاد والطب، يجاور المسجد جناح خاص بالنساء، وهو عبارة عن شقة مخصصة للنساء ممن يرتدن المسجد، حيث يؤدين فيه الصلوات في المناسبات والأعياد، بالإضافة إلى تلقينهن إجابات لمختلف انشغالاتهن
الدينية والمعرفية.
ابن رشد والإباضية
هناك اتجاه تاريخي يقول بأنه كان للإباضية مساهمة كبيرة في تقوية الحضارة الإسلامية في
الأندلس. ويؤكد هذا الفريق بأن الفيلسوف القرطبي ابن رشد كان إباضي المذهب. الباحث الفرنسي بيير فيليب يؤكد تلك المقولة في بحثه الذي خصصه لابن رشد وتأثير المدرسة الرشدية على الحضارة الأوروبية. وفي بحثه نتعرف على جوانب مهمة من تاريخ الإباضية وتطور فكرها الديمقراطي في المغرب العربي. ومن ثم تأثير ذلك الفكر على الحضارة الأوروبية.
يقول بيير فيليب
. لقد طبع ابن رشد أكثر من غيره هذا الميلاد الأندلسي للعقلانية الأوروبية .....
إن نقطة انطلاق هذا الفكر العقلاني هي مجموعة إفريقيا الغربية الإسلامية، حيث من هناك وفي القرن الثامن الميلادي أفرزه تياران من الخوارج؛ هما: الإباضية، والصوفية. إن هذين التيارين الديمقراطيين جداً منذ تأسيسهما بالجزائر العربية التقيا بالتقاليد الديمقراطية العشائرية للأمازيغ (البربر)، في إفريقيا الشمالية؛ وانصهرا فيها، وهذا طبعاً ما مكن الإسلام في إفريقيا الشمالية
فقد دخلت القبائل الأمازيغية أفواجاً في الإسلام المنشق الديمقراطي، لأنه يوحدهم ويمكنهم بذلك من المقاومة بكيفية أفضل ضد المحاولات الجديدة لغزو الشرقيين. فمنذ القرن الثامن المسيحي أعيدت صياغة وتطوير المكتسبات العلمية والتقنية للفرس واليونان؛ من طرف هذا التيار المنشق والمتقوقع
انتشر في إسبانيا هذا التيار الديني في وسط الأمازيغ الذين يمثلون في البداية ثلثي المجتمع الإسلامي المستقر في أسبانيا، الذي انتهى بالتمرد الكبير للأمازيغ ضد العرب الشرقيين في سنة 742 م، هذا التمرد الذي يفسر معركة Poitier سبب وقف الامتداد الإسلامي نحو أوروبا الشمالية.
47 (1/47)
صفحة 48
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إن الطوائف العربية في إسبانيا المنقسمة بين ذوي الأصل الصحراوي وغيرها لم تستطع تثبيت وضعيتها إلا بعد تنصيب الأمويين في البلاد؛ والذين طردوا من طرف العباسيين من الشرق سنة 750 م. لقد أدرك الأمويون أنهم لا يستطيعون حكم إسبانيا إلا بارتكازهم على العنصر المسلم المهيمن والغالب ديمغرافيا وهم الأمازيغ، وهذا ما فعلوه حتى زوال ملكهم في بداية القرن الحادي عشر الميلادي طوال عهد الإمامة الإباضية في تيهرت شمال إفريقيا وحتى بعدما رعى الأمويون تحالفا مع إباضية إفريقيا الشمالية، والتي بسببها انتقلت المعارف العلمية والتقنية لهؤلاء الإباضية؛ من رياضيات وعلم الفلك، وفي ميدان الملاحة، وري المناطق الجافة، وكذلك في التاريخ. فالمؤرخ الأندلسي الكبير الوراق الدي جمع المعطيات حول أنساب البربر في إفريقيا الشمالية من عند أبي يزيد المختبئ في الأندلس بعد هزيمته وموت أبيه. هذه المعطيات التي انتقلت لاحقا من طرف البكري ثم ابن خلدون. (انظر التأييد المقدم من الأمويين لانتفاضة الإباضية ضد أبي يزيد الفاطمي من 943 م إلى 946 م).
لم ينضم الأمويون وحتى جموع أمازيغ الإسبان إلى الإباضية لكنهم دخلوا بكثرة في المذهب السني المالكي، ولكنها كانت مالكية متفتحة ومتسامحة كما كانت الإباضية نفسها. لقد انقضى أكثر من قرن بين سقوط الأمويين في إسبانيا وميلاد ابن رشد، لكن اتسمت الفترة بتبادل كثيف للأفكار والخبرات بين إفريقيا السوداء لقبائل الونجرة وإفريقيا الشمالية الإباضية من جهة وأسبانيا الأموية من جهة أخرى.
من هذا التفاعل تكونت الثقافة الأندلسية التي ستزدهر في القرون المتوالية من بعد. هذا الازدهار ترجم في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر الميلادية بتنقل القطب العلمي للعالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب، بينما في القرن الثامن والتاسع كل رجالات العلم المشهورين في العالم الإسلامي كانوا متمركزين في بغداد.
لقد نافست قرطبة بغداد في هذا المجال في القرن العاشر والحادي عشر والثالث عشر، وعرفت القاهرة كذلك رقيا متوازياً مع قرطبة؛ ولو في مجالات أقل.
إن الإباضية ينشرون العلم للجميع مع إرادة قوية لتعميمه، ونحن سوف لن نجد مثيلاً لهذا
المفهوم في التاريخ إلا بعد قيام الثورة الفرنسية، حيث انتقل هذا المفهوم النخبوي للعلم إلى مفهوم
48 (1/48)
صفحة 49
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عالمي للعلم، وتخلت الإباضية عن الجهاد المسلح لنشر العقيدة واستبدلوه بنشر العقيدة بواسطة
التدريس والتعليم.
ومنذ نهاية القرن الثامن الميلادي قطعت هذه العقيدة الإباضية الصحراء الكبرى، وعرفت نمواً في إفريقيا السوداء، حيث كانت الصيغة الوحيدة للإسلام المعروفة في تلك المناطق ولعدة
قرون.
هذا النظام الذي رافق توسع طائفة Solink ثم olink التي يسميها المعربون بـ wangara التي نعرفها اليوم تحت اسم dioula طريقة dioola التي دونت من طرف الحاج سليم في القرن الخامس عشر تظهر في خطوطها العريضة كصيغة طبق الأصل من الإباضية، إن أحد أبرز فرق (dila angara الداعية إلى الإسلام في وسط القرن الرابع عشر الميلادي هي إباضية حسب ابن بطوطة.
إن ظهور الإسلام الحامل للعقلانية العالمية في جنوب الصحراء كان متزامناً مع ازدهاره في إفريقيا الشمالية، التي نعتقد أنها كانت نقطة انطلاقة للعقلانية العالمية في كافة إفريقيا الشمالية وإفريقيا الغربية الإسلامية التي نؤرخ لها بدايتها في القرن الثامن الميلادي. إن مرور العالمية الإباضية على الأندلس وتأثيرها عليها، مكن ابن رشد 1126 - 1198 م من فض النزاع القائم بين الفرس واليونان في الفكر.
هذا العنوان (الهيجلي) الذي لا نكاد ندرك أنه خطه قلم من القرن الثاني عشر الذي أقر فيه أن لا وجود لتناقض بين الخطاب النخبوي للفلاسفة والخطاب الكوني للدين حيث ما هو إلا ضرب
لعرض حقيقة واحدة، حيث إن الوحي عندما يدخل في تناقض مع العقل كما مثله الفلاسفة؛ يجب إعادة تفسيره حتى يتجاوز هذا التناقض بهذا تتجلى عالمية جديدة هي عالمية العقل، عالمية كامنة، هي التي سوف تحل محل العلم الموحى تدريجياً. ففي الأندلس تكوّن هذا العقل العلمي المغاير للدين، بينما عند إباضية إفريقيا الشمالية هو اتحاد المعرفة العقائدية والدينية والإرث العالمي والتقني، ولأئمة الإباضية في (تيهرت) الرستميون الذين هم أشهر العائلات الفارسية التي ينتمي إليها أجدادهم فضل في تثبيت هذا
المفهوم.
49 (1/49)
صفحة 50
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إن عقائد جيوش الساسانيين في معركة القادسية في السنة الرابعة عشر الهجرية حيث عرف الفرس أول أكبر هزائمهم أمام المسلمين، انتقل من هناك كثير من المعارف الفارسية إلى الأندلس في القرن الثاني عشر حيث بدأ يستقيم العقل، إنها ظاهرة تاريخية ناتجة عن التطور الكبير
للعلم التقني.
من بين معاصري ابن رشد هناك اسمان قريبان منه يشهدان على وحدة المنهج وهما رفيقاه ابن طفيل وابن ميمون اليهودي المعروف في أوروبا القرون الوسطى بـ (ميموند). إن الرسالة العقلانية لابن رشد انتقلت في القرن الموالي إلى فرنسا، وقاربت أن تنتقل مباشرة. إلى ألمانيا حيث إن الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني حفيد فريدريك الأول.
الذي كان في نفس الوقت ملكاً لصقلية وحفيد Roger الصقلي أول فاتح نورمندي للجزيرة
حيث إن الملك النورمندي واصل في انتقاء حاشية إسلامية مغيرا بكيفية طفيفة نمط الحياة في الجزيرة.
لقد أهدى إليه المؤلف الكبير في علم الجغرافيا العربي (الإدريسي) كتاب الريجار (روجر). لقد رسخ فريدريك الثاني كثيراً هذا الجانب الداخلي والمجال الخارجي، حيث أسس روابط مع الدولة الأيوبية في القاهرة ودمشق، وهذا ما مكنه من الدخول سلميا إلى بيت المقدس التي لم تستطع الجيوش الدولية الصليبية الانتصار عليها.
لقد أظهر له البابوات المتعاقبة كرهاً شديداً، وبفضل الجيوش الإسلامية الصقلية تصدى لهم طول حياته، ولكن أخذوا ثأرهم في عقبه الذين أعدموهم عن آخرهم. لقد أسس فريدريك الثاني في المنطقة لمملكة صقلية؛ (في جنوب إيطاليا)، جامعة تناظر فيها ألمع المفكرين المعاصرين لتلك الفترة من مسلمين ومسيحيين ويهود. إن تأثير ابن رشد كان كبيراً، فقد ترجم كل كتب أرسطو، بفضل النفوذ السياسي لفريدريك
الثاني. لقد استقطبت الرشدية أحفاد فريدريك الثاني، وفي فرنسا أيضاً عرف الفكر الرشدي أكبر انتشار له، وكان لهذا الانتشار أسباب سياسية. ومن دون أن يكونوا متحالفين؛ فإن ملك فرنسا فيليب أوجيست والإمبراطور الشاب فريدريك (1/50)
صفحة 51
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الثاني قاتلوا نفس العدو السكسونيين والأنجلوسكسونيين، إن معركة بوفين 1214 م كانت حلقة من الكفاح المشترك.
فيليب أوجيست (Philippe-Auguste) كان متوجساً من البابوية بعد إعطاء استقلالية للجامعة منذ 1215 م (سنة واحدة بعد بوفين حيث أصبحت هذه بعد عقود، وخاصة كلية الفتوى،
معقل الرشدية.
وفي وسط القرن الثالث عشر، عُرف اثنان من أشهر الرشديين اللاتيين، وهما:
سجر دوبرابان
وبواس ديداكل
اللذان درسا فكر الأستاذ الأندلسي؛ الذي كان أصل الفكر العقلاني الفرنسي أكثر من أربعة قرون قبل ديكارت. وهناك انتقل سان طوماس ديكان لمواكبة العقلانية الجديدة، وقام بنشرها عملياً.
إن مؤلفاته ضد ابن رشد كانت موجهة ضد الرشديين اللاتينيين أكثر من ابن رشد نفسه. فبعد ذلك واصل هذا الفكر العقلاني طريقه في فرنسا لكي يصل في القرن السابع عشر إلى نظام الفلاسفة الكبار؛ ديكارت باسكال وليبنتر الأسباني، ولكن ليبينتز كتب جزءاً من مؤلفه الفلسفي بالفرنسية، فكان عارفا جدا بأرسطو، وترجم كتابات فلسفية لابن طفيل الصديق المرافق لابن رشد.
وفي القرن الثامن عشر تطورت هذه الفلسفة حول الطبيعة لبيفون والتطور لمارك قبل أن ترتقي بالفلسفة الفرنسية عند القاموسيين؛ فولتير وروسو.
ثم ستعرف قمتها مع الثورة الفرنسية التي حققت نفسها تحت راية العقل العالمي وانتهت إلى فلسفة الحرية التي صاغها هيجل حيث العقل المنتصر في القرون الثاني عشر إلى القرن الثامن عشر، ومن ثم إلى بناء العقل البشري ألا وهي الحرية.
هكذا شق الفكر العلمي طرقه، وكانت إفريقيا الشمالية وإفريقيا السوداء الغربية مهدها وأصل ميلادها في القرن الثامن والتاسع الميلادي.
51 (1/51)
صفحة 52
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وتمثل الأندلس مقر استقلاليتها في الوحي، وأما نصرها النهائي الجسيم الثورة الفرنسية التي ستخضعها إلى عقلانية كلية وهي الحرية
هذا الفكر العقلاني كان له مصدر آخر؛ شمال إفريقيا وإفريقيا الغربية، ومن هذه الأندلس التي تنتمي جغرافيا إلى أوروبا.
ولكن أوروبا تحاول دائما التغاضي عنها، ونسيان ما تدين لها بما يكون الآن.
إذا كانت أوروبا قادرة على ربط وثاق مع إفريقيا الشمالية وإفريقيا الغربية عبر الأندلس؛ التي هي نقطة انطلاق طريق العقلانية العالمية إذا استطاعت أن تدمجها في المكانة التي تستحقها، بهذا أمكن لأوروبا تفادي الاندثار الذي كان يهددها عن الباحث الفرنسي بيير فيليب بتصرف)
52 (1/52)
صفحة 53
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث الثالث
معتقدات الجماعة الإباضية
ميزات العقيدة الإباضية
إن الإباضية - أهل الحق والاستقامة - تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة أمور إنهم جمعوا في الإستدلال على صحة معتقداتهم بين صحيح النقل وصريح العقل، فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادي الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس، وأصح وأثبت مما جاء به النبييون عن الله عز وجل، فعوَّلُوا عليه في التحسين والتقبيح، والتعليل والحكم، كما أنهم لم يُطفئوا شُعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ غير مسترشدين به في استكشاف أبعاد معانيها، والغوص على حقائق مراميها، كما هو شأن عَبَدَة الألفاظ الذين لا يأخذون من النَّص إلا قشوره لا يتجاوزون شكله إلى جوهره، ولا يتعدون ظاهره إلى مضمونه، بل استمسكوا بالعُرَى الوثقى من النصوص، واتخذوا من العقل السليم دليلاً على فهم مقاصدها، ومن الأساليب اللغوية شراكاً
لاقتناص شواردها، ولا غَرْوَ فَهُم منطلقون في ذلك من مراشد القرآن نفسه، فكم تجد فيه لَايَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ والِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ و له لِأُولِي الْأَلْبَبِ كما تجد فيه إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرْهَانَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فهو وإن سما فوق بلاغة بلغاء العرب والعجم لم يخرج عن كونه عربي اللسان والأسلوب، وقد يسره الله للذكر بتفهم آياته واستجلاء مقاصده، واستلهام
مراشده
1 ـ عدم التعصب لأئمتهم تعصباً يجعلهم يتصاممون عن النُّقُول الصحيحة، ويتعامون عن العقول الصريحة، كما نجد ذلك عند كثير من المتفقهة والمتكلمين، ومن أبشع ما وجدناه في ذلك
03 (1/53)
صفحة 54
الإباضية أهل الحق والاستقامة
قول العلامة الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين) ولا يجوز تقليد ماعدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر).
فقد باين الإباضية هذا المسلك الضيق فقهاً وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة، ولم يسوغوا لأنفسهم أن يرفعوا كلام أحد من أئمتهم إلى درجة كلام الله أو كلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم والورع ما بلغ.
2 - المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ الخلاف بينهم ما بلغ، إذ لم يتجرؤوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل، أما من أسند إلى التأويل - وإن كان أوهى من نسج العنكبوت - فحسيه تأويله واقيّاً لَهُ من الحكم عليه عندهم بالخروج عن حظيرة الأمة، وخلع ربقة الملة عن عنقه، ومن هذا المنطلق صدر ذلك الإعلان المنصف - الذي رسم مبدأ الإباضية في نظرتهم إلى الأمة - من أشهر قائد إباضي وهو / أبو حمزة المختار بن عوف السليمي، في خطبته التي ألقاها على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصاخ لها الدهر، وسجلها الزمن، وخلدها التاريخ، إذ قال فيها رحمه الله:
(الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً بالله عابداً وثن أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً
جائراً).
وقد مشى الإباضية في هذا النهج السليم، والتزموا هذا المبدأ التويم في معاملتهم لسائر طوائف الأمة كما يشهد بذلك التاريخ، ونجد هذه النبرة المنصفة تتردد في أصوات قادة الفكر منهم في الخلف كما كانت من قبل عند السلف. وعلى هذه القاعدة بنى الإباضية حكمهم على طوائف الأمة التي جانبت الحقيقة في معتقداتها، فكانوا أشد احتياطاً من إخراج أحد منهم من الملة بسبب معتقده مادام مبنياً على تأول نص شرعي، وإن لم يكن التأويله أساس من الصحة ولا حظ من الصواب، ومن هنا اشتد إنكار الإمام الكبير محبوب بن الرحيل، على هارون اليماني الذي حكم بشرك المشبهة وخروجهم من الملة، وأنشأ محبوب في ذلك رسالتيرن جامعتين ضمنهما حججه الداحضة لرأي هارون، وجّه إحداهما إلى إباضية عمان
54 (1/54)
صفحة 55
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وثانيهما إلى إباضية حضرموت وأطبق الرأي الإباضي على تصويبه وتخطئة هارون. وسئل المحقق الخليلي عن حكم هؤلاء المشبهة هل هم مشركون؟ فكان جوابه لسائله (إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله، فإنه موضع الهلاك والإهلاك).
3 - اعتنى قادة الفكر من الإباضية بلم شعث هذه الأمة وجمع شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية، ومزقتها النزعات العصبية، وكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم.
ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية، المشهور بـ سليمان باشا الباروني، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق، ومرجعهم في أمور الدين، الإمام عبد الله بن حميد السالمي ونص السؤال:
هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوي المانع منه في نظركم ...
وكان هذا السؤال في عام 1326 هـ. فكان من جواب ذلك الإمام له:
نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع. وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب
الرئاسة.
وجمع
الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً. مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان. والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمي بالإسلام إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
00 (1/55)
صفحة 56
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الأصول العقائدية عند الإباضية
الأصل الأول: التوحيد
يقول الإباضية: إن الله واحد في ذاته وصفاته وإن ذات الله وصفاته شيء واحد ولا يشاركه
فيه شيء ما بأي حال من الأحوال وبأي وجه كان مع الإقرار والاعتقاد بأن لا إله إلا الله وأن م رسول الله أي: أن الله هو المالك الوحيد الخالق لهذا الكون والمدبر الوحيد الكامل لكل ما يقع من أحداث وأن محمد رسول الله خاتم الأنبياء والرسل ورسالته حق على العالمين مع الإلزام بتطبيقها
واتباعها في هذه الحياة.
الأصل الثاني: الصفات الإلهية
يؤكد الإباضية بأن صفات الكمال لله عز وحل وهي جوهره أي ذاته، لكن المذاهب الكلامية الأخرى قد اختلفت في ماهية الصفات الإلهية فهل هي غير ذاته؟ فالأشعرية ترى أن صفات الله غيره وهي قديمة بقدمه تعالى معنى هذا أن العلم صفة ثابتة قديمة من صفاته تعالى ولكنها ليست جوهره أي ذاته. أما
الإباضية فتقول: إن صفات الله هي عين ذاته وأن الله قادر بذاته أي أن ذاته كافية في التأثير في جميع المقدورات، فصفات الله عز وجل هي عين ذاته لأن الله قديم وصفة القديم مثله في القدم. فإذا كانت شيئاً غيره كان هناك قديمان أو أكثر وهو تصور يتنافى مع أصل التوحيد ولا يجوز اعتبار الصفات مستقلة محدثة إذ يصبح الله محتاج إلى أعراض وأجزاء ويغدو مركباً وهذا
يتنافى ووحدانية الله.
الأصل الثالث: الإيمان
الإباضية يرون أن الدين والإيمان والإسلام أسماء لشيء واحد وهو طاعة الله تعالى وتطبيق قواعد الإسلام تطبيقاً عملياً لذا قيل في التوحيد عند الإباضية، قواعد الإسلام أربعة:
•
العلم.
والعمل.
والنية.
والورع. (1/56)
صفحة 57
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فالإسلام لا يصح إلا بهذه الأركان الأربعة ولا يجوز الفصل بين القول والعمل. فالقول هو: الإقرار بالله أنه لا إله إلا هو وبمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بأنه عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وختم به
خلقه. أنبياءه وفضله على جميع.
العمل.
والعمل هو الإتيان بجميع أركان الإسلام واجتناب جميع المحرمات والوقوف عند الشبهات. فهذه الأصول تناقض رأي المرجئة التي ترى أن الأعمال شيء واحد وأن العمال شيء آخر، فالإيمان عندهم هو التصديق بالقلب فقط إلا أن الإباضية يؤكدون أن الإيمان بدون تطبيق فرائض الإسلام لا معنى له وإلا أصبح فكرة جوفاء. وأما الأشعرية فترى الإيمان: من أتى بالقول وضيع أما الإباضية فتراه فاسقاً عاصياً موحداً ولا يخرج عن ملة الإسلام وتجري علية أحكام الإسلام والمسلمين. وقد اعتنقت المعتزلة والشيعة والزيدية رأي الإباضية في هذا الأصل. الأصل الرابع: نفي رؤية الله عز وجل عندما نفى الإباضية رؤية الله عز وجل. كان ذلك عن حق منهم فهم فتحوا باب الاجتهاد والتأويل معتمدين في ذلك علي الأدلة العقلية والنقلية لتدعيم النص القرآني المتشابه بالدليل اللغوي المتمثل في لغة العرب في الجاهلية. وهذا يؤكد سمو وعلو المستوى العقلي الذي يتمتع به الفكر الإباضي في فهم وإدراك المجازات اللغوية والابتعاد عن الاتجاه التجسمي الذي لا يؤمن إلا بما هو متصور ومحسوس وله نظير وشبيه في الواقع المادي. فالإباضية يرون في كتاب الله عز وجل ظاهراً وباطناً فقول الله عز وجل:
وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ) [سورة القيامة].
هذه الآية من المتشابهات يجب تأويلها عند الإباضية، لغوياً وعقلياً في آن واحد لأن اللغة هي الفكر فهي تحمل المعاني الفكرية، ويفهم منها الرجاء وانتظار رحمة الله للدخول في الجنة بعد الفراغ من الحساب ولا يعني الرؤية بالأبصار ثم أن هذه الآية تدعمها وتوافقها الآية الكريمة: و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ [الأنعام: 103].
وهذا الاستدلال العقلي والاجتهاد النظري يعد وسيلة لإثبات وتوكيد توحيد الله تعالى وتنزيهه
من كل شيء.
57 (1/57)
صفحة 58
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أما الأدلة العقلية فتمثلت عند الإباضية فيما يلي:
لو أمكنت رؤية الله تعالى لكان جسماً ومتحيزاً وموجوداً في مكان أمام حواسنا أو كونه في حكم المقابلة كما في الرؤية بالمرآة وكذلك عدم غاية القرب فإن المبصر إذا التصق بسطح البصر بطل إدراكه بالكلية، وبعد هذه الأدلة فإن الإباضية تجزم بامتناع رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة.
الأصل الخامس: القدر
الإباضية أعطت للقدر مفهوماً أصيلا يتمثل في القدرة المرتبطة بالمقدور بمعنى الكسب، أي للإنسان القدرة على الفعل. والله عز وجل خلق فينا القدرة ولا يحاسبنا على هذه القدرة، بل أن الحساب ينصب على الأعمال التي اكتسبها الإنسان اكتساباً عن طريق جوارحه وإرادته الحرة. كالمسلم الذي صام رمضان فأكل يوماً متعمداً، فإن ظاهرة الجوع والعطش أمر جبري من عند الله لأننا لا يمكن أن نزيل دوافعنا الفطرية أما التعمد في الأكل وعدم ضبط الدوافع بإرادة قوية فأمر مكتسب من الإنسان ذاته. إذن ليس هناك تعارض بين إرادة الله عز وجل وعمله الأزلي القديم مسبقاً، وبين كسب الإنسان، فالله يعذب على المقدور ولا يعذب على القدر.
والخلاصة: إن المؤمن الصالح عليه أن يعتقد بالقدر خيره وشره، انه من الله ولن يبلغ حقيقة الإيمان حتى يؤمن بذلك مع العمل الدائم وعدم التواكل اعتماداً على سيرة الرسول وأقواله، حين
قال أعرابي للرسول:
أرسل ناقتي وأتوكل على الله؟
فقال له الرسول: «بل إعقلها وتوكل».
الأصل السادس: العدل والوعد والوعيد
إن قضية الوعد والوعيد أي الثواب والعقاب تعد أصلاً من أصول العقائد الإباضية، فهي المرتبطة بالعدل الإلهي الذي يعطي لكل ذي حق حقه ولا ينسب إليه الجور والظلم تعالى الله عن ذلك، فلا يحكم على أحد بما ليس أهلاً له، ولا يفعل بأحد ما لم يكن أهلاً له فحكمه على القاتل بالقتل عدل، وقطع يد السارق عدل، ورجم الزاني والزانية عدل وعد الطائع بالجنة عدل، وتوعد العاصي بالنار عدل وعقاب إن مات بدون توبة. وإلا أصبحت أوامر الله تعالى كاذبة ومتناقضة مع النصوص القرآنية وعدالته المطلقة فالله عادل لا يظلم أحد وسوف ينفذ وعيده الخالد الأبدي في
?? (1/58)
صفحة 59
الإباضية أهل الحق والاستقامة
حق لكافرين العصاة وكذلك سينفذ وعده الخالد الأبدي في حق المؤمنين الصادقين، فالإباضية دحضوا رأي المرجئة والحشوية بالدليل العقلي والنقلي حين زعمت أن الله سيخلف وعيده لأهل الكبائر والعصاة من المسلمين. ولا يخلف وعده وعللوا ذلك بقوله تعالى: قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
ولكنهم أجيبوا بالدليل النقلي في قوله تعالى:
وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَد حدوده يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب
مهين} [النساء: 14].
الأصل السابع: الشفاعة
يرى الإباضية أن شفاعة النبي لن تكون لمن مات وهو مصر على الكبائر وإنما تكون للمؤمنين كافة للتخفيف عنهم يوم الحشر والتعجيل بهم للدخول في الجنة، أو زيادة درجة لبعض المؤمنين
الذين ماتوا على الوفاء والتوبة النصوح
الأصل الثامن: خلق القرآن الكريم
الإباضية تؤكد على أن القرآن الكريم كلام الله تعالى وأنه مخلوق له تعالى لفظه وكلماته، سوره ومعناه إلا ما قام الدليل على قدم معناه فقط كلفظ الجلالة والرحمن الرحيم لوصفه تعالى له بكونه منزلاً من عنده وهذه الفكرة مرتبطة بالتصور النقي الخالص لفكرة التنزيه للذات الإلهية عن كل مماثلة لما يحتمل تصوره ووجوده من المحدثات الحسية الواقعية فالقرآن الكريم شيء من الأشياء الموجودة فهو يكون محدثاً أي مخلوقاً أو غير محدث والله الخالق لكل شيء والدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] وقوله تعالى:
وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ايْنَيْنِ [الإسراء: 12]. هذه الآية الخيرة في غير القرآن من الخلق ثم أن الله عز وجل بين أن القرآن الكريم محدث فقال: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] وقال: وَلَقَدْ جِتْنَهُم بِكِتَابِ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: 52] وقال في غير القرآن من الخلق:
09 (1/59)
صفحة 60
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وَكُلَّ شَيْءٍ فَضَلْتَهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12].
الأصل التاسع: لا منزلة بين المنزلتين
في هذه القضية قضية الكفر والإيمان التي أثيرت في الفكر الإسلامي: هل المسلم إذا ارتكب كبيرة من الكبائر يفقد صفة الإيمان؟ فيقول الإباضية في هذه القضية: إن من أقر بوحدانية الله ورسالة محمد اللهم ولكنه ضيع الفرائض الدينية أو ارتكب كبائر، فتسميه موحداً وليس بمؤمن ولا بمشرك وإن مرتكب الكبيرة يعد كافراً كفر نعمة وليس كافراً كفر شرك لقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأَوَلَتَبكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44].
وقول الرسول: ... ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة .. ».
فالكفر عند الإباضية ينقسم إلى كفر نعمة ونفاق يتمثل في المسلم الذي ضيع الفرائض الدينية أو ارتكب الكبائر وأجمع بينهما كفر شرك وجحود: ويتمثل في الإنسان الذي يجحد بالله وآياته ورسالة محمد ال فهنا يعد خارجاً عن ملة الإسلام فرأي الإباضية واضح جداً في شأن المسلمين فهي تعدهم في الملة الإسلامية وتجري عليهم أحكام المسلمين ويحرم أن تستحل دماؤهم وأموالهم لقول الرسول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فهم يختلفون عن إخوانهم الإباضية في العقيدة الإسلامية وجوانبها الاجتماعية.
فالإباضية تعطل الصفات الإلهية، وهم يلتقون إلى حد بعيد مع المعتزلة في تأويل الصفات، ولكنهم يقولون أنهم ينطلقون في ذلك من منطلق عقيدي، حيث يذهبون إلى تأويل الصفة تأويلاً مجازياً بما يفيد المعنى دون أن يؤدي ذلك إلى التشبيه.
وبالمقارنة، فإنه عند السنة، يجب إثبات الأسماء والصفات العليا لله تعالى كما أثبتها لنفسه،
بلا تعطيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تمثيل.
فالإباضية كما مرَّ، معنا ينكرون رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة؛ رغم ثبوتها في القرآن: وجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ.
ويؤوّلون بعض مسائل الآخرة تأويلاً مجازياً كالميزان والصراط
يقولون: إن أفعال الإنسان خلق من الله واكتساب من الإنسان، وهم بذلك يقفون موقفاً وسطاً (1/60)
صفحة 61
الإباضية أهل الحق والاستقامة
بين القدرية والجبرية. يقولون أن صفات الله ليست زائدة على ذات الله سبحانه، ولكنها هي عين
ذاته.
والقرآن لديهم مخلوق، وقد وافقوا الخوارج في ذلك.
يقول الأشعري والخوارج جميعاً يقولون بخلق القرآن»، مقالات الإسلاميين.
الناس في نظرهم ثلاثة أصناف:
- مؤمنون أوفياء بإيمانهم.
2 - ومشركون واضحون في شركهم.
3 - وقوم أعلنوا كلمة التوحيد وأقروا بالإسلام لكنهم لم يلتزموا به سلوكاً وعبادة، فهم ليسوا مشركين لأنهم يقرون بالتوحيد، وهم كذلك ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لا يلتزمون بما يقتضيه الإيمان، فهم إذن مع المسلمين في أحكام الدنيا لإقرارهم بالتوحيد وهم مع المشركين في أحكام الآخرة لعدم وفائهم بإيمانهم ولمخالفتهم ما يستلزمه التوحيد من عمل أو ترك. الإباضية ينكرون الشفاعة لعصاة الموحدين؛ لأن العصاة عندهم مخلدون في النار فلا شفاعة لهم حتى يخرجوا من النار.
وينفون شرط القرشية في الإمام، والإمام الذي ينحرف ينبغي خلعه وتولية غيره. الإمامة بالوصية باطلة في مذهبهم، ولا يكون اختيار الإمام إلا عن طريق البيعة، كما يجوز تعدد الأئمة في أكثر من مكان.
لا يوجبون الخروج على الإمام الجائر ولا يمنعونه، وإنما يجيزونه، فإذا كانت الظروف مواتية والمضار فيه قليلة فإن هذا الجواز يميل إلى الوجوب، وإذا كانت الظروف غير مواتية والمضار المتوقعة كثيرة والنتائج غير مؤكدة فإن هذا الجواز يميل إلى المنع.
ولا يجوز لديهم أن يدعو شخص لآخر بخير الجنة وما يتعلق بها إلا إذا كان مسلماً موفياً بدينه مستحقاً الولاية بسبب طاعته، أما الدعاء بخير الدنيا وبما يحول الإنسان من أهل الدنيا إلى أهل الآخرة فهو جائز لكل واحد من المسلمين.
ولديهم نظام اسمه (حلقة العزابة) وهي هيئة محدودة العدد تمثل خيرة أهل البلد علماً وصلاحاً وتقوم بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي الدينية والتعليمية والاجتماعية
61 (1/61)
صفحة 62
الإباضية أهل الحق والاستقامة
،والسياسية، كما تمثل مجلس الشورى في زمن الظهور، أما في زمن الشراء والكتمان فإنها تقوم
بعمل الإمام وتمثله في مهامه.
مواضيع عقائدية إباضية
وهذه بعض من أفكارهم، ننقلها عن المفتي الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض. وهي تعطي القارئ
فكرة واضحة عن عقائد الإباضية.
رأي في غلاء المهور
يقول الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
شرع الله تبارك وتعالى الصداق للزوجة عند عقد النكاح بقوله في سورة النساء: وَاتُوا النِّسَاءَ صَدُ قَيْهِنَّ نِحْلَةً ... [النساء: 4].
وقوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ... [النساء: 24]. وأيدته السنة الصحيحة وأجمعت الأمة عليه فلا نكاح إلا بصداق معجل، أو مؤجل، ولم تضع الشريعة حداً معيناً لمقدار الصداق قلة وكثرة إلا ما قاله الفقهاء من أنه لا يكون أقل من ربع دينار القدر الذي تقطع به يد السارق قياسا لبضع المرأة على ذلك. والصداق هو حق للزوجة وحدها لا شيء منه لأبيها، ولا لأمها، ولا لأي ولي آخر ممن يتولى تزويجها، إلا أن تتصدق هي نفسها باختيارها بشيء من صداقها على أبيها، أو على أمها، أو على من تحب من أقاربها، ولها أن تسقط عنه ما هو مؤجل عليه بدون إكراه من الزوج لها على ذلك، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء:
فإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنيت امرينا} [النساء: 4]. إذا كان الأب مثلاً يطلب من خاطب ابنته شيئاً من المال لنفسه خاصة كشرط لتزويجه ابنته فإن هذا لا ينبغي أن يكون ولا يستحسن لذوي المروءة أن يفعلوه، ولكنه ليس بحرام، فإذا رضي الخاطب، وأعطى لوالد الخطيبة، أو أمها، أو غيرهما، من أقاربها فإن ذلك جائز يحل لهم أن يأخذوه. وأما المغالاة في المهور فليست من شأن المسلمين الصادقين الصالحين.
وليست المرأة ببضاعة تباع بالمزاد العلني ويغالى في ثمنها ثم تعطى لمن دفع فيها أغلى ثمن
62 (1/62)
صفحة 63
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كيفما كان دينه وخلقه، وإنما المرأة، أمانة ودرة مصونة عند أبويها، وقيمتها دينها وعرضها، وكرامتها، فليغال في طلب كفء لها من ذوي الدين والمروءة ممن إذا أحبها أكرمها، وإذا كرهها لم يظلمها، ولم يبخسها حقها، كما قال تعالى: فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} [البقرة: 229].
التزوج بالكتابيات
،
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والصابئون، والآية صريحة في جواز نكاح نسائهم، ويقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:
وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221].
والمشركون هم عبدة الأوثان، والملاحدة الذين ينكرون وجود الإله أصلا، أو يؤمنون بوجوده إلا أنهم ينكرون الوحي، والنبوءة والرسالة هؤلاء هم المشركون الذين يحرم تزوج نسائهم. حكم النكاح الواقع بدون ولي
>>
إنه باطل، ويفرق بينهما، قال صاحب النيل كتاب النكاح للشيخ أبي زكرياء بن الخير الجناوني): شهر عنه لا نكاح إلا بوالي». الحديث: «وأيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، قالها ثلاثاً في أحاديث». قال شارحه منها لا نكاح بولي وصداق وبينة ومنها لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل ومنها قوله: «إن المرأة إذا نكحت بغير إذن وليها فلا تريح رائحة الجنة».
حكم النكاح الواقع سراً
إن حكمه الصحة مع الكراهة عند الجمهور. فقد نصوا على أنه يجوز عقده سراً، وعلانية، وإذا كان تاما بشروطه من الولي، والصدقة والشهود والرضا. كما في نكاح الشيخ يحيى وإذا فلا يفرق بينهما إن قامت البينة على تمام الشروط عند العقد.
طلاق المرأة نفسها
الفداء في الشريعة الإسلامية عقد معاوضة لا يصح. ولا يحصل المقصود منه إلا بتراضي الطرفين فالزوجة ترد صداقها للزوج طائعة مختارة بواسطة قاض أو حاكم أو جماعة أو أي كان ...
63 (1/63)
صفحة 64
الإباضية أهل الحق والاستقامة
والزوج يقبله طائعاً مختاراً كذلك على أنه فداء لزوجه وتسريح لها. وإذا تم ذلك أصبحت
حرة طليقة خارجة عن عصمته وعليها عدة الطلاق.
وتطليق المرأة نفسها لا يصح إلا إذا كانت قد اشترطت عليه في عقد النكاح شرطاً إن أخل به رجع حكم طلاقها بيدها فإن وجد مثل هذا الشرط في العقد ثم قامت الحجة على إخلاله له صح لها أن تطلق نفسها وإلا فهي باقية في عصمته حتى يفرج الله. وأما تطليق الحاكم بالإعسار أو عدم الإنفاق فإنه لا يراه فقهاء الإباضية.
الزواج
إن حكمة الحكيم الخبير سبحانه اقتضت حفظ النوع البشري، وبقاء النسل الإنساني، فشرع بحكمته وهو أحكم الحاكمين ما ينظم العلاقات بين الجنسين الذكر والأنثى، فشرع الزواج بحِكَمِه وأحكامه، ومقاصده وآدابه، فالزواج نعمة ربانية ومنحة إلهية، به يجتمعُ الزوجان على ما أباحَ الله ويشرعان في تأسيس بيت مسلم تظلله نسمات الإيمان وتحوطه عناية الرحمن، والزواج ضرورةٌ اجتماعية لبناء الحياة، وتكوين الأسر والبيوت، وتنظيم أقوى الوشائج وأوثق العلاقات، واستقامة الحال، وهدوء البال، وراحة الضمير، وأنس المصير.
الزواج في ظل الإسلام لا يُحَمِّلُ أيَّ مشقةٍ بل كانَ الزواج من أيسر الأمور ولكنَّ كثيراً من الناس اليوم وضعوا العقبات والعراقيل في طريق هذا المشروعِ الخيْرِ والحُلم الجميل، فعسروا من أمرٍ الزواج وكدرُوا على الراغبين في الظفر به، فانقلب الزواج إلى هم لا ينقطع، وأمنية لا تكاد أن تتحقق إلا بشق الأنفس، ومن هنا كان واجباً على الجميع الراغبين في الزواج والراغبات وأولياء
الأمور من الآباء والأمهات والمجتمع بأسره أن يُذلِّلُوا تلك الصعاب وأن يزيلوا تلك العراقيل. فهناك بعض الأولياء - هداهم الله - قد خانوا الأمانة التي حُمّلوها في بناتهم وفتياتهم، بمنعهنّ من الزواج من الأكْفَاءِ ديناً وخلقاً وأمانةً، فقد يتقدم إليهم الخاطبُ الكُفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذار واهية، وينظرون فيه إلى أمور شكلية وجوانب كمالية، يسألون عن ماله، عن وظيفته، عن وجاهته ومكانته، ويُغفلون أمر دينه وخُلُقِه وأمانته.
وإن
الله تعالى قد أنزل آيةً تتلى إلى يوم الدين بسبب عضّل أولياء النساء عن الزواج، فعن
معقل بن يسار أنه قال:
64 (1/64)
صفحة 65
الإباضية أهل الحق والاستقامة
زوجت أختاً لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطُبُها فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئتَ تخطُبُها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به،
وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232]. لقد ندب الشرع الشريف إلى إعلان النكاح، وعَمَلِ الوليمة فيه إظهاراً للفرح واغتباطاً بنعمة
الله تعالى.
فعلى صاحب الوليمة الحذر من داء الإسراف والتبذير، فهما داء ان مقيتان. فالله تعالى يقول: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 6].
وإن الأعراس الجماعية هذه الظاهرة الطيبة التي يتجلى فيها التكافل والتعاون في أوضح صُوَرِه لَهِيَ أكبر عامل على تخفيف أعباء الزواج وتكاليفه لا سيما في ولائم الأعراس.
التحذير من التبرج
الاحتشام والستر هو من تقوى الله تعالى ومن مكارم الأخلاق.
وإن مما عم به البلاء في مجتمعات المسلمين ذلك التبرج والسفور الذي نشاهده صباح مساء، مِن مَن؟؟ من تلك التي تُعَدُّ نصف المجتمع والقائمة بتربية الأجيال والتبرج هو: كلُّ زينة أو تجمل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين غير محارمها فتتزين وتتلوّن لكي تلُنَّ به أعين الناظرين، وأن تكشف رأسها وعنقها ويديها وساقيها.
إن من الملاحظ في هذه الأيام أنه قد توسع كثير من النساء في التبرج والسفور وإلقاء الحجاب والحشمة جانباً، كأنه ليس عليهن رقيب من أحد، وباتت المرأة تتشبه بالنساء السافرات اللواتي خلعن برقع الحياء، كلُّ ذلك بدعوى أنها حرة في تصرفاتها.
وكما هو معلوم أن أعز ما تملكه المرأة الشرفُ والحياء والعفاف، والمحافظة على هذه الفضائل محافظة على إنسانية المرأة في أسمى صورها، وليس من صالح المرأة ولا من صالح المجتمع أن تتبرج المرأة وتتخلى عن الصيانة والاحتشام.
و يقول
الله تعالى:
الله تعالى مخاطباً نساءَ نبيه، وَهُنْ مَنْ هُنَّ في الحشمة والوقار والحياء حين يقولُ (1/65)
صفحة 66
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ولا تبرجن تبرج الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].
ولا تنخدعوا بما يقدمه لكم أعداؤكم من الموضات والأزياء لفتنة نسائكم وهدم أخلاقهن ومساعدتهن وترغيبهن على السقوط في شراك الرذيلة والحركات المشينة والتبرج الفاضح الذي تصبح به المرأة المسلمة مشابهة للكافرة، ليفسدوا عليكم نساءكم وشبابكم. وإن كلَّ مؤمن بالله ورسوله ليعلم أنه لا أحد أتمَّ نصحاً ولا أكمل هدياً ولا أحسن طريقاً من طريق محمد، ولكنَّ الغفلة والتقليد الأعمى أوجبا أن نقع فيما وقعنا فيه.
تربية الأولاد إن تربية النشء هي أساس البناء في هذه الأمة لأن بصلاحه تصلح هذه الأمة وبفساده يكون فسادها، والولد قبل أن تربيه المدرسة والمجتمع يربيه البيت والأسرة، وهو مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، كما أن أبويه مسؤولان إلى حدٍ كبيرٍ عن انحرافه الخُلُقي والاجتماعي، وهذه حقيقة قررها الإسلام حين قال الرسول: كلُّ مولود يولد على الفطرة فأبواهُ يُهودانه أو يُنصرانه أو يُمَجْسانِه، وهذا صريحٌ في أن اتجاه الولد الفكري والخلقي والاجتماعي متأثرٌ أولاً قبل كلِّ شيءٍ ببيئة الأبوين وأفكارهما وأخلاقهما وأسلوب تربيتهما، والبيوت ليست على نمط واحد في التربية، فمن البيوتِ ما ينشأ فيها الولد - ذكراً أو أنثى - على الجبن والخوف وضعف الشخصية واضطراب التفكير، ومنها ما ينشأ فيها الولد على الميوعة والفوضى والدلال الذي يُفسد الفطرة ويقتل الاستقامة، ومنها ما ينشاً فيها الولد جاهلاً بعيداً عن الآداب الاجتماعية، ومنها ما ينشاً فيها الولد مترفاً بعيداً عن المشاركة الوجدانية للمجتمع، ومن البيوت ما ينشأ فيها الولد متديناً صالحاً مستقيماً، وهكذا تنشأ الأجيال نشأة متباينة مختلفة، كلٌّ حَسَبَ نشأته الأولى. فاعوجاج الجيل الحاضر واستقامته إنما تكون بصلاح الآباء وفسادهم، وإذا توفرت التربية الصحيحة في البيوت على أوسع مدى يكونُ وَضْعُ الأمة الاجتماعي والسياسي والديني والخلقي والاقتصادي سليماً متماسكاً يتعاون بعضه مع بعض على صيانة المجتمع من الضعف والانهيار. إن أول ما يلاحَظُ على تربيتنا في البيوتِ سوء فهم نفسية الطفل، وتجاهل عواطفه وعدم تقدير المراحل التي يمرُّ بها الطفل حتى يصبح رجلاً تسري عليه قوانين الرجال، نحن نجهل أن عالم الأطفالِ غيرُ عالم الكبار، ومن ثُمَّ فنحن نعاقبهم على الزلة بالقسوة أحياناً، وبالتشهير أحياناً، (1/66)
صفحة 67
وبالازدراء والتحقير أوقاتاً أخرى.
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فمن مظاهر التربية الخاطئة أن نلجأ إلى ضرب الأطفال الصغار إن ارتكبوا خطاً أو أظهروا عناداً فنعاملهم كأنهم جنود. ومن مظاهر التربية الخاطئة: أن نُشَهرَ بالولد حين ينحرفُ أول مرةٍ عن سُنَنِ الأخلاق الكريمة، فإذا كذب مرةً ناديناه بالكذاب، وإذا لطم أخاه الصغير ناديناه بالشرير. ومن الأساليب الخاطئة في التربية أيضاً: تخويف الأطفال حين يبكون لإسكاتهم فنخوفهم بالغول والحرامي والجني والشرطي ونضمهم إلى صدورنا حين نذكر هذه الأسماء كأننا ننقذهم منها فينشا الولد جباناً يخافُ مما لا يُخافُ منه ويخشى مما ينبغي أن يُقدم عليه، وبذلك نكون قد ربيناه على الجبن بدل أن نربيه على الشجاعة والإقدام. ومن أساليب التربية الخاطئة: أننا في الوقت الذي نود فيه استقامة أخلاق أبناءنا وبناتنا، نحيطهم بكلِّ ما يؤدي بهم إلى الانحراف، فتسمح لهم برفاق السوء، ونوفر لهم ما يشتهون من
قنوات فضائية، ونضع بين أيديهم المجلات التي تتسابق إلى نشر الأمور الغرامية الهابطة. نحن المسؤولون عن انحراف أبنائنا وبناتنا إذا أصررنا على انتهاج الأساليب الخاطئة في بيوتنا مع أولادنا،
تحذير من الإيدز
ها هو العالم الغربي الذي تسود فيه الإباحية المطلقة أصبح لا يُقيم للعِرْضِ وزناً، ولا يعرفُ شرفاً. أخلاق بهيمية، وممارسات فاضحة لا تعرف عزةً وشهامة، ولا تتصف بمروءة وكرامة، إطلاق للشهوات، واستباحة للأعراض، وضياع للحياء، لا غيرةً على ذاتِ محارم ولا اشمئزاز من
للمرء
فاحشة وإجرام،
لقد جرت شروراً لا نهاية لها، وأضراراً لا حد لمقدارها، جنت فساداً لا تقف جرائمه عند حد، ولا تنتهي آثاره السيئة ونتائجه القبيحة إلى غاية آلام متنوعة تعصف بهم عصفاً والتي من بينها هذا المرضُ الفتاك مرض الإيدز، الذي استنفر العالم كلَّ طاقاته من أجل محاربته وسخر له من الإمكانات المالية الشيء الكثير في سبيل استئصاله أو الحد منه، وعُقِدَتْ من أجله الندوات والمؤتمرات، وكُرْسَت من أجله الطاقات الطبية والعلمية في كل بقاع العالم،
67 (1/67)
صفحة 68
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إن الدواء الناجع للخلاص من هذا المرض ودماره، التشبث بهدي الإسلام والوقوف عند حدوده، فديننا الإسلامي الحنيفُ ليس دين خيال ولكنه الدين القيم الواقعي الذي ينطلق من الواقع الذي يعيشه الإنسان، هذا الإنسانُ الذي ركب الله تعالى فيه الغرائز والعواطف ولم يَكُن ليتركه هملاً ليشبع رغباته على طريقة الحيوان، فالإنسانُ صنعةُ اللهِ خلقه من طين، ونفخَ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وسخر له الكونَ بما فيه من مخلوقات، وشاء الله أن يكون هذا الإنسان جسداً وروحاً، وأي خلل في توازن الجسدِ والروح يفسدهما ويعرضه للآفات الجسمية والروحية، بل يعرضها للفناء.
ومن أقوى الغرائز التي ركبها الله في جسد الإنسان غريزة الجنس، والجنس هو نقطة الضعف التي يتسلل منها الشيطان ليخرب الكون ويقلب نظام الحياة رأساً على عقب ويعطل رسالة الإنسان في الحياة قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن يَميلُوا
مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا [النساء: 27 - 28]. ولما كان لغريزة الجنس هذه القوة الطاغية على النفس البشرية فإننا نجد أن الإسلام وضعَ لها الضوابط وسن لها السنن التي تضبط حركتها في الحياة حتى لا تصطدم بسنةِ اللهِ في الخلق. وحرم الإسلام على الإنسان أن يُشبع غريزته من أي طريق آخر غير الزواج وما ملكت اليمين فقد قال تعالى في بيان صفات المؤمنين المفلحين يوم القيامة. إن عفة الإسلام، التي تضبط سلوكيات الآدميين عن الانحراف إلى مهاوي الرذيلة والانحطاط، وتحفظ إراداتهم وشهواتهم عن الانخراط في مستنقعات الفاحشة القبيحة، عفة تتجلى فيها مظاهرُ الكرامة الإنسانية، وتبدو فيها الطهارة والنزاهة الإيمانية، عفافٌ يمتزج بتحقيق المروءة والعزة.
أثرُ الْوَعْيِ الثقَابِةُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ إِنَّ الثَّقَافَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا الإِسْلامُ ثَقَافَةٌ إِيْجَابِيَّةٌ، وَثَقَافَةٌ شَامِلَةٌ، وثَقَافَةٌ مُتَوَازِنَةٌ، إِنَّهَا تَرْفَعُ الْحَيَاةَ وَتُزَكِّيْهَا، وَتَبْني القِيَمَ وَالأخْلاقَ وَتُحَافِظُ عَلَى الْمَبَادِي، وَتَدْفَعُ نَحْوَ التَّقَدُّمِ وَالرُّقِيِّ وَالعِزَّةِ
وَالكَرَامَةِ.
ثَقَافَةٌ إِيْجَابِيَّةٌ تَرْتَبِطُ بِكَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ أُمَّةَ رِسَالَةٍ وَدَعْوَةٍ وَهَدَفٍ، غَايَتُهَا أَنْ تُبَلِّغَ الْإِسْلَامِ لِلعَالَمِينَ، وَتُرْشِدَهُمْ إلى طَرِيقِ اللهِ الْمُسْتَقِيمٍ، وَتُعِيْدُ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ إلى جَادَّةِ الْحَقِّ، فَاللَّهُ تعالى يَقُولُ:
68 (1/68)
صفحة 69
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
[آل عمران: 110].
وَرَسُولُنَا وَ يُوَجْهُنَا نَحْوَ دَعْوَةِ النَّاسِ بِأقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَهَا هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ: «مَنْ رَأى مِنكُمْ مُنكَراً فَليُغَيرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ
أَضْعَفُ الإِيْمَانِ». وَأَمَّا كُونُهَا شَامِلَةٌ فَلانَّهَا تُغَطِّي جَوَانِبَ الْحَيَاةِ كُلِّهَا، وَتُعَالِجُ مَوْضُوعَاتِ الإِنسَانِ الْمُخْتَلِفَةَ، لِيَتَحَقَّقَ التَّوَازُنُ فِي حَيَاةِ الفَرْدِ، وَيَتَحَقَّقَ التَّوَازُنُ فِي الْمُجْتَمَعِ الإِسْلاميِّ كُلِّهِ. إِنَّ الثَّقَافَةَ الإِسْلامِيَّةَ تَنْعَى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَفْهَمُونَ الثَّقَافَةَ حَقَّ فَهْمِهَا وَلَا يُعْطُونَهَا حَقَّ قَدْرِهَا، فَتَرَاهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَيُعَطِّلُونَ الكُلِّيَّاتِ، وَتَرَاهُمْ يَتَحَجَّرُونَ فِي أَفْكَارِهِمْ، وَيَتَقَوقَعُونَ فِي مُحِيطِ ذَوَاتِهِمْ، بَيْنَمَا يَتَّهِمُونَ غَيْرَهُمْ وَيَصِفُونَهُمْ بِأبْشَعِ الصَّفَاتِ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ عندهم أَمَّا غَيْرُهُمْ فَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ. فَهَؤُلَاءِ بَعِيْدُونَ عَنِ الْهَدْيِ القُرآنِيِّ الرَّشِيدِ، وَالتَّعَامُلِ النَّبَوِيِّ السَّدِيدِ، الَّذِي يُعْطِي كُلَّ إِنسَانٍ حَقَّهُ، وَلَا يَغْمِطُهُ نَصِيبَهُ، وَيَتَمَسَّكُ بِأدَبِ الْحِوَارِ وَالتَّحَدُّثِ كَمَا هُوَ شَأْنُ رَسُولِ اللهِ، أَلَا فَلْتَتَمَسَّلْ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ، فَإِنَّ فِي هَذَا كُلَّ الصَّلَاحِ وَالفَلَاحِ، وَإِيَّانَا أَنْ نَحِيدَ عَنْهُمَا وَنَتَّبِعَ الْهَوَى وَنَرِكَنَ إِلى البَاطِلِ فَفِي هَذَا الْخَسَارُ وَالبَوَارُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّ الرُّكُودَ الثَّقَابِيُّ الَّذِي أَصَابَ الأُمَّةَ الإِسْلامِيَّة حَتَّى غَزَاهَا أَعْدَاوْهَا فِكْرِيَّاً وَحَضَارِيَّا، جَدِيرٌ بِأنْ يُوقِظَ فِيْنَا الْحَمِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ والغَيْرَةَ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، وَالْحِفَاظَ عَلَى مَبَادِئِنَا وَعَقِيْدَتِنَا، وَالتَّمَسُّكَ بِدِيْنِ الإِسْلامِ وَالتَّشَبُّعِ بِرُوحِهِ وَأَحْكَامِهِ وَتَشْرِيْعَاتِهِ. وإِنَّها لَمَسْوُولِيَّةُ الْجَمِيعِ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى ثَقَافَتِنَا الإِسْلامِيَّةِ مِنَ الغَزْوِ الفِكْرِيِّ الْهَدَّامِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إلى بُيُوتِنَا وَأَوْلَادِنَا عَبْرَ وَسَائِلٌ شَتَّى مُتَنَوْعَةٍ
التدخين ومضاره
الإنسان يسعى إلى مضرته بنفسه، وكم من مضار يرتكبها الإنسان سواء أكانت هذه المضار نفسية أو جسمية أو اجتماعية، وإن من أكبر المضار التي تفضَّت بين الناس، ولم يكد بلد واحدٌ من
69 (1/69)
صفحة 70
الإباضية أهل الحق والاستقامة
بلاد المسلمين أو غير المسلمين يسلم منها: مضرة التدخين التي تفشت في أوساط الناس شيبهم وشبابهم، رجالهم ونساءهم.
وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التدخين يضرُّ بالإنسان ضرراً بالغاً، فقد قررت منظمة الصحة العالمية وجميع الهيئات الطبية في العالم أن التدخين هو أكبر خطر على الصحة يواجه البشرية اليوم، كيف لا؟ وهو يحصد الأرواح حصداً، ويرهقُ الأجساد إرهاقاً، ويبذر الأموال تبذيراً، ويعطل جزء كبيراً من القوى الفتية والطاقات الفكرية في المجتمع، فالتدخين وكما تشير الإحصائيات العالمية الطبية يقتل أربعة ملايين شخص كلَّ عام والعدد في ازديادٍ متسارع إذ يُقَدَّرُ أن يصل عدد ضحايا التدخين إلى 10 ملايين شخص سنوياً بحلول عام 2020 م، هؤلاء هم من يموتون بسبب التدخين، وأما المرضى بسببه فهم أضعاف ذلك بكثير، ولا تتعجبوا إن قلت لكم إن عدد المدخنين في العالم زاد عن المليار مدخن، فإذا كان عدد من يموتون من هذا المليار كل عام أربعة ملايين فإن الباقين هم مرضى أو في طريقهم إلى المرض المميت ألا وهو السرطان، فضلاً عن الأمراض الكثيرة التي يسبها التدخين، أليس العالم في كارثة حقيقية بما في ذلك مجتمعاتنا؟ بلى والله.
10
لقد أثبتت الدراسات أن تدخين الحجرِ الواحدِ (الشيشة) يُساوي تدخين أربعين سيجارة. إن التدخين آفة العصر التي أنزَلَت بالإنسان العلل والأمراض وهي من الخبائث التي حرمها الله. قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبينَ} [الأعراف: 157].
إن الإرادة الصلبة والعزيمة القوية يمكن أن تغير طريقة رؤيتك لما تراه حولك، فبغير تلك الإرادة لن يتحقق النجاح، فلا بد من المحاولة حتى لو تطلب الأمرُ آلاف المحاولات.
الإخلاص
المخلص هو ذلك الذي يتقرب بعمله إلى الله وحده لا يريد من غيره جزاء ولا شكوراً، وقد أكد القرآن هذا المعنى في غير ما آية، قال تعالى:
قُلِ الله أَعْبُدُ مُخلِصًا لَهُ دِينِي فَأَعْبُدُ و مَا شِتْم مِّن دُونِهِ} [الزمر: 14 - 15].
إن القلب أحد أمرين إما مستودع للأنوار الربانية أو مرتع للنزعات الشيطانية وصدق رسول الله حين قال: «ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد
70 (1/70)
صفحة 71
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الجسد كله ألا وهي القلب»، فالإخلاص نورٌ رباني وسرِّ عظيمٌ يقذفه الله في قلوب من اصطفى من عباده ليقودهم به إلى جلائلِ الأعمال ويحببهم إلى أحسن الأفعال، يبعث فيهم الهمم العالية، والعزيمة الصادقة والإرادة القوية ويربي فيهم روحاً طيبة طاهرة، وضميراً سليماً حياً متيقظاً، والإخلاص عماد الأعمال، وسرُّ النجاح، فما نهضت أمةٌ من الأمم إلا على أساس الإخلاص، الذي يملأ قلوبها فيوحد صفوفها.
فعلى المسلم أن يقصد بقوله وعمله وكل شؤونه وجه الله وابتغاء مرضاته من غير نظر إلى مغنم أو جاه ليرتفع المرء عن نقائص الأعمال، ورذائل الأخلاق، ولا يُعتبر العمل خيراً إلا إذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه الله، لأن العمل حينئذ يناط بغايةٍ واحدةٍ ومَثَلٍ أعلى هو الله تعالى، روي عن معاذ بن جبل - رَضِيَ الله عَنْهَ. أنه قال حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: يا رسول الله أوصني قال: «أخلص دينك يكفك العمل القليل».
فالإخلاص وحده هو الذي توزن به الرجالُ وتُقَدَّرُ به الأعمال، ولقد ضرب المسلمون الأولون المثل الأعلى في إخلاصهم في السر والعلن وفي اليسر والعسر، وفي الخوف والرجاء، فغيَّروا مجرى التاريخ واستخلفَهُم الله في الأرضِ ومكَّن لهم دينَهُمُ الذي ارتضى لهم، ويوم أن ترك المسلمون الإخلاص ضَعُفَ فيهم حبُّ التضحية وفقدوا الإخلاص في القول والعمل، وأصبحوا بعيدين عن مطالبهم الروحية من راحة البال وهدوء الخاطر وسكون النفس، ولا سبيل لصلاح أحوالهم إلا
بالرجوع إلى فضيلة الإخلاص.
الإخاء والاتحاد والائتلاف
من حق الأخوة أن نكون متحابين متساندين، وأن نكون مؤتلفين متحدين، يعاون كلٌّ منا الآخر في خدمة دينه ووطنه، ويساعد كل منا أخاه في سبيل المصلحة العامة، التي تعود على الوطن والمسلمين بالخير الكثير والفضل الوفير، وأن نضع المصالح الشخصية والمآرب المادية جانباً، ونرفع فوق رؤوسنا شعار الإخلاص للوحدة والائتلاف، وحبَّ التعاون والاتحاد، فإنها من أقوى العوامل التي ترفع منار الأمم، ومن أعظم السبل الكفيلة بنهوضها ونيل شرفها ومجدها، وما تمسكت أمةٌ من الأمم بالاتحادِ والائتلاف إلا ظهرت مكانتها وذاع صيتها، وقويت شوكتها، ودامت دولتها، وبلغت من الرقي والكمال أقصى الغايات وأرفع الدرجات، وما تخلفت أمةٌ وتفرقت كلمتها إلا ضعفت
71 (1/71)
صفحة 72
الإباضية أهل الحق والاستقامة
شوكتها، وذابت هيبتها وتبدل عزّها ذلاً ورقيُّها انحطاطاً وكانت من الهالكين، لذا فإن الله تعالى
قد أمر بالاتحاد والاعتصام ونهى عن التنازع والخصام والفرقة والانقسام فقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]. إن ربَّ العزةِ عَزَّ وَجَلَّ يحذرنا من كلِّ طريق يؤدي إلى الفرقة والشقاق، فيسد المنافذ المفضية إلى الفرقة في المجتمع الإسلامي، حتى لا تكون هناك ثغرة يسلك من خلالها الشيطان إلى قلوب الناس فيشتت جماعتهم، ويفرِّقَ كلمتهم، فأمرنا بالتثبت من صحة الأخبار حتى لا يظلم إنسانٌ ولا تكون هناك فرصة للنمامين الذين يعيشون حياتهم عَلَى الوقيعة بين الناس وتجريح الأبرياء، ويحزنهم أن يعيش الناسُ متألفين في أمن وأمان وطمأنينة وسلام.
قال تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
ندِمِينَ} [الحجرات: 6].
وقال تعالى:
تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
ويقول الرسول:
لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عِبَادَ اللَّهِ إخواناً ولا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاث».
نظام العزابة
اشتقت كلمة عزابة من العزوب عن الشيء وهو البعد عنه أو العزابة بمعنى العزلة والغربة
ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة.
72 (1/72)
صفحة 73
الإباضية أهل الحق والاستقامة
والأسباب التي أدت إلى تطبيق هذا النظام هي الظروف التي مرت بالإباضية منذ نهاية القرن الهجري الثالث فسعى العلماء إلى وضع أسس يمكن عن طريقها تطبيق الشريعة الإسلامية بين تجمعات الإباضية ما دامت الدولة القائمة عاجزة عن ذلك وما دامت الظروف لا تمكنها من إعادة بناء دولتهم
وأول من تصدى لهذا العمل هو العالم الإباضي الكبير عبد الله محمد بن أبي بكر القرسطائي في أواخر القرن الرابع الهجري درس أبو عبد الله الوضاع العرفية التي كانت تحكم المجتمع الإباضي مستنداً إلى تشريعات الإسلام، فوضع دستوراً عرف بنظام العزابة» يعتبر من أقدم القوانين التي وضعت في المجتمعات الإسلامية ثم جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء عنوا بدراسة هذا القانون و أضافوا إليه بعض المواد أطلق عليها «سيرة العزابة». فالعزابة، هي هيئة محدودة العدد تعمل وفقاً لضوابط معينة للأشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي الشؤون الدينية والاجتماعية والسياسية ويمثل العزابة الإمام ويقومون بعمله في حالة غياب الدولة الإباضية ويجب توفر شروط محددة في الشخص لكي ينضم في حلقة العزابية من أهم هذه الشروط حفظ كتاب الله تعالى، واستكمال مراحل الدراسة مع الرغبة في مواصلة العلم وان يكون الشخص متديناً عفيفاً طاهر الباطن والظاهر، هذا من الناحية العلمية وعلى الشخص أيضاً المحافظة على زي العزابة الرسمي وأن لا تكون له مشاغل دنيوية تجعله يتردد على الأسواق والمحال العامة حفاظاً على مهابته، وقد روعيت هذه الشروط بدقة في قبول الشخص في الحلقة وذلك للمهام الكبرى التي توكل إليه من داخل حلقات العزابة.
وتلك هي المهام يمكن تقسيمها إلى
1 - الإشراف العام على كل ما يتعلق بالمجتمع الإباضي وهي الوظيفة البديلة لوظيفة الإمام، ويقوم بهذا المنصب شيخ حلقة العزابة.
2 - القضاء فيما يقع بين الناس من مشاكل والفصل في القضايا ورد الحقوق إلى أهلها وتأديب العصاة والمجرمين وحفظ الأموال ومراقبتها والحراسة على أموال الناس.
-3 - ضبط ميزانية الحلقة بالإشراف على الأوقاف وتنميتها وصيانتها ورصد الصادرات والمواردات.
73 (1/73)
صفحة 74
الإباضية أهل الحق والاستقامة
4 - الإشراف على الشؤون الاجتماعية وتفقد أحوال الناس لتقديم المساعدات سواء من ميزانية الحلقة أو بتكلف ذوي اليسار أو بإيجاد الأعمال لمن له القدرة على ذلك.
ه الإشراف على التعليم والعمل على إتاحة الفرصة لكل الأطفال لينالوا قسطاً منه ورصد جزء من ميزانية الحلقة لأعمال التعليم وإعانة الطلبة.
-6 - الإشراف على العلاقات الخارجية بين المجموعات الإباضية وبينها وبين غيرها وتنظيم تلك العلاقات في حالتي السلم والحرب.
فحلقة العزابة بذلك تكون حكومة متكاملة بالمفهوم الحديث على رأسها رئيس الوزراء هو شيخ العزابة وتتالف وزاراته من وزراء للعدل والخزانة والأوقاف والشؤون الاجتماعية والتعليم والخارجية فكيف يتم اختيار تلك الحكومة؟
نص قانون العزابة على تكوين حلقة عزابة في كل بلد أو قرية يراعون في الاختيار شروط العضوية ما أمكن ذلك، ثم تكون مجالس على مستوى المناطق تمثل فيها حلقات القرى والمدن، ومن مجالس المناطق يكون مجلس أعلى للعزابة يسمى «الهيئة العليا للعزابة»، يرأسه شيخ العزابة الذي يمثل الإمام ومقر هذه الهيئة هو مركز البلد أو عاصمتها، وتعقد الهيئة العليا اجتماعات دورية مرة كل ثلاثة أو ستة أشهر، ومتى دعت الحاجة إلى الاجتماع، ويحضر الاجتماعات الدورية ممثلون لجميع حلقات العزابة، تنظر الهيئة العليا في الأحداث الكبرى كمسائل الحدود والأمن العام وتطرح فيه المصاعب التي تواجه
حلقات العزابة الصغرى. ومقر حلقة العزابة هو المسجد، ولذلك يقام إلى جانب المسجد بيت خاص بالعزابة، تكون مقراً لحلقاتهم، وفي العادة تتكون الحلقة من عشرة إلى ستة عشر عضواً توزع عليهم الأعمال المنوطة بهم، وإلى جانب المهام السابقة يوكل إلى أفراد الحلقة مهام أخرى إذ يخص أفراداً لمهمة الآذان
وحقوق الموتى من غسله والصلاة عليه ودفنه وتنفيذ وصيته.
وقد وضعت ضوابط لمعاقبة من يخرج على نظام الحلقة من أعضائها، فان ارتكب أي عضو مخالفة يوقع عليه العقاب بقدر الخطأ، فان كانت المخالفة صغيرة عقد مجلس تأديب سري يراجع فيه العضو، وقد يبعد عن الحلقة لمدة تقررها، الحلقة، أما إذا كان الخطأ كبيراً يتصل بمعصية الله حكموا عليه بالبراءة ولا يرفع عنه هذا الحكم حتى يتوب علناً وليس له الحق في الرجوع إلى
حلقات العزابة.
*
74 (1/74)
صفحة 75
الإباضية أهل الحق والاستقامة
تتمتع أفراد العزابة بمكانة كبيرة في نفوس المواطنين لسلوكهم الحميد ونزاهتهم وتفانيهم في خدمة المجتمع ولذلك فإن قراراتهم كانت تنفذ بدقة وترضى بها كل الأطراف، وتوجيهات العزابة يعمل بها عن رضا وقناعة، وإذا حدث وانحرف شخص عن دين الله أو تصدى لأحكام العزابة أعلن عليه حكم البراءة، وتعني عزل الشخص وتبرؤ كل المؤمنين منه، وينفذ ذلك الصديق والأهل ويقطع الناس معاملتهم معه إلا بالقدر الضروري، فيضطر إلى الرجوع لحياة الجماعة وإعلان
التوبة والندم. ويوجد مجلس استشاري للعزابة هو «منظمة ايروات وهم جماعة من حفظة القرآن والمشتغلين بالدراسة ولهذه المنظمة القوة الثانية بعد العزابة أو كمجلس النواب بالنسبة للشيوخ، وقد يسند إليها العزابة بعض الأعمال.
التعليم
أولى الإباضية اهتماماً كبيراً بالتعليم منذ دخول المذهب الإباضي المغرب في أول القرن الثاني الهجري، فالتعليم تعتمد عليه حركة المذهب وبدونه سوف لن يكون هنالك استيعاب لمبادئه ولن يجد فرصته في الانتشار وسط السكان وهذا ما حدا بسلمه بن سعيد إلى إيفاد البعثات إلى البصرة للتزود بالعلم. وبعد عودة البعثة من البصرة تولى كل فرد منها مهمة التدريس، وبدأ التعليم المنتظم في مناطق تجمعات الإباضية، فظهرت مدارس أبى درار الغدامسي وعاصم السدراتي وأبي داود القبلي وعبد الرحمن بن رستم قبل انتقاله إلى الجزائر
وبعد قيام الدولة نعم الإباضية بالهدوء والاستقرار ازداد اهتمامهم بالتعليم، ووضعت سياسات مرسومة لتعميمة والنهوض بمستواه، ودأبت الدولة على توفير المعلم والكتاب وأماكن
الدراسة، فإلى جانب المسجد فتحت المدارس والداخليات وأدخل نظام المدارس المتنقلة. وفي سبيل توفير العلماء الأكفاء لم تتوقف البعثات إلى البصرة، كما لم تقتصر على المشرق، بل كان الطلبة الإباضية يترددون على مراكز العلم الكبرى في العالم الإسلامي، ويحضرون لكبار الأساتذة، يتزودون بمختلف فروع المعرفة، وبالطبع فإن تعليم المذهب شيء أساس للدرسين، اعتمدوا في أول الأمر أخذه على الأئمة الذين تعلموا في البصرة ثم بذلك على تلاميذهم.
Vo (1/75)
صفحة 76
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أما المدارس فكانت من المرافق التي وجدت عناية خاصة في جميع مناطق تجمعات الإباضية وربما كان الإباضية من أوائل واضعي أسس سليمة ومنظمة للتربية والتعليم وقد تطورت المدارس وتوسعت موفرة الفرص أمام الطلبة للعلم من حداثة سنهم حتى مرحلة التخرج وكانت الكثير من أقساماً داخلية وتقدم للطلبة الوجبات الغذائية والإعانات المالية وكان الاهتمام بتعليم المرأة مواكباً لتعليم الرجل ففتحت المدارس الخاصة بالبنات في بعضها أقسام داخلية لإيواء الدراسات من الأماكن البعيدة، كما كانت هنالك مدارس تحضر فيها الطالبات إلى جانب
المدارس تضم
الطلبة.
التجارة
أسهم الإباضية بدور رئيسي في النشاط التجاري في المغرب. وتركز هذا النشاط بصفة خاصة
في تجارة الصحراء.
قادت أسرة بني الخطاب الإباضية هذا النشاط في الجزء الشرقي من الصحراء الكبرى وذلك لوقوع عاصمتهم زوياة في قلب الصحراء ولسهولة ارتباطها شمالاً بحوض البحر المتوسط وجنوباً بحوض بحيرة تشاد وحوض النيجر الأوسط ففي الشمال ارتبطت عبر واجات جالو وزلو وجفرة وغدامس بسواحل البحر المتوسط وفي الجنوب ارتبطت بواحات مرتفعات تومو وكوار زويلة بإقليم السافانا، أدى هذا الموقع إلى إشراف زويلة إشرافاً مباشراً على الطريق الشرقي في الصحراء
الكبرى.
قام هذا الطريق بدور هام في تاريخ المنطقة لم يقتصر على النشاط التجاري، فقد كان أول اتصال للمسلمين بأطراف السافانا عبر هذه المنطقة ممثلاً في حملة عقبة بن نافع التي دخلت كوار ثم تدفق العزل عبره إلى مراعي السافانا جنوباً فوصلت بذلك الطلائع الأولى من حملة الإسلام إلى حوض بحيرة تشاد ونهر النيجر ثم انتظمت بعد ذلك قوافل التجارة التي تتجه من زويلة إلى حوض بحيرة تشاد التجارية ومملكتي جاو وغانا. أدى ذلك إلى انتقال «التجارة والاموال إلى تيهرت من مصر والمغرب وإفريقيا لخوفهم من أئمة الجور، فنشطت حركة التجارة وجذبت إليها قطاعات كبيرة من المواطنين وحتى أنفسهم كانوا يقومون بأعمالهم التجارية الخاصة فالإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن كان يمارس
الأئمة
76 (1/76)
صفحة 77
الإباضية أهل الحق والاستقامة
التجارة قبل توليه الإمامة، وقد لعبت الارتباطات القديمة بين سكان المنطقة دوراً كبيراً في تطوير
العلاقات التجارية
فحاكم جبل نفوسة الإباضي أبي عبيدة عبد الحميد الجناؤئي (184 - 126 هـ / 800 - 850 م) كان يتحدث اللغة الكاتورية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها اللغة العربية والبربرية، كما يرجع اسم جادو في جبل نفوسة إلى جادو الثنائية في واحات كوار على طريق زويلة تشاد.
كان ارتباط الإباضية الأقوى بالسودان عبر الطريق الأوسط في الصحراء الكبرى يمر عبر واحات الجزائر التي تمتد لمسافة ألف ومائتي كيلومتر إلى الجنوب على هيئة شريط أحضر يمثل طريقاً طبيعياً بين أمصار المغرب الأوسط ومرتفعات الحجاز.
وكانت ورجلان من أهم المراكز التجارية على هذا الطريق، يقابلها على طرف الصحراء الجنوبي تادقة، ويتضح مما ذكره أبو زكريا الورجلاني الارتباط التام بين ورجلان وتادقة ونشاط القوافل بيمها وقد ارتبطت ورجلان لذلك بمملكة غانا عبر تغازا وأدغشت وقد واصلت ورجلان النشاط التجاري بعد سقوط الدولة الرستمية وانتقل إليها نشاط تيهرت التجاري فتوسعت
أعمالها.
إعادة صياغة الأمة
العالم الإباضي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان، تحدث عن إعادة صياغة الأمة الإسلامية. وهو يعتبر من أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين. ومن خلاله نتعرف على فكر الإباضية المعاصر. وعلى أطروحاتهم الجديدة.
كتب الشيخ أحمد الخليلي يقول:
إن الأمم إنما تقوم - أول ما تقوم - على التصور الصحيح ولذلك كان هدم التصورات الباطلة وتشييد التصورات الصحيحة أول شيء يضطلع به المرسلون، فما من رسول من رسل الله سبحانه إلا وقد واجه تصورات باطلة عششت في الأذهان واستحكمت في النفوس وسيطرت على الألباب وقادت الأمم إلى حافة الانتحار، فكان أول شيء يدعون إليه بين أممهم هو أن تعرف هذه الأمم من أين جاءت وإلى أين تنتهي وماذا عليها أن تعمل فيما بين المبدأ والمنتهى لتقوم حياتها على التصور الصحيح، ونحن نرى أن سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة
VV (1/77)
صفحة 78
الإباضية أهل الحق والاستقامة
والسلام عندما جاء بالدعوة الحقة دعا أول ما دعا إلى التصور الصحيح، دعا إلى الإعتقاد الحق بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .....
هذا التصور هو الذي شيدت عليه دعائم حياة هذه الأمة الفكرية والحضارية والاجتماعية حتى كانت خير أمة أخرجت للناس، فهي أدركت تمام الإدراك أنه لا إله إلا الله، وأن الحكم المطلق إنما هو الله سبحانه الذي أوجد هذا الكون ...
إن كل ما في الكون إنما يسعد بالخضوع لأمره والاستجابة لداعيه والوقوف عند حدوده ولذلك تناغى هذا الكون مع هذه الحقيقة كما يعرب بذلك القرآن الكريم عندما قال في وصفه سبحانه: تسبحُ لَهُ السَّمَوتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهْدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ
حليما غَفُورًا} [الإسراء: 44].
ونحن إذا نظرنا إلى ما ورثته هذه الأمة بسبب أن هنالك طوائف من البشر دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً مما كانوا يعتنقونه من قبل من الأفكار، وبسبب تأثير السياسة إذا نظرنا إلى ما رزأت به هذه الأمة من ذلك نرى أن بعض ذلك يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان بالله، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان باليوم الآخر، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للعلاقة التي يجب أن تكون بين البشر حكامهم ومحكوميهم في هذه الأرض. أما العنصران الأولان فهما يرجعان كما قلت إلى كون كثير من الأمم دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزاراً من مواريثها الفكرية السابقة، والعنصر الأخير إنما يرجع إلى انحراف الذين أخذوا بزمام القيادة الدينية السياسية في هذه الأمة منذ تلك المرحلة المبكرة بعدما انتهت الخلافة
الراشدة.
أما الأمران الأولان فأولهما عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله، عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله أدى بكثير من الناس إلى أن يسلكوا مسلكين متناقضين عجيبين أولهما: تشبيه الخالق بمخلوقاته، وثانيهما تشبيه المخلوقات بخالقها. أما تشبيه الخالق بمخلوقاته فهو أن يوصف الله سبحانه وتعالى كما يوصف الخلق بأنه محدود متحيز متحرك يذهب ويجيء ويفرح ويحزن وتعرض له العوارض التي تعرض للبشر حتى أنهم قالوا بأنه ينسى نسياناً حقيقياً يليق بجلاله. وهذا على أي حال إنما هو راجع إلى نبذ المحكم واتباع
78 (1/78)
صفحة 79
المتشابه. والله سبحانه وتعالى يقول:
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
هذا ضلال في التصور.
أما الصورة الثانية فهي تشبيه المخلوق بخالقه وذلك بأن يوصف المخلوقون بصفات الألوهية بحيث ينظر إلى طائفة من الناس إما لعنصرهم وإما لحالهم بأن ينظر إليهم أنهم يتصرفون في هذا الكون تصرفاً مطلقاً، فهم بيدهم البسط والقبض، والعطاء والمنع، والرفع والخفض والقبول والرفض، يدخلون الجنة من يشاؤون، ويحرمون من يشاؤون منها، ويلقون في النار من يريدون لأن الأمر كله راجع إليهم وتصريف الكون بأيديهم، وهذا أمر في منتهى الخطورة.
قد يتساءل الإنسان ما علاقة هذا بنهوض الأمة أو عثرتها؟؟
الجواب عن العلاقة في هذا ظاهرة ذلك بأن الله سبحانه وتعالى عندما يوصف بصفات المخلوقين تذهب هيبة الربوبية التي له سبحانه وتعالى في قلوب عباده، فعندما يوصف هذا الخالق العظيم بأنه يؤتى به محمولاً على سرير من ذهب تحمله أربعة ملائكة، أو أنه يذهب ويجيء ويفرح ويحزن، إلى غير ذلك من هذه الصفات هل تبقى في قلوب عباده هيبة كما يحسون بذلك عندما يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه عز وجل لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، وأنه منزه عن كل شبه بأي شيء من هذه الكائنات فهو لا تعرض له العوارض ولا تبدو له البدوات، ولا تكتنفه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، هو الخالق المصور المبدئ المعيد، قد كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يدرك بعين، ولا يطلب بأين. أما الأمر الذي يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، فإن الإيمان باليوم الآخر يأتي قرين الإيمان بالله في كتاب الله سبحانه وتعالى، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان به سبحانه وهو يعني أن من آمن بالله واليوم الآخر فكأنما أمسك حبل الإيمان من طرفيه، واكتنف الإيمان من قطريه، ذلك لأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بالمبدئ العظيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى، الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة، والذي تتجلى عظمته وكبرياؤه في كل مشهد من مشاهد هذا الكون، في كل ذرة من ذرات هذا الوجود، فهذا الإيمان يحفز صاحبه إلى أن يتفاعل معه تفاعلاً تاماً، وذلك بأن يضبط جميع أعماله وفق أمر من خلقه فسواه وأنعم عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة.
79 (1/79)
صفحة 80
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فالمعاد أبدي والمعاش إنما هو لفترة محدودة، المعاد أمر حقيقي والمعاش إنما هو حياة وهمية إذ لا يدري الإنسان متى تنصرم هذه الحياة، فلذلك يتحكم الإنسان في رغباته ونزواته ونزغاته عندما يرسخ الإيمان باليوم الآخر رسوخاً في نفسه على أن يكون تصوره لذلك اليوم تصوراً صحيحاً، تصوراً مستلهماً من القرآن الكريم ومن الصحيح الثابت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، لا من الأماني الفارغة.
عندما يرسخ هذا الاعتقاد في النفس فإنه ولا ريب يؤدي ذلك إلى أن تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً فتصاغ حياتها وفق هذا المعتقد، ولكن عندما تفرّغ هذه النفس من هذا المعتقد ويكون هناك تبث بالأماني والآمال الباطلة لا ريب أن الحياة تتحول تحولاً جذرياً من الخير إلى الشر ومن الصلاح إلى الفساد، فإن النفس البشرية جبلت على الطمع، والإنسان يحب العاجلة وينسى الدار الآخرة عندما تحيط به شهوات نفسه وتدفعه دفعاً إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية، ولا ريب أن الإيمان بأن الحق سبحانه وتعالى يجزي كل نفس بما عملت يؤدي بالإنسان كما قلنا إلى أن يتحكم في هواه ويسيطر على رغباته ويصوغ حياته صياغة شرعية وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إعراض اليهود عن الكتاب الذي أنزل عليهم إنما
كان بسبب اعتقادهم أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات فقد قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم معْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ الله
[آل عمران: 23 - 25]. هذه المعتقدات انتقلت كما قلنا إلى هذه الأمة وأورثها ذلك ما أورثها من اتباع الأهواء وتشتت الكلمة وذهاب ريحها وأن تصبح أمة هزيلة. فعقيدة الإرجاء إذن لها أثر كبير في تدمير هذه الأمة، وفي تدمير أخلاقها، وفي القضاء على معنوياتها، وفي الكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل
حساب.
ريب
ولا. أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً، وليس ذلك وليد اليوم والأمس وإنما ذلك منذ بدأ هذا الانحراف، أخذت هذه المعتقدات تنخر في جسم هذه الأمة نخراً
80 (1/80)
صفحة 81
الإباضية أهل الحق والاستقامة
حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وأن هذا كذا وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده من أمثلة ذلك أن أحد الكبراء في وقته كان يقول: أنا لا أنكر أنني أكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا. حرام أي تناقض هذا هو يعتقد أنه يكفيه أن يعتقد أن الربا حرام ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار. قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك: وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله، وأن يعتقد أنه من أهل الوعيد على أكل الربا.
ونحن نرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو «الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون نفساً يعتدي على ذلك، وهذا يتحين الوقت من أجل أن يحتال على ذلك، كل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه بخلاف ما إذا كان العقيدة راسخة لأن كل واحد مجزي بعمله: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يعملون) [القصص: 84].
الله تعالى
هذا المعتقد هو الذي يجعل هذه الأمة متواصلة الحلقات أمة قوية ... ولذلك لا يهدم الثابت من أجل العارض وعندما كانت الخلافة الراشدة كان الأمر شورى ما بين المسلمين، كان الخليفة كواحد من المسلمين يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم مناصحته، وكان الخليفة يعلن على الملأ: أيها الناس إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموني. فيقوم أحد من عامة الناس فيقول له لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا فما يكون من الخليفة إلا أن يحمد على هذه النعمة، لئن يجد في رعيته من يقوّم اعوجاجه بسيفه. وكان الناس يتصورون جميعاً أن سياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل، أن يكون الخليفة خليفة عادلاً، وأن يحاسب من جميع طوائف الأمة لأنه أجير قائم على راس هذا الأمر، أجير لهذه الأمة وهو مسؤول فيما بينه وبين الله كما أنه مسؤول فيما بينه وبين الأمة للبشر أن يحاسبوه في الحياة، كما أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة. وعندما أفضى الأمر إلى بني أمية اجتثوا هذه القواعد من أساسها، وأتوا على هذا الأمر من قواعده وأقاموا سياسة مبنية على الاستبداد بالرأي والرغبة في التحكم، وأشاعوا في الناس بأن هذا قدر مقدور من الله، وأن على الجميع أن يسلّم له، ومن لم يسلّم له فهو شاذ عن أمر المسلمين خارج عن جماعتهم، حرب على المسلمين ...
81 (1/81)
صفحة 82
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الموروث القديم
إن المعتقدات التي كانت سائدة في الأمم عندما بعث النبيون كان رسوخها رسوخاً عجيباً، وكان التعصب لها تعصباً مقيتاً، وكانت تعتبر جزءاً من حياة تلكم الأمم بحيث لم يكد لهم فكاك عنها، إلا أن وضوح الحجة وسطوع البرهان وطريقة الإقناع أدى إلى هدم تلكم المعتقدات جميعاً، واجتثاثها من أصولها، وإقامة حياة نظيفة قائمة على التصور الصحيح والفكر السليم. ويمكن لأي أحد أن يتغلب على هذه الأفكار عندما يتجرد تجرداً تاماً كأنما لم يغذ بأي فكر من قبل، يأتي إلى كتاب الله سبحانه موقناً أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وأن الاحتكام يجب أن يكون إليه
فإن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] عندما يكون الرجوع إلى الكتاب العزيز وإلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على كل هذه العراقيل وأن تذلل هذه العقبات. وعلى أي حال يلزم قبل كل شيء تشويق النفوس إلى التجرد والاحتكام إلى القرآن وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، عندما تكون هذه الدعوة قائمة في أوساط هذه الأمة لا ريب أنها ستعطي ثمراً يانعة وستحقق نتائج محمودة فالموروث القديم له أثر أكبر، وإلا فهناك الكثير الكثير من الأمور التي استجدت على الساحة، ومن بين القضايا التي استجدت للأسف الشديد انبهار هذه الأمة بالحضارة الغربية، بحيث أدى بهم هذا الانبهار إلى قبولها على علاتها، وعدم التفريق بين النافع والضار منها، وذلك نتيجة ما أصاب هذه الأمة من الهزيمة النفسية، وما أصابها من الشعور بمركب النقص فإن ذلك أدى بها إلى أن تكون أمة تخضع كل الخضوع لأعدائها، وعلى أي حال هذا أمر يكون مقدوراً عليه عندما يكون الاحتكام إلى القرآن بحيث تعرف الأمة مصدر عزتها ومصدر هويتها.
دعوة إلى عودة الأمة إلى أصولها
هذه دعوة إلى عودة الأمة إلى أصولها واكتشاف هويتها، ومعرفة عقيدتها، ومعرفة الصحيح والباطل من مسلكها، ومعرفة الصواب والخطأ في نهجها، إذن ليس هذا رد فعل وإنما هو عين الواجب الذي تفرضه على هذه الأمة عقيدتها، فنحن علينا أن ننظر هل الإسلام الذي جاء به النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل جاء به المرسلون من قبل، هل هذا الإسلام أنزل من قبل الله
82 (1/82)
صفحة 83
الإباضية أهل الحق والاستقامة
سبحانه وتعالى ليكون أمراً شكلياً لا أثر له في حياة الأمة؟ هل هذا الإسلام أنزل ليكون نظريات تدغدغ أذهان هذه الأمة من غير أن يكون لها تأثير عليها في حياتها؟ لا. إن الإسلام هو منهج حياة، ولما كان منهج حياة، فإن هذا الإسلام يجب أن يكون متجسداً في كل جزئية من جزئيات حياتها، وذلك ما لا يتم أبداً إلا عندما يكون هنالك تصور صحيح، تصور قائم على فهم القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ونبذ العصبيات العمياء التي مزقت هذه الأمة بحيث تتعصب كل أمة منها الموروثها الفكري، وتدعي النظر في الكتاب والنظر في هدي رسوله. عندما يكون هنالك تجاوز لهذه العصبيات بحيث ينشد كل أحد الحقيقة لا بد بمشيئة الله سبحانه وتعالى من التغلب على هذه الأهواء، والسيطرة على هذه النزعات، والوصول إلى هذه
الغاية المرجوة.
التبعية
يقول الشيخ (الإباضي) أحمد الخليلي
ج
أمة تعوّل على فكرها الذي جاء به دينها لا تعول على الأفكار المستوردة، ولا تبني أفكارها على ما تتلقفه من هنا ومن هناك، طالما قلت بأن هذه الأمة عليها أن تستقل، وأن تتخلص من التبعية العمياء لغيرها، هي أمة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون أمة عزيزة، وطالما قلت بأن هذه الأمة لا تسعد ولا تسلم ولا تتمكن من تبوء مكانتها التي هي جديرة بأن تتبوأها إلا عندما تتخلص من هوى موالاتها لأعدائها لأن الله تبارك وتعالى يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَكَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51]، ثم يبين سبحانه أن هذه الموالاة ناجمة عن مرض نفساني حيث يقول: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ} [المائدة: 52]. وكثيراً ما قلت بأن هذه التبعية وهذه الموالاة تفضي والعياذ بالله إلى الارتداد لأن الله تعالى في معرض التحذير منها حذر من الارتداد حيث قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ} [المائدة: 54]، وقلت أكثر من مرة أيضاً بأن حصر ولاء الأمة في ولائها لربها سبحانه وتعالى ولنبيها وللمؤمنين
83 (1/83)
صفحة 84
الإباضية أهل الحق والاستقامة
هو السبب في التمكن والغلبة والانتصار وانضمامها إلى حزب الله فإن الله تعالى يقول: {إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ} [المائدة: 55 - 56].
فإذن أنا دعوتي واضحة، إنما أدعو إلى نبذ ما يكون سبباً لاتباع الهوى، سبباً لهذه التبعية العمياء من هذه الأمة لأعدائها، ونحن وجدنا في ظل هذا الانبهار بأعداء الإسلام في ظل غياب المفاهيم الصحيحة، وفي انحسار الفكر الإسلامي الصحيح وجدنا كثيراً من تخبط الناس تخبطاً عجيباً، قبل ما يقارب عقدين من السنين من الآن كان رئيس دولة صليبية يصب الويلات على رؤوس المسلمين صباً في تلكم الدولة، وهو رجل صليبي حاقد متعصب، ويحرص على إبادة المسلمين الموجودين هناك، وكانوا بقدر مستطاعهم يدافعون عن شخصيتهم، ويدافعون عن دينهم، ويدافعون عن استقلالهم. زار زائر تلكم الدولة ورجع من هناك يتحدث عن إعجابه بما وجده هناك وقال لولا أن هنالك من المسلمين من يكدرون الصف ويثيرون الشغب فسألته أي شغب هذا؟ فقال:
هؤلاء متمردون.
قلت: وكيف؟ ما هو تمردهم؟ من الذي عصوه؟
قال: إنما عصوا ولي الأمر والله تعالى يقول:
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].
فسألته وهل فلان الصليبي هو ولي أمر المسلمين مع أن الله يقول في صدر هذه الآية الكريمة: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ.
أطيعوا أياً منكم معشر المسلمين لا الصليبيين.
إنحسار الوعي الإسلامي
إن غياب المفاهيم الإسلامية أدى بالناس إلى التخبط، تخبطاً لا مثيل له، وهذا نتيجة لانحسار
الوعي الإسلامي وعدم وجود التصور الإسلامي الصحيح، وهكذا في تلكم العصور السحيقة عندما تحكم بنو أمية وبنو العباس في حياة الأمة، وصل تخبط الناس تخبطاً عجيباً في مقاومة الإصلاح ومقاومة المصلحين ونبذ كل من يحاول أن يرد الناس إلى المحجة البيضاء. نحن وجدنا
84 (1/84)
صفحة 85
الإباضية أهل الحق والاستقامة
من الفقهاء الكبار من يقول إن (الحسين) سبط رسول الله قتل بسيف جده. ما معنى قتل بسيف جده؟ معنى ذلك أنه ثار على ولي أمر المسلمين الذي تجب طاعته ويجب الخضوع له سواء بر أو فجر، عصى أو أطاع، عدل أو جار، يجب أن يخضع له خضوعاً مطلقاً وأن لا يحاسب على شيء من أعماله، ومخالف ذلك حُقَّ بالقتل فما أنزله يزيد بن معاوية بالحسين إنما كان ذلك تطبيقاً لما جاء به الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. هكذا ضلال الفكر،
وصل بالناس إلى هذا المستوى.
كذلك نحن وجدنا أن الناس بسبب انبهارهم بما كان عليه المتسلطون في هذه الأرض من مظاهر الترف الذي هو سبب للدمار وسبب في تقهقر هذه الأمة، وجدنا أولئك يقيسون حضارة الأمة الإسلام ورقي بقدر تلكم المظاهر مظاهر الترف قبل فترة من الزمن كنا في رحلة إلى العراق، وذهبنا إلى سامراء، وهناك تنقيب عن آثار العباسيين وجئنا إلى مكان حسبما خطط لنا، كان فيه تنقيب عن آثار من يلقب بالمتوكل، وقد وجدوا تحت طبقات التراب التي تتراكم على المنطقة بركة سباحة كبيرة جداً، وتحت هذه البركة خنادق لإيقاد النار لأجل أن يحمى الماء فيها. أحد العلماء الذين حضروا في هذا المكان ماذا قال؟. قال: الله أكبر ما هذه العظمة للإسلام. يعني عظمة الإسلام حيث يجلس الرجل الفاسق المخالف لأمر الله بين الجواري وهن يسبحن في هذه البركة عاريات من الثياب وفي حالة من الاستخفاف بحرمات الله. هذه عظمة الإسلام؟ أين عظمة الإسلام من هذا؟
عظمة الإسلام عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش في كوخ، وعندما تخرج منه رسالة إلى كسرى يهتز كسرى، ويهتز عرشه بسبب تلك الرسالة. هذه عظمة الإسلام، عندما كان
أهل الشرق وأهل الغرب يخشون سطوة الإسلام ليست عظمة الإسلام من مظاهر الترف. كذلك عندما نسمع الكثير من الناس يرددون بأن عظمة الإسلام تتمثل في قول هارون الملقب بالرشيد للسحابة عندما انجابت عن ذلك المكان (أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك)، قالوا هذه عظمة الإسلام ودليل عظمة الإسلام، أين هذا مما جاء به الرسول ل ل ا ا ا ا داعياً ولم يبعثه جابياً، هذا يدل على الرغبة في أخذ الضرائب، وضمها إلى خزينة من يسمى بالخليفة لأجل أن يستمتع بها حسب هواه. أين هذه العظمة للإسلام؟
الله
بعث
85 (1/85)
صفحة 86
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عظمة الإسلام عندما كانت دعوته تشق الطريق إلى نفوس الناس ويتسابق الناس إلى اعتناقه لما يرونه في القائمين عليه من العدل والإنصاف وزجر النفس عن هواها، وضبط حياة النفوس بحسب ما يتلاءم مع جوهر الإسلام
علماء الإحياء الإسلامي
نحن علينا أن نستفيد من كل تجربة ولا نحصر دعوتنا هذه في إطار ضيق في تجربة خاصة دون غيرها، علينا أن نستفيد من كل تجربة من هذه التجارب. وعلى أي حال لهؤلاء العلماء جهد مشکور قاموا بدورهم وبذلوا جهدهم وحاولوا الإصلاح، نحن إذا جئنا إلى المدرسة الإصلاحية التي أرسى بمصر دعائمها السيد جمال الدين الأفغاني، ثم قام بتشييد مبانيها تلميذه العملاق الشيخ محمد عبده نرى أنها مدرسة آتت أكلها، وكانت لها ثمار طيبة، ولكن مع ذلك لا نستطيع أ نبرئها من كل خطأ، لا بد من أن نأخذ الصواب وندع الخطأ، وكل واحد معرض للخطأ، الدعوة التي قام بها العلامة الإمام محمد عبده في مصر كانت في وسط وجود كثير من العلماء الذين يتبنون الخرافات، ووصل الأمر كما قلنا بكثير من الناس إلى أن يضفوا على المخلوقين صفات الألوهية، وهذا أمر في منتهى الخطورة وهذا أمر لم يكن محصوراً في مصر نفسها ولكن كان في كثير من بقاع الأرض.
نحن وجدنا على سبيل المثال أحد الكاتبين يكتب عن عالم من العلماء ويترجم له ويضفي عليه من القداسة الشيء العجيب العجيب الذي ينبو عنه العقل السليم فضلاً عن رفض النصوص القاطعة لمنطقه، فكان مما قاله: (ولما كانت حياته حياة الرسل والملائكة المقربين، كانت تتجلى له الأشياء على حقائقها ومعرفة الشقي والسعيد ومعرفة الآجال ومداها، وكان تزوره الملائكة والأموات والأنبياء يقظة ويستمد منهم المدد) ... إلخ، وجدت هذه الأفكار ولا تزال موجودة إلى الآن. والإمام محمد عبده قاوم هذا الفكر بشدة، وبعنف، كما أنه أيضاً استطاع أن يتحرر من كثير من التقاليد التي أصر عليها الكثير من العلماء، مسألة الوعد والوعيد هذه قال فيها كلمة جازمة في أكثر من موضع من دروسه التفسيرية، قال بأن وعيد الله تبارك وتعالى لا يتبدل وأن ما توعد الفسقة المجرمون من هذه الأمة لا يختلف عما توعد به غيرهم، فليست هنالك محاباة من
تبارك وتعالى لهذه الأمة دون غيرها، هي كغيرها من الأمم هذا مما قاله كثيراً ....
الله
86 (1/86)
صفحة 87
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إن مسألة الشفاعات التي يتشبث بها الكثير الكثير تحدث عنها بإسهاب في مواضع متعددة من تفسيره، وقال بأن ما تشبث به المتشبثون من شفاعات الأنبياء والصالحين يوم القيامة إنما ذلك تشبث بأوهام إلا عندما يكون الإنسان من الصالحين عمل عملاً صالحاً وتاب توبة نصوحاً فكان حقيقاً بأن يُشفع له من قبل النبيين وإلا فهذه الأوهام هي الأوهام التي كانت عند أهل الكتاب تحدث عن ذلك في تفسير قول الله تبارك وتعالى: {يَبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 47 - 48] كما تحدث عن ذلك في تفسير قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمَ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَهُ} [البقرة: 254]. إلى غير ذلك وقال إن الشفاعة لله وحده وذكر بأن هؤلاء إنما يتشبثون بما وجدوا الناس فمن عادتهم أنهم وجدوا أصحاب المصالح المتسلطين في هذه الأرض قد يتنازل أحدهم عن الوعيد الذي يتوعده المجرم بسبب ما يراعي من مصلحته، ينثني عن عزمه ويترك ذلك المجرم فقاسوا حال الخالق الله سبحانه وتعالى على حال الخلق. هكذا ذكر في كثير من المواضع، ولكن مع هذا نجد كان كما قلنا بين تيارين بين تيار هؤلاء الذين من الخرافة ديناً، وتيار الذين جاؤوا من الغرب بأفكار بعيدة عن الفكر الإسلامي وصاروا لا يؤمنون بما وراء المادة لا يؤمنون إلا بما وقع تحت طائلة الحواس، فأراد أن يسلك مسلكاً بين هؤلاء وهؤلاء، وأراد أن يقنع الناشئين بالإسلام وبمعتقدات الإسلام، فلذلك حاول يضيّق نطاق الغيبيات في كثير من تفسيره كتفسيره لقصة آدم عليه السلام بأن المراد بآدم الجنس البشري، وأن المراد بالشجرة الشر، وأن المراد بالملائكة ملكات الخير، وأن المراد بالشياطين ملكات الشر إلى غير ذلك الكثير هذا تفسير غير مسلّم وقد تأثر به تلميذه السيد محمد رشيد رضا وإن كان أقل منه في هذا ولكنه تأثر به هذا مع أن السيد رشيد رضا أيضاً من أستاذه محمد عبده تأثر بما سمي بالمدرسة السلفية من بعد فوجد شيئاً من النقائض في كثير
بعد
،
من كلامه، وقد نبهت على بعض الأشياء فيما دونته ونبهت على بعض هذه النقائض التي وجدت في كلام السيد رشيد رضا، وهذا لا يمنع أن نستفيد منه وأن نكبر جهده، ونحذوا حذوهم في كثير من الأمور التي هي متفقة مع المنهج الصحيح.
87 (1/87)
صفحة 88
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أما بالنسبة إلى الإمام السالمي رحمه الله تعالى فإنه كان امتداداً لفكر تأصل منذ الصدر الأول منذ الرعيل الأول، لم يأت بحاجة جديدة، فمنهجه الذي سلكه هو منهج أسلاف سلفوه منذ فترة طويلة، وقد عُني الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بوضع الخطة السليمة لهذا المنهج، ثم اعتنى بتنفيذ هذه الخطط ونهج هذه المسالك تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة، ونهج من بعدهم هذا المنهج. فهذا المنهج على أي حال إنما هو منهج تاريخي، منهج من الممكن أن يفيد الأمة الكثير إذا بلور ووضح وضوحاً جيداً وصور تصويراً يتلاءم مع أفهام بني العصر، وهذا ما قامت به بحمد الله أقلام معاصرة، ومن أمثلة ذلك ما كتبه الدكتور حسين غباش في كتابه (عمان الديموقراطية
الإسلامية) فإن هذه الخطوة خطوة إيجابية جداً، ونرجو من الكثير أن يحذو حذوه في ذلك ... وعلى أي حال دعوتنا دعوة عامة لا تنحصر في إطار طائفة معينة، وهناك الكثير من العلماء الذين قدموا خدمة جليلة لهذه الأمة من خلال مؤلفاتهم ومن خلال محاضراتهم، كما ذكرت الإمام أبو الأعلى المودودي قدم خدمة جليلة للأمة من خلال مؤلفاته، ذلك كله مما يمكن أن يستفاد منه، كذلك السيد أبو الحسن الندوي وغيرهم من العلماء الأجلاء، هؤلاء أفادونا فائدة كبيرة فيمكن أن نستفيد من هذه التجارب جميعاً ....
حركة إعادة النظر يقول الشيخ أحمد الخليلي:
نحن لا ندعي العصمة لأي أحد كان إنما الحكم في ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية، وما كان مخالفاً لهما فإن ذلك مرفوض ممن جاء به، نحن قد نرى أن كثيراً من الإباضية ربما سرى بعض الأشياء التي وجدت عند غيرهم كبعض الأوهام، قد يكون ذلك في العامة أكثر مما هو في الخاصة في الجهلة أكثر مما هو في العلماء، ولكن وجدت فتاوى لبعض أهل العلم تبرر ما يفعله العامة من الذهاب إلى المقابر وتقديم القرابين وتقديم النذور هذه وإن كانت أشياء شاذة، والجمهور جمهور أهل العلم إنما يرفضها ولكن وجدت من بعض الناس انسجاماً مع هوى العامة فمثل هذه الأشياء لا بد من أن تقتلع من جذورها ولا تتبع بأي حال من الأحوال.
88 (1/88)
صفحة 89
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث الرابع
الفقه عند الإباضية
الفقه عند الإباضية مشابه للفقه السني. ورغم اختلاف الإباضية قديماً مع الخلفاء الأمويين، فقد اتفقوا تقريباً مع السنة في أكثر المسائل الفقهية.
تستند الإباضية إلى القرآن والسنة، ويأخذون عن الكثير من الرواة والفقهاء السنة. لكنهم يتميزون بأنهم يأخذون عن رواة من أئمتهم. نتعرف في هذا البحث على بعض جوانب الفقه
الإباضي.
يقول الإباضية بالرواية سبيلاً لنقل تعاليم الإسلام ولهم شروطهم الخاصة للحكم بصحة ما ورد من نقولات عن النبي الكريم، وأشهر المصادر عندهم على الإطلاق مسند الربيع بن حبيب. وهذه المراحل إضافة إلى غيرها هي طرق أربع لنظام الحكم عندهم طبقوها على العهد النبوي والراشدي (عهد الخلفاء الأربعة واطلقوا عليها اسم مسالك الدين وهي:
1 - مسلك الكتمان.
2 ـ مسلك الشراء.
3 ـ مسلك الدفاع.
- مسلك الظهور.
الوُضُوءُ
الوضوء في الشَّرع: هو استعمال ماءٍ طَهُورٍ في أعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة بنية
العبادة.
وأصل مشروعيته من قوله تعالى:
89 (1/89)
صفحة 90
الإباضية أهل الحق والاستقامة
له».
ينَايُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... [المائدة: 6]. ومنَ السُّنَّةِ قولهُ عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلام: «لا إيمانَ لَمَنْ لَا صَلاةَ لَهُ، وَلا صَلاةَ لَمَنْ لا وُضوءَ
حُكْمُ الوُضُوءِ
ويختلفُ حُكمُ الوضوء حسب أحواله وأسبابه، فقد يكون واجباً كالوضوء للصلاة؛ للآية السابقة، وللطَّواف بالبيت؛ لأنَّ الطَّواف بالبيت صلاة إلا أنَّ الله قد أحلَّ فِيهِ الكلامَ، وَلَس المصحَفِ والقراءةِ مِنْهُ؛ لقوله الله في الجنب والحائِضِ والذِيْنَ لم يكونوا على طَهَارَةٍ: «لا يقرؤون القرآن لِقَولِهِ ولا يطؤون مصحفاً بأيديهم حتَّى يكونُوا مُتوضّئِينَ».
،
ويندبُ الوضوء في أحوال كثيرةٍ كَالوُضوءِ للنوم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: .... إذا أتيتَ مَضْجَعَكَ فتوضأ وضوءك للصَّلاةِ»، وعقب الاستيقاظ منَ النُّومِ؛ لقوله: فَإِذَا استيقظَ وَذَكَرَ الله انحلَّتْ عُقْدةٌ، فَإِذَا توضأ انحلَّتْ عُقْدَة».
وكذلك يُندَبُ عند غسل الجنابة؛ لقول السيدة عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ الله إذا أرادَ الغُسل من الجنابة بدأ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يتوضأُ كَما يتوضاً للصَّلاةِ .. ». واللجُنُبِ عِندَ إرادَةِ الأكل والشرب والنوم، قالت السيدة عائشة: كانَ النَّبِيُّ إذا كَانَ جنباً، فأرادَ أنْ يأكل أو ينام توضاً ولقراءة القُرآنِ ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العِلْمِ الشَّرعيّ مِنْ تفسير وحديث وعقيدة وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، فيُشَدَّدُ في المس لا سيما لصاحب الحدث الأكبر، وكذا يُندَبُ الوضوء بعد ثورة الغضب؛ لأنَّ الوضوء يطفتُهُ، لما رُويَ أَنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلام قال: «فإذا غضب أحدكم فليتوضاً». وللخروج من خلافِ العلماء، كَمَن لَسَ فرجَه بظهر كفّه، أو أكل لحم الجزور؛ لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها استبراء لدينه، ويكون الوضوء مباحاً إذا قصد به مباحاً كالتنظف والتبرد.
فَرَائِضُ الوُضُوءِ
نَصَّ القُرآنُ الكَريمُ على أركان أو فرائض أربع للوضوء، وهي:
90 (1/90)
صفحة 91
• غسل الوجه واليدين. . والرجلين. ومسح الرأس.
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إضافة إلى النّيةِ المُشار إليها، وذلك كلُّهُ في قوله تعالى: يَاتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ الله
[المائدة: 6]
أولاً - النية:
وهيَ مِنْ أركان الوضوء وفرائضه على الصَّحِيحِ المُعتمد؛ لقوله تعالى:
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
ولقوله: «إنما الأعمال بالنيات».
أي صحة الأعمال وقبولها مرهونة بنيَّاتها.
المكلَّف وينوي
بوضوئه رفع الحدث، والتطهر للعبادة، ولا بُدَّ أنْ تكون هذِهِ النيَّةُ سابقة لجميعِ
أعمال الوضوء، فإن قدَّمَ بعض أعضاء الوُضوءِ الواجبة على النِّيةِ لزِمَتهُ الإعادة. والمقصود منَ النِّيةِ تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز بعض العبادات عن بعض، وتمييز رتبة
هذه العبادة.
سُنَنُ الوُضُوءِ
إنَّ أعمال الوضوء لا تقتصر على فرائضه ولا تنحصر في أركانه المذكورة في آية المائدة، بلْ هناكَ سُنن للوضوء، منها الواجبة، ومنها المندوبة والمستحبَّةُ.
1 - السواك قبلَ الوضُوءِ وحكمُهُ الندب، قال: «لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك
عندَ كلِّ صَلَاةٍ وَكُلِّ وضُوءٍ».
2 - التسْمِيَةُ: وهي قول المتوضِيَّ: «بسم الله».
- غُسْلُ اليَدَيْنِ إِلَى الرَسْغَينِ.
4 - المضْمَضَةُ والاستنشاق.
91 (1/91)
صفحة 92
الإباضية أهل الحق والاستقامة
صِفَةِ الوُضُوءِ إذا أراد الإنسانُ الوضوء تأكَّد أوَّلاً مِن زوالِ كلِّ نجاسَة عالقة ببدنِهِ، ثُمَّ أَحْضَرَ مَاءً طَهُوراً ونَوَى الوضوءَ مُستحضراً رَفْعَ الحَدَثِ واستباحة الصَّلاةِ - مثلاً -، فبَسْمَلَ وغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الرُّسفَينِ، ثُمَّ
-
تمضْمَضَ واستنشَقَ ثَلاثاً، ثمَّ غَسَلَ وجهَهُ ثلاثاً، ثم يَدَيهِ اليُمنى فاليُسرى إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، ثمَّ مَسَحَ رأسَهُ وأذنيه ظاهرهما وباطنهما مرَّةً مرَّةً، ثم غسلَ رِجلَيْهِ اليُمنى فاليُسرى إلى الكعبينِ
ثلاثاً ثلاثاً.
مكروهاتِ الوُضُوءِ:
منها:
تعرَّف - أيُّها المتَّبِعُ لأحْسَنِ القَولِ - أنَّ هناك عدة أمورٍ تُكرَهُ أو لا تُستَحْسَنُ حالَ الوُضوءِ،
1 - الوُضُوءُ قائماً. 2 - التَّحَدُّثُ بغيرِ ذِكْرِ الله. -
3 - الإِسْرَافُ فِي صَب الماء.
4 - الزِّيَادَةُ في المَغْسُولِ على الثَّلاثِ وفي الممسوح على الواحِدَةِ.
5 - التَّوَضُّوِّ فِي مَوضِعٍ نَجِسٍ؛ لئَلَا يَتَنجِّسَ مِنهُ.
6 - التَّعَرِّي عند الوضوء إذا كان في خلوة، ويحرُمُ فِي مَكَانٍ يمكنُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ.
7 - تَرْكُ سُنَّةٍ مِنْ سُنن الوضوء المستحبَّةِ.
ولا يُكرَهُ على الصَّحِيحِ عند شيخنا الخليلي - رعاه الله - تنشيف الأعضاء بعد الوضوء بمنديل أو ما شابهه، لا سيما عند الحاجة كوجودِ برد مثلاً؛ لما ثبت عندَ الرَّبِيعِ وغيرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ متخذاً منديلاً يمسحُ بهِ بعد الوضوء وكذلك لم يثبتِ النَّهيُّ عن الوضوء بالماء المشَّمَّس والحار لكن ينبغي تركُهُ إِذا ثَبَتَ ضَررٌ سُخونَتِهِ.
نَواقِضِ الوُضُوءِ
الردَّةُ: وهي الخروج من الإسلام كلياً، أو ارتكاب ما يوجب ذلك كإنكارِ مَا هُوَ مَعلومٌ مِنَ الدِّينَ
بالضرورة مِنْ غير شُبهة أو تأويل.
92 (1/92)
صفحة 93
الإباضية أهل الحق والاستقامة
لَمَسُ المتوضئ لَعَوْرِتِهِ (المُغلَّظَةِ) أو عورةٍ غيرِه: ولا فَرْقَ على المعتمد الصحيح ـــ عند العلامة القنوبي - أن يكون ذلكَ اللَّمسُ بِبَاطِنِ الكَفِّ أو بظاهره؛ فعن ابن عباس مرفوعاً: «إذا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَليَتوضَاً»، وعن جابر بن زيدٍ مرفوعاً أيضاً: «إذا مسَّتِ المرأةُ فرجَها فَلْتَتَوَضَّا». لَسُ مَا كانَ نجِساً: إِذَا كَانَ اللامس أو الملموس أو كلاهما رطباً، وقد تقدَّمَ ذكرُ النَّجاسَاتِ وأنواعها سلفاً، والحمدُ للهِ حَقَّ حمدِهِ.
الغِيْبَةُ: القَولِهِ: «الغيبةُ تُفطّرُ الصَّائمَ وتنقضُ الوُضوءَ»، وقد قاسَ عليها كثيرٌ مِنَ العلماء سائر الكبائر من المعاصي، فقالوا: إنَّ جميع كبائر الذُّنوبِ ناقضةٌ لِلْوضوءِ كَالنَّظَرِ المُحَرَّمِ مُباشرةً أو بواسطة، ومثله الاسْتِمَاعُ المُحرَّمُ كالاستماع إلى الغيبة والنَّمِيمَةِ ومزاميرِ الشَّيطانِ، ومَسُ المتوضئ للمرأة الأجنَبِيَّة أو مصافحتها كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَينِ (القُبُلِ والدُّبُرِ): معتاداً كالبول والغائط والريح، أو غير معتادٍ كدُودٍ أو حَجَرٍ.
خُرُوجُ الدَّم: وذلك إذا جاوز محلَّهُ، وهو الدَّمُ المسفوح؛ لقوله تعالى:
أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: 145].
خُرُوجُ القيء والقَلس: لقوله: «مَنْ قَاءَ أو قَلَسَ فليتوضأ».
=
زَوَالُ العَقْلِ أو التَّمْيِيزِ: وذلك بالنَّوم أو السكر أو الإغماء أو الجُنونِ ونحوها؛ لأنَّ الإِنْسانَ فِي
تلك الحالة لا يشعر بما يخرُجُ منه.
المسْحِ عَلَى الجَبِيرَةِ الأصلُ الشَّرعِيُّ للمسح على الجبائرِ ما ثبت عن عليٍّ بن أبي طالب - كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ: أَنهُ انكسر إحدى زندَيْهِ فَسَألَ النَّبِي الا الله أن يمسح على الجبائر»، قالَ لَهُ: «نَعَمْ».
أصْلُ الغُسْلِ الغُسْلُ هوَ إفاضة الماء على الجسدِ
كلِّهِ بنيَّةِ التَّطهر رفعاً للحدث الأكبر كالغُسْلِ من الجنابة أو
الحيض، أو عَمَلاً بالسُّنَّة كالغُسل للجمعة والإحرام.
وعن أصلِهِ الشَّرعي حسبُكَ قوله تعالى:
وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43].
93 (1/93)
صفحة 94
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الغُسْلُ الواجب
يَختلفُ حُكْمُ الغُسْلِ حسب أحواله وأسبابه، فقد يكون الغسل واجباً للأسباب التالية:
أولاً - الجَنَابَةُ لقوله تعالى:
وإن كُنتُم جنبًا فَأَطَهَرُوا} [المائدة: 6].
والجنابةٌ حَدَتْ أَكْبَرُ يَتَّصِفُ بِهِ الرَّجلُ والمرأة بسبب الإنزال أو الجماع.
ثانياً: طُهْرُ المَرْأَةِ من الحيض لقوله تعالى:
فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222].
ثالثاً: المَوْتُ وهو واجب على الكفاية، قالت أم عطية الأنصارية: دخل علينا رسول الله حين توفيت ابنته فقال: «اغسلنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة شيئاً من كافوره
رابعاً: دخولُ المُشْرِكِ فِي الإِسْلامِ لأمره ثمامة الحنفي بالاغتسال حِينَ أسلم. خامساً: النَّجَاسَةُ المجهولَةُ الموضِعِ فِي الجَسَدِ: يجبُ عَلَى صَاحِبِها غُسْلُ جَسَدِهِ كَلِّهِ؛ لأنَّهُ تِيقَنَ النَّجاسَةَ وجَهِلَ موضِعَها، فلا يَطهُرُ إلا بيقين وذلك ما لا يحصُلُ إِلا بِغُسْلِ جَميعِ الجَسَدِ.
الغُسْلِ المندوب
لصلاةِ الجُمُعة وللإحرام بالحج أو العمرة ولدخول مكة وللوقوف بعرفة.
الغُسْلُ للعِيدَينِ
فَرَائِضُ الغُسْلِ
النية.
تَعْمِيمُ البَدَنِ بالماء.
الموالاة والدَّلْكُ.
المضمضة والاستنشاق.
سُنَنُ الغُسْل وَمُسْتَحَباتِهِ
أولاً: إرَاقَةُ البَوْلِ.
94 (1/94)
صفحة 95
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ثانياً: الاستنجاء. ثالثاً: التَسْمِيَةُ. رابعاً: الوُضُوءُ قَبْلَهُ.
الأعالي قَبْلَ الأسافل، والميا من قبل المياسِرِ.
في الطَّهَارَةِ
الطَّهارة تنقسم إلى قسمين طهارةٌ منَ النَّجَسِ (الخَبَثِ)، وطهارةٌ مِنَ الحَدَثِ. فالنَّجَسُ أو الخبَثُ: هو عبارةٌ عنْ عَينِ النَّجاسةِ القائمةِ بالشَّخْصِ أو النُّوبِ أو المكان.
النيَّةُ للطَّهَارَة النيَّةُ شرط في صحة العبادات غير المعقولة المعنى، ومنها الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، أمَّا التطهرُ مِنَ النَّجَسِ فإنه لا يحتاجُ إلى نيَّة؛ لأنَّ المقصود إزالهُ عَينِ النَّجاسةِ مِنَ البَدنِ أو الثوبِ أو المكان، فيطهرُ محلُّ النَّجاسةِ بغُسله بلا نية على المعتمد عند علمائنا - حفظهم الله -، يقول سماحة الشيخ - يحفظه الله تعالى: (هذا والنِّيةُ التي هي القصد بالقلبِ إِنَّما تَجِبُ في غير معقول. المعنى من الأعمال، وذلك كالصَّلاةِ والوضوء، أمَّا مَا كانَ معقول المعنى كالتطهر منَ النَّجاسة فلا تجب له النية، فلو فعلهُ الإنسان ساهياً لم يكن عليه حرج ولم تلزمه الإعادة).
أَقْسَامِ المَيَاهِ
الماء: هو أقوى المطهرات في إزالة النجاسات على الإطلاق، بل هو المطهِّرُ الوحيد لرفع الأحداث، وقد قسم الفقهاء الماء تبعاً لحكم كل واحدٍ منه إلى ثلاثة أقسام:
الماء المطلق
الماء الطَّاهِرُ
الماء النَّجِسُ
يقول الإمامُ السَّالِمِي:
(الماء مِنهُ طَاهِرٌ مطَهِّرُ - ومِنهُ طَاهِرٌ ولا يُطهِّرُ ومنهُ رِجْسٌ صَحَّ فِيهِ النَّجَسُ - والأولُ المُطلَقُ
ليسَ يَنْجُسُ إلا إذا نَجَسٍ تغيَّرا - لوناً وعرفاً وبِطَعْمِ غُيْرًا).
95 (1/95)
صفحة 96
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الصلاة
كيفية الصلاة الصحيحة في المذهب الإباضي حسب ما ورد في كتاب معارج الأمال للإمام
السالمي:
صلاة العصر نموذجاً إذا صلى منفرداً.
يقف المصلي باتجاه القبلة ونظره إلى موضع السجود مرخياً يديه بجانبه .. ينوي الصلاة بقلبه .. أربع ركعات أداء الفريضة العصر .. يشرع في الإقامة:
اللهِ أَكْبَرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (مَرَّتَيْنِ)
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (مَرَّتَيْنِ)
أشْهَدُ أَنْ مُحَمَّداً رَسُولُ الله (مَرَّتَيْنِ)
حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مرتين)
حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (مَرَّتَيْنِ) قد قامت الصلاة (مرتين)
الله أكْبَرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً)
لا إِلَهَ إِلا الله (مَرَّةً وَاحِدَةً)
يوجه توجيه سيدنا محمد و وتوجيه سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
«سُبْحَانَكَ اللهُمْ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدِّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ))
[الأنعام: 79].
يكبر تكبيرة الإحرام. بعدها سكتة بسيطة.
يستعيذ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بعدها سكتة بسيطة.
يقرأ الفاتحة الشريفة من البسملة وحتى ناهيتها. سكتة بسيطة.
يكبر للركوع وينحني واضعا كفيه على ركبتيه مسويا ظهره ويسبح ثلاث مرات .. سبحان ربي
العظيم .. يشرع في القيام قائلاً:
(سمع الله لمن حمده).
96 (1/96)
صفحة 97
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وعندما يعتدل يقول ربنا ولك الحمد .. يهوي للسجود مكبرا (الله أكبر) ويسجد مقدما ركبتيه ثم كفيه. ويسجد على جبهته وأنفه وكفيه وركبتيه وقدميه وتكون رؤوس أصابع القدمين نحو القبلة. (ويسبح ثلاث مرات ـ سبحان ربي الأعلى).
ثم يرفع من السجود مكبرا ويجلس مفترشا قدمه اليسرى وناصبا قدمه اليمنى ويضع كفيه على ركبته ثم يكبر للسجدة الثانية ويسجد ويسبح كما تقدم ثم يكبر للقيام ولا يقطع التكبيرة. حتى يعتدل قائما.
ويؤدي الركعة الثانية بنفس الطريقة وعندما يجلس بعد السجدة الثانية يقرأ التشهد: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الصّالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلا الله وَاشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
تقوم مكبرا وتأتي بالركعتين الثالثة والرابعة بنفس الطريقة. ثم تجلس للتشهد الأخير: «التَّحِيَّاتُ لِله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصّالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وتزيد عليه الصلاة الإبراهيمية: اللهمّ صلّ على نبينا محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
ثم الدعاء بما تيسر اللهم إني أعوذُ بِكَ مِنْ عَذابِ القَبرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وأعوذُ بكَ مِنْ فتنة المسيح الدجال، وأعوذُ بِكَ مِنْ فتنة المحيا والممَاتِ.
الإباضية لا ترفع الأيدي في الصلاة
ننقل عن مراجع إباضية تفسيرهم لسبب عدم رفع الأيدي أثناء التكبير في الصلاة. رفع الأيدي في الصلاة لم يقل به أحد من علماء الإباضية، بل إن منهم من كرهه لاعتباره من الحركات المنافية للخشوع في الصلاة. ولهذا فقد تميز الإباضية منذ القرن الأول الهجري بعدم رفع أيديهم في الصلاة، أما المذاهب الأخرى فرغم ثبوت الرفع عندهم إلا أنهم مختلفون في حكمه فمنهم من أوجبه ومنهم من قال باستحبابه ومنهم من أجازه، كما اختلفوا أيضاً في عدد مراته
وتوقيته، هل هو قبل التكبير أو معه أو بعده، كما هو مفصل في كتب الفقه والحديث عندهم.
97 (1/97)
صفحة 98
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ومسألة الرفع هي من المسائل الجزئية في الفقه الإسلامي، كما أن الخلاف فيها قديم وهي من الخلافات الفرعية التي لا تمس العقيدة بشيء، ولا ينبغي أن تكون مثار خلاف ونزاع وجدال بين ..
المسلمين في وقت هم أحوج فيه إلى الوحدة والاجتماع والبعد عن الفرقة والاختلاف. اختلف أهل العلم من المذاهب الأربعة في رفع الأيدي في الصلاة على عدة أوجه:
أولاً: من ناحية مشروعيته
وثانياً: في عدد مراته. وثالثاً: في وقته.
1 ـ الاختلاف في حكم الرفع
نقل ابن حجر عدة أقوال في حكم الرفع منها قول النووي أجمعت الأمة على استحباب رفع الأيدي في تكبيرة الإحرام، ثم قال بعد أسطر: أجمعوا أنه لا يجب شيء من الرفع. كما نقل قول ابن عبد البر: (أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة). ونقل أيضاً عن صاحب التبصرة عن مالك أنه لا يستحب. ونقل عن ابن المنذر عن الزيدية أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها. ونقل عن القفال عن أحمد بن يسار أنه أوجبه، وإذا لم يرفع لم
تصح صلاته.
فهذه بعض أقوال العلماء في حكم الرفع، وهي تتراوح بين الاستحباب والجواز وعدم الجواز والوجوب. وهذا الاختلاف يدل على أنه أمر زائد عن الصلاة، وليس سنة دائمة للرسول. ولو كانت كذلك لما تباين الحكم فيها إلى هذه الدرجة.
2 - الاختلاف في عدد مرات الرفع أما
عدد مرات الرفع فقد اختلفوا فيها على عدة أقوال، ودليل كل منهم يستند على أحد الأحاديث المروية في كتب السنة. ومن هذه الأقوال:
أ ـ الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط وقد رُوي من عدة طرق أشهرها رواية عبد الله بن مسعود ورواية البراء بن عازب رضي الله عنهما. فعن عبد الله بن مسعود عند أبي داود والترمذي وأحمد بن حنبل قال: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله، فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة.» ورواه أيضاً الإمام مالك في المدونة الكبرى كما رواه الدارقطني والبيهقي بلفظ: «وصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر
98 (1/98)
صفحة 99
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند الاستفتاح». ورُوي من طريق البراء بن عازب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود». وروى مثله أبو هريرة. والرفع عند تكبيرة الإحرام هو مذهب الإمام مالك وأتباعه. ففي المدونة الكبرى قال الإمام مالك: (لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة، يرفع يديه شيئاً خفيفاً، والمرأة في ذلك بمنزلة الرجل)، قال ابن القاسم:
(كان رفع اليدين ضعيفاً إلا في تكبيرة الإحرام وذكر القرطبي في تفسيره لسورة الكوثر بعد ذكر الخلاف في رفع اليدين قول ابن القاسم: لم أر مالكاً يرفع يديه عند الإحرام. قال: (وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام).
وهذا القول هو نفسه قول الإباضية. ويفهم من هذا أن الإباضية لم ينفردوا بترك الرفع وإنما
هو أحد أقوال متقدمي المالكية.
ب ـ الرفع عند تكبيرة الإحرام وقبل الركوع وعند الرفع من الركوع ودليلهم الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمر، وكذلك مسلم عن مالك ابن الحويرث، ونصه عند البخاري «رأيت رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وكان لا
يفعل ذلك في السجود
ج - الرفع عند تكبيرة الإحرام وقبل الركوع وعند الرفع من الركوع وعند القيام من السجدتين: لحديث علي بن أبي طالب عند أبي داود والترمذي وأحمد ونصه: عن علي بن أبي طالب عن رسول الله أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر».
د ـ الرفع عند المواضع السابقة وعند كل رفع وخفض وقيام وسجود وقعود كما ذكر ابن نقلاً عن الطحاوي في المشكل من طريق نصر بن علي عن عبد الأعلى بلفظ: «كان يرفع يديه في كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام وقعود وبين السجدتين ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل
ذلك».
99 (1/99)
صفحة 100
الإباضية أهل الحق والاستقامة
- الاختلاف في وقت الرفع
اختلف القائلون بالرفع في توقيت الرفع. هل هو مع التكبير؟ أو أن التكبير يسبق الرفع؟ أو العكس. ففي حديث ابن عمر رفع يديه ثم كبر، وفي حديث مالك بن الحويرث كبر ثم رفع يديه وعن وائل بن حجر رفع يديه مع التكبير. وقد ذكر ابن حجر الرفع عند التكبير في رواية وائل بن حجر، وذكر تقديم الرفع عن التكبير وعكسه في حديثين أخرجهما مسلم الأول عن ابن شهاب الزهري والثاني عن مالك بن الحويرث ثم قال وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين
العلماء.
أدلة الإباضية في ترك رفع الأيدي في الصلاة
يقول النص المنقول عن الإباضية
نظراً لعدم اتفاق العلماء على هيئة واحدة في الرفع، ووجود أحاديث في النهي عنه، فإن جميع علماء الإباضية - متقدميهم ومتأخريهم - يرون أن رفع الأيدي في الصلاة ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو عمل زائد عن الصلاة نهى عنه النبي له في أحاديث صحيحة وردت في مسند الإمام الربيع كما وردت في صحيح مسلم وغيره، كما سيأتي بيانه. ولأن هذه المسألة من فروع الفقه وليست من أركان الصلاة، فإن أهم كتب الفقه عند الإباضية لم تتعرض لهذه المسألة بالتفصيل فكتاب الإيضاح للشماخي وقواعد الإسلام للجيطالي وهما من علماء الإباضية في المغرب لم يتعرضا إلى الخلاف في هذه المسألة رغم أن منهم من ذكر الخلاف الوارد في المسائل الأخرى كالخلاف في البسملة والقنوت وقراءة السورة في الركعتيتن الأوليين من: صلاتي الظهر والعصر والتأمين.
يقول الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ولا قائل برفع اليدين منا معشر المغاربة الإباضية عند الإحرام فمن رفعهما أو إحداهما قبل الشروع فيها صحت صلاته أو قبل الفراغ فسدت بناء على أن الإحرام منها وصحت بناء على أنه ليس منها أو بعد الفراغ فسدت). وقال الشيخ خميس من مشارقة أصحابنا رحمه الله: (ويكره الإحرام قبل التوجه عندنا ورفع اليدين عنده ووضعهما على السرة والإشارة بالإصبع والتورك على اليسرى ولا بأس قيل على من فعل ذلك. وغيرنا يراها
سنة).
100 (1/100)
صفحة 101
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وبعد أن ذكر الشيخ أطفيش أقوال العلماء من المذاهب الأخرى المستندة على بعض الأحاديث، قال: وهذه الأحاديث كلها لم يصح سندها عندنا إلى رسول الله .. وهذا جابر بن زيد رحمه الله روى عن سبعين من الصحابة وأكثر الأخذ عنهم؛ منهم أبو هريرة وابن مسعود وعمار وأنس وغيرهم كابن عباس، بل قال حويت ما عندهم من العلم إلا البحر الزاخر ابن عباس فإني لم أرو
جميع ما عنده. ولم يثبت رفع اليدين عنده في الإحرام ولا في خفض ولا في رفع ولو صح عنه لرواه عنهم ولرآهم يفعلونه. وجابر بن زيد ثقة عند قومنا كما هو عندنا وإذا كان الأمر هكذا ولم يصح السند في رفع اليدين كان رفعهما إلى المنع أقرب لأنه زيادة عمل في الصلاة ومناف للسكون
في الصلاة.
أما علماء المشرق فإن الشيخ نور الدين السالمي أورد الرفع من ضمن مكروهات الصلاة. قال: (رفع اليدين عند الإحرام مكروه ناقض للصلاة عندنا لأنه زيادة عمل في الصلاة، وهو ينافي الخشوع المأمور به أو ينقصه).
ويقول العلامة سلمة بن مسلم العوتبي: (أجمع أصحابنا على ترك رفع اليدين في الصلاة لأشياء صحت عندهم في ذلك). ونقل قول أبي الحسن البسيوي: (ولم نر أسلافنا يعملون ذلك ولم نرهم يفسدون صلاة من فعله، ومن فعله لم نره يفسد صلاة من لم يفعله). ونقل أيضاً قوله: عندي أن العمل في الصلاة بغير معنى الصلاة لا يجوز، ورأيت رفع اليدين في الصلاة عمدا ليس هو من الصلاة، وقد جاء النهي عنه.
هذا وقد أجاز الإباضية الصلاة خلف من يرفع.
وللإباضية أدلة اعتمدوا عليها في ترك الرفع وهي تنقسم إلى قسمين: أدلة شرعية وأدلة
عقلية.
1 - وجود روايات تنهى عن الرفع
جاء النهي عن الرفع في عدة أحاديث رواها أئمة الحديث منهم الإمام مسلم والنسائي وأبو داود، كما رواه الإمام الربيع بن حبيب ونكتفي براوية الإمام الربيع في الجامع الصحيح ورواية الإمام مسلم في صحيحه. أ - رواية الإمام الربيع أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كأني
101 (1/101)
صفحة 102
الإباضية أهل الحق والاستقامة
بقوم يأتون من بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس.
ب - رواية الإمام مسلم: حدثنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلاةِ، قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقَا فَقَالَ: مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: ألا تَصُفُونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأَوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ. وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْاشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالا جَمِيعاً حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
2 - وجود روايات تذكر التكبير في الصلاة بدون ذكر الرفع
وردت أحاديث في الصحاح عمن رُوي عنهم الرفع في البخاري ومسلم وغيرهما ول اذكر فيها
للرفع، منها:
أ ـ الحديث المشهور باسم المسيء في صلاته، الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وغيره: أن رسول الله دخل المسجد، فدخل رجل فصلى فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، فرجع يصلي كما كان صلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (ثلاثا) فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر لك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها». وفي صحيح مسلم أيضاً من أكثر من طريق حديث عن أبي هريرة يتحدث عن التكبير ولا ذكر فيها للرفع. وهذا نص إحدى الروايات حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا بن جريج، أخبرني ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: كان النبي الله إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع ثم يقول: «سمع الله لمن حمده» حين يرفع صلبه من الركوع. ثم يقول وهو قائم: «ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً. ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من المثنى
102 (1/102)
صفحة 103
الإباضية أهل الحق والاستقامة
بعد الجلوس، ثم يقول أبو هريرة إني لأشبهكم صلاة برسول الله، وهذا الحديث رواه أيضاً النسائي.
ج - روى أبو داود في باب من لم يذكر الرفع عند الركوع عن مسدد: «أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مداء. ومسدد هو نفسه روى حديثاً في سنن أبي داود عن وائل بن حجر في الرفع في أكثر من موضع.
ـ الاختلاف في مفهوم السنة
ترى الإباضية أن اصطلاح السنة يقصد به كل قول أو عمل أو تقرير صدر عن النبي و العمل يثبت خلاف فيها. أما الروايات المختلف فيها أو في نسبتها إلى الرسول ل لا فلا تدخل تحت إطار السنة الواجب العمل بها.
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: (إن الأعمال التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بعض العبادات لسبب عارض، أو فعلها ولم يعد إليها، أو لم يثبت أنه داوم عليها، لا يعتبرونها سنة، وإنما يرونها واقعة حال يمكن الإتيان بها في ظروف مشابهة فقط، ومنها: القنوت في الصلاة، ورفع الأيدي عند التكبير والجهر بكلمة آمين بعد الفاتحة في الصلاة، وزيادة (الصلاة خير من النوم في أذان الفجر). يُفهم من قول الشيخ علي يحيى معمر أن سنن الصلاة هي الأعمال التي داوم عليها النبي ولم يثبت الاختلاف فيها، ومن أمثلة ذلك: المضمضة والاستنشاق وأوقات الصلوات وعدد الصلوات في اليوم، وعدد ركعات الصلاة. كل ذلك من المتواتر العملي من سنة النبي ع العلم يعرف خلاف فيها. أما الرفع فإن الاختلاف فيه يدل على أن الرسول ل ل ا ل لم يداوم عليه دواما
يجعله يصل إلى مرتبة السنن المؤكدة.
4 ـ القول مقدم على الفعل والنهي مقدم على الأمر
من القواعد الفقهية المقررة عند الفقهاء أن قول النبي يا الله مقدم على فعله. يقول الشيخ علي يحيى معمر: (إذا تعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله، ولا يمكن الجمع بينهما، فالقول أقوى لأنه أساس موجه إلينا، أما عمله فيحتمل الخصوصية).
103 (1/103)
صفحة 104
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ومن أمثلة ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم» والذي يعارضه الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أن رسول الله لو كان يدركه الفجر وهو جنب». فالإباضية يعملون بحديث أبي هريرة بناء على قول النبي. أما غيرهم فأغلبهم يأخذون بحديث عائشة رغم أنه قد يحتمل الخصوصية. كما أن الأخذ بالقول هو نوع من الاحتياط. وكذلك الرفع، فإذا ثبت أن النبي رفع يديه في الصلاة، وثبت أيضاً أنه نهى عن الرفع، فالأخذ بالنهي أولى. لأن النهي مقدم على الأمر وهو أيضاً من القواعد الفقهية لقوله: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا».
ه - الأخذ بمبدأ الاحتياط
الاكتفاء بالأصل خروجاً من الخلاف
الاحتياط من المبادئ التي التزم بها الإباضية في العبادات والمعاملات منذ القرون الأولى. فهم يحتاطون في أمور الصلاة عامة وفيما يتعلق بالطهارة التي هي أساس الصلاة خاصة. ومن أجل هذا المبدأ فقد وصفهم بعض مخالفيهم بالتشدد في الدين وخصوصا فيما يتعلق بالطهارة للصلاة والشواهد على هذا كثيرة في الفقه الإباضي. ومن أمثلة ذلك القنوت في الصلاة، فبعض العلماء يرى أن القنوت في الفجر بينما يرى غيرهم أن القنوت في الوتر، أما الإباضية فلا يرون القنوت. كما يعتبرون الدم ناقضا للوضوء، ويقولون بإعادة الصلاة إذا تأكد المسلم أنه صلى في ثوب نجس، بينما من غيرهم من يرى أن الدم لا ينقض الوضوء، ولا إعادة على من صلّى بثوب نجس، إلى غير ذلك من الاحتياطات. كل ذلك خوفاً من الوقوع في الشبهة أو مخالفة السنة. يقول الشيخ أحمد الخليلي: (وأعلم أن مسلك أصحابنا في الصلاة الاحتياط بعدم الأخذ إلا بالروايات التي لا يحوم حولها أي ريب في المسائل المختلف فيها لأن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام الذي يلي العقيدة مباشرة، والمحققون من العلماء على اختلاف مذاهبهم لا يقبلون الحديث الأحادي كحجة في المسائل الاعتقادية، لعدم إفادته القطع، فكانت الصلاة المجاورة للعقيدة في الترتيب حرية بالحيطة على أن من العلماء من قال في صلاة أصحابنا إنها ثابتة بالإجماع، لأن ما يتركونه من الأعمال فيها مختلف فيه عند غيرهم). (1/104)
صفحة 105
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فترك الرفع هو الأصل كما ورد في الأحاديث السابقة، وهو لا ينقص من أعمال الصلاة ولا يبطلها، كما أن الرفع قد يدخل المسلم في مخالفة أمر النبي ليل بالنهي عن الرفع للحديث المتقدم ذكره، ويخشى منه عدم قبول الصلاة وهذا من الاحتياط.
?
6 - إجماع العلماء على صحة الصلاة بدون الرفع
مع كثرة الأحاديث الواردة في الرفع، فإن الفقهاء قالوا: إن الرفع ليس شرطاً في صحة الصلاة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن ابن عبد البر: (أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة). والإمام أبو داود رغم ميله إلى الرفع في أكثر من موضع كغيره من أهل الحديث إلا أنه أفرد باباً خاصاً بعنوان «الرخصة في ترك ذلك».
وهذا يدل على أنه ليس شرطاً في صحة الصلاة، ولا يعتبر ركناً من أركانها، وليس من السنن المؤكدة، بل إن العديد من الفقهاء يذكرونه في المستحبات. يقول ابن عبد البر: (رفع اليدين أو إرسالهما كل ذلك من سنن الصلاة.
7 - تحفظ الإباضية على بعض أحاديث الرفع
كثير من الأحاديث المروية في الرفع فيها اضطراب في متنها أو سندها، وقد قام الشيخ أحمد بن سعود السيابي بمناقشة بعض من هذه الأحاديث في رسالة «الرفع والضم في الصلاة». كما أن بعض علماء الإباضية، تحفظوا على الأحاديث المروية عن ابن شهاب الزهري ومنها الحديث الذي رواه عن ابن عمر في الرفع. وسبب التحفظ يرجع إلى ارتباطه بحكام بني أمية. وقد أنكر كثير من العلماء حتى من غير الإباضية اتصال ابن شهاب الزهري بالأمويين وكتبوا له يلومونه على ذلك. قال الإمام أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان فكتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء يؤنبونه ويعيرونه بما فعل، منهم جابر بن زيد، ووهب بن منبه، وأبو حازم الفقيه، فقيه المدينة
وأمثالهم وقد وقفت على كتب هؤلاء الثلاثة إليه.
اشتهار الإباضية بالصدق
11
شهد المخالفون للإباضية بأنه لم يعرف عنهم الكذب في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى عن بعض العلماء - منهم ابن تيميه - أن الخوارج من أصدق الناس في الحديث، لأنهم يعتبرون الكذب من الكبائر التي يخلد صاحبها في النار إن لم يتب. ويقصدون بالخوارج هنا «الإباضية لأنه
1.0 (1/105)
صفحة 106
الإباضية أهل الحق والاستقامة
من المعروف أن الخوارج لم يهتموا برواية الحديث أو الفقه لانشغالهم بالحروب عن العلم. 8 - الرفع الوارد في الأحاديث قد يكون قبل النهي عنه:
نظراً لورود الأحاديث المختلفة في الرفع فيمكن الجمع بين الروايات المختلفة في الرفع بالقول إن الرفع المذكور في الأحاديث كان قبل النهي عنه، وأن الرسول الله كان في أول أمره يرفع يديه في الصلاة، إما مرة واحدة في تكبيرة الإحرام، أو عدة مرات في مواضع أخرى، ونقل عنه الصحابة هذه الأحاديث، ولكنه في آخر الأمر نهى عن الرفع لحديث جابر بن سمرة الذي تقدم ذكره. 9 ـ الإباضية من أول المذاهب الإسلامية تَكَوّناً: فالإمام الأول للإباضية هو جابر بن زيد، ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي وعاش في البصرة التي كانت مركز الإشعاع العلمي في ذلك الوقت، كما عاصر كثيراً من الصحابة والتابعين وأخذ العلم على كثير منهم، كأم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
الله عنه
عليهم
روي عنه أنه قال: (أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم إلا البحر). ولم يثبت عند الإباضية أن جابر بن زيد أو تلاميذه رفعوا أيديهم في الصلاة أو أمروا بالرفع. فلو كان رفع اليدين أو وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من السنن المؤكدة التي أجمع عليها الصحابة رضوان الله لكان أول من عمل بهما جابر بن زيد، ولو عمل بهما لنقلهما عنه تلاميذه وأشهرهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي تتلمذ عليه حملة العلم إلى المشرق وحملة العلم إلى المغرب وخراسان، الذين انتشروا في الأمصار منذ بداية القرن الثاني الهجري. فترك الرفع انتقل بالتواتر العملي منذ القرن الأول الهجري جيلاً عن جيل حتى وقتنا هذا.
مسألة القبض أو الضم أو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة اختلف أهل العلم في وضع اليد اليمني على اليسرى في الصلاة كما اختلفوا في الرفع. فقد روى وضع اليمنى على اليسرى طائفة من أهل العلم، وبهذا الرأي أخذ أتباع أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل، وقد روي إرسال اليدين عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي، ويقول ابن عبد البر إن إرسال اليدين ووضع اليمنى على اليسرى كل ذلك من سنن الصلاة.
أما المالكية فلهم في وضع اليمنى على اليسرى ثلاثة أقوال:
106 (1/106)
صفحة 107
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أولاً: توضع في النفل فقط. ثانياً: توضع في الفرض والنفل
ثالثاً: لا توضع في الفرض ولا في النفل وهو المعمول به عند متقدمي المالكية، لكن الملاحظ أن
كثيرا من متأخري المالكية قد تأثروا بالمذهب الوهابي وبدؤوا يقبضون أيديهم في الصلاة. واختلف القائلون بالقبض في الموضع الذي توضع فيه اليد. فقد رُوي وضع اليمني علي اليسرى فوق الصدر عن علي بن أبي طالب. ورُوي وضعها فوق السرة عن سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل. وروي وضعها تحت السرة عن أبي هريرة وسفيان الثوري وإسحق.
أما الإباضية فإنهم منذ عهد الإمام جابر بن زيد في القرن الأول الهجري، لا يقبضون أيديهم في الصلاة، فقد ثبت لديهم أن الأحاديث الواردة في القبض ليست من القوة والصراحة بأن تكون سنة من سنن الصلاة الواجب العمل بها، وقد ناقش هذه الروايات الشيخ أحمد بن سعود السيابي في الرفع والضم في الصلاة».
- أدلة القائلين بالقبض استند القائلون بالقبض على عدة أحاديث. قيل: إن القبض رُوي عن ثمانية عشر صحابيا واثنين من التابعين، لكن المعترضين على هذه الأحاديث قالوا: إن كل الأحاديث الواردة في القبض لا تخلو من مقال. قال مختار الداودي: (وقد يحتج باستحباب القبض أنه رُوي عن ثمانية عشر صحابياً واثنين من التابعين. وسأخصهم لك بالتفصيل والتبيين، وذلك بما قال في طرقهم أئمة السلف - إن شاء الله تعالى - ليتبين لكل منصف أن السنة لا تثبت بمثل هذه الأدلة). وقد تتبع الداودي هذه الأحاديث واحداً واحداً مبيناً العلة في كل منها. ويقول الشيخ محمد عابد: (وبالجملة فأحاديث القبض ليس أكثرها صحاحاً ولا حساناً ولا من الضعف، بل كلها بين موقوف ومضطرب وضعيف).
سالماً
ومن أقوى الأحاديث التي رويت، والتي استند عليها القائلون بالقبض، ثلاثة أحاديث، نذكرها
مع ما قيل فيها.
هذه الأحاديث هي:
107 (1/107)
صفحة 108
الإباضية أهل الحق والاستقامة
1 - حديث سهل بن سعد
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك للنبي. رواه البخاري وأحمد.
قال الشيخ محمد عابد: (إن القبض لم يُرو من طريق صحيح، ليس فيه مقال إلا من طريق سهل بن سعد المروي في الموطأ والبخاري ومسلم وليس في البخاري غيره).
ويقول عن هذا الحديث: (وهو مع كونه لا غبار عليه في صحة إسناده لا أوّلاً ولا آخراً إلا أن الداني قال في أطراف الموطأ هذا الحديث معلول لأنه ظن من أبي حازم لقوله لا أعلمه، ورده ابن حجر بأن أبا حازم لو لم يقل لا أعلمه لكان في حكم المرفوع.
ويقول مختار الداودي معلقاً على الحديث: ففي هذا الحديث ثلاث جمل: جملة للصحابي سهل (رضي الله عنه)، وجملتان للتابعي أبي حازم فأما جملة سهل (رضي الله عنه) وهي: «كان. الناس يؤمرون ... فإن سهلاً لم يسند الأمر إلى النبي الله وإنما بناه للمجهول، وقد اختلف أئمة السلف في حكم بناء الصحابي الأمر للمجهول على قولين: الأول في حكم المرفوع والثاني على أنه موقوف. ثم فصل الداودي في من قال بالرفع والوقف. ثم تطرق إلى قول أبي حازم وذكر
الاختلاف فيه.
الشيخ محمد الخضر يقول: «ما ذكروه من الأحاديث ليس فيه حديث صحيح سالم من الطعن»، ثم بين العلة في حديث سهل بن سعد، وذكر الاختلاف في رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه على الصحابي سهل بن سعد رضي الله عنه.
2 - حديث وائل بن حجر
عن علقمة بن وائل ومولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر أنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد ثم أتيتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحث الثياب» أخرجه مسلم.
108 (1/108)
صفحة 109
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وقد تكلم في هذا الحديث كثير من العلماء كما هو مفصل في الكتب المذكورة وخصوصاً في سماع علقمة من أبيه قال الترمذي: سألت البخاري: هل سمع علقمة من أبيه وائل؟ فقال: (إن علقمة ولد بعد موت أبيه بستة أشهر)، قال النووي في تهذيب الأسماء: إن رواية علقمة عن أبيه مرسلة وأما المولى الذي مع علقمة فمجهول لا يعرف.
- حديث عبد الله بن مسعود
أنه
«عن عبد الله بن مسعود كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى». أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأخرجه الدارقطني من طريق أحمد بن شعيب قال أنبأنا عمر بن علي أنبأنا عبد الرحمن أنبأنا هشيم عن الحجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان يحدث عن عبد الله بن مسعود.
يقول الشيخ محمد عابد:
مدار رواياتهم كلها عن الحجاج بن أبي زينب وقد نقل في الميزان عن ابن المديني أنه ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ليس هو بقوي ولا حافظ. وقال أحمد: أخشى أن يكون ضعيفاً. نعم قال يحيى بن معين: لا بأس به وفي سنده أيضاً عبد الرحمن بن إسحق الكوفي وهو ضعيف. قال البخاري فيه نظر، واتفقوا أنه لا يقول هذه الكلمة إلا فيمن كان ضعيفاً باتفاق
كما ذكر ابن خلدون وغيره).
4 ـ أدلة الإباضية في السدل
أما الإباضية فلا يعرفون القبض منذ الإمام جابر بن زيد في القرن الأول الهجري، ولم يرد ذكره في أي كتاب من كتب الفقه عندهم، ورغم معرفتهم بالروايات المتعددة إلا أنهم رأوا أن الأحاديث الواردة فيه ليست من القوة والصراحة بأن تكون سنة من سنن الصلاة الواجبة. وقد ناقش روايات الرفع الشيخ أحمد بن سعود السيابي في رسالة سماها «الرفع والضم في الصلاة» طبعتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بوزارة الأوقاف، كما علمت أن أحد الباحثين يقوم الآن
بتحقيق أحاديث الرفع والضم تحقيقاً علمياً في كتاب نأمل أن سيصدر قريباً إن شاء الله. ولا يقتصر القول بالسدل على المالكية والإباضية وإنما رُوي عن كثير من كبار التابعين منهم سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير ومجاهد، والحسن البصري، والنخعي، وابن سيرين مما يدل
109 (1/109)
صفحة 110
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أن القبض لم يكن معروفاً لديهم، كما روي عن الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بأنه كان
يسدل يديه في الصلاة.
و يمكننا أن نستنتج آراء الإباضية من خلال ما سبق ومن أدلة الإباضية في ترك الرفع.
ونلخصها فيما يلي:
أ - الأصل في الصلاة هو السدل.
ب ـ الاختلاف يدل على الجواز.
ج - روى الإمام مالك أحاديث القبض في الموطأ، ومع ذلك لم يعمل بها هو ولا أغلب أتباعه.
110 (1/110)
صفحة 111
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث الخامس
أئمة وأعلام الإباضية
جابر بن زيد
جابر بن زيد، يعتبرونه الإمام الأول للإباضية، والمؤسس الحقيقي للفكر والمذهب الإباضي. وهو من أبرز علماء النصف الثاني من القرن الأول الهجري، فقد ولد ما بين عامي 18 - 22 هجرية في بلدة فرق في منطقة تسمى الجوف في نزوى عاصمة المنطقة الداخلية في عُمان. وفيها نشأ وترعرع قبل أن ينتقل إلى البصرة لطلب العلم.
وفي البصرة أخذ يتزود بالعلم والمعرفة وخصوصاً ما يتعلق بعلوم القرآن والحديث وما يتصل بهما، وقد تتلمذ على أيدي كثير من الصحابة والتابعين وأخذ عنهم الحديث والتفسير واللغة والأدب.
ومن أبرز الصحابة الذين أخذ عنهم:
• عائشة أم المؤمنين.
• وعبد الله بن عباس.
وعبد
الله بن عمر.
وعبد
الله بن مسعود.
وأنس بن مالك.
وأبو هريرة.
وأبو سعيد الخدري.
• وجابر بن عبد الله وغيرهم.
111 (1/111)
صفحة 112
الإباضية أهل الحق والاستقامة
اشتهر بالحرص الشديد في طلب العلم فكان يكثر من الأسفار في سبيل ذلك، فقد ذكر الدرجيني أنه كان يحج كل سنة، وكانت له ناقة سافر عليها أربع وعشرين سفرة ما بين حجة
وعمرة.
وكان صديقا حميماً للحسن البصري حتى أنه سئل عند موته ما تشتهي قال: (إني لأشتهي رؤية الحسن البصري قبل أن أموت فجيء له بالحسن البصري.
روى أبو نعيم في الحلية أقوالا لكثير ممن عاصروه تشيد بمكانته العلمية وزهده في الدنيا ومن ذلك ما قاله عمرو بن دينار وهو أحد علماء التابعين (ما رأيت أحدا أعلم بالفتوى من جابر بن
زيد).
وكان إياس بن معاوية وهو قاضي البصرة في عهد عمر بن عبد العزيز يقول: (أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد
قال عنه ابن عباس: (لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله).
كما وصفه أبن مر أنه من فقهاء البصرة البارزين).
وقال عنه قتادة: (إنه عالم العرب).
ويصفه أبو نعيم الأصبهاني بقوله: (كان للعلم عيناً معيناً، وركناً مكيناً، وكان إلى الحق آيباً، ومن الخلق هارباً).
كما ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين واعتبره من مفتين وفقهاء مكة المكرمة.
عدالته
و يعتبر جابر بن زيد من أبرز علماء البصرة في عصره وأجمع علماء الحديث على وضبطه. فقد روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومجموعة من المفسرين. ووردت إشارات بمكانته العلمية عند السيوطي وابن حجر. وقال عنه ابن تيمية بأنه (أعلم الناس في زمانه).
ونظرا لهذه المكانة العلمية لجابر بن زيد فلم يستطع أحد أن يقدح فيه إلا أن بعض المؤرخين أنكروا علاقته بالإباضية واستندوا على روايات ضعيفة تقول بأنه تبرأ من الإباضية قبل موته ومنهم من قال بأن جابر بن زيد المحدث والتابعي المشهور غير جابر بن زيد شيخ الإباضية.
112 (1/112)
صفحة 113
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الدكتور عوض خليفات في كتابه «نشأة الحركة الإباضية» يقول:
( .. يبدو أن إنكار جابر لعلاقته بالإباضية كما توردها بعض المصادر السنية إنما اخترعت من
بعض رواة السنة الذين يرون جابر شيخا جليلا ومحدثا ثقة، وبالتالي فيجب عدم إلصاق تهمة الإباضية به حتى يعتبر مجروحاً، وخاصة أن نقاد الحديث قد رفضوا روايات "أصحاب البدع ... ويتضح مما سبق أن جابر بن زيد كان وثيق الصلة بالحركة الإباضية منذ وقت مبكر، وكان له دور كبير في تنظيم الحركة وتطورها.
عاصر جابر بن زيد الظروف السياسية التي مرت بالأمة الإسلامية منذ الثلث الثاني من القرن الأول الهجري، فقد كان في سن الإدراك عندما حدثت الفتن بين الصحابة ابتداء من قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه، ثم موقعة الجمل وصفين والتحكيم.
بدأ في وقت مبكر يدعو إلى القضاء على الشورى التي اعتبرها (بدعة الملك الأموي). توجد عدة روايات في كتب التاريخ الإباضي تشير إلى وجود علاقات متينة بين أبي بلال مرداس وجابر بن زيد حتى أن كثيراً من المصادر الإباضية تجمع على أنهما كانا قليلاً ما يفترقان. وبعض الروايات تفيد أن أبا بلال كان لا يبرم أمراً إلا بعد استشارة جابر.
فكانا يخرجان سوياً إلى مكة ويلتقيان بابن عباس وعائشة أم المؤمنين.
إن جابر بن زيد انضم في وقت مبكر إلى (جماعة القعدة) التي كان يتزعمها أبو بلال مرداس بن أدية والتي كان من أهم مبادئها الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة دون التعرض للناس أو رفع السيف في وجه أحد.
ورغم العلاقة الوطيدة بينهما إلا أن جابر بن زيد لم يشترك في الأحداث السياسية التي جرت في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي فقد تجنب أي احتكاك معاد مع السلطة الأموية، ولم ينقل أنه تعرض لأي أذى قبل أن يتولى الحجاج ولاية العراق على الرغم من أن كثيراً من أصحابه أمثال أبي بلال وأبي سفيان قد تعرضوا لاضطهاد من الأمويين منذ عهد زياد ابن أبيه.
دعا جابر بن زيد إلى الالتزام بالدين الإسلامي بالحكمة وندد بالمنحرفين عنه بهدوء دون إثارة شغب أو دعوة إلى الثورة. وكان يعتبر أن الأمويين قد انحرفوا عن الدين. فانشغل بمواجهة
سلمية لما يسميه الإباضية بالانحراف عن الدين.
113 (1/113)
صفحة 114
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فقد عاش في فترة اتسمت بـ (البطش والظلم في البصرة منذ أن تولي العراق عبيد الله بن زياد إلى أن جاء الحجاج بن يوسف الثقفي. ومع التزامه الحكمة في الدعوة إلا أنه لم ينج من بطش
الحجاج فسجنه فترة ثم نفاه إلى عُمان.
وأصبح له دور في توجيه الأحداث من مدينة البصرة وكان كثير الاتصال بأهل الدعوة رجالا
ونساء يزورهم في بيوتهم ومساجدهم لغرض تعليمهم وتعهدهم بالموعظة والدعوة إلى الله. وقد وجه جابر بن زيد قسما من جهوده إلى إقناع بعض آل المهلب للانضمام إلى دعوته، وهذه القبيلة هي زعيمة (الأزد العُمانيين) في العراق وقد بلغوا بكفاءتهم أن تولوا مناصب في أجهزة الدولة الأموية، ولعل ذلك أكسبه تغطية إزاء أمراء الأمويين، واستمر الحال كذلك إلى أن انقلب الحجاج على آل المهلب فانكشف جابر وأدخل السجن.
لم تقتصر جهود جابر بن زيد على الرجال وحدهم بل تعداهم إلى النساء، فتوجد معلومات تدل على وجود عدد من المهلبيات في صفوف الحركة وأنهن بذلن أموالاً طائلة وجهوداً كبيرة لنصرتها وكان الإمام جابر يزورهن، ويستفتينه ويجيب على أسئلتهن، وممن كان يزورهن (عاتكة بنت المهلب بن أبي صفرة)، وكانت تسأله عن مسائل في الدين.
كما كانت له مراسلات مع كثير من أصحابه وتلاميذه في مختلف البقاع، فكان يجيب على أسئلتهم التي ترده منهم، وكانت تتخلل رسائله المواعظ الإيمانية والتذكرة بالآخرة والاستعداد للحساب. يبدو ذلك من رسائله إلى سالم بن ذكوان وطريف بن خليد والحارث بن عمر وعبد الملك بن المهلب وغيرهم.
وكان شديد الحذر في اتصاله بأصحابه حتى لا يتنبه إليه أحد. فكان مما كتب إلى عبد الملك بن المهلب في إحدى رسائله
اكتب إلي بما كانت لك من حاجة في سر وثقة، فإنك قد علمت الذي نحن فيه وما نتخوف من الذي يطلب العلل علينا ......
وفي رسالته إلى الحارث بن عمر كتب يقول:
واعلم أنك أصلحك الله بأرض أكره أن تذكر لي فيها اسما، فلا ترو شيئا مما كتبت
إليك .... (1/114)
صفحة 115
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كما كانت له رسائل إلى العلماء يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر. فقد ذكر أبو يعقوب الوارجلاني في الدليل والبرهان أن ابن شهاب الزهري عندما أخذ يدخل إلى بيوت الأمراء ويتردد عليهم استنكر العلماء ذلك عليه وخاصة عندما أصبح وزيرا للوليد بن عبد الملك فقد أرسل
إليه جابر بن زيد رسالة يؤنبه على فعلته تلك.
وذكر أن ممن كتب إليه وهب بن منبه، وأبو حازم فقيه المدينة من جملة مائة وعشرين فقيهاً من الفقهاء. وقال أبو يعقوب: (وقفت على كتب هؤلاء الثلاثة). كان يصلي الجمعة خلف زياد بن أبيه وولده عبيد الله وخلف الحجاج وعاتبه أصحابه حضور الصلاة خلف الحجاج فقال إنها صلاة جامعة وسنة متبعة.
يقول الدكتور عمرو خليفة النامي
(وقد توزع علم جابر بن زيد في روافد كثيرة لعل أخصبها وأثراها هو ما أثره عنه تلاميذه الذين انتشر المذهب الإباضي على أيديهم، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب وغيرهم، وقد تم تدوين ذلك الفقه في فترة مبكرة وكان جابر ابن زيد نفسه ممن استعمل الكتابة والمراسلة، فكتب بأجوبته إلى تلاميذه وأصحابه، وبين أيدينا اليوم قدر صالح منها). والذي بين أيدينا من آثاره العلمية: كتاب النكاح وكتاب الصلاة وكثير من الروايات عن تلميذيه عمرو بن هرم وعمرو بن دينار بالإضافة إلى حديثه الذي جمعه الربيع بن حبيب في مسنده، هذا بالإضافة إلى مراسلاته مع تلاميذه أمثال سالم بن ذكوان وطريف بن خليد والحارث بن عمر وعبد الملك بن المهلب وغيرهم.
كما أن الأخبار التي وصلتنا تذكر أن الإمام جابراً ألف كتاباً ضخماً في الحديث والفقه سمي بـ (ديوان جابر) تعرض فيها لمسائل الأحكام وضمنه الأحاديث التي رواها عن الصحابة والتابعين. وكان لهذا الكتاب قيمة كبرى لما فيه من علم وهدى، ولقربه من عصر النبوة ولأخذه من أفواه الصحابة رضوان الله عليهم. وبقيت هذه النسخة في حوزة تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ثم توارثها أئمة الإباضية في البصرة إلى أن استقرت في مكتبة بغداد التي أحرقها التتار فيما بعد. ويروى أن أحد علماء المغرب قام بنسخها وأحضرها إلى جبل نفوسة في ليبيا، ولكن تلك النسخة ضاعت أيضاً.
115 (1/115)
صفحة 116
الإباضية أهل الحق والاستقامة
يقرر أتباع المذهب الإباضي بأن الإباضية كانت من أول المدارس الإسلامية التي عنيت بتدوين
الحديث.
وأن تراثه العظيم، ضاع من مكتبة بغداد عندما أحرقت تلك المكتبة العظيمة وضاعت منها آلاف النفائس وأن النسخة التي وصلت إلى ليبيا ضاعت أيضاً.
لم يكن جابر بن زيد ممن يجمع الأموال، بل تدل الأخبار على أنه كان قنوعاً عفيفاً، متواضعاً، زاهداً في الدنيا، مقبلاً على الآخرة.
يروى أنه قال سألت ربي ثلاثاً:
امرأة مؤمنة.
• وراحلة صالحة.
• ورزقاً كفافاً.
فأعطانيهن.
وقال يوماً لأصحابه:
ليس منكم أغنى مني ليس عندي درهم ولا علي دين.
وقد توفي الإمام جابر في سنة 93 هـ على أرجح الروايات واستلم قيادة الإباضية بعده الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
إمام الإباضية الثاني: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
يعتبر أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الإمام الثاني للإباضية، وقد أصبح مرجع الإباضية دون خلاف بعد جابر بن زيد. ولد في حوالي 45 هجرية. كان مولى لعروة بن أدية التميمي (أخو أبي بلال). ويكني أبو عبيدة بابنته عبيدة التي أخذت العلم عن والدها فرويت عنها آثار في كتب الفقه الإباضي فيما يتعلق بأخبار النساء.
أما والد أبي عبيدة وهو أبو كريمة فقد كان معاصراً للإمام جابر بن زيد. عاش أبو عبيدة في البصرة واشتهر بالتقوى والزهد والورع وكان له جهد كبير في تنظيم الدعوة والدعاة كما كان له الفضل في انتشار الإباضية في مختلف الأمصار، وهو أشهر علماء الإباضية في تلك المرحلة من مراحل تاريخ الإباضية والتي كانت تعرف بالكتمان.
116 (1/116)
صفحة 117
الإباضية أهل الحق والاستقامة
يصفه البدر الشماخي في كتاب السير فيقول عنه:
تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه ....
درس أبو عبيدة على يد جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك.
قال عنه أبو سفيان أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك وعن صحار. كما أدرك كثيراً من الصحابة وأخذ عنهم، ويعتبر الإمام أبو عبيدة من التابعين حسب اصطلاح الباحثين في علم الحديث لأنه أدرك كثيراً من الصحابة ممن أخذ عنهم جابر بن زيد منهم:
أبو سعيد الخدري (ت 74 هـ)، وأنس بن مالك (ت 93 هـ)، والبراء بن عازب (ت 72 هـ)، وجابر بن سمرة (ت 74 هـ)، وجابر بن عبد الله (ت 78 هـ)، وغيرهم ... تولى التدريس بعد الإمام جابر مدة أربعين سنة. فقد سُجن مع زميله ضمام بن السائب وبقي في السجن إلى أن مات الحجاج سنة 95 هـ
وقد اشتهر بلقب القفاف، لأنه كان يشتغل بصنع القفاف، فبعد خروجه من السجن اتخذ مدرسته في سرداب خفي طويل ووضع على مدخله سلاسل من الحديد، فإذا سمع صلصلتها هو وطلابه علموا أن غريبا يريد الدخول، فأوقفوا الدرس، واشتغلوا بصنع القفاف، فلا يشتبه الزائر في أمرهم، فإذا غادرهم وأمنوا من عيون الظلمة، رجعوا إلى ما كانوا عليه. ورغم هذه الظروف الصعبة، فقد تخرج من هذا السرداب عدد كبير من الطلبة.
وقد اشتهر من تلامذته:
من خراسان هلال بن عطية الخراساني، وأبو عيسى الخراساني، وأبو منصور حاتم بن أبي منصور، وأبو غانم بشر بن غانم الخراساني وهو مؤلف المدونة الصغرى والكبرى.
ومن العراق أبو غسان مخلد بن العمرد وخلف بن زياد البحراني
وعبد الملك الطويل، وشعيب بن المعرف وسهل بن صالح.
ومن اليمن وحضرموت سلمة بن سعد الحضرمي الذي ذهب إلى المغرب داعيا ومعلما، وعبد الله بن يحي الكندي الذي بويع بالإمامة في اليمن فيما بعد، وأبو الخطاب المعافري الذي انتقل إلى المغرب مع حملة العلم وهو أول من بويع بالإمامة في ليبيا، وكذلك أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي
117 (1/117)
صفحة 118
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وهو الذي تولى رئاسة الإباضية بالبصرة بعد رحيل الإمام الربيع إلى عُمان. وغيرهم كثير. و من الحجاز: محمد بن حبيب المدني ومحمد بن سلمة المدني، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل المكي وهو يعد من حملة العلم إلى عُمان لأنه رحل إلى عُمان ومات بها وهو صاحب كتاب السير في التاريخ الذي يروي عنه الدرجيني والشماخي سير الإباضية الأوائل
ومن عُمان: درس على يد أبي عبيدة خليفته في إمامة الإباضية في البصرة: الربيع بن حبيب، وكذلك أبو حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة الفراهيدي، والجلندى بن مسعود، وأبو عبيدة
الصغير.
ومن المغاربة: درس عليه في أول الأمر أبو عبد الله محمد بن مغطير الجناوني، ثم بفضل مجهودات سلمة بن سعد جاءه الطلبة الأربعة المعروفون بحملة العلم إلى المغرب، وهم: إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي، وعاصم السدراتي، وعبد الرحمن بن رستم. يقول الشيخ علي يحيى معمر: إن الحركة العلمية التي قام بها الإمام أبو عبيدة أعظم من أن تصورها كلمات في سطور، ويكفي أنه كان مركز إشعاع في البصرة. فمن ذلك السرداب الخفي الذي تصلصل السلاسل على بابه، وتتكدس فيه القفاف مع الأقلام والأوراق، انطلقت الدعوة الحرة الكريمة، للمحافظة على تراث محمد الله كما جاء به محمد .. فبلغت هذه الانطلاقة أقصى المشرق، وأقصى المغرب، وأقصى الشمال وأقصى الجنوب، ولم تزل منذ ذلك الحين إلى اليوم وهي تكافح من أجل هذه الرسالة الكريمة.
واشتهر من تلاميذ أبي عبيدة: حملة العلم إلى المغرب والربيع بن حبيب صاحب المسند. كان أبو عبيدة شديد الاحتياط في الدين وخصوصاً فيما يتعلق بالطهارة والعبادات لدرجة أن خيار بن سالم أحد أصحابه قال له يوماً:
لو كنت نبيا ما أجابك أحد. أنت تشدد على الناس، وكان يشدد على نفسه كثيراً».
فلما سمع حيان الأعرج وهو أحد معاصريه بإحدى فتاويه المتشددة فقال:
لقد أشقانا الله في ديننا لو كان الأمر كما يقول أبو عبيدة.
ولعل علماء الإباضية الأوائل بنوا قواعد المذهب على مبدأ الاحتياط الذي ألزم أبو عبيدة نفسه به. بلغت الحركة الإباضية في عهده مبلغاً عظيماً من الانتشار ودقة التنظيم.
118 (1/118)
صفحة 119
الإباضية أهل الحق والاستقامة
يقول الدكتور عوض خليفات في كتاب نشأة الحركة الإباضية»، وهو يتحدث عن أبي عبيدة: ... كان أبو عبيدة عالما فذا من علماء الإباضية الأوائل وفقهائهم البارزين كما كان يتمتع بقوة سياسية بارعة وأفق واسع مما ساعده على تنظيم الدعوة الإباضية في مرحلتها السرية بشكل دقيق وذكي. ولا غرو بالتالي أن ينسب المؤرخون إليه الفضل الأكبر في نمو حركتهم وانتشارها في أقطار إسلامية كثيرة خارج البصرة ... ». وقد بدأ أبو عبيدة زعامة أهل الدعوة بعد موت الحجاج عام 95 هجرية واتفق ذلك مع بداية حكم سليمان بن عبد الملك الذي كان على علاقة وثيقة مع (المهالبة) زعماء الأزد الذين انضموا إلى الإباضية بأعداد وفيرة.
وخلال هذه الفترة التي امتدت إلى نهاية خلافة عمر بن عبد العزيز تميزت العلاقة بين الإباضية والأمويين بنوع من الهدوء استغل أبو عبيدة ومشايخ الإباضية هذه الفرصة لتنظيم أمورهم وتربية أتباعه، فكانت له مجموعة من المجالس يرتادها أتباعه منها مجالس عامة لكافة المسلمين ومجالس خاصة بالمشايخ، ومجالس خاصة لحملة العلم. وهذه المجالس الأخيرة كانت تختص بإعداد الدعاة وإرسالهم إلى مختلف الأمصار.
قال أبو سفيان: ... قيل لأبي عبيدة ما يمنعك من الخروج ولو خرجت ما تخلف عنك أحد، قال ما أحب ذلك
ولو فعلت ما أحببت ولا أحب أن أقيم ما بين الظهر والعصر مخافة الأحكام .....
ونذر نفسه للقيام بالتربية والتنظيم، فقد كان يرسل تلاميذه إلى المشرق والمغرب للقيام بالدعوة والتعرف على أحوال المسلمين في الأماكن البعيدة عن مركز الحكم. فأرسل سلمة بن سعد إلى جهة المغرب وأرسل غيره إلى عمان واليمن وحضرموت وخراسان، فجاءله الطلبة من كل مكان يدرسون عنده في ذلك السرداب الخفي وكان يعدهم كدعاة. وكان يساعده في ذلك نخبة من العلماء الأخيار منهم أبو) نوح صالح الدهان وحيان الأعرج وضمام بن السائب.
الإمام حاجب أبو مودود الطائي
قال عنه أبو العباس الدرجيني: كان بالاجتهاد موصوفاً وبالزهد والورع معروفاً. وقال عنه المليح وهو أحد معاصريه: ما رأيت متكلماً يتكلم قائماً في مجلس قبله ولا بعده.
119 (1/119)
صفحة 120
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كان حاجب الساعد الأيمن لأبي عبيده، وهو المسؤول عن جمع المساعدات وحل المشاكل. فكان يرسله في مهمات بعيدة. ومنها أنه أرسله وهو مريض بالرمد إلى حضرموت للخلاف الذي وقع في بن سعيد حين جعلوه في الحديد. فقال لهم: لقد خرجت من أجلكم فما أبصر من البصرة سهلا ولا جبلا ومما أرجو من قضاء نسكي. يا أهل حضرموت إنكم غلبتمونا فقال له وائل بن أبي أيوب الحضرمي يرحمك الله لا نخرج من رأيك.
أمر عبد
الله
وقد اضطر أبو عبيدة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز أن تكون مدرسته بعيدة عن الأنظار وأن يختار تلاميذه اختياراً جيداً وأن يضع لهم قوانين تحميهم من الاختلاط أو التعرض بالسلطة الحاكمة فكان يطرد كل من يخالف أو يستبد برأيه أو يخرج عن إجماع المسلمين. كما فعل مع
حمزة وغيلان.
قال أبو سفيان:
أو
أتى حمزة الكوفي أبا عبيدة ليذاكره في أمر القدر، فخرجا إلى منزل حاجب فتناظرا كثيراً وآخر ما سمع من أبي عبيدة يا حمزة على هذا فارقت غيلان ثم بلغهم بعد مدة أنه مشى إلى النساء والضعفاء فكلمهم. وعندها أمر أبو عبيدة حاجباً فجمع له الناس قال فتكلم المتكلمون ثم تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه وقال إن حمزة وعطية أحدثا علينا أحداثا فمن أواهم أو أنزلهم جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم فتفرق الناس وطردا من المجلس ..... وقد اهتم أبو عبيدة بموسم الحج اهتماماً بالغاً فكان لا يفوته إلا نادرا وكان يلتقي بحجاج الإباضية القادمين من مختلف الأمصار فيستفتونه ويعرضون عليه مشاكلهم فيحلها لهم، وإذا حدث ما يمنعه من السفر إلى الحج أناب عنه بعض من أعوانه كالربيع أو حاجب أو ضمام. ففي أحد السنوات مرض أبو عبيدة، فلما جاء وقت الحج أرسل الربيع وحده. ونتيجة للتنظيم الدقيق استطاع أبو عبيدة أن يكون مجتمعاً تسيطر عيه روح الجماعة ويسوده المحبة والإخاء والبذل والعطاء والتفاني في خدمة الدين، وقد أمر الأغنياء أن يكونوا عونا للفقراء والمحتاجين من المسلمين وكتب السير مليئة بقصص كثيرة في هذا الجانب، فأبو الحر بن الحصين وهو من مشايخ الإباضية في مكة كان غنياً وكان يخصص جزءاً من ماله للفقراء
والمحتاجين.
120 (1/120)
صفحة 121
روى أبو سفيان عن عيسى بن علقمة قال:
الإباضية أهل الحق والاستقامة
.. أدركته شيخاً كبيراً، وكانت تأتيه غلته من البصرة إلى مكة فيقسم نصفها إلى فقراء المسلمين، وربعها نفقته وربعها الآخر يهيئه لمن يمر به من المسلمين كما كان الفضل بن جندب من خيار المسلمين وفضلائهم.
يروي صاحب السير عن أبي سفيان قال:
ألفا
مات حاجب فدخل عليه قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه، فقال قرة: ما تقولون في دين هذا الرجل فابتدر قرة في أربعة فضمنوه وكان دينه خمسين ألفاً وقيل مائة وخمسون فحضر الفضل فأخبروه فقال هو في مالي حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال.
ذكر أبو سفيان أنه:
. لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى وأبو حمزة، جمع حاجب لهما أموالاً كثيرة يعينهما بها وكتب على كل موسر من المسلمين قدر ما يرى فما امتنع عليه أحد ودعا أبا طاهر وكان شيخاً وقال له: عليك بالنساء وأوساط الناس فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون فانطلق أبو
فاضلاً
طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين فلم يأتوا امرأة ولا رجلا إلا وجدوه مسارعا فيما سألوه. وكان رجل من المسلمين صاحب مال. فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم فقال أبو طاهر أي أخي العيال، قال الله لهم والله ما رأيت من كنت وجهاً مثل هذا أنفق فيه فإذا وجدته فدعه، والله لا يرجع إلي منها، درهم، ولكن عهد الله لا تخبر باسمي ما بقيت ففعلوا فلم يمس الليل حتى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم فأخبروا حاجباً فسر بذلك فقال إن في الناس لبقية. عمر أبو عبيدة عمراً طويلاً حتى رأى آثار جهده وتربيته الذي نتج عنه إمامتين واحدة بالمشرق
وأخرى بالمغرب. توفي أبو عبيدة سنة 150 هـ في عهد أبي جعفر المنصور، وتولى الربيع بن حبيب إمامة الإباضية
من بعده في البصرة.
يروى أن أبا جعفر المنصور قال عندما سمع بموت أبي عبيدة:
ذهبت الإباضية .. ».
121 (1/121)
صفحة 122
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي
الإمام الكبير الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، ولد بعمان في منطقة الباطنة بمنطقة غضفان التابعة لولاية (لوى) نشأ بعمان ثم سافر إلى البصرة، أخذ العلم عن جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وصالح بن نوح الدّهّان، عاش في منتصف القرن الثاني للهجرة، وتوفي بين سنتي (175 - 180 هـ) وترك «المسند الّذي يعتبر من أصح المسانيد عند الإباضية. وكتابه مطبوع ومتداول عندهم.
ويلقب بأبي عمرو البصري وهو ثالث أئمة العلم عند الإباضية يقول عنه الشماخي في السير: طود المذهب الأشم، وبحر العلم الخضم). ولد في منطقة الباطنة في عُمان في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ما بين سنتي 75 80 هـ. ثم سافر إلى البصرة التي كانت تغص بالعلماء في ذلك الحين وبها أخذ علوم التفسير والحديث والفقه وبرع فيها حتى صار من العلماء المعدودين في البصرة، وبذلك استحق أن يخلف شيخه أبا عبيدة في رئاسة الدعوة الإباضية في البصرة. ومن أهم شيوخه الإمام أبو عبيدة مسلم وهو أكثر من لازمه وروى عنه، وقد ذكر بعض المؤرخين أنه أدرك الإمام جابراً وهو شاب وأخذ عنه العلم كما تلقى العلم عن ضمام بن السائب وأبي نوح صالح الدهان. فقد ورد عنه قوله: ... أخذت الفقه من ثلاثة أبي عبيدة، وأبي نوح، وضمام». وبالإضافة إلى هؤلاء فقد تتلمذ على يد كثير من التابعين الذين عاشوا في تلك الفترة أمثال:
قتادة وعمرو بن هرم وحماد بن سلمة وغيرهم.
إلا
وقد رأى الربيع في أول عهده بالبصرة ما لاقاه جابر بن زيد وتلاميذه وأتباعه وغيرهم من العلماء، من عنت الحجاج بن يوسف الثقفي وقسوته عليه. ما ملأ نفسه كراهية لأولئك الحكام، أنه سلك طريق شيخيه أبي الشعثاء وأبي عبيدة في تجنب أي احتكاك بالسلطة طيلة تلقيه الدراسة، إذ أنّ كل المصادر التي تحدثت عنه لم تشر إلى اضطهاده أو إصابته بأذى، مما جعله يتفرغ إلى تحصيل العلم حتى صار علماً من أعلام الفكر وراوية من رواة السنة، وعاملا من علماء الفقه مما جعل أبا عبيدة يقول عنه «فقيهنا وإمامنا وتقينا وأميننا وثقتنا». تتلمذ على يدي الإمام الربيع جماعة من الطلبة، لعل أشهرهم ما أطلق عليهم (حملة العلم
122 (1/122)
صفحة 123
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إلى المشرق): منهم المؤرخ المشهور محبوب بن الرحيل، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، والشيخ بشير بن المنذر، وأبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة، ومنير بن النير الجعلاني، ومحمد بن المعلى الكندي، وأبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي، وهاشم بن غيلان، وغيرهم كثير. المصادر القليلة التي تناولت حياة الربيع بن حبيب تجمع على أنه كان يتمتع بمكانة مرموقة ومنزلة عالية في الأوساط الإباضية في المشرق والمغرب.
روت الأخبار عنه كثيراً من المدح، ومنها:
1 - قال أناس من أهل البصرة انظروا لنا رجلا ورعا قريب الإسناد حتى تكتب عنه فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب.
2 - عندما مرض شيخه أبو عبيدة بعثه مع وفد الحج مكانه.
3 - لما وقع الخلاف بين الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم والذين أنكروا إمامته رضي الفريقان الربيع بن حبيب حكما بينهما فكتبوا إليه وكتب إليهم بالرد.
ومن آثار الإمام الربيع مجموعة من الأقوال والفتاوى والفقه متناثرة في كتب الإباضية ومن آثاره المجموعة كتاب آثار الربيع الذي رواه عن شيخه ضمام بن السائب عن جابر بن زيد مقطوعاً وهو عبارة عن مجموعة فتاوى للإمام جابر بن زيد. وقد قام بجمعها أبو سفيرة عبد الملك بن صفرة. وهذا الكتاب لا زال مخطوطاً. ومن أهم آثاره أيضاً كتاب «المسند» ويطلق عليه الإباضية الجامع الصحيح، وهو مطبوع
ومتداول.
توفي الإمام الربيع ما بين سنة 171 و 180 هجرية ودفن في عمان، عاش أكثر من تسعين عاما قضاها في التربية ونشر العلم وقيادة الدعوة التي رسم منهجها الإمام جابر والإمام أبو عبيدة. من علماء الإباضية
سلمة بن سعد:: قام بنشر مذهبهم في إفريقيا في أوائل القرن الثاني. ابن مقطير الجناوني: تلقى علومه في البصرة وعاد إلى موطنه في جبل نفوسه بليبيا ليسهم في نشر المذهب الإباضي. عبد الجبار بن قيس المرادي: كان قاضياً أيام إمامهم الحارث بن تليد. السمح أبو طالب من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، كان وزيراً للإمام
123 (1/123)
صفحة 124
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عبد الوهاب بن رستم ثم عاملاً له على جبل نفوسه ونواحيه بليبيا.
أبو ذر أبان بن وسيم من علمائهم في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة، وكان عاملاً للإمام أفلح بن عبد الوهاب على حيز طرابلس.
أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز البصري من علماء الإباضية الكبار في أواخر القرن الثاني
الهجري.
أبو غسان مخلد بن العمرد الغساني من طبقة الربيع بن حبيب، يقول الدرجنيّ: «ومنهم أبو غسان مخلد بن العمرد - رحمه الله - أحد علماء علم الفروع والكلام والمناضلين عن كلمة أهل الإسلام وممن نحب من أصحاب أبي عبيدة وفتح يده في العلوم وأيده». أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي اليمني من تلاميذ الإمام أبي عبيدة وممن روى عنهم أبو غانم في مدوّنته، فهو من طبقة الربيع بن حبيب وكان فقيهاً عالماً زاهداً تقياً.
أبو سفيان محبوب بن الرّحيل بن سيف بن هبيرة القرشيّ المكّيّ من الطبقة الرابعة من علماء الخمسين الثانية من المائة الثّانية للهجرة، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب، يقول عن الدرجيني: ومنهم محبوب بن الرّحيل أحد الأخيار الأبحار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار».
أبو منصور حاتم بن منصور الخراساني من الفقهاء البارزين وممن أخذ عن الإمام أبي عبيدة مسلم كان فقيهاً عالماً، وكان من المحدثين الثّقات عند الإباضية، رحل إلى مصر في آخر عمره، المصدر:
أبو المهاجر هاشم بن المهاجر الحضرمي اليمني: فقية كبيرٌ من حضر موت، كان من كبار الفقاء المفتين أخذ العلم من الإمام أبي عبيدة، وبعد وفاة الإمام أبي عبيدة انتقل من البصرة إلى
الكوفة وقد نسب إليها، ضمام بن السائب أصله من عمان من الندب، ومولده بالبصرة من علماء الطبقة الثانية أئمة الإباضية وفقهائهم، أخذ العلم عن جابر بن زيد، وكان ممن تصدر للفتية في أيام أبي عبيدة وقد دوّنت رواياته عن جابر بن زيد في كتاب «روايات ضمام»، جمعه أبو صفرة عبد الملك
من
بن صفرة.
124 (1/124)
صفحة 125
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أبو نوح صالح بن نوح الدهان سكن البصرة وكان مسكنه في طيء، كان شديد الورع غزير العلم، أخذ عن جابر بن زيد وغيره، وعنه أخذ الربيع، يقول عنه الدرجيني: «شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، وناهج طرق الصالحين».
أبو المعروف شعيب بن المعروف من طبقة الرّبيع بن حبيب، ويظهر أن موطنه مصر، أو أنه أقام فيها فترةً من زمن وكان بها عند وقوع الخلاف بالمغرب على إمامة عبد الوهاب فرحل إلى تاهرت وعاضد النّكار ثم رجع إلى طرابلس بعد هزيمة يزيد بن فندين، وواصل معارضته للأمام عبد الوهاب وبسبب ذلك خلعه الرّبيع وبقيّة أئمّة المذهب وأعلنوا البراءة منه. حاجب أبو مودود حاجب الطائي: أصله من عمان وكان مولده بالبصرة، وكان الساعد الأيمن لأبي عبي عبيدة في نشاطاته وكان هو القائم بشؤون الحرب وجمع المال وشراء السلاح والنظر في أمور الدعوة والمجالس، توفي في أيام أبي جعفر المنصور.
عبد الله بن عباد المصري: الفقيه المفتي، وهو غير محمّد بن عباد المدني، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بالبصرة وعاد إلي مصر وأقام فيها، أرسل إليه الإمام عبد الوهاب بمسائل فأفتاه
بها، وهو من طبقة الربيع بن حبيب
الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: الإمام الثَّالث للدولة الرستمية بتاهرت، خلف أباه سنة 190 هـ، كانت وفاته بين سنتي 240 - 250 هـ، مكث في الحكم طويلاً.
محبوب بن الرحيل القرشي
الشيخ أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن العنبر بن هبيرة القرشي المخزومي. يكني الإمام محبوب بن الرحيل بابنه سفيان حيث يطلق عليه اسم أبو سفيان وهو الابن الثاني له بعد محمد بن محبوب
ولد في العقد الأول من القرن الثاني الهجري وذلك في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي
كريمة التميمي.
ونشأ في مدينة البصرة تلك المدينة التي كانت تموج بالعلماء .. والظاهر أنه توفي والده الرحيل وهو ما يزال طفلاً صغيراً فتزوج من والدته الإمام الربيع بن حبيب حيث شب الإمام محبوب وترعرع في بيته وأخذ أكثر العلم عنه .. وعندما عاد الإمام الربيع إلى موطنه الأصلي عمان .. عاد
125 (1/125)
صفحة 126
الإباضية أهل الحق والاستقامة
معه الإمام محبوب وعاش فيها مدينة صحار وعندما توفي شيخه انتقل إلى مكة المكرمة وعاش فيها حتى وفاته.:
أما بالنسبة لزوج الإمام محبوب بن الرحيل فالظاهر أن اسمها خديجة حيث يقول صاحب كتاب الضياء (ج 57/ 8) ما يلي: زعم حيان أن خديجة امرأة محبوب قالت: وقد ذكروا استقاء الماء وكانت خادمتهم تستقي لهم فقالت: قد أعتقناها اليوم من القربة. قال: فكتب إليها محبوب أن أمضيها فالزمها العتق».
بعد.
أبناؤه
محمد، وسفيان والمحبر .. وقد توفي الإمام محبوب وكان ابناه سفيان والمحبر لم يبلغا
تتلمذ الإمام محبوب بن الرحيل على يد عدد كبير من الأئمة والعلماء وأشهرهم: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي والإمام الربيع بن حبيب وكان أكثر علمه قد أخذه عن هذا الإمام حيث كان ربيباً له ويعيش في كنفه .. كما تتلمذ على يد بقية العلماء المعاصرين للإمام الربيع بن حبيب.
تتلمذ على يد الإمام محبوب بن الرحيل عدد كبير من طلبة العلم سواء عندما كان في البصرة أو عمان أو مكة المكرمة .. ومن أشهرهم ابنه محمد بن محبوب والشيخ العلامة الخراساني صاحب المدونة وغيرهم كثير.
ألف الإمام محبوب بن الرحيل العديد من الكتب والمؤلفات وأرسل الكثير من الرسائل إلى مختلف الجهات والأقاليم سواء إلى المشرق أو المغرب .. ولكن وللأسف الشديد فإن أغلب هذه المؤلفات اعتراها الضياع وتلاشت واندثرت ولم يصلنا منها إلا بعض الشذرات المبثوثة في كتب الفقه والسير والتراجم ومن أهم آثاره ما يلي: كتاب السير: وهو كتاب السير أو سيرة محبوب بن الرحيل وقد ألف الإمام محبوب هذا الكتاب للحديث عن علماء وأئمة الإباضية الأوائل بداية من الإمام مرداس بن حدير وحتى علماء العصر الذي عاش فيه .. ويعتبر هذا الكتاب أول كتاب تراجم تم تأليفه للحديث عن أعلام المذهب
الإباضي.
126 (1/126)
صفحة 127
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عهده إلى أهل اليمن يذكر صاحب الطبقات أن الإمام محبوب بن الرحيل أرسل هذا العهد إلى الإمام طالب الحق في اليمن وإذا صح ما ذكره الدرجيني فيكون الإمام محبوب قد أرسل هذا العهد بين عامي 129 - 131 هـ. وقد أثنى العلامة الدرجيني على هذا العهد حيث قال عنه: ( ... وإنه لو لم يؤثر عنه إلا عهده الذي جمع فيه المواعظ والحكم والآداب وجعل فيه تنبيها وذكرى لأولي العقول والألباب لكان بذلك كافياً في معناه عما عداه. هذا وقد وصل إلينا هذا العهد عن طريق العلامة الدرجيني الذي نقل هذا العهد كاملاً في كتابه الطبقات. كما وصلتنا بعض الفقرات منه عن طريق العلامة الجيطالي الذي نقل بعض العبارات منه في كتابه القناطر يذكر د. مبارك الراشدي في كتابه فقه الإمام أبو عبيدة أن هذا العهد لم يرسله الإمام محبوب إلى الإمام طالب الحق، وإنما أرسله إلى أشخاص آخرين ولعل ما ذهب إليه الدكتور هو الصواب لأن الذي يقرأ هذا العهد يستشف منه أن الإمام أرسله إلى قوم اختلفوا فيما بينهم وتبرأت كل مجموعة منهم من الآخرين، فأرسل الإمام هذا العهد ليوضح لهم ما استشكل عليهم في قضية البراءة والولاية، والدليل الآخر على ذلك أن في عصر الإمام طالب الحق كان يتزعم المذهب الإباضي الإمام أبو عبيدة فلا أتوقع أن يتقدم الإمام محبوب مشائخه ويرسل هذه الرسالة وعمره
آنذاك لا يتجاوز العقد الثاني رسالته إلى أهل عمان
سبب إرسال هذه الرسالة أن هارون بن اليمان الذي كان مختلفاً مع الإمام محبوب في بعض القضايا أرسل برسالة إلى الإمام غسان بن عبد الله (192) - 207 هـ) مبدياً رأيه في القضايا التي كانت مثار جدل بينه وبين الإمام محبوب وعندما وصلت هذه الرسالة إلى الإمام غسان بعمان أرسلها إلى الإمام محبوب بمكة المكرمة فأرسل إليه هذه الرسالة رداً على الرسالة التي أرسلها هارون وقد تعقب الإمام محبوب كل الآراء التي طرحها الشيخ هارون وعمل على تفنيدها مستدلا على ذلك بالقرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال أئمة المذهب وهذه الرسالة ما زالت موجودة وقد
طبعت ضمن كتاب السير والجوابات
رجح الإمام المؤرخ نور الدين السالمي أن هذه الرسالة أرسلها الإمام محبوب إلى الإمام المهنا
127 (1/127)
صفحة 128
الإباضية أهل الحق والاستقامة
بن جيفر (226 - 227 هـ) وتابعه على ذلك من جاء بعده كصاحب عمان عبر التاريخ وصاحب فقه الإمام أبو عبيدة والظاهر أن هذا القول بعيد عن الصحة وذلك لأن بعض العلماء ذكروا صراحة أن هذا الخلاف وقع في عهد الإمام غسان حيث نقل الشيخ السالمي نفسه قول الشيخ أبي الحسن الذي يذكر أن هذا الخلاف قد خصل في عهد الإمام غسان وقد مال إلى هذا الرأي صاحب الضياء
والظاهر أنه هو الصواب.
رسالته إلى أهل حضرموت
أرسل الإمام محبوب بن الرحيل هذه الرسالة كذلك للرد على رسالة الشيخ هارون وتشتمل
هذه الرسالة على مجمل القضايا والآراء التي ناقشها في رسالته إلى أهل عمان
رسالته إلى الشيخ محمد بن هاشم
أرسل الإمام محبوب هذه الرسالة إلى الشيخ العلامة محمد بن هاشم لتوضيح بعض المسائل التي عابها القدرية على الإباضية مفندا آرائهم وموضحاً ما يعتقد أنه الصواب وتوجد هذه الرسالة في منهج الطالبين.
هذا وقد توفي الإمام محبوب في أواخر عهد الإمام غسان بن عبد الله ما بين عامي 195 - 205
هـ ودفن في مكة المكرمة.
أبو الحر علي بن الحصين العنبري
أبو الحر علي بن الحصين بن مالك بن الخشخاش بن الحارث العنبري المكي، عالم، داعية، قائد. يعد من كبار رواد الحركة الإباضية في الحجاز، ومن أئمتهم الأوائل.
عاش في مكة أوائل القرن الثاني الهجري، وصنفه الدرجيني في طبقاته ضمن الطبقة الثانية (100 - 150 هـ)، لهذا فهو يعتبر من التابعين، ولعله أدرك بعض الصحابة كما تذهب إلى ذلك بعض الروايات.
كان والده الحصين من عمال خالد بن الوليد على بعض نواحي الحيرة) زمن الفتوح في خلافة أبي بكر الصديق، ثم أصبح عاملاً لعمر بن الخطاب على (بيسان) من أرض العراق الكلبي، جمهرة النسب، ص 257). وبما أن المصادر لا تفيدنا بسنة ميلاده، إلا أن الأحداث تؤكد أنه ربما ولد في أواسط القرن
128 (1/128)
صفحة 129
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الأول الهجري. يعد أبو الحر من رواة الحديث، وقد سمع الحديث عن عمر بن العزيز، وجابر بن زيد، وعن أبيه الحصين، وروى عن جريج وأبي عبيدة، عدله بعضهم وجرحه بعضهم لانتمائه إلى الإباضية، أورد البخاري: قال ابن عينيه: رأيت علي بن الحصين وكان يرى رأي الخوارج، (البخاري، التاريخ الكبير، ج 267/ 6).
تتلمذ على يد إمام أهل الدعوة جابر بن زيد، وعاصر الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وكان من أنصار أبي حمزة الشاري ومستشاريه وأعضاده. كما كان من أصحاب عبد الله بن يحي طالب الحق، يستنير برأيه وتجربته. وكانت بينه وبين أبي مودود حاجب الطائي مراسلات، وحاجب معروف بمكانته الدعوية في الحركة الإباضية.
عرف في كتب السيرة والتاريخ بدوره العظيم في نشر المذهب الإباضي في الحجاز واليمن
والتخلص من جور الأمويين واستبدادهم، شارك في ذلك بعلمه وماله، وجاهد بنفسه. ويعتبر من أكبر الدعاة إلى الله، إذ اتخذ له مجلسا للتذكير والوعظ والإرشاد ينعقد كل يومي اثنين وخميس من كل أسبوع. ويكون في أي وقت دعت إليه الحال ليلا أو نهارا في أي يوم كان. وهي طريقة دعوية سار عليها الإباضية من بعده، تدعى عندهم المجتمع أو الجمع أو الميعاد، وهي الفاظ مترادفة لمعنى واحد وأصبحت من مصطلحاتهم، وأبو الحر أول من رتب هذه المجالس السرية في مكة. (الدرجيني، طبقات، ج 5/ 1).
ويبدو من أخبار السير أن أبا الحر كان ناجحا في طريقته الدعوية، ومنهجيته في التربية، وكان له تأثير في إقناع المذنبين للإقلاع عن ذنوبهم. فقد أوردت له كتب السيرة قصصاً طريفة في هذه السبيل، وقد أثمرت مجالسه بأن يجمع الكثير من المقتنعين بمنهج أهل الدعوة الذين أصبحوا فيما بعد من جنوده، وقادة في جيش أبي حمزة الشاري. ومن كلماته الجامعة في هذا الصدد قوله الأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب».
وبالرغم من الحذر والسرية التي أحاط بهما حركته، وفي الوقت الذي اتفق فيه مع أبي حمزة الشاري للقاء بعرفة سنة 129 هـ، ألقت عليه السلطة الأموية القبض بأمر من الخليفة مروان بن محمد، وقيدته بجامة من حديد وسيق إلى الشام.
129 (1/129)
صفحة 130
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فخرج عيسى بن عمر في أربعة عشر رجلا من المسلمين (أهل الدعوة) فخلصوه من جند مروان من بعد أن جاوزوا المدينة نحو الشام بمراحل (سير الشماخي، ص 100. كذا الجعبيري، أبو حمزة الشاري، ص 199).
و من خلال هذه الأخبار ندرك دور أبي الحر في حركة أهل الدعوة في الحجاز التي كان من ثمارها أن يجتمع لأبي حمزة عندما أراد الخروج إلى الشام أربعمائة رجل من نواحي مكة (وهذا العدد ليس بالقليل). ولمكانته تلك اختير ضمن أعضاء الوفد الستة الذين أرسلتهم الإباضية لمقابلة الخليفة العادل عمر بن العزيز، والإدلاء بآرائهم ومواقفهم في قضايا الحكم وشؤون الأمة، وطلبوا منه العمل على تصحيح الأوضاع، والعودة بالأمة إلى نهج الرسول ل ولا وخلفائه الراشدين، ومنع سنة لعن الإمام علي على المنابر (محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 175/ 2). لم يكتف أبو الحر في الجهاد بعلمه وماله، بل أصبح من قواد أبي حمزة الشاري وقادته بعد لقائهما في مكة، حيث شارك في معركة وادي القرى)، و (قديد) وكان إلى جانبه في مكة والمدينة، وأبلى بلاء حسنا وتورد كتب السيرة عنه أخبارا تدل على حصافة رأيه، وبعد نظره في قيادة المعارك (السيابي، العقود الفضية، ص 221). ظل ثابتاً في الجهاد إلى جانب أبي حمزة الشاري حتى النفس الأخير، إذ دخل دارا من دور قريش، فأحدق أهل الشام بالدار فأحرقوها، فلما رأى ذلك رمى بنفسه من الدار فقاتلهم، فأسر وقتل وصلب مع أبي حمزة الشاري، ولم يزالوا مصلوبين حتى أفضى الأمر إلى بني العباس سنة 130 هـ (السيابي، العقود الفضية، ص 222).
أبو مودود حاجب الطائي
هو أبو مودود حاجب الطائي، مولى بني هلال، نشأ بالبصرة وعاش فيها. من رجالات الإباضية الأوائل، ومعتمدهم في التنظيم المالي والعسكري، وفض الخصومات، وتعيين الوعاظ والمرشدين والدعاة " انضم إلى الحركة الإباضية بعد موت جابر بن زيد، وأصبح اليد اليمنى لأبي عبيدة مسلم، يعينه ويستشيره في المهمات الكبيرة. وتدل أخباره في السير أنه كان رجلاً مهيباً، ذا لحية طويلة حتى لقب باللحياني، وربما ها به بعض جلسائه أكثر من هيبتهم أبا عبيدة نفسه، على الرغم من أنه كان أقل علما وفقها من أبي عبيدة،
130 (1/130)
صفحة 131
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كما أشار بذلك أبو سفيان محبوب بن الرحيل، حيث يقول: لم يكن صاحب فقه» (الدرجيني، طبقات ص 276)، وربما قال عنه ذلك مقارنة بأبي عبيدة وإلا فما الذي يجعل أبا عبيدة يرسله في
مهمات فض الخصومات وحل المنازعات، ولقاء المسلمين في موسم الحج لو لم يكن كذلك. لأننا نجد أبا سفيان يقول في موضع آخر: «و كان الحاجب هو القائم بأمور المسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الدين والفتاوى، ص 252. وهذا ما يفسر قول الدرجيني، حيث يصفه بقوله: «كان بالاجتهاد موصوفاً، وبالزهد والورع معروفاً، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم، (العلوم،
ص 248).
كان الحاجب هو القائم بمثل هذه الأمور للمسلمين من أمر الحرب، وجمع المال والمعونة، والخصومة، وأبو عبيدة إليه يسند أمر الدين والمسائل (سير الدرجيني، طبقات، 242 - 252). أصبحت داره بالبصرة مركزا مهما للشيوخ والفتيان ممن يلتحق بالحركة الإباضية، وكانت ملتقى للجلسات السرية التي تعقد بعيدا عن أعين السلطة الحاكمة. وكانت تقام فيه الصلاة أثناء
رمضان، وكانت له جلسات لكل فئة.
والمقدرة حاجب الطائي في التنظيم ونشاطه الحركي، أسند إليه أبو عبيدة مهمة جمع المال، وشراء السلاح، فكان له الفضل في تزويد حركة طالب الحق في اليمن، وحركة أبي حمزة المختار في الحجاز ما بين (129 - 180 هـ) ثم حركة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان سنة 130 هـ (الشقصي، منهج الطالبين، ج 616/ 1).
و قد أورد الدرجيني نقلا عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل طريقة أبي مودود في جمع المال،
حيث يقول:
لما خرج الإمام عبد الله بن يحي، ووجه أبا حمزة بن عوف أقام حاجب فجمع له أموالا كثيرة ليعينه بها، قال فكتب إلى كل موسر من المسلمين قدر ما يرى، قال فما امتنع عليه أحد، قال ودعا أبا طاهر وكان شيخاً فاضلاً، قال عليك بالنساء وأوسط، فإنا نكره أن نكتب عليهم مالا يحملون، قال فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، قال فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلاً إلا وجدوه مسرعاً فيما سألوه .. فلم تمس الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، قال: فأتوا حاجباً
131 (1/131)
صفحة 132
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فأخبروه فسر بذلك، وقال إن في الناس لبقية ... بعد، قال فاشترى بتلك الأموال سلاحاً، ووجهه ووجه ما بقي إلى حمزة (رحمه الله) (الدرجيني، طبقات، ج 262/ 2).
وكان متشدداً مع أهل البدع لا يتهاون معهم في مسائل الأصول، رغم رفقه ومرونته مع أهل المعاصي ما لم يجاهروا، وكان يأمر أصحابه بالرفق بهم وإحضارهم إلى مجالسهم، لكن من أحدث في العقيدة أمر بطرده من المجلس (الدرجيني، ص 252). وبذلك كان يوصي عبد الملك الطويل «إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون أشياء تكون بينه وبين الله تعالى فتشاورا في أمره وعظوه، وأحضروه مجالسكم، وارفقوا به جهدكم، عسى الله أن يتوب عليه. وإذا كان أحد عليه المسلمون في خلافهم في الدين وإرادته أن يشغب عليهم ويفتق بينهم فتقاً، فابدوا عورته واهجروه ولا تحضروه مجالسكم، وأعلموا الناس به، ليكونوا منه على حذر، أو يتوب» (الدرجيني، ج 2/ 252 - 253).
يعيب
لذا كان من مهامه مناظرة المخالفين كما حدث عندما ناظر أبا حمزة الكوفي في مسألة القدر (يروي أبو سفيان ما دار بين حمزة الكوفي وأبي عبيدة من جدل حاد حول قضية القدر، انتهى بقول أبي عبيدة يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان وحاول حاجب الطائي أن يستصلح من أمر حمزة، ولكنه أصر وظل يستدرج النساء والضعفاء إلى القول بأن السيئات من العباد، فهنالك جمع حاجب الناس لمحضر أبي عبيدة وبأمره تمت البراءة من حمزة الدرجيني، طبقات، 244/ 2. كذا، الجعبيري، البعد الحضاري، ص 418).
واعتماداً على قصة رواها كل من الدرجيني والشماخي، فإن حاجب الطائي يكون عاش إلى حدود سنة 145 هـ السنة التي توفي فيها أبو عبيدة مسلم. قال أبو سفيان: وقع غلام لحاجب عند أبي جعفر (المنصور)، فسأله لمن كان، فقال لحاجب، وكان عالما به وبأبي عبيدة، قد حل عليه يوما فرآه حزينا، فسأله، فقال مولاي الذي كنت له مات يعني حاجبا، فرجع أبو جعفر وقال: رحم الله حاجباً. ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزينا، فقال له ما لي أراك حزينا؟ فقال: مات صديق لمولاي يقال له أبو عبيدة الأعور، قال وإنه قد مات، قال: نعم، فرجع وقال: ذهبت الإباضية (الشماخي،
سير، ج 85/ 1).
جاء في السيرة: «وقد قال قائد المسلمين وهو يكتب إلى أولي الفضل قبلكم أنه من إخوانكم من يتمنى أن يرى الحق يوما يقام فيه عدل الله وأمره ثم يلحق بالله» (السيرة، 71) وهي العبارة التي
132 (1/132)
صفحة 133
الإباضية أهل الحق والاستقامة
قالها الداعية الإسلامي سلمه بن سعد الحضرمي، وهو بأرض المغرب حين قال: وددت أن يظهر هذا المذهب بأرض المغرب يوماً واحداً من غدوه إلى زواله، فما أبالي إن ضربت عنقي» (الشماخي،
سير، ص 19).
ويقول: «ثم اعلموا رحمكم الله انما أعظمنا عليكم هذه الأمور، ورددناها عليكم على وجوه في معاني مختلفة، فالذي يراد بها أمر واحد وهو أن تقوموا الله بقسطه، وتقيموا أمره في دينه وحقوقه» (السيرة، ورقة 69). إن أبا مودود حاجب الطائي غلب على فكره التنظيم، والتأسيس للحركة الإباضية في نشأتها قولاً وعملاً، نظرية وتطبيقا، ولهذا يعد من أوائل المؤسسين لهذه الحركة. وقد تجاوزت آثار فكره وأعماله إلى كل من اليمن والحجاز، والمغرب، شبهه في ذلك زميله وشيخه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
أبو غانم بشر بن غانم الخراساني
هو الشيخ الإمام العالم الحافظ الفقيه أبو غانم بشر بن غانم الخراساني، من أهل خراسان. كما هو ظاهر من النّسبة إليها، ولم نستطع الوقوف على تاريخ ولادته بالدقة، والظاهر أن كثيراً من الأوائل لم يهتموا بتدوين سيرهم والكتابة عن حياتهم، ذلك لأنهم اشتغلوا بالدين ونشره والسعي في طلب العلم وتعليمه، وإقامة شرع الله في أرضه، فلم يلتفتوا إلى تدوين حياتهم وخصوصاً سنة مولدهم. قدم إلى البصرة لتلقي العلم لأنّ البصرة في ذلك الوقت كانت قبلة للعلم فهي تزخر بشتّى فنون العلم، وفي شتّى المذاهب الإسلامية، قدم لتلقي العلم على يد علماء الإباضية وخاصة أبي
عبيدة
وإن كان لم يدرك من حياته إلا قليلاً، إلا أنه أخذ العلم عن تلامذته وعنهم دون كتبه وأهمها المدوّنة التي دوّن فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة ورواياتهم واختلافاتهم
كان للإمام أبي غانم عدد كبير من الشَّيوخ سمّى منهم في مدوّنته أربعة عشر شيخاً وهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
الربيع بن حبيب.
133 (1/133)
صفحة 134
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عبد
الله بن عبد العزيز. أبو المؤرج عمر بن محمد.
أبو غسان مخلد بن العمرد.
أبو أيوب وائل بن أيوب. أبو سفيان محبوب بن الرّحيل.
حاتم بن منصور.
أبو المهاجر هاشم بن المهاجر. ضمام بن السائب. أبو نوح صالح الدهان.
شعيب بن معروف.
حاجبا بن عباد المصري. ومن أشهر تلامذته:
أبو حفص عمروس بن فتح المساكيني النفوسي.
والإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي.
لأبي غانم كتابان هما:
1 - المدوّنة وهو موضوع البحث، وسأتكلم عنه بشيء من الاختصار.
2 - اختلاف الفتية أو الفتوى وهو مفقود لم يعثر عليه.
تذكر بعض المصادر أن وفاته كانت سنة 200 هـ / 815 م.
إلا أن الشيخ صالح البوسعيدي يرى رأياً آخر في تاريخ وفاته، إذ يقول: «إنّ التاريخ المذكور سابقاً غير دقيق، وأن وفاة أبي غانم كانت بعد ذلك، والذي يدعونا إلى هذا الترجيح، هو أن الإمام أبا غانم قد لقي عمروس بن فتح وترك عنده نسخةً من المدوّنة، وعمروس قتل في موقعة (مانو) سنة 283 هـ، وتبيّن قصة مشاركته أنه كان قوياً وصلباً فلو فرضنا أن أبا غانم قد لقيه سنة 200 هـ مثلاً، وفرضنا أن عمروس كان عمره حينئذ عشرين سنةً على الأقل، فيكون سنّ عمروس حين استشهاده مائة وثلاث سنين، ورجل في مثل هذا السِّنّ تستبعد مشاركته في الحرب بتلك الصلابة
134 (1/134)
صفحة 135
الإباضية أهل الحق والاستقامة
التي يوصف بها، ولذا فإنّه يترجّح أن لقاء أبي غانم بعمروس كان في أواخر الربع الأول من القرن الثالث وليس في مطلعه كما ذكرت المصادر، ومعنى هذا أن وفاة أبي غانم ليست قبل هذا التاريخ.
مهدي النفوسي الويغوي - إمام المناظرين
إنه إمام المناظرين الشيخ العلامة مهدي النفوسي الويغوي. أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب، كالإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، والإمام عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبي داود القبلي، الذين تتلمذوا على يد الإمام الكبير أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة. أثنى عليه الدرجيني، فقال: .... هو المقوم في علم الجدال، الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال، وهو المحتج على إمكان الممكن واستخحالة المحال، وعلى الفرق بين الحرام والحلال ... الرادع لقيام أهل البدع والضلال. وقد استشهد الشيخ مهدي رحمه الله في حصار الإمام عبد الوهاب لمدينة طرابلس سنة 196 هـ، وذلك أنه خرج من المعسكر إلى شاطئ البحر فرآه أهل المدينة فسبحوا إليه وقتلوه وقطعوا رأسه
وعلقوه على سور المدينة. الشيخ مُحَكِّم بن هَودَ الْهَوَارِي
عاش الشيخ مُحَكَّم في القرن الثالث الهجري، وكان لا يزال حياً بين (208 - 258 هـ)، وذلك أن الإمام أفلح بن عبد الوهاب (ت: 258 هـ) عينه قاضياً - كما سيأتي ـ على العاصمة «تيهرت» في عهده (حكم: 208 - 258 هـ).
كان الشيخ مُحَكَّم عالماً جليلاً، وقاضياً فخلاً، قال فيه الشيخ الشماخي: .... وكان في الطبقة العليا علما وتقى ... »، وقال فيه الشيخ علي يحيى معمر: .... هو شخصية من الشخصيات اللامعة التي تتهرب من الظهور وتتباعد عن الأضواء، ولكن الناس يلاحقونها ويسلطون عليها أنوارهم الكاشفة ... وقد كان محكم منذ صغره ذكيا قويم الخلق، فتعلم العلم ونبغ فيه، وأنشأته أسرته المؤمنة على دين وتقوى، فشب لا يخاف إلا الله، ولا يرجو غير الله، عازفا عن الدنيا مترفعا عن ملاذها وشهواتها، مجافيا لعبيدها» إلى أن قال: وقد عرفه الناس كما هو بعلمه وبخلقه وبدينه وبشدته في الحق وتعلقه بالله فاحترموه لهذا الخلق وأحبوه من أجلهاء.
135 (1/135)
صفحة 136
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وبعد أن نبغ الشيخ محكم في العلم وبلغت شهرته الآفاق، عينه الإمام أفلح قاضياً على «تيهرت» عاصمة الدولة الرستمية بعد وفاة قاضيها الذي كان في منصب القضاء منذ عهد الإمام عبد الوهاب كما يظهر من كلام ابن الصغير حيث يقول: «وأول ما امتحنه الشراة ـ يقصد امتحان الشراة للإمام أفلح لما تولى الإمامة - أن قاضياً من قضاة أبيه مات في أيامه فاجتمعت إليه وسألوه أن يولي القضاء من يستحق ذلك ... ».
سار فيهم الشيخ محكم سيرة عادلة ونذكر هنا حادثة تدل على عدل الشيخ محكم وعلى شدته في الحق، وكذلك على تحقق توقعات الإمام أفلح من أن أهل تيهرت لن يتحملوا منهجه الشديد في تطبيق الحق مع أنهم لا يرغبون في الظلم لا محالة، فيذكر ابن الصغير أن أبا العباس أخو الإمام أفلح تنازع في أرض مع صهر الإمام أفلح، فرفعا أمرهما إلى الإمام أفلح، فقال لهما الإمام: كلا كما يعز عليّ ولكن ارتفعا إلى محكم»، فاغتنم أبو العباس كلام أفلح وبادر إلى الشيخ محكم بدار القضاء فسبق خصمه، فلم يجد معه أحداً فأجلسه محكم بجنبه وأقبل عليه يحدثه، وفي تلك الأثناء أقبل خصمه فجلس بباب الدار، ولم ينتبه إليه الشيخ محكم، فلما رأى أبو العباس خصمه بباب الدار نادى على جارية الشيخ محكم يستسقيها الماء ليرى خصمه دلالته على القاضي، فقال الخصم في نفسه: «إلى من أحاكم؟ خصمي جالس إلى جنب القاضي ويستسقي الماء من داره وأنا ملقى على باب الدار لا يلتفت إلي ولا ينظر نحوي، فحانت من الشيخ محكم التفاتة فرأى الرجل جالساً بالباب فقال له: «ما بالك يا هذا وما قصدك؟»، فقال له: «جئت خصما لأبي العباس فوجدته جالساً إلى جنبك فجلست موضعي هذا، فغضب الشيخ محكم على أبي العباس فقال: «يا أبا العباس تأتي مع خصمك فتجلس إلى جنبي دونه وتستسقي الماء من داري على يد جاريتي، يا غلام خذ بيد أبي العباس وأقعده مقعد خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأقعده إليّ، ومر الجارية فلتسقه ماء»، ففعل الغلام ما أمره به فخرج أبو العباس مغضبا حتى دخل على أخيه أفلح فلما رآه، قال له: «مالك وما عراك؟»، قال: «نزل بي من هذا الهواري الشرس الجافي ما لم ينزل بأحد»، فقص عليه القصة، فقال له الإمام أفلح: يا أبا العباس قد كنت أعلمتك بهذا من قبل، والصواب ما فعل والحق أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هذا لكان مداهنا»، فوصل خبر ما فعل الشيخ محكم إلى علماء تيهرت فسروا بذلك واعجبوا به (19).
136 (1/136)
صفحة 137
الإباضية أهل الحق والاستقامة
والظاهر أن الشيخ محكم استمر في منصب القضاء طوال عهد الإمام أفلح، حيث لا تذكر المصادر قاضياً غيره، وأما عهد الإمام أبي بكر (حكم 258 - 261 هـ) الذي خلف الإمام أفلح فيرى الدكتور إبراهيم بحاز أن أبا اليقظان بن أفلح أخا الإمام أبي بكر تولى مهام القضاء وربما يكون قاضي المظالم، والذي يظهر أنه كان يوجد قضاة في تيهرت في عهد أبي بكر إلا أن المصادر لا تذكر أسماءهم ويظهر ذلك من كلام ابن الصغير الذي أشار إلى وجود القضاة في سياق حديثه حيث يقول: «وكان أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة فيجلس فيه، فمن تكلم إليه من الناس بين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في ذلك نظراً شافياً وأجرى الحق على من رضي وسخط وعظم قدره أو صغر».
يظهر أن أبا بكر كلف أخاه بشؤون الحكم في تيهرت فكان حاكماً أكثر منه قاضيا ويظهر من كلام ابن الصغير حيث يقول: « ... .... وكان أبو بكر يحب اللذات ويميل إلى الشهوات فصرف النظر في المدينة وأحوازها إلى أخيه أبي اليقظان ..... بعد أن استلم الإمامة أبو اليقظان (حكم 261 - 281 هـ) عين أبا عبد الله محمد بن عبد قاضياً على تيهرت، ثم عين شعيب بن مدمان بعد استقالة أبي عبد الله من القضاء.
الله
عبد الله بن إباض التميمي رغم أن المذهب الإباضي ينسب إلى عبد الله بن إباض لكن لا يوجد في المصادر الإباضية ولا في غيرها ما يمكن أن يعتبر سيرة تاريخية له إلا بعض المقتطفات المتناثرة في بعض الكتب التاريخية، حتى أن البدر الشماخي في كتاب السير لم يكتب عنه إلا عدة أسطر حيث قال: (ومنهم عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولى التفريق سلك بأصحابه محجة العدل وفارق سبل الضلالة والجهل وكان رحمه الله على ما حفظ ممن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف وكان كثيرا ما يبدى النصائح لعبد الملك بن مروان وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم). فكل ما يمكن أن يقال عنه أنه ينتمي إلى قبيلة تميم التي كانت تسكن في البصرة وهي القبيلة التي منها الأحنف بن قيس المشهور بحكمته وحسن تصرفه. لا يعرف تاريخ مولده ولا تاريخ وفاته بالتحديد ولكنه أدرك معاوية بن أبي سفيان وهو شاب وعاش إلى زمن عبد الملك بن مروان.
137 (1/137)
صفحة 138
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وبذلك يكون قد عاش في نفس الفترة التاريخية التي وجد فيها أبو بلال وجابر بن زيد ونافع بن الأزرق وقد ظهر عبد الله بن إباض على مسرح الأحداث بعد موت أبي بلال ويبدو أنه كان من جماعته إلا أنه لم يخرج معه إلى أسك. ونظرا لمواقفه الجدلية مع الخوارج ولحركته النشيطة في نقد سلوك الأمويين بابتعادهم عن منهج الخلفاء الراشدين ظهر بمظهر الزعيم ونسبت إليه الإباضية من قبل الأمويين ولم يعترف الإباضية بهذه التسمية إلا في وقت متأخر بعدما انتشرت على السنة الجميع، فتقبلوها تسليما بالأمر الواقع عند الآخرين. ولذا فهو يعتبر أحد أئمة الإباضية السياسيين حيث وقف معارضاً بلسانه وقلمه لسلوك الأمويين ولم يشهر سيفه ضدهم إلا دفاعا عن الكعبة المشرفة مع عبد. الله بن الزبير.
أما ما اشتهر عند المؤرخين من نسبة المذهب الإباضي إلى عبد الله بن إباض الذي عاش في زمن عبد الملك بن مروان فهي نسبة عرضية سببها بعض المواقف الكلامية والسياسية التي اشتهر بها وتميز بها فنسبت الإباضية إليه من قبل الأمويين ثم نسب إليه المذهب من بعد. والحقيقة أن المذهب الإباضي من الناحية العلمية والتشريعية ينسب إلى الإمام جابر بن زيد، وهذه مسألة واضحة عند الإباضية ليس فيها غموض. أجمع عليها علماؤهم منذ بدايتهم، إذ لم يذكر أحد من علماء الإباضية لا قديماً ولا حديثاً أن الإباضية تنسب إلى عبد الله بن إباض، ومن يقرأ في كتب الإباضية لن يجد غير هذا.
يقول الدكتور عوض خليفات: (إن المصادر الإباضية تُجمع على أن ابن إباض لم يكن إمامهم
الحقيقي ومؤسس دعوتهم وإن كان من علمائهم ورجالهم البارزين في التقوى والصلاح). ولكونه يتبنى موقف المعارض للدولة الأموية نسبت إليه كلمة الخوارج كما نسبت إلى كل من عارض الدولة الأموية ومن ذلك أيضاً نسبت الإباضية إلى الخوارج والإباضية أبعد ما يكونون عن الخوارج ولا يجمعهم مع فكر الخوارج إلا إنكارهم للتحكيم ومعارضتهم للحكم الأموي. ذكر البرادي: أن المسلمين بعد قتل أبي بلال اجتمعوا بجامع البصرة وعزموا على الخروج وفيهم عبد الله بن إباض ونافع بن الأزرق ووجوه المسلمين فلما جن الليل سمع عبد الله دوي القراء والمؤذنين وحنين المسبحين فقال لأصحابه أعن هؤلاء أخرج. فرجع وكتم أمره واختفى). وكان هذا في سنة 64 هـ، وهو تاريخ مفارقة عبد الله بن إباض لنافع بن الأزرق، أي مفارقة الإباضية
138 (1/138)
صفحة 139
الإباضية أهل الحق والاستقامة
لمن يسمونهم بالخوارج مع العلم بأن الخوارج لم يتطرفوا إلا بعد هذا التاريخ كما أن تسميتهم بالخوارج لم تقع إلا بعد تطرفهم.
وقد ذكر الطبري وغيره من المؤرخين رسالة نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن إباض ورده عليها
بن
وذلك عندما اشتد إيذاء بعض ولاة الأمويين، فقد أرسل نافع بن الأزرق رسالة إلى عبد الله إباض يدعوه فيها للخروج وهذا نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد ففيم المقام بين أظهر الكفار، ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله إلى الجهاد فقال: {وَقَيلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةُ الله ولم يجعل لكم في التخلف عذراً في حال من الأحوال. وقد رد عليه عبد الله بن إباض بما يلي: قاتله الله، أي رأي رأى صدق نافع بن الأزرق لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ولكنه إليه كذب وكذبنا فيما يقول. إن القوم كفار بالنعم والأحكام وهم براء من الشرك. وما سوى ذلك من أموالهم فهو حرام علينا). ورغم وضوح هذه الرسالة وورودها في أغلب المصادر التاريخية واتفاق المؤرخين على مفارقة الله بن إباض لنافع بن الأزرق ومن معه من الخوارج، فلا زالت كلمة الخوارج تلازم الإباضية في كل زمان ومكان، ويبدو أن الإعلام الأموي استطاع أن يقنع الناس أن كل من يعارضه ينتمي إلى الخوارج وخلط بين الخارجين على علي والخارجين على الحكم الأموي فجعلهم شيئاً واحداً. ولأن عبد الله بن إباض كان يمثل إحدى جبهات الرفض السياسية للدولة الأموية. فلم ينل المذهب الإباضي شهرة في دنيا المذاهب كشهرة الأئمة الأربعة لموقفه تجاه الدولة الأموية وموقف الأمويين تجاهه وتجاه أتباعه، لأن أمراء الأمويين والعباسيين حاربوا مذهبه وأتباعه.
عبد
سالم بن ذكوان الهلالي من أهل (توام) من عمان، (البوريمي حالياً)، عالم، مقرى، عاصر الإمام جابر بن زيد، وكان يكاتبه، فهو لذلك يعد من التابعين، وقد أدرك بعض الصحابة حسب بعض الروايات. يعد من أوائل المنظرين للفكر الإباضي، وتدل صلاته بجابر وأبي عبيدة أنه كان من علماء الحركة الإباضية إبان نشأتها في البصرة، ناهيك أنه كان ضمن الأعضاء الستة الذين اختارهم (1/139)
صفحة 140
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أبو عبيدة وفداً إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز.
يذكره الشماخي في سيره، فيقول عنه: ومنهم سالم بن ذكوان، رحمه الله، وحقه أنه يذكر في طبقة أبي عبيدة، وهو من مشاهير العلماء الأبرار، وكان ممن يكاتبه جابر بن زيد (الشماخي، السير).
علماء
ويورده ابن الجزري ضمن القراء المشهود لهم بالعلم، وقد روى عن عبد الله بن عامر الشامي (معجم أعلام الإباضية، ج 167/ 2) والواقع إن سيرته إلى (المسلمين) تدل على حفظ جيد للقرآن الكريم، وطواعية في الاستشهاد بآياته، والاستدلال به. وقد غلب الاقتباس والتضمين للقرآن على محتويات السيرة بشكل واضح، كما تدل على معرفة تامة بالشريعة الإسلامية وأحكامها. سيرة حياته تعتبر أول وثيقة توضح مبادئ الإباضية، ومنهجهم، وموقفهم. وردت هذه السيرة المشتملة على 22 ورقة ضمن سير علماء الإباضية، وهي محفوظة ضمن مجموعة سير الإباضية بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بسلطنة عمان، لمؤلف مجهول. وجاء فيها: «أيها الناس» «عباد الله» التي تكررت مراراً والهدف منها الحض على الجهاد، والثبات على سيرة الرسول الاول والصحابة والسلف. يوضح فيها بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة موقف الإسلام الصحيح من الطوائف والملل والفرق مسلمين وغير مسلمين، فبدأ بالمجوس، والمشركين والمنافقين، وأهل الكتاب، ثم موقف المسلم من الموحدين، ثم سيرة الخلفاء الراشدين من بعده، متوقفاً عند (الفتنة) التي حدثت في عهد عثمان بن عفان مفصلاً أسبابها، ثم ما نجم عنها من اختيار المسلمين عليّاً، وخروج معاوية وأنصاره ضده، وكيف تتابعت الأحداث إلى قضية التحكيم في صفين، وظهور المحكمة، وما نتج عن كل ذلك من فتن وحروب إلى ظهور القعدة المعتدلين الذين هم سلف الإباضية، وتوقف وقفة تفصيلية موضحاً الفروق العقدية والفكرية بين الأزارقة والنجدات ومن تبعهم وبين القعدة، حيث يقول: «و يجمع ابن الأزرق وأصحابه، ونجدة وأصحابه، وداود وأصحابه، وعطية وأصحابه، وأبو فديك وأصحابه» عن منهج الدعوة، ص 371).
تكمن أهمية هذه السيرة في كونها بينت بيانا تفصيليا مسار الدين الإسلامي من نزول الوحي إلى وقت ظهور الفرق والمذاهب، مقارنا بين ما كان عليه الرسول وخلفاؤه الراشدون ثم من جاء بعدهم من الملوك والولاة.
140 (1/140)
صفحة 141
الإباضية أهل الحق والاستقامة
تعد هذه السيرة أول وثيقة تاريخية مهمة لمن أراد دراسة الفكر الإباضي في أصوله من كل الجوانب تاريخا وعقيدة وفقهاً. تدل هذه السيرة على موقف الشراة القعدة (أسلاف الإباضية) وتمايزهم عن الفرق الخارجية المتطرفة وحكمهم عليها مثل الأزارقة والنجدات، وداود، وعطية، وأبو فديك. يظهر جلياً دعوة الكاتب إلى الرجوع إلى القرآن والسنة، ولم يكن يقصد إلى أن يدعو إلى مذهب معين أو طائفة بعينها، فهو لم ينسب نفسه إلى أي مذهب لأنه يعتبر أن كل ما يؤدي إلى الحق الذي يدعو إليه كتاب الله وسنة رسوله هو مذهبه. يقول: «فأمرنا تبع لأئمة المسلمين قبل نزول الفتنة بالمسلمين يوم قتلوا عثمان، ويوم الجمل، ويوم أنكروا تحكيم الرجال في دينهم، ورأينا رأيهم تبع يومئذ، وتأويلنا القرآن اليوم لتأويلهم يومئذ تبع.
ابن بركة
هو العالم الكبير الأصولي البليغ عبد الله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي نسبة إلى سليمة بن مالك بن فهم المشهور با بن بركة والمكنى بأبي محمد، وهي التي اشتهر بها في كتب الفقه خاصة عند المشارقة من أهل المذهب.
ولد ما بين عامي 296 - 300 هـ وقد ذكر أسباب ترجيحه لهذا التاريخ، وهو في ذلك تابع للشيخ الباحث جابر السعدي، وقد ولد في مدينة بهلا في قرية الصرخ وهذه المدينة تبعد عن نزوى (العاصمة الإسلامية آنذاك) بحوالي 30 كم تقريباً وأما عن وفاته فقد ذكر الشيخ زهران المسعودي أنه من الراجح أن يكون ابن بركة توفي ما بين عامي 362 - 363 هـ. لقد أخذ ابن بركة علومه الأولى في مدينته بهلا ثم انتقل إلى صحار حيث التقى بالشيخ العلامة أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصحاري نسبة إلى صحار الصلاني نسبة إلى وادي صلان وقد أخذ هذا الشيخ علومه عن العالمين الكبيرين الشقيقين عبد الله وبشير ابني محمد بن محبوب بن الرحيل، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، ومن أشياخه الإمام أبو القاسم سعيد بن الله عبد بن محمد بن محبوب وقد تعلم هذا على يد أبيه وعمه، ومنهم أبو مروان سليمان بن محمد بن حبيب من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري وأول القرن الرابع الهجري وأبو يحيى عبد العزيز بن خالد وأبو الحسن محمد بن الحسن السعالي النزوي.
141 (1/141)
صفحة 142
الإباضية أهل الحق والاستقامة
لقد ترك لنا ابن بركة كنوزا جمة أثرى بها المكتبة الإسلامية عامة والإباضية خاصة ومن هذه
الكتب:
1 - كتاب الجامع: ويعتبر هذا الكتاب أهم ما قدمه لنا هذا الشيخ ويتميز هذا الكتاب أن مؤلفه قد مهد له بمقدمة أصولية تحتوي على مسائل مفيدة في علم الأصول، ويتميز كذلك بوجود الفقه المقارن فقد ذكر بعضا من كتب المخالفين مثل كتاب اختلاف الفقهاء وكتب داود بن علي وكتاب ابن المغلس، ولقد اشتمل هذا الكتاب على عدد كبير من القواعد التي استخلصها صاحب كتاب الإمام
ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتاب الجامع. نذكر منها:
أ ـ «المعصية لا تكون إلا من قاصد إليها».
بـ «الحد متى اعترضت فيه الشبهة سقط».
ج - إن التيقن لا يزول بالشك.
د أن الإقرار إذا تضمن حكما على الغير لم يسمع». هـ ـ «أصل بني أدم الحرية».
كما أنه ذكر كذلك عددا كبيرا من الضوابط نذكر منها: أ - من لم يجد ماء فعليه أن يتيمم بالصعيد».
ب ـ «كل ما وقع عليه اسم ماء مطلق فالتطهر به جائز».
ج - كل ميت من أهل الإسلام واجب غسله».
د. «إن من أدرك شيئا من الجماعة فلا أذان غليه ولا إقامة».
كل من استحق اسم آكل فصومه باطل.
2 - التقييد: جمع فيه الأجوبة على المسائل التي كان يطرحها على شيوخه وأكثر ما فيه عن
شيخه أبي مالك.
- المبتدأ وهو في التوحيد وقيام الحجة بوجود الخالق.
- رسالة التعارف وهي عبارة عن جواب السؤال سئل فيه عن العرف.
من أقواله:
1 - ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء ومسامحة الآراء وتقليد الآباء وإياه نسأل أن يجعلنا من
142 (1/142)
صفحة 143
الإباضية أهل الحق والاستقامة
المتبعين لكتابة الذابين عن دينه والقائمين بسنة نبيه محمد - واتباع الحجة أولى من اتباع الرأي الذي ليس بحجه».
- لا حظ للنظر مع النص».
الشيخ عمروس بن فتح النفوسي
هو إمام جليل من أئمة الدين، وعلم عظيم من أعلام الإسلام.
ذكر بعض الباحثين أن الشيخ عمروس ولد في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق، وقد ولد الشيخ عمروس في سنة 190 هـ تقريباً.
نشأ الشيخ عمروس في قرية «قطرس، من جبل نفوسة، والظاهر أن الشيخ عمروس نشأ يتيماً، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة، كتبت وصيتها وأشهدت عليها، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها، فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلاً من طفل لا يزال في المهد، ولكن في المقابل قد يكون والده حياً في تلك الفترة، حيث أنه يصح أن يستخلف الطفل لإنفاذ الوصية مع وجود أبيه أو خليفته، جاء في شرح النيل: ولا ينفذها ـ أي الوصية - أبو الطفل أو خليفته إن استخلف ..... ..
بعد عشرين سنة - من الغربة والترحال طلباً للعلم - أنهى الشيخ عمروس دراسته في «تيهرت» أو «وارجلان»، فعاد إلى جبل نفوسة عالماً متضلعاً في مختلف فنون العلم، ليصبح أعلم أهل زمانه
كما وصفه أهل العلم.
ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة، ولا يستبعد أن يكون من أوائل طلاب العلم الذين التحقوا بحلقات العلم التي كان يقيمها الإمام عبد الوهاب في جبل نفوسة حين زاره وروي عنه كذلك أنه كان يتردد برفقة مهدي الويغوي، على موضع يسمى تنين أزدرشل» يجتمع فيه جماعة لطلب العلم، والمفتي فيهم أبو نصر التمصمصي. وقد اشتغل الشيخ عمروس، بالتأليف، فذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إلى الشيخ عمروس، فمن مؤلفاته: كتاب «العمروسي»، وكتاب أصول الدينونة الصافية»، وكتاب الحكم والمعارف»، وكتاب أعلام الملة، وكتاب عمروس بن فتح»، وكتابان في الأصول والفقه،
143 (1/143)
صفحة 144
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وكتاب في «الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين»، وقد أراد الشيخ عمروس - رحمه الله ـ أن يؤلف كتاباً يقسمه على ثلاثة أوجه التنزيل والسنة والرأي مضمناً كل قسم ما يتعلق به من مسائل، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه.
وقد تولى الشيخ عمروس القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح، حيث كلفه أبو منصور - الوالي على جبل نفوسة - بتولي منصب القضاء، ومما يؤثر عنه أنه قال لأبي منصور إلياس: «إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في دين الله، والدال على عورات المسلمين
في سنة 283 هـ تعرضت الدولة الرستمية لهجوم من قبل إبراهيم بن الأغلب الذي كان متوجها إلى تيهرت للقضاء عليها، فعندما علم أهل نفوسة بذلك انبروا للدفاع عن دولتهم وحوزتها، فوقعت معركة عنيفة بين الطرفين في مكان يسمى «مانو»، وقد شارك الشيخ عمروس في هذه المعركة وقد بلغ من الكبر عتياً، حيث أن عمره كان في حدود الثالثة والتسعين، على فرض أنه ولد
في سنة 190 هـ.
كان الشيخ عمروس في آخر المعركة يحمي الجيش، ويذود عنهم، وكان على فرس سابق، فلم يقدر عليه الأغالبة، وأعياهم أمره، وعندما عجز عنه فرسان الأغالبة، لجؤوا إلى الحيلة، فتصبوا حبالا في طريقه، فعثر بها فرسه، فأخذوه أسيراً، ومضوا به إلى الظالم إبراهيم بن الأغلب، مسرورين جذلين بما حققوه من أسر الشيخ عمروس، ولكنهم أين سيفرون من عذاب الله وشديد انتقامه، وعندما وصلوا به إلى ابن الأغلب أراد عدو الله أن يشمت بالمجاهد المؤمن، فقال له: سلني العفو فأعف عنك»، فأجاب الشيخ عمروس - رحمه الله - إجابة المؤمن بالله حق الإيمان، الواثق به وبوعده حق الثقة: «إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبداً، ولكن أسألك في سراويلي هذه، لا تكشفوني منه».
فحاول أن يفتنه في دينه وعقيدته، فقال له: إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك»، عند ذلك انتفض الشيخ عمروس انتفاضة الأسد الهصور في أسره، فقال - بملء فيه -: «تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله عند ذلك عندما رأى ابن الأغلب هذه القوة من الشيخ عمروس، بدأ يسلك معه مسلك العنف والقمع - الذي يجيده أمثاله من الظلمة والجائرين، فأمر بقرضه بمقاريض من
144 (1/144)
صفحة 145
الإباضية أهل الحق والاستقامة
حديد، فبدؤوا يقرضون يديه فلما بلغوا عضديه، بعد أن ظلوا طويلا يقطعون يديه، ودماءه تسيل
فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها.
الشيخ علي يحيى معمر
ولد الشيخ علي يحيى معمر بقرية (تكويت) من إقليم نالوت
من الجبل الغربي بطرابلس سنة 1337 هـ الموافق لـ 1919 م. كان لقاؤه الأول مع الحرف العربي من خلال كتاب الله في مدرسة المقرئ الشيخ عبد الله بن مسعود الباروني الكباوي ما لبث بعدها أن انتقل إلى المدرسة الرسمية الابتدائية حيث
اعتنى به معلمه عيسى بن يحيى الباروني، وفي هذه المدرسة بدأت مواهبه تتفتق، عن فطنة، وذكاء
وكان قد وفد إلى الجبل من جربة الشيخ العالم رمضان بن يحيى الليني سنة 1925 لتدريس الفقه الإباضي، والشيخ الليني من طلبة قطب أئمة الشيخ اطفيش، ولعله وجد عند شيخه هذا ما لم يجده عند غيره، مما جعله ينتقل سنة 1927 إلى جزيرة جربة فانضم إلى حلقته، ناهلا من علومه ما استطاع أن ينهل، ولكن سرعان ما طوّح به طموحه إلى العاصمة تونس حيث الجامع الزيتوني، وحيث حلقات العلم المزدهرة، وكان أثناء وجوده بتونس يحضر دروس الشيخ محمد
الثميني.
وفي هذه الأثناء أيضاً أخذ يتردد على جزيرة جربة حيث كون مع مجموعة من الشباب جمعية دينية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (فرحات الجعبيري، البعد الحضاري، ص 86). ولكن طموحه ما لبث أن دفعه إلى المزيد من العلوم الشرعية واللغوية على يد أساتذة يصححون
العقيدة ويربون الأخلاق وينمون الحس الحضاري في النفوس.
التحق بمعهد الشباب بالقرارة ليتتلمذ على يد الشيخ بيوض في سنة 1357 هـ / 1937 م. وعرفته الأندية الأدبية في القرارة بقصائده الشعرية، وترك بصمات واضحة ما تزال حتى اليوم في مجلة الشباب التي كان معهد الشباب يصدرها، آنئذ وازدهرت المجلة بمقالاته النقدية وقصائده
الرقيقة. (1/145)
صفحة 146
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كانت هذه الحركة الإصلاحية وما صاحبها من مهرجانات ثقافية متمثلة في الشعر، والمسرح، والأناشيد تهز فؤاد علي يحيى معمر وتدفعه إلى المشاركة الفعالة، والاندفاع الجياش، فظهر طابعه على إنتاجه الذي كتبه في هذه المرحلة من عمره الدراسي
أسند إليه الشيخ بيوض تدريس بعض المواد في معهد الشباب حيث بقي سبع سنوات، وكانت من أحفل سنوات عمره استفادة وعطاء. وفي سنة 1365 هـ / 1944 م، قفل عائداً إلى وطنه ومسقط رأسه نالوت ليبدأ مرحلة جديدة من - عمره، وينتقل من مرحلة التعلم إلى التعليم ومن التنظير إلى التطبيق. و ظل الشيخ علي يحي معمر كادحا في ميدان التعليم والدعوة والتأليف، ولاقى في سبيل ذلك المتاعب والمضايقات إلى حين وفاته في 15 يناير 1980 م.
يعد الشيخ عل يحيى معمر من ألمع الكتاب الإسلاميين في العصر الحديث دعوة إلى الوحدة الإسلامية بما وهبه الله من عقل نير، وبصيرة نافذة، وقلب مؤمن يسع المؤمنين جميعا وقد اشتهر
بمبادئه التي وضعها أساس للفكر الإسلامي وهي المعرفة والتعارف والاعتراف.
وجملة مؤلفاته هي:
الإباضية في موكب التاريخ.
• الإباضية بين الفرق الاسلامية
الإباضية مذهب إسلامي معتدل. • سمر أسرة مسلمة.
الميثاق الغليظ.
• الفتاة الليبية ومشاكل الحياة. • الأقانيم الثلاثة أو آلهة الحلوى.
• الإسلام والقيم الإنسانية (مطبوع).
• صلاة الجمعة.
مسلم لكنه يحلق ويدخن.
فلسطين بين المهاجرين والأنصار.
146 (1/146)
صفحة 147
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحقوق في الأموال.
سليمان الباروني باشا
هو سليمان بن عبد الله بن يحي الباروني باشا مؤرخ، أديب، ومجاهد بالسيف والقلم. من مواليد مدينة (جادو) من جبل نفوسة سنة 1873 م على الأرجح.
يعود
أصله إلى القبيلة البروانية ذات الأصل العماني. وقد نشأ الباروني في عائلة عرف تاريخها
منذ القرن الرابع الهجري في مدينة طرابلس بمسيرتها الجهادية والعلمية. وفي سنة 1305 هـ / 1887 م سافر إلى جامع الزيتونة بتونس حيث تتلمذ على يد شيوخ من أبرزهم عثمان المكي، ومحمد النخلي.
وفي سنة 1310 هـ / 1892 م سافر إلى القاهرة، حيث درس بالجامع الأزهر مدة ثلاث سنوات. ويبدو أن الباروني كان متأثراً بشيخه أطفيش محباً له، عاملاً بتوجيهاته العلمية والسياسية، وقد قال عندما بلغه خبر وفاته سنة 1332 هـ / 1914 م أنه لم يهتز للمحن التي مر بها قط، ولم تدمع عيناه إلا لوفاة شيخه، ووالده.
واجهته المحن الشديدة بالامتحانات العسيرة منذ مطلع شبابه، فغادر طرابلس سنة: 1902 م إلى يفرن مركز الجبل الغربي وبها أسس مدرسة سنة 1904 م سماها المدرسة البارونية، وتولى الإشراف عليها والده الشيخ عبد الله الباروني. أنشأ جريدة الأسد
الإسلامي التي أرادها صوتاً مدوياً للمسلمين تعرف بمواقعهم وتدعو إلى
وحدتهم (صدر) منها ثلاثة أعداد فقط ثم توقفت لأسباب سياسية ومادية. صدر العدد الأول منها
في أبريل سنة: 1908 م).
نستطيع أن نجمل مراحل جهاد الباروني ضد الإيطاليين في ثلاثة أطوار:
الطور الأول: يبتدئ من يوم إعلان إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية في طرابلس الغرب يوم 26 سبتمبر، وينتهي عند آخر معركة له يوم 12 مارس 1913 م.
الطور الثاني: يبتدئ من أواسط 1914 م وينتهي في أوائل 1916 م.
147 (1/147)
صفحة 148
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الطور الثالث: يبتدئ من حوالي أكتوبر 1916 م، وينتهي إلى يوم اعتراف إيطاليا بحكومة طرابلس الجمهورية الوطنية، وإمضاء قانونها الأساسي في 21 أبريل 1919 م.
و في كل هذه الأطوار كان لسليمان البارونى مواقف ومعارك، وبذل وفداء.
لقد بذل الطليان جهداً ومالاً وأرواحاً في سعيهم لاحتلال إقليمي «طرابلس» و «برقة»، فما نالوا بعد حرب سبع سنين تعاقب فيها الكر والفر، سوى بضع مدن على الساحل، لم تستطع أن تمنحهم الأمن والطمأنينة، ولا الانتصار الساحق الذي ظنوه أول الأمر.
سعى الإيطاليون إلى تقسيم آراء المجاهدين عن طريق المفاوضات والحرب في آن واحد، فاتفق العرب والطليان على قاعدة للصلح هي منح الشعب الطرابلسي دستوراً يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية، ويعطيه الحق في القيام بواجباته الكبرى مثل الشعوب المتمدنة، وتم في الأول من مايو 1919 م وضع القانون الأساسي، وعين بموجبه أعضاء حكومة القطر الطرابلسي، وهم ثمانية. لكن المجاهد سليمان الباروني الذي آمن بالاستقلال أو الانضواء تحت دولة إسلامية، اعتذر عن الدخول في هذه اللعبة رغم الإلحاح عليه وحجته في ذلك أنه عثماني، ويريد الاحتفاظ بعثمانيته، وبوظيفته في مجلس الشيوخ العثماني.
وما لبث أن غادر الباروني طرابلس إلى الأستانة في نوفمبر 1919 م، ولكن صادف قدومه إليها انقلاب الكماليين بقيادة مصطفى كمال أتاتورك عدو الخلافة الإسلامية، فخابت آماله، وعاد أدراجه إلى طرابلس مع مطلع العام الثاني بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر.
عاش سليمان الباروني بعد عودته إلى طرابلس بعيداً عن السياسة وأضوائها، وتوالت الدسائس مرة أخرى ضد الباروني الذي اتهم بإحداث الفتنة في صفوف المواطنين. فلم تلبث السلطات الإيطالية أن طلبت منه مغادرة البلاد سنة 1922 م، وتحت المؤامرة والتهديد غادر وطنه دون أن يودع أهله وأولاده.
حملته
ريح الاغتراب مرة أخرى إلى الأستانة، ثم إلى أنقرة، ولم يستقر به المقام هناك بسبب تغير الحكام، فحاول السفر إلى الشام أو مصر أو تونس أو الجزائر، لكن الاستعمار الانجليزي والإيطالي والفرنسي أجمع على محاصرة سليمان الباروني، فلم يجد حيلة سوى التنكر تحت جواز سفر مغاير لاسمه، فانتقل إلى باريس، ولكن ما إن تفطنت الحكومة الفرنسية إليه حتى فرضت
148 (1/148)
صفحة 149
الإباضية أهل الحق والاستقامة
عليه المراقبة الشديدة، ومنعته من مغادرة فرنسا.
وبعد سنتين قضاها في فرنسا مراقبا، أتيح له السفر لأداء فريضة الحج.
وبطلب من الباروني لزيارة إخوانه العمانيين توسطت له الحكومة العربية لدى السلطات الإنجليزية لتسمح له بزيارة مسقط وعمان وقد رحب بهذه البادرة كل من السلطان تيمور والإمام الخليلي. ووصل عمان أوائل سنة 1926 م، واستقبل استقبالا رسميا حافلا. فكانت هذه اللفتة جديرة بأن تنسيه متاعب الاغتراب، وآلام النفي، ومشاق السفر.
وكان هم الباروني الدعوة إلى جمع الكلمة والاتحاد، وإصلاح الصدع الذي كان يطفو على السطح في العلاقات بين السلطان والإمام من حين إلى آخر، حيث كان موضع الثقة والاستشارة من الطرفين.
عمرو خليفة النامي
هو كاتب كريم وشاعر حالم. مثقف واسع الاطلاع تخرج من كامبردج عام 1971 م وعاد إلى بلاده داعية للحرية ومنافحاً عن الثقافة الإسلامية. لكنه سرعان ما ذاق كلفة اختياراته، وتنقل بين السجون والمنافي، وحتى عندما هجر التدريس جملة واحدة وعاد إلى قريته راعياً للأغنام وضاع خبره منذ 1986 م، فلا أحد يعرف مكانه أو مصيره .. ويعتقد بأن عملاء استخبارات غربية
قاموا بتصفيته.
في سنة 1962 م أكمل عمرو النامي تعليمه الجامعي في ليبيا، وبدأ يستعد لمرحلة الدراسات العليا. وتوجه في بداية الأمر نحو مصر. وفي بريطانيا، وفي جامعة كامبردج قضى عمرو قرابة خمس سنوات كان حصادها التعليمي درجة الدكتوراه في الدراسات: «العربية والإسلامية».
نشرت صحيفة «العلم» ما بين سنة 1968 - 1969 م عدداً من القالات النقدية لعمرو النامي. كانت تدور حول الحضارة الغربية وموقفها من الإسلام والعالم الإسلامي» «الشعر الحديث»
نماذج ليبية.
أنشأها
أما المقالات التي أثارت دوياً هائلاً في تلك الأيام، فهي المقالات التي عمرو النامي بعنوان «رمز أم غمز في القرآن وفيها رد على كتابات للصادق النيهوم، والتي نشرها في صحيفة
149 (1/149)
صفحة 150
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الحقيقة، ونشر بعضها الآخر في صحيفة الرائد وكانت عن «الرمز في القرآن» ومن أكثرها جدلاً مقالته بعنوان «إلى متى يظل المسيح بدون أب حيث أحدثت ردود أفعال في عدة دوائر دينية وصحافية وأدبية.
ومن بين ردود الفعل تلك كانت مقالة عمرو النامي التي أرسلها من مدينة كامبردج ونشرت بـ «العلم» بتاريخ 1969/ 4/18 م وجاء فيها: «ولو إنني أعرف الصادق النيهوم جيداً لكتبت غير هذا عن هذا الأمر، فأنا أعرف الصادق، شخص لا ينطلق من أسس واضحة فيما يفعل أو يكتب، وهو يصنع ذلك استجابة لما يقرأ أو يطرأ عليه من أحوال تكتنف حياته التي لا يحكمها تصور واضح للحياة، أو سلوك ثابت محدود. ولذلك فعندما نشر بعض فصوله عن الرمز في القرآن، حسبت ذلك على ما قدمته من أحواله. وقلت نوبة ستمضي بما جاءت، وهو شيء غير ذي قيمة في الواقع لا من ناحية الجهل والدراسة والبحث العلمي السليم، ولا من حيث آثاره ونتائجه». واتهم النامي قائلاً: إن ما يردده النيهوم قد سبقه إليه الباطنية نظرياً وتطبيقياً.
الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
هو الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، ولد سنة 1899 م في أحضان والدة من عائلة الحكم
بالقرارة.
في 1925 م أسس معهد الشباب للتعليم الثانوي، وفي سنة 1931 م شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وساهم في صياغة قانونها الأساسي، وانتخب عضوا في إدارتها الأولى، إذ أسندت إليه نيابة أمين المال. في سنة 1937 م أسس جمعية الحياة بالقرارة المشرفة على التعليم الابتدائي والثانوي، والمنتظمة والمشرفة على الحركة الفنية والرياضية، والجمعيات الأدبية بها، وما تزال تؤدي رسالتها تلك حتى يومنا هذا.
في سنة 1940 م حكمت عليه الإدارة الاستعمارية بالإقامة الجبرية داخل القرارة لا يبرحها، لمدة أربع سنوات، تفرغ خلالها لتكوين ثلة من الطلاب المتفوقين، أصبحوا من رجالات الأمة المحليين، وقادة الحركة الإصلاحية بالجنوب الجزائري
في سنة 1947 م دخل معترك الحياة السياسية فطالب برفع حكم الإدارة العسكرية عن الصحراء وإلحاقها بالشمال.
10. (1/150)
صفحة 151
الإباضية أهل الحق والاستقامة
انتخب ممثلاً لوادي ميزاب في المجلس الجزائري، وأعيد انتخابه سنة 1951 م. أصبح ما بين 1954 و 1963 م محور النشاط الثوري في ميزاب بعامة، والقرارة بخاصة، يعاونه في ذلك زملاؤه في الحركة الإصلاحية، وأبناؤه الطلبة. وقد وقف وقفة بطولية ضد مؤامرة فصل الصحراء عن الجزائر.
في مارس 1962 م عين عضواً في اللجنة التنفيذية المؤقتة، وأسندت إليه مهمة الشؤون الثقافية إلى يوم تسليم السلطة لأول حكومة جزائرية في سبتمبر من سنة 1962 م.
كان المجتمع الميزابي في أوائل القرن العشرين يعيش تحت وطأة الحكم الاستعماري العسكري، ووطأة الفقهاء الجامدين أولئك، يرهقونه بحكم مستبد وهؤلاء يعرقلون مسيرته بفكر متزمت، مما أدى إلى ظهور سلبيات عديدة في جميع مجالات الحياة.
وكان على العالم أن يواجه كل ذلك بحكمة وصبر، فالناس أو بالأحرى العامة غير مؤهلة لتقاوم الحاكم الاستعماري، ولا أن تجابه النفوذ الديني، وكان الشيخ بيوض، العالم اليقظ، المتفتح على العالم الإسلامي من حوله يتابع بحرص دعوات الإصلاح التي أخذت ترتفع من هنا وهناك من أطراف العالم العربي ولا سيما حركة العلماء المصلحين في الشرق من أمثال الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا، والكواكبي وشكيب أرسلان، وغيرهم ممن ممن أعجب الشيخ بيوض بمنهجهم، وتشرب أفكارهم من خلال آثارهم وكتبهم وقد جمعته الصدف ببعضهم مثل شكيب أرسلان الذي التقى به في الحج سنة (1929) فكان دائم الإشادة بفكره ومواقفه. وكانت خطته في هذا السبيل واضحة وهي التعاون الجاد لإحياء اللغة العربية لغة القرآن شارك الشيخ بيوض مشاركة فعالة في الثورة التحريرية، بما قام به من خدمات جليلة سواء في إطار الحركة في الصحراء أم في اتصالاته المباشرة مع الحكومة المؤقتة في المنفى بواسطة تلامذته
واخوانه
أما المجال الذي برز فيه الشيخ بيوض سياسيا محنكا، ومفاوضا لبقا ووطنيا ثابتا فهو موقفه الذي يشهد به الخاص والعام من القضية الصحراوية إذ حاولت فرنسا حين علمت أن الجزائر مستقلة لا محالة أن تمكر بالجزائريين بفصل الصحراء عن الشمال لما في الصحراء من خيرات أهمها البترول والغاز الطبيعي، وقد حاولت السلطات الفرنسية سواء على مستوى الجزائر أم على
151 (1/151)
صفحة 152
الإباضية أهل الحق والاستقامة
مستوى فرنسا أن تستميل الشيخ بيوض لعلمها بمنزلته العظيمة ولتيقنها بالدور العظيم الذي يقوم به الميزابيون في الاقتصاد الجزائري، ولكن الشيخ بيوض الذي رفض هذه المحاولات، وأفشل هذه الخطط قبل الثورة، ما كان له أن يتلجلج أو يتردد في قول كلمة ليست قوية صارخة في وجه الاستعمار الفرنسي إيماناً منه بأن الصحراء أرض جزائرية، وجزء لا يتجزأ منها. وترك العديد
من الكتب المهمة.
أبو اليقظان، إبراهيم بن الحاج عيسى
أبو اليقظان إبراهيم بن الحاج عيسى، هو أحد رواد الصحافة العربية الجزائرية وأحد
المجاهدين بالكلمة.
ولد بمدينة القرارة جنوب الجزائر في 29 صفر 1309 هـ / 5 نوفمبر 1888 م، في عائلة متدينة
محافظة.
ومع بداية الحرب العالمية الأولى عاد إلى القرارة حيث فتح مدرسة على الطريقة العصرية،
وما لبث أن عاد إلى تونس سنة 1917 م ليترأس البعثة مرة أخرى حتى سنة 1925 م.
وفي هذه الأثناء انخرط في معترك السياسة، وأصبح تلميذاً وفيا للشيخ عبد العزيز الثعالبي، وعضوا في التشكيلة الفدائية السرية التي كانت تتطلع إلى تحرير المغرب الإسلامي من ربقة الاستعمار الفرنسي، فكان عضواً نشيطاً في اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري، وكان في الوقت ذاته يشارك بقلمه في الصحافة بمقالاته ذات الطابع السياسي الوطني مثل (المنير)، (الصواب) التونسيتين، (المنهاج الصادرة بمصر، التي كان يرأس تحريرها زميله وصديقه في الجهاد أبو إسحق إبراهيم أطفيش وكان يتطلع إلى إعلام إسلامي وطني يكون منطلقه الصراع
الحضاري بين الإسلام والصليبية الغربية.
الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي رحمه الله
ولد الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي يوم الخميس 3 أكتوبر 1901 م ببلدة العطف أقدم مدن
وادي ميزاب ولاية غرداية.
تعلم القرآن ومبادئ التوحيد بمحضرة المسجد العتيق بالعطف.
152 (1/152)
صفحة 153
الإباضية أهل الحق والاستقامة
درس العقيدة والفقه وعلوم اللسان على يد عمه الشيخ الحاج عمر بن حمو بكلي بمعهده بالعطف، وبعد ذلك على يد الشيخ يوسف بن بكير حمو علي، خريج جامعة الزيتونية، ثم انتقل إلى العاصمة للاستزادة من العلم. وفي شهر ماي من سنة 1934 عين عضوا في حلقة العزابة بالعطف كان ضمن الجماعة التي أسست بالعطف أول مدرسة نظامية إصلاحية في وادي ميزاب وكان يديرها الشيخ أحمد بن الحاج يحيى بكلي.
وفي سنة 1945 شارك جماعة الإصلاح بالعطف في تأسيس جمعية النهضة وعين رئيساً شرفياً لها ثم في سنة 1946 أسس بمشاركة إخوانه في بريان جمعية الفتح للإشراف على الحركة العلمية بها، وعند اندلاع الثورة التحريرية وامتدادها للصحراء شارك مشاركة فعالة في العمل السياسي والتنظيمي وقد ألقى عليه القبض سنة 1957 م وأطلق سراحه بعد عدة شهور واستمر جهاده متحديا كل الصعاب إلى يوم وفاته. وفي سنة 1966 عين عضواً بالمجلس الإسلامي الأعلى وعضوا في لجنة الإفتاء التابعة لهذا المجلس، تولى رئاسة مجلس عمي سعيد (الهيئة العليا لمساجد الإباضية بالجزائر) بعد أن عجز الشيخ بيوض - رحمه الله ـ عن حضور جلساته في أواخر أيامه ومرض نائبه الشيخ يوسف بن بكير حمو علي - رحمه الله - وفي السبعينيات، بعد أن عجز صحياً عن إلقاء دروس الوعظ والإرشاد اليومية في المسجد، نظم ندوة أسبوعية فقهية في كل يوم أربعاء في منزله يحضرها نخبة من الأساتذة والمرشدين وهي مستمرة إلى يومنا هذا .. وقد توفي في بريان 1 كانون ثاني 1986.
الشيخ سالم بن محمد بن يعقوب
هو الشيخ العلامة المؤرخ سالم بن محمد بن يعقوب من جزيرة جربة بتونس، و (ابن يعقوب)
قبيلته، وهي قبيلة معروفه بجربة ولد بحومة غيزن بجربة في سنة 1321 هـ / 1903 م. يعد الشيخ سالم آخر عضو من أعضاء حلقة العزابة بجربة، فهو «بقية السلف الصالح» كما وصفه تلميذه الشيخ فرحات الجعبيري، ويذكر الشيخ الجعبيري أنه أخذ عن الشيخ سالم كل ما يتعلق بالإباضية، ووصفه بقوله: « ... وما رأيت من أهل العصر من هو أكثر منه إلماما بخفايا تاريخ
الإباضية أ. هـ.
153 (1/153)
صفحة 154
الإباضية أهل الحق والاستقامة
وللشيخ سالم العديد من الأعمال والمؤلفات منها: تاريخ جزيرة جربة» يقع في ثلاثة أجزاء، وقد طبع الجزء الأول والثاني تحت الطبع، والثالث لا يزال مخطوطاً، ومن أعماله تحقيقه لكتاب بدء الإسلام وشرائع الدين لابن سلام، وقد اشترك معه في ذلك المستشرق الألماني شفارتز،
وجهة نظر إباضية»، ومن
وقد تم طباعته، وطبع طباعة أخرى غير شرعية تحت عنوان محرف وهو: «الإسلام وتاريخه من أعماله: دروس عن تاريخ جربة ألقيت في سنة 1384 هـ / 1964 م ولا يزال مخطوطاً، ومن أعماله: تقييدات عن نشأة الإباضية»، و «تقيدات عن تراجم بعض علماء الإباضية»، و «تقييدات عن المدارس العلمية بجربة» وهذه الأعمال الثلاثة لا تزال مخطوطة، وله أعمال أخرى.
وقد ذكر أصحاب المعجم أنه توفي في سنة 1408 هـ / 1988 م، وذكر محمد قوجة ـ محقق كتاب علماء جربة للشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي» - أنه توفي في ليلة الأحد 27 من يناير 1991 م، والظاهر أن ما ذكره الباحث محمد قوجه هو الأرجح حيث أنه من جزيرة جربه، ومعروف عنه الدقة في البحث، وكذلك والده مقرب جدا من الشيخ سالم كما حدثنا شيخنا أحمد مصلح، وقد
كان عمره عند وفاته 88 عاماً تقريباً، والله أعلم.
قاسِمُ بنُ سَعِيدٍ بن قاسم (رائد الصحافة الإباضية)
قَاسِمٌ بنُ سَعِيدٍ بنِ قَاسِمِ مُفَكِّرٌ مُصْلِح وكاتِبٌ أدِيبٌ. وُلِدَ
بقاهِرَةِ مِصْرَ 1857 م، عاصر أواخر العهد العُثْمَانِيِّ التَّرْكِيّ الذي تَنَازَعَتْهُ قوى الاستعمار فَمَا لَبِثَ أنْ تَهَاوَى سنة 1342 هـ / 1942 م بَعْدَ أن كان مسيطراً على جُلِّ العالَمِ العَرَبِيّ، وآخِرُ سَلاطِينِهِ: عَبْدُ الْحَمِيدِ بن عَبْدِ الْمَجِيدِ. وَرِثَ أباه في مَنْصِبه، إِذْ عَيَّنَتْهُ الدَّوْلَةُ التونسيَّة قُنْصُلاً عاماً لَهَا بِمِصْرَ، إضافةً إلى اشتغالِهِ فِي عِدَّةِ وظائف مَرْمُوقة أهَلَتْهُ لَهَا معرفته باللغة الإنجليزية وفي إطار انتمائه المذهبي عاصَرَ جُمْلَةً من السلاطين، كان أبْرَزَهُم: السلطانُ فَيْصَلُ بنُ تُرْكِي بن سعيد بن سُلْطَان 1305 - 1331 هـ في عُمان، والسلطانُ عَلِيُّ بنُ حُمُود بن مُحمّد (1320 - 1329 هـ) في زِنْجِبَارِ، وَلَهُ مُخَاطَبَاتٌ إليهم. قال الشيخ علي يحيى مُعَمَّر: «وكانَ مِنَ العَمَالِقَةِ الذين أنْجَبَتْهُمْ يَفْرِنُ في أَواخِرِ العَصْرِ التَّرْكِي: العلامةُ قاسِمُ بنُ سَعِيدٍ الشَّمَّاخِيُّ؛ نَزِيلٌ مِصْرَ، وقد كَوَّنَ هذا العلامةُ رَجَّةٌ فِي مِصْرَ شَغَلَتْ أَربَابَ الفِكْرِ والعِلْمِ والأدب رَدْحاً مِنَ الزَّمَن، وكان إلى جَنْبِهِ الأديبُ الصُّحُفِيُّ الْمَصْرِيُّ مصطفى بن (1/154)
صفحة 155
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إسْمَاعِيلَ، وَكَانَ الرَّجُلانِ يُكَوِّنَانِ تُنَائِيّاً مُنْدَفِعاً في كِفَاحِ الأباطيل والخرافات والبِدَعِ بِقُوَّةٍ وعَزْمٍ.
وتُوفَ بِمِصْرَ، 1912 م.
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي
أمضى الإمام الجيطالي حياته الأولى في التنقل بين مدن الجبل - مدرساً ومربياً، وداعياً ومذكراً، على عادة علمائه.
وقصد طرابلس في بعض أمره فلم يقر بها حتى أودعه حاكمها السجن.
وذكر الشماخي أنه (بقي في السجن مدة (بقي في السجن مدة، وأنشد قصيدة مدح بها ابن مكي صاحب قابس وكانت جزيرة جربة تحت يده، فتشفع فيه عند صاحب طرابلس فأطلقه) وذكر في موضع آخر: (إن أبناء أبي زكريا بن أبي مسور قد تسببوا في إطلاقه من السجن، وتحملوا معه مالاً مع ما تقدم من مدحه لأبن مكي فقدم جربة، وقصد بها أبناء أبي زكرياء بن أبي مسور (ونزل الجامع الكبير، وتلقاه علماء الجزيره بأحسن لقاء، وأجتمعت عليه الطلبة، وكان يقرأ ويصنف في المجلس الواحد، وأقام في المسجد في غاية الاجتهاد) وتوفي رحمه الله بجربة سنة سبعين وخمسمائة ودفن بمقبرة الجامع الكبير المذكور.
D
من اليسار إلى اليمين: الشيخ بيوض، الشيخ أبو اليقظان، والشيخ عدون رحمهم الله.
الشبكة المزابية.
100 (1/155)
صفحة 156
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الشيخ بيوض بجانب المجاهد الأستاذ فرحات عباس أثناء حفل استقباله في زيارته إلى مزاب. الشبكة المزابية.
الشيخ بيوض اثناء حضوره لأحد الأعراس و الشبكة المزابية. (1/156)
صفحة 157
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الشيخ بيوض مع نجله أحمد في تونس عام: 1953 م. الشبكة المزابية.
الشيخ بيوض بعد خروجه من السج الشبكة المزابية.
157 (1/157)
صفحة 158
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الشي
خ بيوض بعد خروجه من السجن. الشبكة المزابية.
الشيخ بيوض بعد خروجه من السجن. الشبكة المزابية.
158 (1/158)
صفحة 159
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الشيخ بيوض مع جمع من أبنائه و تلاميذه بعد خروجه من السجن. الشبكة المزابية.
الشيخ بيوض بعد خروجه من السجن. الشبكة المزابية.
159 (1/159)
صفحة 160
الإباضية أهل الحق والاستقامة
O
الشيخ بيوض بعد خروجه من السجن. الشبكة المزابية.
الشيخ بيوض ابراهيم الشبكة المزابية.
17. (1/160)
صفحة 161
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الشيخ ابراهيم بيوض الشبكة المرابية.
161 (1/161)
صفحة 162
الإباضية أهل الحق والاستقامة
صورة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش
الإمام أبو إسحاق أطفيش رحمه الله تعالى الثالث من اليمين
162 (1/162)
صفحة 163
الإباضية أهل الحق والاستقامة
صورة للأعضاء المشاركين في المؤتمر الإسلامي العام الذي انعقد في القدس عام 1931 م، ويظهر فيه الشيخ أبو إسحاق الرابع من اليسار
للموتيات قادم
زيارة الشيخ أبي إسحاق وطنه غداة الاستقلال .. بعد سنوات من النفي
163 (1/163)
صفحة 164
[صفحة فارغة] (1/164)
صفحة 165
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث السادس
الكتب الإباضية
بدأ التدوين والتأليف عند الإباضية في وقت مبكر. فقد ألف الإمام جابر ديواناً ضخماً. الحديث سمي بالديوان جمع فيه رواياته وآراءه على ما تقول كتب التاريخ، وضمنه الأحاديث التي رواها عن الصحابة والتابعين. وبقيت هذه النسخة في حوزة تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ثم توارثها أئمة الإباضية في البصرة إلى أن استقرت في مكتبة بغداد التي أحرقها التتار فيما بعد، ويزوى أن أحد علماء المغرب قام بنسخه وأحضره إلى جبل نفوسة في ليبيا، ولكن تلك النسخة ضاعت أيضا. وعلى ضوء هذه المعلومات فإنه يمكن القول بأن الإباضية كانت من أول المدارس الإسلامية التي عنيت بتدوين الحديث ولعل بعض المؤلفات والتي لا تزال مخطوطة والمروية عن جابر بن زيد هي قطع من هذا السفر الكبير. وجاء بعده الربيع بن حبيب الذي جمع أحاديث النبي) التي رواها عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد في كتابه المعروف بمسند الربيع بن حبيب، ولا يزال هذا الكتاب بالإضافة إلى كتب السنة الأخرى معتمد الإباضية في السنة. وألف عبد الرحمن بن رستم تفسيرا للقرآن، كما ألف هود بن محكم الهواري أيضاً تفسيرا للقرآن، وألف أبو اليقظان محمد بن أفلح عدة كتب في الاستطاعة، وألف أبو غانم بشر بن غانم مدونته في الحديث والآثار التي رواها عن سبعة من تلاميذ أبي عبيدة وهو من الكتب المطبوعة. كل هذا في القرون: الأول والثاني والثالث ثم توإلى التأليف في مختلف فروع الثقافة الإسلامية من كل عصر من العصور التالية. وفي ما يلي جدول يبين أهم كتب الإباضية المخطوطة والمطبوعة.
بعض مؤلفات الإباضية
• جامع أبي الحواري - محمد بن الحواري
?? ? (1/165)
صفحة 166
الإباضية أهل الحق والاستقامة
•
لباب الآثار - مهنا بن خلفان
الجامع المفيد - أبو سعيد الكدمي
مكنون الخزائن - موسى بن عيسى البشري
• المصنف - أحمد بن عبد
الله
الكندي
قاموس الشريعة - جميل بن خميس السعدي
• منهج الطالبين - خميس بن سعيد الشقصي. بيان الشرع - محمد بن إبراهيم الكندي
• الضياء ـ سلمة بن مسلم العوتبي الكشف والبيان - محمد سعيد القلهاتي
•
•
• جامع ابن جعفر ـ ابن جعفر
المعتبر - أبو سعيد الكدمي
الاستقامة - أبو سعيد الكدمي
• معارج الأمال - نور الدين السالمي • حاشية الترتيب - أبوستة
• جامع البسيوي ـ أبو الحسن البسيوي
الإيضاح - عامر الشماخي
النيل وشفاء العليل - عبد العزيز الثميني
• شرح النيل - محمد بن يوسف أطفيش • العدل والإنصاف - أبو يعقوب الوارجلاني
كتاب المسند
كتاب المسند ويطلق عليه الإباضية الجامع الصحيح، وهو من وضع إمامهم الربيع بن حبيب. وهو أهم وأشهر مصادر الإباضية.
كان المسند في أول أمره مخطوطا، ولم يكن مرتباً أو مصنفاً على نحو موضوعي، وإنما كان
166 (1/166)
صفحة 167
الإباضية أهل الحق والاستقامة
مرتباً على طريقة المسانيد حتى جاء أبو يعقوب يوسف الوارجلاني (من وارجلان بالجزائر) فأعاد ترتيب الأحاديث على نحو موضوعي على طريقة الجوامع فقام بجمع الأحاديث على حسب أبواب الفقه المعروفة على النحو الذي وصل إلينا.
والمسند المتداول اليوم مقسم إلى أربعة أجزاء.
الجزءان الأول والثاني هما أصل الكتاب وفيهما 750 حديث تقريباً.
أما الجزآن الثالث والرابع فقد ضمهما إلى المسند الأصلي المرتب أبو يعقوب الوارجلاني. فمما جاء في الجزء الثالث آثار احتج بها الربيع على مخالفيه في مسائل مختلفة من الاعتقاد وغيرها. وعدد هذه الآثار مائة وأربعون. وأما الجزء الرابع فيشمل روايات محبوب بن الرحيل القرشي عن الربيع بن حبيب وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني ومراسيل جابر بن زيد وعدد هذه الروايات مائة وثلاث وعشرون.
مكانة مسند الربيع بين كتب الحديث يرى الإباضية أن مسند الربيع بن حبيب من أصح كتب الحديث سندا لأن معظم الأحاديث رواها الإمام الربيع عن شيخه أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أحد الصحابة، وقد وردت في المسند بعض الأحاديث التي رواها أبو عبيدة عن آخرين غير جابر إلا أنها قليلة.
وقد ذكر أئمة الحديث أن رُتب الحديث الصحيح تتفاوت. فالمرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث بأن أصح الأسانيد هي الأسانيد الثلاثية. • سند الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن الرسول ().
، وسند إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود عن الرسول (صلى الله عليه وسلم). • وسند مالك عن نافع عن ابن عمر عن الرسول (ل) لأن هذه الأسانيد قصيرة السند واشتهر رجالها بقوة الحفظ والضبط وكمال الصدق والأمانة.
وإذا تتبعنا الأحاديث التي رواها الربيع في الجزء الأول والثاني في المسند لوجدنا أن معظمها ثلاثية السند ورجالها من أوثق الرجال وأحفظهم وأصدقهم. فالأحاديث الثلاثية التي في المسند رواها الإمام الربيع أغلبها عن أبي عبيدة عن جابر عن أحد الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وسلم). ومن هذا يعتبر الإباضية أن الأحاديث الواردة في الجزأين الأول والثاني من المسند هي من أصح الأحاديث
167 (1/167)
صفحة 168
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الواردة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويعتبرونها أعلى درجة من الأحاديث التي رواها الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله.
ورغم أن الأحاديث التي في المسند ثلاثية ورجالها مشهورون بالثقة، والحفظ والضبط وأن أغلب الأحاديث مروية في كتب السنة الأخرى إلا أننا لا نجد لهذا الكتاب ذكرا عند أكثر المهتمين بعلوم الحديث - لا في القديم ولا في الحديث - بل إن من المهتمين بعلوم الحديث من لم يسمع عنه مطلقاً.
فجمهور علماء الأمة الذين اهتموا بتتبع أحوال رواة الحديث واقتفاء آثارهم جرحاً وتعديلاً قد أهملوا أو أغفلوا ذكر الربيع بن حبيب في كتب الجرح والتعديل عدا ما قاله يحيى بن معين في كتابه
«التاريخ» حيث قال: (الربيع بن حبيب يروي عن الحسن وابن سيرين وهو ثقة)
وعدا بعض من ذكره من أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري.
وقد سئل أستاذ معاصر متخصص في علوم الحديث عن مسند الربيع بن حبيب فكان رده: سمعت عنه ولم أره. وسئل آخر وهو رئيس قسم التفسير والحديث في إحدى الجامعات المعتبرة عن الربيع ومسنده فأجاب: من الربيع وما مسند الربيع؟.
إن الإباضية أنفسهم قد قصروا في نشر فكرهم، والتعريف بمذهبهم في القديم والحديث إلا ما رأيناه في السنوات الأخيرة من طباعة بعض كتب الإباضية وما قامت به وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عُمان من طباعة بعض أمهات الكتب عند الإباضية.
ورغم وجود هذه الكتب إلا أننا نذكر أنه يوجد من الباحثين والمفكرين والفقهاء المعاصرين من يعرف عن الإباضية تاريخا وفكرا وعقيدة ومع ذلك يحاول ـ عن قصد أو غير قصد - تهميش الفكر الإباضي والتعتيم عليه والرد عليه بطريقة غير موضوعية ولا علمية.
وهناك بعض الأسباب التاريخية التي من أجلها لم يُعرف الإمام الربيع بين المحدثين المسلمين، ولم يعرف كتابه ضمن كتب الحديث رغم أنه من أوائل كتب الحديث التي صُنفت ومن هذه
الأسباب:
•
اعتبار الإباضية إحدى فرق الخوارج المبتدعة الضالة مما أدى إلى تجنب المحدثين الرواية عنه لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعاً وداعياً لبدعته.
168 (1/168)
صفحة 169
الإباضية أهل الحق والاستقامة
• عزلة فرضها الإمام الربيع على نفسه بإغلاق الباب في وجوه طلبة العلم من غير أصحابه. . قلة مصادر تاريخ الإباضية بذهاب كثير منها نتيجة التعصب والظلم والحسد وحرق المكتبات.
ظلم الولاة والحكام الذين تسلطوا على الأمة الإسلامية في العصور الأولى وسياستهم الجائرة التي طاردت كل من رفع صوته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكرهوا الأمة فيمن يقول بجواز الخروج على الحاكم ووصفوه بالخروج من الدين.
بعض الكتب الإباضية المفقودة
نتيجة للتعصب المذهبي وحرق المكتبات على مر العصور فقد فقدت كثير من كتب الإباضية التي تحمل أصولهم وتاريخهم وخصوصا التي تتحدث عن علماء الإباضية فكم من عالم مشهور لا يعرف تاريخ مولده ولا وفاته بل ولا عن شيوخه وتلاميذه شيئا. ومن أمثلة الكتب المفقودة
• ديوان جابر بن زيد
كتاب ضمام بن السائب
• جامع أبي صفرة عبد الملك بن صفرة
• كتب الشيخ محبوب بن الرحيل
• كتاب النهروان
عدة كتب لأبي يعقوب الوارجلاني
• شرح مرج البحرين للبدر الشماخي
• كتاب الخزانة لبشير محمد بن محبوب في سبعين جزء.
كتاب الكفاية للشيخ محمد بن موسى بن سليمان الكندي في 51 جزء. • يوجد جزء منه بمكتبة محمد بن أحمد ويقال أنه احترق بنزوى في حروب العجم.
• كتاب الذخيرة للشيخ أحمد بن عثمان الكندي.
• كتاب التاج تأليف عثمان بن أبي عبد الله الأصم في أكثر من أربعين جزء يوجد منه الجزء
السادس والعشرون فقط بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة بعمان
169 (1/169)
صفحة 170
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كتاب الأشياخ وهو عبارة عن فتاوى مجموعة من العلماء كانوا
• مرابطين بحصن دما (السيب حالياً).
كتاب الإمامة للشيخ العوتبى صاحب كتاب الضياء.
قرى البصر في جمع المختلف من الأثر للشيخ عبد الله بن أحمد بن الخضر
4
• كتاب الوصيد في ذم التقليد للشيخ عبد الله بن أحمد بن الخضر • كتاب الرقاع في أحكام الرضاع، للشيخ عبد الله بن أحمد بن الخضر
170 (1/170)
صفحة 171
تهميش الفكر الإباضي
الإباضية أهل الحق والاستقامة
البحث السابع
الإباضية بين المسلمين
من الواضح أنه هناك تهميش قديم - حديث للفكر الإباضي. فكثير من المسلمين لم يسمعوا بوجود هذه الأمة الصغيرة من المسلمين التي تشكل مذهباً إسلامياً فريداً من نوعه.
يقول الدكتور عمرو خليفة النامي في مقدمة تحقيقه لكتاب أجوبة ابن خلفون:
لَعَلَّهُ
من الإنصاف أن نقرر هنا حقيقة هامة. هي أن المذهب رغم تلك الجفوة التي اصطنعتها ظروف السياسة في تاريخ الأمة الإسلامية بينه وبين سائر مذاهب الأمة .. يمثل في
واقعه أقرب صورة إلى حقيقة الإسلام الأصيل، في عقائده وفقهه ومسلك أتباعه ..... لقد أصاب الفكر الإباضي قدر كبير من التشويه، ولعل من أهم أسباب ذلك أن الإباضية الأوائل لم يكونوا على وفاق مع الأمويين بعد أن ألصقت بهم تهمة الخوارج والابتداع، ولعل هذا ما جعل أهل الحديث وفقهاء المدارس الأخرى يعرضون عن الروايات والآراء الإباضية إعراضا شبه
تام.
فمن يقرأ في كتب الفقه عند غير الإباضية لا يجد ذكرا للرأي الإباضي إلا فيما ندر، ومن يطالع في كتب الحديث لا يجد إشارة إلى أي محدثين إباضية إلا قليلا. وهكذا تعاقبت الأجيال على جهل کامل بالفكر الإباضي.
ومن أمثلة ذلك أن مسند الإمام الربيع وهو حجة الإباضية في الحديث والفقه لا زال مجهولا عند كثير من المهتمين بالحديث، رغم أن كثيراً من الأحاديث نجدها مشتركة بين أهل السنة
وجماعة الإباضية.
171 (1/171)
صفحة 172
الإباضية أهل الحق والاستقامة
فالإباضية أنفسهم يتحملون نصيباً من جهل الناس لهم بسبب تقصيرهم في نشر فكرهم والتعريف بمذهبهم فيما سبق من الزمان. واليوم، ورغم أن دولة عمان الخليجية تمتلك القدرات الإعلامية الكبيرة، فلا نجد عندها اهتماماً ملموساً بنشر الوعي بهذا المذهب الإباضي.
فلماذا لم تنتشر آراء الإباضية قديما كما انتشرت غيرها من الآراء؟
هناك أسباب كثيرة نذكر بعضها:
1 - اهتمام أهل السنة بكتابي البخاري ومسلم وشروحهما وجعلهما كأساس للسنة. 2 - جرى اعتبار الإباضية من الفرق المبتدعة الضالة، مما أدى إلى تجنب كثير من المحدثين الرواية عنهم لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعا.
وكما تركوا الرواية عنهم تركوا ذكر كثير من رجالهم والقلة المذكورة لم تسلم في الغالب من الجرح. وهذا بدوره جعل بقية المسلمين يعرضون عن الفكر الإباضي ويرفضونه. - قلة مصادر تاريخ الإباضية
- تبني دولا إسلامية لمذاهب معينة تنقل آراءها وتنشرها.
ه - منع كتب الإباضية من دخول بعض الدول الإسلامية.
6 - ثقة بعض الكتاب المعاصرين بما كتبه الأقدمون حول الفرق ومن بينها الإباضية. انحسار الإباضية في مناطق بعيدة عن مراكز السياسية
- ضعف العلاقة الاجتماعية بين المجتمعات الإباضية وبقية المجتمعات الإسلامية. 9 - اكتفاء أتباع كل مذهب إسلامي بما ورثوه من فكر ديني، وعدم اللجوء إلى البحث والتقصي والمقارنة والإطلاع على فكر وعقائد المذاهب الأخرى. إذ يعتقد المسلم بأن اطلاعه أو
دراسته لعقائد المذاهب الأخرى قد يؤدي إلى الشك بمذهبه أو الخروج عنه.
المسلمين وغير المسلمين
ينقسم الناس في الفكر الإباضي إلى قسمين أساسيين: مسلمين وغير مسلمين.
غير المسلمين برأي الإباضية هم كل من لم يرض بالله رباً أو بمحمد رسولاً أو بالإسلام ديناً وهي ا الجمل الثلاث التي يشترطها الإباضية للخروج من الشرك إلى الإيمان:
172 (1/172)
صفحة 173
الإباضية أهل الحق والاستقامة
(شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله
وأن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله).
فلا ينتقل غير المسلم إلى أن يكون في جملة المسلمين إلا بإيمانه وإذعانه لتلك الجمل الثلاث. ويدخل في جملة غير المسلمين المشركون عبدة الأصنام والأوثان والملحدون وأهل الكتاب اليهود
والنصارى والمجوس. ويطلق الإباضية على غير المسلمين أسماء المشركون والكافرون والكفار، وبطريق الأولى هم مستحقون لأوصاف الفساق والمنافقون والظالمون، وعند اقتران اسم المشركين وأهل الكتاب فالمراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى. وبالمشركين غيرهم من عبدة الأصنام والأوثان، وهو إطلاق اصطلاحي لاختلاف اليهود والنصارى عن غيرهم في بعض الأحكام الدنيوية الواردة في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله
المسلمون في الفكر الإباضي: هم كل من رضي بالله تعالى رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً.
وأذعن للجمل الثلاث: (شهادة أن لا إله إلا الله
وإن محمداً رسول الله
وأن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله).
هذه الجمل التي لا يكون الإنسان مسلماً إلا بالإيمان بها.
وإذا كان الإنسان قد نشأ في بيئة مسلمة أو ولد لأبوين مسلمين فإنه لا يطالب بالنطق بتلك
الجمل بل يحكم عليه بأنه مسلم ويعامل معاملة المسلمين ما لم يبدر منه خلاف ذلك، أما إذا لم ينشأ في بيئة مسلمة أو لم يكن أبواه مسلمين فإنه لا يكون مسلماً في نظر المسلمين إلا إذا نطق بتلك الجمل، وكذلك إذا ارتد عن الإسلام وثبت عليه ذلك فإنه لا يرجع إلى بيت الإسلام إلا بمعاودة نطقه بتلك الجمل.
ويطلق الإباضية على المسلمين أسماء:
173 (1/173)
صفحة 174
الإباضية أهل الحق والاستقامة
المسلمين
والمؤمنين
وأهل التوحيد
وأهل القبلة،
وهي
والفقهية.
أسماء يدخل فيها كل المسلمين باختلاف مذاهبهم وآرائهم ومدارسهم العقدية
فإذا كان الإنسان مسلماً فإن له جميع حقوق المسلمين
ولا يفرق الإباضية إطلاقا بين إباضي وغيره في هذه الحقوق.
وإذا حدث واعتقد غير المسلم شيئاً من العقائد المخالفة لما يعتقد الإباضية صوابه فإن الإباضية يرون أن واجبهم ومن حقوقه كمسلم إيضاح العقيدة الصحيحة له ودفع الشبه التي جعلته يعتقد غير الحق، ولكن ذلك لا يخرجه من جملة المسلمين ولا ينقصه شيئا من حقوقه كمسلم فإن القاعدة التي يتمسك بها الإباضية أن من دخل الإسلام بيقين فلا يخرج من الإسلام إلا بيقين مثله، فما دام هذا المخالف له دليله الذي يستند عليه ولو كان أوهى من خيط العنكبوت فإن ذلك كاف في أن
يبقيه في جملة المسلمين. وفي ذلك يقول الإمام السالمي:
ادا
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتق فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمن إلا إذا ما نقضوا المقالا واعتقدوا في دينهم ضلالا قمنا نبين الصواب لهم ونحسبن ذاك من حقهم فما رأيته من التحرير في كتب التوحيد والتقرير رد مسائل وحل شبه جاء بها من ضل للمنتبه قمنا نردها ونبدي الحقا بجهدنا كي لا يضل الخلقا لوسكتواعنا سكتنا عنهم ونكتفي منهم بأن يسلم
وا
174 (1/174)
صفحة 175
المخالفين
الإباضية أهل الحق والاستقامة
يطلق الإباضية على المخالفين لهم من المسلمين اسم المخالفين ويقابلها الموافقون أو القوم ويقابلها الأصحاب.
فيكثر في كتب الفقه: ذهب قومنا إلى ... وذهب أصحابنا إلى .... وقد يطلقون عليهم اسم مبتدع أو كافر كفر نعمة، وهذا الاسم الأخير يطلقه الإباضية أيضاً على الإباضي المرتكب للكبيرة، وهو لا
يعني الشرك وإنما هو مجرد اصطلاح ويقابله عند غير الإباضية اصطلاح (كفر دون كفر). ولا يخرج الإباضية مخالفيهم من الإسلام ولا يسقطون شيئاً من حقوقهم كحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم فلا يستحلون قتالهم أو غنيمة أموالهم أو سبي ذراريهم ولا يحرمون تزويجهم والتزوج منهم ويبيحون إعطاء الزكاة لهم، ولهم حقوقهم كاملة في الميراث والقصاص والديات ولهم حق الصلاة لهم ودفنهم في مقابر المسلمين. ولم يحدث قط أن حكم عالم من علماء الإباضية على أحد من المخالفين بالشرك والخروج من الإسلام إلا ما حدث من الإمام هارون بن اليمان من علماء إباضية حضرموت في القرن الثالث الهجري فإنه ألف رسالة حكم فيها على المشبهة والمجسمة بالشرك، وحجته في ذلك أن الله تعالى لا يوصف بصفات البشر من لزوم الأعضاء له، فإذا جاء من يصف الله تعالى بأن له أعضاء حسية كاليد أو الرجل أو العين أو الوجه فهذا يعني أنه يعبد إلهاً غير الذي نعبده إذ إن الله عز وجل الذي نعبده لا يتصف بتلك الصفات، وما دام الأمر كذلك فهو إذن ليس بمسلم.
النظر في الحديث
يقول الشيخ (الإباضي) أحمد الخليلي
للنظر هل الحديث يقول بأنه يُرفض شيء ثابت عن النبي، أو يقول بأن معرفة التمييز بين الصحيح وغيره من جملة طرقه أن نرجع إلى القرآن لننظر في موافقة الرواية للقرآن وعدم موافقتها، ثم للنظر في مسلك الصحابة رضوان الله عليهم، نحن نرى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع قرب عهدهم بالمنبع بالرسول صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحرصون كل الحرص على أن يأخذوا بالرواية التي لا تتعارض مع القرآن، وعندما تأتيهم رواية يشتموا منها أي معارضة
للقرآن لا يقبلون ذلك.
175 (1/175)
صفحة 176
الإباضية أهل الحق والاستقامة
إن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه ردّ حديث فاطمة بنت قيس، مع أن فاطمة بنت قيس صحابية. وقد روت عن النبي الله أنها طلقت في عهده طلاقاً بائناً ولم يفرض لها نفقة ولا سكن فقال عمر رضي الله عنه: لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت.
هذا مع
أنه
ليست هنالك واسطة بينها وبين النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، إنما تلقت. الحكم من النبي صلوات الله وسلامه عليه والحكم مباشر، ولم يكن هذا الحكم حكماً في غيرها وإنما كان حكماً فيها. وصاحب القصة هو أولى بأن يحفظ.
رضي
ها الله
الله
كذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ردت رواية ابن عمر بل ردت رواية عمر عنه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. وقالت في عبد الله بن عمر: ... يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكن ليكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لعله سمع يقول في المرأة اليهودية التي مر على أهلها يبكون عليها إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب
ببكائهم عليها .....
النبي
هي ردت الرواية فقالت: حسبكم القرآن وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]. كذلك عندما سئل جابر بن زيد رحمه الله عن حديث تحريم ذوات الناب من السباع أو حديث الحمر الأهلية نسيت ذلك هو في صحيح مسلم قال: « ... قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر قال: لا نترك كتاب الله لقول أعرابي إلى آخره ... ». فإذا كان هؤلاء الصحابة يرفضون روايات جاءت من طرق صحابة ثقات، فهل هؤلاء في ميزان الألباني الذين كانوا يردون سنة النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً للهوى .. ؟. أو أنهم كانوا يحرصون على السلامة، ثم نجد التناقض ما بين هذا الذي قاله الألباني هنا وما بين ما قاله في كتاب (آداب الزفاف نجد التناقض بيناً.
ففي كتاب آداب الزفاف تعرّض لحرمة الذهب على النساء بناء على رأيه الذي خالف به إجماع الأمة، حيث يقول إن الذهب حرام على النساء، مع أن بعض العلماء نقلوا الإجماع على خلاف هذا الرأي، ومن الذين نقلوا ذلك الحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر العسقلاني نقلوا الإجماع على إباحة الذهب للنساء، فهو اعترض على رواية الإجماع وقال بأن رواية الإجماع لا تصح، ونقل عن ابن القيم بأنه يجب أن ينظر في رواية الإجماع فلا تقبل أي رواية للإجماع فإنه لا إجماع إلا إن
176 (1/176)
صفحة 177
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كان له أصل من السنة، ولا سنة إلا إن كان لها أصل من الكتاب، نجد التناقض بين ما ذهب إليه
هنا وهناك. فإذن كثير من أئمة الحديث أو علماء الحديث وقعوا في الكثير من التناقضات. ثم إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة في ذلك الوقت وكانت متسلطة في ذلكم العصر، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين بحيث كان لهذا
الراوي موقف معين، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل. فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية مجردة من الأهواء، فأنا أعجب عندما أقرأ مثلاً في كتب نقد الرجال ما يحكيه البعض من أن عمرو بن عبيد كان عندما يصلي أمام الناس يصلي صلاة الخاشع القانت الأواه وعندما يصلي بنفسه يصلي صلاة فيها لعب وفيها تلفت وفيها وفيها ... إلخ مع أن عمرو بن عبيد كان رجلاً مشهوراً بالزهد، ولكن هذا إنما راجع إلى العصبية لأن الرجل كان معتزلياً وبسبب كونه معتزلياً أصحاب الحديث لا بد أن يقدحوا فيه وأن يرموه بهذه التهم هذا أمر يجب أن ينظر فيه، وأن يعاد النظر في رواية
الأحاديث.
التفسير المسند إلى أدلة
يقول الشيخ (الإباضي) أحمد الخليلي
بالنسبة للتفسير فالتفسير على أي حال إما أن يكون مستنداً إلى أدلة ثابتة، وإما أن يكون بخلاف ذلك، ما كان مستنداً إلى الدليل الثابت فعلينا أن نقبله، ولكن أن يرد حكم جاء به القرآن الكريم، أو قضية نص عليها القرآن الكريم لأجل أن السواد الأعظم لا يرى ذلك، هذا أمر فيه
خطر كبير.
قول الله تعالى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدُ ا هل يمكن أن يخصص؟؟ قوله لَمْ يَلِد عام لم يلد أي أحد، هل يمكن أن يكون ذلك مخصصا بسبب أن هذا اللفظ لفظ عام، وأن تكون هذه الدلالة دلالة ظنية، وأن يعذر من نسب إلى الله تعالى ولداً. كذلك لم يلد، كذلك لو وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ» هل يقال بأن هذه الدلالة
دلالة ظنية؟
177 (1/177)
صفحة 178
الإباضية أهل الحق والاستقامة
و فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الله هذا أيضاً لفظ عام نفي لكل إله إلا الله سبحانه وتعالى، هل
يقال بأن هذا النفي ظني؟ وأن هذه الدلالة دلالة ظنية؟
إلى غير ذلك. هذه أمور يجب أن يعاد النظر فيها.
لا بد من أن يُفرق ما بين الفروع والأصول، الأصول الثابتة لا يمكن أن يتناولها التخصيص، وإنما يؤخذ بعموم الأدلة فيها والله تعالى أعلم.
فترة جمود الإبداع
يقول الشيخ (الإباضي) أحمد الخليلي:
مرت فترة جمدت حركة الإبداع عند هذه الأمة وقل النظر والاجتهاد، وسلّم الناس تسليماً بكل ما وجدوه عن أسلافهم. وقد وصلت المغالاة في ذلك إلى حد بعيد، ولا أدل على هذا مما نجده من النصوص المبعثرة في كتب العقيدة وكتب التفسير وغيرها، تلكم النصوص التي تجعلنا نحار في أمرها وفي أمر قائليها. نصوص عجيبة نجد مثال ذلك ما يقوله الصاوي في حاشيته عن الجلالين أنه يجب على جميع الناس أن يقلدوا الأئمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل، ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة. هذا كلام في منتهى الخطورة، ينسف ما يدل عليه القرآن، ويُنسف ما جاءت به السنة الصحيحة، وتُنسف أقوال الصحابة الذين هم خير جيل من أجل قول أربعة أئمة اجتهدوا وبذلوا جهدهم من أجل الوصول إلى الحقيقة والوصول إلى الحق، ولكن لم يدعوا لأنفسهم العصمة، ولم يدعوا لأنفسهم السلامة من الخطأ في أي يوم من
الأيام، بل هم كانوا يدعون أتباعهم إلى النظر والاجتهاد مثل هذا قول الزرقاني في جوهرته: وواجب تقليد حبر منهم كما روى القوم بلفظ يفهم ومن أعجب الأمور أن نرى التناقضات المجيبة عند كبار العلماء المحققين أحياناً، نرى ما نعجب منه، على سبيل ذلك الفخر الرازي يقول بأن دلالة الألفاظ دلالة ظنية، ذلك لأن الألفاظ تفتقر إلى نقل اللغات ومعانيها بهذه النقول هي نقول أحادية ولما كانت نقولاً أحادية والأحاد مظنون، وما بني على الظني لا يتجاوز إلى مرتبة القطعي، لنسكت هذا رأي رآه لنسكت عنه. لكن ما الذي فرع عليه فيما بعد؟؟ عندما يأتي إلى قول الله سبحانه وتعالى لا تُدْرِكُهُ
178 (1/178)
صفحة 179
الإباضية أهل الحق والاستقامة
الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. يقول إن الله تبارك وتعالى تمدح هنا بنفي إدراك الأبصار له، تمدح بنفي الرؤية عنه، والله سبحانه وتعالى لا يتمدح بنفي مطلق إنما يتمدح بحقيقة ثابتة لا بالعبث، ولما كان متمدحاً بنفي الرؤية ولا يمتدح سبحانه وتعالى بنفي محض، فإذن هذا دليل على إمكان الرؤية. والأمة اختلفت منهم من قال الله تبارك وتعالى يرى فقال بجواز الرؤية وبوقوعها، ومنهم من قال باستحالتها وبعدم وقوعها، ولم يوجد أحد يقول بإمكانها - يقول بأنها ممكنة ولن تقع - وبناء على هذا فإن هذه الآية إما أنها إمتداح والله سبحانه لا يمتدح إلا بممكن، وهذا الممكن من قال بإمكانه قال بوقوعه فهي دليل قطعي على إمكان رؤيته تعالى وعلى ثبوت هذه الرؤية. هو من ناحية يقول بأن الدليل النقلي أي دلائل الكتاب ودلائل السنة المتواترة هي دلائل ظنية مهما كان الدليل النقلي لأنه دليل لفظي فهو دليل ظني، ومن ناحية أخرى يجعل من دلالة الدليل على الشيء أنه دليل قطعي على عكس ذلك الشيء
فإذن لنرجع إلى قاعدته التي أصلها إذا أردنا أن نطبقها على قول الله سبحانه وتعالى {لَمْ يلد ولَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) بناء على القاعدة التي طبقها فإن دلالة الآية على نفي الولد عن الله دلالة ظنية، ودلالتها على نفي المولودية على الله أيضاً دلالة طلبية، ودلالتها على نفي الكفء عن الله تعالى دلالة ظنية، وبناء على النهج الذي نهجه فإن دلالة هذه النصوص على إثبات الولد، وعلى إثبات كون الله مولوداً، وعلى إثبات وجود الكفء له سبحانه دلالة قطعية. فيستخلص من ذلك أنه بناء على هذا الذي أصله تكون الدلالة على إثبات الولد لله تعالى، وعلى إثبات الوالد لله، وعلى إثبات الكفء لله دلالة ظنية.
كذلك إذا جئنا بناء على ما أصله يقول الحق سبحانه وتعالى {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً ولا ولدا [الجن: 3] دلالة الآية على نفي الصاحبة عن الله ونفي الولد دلالة ظنية، ولكن بناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات الصاحبة وإثبات الولد لله سبحانه وتعالى أمراً قطعياً. كذلك لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] بناء على التأصيل الذي أصله نفي السنة والنوم عن الله أمر ظني، وبناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات ذلك أمراً قطعياً، وفي إثبات السنة الله وإثبات النوم لله تعالى أمراً قطعياً.
179 (1/179)
صفحة 180
الإباضية أهل الحق والاستقامة
قول الله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] نفي الظلم هنا عن الله تعالى بناء على الأصل الذي أصله هو أمر ظني، وبناء على ما اتبعه في مسلك استدلاله يكون ذلك أمراً قطعياً. قدح فكرة أو شخص
يقول الشيخ (الإباضي) أحمد الخليلي:
من أراد قدحاً في فكرة أو قدحاً في شخص لم يحجزه عن ذلك حاجز، ولم يمنعه من ذلك مانع، ولكن الأمر يجب أن ينظر إليه نظرة واقعية فاحصة، لا نظرة منبعثة من هوى النفس والرغبة في الانتقاد، فعلى أي حال قد يقول ذلك قائل، وأنا لا أستطيع أن أمنع ألسن الناس أن تنطلق بما وقر في نفوسهم من هوى النفس، فإن هوى النفس متحكم في حديثهم إلى أن تكون هذه الأمة أمة قوية أمة غير خاضعة للأمم الأخرى.
كُل حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
يتحدث علماء الإباضية عن تنوع المذاهب الإسلامية بنفس الطريقة التي اعتادها جميع المسلمين. وقد ورد في كتاب الحق الدامغ، قول مؤلفه:
. إن التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة، فلذلك تجدهم متفاوتين في المدارك، مختلفين في المشارب، متعاكسين في الأحاسيس، وإلى ذلك يرجع تعدد مذاهبهم في الأمر الواحد، وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة وَلَا يَزَالُونَ مُختلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119].
ISA
وكثيراً ما تتأصل الحَمِيَّةُ في نفوسهم فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة في العقل والوجدان، مستعصية على الحجة والبرهان لا تتزعزع لمحرك، ولا تنقاد لداع.
ولذلك كانت دعوات المرسلين عليهم السلام تستفرغ منهم الجهد الجهيد، وتستغرق منهم الوقت الطويل، وتظل مع ذلك أفكار أكثر الناس سادِرَة في غيها، غارقة في عماها، لا تصغى إلى الحجج الصادعة.
180 (1/180)
صفحة 181
الإباضية أهل الحق والاستقامة
ولم تسلم من ذلك أمة حتى أمة محمد و التي اختصت بمبعث أعظم رسول إليها، وإنزال أجل كتاب عليها، وحذرت أيما تحذير من الافتراق ودواعيه، وبينت لها عاقبته السيئة في محكم آيات الكتاب الذي اختصت به، قال تعالى:
تقارير واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103].
وقال سبحانه:
وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
ولا يكون الاحتكام إلى الله إلا بالرجوع إلى كتابه فتُستلهم منه الحقيقة ويُستبان به الحق وكذلك الإحتكام إلى رسوله و الله لا يعني إلا بالرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة. ومع وجود هذا المخلص الذي أمرنا بأن نَفْزَع إليه من كوارث الاختلاف فإن الخلاف لم يزل، والشقاق لم يُسْتَأصَل، فقد تُوُوِّل الكتاب تأويلات شتى لم تُسْتَمَد إلا من الوهم، ولم تُستلهم إلا من الهوى، كما أن للناس مواقف متعددة في معرفة الصحيح من غيره من سنته عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي معرفة نفس مقاصد السنة الثابتة باتفاق الجميع، ومن هنا نشأ ما نراه بين الأمة من خلاف ونزاع في أصول الدين وفروعه .....
خا ... وليس هذا النزاع في أصول الدين مع وحدة المصدر الذي تَنْهَل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أئمة الفرق، ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم بحيث تجعل كلُّ طائفة قول إمامها أصلاً تُطوّع له الأدلة المخالفة له بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزابا.
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
قصر الحمراء والترف
يقول الشيخ (الإباضي) أحمد الخليلي
عندما نسمع الكثير من الناس يقولون بأن من مظاهر الإسلام العظيمة قصر الحمراء في غرناطة وغيرها من القصور، هؤلاء يدنسون سمعة الإسلام، الإسلام لا يتمثل في هذه الأعمال التي قام بها هؤلاء المترفون، وهذا جرّ هؤلاء جراً بسبب غياب المفاهيم الصحيحة جرّ هؤلاء إلى
181 (1/181)
صفحة 182
الإباضية أهل الحق والاستقامة
أن يمجدوا أعداء الله تعالى من الأمم التي حكم عليها القرآن بأنها أمم كفر وعتو وفساد وضلال وانحراف عن الحق، مجدوا الفراعنة، وكان من بين الشعراء شاعر من ناحية يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم
ويثني عليه ويمجد الرسول، ومن ناحية أخرى يمجد فرعون تمجيداً حتى يقول فيه: جلت ذاتك العلية عن أن
تنالها الألقاب والأسماء
يصل به الأمر إلى أن يؤله فرعون، ومع ذلك محسوب على شعراء الإسلام، هذا دليل انحراف
الفكر وضلال العقيدة
انتهى الكتاب بعون الله
محمد نمر المدني
182
monomr@yahoo.com (1/182)
صفحة 183
الإباضية أهل الحق والاستقامة
كتاب السير - للبدر الشماخي
• طبقات المشايخ - للدرجيني.
كتب ومراجع
نشأة الحركة الإباضية - للدكتور عوض خليفات.
مبارك بن عبد الله الراشدي - الإمام أبو عبيدة وفقهه ـ رسالة ماجستير. • مبارك الراشدي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
سالم الحارثي - العقود الفضية.
الشيخ علي يحي معمر مؤرخ، أديب، وداعية - د. محمد صالح ناصر.
• شبكة المنهج hszgm hfhqdm ggvhtqm hghekd uavdi . • المصادر الإباضية على الإنترنت موقع الاستقامة، وموقع الإباضية.
• تقرير عن العربية نت - إبراهيم هباني
الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، بحث الإمام الربيع محدثاً / ندوة من أعلامنا.
www.bezaat.com
4:
أبو غانم بشر بن غانم الخراساني - بقلم الباحث الشيخ مهنا بن راشد السعدي. ه الأندلس: الإرث العلمي والفكر الأوروبي - بيار فيليب - مركز الأبحاث العقائدية. . أحكام صلاة الخسوف والكسوف لفضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي الدكتور عمرو
خليفة النامي - الأستاذ محمود محمد الناكوع
• براءة الإباضية - الأستاذ فهمي هويدي.
• كتاب النيل وشفاء العليل - شرحه الشيخ محمد بن يوسف إطفيش.
• أبو مودود حاجب الطائي د. محمد ناصر.
183 (1/183)
صفحة 184
الإباضية أهل الحق والاستقامة
موقع الاستقامة: http://istiqama.net/
•
•
موقع شبكة أهل الحق والاستقامة: http://www.ibadhiyah.net/
الإباضية مذهب إسلامي معتدل، لعلي يحيى معمر. • الخوارج والحقيقة الغائبة (أحاديث الخوارج) ناصر بن سليمان السابعي. • الإمامة في الإسلام، بحث ماجستر لعلي العبري مقدم للجامعة الأردنية. . نشأة الحركة الإباضية، لعوض محمد خليفات.
دراسات عن الإباضية لعمرو بن خليفة النامي
•
•
• كتب سير الأئمة وأخبارهم، أبي زكريا يحي بن أبي بكر، ديوان الوطني للمطبوعات الجامعية،
1984 الجزائر.
موقع أشعة من الفكر الإباضي.
• نشأة الحركة الإباضية - محمد ناصر.
• الحركة الإباضية سالم بن ذكوان الهلالي.
ه محمد ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية.
• تراجمهم من معجم أعلام الإباضية - قسم المغرب، إعداد لجنة البحث العلمي بجمعية
التراث القرارة، الجزائر
الدولة الرستمية - الشيخ مهنا بن راشد بن حمد السعدي أبو الحر علي بن الحصين العنبري -
د. محمد ناصر.
السعدي: قاموس الشريعة
السالمي: شرح الجامع الصحيح.
، تحفة الأعيان، إمامة الوارث بن كعب.
جمعية التراث؛ لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية - 1999 م. المطبعة العربية.
غرداية - الجزائر.
• تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. 1417 هـ / 1997 م، مكتبة الاستقامة. مسقط.
184 (1/184)
صفحة 185
الإباضية أهل الحق والاستقامة
شرح الجامع الصحيح المطابع الذهبية مسقط.
السعدي؛ جميل بن خميس: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، 1403 هـ / 1983 م. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
• العوتبي سلمة بن مسلم الضياء. 1991 م. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي - دكتور: أحمد إلياس حسين • إعادة صياغة الأمة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسطنة. الإباضية في المغرب العربي - د. أحمد إلياس حسين.
185 (1/185)
صفحة 186
186
الإباضية أهل الحق والاستقامة (1/186)
صفحة 187
الإباضية أهل الحق والاستقامة
10 ........
19 ........
111
170 .........
171
183
الفهرس
187
البحث الأول: أهل الدعوة .. البحث الثاني: تاريخ الإباضية.
البحث الثالث: معتقدات الجماعة الإباضية.
البحث الرابع: الفقه عند الإباضية .... البحث الخامس: أئمة وأعلام الإباضية
البحث السادس: الكتب الإباضية.
البحث السابع: الإباضية بين المسلمين.
كتب ومراجع .. (1/187)