صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
المؤلف: علي محمد محمد الصلابي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 2018 - 2019م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/349
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 ذو القعدة 1446ه/ 10 - شهر 05 - 2025م. الإباضية
مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
تأليف:
د. علي محمد محمد الصلابي (1/1)
صفحة 2
الأباصير
مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
تأليف:
د. علي محمد محمد الصلابي
الطبعة الأولى
2019 - 2018
1 (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
إهداء
إلى فقهاء وعلماء عُمان الأجلاء الوارثين عِلم التابعي الجليل جابر بن زيد تلميذ الصحابي الفقيه المفسر
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ولجميع أتباع المدرسة الإباضية.
إلى علماء ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وحواضرها العلمية الأصيلة كالقيروان وباجة والزيتونة وتلمسان والرباط ووهران وعلماء جبل نفوسة، أحفاد المختار والباروني وعبد القادر الجزائري، وابن باديس، والغماري والكتاني والخطابي رحمهم الله تعالى.
إلى سائر علماء الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، المدافعين عن حياض العقيدة، الحافظين لحمى وأصول الإسلام، الساعين لتوحيد الصف وجمع الكلمة، وفق منهج العلماء وموازين الفقهاء، الذين لا تميل بهم الأهواء، أو تخدعهم الشائعات والشعارات.
إلى رجالات ونساء وشباب الأمة الساعين وراء الحقيقة الداعين لطريق الخير والإصلاح، ورص صفوف أبنائها للوصول إلى مبتغى نصرها وعزتها وصون كرامتها وتفوقها وريادتها وإعادة شهودها الحضاري من
جديد.
أقدم هذا الكتاب سائلا المولى تبارك وتعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال، ويجعله طريق خير وصلاح لأبناء المسلمين في شرق الأرض وغربها. قال الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
3 (1/4)
صفحة 5
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا سيئات أعمالنا،
ومن
من
يهده الله
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا
عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا 3 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70 - 71].
يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى. أما بعد:
سئلت عما دار من جدل حول الصلاة خلف أتباع الإباضية من قبل إخوتي في ليبيا من أمازيغ وعرب، وتكرر السؤال عندما التقيت مجموعة خيّرة من أبناء بلادي من الأمازيغ في حديثنا عن السلام والمصالحة وشكل الهوية الوطنية وأسس المشروع الوطني الجامع. وكانت إجابتي بأنه لا بد من الرجوع إلى تراث المدرسة الإباضية الفكري، والاطلاع على مصادرها الأولى، والتعرف على سير أعلامها، وتراثها الفقهي والعقدي
والفكري.
بناء على هذا، فقد شرعت في جمع المواد من المصادر والمراجع من دول الجزائر وليبيا وعُمان وغيرها. وعكفت على دراسة كتب الشيخ علي يحيى معمر في مؤلفيه الإباضية بين الفرق والإباضية في موكب التاريخ، ورسالة الدكتوراه لعمرو النامي وكتب مختلف، شرح الله بها صدري للغوص في هذا البحر العميق
4 (1/5)
صفحة 6
وسبر أغوار المذهب الإباضي سائلا المولى عز وجل أن يكون عملا خالصا لوجهه الكريم، ويكون عملاً
جديدًا ذا فائدة لأبناء المسلمين ولجميع الباحثين عن خفايا وحقيقة الإباضية وأهلها.
ولقد عقدت العزم على التحلي بقيمة العلم والإنصاف في إعداد هذه الدراسة، وما شجعني أكثر وحسب اطلاعي لم يمر بي أحد من علماء أهل السنة من رجع إلى كتب ومصادر المدرسة الإباضية وعلمائها الأوليين، ولم أجد دراسة تاريخية وفقهية موسوعية تتعلق بالمدرسة الإباضية، من حيث الفقه والأصول والسلوك والعقائد
والتنظيم والسياسة الخاصة بهم ... الخ.
وقد مَنَّ الله تعالى عليَّ في دراسة التاريخ والعقيدة والفكر الإسلامي، حيث أخذت عقودا من عمري، وصدرت لي كتب عديدة. وقد تُرجمت كثير من كتبي للغات الإنكليزية والتركية والفرنسية والألمانية والفارسية
والبنغالية والروسية، وغيرها وانتشرت بحمد الله في أنحاء المعمورة. وكان من أهمها:
السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه: شخصيته وعصره
عثمان
بن عفان شخصيته وعصره.
علي بن أبي طالب: شخصيته وعصره.
الحسن بن علي: شخصيته وعصره.
الدولة الأموية؛ عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار.
الدولة العبيدية في ليبيا.
وغيرها من الكتب التاريخية إلا أن الدراسة الموسعة لتاريخ صدر الإسلام أكسبتني بعد توفيق الله
معرفة عميقة بجذور العقائد والمدارس والأفكار والنظم الإسلامية. وأما كتب العقائد فقد صدر
منها:
5 (1/6)
صفحة 7
مجموعة أركان الإيمان: "الإيمان بالله جل جلاله الإيمان باليوم الآخر - الإيمان بالقدر - الإيمان
بالرسل والرسالات - الإيمان بالملائكة - الإيمان بالقرآن والكتب السماوية".
عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين.
الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة.
البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة.
الحريات من القرآن الكريم.
العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية.
المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة.
العدل في التصور الإسلامي.
وبالتالي، هذه الدراسة جعلتني أبحث في الدراسة من مختلف الجوانب، وقد عكفت على مجمل كتابات العلامة أحمد حمد الخليلي، الشيخ الذي اعتبرته من أهم المرجعيات المعاصرة في المدرسة الإباضية. وقد ربطتني به معرفة وصداقة وزمالة وأخوة في الله في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورأيت سمته وتواضعه وقدراته الحوارية، وتأصيلاته وحبه لدينه وحرصه على الوحدة الإسلامية ووقوفه ضد أعداء الأمة بعلمه ومنطقه وحججه في كتبه وأبحاثه ونقاشاته.
وإن الحديث عن المدرسة الإباضية بالنسبة لبلدي ليبيا وأبناء وطني له علاقة بتاريخها وتكوينها الاجتماعي وهويتها الممتدة في أعماق التاريخ، كما أن له علاقة بالتعايش السلمي بين المواطنين. وإن فتاوى عدم الصلاة خلف أبناء مدرسة الإباضية ظاهرة خطيرة على المجتمع والشعب والوطن والدولة، خصوصا عندما تُبنى على مغالطات وأخطاء تاريخية بعيدة عن المنهج والتدقيق في دراسات المذاهب والمدارس الفكرية والعقدية. ويمكنني القول: إن بيان الحقائق التي وصلتُ إليها من خلال التبحر في هذه الدراسة تعتبر مسؤولية دينية وأخلاقية وطنية وإنسانية.
6 (1/7)
صفحة 8
ولذلك التزمت في بحثي هذا بسياج الأدب والموضوعية والحيادية ما أمكن، بعيدا عن القيل والقال
الله أبا
والانفعالات والمهاترات والتشهير وتصيد العثرات، وتتبع السقطات والتغافل عن الحسنات. ورحم حامد الغزالي إذ يقول: اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق على الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه، وغيرها مثل نسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة. وإن من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس، وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة.
وفي هذا الزمان الذي عزّ فيه الإنصاف واضطربت فيه موازين النقد، وأصبحت الأهواء هي السائدة أصبح لزاما علينا أن نعود بكل عزيمة وجد إلى منهج الإسلام بشموله وكماله يحدونا قول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): "إِنَّ المُقْسِطِينَ عند الله على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمينِ الرَّحْمنِ - وكلْتَا يَدَيْهِ يَمِينُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا " 2.
وما أجمل ما قاله الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى - مبينًا منهج الموازنة والترجيح بين الأدلة والأقوال: "عادتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق على كل طائف على ما معها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، ولا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة ونرجو من الله أن نحيا على ذلك، ونموت عليه ونلقى الله به ولا قوة إلا بالله. وهنا تحدث العلماء عن ضوابط وآداب أهل العدل والإنصاف، وذكروا منها:
1. التجرد وتحري القصد عند الكلام على المخالفين.
151
الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين
45/ 1
مسلم، رقم
1827
طريق
الهجرتين وباب السعادتين، ص 393. وانظر: أحمد الصويان، منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال.
ص
7
1
2
3 (1/8)
صفحة 9
2 لا جرح ولا تعديل إلا بعلم
3 أهمية التبين والتثبت قبل إصدار الأحكام واتخاذ المواقف
4 لزوم حمل الكلام على أحسن، محامله ما دام يحتمل ذلك وإحسان الظن بالمسلمين.
5. ضرورة الجمع بين النصوص والمقالات وعدم اعتماد الناقد على نص واحد أو مقالة واحدة.
6. المسلم يوزن بحسناته وسيئاته والعبرة بكثرة الصواب والمحاسن ومن كان فضله أكثر من
نقصه
وهب نقصه لفضله.
7 كلام الأقران يطوى ولا يروي.
8
الخطأ وقوع من شخص لا يلزم وقوعه ممن على مذهبه أو طائفته أو جماعته.
9. نقد الآراء وبيان الأخطاء دون نقد الأشخاص ما أمكن ذلك.
لازم القول ليس قولا، وعدم الإلزام لما لا يلزم.
الامتناع عن المجادلة المفضية إلى النزاع.
حمل كلام المخالف على ظاهره، وعدم التعرض للنوايا والبواطن.
وهذه الآداب والضوابط تقيدت بها في هذه الدراسة ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فتكفير المسلم أمر خطير،
ومقام يتوقى منه المؤمنون، ولا يجرؤ عليه إلا المفرطون المتعجلون كالخوارج وأمثالهم، وذلك لما ورد من ا
التشديد
في النهي عن تكفير المسلم، ومن ذلك قوله (): من قال لأخيه يا كافرُ فقد باء بها أحدهما. وقوله: ومن دعا رجُلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك. إلا حار عليهِ 3.
وقال ابن دقيق العيد بعد إيراده الأحاديث التي تنهي عن تكفير المسلم: وهذا وعيد عظيم لمن كفّر أحد من المسلمين وليس هو كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من العلماء اختلفوا في العقائد، وحكموا
8
من أراد التوسع فليرجع إلى إنصاف أهل السنة.
البخاري، باب من كفر أخاه بغير تأويل.
مسلم، كتاب الإيمان، باب حال من قال لأخيه المسلم يا كافر.
1
2
3 (1/9)
صفحة 10
بكفر بعضهم بعضاً. وقال ابن تيمية وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك 2. وإذا كان تكفير المسلم العادي أمرًا خطيرًا، فكيف بتكفير علماء المسلمين وتسليط الجهال، والعامة، وتشجيعهم على التكفير
والتضليل؟
وقد تنبه الإمام الشوكاني خطورة هذا الأمر، وتفشيه في عصره، فنبه على ذلك، وشدد النكير عليه. فقال: ها هنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا لسنة ولا لقرآن ولا لبيان من الله وبرهان، بل لما غلق مراجل العصبية في الدين، ويمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين، لقنهم إلزامات بعضهم ببعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب بالعتمة، فيا الله وللمسلمين من هذه المغامرة التي هي أعظم فواقر الدين.
ويؤكد ابن ناصر الدمشقي على أن استشراء ظواهر التكفير والتضليل وشيوعه بين المسلمين، إنما هو دليل على ضعف العلم، وهبوط قيمة العلماء، وتحكم الهوى والتعصب. وقد تحدث العلماء عن الخطأ في بعض المسائل الدقيقة في العقيدة وبينوا بأنه لا يوجب التضليل والتبديع، ووضحوا بأن أمور العقيدة منها ما هو من الأصول والأركان التي لا يجوز التساهل فيها ولا يدخلها الاجتهاد أصلا ويكفر منكرها وجاحدها، ومنها ما هو من فروع العقيدة التي اختلفت فيها الأمة في أفعال العباد وفي رؤية الله في الآخرة وفي بعض الأشياء التي تثبت بأحاديث الأحاد التي لا تفيد العلم اليقيني. ومن هذه الفروع العقيدية مسألة الصفات الخيرية وما ثار فيها من جدل وما نقل فيها من خلاف بين علماء الأمة من مفوضيين ومثبتين أو مؤولين
وكلهم تتسعهم دائرة الإسلام الرحبة.
172
9
إنصاف أهل السنة والجماعة، ص
53
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 466/ 2.
السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، 854/ 4.
يوسف القرضاوي، فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص
1
2
3
4 (1/10)
صفحة 11
وأن هذا الخلاف القائم على أصول علمية من الكتاب والسنة لا يوجب تكفير ولا تأثيم ولا تضليل ولا
تبديع ولا تفسيق علماء الإسلام بعضهم لبعض بالكفر المخرج من الملة بدون دليل قاطع وبرهان ساطع وإقامة حجة يقينية وإنما لمجرد الخلاف في الآراء ومدارك النظر ولا ينشرح له صدر مسلم، ولا يقبله عقل عالم
وهم جميعًا يؤمنون برب واحد ورسول واحد وكتاب واحد ومنهاج واحد ويصلون إلى قبلة واحدة. إن الاستعجال في التكفير والتوسع به سببه الهوى والتعصب والبعد عن العلم الراسخ والعقل الراشد والمنطق المتزن بنور القرآن والسنة خطيئة علمية ودينية وسياسية وحضارية وأخلاقية واجتماعية ونفسية ومنهجية. وإذا ثبت إسلام المرء بيقين فهذا اليقين لا يزال بالشك، ويبقى المسلم على إسلامه، ولا يخرجه عنه إلا كفر بواح عندنا فيه من الله، برهان، كأن ينكر معلومًا من الدين بالضرورة أو يستهزأ بالله ورسوله أو بكتابه أو يعمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر، كأن يسجد لصنم أو يلقي المصحف في القاذورات أو نحو
ذلك.
إن الخلاف في فروع العقيدة، إنما أقصى ما فيه أو يكون خلافًا بين مصيب ومخطئ أو مصيب وأصوب منه. وكيف يجرؤ عالم يخشى الله عز وجل، واستعد للحساب أن يفسق ويؤثم ويُبدع أساطين علماء الأمة الذين حملوا شريعتها وذادوا عن عقيدتها وتصدوا لخصوم دعوتها وعاشوا أعمارهم دعاة ومصلحين وعلماء عاملين أمثال الباقلاني والأسفرايني والغزالي والرازي وابن عبد السلام وابن دقيق العيد والرافعي والنووي وابن الهمام والزركشي والعراقي وابن حجر والسيوطي وآخرين من الفحول أصحاب الباع والخبرة الطويلة في أصول العقيدة والدين الإسلامي!؟
وهم حين أوَّلوا ما أوَّلوا - لم يخرجوا عن قواعد اللغة العربية في مخاطباتها، ولهم سلف من الصحابة، الذين روي عنهم مثل ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. كما أنهم لم يقصدوا بذلك إلا أن يُفهموا الناس
معاني كتاب الله أو يدافعوا عنه أمام المحرفين والمبطلين 1.
10
المرجع السابق، ص 177.
1 (1/11)
صفحة 12
إن تجريح الناس وتصنيفهم بغير حق شعبة من شعب الظلم، فهو من كبائر الذنوب والمعاصي، فاحذر سلوك
جادة يمسك منها عذاب. وقد ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه
الحقوق يوم القيامة حتى يُقاد للشاه الجلحاء من القرناء. وثبت عن النبي
قول النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: لتؤدن
أنه قال: المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده. وعن عمر رضي الله عنه قال: لا يعجبنكم طنطنة الرجل ولكن من أدى الأمانة، وكف عن أعراض الناس فهو الرجل. وكذلك قال أبو الأسود الدؤلي:
لا ترسلن مقالة مشهورة لا تستطيع إذا مضت إدراكها
لا تبدين نميمة نبئتها وتحفظن من الذي أنباكها.
وفي الواقع، إن الأصل الشرعي هو تحريم النيل من عرض المسلم، وهذا وهنا أمر معلوم من الدين بالضرورة في إطار الضرورات الخمس التي جاءت من أجلها الشرائع ومنها: حفظ العرض. فيجب على كل مسلم قدر الله حق قدره وعظم دينه وشرعه أن تَعظُمَ في نفسه حرمة المسلم؛ في دينه ودمه وماله ونسبه وعرضه. وإن الأصل بناء حالة المسلم على السلام والستر من الاتهامات الباطلة وبالتالي لا يُخرج عن هذين الأصلين إلا بدليل مثل الشمس في رائعة النهار. وقد أمرنا الله تعالى بالتبين، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]
إذًا، فإن هذه الدراسة محاولة جادة للإنصاف والاقتداء بقيمة العلم في البحث الموضوعي. ولقد طالعت و درست المذهب الإباضي من أصوله ومصادره وتعرفت على علماء راسخين وفقهاء ربانيين وسياسيين محنكين وباحثين جادين أثروا الحضارة الإسلامية في اجتهاداتهم السياسية والأصولية والفقهية والفكرية
والاجتماعية قديما وحديثا من أمثال:
الإمام جابر بن زيد الأزدي.
11
50
تصنيف الناس بين الظن واليقين، ص
المرجع السابق، ص 76.
1
2 (1/12)
صفحة 13
أبو عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة.
الربيع بن
أبو إسحاق اطفيش.
نور الدين السالمي.
الباشا سليمان الباروني.
علي يحيى
عمرو النامي وآخرون.
لقد أنتج هؤلاء الفقهاء والمفكرين والساسة نتاجًا حضاريًا في مجال التاريخ والسياسة والتشريع والفقه والأصول والاجتهاد كتبًا ومؤلفات كثيرة. وإنني وصلت من خلال دراستي ومطالعتي إلى قناعة راسخة مبنية على قيمة العلم والإنصاف بأن المذهب الإباضي مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، وقد أُلصقت بهم تهم وادعاءات باطلة بعيدة عن الإنصاف والطريق العلمي، حيث وقع بعض الكتاب في مغالطات تاريخية، ونسبوا للإباضية من الأقوال والمعتقدات والأفكار ما نفاه المحققون والعلماء الراسخين من شيوخ وعلماء المذهب.
كما أن لهم نظرة خاصة في أحداث تاريخ صدر الإسلام سواء في فتنة مقتل عثمان
رضي
الله عنه
والجمل
وصفين والنهروان والتحكيم والدولة الأموية، لم تخرج عن الاجتهاد البشري، وقابلة للحوار والنقاش والبحث
العلمي والأخذ والرد والنقد الموضوعي.
لقد قسمت هذا الكتاب إلى أربعة مباحث، وكل مبحث إلى محاور على النحو الآتي:
في المبحث الأول، تناولت مدرسة الإباضية وأهم أعلامها، فتحدثت عن نشأة المدرسة وأصل تسميتها، وبدايات رفض الإباضية تبعيتهم للخوارج، والمنهج العلمي للوصول إلى حقيقة الإباضية. وكذلك بحثت في سيرة الإمام المحدث جابر بن زيد اسمه ونسبه ومولده ونشأته وطلبه العلم وثناء العلماء عليه وتدوينه للأحاديث، وتصدره للفتوى وزهده، ومحاربته لفكر الخوارج وشروعه في تشكيل التنظيمات السرية للحركة
12 (1/13)
صفحة 14
الإباضية، ومكانته العلمية بين علماء أهل السنة والحديث، كونه تلميذ بحر العلم عبد الله بن عباس، وتناولت علاقة الإمام جابر بالحجاج بن يوسف الثقفي وسجنه ونفيه ووفاته. ومن ثم بحثت في سيرة أبي عبيدة بن أبي كريمة التميمي الذي تولى قيادة المدرسة، بعده وذكرت اسمه ونشأته وتطور الحركة في عهده وعلاقته بالخليفة عمر بن عبد العزيز والمجالس السرية والعلنية كمجلس الشيوخ أو قادة الحركة والمجالس العامة ومجالس الطلبة، والابتعاد عن الحكام في عصره وتكوين المجتمع المغلق المتعاون والحكومة الثورية السرية، وتأني أبو عبيدة في إعلان الثورة ونشر الدعوة في شمال أفريقيا. ولخصت نتائج العمل السري للدعوة الإباضية، وأشرت إلى دول الإباضية التي قامت في عُمان وشمال أفريقيا، كالدولة الرستمية ودرست مراحل المجتمع الإباضي من الكتمان إلى الشراء والدفاع ثم إلى الظهور، ووضحت أهم الفرق التي انشقت عن الإباضية.
وفي المبحث الثاني، كان الحديث عن تفسير بعض أحداث التاريخ الإسلامي عند الإباضية ومكانة الصحابة عندهم ورأيهم في اجتهادات الصحابة وموقفهم من الأحداث الدامية والنزاعات بين الصحابة، وموقفهم من
خلافة أمير المؤمنين عثمان
بن
عفان رضي
الله
عنه والثورة عليه، وبينت فضل عثمان
بن عفان رضي
الله
عنه وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكانته وفضائله. كما بحثت في اتهامات عبد الله إباض للخليفة عثمان بن التي ذكرها في رسالته لعبد الملك بن مروان وجمعت كل الاتهامات التاريخية التي نشرتها المعارضة في زمنه وبينت بطلانها بالحجة والبرهان والدليل العلمي.
وقد نقلت موقف الخليفة عمر بن عبد العزيز حين أرسل أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفدًا إلى الخليفة يدعوه لقبول أفكار المذهب الإباضي. وبعد نقاش طويل وافقهم الخليفة عمر على غالبية آرائهم غير أنه رفض الطعن في عثمان. وقال تلك دماء طهر الله منها، أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا ورفضوا القبول برأيه، وقال رئيس الوفد الإباضي أبو الحر علي بن الحصين العُمر: أعلم أنا لا نتولاك، ولدى سماع هذا النقاش قال أبو عبيدة: كنت أتمنى لو أنهم قبلوا برأي عمر.
13 (1/14)
صفحة 15
وهذا دليل على أن علماء الإباضية المعتمدين في المذهب على رأي عمر بن عبد العزيز في
عثمان رضي
الله
عنه، وليس على رأي ابن إباض، وقد نقلت أقوالًا من علماء الإباضية في توليهم لعمر بن عبد العزيز
كالشيخ علي يحيى معمر وأحمد بن حمد
الخليلي.
أحد
وقد قال الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو شيخ جابر بن زيد، والذي يعتبر أبرز علماء أهل السنة والحديث في زمانه في مدح عثمان رضي الله عنه وذم من ينتقصه: "رحم الله أبا عمرو كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة، هجاد بالأسحار كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضًا عند كل مكرمة، سباقًا إلى كل منحة، حبيبًا أبيًا وفيًا، صاحب جيش العسرة، فتى رسول الله، فأعقب الله على من لعنه لعنة
اللاعنين إلى يوم
وفي
الدين"
1"
هذا المبحث، ذكرت ما قيل عن عثمان في ولايته لأقربائه، وفي علاقته بالوليد بن عقبة وعبد الله بن أبي
السرح وغير ذلك من الاتهامات وناقشتها وحسب اجتهادي بينت الآراء الواقعية المعتمدة على الدليل
والبرهان والحجة.
لقد كان عثمان رضي الله عنه بحق الخليفة المظلوم الذي افترى عليه خصومه الأولون، ولم ينصفه المتأخرون. وقد رأيت ذكر الشواهد التاريخية الموثقة خير دليل للأجيال الباحثة من أبناء الأمة، لاستنارة الطريق والبحث عن الأسباب والخلفيات وراء تلك الشائعات والاتهامات. وتكلمت عن معركتي الجمل وصفين وحادثة التحكيم، وذكرت أقوال الإباضية في هذه الأحداث ومخالفيهم. وقمت بدراسة علمية لكتب شوهت تاريخ الصحابة والخلفاء الراشدين كالإمامة والسياسة لابن قتيبة، ونهج البلاغة والأغاني للأصفهاني، وتاريخ اليعقوبي ومروج الذهب، وهذه الكتب لا زالت مراجع لبعض
الباحثين من مدارس تاريخية وفقهية رئيسية إلى يومنا هذا.
14
76
المرجع السابق، ص
1 (1/15)
صفحة 16
ولقد وضحت رأي الشيخ علي يحيى معمر في مدارس الاستشراق والتاريخ الإسلامي. وكذلك رأي الإباضية في التحكيم ومعركة النهروان ومناظرة ابن عباس للذين خرجوا عن خلافة علي رضي الله عنه ومناظرة أمير المؤمنين علي لهم ومبايعة عبد الله بن وهب الراسبي. ووضحت الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين على الفقه الإسلامي. وأفردت عنواناً عن نشأة الخوارج والتعريف بهم وصفاتهم، كالغلو في الدين والجهل به وشق عصا الطاعة والتكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم والشدة على المسلمين وبعض الآراء الاعتقادية لهم، كتكفير أصحاب الكبائر وطعنهم وتكفيرهم لبعض الصحابة وعن فرق الخوارج الأزارقة والنجدات والصفرية، وعن موقف الإباضية من الخوارج. وذكرت أقوال علماء الإباضية في الخوارج، ابتداء من العالم الجليل جابر بن زيد وعبد الله بن إباض وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وسالم بن ذكوان وأبو إسحاق اطفيش وأحمد بن حمد الخليلي وأبو نبهان ونور الدين السالمي، وحديث علي يحيى معمر، ونقده العلمي لكتب الفرق كمقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري والفصل في الملل والنحل لابن حزم والفرق بين الفرق للبغدادي. .. وتطرقت لآراء العلماء من غير الإباضية الذين دافعوا عن الإباضية وبينوا بأنهم لا علاقة لهم بالخوارج، مثل الدكتور عامر النجار ومحمد سليم العوا وعمار الطالبي وغيرهم. وتكلمت عن موقف الإباضية من الدولة الأموية، ورأي العلامة الخليلي فيهم وناقشته في بعض الأحداث،
مثل:
—
—
وصول معاوية إلى السلطة، هل وثب عليها أو جاء إليها صلحًا؟
هل ثبت لعن معاوية لأمير المؤمنين علي على المنابر؟
الانتقادات التي وجهت إلى معاوية بشأن البيعة ليزيد.
طرق انعقاد البيعة لأبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى والحسن بن علي رضي
الله
عنهم.
وفي المبحث الثالث، كان الحديث عن أصول المذهب الإباضي وفقهه وقواعده، إذ بينت قواعده التي تعتمد
على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والاجماع والقياس وخصصت فقرة عن الفقه الإباضي ومصادره
15 (1/16)
صفحة 17
الأصلية والخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية والفوارق بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى، وأهم القواعد الفقهية المشتركة المتفق عليها في علم أصول الفقه المالكي والإباضي. وتكلمت عن
الاجتهاد وشروطه وأهميته في المذهب الإباضي واجتهادهم في حل المشكلات المعاصرة.
وقد بينت موقف علماء الإباضية في الإمامة وشرط القرشية فيها، ورأيهم في الخروج عن الحكام وعزلهم ومتى يكون ذلك وأدلتهم فيما ذهبوا إليها، وذكرتُ آراء المخالفين لهم مع حججهم وأدلتهم. وبينت منهج الإباضية في التزكية والأخلاق والقيم ورأيهم في قواعد الدين من العلم والعمل والنية، والورع وأركانه من الرضا بقضائه والتسليم والتفويض والتوكل على الله. ومسالك الدين من الظهور والشراء والدفاع والكتمان، وقواعد الكفر من الجهل والكبر والحسد.
وتحدثت عن اهتمام الإباضية بالقيم كالرحمة والعدل والصدق والأمانة والعفاف والاعتدال والأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وحرص العلماء على تربية الأتباع على القيم والأخلاق والسلوك ومحاربة الاخلاق الذميمة والمحرمات من شرب الخمر والزنا وغيرها. وذكرت نظام العزابة وأهميته في التربية وغرس القيم وتطهير
النفوس وإحياء القلوب.
وفي المبحث الرابع، كان الحديث عن العقائد عند الإباضية، كتحديد مفهوم الإيمان وعلاقة العمل به، ومفهوم الإسلام والفرق بين الإسلام والإيمان وزيادة الإيمان ونقصانه وعوارض الإيمان، كالشيطان وحب الدنيا والجهل وأقسام الكفر، كفر الشرك وكفر النعمة وأحكام كفر النعمة ومفهوم النفاق، وأحكام الآخرة والدنيا. ووضحت حكم مرتكب الكبيرة، ووضحت موانع إنفاذ الوعيد عند أهل السنة، كالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ودعاء المؤمنين والمصائب المكفرة والعفو الإلهي. وتكلمت عن الولاية والبراءة عند الإباضية، والتوحيد وتأويل المتشابه وموقف السلف والخلف من ذلك. فضلا عن بحثي في رؤية الله عز وجل في الآخرة وأدلة من نفي ذلك. وذكرت أدلة المثبتين للرؤية وطبيعة الخلاف بين الفريقين، وأشرتُ لمسألة خلق القرآن وآراء المدرسة الإباضية في هذه المسألة، وتعاطفهم مع الإمام أحمد وأهل الحديث ورفضهم
16 (1/17)
صفحة 18
لفرض لغرض المعتقدات والآراء بالقوة واعتبارهم واعتبرهم الخلاف في هذه المسألة من فروع العقائد واستيعابهم للآراء الثلاثة.
وتناولت موقف العلامة الخليلي في هذه المسألة، ودفاعه عن رأيه في مسألة خلق القرآن، إذ قال: ومع هذا كله، فإنني كنت أود ألا أتعرض لهذه المسألة بإيجاب ولا بسلب رغبة مني على الاقتصار بالمأثور من الرعيل الأول من هذه الأمة. وذكرت أدلة النافين لخلق القرآن والمناظرات بين المعتزلة وأهل السنة كالتي بين الإمام أحمد بن حنبل والخليفة العباسي المعتصم بالله.
كذلك نقلت أقوال علماء الإباضية في الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب السماوية والقضاء والقدر والأنبياء والمرسلين والملائكة وغير ذلك. كما تناولت مواقف المدرسة الإباضية من حياة القبر والبعث والميزان والصراط
والحساب والشفاعة وحكم الإيمان بالقدر والأرزاق والآجال والخذلان. الخ.
هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب الثلاثاء في 10 تموز / يوليو 2018 م الموافق لـ 26 شوال 1439 يوم هجرية في إستانبول. والفضل الله من الله من قبل ومن بعد، وأساله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم ولعباده نافعًا. كما أسال المولى أن يثبتني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثبت إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع. اللهم بصرني بما يرضيك واشرح لي صدري وجنبني اللهم ما لا يرضيك واصرفه عن قلبي وتفكيري. اللهم ألف بين قلوب المسلمين ووحد صفوفهم، ووفقهم لما تحبه وترضاه وإلى إعادة دورهم الدعوي في
الشهود الحضاري يا أرحم الراحمين وإني أختم هذه المقدمة بالآيات القرآنية:
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
في عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19].
وبقول الله تعالى: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ
صلے
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 12].
17 (1/18)
صفحة 19
وقوله تعالى: ورَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَل في قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله
العالمين.
18
الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه
علي محمد محمد الصلابي
إستانبول 10 تموز/ يوليو 2018 (1/19)
صفحة 20
المبحث الأول: نشأة الإباضية وأهم أعلامها
أولاً: نشأة الإباضية وأصل التسمية وسيرة ابن إباض
1. نشأة الإباضية
نشأ المذهب الإباضي بالبصرة على يد مؤسسه الإمام جابر بن زيد الذي ركز نشاطه على مجال التربية والتكوين، فأثمرت جهوده العملية في إنشاء قاعدة واسعة من الأتباع الذين اقتنعوا بآرائه ومبادئه، وتوسعت دائرتهم لتشمل أفرادا من خارج البصرة وخاصة من قبيلة الأزد، قبيلة الإمام جابر، الذين كانوا منتشرين في البصرة وعُمان. وكان جابر يعمد إلى إرسال من يثق بهم إلى مختلف الأمصار لنشر فكرته في هدوء ودعة، مراسلات حفظت لنا كتب التاريخ بعضا منها. ولكن يعتبر الإمام الحقيقي
ويعقد معهم
اتصالات، وبينهم
الذي وضع قواعد الفقه والاجتهاد لهذه المدرسة هو التابعي الجليل جابر بن زيد الأزدي العُماني.
2. أصل تسمية الإباضية
تنسب المدرسة الإباضية إلى عبد الله بن إباض التميمي، وقد جاءت نسبة الإباضية إلى عبد الله بن إباض
ولم ينسبوا إلى جابر بن زيد لأن عبد الله بن إباض هو الذي جهر بمواقف سياسية واجه بها خلفاء
ولا سيما عبد الملك بن
بني
أمية
مروان 3. وكان ابن إباض الواجهة العلنية للجماعة، وكان يجادل عنهم ويحاجج
الأمويين، ويبين مواقف أصحابه من القضايا السياسية والفكرية المحتدمة آنذاك. فعرف أصحابه بأنهم أتباع
1
2
3
الإمام زيد وآثاره في الدعوة صالح الصوافي
ص
157.156
أبو يعقوب الورجلاني أصوليا، مصطفى صالح، ص 48.
الفكرية الإسلامية، محمد الخواص، ص المدارس!
62
19 (1/20)
صفحة 21
ابن إباض أو الإباضية بيد أنهم لم يرضواهذا الاسم أول الأمر ولكنهم أذعنوا للأمر الواقع بعد حين من
الزمن، وكانوا يختارون لأنفسهم تسمية أهل الدعوة، أو أهل الاستقامة، أو جماعة المسلمين.
وأول ذكر للإباضية في مصادرهم كانت أواخر القرن الثالث الهجري. ويورد المؤلفون والفقهاء في الفرق
الإسلامية الإباضية باعتبارها فرقة من فرق الخوارج، وقد فَعَل ذلك:
أبو الحسن الأشعري في كتابه " مقالات الإسلاميين" 2.
عبدالقاهر البغدادي في كتابه " الفَرْق بين الفِرَق "
ابن حزم الظاهري في كتابه "الفصل بين الملل والنحل"
الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل""
وقد نسب هؤلاء وغيرهم ممن كتبوا عن الفرق الإسلامية آراء إلى الإباضية ورأوا أنهم يتفقون فيها مع
الخوارج. وتبعهم في هذا كله المؤلفون المعاصرون في المدارس الفكرية والفرق الإسلامية، ومن هؤلاء الأساتذة
مصطفى الشكعة في كتابه "إسلام" بلا مذهب."5.
محمد عمارة في كتابه" تيارات الفكر الإسلامي
محمد أبو زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية".
حسن صادق في كتابه "جذور" الفتنة في الفرق الإسلامية".
سعد رستم في كتابه "الفرق والمذاهب الإسلامية".
أبو يعقوب الورجلاني أصولياً، مصطفى صالح، ص 49. 2 مقالات الإسلاميين أبو الحسن الأشعري، ص 102. 3 الفرق بين الفرق، عبد القاهر البغدادي، ص. الملل والنحل مطبوع بهامش الفصل بين الملل والنحل، الشهرستاني، 2/ 52.
إسلام بلا مذهب، مصطفى الشكعة.
ص
6 تيارات الفكر الإسلامي، محمد عمارة، ص
المدارس
الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين، محمد العوا، ص. ص (1/21)
صفحة 22
3. رفض الإباضية تبعيتهم إلى الخوارج
لم يقبل الإباضيون أنفسهم، قديما وحديثا، قط أن يُنسبوا إلى الخوارج، وإنما رأوا أنفسهم مدرسة فكرية مستقلة لها أصولها وفكرها السياسي، وكذلك مذهبها الفقهي، الذي لا يتوافق مع أفكار وسلوكيات الخوارج
لا من قريب ولا من بعيد.
4. المنهج العملي للوصول إلى حقيقة الإباضية
إن تقصي المنهج العلمي للوصول إلى الحقيقة في مسألة كون الإباضية من الخوارج أو ليسوا منهم. هذا الأمر يقتضي الوقوف على أقوال الإباضية أنفسهم في مصادرهم الأصلية، وكتبهم المرضية عندهم، وكلام المعاصرين من علمائهم، إذ أنها لا تزال مدرسة فكرية قائمة ومذهبًا فقهيًا متنوعًا، فالأخذ عنهم أولى من الأخذ عن غيرهم؛ لأنهم أدرى بموقف مدرستهم الفكرية على قاعدة أن أهل مكة أدرى بشعابها.
ويرى العلّامة أبو إسحاق طفيش أن إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية من الدعايات الفاخرة التي نشأت على التعصب السياسي أولا ثم المذهبي ثانيًا. ويقول الشيخ علي يحي معمر: "عندما كنت أقرأ في كتب المقالات ما يتصل بالإباضية تصادفني عجائب في العقائد والآراء والأقوال تنتسب إليهم، إما بعبارات واضحة صريحة أو بأساليب ملتوية، لكنها معبرة. وتصادفني كذلك أسماء لأشخاص كثيرين أئمة لهم، وأنا على يقين كامل بأنّ ذلك غير موجود عند الإباضية"3.
وأضاف معمر: "لقد أصاب الإباضية من كتاب المقالات وكتب الممل والنحل كثيرًا من الأذى قد لا يكون مقصودًا، لكنه وقع، وسبب إحداث فجوة بينهم وبين إخوتهم في بقية المذاهب، كانت متسعة في الماضي
21
9
المرجع نفسه، ص
60
الإباضية بين الفرق الإسلامية، علي يحي
معمر، ص
المرجع السابق، ص
12
1
2
3 (1/22)
صفحة 23
وأصبحت تضيق ونرجوأن تزول في هذا العصر الذي يجب أن يتلاقى المسلمون فيه على وحدة اعقيدة،
ووحدة العمل، ووحدة السلوك في مجابهة أعداء الإسلام مع مراعاة صادقة لحرية الرأي والفكر، واحترام كامل لجميع أئمة المسلمين وعلمائهم دون تهجم وانتقاص أو مغالاة وإقصاء".
5. سيرة عبد الله بن إباض
يتفق أغلب المؤرخين الذين تطرقوا إلى سيرة ابن إباض على انتمائه إلى قبيلة تميم القاطنة في البصرة بشكل خاص، فهو عبد الله بن إباض من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس التميمي. وذكر الأزكوي: أنّه
عاش في عهد معاوية بن أبي سفيان وحتى عهد عبد الملك بن مروان بن
وبهذا يكون عمره عند اشتراكه في الدفاع عن مكة المكرمة بجانب عبد الله بن الزبير ضد الجيوش الأموية (عام 64 هـ) لا يتجاوز أربعة وعشرين عامًا. ويتضح من الرسالة التي كتبها ردًا على رسالة عبد الملك بن مروان (65 هـ /684 م 86 هـ / 705 م) ما يوافق هذا الاستنتاج، إذ يظهر أنه مدركًا مميزا، وذلك عند كتابته للرسالة التي تحتاج إلى وقفات ومناقشات فيما جاء فيها ولا يسلم له في كل ما جاء فيها.
وتزعم ابن إباض المعارضة ضد متطرفي الخوارج، وتنسب المصادر الإباضية إلى عبد الله دورًا ثانويا بالمقارنة مع جابر بن زيد الأزدي الذي تعتبره إمام الإباضية ومؤسس فقههم ومذهبهم، وتذكر أنّ ابن إباض كان يقتدي في كل أفعاله وأقواله بجابر بن زيد وتذكر المصادر أنه كان إمام أهل التحقيق ورئيس من بالبصرة
1
المرجع السابق، ص
13
2
الحركة الإباضية في المشرق العربي مهدي طالب هاشم، ص
44
3 الحركة الإباضية في المشرق، ص
45، نقلاً عن ن كشف الغمة لابن أبي الفتح الأربيلي.
4
المرجع نفسه، ص
45
5 نشأة الحركة الإباضية، عوض محمد خليفات، ص
115
22 (1/23)
صفحة 24
وغيرها من الأمصار. وتصنيف المصادر أنّه الشخص الذي ناظر الخوارج "المتطرفين" والقدرية والمعتزلة
والمرجئة والشيعة، وذلك رغم أن هذه الجماعات لم يكتمل تكوينها بعد 2.
ويقول قاسم بن سعيد الشماخي كان ابن إباض المجاهد علنًا والمناضل علنًا في سبيل تحقيق الحقائق وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا وكان شديدًا في
الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التنطس والتفلسف، كان الحجة الدامغة التي يخشى أمامها كل ثرثار، وله مروان يؤثر في نفس كل حائر جبار. وبذلك غلب على المسلمين أصحابه الذين
بن
كلام مع الملك عبد يقولون بقوله اسم الإباضية، وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى. ومع هذا فقد كان الإمام القائد، والوسيلة الراشدة، مؤسس المذهب وما فيه مرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه، إنما كان جابر بن زيد
رضي
الله عنه 3.
ويرى المؤرخ الإباضي المعاصر محمد علي دبوز، بأنّ الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة إلى عبد الله بن إباض لأنّ الأخير كان من علمائهم وشجعانهم والمناظر باسمهم، كما أن الأمويين لا يريدون نسبة هذا المذهب إلى جابر حتى لا يجذبوا إليه الأنظار ولا يبدوا أتباعه في هالة جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس، لأن جابر عالم وفقيه وله مكانته وشهرته بين علماء الأمة وعامتها؛ لذلك نسبوا الفرقة إلى عبدالله بن إباض، وهو أقل منزلة من جابر في العلم، وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع والصلاح والفكر
والتجديد 4.
23
150
115
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
115
الإباضية في موكب التاريخ علي:
يحي
معمر، ص
تاريخ المغرب الكبير، 2/ 398 - 399.
1
2
3
4 (1/24)
صفحة 25
وأما عن نشاط ابن إباض بعد مراسلاته مع عبد الملك بن مروان فلا تذكر المصادر معلومات موثوقة يمكن الاطمئنان إليها، ويزعم كل من الشهرستاني والقزويني أنّ عبد الله بن إباض قد اشترك في ثورة (طالب الحق) التي بدأت في حضرموت واليمن في عام 129 هـ ضد مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ". ولكن المصادر لا تورد هذه المعلومة مطلقًا، ولو اشترك ابن إباض في هذه الثورة لورد اسمه بين الأشخاص البارزين في الثورة، ولأثبتت المصادر الإباضية دوره. أضف إلى ذلك أنّ المصادر غير الإباضية التي تسهب في الحديث عن ثورة طالب الحق مثل أنساب البلاذري وتاريخ خليفة بن خياط وتاريخ الطبري وأغاني الأصفهاني لا تشير إلى اشتراك ابن إباض في تلك الثورة، وقد مرّ معنا أنّ بعض المؤرخين الإباضيين يذكرون أنه قد عاش حتى زمن عبد الملك بن مروان رغم أنها لا تذكر متى توفي 2.
وإذا صحت هذه المعلومات بأن ابن إباض قد توفي خلال فترة حكم عبد الملك، فإن ذلك يعتبر نفيا قاطعًا لاشتراكه في تلك الثورة، زد على ذلك أن كتب الطبقات الإباضية تجعله من رجال الطبقة الثانية، أي الذين عاشوا خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري وماتوا قبل عام 100 هـ، ولما كانت ثورة طالب الحق قد بدأت عام 129 ه، فمن غير الممكن إذا أن يكون ابن إباض قد اشترك فيها أو حتى عاصرها. وبالإضافة إلى ما ذكرنا فإن كلا من القلهاتي والأزكوي يورد قائمة لرجال الإباضية الأوائل، ويذكر فيها أن
عبد الله
بن إباض كان تلاميذ عبد الله
من
بن وهب الراسبي وجابر بن زيد الأزدي. وكان أبو عبيدة مسلم
بن أبي كريمة التميمي تلميذًا لعبد الله بن إباض بينما كان عبد الله بن يحيى طالب الحق وقائده المختار بن
عوف الأزدي (أبو حمزة (الشاري تلاميذًا لأبي عبيدة، وليس هناك أية إشارة لاشتراك عبد الله بن إباض
وعبد الله بن يحيى طالب الحق في نشاط واحدٍ في زمن واحد 3.
1
الممل والنحل، الشهرستاني، 212/ 1 - 213.
2 نشأة الحركة الإباضية، المرجع نفسه، ص)
3 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
24
120
121 (1/25)
صفحة 26
أضف إلى ذلك فإن أيَّا من المصادر الإباضية لا تذكر إطلاقًا أي نشاط أو حتى إشارة عابرة لابن إباض إبّان زعامة أبي عبيدة الذي خلف جابر بن زبد في إمامة الإباضية في البصرة في عام 95 هـ كما سنرى، وفي عهده جرت ثورة طالب الحق في حضرموت واليمن ولعل السبب في إشارة الشهرستاني والقزويني إلى اشتراك عبد الله بن إباض في ثورة طالب الحق، وتشابه الاسمين الأوليين لكلا الرجلين فحوتِ الالتباس تبعًا لذلك. وأما الرواية التي يوردها ابن حوقل، والتي تشير إلى أن ابن إباض وعبد الله بن وهب الراسبي قد ارتحلا إلى جبل نفوسة وماتا هناك فواضح عدم صحتهما.
إن من المؤكد والمعروف أن عبد الله بن وهب الراسبي قد لاقى حتفه في معركة النهروان عام 37 هـ 2. ومما مر يتبين لنا ندرة المعلومات واضطرابها حول هذه الشخصية التي نسبت إليها المدرسة الإباضية التي أسست دولاً كان لها دور هام في التاريخ الإسلامي، والتي لا يزال أتباعها موجودين إلى وقتنا الحاضر في سلطنة عُمان وبعض مناطق الشمال الأفريقي 3. ويمكن أن نلخص المعلومات الموثقة حول شخصية ابن إباض في
النقاط الآتية:
1. أن عبد الله بن إباض ينتمي إلى قبيلة تميم التي كانت في صدر الإسلام من أهم قبائل البصرة وأكثرها عددًا.
2. إن المصادر لا تشير على الإطلاق إلى أنه اشترك في حروب المحكمة ضدّ علي بن أبي 3. إن أول إشارة صريحة واضحة حول ظهور ابن إباض على المسرح السياسي كان اشتراكه مع بعض
المحكمة
في الدفاع عن الكعبة مع ابن الزبير ضد الجيش الشامي زمن يزيد بن معاوية.
123 121
1 صورة الأرض، ابن حوقل، ص 43، وانظر: نشأة الحركة الإباضية ص. ص 2 نشأة الحركة الإباضية، المرجع نفسه، ص
121
المرجع نفسه، ص
122
حروب المحكمة التي قام بها المعارضون لفكرة التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.
25
3
4 (1/26)
صفحة 27
كما كان أحد زعماء فريق المحكّمة الذين حاولوا أن يكسبوا عبد الله بن الزبير إلى جانبهم، وقدموا له دعمهم
الكامل إذا وافق على آرائهم، فتركوه وعاد بعضهم إلى البصرة، ومن بين هؤلاء عبد الله بن إباض. والظاهر أن موقف ابن الزبير دفعهم إلى اليأس من تأمين قيادة بارزة من القرشيين وهو ما كانوا يسعون إليه باتصالهم بابن الزبير
تصدى ابن إباض للمتطرفين من الخوارج، وردّ على نافع ابن الأزرق والصفرية، وأصبح المناظر باسم أهل الدعوة ضدّ مناوئيهم من الخوارج وغيرهم من الفرق كما فعل ذلك مع السلطة الأموية في عهد الخليفة عبد مروان، حيث احتفظت لنا المصادر برسائله، أوما تسميه المصادر الإباضية نصائحه إلى عبد الملك
الملك
بن
بن مروان. وقد حاول زعماء الخوارج استدراج عبد الله بن إباض للخروج معهم فامتنع وأخبرهم أنه لا يخرج على قوم يرتفع الأذان من صوامعهم والقرآن من مساجدهم 2.
فيما بعد اختفى ابن إباض فجأة، ولا تذكر المصادر المتوافرة معلومات موثوقة عن مكان وفاته، إنّ المصادر الإباضية تجمع على أنّ ابن إباض لم يكن إمامهم الحقيقي ومؤسس دعوتهم وإن كان من علمائهم ورجالهم البارزين في التقوى والصلاح.
ولهذا السبب فإنها أغفلت الحديث عن كثير من جوانب حياة ابن إباض ونشاطه. ويعتبر الإباضية القدامى منهم والمحدثون جابر بن زيد إمامهم الأكبر ومؤسس دعوتهم، ولم يكن ابن إباض إلا واحدًا من أتباع فرقته ولم يصدر في شيء من أفعاله وأقواله إلا بأمر ذلك الإمام وإرشاده، ومن هنا فإنّ الإباضية لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم، ولم يرد في مصادرهم إلّا في وقت متأخر كما أسلفنا القول في السابق.
6
دراسات عن الإباضية عمرو خليفة النامي، ص 44.
تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي، عبد الرحمن عثمان حجازي، ص
26
1
2 (1/27)
صفحة 28
وبعد اختفاء ابن إباض أقلع الإباضية عن المناقشة العلنية والجدل الكلامي مع مناوئيهم ومخالفيهم، ولجؤوا
إلى السرية المطلقة في تنظيم دعوتهم. وكان الجابر دور تنظيمى كبير في هذه المرحلة التي تعرف في التاريخ
الإباضي بطور أو مرحلة الكتمان 1.
6. الإمام المحدث جابر بن زيد:
اسمه ونسبه ومولده ونشأته
—
هو الإمام الفقيه المحدث أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدني اليحمدي العُماني مولدا البصري إقامة. وُلد الإمام جابر بن زيد في عُمان ثم رحل إلى البصرة وأقام بها، والإمام جابر يُنسب "الجوفي"، وقيل إنّ هذه النسبة بالنظر إلى المنطقة التي ولد فيها وهي الجوف، وقيل بنسبه إلى " درب الجوف" وهي محلة بالبصرة، فقد أقام الإمام جابر بن زيد بها ويمكن الجمع بين القولين بأن يُقال: إنّ الإمام جابر ولد بالجوف وسكن محلة "درب الجوف" مع العُمانيين الأزد الذين كانوا متواجدين في البصرة بكثرة. وقد قضى الإمام جابر أغلب حياته بالبصرة وبقي بها إلى أن تُوفي عام 93 هـ - 712 م على القول الراجح، وقيل تُوفي عام 103 هـ، وقيل
في: 104 هـ، وصلى عليه قطن بن مدرك الكلابي.
—
الإمام جابر طلبه للعلم وثناء العلماء عليه
في البصرة، أخذ جابر يتزود العلم والمعرفة وخاصة ما يتعلق منها بعلوم القرآن والحديث وما يتصل بهما وقد تتلمذ جابر على أيدي كثير من الصحابة والتابعين وأخذ عنهم الحديث والتفسير وعلوم اللغة والأدب ويُروى
123 - 122
نشأة الحركة الإباضية ص.
تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/ 72. وانظر: مشاهير علماء الأمصار لابن حيان/ 89/ 1.
27
الطبقات ابن سعد 180/ 7
الفقه المقارن بين الفقه المالكي، والإباضي، التواني الجزائري، 25/ 1.
1
2
3
4 (1/28)
صفحة 29
عن جابر أنه كان يقول: أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم إلا البحر أي عبدالله بن عباس، على أن
الأخير لم يكن من أهل بدر، وفي القول دلالة على أنّ جابراً قد أخذ عن مجموعة من الصحابة الذين رافقوا
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونقلوا عنه علمه وسنته الشريفة، ومن أهم العلماء الذين أخذ
عنهم جابرا: عبدالله
عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن مسعود وأنس بن مالك وغيرهم إلا أنه كان أكثر ملازمة لعبدالله
بن
بن
عباس من غيره وكان أنخب تلاميذه. وكثر الثناء على الإمام جابر بن زيد من معاصريه ومن بعدهم شيوخه
وتلاميذه:
1. قال عنه عبد الله بن عباس: "لو أنّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً عما في كتاب الله "2. وقال عنه أيضًا: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق".
2. كان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسألة يقول: "كيف تسألوننا وفيكم أبو الشعثاء؟ ".
3. لقي عبد الله بن عمر جابر بن زيد في الطواف فقال: "يا جابر، إنّك من فقهاء البصرة، وإنك
311
تستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإن لم تفعل هلكت وأهلكت "3.
4. روى أبو بكر بن نعامة قال: كنت عند أنس بن مالك وأنس يومئذ مريض، فأتى أنساً مولى له فأكب عليه فقال له: تُوفي جابر بن زيد فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون، مات أبو الشعثاء؟ قال له: مولاه نعم والله اليوم، فقال أنس: مات أعلم الناس، يرحم الله جابر
بن زيد
نشأة الحركة الإباضية، ص
127
الحلية، أبي نعيم، 58/ 2، وانظر: الجرح والتعديل لأبي حاتم، 2/ 494. تذكرة الحفاظ: المرجع السابق، 1/ 102.
من جوابات الإمام جابر بن زيد، الخروصي، ص
53
28
1
2
3
4 (1/29)
صفحة 30
5. قال قتادة: "اليوم دُفن علم الأرض" 1
6. سُئل أيوب السختياني: هل رأيت جابر بن زيد، قال: نعم، كان لبيبا لبيبًا لبيئا"2.
7. قال إياس بن معاوية: "أدركت أهل البصرة وفقيههم جابر بن زيد من أهل عُمان"3.
8. قال عنه ابن سيرين: " كان أبو الشعثاء مسلماً عند الدينار والدرهم
411
9. قال أبو نعيم: "ومنهم المتخلي بعلمه عن الشبه والظلماء والمتسلي بذكره في الوعورة والوعثاء، جابر
10
بن زيد أبو الشعثاء، كان للعلم عيناً معيناً، وفي العبادة ركنا مكيناً وكان إلى الحق آيبًا ومن الخلق
هاربًا "5.
أثنى الحسن البصري على جابر وعلمه الغزير ولقبه بالفقيه العالم.
إذ لم يكتف جابر بن زيد بعلم من التقى بهم في البصرة بل كان يرتحل إلى أماكن أخرى طلبًا لمزيد من العلم
الله
ولايترك فرصة يتزود فيها العلم إلا واغتنمها، وكان يتردد على الحجاز ويلتقي بعائشة أم المؤمنين رضي عنها، ويأخذ عنها العلم، ويسألها عن سنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ويناقش في كثير من المسائل مما يتعلق بحياة الرسول الخاصة أملاً منه في أن يجعل من تلك السيرة قدوة لأصحابه، ولمن طلب فتواه مدللًا
على رأيه بأمثلة من سيرة النبي العظيم محمد (صلى الله عليه وسلم).
1
85/ 3
الحلية لأبي نعيم، 2 الطبقات لأبي سعد، 180/ 7.
3 الفقه المقارن بين الفقه المالكي والإباضي، 1/ 26.
4
5
6
المرجع السابق، 1/ 26.
المرجع السابق، 1/ 26.
السير، الشماخي، ص
29
128
73
نشأة الحركة الإباضية، ص (1/30)
صفحة 31
—
الإمام جابر وتدوين الأحاديث
لم يكتف جابر بالرواية الشفوية عن أساتذته ومعاصريه بل كان يسجل الأحاديث التي يسمعها من شيوخه كما سمح لتلاميذه بتدوين الأحاديث التي رواها وأودع في صفحاته آراءه وفتاويه في كثير من أمور العقيدة. ويقال أنّ ديوانه كان من الضخامة بحيث يعجز عن حمله البعير، ويقع في عشرة أجزاء كبيرة، وكانت نسخة منه في إحدى مكتبات بغداد الكبرى في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد". ويذكر المؤلف الإباضي أبي الربيع الوسياني في سير الإباضية، أنّ نسخة من الديوان قد بقيت، بعد موت جابر في حوزة خليفته أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ثم توارثتها أئمة الإباضية في البصرة. وفي عهده استنسخت المخطوطة في مكة. وجدير بالذكر أنّ حاجي خليفة أشار في كتابه كشف الظنون إلى ديوان جابر بن زيد، ولكنه لم
يعط أية تفصيلات عنه، ولم يشير إلى المصدر الذي استقى منه معلوماته حول هذا السفر الضخم. المدرسة الإباضية سبّاقة في الاعتناء بتدوين الحديث وحفظه وتوثيقه.
وتعد
—
الإمام جابر والإفتاء في البصرة
يتبين بوضوح
أن جابر بن زيد قد اكتسب علمًا واسعًا بعد اقامته في البصرة، وأنه أصبح من أبرز التابعين الأوائل في علم الحديث والتفسير والعلوم الدينية بشكل عام، وقد أهلته معرفته العميقة لأن يصبح أبرز مفت في البصرة بعد الحسن البصري وعندما كان الأخير يخرج للجهاد في الثغور أو يغيب عن البصرة كان يوكل مهمة الفتوى إلى جابر بن زيد الذي كان صديقاً له ومما يدل على طول باعه في ميدان الفتوى والاجتهاد، أن عمرو بن دينار وهو أحد العلماء اللامعين في البصرة آنذاك وأحد التابعين من رواة الحديث كان يذكر
1
اللمعة المرضية، السالمي، ص 184.
129
2 نشأة الحركة الإباضية، ص 3 كشف الظنون، حاجي خليفة، 1/ 781.
30 (1/31)
صفحة 32
جابر بن زيد ويقول: ما رأيت أحدًا أعلم بالفتيا من جابر بن زيد. ومن أعماله الباقية التي دونت فتاويه
ورواياته نذكر:
- روايات ضمام: الراويها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عن الربيع بن،، عن ضُمام عن جابر بن
زيد.
مسند الربيع بن
وضمام عن جابر بن زيد.
وضمّ بالدرجة الأولى أحاديث رواها الربيع بن ب الفراهيدي عن أبي عبيدة
- جوابات جابر وفيها بعض فتاويه مرسلة إلى بعض أصدقائه وأتباعه وهذه كلها من مدونات الإباضية.
كما أن هناك أعمال أخرى:
كتاب النكاح: وهو يقيم أحكامًا
بخصوص الزواج نقلًا
عن جابر.
كتاب الصلاة: رواه يب بن أبي
الحرمي عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد.
- روايتان عن عمرو بن دينار وعمرو بن، هرم موجودتان في القسمين الخامس والسادس من كتاب "أقوال قتادة "، ومنهما أحاديث وفتاوى تتناول بالدرجة الأولى مواضيع الزواج والزكاة والصلاة إلى جانب فتاويه وأحاديثه المنقولة. عنه بواسطة قتادة. ويقال أنّ كتب جابر كانت بحوزة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم انتقلت إلى الربيع بن حبيب فإلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل، ثم ابنه محمد بن محبوب، وعنه نسخت في
مكة 4.
1
2
3
4
التاريخ الكبير، البخاري 204/ 1.
دراسات عن الإباضية، ص
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
78
79
78
31 (1/32)
صفحة 33
الإمام جابر وزهده
—
اتبع جابر بن زيد أسلوبًا خاصًا في حياته بعد قدومه إلى البصرة مما يساعده على اكتشاف المعارف والإحاطة السائدة في عصره وخاصة العلوم الدينية، فقد عاش حياة زهد وتقشف وانصرف عن لهو الدنيا
بالعلوم
فقد
وترفها. وكان يقول: سألت ربي ثلاث فأعطانيهن، سألت زوجة مؤمنة وراحلة صالة، ورزقًا كفافًا يوما بيوم، وكان يخطب بأصحابه، ويقول: ليس منكم رجل أغنى مني ليس عندي درهم وليس علي دين، كان ورعًا تقيا لايهتم بجمع المادة واكتنازها.
والواقع أن المصادر السنية ومصار الإباضية تسهب في الحديث عن زهد جابر وانصرافه إلى الدرس والتحصيل حتى أصبح بعلمه مرجعًا لكل الوسائل في أمور الفتوى والفقه الإسلامي، وكان بعض الناس ممن يسكنون خارج البصرة يكتبون إليه مستفسرين عن مسائل ومشاكل فقهية فيجيبهم عليها وتبعاً لذلك فقد وصفه أتباعه بأنه بحر العلم وسراج الدين. وكان مهتما بالعبادة وحريصا على الذهاب إلى الحج للقاء الصحابة الذين كانوا يأتون إلى مكة في وقت الحج من شتى أنحاء البلدان الإسلامية ويقال: إنّ جابرا تنقل بين البصرة ومكة حاجا مالا يقل عن أربعين مرة 2. وقد قدم إلى المدينة بصورة خاصة وقصد بني عمرو بن حزم الأنصاري وطلب منهم أن يُروه الرسالة التي بعث بها الرسول مع والدهم عمرو بن حزم إلى أهل اليمن بخصوص الزكاة واستجابوا إلى طلبه 3. فكان من الزاهدين في الدنيا والطالبين للمعرفة والتزود من العلوم النافعة
للعمل بها ونشرها بين الناس.
131
32
سير، الشماخي، المرجع السابق، ص) 70. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، ص
279 - 278
الاستبداد مظاهره ومواجهته أحمد
الخليلي، دراسات عن الإباضية، عمرو النامي، ص
ص
75
1
2
3 (1/33)
صفحة 34
—
الإمام جابر وتصديه لفكر الخوارج
كان البون سحيقًا والخلاف قائمًا بين المدرسة الإباضية والخوارج الذين حكموا على أهل ملة التوحيد بأحكام المشركين، فاستباحوا منهم سفك الدماء وغنم الأموال وسبي الذراري وقد كان استنكارهم له العلو منذ بداية بروزه، ناهيكم أنّ الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله - الذي كان رائد هذه المدرسة ومنظرها كان يحتج على أولئك الغلاة، فقد ذكر الشماخي في سيره عن ضُمام أنّه قال: كان جابر يأتي الخوارج، فيقول لهم: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: نعم، وحرّم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: أوليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فيقولون: بلى، فيقول: وحرّم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون: نعم فيقول: هل أحل لما بعد هذا بدين، فيسكتون 1.
—
إثبات كون الإمام جابر إباضيًا
لا يختلف الإباضيون أبدًا في أن الذي أرسى قواعد للمذهب الإباضي هو الإمام جابر بن زيد. فالإمام جابر هو المؤسس الحقيقي للمذهب الإباضي، وهو الذي حدد معالمه السياسية والدعوية والفقهية، وقد لقى بسبب ذلك ضروبًا من المحن كالسجن في أيام ولاية عبيدالله بن زياد في البصرة.
ونسبة جابر إلى الإباضية أكدها الإمام يحيى بن معين 2. وتحاول بعض المصادر السنية إنكار صلة جابر بن زيد بالإباضية على أساس أنّ جابرا بن زيد زيدًا من المحدثين الثقات، ولهذا تم إلصاق تهمة الإباضية به حتى لا يُعد عندهم من المحدثين المجروحين لا العدول، فعلى شرط أئمة الحديث وعلماء الجرح والتعديل أنهم يرفضون روايات أصحاب المذاهب والبدع ومن أجل ذلك شكوا في نسبته إلى الإباضية، ولكن الدلائل
33
27
المرجع السابق، ص
75
الفقه المقارن بين الفقه المالكي والإباضي، ص
1
2 (1/34)
صفحة 35
الدقيقة تؤكد أنّ جابر بن زيد مؤسس المذهب الإباضي، وهذا هو السبب الذي من أجله حبسه الحجاج بن يوسف الثقفي ثم نفاه إلى عُمان.
ولقد حاول العلماء غير الإباضيين أن يثبتوا أنّ جابرًا لم تكن له علاقة بالإباضية وهنالك قصص مختلفة
تروي للدلالة على أن جابراً نفسه أنكر مثل هذه العلاقة، وقد نقل قتادة وداود بن أبي هند عن عزرة أنه
قال: قلت لجابر إن الإباضية يزعمون أنك
منهم
فقال أبرأ إلى الله منهم. ويرى علماء الإباضية: مثل هذه
المعلومات بالإضافة إلى تلك المنسوبة إلى جابر نفسه بالنسبة لإنكاره أية علاقة مختلقة بالإباضية على ما يبدو سمح لعلماء الحديث من أهل السنة بقبول الأحاديث التي يرويها جابر ووفقًا للقواعد التي وضعها بعض المحدثين السنية، فإنّ الأحاديث التي تروى عن أهل البدع " ليست مقبولة، فإنّ كان هذا الشخص شيعيًا أو خارجيًا أو إباضيًا، فإنّ هذا كافٍ لتخريجه ولذلك يعتقد أنّ المعلومات المذكورة آنفاً مختلقة من قبل بعض المحدثين السنة بقصد تبرئة جابر من تهمة الإباضية. ويقال إن هند بنت المهلب قالت: كان جابر بن زيد أشدّ النّاس انقطاعاً إلى والي، أمتي فما أعلم شيئا كان يقربني إلى الله إلا تهاني عنه وما دعاني إلى الإباضية قط ولا أمرني بها. وهذا صحيح فجابر لم يدعها إلا إلى الإسلام، ثم إن مصطلحي الإباضيين والإباضة بالذات لم يكونا يستعملان بين الإباضيين الأوائل حتى بعد وفاة جابر وبدلًا منهما كانوا يستعملون
مصطلحي "المسلمين" و "جماعة المسلمين".
إن فكر المذهب الإباضي التاريخي منصب ضد أسلوب الحكم الأموي، في تداول السلطة، وممارسة الظلم والجور على الناس ويستثنون فترة عمر بن عبد العزيز، ولذلك اضطروا إلى السر والكتمان والعمل المنظم الخفي خوفاً على دعوتهم واعتبرتهم الدولة الأموية من الخوارج خوفاً على سلطانهم وحكمهم ونفوذهم.
1 الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، عامر النجار، ص.
34
124 (1/35)
صفحة 36
وتعرّض الإباضيون لإشاعات كاذبة، ودعايات مضللة انطلقت من دوافع سياسية غالبًا، كما أنّ نظرة بعض الإباضيين للدولة الأموية تحتاج إلى حوار علمي ونقاش معرفي من أجل الوصول إلى الحقيقة، وعلى هذا
سوف نستعرض في هذا البحث الحوارات في مسائل فكرية وتاريخية ونصية نرجو من الله أن يدلنا على
الصواب، ويصلح نوايانا وتكون حقيقة خالصة لوجهه الكريم.
—
بداية التنظيمات السرية للإباضية في البصرة
لا نعلم متى بدأ التنظيم السري للدعوة الإباضية، وتشير النصوص إلى بدايته على يد الإمام جابر بن زيد، ولا تتطرق المصادر المتوفرة لدينا عن أي دور يذكر لعبد الله ابن إباض في النشاط السري للدعوة الإباضية 1.
لذلك فالإمام جابر بن زيد يعتبر واضعًا للأسس التنظيمية الأولى للدعوة ومن المحتمل أن الجماعة المعتدلة المحكمة الأولى لجأت إلى هذا الأسلوب نتيجة لحملات الإبادة للمعارضين للدولة الأموية سواء من
2
الخوارج أو من معارضيهم، وشملت هذا الحملات من كانت سمته الاعتدال، كأبي بلال مرداس، يقول
الرقيشي: قد بلغنا أن بلال بن مرداس بن حدير رحمه الله وغيره من أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد العُماني ومشورته ويحبون ستره في الحرب لئلا تموت دعوتهم ليكون رداءه، لقد كان رأس الدعوة في عهد الوالي الأموي عبد الله بن زياد هو جابر بن زيد. ومما يؤكد أنّ جابربن زيد كان المسؤول عن التنظيم السري الإباضي هو النص الذي رواه أبو سفيان عندما اعتقل أحد مشايخ الدعوة الإباضية
2
64
1 الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص المحكمة الأولى: سموا بالمحكمة لإنكارهم الحكمين (موسى بن نصير وعمرو بن العاص وقولهم إن الحكم الله، ويعدون أول تجمع لكل الفرق التي أتت بعدها، وهم أولئك الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين جرى أمر المحكمين واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، ورأسهم عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن جرير، ويزيد بن أبي عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، وكانوا يومئذ في اثني عشر ألف رجل أهل صلاة وصيام، أعني يوم النهروان الشهرستاني، الملل والنحل، 115/ 1. المرجع السابق، ص 64.
3
35 (1/36)
صفحة 37
المسمى أبو سفيان قنبر وكان شيحًا كبيرًا أخذ وجُلد أربعمائة سوط على أن يدل على أحد المسلمين فلم
يفعل، قال جابر بن زيد وكنت قريبًا منه وما كنت انتظر إلّا أنّ يقول هذا هو، فصمها الله " 1.
ومن المعلوم أن جابر بن زيد كان من الشخصيات العلمية البارزة آنذاك ليس لدى الإباضية فقط، بل لدى عامة المسلمين وعلمائهم خاصة 2.
وقد كان للصلابة التي أبداها الدعاة الإباضية في مواجهة السلطة الأموية والحيطة والحذر وبث العيون حول مجالسهم السرية، وقد تمكن التنظيم الإباضي من النمو والاتساع ولم تستطع السلطة الأموية في البصرة أن تضع يدها على أي مجلس من مجالسهم السرية وكان لهذه المجالس رقباء وعيون تحرسها وقد ابتكروا في عهد زياد بن أبيه وابنه عبدالله طرقًا جديدة في التستر والتنكر فكانوا يأتون المجالس أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب وغير ذلك يتشبهون بالنساء وكان أحدهم ليحمل على ظهره جرة ماء ويحمل حمل متاع كأنه يباع حتى يدخل المجلس.
ويظهر هذا النص المدى البعيد، الذي اتجه الدعاة الإباضية للتستر على مجالسهم ويعكس في نفس الظروف القاسية والبطش الشديد الذي الجأهم إلى التنكر بهذه الصورة للحفاظ على دعوتهم بعيداً عن أعين الرقباء 3.
وقامت سياسة جابر على اللجوء إلى جميع الوسائل لضمان حركته وسلامة اتباعه حتى أنه ذهب إلى حد الأمر بقتل شخص يدعى خردلة أبلغ السلطان الأموي عن أسماء أفراد الحركة الإباضية في البصرة وجعل يطعن فيهم ويدلّ على عوراتهم ويفضح أسرارهم مما أدى إلى قتل بعض أتباع الحركة على يد أيدي السلطة 4.
86
36
66
1 الشماخي، السيرص
93
2 الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
المرجع نفسه،.
64
ص
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص)
3
4 (1/37)
صفحة 38
ومع
هذا فإنّ الحركة واجهت الاضطهاد في تلك الفترة وقد قتل أصدقاء مقربون من جابر، مثل أبي بلال، وشقيقه عروة، وسجن آخرين مثل أبي فقس وقنبر وسمح لأتباعه بدفع الرشوة وقال: لم يبق شيء أنفع لنا في هذا العهد -عهد عبد الله - إلا الرشوة وهكذا فإنّ جابرًا بلغ حد استخدام الرشوة لتجنب أي اضطهاد من النظام الأموي بأنصاره. وكان جابر بن زيد وثيق الصلة بالحركة منذ وقت مبكر وأصبح زعيمها وإمامها وكان له دور كبير في تنظيم الحركة وتطورها وتأسيس النظام السري في الدعوة الإباضية في البصرة في العقد السادس من القرن الأول الهجري 2.
الإمام جابر بن زيد والمجتمع
لم يشأ الإمام جابر الانسحاب من المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه مع بقية أتباع حركته ولذا فإنهم لم يعزلوا أنفسهم عن الناس ولم يدعوا للخروج والهجرة كما فعل الأزارقة وغيره من متطرفي الخوارج وكان جابرًا ينشر آراءه ويبث أفكاره بين الناس من خلال أحاديثه الدينية وفتاوى وأجوبته على المستفسرين عن بعض الأمور الدينية من داخل البصرة وخارجها وكان يتفحص تلاميذه، فمن وجد فيه استمداداً قوياً لآرائه وحماساً لمبادئه دعاه إلى مذهبه 3.
- علاقة الإمام جابر بالحجاج
تجنب الإمام جابر أي احتكاك مع السلطة، ولم يؤثر عنه أنه تعرض لأذى قبل تولي الحجاج للسلطة في العراق على الرغم من أنّ بعض أصحابه قد لقى عنتاً كبيراً على أيدي الولاة منذ أيام زياد. وتشير المصادر
141
87
المرجع نفسه، ص
2 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص المرجع نفسه، ص
3
4
140
140
سير، ر، المرجع السابق، ص 94 - 93. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
37
1 (1/38)
صفحة 39
الإباضية إلى أن العلاقة بين جابر بن زيد والحجاج كانت في البداية ودية وكان جابر يزور الحجاج ويتزود
عليه حتى بعد أن نقل الحجاج مقره إلى مدينة واسط وكان ليزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، دور ملموس في هذه العلاقة لأنه كان صديقاً حميماً لجابر 1.
11
وليس لدينا ما يفسر هذه العلاقة بين الرجلين جابر" ويزيد، ومن المحتمل أن يزيد بن أبي مسلم كان واسع الأفق بحب العلماء ويعطف عليهم حتى وإن اختلف معهم في الرأي وكان في علاقته مع جابر مدفوعا بهذه النظرة تجاه العلماء وشفاعته للشعبي دليل آخر على تقديره للعلماء، وحرصه على عدم تعرضهم للأذى والاضطهاد. وأما ما يذكره المستشرق ليفتكسي من أن يزيد بن أبي مسلم كان خارجيًا، فليس لدينا دليل يبرره، ومن غير المحتمل أن يكون يزيد كذلك وهو من أخلص أعوان الحجاج أضف إلى ذلك أن يزيد بن أبي مسلم نفسه قد قتل على أيدي الخوارج بينما كان واليا على شمال أفريقية في عهد يزيد بن عبد الملك 2.
3
وعلى أية حال، فإنّ علاقة جابر بالحجاج بقيت لفترة من الوقت جيدة، وفرض الحجاج له عطاء مقداره 600 أو 700 درهم. وقد أراد الحجاج أن يوليه القضاء، فرفض متذرعا بعدم قدرته على حمل أعباء هذا المنصب وقال: إني أضعف من ذلك، قال الحجاج: وما بلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما، قال: إنّ هذا لهو الضعف. وفي هذه الرواية دلالة على أنّ جابرا كان يريد إخفاء مقدرته وإبداء ضعفه للوالي حتى يبعد الشبهات عنه، وحتى لا يخطر ببال الوالي أن رجلاً بلغ هذه الدرجة من الضعف يمكنه أن يقوم بتأسيس حركة سرية مناوئة للدولة الأموية.
141
العقود الفضية للحارثي
101 - 100، نشأة الحركة الإباضية ص
ص
تاريخ ابن خلدون ابن خلدون، 4/ 403.
العقود ا الفضية، للحارثي ص 10، نشأة الحركة الإباضية، ص
142
142
38
74. وانظر: نشأة الحركة الإباضية. ر، المرجع السابق، ص. سير،
ص
1
2
3
4 (1/39)
صفحة 40
—
دعوة جابر لقبيلة الأزد والأمصار الإسلامية
لما كان جابر بن زيد ينتمي إلى قبيلة الأزد، فقد وجه قسمًا كبيرًا من جهوده نحو إقناع بحق أفراد هذه القبيلة للانضمام إلى حركته وقد نجح إلى حد بعيد في هذا الشأن وتبعه عدد كبير من الأزد وعلى رأسهم بعض أفراد الأسرة المهلبية زعيمه أزد العراق وأصبح بعضهم من دعاة الفرقة وحماتها البارزين ولم يقتصر ذلك على الرجال، بل تعداه أيضًا إلى النساء وتورد المصادر الإباضية عددًا من النساء المهلبيات اللاتي انضممن إلى جماعة المسلمين "الإباضية " وبذلن جهودًا في سبيل نصرتها، وأعطى بسخاء من أموالهن لبيت مال الدعوة ولمساعدة المحتاجين من أتباعها. ليس هذا فحسب، بل إنّ المصادر تشير إلى أعداد كبيرة من عُمان موطن الأزد الأصلي وحضرموت واليمن انضمت إلى الإباضية، ولا عجب أن نجد أول إمامة أسستها الإباضية كانت في حضرموت في اليمن وعُمان. ونتيجة للجهود التي بذلها جابر بين أقاربه من الأزد لوجه خاص وعرب الجنوب عامة، فقد أصبحت الحركة تضم عناصر من قبائل عربية مختلفة، كما انضم إليها كثير من الموالي، ولم يمت جابر بن زيد إلا وقد غدت الدعوة الإباضية عبارة عن حركة إسلامية شاملة جذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس مختلفة. وأخذت القناعات لدى كثير من أتباع الدعوة الإباضية تحل محل الولاءات القبلية والعرفية ومن هنا، فإنّ خليفة جابر بن زيد في زعامة الحركة كان من الموالي وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة موالي بني تميم، لكنّه سكن بعد انضمامه للدعوة، وبعد انتصار الأزد لها في حي الأزد في البصرة 2.
ولم تقتصر دعوة جابر على من كان موجودًا في البصرة بل تعدتها إلى الأمصار الإسلامية الأخرى، حيث كان يبحث بالدعاة لمختلف المناطق، وكان عمله هذا إرهاصًا لما تمّ في عهد خلفه أبي عبيدة من تدريب للدعاة الذين عُرفوا باسم حملة العلم إلى الأمصار وكان جابر على صلة وثيقة مع أتباع دعوته في الولايات
143
39
نشأة الحركة الإباضية، ص
143
سير، ر، المرجع السابق، ص 77، 83. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، ص
1
2 (1/40)
صفحة 41
المختلفة ومن بينهم
الأزد والمهالبة، وتشير المصادر إلى مراسلات متبادلة بينه وبين عبد
الملك
أناس من المهلب في خراسان. وكان جابر يطلب من أن يكتب له في أمر الدعوة ويسأله أن يرسل خطاباته في سرية تامة مع أشخاص موثوقين. والواقع أنّ جابرًا كان يكرر الطلب في وجود السرية في جميع مراسلاته مع أعوانه وأتباعه، ويطلب أحيانًا تمزيق رسائله إليهم وحرقها حتى لا تصل إلى أيدي أعدائها، فتؤدي بالتالي إلى كشف تنظيمهم وإجهاض حركتهم
وقد استطاع جابر بهذه السياسة أن يتجنب تنكيل الولاة به وبأصحابه لفترة طويلة واستطاع أيضاً أن يكسب عدداً من الأتباع ممن تولوا فيما بعد مركز المسؤولية بالطبع دون علم السلطات المعتقدهم في مناهضة الدولة الأموية وكانوا يستعينون بآراء إمامهم جابر في تسيير الإدارة والأعمال في المناطق الخاصة لنفوذهم، ومن بين هؤلاء الأشخاص النعمان بن مسلمة الذي أرسل إلى جابر يسأل عن كيفية جمع الجزية في منطقته ولا تذكر المصادر المتوفرة أيا كانت النعمان والياً عاملاً" ولكن ورود كلمة دهقان في الرسائل المتبادلة بينه وبين الإمام جابر يدل على أنه كان والياً في المناطق الشرقية، وربما في بعض كُور خراسان 2. ومن الشخصيات الأخرى التي كانت على صلة وثيقة بجابر بن زيد، يزيد بن بشار الذي كان يقطن عُمان ويدين بالمذهب الإباضي وقد عيّن عاملاً في إحدى مناطق عُمان فأرسل إلى جابر يستشيره في ذلك ويطلب نصائحه
وإرشاداته 3.
وهناك أشخاص آخرون خارج البصرة كانوا على علاقات حميمية مع جابر يدينون بمذهبه ويصدرون عن أمره وكانوا عيوناً له وممثلين في المناطق التي يسكنونها. ونظرًا للدقة في التنظيم والحذر الشديد فلم يستطع الولاة القبض على هؤلاء الدعاة والأشخاص وكان وجود بعضهم في مركز المسؤولية دليلاً واضحاً على عدم
145 - 144
جابر بن زيد جوابات ص،15،31،37، 40، عبد الكريم التركي، ص. ص.
المرجع السابق، ص 31. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، ص.
144
40
23 - 22
144
نشأة الحركة الإباضية، ص.
جوابات جابر بن زيد، ص. ص
1
2
4 (1/41)
صفحة 42
معرفة الولاة بمعتقداتهم وكان أيضاً دليلاً واضحاً على عدم معرفة الولاة بمعتقداتهم وكان أيضاً دليلا على أن جابراً لم يمانع في أن يستلم بعض أتباعه عدداً من المراكز والمهام الرسمية في جهاز الدولة التي يعمل ضدها في النهاية حيث كان يرى أن هؤلاء يسهمون في توفير مناخ مناسب لنشر دعوته في تلك الامصار والولايات ويشكلون دعامة لها.
—
ثورة أزد عُمان ضد الأمويين
ثار أزد عُمان بزعامة سعيد وسليمان أولاد عباد الجلندي، وأرسل الحجاج حملات عدة لقمع الثورة باءت
جميعها بالفشل. وفي تلك الأثناء قامت ثورة ابن الأشعث وبعد القضاء على ثورة ابن
الأشعث،
وجه
الحجاج جيشًا كبيرًا إلى عُمان بقيادة القاسم المزني، لكن الأزد بقيادة الأخوين سعيد وسليمان، تمكنوا من
دحر هذه الحملة وقتل قائدها، وعندما وصلت أنباء فشل الحملة وقتل قائدها إلى الحجاج غضب كثيرا،
وقرر الانتقام من الأزد في العراق ومن بينهم جابر بن زيد تحت مراقبة شديدة، وحذرهم من أي اتصال
إخوانهم في عُمان، وكتب إلى عبد الملك بن مروان في الشام بخبره بتضييقه على أزد العراق وأنه أقعد
مع
وجود
الأزد الذين كانوا في البصرة عن النصرة لسليمان بن عباد وأرسل الحجاج جيوشا إلى عُمان واستطاعت جيوشه هزيمة الأخوين سعيد وسليمان ومن معهما من الأزد ونكّل بالأزد وأوقع فيهم الذل والهوان، مما كان له أبعد الأثر في موقف أزد، العراق، حلفاء الإباضية الذين يتزعمهم جابر الأزدي واعتبروا الحجاج مسؤولاً عما يحدث فسخطوا عليه، وتمنوا زوال حكمه.
وفي نفس الوقت الذي كانت تجري فيه هذه الحوادث التي أدت إلى توتر العلاقة بين الأزد والحجاج، قام الأخير بإشعال النار في الهشيم متنكرًا لآل المهلب زعماء أزد العراق وخراسان وطلّق زوجته التي -
1 نشأة الحركة الإباضية، ص
145
2 الأنساب، البلاذري، 318/ 3 - 320.
41 (1/42)
صفحة 43
أختا ليزيد بن
والي خراسان آنذاك. وأخذ يكيد له، ويحرض عبد الملك بن مروان ضده ونجح في
إقناعه بعزل يزيد من ولاية خراسان وبالسماح له في معاقبته وتعذيبه، فرج الحجاج بيزيد وبعض أفراد أسرته في السجن وأساء إليهم مما زاد في إغضاب أزد العراق والبصرة وكان لموقف الحجاج هذه أثره على الدعوة الإباضية التي يتزعمها الإمام جابر بن زبد الأزدي البصري، فقد استغل جابر فرصة الكراهية بين الأزد والحجاج لإقناع كثير من الأزد بالانضمام إلى الحركة وتبعه قسم كبير منهم وعلى رأسهم افراد من آل المهلب
رجالاً ونساء عاتكة
منهم
بنت المهلب أخت يزيد، التي كانت من أشدّ الناس حماساً للمذهب ولم تبخل
بما لها لمساعدة المحتاجين من أهل دعوتها.
—
نهاية الإمام جابر بن زيد: سجنه ونفيه ووفاته
وكان لهذه التطورات أثرها الكبير في موقف الحجاج من جابر، وأتباعه وقد حبس جابرًا مع بعض أصحابه البارزين، مثل: ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وصحار العبدي وغيرهم. ولم يلبث الحجاج أن أطلق سراح جابر، ونفاه مع رجل من مشايخ الدعوة يدعى هبيرة، وهو جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل المؤرخ الإباضي، وآخر الأئمة الإباضية في البصرة. ومن المحتمل أنّ الإفراج عن جابر كان بشفاعة من صديقه الحميم يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج. لا شك أنّ نفي الإمام جابر إلى عُمان
147
42
كان ذا نتيجتين:
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
147
المرجع نفسه، ص
سير، المرجع السابق، ص
147
87 81 76
مختصر
البسيوي، ص. ص
7 - 6 وانظر: نشأة الحركة الإباضية، ص
1
2
3
4 (1/43)
صفحة 44
الأولى: أنه حرّم اتباع الحركة في البصرة من إمامهم وزعيمهم، فخلدوا إلى الدعة والهدوء، بينما
بقي زعماؤهم ومشايخهم في سجن الحجاج حتى مات الأخير عام 95 هـ 1.
الثانية: أنّ الفرصة كانت مواتية لأن يقوم الأقربين الذين يعرفون عاداتهم وتقاليدهم وكيفية
التعامل معهم،
مستغلاً في ذلك كرههم للحجاج وحقدهم عليه لما بهم خلال ثورة أولاد
الجلندي التي أخمدها الحجاج. وقد أفاد وجود جابر مع بعض رفاقه في عُمان الدعوة الإباضية
وساعد على سرعة انتشارها في ذلك القطر، وكانت جهوده مقدمة لنشاط حملة العلم الذي
بعث بهم، فيما بعد خليفته أبو عبيدة مسلم بن أبي مسلم بن أبي كريمة التميمي
2
ولا تشير الروايات إلى تاريخ محدد لنفي جابر إلى عُمان كما أنّها لا تذكر المدة التي قضاها في منفاه، ولكنها تجمع على أنه عاد إلى البصرة ومات فيها، وتختلف المصادر حول تاريخ وفاته، إذ يذكر بعض الرواة أنه توفي في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أنس بن مالك وقد تُوفي الأخير في عام 93 هـ/711 م. ويرى البعض الآخر أنّه تُوفي عام 103 هـ /721 م. وأم الهيثم بن عدي يضع تاريخ وفاته عام 104 هـ /722 م، بينما يضعه الشماخي عام 96 هـ / 714 م. ويبدو أنّ الرأي الأول هو الأصح لأنه جاء على ألسنة رواة الحديث الذين يهتمون إلى حد كبير بحياة كل محدث وتاريخ وفاته، وكان جابرًا أحد هؤلاء المحدثين، أضف إلى ذلك، فإنّ المصادر تشير إلى أنّ جابرا استدعى الحسن البصري إليه وهو على فراش الموت، وكان الحسن آنذاك
149
1
العقود الفضية، الحارثي، ص
145
2 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
تذكرة الحفاظ، المرجع السابق، 1/ 63.
4 تهذيب ابن حجر، 381
5
6
المرجع السابق، 1/ 38.
148
سير، الشماخي، المرجع السابق، ص 77. انظر: نشأة الحركة الإباضية، المرجع نفسه، ص
43 (1/44)
صفحة 45
مستخفيًا من الحجاج الذي مات عام 95 هـ / 711 م كما أشرنا وخلف الإمام جابر في زعامة الحركة
والدعوة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي'.
7. أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي
—
اسمه ونشأته
أخي
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم ويذكر الجاحظ أنّه كان مولى لعروة بن أدية التميمي، مرداس بن أدية 2.عاش أبو عبيدة في البصرة، وأخذ العلم عن جابر بن زيد وصُحارى العبدي وجعفر بن السماك وضمام بن السائب العبدي العُماني، وهم أشهر علماء الإباضية في مرحلة الكتمان 3. ويرى عدد من مؤرخي الإباضية أنّ أبا عبيدة قد أدرك بعض الصحابة الذين أخذ أستاذه جابر بن زيد وتلقى عنهم العلم وروى عنهم الأحاديث ومن هؤلاء أنس بن مالك وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وأبو سعيد
الخدري وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين.
عنهم
كان أبو عبيدة عالماً فذاً من علماء الإباضية الأوائل وفقهائهم البارزين كرّس حياته للتعلم والتعليم، ويُقال إنه أنفق أربعين سنة أخرى في التعليم. ويقول العلّامة الشماخي عندما تحدث عن أبي عبيدة! تعلم العلوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يُشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظة، وقد اعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما عليه من الاتساع.
149
1 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص 2 البيان والتبيين، 3/ 265. حاشية الجامع الصحيح، السالمي، 1/ 6. المرجع نفسه، 61. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
4
5
دراسات في الإباضية، ص
96
6 الإباضية في موكب التاريخ، المرجع السابق، ص
158
151
44 (1/45)
صفحة 46
تطور الحركة الإباضية زمن أبي عبيدة
بلغ التنظيم الإباضي أوج نشاطه السياسي حين تبلورت تنظيماته على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الداهية الذي يعتبر واحدًا من الشخصيات اللامعة في مجال التنظيمات السرية في تلك الحقبة من تاريخ الأمة الإسلامية، ويدل على ذلك لقبه الذي يعرف به. إذ قال عنه الشماخي: وهو مولى لبني تميم قيل أنّ أعور يعرف بالقفاف، وأمتحن فقد أذاه الحجاج بالسجن. وقد أصبح لقب القفاف من أبرز ألقابه، وأصله أن أبا عبيدة كان يتظاهر بعمل القفاف عند تدريبه للدعاة الإباضية حينما يلمح عيون السلطة الأموية أو العباسية. ولا شك أن تطور الحركة الإباضية ونموّ تنظيمها، وانتشار حركتها السريعة في اليمن وعُمان وخراسان، وشمالي أفريقيا يعود إلى أبي عبيدة وقدرته الطبيعية كعالم ورجل سياسة معًا، وقد لعب الدور الأكبر باعتباره القائد الأكثر نجاحًا للحركة الإباضية في أثناء الفترة الأخيرة من العهد الأموي وبداية العهد العباسي، وقد ذكر الشماخي أنّ أبا عبيدة تُوفي في خلافة أبي جعفر المنصور (136 - 158 هـ).
التي
وسبق أن ذكرنا أنه عاش ثمانين عاما قضاها في التعلم والتعليم. ولذا يمكن القول إنّ أبا عبيدة عاش في الفترة تبدأ بنهاية النصف الأول من القرن الأول حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني، ثم تولى زعامة الحركة الإباضية بعد أن أُطلق سراحه من السجن سنة 95 هـ بعد سنتين من وفاة جابر بن زيد. ولإدراك الطابع المميز لأبي عبيدة والناحية الخاصة التي ميزت شخصيته، لا بدّ من الإشارة إلى تأثير بعض شيوخه
وهم:
45
96
70
1 الحركة الإباضية، مهدي طالب.
ص
السير، المرجع السابق، ص
السير، المرجع السابق، ص
87
3
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص
2
3
4 (1/46)
صفحة 47
1 عروة بن أدية وهو رجل قوي وتقي ذو خبرة واسعة بالنزاع السياسي والديني الذي وقع في أثناء الحروب الأهلية بين علي ومعاوية، وكان أول من رفض التحكيم وحارب علي بن أبي طالب رضي
الله عنه في معركة النهروان ثمّ قتله عبيد الله بن زياد في وقت لاحق. ووصف خادم عروة عبيد الله بقوله: ما أتيته بطعام بنهار قط ولا فرشت له فراشاً بليل قط. وقد قصد بذلك أنّه كان يصوم باستمرار في أثناء النهار، وينفق الليالي في الصلوات ولا بدّ أنّ أبا عبيدة، وهو مولى عروة قد تأثر به على حد بعيد.
2 صُحارى العبدي وكان شيخه الآخر صُحارى العبدي فقيهًا وخطيبًا مفوّها ونسّابة عظيمًا، وهو مؤلف كتاب في الأمثال 2
3. جابر بن زيد: وكان شيخه جابر بن زيد ضليعا في الشرع، ومحدثا بارزًا.
ولما كان أبو عبيدة قد درس على أيدي هؤلاء العلماء الكبار، فإنّه امتلك صفاتهم جميعًا وكان زاهدًا وعابدًا وتقيا وخطيبًا مفوّها ومدربًا ممتازا وعالماً كبيرًا، وسع ميادين الفقه والكلام والحديث، وكان ذا قدرة تنظيمية ممتازة، وفي ميدان العقيدة الإباضية، نهج أبو عبيدة نهج جابر بن زيد نفسه، إلا أنّ إسهامه بالآراء الفقهية كان أكبر لكي يواجه المشاكل المستجدة في هذا الميدان، ولعل ذلك عائد إلى تأثير مدرسه صُحارى العبدي أيضًا وسار أبو عبيدة في فتاويه على نفس نهج سلفه جابر بن زيد وهو الذي كان فخورا به جدًا، وقد قال: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه، فهو في ضلال ولولا أنّ الله أنعم علينا بجابر بن زيد لضللنا. وكان مثل شيخه يحترم الصحابة وآراءهم بنفس الدرجة من أمثال عبد الله بن مسعود وعبد
الله
بن
46
96
المبرد الكامل، 3/ 910.
دراسات
عن الإباضية، المرجع السابق، ص) شرح النونية، الجيطالي، 47/ 4.
1
2
3 (1/47)
صفحة 48
سلام وهم الراسخون في العلم وهو القائل عنهم: "وعلى آثارهم اقتفينا وبقولهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى مناهجهم سلكنا " 1.
وكانت الطريقة التي سلكها أبو عبيدة هي أن يتمسك بقوة بتعاليم الصحابة والتابعين، لا أن يتبع أي مسار قد يبعده عنهم وعنده أن اتباع السنة دليل على تقوى المسلم، وقد نقل عن ابن عباس أنه قال: "من روى حديثًا يدعو إلى الصلاح، ثم بذل جهده في اتباعه، كما رواه فإنّ له أجرين أجر الحفظ وأجر العمل. وإذا لم يكن الحديث كما رواه فهو ينال الأجر نفسه، لأنّ الله لا يضيع أجر من عمل صالحاً، ولن يضيع الله أجر العمل الصالح والعبادة إلّا إذا كان بدعة 2. وبعد عرض هذا الرأي لابن عباس، علّق أبو عبيدة قائلا: اعلموا أنّ المسلم إذا كان الله قد وهبه نفسًا صالحة موجهة إلى عبادة الله، حين يسمع ما يقربه من الله يبذل وسعه في اتباعه، فهو سيؤجر كما ذكر من قبل، أما إذا كان هذا الشخص ذا نفس شريرة فهو يمل عبادة الله ويكره العبادة، همه كله عند ذاك في الجدل والشك وإذا ما سمع حديثًا يدعوه إلى العمل، عارضه بالقياس وقال: هذا الحديث ليس صحيحًا، لأنّ رأيه الذي يلائم رغبته لا صلة له بطاعة الله 3.
وعلى أية حال، فقد كان أبو عبيدة محدثاً، وكان إلى حد كبير، متأثرًا بالحديث بصفته ضليعا في الشرع وفقيهًا، وكان يعارض اللجوء إلى الرأي. ولما قيل له أنّ أهل عُمان يلجؤون إلى الرأي لإصدار الفتاوى،
411
قال: "ما نجوا من الفروج والدماء، ثم قال لأنصاره ألا يقبلوا أي رأي إلّا إذا كان رواية أو "آثارا "من شيوخ المذهب الإباضي. ويروى أن أم شهاب وهي امرأة إباضية، زارها عبد الله بن عبد العزيز وصالح بن كثير وكانا طالبين لدى أبي عبيدة، فسألتهما فتوى في قضية فأجابها، صالح فقالت له: عم أخذتها؟ فقال: هو
47
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص
ص
قناطر الخيران، الجيطالي، ص. ص دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص 97.
97
18 17
المرجع نفسه، ص
98
1
2
3
4 (1/48)
صفحة 49
رأبي،
فقالت له: اضرب برأيك عرض الحائط لا حاجة لي فيه. هذا وقد تبوأ أبو عبيدة زعامة أهل الدعوة
بعد موت الحجاج عام 95 هـ، وكذلك خلال وجوده من السجن، واتفق ذلك مع بداية حكم الخليفة سليمان بن عبد الملك "96 هـ - 99 هـ ". وكان الخليفة على علاقة وثيقة مع المهالبة زعماء الأزد الذين انضموا إلى الحركة الإباضية بأعداد وفيرة إبان إمامة جابر ببن عبد الملك الذي عيّن زعيم الأزد يزيد بن المهلب واليا على العراق وخراسان ولا تذكر المصادر الإباضية المتوفرة أية علاقات عدائية بين الخلافة وأتباع الإباضية خلال هذه الفترة ولعل السبب في ذلك يعود إلى وجود جماعة يزيد بن المهلب بهذه الحركة، خاصة إذا تذكرنا أن كثيرًا من زعماء المهالبة، ومن بينهم عاتكة أخت يزيد وأخيه عبد الملك كانوا من بين أتباع
تلك الدعوة 2.
—
علاقة الإباضية مع الخليفة عمر بن عبد العزيز
عندما توفي الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك وارتقى عمر بن عبد العزيز عرش الخلافة (99 - 101 هـ) سجن الأخير يزيد بن المهلب لاتهامه إياه بعدم تسليم خمس الغنائم التي حصل عليها أثناء حملته في جرجان وطبرستان زمن سليمان بن عبد الملك. وقد بقي يزيد في السجن طيلة حكم عمر بن عبد العزيز كما قام والي العراق بسجن أخوته وبعض أقاربه في البصرة، لكن هذه الحادثة لم تؤد إلى توتر في العلاقات بين أتباع ألوان
مع
الدعوة الإباضية والخليفة عمر بن عبد العزيز. والحقيقة أن هذا الخليفة حاول أن يحل مشاكله الطيف المعارض للدولة الأموية بالطرق السلمية مفضلا الحوار والمناقشة على النزاع والحروب. ويبدو أن أبا عبيدة ومشايخ الإباضية في البصرة كانوا يأملون خيرًا من عمر بن عبد العزيز، وحاولوا التواصل إلى تفاهم
121 - 120
1 السير، المرجع السابق، ص 2 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
3
154
ابن أعثم 1662. وانظر: نشأة الحركة الإباضية ص. 4 الأنساب، البلاذري، 2/ 166 - 168.
152
48 (1/49)
صفحة 50
معه حول قاعدة مشتركة بين الطرفين فأرسلوا إليه وفدًا على رأسه جعفر بن السماك، أخذ أبرز مشايخ الإباضية في البصرة آنذاك محاولين استمالته إلى جانبهم وإقناعه بصحة معتقدهم وعلى الرغم من عدم وصولهم إلى نتيجة حاسمة معه في هذا الشأن إلا أن الوفد رجع راضيًا عن سياسته وسلوكه، وتدعي بعض
المصادر الإباضية أن الوفد استطاع أن يستميل ابن الخليفة عبد الملك واعتنق المذهب الإباضي.
ولإعطاء القارئ صورة واضحة عن طبيعة العلاقات بين الفريقين، ننقل النقاش الذي دار بينهما كما أوردته المصادر الإباضية نقلًا عن أبي سفيان محبوب بن رحيل المؤرخ الإباضي الذي كان معاصرا للحوادث، يقول أبو سفيان: وفد جعفر والحباب بن كليب وسالم الهلالي في جماعة من إخوانهم إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة فدخلوا عليه فكلّموه، فقال لهم: هل تنكرون من أمر الأحكام شيئاً؟ فعاتبوه وذكروا أمر عثمان فأخذ بعذره ويريد أن ينصرفوا عنه وضرب الحباب على ركبته وقال: "وإنّك لها هنا تحذر الظلمة وتفعل" فقال له: "أمسك يدك يا عبد الله "وكان جعفر بن السماك ألطفهم به وقال: ما فيكم أرفق من الأشبح "جعفر "2. ومهما كانت صحة هذه الرواية فإنّها تدل على وجود علاقات ليست سيئة بين الإباضية وبين الخليفة وتجمع المصادر الإباضية على عدم الإساءة إلى عمر بن عبد العزيز بل إن بعضها يشير إلى أنّ الإباضية يتولونه ولا يتبرؤون منه 3.
لقد قام عمر بن عبد العزيز بحركة إصلاحية تجديدية وإعادة الأمور إلى نصابها فيما يتعلق بنظام الحكم بعدما انحرفت عن المنهج النبوي والراشدي وأعادوا دور الخلافة الراشدة، من شورى، وإقامة العدل ودفع الظلم ظلمهم وتكليف الأمناء وإعادة دور الشريعة وأحكام الإسلام في دواليب الدولة ومما يثبت وجود
153
1 السير، المرجع السابق،.
79 - 80. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
49
154
ص
2 نشأة الحركة الإباضية، ص.
3
المرجع نفسه، ص.
154 (1/50)
صفحة 51
علاقات سليمة حسنة بين أهل الدعوة والخليفة عمر بن عبد العزيز أنّ الأخير عيّن الفقيه الإباضي المعروف إياس بن معاوية المزني قاضياً في البصرة.
وأثناء هذه الفترة من العلاقات السليمة والودية أحيانًا بين الإباضية والسلطة الحاكمة، والتي امتدت خلال حكم الخليفتين سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، استغل أبو عبيدة ومشايخ الدعوة في البصرة هذه الفرصة لالتقاط أنفاسهم وتنظيم حركتهم على أسس متينة، من أجل الوصول إلى هدفهم الأسمى، وهو تأسيس إمامة الظهور وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباع الدعوة 2.
المجالس السرية في الدعوة الإباضية
-
إن فكرة المجالس السرية نشأت منذ أيام زياد بن سفيان، إذ يروى أن عروة بن أدية قبض عليه في "سرب"
3
" نفق سري "كان يتعبد فيه. ولقد كانت هذه الملاجئ السرية تستخدم لاجتماعات أعضاء الحركة حيث يذكرون الله ويناقشون أمور الدعوة وقد ذكر أبو بلال مرداس مثل هذه المجالس والظاهر من المعلومات
المتوفرة أنّه كانت هناك ثلاثة أنواع من المجالس:
أ. النوع الأول: مجالس الشيوخ أو قادة الحركة
في هذه المجالس كان الشيوخ يبحثون مخططات التنظيم، ثم إن اجتماعات هذه المجالس كانت تحدث أثناء الليل عادة، ولم يكن يسمح للأعضاء الصغار في السن بحضور هذه الاجتماعات مالم يكن موثوقاً بهم كل الثقة، قال أبو سفيان محبوب ابن الرحيل: بلغنا ذات ليلة أنّ في منزل حاجب مجلسنا للذكر، وكان المشايخ
50
101
المرجع السابق، ص.
154
المرجع نفسه، ص.
154
دراسات في الإباضية، المرجع السابق، ص
101
4 المرجع نفسه، ص
1
2
3 (1/51)
صفحة 52
لا يحضرون
معهم
بالليل الفتيان قال المليح فقلت لرجل من أهل عُمان: انطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم
يأذنون لنا قال فسرنا حتى جئنا المنزل، فأذن لنا، فوجدنا عنده المختار بن عوف ورجلين أو ثلاثة من المشايخ، قال: فقال لي حاجب يامليح اذهب أنت وهذا العُماني إلى بلج بن عقبة فأخبراه بمكاننا وقولا له يأتينا قال: فسرنا إليه فأعلمناه فجاء قال المليح: فقلبنا العتمة ثم أخذنا في المذاكرة قال: ربما قام أحدهم قائماً فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس، فيقوم الآخر كذلك حتى أضاء الصبح، قال المليح: فما رأيت أحداً بعد تلك الليلة ولا رأيت قبلها متكلماً قائماً في مجلس قال: وكان شعيب بن عمر من أفاضل الفتيان يومئذ، قال: فجاءه تلك الليلة فأخذ به حاجب فقال: ردّوه قالوا له: يا أبا مودود سبحان الله جاء من السماح في هذه الساعة وترده؟ فقال: ردّوه، قال: وكان بين منزله ومنزل حاجب نحو ثلاثة أميال.
ب. النوع الثاني: المجالس العامة
بوجه
المجالس العامة التي كان أتباع الحركة يأتون إليها لسماع خطابات الشيوخ حول الموضوعات الدينية عام، وليس لهذه المجالس أي برنامج خاص إذ يتوقف ذلك على الأشخاص المسؤولين عنها وعلى قدراتهم وميولهم، وإذا ما شوهد شخص على وجهه أثر الخشوع، فذلك يعني أنه قريب العهد بمجالس أبي سفيان قنبر إذ أن مجالسه كانت ذكرًا لله، وتلاوة للقرآن وتخويفا للناس من النار وعقاب الله. وفي بعض الأحيان يطلب منظم المجالس من المتكلمين أن يؤكدوا على موضوع معين للفت انتباه أعضاء معينين إليه.
وفي هذه الفترة عقدت مجالس كثيرة في البصرة، ويذكر المؤرخون الإباضيون مجالس أبي الحر علي بن الحصين التي كانت تعقد أيام الاثنين والخميس 3 ومجالس أبي سفيان قنبر ومجالس بن عبد الملك الطويل. وفي هذه
102
102
102
51
102
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص.
المرجع نفسه، ص.
4 المرجع نفسه، ص.
1
2
3 (1/52)
صفحة 53
المجالس كانت للنساء غرف خاصة، كان يؤذن لهن بحضور هذا النوع من المجالس ثم إن بعض النساء كنّ
يُقدمن منازلهن لعقد مثل هذه المجالس.
هي
ج. النوع الثالث: مجالس الطلبة
تلك التي كانت تُعقد للطلبة العاديين الذين كانوا يريدون دراسة العقيدة الإباضية أو التدريب على بتّ
الدعوة. ويقال إنّ أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة ألف تعليم طلابه في سربٍ، سري، وكان يقف حارس على المدخل لتحذيرهم إذا شاهد غريبًا يأتي بتحريك سلسلة حديدية كي يتوقف أبو عبيدة على خطبته، ويواصل العملية التي كان يتستر بها، ومنها نال لقب القفّاف، أي صانع السلال 2.ويؤذن
عملية صنع
القفاف،
،، وهي
لأعضاء الحركة فقط بالانضمام إلى هذه المجالس إلا أنهم كانوا يطردون منها إذا ما أبدوا أي انحراف 3. وفي
زمن جابر بن زيد وأبي عبيدة كان الأفراد شديدي الحذر في نشاطاتهم، وفي بعض المناسبات كانوا يحضرون
4
أحد من
هذه الاجتماعات مرتدين ملابس نسائية، أو متخفين كتجار وعمال بحيث لا ينتبه إليهم الخصوم. وفي عهد زياد وابنه، كانت المساكن التي تستخدم للمجالس في مناسبات عديدة، وكان الأفراد يعتقلون على أن نشاطات الإباضيين كانت برغم هذه المجالس بالدرجة الأولى.
يبدو أن فكرة المجالس نقلها الطلاب الإباضيون من البصرة إلى شمالي أفريقيا، ويروى أن أبا خليل الدركلي أول من أخذ عن حملة العلم". إذ كان يقول لطلابه: "سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى، فإن رجلًا قد سار من الجبل إلى فزان وإلى غدامس وإلى الساحل رغبة في الحلقة". ويقال إنه كان يقصد
52
104
103
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
103
103
دراسات في الإباضية، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
6 السير، المرجع السابق، نقلاً عن الدراسات الإباضية، ص. (1/53)
صفحة 54
نفسه على أن هذه المجالس نشأت خلال مرحلة الكتمان لضمان سلامة الإباضيين، ثم أصبحت بعد ذلك
إحدى الضرورات الأساسية للجماعة الإباضية أثناء فترة الكتمان.
الإباضية والابتعاد عن الحكام
—
غدت الحركة الإباضية بقيادة أبي عبيدة مسلم حركة دينية فكرية، وإن نشاطاتها في البصرة كانت ثقافية بالدرجة الأولى، وكان نهج أبي عبيدة أن يثقف الأعضاء وأن يعلمهم العقيدة الإباضية، وأن يكون له العدد الأكبر الممكن من مختلف أقاليم البلدان الإسلامية لكي ينشئ إمامة عالمية شاملة كل العالم الإسلامي، ولكي يقوم بنشاطه في البصرة، فقد انقطع أبو عبيدة كليًا عن الحكام "الولاة" ليبقى سليما، وكانت سياسته في هذه الناحية مناقضة لسياسة سلفه جابر بن عبد الله، ولقد أوصى أتباعه بأن لا تكون لهم أية علاقة مع الحكام. وقد روى عبد الله بن عبد العزيز أحد طلاب أبي عبيدة أن أحد العمّال "الحكام"، قال لعضوء إباضي: دعني أسجل اسمك في الديوان واقتسم معك مرتبك شقيقي سيكفيك مشكلة البيعة، وأنت تأخذ المال للحال. هنا قال عبد الله: ذهبت إلى أبي عبيدة أسأله عن رأيه بهذا العرض فقال: لا تذهب إليهم ولا تكن قريبًا منهم، لاخير لك في ذلك 2. إذًا، كان موقف أبي عبيدة حاسما في الابتعاد عن الحكام، وكان الاستثناء في ذلك هو عمر بن عبد العزيز الذي أرسل إليه وفد باسم الحركة الإباضية 3.
—
الإباضيون والمجتمع المغلق المتعاون
كانت خطة أبي عبيدة مختلفة عن خطط كل ما سبق من ثورات وحركات وكانت ترمي إلى إقناع المتطرفين
من أصحابه بأنه ليس أقل حماسًا للوصول إلى الهدف الأسمى، ولكن بعد التأكد من أن الأمر قد أعد له
53
دراسات في المذهب الإباضي، ص 104.
105
105
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
1
2
3 (1/54)
صفحة 55
الإعداد الكافي والضروري وتبعا لذلك قرر أبو عبيدة أن يعزل نفسه وأصحابه بقدر الإمكان عن بقية المسلمين ويكون ما يمكن أن نسميه تجاوزاً المجتمع المغلق والذي أطلق عليه جماعة المسلمين وحذر أصحابه وأتباع دعوته من التعامل مع الولاة والحكام وطلب منهم عدم قبول أي منصب وتناول أي مال منهم وعلى الرغم من أن هذه الأمور كان مسموحا بها في زمن سلفه جابر بن زيد، فإن أبا أبي عبيدة وجد من الضروري
في هذه المرحلة اتخاذ مثل هذه الإجراءات حتى يحافظ على سرية الحركة.
ويمنع الإغراءات لبعض أتباع الدعوة ليس هذا فحسب، بل إن أبا عبيدة لم يجد التزاوج بين أتباع الدعوة وبقية المسلمين، مع أن هذا الأمر مشروع في العقيدة الإباضية إلا أن الإمام فعل ذلك من قبيل المحافظ على عدم اختلاط أهل الدعوة مع غيرهم، ومنع تسرب أية معلومات عن نشاطاتهم وتحركهم، بل وسلوكهم وتعاملهم فيما بينهم. وتشير الرواية الإباضية إلى أن أبا عبيدة هجر أحد أتباعه لأنه زوج ابنته لرجل غير إباضي، بينما سمح جابر بن زيد من قبل بمثل ذلك.
كانت هذه الإجراءات مؤقتة قبل إعلان إمامة الظهور، ولم يكن هناك قاعدة فقهية يجب إتباعها والأخذ بها في كل الظروف، بالإضافة إلى هذه التنظيمات فقد خلق أبو عبيدة من أتباعه مجتمعًا تسوده المودة والمحبة والإخاء في العقيدة وتسيطر عليه روح الجماعة، وكان يحثهم على روح التآلف والتعاون فيما بينهم، كما طلب من الأغنياء أن يكونوا عونا للفقراء وسندا لهم حتى لا يضطر الغير من جماعته لاحتياج أحد من المخالفين. وقد لبى الأثرياء منهم هذا الطلب بحماس منقطع النظير 2.
وتورد المصادر الإباضية أمثلة كثيرة تشير فيها إلى تنافس الأغنياء منهم في سد حاجة الفقراء وإعطائهم، إذ يقول أبو سفيان مدللا على ذلك: سمعت بعض مشايخ ممن أدركت يقولون: إنا لنذكر إذا دخل شعبان إن
54
166
1
السير، المرجع السابق، ص 113. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، ص
2 نشأة الحركة الإباضية، ص
166 114 - 113 (1/55)
صفحة 56
كان الفقراء من المسلمين "الإباضية" لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها ... يأتي الرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار فيقول: أدخل فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا. وقد كان الداعية الإباضي أبو الحر موسرًا جدًا وتأتيه غلته سنويًا"، فيقسمها نصفين، فيفرق نصفها في فقراء المسلمين "الإباضية" وفي معاونتهم. ليس هذا فحسب بل إن أغنياء الإباضية كانوا يتسابقون في الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم. يقول أبو سفيان مات حاجب وعليه مئتان وخمسون ألفاً أو أكثر دراهم"، قال: فدخل قرة بن عمرو وجماعته ليغسلوه ... ، فقال لهم قرة: ياقوم ما تقولون في دين هذا الرجل؟ فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين "الإباضية " وكان موسرًا، فأخبروه فقال له الفضل: دينه علي دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال. كما لم يغفل أبو عبيدة ومشايخ الإباضية في البصرة عن أتباعهم في الأمصار الأخرى وخاصة أنهم يحتاجون بشكل دائم إلى المساعدات المالية والمعنوية حتى يستطيعوا الصمود ولكي يستعدوا بشكل فعال
للوقوف في وجه أي خطر يهددهم 4.
الحكومة الثورية السرية
—
أخذت الدعوة الإباضية في عهد الإمام الإباضي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الانتشار والتوسع في عدد من الأمصار الإسلامية، فقد توجه الدعاة إلى اليمن وعُمان والمغرب، واستطاعوا نشر الدعوة الإباضية في هذه الأقاليم. وكانت الجماعات الإباضية خارج البصرة تواجه في بعض الأحيان بعض المشاكل الطارئة، ولا بد لحل هذه المشاكل من الرجوع إلى أئمة البصرة ومشايخها. ومن هنا فقد برزت الحاجة لإيجاد نوع من
55
167
167.114
المرجع نفسه، ص. ص
المرجع نفسه، ص
167
3
السير، المرجع السابق، ص
106
4 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
1
2 (1/56)
صفحة 57
التنظيم يتولى الإشراف على كل هذه الأمور ويضمن للدعوة استمرارها وتطورها ويهيئ لها سبل النجاح والنصر، ولتحقيق ذلك أنشأ أبو عبيدة في البصرة ما يمكن أن نسميه بالحكومة الثورية السرية، وكان هو
زعيمها، وله الكلمة العليا في الشؤون الدينية من فتوى وقضاء وتدريب الدعاة وحملة العلم الذين يرسلون
إلى الأمصار وأنشأ بيت مال خاص بجماعة الإباضية في البصرة. كما أوكل الحاجب الطائي مهمة الإشراف على الشؤون المالية والعسكرية ووضعها في يده كرجل واحد، قدير وذلك لأن موارد بيت مال الحركة كانت
6
تستخدم لمساعدة الدعاة والثوار الإباضية في المناطق البعيدة، وكانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين،
هما:
أ المورد الأول: عبارة عن ضريبة فرضها الإمام على أتباعه في البصرة ولا تذكر المصادر متى كانت تدفع ولا مقدارها ولكن من الثابت أنها لم تكن تفرض بالتساوي، بل تتفاوت حسب ثراء المكلف ودخله. ولا تذكر المصادر أن أحدًا من الإباضية قد تخلف عن دفعها لأنها تعتبر في نظرهم جزاء من واجباتهم الدينية التي ستساعد على انتصار دعوتهم التي تمثل في اعتقادهم الإسلام الحق كما كان موجوداً زمن رسول الله) وفي عهد الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويبدو أن هذه الضريبة كانت تجمع. عند الحاجة. يقول أبو سفيان: لما خرج الإمام عبد الله يحيى "طالب الحق" ووجّه أبا حمرة المختار بن عوف "لقتال الأمويين" قام حاجب فجمع له أموالاً كثيرة ليعينه بها، فكتب إلى كل موسر قدر ما يرى، فما امتنع عليه
أحدا.
ب المورد الثاني، فكان يأتي من التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الإباضية. ويبدو أن التجار منهم كانوا يتحملون النصيب الأكبر في هذا الشأن ومعروفٌ أنّ عددًا من التجار الإباضية كانوا من الأغنياء المعدودين
1
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
56
169 (1/57)
صفحة 58
وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وما جاورها وتصل إلى الصين والشرق الأقصى. ومن هؤلاء التجار نذكر
على سبيل المثال النظر بن ميمون وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم والفضل بن جندب وغيرهم.
ولم تقتصر هذه التبرعات على الأغنياء من الإباضية بل تعدّتهم إلى بقية الناس من أصل الدعوة، رجالاً ونساءً وتخبرنا الروايات أن حاجباً دعا أحد أصحابه ويسمّى أبو طاهر وطلب منه أن يجمع الصدقات من النساء وأوساط الناس لأنه لا يريد أن يكتب عليهم ضريبة؛ فانطلق أبو طاهر فيمن أطلق معه من المسلمين، فلم يأتوا يومئذ امرأةً أو رجلاً إلا وجدوه مسرعاً فيما سألوه وكان رجل من المسلمين لم يكن يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، فلم تمس الليلة حتى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم 2.
استطاع أبو عبيدة مع فريق عمله أن يحافظ على سياسة الكتمان وكان أبو عبيدة هو القائد أو الإمام وهو المسؤول عن الشؤون الدينية وعن السياسة العامة للمجموعة كلها وكان يستشار من قبل الإباضيين في جميع البلدان الإسلامية بخصوص مشاكلهم ومخططاتهم وفي اليمن لم يعلن عبد الله بن يحيى الإمامة حتى نال موافقة أبي عبيدة. وكان هنالك عدد من الشيوخ البارزين الذين يلعبون دورًا هامًا إلى جانب أبي عبيدة في
مهمته، وبين هؤلاء:
- أبو مودود حاجب الطائي، من بني هلال وهو مولى عُماني وُلد في البصرة، وانضم إلى الحركة الإباضية بعد موت جابر بن زيد وأصبح اليد اليمنى لأبي عبيدة فكان مسؤولا عن الشؤون المالية والعسكرية وكان بمنزلة أحد المراكز المهمة للحركة في البصرة، وكانت تقام فيه الصلاة في أثناء رمضان 4.وتعقد اجتماعات مهمة للشيوخ، وحين أعلن عبد الله بن يحيى الكندي وأبو حمزة الإمامة جمع حاجب مبلغا كبيرًا من المال
169
169
المرجع نفسه، ص
السير، المرجع السابق، ص 114 - 115. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
57
دراسات في الإباضية، المرجع السابق، ص 106.
المرجع السابق، ص
10
1
2
3
4 (1/58)
صفحة 59
لمساعدتهما واشترى الأسلحة لهما. وحين توفي ترك دينًا بلغ خمسين ألف درهم، وباع زميله الفضل بن جندب منزله في صحار لتسديد ذلك الدين. كذلك أرسل إلى مكة في أثناء الحج لعقد الصلح بين إباضيي حضرموت في عهد عبد الله بن سعيد، وكذلك اعتاد أن يشرف على نشاطات المنظمة في البصرة وأن يدعو إلى الاجتماعات العامة. وتوفي حاجب قبل أبي عبيدة في أثناء خلافة أبي جعفر المنصور 3.
حيان الأعرج: وهو محدث مشهور، عاش في البصرة في نفس المنطقة التي عاش فيها معلمه جابر بن زيد وكان أكبر سناً من أبي عبيدة درس مع جابر بن زيد، ونقل الأحاديث عن جابر إلى الطلبة الإباضيين حتى أولئك الذين كانوا يدرسون على يدي جابر، كأبي نوح صالح الدهان.
-
أبو نوح صالح بن نوح الدهان: وهو من البصرة وكان ينزل في طيء ودرس على جابر بن زيد وشارك أبا عبيدة في تعليم العقيدة الإباضية ويروى أن الربيع بن حبي قال: أخذت الفقه عن ثلاث رجال: أبي عبيدة، ضُمام، وأبي نوح كاتب "نكاح الشغار لعبد الله بن عبد العزيز " وهو تلميذه 5.
- ضمام بن السائب وهو في الأصل من الندب في عُمان ولد في البصرة ودرس على جابر بن زيد وروي الحديث عنه بالدرجة الاولى. ويروي ضمام أن أبا عبيدة نفسه أخذ الحديث عن جابر بن زيد، والدور الأهم الذي لعبه ضمام هو تعليم العقيدة الإباضية والأحاديث وغالبيتها دوّنها أبو صفرة عن أبي عمرو
الربيع
حبيب، وسجن ضمام مع أبي عبيدة وشيخ إباضي آخر يدعى أبو سالم، في عهد الحجاج.
وهنالك شيوخ آخرون كأبي الحر علي بن الحصين وأبي حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة وسواهم
7
91
107
المرجع السابق، ص 106.
المرجع نفسه، ص
106
السير، المرجع السابق، ص
دراسات في الإباضية، ص
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
107
108
المرجع نفسه، ص
58
108 (1/59)
صفحة 60
وإضافة إلى الدعاة وحملة العلم، فقد استفاد الإباضية في سبيل نشر دعوتهم، من وسائل أخرى أهمها موسم الحج الذي كان أفضل المناسبات لبث الدعوة الإباضية بين الحجاج القادمين من مختلف أصقاع العالم الإسلامي، وقد أحسن مشايخ الإباضية وأتباعها استغلال هذا الموسم لصالح دعوتهم ونشر عقيدتهم. وكان الإمام ابو عبيدة التميمي إذا حج في سنة من السنين، أقيمت له خيمة خاصة يرتاده أتباعه فيها، حيث يعلمهم أصول الدين ويجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، وإذا لم يحج فإنه يرسل أحد مشايخ الإباضية المشهورين بغزارة علمهم وحلاوة المنطق وقوة الحجة وسداد الرأي ليرأس وفد الإباضية لموسم الحج، ومن أشهر هؤلاء المشايخ أبو مودود حاجب الطائي والربيع بن حبيب الفراهيدي وصالح الدهان وغيرهم. وكانت منازل هؤلاء المشايخ وخيامهم مدارس متنقلة لنشر المذهب الإباضي، كما كانت ملتقى لأهل الدعوة حيث يتشاورون أمورهم ويتبادلون الرأي والنصيحة حول خططهم في أقطارهم المختلفة وأفضل السبل الواجب إتباعها لتحقيق أهدافهم وانتصار دعوتهم.
كما كان للتجار التابعين للحركة أثر في نشر المذهب في الأماكن التي يتاجرون فيها، ومعروف من المصادر الإباضية أن هؤلاء التجار قد جابوا العالم المعروف آنذاك من الصين شرقًا إلى السوس الأقصى في بلاد المغرب غربا، وكان لهم دور أبرز في نشر المذهب في تلك الأقطار، وبعد انتصار الدعوة في شمال افريقية وتأسيس الإمامة كان للدعاة الإباضية دور بارز وجهد كبير في نشر الإسلام في بعض مناطق أفريقيا جنوب
الصحراء 2.
لقد استطاع أبو عبيدة من خلال حكومته السرية وأعوانه والمخلصين من علماء الحركة وتجارها وقادتها أن ينفذ سياسته بنجاح، وتمكن من إنشاء دولتين إباضيتين كانتا خطرًا حقيقيًا على الأمويين ثم على العباسيين من بعدهم في شبه الجزيرة العربية وفي شمال افريقيا، وواضح أن البصرة كانت المركز الرئيسي للنشاطات
1
2
161
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص السير، المرجع السابق، ص،92، 114. وانظر: نشأة الحركة الإباضية، ص.
162
59 (1/60)
صفحة 61
الإباضية في العراق على أن هناك دليلا على وجود جماعات إباضية أخرى ناشطة في الكوفة والموصل ومكة
والمدينة وبعض أنحاء خراسان. حيث برز عدد كبير من كبار العلماء وأسهموا في المذهب الإباضي وعرضت
آراء هؤلاء العلماء جنبًا إلى جنب مع آراء جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم، كما هو واضح من
11
الأعمال
الإباضية الأولى مثل "مدونة أبي غانم، و "الديوان" المعروض و روايات" "ضمام" وباستثناء هذه الحقيقة،
فإن معلوماتنا قليلة جدًا عن هذه الجماعات وإسهامها في الحركة.
وعلى هذا، كان للقادة الإباضيون الأوائل سياسة واضحة قائمة على توجيه نشاطاتهم نحو الأصقاع النائية في الامبراطورية الإسلامية بحيث لا يكون القضاء عليهم سهلاً، كما تجنبوا بحذر محاولة أية ثورة علنية في العراق، وركزوا على جنوبي شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا. ولذلك ننوي في الصفحات التالية إلقاء الضوء
على انتشار التعاليم الإباضية في شمال أفريقيا.
ثورة يزيد بن المهلب على الأمويين
—
استطاع الإباضية نتيجة للتنظيم الدقيق والدعاية النشطة والحذرة أن يكسبوا أعواناً كثيرين في مناطق متعددة من الدولة الإسلامية خلال الربع الأخير من القرن الأول الهجري وفي بداية القرن الثاني الهجري. وبعد أن اعتلى يزيد بن عبد الملك عرش الخلافة (101 - 105 هـ)، حدثت بعد التطورات السياسية التي أدت إلى بروز جماعة متطرفة من بين الإباضية تنادي بوجوب الثورة، فقد ثار يزيد بن المهلب الذي كان قد هرب من السجن إثر وفاة الخليفة عمر بن عبد العزيز، واحتل البصرة بعد أن هزم واليها وحرر إخوته وأقاربه من
60
3
سجنه
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص 109.
المرجع نفسه، ص
109
162
3 نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص.
1
2 (1/61)
صفحة 62
وبعد ذلك، قام بدعاية واسعة انضم إليه على إثرها عدد كبير من أهل العراق، وامتد نشاطه فشمل الأهواز وكرمان وفارس وحتى السند. ولما علم الخليفة بهذه الانتصارات التي أحرزها يزيد بن المهلب أرسل إليه جيشًا كبيرًا بقيادة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد واستطاع الجيش الأموي أن يهزم الثوار في معركة العقر سنة 102 هـ، وقتل فيها يزيد بن المهلب نفسه وهرب بقية أقاربه وإخوته إلى قنديل في السند، ولحق بهم هلال بن أحوز التميمي على رأس قوة كبيرة فحاصرهم وألحق بهم هزيمة منكرة وقتل معظم أفراد الأسرة المهلبية بينما الباقون مع نسائهم وأطفالهم، وعوملوا معاملة سيئة.
تركت المعاملة السيئة التي لقيها المهالبة قادة الأزد وزعمائهم أثرها الكبير في إثارة غضب الأزد وسخطهم على الحكم الأموي، ولم يقتصر ذلك على أزد العراق وخراسان بل تعداه إلى أزد عُمان. وأدى ذلك إلى خنق الإباضية في البصرة وخاصة أن عددًا كبيرًا منهم كان ينتمي إلى قبيلة الأزد ومنهم عدد المهالبة أنفسهم. وفي الحقيقة أن قضية المهالبة قد ربطت منذ أيام جابر بن زيد بالقضية الإباضية وعلاقتها بالسلطة الحاكمة 2. ومن المؤكد أن عددًا من المهالبة وأزد البصرة الذين لقوا مصرعهم على أيدي الأمويين وأعوانهم كانوا من الإباضية، ومن بينهم عبد الملك بن المهلب الذي ذكرناه سالفا.
- تأتي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في إعلان الثورة
نقم الإباضية في البصرة على الحكم الأموي بعد قمع ثورة يزيد بن المهلب وضاقوا ذرعا من سياسة ولاة البصرة تجاه أنصارهم من الأزد وارتفعت أصوات بعض مشايخهم بوجوب الانتقام وإعلان الثورة ومن بين هؤلاء: الشيخ الإباضي أبو نوح صالح الدهان وبعض أفراد الأزد الذين نجوا من الموت والهلاك، ومن بينهم
61
تاريخ اليعقوبي، المرجع السابق، 2/ 372 - 373.
163
نشأة الحركة الإباضية، ص
1
2 (1/62)
صفحة 63
عاتكة أخت يزيد بن أبا عبيدة كان يرى أن الوقت لم يحن بعد لإعلان الثورة المسلحة ورفض بشدة آراء المنادين بها.
هلب المعروفة بحماسها الشديد للمذهب الإباضي وتفانيها في خدمته ولكن الإمام
أراد أبو عبيدة أن يقوم أتباعه بثوراتهم في أماكن نائية بعيدة عن قبضة السلطة المركزية في دمشق، وكان في كل تنظيمه يخطط لمثل هذا الأمر العلم ولكنّه كان يتحين الفرص الملائمة لكل قطر حتى يأملا أتباعه فيه بالخروج. ولذا فقد قاوم آراء أتباعه المنادين بالعصيان، وبقيت الإباضية في عهد يزيد بن عبد الملك محافظين على سرية حركتهم متجنبين كل ما يثير السلطات حتى لا يواجهوا نفس مصير الأزد والمهالبة. وقد كان موت يزيد بن عبد الملك واعتلاء أخيه هشام عرش الخلافة (105 هـ - 125 هـ)، وتعيين خالد القسري واليا على العراق فرصة مناسبة ساعدت أبا عبيدة على إقناع أصحابه بالتحلي بالصبر، فقد اتسمت فترة ولاية خالد القسري باللين والتسامح ليس مع الإباضية فقط، بل مع معظم المعارضين للحكم شريطة أن لا يرفعوا السيف في وجهه، وبلغ به التسامح أن بعض مشايخ الإباضية كانوا يشتمونه من على منابر المساجد، كما كانوا يؤلبون الناس ضد عامله على البصرة، القاضي المعروف بلال بن أبي بردة ولم يمسهم بضر وقد تزعم هذه الحملة الدعائية ضده أحد شيوخ الإباضية البارزين وهو أبو محمد النهدي 2.
الانتقال من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور وإعلان الدعوة
عزل خالد القسري عن ولاية العراق، وعين بدلًا منه يوسف بن عمر الثقفي اتبع الأخير سياسة قاسية
مخالفة لسياسة سلفه، واستعمل العنف والشدة ضد المناوئين للسلطة حتى لو لم يرفعوا السيف في وجهها، وفي ظل هذه السياسة التي أخذ يمارسها الوالي الجديد تعرض أبو عبيدة لضغط جديد من بعض أتباعه في وجوب التحرك والخروج. ويبدو أنّ أبا عبيدة قد أدرك أنه ليس بوسعه الاستمرار في مقاومة رغبات بعض
164
السير، المرجع السابق، ص 84. انظر: نشأة الحركة الإباضية، المرجع نفسه، ص اللمعة المرضية، المرجع السابق، ص 185.
62
1
2 (1/63)
صفحة 64
أصحابه ومشايخ دعوته لوقت أطول. ولكنه رأى في الوقت نفسه أن الخروج على طريقة متطرفي الخوارج أو على منوال الثورات الأخرى التي قامت في العراق لن تؤدّ إلى نتيجة طيبة وستقمع بعنف وشدّة، وقد تضيع بعدها الدعوة ويصعب تنظيم أصحابها من جديد، لذا قرّر السير في الانتقال من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور بحذر شديد متخذا خطواتٍ تنظيميّة جدّيّة في هذا الشأن كان لها أثر كبير في انتصار الدعوة وإعلان إمامة الظهور، ليس في البصرة بل في الأمصار الأخرى البعيدة عن مركز السلطة المركزية، التي كان أبو عبيدة يرى من قبل، أنّ أيّ نجاح لدعوته سيكون في هذه الأمصار النائية. ولذا ركز جهوده وجهود دعاته على سكان تلك الولايات الواقعة على أطراف الإمبراطورية الإسلامية.
نشر الدعوة الإباضية في شمال أفريقيا
-
في إمامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة توجّه الداعية الإباضي سلمة بن سعيد مع أبي عبد الله عكرمة بن
هـ، وهي
عبد الله مولى عبد الله بن عباس، ولحقا بقيروان أفريقيا، ويظهر أن الدعوة الإباضية دخلت المغرب قبل المدة المحددة بين سنة 105 هـ إلى سنة 115 الحقبة التي حدّدها ابن خلكان بوفاة عكرمة بن عبد الله مولى ابن عبّاس، لا سيّما أنهما وصلا على بعير واحدٍ "سلمة يدعو إلى مذهب الإباضية وعكرمة يدعو إلى مذهبه الصفرية". ويظهر أنّ سلمة بن سعد استطاع أن يجذب العديد من الأتباع لمذهبه الإباضي وخاصة بين القبائل البربرية وقد ساعده على النجاح المستوى الفكري الذي تمتّع به عموم الدعاة الإباضية "حملة العلم في هذه الحقبة. هذا إضافة إلى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السيئة التي كانت تعيشها المغرب، وكان سلمة متفانيا في سبيل نشر مذهبه. وكان يقول: وددت أن يظهر هذا الأمر يعني
63
165
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
الحركة الإباضية،: المرجع السابق، ص
77
: المرجع نفسه، و
ص
77
1
2
3 (1/64)
صفحة 65
مذهب الإباضية في المغرب يومًا واحدًا من غدوة إلى ليل فما أبالي ضربة عنق. وكانت مهمة سلمة بن
سعد في شمال أفريقيا ترمي لتحقيق ثلاث غايات وهي:
الأولى نشر عقيدة المذهب الإباضي
نجح أبي عبيدة في نشر المذهب الإباضي، وقد شبّه العلماء الإباضيون دور سلمة بن سعد بالمغرب بدور
عبدالله بن إباض بالمشرق. وقد ربطوا انتشار المذهب الإباضي بزيارته إلى شمال أفريقيا والحقيقة التي ينبغي
سلمة
ألا تنسى هي في بعض المناطق الوسطى في شمال أفريقيا، أي في القسم الغربي من ليبيا ولعل ذلك عائد إلى أن المبادئ الإباضية كسبت لها أولا أنصاراً بين الفاتحين العرب الذين قدموا في مجموعات قبلية لاحتلال شمال أفريقيا واستوطنوا بعد ذلك في البلاد الجديدة ثم وجدت لها دعماً بين قبائل نفوسة وهوّارة، ولواتة، وزهانة، وزناتة المحلية التي رأت في المبادئ الإباضيّة تمثيلاً حقيقيًّا لدين الإسلام لا يخضعها لأي حكم استبدادي ويعطيها المبرر لنضالها من أجل الحكم الذاتي في إطار الدين الجديد على قدم المساواة مع العرب ويعتقد أن السكان المحليين، وجدوا في التعاليم الإباضيّة الحافز الدّينيّ لمقاومة الحكم الاستبدادي للأمويين والعباسيين. وواضح هنا أيضاً أنّ الدور الأهم في الصراع الإباضي الأول في شمال أفريقيا قام به العرب الذين كانوا من أصول حضرمية ويمنية 3.
أنه عند قدوم بن سعد إلى شمال أفريقيا كانت هناك مجموعات إباضية موجودة من قبل
الثانية: اختيار قياديين ودعاة بارزين وإرسالهم للبصرة
الظاهر أن مهمة سلمة سعد كانت يستهدف اختيار شخصيات محلية لإرسالها إلى البصرة لتدريبها بن
بحيث تستطيع تحمل عبء القيادة الإباضية في شمال أفريقيا. ولمثل هذا التوجه أن يجعل السكان المحليين
64
: المرجع نفسه، ص
77
سؤالان للسوقي
نقلاً.
عن
دراسات في الإباضية، ص
القطب، شرح النيل، 236/ 9.
171
1
2
3 (1/65)
صفحة 66
ينظرون إلى التعاليم الإباضية باعتبارها شيئاً خاصاً بهم، مما يؤمّن دعم البربر الكامل للقضية الإباضية، وقد
اختار من طلبة العلم من مناطق مختلفة بحيث أن أكثر المراكز أهميةً في شمال أفريقيا كانت ممثلة لكي يكون
بالتالي لكل منطقة زعيمها الديني من السكان الأصليين وهؤلاء الطلبة هم:
أبو درار إسماعيل بن درار الغدامسي من
غدامس.
عبد الرحمن بن رستم، وهو فارسي الأصل من القيروان.
عاصم السدراتي من سدراته.
أبو داود القبلي النفزاوي من نفزاوة "جنوبي تونس"
أبو الخطاب عبد الأعلى، اليمني الأصل في البصرة.
مكث هؤلاء الدعاة عدّة سنين يتلقون دروسًا في المذهب الإباضي والإدارة والسياسة وقد حتمتِ الظروف الصعبة التي مر بها أبو عبيدة في البصرة أن يعقد دروسه مع هؤلاء الدعاة بعيداً عن أنظار السلطة الأموية وصار هؤلاء الأقطاب أعمدةً للدعوة في المغرب وأكملوا ما بدؤوا به الداعي سلمة بن سعد. واستطاع هؤلاء الذين تربّوا في ظروف أمنية صعبة تحف ظلال الدولة الأموية في البصرة أن يقيموا دولةً إباضية بالمغرب بعد جهود مضنية اتسمت بالكتمان تارة والظهور تارةً أخرى وتوجوا جهودهم بإقامة الدولة الرستمية بتاهرت 2.
واستمرت هذه الاتصالات بين الدعوة في المشرق والمغرب، فقد وصلتنا رسالة أبي عبيدة مسلم القيمة التي تظهر مهارة أبي عبيدة ومتابعته نشاط دعاته في المغرب ويبدو أن هناك من يكتب إليه بأخبارهم دون معرفتهم كما يفهم من الرسالة، وتظهر أهمية الرسالة من الناحية التاريخية لأنها وردت في مدونة أبي غانم الخرساني من علماء القرن الثاني الهجري، وهي عبارة عن رسالة الزكاة وجهها إليه الدعاة في المغرب يسألون
65
114
دراسات في الإباضية، ص
79
2 الحركة الإباضية، ص
1 (1/66)
صفحة 67
عن العشر، وجاء فيها: فلعمري قد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم وأن ذلك لم يخف عنا غير أنا لم نكتفي الذي كتبتم فيه إلى الله. وجاء فيها: أتانا كتابكم بمسائل، فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت إلا نجيبكم فيها من غير هوان ولا تقصير إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم وأقوم لشأنكم وأرفق لضعفكم وأعطف لقويكم وأجمع لأموركم وما توفيقي إلا بالله وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه 2.
أما تاريخ هذه الرسالة فيظهر من محتوياتها أنها كتبت بعد سنة 132 هـ، وفيها إشارة إلى رفض أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والرد على بعض أسئلة الدعاة المغاربة. ويحتمل أنه رفض الإجابة على مسألة البراءة والولاية من الحارث بن تافد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادي التي اختلف فيها الدعاة الإباضية بشكل كاد يؤدي إلى انقسامهم. فبلغت مسألتها أهل المشرق، فاختلفوا كما اختلف أهل المغرب، فكتب أبو عبيدة وحاجب بالكف عن ذكرهما.
الثالثة: القيام بدراسة دقيقة لتلك البلدان
كان يقدم عنها تقرير للإمام الإباضي أبو عبيدة في البصرة، وهذه كانت أيضًا من مهام سلمة بن سعد.
أباطيل منسوبة إلى الإمام أبي عبيدة
ردّ العلّامة الشيخ مفتي عُمان أحمد الخليلي على الأباطيل التي نسبت إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة فقال: هذا وقد رفضنا قصة انشقاق الغاز المنسوبة إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله وما تلاه من
1
80
-
الحركة الإباضية، المرجع نفسه، ص 2 مدونة أبي غانم الخراساني، أبو غانم بشر الخراساني، ص. ص السيرة وأخبار الأئمة، أبو زكرياء الوارجلاني، نقلا عن الحركة الإباضية، ص
3
114 113
295
66
100
دراسات عن الإباضية، ص
4 (1/67)
صفحة 68
تسلسل انشقاق السماوات حتى بان العرش، لأجل تعزيز الحق وتثبيته في قلوب المؤمنين، وذلك لعدة
أسباب:
أ. أن القرآن الكريم دلّ على أن انشقاق السماوات إنما يكون عند انتهاء الكون وتداعي بنائه، وتفكك نظامه، فقد آذن الله تعالى مع ذلك بوعيد للذين كفروا في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا 5 الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ، وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) [الفرقان: (25، 26)]. وفي قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق 1 - 6]. وفي قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجَرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ [الانفطار: 1 - 5].
ب. إن دلائل العلم كشفت بما لا يدع مجالاً للشك - أن انشقاق السماوات مؤذن بانتهاء الكون وزواله
ج. أن القصة لم يتعرض لها أحد قط في عهد أبي عبيدة وتلاميذه، ومن جاء من بعده ممن كتب في مجال الدعوة والدفاع عن الحق وكم لأولئك من صحف مضبوطة في هذا المجال، ناهيك بما هو مدون في السير والجوابات، بل لم يكن لهذه القصة فقط ذكر قبل القرن الرابع عشر الهجري وما كانت لتفوت الأولين لو كانت صحيحة ثابتة 2.
د. أن الحق يعلم بدليله لا بالخوارق، وعندما طلب الناس الآيات في عهد رسول الله ردوا إلى القرآن، المعجزة الباقية التي لا تنتهي بمرور الزمن إلى أن يرى الله الأرض ومن عليها كما في قوله تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِمَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِمَا، وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَحْوِيفًا [الإسراء:
2 العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع، أحمد الخليلي، ص 80.
67 (1/68)
صفحة 69
29]. وكما في قوله: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا في الصُّحُفِ الأولى) [طه: 133]. وفي قوله: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 50، 51]. فما كان أسهل على أبي عبيدة أن يقنع تلاميذه بالحق بالرجوع إلى القرآن وإلى السنة الثابتة عن المصطفى عليه وعلى آله
وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
—
ضعف النشاط الإباضي في البصرة
ضعف النشاط الإباضي بعد وفاة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، إذ أن خلفه الربيع بن الفرهودي لم يكن يملك المؤهلات القيادية التي تمتع بها أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ويظهر هذا واضحًا سكوت المصادر الإباضية عن النشاط الإباضي في البصرة. وذلك باستثناء إشارات قليلة إلى الصلات الوثيقة بين الدولة الرستمية والربيع بن في البصرة لإعانة الدولة الناشئة في تاهرت، وفي رواية لأبي زكريا يقول فيها: "ثم عبد الرحمن اتصلت أخباره إلى البصرة من أهل دعوة المسلمين، فبعثوا إليه بثلاثة أحمال مالًا، فلما وصلت الرسل تاهرت صاروا يسألون عن دار الإمارة، فلما لفتت لهم الدار قصدوا نحوها، فأثارت عليه أبي عبد الرحمن بن رستم أن يأخذها، فبثها في فقراء المسلمين والسلاح والعدة. وكانت هذه المعونة الأولى من البصرة إلى الإباضية في تاهرت ثم أرسلوا له معونة ثانية في وقت ازدهرت فيه الدولة الإباضية في
تاهرت، فأرجع عبد الرحمن هذه المعونة إلى البصرة.
80
80
المرجع نفسه، ص
السيرة وأخبار الأمة، نقلاً عن الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
68
68
المرجع السابق، ص
8
الأزهار الرياضية في أئمة ملوك الإباضية، المرجع السابق، ص
1
2
3
4 (1/69)
صفحة 70
ويمكن أن نلاحظ هنا بأن الدعوة في البصرة وجهت عائداتها المالية إلى المغرب لأن الدعوة الإباضية بعُمان
أقامت دولتها بعد سبعة عشر عامًا من قيام الدولة الرستمية، واستمرت الانقلابات بين البصرة والمغرب خاصة عند حدوث المشاكل بين أهل الدعوة، فيطلبون حلها من الربيع بن حبيب الذي كان يبعث بفتواه إليهم كممثل لرأي الدعوة الام في البصرة. ثم أخذت الدعوة الإباضية بالانحسار في البصرة بعد قيام الدولة الإباضية الثانية بعُمان 177 هـ ويبدو أن الكثير من هؤلاء الدعاة قد هجروا البصرة إلى عُمان ليعيشوا تحت ظل مذهبهم وسيادة تعاليمه 2.
—
نتائج العمل السري للدعوة الإباضية
لقد أفاد العمل السري في إبعاد السلطة الأموي عن الدعاة ومكنهم بما لديهم من قابليات علمية ومراكز اجتماعية مرموقة من جذب الناس إلى المذهب الإباضي من دون مضايقة كبيرة من الولاة المتعاقبين على البصرة وفي الجانب الآخر كانت التنظيمات السرية تعد نفسها إعداداً تربويا ثورياً وتخرج الدعاة من مدرسة البصرة الفكرية للوصول للهدف المقصود، إن أسلوب الحركة الإباضية السري كان له الأثر البارز في تجنب أذى السلطة والمضايقة بغض النظر عن المضايقات التي مارسها الحجاج بن يوسف الثقفي وقد استمروا في سلوكهم هذا حتى بعد قيام ثوراتهم على الدولة الأموية والعباسية ونستطيع أن نلمس هذه المواقف في موقف السلطة الأموية والعباسية في أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة المرجع الأعلى للإباضية إبان ثورة اليمن وعُمان وثوراتهم بالمغرب، إذا بقيت هذه السلطات تجهل أن أبا عبيدة مسلم رأس الثورات ومصدرها ولو عرفت ذلك لعرضته للموت بدون أدنى شك، لو أن هذه السلطة تعرف اتجاهه المذهبي العقائدي. ولكنها لم
81
82
69
1
2
الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
81
3 الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص (1/70)
صفحة 71
تتوصل إلى دليل يثبت صلته بالحركات الثورية مما يدل على قوة التنظيم السري ودقته وكتمانه. ويمكن أن
نجعل الأسباب التي أدت إلى نجاح الدعوة الإباضية في هذه المرحلة بما يأتي:
1. نظرة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة: فقد كانت دراسته مستوعبة لمشاكل المناطق التي كانت مستاءة من الحكم الأموي وعلاقة هذه المناطق بالسلطة المركزية من حيث القوة والضعف، فعندما أدرك أبو عبيدة مسلم أن الدولة الأموية في طريقها إلى الزوال أوعز إلى إباضية اليمن بالتعجيل بالثورة. ولم يفكروا بالثورة في البصرة رغم أنها المركز الأم لتنظيمهم لأسباب أوجهها قرب البصرة من مراكز الحكم القوي
ووجود
عدد
الأحزاب الأخرى. من
2. القيادة الجماعية للدعوة إذ توفرت مجموعة من المشايخ الإباضية، كمجلس ثوري، من ذوي القدرات التنظيمية في مساعدة أبي عبيدة، مسلم كضمام بن السائب وأبة الحر بن الحصين، والحاجب الذي كان مسؤولًا عن جميع النشاطات العسكرية وقد قام بجمع المال والسلاح للثورة باليمن سنة 129 هـ 2. 3. المقدرة الفكرية التي تمتع بها الدعاة الإباضية، وجذبهم لقلوب الناس لمذهبهم وليس يخفى علينا خطب أبي حمزة المختار بن عوف المشهورة في بلاغتها وخطب عبد الله بن يحى الكندي " طالب الحق " في صغاء مما يدل على اعتقاد القادة بصحة الفكرة التي آمنوا بها.
إن وضوح العقيدة لدى الداعية يستميت في سبيلها كما كان جابر بن زيد من فقهاء البصرة المشهورين وأبو
عبيدة، والذي كان فقيها ومحدثًا وسياسيا من الرعيل الأول 3.
4. الإخلاص والولاء المتناهي، فكان لهؤلاء القادة الذين أوقفوا حياتهم على الدعوة، متخذين من
الآية الكريمة مصداقاً لحياتهم: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
70
83
90
المرجع نفسه، ص
82
السير، المرجع السابق، ص
3 الحركة الإباضية، المرجع نفسه، ص
1
2 (1/71)
صفحة 72
5
الجنة .... [التوبة: 111]. ويمكن أن نلاحظ في أقوال وسلوك الدعاة الذين لم يكونوا بدوافع اجتماعية
واقتصادية من وراء أعمالهم كقول الداعية سلمة
سعد: بن
"1
وددت أن يظهر هذا الأمر يعني
مذهب الإباضية بالمغرب يومًا واحدًا من غدوة إلى ليل فما أبالي ضربة عنقى
1"
صلابة الدعاة في مرحلة الكتمان والتخفي في التنظيم السري رغم تعرضهم لصنوف التعذيب وظهر هذا واضحاً في مواقف الدعاة الصلبة وعدم التصريح بوجود مثل هذا التنظيم ما جعل السلطتين الأموية والعباسية لا تعير أدنى اهتماماً وحساب سياسي لهذه القوة المتنامية في الخفاء، وفي مواقف أبي عبيدة مسلم وضمام بن السائب وحاجب أبي مودود خير دليل على ذلك 2.
6. السرية في العمل والتنظيم، إذ اتبع وسائل عملية ناجحة في ضبط العمل السري، فإذا أخرج داعية
إباضي من الدعوة الإباضية في مرحلة الكتمان ولم يدل على عوراتهم، تركوه وشأنه ولكن هذا
الخارج لو قام بفضح عوراتهم ونشاطهم وذكر أسمائهم لدى السلطة استخدموا العنف معه كما
مر
معنا في حادثة قتل خردلة وفي نظر زعماء الإباضية: أن إفشاء هذه المعلومات يؤدي إلى ضياع
كل الجهود السرية التي بذلت عبر السنين الطويلة.
وبذلك نستطيع أن نفسر فشل أغلب الحركات الخارجية ونجاح الإباضية في إقامة عدة دول كالدولة الإباضية في عُمان والدولة الرستمية في تاهرت بالجزائر وبقاء المذهب وانتشاره حتى اليوم في حين اختفت جميع الفرق الخارجية. وفي هذا دليل على أن الإباضية تتباين مع الخوارج في الجوانب الفكرية والتنظيمية والإدارية والسرية والتدرج والأخذ بالأسباب والتعامل مع سنة التدافع وإدارة الصراع والتريث والتأني وعدم العجلة وفي القيادة
88
71
84
السيرة وأخبار الأمة، المرجع السابق، ص.
السير، المرجع السابق، ص 87. وانظر: الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
85
3 الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
ص
1
2 (1/72)
صفحة 73
والثقافة والمعرفة والاطلاع والرسوخ في العلم والمرجعية الواضحة وفهم القرآن الكريم والسنة النبوية وفق أصول
العلماء وقواعد الفقهاء.
8. دول الإباضية
في أواخر العقد الثالث من القرن الثاني الهجري، استغل مشايخ الإباضية المشاكل التي واجهتها الدولة الأموية وأوعزوا إلى أتباعهم لإعلان الإمامة في بعض المناطق واستطاع الإباضية تأسيس إمامة إباضية في:
حضرموت واليمن وعُمان، ولكن هذه الإمامات لم تُعمّر طويلا، وقضى الأمويون على إمامة اليمن وحضرموت بينما قضى العباسيون على إمامة عُمان الأولى عام 134 هـ ولكن إباضية عُمان استمروا في تنظيم أنفسهم وأوعزوا بتحين الفرص لإعلان الإمامة من جديد واستطاعوا تحقيق هدفهم بإعلان الإمامة الإباضية الثانية نحو عام 177 هـ ومنذ ذلك التاريخ أصبح عُمان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمذهب الإباضي بحيث لايمكن فهم تاريخ ذلك القطر - العزيز بمعزل عن تاريخ الحركة الإباضية وتطورها ولا يزال المذهب الإباضي حاضرًا بقوة في سلطنة عُمان ومن أشهر علمائه المعاصرين فضيلة الشيخ مفتي عُمان أحمد حمد الخليلي الذي يعتبر من أكابر العلماء الأمة في هذا العصر. وقد تحدث الدكتور عوض محمد خليفان في كتابه نشأة الحركة الإباضية بشيء من التفصيل عن تأسيس الإمامة في الجزيرة العربية وحضرموت واليمن وتأسيس الإمامة في عُمان. كما أن صاحب كتاب الحركة الإباضية في المشرق
مهدي طالب هاشم تحدث
عن:
التهيؤ والإعلان لثورة اليمن
بداية الحركة الإباضية والسيطرة على صنعاء.
72
انظر: الحركة الإباضية، ص. ص 171 - 194.
1 (1/73)
صفحة 74
سياسة عبد
الله
بن يحيى بعد دخوله صنعاء.
الرسائل المتبادلة بين طالب الحق وإباضية الحجاز وعُمان.
الجذور التاريخية لانتشار الدعوة في حضرموت واليمن.
امتداد الحركة الإباضية إلى الحجاز وانتشار الدعوة الإباضية في الحجاز.
الاستيلاء على الحجاز 12 هـ / 747 م.
الاستيلاء على مكة.
الاستيلاء على الطائف.
معركة قديد والاستيلاء على المدينة 130 هـ / 747 م.
دخول الإباضية إلى المدينة.
موقف السلطة الأموية ومعركة وادي القرى 130 هـ/747
معركة مكة 130 هـ / 747 م
انتكاس الحركة الإباضية.
القضاء على الإمام الإباضي "طالب الحق".
الحركة الإباضية بعد مقتل طالب الحق.
حركة يحيى بن عبد الله الحميري 130 هـ / 747 م.
نهاية الحركة الإباضية في اليمن في اليمن وحضرموت.
الإمامة الإباضية الأولى بعمان 132 هـ.
معركة جلفار 134 هـ /750 م.
م.
معركة جلفار الثانية.
بدايات التنظيمات الإدارية والاجتماعية للإمامة الإباضية الأولى.
73 (1/74)
صفحة 75
عُمان بعد زوال الإمامة الإباضية.
بداية ظهور الدولة الجديدة.
إعلان الإمامة الإباضية.
إمامة محمد بن عبد الله بن أبي عفان
قوى المعارضة الداخلية للإمامة الإباضية الجديدة.
إمامة الوارث بن كعب الخروصي.
السياسة الداخلية في عهد الوارث بن كعب الخروصي.
العلاقة بين الإمامة الإباضية والخلافة العباسية في هذه الفترة.
وفاة الإمام الوارث.
الإمامة الإباضية الثانية.
القوة والازدهار. عصر
إمامة غسان بن عبد الله الفحصي.
المعارضة الداخلية في عهد غسان الفحصي.
العلاقة الخارجية للإمامة الإباضية في عهد غسان.
الأحوال الداخلية في عهد الإمام غسان.
إمامة عبد الملك بن
حميد.
إمامة محمد بن جيفر اليحمدي.
المعارضة القبلية.
إمامة الصلت
مالك.
بن
فتح جزيرة سقطرى.
74 (1/75)
صفحة 76
سقوط الإمامة الإباضية الثانية واستيلاء العباسيين.
الأسباب التي أدت إلى زوال الإمامة الإباضية الثانية سنة 280 هـ 1. ومن أراد التوسع فليرجع إلى
هذه الكتب القيمة التي استفدت منها بشكل كبير في إنجاز هذه الدراسة.
—
تأسيس الدولة الرستمية الإباضية
قام الإباضيون بجهود مضنية في سبيل انتصار دعوتهم في الجزء الغربي من بلاد الخلافة الإسلامية؛ أي في البلاد التي تعرف اليوم باسم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وكان لجبل نفوسه في ليبيا الفضل في رسوخ الإسلام في العنصر الأمازيغي، وذلك أنّ نفوسة نقلت العلوم من البصرة إلى بلادها حتى نبغ فيها أئمة جهابذة، وظهر فيهم أساطير العلماء الذين أبرزوا من ذخائر العلوم ما قاموا به، كعلماء المشرق عُمان والبصرة والكوفة، واستفرغوا الجهد لاستنباط الأحكام في كثير من القضايا الفقهية فعرفت نفوسة بآرائها في شتى من المسائل، فيقال: هذا قول أهل الجبل، فغالبًا ما يقال: هذا مذهب أصحابنا من أهل المغرب، فيزاد به أهل الجبل. إن لأهل نفوسة الإسلام تاريخ حافل بالعظمة الدينية والعلمية حيث اشتهرت بلاد نفوسة بالعلم والصلاح والعبادة والعمل. ونفوسة سموا بذلك قيل لأنهم أسلموا بأنفسهم ولم يكن منهم الإسلام كرها، فعندما بلغ الفتح الإسلامي، طرابلس، وكان أمير الجيش الإسلامي عمرو بن العاص قدم عليه ستة نفر من البربر محلقين الرؤوس واللحى، فقال لهم عمرو! من أنتم وما جاء بكم؟ فقالوا: رغبنا بالإسلام فجئنا له، لأن جدودنا قد أوصونا بذلك فقال لهم عمرو: مالكم محلقين الرؤوس واللحى؟ فقالوا له: ذلك
شعر نبت في الكفر فأردنا أن ينبت في الإسلام.
75
11
انظر: الحركة الإباضية، ص. ص
مختصر
257 - 87
في أصول الفقه، أبو زكريا الجناوي، ص
1
2 (1/76)
صفحة 77
كان قيام المذهب الإباضي على أساس خطة للقبض على زمام السلطة شيئًا فشيئًا، وكان أول زعيم لهم هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري فاستولى على طرابلس ثم عيّن عبد الرحمن الرستمي قاضيا عليها، وواصل أبو الخطاب انتصاراته. ولكن جيش الخلافة العباسية دحرهم في معركة قتل فيها أبو الخطاب وتفرقت الإباضية، وقام عبد الرحمن الرستمي الذي يعتبر مؤسس الدولة الرستمية الإباضية في المغرب الأوسط "الجزائر" بمحاولات الاستقلال ودانت لسيطرته أماكن كثيرة وسلموا له بالخلافة سنة 160 هـ، ويذكر أن عبد الرحمن رجل فارسي الأصل، وكانت وفاته سنة 171 هـ. بعد وفاته اختار أتباع دعوته ابنه عبد الوهاب، وسار على طريقة والده وأحبه الناس. وبعد وفاته تولى ابنه أبو اليقظان محمد بن أفلح، فأحب الناس سيرته إلى أن توفي فخلفه ابنه أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح، إلا أن العلاقة ساءت بينه وبينه عمه يعقوب بن أفلح ودارت بينهم معارك هائلة. ومن هنا بدأت الدولة الرستمية في الأفول، وداهمتهم الشيعة بقيادة أبي عبيد الله الشيعي وانتهت أسرتهم سنة 296 هـ. كان لعائلة الرستمي أثر كبير في نفوس الأتباع، وقد رثاهم علماء الإباضية كثيرًا.
وفي تاهرت ونواحيها على الخصوص تختفي فرقًا عديدة، ومذاهب مختلفة كالمذهب الإباضي وهو مذهب الدولة القوية، ومذاهب أخرى كالمذهب المالكي، وغيره، ولم يلق المالكية تعنيفًا. إنما كانت المذاهب تتمتع بحرية فكرية، وكان لكل مذهب مسجده وعلماؤه وحلقات دروسه وقد تقع مناظرات بين هذه المذاهب، ولكنها في حدود الأدب والاحترام المتبادلة والذي يقرأ هذه المجالس يعجب بحرية الرأي التي وصل إليها سكان تاهرت ورجال الفكر فيها.
ويتحدث ابن الصغير عن هذه المجالس العلمية المثمرة النافعة من يأتي إلى حلقات الإباضية ناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلقات غيرهم كان سبيله ذلك. وقد توسع في الحديث عنهم
76
الفقه المقارن بين الفقه المالكي والفقه الإباضي، 1/ 38.
1 (1/77)
صفحة 78
العلّامة الشيخ المجاهد سليمان الباروني في كتابه "الأزهار" الرياضية في أئمة وملوك الإباضية" وذكر سير ملوك وأمراء الدولة الرستمية وقادة المذهب في شمال أفريقيا. كما أن الشيخ علي حي معمر ذكر تاريخ الإباضية في ليبيا خصوصا وفي غيرها عموماً في كتابه "الإباضية في موكب التاريخ".
مراحل بناء المجتمع الإباضي
يعتمد علماء الإباضية على عبارة مسالك الدين وهي تعني حرفيًا طرف الدين للتعبير عن مراحل مجتمعهم الذي يجب أن تنقذ قوانين الشريعة فيه ولذلك يذكرون المراحل الأربع التالية:
الظهور.
الدفاع.
الشراء "التضحية بالذات"
الكتمان 1.
إن لكل مرحلة قواعدها وأنظمتها، وقد عبرها غيرها الإباضيون كلها عبر تاريخهم. ويتفق علماء الإباضية على أنه لا مراحل أخرى غير هذه الأربع، ويُروى أن أبا بكر الزواغي كان يقول في المجالس التي يعقدها نحن لسان في ظهور ولا في دفاع ولا في كتمان ولا في شراء ولكن زماننا سائب 2. وعلق زميله أبو زكرياء فيصل بن أبي مشور لدى سماع ذلك قائلا: "أخبروه إن مسالك الدين أربعة فمن زاد فيها أو نقص فهو مخطئ". ولقد حددت هذه المراحل المسالك) في وقت مبكر من قبل العلماء الإباضية.
31
1
2
3
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص
ص
المرجع السابق، ص 275.
المرجع نفسه، ص
275
257
77 (1/78)
صفحة 79
والتفسير الإباضي للتاريخ الإسلامي في سنواته الخمسين الأولى يظهر أن المجتمع الإسلامي مر خلال أربع مراحل سواء في زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو بعده، ولقد اكتملت دورة هذه المراحل عندما تسلم الأمويون المجتمع الإسلامي وأخضعوه لحكمهم. ولم يكن في ظل الحكم الأموي ثمة مجال للمسلمين لبث آرائهم "المناهضة للدولة الأموية" أو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ إن أي محاولة من هذا النوع كانت تؤدي بشكل عام إلى السجن أو الموت، وكان البديل للمسلمين الحقيقتين هو ممارسة نشاطاتهم سرًا في الحركة الإباضية
اقتداءً بالخبرة ذاتها التي مرّ بها المجتمع الإسلامي الأول في مرحلة الظهور. ويمكننا خلال الصفحات التالية أن نعرض دراسة موجزة لمراحل المجتمع الإسلامي "مسالك الظهور":
أ.
مرحلة الظهور: هو أكمل الحالات، حيث يكون المجتمع الإسلامي ظاهراً على عدوه، حراً في أرضه، منفذاً
لشرع الله تحت سلطة إسلامية كاملة السيادة مهمتها رعاية أحكام الدين، وصوت
الحقوق، وحفظ الثغور وحمل دعوة الإسلام إلى بلاد الكفر ومثال هذه الحالة عهد النبي
والخلفاء الراشدين.
وقد توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) تاركا المسلمين في مرحلة الظهور، فالواجب على المسلمين أن يحافظوا على هذه المرحلة لتنفيذ أوامر الله: إقامة الحدود، وصلاة الجمعة، وجمع الزكاة والجزية ومحاربة الأعداء كالمشركين والبغاة، وتوزيع الغنائم والزكاة توزيعاً عادلاً ولا يمكن القيام بأي التزام من هذه الالتزامات بدون سلطة الإمام. ويورد علماء
3
لإباضية خلافتي أبي بكر وعمر كمثلين على مرحلة الظهور في أوائل الإسلام. وحين يحقق المسلمون ظروفًا
78
أبو يعقوب الورجلاني أصوليا، مصطفى بن صالح، ص 40.
50
شرح عقيدة التوحيد، الشماخي، ص
دراسات في الإباضية، ص
277
1
2
3 (1/79)
صفحة 80
ملائمة
من
السلطة والثروة والعلم بالدين، بحيث يستطيعون تنفيذ أوامر الله، وحينما يبلغ عددهم نحو نصف
الأعداء من حولهم ينبغي لهم أن يعلنوا الإمامة وينتخبوا إمامهم من بين رجالهم البارزين".
ب. مرحلة الدفاع: هي درجة أقل من سابقتها، وفيها يشتغل المسلمون بالدفاع عن أنفسهم ودينهم ومكتسباتهم، عن إقامة الدولة والظهور على الأعداء، فتنتخي الأمة أمام دفاع يقودها ضد الاستعمار أجنبياً أم داخليًا؛ لأنه لا يجوز مهادنة الظلم والاستكانة للأيدي العابثة أن تتلاعب بمقدرات الأمة وتصرفها كما تشاء.2. وتعتبر هذه الإمامة وليدة ظروف تفاجئ الدعوة الإباضية
فتلجأ إلى اختيار إمام يقود الجماعة في معاركهم للدفاع عن الأراضي التي بحوزتهم بعد موت الإمام
الشاري كبيعة عبد الله بن سعيد الحضرمي إماما للدفاع، سعيد الحضرمي إمامًا للدفاع، وبعد موت الإمام الشاري عبد الله بن يحي الكندي "طالب "الحق" في اليمن على أيدي الأمويين عام 130 هـ.
وقد يبايع إمام الدفاع في بداية الحركة كمبايعتهم
لمحمد بن عبد الله بن أبي عفان عام
177 هـ ه عند تأسيس
الإمامة الإباضية الثانية بعُمان. وكما أن إمامة الدفاع فرض واجب، قال الشماخي: والدفاع من الفروض
الواجبة إذا عدم الظهور وهو اجتماع الناس على إمامة يقدمونه عند مقاتلتهم العدو الذي يداهمهم، فإن زال القتال زالت إمامته، ويجب عليه جميع الأحكام التي تقع حال كونه إمامًا، ويجب عليهم طاعته.
ويتضح من النص الذي أورده الشماخي أن أئمة الدفاع تتم باختيار الجماعة، وهذا الاختيار لا يلزم لتقديمه للإمامة بعد انقضاء الحرب وإنما تزول إمامته بزوال الحرب. ويقدم لنا البسيوي شاهدًا تاريخيًا لهذه القاعدة
1
المرجع نفسه، ص 277
2
أبو يعقوب الورجلاني أصوليا، ص
3 عُمان تاريخ يتكلم أحمد السباعي
4
5
ص
الحركة الإباضية في المشرق العربي، ص
المرجع السابق، ص
268
79 (1/80)
صفحة 81
الفقهية في أمور الحرب فيقول: فبايعوا لابن أبي عفان حتى تضع الحرب أوزارها من عُمان ثم الأمر شورى بين المسلمين 1.
إذا بعد أن عرفنا طبيعة هذه الإمامة العسكرية، لا بد أن يكون اختيار هذا الإمام من الشخصيات المتميزة بالكفاءة العسكرية والقابلية على القيادة والزعامة ومقدرة التنظيم، وقد نجح أئمة الدفاع في مساعيهم بإشغال الجيوش الأموية والعباسية لمدة طويلة في حين نجح محمد بن عبد الله بن أبي عفان من هزيمة آل الجلندي أعوان العباسيين، وإعلان الإمامة الإباضية الثانية بعمان 2.
ج. مرحلة الشراء "التضحية بالذات تعني كلمة الشراء الشراء والبيع وهي كلمة تستخدم في
الكتابات الإباضية تعبيراً عن التضحية بحياة المرء في سبيل الله لبلوغ الجنة والشراة " بالجمع
الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله. وعبارة الشراء مشتقة من الآيات القرآنية التالية:
"1
هم
- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا
بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ... [التوراة: 111].
قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ
يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 74].
في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207].
80
246
268
268
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
الموسوعة الإسلامية، ديلاقيد، ص
1
2
3 (1/81)
صفحة 82
وكان أبو بلال مرداس بن حدير هو أول من مارس الشراء، وفكرة الشراء أو الخروج جاءته حين رأى الضرر
الذي سببه عبيد الله بن الظالمين .. والله إن الصبر على هذا لعظيم إننا لم نخرج لنفسد الأرض ولا لنروّع أحدًا ولكن هربًا من الظلم ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا. واعتاد أبو بلال أن يختار من المسلمين أكثرهم ثقة وتفوقاً في "واجب الشراء" وشرح شروط الشروط بالكلمات التالية التي اعتاد أن يخاطب بها كل من يود أن ينضم إليه: إنك تخرج جهادًا في سبيل الله وابتغاء مرضاته لاتريد شيئاً من أغراض الدنيا ولا لك في الدنيا حاجة ولا لك إليها رجعة، أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها الراغب في الآخرة الجاهد في طلبها الخارج إلى القتال لاغيره، فاعلم أنك مقتول وأنك لارجعة لك إلى الدنيا وإنك ماض أمامك لاشيء إلا الحق حتى تلقى الله، فإن كنت على هذه الحال فارجع إلى ما وراءك فاقضي من الدنيا حاجتك ولنياتك، وراقب دينك واستر نفسك وجد في أمرك بالفراغ وود أهلك وأعلمهم أنه لا رجعة لك إليهم، فإذا فرغتك بايعتك.
زياد للمسلمين. فكان تعليقه على الوضع إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء
ومن
النبي
العلماء من يقول إن حالة الشراء هذه طبقت لأول مرة أثناء الفترة المكية من حياة النبي، فيرون أن أعلن الإسلام حين بلغ عدد أتباعه الأربعين عنا هنا أوحي إليه أن يترك منزل الأرقم بن أبي الأرقم الذكان مركز نشاطاته الدعوية. وحين اجتاز مرحلة السرية أوحى الله إليه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64].
ووفقًا للشيخ محمد بن يوسف بن أطفش، فقد نزلت هذه الآية في مكة ثم أدخلت في وقت لاحق في سورة الأنفال التي نزلت في المدينة. على أنه من الصعب أن نوافق على هذا القول بأن تكون مرحلة الشراء في
81
279
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص
114
: المرجع نفسه، و
ص
المرجع نفسه، ص
279
279
شرح عقيدة التوحيد القطب، ص.
دراسات
عن الإباضية، ص
1
2
3
4
5 (1/82)
صفحة 83
العقيدة الإباضية مستمدة من الحدث المذكور أعده في حياة النبي، ولئن كانت الظروف مشابهة، وهي غير متشابهة في الواقع، فإن هناك فارقًا كبيرًا في أن توقيت هذه الأعمال في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) كان محددا مباشرة بالوحي. والشيء الآخر هو أن جميع المسلمين كان عليهم أن يتبعوا نهج النبي (صلى الله عليه وسلم) لاسيما إذا كان منصوصاً عليه في القرآن، غير أن الإباضيين لم يعتبروا الشراء التزاما فرديًا، إنه واجب اختياري فقط، وكان ذلك أحد المبادئ الرئيسية التي اختلفوا فيها مع الأزارقة الذين اعتبروا الخروج واجبًا فرديًا
يتضح نظام الشراء كما شرحه أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر؛ أي الشراة يوافقون على أنهم يبيعون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ولا يبدون مطالبة بالحكم، بل بإنهاء الجور وإحياء الصواب وليس لهم أن يثوروا إذا كانوا دون الأربعين بوسعهم استكمال العدد بامرأة واحدة وإذا كانوا ينوون أن لا يعودوا قبل القضاء على الباطل، فليس لهم أن يعودوا قبل القضاء على الباطل أو قبل أن يموتوا، وإذا خرجوا على نية العودة إذا شاؤوا، فإنه يمكنهم أن يعودوا في أي وقت منازلهم سيوفهم فإذا ما عادوا إلى منازلهم الأصلية لأية غاية فعليهم أن يصلوا صلاة، سفر، وأن يصلوا صلاة الحضر في أثناء ثورتهم حتى لو كانوا بعيدين عن منازلهم الأصلية. والشراء هو النوع الأفضل من الجهاد في غياب إمام الظهور والواقع فإن الإباضية استعملوا الشراء
في بعض الحالات كجسر لإنشاء "الإمامة الظاهرة". وفيما يلي المبادئ الأساسية للشراء:
الشراء واجب اختياري بالنسبة للإباضية بوجه عام وواجب على من ألزموا به أنفسهم.
عليهم أن يختاروا قائدهم منهم وسلطته ملزمة لأتباعه فقط.
281
82
المرجع نفسه، ص
280
مسائل التوحيد، أحمد أبو بكر، ص 281
دراسات في الإباضية، المرجع السابق، ص
1
2
3 (1/83)
صفحة 84
التقية الدينية غير ملائمة للشراء، وعليهم أن يحاربوا حتى ينتهي الجور أو يقتلوا. ويقول بعض العلماء
أن
إنه بوسعهم يعودوا إذا لم يبق منهم غير ثلاثة.
- لا منزل لهم إلا المكان الذين اجتمعوا فيه لمقاتلة أعدائهم وإذا عادوا إلى بيوتهم الأصلية للحصول على مؤونة أو معلوما، أو لأية غاية أخرى وجب عليهم أن يعتبروا أنفسهم مسافرين وأن يصلوا صلاة سفر وهم في منازلهم الأصلية.
- ليس لهم أن يحاولوا أحدًا إلا من يحاربهم أو أن يطاردوا المهزوم أو أن يقتلوا الجريح أو أن يقتلوا المسنين والنساء والأطفال ولا أن يأخذوا غنائم أو ممتلكات إلا إذا كان لهم حق فيها. وعلى سبيل المثال: قيل عن بلال مرداس وأنصاره التقوا في ثورتهم بقافلة تحمل غنائم لحاكم البصرة عبيد الله بن زياد فأوقف أبو بلال القافلة وأخذ أعطيته وأعطيات من معه وترك الباقي وأعطى بياناً لقاء ذلك.
د. مرحلة الكتمان:
إذا أطبق الجور على الأمة وعجزت عن دفع الظلمة كلية دخلت مرحلة الكتمان وهي أدنى درجات الجهاد، فيتجه ذوو الغيرة على الدين إلى العناية بتنظيم شؤونهم وفق أحكام الشرع دون الاهتمام بقضايا السلطة والنشاط السياسي وتتعطل الحدود المنوطة بالإمام وتتركز الجهود على لادعاء بناء القاعدة المسلمة، بناء دينياً وتربوياً يؤهلها للسعي لإعادة إمامة الظهور، لأنها الحالة الأصلية للمجتمع الإسلامي، ولما كانت
83
281
282
282
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص.
المرجع نفسه، ص
4 أبو يعقوب الورجلاني أصوليا، ص 41
1
2
3 (1/84)
صفحة 85
الإباضية كغيرها من المدارس الإسلامية، فإنها نشأت كما ذكرنا على أساس سياسي متمثلاً بآرائها في الخلافة الإسلامية وقد تبناها عدد من الفقهاء المجتهدين كجابر بن زيد وعبدالله بن إباض وأبو عبيدة مسلم
بن أبي كريمة وقاموا بنشر آرائهم السياسية في ظروف صعبة، عرفت بظروف أو مرحلة الكتمان والتقية.
لقد بدأ الإباضيون حركتهم سرًا لتجنب القمع من قبل الحكام الأمويين وعمل الزعيمان الإباضيان جابر بن زيد وخليفته أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في مرحلة الكتمان، وكانت نشاطاتهم تجري بتكتم وخلال هذا الوقت كان التكتم مستحسنًا في كل شيء. ويقال إن ضمام بن السائب، تلميذ جابر بن زيد وأحد كبار شيوخ المجتمع الإباضي في البصرة قال: ما بال أحدكم يَصُر ديناره ودرهمه ويبدي دينه على كفيه ولعله يلقاه من يسلبه تسلبه إياه 3.
ويقول علماء الإباضية إن مرحلة الكتمان في عقيدتهم مستمدة من حياة النبي، لكنهم، يختلفون في تحديد فترة التكتم في حياة النبي ووفقًا للشيخ محمد بن يوسف أطفيش فإنها الفترة الواقعة في بداية الوحي حتى وقت وصول عدد المسلمين أربعين، حين أعلن عمر بن الخطاب دخول في الإسلام، ويعتبر أبو سليمان داود من إبراهيم التلاتي أن الفترة التي سبقت هجرة النبي إلى المدينة هي كلها فترة كتمان، فيما يقوله أبو عمار عبد الكافي: إن النبي بقي متكتماً في مكة بعض الوقت بعد نزول الوحي، والظاهر أنه قصد بذلك فترة ثلاث سنوات من النبوة قبل نزول الآية: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [حجر: 94].
وعلى أية حال، كان ذلك الأساس الذي قدمه الإباضيون دليلا على الكتمان كواجب ديني في القرآن. وبعد انهيار الإمامة الرستمية في تاهرت سنة 296 هـ / 909 م حاول إباضية شمال أفريقيا أن يحيوا إمامتهم
84
264
الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
88
السير، المرجع السابق، ص شرح عقيدة التوحيد، للتلاتي، ص 54
دراسات في الإباضية، ص
283
283
المرجع نفسه و
ص
1
2
3
4
5 (1/85)
صفحة 86
بقيادة أبي خزر بغلي بن زلتاف، لكنهم خسروا معركة باغاي التي حاربوا فيها الفاطميين سنة 358 هـ / 968 م، ثم دخل الإباضيون مرحلة السرية إلى وقتنا الحاضر. ولم يحاول الإباضيون بعد ذلك إنشاء إمامة جديدة وأنظمة مرحلة السرية كما شرحها أبو العباس أحمد بن بكر هى أن على الإباضية أن يجتمعوا ويعينوا قائدًا يدفعون له زكاتهم وحقوقهم يجمعهم من الأتقياء منهم ويوزعها بين الأتقياء، ينبغي لهم أن يزور بعضهم بعضا، وأن يشكلوا المجالس لتعليم عقيدتهم وعبادة الله، كذلك ينبغي لهم أن يقيموا الصلاة الجماعية وأن ينفذوا كل ما يستطيعونه من واجب عمل الصالح والحيلولة دون الشر. وفي أثناء عهد السرية تتحول المجتمعات الإباضية إلى منظمات تعمل سرًا للإبقاء على وحدة المجتمع وتعاليم المدرسة الإباضية. وبذلك أدت مرحلة السرية التي بدأت في شمال أفريقيا بعد هزيمة الإباضيين في باغاي إلى إنشاء نظام العزابة، وهو في كثير من نواحيه يشبه منظمة شيوخ البصرة في زمن جابر بن زيد وأبي عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة 2. ففي كل تجمّع إباضي كانت تشكل هيئات عزابة للاهتمام بشؤون الناس وهي هيئات كان ينبغي أن تتشكل من خيرة الناس في المجتمع، من ذوي الصفات الخاصة ولمهمات خاصة.
خلال عهد الكتمان، تمارس هيئات العزابة السلطة الكاملة التي للإمام في حكم المجتمع الإباضي في شؤونه الدينية والاجتماعية ولاتزال هذه الهيئات منذ تأسيسها في شمال أفريقيا، وخاصة في واد مزاب (الجزائر)، أما في المجتمعين الإباضيين في جبل نفوسة (ليبيا) وجزيرة جربة (تونس)، فقد حلت أثناء الحكم العثماني. وسنتناول نظام العزابة وأصوله وأنظمته في دراسة تفصيلية بإذن الله تعالى، لما لذلك النظام من
دور لعبه في المجتمعات الإباضية وحركة التعليم والتربية فيها.
85
284
مسائل التوحيد، أحمد بن بكر، ص 24 دراسات في المذهب الإباضي، المرجع السابق، ص.
المرجع السابق، ص.
284
1
2
3 (1/86)
صفحة 87
وكذلك في عهد الكتمان يكون على الإباضية أن يعيشوا في ظل الطغاة، وقد وضعت لذلك أصول معينة للإباضية بشأن علاقاتهم بالطغاة في عهد الكتمان والمبدأ الرئيسي هو أن الإباضية لا ينبغي لهم أن يقدموا
هو
أي معونة للطغاة في حكمهم، ولا يجوز لهم استلام أي مناصب في عهدهم. ولكن الاستثناء لهذه القاعدة أن أعضاء المجتمع الإباضي المعروفين بمعارضتهم للطغاة إذا كان بوسعهم أن يأمروهم بالمعروف وأن ينهوهم عن المنكر، كان لهم أن يتسلموا المناصب في ظل الطغاة ولهم أن يقودوا القوات في الجهاد وأن يكونوا مسؤولين عن الغنائم والقضاء أو الفتوى وفي هذا الموقف يتبع الإباضية، مثل جابر بن زيد وشريح القاضي والحسن البصري، فهؤلاء العلماء الكبار جميعاً عرفوا بمعارضتهم لحكم الطغاة ولكنهم تسلموا المناصب وفقاً للشريعة، وعدم الخشية من أحد في ممارسة العدالة. وإذا لم يتحلى الأعضاء بنفس الصفات التي سبق ذكرها، فليس لهم أن يتسلموا أي منصب يتصل بالمصلحة العامة؛ لأنهم قد يسيئون إلى الناس، كالمسؤولية عن السوق، أو الشرط أو الحسبة الخ، على أن هناك وظائف معينة يمكن لهم أن يقوموا بها كالآذان وإمامة الصلاة والخطبة في المساجد والتعليم في المدارس.
1
وهناك حالات محددة يعمد فيها الطغاة إلى إكراه الإباضية على الكلام أو التصرف بعكس معتقداتهم، ففي مثل هذه الظروف يسمح المذهب الإباضي لأتباعه أن يستخدموا "رخصة" خاصة في ظل مبدأ التقية الدينية لتجنب عقوبة الموت، وذلك كله باللسان فقط دون الإيمان به. وبوسعهم أيضًا أن يأكلوا في النهار خلال رمضان أو أن يأكلوا الميتة والدم ولحم الخنزير، وذلك لتجنب عقوبة الموت وإذا كانت العقوبة مثلا سجنًا، وهو يعرفون أنهم لن يموتوا في السجن من الجوع أو العطش، أو أي عقوبة أخرى قاسية، فليس لهم أن يستفيدوا من هذه الرخصة الخاصة لتجنب السجن لأنها شرعية فقط في حال تجنب الموت 2.
86
286
دراسات عن الإباضية،
ص
المرجع السابق، ص 287
1
2 (1/87)
صفحة 88
على أن هنالك في كل حال أعمالا معينة لا يجوز لهم أن يعملوها حتى ولو انتهى بهم ذلك إلى فقد حياتهم،
كقتل البريء أو الاستيلاء على أملاك الناس، أو هدرها أو تسليم أسلحتهم لأعدائهم أو شرب الخمر أو ارتكاب الزنى أو أكل وشرب ماهو نجس 1.
ومع
أن الإباضية اعتبروا أن العيش في ظل الطغاة في عهد الكتمان مشروعًا، فإن الموقف المفضل لأعضاء
المجتمع الإباضي
هو
الابتعاد عن الطغاة وعدم تقديم معونة لهم. ومن ناحية أخرى، فإن على الإباضيين
أن يقيموا صلاة الجمعة مع الطغاة، وأن ينضموا إليهم في الصلوات اليومية للمحافظة على الصلوات الجماعية. كذلك يجوز للإباضية شرعًا أن يتلقوا الهبات من الطغاة إذا ماهم أعطوهم إياها، لكنه لا يجوز لهم
طلبها منهم
4
وإلى جانب ذلك، يجب على الإباضية ولو كانوا يعيشون في ظل الطغاة أن تكون لهم منظماتهم الخاصة للاهتمام بشؤونهم وللتخطيط السلامة مجتمعهم، وللمحافظة على تعاليم مذهبهم وبكلام آخر، لمنع الإباضية
5
من الذوبان في مجموعة خصومهم الكبيرة، ولقصد الاستعداد لمرحلة الظهور.
فرق منشقة عن الإباضية
وقد ثبت على أن أهم خلاف جدي بين الإباضية كان في عهد " أبي عبيدة فقد قال ثلاثة من زملائه
وهم: عطية، أبو حمزة، وغيلان بالقدر ولم يتمكن من إقناعهم فأبعدهم الإباضية عنهم، وتبرؤوا منهم
287
287
287
287
87
288
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص (1/88)
صفحة 89
وانقطعت الصلة بينهم، فانضموا إلى فرق أخرى وكان هذا الخلاف فردياً وهو عبارة عن أشخاص كانوا أتباع
مذهب معين، ثم خطر لهم فانتقلوا بتبعيتهم على مذهب ينسجم مع معتقداتهم.
وخالفه كذلك مجموعة من تلاميذه هم سهل بن صالح، أبو المعروف شعيب بن معروف، وعبدالله بن عبدالعزيز، وأبو المؤرخ عمر بن محمد السوسي في مسائل وناظرهم واستطاع أن يقنعهم بالرجوع عن دعواهم والتوبة عن أقوالهم، فرجعوا لكن بعد وفاته عادوا إلى ما ادعوه وتمسكوا بها وقد فقدت الحركة الإباضية بموته قيادة قوية حافظت على وحدة الحركة وأمنت قرارات حاسمة حول المسائل التي كانت تنشأ بين الحين والآخر وتوسعه الحركة، ولكن الربيع بن الذي خلف أبا عبيدة بصفته قائدها الديني، أخفق في كسب الدعم له والقبول به من قبل جميع معاصرته وفي هذه الفترة بدأ ظهور الفئات الإباضية المنشقة.
وقد ذكر الدكتور عمرو خليفة النامي في كتابه دراسات عن الإباضية مبحث مستقل عن " فروع المذهب الإباضي "، وعرض وجهات نظرهم الأساسية لفهم طبيعة الخلاف بين المجموعات الإباضية:
1
1. الوهبية.
2. النكارية.
3. الخلفية.
4. الحسينية والعميرية.
5. النقاثبة.
6. السكاكنة.
7. الفرثبة.
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص. ص 194 - 195.
88 (1/89)
صفحة 90
وبعد دراسة مفصلة عن هذه الفرق قال الدكتور عمرو النامي: "ويبدو من الدراسة السابقة أن المجموعة الإباضية الأهم بعد الوهيبة هي النكار والفئات الأخرى لم تدم طويلاً، فما بقيت فئة النكار موجودة حتى بداية القرن الحالي في جزيرة جربة بتونس وفي زوارة في ليبيا".
والعلاقة التاريخية بين الفئتين علاقة هي بغض وعداء، حتى أن الحرب كانت تقع بينهما، ولو أنهما حاولتا في بعض الحالات أن تعيشا معاً في سلام هذه
هي
الفئات الإباضية التي عرفها المؤلفون الإباضيون ولكن
مصادر غير إباضية تنظر فئات أخرى لم تكن معروفة للمصادر الإباضية الأولى في شمال أفريقيا والمحتمل أنها فئات تأسست في المرحلة الأولى من الحركة في الشرق ثم تلاشت في وقت باكر. وقد تحدث الشيخ علي يحي معمر عن فرق الإباضية بشيء من التفصيل وخلاصة من وصل إليه قال: "وبالتأمل فيما عرضناه سابقاً عن هذه الفرق، يتضح ما يأتي:
أ. النكار: فرقة مستقلة لها مقالاتها الخاصة بها فهي ليست فرقة من فرق الإباضية أو جزءاً منها وإنما هي فرقة من فرق المسلمين عامة. ب. الحسينية والسكاكنة: هما أقرب إلى أن تكونا فرقتين خارجيتين عن الإسلام ولذلك فهما لستا من الإباضية، ولا داخلتين في حسابهم فعلى رأي من حكم عليها بالنفاق فهما داخلتان تحت العنوان
العام " الإسلام " وليس تحت عنوان الإباضية.
ج. الفرشية والنفّاثبة: ليستا فرقتين مطلقاً، والعالمان اللذان تنتسبان إلى اسمهما هما عالمان
الإباضية لهما آراء في مسائل اجتهادية فرعية مما يقع في مثله الخلاف كل يوم
إمامين لفرقتين ولاداعي يعتبر من عمل بفتواها فرقتين من فرق الإباضية.
من
علماء
فلا داعي يعتبر
219 - 195
89
انظر: دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص. ص
1 (1/90)
صفحة 91
د الخلفية: أتباع زعيم سياسي ثار على الدولة واتبعه ناس في ثورته مما يقع مثله في كل زمان وفي كل
مكان ولم يتعرض لمسائل الدين ولم يعرف عنه مقالة ماعدا مطالبته باستقلال الناحية التي
هو
فيها عن تبعية الدولة، ولا شك أن اعتبار أتباعه فرقة من الإباضية واعتباره هم إماماً لفرقة من الإباضية خطأ تاريخي، قد يعتبر هو وأتباعه فئة باغية تطالب بالرجوع إلى نظام الدولة خطأ تاريخي، قد يعتبر هو وأتباعه فئة باغية تطالب بالرجوع إلى نظام الدولة أو تقاتل، هذا ما وقع بالفعل حتى انتهى أمره أما أن تعتبر فرقة واعتبار أتباعهم فرقًا، فهذا مالم يكن ولا يمكن أن يكون.
والخلاصة من هذا كله أن النكار فرقة من فرق المسلمين زعيمها غمامها الحقيقي أبو المعروف شعيب بن معروف، والحسينية والسكاكنة فرقتان خرجتا عن الإسلام بإنكارها للسنة والإجماع، وبإنكارها لوجوب الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والجنة والنار ووجوب معرفة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وإن الخلفية ليست فرقة دينية وإنما هي فئة باغية يرأسها زعيم سياسي وليس إماما دينيا، وأما النفاثبة والفرتبة، فليستا فرقتين دينيتين ولا فئتين باغيتين إنما هما مجموعتان من الناس أخذوا بأقوال لأحد عالمين من علماء الإباضية في مسائل من الفروع الفقهية" 1.
301 - 300
90
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص. ص
1 (1/91)
صفحة 92
المبحث الثاني: تفسير بعض أحداث التاريخ الإسلامي عند الإباضية
إن الأحداث التاريخية يختلف الناس في تفسيرها، وتحديدها نظرًا لاختلاف الأنظار، وتباين العقول، واعتماد
الباحثين على المراجع ما بين صحة في الرواية، أو ضعفٍ أو وضع وغير ذلك من المؤثرات، وفي هذا المبحث نحاول أن نناقش الأحداث التاريخية التي حدث فيها جدال وخلاف واضعاً أمامي رضى الله عزّ وجلّ،
والبحث عن الحقيقة والوصول إلى الصواب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، متجرداً الله بإذنه سبحانه وتعالى، وخصوصاً في الأحداث المتعلقة بالصحابة رضي الله عنهم.
قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام:
[152
وبقوله سبحانه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ: إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135].
وفي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
:أولاً: الصحابة عند الإباضية
يرى الشيخ علي يحيى معمّر أنّ الدعاية التي سلّطها المغرضون على الإباضية والإشاعات التي يطلقونها زاعمة أن الإباضية يكرهون الصحابة أو بعض الصحابة، ثمّ موقف بعض المتطرفين من الإباضية واستجابتهم للتحدّي وردّ الفعل في مواقف إحراج – مما سهل كلمات انفلات منهم أحياناً كل ذلك يقتضي أن نعرض هذا الموضوع لنوضح رأي الإباضية الحقيقي فيه بعيداً عن الإشاعات والتطرف:
91 (1/92)
صفحة 93
جاء في رسالة لأبي مهدي عيسى بن إسماعيل شيخ العزابة في يردّ فيها باسم عزابة بني.
على أبي علي بن أبي الحسن البهلولي ما يلي: فنبدأ بمسألة الصحابة رضوان الله عليهم وذلك قولك
بلغنا عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة، فيا سبحان الله: كيف نبغض الصحابة مع
مع ورود
النصوص في فضائلهم والثناء عليهم كتاباً وسنةً يأبى الله ذلك، والمسلمون، بل هم عندنا في الحالة
التي ذكرهم الله عليها من العدالة والنزاهة والطهارة والثناء والمدحة
قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل
عمران: 110]
وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143]
وقال تعالى: تُحمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 28]
وغير ذلك من الآيات وهم بالحالة التي وصفهم بها صلى الله عليه وسلم إذ قال: "إنّ الله قد اختار لي أصحاباً فجعل منهم أصهاراً وأختاناً، فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " 1.
وقال أيضا: "لا تؤذوني في أصحابي فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"2.
وقال أيضا: "اقتدوا بالذين من بعدي"3.
وقوله عليه الصلاة والسلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وغير ذلك من المدح والثناء عليهم، اللهم زدنا حبهم واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين، بل لهم السهم الأوفر وسلكوا الطريقة الأقصد ولزموا السبيل الأرشد، فيهم أئمة السناء ونجوم الهدى وأعلام الدين ومنار الإسلام، وكلامهم حكمة،
92
303
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
303
303
1
2
3 (1/93)
صفحة 94
وسكوتهم حجّة، ومخالطتهم غنيمة والاستئناس بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، ويل للزائغ عن طريقهم الراغب
عن سبيلهم. ويضيف أبو مهدي إلى هذا الكلام ما يلي: "كان أبي رحمه الله ينهى من ينكر ما جرى بينهم
إلا من يذكر عنهم
خيراً، رضي
الله
عنهم ورحمهم، فهذا اعتقادنا في الصحابة رضي
الله عنهم
211
يذكر أبو العباس الدرجيني في كتابه الطبقات ما يلي:
الطبقة الأولى: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأفضليتهم أشهر وأسماؤهم ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تسميتهم، لأنهم رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين ومن آثارهم محفوظاً في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف وانتحال تأليف وحسبهم ما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا يشقى من رآني" وقوله: "أفضل أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأحاديث كثيرة في فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أن من الصحابة من لم يخالفنا في تقديمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف ومنهم من لم ينل حظاً من الإنصاف عند أهل الخلاف وهم عندنا في جملة الأكابر والأسلاف.
كما يقول أبو الربيع سليمان الجيلاني: وأما الإنكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا وهذه كيفية صلاتنا على النبي عليه الصلاة والسلام اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته أجمعين كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فمن حسنت شيمته وسلم من داء الحسد والبغض والغيبة، إذا تأمل هذه العبارة وفهم معناها يجدها شاملةً لكل صاحب وآل وزوجة وذرية قريبة أو بعيدة اتباعاً لقوله تعالى:
قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: 23] والمودّة الصلاة والترحم، ونحن – والحمد لله وفينا بما أمر الله به، والجهالُ المتشدّقون عسى الله أن يرحمنا ويكفينا شرهم، وشرّ أنفسنا وشر القوم الظالمين.
303
303
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص 303
المرجع السابق، ص.
93
304
1
2
3
4 (1/94)
صفحة 95
وقد نظم أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي قصيدةً طويلة نقتطف منها الأبيات الخاصة بالموضوع،
ويمضي في ذكر الأقوال إلى أن يقول:
أن ما سوي
بين الصحابة ما جرى
فإنّ التماس العذر في ذاك أسلم
فذي فتن قد حار فيها ذوو النهى
وأشكل وجه الحق فيها عليهم
ولا فرقة من ذي الوقيعة تسلم ويقدح في الأخرى عناداً ويشتم وحيدة فيه أناس تكلموا
لذلك كل الناس فيها تورّطوا فكل يرى سويب رأي جماعة تقول في الشيخين بالإفك عصبة ويمضي في ذكر الأقوال إلى إن يقول:
فإن كنتَ ذا حزم ورمت سلامةً فإيّاك إيّاك التعصب خوف أن ولا تقفُ أمراً لست تعلم علمه وقف عند نهي الهاشمي وأمره
بيوم به عند المهيمن تقدمُ تنقص إنساناً لدى الله يكرم ولا تتهور فالتوقف أسلم ولا تك وثاباً برأيكِ تحكم
ويمضي في توكيد هذا المعنى إلى أن يقول:
ترحم عليهم وأرض عنهم
فقد وردت فيهم آثار تعارضت
وقد صدرت منهم أمور لعلها
فإنّما
حقوقهم محض الرضا والترحُمُ طواهرها أما الخفى فميهمُ لها حكمة مجهولة ليس تفهم
94 (1/95)
صفحة 96
ويمضي في توكيد هذا المعنى محتجا بقصة يوسف عليه السلام وأن الله لم يؤاخذهم بإقدامهم على قتل أخيهم
يوسف وكذبهم على أبيهم عليهم وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام، ويقول:
فقد قال خير للكل مادحا
فأيهم اتبعتموه اهتديتم
كما قال من إثم الوقوع محذراً
وكفوا مقالًا إنّ إليهم وصلتم
وجاءت روايات بأن قتيلهم
وقاتلهم في جنّةٍ يتنعمُ
فما علة التخصيص والوصف شامل
بحملت
هم والواردات تُعمَّم
وقال أبو يحيى زكريا بن يونس الفرسطائي: كنت في الحج فطفتُ بالبيت فلما أتممت أخذ رجل بيدي فأخرجني من الناس، فسألني عن علي، فقلتُ: فارس المسلمين، قاتل، المشركين وابن عم رسول رب العالمين
وله فضائل.
وقال الشيخ محمد بن أبي القاسم المصعبي في رسالة يردُّ بها على بعض من تناول الإباضية في الجزائر بغير الحق وقد عرض المصعبي عقيدة الإباضية وفي آخرها: وندين الله تعالى باتباع كتابه واتباع سنة نبيه محمد وما عليه الصحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين واعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم أنهم عدول وأنهم أولياء الله وحزبه ألا إن حزب الله هم المفلحون فهذا اعتقادنا وعليه، اعتمادنا فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن، إمامنا والكعبة قبلتنا والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله في كتابه في غير موضوع، ثم يذكر الآيات التي نزلت في بعضهم خصوصاً، ثم الأحاديث التي وردت فيهم عموماً ثم الأحاديث التي وردت في بعضهم خصوصاً ثم يقول: في أحاديث كثيرة في عمومهم
95
305
الإباضية بين الفرق الإسلامية، المرجع السابق، ص
305
305
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
1
2
3 (1/96)
صفحة 97
وخصوصهم رضي الله عنهم نسأل الله تعالى أن يثبتنا على طريقتهم واتباع مسيرتهم وأما ما وقع بينهم من
الحرب فإن الله طهر منها أيدينا ونحن نطهر منها ألسنتنا لقوله () " إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا" 1. وقال الإمام أبو إسحاق إبراهيم طقيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي ما يشبه ما سبق فقد جاء في رسالته الصغيرة: النقد الجليل للعتب الجميل ما يلي: أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق. ويقول في نفس الكتاب والأصحاب يتحرون تطبيق حكمي الولاية والبراءة لا تشهيّا، وهما ينطبقان على كل فرد مهما عظمت منزلته مالم يكن من المعصومين ولا معصوم إلا النبي أو الرسول. أما الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزية الصحبة والدفاع عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم
في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى فيختار الكف عن تلك الحوادث المشؤومة.
ويقول بعد أسطر: وأيضاً لا غبار على من صرح بخطأ. المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبيت ذلك والتبين وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن. ويقول أيضاً في نفس الكتاب: ولم يكن يوماً من الأصحاب شتم ولا طعن: اللهم إلا من بعد الغلاة وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب 3
وقال قطب الأئمة في أمير المؤمنين عثمان بن عفان ولد قبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسنتين، ولقب بذي النورين، لأنه تزوج بنتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رقية وأم كلثوم بعد رقية. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لو أن لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى منهن واحدة، وقيل لأنه كريم في الجاهلية والإسلام. وذكر قطب الأئمة في أمير المؤمنين أبي الحسن على بن أبي طالب وهو من شهر، ولا يحتاج إلى ذكر فضائل من نسب
وزهد له عقل وعلم وشجاعة وعدل 5.
96
36
305
المرجع السابق، ص
النقد الجليل، نقلا عن الإباضية بين الفرق، ص
307
307
307
المرجع نفسه،.
ص
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
1
2
3
4
5 (1/97)
صفحة 98
وبعد أن ذكر الشيخ علي يحي معمر أقوال علماء الإباضيين في الصحابة رضي الله علّق على تلك عنهم التقول تعليقاً نفيساً ظهر فيه حبه للصحابة ودفاعه عنهم ووضعهم في المكان اللائق بهم، وناقش بعض
فقرات الأئمة الذين دافعوا عن الصحابة فقال: أريد أن نعود معاً لنناقش بعض الفقرات السابقة. أما أبو مهدي كان شيخاً للعزابة، وقد نفى رسالته أنه بعثها بعد أن وافق عليها مجلس العزابة فقد قال في الديباجة ما يلي: فمن عزابة بني مضاب حفظهم الله تعالى ورعاهم الحاضر بلسانه والغائب بحاله إلى الشيخ المكرم الوجيه المعظم ابن علي بن الشيخ أبي الحسن على البهلولي سلام عليك ولا شك أن العزابة هي الهيئة الدينية التي تمثل الإباضية ورأيها في أية قضية هو الرأي الرسمي أو الرأي المعتمد عن الإباضية إذا فرض أن شذ بعض الناس فخالف في تلك القضية.
والرسالة كما ترى رد على تهمة للإباضية ببعض الصحابة، ودفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم وتبرئة للإباضية من تلك التهمة الشنيعة وإيضاح لموقفهم وبيان بأنهم يضعون كافة الصحابة في المقام الرفيع الذي
اختاره الله تبارك وتعالى لهم.
وقال: وأما كلمات القطب وأبي يحيى، فقد وردت في أميري المؤمنين علي وعثمان خاصة وأكثر الشعب واللغط الذي يوجه إلى الإباضية في موضوع الصحابة إنما يدور حول الإمامين العظيمين والصهرين الكريمين ولذلك فإنه مم يتم به مناقشة هذا الموضوع الهام استعراض كثير من المناقشة القيمة التي جرت على قلم الشيخ سعيد الثعاريتي في رده على الشيخ مصطفى بن كامل الطرابلسي فقد ناقش الثعاريتي فيه موضوع الصحابة لا سيما موضوع الصهرين الكريمين مناقشة رائعة 2.
حيث قال الثعاريتي في كتابه "المسلم" المحمود: والعجب كل العجب مما نسبه ابن كامل بن مصطفى إلينا تجاهلاً وتسلطاً وظلماً وشتماً، حتى أطال سنان لسانه وقال: كفروا عليا زورا وبهتانا بزوره وبهتانه، مع أن
97
307
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص
المرجع السابق، ص
309
1
2 (1/98)
صفحة 99
اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم أنهم عدول أتقياء بررة أصفياء، قد اختارهم الله من بين الأنام لصحبة
نبيه عليه الصلاة والسلام وبعد سطور يقول: وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لاينام، أن يكفر صهر نبيه الذي لم يسجد للأصنام قط.
وبعد أن يذكر عددًا من الآيات الكريمة التي قيل إنها نزلت في الإمام أو في آل البيت وكذلك الأحاديث الشريفة والآثار المأثورات الدالة على فضله عموما وخصوصاً وكيف لا؟. .. وقد كان أفصح من تنفس وتلا، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي المصطفى صاحب القبلتين، فهل يوازيه أحد وهو أبو السبطين؟ مع أن كتبنا ولله الحمد طافحة بالرواية عنه وبالثناء عليه.
ثم استشهد بما كتبه البدر التلاتي في كتابه نزهة الأديب وريحانة اللبيب بأبيات من ديوان التلاتي منها:
بنت الرسول زوجها وابناها
أهل لبيت قد فشيثناها
رضي الإله بطلب الثلاثي
ثم استشهد بأبيات للإمام الحضرمي منها:
بلى كان في أم القرى اليوم قائم
له عنصر صافي النجار ومنصب
وأورد أبياتاً لأبي حفص عمرو بن عيسى التندميرتي النفوسي منها:
1
2
لهم ولمن عناها
أغر من الأشراف ماضي العزائم
تعرّق في فرعي علي وفاطم
وعلى الهادي صلاة نشرها
ساع ورمل
وسلام يتوالى وعلى
آله والصحب ما لغيث هطل
سيما الصديق والفاروق والجامع
القرآن والشـ هم البطل
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
310
310
98 (1/99)
صفحة 100
وبعد ذلك، نقل فصلا رائعًا في الموضوع للشيخ أبي ستة ننقل منه ما يلي: فإذا تقرر في ذهنك ما حكيناه، واتضح لك ما استدللنا به ونقلنا، علمت منه أن التعليق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين، تكلف وفضول لمن لا يعلم ذلك، حيث كان مما يسع جهله وقد وجد في الإعراض عن ذلك سبيل منقول عن
العدول، فلم يبق في حقهم حينئذ إلا الجزم بالعدالة لأصلها منهم من كونهم كلهم أئمة عدولا يقتدى بهم كما نقل ذلك عن الرسول () والإعراض عما شجر بينهم
1
ثم ختم الشيخ علي يحي معمر حديثه عن رأي الإباضية في الصحابة والرد على من يتهم الإباضية ببعض الصحابة أو بعض الصحابة بقوله: وما أحسب مسلمًا يمتلئ قلبه بالإيمان يمكن أن يجد بغض أي شخص من الصحابة طريقاً إلى قلبه ولا شك أن أدنى أولئك الجمع منزلة هو أجل وأعظم وأشرف من أعلانا منزلة وأرفعنا مقاماً ولو لم يرتفع به إيمانه وعقيدته إلى محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومحبة أصحابه وآله أجمعين، فلا أقل من أن يتأدب مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويستمع إليه في قوله: إذا وصلتم أصحابي فكفوا. وقوله صلى الله عليه وسلم: "دعوا لي أصحابي". وإذا لج بأحد العناد فلا أقل من أن نقتدي بصاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عبد الله بن عمر حيث سئل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعلي، قتلا على السائل قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة:134]، أو يستمع إلى كلمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين سئل عما شجر بين الصحابة فقال كلمته النورانية: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا.
ثم قال: فأصحاب رسول الله هم أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كل منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم، ويزرع الفتنة بين صفوف المؤمنين بدعوى محبّتهم والغيرة عليهم، وإذا كان المؤمنين بدعوى محبتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي
99
المرجع السابق، ص 311
المرجع السابق، ص 311
1
2 (1/100)
صفحة 101
مذهب كان من يحمل لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف صحبتهم، فإنّ عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار، وأن يغسل دنس البغضاء بمحبتهم وولايتهم، فإنه لا ألأم ولا أشدَّ كفراناً ومعصيةً من إنسان يتطرق إلى قلبه شيء من بغض من أحبّه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر
قرناً.
1
وقال سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العالم لسلطنة عُمان: "أعلم أن لعموم الصحابة منزلة عالية لا يدرك شأوها ولا يمتطي مطاها فكم تضمن القرآن ثناء الله تعالى عليهم كما في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
وقال تعالى: وَلِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
الله
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 8 - 10].
المرجع السابق، ص 312.
100 (1/101)
صفحة 102
الله
كما روى مسلم من حديث ابن مسعود رضي عنه عن النبي أنه قال: "خير أمتي القرن الذي
يلوني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" 1.
ولا غرو في ارتقاء أصحاب النبي () إلى هذا المقام الرفيع الذي لا يزاحمهم فيه مزاحم، فإنهم أكرمهم الله
تعالى بلقائه عليه أفضل الصلاة والسلام والإيمان به ونصرته والجهاد
معه
والتلقي عنه، فكانوا هم الواسطة
بينه وبين أمته في إيصال هذا الدين إلى من بعدهم، كما كانوا مؤهلين بفطرتهم الزكية وفطنتهم الوقادة أن يكونوا ينابيع ومصابيح هداية ترتوي الأمة بما يتدفق منهم من علم وتستهدي بما يشع من أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم من حكمة وهداية إلى الصراط المستقيم
1. اجتهاد الصحابة عند الإباضية
لذلك ذهب بعض فقهائنا إلى أن المجتهد من هذه الأمة إن اجتهد فيما سبق للصحابة فيه رأي أن لا يخرج
عن آراء جميع الصحابة، بل لا بد أن يستمسك برأي بعضهم، وهو الذي انتصر له الإمام ابن بركة في الحجة التامة، ألا ترى أن الله تعالى جعل شهادتهم على الناس
جامعه؛ إذ علّله بقوله: لأن الصحابة
هم
كشهادة رسول الله عليهم، بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) عليهم مثل قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]
وهنا فإن الخارج عن قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين وبيّن الإمام السالمي في جواباته، أن مرتبة الصحبة تأتي بعد مرتبة النبوة عندما أنكر ما يدعيه بعض المتصوفة أنهم يجتمعون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ويصلّون وراءه فقد رد
101
2533
أجوبة مختارة، الخليلي، ص 16. وانظر: صحيح مسلم رقم)
17
المرجع السابق، ص
1
2 (1/102)
صفحة 103
هذه الدعوى بقوله: وأنت تعلم أن الصحابة أكرم الخلق على الله بعد الأنبياء ولم تنقل هذه الدعوى عن
منهم مع قرب العهد وشدة الشوق حاشاهم من ادعاء ذلك، وقد مضى عليهم بعد محمد
أحدٍ
استقامة عصران: عصر
وعصر اختلاف فهم في عصر
الاستقامة مشتاقون إلى رؤيته وفي عصر الاختلاف
محتاجون إلى حكمه، فما رآه المشتاق ولا لقيه المحتاج. وهذا
يعني
بلا
رفيعًا، لا يتطاول إليه المتطاولون وإن وجدوا وبذلوا النفس والنفيس 2.
ريب
أن للصحابة قدرًا عاليًا ومقامًا
2. الإباضيون ومواقفهم من الأحداث الدامية والنزاعات بين الصحابة
يقول العلامة أحمد الخليلي وهو المفتي العام لسلطنة عُمان: "وبعدما خلت القرون عليهم وانطوت العصور بعدهم فإنه من الأسلم والأحوط أن تطوى صفحة أحداثهم، وتلجم الأفواه، وتقطع الألسن عما شجر بينهم، فلا يذكروا إلا بمناقبهم ومآثرهم الحسنة، فإن هذا الذي يقتضيه قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134].
ويضيف قائلًا: "ولكن الذي دعانا إلى أن نتعرض لبعض ما حدث من بعضهم، ونستدلّ للحق في ذلك بنصوص القرآن وأحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هو أن كثيرًا ممن خاض في هذا لم يكن مستهدٍ فيما يقوله أو يؤثره ببصيرة من القرآن أو ببينةٍ من سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وإنما كان فيما يقوله متأثرًا بعاطفة رعناء ومندفعاً بعاصفة من الهوى، لذلك أغمض عينيه عن الواقع الأبلج وأصمّ أذنيه عن حجج الشرع التي تصخ الأسماع، فكم تجد في كلامهم تبرئة ساحة من خرج عن الخليفة الشرعي لقصد استلاب الخلافة منه
1
الإمام السالمي في جواباته، 5/ 433.
2 أجوبة مختارة، الخليلي، ص 17.
102 (1/103)
صفحة 104
1"
وتحويلها إلى ملك عضوض " 1. وكذلك قال: "وقد تجاهل هؤلاء المموهون ما صدر على هؤلاء من
بالبغي على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما تواتر عنه من الأحاديث الصحيحة 2.
على هذا، فالأمور يجب ألا يحكم فيها إلا بعد الإحاطة بملابساتها والتعمق في أبعادها، والنظر في بداياتها ومآلاتها، واستحضار حكم الله ورسوله فيها. ولذلك من خلال رجوعنا إلى هذين المصدرين الكبيرين؛ أي القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وضحت لنا قضايا لا بد من الأخذ بها في الاعتبار، وهي:
القضية الأولى: أن جيل الصحابة هو أفضل الأجيال بالنظر إلى ما كان يتميز به مجموعهم من رسوخ الإيمان وصفاء القلوب وصلاح العمل وانتشار البر وقلة الفجور مع ما أكرمهم الله به من لقاء رسول الله
)
والتلقي عنه.
القضية الثانية: أنهم لم يكونوا معصومين فإنهم كغيرهم عرضة للشيطان ووساوسه وعرضة للوقوع في الزلل ولذلك أقيمت عليهم الحدود المشروعة في الإسلام كالزنا والسرقة والقذف، وإنما العصمة للنبيين وحدهم.
القضية الثالثة: أنهم يناط بأفعالهم خيرًا أو شرًا جزاؤهم العادل في الدنيا والآخرة، فقد حظوا في الدنيا بنصر الله لهم وتمكينه إياهم جزاء ما فعلوه من الخير كما أنهم مجزيون على ذلك أحسن الجزاء في الدار الآخرة، وفي مقابل ذلك يشملهم العدل الإلهي فيجزون في الدنيا على ما يرتكبون من هتك محارم الله مثل ما يجزي غيرهم. ولذلك لم يعفوا من الحدود الشرعية فأقيمت عليهم كما تقام على غيرهم. وكذلك يتوجه إليهم الوعيد الأخروي كما يتوجه إلى سواهم، فهم في غير مأمن من العقاب إن لم يتوبوا مما أتوه.
103
18
18
18
18
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه، ص
1
2
3
4 (1/104)
صفحة 105
القضية الرابعة: أنهم في حكم الاصطفاء والولاية ويشمل حب المؤمنين لهم في الله تعالى بالنظر إلى عمومهم
أما أفرادهم فيرجع ذلك إلى ما يصدر عنهم من استقامة أو ضدّها فهم في برهم يعاملون بما يستحقون، وإن لم يبروا فكل منهم يتحمل تبعة ما فعل.
القضية الخامسة: أن النبي (كان يتولى من يتولاه منهم بحكم الظاهر عندما تظهر لهم منهم.
الاستقامة
والبر إلا إن أوحي إليه في أحد بعينه أنه مرضي عند الله، فيتولاه بموجب ذلك ولاية الحقيقة بحيث يقطع
بسعادته وتكون ولايته غير منوطةً بما يأتيه من الأعمال وإنما هي معقودة على ما علمه قطعاً
تعالى عنه.
من رضى الله
القضية السادسة: أن من ثبتت ولايته بالحقيقة يعامل في الدنيا بموجب ما يصدر عنه من العمل كما يقتضيه شرع الله ولا تعصبه ولايته من إجراء الأحكام الشرعية عليه وإن بقيت ولايته راسخةً لا يزعزعها ما صدر عنه من عمل 1.
الله
وبذلك يقول الخليلي: "هذا كله اتضح لي بالرجوع إلى نصوص الكتاب والثابت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وما درج
عليه خيار الصحابة رضي الله عنهم أنهم بالنظر إلى أفرادهم يتفاوتون بحسب ما يصدر عنهم من الأعمال ودخولهم قطعا في خطاب الله تعالى الذي وجهه إليهم وإلى من بعدهم مثل قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
المشهود لهم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن جميع الأمة، وإن الدليل على
فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الجُنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123 - 124].
1 الأجوبة المختار، المرجع السابق، ص 21.
104 (1/105)
صفحة 106
وفي قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءٌ تَحْيَاهُمْ
وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21].
هذا وليس من المعقول أن تكون قوارع النذر في هذه الآيات وغيرها خاصة بمن يأتي من بعد عصر الصحابة، كيف وقد كانوا مطالبين بأن يكونوا معتقدين لمضامينها، مكيفين أعماله وفق مفاهيمها، ومسارعين إلى
تهذيب أعمالهم وأخلاقهم
حسب
مقتضاها. ومع ذلك توجه الإنذار إليهم بالنص وإلى من بعدهم بالتبعية
في آيات أخرى. وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16].
وذكر مجموعة من الآيات الكريمة كما في الآية: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًاءٍ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ} [النور: 63].
إذ لا
يتصور
أن يكون الخطاب فيه إلا للصحابة لأنهم هم الذين كانوا حول الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيتصور أن
يتسللوا عنه لواذًا، وإذا كان الوعيد الذي في آخر الآية على المخالفة عن أمره يشمل من بعدهم، فإن بشموله لأولئك بالتبعية. أما شموله للصحابة، فبالنص لما ذكرته ويقوي ذلك ارتباط هذه الآية بما سبقها وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ثُمَّ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضٍ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَن
شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 62].
1
المرجع السابق، ص 22.
105 (1/106)
صفحة 107
ومن الآيات المحذرة من
أشد الوعيد ما لا يتصور خطابها بحال لمن بعد الصحابة رضي الله عنهما، كقوله
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].
فإنّ رفع الأصوات فوق صوته صلى الله عليه وسلم لا يتصور بحال فيمن بعد عصره، إذ لم يكونوا معاشرين له، فيمكنهم أن يتبادلوا معه الحديث حتى يرفعوا أصواتهم فوق صوته، وإنما يتأتى ذلك لمن كانوا معاشريه ومشاركيه القول في مجلسه، وأنت ترى كيف تضمن خطاب الآية الكريمة أشدَّ الوعيد وهو إحباط الأعمال
بمجرد رفعهم الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم.
وهو بلا ريب-تنبيه على أن مخالفة حكمه، والخروج عن طاعة الله وطاعته أولى بمثل هذا الوعيد الشديد، هذا وقد تعزز ما دلت عليه هذه الآيات من كونهم يترتب على أفعالهم وعدها ووعيدها كما يترتب ذلك على أفعال غيرهم أنهم توعد من يعد من أخص خاصتهم أشدّ الوعيد على ارتكاب محارم الله مقابلًا بأحسن الوعد حال التزم حدود الله، فقد خاطب الله أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أشد الخطاب عندما قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذُلِكَ عَلَى اللَّهِ يسيرا} [الأحزاب: 30]. كما خاطبهن بأرجى خطاب في قوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب: 31]، هذا مع إبانته لقدرهن وعلو مقامهنّ في قوله: {يَا
نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب: 32].
3. خطاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لعشيرته وأهل بيته الطاهر:
حذر صلى الله عليه وسلم عشيرته وأهل بيته من الاغترار بقرابتهم منه وصلتهم به حتى شمل ذلك قرة عينه
وفلذة كبده السيدة فاطمة
رضي
الله عنهما، كما شمل عمه العباس وعمته صفية رضي الله عنهما، فعن أبي
106 (1/107)
صفحة 108
هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من
من
الله شيئاً يا
الله شيئاً
عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك يا فاطمة بنت محمد سليني يسليني من مالي ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً ": وجاء عند الترمذي الحكيم في نوادره من حديث أبي هريرة بلفظ يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم واعلموا أن أولى الناس بي يوم القيامة المتقون وإن تكونوا أنتم مع قرابتكم فذلك لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على أعناقكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا ثم تقولون يا محمد فأقول هكذا أعرض بوجهي عنكم فتقولون فيقولون يا محمد أنا فلان بن فلان فأقول أما النسب فأعرف واما العمل فلا أعرف نبذتم الكتاب فارجعوا فلا قرابة بيني وبينكم.
وإذا كان هذا الخطاب الشديد موجهًا إلى هؤلاء مع ما اجتمع لهم من صحبته صلى الله عليه وسلم وقرابتهم منه، فما بالكم بمن أدلى بسبب واحد وهو الصحبة وحدها أيقال بأنها عاصمة له من المسؤولية أمام الله ولا يقال بأن هذا الخطاب كان لهم قبل أن يستجيبوا لداعي الله ويدخلوا في دينه. فإن ذلك إن احتمل في العباس وصفية وغيرهما من بني عبد مناف وبني عبد المطلب، فإنه لا يحتمل في فاطمة رضي الله عنها التي لم تبلغ حد التكليف إلا في كتف الإسلام وقد ولدت ونشأت في رعايته صلى الله عليه وسلم، فلم يعرف عنها في يوم من الأيام التلكؤ عن الاستجابة لداعي الله وقد كانت أمها رضي الله عنها أول من آمن به صلى الله عليه وسلم من النساء وقد نشأت في حضنها ورعاية أبيها لها أيتصور أنهما كانت من قبل على
ملة جاهلية كلا 2
1
سنن الترمذي، 67/ 3.
2 أجوبة مختارة، ص
252
107 (1/108)
صفحة 109
4. التحذير من الغلول والظلم
حيث يقول العلّامة الخليلي: "وقد أنذر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جميع صحابته وجنده أن يغلوا شيئًا أو يتحملوا مظلمة" 1. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا" ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يارسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئًا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حممة فيقول يارسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك شيئاً قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يارسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع يخفق فيقول يارسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته صامت فيقول يارسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك"2. وهذا الخطاب وأمثاله، بلا ريب، إن كان شاملًا لمن جاء من بعد عهد الصحابة، فإنه يشملهم بالنتيجة؛ لأن حكمه يسحب على الجميع، وأما
الصحابة فهو يشملهم بالأصالة 3.
5. أحاديث الحوض:
قال العلّامة الخليلي: وقد دلّت أحاديث الحوض المستفيضة أنه صلى الله عليه وسلم يتكشف له يوم القيامة من أحوال الناس الذين كانوا حوله، وكان يرتقبهم في دينهم مالم يكن منكشفًا له من قبل في الحياة، وذكر
108
مجموعة من
الأحاديث في هذا المجال منها:
صحيح مسلم، رقم 1831 وانظر صحيح ا البخاري، رقم 290.
صحيح البخاري رقم 2908. وانظر: صحيح مسلم، رقم 1831.
26
أجوبة مختارة، ص (
1
2
3 (1/109)
صفحة 110
حديث أبي هريرة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواني، قالوا يا رسول الله: ألسنا بإخوانك؟، قال: بل أنتم أصحابي وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض قالوا يا رسول الله: كيف تعرف من يأتي من بعدك؟ قال أرأيتم إن كان لرجل خيل غير معجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، وليزدادن رجال عن حوضي كما يزداد البعير الضال فأناديهم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا فأقول
فسحقا فسحقًا.
أما ما ورد عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي () أنه قال: أنا فرطكم على الحوض أنظركم ليرفع لي رجال منكم حتى إذا عرفتهم اختلجوا، دوني، فأقول: رب أصحابي، رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك 2.
ورواية ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أنا فرطكم على الحوض أنظر ليرفع لي رجال: منكم حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول رب أصحابي رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك 3.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله () وهو على ناقته المخضرمة بعرفات فقال: أتدرون أي يوم هذا، وأي شهر هذا، وأي بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإن أموالكم ودمائكم عليكم حرم، كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا، في يومكم هذا، ألا وإني
109
23385
مسلم رقم 249، البيهقي رقم 392
رواه أحمد 23385 والبخاري رقم 6205
وفي: مسند أحمد،
رقم
6205
البخاري رقم
1
2
3 (1/110)
صفحة 111
فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي ألا وإني مستنقذ أناساً، ومستنقذ مني
أناس، فأقول: يارب أصحابي؟ فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا من بعدك".
الله
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا أيها الناس، إنكم محسورون إلى الله
حفاة عراة غولاً، ثم قال: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]. ثم قال:
ج
ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة، إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يارب أصحابي، فيقال إنك لاتدري ما أحدثوا من بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117]. ويقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم
2
وعن ابن المسيب، أنه كان يحدث، عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يَرِدُ عليَّ الحوض
رجالٌ من أصحابي، فيُحَلَّؤُون
عنه،
فأقولُ: يا ربّ أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك،
إنهم ارتدوا على أدبارهم "القهقرى وقال شعيب عن الزهري، وكان أبو هريرة يحدث عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "فيجلون " وقال عقيل " فيحلئون ". وقال الزبيدي عن الزهري عن محمد بن علي، عن عبيد الله من أبي رافع، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
وكما في قول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني على الحوض حتى أنظر من يَرِدُ عليَّ منكم، وسيؤخذُ ناس دوني، فأقول: يا ربّ مِنّي ومن أُمَّتِي، فيقال: هل شعرت ما عملوا
سنن ابن ماجه رقم 3057
صحيح البخاري، رقم 4625
صحيح
البخاري رقم
110
6586
1
2
3 (1/111)
صفحة 112
بعدك، واللهِ ما بَرَحُوا يرجعون على أعقابِهِم. فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نُفْتَنَ عن دِينِنا " 1.
وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: وهو بين طهراني أصحابه: "إني على الحوض أنتظرُ من يَرِدُ منكم فواللهِ ليُقْتَطَعَنَّ دوني رجالٌ فلأقولَنَّ أي ربِّ مِنّي ومن أُمَّتِي فيقولُ إِنكَ لا تدري ما عَمِلُوا
بعدك مازالوا يَرْجِعُونَ على أعقابهم ".
211
وقد علّق الشيخ الخليلي على أحاديث الحوض، فقال: وأنت ترى أن هذه الروايات جميعا، تدل على أن هؤلاء الذين حرموا من الورود على الحوض وحيل بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وسلم) كان صلى الله عيه وسلم يعرفهم، لأنهم صحبوه، وقد مات وهو راضي عنهم، فلذلك يحرص على تخليصهم وإلحاقهم به ولكنه يفاجأ بأنهم أحدثوا بعده مالم يدر بباله وهي بذلك تدل على أمرين:
:أولهما: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتولاهم بحكم الظاهر، وكانت حقيقة أمرهم عند الله تعالى بخلاف ما ظهر له، وهو دليل على ما قلناه من أنه صلى الله عليه وسلم يتولى من يتولى من أصحابه بحكم الظاهر إلا من أوحي إليه أنه مرضي عند الله 3.
ويعزز ذلك ما رواه خارجة بن زيد بن ثابت أن "أمَّ العلاءِ - امرأةٌ من الأنصار - قد بايعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ - أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرينَ قُرْعَةً يعني فَطَارَ لنا عثمان بن مظعون أنزلناه في أبياتنا، فوجع وجَعَه الذي تُوفي فيه، فلما تُوفي وغُسِلَ وكُفّن في ثلاث دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، قالت: فقلتُ: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: وما يدريك أنَّ الله أكرمه قلتُ: بأبي أنت يا رسولَ اللهِ فَمَنْ أكرمه الله
111
2292
صحيح البخاري رقم 6593 وانظر: صحيح مسلم، رقم: صحيح مسلم، رقم 2294
29
أجوبة مختارة، ص
1
2
3 (1/112)
صفحة 113
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أمَّا هو فوالله لقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير، والله ما
أدري وأنا رسولُ الله ماذا يفعل بي فقالت: والله إني لا أُزكي أحدًا بعده أبدًا".
عن أنس بن مالك
رضي
الله عنه:
تُوفّي رجل فقال رجل آخرُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسْمَعُ:
أبشر بالجنَّة، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أولا تدري؟ فلعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا
ينقصه.
ثانيهما: أن الحدث الذي أدى إلى أن يحال بينهم وبينه وأن ينقلبوا إلى مصير غير مصيره، إنما كان بعدما فارقهم النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الله، وهو يعني أن سيرتهم في عهده صلى الله عليه وسلم كانت مرضية و إنما حرفهم بعده ما عنها من سبق من قضاء الله فيهم وهو ما يعكر قول من قال بأنهم كانوا منافقين، إذ المنافقون كانوا من أول الأمر لا خلاف لهم في الدين ولا نصيب لهم من أتباعه عليه أفضل الصلاة والسلام، فلا معنى لتقييد تبديلهم وحدثهم أنه كان بعده صلى الله عليه وسلم وكذلك دعوى أن هؤلاء جميعاً ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة المفروضة لا تقبل فكم من نهى في الأحاديث على أنهم من أصحابه ومن المعلوم أن الذين ارتدوا فخلعوا عن رقابهم طوق الإسلام إنما كانوا أعراباً في أطراف الأرض ولم يكونوا من صحبة النبي
) في شيء
3
وأغرب من هذا كله أن نجد رواية عن البخاري تدل على أن سنة الهلاك هي الغالبة، ولا يخلص منهم إلا الشاذ. فقد روى في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم): " بينما أنا نائم إِذَا زُمْرَةٌ، حتى إِذَا عَرَفْتُهُمْ، خرَجَ رجل من بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فقال: هَلُمَّ قُلتُ: أَيْنَ؟ قال إلى النار واللهِ، قُلتُ: مَا شَافُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّمْ ارتدوا بعدَكَ على أَدْبارِهِمْ القَهْقَرَى، ثمَّ إذا، زُمرةٌ، حتى إذا عرَفتُهُمْ خَرَجَ رجلٌ من بيني وبينهم فقال:
1
2
البخاري، رقم الترغيب والترهيب
112
1243
13430. (1/113)
صفحة 114
1
هلُمَّ، قُلتُ: أَيْنَ؟ قال: إلى النارِ، قُلتُ: ما شأكُهُمْ؟ قال: إِنَّهُمْ ارتَدُّوا بعدَكَ على أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى،
1
فلا أُراهُ يَخلُصُ مِنهُمْ إِلَّا ثَلْ هَمَل النَّعَم ".
قال العلّامة الخليلي في تعليقه على الحديث: والحديث وإن عول من عول على سنده، فتقبل منته وحمله
على محامل شتى نرى أنه بعيد عما دل عليه القرآن الكريم من أصحابه صلى الله عليه وسلم كانوا على بر
من
مشکلات
وتقوى، وأنهم مرضيون عند الله، والشواذ هم الذين خرجوا عن عموم هذا الحكم، لذلك نعده المرويات فنرده. وإن صح سنده لشذوذه عما ذكرته من دلالة القرآن وإنما استغله الذين امتلأت صدورهم كراهية، وحقدوا لأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، ورأوا أن الرضى عنهم حالة استثنائية شاذة، وأن السواد الأعظم منهم هلكى، وهذا ما ترده النصوص القرآنية الدالة على أن الرضى عنهم هو الأصل كما تقدم 2.
وإني ذكرت في كتابي "أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: شخصيته وعصره" أقوال علماء أهل السنة في أحاديث الحوض وردهم على الشيعة عندما قالوا: فالمتمعن في هذه الأحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده صلى الله عليه وسلم إلا القليل الذين عبر عنهم بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الأحاديث على القسم الثالث وهم المنافقون لأن النص يقول: فأقول أصحابي ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وإلا فأصبح المنافق بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمنًا.
في الرد على هذه الشبهة كالتالي: إن أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أو التشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه وتزكية رسول الله في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء ووصفهم بأحسن الصفات مما هو معلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وسيأتي بيان ذلك بإذن
صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 2867
113
770
أجوبة مختارة، ص
30
ثم اهتديت، نقلا عن أمير المؤمنين، علي للصلابي،
ص
2
3 (1/114)
صفحة 115
الله. ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معنيين بهذه الأحاديث وأنها لا توجب
قدحاً
منهم، قال ابن قتيبة في معرض رده على الشيعة الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة، فكيف يجوز أن يرضى الله عز وجل عن أقوام ويعمدهم ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا أن يقولوا إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين". وفي قول الخطابي: ولم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل القول: "أصحابي " على قلة عددهم. كما ذكر الإمام النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله صلى الله عليه وسلم: هل تدري ما أحدثوا بعدك، وهذا مما اختلف العلماء على المراد على أقوالهم، وكانت الآراء
إن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي (صلى الله عليه وسلم) لا سيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
إن المراد من كان في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي إن لم يكن عليكم "سيما الوضوء" لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
إن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ملتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم
الله
عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع بهؤلاء الذين يزدادون بالنار، ويجوز أن يزدادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير حساب 3. ونقل هذه الأقوال أو قريبًا منها الطبري وابن حجر رحمهما
الله تعالى.
114
تأويل مختلف الحديث، ص
فتح
الباري،
285/ 11
279
شرح صحيح مسلم، 137.1363.
المفهم للقرطبي، 504/ 1. وانظر: فتح الباري، 11/ 385.
1
2
3
4 (1/115)
صفحة 116
"1
ولا يمتنع أن يكون أولئك المذدادون عن الحوض هم من مجموعة تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات
محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي (): فأقول: أصحابي أو أصحابي بالتصغير وفي بعضها يقول: سيؤخذ أناسٌ، دوني فأقولُ: يا ربِّ منّي وَمِنْ أُمَّتِي "، وفي بعضها يقول: " ليَرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفُهم ويعرفونني". وظاهر لك أن المذدادين ليسوا طائفة واحدة، وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشارع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب 1.
وإذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد بين سبب الذود عن الحوض هو الارتداد كما في قوله: إنهم ارتدوا على أدبارهم، أو الأحداث في الدين، كما في قوله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك 2. فمقتضى ذلك هو أن يذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد بعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم) من الأعراب أو من كان بعد ذلك، يشاركهم في ذلك أهل الإحداث والبدع وهم المبتدعة، وهذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم.
قال ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، قال: وكل
هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم
3
وقال القرطبي في التذكرة: قال علماؤنا - رحمة الله عليهم أجمعين، فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه مالا يرضاه، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف
أهوائها فهؤلاء كلهم مبدلون 2.
115
354
الانتصار للصحب والآل، ص
صحيح مسلم، كتاب الفضائل، إثبات الحوض 4/ 1792 - 1082.
التذكرة في أحوال الموتى وشؤون الآخرة، 1/ 348.
1
2
3 (1/116)
صفحة 117
وإذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما برمتهم به الشيعة الرافضة فالذود عن الحوض، إنما هو سبب الردة أو الإحداث في الدين والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، يل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم)، على ماروى الطبري في تاريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: قد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقتلهم وكثرة
عدوهم.
ومع هذا تصدى أصحاب النبي (لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالا عظيمًا وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم، فعاد للدين من أهل الردة من عاد وقتل منهم من قتل وعاد للإسلام عزه وقوته وهيئته على أيدي عنهم. وكذلك بالنسبة لأهل البدع، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، أشد الناس
الصحابة رضي
الله
إنكارًا عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤوا منها ومن أهلها، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما- أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية! إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء ثلاث مرات. ويقول البغوي: ناقلا إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع، وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم زعماء السنة على هذا، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم.
وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب الشيعة في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض
116
الانتصار
للصحب والآل، ص 356، نقلاً عن تاريخ الطبري، 225/ 3.
السنة، عبد الله أحمد، 420/ 2. بن
شرح
السنة، البغوي، 1/ 194.
1
2
3 (1/117)
صفحة 118
النبي
)، بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته ولا
يشكل على هذا قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا
دوني.
صَلَا الله
فهؤلاء هم من مات النبي) وهم على دينه ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثير من قبائل العرب بعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم)، فهؤلاء في علم النبي () من أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته، ولذا يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وفي بعض الروايات: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري 2.
فظاهر أن هذا في حق المرتدين بعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأين أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين قاموا بأمر الدين
الله
بعد نبيهم خير، مقام فقاتلوا المرتدين وجاهدوا الكفار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عم دين كثيراً من الأمصار من أولئك المنقلبين على أدبارهم، وهؤلاء المرتدين لا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح الصحبة إذا ما أطلق فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: من لقى النبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به ومات على الإسلام.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فلا أُراه يخلص منهم إلا مثل همل النَّعَمِ.4. واحتجاج الشيعة به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فالحجة له فيه، لأن الضمير في قوله "منهم" إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إلا القليل، وهذا ظاهر من سياق الحديث، فإن نصه: بينما أنا نائِمٌ إذا زُمْرَةٌ، حتى إذا عرَفْتُهُمْ، خَرَجَ رجل من بيني وبيْنِهِمْ فقال: هَلُمَّ قُلتُ: أَيْنَ؟ قال:
1
2
6582
البخاري، رقم صحيح مسلم، كتاب الفضائل، 3 الإصابة في تمييز الصحابة، 7/ 1.
1796/ 4
4 أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، المرجع السابق، ص.
117
774 (1/118)
صفحة 119
إلى النار واللهِ قُلتُ: ما شأكُهُمْ؟ قال: إِنَّهُمْ ارْتدُّوا بعدَكَ على أَدْبارِهِمْ القَهْقَرَى، ثُمَّ إِذَا زُمرةٌ، حتى إذا
عرَفتُهُمْ خَرَجَ رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلُمَّ قُلتُ: أَيْنَ؟ قال: إلى النار، قُلتُ: ما شأنهُمْ؟ قال: إِنَّهُمْ ارتَدُّوا بعدَكَ على أَدْبارِهِمْ القَهْقَرَى، فلا أُراهُ يَخلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا ثَلُ هَمَلِ النَّعَمِ
1"
فليس في الحديث للصحابة ذكر وإنما ذكر زمراً من الرجال يذادون من ادون الحوض ثم لا يصل إليه منهم إلا القليل قال ابن في شرح الحديث عند قوله: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النبع: يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه، والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره 2.
ثانيًا: الإباضيون وخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي
الله عنه:
يرى الإباضية أن كلا من أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قد سار في سياسته طبقًا لكتاب الله الكريم وسنة رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) وحكم المسلمين بالعدل والإحسان. ويعتبر أتباع هذه الفرقة أن فترة حكمهما كانت أفضل العهود التي عاشتها الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويرون أن عثمان كان دون الشيخين في مكانته وسياسته رغم أنه بويع من قبل المسلمين وعمل بالحق خلال السنين الست الأولى من خلافته 3
3.
1. الثورة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه
وترى بعض المصادر الإباضية أنه قد بقي المسلمون له مطيعين ومؤازرين ثم أحدث بدعًا أنكرها المسلمون عليه وخالف فيها ما كان معروفاً من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيرة الشيخين، أبي بكر وعمر من بعده،
118
774
المرجع نفسه، ص. فتح الباري، 11/ 474 475.
82
3 نشأة الحركة الإباضية، ص
1
2 (1/119)
صفحة 120
وتشير المصادر الإباضية بإسهاب إلى ما يعتبره الإباضية مآخذ على عثمان وسياسته والمتتبع للاتهامات التي توردها هذه المصادر ضد عثمان لا يرى خلافاً كبيراً بينها وبين ما يرد من روايات في بعض المصادر الشيعية وكذلك السنية التي لم تهتم بعلم الجرح والتعديل في الرواية والتي تورطت في الروايات الضعيفة والموضوعة كما سيتم بيان ذلك بإذن الله تعالى 1.
يقول الدكتور عمرو النامي: اعتبر الإباضية حركتهم استمرارًا للمعارضة التي أسقطت الخليفة الثالث عثمان الله عنه، وسببت وفاته. ونظروا للمعارضة باعتبارها رفضًا إسلاميًا صرفاً للأحداث التي
عفان بن
رضي
أدخلها عثمان وحاشيته الأموية، ثم إن هذه "الأحداث " معروضة في كتاب "صفة أحداث عثمان". وكذلك
في رسالة عبد الله بن إباض وسيرة سالم بن زكوان، ولا ذكر في المصادر الإباضية لدور عبد الله بن سبأ في
الانتفاضة الاولى بوجه عثمان
الله
رضي
عنه، وسلك حقيقته تشير إلى أن الإباضية، رأوا في تلك الانتفاضة
واجبًا إسلاميًا يقوم به صحابة النبي الذين أرادوا أن يتقيدوا بسنة الرسول ومثال خليفتيه الأولين، لا نتيجة
أي نفوذ خارجي أو غريب 2.
وقد قال الدكتور النامي: ثم إن المراجع الإباضية روت خمسة مواقف مختلفة للصحابة فيما يتعلق بمسألة
عثمان
1
2
—
أولئك الذين ارتأوا أن عثمان استحق أن يقتله المسلمون لما أتى به من بدع وعلى مدى ست سنوات ظل المسلمون يحاولون حمله على تغييرها والسير على نهج أسلافه، أو أن يستقيل، وحين رفض أن يقبل بذلك، قتلوه، فسفك دمه مشروع، لأنه كان جائراً وفظاً، ووصفوه بالجائر وبالفاسق
انظر: المرجع نفسه، ص
82
دراسات
عن الإباضية، المرجع السابق، ص 52
119 (1/120)
صفحة 121
—
والظالم والكافر كفر نعمة، ومن هؤلاء الصحابة عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبو ذر
الغفاري وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن محمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت وغالبية الأنصار.
أولئك الذين اعتبروا مسألة الفتنة بين الصحابة هي قضية اجتهاد شخصية؛ المحق ينبغي له أن يكافأ، والمخطئ يجب أن يسامح حتى أن هناك من يقول إن الجانبين كانا على حق؛ وهذا الرأي
الأخير.
أولئك الذين يقولون إن عثمان تاب عن بدعه وأنه قتل بعد توبته وبذلك يكون خصومه مخطئين
وهذا رأي الصحابة طلحة والزبير وعائشة.
أولئك الذين احتفظوا بأنفسهم برأيهم حول الفتنة واعتزلوها وكانوا في ريبة من الوضع برمته وبين هؤلاء سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة وآخرون. وأخيرًا، هنالك موقف معاوية وعمرو بن العاص اللذان قالا بأن عثمان محق كل حق وطالبا بالثأر لمقاتله 2.
إن الصحابة جميعًا رضي الله عنهم أبرياء من دم عثمان رضي الله عنه وقد صحت الأخبار وأكدت الحوادث
والتاريخ على براءة الصحابة من التحريض على عثمان أو المشاركة في الفتنة ضده، وإنما هناك روايات
موضوعة وضعيفة ولا أساس لها من الصحة وبعيدة عن الحقيقة العلمية.
لقد عكفت المصادر والمراجع القديمة والحديثة ولم أعتمد في دراسة عصر عن
عثمان رضي
الله
عنه على
الطبري وابن الأثير والذهبي، وكتب التاريخ المشهورة فقط؛ بل رجعت إلى كتب التفسير، والحديث وشروحها وكتب العقائد، والفرق، وكتب التراجم والجرح والتعديل، وكتب الفقه، فوجدت مادةً تاريخية غزيرةً يصعب الوقوف على حقيقتها في الكتب التاريخية المعروفة والمتداولة وقد كتبت بفضل الله وجوده كتاباً عن أمير المؤمنين عثمان وتحرّيتُ الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن الروايات الباطلة وسرت على أصول عادلة، وقواعد
120
172
174 - 173
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص. ص
1
2 (1/121)
صفحة 122
راسخة في البحث أمامي وجه الله عز وجل لا غير أرجو بذلك وجه الله في ذلك اليوم الذي لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
لقد كتبت عنه كتاباً مستقلاً رجعت فيه إلى حوالي مئتين وخمسين مرجعًا ومصدرًا من القديم والحديث وتتبع سيرته واستفدت من علم الجرح والتعديل في الحكم عن الرواية وتحدثت عن اسم ذي النورين ونسبه وإسلامه وزواجه من رقية بنت ثم من أم كلثوم بعد وفاة رقية رضي الله عنهما وعن ابتلائه، وهجرته للحبشة وعن حياته مع القرآن الكريم وملازمته للنبي وعن مواقفه في غزوات رسول الله وعن حياته الاجتماعية بالمدينة ومساهمته الاقتصادية في بناء الدولة.
عن
وتتبعت أحاديث رسول الله في ذي النورين فيما ورد في فضله مع غيره، وما ورد عن رسول الله في أخباره الفتنة التي يقتل فيها عثمان وتكلمت عن كتمانه في عهد الصديق والفاروق وبينت قصة استخلافه، وما قام به عبدالرحمن بن عوف من عمل عظيم في إشرافه على إدارة الشورى، ورددت على الروايات الباطلة التي دست في قصة الشورى، فأتيت بطلانها وزيفها بالحجج العلمية والبراهين القوية والادلة المنطقية، وذكرت أقوال أهل العلم في أحقية عثمان بالخلافة وانعقاد الإجماع على خلافته، وشرحت منهج عثمان عنه في نظام الحكم من خلال رسائله للولاة وأمراء الجند وعامة الناس ومواقفه في الحياة، فقد وضع رضي الله عنه المرجعية العليا للدولة، وحق وقف الأمة في محاكمة الخليفة وقواعد الشورى، والعدل والمساواة
رضي
الله
والحريات، وأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة المجتمعات.
وقد أشرت إلى أهم صفات عثمان رضي الله عنه القيادية وتحدثت عن المؤسسات المالية والقضائية ونظم الإدارة وحركة الفتوحات في عهده وغير ذلك ولذلك اتحدت عنه بعلم وعدل
وسوف نبين خطأ من ذهب إلى أن الذين ثاروا على عثمان كانوا على صواب ومن أجل سفك دمه وقتله
عثمان كانوا على صواب ومن أجل سفك دمه وقتله وبطلان قول من يقول بأن المهاجرين والأنصار في
121 (1/122)
صفحة 123
المدينة ساهموا في الثورة وحرضوا على قتل الخليفة والخلاص منه واتهام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ظلما وبهتاناً وزوراً بأنه كان من المحرضين عليه.
—
من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عثمان رضي الله عنه فيما ورد في فضائله مع غيره:
- افتتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه:
عن أبي موسى رضي الله عنه
، قال: كنت مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل، فاستفتح،
فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي (صلى الله عليه وسلم)، فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا هو عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فحمد الله ثم قال: الله المستعان 2 هذا الحديث تضمن فضيلة هؤلاء الثلاثة المذكورين، وهم أبو بكر وعمر وعثمان، وأنهم من أهل الجنة، كما تضمّن فضيلة لأبي موسى، وفيه دلالة على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه الإعجاب ونحوه، وفيه معجزة ظاهرة للنبي (صلى الله عليه وسلم) لإخباره بقصة عثمان، والبلوى، وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى 3.
- اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان عن أنس رضي الله عنه قال: صعد النبي (صلى الله عليه وسلم) أحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف، فقال: اسكن أحد أظنه ضربه برجله، فليس عليك إلا نبي،
وصديق وشهيدان.
- حياء عثمان رضي الله عنه: عن يحيى بن سعيد بن العاص: أن سعيد بن العاص أخبره: أن عائشة زوج النبي
وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن رسول الله وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة،
1
2
3
4
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص
البخاري، رقم صحيح
3695
89
شرح النووي على صحيح مسلم، 170/ 15 - 171.
البخاري، رقم
3697
122 (1/123)
صفحة 124
فأذن لأبي بكر وهو كذلك، قضى إليه حاجته، ثم انصرف، ثم استأذن
عمر
فأذن له، وهو على تلك
قضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك. فقضيت إليه حاجتي، ثم انصرفت فقالت عائشة: يا رسول الله! مالي لم أرك فارتعت لأبي بكر، وعمر الله عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن عثمان رجل حتي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يبلغ إلي في حاجته.
رضي
وفي استحياء الملائكة من عثمان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: "كان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال. فتحدَّث. ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك. فتحدَّثَ. ثم استأذن عثمان. فجلس رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ. وسوَّى ثيابه قال محمد - أحد رواة الحديث ولا أقول ذلك في يوم واحدٍ فدخل فتحدث. فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتَش له ولم تباله. ثم دخل عمرُ فلم تهتش له ولم تُبالِه. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك! فقال): " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". وقال المناوي: مقام عثمان مقام الحياء والحياء فرع يتولد من إجلال من يشاهده ويعظم قدره مع نقص يجده في النفس، فكأنه غلب عليه إجلال الحق تعالى ورأى نفسه بعين النقص والتقصير وهما من جليل خصال العباد المقربين فعَلَت مرتبة عثمان كذلك، فاستحيت منه خلاصة الله خلقه كما أن من
من أحب أولياءه ومن خاف الله خاف منه كل شيء.
123
صحيح مسلم، رقم 2402 القدير، للمناوي، 4/ 302.
فيض
1
2 (1/124)
صفحة 125
()
- أصدقها حياء عثمان: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله: " أرحمُ أُمَّتِي أبو بكر، وأشدهم
في أمرِ اللهِ عمرُ، وأصدَقُهُمْ حياءً عثمانُ، وأعلمُهُمْ بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضُهُمْ زِيدُ بنُ
ثابت وأقراهُمْ أَيُّ، ولكلّ أُمَّةٍ أمين وأمينُ هذهِ الأُمَّةِ أبو عبيدة".
- إخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الفتنة التي يقتل فيها عثمان من نجا من ثلاث فقد نجا: إذ ذكر عبد الله بن
حوالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَجَا مِنْ ثلاث فَقَدْ نَجَا ثلاثَ مَرَّاتٍ مَوْتِي والدجالُ وقتل خليفَةٍ
مُصْطَبِرٍ بالحقِّ مُعْطِيهِ" 1. ومعلوم أن الخليفة الذي قتل مصطبرًا بالحق هو عثمان.
- يقتل فيها هذا المقنع يومئذ: عن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتنةً فمرَّ رجلٌ فقال يُقتل فيها هذا المقنَّعُ يومئذٍ مظلومًا قال فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.2
- هذا يومئذ على الهدى عن كعب بن عجرة، قال: " ذَكَرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فتنةً فَقَرَّهَا فمر رجلٌ مُقَنَّع رأسه فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هذا يومئذٍ على الهُدَى فوثبتُ فأخذتُ بضَبْعَيْ
عثمان ثم استقبلتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ هذا قال هذا
311
- تهيج فتنة كالصياصي، فهذا ومن معه على الحق عن مرة البهزي قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
وقال بهز من رواة الحديث قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تهيج فتنة كالصياصي، فهذا ومن معه على الحق. قال
فذهبت فأخذت بمجامع ثوبه، فإذا هو عثمان بن عفان الله رضي عنه 4.
—
إن أرادك المنافقون على خلع فلا تخلعه: عن عبد الله بن عامر عن النعمان بن بشير، عن عائشة،
قالت أرسل رسول الله () إلى عثمان فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلما رأينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقبلت
124
المسند، تحقيق أحمد شاكر، 4/ 419، 3465.
فضائل الصحابة، 551/ 1
صحيح سنن ابن ماجه 24/ 1
المسند، المرجع السابق، 5/ 33.
1
2
3
4 (1/125)
صفحة 126
إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلامه كلمة أن ضرب بين منكبيه وقال يا عثمان إن الله عز وجل
عسى أن يلبسك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثاً.
إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عهد إلى عهدًا، وإني صابر نفسي عليه عن أبي سهلة، عن عائشة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ادعوا لي بعض أصحابي، قلت: أبو بكر؟ قال لا قلت: عثمان؟ قال: نعم. فلما جاء: قال لا
تن?ي، فجعل يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر، قلنا: يا أمير المؤمنين! ألا تقاتل؟ قال
3
لا إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عهد إلى عهداً وإني صابر نفسي عليه. وهذا الحديث يبين شدة محبة رسول الله
) لعثمان رضي الله عنه، وحرصه على مصالح الأمة بعده فقد أخبره بأشياء تتعلق بهذه الفتنة التي ستنتهي
بقتله وحرص عليه الصلاة والسلام على سرّيّتها حتى إنه لم يصل إلينا منها إلا ما صرّح به عثمان رضي الله عنه أثناء الفتنة لما قيل له ألا تقاتل؟ فقد قال ألا إن رسول الله عهد إلي عهداً، وإني صابر عليه.
منه
ويظهر من قوله هذا: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أرشده إلى الموقف الصحيح عند اشتعال الفتنة وذلك أخذاً. صلى الله عليه وسلم بحجز الفتنة أن تنطلق وفي بعض الروايات زيادة تكشف عن بعض مكنون هذه المسارة فقد جاء فيها وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله عز وجل، فلا تفعل.
ومضمون هذا العهد الذي ذكره عثمان رضي الله عنه يتعلق بالفتنة والوصية بالصبر فيها وعدم الخلع، وإن
كان يفهم من هذه الأحاديث بأنه سيكون خليفة يوماً ما ويبدو أن هناك وصايا، وإرشادات تتعلق بهذه
الفتنة، انفرد بمعرفتها عثمان رضي
وذلك محافظةً الله عنه
من
النبي) على السرية فيها ومما يبيّن ذلك:
125
فضائل الصحابة، 1/ 631.
من المسارة مفاعلة من السر: المناجاة
فضائل الصحابة، 605/ 1، إسناده صحيح.
46
4 أمير المؤمنين عثمان عفان المرجع السابق، ص) بن الطبقات، 66/ 3. 67. وانظر: فضائل الصحابة، 1/ 613.
5
1
2
3 (1/126)
صفحة 127
أنه أمر عائشة رضي الله عنها بالانصراف .. عندما أراد الإسرار بها لعثمان رضي الله عنه، كما أنه أسر إليه
رضي
الله
إسراراً، رغم خلق المكان من غيرهما، حتى تغيّر لونه، مما يدلُّ على عظم المسر به، وربط عائشة عنها هذا الإسرار بالفتنة دليل واضح أن الإسرار تضمن توجيهات منه صلى الله عليه وسلم إلى عثمان ليقف الموقف الصحيح عند عرض الخلع وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على الإخبار بوقوع الفتنة، فقد أخبر بذلك علانية في أحاديث كثيرة، كما تقدم، فإسراره يدل على أن هذا الإسرار تضمن أشياء أخرى زيادة على الإخبار عن وقوعها ورغب عليه الصلاة والسلام بالمحافظة على سريتها لحكمة اقتضت ذلك - الله أعلم بها. وهذا الحديث يفسر لنا جليًّا سبب إصرار عثمان على رفض القتال أثناء الحصار، كما يفسر أيضاً. سبب رفضه للتنازل عن الخلافة وخلعها عندما عرض القوم عليه ذلك وهما موقفان طالما تساءل
الباحثون والمؤرخون عن السبب الذي أدّى عثمان إليهما واستشكلوهما.
وحادثة فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه من ضمن حوادث كثيرة أخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حياته بأنها ستقع بالغيب، فإن علم الغيب صفة من صفات الله عز وجل، ليست لأحد من خلقه وإنما ذلك علم أطلعه الله عليه وأمره أن يبينه للناس. قال تعالى: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]
—
الله عنه وولايته للأقارب: عثمان رضي
يكثر المؤرخون من الحديث عن محاباة عثمان أقاربه وسيطرتهم على أزمة الحكم في عهده حتى أثاروا عليه
نقمة كثير من الناس، فثاروا ناقمين عليه إطلاقه يد ذوي قرباه في شؤون الدولة. وأقارب عثمان الذين
126
46
159
تن?ي ومعنى التنحي: الانصراف.
أمير المؤمنين عثمان عفان المرجع السابق، ص)
بن
المرجع السابق، ص
47
الدولة الأموية المفترى عليها، حمدي شاهين، ص
1
2
3
4 (1/127)
صفحة 128
ولاهم رضي الله عنه أولهم معاوية، والثاني عبدالله بن أبي السرح والثالث الوليد بن عقبة والرابع سعيد بن العاص، والخامس عبدالله بن عامر، هؤلاء خمسة ولاهم عثمان وهم من أقاربه وهذا في زعمهم مطعن عليه، فلننظر أولا من هم ولاة عثمان رضي الله عنه، هم: أبو موسى الأشعري، والقعقاع بن عمر، وجابر المزني، وحبيب بن مسلمة، وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد، وأبو الأعور السلمي، وحكيم بن سلامة، والأشعث بن قيس، وجرير بن عبدالله البجلي، وعينيه بن النّهاس، ومالك بن حبيب، والنسير العجلي، والسائب بن الأقرع وسعيد بن قبس وسلمان بن ربيعة وخنيس بن حبيش والأحنف بن قيس وعبدالرحمن بن ربيعة، ويعلى بن منبه، وعبدالله بن عمرو الحضرمي، وعلي بن ربيعة بن عبدالعزى هؤلاء هم ولاة عثمان رضي الله عنه لو أخذنا إحصائية لوجدنا: أن عدد ولاة عثمان ستة وعشرون واليا، ألا يصح أن يكون خمسة من بني أمية يستحقون الولاية وبخاصة إذا علمنا: أن النبي (كان يولي بني أمية أكثر من غيرهم؟ ثم يقال بعد ذلك: إن هؤلاء الولاة لم يكونوا كلهم في وقت واحد، بل كان عثمان رضي الله عنه قد ولى الوليد بن عقبة، ثم عزله فولى مكانه سعيد بن العاص، فلم يكونوا خمسة في وقت واحد وأيضًا لم يتوف عثمان إلا وقد عزل أيضًا سعيد بن العاص، فعندما توفي عثمان لم يكن من بني أمية من الولاة إلا ثلاث وهم معاوية، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وعبد الله بن عامر بن كريز فقط، عزل عثمان الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، ولكنه عزلهما من أين؟ من الكوفة التي عزل منها عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص، والكوفة التي لم الله عنه لأولئك الولاة لا يعتبر مطعناً فيهم، بل مطعن في المدينة التي
ترض بوال أبداً، إذا عزل عثمان
رضي
ولُوا عليها.
1
حقبة من التاريخ، عثمان الخميس، ص
75
127 (1/128)
صفحة 129
—
استعمال عثمان لبني أمية في الحكم:
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستعمل بني أمية في حياته، واستعملهم بعده من لا يهتم بقرابة فيهم: أبو بكر وعمر
رضي
الله عنهما ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر من بني
عبد
شمس،
لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرفٌ وسؤدد، فاستعمل النبي (صلى الله عليه وسلم) عتاب بن أسيد أبي العاص على مكة، وأبا سفيان بن حرب على نجران، وخالد بن سعيد على صدقات بني مذجح، وأبان بن سعيد على بعض السرايا ثم على البحرين، فعثمان رضي الله عنه لم يستعمل من استعمله النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن جنسهم، وقبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده فقد ولى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان من فتوح الشام وأقره عمر، ثم ولّى أخاه معاوية. أما السؤال الذي يطرح نفسه أأثبت هؤلاء كفاءتهم أم لا؟
بعده
عمر
لعل الإجابة عن السؤال واضحة في كتابي عن عثمان رضي الله عنه، وكان عثمان خليفة راشد يقتدى به وأفعاله تشكل سوابق دستورية في هذه الأمة فكما أن عمر سنّ لمن بعده التحرّج عن تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين إذا كانوا أهل كفاءة، ومن تتبع سيرة عثمان لا شكّ في كفاءتهم الإدارية وكل ما أنكر على عثمان لا يخرج عن دارة المباح. وإن الولاة الذين ولاهم عثمان رضي الله عنه من
أقاربه
قد أثبتوا الكفاءة والمقدرة في إدارة شؤون ولاياتهم وفتح الله على أيديهم الكثير من البلدان وساروا في الرعية
1
في عهد الصديق والفاروق 3.
منهاج السنة، 3/ 175 176.
2 الأساس في السنة، 1675/ 4.
3
عثمان عفان، المرجع السابق، ص بن
128
253 (1/129)
صفحة 130
استعمال عثمان للوليد بن عقبة:
—
أكثروا من الطعن في عثمان رضي الله عنه، وزعموا أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة على الناس، فكان يلعب
بالسحر ويصلي بالناس وهو سكران، فاسق في دين الله، إنما أمره من أجل قرابته وهذا والكلام لعبد الله
إباض في رسالته التي يقال إنه أرسلها إلى عبد الملك بن مروان 1.
بن
والرد واضح وجلي، أما إن الرسالة غير صحيحة، وإن كانت موجود في تراث وتاريخ الكتب الإباضية أو
إن عبد الله بن إباض في رسالته المتعلقة بعثمان رضي الله عنه
لم يتحقق كما ينبغي وتبني آراء خصوم.
عثمان
الذين قاموا بتدبير محكم لإثارة الدعاية المضادة ضده وبالتالي وقع فيما وقع فيه من إساءة إلى الإباضية واعتبرهم من الخوارج عندما اعتمد آراء الخصوم الأمويين فيهم. وعند الرجوع للمصادر والمراجع التي تتصف بالعلم والإنصاف والبحث عن الحقيقة هو دأب الباحثين عن رضى الله عز وجل. والسؤال: من هو الوليد
بن عقبة؟
الوليد
عقبة
الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، الأمير
أبو وهب الأموي، له صحبة قليلة وهو أخو عثمان لأمه. وكان الوليد بن عقبة من رجال الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر، وعمر اللذين كانا يتخيران للأعمال ذوي الكفاءة، والأمانة من الرجال وكان ذلك من أعظم أسباب ذلك الانتشار السريع على أوسع نطاق للإسلام على عهدهما، وأنه كان محل ثقة واعتماد الخليفتين وممن وسد إليه الأمور المهمة لما كانا يريان فيه الكفاءة، وصدق الإيمان 3.
254
78
129
سير
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص أعلام النبلاء، 4123 413.
فصل الخطاب في مواقف الأصحاب، ص
1
2
3 (1/130)
صفحة 131
وكان أول عمل له في خلافة الصديق أنه كان موضع السرّ في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة،:
وفائدة خالد بن الوليد في وقعة المزار مع الفرس 12 هـ 1. بعد ذلك، أرسله مددًا إلى قائده عياض بن غنم
الفهري 2. وفي سنة 13 هـ كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثمّ لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص، وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين وسار الوليد بن عقبة قائداً إلى شرق الأردن ثم رأينا الوليد في سنة 15 هـ على عهد عمر أميراً على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة 3.
وبهذه الخبرة في عهد الصديق والفاروق جاء الوليد في خلافة ذي النورين وتولى ولاية الكوفة له وكان من خيرة ولاتها عدلًا، ورفقا، وإحساناً، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في أفاق الشرف فاتحة ظافرة موفقة، كما شهد له بذلك يظهر الغيب قاض من أعظم قضاة الإسلام في التاريخ علماً وفضلاً وإنصافاً وهو التابعي الجليل الشعبي. فقد أثنى على غزوه وإمارته بقوله حين ذكر له غزو مسلمة بن عبد الملك. كيف لو أدركتم الوليد وغزوه، وإمارته إنه كان ليغزو فينتهى إلى كذا وكذا، ما نقص، ولا انتقص عمله 6. عليه أحد حتى عزل عن
وقد كان الوليد رضي الله عنه أحبّ الناس إلى الناس، وأرفقهم بهم، وقد مضى خمس سنين وليس في داره باب”. والمستعرض لسيرة الصحابي الجليل، والبطل الإسلامي العظيم الذي كان محل ثقة الخلفاء الراشدين
130
262
262
تاريخ الطبري 4/ 168.
تاريخ الطبري 4/ 194.
عثمان بن عفان المرجع السابق، ص.
المرجع السابق، ص
التمهيد والبيان، ص 1
262
40
عثمان عفان المرجع السابق، ص بن
تاريخ الطبري، 251/ 5
1
2
3
4
5
6
7 (1/131)
صفحة 132
الثلاثة لا يرتاب في أنه فإنه أهل للولاية وإنما تساوره الشكوك في ثبوت ما قيل فيه من نزول الآية فيه
وتسميته فاسقاً وشربه للخمر والأمر يحتاج إلى تحقيق وإليك بحث هذين الأمرين.
والسؤال المهم: أيضا هل ثبت بأن الآية السادسة من سورة الحجرات نزلت في حق الوليد، وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نادِمِينَ} [الحجرات: 6]
عنهم
يتناقل الروّاة في ذلك قصة تقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق مصدّقاً، فأخبر أنهم ارتدوا وأبوا في أداء الصدقة وذلك أنهم خرجوا إليه، فهابهم ولم يعرف ما عندهم، فانصرف عنهم، وأخبرنا بارتدادهم، فبعث إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خالد بن الوليد وأمره أن يثبت فيهم، فأخبروه انهم متمسكون بالإسلام، ونزلت الآية 2
وقد جاءت روايات عديدة وليس للقصة سند موصول صحيح. وأقل ما بوصف به سند القصة: أنه ضعيف وإذا قبلوا الأسانيد الضعيفة في فضائل الأعمال التي لا تحل حراماً ولا تحرم حلالا، فإننا لا نقيل السند الضعيف في قصة الوليد، لأنه يحلّ حرامًا، وهو وصف رجل صحب الرّسول (صلى الله عليه وسلم)، ولو يوما بأنه فاسق وكيف تقبل السند الضعيف. والآية نفسها تحث على التثبت في قبول الأخبار فهذه الآية وضعت
أصل علم الرواية 4.
إن قصة الوليد بن عقبة فيما نسبوه إليه، لا تُقبل فيها إلا الأخبار الصحيحة في السند والمتن؛ لأنها تصفه بالفسق، وهذا طعن لا تساهل في قبوله إذا وُصف به رجل من عرض الناس في العصر الحديث بعد عشر
131
المدينة النبوية فجر الإسلام.176.2
المرجع السابق، 176/ 2
المرجع نفسه، 176/ 2.
المرجع نفسه، 182/ 2.
1
2
3
4 (1/132)
صفحة 133
قرنًا من عصر الدّعوة، فكيف التساهل في نسبتها إلى رجل عاش في العهد النبوي، وفي عهد الخلفاء الراشدين وأوكلوا إليه أعمالًا ذات مكانة وخطر!؟
إن القصة تمثل جزءًا من تاريخ صدر الإسلام وتتصل أجزاء، القصّة وحوادثها بالعقيدة الإسلامية، وأخبار هذا الجانب من التاريخ الإسلامي، لا يتساهل في قبولها كما يتساهل في قبول الأخبار التي تتصل بالعمران المدني. ثم إن الوليد بن عقبة من مسلمة الفتح، وكثيرًا ما تُوجه المطاعن إلى إسلام إلا الإسلام هذه الفئة من الناس. ويزعم بعض المؤرخين أنهم أسلموا مكرهين، ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم، وهو زعم باطل بلا ريب. وأخبار الوليد بن عقبة تريد الرواة فيها، ولعبت بها الأهواء المذهبية والسياسية، ودخلها الوضع 1 وكانت ميدانًا لتسابق أهل القصة في اختيار القدرة على الوضع وإثبات عبقريتهم الأدبية المجنحة. ومما يعكر على رواية إرسال الوليد بن عقبة لجمع صدقات بني المصطلق، ويعارضها حديث موصول السند إلى رجال ثقات: أن الوليد بن عقبة كان يوم الفتح صغيرًا، ومن كان في سنه لا يرسله النبي (صلى الله عليه وسلم) عاملاً، فعن فياض بن محمد الرقذي عن جعفر بن يرقان عن ثابت بن الحجاج الكلابي عن عبد الله الهمداني "أبي ى" عن الوليد بن عقبة، قال: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم، فجيء بي إليه، وإنّي مطيب بالخلوق، ولم يمسح على رأسي ولم يمنعه من ذلك إلا أنّ أمي خلقتني بالخلوق، قلم يمسني من أجل الخلوق 3.
موسي
إن القصة لعبت بها الأهواء المذهبية، فالوليد أموي عثماني، والذي أقحم اسم الوليد في قصة سبب نزول الآية هو رجل شيعي اسمه محمد بن السائب الكلبي. والذي يقوله عنه ابن حجر: "كان يُعد من شيعة أهل الكوفة". وأضاف ابن حجر في حديثه عن الكلبي: "كان" بالكوفة كذابان، أحدهما: الكلبي والآخر:
132
المدينة المنورة،: المرجع السابق.173/ 2
المرجع السابق، 173/ 2
مسند أحمد، المرجع السابق،32/ 4.
1
2
3 (1/133)
صفحة 134
السدي ". وقد اختاره لهذه القصة، لأنها تتصل بجمع الصدقات والوليد عمل على صدقات قضاعة في
عهد أبي بكر، وعمل على صدقات تغلب في الجزيرة في زمن عمر، وكتب الشيعة تعيب عثمان بسبب قصة الوليد 2.
ونحن لا ننكر أن تكون الآية نزلت في سياق قصة بني المصطلق، ولكن الذي يُنكر أن يكون الوليد هو
الموصوف بالفاسق في الآية لك أن منطوق الآية: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ] الحجرات: 6]. وبصيغة التنكير يدل على الشمول، لأن النكرة إذا وقعت في سياق الشرّط عممت كما تعمّ إذا وقعت في سياق النفي 3
حد الوليد بن عقبة في الخمر
-
وأما حدّ الوليد في الخمر، فقد ثبت في الصحيحين أن عثمان حده بعدما شهدت عليه الشهود، فهو ليس
مأخذا على عثمان، بل كانت من مناقب عثمان رضي الله عنه أن أقام عليه الحد، وعزله عن الكوفة، حيث ذكر البخاري هذه الحادثة في "باب" مناقب عثمان"، وكان علي رضي الله عنه يقول: إنكم وما تعيّرون به
عثمان كالطاعن نفسه، ليقتل رداءه. وما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بفعله، وعزله عن عمله، وما ذنب عثمان فيما صح عن أمرنا. ثم إن تلك الحادثة لم تطرد في عهد عثمان فحسب، بل لها سابقة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث ذكر، أن قدّ أمية أمة بن مظعون له صحبة شرب الخمر، وهو أمير
على البحرين من قبل عمر فحدّه وعزله. وقد ذكر بعض المؤرخين أنه لم يثبت على الوليد شربه للخمر، قال الحافظ في الإصابة: ويقال: إن بعض أهل الكوفة تعقبوا عليه، فشهدوا عليه بغير الحق. وقد أشار إلى
المدينة المنورة، المرجع السابق، 179/ 2
المرجع نفسه، 180/ 2.
المرجع نفسه، 180/ 2.
الرداء: هو العون، تاريخ الطبري، 278/ 5.
تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة 421/ 1.
العواصم من القواصم، ص
93.
تاريخ ابن خلدون ابن خلدون 473/ 2. وانظر: فصل الخطاب في مواقف الأصحاب محمد صالح الغرسي، ص 81.
133
1
2
3
4
5
6
7 (1/134)
صفحة 135
هذا ابن خلدون، فقال: وما زالت الشائعات، ويقصد على عمّال عثمان من قبل المشاغبين تنمو، ورمي
الوليد بن عقبة وهو على الكوفة بشرب الخمر، وشهد عليه جماعة منهم، وحده عثمان وعزله".
منهم
وما حكاه الطبري ببعض تفصيل: إن أبناء لأبي زينب وأبي مورع، وجندب بن زهير نقبوا على ابن الحيسمان داره، وقتلوه، فشهد عليهم بذلك أبو شريع الخزاعي، الصحابي وابنه وكان جاراً لابن الحيسمان فاقتضى الوليد، فأخذ الآباء على أنفسهم أن يكيدوا للوليد، وأخذوا يترقبون حركاته، فنزل به أبو زبيد الشاعر، وكان نصرانياً من أخواله بني تغلب وأسلم على يد الوليد لملازمته أبا زبيد ووجد أبو زينب، وأبو مورّع خير فرصة يغتنمونها، فسافرا إلى المدينة وتقدّما إلى عثمان شاهدين على الوليد بشرب الخمر، وأنهما وجداه يقيء الخمر فقال عثمان: ما يقيء الخمر إلا شاربها، فجيء بالوليد من الكوفة، فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم حدود الله، ويبوء شاهد الزور بالنار، فاصبر يا أخي 2.
ويقول محب الدين الخطيب: وأما الزيادة التي وردت في رواية مسلم من أنه أتى الوليد وقد صلّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم وفي بعض طرق أحمد أنه صلى أربعاً، فلم تثبت في شيء من شهادة الشهود، فهي من كلام حضين الراوي للقصة ولم يكن حضين من الشهود ولم يروها عن شاهد ولاعن إنسان معروف ولا كان في الكوفة وقت الحادث المزعوم، فلا اعتداد بهذا الجزء من كلامه 3.
هذا هو والي عثمان على الكوفة الوليد بن عقبة، المجاهد الفاتح، العادل المظلوم الذي كان منه لأمته كل استطاعه من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منقطعة عن صخب المجتمع وهي تبعد خمسة عشر ميلًا عن بلدة الرّقة
134
97.96
تاريخ الطبري، 277/ 5.
المرجع نفسه، 277/ 5.
العواصم من القواصم، ص
1
2
3 (1/135)
صفحة 136
من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو الناس للإسلام في خلافة عمر 1. وقد اعتزل جميع الحروب التي 1.
كانت أيام علي ومعاوية رضي الله عنهما إلى أن توفي بضيعته ودفن بها في عام 61 هـ وقيل إنه توفي في
أيام معاوية 2.
—
نظرتهم في تولية عثمان لعبد الله بن أبي السرح
درج المؤرخون – في الغالب - إذا ذكروا اسم عبد الله بن أبي السرح، وتوليه عثمان له على ولاية مصر على
أن يقولوا: لقد ولّى عثمان على مصر عبد الله بن أبي سرح
أخاه من الرضاعة. وإيراد أخاه من الرضاعة
مقرونة بالتولية تعتبر إيحاء من بعض المؤرخين باتهام عثمان بن عفان رضي الله عنه،
وأنه لهذه الأخوّة من الرضاعة ولاه مصر وهذا غير صحيح ولكي نردّ على هؤلاء وعلى ما يغمزون به أمير المؤمنين عثمان الله عنه نبين سيرة فارس بني عامر بن لؤي 4.
كان عبد الله في فتحها، ونتيجة ولايته على بعض النواحي أثناء خلافة عمر، فقد كان على صعيد مصر، وكذلك أول خلافة عثمان، مما أهله لأن والياً على مصر، وكذلك أقوال المرشحين لتلك الولاية بعد عمرو بن يصبح العاص، نتيجة لتلك الخبرات و يبدو أن عبدالله بن سعد تمكن من ضبط خراج مصر، حتى زاد ما كان يجمعه من الخراج على ما كان يجمعه عمرو بن العاص قبله، ولعلّ مردّ ذلك إلى اتباع عبدالله لسياسة جديدة في المصروفات، واختلف عن سياسة عمرو بالتالي زادت أموال الخراج المتوفرة في
بن سعد على خبرة ودراية تامة بأحوال مصر ونواحيها نتيجة اشتراكه الشراكة مع جيش عمرو
سعد بن
77
135
المرجع السابق، ص.
94
البداية والنهاية 2168
عثمان بن عفان، المرجع السابق، ص
270
فصل الخطاب في مواقف الأصحاب، المرجع السابق، ص
1
2
3
4 (1/136)
صفحة 137
مصر 1. وكانت له صولات وجولات في فتوح إفريقية وفتح بلاد النوبة. وقد قال عنه الذهبي: ولم يتعد ولا
فعل ما ينقم عليه وكان أحد عقلاء الرّجل وأجوادهم. وقال عنه المقريزي: ومكث أميرا مدة ولاية عثمان ه كلها محمودة في ولايته 4.
رضي الله عنه
وقد اتهم المتمردون الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان بأنه أعطى عبد الله بن سعد بن أبي سرح ما أفاء الله به، ورد عثمان رضى الله عنه على ذلك فقال: "وإنما أعطيته خُمس الخمس وثمان مئة ألف لما فتح أفريقيا، جزاء جهاده، وقد قلت له: إن فتح الله عليك أفريقيا فلك خمس الخمس من الغنيمة نفلا، وقد فعلها قبلي أبو بكر وعمر رضى الله عنهما. ومع ذلك قال لي الجنود المجاهدون: إنا نكره أن نعطيه خمس الخمس، ولا يحق لهم الاعتراض أو الرفض، فأخذت خمس الخمس من أبي سعد وردته عن الجنود، وبذلك لم يأخذ أبي سعد شيئًا أليس كذلك؟ قال الصحابة: اللهم نعم"
511
من
وقد ثبت في (السنة بضم السين السنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد، وقد تولى عبد الله بن أبي
سرح ولاية مصر، وكانت في بداية أمرها هادئة مستقرة إلى أن تمكن مثيرو الفتنة أمثال عبد الله بن
سبأ من الوصول إليها وإثارة الناس فيها، فكان لهم والمتأثرين بهم دور كبير في مقتل عثمان رضى الله عنه، كما أن الأحوال في مصر نفسها اضطربت نتيجة طرد الوالي الشرعي لها، واستيلاء أقوام آخرين على الأمور بطريقة غير شرعية. وقد تمكنوا خلال تلك الفترة من بثّ الكراهية في قلوب الناس على لخليفتهم عثمان نتيجة مكابد قاموا بها وأكاذيب نفقوها ونشروها 7. وعندما وقعت الفتنة بمقتل عثمان
1
الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين عبد العزيز العمري، 180/ 1.
136
فتوح مصر وأخبارها، ص 188
أعلام النبلاء، 3/ 34. سير
الخطط، 1/ 299
تاريخ ا الطبري، 355/ 5 356
فصل الخطاب في موقف الأصحاب ص 84.
4711
الإصابة، رقم
2
3
4
5
6
7 (1/137)
صفحة 138
رضي الله عنه اعتزلها عبد الله سعد وسكن عسقلان أو الرملة في فلسطين، وروى البغوي بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب قال: خرج بن أبي السرح إلى الرملة بفلسطين، فلما كان عند الصبح قال: اللهم اجعل آخر عملي الصبح فتوضأ، فسلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله
روحه 1.
-
ردة الحكم بن أبي عاصم إلى المدينة:
رد عثمان بن عفان على المتمردين في شبهاتهم واتهاماتهم، فقال: "إني رددت الحكم بن أبي العاصي إلى المدينة، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفاه إلى الطائف إنّ الحكم بن العاصي مكيّ، وليس مدنيا وقد سيّره الرسول (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى الطائف، وأعاده الرسول إلى مكة بعد ما رضي عنه، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) سيره إلى الطائف، وهو الذي ردّه وأعاده أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم "نعم
211
وقد اتهم عثمان رضى الله عنه بأن ابن عمه مروان ابن الحكم ورطه وأثار عليه الناس لتنقل الخلافة بعد
ذلك إلى بني أمية، وهذا افتراض لا دليل عليه ولم تنقل الخلافة إلى بني أمية إلا بعد أهوال جسام لم يكن
لمروان فيها دور خطير، ثم إن عثمان لم يكن ضعيف الشخصية حتى يتمكن منه كاتبه إلى الحد الذي
يتصوره الرواة. وما ذكروه من الأكاذيب في كون عثمان أعطى مروان خمس أفريقية فكذب، قال ابن
41
القيم: "أحاديث الوليد وذمّ مروان بن الحكم كذب "4.
137
117
سير أعلام النبلاء، 35/ 3.
الصلابي، عثمان بن عفان، ص 347
حمدي شاهين، الدولة الأموية المفتري عليها، ص
160
ابن قيم الجوزية، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ص
ص
1
2
3
4 (1/138)
صفحة 139
—
عثمان
بن عفان واتهامه بالتبذير من بيت المال:
اتهم عثمان رضى الله عنه من قبل الغوغاء والخوارج بإسرافه في بيت المال، وإعطائه أكثر لأقاربه، وقد ساند هذا الاتهام حملة دعائية باطلة قادها الأعداء ضدّه، وتفسرّت في كتب التاريخ، وتعامل معها بعض
المفكرين والمؤرخين على كونها حقائق وهي باطلة، لم تثبت ثبت لأنها مختلقة، والذي ثبت من إعطاء أقاربه أمور تعدّ من مناقبه لا من المثالب فيه، وذلك لعدة أسباب هي:
أ. إن عثمان رضى الله عنه كان ذا ثروة عظيمة، وكان وصولا بالرحم، يصلهم بصلات وفيرة، فنقم عليه أولئك الأشرار، وقالوا بأنه كان يصلهم من بيت المال وقد أجاب عثمان عن موقفه هذا بقوله وعثمان قد أجاب في موقفه هذا بقوله: وقالوا: إني أحب أهل بيتي، وأعطيهم، فأنا حبي لهم، فإنه لم يمل معهم إلى حور، بل أحمل الحقوق عليهم وأما إعطائهم فإني إنما أعطيتهم من مالي، ولا استحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، وقد كنت أعطى العطية الكبيرة الرعية من صلب مالي زمان رسول الله ()، وأبي بكر وعمر وأنا يومئذ شحيح حريص أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفُني عمري وودعت الذي لي في أهلي فقال الملحدون ما
قالوا؟ 3.
وكان عثمان رضى الله عنه قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ
ببني
أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف فأخذوا مئة ألف وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص، وفي بني الحرب، فهذه النصوص وغيرها ممن اشتهر عنه وما وضح
1
2
3
الغرسي، فصل الخطاب في مواقف الأصحاب، المرجع السابق، ص 82.
جاوزت أعمارهم.
تاريخ الطبري، المرجع السابق، 356/ 5.
الطبري، المرجع السابق، 356/ 5.
138 (1/139)
صفحة 140
من
الأحاديث في فضائله الجمة، تدل على أن كل ما قيل فيه من إسرافه في بيت المال، وإنفاق أكثره
على نفسه، وأقاربه، وقصوره حكايات بدون، زمام ولاخطام، ومع براءة عثمان مما نسب إليه إلا أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن سهم ذوي القربى هو لقرابة الإمام.
قال تقي الدين ابن تيمية: إن سهم ذوي القربى ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لقرابة الأعمام كما قال الحسني وأبو ثور، وأن النبي كان يعطى أقاربه بحكم الولاية، فذوي القربى في حياة النبي ذوي قرباه، وبعد موته هم ذوي قربي من يتولى الأمر بعده، وذلك لأن نصر ولي الأمر والذب عنه متعين وأقاربه ينصرونه، ويذبون عنه ما لا يفعله غيرهم 2
لقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه شديد الحب لأقاربه ولكن ذلك لم يمل به لا يمل إلى غشيان
محرم أو إساءة السيرة والسياسية في أمور المال أو غيرها وإنما دست في كتب التاريخ أكاذيب باطلة
كان خلفها الدعاية السبئية والشيعية الإمامية الظالمة ضد عثمان رضي الله عنه.
وقد روى ابن تيمة رحمه الله على من اتهم عثمان بتفضيله أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، فقال: وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال حتى إذا دفع إلى أربعة نفر من قريش زوجهم بناته بأربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار. مليون دينار. فالجواب يقال: أين النقل الثابت بهذا؟
نعم
م كان يُعطي أقاربه، ويعطي غير أقاربه أيضًا، وكان يحسن إلى جميع المسلمين، وأما عن هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت ثم يقال ثانيًا: هذا من الكذب المبين، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء
1
2
3
فصل الخطاب في مواقف الأصحاب، المرجع السابق، ص 83.
ابن تيمية، منهاج السنة، 187/ 3 - 188.
عثمان
بن عفان، المرجع السابق، ص 130.
139 (1/140)
صفحة 141
الراشدين أعطوا أحدًا ما يقارب هذا المبلغ. وقال عثمان رضى الله عنه: وإني والله ما أخذت
الأخماس ولا غيرها فلسا فما فوقه، وإنني لا أكل إلا من مالي ولا أعطي أهلي إلا من مالي 2.
- اتهام عثمان بتولية صغار السن
من تلك
في استعمال الأحداث، كان لعثمان رضي الله عنه في رسول الله أسوة حسنة، فقد جهز جيشًا لغزو
الروم في آخر حياته، واستعمل عليه أسامة بن زيد رضى الله عنهما، وعندما توفي الرسول (صلى الله عليه وسلم) تمسك
الله عنه بإنفاذ هذا الجيش، ولكن بعض الصحابة رغبوا في تغيير أسامة بقائد أحسن
منه،
الصديق رضي فكلموا عمر في ذلك ليكلم أبا بكر، فغضب أبو بكر لما سمع هذه المقابلة وقال لعمر: أيا عمر استعمله
الصحابة،
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتأمرني أن أعزله، ويجيب عثمان بنفسه على هذه المآخذ أمام الملأ من بقوله: ولم أستعمل إلا مجتمعًا محتلمًا، مرضيًا، وهذا أهل عملهم، فسألوهم عنهم، وهؤلاء أهل بلدهم وقد ولى من قبلي أحدث منهم. وقيل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما قيل لي في استعماله لأسامة أكذلك؟ قالوا: نعم يعيبون للناس مالا يفسرون 4. وكذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه: ولم يولّ ـ أي عثمان: إلا رجلا سويا، وقد ولى رسول الله (عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة.
بهم
أمير
إن الذي يرجع إلى الصحيح المخصص من وقائع التاريخ، ويتبع سيرة الرجال الذين استعان المؤمنين ذو النوريين. رضوان الله عليهم. وما كان الجهادهم من جميل الأثر في تاريخ الدعوة الإسلامية،
140
السنة، المرجع السابق، ص 132
منهاج
الصلابي، عثمان عفان، ص 247 بن
تاريخ الطبري، 416/ 5.
المرجع السابق، 355/ 5.
ابن كثير، البداية والنهاية 178/ 7.
1
2
3
4
5 (1/141)
صفحة 142
بل كان لحسن إدارتهم من عظيم النتائج في هناء الأمة، وسعادتها، فإنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من
الجهر بالإعجاب، والفخر كلما أمعن في دراسة ذلك الدور من أدوار التاريخ الإسلامي.
اتهام عثمان بالتضييق على المسلمين في أرض الحمى
قال عثمان
رضي
الله عنه: وقالوا إني حميت حمى وضيقت على المسلمين وجعلت أرضا واسعة خاصة
لرعي إبلي، ولقد كان الحمى، قبلي لإبل، الصدقة والجهاد، حيث جعل الحمى كل كلل من رسول الله وأبو بكر، وعمر، وأنا زدت فيه لما كثرت إبل الصدقة، والجهاد، ثم لم نمنع ماشية فقراء المسلمين من الرعي في ذلك الحمى، وما حميت لما شيعني ولما وليت الخلافة كنت من أكثر المسلمين إبلا وغنمًا وقد أنفقتها كلها ومالي الآن ثاغبة ولا راغية ولم يبق لي إلا بعيران خصصتهما لحجي، أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم ثم إن ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان في الحمى قد اشتهر بين الصحابة، فلم
ينكر عليهم منكر ويعتبر ذلك إجماعاً، وقد حكى بالإجماع أبي قدامة.
—
اتهام عثمان بمخالفة النبي في صلاة السفر:
قال: وقالوا: إني أتممت الصلاة في السفر، وما أتممها قبلي رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر: لقد اتممت الصلاة لما سافرت من المدينة الى مكة بلد فيه أهلي، فأنا مقيم بين أهلي ولست مسافرًا أليس كذلك؟
فقال الصحابة: اللهم نعم
5
الدين بن الذهبي حاشية المنتقي من منهاج الاعتدال، ص)
1 شمس
2
تاريخ الطبري، 355/ 5 356
3
4
5
390
محمد حسن أبو يحيى، نظام الأراضي في صدور الدولة الإسلامية، ص (
ابن قدامة، المغني، 581/ 5.
عثمان
الصلابي، بن عفان، المرجع السابق، ص 346.
169
141 (1/142)
صفحة 143
إن عثمان رضي
الله عنه في حج عام 29 هـ، وضع ما ضع من إتمام الصلاة في منى وعرفات، شفقة على
ضعفاء المسلمين أن يُفتنوا في دينهم، فقد أبدى لفعله سببًا معقولا حينما سأله عبد الرحمن بن عوف
رضي الله
عنه وعما دعاه إليه فلما أطلعه عثمان رضي الله عنه على وجهه نظره أخذ عبد الرحمن بقوله
وأتم الصلاة بأصحابه، وكذلك صنع عبد الله مسعود، وغيره من جمهور الصحابة، فتابعوه، ولم يخالفوه بن لأنه إمام راشد يجب متابعته فيما لم يخرج عن حدود الشريعة المطهرة، ولو كان فيما جاء به عثمان أدنى شبهة لمخالفة نص شرعي ما أمكن مطلقاً جمهور الصحابة أن يتابعوه.
والذي أبداه عثمان رضي الله عنه في تحاوره مع عبد الرحمن بن عوف، واحتج به لرأيه معقول المعنى، ولو تأمل فيه نظار في أسرار الدين، وحكم الشريعة لرأى أن إتمام الصلاة الذي انتهى إليه رأي عثمان أرجح حينئذ من قصرها، وقد حدث من الأمور ما لم يكن على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعمر، فخاف عثمان أن يفتن الناس في صلاتهم ولا سيما جفاة الأعراب في مضاربهم، ومن بعدت بلادهم وفي أطراف الأرض وقد لا يتصل بهم من أهل العلم من يعلمهم ويرشدهم فأراد عثمان بما صنع هذا الشر المخوف على كثير من ضعفاء المسلمين 2.
وها هو عثمان بن عفان رضي الله عنه يرد على هذه الإتهامات فيقول: وقالوا: إني أتممت الصلاة في
السفر، وما أتممها قبلي رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر: لقد اتممت الصلاة لما سافرت من المدينة الى
مكة بلد فيه أهلي، فأنا مقيم بين أهلي ولست مسافرًا أليس كذلك؟ فقال الصحابة: اللهم نعم
3
142
صادق عرجون، عثمان بن عفان، ص 192.
عثمان عفان، المرجع السابق، ص بن
الصلابي،
الصلابي،
عثمان
143
بن عفان، المرجع السابق، ص 346.
1
2
3 (1/143)
صفحة 144
وقد بالغ عثمان الله عنه في إبعاد الشبهة عن نفسه فقال: إنه اتخذ بمكة أهلًا، وله بالطائف مال
رضي
ربما نظر إليه، وأقام فيه بعد انتهاء الموسم، فيكون حينئذ مقيمًا، ففرضه الإتمام، وذلك منه رضي الله عنه من دقيق النظر في الدين وفهم الأسرار وحكمه. وقد رأى جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر منهم عائشة وعثمان وسلمان وأربعة عشر من أصحاب الرسول الله، فعثمان رضي الله عنه لم يوجب القصر في السفر، وإنما كان يتجه كما رآه فقهاء المدينة ومالك والشافعى وغيرهما، ثم إنها مسألة اجتهادية ولذلك اختلف فيها العلماء، فقوله لا يوجب تكفيراً ولا تفسيقًا، وأما قول ابن مسعود رضي الله عنه: الخلاف شر. وفي رواية: إني أكره الخلاف، ففيه ترشيد لنا وتذكير على استحباب الخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد، ويحسن بالمسلم أن يستحضرها، ويحاول أن يقلل الخوض والجدال في الفروع المختلف فيها إذ الظروف المحيطة بنا لا تساعدنا على إضاعة مزيد من الوقت الثمين في الجدل والخلاف
عما يجب أن نفعله لمواجهة التحديات الخطيرة، كما أن من فعل ابن مسعود، وابن عوف رضي
الله
عنهما من الصلاة خلف عثمان بيانًا لحرص الصحابة على الإجماع والوحدة وهذا خلق عظيم من أخلاق
النصر 3
اتمام عثمان بتحريف القرآن
هذه الرواية تبين الباعث على جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه، فعن أنس
مالك رضي
الله
عنه: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين
1
ص
عثمان عفان، صادق عرجون المرجع السابق. بن
2 الأصبهاني، الإمامة والرد على الرافضة، ص 312.
3
عثمان
بن عفان، المرجع نفسه، ص 144.
194
143 (1/144)
صفحة 145
أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن
أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردُّها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد
بن ثابت، وعبد
الله
بن الزبير، وسعد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله
عنهم
فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرّهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء
من القرآن، فاكتبوه بلسان، قريش فإنما نزل، بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف،
ردّ عثمان رضي الله
عنه الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه
من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
لقد
جمع الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه المهاجرين والأنصار وشاورهم في الأمر، ومنهم أعيان
الأمة وأعلام الأمة، وكبار الصحابة وفي طليعتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعرض عثمان رضي الله عنه هذه المعضلة على صفوة الأمة، وقادتها الهادين المهديين، ودَارَسَهم أمرها ودارسوه، وناقشهم فيها وناقشوه، حتى عرف رأيهم وعرضوا رأيه فأجابوه إلى رأيه في صراحة لا تجعل للريب إلى قلوب المؤمنين لهم مخالف، ولا عرف عن أحد نكير، وليس شأن القرآن الذي يخفي على آحاد الأمة فضلا عن علمائها
وأئمتها البارزين 2.
إن عثمان رضي الله عنه
لم يبتدع في جمعه للمصحف، بل سبقه إلى ذلك أبو بكر الصديق رضي الله
عنه، كما أنه لم يضع ذلك من قبل نفسه إنما فعله عن مشورة للصحابة رضي الله عنهم، وأعجبهم هذا الفعل. وقالوا: نعم ما رأيت وقالوا نعم ما رأيت وقالوا: أيضًا قد أحسن رأي في فعله في المصاحف 3.
1
2
3
البخاري، فضائل القرآن، رقم
4987
صادق عرجون، عثمان عفان، المرجع السابق، ص 175. بن
محمد بن عبد الله الغبان فتنة مقتل عثمان، 78/ 1.
144 (1/145)
صفحة 146
وقد أدرك مصعب سعد صحابة النبي حين مشق عثمان رضي الله عنه المصاحف فرآهم قد أعجبوا بهذا الفعل منه
الله عنه
كان علي رضي ينهي من على عثمان
رضي الله عنه بذلك، ويقول: يا أيها الناس لا تغلوا
في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل أي في المصاحف – إلا عن ملأ منا جميعًا،
أي: الصحابة ووالله لو وليت، لفعلت مثل الذي فعل
وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خيرة الخلق على هذا الأمر المبارك، يتبين لكل متجرد عن الهوى: أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنيع الذي صنعه عثمان رضي الله عنه، وحفظ به القرآن الكريم. فقد قال القرطبي في التفسير: وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك، فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت من القراءة المشهورة عن النبي واطراح ما سواها واستوصوا رأيه، وكان رأيا سديداً موفقاً.
وفي جلسة المصارحة والمكاشفة التي قام بها عثمان رضي الله عنه في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
رضي
مع
المتمردين
على مرأى ومسمع من الصحابة، وعرضوا الأخطاء التي ارتكبها عثمان على حد زعمهم وقام عثمان الله عنه بالبيان والإيضاح، وقدم حججه وأدلته فيما فعل والمسلمون المنصفون يسمعون هذه المصارحة، والمحاسبة والمكاشفة، وأورد عثمان ما أخذوه عليه، ثم بيّن حقيقة الأمر، ودافع عن حسن فعله، وأشهد معه الصحابة والجالسين في المسجد، ومن ضمنها تهمة حرق القرآن فقال: وقالوا: إني
145
مشق في الكتابة؛ أي مد حروفها وجودها.
البخاري، التاريخ الصغير، 94/ 1. فتح الباري، 18/ 9 اسناده صحيح
فتنة مقتل عثمان، 78/ 8. الجامع لأحكام القرآن، 88/ 1.
1
2
3
4
5 (1/146)
صفحة 147
أبقيت نسخة واحدة من المصاحف، وحرقت ما سواها، وجمعت الناس على مصحف واحد ألا إن
القران كلام الله من عند الله، هو واحدٌ ولم أفعل سوى أن جمعت المسلمين على القرآن، أليس كذلك؟
فقال الصحابة: اللهم نعم.
—
اتهام عثمان بأنه أنقص أهل بدر من عطاياهم:
إن ما جاء في الرسالة المنسوبة إلى عبد الله بن إباض، والتي أرسلها إلى عبد الملك بن مروان: بأن عثمان
منعه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضي
الله عنه وأنقص أهل بدر من عطاياهم
ألف ألف وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله. وهذا كلام عاري عن الصحة دون دليل ولا
برهان، وإنما جزء من حملات التشويه التي قام بها المتمردون وردّدها غيرهم فيما بعد:
الخطاب رضي
الله
"وقد استمر نظام الأغطيات في عهد عثمان رضي الله عنه كما كان في عهد عمر بن عنه، فقد اعتمد السابقة في الدين أساساً للعطاء، وكتب بذلك لوليه على الكوفة بقوله: أما بعد ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا له، إلا أن يكونوا تثاقلوا على الحق، وتركوا القيام به، وقام هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس يصاب بها العدل " 3.
وحين اتسعت الفتوحات الاسلامية في عهده كثرت موارد الدولة المالية مما أدى بالخليفة عثمان رضي الله عنه أن يتخذ له الخزائن، فانعكس بذلك دوره على العطاء، فزاد في أرزاق الجند بمقدار 100 درهم لكل منهم، فهو أول خليفة زاد الناس في العطاء واستنّ به الخلفاء من بعده في الزيادة 4.
1
الصلابي، عثمان بن عفان، ص 346.
2 نشأة الحركة الإباضية، ص 255.
3
4
تاريخ الطبري، المرجع السابق
المرجع السابق، 245/ 5.
280/ 5
146 (1/147)
صفحة 148
—
عثمان لم يحضر بدرًا وانهزم في أحد وغاب عن بيعة الرضوان:
فمن جملة الحملات الدعائية التي شنها الأعداء وأصحاب الفتن على عثمان رضي الله عنه:
أ. لم يحضر بدرا
لم ليكن عثمان بن
عفان رضي
الله
عنه ممن تخلفوا عن بدر، لتقاعس منه أو هروب ينشده كما يزعم
لأَن
أصحاب الأهواء ممن طعن عليه بتغيبه عن بدر، فهو لم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم
الفضل الَّذِي حازه أهل بدر في شُهُود بدر طَاعَة الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ومتابعته، حازه
عثمان رضي
الله عنه، حيث خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم فرده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِيَام على ابنته، فكان من أجل فرض لطاعته لرَسُول الله بتخلفه عن بدر، وقد ضرب له بسهمه وأجره، فشاركهم فِي الْغَنِيمَة وَالْفضل وَالْأَجْر لطاعته الله وَرَسُوله وانقياده لهما. 1
فعن عثمان عبد الله بن بن موهب قال: جاء رجل من مصر حجّ البيت فقال: يا بن عمر: إني سائلك عن شيء فحدثني أنشدك الله بحرمة هذا البيت هل تعلم أن عثمان تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ فقال: نعم! ولكن أما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي السيد رقية، فمرضت رضي الله عنها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لك أجرَ رجل شهد بدرًا وسهمه" 2. وهنا يروي أبي وائل
عثمان
عفان
عن
بن
رضي
الله.
عنه
أنه قال: أما يوم بدر فقد تخلفت على بنت رسول الله، وقد ضرب
1 الأصبهاني، الإمامة والرد على الرافضة، ص 302.
2
البخاري، رقم:
3698
147 (1/148)
صفحة 149
رسول الله لي فيها سهم، وقال زائدة في حديثه ومن ضرب له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيها بسهم، فقد شهد وقد عُدّ عثمان رضي الله عنه من البدريين بالاتفاق 2.
ب. انهزام عثمان في غزة أحد:
بعدما كرّ خالد بن الوليد ومعه عكرمة بن أبي جهل وقتل بقية الرماة ومعهم أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه الذي ثبت هو وطائفة قليلة معه، وفي غفلة من المسلمين وأثناء انشغالهم بالغنائم أطبق
خالد
من
ومن معه
عليهم، فأعملوا فيهم القتل، فاضطرب أمر المسلمين اضطرابًا شديدًا، وانهزمت طائفة المسلمين إلى قرب المدينة منهم عثمان بن عفان، ولم يرجعوا حتى انفضّ القتال، وفرقة صاروا حيارى
لما سمعوا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد قتل، وفرقة ثبتت مع النبي (صلى الله عليه وسلم). وأما الفرقة التي انهزمت وفرت، فلقد أنزل الله فيها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَكَّمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضٍ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].
عنه
غير أن أصحاب الأهواء لا يرون إلا ما تهوى أنفسهم فلم يروا من المتراجعين، إلا عثمان رضي الله كانوا يتهمونه دون سائر المتراجعين من الصحابة وهل يبقى وحده؟ ولو فعل الخاطر بنفسه. وبعد أن عفا الله عن المتراجعين، فالحكم واضح جلي، لا بأس فيه ولا غموض، فلا مؤاخذة بعد ذلك على عثمان رضي الله عنه، فيكفي أن الله عفا عنه بنص القرآن الكريم، وحياته الجهادية بمجموعها تشهد له على
شجاعته.
1 الإمامة والرد على الرافضة، ص
2
304
صادق، عرجون عثمان بن عفان، المرجع السابق، ص 47.
3 الأمين ذو النورين، ص 131.
4
5
ذو النورين مع النبي، ص 32.
عثمان
الصلابي، بن عفان، المرجع السابق، ص 32.
148 (1/149)
صفحة 150
ج. غياب عثمان عن بيعة الرضوان:
اتهم عثمان ظلما، بأنه لم يبايع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيعة الرضوان، وكان متغيبًا عنها في مهمة كلفه بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لإيصال رسالته إلى قريش ودعوتها إلى الله والإسلام، وبيان هدف النبي (صلى الله عليه وسلم) من المجيء. فهذه من الاتهامات الباطلة التي ألصقت بالخليفة الراشدي الرابع في أحضان فتنة أريد بها تفويض أركان الخلافة خاصة 1.
وعن أنس قال: لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان بعثة رسول الله إلى أهل مكة، فبايعه الناس، فقال: إن عثمان في حاجة الله وحاجة، رسوله، فضرب بإحدى يديه على الأرض، فكانت يد رسول الله (لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
معاملة عثمان لبعض الصحابة
أ علاقة عثمان بأبي ذر الغفاري رضي
الله عنه:
إن مبغضي عثمان رضي الله عنه كانوا يشنّعون عليه أنّه نفى أبا ذر رضي الله عنه إلى الربذة، وكل ما
قيل في قصة أبي ذر رضي الله عنه مما يشنّع به على عثمان بن عفان، باطل لا يُبنى على رواية صحيحة.
والصحيح أن أبا ذر رضي الله عنه
نزل الربذة باختياره، وأن ذلك كان بسبب اجتهاد أبي ذر في فهم آية
خالف فيها الصحابة وأصرّ على رأيه فلم يوافقه أحد عليه، فطلب أن ينزل بالربذة، والتي كان يغدو
149
ص
32
ذو النورين مع النبي صلى الله عليه وسلم. السلف الصالحين، 181/ 1 إسناده ضعيف. سير
كانت منزلا في الطريق بين العراق ومكة.
1
2
3 (1/150)
صفحة 151
إليها زمن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يكن نزوله بها نفيًا قسريًا أو إقامة جبرية، ولم يأمره الخليفة بالرجوع عن رأيه،
لأن له وجهًا، مقبولًا، لكنه لا يجب على المسلمين الأخذ به 1.
إن أصح ما روي في قصة أبي ذر رضي الله عنه ما رواه البخاري في صحيحه عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشّام، فاختلفت أنا ومعاوية في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَليم [التوبة: 34] قال معاوية نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك. وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأن لم يرون قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت فكنت قريبًا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليّ حبشيًا لسمعت وأطعت 2. وقد أشار هذا الأثر إلى أمور مهمة:
سأله زيد بن وهب، ليتحقق مما أشاعه مُبغِضُو عثمان: هل نفاه عثمان، أو اختار أبو ذر المكان؟ فجاء سياق الكلام أنه خرج بعد أن كثر الناس عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام، وليس في نص الحديث: أن عثمان أمره بالذهاب إلى الربذة، بل اختارها بنفسه، ويؤيد هذا ما ذكر ابن حجر عن عبد الله ابن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر على عثمان، فحسر
رأسه، فقال: والله ما أنا منهم –يعني الخوارج فقال: إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة فقال:
3
لا حاجة لي في ذلك ائذن لي بالربذة، قال: نعم.
150
المدينة المنورة فجر الإسلام، 2/ 217
البخاري، كتاب الزكاة، رقم 1406.
فتح الباري، 274/ 3.
1
2
3 (1/151)
صفحة 152
قوله كنت بالشام بين السبب في سكناه الشام ما أخرجه أبو يعلى عن طريق زيد بن وهب:
حدثني أبو ذرّ، قال: قال لي رسول الله (): إذ بلغ البناء أي المدينة-سَلعًا، فارتحل إلى
الشام. فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام، فسكنت بها. وفي رواية: قالت أم ذرّ والله ما سيّر عثمان أبا ذر تعني إلى الربّذة ولكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إذا بلغ البناء سلعاً، فاخرج
منها.
إن الحقيقة التاريخية تقول: إن عثمان رضي الله عنه لم ينف أبا ذر رضي الله عنه، إنما استأذنه، فأذن له، ولكن أعداء عثمان رضي الله عنه كانوا يشيعون عليه بأنه نفاه، لذلك لما سأل غالب القطان الحسن البصري: عثمان أخرج أبا ذر؟ قال الحسني: لا معاذ الله.
إن كل ما روي في أن عثمان نفاه إلى الربذة فإنه ضعيف الإسناد لا يخلو من علة قادحة مع ما في متنه من نكارة لمخالفته المرويات الصحيحة والحسنة، والتي تبين أن أبا ذر استأذن للخروج إلى الربذة وأن عثمان أذن له،، بل إن عثمان أرسل يطلبه من الشام ليجاوره بالمدينة، فقد قال له عندما قدم من الشام: إنا أرسلنا إليك لخير، لتجاورنا بالمدينة. وقال له: كن عندي، تغدو عليك، وتروح اللقاح أفمن يقول ذلك له ينفيه؟؟.
ولم تنص على نفيه إلا رواية رواها ابن سعد، وفيها بريدة بن سفيان الأسلمي، الذي قال عنه الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي وفيه رفض، فهل تقبل رواية رافضي تتعارض مع الروايات الصحيحة والحسنة؟
151
المدينة المنورة فجر الإسلام، المرجع السابق، 219/ 2.
سير
ابن
أعلام النبلاء، 72/ 2 إسناده صحيح شبهة، تاريخ المدينة، ص 1037. إسناده صحيح
فتنة مقتل عثمان، 110/ 1.
تاريخ المدينة، ص 1036 - 1037. إسناده صحيح
فتنة مقتل عثمان 111/ 1
1
2
3
4
5
6 (1/152)
صفحة 153
وقد استغل الشيعة هذه الحادثة أبشع، استغلال فأشاعوا أن عثمان رضي الله عنه نفى أبا ذر إلى الربذة،
وعاب عثمان رضي الله عنه بذلك ابن المطهر الحلي الشيعي المتوفى سنة 726 هـ، بل زاد: أن عثمان رضي الله عنه ضرب أبا ذر ضرباً وجيعاً وأن ذلك مما عيب عليه من قبل الخارجين عليه، أو سؤغوا الخروج عليه. وعاب عثمان رضي الله عنه بذلك ابن المظهر الحلي الشيعي المتوفي سنة 726 هـ، بل زاد: أن عثمان رضي الله عنه ضرب أبا ذر ضربًا وجيعا.
وقد ردَّ عليه ابن تيمية ردًا جامعًا قويًا 3. وكان سلف هذه الأمة يعلمون هذه الحقيقة وكان ابن سيرين إذا ذكر له: أن عثمان رضي الله عنه سير أبا ذر أخذه أمر عظيم، ويقول: هو خرج من نفسه، ولم عثمان. وكما تقدم في الرواية صحيحة الإسناد: أن أبا ذر رضي الله عنه
يسيّره
لما رأى كثرة الناس عليه خشي الفتنة، فذكر ذلك لعثمان كأنه يستأذنه في الخروج، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن شئت تنحيت فكنت قريباً. وبعد وفاة أبي ذر نعوه إلى عثمان رضي الله عنهما وأخبروه الخبر فقال: يرحم الله أبا ذر ويغفر له نزوله بالربذة، ولما صدر من مكة، خرج فأخذ طريق الرّبذة، فضم عياله إلى عياله وتوجه نحو المدينة، وتوجه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه راوي الخبر ومن معه إلى العراق.
ب. علاقة عثمان بعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما:
إن مؤرخي الشيعة زوروا روايات وتأثر بها بعض المؤرخين ونسبوها لابن مسعود، وموقفه من
عثمان رضي
الله عنهم، وأظهروا في تلك الأكاذيب الصحابة قومًا متنازعين ومتباغضين ومتعنتين ومتفاحشين في
152
فتنة مقتل عثمان، المرجع السابق، 111/ 1.
منهاج السنة لابن تيمية، 183/ 6. منهاج السنة، المرجع السابق، 271/ 6.
تاريخ المدينة، 1037. إسناده صحيح.
البخاري، رقم
1406
تاريخ الطبري، المرجع السابق، 314/ 5.
1
2
3
4
5
6 (1/153)
صفحة 154
القول، وهي روايات ساقطة لا تثبت أمام النقد الهادي الموضوعي، ويرفضها الذوق المؤمن والعقل الفطن. وقد زعم بعضهم كذبا وزورًا بأن ابن مسعود كان يطغى على عثمان ويكفره. ولما حكم عثمان، ضربه حتى مات، وهذا كذب بين على ابن مسعود، فإن علماء النقل يعلمون أن ابن مسعود ما كان يُكفّر عثمان، إذ عندما بويع. عثمان بالخلاقة صار عبد الله بن مسعود من المدينة إلى الكوفة، ولما وصل إليها،
حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات – فلم نر يومًا أكثر نشيجا
1
من يومئذ-وإنا اجتمعنا بأصحاب محمد، فلم نأل عن خيرنا ذي فُوق، فبايعنا أمير المؤمنين عثمان، وبايعوه 2.
هذه الكلمات الواضحات أكبر دليل على تلك المكانة الرفيعة لعثمان بن عفان في قلب ابن مسعود،
وعند جميع الصحابة. وأما ما
428
زعم الشيعة ومن سار على نهجهم من أن عثمان ضرب ابن مسعود،
ومنعه عطاءه، فزور. فلا وجهة للشيعة ولا غيرهم بالطعن في عثمان بقصة ابن مسعود هذه، فإنه لم يضربه عثمان ولم يمنعه عطاءه. وإنما كان يعرف له قدره ومكانته كمان كان ابن مسعود شديد الالتزام
بطاعة إمامه، الذي بايع له، وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة 5.
ج. علاقة عثمان مع عمار بن ياسر رضي الله عنهما:
جاء في الروايات التاريخية التي تحمل في طياتها غنا وسمينا أن هناك خلافا بين عمار وعثمان رضي الله
عنهما، وقد خطم بعضهما بأسانيد، وأخرى لا خطام لها ولا زمام، ولم أجد من أغنى فيه بحثا وتحليلا،
153
معني
ذي فوق: أي إنه خيرنا سهماً تاماً في الإسلام والسابقة والفضل.
طبقات ابن سعد، 63/ 3.
الصلابي،
عثمان عفان، ص 221. بن
العواصم من القواصم، ص
63
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، 1066/ 3.
1
2
3
4 (1/154)
صفحة 155
إلا لماما والتعرض لمثل هذا الموضوع الذي يمس كرامة أطهر خلق الله، وأحبّهم إليه، وإلى نبيه، لا يمكن
معه الاعتماد على روايات تسرح في أعراض الصحابة كما تشاء، وتمرح من غير زمام، أو خطام، ومن
التهم التي ساقتها الروايات الضعيفة:
د. ضرب عمار بن ياسر
تعتبر الروايات التي تحدثت عن ضرب عثمان لعمار من أشهر الروايات في هذا الموضوع وأكثرها، ولقد تفنّن، واضعوها في ذكر الأساليب التي استخدمها عثمان رضي الله عنه بالضرب، وفي ذكر ما نتج عنه، وهي مع فساد أسانيدها تعمل نكارة شديدة في متونها، يقول القاضي أبو بكر بن العربي في عواصمه ضمن تفنيده لما نسب إلى عثمان رضي الله عنه من افتراءات، وأما ضربه لابن مسعود رضي الله عنه ومنعه عطاءه فزور، وضربه لعمّار رضي الله عنه افك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش وقد اعتذر عن ذلك ينبغي أن يشتغل بها. لأنها مبنيّة على باطل، ولا يبنى حق على باطل، ولا تذهب
العلماء
لا بوجوه
الزمان في مماشاة الجهّال، فإن ذلك لا آخر له
إن أخلاق عثمان رضي الله عنه في سنّه وإيمانه وحيائه ولين عريكته ورقة طبعه وسابقته، وجليل مكانته في الإسلام، أجل من أن تنزل بعد إلى هذا الدرك من التصرف مع رجل من أجلاء أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) يعرف له عثمان سابقته وفضله، مهما كان بينهما من اختلاف في الرأي، أفيرضى عثمان لنفسه، وهو الذي أبى على الناس أن يقاتلوا دونه ورضى بالموت صابرًا محتسبًا حقنًا لدماء المسلمين واتقاء لفتنة العامة وهو أعلم بسابقته وفضله في الإسلام ما ذكر في الروايات المزعومة بأنه أمر غلمانه بأن يضربوه حتى
1 أسامة أحمد سلطان، عمار بن ياسر، ص 122.
2
3
المرجع السابق، ص 122.
العواصم من القواصم، ص. صـ ص 82 - 84.
154 (1/155)
صفحة 156
أغمي
عليه ثم يقوم عثمان في هذه الحال فيطأه في بطنه. ثم هل ترضى أخلاق عثمان وحياؤه، بأن يدعو بدعوة الجاهلية، فيعيّر عثمان بأمه سمية، وهي من أهل السابقة والفضل وعثمان يعرف شرف انتساب عمار إلى أمه سمية رضي الله عنهما، أول شهيدة في الاسلام؟ كلا إن الأخبار الصحيحة والموثوقة لا يوجد فيها ما يدني عثمان رضي الله عنه من هذا الأسلوب الدنيء في الزجر، والتأدب علاوة على أن أخلاقه وطبيعته، وسيرته تستبعد ذلك تمامًا ومما لا شك فيه أن عرض أمثال تلك الروايات على ما عرف من مواقف، وأخلاق أولئك الأئمة الأعلام، والأخذ بالاعتبار مقاييس ذلك العصر ومعاييره لهو أصدق ميزان في النقد لكشف دخائل الوضاعين والمفتريين 1.
هـ. اتهام عمار بن ياسر بالمساهمة في الفتنة ضد عثمان:
اعتمد المؤرخون في نسبة هذه الافتراءات إلى عمار رضي
الله
عنه
على روايات لم تسلم إحداها من الطعن
في صحة أسانيدها، أو في استقامة متونها، وتنوع التهم المنسوبة إلى عمار رضي الله عنه في تحريكه لأمر
الفتنة، وتحريضه على عثمان وسعيه بين العامة للتمرد عليه، فمنها ما ذكر من إرسال عثمان رضي
عنه
له إلى
مصر
الله
لاستجلاء ما يحدث فيها مما نقل إليه عن تمرد العامة هناك، أن السبئيين استطاعوا
استقطاب عمار، والتأثير عليه، وهذا الخبر يرويه الطبري 2. ورواية شعيب بن إبراهيم التميمي الكوفي الذي قال: ليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة، وفيها ما فيها من تحامل على السلف، ورواه عمر بن شبه في تاريخ المدينة وفيه شيخ عمر: علي بن عاصم قال عنه ابن المديني: كان علي بن عاصم كثير الغلط، وإذ ردّ عليه لم يرجع وكان معروفًا بالحديث ويروي أحديث منكرة. وقال يحيى بن
1
2
3
الخليفة المفترى عليه عثمان بن عفان، ص 41 - 14. وانظر: عمار بن ياسر، ص 137.
تاريخ الطبري، 348/ 5. أعلام النبلاء، 253/ 9. سير
155 (1/156)
صفحة 157
معين: ليس بشيء، وقال مرة: كذاب ليس بشيء 2. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال البخاري:
ليس بالقوي عندهم يتكلمون فيه وهناك من تلطف بالكلام عليه، وقال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ، ويصر، ورمي بالتشيع وخبر هذا حال إسناده لا يمكن الاطمئنان إليه، لا سيما ما عرف عن عمار رضي الله عنه من الورع الذي يربأ به الانغماس في مثل تلك الأوحال التي ما عهدنا مرتداً لها إلا سبئيا يهوديًا حاقد، ومعاذ الله أن يصل الحال بصحابي من صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى هذا المستوى. يقول
خالد الغيث: وهذا الخبر يعارضه ما ثبت من عدالة الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا فضلا عن عدم وروده من طريق
من
ومن الروايات الباطلة هذا الباب نسب إلى سعيد بن المسبب، وفيها أن الصحابة بمجملهم نقموا على عثمان رضي الله عنه مع من نقموا وحنقوا عليه وخاصة أبا ذر وابن مسعود، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم وآفة هذه الرواية: أنّ فيها تدليسا ليس من النوع الممكن إقراره، والتجاوز عنه، فقد
أسقط منها، راو متهم بالوضع والكذب، وهو إسماعيل بن يحي بن عبيد الله، ولذلك جاء تضعيف
علماء الحديث لهذه الرواية وبيان زيفها عند ترجمتهم لمحمد بن عيسى ابن سميع راوي الخبر عن ابن أبي
8
ذئب ويقول الدكتور يوسف العش: "الرواية المنسوبة إلى سعيد بن المسبب يجب استعبادها، فهي بعد
التحري تظهر موضوعة، فقد نص الحاكم النيسايوري أن أحد رجال سندها قد أسقط من السند رجلًا
156
المرجع السابق، 255/ 9.
المرجع السابق 257/ 9.
المرجع السابق 255/ 9
المرجع السابق، 255/ 9.
تقريب التهذيب،، ص 403.
استشهاد عثمان ووقعة الجمل، ص 86.
عمار بن ياسر، ص 144.
392
الصلابي، عثمان بن عفان، ص
1
2
3
4
5
6
7
8 (1/157)
صفحة 158
واهيًا، وأنها منكرة، والواقع أنها لا تنبئ عن الاحترام الذي يكنه سعيد بن المسبب للصحابة في أقواله
الأخرى الصحيحة" 1.
و براءة عمار من دم.
عثمان
رضي الله عنهما:
مما يروي في ذلك اتهام، مسروق، وأبي موسى رضي الله عنهما لعمار بذلك عند قدومه مع الحسن لاستنفار أهل الكوفة، وهذه الرواية قد وهي إسنادها بشعيب المجهول وسيف المعلول، كما أن الرواية التي في صحيح البخاري لا تذكر شيئًا من ذلك فزيادتها لا تحتمل القبول، لا سيما مع طعنها في صحابي مثل عمار ابن ياسر المجار المجاور على لسان النبي () - من الشيطان 2، والمليء إلى المشاش من الإيمان 3
وقد بين العلماء بطلان مثل هذا الاتهام الذي لم يختص بعمار فحسب، بل تعداه إلى مجموعة أخرى من أجلة الصحابة بقول ابن كثير: أما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضى بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة بل كلهم كرهه ومقته، وسب من فعله.
—
اتهام عثمان بإقطاع الأراضي الخاصته:
وطعن في عثمان رضي الله عنه من قبل المتمردين بسبب أعطيات الأراضي المفتوحة، وقد قال عثمان رضى الله عنه وقالوا: إني أعطيت الأرض المفتوحة لرجال معينين وإن هذه الأرضيين المفتوحة قد اشترك في فتحها المهاجرون والأنصار وغيرهم من المهاجرين، ولما قسمت هذه الأراضى على المجاهدين المجاهدون
157
الدولة الأموية، ص 39.
البخاري، رقم 3743.
عمار بن ياسر، ص 147. كثير، البداية والنهاية 207/ 7
ابن
1
2
3
4 (1/158)
صفحة 159
الفاتحين، منهم من أقام بها واستقر فيها ومنهم من رجع إلى أهله في المدينة، أو غيرها، وبقيت تلك
الأراضي
ملكا له، وقد باع بعضهم تلك الأراضي، وكان ثمنها في أيديهم.
لقد سار عثمان رضي الله عنه على منهج أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الإقطاع وتوسع وتوسيع في ذلك وخاصة في المناطق المفتوحة، حيث ترك عدد من الملاك أراضيهم فارّين، فصارت صوافي تقوم الدولة باستثمارها، فأقطع عثمان رضي الله عنه منهما خوفًا من بوارها 2.
وساهمت سياسة عثمان في إقطاع الأراضي في زيادة موارد بيت مال المسلمين، بما يؤديه الجميع من زكاة على أموالهم إذا توفرت شروطها، وقد نجح مشروع عثمان في اقتطاع الأرض، بدليل زيادة إيراد الدولة من أملاكها الخاصة في العراق، إذ بلغت خمسين ألف ألف درهم بعد ان كانت 900000 درهم في عهد عمر الفاروق 3.
- توسيع المسجد النبوي والمسجد الحرام
إن الدعاوي التي روجت ضد الخليفة المفترى عليه عثمان وطعنوه بها يمكننا تصنيفها إلى مجموعات خمس:
- مواقف شخصية له قبل توليه الخلافة تغيبه عن بعض الغزوات والمواقع".
سياسته المالية في الأعطيات.
سياسته الإدارية النافذة تولية أقربائه طريقته في التولية.
معاملته لبعض الصحابة: عمار، أبي ذرّ، ابن مسعود
158
الصلابي،
عثمان
عفان، المرجع السابق، ص 347. بن
العمري، عصر الخلافة الراشدة، ص 223.
السياسة المالية، عثمان بن عفان، ص 118.
1
2
3 (1/159)
صفحة 160
اجتهادات خاصة به أو بمصلحة الأمة: إتمام الصلاة بمنى وجمع القرآن، والزيادة في المسجد.
وقد بينت مواقف عثمان من كل ما وجه إليه فيما سبق، ولم يبق إلا الزيادة في المسجد.
ي تمويل إعادة بناء المسجد النبوي من بيت المال
كلم الناس عثمان بن عفان أول ما تولى الخلافة أن يزيد في مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وإذ كان يضيق بالناس في صلاة الجمعة بسبب امتداد الفتح وزيادة سكان المدينة زيادة عظيمة، فاستشار عثمان أهل الرأي، فأجمعوا على المسجد، وبنائه، وتوسيعه، فصلى عثمان الظهر بالناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأزيد فيه وأشهد أني سمعت رسول الله يقول من بنى مسجداً، بنى الله له بيناً في الجنة وكان لي فيه، وإمام سبقني وتقدمني الخطاب وكان لي فيه إمام سبقني وتقدمني هو عمر بن الخطاب، وكان قد زاد فيه وبناه، وقد
عمر
بن
شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله، فاجمعوا على هدمه، وبنائه، وتوسيعه، فحسن الناس يومئذ
ذلك، ودعوا له، فأصبح، فدى العمال وباشر ذلك بنفسه.
أأ. تمويل توسعة المسجد الحرام من بيت المال
كانت الكعبة أيّام الرسول صلى الله عليه سلم قائمة وليس حولها إلا فناء ضيق يصلى الناس فيه. وظل
المسجد الحرام كذلك في خلافة أبي بكر، وفي عهد عمر وسّع المسجد، فاشترى دورًا حول الكعبة وهدمها، وأدخلها في بيت الله الحرام، وأحاط بجدار قصير، وأدخل إنارة المسجد ليلًا، وذلك لأن المسجد
ضاق بالحجاج الذين يأتون لأداء فريضة الحج بعد أن امتدت فتوحات الإسلام، ودخل الناس في دين
159
434. إسناده صحيح. البداية والنهاية، المرجع السابق، 60/ 7.
المسند، رقم.
ابن
كثير،
1
2 (1/160)
صفحة 161
الله أفواجًا، فلما ضاق المسجد ثانية في عهد عثمان احتذى بمثل عمر، وأضاف إلى الكعبة دورًا
اشتراها، وأحاطها بجدار قصير لا يرتفع إلى قامة الرجل كما فعل عمر من قبل.
—
اتهام عثمان بنكث العهد مع
المتمردين:
في رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان، والتي ذكرت بعض المراجع الإباضة جاء فيها:
"وعلم المسلمون أن طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض واجتمعوا إليه ملأ من المهاجرين والأنصار وعلمة أزواج النبي () فزعم أنه يعرف الذي يقولون وأنه يتوب إلى الله عز وجل منه ويراجع الحق، فقلبوا الذي أتاهم به من الاعتراف بالذنب والتوبة إلى الله عز وجل ومراجعة الحق وكان حقًا على الإسلام إذا لقوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق، فلما تفرقوا عنه نكت الذي عاهدهم عليه وعاد إلى أعظم من الذي تاب منه، فكتب إلى عماله في إدبارهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فلما ظهر المؤمنون على كتابه ونكته العهود رجعوا إليه وقتلوه بحكم الله " 2.
هذا الخطاب المنسوب إلى عبد الله بن إباض افتقد للعلم الصحيح والإنصاف الرباني، وتورط في روايات موضوعة من خصوم عثمان رضي الله عنه، كما تعرض الإباضيون من حملة افتراء وكذب وتزوير من خصومهم، كما أن الكثير من علماء الإباضية يكنون الاحترام والتقدير ويحتفظون بمكانة عثمان وفضله وسبقه، كالشيخ علي يحيى معمر، وأبو مهدي عيسى بن إسماعيل شيخ العزابة في حينه، وأبو حفص عمرو بن عيسى التندميري ومحمد بن أبي القاسم المصعبي وأبو اسحاق إبراهيم طفيش والثعاريتي وقد مر معنا أقواهم في محلها بالتفصيل وغيرهم من العلماء الفضلاء ومما يجب التنبيه إليه: لا يصلح
أن ننتقد
1
2
تاريخ الطبري، 250/ 5.
نشأة الحركة الإباضية، ص 257.
160 (1/161)
صفحة 162
الجماعة لخطأ وقع فيه بعض ينتمي إليها حتى لو كان هذا الخطأ صدر من رئيسها، إذ ليست كل
أقواله وأفعاله تنسب إلى الجماعة وتتحمل تبعتها، وإن من يُعيب جماعة من الجماعات الإسلامية لخطأ بعض أفرادها فمثله مثل من يعيب جهلًا وظلمًا الإسلام ألسنا نقول للناس: "لا تنظروا إلى الأفراد،
ولكن انظروا إلى الإسلام بصفته وحيًا في القرآن والسنة وعندها ستجدونه شرعًا فريدًا". وإليكم الرد على هذه التهم الباطلة:
أ على بن أبي طالب رضي الله عنه يفاوض المتمردين:
ورجلاً
نزل القوم في زي المروة، قبل مقتله بما يقارب شهرًا ونصف، فأرسل عثمان عليا رضي الله عنه آخر لم تسمه الروايات، والتقى بهم عليّ رضي الله عنه فقال لهم: تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطهم فوافقوا على ذلك 2. وفي رواية: أنهم شادوه، وشادهم مرتين أو ثلاثاً، ثم قالوا: ابن عمّ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ورسول أمير المؤمنين يعرض عليكم الكتاب فقبلوا 3. فاصطلحوا على خمس على أن المنفي يقبل، والمخروم يعطي، ويوفر الفيء أو يعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة. وكتبوا ذلك في كتاب، وأن يردّ ابن عامر إلى البصرة، وأن يبقى أبو موسى على الكوفة. وهكذا اصطلح عثمان مع كل وفد على حدة، ثم انصرفت الوفود إلى ديارها.
ب. الكتاب المزعوم بقتل وفد مصر:
وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعاً راضيين تبين لمشعلي الفتنة: أن خطتهم قد فشلت، وأن أهدافهم الدنية لم تتحقق لذا خططوا تخطيطاً آخر يذكي الفتنة، ويحيبها ويقضى تدمير ما جرى من
161
167
محمد صالح العلي، انصاف أهل السنة والجماعة، ص
328
تاريخ دمشق، ترجمة عثمان،
ص
فتنة مقتل عثمان، 129/ 1
المرجع السابق، 1/ 129.
المرجع:
نفسه.
1
2
3
4
5 (1/162)
صفحة 163
صلح بين أهل الأمصار وعثمان رضي الله عنه وبرز ذلك فيما يأتي: في أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكباً على جمل يتعرّض لهم ويفارقهم يظهر أنه هارب منهم، فكأنّه يقول: خذوني، فقبضوا عليه وقالوا له: مالك؟ فقال أنا رسول أمير المؤمنين إلى عاملة بمصر ففتثوه، فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها.
وقد نفى عثمان رضي
الله
عنه أن يكون كتب هذا الكتاب وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين
من المسلمين، أو يمين الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت، أو يكتب الكتاب على
لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه 2.
وهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردين البغاة المنحرفون أنه من عثمان وعليه خاتمه يحمله غلامه على واحد من إبل الصدفة إلى عامله بمصر ابن أبي السرح، يأمر فيه بمقتل هؤلاء الخارجين هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان، وذلك لعدة أمور:
- أن حامل الكتاب المزور قد تعرض لهؤلاء المصريين ثم فارقهم وكرّر ذلك مرارا وهو لم يفعل ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه ويثير شكوكهم فيه وكأنه يقول لهم: معي شيء مهم بشأنكم وإلا فلو كان من عثمان الخافهم حامل الكتاب المزعوم ولأبعد عنهم، وأسرع إلى والي مصر، ليضع بين يديه الأمر فينفذه.
- كيف علم العراقيون بالأمر، وقد اتجهوا إلى بلادهم وفصلتهم عن المصريين – الذين أمكسوا بالكتاب المزعوم مسافة شاسعة، فالعراقيون في الشرق والمصريون في الغرب، ذلك عادوا جميعًا في آن واحد، كأنما كانوا على ميعاد؟ لا يعقل هذا إلا إذا كان
ومع
الذين زوّروا الكتاب واستأجروا راكبًا ليحمله، ويمثل الدور في (البويب) أمام المصريين، قد استأجروا راكبًا آخر انطلق إلى العراقيين ليخبرهم بأن المصريين قد اكتشفوا كتاباً
1
2
تاريخ الطبري، المرجع السابق، 379/ 5.
فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، 132/ 5.
162 (1/163)
صفحة 164
بعث به عثمان لقتل المنحرفين المصريين، وهذا ما احتج به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد قال: كيف علمتهم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة. قد سرتم مراحل،
ثم طويتم نحوها، بل إن عليًّا يجزم: هذا والله أمر أبرم بالمدينة 2.
كيف يكتب عثمان إلى أبن أبي سرح بقتل هؤلاء، وابن أبي سرح كان عقب خروج
المتمردين من مصر متجهين إلى المدينة كتب إلى الخليفة يستأذنه بالقدوم عليه، وقد تغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة وفعلا خرج ابن أبي سرح من مصر إلى العريش وفلسطين فالعقبة فكيف يكتب له عثمان بقتلهم وعنده كتابه الذي يستأذن به منه
بالقدوم عليه؟
إن عثمان رضي الله عنه قد نهي عن مقتل الممتردين عندما حاصروه وأبى على الصحابة أن يدافعوا عنه، ولم يأمر بقتال الخارجين دفاعًا عن نفسه، وقد فصلت ذلك في كتابي عن عثمان رضي الله عنه بالأسانيد والروايات الصحيحة. فكيف يكتب مثل هذا الكتاب المزوّر!؟
تخلف حكيم بن جبلة والأشتر النخعي بعد خروج الممتردين – في المدينة—يشير إشارة واضحة إلى أنهما هما اللذان افتعلا الكتاب، إذ لم يكن لهما أي عمل بالمدينة ليتخلفا فيها، وما مكثا إلا لمثل هذا الغرض، فهما صاحبا المصلحة في ذلك 4.
وربما كان بتوجيه من عبد الله بن سبأ، ولم يكن لعثمان
رضي
الله
عنه في ذلك أية مصلحة، وكذلك ليس
لمروان بن الحكم أية مصلحة والذين يتهمون مروان في هذا، إنّما ينسبون إلى خليفة الغفلة عن مهامه،
وأنّ في ديوان الخلافة من يجري الأمور ويقضي بها دون علمه، وبذلك يبروون ساحة أولئك المجرمون
163
تاريخ الطبري، المرجع السابق، 359/ 5.
نفسه.
المرجع:
الصلابي،
عثمان بن عفان، ص 354.
عثمان بن عفان الشاكر الصابر، ص 227.
1
2
3
4 (1/164)
صفحة 165
الناقمين الغادرين ثم لو أن مروان زوّر الكتاب لكان أوصى حامل هذا الكتاب أن يبتعد عن أولئك
المنحرفين ولا يتعرض لهم في طريق حتى يأخذوه، وإلا لكان متآمراً معهم على عثمان وهذا محال.
—
إن هذا الكتاب المشؤوم ليس أوّل كتاب يزوّره هؤلاء المجرمون، بل زورا كتباً على لسان أمهات المؤمنين، وكذلك على لسان عليّ وطلحة والزبير فهذه عائشة رضي الله عنهما تتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي
هذا 1.
ويعقب الأعمشي فيقول: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها ويتهم الوافدين عليا بأنه كتب إليهم أن يقدموا عليه بالمدينة فينكر ذلك عليهم، ويقسم: والله ما كتبت إليكم كتاب 3.
كما ينسب إلى الصحابة بكتابة الكتب إلى الأمصار يأمرونهم بالقدوم إليهم، فدين محمد قد فسد، وتُرك، والجهاد في المدينة خير من الرباط في الثغور البعيدة. ويعلق ابن كثير على هذا الخبر قائلًا: وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتب كتبًا من مزوّرة عليهم، فقد كتب من جهة علي وطلحة والزبير إلى المتمردين الذين خرجوا على عثمان كتب مزوّرة عليهم أنكروها، وكذلك زُوّر هذا الكتاب على عثمان
5
أيضا، فإنّه لم يأمر به، ولم يعلم به.
2
1 تحقيق مواقف الصحابة، 334/ 1
تاريخ خليفة
خياط، ص 169. بن
3 تحقيق مواقف الصحابة، المرجع السابق، 335/ 1.
4
5
تحقيق مواقف الصحابة، المرجع نفسه، 335/ 1. كثير، البداية والنهاية، المرجع السابق، 175/ 7.
ابن
164 (1/165)
صفحة 166
ويؤكد كلام ابن كثير ما رواه الطبري وخليفة من استنكار كبار الصحابة مثل عليّ وعائشة والزبير أنفسهم لهذه الكتب في غالب الروايات الصحيحة.
إنّ الأيدي المجرمة التي زوّرت الرسائل الكاذبة على لسان أولئك الصحابة هي نفسها التي أوقدت نار الفتن من أوّلها إلى آخرها ورتبت ذلك الفساد العريض، وهي التي زوّرت وروّجت على عثمان تلك الأباطيل وأنه فعل وفعل ولقنتها للناس، حتى قبلها الرعاع، ثم زوّرت على لسان عثمان ذلك الكتاب ليذهب ضحية إلى ربه شهيداً سعيداً. وإن الحقائق التاريخية تقول:
—
كانت سياسة عثمان رضي الله عنه في التعامل مع الفتنة قائمة على العلم، والتأتي والعدل، فقد اتخذ عدة أساليب لمواجهتها منها: إرسال لجان تفتيش وتحقيق كتب إلى أهل الأمصار كتباً شاملاً بمثابة إعلان عام لكل المسلمين، مشورة عثمان لولاة الأمصار، وإقامة الحجة على
المتمردين، والاستجابة لبعض مطالبهم.
إن المتأمل في هدي عثمان
رضي
الله
عنه في تعامله مع الفتنة التي وقعت في عهده، يمكنه أن
يستنبط بعض الضوابط التي تعين المسلم لمواجهته للفتن ومن هذه الضوابط: التثبيت ولزوم
العدل والصمت والحذر من كثرة الكلام واستشارة العلماء الربانيين والاسترشاد بأحاديث رسول
الله في الفتن.
يظهر للباحثين أنّ هناك أسبابًا دعت عثمان إلى
منع
الصحابة من القتال وهي:
العمل بوصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي ساره بها، وبينها عثمان
رضي
الله عنه يوم
الدار، وأنها عُهد به إليه،
وأنه صابر نفسه عليه كره أن يكون أوّل من خلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمته بسفك دماء وعلمه بأن
1
عثمان الصلابي،
عفان، ص 355. بن
165 (1/166)
صفحة 167
البغاة لا يريدون غيره فكره أن يتوقى بالمؤمنين، وأحبّ أن يقيهم بنفسه، علمه بأن هذه الفتنة فيها قتله وذلك فيما أخبره بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند تبشيره إياه بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه سيقتل مصطبرًا
بالحق، معطيه في فتنة، والعمل بمشورة عبد الله ابن سلام رضي الله عنه، له، إذ قال له: الكفّ، الكفّ، فإنه أبلغ لك في الحجة.
—
إن قاتل عثمان رضي الله عنه رجل مصري، لم تفصح الروايات عن اسمه، وأما ما يتعلق بتهمة محمد بن أبي بكر بقتل عثمان، فهذا باطل والروايات بذلك روايات ضعيفة، كما أن متونها شاذة لمخالفتها للرّواية الصحيحة التي تبيّن أن القاتل هو رجل مصري.
1
2
—
إن الصحابة جميعًا رضي الله
عنهم
أبرياء من دم
عثمان رضي
الله
عنه وقد صحت الأخبار
وأكدت الحوادث، والتاريخ على براءة الصحابة من التحريض على عثمان أو المشاركة في الفتنة
ضده.
إن عثمان رضي الله عنه كان متيقظاً، ولم تظل عليه المؤامرة ولا أهدافها، بل استطاع أن يخترق صفوف المتمردين، ويكشف مخططهم كاملًا، وواجه بشجاعة فائقة وكره أن يكون أوّل من يسل السيف في المسلمين، وآثر أن يغدي الأمة بنفسه، وهذه قمة التضحية والإيثار. كانت فتنة مقتل عثمان سببًا في حدوث كثير من الفتن الأخرى، وألقت بظلالها على أحداث الفتن التي تليها، فتغيّرت قلوب الناس، وظهر الكذب وبدأ الخط البياني للانحراف عن الإسلام
في عقيدته وشريعته 2.
الصلابي،
عثمان
عفان المرجع نفسه، ص 3 بن
المرجع السابق، ص)
409
408
166 (1/167)
صفحة 168
في آخر أيام الحصار وهو اليوم قتل فيه نام عثمان رضي
الله عنه، فأصبح يحدث الناس:
ليقتلني القوم، ثم قال رأيت النبي (في المنام، ومعه أبو بكر وعمر، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): يا
عثمان، أفطر عندنا، فأصبح صائماً وقتل من يومه 2.
2 مواقف الصحابة رضوان الله عليهم من مقتل عثمان رضي
الله عنه:
شوّهت بعض كتب التاريخ مواقف الصحابة من فتنة مقتل عثمان، وذلك بسبب الروايات الشيعية التي ذكرها كثير من المؤرخين، فالمتتبع لأحداث الفتنة في تاريخ الإمام الطبري وكتب التاريخ الأخرى من خلال روايات أبي مخنف والواقدي وابن أعثم وغيرهم من الإخباريين يشعر أن الصحابة هم الذين كانوا يحركون المؤامرة ويثيرون الفتنة فاستحق ما استحقه ويظهر طلحة من مروياته كواحد من الثائرين على عثمان والمؤلبين المؤلبون ضدّه. ولا تختلف روايات الواقدي على روايات أبي مخنف، فعمرو بن العاص يقدم المدينة ويأخذ في الطعن في عثمان وقد كثرت الروايات الشيعية التي تتهم الصحابة بالتآمر ضد الله عنه، وأنهم هم الذين حركوا الفتنة وأثاروا الناس هو كله كذب وزور ولا أساس له من
عثمان رضي الصحة 3
وبخلاف روايات الشيعية الموضوعة والضعيفة، فقد حفظت لنا كتب المحدثين الروايات الصحيحة التي يظهر فيها الصّحابة من المؤازرين لعثمان والمنافحين المنافقين عنه، والمتبرئين من قتله والمطالبين بدمه بعد
مقتله، وبذلك يُستبعد أي اشتراك لهم في تحريك الفتنة أو إثارتها.
167
المرجع نفسه، ص 410.
الطبقات، 75/ 3. الخبر حسن لغيره.
تحقيق مواقف الصحابة، 14/ 2 - 18.
المرجع السابق، 14/ 2 - 18.
1
2
3
4 (1/168)
صفحة 169
إن الصحابة رضي الله عنهم
أبرياء من دم
عثمان رضي الله عنه ومن
قال خلاف ذلك، فكلامه باطل
لا يستطيع أن يقيم عليه أي دليل ينهض إلى مرتبة، الصحة، ولذلك أخرج خليفة: في تاريخه عن عبد الأعلى بن هيثم، عن أبيه قال: قلت للحسن أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين، والأنصار؟ قال: لا، كانوا أعلاجا، من أهل مصر وقال الإمام النووي: لم يشارك في قتله أحد من الصحابة، إنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل سفلة الأطراف والأرذال تحزبوا، وقصدوه من مصر، حاصروه ثم قتلوه 2.
وقد وصفهم الزبير رضي الله عنه بأنهم غوغاء من الأمصار 3. ووصفتهم السيدة عائشة بأنهم نزاع القبائل ووصفهم ابن سعد بأنهم حثالة الناس متفقون على الشر. ووصفهم ابن تيمية بأنهم خوارج مفسدون وضالون، وباغون معتدون ووصفهم الذهبي بأنهم رؤوس شرّ وجفاء. ووصفهم ابن العماد الحنبلي في
الشذرات بأنهم أرذال من أوباش القبائل”.
كما يشهد على هذا الوصف تصرّف هؤلاء الرعاع منذ الحصار إلى قتل الخليفة رضي الله عنه
ظلماً
وعدوانا، فكيف يمنع الماء عنه والطعام، وهو الذي طالما دفع من ماله الخاص ما يروي ظمأ المسلمين
بالمجان وهو الذي ساهم بأموال كثيرة عندما يلم بالناس مجاعة أو مكروه وهو الدائم العطاء عندما يعيب
الناس ضائقة، أو شدّة
من
الشدائد، حتى أنّ عليا رضي الله عنه يصف هذا الحال، وهو يؤنب المحاصرين
168
العلج: كل جاف شديد من الرجال.
شهيد الدار عثمان بن عفان ص
148
شرح النووي على صحيح مسلم 148/ 15 ك فضائل الصحابة
طبقات ابن سعد، 71/ 3. وانظر: تحقيق مواقف الصحابة، 481/ 1.
منهاج السنة، 189/ 2 - 206.
الذهبي، دول الإسلام، 12/ 1.
شذرات الذهب 40/ 1
المرجع السابق، 1/ 40. التمهيد والبيان، ص 242. (1/169)
صفحة 170
بقوله: يا أيها الناس إن الذي تفعلونه لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين، فلا تمنعوا عن هذا الرجل
الماء ولا المادة الطعام فإن الروم وفارس لتأسر وتطعم وتسقي.
ولقد صحت الأخبار وأكدت حوادث التاريخ على براءة الصحابة من التحريض على عثمان، أو
المشاركة على الفتنة ضده، وهذه بعض المقولات والمواقف من ذلك:
أ. موقف السيدة عائشة أم المؤمنين:
عن فاطمة بنت عبد الرحمن اليشكرية عن أمها، أنها سألت عائشة، وأرسلها عمها، فقالت: إن أحد نبيك يقرئك السلام، ويسألك عن عثمان بن عفان، فإنّ الناس قد أكثروا فيه قالت: لعن الله من لعنه، فو الله لقد كان قاعدًا عند نبي الله)، وإنّ رسوله (صلى الله عليه وسلم) مسند ظهره إلى، وإن وأنّ جبريل عليه السلام ليوحى إليه القرآن وإنه ليقول اكتب عثمان فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريما على الله،
ورسوله 2.
وعن مسروق عن عائشة قالت حين قتل عثمان تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قربتموه تذبحونه، كما يذبح الكبش فقال لها مسروق هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج إليه، قالت عائشة: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا، وقد مرّ معنا كذب السبئيين، وأنهم كتبوا رسائل لأهل الأمصار، ونسبوها كذب وزوراً للسيدة عائشة رضي الله عنها، وعلى العكس من الصورة الطيبة التي نفهمها من الروايات السابقة الموثوقة للعلاقة بين أم المؤمنين عائشة وعثمان فإنّه تبقى عند الطبري وغيره روايات أخرى صوّرت
تاريخ الطبري، 200/ 5.
تحقيق مواقف الصحابة، المرجع السابق، 378/ 1. ابن كثير، المرجع السابق، 219/ 8.
فتنة مقتل عثمان 391/ 1. وانظر: تاريخ الخليفة بن خياط، ص 176.
169
الصلابي، عثمان
بن عفان، المرجع السابق، ص 384.
1
2
3
4 (1/170)
صفحة 171
العلاقة بين عائشة وعثمان على صورة متناقضة تماماً لما انتهينا إليه وشوّهت الدور الرائع الناصع الواعي،
الذي قامت به رضي الله عنها دفاعاً عن عثمان ودفاعاً عن حرمات الله عز وجل.
إن الروايات التي جاءت في العقد الفريد، وفي الأغاني وتاريخ اليعقوبي، وتاريخ المسعودي وأنساب
الأشراف، وما انتهت إليه من استدلالات في شأن الدور السياسي للسيدة عائشة رضي الله عنها في
حياة عثمان بن عقان
للسيدة عائشة
رضي
الله
رضي عنه، إن جميع ما تؤدّي إليه من استدلالات تدين الموقف السياسي
الله عنها، لا يعتد بها لمخالفتها للرّوايات الصحيحة وقيامها على روايات واهية،
فأغلبها روايات غير مسندة، ولا يحتج بروايته هذا إلى فساد متونها إذا ما قورنت بالروايات الأخرى الأكثر
صحة وقرباً بالحقيقة.
ب. علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
كان علي رضي
الله
عنه
وآل بيته يُجلّون عثمان بن عفان ويعترفون بحقه في خدمة الدعوة ورسالة الإسلام،
وتشهد مواقفهم بذلك
أول من بايعه بعد عبد الرحمن بن عوف هو علي بن أبي طالب، وعن قيس بن عبّاد قال: سمعت عليا رضي الله عنه وذكر عثمان فقال: هو رجل قال له رسول الله: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" 3. وقد شهد له علي كرم الله وجهه بالجنة، فعن النزال بن سبرة، قال: سأل عليا عن عثمان فقال: ذاك امرؤ يُدعى في الملأ الأعلى: ذو النورين كان ختن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ابنتيه،
1
المرجع نفسه، ص 385.
2 أسماء محمد أحمد، دور المرأة السياسي، ص ص 352.
3
مسلم، کتاب فضائل الصحابة، رقم 2401.
170 (1/171)
صفحة 172
ضمن له بيت في الجنة. ولقد أنكر علي رضي الله عنه قتل عثمان وتبرأ من دمه، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها في أنه لم يقتله، ولا أمر بقتله ولا وقف مع القتلة ولا رضي بذلك، وقد ثبت عنه بطرق تفيد القطع، خلافًا لما تدعيه الشيعة من أنه كان راضيًا بقتل عثمان رضي الله عنهما 3.
وقال الحاكم بعد ذكر بعض الأخبار الواردة في مقتله رضي الله عنه، فأما ما ادعته المبتدعة من معونة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه كذب، وزور، فقد تواترت الأخبار بخلافه. وقد قال عليّ رضي الله عنه: اللهم إني أبرا إليك من دم عثمان. لقد كانت فتنة قتل عثمان سببًا في حدوث كثير من الفتن الأخرى، وألقت بظلالها على أحداث الفتن التي تلتها، فتغيرت قلوب الناس، وظهر
الكذب وبدأ الخط البياني للانحراف عن الإسلام في عقيدته وشريعته.
7
وكان مقتل عثمان من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم فتفرقت القلوب وعظمت الكروب، وظهرت الأشرار، وذلّ الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزاً
الله
عنها وعجر عن الخير والصلاح من كان دأبه إقامته فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي عنه وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ وأفضل من بقي، ولكن القلوب متفرقة، ونار الفتنة متوقدة فلم تتفق الكلمة، ولم تنتظم الجماعة ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من الخير، ودخل الفرقة
والفتنة أقوام 8.
171
227
العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط.
ص
ابن كثير، المرجع السابق، 202/ 7.
189
عبد الله
شبر، حق اليقين، ص)
المستدرك، 103/ 3.
الطبقات، 3/ 3 ورواه من طرق كلها صحيحة.
6 أحداث وأحاديث فتنة الهرج، ص 590.
7
8
مجموعة الفتاوي 162/ 25
المرجع السابق، 162/ 25. (1/172)
صفحة 173
إن عثمان رضي الله عنه لم يسلم من التشويه والكذب والاختلاف والإفك المبين في كتب الشيعة وغيرها
لا غيرها من المراجع ولقد تورط الكثير من الباحثين في كتاباتهم غير المنصفة وغير المحققة عن عهد عثمان وخصوصاً الباحثين المحدثين الذين يطلقون أحكاماً لا تعتمد على التحقيق أو على وقائع محددة، يعتمدون فيها على مصادر موثوقة، فقد تورط الكثير منهم في الروايات الضعيفة والشيعية وبنوا أحكاماً
باطلة وجائرة في حق الخليفة الراشد عثمان بن عفان، مثل:
—
طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى.
راضي عبد الرحيم في كتابه: النظام الإداري والحربي
صبحي الصالح في كتابه: النظم الإسلامية.
مولوي حسين في كتابه: الإدارة العربية.
صبحي محمصاني في كتابه: تراث الخلفاء الراشدين الفقه والقضاء.
توفيق اليوزبكي في كتابه: دراسات في النظم العربية الإسلامية.
محمد الملحم في كتابه تاريخ البحرين في القرن الأول الهجري.
بدوي عبد اللطيف في كتابه: الأحزاب السياسية في فجر الإسلام.
أنور الرفاعي في كتابه: النظم الإسلامية.
محمد الريس في كتابه: النظريات السياسية.
علي حسني الخربوطلي في كتابه: الإسلام والخلافة.
أبي الأعلى المودودي في كتابه الملك والخلافة.
سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية وغيرهم.
172 (1/173)
صفحة 174
ولقد كان عثمان رضي الله عنه بحق الخليفة المظلوم الذي افترى عليه خصومة الأولون ولم ينصفه
المتأخرون، وربما يكون هذا الشرح والشواهد التاريخية الموثقة خير دليل للأجيال الباحثة من أبناء الامة لاستنارة الطريق والبحث عن الأسباب والخلفيات وراء كل تلك الشائعات، سواء في دراستهم تاريخ
الحركة الإباضية أو أي مذهب ومدرسة إسلامية تطرق أنصارها لهذه المرحلة "مرحلة الفتنة الكبرى" في
تاريخ الأمة 1.
ثالثًا: معركة الجمل:
عندما تولى علي رضي الله عنه الخلافة عزل معاوية رضي الله عنه فيمن عزله من عن ولاة عثمان رضي الله عنه وولي على الشام سهل بن حنيف، لكن سهلاً لم يستطع دخول الشام، فقد لقيته بتبوك خيل- كتيبة مقاتلين من أنصار معاوية فمنعوه من دخولها مطالبين مطالبًا بدم الله عنه، عثمان رضي وأنكر
ذلك علي رضي الله عنه، وقال الرسول معاوية مني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتوراً "مصاباً بما أكره"
كترة عثمان؟
اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان 2، وهكذا ذر قرن الفتنة بين المسلمين، وفي الأقطار كافة إذا تفرق
الناس بين مؤيد للمطالبين بدم عثمان رضي
الله الله عنه ومؤيد لطاعة الخليفة الراشد الرابع علي رضي
عنه، وطالب طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما بدم عثمان، فخرجوا ومن تبعهم من الناس يريدون البصرة ورأي علي رضي الله عنه في هذا بوادر فرقة بين المسلمين فخرج يريد منعهم من
1
2
الصلابي،
عثمان
عفان، ص 276. بن
محمد العوّاص، المدراس الفكرية الإسلامية، ص 42.
173 (1/174)
صفحة 175
بلوغ البصرة البصيرة مخافة فتنة تحيط بأمة الإسلام وانتهى اللقاء بين الفريقين فيما عرف بموقعة الجمل
وانتصر علي رضي الله عنه ومن معه.
1 محاولات الصلح قبل معركة الجمل:
قبل أن يتحرك علي رضي الله عنه نحو البصرة أقام في ذي قار أياماً وكان غرضه رضي الله عنه القضاء
على هذه الفرقة والفتنة بالوسائل السليمة وتجنيب المسلمين شر القتال والصدام المسلح بكل ما أوتي
الصحابة
من قوة وجهد، وكذلك الحال لكل من طلحة والزبير وقد اشترك في محاولات الصلح عدد من وكبار التابعين منهم عمران بن حصين رضي الله عنه وكعب بن سور أحد كبار التابعين والقعقاع بن
عمرو التميمي.
2 محاورة القعقاع لطلحة والزبير رضي
الله عنه:
لما حضر القعقاع
سألهما
عن سبب حضورهما، فقالا كما قالت عائشة: من أجل الإصلاح بين الناس.
فقال لهما أخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فو الله لئن عرفناه لنصحن معكم، ولئن أنكرناه لا نصلح، قالا له: قتلة عثمان رضي الله عنه، ولا بد أن يُقتلوا، فإن تركوا بدون قصاص كان هذا نزلاً للقرآن، وتعطيلاً لأحكامه، وإن اقتص منهم كان هذا إحياء للقرآن.
قال القعقاع: لقد كان في البصرة، ستمئة من قتلة عثمان وأنتم قتلتموهم إلا رجلاً واحداً، وهو حرقوص بن زهير السعدي، فلما هرب منكم احتمى بقومه من بني سعد ولما أردتم أخذه منهم وقتلة منعكم قومه من ذلك وغضب له ستة آلاف رجل اعتزلوكم ووقفوا أمامكم وقفة رجل واحد، فإن تركتم حرقوصاً ولم تقتلوه، كنتم تاركين لما تقولون وتنادون به وتطالبون عليا به وإن قتلتم قلتم بني سعد من أجل حرقوص
174 (1/175)
صفحة 176
وغلبوكم وهزموكم، وأديلوا عليكم فقد وقعتم في المحذور وقوّيتموهم، وأصابكم ما تكرهون، وأنتم بمطالبتكم
بحرقوص أغضبتم ربيعة ومضر من هذه البلاد، حيث اجتمعوا على حربكم وخذلانكم، نصرة لبني سعد
قتله عثمان وهذا ما حصل مع علي، ووجود
—
جيشها. عن
الحل عند القعقاع التأني والتسكين ثم القعقاع:
تأثرت أم المؤمنين ومن معها بمنطق القعقاع، وحجته المقبولة، فقالت له: فماذا تقول أنت يا قعقاع؟
قال: أقول: هذا أمر دواؤه التسكين، ولا بد من التأني في الاقتصاص من قتلة عثمان، فإذا انتهت
2
الخلافات واجتمعت كلمة الأمة على أمير المؤمنين تفرّغ لقتلة عثمان وإن أنتم بايعتم علياً: واتفقتم معه، كان هذا علامة خير وتباشير، رحمة، وقدرة على الأخذ بثأر، عثمان وإن أنتم أبيتم ذلك وأصررتم على المكابرة والقتال كان هذا علامة شر، وذهاباً لهذا الملك، فآثروا العافية ترزقونها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولا ولا تُعرضونا للبلاء فتتعرضوا له فيصرعنا الله وإياكم، وأيم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف أن لا يتم، حتى يأخذ الله حجته من هذه الأمة التي قلّ متاعها ونزل بها ما نزل، فإنّ ما نزل بها أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا قتل الرجل النفر الرجل ولا قتل القبيلة.
وقد اقتنعوا بكلام القعقاع المقنع الصادق المخلص ووافقوا على دعوته إلى الصلح وقالوا له قد أحسنت وأصبت المقالة، فارجع فإن قدم علي، وهو على مثل رأيك، صلح هذا الأمر إن شاء الله. وعاد القعقاع إلى علي في ذي قار وقد نجح في مهمته وأخبر عليًا بما جرى معه، فأعجب على ذلك وأوشك القوم
على الصلح، كرهه من كرهه ورضيه من رضيه 3.
ابن
كثير،
739/ 7. وانظر: تاريخ الطبري، 521/ 5.
الصلابي، علي بن أبي طالب للصلابي، 462.
ابن
، كثير، المرجع السابق، 739/ 7. وانظر: تاريخ الطبري، المرجع السابق، 5/ 539.
175
1
2
3 (1/176)
صفحة 177
بشائر الاتفاق بين الفريقين:
—
لما عاد القعقاع وأخبر بما فعل، أرسل علي رضي الله عنه رسولين إلى عائشة والزبير، ومن معهم يستوثق فيه مما جاء به القعقاع بن عمرو، فجاء علياً، بأنّا على ما فارقنا عليه القعقاع فأقدم، فارتحل علي حتى نزل بحيالهم، فنزلت القبال إلى قبائلهم مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكون في الصلح فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض ولا يذكرون ولا ينوون إلا الصلح. وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لما نوى الرحيل قد أعلن قراره الخطير: ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا يقصد إلى البصرة، ألا ولا يرتحلن غداً أحداً أكان على عثمان بشيء في شيء من أمور
الناس 2.
3. دور السبئية في نشوب الحرب:
السبئية هم أتباع عبد الله بن سبأ الملقب بابن السوداء، وأصله من يهود اليمن، حيث تظاهر بالإسلام وقرب الأنصار منه. وإذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المخالفين في تضخيم دوره في الفتنة فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة، كعامل من عواملها، على أنه أبرزها وأخطرها، إذ إنّ هناك أجواء الفتنة مهدّت له وعوامل أخرى ساعدته 3. فقد كان على القتال بشبكاته السرّية التي كانت منتشرة في جيش علي رضي الله عنه والتي ساهمت في قتل عثمان رضي الله عنه وقد حرص أتباعه على تأجيج الفتنة وإشعالها حتى يفلتوا من القصاص. وبعد أن نزل الناس منازلهم، واطمأنوا خرج علي وخرج طلحة والزبير، فتوافقوا وتكلموا فيما
176
تاريخ الطبري، 539/ 5.
تاريخ الطبري، 525/ 5.
الصلابي علي بن أبي طالب المرجع السابق، ص 415.
تحقيق مواقف الصحابة، 120/ 2.
1
2
3
4 (1/177)
صفحة 178
اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح، وترك الحرب، حين رأوا أن الأمر أخذ في الانقشاع،
فافترقوا على ذلك، ورجع علي إلى عسكره ورجع طلحة والزبير إلى عسكرهما وأرسل طلحة والزبير إلى
رؤساء أصحابهما، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، ما عدا أولئك الذين حاصروا عثمان-رضي عنه، فبات الناس على نية الصلح والعافية وهم لا يشكون في الصلح.
الله
وبات الذين أشاعوا الفتنة في ليلة ما باتوها قط، إذ أشرفوا على الهلاك وجعلوا يشاورون ليلتهم كلها وقال قائلهم: أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، وذلك حين طلب من الناس أن يرتحلوا في الغد ولا يرتحل معه أحد أعان على عثمان بشيء ورأي الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا مع على فعلى دمائنا.
وتكلم عبد الله بن سبأ وهو المشير فيهم فقال: يا قوم إن عزّكم في خلطة الناس فصافحوهم ودعاهم إلى نشب القتال، وإدخال الناس في الحرب، واجتمعوا على هذا الرأي حتى لا يتم الصلح، وهذا ما تمّ واستخدموا المكر والخديعة، وقد فصلت ذلك في كتابي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. إن أثر السبئية في معركة الجمل يجمع عليه العلماء سواء أسموهم بالمفسدين أو بأوباش الطائفتين أو أسماءهم البعض بقتلة عثمان أو نبذوهم بالسفهاء أو بالغوغاء، أو أطلقوا عليهم صراحة السبئية 2.
يقول الباقلاني: "وتم الصلح والتفرق على الرضا فخاف قتلة عثمان من التمكين منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاورا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فرقتين، ويبدؤوا بالحرب سحرة -أي وقت السحر - في المعسكرين ويختلطوا ويصيح الفريق الذي عسكر علي: غدر طلحة والزبير: غدر علي، فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان لكل فريق منهم دافعًا لمكروه عن نفسه ومانعا من الإشاطة
177
تاريخ الطبري، 526/ 5.
عبد الله
سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدور الإسلام، ص 194. بن
1
2 (1/178)
صفحة 179
بدمه، وهذا صواب من الفريقين وطاعة الله إذا وقع والامتناع منهم على هذا السبيل، فهذا هو الصحيح وإليه نميل، وبه نقول "1.
كذلك نقل القاضي عبد الجبار أقوال العلماء، باتفاق رأي علي وطلحة والزبير وعائشة -رضوان الله عليهم على الصلح، وترك الحرب، واستقبال النظر في الأمر وأنّ من كان في المعسكر من أعداء عثمان
كرهوا ذلك، وخافوا أن تتفرغ الجماعة لهم، فدبّروا في إلقاء ما هو معروف وتم ذلك 2.
وبذلك يقول الذهبي: كانت وقعة الجمل، أثارها سفهاء الفريقين ويقول: إن الفريقين اصطلحا وليس لعلي ولا لطلحة قصد القتال، بل ليتكلموا في اجتماع الكلمة، فترامي أوباش الطائفتين، بالنبل، ونشبت نار الحرب، وثارت النفوس، في دول الإسلام والتحم القتال من الغوغاء، وخرج الأمر عن علي وطلحة
والزبير 3
5
4. عدد القتلى في الجمل:
أسفرت الحرب المهلكة عن عدد من القتلى اختلف في تقديره الرواة، إذ ذكر المسعودي: أن هذا الاختلاف في تقدير عدد القتلى مرجعه إلى أهواء كل راعٍ. ويذكر قتادة أن قتلى يوم الجمل عشرون ألفًا. ويظهر أن فيها مبالغة كبيرة، لأن عدد الجيشين حول هذا العدد أو أقل، وأما أبو مخنف الشيعي، فقد بالغ كثيرًا بحكم ميوله وقد أساء من حيث يظن أنه أحسن إذ ذكر أن العشرين ألفا من أهل
1 التمهيد، ص
233
2 الهمذاني، تثبيت دلائل النبوة، ص 299.
الله
3 العودة، عبد سبأ، ص 195. بن
4
5
6
7
تاريخ الإسلام، 15/ 1. وانظر: عبد الله
بن
الذهب في أخبار ذهب، 367/ 2.
المرجع السابق، 15/ 1.
مروج
المرجع السابق.
من
سبأ، ص 195.
178 (1/179)
صفحة 180
البصرة فقط. ويذكر سيف: "أنهم عشرة ألاف نصفهم من اصحاب علي رضي الله عنه ونصفهم من 1 أصحاب عائشة رضي الله عنها. وفي رواية أخرى، قال: وقيل خمسة عشرة ألفاً، خمسة آلاف منهم من أهل الكوفة، وعشرة آلاف ألاف من أهل البصرة نصفهم قتل في الجولة الأولى ونصفهم في الجولة الثانية والروايتان ضعيفتان للانقطاع، وغيره وفيها مبالغة أيضا، ويذكر عمر بن شبه بسنده: أن القتلى يزيدون على ستة آلاف، إلا أن الرواية ضعيفة سنداً. وأما اليعقوبي، فقد جاوز هؤلاء جميعا، إذ وضع عدد القتلى نيفا وثلاثين ألفا، وهذه الأرقام مبالغ فيها كثيرًا، وكان من أسباب المبالغة:
رغبة أعداء الصحابة من السبئية وأتباعهم في توسيع دائرة الخلاف بين أبناء الأمة، التي يجمعها
حب الصحابة والاقتداء بهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ب. مساهمة بعض الشعراء والجهلة من أبناء القبائل في تضخيم ما جرى وتكبيره، ليتناسب مع ما
يصنعونه من أشعار ينسبونها إلى بعض زعمائهم وفرسانها فضلاً عن وجود قصاص السمر، ورواة
الأخبار الذين يجلبون اهتمام الناس بهم، من خلال الأحداث المثيرة التي يحدثون عنها.
ج. إيجاد الثقة في نفوس أتباع الغوغاء والسبئية لإثبات نجاح خطتهم وتدابيرهم
وفي الحقيقة، فإن العدد الحقيقي لقتلى الجمل كان ضئيلاً جدًا للأسباب التالية:
5
قصر مدة القتال، حيث أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن القتال نشب بعد الظهر، فما
غربت الشمس وحول الجمل أحد ممن كان يذب عنه.
179
186
تاريخ
الخليفة بن خياط.
ص
تاريخ الطبري، 542/ 5 - 555.
تاريخ
خليفة
مصنف
بن خياط، ص 186. إسناده منقطع.
بن أبي شيبة، 546/ 7. فتح الباري، 62/ 13.
مصنف أبي شيبة 546/ 7.
الإنصاف، ص 455.
1
2
3 (1/180)
صفحة 181
—
—
الطبيعة الدفاعية للقتال، حيث كان كل فريق يدافع عن نفسه ليس إلا.
تحرج كل فريق من القتال، لأنهم يعملون من عظم حرمة دم المسلم.
6
مقارنة في عدد شهداء المسلمين في معركة اليرموك ثلاثة آلاف شهيد ومعركة القادسية ثمانية
آلاف، وخمسمائة شهيد وهى التي استمرت عدة أيام فإن العدد الحقيقي لقتلى معركة الجمل
يعد ضئيلا هذا مع الأخذ بالاعتبار شراسة تلك المعارك مع أعداء الأمة وشدتها، لكونها من
المعارك الفاصلة في تاريخ |
الأمم.
أورد خليفة من خياط بياناً بأسماء من حفظ من قتلى يوم الجمل، فكانوا قريبًا من مئة 1.
وهنا
لو افترضنا أن عددهم كان مئتين وليس مئة، فإن هذا يعني أن قتلى معركة الجمل لا يتجاوز المئتين، وهذا هو الرقم الذي ترجح لدى الدكتور خالد بن محمد الغيث في رسالته استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري-دراسة نقدية.
5. نداء أمير المؤمنين علي بعد الحرب:
ما إن بدأت الحرب تضع أوزاره حتى نادى منادى علي: أن لا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا مدبراً، ولا يدخلوا داراً، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، وليس لجيشه من غنيمة إلا ما حمل إلى ميدان المعركة من سلاح وكراع، وليس لهم ما وراء ذلك من شيء ونادى منادي أمير المؤمنين فيمن حاربه من أهل البصرة: من وجد شيئًا من متاعه عند أحد من جنده، فله أن يأخذه 3.
180
190 - 187
تاريخ. خياط، المرجع السابق، ص. ص خليفة بن استشهاد عثمان ووقعة الجمل، ص 215.
خلافة على بن أبي طالب، ص 168.
1
2
3 (1/181)
صفحة 182
وقد ظن بعض الناس في جيش علي - أن علياً سيقسم بينهم السبي، فتكلموا به ونشروه بين الناس، ولكن سرعان ما فاجأهم علي رضي الله عنه حين أعلن في ندائه وليس لكم أم ولد، والمواريث على فرائض الله وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً. فقالوا مستنكرين متأولين: يا أمير المؤمنين تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم؟ فقال علي: كذلك السيرة في أهل القبلة. ثم قال: فهاتوا سهامكم وأقرعوا على عائشة فهي رأس الأمر وقائدهم، فتفرقوا وقال: نستغفر الله، وتبين لهم أن قولهم وظنهم خطأ فاحش ولكن ليرضيهم قسم عليهم رضي الله عنه من بيت المال خمسمائة بخمسمائة.
6. رأي الإباضية في واقعة الجمل:
1.
تجتمع المصادر الإباضية على أن عائشة أم المؤمنين كانت شريكة لطلحة والزبير في الخلاف ولكنها ندمت على فعلها وتابت وقبل المسلمون توبتها 2. وقد اعتبر الإباضية أن الخليفة الشرعي هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونظروا إلى طلحة والزبير وعائشة وأنصارهما باعتبارهما الفئة الباغية 3. وهنا يذكر أن جابر بن زيد وأبا بلال مرداس كيف ناقشا السيدة عائشة في معركة الجمل، ووجّها إليها اللوم على مقاومتها لعليّ الذي كان الخليفة الشرعي آنذاك، وتابت مما كانت عليه ودخلت فيه، حسب
ما
1
المصدر 4. يورد
7. تفقد أمير المؤمنين علي للقتلى بعد الواقعة:
بعد انتهاء المعركة خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتفقد القتلى مع نفر من أصحابه،
فأبصر محمد طلحة السجاد فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما والله لقد كان شاباً صالحاً، ثم قعد بن
5
كئيباً حزيناً ودعا للقتلى بالمغفرة وترحم عليهم، وأثنى على عدد منهم بالخير والصلاح، وعاد إلى منزله
مصنف بن أي شيبة، 286/ 15. وهو سند صحيح.
2 نشأة الحركة الإباضية، ص 90.
181
دراسات في الإباضية، ص 52.
المرجع السابق، ص 53.
مصنف بن أبي شيبة، 261/ 15. وانظر: المستدرك، 103/ 3 - 104.
3
4
5 (1/182)
صفحة 183
فإذا امرأته وابنتاه يبكين على عثمان وقرابته والزبير وطلحة وغيرهم من أقاربهم القرشيين، فقال لهن: إني لأرجو أن نكون الذين قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلَّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ متَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]، ثم قال: ومن هم إن لم نكن؟ ومن هم إن لم نكن؟ فما زال يرد ذلك حتى وددت أنه سكت. ولقد حزن حزنا شديدًا على قتلى المعركة ولا سيما طلحة والزبير.
8 موقف أمير المؤمنين علي ممن ينال من عائشة:
قال رجل: يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر على القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مئة وأن يخرجهما من ثيابهما وقد قام القعقاع بذلك.
عن
9. دفاع عمار بن ياسر عن أم المؤمنين عائشة:
محمد
بن عريب قال-قام رجل فذكر عائشة عند علي فجاء عمّار فقال: من هذا الذي يتناول زوجة نبياً؟ اسكت مقبوحاً منبوذاً مذموماً مدحوراً 4 اغرب مقبوحا أتؤذي حبيبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ وجاء في رواية: ذكرت عائشة عند علي رضي الله عنهما، فقال حليلة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
قد
—
هل استباحت السيدة عائشة أم المؤمنين قتال المسلمين في معركة الجمل؟
تقدم أنها ما خرجت لذلك وما أرادت القتال، وقد نقل الزهري عنها أنها قالت بعد موقعة الجمل: إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبداً. وهذا القول بأن السيدة عائشة استباحت قتال المسلين باطل، ولا يثبت أمام الروايات
182
مصنف بن أبي شيبة، 268/ 15 - 269
المدارس
الفكرية الإسلامية، ص 43.
البداية والنهاية 357/ 7
فضائل الصحابة، 110/ 2. اسناده ضعيف
سير
أعلام النبلاء، 179/ 2. حديث حسن ق قاله الذهبي.
أعلام النبلاء، 176/ 2. حديث حسن
سير
المغازي
للزهري، ص 154.
1
2
3 (1/183)
صفحة 184
الصحيحة التي بينت أن عائشة ما خرجت إلا للإصلاح كما
مر معنا، وإنما هذه الأقوال من الروايات التي وضعها الشيعة الروافض، والتي شوهت تاريخ صدر الإسلام، وجعلت مما حدث بين علي وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم حربًا أهلية وتأثر بعض الباحثين بتلك الروايات حتى قال بعضهم: وأسرت عائشة ويصورون المسألة كحرب أهلية مخطط لها وهو قول طبيعي من باحثين لا يستقون معلوماتهم في هذا الشأن إلا من الروايات المقدوحة، ومن المصادر غير الموثوق بها مثل "الإمامة والسياسة" و كتاب " الأغاني" و "مروج الذهب" و "تاريخ اليعقوبي"، وكذلك تاريخ التمدن الإسلامي" لجورجي
زيدان "1.
هل يصح هذا الحديث تقاتلين على وأنت له ظلمة؟
أنه لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمد ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبة أشبه بالأحاديث الصحيحة بل هو كذب قطعا، فإن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت
منه،
بقصد الإصلاح بين الناس لا قاتلت ولا أمرت بقتال، هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار 2.
10
أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يرد عائشة إلى مكة مكرمة:
جهز أمير المؤمنين علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد أو متاع، وأخرج معها من نجا ممن خرج معها إلا من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات: وقال تجهز يا محمد ابن الحنفية فبلغها فبلعها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها وحضر الناس، فخرجت على الناس وودّعوها وودّعتهم وقالت: يا بني تغتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة فلا
183
الصلابي، علي بن أبي طالب، المرجع السابق،
ص
488
منهاج السنة، 185/ 2. وانظر: الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 290.
1
2 (1/184)
صفحة 185
يعتدن أحد منكم على أحد بشيء بلغه على من ذلك إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمالها وإنه عندي على معتبتي من الأخيار وقال علي: يا أيها الناس، صدقت والله وبرت ماكان بيني وبينها إلا ذلك وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة ست وثلاثين وشيعها على أميالاً وسرح نبيه معها يوماً.
بتلك المعاملة الكريمة من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه نراه قد اتبع ما أوصاه به نبي الأمة (صلى الله عليه وسلم) عندما قال له: إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر قال: أنا يا رسول الله؟ قال: قال: أنا؟ قال نعم. قلت:
نعم
فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: لا ولكن إذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها. وقد خالف الصواب من ظن أن خروج أم المؤمنين إلى البصرة كان لشيء في نفسها على من علي رضي الله عنه لموقفه منها من حديث الإفك، حين رماها المنافقون بالفاحشة، فاستشاره النبي (صلى الله عليه وسلم) في فراقها، فقال: يا رسول الله: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك 3. وهذا الكلام الذي قاله علي إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي (صلى الله عليه وسلم)، لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل وكان شديد الغيرة، فرأى عليّ في بادي الأمر أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهاب أشدهما. قال النووي: رأى علي ذلك هو مصلحة في حق النبي
أن
واعتقد في ذلك لما رأى من انزعاجه فبذل جهده في النصيحة لإرادة راحة خاطره صلى الله عليه وسلم وعليّ رضي الله عنه لم ينل عائشة رضى الله عنها بأدنى كلمة يُفهم منها أنه قد عرّض بأخلاقها
184
تاريخ الطبري، المرجع السابق، 581/ 5
مسند الإمام أحمد، 393/ 6. اسناده حسن.
البخاري، رقم
دور
4786
المرأة السياسي، ص 462.
شرح النووي على صحيح ومسلم، 634/ 5.
1
2
3
4
5 (1/185)
صفحة 186
أو تناولها بسوء فإنه على الرغم من قوله صلى الله عليه وسلم: لم يضيق يفيق الله عليك، إلا أنه عاد فقال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ناصحاً وسل الجارية تصدقك، فهو قد دعاه إلى التحري أولا قبل أن يفارقها، أي: أنه قد رجع عن نصيحته الأولى بالمفارقة إلى نصيحة أخرى بسؤال الجارية وتحري الحقيقة. وقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجارية التي كانت أكثر التصاقاً بعائشة فأكدت أنها ما عملت من عائشة إلا خيرا، وقد خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من يومه فسأل الذي فسه الجارية، واستعذر من عبد الله بن أبي قائلا: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرًا.
لقد كانت نصيحة علي في صالح عائشة، فقد ازداد صلى الله عليه وسلم قناعة بما علم من خير في أهله 5
ولم يكن موقف علي في حادثة الإفك هو الذي جعل عائشة تغضب منه
رضي الله عنه
لأجله، أو تحقد
الحقد الذي يجعلها تتهمه وزوراً بقتل عثمان، وتخرج عليه مؤلبة الأعداد الهائلة من المسلمين كما زعم –
كثير من الباحثين ممن تورط في روايات الشيعة الرافضة والتي لفقوها ووضعوها.
11
ندم طلحة والزبير على ما حصل منهم:
قال ابن تيمية وهكذا عامة السابقين، ندموا على ما دخلوا فيه من القتال فندم طلحة والزبير وعلي وغيرهم، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء، قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم. فأمير المؤمنين على ورد عنه، عندما نظر وأخذت السيوف مأخذها من الرجال فقال: لوددت أني مت قبل هذا بعشرين
4786
دور المرأة السياسي، ص 462.
البخاري رقم 1
المرجع السابق.
البخاري، رقم
4786
دور المرأة السياسي، ص ص 462.
490
6 الصلابي، علي رضي الله عنه، المرجع نفسه، ص (
7
الدين
الخطيب، المنتقي من منهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض والاعتدال، ص 222.
185 (1/186)
صفحة 187
1
،
سنة. وروي عن نعيم بن حماد بسنده إلى الحسن بن علي أنه قال لسليمان بن صرد: لقد رأيت علياً
حين اشتد القتال وهو يلوذ بي، ويقول يا حسن لوددت أني مت قبل
هذا بعشرين
سنة 2.
وعن حسن بن علي قال: أراد أمير المؤمنين علي أمراً فتتابعت الأمور، فلم يجد منزعاً 3
وعن سليمان بن صرد، عن حسن بن علي: أنه سمع عليّاً يقول حين نظر إلى السيوف قد أخذت القوم
يا حسن أكل هذا فينا؟ ليتني مت قبل هذا بعشرين أو أربعين سنة.
وأما عائشة فقد ورد عنها: أنها كانت تقول حين تذكر واقعة الجمل: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي وكان أحب إلي أن أكون ولدت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بضعة عشر، كلهم مثل عبد الرحمن
بن الحارث بن هشام، ومثل عبد الله بن الزبير.
وكانت إذا قرأت قوله تعالي: " وقرن في بيوتكن" "الأحزاب: 33" تبكي حتى تبل خمارها.
قالت عائشة: وددت أن لو كان لي عشرن ولداً من رسول الله ()، وكلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث
بن هشام وإني ثكلتهم، ولم يكن لك يكن ما كان مني يوم الجمل 7.
قال ابن تيمة: فإن فعن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين وظنت أن خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت
نعيم بن حماد الفتن 80/ 1
المرجع السابق.
نعيم بن حماد، المرجع السابق، 81/ 1.
أحداث وأحاديث فتنة الهرج، ص 217.
5 الفتن نعيم بن حماد 81/ 1
6
سير
أعلام النبلاء، 177/ 2. وانظر: الطبقات، 81/ 8.
الباقلاني، التمهيد، ص 232.
186 (1/187)
صفحة 188
خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة
والزبير وعلي وغيرهم، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم.
وقال الذهبي: ولا ريب أن عائشة ندمت ندمة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضروها يوم الجمل وما
ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ.
12
رأي الإباضية في الزبير بن العوام رضي الله عنه:
أ. في غزوة الخندق
3
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لكل نبي حواري، وحواري الزبير. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: حواري الزبير:
أي خاصتي من أصحابي وناصري ومنه الحواريون أصحاب عيسى عليه السلام، أي حلفاؤه وأنصاره
فالحواري، هو الناصر المخلص. فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير رضي
عنه، ولذلك سمع عبد
الزبير وإلا فلا.
الله
الله بن عمر رضي الله عنه رجلا يقول: أنا ابن الحواري، فقال: إن كنت من ولد
وحكى الزبير بأن الرسول الله فداه بأبيه وأمه، فقد كان رسول الله قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟
5
فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)،أبويه فقال: فداك أبي وأمى .. وهذا الحديث فيه منقبة ظاهرة للزبير رضي الله عنه حيث فداه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأبويه، وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد
187
المنتقي من مهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض، ص 223.
أعلام النبلاء، 177/ 2.
سير
مسلم، رقم
2414
مصنف بن شيبة، رقم
12219. اسناده صحيح.
البخاري رقم 1
3720 (1/188)
صفحة 189
بعمله، واعتبار بأمره، وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له. ولقد
نال الزبير في غزوة الخندق وساما خالدًا على مر الزمن، لكل نبي حواري، وحواري الزبير 1.
لقد وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) الزبير بالحواري، وهو وصف عميق الدلالة واسع المفاهيم والدارس لهذه المعاني يدرك أبعاد كلمة الحواري، وتبين معالمها ويعرف أسرارها وأغوارها وأكثر ما يحتاج إلى العناية بهذه المفاهيم، هم العلماء والدعاة والمربون، لأن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى أعداد الحواريين ليقدموا نماذج
حية في الأسوة والقدوة لأن القدوة العلمية أقوى وأشد تأثيراً في نشر المبادئ والأفكار، لأنها تجسيد
الله
وتطبيق عملي لها يسهل مشاهدتها، والتأثر والاقتداء بها، ولأن الحواريين يأخذون بسنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويقتدون بأمره 2، كما جاء في الحديث ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره 3
وحان وقت الرحيل:
خرج الزبير بن العوام من الجولة الأولى وترك المعركة، وبعض الروايات تذكر السبب في انصراف الزبير
رضي
الله
عنه، قبيل المعركة لما علم بوجود عمار بن ياسر في الصف الآخر وهو إن لم يُرْوَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتل عمارَ الفئة الباغيةُ فلعله سمعه من بعض إخوانه من الصحابة لشهرته وبعضها ترجع السبب في انصرافه إلى شكه في صحة موقفه من هذه الفتنة، كما يسميها، وفي رواية ترجع السبب في انصرافه إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقد ذكره بالقرابة القوية من علي إذ قال له" أين صفية بنت عبد
188
1
2
مسلم، رقم 2414
صحيح مسلم بشرح النووي، 26/ 2 - 27.
3 الأعظمي، دراسات تربوية، ص 206.
4
مسند أحمد، 47/ 1 - 49. اسناده صحيح.
خلافة علي بن أبي طالب، ص 154. تاريخ الطبري، 506/ 5.
5
6 (1/189)
صفحة 190
المطلب حيث تقاتل بسيفك علي بن أبي طالب عبد المطلب. فخرج الزبير من المعركة فلقيه ابن جرموز فقتله 2
وعند خروجه من ساحة القتال كان يتمثل قول الشاعر:
ترك الأمور التي أخشى عواقبها في الله أحسن في الدنيا وفي الدين
وقيل إنه أنشد:
ولقد علمت لو أن علمي نافعي أن الحياة من الممات قريب.
وبعد خروجه تبعه عمرو بن جرموز، وبعد أن أدركه قال له: إن لي إليك حاجة، فقال: ادنُ: فقال مولى
الزبير واسمه عيطة: إن معه سلاحًا، فقال: وإن فتقدم إليه فجعل يحدثه وكان وقت الصلاة، فقال له الزبير: الصلاة فقال: الصلاة فتقدم الزبير ليصلي بهما. وكان مع عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس، ونفيع في طائفة من غواة بني تميم، فطعنه عمرو بن جرموز. وفي رواية أنهم أدركوه وتعاونوا عليه وقتلوه. ويقال: بل أدركه عمرو بواد يقال له: وادي السباع، وهو نائم في القائلة 3.
فهجم عليه وقتله، وهذا هو القول الأشهر ويشهد له شعر امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت آخر من تزوجها وكانت قبله تحت عمر بن الخطاب، فقُتِل عنها، وكانت قبله تحت عبد الله بن أبي بكر الصديق، فقتل الزبير، ورثته بقصيدة محكمة المعنى، فقالت:
1
2
3
غدر ابن جرموز بفارس بهمة
اللقـ
يوم
اء وكان غرّ معرّد
يا عمرو لو نبهته لوجدته
لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد
الطبقات، 110/ 3. اسناده صحيح.
الصلابي علي بن أبي طالب المرجع السابق، ص 501.
القائلة وقت اشتداد حرّ الظهيرة.
189 (1/190)
صفحة 191
ثكلتك أمك أن ظفرت بمثله
كم غمرة قد خاضها لم يثنه
والله
ربي إن قتلت لمسلما
تمن بقي ممن يروح ويغتدي عنها طرادك يا بن فقع العردِدِ
جلت عليك عقوبة المتعمداً.
ولما قتله عمرو بن، جرموز، فاحتز رأسه وذهب به إلى على رضى الله عنه، ورأى أن ذلك يجعل له حظوة عنده، فاستأذن، فقال علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار، ثم قال علي: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: لِكل نبي حواري وإِنَّ حواري الزبير
11
211
وحين رأى علي رضي الله عنه سيف الزبير قال: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله وفي رواية منع أمير المؤمنين علي ابن جرموز بالدخول عليه وقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار 4.
ويقال إن عمرو بن جرموز قتل نفسه في عهد علي وقيل: بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير على العراق فاختفى منه فقيل لمصعب: إن عمرو بن جرموز هاهنا وهو مختف فهل لك منه؟ فقال: مروه فليظهر فهو آمن، والله ما كنت لأقيد للزبير منه، فهو أحقر من أن أجعله عدلاً للزبير. هذا وقد أخبر الحبيب المصطفى: أن الزبير سيموت شهيدًا، فعن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان على جبل حراء، فتحرك فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "اسکن حراءُ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد". وعليه
النبي
8
) وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير رضي
الله عنهم.
190
البداية والنهاية 261/ 7. العردد: الصلب الشديد.
فضائل الصحابة، 920/ 2
البداية والنهاية، 261/ 7.
الطبقات 105/ 3 اسناده صحيح وانظر: خلافة علي، ص 164.
أقيد وقود: القتل بالقاتل.
البداية والنهاية، 261/ 7.
مسلم، رقم 2417.
مسلم، رقم 417.
1
2 (1/191)
صفحة 192
وقال النووي: وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله))، منها إخباره أن هؤلاء شهداء وماتوا كلهم عدا النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر شهداء، فإن عمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير مشهور، وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً القتال وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركاً القتال، فأصابهم سهم فقتله، وقد ثبت أن من قتل مظلومًا فهو شهيد 1.
قال الشعبي: أدركت خمسمائة من الصحابة يقولون: عليّ وعثمان وطلحة والزبير في الجنة، قال الذهبي: قلت: لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة، فنحن محبّون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة، ومجمل القول أن بعض الفقهاء والدعاة الغلاة من الإباضية طعنوا في الزبير بن العوام، ولكن آخرون اعتبروه كبقية الصحابة ولم يتناولوه بالتجريح ولا الاستثناء.
طلحة بن عبيد الله رضي
الله عنه:
13
لما حضر يوم الجمل واجتمع به علي فوعظه، تأخر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهم غرب فوقع
في ركبته وقيل: في رقبته والأول أشهر وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمع به حتى كاد يلقيه،
،
وجعل يقول: إلى عباد الله، فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة، فمات بدار فيها ويقال إنه مات بالمعركة وإن عليا لما دار بين القتلى رآه، فجعل يمسح عن وجهه التراب 3، ثم قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجندَلًا في الأودية، ثم قال: إلى الله أشكو غُجري وبجري 4. وترحم عليه، وقال: ليتني مت
191
شرح النووي على صحيح ومسلم، 271/ 15.
أعلام النبلاء، 62/ 1.
سير
البداية والنهاية 258/ 7
سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي
1
2
3
4 (1/192)
صفحة 193
قبل هذا بعشرين سنة. ولا شك أن طلحة
1
بن عبيد الله
رضي
الله
عنه من أهل الجنة، فقد روي الترمذي
بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أبو بكر في الجنَّةِ وعُمَرُ في الجنَّةِ وعُثمانُ في الجنَّةِ وعلي في الجنَّةِ والزُّبيرُ في الجنَّةِ وطَلحةُ في الجنَّةِ وابنُ عوفٍ في الجنَّةِ وسعد في الجنَّةِ وسعيدُ بنُ زيدٍ في الجنَّةِ وأبو عُبَيدةَ بنُ الجُرَّاح في الجنَّةِ ثم قال: وقد روى هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) نحو هذا، ففي هذا الحديث منقبة واضحة لطلحة عنه حيث شهد له النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه من أهل الجنة وأكرم بها من شهادة، فإنها تضمنت الأخبار
الله
شهادته.
وقال النووي: "وأما كون القاتل والمقتول فمحمولة على من تأويل، له ويكون قتالهما عصبية ونحوها ثم كونه في النار معناه مستحق لها وقد يجازي بذلك وقد يعفو الله تعالى عنه، هذا مذهب أهل الحق وعلى هذا يتأوّل كل ما جاء في نظائره واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم أنهم مجتهدون متأوّلون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم معيباً وبعضهم مخطئاً معذورًا في الخطأ للاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا هو
مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فاعتزلوا الطائفتين ولم
يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدتهم"
311
1
2
3
تاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين ص 528
أخرجه أبو داود رقم 4649، الترمذي رقم 3757 حديث حسن
شرح صحيح مسلم، 227/ 8 - 228.
192 (1/193)
صفحة 194
رابعا: معركة صفين:
قال العلامة أحمد
بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان في كتابه شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد
عندما
شرح هذا البيت:
إنا ندين بتصويب الألى منعوا
حكومة الحكمين حينها جهلًا.
أي: إنا نقطع بتصويب الفئة المؤمنة، التي أبت إلا أن تمضي قدما في سبيل الحق، بعدما استبانت لهم الحقيقة عندما التبست على كثير من إخوانهم، وتلك الفئة هم الذين رفضوا تحكيم الحكمين فيما نص عليه الوحي وأبوا بعد ذلك التسليم لحكمهما، وذلك عندما وقع الشجار بين هذه الأمة بعدما بويع الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه البيعة الشرعية التي توجب على جميع الأمة طاعته ما أطاع فيهم ربه، إذ أبي معاوية بن أبي سفيان الذي كان عاملاً في بلاد الشام أن يدخل فيما دخل فيه المسلمون ونزع بذلك الطاعة في الخليفة الشرعي، وأجلب على المسلمين بخيله ورجله، رافعاً شعار المطالبة بدم عثمان لتغرير ضعاف النفوس من المسلمين، واستطاع بدهائه أن يجلب إلى صفه عمرو بن العاص الداهية المحنك.
6
فكانت حرب صفين التي دارت رحاها بين طرفي الأمة بين عصبة الحق التي كان يقودها إمامها الشرعي علي بن أبي طالب وعصبة البغي التي كان على رأسها معاوية وعمرو بن العاص، ولم يكن في نفس أحد من الفئة الأولى ريب أنهم على حق وأن عدوّهم على باطل، ذلك لأنهم يقاتلون للحفاظ على دولة الإسلام من التصدع والتمزق وعلى رأسهم قائد شرعي بويع على أساس من شرع الله كما بويع من قبله من الخلفاء الراشدين مجيء النص صريحًا بقتال الباغية، فقد قال تعالى: فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9].
193 (1/194)
صفحة 195
ومما زادهم بقينا أن قتل عمار رضي الله عنه كان على أيدي تلك الفئة المنشقة عن جماعة المسلمين،
فقد قتله أصحاب معاوية مع ثبوت قول النبي (فيه: "ويحَ عمَّارٍ تقتله الفئة الباغية ".
1. وهو
حديث يفيد القطع، لأنه
رواه عن
النبي
) أكثر
من عشرين صحابياً، بل رواه معاوية نفسه وعمر
نفسه،
ولم يبق ريب في صحته 2.
ولكن لما كان الحق يزهق الباطل بدحر فئته واستئصال شأفته، تمخض دهاء عمرو عن مكيدة أوقعت
كثيرا من
الذين كانوا يدافعون عن الحق في الفخ فانقلبوا من اليقين إلى الارتياب، وذلك عندما أمر برفع المصاحف على أطراف الرماح والمناداة بتحكيم القرآن، من أجل صون الدماء والحفاظ على الأرواح.
وقد وجد في صفوف أهل الحق من غرّه بريق الدنيا، فاصطنعه معاوية بماله لنفسه،
أخذ
أشعث وهو
بن قيس
الذي الحيلة على الضعفاء وأوجدت خَلْخَلَة بالغة في صفوف المؤمنين، مع أن أصحاب البصائر وعلى رأسهم أبو السبطين نادوا من أول الأمر برفضها، وأدركوا أنها خديعة مبطنة، لتكون الكرة للباطل، بعد أن كاد يزهق غير أن ضغوط الأشعث بن قيس ومن مالأه أدت إلى أن يتنازل أمير المؤمنين عن موقفه الصامد. وقد وقف أصحاب البصائر والهدى معارضين لذلك لا يبغون بديلًا عن الجهاد الحاسم على رغم أنّ قيادات الجيش أخذت تتهاوى في فخ هذا الخديعة، وتمخضت عن تحكيم حكمين في القضية يقدمان ويؤخران مع أن أصوات المعارضة، كانت تجلجل بالدعوة إلى المضي قدمًا حتى يقضي الله شأنه، ونادت برفض كل حكم إلا ما حكم الله به في قوله: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى
يروج بين الناس لما دعا إليه عمرو ومعاوية ومن معهما من فئة أهل البغي، فانطلت هذه
194
447
البخاري، رقم
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 208.
1
2 (1/195)
صفحة 196
تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} [الحجرات: 9] 1 ولسان حالها يعبر عن مكنون مشاعرها المفعمة بالحب لخليفة المسلمين، وهو يقول:
أبا حسن ذرها حكومة فاسق
جراحات بدر في حشـ اه تفور
وأتت بغايات الغوي بصير
أبا حسن أقدم فأنت على هدى
أيا حسن لا تعطين دنية
أبا حسن إن تعطها اليوم لم تزل
أيا حسن أطلقتها لطليقها
أتحبس خيل الله عن خيل خط
أشعرها رعالا تَنْسِفَ الشّام نسفة
وأنت بسلطان القدير قدير
يحل عُراها فاجر ومُبير وأنت بقدّ الأشعري أسير وسبعون ألفاً فوقهن هصور
بثارات عمار لهن زفير
وصك تُغُور القاسطين بفيلق
له مدد من به ونصير
فلم يبق إلا غلوة أو تحتهم
ويبكي ابن قبة وسرير
فمالك والتحكيم والحكم ظاهر
وأنت علي والشام تمور.
ولم يكن من الحكمين إلا أن اتفقوا على خلع الإمام الشرعي علي - كرم الله وجهه - مع اختلافهما في أمر خصمه معاوية بن أبي سفيان، إذ لم يرض ممثل فئته في التحكيم- عمرو بن العاص – أن يعزله، وإنما نادى به أميرًا للمؤمنين على رأس الحاضرين، فانكشفت المؤامرة وانجلى الصبح لذي عينين 2. وهناك رؤية تاريخية أخرى في هذه الأحداث غير التي ذهب إليها العلامة الخليلي جديرة بالعرض، وهذا يدل على تباين الآراء والأفكار والعقول في التحليل والنظر إلى الأحداث التاريخية المتعلقة بالخلاف والنزاع في
1
2
21
المرجع السابق، ص المرجع السابق، ص 210.
195 (1/196)
صفحة 197
صدر تاريخ الإسلام، وتلك ليست من مسائل الكفر والإيمان، فلا علاقة لها بالإيمان بالله سبحانه وتعالى وأركان الإيمان والقرآن الكريم ومقام النبوة والرسالة، إنما هي أحداث وقعت تباينت فيها الأنظار وفق ما
وصل إلى كل مدرسة من روايات من حيث الصحة والضعف والوضع، أو نظرة العقول في سبر ومعرفة الأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج، والتي منها:
1. دوافع معاوية في عدم البيعة:
أغوارها،
امتنع معاوية وأهل الشام عن البيعة ورأوا أن يقتص علي -رضي الله عنه من قتلة عثمان ثم يدخلون البيعة. وقالوا لا نبايع من يأوي القتلة وتخوّفوا على أنفسهم من قتلة عثمان الذين كانوا في جيش علي، فرأوا البيعة لعليا تجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين، قالوا: لأن عثمان قتل مظلومًا باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي وهم غالبون لهم شوكة فإذا بايعنا ظلمونا واعتدوا علينا وضاع دم عثمان، وكان معاوية رضي الله عنه يرى أن عليه مسؤولية الانتصار لعثمان: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا} [الإسراء: 33].
لقد
صلے
جمع معاوية الناس وخطبهم بشأن عثمان وأنه قتل مظلوماً على يد سفهاء منافقين لم يقدروا الدم الحرام، إذ سُفك الدم في الشهر الحرام في البلد الحرام فثار الناس واستنكروا وعلت وعلق الأصوات وكان منهم عدد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال أحدهم واسمه مرة بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما تكلمت، وذكر الفتن فقربها، فمر رجل متقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذ
على الهدى فقمت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم
3
196
البداية والنهاية، 129/ 7.
العواصم من القواصم، ص 162. سنن ابن ماجه 240/ 1
صحيح
1
2
3 (1/197)
صفحة 198
وهناك حديث آخر له تأثيره في طلب معاوية القود من قتلة عثمان ومنشطا ودافعا قويًا للتصميم على
النعمان تحقيق الهدف، وهو عن
بن بشير عن عائشة
رضي
الله عنهما قالت: أرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
فكان من آخر كلمة أن ضرب، منكبه فقال يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثاً، فقلت لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيته والله ما ذكرته، قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابًا.
لقد كان الحرص الشديد على تنفيذ حكم الله في القتلة السبب الرئيسي في رفض أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان مبايعة علي بن أبي طالب ورأوا أن حكم تقديم القصاص مقدم على البيعة، وليست لأطماع معاوية في ولاية الشام، أو طلبه ما ليس له بحق، إذ كان يدرك إدراكًا تامًا أن هذا الأمر في بقية الستة من أهل الشورى، وأن علياً أفضل وأولى بالأمر منه. وقد انعقدت البيعة بإجماع
منه،
الصحابة بالمدينة، وكان اجتهاد معاوية مخالف الصواب.
2. خروج معاوية إلى صفين:
كان معاوية جاداً في مطاردة قتلة عثمان رضي الله عنه فقد استطاع أن يترصد بجماعة ممن غزا المدينة من المصريين أثناء عودتهم، وقتلهم ومنهم أبو عمرو بن بديل الخزاعي.3. ثم كانت له أيد في مصر وشيعة في أهل خربتا تطالب بدم عثمان رضي الله عنه، وقد استطاعت هذه الفرقة من إيقاع الهزيمة بمحمد بن أبي حذيفة في عدة مواجهات عام 36 هـ، كما استطاع أيضًا أن يوقع برؤوس مديري ومخططي غزو
197
مسند أحمد، رقم
عبد
24045. حديث صحيح.
الحميد علي خلافة علي بن أبي طالب، ص 112.
العرب التميمي، المحن، ص 124.
1
2
3 (1/198)
صفحة 199
المدينة من المصريين مثل عبد الرحمن بن عديسي، وكنانة بن بشر، ومحمد بن حذيفة، فحبسهم في فلسطين وذلك في الفترة التي سبقت خروجه إلى صفين، ثم قتلهم في شهر ذي الحجة عام 36 هـ 1
وعندما علم معاوية بتحرك جيش العراق نحو الشام، جمع مستشاريه من أعيان أهل الشام وخطب فيهم
وقال: إن عليا نهد إليكم في أهل العراق فقال ذو الكلاع الحميري: عليك أمري وعلينا الفعال 2.
وكان أهل الشام قد باعوا معاوية على الطلب بدم عثمان الله عنه
رضي
والقتال، وقد قام عمرو بن
العاص، بتجهيز الجيش، وعقد الألوية، وقام في الجيش خطيباً يحرضهم وسار معاوية في جيش ضخم اختلفت الروايات في تقديره إلا أن الأقرب للصواب أنهم ستون ألف مقاتل، فهي وإن كانت منقطعة الإسناد إلا أن راويها صفوان بن عمرو السكسي حمصي من أهل الشام وهو ثبت ثقة وقد أدرك خلقاً ممن شهد صفين كما يتبين من دراسة ترجمته والإسناد إليه صحيح 3
3. الدعوة إلى التحكيم
إن ما وصلت إليه حالة الجيشين بعد ليلة الهرير لم يكن يحتمل مزيدًا من القتال، وجاءت خطبة الأشعث بن قيس زعيم كندة أصحابه ليلة الهرير فقال: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فو الله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب إن نحن توافقنا غدًا إنه لفناء العرب، وضيعة الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعاً من الحرب ولكني رجل مسن وأخاف على النساء والذراري غداً إذا نحن فنينا، اللهم أنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل 4. وجاء خبر ذلك إلى معاوية، فقال: أصاب ورب
198
194,
خلافة علي، ص 191.
لغة حمير في إبدال أم بدل "أل التعريف". خلافة علي بن أبي طالب المرجع السابق، ص 4
884 - 481
المتغري، وقعة صفين ص.
1
2
3
4 (1/199)
صفحة 200
الكعبة لكن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا ولتميلن أهل فارس على أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى، ثم قال لأصحابه: اربطوا المصاحف على أطراف القنا.
وهذه رواية عراقية لا ذكر فيها لعمرو بن العاص ولا للمخادعة والاحتيال وإنما كانت رغبة كلا من الفريقين، ولن يضير معاوية أو عمرو بشيء أن تأتي أحدهم الشجاعة، فيبادر بذلك وينقذ ما تبقى من قوى الأمة المتصارعة، وإنما يزعج ذلك السبئية الذين أشعلوا نيران هذه الفتنة وتركوا لنا ركامًا من الروايات المضللة بشأنها تحيل الحق باطلا، وتجعل الفضل كالمناداة لتحكيم، القرآن لصون الدماء المسلمة جريمة ومؤامرة. ونسبوا لأمير المؤمنين علي أقوالًا مكذوبة تُعارض ما في الصحيح على أنه قال: ما رفعوها ثم لا يرفعونها، ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة. ومن الشتائم قولهم عند رفع المصاحف: إنها مشورة ابن العاهرة ووسعوا دائرة الدعاية المضادة على عمرو بن العاص رضي الله عنه، حتى لم تعد تجد كتابًا من كتب التاريخ إلا فيه انتقاص لعمرو بن العاص، وأنه مخادع وماكر، بسبب الروايات الموضوعة التي لفقها أعداء الصحابة الكرام، ونقلها الطبري وابن الأثير وغيرهم، فوقع فيهما كثير من المؤرخين المعاصرين حسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام ومحمد الخضري بك في تاريخ الدولة الأموية، وعبد الوهاب النجار في تاريخ الخلفاء الراشدون وغيرهم كثير مما ساهم في تشويع الحقائق التاريخية الناصعة.
إن رواية أبي مخنف تفترض أن علياً رفض تحكيم القرآن لما اقترحه أهل الشام، ثم استجاب بعد ذلك له
5
تحت ضغط القراء الذين عرفوا بالخوارج فيما بعد وهذا الرواية تحمل سباً في علي رضي الله عنه لمعاوية
199
884 - 481
المرجع السابق، ص
2 الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ص ص 316.
الكامل، 2/ 386.
تاريخ الطبري، 662/ 5.
المرجع السابق، 662/ 5، 663.
1
3
4
5 (1/200)
صفحة 201
وصحبه يتنزه عنه أهل ذاك الجيل المبارك، فكيف بساداتهم وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي؟ ويكفي للرواية سقوطاً أن فيها أبا مخنف الشيعي المحترق، فهي رواية لا تعمد للبحث النزيه، ولا تقف أمام روايات أخرى لا يتهم أصحابها بهوى مثل ما يرويه الإمام أحمد بن حنبل عن طريق حبيب بن أبي ثابت قال أتيت أبا وائل أحد رجال علي بن أبي طالب فقال: كنا بصفين فلما استحرّ القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية: أرسل إلى على المصحف فادعه إلى كتاب الله، فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23].
وقال علي: نعم أنا أولى بذلك، فقام القراء الذين صاروا بعد ذلك، خوارج، بأسيافهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا نمشي إلى هؤلاء حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف الأنصاري الله عنه فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله (يوم الحديبية، ولو نرى
الله
رضي قتالاً لقاتلنا وذلك في الصلح الذي بين رسول الله وبين المشركين ثم حدّثهم في معارضة عمر رضي للصلح يوم الحديبية ونزول سورة الفتح على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال علي: أيها الناس: إن هذا فتح
عنه
فقبل القضية، ورجع ورجع الناس
1.
وأظهر سهل بن حنيف رضي الله عنه اشمئزاز ممن يدعون إلى استمرار الحرب بين الأخوة وقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم. وبين لهم بأنه لا خيار عن الحوار والصلح، لأن ما سواه فتنة لا تعرف عواقبها، فقال: ما وضعنا بسيوفنا على عواتقنا على أمر يُفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر ما نسدُّ منها خصما إلا تفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له. وفي هذه الروايات الصحيحة
200
مصنف بن أبي شيبة، 336/ 8.
4189
البخاري رقم
المرجع السابق.
1
2
3 (1/201)
صفحة 202
رد على دعاة الفتنة، ومبغضي الصحابة الذين يصنعون الأخبار المكذوبة ويضعون الأشعار وينسبونها
إلى أعلام الصحابة والتابعين الذين شاركوا في صفّين ليظهروهم بمظهر المتحمس لتلك الحرب ليزرعوا
البغضاء في النفوس ويعملوا على ما في وسعهم على استمرار الفتنة. لقد قبل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقف القتال في صفّين، ورضي بالتحكيم، ورجع إلى الكوفة وعلق على التحكيم آملًا في إزالة
الخلاف
وجمع
الكلمة
ووحدة الصف وتقوية الدولة وإعادة حركة الفتوح من جديد: إن وصول الطرفين
إلى فكرة التحكيم، ساهمت عدة عوامل للاستجابة للتحكيم ومنها الاستجابة إلى النداء الواعي الداعي للإصلاح، قال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]. ويؤيد هذا ما قال علي بن أبي طالب، حينما عرض عليه الاحتكام إلى كتاب الله. فقد قال: نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله. على موعد لهذا الصوت الذي نادى بالهدنة والصلح، وكانت أغلبية جيش علي في اتجاه الموادعة، وكانوا يرددون: قد أكلتنا الحرب ولا ندري البقاء إلا على الموادعة. وهذا ينقض ذلك
6
الرأي الذي رُوّج بأن رفع المصاحف كان خدعة من عمرو بن العاص، والحق أن فكرة رفع المصاحف لم تكن جديدة، وليس ابتكار عمرو بن العاص، بل رفع المصحف في الجمل ورشق حامله كعب بن سور
قاضي البصرة بسهم وقتل 4.
فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في حديثه عن معركة الجمل: وحمل كعب بن سور المصحف وتقدم أمام جيش البصرة، ونادى جيش علي قائلًا: يا قوم أنا كعب بن سور، قاضي البصرة، أدعوكم إلى
201
الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من
الخلاف ص 530
مصنف بن أبي شيبة، 336/ 8.
دراسات في عهد النبوة، ص 433.
علي بن أبي طالب، المرجع السابق، ص 527.
1
2
3
4 (1/202)
صفحة 203
كتاب الله والعمل بما فيه، والصلح على أساسه وخشي السبئيون في مقدمة جيش علي أن تنجح محاولة
كعب، فرشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد، فلقي وجه الله ومات والمصحف في يده.
4. مقتل عمار بن ياسر وأثره على المسلمين:
يعد حديث رسول الله لعمار رضي الله عنه: تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ 2 من الأحاديث الصحيحة والثابتة عن النبي .. وقد كان لمقتل عمار رضى الله عنه أثر في معركة صفين فقد كان علماً لأصحاب رسول (صلى الله عليه وسلم). الله (صلى الله عليه وسلم) يتبعونه حيث سار، وكان خزيمة بن ثابت حضر، صفين، وكان كافًا سلاحه، فلما رأى معاوية وعمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو، وأبو الأعور السلمي، عند شريعة الماء يسقون. وكانت هي شريعة الماء الوحيدة التي يستقي منها الفريقان وكان حديثهم عن مقتل عمّار بن ياسر، إذ قال عبد الله بن عمرو لوالده: لقد قتلنا هذا الرجل. وقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): تقتله الفئة الباغية. فقال عمرو لمعاوية، لقد قتلنا الرجل وقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما قال: فقال معاوية: اسكت فو الله ما تزال تدحض في بولك أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به. وقد انتشر تأويل معاوية بين أهل الشام انتشار النار في الهشيم وجاء في رواية صحيحة: أن عمرو بن حزم دخل على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار، وقد قال فيه رسول الله (): تقتله الفئة الباغية. فقام عمرو بن العاص فزعًا يسترجع حتى دخل على معاوية فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قتل عمار قال: فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول له: تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ: فقال له معاوية دحضت في بولك، أو نحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال بين سيوفينا. وفي رواية صحيحة أيضًا: جاء رجلان
202
البداية والنهاية 253/ 7
مسلم، رقم
2916
مسند أحمد 206/ 2. إسناده حسن مضف عبد الرازق، 240/ 11. سند صحيح
1
2
3
4 (1/203)
صفحة 204
عند معاوية يختصمان في رأس عمّار يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: تقتله الفئة الباغية. قال معاوية:
فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أطع أباك مادام حيا حباً ولا تعصه. فأنا معكم ولست أقاتل.
ومن الروايات السابقة نلاحظ أن الصحابي الفقيه عبد
الله
عمرو رضي
الله عنهما ص على قول
الحق، والنصح، فقد رأى أن معاوية وجنده هم الفرقة الباغية لقتلهم عماراً، فقد تكرر هذا الاستنكار في مناسبات مختلفة ولا شك أن مقتل عمار رضي الله عنه قد أثر في بلاد الشام بسبب هذا الحديث إلا أن معاوية أوّل الحديث تأويلاً غير مستساغ ولا يصح في أن الذين قتلوا عمارًا هم الذين جاؤوا به إلى القتال 2، وقد أثر مقتل عمار كذلك على عمرو بن العاص، بل كان مقتل عمار دافعًا لعمرو بن العاص للسعي لإنهاء الحرب، وقد قال رضي الله عنه: وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين
سنة 4.
وقد جاء في البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نحملُ لبِنَةً لبنةً وعمَّارٌ يحمل لبنتين لبنتين يعني في بناء المسجدِ. فرآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فجعل ينفُضُ عنْهُ التُّرابَ ويقولُ ويحَ عَمَّارٍ تقتله الفئة الباغية ويدعوهم إلى الجنَّةِ ويدعونَهُ إلى النَّارِ، قال عمار أعوذ بالله من الفتنة. وقال ابن عبد البر: تواترت الآثار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: تقتل عماراً الفئة الباغية، وهذا من إخباره بالغيب وأعلام
203
مسند أحمد، 138/ 11 139.
خلافة علي بن أبي طالب، ص 325.
معاوية بن أبي سفيان، ص
251
أنساب الأشراف 170/ 1. انظر: الغضبان عمرو بن العاص، ص 603.
447
البخاري، رقم
1
2
4
5 (1/204)
صفحة 205
نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من أصح الأحاديث وقال الذهبي بعدما ذكر الحديث: وفي الباب عن
عدة من الصحابة، فهو متواتر 2.
5. فهم العلماء للحديث "تقتلك الفئة الباغية":
يذكر ابن حجر وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وفضيلة ظاهرة لعلى وعمار، وردّ على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيبا في حروبه 3. وقال أيضًا: دلّ الحديث: "تقتل عماراً الفئة الباغية"، على أن علياً كان المصيب في تلك الحروب، لأن أصحاب معاوية قتلوه. ويقول النووي: وكان الصحابة يوم صفين يتبعونه حيث توجه، لعلمهم بأنه الفئة العادلة، لهذا الحديث 5. مع
وقال ابن كثير: كان على وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، وقال أيضاً وهذا مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنهما مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قتله أهل الشام، وبان وظهر ما أخبر به الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أنه تقتله الفئة الباغية وبان بذلك
سر
أن علياً محق، وأن معاوية باغ وما في ذلك من دلائل النبوة.
وقال عبد العزيز بن باز: وقال صلى الله عليه وسلم في حديث عمار: تقتله الفئة الباغية، فقتله معاوية وأصحابه في وقعة صفين، فمعاوية وأصحابه بغاة لكن مجتهدون ظنوا أنهم مصيبون في المطالبة بدم
عثمان 7.
204
529
الاستيعاب، 2/ 1140.
سير أعلام النبلاء، 421/ 1.
فتح
الباري،
646/ 1
فتح الباري، المرجع السابق، 92/ 13
تهذيب الأسماء واللغات، 38/ 2
البداية والنهاية، 277/ 7. انظر: الصلابي، علي بن أبي طالب، ص (
7 فتاوى ومقالات متنوعة، 87/ 6.
1
2
3
4
5
6 (1/205)
صفحة 206
6. الرد على قول معاوية "إنما قتلته من جاء به":
إن جل الصحابة والتابعين قد فهموا من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعمار: تقتُلك الفئة الباغيةُ، أي
المقصود، جيش معاوية رضي الله عنه، مع أنهم معذورون في اجتهادهم، فهم يقصدون الحق ويريدونه أن الأئمة لم يعجبهم
ولكنهم لم يصيبوه وفئة علي أولى بالحق منهم كما قال صلى الله عليه وسلم ومع
تأويل معاوية إلا أنهم عذروه في اجتهاده وقد أجاب علي رضي الله عنه عن قول معاوية بأن قال: فرسول
الله (صلى الله عليه وسلم): إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي رضي
اعتراض عليها، قالها الإمام الحافظ أبو الخطاب بد دحية 3.
الله عنه
إلزام لا جواب عنه، وحجة لا
وقال ابن كثير: فقول معاوية: إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا، تأويل بعيد جداً، إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل الذين يقاتلون في سبيل الله حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء. وقال ابن تيمية: وهذا القول لا أعلم له قائلًا من أصحاب الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل السنة، ولكن هو قول كثير من
المروانية ومن وافقهم
5
7 عدد القتلى في صفين
تضاربت أقوال العلماء في عدد القتلى، فذكر ابن أبي خيثمة أن القتلى في صفين بلع عددهم سبعين ألفاً، من أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً ومن أهل الشام خمسة وأربعين ألف مقاتل.
205
2916
مسلم، رقم
معاوية بن أبي سفيان المرجع السابق، ص 210 - 214.
التذكرة، 223/ 2.
البداية والنهاية.221/ 6
منهاج السنة، 406/ 4.
القضاعي، الأنباء، ص 59، وانظر: خلافة عليّ، ص 246.
1
2
3
4
5
6 (1/206)
صفحة 207
كما ذكر ابن القيم أن عدد القتلى في صفين بلغ سبعين ألف أو أكثر ولا شك أن هذه الأرقام غير دقيقة، بل أرقام خيالية، فالقتال الحقيقي والصدام الجماعي استمر ثلاثة أيام مع وقف القتال بالليل، إلا مساء الجمعة، فيكون مجموع القتال حوالي ثلاثين ساعة. ومهما كان القتال عنيفًا، فلن يفوق شدة
القادسية التي كان عدد الشهداء فيها ثمانية آلاف وخمسمائة، وبالتالي يصعب عقلا أن نقبل تلك الروايات التي ذكرت الأرقام الكبيرة.
8. تفقد أمير المؤمنين على القتلى وترحمه عليهم:
وقد وقف على قتلاه وقتلى معاوية فقال: غفر الله لكم غفر الله لكم للفريقين جميعاً وعن يزيد بن الأصم قال: لما وقع الصلح بين علي ومعاوية، خرج علي فمشى في قتلاه فقال: هؤلاء في الجنة، ثم خرج إلى قتلى معاوية فقال: هؤلاء في الجنة ويعبر الأمر إلى وإلى معاوية. وكان يقول عنهم: هم المؤمنون 7، وقوله رضي الله عنه في أهل صفين لا يكاد يختلف عن قوله في أهل الجمل.
9 نهي أمير المؤمنين علي عن شتم معاوية ولعن أهل الشام:
روي أن عليا - رضى الله عنه - لما بلغه أن اثنين من أصحابه يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، أرسل إليهما أن كفّا عمّا يبلغني عنكما، فأتياه فقالا يا أمير المؤمنين، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال:
251
الصواعق المرسلة، 377/ 1. دون اسناد.
الدولة الأموية، ص. ص (
362 - 360
تاريخ الطبري 388/ 4
الصلابي، علي بن أبي طالب، ص
535
خلافة علي بن أبي طالب، المرجع السابق، ص)
250,
مصنف بن أبي شيبة، 303/ 15. سنده حسن.
-
تاريخ دمشق 331/ 1 339. وانظر: خلافة علي بن أبي طالب المرجع السابق، ص 1
عبد الحميد، خلافة علي بن ابي طالب، المرجع السابق، ص 251.
206
1
2
3
4
5
6 (1/207)
صفحة 208
بلى ورب الكعبة المسدنة، وقالا: فلماذا تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟ قال كرهت لكن أن تكونوا لعانين،
ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأبعدهم عن ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي من لجج به 1.
وأما ما قيل من أن عليا كان يلعن يلغي في قنوته معاوية وأصحابه فهو غير صحيح لأن الصحابة – رضوان الله عليهم-كانوا أكثر حرصا من غيرهم على التقيد بأوامر الشارع الذي نهي عن سب المسلم ولعنه؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: " لعْنُ المؤمن كقتلِهِ "3. وقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس المؤمنُ بطعان ولا بلعَّانٍ ولا الفاحش البذيء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَكونُ اللعَانُونَ شفعاء، ولا شُهداءَ يومَ القيامةِ "5.
411
فقد أنكر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه على من يسب معاوية ومن معه فقال: إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم ولو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب من القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم، فهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف أصح كتاب في نظر الشيعة.
10
التحكيم: تم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد الانتهاء موقعة صفين، وهو أن
يحكم كل واحد منهما رجلًا من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما جميعًا، وكتب بين
1 الأخبار الطوال، ص 165. وانظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، 232/ 2.
2 تحقيق مواقف الصحابة، 232/ 2.
4
5
البخاري، كتاب الأدب، 84/ 7.
السلسلة الصحيحة للألباني، رقم 320.
أبي داود، رقم: 4907 سنن
6 أصول مذهب الشيعة، 934/ 2.
207 (1/208)
صفحة 209
الفريقين وثيقة في ذلك. وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في رمضان سنة 37 هـ،
وقد رأى قسم من جيش علي رضي الله عنه أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر، فعليه أن يتوب إلى الله تعالى وخرجوا عليه فسموا الخوارج، فأرسل علي رضي الله عنه إليهم ابن العباس رضي الله عنه فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم علي رضي الله عنه بنفسه، فرجع طائفة منهم وأبت طائفة أخرى، فجرت بينهم وبين علي رضي الله عنه حروب أضعفت من جيشه وأنهكت أصحابه.
تعتبر قضية التحكيم من أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة، وقد تاه فيها كثير من الكتاب وتخبط فيها آخرون ممن سطروها ويسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم وقد اعتمدوا اعتمد على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوّهت الصحابة الكرام وخصوصا أبو موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول وبأنه كان على جانب كبير من الغفلة، ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم، ووصفوا عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه كان صاحب مكر وخداع، فكل هذه الصفات الذميمة حاول المغرضون والحاقدون على الإسلام إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدّى إلى قتل الكثير من المسلمين.
وقد تعامل الكثير من المؤرخين والباحثين مع الروايات التي وضعها خصوم الصحابة الكرام على أنها حقائق تاريخية، وقد تلقاها الناس منهم بالقبول دون تمحيص لها وكأنها صحيحة لا مرية فيها، وقد يكون لصياغتها القصصية المثيرة وما زعم فيها من خدع ومكر أثر في اهتمام الناس بهما وعناية المؤرخين بتدوينها، وليعلم أن كلامنا هذا ينصب على التفصيلات لا على أصل التحكيم حيث أن أصله لا شك
فيها.
1 مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، ص 378.
208 (1/209)
صفحة 210
- أبو موسى الأشعري:
إن حياة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه منذ إسلامه قضاها في نشر الإسلام، وتعليم الناس العلم، وخاصة القرآن الذي اشتهر بقراءته، والجهاد في سبيل الله والحرص عليه والفصل الخصومات، ونشر العدل، وضبط الولايات عن طريق القضاء والإدارة، ولا شك إن هذه المهمات صعبة وتحتاج إلى مهارات وصفات فريدة، من العلم والفهم والفطنة والحذق والوزع والزهد، وقد أخذ منها أبو موسى نصيب وافر، فاعتمد عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم الخلفاء الأربعة من بعده رضوان الله عليهم، فهل يتصور أن يثق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم خلفاؤه بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم 2.
إن اختيار أبي موسى -رضي الله عنه - حكمًا عن أهل العراق من قبل علي رضي الله عنه- وأصحابه ينسجم تماما مع الأحداث، فالمرحلة التالية هي مرحلة الصلح وجمع كلمة المسلمين، وأبو موسى الأشعري كان من دعاة الصلح والسلام كما كان في الوقت نفسه محبوبًا، مؤتمنا من قبائل. وقد ذكرت المصادر المتقدمة: أن عليا هو الذي اختار أبا موسى الأشعري، يقول خليفة في تاريخه أو فيها سنة 37 هـ اجتمع الحكمان: أبو الأشعري من قبل عليّ، وعمرو بن العاص من قبل معاوية. ويقول ابن سعد: فكرة الناس الحرب وتداعوا على الصلح وحكموا الحكمين، فحكّم علي أبا موسى، وحكم معاوية عمرو بن العاص 4.
موسي
ولهذا يمكن القول: إن الدور المنسوب للقرّاء في صفين من مسؤولية وقف القتال والتحكيم وفرض أبي حكما ليست إلا فرية تاريخية اخترعها الإخباريون الشيعة الذين ما انقطعوا، عن تزوير وتشويه
موسي
209
خلافة علي بن أبي طالب، ص 262. تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة 227/ 2
تاريخ خليفة، ص 191، 192.
الطبقات، 32/ 3.
1
2
3
4 (1/210)
صفحة 211
تاريخ الإسلام، بالروايات الباطلة وكان يزعجهم أن يظهر علي رضي الله عنه-بمظهر المتعاطف مع معاوية وأهل الشام، وأن يرغب في الصلح مع أعدائهم التقليديين من جهة أخرى يحملون المسؤولية
أعدائهم الخوارج ويتخلصون منها، ويجعلون دعوى الخوارج تناقض نفسها، فهم الذين أجبروا عليا على
قبول التحكيم، وهم الذين ثاروا عليه بسبب قبول التحكيم.
عمرو بن العاص رضى
الله عنه:
—
من فضاله ومناقبه شهادة رسول الله () له بالإيمان: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أسلمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بن العاص". وفي حديث آخر قال رسول الله: "ابنا العاص مُؤْمِنانِ عمرُو وَهِشَامٌ" 3. وقال عمرو بن العاص: فزع الناس بالمدينة مع النبي (صلى الله عليه وسلم) فتفرقوا، فرأيت سالماً احتبى سيفا، فجلس في المسجد، فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذين فعل، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قرآني وسالماً، وأتى الناس فقال: "يا أيُّها النَّاسُ، أَلا كانَ مَفْزَعُكُم إلى الله، وإلى رسولِهِ؟ ثمَّ
قالَ: أَلا فَعَلْتُمْ كما فعل هذانِ الرَّجلانِ المُؤْمِنانِ؟ ".
وبعد إسلامه أصبح له مكانة مرموقة عند النبي (صلى الله عليه وسلم) وشارك في الدفاع عن الإسلام والجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أرسل عمرًا إلى دعوة ابني الجلندي: جيفر وعباد إلى الإسلام. وصدقا بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وخليا بين عمر وبين الصدقة والحكم فيما بين قومهم وكانا له عونا على من
خالفه 5
210
156
1 تحقيق مواقف الصحابة، 215/ 2.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، 238/ 1 رقم 155. الطبقات 191/ 4 وانظر: السلسلة الصحيحة، 240/ 1،
رقم
مسند أحمد، رقم 203.
الطبقات، 262/ 1. وانظر:. جوامع السير لابن جزم، ص 24.
2
3
4
5 (1/211)
صفحة 212
وبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجّه الصديق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين وكان الصديق خيّره بين البقاء في عمله الذي أسنده إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبين أن يختار له ما هو خير له في الدنيا والآخرة،
إلا أن الذي هو فيه أحب إليه، فكتب إليه عمرو بن العاص إلى سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فأرم به. فلما قدم المدينة أمره أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج من المدينة، وأن يعسكر حتى يندب معه الناس ثم أرسله بجيش إلى الشام. وفي معركة اليرموك كان عمرو على الميمنة، فكان لمشاركته أثر كبير في انتصار المسلمين.
وبعد وفاة الصديق استمر عمرو في الشام وكانت له مشاركة فعالة في حركة الفتح الإسلامي بالشام وكان كانت في عهد عثمان من المقربين إلى الخليفة ومن أهل مشورته ولما أحيط بعثمان رضي الله عنه خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجهاً إلى الشام وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله عز وجل بذلّ، ومن لم يستطع نصره فليهرب، فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، وخرج بعده حسان بن ثابت وتتابع على ذلك ما شاء الله 3.
وعندما جاء الخبر عن مقتل عثمان الله رضي
عنه،
وبأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب، قال عمرو بن
ورضي عنه وغفر له.
العاص: أنا أبو عبد الله تكون في حرب من حك فيه قرحة نكأها، الله عثمان
رحم
فقال سلامة بن زنباع الجذامي يا معشر العرب إنه قد كان بينكم وبين العرب باب فاتخذوا بابا إذ
:
كسر الباب، فقال عمرو: وذلك الذي نريد ولا يصلح الباب إلا أشاف، تخرج الحق من حاضرة البأس،
ويكون الناس في العدل سواء، ثم تمثل عمرو بن العاص بهذه الأبيات:
1
إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء، ص 55.
51 - 48
2 الأزدي، فتوح الشام، ص. صف الطبري نقلا. عن عمرو بن العاص، ص 464.
3
تاريخ
4 أشاف:
جمع
أشفى وهو المثقب.
211 (1/212)
صفحة 213
فيالهف نفسي على مالكِ وهل يصرفُ مالك حفظ القدر
نزع من الحر أودي بهم فأعذرهم أم بقومي سكر.
ثم ارتحل راحلا يبكي ويقول: يا عثماناه؛ أنعي الحياة والذيم، حتى قدم دمشق.
هذه هي الصورة الصادقة عن عمرو رضي الله عنه، والمتتالية مع شخصيته وخط حياته وقربه من عثمان، أما الصورة التي تمسخه إلى رجل مصالح وصاحب مطامع وراغب دنيا فهي الرواية المتروكة الضعيفة، وراية الواقدي عن موسى بن يعقوب 2.
وقد تأثر بالروايات الضعيفة والسقيمة مجموعة من الكتاب والمؤرخين فأهووا بعمرو إلى الحظيظ الحفيظ، كالذي كتبه محمود شيت خطاب 3، وعبد الخالق السيد أبو رابية، وعباس محمود العقاد الذي يتعالى عن النظر في الإسناد، ويستخف ويستحق بقارئه، ويظهر له صورة معاوية، وعمرو رضي الله عنهما بأنهما: انتهازيان صاحبا مصالح، ولو جمع الناقدون التاريخيون على بطلان الروايات التي اسند إليها في للعقاد شيئًا، فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة واهية لا تقوم بها حجة: وليقل
تحليله، فهذا لا
يعني
الناقدون التاريخيون ما بدالهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحة هذه الكلمات، وما ثبت نقله ولم
يثبت منه سند ولا نص نصه، فالذي لا ريب فيه الملك والولاية وأن المساومة بينهما كانت على النصيب
الذي آل على كل منهما ولولاه لما كان بينهما اتفاق 5.
212
508
تاريخ الطبري، المرجع السابق، ص 464. الغضبان، عمرو بن العاص، المرجع السابق، ص 481. محمد شيت خطاب سفراء النبي صلى الله عليه وسلم محمود ص
عبد الخالق سيد أبو رابية، عمرو بن العاص، ص 316.
232.231
العقاد عمرو بن العاص، ص. ص.
1
2
3
4
5 (1/213)
صفحة 214
إن شخصية عمرو رضي الله عنه أنه مبادئ غادر المدينة حين عجز عن نصرة عثمان، وبكى عليه بكاء
مرًا حين قتل، فقد كان في الشورى في عهد عثمان من غير ولاية ومضى إلى معاوية رضي الله عنهما يتعاونا معاً على حرب قتلة عثمان والثأر للخليفة الشهيد. 1.
لقد كان مقتل عثمان كافيًا لأن يحرك غضبه على أولئك المجرمين، السفاكين، وكان لابد من اختيار مكان غير المدينة للثأر من هؤلاء الذين تجرؤوا على حرم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقتلوا الخليفة على أعين الناس، وأي غرابة أن يغضب عمرو لعثمان؟ وهنا إن كان هناك من يشك من هذا الموضوع، فمداره على الروايات
المكذوبة التي تصور عمرا همه السلطة والحكم.
نص وثيقة التحكيم:
—
وقد تضمنت وثيقة التحكيم الآتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتها، فيما تراضيا فيه من الحكم
بكتاب الله وسنة نبيه ().
- قضية علي على أهل العراق شاهدهم، وغائبهم وقضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم.
إنا تراضينا أن نقف عند حكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، تُحيي ما أُحيى وتميت ما أمات
على ذلك تقاضينا وبه تراضينا.
213
490.489.
ص
الغضبان، عمرو بن العاص، المرجع السابق
المرجع نفسه، ص 492.
1
2 (1/214)
صفحة 215
- إن عليا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرًا وحاكمًا، ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا.
- إن علي ومعاوية أخدا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله،
أن يتخذا القرآن إمامًا، ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه مسطورًا، وإن لم يجدا في الكتاب رداه
إلى سنة رسول الله (الجامعة، لا يتعمّدان لها خلافاً، ولا يبغيان فيها بشبهة.
أخذ عبد
بن
الله قيس وعمرو بن العاص على معاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما
به
كتاب الله وسنة نبيه، وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره.
- الحكمان آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما، وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما، لم يعدوا الحق، رضي به راض أو سخط ساخط، وإن للأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما في
كتاب الله.
- إن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلًا من أهل المعدلة والصلاح على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق.
إن مات أحد الأميرين قبل انعقاد الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يولوا مكانه رجلاً يرضون
عدله.
- وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة ورفع السلاح.
- وجبت القضية على ما سميناه في هذا الكتاب من موقع الشرط على الأميرين والحكمين والفريقين والله
أقرب شهيد وكفى به شهيداً، فإن خالفا، وتعدّيا، فالأمة بريئة من حكمهما، ولا عهد لهما ولا ذمة.
214 (1/215)
صفحة 216
الناس آمنون على أنفسهم وأهاليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح موضوعة، والسبل
آمنة والغائب في الفريقين مثل الشاهد في الأمر.
للحكمين أن ينزلا منزل متوسطاً عدلا بين أهل العراق والشام.
لا يحضرهما فيه إلا من أحبّا عن تراض منهما.
- الأجل إلى انقضاء شهر رمضان فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها، وإن رأيا تأخيرها إلى
آخر الأجل أخراها.
إن هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقين على أمرهم الأول في الحرب.
- وأخيرًا: على الأمة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا.
وشهد على ما في هذا الكتاب: الحسن والحسين ابنا علي كرم
الله
وجهه، وعبد
الله
بن عباس، وعبد الله
بن جعفر بن أبي طالب، والأشعث بن قيس الكندي، والأشتر بن الحارث، وسعيد بن قيس الهمداني، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب، وأبو سعيد بن ربيعة الأنصاري، وعبد الله بن خباب بن الأرت، وسهل بن حنيف، وأبو بشر بن عمر الأنصاري، وعوف بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الله الأسلمي، وعقبة بن عامر الجهني، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والنعمان بن عجلان الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، ويزيد بن حجية النكري، ومالك بن كعب الهمداني، وربيعة بن شرحبيل والحارث بن مالك وحجر بن يزيد وعلبة بن حجية.
ومن أهل الشام: حبيب بن مسلمة الفهري وأبو الأعور السلمي، وبسر بن أرطاة القرشي، ومعاوية بن خديج الكندي، والمخارق بن الحارث الزبيدي، ومسلم بن عمرو السكسي، وعبد الله بن خالد بن
215 (1/216)
صفحة 217
مالك: الوليد، وحمزة بن وسبيع بن يزيد بن أبجر العبسي، ومسروق بن جبلة العكي، وبسر بن يزيد الحميري، وعبد الله بن عامر القرشي، وعتبة بن أبي سفيان ومحمد بن أبي سفيان، ومحمد بن عمرو بن
العاص، وعمار بن الأحوص الكلبي، ومسعدة بن عمرو العتبي، والصباح بن جلهمة الحميري، وعبد
الرحمن بن ذي الكلاع، وتمامه بن حوثب، وعلقمة بن حكم.
كتب يوم الأربعاء لثلاثة عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين.
—
قصة التحكيم المشهورة وبطلانها من وجوه:
إن جميع متون قصة التحكيم لا يمكن أن تقوم أمام معايير النقد العلمي، بل هي باطلة من عدة وجوه.
أ.
جميع طرقها ضعيفة:
أقوى طريق وردت فيه هو ما أخرجه عبد الرازق والطبري بسند رجاله ثقات عن الزهري مرسلًا، قال: الزهري: فأصبح أهل الشام فقد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقيين، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري واختار أهل الشام عمرو بن العاص، فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن وأن يختارا لأمة محمد)، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح إلى أن قال: فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو:
1
2
الوثاق السياسية ص 537، 537. وفي: الأخبار الطوال للدينوري، ص 196 - 199. وانظر: ابن كثير، البداية والنهاية، 276/ 7 - 277. مرويات أبي محنف في تاريخ الطبري، د
ص
404
216 (1/217)
صفحة 218
6
اكتبها فكتبها أبو موسى قال عمرو: يا أبا موسى،، أأنت
على
أن
نشمي رجلًا يلي أمر هذه الأمة؟
فسمه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك عليّ أن أتابعك وإلا فلي عليك أن تتابعني قال أبو موسى: أسمى لك معاوية بن أبي سفيان فلم يبرحا مجلسا حتى استبا ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو كمثل الذي قال الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف:
[175
فلما سكت أبو موسى، تكلم عمرو، فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال الله له: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5].
وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه من الأمصار، والزهري لم يدرك الحادثة فهي مرسلة، ومراسليه كأدراج الرياح لا تقوم بها حجة. كما قررّ العلماء، وهناك طريق أخرى أخرجها ابن عساكر بسنده إلى الزهري، وهي مرسلة وفيها أبي بكر بن أبي سبرة قال عنه الإمام أحمد: كان الحديث 3 يضع وفي سنده أيضًا الواقدي وهو متروك، وهذا نصها:
"رفع أهل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه، وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتاباً على أن يوافقوا رأس الحول أذرح، وحكموا حكمين ينظرون في أمور الناس فيرضوا بحكمها، فحكّم على أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص وتفرّق الناس، فرجع علي إلى الكوفة، وبالاختلاف والدغل واختلف عليه أصحابه، فخرج عليه الخوارج من أصحابه ممن كان معه، وأنكروا تحكيمه وقالوا لا حكم إلا لله، ورجع معاوية بالألفة واجتماع الكلمة عليه، ووافي الحكمان بعد الحول بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين واجتمع الناس إليهما وكان بينهما
1
المصنف 463/ 5. وانظر: مرويات تاريخ الطبري نقلا عن علي بن أبي طالب، ص 558.
2 المراسيل لأبي حاتم، ص 3. وانظر: الجرح والتعديل، 246/ 1.
3
تهديب وتهذيب 27/ 2 وانظر: مرويات تاريخ الطبري، ص 406.
217 (1/218)
صفحة 219
اجتمعا عليه في السرّ خالفه عمرو بن العاص فخلع عليا وأقر معاوية فتفرق الحكمان ومن كان اجتمع
إليهما، وبايع أهل الشام معاوية في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين "1
وأما طرق بني مخنف فهي معلولة به، فالأول هو أبو مخنف لوط بن يحيى، ضعيف ليس بثقة، وأخباري تالف غالي في الرفض، وأما الثاني: قال فيه ابن سعد كان ضعيفًا، وقال البخاري: وأبو حاتم كان يحي القطان يضعفه وقال عثمان الدرامي ضعيف، وقال النسائي ضعيف. هذه طرق قصة التحكيم المشهورة، والمناظرة بين أبي موسى وعمرو بن العاص المزعومة، أفمبثل هذا تقوم حجة، أو يعول على مثل ذلك في تاريخ الصحابة الكرام، وعهد الخلفاء الراشدين وعصر القدوة والأسوة؛ ولو لم يكن في هذه الروايات إلا الاضطراب في متونها لكفاها ضعفاً فكيف إذا أضيف إلى ذلك ضعف أسانيدها.
وردت روايات تنقض تلك الروايات تماما
ذلك فيما أخرجه البخاري في تاريخه مختصرًا بسند رجاله ثقات، وأخرجه ابن عساكر معلولا، عن الحصين
بن المنذر: أن معاوية أرسله إلى عمرو بن العاص فقال له: إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره، فأته
فأسأله
عن الأمر الذي اجتمع عمرو وأبو موسى فيه، كيف ضعتما فيه؟ قال: قد قال الناس وقالوا، لا والله ما كان ما قالوا، ولكن لما اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه
تاريخ دمشق 53/ 16
1
2 تحقيق مواقف الصحابة، 223/ 2.
3 التاريخ
4
الكبير، المرجع السابق 267/ 2/4. وانظر: الحرج والتعديل، 138/ 9.
التاريخ للدرامي، ص 238. وانظر: تحقيق مواقف الصحابة، 223/ 2.
218
الضعفاء والمتروكون، ص 253.
مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، ص 408.
5
6 (1/219)
صفحة 220
في النفر الذي توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راض، قال: فقلت: أين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟
قال: إن يستعين بكما ففيكما معونة وأن يستغني عنكما فطالما استغنى الأمر عنكما.
الأحداث
وقد روى أبو موسى عن تورّع عمرو ومحاسبته لنفسه، وتذكره سيرة أبي بكر وعمر، وخوفه من بعدهما قال أبو موسى: قال لي عمرو بن العاص: والله لئن كان أبو بكر وعمر تركاً هذا المال وهو يحلُ لهما، لقد كتبنا وأخطأ أو نقص رأيهما، ووالله ما كانا مغبونين ولا مخطئين ولا ناقصي الرأي، ووالله ما
جاءنا الوهم والضعف إلا من قبلنا.
—
معاوية يرى أن عليًا أحق بالخلافة:
إن معاوية كان يقر بفضل علي رضي الله عليه، وأنه أحق بالخلافة منه، فلم ينزعه الخلافة ولا طلبها لنفسه في حياة علي، فقد أخرج يحيى بن سليمان الجحفي بسند جيد. وعن أبي مسلم الخولاني: أنه قال لمعاوية: أنت تنازع عليا في الخلافة وأنت مثله؟ قال: لا وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ولك ألستم تعلمون أن عثمان قتل، مظلومًا، وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه فأتوا عليا فقولوا له لنا قتلة عثمان وأسلم له فأتوا عليا فكلموه فلم يدفعهم إليه. فهذا هو أصل النزاع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، فالتحكيم من أجل حل هذا القضية المتنازع عليها لاختيار خليفة أو عزله.
يدفع
219
التاريخ الكبير، 398/ 5.
العواصم من القواصم، ص. ص ص 178 - 180.
فتح
الباري،
86/ 13
سير أعلام النبلاء، 140/ 3.
مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، ص 409.
1
2
3
4
5 (1/220)
صفحة 221
—
الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة:
إن حالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة لهم، فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة؟ لا شك أن الأحوال ستزداد سوءًا والصحابة الكرام أحذق وأعقل من أن يقدموا على هذا ولهذا يتضح بفلان أن
الرأي عقلاً ونقلاً.
حقيقة قرار التحكيم:
ليس مما شك في أن أمر الخلاف الذي رأى الحكمان رده إلى الأمة أو إلى أهل الشورى، ليس إلا أمر الخلاف بين علي ومعاوية حول قتلة عثمان، ولم يكن معاوية مدعيا للخلافة ولا منكرًا حق عليّ فيها عما تقرر سابقًا وإنما كان ممتنعا عن بيعته، وعن تنفيذ أوامره في الشام حيث كان متغلبًا عليها بحكم الواقع لا بحكم القانون مستفيدًا من طاعة الناس له بعد أن بقي واليا فيها زهاء عشرين سنة 2.
مكان انعقاد الاجتماع
—
كان الموعد المحدد لاجتماع الحكمين كما جاء في الوثيقة - في رمضان عام 37 هـ، إذ لم تحدث عوائق في موضع وسيط بين العراق والشام، وهذا الموضع المختار هو دومة الجندل حسب بعض الروايات 3، وأذرح في روايات أخرى أقل منها موثوقية، ولعل لقرب المكانيين في بعضهما أثر في اختلاف الروايات،
220
الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 561.
تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة 134/ 20. دومة الجندل: غرب مدينة الجوف في شمال الجزيرة العربية.
1
2
3 (1/221)
صفحة 222
إذ يقول خليفة بن خياط، ويقال بأذرح وهي من دومة الجندل قريب، وقد تم الاجتماع في الموعد المحدد بدون عوائق 2.
يقول الدكتور محمد سليم العوّا: اجتمع الحكمان في مكان يسمى "دومة الجندل" ... وانتهت المداولات
إلى رأي سديد هو إحالة هذا النزاع بشقيه إلى النفر الذين توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو راض عنهم
3
وفي
كتب التاريخ قديمها وحديثها، قصة مكذوبة لا تصح عن مناقشة وجدال فيها إساءة أدب وقعة بين الصحابيين الجليلين فلا ينبغي الوقوف عندها، بل قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا كله كذب صراح، ما جرى منه قط حرف، وإنما هو شيء اخترعته المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع.
وعندما أعلن الحكمان قرارهما ثارت ثائرة قسم كبير من جند علي رضي الله عنه وقالوا إن هذا القرار لا يحسم النزاع، وإن الحكمين لم يؤديا المطلوب منهما وأخذوا في مهاجمة علي رضي الله لأنه قبل التحكيم ولم يكن له – في زعمهم أن يقبله ورموه بانه حكّم في دين الله الرجال وأن هذا لا يجوز وفي مقابلة هؤلاء المعارضين لعلي رضي الله عنه بقيت طائفة أخرى كبيرة من جيشه معه مطيعة لأمره، حتى قال
قائلهم في أعناقنا بيعة جديدة لك.
192.191
تاريخ خليفة، ص. ص.
خلافة علي بن أبي طالب، ص 267.
418
العواصم من القواصم، ص 3
المرجع نفسه، ص 418.
الكامل في التاريخ 134/ 3. وانظر: محمد سليم العوا المدارس الفكرية الإسلامية، ص 24.
221
1
2
3
4 (1/222)
صفحة 223
11
عمر بن عبد العزيز والقتال بين الصحابة
سئل عمر بن عبد العزيز عن القتال الذي حصل بين الصحابة فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر منها لساني؟ مثل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مثل العيون ودواء العيون ترك، مسها. قال: البيهقي معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: هذا حسن جميل، لأن سكوت الرجل عما
لا
يعنيه هو الصواب 2.
خامسا: كتب شوهت تاريخ الصحابة:
اقتدى واستقى بعض علماء وفقهاء الإباضية في كتابات شوهت تاريح الصحابة ودورهم في مراحل الأزمات
بالأمة وأهم تك الكتابات:
1 الإمامة والسياسة المنسوب لأبي قتيبة:
من الكتب التي شوهت تاريخ صدور الإسلام "الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة، ولقد ساق الدكتور عبد الله عسيلات في كتابه "الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي" مجموعة من الأدلة يبرهن على أن الكتاب المذكور منسوب إلى الإمام ابن قتيبة كذبا وزوراً، هذه الأدلة: ومن
إن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألف كتابًا في التاريخ يدعى "الإمامة والسياسة"،
ولا نعرف من مؤلفاته التاريخية إلا كتاب "المعارف".
222
الباقلاني، الإنصاف، ص 69.
مناقب الشافعي، ص 136.
1
2 (1/223)
صفحة 224
—
- إن المتصفح للكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب، في حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى النور.
- إن المنهج والأسلوب الذي سار على مؤلف "الإمامة والسياسة" يختلف تماما عن منهج وأسلوب ابن قتيبة في كتبه التي بين أيدينا، ففي منهج ابن قتيبة أن يقدم لمؤلفاته بمقدمات طويلة تبين فيها منهجه والغرض من مؤلفه وعلى خلاف ذلك يسير صاحب "الإمامة والسياسة"، فمقدمته فقيرة جدًا لا تزيد على ثلاثة أسطر، هذا إلى جانب الاختلاف في الأسلوب، ومثل هذا النهج لم تعهده في مؤلفات ابن
قتيبة.
- يروي مؤلف الكتاب عن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وعن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه: قاضي الكوفة، توفى سنة 148 هـ، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة 213 هـ؛ أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عامًا.
- إن الرواة والشيوخ الذين يروي عنهم ابن قتيبة عادة في كتبه لم يرد ذكرهم في أي موضع من مواضيع
الكتاب.
—
إن قسمًا كبيرًا من رواياته جاءت بصيغة التمريض فكثيرا ما يجيء فيه: ذكروا عن بعض المصريين، وذكروا عن محمد بن سليمان عن مشايخ أهل مصر، وحدثنا مشايخ أهل المغرب، وذكروا عن بعض المشيخة، وحدثنا المشيخة أو مثل هذه التراكيب بعيدة كل البعد عن أسلوب ابن قتيبة، ولم ترد في
كتاب من كتبه.
223 (1/224)
صفحة 225
إن مؤلف "الإمامة والسياسة" يروي عن اثنين من كبار علماء مصر، وابن قتيبة لم يدخل مصر
ولا
—
أخذ والأخذ عن هذين العالمين 1.
- ابن قتيبة يحتل منزلة عالية لدى العلماء، فهو عندهم من أهل السنة وثقة في علمه ودينه، يقول السلفى: كان ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة ويقول ابن حزم كان ثقة في دينه وعلمه وتبعه في ذلك الخطيب البغدادي. ويقول عنه ابن تيمية: "وإن ابن قتيبة من المنتسبين إلى أحد وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة
211.
ورجل هذه منزلته لدى رجال العلم، المحققين هل من المعقول أن يكون مؤلف كتاب "الإمامة والسياسة" الذي شوه حقائق التاريخ، وألصق بالصحابة الكرام تهم وافترى عليهم ما ليس فيهم.
يقول الدكتور علي نفيع العلياني في كتابه "عقيدة الإمام ابن قتيبة عن كتاب الإمامة والسياسة: "وبعد قراءتي لكتاب الإمامة والسياسة قراءة فاحصة ترجّح عندي أن مؤلف "الإمامة والسياسة" رافضي خبيث أراد ادماج هذا الكتاب في كتب ابن قتيبة نظرًا لكثرتها، ونظرًا لكونه معروفًا عند الناس بانتصاره لأهل الحديث، وقد يكون من رافضة المغرب، فإن ابن قتيبة له سمعة حسنة في المغرب، ومما يرجّح أن مؤلف " الإمامة والسياسة من الشيعة الروافض ما يلي:
- أن مؤلف "الإمامة والسياسة" ذكر على لسان عليّ رضي الله عنه: أنه قال للمهاجرين: الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وعقر بيته إلى دوركم وعقر بيوتكم، ولا تدافعوا أهله مقامة في الناس وحقه فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ونحن
224
علي العلياني، عقيدة الإمامة ابن قتيبة، ص)
90
لسان الميزان 357/ 3. وانظر: تحقيق مواقف الصحابة، 144/ 2
تحقيق مواقف الصحابة.144/ 2
الفتاوي لابن تيمية 391/ 17
1
2
3
4 (1/225)
صفحة 226
أحق بهذا الأمر منكم ... والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهدى فتضلوا عن سبيل الله ولا أحد يرى أن الخلافة وراثية لأهل البيت إلا الشيعة.
- إن مؤلف "الإمامة والسياسة" قدح في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدحًا عظيمًا، فصوّر ابن عمر رضي الله عنه جبانا وسعد بن أبي وقاص حسوداً، وذكر محمد بن مسلمة غضب على علي بن أبي طالب لأنه قتل مرحباً اليهودي بخير، وإن عائشة رضي الله عنها أمرت بقتل عثمان 2. والقدح في الصحابة من أظهر خصائص الشيعة وإن شاركهم الخوارج إلا أنّ الخوارج لا يقدحون في عموم الصحابة 3.
- إن مؤلف "الإمامة والسياسة" كتب عن خلافة الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان خمساً وعشرين صفحة فقط، وكتب عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة مئتي صفحة، فقام المؤلف باختصار التاريخ الناصع المشرف وسود الصحائف بتاريخ زائف لم يثبت منه إلا القليل وهذه من أخلاق الشيعة المعهودة
نعوذ بالله من الضلال والخذلان.
2. كتاب نهج البلاغة:
من الكتب التي ساهمت في تشويه تاريخ الصحابة هو كتاب نهج البلاغة"، فهذا الكتاب مطعون في
سنده
ومتنه فقد
جمع بعد أمير المؤمنين بثلاثة قرون ونصف بلا سند، وقد نسبت الشيعة تأليف نهج
البلاغة إلى الشريف الراضي، وهو غير مقبول عند المحدثين لو أسند، خصوصاً فيما يوافق بدعته، فكيف
225
الإمامة والسياسة، 12/ 1.
المرجع السابق، 12/ 1.
عقيدة الإمام ابن قتيبة للعلياني، ص 91. الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 572.
1
2
3
4 (1/226)
صفحة 227
-
إذا لم يسند كما فعل في النهج؟ وأما المتهم عند المحدثين بوضع، فهو أخوه علي، فقد تحدث العلماء
فيه فقالوا:
- ذكر ابن خلكان في ترجمة الشريف الرضي "وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة" المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هل جمعه؟ أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم.
الله
- قال الإمام الذهبي من طالع نهج البلاغة"، جزم بأنه مكذوب، على أمير المؤمنين علي رضي عنه، ففيه السبّ الصراح، والحظ على السيدين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القريشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممن بعدهم من
المتأخرين جزم بأنّ أكثره "باطل"
311
ابن حجر اتهم الشريف الرضي بوضعه، ويقول: ومن طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي: وأكثره باطل". وعلى هذا، يمكننا تلخيص أهمّ ما لاحظه القدامى والمحدثون على نهج البلاغة
والتشكيك بصحة نسبه للإمام على، بما يلي:
خلوّه من الأسانيد التوثيقية التي تعزّز نسبة الكلام إلى صاحبه-متناً ورواية وسنداً.
- كثرة الخطب وطولها، لأن هذه الكثرة وهذا التطويل مما يعتذر حفظه وضبطه من عصر التدوين 5
226
نايف معروف، الأدب الإسلامي، ص 53.
الوفيات، 124/ 3.
ميزان الاعتدال.124/ 3
لسان الميزان 223/ 4.
علي
بن أبي طالب للصلابي، ص 575.
1
2
3
4
5 (1/227)
صفحة 228
- رصيد العديد من الأقوال والخطب في مصادر وثيقة منسوبة لغير عليّ رضي الله عنه وصاحب النهج
يثبتها له.
- اشتمال هذا الكتاب على أقوال تتناول الخلفاء الراشدين قبله بما لا يليق به ولا بهم وتنافي ما عُرف عنه من توقيره لهم، ومن أمثلة ذلك ما جاء في خطبته المعروفة ب "الشقشقية" التي يظهر فيها حرصه الشديد على الخلافة رغم ما شُهر عنه من التقشف والزهد.
- شيوع السجع فيه، إذ رأى عدد من الأدباء أن هذه الكثرة لا تتفق مع البعد عن التكلف الذي عُرف به عصر الإمام علي رضي الله عنه، مع أن السجع العضوي الجميل لم يكن بعيداً عن روحه ومبناه. - الكلام المنمّق الذي تظهر فيه الصناعة الأدبية التي وشي العصر العباسي وزخرفته ما نجد في وصف الطاووس والخفاش والنحل والنمل والزرع والسحاب وأمثالها.
الصيغ الفلسفية والمقالات الكلامية التي وردت في ثناياه والتي لم تعرف عند المسلمين إلا في القرن الثالث الهجري، حين تُرجمت الكتب اليونانية والفارسية والهندية وهي أشبه ما تكون بكلام المناطقة والمتكلمين منه بكلام الصحابة والراشدين. وبالتالي، فإن هذا الكتاب يجب الحذر منه في الحديث عن الصحابة، وما وقع بينهم وبين أمير المؤمنين علي، وتعرض نصوصه على الكتاب والسنة، فلا مانع من
الاستئناس بها، وما خالف فلا يلفت إليه 2.
الأدب الإسلامي، ص. ص 54 - 55. 2 علي بن أبي طالب للصلابي، ص 575.
227 (1/228)
صفحة 229
3. كتاب الأغاني للأصفهاني:
يعتبر كتاب " الأغاني" لأبي الفرج كتاب أدب وسمر وغناء وليس مرجعًا تاريخيا، أو كتاب علم وفقه وله طنين ورنين في آذان أصحاب الأدب والتاريخ، فليس معنى ذلك أن يُسكت عما ورد فيه من
ادعاءات الشعوبية والدس والكذب الفاضح والطعن بآل البيت الكرام والصحابة رضوان الله عليهم.
تغلي
وإن المعايب، وقد قام الشاعر العراقي وليد الأعظمي بتأليف كتابه القيم الذي سماه "السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني". فقد شمّر -جزاه الله خير عن ساعد الجد، ليميز الهزل من الجد، والسم من الشهد، ويكشف ما احتواه الكتاب من الأكاذيب ودسائس الشعوبية والحاقدين، وهي في الصدور، كغلي القدور. وأخذ يرد على أقوال الأصفهاني فيما جمعه من أخبار وحكايات مكذوبة وغير موثقة، تسيء إلى آل البيت النبوي الشريف، وتجرح سيرتهم، وتشوه سلوكهم، كما تناول مزاعم الأصفهاني تجاه معاوية بن أبي سفيان والخلفاء الراشدين الأمويين بما هو مكذوب ومدسوس عليهم من الروايات، وتناول الأستاذ الكريم والشاعر القدير وليد الأعظمي في كتابه القيم الحكايات المتفرقة التي تضمها الكتاب والتي تطعن في العقيدة الإسلامية والدين الإسلامي وتفضل الجاهلية على الإسلام وغيرها من الأباطيل. ولقد تحدث العلماء فيه قديمًا فقالوا:
- الخطيب البغدادي: كان أبو الفرج الأصفهاني أكذب الناس كان يشتري شيئًا كثيرا من الصحف،
ثم تكون كل رواياته منها " 1.
228
تاريخ، بغداد 398/ 11
1 (1/229)
صفحة 230
- ابن الجوزي: " .. ومثله لا يوثق بروايته، يصحح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهوّن شرب الخمر
1
وربما حكى ذلك على نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأي كل قبيح ومنكر فقال الذهبي: رأيت شيخنا
تقي الدين بن تيمية يضعفه، ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي به 2.
هو
4. تاريخ اليعقوبي:
أحمد بن أبي بعقوب، إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح العباسي من أهل بغداد، مؤرخ شيعي
إمامي كان يعمل في كتابة الدواوين في الدولة العباسية، ومعروف بالكاتب العباسي. وقد عرض اليعقوبي تاريخ الدولة الإسلامية من وجهة نظر الشيعة الإمامية، فهو لا يعترف بالخلافة إلا لعلي بن أبي طالب وأبنائه حسب تسلسل الأئمة عند الشيعة، ويسمّي علي بالوصي، عندما أرخ لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، لم يُضيف عليهم لقب الخلافة، وإنما قال تولى الأمر فلان ثم لم يترك واحدا منهم دون أن يطعن
فيه، وكذلك كبار الصحابة، فقد ذكر عن عائشة الله عنها أخباراً سيئة، وكذلك عن خالد
رضي
بن
الوليد، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان. كما عرض خبر السقيفة عرضا مشينا ادعى فيه أنه قد حصلت مؤامرة على سلب الخلافة علي بن أبي طالب الذي هو الوصي في نظره 7، وطريقته في سياق الاتهامات الباطلة هي طريقة قومه من أهل التشيع والرفض وهي إما اختلاف الخير بالكلية 8
229
المنتظم، 40/ 7 - 41.
ميزان الاعتدال، 123/ 3 تاريخ اليعقوبي 180/ 2 .. 183
المرجع السابق، 131/ 2
المرجع نفسه، 222/ 2
المرجع نفسه، 232/ 2، 238
المرجع نفسه، 123/ 2، 126 كتابة التاريخ الإسلامي ص 431
منهج
1
2
3
4
5
6
7
8 (1/230)
صفحة 231
أو التزيد في الخير،1، والإضافة عليه أو عرضه في غير سياقه ومحله، حتى ينحرف مكانه.
ومن
الملاحظة
أنه عندما ذكر الخلفاء الأمويين وصفهم بالملوك، وعندما ذكر خلفاء بني العباس وصفهم بالخلفاء 2، كما
وصف دولتهم في كتابه البلدان باسم الدولة المباركة مما يعكس نفاقه، وتستره وراء شعار التقية.
وهذا الكتاب يمثل الانحراف والتشويه الحاصل في كتابة التاريخ الإسلامي"، وهو مرجع لكثير من المستشرقين والمستغربين الذين طعنوا التاريخ الإسلامي وسيرة رجاله مع أنه لا قيمة له من الناحية العلمية، حيث يغلب على القسم الأول منه القصص والأساطير والخرافات، وفي القسم الثاني كتب من
زاوية نظر حزبية، كما أنه يفتقد من الناحية المنهجية لأبسط قواعد التوثيق العلمي
3
5
مروج الذهب للمسعودي
هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، من ولد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقيل إنه كان رجلًا من أهل المغرب، ولكن يُرد عليه بأن المسعودي صرح بنفسه أنه من أهل العراق، وأنه انتقل إلى ديار مصر للسكن فيها، فهو قصد بلاد المغرب بدلا من المشرق، فمصر من بلاد المغرب الإسلامي فلا مشكلة فيها 7.
فالمسعودي رجل شيعي، فقد قال فيه ابن حجر كتبه طافحة بأنه شيعيا معتزليا. وقد ذكر أن الوصية جارية من عهد آدم تنقل من قرن إلى قرن حتى رسولنا (صلى الله عليه وسلم)، ثم أشار إلى اختلاف الناس بعد ذلك في
1
المرجع السابق، 431.
2 كتاب البلدان لليعقوبي نقلاً عن علي بن أبي طالب، ص 576.
3
4
منهج كتابة التاريخ الإسلامي ص 432
الفهرست لأبي النديم، ص 171.
5
6
7
الفهرست، ص 171.
معجم
الأدباء، 91/ 13 - 93.
منهج المسعودي في كتابة التاريخ، ص 44.
230 (1/231)
صفحة 232
النص والاختيار فقدم رأي الشيعة الأمامية الذين يقولن بالنص، وقد أولى الأحداث المتعلقة بعلى بن
أبي طالب رضي الله عنه في كتابه "مروج الذهب" اهتمامًا كبيرًا أكثر من اهتمامه بحياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في
الكتاب المذكور، فهو عمل على تشويه تاريخ صدر الإسلام بدون حياء ولا خجل.
إذًا، هذه بعض الكتب القديمة التي تحذر منها والتي كان لها أثر في كتابات بعض المعاصرين، كطه حسين في كتابيه: "الفتنة الكبرى" و "علي" "وبنوه" والعقاد في عبقرياته، فقد تورطا في الروايات الموضوعة والضعيفة، وقامت تحليلاتهم عليها، وبالتالي لم لهم ما يحالفهم الصواب، ووقعوا في أخطاء شنيعة في حق الصحابة
رضي
الله
عنهم.
وكذلك عبد الوهاب النجار في "كتابه الخلفاء الراشدين"، حيث نقل نصوصًا من روايات الشيعة من كتاب"الإمامة والسياسة" وحسن ابراهيم حسن في كتابه "عمرو بن العاص"، حيث قرّر من خلال الروايات الشيعية الموضوعية بأن عمرو بن العاص رجل مصالح ومطامع ولا يدخل في شيء من الأمور إلا إذا رأي فيه مصلحة ومنفعة له في الدنيا 2.
وغير ذلك من الباحثين الذين ساروا على نفس المنوال، فدخلوا في الأنفاق المظلمة بسبب بعدهم عن منهج العدل والإنصاف والعلم الراسخ، وعلوم الجرح والتعديل في علم الرواية.
6. الاستشراق والتاريخ الإسلامي:
6
يرى الشيخ علي يحيى، معمر بأن المستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام - سواء كانت كتاباتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلامية جمعًا، كأمة أو عن فرقه من فرقهم كفرقة أو مذهب لهم أساليبهم ودوافعهم
231
44
المسعودي، مروج!
الذهب ومعادن الجوهر، ص.
حسن إبراهيم تاريخ عمرو بن العاص ص ص 206، 207.
1
2 (1/232)
صفحة 233
أو مراميهم الظاهرة والخفية ومهما كانوا مخلصين للبحث العلمي، ولخدمة الثقافة الإنسانية في هذه المواضيع، فإنهم في الحقيقة أشد إخلاصًا للدوافع الحقيقية التي دفعتهم إلى الكتابة عن الإسلام والمسلمين وهم لا ينسون مطلقًا أن أقلامهم يجب أن تتم ما عجزت عنه سيوف الصليبيين، وأنهم يمثلون الترفع الهناري الذي يعتقدونه للإغريق والرومان أي لشعوب الغرب على شعوب الشرق التي خضعت – في يوم الأيام - لحضارتهم وعسكريتهم ويرون أن ذلك التفوق والتحكم يجب أن يستمر بأيديهم وأيدي أبنائهم وأيدي أحفادهم، وأن كل واحد يمثل في عصره - موقف القيادة لسيطرة الغرب على الشرق، وإن لم يحمل الشارات العسكرية.
من
وعلى أن هؤلاء المستشرقين، عندما يتناولون هذه المواضيع يختلفون بعض الاختلاف في طريقة تناولها فمنهم من تدفعه الحماسة فينكشف بسرعة، وتبدو مقاصده من ثنايا كتاباته واضحة، حتى أن موقف بعضهم لا تختلف عن الضباط العسكريين الذين يتوجهون إلى الاحتلال بقوة السلاح وفيهم من يملك من الدهاء ما يستطيع معه أن يدس إلى قارئه ما يريد من الأفكار دون أن يثير فيهم حاسة الانتباه وغريزة رد الفعل، وهم في أغلب الأحوال ينطلقون من نقاط متشابهة، ويتتبعون وسائل متقاربة إلى أن قال: وأنا إن كنت سلكت مسلك التعميم في الحديث عن المستشرقين لا أدعي أن رأيي هذا ينطبق على كل فرد منهم فهذه لا شك دعوى لا تصح ولا يمكن لي أن أزعمها ضرورة أنني لم أعرف كل المستشرقين ولم أقرأ كل ما كتبه من عرفت منهم. ولكن الصورة التي انطبعت أمامي مما قرأته من كتاباتهم كانت على
هذا النحو الذي وصفته 2. وقام بتقديم دراسة علمية بيَّن فيها:
-
الروح الاستعمارية المتمكنة.
فيهم.
232
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 186.
المرجع السابق، ص 187.
1
2 (1/233)
صفحة 234
- زعزعة الثقة بالمصادر الإسلامية.
التشكيك في الإسلام.
- تحطيم الحصانة الدينية والخلقية للمرأة في المجتمع الشرقي.
لقد استفاد المستشرقون من الكتب التي شوهت تاريخ صدر الإسلام ووجدوا ضالتهم في الروايات الضعيفة والموضوعة، وتلقفوا الأكاذيب والتحريضات إبان غزوهم واستعمارهم للبلدان الإسلامية، وتواجدهم مع دولهم الاستعمارية، فوجدوا فيها ضالتهم، وأخذوا يعملون على إبراز الأكاذيب والتركيز عليها مع زادوه من عندهم بدافع من عصبيتهم وكرههم للمسلمين من الكذب مثل اختراع حوادث لا أصل لها أو التفسير المغرض للحوادث التاريخية بقصد التشويه أو التفسير الخاطئ تبعًا للنفور، والاعتقاد الذي يدينون عليه.
ثم شايع هؤلاء طائفة غير قليلة العدد من التلاميذ المستشرقين في البلاد العربية والإسلامية، وأخذوا طرائقهم ومناهجهم في البحث، وأفكارهم وتصوراتهم في البحث والتحليل وتفسير التاريخ، وحملوا الراية بعد رحيلهم عن بلاد المسلمين وكان ضررهم أشد وأنكى من ضرر أساتذتهم-المستشرقين، ومن ضرر أسلافهم السابقين من فرق البدع والضلال، وذلك أنهم ادعوا كأساتذتهم اتباع الروح العلمية المتجردة والمنهج العلمي في البحث والحقيقة أن غالبهم لم يتجرد إلا من عقيدته أما التجرد بمعنى الإخلاص للحق وسلوك المنهج العلمي السليم في إثبات الواقعات التاريخية، كالمقارنة بين الروايات، ومعرفة قيمة المصادر التي يرجعون إليها ومدى أمانة الناقلين وضبطهم لما نقلوا، وقياس الأخبار واعتبارهم بأحوال العمران البشري وطبائعه. فلا أثر له عند القوم، فلم يتقنوا من المنهج العلمى إلا الأمور الشكلية؛ مثل الحواشي، وترتيب المراجع وما شابهها، وربما كان هذا هو مفهوم المنهج العلمي عندهم.
233
207 - 187
المرجع نفسه، ص. ص منهج كتابة التاريخ الإسلامي، ص 502.
المرجع السابق، ص 502.
1
2
3 (1/234)
صفحة 235
وفي هذا الجانب، يقول محب الدين الخطيب: إن الذين تثقفوا بثقافة أجنبية عنا قد غلب عليهم الوهم بأنهم غرباء عن هذا الماضي، وأن موقفهم من رجاله كموقف وكلاء نيابة من المتهمين، بل لقد أوغل بعضهم في الحرص على الظهور، أمام أما الأغيار بمظهر المتجرد عن كل آصرة بماضي الإسلام، جريا وراء المستشرقين في ارتيابهم، حيث تحس الطمأنينة وميلهم مع الهوى عندما يدعونهم الحق إلى التثبت، وفي إنشائهم الحكم وارتياحهم إليه قبل أن تكون في أيديهم أشباه الدلائل عليه.
إن مدرسة الشيعة المتخصصة في تشويه الصحابة قدمت خدمة لا يستهان بها لأعداء الأمة واستفاد منها المستشرقون في التشكيك والطعن والتشويه لتاريخنا وقيمنا وحضارتنا ولذلك يجب التنبيه والحذر من المدرستين الظالمتين في الحديث عن تاريخ صدر الإسلام والاستشراق والشيعة والمتأثرين بهما ممن لاحظ
لهم في البحث العلمي النزيه.
سادسًا: معركة النهروان:
يرى الدكتور عمرو النامي، بأن الإباضية لم يوافقوا على قبول علي بالتحكيم، معتبرين أن الذين رفضوا التحكيم هم المسلمون الحقيقيون وأن زعيمهم عبد الله بن وهب الراسي هو الخليفة الشرعي الخامس، وهاجموا عليا بن أبي طالب لأنه فتك بأهل النهروان. وكانت حجتهم هو أنه لم يكن يحق له على الإطلاق بأن يقاتلهم، معتبرين ذلك خروج سياسي على الحاكم.
وبناء على ما قاله جابر بن زيد في أن علي بن أبي طالب حين لاحظ أن مناصريه قلقوا لمقتل المسلمين الأتقياء في معركة النهروان وندموا على ما فعلوه طلب منهم في اليوم التالي للمعركة أن يبحثوا عن شيطان بين قتلى أهل النهر جاءوه برجل، كان قد عضه الجمل في صدره، فقال لهم علي:
ذاك
هو
234
المصادر الأولى لتاريخنا، مجلة الأزهر، سنة 1374 هـ.
دراسات عن الإباضية ص 53.
1
2 (1/235)
صفحة 236
الشيطان وحين نبهه ابنه الحسن إلى أن هذا الرجل هو الصحابي نافع مولى الصحابي تُرملة، أسهم بالجهاد، وأسكته علي، فقال له: "إن الحرب خدعة"، ومن شأن هذه المعلومات أن تدل على أن المراجع الإباضية الأولى اعتقدت أن علي بن أبي طالب لم يكن على حق في محاربة أهل النهر، وأن موقفه آنذاك كان مبنيا على طموحات دنيوية لا على أسس دينية كما هي الحال بالنسبة لأهل النهر 2. وهناك رؤية تاريخية مغايرة لهذا ترى أن الحق مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، سنتحدث عنها لاحقًا بإذن
الله تعالى.
وترفض الإباضية أن يطلق اسم الخوارج على الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ووجهة ورؤيتهم في ذلك:
إن الذين رفضوا التحكيم لم يشككوا في شريعة الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه – لكنهم خرجوا عليه لرفضه استمرار القتال في صفين واستجابته لضغوط الأكثرية من جنده الذين رغبوا في وقف القتال لما رفع أهل الشام المصاحف على أسنة الرماح، فالخوارج من ثم يمثلون من الناحية الدينية الفئة القليلة التي لا تقبل في الحق مساومة وادهانا 3.
- إنّ معظم المؤرخين للفرق الإسلامية كانوا إما تبعًا للشيعة، أو صنائع للأمويين: يعملون جاهدين على إرضاء متبوعهم، فقد وجدوا الأمر سهلا لم يكلفهم عناء فأطلقوا كلمة الخوارج على العدو المشترك للأمويين والشيعة أطلقوها على تلك الطائفة من المسلمين التي اعتزلت عليا –رضي الله عنه- عند التحكيم، وبايعت عبد الله بن وهب إمامًا، وثارت على الظلم وفساد الحكم في الدولة الأموية وربطوا
235
المرجع السابق، ص 51.
المرجع نفسه، ص 51.
إسماعيل محمود الحركات السرية في الإسلام، ص 14.
عبد الرحمن، حجازي، تطور الفكر التربوي عند الإباضية، ص 7.
1
2
3
4 (1/236)
صفحة 237
المعنى السياسي لكلمة الخوارج بالمعنى الديني وقد عملت السلطة والدعاية في كلتا الطائفتين الشيعة
والأموية على تثبيت هذا الاطلاق، ونشر هذه الأقاويل 1.
كما يرى الدكتور عوض محمد خليفات بأن الإباضية ترى أن عليًا بن أبي طالب الله رضي
عنه ندم
لمحاربته أهل النهروان واعترف أنهم ليسوا مشركين ولا، منافقين بل كانوا من خيار المسلمين في الدين
والرأي، وبهذا يكون خصمهم شاهدًا على صدق نواياهم، وصلاح عقيدتهم
وقال الدكتور خليفات يُفهم من المصادر الإباضية أن الخروج الحقيقي للمحكمة، قد بدأ بالمسير إلى النهروان وليس قبل ذلك، وأن المحكمة الأوائل لم يفارقوا عليا، وهو في طريق العودة إلى صفين إلى الكوفة، بل بعد أن تأكدوا من إصراره اصراره على انفاذ الحكومة بعد رجوعه إلى الكوفة، ففارقوه ونزلوا حروراء حيث انتخبوا إمامًا لهم ثم تواعدوا على اللقاء في النهروان حيث بقيت الاتصالات والمفاوضات مستمرة بين الطرفين حتى انتهت بالفشل، ويئس كل طرف من إقناع الفريق الأخر. وأدت التطورات السابقة إلى
معركة النهروان.
وهذا يتفق إلى حد كبير مع بعض الروايات الواردة في المصادر غير الإباضية التي تشير إلى أن العلاقة بين علي والمحكمة لم تنقطع إلا بعد وصول المحكمة النهروان، وإصرارهم على أن يتوب علي، ويخضع
الله
لسلطة إمامهم عبد بن وهب الراس
3
وتحدث الدكتور عمرو النامي عن الرافضين للتحكيم والذين تم القضاء عليهم بالنهروان، بأن هذه المجموعة عرفت بأسماء أربعة مختلفة، المحكمة، وأهل النهر، والحرورية والخوارج، والاسم الأول مشتق من شعارهم
236
25
علي يحيى معمر، نشأة المذهب الإباضي،
ص
نشأة الحركة الإباضية، المرجع السابق، ص 90.
المرجع السابق، ص 91.
1
2
3 (1/237)
صفحة 238
" لا حكم إلا لله". وبالنسبة للاسمين الآخرين فإن اسم الحرورية مشتق من موقع حروراء، حيث احتشد
بعضهم بجوار الكوفة والاسم الآخر أهل النهر، مرده إلى اسم ساحة المعركة أي النهروان.
الأمة
بالنسبة للاسم الأخير، يعني الخوارج، فهنالك من يقول أن الاسم مشتق من كلمة "خرج"، عن كما يحب خصومهم أن يفسروا هذا الاسم، أو من منازلهم كمهاجرين إلى الله كما يحب المتعاطفون معهم أن يفسر هذا الاسم على أساس الآية القرآنية: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 100] ويشار أيضًا إلى أن هذا الاسم استخدم لهذه المجموعة من قبل خصومهم كإشارة إلى الكلمة الأولى من حديث معروف للرسول (صلى الله عليه وسلم) يصف فيه مجموعة من الناس تظهر في الأمة الإسلامية: إنه سيخرج من ضئضئ هذا قومٌ يتلون كتاب الله لينا رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود. وحتى لا تتداخل علينا الأمور سنوضح من هم الخوارج والفرقُ بينهم وبين الإباضية في المباحث اللاحقة إن شاء الله.
وقد ذكر عمر النامي أيضًا: ووفقًا للإباضية فإن معاوية وأنصاره كانوا الفئة الباغية وكان على علي أن يقاتلهم حتى يعودوا إلى أمر الله، أي حكم الخليفة الشرعي، وقبول التحكيم معناه إقالته من الخلافة وهذا شيء ساء مجموعة من المسلمين وفرض عليهم أن يختاروا إمامًا جديدًا هو عبد الله بن وهب الراسبي، ويعتقد الإباضية أن عبد الله بن وهب الراسبي وأهل النهروان على حق، وأن عليا بن أبي طالب مخطئ لقبول التحكيم بالدرجة الأولى، ثم لمقاتلته أهل النهروان ثانياً.
وقال: "لا حاجة بنا إلى القول إن براءة الإباضية من مثل هؤلاء الصحابة لم تكن تتناول غير نشاطاتهم السياسية فقط، فآراؤهم الفقهية مقبولة من قبل الفقهاء الإباضية كما هو واضح من المصادر الإباضية
237
دراسات عن الإباضية، ص 172.
المرجع السابق، ص 267.
1
2 (1/238)
صفحة 239
التي تقدم لنا الآراء الدينية والفقهية لعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، حتى معاوية الذي يعارضه
صل الله
الإباضية بقوة كان أحد الأشخاص الذين روى عنهم جابر بن زيد أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم)
وأيد ذلك ما قاله الشيخ العلامة أحمد حمد الخليلي: حبوا قوارع الإنكار على الأبرياء حبًا عندما اتهموا بالمروق والبغي والعدوان والفساد والانحراف المحكمة الأولى الذين كانوا معروفين بالقراء ومشهورين بالنسك والزهد، وقد اجتمع مع ذلك حرصهم على المحافظة على الخلافة أن تتصدع بتأمر المتآمرين، وبغي المعتدين وأدركوا بصيرتهم خدعة، التحكيم، وما تقضي إليه من تشتت كلمة المسلمين وذهاب ريحهم، فكان نصيبهم من الكتاب ما ألقوه بهم من التهم الفاجرة، ووضعوا فيهم من الأحاديث المزورة، مع أن جماعة من هؤلاء المحكمة كانوا من أجلة الصحابة، فمنهم من كان من أهل بدر ومنهم من شهد بيعة الرضوان ولكن ذلك لم يشفع لهم عند من يدعون حب الصحابة وطي صفحتهم حتى لا يتعرض لها بشيء، وقد ثبت بلا ريب - صواب موقفهم من إنكار التحكيم، إذ لم تكن له عاقبة إلا تصدع الخلافة وزوالها وسقوط الحكم في أيدي أصحاب الجور، والذين اتخذوا عباد الله خولا وماله دولا، فلم يبالوا بسفك دماء الصحابة والتابعين كما حدث في وقعة الحرة، التي أبيد فيها أعداد كبيرة من الصحابة، وانتهكت فيها حرمات حرم النبي (صلى الله عليه وسلم) وارتكبت في جنباته كل فاحشة وجريرة، فإن هذه كلها، إنما كانت ثمارًا لخدعة التحكيم الذين أنكره أهل البصائر، فاتهموا في بصائرهم ودينهم، واختلفت الأحاديث لتلبسهم كل منكر وتُجردهم من كل معروف، ولم يعتبر بشيء من ذلك الذين لم يكن لهم إلا اجترار ما قاله المغرضون 2. فلا ريب أن الإباضية يرون بأن هناك مجموعة من الصحابة خرجوا عن صف علي بن
أبي طالب بعد حادثة التحكيم.
1
المرجع نفسه، ص 268.
2 أجوبة مختارة، ص 9
238
19 (1/239)
صفحة 240
وقال: لم يكن من الحكمين إلا أن اتفقا على خلع الإمام الشرعي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- اختلافهما في أمر خصيمه معاوية بن أبي سفيان، إن لم يرض ممثل فئته في التحكيم –عمرو بن العاص- أن يعزله نادى به أميرًا للمؤمنين على رأس كُل الحاضرين فانكشفت المؤامرة وانجلى الصبح
مع
للجميع.
وهنا وجد الذين رفضوا التحكيم أنهم أصبحوا بلا، قائد وقد انفلت الزمام، وأصبح الناس قطعانًا بلا راع، وقد أطلت الفتنة برأسها، وفغرت فاها مكشرةً عن أنيابها، لتلتهم ما تبقى من أمر أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، فلم يروا بدا أن يبايعوا أحدهم للدفاع عن حماهم والذب عن حرمات الدين، فوقع اختيارهم على عبد الله بن وهب الراسبي وخرجوا عن محيط الفتنة الذي لفحته أعاصيرها الهوجاء واعتزلوا الناس فنزلوا
بالنهروان.
ولكن الذين نسجوا خيوط الفتنة ونصبوا شراكها لإيقاع الأمة فيه لم يرق لهم ذلك، لأنهم رأوا أن بقاء هذه الفئة يشكل عقبة كأداء في سبيل تحقيق مآربهم، إذ هم صخرة الصمود الصلبة التي لم يفتتها ما فتت الآخرين، فلم تزدها المحن إلا صلابة، لذلك وجهوا كل العناية إليهم فأغروا بهم الناس، وأثاروا عليهم من حفائظهم بما ألصقوه بهم من التهم الكاذبة، وأشاعوا عليهم من الدعايات الفاجرة، حتى كانت معركة النهروان، والتي أسفرت عن سقوط سُورٍ متين للحق، وآخر معقل لحمايته، فصفا الأمر لمعاوية وطويت صفحة الخلافة الراشدة، ليحل محلها ملك عضوض أحيا نظام الاستبداد الكسروي القيصري الذي أباده
الإسلام.
239
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 211.
1 (1/240)
صفحة 241
وقال العلامة الخليلي أن المحكمة كانوا أكثر الناس دقة في تطبيق تعاليم الإسلام السمحة، وتجنب ما
يؤدي إلى الغلو، وإنما ألصق بهم ما ألصق من الدعايات المعرضة تشويها لسمعتهم، وترويجا للسياسة القائمة على انتهاك الحرمات ونشر الظلم. فقد كان بنو أمية يرون في فكر المحكمة ما يزعزع استقرارهم، ويهد أركانهم لذلك لم يبالوا في نسبة العظائم إليهم وهم منها براء، كما لم يبالوا في وضع الأحاديث المزيفة عن النبي) للتشهير بهم بما هم أبعد ما يكونون عنه.
وهناك رؤية تاريخية أخرى تخالف ما ذهبت إليه الإباضية فيما يتعلق بالمحكمة الأولى ومعركة النهروان نعرضها بانصاف وأمانة. حيث تعددت في المسائل التاريخية الاجتهادات واختلفت فيها الرؤى والمدارس الفكرية:
1 مناظرة ابن عباس للذين خرجوا عن خلافة علي كرم الله وجهه:
انشغل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بأمر الذين خرجوا عنه خصوصاً بعدما بلغه تنظيم جماعتهم من تعيين أمير للصلاة وآخر للقتال، وأن البيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعني انفصالهم فعلياً عن جماعة المسلمين وكان أمير المؤمنين حريصاً على إرجاعهم إلى جماعة بجماعة الإخوان المسلمين، فأرسل ابن عباس إليهم لمناظرتهم، وهذا ابن عباس يروي لنا الحادثة فيقول: "فخرجت إليهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن وترجّلت ودخلت عليهم في دار نصف النهار وكان ابن عباس رجلاً جميلاً جهيراً، فقالوا: مرحبا بك يا بن عباس ما هذه الحلة؟ قال ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله أحسن ما يكون من الحلل ونزلت قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ
الرزق} [الأعراف:32] قالوا: فما جاء بك؟
1
الاستبداد: مظاهره ومواجهته (ص)
240
290 (1/241)
صفحة 242
قال: قد أتيتكم من عند صحابة النبي من الهاجرين والأنصار، من عند ابن عم
النبي
صلا الله
وصهره
وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم مثلهم ومنهم أحد لأبلغكم ما يقولون وأبلغكم ما تقولون فانتحى لي نفر منهم قلت هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وابن عمه، قالوا ثلاث قلت: ما هن؟ قالوا: أما إحداهن! فإنه حكم الرجال في أمر الله وقال الله: وإِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ما شأن الرجال والحكم؟ قلت هذه واحدة فما الثانية؟ قالوا: فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا كفاراً لقد حل سبيلهم ولئن كانوا مؤمنين ما حل سبيلهم ولا قتلهم. قلت: هذه اثنتان فما الثالثة؟ قالوا محا نفسه أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت هل عندكم شيء غير هذ؟ قالوا حسبنا هذا قلت لهم أرايتكم إن قرأت قرآن عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه () ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا نعم قلت أما قولكم حكم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم من كتاب الله أن الله قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ، وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} [المائدة: 95].
وكان من حكم الرجال، أنشدكم بالله أحكم الرجال في صلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل، وفي المرأة وزوجها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35].
فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة
خرجت من هذا هذه؟ قالوا: نعم.
241 (1/242)
صفحة 243
قلت وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة، تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] فأنتم بين ضلالتين فأتوا منها بمخرج، أفخرجت أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت: وأما محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون إن نبي الله (يوم الحديبية صالح المشركين، فقال: لعلي اكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله: (امخ يا عليُّ: اللهم إنك تعلم أني رسولُ اللهِ امخ يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبدِ اللهِ (واللهِ لَرَسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم – خيرٌ من علي، وقد محي نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم
ألفان, وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالتهم, قتلهم المهاجرون والأنصار.
1
ويمكننا أن نستخلص من مناظرة ابن عباس للذين خرجوا عن أمير المؤمنين علي مجموعة من الوقفات
والعير:
1
حسن الاختيار لمن يقوم بالمناظرة مع الخصم.
الابتداء
نقاط الاتفاق. الخصم من مع
معرفة ما عند الخصم من الحجج واستقصاؤها.
- تفنيد مزاعم الخصم واحدة تلو الأخرى.
إظهار احترام رأي الخصم أثناء المناظرة.
النسائي، خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ص 200.
242 (1/243)
صفحة 244
وقد وفق الله عز وجل الآلاف من هؤلاء، إذ بلغ عدد الشهداء معركة النهروان منهم أقل من أربعة آلاف
كما سيأتي شرحه بإذن الله، وذلك عندما عرفوا الحق وزالت عنهم الغشاوة الشيعة بفضل الله ثم بفضل ما أوتيه ابن عباس من علم وقوة وحجة وبيان، إذ وضح لهم بطلان ما احتاجوا به، بتفسير الآيات
التي تأولوها التفسير الصحيح، وبالسنة النبوية المشرفة، التي توضح معاني القرآن الكريم.
قول ابن عباس: وليس فيكم منهم متهم أحد، وهذا نص صريح من ابن عباس في كون الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لا يوجد فيهم أحد من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولم يعترض عليه أحد من الذين خرجوا على أمير المؤمنين والرواية الصحيحة وثابتة كما أنه لا يوجد أحد من علماء أهل السنة-على حد علمي-قال بأن الذين خرجوا على أمير المؤمنين رضي الله عنه بعد حادثة التحكيم فيهم بعض أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما الزعم بأن كان فيهم صحابة ممن قال ذلك ليس لهم دليل
علمى موثوق على قولهم.
2. تحديد المرجعية:
في قول ابن عباس، أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) ما يرد قولكم أترجعوه؟ قالوا نعم. ففي كلام ابن عباس هذا درس مهم ألا وهو تحديد المرجعة للمتناظرين حتى يمكن
الوصول إلى نتيجة صحيحة من خلال المناظرة 3.
243
307
عبد الحميد، خلافة علي بن أبي طالب، ص 7
النسائي، المرجع السابق، ص 200.
الصلابي، علي بن أبي طالب، ص 592.
1
2
3 (1/244)
صفحة 245
3. مناظرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه
لهم:
بعد مناظرة ابن عباس للخوارج واستجابة ألفين منهم لهم خرج أمير المؤمنين علي بنفسه إليهم، فكلمهم فرجعوا ودخلوا الكوفة إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً بسبب أنهم فهموا من علي رضي الله عنه أنه عن التحكيم وتاب عن خطيئته-حسب زعمهم وصاروا يذيعون هذا الزعم بين الناس، فجاء الأشعث بن قيس الكندي إلى أمير المؤمنين وقال له: إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن الكفر، الجمعة وبعد أن حمد الله وأثنى عليه ذكرهم ومباينتهم الناس، وأمرهم
فخطب علي رضي الذي فارقوه فيه 1.
الله عنه يوم
وفي رواية جاء رجل فقال: لا حكم إلا لله ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا الله، ثم قاموا، نواحي المسجد يحكمون الله، فأشار عليهم بيده اجلسوا نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغي بها باطل، وأخذ
يسكتهم بالإشارة على وهو على المنبر، فقام رجل منهم واضعاً أصبعيه في أذنيه
قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم:90] وأعلن أمير المؤمنين
عليّ رضي
الله
عنه سياسته الراشدة العادلة تجاه هذه الجماعة التي خرجت عليه بعدما بايعته، فقال لهم:
إن لكم عندنا ثلاثاً:
لا نمنعكم الصلاة في هذا المسجد.
لا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا.
لا نقاتلكم حتى تقاتلونا 2.
مصنف بن أبي شيبة، 312/ 15–313.
مصنف
بن
أبي شيبة، 327/ 15 - 328. وانظر: الشافعي، الأم، 136/ 4.
244
1
2 (1/245)
صفحة 246
فقد سلم لهم أمير المؤمنين بهذه الحقوق ما داموا لهم يقاتلوا الخليفة، أو يخرجوا على جماعة المسلمين مع
احتفاظهم بتصوراتهم الخاصة في إطار العقيدة الإسلامية، فهو لا يخرجهم بداية من الإسلام وإنما يسلم لهم بحق الاختلاف دون أن يؤدي إلى الفرقة وحمل السلاح
ولم يزج بالذين خرجوا عليه بالسجون أو يسلط عليهم الجواسيس، ولم يحجر على حرياتهم، ولكنه رضي حرص على إيضاح الحجة وإظهار الحق لهم ولغيرهم ممن ينخدع بآرائهم، فقد أمر مؤذنه بأن يدخل عليه القراء ولا يدخل أحد إلا وقد حفظ القران فامتلأ الدار في قراءة الناس فدعا بمصحف إمام عظيم، فطفق يصكه بيديه ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فناداه الناس فقالوا يا أمير المؤمنين ما تسأله عنه، إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روبنا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله:
إذ يقول الله تعالى في كتابه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]. فإن أمة محمد أعظم دمًا وحرمة من امرأة ورجل، نقموا عليّ أن كاتبت معاوية، كتبت علي بن أبي طالب وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالحديبية حين صالح قومه قريشاً فكتب رسول الله:)): بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال: كيف تكتب؟ قال: اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اكتب فكتب، فقال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً، يقول الله تعالى في كتابه: وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21].
245
مجموع الزوائد، 6/ 237 – 238. بإسناد صحيح.
1 (1/246)
صفحة 247
ولما أيقن الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عزمه على إنفاذ أبي موسى الأشعري حكماً، طلبوا منه الامتناع عن ذلك، فأبى عليهم ذلك، وبيّن لهم أن هذا يعد غدراً ونقضاً للإيمان والعهود، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهودا، وقد قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91].
4. مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي ومعركة النهروان
قررّ الذين خرجوا عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الانفصال، وشرعوا في اجتماعات وخطب وأحاديث ومواعظ ونقاشات شارك فيها الكثير من زعماء الخارجين وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي. ومع تطور الأحداث ومخالفتهم لجماعة المسلمين، ووقوعهم في سفك الدم الحرام، اضطر أمير المؤمنين إلى قتالهم في النهروان، بعدما قتلوا عبد الله بن خباب بدون وجه حق، وبقروا ما في بطن سريته. ولقد آثار هذا العمل الرعب بين الناس، وأظهروا مدى إرهابهم ببقر بطن هذه المرأة، وذبحهم عبد الله، كما تذبح الشاة، ولم يكتفوا بهذا، بل صاروا يهددون الناس قتلا، حتى أن بعضهم استنكر عليهم هذا العمل قائلين: ويلكم ما على هذا فارقنا عليا. وعلى الرغم من فظاعة ما ارتكبه الخوارج من منكرات بشعة، لم يبادر أمير المؤمنين علي إلى قتالهم بل أرسل إليهم أن يسلموا القتلة لإقامة الحد عليهم فأجابوه بعناد واستكبار: كلنا قتلة. فسار إليهم بجيشه الذي قد أعده للقتال أهل الشام في شهر محرم من عام 38 هـ 3، وعسكر على الضفة الغربية لنهر النهروان والخوارج على الضفة الشرقية بحذاء مدينة النهروان.
246
مجموع الزوائد، 237/ 6 - 238
مصنف
بن أبي شيبة، 308/ 15 - 309. اسناده صحيح عبد الحميد علي، خلافة علي بن أبي طالب، ص 322.
تاريخ بغداد، 205/ 1 - 206
1
2
3
4 (1/247)
صفحة 248
وهنا كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، يُدرك أن هؤلاء القوم هم الخوارج الذي عناهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالمارقين من الدين، ولذلك أخذ يحث أصحابه أثناء مسيرهم إليهم ويحرضهم على قتالهم. وقد كان
لأحاديث رسول الله في الخوارج أثرها في نفوس الصحابة، وأتباع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
وقال: "يا أيها الناس إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "يَخْرُجُ قومٌ مِنْ أُمَّتِي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتِهم بشيءٍ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يَقْرؤُونَ القرآنَ، يحسبونَ أَنَّهُ لهم، وهُوَ عليْهِم، لا تُجاوِزُ صلاتهم تراقيهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كما يَمْرُقُ السَّهُمُ مِنَ الرمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الجيش الذي يُصِيبوهُم مَا قُضِيَ لَهم على لسانِ نَبِيِّهُمْ، لَا تَكَلُوا عَنِ العمل، وآيةُ ذلِكَ أنَّ فيهم رجلًا لَهُ عضَدٌ ليس فيهِ، ذراعٌ، عَلَى رأسِ عَضُدِهِ مِثلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بيضُ، فتذهبون إلى مُعاويةَ وأهلِ الشَّامِ، وتتركونَ هؤلاء يَخلُفونَكم في أَموالكم وَذَراريكم،
وَاللهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكونوا هؤلاء القوم؛ فإِنَّهم قَد سَفَكوا الدَّمَ الحَرَامَ، وأَغاروا عَلَى سَرْحِ النَّاسِ، الله "1. وقال رضي الله النهروان: أُمِرْتُ بقتال المارقين، وهؤلاء المارقون 2.
عنه يوم
فسيروا بسم وعسكر الجيش في مقابلة الخوارج يفصل بينهما نهر النهروان وأمر جيشه أن لا يبدؤوا بالقتال حتى يجتاز الخوارج النهر غربا، وأرسل علي رضي الله عنه رُسله يناشدهم الله، ويأمرهم أن يرجعوا، وأرسل إليهم البراء
بن عازب رضى الله عنه يدعوهم ثلاثة أيام، فأبوا 3. ولم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسله، واجتازوا
النهر
323
325
247
مسلم، 738/ 2 - 749.
السنة لابن أبي عاصم وانظر خلافة علي محمد كنعان، تاريخ الخلافة الراشدة، ص 425. خلافة علي بن أبي طالب، المرجع السابق، ص
ص
1
2
3
4 (1/248)
صفحة 249
وعندما بلغ الخوارج هذا الحد من البطش والكبر والعناد، وقطعوا الأمل في كل محاولات الصلح، وحفظ الدماء، ورفضوا عنادًا واستكبارًا العودة إلى الحق وأصروا على القتال قام أمير المؤمنين بترتيب الجيش وتهيئته للقتال. وأمر علي أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج، وقال لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن فلا حجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا. وبعد هذا النداء، انصرف منهم طوائف كثيرون، وكانوا أربعة آلاف، فلم يبق منهم إلا ألفًا أو أقل، مع عبدالله بن وهب الراسي، فرجعوا على علي ووقفوا مقاتلين له ولأصحابه وزحفوا نحو القتال. وقدم علي رضي الله عنه بين يديه الخيل، وقدم منهم الرماة وصف الرجالة وراء الخيالة، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤوكم. وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي، ففرقوهم، حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة وأخرى إلى المسيرة، فاستقبلهم الرماة بالنبل فرموا وجوههم وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة، والمسيرة ونهض إليهم الرجال بالرمح والسيوف، فأناموا الخوارج، فصاروا صرعى تحت سنايك الخيول، وقتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحرقوص بن زهير وشريح بن أوفى وعبد الله بن سخيرة السلمي.
كذلك اعتزل كثير من الخوارج القتال، لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب الراسبي، كانت تدل عندهم رجلًا من
على ضعف الاستبصار والوهن واليقين وهذه الكلمة قالها عندما ضرب عليّ رضي الله عنه الخوارج بسيفه فقال الخارجي: حبذا الروحة إلى الجنة فقال عبد الله بن وهب: ما أدري إلى الجنة أم إلى النار 2. فقال رجل من بني سعد وهو فروة بن نوفل الأشجعي: إنما حضرت اغترارًا بهذا، وأراه قد شك؟ فانعزل بجماعة من أصحابه، ومال ألف إلى أبي أيوب الأنصاري، وجعل الناس يتسللون 3.
248
325
خلافة علي بن أبي طالب، المرجع نفسه، ص
المرجع نفسه.
خلافة علي بن أبي طالب، المرجع السابق، ص 325.
1
2
3 (1/249)
صفحة 250
لقد كانت معركة قصيرة وحاسمة استمرت من اليوم التاسع من شهر صفر من عام ثمان وثلاثين للهجرة
38/ 2/9 هـ 1. وأسفرت هذه المعركة الخاطفة عن عدد كبير من القتلى في صفوف الخوارج، وكان الحال
على عكس ذلك تماما في جيش أمير المؤمنين على رضى الله عنه فقتلى أصحاب على فيما رواه مسلم
،
في صحيحه، وعن زيد بن وهب رجلان فقط. وفي رواية بسند حسن قال: وقتل من أصحاب علي اثنا عشر أو ثلاثة عشر 3. وجاء في رواية صحيحة أن أبا مجلز، قال: ولم يقتل من المسلمين-بقصد جيش علي إلا تسعة رهط، فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فاسأله فإنه قد شهد ذلك. وأما القتلى الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه، فإنهم أصيبوا جميعًا. وتذكر بعض الروايات أن عددًا يسيرا لا يتجاوز العشرة فروا بعد الهزيمة الساحقة.
وبعد نهاية المعركة أمر علي رضي الله عنه أصحابه بالبحث عن جثة المخدج، لأن
على أن علياً
وجودها من
الأدلة
رضي الله عنه على حق وصواب. وبعد فترة من البحث مرت على حيش جيس الخليفة
علي، وجد جماعة مكومة بعضها على بعض عند شفير النهر، فقال: أخرجوهم، فإذا المخدج تحتهم
9
جميعًا مما يلي الأرض، فكبّر علي، ثم قال: صدق الله، وبلغ رسوله. وسجد سجود الشكر، وكبر بالناس
حين رأوه واستبشروا.
المرجع نفسه، ص 325.
مسلم، 748/ 2.
مصنف بن أبي شيبة، 311/ 5 وانظر: تاريخ ا
الخلافة،
ص
197. بسند صحيح
249
4 لاحق بن حميد السدوسي البصري، ثقة من كتاب الثالثة.
5 نهنل بن عبيد الأسلمي وهو صحابي مشهور بكنيته مات سنة 65 هـ.
6
المعرفة والتاريخ، 315/ 3.
7 أخبار الخوارج من الكامل، ص 338.
خلافة علي بن أبي طالب، ص 329.
مصنف بن أبي شيبة، 317/ 15 - 319. سند صحيح. (1/250)
صفحة 251
5. معاملة أمير المؤمنين عليّ للخوارج
عامل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الخوارج قبل الحرب وبعدها معاملة المسلمين، فما أن انتهت المعركة حتى أصدر أمره في جنده بأن لا يتبع مدبر أو يجهز على جريح، أو يمثل بقتيل، ولم يكفر الخوارج، إذ قبل الحرب حاول إرجاعهم إلى الجماعة، وقد رجع الكثير منهم ووعظهم وخوفهم القتال. وقد سئل علي رضي الله عنه: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فقيل منافقون؟ قال المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا، فقاتلناهم. وفي رواية: قوم بغوا علينا، فنصرنا الله عليهم. وفي رواية: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا فيها. كما أنه رضي الله عنه وجه نصيحة لجيشه وللأمة الإسلامية من بعده فقال: إن خالفوا إمامًا عادلا فقاتلوهم، وإن خالفوا إمامًا جائرًا، فلا تقاتلوهم، فإن لهم مقالًا.
ويتضح مما سبق، بأن المحكمة الأولى، أي الذين خرجوا عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورفضوا التحكيم تباينوا في مواقفهم في الإمام الشرعي، وانقسموا، فمنهم من استحل الدم الحرام وقتل عبد الله بن حباب، وحاول فرض آراؤه بالقوة. ومنهم من اعترض على ما فعل الذين استباحوا الدماء. وآخرون منهم من خروج ولم يقاتل الخليفة علي وغيرهم من لزم الهدوء والعزلة ومنهم من رفض تسليم القتلة والذين سفكوا الدماء، وفئة بايعوا عبد الله بن وهب الراسبي، وقاتلوا معه حتى النهاية. واستفردت فئة
فخرجت وتركت القتال عند اندلاع الحرب.
250
مصنف عبد الرازق، 150/ 10 مصنف بن أبي شيبة، 320/ 15.
1
2 (1/251)
صفحة 252
سابعًا: الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
تمكن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بعزيز علمه وسعة فقهه أن يضع قواعد وأحكاماً وهي ضوابط
شرعية في قتال أهل البغى ثم سار العلماء والفقهاء على سيرته في البغاة واستنبطوا من هديه الراشدي
6
والأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن حتى قال جلة أهل العلم لولا حرب علي لمن خالفه لما عرفت
السنة في قتال أهل القبلة.
وروي
هذا
عن علي رضي الله عنه
عن نفسه في قوله: أرأيتم لو أني غبت عن الناس، من كان يسير فيهم
هذا السيرة؟ وقال الأحنف لعلي يا علي إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إذا ظهرت عليهم غداً أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم فقال: ما مثلي يُخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر؟
وبناء على ذلك، فإن قتال أهل القبلة يخالف قتال الكفار والمرتدين من أوجه متعددة:
—
أن المقصود بالقتال، ردهم، ولا يعتمد به قتلهم، لأن المقصود ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم لا القتل، بينما يجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين 2.
لا
- إذا قاتل مع البغاة عبيد ونساء وصبيان فحكمهم حكم الرجل البالغ الحر، يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين، لأن قتالهم لدفع أذرآهم، بينما يجوز قتل أهل الردة والكفر مقبلين مدبرين 3. إذا ترك أهل البغي القتال إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما بإلقاء السلاح، إما بالهزيمة، وإما بالعجر
لجراح أو مرض أو أسر، فإنه لا يجوز الإجهاز على جريحهم وقتل أسيرهم. فقد روي ابن أبي
251
الباقلاني، التمهيد، ص
المغني،
المغني
229
المرجع السابق، 108/ 8 - 126.
110/ 8. وانظر: الأحكام السلطانية، ص 60.
1
2
3 (1/252)
صفحة 253
شيبة في مصنفه عن علي - رضي الله عنه- أنه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرين ولا تجهزوا جريح
ومن ألقى سلاحه فهو آمن 1
وقال علي رضي الله عنه يوم الجمل أيضًا: لا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرًا. وإياكم والنساء، وإن شتمنا أعراضكم وسبين أمراءكم، فلقد أتينا في الجاهلية، وإن الرجل ليتناول المرأة بالجريدة أو الهراوة فيعير بها، وهو عقبة من بعده 2. وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موالياً، ولا يسلبون قتيلا.
يعتبر أحوال من في الأسر من البغاة فمن أمنت عدم رجوعه إلى القتال أطلق سراحه ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق، ولم يجب أن يحبس بعدها.
لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي وإن جاز أن يستعان بهم على قتال أهل الردة والحرب 5.
إن خرجوا على الإمام بتأويل سائغ راسلهم، فإن ذكروا مظلمة أزالها عنهم، وإن ذكروا شبهة
الله عنه-للخروج شبههم، وعاد كثير بينهما-كما بيّن علي رضي
منهم
إلى صف الجماعة.
من قتل من البغاة غسل وكفن وصلى عليه، لأنهم مسلمون على مذهب الشافعي وأصحاب
252
الرأي 7.
مصنف بن أبي شيبة، 236/ 15.
نصب الراية، 463/ 3. وانظر: تحقيق مواقف الصحابة، 297/ 2. المستدرك، 2/ 155. وسنده صحيح، ووافقه الذهبي.
1
2
3
4 الأحكام السلطانية، ص 60.
5
6
تحقيق مواقف الصحابة، المرجع السابق، 297/ 2.
السنن
الكبرى للبيهقي، 180/ 8.
7 تحقيق مواقف الصحابة، 301/ 2 (1/253)
صفحة 254
إذا لم يكن دفع أهل البغي إلا بقتلهم جاز قتلهم ولا شيء على من قتلهم من إثم ولا ضمان
ولا كفارة، لأنه فعل ما أمر به وقتل من أجل الله: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرٍ
الله} [الحجرات: 9].
فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل، وكذلك ما أتلفه أهل العدل بالمقابل فلا ضمان ما أتلفوه حال العرب من نفس ومال في أصح الأقوال كما ذكر النووي. ويدل على ذلك ما روي الزهري عن إجماع الصحابة: ألا يضمن للباغي إذا قتل العادل، قال: هاجت الفتنة الأولى وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) متوافرون وفيهم البدريون فأجمعوا أنه لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال أحد على تأويل القران 2.
وفي رواية عبد الرازق: فإن الفتنة الأولى ثارت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم ممن شهد بدراً كثير فاجتمع رأيهم على أن لا يقيموا على أحد حداً في فرج استحلوه بتأويل القران، ولا قصاص في دم استحلوه بتأويل القرآن ولا يرد مال استحلوه بتأويل القرآن إلا أن يوجد شيء بعينه فيرد على صاحبه، وغير ذلك من الأحكام والفقه المستمد فقه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في الجمل وصفين
من
253
والنهروان.
شرح النووي على صحيح ومسلم، 170/ 7.
السنن
الكبرى، البيهقي، 8/ 174.
مصنف عبد الرازق، 121/ 10.
1
2
3 (1/254)
صفحة 255
ثامنا: نشأة الخوارج والتعريف بهم:
عرف أهل العلم الخوارج بتعريفات منها: أن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت خرجوا
العلة
في
على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبيّن أن خروجهم على علي هو تسميتهم بهذا الاسم، حيث قال أبو الحسن الأشعري والسبب الذي سموا له الخوارج خروجهم على علي بن أبي طالب لما حكم.
وأما ابن حزم فقد بين أن اسم الخارجى يتعدى إلى كل من أشبه أولئك النفر الذين خرجوا على على بن أبي طالب رضي الله عنه وشاركهم في معتقدهم، فقد قال: ومن وافق الخوارج من إنكار التحكيم وتكفير أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وأن الإمامة جائرة في غير قريش فهو خارجي، وإن خالفهم
فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون وخالفهم فيما ذكرنا فليس خارجيًا.
وأما الشهرستاني: فقد عرف الخوارج بتعريف عام اعتبر فيه الخروج على الإمام الذي اجتمعت الكلمة على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمان كان حيث قال في تعريفه للخوارج: كل من خرج على الأمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان 3. وقال ابن حجر معرفًا لهم: والخوارج: الذين أنكروا على علي التحكيم، وتبرؤوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم، فإن أطلقوا تكفيرهم
254
مقالات الإسلاميين، 207/ 1
الفصل في الملل والأهواء والنحل، 113/ 2.
الملل والنحل، نقلا عن علي بن أبي طالب للصلابي، ص 582.
1
2
3 (1/255)
صفحة 256
فهم الغلاة. وقال في تعريف: آخر أما الخوارج فهم جمع خارجة: أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا
بذلك لخروجهم على الدين، وخروجهم على خيار المسلمين 2.
وأما أبو الحسن الملطي: فيرى أن أول الخوارج المحكمة، الذين ينادون: لا حكم إلا الله ويقولون: على كفر بجعل يجعل الحكم إلى أبي موسى الأشعري ولا حكم إلا لله، فيقول: فرقة الخوارج، سمت خوارج لخروجهم على إلى علي رضي الله عنه يوم الحكمين حين كرهوا التحكيم وقالوا: لا حكم إلا الله. وأما الدكتور ناصر العقل فيقول: هم الذين يكفرون بالمعاصي، ويخرجون على أئمة الجور.
فالخوارج هم أولئك النفر الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين، ولهم ألقاب أخرى عرفوا بها غير لقب الخوارج، ومن تلك الألقاب الحرورية والشراة والمارقة والمحكمة، وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا المارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين، كما يمرق السهم من الرمية 5.
ومن أهل العلم من يرجع بداية نشأة الخوارج إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويجعل أول الخوارج ذا الخويصرة الذي اعترض على الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة ذهب، كان قدم علي بن أبي الله. عنه من اليمن في جلد مقروطٍ. فقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله أنه قال:
طالب رضي
عنه
بعث علي بن أبي طالب إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، من اليمن، بذهبة في أديم مقروظ، لم
تحصل من ترابها 7.
255
هدي الساري في مقدمة فتح الباري، ص 459. فتح الباري، 283/ 2
1
2
3 التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، ص 47.
4
5
6
ناصر
العقل، الخوارج، ص 28.
مقالات الإسلاميين. مقرظ: أي نوع من الجلد المصبوغ.
7 أي: لم تُميز، ولم تصفّ. من تراب معدنها. (1/256)
صفحة 257
قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامرُ بنُ الطُّفيل فقال رجلٌ من أصحابه: كنا نحنُ أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ
ذلك النبي صلى الله عليه وسلَّمَ فقال: " ألا تأمنوني؟ وأنا أمينُ مَن في السماء، يأتيني خبرُ السماءِ
1
صباحًا ومساءً " قال: فقام رجلٌ غائرُ العينين مشرفُ الوجنتين، ناشرُ الجبهة، كث اللحية محلوق الرأس، مُشمَّرُ الإِزارِ. فقال: يا رسولَ اللهِ اتَّقِ الله فقال: " ويلك! أو لستُ أحق أهل الأرض أن يتقى الله " قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ فقال " لا، لعله أن يكون يصلي ". قال خالد: وكم من مُصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: " إني لم أُومر أن أنقب عن قلوبِ الناسِ، ولا أشقَّ بطونهم " قال: ثم نظر إليه وهو
4
مُقف، فقال: " إنه يخرج من ضئضي هذا قومٌ يتلون كتاب الله. رطبًا لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّةِ " قال: أظنُّه قال: " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود "5. وفي هذا، قال ابن الجوزي عند هذا الحديث: أول الخوارج، وأقبحهم حالة ذُو الخويصرة التميمي وفي لفظ أنه قال له: اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن
أعدلُ " 6.
فهذا أول خارجي خرج في الإسلام، وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لرأى فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
256
1 أي: مرتفع الجبهة.
2 أي أفتش وأكشف ومعناه إني أمرت بالحكم الظاهر.
مقف: أي مُولٌ.
ضئضيء: هو بعنادين معجمتين مكسورتين.
232/ 2
البخاري،
مسلم، 740/ 2.
تلبيس إبليس، ص
وفي: مسلم، 742/ 2.
90
3
4
5
6
7 (1/257)
صفحة 258
وممن أشار بأن أول الخوارج ذو الخويصرة، أبو محمد بن جزم. وكذلك الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل"2. ومن العلماء من يرى بأن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه بإحداثهم
الفتنة التي أدت إلى قتله رضي الله عنه ظلماً وعوناً، وسميت تلك الفتنة التي أحدثوها بالفتنة الأولى 3.
وقد أطلق ابن كثير على المتمردين الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه وقتلوه باسم الخوارج، حيث قال في صدر ذكره لهم بعد قتله عثمان رضي الله عنه: وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جداً.
وعلى الرغم من الارتباط القوي بين ذي الخويصرة والمتمردين الذين خرجوا على عثمان، وبين الخوارج الذين خرجوا على علي بسبب التحكيم، فإن مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة لا ينطبق إلا على الخارجين بسبب التحكيم بحكم كونهم جماعة في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، أحدثت أثرًا فكريًا وعقائديًا واضحًا، بعكس ما سبقها من حالات. وهذا ما يستدعي الحديث عنهم
لإبراز صفاتهم وخطرهم.
257
الفصل في الملل والأهواء والنحل، 157/ 4.
الملل والنحل، 116/ 1.
عقيدة أهل السنة في الصحابة، 1141/ 3.
البداية والنهاية 202/ 7.
العواجي، فرق معاصرة، 67/ 1.
1
2
3
4
5 (1/258)
صفحة 259
1. صفات الخوارج:
إن الباحث في تاريخ الخوارج يلاحظ عدة صفات يتصف بها أتباع هذه الفرقة منها:
الغلو في الدين:
قال ابن عباس رضي الله عنهما يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: دخلت على قوم لم أر قط أشد
منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة، مشمرين
3
مسهمة وجهوههم من السهر. فقد كانوا أهل صيام وصلاة وتلاوة القرآن، لكنهم تجاوزا حد الاعتدال إلى درجة الغلو والتشدد، حيث قادهم هذا التشدد إلى مخالفة قواعد الإسلام بما تمليه عليه عقولهم، كالقول بتكفير صاحب الكبيرة كما يأتي مناقشة عقائدهم بإذن الله تعالى.
ومنهم من بالغ في ذلك حتى على كل من ارتكب ذنباً من الذنوب ولو أن صغيراً، فإنه كافر مشرك مخلد في النار. وكان من نتيجة هذا التشدد الذي خرج بهم عن حدود الدين، وأهدافه السامية أن كفّروا كل من لم ير رأيهم من المسلمين ورموهم بالكفر والنفاق، حتى أنهم استباحوا دماء مخالفيهم 5، ومنهم من استباح قتل النساء والأطفال من مخالفتهم كالأزارقة مثلاً 6.
ولا شك أن الخوارج بما اتصفوا به من الجهل والتشدد والجفاء قد شوّهوا محاسن الدين الإسلامي تشويهاً غريباً، فإن هذا الإغراق في التأويل والاجتهاد، أخرجهم من روح الإسلام وجماله واعتداله وهم في تعمقهم
258
ثفن: جمع ثفنة ركبة البعير وغيرها مما يجعل فيه غلط من أثر البروك. مرحضة مغسولة النهاية في غريب الحديث، 208/ 2
تلبيس إبليس، ص 91.
ابن حزم، الفصل 191/ 4. وانظر: ناصر السوي، الخوارج، ص 184.
السعوي، الخوارج، ص 183.
تلبيس إبليس، ص 95. وفي: الخوارج للسعوي، ص 184.
1
2
3
4
5 (1/259)
صفحة 260
قد سلكوا طريقاً ما قال به محمد صلى الله عليه وسلم ولا دعا إليه القرآن الكريم. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التعمق والتشدد في الدين، لأنه مخالفة للاعتدال وسماحة الإسلام وأخبر أن المتنطع 1 مستحق للهلاك والخسران، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: هلك المتنطعون قالها ثلاثاً. وبهذا يتبيّن لنا شذوذ الخوارج وكذلك من صار على منهجهم المبنى على التعسف والتشدّد المخالف لسماحة الإسلام ويسره فإن الإسلام دين اليسر والسماحة فقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا 2.
الجهل بالدين:
—
إن من كبرى آفات الخوارج صفة الجهل بالكتاب والسنة وسوء فهمهم وقلة تدبرهم وتعقلهم وعدم إنزال
النصوص منازلها الصحيحة، وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في:
الكفار فجعلوها في المؤمنين
3
وكان ابن عمر إذا سئل عن الحرورية؟ قال: يكفّرون المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم، وينكحون
النساء في عِدَدِهنَّ، وتأتيهم المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج، فلا أعلم أحداً أحق بالقتال منهم
4
ومن جهلهم بشرع الله رأوا أن التحكيم معصية تستوجب الكفر، فيلزم من وقع فيه أن يعترف على نفسه
بالكفر ثم يستقبل التوبة، وهذا ما طالبوا به علياً رضي الله عنه إذ طلبوا منه أن يقرّ على نفسه بالكفر
259
مسلم، كتاب العلم، شرح النووي، 16/ 220
93/ 1
البخاري، كتاب الإيمان. وانظر: فتح الباري، محمد عبد الحكيم، ظاهرة الغلو في الدين، ص 114.
184.183/ 2
الاعتصام،
1
2
3
4 (1/260)
صفحة 261
ثم يستقبل التوبة، فتخطئة الخوارج له ولمن معه من المهاجرين والأنصار واعتقادهم أنهم أعلم منهم وأولى منهم بالرأي، وهو والله عين الجهل والغيلال.
ومن جهالتهم الشنيعة: أنهم وجدوا عبد الله بن خباب رضي الله عنه، ومعه أم ولد حبلى فناقشوه في أمور، ثم سألوه رأيه في عثمان وعلي رضي الله عنهما، فأثنى عليهما خيراً، فنقموا عليه وتوعدوه، بأن يقتلوه شر قتلة، فقتلوه وبقروا بطن المرأة، ومر بهم خنزير لأهل الذمة فقتله أحدهم، فتحرجوا من ذلك وبعثوا على صاحب الخنزير وأرضوه في خنزيره فيا للعجب أتكون الخنازير أشد حرمة من المسلمين عند أحد يدعي الإسلام، لكنها عبادة لجهال التي أملاها عليهم الهوى والشيطان 4.
قال ابن حجر: إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين واشتغلوا بقتال المسلمين المسلمين وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه وكفى أن رأسهم ردّ على رسول، الله (صلى الله عليه وسلم) أمره ونسبه إلى الجور نسأل الله السلامة. وبهذا يتبين أن الجهل كان من الصفات البارزة في تلك الطائفة التي هي إحدى الطوائف المنتسبة إلى الإسلام فالجهل مرض يُهلك صاحبه من حيث لا يشعر، بل قد يريد الخير فيقع في ضده 6.
260
الخوارج للسعدي، ص 186.
1
2 تلبيس إبليس، ص 93.
3
4
فتح
الباري، 285/ 12
187
الخوارج للسعدي، ص 7
301/ 12
فتح الباري،
محمد حكيم الترمذي، نوادر الأصول، ص 54.
5
6 (1/261)
صفحة 262
شق عصا الطاعة:
فهؤلاء ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفراً، ثم يرتبون على
الكفر أحكاماً ابتدعوها. وهذا وقد شقوا عصا الطاعة وسعوا في تفريق كلمة المسلمين ويوضح ذلك وخالفوه في أحرج المواقف وعصوا أمره. وظلت تلك
موقفهم من أمير المؤمنين علي، حيث تخلوا
الصفة
عنه
من صفاتهم على مدار التاريخ أن كل من خالفهم في أمرٍ عادوه ونبذوه، حتى إنهم تفرقوا هم
أنفسهم إلى عدة فرق يكفّر بعضها بعضاً ولذلك كثر فيهم الغارات والشقاق والثورات 3
—
التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم:
قال ابن تيمية: والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ويترتب على تفكيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان وكذلك يقول جمهور الرافضة فهذا أصل البدع التي ثبتت بنص سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع
السلف أنها بدعة جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفراً.
وقد تميز الخوارج بآراء خاصة فارقوا بها جماعة المسلمين ورأوها من الدين الذي لا يقبل الله غيره ومن خالفهم فيها فقد خرج من الدين في زعمهم، فأوجبوا البراء منه بل إن منهم من غلى في ذلك، فأجبوا
261
الفتاوي، 497/ 28.
الخوارج
للسعوي، ص 191.
المرجع السابق، ص 192.
الفتاوي، 73/ 19.
1
2
3
4 (1/262)
صفحة 263
قتال من خالفهم فاستحلوا دماءهم. فمن ذلك أنهم قتلوا عبد الله بن خبّاب بغير سبب غير أنه لم
يوافقهم على رأيهم 2.
3
قال ابن كثير: فجعلوا يقتلون النساء والولدان ويبقرون بطون الحبالى ويفعلون أفعالاً لم يفعلها غيرهم وقال ابن تيمية: وكانت البدعة الأولى مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذا كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين، لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان: الأولى: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر، والثانية: أن عثمان وعلي ومن والاهما كانوا كذلك، ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المؤمنين بالذنوب والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام فكفر أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وقد ثبت عن النبي ((أحاديث صحيحة في ذمهم، والأمر
بقتالهم.
الشدة على المسلمين:
—
عرف الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين، وقد بلغت شدتهم حداً فظيعاً، فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فروّعوهم وقتلوهم أما أعداء الإسلام من أهل
الأوثان وغيرهم فقد تركوهم ووادعوهم فلم يؤذوهم.
262
منهاج السنة، 62/ 3.
الفرق بين الفرق للبغدادي، ص 57.
ابن كثير، البداية والنهاية، 3/ 294.
الفتاوي، 30/ 13 - 31.
1
2
3
4 (1/263)
صفحة 264
ولقد يسجل التاريخ صحائف الخوارج في هذا السبيل 1، وما قصة عبد الله بن خباب ومقتله عنا ببعيد،
فمعاملة الخوارج للمسلمين مصحوبة بالقسوة والشدة والعنف وأما للكافرين فلين وموادعة ولطف.
فقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار، وإلى الرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج 3.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]. فالخوارج عكسوا الآيات، فأرهبوا المسلمين ورؤعوهم، وهذه بعض الصفات
التي اشتهر بها الخوارج.
2. بعض الآراء الاعتقادية للخوارج
مع مرور الزمن استقرت آراء عقائدية خاصة بفرقة الخوارج وخالفوا فيها كتاب الله وسنة رسول الله
غلطه
ج
ومن هذه الآثار المنحرفة:
—
تكفير أصحاب الكبائر:
إن الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة ويحكمون بخلوده في النار وقد استدلوا على معتقدهم ذلك بأدلة:
263
ظاهرة
الغلة في الدين، ص 110.
المرجع نفسه، ص 111.
301/ 12
فتح
الباري،
ظاهرة
الغلو في الدين، ص 111.
1
2
3
4 (1/264)
صفحة 265
استدل الخوارج بقوله سبحانه وتعالى: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة 81].
صلے
فقد استدلوا بهذه الآية على تخليد أصحاب المعاصي في النار وقالوا إنه لا أمل للعاصي الذي يموت على معصيته في رحمة الله 1.
وزعموا أن الخطيئة تحيط بالإنسان فلا يبقى له معها حسنة مقبولة حتى الإيمان فإنها تذهبه ولكن الأمر عكس ما ذهبوا إليه. وهذه الآية نفسها ترد مذهبهم، فقد دلت على من أحاطت به خطيئته، فإنه يخلد في النار وليس هناك خطيئة تحيط بالإنسان وتحبط أعماله ويخلّد بسببها في النار إلا الكفر والشرك بالله، ويؤيد هذا أن تلك الآية نزلت في اليهود وهم أشركوا بالله وحادوا عن سبيله، ومما يبطل زعمهم
أيضاً:
أن الله قد أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لابد أن تكون سيئة محيطة
به، وقيل: هي الشرك، روي هذا عن ابن عباس و روي عنه: أن معنى هذه الآية: من كفر حتى يحيط
كفره، فلا تقبل له حسنة، وهذا أولى لما ثبت في السنة تواتراً مع خروج عُصاة الموحدين من
النار 2.
به
ثم إن قوله تعالى: مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81] وسيئة نكرة، فهي عامة لجميع أنواع السيئات، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله- والمراد بها هنا الشرك بدليل قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] أي: أحاطت بعاملها فلم تدع له منفذاً، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإنّ من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل، فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليهوغير ذلك من الأدلة التي
264
علي بن أبي طالب للصلابي، ص 612.
الشوكاني، فتح القدير، 105/ 1.
1
2 (1/265)
صفحة 266
ردّ عليها علماء أهل السنة والجماعة كلّ في محله.1. ويمكن أن نجمل الرد على الخوارج في تكفيرهم
لصاحب الكبيرة وذلك من عدة وجوه:
أ. أن مرتكب الكبيرة وذلك لو كان كافرًا لكان حكمه حكم غيره ممن كفر بعد إيمانه، وهو أن يكون مرتداً يجب قتله لقوله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه. ولقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إلا باء بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والشيب الزاني، والفارق لدينه التارك للجماعة. فهذان الحديثان وغيرهما من أدلة حكم المرتد، تفيد أن كل من كفر بعد إيمانه فحكمه القتل، لكن نصوص الكتب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد:
ففي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2]
قلے
وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حكيم [المائدة: 38]. وورد في شارب الخمر ما روي عن عمر بن
الخطاب رضي
الله
عنه: أن رجلا كان
على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد جلده
في الشرب، فأتى به يوما، فأمر به جلده، فقال الرجل من القوم: اللهم ألعنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال
النبي
(لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يجب الله ورسوله 4.
265
تفسير السعدي، 103/ 1.
البخاري، كتاب الجهاد وانظر: فتح الباري، 149/ 6. البخاري، كتاب الديات. وفي: فتح الباري، 201/ 12.
البخاري، كتاب الحدود، وفتح الباري،
75/ 12
1
2
4 (1/266)
صفحة 267
وقد أمر النبي بجلد الشارب الخمر ولم يقتله، بل نهى عن لعنه بعينه وشهد لهذا الرجل
الله
ورسوله مع
أنه تكرر منه شرب الخمر عدة مرات، ولم يحكم على هذا ولا على السارق والزاني بالكفر
ولا قطه الموالاة بينهم وبين المسلمين وكان يستغفر لهم ويقول: لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم. وقد أجمعت الأمة من الصحابة والتابعين على ذلك إلا من شدّ عنهم، فلا عبرة يقوله: ثم أيضاً أنه لو كان صاحب الكبيرة، كافراً لوجب التفريق بينه وبين زوجته المؤمنة والمرأة كذلك، وكذلك أيضاً فإنه لا يرث مسلمًا ولا يرثه مسلم، لكن النبي () لم يفرق بين من فعل معصية وبين زوجته، ولم يحرمه من ميراث من له الإرث منه وكذلك صحابته والتابعون لهم بإحسان، فثبت يقيناً أنه غير كافر 2.
ب. إن الله سبحانه وتعالى سمى أهل الكبائر مؤمنين مع ارتكابهم لها في قوله تعالى: {إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ: فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 5 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10].
وقد قال ابن كثير: "فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدال البخاري وغيره على أنه لا
يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت لا يقوله إلا الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم "
311
ومثل هذه الآية أيضًا، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُ
بِالخَرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٍ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذُلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذُلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178].
266
117 – 116
مجموع الفتاوي، 671/ 7
الخوارج
للسعوي، ص. ص
تفسير ابن كثير، 211/ 4
1
2
3 (1/267)
صفحة 268
وقال ابن حزم رحمه الله: فابتدأ الله عز وجل بخطاب أهل الإيمان من كان فيهم من قاتل أو مقتول أخوان وقد قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فصح أن القاتل عمداً مؤمن بنص القرآن، وحكم له بأخوة الإيمان ولا يكون للكافرين مع المؤمنين تلك الأخوة. فهذه بعض أدلة العلماء في ردهم على قول الخوارج
في مرتكب الجريمة.
—
طعن الخوارج وتكفيرهم بعض الصحابة
يقول أبو الحسن الأشعري: والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر وينكرون إمامة عثمان في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها ويقولون بإمامة لما أجاب إلى التحكيم، ويكفرون معاوية وعمرو بن العاص، وأبا موسى الأشعري 2.
وقال ابن تيمة وكان شيطان الخوارج مقهوي لما كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة أبي بكر عمر وعثمان، فلما افترقت الأمة في خلافة علي رضي الله عنه وجد شيطان الخوارج موضع الخروج، فخرجوا وكفّروا علياً ومعاوية ومن والاهما فقاتلهم أولى الطائفتين بالحق علي بن أبي طالب 3.
وقال الشهرستاني بعد تعداده لكبائر فرق الخوارج ويجمعهم القول بالتبريء من عثمان وعلي رضي الله عنهما ويقدمون ذلك في كل طاعة وقال في المحكمة الأولى: وطعنوا في عثمان رضي الله عنه للأحداث التي عدوها عليه وطعنوا في أصحاب الجمل وأصحاب صفين 4.
267
الفصل في الملل والنحل والأهواء، 235/ 3.
مقالات الإسلاميين، المرجع السابق، 204/ 1.
مجموع الفتاوى 89/ 19.
الملل والنحل، 117/ 1.
1
2
3
4 (1/268)
صفحة 269
وكذلك قال في الأزارقة بعد أن ذكر أنهم يعتقدون كفر علي رضي الله عنه، وقال: وعلى هذه البدعة مضت الأزارقة، وزادوا عليه تكفير عثمان وطلحة والزبير وعائشة وتخليدهم في النار. وهذا المعتقد واضح البطلان بمجرد سماعه واعتقاده ضلال وغواية وترك للحق جانبًا. والخوارج استهواهم الشيطان بمعتقداتهم بمعتقدهم هذه، فكانوا له تبعًا فاعتقادهم كفر من تقدم ذكرهم من أصحاب رسول الله باطل لأمور عدة:
أ. الأمر الأول: أن الله تعالى أخبر بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وكذا رسوله (أخبر بأنهم أفضل أمة، فقد قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله} [آل عمران: 110].
فقد نوه سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وذلك لقيامهم الكامل بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ذلك إلا لما بلغوا إليه من كمال الإيمان وقوة اليقين، ولأنهم حققوا من صفات الخيرية المنوه عنها في هذه الآية، فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي في قوله عز وجل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكة
إلى المدينة 2.
الله عنهما
وقال صلى الله عليه وسلم: "خيرُ النَّاسِ القَرْنُ الَّذي أنا فيهِ، ثُمَّ الثَّاني، ثمَّ الثَّالثُ"3. وإنما كان قرنه خير الناس لأنهم آمنوا به حين كفر الناس، وصدقوه حين كذبوه، ونصروه حين خذلوه وجاهدوا وآووا. وأفراد الصحابة الذين يعتقد الخوارج المارقون كفرهم هم الذين هاجروا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة وفي مقدمة من يتناول هذا الثناء العالي الرفيع هم هؤلاء، فهم من أهل الهجرة ومن الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حين
268
المرجع السابق، 121/ 1.
المستدرك، 294/ 2. صححه ا الحاكم وأقره الذهبي.
مسلم، 1965/ 4.
فيض القدير للمناوي، 478/ 3.
1
2
3
4 (1/269)
صفحة 270
كفر به الناس وهم من الذين جاهدوا معه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فالآية والحديث فيهما شهادة
الله ورسوله للصحابة عموما بأنهم أمة محمد () 1.
وأبرز الصحابة الذين تكفرهم الخوارج، كعلي والزبير وطلحة وغيرهم وردت أحاديث في حقهم بأنهم من أهل الجنة، وقد بشرهم رسول الله بذلك.
ب. الأمر الثاني: أن الرب تبارك وتعالى أخبر في محكم كتابه العزيز أنه رضي عن الصحابة ورضوا عنه
وَالْأَنصَارِ
ووعدهم بالخلود في الجنات والفوز العظيم قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا ذُلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
ج
ففي هذه الآية صرّح تعالى أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهو دليل قرآني صريح في أن من يعتقد كفرهم، فهو متأل منال مخالف لله جل وعلا حيث كفّر من رضي الله عنه، ولا شك أن تكفير من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا وتمرد، وطغيان وهذه صفة الشيعة الرافضة والخوارج المارقة.
وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 18]، وفي هذه الآية أعلن الله عن رضاه عن جيش الإيمان الذين حضروا الحديبية من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والذين كانوا منهم علي وطلحة والزبير، وعثمان رضي الله عنه كان في مكة رسولًا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فبايع له النبي (صلى الله عليه وسلم) وجعل يده على يده، فكانت خيرا له من يده.
269
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة 1160/ 3 عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، 1160/ 3.
المرجع السابق، 1163/ 3
1
2
3 (1/270)
صفحة 271
3. فرق الخوارج:
ستميتب الخوارج الأولى: خوارج حروراء والنهروان- بالمحكمة الأولى، لاتخاذهم شعارًا لهم عبارة: لا حكم إلا لله وقد خرجت بعدهم فرق أخرى من الخوارج على علي رضي الله عنه ومن جاء بعده من الخلفاء، وأهمها:
- الأزارقة:
أتباع نافع بن الأزرق، وقد كانوا يكفرون أهل القبلة ممن لبسوا على مذهبهم ويرون أنهم مشركون تحرم الإقامة بينهم وأن الهجرة إلى الأرض التي سيطر عليها نافع وأتباعه واجبة لا لمجرد الخروج من أرض أهل الشرك إلى أرض أهل الإيمان - بزعمهم - وإنما تمهيدًا لقتال المشركين الذين يبيع الواحد منهم نفسه فيه الله تعالى، ورأوا أن من لم يهاجر من الأرض التي يقيم فيها المخالفون لهم فهو مشرك مثلهم ورأوا أن أطفال المخالفين مشركون كآبائهم، وأن مصيرهم إلى النار، وأسقطوا عقوبة الرجم وجعلوا حد القذف واجباً على من قذف رجلاً أخذاً بظاهر قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:4].
قالوا ذكر القرآن النساء ولم يذكر الرجال، ولم يعتبروا نصاباً للمال المسروق فرأوا قطع اليد في أي مال مهما كان قدره، وأوجبوا الصلاة والصوم على الحائض، وحرّموا قتل الذميين لأن لهم عهداً وأباحوا قتل المخالفين من المسلمين، لأنهم مشركون لا عهد لهم، وكانوا إذا جاءهم رجل مؤمن بمذهبهم، مهاجر إليهم امتحنوه، ليعلموا صدق إيمانه، بأن يدفعوا إليه رجلًا من أسرى المسلمين الذين في أيديهم ويأمروه بقتله، فإن قتله قبلوه
في جماعتهم وإن أبى أن يقتله قتلوا هم ذلك المهاجر باعتباره مشركا 1.
1
المدارس
الفكرية الإسلامية، محمد سليم العوا، ص 91.
270 (1/271)
صفحة 272
النجدات:
—
أتباع نجدة بن عامر الحنفي من بني حنيفة، كان أتباعه في غالبيتهم من أهل الفلاحة، قد ساعد نجدة، بأنصاره عبد الله بن الزبير، عندما أعلن خلافته في مكة، ولكن أصحاب نجدة نقموا منه مداهنته الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وتفريقه بني الجند في العطاء، وعدم إباحته حفيدة عثمان بن عفان عندما سباها جنوده، وترك رجل شديد الوطأة على العدو دون أن يعاقبه على معاقرة الخمر فخلعوه وولوا ثابت التمار، ثم رأوا ألا يكون رئيسهم إلا عربيا وثابت " مولى"، فكلفوه بالبحث عن أمير يولُّونه عليهم، فاختار لهم رجلًا يقال له أبو فُدَيْك، وهو الذي قتل نجدة سنة 72 هـ، فسقطت دولتهم التي كانت في اليمامة والبحرين. وكان من قول النجدات أن الدين أمران: أحدهما: معرفة الله ومعرفة رسوله، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وتحريم الغصب.
وثانيهما: الإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهالته حتى تقوم عليهم الحجة في جميع الحلال والحرام.
ومن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل أن تقوم عليه الحجة فهو كافر "ليس المقصود بالمجتهد المعنى الاصطلاحي، وإنما المقصود به أي شخص يقرر لنفسه أن شيئًا ما حلال أو حرام، وقالوا إن أصحاب الذنوب من جماعتهم لا يعذَّبون في النار، وإنما يعذَّبُون في غير النار ولا يخلدون في العذاب، لكنهم يدخلون الجنة في النهاية، وزعموا أن من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة، ثم أصرّ عليها فهو مشرك،
وإن من زنى وسرق وشرب الخمر، وهو غير مصر عليها فهو مسلم.
271
أعني المجتهد المقررة صفاته وشروطه في مباحث علم أصول الفقه.
مقالات الإسلاميين، ص 89.
1
2 (1/272)
صفحة 273
لا
—
الصفرية
هم أتباع زياد بن الأصفر وهو يقولون بأن أصحاب الذنوب مشركون غير أنهم لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، كما ترى الأزارقة ذلك، ومن الصفرية من يخالف في ذلك القول فيقول: كل ذنب له حد في الشريعة مرتكبه مشركًا ولا كافرًا، بل يدعى باسمه المشتق من جريمته يقال: سارق، وقاتل، وقاذف، وكل ذنب يسمى ليس فيه حد معلوم في الشريعة مثل الإعراض عن الصلاة فمرتكبه كافر، ولا يسمى مرتكب واحد من هذين النوعين جميعًا مؤمنًا ومنهم من يقول: إن صاحب الذنب لا يُحكم عليه بالكفر حتى يُرفع إلى الوالي فيجده ويحكم بكفره هذه هي أهم فرق الكفر 1.
وقد أقامت الصفرية دولة في المغرب انتهت في النصف الأول من القرن الثاني الهجري وبسقوطها انتهت فرقة الخوارج الصفرية. وإن لهذه الفرق الثلاث فروع كثيرة ذكرها أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين وعبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق 2.
وسبب تسمية الخوارج أساسًا هو خروجهم على الإمام علي رضي الله. عنه
ثم سار سائر الخلفاء من بعده أو لخروجهم من الكوفة إلى حروراء، ثم من حروراء إلى النهروان وقد سموا أنفسهم الشراة، وهو أحب الأسماء إليهم، لقولهم إنا شرينا أنفسنا في الله، أي بعناها بثواب الله والجنة، أخذا من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة: 207]. وفي قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: 111].
272
التفسير والمفسرون الذهبي، 276/ 4. المدارس الفكرية الإسلامية، المرجع السابق، ص 53.
1
2 (1/273)
صفحة 274
ويسمون بالحرورية نسبة إلى تحيزهم بحروراء قبل خروجهم إلى النهروان وأطلق عليهم أيضًا اسم المارقة لما ورد
في الحديث الصحيح عن الرجل الذي اعترض على قسمة النبي (أنه ليخرج من نسله قوم: " يمرقون من
الدين كما يمرقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ
1"
وقد رضي الخوارج بتلك الأسماء كلها ما عدا اسم "المارقة" فإنهم لا يقبلون التسمية به، ويعتبرونها ذما هائلًا
وانتقاصا شديدًا، حتى إنهم يرون هذه التسمية كذب لأنهم يطلقون على أنفسهم أهل الحق"، فهم أول فرقة
3
إسلامية أو مدرسة فكرية زعمت أنها وحدها على الحق ومن سواها على ضلال، وهم ليسوا بكفار بل من أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا،
عنهم
المسلمين وأهل القبلة، فإن عليا رضي الله عنه عندما سأله أصحابه قالوا: أمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يقومون الليل ويقرؤون القرآن، قالوا: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا ثم قال وليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه.
وإن الخوارج كانوا من أظهر الناس بدعةً وقتلا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم
بذلك في غير هذا الموضع
5
وقال ابن تيمية: ومما يدل على أن الصحابة لم يكفروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة يصلّون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضا يحدثوهم ويفتونهم ويخاطبونهم، كما يخاطب المسلم المسلم. كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله عن مسائل وحديثه في البخاري. وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن
273
1064
البخاري، رقم. 3344. وانظر: مسلم، رقم. الفكرية الإسلامية، المرجع السابق، ص 53.
المدارس
آراء الخوارج، عمار الطالبي، 31/ 1.
المدارس الفكرية الإسلامية، ص 54.
الفتاوي ابن تيمية، 217/ 7 - 218
1
2
4
5 (1/274)
صفحة 275
كما يناظر المسلمان، وما زالت سيرة المسلمين على هذا ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق رضي
الله عنه. وذكر ابن حجر العسقلاني قائلا: "وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى الخوارج فساق،
وأن حكم الإسلام يجري عليه لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام"
تاسعا: موقف الإباضية من الخوارج:
211
تنظر بعض المصادر غير الإباضية إلى المذهب الإباضي، باعتباره فرعًا من حركة الخوارج، انفصل عن الخط العام ليشكل مجموعة بقيادة عبد الله بن إباض. ومثل هذا العرض للمذهب الإباضي كرّره أولئك العلماء الذين درسوا الموضوع على أساس معلومات مستقاة من تلك المصادر.
لقد كان من الصعب على عدد من الكتاب المسلمين أن يُكوّنوا نظرة واضحة عن الحركة الإباضية وكذلك عن طبيعة علاقاتها بحركة الخوارج، ومرد ذلك إلى التحكيم حول النشاطات والمخططات التي وجهت معظم النشاطات الإباضية الأولى والسبب الآخر هو أن خوف الإباضية من الاضطهاد من قبل خصومهم، جعلهم يسترون كتبهم. وعلى هذا، فإنه من المهم أن نعرض نظرة الإباضية الخاصة إلى منشأ حركتهم وإلى موقفها بالنسبة لحركات الخوارج، كما رأت مصادرها ذلك.
لقد حفظ الإباضية شرحًا مفصلاً لآرائهم عن التطور السياسي الباكر للأمة الإسلامية. وذكر البرادي الجدول التالي للأعمال والوثائق الأولى التي تناولت الموضوع، وقد ذكر ذلك الدكتور عمرو النامي في مؤلفهدراسات
عن الإباضية بشيء من التفصيل.
274
منهاج السنة النبوية، 62/ 3.
فتح الباري،
300/ 12
دراسات عن الإباضية، ص 49.
57 - 49
المرجع السابق، ص 49.
المرجع نفسه، ص. ص.
1
2
3
4
5 (1/275)
صفحة 276
وفي عهد الدولة الأموية والتي جعلت همها أن تتصدى لأي مقاومة لها فإن مؤيدي مجموعة "المحكمة" أو المسلمين أو جماعة المسلمين، كما كانوا يدعون في الأدب الإباضي القديم، اضطروا لإخفاء عقيدتهم والقيام بنشاطاتهم سرًا. وقد قاد تلك المرحلة جابر بن زيد، ومن بعده أبو عبيدة بن أبي كريمة التميمي. وتقوم العلاقة بين الإباضية وخصومهم المسلمين على أساس المبادئ التالية:
على الإباضية ألا يقاتلوا أحدًا إلاّ الذين يقاتلونهم، وليس لهم أن ينهجوا سياسة الاستعراض.
لا يجوز أن تؤخذ ممتلكات المسلمين غنائم ولا يجوز قتل نسائهم وأولادهم، أو أن يؤخذوا سباياً ويعتمد هذا المبدأ على سيرة المسلمين الأوائل وعلى سيرة علي في حربه ضد طلحة والزبير حيث كان علي الخليفة الشرعي
اللزوم.
ليس "الخروج" واجباً ويمكن للمسلمين أن يعيشوا في ظل الطغاة لاجئين إلى التقية الشراء أو التضحية بالذات، واجب اختياري على من اكتمل عددهم أربعين شخصا أو أكثر حين
يكونون هم الذين اختاروا الخروج.
وأصبحت هذه المبادئ سيرة المسلمين متبعة لا يجوز تغييرها، وأبدت المراجع الإباضية هذه المبادئ قياسًا على سيرة الرسول طوال كفاحه في سبيل الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية، وفقًا لشريعة الله. وكذلك زعموا أن هذه المبادئ لم تخرق قبل انتفاضة نافع بن الأزرق الذي تصرف خلافاً لذلك، أو كما قال ابن إباض نفسه: ولكننا باسم الله نختلف مع أبي الأزرق وأنصاره حين ثاروا بدا لنا أنهم كانوا على دين المسلمين، لكنهم تركوه
بعد ذلك وأصبحوا كافرين.
1
المرجع السابق، ص 57 2 الجواهر، البرادي، ص 165.
275 (1/276)
صفحة 277
وكانت حركة الأزرق أول انشقاق جاد وخطير في جماعة المحكمة وقد أدت التعاليم التي أدخلها نافع بن الأزرق
إلى ردود فعل مختلفة، وقد عارض كل من جابر بن زيد وعبد الله بن أباض آراء نافع بن الأزرق وسواه من زعماء الخوارج المتطرفين كنجدة وداود لخرقهم تلك الأصول الموضوعة من قبل مؤسس
المذهب.
ونظروا إلى الخوارج المتطرفين بأنهم "المارقة"؛ أي الذين تجاوزوا الدين وطبقوا عليهم الوصف المعروف المذكور في حديث شهير للرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو: " يخرُجُ فيكم قومٌ تَحقِرُونَ صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآنَ لا يُجاوِزُ حناجِرَهم، يَمُرُقُونَ مِنَ الدين كما يَمرُقُ السهمُ من الرمِيَّةِ، ينظُرُ في النصل فلا يرى شيئًا، وينظُرُ في القدح فلا يرى شيئًا، وينظُرُ في الريش فلا يرى شيئًا، ويَتَمارى في الفوقِ ".
1 آراء الإباضية في مسألة الخروج
إن العقيدة التي أدخلها نافع بن الأزرق هي أن الخروج أو الهجرة إلى معسكرهم أمر إلزامي وقد اعتبر بلاد خصومهم من المسلمين "المخالفين" دار حرب ونظر إلى أولئك الذين لا يقومون بأي عمل "القَعَدَةَ" باعتبارهم مشركين على أساس الآية القرآنية: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
وهذه العقيدة مناقضة للعقيدة التي قال عنها المحكمة، وهي
أنّ معارضيهم من المسلمين لا مشركون وإن إخوانهم المسلمين قادرون على الحياة بين خصومهم، وسمحوا بالقعود إذ أنّ الخروج أو الهجرة ليسا إلزاميين. والواقع أن المحكمة الأولين كانوا واضحين كثيرًا بشأن مسألة القعود باعتباره شرعياً بالنسبة لإخوانهم المسلمين
حتى إنهم انتخبوا عبد الله بن وهب الراسي إمامًا، وآثروه على معدان الأيادي لأنه قال:
1
سلام على من بايع الله شاربا
هنالك نصوص
وليس على الحزب المقيم سلام.
لهذا الحديث مذكورة في مجموعات الحديث، مسند الربيع رقم 36.
276 (1/277)
صفحة 278
لقد تمسك الإباضية بعقيدة المحكمة الأوائل، ورفضوا موقع نافع وقالوا إن كلاً من المجاهدين والقعدة هم
مسلمون: يخرج من يخرج ويتخلف من يتخلف فيتولى الخارج القاعد، والقاعد الخارج على ذلك مضوا، وانقرضوا، رحمهم الله وغفر لهم.
وقد جرى التعبير عن هذه العقيدة في وقت لاحق بالقبول التالي: لا هجرة بعد الفتح: وهو في الواقع جزء من حديث للرسول. وقد ورد في جميع المعتقدات الإباضية للتعبير عن رأيهم بمسالة الهجرة، أو الخروج.
2. موقف الإباضية بالنسبة لخصومهم مع المسلمين "المخالفين":
لقد اعتقد الأزارقة أن خصومهم المسلمين كفار، ونظروا بالتالي إلى بلادهم باعتبارها دار حرب، وآمنوا بشريعة قتل نسائهم وأولادهم، أو سبيهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومن ناحية أخرى، فإنهم منعوا أتباعهم من أن يرثوا منهم ومن أن يتزوجوا من نسائهم. كذلك رأوا شرعية الاحتفاظ بما أمنهم عليه من خالفهم من
المسلمين، وأن ينكروا عليهم حقهم فيه
هذه العقائد وإن جميع
عن علاقتهم بخصومهم المسلمين نظر إليها الإباضية "كضلالات"؛ لأنها معارضة
لآراء المسلمين مناقضة لسيرتهم ورفض الزعيمان الإباضيان جابر بن زيد، وعبد الله إباض آراء الأزارقة بن وأنكراها، كذلك اتخذا الموقف نفسه من مجموعات أخرى من الخوارج كالصفرية والنجدات وغيرهما، مع أن
هذه المجموعة الأخيرة اختلفت عن الأزارقة حول بعض المسائل 4.
واعتبر الإباضية هذه العقائد الجديدة التي أدخلها نافع وخوارج آخرون بأنها "بدع" وانفصلوا عن حركاتهم ورفضوا آرائهم، حتى أنهم خاضوا حروب ضدهم. وتعدّ سيرة سالم بن ذكوان من بين الوثائق الإباضية القديمة
277
دراسات في الإباضية، ص 60.
المرجع نفسه، ص 60.
دراسات عن الإباضية، ص 61. الشهرستاني، الملل والنحل، 163/ 1.
دراسات عن الإباضية، ص 61.
1
2
3
4
5 (1/278)
صفحة 279
التي ناقشت مشكلة متطرفي الخوارج وآراءهم. ولعله من المفيد أن ننقل هنا آراءه حول هذه المسألة، لأنها
تمثل الرأي المعاصر لعلامة إباضي بارز وتعكس الموقف الإباضي العام نحو الخوارج.
سالم بن ذكوان:
استعمل سالم بن ذكوان سيرته بعرض مفصل لسير الإسلام من بداية الوحي حتى وقت قبول علي بن أبي طالب الخليفة الرابع بالتحكيم إلى أن قال: " ... بعد ذلك راح ابن ذكوان يشرح موقف الأزارقة، كما يلي: ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه، فمكثوا ما شاء الله يسيرون سيرة من كان قبلهم من الخوارج، ثم إنهم حرمهم شنآن قوم أن أنزلوهم بمنازل عبدة الأوثان فقطعوا الميراث منهم، وحرموا مناكحتهم، وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم، فإن يكن ذلك هدى وعمل به من يتولون فقد خالفوهم فيه ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به، وإن يكن ذلك ضلالة ضلوا بتوليهم من عمل به واستحلوا سبي، قوم واستنكاح نسائهم وخُمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم، ولم يكن من يتولون يستحلون شيئًا من ذلك من قومهم، فإن يكن الذي عمل به من يتولون من قومهم هدى، فقد خالفوهم عليه وأبوا أن يجيروا من استجارهم من قومهم حتى يسمع كلام يشهدون أنهم بمنازل عبدة الأوثان وقال الله لنبيه: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
الله،
وهم
يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].
وجعلوا للقوم، محبة، وأبوا أن يقبلوا ممن أتاهم إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقرارهم بحكمهم، وهم يزعمون أنه حكم الله، وبرؤوا من كل أعرابي وإن كان يتولاهم ويسأل الله أن يرزقهم مثل الذي رزقهم من جهاد أعدائه وقد قال الله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 99].
278
المرجع السابق، ص 62.
1 (1/279)
صفحة 280
وكفروا قعدتهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم وحرموا ولايتهم والاستغفار لهم، وقد علموا ذلك منهم، فإن يكن ذلك العمل هدى يتولون به فقد خالفوهم فيه وكفّروا من يتولى اليوم عليه، وإن يكن من يقولون تولى كافراً فقد كفروا وكفروا هم بولايتهم إيَّاهم على تولي الكفار، فزعموا إنما يكفرون فعذبهم بكفرهم إياهم دونهم وقد أمر الله أن يتوبوا.
وبعد ذلك يتابع ابن ذكوان مناقشة رأي الأزارقة بخصوص "التقية" كما يلي: فقد مكث مؤمن آل فرعون ما شاء الله أن يمكث كاتماً إيمانه فلم يردّه الله عليه لكتمانه إياه، وقال تعالى: ولا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمران: 128. فحرض الله المؤمنين في التقية، وكيف يتقى المؤمنون الكفار إلا أن يظهروا لهم ما يحبون ويكتموهم دينهم مع أنهم إذا خرجوا كانوا أكتم ما كانوا ما كانوا قط لدينهم، وذلك أن الرجل يأتيهم فيقول: اعرضوا علي دينكم، فيقولون: لا، إنا إذا فعلنا كنا من الكافرين ولكن أخبرنا أنت به، فإن أخطأ في شيء مما في أنفسهم قتلوه، وغيرها من المعاصي ليس كلها تحصى، من استحلال أكل الأمانات التي أمر الله بالوفاء بها وأوفى بها المؤمنون، ويشهدون أن النفاق قد رفع وأن أحداً لا يستطيع أن يكون منافقاً، ويشهدون أن الله يغفر للزاني والسارق إذا كان
2
فيهم
أ. موقف ابن ذكوان من نجدة وأنصاره بعد ذلك واصل ابن ذكوان عرض آراء نجدة وأنصاره مبينا عقائدهم الزائفة منها:
اعتبار من خالفهم من المسلمين كفارًا، إلا أنهم سمحوا في الوقت ذاته بالزواج من نسائهم وبأكل ذبائحهم، كذلك منعوا أخذ الجزية منهم للحماية وقاموا بواجبات خصومهم المسلمين نحو أهل الذمة
مع أنهم اعتبروا خصومهم المسلمين مشركين.
279
المرجع السابق، ص 63. دراسات عن الإباضية، ص 64.
1
2 (1/280)
صفحة 281
- رأوا أن عليهم أن يهاجروا من بلاد خصومهم المسلمين، كما هاجر الرسول من مكة بعد ذلك أوضح أن نجدة واجه معارضة من قبل داود وأنصاره وعطية، وأنصاره، وأبي فديك وأنصاره، إذ كانوا يختلفون معه بخصوص مسائل معينة زعموا أنه انحرف فيها: ثم فارقه داود وأصحابه وعطية وأصحابه وأبو فديك وأصحابه في أمور نقموها عليه وزعموا أنه قد ضل بها، وليس الذي فارقوه فيه بأكثر من
الذي جامعوه عليه من سبي أهل القبلة، وقتل ذراريهم واستنكاح نسائهم، وخمس أموالهم،
واستعراضهم، وقطع الميراث منهم، فكلهم بحمد الله ضال تارك للحق متبع لهواه بغير هدى من وهم في ذلك معترفون فيما بينهم
الله
ثم أشار إلى عقائد أخرى خاطئة تميز أولئك الخوارج نافع داود عطية، أبا فديك وأنصارهم. وهناك شروح مماثلة لعقائد الخوارج وردت في مصادر إباضية أخرى مرفقة بحجة قوية ضدهم مبنية على القرآن والسنة ومثال المسلمين الأوائل. وإلى جانب رفض آراء الخوارج المتطرفين، فقد جعل الأئمة الإباضية الأوائل سياستهم شديدة الوضوح حول هذه القضايا.
وحين استشار عبد الله بن يحيى الكندي قادة الإباضية في البصرة بشأن الانتفاضة، كتب أبو عبيد مسلم بن أبي كريمة الإمام الثاني للجماعة الإباضية في البصرة، وزملاؤه يقولون له: إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا، واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم فقد علمتم أن الذي أخرجهم من السلطة العيب
لأعمالهم.
وقد عبّر عبد الله بن إباض بشكل موجز عن موقف الإباضية تجاه علاقاتهم ببقية الأمة الإسلامية، بقوله: لا نقول فيمن خالفنا إنه مشرك، لأن معهم التوحيد والإقرار بالكتاب والرسول، وإنما هم كفار بالنعم ومواريثهم ومناكحيهم، والإقامة معهم، حل، ودعوة الإسلام. تجمعهم. ثم أنّ هذا القول أكدته وكررته المراجع
المرجع نفسه، ص 65.
المرجع نفسه، ص 65
المرجع السابق، ص
280
65
1
2
3 (1/281)
صفحة 282
الإباضية التالية المعاصرة واللاحقة، أمثال سالم بن ذكوان وعبد الله بن يحي الكندي، وأبي حمزة المختار بن عوف 1.
أ العرض الأقدم حول سياسات الإباضية نحو هذه القضايا ورد في سيرة سالم بن ذكوان ولعل من
أهم المقتطفات:
نرى حق الوالدين، وحق ذي القربى، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق أبناء السبيل، وحق الصاحب، وحق الجار، وحق ما ملكت أيماننا علينا حقا، أبرارًا كانوا أو فجارًا.
نؤدي الأمانة إلى من استأمننا عليها من الناس كلهم من قومنا أو غيرهم ونوفي بعهود قومنا من أهل الذمة ونرد على أهل الذمة إن استطعنا الذي يأخذونهم به من الظلم من قومنا أو من غيرهم ونجير من استجارنا من قومنا ومن غيرهم، ويأمن عندنا إذا حضر القتال الكاف المعتزل حتى يخلو إليهم الأمر من غير أن نكون نشك في ضلالتهم ولاتخاذهم بين الحق والباطل منزلة فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا
الضَّلَالُ [يونس: 32].
فإن أخلى إليهم الأمر دعوناهم إلى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة أهله ومفارقة الباطل ومعاداة أهله فمن عرف منهم الحق وأقربه وتولانا عليه توليناه وحرمنا، دمه، وإن ينفر معنا، ومن أنكر حق الله منهم واستحب العمى عن الهدى ومفارقة المسلمين على مجامعتهم فارقناه وقاتلناه حتى يفيء إلى أمر الله أو يهلك على ضلالته، من غير أن نراهم نزلوا منازل عبدة الأوثان فنستحل سباهم وقتل ذراريهم وخمس أموالهم وقطع الميراث منهم، ولا نرى الفتك بقومنا وقتلهم في السر وإن كانوا ضلالا ما دمنا بين ظهرانيهم نظهر لهم الرضى بالذي هم عليه، وذلك أن الله لم يأمر به في كتابه ولا نعلم أحدًا ممن مضى من أولياء الله في الأمم الماضية استحل شيئاً من ذلك وهو بمثل منزلتنا فنقتدي بسنتهم في ذلك ولم يفعله أحد من المسلمين ممن
281
المرجع نفسه، ص 65.
1 (1/282)
صفحة 283
كانوا بمكة يأخذ من المشركين فنفعله نحن بأهل القبلة وقد أمر الله تعالى نبيه أن ينبذ إلى من خاف منه
خيانة فقال: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].
?
- نرى مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا.
- لا نرى أن نقذف أحدًا، ممن يستقبل قبلتنا ثم لا علم لنا به، فإن كثيراً من الخوارج يستحلون فيدينهم.
وقذف من يعلمون أنه بريء من الزنا من قومهم بفراقهم زعموا إياه ولعلهم لا يكونوا كلّموه قط، ولا
،
أخبرهم أحد ممن يتولون أنه كلمه ولا يدرون على ما هو قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]. وفي قول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
ثم قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا يَمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
- لا نرى قتل صغير من أهل قبيلتنا لا ذنب له.
- لا نرى أن يُستحل فرج امرأة تزوجها بالكتاب والسنة حتى طلقها زوجها أو توفى عنها، ثم تعتد عدة المطلقة
أو المتوفى عنها زوجها.
نبرأ ممن ظهر لنا منه عمل هو
الله معصية منه أو وعد الله عليه بالعذاب وأمر بفراق من عمل بذلك العمل
والبراءة منه أو يتولى عليه حتى ينزع ويحدث منه توبة.
لا نرى أن يتولى أحدٌ من الناس أحدًا إلا أظهر لنا منه معرفة حق الله وعمل بطاعة الله وموالاة لأوليائه
ومفارقهلأعدائه.
282 (1/283)
صفحة 284
لا نرى انتحال الهجرة من دار، قومنا كهجرة النبي () وأصحابه من دار، قومهم، ولكن يخرج من خرج
مجاهدًا في سبيل الله على طاعته، فإن هو رجع إلى دار قومه توليناه إذا كان عارفًا لحق الله مقرا به في نفسه
وماله.
وغير ذلك من المسائل التي ناقشها سالم بن ذكوان والتي لم تعرض فقط وجهات نظر الإباضية بخصوص القضايا التي تناولها بل عرضت أيضاً رفضاً قوياً لجميع وجهات نظر الخوارج بشأن القضايا.
ويقول الدكتور عمرو النامي وواضح من هذه المناقشات والمتقطفات من الأدبيات الإباضية القديمة أنه يكاد لا يوجد أي اتفاق بين الإباضية والخوارج على أية مسألة والواقع أن الإباضية اختلفوا مع الخوارج في جميع معتقداتهم وعارضوهم نظرياً وممارسة والمسألة الوحيدة التي يشتركون فيها مع الخوارج هي رأيهم في المحكمة.
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني:
يقول أحد علماء الإباضية وهو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه يأتيه قول الله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
فاثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها وأما المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله العظيم وتأوّلوا قول الله عز وجل: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله عز وجل أنه مشرك، وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال، وأخذ الأموال والسبي للعيال، فحسبهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن ناساً من أمتي يَمرقونَ منَ الدين كما يَمرُقُ السهم من الرمِيَّةِ فتنظر في النصل وتنظر في القدح، فلا ترى شيئًا وتتمارى في الفوق 4.
283
دراسات عن الإباضية، المرجع السابق، ص 70.
دراسات عن الإباضية، المرجع نفسه، ص)
70
القدح: السهم قبل أن ينصل ويراش. الفوق رأس السهم الذي يوضح فيه الوتر.
1
2
3
4 (1/284)
صفحة 285
فليس في أمة محمد (أشبه شيء بهذه الرواية منهم لأنّهم عكسوا الشريعة، قلبوها ظهراً لبطن وبدلوا الأسماء والأحكام، لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين فليت شعري، فيمن نزلت الحدود في المسلمين أو في المشركين فأبطلوا الرجم والجلد كأنهم ليسوا
في أمة أحمد عليه السلام.
—
الإمام أبو إسحاق اطفيش:
يعتبر أحد الأعلام المشهورة والبارزة في المذهب الإباضي كتب بحثا قيما في الموضوع تحت عنوان نبذة عن الخوارج فقال: "الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأئمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك، فاستحلوا ما حرم الله من الدماء والأموال بالمعصية متأولين". وفي قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ
لَمُشْرِكُونَ. فزعموا أن معنى الآية: وإن أطعتموهم في استحلال الميتة والاستحلال لما حرم الله شرك.
وحين أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول، بل تجاوزه إلى الفعل، فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بالمعصية، فاستعرضوا النساء والأطفال والشيوخ. وقد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي صاحب المسند الصحيح رحمه الله حين بلغ إليه أمرهم يقول: دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل فإن بقوا على قولهم فخطؤهم محمول عليهم وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا عليهم بحكم الله.
فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم وطاردوهم كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم، لأن الكفر في استحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي وقد
284
بكير سعيد، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 38.
1 (1/285)
صفحة 286
استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله فعظمت
محنتهم
فكانت بلاء عظيمًا.
وقد تولى قتالهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني القائد الأموي المشهور وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة في محاربة المسلمين وانتشار الأحاديث الموضوعة في قتالهم حتى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة.
ولما كان هؤلاء الخوارج من منكرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون إلى المذاهب المتعصبة إدماج الإباضية في هؤلاء الخوارج، ظلما وعدوانا والسبب في ذلك عديدة المناهج:
:أولها أصحاب الإباضية يرون الملك العضوض لا تجب طاعته، بل أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء
الراشدين.
لما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم): اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر حديث صحيح، ولما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه: ستقتلك الفئة الباغية واستشهد بهذا الحديث منكرو التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر فثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان ولو اختلفا في تأويله إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح، وإنما دعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى.
ثانيها: ظهور رأي أصحاب الأهواء في واقعة النهروان إذ زعموا أنها لأجل الخروج على عليّ وهو إمامهم والحقيقة التي لا مرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن عليّ فقط ولكنهم حين أبوا التحكيم وأصروا عليه جنح أبو الحسن إلى فريق التحكيم، فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تكن في أعناقهم بل هم في حل منها حيث أن التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم، وإلا فلم التحكيم؟ فاعتبروا التحكيم تنازلا من الإمام أبي الحسن عن البيعة، إذن فمن نكروا التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون إماماً لهم.
285 (1/286)
صفحة 287
فاختاروا رجلاً من أفضل الناس يومئذ ومن الصحابة الكرام، وهو عبد الله بن وهب الراسي الأزدي، فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الإمام علي أن يدخلوا في البيعة لمن اختاروه إمامًا. فرأى علي بن أبي: طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشى فحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم فتخرج الإمامة إلى غير قريش، وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان 2.
لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوهم معاوية ومن معه، ولكن الأمر قد فات، فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فأصبح المسلمون في حل من أمرهم، لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولوا البصائر من مفكري التحكيم وهو أن التحكيم تلاعب بالأمر تولى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دس على أصحاب
معاوية.
وليس إذن ما يزعمه محرفوا فحرفوا التاريخ ومتعفنة المذهبية أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على عليّ، لأنهم لم يخرجوا والبيعة في أعناقهم فلينتبه المتبصر من الزلة في هذا المقام فإن الأهواء متغلغلة في أصحابها بما
لا خفاء فيه.
ثالثها: أن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر وإنما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا ولم نعرف هذه التسمية في أصحاب علي المنكرين للتحكيم أو الراضين به. وإن أول ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية والاستقرار فيه حين زاره الأحنف بن قيس التميمي وهو من أهل النهروان فقال له معاوية: لماذا أحبك الناس وأنت من الخوارج؟ فقال له الأحنف: لو عاب الناس الماء ما شربته، يعني لم يرتضوا ببيعته والدخول في أمره، فقد ورد في كتاب الأمالي لأبي علي القالي: "أترى أن معاوية يصف
الذين
ذكرنا فيما سبق قول ابن عباس في مناظرة ابن عباس الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليّ لا يوجد فيهم أحد. من
على رضي الله عنه قاتلهم.
سبب
سفك الدماء واعتدائهم على الناس وشق جماعة المسلمين.
286
1
2 (1/287)
صفحة 288
الأحنف بن قيس بالخارجية، لأنه كان مع من حاربهم على يوم النهروان أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية ولو
كان وصف معاوية للأحنف بالخارجية لكونه من أهل النهروان لكان معاوية ومن معه أولى بهذه التسمية،
لأنه. هو الذي سل السيف ضد علي ومن معه يوم صفين، ولأنه هو الذي جنح عن بيعة الإمام علي، والحال
1"
قد بايعه أهل الحل والعقد فأصبحت بيعته حقاً يجب اتباعه والدخول فيه على كل واحد من المسلمين".
رابعها: أن الإباضية لم يسلوا السيوف على أحد من أهل التوحيد قط، ولم تقع منهم حرب ضد أحد من المسلمين، وحتى عند اشتداد الأزمة بين الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه فقد اشتدوا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنة حتى خرج عليهم التوابون، وعلى رأسهم سعيد بن الجبير وإبراهيم النخعي وهما إمامان وقد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير والعجب كل العجب أن هذه المجموعة الكبرى من العلماء الذين حملوا السيف أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج، لم يطلق عليهم أحد منهم
اسم
الخوارج، وهم كلهم من حملة لواء العلم، وماتوا جميعًا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو: سعيد بن جبير،
وإبراهيم النخعي،، وعبد الله بن مطرف. وإن العقل يقف مشدوها أمام هذه الفاجعة الكبرى، ومع على القراء بسلام 2.
ذلك تمر
وإن من يمحص يحمص التاريخ بإنصاف، وعلم يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية-وهم من الخوارج براء، وهو وهم أنهم رأوا الإمامة لا تختص بقرشي، بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورئاستها، وهذا هو الحل الذي دل على كمال البصيرة، إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على
سائر أجناسه وأئمة تابعًا لقبيلة واحدة، سواء أحسنت أو أساءت.
287
علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامي، ص. ص 10 - 513.
الإباضية بين الفرق، المرجع السابق، ص 514.
1
2 (1/288)
صفحة 289
والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب إليه أصحابنا وحموا عليه حديث: الأئمة من قريش "ومن المكابرة ومجانبة الحق أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقرشي ولم يرتضه الأنصار وهم أهل الفهم، لما بعث به محمد صلوات الله وسلامة عليه حين قالوا لأبي بكر منا أمير ومنكم أمير ولكن حين رد على الأنصار بقوله: منا الأمراء ومنكم الوزراء إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي، يعني قريشاً، فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش، لا لشيء آخر، مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية. أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنه قرشي كلا والله.
خامسها: الإباضية يبتغون العدل وينشرون العمل بالكتاب والسنة ومناهج السياسة التي سار عليها
الخلفاء الراشدون
برأيهم سواء قام بالأمر قرشي أم حبشي، عربي أم عجمي، كما ورد في أحاديث صحاح، لما ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز حيث أرسلوا إليه وفداً من البصرة يتألف من ستة علماء جهابذة: جعفر بن السماك العبدي وأبو الحر علي بن الحصين العنبري والحباب بن الكاتب والحباب بن كليب وأبو سفيان قنبر البصري، وسالم بن ذكوان ربما كانوا أكثر من هؤلاء إلا أن الذين وقفت على أسمائهم هم هؤلاء رحمهم الله جميعا، وحيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء على الخليفة عمر بن عبد العزيز 2.
قالوا: "كعادتهم في الغمز أرسل إليه الخوارج وفدًا ولم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر في الحديث، وقبوله منهم كل ما أرادوه منه في نشر العدل وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون "سنة"، فإن الوفد قال له: إن المسلمين يلعنون علياً على المنابر فلا بد من الشروع في تغير تعبير المنكر، فأبدل اللعن
1
مال الإمام الجويني إلى عدم اشتراط النسب القرشي، أما الباقلاني اختلف، قوله فاشترط القرشية في كتابه الإنصاف، ولم يشترطها في كتابه التمهيد، وإلى نفي اشتراط القرشية ذهب أكثر المحدثين منهم أبو زهرة في كتابه "المذاهب الإسلامية. وذهب إلى أن الأحاديث الواردة مجرد أخبار لا تفيد حكمًا وغيره. الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 515.
288 (1/289)
صفحة 290
بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعميت بصيرتهم الأهواء أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت، فالإباضية ينشدون من ينشدان الحق والوقوف في وجه الظلمة بالمساجلة، كما فعل الإمام عبد الله بن إباض مع عبد الملك بن مروان، وأبو بلال مرداس بن حيدر مع زياد بن أبيه، ولم يسلوا السيف كما فعل الخوارج، بل سلكوا سبيل البيان، معرضين عن السنان، ولم يفعلوا وأنهم كما فعل الخوارج، بل سلكوا سبيل، معرضين عن السنان، وأنهم يرون عصمة الدم بالتوحيد "لا إله إلا الله"، وعصمة المال كذلك. ولم يكن منهم ما كان من أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان أو حمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف وقطع العذر، بل تركوا الناس أحرارًا في آرائهم وأعرضوا عن الدنيا إن كانت بغير حلها، بل تركوا لأرباب المذاهب مذاهبهم في حرية تامة لأنه "لا أكره في الدين"، فالحق ظاهر القبلة عندهم كافة سواسية في الحق، والحرية مكفولة لكل الناس بعد الاعتراف الله بالوحدانية، والحرية هي الأصل في الإنسان، حتى أن المكاتب عندهم في أول يوم وماكاتب به فدين عليه يؤديه، ولم يقل بهذا غير الإباضية، لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا سواهم، فبان الخوارج بما ذكرنا في شنائعهم وكبائرهم، ولم تكن لهم صلة بالإباضية حتى يقال إنهم خوارج، ولقد كشفت للمنصفين من قومنا هذه الفروق فأدركوا الحق واعترفوا به، والرجوع للحق فريضة وفضيلة.
عنهم
سادسها: الإباضية يجيزون المناكحة بينهم وبين سائر الموحدين، والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم
فالخوارج يرون سواهم مشركين كما بينا وأوضحنا وعلى هذا لا يجوز أيضاً التوارث بينهم وبين من يخالفهم بطبيعة الحال لأن الشرك الذي منع المناكحة والمصاهرة يمنع الموارثة، فهل تعامى عن هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم وأصيب بالعشي، ذلك ما يشاهده الذي يقلب أطوار التاريخ في مدونات قومنا، ولم يعتبروا قوله:
289 (1/290)
صفحة 291
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58]. وقوله تعالى:
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8].
إن المسلم ليجار من أمر أولئك المتقولين على أهل الحق والاستقامة "الإباضية"، كيف استساغوا ذلك لأنفسهم، لا لشيء إلا للهوى والشهوة الخفية نعوذ بالله من الهوى وإنكار الحق، أو لا يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الإفك، أم اعتقاد الخروج من النار هوّن كل شيء في سبيل الهوى.
سابعها الإباضية خدموا الإسلام علمًا وعملا معبدء الفتنة:
حيث اشتغل أتباع المدرسة بالتدوين فكانوا أول من دون الحديث فإمامنا جابر بن زيد أول من دون الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير، ثم تلاميذه من بعده وهم حملة العلم إلى المشرق والمغرب، في حين أن الخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء وإخافة السبل وتعطيل الأحكام، ولم يذكر عن أحد من الخوارج أنه ألف كتاباً، والذين يذكرون المؤلفات للخوارج، إنما يذكرون الإباضية، وهم دون شك يريدون بهم التشنيع والتشغيب، وأما الصفرية والأزارقة والنجدات فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين ولو انفرد نجدة برواية حديث، ونافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابن عباس ليس هذا محلها، وأريد أنهم جنحوا إلى الحرب لا إلى التأليف ورواية العلم وكل ما ذكره قومنا من رجاله العلم ونسبوه للخوارج ليسوا إلا من الإباضية.
ولقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب، وعرفوا بالصدق والأمانة والورع ما لم يبلغ شأوه وغيرهم، فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية بالداعية الفاجرة والبهتان، حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة وما خلطوا بين الإباضية والخوارج إلا لطمس معالم الحق والصواب، حسداً من عند أنفسهم، وأنى لمن اتخذ التشغيب مطية أن يعترف بالحق والصواب وقد عميت بصيرته وإنك لترى لهؤلاء من العمل على إخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني والعظمة العلمية ما جعلهم لا يذكرون لهم من
290
المرجع السابق، ص 516.
1 (1/291)
صفحة 292
موجب الذكر شيئاً، وإنني رأيت مؤلفات دونت التاريخ والأدب والفروع لبعض قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا بما لهم فيما دون من الضلع، فلا يتورع أن يتجاهل ذكرهم حتى كأنهم لم يكونوا، وذلك مبالغة وإمعانا
في طمس الحق، ولا تجد من أصحابنا شيئًا من هذا الأسلوب البشع، والحمد لله العلى الكبير.
ثامنها: إن قومنا حين جمعوا الحوادث التاريخية، واقتضت الحال أن يذكروا أصحابنا، فخلطوا بين الإباضية والخوارج، فتارة ينسبون الإباضية للخوارج وتارة ينسبون الخوارج للإباضية، كما يفعل الكثير من المدونين، الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية والعكس، مما أوجب التخليط والتشويش فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل إلى ما هو أشبه بالنهرير، ولا عذر لهم عندي مطلقًا.
لأن الذي ينشد الحق يطلبه من ينبوعه، لا أن ينتحله حسب هواه، إنا نجد من يزعم أن أبا بلال مرداس بن جدير من الخوارج وقطري بن الفجاءة من الإباضية، والأمر على عكس ذلك، وآخر يذكر أن الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي هو الإمام عبد الله بن إباض والحق خلاف ذلك، إذ الإمام عبد الله بن إباض توفي آخر أيام عبد الملك بن مروان وعبد الله بن يحيى طالب الحق ظهر أيام مروان الحمار سنة
130 هـ.
وهكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويهاً وتشغيباً، وانظر إلى تاريخ الأندلس الذي يوجد بين أيدينا اليوم، ولا نجد للإباضية ذكرًا، والحال أن الإباضية بلغوا في الأندلس مبلغاً عظيماً من العلم والمال، حتى أن جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها إباضية إلى القرن السادس، بل إن نكبة الأندلس التي كانت كلها إباضية إلى القرن السادس، بل إلى نكبة الأندلس الكبرى وإنك لتقرأ طبقات ابن سعد مثلا فلا تجد ذكراً لرجال الإباضية غير جابر بن زيد، فإنه ذكره رغم أنفه لشهرته التي أطبقت الآفاق وهكذا.
291
المرجع السابق، ص 518.
1 (1/292)
صفحة 293
والحق الذي لا ريب فيه أن رجال كل قوم قومهم أولى بهم والتاريخ أهله أولى وأعرف بهم من سواهم والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولقد استوجبت بدعة الخوارج أحكامًا، شرعية، لذا قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر، حتى لا يقع الإنسان في جريمة الخوارج، فالكبائر نوعان:
أ. كبائر شرك، وهي كل كبيرة أخلت، بالاعتقاد، كاستحلال ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو جحود حكم قطعي، كالرجم إلى أمثالها، وكبائر النفاق. ب. كبائر الكفر بنعمة الله، أي ما يطلق عليه عند أهل الحديث كفر دون الكفر وهي كبائر الفسق عند قومنا، مثل ارتكاب فاحشة من الزنا أو الإتيان في الأعجاز أو أكل الحرام، أو شهادة الزور أو عقوق الوالدين، أو ما شابه ذلك من كبائر عملية، وترك فريضة من فرائض الله غير مستحيل، كل
ذلك يسمى
عند أصحابنا بكبائر النفاق وكبائر كفر النعمة.
وإذا أطلق أصحابنا الكفر انصرف بالقرينة إلى الحكم عليه فيه. هل هذا يحل بالعقيدة أو هو من الفعل أو
الترك فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أو كفر شرك؟
إن على أن أصحابنا ألا يكفروا تشهيًا، ولا يكفروا أهل القبلة ما دانوا بكلمة الإخلاص والحق أنهم انفردوا بذلك ولو ادعاها أرباب المذاهب.
وإذا أدركت هذا علمت أن بين الإباضية والخوارج فَرقًا بعيدًا، لا يجمع بينهما جامع إلا إنكار التحكيم، وهو الحق الذي لا مرية فيه والذي يؤيده كتاب الله وسنة رسوله الله)) وسيرة العمرين وإجماع المسلمين، فشد يدك على الحق وَمَن يَعْتَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]. وقد قال بعض أصحابنا وبه قال قومنا: "إن الخوارج ينكرون الرجم والذي عندي أن هذا القول غير صحيح إلا إذا نظرنا
إلى حكمهم بأن مرتكب الكبيرة مشرك حلال الدم، فإن الزاني يقتل عندهم ردة لا حدا وهذا متفرع عن
292
المرجع السابق، ص 518.
1 (1/293)
صفحة 294
حكمهم قطعا لا يحتاج إلى دعوى نكران الرجم، ولكن الأمر عندي ليس كما يتوهم، وإنما زعم من زعم من قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمز لكنه يعود على الزاعمين بطامة؛ وذلك أن قومنا رووا أنه كان مما يتلى في كتاب الله: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" فأكلته العنزة - فيترتب على هذه المقالة أن القرآن وقع فيه نقص والعياذ بالله وهذه الطامة تلازمهم وإن فروا منها بزعم أن ما نسخ لفظه وبقي حكمه، ولكن أصحابنا يقولون الرجم فرض لا من القرآن، ولكن من الحديث فقد روى الحافظ الحجة الإمام الربيع في صحيحه عن الإمام جابر بن زيد: الاستنجاء والاختتان والوتر والرجم سنن واجبة). فصان الله الأصحاب من الخطل، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
هذه الفروق المعتبرة التي ذكرها الإمام أبو اسحاق إبراهيم الطفيش الإباضي فيها دلالة واضحة في كون الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، بل إن الإباضية كانوا أشداء على الخوارج شأنهم شأن بقية المسلمين المعتدلين، فكيف نعتبرهم خوارج؟ فهذا لا يستقيم أمام موازين العدل والإنصاف والنزاهة العلمية والموضوعية. ويعزز هذا أني سأتحدث -بإذن الله تعالى في مبحث مستقل عن مصادر التشريع والعقائد والفقه والأصول والاجتهاد والفكر السياسي والإنساني عند الإباضية، تدل مباحثنا التي التزمت بالعدل والإنصاف، والعلم والبحث والتنقيب على كون الإباضية مدرسة إسلامية استمر بقاؤها إلى يومنا هذا لتميزها في أصولها المتينة وفروعها المرنة المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
العلامة أحمد حمد الخليلي:
—
يقول العلامة الخليلي: مع ما تميزت به هذه المدرسة من شدة التمسك بالدين، والاعتصام بحبله المتين، وعدم تساهلها في شيء من حدوده وواجباته، تأبى كل الإباء أن أت تغلو في أمر الدين وأن تتجاوز حدوده التي رسمها الشارع الحكيم، لذلك كانت في سلمها وحربها مثالاً للتسامح وعدم الاستقصاء في تعاملها مع غيرها
293
519
المرجع السابق، ص
1 (1/294)
صفحة 295
في السلم والحرب والمكره والمنشط والسعة والضيق والشدة والرخاء، وقد تبينت أيها القارئ الكريم كيف كان سلوك أبنائها عندما يتعرضون لعدوان أو يواجهون خصومة، فإنهم يعرضون على الاحتراز وضبط النفس والتحكم في العواطف الثائرة والمشاعر الهائجة، حتى لا تدفعهم إلى الحماقة والخروج عن حدود الاعتدال فيما ذكرته من الأمثلة شاهد على ذلك، وكما تجد شهادة عادلة على هذا النهج من أهل الصدق والأمانة من
المنتسبين إلى المدارس الأخرى.
وبسبب
هذا كان البون سحيقا بينهم وبين الغلاة الذين حكموا على أهل ملة التوحيد، بأحكام المشركين،
فاستباحوا منهم
سفك الدماء
وغنم
وسبي
الأموال الذراري، وقد كان استنكارهم لهذا الغلو منذ بداية بروزه،
ناهيكم أن الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد-رحمه الله الذي كان رائد هذه المدرسة ومنظرها كان يجتمع بأولئك
على أولئك الغلاة. فقد ذكر البدر الشماخي في سيرة ضمام أنه قال: كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم:
أليس قد
حرم
الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون نعم، وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون نعم، فيقول أوليس
قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين، فيقولون بلى فيقول وحرم الله ولايتهم بدين بعد
الأمر بها بدين؟ فيقولون: نعم فيقول: هل أحد ما بعد هذا الدين؟ فيسكتون. وذكر أيضًا أن عبد
إباض كانت له مناظرتان مع الخوارج 2:
- الاستدلال بكلام سالم بن ذكوان الهلالي
الله
بن
قال الخليلي وسط سالم بن ذكوان الهلالي - وهو من أعلام هذه المدرسة في نهاية القرن الأول وبداية الثاني- الحجج الدامغة التي أتت على شبه هؤلاء الغلاة في سيرته القيمة حيث قال: ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه فمكثوا ما شاء الله، يسيرون بسيرة من كان قبلهم من الخوارج ثمّ إنهم جرمهم شنآن قومهم أن
1
2
الشماخي، السير، ص 72.
المرجع السابق، ص 73.
294 (1/295)
صفحة 296
أنزلوها بمنازل عبدة الأوثان فقطعوا الميراث منهم وحرموا مناكحتهم وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم، فإن
يكن ذلك هدى وعمل به من يتولون فقد خالفوهم فيه، ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به، وإن يكن ذلك
ضلالة ضلّوا بتوليهم من عمل به.
واستحلوا سبي قومهم واستنكاح نسائهم وخمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم، ولم يكن من يتولون يستحلون شيئًا من ذلك من قومهم، فإن يكن الذي عمل به من يتولون من قومهم هدى فقد خالفوهم، وأبوا أن يجيروا من استجارهم من قومهم حتى يسمع كلام الله وهم يشهدون أنهم بمنازل عبدة الأوثان وقال الله لنبيه: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذُلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6]. فقالوا: قد سمع قومنا كلام الله فلا نجيرهم وقد سمع المشركون الذين أمر الله بجوارهم كلام الله فقالوا: وقد سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [الأنفال: 31]. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]. وقالوا: وانتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِلْهُ} [يونس: 15].
ثم أجارهم نبي الله كما أمره وجعلوا للقوم محنة، وأبوا أن يقبلوا ممن أتاهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإقرارهم بحكمهم وهم يزعمون أنه حكم الله وقال لنبيه: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 5].
ج
وكفروا بالرجم وقد رجم رسول الله رجلاً من أسلم، ومضت به السنة وبرؤوا من كل أعرابي، وإن كان يتولاهم ويشهد لهم بالنجاة، ويسأل الله أن يرزقه مثل الذي رزقهم من جهاد أعدائه وقد قال الله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ، أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 99].
وكفروا قعدتهم واستحلوا دماءهم وأموالهم وحرموا ولايتهم والاستغفار لهم وتولوا قوما كانوا يتولون قعدتهم ويحرمون دماءهم وأموالهم ويستحلون موارثيهم والاستغفار لهم وقد عملوا ذلك منهم، فإن يكن ذلك هدى
295 (1/296)
صفحة 297
عمل به من يتولون فقد خالفوهم فيه. وكفروا من يتولى اليوم عليه، وإن يكن من يتولون تولى كافراً فقد كفروا، وكفروا هم بولايتهم إياهم على تولي الكفار فزعموا أنما يكفرون قعدتهم بكتمانهم إيمانهم ودينهم وقد أمرهم الله
أن يثبتوا.
فقد مكث مؤمن آل فرعون ما شاء الله أن يمكث كأنما إيمانه فلم يردد الله عليه بكتمانه إياه وقد قال الله: ولا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28].
ومع
فحرّض الله المؤمنين على التقية وكيف يتقي المؤمنون الكفّار إلا أن يظهروا لهم ما يحبون ويكتموهم دينهم، أنهم إذا خرجوا كانوا أكتم ما كانوا قطُّ لدينهم وذلك الرجل يأتيهم فيقول علي دينكم فيقولون: لا إنا إذا نكفر ولكن أخبرنا أنت به فإن أخطأ شيئاً مما في أنفسهم قتلوه في شيء من أمور المعاصي ليس كلها تحصى من استحلال أكل الأمانات التي أمر الله بالوفاء بها، وأوفى بها المؤمنون ويشهدون أن النفاق قد رُفع وأن أحداً لا يستطيع أن يكون منافقاً ويشهدون أن يغفر للزاني والسارق وأن يكونا منهم، ولو كانت صحابة تجير من النفاق أجارت صحابة نبي الله إن قبلوا ما دعاهم إليه من إقامة وإيتاء الزكاة، وهو الإسلام وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
أقواله ما يرد به على الخوارج حيث قال: وعُني في زمانه ومن بعده-قادة الفكر والرأي من أبناء هذه المدرسة بنقض فكر هؤلاء الغلاة وتقيد شبههم وشفيه رأيهم حتى جاء الإمام المجدد العلامة الرباني أبو نبهان رحمه الله
تعالى.
281 - 280,
296
الاستبداد مظاهره ومواجهاته ص ص)
1 (1/297)
صفحة 298
العلامة أبو نبهان:
—
قال الخليلي: فعني بنقض هذا الفكر والنداء عليه بالضلال في كثير من مؤلفاته، وكان مما قاله: ألا فاتقوا الله بأداء ما أمر والانتهاء عما عنه زجر، ولا تركنوا إلى دعاكم إلى متالف الردى تاركين لما كان عليه أئمة الهدى فإنهم أقرأ منكم للتنزيل التنزيل وأعلم بالتأويل وأدل بالطريقة المثلى إلى منازل العلا.
وقد ضربوا في منارها الصوى فبصروا العمى وأمروا بالتقوى ونهوا عن متابعة الهوى وأوضحوا لكم في دين الله ما لا مزيد عليه من الهوى، فدلوكم على المحجة البيضاء التي كان عليها سيد الأنبياء فعرفوكم ما تأتونه فرضاً ونفلاً، وما تذرونه نية وقولا وفعلاً وبينوا لكم من زاغ عنها من أهل الجهالة، فجادلوا أهل الزيغ بالتي هي أحسن لما بها من دلالة على صحة ما هو به وعليه وفساد ما عداه حتى ظهر الحق وبطل ما خالفه من دعوى العماة، فأنى يكون الشك فيما هم به ودعوا إليه.
لعباده من
ولا يزال الالتباس، فلا عذر لمن خالف من الناس أولئك هم أولوا الألباب الذين هداهم الله لدينه الذي ارتضاه فضله، فلم يغيروه عن أصله بل اتبعوا فيه أثر النبي عليه الصلاة والسلام ومن بعده أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين صفوة الأنام فجاهدوا عن أمر الله من كان من المشركين حتى يسلم أو يقتل على إصراره أو يعطي الجزية عن يد لصغاره إلا من لا يقبل منه إلا الدخول في الإسلام أو القتل على حال، وقاتلوا من بغى من المنافقين في إقراره حتى يفيء إلى أمر الله أو تفني روحه في أوزاره، فبذلوا الأموال في جهادهم وجادوا بالأرواح لإزالة فسادهم، فلم يستحلوا عن هؤلاء الباغين في قتالهم سبي ذرية ولا غنيمة مال الحرامهما في أهل القبلة شرعاً، وهذا ما لا يجوز أن يختلف في المنع في جوازه، قطعًا، وإنما أجازهما نافع بن الأزرق خلافًا
297 (1/298)
صفحة 299
في دين الله لمن قبله جزاه الله شراً على ما ابتدعه ما، أضله حتى انتحل الهجرة وشرّك أهل القبلة واستعرض
الناس بالسيف على غير دعوة، فاستحل السبي والغنيمة في أهل الإقرار بالجملة وأزل من اتبعه فصار مثله.
—
العلامة نور الدين السالمي:
لقد ذكر الخليلي: وإن محجة الحق في هذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى، إذ قال:
ومال أهل البغي لا يحل.
خوارج غلت وصارت مارقة. فحكموا بحكم المشركينا. فعرضوا للناس بالسيف كما.
وإن يكن قوم له استحلوا.
من دينها صفرية أزارقة. جهلًا على بغاة المسلمينا.
استحلوا المال مغنما.
وضللتهم وفسقتهم.
وأمة المختار فارقتهم.
ووردت فيهم مع المختار.
ـلة أخبار
مع
الآثار.
وفيهم المروق يعرفنا.
لا شك نبرأنا.
وقال أيضًا ولا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم، ولا نستحل فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله وسنة نبيه حتى يطلقها زوجها أو يتوفى عنها، ثم تعتد عدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، ولا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا لهجرة النبي وأصحابه من دار قومه، ولكن يخرج من خرج منا مجاهداً في سبيل الله على طاعته، فإن رجل إلى دار قومه توليناه إذا كان قائماً بحق الله في نفسه وماله 2.
1
مخطوطة أبي نبهان يحذر فيها الحكم على أهل القبلة بأحكام المشركين، نقلا:
عن
الاستبداد، ص 286.
2 تحفة الأعيان 79/ 1. وانظر: الاستبداد، ص 286.
298 (1/299)
صفحة 300
—
الإمام العلامة أبو إسحاق إطفيش:
وذكر الخليلي ما قاله أبو اسحاق إطفيش الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين، رؤوسهم
نافع بن الأزرق، ونجد عامر وعبد الله
بن
بن
الصفار ومن تابعهم وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن
الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك فاستحلوا ما حرّم الله من الدماء والأموال بالمعصية متأولين قوله
تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
فقد زعموا أن معنى الآية، وإن أطعتموهم في أكل الميتة، فأخطؤوا في تأويلهم والحق أن معنى الآية: وإن أطعتموهم في استحلال الميتة، واستحلال لما حرم الله شرك، وحين أخطؤوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول، بل تجاوزوه إلى الفعل فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك فاستحلوا دماء المسلمين، وأموالهم بالمعصية
فاستعرضوا النساء والأطفال والشيوخ.
—
الإمام الحافظ الربيع بن الحبيب:
قال الإمام الخليلي وقد كان الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي الإباضي صاحب المسند الصحيح-رحمه الله - حين بلغ إليه أمرهم يقول: دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل، فإن بقوا على قولهم فخطؤهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكما فيهم بحكم الله، فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم وطاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزا بالقول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم - لأن الكفر في استحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي وقد استشرى فعلهم
1
الاستبداد مظاهره ومواجهته (ص)
299
286 (1/300)
صفحة 301
يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم، فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله فعظمت محنتهم،
فكانت بلاء عظيما.
وفي
هذه النصوص التي نقلناها ما يكفي شاهدًا على أن هذه المدرسة لم تخرج عن خط الاعتدال، فلم تستبح في يوم من الأيام غنيمة مال موحد ولا سبي ذريته أو أهله مهما كان فجوره، وإذا بغى فإنما يقتصر في رد بغيه بمقاتلته، بعد إقامة الحجة عليه من غير أن يعامل معاملة أهل الشرك في شيء فلا يقطع التوارث بينه وبين
المسلمين، ولا يحرم إنكاحه النساء المسلمات، كما لم يحرم تزوج من كانت على نهجه النساء. من
وقد امتلأت كتبهم بشرح ذلك، والنكير على الخوارج الغلاة الذين حادوا عن هذا النهج، فأنزلوا بأهل القبلة من الأحكام ما يخرجهم من الملة ويلحقهم بأهل الشرك والعياذ بالله ولا يرتاب ذو بصيرة أن الخوارج الغلاة بغلوهم-فيما أنزلوه من الأحكام بأهل القبلة باينوا النهج السليم الذي جاء به القرآن ودلت عليه سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام ودرج عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، لذلك تشددت الأمة في محاكمتهم على جرمهم فبدعتهم وضللتهم وكانت الإباضية في مقدمة الأمة إذا وقفوا منهم هذا الموقف الصارم، وأخذوا على أنفسهم نقض أباطيلهم وتفنيد شبههم، كما أنهم لم يترددوا في دفع شرهم بالسيف عندما اقتضى الأمر ذلك، فعلوا هذا كما هذا بالمشرق بقيادة الجلندي بن مسعود، وبالمغرب بقيادة أبي الخطاب المعافري 2.
—
الشيخ علي بن يحيى معمر:
يقول علي يحيى معمر: إن الإباضية من أحرص المؤمنين على التقيد بما ثبت في النصوص الشرعية من أحكام المسلمين، وهم يعتقدون أن كل من نطق بكلمة الشهادة فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم فلا يستحلون دماء أحد من أهل القبلة إلا بالحق بينته وحددته الشريعة الإسلامية، كالردة وقتل النفس وما في
300
287
المرجع السابق، ص 7 المرجع السابق، ص 288.
1
2 (1/301)
صفحة 302
معناها من الحدود ولا يستحلون مال أحد إلا بالطرق التي رسمتها الشريعة الإسلامية، للتعامل بين الناس:
فريضة في كتاب الله، هبة عن تراض، بيع عن تراض، وما في معناها، أما قتل الأبرياء وسبي
الأطفال والنساء
فقد وقفت دونها كلمة التوحيد وصانها عن هذه المذلة والهوان، ولا يستحلون هذا حتى من البغاة والمعتدين مهما بالغوا في مسلكهم الظالم فالاعتبارات التي سمي الخوارج من أجلها - خوارج لا وجود لها عند الإباضية مطلقا، بل إنهم أبعد الناس عنها عقيدة وقولا وعملًا، وجميع كتاب المقالات، رغم إصرارهم على أن الإباضية من الخوارج، يشهدون بذلك ويسجلونه في كتبهم.
لو كانت الخارجية نسبًا أو صهرًا أو حتى صداقة يزعم أن للإباضية بهذا النسب وشيجة أو قرابة ويزعم أن لهم فيها عما أو خالًا أو صديقاً ولكن القضية ليست كذلك، القضية قضية عقائد معينة محدودة ينبي عليها آثار. فمن أين جاءت الخارجية إلى الإباضية ولماذا يصر مؤرخو الفرق الإسلامية وكتاب
سلوك تنتج
عنه
المقالات الدينية على هذا الموقف؟ قول الأستاذ مصطفى الشكعة: أنهم رموا بهذا اللقب لأنهم رفضوا القريشية، أي التزام كون الإمام من القرشيين. والحقيقة أنه لا شيء البتة عن كتاب المقالات والمؤرخين يمكن أن يكونوا سبباً لإطلاق كلمة الخوارج على الإباضية إلا أحد أمرين هما رفض القرشية واعتبار التحكيم خطأ. فهم يلتقون مع الخوارج في هذا الرأي لا غير وهذا فيما يبدو -هو كل ما يتعلق به القوم غير أن السياسة الماكرة في العهد الأموي وفيما بعد أيضاً حاولت أن تضرب كل ما ينقدها بما يناسب ظروفه، ولما كان الإباضية لا يعترفون بالقرشية أساساً أو مؤهلاً وحيداً للإمامة فقد أضفت عليهم لقب الخارجية ثم جاء أعوانها فاخترعوا للإباضية عقائد وشنائع بثوها عنها فانتشرت بين الناس وقامت حائلاً للموضوع وطقت تلك وراجت فتناولتها
الأقلام بالإثبات والترسيخ
1
2
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 176.
المرجع السابق، ص 176. 3 الإباضية بين الفرق، ص 178.
301 (1/302)
صفحة 303
وقال الشيخ علي يحيى: لا شك أن الإباضية يرون أن التحكيم خدعة وخطأ ينبغي قبوله، ومع الإباضية في هذا الفهم وهذا الاعتقاد أكثر أئمة المسلمين في مختلف المذاهب فإذا كان الخوارج هم الآخرون يرون هذا الرأي فهل يعني هذا أن الإباضية ومن يرى رأيهم في قضية التحكيم أو في قضية الخلافة أصبحوا خوارج لأنهم التقوا معهم في فكرة .... وتنفصل الإباضية عن الخوارج - في غير النقطة السابقة - انفصالا كاملاً لا لقاء معه أعنف المواقف في الحرب والسلم فهم عندما يكونون معهم في الإسلام يعلنون البراءة منهم
ويقفون معهم
ويطردونهم من مجالسهم وينكرون عليهم بقطع النظر عن المواقف العسكرية التي كانت تقضها دول كانت تحافظ على عروشها لا على معتقداتها وعلى سلطتها وهيبتها لا على دينها.
ومع كل هذا فقد استطاعت الدعاية السياسية في العهد الأموي أن تضفي لقب الخارجية على الإباضية وجاء المؤرخون الموجهون ونشروا ذلك في كتبهم وفي أحاديثهم وفي المجالس الخاصة والعامة، ثم جاء من بعدهم كتاب المقالات فأخذوا ما وجدوا دون تحقيق أو ترو أو نقد، وقد فقد وجد الكذابون والمشنعون والمستغلون ميدانا فسيحًا للافتراء والزيادة، فنشروا الأباطيل يتناقلها الناس كأنها وقائع أخذها كتاب المقالات كمادة علمية حشوا بها كتبهم فأصبحت مرتبة الحقائق الثابتة التي لا يتوجه إليها نقد ولا يرتفع بصددها نقاش.
ولا شك أن الذين كتبوا عن الإباضية واعتبروهم من الخوارج كان لكل واحد منهم وربما كانوا بانتهاجاتهم ودوافعهم ومستنداتهم لا يخرجون عن الأنواع الثلاثة الآتية:
مستنده ومنهجه ودوافعه،
الأول: اعتقدوا أن الإباضية فرقة من الخوارج وتشبعوا باعتقادهم أنها ضالة مبتدعة، بل وحتى أسوأ ذلك لو أمكن، واشتد من أجل هذا حقدهم عليها وبغضهم لها، وهم مستعدون لتقبل كل
من
ما يقال عنها من تشنيع وحتى زيادة عليه برضى واطمئناناً في صحة ذلك أو محاولة للبحث عن
الحقيقة.
302 (1/303)
صفحة 304
الثاني: استندوا على مصادر موجودة واعتمدوا عليها دون نقد أو محاولة لمعرفة حقيقة الإباضية من
وراء ذلك وهم يرون أنهم فعلوا ما ينبغي لهم ما دام الواحد منهم يستطيع أن يدل على مصدر يستند
عليه.
الثالث: درسوا شيئًا عن الإباضية واطلعوا على كتبهم وعرفوا منها البون البعيد عن الإباضية والخوارج وعلموا أن كثيراً مما يقال في كتب المقالات لا أساس له ولكنهم مع ذلك استسلموا للتيار التاريخي في إطلاق كلمة الخوارج من المروق وما تشمل عليه وتوحي به في الخروج عن الدين والأمة، فهم يطلقون لفظ الخوارج على الإباضية كما يطلق أي لقب مكروه على شخص دون اعتقاد بأن ذلك الشخص يحمل شيئاً من مدلوله، ومعانيه 1.
ويبدو لنا أن الأستاذين: عز الدين التنوخي، وإبراهيم محمد عبد الباقي ومن سار عن نهجهما من هذا القسم. فهما مع تقريرهما لبعد الإباضية عن الخوارج البعد الكامل - وتوضيحهما للفارق الظاهر في ذلك- لم يتحرجا أن يذكرا أن الإباضية فرقة من الخوارج، بل لقد تجرأ الأستاذ إبراهيم محمد عبد الباقي فوصف صديقه أبا اسحاق طفيش "رحمه الله" بأنه زعيم طائفة منهم ولست أدري ما هو الإحساس الذي ثار في نفس الإمام الكبير حين قرأ ذلك، ولا كيف كان لقاؤه معه بعد ذلك، ولكن أبا اسحاق على كل حال لم يتعرض لموقفه الشخصي في إطلاق الخارجية عليه، وإنما استجاب للكاتب الكبير، وعرض موضوع الخوارج عرضا مسهبًا وضعه تحت تصرف الأستاذ إبراهيم فنشره - مشكوراً - بنصه في كتابه القيم. وقد تحدث الشيخ علي يحيى
معمر عن كتب الفرق، وبين أهم تلك الفرق.
303
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 178.
المرجع السابق، ص 180.
1
2 (1/304)
صفحة 305
3. علماء الفرق ورأيهم بالإباضية كما ذكر علي يحيى معمر:
- مقالات الإسلاميين "للأشعري":
قام الشيخ علي يحيى معمر بدراسة عميقة لكتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري وتبين له أن
الأشعري لا يعرف عن الإباضية شيئاً وأن أكثر ما كتبه عنهم لا علاقة لهم به، ولا علاقة له
بهم.
يقول يحيى معمر: والقارئ الكريم عندما يبدأ في قراءة ما كتبه الأشعري عند الإباضية يفهم أن الإباضية ينقسمون إلى أربع فرق كبرى هي هذه الفرق التي ذكرها وأن بعض هذه الفرق قد انقسم أيضا إلى فرق أخرى فرعية وذكر الأشعري أقوالاً وشنائع أخرى، نسب بعضها إلى جميع الإباضية ونسب بعضها إلى إحدى تلك الفرق، وعند الرجوع إلى كتب الإباضية التي ألفت في عصر أبي الحسن والتي ألفت قبله والتي ألفت بعده، فإن القارئ لن يجد فيها شيئاً عن هذه الفرق، ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمتها، وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإباضية، التي تتقصى أخبار أئمتها وعلمائها ومشايخها، فإنك لن تجد ولا إشارة عابرة إلى أولئك الأئمة الذين ذكرهم الأشعري واعتبرهم أئمة الفرق كاملة من الإباضية.
أن
وأقرأ ما شئت في كتب العقائد عند الإباضية، فإنك لن تجد ذكراً لهذه الفرق ولا آرائها وكل ما نستطيع نعتذر به عن إيراد أبي الحسن لهذه التفاصيل أنه وقع فريسة لبعض المشنّعين، فكان يتلقى مقالات الفرق عن ناس يثق بهم، ولكنهم ليسوا في المحل الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق سواء كان نقله عنهم، عي طريق الرواية والسماع، أو عن طريق القراءة والاطلاع في كتب، مدونة، فهو لم يشر إلى أي ذلك على كل حال ويكفي فيما أعتقد لنفي أن يكون ما قاله أبو الحسن عن الإباضية صحيحاً جهلهم به وعدم ذكرهم
لأي شيء
منه في مراجعهم العامة والخاصة المكتوبة والمستحدثة.
304
الإباضية بين الفرق الإسلامية، المرجع السابق، ص ص 25 – 27.
1 (1/305)
صفحة 306
والباحث إذا تأمل ما جاء عن الإباضية في كتاب "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ثم قارنه بما عند الإباضية سواء كان ذلك يتعلق بأسماء الأئمة والعلماء أو بأسماء الفرق أو بالآراء والمذاهب فإنه يخرج بنتيجة غريبة وهي أن ما أتعب الإمام الكبير نفسه وكتب فيه صفحات طوالا عن الإباضية فيما يظن لا علاقة له البتة بالإباضية وأن أولئك الأئمة الذين زعمهم أئمة الفرق منهم ليسوا هم ولا فرقهم من الإباضية في قليل أو كثير، إذ صح هذا التعبير، ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى كتب التاريخ وكتب العقائد التي ألفها الإباضية قبل أبي الحسن الأشعري وبعده إذا شاء أن يتأكد ويعرف الحقيقة بنفسه وقد ألف علماء الإباضية وأئمتهم الحقيقيون كثيراً من الكتب في التفسير والحديث والفقه بجميع فروعه، وفي التوحيد وعلم الكلام وفي أصول الفقه كتباً مختلفة منها القيم الذي يعتبر من أهم مصادر الثقافة الإسلامية التي تشع نوراً على مختلف العصور ويعتبر من الذخائر التي تزخر بها المكتبة الإسلامية العامة، كما ألفوا في السير والتاريخ والتراجم ولا سيما سير أئمة الإباضية وعلمائها ولكنه ليس في شيء من هذه المؤلفات شيء مما ذكره الإمام الأشعري عن الإباضية في هذا الفصل من كتابه الكبير 1.
إن أبا الحسن لم يذكر أحداً من أئمة الإباضية كجابر بن زيد وجعفر السماك العبدي، وأبي سفيان قنبر، وصحاري العبدي وأمثالهم من أئمتهم في النصف الثاني من القرن الأول ولا ذكر شيئاً من أقوالهم ولم يذكر أحداً من أئمتهم في النصف الأول من القرن الثاني أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وأبي نوح صالح الدهان، وعبد الله بن يحيى الكندي، والجلند بن مسعود العماني وأبي الخطاب عبد الأعلى المعافري وهلال بن عطية الخراساني، وأضرابهم ولا ذكر شيئاً من أقوالهم ولم يذكر أحداً من علماء النصف الثاني للقرن الثاني أمثال الربيع بن حبيب وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي صفرة بن عبد الملك بن صفرة، وعبد الرحمن بن رستم، ومحمد بن يانس، وأبي الحسن الأيدلاني، وأضرابهم ولا ذكر شيئا من أقوالهم ولم يذكر
305
المرجع السابق، ص 31.
1 (1/306)
صفحة 307
أحداً من علمائهم في النصف الأول للقرن الثالث أمثال أفلح بن عبد الوهاب وعبد الخالق القزاني ومحكم الهواري والمهنا والمهتا بن جيفر، وموسى بن علي وأبي عيسى الخراساني واضرابهم ولا ذكر شيئا من أقوالهم.
ولم يذكر أحداً من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثالث أمثال محمد بن محبوب، ومحمد بن عباد والصلت بن مالك وأبي اليقظان بن أفلح وأبي منصور الياس وعمروس بن فتح، وهو بن محكم، ولم يذكر شيئاً من أقوالهم.
ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الأول من القرن الرابع أمثال ابن خضر يعلي بن أيوب وأبي القاسم مخلد، وأبي هارون موسى ابن هارون، ولا ذكر شيئًا من أقوالهم. وقد كان علماء هذه الطبقة، والطبقة
يزيد بن
التي سبقتها معاصرين لأبي الحسن الأشعري، لأنه عاش ثلاثين سنة من القرن الرابع فهو معاصر لعلماء النصف الثاني للقرن الثالث وعلماء النصف الأول للقرن الرابع، ورغم ذلك فإن أبا الحسن لم يذكر أحداً من هؤلاء الأئمة أو ممن كان معاصراً لهم أو سبقهم من علماء وأئمة الإباضية المعروفين ولم يذكر شيئاً من مقالاتهم فهو إما أنه لا يعرفهم ولا يعرف شيئاً من مقالاتهم ولكنه لا يجد فيها شيئاً يستدعي النقد والتعليق أو حتى مجرد العرض، فلم يتحدث عنهم وعن مقالاتهم بخير ولا بشر فترك الإباضية الحقيقين برجالهم ومقالاتهم وألقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضية كل الجهل وأقوالها تناقض ما عند الإباضية كل المناقضة فزعمت المصادر التي استقى منها أن هذه الفرق والمقالات للإباضية باعتبارهم إباضية أو منهم والإباضية منها الشنيع، مع
براء بعداء ليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه، فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطأ
أنه
من
أوائل من انتبه إلى أسباب الزيف عند كتاب المقالات ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى
من يكتبون عن الفرق ومقالاتها ومذاهبها ومن أوائل من حذر من الوقوع فيها.
306
المرجع السابق، ص 32.
1 (1/307)
صفحة 308
فقد قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري في هذا الصدد: ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصفون في النّحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه ومن بين تارك للتقصي لروايته فيما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم بها.
وقال علي بن يحي معمر ولست أتهم أبا الحسن كما قلت غير مرة ولكني أتهم المصادر التي استقى منها والمراجع التي اعتمد عليها، سواء كانت مصادر مكتوبة أو مصادر متحدثة ونحن نعتب على أبي الحسن وهو الذي يقرر في أول كتابه أن كثيراً من مقالات الفرق يتعرض للكذب وعدم التحري وعدم التقصي في البحث والغلط على إيراد الأخبار أن يقع فريسة سهلة رغم معرفته لذلك وأن يقع فيما وقع فيه ممن خفيت عليهم دسائس السياسة الماكرة ومكائد العصبية الفاجرة وأكاذيب الغلاء والمتنطعين وهم موجودون في كل مذهب وفرقة بدون استثناء 2.
ونقل معمر ما قاله أبو الحسن الأشعري عن الإباضية، حيث قال: وجمهور الإباضية يتولى المحكمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم، حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب وحرام ما وراء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السر، إلا من دعا إلى الشرك في دار التقية ودان به وزعموا أن الدار يعنون دار مخالفيهم - دار التوحيد-إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم.
وحكى عنهم أنهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وحرموا الاستعراض إذا خرجوا وحرموا دماء مخالفيهم حتى يدعوهم إلى دينهم، وقالوا إن كل طاعة إيمان ودين، وإن مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنين.
307
المرجع نفسه، ص 20 وانظر: مقالات الإسلاميين، ص 33.
المرجع نفسه، ص 35.
المرجع السابق، ص 41.
1
2
3 (1/308)
صفحة 309
ويقول في موضع آخر من الكتاب: "والإباضية يقولون إن جميع ما افترض الله سبحانه وتعالى على خلقه إيمان، وأن كل كبيرة هي كفرة نعمة لا كفر شرك، وإن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها، ووقف كثير من الإباضية في إيلام الأطفال المشركين في الآخرة فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوزوا أن يدخلهم الجنة تفضلاً ومنهم من قال: أن الله سبحانه يؤلمهم على طريق الإيجاب،
لا عن طريق التجويز
1"
ويقول: ومن مؤلفي كتبهم ومتكلميهم عبد الله بن يزيد ومحمد بن حرب ويحي بن كامل وهؤلاء إباضية وقال: إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي ثمن قدروا عليه بالسيف أو بغيره 3.
هذا أهم ما قاله أبو الحسن الأشعري عن الإباضية ومقالاتهم بالإضافة إلى التشنيعات السابقة التي نقلت
الأسماء
للقارئ الكريم أكثرها فيما مضى. ولعله من المهم أن أوضح للقارئ الكريم في هذا الفصل أن جميع التي وردت في الفصل الذي كتبه أبو الحسن عن الإباضية لا علاقة لها بالإباضية فيما عدا اسمين هما عبد الله بن إباض وهو الإمام الذي ينسب إليه المذهب وهو عبد الله بن يزيد القراري كان من الإباضية وخالفهم في بعض المسائل فانفصل عنهم وانتظم في فرقة النُّكَار، وقد ذكر ابن النديم عدداً من الكتب المنسوبة إليه منها كتب التوحيد، كتاب الرد على المعتزلة، كتاب الرد على الرافضة، كتاب الاستطاعة، ولا أعلم أن شيئاً من هذه الكتب قد بقى في مكان، وأما أصحاب هذه الفرقة فلم يبق لهم وجود فيما أعلم وأما محمد بن حرب ويحيى بن كامل اللذان نص أبو الحسن أنهما من متكلمى الإباضية ومؤلفيهم كأنما كان يشك في السابقين
308
مقالات الإسلاميين نقلا عن الإباضية، ص 41.
مقالات الإسلاميين، ص 186.
189
المرجع نفسه، ص)
الإباضية بين الفرق، ص 42.
1
2
3
4 (1/309)
صفحة 310
وهو على يقين في هؤلاء، فإنه لا يوجد لهما أي ذكر عند الإباضية فيما اطلعت عليه ويؤسفني أن أرد على
الإمام الكبير نصه هذا وله أن يحشرهما في أية فرقة أخرى.
أما عند الإباضية فليس لهما مكان فإنه لا يوجد لهما أي أثر في المكتبة الإباضية الواسعة التي حرصت أن تحتفظ بتراثها منذ القرن الأول. إن كتب الإباضية التاريخية منها والشرعية لم تذكر لنا شيئاً عن هذين الرجلين ولا عن مقالاتهما أو مؤلفاتهما.
كما لم تذكر ذلك عمن سبق أن نسبه نسبة أبو الحسن إلى الإباضية فهؤلاء لم يكونوا من الإباضية مطلقاً بل نجزم أنهم غير معروفين عند الإباضية، وحتى الذين ذكروهم في تعداد الفرق كالقطب وعبد الكافي، فإنما اعتمد على غير مصادر الإباضية 2.
ثم قال الشيخ علي يحيى معمر بعد دراسة لكتاب مقالات الإسلاميين فيما يتعلق بالإباضية: وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه أولاً في أن أبا الحسن لا يعرف الإباضية في الحقيقة وأن ما كتبه عنهم إنما نسب إليهم
خطأً
أو
جهلاً أو قصداً للتشنيع.
أما المقالات التي نسبها إلى الإباضية في عمومها، والتي نقلت لك بعضها في أول هذا الفصل، فهي مزيج
مما
يقره الإباضية. ويقولون به ومما ينكرونه، ومما يحكمون على من يقول به الردة والكفر، وواضح من هذا أن ما
جاء موافقاً لمقالاتهم وعقائدهم فإنما جاء عن طريق الصدفة، لا عن طريق الدراسة والمعرفة 3.
1
2
3
المرجع السابق، ص 42.
المرجع السابق، ص 43.
الإباضية بين الفرق، المرجع السابق، ص 43.
309 (1/310)
صفحة 311
واستخلص من مناقشاته لأبي الحسن الأشعري أموراً مهمة فقال: ويهمني في ختام هذا الفصل أن أؤكد من
جديد للقارئ الكريم أنني أضع الإمام أبا الحسن فوق الشبهات، وإنما انجز إليه الخطأ عن طريق من وثق فيه،
ونقل عنه، في عصر كثرت النزاعات. ونستخلص من مناقشاتنا لأبي الحسن في الفصول السابقة ما
أ.
يلي:
جميع الأشخاص الذين اعتبرهم أبو الحسن الأشعري إما رؤساء لفرق من الإباضية ومن متكلميهم
لا وجود لهم عند الإباضية.
ب. الإباضية لا يعرفون شيئًا عن هؤلاء الرجال ولا عن فرقهم.
ج. الإباضية لا يعرفون أية فرقة من تلك الفرق التي نسبها أبو الحسن إليهم ولا يقولون بأكثر أقوالها.
د. المقالات التي نسبها إلى الإباضية أو جمهورهم هي خليط مما يذهب إليه الإباضية، ومما يردونه، ومما يحكمون بالشرك على معتنقيه.
هـ. بدأ الإباضية بالفعل في تأليف الكتب منذ القرن الثاني الهجري وتسلسل الكتب وتسلسل العلماء والأئمة إلى اليوم وليس في هذه السلاسل شيء مما نسبه إليهم أبو الحسن.
و. عاش أبو الحسن الأشعري في القرن الثالث الهجري وعاش ثلاثين سنة في القرن الرابع، وقد كان للإباضية إمامان بالمشرق وإمامان بالمغرب وأشتهر لهم الأئمة وعلماء ومفسرون ومحدثون ومتكلمون وفقهاء في أكثر العواصم الإسلامية حينئذ ولكنه لم يذكر أحداً منهم ولم يشر إلى كتاب من كتبهم.
ز. إن الفترة التي عاش فيها أبو الحسن كانت فترة ازدهار علمي للإباضية في المشرق والمغرب ورغم ذلك فإن أبا الحسن لم يشر إلى أحد من معاصريه من علماء الإباضية.
ومعنى ذلك كله أن الإباضية الذين كتب عنهم أبو الحسن لا وجود لهم في الواقع وإن الإباضية الموجودين في
الواقع والذين كانوا يعيشون كما يعيش سائر الناس لا وجود لهم فيما كتبه عنهم أبو الحسن، أي أن أبا الحسن
310 (1/311)
صفحة 312
لم يكتب عن الإباضيين الحقيقين. ومنذ ألف أبو الحسن الأشعري كتابه "مقالات الإسلاميين" أصبح مصدرًا
يستقي
منه
الكتاب ومرجعا يعود إليه المؤلفون، فينقلون ما فيه من خطأ وصواب، وحق وباطل، تارة بالنص
وتارة بالمعنى، وتارة يشيرون إليه وأحيانا يغفلون عن الإشارة.
—
البغدادي والإباضية في كتابه "الفَرْق بين الفِرَق":
بعد أبي الحسن الأشعري بنحو قرن تقريبًا، جاء مؤلف آخر اهتم بالحديث عن الفرق والمقالات الإسلامية، هذا المؤلف هو: عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، وقد اشتهر بنسبته الأخيرة بين المؤلفين. فقد قال الشيخ علي يحي معمر وقد كتب البغدادي عن الإباضية فيمن كتب عن الفِرَق، ومن المؤسف أن هذا المؤلف لم يهتم مطلقاً بأن يتصل بأئمة الإباضية الحقيقين ولا علمائهم ولا بأن يطلع على عقائدهم ومقالاتهم في كتبهم وإنما رجع إلى ما كتبه وقال عنهم غيرهم، ويبدو أنه اعتمد على أبو الحسن الأشعري كثيراً فنقل ما قاله تارة بنفس العبارة، وتارة يتصرف قليل على أنه أن لم يذكر أنه نقل عنه أو اعتمد عليه 3.
عنهم
وقد اعتمد البغدادي كل الاعتماد على الأشعري ورغم حرصه على التصرف القليل فإن عبارة الأشعري بحروفها كثيراً ما تطل من هنا أو هناك.
والذي يدعو إلى التأمل هو أنَّ البغدادي قد اعتبر الإباضية من الخوارج، وأنهم لذلك فرقة ضالة ويجب أن يقال عنها فضائح ويلتمس لها شنائع، وذهب يورد تلك الفضائح أو الشنائع حينًا بدعوى أنها مقالة الإباضية
جميعا وحينا آخر بدعوى أنها قول بعضهم أو قوم منهم.
311
الإباضية بين الفرق، المرجع نفسه، ص 44.
المرجع نفسه، ص 44.
المرجع نفسه، ص)
49
1
2
3 (1/312)
صفحة 313
عاش البغدادي في القرنين الرابع والخامس وفي هذا العصر كان الإبَاضِيَّة قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس، واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية – لا سيما علم الكلام ودونت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب رسول
الله (صلى الله عليه وسلم)
كما أنَّ أكثر المذاهب الإسلاميّة قد تميز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها وآرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائها. ومع ذلك فإنَّ أولئك الذين ذكرهم البغدادي هم أولئك الذين ذكرهم الأشعري من قبله حاشرين إيَّاهم في الإبَاضِيَّة، والإباضية لا يعرفون عنهم شيئًا لم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم!
أن
وقد زعم كما زعم غيره أن الإباضية من الخوارج وأن هذه الفرقة من الفرق التي لا يجوز للسني أن يصلي عليها ولا أن يصلي وراءها وأنه لا يجوز للسني زعمه يتزوج منها ولا أن يأكل من ذبائحها وقد ردد هذ الكلام في مقدمة الكتاب وفي الفصول الختامية منه أورد هذه الأحكام بشيء من التفصيل وزاد عليها ونسب بعض هذه الأحكام إلى أئمة عظام.
وعلق الشيخ علي يحيى معمر على كلام البغدادي ذلك، فقال: "وأحسب أنه لا دعوة أشد إيقادًا لنار الفتنة وشقًا لصفوف الأمة، وتفريقًا لوحدة الكلمة وتمزيقًا لشمل المسلمين من هذه الدعوة". وعلى كل حال فقد طوى التاريخ البغدادي فيما طوى كثيرًا من تلك الفرق التي كانت تملأ فراغا كبيرًا في حياة المسلمين، وبقي كتابه يحمل آراء شادة كما تحمل كثير من الكتب في المذاهب الأخرى.
312
الإباضية بين الفرق، ص 52.
المرجع السابق، ص 53. المرجع نفسه، ص ه، ص 53.
1
2
3 (1/313)
صفحة 314
ابن حزم والإباضية
—
فقد تحدث علي يحيى معمر على كتاب الفصل في الملل والنحل لابن حزم الأندلسي الذي عاش في القرن الخامس الهجري وقد عنى هو الآخر بالمذاهب الإسلامية وكتب عنها ثم قال: ويؤسفني أن أقول إن العالم الكبير لم يوفق فيما كتب عن الإباضية، بل لقد تحنّى عليهم في بعض الأحيان - وكلامه أحيانًا يهدم بعضه بعضا، كما أنَّ بعض دعاويه لا يمكن أن تصدق.
وفي كتاب الفصل في الملل والنحل للإمام ابن حزم الظاهري نقول عن إباضية الأندلس في وقته في غاية السخف حتى أنه يصفها بالحماقات وهذه الأقوال ينكرها الإباضية المعاصرون، وينكرها مؤرخو الإباضية بعد ابن حزم بسنين قلائل ولكن بعض الباحثين يرى أن ابن حزم ربما يكون قد رأى فرقة ضالة تنسب نفسها إلى الإباضية وليست منهم ونقل عنهم هذا الكلام لأن ابن حزم لم يخرج من الأندلس ولم ير الإباضية في خارج الأندلس لكننا لا نستطيع أن نحمل هذا كله على مذهب الإباضية، فالذي يقرأ ابن حزم في الفصل في الملل والنحل لا يجوز أن يحول على كلامه عن الإباضية، فهو إما أنه مكذوب عليهم وهذا ما يقوله الإباضية، وإما أنه كلام فرقة ضالة نسبت نفسها إلى الإباضية وليست منهم.
وأيا ما كان الأمر فإننا إذا أردنا أن نعرف آراء الإباضية وهم يعيشون بيننا ويكتبون ويخطبون ويؤلفون، فإن من واجبنا أن نرجع إلى ما يكتبونه بأنفسهم لنتعرف إلى حقيقة آرائهم.
313
الإباضية بين الفرق، ص 55. الفكرية الإسلامية، ص 64.
المدارس
1
2 (1/314)
صفحة 315
—
أبو المظفر الاسفراييني والإباضية:
من علماء القرن الخامس الذين كتبوا عن فرق الأمة الإسلامية: أبو المظفر الاسفراييني وقد كتب عن الإباضية فيمن كتب عنه من الفرق والقارئ الكريم حين يقرأ كتاب أبي المظفر بجدة صورة أخرى باهتة للبغدادي، فهو يدخل الموضوع كما يدخل محارب متحمس إلى ساحة معركة حربية حاسمة يتقابل فيها خصمان عنيدان وهو يعد قبل ذلك كل ما يستطيع من أسلحة أو كل ما أوتي من قوة لينتصر الفريق الذي يريده ويحطم خصمه تحطيما لا يقوم من بعده بهذا الروح يبدأ أبو المظفر كتابه "التبصير" وفي المقدمة قسم الأمة الأئمة الإسلامية
إلى قسمين:
حكم بالهدى والاستقامة، ثم الجنة لقسم، وحُكم بالزيغ والضلال، ثم النار للقسم الآخر. وهي صورة تكاد تكون طبق الأصل مما عند أستاذه البغدادي، وليس يهمنا في هذا الفصل بطبيعة الحال-إلا حديثه عن الإباضية. إذ قال في كتابه التبصير ما يلي:
"الفرقة السادسة الإباضية وهم أتباع عبد الله بن إباض ثم هم فيما بينهم فرق وكلهم يقولون إلى مخالفيهم من فرق هذه الأمة كفار لا مشركون ولا مؤمنون ويجوزون شهاداتهم، ويحرمون دماءهم في السر، ويستبيحونها في العلانية ويجوزون مناكحتهم ويثبتون التوارث بينهم ويحرمون بعض غنائمهم ويحللون بعضها ويحللون ما كان من جملة الأسلاب والسلاح ويحرمون ما كان من ذهب أو فضة ويردونها إلى أربابها "2.
بعد هذه المقدمة القصيرة التي سبقه إليها البغدادي وأبو الحسن انتقل إلى ذكر الفرق السابقة التي ذكرها من قبله أبو الحسن والبغدادي والعبارة في الغالب عبارة البغدادي مع تصرف بسيط واضح التصنيع بعد أن ذكر تلك الفرق ومقالات كل منها بما فيها من شناعات وأباطيل كما عرضناها من قبل، عرض إلى قصة الجارية
314
الإباضية بين الفرق، ص 63.
التبصير، ص ص 56.
1
2 (1/315)
صفحة 316
التي نقلناها بتفاصيلها عن أبي الحسن وقد اختصرها الاسفراييني ولم يهتم بها اهتمام الأشعري والبغدادي والاسفراييني فيما كتبه عن الإباضية في هذا الكتاب، ولم لم يبذل هو الآخر أي مجهود لمعرفة أي شيء حقيقي عن الإباضية وإنما انساق مع تيار من سبقه ممن كتب عنهم من غيرهم فاعتبرهم فرقة من فوق الخوارج كما فعل الأشعري والبغدادي وابن حزم من قبله ثم نسب إليهم تلك المقالات التي رأيتها عند الأشعري، وجعل من أئمتهم أولئك الأشخاص الذين نسبهم إليهم من سبق دون تحقيق أو تحميص أو تعليق هو كل ما امتاز به عن سابقيه أنه تتملكه أثناء كتابه من حين إلى آخر ثورة غضب عارمة فيصب على تلك الفرق
وأصحابها سيلا من الشتائم واللعنات.
—
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
اشتهر أبو الفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني في النصف الأول من القرن السادس الهجرة، وقد ذاع صيته بن
بين كتاب المقالات في العقائد، ويعتبر كتابة "الملل والنحل" من أهم المراجع في هذه المواضيع وكثير من كتاب هذا المؤلف الكبير
اليوم يعتمدون عليه كمصدر محقق ثابت لا يناقش وقد رافق الشيخ علي يحي معمر
6
وسجل ملاحظاته على أبي الفتح الشهرستاني فقال - ذكر أن عبد الله بن إباض خرج أيام مروان بن محمد وقتل بتبالة وهذا خطأ سرب شرب إلى أبي الفتح وإلى جملة ممن كتب عن الموضوع لأن عبد الله بن إباض لم يعش إلى زمن مروان وإنما توفى في أواخر أيام عبد الملك، ولعل الذين ذكروا هذا القول اشتبه عليهم بأحد الرجلين: المختار بن عوف، أو بلج بن عقبة من أصحاب عبد الله بن يحي طالب الحق وهم جميعًا من
الإباضية.
- المقالات التي نسبها إلى الإباضية هي بعض ما نسبه له من
تحدثنا
عنهم
سابقا.
1
المرجع السابق، ص 64.
315 (1/316)
صفحة 317
- ذكر جملة من المقالات المنسوبة إلى الإباضية ونص على أن الكعبى حكاها عنهم وهذا موقف سليم من
أبي سليم من أبي الفتح حين تخلص من عهدة تلك الأقوال ونسبها إلى من حكاها بما فيما من صدق أو
غيره.
—
اعتبر الحفصية والحارثية واليزيدية فرقًا مستقلة، ولم يدخلها في الإباضية، وهو موقف فيه تمحيص وتحقيق خالف فيه السابقين ممن كتبوا في الموضوع.
- لم يذكر قصة ثعلبة ولا قصة بيع الأمة وما بنى على ذلك، فسلم كتابه من تلك النزاعات الفارغة والأباطيل
الجوفاء 1.
ثم قال الشيخ علي يحي معمر وبالنسبة إلى الإباضية فبدل أن يرجع إلى علمائهم أو كتبهم التجأ إلى الكعبي وغيره ممن لم يذكره فوقع في أخطاء كان حريا ألا يقع فيها وأما خطؤه في تاريخ عبد الله بن إباض فهذا خطأ قد لا يسلم من مثله الكثير
الكتاب. من
وعلى كل حال فأبو الفتح عندما كتب عن الإباضية لم يأخذ مقالاتهم من مصادرهم وإنما أخذها من مصادر غيرهم ولكن ذكره لتلك المقالات كان يتسم بدقة الملاحظة والمعرفة لآراء الفرق ولذلك فقد نسب ما قيل له عن الإباضية إلى رواته وجعل بعض ما كان يحسب على الإباضية وليس منهم فرقاً مستقلة وأغفل قصة النزاع الأمة وهذا وحده يعتبر منه نقداً ورداً على كتاب المقالات السابقين، وهي خطوة تستحق الثناء والتقدير 2.
على
316
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 72.
المرجع السابق، ص 73.
1
2 (1/317)
صفحة 318
—
الشيخ محمد أبو زهرة والإباضية:
يقول الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه "المذاهب الإسلامية": "الإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض وهم أكثر الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرًا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو ولذلك بقوا، ولهم فقه فقد جيد وفيهم علماء، ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية، وبعض آخر في بلاد زنجبار، ولهم آراء فقهية وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم وذلك في الميراث لولاء العشاق فإن القانون المصري أخره عن كل الورثة حتى الرد على أحد الزوجين مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله عقب العصبة النسبية، ويسبق الرد على أصحاب الفروض والأقارب، وإلا أن جملة آراء الإباضية هي:
—
- إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين ولا مؤمنين ويسمونهم كفارا، ويقولون عنهم أنهم كفار نعمة لا كفار في الاعتقاد وذلك لأنهم لم يكفروا بالله، ولكنهم قصروا في جنب الله تعالى.
دماء مخالفيهم حرام، ودارهم دار التوحيد والإسلام إلا معسكر السلطان ولكنهم لا يعلنون هذا، فهم
يسرون في أنفسهم أن دار المخالفين ودماءهم حرام.
- لا يحل من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه من قوة في الحروب، ويردون
الذهب والفضة.
- تجوز شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث معهم.
في هذا كله يتبين اعتدالهم وإنصافهم لمخالفتهم 2.
317
المذاهب الإسلامية، ص 127. الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 97.
1
2 (1/318)
صفحة 319
ويقول الشيخ العلامة أبو زهرة: فرق لها مذاهب فقهية: هذه الفرق السياسية منها ما ليس له مذهب فقهي
قائم بذاته، ومنها من ليس له مذهب فقهي، ويتبع مذهب طائفة أخرى قريبة منه في الاعتقاد، وأن الفرق التي لها مذاهب فقهية معتبرة ثلاثة هي:
الاثنا عشرية: لها مذهب فقهي مقرر، ولها منطق فكر ديني وينسبون مذهبهم إلى الإمام جعفر الصادق
رضي
الله عنه. وسيكون له بعض البيان عندما تتكلم عن الإمام الصادق.
- فرقة الزيدية: لهم مذهب فقهى يقرب في منطقة من مذهب أهل السنة والجماعة وإمامهم هو الإمام الجليل
زيد بن علي زين العابدين رضي الله عنهما.
الإباضية، وهم أتباع عبد الله بن إباض، ولهم فقه مدون، ولهم جهود كبيرة في تحرير مذهبهم.
وقد علق الشيخ علي يحي معمر على كلام أبو زهرة، فقال: ورغم أنه أبدى كثيرًا من الاعتدال، واستعمل الرقة واللطف، وسجل له آراء جديدة سلمية في موضوع الفرق وعن الإباضية بالذات، إلا أنه لم يسلم من التأثر بالأقوال السابقة التي ينقصها التحقيق والتدقيق في التعبير وجلاء المعاني لكشف الحقائق كشفاً لا يحتمل الإيهام أو الإبهام 2.
أن الأستاذ أبا زهرة يعترف أن الإباضين يتسمون بالاعتدال وينصفون مخالفيهم وأن لهم فقها
جيدًا مدونا، وأن لعلمائهم جهودًا في تحرير، مذهبهم، فإن هذا كله لم يشفع للإباضية عند أبي زهرة أن يخرجهم من نطاق الخوارج، أو حتى من هذه التسمية الجديدة "الأحزاب الدينية، ورغم أن مثل هذه الصفات أو أقل منها للزيدية والجعفرية من الشيعة، فاعترف بهم الأستاذ أبو زهرة وكتب عن فقههم ومذاهبهم إلا أن موقفه من الإباضية كان فيما يظهر لي - موقف الرجل الذي يعرف الحق في قضية من القضايا فيدور حوله ويصفه
318
تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 97.
الإباضية بين الفرق، ص 98.
1
2 (1/319)
صفحة 320
من بعيد، ولا يجسر أن يعلنه في صراحة، لأن رواسب معينة تحول دون ذلك. ثم قال: ولسنا نشك أن الأستاذ أبا زهرة يعرف من حقيقة الإباضية ما يعرفه الإباضية أنفسهم عن آرائهم ومقالاتهم ولو تحرر من رواسب الماضي لما ذكرهم في الخوارج ولا في الأحزاب الدينية. واختصر الشيخ علي يحيى معمر ما كتبه الشيخ أبو
زهرة في النقاط الآتية:
—
اعتماده على مصادر الآخرين عند الكتابة عن الإباضية، ومقالاتهم، كان بإمكانه أن يعتمد على كتب
الإباضية أنفسهم.
– استعمال نفس التعابير الملتوية الموهمة التي كانت تستعملها كتب مقالات الإسلاميين منذ قرون.
تغافله عن دسائس السياسة، بحيث أصبح التركيز على معسكرين فكانت كلمة "مخالفيهم"
هو
محور
الحديث.
انسياقه وراء آراء المستشرقين أو من أخذ عنهم في تقسيمهم الأمة إلى قسمين كبيرين: مذاهب فقهية
وأحزاب دينية.
إهماله للكتابة عن المذهب الإباضي وفقهه وقد كتب عن كل من المذاهب الفقهية وما يسميه بالأحزاب
الدينية.
—
إرضاء أصحاب المقالات السابقين، ومن يترسم خطاهم، فقد أخرج الأستاذ أبو زهرة الإباضية في فرق
الخوارج.
1
2
المرجع السابق، ص 99. المرجع نفسه، ص 108.
319 (1/320)
صفحة 321
وظهرت أثر تربية المدرسة الإباضية في أسلوب الشيخ علي يحي المعمر، وهو يتحدث عن العلامة أبو زهرة في
قوله: ويسرني في ختام هذا الفصل أن اعتذر إلى أستاذنا الكبير أبي زهرة عن أية عبارة قد يستشعر منها سوء
أدب معه، فأنا على جميع
الأحوال أكن له من الاحترام والتقدير ما يستحقه هو وأمثاله من
علمائنا من
فضلاء علمائنا الأجلاء الذين خدموا الإسلام في هذا العصر خدمة لا تنساها الأجيال. وإذا كتبت عليه في النقاط السابقة، فإنما هو موقف المتعلم الجسور الصريح مع العالم غزير المادة وواسع الاطلاع، وكذلك الحليم
الذي يحتمل شغب المتعلمين بصدر رحب 1.
—
مصطفى بن صالح باجو
جاء رأي الدكتور مصطفى بن صالح باجو بالإباضية في قوله: "أما عن علاقة الإباضية بالخوارج، فإنها قضية أسالت من مداد القدامى والمحدثين الشيء الكثير، ولئن اتفقت كتب المقالات على حشر الإباضية في زمرة
الخوارج، فإن المصادر الإباضية تنفي هذه الصلة، وتتبرأ من المنكرات التي أحدثها الخوارج في الإسلام".
وأضاف: " .. يعتبر الإباضية الخروج الذي ورد في الأحاديث النبوية خروجًا دينيًا بمعنى المروق من الدين بتغيير أحكامه والتعدي على حرماته وهو ما فعله الأزارقة والنجدات وغيرهم من المتطرفين، أما الخروج بالمفهوم
السياسي وهو الخروج عن طاعة السلطان فإن الإباضية قد آثروا الانعزال عن الإمام علي بعد معاوية في حق شرعي ثابت، وبيعة صحيحة".
أن
ساوم
وعلى فرض اعتبار ذلك خروجًا، فإنه لا مبرر لحصره في فئة دون أخرى، إذ إن طلحة، والزبير قد خرجا على إمام شرعي، ونقضا بيعة صحيحة كما أن معاوية نفسه، قد نازع الإمام عليا السلطة وهو إمام بايعه المسلمون اتفاقًا وحارب معاوية في صفّين، وأعقب ذلك فتن عمياء أودت بخيار صحابة رسول الله. على أن الحديث
320
109
المرجع السابق، ص
2 أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا، مصطفى صالح، ص 51.
1 (1/321)
صفحة 322
عن هذه القضايا اليوم وبروح الإدانة، والمحاكمة إحياء لفتن لم نشهدها ولم تُبتل بها، وتطهير الألسنة عنها
أسلم للدين والدنيا جميعاً ولكن المؤسف أن أحداث الفتنة الكبرى التي انطلقت شرارتها بمقتل الخليفة عثمان عفان، لا زال المسلمون يتنفسون دخانها المتصاعد إلى اليوم، وقد حجبتهم هذه الأدخنة الكثيفة عن رؤية
بن
بعضهم لبعض على الوجه النقي الحقيقي
عامر النجار:
يورد عامر النجار رأيه بالإباضية في القول: "تعد الإباضية من أقرب الفرق إلى الجماعة الإسلامية لاعتدال مذهبهم وبتسامحهم إلى مخالفيهم، ولكنهم يغضبون ممن يعتبرهم فرقة من الخوارج وسبب إلصاق تهمة الإباضية بالخوارج سياسية الدولة الأموية في التشنيع على الإباضية حتى ينفروا الناس من أصحاب المذهب الإباضي الذين وجدوا منهم الصلابة في مواقفهم ضد الدولة الأموية وتقبل كثير من المتعصبين والعامة أيضا هذا الإلصاق فأثبتوه في كتبهم بدون تمحيص أو بحث عن الحقيقة".
ولعل أبرز سبب لاتهام الإباضية بأنهم خوارج إنكارهم التحكيم والحقيقة أن بعض كتاب المقالات والفرق الإسلامية كانوا في حكمهم على الإباضية قساة غير موضوعيين، ويبدوا أن أصحاب المقالات، نظروا إلى جميع ما ينسب إلى الخوارج بحق أو باطل - فنسبوه إلى الإباضية، ومن الأمثلة على ذلك هو نكران الإجماع
ونكران الرجم ونكران عذاب القبر.
1 المرجع السابق، ص
51
321 (1/322)
صفحة 323
والإباضية لا ينكرون الإجماع، بل يرونه الأصول الثالثة من أصول التشريع ولا ينكرون الرجم، وإنما يقولون إنه
ثبت بالسنة القولية والعملية وليس بقرآن منسوخ ويثبتون عذاب القبر وسؤال الملكين استنادًا إلى أحاديث كثيرة تثبت في الموضوع.
وإنني أميل بشدة إلى رأي الدكتور عوض خليفات الذي يؤكد من خلاله على أن الإباضية ليسوا من الخوارج؛ لأن الإباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال، دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم، كما فعل متطرفو
هي
الخوارج مثل الأزارقة والنجدية، أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تُهم، فإنما ناتج عن أحد أمرين الجهل
أو التعصب. وإن الإباضية يبرؤون من أفعال الخوارج فكيف ينسبون إليهم وقد كانوا من أشد الناس عليهم
- محمد سليم العوا:
ينفي الدكتور محمد سليم العوا أن يكون الإباضية من الخوارج نفيًا شديدًا، ويذكر بأن الإباضية، يردون ردودًا تفصيلية على الذين ينسبونهم إلى الخوارج.
وقد توجه سليمان باشا الباروني، وهو الذي كان عضوًا في مجلس المبعوثان في الدولة العثمانية، ويعد أحد أهم زعماء إباضية جبل نفوسة في ليبيا، بسؤال إلى الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي عن تعدد المذاهب، وسبيل توحيد الأمة، فكان مما جاء في جواب الإمام السالمي عن هذا السؤال واصفًا مذهب الإباضية بقوله: وليس لنا مذهب إلا الإسلام، من ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً ونرد الباطل على ما جاء به وإن كان حبيباً ونعرف الرجال بالحق فالكبير عندنا من وافقه، والصغير من خالفه ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق 4.
1
2
الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ص 85.
المرجع السابق، ص 86.
3 المدارس
4
الفكرية الإسلامية، ص 62.
المرجع السابق، ص
62
322 (1/323)
صفحة 324
ومن جميل قول الإباضية في وصف منهجهم في التعامل مع أهل الإسلام ما نظمه الإمام نور الدين السالمي بقوله:
لا
فوق شـ ـــم اعتقاداً
فمن أتى بالجملتين قلنا
إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ـقضوا المقالا
واعتقدوا في دينهم ضلالا
ولو سكتوا عنا سكتنا عنهم
ونكتفي منهم بأن يُس بأن يُسلّموا
وإن مصادر التشريع عند الإباضية هي القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، ويدخل تحت الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة، وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة "الرأي"
فيقولون عن مصادر التشريع إنها الكتاب والسنة والرأي.
وهم لا يتحيزون إلى مذهب خاص كما يقول الشيخ حمود السيابي - بل مذهبهم: مذهب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومذهب ابن عباس، وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمرو بن الخطاب،
وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومذهب الخلفاء الراشدين، فإن كان لهؤلاء مذهب خاص فهو مذهبنا، وإلا
فمذهبنا القرآن والسنة وحلالهما حلالنا وحرامهما حرامنا، لا ينبغي بهما بديلاً، ولا ننهج عنهما سبيلا، ولا نقلد غيرهما إذا لزم التقليد 2.
ودراسة المذهب الإباضي، وتعاليم أئمته وسلوك معتنقيه تبين أن الإباضية عاشوا مذهبًا ومدرسة فكرية؛ لأنهم رأوا أن مظلة الإسلام تشمل الجميع ولم يكفروا أحداً من أهل القبيلة ولم يستبيحوا مالاً ولا دماً ولا أرضاً ولا عرضاً لمخالف. وعلماء الإباضية يرون أن مذهبهم هو أول حركة فكرية أساسها الكتاب والسنة وليست
1
2
3
ص
الخليلي، الحق الدامغ، ص 17. وانظر: المدارس الفكرية الإسلامية، دراسات عن الإباضية، ص 119. وانظر: المدارس الفكرية، ص 70.
المدارس
الفكرية الإسلامية، ص 70.
69
323 (1/324)
صفحة 325
الأهمية في نظرنا لقدم الحركة وإنما الأهمية الحقيقية تبدو في قدرتها على الاستمرار والتعامل مع متغيرات العصور
حتى يومنا هذا.
وللإباضية آراء تثير عليهم عواصف من النقد من أهمها: رأيهم في مسألة خلق القرآن، ورأيهم في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، وقد فصلت كتبهم آراءهم هذه وأدلتها تفصيلاً يقطع بأنه لا صلة
بينهم وبين الخوارج من ناحية، وبأن لهم على كل قول دليلاً من الكتاب والسنة، قد يقبله المختلفون معهم وقد لا يقبلونه، ولكن
أخذهم به أو تأويلهم إياه أمر تحمله عبارات الدليل ومعاني ألفاظه في الغالب من الأحوال.
والفقه الإباضي لا يقول بقفل باب الاجتهاد في أية مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، بل إن القاعدة
الذهبية عندهم هي
أن: الاجتهاد مسموح به لكل عالم في كل حين، ومحظور على كل جاهل في كل حين.
والفروق الفقهية بين مذهب الإباضية والمذاهب الإسلامية الأخرى فروق فرعية مبنية بصورة أساسية على اختلاف الروايات، وقبول بعضها أو عدم قبوله، ولا فارق في ذلك بين الاختلاف الواقع بين المذاهب الفقهية السنية بعضها وبعض من جهة وبينها وبين المذهب الإباضي من جهة أخرى. ويتبين المذهب الإباضي مبدأ الإمام الشافعي، الذي يقول: قولي صواب ويحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ ويحتمل الصواب
311
والحاصل أن الناظر المنصف ينتهي إلى عدم جواز إدخال الإباضية في نطاق مدرسة الخوارج الفكرية، بل هم يمثلون مدرسة مستقلة جديرة بهذه المكانة لما كان ولا يزال-لها من فكر مستقل وفقه ناضح، والحق أحق
أن
يتبع ويقال 4.
1
2
3
4
المرجع السابق، ص 70.
المرجع السابق، ص 71.
المرجع السابق، ص 72.
* المرجع نفسه، ص 72.
324 (1/325)
صفحة 326
—
التواتي التواني الأغواطي الجزائري
يذكر الدكتور التواتي: "بالرجوع إلى ما كتبه بعض العلماء الإباضية مثل أبي إسحاق إطفيش، وعلي يحي معمر، نجد أنهم يتبرؤون من تسمية الإباضية بالخوارج براءة الذئب من دم يوسف"، حيث خاض الشيخ علي يحيي معمر -رحمه الله تعالى- في كتابيه "الإباضية بين الفرق الإسلامية والإباضية في موكب التاريخ" غمار هذه القضية، وتفاني في رد كل قول يجعل الإباضية من الخوارج. كما هاجم جميع علماء الفرق المتقدمون منهم والمتأخرون على حد سواء، واعتبر عدّهم للإباضية من الخوارج ظلمًا وخطاً تاريخيًا كبيرًا؛ لأن تاريخ الخوارج عنده يبدأ. سنة 64 هـ، من بقيام نافع بن الأزرق، فمن بعده وسمى ما قام به المحكمة الأولى فتنة داخلية، ونفى الخوارج.
وجود أي صلة ما بين المحكمة الأولى والخوارج بقيادة نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر وغيرهما من
وعلى هذا، يمكن أن نذهب إلى أنّ الإباضية ليسوا من الخوارج ولا يصح لدى الباحث المدقق أن هؤلاء إليهم، لأن أقطابهم يصرحون بأنهم ليسوا خوارج.
ينسب
ثم قال بعد نقل أقوال أئمة الإباضية في الخوارج، فإذا كان هذا رأي الإباضية في الخوارج وأنهم تبرؤوا منهم ومن أفعالهم. فمن الظلم أن يعدوا يعدّ منهم، وإنّي أدعو أهل الإنصاف والعدل إلى إعادة النظر في كثير من كتب التفسير والأخبار من الاتهام الباطل في حق جماعة من المسلمين من أهل التوحيد، أما الاختلاف في صرّح إمامنا مالك بن أنس رضي الله عنه حين هم خلفاء بني العباس على حمل الناس الموطأ
الفهم
فقد
فقال: "نشدتك الله لا تفعل فإن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تفرقوا في البلاد وللناس فهوم: والفهم يختلف
من شخص إلى آخر قوةً وضعفاً، سعةً وضيقاً.
325
الفقه المقارن بين الفقه المالكي والفقه الإباضي، ص 22.
المرجع السابق، ص 23.
1
2 (1/326)
صفحة 327
—
محمد بن الرحيم الزيني:
قال الدكتور محمد عبد الرحيم: إذا أردنا الإنصاف والموضوعية ورؤية أبعاد القضية علينا أن نرجع لكتب الإباضية، وهذه أولى خطوات المنهج العلمي، ونقرأها بإمعان وتدبر ولا نحكم عليهم من خلال رؤية كتاب المقالات، وقد درسنا في الجامعة أن الإباضية خوارج، وهذا ليس من باب الإنصاف لأن أساتذتنا كانوا يعدلون على كتب المقالات التي أشرنا إليها، في حين أننا لو كنا منصفين فقد علمنا من أول من تمرد على الخليفة وخرج على سلطته.
?
ناصر بن سعيد بن سليمان السابعي
قال الأستاذ ناصر بن سعيد في كتابه "الخوارج والحقيقة الغائبة" الفرق التي يصح أن تنسب إلى الخوارج هي الأزارقة والنجدات والصفرية دون الإباضية، بسبب تبني الفرق الثلاثة الحكم على المخالفين بالشرك المخرج من الملة أما الإباضية فإنهم يعاملون مخالفيهم معاملة المسلمين بكل أوجهها 2.
- أحمد توفيق المدني:
الشيخ أحمد توفيق المدني هو الأمين العام لجمعية علماء المسلمين، الجزائريين ويذكر في حديثه عن الإباضية:
"إن الإباضية بعداء عن الخوارج وبعداء جدًا". وأضاف: "تمثل بقايا الخوارج والتي ثارت ثورة عارمة على الولاة العرب بالقطر المغربي الكبير وخاصة الأوسط منه سنة 122 هـ". وذكر الفروق بينهما في:
الصفرية الخوارج كانوا مثلاً يحكمون بالشرك على مرتكب الكبيرة، بينما الإباضية، كبقية المذاهب
الإسلامية لا يحكمون على مرتكب الكبيرة بالشرك، والخروج عن الإسلام".
1 قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص. ص
2
الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 23.
8 - 7
326 (1/327)
صفحة 328
الصفرية مثلًا يوجبون على الجماعة الإسلامية الانتقاص على الملوك والأمراء المسلمين، من أجل
إقامة الحكم الإسلامي الصالح حسب مذهبهم ويحكمون بالعصيان من تخلف عن ذلك. بينما الإباضيون يرون أن ذلك الانتفاض جائز إذا ما آنس المؤمنون الكفاءة في أنفسهم من أجل القيام
بذلك.
الصفرية غلاة في الدين إلى درجة الإفراط، فهم يسفكون الدماء سفكًا ذريعا، وهم يعتبرون مال خصومهم من المسلمين غنيمة وأن أبناءهم ونساءهم، بعد المعارك سبي، بينما الإباضيون يتقيدون في ذلك بنصوص الشريعة.
ولقد كان أول إمام للإباضية نادوا به بعد وقعة التحكيم سنة 37 هـ
عبد الله هو بن وهب الراسبي"، أما صاحب مذهبهم الحقيقي فهو العلامة جابر بن زيد، إنما نسبوا بعد ذلك لعبد الله بن إباض، الذي قام بنشر المذهب وتدوينه، وأن عبد الله بن إباض، الذي قام بنشر المذهب وتدوينه كان بالنسبة لجابر بن زيد كأبي يوسف بالنسبة للإمام أبي حنيفة.
—
الملاحظة الثالثة، والتي يجب علينا ذكرها عند دراسة تاريخ الدولة الرسمية الإباضية هي أن الإباضيين الذين هم ليسوا من الخوارج لا يبغضون عليا بن أبي طالب رضي الله عنه كما يبغضه الخوارج ولا يكفرونه، إنما يشتركون في مخالفة رأيه في قضية التحكيم فقط، ولم يعادوه، بل إننا نرى من خلال دراستنا لتاريخ بني أمية، أنهم كانوا منذ عهد معاوية يلعنون عليا رضي الله عنه من فوق المنابر يوم الجمعة، ودام ذلك إلى أيام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، فجاءه وفد من الإباضيين، يضم علماءهم وأقطابهم وطلبوا إليه أن يكف عن هذه البدعة الفظيعة وحدف وصادف ذلك السب
1 مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، ص 89.
327 (1/328)
صفحة 329
المقدم واستبدله بآية إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 190. ولا تزال تلك الحسنة الجارية إلى يومنا هذا.
الملاحظة الرابعة هي أن الرستميين ليسوا هم الذين أدخلوا المذهب الإباضي إلى بلاد المغرب في شمال أفريقيا، وذلك المذهب انتشر في بلادنا قبل ذلك انتشارًا كبيرًا منذ ثورة الصفريين سنة 122 هـ على الولاة العرب في عصرهم. فالدولة الرستمية قامت لرعاية ذلك المذهب وصيانته والمسير به في اعتدال وسماحة ويمن، كما جاء به الدين الحنيف مهذبة وميسرة وملطفة حسب تعليق الرسول الأعظم صلوات الله وسلامة عليه: بشّروا" ولا تُنفّروا. ويَسِروا ولا تُعسّروا " 1.
بعد ذلك، تحدث الأستاذ أحمد توفيق المدني عن الخلاف بين الإباضية والمالكية فقال: ولنطو الآن عنان البحث إلى قضية أخرى أساسية وهي قضية الخلافات بين المذهب الإباضي والمذهب المالكي الذي نشأ بعده وهو المذهب السائد ببلادنا المغربية ذلك أن العامة والكثير من الخاصة يعتقدون أن هذا الخلاف المذهبي كبير وعظيم لا يمكن تلافيه أو التغلب عليه ويجهلون أن المذهبيين يسيران نحو الغاية الواعدة من
طريقتين
مختلفتين.
هي
كابوس
والحقيقة غير ذلك فالسياسة وحدها التي كونت هذا الخلاف وزادته جدة وشدة، حتى إذا ما جثم الاستعمار الفرنسي الفظيع على صدر أمة الإسلام بأرضنا الجزائرية أمعن في الفصل بين المذهبيين تنفيذًا لسياسته فرق تسد إلى أن أصبحوا دون حياء يقرون في كتبهم الدراسية التي يتناولها صغار الطلاب، أن الخلاف، بل العداوة مستحكمة الحلقات 2. وعند الرجوع إلى عقلاء الجانبين وعلمائهم، ودرسنا مشاكل هذا الخلاف وجدنا أنها لا تستوجب نفرة ولا تستوجب فرقة، وتكاد تنحصر في القضايا التالية:
328
90
المرجع السابق، ص
المرجع السابق، ص 91.
1
2 (1/329)
صفحة 330
أولا: المجاز في القرآن الشريف، فالإباضيون يقولون، به ويوافقهم في ذلك أصحاب الفكر الحر من المعتزلة
ومن بقية المذاهب وذلك فراراً من التجسيم بالنسبة لجلال الحضرة الإلهية المقدسة، فيقولون إنه قوله تعالى: {يَدُ
اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] يعني قوته فوق قوتهم فاليد والعين في القرآن معناها القوة والعناية.
ثانيًا: الخلافة في قريش لا يؤمن بها الإباضيون ولا يأخذون بالحديث الوارد في شأنها ويقولون إنه مفتعل، أن الخلافة الإسلامية هي ملك لكامل أمة الإسلام قاطبة حسب قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] وتنفيذاً للآية الكريم: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]. فعلى المسلمين أن يقلدوا الخلافة من هو أحق بها، مهما كان لونه ومهما كانت نسبه وقد جاء في صحيح الحديث لا فضل لعربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، كلكم لآدم، وآدم من تراب.
ثالثًا: يقول الأشاعرة إن المؤمنين الصادقين يرون الله رأي العين يوم القيامة لكن الإباضيين يقولون: إن الله جل جلاله أعظم وأكبر من أن يستطيع البشر، رؤيته ولو يوم القيامة وكذلك يقولون في كلام الله لموسى عليه السلام، ويحكمون باستحالته ولهم على ذلك أدلة من كتاب الله.
رابعا: يقول الإباضيون إن الحق في الأصول لا يتعدد، فالمجتهد مخطئ في الأصول غير معذور، وإنما إيمان المقلد غير صحيح، بينما يقول الأشاعرة بصحة إيمان المقلد، وبأن المجتهد المخطئ في الأصول معذور.
خامسًا: هناك خلاف أيضًا في تحديد معنى الكفر، ومعنى النفاق، فالأشاعرة ومنهم
المالكية يرون أن الكفر
لا يطلق إلا على المشرك بالله ويرون أن النفاق إنما هو التظاهر بالإيمان والتوحيد وإخفاء الشرك، أما الإباضيون فيقولون إن الكفر يطلق على معنيين هما الشرك والنفاق وأن النفاق يطلق على معنيين، نفاق الخيانة، أي
329
المرجع السابق، ص 91.
1 (1/330)
صفحة 331
ارتکاب كبيرة من الكبائر، ونفاق تحليل وتحريم، فالإباضى يطلق كلمة الكفر على معنى النفاق أي الفسوق ولا يعني به الشرك.
سادسًا: إن قضية الشفاعة يقول الإباضيون إن الشفاعة الواردة في القرآن بالنسبة ليوم القيامة لا تنال من مات على كبيرة وإنما تنال من مات على الوفاء، بينما يقول الأشاعرة إن الشفاعة تنال أيضاً أصحاب الكبائر سابعًا: هناك قضية القرآن الكريم، والتي وقعت فيها المحنة الكبرى أيام المأمون العباسي ومن بعده فالإباضيون قبل المعتزلة يقولون بأن كلام الله، وأن الله وحده هو القديم، بينما يقول الأشاعرة بعدم ذلك، يقولون يقدم القرآن بصفته كلام الله فالله قديم بوجوده وكلامه.
ثامنا: أما قضية صفات الله، وهي قضية نظرية بحتة، فالأشاعرة يقولون إن صفات الله غير ذات الله، بينما يقول الإباضيون إن الله وصفاته أمر واحد وبمعنى أن الله عز وجل جل جلاله الكامل الكمال المطلق.
تاسعا: يقول الإباضيون إن مات على كبيرة وعن غير توبة فهو خالد في النار بينما يقول الأشاعرة إن الذي مات على كبيرة ودون توبة وهو مؤمن بالله ورسوله إنما هو تحت مشيئة الله، إن شاء عذابه على مقدار معصيته
وإن شاء غفر له. 1
عاشرا: من
هذه الخلافات النظرية الدقيقة قضية تعريف الإيمان، فالإباضيون يقولون: "إن الإيمان له ركنان
هما القول والعمل وأنه لا يتم إلا بهما معاً فمن آمن قولا وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ثم لم يعمل بما جاء به الإسلام فهو ليس بمؤمن، بينما يقول الأشاعرة إن الإيمان بقواعده الخمسة، ولو دون عمل
يكفي للنجاة من النار النار "2.
330
مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، ص 92.
92
المرجع السابق، ص
1
2 (1/331)
صفحة 332
هذه هي أهم نقط الخلاف النظرية بين الأشاعرة وبين الإباضية وهي كما ترون قضايا نظرية واجتهادية بحتة ولكل من الطرفين أدلته وبراهينه من الكتاب والسنة ثم إن النظريات الإباضية التي ذكرناها لا ينفرد بها
أصحاب هذا المذهب فقط بل يشاركه في كل منها بعض المذاهب الإسلامية الأخرى.
وأما في الفروع وفي أحكام الإسلام، فلا تكاد توجد خلافات وإن وجدت فهي تافهة فأنتم ترون سادتي وأبنائي أن هذه الخلافات ما كان ينبغي أن توجد نفرة أو شقاقاً بين جماعة الإخوان المسلمين، لولا ما صاحبها من خلافات سياسية ومطامع في الملك والسلطان.
بل إن العلامة الإباضي المجاهد سليمان باشا الباروني رحمه الله ليقول: ونحن في ذلك معه ما نصه: متى يأتي يوم لا يذكر فيه المسلمون في الشرق لا في الغرب إلا الله ورسوله وكتابه ولا يذكرون الأئمة إلا باسم علماء كغيرهم من علماء الإسلام فيصبح الدين واحداً والمذهب واحداً لا طرق فيه ولا مذاهب 2.
—
الشيخ عبد الحميد بن باديس:
ذهب الشيخ ابن باديس في دعوته الناس من مقامه كرئيس الجمعية علماء الجزائر وأحد الدعاة الجزائريين الكبار، إلى اعتبار الأخوة الإسلامية فوق كل مذهب وطريقة وجنس وبلد أن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه لا مذهب واحد، أو جملة مذاهب محصورة كائناً من كان وكائنة ما كانت 3.
وعندما زار ابن باديس غليزان سنة 1931 م كتب واستدعانا واستدعنا إخواننا الميزابيون إلى محلهم، وأقاموا لنا احتفالًا حضره جميع أفرادهم، واستدعوا بعض أعيان البلد فشاهدنا من أدبهم وكرمهم وحسن استقبالهم
331
المرجع نفسه، 92.
المرجع نفسه، ص 92. ابن باديس وآثاره، 216/ 4
1
2
3 (1/332)
صفحة 333
لجمعيه العلماء، ما سررنا بهم كثير السرور 1. وعندما زار مستغانم في السنة نفسها كتب: "واحتفل بنا في
مستغانم جماعة إخواننا الإباضية، ولقينا منهم من الإكرام مثل ما كنا نلقاه دائمًا منهم في رحلتنا"2.
وكتب ابن باديس احتجاجًا شديد اللهجة، باسم جمعية العلماء المسلمين ضد الاعتداء الفظيع في شخص إخواننا بني ميزاب باعتقال السلطة الفرنسية سيدين منهم، في السجن، وهما الأستاذ صالح بابكر رئيس جمعية الإصلاح ومدير مدرستها بغرداية والسيد بغياية أحمد بن حم نائب الرئيس، واحتجاجه أيضا بقوة ضد القرار القاضي بمنع أي اجتماع ما عدا موكب الجنائز وقال بمناسبة الخلاف على الأذان في غرداية: "هذا الحاجز كما يعلم الناس كلهم كان ولا زال من دعاة التوحيد والاتحاد وكنت أقول في مجالسي ودروسي: إن المذاهب الفقهية غير الأربعة المشهورة هي كالأربعة تتفق وتختلف عن نظر واجتهاد 3.
ونحن نقول إنه لا يجوز بحال سفك دم أي مسلم إباضياً كان أو مالكياً أو غيرهما فهو محرم حراماً غليظاً شديداً بالكتاب والسنة وصاحبه إلى جهنم، مخلد وأن يتركوا التنابز بالألقاب مثل الخوارج وغير الخوارج،
والتبديع والتكفير والله وراء القصد، فهذا اعتقادنا الذي ندين الله به.
عمار الطالبي:
—
قال الدكتور عمّار: يبدو أن الأمر اختلط على كثير من الناس فظنوا أن الإباضية خوارج، إذا رجعنا إلى التاريخ وإلى المصنفات التي ألفت في الطرق الإسلامية فإننا نجد هذا الوصف ألصق بهم، وصنفوا على أنهم فرقة تفرعت
من الخوارج.
13
332
ابن باديس وآثاره 311/ 4
المرجع نفسه، 500/ 3 - 504
المرجع نفسه، 500/ 3 - 504.
عمار الطالبي مكانه الإباضية في الحضارة الإسلامية، ص
1
2
3
4 (1/333)
صفحة 334
ولكن إذا رجعنا إلى كتب الإباضية مثل كتاب "العدل والإنصاف لأبي الوارجلاني" "ت 570 هـ / 1175 م" فإننا نجده يصرح تصريحاً لا لبس فيه أنه يبرأ من الخوارج من الصفرية والأزارقة والنجدات الذين كانوا يكفرون
المسلمين ويبيحون دماءهم وسبي نساءهم وأطفالهم وهؤلاء تفرقوا اليوم ولم تبق منهم باقية.
ومصطلح الخوارج لم يظهر بوضوح إلا سنة 72 هـ وكان المصطلح القديم هو الحرورية أو المحكمة وورد هذا المصطلح في رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك وتاريخ هذه الرسالة يرجع إلى ما بعد سنة 67 هـ، ووردت فيها البراءة من ابن الأزرق: غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ومعنى هذا أن مصطلح الخوارج ظهر بعد نشوء الأزارقة سنة 64 هـ. وشاع بعد سنة 72 هـ، وهم فرقة من الغلاة وينحصر معنى الخوارج في الاصطلاح في الذين يكفرون مخالفيهم كفر إشراك، أو الكفر الذي يخرج صاحبه من الدين، وترتب على ذلك الاستعراض أي قتل المخالفين لهم ومعاملتهم معاملة المشرك والإباضية لا يتبنون ما ذهب إليه الأزارقة والصفرية والنجدات من الحكم على المسلمين بالشرك، ويعامل الإباضية من يخالفهم معاملة المسلمين.
—
عبد العزيز المجذوب التونسي:
يقول الدكتور عبد العزيز: بعد نشوء هذه الفرقة وتركز قواعدها على يد صاحبها الأول في مطلع القرن الثاني ظهر منها أئمة أفذاذ برزوا في العلم والدين حتى بلغوا درجة الاجتهاد فنسبوا لحزبهم مبادئ وقواعد خاصة وشرعوا له فقهاً وأصولاً في العبادات والمعتقدات تحولت له من حزب سياسي ومن مجرد فرقة دينية إلى مذهب سني وذلك لأن أتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصحابته البررة في سلوكهم وأمور معاشهم ولا اقترف
مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، ص 382.
333 (1/334)
صفحة 335
ولاتهم إثماً ولا مارسوا في قيادتهم، ظلمًا، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة
سواهم.
وقد ذكر الدكتور عبد العزيز المجذوب قصتهم في شمال أفريقيا ثم قال وننبه إلى أمر له أهميته بالنسبة لمن يريد أن يقف على دور الإباضية بإفريقية وموقف الناس منها، ذلك أن كتب التاريخ في سردها للأحداث التي جدت بين ولاة الأمر بإفريقية وبين أتباع المذهب الإباضي تعتبر هؤلاء خارجين عن الطاعة بل عن الدين، وينعتون بما ينعت به كل متمرد وكان أصحاب تلك الكتب - وهم سنيون مالكيون غالبًا يعدون الإباضية – فرقة كسِواها من فرق الخوارج المغالية في المعتقد، ولا يعنيهم أن يفرقوا بينها وبين غيرها استناداً
إلى ما بدا منها ومن أتباعها من تصرف باعد بينها وبين الفرقة المبتدعة.
أما الكتب التي ألفت في تراجم علماء أفريقية، وإن لم ترد فيها إشارة ولو طفيفة إلى تسنن المذهب الإباضي، فإنها لم تتعرض كذلك إلى شتم أتباعه أو الغض من شأنهم إلا ما جاء فيه عن موقف الإمام سحنون من كافة أصحاب الفرق، وعلى عكس ذلك الصفرية، فإننا نجد في تراجم بعض العلماء بهذه الكتب أن فلاناً اتهم بالصفرية، فأعرض طلاب العلم عن السماع منه والأخذ عنه.
أليس في هذا ما يدفع إلى القول: بأن العلماء بإفريقية كانوا يعتبرون علماء الإباضية سنة مثلهم، وأن جوا من الوئام والتعاون، كان ربما يسود علاقات بعضهم ببعض هنا أظن بأن ذلك أمرًا ثابتًا خصوصا أن الإباضية كانوا يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة، ويُملون تعاليمهم بكامل الحرية إلى جانب
المالكية في كثير من الجهات بإفريقية 2
334
229
المرجع السابق، ص) المرجع السابق، ص 235.
1
2 (1/335)
صفحة 336
عوض محمد خليفات
طرح الدكتور عوض خليفات آراءه بعد دراسة عميقة للحركة الإباضية التي أخرجها في كتابه الكبير "نشأة الحركة الإباضية". بالمقابل، قام الإباضيون بجهود كبيرة في سبيل إثراء المكتبة الإسلامية بالمؤلفات الكثيرة المتنوعة، تتناول مختلف جوانب الفكر الإسلامي. ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل جملة ملاحظات حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش بين الباحثين والمفكرين:
- إن الإباضيون ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل، وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص، والواقع أن الإباضية لا
يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم.
- إن الإباضية حرّموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما
—
—
فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية.
إن الإباضين ينظرون إلى الدين نظرة واحدة متكاملة لا فصل فيها بين المظاهر الروحية
والمادية ولا طغيان لإحداهما على الأخرى.
إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين
اتباعاً للسنة الشريفة والاقتداء بها، أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو
عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب.
إنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر 1.
ناتج
335
المرجع السابق، 283.
1 (1/336)
صفحة 337
مهدي طالب هاشم:
ألف الأستاذ مهدي طالب هاشم كتابه الحركة الإباضية في المشرق العربي، وتناول الحركة الإباضية منذ بداية ظهورها في أواخر القرن الثالث الهجري، وقد جاء كلامه في سياسة عبد الله بن يحيى بعد دخوله صنعاء، يقول: كانت سياسة عبد الله بن يحيى مصداقًا للالتزام بالشريعة الإسلامية في معاملة المخالفين له مذهبًا من المسلمين، واستطاع أن يوفق بين النظرية والتطبيق دون أن يسمع لحكم العواطف في اللحظات الحرجة،
منعه، مع
كلحظات ومواقف القتال التي تثور فيها العواطف الحياتية وحب الانتقام. وعندما طلب قائده أبرهة بن الصباح الحميري الإجهاز على الهاربين وقتلهم أن طالب الحق كان قد تمكن منهم كما يبدو من وراية البلاذري، لأن الإباضية لا تجوّز الإجهاز ولحوق المدبر في الحرب، وهذا يَدُلّ على الطابع المعتدل لسلوك هذه الفرقة حتى في الحرب، ولو قارنا بينهم وبين الأمويين لوجدنا بونا شاسعاً في هذه الناحية، فقد ظهرت في حرب الأمويين مع أتباع الإباضية الوحشية والطابع البدوي والخروج عن القيم الإسلامية.
وتحدث أيضًا عن الإمام طالب الحق والإجراءات التي اتخذها بصنعاء لما استولى عليها، فقال: كانت أولى الإجراءات التي قام بها عبد الله بن يحي "طالب الحق"، بعد أن استولى على الخزائن والأموال أن أمر بتوزيعها بين الناس بالسوية، ليؤكد لأهل اليمن عهدًا جديدًا قائمًا على أساس العدل والمساواة دون مراعاة للاتجاهات
المذهبية.
أن ويذكر الشماخي الله عبد بن مسعود وابن فيران، وهما من الإباضية، قد أتيا بالأموال التي استولى عليها طالب الحق إلى المسجد فقسمها على فقراء صنعاء ولم يسمح للإباضية أن يأخذوا منها شيئاً، ولعل طالب الحق أراد بإصلاحاته المالية أن يكتسب آخر الطبقات الفقيرة في اليمن ويحملها على التعاطف مع الحركة أجمع المؤرخون كافة على حسن سيرته
الإباضية، وبسبب
هذه الإصلاحات والسياسة المرنة أعدائه،
مع
336
الحركة الإباضية في المشرق العربي، ص. ص 113 - 117.
1 (1/337)
صفحة 338
بسب تمسكه بالشريعة
وسياسته، ولم نجد فيهم من يطعن يغطي في عدالته كما أحبه المتدينون من أهل اليمن الإسلامية، وقد عبر عن وجهة نظر العقائدية عندما ألقى خطبة في صنعاء، أظهر فيها بأنه يسير على الإسلام
ولا
يسمح
بالانحراف عنه جاء فيها: الإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا.
وعلق العلامة مفتي عمان على هذا الكلام بقوله: هكذا شهد هذا الأستاذ في هذا الكتاب القيم للإباضية وهو من غير الإباضية صلجاً، وهكذا شأن أصحاب الضمائر الحية والأقلام النظيفة، والنفوس الزكية، فإنهم لا يبالون في كلمة الحق أن يقولوها أو يكتبوها، مهما كلفهم الأمر.2.
عز الدين التنوخي:
يعتبر الأستاذ عز
الدين التنوخي عضوًا في المجمع العربي بدمشق، معروف بجهوده الصادقة في خدمة الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وقد اهتم فيما اهتم به - بتراث الإباضية في المجالين الشرعي، والأدبي. وقد تحدث عن الإباضية فقال: "ويكفي في الدلالة على مبلغ جهالتنا بعمان، وأهلها أنّ السواد الأعظم من العرب والمسلمين يظنونهم من غلاة الخوارج والأزارقة والنجدات والصفرية، حتى أن ابن خلدون نفسه يقول ما نصه: والخوارج بها كثيرة، أو كانت لهم حروب مع بني بويه مع أن إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية من الدعايات نشأت عن التعصب السياسي أولاً ثم عن التعصب المذهبي ثانيا، لما ظهر غلاة المذاهب، فقد خلطوا بين الإباضية والأزارقة والصفرية والنجدية. فالإباضية لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم
الفاجرة التي
إلا إنكار الحكومة بين على ومعاوية".
337
الحركة الإباضية في المشرق العربي ص. ص 113 - 117.
نبذ التعصب المذهبي، أحمد الخليلي، ص 69.
ديوان أبو بكر أحمد الستالي، ص 10.
1
2
3 (1/338)
صفحة 339
وأضاف: "وأما استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد، فقد انفرد به الأزارقة والنجدية والصفرية، وبه استباحوا حمى المسلمين ولما كان مخالفوهم لا يتوزعون ولا يكلفون أنفسهم مؤنة البحث عن الحق ليقفوا عنده حين خلطوا بين الإباضية الذين لا يستبيحون قطرة دم موحد بالتوحيد الذي معه وبين الذين استحلوا الدماء بالمعصية حتى قتلوا الأطفال تبعا لآبائهم مع أن الفرق كبير جدًا بين المستحيل والمحرم. فما بعد الحق إلا الضلال، ومن جهل علمائنا بعمان وأهلها وعلومهم وآدابهم أنهم لم يطلعوا على كتبهم الدينية ولا على الفقه الإباضي المبني على الكتاب والسنة، ولا على مسند الإمام الربيع بن حبيب وسنده ثلاثي عن أبي عبيدة التميمي، عن جابر بن زيد عن الصحابة".
ويقول: "وقد أخذ جابر وأبو عبيدة عن الصحابة، وجابر بن زيد عن رجال البخاري ومسلم أخذ عن سبعين من الصحابة البدريين، وكان من
الأمة
تلاميذ حبر عبد الله بن عباس. وقد طبع هذا المسند القديم مع شرحه
للإمام عبد الله السالمي في أربع مجلدات طبع اثنان منها في مصر والثالث بدمشق وبعد حديث عن أسرة السالمي المجيدة المجيد وخدمتها للعلم والأدب وقيامها على نشر الثروة الثقافية في عمان، قال الأستاذ التنوخي في نفس الصفحة: فمن الجهل بعمان وأهلها أنه ليس في كتب تراجمنا كيتيمة الدهر للثعالبي ذكر لشعراء عمان وبعد أن ذكر الثعالبي شعراء أكثر الأقطار العربية، وغيرها ذلك أنهم بجهالة المؤرخين بعمان و أهلها، أو لتعصبهم السياسي والمذهبي، أهملوا الكلام على مذهبهم وثقافتهم وانتباه العرب في أيامنا هذه العروبتهم ولتاريخهم السياسي والعلمي ولسعيهم الجمع شملهم وإعلان وحدتهم القومية كل ذلك مما يوجب البحث عن هذا للشعب العربي الصريح بنسبة والمجيد بحسبه، ومضرب المثل بفصاحته وشجاعته العربية، وجهاده وكفاحه،
338
1"
للمستعمرين"
الإباضية بين الفرق، ص 151.
1 (1/339)
صفحة 340
وقد نشرت في دمشق أخيرًا بعد هذه الكتب كالجزء الثالث من شرح مسند الربيع بن حبيب، وهو أقدم كتب الحديث وأصحها، وشارحه العلامة نور الدين السالمي وقد أخرجت أحاديث المسند وشرحته وجلها في
الصحيحين وسائر الكتب الستة من كتب السنة، مما يدل على أن مذهب إباضية عمان والمغرب من أقرب
1.
المذاهب إلى السنة كما ذكر الإمام المبرد في كامله ... وغيره من المحققين.
وقال: هذا والمطلع على الفتاوى العمانية يجد مصنفها مضيفها يعتمد بادئ الأمر على كتاب الله، ثم على السنة، وينظر في أشباه وقائعه التي أفتى فيها المجتهدون من السلف الصالح وإذا ما وجد فتوى لأحد أئمة السنة كالإمام أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك واستئناساً بأقوال المجتهدين من قبله، ولولا خشية الإسهاب الممل لأتيت بأمثلة من ذلك.
وتحدث عن العلامة نور الدين أبو محمد بن حميد بن سلام بن عبيد بن خلفان ابن خميس السالمي الضبي،
من
مختلف
والذي شرح مسند الربيع والذي انتهت إليه رئاسة العلم في عمان وظهر ذلك في تأليفه الجمة الفنون الشرعية والعربية مع التحقيق في مسائلها والإجادة من تأليف كتبها ورسائلها، فقد كان رحمه الله ضريراً
قوي الذاكرة والذكاء شديد اليقظة على تطورات قومه بعمان 3.
إلى أن قال: وإذا أطلع المنصف على هذا الشرح، وجد الشارح الشارع واسع الاطلاع وألفى وألغى شرحه واضحاً مبيناً، وتعابيره صحيحة فصيحة أسلوبها المساواة فلا هي مهوبة مملة ولا مفرطة الإيجاز مخلة. وأما أبحاثه فإنها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرا ما ينقل عن العلماء المخالفين كالحنيفة والشافعية، والمالكية والحنابلة، ويستشهد بأحاديث الشيخين وأئمة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة مما يدل على أن الإباضية في
339
المرجع السابق، ص 152.
المرجع نفسه، ص 153. المرجع السابق، ص 153.
1
2
3 (1/340)
صفحة 341
المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة والناظر في شرح السالمي عالم عمان، يمتلئ طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من المذاهب غير السنية من يستشهد برجال الحديث والفقه من أهل السنة، هذا الاستشهاد فقد ورد، وما أثرت تخريج أحاديث المسند والشرح، ولا سيما ما رواه الشيخان، إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بنى عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث وأكثرها مما جاء في الصحيحين وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنهم من الخوارج والغلاة كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم.
-
وقال النور السالمي أيضًا: ليس من رأينا بحمد الله - الغلو في ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على من
فارقنا. .. الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والسنة طريقتنا وبيت الله الحرام قبلتنا والإسلام ديننا، ولذلك يحرم على المسلم اتهام أخيه المسلم في دينه بعد مثل هذا الاعتراف فيكون من المتألين الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: "ويل" للمتألين من أمتي، الذين يقولون: فلان في الجنة و فلان في النار" وفلا يفهم من شرح هذا المسند أن الشارع من المتمسكين بالحديث الصحيح وأرباب العقل الراجح، والمعظمين (صلى الله عليه وسلم) وأقواله والمهتدين بسنته وأفعاله فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء، ويختار على أقوال هذا المذهب ماصح من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فليس هو ممن يرى "العمل على الفقه لا على الحديث". قال الشارع الصراط المستقيم": إذا وجد تابع المجتهد حديثاً صحيحاً مخالفاً لمذهبه هل له أن
يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلاف، فعند المتقدمين له ذلك قالوا: لأن المتبرع والمقتدي به هو النبي
ومن سواه فهو تابع له فبعد أن علم وصح قوله صلى الله عليه وسلم فالمتابعة لغيره غير معقولة قلت ولا يجوز التعصب للمذهب تعصبًا يستهزئ به بحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإن ذلك من الفسق، والبعد عن الدين، والخروج
عن سيرة الصحابة والتابعين.
340
الإباضية بين الفرق، ص 162.
1 (1/341)
صفحة 342
هذا وما كان أهل عمان أقرب فرق اطلعت عليه مبني على السنة وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه
والمذهب عملاً بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله
عنه فقد جاء في "الحجة البالغة" أن ابن عمر
رضي
بن
عمر الذي روى
الله عنه قال لجابر بن زيد إنك من فقهاء البصرة، فلا
تفت إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت.
وبهذا التطواف والسير والبحث في أقوال العلماء والمؤرخين والفقهاء والمفكرين تبين لنا بوضوح وجلاء بأن
الإباضية مدرسة إسلامية ليست من الخوارج، وسأتحدث عن مصادر التشريع والفقه وأصوله وقواعده عند الإباضية وعقائدهم لاحقاً بإذن الله تعالى.
عاشرا: موقف الإباضية من الدولة الأموية:
قال الأستاذ عمرو النامي: هكذا كانت نظرة الإباضية بالنسبة للتطورات السياسية الأولى كما فهموها وعندهم
أن المحكمة
هم المجموعة الوحيدة التي كانت تكافح من أجل العودة بالإمامة الإسلامية إلى ما كانت عليه أثناء عهدي أبي بكر وعمر والسنوات الست الأولى من خلافة عثمان والسنوات الأولى من خلافة علي قبل أن يرضى بالتحكيم، ثم انتهى جهاد هذه الجماعة في مقتلة أهل النهر على يدي علي بن أبي طالب وجيشه ومقتلة أهل النخيلة على أيدي عسكريي معاوية والحسن بن علي معاً.
وبعد هذه المرحلة ترسخت الخلافة الأموية وجعلت همها أن تضرب أي مقاومة، وهكذا فإن مؤيدي مجموعة المحكمة أو "المسلمين"، أو جماعة المسلمين كما كانوا يدعون في الأدب الإباضي القديم، اضطروا لإخفاء عقيدتهم -أي في الدولة الأموية - والقيام بنشاطاتهم سرًا، وقامت سياسة جابر على اللجوء إلى جميع الوسائل
341
دراسات في الإباضية، ص 54.
1 (1/342)
صفحة 343
لضمان أمن حركته وسلامة أتباعه. وقال: وبعد موت علي كان ابنه الحسن على استعداد للتفاهم على تسوية
مع بني أمية بعد أن تلقى تأكيداً بأنه سيكون الخليفة بعد وفاة معاوية.
ورسخ الأمويون حكمهم القوى على العالم الإسلامي واستطاعوا قمع المعارضة القرشية بقيادة الشيعة، أي علي، أو بقيادة ابن الزبير، وانحصر الصراع على السلطة بين قريش في بيتي بني أمية وبني هاشم، وحين ضعفت سلطة الأمويين في الامبراطورية الآخرة في الاتساع الهائل، تسلم العباسيون السلطة، ثم استمر الصراع على السلطة بأقل ما يكون من التقيد بمبادئ الإسلام وباستخدام جميع الوسائل للوصول إلى السلطة.
وذكر الدكتور عمرو النامي ما عبّر عنه أبو حمزة المختار بن عوف في خطبته في المدينة بوضوح عن رأي الإباضية في الأمويين وفي الشيعة معاً. وبعد أن تكلم عن أعمال الخلفاء الأمويين واحد فواحداً، بدءاً بمعاوية وانتهاء بيزيد بن عبد الملك، تكلم أبو حمزة عن حكم سلالة بني أمية عموماً في العبارات التالية: وأما بنو أمية ففرقة الضلالة، بطشهم بطش جبرية، يأخذون بالظنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة، ويأخذون بالفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بيّن الله أهلها فجعلهم ثمانية أصناف فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: 60] فأقبل صنف تاسع ليس منها فأخذها كلها، تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما
أنزل الله.
وبخصوص الشيعة قال أبو حمزة وأما هذه الشيع فشيع ظاهرت بكتاب الله، وأعلنت الفرّية على الله، لم يفارقوا الناس ببصر نافذ في الدين ولا بعلم نافذ في القرآن وينقمون المعصية على أهلها ويعملون إذا ولوا بها، يصرون
342
المرجع نفسه، ص. ص ص 54 - 55.
المرجع نفسه، ص (
290
المرجع نفسه، ص 91.
1
2
3 (1/343)
صفحة 344
على الفتنة ولا يعرفون المخرج منها جفاة عن القرآن أتباع كهان، ويؤملون الدول في بعث الموتى، ويعتقدون
الرجعة إلى الدنيا، قلدوا دينهم رجلاً لا ينظر لهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وفي هذه الخطبة تكلم أبو حمزة أيضًا عن فتنة عن الإباضية وقضيتهم ودوافعهم وجه أبو حمزة كلامه إلى الأمويين المدينة قائلاً: ندعوكم إلى كتاب الله، أو سنة نبيّه والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس
مواضعها التي أمر الله بها، ثم راح يصف فئته، وأهدافها ودوافعها وأسبابها للثورة 2
وقال الدكتور عمرو النامي: وجميع الخلفاء وولاتهم بدءاً من معاوية اعتبروا سلاطين جور وأعلن الإباضية البراءة منهم باستثناء عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي ومن العلماء الإباضيين من يقول إنه كان إمامًا شرعيًا بسبب إجماع الأمة عليه لقبوله إماماً ويقول علماء آخرون إن أبا عبيدة بن أبي كريمة سأل الله أن يرحم عمر بن عبد العزيز مما يعني أن عمر كان يستحق الولاية. ويروى أيضًا أن أبا عبيدة أرسل وفداً إلى عمر بدعوه لقبول العقيدة الإباضية، وبعد نقاش طويل وافقهم عمر على أكثر آرائهم، غير أنه رفض الطعن في عثمان وقال: تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلنطهر منها ألسنتنا ورفضوا القبول برأيه وقال رئيس الوفد الإباضي، أبو الحر علي بن الحصين لعمر: أعلم أنا لا نتولاك ولدي سماع هذا النقاش قال أبو عبيدة: كنت أتمنى لو أنهم قبلوا رأي عمر 3.
1. العلامة أحمد حمد الخليلي وآراءه في الدولة الأموية:
لا بد هنا من التفصيل في رأي أحد العلماء الإباضية المعاصرون في الدولة الأموية، وهو الشيخ العلامة مفتي عُمان أحمد حمد الخليلي، والذي ألف كتاباً عنوانه "الاستبداد مظاهره ومواجهته"، وقد أطلعت عليه، وتعرض
343
المرجع السابق، ص 71.
دراسات في تاريخ الإباضية، ص 71.
البسياني، سيرة، ص 24 وانظر: دراسات في الإباضية، ص 268.
1
2
3 (1/344)
صفحة 345
فيه للدولة الأموية. حيث قال إن أعظم بلاء على الأمة ومصيبة في الدين تحول نظام الحكم الذي كان يسود
الأمة من أقصاها إلى أقصاها من منهج رباني - يقوم على العدل والشورى ومحاسبة النفس والخوف والرجاء الله، من وينبني على عقد بين الأمة، والخليفة يكون الخليفة بموجبه بموجب أجيراً للأمة يحق تحقق لها مراقبته ومحاسبته على القليل والكثير كما يحق لها مع انحرافه عن الجادة أن ترده تزده إليها بالنصح والتقويم، فإن أبى كان لها عزلة ولو بالقوة إلى منهج شيطاني، يقوم على الجور وعلى الاستبداد وإعطاء النفس شهواتها في البطش بالأمة، وسلبها جميع حقوقها المادية والمعنوية وإطلاق يد المتسلط للعبث بأموالها وسفك دمائها ومعاملتها كقطيع من السوائم لا تجتلب لنفسها نفعًا ولا تدفع ضرًا، وقد كان هذا بلا ريب- حدًا فاصلًا بين عهدين في حياة الأمة، عهد القوة والعزة والكرامة وعهد الضعف والذلة والمهانة 1.
كان جميع المسؤولين في الدولة الإسلامية الأولى يعد أمة في رجل ورجلا في أمة، يحمل في نفسه هم الدين والدعوة إليه وهم الأمة، بل البشرية بأسرها، لأنه يحس من أعماق نفسه أنه مسؤول عن إصلاحها وترتيبها وإخراجها من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الجهل إلى العلم ومن الجاهلية إلى دين الإسلام الحق وهو مع نوئه بهذه الهموم يحمل هم الدار الآخرة ووعدها ووعيدها، فيتزاحم في قلبه عاملا الخوف والرجاء، ففي خوفه ما يصده عن كل سوء، ويحجزه عن إعطاء نفسه رغباتها، وفي رجائه من يبعث في نفسه همم الخير، ويؤجج عزائم الإيمان.
ومع
انحلال ذلك العقد وانطواء ذلك العهد، وبروز عهد جديد طوي عن الأمة كل ما كانت تعهده في العهد
الماضي من المزايا الخيرة فغارت ينابيع الخير وتحول روضها النضير إلى قفر يباب منطمس المعالم موحش للناظر. وقد بدأت هذه المرحلة المشؤومة في حياة الأمة بوثوب معاوية بن أبي سفيان على دولة الخلافة؛ لابتزاز السلطة من الخليفة الشرعي الذي بويع بإجماع أهل الحل والعقد، ليحولها إلى ملك عضوض ونظام
344
الاستبداد مظاهرة ومواجهته، ص 25.
1 (1/345)
صفحة 346
استبدادي، لا يصلح إلا أن يكون امتداد للنظام المتبع عند القياصرة والأكاسرة، ولم يكن معاوية يخفى أنه
أخذ السلطة عنوة وأن الناس له كارهون.
وتحدث العلامة الخليلي على أن معاوية استأثر بالحكم واستحوذ على المال، وسيطر على مفاصل الدولة وسار سيرة مغايرة تماماً لمنهج الخلفاء الراشدين، فحوّل الخلافة من نظام الشورى إلى نظام استبدادي
عضوض.
وتابع الخليلي شرح خصائص حكم معاوية الذي قام على الأسرة وفي نظره على تفضيل الأسرة الأموية على باقي الطبقات الاجتماعية وناقش آراء العلماء بإسهاب حول حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعمار "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ " وسجل وجهة نظر عشرات العلماء صحة الحديث، معمداً على أوثق المصادر والمراجع وخلص في نهاية عرضه أن الإمام الشرعي هو عليّ بن أبي طالب، وأن معاوية تمرد عليه وفسق عن طاعة الأمير المنتخب 2. ومهما اتهما معاوية بتشويه صورة الإمام علي، وذكر بأنه لعنه على المنابر، وحمل المسلمين عنوة على ذلك، وقيام عمال الدولة الأموية وخدام النظام بقتل كل من يعارض ذلك ويأبى لعن الإمام وأورد أمثلة عديدة تند عن الحصر للقتلى الذين ضحوا بحياتهم في سبيل التمسك بالإسلام وعدم الطعن في الإمام
الشرعي.
وقال الخليلي: بأن معاوية لم يكتف بانحرافه عن النهج السوي، بل زاد الطين بلة، وقررّ تولية يزيد خليفة للمسلمين وأمعن في خطته واستخلف ابنه وحمل المسلمين بالترغيب والترهيب على مبايعته بقوة السيف وذهب المعز، وقام ولاته في الأمصار بتسخير المساجد ومعهم بعض علماء الدين بأخذ البيعة له، على الرغم
1
المرجع السابق، ص 28.
2 قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 21.
345 (1/346)
صفحة 347
من معارضة كبار الصحابة وصلحاء المؤمنين أنصار البيت النبوي وفي الوقت نفسه تحسين صورته، أمام الرأي
العام. وفيما مضى من حديث عن مرحلة معاوية لي تساؤلات مشروعة:
هل ساهم معاوية في قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه؟
كيف انتقلت السلطة إلى معاوية؟
هي
الأخطاء التي وقع فيها معاوية في عهده؟
هل كل عهد معاوية كان شراً مطلقاً؟
هل كل الروايات التي صورت معاوية صورة سوداوية ما محلها في علم الجرح والتعديل؟
استشهاد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
لم يكن معاوية مشاركًا في قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، بل كان هو أيضًا مستهدفا من قبل الخوارج، الذين تآمروا على قتل معاوية وعلي وعمر بن العاص رضي الله عنهم، فقد كان من حديث ابن ملجم وأصحابه: أن ابن ملجم والبرك بن عبد الله، وعمر بن أبي بكر التميمي اجتمعوا، فتذكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئًا إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شربنا أنفسنا، فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم لإخواننا فقال ابن ملجم أنا أكفيكم على بن أبي طالب وكان من أهل مصر، وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله، أو يموت دونه، فأخذوا
346
المرجع السابق، ص 21.
1 (1/347)
صفحة 348
أسيافهم، فسموها واستعدوا واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثبت كل واحد منهم على صاحبه الذي
توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي كان فيه صاحبه الذي يطلب.
قال ابن الحنفية: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريباً من السدة ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجهل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة فما أدري أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت شاباً ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، أنا إن مت فاقتلوه، كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد 3.
وقال الذهبي عن عبد الرحمن بن ملجم: قاتل علي رضي الله
عنه،
خارجي مفتر، شهد فتح مصر واختلط بها
مع الأشراف، وكان ممن قرأ القرآن والفقه وهو أحد بني تدول، وكان فارسهم بمصر، قرأ القرآن على معاذ بن
جبل، وكان من العبّاد ويقال: هو الذي أرسل صبيغاً التميمي إلى عمر رضي
الله عنه
فسأله عما سأله
عن
مستعجم القرآن إلى أن قال الذهبي: ثم أدركه الكتاب وفعل ما فعل وهو عند الخوارج من أفضل الأمة. وفي
ابن ملجم يقول عمران بن حطان الخارجي:
347
تاريخ الطبري، 59/ 6.
62/ 6
المرجع السابق، المرجع نفسه، 62/ 2.
1
2
3 (1/348)
صفحة 349
يا ضربة من تقي ما أراد بها.
إلا لبلغ من ذي العرش رضواناً.
إني لأذكره يوماً فأحسبه.
أوفى البرية عند الله ميزاناً.
عنه،
وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار ومجوز أن الله يتجاوز ـه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم القاتل عثمان وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل الزبير، وقاتل خارجة وقاتل الحسين فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله عز وجل 1.
وأما البرك بن عبد الله، فإنه في تلك الليلة التي ضرب فيها علي قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خبراً أسرك به، فلئن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم، قال: إن أخاً لي قتل علياً في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك، قال: بلى، إن علياً يخرج ليس معه من يحرسه، فأمر به معاوية فقتل وبعث معاوية إلى الساعدي - كان طبيبًا فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة، فأضعها موضع السيف وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها وأما انقطاع الولد فإن في يزيد الله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد. وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان إذا اشتكى بطنه فأمر خارجة بن حذافة وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي فنشد عليه وهو يرى أنه عمرو فضربه، فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمارة، فقال من هذا؟ قالوا: عمرو. قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا
وعبد
1
تاريخ الإسلام، عهد الخلفاء الراشدين، ص 154.
348 (1/349)
صفحة 350
فاسق ما ظننته غيرك فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله. ولما جاء خبر قتل علي إلى
الله معاوية رضي عنهما جعل يبكي، فقالت له امرأته؟ وقد قاتلته؟
فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. وكان معاوية يكتب فيما ينزل به يسأل
له علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب،
فقال له أخوه عتبه: لا هذا منك أهل الشام، فقال له: عنك 3.
يسمع
دعني.
وقد طلب معاوية رضي الله عنه في خلافته من ضرار الصدائي أن يصف له عليا رضي الله عنه، فقال: أعفني أعطني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنّه قال: أما إذا لا بد من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد الثوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ويستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا يبئس الضعيف من عدله، وأشهد أنه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت، نجومه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السقيم، ويبكي بكاء الحزين. وكان يقول: يا دنيا غُرّي غيري إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها فعمرك فقير وخطرك كثير، آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله أيا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها. وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المنام، وأبو بكر وعمر
349
تاريخ الطبري، 65/ 6.
البداية والنهاية 133/ 8.
الاستيعاب، 1108/ 3.
4
المرجع السابق، 1107/ 3.
5 أرخى الليل سدوله: أظلم.
6
الاستيعاب، 1108/ 3.
1
2
3 (1/350)
صفحة 351
جالسان عنده فسلمت عليه وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى لعلى ومعاوية، فأدخلا بيتاً وأجيف الباب،
وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة 2.
—
هل وثب معاوية على السلطة أما جاء صلحا؟
إن السياق الطبيعي لمجريات الأحداث تبين أن معاوية جاء إلى السلطة من خلال صلح عام صلحاً عاماً قاده قادة الخليفة الخامس الحسن بن علي رضي الله عنه، فقد كانت بيعته في شهر رمضان سنة 40 هـ، وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه علي يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي. وقد اختار الناس الحسن بعد والده، ولم يعين أمير المؤمنين أحداً من بعده، فعن عبد الله بن سبع قال: سمعت علياً يقول: لتخضين هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى قالوا يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته، قال: إذن والله تقتلون بي غير قاتلي قالوا فاستخلف علينا قال لا ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال وكيع: آمرة إذا لقيته قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا
4
5
لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم. وفي رواية: أقول: اللهم
7
استخلفتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم. وبعد مقتل علي صلى عليه الحسن بن علي رضي
الله
عنهما وكبر عليه أربع تكبيرات ودفن بالكوفة وكان أول من بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسط يديك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، وقتال المحلين فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك
1 أجيف الباب: رُد وأغلق.
2 البداية والنهاية، 133/ 8.
3 أي: لتخضبن لحيته من دم رأسه.
نبير عترته نهلل أقربائه لسان العرب، 1538/ 4
وكيع بن الجراح ثقة حافظ عابد التقريب، ص 581.
6
مسند أحمد 325/ 2 وحسن! لغيره.
7 كشف الأستار عن زوائد البزار، 204/ 3.
350 (1/351)
صفحة 352
يأتي من وراء كل شرط فبايعه وسكت وبايعه الناس. وقد اشترط الحسن بن علي على أهل العراق عندما
أرادوا بيعته فقال لهم: إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت. وفي رواية قال لهم: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم قالوا ما هو؟ قال تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت 3. وفي رواية قال لهم: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم قالوا: ما هو؟ قال تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت وفي رواية ابن سعد: إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمارة وبايعتهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به.
4
ويستفاد من الروايات السابقة: ابتداء الحسن رضي الله عنه في التمهيد للصلح فور استخلافه، وقد باشر الحسن بن علي سلطته كخليفة، فرتب العمال وأمر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء مئة، فاكتسب بذلك رضاهم، وكان في وسعه أن يخوض حرباً لا هوادة فيها ضد معاوية، وكانت شخصيته الفذة من الناحية العسكرية، والأخلاق والسياسية والدينية تساعده على ذلك مع وجود عوامل أخرى، كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وعدي بن حاتم الطائي وغيرهم في صفه من الذين لهم من القدرات القيادية الشيء الكثير، إلا إن الحسن بن علي مال إلى السلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، والرغبة فيما عند الله، وزهده في الملك ... وغير ذلك من الأسباب، وقد قاد الحسن بن علي مشروع الإصلاح الذي توج بوحدة الأمة، وقد تنازل الحسن بن علي من موقف قوّة وهناك دلائل تشير إلى ذلك منها:
351
تاريخ الطبري، 77/ 6.
الطبقات، تحقيق محمد السلم، 287/ 1 - 286
المرجع السابق، 286/ 1
المرجع نفسه، 317/ 1 316.
تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي، ص 67.
1
2
3
4
5 (1/352)
صفحة 353
الشرعية التي كان يملكها الحسن:
—
لقد اختير الحسن بن علي بعد والده اختيارًا، شوريًا، وأصبح الخليفة الشرعي على الحجاز واليمن والعراق، وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده، وقد استمر في خلافته ستة بستة أشهر، وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة
الراشدة التي
أخبر عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن مدتها ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً فقد روى الترمذي بإسناده إلى
رسول الله (صلى الله عليه وسلم): حيث قال الخلافةُ في أمَّتي ثلاثونَ سَنةً، ثُمَّ مُلك بعدَ ذلِكَ.
وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال: إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة
لمعاوية في ربيع الأول من
سنة إحدى وأربعين وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإنه توفي
في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهذا من دلائل نبوة سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وسلم
تسليما.
وبذلك يكون الحسن بن علي خامس الخلفاء الراشدين، وقد تحدث عن شرعية الحسن بن علي بالخلافة كثير من علماء أهل السنة، منهم: أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض، وابن كثير، وشارح الطحاوية، والمناوي، وابن حجر الهيثمي. ولو أراد الحسن أن يتعب معاوية بحكم أن الشرعية معه لأمكن ذلك، ولقام بترتيب حملة إعلامية منظمة في أوساط أهل الشام لكسب ثقتهم أو على الأقل زعزعة موقف معاوية بينهم، فقد كان يملك قوة معنوية ونفوذا روحياً لا يستهان به بحكم الشرعية التي يستند إليها، ولكونه حفيد
الرسول (صلى الله عليه وسلم).
352
سنن الترمذي 397/ 6 - 395
البداية والنهاية، 134/ 11.
1
2
3
مآثر الإنافة، 105/ 1. وانظر: مرويات خلافة معاوية، ص 155.
4 أحكام القرآن، ابن العربي، 1720/ 4.
5
شرح النووي على صحيح مسلم، 201/ 12
البداية والنهاية، 134/ 11.
شرح الطحاوية، ص 545.
الصواعق المحرقة، 397/ 2. الصلابي، الدولة الأموية، 183/ 1. (1/353)
صفحة 354
تقييم الحسن بن علي للموقف وقدراته القيادية:
عندما قال له نفير بن الحضرمي: إن الناس يزعمون إنك تريد الخلافة فقال: كانت جماجم العرب بيدي
يسالمون ما سالمت ويحاربون ما حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله 1.
وهذه شهادة الحسن رضي الله عنه، بأنه كان في وضع قوي، وبأن أتباعه على استعداد لمحاربة من يريد أو
مسالمتهم، كما كان الله عنه يملك
رضي
من
الملكات الخطابية والفصاحة البيانية، وصدق العاطفة وقوة التأثير
والقرب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما يجعله أكثر قوة وتماسكاً ودليلنا على ذلك ما قام به من استنفار استغفار أهل الكوفة للخروج مع من والده وكان أبو موسى الأشعري رضى الله عنه قد ثبط الناس ونهاهم عن الخروج
تا الله
والقتال والفتنة وأسمعهم ما سمعه من رسول الله () من التحذير من الاشتراك في الفتنة، وقد أرسل علي
رضي الله عنه قبل الحسن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، ولكنهما لم ينجحا في مهمتهما.
3
وأرسل علي بعد ذلك هشام بن عقبة بن أبي وقاص ففشل في مهمته لتأثير أبي موسى عليهم وأتبعه علي بعبد الله بن عباس، فأبطؤوا عليه، فأتبعه بعمار بن ياسر والحسن، وكان للحسن أثر واضح، فقد قام في الناس خطيباً وقال: أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله
5
لأن يليه أولو النهي، أمثل في العجلة وخير في العاقبة فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم به،
ولبي كثير من أهل الكوفة وخرجوا مع عمار والحسن إلى على ما بين الستة إلى السبعة آلاف رجل.
353
البداية والنهاية، 206/ 11
تاريخ الطبري 514/ 5. وانظر: مصنف بن أبي شيبة،15/ 12.
خلافة بن أبي طالب، عبد الحميد، ص 144.
تاريخ الطبري، 516/ 5. أولو النهى: أصحاب العقول
تاريخ الطبري، 516/ 5.
مصنف بن الرازق، 456/ 5 - 457
1
2 (1/354)
صفحة 355
ولا ننسى أن أبا موسى الأشعري كان والياً على الكوفة ومن قيادات العراق المحبوبين من عهد عمر وهو من
هو في علمه وزهده ومكانته عند الناس ومع ذلك فقد استطاع الحسن أن يكسب أهل الكوفة لصفه وخرجوا
معه 1.
- وجود بعض القيادات الكبيرة في صف الحسن بن علي رضي
الله عنهما:
سعد
بن
بن
كان معسكر الحسن بن علي فيه من القيادات الكبيرة، كأخيه الحسين، وابن عمه، عبد الله عبادة – أحد دهاة العرب-وعدي بن حاتم وغيرهم فلو أراد الخلافة لأعطى المجال لقياداته
بن جعفر، وقيس
للتحرك نحر تعبئة الناس ودخولهم في الحرب مع معاوية، وعلى الأقل يكون خليفة على دولته إلى حين.
معرفته أهل العراق
كانت له قدرات خاصة في التعامل مع أهل العراق ومعرفة نفوسهم، ولذلك زاد لهم في العطاء منذ بداية
ومع
ذلك
خلافته، كما أن مهمته التي قادها في مشروعه الإصلاحي كانت أصعب من حربه على معاوية، تغلب على الكثير من العوائق التي واجهته فقد حاولوا قتله ورفض بعض الناس الصلح، وغير ذلك من العوائق إلا أنه تغلب عليها كلها وحقق الأهداف التي رسمها من حقن الدماء ووحدة الأمة، وأمن السبيل، وعودة
حركة الفتوح .... الخ مما يدل على قدرته القيادية الفذة.
—
تقييم عمرو بن العاص ومعاوية لقوات الحسن رضي الله
عنهم:
فقد جاء في البخاري: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص:
إني أرى كتائب لا تُولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية أيّ عمرو إن قتل هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي
1
الدولة الأموية للصلابي، 184/ 1.
354 (1/355)
صفحة 356
بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحم بن سمرة، وعبد الله
بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له، واطلبا إليه 1.
ويذكر عمرو بن العاص رضي الله عنه، القائد العسكري الشهير والسياسي المحنك، الذي عركته الحروب: أرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. أما معاوية رضي الله عنه، فتقييمه للموقف العسكري، بأنه لا يستطيع أحد أن ينتصر ويحقق حسماً عسكريًا إلا بعد خسائر فادحة للطرفين، ولا يستطيع معاوية حتى لو كان هو المنتصر أن يتحمل تركة الحرب من أرامل وأيتام وقتل خير المسلمين، وما يترتب على ذلك من مفاسد كبرى اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية للأمة الإسلامية ولذلك اختار معاوية، شخصيتين كبيرتين من أصحاب رسول الله () وهو من أصحاب النفوذ في المجتمع الإسلامي، ولهم حضور، واحترام عند الحسن، وهما من قريش، فالشخصيتان اللتان أرسلهما معاوية رضي الله عنه تدل على حرصه على نجاح الصلح مع الحسن بأي ثمن ممكن، وقد ظل زمام الموقف بيد الحسن بن علي رضي الله عنهما ويد أنصاره، ولو لم يكن الحسن مرهوب الجانب لما احتاج معاوية إلى أن يفاوضه ويوافق على ما طلب من الشروط والضمانات، ولكان عرف ضعف جانب الحسن، وانحلال قوته عن طريق عيونه، ولدخل الكوفة من غير أن يكلف نفسه مفاوضه أحد أو ينزل على شروطه ومطالبه 2.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما ذا خلق يجنح إلى السلم، وكان رضي الله عنه يملك رؤية إصلاحية واضحة المعالم، خضعت لمراحل وبواعث وتغلب على العوائق، وكتب شروطه، وترتب على صلحه نتائج، وأصبح هذا من مفاخر الحسن على مر العصور وتوالي، الأزمان فكان في صلحه مع معاوية وحقنه لدماء المسلمين، كعثمان في جمعه للقرآن وكأبي بكر في حرية للمرتدين، ولا أدل على ذلك في كون هذا الفعل من
355
البخاري، كتاب الصلح، رقم. دراسة في تاريخ خلفاء الدولة الأموية، ص 61. مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 134.
2704
1
2
3 (1/356)
صفحة 357
الحسن يعد علماً من أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة رضى الله عنه قال:
رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) على المنبر والحسن بن علي على جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول:
"1
إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وإني لأرجو أنْ يُصلِحَ اللهُ به بين فِئَتَيْنِ مِن أُمَّتي، ولعَلَّ اللَّه أَن يُصْلِحَ به بين فِتَتَيْنِ مِن
المسلمين عظيمتين ".
1
مراحل الصلح
مر الصلح بمراحل، من أهمها:
المرحلة الأولى: دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للحسن بأن يصلح الله بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فتلك
الدعوة المباركة دفعت الحسن رضي الله عنه إلى الأقدام على الصلح بكل ثقة وتصميم
2
المرحلة الثانية: المرحلة الثانية: شرط البيعة الذي وضعه الحسن رضي الله عنه أساسًا لقبوله مبايعة أهل العراق له، ذلك الشرط الذي نص على أنهم يسالمون من يسالم ويحاربون من يحارب
المرحلة الثالثة: وقوع المحاولة الأولى لاغتيال الحسن رضي الله عنه بعد أن كشف عن نيته في الصلح مع
وهذه المحاولة يبدو أنها قد جرت بعد استخلافه بقليل *
الله عنه، معاوية رضي
4
المرحلة الرابعة: خروج الحسن رضي الله عنه بجيش العراق من الكوفة إلى المدائن، وإرساله للقوة الضاربة من
الجيش إلى مسكن بقيادة قيس بن عبادة 5. سعد
بن
المرحلة الخامسة: خروج معاوية رضي الله عنه من الشام وتوجه إلى العراق بعد أن وصل خبر خروج الحسن
من الكوفة إلى المدائن بجيوشه.
356
7109
البخاري رقم 1
مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 317.
الدولة الأموية، 186/ 1.
الدولة الأموية، 187/ 1.
مرويات خلافة معاوية ص ص 128. (1/357)
صفحة 358
المرحلة السادسة: تبادل الرسل بين الحسن ومعاوية، ووقوع الصلح بينهما رضوان الله عليهما.
المرحلة السابعة محاولة اغتيال الحسن رضي الله عنه، فبعد نجاح مفاوضات الصلح بين الحسن ومعاوية، رضي الله عنهما، شرع الحسن في تهيئة نفوس أتباعه على تقبل الصلح الذي تم، فقام فيهم خطيباً ليبين لهم ما تم بينه وبين معاوية، وفيما هو يخطب هجم عليه بعض عسكره محاولين قتله، لكن الله سبحانه وتعالى أنجاه كما أنجاه من قبل.
المرحلة الثامنة: تنازل الحسن بن علي عن الخلافة، وتسليمها الأمر إلى معاوية رضوان الله عليهم أجمعين: بعد أن أنجى الله سبحانه وتعالى الحسن بن علي من الفتنة التي وقعت في معسكره، ترك المدائن وسار إلى الكوفة وخطب في أهلها فقال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما كان حقاً لي وتركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقاً لأمرئ كان أحق به مني ففعلت ذلك وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَعٌ إِلَى حَين} [الأنبياء: 111].
—
أهم الأسباب ودوافع الصلح
كانت أهم الأسباب والدوافع للصلح الذي تم بين الحسن ومعاوية، فهي:
—
الرغبة فيما عند الله وإرادة صلاح هذه الأمة:
قال الحسن بن علي رضي الله عنهما رداً على نفير عندما قال له: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة،
فقال إذا كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء
الله. وجه
1
—
دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للخليفة الحسن:
إن دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين دفعت الحسن إلى التخطيط والاستعداد النفسي للصلح والتغلب على العوائق التي في الطريق، فقد كان هذا الحديث الكلمة الموجهة
المرجع السابق، ص 139.
357 (1/358)
صفحة 359
الرائدة للحسن في اتجاهاته، وتصرفاته ومنهج حياته، فقد حلت في قرارة نفسه، واستولت على مشاعره وأحاسيسه واختلطت بلحمه ودمه، ومن خلال هذا التوجيه واستيعابه وفهمه له بنى مشروعه الإصلاحي، وقسم مراحله، وكان متيقناً من نتائجه، فالحديث النبوي كان دافعاً أساسياً وسبباً مركزياً في اندفاع الحسن
للإصلاح.
حقن دماء المسلمين:
—
وقال الحسن رضي الله عنه: خشيت أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفا، أو أكثر أو أقل كلهم تنضح أوداجهم دماء، كلهم يستعد بالله فيم أريقدمه؟ وقال رضي الله عنه: ألا إن أمر الله، واقع، إذ ماله دافع وإن كره الناس
إني ما أحببت أن لي
من
يضرني الحقوا بمطيتكم.
أمة محمد مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم قد علمت ما ينفعني مما
- الحرص على وحدة الأمة:
قام الحسن بن علي رضي الله عنهما خطيباً في إحدى مراحل الصلح فقال: أيها الناس، إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة. وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأياً فلا تردوا على رأيي، إن الذين تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة.
وقد تحقق بفضل الله ثم حرص الحسن على وحدة الأمة ذلك المقصد العظيم، فقد ارتأى رضي الله عنه أن يتنازل عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين وتجنباً للمفاسد العظيمة التي ستلحق الأمة كلها وفي المآل إذا بقي مصراً على موقفه من استمرار الفتنة، وسفك الدماء، وقطع الأرحام واضطراب السبل، وتعطيل الثغور وغيرها،
200
358
البداية والنهاية، 206/ 11
الضغينة: الحقد.
الدولة الأموية، 189/ 1. وانظر: الأخبار الطوال، ص
1
2
3 (1/359)
صفحة 360
وقد تحققت بحمد الله - وحدة الأمة بتنازله عن عرض زائل من أعراض الدنيا، حتى
ستمي
ذلك العام عام
الجماعة وهذا يدل على فقه الخليفة الراشد الحسن بن علي رضي الله عنه في معرفته لاعتبار المآلات، ومراعاته
التصرفات.
مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي
الله عنه:
إن من الأسباب التي دعت أمير المؤمنين الحسن بن علي إلى الصلح ما روّع به من مقتل أبيه، فقد ترك ذلك فراغاً كبيراً في جبهة العراق، وأثر اغتياله على نفسية الحسن رضي الله عنه فترك فيها حزناً وأسى شديدين، فقد قتل هذا الإمام العظيم بدون وجه حق، ولم يرعَ الخوارج سابقته في الإسلام وأفضاله العظيمة، و لا خدماته الجليلة التي قدمها للإسلام فقد كانت حياته حافلة بالقيم والمثل والعمل على تكريس أحكام الشريعة على مستوى الدولة والشعب لقد كان علياً رضي الله عنه معلمًا من معالم الهدى وفارقاً بين الحق من الطبيعي أن يتأثر المسلمون لفقده، ويشعروا بالفراغ الكبير الذي تركه، فقد كان وقع
والباطل،
فكان
مصيبة مقتله على المسلمين عظيماً، فجلّهم الحزن وفاضت ما فيهم بالدموع ولهجت ألسنتهم بالثناء والترحم عليه، وكان مقتله سبباً في تزهيد الحسن في أهل العراق أولئك الذين غمرتهم مكارم أخلاق الأخلاق أمير المؤمنين وشرف صحبته، فأضلتهم الفتن والأطماع وانحرفوا على الصراط المستقيم، ونستثني من أولئك الصادقين المخلصين لدينهم وخليفتهم الرّاحل العظيم رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان مقتله ضربة قوية وجهت لعهد الخلافة الراشدة وكانت من أسباب زوالها فيما بعد.
أ شخصية معاوية: إن تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية مع أنه كان معه أكثر من أربعين
ألفاً بايعوه على الموت، فلو لم يكن أهلا لها لما سلمها السبط الطيب إليه ويحاربه.
1
الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية، ص 57.
359 (1/360)
صفحة 361
ب. اضطراب جيش أهل العراق:
كان لخروج الخوارج أثر في إضعاف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، كما أن الحروب في الجمل وصفين والنهروان تسببت في ملل أهل العراق من الحرب للحرب، ونفورهم منها، خاصة أهل الشام في صفين، فإن حربهم ليست كحرب غيرهم، فمعركة صفين الطاحنة لم تفارق مخيلتهم، فكم يتمت من الأطفال ورملت من النساء بدون أن يتحقق مقصدهم، ولولا الصلح أو التحكيم الذي رحب به أمير المؤمنين على وكثير من أصحابه لكانت مصيبة
الله
على العالم الإسلامي لا يتخيل آثارها السيئة، فكان هذا التخاذل عن المسير مع علي رضي الله عنه، إلى الشام مرة أخرى إلى فريق منهم، تميل إليه نفوسهم وإن كانوا يعلمون أن عليا على حق، فقد استلم الحسن رضي عنه الخلافة وجيش العراق مضطرب مصطرب وأهل الكوفة مترددون في أمرهم، وهذا ليس على إطلاقه، فجيش الحسن يمكن تقويته، كما أن هناك فصائل منه على استعداد للقتال، وعلى رأسهم قيس بن سعد
الخزرجي وغيره من القادة.
ج. قوة جيش معاوية في الجانب الآخر كان معاوية رضي الله عنه يعمل بشتى الوسائل سراً وعلانية
على إضعاف جانب أهل العراق منذ عهد علي رضي
الله. عنه، فاستغل ما أصاب جيشه من
تفكك
وخلاف، واجتمعت لمعاوية رضي
الله. عنه عوامل ساعدت على قوة جبهته منها: طاعة الجيش له،
واتفاق الكلمة عليه من أهل الشام وخبرته الإدارية في ولاية الشام، وثبات مصادره المالية، وعدم
تحرجه من دفع الأموال من أجل تحقيق أهدافه التي يراها مصلحة للأمة 3.
1
2
خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص 345.
الشيعة وأهل البيت، ص)
3 الدولة الأمة، 191/ 1.
379
360 (1/361)
صفحة 362
—
شروط الصلح:
تحدثت الكتب التاريخية من مصادر ومراجع وأشارت إلى حصول الصلح وفق شروط وضعها الطرقان ومن
أهم هذه الشرط:
أ العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء:
وقد ذكر هذا الشرط مجموعة من العلماء منهم ابن الحجر الهيثمي، حيث ذكر صورة الصلح بين الحسن ومعاوية وجاء فيها: صالحه على أن يُسلم إليه ولاية المسلمين وأن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، و، وحتى بعض كتب الشيعة ذكرت هذا الشرط وهذا دليل على توقير الحسن بن علي لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلى حد جعل من إحدى الشروط على معاوية بن أبي سفيان أن يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة الخلفاء الراشدين، في النسخة الأخرى الخلفاء الصالحين، ففي هذا الشرط ضبط لدولة معاوية ومنهجها في الحياة.
الله رضي
عنهم
ب. الأموال:
ذكر البخاري في صحيحه أن الحسن قال لوفد معاوية عبد الرحمن بن سمرة، وعبد
الله بن عامر بن كريز: إنا بنو
عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال. فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به.4.
فالحسن يتحدث عن أموال سبق أن أصابها هو وغيره من بني عبد المطلب يريد الحسن ألا يطالبهم معاوية، ولا ذكر لأموال يطلب من معاوية أن يدفعها إليه من قادم، وأما الروايات التي تشير بأن يجري معاوية للحسن كل عام
1
الصواعق المرسلة، 399/ 2
2 الشيعة وأهل البيت، ص 54.
3
4
المرجع نفسه، ص 54.
البخاري، ك الصلح رقم
361
2704 (1/362)
صفحة 363
مليون درهم وأن يحمل إلى أخيه الحسن مليوني درهم في كل عام، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني
عبد شمس، وكأن الحسن باع الخلافة لمعاوية، فهذه الروايات وما قيل حولها من تفسير لا تقبل ولا يعتمد عليها، لأنها تصور إحساس الحسن بمصالح الأمة يبدو ضعيفاً أمام مصالحه الخاصة 1.
وأما حقه من العطاء فليس الحسن فيه بواحد من دون المسلمين، ولا يمنع أن يكون حظه منه أكثر من غيره، ولكنه لا يصل إلى عشرة معشار ما ذكرته الروايات 2
الدماء: ج.
يتضمن اتفاق الصلح بين الجانبين أن الناس كلهم، آمنون لا يؤخذ منهم أحد منهم بهفوة أو إحنة، ومما جاء في رواية البخاري أن الحسن قال لوفد معاوية: وإن هذه الأمة عاثت في دمائها، فكفل الوفد للحسن العفو للجميع فيما أصابوا من الدماء 3.
لقد تم الاتفاق على عدم مطالبة أحد بشيء ء كان في أيام علي وهي قاعدة بالغة الأهمية تحاول دون الالتفاف إلى الماضي وتركز على فتح صفحة جديدة تركز على الحاضر والمستقبل. وقد تم التوافق المبني على الالتزام والشرعية حيث تم الصلح على أساس العفو المطلق من كل ما كان بين الفريقين، قبل إبرام الصلح، وبالفعل لم يعاقب معاوية أحداً بذنب سابق وتأسس بذلك صلح الحسن على الإحسان والعفو، وتأليف القلوب.
362
المرجع السابق، ص 63.
المرجع نفسه، ص
63
البخاري، ك الصلح، 963/ 2.
الدور
السياسي للصفوة في صدر الإسلام، ص 341.
1
2
3
4 (1/363)
صفحة 364
—
ولاية العهد أم ترك الأمر شورى بين المسلمين؟
إن إن ما اتفق الجانبان عليه من الشروط: أن يكون الأمر من بعد معاوية للحسن، وإن معاوية وعد أن حدث به حدث والحسن حى يُسمينه وليجعلن الأمر إليه،، ولكن ابن أكثم روى في هذا الخصوص عن الحسن إنه قال: أما ولاية الأمر من بعده، فما أنا بالراغب في ذلك ولو أردت هذا الأمر لم أسلمه 2. وجاء في نص الصلح الذي ذكره ابن الحجر الهيثمي: بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين
3
وعند التدقيق في روايات طلب الحسن الخلافة بعد معاوية، نجد أنها تتنافى مع أنفة وقوة وكرم الحسن، فكيف يتنازل عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين وابتغاء مرضاة الله ثم يوافق على أن يكون تابعاً يتطلب أسباب الدنيا، وتشرئب عنقه للخلافة مرة أخرى؟
والدليل على أن هذا غير صحيح ما ذكره جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي أن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء مرضاة الله 4. ومن الملاحظ أن أحداً من أبناء الصحابة أو الصحابة لم يذكروا خلال بيعة يزيد شيئًا من ذلك،
الله
فلو كان الأمر كما تذكر الروايات عن ولاية عهد الحسن بن معاوية، لاتخذها الحسين بن علي رضي عنهما حجة، ولكن لم نسمع شيئاً من ذلك على الإطلاق، مما يؤكد على أن مسألة خلافة الحسن لمعاوية لا أساس لها من الصحة، ولو كان الحسن رضي الله عنه أسند إليه منصب ولاية العهد في الشروط لكان قريباً
363
أعلام النبلاء، 264/ 3. سير
الدولة الأموية، 493/ 1. الصواعق المرسلة، 299/ 2.
البداية والنهاية، 206/ 11
1
2
3
4 (1/364)
صفحة 365
في عهد معاوية من إدارة الدولة أو تولي إحدى الأقاليم الكبرى، لا أن يذهب إلى المدينة وينعزل عن إدارة
شئون الحكم، كما أن روح ذلك العصر يشير إلى مبدأ اختبار الأمة للحكم عن طريق الشورى هو الأصل.
الله إن الخليفة الخامس الحسن بن علي رضي
عنه
قدم نموذجاً جديداً في انتقال السلطة عبر مسار التوافق،
والمفاوضات والصلح لتحقيق مقاصد شرعية مهمة، من وحدة الأمة، وحفظ الدماء، والرغبة فيما عند الله
عبر حوار ونقاش بين الطرفين المقارعين مرّ بمراحل وكانت له أسباب ووضعوا الشروط اللازمة لتحقيق المصالحة
الشاملة وهذا ما تمّ وقد حقق هذا الصلح نتائج من أهمها:
توحد الأمة تحت قيادة واحدة.
عودة الفتوحات إلى ماكانت عليه.
تفرغ الدولة للخوارج.
انتقال العاصمة الإسلامية إلى بلاد الشام.
ازدهار الحركة العلمية والفقهية والثقافية.
1
—
انتهاء عصر الخلافة الراشدة:
انتهي
عهد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بتنازل الحسن بن علي لمعاوية رضي الله عنهم فقد قال رسول
صَا الله
الله (صلى الله عليه وسلم) تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء أن تكون يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكاً عاضا فتكون ما شاء الله
الدولة الأموية، 193/ 1.
364 (1/365)
صفحة 366
أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها
إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت.
وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء. وقوله صلى الله عليه وسلم: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك. ولذلك كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإنه توفي في ربيع في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهذا من دلائل النبوة لسيدنا محمد صلوات الله وسلامة عليه وسلم تسليمًا.
وبذلك تكون مرحلة خلافة النبوة قد انتهت بتنازل الحسن رضي
الله عنه عن
الخلافة لمعاوية في شهر ربيع
الأول من سنة 41 هـ فالحديث النبوي أشار إلى عدة مراحل تاريخية هي:
365
عهد النبوة.
عهد الخلافة الراشدة.
عهد الملك العضوض 5.
عهد الملك الجبري.
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.
مسند أحمد، 371/ 4 - 272. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة.
سنن أبي داود، شرح عون المعبود، 259/ 12.
سنن الترمذي، شرح الأحوذي، 359/ 6 - 397.
البداية والنهاية، 16/ 8.
العضوض: الشديد فيه عسف وعنف وظلم.
خامس
الخلفاء الراشدين؛ الحسن بن علي، الصلابي، ص 340.
1
2
3
4
5
6 (1/366)
صفحة 367
ومهما يكن، فإن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه دون الخلفاء الراشدين في العلم، والورع والعدل وإمارته صحيحة بإجماع الصحابة، وبتسلم الحسن رضي الله عنه إلا أنها ليست على منهاج خلافة من قبله فإنه توسع في المباحات وتحرز عنها الخلفاء الراشدين، وأما رجحان الخلفاء الأربعة في العبادات والمعاملات فظاهر مما لا سترة فيه. وقد حدد ابن خلدون مدى التغيير الذي حدث فقرر أن الخلافة وإن كانت تحولت إلى ملك فإن معاني الخلافة قد بقيت بعضها - وإنما كان التغيير في الوازع، فبعد إن كان دينًا انقلب عصبية وسيفًا.
يقصد بذلك أنه بعد أن كان الناس يتعرفون بوازع الدين والخلافة، أي مقاصدها وأهدافها بقيت، أي: أن غايات هذا الملك كانت لا تزال تحقيق مقاصد الدين والحكم وفق وقف الشريعة الإسلامية بالعدل وتنفيذ الواجبات التي يأمر بها الإسلام أي أن الحكم والملك استمر إسلاميًا وشرعيا”. ولخص الأدوار التي مرت بها الخلافة، فقال: قد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا ثم التبست معانيها واختلط بالملك، ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبية الخلافة، والله مقدر الليل والنهار 3.
فالدور الأول الذي يشير إليه هو عصر الخلفاء الراشدين وهو عصر الخلافة الخالصة، أو الكاملة والدور الثاني، هو عصر الخلفاء الأمويين والعباسيين ولا يمنع كذلك العثمانيين وهذا عصر الخلافة المختلطة بالملك أو الملك المختلط بالخلافة: أي الذي يحقق في الوقت مقاصد الخلافة أما الدور الثالث فهو عصر الملك المحض المحصن الذي صار يقصد لذات الملك والأغراض الدنيوية، وانفصل عن حقيقة الخلافة أو
366
الناهية في طعن أمير المؤمنين معاوية، ص 78.
النظريات السياسية، الريس، ص 194. وهو نقلا.
عن
مقدمة ابن خلدون النظريات السياسية، ص 195.
المقدمة.
1
2
3 (1/367)
صفحة 368
معانيها الدينية، فهذا وصف أو تفسير ابن خلدون المؤرخ الفقيه للتطور الذي حدث والأدوار التي مرت بها الخلافة 1.
إن الخلافة الحقيقية أو الكاملة أو خلافة النبوة استمرت ثلاثين عاماً وهو عصر الخلفاء الراشدين، ثم تحولت إلى ملك ولكن لكي نعبر عن الحقيقة يجب أن يراعي هذا التحديد وهو أن الخلافة لم تنته أو تذهب كلية بقيت معانيها أو مقاصدها، وأن التغيير حصل في الأساس التي قامت عليه، أما حقيقتها فقد بقيت، فالتغير اذن لم يكن كلياً ولكن جزئياً: أي أن الخلافة في العصر الأول كانت هي الخلافة الكاملة المثالية، ثم نقصت على المثال من وجه أو بعض الوجوه، لكن معظم عناصره، بقيت فهي خلافة أقل في الرتبة أو خلافة مختلطة بالملك 2.
والرأي العام في الإسلام يتمسك بالمثال أو خلافة النبوة، أو الخلافة الكاملة وهي تلك التي تقوم على الشورى والاختيار التام من الأمة، وأنه إذا كانت الظروف الواقعية والعوامل الاجتماعية قد حتمت أو أدت إلى هذا التطور، فإن تحمل ذلك أو قبوله لا يكون إلا مؤقتاً أو من باب الضرورة ولكن يلزم أن يكون المثل الكامل حاضراً دائماً في الرأي العام، وبمجرد أن تزول تلك العوامل والظروف تجب العودة إلى تحقيق المثل الكامل ولذا فإن الكتابات الإسلامية الأصيلة ظلت ملتزمة ومتشبثة بالمثال الكامل ولا تستخلص مبادئها إلا منه، وتفرق بين الخلافة وهي الخلافة الحقيقية الشرعية والخلافة الواقعة التي بعدت قليلًا أو كثيرًا عن الحقيقة 3.
وقد ذكر ابن تيمية أن مصير الأمة أي الخلافة - إلى الملوك ونوابهم من الولاة والقضاة والأمراء ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقص في الراعي والرعية جميعًا فإنه كما تكونوا يولّ عليكم وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلّي
367
195
المرجع السابق، ص
مقدمة ابن خلدون النظريات السياسية، ص 196.
النظريات السياسية، ص 197.
1
2
3 (1/368)
صفحة 369
بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]. لقد ذهبت دولة الخلفاء الراشدين، وصار ملكاً،
وظهر النقص في الأمراء وأهل العلم والدين وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى
لم يبق من أهل بدر إلا نفر قليل وجمهور التابعين انقرضوا في عهد عبد
تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية.
2. الإباضية ولعن أمير المؤمنين رضي الله عنه على المنابر:
الله
بن الزبير وعبد الملك، وجمهور
قال العلامة أحمد الخليلي: بجانب هذه الحرب المسلحة التي شنها معاوية على الدولة الإسلامية وخليفة الأمة الذي بايعته عن طواعية، وقدمته عليها ليؤمها في الحق وينهج بها سبيل الرشد شن حرباً إعلامية على الخليفة الشرعي لتضليل عقول الناس، فقد سن لعن علي بن أبي طالب على المنابر وجعله سنة ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير 2. وذكر روايات وقصص استدل بها على ما ذهب إليه. وهناك من لديه نظرة أخرى تخالف ما ذهب إليه الخليلي وغيره من الكتاب والفقهاء.
ذكرت كتب التاريخ أن الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز كانوا يشتمون عليا وهذا الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح، قال ابن سعد: أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحي، قال: كان الولاة من بني
امية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليا رجلاً رضي
الله عنه،
فلما
ولي عمر بن عبد العزيز أمسك
هو
1
2
عن ذلك، فقال كثير عزو الخزاعي:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف تكلمت بالحق المبين وإنما. وصدقت معروف الذي قلت بالذي.
بريَّا ولم تتبع تبين آيات الهدى بالتكلم فعلت فأضحى راضيا كل مسلم.
كرم.
الفتاوى، 207/ 10.
الاستبداد مظاهره ومواجهته، ص 41.
368 (1/369)
صفحة 370
هذا الأثر واه، فعلي بن محمد هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحي واه بمرة، قال عنه يحي بن معين:
ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال الدار قطني أخباري ضعيف ووصفه في الميزان: أخباري
تالف لا يوثق به. وفي عامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل 1. وقد اتهم الشيعة معاوية رضي
بحمل الناس على
الله
عنه
سب علي ولعنه فوق منابر المساجد، فهذه الدعوة لا أساس لها من الصحة وقد التقط
الباحثون هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من
المسلمات
التي لا مجال لمناقشتها، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الدميري، واليعقوبي وأبي الفرج الأصفهاني، علماً، بأن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء من احترام معاوية لأمير المؤمنين علي وأهل بيته الأطهار 2. فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا طبيعة المتخاصمين. فإذا رجعنا إلى الكتب التاريخية المعاصرة لبني أمية، فإننا لا نجد فيها ذكراً لشيء من ذلك أبداً، وإنما نجده في كتب المتأخرين الذين كتبوا كتبهم في عصر بني العباس بقصد أن يسيئوا إلى سمعة
في نظر الجمهور الإسلامي.
بني
أمية
وقد كتب ذلك المسعودي في مروج الذهب وغيره من كتاب الشيعة، وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيحة صريحة فهذه دعوة مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض ومعلوم وزن هذه الدعوة عند المحققين والباحثين ومعاوية رضي الله عنه بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين وكان محمود السيرة في الأمة أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والعدل والحلم وسائر خصال الخير.
369
187
دفاعا السلفية، عن
ص
2
الحسن والحسين، محمد رضا، ص
18
3 الانتصار للصحب والآل، الرحيلي، ص 367.
1 (1/370)
صفحة 371
وقد ثبت هذا في حق معاوية رضي الله عنه - كما أنه من أبعد المحال المخال على من كانت هذه سيرته،
أن يحمل الناس على لعن علي رضي الله عنه على المنابر، وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية
رضي
الله عنه في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك
من
أكبر
الكذب عليه، فقد بلغ معاوية رضي الله عنه، في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال. وأما ما استدل به بعض الناس على تلك الفرية من صحيح مسلم، فليس ما يدل على زعمهم، فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم.
رضي
قال النووي: قول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله سألته عن السبب السب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعاً وإحلالاً له عن السب، فأنت مصيب محسن، ولعل سعد الله عنه وقد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار أن ينكر عليهم فسأله هذا السؤال قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا
وأنه أخطأ.
وقال أبو العباس القرطبي صاحب المفهم معلقا على وصف ضرار الصدائي لعلي رضي الله عنه وثنائه عليه بحضور معاوية وبكاء معاوية من ذلك وتصديقه الضرار، فيما قال: وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي رضي الله عنه ومنزلته وعظيم حقه ومكانته وعند ذلك يبعد عن معاوية أن يصرح بلعنه وسبّه، لما كان معاوية موصوف به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح وأصح ما فيه قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ وهذا ليس بالتصريح بالسب
370
خامس
الخلفاء الراشدين الحسن بن علي، ص 353.
مسلم، ك فضائل الصحابة، 1871/ 4 شرح صحيح مسلم، 175/ 15.
1
2
3 (1/371)
صفحة 372
وإنما هو سؤال عن بسبب امتناعه ليستخرج من عنده ومن ذلك، وأما من نقيضه، كما ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية، سكن وأذعن، وعرف الحق لمستحقها.
قال الدكتور الرحيلي في كتابه الصحب والآل والذي يظهر لي في هذا والله أعلم: أن معاوية إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي رضي الله عنه، فإن معاوية رضي الله عنه كان رجلًا ذكيًا، يجب مطارحة الرجال، واستخراج ما عندهم، فأرد أن يعرف ما عند سعد في علي – رضي الله عنه فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير وهذا مثل قوله رضي الله عنه لابن عباس: أنت على ملة علي؟ فقال: ابن عباس: ولا على ملة، عثمان أنا على ملة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
والظاهر أن قول معاوية لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب وأما ما
ادعى بعض الناس من أمر السب فحاشا معاوية رضي الله عنه أن يصدر منه مثل ذلك. وإن المانع من هذا عدة أمور:
أن معاوية رضي الله عنه ما كان يسب علياً
رضي الله عنه كما تقدم حتى يأمر غيره بسبه، بل كان
معظماً له معترفاً له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك، أقواله الثابتة عنه، فقد قال
ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل
3
تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: والله أني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني. فهل يسوغ في عقل ودين أن يسب معاوية علياً، بل ويحمل الناس على سبه وهو يعتقد فيه من الفضل والفقه والعلم
ويعترف بأنه أفضل منه وخير؟ 4.
المفهم
للقرطبي، 278/ 6.
الانتصار بالصحب والآل، ص 375.
البداية والنهاية 133/ 8.
الدولة الأموية، 256/ 1.
371 (1/372)
صفحة 373
أنه لا يعرف بنقل صحيح عن معاوية رضي الله عنه تعرض لعلي رضي الله عنه بسب أو شتم أثناء
حربه له في حياته فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته فهذا من أبعد ما يكون عند
أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناي على شتمه.
أن معاوية كان رجلاً ذكياً مشهوراً بالعقل والدهاء فلو أراد حمل الناس على سب على حاشاه ذلك-أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو من هو في الشجاعة
علياً رضي
والفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلاً فهذه لا يفعله أقل الناس عقلاً وتدبيراً فكيف بمعاوية؟ أن معاوية رضي الله عنه ما كان يسب الله عنه كما تقدم حتى يأمر غيره بسبه، بل كان معظماً له معترفاً له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك، أقواله الثابتة عنه، فقد قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: والله أني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني. فهل يسوغ في عقل ودين أن يسب معاوية علياً، بل ويحمل الناس على سبه وهو يعتقد فيه من الفضل والفقه
والعلم ويعترف بأنه أفضل منه وخير؟ 2.
أنه لا يعرف بنقل صحيح عن معاوية رضي الله عنه تعرض لعلي رضي
الله
عنه
بسب أو شتم أثناء
حربه له في حياته فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته فهذا من أبعد ما يكون عند
أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناي على شتمه.
أن معاوية كان رجلاً ذكياً مشهوراً بالعقل والدهاء فلو أراد حمل الناس على سب علي – حاشاه ذلك أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو من هو في الشجاعة والفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلاً فهذه لا يفعله أقل الناس عقلاً وتدبيراً فكيف بمعاوية؟
1
البداية والنهاية 133/ 8.
2 الدولة الأموية، 256/ 1.
372 (1/373)
صفحة 374
أن معاوية رضي الله عنه قد انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضى الله عنهما، واجتمعت عليه
الكلمة ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟ بل إن الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس، وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية.
أنه كان بين معاوية رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلاف وأبناء علي مشهور وفي كتب السير والتاريخ.
من الألفة والتقارب، ما هو
ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين رضي الله عنه: ولم تعط أحداً أفضل منا. ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: مرحباً وأهلاً بابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأمر له بثلاثة مئة ألف 3. وهذا مما يقطع الكذب مما يدعي في حق معاوية بينه وبين أولاده ما مع من هذه الألفة والمودة والاحتفاء
من
حملة الناس على سب علي، إذ كيف يحصل هذا
والتكريم؟
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة، وتتجلى الحقيقة، كما أن المجتمع في عمومه مقيد بأحكام الشرع حريصاً على تنفيذها ولذلك كانوا أبعد الناس عن الطعن واللعن والقول الفاحش والبذيء؟.
وقد نهى رسول الله عن سب الأموات من المشركين، فكيف بمن يسب أولياء الله المصلحين، وعن عائشة
رضي الله عنها مرفوعاً: لاتسبوا لا تنسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. وليس معنى ذلك أن معاوية
373
الانتصار للصحب والآل، ص 376.
البداية والنهاية، 139/ 8.
المرجع نفسه، 140/ 8.
الانتصار للصحب والآل، ص 277.
الألباني في الصحيحة، رقم 320. ابنان رقم، صححه
صحيح
البخاري رقم 1
6516
1
2
3
4
5
6 (1/374)
صفحة 375
رضي
الله عنه ليست له أخطاء بل هو بنفسه يعترف بذلك وهذا حوار نادر ومهم ودقيق على قدرته في تحمل
النقد الموجه إليه ومتابعته لأمور الرعية والرأي العام:
-
المسور بن مخرمة رضي الله عنه واعتراضه على معاوية:
عن عروة بن الزبير: أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدًا عن معاوية بن أبي سفيان، فقضى حاجته، ثم دعاه، فأخلاه فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال مسور: دعنا من هذا، وأحسن فيا قدمنا له، قال معاوية: لا والله لا تكلمن بذات نفسك بالذي تعيب علي. قال مسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينته له. فقال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل، تعد مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب وتترك الحسنات، قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف الله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم. قال معاوية فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين وبين الله وغيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات ويجزي فيه بالذنوب إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أموراً عظاماً لا أحصيها ولا تحصيها من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين والجهاد في سبيل الله -عز وجل- والحكم بما أنزل الله تعالى والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فقال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر. قال عروة: فلم يسمع المسور بعد
ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.
374
تاريخ بغداد، 209/ 1 - 2089. وانظر: سير أعلام النبلاء، 151/ 3.
1 (1/375)
صفحة 376
وفي هذا الخبر لفته تربوية من معاوية، حيث أبان أن من العدل في الحكم على المسلم أن ينظر الحاكم إلى حسناته وصوابه، مع أن ينظر إلى سيئاته وخطيئته ثم يوازن بين الجانبين، فلعل هذا المسلم الذي برزت أخطاؤه في ذهن من تصدى لنقده تكون له حسنات كثيرة جليلة قد لا تعد أخطاؤه إلى جانبه شيئاً مذكورًا.
وفي كتابي عن الدولة الأموية تعرضت فيه لسيرة معاوية ماذا له وماذا عليه، وكل الانتقادات التي وجهت إليه من مقتل حجر بن عدي واستلحاق زياد بن أبيه فمن أراد التفصيل فليرجع إلى المرجع المذكور.
—
الانتقادات التي وجهت لمعاوية بشأن البيعة ليزيد:
لقد حمّل كثير من المؤرخين السابقين والمعاصرين معاوية رضي الله عنه مسؤولية البيعة الكاملة، وبالتالي حملوه الأخطاء التي يقع فيها الحكام من زمان معاوية حتى عصرنا الحاضر، فمنهم من اتهمه بالخروج على
جميع
نظام الشورى في الإسلام، فكان أول محطم لنظام الإسلام. ومنهم من اتهم معاوية بأنه أقر النظام الذي يعتمد على السياسة أولًا وعلى الدين ثانيًا، والبعض شبه معاوية بالملوك الأقدمين من الفرس والروم، والبعض جعل معاوية بهذه البيعة هو رائد المدرسة (المكيافيلية) في السياسة القائمة على تسويغ الوسيلة من أجل الغاية، ومنهم من اتهم معاوية بأنه أقر النظام الذي يعتمد على السياسة أولا وعلى الدين ثانيا، والبعض شبه معاوية بالملوك الأقدمين من الفرس والروم، والبعض جعل معاوية بهذه البيعة هو رائد المدرسة (المكيافيلية) في
السياسة القائمة على تسويغ الوسيلة من أجل الغاية.
ولمعرفة صحة هذه الاتهامات من عدمها يجدر بنا أن نعرف ماهية الشورى وكيفية تطبيقها، فالشورى دعامة من دعائم الحكم في الإسلام، وقاعدة صلبة من قواعده كما أن اختيار الحاكم في الإسلام وتولي أمر الأمة
1
الدولة الأموية، 216/ 1.
2
إسلام بلا مذاهب، مصطفى الشكعة، ص 58. 3 الدولة الأموية، 532/ 1.
4
زعماء الإسلام، حسن ابراهيم حسن ص
219
375 (1/376)
صفحة 377
المسلمة لا تعطه صفة مقدسة، أو سلطة مطلقة، بل إنه مسئول عن كل عمل يقوم به وينفذ فيه ما ينفذ
في شعبه وأما طريقة الشورى فلم يحدد لها نظاماً خاصاً، فتطبيقها إذن متروك للظروف والمقتضيات الجارية. فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستشير المسلمين فيما لم ينزل فيه وحي، ويأخذ برأيهم فيما هم أعرف به من شؤون دنياهم، وكذلك سار الخلفاء الراشدون في استشارة المسلمين وإليك استعراض موجز لكيفية انعقاد
إمامة الخلفاء الراشدين:
طريقة انعقاد بيعة أبي بكر رضي الله عنه:
قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة بيعة الصديق بيع خاصة ثم رشحوه للناس في اليوم الثاني وبايعته الأمة في المسجد البيعة العامة 3. وقد أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ: أن قيادة الأمة لا يقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب ديناً والأكفأ إدارة فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلامية، وشخصية، وأخلاقية، وأن الخلافة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وإن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره، واقع يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين؛ حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية.
أوّلُ ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن "نظام الحكم ودستور الدولة" يقرر بالشورى الحرة، تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن الكريم، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي أن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام
هو
376
مواقف المعارضة، ص 142. وانظر: النظرية الإسلامية، العصيدي، ص 8.
مواقف المعارضة، ص 143.
الخلافة والخلفاء الراشدون، ص 66 67.
1
2
3 (1/377)
صفحة 378
الحكم في الإسلام وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا (صلى الله عليه وسلم)
ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى. • تقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن بالشورى، أي: البيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة الدستور في النظم المعاصرة - وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قراراً إجماعيًا كالقرار السابق.
تطبيقا للمبدأين السابقين قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية، ثم أن الترشيح لم يصح نهائياً إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى اله عليه وسلم ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه، المشهور الذي جاء فيه: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت، فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق، أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس
عامة.
وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار
والفساد.
—
طريقة انعقاد بيعة عمر بن الخطاب رضي
الله عنه:
لما اشتد المرض بالصديق رضي الله عنه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتاً
لما بي وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم فإنكم
377 (1/378)
صفحة 379
إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي، وقد قام أبي بكر رضي الله عنه بعدة إجراءات لتتم
عملية اختيار الخليفة القادم 2.
استشارة أبي بكر لكبار الصحابة
تشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكلُّ يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه، إذ يرى فيه الصلاح، والأهلية لذا رجعوا إليه، فقالوا رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر الله ولدينه ولعباده فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عدتك، ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعد، يرضى للرضى، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا بن عبيد الله خاف من شدته، فقد قال لأبي بكر: ما أنت قائل لرَبِّك إذا سألك استخلافك عمر
طلحة
علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفوني؟ خاب من تزوَّد من أمركم بظلم أقول اللهم
استخلفت عليهم
خير
أهلك 3. وبين لمن نبهه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى
1
2
الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه.
تاريخ الطبري 238/ 4. انظر: التاريخ الإسلامي، 258/ 9.
الدولة الأموية، 536/ 1.
3 الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 79/ 2. انظر: التاريخ الإسلامي، شاكر، ص 101.
4 الكامل، ابن ا الأثير، 79/ 2.
378 (1/379)
صفحة 380
بسم
نص العهد الذي كتبه أبو بكر لكي يقرأ على الناس
الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول
عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، يوقن الفاجر، ويصدق الكاذب إني استخلف عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاستمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل إمراء ما اكتسب الخير، أردت ولا أعلم الغيب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
• إبلاغ الناس بنفسه:
إنه أراد إبلاغ الناس بلسانه واعياً مدركاً حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبو بكر على الناس وقال لهم: أترضون بما استخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قربة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا سمعنا وأطعنا.
التوجه بالدعاء إلى الله:
أنه توجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا إصلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم، فهم عبادك 2.
تكليف عثمان بقراءة العهد على الناس: كلف أبو بكر رضي الله عنه عثمان بن عفان أن يتولى
قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه لمزيد من التوثيق والحرص على
379
تاريخ الطبري، 248/ 4. طبقات ابن سعد، 199/ 3.
1
2 (1/380)
صفحة 381
إمضاء الأمر، دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. فأقروا
بذلك جميعاً ورضوا به.
وصية الصديق لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما:
ربه
اختلى الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شيء، حتى يمضي إلى خالياً من أي تبعة بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده 2، وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله، بالليل وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفّت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم وأن الله تعالى ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغباً راهباً، لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكُ غائب أبغض إليك من الموت وليس تعجزه 3.
ونلاحظ أن عمر رضي الله عنه ولي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة، وجعلوه نائباً عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه وأمضوه، ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب الطبيعيون عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلا على أصح أساليب الشورية وأعدلها.
1
المرجع السابق، 200/ 3.
2
3
أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي، ص 1237.
صفة الصفوة، 264/ 1 265
4 أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي،
ص
237
380 (1/381)
صفحة 382
إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من
الأحوال، وإن كانت الاجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه 1.
وهكذا تم عقد الخلافة لعمر رضي الله عنه بالشورى، والاتفاق، ولم يرد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحداً نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة 2.
طريقة انعقاد بيعة عثمان رضي
الله عنه:
استطاع الفاروق رضي الله عنه في اللحظات الأخيرة وهو على فراش الموت، رغم ما يعانيه من آلام جراحاته البالغة أن يبتكر طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختيار الخليفة الجديد، وكانت دليلًا ملموسًا، ومعلمًا واضحًا على فقهه في سياسة الدولة الإسلامية، لقد مضى قبله الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولم يستخلف بعده أحداً بنص صريح، ولقد مضى أبو بكر الصديق واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصحابة ولما طلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت فكر في الأمر ملياً وقرر أن يسلك مسلكاً آخر يتناسب مع المقام، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ترك الناس وكلهم مقر بأفضلية أبي بكر وأسبقيته عليهم، فاحتمال الخلاف كان نادراً، وخصوصاً أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وجه الأمة قولاً وفعلاً إلى أن أبي بكر أولى بالأمر من بعده والصديق لما رشح عمر كان يعلم
أن عند الصحابة أجمعين قناعة بأن عمر أقوى وأقدر وأفضل من يحمل المسؤولية بعده، فاستخلفه بعد
مشاورة كبار الصحابة ولم يخالف رأيه أحد منهم وحصل الإجماع على بيعة عمر
وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد فتعتمد على جعل الشورى في عدد محصور،
3
فقد
ستة حصر
من
صحابة
رسول الله كلهم بدريون وكلهم توفي رسول الله عليه وسلم وهو عليهم، راض، وكلهم يصلحون لتولي الأمر ولو
381
دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص 273. النظرية السياسية الإسلامية، ضياء الريس، ص 181. أولويات الفاروق، ص 122.
1
2
3 (1/382)
صفحة 383
أنهم يتفاوتون وحدد لهم طريقة الانتخاب ومدته وعدد الأصوات وأمر مجموعة من جنود الله لمراقبة سير الانتخابات في المجلس ومنع الفوضى، بحيث لا يسمحون لأحد يدخل أو يسمع في مجلس أهل الحل والعقد.
وبهذا يكون عمر رضي الله عنه أرسى نظامًا صالحًا للشورى لم يسبقه إليه أحد ولا يشك أن أصل الشورى مقرر في القرآن والسنة القولية والفعلية، وقد عمل بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر، ولم يكن عمر مبتدعاً بالنسبة للأصل، ولكن الذي عمله عمر هو تعيين الطريقة التي يختار بها الخليفة وحصر عدداً معيناً جعلها فيهم، وهذا لم يفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا الصديق -رضي الله عنهم بل أول من فعل ذلك عمر ونعم ما فعل، فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في ذلك الوقت
وبهذا جعل أمير المؤمنين هيئة سياسية عليا وهم أهل الشورى وأناط بهم وحدهم اختيار الخليفة من بينهم، ومن المهم أن نشير إلى أن أحداً من أهل الشورى لم يعارض هذا القرار الذي اتخذه عمر، كما أن أحدًا من الصحابة الآخرين لم يثر أي اعتراض عليه، ذلك ما تدل عليه النصوص التي بين أيدينا، فحن لا نعلم: إن اقتراحاً آخر صدر عن أحد من الناس في ذلك، أو أن معارضة ثارت حول أمر عمر خلال الساعات الأخيرة من حياته، أو بعد وفاته وإنما رضي الناس كافة هذا التدابير، ورأوا فيه مصلحة الجماعة المسلمين، وفي وسعنا أن نقول: إنَّ عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا مهمتها انتخاب رئيس الدولة أو الخليفة، وهذا التنظيم الدستوري الجديد الذي أبدعته عبقرية عمر لا يتعارض مع المبادئ الأساسية التي أقرها الإسلام ولاسيما فيما يتعلق بالشورى، لأن العبرة من حيث النتيجة العامة التي تجري في المسجد الجامع. وعلى هذا لا يتوجّه السؤال الذي قد يرد على بعض الأذهان، وهو من أعطى عمر هذا الحق؟ ما هو مستند عمر في التدبير؟
1
الدولة الأموية، 540/ 1.
2 المرجع نفسه، 540/ 1.
382 (1/383)
صفحة 384
ويكفي أن نعلم أن جماعة من المسلمين قد أقرت هذا التدبير، ورضيت به ولم يُسمع صوت اعتراض عليه حتى
نتأكد: أن الاجماع - أحد مصادر التشريع انعقد على صحته ونفاذه.
ولا ننسى: أن عمر خليفة راشد، كما ينبغي أن نؤكّد أن أهل الشورى أعلى هيئة سياسية قد أقره نظام الحكم
في الإسلام في العهد الراشدي، كما: أنَّ الهيئة التي سماها عمر، تمتعت بمزايا لم يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمين، وهذه المزايا منحت لها من الله وبلغها الرسول، فلا يمكن عند المؤمنين أن مبلغ هؤلاء العشرة من التقوى والأمانة.
يبلغ أحد من
المسلمين
ومن الأمور المهمة حرص الفاروق على إبعاد الإمارة عن أقاربه، مع أن فيهم من هو أهل لها، فهو يبعد قريبه سعيد بن زيد عن قائمة المرشحين للخلافة 3.
وقد أوصى بأن يحضر عبد الله بن عمر مع أهل الشورى وأن ليس له من الأمر شيء، ولكن قال لهم: فإن رضي ثلاثة رجال منهم، وثلاثة رجال منهم، فحكّموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له، فليختاروا رجل منهم، فإن لم يرضوا يحكم عبد الله بن عمر، فيكون مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فوصف عبد الرحمن بن عوف بأنه مسدد رشيد له من الله حافظ فاسمعوا له.
وقد أشرف على العملية الانتخابية عبد الرحمن بن عوف وشاور الناس في أمر علي وعثمان رضي الله عنهما وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار الصحابة وأشرافهم ومن أمراء الأجناد ومن يأتي للمدينة وشملت مشاوراته النساء في خدورهنَّ، وقد أبدين رأيهنّ، كما شملت الصَّبيان والعبيد في المدينة وكانت نتيجة مشاورات عبد الرحمن بن عوف: أن معظم المسلمين كانوا يشيرون بعثمان بن عفان، ومنهم من كان يشير
1
2
نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، 228/ 1.
المرجع نفسه، 229/ 1.
3 الخلفاء الراشدين، الخالدي، ص 98.
4
تاريخ الطبري، 325/ 5
383 (1/384)
صفحة 385
بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما .. ثم بعد ذلك أعلن عبد الرحمن بعد صلاة الصبح من اليوم
الأخير
من
شهر ذي الحجة سنة 23 هـ النتيجة التي وصل إليها، فبعد أن تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد: يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون، عثمان، فلا تجعل على نفسك سبيلا ثم بايع عثمان على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده. فبايعه الناس المهاجرون والأنصار، أمراء الأجناد والمسلمون 1.
اعتبر
وجاء في روية صاحب التمهيد والبيان أن علي بن أبي طالب أوّل من بايع عبد الرحمن بن عوف 2، وقد الذهبي ما قام به عبد الرحمن بن عوف من أفضل أعماله حيث قال: ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض الأمة على عثمان، ولو كان محابيًا فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه أبي وقاص، وبهذا تحققت صورة أخرى من صور الشورى في أحد الخلفاء الراشدين: وهي
على جمع
سعد
بن
الاستخلاف عن طريق مجلس الشورى، ليعينوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامة، ثم البيعة العامة 4.
طريقة انعقاد بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
تمت بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه،
على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاؤوا من الآفاق، ومن أمصار مختلفة وقبائل
متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر في خير من الدين، فبعد أن قتلوه رضي
الله عنه ظلماً وزوراً وعدواناً،
لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. قام كل من بقي بالمدينة
يوم الجمعة
من أصحاب رسول
الله بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان. ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه حريصاً عليها، وذلك أنه لم
384
البخاري، ك الأحكام، رقم 7207.
التمهيد والبيان، ص 26.
سير أعلام النبلاء، 86/ 1.
دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص 278.
الطبقات لابن سعد، 31/ 3. (1/385)
صفحة 386
يقبلها، إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها ومع
ذلك
لم
يسلم من نقد بعض الجهال أثر تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على
الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روي
الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم 2.
وقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد الحنفية قال: كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصر، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقال علي رحمه الله: قال: محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه، فقال: خل لا أم لك قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل رحمه الله فأتى داره فدخلها وأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم
أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني، فإني لكم وزير خير مني لكم أمير، فقالوا: لا والله لا
نعلم
أحق بها منك، قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا، لكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس.
أحداً
أحداً
طريقة انعقاد بيعة الحسن بن علي رضي الله عنهما: كانت بيعة الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر رمضان من سنة 40 هـ، بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد اختار الناس الحسن بعد والده، ولم يعين أمير المؤمنين أحداً من بعده،
وبعد مقتل علي صلى عليه الحسن بن علي، وكبر عليه أربع تكبيرات، ودفن بالكوفة، وكان أول من بايعه عبادة الخزرجي، قال له: أبسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنه نبيه، وقتال
سعد قيس بن
بن
المحلين، فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط: فبايعه وسكت وبايعه الناس. وقد اشترط الحسن بن علي على أهل العراق عندما أرادوا بيعته فقال لهم: إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت. وفي رواية قال لهم والله لا أبايعكم إلا على
385
الدولة الأموية، 542/ 1.
عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام، 677/ 2.
كتاب السنة لأبي بكر الخلال، ص 415.
1
2
3 (1/386)
صفحة 387
ما أقول لكم قالوا: ما هو؟ قال تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت، وفي رواية ابن سعد: إن الحسن
بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا
فيما دخل فيه ويرضوا بما رضي به
- طريقة انعقاد بيعة معاوية رضي الله عنه:
أميراً
تمت بيعة معاوية بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما في الخلافة وتهيأت له جميع أسبابها، فبويع للمؤمنين عام واحد وأربعين للهجرة وسمي هذا العام بعام الجماعة، وقد بايع معاوية رضي الله عنه كل الصحابة الأحياء وأجمعت الأمة عليه وعدّوا خلافته شرعية ورضوا، إمامته، ورأوا أنه خير من يلي أمر المسلمين 2
—
صحيح
المآخذ على فكرة ولاية العهد في عهد معاوية:
أن النظام الإسلامي للحكم لم ينص على طريقة معينة لاختيار ولي الأمر، ولكنه وضع
الأساس التي
لا تجوز الحيدة عنه إلا في حالات الضرورة والاضطرار، وهو الشورى وليس للشورى أسلوب خاص، وطريقة واحدة، لا تتحقق إلا بها، ولكن تتحقق بأساليب شتى كما مرّ معنا في اختيار الأمة للخلفاء الراشدين، ولكن معاوية خالف نهج الخلفاء الراشدين وأسند أمر الخلافة إلى ابنه وكان بوسعه أن يجعل العهد بعده لغير ولده بعد مشاورات واسعة وممارسة شورية حقيقة لأحد من كبار الصحابة الموجودين في تلك الفترة، وكان فيهم كفاءات لو أسند إليهم الأمر، فقد كان الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، بن عمر وغيرهم موجودين في هذا الوقت ولكن معاوية عدل عن هؤلاء وقصد لولده ليكون خليفة
وعبد
الله
بعده، وبذلك حصل التغير الحقيقي في نظام الحكم الإسلامي، فليس التغيير في إيجاد نظام ولاية العهد.
1
الدولة الأموية، 544/ 1. 2 المرجع السابق، 544/ 1.
386 (1/387)
صفحة 388
ولكن التغيير في أن يكون ولي العهد ولد الخليفة أو أحد أقاربه، حتى أصبحت الحكومة ملكية بعد أن كانت
خلافة راشدة.
كما أن ترشيح يزيد لم يكن موفقاً لأسباب منها: إن المجتمع الإسلامي يومئذ كان فيه من أحق وأولى بالخلافة من يزيد في سابقته وعلمه وعمله ومكانه وصحبته، مثل عبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم، فأين الثرى من الثريا، ومنها مبدأ توريث الحكم من الأب لابنه 3. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة، فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلاً عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون إن للذنوب أسباب تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار والحسنات المحاية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم، ومعاوية رضي الله عنه من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على
5
ظلمهم وما هو ببريء من الهنات والله يعفو عنه، وإذا كان معاوية – أو الخلفاء الأمويين- قد حوّل الخلافة من الشورى إلى الملك، فإن حفيده معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثالث خلفاء الأمويين قد أعاد الملك العضوض إلى الشورى الكاملة وإنه لما يستوجبه الإنصاف أن تصاغ القضية على هذا من
الخلافة
النحو بدلاً من التركيز على الشق الأول الخاص بتوريث الخلافة فقط ولم تستطع الأمة التي أعطيت حقها في اختيار خليفتها أن تعود إلى شكل من أشكال الاختيار السابق في عصر الراشدين. وبرز بوضوح دور العصبية الإقليمية والقبلية وحسم في النهاية الصراع الدائر حول منصب الخلافة لمصلحة البيت الأموي واستطاعت الشام أن تحقق الحسم التاريخي بعمق الالتحام بين بنائها القبلي والوجود الأموي بها.
387
الأمويين بين الشرق والغرب، الوكيل، 180/ 1.
تاريخنا المفترى عليه، القرضاوي، ص 250.
الدولة الأموية، 545/ 1.
منهاج السنة، 385/ 4.
أعلام النبلاء، 156/ 3. سير
الدولة الأموية المفتري عليها ص ص 3 ص 293 - 295.
1
2
3
4
5
6 (1/388)
صفحة 389
ومع ما وقع من انحراف في تغيير النموذج الأعلى لنظام الحكم الإسلامي، الذي تتمثل فيه روح الإسلام كاملة وهو الخلافة واستبدال الملك العضوض به، ومع ما وقع من انحراف في تغيير النموذج الأعلى لنظام
الحكم الإسلامي، الذي تتمثل فيه روح الإسلام كاملة وهو الخلافة واستبدال الملك العضوض به 2.
3. إسهاب الشيخ أحمد الخليلي في نقد الدولة الأموية:
لقد
توسع العلامة أحمد الخليلي مفتي عام عمان في نقد الدولة الأموية في كتابه الاستبداد مظاهره ومواجهته واستمر في نقده اللاذع بعد وفاة يزيد، فقال: "لم يتوان شيوخ البيت الأموي في الانقضاض على الحكم بعد أن ظهر لهم منافس قوي في شخص عبد الله بن الزبير الذي كاد أن يقوض عرشهم فوثب مروان بن على الحكم وبعد سلسلة من الحروب الشرسة وسفك الدماء وتدمير مبادئ الإسلام وطد الحكم لابنه عبد الملك الذي يعد المؤسس الحقيقي للدولة الأموية". وأضاف: "وقد مضى في سياسة العنف و القوة وقمع المعارضين بشراسة تنبؤ عن مبادئ الأخلاق وشرح منهجه الجديد من خلال خطبة عنيفة تفوق خطبة زياد بن أبيه والحجاج وشرح أبعاد سياسته بقوله: أنه ليس بالخليفة الضعيف، ولا بالخليفة المداهن، ولا بالخليفة المأفون، وأنه سيداوي جراح الأمة بالسيف وإذا أمره أحداً بتقوى الله فسيضرب عنقه.
وتعليقًا لهذا المنهج العدائي عُين الحجاج بن يوسف الثقفي، والياً على بلاد الحجاز ثم العراق، فأثار الرعب والذعر في النفوس، فوحد له أركان الدولة وشتت شمل يشمل الثائرين عليه من الإباضية والخوارج ومن يفكر مجر التفكير بالتمرد على سلطته، وقمع الخارجين على حكمه بالحديد والنار، وسفك دماء المسلمين الأبرياء
1 كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 112.
2
3
الأمويين بين المشرق والمغرب 94/ 1 - 95 بالنسبة للدولة السفيانية معاوية والدولة المروانية عبد الملك.
388 (1/389)
صفحة 390
الأتقياء دون أن تطرق له عين أو يتحرك في باطنه ذرة من تأنيب الضمير، حتى زعم المسلمون، أن الحجاج بلاء فرضه الله على أهل العراق.
وعندما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، ريحانة الدولة الإسلامية والذي عد بشهادة جميع المؤرخين، خامس الخلفاء الراشدين، نشر العدل، ورفع الظلم عن الموالي، وأسقط الجزية عنهم بعد أن دخلوا الإسلام، وأنصف أهل البيت وأوقف سب الإمام علي بن أبي طالب من على المنابر، وضمد جراح المسلمين جراء العديد من المظالم التي لحقت بهم في عهد أسلافه وأعاد الخلافة سيرتها العطرة الأولى وعلى العموم فقد حاول أن يملأ الأرض عدلاً ونوراً بعد أن ملئت ظلما وجورًا.
وفي عهد يزيد بن عبد الملك يقتل يزيد بن المهلب مع أن تاريخه مملوء شجاعة واستبسالاً في قتال أشد أعداء الدولة ومطاردته المستمرة للخوارج، وفرقهم النشطة لا سيما الأزارقة ليس هذا فحسب، بل يقتل آل المهلب تقتيلاً سار مضرب الأمثال على عدم الوفاء المعروفة، لذلك قال المؤرخون، ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء، يوم الحسن بن علي وأصحابه ويوم العقر، يوم قتل يزيد بن المهلب 3.
وربما صورت عبارة ابن طباطبا سمات الدولتين أحسن تصوير وأبلغه فيقول: أما خلافة الأربعة الأول فإنها كانت أشبه بالرتب الدينية من الرتب الدنيوية أو هي بالنبوات والأمور الأخروية أشبه من جميع الأشياء كان أحدهم يلبس الثوب من الكرباس الغليظ وفي رجله نعلان من ليف، وحمائل سيفه من ليف، ويمشي في الأسواق كبعض الرعية وإذا كلم أدنى الرعية أسمعه أغلظ في كلامه وكانوا يعدون هذا من الدين الذي بعث
2
1 قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 24.
المرجع السابق، ص 24.
الكامل، المبرد، 310/ 2.
389 (1/390)
صفحة 391
به
النبي (صلى الله عليه وسلم)، أما خلافة بني أمية، فكانت قد عظمت وتضخم أمرها وعرضت مملكتها ولكن طاعتهم لم تكن كطاعة هؤلاء!.
وتحدث عن مساندة فتاوى المارقين عن جور الظالمين وتسويغهم الفساد وعرض الثورات التي ظلم الأمويين وبين أن الأمة لم تستكن لهذا الهوان والطغيان ويستعرض عدداً من الثورات التي واجهت ومنها ثورة الحسين (60 هـ) رضي الله عنه وتورة زيد بن علي في عهد في عهد هشام بن عبد الملك (122 هـ) في الكوفة مؤسس المذهب الزيدي وفي تورة عبد الله بن الزبير، في مكة وثورة عبد الرحمن بن الأشعث لمواجهة ظلم الحجاج، وعسفه وطغيانه وانضم إليه جمهرة من العلماء الورعين منهم عامر الشعبي، وأبو الأيوب ابن القرية التي قتله الحجاج وكذلك سعيد بن جبير (95 هـ)، وقصة مقتله متداولة في مصادر التاريخ الإسلامي وأدبياته قاطبة، وتوقف الخليلي طويلاً أمام ثورة عبد الله بن يحيى الكندي، طالب الحق وقائده أبي حمزة الشاري (130 هـ)، ويخصها بمزيد من الشرح والإيضاح لأسباب أهمها أنها تنتمي إلى مدرسة الإباضية.
ولم يشر العلامة الخليلي إلى أي إيجابيات الدولة الأموية وإنما ركز على السلبيات واستثنى عهد عمر بن عبد العزيز الذي أشاد به إشادة كبيرة وفي كتابه نبذ التعصب المذهبي يقول الخليلي: وقد يقول قائل إنّني تحاملت على الدولة الأموية ونسبت إليها ما هي بريئة منه، وأريد أن أثبت للذين يظنون ذلك أنه ليس في نفسي ولا في نفس أحد من الذين يقولون بما أقول حقد على الأمويين من حيث إنهم، أمويون، ولكن في نفسي كراهية
لله
للباطل من حيث إنه ظلم، وللجور من حيث إنه جور، وللانحراف حيث أنه انحرف وإلا فإننا ندين سبحانه وتعالى بولاية أحد من الذين جاؤوا في أعقاب الأمويين الجائرين الظالمين وأقاموا الحق في الأرض مع
كونه من بني أمية، وهو الخليفة العادل والإمام الصادق عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه فنحن ندين
الله
تعالى بولايته، ونجعلها قربة لله عز وجل هذا الخليفة الذي محا بنور العدل ظلمات الحور، والعسف والغشم
6
390
قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 25. المرجع السابق، ص 27.
1
2 (1/391)
صفحة 392
التي تراكمت في أيام بني أمية وحمل الناس على الحق الذي كان في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده.
وهذا الخليفة نستدل بفعله وقوله على أن الأمويين كانوا ظلمه ومن شاء الاطلاع على ذلك فليراجع إلى ما كتب عنه، وما حفظ من رسائله التي تحمل فيها على أسلافه الأمويين بأنهم انحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويكفي بأنه رضي الله عنه أخذ جميع ما في أيديهم من أموال واعتبره من بيت مال المسلمين، لأنهم أخذوه بغير حق وتوصلوا إليه بالظلم والعسف والجور، فلو كان أولئك الأمويون على استقامة وحق ورشد وكان ما يأتونه حقًا ورشدًا، لكان هذا الخليفة العادل جائراً في فعله هذا، حاشاه عن الجور والظلم والإباضية اتفقوا مع هذا الخليفة العادل، فقد أرسلوا وفدهم إليه عندما سمعوا بعدله واستقامته ونصحه وفضله اتفقوا معه في أكثر الأمور، ولكنهم اختلفوا معه في أشياء جزئية بسيطة جدًا، ومع ذلك قال إمام الإباضية 1 في ذلك الوقت أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي: ليت القوم قبلوا منه ". يعني ليتهم اتفقوا معه حتى في هذه الأشياء الجزئية البسيطة التي اختلفوا فيها معه. ولم يشهر أحد سيفا في وجهه أبدا، بل أذعنوا له بالطاعة واعتبروه خليفة عادلًا، وتجد كتب الإباضية حافلة بالثناء عليه وتسجيل مآثره الطيبة، كما هو موجود
منهم
في شعرهم ونظمهم.
ومآثرهم، وهذا دليل على أن الإباضية لم يُكنُّوا حقداً على الأمويين من حيث أنهم أمويون، وإنما يكرهون الباطل سواء جاء به القريب أو البعيد وسواء اعتنقه البغيض أو الحبيب، وهذا الذي عرف في كتبهم.
ولقد ألفت كتابًا عن الدولة الأموية سميته "الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار" رجعت فيه إلى مصادر ومراجع وصلت إلى مئتان وسبع وعشرون مرجعًا، واستغرق وقتًا طويلًا في التأليف وحاولت أن
391
نبذ التعصب المذهبي، ص 18.
المرجع نفسه، ص 18.
نبذ التعصب المذهبي، ص 18.
1
2
3 (1/392)
صفحة 393
أبحث عن الحقيقة بموازين الأنصاف والعلم بعيدة عن التحامل أو الدفاع على الأخطاء فمن أراد معرفة
الدولة الأموية ماذا لها، وماذا عليها، فليرجع إليه سيجد مبتغاه بإذن الله تعالى.
وقد ذكر الدكتور عمرو النامي بأن المصادر الإباضية تقدم لنا الآراء الفقهية الدينية لعلي بن أبي طالب
وعثمان بن عفان رضي
الله عنهما وسواهما حتى معاوية الذي يعارضه الإباضية بقوة كان أحد الأشخاص
الذي روى عنهم جابر بن زيد أحاديث للنبي (صلى الله عليه وسلم).
392 (1/393)
صفحة 394
المبحث الثالث: أصول المذهب الإباضي وفقهه وقواعده
نشأت مدرسة الإباضية على أصول ومبادئ وفقه وقواعد عميقة، حددها المؤسسون الأوائل للمدرسة،
وطرأت عليها تطورت كثيرة بمرور الزمن.
أولاً: أصول المذهب الإباضي:
يعتمد الإباضيون في أصول التلقى على القرآن الكريم والسنة والرأي والإجماع والقياس والاستدلال ويدخل تحت الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة، وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة "الرأي" فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر التشريع: هي الكتاب والسنة والرأي، لذلك أخطأ بعض من كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع.
يقول الدكتور محمد وهبة الزحيلي: كان جابر بن زيد من العلماء التابعين العاملين بالقرآن والسنة تتلمذ على ابن عباس رضي الله عنهما وأصول فقه الإباضية كأصول المذاهب الأخرى المعتمدة على القرآن والسنة والإجماع والقياس أو الاستنباط بجميع طرقه وهم يتبرؤون من تسميتهم بالخوارج وكانوا يعرفون بأهل الدعوة وأهل الاستقامة وجماعة المسلمين. وقال الشيخ الطاهر بن عاشور عن المذهب الإباضي: استمر بقاؤه إلى اليوم ومعمولا به، كأنصع مظهر للإسلام مستمدًا خلوده من متانة أصوله ومرونة فروعه.
393
كتاب الفقه المقارن بين الفقه المالكي والإباضي، ص 79.
الإباضية في مرآة علماء الإسلام، ص 72.
المرجع السابق، ص 66.
1
2
3 (1/394)
صفحة 395
وقال الدكتور أحمد الريسوني عن الإباضية: وجدت أصولهم في التشريع هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعلى هذا أنا أعتبرهم أقرب إلى أهل السنة من الظاهرية على سبيل المثال، الذين لا يقولون بإجماع، ولا
قياس. ويبقى أن أصولهم الاجتهادية والتشريعية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
إذن، فالإباضية مدرسة من مدارس أهل السنة في أصول الفقه ومصادر التشريع وأرست قواعدها مع الأئمة الثلاثة الأول بصورة بينة ومتينة جابر بن زيد وأبو عبيدة والربيع.
وهي
مصادر التشريع في الإسلام أربعة أصول:
1. كتاب الله وهو القرآن الكريم.
2 سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي أقوله وأفعاله وهديه وتقريراته.
3. الإجماع بنوعيه: القولي والسكوتي.
4. القياس.
أصول اتفقت عليها المذاهب الإسلامية المشهورة 2.
1. القرآن الكريم:
يرى الإباضية أن المصدر الأول للشريعة الإسلامية في عقائدها وعباداتها ومعاملاتها وأخلاقها وتنظيمها هو
الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن من أنكر منهم حكماً أو حرفاً أو آية
أو سورة فهو مشرك أو مرتد.
394
نقاش بيني وبين الشيخ أحمد الريسوني. ندوة الفقه الإسلامي، عُمان، 1988، ص 791.
المرجع نفسه، ص 722.
1
2
3 (1/395)
صفحة 396
يقول الشيخ السالمي: إن العادة قضت بتواتر القرآن جملة وتفصيلاً وقد أجمعت المحمدية على أن نقله كذلك تواتر فالزائد فيه ما ليس منه والناقص منه ما هو منه كافر لتضمنه تكذيب النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما جاء به حيث أخبر أنّ هذا من القرآن، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول بخلاف ذلك، وإن هذا ليس من القرآن والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول منه على أن القرآن محفوظ من الزيادة والنقصان لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وقال السالمي: فأما الكتاب فلأنه معجز وهو من عند الله تعالى ولا شك ولا يسع جهله، بل ولا شك فيه لمن قامت عليه الحجة، ثم قال: فكل منقول عنه صلى الله عليه وسلم نقلاً لم يبلغ حد التواتر لم يعط حكم ما نقل بالتواتر فلا يسمّى قرآنا لا تثبت له أحكام القرآنية من جواز قراءته في الصلاة وحرمة مس الجنب له ونحو ذلك بلا خلاف بين المسلمين في ذلك 2.
وقد اهتم الإباضية بالقرآن الكريم حفظاً وتفسيرًا وعملا، وفقها، ففي وادي ميزاب في الجزائر ظهر علماء أجلاء أجلة يشار إليهم بالبنان ولهم في ميدان العلم صولات وجولات ولهم فهم عميق لكتاب الله ولهم خطباء مفوّهون وهناك نهضة علمية لديهم، ومعاهد عامرة بالعلم وعناية فائقة بتعليم القرآن الكريم وعلومه، وتدريس الشريعة الإسلامية، ومعاهد معمورة مفتوحة لكل طلاب العلم "مالكية وإباضية" وتظهر عندهم من حين لآخر مصنفات قيمة في شتى أنواع العلم. كما أن للإمام الشيخ بيوض بن إبراهيم بن عمر تفسير اسمه في رحاب القرآن وهو تفسير ألقاه دروسًا مدة غير يسيرة، ولما ختمه أقيم حفل بهيج في مدينة القرارة
بجنوب الجزائر 4.
395
80
الفقه المقارن بين الفقه المالكي والإباضي (ص)
المرجع السابق، ص)
80
المرجع السابق، ص 94.
المرجع نفسه، ص 91.
1
2
3
4 (1/396)
صفحة 397
كما أن العلامة الشيخ مفتي عمان أحمد الخليلي اهتم بالتفسير ومن نتاجه العلمي "جواهر التفسير"، وأصل
هذا الكتاب دروس في تفسير القرآن الكريم كان يلقيها الشيخ في جامع السلطان قابوس في عاصمة عمان
وللشيخ الخليلي – في دروسه الشفهية أو في مدوناته-منهج موحد في التفسير من أهم ملامحه:
أ. حرصه على ربط الآيات ببعضها وتوضيح التناسب بينها، كما يفتتح كل سورة بمقدمة تعطي صورة إجمالية عنها وتلخص مجمل موضوعاتها وما يتصل بها من فنون اللغة والعقيدة والفقه وجوانب الإعجاز البياني، والتشريعي والاجتماعي والخلقي والخبري والائتلافي والعلمي ويربط بين أولها وآخرها، وقد تحدث عن التناسب بين أي القرآن وسوره في موضوع خاص أفرد له. ب. صدر المؤلف الجزء الأول بمقدمات تتعلق بعلم التفسير، ومباحث علوم القرآن عامة ثم تناولها حيثما وردت بالتفصيل والتحليل مع ذكر أمثلة عليها كمباحث أسباب النزول والناسخ
والمنسوخ، والمكي والمدني والقصص القرآني، وأمثال القرآن والقراءات المتعددة وغيرها.
ج. تضمن التفسير مباحث لغوية قيمة تبحث اشتقاق المفردات ومعانيها، وإعراب الألفاظ النحويين فيها وأساليب القرآن البلاغية مع الإمام بشواهد من شعر العرب ونثرهم 2.
ووجوه
د. ظهر جلياً في التفسير تركيز المفسر على تبيين رسالة القرآن الإصلاحية بجوانبها المختلفة، من اجتماع وسياسة واقتصاد، وربط تعليمات القرآن الجليلة بالواقع المعاصر، مع الحرص على الاستفادة من الاكتشافات الحديثة والمعطيات العلمية العصرية، وتنقية التفسير من شوائب الإسرائيليات، ونقض
شبهات المستشرقين وأدعيائهم حول القرآن.
هـ.
مصادر المؤلف كثيرة أهمها ستة عشر مصدراً هي معتمدة الأساس في التفسير:
سلطان الشيباني، داعية الكلمة الطيبة السيرة العلمية للشيخ العلامة أحمد
بن حمد الخليلي، ص 27.
المرجع نفسه، ص 28.
396
1
2 (1/397)
صفحة 398
جامع البيان لابن جرير الطبري "ت 310 هـ".
الكشاف لجار الله الزمخشري "528 هـ".
المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي "ت 546 ه".
التفسير الكبير للفخر الرازي "ت 606 ه".
الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد
الله
القرطبي "ت 671 هـ ".
تفسير القرآن العظيم لابن كثير الدمشقي "ت 774 هـ".
البحر المحيط لابن حيان الأندلسي الغرناطي "ت 754 ه".
تفسير أبي السعود المسمى "إرشاد العقل السليم" لمحمد العمادي "ت 951 هـ".
فتح القدير لمحمد بن علي الشوكاني الصنعاني "ت 1250 هـ.
روح المعاني لمحمود الألوسي "ت 1270 هـ".
هيمان الزاد لقطب الأئمة لمحمد بن يوسف اطفيش الجزائري "ت 1322 هـ".
محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي "ت 1332 ه".
تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا "ت 1354 هـ ".
في ظلال القرآن لسيد قطب "ت 1387 هـ".
التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور "ت 1393 هـ.
وتنعكس صورة جلية لفكر المؤلف ونظرته إلى علم التفسير من خلال هذه المصادر المتنوعة في مشاربها، المتباعدة في أزمتها المتباينة في توجهاتها. وهذا التفسير جار على منهج عصري رزين وأسلوب يجمع بين
الفائدة العلمية والإصلاح الاجتماعي اعتمد فيه الشيخ على مصنفات المتقدمين والمتأخرين، واستعرض
397 (1/398)
صفحة 399
خلاصتها وأضاف إليها من علمه نقدًا وتحليلا وتمحيصا وتحقيقًا، وقد بلغ فيه الربع الأول من سورة النساء إلى زمن كتابة هذه الأسطر 1.
إن اهتمام المدارس الإسلامية بالقرآن الكريم واعتباره المصدر الأول للتشريع أمر طبيعي جداً لمن رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً فهو أساس الشريعة الإسلامية وأصلها فإنه من الضروري للباحث عن مقاصدها الطالب لأهدافها أن يبحث عن المقاصد التي اشتمل عليها أصلها، وتضمنها ينبوعها ألا وهو كتاب الله 2
قال الشاطبي: إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره ولا تمسك بشيء يخالفه وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم في دين الأمة وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره، وأنيسة، وأن يجعله جليسه على مرّ الليالي
والأيام 3.
فالقرآن الكريم أصل الأصول، وقاعدة التشريع، ومنطلقه، فهو أصل ترجع إليه الأصول كلها من سنة وإجماع وقياس وغيرها من أصول التشريع. وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: آية 89].
398
المرجع السابق، ص 21.
مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد سعد اليوبي، ص 475.
الموافقات، 346/ 3.
مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد اليوبي، ص 475.
1
2
3
4 (1/399)
صفحة 400
2. السنة النبوية:
قال الشيخ العلامة أحمد الخليلي: اعلم أن السنة النبوية هي مصدر من مصادر التشريع، وهي تأتي في ترتيبها
الثاني بعد الكتاب العزيز لقوله الله تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. ومن المعلوم أن الرد لا يكون إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلا
ج
بالرجوع إلى سنته عليه أفضل الصلاة والسلام لاستلهام الحق واستبانة الحقيقة، والتحكيم فيما اختلف فيه، كما أن الرد إلى الله لا يكون إلا بالرجوع إلى كتابه وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: 61].
وهو نص صريح في استقلال السنة النبوية بالتشريع، إذ لو كانت مجرد بيان للكتاب العزيز لاكتفى بدعوتهم إلى ما أنزل الله، وهو ما تفيده أيضًا الآية التي سبق ذكرها ويقوى ذلك الأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة، وترتيب الفوز والسعادة عليها والخسران والبوار على تركها كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ
أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31 - 32].
قوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ
تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54].
ج
قوله وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132].
قوله: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
399 (1/400)
صفحة 401
قوله: ولا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًاء
?
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
قوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7].
وقد ثبت بنص قرآني أن التشريع الصادر عن السنة النبوية هو تشريع رباني جاء من عنده تعالى، فقد قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]، مع أنه لم يشرع بنص القرآن وإنما شرع بسنة مصطفوية.
وقد أسند الله تعالى جعل ذلك أي تشريعه إلى نفسه وعليه فلا مناص لمسلم من اتباع سنته صلى الله عليه وسلم والاعتماد عليها بجانب القرآن فإنها أساس للهداية ومصدر للتشريع، ومنارة للحق، ولم يختلف الإباضية عن غيرهم من المسلمين في اعتماد السنة والرجوع إليها بعد كتاب الله في استلهام الحق وتشخيص الحقيقة، حسبك أنهم خصصوا بها عموميات من القرآن ولو ثبت بطرق الأحاد، بناء على ما أصلوه من أن العام ظني الدلالة ولو كان قطعي المتن، والخاص قطعي الدلالة، فإن كان ثبوته ظنياً ضعف ثبوته بقوة دلالته، فكان حريَّا أن يقدم على العام الثابت بالقطع، نظرًا إلى كثرة العموم من المخصصات.
- السنة ومكانتها في التشريع وضلال من جحدها أو استخف بها:
هذا العنوان كتبه الشيخ الخليلي في كتابه العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع، ثم قال في دفاعه عن السنة النبوية: إن للسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مكانة عالية في التشريع الإسلامي، إذ لا يمكن اتباع نهج الإسلام إلا بالاقتباس من نورها الوقاد والورد من معينها الدفاق، فأتى للمسلم أن يعبد الله
400
الحقيقة الدامغة، ص 12.
1 (1/401)
صفحة 402
تعلى على النهج الصحيح ويستمسك من الدين بالعروة الوثقى إن نحى السنة النبوية جانباً على منهجه وجانب ما كان عليه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام من فكر نير ومنهج سليم، وسلوم مستقيم؟
ناهيك أنه أن سبحانه وتعالى أمر بطاعته صلوات الله وسلامه عليه طاعة مطلقة لم تقيد بحدود ولم تعلق على شيء وجعلها من طاعته سبحانه:
حيث قال: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 8]، ولم يجعل لأي أحد نصيبا من الإيمان إلا بالتحكيم المطلق له عليه أفضل الصلاة والتسليم لحكمه من غير وجدان أي حرج منه، إذ قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 25].
وجعل أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كأمره في عدم وجود أي خيار لمؤمن أو مؤمنة فيهما، وذلك في قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
جعل حب الله تعالى لا يصدق ولا يتحقق إلا باتباعه عليه أفضل الصلاة والسلام، كما أن حب الله للعبد مرهون أيضاً باتباعه ذلك في قوله قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31].
اتبع ذلك ما يدلُّ على أن الإعراض عن طاعة الله ورسوله كفرا، حيث قال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 32].
بين سبحانه وتعالى أن سُنّته في إرسال رسله إلى خلقه أن يلزمهم طاعتهم وذلك في قوله:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64]
1 هو كفر ملة إن كان جاحدًا لأمر الله ورسوله وكفر نعمة إن كان تركا من غير جحد.
401 (1/402)
صفحة 403
—
بين سبحانه وتعالى أن الصدود عما أنزل الله وعن الرسول إنما هو من ديدن المنافقين، وإذ قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 61]. أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يطيعوه وأن يطيعوا رسوله (وأولى الامر منهم، ولكن عند التنازع والاختلاف يجب عليهم الاحتكام إليه وإلى رسوله وذلك في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذُلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
وعد سبحانه على طاعته وطاعة رسوله (أعظم المثوبة وذلك بأن يلحق من أطاعهما بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة حيث قال: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: 69]. توعد سبحانه من يعص الله ورسوله بأعظم العقاب حيث قال: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14].
قال: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
جعل من سمة المؤمنين والمؤمنات الذين تجب لبعضهم من بعض ولاية الإيمان طاعة الله ورسوله وذلك في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
قلے
حكيم} [التوبة: 71]، ثم وعد هؤلاء أحسن الوعد بقوله وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَحْرِي
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذُلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72].
عجب الله سبحانه وتعالى من شأن
من
شأنه الذين يدعون الإيمان بالله وبرسوله ثم يتولون
طاعتهما ويعرضون إذا دعوا إلى تحكيمها وبين أن قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله للحكم
402 (1/403)
صفحة 404
بينهم
أن يقولوا سمعنا وأطعنا وذلك في قوله: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [النور: 47 48]، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا وذلك في قوله: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47 - 51].
أمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله وبين أن طاعته هي مناط الاهتداء وذلك في قوله: قُلْ أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54].
وأتبع ذلك وعده الكريم للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف والتمكين في الأرض وذلك في قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. وأتبع ذلك الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى مقروناً بالأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم مناط رحمته حيث قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]. وفي هذا ما يدل على أن المؤمنين لا يتمكنون من هذا الاستخلاف ولا يتحقق لهم وعده إلا بطاعته تعالى وطاعة رسوله (المطلقتين، ونبه على أن دعاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) يختلف عن دعاء
كل من سواه من البشر محذراً من مخالفه أمره في قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
403 (1/404)
صفحة 405
بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
?
ولم يقتصر الأمر على طاعته صلى الله عليه وسلم فيما يأمر وإنما جعل التأسي به صلى الله عليه
وسلم تصديقاً لرجاء الله واليوم الآخر حيث قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
أمر الله سبحانه أن نأخذ من الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما أتانا وأن ننتهي عما نهانا عنه حيث قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر:7]. ولا يخفى ما فيه الدلالة بأن طاعته صلى الله عليه وسلم في كل أمر ونهي ضرورة محتومة من ضرورات التمسك بالدين وأن كل مخالفة لأمره مخالفة لتقوى الله سبحانه وتعالى ولذلك اختتم الآية بقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7].
على أن الله سبحانه بَيَّنَ عصمته صلى الله عليه وسلم عن اتباع الهوى عصمة مطلقة وأن كل ما يقوله إنما هو وحي أوحاه الله إليه، إذ قال في وصفه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3 - 4]. وهذا يعني أن كل ما يقوله في باب التشريع والأمر والنهي صادر عن وحي الله تعالى، إذ الوحي وحيان وحي ظاهر وهو ما أوحي إليه صلى الله عليه بلفظه ومعناه، ووحي باطن وهو ما أوحي إليه معناه، وكان التعبير عنه من قبله صلى الله عليه وسلم والأول هو، القرآن والثاني هو الحديث الشريف.
404
العقل بين جماع الطبع وترويض الشرع، ص. ص 101 - 105.
1 (1/405)
صفحة 406
نصوص علماء الإباضية في جعل السنة مصدرًا مستقلًا للتشريع:
قال العلامة الخليلي: تواترت نصوص علماء الإباضية قديماً وحديثاً على تأكيد اعتماد السنة في التشريع، وجعلها أصلاً ثانياً بعد الكتاب العزيز وأن حجية السنة النبوية أصلها من القرآن، كيف وقد توالت آيات الكتاب مؤكدة وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم ومعلقة صحة الإيمان والنجاة في الدار الآخرة على طاعته فيما أمر به أو نهى عنه، وعلى حسن التأسي بفعله صلوات الله وسلامه عليه، لذلك قال علماؤنا بأن كل ما جاء في السنة النبوية فإنه في حكم ما جاء به القرآن لأمر الله تعالى، باتباعه صلوات الله وسلامه عليه، واستدل بمجموعة من أقوال علماء المدرسة الإباضية في ذلك منهم:
العلامة عثمان بن عبد الله الأصم والدليل على أن السنة حجة: قوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (الحشر: 7].
قال العلامة الشقصي: وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد وهو:
كتاب رب العالمين.
- قال الله تعالى: وَاتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 3].
- وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7].
- وقال: وفَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
- وقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4]، فوجب اتباع السنة بكتاب الله
تعالى 2.
405
الحقيقة الدامغة، ص 32. الطالبين، الرستاقي، 61/ 1.
منهج
1
2 (1/406)
صفحة 407
- وقال: وأصول الدين هو ما جاء فيه حكم من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) أو من إجماع المهتدين من علماء الأمة.
- وقال العلامة ابن أبي النبهان: لا يفسر القرآن فيما وردت فيه السنة على خلاف السنة، بل يفسر القرآن
بالشريعة الصحيحة التي وردت بها السنة؛ لأن النبي (موضح لما أبهمه التنزيل، لما أجمله القرآن العظيم.
والمعنى في ذلك: ما نهاكم
عنه
تحريما، فحرموه واجتنبوه، وما نهاكم
عنه
ه كراهية فلا تحكموا بحرمته، لأنه
لم يحرمه بل احكموا حكمه وخذوا ما آتاكم به من حكم واجب، فاحكموا به كذلك وأدوه. كما لزم وما حكم به أنه من الوسائل والمباح، فضعوا كل شيء في محله وأصحابه أعلم به بما يحكم به في الشيء على أي وجه حكم به 2.
- وقال قطب الأئمة في تفسير قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]. فإن كل ما يحتاج إليه من أمر الدين قد اشتمل عليه القرآن تصريحاً أو تضميناً وتفصيلاً أو إجمالاً، مع أن التفريط هو التقصير فيما لا بد منه، فلا يشكل بما لا يحتاج إليه من مسائل الدين التي لا تقع البلية بها، والإجماع حجة، وخبر الواحد حجة والقياس حجة أثبتها القرآن وكل ما دل عليه أحد الثلاثة فمن القرآن. وقد قال صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنَّةِ الخلفاء الراشدين من بعدي. وورد في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]. وكان ابن مسعود يقول مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه، يعني الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة. ورأى أن امرأة قرأت جميع القرآن ثم أتته فقالت: يا بن أم عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الله الواشمة؟ فقال: لو تلوتيه لوجدتيه؟
1
2
3
الحقيقة الدامغة، المرجع السابق، ص 32.
الشريعة، جميل بن خميس السعدي، 232/ 13.
قاموس
الحقيقة الدامغة، ص 33.
4 أخرجه الحاكم، 174/ 1، رقم 329، وقال صحيح ليس له علة.
406 (1/407)
صفحة 408
قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، ومما أتانا به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن قال: لعن الله الواشمة والمستوشمة
وقال أيضا: والشرع ما ثبت بالكتاب أو السنة أو الاجماع أو القياس والكتاب أصل السنة لقوله عز وجل وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3]، "وما آتاكم الرسول فخذوه"، الآيتين والسنة أصل للإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أمتي لا تجتمعُ على ضلالة والإجماع أصل للقياس لأنه ما يثبت الإجماع ولا يعتد بنفي نافيه.
وقال العلامة العوتبي: ولا يجوز لأحد ردُّ ما أتى عن النبي (صلى الله عليه وسلم الاخبار بنص
وبما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من التضييق في ذلك.
الكتاب،
وما روي عن عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أنه قال صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه أنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. فقد ضيق صلى الله عليه وسلم على أحد أتاه عنه أمر مخالفته وترك العمل به 4
وقد بين الإمام نور الدين السالمي رحمه الله أن الفقه في الدين يتبع ثلاثة أصول أصلية وهي
الكتاب والسنة والإجماع وذلك في قوله:
والأصل للفقيه كتاب الباري
إجماع
ـــة المختار
والاجتهاد عند هذي منعـ
وهالك من كان فيها مبدعاً
البخاري، رقم: الحقيقة الدامغة، ص 34.
5598، أخرجه الربيع، رقم 975.
الحاكم، 190/ 1، الفياء، 471/ 1 - 472.
368
رقم
صحيح على شرط الشيخين.
407
1
2
3
4 (1/408)
صفحة 409
وقال أيضا:
وما أتى عن الرسول يقبل
والكل حجة فأما الأول
من ثقة لثقة والمرسل
مرسل
فهو الذي إلى النبي يصل
فهو الذي منه الصحابي يهمل.
وقال:
وفعله صلى عليه الله
يلزم أن نفعله كماهو
وإن يكن ندبا فذاك يندب
وكل هذا أسوة
أو جهل الوصف فليس يجب وليس كالتأسي عندي
نقدم الحديث مهما جاء
لي قياسنا ولا مراء مراء 2.
وقال في رد قول خالف حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم):
المصطفى يعتبر الأوصافا
لا نقبل الخلاف فيما وردا
ونعذر القائل حيث قالا
ونحن نحكي بعده خلافا
فيه عن المختار حكم أسندا
لعله لم يسمع المقالا
أو أنه ضعف ما قد سمعا
أو أنه أوله أو ادعى
الحقيقة الدامغة، ص 38.
جوهر النظام، 18/ 1. المرجع السابق، 21/ 3.
408
3 (1/409)
صفحة 410
وأطال رحمه الله في بيان حجية السنة الأحادية في جانب العمل، وكان مما قاله في ذلك: ووجوب العمل بخبر الواحد ثابت بالعقل والنقل، وأما ثبوته بالعقل فهو أن من أحضر إليه طعام وأخبره من يغلب في ظنه صدقه أن فيه سما، فإنه إذا أقدم عليه مع غلبة أنه مسموم استحق الذم قطعاً وذلك هو معنى الوجوب وأما ثبوته من جهة النقل فإنه قد علم من تواتر الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قد يبعث السعادة والعمال إلى الجهات النازحة ليرووا عنه ما يحب عليهم من أموالهم وألزمهم قبول، أخبارهم وأيضا فالصحابة والتابعون قد أجمعوا على الأخذ بخبر الأحاد وعلى العمل به، وبيان ذلك أن الصحابة كانوا يرجعون إلى خبر الواحد فيحكمون به، كخبر عبد الرحمن بن عوف عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نساءهم. .... وعملوا بخبر عبد الرحمن في الطاعون وهو أنه صلى الله عليه وسلم نهى من كان خارجاً عن ذلك البلد أن يدخله حتى يرتفع ونهى من كان داخلاً أن يخرج فراراً منه، ذلك وكان جميع من غير إنكار من بعضهم، بل كان منهم العامل بذلك ومنهم القابل له والمصوب عليه فكان إجماعاً على وجوب العمل بخبر الواحد، وكذلك أيضاً وقد أجمع التابعون وفقهاء الأمصار على قبول الأخبار التي ترويها الآحاد فكان إجماعاً من التابعين أيضاً.
والخلاصة: أن الإباضية جميعاً يعولون على الكتاب والسنة في عقيدتهم وفقههم وكل ما يتصل بدينهم ولا يعدلون عنهما إلى غيرهما.
وإنما يفرقون بين العقيدة والفقه، ففي العقيدة يعولون على القطعي وحده لذلك يعتمدون فيها الكتاب العزيز وما تواتر من السنة النبوية دون آحادها وإما في الفقه فهم يعتمدون الآحادي كالمتواتر لأنه ميدان
409
الحقيقة الدامغة، ص
39
المرجع السابق، ص 40. المرجع نفسه، ص 40.
1
2
3 (1/410)
صفحة 411
للنظر والاجتهاد ولكنهم يتركون الأحادي إن عارضه المتواتر، كما أنهم لا يقطعون عذر من خالف الروايات
الأحادية لترجيح ما يتصوره أقوى منها، أو لقدحه في صحتها.
إن الإباضية مدرسة إسلامية تعتمد القرآن الكريم وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في مرجعيتها. وإن اتهامها بنكران السنة باطل وغير منطقى ولم يبن على أساس وإنما بأثر الهوى أو الجهل أو التعصب. فالمدرسة الإباضية من أحرص المدارس على اتباع السنة والالتزام بها بحسب ورودها عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عملا وتركا وفكرًا وتطبيقا، وساروا على هدي الصحابة في وزن ما يلقى إليهم من الروايات بموازين العدل لسبر لسير أحوالها
من ثبوتها وعدمه 2.
3. الإجماع:
يوضح أبو يعقوب الورجلاني مسألة الإجماع من ألفها إلى يائها وعلى نهجه سار أصوليو الإباضية اللاحقون، أمثال الشماخي والقصبي والتلاتي، والسالمي واطفيش، وفي كتب بيان موقف الإباضية من حجة الإجماع، وهم الذين قالوا من ردّ ما اتفقت عليه الأمة، كمن ردّ السنة، ومن ردّ السُّنة كمن رد التنزيل ومن رد التنزيل أشرك 3.
فقد قام الورجلاني بتعريف الإجماع وأركانه في كتابه العدل والإنصاف وبين أهمية ما أهم أهل الإجماع وحجتيه وحقيقة الإجماع بين النفور والواقع وحجية الإجماع السكوتي، والإجماع وخبر الآحاد ومن أراد
التوسع فليرجع إلى حديث أبو يعقوب الورجلاني 4.
410
المرجع السابق، ص 41.
الحقيقة الدامغة، ص 113.
أبو يعقوب الورجلاني أصوليا، ص 350.
المرجع السابق، ص. ص 311 - 350.
1
2
3
4 (1/411)
صفحة 412
الكتاب
وقال العلامة أحمد حمد الخليلي: الإجماع ثابت بالكتاب، كما أنه ثابت بالسنة، فحجته من قول الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
4. القياس:
تحدث الدكتور مصطفى بن صالح عن أبو يعقوب الورجلاني أصوليًا (دراسة لعصره وفكره الأصولي بأبي حامد الغزالي)، وأشار إلى أهمية القياس وخطورته، وتعريفه، وأركانه وشروط، أركانه، وشروط الأصل ومنهج الاستدلال لحجية القياس وأدلة الجمهور على أدلة القياس وأنواعه وأقسامه وبين آراء الورجلاني الإباضي في تأصيل هذا المصدر ونقل أقواله 2.
إن القياس الأصولي راجع في حقيقته إلى نوع من الاستقراء العلمي الدقيق القائم على فكرتين أو قانونين هما: قانون العلية وقانون اطراد الحوادث. وقد كان منطق الأصوليين في إثبات القياس أن أحكام الشرع في غالبها معللة وأن العلة الجامعة هي مناط سريان الحكم من الأصل إلى الفرع، لأن الحوادث المطردة تأخذ أحكامًا متشابهة في تصور العقلاء.
إن القياس الأصولي نتائج إسلامي خالص، استقاه المسلمون من مصادر التشريع الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع، ووضعوه بجانبها مصدراً رابعاً متفقاً عليه بين جمهور العلماء وغدا منبعاً لا ينضب لأحكام الحوادث المستجدة، وفق معالم وضوابط الشريعة السمحاء التي حدّدتها نصوص الكتاب والسنة وأجمع
عليها الصحابة الأجلاء 3.
1
2
3
الحقيقة الدامغة، ص 34.
أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا، ص. ص 351 - 390.
المرجع نفسه، ص 391.
411 (1/412)
صفحة 413
الأحاديث
وتحدّث العلامة الخليلي عن القياس وقال ثابت بالسنة لا بالإجماع واستشهد بمجموعة من النبوية الشريفة منها ما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد بن ابن عباس، قال كان الفضل ابن عباس رديف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضيه عنه؟ قلت: نعم، قال: فذاك ذاك 1.
وذكر بعض الأحاديث ثم قال: فهذه الأحاديث كلها دالة على مشروعية القياس في الحكم وذلك بحمل مجهول الحكم على معلومه عندما يشتركان في العلة التي ينشأ عنها الحكم، فقد نبه النبي (صلى الله عليه وسلم) على ذلك وعمل به أصحابه 2.
فهذه الأدلة الأربعة متفق عليها عند جمهور العلماء وثمة أدلة أخرى كانت تثير اختلاف الأصوليين والفقهاء في مختلف المذاهب عُرفت بالأدلة المختلف فيها أو الأدلة التبعية ومن أبرز هذه الأدلة؛ الاستصحاب، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا وسد الذرائع وقول الصحابي والعرف 3.
وقد تحدث عنها الدكتور مصطفى بن صالح بشيء من التفصيل في كتابه أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا" وكذلك الدكتور التواتي بن التواتي الأغواطي الجزائري "كتاب الفقه المقارن بين الفقه المالكي والفقه
الإباضي" وغيرها من كتب فقهاء الإباضية.
412
1148
الربيع، 159/ 1، رقم 392. وانظر: مسلم: 804/ 2، رقم:
الحقيقة الدامغة، ص 36.
3 أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا، ص 392.
1
2 (1/413)
صفحة 414
ثانيًا: الفقه الإباضي:
يُعد الفقه الإباضي أحد أقدم المذاهب الباقية بين الفقه الإسلامي، ويعود قيامه إلى التابعي جابر بن زيد الأزدي وزميله المعاصر له وتلميذه، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة والرجل الذي كان مسؤولًا فعليا عن تأسيس مدرسة للفقه الإباضي هو جابر بن زيد وهو محدث وفقيه، وبسبب معرفته الواسعة بالقرآن وبأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقد كان قادراً على أن ينشئ مذهبًا مستقلا، وأن يجذب إليه عددًا من المتعلمين، وفي وقت لاحق راح هؤلاء يطورون آراءه وينشرونها.
واتخذ الفقه الإباضي شكله النهائي على يدي تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في سنواته الأخيرة، وعلى يدي الربيع بن،، تلميذ جابر بن زيد وأبي عبيدة معاً، غير أن جابر بن زيد يظل الشخصية ذات الأهمية الكبرى في تأسيس هذا المذهب، بالإضافة إلى مهارته مفتياً صرف معظم حياته لإصدار الأحكام الشرعية وضبط آرائه باستشارة صحابة الرسول الأحياء، والتابعين البارزين وكان كذلك صلة الوصل الأساسية بين أتباع مذهبه وأولئك الصحابة الذين لعبوا الدور الرئيسي في صياغة الآراء حول الشؤون الدينية والشرعية ونشرها.
وإن الدور الطليعي الذي لعبه جابر في تأسيس المذهب الإباضي معترف له به بوضوح من قبل الإمام الثاني للإباضية، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن
الله من علينا بجابر بن زيد لضللنا.
413
دراسات عن الإباضية، ص 121.
المرجع السابق، ص 121.
1
2 (1/414)
صفحة 415
وحقيقة كون جابر صاحب مذهب مستقل أمر اعترفت له به المرجعيات السنية أيضاً، يقول أبو زكريا النووي "ت "1277/ 676 م" في كتابه "تهذيب الأسماء" بعد الحديث عن جابر بن زيد، ومدرسيه وتلاميذه: اتفقوا
على توثيقه وجلالته وهو معدود مهدود من أئمة التابعين وفقهائهم وله مذهب يتفرد به 1.
ولقد سبق أن ذكرت قصة جابر ونشاطاته أما هنا فإننا بالدرجة الأولى معنيون بإسهامه وبمقارنته فقهيا وقد سجلت فتاويه وأحكامه الشرعية من قبل طلابه الإباضيين وهي تشكل جزءًا مهما من أساس المذهب الإباضي في الفقه. وقد كانت مصادر الأحكام الشرعية المعروفة لدى جابر والتي استخدمها هي القرآن والسنة وآراء الصحابة، ثم رأيه الخاص 2.
تفسير
وبالنسبة للقرآن كان جابر يملك معرفة تامة بتفسيره من شيخه ابن عباس الذي يعتبر خير مرجع القرآن والثقتان اللذان نقل عنهما القسم الأكبر من المعلومات في التفسير، أي مجاهد وقتادة كانا على صلة
وثيقة بجابر والواقع أن قتادة كان أحد تلاميذ جابر 3.
عدد من
وأما بالنسبة لدراسات جابر بن زيد، فقد اكتسب معرفته بالإسلام ونظامه الديني والفقهي عبر الصحابة، لا سيما ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة. وتلك أقوال الرسول وأعماله وموافقته على أعمال وأقوال معينة من قبل صحابته معروفة لدى الثقات الإباضية الأولين بأوسع معانيها.
وقد استعمل علماء الإباضية مفهوم "السنة"، منذ الفترة الباكرة لتأسيس مذهبهم. وقد استعمل جابر بن زيد هذه العبارة في رسالتين من رسائله وفي رسالة إلى عثمان بن ياسر، كتب جابر: فأما الذي كتبت
414
النووي، تهذيب الأسماء نقلا عن دراسات، ص 121.
دراسات عن الإباضية، ص 121.
الحلية لأبي نعيم
90/ 3
دراسات عن الإباضية، ص 122.
1
2
3
4 (1/415)
صفحة 416
تسألني. عنه من المملوك هل يصلّي ولم يختتن فإن الختان من المسلمين سنة واجبة لا ينبغي تركها ويكره أن
6
تتركوا لكم مملوكا غير مختون، ولا يصلّي حتى يختتن.
وفي رسالة أخرى للحارث بن عمرو؛ كتب جابر مرة أخرى وأما ما ذكرت من رجل يصلّي المغرب والعشاء والصبح لم يقرأ فيهن بشيء من القرآن فإنه أحب إلى أن يعيد صلاته فيقرأ منها، فإنه قد ترك السنة فيها، إلا أن يكون رجلاً أُمّياً لا يقرأ واغتمّ فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
كذلك ذكر جابر كلمة "السنة" في رسالته إلى طريق بن خليد، بالقول التالي: وأما الذي ذكرت من أن إماماً يؤم الناس في الصلاة الواجبة ولكنه ترك فيها الركوع وتبعه في ذلك المأمون، فالأفضل لهم إعادة صلاتهم تلك لأنهم بذلك قد خالفوا السنة 3.
إن دور السنة كمصدر ثان للفقه الإباضي ذكره بصراحة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، خليفة جابر بن زيد في عدد من الأقوال:
إن إمام المسلم هو القرآن ودليله سنة رسول الله يحب فقط ما يحب الله ورسوله.
بالنسبة لحكم الإمام: هل يمكن لعلماء الأمة أن يغيروه أم لا؟ قال أبو عبيدة مسلم: إذا كان حكمه معارضاً لما في الكتاب والسنة وكان الحكم على هذه القضية معروفاً في القرآن والسنة، فإن عليهم أن
يغيروا ما هو مناقض للكتاب والسنة 5.
الخير فيما اختار الله ورسوله، والضرر في معارضتها.
415
المرجع السابق، ص 123.
المرجع نفسه، ص (
123
دراسات عن الإباضية، ص 124.
أبو عبيدة مسائل ص 15، نقلاً عن دراسات، ص 124.
دراسات عن الإباضية، ص 124.
1
2
3
4
5 (1/416)
صفحة 417
ولقد تمسك تلامذة أبي عبيدة بهذا النهج نفسه وقد ذهب بعضهم إلى حد رفض أحكام المراجع الإباضية
الأولى، كجابر بن زيد، وأبو عبيدة، حين نقلت أحاديث غير موثوقة موثوقة بالنسبة لقضية معينة، حتى من قبل مراجع غير إباضية.
وقد تمثل توق المراجع الإباضية الأولى إلى اتباع سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بإسهامها في ميدان الحديث وأسهموا في هذا الميدان وحفظوا ودوّنوا مجموعاتهم الخاصة بهم من الحديث.
إن العلماء الأوائل الذين أسسوا المذهب الإباضي كانوا محدثين بارزين أمثال جابر بن زيد، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان وحيان بن الأعرج وأسماؤهم معروفة في مجموعات الحديث الإسلامية وهم معتبرون من قبل المحدثين الثقات 2.
واهتمت المدرسة الإباضية بعلوم الحديث وظهرت على يدي أبي يعقوب الوارجلاني في كتابه "العدل والإنصاف" اهتمامه بعلوم الحديث وغالبية الأصول التي ذكرها معروفة في كتب السنة عن علم الحديث، ولعل أبا يعقوب جمع بعضها في مدرسة السنة في قرطبة، أو لعل عدد من تلك الأصول انتقل إليه من مراجع إباضية تعود إلى عهود سابقة، أمثال محمد بن محبوب، ووالده أبي سفيان، إذ يقال إن كتبهما وقعت في يديه 3
ولعل من الأهمية بمكان هنا أن تذكر الأصول التي وضعها الإباضيون لتدوين ونسخ كتب الأحكام الفقهية منها يمكن إصدار الأحكام الشرعية والأصول هي أن الناسخ ينبغي أن يكون وليا، وأن الرجل الذي
التي
416
المدونة أبو غانم مخطوطه 400 منقول بتصرف عن دراسات عن الإباضية.
تهذيب التهذيب، 68/ 3. ابن حج.
دراسات عن الإباضية، ص 128.
1
2
3 (1/417)
صفحة 418
يملي عليه ينبغي كذلك أن يكون ولياً، ثم إنه ينبغي لوليين أن يراقبا الإملاء، فيما يراقب وليان آخران
الكتابة 1.
1. الجامع الصحيح في الفقه الإباضي
إن العمل الذي يضم المجموعة الإباضية للأحاديث، بالمعنى الدقيق للكلمة هو الجامع الصحيح، أو مسند
الربيع بن حبيب والنص الأصلي للكتاب كما وضعه الربيع بن حبيب ليس بشائع الاستعمال، أما النسخة الشائعة فهي التي أعاد أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني تنظيمها بعنوان "ترتيب المسند"2
مسند الربيع بن
ومواد
هي المواد المذكورة في مجموعات السنة نفسها، وغالبية الأحاديث التي رواها الربيع
مذكورة في المراجع السنية الأخرى بالنص نفسه، أو بفروق طفيفة وفي التعليق على المسند أبرز
السالمي الأحاديث المذكورة بشكل فريد غير الشكل الوارد في المجموعات السنية، إلا أن هنالك أحاديث
أخرى مماثلة تعبر عن الآراء نفسها تسمى اصطلاحاً بالشواهد 3.
والواقع أن أول عالم إباضي في شمالي إفريقية ذكر بعض مجموعات الأحاديث السنية في أعماله يعقوب الوارجلاني من القرن السادس للهجرة.
هو
أبو
إن النظام الفقهي الإباضي كان قائماً على مواد ترويها المصادر الإباضية وتطور خلال تاريخه في إطار هذه المواد ولا يمكن فهم طبيعة التشريع الإباضي إلا بدراسة مواده ومراجعه الأصلية، والظروف التي أدت إلى تأسيس الحركة الإباضية ووجهت نموها وتطورها ونظر الإباضيون إلى الفترة الأولى في عهد الخليفتين الأولين باعتبارهما العصر المثالي الذي بعده أخذت البدع والشهوات الدنيوية تسبب في فساد المجتمع الإسلامي من
417
128
المرجع نفسه، ص 3
الشماخي، السير، ص 444. وانظر: الجواهر، البرادي، ص 220.
3
دراسات
عن الإباضية، 130.
4
* المرجع السابق، ص 131
1
2 (1/418)
صفحة 419
حيث الحياة الدينية والسياسية فهدفهم هو التمسك بالمثال الذي سنه الرسول وخليفتاه والصحابة، وإعادة ترسيخ المجتمع على نفس أسس المجتمع الإسلامي الأول لذلك اختار الإباضيون مصادرهم من الصحابة والتابعين الذين عاصروهم ورووا الأحاديث والآثار عن أولئك الذين اعتبروهم من وجهة نظرهم، على النهج
الصحيح.
2. المادة الأصلية للفقه الإباضي
إن المادة الأصلية للفقه الإباضي محفوظة في الأعمال التالية:
الجامع الصحيح للربيع بن حبيب.
المدونة لأبي غانم بشر بن غانم الخرساني.
الديوان المعروض على علماء الإباضية.
روايات ضمام، ألفه أبو صفرة عبد الملك
بن
صفرة.
فتيا الربيع بن
كتاب نكاح الشغار لعبد الله بن عبد العزيز.
كتب ورسائل الإمامين الأولين للمذهب الإباضي جابر بن زيد، أبي عبيدة مسلم.
وإن جميع
الأعمال الإباضية التالية جاءت مبنية مبينة بالدرجة الأولى على المواد المحفوظة في الأعمال المذكورة
أعلاه. وتشكل الأعمال المذكورة العمود الفقري للفقه الإباضي في القرنين الأولين. وهي تحتوي عرضًا
واضحًا ومفصلًا للجهود للجمهور التي بذلها العلماء الإباضيون الأوائل في تطوير مذهبهم.
1
2
المرجع نفسه، ص 131. دراسات عن الإباضية، ص 132
418 (1/419)
صفحة 420
والدراسة الحالية لطبيعة مذهب الفقه الإباضي، وللوسائل التي اعتمدها مؤسسوه مبنية بالدرجة الأولى على تلك الأعمال وهكذا فإنه يمكن إعطاءه عرض واضح للآراء الإباضية الخالصة قبل احتمال وقوع أي اتصال
مباشر بين المذهب الإباضي ومذاهب الفقه الإسلامية الأخرى التي تأسست في وقت لاحق.
وبانقضاء ثلاثة عقود من القرن الثاني للهجرة كانت الآراء الإباضية بخصوص معظم المسائل الشرعية والدينية قد استقرت، وقد وقعت هذه المرحلة خلال السنوات الأخيرة لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة 2.
3. الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية:
لا يهم في هذا المقام ذكر القواعد الفقهية المشتركة ولا التعمق في المسائل الخلافية كلها فقد لتوضيح الأمور يحتاج منا معرفة ما يتفق ويختلف به كل طرف. لقد قد قام الدكتور عبد المحسن سالم الكاتب بتقديم رسالة عالمية متعلقة بالخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية وقدم دراسة استقرائية تحليلية مقارنة في العبادات وفي خاتمة الرسالة قال: تبين لي من خلال معايشتي لهذا البحث نتائج عدة أجملها:
تقارب المذهبيين فقهياً، فالمسائل المختلف فيها وإن بان للمطلع على البحث كثرتها، إلا أنها فعلياً ليست كثيرة، فلو تتبع الخلاف بين المالكية وغيرها من المذاهب الأربعة على نفس هذا المنهج الذي سارت عليه الدراسة، لزادت عدد المسائل عما هي عليه في هذا البحث.
التقارب الفقهي مرده إلى تقارب الأصول التي اعتمد عليها المذهبان، فباستثناء عمل أهل المدينة، الذي لم يعتمده غير المالكية، تكاد تكون أصول المذهبين واحدة.
419
دراسات عن الإباضية، ص 141.
المرجع السابق، ص 143.
1
2 (1/420)
صفحة 421
من خلال هذه الدراسة اتضح لي أن قول ابن رشيق القيرواني أن مذهب الإباضية الفقهي أقرب
المذاهب إلى مذاهب أهل السنة، قول صحيح، فلم أجد من بين المسائل الخلافية مع المالكية ما
خرج
منه الإباضية عن المذاهب الأربعة إلا مسائل قليلة معدودة.
أهم الوسائل التي خالفت الإباضية فيها المذاهب الأربعة:
القول بعدم جواز المسح على الخفين.
تحريم المرأة على زوجها الذي جامعها قبل طهرها واغتسالها من الحيض.
انهدام الصوم بالفطر؛ ومعناه قضاء كل الأيام التي سبقت يوم الفطر بالإضافة إلى الكفارة.
القول بانتقاض الوضوء بالمعاصي، كالفطر والكلام الفاحش ونحو ذلك.
القول بانتقاض الوضوء من مس النجاسة الرطبة أو اليابسة مع رطوبة اليد.
القول بانتقاض الوضوء من مس الكافر باعتباره نجسا بالحقيقة.
القول ببطلان صيام من أصبح جنبًا، ولو باحتلام.
القول بندب صيام أيام معينة كالخامس والعشرين من ذي القعدة وغيره.
تأثر المذهب الإباضي بمجاورته للمذهب المالكي، فكثير من المراجع التي رجعت إليها تذكر الخلاف المالكية دون غيره من المذاهب غالبا، ثم إن كثيرًا من المصطلحات الفقهية الإباضية يتضح فيها
مع
التأثر بالمصطلحات الفقهية المالكية.
على العكس من علماء الإباضية لم يهتم علماء المالكية بذكر خلاف الإباضية في المسائل والفروع
الفقهية، فكأنهم لم يعتدوا بخلافهم.
1 الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية، ص 277.
420 (1/421)
صفحة 422
—
تشنيع بعض المالكية على المذهب الإباضي راجع في الأساس إلى الخلاف العقدي لا
الفقهي، وكما فكلما تقدم في الفقرة الأولى والثانية لا يوجد سبب في فقه الإباضية يدعوا إلى التشنيع عليهم.
أكثر المصادر من المصادر التي اطلعت عليها من كتب الإباضية لا يشنع من يشنع على المالكية
سبب
إلا في نطاق محدود ضيق وعلى العموم لا في مسألة معينة بخصوصها، وذلك يؤكد أن التشنيع بين المذهبين مرده إلى أمور أخرى ليس الفقه من بينها أو لعله من الأسباب غير الرئيسية
أو الثانوية.
المذهب الإباضي وإن كان سابقاً للمذهب المالكي في النشوء أو الظهور إلا أنه أقل أتباعاً وشهرة وانتشاراً منه، ولعل مرد ذلك راجع إلا ظهور الدور السياسي بشكل كبير في المذهب الإباضي، بحيث كان يحتاج إلى دولة تعتمده وتنشره تدافع عنه،، ولم يتاح له ذلك إلا في حدود ضيقة، باعتماد دولة عمان له وهي دولة قليلة السكان، وقد فُنِيت الدول التي اعتمدته في شمال أفريقيا. ولعل أهم أسباب ضعف المذهب الإباضي مناصبته العداء لأمراء الدولة الأموية، بداية نشأته، ما
جعل كثيرًا من الناس يتخوفون من هذا المذهب، ويعرضون عنه.
المذهب المالكي رغم أنه متأخر في الظهور عن مذهب الإباضية إلا أنه أكثر انتشارًا وأتباعًا
وشهرة، وسبب
أساساً
ذلك شهرة مؤسسه وكثرة علمائه الذين خدموه، وبسبب اعتماد بعض الدول له
في الفقه، حيث اعتمد في الأندلس في حياة مؤسسه وذلك على الرغم أنه مذهب فقهي
في الأساس، ولم يتعرض للسياسة إلا كما تعرض لغيرها من مسائل الفقه المختلفة.
اهتم بالسياسة وكان للإمام مالك مواقف مشهورة وكذلك لأتباع المذهب، بل هو يعتبر عن نظرة شاملة للإسلام في مجالات الحياة المختلفة.
1
المذهب المالكي انظر الخلاف الفقهي بين الإباضية والمالكية، ص 279.
421 (1/422)
صفحة 423
وكتب الدكتور التواتي بن التواتي الأغواطى الجزائري كتابًا قيما من مجلدين كتاب الفقه المقارن بين الفقه المالكي والفقه الإباضي" وكانت دراسته تقابلية بين المذهبيين من حيث الأصول والفروع وبين هدفه من الكتاب وهو خدمة المذهبين الأخوين المتجاورين في الربوع الجزائرية والسعي إلى تقليص هوة الخلاف بين
الأخوة.
وقال: وهذا الكتاب ليس هدفه التأريخ للفرق الإسلامية وإنما غايته خدمة الفقه الإسلامي عموماً والفقه المالكي والإباضي خصوصاً لما فيه من تقريب بين المذهبين وبث روح التسامح والمودة بين الفريقين – وهي موجودة لا محالة ولكنا نريدها أن تزداد متانة وقد راسلني راسني أحد أقطاب الإباضية في واد ميزاب وهو العلامة الشيخ محمد ناصر المرموري -رحمه الله تعالى - مشجعاً فقال: ليس هناك كبير فرق بين مذهبينا "المذهب المالكي والمذهب الإباضي" وإن تسامح علماء الإباضية تجاه الفقه المالكي لا نلمسه في "فقه" "العوام" وإنما نجده في فقه الأعلام الإباضية 2.
ونقل ما ذكره الشيخ إطفيش في كتابه الموسوم "شرح النيل وشفاء العليل" من تسامح مع المذاهب السنية ومع أقطاب الفقه المالكي خصوصاً وأثبت بعض المسائل الفقهية المستقطبة من "شرح النيل"
قاطبة
للتدليل على الروح الطيبة السمحة 3.
وتناول الشيخ اطفيش –رحمه الله كتاب النيل شارحًا عبارته بأقوال المذاهب السنية، مكثرًا من قول
مالك وأصحابه. ثم قال: إن هذين المذهبين وغيرهما من المذاهب الأخرى استمدت فروعها استنباطا من
422
كتاب الفقه المقارن بين الفقه المالكي والفقه الإباضي 10/ 1.
المرجع السابق، 42/ 1.
المرجع نفسه، 42/ 1.
المرجع السابق، 43/ 1.
1
2
3
4 (1/423)
صفحة 424
كتاب ومن
واسع.
سنة نبيه (المبعوث بالحق وإنما الناس اختلفوا في الفهم والإدراك والاستنباط وهذا أمر
4. الفوارق بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى في الأحكام
الفقهية:
ولما كان الإباضيون قد استمدوا نظامهم الفقهي من المصادر ذاتها للمذاهب الأخرى أي من القرآن والسنة والإجماع، واستعملوا نفس الأساليب تقريبًا للاجتهاد في تكوين الأحكام التي لم تتناولها المصادر السابقة، فإن الفروق التي ظهرت بين نظامهم الفقهي، وأنظمة المذاهب الإسلامية الأخرى محصورة في الفروع ولم توافق عليها المذاهب الأخرى والعكس بالعكس أيضًا. كذلك نشأت من فرق في الرأي في تفسير المصدرين الرئيسيين القرآن والسنة وإليك بعض المسائل التي خالف الإباضيون فيها المذاهب
الأخرى:
المسح على الخفين كجزء من الوضوء:
بدلًا من غسل القدمين كجزء من الوضوء، رفض الإباضيون بالإجماع المسح على الخفين وقد قال جابر بن زيد بالنسبة لهذه القضية: كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء 2.
وفي رأي المراجع الإباضية أن الحديث الذي يتعلق بالمسح على الخفين أبطل بأية الوضوء في سورة المائدة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]. وبين الصحابة الذين يروي الإباضيون عنهم أنهم رووا الحديث الذي يقر
1
2
الفقه المقارن بين الفقه المالكي والإباضي، 50/ 1. دراسات في الإباضية، ص 149.
423 (1/424)
صفحة 425
بحجة المسح، لكنهم قالوا أبطل علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، وبلال، وأبو هريرة، وعائشة. ومن
ناحية أخرى روى الإباضيون عددًا من الآثار ترفض المسح على الخفين:
- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسح على خفه قط 2.
- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسح على خفه قط، إني
وددت أن يقطع الرجل رجليه من الكعبين أو يقطع الخفين من أن يمسح عليهما.
الله
- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: أدركت جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسألتهم هل يمسح رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، على خفّيه فقالوا لا قال: جابر كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا في كتابه بنفس الوضوء، والله أعلم ما يرويه مخالفونا في أحاديثهم؟؟
ورأي الإباضية بخصوص مسألة المسح على الخفين، مختلف كل الاختلاف عن رأي السنة الذي أجازوا المسح، أثناء السفر عند البعض، وأثناء الإقامة والسفر عند البعض الآخر وقد تبنى المذهب الشيعي ... رأي الإباضيين حول هذه المسألة.
وقد ذكر الدكتور عمرو النامي بعض المسائل الفقهية في الصلاة والصوم والزكاة والنكاح والإرث، والحدود
:
والقصاص وبين أوجه الخلاف مع المذاهب السنية الأخرى ثم قال وباستثناء الأمثلة التي ذكرناها أعلاه، قد يختلف الإباضيون أو يتفقون في نواح عديدة من نظامهم الفقهي مع هذا المذهب الإسلامي أو ذاك وما عدا ذلك فلا فارقُ كبير بين الفقه الإباضي والفقه السني بوجه عام وإذا كان الإباضيون يرون نفس الرأي كالشيعة الاثنا عشرية في بعض المسائل، فإنهم يختلفون عنهم أيضا في نقاط أخرى، ونكاح المتعة على سبيل
424
المرجع السابق، ص)
150.
المرجع نفسه، ص 150.
المرجع نفسه، ص 150. المرجع السابق، ص 150.
2
3
4 (1/425)
صفحة 426
المثال، هي إحدى المسائل التي يرى فيها الإباضيون رأي السنة والفرع الزيدي من الشيعة، لكن الشيعة الاثنا
عشرية يعتبرونها شرعية.
على أية حال، فقد نوقش بعض هذه المسائل في وقت باكر من قبل المصادر الإباضية وكان الإباضيون ينظرون إلى أنفسهم باستمرار بأنهم المسلمون الحقيقيون وبأن شرعهم هو الذين الإسلامي الصحيح معتبرين، أن مذهبهم هو الممثل الحق للسنة الصحيحة والمتفوق على المذاهب الإسلامية الأخرى وقد عبّر الشيخ الإباضي محمد يوسف إطفيش في العصر الحديث عن هذا الرأي بالكلمات التالية: قولنا صواب ويحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ ويحتمل الصواب.
على أن هذه النظرة الإباضية إلى المذاهب الفقهية غير الإباضية لم تمنع أحد علمائهم البارزين من إدخال مبدأ جديد على الفقه الإباضي، يقول إنه مسموح للمفتين الإباضيين أن يستعينوا بآراء غير المذاهب
الإباضية إذا لم يوجد لعلماء الإباضية آراء في تلك المسائل 1.
رأي وهبة الزحيلي في الفقه الإباضي:
يقول الدكتور وهبة الزحيلي وقد اشتهرت الإباضية بالقول بالمسائل الفقهية التالية:
عدم جواز المسح على الخفين كالشيعة الإمامية.
عدم رفع الأيدي في تكبيرة الإحرام، أما إرسال الأيدي في الصلاة والاقتصار على تسليمه
واحدة فهم موافقون المذهب المالكي والزيدي.
القول بإفطار من أصبح جنباً في رمضان عملاً لحديث أبي هريرة ورأي بعض التابعين.
1
دراسات عن الإباضية، ص. ص 158 - 159. ومقتطفات من روضة الإشراق للطلعاتي ذكر أن هذا الرأي أعطى من قبل أبي ستة في حواشي ترتيب
المسند.
425 (1/426)
صفحة 427
تحريم ذبائح أهل الكتاب الذين لا يعطون الجزية أو الحربيين غير المعاهدين، والإمامية لا يجيزون
أكل هذه الذبائح مطلقًا.
تحريم نكاح الصبي والصبية في قول جابر بن زيد، والعمل في المذهب بخلافه.
كراهية الجمع بين بنات العم خوف القطيعة وهي كراهة تنزيه.
الوصية واجبة للأقربين غير الوارثين عملاً بالأحاديث التي تحث على الإيحاء، وتجوز الوصية،
لأولاد الابن مع وجود الأولاد لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. ونسخت الوصية
للوالدين بآية المواريث وبحديث: لا وصية لوارث.
المكاتب حر من وقت الكتابة والمدبر حر بعد الموت المدبر كبقية المذاهب أو بعد انقضاء
الأجل الذي أجل إليه ولا يجوز بيعه إلا في الدين عند أكثر علماء المذهب.
تحريم التبغ على أنه من الخبائث 1.
اجتهادات من علماء المذهب الإباضي
ذكر الشيخ علي يحي معمر بأنه قد يذهب أحد مجتهديهم من الخلف إلى التيسير في مسألة كان السلف
يرى فيها التشديد ويحضرني في ذلك مثلان قريبان:
الأول: في قضاء رمضان فإن المعمول به عند الإباضية أنه يجب التتابع في القضاء، كما يجب في الأداء وذهب الأستاذ باكلي عبد الرحمن من علماء الإباضية المعاصرين إلى عدم وجوب التتابع تيسيراً على
الناس واستناداً إلى ما ذهب إليه بعض الأئمة من غير الإباضية.
1 الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 43/ 1 - 44.
426 (1/427)
صفحة 428
الثاني: يرى علماء السلف من الإباضية أن طعام أهل الكتاب يحل إذا كانوا تحت الذمة أما إذا لم يكونوا كذلك فلا يحل طعامهم ولا نكاح نسائهم وكأنما يرون أن هذا مرتبط بالجزية والجزية تدل على وجود
رقابة إسلامية عليهم فإن انعدمت الجزية انعدمت الرقابة وإذا انعدمت الرقابة انعدم الإكرام أو الشرف الذي يعطي للكاتب دون غيره.
وقال: وقد زارنا أستاذنا إبراهيم بيوض أحد الأئمة الإباضية ومجتهديهم في العصر الحاضر في أوربا ورأى العنت الذي يتكبده طلبة العلم بصفة خاصة في موضوع الأكل، فذهب إلى تحليل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً سواء كانوا تحت الذمة ولم يكونوا كذلك تيسيراً على الناس واعتمادًا على العموم في الآية الكريمة، واستناداً إلى ما ذهب إليه بعض أئمة المسلمين مختلف العصور 1. من
انفتاح المذهب الإباضي على المذاهب السنية الأخرى:
عنه
صدر كتاب الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا، للدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري وتحدث الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني في كتابه قراء في كتب المدرسة الإباضية وقال: يشرح المؤلف دور الإباضية في التواصل الفكري والعقائدي والفقهي وانفتاحهم على كافة المذاهب دون إقصاء مذهب أو استبعاده من الساحة وذكر بعض الأمور منها:
—
لم يتوان الإباضية عن الاطلاع على آراء المذاهب الأخرى كافة المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية والمعتزلة والزيدية وتناول كتبهم بالشرح والتعليق والنقد والتأييد والاستفادة منها، على الرغم من أن بعضها تخالفهم في مسائل عقائدية جوهرية وفقهية ويذكر عشرات الأمثلة بلا مبالغة من فقهاء
وعلماء الإباضية من القدماء مثل، أبي سعيد الكدمي وابن خلدون والمحقق سعيد
بن
خلفان
الخليلي (ت: 1287 هـ إلى العلامة أحمد الخليلي مفتي السلطنة، مروراً بإسماعيل الجيطالي (ت
427
الإباضية بين الفرق، ص 91.
1 (1/428)
صفحة 429
750 هـ)، وأبي يعقوب المصعبي (ت 1187 هـ)، وقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش "ت 1914، ويذكر عشرات الكتب من المذاهب الأخرى التي اطلعوا عليها وعلقوا عليها وتأثروا بها وآثروا فيها، ليس هذا فحسب بل إن الكثير منهم تلقوا العلم على يد أصحاب المذهب المالكي وبعضهم جمعتهم صلات علمية بمحمد عبده (ت 1905)، وتلميذه رشيد رضا (ت 1935) 1. الدعوة إلى تشريع التقريب بين المذاهب وكان للإباضية مساعي قام بها علي يحي معمر والخليلي وغيرهم من المعاصرين.
مساهمة الإباضية في الكتابة في الفقه المقارن مساهمة فعالة والمشاركة بقوة في الإنتاج الغزير وعدم التقوقع دخل حدود المذهب، أو الاستعلاء على الآخرين وكتبهم شاهدة على ذلك من أول مدونة أبي غانم الخرساني إلى كافة كتب الشيخ الخليلي مروراً بموسوعة الضياء للعوتبي ومعارج الآمال لنور الدين السالمي، هذا الانفتاح على كتب المذاهب الإسلامية ينبئ عن سعة أفقهم وسلامة منهجهم واحترامهم لأدلة مخالفيهم في الرأي وإيمانهم بأن المذاهب تتكامل ولا تتعارض ولا أحد يملك مفاتيح
الحقيقة الكاملة 2
تحدث الدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري أيضًا عن الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1024 هـ)،
وهو مؤسس دولة اليعاربة بويع من أهل الحل والعقد شمر عن ساعد الجد لرأب الصدع الذي أحدثته دولة النباهة وإعادة اللحمة العثمانية وقيادة السفينة إلى بر الأمان، فكتب تاريخاً وبنى دولة قوية على أسس إسلامية يسود فيها القانون ويحاسب فيها الكبير مثل الصغير، حارب البرتغاليين وحقق انتصارات باهرة عليهم ولم يتوان في خضم الحرب أن يسترد منهم أموال الشيعة التي نهبوها، ويترك حرية العبادة لأصحاب المذهب الشافعي في منطقة رأسي الخيمة التي حررها من البرتغاليين
428
103 - 89
—
1 قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 117. 2 الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا، ص (1/429)
صفحة 430
في زمن يسوده التعصب المذهبي، وهذا يدل على قوة العقيدة وتأكيد مفهوم التسامح ووحدة الأمة دون النظر للمذهبية الضيقة.
تحدث كذلك عن الإمام سلطان بن سيف، وتولى قيادة الدولة عام (1050 هـ)، وذلك إثر سلفه العظيم فوجد أرضا ممهدة ودولة مستقرة وموحدة، فكعف على تعليه البنيان الشامخ، وتجرد لملاحقة البرتغاليين، وطردهم خارج الجزيرة العربية حتى وصلت قواته لباب المندب، وساعد مسلمو الهند وهم حنفية، وإخوانه في شرق إفريقيا وهم، شافعيون ومن فضائله أنه لم يفكر مجرد تفكير أن يفرض مذهبه عليهم، وأمضى حياته في كفاح البرتغاليين وفي عهده استراحت الرعية، ورخصت الأسعار وصلحت الثمار وعمرت عمان بالعلماء كما فيما يقول الإمام نور الدين السالمي والإمام أحمد بن وتأسيس دولة آل بوسعيد (1167 هـ).
سعيد
بويع الإمام في ظروف داخلية وخارجية صعبة، وفتن وانشقاقات مربكة إذ وقع الشقاق بين اليعاربة، مع عدوان خارجي من جهة الفرس حينما دخلوا أرض عمان، ولما كانت همة الإمام قوية وإرادته ماضية وعزيمته تفل الحديد، توجه أول ما توجه إلى جمع العمانيين تحت راية واحدة، ولم شمل وتحقيق الوحدة الوطنية وبناء البيت من الداخل وتقوية أركانه، ثم انطلق لمواجهة الفرس وطردهم من البلاد ومع استقرار أمن الدولة، وتوطيد أركانها، وقوة جبهتها جبتها الداخلية وصلابة جيشها، لم يتأخر الإمام الهمام من تلبية استغاثة أهل البصرة ونجدتهم من هجوم الفرس دون أن يفرض عليهم أي شروط، أو يحاول أن يفرض مذهبه عليهم وهم أهل سنة وشيعة وهذا موقف، والموقف الآخر إقامة علاقات وطيدة مع الدولة العثمانية والوقوف بجوارها في مواجهة أعدائها على الرغم من تباين
1 قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 121.
429 (1/430)
صفحة 431
المذهب. وقال عنه الإمام السالمي: كان صاحب همة عالية ومطلب سام وجرأة وإقدام دانت له
القبائل أطفأ الفتن وقام بأمر الدولة وأعطى المملكة حقها ودافع الفرس واستراحت الرعية.
ولم تتوقف جهود الدولة البوسعيدية في الانتصار للإسلام ورفع رايته في الآفاق، فبعد أن تولى الإمام سلطان بعد أبيه، وسيطر على قشم والبحرين وبندر عباس وكان معظم سكانها من
الشيعة
والشافعية، لم يكرههم على اعتناق المذهب الإباضي وترك لهم حرية العبادة وإقامة شعائرهم دون
ضغط أو أكراه 2.
الحقيقة هذه المواقف المتسامحة إن دلت على شيء، فإنما يدل على سعة أئمة وسلاطين عمان ورحابة صدورهم وصفاء قلوبهم تجاه المذاهب الأخرى وتحقيق مبدأ التعايش السلمي بين أمة الإسلام. ولا شك أيضًا أن الفكر الإباضي كان له دور كبير فاعل في سيادة مبدأ التسامح وعدم التفكير وشيوع الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، وتعميق الحس الديني وصبغ الأخلاق العمانية بصبغة التسامح وفضليه التواضع وترسيخ دعائم التعاون والوحدة.
لقد استأنف الدكتور اسماعيل بن صالح الأغبري الحديث في كتابه في طرح الواقع المعايش على مساعي الإباضية في إزالة روح الفرقة بين المذاهب وإذابة جليد النفور بينهم، فيشيد بمسعى الإمام نور الدين السالمي وسليمان الباروني "1940 هـ" في توحيد صف المسلمين ودعوة السالمي لترك الألقاب المذهبية والتسمي بالإسلام، ودعوته لملوك العرب إلى الاجتماع في مكة المكرمة لمكانتها في نفوس المسلمين، للعمل بجد ونشاط لتوحيد صفهم، ويتطرق الدكتور إسماعيل إلى مساعي الباروني وجهوده الحثيثة في تقريب وجهه نظر ملوك الإسلام ودفاعه عن الدولة العثمانية الحنيفة ووقوفه يساندها في مواجهة مؤامرات الغرب وأطماعه لتقسيمها واحتلال الدولة الخاضعة لها وكذلك توسطه لوقف الحرب التي
430
المرجع السابق، ص 122.
المصدر
نفسه، ص 122.
المرجع السابق، ص 123.
1
2
3 (1/431)
صفحة 432
نشبت بين الملك عبد العزيز بن سعود (ت 1953 هـ)، والإمام يحي إمام اليمن (ت 1948 م). وقد قام
العلامة أحمد الخليلي بجهود مشكورة في قضية التقريب والانفتاح على الآخرين من أبناء الأمة ويتجلى
في ذلك:
دعوته لحرية الفكر والمعتقد وعدم التشدد في المسائل الخلافية، إذ لكل مذهب حجته القوية ودليله الذي يروق له ويشدد على الدعاة ألا يتخذوا من مسائل الخلاف تكئة للفرقة وقطع حبال الود
ما بين الأطراف ويؤكد أن مستقبل الأمة على التعاون ووحدة الصف.
مبني
شارك سماحته في كافة المؤتمرات الإسلامية في كافة دول العالم بداية من باكستان وماليزيا شرقاً
وانتهاء بالجزائر غرباً ومروراً بطهران والأردن ومصر.
ردّ على من أفتى بتكفير الإباضية وعدم جواز الصلاة خلفهم في كتابه الشهير "الحق الدامغ" وناقش فيه قضية أدلة الإباضية على نفي الرؤية، وإنكارهم شفاعة الرسول لمرتكب الكبيرة إن لم يتب وبين أن القضية مختلف عليها بين الفرق ولا تدعو للتنفير وللتكفير وساحة الفكر الإسلامي
تسع الجميع 2.
في عام 1988 م دعت السلطنة لعقد مؤتمر إسلامي عالمي عقد في جامعة السلطان قابوس ودعي إليه علماء من كافة العالم الإسلامي ومنهم شيخ الأزهر جاد الحق 1996 م وصفوة من المشايخ من جميع المذاهب وكان الغرض من ذلك إظهار براءة أهل السنة من تكفير أهل القبلة، وأن من كفر أحد المسلمين ليس حجة على أهل السنة.
إن الإباضية لا يكفرون المخالفين لهم ولا يسيئون للآخرين بل دعاة للمحبة والتسامح والسلام وحريصون على وحدة الأمة الإسلامية ومستمرون في دعوتهم لنبذ الخلاف وفتح صفحة جديدة،
431
127
المرجع نفسه، ص 7 المرجع السابق، ص 129.
1
2 (1/432)
صفحة 433
واتضح اتساع أفقهم للتعامل مع كافة المذاهب الإسلامية بصدر رحب واعتقاد راسخ أن مبادئ
الإسلام تضم المدارس العلمية والفقهية تحت ظلالها الوارفة.
ثالثا: أهم القواعد الفقهية المشركة المتفق عليها في علم أصول الفقه المالكي والإباضي:
ذكر الدكتور التواتي صاحب كتاب الفقه المقارن بين الفقه المالكي والفقه الإباضي أهم القواعد الفقهية
المشتركة بين المذهبين وذكر منها:
الأصل براءة الذمة.
شهادة العدلين توجب عملاً لا علماً.
الامور بمقاصدها.
لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال.
كل مجمع على تحريمه حرام بيعه واكل ثمنه.
الخلوة توجب العدة والصداق الكامل.
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
المشتقة تجلب التيسير.
وقام الدكتور التواتي بشرح هذه القواعد الفقهية من خلال مراجع ومصادر المذهبيين في أكثر من خمسين صفحة. ويقول الشيخ السالمي في كتابه طلعة الشمس: اعلم أن قدماء الفقهاء من أصحابنا بنوا الفقه
على خمس قواعد:
القاعدة الأولى: أن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله.
432
المرجع نفسه، ص 129
كتاب الفقه المقارن 228/ 1 إلى 280
1
2 (1/433)
صفحة 434
القاعدة الثانية: أن الأمور بمقاصدها.
القاعدة الثالثة: أن الضرر يزال.
القاعدة الرابعة: أن المشتقة تجلب التيسير.
القاعدة الخامسة: أن العادة محكمة، أي حكمها الشرع.
رابعا: الاجتهاد والتجديد
بعد الركود الطويل، بزغ فجر التحرر الفكري، تحت ضغوط التطور الحضاري، فاضطرت الدول الإسلامية
وبعض المجموعات المطلعة بالتوجيه والإفتاء إلى تطوير الفقه وصياغته ولو موجزة لبعض القوانين الفقهية،
المذاهب
التي يرجع إليها القضاة والمفتون، والمرشدون وهي حركة محدودة شارك فيها العلماء من جميع الإسلامية المشهورة ومن المجددين من علماء الإباضية في المشرق والمغرب، وإن أبرز علماء المشرق الإباضيين:
الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي
الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي
الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري
الشيخ أحمد بن أحمد الخليلي.
ومن علماء المغرب الإباضية
الشيخ القطب محمد بن يوسف أطفيش
الشيخ بيوض ابراهيم بن عمر
433
ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس ص 804
1 (1/434)
صفحة 435
الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي
الشيخ علي يحي معمر النالوتي النفوسى
الشيخ أبو يعقوب يوسف بن محمد الميزابي المصعبي
الشيخ أبو ستة محمد بن عمرو
الشيخ عبد الله السدويكشي 1
القصبي
وقد خط هؤلاء طريقًا جديدًا للتجديد والاستنباط على ضوء الكتاب والسنة وقواعد الأصول الفقهية
والكليات التي وقع عليها الاتفاق في المذهب 2.
وقد نشر العلامة أحمد الخليلي كتاباً سماه "بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية" وبين
فيه أمور مهمة:
1. شروط بلوغ درجة الاجتهاد:
ذكر العلامة الخليلي في كتابه أثر الإجتهاد والتجديد بين أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية ما اشترطه العلماء لتأهيل من أراد الاجتهاد حتى ينخرط في سلك أهله ويعد حرياً بأن يحمل
أمانته ويوثق باجتهاده وإليكم هذه الشروط مختصرة من منظور أكبر المراجع الإباضية في عصرنا.
الشرط الأول: العلم بالقرآن الكريم
-
والمراد به أن يكون على علم بالدلالات القرآنية على الأحكام الشريعة بحيث يكون قادرًا على التمييز بين
محكمه ومتشابهه ومجمله ومفصله وعامه وخاصة ومطلقة، ومقيدة منسوخة وناسخة فلا ينساق مع
المتشابه
434
المرجع السابق، ص 4 المرجع نفسه، ص ص 804.
804
1
2 (1/435)
صفحة 436
ويدع المحكم ولا يدور في حلقة المجمل ويدع الخروج منها من أبواب المفصل، ولا يتبع العموميات ويعرض
عن مخصصاتها، ولا يتجاوز حدود المقيد ليرتع في سعة المطلق ولا يأخذ بالمنسوخ ويدع الناسخ وإنما عليه أن يكون بصيراً بهذا كله ينزل كل أمر منزله ويعطي كل دليل حكمه فيرد المتشابه إلى المحكم والمجمل إلى المفصل والعام إلى الخاص والمطلق إلى المقيد ويعمل بالناسخ دون المنسوخ. وقد جنح الإمام أبو حامد الغزالي إلى ما فيه تخفيف عن الناس في هذا الشرط من خلال أمرين:
أحدهما: أنه لا يشترط معرفة الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية.
الثاني: لا يشترط حفظهما عن ظهر قلبه، بل أن يكون عالماً بمواضيعها بحيث يطلب فيها الآية
المحتاج إليها في وقت الحاجة.
ووافقه على ذلك جماعة من الأصوليين
منهم
الرازي، وابن العربي وابن السمعاني والقرافي، وابن قدامة،
وصفي الدين الحنبلي وابن النجار، وعلاء الدين، البخاري وابن السبكي، والأسنوي، وابن أمير الحاج،
وابن اللحام، ونور الدين السالمي.
بجميع
قال البدر الشماخي: والصواب ما ذهب إليه الشيخ سليمان بن يخلف رحمه الله وهو أن يكون عالماً الكتاب والسنة لأن كثيراً من الأحكام استخرجها العلماء من الكتاب من غير الخمسمائة آية التي تعلقت
بها الأحكام كأقل الحمل، وقطع يد النباش وغيرهما.
وقد تعقبه نور الدين السالمي بقوله: وهذا مبني على منع تجرؤ الاجتهاد وسيأتي أن الصحيح جوازه فلا يشترط عندنا العلم بجميع ذلك، بل يكفي من ذلك معرفة ما يتعلق به الحكم الذي فيه النازلة. ومهما يكن
بن سعيد الشماخي، ص 510.
435
بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 20.
المرجع نفسه، ص 21.
أحمد
شرح
مختصر
العدل والإنصاف، أبي العباس أ
بين أثر الاجتهاد والتحديد، ص 22.
1
2
3
4 (1/436)
صفحة 437
فإن الذي ينحصر علمه في خمسمائة أية قد يفوته كثير من الأدلة القرآنية في الآيات الأخرى، وقد تكون
دالة على ما هو بصدد بحثه من القضايا الاجتهادية فلذلك لا ينبغي الحصر فيها.
وأما الثاني فقد أيده الإمام السالمي بقوله: وهو ظاهر الصواب لأن كثيرًا من مجتهدي الصحابة كانوا لا يحفظون القرآن عن ظهر قلب وإنما يحفظون منه ما شاء الله أن يحفظوا. وهو كما قال، ولكن لا ريب أن من حفظ القرآن كله هو أمكن في الاجتهاد إن استوفى شرائطه وكان على دراية بمعانيه وإدراك مراميه 2.
-
الشرط الثاني: العلم بالسنة النبوية:
وهي ما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من أقواله وأعماله وتقريراته، فإن كل ذلك حجة معتبرة ودليل للمجتهد وذلك لوجوب طاعته وثبوت أن ما ينطق به من أمر التشريع داخل في الوحي وإن لم يكن كالقرآن وحيا ظاهراً، لا أنه وحي باطن، فالقرآن أوحى إليه لفظاً ومعنى وألسنة أوجبت إليه معانيها، وهو الذي صاغ ألفاظها، وقد دلّ على أن ما ينطق به داخل في الوحي.
قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4]
كما دل على وجوب طاعته واتباعه قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. وفي قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النور: 54]. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36]. وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
436
المرجع السابق، ص 22.
المرجع السابق، ص 22.
1
2 (1/437)
صفحة 438
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. ويدخل في العلم
بالسنة ما يتعلق بروايتها وما يتعلق بدرايتها.
وأما الرواية: فلا بد من التمييز بين الصحيح الثابت منها وما هو قريب منه مما يمكن أن يعول عليه في
الاستدلال وبين الباطل المردود وذلك يتوقف على دراسة أسانيدها فلا بد للمجتهد من ملكة في هذا
حتى
لا ينساق وراء كل ناعق بأباطيل الروايات فيكون كحاطب ليل أما الدراية فهي أن يدري معاني السنة
ويميز بين خصوصا وعمومًا، ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفصلها وناسخها ومنسوخها كما
الشأن هو
في
القرآن 1.
وقد اختلف العلماء فيما يكفي المجتهد لتمكنه من الاجتهاد من معرفة السنة النبوية، فمنهم من
إلى التيسير، حتى اكتفى بخمسمائة حديث -وهي معروفة بأحاديث الاحكام-ومنهم من بما دون خمسمائة ألف حديث 2.
شدد
ذهب
حتى لم يكتف
وقد علمتم أن الإحاطة بالسنة النبوية من جميع أطرافها أقرب إلى التعذر منه إلى الإمكان وقد درج السلف من الصحابة والتابعين على الفتيا والاجتهاد ممن فاتهم كثير من الروايات وبالجملة فإن من لم يكن ذا مكنة من علوم القرآن والسنة رواية ودراية لا يكون قادراً على الاجتهاد لأنه بحاجة إلى الجمع بين ما في المسألة من دليل من القرآن أو السنة ليتمكن من وضعها في نصابها.
437
المرجع السابق، ص 24.
ينظر البحر المحيط، 490/ 4. وانظر: إرشاد الفحول، 207/ 2.
بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 25.
1
2
3 (1/438)
صفحة 439
الشرط الثالث: العلم بمواقع الإجماع:
لئلا يجتهد في قضية أجمع عليها إذ لا اجتهاد فيما سبق فيه الإجماع كما أنه لا اجتهاد في المنصوص على
حكمه ولا اختلاف في اشترط هذا الشرط عند من يرى الإجماع حجة ويرى إمكانه.
قال الدكتور يوسف القرضاوي: وعلى هذا لا تحتاج المسائل الجديدة التي هي من مستحدثات عصرنا، مثل "نقل الدم" أو زرع الأعضاء المنقولة من الحي إلى الحي أو من جثة ميت، ووصية بعض الناس بالانتفاع بجزء من بدنه، أو جثته كلها بخدمة الغير أو الانعاش الطبي المكثف لمريض فقد وعيه وإحساسه العصبي أو ما يسمونه "شتل "الجنين" أو "الرحم" الظئر" أو "بنوك الأجنحة المجمدة" أو "التحكم في جنس الجنين" أو استخدام الأشعة أو الذرة في السلم أو الحرب أو نحو ذلك مما لا يعرفه الأولون ولم يخطر ببالهم ... لا تحتاج
هذه القضايا إلى البحث عن معرفة أهل الإجماع فيها إذ ليس لهم فيها رأي 2.
وما قاله صحيح بالنظر إلى أعيان هذه المسائل إذ لم تكن مطروحة على الساحة الفقهية من قبل، ولكن كثير منها يعود إلى أصول مجمع عليها فلا بد للناظر فيها من الأخذ بتلك الأصول، كحفظ الأنساب من الاختلاط ومراعاة حقوق البشر أحياء وأمواتاً.
وقال الدكتور القرضاوي بعد الذي مضى والمهم هنا أن يثبت الإجماع بيقين لا شك فيه، فإذا استيقن المجتهد الإجماع في مسألة فليوفر على نفسه عناء الاجتهاد فقد فرغت منها الأمة التي أبى الله أن يجمعها على ضلالة وهذه المواضيع الإجماعية في فقهها هي التي تجسم الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة وتحفظها من
عوامل التشتت والتمزق.
1
المرجع نفسه، ص 25.
2
الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ص 36.
3 بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 26.
438 (1/439)
صفحة 440
فإذا أجمعت الأمة على حل حُلى الذهب للنساء ولم يختلفوا إلا في زكاتها فلا مجال لمخالفة هذا الإجماع
الذي نقله غير واحد وأقرته جميع المذاهب المتبوعة واستقر عليه الفقه المتصل بعمل الأمة خلال أربعة عشر قرنا في أقطار الإسلام كافة.
ومن هنا يكون اجتهاد الشيخ الألباني الذي خرج به في رسالته "الزفاف" وأعلن به تحريم الذهب المحلق على النساء اجتهاداً مرفوضا؛ لأنه خالف الإجماع المتيقن ومثل ذلك اجتهاد بعض الباحثين المعاصرين في إباحة زواج المسلمة بالكتابي قياساً على قياس زواج المسلم بالكتابية.
وهو اجتهاد مرفوض لإجماع المسلمين في كل العصور ومن جميع المذاهب على تحريمه واستقرار عمل الأمة عليه طوال القرون بالإضافة إلى عموم قوله تعالى في سورة الممتحنة: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ فَهُنَّ} [الممتحنة: 10]. وقد أصاب المجز في هذا، فإن طرح مثل هذه
صلے
القضايا على بساط البحث من جديد يذهب بهيبة الدين والفقه ويفتح الباب على مصراعيه لتقص عرى الإسلام، لذلك يجب سده 2.
- الشرط الرابع: معرفة العربية لغة وإعرابا وتصريفًا وبلاغةً:
لأنها وعاء الشريعة فيها نزل القرآن وفي قالبها صيغت أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم)، فيعتذر معرفة الأدلة الشريعة
على من لم يتقنها، فإن الله سبحانه خاطب الأمم بألسنتهم لإقامة الحجة عليهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ - فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) [إبراهيم: 4].
439
المرجع السابق، ص 27.
المرجع نفسه، ص 27.
1
2 (1/440)
صفحة 441
وقد أرسل نبيه (صلى الله عليه وسلم) باللسان العربي، وكان به خطاب جميع البشر بهذا الدين، لأن الله تعالى بعثه في محيط الغرب فكانوا هم أول من شرفوا بهذا الخطاب الرباني وبلسانهم كان خطاب غيرهم من الأقوام والأمم لأن الله سبحانه يسر لهم معرفة هذا اللسان بالتعلم والممارسة وكان العرب يتقنون هذا اللسان بالسليقة، فيفهمون ما يلقى إليهم به من خطاب من غير حاجة إلى دراسة أي فن مما استحدث لإتقانه وضبطه ولذلك كانت ملكة الاجتهاد في الرعيل الأول متيسرة من غير أن يدرسوا أي شيء من فنون العربية كالنحو والتصريف والبلاغة، بل كانوا بالفطرة يدركون الخطأ فيها ويستهجنونه، فلما كان الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً واختلطوا بالشعوب سرت في لسانهم العجمية، وضعفت في هذه اللغة ملكتهم، فاحتاجوا إلى ضوابط تضبط استعمالها مستلهمة من كيفية استعمال العرب الذين كانوا بمنأى عن الحواضر، حيث كان تزاحم الأقدام
والاختلاط بالشعوب.
كما كانت حاجة شعوب العجم إلى إتقان هذه اللغة أيضًا بالغة ملحة لأنهم متعبدون بالكتاب الذي نزل بها وبالسنة التي صبت في قوالبها، فكان هؤلاء وهؤلاء في أمس الحاجة إلى هذه الفنون المعنية على فهمها وسلامة استعمالها لهذا بارى العجم العرب فيها، لأنها لم تعد لغة قومية محصورة في العرب وحدهم، وإنما أصبحت لغة عالمية ترتبط بها العقيدة والفكر ويعقد عليها فهم الدين ويبين على دعائهما تفسير الكتاب الذي تشرفوا بحمله وشرح السُّنة التي أكرموا بنقلها، وقد تنافست همم العرب والعجم في نقل مفردات هذه اللغة وشرحها وبحث اشتقاقاتها ودراسة كيفية استعمالها، فتولدت من ذلك هذه الفنون، ونتجت عنه هذه
الثروة الهائلة من علوم اللغة التي استودعت هذا الكم الهائل من أسفارها.
440
المرجع السابق، ص 30.
1 (1/441)
صفحة 442
وكان كلما تقادم العهد تضعف في العرب السليقة العربية ويتوقف إتقانه للغته على دراسته لعلومها، لذلك
كان الفقهاء من العرب والعجم بحاجة إلى هذه الدراسة لفهم خطاب الشرع وإنزال أدلته التي وردت بهذا اللسان على الواقع والأحداث التي تضبط بحكمه.
ويكفي من دراستها لبلوغ درجة الاجتهاد في الشريعة أن يتمكن منها المجتهد حتى يستطيع النظر في الأدلة الشريعة ويتفادى الخطأ في حملها على معانيها ولا يلزم من هذا أن يكون قادراً على الاجتهاد في نفس علوم اللغة وإنما يشترط من ذلك كما قال الإمام الغزالي: القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصة ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيدة ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولى به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد 1.
ومثله قول الإمام السالمي والمشترط معرفته من هذا النوع ما يتوقف فهم الأدلة والأحكام عليه وذلك أن ألفاظ الادلة من الكتاب والسنة عربية فتوقف فهمها على معرفة النحو واللغة والصرف، فلذا اشترط معرفة هذا الأشياء في هذا الباب 2.
وثم من العلماء من اشترط للاجتهاد في الشريعة بلوغ درجة الاجتهاد في فنون العرب ومن بين هؤلاء الشاطبي الذي نص في موافقاته على ما يلي: الحاصل أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يعبر فهم خطابها له وصفاً غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلا بمقدار توقف
الفطن لكلام اللبيب 3
441
المستفي، ص 344. طلعة الشمس، 419/ 2.
الموافقات، 57/ 5.
1
2
3 (1/442)
صفحة 443
وبنحو هذا قال العلامة محمد الخضر حسين الذي كان شيخاً للأزهر الشريف قبل نحو ستين عاما من
أن
الآن، إذ نص: أن المجتهد في الشريعة لا بد له من يرسخ في علوم اللغة رسوخ البالغين درجة الاجتهاد وله يرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة وما يقوله الأئمة وإذا وقع نزاع في معنى أو حكم توقف عليه فهم نص شرعي تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق بين ذلك الاختلاف ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يتبين له رجحانه، بدليل والحاصل مما أن الاجتهاد في الفقه موقوف على ملكة في العربية تمكن صاحبها من تعميق نظره في الأدلة الشرعية وما توحى به من المعاني وما تحتمله من الوجوه مع المقارنة فيما إذا تعددت وجوه المعاني حتى يتبين ما هو الأرجح منها، ولا يخفى أن هذه الملكة إنما هي موقوفة على خبرة بالقواعد النحوية والتصرفية والاطلاع
سبق
النكات اللغوية وتدوق لمعاني مفردات الكلمات من خلال تركيب جملها وممارسة لآداب العربية 2.
والتحقيق أنه لا يشترط في تحصيل هذه الملكة التي تمكن من الاجتهاد في الفقه بلوغ مرتبة الاجتهاد في علوم العربية الغريبة، وإلا للزم أن يكون الفقيه أوسع باعا من المتخصصين في علوم العربية أنفسهم، لأن أئمة العربية أنفسهم قلما يتيسر لأحدهم أن يجمع فنونها، وأن ينبع فيها جميعاً، فقد يختص بعضهم بالنبوغ في علم النحو أو فيه أو في التصريف كما هو واضح في مصنفات ابن مالك وابن هشام، وينبغ غيرهم في اللغة كالأصمعي والجوهري والأزهري وابن دريد وابن السكيت وينبغ آخرون في البلاغة كالجرجاني كالجرجاوي وأبي هلال العسكري والسكاكي وأنتم تدرون أن المجتهد في الشريعة هو بحاجة إلى ملكة في فنون العربية كلها، فلو اشترط اجتهاده فيها جميعاً لكان أجمع لها من أئمتها المتخصصين فيها.
442
بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 31.
المرجع السابق، ص 32.
المرجع السابق، ص 32.
1
2
3 (1/443)
صفحة 444
وأما غالب المسائل المتوقفة على فهم اللغة فهي لا تحتاج إلى هذا العمق في العمق العربية، كالاختلاف في القروء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فإنه من للشائع أن القرء يطلق على كلا المعنيين فهو من المشترك الذي يتوقف فهم المراد به على قرينة من الأدلة الشرعية المشخصة للمعنى الذي يراد، ولا يتوقف ذلك ترجيح لرأي على غيره من آراء أهل اللغة.
الشرط الخامس: معرفة أصول الفقه:
هي القواعد الكلية التي يضبط بها الاستدلال بأدلة الشرعية التفصيلية في فروع الفقه ودراستها من أهم ما يجب أن يتوفر للمجتهد، إذ بدونها يتعذر عليه ضبط الاستدلال حتى يكون في محله، فلربما عوّل على العموم فيما يراد به التخصيص أو على الإطلاق جاء تقييده بدليل آخر أو أخذ بالمنسوخ وترك الناسخ أو التبس عليه التخصيص فخصص بما لا أثر له في التخصيص ولربما أخطأ في جمل دلالات الأمر والنهي فحمل الأمر على الندب أو الإباحة حيث يراد به الوجوب أو العكس وكذلك النهي إن حمله على التنزيه، أو الإرشاد حيث يراد به التحريم أو العكس 2
وكان الإمام الشافعي أول من دوّن هذا العلم في "رسالته" وتبعه في هذا العلماء المتبحرون فجمعوا وأوعوا من قواعده وأصولها وشروحها ما يعد مفخرة لهذه الشريعة وحملتها، ومع كثرة البحث وتشبعه في فن الأصول هذا لم تزل ملكات النبغاء فيه تضم في كل وقت طارفاً جديداً إلى تليد قديم منه، ولأطوار العصور وتقلب الأحوال أثر فعال في تجديد البحث في هذا الفن، فإن ذلك مما يوسع الأفق الفكري عند
الباحثين وينعكس أثره على مجالات بحوثهم والواجب توفره من هذا العلم عند المجتهد قدر ما يمكنه من الاستنباط ويعينه على فهم الأدلة وكيفية أخذ الأحكام منها، ولا يحدد ذلك بمقدار معين مما
443
المرجع نفسه، ص 32. المرجع السابق، ص 34.
1
2 (1/444)
صفحة 445
يستوعبه منه، فإن فهوم الناس تتفاوت وملكاتهم تتباين، فقد تحصل لبعضهم ملكة واسعة بقراءة الشيء
اليسير من أصول الفقه ويكون غيره بخلافه. وتدخل تحت مباحث أصول الفقه مباحث القياس فإنها جزء
هذا الفن ولا داعي إلى عده شرطاً مستقلاً. من
—
الشرط السادس العلم بمقاصد الشريعة:
إنه علم بالغ الأهمية في فهم الشريعة وإنزال أحكامها على أرض الواقع فإن الشريعة كما قال ابن القيم: مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده
وعن
ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله () أتم دلالة وأصدقها وهى نوره الذي أبصر به المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواه السبيل فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل
فهي
العاصمة
بها وكل نقص في الوجود فبسببه من إضاعتها ولولا رسوم قد بقيت لخرجت الدنيا وطوى العالم وهي من للناس وقوام العالم وبها يمسك الله والسماوات والأرض أن تزولا فإذا أراد الله عزو جل خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة
في الدنيا والآخرة.
1
المرجع نفسه، ص 35. 2 إعلام الموقعين عن رب العالمين، 3/ 3.
444 (1/445)
صفحة 446
ولعل أول من نص على أهمية علم المقاصد بالنسبة إلى المجتهد - الإمام الشاطبي الذي قال فيه: إنما تحصل
درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
-
أحداهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
ثانيهما: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.
ثم تبين لي أن الشاطبي مسبوق إلى اشتراط اتفاق فهم المقاصد لبلوغ درجة الاجتهاد، وممن سبقه إلى هذا السبكي الذي نص في "الإبهاج" على اشتراط ممارسة فن المقاصد بقدر ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع في ذلك 2. وقد بين الشاطبي ارتباط الشريعة بالمصالح وكيف يراعي هذا الارتباط حيث قال: الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذا المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات 3.
أن
وهو كلام دقيق يجب ألا يفوت المجتهد عندما يبني اجتهاده على رعاية مقاصد الشريعة، فإن المصالح إنما يجب أن تؤطر في الإطار الشرعي وكل ما خالف الشرع فليس من المصلحة في شيء، وهذا يعني أنه يجب يوصد الباب في وجوه الذين يتلاعبون بالشريعة من خلال دعواهم أنهم يراعون المصالح ويهدفون إلى تحقيق المقاصد ولو كان ذلك على حساب الدين والأخلاق، فكم من الناس من تسوّل له نفسه لو فتح هذا الباب على مصراعيه أن يبيع الاتجار بالخمور أو التعامل بالربا بدعوى أن في ذلك رعاية للمصلحة
الاقتصادية الوطنية.
وربما استباحوا متذرعين بهذه الدعوى أو بغيرها بأن يفتحوا دورًا للبغاء ويشيعوا الفحشاء بين الناس بإباحة ممارسة الزنا زاعمين إنه يدفع أكبر الضررين بأصغرهما، وأنه لو لم تكن ثم دور لهذا الغرض ينفس فيها الشباب
1 الموافقات، 105/ 4 - 106.
2 الإبهاج في شرح المنهاج، السبكي وابنه، 18/ 2. 3 الموافقات، 106/ 4.
445 (1/446)
صفحة 447
عن أنفسهم ويفرغوا فيها شهواتهم لدفعتهم غرائزهم إلى اقتحام البيوت والهجوم على العائلات فيها فتعم
بهذا الفوضى الجنسية وتشتعل نيران الفتن في العائلات.
وهذه كلها اعتبارات لم يقم لها الإسلام وزناً، فإن الفساد كله تجب مقاومته وإغلاق جميع الأبواب والنوافذ في وجهه، والشريعة بريئة كل البراءة منه، فإنها جاءت بالصلاح ولم تأت بالفساد، وإنما المصالح المعتبرة هي ما طابق الشريعة وجعلت له أصلاً في أحكامها.
ويتضح من هذا ما ذكرته من أهمية هذا الشرط في بلوغ درجة الاجتهاد وإن لم يذكره كثير من العلماء ولعلهم اكتفوا عنه بما اشترطوه من العلم بالقرآن والسنة وفهم ما فيهما، إذ لا ريب أن علم المقاصد إنما هو منبجس
من ينابيعهما.
—
الشرط السابع: المعرفة بالسيرة النبوية وسيرة الصحابة وأحوالهم:
نص على ذلك الشرط الإمام السالمي في طلعة الشمس، وعلله بأن السيرة النبوية فيها معرفة أحواله وأفعاله
عليه أفضل الصلاة والسلام وأن الدين ما عليه الصحابة رضي الله
عنهم
وقد قال صلى الله عليه وسلم:
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي 2.
واشتراط ذلك وجيه فإن سيرته صلى الله عليه وسلم مصدر للإلهام في فهم شرعه وتطبيق حكمه، فمن فاتته
يسير
عليه من
السيرة جهل كثيراً من الشريعة، ومنهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو الذي يجب أن بعدهم في تطبيق الأحكام واستنباطها من أصولها التشريعية، فمن جهله فاته فهم كثير من الشريعة وأخطأ في منهجية الاستنباط وتطبيق الشريعة، على أن إجماعهم حجة ومصدر تشريعي ولكن يمكن أن يدرج هذا
1
2
بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص
38
سنن الترمذي، رقم 2676. وقال حسن صحيح.
446 (1/447)
صفحة 448
الشرط في الشرط الثاني وهو العلم بالسنة، فإن سيرته صلى الله عليه وسلم داخلة ضمن شنته. وقد جعل
سلوك أصحابه سُنه يقتدي بها بلا امتداداً لسنته، فإنهم لم يقتبسوا إلا ما يخرج من مشكاته عليه الصلاة
ريب
والسلام من ضياء يمزق رداء الظلام، ولم يرتووا إلا من كأسه المترعة بالهداية.
الشرط الثامن: تصور أحوال الناس والظروف التي يعيشونها:
إن هذا هو فقه الواقع ومعرفة المجتهد بذلك أمر لا مناص منه وإلا كان عاجزا عن إنزال أحكام الشرع بأرض الواقع، ومعنى هذا أن على فقهاء الأمة أن يكونوا متصورين للعصر الذي يعيشون فيه وما يلابسه من تطورات وما يقارنه من ظروف وملابسات إذ من خلال ذلك تتوفر لهم ملكة النظر في الأحداث على أن هذا الشرط لا يختص بمجال الاجتهاد فقط بل التجديد بمفهومه الواسع يتوقف عليه فإن داعية الإصلاح إن لم يكن على خبرة بظروف مجتمعه ومشكلات أمته تعثر في طريق الإصلاح ولم يصل إلى مبتغاه.
ومن ها هنا نرى أن القرآن الكريم جاء ليخرج بهذه الأمة من مضايق الأوضاع الضيقة التي كان تعيش فيها إلى فسيح الأوضاع العالمية وما يجزي فيها من أحداث عظام حتى تتهيأ لقيادة العالم ونشر دعوة الحق في أرجائه وخير شاهد على ذلك قول الله تعالى: الم 5 غُلِبَتِ الرُّومُ) في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ والم غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ: يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1 - 5].
?
وقد نزلت هذه الآيات على النبي (ل) بمكة المكرمة في العام الخامس من بعثته عليه الصلاة والسلام وكان
المؤمنون إبان ذلك قلة قليلة تحيط بهم الكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية، وتضيق عليهم الخناق وتبتكر الوسائل
لفتنتهم وصدهم عن دين الله.
ج
1 بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 39.
447 (1/448)
صفحة 449
ومع ذلك فإن الصدام المسلح بين دولتي الروم والفرس - اللتين كانتا تشكلان قوتين كبيرتين في العالم
وتتقاسمان معظم العالم المحتضر - ما كان يعني أولئك الأفراد من المؤمنين ولا كان يعني المجتمع الذي المجتمع
مدارك
الذي كانوا فيه، إذ لم يمتد إليه نفوذ أي واحدة من تلك الدولتين، وإنما أراد الله بهذا أن يوسع المسلمين وأن يفتح أبصارهم لمتابعة ما يجري في هذا العالم الفسيح حتى يكونوا على بصيرة منه وبهذا تهيأ أولئك الأفراد الذين كانوا نواة الأمة لأن يدخلوا معترك الحياة ببصيرة ووعي وأن يقودوا العالم المحتضر في سبيل الخير وأن يلموا بالأطوار التي تتعاقب عليهم وما ينتج عنها من مشكلات ليحلوا كل مشكلة منها بما آتاهم الله سبحانه من بصيرة وإدراك وما أحوج فقهاء عصرنا إلى الإلمام بظروف العصر وقضاياه التي تحتاج إلى حل فقهي سريع ليتميز الحق فيها من الباطل ويتبين الجائز من المحظور وقد نبه على هذا الفقهاء المعاصرون 1.
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن على المجتهد أن يكون ملمًا بثقافة عصره حتى لا يعيش منعزلًا المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له ويتعامل مع أهله ومن ثقافة عصرنا اليوم أن يعرف قدرًا من علوم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسياسة والقوانين الدولية ونحوها من الدراسات الإنسانية التي تكشف له الواقع الذي يعايشه ويعامله، بل لابد كذلك من قدر من المعارف العلمية مثل الأحياء والطبيعة والكيمياء والرياضيات، ونحوها فهي تشكل أرضية ثقافية لازمة لكل إنسان معاصر.
وكثير من قضايا العصر وثيقة الصلة بهذه العلوم بحيث لا يستطيع أن يفتي فيها من يجهلها، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، ولو بوجه ما وكيف يستطيع الفقيه المسلم أن يفتي يفتن في قضايا الإجهاض أو شكل الجنين أو التحكم في جنسه وغير ذلك من القضايا الجديدة إذا لم يكن لديه قدر من المعرفة بما كشفه العلم الحديث عن الحيوانات المنوية الذكرية والبويضة الأنثوية وطريقة تلاقى البويضة بالحيوان المنوي وتكون
1 بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 41.
448 (1/449)
صفحة 450
الخلية الواحدة منهما، وقضية الجينات وعوامل الوراثة ... إلخ. وهذه القضايا العلمية التي قد ينكرها بعض المشايخ الذين لم يدرسوا هذه العلوم الكونية.
ولقد استجدت في عصرنا هذا معاملات متعددة لم يكن لمن سلف من علماء الأمة اطلاع عليها وهي بحاجة إلى حلول شرعية، فلا بد للفقيه الذي يفتي يفتن فيها أن يكون ملماً بجوانبها ليتمكن من إنزال حكم الشرع عليها، وذلك كالسندات والاتجار في الأسهم وبطاقة الائتمان وعمليات التصدير التقدير والإيراد التي تتوقف على إدخال البنوك كوسيط فيها 2.
الشرط التاسع: الأمانة والتقوى:
إن لم يكن أمينًا لم يكن أهلاً لتحمل مسؤوليات الأمور الدنيوية، فكيف يُؤتمن على الدين؟
لذلك كان من الضرورة أن يكون المجتهد راسخ الإيمان بالله واليوم الآخر حتى يحترز من الخطأ ويبتعد عن مخالفة حكم الله ويلخص في أداء أمانته لوجه الله سبحانه، فإن العلم مع الورع والتقوى كثير البركة وكثيره مع عدمهما لا بركة فيه، وقد بعث الله رسوله مزكيًا ومعلمًا، ولم يبعثه معلمًا، فحسب. يقول الله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 150 - 152]. وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا
مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].
449
المرجع السابق، ص 42. المرجع السابق، ص 42.
1
2 (1/450)
صفحة 451
وحكى عن عبديه ونبييه ونبيه الصالحين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أنهما قالا: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ
رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].
فالتعليم والتزكية مقترنات لأن التزكية هي ثمرة التعليم، وقد ضرب الله مثلاً في بني اسرائيل حيث قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمَّ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5].
ومن لم يتحمل أمانة القرآن من هذه الأمة لم يعد إلا أن يكون كبني اسرائيل في هذا، وثم شروط اختلف فيها منها "العلم بأصول الدين" وهي قواعد الاعتقاد، والتحقيق أنه لا بد للمجتهد من أن يكون على دراية بهذا الفن بقدر ما يصون نفسه من الزلل ويحميها من اتباع الهوى.
ومنها علم المنطق، فقد اشترطه بعضهم وأبي ذلك آخرون والحق أن الاجتهاد لا يتوقف عليه لأن معيار التفكير السليم هو الكتاب العزيز، والهدي النبوي فلا داعي إلى إقحام ما لا صلة له بالكتاب والسنة في قضايا الاجتهاد، وأنت تدري أن الشروط السالفة ذات الصلة بعلم الكتاب والسنة، فإن علوم العربية والأصول إنما ابتكرت لأجل تيسير معرفة الكتاب والسنة للمفهوم أما علم المنطق فهو علم دخيل على هذه الأمة استوردته من ثقافة قوم آخرين.
ومنها "العلم بفروع الفقه" فقد اشترط البعض ولم يشترطه غيرهم، بل قالوا إن اشتراطه يؤدي إلى الدور والصحيح أنه لا بد للمجتهد أن يستبصر بطرق الاجتهاد التي سلكها من قبله من المجتهدين وهذا ما لا يتم له إلا إذا كان عارفاً بمجالات اجتهادهم، وبهذا يتم له التصوير ويتمكن من أداء اجتهاده على الوجه
السليم، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب 2.
450
المرجع السابق، ص. ص 43 44.
المرجع نفسه، ص 44.
1
2 (1/451)
صفحة 452
2. الاجتهاد مطلب شرعي في جميع القرون:
يرى العلامة الخليلي أن الاجتهاد مطلب شرعي في جميع العصور وأن الضرورة بالغة في حياة الأمة إلى العلماء المجتهدين الذين جمعوا من علم المعقول، والمنقول ما يجلي لهم خفايا الأمور ويبصرهم بحكم
وجود
الأحكام وعلل التشريع ومقاصد الشرع حتى ينزلوا كل أمر منزله ويعطوا كل حادث حكمه، وهؤلاء هم المعبر عنهم بالمجتهدين ووصفهم القرآن بالمستنبطين في قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ
مِنْهُمْ} [النساء: 83].
وبفهمهم بتجدد الدين وتزول الغشاوة عن الأبصار حتى يعرف الناس أحكام الله تعالى في خفيات الأمور لهذا كان طلب العلم الشرعي من مظانه وبوسائله حتى يتبوأ فريق من الناس هذا المنصب العالي واجباً على الأمة، تأثم جميعاً إن تركته وتسلم جميعاً إن قام به الأكفاء منهم ليبصروا الناس كما يجهلونه، وهؤلاء هم بلغة العصر - بالمتخصصين في الشريعة ولا بد أن يدرسوا مع علم الشريعة العلوم التي تمكنهم
المعبر عنهم
من التربع على هذه الأريكة وبلوغ هذه المرتبة وقد أشار القرآن الكريم إلى ضرورة وجود هذه الطائفة بين الناس في قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
وإذا كان مكان هؤلاء في هذه الأمة مكان الروح من الجسد ومكان الملح من الطعام في جميع العصور فإن عصرنا الذي يتميز بسرعة التطور وبكثرة المشكلات ويرون قضايا لم تكن تدور على بال أحد في العصور السابقة - هو أحوج ما يكون إلى هذا الصنف من الناس لتبصير عامة الناس بمواطئ أقدامهم حتى لا يضعوها حيث الهلكة والبوار، فتبين بهذا أن الاجتهاد مطلب شرعي في جميع القرون.
451
المرجع السابق، ص 47.
1 (1/452)
صفحة 453
إن الاجتهاد ضرورة في حياة الأمة ليستقيم أودها ويستمر عطاؤها وينتظم أمرها، كيف والحياة لا تقف عجلتها عن الحركة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهي في حركتها هذه تأتي كل يوم بجديد لم يكن
معهوداً من قبل من القضايا والأحداث التي تحتاج أن تسير ويحاط بها فهما لينزل بها حكم الله تعالى، وقد علمت أن النصوص محصورة وأن الأحداث لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة كلها.
1.
وفي هذا يقول العلامة أبو مسلم البهلاني: "وقد توسعت شجرة علم الشريعة بالقياس لما أن النوازل مستمرة الحدوث ولا تخلو أي نازلة من حكم وماكل حكم منصوص عليه، ولكن لا تزال تمتد أغصان الأحكام الحادثة حملًا على نظائرها من الأحكام المنصوصة أو المقيسة الصحيحة، وهكذا إلى يوم القيامة لا تحدث بحمد الله حادثة إلا ويوجد لها دليل منها على حكمها"2.
لهذا كانت الضرورة داعية إلى بقاء باب الاجتهاد مفتوحًا على مصراعيه ليلج منه أصحاب الفهوم النيرة والبصائر المتوقدة للبحث عن حلول مشكلات الأمة، على أن الحياة بتطورها الدائب تستدعى الاجتهاد والنظر حتى فيما سبق بيانه وحله من قبل المجتهدين الغابرين، ذلك لأن الفتوى قد تتغير بتغير الأزمان في بعض القضايا وهي القابلة للتغيير فلا معنى لتقليد الذين سلفوا فيما لم يجتمعوا عليه. وقد نص على بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً كثيراً من العلماء النابهين، ومن بين هؤلاء علماء الإباضية الذين نصوا على أن الاجتهاد على العالم القادر عليه ضلال.
حجر
ولقد لخص موقفهم هذا الشيخ علي يحيى معمر في كتابه "الإباضية في موكب التاريخ" حيث قال: حينما حجر هؤلاء الجامدون على عقول المسلمين وأفهامهم أن تنطلق وتحلق في الميادين الفساح التي فتحها
المرجع نفسه، ص 3 ص 48.
المرجع السابق، ص 3
48,
المرجع نفسه، ص 48.
المرجع نفسه، ص)
452
49
1
2
3
4 (1/453)
صفحة 454
الكتاب الكريم بدعوة المؤمنين إلى الانطلاق والتحرر والتفكير، جمدوا الإسلام من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة مختلفة وقد عرف الإباضية منذ أول وهلة أن هذه الفكرة الجامدة لا تتمشى مع روح الإسلام
الذي يصلح لكل زمان ومكان فإن الإسلام بعد رسم الحدود التي لا ينبغي تخطيها، أراد للمسلمين أن ينطلقوا بمواهبهم وأفكارهم وعلومهم وأفهامهم إلى ميادين الحياة، يرودون المجاهيل ويفتتحون المغالق، وينيرون السبيل أمام أفواج البشرية في جميع الأعصار والأمصار، لم يحجر على أواخر الأمة ما أباحه لأوائلها، والمسلمون في جميع العصور لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والكفاح المتواصل في سبيل الله، باستثناء شرف صحبة لأولئك النفر الذين اختارهم الله أن يكونوا أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) والدفعة الأولى التي تحمل مشعل الهداية لخير البشرية الضالة، إن حاجة المسلمين إلى المجتهدين في العصور المتأخرة وإلى أبحاثهم في هذه المشاكل الكثيرة التي تعرضها الحضارات المختلفة على الأمة، أشد من حاجتها إليهم في الأزمنة السابقة، ووصول العاملين في هذا الأمة إلى الاجتهاد أيسر في هذه العصور لسهولة المواصلات، وإمكان اتصال العلماء وحصولهم على جميع المصادر التي تساعدهم على أبحاثهم ومناقشتهم.
ولما كان الإباضية يعتقدون أن ما فتحه الله لأوائل هذه الأمة لا ينغلق عن آخرها وأن باب الاجتهاد الذي تركه محمد (صلى الله عليه وسلم) مفتوحاً على مصراعيه لا يمكن أن يغلقه مغلق الفهم ولذلك فقد ناقشوا قضية الاجتهاد والمستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بهذا العبء، وهل يصح الاختصاص فيه لمن استكمل شرائط الاجتهاد في قسم دون قسم؟ لئلا تتوقف الملكات والمواهب في ميدان من ميادين العلم والحياة، من أجل ميدان آخر تعمل فيه ملكات وعقول أخرى.
وقد قال العلامة الخليلي: ونحن نرى أئمة هذا المذهب في جميع أدوار التاريخ الذي نادى فيه المنادون بإغلاق باب الاجتهاد يرفعون عقيرتهم بأن الاجتهاد فريضة على من قدر عليه. فمنذ القرن الرابع الهجري الذي
453
51 - 50
المرجع السابق، ص. ص
1 (1/454)
صفحة 455
بدأت فيه أصوات الاجتهاد تنخفض ويختفي عند بعض المذاهب كان في ذلك الوقت أبو سعيد الكدمي وابن بركة البهلوي وأبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني وأبو خزيغل ابن زلتاف الوسياني ينادون بضرورة الاجتهاد فضلاً عما كان عليه أئمة المذهب قبلهم من الحرص على الاجتهاد واستمر هذا الصوت مدويًا هادراً عند أئمة المذهب عبر القرون المتلاحقة، فقد نادى بذلك أبو الربيع المزاتي وأبو يعقوب الورجلاني، والبدر الشماخي وغيرهم كما نادى به بعدهم ضياء الدين الثميني والعلامة أبو نبهان والمحقق الخليلي وقطب الأئمة اطفيش الذي امتد به العمر إلى القرن الرابع عشر الهجري.
من
ونادى في هذا القرن نفسه نور الدين السالمي وأبو مسلم البهلاني والإمام محمد بن عبد الله الخليلي ونادى به ممن أدركناهم مشايخنا الأجلاء أبو اسحاق اطفيش وخلفان بن جميل السيابي وابراهيم بن سعيد العبري، وإبراهيم بن عمر بيوض وعبد الرحمن بن عمر بكلي، ولو أخذت في نقل نصوص هؤلاء في هذا البحث لطال وامتد رواقه. ونقل نقولا من أقوال العلماء في هذ المعنى ثم قال العلامة الخليلي: وسد باب الأخذ الكتاب والسنة وقصر الأفهام على ما نقل عمن سلف يفضي بالناس، بلا ريب، إلى استيراد الحلول لمشكلاتهم المستجدة من خارج المحيط الإسلامي، وذلك يفضي بالناس إلى التفلت من قيود دينهم بل نقض عرى هذا الدين عروة حتى يصبحوا وليس في أيديهم من دينهم أي سبب يتمسكون به فإن هذا الأمر لا يفضي إلى التفلت من الدين في المعاملات والأخلاق فحسب، بل هم هو مما يهد عقيدتهم حتى تتطاير ذرات بنائها في الفضاء عندما يحسون أنهم لم يجدوا في دينهم حل مشكلاتهم وإنما وجدوه فيما استوردوه من خارج محيط الدين، فتهتز بذلك ثقتهم بالدين ويتزعزع منهم اليقين، لأنهم فهموا أن الدين هو ما تلقوه من أقوال من يقلدونهم ولم يفهموا أن الدين هو ما حواه القرآن وحوته السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ولهذا نجد أن الله تعالى يحكم بالكفر والظلم والفسوق على من حكم بغير ما أنزل إذ قال: {وَمَن
454
57 - 51
المرجع السابق، ص. ص
1 (1/455)
صفحة 456
لَّم يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]. وجاء في قوله سبحانه وتعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47].
أئمتهم
وبهذا يتبين أن إغلاق باب الاجتهاد والنظر في أدلة القرآن والسُّنة وحصر الناس فيما تلقفوه من أقوال الغابرين جناية كبرى على الدين ونكاية بالأمة، لأنه يؤدي بها إلى الإفلاس والحيرة عندما تحيط بها مشكلات الحياة ولا تجد فيما تصورته أنه الدين أي حل لها فيلجئها ذلك إلى أن تمد يدها إلى غيرها وتنحني له من أجل أن يجود عليها بالحل لما أعوزها حله في حين أنها في الحقيقة هى الحرية بأن تقدم الحلول للناس جميعاً لأنها أورثت علم الكتاب و أوتيت خزائنه وخزائن السُّنة النبوية وهي تسع الكون وكل ما حواه، فكيف ترضى لنفسها الإفلاس والركوع أمام غيرها لاستجداء الحل منه؟
1
2
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول.
3. معنى تجديد الدين:
قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): إِنَّ اللَّهَ يبعَثُ لهذه الأمَّةِ على رأس كل مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينها 2. وعلق العلامة بعد أن ذكر هذا الحديث فقال: فتجديد الدين إنما يعني نصب ما اندرس من معالمه وإظهار ما خفى من حججه ودلائله والكشف عن جماله واعتداله وتقوية أثره في حياة الناس الفكرية والعلمية والأخلاقية ومن المعلوم أن الفقه في الدين هو أيضاً بحاجة إلى تجديد في كل عصر بهذا المعنى، وهو تحقيق مسائله وربط فروعه بأصوله وتحرير ما التبس من حججه ودلائله وبحث مالم يطرق بالبحث من
بيان أثر الاجتهاد والتجديد، ص 61. سنن أبي داود، 109/ 4، رقم 4291.
455 (1/456)
صفحة 457
مستجدات القضايا، إذ ليس من المعقول أن يجمد الفقهاء على اجترار ما سبق بحثه من مسائل لا داعي
إلى تناولها بالبحث في هذا العصر، كقضايا الرق والمكاتبة، ويدعوا بحث ما هو مطروح على الساحة كالحوالات البنكية وبطاقة الائتمان والاتجار في الأسهم وأطفال الأنابيب ونقل الأعضاء وأمثالها، إذ ليس
ما يدرس لمجرد التنظير كالذي يدرس من أجل الحاجة إليه في العمل والتطبيق.
إذًا هناك حاجة إلى حل المشكلات هذا الصنف الأخير حاجة عملية أما ما يدرس من أجل التنظير فحسب فلا يعدو أن يكون من الفقه الافتراضي، والمسلمون إن لم يسعهم فقهاؤهم ببحث ما يستجد من أمثال هذه القضايا سيضطرون بلا ريب إلى استيراد حلول مشكلاتها من الأمم الأخرى وسيطبقون شرائع ما أنزل الله بها من سلطان تحل الحرام وتحلل الحلال وتأتي بكل إدّ في نظام الحياة والقرآن الكريم سمى هذه الأحكام وأمثالها مما يخالف شرع الله تعالى بحكم الجاهلية حيث قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
وهذا يثبت ضرورة قبول التجديد والعناية به ومما سبق يتبين أن التجديد على نوعين تجديد في مجال الدعوة والإصلاح بمحاربة البدع وقمع الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا ما يجب أن يتعاون عليه الجميع إذ لا ينحصر فرضه في الفقهاء دون غيرهم ولا يتوقف على بلوغ مرتبة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية وإنما على العامة أن يسلّموا قيادهم لعلمائهم المخلصين في ذلك، وأن يتبعوا توجيهاتهم ومراشدهم حتى يكون قيامهم بهذا التجديد على بصيرة.
وإن تجديد في مجال الإفتاء والفقه وهذا مما يطلع به الفقهاء المتمكنون من الدراسات الشرعية القادرون على استنباط الأحكام من أدلتها فهو موقوف بلا ريب على الاجتهاد إذ لم يكن للجهلة أو أنصاف الفقهاء أن
يقحموا أنفسهم في هذا الأمر وإلا كان مما يفسدونه أكثر مما يصلحونه.
456 (1/457)
صفحة 458
ومما يدخل في تجديد الدين تطوير وسائله التي تدعو إليه وتبلغ رسالته وتكشف مضامينه وتظهر حججه ودلائله وتدفع عنه الشبه التي يحيكها أعداؤه فإن لكل عصر وسائله وقد كان السلف الصالح يعنون بإبلاغ رسالة هذا الدين وإبراز تعاليمه بكل ما تنسى لهم من وسائل كإقناع الأفراد والخطابة، في الجماهير وبعث الرسل والكتب ونشر الدعاة بين الناس، ثم عهدوا إلى التدوين من أجل تخليد هذا العلم وتيسيره حتى تتعاقب الأجيال عليه، ولم يألوا جهدًا في كل ما يمكن أن يحقق النجاح في أجل هذه الغاية النبيلة ولا ريب أنها وسائل ناجحة أتت أكلها كل حين بإذن ربها ولكن الدهر يأتي كل يوم بجديد والحياة تتطور باستمرار فقد استجدت وسائل أخرى أصبحت الوسائل السابقة بجانبها بدائية متخلفة، فلو جمد الدعاة والفقهاء على تلك الوسائل وامتنعوا عن استغلال الوسائل المستحدثة، كالصحف والطباعة والنشر، والإذاعة المسموعة والمرئية والبريد السريع والشبكة العنكبوتية وسائر الوسائل المتطورة، بدعوى أن هذه بدع وأنها لم
المقاييس،
تكن في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا في عهد صحابته رضي الله عنه ولا في عهود التابعين ومن بعدهم لظلوا متخلفين وسبقهم أصحاب الهمم الذين يعنون بنشر أفكارهم ومبادئهم بمسافات تفوق جميع لذلك كان على أمة الإسلام أن تكون أكثر حرصا على تطوير وسائلها لنشر دعوتها وبث علومها فيما بين
الناس وأن تستغل كل جديد لذلك.
4 مشكلات معاصرة باجتهاد من الفقهاء المعاصرين:
شارك العلامة أحمد الخليلي كبير المرجعيات الإباضية في العصر الحديث في كثير من المؤتمرات والندوات والمجامع الفقهية التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي مع كبار فقهاء وعلماء العصر من الأمة الإسلامية وتحدث عن المجامع الفقهية المحلية الخاصة ببعض الأقطار الإسلامية وأهميتها في دراسة
مستجدات العصر الحديث مع كبار العلماء فذكر:
457
بين أثر الاجتهاد والتجديد، ص 72.
1 (1/458)
صفحة 459
المجمع الفقهي بالهند.
المجمع المجتمع الفقهى بالسودان.
المجمع المجتمع الأوربي للإفتاء.
مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف.
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان.
يحضر لفيف من العلماء من داخل السلطنة وخارجها من جميع المذاهب الإسلامية لبحث الجوانب الفقهية وغيرها وفي هذا كله ما يتيح للفقهاء البحث والحوار فيما يستجد من قضايا وما يعني من مشكلات. قال العلامة الخليلي عن هذه الاجتماعات: "ولعل من أحسن ما يميز هذه اللقاءات العلمية أمرين:
أحدهما: إتاحة فرصة اجتماع أكبر عدد من أهل العلم لاستعراض ما يطرأ من مشكلات الحياة فإن الاجتماع خيراً وبركة ومن خلاله يتيسر لكل أحد أن يكتشف ما عند الآخرين من آراء وفهوم، فيبصر القضية من نواحى متعددة، إذ ليس رأي الفرد كرأي الجماعة فإن كل ما اجتمع عليه هو أقوى وأدنى إلى الصواب وأبعد من الزلل وأرضى الله سبحانه وتعالى وما أحسن ما قاله
شاعر النيل:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها
ثانيها: تلاقح الخبرات وتساند الفهوم من خلال الاجتماع الذي يجمع إلى الفقهاء ذوي الخبرات التخصصية في مجالات الحياة فيكون كل واحد من الفريقين مكملاً للآخر وعونا له، ففى المجال الطبي يشارك الفقهاء الأطباء المتخصصون القادرون على تشخيص القضايا المطروحة على الساحة حتى يفهمها الفقهاء حق الفهم ويتصوروها بعيدة عن اللبس، ويمكنهم من خلال ذلك أن يفتوا فيها ببصيرة وقديما، قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفي المجال الاقتصادي
458 (1/459)
صفحة 460
يشاركهم خبراء الاقتصاد، ويصورون لهم ما هم بصدد بحثه من القضايا بما يقربها إلى أفهامهم
ويجليها مداركهم فيكون حكمهم عليها مبنياً على إدراك ماهياتها، والتمييز بين متشابهاتها.
وفي مجال العمارة أو الصناعة يشتركون مع المهندسين الماهرين القادرين على تصوير ما هم معنيون ببحثه
وهكذا في كل مجال يستعينون بذوي الاختصاص به فيولونهم من معارفهم ما هم بحاجة إليه:
ومن المعلوم أن الرأي الفقهي عندما يبنى على الإلمام بالقضية المدروسة من جميع جوانبها ويكون من فقيه نابه، أخلص الله تعالى وجهته يتميز بالعمق والدقة والشمول والقوة، فيكون بعيداً عن كل ما يوهنه، ومن أخذ به كان آخذا بما تطمئن إليه نفسه ويريح ضميره، لأنه بعيداً عن الريب واللبس.
هذا، ولست الآن بصدد استقصاء القضايا المعاصرة التي تناولها فقهاء العصر بالبحث والتمحيص حتى خرجوا فيها برأي واحد أو آراء متعددة، فإنها أوسع من أن يحبط بها كتاب جامع فضلاً عن بحث قصيرة، وإنما أورد صورًا من هذه القضايا مما أسفر عنه البحث والحوار في مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر
الإسلامي. وذكر الشيخ أهم القضايا وآراء العلماء:
قضية طفل الأنابيب.
نقل الأعضاء.
الاستنساخ البشري.
سندات المقارضة وسندات الاستثمار.
زكاة الأسهم المقتناة بغرض ا
الاستفادة
مرض نقص المناعة المكتسب "الإيدز".
من ريعها.
قد ساهم العلامة الخليلي في حل مشكلات بعض القضايا المعاصرة وإليك بعض الأمثلة:
نقل الدم إلى المريض.
1 بين أثر الاجتهاد والتجديد، ص 83.
459 (1/460)
صفحة 461
حكم الربا في الأوراق النقدية ووجوب الزكاة فيها.
حكم التدخين.
ومن خلال الغوص والاطلاع في فكر العلامة الخليلي يتضح لنا أصوله المتينة وقواعده الرضية وفقه العميق وسعة اطلاعه على المدارس الإسلامية مما جعله في مصاف كبار علماء وفقهاء الأمة الإسلامية وفي خاتمة كتابه بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية قال الخليلي: "من خلال النظر في هذا البحث وتقليب أوراقه تخرج بما يلي:
—
—
أن الاجتهاد في كل عصر من الأمور الضرورية التي لا بد للأمة أن تعني بها من أجل حل مشكلاتها
والحفاظ على دينها والربط بين الواقع والشريعة.
أن باب الاجتهاد لم يغلق بحال، فإن الرجوع إلى الكتاب والسنة واستلهام الأحكام منها أمر لا
مناص منه في كل عصر حتى تستقيم حياة الناس.
أن هذا الأمر لا يمكن أن يتعاطاه كل أحد وإنما يقوم به علماء الشريعة الذين جمعوا بين وسائل الاجتهاد بدراسة الكتاب والسُّنة والعلوم التي هي وسائل لمعرفتها ودراسة مقاصد الشريعة ودراسة أوضاع الناس وإدراك ما يحيط بهم من أحوال.
أن التجديد في الجانب الفقهي والدعوى ضرورة لا بد أن تلبى في هذه الحياة وإلا سارت القافلة وتخلف المسلمون عن اللحاق بها. ومما تقدم أرى لا بد من التوصية بما يلي:
توعية الناس لتقبل الآراء الجديدة المبنية على الأصول الشرعية وعدم الجمود على ما تقدم من
آراء سابقة ربما كانت صالحة لعصور خاصة وذلك في المتغيرات دون الثوابت.
إعداد جيل من الفقهاء الربانيين الجامعيين بيد دراسة مصادر الشريعة واستلهام مقاصدها وبين
دراسة العصر وظروفه ومتطلباته.
460 (1/461)
صفحة 462
توفير فرص الاجتهاد الجماعي لأجل تفادي الخطأ باجتماع الفقهاء وتدارسهم الموضوعات المطروحة، فإن الإنسان قليل بنفسه كثير بأخيه ويمكن أن يكون ذلك من خلال الحوار في المجامع الفقهية أو من خلال إيجاد منتديات فقهية في الشبكة العنكبوتية وتيسير الحوار فيها بين الفقهاء
في أطراف العالم.
الأخذ بوسائل العصر في تشخيص القضايا التي تحتاج إلى دراسة وحل، والاستعانة بتلك الوسائل في دراستها مع إشراك المتخصصين في كل فن حتى يتم تصورها تصوراً سليماً فإن الحكم على الشيء فرع تصوره.
حشد جميع الإمكانات من أجل إبراز صورة الإسلام المشرفة وذلك بالدعوة إليه بالحكمة والأخذ بوسائل العصر في هذه الدعوة لظل الإسلام منارة شاهقة يسطع نورها على العالمين.
خامسًا: الإمامة عند الإباضية وآراء أهل السنة:
يقول الشيخ علي يحيى معمر: عندما كان كبار العلماء من التابعين يعتقدون مجالس العلم، يفسرون كتاب الله ويروون للناس ما حفظوا عن رسول الله ويفتون للناس فيما يعرض لهم من مشاكل كانت قضية الخلافة، قد أخذت حظها من النقاش وانقسام الناس فيها على آراء معينة، حسب أدلتهم التي يقتنعون بها، وأصولهم التي يستندون إليها.
كان جابر بن زيد الأزدي، وهو أحد هؤلاء العلماء، اتخذ البصرة مقرًا له ينشر فيها العلم ويتولى ويوالي التدريس والتأليف ويهتم بشؤون المسلمين وكانت قضية الخلافة من القضايا التي مرت عليه، ودرسها دراسة
461
المرجع السابق، ص 121.
1 (1/462)
صفحة 463
مستفيضة عميقة وانتهى فيها إلى رأي ثابت مبني على روح العدالة في الإسلام ومستمد من القرآن الكريم
ومستندة ومستند على سيرة السلف من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
كان يرى أن أهم مرافق الدولة وأعظم مظهر للأمة وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، وتطبيق أحكام الكتاب الكريم، وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أولون، وإنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية، والكفاءة العلمية والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس أمكن أن تجعل من الهاشمية أو القرشية أسباب المفاضلة أو من وسائل الترجيح، أما في غير ذلك فليس لها حساب.
أو العروبة من
وقد عرف الناس هذا الرأي الجابر بن زيد، كما عرفوه لكثير من العلماء المعاصرين له، والكثير من أصحاب
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان طلابه، ينشرون ذلك عنه، ويتحدثون بها.
1 شرط القرشية في الإمامة:
ذهب علماء أهل السنة إلى اشتراط هذه الشرط، وحُكي الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين وبه قال الأئمة الأربعة، فقال الإمام أحمد في رواية الإصطخري: الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ولا تُقرُّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة 2.
وقد نص الشافعي رضي الله عنه على هذا في بعض كتبه 3 وكذلك رواه زرقان عن أبي حنيفة، وقال الإمام
5
مالك: ولا يكون رأي الإمام إلا قرشيًا وغيره لا حكم له إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي
462
64 - 63
1 الإباضية في موكب التاريخ، ص. ص
2
3
أبي يعلى، طبقات الحنابلة، 26/ 1.
الشافعي، الأم، 143/ 1.
4 أصول الدين، ص 275. العربي، أحكام القرآن، 1721/ 4
5
ابن (1/463)
صفحة 464
وقد خالف بعض الأشاعرة من أهل السنة ذلك واستدل المثبتون بعدة أدلة من السنة والإجماع فمن السنة
ما يلي:
ما رواه البخاري في عن معاوية رضي الله عنه حيث قال البخاري: باب الأمراء من قريش حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهم عنده في وفد من قريش - أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص يُحَدِّثُ: أنه سيكونُ مَلِكٌ من قحطان، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أنَّ رجالًا منكم يتَحَدَّثون أحاديث ليست في كتاب الله تعالى ولا تُؤثَرُ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأولئك جُهَّالكم، فإياكم والأماني التي تُضِلُّ أهلها، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقولُ: إِنَّ هذا الأمر في
1
قريش، لا يُعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين.
كذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه تعالى عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الناسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ في هذا الشانِ مسلِمُهم تَبَعٌ لمسلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُم تَبَعْ لَكَافِرِهِم. في مسند الإمام أحمد أن أبا بكر وعمر لما ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة حين اجتمع
الأنصار
لاختيار خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، تكلم أبو بكر ولم يترك شيئاً أنزل في الأنصار وذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره. وقال: ولقد علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لو سَلَكَ النَّاسُ واديًا أو شِعبًا وسلَكَتِ الأنصارُ واديًا أو شِعبًا لسلَكْتُ وادي الأنصارِ و شِعبَهم، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر، فبَرُّ الناسِ تَبَع لبرهم، وفاجرهم
تبع لفاجرهم فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء.
463
الدميجي، الإمام العظمي عند أهل السنة والجماعة، ص 270.
البخاري، ك الأحكام 114/ 13، من الفتح. البخاري، ك المناقب.526/ 6 وانظر: مسلم، رقم 1818.
مسند أحمد مرسل، حسن 5/ 1، وله شواهد تقوية.
—
1
2
3
4 (1/464)
صفحة 465
ومر معنا في الرواية الواردة في الصحيح والتي أثبتناها في مبايعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عند
ذكره لهذا الحديث بمعناه لا بلفظه حيث قال: ولن يعرف العربُ هذا الأمرَ إِلَّا لهذا الحي مِن
قريش
1
ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قام على باب البيت ونحن فيه فقال: الأئمةُ مِن قُرَيش ولي عليكم حقٌّ عظيم ولهم ذلك ما فعلوا ثلاثا إذا استُرحموا رحموا وإذا حكموا عدَلوا وإذا عاهدوا وَفَوْا فَمَنْ لَمْ
يفعَلْ ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة
والنَّاس أجمعين 2.
وقال ابن حزم: "وهذه رواية الأئمة من قريش، جاءت مجيء التواتر رواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومعاوية وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعبادة بن الصامت معناها "3. الإجماع: فقد حكاه غير واحد من العلماء منهم: النووي حيث قال في شرحه الحديث: الناس تبع لقريش ... إلخ الحديث وهذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة ومنهم القاضي عياض، وممن حكى هذا الإجماع الماوردي والإيجي في المواقف
وابن خلدون في المقدمة والغزالي في فضائح الباطنية وغيرهم.
من المحدثين الشيخ محمد رشيد رضا حيث قال: أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقات المحدثين واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب السنة كلهم وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لنبي، قريش، ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون.
فتح الباري، 20/ 7.
مسند
أحمد، 183/ 3.
الفصل في الملل والأهواء والنحل، 89/ 4.
الدميجي، الإمامة العظمى ص 273. الخلافة والإمامة العظمي، رشيد رضا، ص 19.
464
1
2
3
4
5 (1/465)
صفحة 466
اعترض الحافظ بن حجر على هذا الإجماع، وذلك بقوله: قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر فيمن ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر سند رجاله ثقات أنه قال: إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة، استخلف معاذ بن جبل ... الحديث ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش، فيحتمل أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم.
قال الدكتور عبد الله الدميجي بعد مناقشة طويلة في الإمامة: "وهذا الشرط كغيره من الشروط السابقة، التي لا تشترط إلا عند الاختيار من قبل أحد أهل الحل والعقد، أما إذا كان تولي الإمام
للإمامة بغير هذه الطريقة فلا يشترط فيه القريشة كالمتغلب مثلاً ومن عهد إليه من إمام سابق
وخشية الفتنة إن عزل، ففي مثل هذه الحالة تجب طاعته في غير معصية والجهاد
معه
ونحو ذلك،
وله من الحقوق مثل للقريشي بنص الأحاديث السابقة والموجبة لطاعة المتغلب وإن لم تكتمل فيه
هذه الشروط والله أعلم
211
بالنسبة للقائلين بعدم اشتراط القرشية وأدلتهم، فقد تحدث العلامة الخليلي عن الإمامة فقال: وهو منصب لا يختار له إلا من كان ذا أهلية تامة وذلك بأن يكون رجلاً مسلماً ورعاً، سليم الحواس والعقل ليست به عاهة وأن يكون حراً بالغاً متمتعاً بمؤهلات القيادة من الإقدام وحسن السياسة والحنكة وسعة الصدر ورباطة الجأش وعُلو الهمة والخبرة بشؤون الدين والدنيا ومعنى هذا لابد من أن يكون عالماً مجتهداً أو أن يكون من حوله علماء يستمد منهم خبرته ويرجع إليهم في حل المشكلات. وعلى كلا الأمرين لا مناص له من الشورى وذلك بأن يستشير في كل شأن أهل الخبرة به، ففي مجال الشرع يستشير الفقهاء وفي الشورى الحربية يستشير ذوي الخبرة العسكرية وفي الشورى المالية
فتح الباري، 119/ 13.
465
الإمامة العظمى، ص 295.
1
2 (1/466)
صفحة 467
1
—
يرجع إلى ذوي الخبرة الاقتصادية وهكذا في كل مجال يرجع إلى المختصين به، مع ضبط هذه
المشهورة بالأحكام الشرعية، لأن الشريعة الربانية هي أساس هذا النظام.
وهذا المنصب إنما هو وراثة للنبوة، فلذلك لا يتبوؤه إلا من كان على منهج الأنبياء، فما لأهل
الجور الظلم فيه من نصيب بدليل قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124]. فكما أن الظالم ءِ لا يكون نبياً قط كذلك لا يقعد على عرش خلافة النبوة.
ولا يشترط لهذا المنصب نسب بعينه فجميع الناس متساوية فيه أقدامهم عندما تتوفر فيهم الشروط المطلوبة، فليس العربي أولى به من الأعجمي ولا القرشي أولى به من غيره.
وإنما كان اختيار الخلفاء الراشدين من قريش في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- مراعاة لمصلحة سياسة الأمة فإن الدولة كانت قائمة يومئذ على أكتاف العرب، لأن معظم الرادة في الإسلام كان منهم، وكانت العرب جميعاً تُحلُّ قريشا لمجاوزتها بيت الله تعالى الذي ورثت العرب تعظيمه ولأنها القائمة عليه، وذلك مما أورثتها مكانة في نفوس العرب جميعًا، وعمق ذلك أن اختار الله تعالى عبده ورسوله محمداً (صلى الله عليه وسلم) من بينهم واستخلفه من ضئضئ نسبهم فزادهم ذلك قدراً ومكانة فلذلك كان جمع شتاتهم بأن يتبوأ هذه المكانة واحد ممن ينتمي إلى مجدهم أقرب إلى ما ألف شأنهم وعهد في طباعهم ويؤكد ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه قال: إنّ العرب لا تدين إلا بهذا الحي من
من
قريش 1.
وهذا مما يؤكد أن اختيار الخلفاء منهم كان إجراءً سياسيا من أجل مصلحة الدين في ذلك العهد فحسب، وفيما بعد ذلك إذا وُجد الأكفاء من غيرهم فهو أولى بهذا الشأن مع أن الذين اختيروا
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 200.
466 (1/467)
صفحة 468
للخلافة الراشدة لم يختاروا لقرشيتهم فحسب، وإنما لسابقتهم في الفضل، ولأنهم من الأولين من المهاجرين، فكانوا أحرياء بذلك.
السابقين
وأما الشيخ علي يحيى معمر فقد قال: وصحيح أن الإباضية لا يشترطون القرشية لصحة الخلافة وإنما تكون القرشية مرجحًا إذا تساوت الكفاءات الأخرى. وقال في كتاب الإباضية في موكب
الإباضية
على أنني أعتقد أن الأمة الإسلامية، بعد التجارب الطويلة المريرة وبعد أن ابتعد بها التاريخ عن المؤثرات الخاصة، التي سيرتها في اتجاه معين، لا يسعها إلا أن رأي الإباضية في قضية الخلافة، وإن علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا غير هذا الرأي، وإنما قدر للأمة الإسلامية أن تجتمع وأن ترجع إلى حكم الله وأن تلغي هذه الشرائع التي جاء بها الاستعمار لإبعاد هذه الأمة الإسلامية عن كتاب الله، وقدر للخلافة الإسلامية أن تتولى شؤون المسلمين كما أمر الله، لو قدر ذلك، وكان للأمة أن تختار رئيس الدولة الذي تلقى بين يديه بمقدرات الأمة، ما وسعها إلا أن ترجع إلى قواعد هذا المذهب، لتختار الخليفة أو رئيس الدولة، حسب الشروط السابقة التي أشرنا إلى بعضها، ولما أقامت للهاشمية أو القرشية أو العروبة أي وزن، اللهم إلا في مقام الترجيح، عندما تتساوى المواهب والكفاءات، ولن تتساوى المواهب والكفاءات في أمة تشتمل على الملايين من مختلف الأفهم
والعقول والأخلاق.
وإنه ليسرني حقا أن أقتطف من الأستاذ محمد الغزالي السطور الرائعة الآنية، لأختم بها هذا الفصل، ونحن نتساءل فيم هذا الجدل كله؟ وما يضرنا أو يفيدنا من هذا النسب؟
467
200
المرجع السابق، ص (الإباضية بين الفرق، ص 506.
1
2 (1/468)
صفحة 469
وما ينقصنا أو يزيدنا من أفريقيا أو أسيا وما فضل عبد شمس على توت عنج آمون؟ أو تحتمس على عنترة؟ ولماذا لا يقال في إيجاز أن الزنجي المسلم من الهاشمي المنافق، وأن قضية فلسطين
من شأن الإسلام والمسلمين قبل أن تكون من شأن العرب والمستعمرين".
وقال الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني: في تعليقه على قراءته لكتاب الدكتور الأغبري "كتاب الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا"، ناضل الموقف نضالاً واسعاً للبرهنة على عدم صحة حديث: الأئمة من قريش وأولى الموضوع إيلاء عظيما مع إظهار مدى صواب رأي الإباضية في إنكار ذلك وإصرارهم أن يكون إمام المسلمين "الخليفة أو الرئيس أو الأمير" من بين المسلمين كافة على أن تتوافر فيه شروط العلم والتقوى والشجاعة وسلامة الأعضاء وصحة الجوارح دون
2
النظر إلى قبيلة أو جنس. ثم قال: الحقيقة أن القضية لا تحتاج إلى هذا الجهد الجهيد، ولا العناء الشديد، فقد أثبت جمهرة من المؤرخين أننا بصدد مقولة للخليفة أبي بكر وكان قصده أن العرب لا تنقاد إلا لهذه القبيلة آنذاك ولكن الفقهاء أخذوا هذه المقولة وعدوها حديثًا ونصا صحيحًا وراحوا يقننون ذلك ويجعلون منه شريعة تتحكم في الأمة الإسلامية في حين رفضها المعتزلة والإباضية. واستدل بأدلة على ما ذهب إليه المذهب الإباضي منها:
قوله سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. إذًا، فالآية تميز فئة المتقين المتمسكين بالكتاب والسنة المنفذين لتعاليمه المجاهدين في سبيل مبادئه، فكلنا أمام الله سواء ولا ميزة لأحد على أحد إلا بتطبيق قواعد الإسلام وتعاليمه. وقد قال غيره: فجعل الأفضلية والإكرام بالتقوى
468
الإباضية في موكب التاريخ، ص 65.
قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 133.
المرجع السابق، ص 133.
المرجع نفسه، ص 133.
1
2
3
4 (1/469)
صفحة 470
لا بالمعايير الأخرى كالنسب ونحوه بل وردت أحاديث تحذر من التفاخر بالأنساب والأحساب
وتنهى عن العصبية الجاهلية منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنَّ: التفاخر بالأحساب
11
والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ".
وقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أَذْهَبَ عنكم عُبّيَةَ الجاهليةِ 2 وفخرها بالآباء، مؤمن تقي،
وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم
جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن 3.
وفي قوله سبحانه وتعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، إذ يقرر النص المقدس بوضوح أن أمر المسلمين عامة هو بالمشاورة والاتفاق والاختيار والتفاهم وعليه إذا أرادوا أن يبرموا أمرًا من الأمور الرجوع إلى أهل الحل والعقد وهم خبراء بالتعبير المعاصر كل في مجاله.
عدم اختيار الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأبي بكر، أو تنصيبه خليفة للمسلمين وكونه أمره بالصلاة لا ينهض دليلًا على ترشيحه للخلافة.
لو كانت الأئمة من قريش حقَّا، فلماذا لم يختره الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويعينه خليفة أمام الملأ، أو يأخذ البيعة له، ولماذا وقع الخلاف بينهم، بين القريشين والأنصار وبين القرشيين أنفسهم والحقيقة الساطعة أنه ترك الأمر شورياً بين المسلمين لا سيما في هذه القضية الحيوية المصيرية 5.
469
البخاري، فتح الباري 156/ 6
عبية الجاهلية: فخرها وتكبرها.
عنون المعبود، سنن أبي داود، ك الأدب 31/ 14.
قراءة في كتب الإباضية، ص 134.
المرجع السابق، ص 134.
1
2
3
4
5 (1/470)
صفحة 471
نلاحظ أن أهل مكة قد وقفوا موقفًا عدائيا مشهورًا ضد الدعوة الإسلامية وأغلب صناديدهم لم
يؤمنوا إلا في مراحل متأخرة لا سيما بعد فتح مكة في حين أن أهل المدينة وأغلبهم ليسوا من قريش هم الذين تحملوا عبء الدعوة والدفاع عنها فضلاً عن إيواء الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحمايته في الوقت العصيب، ثم دخلوا المعارك في "بدر" و "أحد" ضد القريشين أعداء الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومخرجيه من أحب بلاد الله إليه ومن ثم كيف ينسجم هذا مع تقريره أن الأئمة من قريش، بل كيف ينسجم مع قوله: اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي، وقول عمر بن الخطاب: لو أن سالماً حيا ما داخلتني فيه الظنون، وذلك حين أسند أمر الخلافة إلى أهل الشورى ومعلوم أن سالماً كان مولى لأبي حذيفة.
هذا
وقد ذكر الدكتور الدميجي في كتابه الإمامة العظمى أدلة من ذهب إلى نفي اشتراط القرشية منها:
يقول الأنصار يوم السقيفة منا أمير ومنكم أمير 2 وقالوا لو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمامة غير قريش لما قالوا ذلك.
ومن أدلتهم أيضًا ما أخرجه البخاري في من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وإِنِ اسْتُعْمِلَ عليكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كأَنَّ رأسَهُ زَبيبَة " 3. فالحديث أوجب الطاعة لكل إمام وإن كان عبداً فدل على عدم اشتراط القرشية.
واستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفه. فإنّ أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، والمعروف أن معاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في
470
المرجع نفسه، ص 134.
فتح الباري،
مسلم، رقم
144/ 12.1834
الإمامة العظمى، ص 276.
مسند أحمد، 18/ 1.
1
2
3
4
5 (1/471)
صفحة 472
قريش، فدل على الجواز. كما روى عنه رضي الله عنه تعالى عنه أنه قال: لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت
هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح كما استنتجوا من قول أبي بكر
رضي
الله عنه: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش أن هذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال على سبيل
هي
تغير موقع الاختيار 3. . ومنهم من قال: إن هذه الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة إنما. الإخبار الإجبار وليس فيها أمر يجب امتثاله، ذهب إلى ذلك بعض العلماء المعاصرين كالشيخ محمد أبو
زهرة والدكتور صلاح الدين دبوس وغيرهم.
وقد مال إمام الحرمين الجويني إلى عدم اشتراطه وزعم أنه من أخبار الآحاد وهو على مذهبه لا يحتج به في مثل هذه المسائل، وقد اختلف قول أبي بكر الباقلاني، فاشترط القرشية في كتابه "الإنصاف" ولم يشترطها
في كتابه "التمهيد".
وكذلك إلى نفي اشتراط القرشية ذهب أكثر الكتاب المحدثين منهم: الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية"، حيث ذهب إلى أن الأحاديث الواردة مجرد أخبار لا تفيد حكمًا، وكذلك العقاد في كتابه الديموقراطية في الإسلام وعلي حسن الخربوطلي في كتابه الإسلام، والخلافة، ومنهم صلاح الدين دبوس في كتابه "الخليفة توليته وعزله"، فهو ذهب إلى أن هذه الأحاديث مجرد أخبارة. ومنهم الأستاذ المبارك رحمه الله، فقد اعتبرها من باب السياسة الشرعية المتغيرة بتغير العوامل.
471
2. إمامة المتغلب:
1 الإصابة، ابن حجر، 219/ 9.
المسند، 20/ 1
وصححه. الأستاذ أحمد شاكر، رقم 129.
الإمامة العظمى، ص 277.
المرجع السابق، ص 277.
الإمامة العظمى، ص 276.
المرجع نفسه، ص 276.
2
3
4
5
6 (1/472)
صفحة 473
الفكرة
يقول الدكتور محمد سليم العوّا ونلاحظ أن الإباضية منذ البداية قد قبلوا فكرة إمامة المتغلب 1. التي وضعها علماء أهل السنة والجماعة لتسويغ عدم الخروج على الحاكم الجائر باعتبار أن جور ستين سنة خير وخير من فتنة ساعة، وبذلك يكون المبدأ الرابع الذي ذكرناه آنفاً قد أصبح هو المعوّل عليه باختيار الإباضية جميعاً عدم الخروج، وعلى هذا يلتقي الإباضية وجمهور أهل السنة في تفضيل عدم الخروج على الحاكم الظالم باعتبار أن حقن دماء المسلمين أولى من عزل حاكم لا يضمنون من يتولى الأمر بعده.
وهذا الرأي فرع لقاعدة وجوب الطاعة المقررة للحكام على المحكومين مالم يأت هؤلاء بمخالفة للشرع في تصرفاتهم الخاصة أو العامة، فإذا حدث شيء من ذلك فإن العلماء ينكرونه مستندين في ذلك إلى أن واجب الطاعة لا يحول بين الأمة وبين أن تحاسب حكامها على تصرفاتهم المتعلقة بالرعية بالرغبة بأنواعها كافة، بل وتحاسبهم على تصرفاتهم الشخصية لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): كلكم راع وكلكم مسؤول عن
3
رعيته.
وذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على المرء المسلم السمْعُ والطاعة فيما أحبٌ وَكَرِهَ إِلا أَن يُؤْمَرَ بمعصية. فإن أُمِرَ بمعصية، فلا سمع ولا طاعة "4. وقوله صلى الله عليه وسلم: " أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ، قالوا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتِهم "5. إن هذه الأحاديث ونظائرها، تقرر قاعدة الطاعة للحكام في المعروف،
472
1 المدارس
2
الفكرية الإسلامية، ص 66.
العبارة من كلام الفضيل بن عياض من كبار العباد والزهاد.
1839
البخاري، رقم. صحيح
2554
المرجع السابق، 2955. وفي: صحيح مسلم، رقم
مسلم، رقم
55
3
4
5 (1/473)
صفحة 474
وتدل بذلك على وجوب عدم الطاعة في غير المعروف أو في المعصية. ومن هنا قرر الفقهاء قاعدة تقول:
"إن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة".
3. عبد الملك بن مروان أول خليفة ينتزع الخلافة بقوة السيف والقتال:
استقرت الأمور بعد مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إلى عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي وأصبح الخليفة المتغلب وهو أول من انتزع الخلافة بقوة السيف والقتال مما أثر على الفقه السياسي بعد ذلك أكبر
بويع
بعد
الأثر، فإذا كان معاوية قد أصبح خليفة بعد الصلح مع الحسن بن علي واجتماع الأمة عليه طواعية عام الجماعة، وإذا كان ابنه يزيد قد بويع من الأمصار في حياة أبيه بعد وفاته، وإذا كان ابن الزبير قد وفاة يزيد وهو بمكة من عامة الأمصار عن رضا واختيار، فإن عبد الملك أول خليفة انتزع الخلافة انتزاعاً وبايعه كثير من الناس بعد أن قتل عبد الله بن الزبير ليبدأ عصر التورث الخليفة، وهو مالم يكن للأمة به عهد
من قبل.
-
لقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن الإمامة الأمة إنما تكون بعقد البيعة بعد الشورى والرضا من الأمة، كما أجازوا الاستخلاف بشرط الشورى ورضى الأمة بمن اختاره الإمام، وعقد الأمة البيعة له بعد وفاة من اختاره دون إكراه، كما أجمعوا على أنه لا يسوغ فيه التوارث ولا الأخذ بها بالقوة والقهر وأن ذلك من الظلم المحرم شرعا. وقال ابن حزم: لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أنه لا يجوز التوارث فيها 3. غير أن الأمر الواقع بدأ يفرض نفسه وصار بعض الفقهاء يحكم الضرورة يؤوّلون النصوص لإضفاء الشريعة على توريثها وأخذها بالقوة لتصبح هاتان الصورتان بعد مرور الزمن هما الأصل الذي يمارس على أرض
شرح القواعد الفقهية، تحقيق مصطفى الزرقاء، ص 309، في القاعدة السابعة والخمسون. الحرية أو الطوفان، ص 119. الفصل، 167/ 4.
473
1
2
3 (1/474)
صفحة 475
الواقع وما عداها نظريات لاحظ لها من التطبيق العملي، إلا في حالات نادرة. وقد أجاز كثير من الفقهاء طريق الاستيلاء بالقوة من باب الضرورة مع إجماعهم على حرمتها، مراعاة لمصالح الأمة وحفاظاً على وحدتها وأصبح الواقع يفرض مفاهيمه على الفقه والفقهاء، وصارت الضرورة والمصلحة العامة تقتضي تسويغ مثل
هذه الطرق.
إن الاستبداد والاستيلاء على حق الأمة بالقوة وإن كان يحقق مصلحة آنية، إلا أنه يفضي إلى ضعف الأمة مستقبلًا وتدمير قوتها وتمزيق وحدتها، كما هو شأن الاستبداد في جميع الأعصار والأمصار، وإن ما يخشى من افتراق المسلمين بالشورى خير من وحدتهم بالاستبداد على المدى البعيد 2.
وإن الاستمرارية في ممارسة الشورى مع ما يعتريها من عوائق ومصاعب تثري الأمة في الفقه السياسي وتقطع بها مسافات كبيرة في هذا المجال، ولهذا تعثّر الفقه السياسي في مسيرته التاريخية، ولم ينطلق الانطلاقة المطلوبة منه بسبب النظام الوراثي والاستبدادي.
إن عبد الملك بن مروان شق طريقه نحو الملك بسفك الدماء وقتل الأبرياء والخروج على الخليفة الشرعي
عبد
الله بن الزبير، قلم يراع حرمته كصاحبي جليل، ولم يلتمس عذراً لابن عمه عمر بن
على الوفاء لعهده لعهد ولم يحترم الزمالة والصداقة مصعب بن الزبير، ولا ننكر أن مع.
كان من عقلاء الرجال ودُهاتهم، ومن أكثرهم حزما وشجاعة وإقداما.
الأشدق، ويحرص
مروان
عبد
الملك
بن
وقد أثبت كفاءة عالية في إدارة الدولة وسياستها وكان غير هيّاب يمضي إلى أهدافه بعزيمة ثابتة، ولا يعرف اليأس إلى نفسه سبيلا، ولا يتردد عن قيادة المعارك بنفسه، ولقد استطاع بعد جهود جبارة أن يعيد الوحدة ويجمع شمل الأمة، وأن يصفي خصومه الواحد بعد الآخر، بالصبر والجلد والمثابرة، وعمل على توطيد دعائم
1 الحرية أو الطوفان، ص 119.
2
3
المرجع السابق، 123. أعلام النبلاء، 249/ 4.
سير
474 (1/475)
صفحة 476
دولته ونجح في ذلك نجاحاً فائقاً، ولم تكن تأخذه هوادة أو رحمة بكل من يحاول أن يعكر صفو الدولة أو
يخرج عليها، وقد استحق عبد الملك عن جدارة لقب المؤسس الثاني للدولة الأموية بعد مؤسسها الأول معاوية. وقد عمل على توطيد الأمن في البلاد، وتفرغ للخوارج وقمع الثورات، ومن أشهر الحركات التي
خرجت في عهده: حركة الأزارقة والصفرية وابن الأشعث واستطاع أن ينتصر عليها جميعًا.
إن عبد الملك بن مروان أصبح أمير المؤمنين بعد مقتل ابن الزبير وبيعة المسلمين له، ومذهب عامة أهل السنة والجماعة: أن الإمامة تصح أن تنعقد لمن غلب الناس وقعد بالقوة في موضع الحكم، إلا أنه يجب أن يفهم أن هذه حال ضرورة والضرورات تبيح المحظورات فهذه حال إلجاء واضطرار كأكل الميتة ولحم الخنزير وقبولاً لها لأنها خير من الفوضى التي تعم
الناس.
وعلى هذا فإنه يجب ألا توطن الأمة نفسها على دوام هذا الوضع، بل يجب عليها أن تعمل على تغيير الإمامة الناقصة بإمامة كاملة مستوفاة الشروط المطلوب في الإمام الحق بالوسائل التي لا يكون فيها فتنة بين الناس ويجب السعي دائماً لأن يكون الإمام آتٍ بالطريق الصحيح وهو طريق الشورى 3.
4. عزل الحاكم الظالم:
الخلاف واسع بين العلماء في مسألة عزل الحاكم الظالم، فالرأي الغالب أن عزله بغير فتنة جائز بل، قد يكون واجباً، و ثمة رأي يرى عدم جواز ذلك أصلا أما الخروج على الحاكم الظالم بالسلاح "أي الثورة عليه" فغالب أهل السنة والجماعة رأيهم عدم الخروج ويستثنون من ذلك أن يصل الظلم والجور إلى الكفر البواح فيجيزون الخروج في هذه الحالة مستدلين بأحاديث فيها لفظ " إلا أن تروا كُفرًا بَواحًا، عندكم
1
الدولة الأموية، الصلابي، 791/ 1.
2 الأحكام السلطانية، أبي يعلى، ص 867.
3 الدولة الأموية، الصلابي، 791/ 1.
475 (1/476)
صفحة 477
من الله فيه برهان " وبالأحاديث الآمرة بالصبر، وبالأحاديث الناهية عن قتال المسلمين بعضهم لبعض، وبالأحاديث النهي عن القتال في الفتنة، وقد دافع عن هذا الرأي الكثير من كبار علماء أهل السنة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الطحاوي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
5. الخروج على الحكام عند الإباضية:
قال الشيخ علي يحيى معمر بأن قطب الأئمة تكلم عن الموضوع الخروج على الحكام، فقال: ونحن بعد
لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا وقطب
الأئمة إمام الإباضية في عصره بإجماع الإباضية وهو من أكبر علماء الإباضية في القرن الرابع عشر
2
ويقول أبو يعقوب الورجلاني في كتابه الدليل اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز وليس كما تقول السنية أنه لا يحل الخروج عليهم، ولا قتالهم، بل التسليم لهم
على ظلمهم أولى، قالوا وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأولى قول أهل الدعوة إنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم، والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع في كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء أو الخروج جاز لنا. وكما يقول في موضع آخر من الكتاب ما يلي: "وإن لم نخرج عليهم ورضينا
بالقعود بالكون معهم وتحتهم جائز لنا ذلك ونعيش في كنفهم". ويعتبر أبو يعقوب الوارجلاني من
أئمة
القرن السادس الهجري وله شهرة واسعة تجاوزت المحيط الإسلامي إلى المحيط الغربي فاهتم المستشرقون بآثاره وكتبوا عنه وهو عند الإباضية بمثابة ابن رشد عند المالكية وعبارته فيما أظهر صريحة واضحة لا تحتاج إلى
1
2
المدارس
الفكرية الإسلامية، ص 67.
الإباضية الفرق بين الفرق، ص)
499
3 الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص)
476
499 (1/477)
صفحة 478
شرح أو تعليق. وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن عبد الله بن إباض دعا إلى اجتماع في مناورة مسجد
البصرة لتنظيم حركة الخروج على الدولة القائمة حينئذ فسبقهم إلى المنارة، أي مكان الاجتماع، وجلس
ينتظر حضور أصحابه وهو يستمع إلى أصوات المؤذنين والمرتلين والذاكرين فلما حضروا قال لهم: لست
منكم في شيء أعلى هؤلاء يجب الخروج والاستعراض ثم ذهب وتركتهم. وهذا الرجل هو الذي تنسب إلى
اسمه فرقة الإباضية وهو من أئمة القرآن الأول الهجري وهو يقول بعدم وجوب الخروج كما رأيت بل
هو
يستعظم الخروج 2.
إن الذين قالوا هذا.
من
أئمة الإباضية في مختلف العصور كثيرون، وإنما قصدت أن أورد ثلاث شواهد أحداها
عند مبدأ تكون الإباضية والثاني في متوسط العصر، وآخرها في هذا العصر من
أئمة لا ترد أقوالهم عند
الإباضية 3.
وتحدث الشيخ علي يحيى معمر عن الجانب العملي من الموضوع ذكر الإمام الأعظم للإباضية أبو الشعثاء جابر بن زيد ثم أصحابه وتلاميذه أمثال أبي عبيدة وضمام وصحار وعبد الله بن إباض نفسه وقد كانوا جميعاً تحت أئمة جور في الدولة الأموية، أمثال الحجاج وزياد وابن زياد، وقد بقى الإباضية تحت حكمهم، بل لقد تولى بعضهم بعض الأعمال لهم ثم تسلسل التاريخ وجاء بعد أولئك غيرهم من الطرفين، واستمرت الحياة بالجميع كما كانت، فإذا كان رأي جابر وأصحابه وجوب الخروج على الظلمة فما الذي أمسك أظلم
سيوفه من الحجاج، فهل يوجد في الإباضية من هو أعظم من جابر وهل يوجد من الحكام من هو من الحجاج وإذا تتبعت تاريخ الإباضية في كل مكان وجدت موقفهم إلى الهدنة والمسالمة أقرب منه إلى
الدعوة إلى الخروج على الحكم الظالم.
1
2
3
المرجع السابق، ص)
500
500
المرجع السابق، ص (المرجع نفسه، ص 500.
477 (1/478)
صفحة 479
وقد تهيأت لهم أسباب الخروج مع رجحان جانب النجاح ولكنهم رفضوا الخروج وموقف أبي القاسم يزيد
بن
مخلد الحامي معروف عند الإباضية جميعاً وكذلك موقف الإمام يعقوب بن محمد فقد دعاه الناس إلى
أن يبايعوه فرفض ولو كان الخروج واجب لم يسعه الرفض وتحتم عليه القبول.
إن الإباضية - في هذا الموضوع - قد اتخذوا موقفًا وسطا بين من يقال لهم الخوارج وأهل السنة فهم لا يوجبون الخروج ولا يمنعونه وإنما يجيزونه فإذا كانت الظروف مواتيه ونتائج النجاح منتظرة والمضار فيه قليلة فإن الجواز هنا يميل إلى الوجوب. وإذا كانت الظروف غير مواتية والنتائج غير مؤكدة والمضار المتوقعة كثيرة، فإن الجواز هنا يميل إلى جانب المنع هذا فيما يتعلق بالحاكم الجائر، كما قال علي يحيى معمر 2.
6. القائلون بعدم جواز الخروج على الأئمة الظلمة:
ذهب غالب أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف ما لم يصل بهم
ظلمهم وجورهم إلى الكفر البواح، أو ترك الصلاة والدعوة إليها أو القيادة الأمة بغير كتاب الله تعالى.
وهذا المذهب المنسوب إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وهم عنهم جميعًا، وهو
الله
سعد بن أبي وقاض وأسامة بن زيد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبو بكر رضي مذهب الحسن البصري والمشهور عن الإمام أحمد ابن حنبل وعامة أهل الحديث قال ابن تيمية ... ولهذا
كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح ببر بر،
478
3
أو يستراح من فاجر
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 502.
المرجع نفسه، ص 502.
مجموع الفتاوي 444/ 4
1
2
3 (1/479)
صفحة 480
هذا وقد ادعي الإجماع على ذلك بعض العلماء كالنووي في شرحه لصحيح مسلم، وكان مجاهد البصري
الطائي فيما حكاه عنه ابن حزم ولكن دعوى الإجماع فيها نظر، لأن هناك بين أهل السنة
خالف
من
ذلك.
واستدلوا على مذهبهم وهو ترك الخروج بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، قال: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان وفي رواية: على ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
قال ابن تيمية بعد ذكره لهذا الحديث فهذا أمر بالطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظلم منه، ونهي عن منازعة الأمر أهله وذلك نهى عن الخروج عليه.
حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إنه يُسْتَعمل عليكم أمراء. فتعرفونَ وتُنكرونَ. فمن كرة فقد برئ. ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضى وتابع قالوا: يا رسولَ الله! ألا نقاتلهم؟ قال: لا. ما صلوا.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: مَن رأى مِن أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه ما أحدٌ يُفارقُ الجماعةَ شِبرًا فيموتُ إلا مات ميتةً جاهلية 3.
وحديث حذيفة بن اليمان إذ يقول: قال رسول الله: يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بهداي، ولا
يستتون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبُهُم قلوبُ الشياطين في جُثمان إنس، قال قلتُ: كيف أصنع؟
479
1709
فتح الباري، 13/ 5 وانظر: مسلم، رقم)
منهاج السنة، 88/ 2.
فتح الباري، 13/ 5.
1
2
3 (1/480)
صفحة 481
يا رسول الله! إن أدركتُ ذلك؟ قال: تسمعُ وتطيع للأمير. وإن ضَرَب ظهرك. وأخذ مالك. فاسمع
وأطع، وفي رواية تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفِرقَ كلَّها، ولو أن تعض على أصل شجرةٍ، حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت على ذلك. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى وهي جميعها صريحة في النهي عن الخروج على الأئمة، وإن رأي الإنسان ما يكره وصريحة كذلك في الأمر بالصبر على جورهم وعدم نزع اليد من الطاعة، ومن الأدلة على عدم
جواز الخروج على الأئمة الفساق الأحاديث الدالة على تحريم الاقتتال بين المسلمين وهذا يقع عادة عندما وهناك ما يدل على
تخرج
طائفة
عن طاعة إمامها، لأنه يستنجد بجنده من المسلمين فيحصل الاقتتال
بينهم
غلظ تحريم قتل المسلم لأخيه المسلم، وعلى النهي عن الاقتتال بين المسلمين، ومن هذه الأدلة:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي () قال: سبابُ المسلم فسوق، وقتالُهُ كُفر. صلى الله عليه وسلم 3 وعن الأحنف بن قيس رضي الله عنه، قال: ذهبتُ لأنصرَ هذا الرجلُ، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلتُ: أنصرُ هذا الرجل، قال: ارْجِعْ فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال:
4
إنه كان حريصًا على قتل صاحبه عن جرير أن النبي صلى الله عله وسلم قال له في حجة الوداع استنصت الناس فقال: لا ترجعوا بعدي كُفَّارًا، يَضرِبُ بعضُكم رقاب بعض.5 فهذه الأحاديث وما في معناها تدل على تحريم اقتتال المسلمين فيما بينهم وهذا لا شك يكون عند الخروج على الأئمة بالسيف، فدل على تحريم
480
مسلم، رقم
1847
الإمامة العظمى، ص 506.
مسلم، رقم 16.
مسلم، رقم
مسلم، رقم
2888
118
1
2
3
4
5 (1/481)
صفحة 482
ذلك الخروج. وكما أن مما يدل على ذلك الأحاديث الواردة في النهي عن القتال في الفتنة، وهي
أحاديث كثيرة منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ستكونُ فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجاً، أو معاذا، فليُعِذُ به 2 أي وجد عاصما وموضعا يلتجئ إليه ويعتزل فيه فليعتزل 3.
6
عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يوشك أن يكونَ خيرُ مالِ المسلم غنم يتَّبِعُ بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطرِ، يفرُّ بدِينِه من الفتنِ.4. وهذا يدل على فضل اعتزال
الفتن عند وقوعها، وأنها مفسدة للدين الذي هو أول ما يجب على المسلم صيانته وحفظه. عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إنها ستكون فتن. ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خيرٌ مِنَ الماشي فيها والماشي فيها خيرٌ مِنَ الساعي إليها. ألا، فإذا نزلت أؤ وقعت، فمَنْ كان لهُ إِبل فليلحق بإبلِهِ ومَنْ كانتْ لهُ غنمٌ فليلحق بغنمِهِ ومَنْ كانتْ لهُ أرض فليلحق بأرضه. قال فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! أرأيتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبل ولا غنمٌ ولا أرض؟ قال: يَعمد إلى سيفِهِ فيدقُ على حدِهِ بحجرٍ. ثم لينجُ إِن استطاع النجاء. اللهم! هل بلغتُ؟ اللهم هل بلغتُ؟ اللهم هل بلغتُ؟ قال فقال رجلٌ: يا رسول الله! أرأيتَ إِنْ أُكرهتُ
481
1 الإمامة العظمى، ص 508.
2
3
مسلم، رقم
2886
فتح الباري، 13/ 30، بتصرف يسير.
فتح الباري،
40/ 13
الإمامة العظمى، ص 9
209
4
5 (1/482)
صفحة 483
من
حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجى سهم فيقتلني؟
قال: يبوءُ بإثْمِهِ وإِثْمِكَ. ويكونُ مِنْ أَصحابِ النارِ 1
عن عديسة بنت إهبان بن صيفي الغفاري قالت: جاء علي بن أبي طالب إلى أبي فدعاه للخروج معه، فقال له أبي: إن خليلي وابن عمك عهد إلا إذا اختلف الناي أن اتخذ سيفاً من خشب فقد اتخذته فإن شئت خرجت به معك ... قالت فتركه 2. وعن أبي موسى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الفتن! کسروا قِسِيَّكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة فإنْ دُخِل على أَحَدٍ بيتُه فَلْيَكُنْ
كخير ابني آدم
- إن هذه النصوص جميعها تدل على النهي عن القتال في الفتنة ولا شك أن الخروج عن الأئمة مما يؤدي إلى الفتنة فدل ذلك على النهي عن الخروج على الأئمة الظلمة قال الحافظ بن حجر: والمراد بالفتنة في هذا الباب! هو ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل. الأدلة على عدم الخروج أيضاً موقف الصحابة الذين توقفوا عن القتال في الفتنة وموقف علماء السلف أيام حكم بني أمية وبني عباس وكان في بعضهم فسوق وظلم، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كفره بعضهم وكان الحسن البصري: يقول: إن الحجاج عذاب الله فلا تدافعوا عذاب الله، بأيديكم ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن الله تعالى يقول: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76]. وقيل للشعبي في فتنه ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى وصوّت الذئب إنسان فكدت أطير.
482
يقول الشاعر:
مسلم، رقم
2887
سنن الترمذي، رقم 33.
سنن ابن ماجه رقم
3961
1
2
3 (1/483)
صفحة 484
قال ابن تيمية: ولهذا استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثانية عن
الأدلة
النبي (صلى الله عليه وسلم) وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم. ومن النهي عن الخروج على الأئمة صلاة الصحابة رضوان الله عليهم خلف أئمة الجور والمبتدعة وهذا
على
يقتضي الإقرار بإمامتهم.
ويقول ابن تيمية: إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره، فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة
وهو
التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فهذه تصلي خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة
3
والجماعة وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة السنة بلا خلاف عندهم. والذي يدل على ذلك الجواز فعل الصحابة رضوان الله عليهم حيث كانوا يصلون خلف من يعرفون فجوره. وقد صلى عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة خلف الحجاج بن يوسف، وأخرج بن سعد عن زيد ابن أسلم أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أميراً إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله.
الأدلة ومن
على عدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة الفسيقة مراعاة مقاصد الشريعة، إذ أن من أهداف الشريعة الإسلامية تحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما، ولا شك أن الضرر في الصبر على جور الحكام أقل منه في الخروج عليهم لما يؤدي إليه من الهرج والمرج، فقد يُرتكب
483
منهاج السنة، 241/ 2.
الإمامة العظمى، ص 513.
مجموعة الرسائل والمسائل الرسالة الأخيرة، 198/ 5.
الإمامة العظمى، ص 513.
إرواء الغليل، 303/ 2
المرجع السابق، 204/ 2.
1
2
3
4
5
6 (1/484)
صفحة 485
في فوضى ساعة من المظالم ما لا يرتكب في جور سنين. قال ابن تيمية وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولد من الخير 2، ولذلك: فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصراً ويهدم مصراً.
وذكر ابن الأزرق في معرض استدلاته على أن جور الإمام لا يسقط وجوب الطاعة، قال: الثاني دلالة
وجوب درء أعظم المفاسد عليه، إذ لا خفاء أن مفسدة عصيانة تربو على مفسدة إعانته بالطاعة له، كما قالوا في الجهاد معه، ومن ثم قيل: عصيان الأئمة
هدم
أركان الملة 4.
كما أن الصبر على جورهم واحتساب ذلك عند الله تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح
العمل.
وذكر ابن تيمية أن الحكمة التي راعاها الشارع في النهي عن الخروج على الأمراء، وندب إلى ترك القتال في الفتنة لما في المقاتلة من قتل النفوس بلا حصول للمصلحة المطلوبة. قال: وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما، قال: لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صارت إزالته على هذا الوجه منكرًا، وبهذا الوجه صارت الخوارج يستحلون السيف على أهل القبلة حين قاتلت عليا –رضي الله تعالى عنه المسلمين، وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء
وغيره من
484
1 الإمامة العظمى، ص 514.
2
منهاج السنة، 241/ 2.
إحياء علوم الدين على هامشه اتحاف السادة المتقين 233/ 2.
بدائع السالك، 78/ 1.
شرح العقيدة الطحاوية، ص 368.
منهاج السنة، 243/ 2.
3
4
5
6 (1/485)
صفحة 486
وغيرهم. ويقرر تلميذه ابن القيم رحمهما الله هذه المسألة، فيقول: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) شرع لأمته إيجاب إنكار
المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان أنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر
منه،
وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبعضه ويمقت أهله وهذا كالإنكار على الملوك
والولاة، بالخروج فإنه أساسي من كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟
فقال: لا ما أقاموا الصلاة وقال: من رأى من أميره يكرهه، فليصبر ولا ينزعن يدًا من طاعة ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على المنكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها،
بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت وردُّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من
قدرته عليه، خشية وقوع ما هو
أعظم.
ذلك
مع
منه من عدم احتمال قريش، لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم
حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار، على الأمراء بالسيد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم
منه إلى أن قال: فإنكار المنكر أربع درجات:
أن يزول، ويخلفه ضده.
—
أن يقل وإن لم يزل بجملته.
أن يتساويا.
أن يخالفه ما هو شر منه.
قال: فالدرجتان الأوليتان مشروعتان، والثالثة موضوع اجتهاد والرابعة محرمة، ثم ضرب الأمثلة على كل
درجة، ومنها قوله في التمثيل على الرابعة: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره ونور ضريحه.
485
إعلام الموقعين، 4/ 3.
المرجع السابق، 4/ 3.
1
2 (1/486)
صفحة 487
ومن
يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار يقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي،
فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذراري وأخذ الأموال فدعهم.
الأدلة على عدم جواز الخروج عن الأئمة أننا عند استعراضنا للفتن التي قامت في التاريخ الإسلامي الأول نجد أنها لم تؤت الثمار المرجوة من قيامها بل العكس قد أدت إلى الفتن وفرقة بين المسلمين لا يعلم
عظيم فسادها إلا الله، يقول المعلمي: وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر:
خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق.
خرج أهل الجمل ويرى معظم رؤسائهم أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللقيا والتي
انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية.
اضطر الحسين بن علي رضي الله عنه إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة.
خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرّة.
خرج القرّا مع ابن الأشعث فماذا كان؟
كانت قضية زيد بن علي، وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، وخذلوه، فكان ماكان. وقد عد أبو الحسن الأشعري خارجاً كلهم من آل البيت. ولم يكتب لأحد منهم نصيب في الخروج وقال ابن تيمية: وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولّد من
486
3
الإمامة العظمى، ص 517.
مقالات الإسلاميين، 151/ 1 - 166.
منهاج السنة، 241/ 2.
الخير
1
2
3
— (1/487)
صفحة 488
فإذا كان هذا مآل الخارج، وإن كان قصده حسنًا، ولا يريد إلا الخير وإصلاح الأوضاع، فكيف يجوز
الخروج '؟
7. القائلون بالخروج على أئمة الجور والظلم
ذهبت طوائف من أهل السنة وبعض الأشاعرة والمعتزلة - وغيرهم - وكثير منهم إلى الخروج على أئمة الجور، وسل السيوف واستخدام القوة في تغيير المنكر إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك ولو لم يصلوا إلى درجة الكفر. وقال ابن حزم: إن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك.
وقد نسب هذا القول إلى بعض الصحابة وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فقال: وهذا قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معه من الصحابة، وقول معاوية وعمرو بن النعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من
الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
وهو قول عبد الله
بن الزبير، ومحمد بن الحسن بن علي وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عنهم أجمعين وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن
والاه من الصحابة رضي الله
عنهم جميعهم كأنس
بن مالك، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين ثم
من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله عبد العزيز بن عبد
عمر، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد عبد الله بن الحسن، وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن
بن
الله بن عمر، وكعبد الله.
بن
خرج مع إبراهيم بن عبد الله وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك
والشافعي وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل بذلك
487
الإمامة العظمى، ص 518.
المرجع نفسه، ص 518.
الفصل في الملل والأهواء والنحل، 171/ 4.
1
2
3 (1/488)
صفحة 489
بسل سيفه في إنكار ما رآه منكرا. واستدل القائلون بالخروج على أئمة الجور وإن لم يصلوا إلى حد الكفر
بأدلة التالية:
القرآن الكريم
قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ... [الحجرات: 19]. ففي هذه الآية أمر الله عز وجل بقتال الفئة الباغية سواء كان الإمام معها أم مع العادلة إذ ليس من شرطه أن يكون مع العادلة دائمًا -هذا هذه الفئة الباغية التي يجب أن تقاتل لم توصف بالكفر البواح بل وصفت بالإيمان.
مع
وبناء على هذا فلو خرجت طائفة محقة على إمام جائر وجب على المسلمين نصرتها وقتاله وإن لم يكن كفر كفراً بواحاً، وعليه جرى العمل زمن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، حيث إن معظمهم أيّد عبد الله ابن الزبير رضي الله عنه في خروجه على بني أمية وقتالهم.
- كما استدلوا لمذهبهم بقوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: قال تعالى: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي، قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124].
- استدلوا أيضاً بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]. وقالوا:
فعدم الخروج على الإمام الظالم والسكوت عنه من التعاون على الإثم والعدوان المنهى عنه،
ومجاهدة الظلمة الفسقة من البر الذي أمر الله تعالى بالتعاون عليه.
وإنكار المنكر
الحديث النبوي ومن الأحاديث الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمنها ما ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا
1
2
المرجع السابق، 171/ 4 - 172.
البداية والنهاية، ابن كثير، نقلاً عن الإمامة العظمى، ص 520.
488 (1/489)
صفحة 490
اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]. وحينما قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيُّها النَّاسُ، إِنَّكُم تَقرؤونَ هَذِهِ الآيةَ وتلاها - وإنكم تضعوها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه وفي رواية: إنَّ الناسَ إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابِ مِنهُ
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " مَن رأى منكم منكرًا فاستَطاعَ أن يغيّره بيدِهِ فليغيره بيدِهِ فَإِن لَم يستطع فبلسانِهِ فإن لَم يستطِعْ فبقلبِه وذلك أضعف الإيمانِ "2.
- ومنها ما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إِنَّ أول ما دخل النَّقْصُ على بني إسرائيل أنه كان الرجلُ يَلْقَى الرجل فيقولُ: يا هذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنه لَا يَحِلُّ لك ثم يَلْقَاهُ من الغَدِ وهو على حالِهِ فلا يَمْنَعُهُ ذلك أن يكونَ أَكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض "، ونزل فيهم القرآن فقال: العِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .. وإلى قوله: ... فَاسِقُونَ، وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً، ثم جلس – ثم قال صلى الله عليه وسلم: " كلا والله لتأمرُنَّ بالمعروفِ ولتنهوُنَّ عن المنكر ولتأخذُنَّ على يد الظالم ولتأطِرَنَّه على الحقِّ أطْرًا، ولَتَقْصُرُنَّهُ على الحقِّ قَصْرًا أو لَيَضْرِبَنَّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض ثم
لَيَلْعَنَكُم كما لعنهم "
311
- قالوا: فإنكار المنكر واجب على كل مسلم سواء صدر هذا المنكر من أمير أو حقير أو شريف أو وضيع ولم يرد في الآيات والأحاديث الآمرة بذلك استثناء للأمراء، فدل على وجوب إنكار المنكر عليهم وإزالته
489
رواه أحمد في المسند، 153/ 1، قال أحمد شاكر اسناده صحي
69 - 49/ 1
3047
رواه مسلم، رقم
سنن الترمذي، رقم
1
2
3 (1/490)
صفحة 491
ولو بالقوة عند الاستطاعة. كما أن هناك أحاديث دالة على وجوب مجاهدة الظلمة وكفهم عن ظلمهم
منها:
- حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ما من نبي بَعَثه اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبلي، إلا كان له مِن أُمَّتِه حَوارِيُّونَ وأصحابٌ. يأخُذونَ بسُنَّتِه ويقتدونَ بأمره. ثم إنها تَخَلَّفُ مِن بعدِهم خُلوفٌ. يقولونَ ما لا يَفْعَلُونَ ويَفْعَلونَ ما لا يؤمَرُونَ. فَمَن جاهَدهم بيدِه فهو مؤمنٌ ومَن جَاهَدهم بلسانه فهو مؤمنٌ ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ وليس وراء ذلك منَ الإيمانِ حَبةُ خردل ". قال ابن رجب: وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد وهو نص صريح في المسألة.
ومنها حديث ابن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إذا رأيتُمْ أُمتي تهَابُ الظالم
3110
أن تقول له: إنكَ أنتَ ظالم، فقدْ تُودِعَ مِنهُمْ"
- وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلونَ فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظُلمِهم فليس مني ولست منه ولن يَرِدَ على الحوض" وفي الترمذي بزيادة ومَن لَم يدخُل عليهم ولَمْ يُعِنْهم على ظُلْمِهم ولَمْ يُصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرِدُ علَيَّ الحوض" 4.
وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في خطبته المشهورة لما انعقدت له الخلافة: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإني أسأت فقوموني؟ فهذا الأمر منه رضي الله عنه
490
1 الإمامة العظمى، ص 522.
المرجع السابق، ص 523.
مسند أحمد، 163/ 2.
مسند أحمد، رقم 5702. وانظر: سنن الترمذي، رقم 2259.
البداية والنهاية 301/ 6، اسناده صحيح.
2
3
4
5 (1/491)
صفحة 492
للصحابة بالتقويم عند الانحراف في رعايته لهم وهو أبو بكر الصديق، فأولى بالتقويم من يأتي بعده ويحيد عن الطريق 1.
ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عدة أحاديث تحذر من الأئمة المضلين، وأنهم خطر كبير على الأمة وعلى دينها لذلك يجب السعي إلى إبعاد خطرهم عن هذه الأمة التي يجب حمايتها على كل مسلم إذا غزيت أرضها أو نهبت أموالها فكيف إذا غزي دينها 2؟
روى أحمد سنده إلى عبد الله بم مسعود قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " أشدُّ الناس عذابًا يومَ القيامةِ رجل قتله نبي أو قتل نبيًّا وإمامُ ضلالة وممثل من الممثلين "3. ولذلك فقد قال عمر لكعب: إني أسألك عن أمر فلا تكتمني قال: والله لا أكتمك شيئًا أعلمه، قال: أخوف شيء تخوفه على أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ قال: أئمة مضلين، قال عمر: صدقت قد أسر ذلك إلى وأعلمنيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فإذا كانت هذه
خطورتهم فمجاهدتهم واجبة تمليه المصلحة الشرعية.
الأدلة
ومن
على وجوب الخروج على أئمة الضلالة:
هو إجماع العلماء على قتال أي طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام، فهذه يجب جهادها وقتالها باتفاق المسلمين، قال ابن تيمية وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين ... وقال: فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن
1 الإمامة العظمى، ص 525.
2
3
4
المرجع نفسه، ص 526.
المرجع نفسه، ص 7
527
مسند الإمام أحمد، حديث رقم (
5
6
الإمامة العظمى، ص 527.
المرجع نفسه، ص 527.
293
491 (1/492)
صفحة 493
شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين وقد اختلفت الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتي
الفجر هل يجوز قتالهما؟ على قولين فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستضيفة فيقاتل عليها بالاتفاق.
فهذه الطائفة يجب قتالها سواء كان الإمام معها أم لا، فدل على وجوب الخروج على أئمة الجور إذا امتنعوا عن شريعة من شرائع الإسلام أو تركوا شيئاً من الواجبات أو فعلوا المحرمات الظاهرة.
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا تزال طائفة من أُمَّتِي ظاهرين حتى يأتيهم أمرُ الله وهم ظاهرونَ" 2. وفي وراية: "ولنْ تزالَ طائفةٌ مِن أُمَّتي على الحقِّ ظاهرينَ لا يَضُرُّهم مَن يخذُهُم حَتَّى يأتي أمرُ اللهِ" 3.
هذا وقد جاء تفسير هذا الظهور بأنه النصر في القتال كما في الروايات التالية:
حديث جابر بن سمرة: لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم
الساعة 4.
رواية جابر بن عبد الله: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. وفي رواية عمران بن الحصين:. .. يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال.
وفي رواية عقبة بن عامر: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك.
492
الإمامة العظمى، ص 528
فتح الباري، 293/ 13. وانظر: مسلم، رقم 192.
ابن حبان، رقم 7238.
صحيح
مسلم، رقم 1922.
مسلم، رقم
156
عون المعبود، 162/ 7.
1924
مسلم رقم،
1
2
3
4
5
6
7 (1/493)
صفحة 494
فهذه الطائفة المنصورة تقاتل قطعًا، وليس قتالها خاصًا بالكفار الصرحاء فحسب، بل تقاتل كل من يخذلها ويخالفها وأعظمهم الأئمة المضلون كما في الأحاديث السابقة لاسيما إذا كانوا أخطر على الدين من الكفار الصرحاء، فدل على أن الله قد وعد الخارج لنصرة دينه بالنصر والتمكين وهذا يدل على مشروعية مثل
هذا الخروج".
من الأدلة فعل الصحابة والسلف رضوان الله عليهم أجمعين:
فالصحابة الذين عاصروا الفتنة التي وقعت بين علي وأصحاب الحمل رضي الله عنهم أجمعين لم يكونوا يرون أن المبرر الوحيد للخروج هو الكفر يدلّ على ذلك أن الصحابة كانوا في زمن علي هي ثلاثة أقسام:
الأول: من كان مع علي رضي
الله
عنه.
الثاني: من كان مع معاوية رضي الله عنه.
الثالث: الذين توقفوا وهم القلة رضي الله عنهم أجمعين، وكل الروايات الحديثية والتاريخية التي روت المحاورات والحجج التي حصلت بين الطرفين لم تذكر أحداً منهم احتج بأنه لا يجوز الخروج على الإمام إلا أن يكفر
فدلّ على أنهم لا يرون ذلك 2.
ومن خلال دراسة أحداث الجمل وصفين يتضح أن أكثر الصحابة رضوان الله عليهم يرون جواز الخروج والمقاتلة فيما دون الكفر وهو ما يسمى بالخروج لتصحيح الأوضاع - أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومستندهم آية الحجرات: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ 3. حيث أمر الشارع بقتال الفئة الباغية مع وصفها بالإيمان وقد تكون طائفة الإمام هي الباغية وذلك إذا تجاوزت حدود الشرع ولذلك قال
493
الإمامة العظمى ص 529
المرجع السابق، ص 530
المرجع نفسه، ص 533.
1
2
3 (1/494)
صفحة 495
العلماء: إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريف منهم لأحكام قتال أهل التأويل، إذ أن كان أحكام
قتال أهل الشرك وقد عُرفت على لسان الرسول () وفعله).
أما موقف السلف من غير الصحابة، فمن جاء بعدهم فقد كان يرى كثير منهم الخروج على الأئمة الفسقة
الزبير
الظلمة، وقد قام بعضهم فعلا على بعض الأمراء الظلمة، فمن الصحابة الحسين بن علي وعبد الله بن ومن معهم رضي الله عنهم جميعهم، وقام جمع عظيم من التابعين والصدر الأول على الحجاج بن يوسف الثقفي مع ابن الأشعث، وقال ابن كثير: ووافقه ابن الأشعث على خلفهما - أي الحجاج وعبد الملك بن مروان جميع من في البصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب، حتى قيل إنه رجع معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف رجل 2.
ووقفت بينهم وقعة دير الجماجم سنة 82 هـ، ومن هؤلاء أيضاً كبير التابعين سعيد بن جبير وطلق وقتيبة بن مسلم. كما خرج الناس على الوليد بن يزيد بن عبد الملك لما رأوا فسقه وحاصروه ثم قتلوه. وقال الذهبي: فلم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر شرب الخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك أما عمر بن عبد العزيز: فقد روى عنه أنه: أمر بضرب من سمّى يزيد بن معاوية أمير المؤمنين عشرين سوطاً وهذا يدل على أنه لا يقر له بإمامة.
وقال ابن في ترجمة الحسين بن صالح في الرد على التهم التي هت إليه قال: قولهم كان يرى السيف
يعني
كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور ... قال: وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على
4
ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه.
494
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 319/ 16
البداية والنهاية 36/ 9 وانظر: الإمامة العظمى، ص 533.
3 الإمامة العظمى، ص 234. وانظر: البداية والنهاية، 167/ 9. تهذيب التهذيب 288/ 2. وانظر: الإمامة العظمى، ص 534.
4
1
2 (1/495)
صفحة 496
علماء وأئمة المذاهب الأربعة
فأبو حنيفة كان يرى الخروج على أئمة الجور، وهو ظاهر مذهبه على قول أبي بكر الجصاص فقد قال: ومن الناس من يظهر أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته وأنه يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه، وذكر ذلك عن بعض المتكلمين ... قال: ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضى والخليفة في أن شرط كل منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكماً كما لا تقبل شهادته: قال: وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور، ولذلك قال الأوزاعي: احتملنا أيا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة فلم نحتمله .. قال: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن 1.
وقال أبو اسحاق الفزاري لأبي حنيفة: ما اتقيت الله حيث حثتت حثثت أخي على الخروج مع إبراهيم فقال: إنه كما لو قتل يوم بدر، وقال شعبة والله لهي عندي بدر الصغرى وكان يقول: في المنصور وأشياعه لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدِ آجُرّه لما فعلت 2.
أما الإمام مالك فقد روي ابن جرير عنه أنه أفتى الناس بمبايعة محمد ابن عبد الله بن حسن -خرج سنة 145 هـ - فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة المنصور: فقال: إن كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة. فبايعه الناس عند
ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته.
وقال ابن العربي من المالكية: قال علماؤنا في رواية سحنون: إنما يقاتل مع الإمام العدل سواء كان الأول أو
الخارج عليه، فإن لم يكونا عدلين فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين فادفع ذلك
قال: وقد روى ابن القاسم عن مالك: إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفاع الدفع
عنه،
مثل
495
أحكام القرآن، الجصاص، 70/ 1. وانظر: النحل، الشهر ستاني، 158/ 1.
الإمامة العظمى، ص 535. البداية والنهاية، 84/ 10.
1
2
3 (1/496)
صفحة 497
عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله، ثم ينتقم من كليهما، قال الله تعالى: فَإِذَا
جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، وَكَانَ وَعْدًا
مَّفْعُولًا [الإسراء: 5].
قال مالك: إذا بويع للإمام فقام عليه إخوانه قوتلوا إذا كان الأول عدلاً، فأما هؤلاء فلا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف 2.
ومشهور في التاريخ أن سبب جلد الإمام هو قوله بعدم انعقاد أيمان البيعة لأن البيعة عنده ولاء قلبي وليست مواثيق تؤخذ على الاستكراه، فقد روي ابن أبي حاتم بسنده إلى حرمله قال: أنت الذي تفتي في
3
الإكراه وإبطال البيعة؟ فضربه مجرّداً مائة، حتى أصاب كتفه خلع، وكان لا يزر إزاره بيده.
وأما الشافعي: فقد نسبه إلى هذا القول التفتازاني في شرحه للعقائد النسفية. ونسبة إلى ذلك الزبيدي من أصحابه، وقال: إنه رأيه القديم من مذهبه.
أما الإمام أحمد فالروايات عنه في هذه القضية مختلفة كما هو الغالب على مذهبه وهو تعدد الروايات والمشهورة عنه هو القول بعدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة، فقد نقل عنه ابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة في رواية الاصطخري، ففي قوله والانقياد إلى من ولاه الله، أمركم، ولا تنزع يدا من طاعته، ولا
1
الإسراء: آية 5.
2 أحكام القرآن، ابن العربي،1721/ 4، وبعضه في الخرشي على مختصر خليل، 60/ 8.
3 الإمامة العظمى، ص 536.
4
النظريات السياسية الإسلامية، ص 329.
5 اتحاف السادة المتقين شرح علوم الدين، 232/ 2.
6 أحمد بن جعفر بن يعقوب أحد تلاميذ الإمام أحمد.
496 (1/497)
صفحة 498
تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله فرجًا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعة، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف للجماعة.
وقد قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله في أميركان حدثهم ببغداد وهم قوم بالخروج معه، فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: سبحان الله الدماء الدماء، لا أرى ذلك ولا أمرته، الصبر على ما نحن فيه الفتنة، تسفك فيها الدماء، وتستباح فيها الأموال، وتنتهك فيها "الحرمات "2، أما علمت
من
ما كان الناس فيه؟
يعني أيام الفتنة، قلت والناس اليوم في الفتنة يا أبا عبد الله قال: وإن كان، فإنما
هي
السيف عمت الفتنة وانقطعت السبل الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك 3.
فتنة خاصة فإذا وقع
وقال حنبل في رواية الواثق: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله وقالوا هذا الأمر فقد تفاقم وفشا –يعنون إظهار خلق القرآن - نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه فقال: عليكم النكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا
يداً
من
طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين 4.
وكل ما سبق يدل على أن الإمام أحمد كان لا يرى الخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا، وارتكبوا بعض
البدع، لكن نجد هناك روايات معارضة لما سبق منها:
497
طبقات الحنابلة، 26/ 1
الإمامة العظمى، ص 537.
الإمامة العظمى، ص 538. الاحكام السلطانية، ص 21.
1
2
3
4 (1/498)
صفحة 499
وكذلك ما رود في رواية حنبل، قال عن المأمون وأي بلاء كان أكبر من الذي أحدث عدو الله وعدو الإسلام من إماتة السنة؟
بل قد صرح بالخلع للمبتدع عند الاستطاعة فذكر ابن أبي يعلي في ذيل كتابه طبقات الحنابلة-كتابًا ذكر فيه بالسند المتصل اعتقاد الإمام أحمد، قال فيه: وكان يقول: من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامة وإن قدرتم على خلعه فافعلوا.
فهذا تصريح منه رحمة الله، بأن صاحب البدعة إن قدر على خلعه فللمسلمين ذلك. وهذا لا شك كعارض للروايات السابق ذكرها ويصعب الجمع بينهما إلا إذا قلنا: إن الفسق والجور والبدع مختلفة، فمنهما ما لا يجوز معه الخروج، وتحمل عليه تلك الروايات القائلة بالمنع ومنها ما هو أعظم فيجوز الخروج بشرط الاستطاعة وتحمل عليه هذه الروايات أو أنه منع من الخروج لأنه يشك في نوايا الخارجين، أو يعلم ضعفهم وأنهم سيحدثون فتنا وملاحم بين المسلمين وأجاز لمن سوى ذلك والله أعلم.
أما مذهب الحنابلة فهو عدم جواز الخروج على الإمام الجائر. وخالف في ذلك ابن رزين وابن عقيل وابن
الجوزي، فهم يرون الخروج
5
قصة أحمد بن نصر الخزاعي ممن طبق فعلا الخروج على السلطان المبتدع الواثق بالله القائل بخلق القرآن أحمد بن نصر الخزاعي الذي وصفه ابن كثير بأنه: من أهل العلم والديانة، والعمل الصالح والاجتهاد في
498
طبقات الحنابلة 305/ 2
الإمامة العظمى، ص 539. الكبير، 52/ 10. بالشرح
المغني
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، 311/ 10.
الإمامة العظمى، ص 540.
1
2
3
4
5 (1/499)
صفحة 500
الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. والذي قال عنه الإمام أحمد رحمه الله ما 1 أسخاه لقد جاد بنفسه له 2.
وقصته: إنه قد ساء ما رآه من انحراف الخلافة وإظهار البدعة، فقام بدعوة سرية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشط هو وأصحابه في جمع الألوف من أهل بغداد، فلما كان شهر شعبان من سنة إحدى وثلاثين ومئتين انتظمت البيعة له في السّر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن ولما هو عليه هو وأمراؤه وحاشيته من المعاصى والفواحش وغيرها ولكن الخطة اكتشفت في نهايتها بسبب خلل في الميعاد المتفق عليه وذهب أحمد بن نصر شهيداً، وحزن عليه أهل بغداد سنتين لا سيما الإمام أحمد رحمه الله. فهذه آراء العلماء في هذه المسألة، وهذه أقوال كل طائفة وهذه
أدلتهم.
8. خلاصة فيما يتعلق بالخروج على الأئمة وعدمه:
- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب باليد واللسان وبالقلب بشرط القدرة والاستطاعة، وإنه لا
يجوز إنكار المنكر بمنكر أكبر منه.
وجوب إقامة الحج والجهاد والجمعة والعيدين مع الأئمة وإن كانوا فسقه لأنه حق الله، لا يمنعه جور جائر،
ولا عدل عادل.
499
البداية والنهاية، 303/ 10
المرجع نفسه، 304/ 10.
القصة مختصرة من البداية والنهاية، 303/ 10 - 306
الإمامة العظمى، ص 468 - 546.
1
2
3
4 (1/500)
صفحة 501
تحريم الخروج على الإمام العادل سواء كان الخارج عادلا أم جائراً، وإن ذلك مما نهى عنه الإسلام أشدّ النهي وامر بطاعتهم، ومن خرج عليهم فهو باغ وعليه تحمل الأحاديث المطلقة في السمع والطاعة.
- أما الإمام المقصر وهو الذي يصدر منه مخالفات عملية أو تساهل في الالتزام بأحكام الشرع، فهذا تجب طاعته ونصحه وعليه تحمل أحاديث: "فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن بدًا من طاعة: وما في معناها، وأن الخروج عليه، حرام، وإذا كان باجتهاد فهو خطأ".
- أما الفاسق والظالم والمبتدع: وهو المرتكب للمحظورات والكبائر دون ترك الصلاة لا سيما ظلم الحقوق أو دعوة إلى بدعة فهذا يطاع في طاعة الله ويعصى مع الإنكار عليه في المعصية ويجوز عزله إن أمكن بإحدى الطرق السلمية، بشرط ألا يترتب على ذلك مفسدة أكبر، فإن لم يكن ذلك وجب المبالغة في الإنكار عليه والتحذير من ظلمه وبدعته حتى لو أدى الأمر إلى الاعتزال عن العمل معه والتعرض لأذاه بشرط ألا يكون ذلك حقاً شخصياً وعلى هذا تحمل أحاديث من جاهدهم بنفسه فهو مؤمن. وحديث: من دخل عليهم وأعانهم على ظلمهم - وما في معناه مع حديث: فاصبر وإن جلد ظهرك واخذ مالك. وعلى هذا تحمل أقول الأئمة الأربعة ونحوهم وأفعالهم وما أصابهم بسب ذلك من محن.
سبب
- إلحاحكم الكافر والمرتد، وفي حكمه تارك للصلاة، ونحوه، فهؤلاء يجب الخروج عليهم ولو بالسيف إذا كان غالب الظن القدرة عليهم، عملاً بالأحاديث إلا أن تروا كفرا بواحا، ولا" ما أقاموا فيكم الصلاة ... " و "ما قادوكم بكتاب الله"، ونحوها من الآيات والأحاديث الآمرة بمجاهدة الكفار والمنافقين لتكون كلمة الله هي العليا، أما إذا لم يكن هناك قدرة على الخروج عليه فعلى الأمة أن تسعى لإعداد القوة والتخلص من شره. وبناء على ما سبق فإنه يمكننا أن نستنبط ضوابط لمشروعية العزل في النقاط التالية:
قيام السبب المقتضي للعزل.
رجحان المصلحة العامة على المضرة.
500 (1/501)
صفحة 502
أن يصدر العزل عن أهل الحل والعقد في الأمة، لأنهم هم الذين أبرموا العقد معه إذا استوجب
ذلك شرعاً، أو بخروج الأمة في مظاهرات سلمية حاشدة تطالب تطال الرئيس بالرحيل.
سادسًا: التزكية والقيم عند الإباضية:
اهتم الإسلام بالتزكية والسلوك والقيم وكانت غاية تعليماته الوصول إلى الطاهرة والباطنة وتنقية الجسم والروح، فالله تعالى بعث عبده ورسوله () مزكيًا ومعلمًا وغارسًا للقيم النبيلة في نفوس الناس، وقد تحدث علماء الإباضية على أهمية التزكية والطاهرة للإنسان. ويقول العلامة الخليلي: فالله تعالى بعث عبده ورسوله (مزكيًا ومعلما، وامتن بذلك بذلن على عباده.
قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 151 - 152].
- وقال: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].
وامتن بهذا على العرب الأميين في قوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2].
ومن المعلوم أن التزكية تكون بمعنى التطهير كما تكون بمعنى التنمية والمعنيان متكاملان، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام بعث مطهراً لهذه الأمة من رجس الشرك والفسوق والعصيان، ومن جميع الأرجاس الحسية
والمعنوية، كما بعث منم لخصال الخير فيها.
501
الإمامة العظمى، ص 548.
1 (1/502)
صفحة 503
- جاء القرآن ليصل بين التشريع والتطهير أو التزكية في آيات كثيرة فقد قال الله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} [البقرة: 232].
وقال تعالى: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]. وبعد أن خاطب أمهات المؤمنين بما يجب عليهن من الحفاظ على عفتهن، وشرفهن أتبع ذلك قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ} [الأحزاب: 33]. وفرض على المؤمنين الآداب الاجتماعية والأخلاق الحسنة ما يذهب برجس القلوب، ويرقى بالنفوس إلى أوج الطهر فقال في خطابه للمؤمنين: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
والمؤمنات من
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].
ثم قال مخاطبًا للمؤمنات: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأحزاب: 53].
- فرض على المؤمنين في تعاملهم مع أمهات المؤمنين أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) آداباً خاصة ربطها بطهر قلوبهم وقلوبهن وذلك في قوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53].
502 (1/503)
صفحة 504
ووجه المؤمنين منذ البداية إلى الصدقة إن أراد أحمد منهم مناجاة رسوله () وناط ذلك بالطهر وذلك في
قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةٌ ذُلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ
وَأَطْهَرُ [المجادلة: 12].
- بجانب هذه الطهارة المعنوية للقلوب والأرواح فرض الله سبحانه طهارة حسية للأبدان والأركان، فقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ
أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَحِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6].
لقد امتن سبحانه بإنزاله ماء طهورًا من السماء، فقد قال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [الأنفال: 11]. وقال تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].
- وقد جاء في الحديث عن
النبي
ما يدل على ضرورة الاستقصاء في طهارة الأبدان، فقد أخرج
الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " تحت كل شعرة جنابةٌ،
فبلُّوا الشَّعرَ وأَنقوا البَشرةَ " 2
وبهذا الإسناد عائشة
عن
رضي
الله عنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ فغسل
يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء ويخلل بها أصول شعر رأسه، ثم يصب على
رأسه ثلاث مرات بيده ثم يفيض الماء على جسده كله وهذا بعد الاستنجاء.
1
2
3
القيم الإسلامية، ص. ص 25 - 27.
الربيع، رقم 139. وانظر: سنن أبي داود، رقم 248.
المرجع السابق، رقم 138.
503 (1/504)
صفحة 505
- أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) باتقاء كل ما يؤدي إلى وسوسة في الصدر أو حرج في النفس، أو نشر للأوباء والأسقام من الممارسات العادية بين الناس، فقد قال عليه الصلاة والسلام لا" يبولَنَّ أحدكم في الماءِ الدَّائم ثم يتوضأ منه أو قال يغتسل " 1. وقال): " إذا استيقظ أحدكم من نومِهِ فَلا يَعْم يدَهُ في الإناءِ حتى يغسلها ثلاثاً" 2
- حث الإسلام على السواك حتى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " لولا أن أشق على أُمَّتِي لأمَرْتُم عندَ كل صلاة بوضوء "3. كما أمر الإسلام بتنقية الجسم وتطهيره من النجاسات والأدناس ووقايته من الأقذار أمر بذلك أيضاً في الثياب والأمكنة والآنية، فقد قال تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4].
إن الإباضية يتمسكون بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها الإسلام ويربون أتباعهم عليها من خلال دروس وأفكار تربوية عريقة، يأتي الحديث عنها لاحقا بإذن الله تعالى.
1. قواعد الدين وأركانه ومسالكه:
ارتكز الفقه الإباضي على قواعد وأصول للدين ومسالك للمؤمنين، سار عليها علماؤهم وأتباعهم الأوائل
ومنها في:
- قواعد الدين:
من أصول التربية والتزكية عند الإباضية تربية الأتباع على قواعد الدين ويقصدون بها الأمور الآتية: وقد قام العلامة أحمد الخليلي بشرح أبيات العلامة نور الدين عبد الله بن حميد السالمي في شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد:
المرجع السابق، ص
المرجع: نفسه، ص
المصد نفسه، ص
القيم الإسلامية، ص
29
87
86
86
قواعد الدين علم بعده عمل
ونية ورع عن كل ما حصلاة.
شرح غاية الاعتقاد في نظم الاعتقاد ص 5
504
106, (1/505)
صفحة 506
—
العلم:
والمراد به العلم المتعلق بالدين سواء ما تعلق بالاعتقاد أو العمل أو الأخلاق، سواء ما يتعلق بالتحلي أو التخلي، إذ الدين لا بد للممارسة من إتقانه ولا يمكنه اتقانه إلا بالعلم ولذلك كانت خلافة الإنسان في الأرض منوطة بما آتاه الله من علم، فيه شرف الله هذا المخلوق وأعلى درجته وبوأه مُبوّأ التكريم في الملأ الأعلى، وأمر الملائكة المقربين أن يسجدوا له، وقد بين الله شرف العلم في آيات شتى في كتابه العزيز قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَاب} [الزمر: 9]. وقوله تعالى: وية اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11].
ونعى على أهل الضلال جهلهم بقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6].
وبين النبي الكريم (أن العلم المتعلق بالدين هو مناط الخير، حيث قال: من يرد الله به خيرا بفقهه بالدين. ودل الحديث على فريضة طلبه، إذ قال عليه أفضل الصلاة والسلام طلب العلم فريضة على
كل مسلم. وإنما كان العلم من قواعد الدين وقدمه المصنف رحمه الله على سائر قواعده لأن كل ما يليه
مبني عليه، فالمسلم لا يدري ما يأتي ويذر من الأعمال إلا بالعلم ولا يُتقن النية الصالحة إلا به
3
—
العمل:
المراد به العمل الصالح الموافق لحكم الله تعالى وإنما كان العمل من قواعد الدين، لأن الدين ليس أمرا نظريًا، وإنما هو منهج تطبيقي عملي. فلابد للمتدين من أن يتجاوب في تصرفاته وأعماله مع ما يدين به من الدين، على أن العمل لو كان بمنأى عن الدين لما كان الدين أمراً واقعياً وإنما ينحصر في عالم المثال وهذا
1
2
3
مسند الربيع، رقم 1
أبي ماجه رقم. سنن
25
224
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 107.
505 (1/506)
صفحة 507
غير ما أراده الله تعالى من عباده، فإن الله عز وجل شرع لعباده الدين ليصلحوا به نفوسهم ولتتجسد به طاعتهم لربهم، وليتقنوا به روابطهم فيما بينهم، ولتكون كل جزئية من جزيئات حياتهم قائمة على تعاليمه مسورة بأحكامه من أجل ذلك نرى الآيات الكثيرة في القرآن الكريم لا تذكر الإيمان في مقام تبشير أهله بالفلاح إلا مقرونا بالعمل كما في:
قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25]. وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ
النعيم} [يونس: 9].
- وقال تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94].
وقوله: وإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أولئك هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7، 8].
بل بين سبحانه أنه لا نجاة لأحد من الخسران الذي يحكم به على جنس الإنسان بالإيمان وحده حتى يكون معه العمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وذلك في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3].
تجسيد لحقيقة الإيمان وتصديق له وإنما قدّم المصنف رحمه الله عليه العلم، لأن العلم
ذلك لأن العمل
هو
إمام والعمل، تابعه إذ لا يتصور التمييز بين الصالحات والسيئات إلا به، مع شموله لأصل العمل وهو
الإيمان، فإن الإيمان الحق لا يكون إلا مبنياً على العلم، فإن الله فرض على عباده الإيمان بحقائق لا ينبو
506 (1/507)
صفحة 508
العلم عن شيء منها، بل جميع دلائله تُحفُ بها وتؤيدها وليست قضايا الدين التي يجب الإيمان بها في
الإسلام خيالات وأوهاما؛ كما هو الشأن في غيره، بل هي حقائق تشهد لها العقول وتدعمها النقول 1.
النية:
وهي إخلاص العمل لله وحده وهي روح العمل إذ لا قيمة له بدونها:
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
- وقال الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
[الكهف: 110].
- ورى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. رواه الشيخان وغيرهما من طريق عمر رضي الله عنهما بلفظ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" 3.
وكون الأعمال بالنيات إنما هو دليل على أن العمل لا قيمة له بدونها، فقد يأتي الإنسان العمل مستقيماً تاماً ليس به اعوجاج ولا خلل ولكنه يكون وباء عليه، ووبالا، لأنه مما يتقرب به إلى الله وهو لم يقصد به وجهه تعالى، كأن يصلي أو يتصدق أو يحج أو يجاهد لا لامتثال أمر الله ولكن مراءاة للناس لينال بينهم شهرة الصلاح والتقوى فإن هذا تقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، ولذلك عُد من الإشراك، كما في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
1
2
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص)
رواه الإمام الربيع، في النية، 2.
3 البخاري، الإيمان، رقم.
4
54
109
وانظر:.: مسلم، رقم 1907
شرح غاية في نظم المراد في نظم الاعتقاد، ص 110.
507 (1/508)
صفحة 509
-
الورع:
أقله اجتناب محارم الله جميعا، ولذلك قال المصنف رحمه الله: ورح عن كُل ما حُظِلا، أي: مُنع، فحقيقة الورع
هي
التقوى، ولذلك تفاوتت مراتب الناس فيه:
- المرتبة الأولى: هي مرتبة العُدُول، وهي ترك المحارم بأسرها مع فعل الفرائض كلها.
- المرتبة الثانية هي مرتبة الصالحين، وهي ترك ما لا حرج فيه مخالفة الوقوع فيما فيه الحرج، هذا مع فعل
الفرائض والحرص على النوافل.
المرتبة الثالثة مرتبة، الصديقين، ولا تتحقق إلا بترك كثير مما لا حرج فيه، ولو مع عدم الخوف من الوقوع
فيما في فيه الحرج مع المسارعة إلى كل مقدور عليه من أعمال البر وهي أرفع المراتب.
أركان الدين:
فقد قال العلامة السالمي في منظومته
أرض فوّض وسلم واتكل فبذا تحوز أركانه اللاتي بها كملا.
و شرح الشيخ الخليلي هذا البيت فقال: وأركان الدين هي الرضا بقضاء الله وتسليم الأمر إليه وتفويض
كل شيء له والتوكل عليه.
فالرضا بقضاء الله تعالى: هو قبول كل ما يأتي من لدنه من أمر أو نهي أو سراء أو ضراء بحيث لا
تجد النفس حرجاً قط وهي تستجيب لداعي الله بفعل ما أمر وترك ما نهى، وتتفاعل مع سنن الحياة
508
المرجع السابق، ص 111.
1 (1/509)
صفحة 510
موقتة أن كل ما أصابها من خير أو شر فمن الله وحده وذلك يؤدي إلى الاتزان والثبات أمام تحديات
الدهر وصروف الزمن، فلا تجزع لضراء ولا تستفزها النعماء.
التسليم:
هو
الانقياد والإذعان له تعالى مع الخضوع وعدم الاعتراض عليه في شيء.
التفويض: هو الرّضا بخيرة، الله تعالى له، لأنه العالم بمصالح خلقه.
التوكل على الله: هو الثقة به وبما عنده وعدم الاعتماد على ما عند الناس، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].
ولا يعني ذلك إهمال الأسباب وعدم الأخذ بها فإن ذلك ليس من التوكل في شيء، وإنما هو عجز وجهل فإن الله عز وجل ناط الأمور، بأسبابها، وأمر بالسعي في الأرض والابتغاء من فضله وهو من الأخذ بالأسباب كما أمر في الحروب بأخذ الحذر من العدو وإعداد العدة وعدم التفرق والاختلاف فمن فعل ثقته بالله سبحانه فقد توكل على الله حق توكله على أن المؤمن لا تنسيه الأسباب فهو يلحظ
ذلك
مع
عندما يأخذ بأي سبب قدرته تعالى ويحس بعظيم فضله عليه إذ هيّأ له تلكم الأسباب ومكنه من ممارستها. وقد تساءل بعض طلبه العلم عن الفرق بين القواعد والأركان فأجبته بأن القواعد هي الأسس التي يقوم عليها البناء والأركان هي العمد التي يشتد بها، وبهذا يتضح أن الأركان نفسها بحاجة إلى القواعد، إذ لا تقوم إلا عليها.
مسالك الدين:
يقول العلامة السالمي في منظومته
1
المرجع السابق، ص 114.
ثم الظهور ودفع الشراء مع الـ
کتمان له أكرم بها سُبُلا.
509 (1/510)
صفحة 511
ومعنى
حسب
المسالك
جمع مسلك وهو الطريق وإنما عبّر عن هذه الحالات بالمسالك لأنها طرق يسلكها المسلمون
ملاءمة الظروف وتهيّؤ الأسباب إلى ما يبغونه من الحق والرشد وإقامة نظام الدين هذا وقد وضحت
مراحل: الظهور والشراء، والدفاع والكتمان. وهو ما مرَّ في الصفحات السابقة بفضل الله عز وجل.
2. قواعد الكفر وأركانه:
يعمل الإباضيون على تنقية النفوس وتطهير القلوب من قواعد الكفر وأركانه.
قواعد الكفر:
قال الشيخ السالمي:
جهل حمية كبر بعده حسد
قواعد الكفر فاحذر داءها العضلا.
وقال العلامة الخليلي بشرح البيت: القواعد جمع قاعدة وهي الأصل يعني أن أصول الكفر بقسميه وهما
الشرك وكفر النعمة - أربعة وهي الجهل والحمية والكبر والحسد.
وقد حذر المصنف رحمه الله من داء هذه العِلَلِ العُضل أي العضال والداء العضال هو المرض الذي أعيا الأطباء علاجه وقد عدّها كذلك لأنها مُهلكة لمن لم يتخلص منها بتوفيق الله تعالى إياه.
الجهل:
وهو عدم المعرفة بما من شأنه أن يعرف، فهو نقيض العلم، وينقسم إلى قسمين، بسيط ومركب، فالبسيط عدم المعرفة بالشيء ء أصلا، والمركب عدم المعرفة به مع تصور معرفته على خلاف ما هو عليه، ولذلك كان أشدَّ فهو مركب من جهلين: جهل بالشيء، وجهل بأنه جاهله وهو الذي عناه الشاعر بقوله:
1
شرح. غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 165.
510 (1/511)
صفحة 512
ومن عجب الأيام أنك جاهل
وأنك لا تدري بأنك لا تدري.
والأول أخف لبساطته، وإنما كان الجهل من قواعد الكفر لأنه بقسميه يعود إلى الجهل غالباً، فالذين اتخذوا مع الله إلها آخر أو جحدوا وجوده رأساً أو جحدوا صفاته الذاتية أو أفعاله هم أشد الناس جهلاً وإن كان ذلك عائداً إلى العناد فإن آيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته هي أبين البينات وأظهر البراهين، فالإنسان يتلوها على صفحات وجوده بنفسه إذ ما من خليّة من خلاياه إلا وهي شاه عدل على وجود الله وعلى وحدانيته واتصافه بالكمالات فضلاً عن أصوات سائر الكائنات التي تنادي كل ذرة من ذراتها بلسان حالها معلنة افتقارها إليه وأنها لم توجد إلا بإيجاد الله لها.
فمن تعامت بصيرته على هذه الدلائل وأصم سمعه عن هذه الشهادات كان أعرق الناس في الجهل وأضلهم عن الحقيقة وكذلك من جحد رسالته سبحانه إلى من اصطفاهم من خلقه لحمل أمانته إلى عباده لا سيما خاتم المرسلين وقائد الغر المحجلين، فمن كفر به هو أعمى الناس بصيرة لظهور برهانه وقهر معجزته، وانكشاف صدقه، فلم يبق أمام من جحد رسالته إلا العناد والمكابرة 2.
الحمية:
وهي العصبية الباطلة، فإنها تعمي بصيرة صاحبها حتى يجعل الباطل
حقاً
والحق باطلاً
وهي
من
شأن أهل
الجاهلية، قال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّة [الفتح: 26]. وإنما كانت من
قواعد الكفر لأنها تحول بين من استحكمت في نفسه وبين اتباع الحق فقد يرى الحق بأم عينيه ولا يصده
عنه إلا هذه الحمية، كما كان من فرعون وآله الذين آلاهم الله آياته ما جعلهم موقنين بصدق
عليه
موسي
1
2
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 166. المرجع السابق، ص 167.
511 (1/512)
صفحة 513
السلام ولكنهم أخلدوا إلى عنادهم، كما قال الله تعالى فيهم: وَجَحَدُوا بِمَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا
وَعُلُوا [النمل: 14].
وكذلك شان أولئك الذين قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]، فإن حميتهم لآبائهم صدّتهم عن الخروج عمّا ألفوه منهم وإن من شأن الحمية أن تدعوا كل طائفة بأن تلتفت حول نفسها وتدخل في حرب من غيرها ولو أيقن أفرادها أنها ظالمة وأن الحق في جانب غيرها مع أن مجرد الركون إلى الظلم مهلكة ولو كان ميلاً بالقلب من غير أن يكون له أثر على الفعل، قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113].
الكبر
وهو أن يتعالى الإنسان بنفسه وعُرف بأنه: تسفيه الحق وغمط الخلق أي ازدراؤهم واحتقارهم والمتكبرين إما معهم إبليس اللعين، فإنما عصى الله تبارك وتعالى باستكباره، إذ رأى بنفسه مزيّة على آدم فقال: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12].
وعليه فإن الكبر إمام المعاصي، لأن أوّل ما عصى المتكبرون والمتكبر متطاول على الله تبارك وتعالى فإن الكبرياء من خصائصه عز وجل ففي الحديث القدسي: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني أحدهما قذفته في النار ولا أبالي. ومعناه أن كل واحدة من الصفتين خاصة به عز وجل ليس لغيره منهما نصيب، كخصوصية أحدنا بردائه وإزاره فلذلك كان حريًا من تطاول على الله سبحانه بمنازعته إحداهما أن يقذفه في
النار.
وإنما الكبر من قواعد الكفر لأنه يحاول دون إتباع الحق كما في قصة إبليس اللعين، وكذلك أولئك المتكبرون الذين صدوا عن الحق صدودًا كقوم نوح وعاد وثمود والذي حاج إبراهيم في ربه وفرعون وقومه لذلك كان كل
512
المرجع السابق، ص 167. وانظر: مسلم، رقم 2620.
1 (1/513)
صفحة 514
متكبر مصروفاً عن آيات الله تعالى، قال الله سبحانه وتعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146].
الحسد
الحسد
هو تبني زوال نعمة الغير، سواء كان هذا التمني مصحوبًا، بتمني انتقالها إلى الحاسد أو مجرد زوالها،
وهو داء عضال، يثمر العداوة والبغضاء، فإن الحاسد يشعر بنار تضطرم بين جوانحه يُؤججها ما يراه من نعمة الله على غيره، فلذلك يتمنى إطفاءها بزوال تكلم النعمة، وقد أجاد من قال:
إني لأرحم حاسدي لحرما
ضمنت صدروهم من الأوغار.
نظروا صنيع الله بي فعيونهم
في جنة وقلوبهم في
وقد بدفع الحسد بصاحبه إلى أن يكابر الحقيقة التي تملأُ عقله وقلبه فيجحدها كما كان ذلك من أمية بن أبي الصلت، الذي كان يتطلع إلى نبوّة يشرق ضياؤها فيبدد ظلام الجاهلية، فلما أكرم الله بذلك عبده ورسوله () حسده على ما أتاه الله وكفر به وهكذا كان صنيع كثير من المشركين، إذ لم يصرفوهم عن
الإيمان به صلى الله عليه وسلم إلا هذا الداء.
وهكذا
اليهود فإنهم كانوا مؤمنين بنبوته صلى الله عليه وسلم بما وجدوه ممن نعوته في التوراة، وكانوا
يستفتحون به على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسداً أن تخرج النبوة من بني إسرائيل إلى
العرب، ولذلك قال الله تعالى فيهم: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ
صلے
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: 54]، وبدافع الحسد كانوا يتمنون الكفر للذين ءامنوا كما
1
غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 168.
513 (1/514)
صفحة 515
ورد في قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ} [البقرة: 109].
وقد يسعى
أَنفُسِهِم
أو عقله أو ماله أو ولده أو أهله، لذلك كله كان من الحاسد إلى الإضرار بالمحسود في جسمه
قواعد الكفر. ولما للحاسد من أثر خطير في حياة الناس علمنا الله تعالى أن يستعيذ به من شر إذا حسد فيما أنزله في سورة الفلق.
ومما تقدم يتبين أن الكفر القائم على القواعد المذكورة هو أعم من أن يكون كفر شرك أو كفر نعمة، فإن
1.
كلا من الجهل والحمية والكبر، والحسد ينشأ عنه كل واحد من الكفرين كما علمت.
لذلك، فإن من قواعد أصول التربية والسلوك في المنهج الإباضية تربية الناس على قواعد الإيمان وأركانه، وتنقية النفوس وتطهير القلوب من قواعد الكفر وأركانه حسب رؤيتهم المستمدة في أصولها من المدرسة
الإسلامية.
3. الإسلام
هو دين الله الحق الذي اصطفاه لعباده أجمعين وبعث به النبيين قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19]. وقال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]. وسمى كذلك، لأن الدينونة به إنما هي إذعان تام وإخلاص لله تعالى: سبحانه قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَا
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161].
1
شرح. غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 169
514 (1/515)
صفحة 516
الدينونة للإسلام:
—
لا ريب أن الدينونة الصادقة بالإسلام والمحافظة على قيمه تؤدي إلى حسن) المحافظة
على جميع الحياة ومرافقها ومراعاة حق كل من له حق وماله حق من صامت ونطاق وحي وميت وبعيد وقريب وبغيض وحبيب إذا الإسلام – صورة ومعنى وجوهرًا وشكلا - يُغرس في النفس البشرية، ويعمق في فكرها ووجدانها شعورًا، بالمسؤولية أمام أما الله تعالى عن كل ما يصدر عنها، فهو يقوم أولاً على الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى وحده له الخلق والأمر، لأنه منشئ الوجود ومبدعه ومبدئه ومعيده فله ملكوت كل شيء وله الحكم في أمر، ولا يفوته حساب أي أحد فيما قدم أو أخر، كيف وقد وصف نفسه في آيات كثيرة أنه رب العالمين، وجاء
عليه
تفسير ربوبيته للعالمين أنه رب الكائنات بأسرها وذلك في قوله سبحانه فيما يحكيه من جواب موسى السلام لفرعون عندما سأله: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاءِ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} [الشعراء: 23 - 1124. وإذا كان كل ما سواه تعالى مربوبًا له فلا ريب أن كل شيء هو ملكه وهذا ما نصت عليه النصوص عدة من القرآن، وقال تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قلے
قدِيرٌ} [البقرة: 284]. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ
ج
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 129]. وفي قول الله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17]
وهو في قوله تعالى: والله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} [الجاثية: 27].
والقائل: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
?
?
ج
ج
515
القيم ودورها في تقديم الحلول، الخليلي، ص 16.
1 (1/516)
صفحة 517
رَّحِيمًا [الفتح: 14]. والقائل: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه: 6]. وقال
أيضًا: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ [فاطر: 13].
وإذا كانت الأرض جزءًا من ملك الله تعالى الذي لا شريك له ما في الملك، بل الكون كله بما احتواه من ملك وملكوت ومادة وروح وعلو وسفل وظاهر وباطن هو ملك الله تعالى الذي لا شريك له، فإنه لا يسوغ عقلا ولا شرعًا لأي أحد من كان أن يتصرف في الأرض أو في أي جزء منها أو أي جزء من الكون إلا
بحسب ما أذن به الله 1.
—
الإنسان لم يخلق هملا:
فقد أفادت النصوص الشرعية، بأن الإنسان لم يخلق هملاً، ولم يترك سدى، وإنما خلق ليضطلع بأمانة كبرى، ويتحمل مسؤولية عظمى ثفلت على السماوات والأرض، وهي مسؤولية الخلافة في الأرض، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: 36]. وقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]. وقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ
رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165].
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165]. وفي قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن
بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14].
1
القيم الإسلامية، ص 17.
516 (1/517)
صفحة 518
وهذا يعني
أن الإنسان ليس أصلاً في هذه الأرض وإنما هو خليفة فيما بوأه الله تعالى هذا المنصب، لينظر ما يأتي وما يذر، وما يقدم وما يؤخر وكل مجزي بعمله، قال: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123 - 124]، وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46].
عمارة الأرض:
—
على أن من مقتضيات هذه الخلافة في الأرض عمارتها باسم الله تعالى، وحسن استغلال خيراتها وتنمية ثرواتها والإحسان في كل تصرف فيها وذلك مما يدخل في شكر من أنعم بهذه النعمة، وبسط هذا الخير العميم للإنسان إذ الأرض بكل ما فيها وما عليها نعمة أنعمها الله تعالى على الإنسان بالأصالة وعلى غيره بالتبعية وقد آذن الله تعالى الإنسان بأنه خلق له ما في الأرض وذلك قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا في الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: 29]. على أن هذا التكريم لم يقف عند حدود الأرض وما حولها وإنما تجاوز ذلك إلا ما لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه، فإن العالم الفسيح بكل أبعاده ومحتوياته مسخر للإنسان 2. وقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13].
4. مفهوم العبادة
ومن المعلوم لأولي البصائر النيرة والحلوم الراجحة أن العبادة لا تنحصر في طقوس يمارسها الإنسان في ساعات من ليله أو نهاره أو في مواقيت دورية من عمره، وإنما العبادة أوسع مفهوماً من ذلك كله، فهي
517
المرجع السابق، ص 18.
المرجع السابق، ص 18.
1
2 (1/518)
صفحة 519
تشمل كل ما يصدر عن الإنسان من بر وإحسان سواء ما تعود منفعته على نفسه أو أسرته أو على مجتمعه أو على أمته أو على جنسه أو على مخلوقات الله تعالى الأُخرى فإن الإنسان مجزئ عن كل خير يقدمه
مهما كان أثره وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115].
وإنما شرعت أمهات للعبادات فيها توجه من الإنسان إلى خالقه تعالى بالتذلل والخشوع، وبها يكون إسلامه لروحه وجسمه وعقله وقلبه وفكره ووجدانه وحياته ومماته الله تعالى رب العالمين، حتى يكون بين يدي ربه سبحانه عبدًا مطيعًا، وبين مخلوقاته سيدًا كريماً، وهذه العبادات تمثل مع كلمة التوحيد أركان هذا الدين.
—
- الارتباط الوثيق بين الإيمان بالله واليوم الآخر:
إن الإسلام الحنيف وصل الإيمان بالله واليوم الآخر وجعلهما ركنين في بناء حياة المسلم الفكرية والعملية والاجتماعية من أجل التوازن والانضباط، فإن الإيمان بالله إنما هو إيمان بالمبدأ إذ كل ما في الوجود، إنما هو من خلق الله الذي أخرجه من العدم إلى الوجود ومن ذلك الجنس البشري بجميع أفراده، فإن الله تعالى وحده خالقهم، ومصورهم ورازقهم وممدهم بجميع الألطاف، وهو الذي هيأ لهم جميع أسباب الحياة ومطالبهم.
ولا ريب أن بقاء الإنسان في هذه الحياة الدنيا محدود بين طرفي المنشأ والمنقلب، إذ كل إنسان يبدأ مراحل الحياة عندما تنفخ فيه تلكم النفخة الربانية في غياهب الأرحام، ثم يتدرج في الأطوار حتى يخرج من ضيق الأرحام إلى فضاء الدنيا ليتدرج في أطوار جديدة بصعوده سلم النمو حتى يستوي، ثم يبدأ في الانحدار – إن أمهل له في العمر - حتى يعود إلى حيث بدأ مرحلة الحياة من الضعف ثم يطويه العدم إلى أن ينتشر مع المنتشرين في النشأة الأخرى ليحصد هناك ما غرسه في حياته الأولى خيرًا كان أو شرا، والمصير هنالك
518
19 - 18
المرجع نفسه، ص. ص
1 (1/519)
صفحة 520
مرهون بمسيره هنا، ففي قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى 5 وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ
يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} [النجم: 39 - 42].
ومن المعلوم أن بناء الحياة الإنسانية على هذين الأصلين من أصول الاعتقاد ويحميها من الانزلاق والتردي ويقيها آثار المؤثرات السلبية، سواء أكانت نفسية أم خارجية فإن الإيمان بالله تفيض به النفس شعورًا بوجوب طاعته والسعي إلى ما يبلغ، رضوانه، وذلك بما يميله عليه من الإحساس بفيض كرمه وغمرة نعمه والافتقار إليه في جميع الأحوال، ولكن قد تطغى على النفس مؤثرات من الدوافع والمثبطات يتحرف بها عن الطريق السوي، فلا تلبث أن تستأثر لشهوة جامحة أو ترق طائش أو عاطفة رعناء فتنحرف عن هذا النهج السوي، مما يقتضيه الإيمان بالله من طاعته والاستقامة في سبيله غير أن هذه الطاقة الإيمانية عندما تعزز بطاقة أخرى ناشئة عن الإيمان باليوم الآخر تقوى على حماية النفس وصونها من الآثار السلبية لشهواتها ونزعاتها وعواطفها وغرائزها، إذ الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالمصير المحتوم الذي يلقي كل عمله في هذه الحياة كاملاً غير منقوص ويجزي به جزاءً وافيًا، وهو ما حتمه القرآن الكريم في القول:
لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ ذكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
[النساء: 123 - 124].
1
2
وما من ريب في أن الحياة المبنية على هذا الأصل الإيمان الراسخ تظل حياة راسخة في الخير، باسقة دوحتها في أجواء الإحسان وارفة ظلالها بالبر والمرحمة على كل موصول بها، فتظل دائما تفيض بالحنان وتتدفق
بضروب الإحسان 2
المرجع السابق، ص 21. المرجع السابق، ص 21.
519 (1/520)
صفحة 521
—
أركان الإسلام هي أصول البر والإحسان:
بني الإسلام كغيره على أركان يقوم عليها بناؤه الشامخ، الذي يظل بظله الوارف كل ما تلحفه الحياة بهجيرها اللاهب فيأوي إليه كل ملهوف ليجد الإغاثة، وكل مد ليمد بالعون وكل ضعيف ليحاط بالنصرة، وهي خمسة جاء بها الحديث الشريف، فعن ابن عمر رضي الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان.
ولكل واحد منها أصل ثابت في القرآن فالشهادتان دل أولهما قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَّهُ وَاحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]. وفي قوله تعالى: وشَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]. وقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]. ودل على ثانيهما قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29]. وقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40].
وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّبِيرًا} [الأحزاب: 45 - 46].
وحضت على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة آيات كثيرة منها:
في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَحِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا
1
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110].
قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَحِدُوهُ
?
عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل: 20].
البخاري،
22
، رقم 8. وفي: مسلم، رقم 16.
520 (1/521)
صفحة 522
وهما من أهم ما يحقق معنى البر في سلوك الإنسان فقد قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواءِ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
ودل فرض الحج في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. وأشار إلى مشروعية إقام الصلوات في الجماعات قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ
الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43].
وقوله: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 218 - 219]. وقوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ 3 خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 42 - 43].
وصرح بوجوب إقامتها عليها حديث رسول الله ومنه قوله: " والذي نفسي بيده لقد همَمْتُ أَنْ آمُرَ بحطبِ فَيُحِطَبَ ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيؤذَنَ لها ثُمَّ آمُرَ رجلًا فيؤمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلى رجالٍ فَأُحرّقَ عليهم بيوم والذي نفسي بيده لو يعلَمُ أحدهم أنَّه يجد عظما سمينًا أو مِرْماتينِ حسَنتَيْنِ لشهد العشاء "2. وقوله عليه الصلاة والسلام: "من سمعَ النّداءَ فلم يأتِه فلا صلاة له إلا من عُذر" 3. وقوله:
لَيَنتهينَّ أقوامٌ عن وَدعِهم الجماعاتِ أو ليختمِنَّ الله على قلوبِهِم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين
411
521
القيم الإسلامية، المرجع السابق، ص 23. رواه الربيع، رقم 182. وانظر: البخاري، رقم 618.
793
سنن ابن ماجه رقم
سنن ابن ماجه، رقم 794.
1
2
3
4 (1/522)
صفحة 523
ولا يخفى على متأمل ما لا لإقامة الصلوات في الجماعات والمحافظة على جميع العبادات من أثر كبير في
إنشاء بيئة صالحة سليمة من كل ما يهدد أمنها ويزعج استقرارها.
المرحمة في نفوس المسلمين:
جاء الإسلام بطابع الرحمة والإحسان في كل أمر، وعلى كل حال، وحسب الإنسان المسلم أن يذكر اسم
ربه موصولا بوصف الرحمة باستمرار، فهو يقول في جميع أحواله بسم الله الرحمن الرحيم ويتلو في صلاته وغيرها والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 32].
ويتدبر في القرآن اقتران توحيد الله تعالى ونفي الشريك عنه بوصفه بالرحمة في قوله تعالى: {وَإلهكم إله وَاحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]. ويرى كيف وصف رسول الإسلام الذي هو قدوة المؤمنين بالرأفة والرحمة في قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].
ووصف المؤمنين جميعًا، بأنهم رحماء بينهم، وتعزز ذلك بما غرسه النبي في الناس من مرحمة بعضهم البعض، ومرحمة كل ما يحتاج إلى الرحمة من مخلوقات الله تعالى فهو في كل توجيهاته وتعاليمه يحث على الرحمة، كما في قوله: من لا يرحم لا يرحم. وقوله: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من
في السماء 3
522
القيم الإسلامية، ص 24.
5651
وانظر:: القيم الإسلامية، ص 35.
البخاري، رقم سنن الترمذي، رقم 1954.
1
2
3 (1/523)
صفحة 524
وفي قوله: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتل أحدكم فليحسن القتلة، وإذا ذبح فليسحن
الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته.
العدالة:
أمر الله تعالى رسوله (بالعدل في كل شيء وحذر من الحيف والجور على أي أحد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
وفي قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. وقال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3].
وفي الحديث عن النبي (): " ما من عبد يسترعيه الله رعيَّةً من المسلمين فيموتُ وَهوَ غاش لرعيَّتِهِ إلا حرَّمَ اللهُ عليهِ الجنَّةَ " 2. النعمان. وعن بن بشير رضي الله عنه أن أباه نحله عبداً، فجاء إلى رسول الله) فقال: أَكُلّ ولدك نحلت مثل هذا؟ قال: لا قال: فأردده.
1
2
3
1955
مسلم، رقم البخاري، رقم 6731.
مسلم، رقم 1623.
523 (1/524)
صفحة 525
—
الصدق والأمانة:
إن من أبرز خصال الإيمان أمر الإسلام بالصدق والأمانة، وحذر من الكذب والخيانة. وجاءت آيات القرآن الكريم تلك الصفات في سياق الزجر وذكر صفات المنافقين والمفسدين في الأرض، إذ ورد في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]. وقال تعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 105]. وكذلك في قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]. وقال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].
وقال صلى الله عليه وسلم: إياكم والكذبَ؛ فإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفُجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذبُ ويتحرى الكذبَ حتى يُكتب عندَ اللهِ كذَّابًا؛ وعليكم بالصدق، فإنَّ الصدق يهدي إلى البرّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنةِ، وإنَّ الرجلَ ليصدقُ ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عندَ اللهِ صديقًا. وقال: يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب. وكذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أربع خِلالٍ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا مَن إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ومن كانت فيه خصلةٌ منهنَّ كانت فيه خصلةٌ مِن النِّفاقِ "3.
524
البخاري، رقم
5723
مسند
أحمد،
رقم
22224
البخاري، ص
34
1
2
3 (1/525)
صفحة 526
وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " ثلاث مَن كُنَّ فيه فهو مُنافِقٌ، وإِنْ صَامَ وَصلَّى وزَعَم
أَنَّه مؤمِنٌ: إذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا وَعَدَ أَخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ ". وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أيّ الأمانة إلى من ائتمنَكَ، ولا تخنْ مَن خانَكَ" 2.
العفاف:
يأمر الإسلام الحنيف بالعفة ويحذر من الفجور والاقتراب منه، ففي قول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَاءِ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِثْهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 5 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70].
قلے
وقال تعالى: وقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي
الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمَّ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن
صلے
زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 30 - 31]. وقال صلى الله عليه وسلم: العينانِ
تزنيان واللسان يزني واليدانِ تزنيانِ والرّجُلانِ تزنيانِ ويُحقِّقُ ذلك الفَرْجُ أو يُكذِّبُه.
525
مسلم، رقم 90.
سسن البيهقي،
البخاري رقم 1
ص
1092
6243
1
2
3 (1/526)
صفحة 527
القصد والاعتدال:
—
جاء الإسلام الحنيف بمنهج القصد والاعتدال في الانتفاع بمرافق الحياة والتمتع بخيراتها وهو يدعو إلى الاعتدال في كل شيء ويحذر الإسراف والتبذير، ففي الأكل والشرب يأمر، بالقصد مع أنه من المعلوم أنهما قوام الحياة، إذ لا يستقيم أودها إلا بهما لكننا نجد مع ذلك أن الله تعالى ينهي عن تجاوز الحد فيهما، فقد قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
1
إن الإنسان مطالب بالقصد والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل استهلاكه لمطالب الحياة ولذلك أمر بالقصد في النفقات حتى ما كان منها من قربات، كما في قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا 5 إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
[الإسراء: 26 - 27].
وقال تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ: إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 29 - 30].
وقد جاء الحديث محذرًا من الإسراف في استهلاك الماء في الوضوء، كما في الحديث ابن عمر عند ابن ماجه
أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مر برجل يتوضَّأُ، فقال: لا تُسرِفْ، لا تُسرِفْ 2
ولا ريب أن المحافظة على ذلك، تقي البيئة كثيرًا من المضار التي تترتب على عدم المبالاة في استهلاك منافع الحياة، فإن إعداد الأطعمة إعدادًا لا يقف عند حدود الاعتدال، بحيث تفضل منا أكوام يرمي بها في المزابل
526
القيم الإسلامية، ص 43.
القيم
الإسلامية، ص 174.
1
2 (1/527)
صفحة 528
أمر مضر بالبيئة من حيث الاستهلاك لمنافعها فوق ما تقتضيه الحاجة، وبجانب ذلك فإن تلك الفضلات
بعد تعفنها تؤثر على البيئة تأثيرًا سلبياً، وكذلك إتلاف المياه في غير ما منفعة فإن الماء أهم المواد الضرورية للحياة، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه أكثر من أيام قليلة، فقد جعل الله منه كل شيء حي، إذ يؤلف ثلثي خلايا البدن و 90% من سوائله: الدم واللمف والسائل النخاعي وفيه تجري جميع التفاعلات الحيوية في البدن وله دور فعال في تنظيم حرارة الجسم بالتعرق.
والجسم يطرح كل يوم ما بين لترين وثلاثة لترات من الماء في الكليتين (1400 م)، والجلد (850 م)، والرئتين (800 غ) والأمعاء (بضعة غرامات) ويعوضها الماء الذي في طعام الإنسان وشرابه. لذلك، فالمحافظة
على
الماء
هي
محافظة على أهم عنصر يمد الحياة بما يستديمها ويصلحها، وكل استهلاك للماء خارج عن
حدود الاعتدال هو حرام لأنه عدوان على الإنسان والبيئة.
وكذلك كل استهلاك لمنافع البحر أو البر إن جاوز إلى حدود الإفراط فيحرم الصيد بالجرافات من البحار
التي تأتي على الأسماك وكبارها فتؤخذ الكبار وترمى الصغار، فإن في ذلك تعديا على الثروة السمكية،
وكذلك الجناية على الغابات بقطع أشجارها أو احراقها والإسلام يمنع ذلك كله.
—
الأمر بالعروف والنهي عن المنكر:
حض الإسلام الحنيف أتباعه على العناية بالإصلاح الاجتماعي وذلك بدعوته إلى بذل الجهد في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون عليهما من جميع أفراد الأمة خواص وعوام، فقد جعلهما ميزة للأمة،
وشرفاً لها بين جميع
الأمم:
527
المرجع السابق، ص 175.
المرجع نفسه، ص 176.
1
2 (1/528)
صفحة 529
قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]. وجعلهما
مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله معقد ارتباط المؤمنين والمؤمنات بعضهم ببعض، كما قال
ج
تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71].
لأنهما جميعًا مناط الولاية التي هي الحب في الله تعالى، الذي يسمو بأرواح المؤمنين وأفئدتهم حتى تغدو مشاعرهم التي تفيض بها قلوبهم كأنها تفيض من قلب واحد، كما جسد ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) في قوله: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. ومن هنا فرض الله تعالى على الأمة أن تكون جميعًا معنية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110].
وقد جاء هذا في سياق أمر الأمة بالاتحاد وتحذيرها من الافتراق وهو مؤشر قوي إلى أن الأمة لا تقوم وحدة ولا ينتظم لها وفاق إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: مَن رأى منكم منكَرًا فليُغيّره بيدِه فإنْ لم يستطِعْ أنْ يُغيّره بيده فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان 2.
وقوله صلى الله عليه وسلم: والذي نفْسِي بيدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر ولَتَأْخُذُنَّ على يَدِ الظالم ولَتَأْطُرُنَّهُ على الحق أَطْرًا ولَتَقْصُرُنَّهُ على الحقِّ قَصْرًا أو لَيَضْرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض
528
5665
البخاري، رقم سنن البيهقي، رقم 7609.
1
2 (1/529)
صفحة 530
ثم لَيَلْعَنَكُم كما لعنهم .. أيبني إسرائيل وشاهد ذلك في القرآن قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي 1. إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: ذُلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78 - 79].
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحافظ على قيم الإسلام خالصة نظيفة، وتؤدي العبادات كما شرعت، وتحفظ شرائع الدين ويقام نظامه وترسخ أركانه، ويشاد بنيانه. وعندما تكون الأمة على قلب رجل واحد يجمع شتاتها الإيمان بالله واليوم الآخر والتناصح في ذات الله تعالى والحب للغير في الخير ما يحبه كل أحد لنفسه، والقبض على أيدي أهل الفساد وردهم طوعًا أو كرها إلى الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، فبهذا يستقيم الأود، ويعم العدل، وينشر الخير وتطوي صفحة الفساد، ويحق الحق ويزهق الباطل، فلا يعود للبغي سلطان، ولا للظلم تأثير ولا للفحشاء ظهور، وإنما يصدق على الكل وصف الله تعالى للمؤمنين بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 2110. وتجسيد هذه الأخوات بما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال: مثلُ المؤمنينَ في تَوادِهِم، وتَراحِمِهم وتَواصلِهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى
منه عضو تداعَى لَهُ سائرُ الجسدِ بالحمى والسَّهر
3
- الغرس والزرع
حض الإسلام الحنيف على تجميل البيئة وتزيينها بنبات الأرض، وإتاحة النفع لكل ما يدب على الأرض
من إنسان أو بهيمة أو يطير في الفضاء من أنواع الطير، فقد دعا إلى أحياء الموات بالزرع والغرس، ووعد
529
القيم! الإسلامية، ص 46.
المرجع السابق، ص 177.
البخاري، رقم
5665
1
2
3 (1/530)
صفحة 531
على ذلك مثوبة عظيمة فقد قال النبي: ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة.
وحض النبي (صلى الله عليه وسلم) على غرس الأرض في أحرج الأوقات عندما تطوى هذه الحياة وتأتي ساعة نهاية الوجود، فقد قال صلوات الله وسلامة عليه: إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها 2.
إن الإسلام يحض الإنسان على أن يجعل من الأرض ميدانا واسعًا لحركته بالضرب في أنحائها والمشي في مناكبها، لاستخراج ما أودع الله تعالى في خزائنها من خير وفير ينعم به الإنسان الذي شرفه الله تعالى بالاستخلاف فيها، وتسخير جميع منافعها له، كما ينعم بها كل كائن حتى يدب عليها أو يطير في فضائها
يعني
الإنسان
ولا يخفى ما في هذا من محافظة على وقرة الخير في البيئة البشرية والحيوانية والنباتية، عندما بتجميل الأرض بالغرس والزرع، حتى تعود جنانًا ذات بهجة تعطى ثمارها وتهب خيراتها لكل ما فيها. فيكشف الوجود الإنساني فيها وتتنامى الثروة الحيوانية، ويتبدد خطر المجاعات والفقر وتتوفر الصحة بإذن
الله تعالى 3.
اتقاء الخبائث والمضار:
—
من أهم ما يعني به الإسلام اجتناب الخبائث، واتقاء المضار فقد وصفه الله في التوراة والانجيل أنه يُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعرف: 157].
530
القيم الإسلامية، ص 42.
المرجع السابق، ص 43. المرجع نفسه، ص 174.
1
2
3 (1/531)
صفحة 532
لذلك شدد الإسلام في كل ما يضر بالعقل أو الجسم أو العرض أو الدين أو المال فإن كل ذلك خبيث ومن ذلك تحريمه المسكرات، كما قال الله تعالى: {الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91]. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل مسكر خمر وكل خمر حرام". وفي حديث نبوي آخر: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام 2
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أَشهدُ بالله وأشهدُ لله لقد قالَ لي جبريلُ يا محمد إن مدمِنَ الخمر كعابد وثن 3. وقال عليه الصلاة والسلام: "أن على الله عهدًا لمن يشرب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النهار. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: من يشرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب. وهو كناية عن حرماته من دخول الجنة، ويدخل في الخبائث كل ما يضر بالنفس أو بالغير سواء كان ضررًا ماديًا أو معنويا، فيحرم بناء على ذلك التدخين والتعاطي التبغ بأي كيفية.
وبالجملة، فإن الإسلام حرم كل ما يضر سواء أكانت مضاره ظاهرة أم، باطنة، وسواء كانت مضرته بالنفس
جميع
أو بغيرها، فيحرم ما أضر بالنفس أو الدين أو العرض أو العقل أو المال، وتدخل في ذلك المحرمات في الإسلام، وهي لا ريب خبائث وإن استطابتها أنفس لانحرافها طبعها وفساد فطرتها 7.
أصناف
مسلم، رقم 3735.
سنن الترمذي، رقم 1865.
1
2
3 البخاري، التاريخ الكبير، 129/ 1، وحديثًا بلفظ "مدمني الخمر كعابد وثن"، وانظر: البيهقي، شعب الإيمان، 21/ 5، رقم 5597.
4
5
7
مسلم، رقم 2002. عساكر، 171/ 54.
ابن
القيم الإسلامية، ص 41.
المرجع السابق، ص 90.
531 (1/532)
صفحة 533
التي
وتحدت العلامة الخليلي في كتابه القيم الإسلامية بتفضيل عن الخمر وضررها بالناس، والدراسات العلمية أثبت خطورتها على حياة البشر، فهو قال ودلت الدراسات التي أجريت على طلاب كلية الطب أن تناول 180 غراما من الكحول كاف، لتسبيب دهنية الكبد وتليفها ويعتبر تليف الكبد السبب الثالث للوفاة لدى البالغين الذكور في الولايات المتحدة والرابع لدى الإناث، كما ينتج عن معاقرة الخمر التهاب الفم والبلعوم والمريء والتهاب المعدة، الضموري، وقرحة المعدة والاثني عشر، وسرطان المعدة، والتهاب الأمعاء، والتهاب البنكرياس الحاد المزمن والتهاب الكبد وهنية الكبد وتليفها وسرطانها"2.
وكذلك، فإن للخمر آثار خطيرة على الدم منها نقص جهاز المناعة ونقص الخلايا اللمفاوية المناعية، وعدم تحرك خلايا الدم البيض لمواجهة الميكروبات وقلة المقاومة للأمراض، مع نقص شديد في الفيتامينات وأنواع من فقر الدم، أهمها ما يكون بسبب حامض الفوليك وانحلال خلايا الدم الحمر وزيادة نشاط الطحال وتكرر النزف وكذلك الجهاز التنفسى فإن للخمر أسوأ الآثار عليه منها الالتهابات المتكررة الخطيرة والالتهاب الرئوي وخراج الرئة والدبيلة والسل الرئوي وزيادة في سرطان الحنجرة. وكذلك للخمر آثارا خطيرة على الجهاز البولي، فإنها تؤدي إلى ما يسمى تنكرز، أو مواد حليمات الكلية، وهو مرض خطير يؤدي إلى فشل الكلي المزمن ومن آثاره احتقان البروستاتا والمعاناة الشديدة للذين يعانون
تضخمها.
ولم تسلم الغدد الجنسية في آثار الخمر السيئة، فإن للخمر تبعث أولا على الهياج الجنسي حتى يفقد شاربها كل انضباط فتنجم عنها جرائم الاغتصاب وربما كان ذلك حتى في ذوات المحارم ولكن لا تلبث أن تنقلب
1
2
3
4
5
محمد باز، الإعجاز العلمي في أحاديث التداوي بالخمر، ص 69.
المرجع السابق، ص 73 - 74.
المرجع السابق، ص 74.
المرجع نفسه، ص 76.
المرجع نفسه، ص 73. وانظر: القيم الإسلامية، ص
41
532 (1/533)
صفحة 534
إلى نتيجة عكسية، فتضعف هذه الطاقة بما يكون لها من تأثير تسمى على الغدة التناسلية وعلى الجهاز العصبي غير الإرادي المنوط به الانتصاب، كما أن الكبد المريضة بسبب تعاطي الخمر تفقد قدرتها على
إزالة هرمون الأنوثة الذي يقرره الغدة الكظرية، وتكون نتيجتها الإصابة بالعنة وتضخم الأثداء.
وبالحملة فإن الخمور كلها ضرر ديني ودنيوي وآثارها سيئة تنعكس على الأفراد والمجتمعات وتضر بالعقل، الذي هو مناط التكليف، ومعقد شرف الإنسان وملاك حسن تصرفه وسلامة علاقاته مع بني جنسه، ومع كل جنس يتعامل معه، كما أنها تضر بالجسم الذي هو مئته الحياة ومظهر أثرها فتأتي على كل حجيرة فيه. فتنهب منها قوام الحياة حتى تغدو هامدة، وتعطل جميع الطاقات حتى لا يبقى معها لا يبقى من ورائه نفع لذات الشخص ولا لغيره ولأجل التوسع في الاطلاع على ما دونه الأطباء وكشفوه من مضار الخمر أحيل القارئ الكريم إلى ما حرره المفكرون والأساتذة
- الدكتور محمد على الباز في دراسته القيمة المعنوية بـ "الإعجاز العلمي في أحاديث التداوي بالخمر".
وكتابه القيم "الخمر بين الطب والفقه".
- الدكتور حسان شمسي باشا بكتابه: "أطباء الغرب يحذرون من شرب الخمور".
وهناك بعض ما نقله الدكتور شمسي باشا في مقال له عن مؤسسات البحثية الغريبة:
تقول دائرة معارف جامعة كاليفورنيا للصحة طبعة 1991: يعتبر الخمر حالياً القاتل الثاني بعد التدخين في الولايات المتحدة فشرب المسكرات في أمريكا يسبب موت أكثر من 100000 شخص سنوياً هناك والخمر وحده مسؤول عن أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق في أمريكا والبالغة
50000 شخص سنويًا.
533
القيم الإسلامية، المرجع السابق، ص 99.
1 (1/534)
صفحة 535
ليس هذا فحسب، بل إن الخمر مسؤول عن إصابة أكثر من نصف مليون شخص بحوادث السيارات في
أمريكا في العام الواحد وأما في البيت، فالمسكرات مسؤولة عن كثير من حرائق البيوت وسقوط شاربي الخمر على الأرض أو غرقهم أثناء السباحة.
وتتابع دائرة معارف جامعة كاليفورنيا القول والمسكرات لا تسبب المشاكل في البيت. أو على الطرقات فحسب، بل إن خسائر أميركا من نقص الإنتاج وفقدان العمل نتيجة شرب الخمر تزيد على 71 بليون دولار سنوياً ناهيك عن الخسائر التي تقدر بثمن من مشاكل نفسية وعائلية واجتماعية. وقال أيضا: تقول مجلة لانسيت البريطانية الشهيرة: "إن مائتي ألف شخص يموتون سنويًا في بريطانيا بسبب المسكرات.
وذكرت المجلة البريطانية للإدمان أن الخسائر الناجمة عن مشاكل الكحول الطبية بلغت 640 مليون جنيه استرليني في العام الواحد وإن الخسارة الإجمالية الناجمة عن شرب المسكرات تقدر ب 2000 مليون جنيه استرليني في العام الواحد.
وذكرت هذه المجلة أيضاً عن أن 12% من المرضى الذين يدخلون المستشفيات في بريطانيا، يدخلون بسبب مشاكل ناجمة عن المسكرات 3. وقال أيضا: ويقدر الخبراء أن ربع الحالات التي تدخل المستشفيات الأمريكية سببها أمراض ناجمة عن شرب المسكرات 4.
على أن كلام الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى كان أول صيحة إنذار تحذر من أخطار الخمر الصحية فكم تردد على لسانه صلى الله عليه وسلم من بيات يبدد ما علق بأوهام الناس من أن الخمر ذات منافع بدنية، منها أنها صحة البدن وقوة الجسم وقد سرى هذا الوهم إلى الأطباء قديما، فسجلوه
534
القيم
الإسلامية، ص
المرجع نفسه، ص (
99
100
100
المرجع السابق، ص)
المصدرد نفسه، ص 100.
1
2
3
4 (1/535)
صفحة 536
بأقلامهم في دواوين العرب الطب، وهو ما شاع بين أطباء اليونان وسرى إلى أطباء العرب وسار على
نهجهم الأطباء الإسلاميون قديماً، واعتز بهم المفسرون فأثبتوه في تفاسيرهم. ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) ظل وحده يصدع بكلمة الحق وينادي باسم الوحي ليقر الحقيقة ويبدد الوهم فقد جاء في صحيح مسلم ما نصه: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار اللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عن شعبه سماك بن حرب بن علقمة بن وائل عن أبيه وائل الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الخمر فنهاه أو كره أن يضعها فقال إنما أضعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء.
بن
- روى أحمد في مسنده عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت يا رسول الله إن بأرضنا أعنابًا نعصرها أفنشرب منها؟ قال: لا فراجعته فقال: لا، ثم راجعته فقال: لا، قلت: إنا نستشفي بها للمريض قال: ليس بشفاء ولكنه داء 2.
في صحيح ابن حبان ومسند بن أبي يعلي: عن حسان بن مخارق قال: قالت أم سلمة: اشتكت ابنة
لي فنبذت لها في كوز فدخل النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يغلي فقلت: ما هذا؟ فقلت: أن فقال: إن الله عز وجل لم يجعل شفاكم في حرام.
ابنتي
اشتكت فنبذنا لها
وإذا كانت الخمر تضر بالإنسان هذا الضرر البالغ في عقله الذي هو مزيته التي يرتقي بها إلى أوج المعالي
وهو مصدر تصرفاته السليمة وإنتاجه في الحياة بل
هو
ملاك حياته كلها وبصيرته التي يتجنب بها المعاطب
والمهالك وبجسمه الذي هو مصدر طاقاته وأداءه أعماله وحركاته وتدمر حياته كلها فإنها ولا ريب من أكبر أسباب دمار البيئة وخرابها، إذ البيئة إنما مدارها على الإنسان صلاحًا وفسادًا وحفظا وتلفًا، وماذا أن تكون البيئة إذا تعطل الإنسان عن القيام بالمصالح والرقي بالحياة والنهوض بالمجتمع وانقلب إلى أداة
535
1984
مسلم، رقم
سنن ابن ماجه رقم 3500
ابن
حبان، 233/ 4، رقم 1391.
1
2
3 (1/536)
صفحة 537
خراب وتدمير بدلاً من أن يكون وسيلة بناء وتعمير فإنه بلا ريب ينعكس ما هو عليه من الفساد على
بيئته، فيسري فيها كما يسري الداء العضال في الجسم الفاقد للحصانة حتى تدوي تضاربها وينضب
معنيها، ويعود فقرًا ببابا بعد أن كانت روضًا نفيرًا. وهذا ما يجب أن يدركه علماء البيئة والأمناء عليها
فيكرسوا جهودهم في تجنيبها هذا الخطر الوبيل والآفة المهلكة.
التدخين وضرره بالإنسان والبيئة:
-
وذكر العلامة الخليلي ما قاله الأطباء في ضرر التدخين ونقل طائفة من التقارير الطبية حول أضراره، وأثر الدخان على البيئة ودور زراعة التبغ في تلويث البيئة وأثر تصنيع التبغ على البيئة وأن القطران والنيكوتين، خدعة تم تمريرها على المدخنين ليبقوا مدخنين. وبين الشيخ العلامة الحكم الشرعي للتدخين وذكر أدلة
الكتاب العزيز:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 29 - 30] فإنه نص في حرمة أكل المال بالباطل وقتل الإنسان نفسه والوعيد على ذلك بالنار والعياذ بالله ويدخل ذلك كل قتل كيف ما كان سواء أكان فتكا بالسلاح كعرز نصل في الجسم أو إطلاق النار عليه، أم كان بالارتماء في نار أو بحر أم بتردد من شاهق أو بتناول سم قاتل سواء أكان سريعًا أو بطيئًا. ومن هنا أجمع العلماء على حرمة أكل الطين، لأنه يؤدي إلى الموت وإن كان بطيئاً. وقد قال الإمام النووي: "كل ما أضر أكله كالزجاج والحجر والسم يحرم أكله "3.
536
القيم الإسلامية، ص 102.
المرجع السابق، ص 124.
المرجع نفسه، ص 124.
1
2
3 (1/537)
صفحة 538
وربما جادل بعضهم في دلالة الآية على ذلك من حيث إن جمهور المفسرين حملوها على قتل الناس بعضهم بعضًا، وإن كان ظاهراً الخطاب يدل على قتل الناس نفسه، وذلك لأجل لفت انتباه الناس أن الجنس البشري لما يشده من العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، كان واجبًا على أفراده أن يحسوا بمشاعر
تدمجهم وتنظيمهم جميعا في سلك الوحدة الشعورية لا سيما الأمم والمجتمعات التي تربط أواصر دينية أو دنيوية فتتأثر وتتضعضع بما يصيب أي فرد من أفرادها.
غير
حرم
أن هذه المجادلة مدفوعة من حيث إن المحافظة على النفس مقدمة على المحافظة على الجنس على الإنسان أن يتلف حياة غيره بغير حق لما للنفس الإنسانية من حرمات فإنه أولى أن يحرم عليه إتلاف حياته فيدخل في دلالة الآية الكريمة تحريم قتل الإنسان نفسه دخولا أوليًا.
ويؤكد ذلك استدلال عمرو بن العاص بها عندما امتنع عن الاغتسال من الجنابة، واكتفى بالتيمم خشية تأثير البرد عليه، وصلى بالناس وأقره النبي (صلى الله عليه وسلم) على صنيعه واستدلاله، ففي "مسند الربيع"، ما نصه: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش، فأجنب فخاف شدة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره
من
برد الماء فتيمم
فلما
أصحابه بما فعل عمرو فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يا عمرو لم فعلت ما فعلت ومن أين علمت؟ فقال: يا رسول الله وجدت الله يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29]. فضحك النبي) ولم يرد عليه شيئًا.
على أن المدخن لا يتسبب في قتل نفسه فحسب، بل يتسبب في إهلاك ما لا يحصي من الناس الذين يستنشقون رائحة دخانه وذكر العلامة الخليلي ما يتلف من الأنفس بالدخان القسري وما أحصى لذلك من ضحايا، على أن ذلك الإحصاء إنما هو قبل نحو ثلاثين عامًا من وقتنا هذا، ووعدهم لا يزال ينمو
537
المرجع السابق، ص 125.
1 (1/538)
صفحة 539
باطراد ومن
شأن المدخن أن لا يبالي بنفث الدخان أمام الناس على أي حال كانوا سواء كانوا على أكل
أو شرب أو غيرهما، فإنه يوزع سمومه بين جلسائه فلا يبالي أن يخنق أنفاسهم بدخانه، وهذا مما يضر بهم ضرراً بالغاً، وقد يؤدي إلى موتهم ولو بعد حين.
وقد أثبتت الفحوص الطبية خطر التدخين على جلساء المدخن وخلطائه، فقد أفادت وحدة الأبحاث للإدمان التابعة لمعهد لندن للطب النفسي أن عشرين شخصًا من غير المدخنين جلسوا مع مجموعة من المدخنين لمدة ساعة في غرفة لا تهوية فيها، وما كان إلا أن أصيب أولئك العشرون جميعًا بفحص دمهم تبين أن أول أكسيد الكربون قد ارتفع في مجرى دمائهم كأنما كل واحد منهم دخن سيجارة واستنشق
دخانها 1.
النفسية وهم
كما أن التدخين يؤثر على المواليد الذين تلدهم أمهات مدخنات ويواجهون قدرًا أكبر من الإصابة بالأمراض أكثر عرضة للوفاة إذا ما قورنوا بغيرهم وأن آثار التدخين تأتي على خلطاء المدخنين في بيوتهم ومكاتبهم ووسائل النقل وباستمرارهم معهم بتزايد أثر التدخين عليهم حتى ينتهي بهم إلى الإصابة بالأمراض القاتلة، أو الأعراض المزمنة المستعصية على العلاج.
وإذا علمت دخول المدخنين في وعيد الآية الكريمة لما ينشأ عن التدخين من الأمراض القاتلة للمدخن أو غيره أدركت أن التدخين هو من كبائر الإثم، لأن النهى في الآية الكريمة تُلى بالوعيد الشديد في قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 30] وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 30]، ولا يكون الوعيد إلا على الكبيرة. وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. فإن المراد به المنع من أن يتسبب
538
المرجع السابق، ص 126.
المرجع السابق، ص 126. المرجع نفسه، ص 127.
1
2
3 (1/539)
صفحة 540
الإنسان لإهلاك نفسه وبما ثبت من مضار التدخين على المدخن وعلى من حوله وما حوله لم يبق شك أن المدخن رمى بنفسه إلى التهلكة والآية شاملة لكل تسبب في إهلاك النفس وإن نزلت لسبب خاص فإنه
لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ. وقوله تعالى: مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 211] فإنه وعيد على كل تبديل لنعمة الله تعالى وكم يتلف المدخن بتدخينه من
النعم، فإن صحة جسمه وسلامة عقله من أعظم ما أنعم الله به من نعم وكم يعرض المدخن جسده
للأمراض القاتلة والآفات المردية فضلا الأضرار بعقله ولا ريب أن البيئة السليمة هي من أعظم نعم
عن
الله
به
تعالى، فإذا تسبب الإنسان في تسميمها، وتلويثها كان مبدلا لنعمة الله عليه، ومال الإنسان مما أنعم الله عليه، فإذا أتلفه فيما لم يأذن الله تعالى بإنفاق المال فيه كان مبدلاً لنعمة الله تعالى، وإذا كان إنفاق المال فوق حاجة النفس سرفًا وتبذيرًا يحاسب عليه العبد ويجازي به فكيف باشتراء الأمراض والأسقام به وإنفاقه في تسميم البيئة والعدوان على الطبيعة 2؟
وقوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26 - 27]. فإنه مسوق في بيان منهج الاعتدال في إنفاق المال في وجوه البر بين طرفي التفريط والإفراط وإذا كان الإنسان يمنع من تجاوز حدود الاعتدال في إنفاق المال في الخير فكيف بإنفاقه فيما يعود عليه بالشر والوبال في الدنيا والأخرة.
ولا ريب أن النهى دال على حرمة التبذير، ويتأكد ذلك بتعليل النهى يكون المبذرين إخوان الشياطين وما من ريبة في كون عمل الشيطان حراماً، وزاد ذلك تأكيداً وصف الشيطان بأنه كان لربه كفوراً وهل يبقى من ارتياب من كون المدخن مبذراً وقد كشفت الدراسات عما يهدر من الأموال في اجتلاب آفات التدخين
539
المرجع نفسه، ص 7 المرجع نفسه، ص 127.
127
1
2 (1/540)
صفحة 541
واستيراد أمراضه القاتلة؟ وقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5]. فإن جمهور المفسرين حملوا الآية على المنع من تمكين السفيه من ماله ليبذره ويضيعه، لأن التبذير مناف للرشد الذي هو مناط تمكين اليتيم من ماله بعد بلوغه، كما قال تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ
أَمْوَاهُمْ} [النساء: 6].
وإنما أضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين من أجل تعزيز الوحدة الشعورية التي تنتظم أفراد الأمة الإسلامية، ليشعر كل منهم بالأسف والأسى عندما يرزاً أي فرد من الأمة في ماله فإن الأمة جميعًا يجب عليها أن تضافر جهدها من أجل تحصين أموال جميع أفرادها من التلف فإن خسارة أي فرد منها تنقلب على الأمة بأسرها، كما أن ربح أي فرد يعود على جميع الأمة.
ولا سبيل إلى درء وصمة السفه عن المدخن، فإذا كان غير المنضبط في إنفاق ماله يعد سفيها حريًا بأن يمسك بيده وبحجر عليه التصرف في ماله وإن لم ينفق المال فيما يضره بصحة عقله أو جسمه أو نسله أو مجتمعه أو بيئته، فما بالك بمن يهدر الأموال الطائلة فيما يعود عليه بالموت الزؤام وينقلب على أسرته ومجتمعه وبيئته بالأمراض المردية والأوباء المهلكة، ويعرض عقله للضرر الماحق، أليس هو بأن يوصم بالسفه وأن يضرب على يده حتى لا ينفق هذه المضار؟
وهب أن أحدًا من الناس لا يدخن قط لكنه يأخذ كل عام قدر ما ينفقه المدخن في التدخين من النقود ويشعل فيه النار أو لا يكون الحكم عليه بالسفاهة أمرًا بديها وأنه لا حري بأن لا يمكن من ماله ليتلفه في ذلك؟ هذه مع عدم إضراره بجسمه ولا بعقله ولا بنسله ولا بيئته، فكيف بمن يجمع مع ذلك الإضرار بهذا كله 2؟ وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. فإنه نص في
540
المرجع السابق، ص 131.
المرجع السابق، ص 132.
1
2 (1/541)
صفحة 542
وجوب الحذر من الإسراف في الإنفاق لأنه ليس من شأن عبد الرحمن الذين يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما، وإنما هو من شأن أضدادهم وهم عباد الشيطان، وبما أن الانفاق في التدخين لا يعود بالمصلحة على المدخن ولا غيره وإنما يعود على الكل بالمفسدة بما يعقبه من الضرر البالغ الذي يعصف بالصحة ويفسد البيئة ويحطم المجتمع فهو أحق أن يعد إسرافًا.
وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. ووجه دلالته على حرمة التدخين أن الإسراف وهو خروج عن حدود الاعتدال منهي عنه حتى في الأكل والشرب مع كونهما من ضروريات الحياة لأنهما قوام للبنية ووقود للحركة ومبعث للنشاط في العمل غير أن مجاوزة الحد بهما بالزيادة عما يحتاجه الجسم تعد إسرافًا محرمًا، كما نص غير واحد من العلماء على أنه يحرم الأكل بعد الشبع، والشرب بعدي الري، وإذا كان الأكل والشرب يدخلان مع كونهما من ضروريات الحياة لأنهما قوام للبنية ووقود للحركة ومبعث للنشاط في العمل غير أن مجاوزة الحد بهما بالزيادة عما يحتاجه الجسم تعد إسرافًا محرمًا، كما نص غير واحد من العلماء على أنه يحرم الأكل بعد الشبع، والشرب بعدي الري، وإذا كان الأكل والشرب يدخلان في ضمن المحرمات عندما يتجاوزان القدر النافع مع ما فيهما من اللذة والمتعة، ومع كونهما في الأصل من ضرورات الحياة فما بالك بإهدار المال فيما يجتلب الأمراض، وينتشر الأوباء وينهك الأجسام والعقول ويهلك الحرث والنسل، وليس من ورائه إلا الفساد؟ فإن من البدهيات أنه إسراف ممقوت عند الله تعالى بصريح ما دل عليه التذييل في هذه الآية وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
وقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 14. فإنه حصر الحلال في الطبيات ومفهوم المخالف يدل على أن ضدها وهو الخبائث حرام ومثله قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} [المائدة:5]. وقوله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث} [الأعراف: 157].
541 (1/542)
صفحة 543
ولا يمار ذو نهية أن الدخان خبيث حسنًا ومعنى، فهو خبيث حسا برائحته المزعجة التي تذهب براحة من
لم يدمن على التدخين وإن شمها من بعيد، وهو خبيث معنى؛ لأنه بيت الداء ومئنة الأسقام، مبعث الضرر النفسي والعقلي والجسدي.
وليت شعري؛ إن لم يكن خبينًا مع أضراره التي أصبحت معرفتها من الضرورات أيكون من الطبيات؟ على أن ما كان تحريمه على لسان رسول الله صلى الله فهو كالمحرم المنصوص عليه من القرآن، وإن لم يشر إليه
القرآن، فكيف وقد نص القرآن على أن من هدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحليل الطبيات وتحريم الخبائث 2. وكان ذكر ذلك في سياق الحض على أتباعه، وعقد الفلاح على ذلك، فما من ريب أن كل خبيث هو حرام في
ملته عليه الصلاة والسلام بنص القرآن الكريم.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58]. ووجه دلالته على حرمة التدخين ما يفيده من تحريم إيذاء المؤمنين والمؤمنات والتوعد عليه باحتمال البهتان والإثم المبين وتندرج ضمنه أنواع الإيذاء جميعاً، فكل من آذى مؤمناً أو مؤمنة بغير حق فهو حقيق باحتمال البهتان والإثم المبين؛ لأن الحكم إنما أنيط بمجرد الإيذاء والحكم على المشتق يؤذن بأن أصل ذلك الاشتقاق عليه لذلك الحكم، والآية وإن نزلت لسبب خاص فإنها لا يحصر حكمها في خصوص سببها، فإن من القواعد الأصولية أنه: لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ ويؤكد ذلك ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن علي رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: كل مؤذ في النار. ومهما قيل في
سنده فإن متنه يعتقد بدلائل القرآن.
1
2
القيم الإسلامية، ص 134.
المرجع نفسه، ص 134.
3 الخطيب 297/ 11. وانظر: ابن عساكر، 353/ 38.
4
القيم الإسلامية، المرجع السابق، ص 135.
542 (1/543)
صفحة 544
وقد علمت أن المدخن يؤذي المؤمنين والمؤمنات بوجوه شتى، فهو لا يبالي أن ينفث دخانه في وجوههم،
ويزعجهم برائحته الكريهة وما ينشره بينهم من أوباء وما يسممه من أجوائهم، وكثيراً ما يسبب الصداع لهم الصداع والأوجاع بما يشمونه رغماً عنهم من روائحه الكريهة وما يصل إليهم من سمومه التي تسري مع الهواء حوله وقد سبق ما جاء في الهدى الصحي: " أن أشد التدخين ضررًا هو التدخين القسري"
1"
وقد يضطر غير المدخن أن يجالس المدخن على كره منه- وهو كأنه قاعد على الحسك من شدة ما يحسه بقعوده معه من أذى على أن المدخن لا ينحصر ضرره بجليسه إبان تدخينه فحسب، فإن رائحته الخبيئة لا تفارقه ولو بعد التدخين فإذا اقترب من أحد هاجت من فيه وخياشيمه تلك الروائح التي تبلبل البال، وتقلق النفس، إذ يحس بها جليسه تسد خياشيمه وتحرمها من الاستمتاع بصفو الأكسجين وقد يصلي مع المصلين فيفقدهم متعة الخشوع في الصلاة بما ينبعث من ترديد أنفاسه من أخبث الروائح فلا يبقى للنفس مجال للإقبال على الله تعالى بقلب فياض بالذكر، مفعم بالخشية والخشوع، وهذا ما جربته بنفسي عندما أبتلي بمدخن يصف حولي في الصلاة، فإني أظل متوتر الأعصاب شارد الذهن من الأذى 2.
هذا وقد ثبت عن حديث جابر رضي الله عنه عند الشيخين وغيرهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: من أكل من هذه البقلةِ، القُومِ) وقالَ مرَّةً من أكل البصل والتُّومَ والكرَّاثَ (فلا يقرَبَنَّ مسجدَنا. فَإِنَّ الملائكة تتأذى ما يتأذَى منه بنو آدَمَ.3. وإذا كان هذا في الثوم والبصل والكراث، مع ما فيها من المنافع
الجمة، فكيف بالدخان الذي لا منفعة منه قط؟ على أن رائحة الثوم والبصل والكراث لا تداني رائحة
الدخان في خبثها وشدة أذاها وبناء على ما أفاده الحديث فإن الملائكة بلا تتأذى
ريب
من
المدخنين
543
المرجع نفسه.
135
ص
القيم الإسلامية، ص 135.
مسلم،
395/ 1، رقم.
564
1
2
3 (1/544)
صفحة 545
بشهودهم الصلاة وهذا مما يجعلهم يلعنونهم بدلا من أن يستغفروا لهم فلا يبوء المدخن إلا بالحرمات
كل خير ولا يعود بأوقار الشرور والله المستعان.
قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 205]. ووجه دلاته أن المدخن آخذ بحظ وافر من الإفساد بالأرض وإهلاكه الحرث والنسل وذلك بإفساده البيئة ونشر الأقسام والأضرار بين البشر والحيوان والنبات والجماد.
وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 137]. وقوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151].
قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْفًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]. ووجه دلالة هذه النصوص على حرمة التدخين أن المدخن بما يسببه من الأضرار بنشره في أولاده الأسقام المؤدية إلى قتلهم فهم لا يجدون المناص لاتقاء مضار التدخين وقد يكون تدخينه سبباً لنقل عدوى التدخين إليهم، فيتبعونه في هذه العادة السيئة.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه
وأقرب قدوة إلى الطفل والده، وقد يتخيل بادي ذي بدء أن جميع أعمال أبيه إنما ينعكس القيم والفضائل، فيحرص على التأسي به في أعماله ولا ريب أن بتدخينه القسري أو الاختياري إنما يحتسي السم الزعاف فتدخين أبيه قتل له وإن لم يكن مباشرًا، على أن تدخين الآباء والأمهات ينعكس أثره على الأجنة
544
القيم الإسلامية، المرجع السابق، ص 136.
1 (1/545)
صفحة 546
والمواليد، فقد يؤدي إلى إجهاض الجنين أو موت المولود، لأن أولاد المدخنين والمدخنات هم عرضة للأوبئة
الفتاكة والأمراض المردية وأجسامهم أقل حصانة وأضعف قوة وإجمالاً من غيرهم كما سبق يبان ذلك.
وليس ما في بعض هذه الآيات من قرن النهي عن القتل بالإملاق أو خشيته مقيداً للنهي بهما، لأن ذكرهما لا يعدو أن يكون وارداً مورد الغالب المعتاد وما كان كذلك فلا اعتداد بمفهومه المخالف فلا يفيد تقييداً لإطلاق الحكم، أو تخصيصاً لعمومه.
أدلة منع التدخين من السنة المطهرة:
إن السنة النبوية حافلة بالأدلة الكثيرة الدالة على منع الإضرار بالنفس أو الغير وعلى وجوب المحافظة على سلامة الحياة والدين والعقل والعرض والمال ومن خلال هذه الأدلة يتبين للناظر تحريم التدخين قطعًا، إذا الأحكام الشرعية الكلية الإجمالية لا تبقى حبيسة في عالم المثال فحسب، بل يجب أن تنزل على وقائع أحداثها الجزئية التفصيلية وإليك طائفة هذه الأدلة: من
- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمَّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِها فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا
أَبَدًا". وأخرجه النسائي بزيادة بعد قوله بحديدة: ثم انقطع على شيء جاء مثل نصل السهم. وأخرجه أبو داود ولفظه عنده: من حسا سماً فسمه في يده يتحسّاه في نار خالدا مخلدا ووجه دلالته على حرمة
جهنم
التدخين ظاهرة إذ لم تبق بعد الدراسات العلمية وما أثمرت من النتائج القطعية بضرر التدخين –ريبة لمرتاب
في أن الدخان سم زعاف يرشفه المدخن ليقتل به نفسه، على أن الدخان يزيد على بقية السموم بأن راشفه
545
109
وانظر: مسلم، رقم
القيم
الإسلامية، ص
137
البخاري، رقم
النسائي، رقم
5442
1965
1
2
3 (1/546)
صفحة 547
لا يقتل به نفسه فحسب، بل هو ينشر ضرره بين الناس والبهائم النبات والأرض، وأنه يؤدي إلى قتل الأطفال والكبار ممن تصلهم آثاره ولو كان ذلك على كره منهم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي) قال: الذي يخنقُ نَفْسَهُ يخنُقُهَا فِي النَّارِ، والذِي يطْعَنُها يطْعَنُها في النارِ 2.
ومن المعلوم أن التدخين يؤدي إلى تعطيل الجهاز التنفسي، ومعنى ذلك أن متعاطيه يخنق نفسه كما أنه يخنق
بتدخينه غيره بتضيقه على أنفاسهم وما ينشره بينهم من الأوباء. وعن أبي برزة السلمي رضي الله.
الله
عنه
عن
النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "لا تزولُ قَدَمَا عبدِ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربع: عَن عُمُرِه فيما أفناه؟ وعن عِلمِهِ ما عَمِلَ به؟ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ؟ وعن جسمه فيما أبلاه 4؟ " وقال حديث حسن صحيح. ودلالته على حرمة التدخين من وجوه:
أولها: إن العبد مسؤول عن عمره فيما أفناه، لأن العمر من أعظم ما أنعم الله تعالى به عليه، إذ هو وعاء سائر النعم، فإضاعة أي شيء منه إهدار لنعم الله تعالى والإنسان لم يخلق هملاً ولم يترك سدّى، فالله تعالى خلقه لعبادته وهي أسمى غاية يجب عليه أن يسعى إليها في حياته قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
بعد
ومفهوم العبادة لا ينحصر في أداء الشعائر الدينية المعهودة فحسب، بل يندرج ضمنه كل ما يأتي به الإنسان أداء فروضه مما فيه مصلحة لنفسه أو لجنسه إن أخلص الله تعالى بنيته، أما إن صرف العمر فيما ينافي ذلك أو شغل جانباً منه فيما يعود على نفسه أو على أسرته أو على مجتمعه أو على أمته أو على جنسه بالضرر والفساد فإنه يحتمل تبعة ذلك أمام الله سبحانه، ولا يخفى أن المدخن يقضي جانباً لا يستهان به
546
القيم الإسلامية، ص 139.
المرجع السابق، ص 139.
139
المرجع نفسه، ص) سنن الترمذي، رقم 2417.
1
2
3
4 (1/547)
صفحة 548
من وقته في شرب الدخان القاتل الذي يخدم عمره ويضر صحته ويفسد البيئة من حوله فهو لا ريب لم
يوف عمره حقه من القيام بمصالح الدين والدنيا بل أتلفه من الفساد والشر
ثانيها: إنه يسأل عن شبابه سؤالاً خاصاً فيم أبلاه؟
1.
وذلك لما للشباب من قيمة وميزة من العمر، فهو زهرته وربيعه وريعانه، بل تاجه الذي يكسوه حسناً
هو
وبهاء ويجد الإنسان في مرحلة الشباب من القوة والفتوة ما لا يجده من سائر العمر، ويمكنه أن يحقق فيه ما بعجز عن تحقيقه في سائر مراحل العبادة، لذلك كان الواجب عليه أن يستغل شبابه استغلالا حسنًا بتسخير ملكاته فيما يعود بالخير عليه بنفسه، وعلى غيره وأن يشيد بسواعد شبابه صرح دينه ودنياه ليغدو متيناً شامخاً، ومن المعلوم أن التدخين يخرب الشباب ويفسده حتى تعود نضرته الباسمة المشرقة ببابا مكفهرًا كالحا وكم ترى كان يمكن للشاب الذي يصرف وقته في شرب الدخان لو أنه نهنه نفسه عن ذلك وارتقى بهمته إلى أوج المعالي أن يبني لنفسه ولأمته أمجاد عظاماً ويحول حياته إلى خير مدراراً تجد فيه الأمة بغيتها وترقى بسلالمه إلى أرقى الدرجات 2.
ثالثها: أنه مسؤول عن ماله كسبًا وإنفاقًا لأنه في الحقيقة مال الله تعالى ائتمنه الله عليه واستخلفه فيه، ليصلح به نفسه وأمته وسائر الجنس البشري وليجعله وسيلة جهاده في سبيل الله، ليهدي فهوماً زائغة، وعقولاً حائرة وألباباً مضطربة، وليفك عن أمته وعن الجنس البشري عموماً أغلال الاستبعاد وقيود الاستبداد التي ترسف في مذلتها وتقاسي فيها الخزي والهوان وإنفاق أي شيء من المال لو كان يسيرا – فيما يضره ولا ينفع ويهدم ولا يبني بعد خيانة لهذه الأمانة وإهدار لهذه النعمة وقد علمت ما ينفق من أموال تصل إلى أرقام خيالية من التدخين، فكم كان يمكن أن تشبع بهذه النفقات بطون جائعة وتكسى أجسام عارية،
547
القيم الإسلامية، ص 140.
المرجع السابق، ص 141.
1
2 (1/548)
صفحة 549
وترشد فهوم زائغة وتوعى بالعلوم أدمغة فارغة؟ فلو أن ما ينفق على التدخين في البلاد العربية سخّر في
المصالح وجُمع من أجل النهوض بالأمة والرقي بها أين كانت تراها اليوم؟
ولكن للأسف الشديد تشعل النيران في هذه الثروات لتنقلب سمومًا، قاتلة وامراضا فاتكة، ولتظل الأمة ترسف بين أنكال الذل والخزي وتتردى في دركات الهون. ويعزز دلالته الحديث على حرمة التدخين ما أخرجه البخاري في صحيحه ونصه: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي حدثني كتاب المغيرة بن قال كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن كتب إلى بشيء سمعته عن النبي (): فكتب إليه سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: إِنَّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال .. وعن أنس رضي الله عنه بإسناد حسن عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عزَّ وجل، وهو عند غيره بألفاظ متعددة 3
2
ولا يشك عاقل أن المدخن يؤذي المسلمين بخبث رائحة دخانه وما ينشره بينهم من الأسقام والأوجاع، وهو بذلك يؤذي الله ورسوله وقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ
عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57].
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن كل مسكر ومفتر 4. والدخان إن لم يكن مسكراً فإنه بلا ريب مفتر لأنه يؤثر على الجهاز العصبي كما تقدم، ولا يخفي ما يسببه من تعطيل الملكات وإهدار الطاقات، وذلك داخل تبذير نعمة الله تعالى الذي جاء الوعيد عليه في القرآن كما سبق.
548
البخاري (537/ 2) رقم 1407. وانظر: مسلم رقم 593
الطبراني، في الأوسط، 60/ 4، رقم 3607.
القيم
الإسلامية ص 142.
سنن الترمذي (329/ 3)، رقم 3686.
القيم
الإسلامية، 144.
1
2
3
4
5 (1/549)
صفحة 550
كما جاء في "موطأ مالك" بلفظ: حدثني يحيى عن مالك عن عمرو ابن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله
عليه
قال: لا ضرر ولا ضرار. وإسناده هذا مرسل لكنه روي متصلاً فقد أخرجه أحمد وابن ماجه والطبراني
الله
عنه
عن ابن عباس رضي مرفوعاً وابن ماجه والبيهقي عن عبادة بن الصامت والطبراني وأبو نعيم عن
ثعلبة عن أبي الصامت القرظي والدارقطني والحاكم والبيهقي عنه عن أبي سعيد رضي الله عنه وأسانيده يعتضد بعضها ببعض وقد تلقته الأمة بالقبول حتى عد قاعدة فقهية فرعت عليها أحكام كثيرة، ومقاصد الشرع تدعمه، ولا يخفى على ذي عقل ما للتدخين من أضرار بالغة، فهو لا ريب حرام بحسب ما تقتضيه
هذه القاعدة.
قال الخليلي وهو من أكابر علماء الإباضية ومفتي سلطنة عمان في العصر الحديث عندما ذكر الأدلة الشرعية التي ذكرناها: وهذه طائفة من الأدلة الشرعية الدالة على أن تعاطي الدخان حرام، وثم ادلة أخرى تؤخذ من النظر تعزز هذه الدلالة منها على أن المدخن تأسره هذه العادة السيئة فيصبح لها عبدًا مطيعا لا مخلفا من سلطانها، فإن المدخن إن لم يدخن بحسب عادته ضاقت به الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه وصار في وضع يرثى له من الضياع بحيث لا يبدي ولا يعيد، بل يستطيع أن يسيطر على أعصابه، فينجم بسبب ذلك الخلاف والشقاق بينه وبين أهله وجيرته وكل أصحابه العلاقات به، فإنه بمجرد ما يبدأ مدمنا عليه، لأن جسمه تسري فيه سموم التدخين ويعتاده يصبح مدمناً عليه، لأن
يجد
التدخين ويعتاده يصبح
جسمه تسري فيه سموم الدخان فتغير طبعه حتى يصبح الدخان إحدى ضرورات قوامه ولا يمكنه الاستغناء
عنه بحال.
1
ولذلك كان الإدمان على الدخان كالإدمان على المخدرات في إفساد طبيعة الجسم والتأثير على ملكات العقل والنفس وتدمير الحياة حتى تغدو جحيماً لا يطاق، فبكل هذه الاعتبارات كان العقل أن يحذر من
2
مالك الموطأ، 745/ 2، رقم 1429.
القيم الإسلامية، ص 123.
549 (1/550)
صفحة 551
التردي في هذه المنزلقات ويربأ بنفسه عن الاستجابة لهواها، الذي يقوده إلى هذه المعاطب، ويدعه في هذه المهالك، فإنه أمين على نفسه.
وذكر أقول العلماء الذين نادوا بحرمة التدخين وضرورة محاربته وعدم الإصغاء إلى من يجادل في حرمته وهو أمر تحتمه الحقيقة الماثلة للعيان مما ثبت بلا جدال من ضرر التدخين بالمدخن وبغيره ضرراً ماحقاً يؤدي إلى
الهلكة فهو من الإفساد في الأرض.
—
خطورة الفاحشة على الإنسانية:
ما أخطر الفاحشة وأعظم ضررها في حياة الإنسان فرداً أو أسرة ومجتمعاً، وأمة وجنساً، لذلك أحيطت حياة الإنسان في شريعة الله تعالى بسياج من الأخلاق والقيم الواقية من التردي في منزلق الخنا والفحشاء، ناهيك أن الله عندما حذر من الفواحش في سورة الأنعام ذكرها مكتنفة بذكر التحذير من القتل قبلها وبعدها فقد قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151].
فترون كيف سيق التحذير من الفواحش في هذا السياق الذي سبقه التحذير من قتل الأولاد من إملاق، ولحقه التحذير من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وما هو إلا دليل على أن مرتكب الفاحشة متسبب للقتل، ومثل ذلك في سورة الإسراء حيث جاء قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، مسبوقا بقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْفًا كَبِيرًا) [الإسراء: 31]، ومتبوعا بقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33]، فلا ريب أن الزنا من أفعل
550
القيم الإسلامية، ص 145.
المرجع السابق، ص 166.
1
2 (1/551)
صفحة 552
الأسباب في إبادة الشعوب، وإماتة معنوياتها، وإذهاب ريحها، لذلك كان التحذير منه مكتفياً بالتحذير من القتل؛ للإيحاء بأنه مفض إلى القتل عاجلا أو آجلا، سواء أكان بأسلوب مباشر أم غير مباشر، وقد وضع الأستاذ الشهيد سيد قطب في هذا المقصل على المفصل حيث قال في تفسيره لسورة الإسراء: "وبين قتل الأولاد والزنا صلة مناسبة، وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس لذات الصلة وذلت المناسبة".
إن في الزنا قتلا من نواح شتى، إنه قتل ابتداء؛ لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالباً الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق، قبل مولده أو بعد مولده، فإذا ترك الجنين
الأنحاء ...
للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهنية، فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من وهو قتل في صورة أخرى، قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات.
وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي إليها، والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه.
وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال، منذ التاريخ القديم إلى العصر الحديث، وقد يغر أن أوربا وأميركا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع فشو هذه الفاحشة فيهما، ولكن آثار هذا الانحلال في الأمم القديمة منها كفرنسا ظاهرة لا شك فيها، أم في الأمم الفتية كالولايات المتحدة، فإن فعلها
بعضهم
لم تظهر بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب واتساع موارده كالشاب الذي يسرف في شهواته فلا يظهر
551 (1/552)
صفحة 553
أثر الإسراف في بنيته وهو شاب، ولكنه سرعان ما يتحطم عندما يدلف إلى الكهولة، فلا يقوى على
احتمال آثار السن، كما يقوى عليها المعتدلون من أنداده! 1
على أن الحديث الشريف بين خطورة الفاحشة وما ينشأ عنها من أسقام وأمراض تجتاح الأنفس، وتبدد
الصحة، وتبيد الأفراد والمجتمعات، فقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر صلى الله عليه
وسلم أن النبي حذر من عواقب التمرد عن أمر الله ومخالفة شرعه، وكان مما قاله: "لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن فشت في أسلافهم
211
وهذا ما وضح فعلا في المجتمعات التي تحلو لأهلها الفحشاء ويستمرئونها، فكم وجدت من أمراض أخذت تعصف بالمجتمعات وتبيد الأنفس بسبب ارتكاب الزنا أو الشذوذ الجنسي، ناهيك بفقدان المناعة المكتسب الذي بدأ في الولايات المتحدة الامريكية تلك الدولة الناشئة الفتية القوية وتفشى منها في العالم الغربي، ثم امتدت آثاره إلى أطراف العالم الواسع، وأصبح طاعون العصر يهدد الإنسانية بهلاك ماحق لا يبقي ولا يذر، وقد استعصى على العلاج وامتنع على الرسائل الوقائية إذ لا واقي منه إلا العفة والصلاح. ومثله توأمه المعروف بالهربس، فإنهما جميعاً ناشئان عن الاتصال الجنسي غير المشروع.
على أن هذه الآثار الوبيلة لارتكاب الفحشاء لم تكن وليدة اليوم، والأمس، وإنما هي موغلة في عمق التاريخ غير أن الناس لألفتهم الفساد وتمردهم على شرع الله تعالى يتناسبون ما تخلفه الفحشاء فيهم من أضرار ماحقة وعواقب وخيمة، ولو عدنا إلى الوراء لبضعة قرون لوجدنا أن مرض الزهري الفاضح ما كان إلا وليد الفحشاء المنكرة التي ظهرت في الغرب ظهورًا مزريًا بقدر الإنسانية، فقد بدأ في الانتشار بعد عام 895 هـ - 1490 م بكفيلة مذهلة في موانئ اسبانيا، ووجد بفرنسا وإيطاليا. وتحرك نحو الشرق حتى وصل إلى فيينا،
سيد قطب في ظلال القرآن، ج 15 ص. ص 2223 - 2224.
ابن ماجه، باب العقوبات. وانظر: البراز في مسند ابن عباس وراجع البيهقي، شعب الإيمان باب التشديد على منع زكاة المال.
552
1
2 (1/553)
صفحة 554
وتخطى لا يبزغ وبيزجين بالنرويج وأبردين باسكوتلندا، وحار منه الأطباء إذ لم يكن معروفاً لهم من قبل،
وأخذ ينتشر في العالم منذراً بدمار لا يبقى ولا يذر.
وعندما قام الملك تشارك الثامن بغزو ميلانو وروما ونابولي انتشر هذا المرض انتشاراً خطيراً بين جنوده لما هيأه لهم من فرص المعاشرة المحرمة، فقد رافقت هذه الحملة آلاف المومسات حتى كانت هذه الغزوة تشبه
بالمهرجان الجنسي.
ومن خلال تنقلاتهم انتشر هذا المرض في أرجاء العالم، فكانت له مراكز للانتشار على شواطئ البحر المتوسط وفي الهند، وغيرها، وانتقلت عدواه من الخلائل إلى الحلائل، وذلك من خلال معاشرة أزواجهن لهن بعد وردهم من مستنقعات الفجور، ورسخ في بيوت الدعارة الرسمية وحمامات البخار التي تجتمع بين تمتيع المترفين بالفحشاء وتنشيطهم بالاستحمام، وقد أدى ذلك إلى صدور أوامر صارمة بين عامي 936) - (1530 - 1520) بإغلاق حمامات البخار ودور الدعارة الرسمية حفاظا على الصحة.
-926)
وفي هذه الفترة وجدت دعوة مارتن لوثر سبيلها إلى الأراضي الألمانية، ثم أتت بعدها دعوة جون كالفن في فرنسا وسويسرا، وذلك بسبب ما حاق بالناس من أوباء سببها انتشار الفساد حتى كادت الفحشاء تكون عبادة عامة للناس، وقد استغل هؤلاء الدعاة هذه الفوضى الإباحية والانحدار إلى حضيض الفساد الخلقي، فحاولوا الإصلاح في الوضع الكنسي إذ لم يكن للناس ملاذ غير العفة يقيم شر ما حاق بهم.
وجاءت هذه الآفة مع حملة نابليون بونابرت إلى مصر، وقد أصيبت نسبة عالية من هذه الحملة الباغية بهذا المرض الفتاك، فاضطر الجنرال ديجيا أن يكتب إلى نابليون يشكو ماكان من البغايا من نشر هذا الطاعون المدمر بين الفرنسيين، فعلق نابليون على هامش خطابه موجهًا أوامره إلى آغا الانتشارية أن تقوم بتنفيذ هذه المهمة بصرامة ويذكر ديجنت في كتابه "التاريخ الطبي لجيش "الشرق" أن 400 من المومسات التي كن يمارسن البغاء مع الفرنسيين قطعت رؤسهن بالسيف وألقين في النيل بأمر الآغا حتى يكن عبرة لغيرهن.
553 (1/554)
صفحة 555
ولم يكن للعرب عهد بهذا المرض قبل الحملات الفرنسية التي رزئوا بها، فلذلك سموه بالإفرنج، لأنهم عرفوه عن طريقهم.
وإذا كانت البيئة هي الإنسان وما يكتنفه، فإن كل ما يضر بالإنسان يعود على البيئة بالوبال، فقد عرف
مما تقدم
أن العفة
هي
الحصن الحصين والسلامة الواقية للإنسان مما يكتنفه من هذه الأخطار، فلا سبيل
إذا لحماية الإنسان من أضرارها إلا الاستعفاف والتقوى 1.
تربية الأفراد على تأدية الحقوق:
ركز المذهب الإباضي في منهجه التربوي والسلوكي على حقوق الوالدين والأولاد والرحم والضيف وغيرهما
من الحقوق وحثّ اتباعه على الالتزام بها وتأديتها منها:
حقوق الوالدين:
أما صلة الأقارب فأعظمها حق الوالدين لقوله عليه الصلاة والسلام من أصبح مرضياً لوالديه أصبح له باب مفتوح إلى الجنة، ومن أصبح مسخطاً لوالديه أصبح له باب مفتوح إلى النار" قيل يا رسول الله وإن ظلماً قال: "نعم وإن ظلماً" قال: "ومن أحزن والديه فقد عقهما وروي أيضاً أنه قال عليه السلام: "إياكم ودعوة الوالد فإنها أحد من "السيف وقيل إن من دعا والده ولم يجب أو دعا والده باسمه أو كناه بكنيته فقد عقه إلا أن يقول يا أبتي. ومن ائتمنه فخانه فقد عقه. ومن مشى بين يديه فقد عقه. إلا أن تقدمه ليميط الأذى عنه، ومن سأله والده ومنعه وهو يقدر أن يعطيه فقد عقه ومن تعرض لشتمهما بعد موتهما فقد عقهما، وشتمهما بعد موتهما هو أن يتعرض لشتمهما فإنه إذا شتم أمهات الرجال شتموا أمه، ولا يحل له أن يلحظهما لحظة، سوء وإن فهل ذلك فقد عقهما، ولا ينهرهما ولا يألمهما بالكلام، ولا يغلظ
1
2
القيم الإسلامية، ص. ص 168 - 173.
اللحظ: النظر بمؤخر العين، وقيده المصنف بالسوء لأنه قد يكون في غيره كاختلاس النظر مثلا، وقد أجمل المصنف هنا ما يجب سلوكه نحو الوالدين من البر.
554 (1/555)
صفحة 556
عليهما بالقول، ولا يكذبهما في وجههما، ولا يكلمهما كلاماً ينقصهما أو يبغضهما، ولكن يتذلل ويتخضع لهما في القول.
وبالجملة فكل ما أمره به والداه من الطاعات والمباحات، وجب عليه امتثال أمرهما إن قدر على ذلك وأمكنه لأن عصيانهما إحزان، لهما، ولا يجوز له أن يحزنهما، ولا يخالفهما إلا إذا أمراه بمعصية الله فإنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" والله أعلم.
حقوق الأولاد:
ثم من بعد ذلك حقوق الأولاد على آبائهم وأمهاتهم لقوله (صلى الله عليه وسلم): يلزم" الوالدين من الحقوق ما يلزم ولدهما من حقوقهما" وحق الولد على والده أن يحسن أدبه وتربيته وتعليمه القرآن والحساب والصلاة والفرائض وكل ما يحتاج إليه العبد، وينفق عليه ويكسوه حتى يبلغ فيطلب المعاش والكسب ويجد إلى ذلك سبيلاً، حقه أيضاً أن يختار له أخواله فإذا ولد فليختر له خير الأسماء، وخير الأسماء أسماء الأنبياء ومن وأسماء الصالحين بعدهم، وبالجملة كل شيء فيه صلاح الولد لدينه ودنياه يعلمه إياه والله أعلم.
حقوق الرحم:
الأرحام، وهم الأنساب الذين يجمعك وإياهم جد واحد، فإن صلتهم تجب ولم يحدوا لذلك حدًا، وقيل إن القرابة الذين يجب حقهم هم ما دون سبعة آباء وقيل ما دون خمسة آباء، وقيل ما دون أربعة آباء، وقيل لا حد لذلك إلا الشرك، وأما من لم يشرك منهم فحقه ثابت وإن بعد والأقرب أوجب، وقيل ليس في صلة
1 من أقوى حقوق الولد على الوالد تربيته تربية فاضلة وتنمية قواه العقلية فإذا حسنت تربية المرء وكمل تهذيبه كانت أعماله وأخلاقه محمودة فغرس الفضائل في النفس هو أس كمال الإنسان. قال حكيم ولما كان شرف الإنسان بالقوة المدركة لزم تهذيبها لتكف صاحبها عن المساوئ وتدفعه إلى المحاسن، فتمهد أمامه مسالك الحياة وتتوفر له أسباب السعادة فيعيش في الرغد والهناء وإلا تسلطت عليه المساوئ وانغمس في الشهوات وضل عن سبيل الألفة والتحاب وأنس بالجهل واستطاب
الخمول.
555 (1/556)
صفحة 557
الرحم حد يعرف ولكن يكون على نية الوصول، إذا قدر متى كان، والصلة على من قدر بماله ونفسه إذا
استطاع إلى ذلك، وإنما يجب عليه في ماله إذا خاف أن يهلكوا جوعًا.
ومن كان له أرحام فعجز عن الوصول وهو يدين بالوصول إليهم إلا أنه يمنعه الشغل عن ذلك، فإذا كان على نية الوصول وهو مشتغل فجائز ما لم يقطع النية عن الوصول إليهم، وأفضل الصلة صلة الهدايا، وأضعف الصلة أن يرسل إليهم بالسلام والله أعلم.
حقوق الجار:
أما مواصلة الجار فإنها حق ثابت على الجيران لبعضهم بعضاً، كان الجار قريبًا أو بعيدًا لقوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنه يورثه كالولد من والديه، وحد الجوار هو ما ثبت في العرف أنه جار سواء كان في قرية أو بادية أو حضر سفر، ومن حق الجار على جاره أن يرفع الأذى عنه فإنه لا يجوز له أن يؤذي جاره وإن كان الجار مشركاً، ويجب عليه أن يصله في وقت فرحه بوصول غائبه وفي وقت ترحه بمصائبه، ويجب عليه أن يقاسمه من الأشياء التي ليس عنده منها شيء إذا علم بها أنها عنده، وإن لم يعلم فلا شيء عليه والله أعلم.
حقوق الصاحب في السفر:
للصاحب بالجنب حق لقوله تعالى: وَالجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ، والصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر، فعليك أن تصحبه بالمعروف وحسن السيرة، ورفع الأذى، والمواساة في الحال، والمأكل والمشرب ولا عنه بشيء، ولا تناج عنه في حضرته، وإن مرض وجب عليك أن تقوم به في مرضه، وتنفق عليه من
تختص
ماله، وإن لم يكن له مال فأنفق عليه من مالك، وأن تحفظ له وصيته وتركته حتى تبلغها ورثته، ومن حقوق
1
سورة النساء، 36.
556 (1/557)
صفحة 558
الصاحب أن يبدأ بزاده فيأكلاه قبل زاد صاحبه ثم يأكلان بعد ذلك زاد، صاحبه وإن أراد أن يأكلا فليأكل
مثل ما يأكل صاحبه أو دونه.
حقوق الصاحب على صاحبه:
ألا يمضي بحمولته عن حمولة صاحبه، وإن كان لصاحبه حاجة يشتغل فيها بنفسه وماله فلينتظره حتى يفرغ منها، وإذا أراد أن يرتحلا فليرفع على حمولة صاحبه أولاً وكذلك النزول إذا أراده فليحط عن دابة صاحبه أولاً، ويقف له عند البيع والشراء ويحفظه من جميع ما يضره، ولا يضيع ما يقدر عليه من جميع منافعه.
حقوق الصاحب في طلب العلم
كذلك الصاحب في طلب العلم من حقوقه أن ينصحه في أمر دنياه وآخرته، ويفهمه مالم يفهم مما لم يكن الأدب والعلم والسيرة فإذا رأى له زلة فليزجره عنها ويسترها له، ويذكره إذا غفل، ويرغبه أن يجتهد
عنده من
فيما يطلب، ولا يفعل ما يمرض به قلبه من التناجي عنه، وصحبة من لا يريد صحبته والله أعلم.
حقوق الضيف
أما الضيف فله الإكرام حقاً ثابتاً لقوله صلى الله عليه وسلم "من" كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" والضيافة ثلاث أيام، فما فوق ذلك فهو صدقة، ولا يحل للضيف يقيم عند صاحب المنزل حتى يمله، وينبغي لم نزل عليه الضيف أن يكرمه ويلي أمر ضيافته بنفسه ولا يكله لغيره. ومن حقوق الضيف على أهل البيت أن يقدموا له خير ما في بيتهم، وأن يسرعوا له بعيشه، ويحفظوا له أوقات الصلاة، ويحفظوا له دابته بالعلف والسقي، ولا يغيب صاحب المنزل عن وجهه، ولا يسأله أقدم لك شيئاً أم لا، ولا تقدم
طعاماً إلا ومعه الماء.
إن المكروه في حق الضيف: ومن الجفاء أكل رب البيت مع الضيف، إلا أن يكون الضيف من الملوك والرؤساء ولا تناول بعض أضيافك دون بعض ولا تناج بعضهم دون البعض ولا تناول أحداً شيئاً على مائدة
557 (1/558)
صفحة 559
غيرك، ولا تكثر السكوت عن أضيافك فتدخلهم وحشة ولا تستخدم الضيف، فليس ذلك من المروءة،
ولا تجلس مع ضيفك من يثقل عليه، فإن الثقيل ينغص الطعام، ولا تغضب على الخادم، وغيره عند أضيافك
فيستوحشوا منك والله أعلم.
—
علاقة النعم بالاستقامة والانحراف:
بين العلامة الخليلي في كتبه ومحاضراته ودروسه ارتباط النعم بحال الإنسان استقامة وانحرافاً فقال: دلت نصوص الوحي القاطعة أن لسلوك أثراً على مجربات أحداث الكون خيراً أو شراً، ففي قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96]، وقال: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدَانَة [الجن: 16 - 17]، وقال في أهل الكتاب: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66]. وبين الله سبحانه أن ما يصيب الناس من المصائب – بما في الكوارث -وإنما يعود على فعل أنفسهم، فقد قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، كما بين سبحانه أن فساد المترفين هو الذي ينعكس أثره السلبي على القرى فتدمر تدميراً، وذلك في قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُفْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تدميرا [الإسراء: 16].
وأتبع ذلك ما يشد انتباه الناس من هلاك القرون الخالية؛ التي عصت أمر ربها، فبادت بما قارفته من ذنوبها وذلك في قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 17]،
وفي هذا يقول تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا
انظر: المجموعة القيمة، مجموعة من العلماء، أبو اسحاق اطفيش، ص. ص
94 - 90
558 (1/559)
صفحة 560
السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخرين [الأنعام: 6]، وقال: {أَفَلَمْ يَهْدِ فَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولي النُّهَى وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: 128 - 129]. وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ}
[السجدة: 26].
وقد دعا الله سبحانه إلى المسير في الأرض والاعتبار بأحوال القرون الخالية التى أهلكتها ذنوبها فكانت عبرة لمن يأتي من بعدها، كما في قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] وقوله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [الروم: 41 - 42]، وقوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا
[فاطر: 44].
وقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [غافر: 21].
وقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
1
العقل بين جماع الطبع وترويض الشرع، الخليلي، ص 85.
559 (1/560)
صفحة 561
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ
[غافر: 82 - 85].
وقال في بني اسرائيل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ 5 فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 65 - 66]. وقال فيهم أيضاً: {وَاسْأَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَاؤُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّجُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 25 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا
قرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 163 - 166].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 42 - 45].
وقص علينا العديد من السور ما أصاب قوم نوح من الغرق، وعادا من الإهلاك بالريح الصرصر العاتية، وثمود من الإهلاك بالصيحة، وقوم لوط من إهلاكهم بحجارة من سجيل منضود وفرعون وآله من إغراقهم في اليم، وقارون من خسف الأرض به وبماله، كما قص علينا في سورة الفيل ما أصاب أصحاب الفيل من إرسال طير أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول 1.
1
المرجع السابق، ص 86.
560 (1/561)
صفحة 562
وبعدما حكى في سورة القمر جانباً من أنباء هلاك الأمم المتكبرة العاتية أتبع ذلك قوله: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ في الزُّبُرِ} [القمر: (43]، وبعد ما ذكر إهلاك قوم لوط بالحجارة في سورة هود أتبع ذلك قوله: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. {وَمَا
وقال تحذيراً للكفرة العتاة الذين كذبوا بآياته: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 102 - 103]، وفي هذا ما يدعو هذه الأمة إلى الاعتبار بأحوال القوم الظالمين والاستبصار بمآل المعاندين المشاققين، وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26].
على أن الله سبحانه لم يصرف آياته في كتابه بما ضمنه من أحوال هذه الأمم، وما آلت إليه من مصيرها المشؤوم؛ لتسلية قراءة القرآن ودارسيه بهذه الأنباء وإنما هو لتبصيرهم وتذكيرهم وتحذيرهم، حتى لا يؤولوا إلى مالهم النكد، والمؤمن تزيد هذه الآيات إيمانه، رسوخاً، وبصيرته، قوة، كما تزيد خوفه من الله تعالى ورجاءه، ليكون في جميع أحواله محاسباً لنفسه، وليجرد من ضميره رقيباً على تصرفاته وأحواله، فلا يقدم على أمر أو يحجم عنه إلا عن بصيرة من ربه وبينة من دينه.
وقد كابر هؤلاء المعاندون دلائل الشرع والعقل والواقع، بإنكارهم أن يكون ما يحدث في الكون من كوارث مدمرة وزعازع مزعجة عقوبة على فجور الفجرة، وانتهاك الناس لحرم الله سبحانه وتعالى، والعجب منهم كيف يتعامون ويتصامون عن آيات الكتاب الصريحة وهم يدعون أنهم بالكتاب مؤمنون وبه مستمسكون- أولم تكفهم الآيات التي أوردناها وغيرها مما لم نورده اكتفاء بما أوردنا؟ أوليست نذرها تصخ بالكون، ودلائلها تبهر العقول؟ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ
[يونس: 101].
561
المرجع السابق، ص 87.
1 (1/562)
صفحة 563
وهم لا يستحيون أن يناقضوا أنفسهم فيما يقولون، فكم ردد الذي تولى كبر هذه الدعوة منهم قصة السفينة العملاقة، التي أنشئت في أوائل القرن المنصرم وسميت "التيتانك" أي المارد، وذكر أكثر من مرة أن غرقها ما كان إلا عقوبة ما أصاب أهلها من الغرور والعجب بها، حتى صرح أحد المفتونين بإنجازها زاعماً – قاتله
الله – أن الله سبحانه غير قادر على إغراقها، ولم تتعقل وسائل الإعلام، بل أخذت تردد هذه المقولة الإلحادية؛ التي قالها بكل تبجح ووقاحة، فما لبثت أن صارت عبرة في التأريخ، وعظة لقوم يؤمنون 1.
—
التحذير من التقول على الله يغير علم:
بين العلامة الخليلي في كتابه القيم العقل بين جماع الطبع وترويض العقل خطورة التقول على الله بغير علم فقال: ما أحوج الإنسان إلى الاستبصار بنور العلم في درب حياته ومنحنياها، حتى يكون في ورده وصدره وعطائه ومنعه وقبوله ورفضه على بصيرة من ربه، وبينة من أمره؛ لأنه لم يخلق هملاً، ولم يترك سدى، وهو مسؤول عما قدم وأخر، لأنه مستخلف في أرض الله بأمر الله، وهو ينوء بأمانة ثقلت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، فما أجدره أن يكون في حياته حذراً وجلاً يرجو رحمة ربه ويخشى عقابه، وما أحراه أن يصون أقواله وأعماله من آفات الجهل، وأفن العمى، وأن يستزيد في جميع الأحوال في العلم، فإن الله سبحانه قال لأعلم خلقه، وأنورهم بصيرة، وأطهرهم، سريرة، وأعدلهم سيرة، وأقومهم سلوكاً، وأوفرهم عقلاً: قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وأوحى إليه عندما سُئل عن الروح: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمُ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85] وقال له مخاطباً جميع عباده في شخصه: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
فالإنسان مهما أوتي من بسطة في العلم، وسعة في الإدراك، وعمق في الفهم، لا يخرج عن حدود الإنسانية القاصرة، ولا يتجاوز طور المخلوقية الناقصة، وما علمه الذي أوتيه بجانب جهله الذي أحاط به إلا كنقطة
562
المرجع السابق، ص 87.
1 (1/563)
صفحة 564
ماء في محيط لا ساحل، له ولا قعر فلا نسبة بين ما يعلمه وما يجهله إلا نسبة المحدود من المطلق، لذلك كان عليه أن يكون حذراً من أن يجترئ على القول بما لا يعلم فإن ذلك م كبائر الإثم المهلكة، كيف وقد قرنه الله تعالى بالإشراك به عندما قال تحذيراً وتنفيراً من مواقعة محارمه: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
وبهذا يتفاوت العقلاء المستبصرون، والحمقى، المغرورون، فالعاقل من ألجم فاه وعقد لسانه فلم يجترئ أن يقول على الله ما ليس له به علم، والأحمق من أطلق للسانه العنان فلم يبال بما يقوله؛ لعدم تفكيره في العواقب، ولأن الإعجاب بما عنده مما يحسبه علماً غزيراً، وفهماً عميقاً ملك عليه لبه، وسد عليه منافذ
الإدراك 1.
وهذا ما نجده في هؤلاء الذين اغتروا بعقولهم فإنهم بما غلب عليهم من الجهل المركب، والغرور المطبق، يتصورون أنهم أحاطوا بكل شيء علماً، وأن الدنيا والآخرة والملك والملكوت والأزل والأبد كل ذلك واقع تحت حيطة إدراكهم وفهمهم، فلا يشذ منها شيء عن دائرة علمهم ومحيط تصورهم، سواء ماكان من عالم الأرواح، أو ما كان من عالم الأبدان.
مع
ناهيك أنهم قدموا ما تصوروه بحماقتهم وجهلهم من معاني القرآن على ما قاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) بياناً له، أنه هو الذي أنزل عليه وأمر بتبنيه، كما أمر بتبليغه فقد قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، دع العلماء الربانيين والفقهاء المحققيين فإنهم في موازنيهم هم أقل من قلامة ظفرهم،
وشسع نعلهم، وأين هذه الأخلاق الساقطة من أخلاق العلماء؛ الذين أورثهم الله سبحانه خشيته، وأودع
563
العقل بين جماح العقل وترويض الشرع، ص 150.
1 (1/564)
صفحة 565
قلوبهم نوره، فكم تجد في عباراتهم من التواضع لمن سبقهم من أهل العلم، واعترافهم بمكانتهم وقدرهم
وإن أدى بهم اجتهادهم إلى مخالفتهم في الرأي، واتباع غير ما نهجوه في الأقوال.
فهذا الإمام المحقق المجتهد نور الدين السالمي رحمه الله تعالى كم يعترف للعلماء الذين قبله بطول الباع في
العلم ورسوخ القدم في الفهم كما في قوله بعد ذكره لما قاله السلف في أحكام الفقد:
نفهم بعضه ويشكلنا
لعلمنا بفضلهم وعلمهم
بعض وكل ذاك نقبلنا فأين علم من أتى من بعدهم
نتهم النفوس فيما أشكلا وأعمش العينين ليس ينظر وفي قوله أيضًا: ما حالة الأفهام مع أفهامهم
ونعرف الفضل لأرباب العلى مقدار ما ينظره من يبصـ
لا يبلغ العقل إلى مرامهم
وكم تجد في فتاوى الإمامين المجددين المحققين الربانيين أبي نبهان والخليلي -رحمهما الله تعالى- في مؤلفاتهما وفتاواهما من هضم لأنفسهما وإعلاء لقدر من سبقهما، حتى لا تكاد تجد في أجوبة الإمام أبي نبهان جواباً يخلو من تذييله بقوله: "فانظر" فيه ولا تأخذ إلا بعدله" وهكذا تجد نهج علماء السلف من الصحابة والتابعين ومن اقتضى آثارهم وكرع من معينهم.
أما هؤلاء المغرورن فإنك تجد أحدهم -وهو لا يفرق بين الضب والنون ولا بين الذئب والحمل ولا بين التمرة والجمرة-يخيل إليه بغروره أنه أوتي علم كل شيء، فلا يتورع أن يتطاول على العلماء الراسخين، بتسفيه أحلامهم، وتنقيص أقدارهم، ولا غرو فإن هذا هو ديدن السفهاء في نظرتهم إلى الفقهاء، كما قيل:
ومنزلة الفقيه من السفيه
كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا
وهذا منه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على السفيه
تنطع في مخالفة الفقيه
564 (1/565)
صفحة 566
ولم يتعظوا بمواعظ القرآن التى ذكر الله تعالى فيها الذين فرحوا بما عندهم من العلم، وافتتنوا بذلك فكانوا عبرة لمن بعدهم، فالله تعالى يقول: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمٍ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوهُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنُ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوهِمُ الْمُجْرِمُونَ 5 فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٌ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الْكَافِرُونَ} [القصص: 76 - 82]
وقال سبحانه: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 49 - 51].
وقد غر هؤلاء ما أضفوه على أنفسهم من وصف "المفكرين". وما دروا أن من التفكير ما يردي صاحبه في الجحيم والعياذ بالله كالذي قال الله تعالى فيه: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ا ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ
هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 18 - 25].
565
المرجع السابق، ص ص 152 - 153.
1 (1/566)
صفحة 567
وهذا التحذير يدل على حرص علماء الإباضية لتوجيه الناس على مراقبة الله وتربية سلوكهم على مخافته
وحشيته واستشعار خطورة التقول على الله بغير علم.
—
ذكر الله وأثره في النفوس:
اهتم العلامة أحمد الخليلي بتربية الأتباع على ذكر الله وبين أثره في نفوس الناس، وكان هذا الموضوع له أهمية في خطبة ودروسه وكتبه ورسالته ومقالاته حيث قال: إن ذكر الله تعالى هو نور الحياة، وبهجتها، وقوامها، وأمنها، بسري في الأرواح الميتة فيحييها، ويشرق على القلوب المظلمة فيطوي سجاف ظلامها، كما تطوي الشمس ظلمات الفضاء عندما تشرق عليه، فتحول ليله الموحش إلى صبح مؤنس وسواده الحالك إلى بياض ناصع، وهكذا الذكر تطمئن به القلوب بعد وحشتها، وتستقر به النفوس بعد بلبلتها، قال تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، لذلك كان من أعظم ما يقرب العبد إلى الله، لأنه سبب يصله به تعالى، وقد أمر الله تعالى به في كثير من محكمات الكتاب، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42].
—
وعد ذاكريه بذكرهم في قوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، وجعل كل ما شرع من عبادة مئنة لذكره؛ لأن ذكر الله تعالى يندرج فيه كل ما يتقرب به إلى العبد إليه سبحانه، من الصلوات والحمد والتسبيح والتهليل والتكبير، فإن الصلاة إنما شرعت لذكره تعالى، فقد قال سبحانه: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقال: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].
ذكر جانباً من أحكام الصيام أتبع ذلك قوله: ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 185 - 186].
566 (1/567)
صفحة 568
أكد على ذكره حال أداء مناسك الحج حيث قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لله [البقرة: 198 - 199]، وقال: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203].
أمر عباده أن يذكروه عند انفلاتهم من عباداته، ولو أقبلوا على دنياهم حتى لا تنقطع صلتهم به، فقد قال: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، وقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
[الجمعة: 10].
نص من بين الذكر على التسبيح خاصة حيث قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 48 - 49] وقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: 200].
وعد ذاكريه ذكراً كثيراً بالمغفرة والأجر العظيم حيث قال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35].
أمر عبده أن يجدد ذكره لما كلما نسيه في قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي
لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف: 24].
وصف أولي الألباب من عباده بقوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191].
567 (1/568)
صفحة 569
وصف المؤمنين بأنهم تطمئن قلوبهم بذكره حيث قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يصبر مع
نفسه
مع الذين يدعونه بالغداة والعشي، ونهاه عن
طاعة من أغفل قلبه عن ذكر الله وذلك في قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28]
والذكر هنا وإن فسر، بالقرآن فإنه يشتمل على سائر ذكره تعالى وتوعد من يعشو عن ذكره بأن يقيض له من الشياطين قريناً حيث قال: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36]، وهو كالذي قلبه يسري حكمه في غير القرآن وإن كان مقصوداً به القرآن، ووصف عباده الصالحين الذين وعدهم الدرجات العلى في جنته بقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17 - 18]، وقال فيهم أيضاً: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 16 - 17]، ووصفهم
النَّارِ أيضاً بقوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِمَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَكَما رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 15 - 17].
- وصف المنافقين بأنهم لا يذكرونه إلا قليلاً، حيث قال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142].
بين أن شان الشيطان أن يصد عن ذكر الله، وهن الصلاة، في قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91].
568 (1/569)
صفحة 570
بين تعالى أن ذكره هو نجاة من المحن، وكشف للكروب ودفع للهموم وذلك عندما حكى قصة يونس: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87 - 88]. وقال فيه: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ 5 لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144]، وأمر بذكره عند ملاقاة العدو في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
[الأنفال: 45].
بين أثر ذكره في هذا الموقف فيما حكاه من قصة طالوت وجالوت إذ قال: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ
[البقرة: 250 - 251].
-
بين أن سبب هلاك الذين آتاهم بأسه أنهم لم يتضرعوا إليه ذلك في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 43} [الأنعام: 42 - 43].
وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيِّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
السَّيِّئَة
[الأعراف: 94 - 95].
- ذكر الله تعالى مشاركة من الذاكرين للملأ الأعلى الذين وصفهم الله بقوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19 - 20]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، بل هو مشاركة لهذا الكون الواسع الذي تسبح كل ذرة من ذراته بحمد الله وتسجد خاضعة لجلاله كما قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ
569 (1/570)
صفحة 571
وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، وقال تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 1]،
وقال: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة: 1].
- من أجل هذا لا يشعر الذاكرون بوحشة في نفوسهم من الكون وما فيه، لانسجامهم معه في الذكر، وتناغمهم معه في تسبيح الله تعالى، وحمده وتهليله، وتكبيره، بخلاف الدين حرموا هذه النعمة، فانعقدت ألسنتهم عن ذكر الله، وخربت قلوبهم بنسيانه أولئك الذين قال فيهم: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، وحذر المؤمنين من التأثر بهم حين قال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19].
وقد ألفت قلوب هؤلاء الذين عرفوا عن الكتاب والسنة، واغتروا بما أوتوه من عقل بهذه الآفة الخطيرة، فقد أظلمت عقولهم ومرضت قلوبهم بإعراضهم من ذكر الله، حتى بلغ بهم الأمر أن تضيق منه صدورهم، كما أنهم يسخرون ممن يدأب على الأذكار المأثورة أدبار الصلوات وعند إقبال الليل والنهار، أو إدبارهما، وفي أي حال يسن فيه ذكر مأثور.
1.
فيا ترى كيف يضيق صدر من يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكر الله تعالى ويسعى إلى الصد عنه، مه هذه النصوص القطعية الدالة على أن ذكر الله سبحانه هو كيمياء السعادة وروح العبادة ومناط السلامة وأساس
الاستقامة؟
وقد وصف الله سبحانه وتعالى المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، كما أخبر أن الصد عن ذكره من شأن الشيطان، أفيكون من هذه صفته إلا من حزب الشيطان؟ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، وقد تجاوز هذا الحد إلى التهكم
1
المرجع السابق، ص. ص
570
148 - 143 (1/571)
صفحة 572
والسخرية بالذكر والله المستعان. وإن من أهم وسائل تربية النفوس على طاعة الله وتطهيرها من أمراضها،
المحافظة على الأذكار والمأثورات والأدعية المباركة.
أسئلة للشيخ الخليلي في برنامج سؤال أهل الذكر المتعلقة بالأخلاق:
أ المحاور: الذي أوتي علماً غزيراً كيف يتعامل مع الآخرين؟
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة السلام على سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى أله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سوياً، ومن عليه بنعمة العقل، ورفع درجته، وأعلى شأنه إذ أكرمه بما آتاه من المواهب، وبوأه منصب الخلافة في هذه الأرض، وجعله سيداً في هذا الكون، يقول - تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وهذا التكريم لا يعود إلى جسم الإنسان وأصله، وإنما يعود على النفحة الربانية التي نفخها الله في هذا الجسم فتحول إلى خلق آخر، فلو كان الأمر يعود إلى الجسم لربما كان جسم الحيوان أحسن من جسم من حيث إن الإنسان جسم الحيوان قد يكون أقوى بكثير من جسم الإنسان، وقد يكون أقدر على مقاومة التحديات المختلفة والطبايع المتنوعة، ولكن الله تبارك وتعالى جعل تلكم النفخة الربانية هي التي رفعت من شان الإنسان، وإذا كان الإنسان رفع بهذه النفخة الربانية فعليه أن يعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعله عبداً متحملاً لأمانته، وأن فضله ومنزلته بقدر ما يصدق في تحمل هذه الأمانة لا أن يتعالى بسبب أي شيء أوتيه في هذه الحياة الدنيا، إذ لا قيمة للعلم وحده من غير أن يكون العبد متخلقاً بالخلق الكريم، فالله سبحانه وتعالى قد اختار عبده ورسوله محمداً (صلى الله عليه وسلم) وشرفه فوق الخلائق كلها، وأعلى
571
المرجع نفسه، ص 148.
1 (1/572)
صفحة 573
منزلته، وجعل رسالته رحمة للعالمين، فقد قال سبحانه وتعالى مخاطباً عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة السلام -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ولكن عندما أثنى سبحانه وتعالى عليه بماذا وصفه؟ هل وصفه بالعلم الغزير؟ لا، وإنما وصفه بالخلق العظيم، فقد قال تعالى مخاطباً إياه صلوات الله وسلامه عليه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ولم يقل له وإنك علم غزير، بل قال سبحانه وتعالى مخاطباً له ولغيره: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85].
فإذا الأنسان لا يكون سموه في هذه الحياة بمنصبه ولا جاهه ولا بعلمه إن كان مجرداً من الأخلاق، فالأخلاق هي ميزان التفاضل بين الناس، ذلك لأن الخلق الرفيع يؤدي إلى أن يكون الإنسان أولاً راعياً لحق الله - سبحانه الذي خلقه فسواه، إذ غروره قد يجعله يرى أن وصل إلى ما وصل إليه باستحقاق، وأن الله - تبارك وتعالى - لا فضل له عليه وهذا أمر فيه من الخطورة ما لا يمكن أن يتصوره متصور، فإن الغرور هو الذي يردي صاحبه، ما اغتر مغتر إلا وكان غروره سبباً لما يوصل إليه من إذلال الله تعالى – له ومن إهانته إياه، ففرعون اغتر حتى وصل به الأمر إلى أن يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرِي [القصص: 38]، وقال: وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف: 51]، فأهلكه الله سبحانه وتعالى بما كان مغتراً به، إذ أهلكه بالماء فأغرقه فيه، فكان عبرة للمعتبرين وإنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات: 26] وكذلك غيره.
ويبين الله تبارك وتعالى لنا أنه أهلم من أهلك من الأمم من قبلنا، تلكم الأمم التي أوتيت ما أوتيت. الهبات الإلهية، ولكنها لم تضعها، فإنه سبحانه وتعالى يقول: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوقِهِمْ
وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَرْنَا آخَرِينَ} [الأنعام: 6].
411
572
لقاءات في الفكر والدعوة مع العلامة الشيخ أحمد حمد الخليلي بن
1 (1/573)
صفحة 574
وإذا كان الغرور هو مصدر إهلاك الإنسان، فإن غروره بالعلم أيضاً قد يكون مصدر لهلاكه، إذ الله تبارك
وتعالى قال عن قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} [القصص: 78]، وقد كان ذلك سبباً لهلاكه، فهكذا يجب
أن
يعتبر
المعتبرون. والإنسان يجب عليه كما زادت نعمة الله - تبارك وتعالى عليه أن يكون أحسن خلقاً
وأطيب معاملة، وأصفى سريرة، ليس للإنسان أن يتعالى بأن أوتي علماً، أو أوتي مالاً، بل يجب أن تجعله هذه المواهب الربانية يتطامن ويطأطئ رأسه ويعامل الآخرين معاملة رقيقة حسنة.
—
أسباب انتشار الدعوة بالأخلاق
على أن هذه الدعوة التي بعث بها النبي (صلى الله عليه وسلم) ما كان من أسبا انتشارها إلا ما كان متصفاً به عليه أفضل
الصلاة والسلام - من الصفات الحميدة والسجايا الحسنة التي مهدت لهذه الدعوة حتى وصلت إلى حيث
الله
وصلت، ونجد أن الله -تعالى- يخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو أشرف الخلق، وهو بين جيل هو أشرف الأجيال وأطهرها جميعاً، جيل المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله -تعالى- عليهم في كتابه عندما قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29]، لنرى أن الله تعالى - يخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو أشرف الخلق، وهو بين ذلك الجيل العظيم القدر العلي المنزلة فيقول له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، فلو كان صلى الله عليه وسلم قاسى المعاملة خشن الأخلاق لانفض أولئك الذين هم خير القرون من حوله، ولاستحالت الصلة بينه وبينهم إلى فطيعة، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم؟ وكيف بمن
يعامل جيلاً آخر غير ذلك الجيل؟
573 (1/574)
صفحة 575
على
أن الله تعالى- أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون دمث الأخلاق في دعوته، حسن المعاملة للناس جميعاً إذ يقول له: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، كذلك نجد أنه سبحانه وتعالى يقول في مقام توجيهه في أمر الدعوة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، وهذا يدل على تأثير الأخلاق في تعامل الإنسان مع بني جنسه.
ونجد في الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على الأخلاق هي التي تقرب العبد إلى الله، وهي التي تقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة فيكون قريب المنزلة منه، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: " إنَّ من أحبّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا وإنَّ أبغضكم إليَّ وأبعدكم منّي مجلسًا يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدقون والمتفيهقون" (رواه الترمذي، وأحمد)، فالإنسان إنما يحمد بأخلاقه، ويوزن بأخلاقه، إذ الإنسان نسبه ما يكون متحلياً به من أخلاق فاضلة وعمل صالح يقربه إلى الله -تعالى-زلفى.
ونجد في حديث آخر أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول للسيدة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها -: "يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط وعبد حميد في مسنده) ومعنى ذهاب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة أن حسن الخلق لم يدع لغيره من خير الدنيا والآخرة شيئاً، بل احتوى خير الدنيا والآخرة، معاً، فالإنسان بقدر ما يكون عليه من خلق فاضل في هذه الحياة الدنيا يكون له الخير الكثير فيها إذ تكون محبة الناس له تفعم قلوبهم، وكذلك بالنسبة إلى الدار الآخرة، فإن منزلته عند الله إنما تكون بقدر ما يكون عليه من أخلاق.
قولوا للناس حسنًا ... فلذلك على الإنسان أن يحرص دائماً على أن يحسن خلقه. وأن يعامل الناس بما يجب أن يعاملوه به، لا أن يعاملهم بالقسوة والخشونة ولو كان يغير منكراً عليهم عليه أن يأتيهم بالرفق
574 (1/575)
صفحة 576
واللطف، إذ ما دخل الرفق شيئاً إلا زانه وما دخل العنف شيئاً إلا شانه فيجب أن تكون أخلاق المؤمنين
جذابة، تدعو إلى الحق وإلى الإسلام أكثر مما تدعو إليهما ألسنتهم، والله تعالى- ولي التوفيق.
أ المحاور: قضية الأخلاق الموروثة
البعض عندما يريد أن إنساناً بالأخلاق السيئة يقول هذا نشأ في ظل أبوين قاسيين غليظين، لذلك
يسم
فهذه هي طبيعته ورثها عن أبويه، فهل تستطيع الأخلاق الإسلامية أن تغير هذه الطبائع، فتحول ما نشأ عليه هذا الإنسان إلى طبائع أخرى؟
إن الإيمان يحول الإنسان من طبع إلى طبع، ومن مسلك إلى آخر، ومن جبلة إلى جبلة أخرى، فالإيمان هو الذي يجعل الإنسان يستعلي على ما كان متصفاً به من قبل إيمانه، وهذا ما نشاهده في القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم يتحدث عن سحرة فرعون ويحكي عنهم كيف كان طعمهم ونظرتهم إلى الحياة المادية، وكيف كان طموحهم إلى أن ينالوا المكاسب التي كانوا يسعون إليها من وراء سحرهم، فهم الذين قالوا لفرعون كما حكى الله عنهم: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 41]، ما كانوا ينظرون إلا إلى حطام هذه الحياة الدنيا، ولكنهم بالإيمان تحولوا فجأة إلى طبائع غير طباعهم، وإلى أخلاق غير أخلاقهم، وإلى مقاييس غير مقاييسهم، فهم الذين قالوا لفرعون نفسه بعد أن تهددهم لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].
وكذلك بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار، فالعرب كانوا معروفين بقسوة القلوب وبغلظة الأكباد نتيجة الحروب الطاحنة التي كانت تأكل الأخضر واليابس عندهم، والأحقاد التي يتوارثها الجميع، يرثها الأولاد والحفدة عن الآباء والأجداد، إلا أن الإسلام رقق طباعهم، وهذب أخلاقهم، وغير مشاعرهم وأحاسيسهم، فكانوا يختلفون تمام الاختلاف، يكفي ما كان يحكى عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مما كان في جاهليته من الغلظة والشدة، كيف تحولت طبيعته إلى طبيعة أخرى عندما أكرمه الله سبحانه وتعالى، فكان رقيق الحاشية،
575 (1/576)
صفحة 577
لطيف المعاملة، مهذب الأخلاق مه ماكان فيه من الشدة، إلا أن الشدة التي كان متصفاً بها إنما كانت غيرة على حرمات الله، ولم تكن هذه الشدة من أجل نفسه أبداً، بل كان يحرص على أن يتواضع ويخضع حتى أنه عندما أعلن أمام الملأ قائلاً: أيها الناس إذا رأيتم في اعوجاجا فقوموه، فقال له أحد الحاضرين: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ما كان منه أن أنف وتكبر وتعالى وادعى أن منزلته لا تتلاءم مع هذا الجواب، بل حمد الله على أن أكرمه بأن وجد في رعيته من يقوم اعوجاجه بسيفه.
وكذلك عندما كان حوار بينه وبين امرأة ظفرت فيه امرأة بالحجة قال: كل الناس عمر حتى أفقه من
النساء،
هكذا كان لطيف المعاملة رقيق الحاشية، وذلك كله إنما يعود إلى خلق الإيمان والإسلام، فإن الإسلام هو الذي جبله على هذه الأخلاق الحسنة بعدما كان في جاهليته مجبولاً على غيرها، فإن الروح الإيمانية لها أثر
على الإنسان.
ولا ريب أن للتربية أثراً كبيراً على نفس الإنسان عندما يتعمق الفهم الإسلامي في نفسه، وتتبين له الرؤى،
مع
هذا
ويميز بين الباطل والحق، وبين الضلال والهدى، وبين الغي والرشد، فإنه بطبيعة الحال يتجاوب التصور الصحيح، وتكون أخلاقه انعكاساً له، ولذلك يكون المسلم الحق دائماً رقيق الحاشية حسن المعاملة، والله تعالى المستعان.
ب. المحاور: هل هذا يصدق على البيئة التي يعيش فيها الإنسان؟
لأن علماء الاجتماع كابن خلدون صنف الناس بحسب المناطق التي يسكنون فيها، فالذين يسكنون في
المناطق الباردة يقول بأن أخلاقهم هادئة ودمثة، وأما الذين يسكنون في المناطق الصحراوية القاسية فطبائعهم
تكون غليظة، فالبيئة هذه هل لها أثر أيضاً على أخلاق الإنسان؟
576
المرجع السابق، ص 415.
1 (1/577)
صفحة 578
أن لا أنكر أن يكون للبيئة أثر على طبيعة الإنسان، ونحن نجد المناخات تختلف أخلاق أهلها باختلافها،
فقد يكون مجتمع من المجتمعات شديد المعاملة، بينما مجتمع آخر يكون بخلاف ذلك، هذا مما نجده في
الناس، ولكن مع هذا كله فإن الإنسان يهذب هذه الأخلاق عندما يكون الإنسان حقاً مسلماً متمسكاً بإسلامه عاضاً بالنواجذ على تعاليم دين الله الحق.
إن الإسلام يهذب الأخلاق ويجعل الإنسان كما ذكرنا لطيف المعاملة رقيق الحاشية، يستقبل إخوانه بشوشاً متبسماً، ويعد ذلك من الصدقات التي يتصدق بها لأجل أن يكرمه الله بالأجور كما دل على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وسلم): " تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة " رواه الترمذي والطبراني في المعجم الأوسط)، فالإنسان
المسلم إنمات يلقى إخوانه بوجه طلق، كله بشر، وكله فأل حسن وانبساط، لا يلقاهم بوجه عبوس
مكفهر.
وهذا لا ينحصر في معاملة الإنسان المسلم للناس الآخرين غير أهل بيته، بل حتى في بيته عليه أن يكون لطيف المعاملة، فقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهلِهِ وأنا خَيْرُكُمْ لأهلي" (رواه الترمذي وابن ماجه)، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان ألطف الناس في معاملة أهله، عندما يدخل بيته يكون وديعاً لطيف المعشر إلى أقصى الحدود؛ لأن الإيمان هو الذ جعل خلقه من هذا النوع العالي السامي كيف وقد هيأه الله تعالى - لحمل رسالة الإيمان إلى العالمين، وجعل هذه الرسالة رحمة للعالمين.
فالمسلم لا يدخل بيته مقطب الجبين مكفهر الوجه لا ينظر إلا شزراً ولا يرد جواباً إلا بغلظة وقسوة، فإن هذه الحالة غير مألوفة في الإسلام، فقد دخل صبي من صبيان عمر بن الخطاب رضي
الله عنه -
عليه
في مجلسه، وكان في مجلسه رجل جاء ليبعثه إلى ولاية من الولايات أي ليوليه منطقة من مناطق الأمة
الإسلامية، فلما دخل الصبي استقبله عمر الله
رضي
عنه وبش له، وقبله فقال له حتى أنت تقبل أولادك،
رضي
والله إن لي من الولد كذا، وما قبلت أحداً منهم قط، فقال عمر الله عنه على الفور: إذ لا أوليك أمر
المسلمين، إن كنت قاسياً في معاملتك لأولادك فكيف تكون معاملتك للآخرين؟ وأبى أن يوليه.
577 (1/578)
صفحة 579
وهكذا كل السلف الصالح الذين كانوا تشربوا روح الإسلام إنما كانت معاملتهم معاملة لطيفة، وهكذا
المعاملة هي التي جرت الناس إلى الحق، وأقنعت به الأمم، فتسارع الناس إلى الدخول في دين الله أفواجاً، لأنهم لم تكن معاملتهم قاسية منفرة.
د. المحاور: الذي يحافظ على الصلوات في جماعة، ويصوم النهار ويقوم الليل، ويؤدي جملة كبيرة من العبادات والطاعات والنوافل، ولكنه يسيء أخلاقه مع الناس، فكيف ينظر إلى الإسلام؟
جاء في رواية لا أعلم ما مدى صحة سندها، ولكن على أي حال هي تدل على خطورة
سوء
المعاملة
جاء فيها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل امرأة تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال: "هي" في النَّارِ" (رواه أحمد والحاكم)، وأذية الجار من سوء الخلق، فلا يكون الإنسان مؤذياً لجيرانه إلا بسبب شراسة خلقه معاملته، وهكذا ينبه النبي (صلى الله عليه وسلم) على خطورة سوء الأخلاق، فهذه المرأة استحقت النار؛ لأنها تسيء
وسوء
معاملة جيرانها.
فيجب على الإنسان ألا يجعل من صيامه وقيامه وتحنثه مقاساً لفضله، بل عليه أن يستقل ذلك في الله -سبحانه- فمهما عمل الإنسان من عمل نحو صلاة وصيام وصدقة، وغير ذلك، فغن ذلك قليل في الله -سبحانه-؛ لأن حق الله أعظم من كل حق، ومع هذا عليه أن يشعر أنه أقل من غيره، وأن غيره يفضله، وبهذا يعامل الآخرين المعاملة الطيبة الحسنة؛ لأنه يشعر أن ذلك الآخر هو خير منه، ولا يشعر بأنه هو خير من ذلك الآخر، وليدرك كل إنسان أنه بقدر ما يقسو على الآخرين يكون بعيداً عن مرضاة الله
جنب
-سبحانه- ويكون منحط المنزلة عند الله
وعند الناس 1.
578
المرجع السابق، ص 417.
1 (1/579)
صفحة 580
هـ. المحاور: البعض يتساهل في العبادة بحجة أنها ليست هي المقياس في صلاح الإنسان، وإنما الاخلاق هي المقياس، فكيف يجاب على هذا؟
العبادة المفروضة لا بد من الوفاء بها، فلا بد للإنسان أن يوفي بالعبادات المفروضة ولم يقم بحقها، فإنه مهما حسنت أخلاقه، ومهما حسنت معاملته لا يجديه ذلك مع هذا التقصير في الواجبات المفروضة عليه، فعلى الإنسان أن يطيع ربه سبحانه في كل ما أمره به وفي كل ما نهاه عنه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
والعبادات هي موروثة للأخلاق الفاضلة، فإن كل عبادة من العبادات مؤثرة في نفس صاحبها، فالصلاة مثلاً هي مؤثرة في نفس صاحبها، يقول تعالى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ [العنكبوت: 45]، ويقول -سبحانه- أيضاً في الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، ويقول عز وجل: إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ـ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا 5 وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 19 - 23]، فمعنى هذا أن الصلاة مؤثرة في نفس الإنسان بحيث تأتي على ما فيها من الأخلاق السيئة المذمومة، وكذلك الزكاة، فالله تعالى يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِمَا [التوبة: 103]، وكذلك الصيام والحج، هذا مما يدل على أن العبادات جميعاً مؤثرة في نفس الإنسان تتولد في الأخلاق الفاضلة، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بعبادة الله بأي حال من الأحوال، والله
تعالى أعلم.
و. المحاور: كيف يعامل المسلم الكافر:
لا يستوي الذين آمنوا والذين كفروا من حيث إن المؤمن مع المؤمنين لا بد من أن يكون ألطف وأحسن
معاشرة، إلا أن ذلك لا أن
يعني
يقابل الكفار بما ينفرهم إنما يقابلهم بحسن معاملة وبلطف الأخلاق
ليكون ذلك أدعى إلى قبولهم الدعوة دعوة الحق والإسلام والإيمان، وتلك هى الفطرة الزكية التي فطر الله
579 (1/580)
صفحة 581
-تعالى- الناس عليها، ومن أجل هذه نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول للنبي (صلى الله عليه وسلم): ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، ويقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: 46]، ويقول تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، لم يقل: وقولوا للذين آمنوا حسناً وإنما قال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا.
فالإنسان المسلم عليه أن يستقبل الناس جميعاً بوجه طلق وبحسن البشاشة، لأنه مبلغ رسالة، ولما كان مبلغ الرسالة فإن هذه الرسالة لا بد من أن يكون تبليغها إلى الغير بالحكمة واللطف والرفق ليكون ذاك أدعى إلى القبول، إذ الدعوة إن كانت بأسلوب قاس شديد عنيف كان ذلك منفراً عن قبولها، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، ثم بعد ذلك قال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35] هكذا يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نعامل الذين ندعوهم إلى الخير باللطف والرفق وحسن المعاشرة، وهذا هو الذي يؤدي إلى اجتذاب القلوب وتألف النفوس حتى تنصاح للحق وتستجيب للهدى.
ز. المحاور: استقر في أفهام الناس أنه إذا ألقى على المسلم السلام رجل غير مسلم لا يرد عليه، وقد فهم بعض غير المسلمين الآن أننا لا نرد عليهم السلام، فصاروا ينظرون إلينا نظرة ليست جيدة، فهل
نرد عليهم السلام؟
580
المرجع السابق، ص 518.
1 (1/581)
صفحة 582
يقال لغير المسلم: وعليكم، وهذا كان له سبب، وهو أن اليهود عندما كانوا يلقون السلام على النبي
كانوا يقولون: السام السلام عليكم، أي الموت عليكم، فأمر النبي () أن يرد عليهم بقول (وعليكم) رواه البخاري ومسلم؛ أي وعليكم ما تقولون؛ فكلمة (وعليكم) تفيد أن عليكم سواء قلتم خيراً أو قلتم شراً.
ط. المحاور: امرأة طبيعتها عصبية، ويصدر منها صراخ شديد ويصدر منها إزعاج شديد لأطفالها وغضب، وكيف تستطيع أن تغير هذا الطبع؟
على الإنسان دائماً أن يحرص على أن يقاوم بطبعه، فمقاومة الطبع السيئ مما يؤمر به المسلم، فعندما جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال له: يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني وأقلل عليّ لعلي أعيه، قال له النبي (صلى الله عليه وسلم) "لا تغضب" ثم رجع إليه وسأله مرة، فقال له: "لا تغضب" وسأله مرة أخرى فقال له: "لا تغضب" (رواه البخاري ومسلم)، فمعنى ذلك أن الإنسان إن كان من طبعه الغضب والانفعال يؤمر أن يقاوم هذا الطبع، أن يحرص على الترفق والتلطف، ومهما كانت صعوبة ذلك عليه فإنه بترويض نفسه على ذلك
ويؤمر
يستطيع أن يتغلب على هذا الطبع.
وجاء أيضاً في الحديث عن النبي: "ليس" الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنّما الشَّديدُ الَّذي يملك نفسَهُ عِندَ الغضب" (رواه البخاري ومسلم)، ومعنى ذلك أن يقاوم طبع الغضب، وألا ينساق وراء هذا الطبع، فإذا ما غضب العبد عليه أن يتذكر غضب الله -تعالى-حتى يتفادى الوقوع فيما يؤدي إلى غضب الله، فالله – تبارك وتعالى- هو أقدر من كل قادر، هو العزيز القادر المصرف لكل شيء، فنعوذ بالله -تعالى- من غضبه، ونسأله -تعالى-،رضاه والإنسان عندما يغضب عليه أن يتذكر خطورة غضب الله -تعالى- عليه
ليبرد ذلك
غضبه.
من
581
المرجع السابق، ص 419.
1 (1/582)
صفحة 583
وقد أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمور من أجل مقاومة الغضب أمر من اشتد به الغضب إن كان واقفاً أن يقعد وإن كان قاعداً أن يضطجع رواه أبو داود وأحمد)، وكذلك أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالوضوء عندما يشتد على الإنسان غضبه (رواه أبو داود وأحمد، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (رواه أبو داود والترمذي، كل ذلك مما يباعد الإنسان عن غضبه، فتوصي هذه الأخت بأن تحرص دائماً على أن تتبع هذه التوجيهات النبوية وأن لا تخالفها.
ظ. المحاور: طفل عمره عشر سنوات يحافظ على الصلاة، ولكن المشكلة عنده أنه لا يعترف بالخطأ، فيكذب من أجل أن يبرر ما يصنع، كيف يعالج؟
يجب أن يكون الأبوان أسوة لولدهما وقدوة له؛ بحيث يتفاديان الكذب حتى يشعر الطفل من أول الأمر أن الكذب أمر فيه خطورة بالغة، وعليهما أن يُذكراه بهذا الخطر، ويقولا له بأن الكذب يهدي إلى الفجور، وأن الفجور يهدي إلى النار والعياذ بالله كما جاء في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ليتخوّف عاقبة الكذب حتى ينشأ على جبلة الصدق والله تبارك تعالى هو المسئول بأن يهديه وأن يصلح من أمره.
ك. المحاور: هناك من يؤم الناس ولكن أخلاقه ليست جيدة، فهو لا يصل رحمه، ولا يتعامل مع الناس بالحسنى على الرغم من أنه إمام يصلي بالناس الصلوات فما هي نصيحتكم لهذا؟
نصيحتي
له أن يتقي الله، وأن يبرّ رحمه وأن يصلهم، وأن يصل جيرانه ويعطف عليهم، ويقول كلمة الحسنى
للناس جميعاً، وعليه أن يحذر عقاب الله، فإن عقاب الله شديد، والله تعالى أعلم.
1
رواه البخاري ومسلم، ونصّ الحديث: "إن" الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صادقاً، وإن الكذب يهدي إلى
الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".
582 (1/583)
صفحة 584
ل المحاور: هل للباس علاقة بالأخلاق؟ فلبس الفتاة مثلاً لملابس شفافة أو لملابس غير لائقة،
كذلك لبس الرجل لملابس غير لائقة هل لذلك علاقة بالأخلاق؟
الأخلاق الفاضلة، فالخلق لا ينحصر في لطف المعاملة فحسب
إن اللباس غير المحتشم هو مما يتنافى مع بل يعم كل جانب من جوانب حياة الإنسان، فمن الخلق الحياء، وإبداء المرأة مفاتنها وعدم المبالاة بلباسها هو مما يخدش الحياء والنبي (صلى الله عليه وسلم) عندما تحدث عن الإيمان قال: "الإيمان بضع وسبعون أو يضع وستُونَ شعبةً. فأفضلُها قول لا إلهَ إِلَّا اللهُ. وأدناها إماطة الأذى عن الطَّريق. والحياء شُعبةٌ من الإيمان" (رواه البخاري ومسلم)، فإبداء المرأة مفاتنها وعدم المبالاة بما تكون عليه من اللباس كل ذلك مما يتنافى مع الإيمان، بل مما يتنافى مع الفطرة الزكية، وكذلك أن يظهر الرجل بمظهره لا يتلاءم مع إيمانه وإسلامه ومع كرامته، فهذا أيضاً مما يخدش الحياء، فلا ينبغي له أن يكون بهذه الحالة.
م المحاور: البعض عندما يوجه نصيحة للناس يقول: عاداتنا وتقاليدنا تفرض علينا ذلك، فهل
للأخلاق تخضع لقانون العادات والتقاليد؟
إن الدين فوق العادات والتقاليد الدين هو استسلام الإنسان لأمر الله وتجاوبه مع حكم الله، وانقياده لشرعه، وإذعانه لطاعته هذا هو الدين، ونحن إنما تعبدنا بما تعبدنا به سواء اتفق ذلك مع عاداتنا أو لم يتفق، فعلينا أن نراعي جانب الدين، إذا الدين هو الأصل، أما ما كان موروثاً عن الآباء والأجداد فإنه يعرض على الدين، فإن اتفق مع الدين فبما ونعمت وبذلك يؤخذ، وإلا فالدين هو الحكم، وما خالفه فهو
مرفوض.
583 (1/584)
صفحة 585
ن المحاور: هل الأخلاق الإسلامية أخلاق نسبية أو أنها تتسم بالثبات ولا تتغير بتغير الزمان والمكان؟
الأخلاق الإسلامية أخلاق ثابتة؛ لأنها نابعة من الفطرة، والإسلام هو دين الفطرة فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّين حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
س المحاور: كيف يمارس المسلم الدعوة إلى الله بالأخلاق؟
الداعية يجب أن يكون أدمث الناس خلقاً، وأحسنهم، معاشرة وألطفهم قولاً وأصدقهم حديثاً، فالداعية إلى الله -تعالى- إنما يمثل الدعوة بمعاملته وبخلقه فلذلك كان جديراً بأن تتجسد الدعوة من خلال أخلاقه، وأن تكون أخلاقه جذابة للذين يدعوهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لا أن يكون قاسي المعاملة مكفهر الوجه مقطب الجبين لا يقلى الناس إلا بوجه منقبض، ولا ينظر إليهم إلا شزراً، فهذا مما يتنافى مع الدعوة التي يدعو إليها المؤمن، فالله تبارك وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وقال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، وقال
الْحَسَنَةُ
أيضاً: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 33 - 34]، فالأخلاق الحسنة مطلوبة من الداعية فهو لا يمكن أن يؤثر على الناس من خلال دعوته إلا بحسن معاملته وبطيب معشره، فلذلك نحن ننبه جميع إخواننا الدعاة بأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في دعوتهم، وأن يحرصوا على الملاطفة الحسنة والمعاشرة الطيبة.
584 (1/585)
صفحة 586
ع المحاور: ظاهرة الكذب عند الأطفال ألا يمكن أن يكون تعلمها من الوالدين بطريقة غير مباشرة؟
من المحتمل أن يكون الولد قد اعتاد على الكذب لأنه وجد والديه يكذبان عليه، إذ الطفل من أول نشأته يجب أن يجرب على أبويه إلا الصدق، فإن الطفل عندما يرى أن أبويه يكذبان عليه يتعمد هو الكذب؛
لأنه يعتبر أن الكذب شطارة ومهارة، وأنه خلق حميد، فلذلك يحاول أن يبتكر أنواع الكذب بقدر ما يغرّر
بأبويه كما أنهما يغرران، به ونرى ذلك واضحاً في حديث عبد الله بن
عامر رضي
الله عنه عندما روى بأن
كان في بيتهم، فقالت له: تعال أعطيك، قال لها النبي (صلى الله عليه وسلم): "ماذا تريدين
أن
أمه نادته، والنبي تعطيه؟ " فقالت: أريد أن أعطيه تمراً. قال: "أما أنك لو لم تعطه شيئاً لكتبت عليك كذبة" (رواه أبو داود وأحمد). فالطفل لا يقال له خذ ثم لا يعطى شيئاً، لا يقال له سوف أعطيك كذا ثم لا ينال شيئاً، وإنما يعود الصدق في المعاملة ليتعود على الصدق هو أيضاً في معاملة أبويه وفي معاملة الناس جميعاً وهكذا.
ولقد
حرص
العلامة أحمد الخليلي في برنامجه الشهير سؤال أهل الذكر على بيان الأخلاق الفاضلة، والقيم
الرفيعة، والصفات النبيلة وأصل لها من كتاب الله وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) وظهر من خلال حديثه معالم مهمة في
علم التزكية والأخلاق.
خطورة آفة الكذب:
—
أجاب العلامة أحمد الخليلي في برنامج سؤال أهل الذكر مجموعة من الأسئلة متعلقة بآفة الكذب والأسئلة:
أ المحاور: ورد في بعض الأحاديث أن المسلم قد يكون بخيلاً وقد يكون جباناً لكنه لا يمكن أن
يكون كذاباً، لماذا استثنيت هاتان الصفتان ولم تستثن صفة الكذب؟
585
523 - 520
المرجع السابق، ص. ص
1 (1/586)
صفحة 587
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى - ائتمن الإنسان على كل جارحة من جوارحه ليسخرها في رضى الله -تعالى- أولاً، ثم لما فيه مصلحة بني جنسه ثانياً، ومن بين هذه الجوارح اللسان، واللسان أخطر الجوارح جميعاً؛ لأن اللسان قد يؤثر أثراً بالغاً، فباللسان يمكن للإنسان أن يضل أو يهدى غيره، ويمكنه باللسان أن
يموه الحقيقة ويجعل من الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً، من الغي رشداً، ومن الرشد غياً، ومن الفساد صلاحاً، ومن الصلاح فساداً، ومن الانحطاط رقياً، ومن الرقي انحطاطاً، فاللسان عندما يتسلط على شيء ما ولم
يكن صاحبه متحرياً في استعمال ما يرضي الله تبارك وتعالى - بحيث لم يكن مراقباً لله في تصرفاته وفي
أعماله لا ريب أنه يؤدي إلى خطر كبير.
وهل كان خلال الضلال وانحراف المنحرفين، وفساد الفاسدين إلا بتأثير من الألسنة الخبيثة التي انحرفت فحرفت، وضلت فأضلت، لأجل هذا جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التنبيه على خطورة ما يأتي به الإنسان من خلال نطقه، فقد قال في نصيحته لمعاذ رضي الله عنه: " ألا أخبرك بملاكِ ذلِكَ كلّهِ؟ احفظ هذا"، وأشار إلى لسانه، فقال: يا رسول الله أننا مؤاخذون بما نقول؟ قال له: " ثَكِلتك أمك يا معاذ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مناخرِهِم إِلَّا حَصائدُ ألسنتهم" (رواه الترمذي وابن ماجه). وجاء في الحديث الشريف: " ألا هل عَسَى رجلٌ مِنكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا القَومَ؛ فَيَسْقُطُ بِما أَبْعَدَ مِنَ السَّماءِ، أَلا عَسَى رجلٌ مِنكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِمَا أَصحابَهُ؛ فيسخط الله بها عليه؛ لا يرضى عنه حتى يدخله النارَ." راوه أنس بن مالك، وجاء في الحديث: " إِنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن رِضوانِ اللهِ ما يظنُّ أن تبلغ ما بلغَتْ؛ فيكتبُ اللهُ لَهُ بها رِضوانَهُ إلى يوم يلقاه، وإنَّ أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن سخط الله ما يظنُّ أن تبلغ ما بلغَتْ؛ فيكتبُ اللهُ لَهُ بها سخطَهُ إلى يوم القيامة " (رواه بلال بن الحارث المزني).
586 (1/587)
صفحة 588
فهذا كله يدل على خطورة الحديث، ولا رب أن الإنسان مأمور أن يحفظ لسانه بحيث فلا يدعه يلغ في
صل الله
أعراض الناس، ويقول الهجر في المقال، ولا يأتي بالفاسد من الحديث؛ فإنه من باب أولى أنه مأمور بأن يحفظ لسانه حتى لا يقول إلا الصدق، ولا يعبر إلا عن الصدق بالصدق، ذلك لأن الكذب يؤدي إلى انقلاب الموازين وتغير الأحوال والفساد في الأرض فمن أجل هذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ما يدل على أن المؤمن ليس من شأنه أن يكذب، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "يطبع المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب" (رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير)، وجاء أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أيكون المؤمن جباناً قال: "نعم"، قيل: أيكون بخيلاً؟ قال: "نعم"-وذلك بطبيعة مع مكابرته هذا الطبع وإنفاقه مما فرض الله تعالى عليه الإنفاق منه ولكن عندما قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: "لا" (رواه مالك في الموطأ، والبيهقي في شعب الإيمان)، فلا يمكن أن يبقى إنسان مؤمناً مع كذبه، كيف والله - تبارك وتعالى - يقول: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 105]، فالذي يفتري إنما هو الذي لا يؤمن بآيات الله، إذ الله تبارك وتعالى- يأمر بالصدق والكون مع الصادقين، ومفهوم ذلك هو التحذير حتى لا يكون مع الكاذبين، فالله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، يأمر عباده المؤمنين بأن يتقوه، وبأن يكونوا مع الصادقين، وذلك بأن بلتزموا الصدق في كل حديثهم حتى لا تنفلت ألسنتهم بقول الكذب.
الحال
ومن المعلوم أن في الكذب خطورة بالغة فإن النبي () يرشد إلى الصدق، ويبين فضله وميزته وأثره الحسن على حياة الإنسان، ويحذر من الكذب، ويبين كذلك خطورته ونذالته وأثره السيئ على حياة الإنسان، وذلك في قوله: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار،
وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" (سبق تخريجه)، فمعنى هذا أن الإنسان
587 (1/588)
صفحة 589
بتعوده الصدق وتحريه إياه والتزامه به وعدم خروجه عنه يستمر على الصدق دائماً، فيكون الصدق سجية من سجاياه، بينما هو إذا انفلت لسانه بالكذب وتعوده فإنه يتحول الكذب إلى أن يكون سجية من سجاياه، فلذلك شدد تشديداً بالغاً في الأمر، وأمر الإنسان أن يحرص على أن لا يعثر على الصدق في
كلامه.
ونحن نرى أن أهل الجاهلية وهم في جاهليتهم كانوا يربؤون بأنفسهم عن أن يسجل عليهم الكذب سواء
الوثنيون أم غيرهم، فنجد أهل الوثنية على ضلالهم - يحرصون على أن لا يعثر على الكذب
منهم،
فمثلاً
عندما كان هرقل يسأل أبا سفيان عن أحوال النبي) وكان أبو سفيان مشركاً، وكان شديد العداوة للنبي ولكن مع ذلك كان يجيبه بصدق وأمانة، وترك هرقل وراء أبي سفيان أصحابه، وقال لهم: إن كذبني فكذبوه ولكن أبو سفيان قال بأنه لم يخش أن يكذبوه، وإنما خشى أن يعثروا على كذب منه، فيتحدث
الناس عنه بأنه قد كذب مع أنه كان سيداً شريفاً في قومه، فكان يحذر أن يوصم بهذه الوصمة، هذا
مع
جاهليته ومع كونه لا يؤمن بثواب على الصدق، ولا يؤمن بعقاب على الكذب عند الله تبارك وتعالى،
ولكن يخشى سوء الأحدوثة بأن يتحدث الناس عنه بأنه قد كذب 2.
وكذلك نجد السموأل يصف نفسه بالأنفة من الكذب وهو يهودي، ولكنه كان عربياً، وبطبيعته العربية كان
حذراً من أن يتحدث عنه الحديث السيئ، فهو يقول:
إنا وإن مالت دواعي الهوى
لا نجعل الباطل حقاً ولا
نخاف أن تسفه أحلامنا
وأنصت السامع للقائل نلظ دون الحق بالباطل
فنخمل الدهر مع الخامل
1
2
المرجع السابق، ص 427.
المرجع السابق، ص 3
588
428 (1/589)
صفحة 590
فهو لا يخاف عقاباً من الله، ولكنه يخاف أن يسفه حلمه، وأن يخمل في طيات الدهر مع الخاملين بحيث
لا يذكر إلا بهذه الحالة النذلة الخسيسة، وهكذا.
ومن المعلوم أن الإنسان إذ صدق وتحرى ولم يعثر على كذب منه اطمأن الناس إلى قوله، ووثقوا بحديثه، وكان موضع ثقة حتى في أمانته؛ لأن الصدق يوعوه إلى الوفاء بالأمانة، أما إن كان كذاباً فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، ومعنى هذا أنه مع وجود الكذابين في المجتمع يصبح الناس في قلق من أمرهم لا يثقون بأحد، وقد يتحدث الإنسان وهو صادق ولكن لا يوثق به لأجل أنهم اعتادوا الكذب منه.
من أجل ذلك عندما سأل هرقل أبا سفيان عن خصال النبي كان مما سأله عنه: هل كنتم تتهمونه بكذب قط؟ قال له: لا، ولما أخذ هرقل يحلل الموقف من بعد قال: لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، أي لا يمكن أن يكون قد ترك الكذب على الناس، ومع ذلك يكذب على الله تبارك وتعالى فهذا مما يدل على أن الصدق ركيزة يلتف حولها الذين يربؤون بأنفسهم في النذالات، وهي ركيزة الطمأنينة والثقة في المجتمع بخلاف الكذب، فلذلك يؤمر الإنسان أن يكون متحرياً للصدق في جميع حديثه، وأن يكون متجنباً كله، والله -تعالى- المستعان.
المحاور: سماحة الشيخ ذكرتم في كتاب التحذير من كذبة إبريل) عندما تحدثتم عن كذبة إبريل أن هذه الكذبة انتشرت في أوساط بعض المسلمين نتيجة الضعف الفكري والثقافي والإيماني، ونتيجة الانحطاط الحضاري، وذكرتم في الوقت نفسه أن هذه الكذبة أصلها كان بسبب سقوط غرناطة، ماذا يعني هذا
بالنسبة للمسلمين؟
المسلم يطلب منه أن يكون مؤثراً لا متأثراً وقائداً لا منقاداً، وأن يكون بإسلامه يجتذب الناس إلى محاسن الإسلام، وهذا الذي كان في العهود الإسلامية المشرقة عندما كانت شمس الإسلام تتألق في سماء العالم، وكان الناس ينظرون إلى المسلمين نظرة إكبار وإجلال، في ذلك الوقت أثر الإسلام تأثيراً بالغاً حتى في
589 (1/590)
صفحة 591
أعماق أوروبا وحصل ما حصل من التغير في المفاهيم، وفي الأخلاق وفي العادات، وفي الأفكار، بل قالوا بأن حركة لوثر الإصلاحية ما كانت إلا أثراً من آثار الإسلام الحنيف وكذلك وجد في أوروبا من كان ينهى عن تعظيم التماثيل وتقديسها بل واتخاذها وعدوا ذلك وثنية، وصدرت مراسيم بهذا، وكان ذلك بتأثير الإسلام، بل قالوا بأن من بين الأساقفة الذين كانوا يحاربون التماثيل كولوديوس أسقف تورين، وقالوا بانه نشأ وتربى وترعرع في الأندلس عندما كانت مسلمة عربية فكان ذلك سبباً لاقتباسه من المسلمين هذا الكره للتماثيل نتيجة ما كان عليه المسلمون من الالتزام بدينهم الحنيف، وهكذا.
مع
وأنا أذكر هنا كلمات قلتها مراراً وقلت بأن هذه الكلمات من المفروض على المسلمين أن يعوها وأن يفهموها وأن يدركوها وهي لبلاغتها وقوة تأثيرها حقيقة بان تكتب بماء الذهب، وهذه الكلمات لم يقلها رجل تعلم أو عاش حياته في البلاد الإسلامية، بل قالها رجل درس وقضى جانباً من حياته في أوروبا، ولكن ذلك كان كما قال هو عن نفسه: اكتحلت بإثمد المدينة، فلذلك لم يعش بريق الحضارة الأوروبية بصري، وهو الشاعر محمد إقبال، وقد بين في هذه الكلمات المنهج الذي يجب أن يكون عليه المسلم، يقول: " إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري، حيث اتجه وسار، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إدارته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة
هو
والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه مقام الآمر، والناهي، وإذا تنكر له الزمان عصاه المجتمع، وانحراف عن
الجادة؛ لم يكن له أن يخضع، ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع
معه
وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القسرية والأوضاع القاهرة والاعتذار
590
المرجع السابق، ص 429.
1 (1/591)
صفحة 592
بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء، والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا
يرد.
ومعنى ذلك أن المسلم مطالب بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحرص على تحويل الناس من الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد، ومن الانحطاط إلى الرقي، وذلك ما لا يتم أبداً إلا إذا كان هو صورة إيجابية تمثل الإسلام وتجسده كما كان ذلك عند السلف الصالح، ثم لا يكون ذلك أبداً إلا مع التزامه بقيم الإسلام ومواريثه وأفكاره واعتزازه بتاريخه وتراثه، فإن ذلك مما يجعله مؤثراً لا متأثراً وقائداً لا منقاداً، أما مع كونه الإنسان يتزلزل ويتزعزع ويستجيب لكل داع، ويتأثر بكل مؤثر، ويستفزه كل ما يلوح له؛ فإن بطبيعة الحال يدعو الناس إلى عدم الثقة به حتى ولو هو إلى المكرمة أو نادى بخير وإصلاح ما دام هو نفسه بهذه الحالة.
دعا
ونحن نرى أنّ الرسول) ربى هذه الأمة على الاعتزاز بمواريثها وبأفكارها وبتاريخها وبكل قيمها وفضائلها، رباها على اعتزازها بصلتها بالله تبارك وتعالى - فلذلك كان يحذر هذه الأمة من التأثر بأي شيء مهما كان حتى في الأمور العادية، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على التزام ذلك كما جاء ذلك عنه- فقد كان من شأنه عندما يدفن ميتاً أن يقوم ويظل قائماً، ولكن بينما كان قائماً صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه قياماً، مرّ بهم أحد أحبار اليهود وقال: هكذا نصنع، فقعد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأمر أصحابه بالقعود وقال: "خالفوهم خالفوهم" رواه أبو داود والترمذي)، هذا لئلا يتأثر المسلم في سلوكه، لأن التأثر يؤدي إلى التأثر في العبادات، ويؤدي إلى التأثر في العقيدة، ويؤدي إلى التأثر في الشخصية الإسلامية بحيث تصبح شخصية مضطربة متزعزعة، ومن تقهقر خطوة واحدة تقهقر بعدها خطوات، لذلك كان المسلم مأموراً أن لا يتقهقر أبداً أمام أي تيار من التيارات، وأن يظل صامداً متمسكاً بإيمانه حريصاً على عبادته لربه، وحريصاً على تميزه في أعماله وأقواله وفي عقيدته، وتصوراته وفي عاداته وعباداته وفي سلوكه وأخلاقه، وفي مظهره
591 (1/592)
صفحة 593
ومخبره، لئلا يكون المسلم إمعة يقاد فينقاد ويدعى فيستجيب، وإنما يؤمر أن يكون هو المؤثر على الآخرين،
هكذا يجب أن يكون المسلمون جميعاً.
ع المحاور: هنالك من الناس من يمارس الكذب دون أن يشعر، أو قد لا يشعر بذلك ولكن يلتمس لنفسه عدداً من الأعذار من هذه الصور منسقو المدراء، فالمنسق دائماً ما يأمره المدير بأن يرد على المتصلين بقوله لهم؛ إن المدير ليس موجوداً يقول أنا في حيرة، إذا رفضت كلام المدير سأتعرض لمشكلة، وإذا قلت للناس كما أمرني أكون قد كذبت، فما الحكم؟
إذا كان يحجب الناس عن مصالحهم؛ فذلك غير جائز؛ لأن المدير وغيره مسؤول عن قضاء حاجات الناس التي كُلّف بقضائها في حدود مقدرته.
أما إذا كان هذا المدير يطالبه الناس بما ليس في وسعه وبما لم يكن قادراً عليه بحيث يطالبونه بالخروج عن صلاحياته وتعديها إلى صلاحيات غيره مثلاً، وكان في إخبارهم بأنه موجود إحراج، فبإمكانه أن يورّي "إن المعاريض لمندوحة عن "الكذب" رواه ابن أبي شيبه والبيهقي في السنن الكبرى؛ أي يستعمل هذه المندوحة بهذا القصد من غير أن يقصد بذلك الكذب على الناس، وهذا إذا لم يكن في ذلك مساعدة لهذا المدير على مماطلته للناس وعدم قضائه مطالبهم ومصالحهم التي نيطت به، فإن كان يطالب بما لم ينط به كما ذكرنا - فللمنسق أن يتعاون معه بهذا الأسلوب مع هذه النية الصادقة.
المحاور هل للمعاريض ضوابط معينة؟
المعاريض أن يكون الكلام محتملاً لمعنى صحيح مع قصد ذلك المعنى الصحيح الذي لم يخرج إلى الكذب،
كما يقال إن رجلاً أبصر رجلاً، فقال له أحد الناس: أتعرف هذا؟ قال له: نعم، إن له قدماً وبيتاً، يريد
بقدمه القدم الذي يطأ به، ويريد بالبيت البيت الذي يسكنه.
592 (1/593)
صفحة 594
المحاور: بعض الموظفين يتعرضون لإحراجات ربما تؤدي إلى فصلهم أو معاقبتهم أو خصم رواتبهم،
فيضطرون كما يقولون - إلى الكذب تلافياً لهذه المشكلة، فهل يجوز ذلك؟
أن لا أعرف ما هي هذه الإحراجات هل هم أساءوا وخرجوا عن طريق الحق وغشوا الجهة التي يشتغلون
فيها ويعملون بها، فذلك غير جائز لأن على المسلم ألا يكون غشاشاً، بل عليه أن يكون أميناً في أقواله أفعاله، أما إذا كان ذلك بخلاف هذا فإن للإنسان فيما هو الحق له أن يستعمل الأسلوب الذي يرضي
وفي
به الناس، وفي نفس الوقت لا يسخط الله تبارك وتعالى-.
المحاور: الناس يرغبون في أن يسلّوا عن أنفسهم وفي أن يخوضوا مع رفاقهم فرصاً للتسلية، ويستخدمون المزاح ليكون فيه تسلية فهل يجوز الكذب في المزاح؟
هذا من أخطر الخطر، فإن الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: "ويل للذي يتحدث إلى الناس ليضحكهم فيكذب ويل له ويل له" (رواه أبي داود والترمذي)؛ أي يريد أن يثير الضحك، وأن يسبّب شيئاً مما يعدونه تسلياً، ويدفعه ذلك إلى أن يكذب، توعده النبي (صلى الله عليه وسلم) بالويل، والوعيد الذي يأتي على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) إنما هو وعيد الله، إذ النبي (صلى الله عليه وسلم) لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وليس الكذب في المزاح من شأن المسلم المؤمن الذي يخشى الله تبارك وتعالى ويتقيه، لأن المسلم جاد ولا يميل إلى الهزل، وإن أتى بالنكتة أو الفكاهة في كلامه فذلك في حدود الصدق، ولا يتجاوز إلى غيره، ولا يكون كذاباً بجال من الأحوال.
المحاور: البعض يأتي بنكتة وينسبها إلى شخصية معروفة كجحا أو أبي نواس، ومن المعلوم أنه لم يقل
تلك النكتة، وإنما ينسبها إليه ثم يتبادلها مه زملائه، فما الحكم؟
كل ذلك من الكذب المحرم، وهو غير جائز.
593 (1/594)
صفحة 595
المحاور: الآباء يمارسون الكذب مع أطفالهم تخلصاً من إزعاجاتهم أو غيره، فهل يجوز ذلك؟
الكذب على الطفل أخطر من الكذب على الكبير، لأن الطفل هو كالمرآة التي تعكس كل ما يقابلها، وهو كاللوحة الصافية التي لم تنقش فتنتقش كيفما نُقشت فخلق الوالد له تأثير على الطفل، وخلق الأم له تأثير على الطفل، ولذلك عندما كانت امرأة النبي (صلى الله عليه وسلم) وكانت تدعو ولدها فقالت له: تعال أعطيك، فقال لها النبي (ماذا تريدين أن تعطيه؟ " فقالت أريد أن أعطيه تمراً، قال: "أما أنك لو لم تعطه شيئاً لكتبت عليك "كذبة رواه أبي داود وأحمد)، هذا لأن الطفل يتأثر، فهو أحرى بأن يربى تربية لا يحس فيها بأي شيء من مخالفة الأوامر الشرعية.
أما لو كان الطفل يفتح عينيه، ويجد أباه يكذب عليه، ويجد أمه تكذب عليه، فإنه يعد الكذب شطارة ومهارة، ويحرص أن يكذب عليهما كما يكذبان عليه ويحرص أيضاً أن يكذب على زملائه كما يكذب عليه، ويحرص أن يبرع في الكذب ليزداد بذلك شطارة ومهارة حتى يفوق الآخرين في ذلك، وهذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى أن يعتاد ذلك حتى يكون سجية من سجاياه، وخلقاً من أخلاقه، وهذا هو عين الانحراف عن الحق، والإنسان مسؤول عن أولاده كل مولود على الفطرة، وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" (سبق) تخريجه فكذلك هما اللذان يعوّدانه مساوئ الأخلاق ورذائل الأقوال والأفعال بحيث يجد فيهما القدوة السيئة التي تعوّده ذلك، والله -تعالى- المستعان 1.
المحاور: ما هي ضوابط الكذب في الإصلاح بين المتخاصمين؟
في الإصلاح بين المتخاصمين يجوز للإنسان أن يأتي بالكذب، إن وجد مندوحة فليستعمل المندوحة، وإن
لم يجد مندوحة فلا بأس بأن يقول لأحد الخصمين بأن فلاناً الذي هو خصمه يذكرك في غيبتك بخير، ولا
594
433 - 430
المرجع السابق، ص. ص
1 (1/595)
صفحة 596
يقول عنك إلا الخير الجميل، وهو يقدرك، وهو يحترمك ... إلخ، مما يؤدي إلى أن يستل منه السخائم والأحقاد؛ لأن هذا الكذب ليس فيه مفسدة، وإنما فيه مصلحة، ولما كان لمصلحة فلا مانع منه، لأنه لا
يعتبر غشاً ولا يقود إلا إلى التصالح والتراضي بين المتخاصمين، فلذلك أبيح في الإسلام.
المحاور: نرجو توضيح التورية معناها وحدود استعمالها وهل هي المعاريض نفسها؟
التورية أيضاً هي من المعاريض، فالتورية في الأصل أن يكون للكلام معنيان: معنى قريب، ومعنى بعيد، ويقصد المورّي المعنى البعيد، وهي تتقسم إلى تورية مرشحة وتورية مجردة، وتورية مبنية كما قال ذلك علماء البلاغة، ومن أمثلة التورية المرشحة قول الشاعر:
لولا
التطير
بالخلاف وأنه
لقضيت نخباً في جنابك خدمة
قالوا مريض لا يعود مريضا لأكون مندوباً قضى مفروضا
فإننا نجد في الشطر الثاني من البيت الثاني تورية مرشحة، إذ الأصل أن المندوب معناه القريب المفهوم
عند
الناس هو ما يقابل المفروض مما يؤمر به أي ما يكون بمعنى المأمور به أمراً لا يترتب على تركه عقاب، وإنما يترتب على فعله الثواب، هذا هو المندوب المعروف، فعلماء الأصول والفقهاء قالوا بأن الواجب هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وقالوا في المندوب بأنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، ولكن الشاعر لم بقصد هذا المعنى مع كونه قرنه بالمفروض، وفي قرنه بالمفروض ترشيح لهذه التورية حيث ذكر مع ما يناسب المعنى القريب الذي ورى به ولم يأت بالمعنى الذي ورّى عنه، فذكره المندوب مع المفروض كأنما يُوحى بأن قصده أنه مندوب شرعاً، مع أنه قصد لأكون ميتاً مندوباً يندبه أهله بعد موته، وقد أدى فرضاً عليه حيث قام بخدمتك حتى لقى حمامه في القيام بهذه الخدمة هذه هي التورية المرشحة وهي قسم من
أقسام التورية.
595 (1/596)
صفحة 597
غ المحاور: هل يجوز للكذب في سبيل الحب حينما يريد الواحد أن يستعطف إنساناً، وأن يكسب
حبّه، فيقدم نفسه أمامه بأنه يمتلك كذا وأنه يحوز على كذا حتى يبادله ذلك الشخص شيئاً
من الاحترام والمشاعر؟
هذا من التدليس على الناس على أنه ليس مقياس الفضل أن يملك الإنسان شيئاً أو لا يملك، وإنما مقياس الفضل ما يتحلى به من أخلاق، وما يكون عليه من استقامة وما يكون عليه من هدى وبصيرة في أمر
دينه
ليس مقياس الفضل أن يحرز الإنسان الدنيا بحذافيرها وإلا لكان قارون أولى بالفضل، وهذا من الأمور التي
فتن بها الناس والعياذ بالله والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المتشبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور
(رواه البخاري ومسلم)، والمقصود أن الذي يتشبع أن يدعي الشبع وهو في حالة جوع؛ أي يدعي وهو في حالة فقر؛ كمثل لابس ثوبي زور.
11
الغنى
أعين
وهب ان الغير اغتر به إلى وقت، فماذا عسى أن تكون النتيجة هي أن ينكشف أمره، ويسقط من الناس فيما بعد، لأنه كذب وادّعى زوراً بأنه يملك ويملك وهو لا يملك شيئاً، وهذا مما يؤدي إلى قلى الناس له، وإلى سخطهم عليه، وإلى عدم اعتبارهم إياه شيئاً، ونحن نرى كثيراً من الناس الآن يقعون في هذا الأمر، يريدون أن يتظاهروا بمظهر العظمة، يريد أحدهم أن يتظاهر بأنه عالم مثلاً، أو يريد أن يتظاهر بأنه غني، أو يريد أن يتظاهر بأنه صاحب جاه أو صاحب منزلة عند الناس ويريد أن يتظاهر بكذا وكذا مما ليس منه في قبيل ولا دبير، ولكن هؤلاء الذين يصنعون ذلك لا يزدادون عند الناس إلا سقوطاً، وهم بقدر ما يفعلون هذه الأمور يسقطون من أعين الناس عندما تنكشف حقيقتهم، وتتبين دخائلهم وهكذا، فقد يدعى الإنسان أنه على علم واسع، كهؤلاء الذين يحملون شهادات الزور ومع ذلك يحاولون التدليس على الناس، كل
ذلك مما يؤدي إلى سقوطهم في النهاية من أعين الناس.
596 (1/597)
صفحة 598
المحاور: وعدتُ صديقتي أن أزورها في يوم معين، فلما جاء ذلك اليوم شغلتني بعض الشواغل العائلية، فلم أقم بزيارتها الموعودة، فلما قابلتها استحييتُ منها، فاعتذرت بأن ضيوفاً قدموا عليّ فجأة، فلم أتمكن من مغادرة المنزل، فهل هذا اللون من الكذب حرام، مع أنه لا يضر صاحبتي ولا يضرني، وإنما خلّصني من مأزق حرج بلطف، ولهذا يسمونه الكذب الأبيض.
ليس هنالك كذب أبيض، بل كل الكذب هو كذب أسود، والإنسان عليه أن يتحرى الصدق، وهي السائلة كان واجباً عليها بما أنها وعدت صديقتها، وقد حصل لها ما حصل مما ثبطها عن الذهاب إليها أن تعتذر إليها في ذلك الوقت حتى لا تعطّل أعمالها وتدعها تنتظرها، كان هذا هو الواجب عليها، وما أحلى الصدق! وما أمر الكذب كيفما كانا!!
المحاور: كيف تكفر عن كذبها؟
عليها أن تصلح كل ما أفسدته بكذبها، فبذلك تكون قد كفّرت عن كذبها.
المحاور: في بعض الأحيان يجد الإنسان أنه لو نقل الخبر كاملاً لشخص معين، قد يؤثر على صحته أو قد يصدمه، فيضطر إلى أن يورّي، أو إلى أن يقول له بأنّ الرجل لم يمت مثلاً، وإنما هو مريض، أو لا زال بخير وما شابه ذلك، فهل هذا من الكذب؟
ينبغي في مثل هذا الموقف أن يستعمل الحكمة بقدر المستطاع، أو أن يتدرج في إخباره، فأولاً يخبره بأنه أصيب بوعكة، ولا ريب أنه في حياته أصيب بوعكة؛ إذ لا يمكن لأحد في حياته أن تمر حياته جميعاً من غير أن يصاب بوعكة، ثم بعد ذلك يتدرج، بحيث يقول له: إنه أصيب بمرض ثقيل، وهكذا شيئاً فشيئاً حتى يهيئه لتلقي الخبر، فهذا لا يعد كذباً، ولكن لا يقول له بأنه حيّ، وإنما يقول له: أصيب بمرض ونرجو له الخير؛ أي يُرجى له الخير عند الله لعله مات على توبة نصوح فيفوز بمغفرة الله تعالى ورحمته.
597 (1/598)
صفحة 599
المحاور الطالب في المدرسة ربما سيتعرض لو لم يكذب إلى ضرب من المدرس وربما الإنقاص في درجاته
فيكذب. فهل يصح له ذلك؟
هو
لماذا يُقصر في الواجب عليه، بل ينبغي أن يشجع الطلاب جميعاً على الحرص على أداء الواجبات المدرسية، من غير تفريط فيها، وإن كان هنالك قصور بسبب الإهمال فهم أحقاء بالعقوبة، أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك بحيث إنّ الطالب لم يقصر في شيء قط؛ ففي هذه الحالة يجوز له أن يستعمل شيئاً من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب والله تعالى أعلم.
المحاور: لي ابنة صغيرة تكذب، ومشكلتها أنها تأخذ حاجيات أخواتها دون علمهم، وتنكر أنها أخذتها إلا بعد محاولات كثيرة، كل هذا ولا أريد أن أضربها، فكيف أستطيع التعامل معها؟
ينبغي أن تُحذر من الكذب، وأن يبين لها أن الكذب يؤدي إلى سخط الله، وأن سخط الله يؤدي إلى عقابه، ويبين لها أن التزام الصدق يؤدي إلى رضا الله، وأن رضا الله يؤدي إلى ثوابه، ويبين لها خطر العقاب وعظم ثواب حتى تتشوق نفسها إلى ثواب الله وتخشى من عقابه ويجب أن تغرس فيها خشية الله -تعالى-منذ
صغرها.
المحاور: ما هي الأبعاد الخطيرة لكذبة أبريل؟
كذبة أبريل هي تقليد لغير المسلمين، فقد نشأت في الغرب عند الإسبان عندما سقطت الأندلس، وذلك باحتلال معقل من معاقل المسلمين فيها وهو غرناطة فقد سقطت في أيديهم كما قيل في أول يوم من شهر أبريل، وكان ذلك نتيجة خديعة المسلمين التي خدعهم بها أعداؤهم، بحيث حببوا إليهم الشهوات، واستطاعوا أن ينحرفوا بهم في معالي الأمور، فغرقوا في حب الشهوات، وأخذوا يعاقرون الخمر، ووصل الأمر إلى ما وصل إليه، فاستطاعوا أن ينقضوا عليهم كانقضاض السبع على فريسته، وأدى الأمر إلى سقوط هذا المعقل
598 (1/599)
صفحة 600
وهو غرناطة في أيديهم، وهو آخر معاقل المسلمين هنالك، فكان نتيجة ذلك أن احتفى الغربيون في
هذا اليوم وخصوصاً الإسبان، وكانت بداية ذلك عند الكاثوليك خاصة، ثم انتقلت هذه العادة إلى غيرهم،
كانوا يحتفلون بذلك اليوم، يلقون كلمة يسمونها خدعة أبريل، ثم تطورت بعد ذلك إلى كذبة أبريل".
والسلمون بسبب ضعفهم وهزيمتهم النفسية واغترارهم بما يشاهدونه عليه الغرب الآن من مظاهر التقدم والمدنية إلى آخره؛ انجرفوا وراء هذه العادات وملكت عليهم ألبابهم واستحسنوها أيما استحسان، وظنوا أنهم بذلك يرقون إلى درجات الكمال، ويصعدون إلى معالي الأمور، وأنهم بهذا يشاركون الغرب في تقدّمهم، هم استطاعوا أن يقلدوهم في هذه السفاسف ولم يقلدوهم في معالي الأمور فلم يحاكوهم في الابتكارات أو النظام أو الإدارة، مع أنّ النظام يعود إلى الإسلام، وأولئك اقتبسوا منه وكلّ ما كان عندهم من مظاهر الحضارة والمدنية إنما استمدوه من الإسلام، وهذا باعترافهم بألسنتهم، ومع ذلك نجد المسلمين ما استطاعوا أن يحاكوهم في مثل هذه الأعمال، وإنما اكتفوا أن يحاكوهم في الرذائل، فكانت هذه الانتكاسة الخطيرة.
ثم إن كذبة أبريل تؤثر أثراً خطيراً قد لا يصدم الإنسان أخاه أو قريبه أو أي أحد عندما يخبره كذباً بأن فاجعة ألمت به، وقد يسبب ذلك فاجعة تقع فعلاً، فقد يخبر الإنسان بموت قريبه أو نحو ذلك، وليس ذلك من الحقيقة في شيء، ويفجع ويصدم صدمة عنيفة قد تؤثر على قلبه، وقد تؤثر على عقله، وقد تؤثر أيضاً عليه عندما يسوق سيارة مثلاً قاصداً مكان الحادث المزعوم بدون وعي فيصطدم نتيجة عدم تركيزه في القيادة وعدم استجماع فكره وعقله وهكذا تنتج المصائب وتتولد الفواجع من شؤم هذا الكذب الخطير في هذا اليوم، والله تعالى المستعان.
وقد قرأنا العام الماضي بأن هنالك جماعة من فرنسا سمت نفسها الفكاهيين التائبين، بدأت بمائة رجل، ثم أخذت بعد ذلك تنمو حتى وصلت في العام الماضي إلى ستمائة شخص، وقعوا جميعاً على وثيقة بأنهم
599
437 - 434
المرجع السابق، ص. ص
1 (1/600)
صفحة 601
يترفعون عن الكذب في هذا اليوم، أي في أول يوم من أبريل، ويجعلون الكذب في ذلك اليوم من الأمور التي تنحرف بأصحابها عن النهج السليم، وأنه يجب توقي هذا الكذب على كل أحد، هكذا اهتدى أولئك إلى فضيلة الترفع عن هذه الرذيلة فاستقبحوها، فإن كان هؤلاء المبهورين بهذه السفاسف يحرصون على تقليد الغربيين ويرونهم سادة الموقف وأنهم أجدر بالتقليد والاتباع وكان لا بد من اتباعهم فليتبعوهم في هذا الأمر وهو تركهم لهذه الرذيلة، والله تعالى- المستعان 1.
سابعاً: نظام العزابة:
اشتهر في المغرب الإسلامي وتولى دور الأهل والمجتمع في العملية التربوية بعد وانهيار الدولة الرسمية وتفرغ علماء الإباضية لبناء المجتمع وفق تعاليم الإسلام، فأنشأوا نظام حلقة العزابة، ونظام العزابة هو النظام البديل عن قيام الدولة الإباضية، ولما كان الشيخ وتلاميذه يجتمعون في مكان سرّي بعيد عن المدن والتجمعات السكنية، فقد أطلق عليهم اسم هيئة العزابة ولم تلبث أن أطلقت العبارة على عدد محدود من المشايخ لهم
السلطة الكاملة على تلاميذهم وعلى بقية أفراد الإباضية في مناطقهم
2
1. العزابة:
استعملت لفظة العزابي لقباً لكل من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير، وحافظ عليها وعمل بها،
فإن جمع هذه الصفات سمي، عزابياً، وإن لم يحافظ على السير والعمل بها والمحافظة عليها، لم يسم بهذا الإسم، واعلم أن لهذا الاسم سيما انفردوا بها، وأحوالاً عرفوا بها، ولا يتفضل عليهم فيها سواهم ... وهذا الاسم مشتق من العزوب عن الشيء والبعد عنه، فاستعير لمن بعد عن الأمور الدنيوية الشاغلة
عن
الآخرة.
1
2
3
المرجع السابق، ص 3
438,
محمد عوض خليفات التربية عند الإباضية، ص 96.
الدرجيني، طبقات المشائخ، 4/ 1.
600 (1/601)
صفحة 602
وأوّل ما يبتعد عنه العزابي هو "حلق الشعر، ولا يتركه يطول والعزابة من شعارهم عدم الشعور، ومنها ألا
يلبس ثوباً مصبوغاً إلا البياض .. ويرى البعض أن لفظة "العزابة كلمة معربة عن لفظ "اعز ابن" البربرية، وتعني العزلة والانفراد 2".
وكذلك هي تعني العزلة والعزبة، والتصوف والتهجد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة والاعراض عن حظوظ الناس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإن العزابي لا يعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلا القليل، أما أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها الله في خدمة المسلمين الإباضية - دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجر يرجوه لأن أجره وحسابه على الله "3
2. هيئة العزابة:
إن هيئة العزابة هي الهيئة العليا في المجتمع، الإباضي، فهي الهيئة الشرعية الحاكمة القائمة مقام الإمامة، وهي أشبه بحكومة سرية تنتظر سنوح الفرصة لتتولى الحكم، وتمثل في زمن الظهور والدفاع مجلس الشورى للإمام
أو عامله، ومن ينوب عنه، وهي في زمن الشراء أو الكتمان تمثل الإمام وتقوم بعمله
وتتألف هيئة العزابة من أعضاء، يتراوح عددهم عشرة أعضاء، وستة عشر عضواً،
114
المدينة أو حسب حجم
البلدة أو القرية، ويتصرفون جميعهم وفق مجلس واحد يضمهم " ولهم جلسة أسبوعية معينة يلتقون فيها
511
للتدارس والتشاور واتخاذ القرارات والتوصيات ". وتتوزع مهام الهيئة العزابة على النحو التالي:
601
البرادي الجواهر المنتقاة ص 7
207
خليفات المرجع السابق، ص ص 96.
علي:
نشأة المذهب الإباضي، ص 97. يحيى معمر،
المرجع السابق، ص 97.
محمد ناصر حلقة العزابة، ص 12.
1
2
3
4
5 (1/602)
صفحة 603
شيخ العزابة ويكون أعلم أهل المدينة أو البلدة أو القرية ويمتاز بقوة الشخصية، والقدرة على
حل المشاكل، ويتولى الوعظ والإرشاد، وتبليغ إعلانات العزابة إلى العامة". ويمثل شيخ العزابة سلطة الإمام العادل في المجتمع الإباضي، "ويبقى في منصبه مدى الحياة 2". وهو في تصرفاته" مقيد بمجلس الشورى الذي لا يحق له أن يصدر رأيا قبل موافقته، ويستعين بشخص يقوم مقام المفتي 3. المستشارون وعددهم أربعة أشخاص لا يزيدون ولا ينقصون، ورأيهم ملزم للشيخ، ولا يقطع أمراً
دون موافقتهم.
الإمام، وهو
مكلف بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
المؤذن، وهو المسؤول عن تحري أوقات الصلاة والقيام بمهمة الأذان، ويصح أن يكون أحد الأربعة
المستشارين.
وكلاء الأوقاف، ويخصص عنوان للإشراف على:
أ. اصلاح وتنمية الأوقاف
ب. ضبط الواردات والصادرات
ت.
ميزانية الحلقة
ويشترط أن يكون هذان العضوان من متوسطي الحال، أي ليسا من الأغنياء المكثرين، ولا من الفقراء
المعوزين.
1
2
3
المعلمون، ويخصص ثلاثة أعضاء أو أكثر أو أقل حسب الحاجة للإشراف على:
أ.
وضع برامج التربية والتعليم
جلان عدّون، الفكر السياسي عند الإباضية، 170.
المرجع السابق، ص)
علي:
169
يحيى معمر، نشأة المذهب الإباضي، ص 103.
602 (1/603)
صفحة 604
ب. تنظيم الدراسة
ت. مراقبة التلاميذ في دور التعليم أو في الأقسام الداخلية
حقوق الموتى، ويخصص أربعة أعضاء أو خمسة للإشراف على حقوق الموتى، فيتولون الإشراف
على كافة الإجراءات الواجبة دينياً لدفنهم، ومراقبة تنفيذ وصيّتهم، وتقسيم إرثهم حسب الشريعة
الإسلامية.
3. مهام العزابة:
كانت تربية النشء المهمة الرئيسية التي أنشئت العزابة من أجلها ولكن مهام العزابة تطوّرت مع تطور العصر ومتطلباته، حيث طوّر أبو عمار عبد الكافي في القرن السادس الهجري/ الحادي عشر الميلادي مهمم العزابة 2. "وبلغ هذا النظام أوجه مع الشيخين أبي القاسم بن يحيى الدادي، والشيخ أبي القاسم بن يحيى في القرن التاسع الهجري. ". وأصبحت مهام العزابة تشمل مختلف مناحي الحياة، وهذه المهام هي:
المهام الدينية:
—
يمثل مجلس العزابة مهام الإمام، ويقوم بجميع مهامه ما عدا إقامة الحدود التي تعطلها الإباضية في الكتمان "حتى لا يستعدوا السلطات الحاكمة أو مخالفيهم ضدّهم، ويقتفي مجلس العزابة في هذا الصدد السنة التي ابتدعها رواد الحركة الإباضية الأوائل في البصرة إبان المرحلة السرية خلال القرنين الأول والثاني 4". ويتوزع أعضاء مجلس العزابة المهام الدينية في المجتمع الإباضي، وهذه المهام هي:
603
علي يحيى معمر، ر، المرجع السابق، ص. ص
ناصر،
حلقة العزابة، ص ص 31.
100 - 99
صالح بن عمر اسماوي، نظام العزابة، ص 170.
خلفيات، النظم الاجتماعية والتربوية، ص 43.
1
2
3
4 (1/604)
صفحة 605
ويقوم بالوظائف الدينية:
القاضي، ويشترط به خمس خصال فإن نقصت واحدة منهن كانت نقيصة فيه:
أن يكون عالماً بما مضى من الكتاب والسنة
ألا يرتشي
حليماً على الخصم يعني يتحلّم على الخصمين وإن تصاخبا وتشاجرا بين يديه
ألا تأخذه في الحق لومة لائم
مشاوراً لذوي الرأي والعقل والعلم.
الإمام، ويشترط فيه التقوى والصلاح والحزم والتفقه في الدين والصوت الجهوري الحسن، والسلامة
من العيوب الخلقية كفقدان البصر وغيرهما مما يعوقه عن أداء عمله بالكيفية المطلوبة، ويعيّن المجلس
له خلفية يخلفه حين تقتضي الضرورة.
- ناظر الأوقاف.
غسلة الأموات.
ولا تقتصر مهمة الوعظ والإرشاد على المسجد، بل يقوم المكلفون بالمهام الدينية بجولات الوعظ والإرشاد
في القرى " ومن هنا تبين أن الإمام والمؤذن وشيخ المسجد هم رؤساء العزابة وعمدتهم، يواظبون على أعمالهم
ولا يتخلف أحدهم إلا نادراً، وإن تخلّف أعلم نائبه ليقوم مقامه 3".
ابن سلام الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص 114.
محمد علي دبوز، أعلام الاصلاح في الجزائر، 1/ 107. وانظر: خلفيات، المرجع السابق، ص 43. دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، 1971.
604
1
2
3 (1/605)
صفحة 606
1
—
المهام الاجتماعية:
يحرص مجلس العزابة على تنظيم العلاقات الاجتماعية التي تربط بين أفراد المجتمع ولا يمكن ذلك إلا بمواكبة تطوّره ومشاكله وتطلعاته. وتغلغل مجلس العزابة في نسيج المجتمع الإباضي، وغدا العمود الفقري لكل المظاهر الاجتماعية، وتجلّت المشاركة الاجتماعية لمجلس العزابة في:
—
يتصدرون الحفلات والمناسبات ويخصص لهم مكان خاص لا يمكن أن يجلس فيه غيرهم مهما
كانت مكانته ومنزلته.
يرأسون حفلات الأعراس.
يشيّعون الميت، ويحضرون دفنه.
يختلطون بالعامة في أتراحها فيستغلون تلك الأحوال التى يكون فيها الوجدان أقوى شيء في
الإنسان، والناس مستعدون للتأثر والامتثال.
يحددون المهر والصداق مهما تكن أسرة الفتاة وجمالها، أو غني الزوج أو فقره، وليس أمام الأهل
شيء يتفقون عليه سوى تحديد يوم الزفاف.
يجهزون الأموات غسلاً وصلاة ودفناً.
يشرفون على تنفيذ وصايا الأموات وتقسيم تركاتهم بين مستحقيها.
يقومون على شؤون الأيتام والأرامل وضمان كفالتهم وتسهيل سبل الحياة.
يستعين مجلس العزابة بمجالس العشائر على جمع الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على مستحقيها.
توفيق مدني، كتاب الجزائر، ص 109، وما بعدها. وانظر: دبوز نهضة الجزائر، ص 199 وما بعدها. وفي: خليفات: المرجع السابق، ص 45. وانظر: ناصر،
حلقة العزابة، ص. ص ص 23 - 28.
605 (1/606)
صفحة 607
—
المهام الاقتصادية
يتدخل مجلس العزابة في تنظيم شؤون المجتمع ذات الطابع الاقتصادي المتمثلة في:
أ. مراقبة البيع والشراء في الأسواق.
ب محاربة الانحراف في التعامل التجاري مثل الغش والتطفيف والاستغلال والاحتكار
ت. الإشراف يومياً على عمليات الذبح والسلخ ليضمنوا سلامة الشياه صحياً، وأن الذبح تم وفق
الطريقة الشرعية الإسلامية.
وإن هذه المهام الاقتصادية هي من صلب مهام المحتسب في الإسلام، والتي يطلق عليها في المذهب
الإباضي نظام الطلبة أو حلقات العزابة 1.
—
المهام التربوية
أدرك مجلس العزابة أنّ التربية هي أهم الوسائل التي تنشئ الأجيال عقيدة وعملا، وهي من الطرق التبليغية التي تضمن الاستمرارية للمجتمع المحمدي مذهباً وسلوكاً، فتولّى المجلس الإشرافي على التعليم وتهيئة الوسائل وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطاً الأطفال لينالوا قسطاً من الدراسة، ويتعلموا جزءاً من القرآن الكريم، وما يعرفون من أمور دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت أسرة الطفل فقيرة بحيث لا تستغنى عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تموّنه به للدراسة، وجب على مجلس العزابة أن يقدم له المساعدة،
وذلك بالإنفاق عليه 3".
1
2
3
لقبال الحسبة المذهبية في بلاد الغرب ص. (ص) ص 86 - 88.
موسي
ناصر،
حلقة العزابة، ص 31.
معمر،: المرجع السابق، ص 101.
606 (1/607)
صفحة 608
4. شروط الانتساب إلى العزابة:
عضو العزابة في السلوك، وتفرّده في لباسه وخدمته المجتمعية يعود إلى الشروط الصعبة التي وضعت
لاختيار عضو العزابة مجلس العزابة يمثل نخبة المجتمع الإباضي، ويظهر ذلك من خلال الشروط التي يجب
أن تتوفر في أعضاء العزابة وهذه الشروط يوردها علي يحيى معمر على النحو التالي:
أن يكون حافظاً لكتاب الله تعالى.
أن يشهد له أساتذته بأنه حسن السلوك أثناء الدراسة محافظاً على الزي الرسمي للعزابة عندما
يدخل الحلقة 1
• أن يكون عالماً استوفى جميع مراحل الدراسة.
أن يكون أدبياً لبقاً ماهراً في تصريف الأمور.
أن يكون محباً للقراءة، وموصلاً للتعلم والتعليم.
الانصراف عن الدنيا ومشاغلها والاختلاط بالعامة بالعذر الذي لا يزري بمقامه ويذهب بهيبته.
أن يغسل جسده بماء، ويغسل قلبه بماء وسدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها النظافة المعنوية، أن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن والظاهر 2. تعود هذه الشدة في الشروط إلى أن العزابي يجب أن يكون قدوة، ومثلاً للاستقامة، والأخطاء الصغيرة التي تصدر عن غيره تعتبر منه أخطاء كبيرة، لأنه القدوة التي تحتذي في مجتمعه " وسيرته يجب أن تكون مطابقة
1
الزي الرسمي للعزابة هو البياض ولا بأس بعلم الطرفين والطراز ما لم يتفاحشا ثم ان اقتصر على عباءة أو ملحفة لم تشنه، كان أليق، وإن كان ذلك على قميص كان أكمل ولا سبيل إلى اقتصاره على قميص أو قميص دون اشتماله والتحافه وارتدائه وإن اعتم فالتحى على ما جاء من الأثر، وليس لبس العمامة يضر به، لا بأس باستغنائه عنها، وإن اقتصر على العباءة أو اللحاف غطّى رأسه وألقى الطرف الأعلى على هدب الحاشية من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، لا يلقي الهدب كله من الجانب، فإن ذلك مؤد إلى انكشاف العورة". معمر،: المرجع السابق، ص 100.
2
607 (1/608)
صفحة 609
لمثلهم القائل: إنّ متولي الناس مثل اللبن يغيره أي شيء يقع عليه. فهو مرآة مجتمعه، وعليه أن يبدأ بتأديب
نفسه، وتطبيق تعاليم الإسلام قبل تأديب وتعليم غيره.
ويراعي في اختيار أعضاء العزابة أن يكونوا ممثلين للقبائل أو الجهات التي يشتمل عليها البلد. ويعين الجديد عندما يشغر مركز في العزابة، فيدعى إلى مركز العزابة وتلقى عليه المهام والمسؤوليات التي تطلب منه، وعليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإن وافق أسندت إليه المهام المطلوبة.
5. نظام التعليم في مجالس العزابة:
أوجدت مجالس العزابة في المناطق الإباضية نظاماً تعليمياً إباضياً خاصاً بمدارسهم يتسم بالصرامة والتنظيم،
ويتجلى هذا التنظيم في الهيئات التالية:
—
الهيئة الإدارية والتعليمية:
وتتألف الهيئة الإدارية والتعليمية في المدارس التي أنشأتها مجالس العزابة من:
الشيخ: وهو شيخ العزابة أو مستنابه ويعتبر الشيخ رئيس مجلس العزابة، والمسؤول الإداري عن التعليم في
مدارس العزابة، وعن قضية التعليم وتتحد مهامه التربوية والإدارية. بما يلي:
يتولّى تعيين العرفاء وفصلهم وتحديد مهامهم.
1
2
تقرير المناهج الدراسية للطبقات العليا
من
التلاميذ
قبول التلاميذ والطلاب في الفصول الدراسية أو رفضهم. فإذا ورد على المدرسة طالب جديد وكان
"يريد الدخول في الموضع الذي قدم منه، فإن اطّلع على صلاح أحواله أذن له في الدخول لا غير،
عبد الرحمن حجازي، التربية الإسلامية، ص 394.
للتوسع في هذا المجال يمك مراجعة كتاب نشأة المذهب الإباضي لعلي يحيى معمر،
608
105 - 101 (1/609)
صفحة 610
فيكون من أهل الحلقة، له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن اطلع على نقيضه، وأحوال ذميمة طرده لا غير، وإن تعذر لبعد داره الاطلاع على الأحوال، أو اختلفت في صلاحه وفساده الأقوال توقف حتى يستبرئ ويستعلم حميدها من ذميمها، وصحيح الأقوال من سقيمها، فإن اطلع على الخير ألحقه بأهله، وإن اطلع على شر أفضاه إلى نوعه وشكله، وحكمه في مدة الاستبراء حكم المسافر عابر سبيل في نوعه، لاحظ له في المقتسم من الفتوحات والمدخرات والمعين.
يعقد الندوات الثقافية لطلبة الصفوف الدراسية العليا في وقت معلوم، حيث يقوم بطرح الموضوعات
الصعبة والمتعمقة التي يعجز غيره عن القيام بها، وله أن يكلّف غيره بإدارة هذه الندوات.
الجلوس
مع الطلبة بعد انتهاء أوقات الدروس اليومية في الصباح، أو ما
يسمى
الختمات، حيث
يقوم بالإجابة على أسئلتهم واستفساراتهم ويذاكرهم فيما حصلوه من العلوم فيستفيدون من حضر.
يجتمع بتلاميذ المدرسة مرتين في الأسبوع، حيث يلقي على التلاميذ دروساً تنحصر موضوعاتها،
في معظم الأحيان، ضمن الأمور التالية:
التحذير من عواقب الأعمال السيئة.
- الحثّ على الجد والاجتهاد والاستزادة من المعرفة.
—
إطاعة معلميهم واحترامهم
التشبث بالفضيلة والابتعاد عن الرذيلة
التمسك بالأخلاق الحميدة
يفصل في المنازعات والمشاكل التي تقع في المدرسة وقراراته غير قابلة للطعن أو المناقشة
يتصرف بأموال العزابة والأوقاف على المدرسة
لا يشترى شيء أو يباع إلا بإذنه.
609
الدرجيني: طبقات المشائخ، 1/ 173.
1 (1/610)
صفحة 611
يقسم الأرزاق بين أعضاء العزابة من العرفاء والتلاميذ.
العرفاء ويصنّف العرفاء في العزابة إلى نوعين هما:
أ. عريف منفرد، وهو عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف الطعام.
ب. عريف غير منفرد، وهم العرفاء حملة القرآن، منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم ويصححوها
عليه ويحفظوها، وعريف على أوقات الدراسة يكون واحدًا ويكون أكثر، إنما هو على قدر
الاحتياج إليه 2.
6. مهام الهيئة التعليمية:
حدد مجلس العزابة مهام العرفاء في مدارس العزابة بما يلي:
أ. عريف الختمات وأوقات النوم
يجمع عريف الختمات وأوقات النوم مهام الناظر الأول في المدرسة أثناء الدراسة النهارية، ومهام الناظر
الليلي. ويتبع
نظاماً أشبه ما يكون بالنظام العسكري في تأمين سير العمل التربوي في المدرسة، فكل مخالفة
يقوم بها الطلاب، أو عدم الالتزام بنظام المدرسة يعرضهم للعقوبة.
وعمل عريف الختمات وأوقات النوم محدد وواضح ومفصل بطريقة تجعل العمل ينتظم دون لبس أو إشكال.
وهو "أقوى شخصية بعد الشيخ وأهم عنصر في التربية 3". ويشرف عريف الختمات وأوقات النوم على
الأمور التالية:
1
الدرجيني: طبقات المشايخ 1721. وانظر: خليفات المرجع السابق، ص. ص 961 - 962.
139 - 138
وراجع: معمر، المرجع السابق، ص. ص البرادي، الجواهر المنتقاه ص 208. وفي: باجيه صالح، الإباضية بالجريد، ص 223.
2
3
معمر، المرجع السابق، ص 140.
610 (1/611)
صفحة 612
1. إعلان بدء الدراسة الصباحية حيث يتعلق به ارتصاد حزب الغد، وفي المجلس الذي تكون فيه المذاكرة 1".
2. مراقبة الطلبة وقت الاستفتاح، "أي عند القيام في الثلث أو الربع الأخير من الليل لتلاوة القرآن
والدعاء، ومعاقبة من ينام منهم، أو يشتغل بغير تلاوة والدرس والمذاكرة 2".
3. إعلان انتهاء الدراسة الصباحية، فمتى "كمل الحزب من القرآن الكريم-أو كاد دعا جميع من
في المجلس إلى الختمة ويؤمنون على دعائهم، فيدعو أسنهم ويدور الدعاء"،
ويتم الدعاء على النحو التالي:
أ يتلو "أكبر" التلاميذ دعاء الختام، ويردّ بقية الطلبة".
ب. ينبغي الحضور عند الدعاء الصباحي، لأنّ "حضور هذا الدعاء الختامي 5 حتمي
116
ت. يتعرض كل من يتخلف عن الدعاء الصباحي للعقاب، لأنه "إن انقضى الدعاء وتخلف أحد الطلاب - فالخطة 7"، أي العقاب.
4
7"،
الطلاب-فالخطة 7"،
ث. يسمح للطالب المتأخر بعض الوقت بعذر مقبول، ويتعرض للعقاب إذا انقضى الدعاء ولم يحضر 8
بعد الانتهاء من الدعاء الصباحي وتناول الطلاب لطعام الغذاء يدعو الطلاب إلى "نوم الهاجرة"
ويشترط في نوم الهاجرة أو الظهيرة أن يتقيد الطلاب بما يلي:
أ. نوم الهاجرة إجباري" ولا يحق لأي واحد منهم الطلاب أن يتخلف عن نوم القيلولة ".
الدرجيني، المرجع السابق 174.1
963
خليفات المرجع السابق، ص الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 174.
خليفات، المرجع نفسه، ص 963.
5 الختمة اجتماعهم لذكر الله والدعاء عند طلوع الشمس، وعند غروبها بشيخ أو بغير شيخ، وكأنهم يختمون به عمل الليل وعمل النهار.
6 معمر، المرجع السابق، ص (ص 140.
معمر،.140
، المرجع نفسه، ص) الدرجيني، المرجع السابق، 5/ 1. الدرجيني: المرجع نفسه، 1/ 174
611 (1/612)
صفحة 613
ب. يتعرض للعقوبة أثناء فترة نوم الظهيرة كل طالب:
7. "تكلم أو تحرك بحيث يؤذي النائمين"
8. "ترك النوم ذريعة إلى امتناع القيام بالليل"
5. يدعو الطلاب بعد صلاة المغرب إلى الختمة، فيجتمعون في حلقات وأقل هذه الحلقات "ثلاثة
-طلاب-وإن كثروا فعشرة لا يجاوزونها، والوسط بين التحديدين أعدل 2". ويعاقب كل تلميذ
يتخلف عن ذلك، ويكون انتظام الحلقة كالتالي:
أ. يبدا الطلاب الجلوس في الحلقة "مبتدئين الجلوس عن يمين أكبر الطلاب سناً 3".
ب. بعد الانتهاء من الجلوس "ذكروا الله 4".
ث. يتناوب قارئان على تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم حتى صلاة العشاء
115
وينصت بقية الطلاب
إلى التلاوة.
ج. يدعو الطلاب إلى دعاء الختام بعد الانتهاء من التلاوة، ويكون الدعاء بان يتوجهوا إلى القبلة، ويدعو
116
الطالبان اللذان تلوا القرآن ويؤمن من خلفهم. ثم يقومون إلى صلاة العشاء.
ح. يترك الطلاب بعد صلاة العشاء في مذاكرة حرة مدة ليست طويلة.
خ. يدعو الطلاب بعد الاستراحة إلى الختمة فيجلس الطلاب ويقرأون من القرآن الكريم ما يسر الله، والقراءة
في ختمة العشاء
هي
أن يقرأ أحدهم في كتاب الله وبعد القراءة يدعو القارئ بدعاء خفيف، ثم يلقي
أفصح الطلاب كلمة مناسبة في التوجيه كتوجيه بعد كفاح يوم كامل ويستحسن أن تستوحي تلك
612
الدرجيني: المرجع السابق، 1/ 174
الدرجيني: المرجع نفسه، 1/ 174. خليفات المرجع السابق، ص 3 ص 963.
الدرجيني، المرجع السابق 174.1
خلفيات، المرجع نفسه، ص 963. الدرجيني، المرجع السابق 174.1
1
2 (1/613)
صفحة 614
الكلمة من الآيات التي سبق أن قرئت .. ويتوجه الطلبة بعد الدعاء إلى النوم، ويشترط اتباع القواعد التالية
عند النوم:
أن "لا يحق لأحد من الطلبة المبتدئين التأخر عن الذهاب إلى النوم في الوقت المحدد 2".
ب. يعاقب كل تلميذ "تكلم أو تحرك 3" لأن كلامه يؤثر على راحة الآخرين، وحركته تحدث الضوضاء، فتمنع
الآخرين من النوم.
ت. يسمح العريف لبعض الطلاب في المرحلة النهائية من الدراسة بالاستمرار في الدرس والمذاكرة، في مطالعة كتاب بعيداً عن النائمين .. شريطة ألا تؤثر دراستهم على راحة الطلبة النائمين، وأن لا تعيقهم الدراسة
عن "القيام في آخر الليل للاشتراك في القرآن وقت الاستفتاح
115
ث. عريف الطعام وهو الناظر المشرف على "أوقات الطعام، له حدود يقف عندها وأشياء
فيها " متسع
وتتلخص مهام عريف الطعام بالأمور التالية:
1. يتولى تنظيم جلوس الطلاب عند الأكل داخل أماكن الدراسة وخارجها، ويقصد بخارج أماكن
الدراسة إذا كانوا في رحلة مدرسية أو استضافهم أحد الناس 7 ".
2. يتفقد، بعد جلوس الطلاب، الغائبين
منهم، ويسأل عنهم، "فإن غاب أحدهم لعذر ذكرهم بأن
يستوصوا به، وإن كان في غير عذر فالخطة 8".
3. يتأكد من حضور الطلاب إلى الأكل باللباس الكامل وهو الزي الخاص بهم
معمر، المرجع السابق، ص)
140
خليفات، المرجع السابق، ص 964. الدرجيني، المرجع السابق، 1/ 174.
الدرجيني: المرجع نفسه، ص 175. 5 خليفات، المرجع السابق، ص 964.
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 175.
معمر، ر، المرجع السابق، ص. س 141. الدرجيني، المرجع السابق، ص 175.
9
معمر، المرجع السابق، ص 141.
613
119 (1/614)
صفحة 615
4. يبدأ الطلاب تناول الطعام ملتزمين بالقواعد السلوكية التالية:
أ. آداب الطعام قبل الأكل وهي سبعة:
9 معرفة الطعام أنه طيب وذلك فريضة لقوله تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [البقرة: 168] لأنه قيل إذا كان حراماً شاركه الشيطان في أكله، لقوله تعالى: وَشَارِكْهُمْ فِي
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الإسراء: 64].
غسل اليدين للنظافة لقوله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر،
وبعده ينفي اللمم 3).
الجلوس على الأيسر، ونصب الرجل اليمنى اقتداء برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان يقول (لا
آكل متكئاً أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد).
انتظار الحار حتى يبرد لقوله صلى الله عليه وسلم (دعوا الحار حتى يبرد فإنه غير ذي
بركة).
عقد النية للأكل، وهو أن ينوي بها التقوى على طاعة الله تعالى، ولا يقصد
التلذذ
به
والتنعم.
ألا يحقر الطعام، ولكن يرضى به، ولا ينتظر الأدام لأن ذلك من كرامة الخبز.
10
11
12
13
14
سورة البقرة، الآية 168.
سورة الإسراء، الآية 64.
3 أخرجه الطبراني في الأوسط، 150/ 2 (الوضوء قبل الطعام وبعده ينفي الفقر، وهو من سنن المرسلين، وأورده الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير، وقال موضوع. وانظر: نور الدين الحافظ الهيثمي، مجمع البحرين في زوائد المعجمين، المعجم الأوسط والمعجم الصغير للطبراني، 67/ 7، تحقيق ودراسة عبد القدوس بن محمد، الرياض، مكتبة الرشد، 1992. وانظر الألباني، محمد ناصر الدين: ضعيف الجامع الصغير، بيروت، المكتب الإسلامي، 1990.
4 أخرجه البخاري (لا) آكل وأنا متكئ)، رقم 5399، وإني لا اكل متكئاً)، رقم 5398. وانظر: صحيح البخاري، 3/ 435.
5 أخرجه الطبراني في الأوسط، 842 (ابردوا الطعام، فإنه حارّ غير ذي بركة). وقد ضعفه أبو حاتم (انظر: الهيثمي: كتاب مجمع البحرين في زوائد المجمعين، 7/
614
57 - 56 (1/615)
صفحة 616
15. أن يجتهد على تكثير الأيدي على الطعام، كما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "اجتمعوا على
طعامكم يبارك لكم فيه؟
ت. آداب الأكل وهي عشرة:
"1
1. التسمية: في أوله والحمد له في آخره لقوله صلى الله عليه وسلم اذكروا اسم الله على الطعام).
2. الأكل باليمين لنهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الأكل والاعطاء والأخذ بالشمال وقال: (إن الشيطان يأكل
ويأخذ ويعطى بشماله).
3. الأكل بثلاثة أصابع، وربما استعان بالرابعة، لا يأكل بأصبعين.
4. تصغير اللقمة وتجويد مضغها، وما لم يبتلعها لا يمد اليد إلى الأخرى، فإن ذلك من العجلة في
الأكل، ولا يذم مأكولاً كائناً ما كان لما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) (ما ذمّ طعاماً قط، إن أعجبه
أكله، وإن كرهه تركه).
5. الأكل مما يليه إلا في، الفاكهة فإن له أن يجيل يده، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (كل مما يليك). 6. ألا يأكل من ذروة القصعة، ولا من وسطها لأنه موضع البركة، وإذا فرغ الطعام، ولم يبق إلا ذروة
القصعة فليأكلها.
1 أخرجه أ داوود، 1392، على النحو التالي: اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه من طريق الوليد بن مسلم. (انظر، الألباني، محمد ناصر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها 272.2 وانظر: الجيطالي، قواعد الإسلام، 2/ 254، صححه وعلق عليه بكلي عبد الرحمن بن عمر غرداية (الجزائر)، المطبعة العربية، 1976.
،
2 أخرجه الطبراني في الأوسط، 16/ 1 (اذكروا اسم الله وليأكل كل امرئ مما يليه وقال الهيثمي في المجمع (265 - 27، وفيه أن اهيه وحديثه وبقية رجاله رجال الصحيح. (انظر الهيثمي: كـ كتاب مجمع البحرين في زوائد المجمعين، 62/ 7 - 63). أخرج الطبراني في الأوسط، 1/ 19 من أكل بشماله أكل. معه شيطان، ومن شرب بشماله شرب معه شيطان)، أخرجه أحمد، 6/ 77. وفي: الهيثمي، المجمع، 25/ 5. وفي اسناده أحمد بن رشدين ابن سعد، وهو ضعيف. (انظر: الهيثمي، مجمع البحرين في زوائد المجمعين، 63/ 7). 4 أخرجه البخاري ما عاب النبي طعاماً قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، صحيح البخاري، رقم 5409، 3/ 437.
3
5 أخرجه البخاري والترمذي (يا) غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، صحيح البخاري رقم 5377، 431/ 3. وفي: الترمذي، الجامع الصحيح، رقم
615
590/ 4.2380 (1/616)
صفحة 617
7. ألا يقشر وجه الطعام، ولا يحفر فيه ليجمع إليه الأدام دون القوم لنهي
والقشار والدوار وهو الذي يأكل يميناً وشمالاً.
النبي
) عن الحفار
8. أن يرفع الطعام إذا وقع من يده وليأكله لقوم النبي () (إذا وقعت لقمة أحدكم فيأخذها
وليمط ما كان عليها من أذى وليأكلها، ولا يذرها للشيطان 2.
9 ألا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها لعقاً جيداً كما روي أنه عليه السلام يلعق أصابعه (إذا أكل
10
أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلْعقها أو يُلْعقها).
أن يبدأ بالملح ويختم به لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (اجعلوا الملح أوّل طعامكم فإن منه شفاء من
اثنين وسبعين داء منها الجنون والجذام والبرص ووجع الأضراس والحلق والبطن).
ت. آداب آخر الطعام، وهي ستة
1. أن يمسك قبل الشبع إلاّ أن يريد التقوى على الصوم فلا بأس وفي الحديث (ما ملأ ابن آدم شراً
من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، وإن لم يكن يفعل فثلث للطعام، وثلث للشراب،
وثلث للنفس 5).
2. أن يعلق القصعة ببعض أصابعه ويغسلها بالماء ثم يشرب.
3. أن يلتقط فتات الطعام.
4. أن يخلل أضراسه ولا يبتلع ما يخرج من بين أسنانه بالخلال ولكن يرميه، أما ما يجتمع في أصول
أسنانه فأخرجه اللسان فلا يرميه وليمضمض بعد الخلال.
1
حديث نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الحفار، والقشار والدوار وهو الذي يأكل يميناً وشمالاً. لم أجد له أثراً صحيحاً قط.
2 أخرجه مسلم في صحيحه، ج 3، ص 1606، في كتاب الأشربة، إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها
للشيطان).
3 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 5456، 4/ 1752.
4
حديث اجعلوا الملح أول طعامكم فغن منه شفاء من اثنين وسبعين داء منها الجنون والجذام والبرص ووجع الأضراس والحلق والبطن، حديث موضوع. انظر: الذهبي: ترتيب الموضوعات لابن الجوزي رقم 710، ص 210. وانظر: الجيطالي، قواعد الإسلام، 2/ 255 - 258 5 أخرجه الترمذي في سننه، رقم 2380، 4/ 590.
616 (1/617)
صفحة 618
5. أن يشكر الله تعالى على ما أطعمه قال تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة: 172].
6. الدعاء بالبركة لقوله صلى الله عليه وسلم (ادعوا في طعامكم بالبركة يبارك لكم). ويقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا من المسلمين يا كافي كلّ شيء ولا يكفي شيء، أطعمت من جوع، وآمنت من خوف، فلك الحمد، آويت من يتم وهديت من ضلالة، واغنيت من عيلة، فلك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما أنت أهله، اللهم كما أطعمتنا طيباً فاستعملنا صالحا،
واجعله عوناً لنا على طاعتك، ونعوذ بك أن نستعين به على معاصيك 3.
7. يراقب سلوك الطلاب ومدى تطبيقهم لآداب الطعام " فمن أكل بنهم أو أكل ذي كبر عليه، في غير ذلك الموضع ونهى وقبح وحذر أن يعود فإن عاد فالخطة". ويلفت نظر التلاميذ إلى ضرورة التقيد بآداب الطعام بعيداً عن أعين الطلاب، ويجعل الطالب يتقبل النصيحة، ويبعده عن سخرية التلاميذ، وخاصة إذا كانت ملاحظة العريف هي الملاحظة الأولى.
8. لا يتشدد العريف مع الطلاب،،، أثناء الطعام، فلا يتحفظ الطلاب أثناء الطعام، بل "يميلون إلى
ضرب من الدلال، وينبسطون بعض الانبساط ويحسنون الظن، ولا يحتشون في اقتراح طيب الطعام أو زيادة الأدام أو نحو ذلك 5".
وتكون هذه الحرية، أثناء الطعام في مكان الدراسة، أما أذا كان الطعام خارج مكان الدراسة كأن يكونوا في نزهة، أو دعوا إلى مأدبة خارج مكان الدراسة، فإنهم يتقيدون تقيداً تاماً بآداب الطعام، يوجه إليهم
1
سورة البقرة، الآية 172
2
الحديث الذي ورد في هذا الخصوص هو (اجتمعوا على طعامكم واذكروا الله تعالى عليه يبارك لكم فيه أخرجه أبو داوود، 1392، وابن ماجه، 2/ 37. وانظر: الحاكم، 103/ 2. (انظر، الألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الصحيحة، 2/ 272). 3 الجيطالي: قواعد الإسلام، 2/ 267 - 268.
4
5
الدرجيني، المرجع السابق، 1/ 175.
الدرجيني: المرجع السابق، ص 175.
617 (1/618)
صفحة 619
العريف الملاحظات مباشرة أثناء الطعام، ولكن في أسلوب مبتكر متعارف عليه، بأن يتلفظ بألفاظ يفهم
منها التلاميذ أن يحسنوا آدابهم وأخلاقهم مثل أن يقول "حسان وربما قال حسان بن ثابت أي أحسنوا
آدابكم، وهي كلمة يقولونها مهما دخل فيهم من غير الصنف تحذيراً أن يطلع على ما ينتقد منهم
"1
9. يعلن العريف انتهاء الطعام، بعد أن يتأكد أنهم انتهوا من تناول طعامهم وإن "وجد منهم من يده
في الطعام انتظره حتى يقضوا حاجتهم". ولا يحق للطالب إن أنهى طعامه، أن يقوم من مكانه أو الانصراف" إلا إذا أعلن العريف ذلك.3".
يشرف على "توزيع الهدايا التي يتصدق بها الأغنياء المحسنون". وعلى تنظيم وجبتي
10
الطعام الرئيسيتين وهما وجبة الفطور ووجبة المساء والوجبتين الإضافيتين:
أ. وجبة الضحى: وميعادها "وقت الضحى بعد استكمال اكتئاب الألواح
115
ب. وجبة العصر: وميعادها "بعد الصلاة بقدر ما يقرأ فيه قارئ اللوح مرة أو مرتين
116
والطعام الذي يقدم يومياً في هاتين الوجبتين هما "التمر والفاكهة في أوقاتها فترتيب ذلك أيضاً إلى
العريف". ويقدم الطعام في الوجبات الإضافية بطريقة مبتكرة مفيدة، تقوم على ما يلي:
1. يقف الطلاب الحلقة بشكل دائري، وينظم حلقتهم "عريف يكون أسهم أو أنبههم، لا تعدو
618
عرافته تلك الحال 8".
الدرجيني: المرجع نفسه، ص 175.
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 175.
خليفات، المرجع السابق، ص 964.
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 175.
خليفات المرجع نفسه، ص
964
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 176.
الدرجيني، المرجع السابق 176.1 الدرجيني، المرجع نفسه، 176/ 1. (1/619)
صفحة 620
2. يطرح العريف قبل تقديم الفاكهة ثلاث مسائل في أي فن كان ثم كذلك ميامنة حتى يتم الدور،
"فمن أجاب على الأسئلة، أكل، ومن تأخر فلا إثم عليه، فإنما ذلك على الاختيار ".
3 لا يأكل الطالب فاكهته، إلا بعد أن ينال جميع طلاب الحلقة حصتهم، تأديباً وتحريضاً على
تحصيل الفوائد 2". ولتلاميذ الكتاتيب ودار التلاميذ " وقف من التمر يأخذونه مرة في اليوم كغذاء يزود به التلاميذ 13
واللافت في وجبات الطعام أن وجبة الصباح، مفقودة، وذلك أن الطلاب ينهضون من النوم لتحصيل الدرس ويتلقون طعاماً خفيفاً وقت الضحى، ثم الوجبة الأساسية عند الظهر، وبعدها استراحة الظهر، ثم الوجبة الإضافية الثانية فالعشاء، وتقدم وجبة نافلة إلى الطلاب لمن يكون " به شوق إلى تلك النافلة". وتراعي هذه الوجبات، من حيث تقديمها الناحية الصحية، فالمعدة لا تكون في خواء كامل، وإن لم تذكر لنا المصادر أنواع الأطعمة التي كانت تقدم، إلا أننا نستشف من الوجبات الإضافية القائمة على التمر والفاكهة، أنها تراعي الناحية الصحية الغذائية للطلاب.
عريف تحفيظ القرآن الكريم:
هو المعلم المكلف بتحفيظ القرآن الكريم للطلاب، وما دامت هذه هي مهامه فيشترط فيه أن "يكون حافظاً لكتاب الله حفظاً عارفاً برسم المصحف 5". ويقتضي الحفظ أن يكون محكماً لتلاوة القرآن الكريم، عالماً بتفسير معانيه ضليعاً في اللغة العربية وفنونها وتكون مهمته في الأمور التالية:
619
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 176.
الدرجيني: المرجع نفسه، 1/ 176.
دبوز، المرجع السابق، 1/ 228 الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 176 - 177.
الدرجيني، المرجع السابق، ص 7 ص 177.
1
2
3
4
5 (1/620)
صفحة 621
1. الإشراف على عدد من التلاميذ "أكثرهم عشرة، وأقلهم اثنين، وهذا بحسب الاختيار ". وقد يزيد
عدد الطلاب أو يقل للضرورة " فلا حدّ لكثرتهم ولا لقلّتهم 12
2. يتبع في تدريس القرآن الكريم لتلاميذه الخطوات التالية:
أ. يملي على التلاميذ الآيات التي يكتبونها في ألواحهم.
ب. يصحح للتلاميذ الألواح، بعد أن يخبره النقيب العريف على التلاميذ أن الألواح التي جفت.
ف. يطلب منهم حفظ ما كتبوه غيباً لليوم التالي.
ق. يحث النقيب زملاءه الطلبة على الحفظ ويجمعهم في اليوم التالي، ويشترط في النقيب أن يكون
"ممن يتوسم منهم الفطنة والذكاء والاجتهاد، ويقوم النقيب بجمع الطلبة في الأماكن المخصصة
للتدريس في الأوقات المحددة، وعندما يتكامل عدد التلاميذ يستدعي العريف ليبدأ دروسه اليومية 4.
ك. يفتتح العريف الدرس على النحو التالي:
16
17
يستأذنه النقيب في حفظ ما كتب أمس.
يسمع كل تلميذ ميامنه ما كتبه بالأمس.
18 لا يبدأ العريف التسميع للطلبة إلا بعد أن يخبره النقيب أن كل التلاميذ قد حفظوا
واجباتهم، وتأكد من ذلك.
19
20
يستأذن التلاميذ، العريف بعد تسميع ما كتبوه فيملي عليهم.
يضع تقريراً مفصلاً عن كل تلميذ وعن الحالات المستعصية التي لا يمكنه حلها إلا
الشيخ عند الاجتماع به أسبوعياً.
الدرجيني، المرجع السابق، 1/ 177.
الدرجيني: المرجع نفسه، ص 177
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 177. وانظر: معمر، المرجع السابق، ص 144.
الدرجيني، المرجع نفسه، 1/ 177.
ر، المرجع السابق، ص 144. معمر،
620 (1/621)
صفحة 622
21
يعاقب العريف التلاميذ المقصرين في دروسهم، والذين لا يحفظون دروسهم جيداً، وتتدرج
العقوبات على النحو التالي:
له
أ. يتجاوز العريف عن التلميذ الصغير المبتدئ إذا أخطأ خمسة أخطاء، وإذا كان كبيراً فيسمح بثلاثة أخطاء، وإن كان التلميذ معيداً فلا يسمح له إلا بخطأة واحدة. ومن زادت أخطاؤه عن
المسموح به فإنه يتعرض للعقوبات التالية:
22
23
24
25
إذا كان التلميذ صغيراً يعاقب بالوقوف في الزاوية والجلد.
إذا كان كبيراً فإنه يعاقب بالطرد.
لا يطبق العقاب الجسدي إلا بعد التوبيخ وتنبيهه إلى ضرورة الحفظ.
إن كان التلميذ لا يحفظ جيداً لحب البطالة وترك المدرسة، يعزّز إذا كان ذكياً فهماً، وإن
كان ضعف حفظه لعله في فهمه وضيق باعه. وإن كان ذلك الأمر سماوياً عذره وأمره
بالإعادة 2.
عريف أوقات الدراسة:
يمثل عريف أوقات الدراسة، في المفهوم الحديث الناظر الذي يراقب التلاميذ أثناء حفظهم، حتى لا يضيعوا الوقت سدى، أو ينصرفوا إلى اللعب واللهو أثناء الوقت المخصص لحفظ واجباتهم الدراسية، "وعريف أوقات
الدراسة يكون واحداً ويكون أكثر، إنما هو على قدر الاحتياج إليه". وتتخلص مهامه في:
1
شرعت التربية الإسلامية التأديب الجسدي. لكنها جعلت الرفق هو الأساس، وحددت أماكن الضرب باللوايا والأفخاذ وأسافل القدمين لأن هذه المواضع لا يخشى منها مرض ولا غائلة ولا يجوز ضرب رأس الصبي ولا وجهه. ولم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يأمر بالجلد، ولم يأمر به أحد من علماء التربية للمسلمين. انظر: ابن سحنون، آداب المعلمين ص. ص 100 - 101. وفي: ابن نصر عبد الرحمن: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، نشر الباز العربيني، القاهرة، مطبعة التأليف والترجمة والنشر 1946).
2
الدرجيني، المرجع السابق، 172/ 1 - 178. وفي: خليفات، المرجع السابق، ص 963.
3
البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 208.
621 (1/622)
صفحة 623
1. يتفقد أصحاب الألواح بين الظهر والعصر، ويعاقب الطلبة الذين لا يحملون ألواحهم للدرس إلاّ
بعذر.
2. يشرف على انتظام الطلبة في الحلقات الدراسية، ويسجل أسماء الطلبة الغائبين أو المتأخرين.
3 يتولى عقاب كل تلميذ إذا:
أ. تأخر في الحضور إلى حلقة الدرس دون عذر شرعي.
ب. اشتغل بما يلهيه عن
الدرس.
ج. تأخر في النهوض من النوم وقت الاستفتاح لغير عذر.
ح غاب عن صلاة الجماعة والعصر عن الحضور لاستماع قراءة كتاب الوعظ.
خ. تناول الطعام اختياراً في غير الأوقات المحددة للأكل.
—
سير العمل الدراسي اليومي:
يبدو من سير العمل اليومي في مدراس العزابة التنظيم الدقيق في عمل العرفاء، فلا تداخل في مهماتهم،
ولكل واحد منهم مهام مخصوصة يقوم بها. وإذا أردنا تنظيم الجدول الدراسي اليومي في مدارس العزابة، فإن
هذا الجدول يكون على النحو التالي:
26
الاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل أو الربع الأخير أو في الوقت الذي يحدده شيخ
العزابة لتأدية دعاء الاستفتاح، ثم يتوضؤون، ويأخذون في تلاوة القرآن الكريم، مع الشيخ
أو فرادى حتى آذان الفجر، ويختمون تلاوتهم بالاستغفار والدعاء.
1
انظر: الدرجيني: المرجع السابق، 172/ 1 - 178. وفي البرادي، المرجع السابق، 208. وانظر: خليفات المرجع السابق. وراجع: معمر، المرجع السابق، ص 144.
ص
966 - 963
2
يذكر محمد علي دبوز بأن دعاء الاستفتاح هو على النحو التالي: سلام على ملائكة الله وعلى أنبيائه، وعلى رسله وعلى أوليائه وعلينا معهم السلام أجمعين، السلام على الملائكة الكرام الحافظين البررة الكاتبين الذين يكتبون أعمالنا ويحصون آجالنا. استفتحنا بذكر الله وآياته، وهو خير الفاتحين.
622 (1/623)
صفحة 624
يؤدي الجميع صلاة الفجر جماعة في المسجد.
يبدأون دروسهم اليومية والمعتادة، حيث يجتمع الطلبة في صفوفهم المختلفة، ويتفقدهم
النقباء، ويكون كل نقيب مسؤول عن مجموعة 1.
يجلس الطلبة في صفوفهم على هيئة حلقة غير مستندين إلى شيء ولا مكثرين من الحركة
والالتفات، أو ما شابه ذلك بل يبقون محدقين بالألواح المسندة إلى الأساطين، وعليهم أن
يكونوا محتشمي اللباس بحيث لا يظهر من أجسادهم شيء.
عندما يتكامل عددهم يقوم النقيب باستدعاء العريف الذي يأتي إلى الصف، يبدأ بإلقاء دروسه أو محاضراته.
يبدأ العريف دروسه باختبار الطلبة فيما حفظوه مما أخذوه أو كتبوه في اليوم السابق،
ويملي عليهم بعد ذلك ما يجب حفظه لليوم التالي، ويعاقب كل من يقصر في واجبه.
27
28
29
30
31
اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك وأنبيائك ورسلك وجميع خلقك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمد عبدك ورسولك، وأن ما جاء به الحق من عندك. ربي ارحمني بترك المعاصي كلها وارحمني ما أبقيتني وارحمني إذا توفيتني، وارحمني بترك ما لا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، وارزق قلبي حفظ كتابك كما علمتني، واجعلني أتلوه على النحو الذي تحبه ويرضيك عني، نوّر به بصري، وأطلق به لساني واستعمل به بدني في طاعتك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين.
أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربي أن يحضروني، أصبحت مرتهنا بكسبي، ولا فقير أفقرني، لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة من الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون من الله أصبحنا بالله وأمسينا بالله وبالله نحيا ونموت وإليه النشور.
اللهم اجعلنا من أفضل عبادك نصيباً في كل خير تقسمه، ونور تهدى به ورزق تبسطه، ودفع بلاء تدفعه، وصرف شر تصرفه.
اللهم أنزل علينا رحمتك، وانشر فينا بركاتك، وأتم علينا نعمتك، وألبسنا عافيتك، وأعذنا من النار ومن الشيطان الرجيم واهدنا إلى الحق، وإلى طريقك المستقيم، ونجنا من النار، ومن. عذاب الجحيم، وأدخلنا برحمتك جنة النعيم يا أرحم الراحمين. راجع دبوز، أعلام الاصلاح في الجزائر، 3/ 157 - 158. ويذكر محمد بن يوسف اطفيش أن دعاء الاستفتاح هو: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما جاء به من حق من عند ربه، أشهد أن الدين كما شرع وأن الإسلام كما وصف وأن القرآن كما نزل وأن القول كما حدث، وأن الله الحق المبين ذكراً الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالخير، وحياه بالسلام، استفتحنا بذكر الله وآياته، وهو خير الفاتحين.
ربنا أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين في ديننا ودنيانا وآخرتنا يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. (اطفيش، محمد بن يوسف، أساس الطاعات في جميع العبادات، ص ص 51 - 52، ليبيا، نالوت 1387 هـ، بيروت، دار لبنان، 1968).
بينما يذكر الدرجيني أنّ دعاء الاستفتاح هو أن يستعيذ ويبسمل ويقرأ فاتحة الكتاب الدرجيني، المرجع السابق، 1/ 172.
يشير محمد عوض خليفات إلى وجبة الصباح، لكننا لم نجد لها ذكراً في المصادر التي وقعت بين أيدينا، وإنما ورد ذكر لوجبة نافلة لمن هو بحاجة إلى طعام إضافي، وربما فسر محمد عوض خليفات الوجبة الإضافية بأنها وجبة الصباح.
623 (1/624)
صفحة 625
32
33
بعد انتهاء الدروس الصباحية، يقوم عريف الختمات فيجمع الطلبة لتلاوة دعاء الختمة الصباحية، معلناً بذلك انتهاء الدروس الصباحية، التي يقوم بها العرفاء.
يجتمع الطلبة إلى شيخ العزابة، حيث يلقون عليه بعض الاستفسارات ليجيب عليها، لا
تقتصر هذه الاستفسارات على موضوع معين، بل تكون شاملة للنواحي العلمية والفقهية
والاجتماعية وغيرها من المسائل التي تلفت انتباه الطلبة، وتثير فضولهم.
يبدأ الطلبة أسئلتهم الاستفسارية إما ميامنة، أي ابتداء من الشخص الجالس إلى يمين الشيخ، أو أن يقصر السؤال على من لديه مشكلة تحتاج إلى حل أو استفسار حولها، وللشيخ أن يجيب بنفسه، أو أن يحيلها إلى أحد المشايخ الآخرين ممن له معرفة واسعة في الموضوع الذي يدور حوله النقاش. وللسائل أو أحد الحاضرين حق طلب الاستزادة في التوضيح وإن من أراد القيام، فلا يقوم حتى يستأذن ممن يليه، فإن أذن له قام وإن لم يأذن له أقام.
1. إذا هم الشيخ بالقيام، ولم يستثقل من يختص به من طلبته ركع، وركع أصحابه ركعات الضحى، ويشيّعوه تكرماً له وتأنيساً به، وإن ثقل عليه ذلك، ركع وركعوا ودعوه ولم يشيّعوه.
2. يدعى الطلبة لتناول وجبة خفيفة من الفواكه والبلح ولكن هذه الوجبة مشروطة بالإجابة على ثلاثة أسئلة يطرحها العريف على كل واحد منهم، فمن أجاب إجابة صحيحة سمع له بأخذ
نصيبه، ومن لم يفعل حرم منها، ويحق لمن قصر في الإجابة أن يحاول استحضار الأجوبة الصحيحة،
الأخ
فإذا نجح في ذلك قبل انتهاء مدة الوجبة نال نصيبه وإن لم ينجح نال نصيبه في 34. يأمر عريف الختمات الطلبة بالذهاب إلى مضاجعهم ليناموا نوم الهاجرة أي القيلولة.
35
36
يستيقظ الطلبة لأداء صلاة الظهر.
يتناول الطلبة بعد أداء الصلاة، طعام الغذاء.
624 (1/625)
صفحة 626
37
38
39
تبدأ دورة الدراسة المسائية وتستمر حتى موعد صلاة العصر.
يؤدي الطلبة صلاة العصر.
يدعى الطلبة لتناول وجبة خفيفة كوجبة الضحى وبالطريقة نفسها.
40. العودة إلى المذاكرة لوقت قصير.
41
42
43
44
45
46
47
استراحة حرة حتى صلاة المغرب.
أداء صلاة المغرب.
ينادي عريف الختمات الطلاب إلى الختمة المسائية إيذاناً بانتهاء الأعمال اليومية الإلزامية.
أداء صلاة العشاء.
تناول طعام العشاء.
استراحة لمدة قصيرة.
يدعوهم عريف الختمات إلى حضور الختمة النهائية، حيث يقوم أحدهم بتلاوة آيات من
الذكر الحكيم، ودعاء الختمة ويلقي أحد الطلبة كلمة توجيهية إرشادية.
- الذهاب إلى النوم.
5. استنتاجات:
1 هل أبو عبد الله محمد بن بكر هو المؤسس للعزابة؟ لا نعتقد أن أبا عبد الله بن بكر هو المؤسس للعزابة،
وإنما هو واحد من الذين تابعوا عمل العزابة في القرن الخامس الهجري، وما أضافه محمد بن بكر هو
انظر: البرادي، المرجع السابق، ص ص 208 - 210. وانظر: الدرجيني، المرجع السابق، 1/ 179 - 180. وفي: خليفات المرجع السابق
ص. 98 (1/626)
صفحة 627
11
الانتقال بالطلبة من الدراسة في الكهوف إلى بناء خاص اشيد من كريم البنيان ما يتشبّه بها العزابة
ويتشبهون به الآن .. ونتكئ في ذلك على الأدلة التالية:
أ. أن لفظ العزابة كان معروفاً قبل محمد بن بكر قبل النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، فقد ذكر
الدرجيني
أنه كان الرجل نكاري على رجل وهبي الدينار واحد دينا، فمات الذي عليه الدين، فخلف
ابنا عزابياً، ولم يترك مالاً يورث عنه سوى شاة واحدة، فطلب النكاري دينه من ولد الميت، فقال: إنّ
غريمك لم يخلف إلا شاة فبعها وخذ منها دينك، فقال النكاري: بع أنت، وادفع لي! فقال
بيني وبينك أبو صالح فتراجعا إليه، فلما قربا من مجلسه قال النكاري للعزابي: إليه أنت وحدك، واستفته، فما
سر
أفتى به أمضيته على نفسي، ورضيته، فجاء العزابي، وعرفه ما بينه وبين صاحبه، فقال أبو صالح صدق
صاحبك، بع وادفع إليه الثمن، فقال بعض من حضره من العوام هذه إعانة للنكاري على الوهبي، فقال لهم إن الحكم لا يختلف.3".
ب. إن لفظ العزابي كان يطلق على من ابتعد عن الناس، وكان العديد من العلماء الإباضية ينصرف إلى
11 4
الجبال، ويقضي أياماً تعبديه في الغار، فقد ذكر عن أبي المنيب أنه إذا مضى إلى الغار فيه أخذ زاداً
قليلاً، فيلبث في الغار المذكور المدة الطويلة التي يفني في بعضها أضعاف ذلك الزاد، فكانت هذه حالته حتى ساء ظن امرأته، وحسبت أنه تزوج غيرها، وأن التي تزوج هي التي تقوم لطعامه، المدة التي يفنى فيها زاده، فتوجهت امرأته إلى الغار فدخلته خفية على حين غفلة، وكمنت بحيث لا يشعر بها بعلها، وراقبت
1
2
3
الدرجيني، المرجع السابق 170/ 1
أبو صالح بكر بن قاسم البراسيني (350 - 400 هـ).
الدرجيني، المرجع السابق، 2/ 355.
4 أبو المنيب محمد بن يانس (200 - 250 هـ).
626 (1/627)
صفحة 628
إلى وقت إفطاره، فلما صلّى ما شاء الله كما كان يصلي قبل تلك الليلة تحول إلى شجرة رتم أورتام وأخذ
منها فافطر عليه، وأكل منه ما اقتات به 2".
ج.
كان العلماء قبل أبي عبد الله محمد بن بكر ينفقون على طلابهم، فقد كان أبو زكريا يصرف الدنانير بالدراهم، ويجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثم يعلقها في ألواح التلامذة، وربما يجعلها في أوعية دفاترهم، وربما جعلها بين التلميذ وبين ثيابه، وهم لا يشعرون وكل ذلك رغبة في كتمان الصدقة 4.
د. لا تحدد المصادر التاريخية الإباضية تاريخاً محدداً لنشؤ العزابة، ولكن فرحات الجعبيري يذكر أن أول وثيقة عن مجلس العزابة يرجع تاريخها إلى أوّل شعبان من عام (708 هـ / 1308 م). وهذا التاريخ تؤيده الشواهد
التالية:
6. إن المدن الإباضية في وادي ميزاب اكتمل بناؤه في أواخر القرن الثامن الهجري، "وينتهي في أواخر القرن الثامن، بعد الانتهاء من بناء مدينتي مليكة وبني يزقن والتفكير في الانبعاث". وإن بناء المدن في وادي الميزاب أشبه بالثكنات العسكرية، وإن الذين يزورون" وادي ميزاب يعجبون بعمارتها الهرمية المميزة، ففي كل مدينة من مدن الوادي السبع تنبهر العين بالمئذنة الشامخة التي تكون في القمة العليا من القرية تتربع كالحارس الأمين فوق رأس الربوة، ثم تنداح هذه الدوائر الرائعة من الأبنية متماسكة تحت سمع وبصر
مئذنة المسجد.
627
رتم أورتام نوع من الشجر بذره كالعدس. الدرجيني، المرجع السابق، 2/ 299.
3 أبو زكريا فصيل بن أبي ميسور من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400 هـ).
4
5
الدرجيني، المرجع السابق، 2/ 363.
فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية في جربة، ص 90.
438
معمر، الإباضية في الجزائر، ص
1
2
6 (1/628)
صفحة 629
إنّ بعض الدارسين يعطون تفسيراً عسكرياً فيقولون إن طبيعة المنطقة وما عرفته من فتن داخلية وخارجية
اقتضت أن يكون تصميم بناء المدن على هذا الشكل".
إن المذهب الإباضي الذي دعا إلى قيام إمامة تتماشى مع كل زمن من الأزمان، وبناء المدن الشبيهة بالثكن العسكرية انعكس على النظام التربوي، الذي جاء تزاوجاً بين الفكر العسكري الإباضي الداعي إلى تربية الأجيال تربية عسكرية والفكر التربوي الداعي إلى إعداد دعاة يتميزون في سلوكهم وتربيتهم. وهذا في رأينا لا يكون إلا بعد مرحلة الاستقرار وقد بدأ الإباضية يستقرون مع بداية القرن الثامن الهجري، وصدور أول وثيقة في بداية القرن الثامن الهجري يأتي متوافقاً مع الاستمرار والتفكير في المستقبل. 7 نظام التربية في مدارس العزابة صورة عن المجتمع الإباضي، فالتربية في أساسها عملية اجتماعية، امتداد لما في المجتمع من قيم ومثل وعادات وتقاليد وألوان تقافية، وهي أداة المجتمع "في صنع
وهي
المستقبل، والملاءمة للحاضر، والتربية بعملياتها المختلفة وأساليبها المتنوعة المتعددة من صنع الزمان
وعمل المكان، ونتاج الظروف التي تحيط بالمجتمع
112
وعملت مدارس العزابة على التطبيع الاجتماعي للطلبة باكسابهم العادات والاتجاهات التي يريدها المذهب
الإباضي، وتعويد التلاميذ على التطبيق السلوكي للعادات الاجتماعية مثل الأكل والحديث والجلوس، لكي
يكون الإباضي متميزاً في المجتمع ويجذب بسلوكه غيره إلى الانخراط في مذهبه.
وتتضح
لقد طوّر الإباضية مجالس الدعوة السرية إلى نظام عزابة يتسم بالشدة، وتغلب عليه سمات النظام العسكري، هذه الصرامة في مهام عرفاء أوقات الدراسة الذين "يتفقدون أصحاب الألواح بين الظهر والعصر، فإنّ أبطأ أحدهم إبطاء لا يعذر فيه فالخطة، وإن اشتغل بما يلهيه عن قراءة لوحه، فالخطة. وبين المغرب والعشاء إن غاب أو أبطأ أو اشتغل بما يلهيه عن قراءة، لوحه فالخطة وإن قام إلى الطعام اختياراً أو نجوى،
628
ناصر، حلقة العزابة، ص 4.
عبد
الغني عبود وآخرون، فلسفة التعليم الابتدائي وتطبيقاته، ص 231.
1
2 (1/629)
صفحة 630
فالخطة. ووقت الاستفتاح إن نام أو تنام أو اشتغل بغير دراسة ولك يكن له عذر، فالخطة. وبين صلاة
الجمعة والعصر إن غاب عن الحضور لاجتماع قراءة كتاب المواعظ، فالخطة".
يتضح من سير العمل اليومي في العزابة، الذي يتسم بالصرامة والشدة، والعقاب عند كل تقصير أو تأخر، أن نمطاً معيناً وسلوكاً متبعاً يجب أن ينشأ عليهما الطلبة، ولا يترك لهم سير العمل التربوي اليومي إلا الاستراحة الحرة القصيرة في اليوم وهذه الاستراحة الحرة لا تسمح للطلبة في التعبير عن مواهبهم ورغباتهم.
ولقد نبذ المربون المسلمون الصرامة والقسوة في معاملة الصبيان والطلبة، لأن هذه الصرامة قد تصبح وسيلة لاكتساب الطفل سوء الخلق، والصبي الذي كان مرباه بالعسف والقهر ... سطا به الفهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك، وربما صارت له هذه عادة وخلقاً. ويرى ابن سينا أن حسم الداء أفضل من علاجه، ويكون ذلك بإبعاد الطفل عما يغريه بالخطأ ويجنبه مفاسد الأخلاق، وينكب عنه معايب العادات بالترهيب والترغيب والإيناس والايحاش، وبالأعراض والاقبال، وبالحمد مرّة، وبالتوبيخ أخرى.
وكان من الأفضل، أن يتخلل اليوم الدراسي بعض الألعاب، لما لها من فوائد ملموسة معروفة تتعلق بتعليم
"1
المهارات، وتنشيط الأداء العقلي، وقد بينت بعض الدراسات وجود علاقة إيجابية بين ارتفاع الذكاء والنمو الجسمي الأفضل لدى الأطفال منذ الطفولة المبكرة، وحتى نهاية المراهقة، بسبب عوامل رعايتهم كالتغذية
ابن
صالح باجيّة، الإباضية بالجريد، ص 3 خلدون، مقدمة ابن خلدون ص
228.
399
ابن سينا، السياسة (التدبير)، مجلة المشرق نشره لويس، شيخو، بيروت السنة التاسعة الاعداد 21 - 23، 1906،
ص. ص 1073 - 1074.
629
1
2
3 (1/630)
صفحة 631
وممارسة الألعاب الرياضية، ومن ناحية أخرى كشفت بعض الدراسات عن علاقة عكسية بين نقص النمو
الجسمي والتحصيل الدراسي، أي ارتباط قلة الفاعلية الجسمية بانخفاض مستوى تحصيل الطفل دراسياً".
8. أوقات الدراسة في العزابة:
لا تختلف أوقات الدراسة في مدارس العزابة عما كان سائداً من أوقات في معظم الكتاتيب الإسلامية،
وهي
" أن يلازم تعليم الصبيان بعد صلاة الصبح إلى الضحى الأعلى ثم من الظهر إلى صلاة العصر ويسرحهم بقية النهار 2". ويستنتج أحمد الأهواني توزيع المواد الدراسية اليومية في الكتاب على النحو التالي:
أ يدرس الصبيان القرآن من أول النهار في وقت مبكر حتى الضحى.
ب. يتعلمون الكتابة من الضحى إلى أول النهار.
ت. ينصرف الصبيان إلى بيوتهم لتناول الغذاء ويعودون بعد صلاة الظهر.
ث. تدرّس بقية العلوم كالنحو والعربية الشعر وأيام العرب والحساب من بعد الظهر إلى آخر النهار، وهذا
ما كان سائداً في مدارس العزابة إلا أن الطالب كان يقيم فيها.
9 أساليب الدراسة في مدارس العزابة:
لا تختلف أساليب التدريس في مدارس العزبة عن غيرها من مدارس التربية الإسلامية، حيث شاعت في الكتاتيب القراءة الجماعية، حيث يردد الصبيات آيات القرآن الكريم مضبوطة صحيحة خلف معلمهم، ويكررها المعلم عدة مرات، ومن خلفه الطلبة، حتى يحفظوها عن ظهر قلب. ويرى أغلب المربين المسلمين
1
فيولا الببلاوي، ا
الأطفال واللعب، عالم الفكر، المجلد العاشر العدد الثالث، الكويت، تشرين الأول، تشرين الثاني، وكانون الأول 1979، ص 790.
2 أحمد المغراوي، جامع جوامع الاختصار والتبيان، ص 51.
3 أحمد الأهواني، التربية في الإسلام، ص 157.
630 (1/631)
صفحة 632
أن القراءة الجهرية أفضل من غيرها في حفظ القرآن الكريم "حيث الجهر يوقد القارئ ويجمع همه، ويصرف سمعه إليه، ويزيد نشاطه، ومن هنا كانت قراءة الصبيان لأحزابهم قراءة جهرية" 1
ومن هنا كان على المعلم أن ينتبه لقراءة كل منهم ' لأن اجتماعهم في القراءة بحضرته، يخفي عليه قوي الحفظ من الضعيف 2".
وإن شعر المعلم أن بعض الصبيان يلهوا ولا يحفظ" فينبغي على المعلم أن ينظر فيما هو أصح لتعليمهم،
فيأمرهم به ويأخذ عليهم فيه"، بحيث يختبر كل " في حزبه، فيؤدبه على ما كان منه من تقصير
114
أما طريقة المناقشة التي تبيّن فهم التلميذ لكل ما يتعلم، فلا يكتب المتعلم شيئاً لا يفهمه، فإنه يورث كلالة الطبع ويذهب الفطنة ويضيع أوقاته، وينبغي أن يجتهد في الفهم عن الأستاذ بالتأمل والتفكير، وكثرة التكرار، فإنه إن قل السبق وكثر التكرار والتأمل يدرك الفهم.
إلا أن المناقشة في مدارس العزابة اتسمت بالدافعية وهي الطريقة التي عبّر عنها ابن جماعة (ت 733 هـ / 1332 م)، بما يحمل معناها من مفرادات العربيّة مثل "النية" و "الهمة" و"الرّغبة" و"المبادرة" و"جمع
القلب" وغير ذلك.
وتمثلت طريقة المناقشة بطرح ثلاثة أسئلة قبل تقديم الوجبة الإضافية، فإن استطاع الطالب الإجابة نال نصيبه، وإن لم يستطع نال نصيبه في النهاية، وهذه الطريقة في طرح الأسئلة أثناء تقديم الوجبة الإضافية، من الحلوى والفاكهة فإنها ولا شكّ تثير "الغدد اللعابية بطريق الخواص الدلالية - الإرشادية للأشياء، أو
القابسي،
عبد الغني عبود، فلسفة التعليم الابتدائي، ص) الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، ص)
220,
69
القابسي، المرجع السابق، ص)
69
برهان الإسلام الزرنوجي، تعليم المتعلم في طريق التعلم، القاهرة، مطبعة التوثيق الأدبية، د. ت، ص 17.
بدر الدين محمد بن جماعة، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلّم، ص. ص. 48 - 72. وانظر: حسن إبراهيم عبد العال، الفكر التربوي عند بدر
298
631
ص
1988
الدين بن جماعة، الرياض، مكتب التربية العربي لدول الخليج، (1/632)
صفحة 633
اقل إذا شئت أن آلية الإثارة الإشراطيّة يمكن تصوّرها بسهولة من وجهة النظر الفيزيولوجية بوصفها وظيفة
من وظائف الجملة العصبية، ففي أساس كل ارتكاس اشراطي يوجد ارتكاس غير اشراطي، ويتكوّن الارتكاس الاشراطي حيث الإثارة في نقطتين من الجملة العصبية المركزية في آن معاً ويقوم ارتباط بين هاتين النقطتين، أي أن ارتباطاً يتم بين مركزي الإثارة. وهكذا يلخص بافلوف، الدور الفيزيولوجي للقشرة الدماغية في
وظيفتين
1. وظيفة ربطيّة ازدواجية وذلك حسب الآلية الموجودة في العمل.
2 وظيفة دلالية، وذلك حسب معناها وعملية الدلالة عملية قابلة للتكيف بالنسبة للمثيرات
الخارجية 2". فهل هذا الأسلوب الذي طبقه المربون الإباضيون يدلّ على أنهم أدركوا قبل غيرهم
أهمية الإثارة في التربية؟
لا شك أن الهدف من طرح ثلاثة أسئلة أثناء تقديم الوجبة الإضافية يثير الطالب، وتتفتح آفاقه إلى الإجابة،
6
113
حتى ينال نصيبه من الفاكهة والحلوة منذ البداية، وإن كانوا يطرحون الأسئلة "تحريضاً على تحصيل الفوائد 13
فإن التحريض يعني الإثارة، لكن بما أن أهدافهم التربوية متطلعة إلى الحفاظ على تعاليم المذهب، فإنهم لم يتوسعوا في دراستهم التربوية، وكانت الفرصة مؤاتية لأن الطلبة كانوا يقيمون في مدارس العزابة بصفة دائمة.
وقد أشار الغزالي إلى النظام الدلالي الإشاري، قبل أن يتكلم عنه بافلوف حين أوضح، وذلك بقوله: "صورة" طعم الطعام تحدث في الفم جريان اللعاب، كما لو نظرت إلى من يأكل معنا فكأنك تدرك في ذوقك
1
2
3
4
إيفان بتروفتشبافلفوف (1936 - 1849)، وهو طبيب روسي كان مديراً للمختبر الفسيولوجي في معهد الطب التجريبي في مدينة بطرسبرج. فاخر: التعليم ونظرياته، بيروت، دار العلم لملايين، ط 7، 1993،
عاقل،
الدرجيني، المرجع السابق 171.1
-
ص
186
الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (450 - 505 هـ/ 1059 - 1111 م)، وقد لقب بحجة الإسلام لذوده عن حياض العقيدة الإسلامية بفكره وقلمه. وكتب في شؤون التربية في عدد من مؤلفاته التي تتضمن آراءه في التربية من أهمها "فاتحة العلوم" "أيها الولد" "ميزان العمل" "الرسالة اللدنية" ثم كتاب إحياء الدين الذي يعتبر من، أكبر كتبه في علم الكلام والفقه والأخلاق والتربية. في هذا الصدد انظر: فائز محمد علي الحاج، فائز محمد علي، أبو حامد الغزالي من أعلام التربية العربية الإسلامية، الرياض، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1409 هـ / 1989 م، 3/ 29 - 52.
632 (1/633)
صفحة 634
إحساس الحامض على لسانك، فلا فرق بين تأثير صورة الحامض الموجودة في دماغك وتأثيره بنفسه على
ذوقك لأن الانفعال الجسمي هو عينه إلا أن الصورة تكون عادة أضعف من الإدراك والإحساس".
وبذلك أوضح الغزالي بالدليل المادي على أنّ صورة الحامض المحفوظة في الدماغ والذي أدركناه بمجرد ظهور الإشارات والدلائل". وهي رؤيته دون وضعه في الفم، هو الذي أعطانا الاستجابة اللعابية الوهمية، وكذلك لو وضعنا الطعام بحدّ ذاته في الفم لأعطانا الاستجابة اللعابية نفسها، مع الاعتراف بأنّ الاستجابة لصورة شيء وشكله تكون أضعف من الاحساس والادراك للمؤثر الطبيعي وللطعام نفسه.
وهكذا يبدو أن مفهوم النظام الإرشادي واستجابة سيلان اللعاب والدور الفيزيولوجي للدماغ وتكوين السلوك الاستجابي والوسيلي عند الغزالي، كلّها دليل واضح على هذا النظام الاشتراطي الاقتراني الكامل عنده، لذا فهو بحق صاحب النظرية الأولى في الاشتراط، وسبق بها بافلوف، وغيره من علماء الاشتراط 2".
إن المفاهيم التربوية المعاصرة، والتي بينت على تصورات غير إسلامية، أثرت على مسار التربية في عالمنا الإسلامي، ولا زلنا تأخذ تصوراتنا التربوية عن مؤسسي الفكر التربوي الغربي، وجل مخططي التربية في عالمنا
العربي الإسلامي تأثروا بهذا النهج، إن كان هناك اختلاف في درجة التأثّر.
وإذا أردنا أن ننشئ أجهزة مقاومة ذاتية وجماعيّة وحصانة أمام النظم التربوية الغربية الوضعية ونزعاتها "وليست لدينا القدرة على الاجتهاد والاستنباط بما يتلاءم مع أسلافنا، بل ليس لدى البعض النية لإخراج كنوز الفكر التربوي الإسلامي، وهي كنوز، ثريّة، لكن نالها التشويه والتحريف والتزييف على أيدي المستشرقين واليهود ... يعاونهم عدد كبير من أبناء العرب والمسلمين، وقد نجم عن هذا أنّ الأمّة تنظر إلى نفسها وسواها
محمد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، القاهرة المطبعة التجارية، 1320 هـ، ص 33.
633
فائز محمد علي الحاج، المرجع السابق، ص 46.
1
2 (1/634)
صفحة 635
بعدسة صنعتها أيد أجنبيّة عنها، أجنبيّة عن عقيدتها وتاريخها عن مشاعر واداركها، عن اهتمامها بالأمور وإحساسها بالحياة وتقديرها للأشياء ".
فإنّ العودة إلى الذات لا نريد أن يفهم منها أنّها عودة إلى أن نغلق أبوابنا أمام منجزات الحضارة الغربية، ورفضها جملة وتفصيلاً، معتبرين كلّ ما يرد علينا كفرا يحرم قبوله والاستفادة منه. . وإن العودة إلى الذات تعني أن نجعل للعبادات مجالاً في منهاجنا الدراسي، وجعل مناهجنا متوافقة مع عقيدتنا 2.
1
محمد المأمون علي العقبات التربوية لتطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع الكويتي، مؤتمر تهيئة الأجواء التربوية لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، المحور الثاني،
الكويت، الديوان الأميري، د. ت، ص. ص
2
9 - 8
تطور الفكر التربوي الإباضي، ص. ص 146 - 188، وهو يبين كل ما يتعلق بنظام العزابة في هذا الكتاب.
634 (1/635)
صفحة 636
المبحث الرابع: العقائد عند الإباضية
أهدي إلى الأخوة الإباضيين من جمعية الفتح للدراسات الإباضية بعض الكتب عندما
دعوني للخطابة في
صلاة الجمعة بمسجدهم في عاصمة بلادنا الحبيبة "طرابلس" في تاريخ 2013/ 1/25 م، وكان واسطة
التواصل أخي المهندي سليمان سعيد امباباشه وكان من بين هذه الكتب كتاب الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري للدكتور مسلم بن سالم بن علي الوهيبي، وقد كتب في الإهداء:
1. إلى الذين يؤمنون بوحدة الأمة الإسلامية مهما تعددت مذاهبها.
2. إلى الذين يحترمون اجتهاد غيرهم مثلما يحترمون اجتهادهم.
3. إلى الذين يهتمون بمقاصد التشريع الكبرى التي تتفق عليها جميع المذاهب الإسلامية ويتناولون الخلافات الفرعية التي لا تفسد للود قضية. وتحدث عن أسباب اختيار موضوعه في المقدمة، ومنها:
- إن البحث في هذا الموضوع بكراً لم يطرقه طارق فيما أعلم فأردت أن اتخذ من رسالتي منبراً للتعريف بهذا الفكر الذي يعتبر جزءاً حياً نابضاً من الكيان الإسلامي.
- إن دراسة نصوص الإباضية في القرون الأولى تبين مدى صحة أو بطلان ما نسب إليها من قبل كتاب
الفرق والمقالات.
وجود هوّة بين الإباضية والمذاهب الأخرى يرجع إلى عدم المعرفة بأصولها وظروف نشأتها الأمر الذي يجعل الكتابة في أصول الإباضية من خلال تراثها الفكري في القرون الأولى أمرًا ملحًا وضروريًا لكشف ما لديها.
- تعتبر مؤلفات الإباضية في القرنين الأول والثاني الهجريين بمثابة المصادر الأساسية النظرية وبالتالي فإن استخراج الأفكار العقدية من خلال أقدم النصوص لهو أصدق من ينقض الزيف ويكمل النقص ويعطي الصورة الصحيحة للمذهب الإباضي.
635 (1/636)
صفحة 637
- دراسة الفكر العقدي عند الإباضية في القرنيين الأول والثاني الهجريين بمثابة متابعة السند الذي يوصل
هذا الفكر بالإسلام حينما يتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
- ظل كثير من تعاليم الإباضية ومؤلفاتها الأولى على صفحات المخططات حبيسة الرفوف مستقراً للغبار
ومرتعا للأرضة، تترقب لحظة الخلاص، التي تنتشلها يد حبور أمين حتى ترى النور المبين فينشر مكنونها في
العالمين.
كان هدف العلماء من تأليف سيرهم
أن يستفيد منها الأعقاب والذرية كما استفادوا هم من
أسلافهم
لذلك من المهم دراستها واستخراج ما بها من أفكار عقدية حتى يستفيد منها الأجيال الحاضرة والقادمة إن
شاء الله.
- الرغبة في امتلاك الأدوات المنهجية الضرورية على أيدي علماء أجلاء أساتذة جامعة الأزهر الشريف "حيث أن هذه الدراسة عبارة عن أطروحة دكتوراه حتى تظهر في حالة نفسية تطمئن إليها أقلام المتعلمين وأقلام الباحثين 1".
هم
لقد قدم الدكتور مسلم بن سالم بن علي الوهيبي في رسالته العلمية خدمة جليلة للباحثين واختصر مسافات الوصول للمراجع والمصادر واستخدم الباحث كل من المنهج السردي والمنهج الإحصائي، والمنهج الاستنباطي، والمنهج التحليلي. ولقد جعلت هذا الكتاب وغيره من المراجع مرجعاً لهذا البحث المتعلق
بالعقائد.
1 الفكر العقدي عند الإباضية، د. مسلم بن سالم الوهيبي ص. ص 7 - 8.
636 (1/637)
صفحة 638
أولاً: الإيمان:
قال الدكتور مسلم الوهيبي وتحديد مفهوم الإيمان اصطلاحاً ليس بالأمر الهين، لما يترتب عليه من أحكام عقدية في الدنيا والآخرة ومن هذا المنطلق نستعرض مجموعة من آثار علماء الفترة المدروسة حول الإيمان
فيما يلي:
—
روى جابر بن زيد عن النبي): إن لا إله إلا الله كلمة ألف الله بها بين قلوب المؤمنين فمن قالها وأتبعها بالعمل الصالح فهو مؤمن ومن قالها وأتبعها بالفجور فهو منافق.
وقال جابر بن زيد: يعرف إيمان الناس في أعمالهم 2.
وسئل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة.
وقال أبو أيوب: وإنما ثبت الإيمان والولاية عليهم لمن صدق في إقراره وعمل بما أقر 4.
- قال الربيع سأل رجل أبا ذر: ما الإيمان؟ فتلا عليه أبو ذر هذه الآية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ
الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
فقال الرجل: إني لم أسألك عن البر، فقال أبو ذر: إن رجلاً أتى للنبي (صلى الله عليه وسلم) فيسأله عما
سألتني
عنه فتلا عليه رسول الله هذه الآية.
1 الفكري العقدي عند الإباضية، ص 173.
2 جناوي بن فتى وآخرون من علماء القرن الثالث، ص 46.
3
4
مسند الربيع، رقم 771، 296/ 3.
السير والجوابات، سيرة أبو أيوب، 54/ 2.
5
مسند الربيع، 296/ 3، رقم 770
637 (1/638)
صفحة 639
قال أبو أيوب واضل الحضرمي: والإيمان هو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد رسول الله، وحقاً بما جاء به من الله والإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والجنة والنار وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، والأمر بالمعروف وإتيانه والنهي عن المنكر واجتنابه حيث أمر الله به ونهى عنه، كما بين الله في كتابه وأمر من عدل ذلك وحقه وأقال الصلاة بمواقيتها ... إلخ.
وأخذ يعدد الحضرمي الواجبات وإتيانها والمحرمات والانتهاء عنها، ويعد ذلك كله من الإيمان 2.
وقال أبو مودود حاجب الطائي .. ولن ينالوا ثوابهم بالإقرار إن أضاعوا العمل. وقال منير بن النيّر الجحلاني: فبالذي أبصروا من الحق واستقاموا عليه من أمر من الله من بعد البصيرة والمعرفة والتمسك بجملة الطاعة والانتهاء عن جملة المعصية ثبت لهم الإيمان ودخلوا به
الجنة.
—
—
وقال الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي من خلال تلك الآثار نستطيع أن نستخرج ما يلي:
الإيمان اصطلاحاً اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.
وقد يطلق الإيمان ويراد به التصديق كما يظهر في حديث جبريل عليه السلام وقد يطلق الإيمان ويراد به
العمل، كما يظهر في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، فقد سمى عمل
الصلاة إيمان.
638
1
السير والجوابات، 46/ 2.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 174.
3
4
المرجع السابق، ص 174.
السير والجوابات، 234/ 1. (1/639)
صفحة 640
وفي قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 1 - 4].
وحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما قال لوفد أبو القيس: أتدرون ما الإيمان؟ ففسره بالشهادتين وذكر الصلاة
والصوم والزكاة والحج.
ومن هنا يظهر أن الإيمان في الشرع له استعمالان هما 2:
- يطلق الإيمان على الاستقامة في العقيدة والاستقامة في العمل، يعني ذلك أن الإيمان يطلق على العقيدة
الصحيحة مع العمل الصالح والقول الصادق.
وبهذا التقسيم ينتفي الإشكال الذي يطرأ على النفس أحياناً، فهناك آيات من كتاب الله تعالى تدل على أن المؤمن من جمع بين العقيدة الصحيحة والعمل الصالح وآيات تدل على المؤمن من آمن بما يجب الإيمان به أي بما يجب التصديق به.
وقد جمع ابن تيمية بين هذه الآيات بقوله: إن الآيات التي يذكر فيها الإيمان من غير العمل الصالح فالإيمان فيها بمعنى القول والعمل والآيات التي يذكر فيها الإيمان مقروناً بالعمل الصالح، فالإيمان فيها بمعنى العقيدة أي التصديق بأركان الإيمان التي جاء بها حديث جبريل.
ومهما يكن من أمر فإن العمل يعد صلب الإيمان ولا ينافي ما ذكر أنه يقصد بالإيمان تارة الاعتقاد وحده
فإن الاعتقاد منشأ هو
العمل ومن
هنا كان الاقتران بينهما في كثير من الآيات والأحاديث 4.
1
مسند أحمد،
رقم
2120
2 الفكر العقيدي عند الإباضية، ص 175.
3
جواهر الإيمان للخليلي، نقلاً عن ابن تيمية ص 7.
4 الفكر العقيدي عند الإباضية، ص 176.
639 (1/640)
صفحة 641
ومن أمعن في أصول الإيمان وأركانه التي أتى بها حديث جبريل يجدها تقتضي الاستقامة في الدين بإتباع
أوامر الله واجتناب نواهيه والاقتصار على ما أباحه ومراقبة النفس مع ذلك مراقبة دقيقه لئلا تنزل عن هذا السوي، وذلك لأن الإيمان بالله وبصفاته وبأفعاله يستلزم حبه على ما أنعم ورجاء بره وفضله، وخشية
النهج
عقوبته ومكره وهي كلها حوافز إلى طاعته واجتناب معصيته والإيمان بملائكته يقتضي استشعار أعمالهم، ووظائفهم ومنها مراقبة الإنسان وتسجيل أعماله وأقواله ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18].
—
وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12]
ومن شأن ذلك التيقظ والمراقبة الدقيقة للنفس حذراً من تورطها وتسجيل السيئات عليها، وحرصاً على
الأعمال الصالحة التي ينقلب بها الملائكة إلى ربهم وهم يشهدون بها.
والإيمان بالكتب يفضي إلى إتباع هداها الانتفاع بمراشدها.
والإيمان بالرسل يؤدي إلى حسن الاقتداء وجميل التأسي بهم.
والإيمان باليوم الآخر أكبر داع إلى توطين النفي على الخير لتزوده لذلك اليوم الذي يكون فيه كل أحد
رهين عمله.
والإيمان بقضاء الله وقدره من مقتضياته تعلق النفس بالله وحده وتوطنها على ما يصيبها من مكاره الدنيا.
ومن ذلك تجد الجم الغفير من علماء السلف يقولون إن الإيمان ليس محصوراً في الاعتقاد وإنما يصدق عليه
ما يقتضيه من صادق القول وصادق العمل 2.
1
2
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 176.
المرجع نفسه، ص 176.
640 (1/641)
صفحة 642
1. علاقة العمل بالإيمان:
قال الدكتور مسلم الوهيبي: تأسيساً على ما سبق يصبح العمل جزءا لا يتجزأ من الإيمان ومما يدل على هذه الحقيقة، وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِمَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15]
:
وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمَّ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].
وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} [النور: 62].
أسلوب الحصر في مثل هذه الآيات يفيد إثبات الإيمان فمن تحلى بتلك الصفات المذكورة ونفى الإيمان عمن تخلى عنها، ومعظم هذه الصفات أعمال وكذلك قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1].
ما صفات هؤلاء المؤمنين؟ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ 5 وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ـ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ 5 الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 2 - 11] وكل هذه الصفات أعمال.
وجاءت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) مجموعة من أحاديث تثبت التلازم بين العمل والإيمان منها على سبيل المثال قوله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا
641
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 178.
1 (1/642)
صفحة 643
يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو
مؤمن.
وقوله: والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه
وقوله: الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن والحياء شعبة من الإيمان،2 وغيرها.
الطريق
واستناداً على هذه الأدلة وأمثالها اعتبرت الإباضية العمل جزء من الإيمان، بل عدوه شرط صحة في الإيمان وردوا على كل من خالفهم في هذا الأمر، مبينين وجهة نظرهم ومدافعين عمن يخطئهم ويظهر ذلك جلياً في مصنفاتهم من أبرز المؤلفات في هذا الأمر سيرة شعيب بن عطية العماني وسيرة خلف بن زياد البحراني وقد خصص الإمام الربيع في كتابه العقيدة باب بعنوان: باب الحجة على من قال الإيمان قول بلا عمل، أورد به مجموعة من الآثار تؤكد على أن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان.
-وقال جابر بن زيد: وعن نقض العمل القول كان ذلك غاية الفساد 3.
وقال حاجب الطائي: .. ... ولن ينالوا ثوابهم بالإقرار إن أضاعوا العمل.
- وقال أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي وإنما ثبت الإيمان والولاية عليهم لمن صدق في إقراره وعمل بما
أقر به.
642
مسند الربيع، رقم 983، 374.
مسلم، ك الإيمان رقم 58، 6/ 2.
رسائل الإمام جابر، رسالة رقم
10
1
2
3
4 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 179.
5
المرجع السابق، ص 179. (1/643)
صفحة 644
- وقال خلف بن زياد البحراني وهو يناقش القائلين بفصل العمل عن الإيمان واسألوهم عن الإيمان الذي
أو قول ومعه
فرضه الله على خلقه وأخذ عليه ميثاق الإسلام وأتباعه من المؤمنين، أقول كان لا عمل معه العمل؟ فإن قالوا: هو قول وعمل فذلك الحق كتاب الله تبيانه وسنن المرسلين وإن قالوا: الإيمان قول ولا عمل معه فذلك الكذب على الله فرّقوا بين القول والعمل الذي في كتاب الله وميثاقه في سنة رسول الله، ولا كذاب أكذب من كذاب فرق بجهالته بين التوحيد ومعرفة أن الله إله واحد، وبين فرض الله مع التوحيد من الصلاة والزكاة والحج وما شرع الله من معرفة الحق والعمل به وما فرض الله من إنكار المنكر وتحريمه إذ يقول تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
عليه
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
فهذا ميثاق العمل، أخذ الله لنفسه إذا أمر به مع توحيده، فجعل مع فرائضه من التوحيد العمل بما فرض
من طاعتها.
2. المعصية والإيمان لا يجتمعان في إنسان:
قال الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي: المعصية والإيمان لا يجتمعان في إنسان واستدل على ذلك بقول أبو
أيوب: ولا يثبت الإيمان بانتقاص فرائض الله ولا بالقيام على حرام الله. وقال في موضع آخر: والفراق لأهل
المعاصي من أهل الكبائر المستحلين والمحرمين والبراءة ومنهم، ونفي الإيمان عنهم
3
واستدل الإباضية بعدم جواز اجتماع المعصية والإيمان في إنسان ونفي الإيمان عن مرتكب المعصية
الكبيرة بما يأتي:
1
المرجع السابق، ص 179.
2 سيأتي التفصيل حول البراءة من مرتكب الكبيرة.
3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 180.
643 (1/644)
صفحة 645
قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] لا يجتمع الفسق والإيمان جميعاً.
وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47].
فقد نفى الله المتولين عن طاعته من الإيمان ولو كان توليهم شركاً لقتلهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد أجمع أهل الاختلاف من جميع أهل القبلة أن المتولي ليس بمشرك 2.
وهناك الآيات الكريمة التي تصف المؤمنين مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4].
أما الأحاديث الشريفة التي تنفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة مثل:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله () قال لا يزني الزاني حينَ يزني وَهوَ مؤمنٌ، ولا يسرِقُ السَّارِقُ حين يسرقُ وَهوَ مؤمنٌ، ولا يشرَبُ الخمرَ حينَ يشربها وَهوَ مؤمنٌ ولا ينتَهِبُ ثُقْبةً ذاتَ شَرَفٍ يرفعُ
النَّاسُ إليه فيها أبصارَهُم وَهُوَ مُؤْمِنٌ 3.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): والله لا يؤمنُ والله لا يؤمنُ والله لا يؤمنُ قيل من يا رسول الله؟ قال: الذي
لا يأمن جاره بوائقه قالوا يا رسولَ اللهِ وما بوائقُه؟ قال شرُّه.4.
644
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 180.
المرجع نفسه، ص (ص 180.
181
لمرجع السابق، ص
البخاري،
ك الأدب رقم 6016، 94/ 4.
2
3
4 (1/645)
صفحة 646
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: والذي نفسي بيده لا يؤمِنُ أحدكم حتى أكونَ أحب إليه من ولده ووالده
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله) يقول: لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه 2
ما قد ثبت أنه بارتكاب الكبيرة يستحق الذم واللعن والاستخفاف والإهانة وثبت أن المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم فوجب ألا يسمى مؤمنًا. فهذه الأدلة تؤكد عند الإباضية نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة.
ويقول الشيخ علي يحيى معمر والإباضية لا يخرجون العصاة من الملة ولا يحكمون عليهم بالشرك ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم وإعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم
والمراد بالمؤمن من الوجه الشرعية في الخطاب الإباضي
هو
ذاك الشخص الذي تحلى بجميع الصفات التالية:
صدق بكل ما يجب التصديق به، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من بعث وحساب وجنة ونار، والقدر وأخبار القرآن وأحكامه ... الخ أي صدّق بجميع ما يلزمه تصديقه مما عُلم من
الدين بالضرورة. وظهور نتيجة ما صدق به على جوارحه عن طريق:
التلفظ بجميع ما يلزمه التلفظ به من النطق بالحق وكف اللسان عن النطق بالباطل.
عمل بجوارحه جميع ما يلزمه عمله سواء إتيان المأمور به أو اجتناب المنهى عنه
1
2
البخاري، ك الإيمان رقم 44، 67/ 1.
البخاري،
ك الإيمان، رقم 13 3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 182.
4
الإباضية في موكب التاريخ، ص 87.
645 (1/646)
صفحة 647
مما سبق لا يسمى مرتكب الكبيرة "مؤمن" والإباضية عندما ينفون تسمية مرتكب الكبيرة، ب "مؤمن" يقتصدون به نفي الإيمان الشرعي الذي يترتب عليه حكم المؤمنين بقبول العدالة والولاية والمحبة وما شبه
ذلك في الدنيا والوعد بالجنة في الآخرة دون القطع به لأن ذلك من علم الغيب
وأما إطلاق التسمية بالمؤمن من غير ترتيب حكم عليها فجائز عرفاً ولغة ويطلقون على مرتكب الكبيرة أحيانا "الذي آمن" قال أبو عمار عن الاسم الذي يسمى به من آمن بالله ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إذا هو ضيع الفرائض وارتكب الكبائر: فإنا نسميه بالذي سماه الله به فتقول: الذي آمن ولا يقول مؤمن: قال الله عز وجل يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فبذلك يسميهم ويناديهم في كل موضع من كتابه، ونسميه موحداً بالله غير مشرك به مقراً بالله وبالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر، غير جاحد لذلك ولا منكر له. ويقول الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي: ونتيجة لما سبق يتبين أن مرتكب الكبيرة لا يسمى مؤمناً
للأسباب التالية:
- لفظ "مؤمن" من المصطلحات التي نقلها الشارع عن معناه اللغوي إلى معناه الشرعي، وعند استعمال
تتصرف إلى معناها الشرعي، ما يترتب على المؤمن من أحكام.
النصوص الواردة في نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة واضحة الدلالة في نفى الإيمان عنه ولا دليل على
صرفها.
العمل جزء من الإيمان وبانتقاء العمل ينتفي الإيمان.
646
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 184.
المرجع السابق، ص 185.
1
2 (1/647)
صفحة 648
- المؤمن له أحكام خاصة يتميز بها عن العاصي في الدنيا والآخرة، فالمؤمن مقبول العدالة مثلاً في الدنيا،
والعاصى غير ذلك، والمؤمن من أصحاب الوعد ومرتكب الكبيرة من أصحاب الوعيد.
فالقاعدة العامة من
هذه الأسباب: ألا يسمي مرتكب الكبيرة مؤمناً، ولكن يستثنى منها جواز تسميته في
حالتين هما:
الأولى: في مخاطبته بالتكليف أثناء الوعظ الإرشاد بما معه من التصديق.
الثانية: في مجرد تسميته ب "المؤمن" مجازاً من غير ترتب حكم عليه.
وسيأتي الحديث مفصلاً عن رأي أهل السنة في أصحاب الكبائر.
ثانياً: مفهوم الإسلام عند الإباضية:
عرّف الدكتور مسلم الوهيبي الإسلام في الاصطلاح بقوله: الاستسلام والخضوع والانقياد التام لأوامر الشرع
وقال جابر بن زيد: وأوصيك بتقوى الله والإسلام والاستسلام له فيما أحببت وكرهت، فإنه ليس لك أن تقدر في أمر الله ولا أن تختار عليه، فأعط الله من نفسك الإذعان واجعل قضاءه عليك حكماً ولا تستبدل
به
غيره 2.
وقال الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي:. ... أما بعد فإن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، والإقرار بما أنزل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام
3
رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى
الفكر العقدي، ص 185.
رسائل الإمام جابر، رسالة رقم 8.
رسالة الإمام عبد الوهاب عبد الرحمن إلى أهل طرابلس ضمن كتاب الإسلام وتاريخه، ص 107.
647
1
2
3 (1/648)
صفحة 649
وأخذ يعدد إتيان الأوامر والانتهاء من النواهي ويعد ذلك من الإسلام.
وقال أبو أيوب وليس الإسلام يسمى به من تسمى وانتحله بغير صدق أهله ولكنه من حافظ واستكمله وكان منه على طرائقه المستقيمة بأخلاقه العظيمة على مراتبه الكريمة المبلغ بها إليه الموصول بها لديه مع مجانبة الخيانة وأداء الأمانة ورفض الأشرار من البطانة 2.
وعلاوة على ما سبق من أقوال نجد أبو أيوب يخصص رسالة لشرح المراد بالإسلام أطلق عليها "صفة الإسلام" خلاصتها أن الإسلام اسم جامع للدين الذي ارتضاه الله تعالى وأنزله على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى أتباعه والانقياد التام والاستسلام المطلق بجميع أوامر الشرع والابتعاد عن جميع المحرمات سواء كانت الأوامر أو النواهي اعتقادية بالقلب أو عملية الجوارح 3.
1. الفرق بين الإسلام والإيمان:
يرى الإباضية أن الإيمان والإسلام الشرعيين متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر أي أن دلالة الإسلام
الشرعية مطابقة لدلالة الإيمان الشرعية.
وقال أبو أيوب .... والإسلام ديننا وهو الإيمان والإيمان من الإسلام والتقوى من الإيمان والبر والوفاء من
الإيمان بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه وإقامة حدوده والعمل بحقوقه.
1 الفكر العقدي، ص ص 187.
2
3
4
5
المرجع نفسه، ص 7
187
188
المرجع السابق، ص 3
المرجع نفسه، ص 188. كتاب السير والجوابات، (46/ 2).
648 (1/649)
صفحة 650
وقال في موضع آخر: وبالإيمان دخل أهل الجنة، الجنة والإسلام من الإيمان والإيمان من الإسلام والتقوى
من الإيمان، بعض ذلك من بعض على استكمال ما فيه، وإتيان حقوقه، والوقوف على حدوده.
وقد توسع زياد بن خلف البحراني في سيرته لتوضيح الترابط بين الإيمان والإسلام الشرعيين، لكن تعبير الإمام السالمي كان أكثر وضوحاً حيث قال: أعلم أن للإيمان والإسلام في الشرع استعمالا غير الاستعمال اللغوي وذلك لأن الشرع نقلهما عن معناهما اللغوي فاستعملها مترادفين في مطلق الواجب، كان ذلك الواجب تصديقاً بالجنان فقط، أو تصديقاً بالجنان مع قول اللسان، أو كان معهما عمل لازم إتيانه، فمن أدى جميع ما وجب عليه كان مؤمناً مسلماً عندنا ومن أخل بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمناً مسلماً
عندنا.
فحقيقه الإسلام يتضمن أداء العبادات المطلوبة فهى تصديق بالله وتنفيذاً لأوامره، وحقيقة الإيمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها، ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الإسلام، ومعنى الخضوع ملحوظ في الإيمان: ولا يقبل إسلام خلا عن اليقين كما لا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع الله. فلا يوجد شرعا إيمان من غير إسلام ولا عكسه عند التحقيق.
ومما يؤكد ترادف الإيمان والإسلام قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5]. ولذلك سمى إتيان المأمور به ديناً والدين هو الإسلام لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19] وما ليس بإسلام فليس بدين، فعلم أن الإيمان إسلام. وهنا قوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 35]
2
3
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 188.
مشارق أنوار العقول للسالمي، 197/ 2.
عقيدة المسلم محمد الغزالي، ص 136.
4 الفكر العقدي عند الإباضية، ص
5
مشارق الأنوار، 198/ 2.
189
649 (1/650)
صفحة 651
أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين لئلا يهلك المؤمنون فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ
بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36]، ويعني لوط ونبيه والمؤمنون والمسلمون هنا سواء".
أما قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]
فالتوكل على الله دلالة الإيمان ومقتضاه وقد ذكر لهم موسى الإيمان والإسلام وجعل التوكل على الله مقتضى هذا وذاك: مقتضى الاعتقاد في الله مقتضى إسلام النفس له خالصة والعمل بما يريد 2.
وأما قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[الحجرات: 14].
قد يستدل له البعض في التفريق بين الإيمان والإسلام غير أن الإسلام الذي ذكرته الآية ليس الدين الحق الذي عناه قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]. بل هو خضوع عن قهر ونفاق والإيمان الحق هو ما اقترن بالسمع والطاعة وتطهر من معصية ومن النكوص عن أمر الله.
وخلاصة القول: إن "الإيمان" و"الإسلام" وإن اختلفا في المعنى اللغوي لكنهما متلازمين مترادفين في المعنى الاصطلاحي، وإن عبر في تعريفهما الاصطلاحي بألفاظ مختلفة لكنهما متحدين في المفهوم الشرعي، فإذا آمن الإنسان بالله العظيم وأيقن باليوم الآخر وصدق بم جاء به المرسلون سارع إلى استرضاء ربه والاستقامة على صراطه وإلا فلا قيمة لكلمة يقولها الإنسان على لسانه وهو لا يدخل مسجداً أو لا يقيم فريضة أو
لا يحترم شعيرة 3.
650
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 189.
المرجع السابق، ص)
189
المرجع نفسه، ص 190.
1
2
3 (1/651)
صفحة 652
وأشهر الأقوال في العلاقة بين الإيمان والإسلام ترجع إلى ثلاثة أقوال ولكل قول من تلك الأقوال أدلته وقد
ذكر ذلك الدكتور إبراهيم الديبو في رسالته الجامعية أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين في ضوء كتب الحديث التسعة حيث قال:
القول الأول: الإسلام والإيمان مترادفان فهما واحد في الحقيقة وإن اختلفا في اللفظ: فوجود أحدهما هو وجود الآخر، ولا يظهر بينهما كثير فرق لرجوعهما إلى الانقياد والإذعان والقبول، فلا يعقل في الشرع إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان وهو قول أبي منصور الماتريدي ووافقه على ذلك جمهور الماتريدية والمحققون من الأشاعرة، وهو قول ابن حزم وجمهور المعتزلة. وأدلة هذا القول:
لو كان الإيمان غير الإسلام لم يقبل من مبتغيه، لقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
لو كان الإيمان غير الإسلام لم يصح استثناء من الآخر واللازم باطل لقوله تعالى {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36].
-
سيق أحد الاسمين مساق الآخر ومن ذلك قوله تعالى: يَمنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمَنُوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ
بَل اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17].
أما أدلة السنة: فقد ذكروا عدة أحاديث أشهرها:
-حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وروي بلفظ آخر: لا يدخل الجنة إلا نفس
مسلمة 3.
651
أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 122.
سنن الترمذي، رقم 3017.
2834
البخاري، رقم
1
2
3 (1/652)
صفحة 653
حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصته وفد عبد القيس وجاء فيه: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمرهم بالإيمان
بالله وحده ثم قال لهم .. أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله): الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة-فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياة شعبة من الإيمان 2.
فالحديث الأول ذكره الماتريدي والنسفي وابن حزم ووجه الدلالة فيه أنّ الحديث روى بلفظين مختلفين لمعنى واحد، فالنفس المؤمنة هي النفس المسلمة لا فرق بينهما.
أما حديث وفد عبد القيس فهو يعارض قول من فرّق بين الإيمان والإسلام لأنه ستمى الشهادة إيمانا فدلّ على أنّ الإيمان والإسلام، واحد قال البيهقي بعد ذكره لحديث: جبريل: قد سمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلمة الشهادة في هذا الحديث إسلاماً وسماه في حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس إيماناً في الحديثين
دلالة على أنهما اسمان لمسمّى واحد 3.
ووجه دلالة الحديث الثالث ترجع إلى هذا المعنى، لأنّ الحديث ذكر الشهادة من شعب الإيمان.
652
البخاري، رقم 51.
الاعتقاد على مذهب السلف للبيهقي، ص 116.
المرجع السابق، ص 116.
1
2
3 (1/653)
صفحة 654
القول الثاني: الإيمان والإسلام متغايران فالإيمان هو التصديق بما أخبر به الله تعالى على لسان رسوله وهو
يتعلق بالقلب والإسلام هو الانقياد والتسليم وهو يتعلق بالجوارح وهو قول ابن الجوزي والطوفي وابن السبكي ونسبه التفتازاني للحشوية وبعض المعتزلة.
الأدلة ذكر المتكلمون عدّة أدلة من القرآن والسنة للتفريق بينهما وأشهر الأدلة هي:
إثبات أحدهما ونفي الآخر كما في قوله: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14] عطف أحدهما على الآخر كما في قوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35]
والعطف يقتضي المغايرة.
صا الله
- حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره 2.
وهذا أشهر الأحاديث التي تذكر في التفريق بين الإيمان ولإسلام وقد استدل به ابن الجوزي والطوفي، وابن
السبكي 3.
- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: الإسلام علانية والإيمان في القلب، قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات قال: ثم يقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ذكره ابن السبكي 5
1
2
أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 124.
مسلم، رقم
9
3 أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 125.
4
5
مسند أحمد،
رقم
11933
طبقات الشافعية الكبرى، (121/ 1)
653 (1/654)
صفحة 655
فحديث جبريل واضح وصريح في التفريق بينهما عند القائلين بالتفريق، لأن النبي) أجاب عن الإسلام
بغير ما أجاب به عن الإيمان والحديث الثاني فيه دلالة على أن الإيمان غير الإسلام، لأن الإيمان يكون في القلب والإسلام يظهر على الجوارح.
القول الثالث: الإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص وجهي وعليه جمهور الأشاعرة: فيجتمعان فيمن صدق بقلبه وانقاد بظاهره وينفرد الإيمان فيمن صدّق بقلبه فقط والإسلام فيمن انقاد بظاهره.
واستدلوا على أنّ بينهما عموماً وخصوصاً وجهيّاً، ورودهما في الشرع وانتهوا للقول: أن الشرع قد أوردهما على سبيل الترادف، والتوارد كما أوردهما على سبيل الاختلاف، وكذلك على سبيل التداخل، وذكر لكل من الاستعمالات دليلاً أو أكثر من السنة.
- دليل الترادف: ذكر له حديثين حديث بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت 2. وحديث وفد عبد القيس وقد تقدم وفيه أنه سئل عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس 3.
- دليل الاختلاف: ذكر له حديثين: الأول: ما جاء في حديث جبريل وقد تقدم-وما جاء فيه من
التفريق بين الإيمان والإسلام فخصال الإسلام غير خصال الإيمان.
1
2
أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 126.
البخاري، ك الإيمان، رقم
7
3 أصول المسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 126.
654 (1/655)
صفحة 656
والثاني: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قسماً فقلت: يا رسول الله
أعط فلاناً فإنه مؤمن فقال النبي () و أو. مسلم أقولها ثلاثاً ويرددها عليّ ثلاثاً: "أو مسلم" ثم قال: إني
لأعطي الرجل وغيره أحبّ إلى منه مخالفة أن يكبه الله في النار.
التداخل: فذكر له حديثاً آخر، وفيه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال:
الإسلام، فسئل أي الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان 2.
فهذه أشهر الأقوال في العلاقة بين الإيمان والإسلام يترجح لديّ في ذلك أنّ الإيمان هو الإسلام، ويترجح لدي في ذلك أن الإيمان والإسلام إذا أطلق كل واحد منهما منفرداً عن الآخر فهما مترادفان، لأن المؤمن هو المسلم، وخصال الإيمان هي خصال الإسلام والله تعالى لا يقبل من الناس غير الإسلام، ولا يُدخل الجنة إلا نفساً مؤمنة مسلمة كما جاءت بذلك الآيات والأحاديث أماً إذا جمع بينهما في سباق واحد فهما مختلفان فيحمل الإيمان على التصديق ومكانه القلب، ويحمل الإسلام على أعمال الجوارح والطاعات وبذلك تجمع النصوص جميعا، فتقول بأن الإيمان والإسلام وإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن أبي العز الحنفي وفصلا الكلام حوله. ويرى معظم علماء الإباضية أن الشرع جاء باستعمال الإيمان والإسلام على سبيل الترادف واستدلوا بالأدلة التي قد ذكرتها.
والإسلام والإيمان بمعناه الشرعي عند معظم الإباضية يأتيان على سبيل الترادف والإيمان عندهم له مقامات ثلاث: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح وإذا أخل العبد بأي مقام من هذه المقامات لا يجوز إطلاق وصف مسلم أو مؤمن عليه وهذا الرأي مجمع عليه من سائر علماء الإباضية.
المرجع السابق، ص 7
127
المرجع نفسه، 127.
3 الإيمان لابن تيمية، ص. ص. 14 - 12. شرح الطحاوية، ص.281 أصول مسائل العقيدة، ص 128.
4
الخوارج، الإباضية، الشيعة عامر النجار، ص 274.
655
1
2 (1/656)
صفحة 657
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
المؤلف: علي محمد محمد الصلابي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 2018 - 2019م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/349
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 ذو القعدة 1446ه/ 10 - شهر 05 - 2025م. يقول صاحب مشارق الأنوار السالمي الإباضي من ضيع واحداً من هذه الثلاثة التصديق، والقول والعمل
بعد لزومه عليه فهو هالك استوجب بتضييعه ما افترضه الله عليه هلاك المعاند، لأنه حينئذ يكون كافراً إما كفر شرك أو كفر نعمة.
ومن زاوية ثانية فإن بعض علماء الإباضية يرون أن الإسلام و الإيمان جاء في الشرع على جهة الاختلاف، واستدلوا على ذلك يقول الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14].
فالمقصود بالإيمان في هذه الآية: تصديق القلب فقط وبالإسلام الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح 2.
واستدل أصحاب هذا الرأي بحديث البخاري في كتاب الإيمان من حديث سعد رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعطى رهطاً وسعد جالس فترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجلاً هو أعجبهم إلي فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال أو مسلماً ... الحديث كذلك ورد الإيمان والإسلام على سبيل التداخل ودليل ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام، فقيل له: أي الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان 3.
لكن جمهور الإباضة يقولون يترادف الإسلام والإيمان وأن الاثنين بمعنى الدين شرعاً ويحاول الجيطالي الإباضي توضيح ذلك فيقول: فإن قال قائل: قد نص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديث جبريل: "عن تعريف الإسلام والإيمان والإحسان" أن الإيمان هو ما يتعلق بالقلب في الاعتقادات وأن الإسلام هو ما يتعلق بالجوارح من العبادات ولم يذكر الدين، وأنت تتوجب أن الإيمان هو الإسلام، وأن الإسلام هو الإيمان وهما الدين فاعلم أن الإيمان أصله هو التصديق، وأن الإسلام أصله الاستسلام والخضوع وأن الإسلام كله من قبل التصديق إيمان، وأن الإيمان من قبل الاستسلام والخضوع إسلام والدين من قبل الإيمان تصديق، والإيمان من قبل
656
مشارق، أنوار العقول ص 333
الجيطالي، قناطر الخيرات، 362/ 1.
رواه
أحمد والطبراني: أنظر: الخوارج والإباضية الشيعة ص 275
1
2
3 (1/657)
صفحة 658
الدين طاعة وأن الإسلام من قبل الدين طاعة والدين من قبل الاستسلام إسلام، وكل خصلة من الإيمان
فهي إسلام ودين وكل خصلة من الإسلام فهي إيمان ودين وكل خصلة من الدين إيمان، وإسلام، وإلى هذا
ذهب أصحابنا.
2 زيادة الإيمان ونقصانه
يرى بعض علماء الإباضية أن الإيمان يزيد وينقص وهذا الرأي من بعضهم يوافق مذهب أهل السنة والجماعة الذين يرون أنه يزيد بالطاعات وينقص بارتكاب الآثام وسائر ما حرم الله تعالى يقول سبحانه لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وقال: لو وزن أيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر 2".
يقول عبد العزيز المصعبي الإباضي: الإيمان عندنا إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بزيادة الطاعة وينقص بنقصها 3.
وهناك فريق آخر من علماء الإباضية يرون أن الإيمان يزيد لكنه لا ينقص، لأنه لو نقص شيء
منه -
رأي هذا الفريق- بطل كله ويبين السالمي الإباضي موقف بعض فرق المسلمين بالنسبة لمسائل زيادة الإيمان ونقصه مبيناً في الوقت ذاته آراء علماء الإباضية في هذه المسألة قائلاً: ذهب بعض قومنا من الإباضية إلى أن الإيمان الشرعي يزيد وينقص، وهو ما عليه جمهور الأشاعرة وذهب بعضهم إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقصن وعليه أبو حنيفة وإمام الحرمين من الأشاعرة، وكذا بعض الأشاعرة: وذهب أصحابنا من الإباضية
657
قناطر الخيرات (363/ 1)
رواه البيهقي، أنظر: الخوارج الإباضية الشيعة، ص 275.
شرح
العقيدة النونية عبد العزيز المعصبي، ص 240.
1
2
3 (1/658)
صفحة 659
إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وبيان ذلك أن الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عليه
فرض لا يكون مؤمناً حتى يؤديه على وجهه ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليف ولا يصح نقصه.
3. المعصية والإسلام لا يجتمعان في إنسان:
لا يجوز اجتماع الإسلام والمعصية في آن واحد وعلى هذا بنى الإباضية عقيدتهم، قال: أبو عبيدة مسلم بن
أبي كريمة بلغني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (إياكم والحسد والظن والبغي فإنه لاحظ في الإسلام لمن فعل ذلك ولاحظ في الإسلام لمن فيه إحدى هذه الخصال 2.
ويروي الربيع حديثاً عن النبي (ا) قال: إذا زنى الزاني سُلب الإسلام فإذا أناب ألبسه، وروى جابر
بن زيد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: من حقر مسلماً فليس بمسلم قال جابر بن زيد وهو ينصح
أحد
أتباعه، فإن الإسلام سلم وسلامة فاحرص من أن تكون من أهله، تأخذ من أدبه وتثبت على خلقه ومن
عنه 5
ينتحله بغير ثبات عليه ولا مواتاته ينفى عنه
إذن عند الإباضية صاحب المعصية الكبيرة - لا يسمى مسلماً
من الناحية الشرعية، ما دام مقترفاً لها غير نازع عنها ولا تأئبِ منها؛ إذن فماذا يسمى؟ هذا ما ستبينه الدراسة في مبحث الكفر المراد بالمسلم "كفر النعمة". والمراد بالمسلم من الناحية الشرعية هو ذاك الشخص الذي تحلى بجميع الصفات التالية: صدق بكل ما يجب التصديق به كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث
658
بهجة أنوار العقول، (150/ 1) للسالمي.
مسند الإمام الربيع، رقم
271/ 2.699
مسند الإمام الربيع، رقم 766.
مراسيل الإمام جابر ضمن مسند الربيع، رقم 973، 371/ 4.
15
جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، رسالة رقم
1
2
3
4
5 (1/659)
صفحة 660
وحساب وجنة ونار والقدر وأخبار القرآن ... إلخ، أي صدق بجميع ما يلزمه تصديقه مما علم من الدين
بالضرورة.
- تلفظ بجميع ما يلزمه التلفظ به من النطق بالحق وكف اللسان عن النطق بالباطل.
-عمل بجوارحه جميع ما يلزمه عمله سواء إتيان المأمور به أو اجتناب المنهى عنه.
ومن هنا يظهر الترادف بين المراد "المؤمن والمسلم" من الوجه الشرعية تبعاً للترادف بين "الإيمان"
و"الإسلام" الشرعيين. ونتيجة لما سبق فإن مرتكب الكبيرة لا يسمى مسلماً قال الإمام السالمي: ومن أخل بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمناً أو مسلماً فقط التسمية التي ينبي عليها حكم المؤمنين من الولاية وأتباعها أما إطلاق التمسية من غير ترتب حكمها عليها فجائز، لأننا نقول في حق المخل بالفرائض العمليات هذا مسلم ولا نريد به أنه ولي ولكن أطلقنا عليه اسم مسلم، إما باعتبار المعنى اللغوي وهو الانقياد، فإنه وإن كان غير منقاد في الكل فهو منقاد في البعض وإما أن يكون استعمالاً عُرفياً عاماً حيث أطلقناه في مقابلة المشرك 1. فعند الإباضية فمن الناحية الغير شرعية يجوز أن يسمى مرتكب الكبيرة مسلماً
لاعتبارات هي:
باعتبار العُرف اللغوي وهو الانقياد فإنه وإن كان غير منقاد في الكل فهو منقاد في البعض.
باعتبار العرف، أي ما درج عليه عرف الناس من سميته مسلماً.
باعتبار المقابلة، فيسمى مسلماً في مقابل الشرك.
باعتبار الأحكام والحقوق الدنيوية، حيث له ما للمسلمين الشرعيين وعليه ما عليهم سوى
عدم ولايته وتجريح عدالته وتطبيق العقوبة عليه.
659
المشارق، للسالمي، 197/ 2.
1 (1/660)
صفحة 661
بقي القول: إن الإباضية عندما يحرصون على نفى اسم "مؤمن" أو "مسلم" يقصدون بذلك تطبيق الأحكام
الدنيوية عليه التابعة للمصطلحات الشرعية من عدم ولايته وتجريح عدالته وتطبيق الحدود عليه أو تعزيره،
لعل ذلك يردعه ويزجره فيثوب إلى رشده ويرجع عن زلته.
أما الأحكام الأخروية فلا يقطع الإباضية على شخص بعينه بعذاب ولا نعيم، لأن الأحكام الأخروية
أحكام غيبية لا دخل لهم فيها.
4. عوارض الإيمان:
إن المحلل للخطاب الإباضي منذ قرونه الأولى يلحظ اعتناءهم بإقامة حصانات واقية للحفاظ على سلامة الإيمان والتذكير بما يزيده والتحذير بما يضعفه فقد أدركوا أن الحياة لا قيمة لها بدون إيمان، بل يصبح الإنسان بدون الإيمان أشبه بحياة الحيوان بل هم أضل 2.
ومن أبرز عوارض الإيمان التي اهتم الخطاب الإباضي بالتحذير منها؛ الشيطان وحب الدنيا والجهل وتفصيل
هذه العوارض فيما يلي:
-
الشيطان:
اتخذ إبليس عهداً على نفسه أن يغوي هذا الإنسان وأخذ من الحق عز وجل إذناً بحرية العمل والحركة في سبيل تنفيذ مخططاته قال تعالى: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الأعراف: 14 - 15] وقد توعد الإنسان أن يخرجه من الإيمان إلى الكفر ويدفعه إلى عبادة الطاغوت وأن يشيع الفحشاء بين الناس وأن يستعمل في سبيل بلوغ غايته كل الوسائل قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 192.
2
المرجع السابق، ص 471. فهناك عوارض كثيرة، أتباع الهوى المعاصي العقلية الكبر، ولكن هذه أهمها التي ركز عليها، مسلم الوهيبي.
660 (1/661)
صفحة 662
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَحِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
[الأعراف: 16 - 17].
وجاء في القرآن الكريم إخبار عن غوايته قول الله تعالى: {لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَآمُرَكَهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَكَهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 118 - 119]
سلاح إبليس الفتاك تزيين الشهوات تزيين المعاصى وتجميل الدنيا، فيورد الإنسان الموارد ويخيل إليه أن فيها دوام سعادته، يدفعه إلى المهالك ويحيط به كل جانب في حياته فيجعله أسير شهواته، وسجين نزواته ثم يتخلى عنه ويقف شامتا فيه ضاحكاً عليه ويروى الربيع حديثاً عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني في هذا اليوم قال: خلقت عبادي ليعبدوني فأتتهم الشياطين فاغتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وحرمت عليكم ما حللت لهم. تلك هي حقيقة الشيطان ويصورها الإمام أبو عبيدة في قوله: ثم إن عدو الله إبليس دعا إلى الكفر الذي توكل فتنة بني آدم وضلالاتهم فأتاهم
كما قال الله تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف: 17].
ففتح عليهم من أبواب المعصية أنواعاً يفتنهم بها، فمنهم من أتاه من قبل دنياه فزينها له وشهاها إليه حتى آخرته بدنياه، فتعمد إلى المعصية وهو يعلمها مصرّ عليها، كما أصر عدو الله إبليس، فوصل بإصراره يبيع إلى ولاية عدو الله إبليس وإلى سنته في الكفر، ومنهم من أتاه من قبل آخرته ففتح أبواب البدع من شرك وغيره من أبواب الضلالة، يزينها له حتى يتخذها دنيا يتقرب بها إلى الله.
وما دام الشيطان بهذه الخطورة فما من سبيل للانتصار عليه إلا بالاستعانة بخالقه وخالق كل شيء والتحلي
بالإيمان وإدامة ذكر الله تعالى.
1
مسند الربيع، رقم 804، 3/ 304 2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 472.
661 (1/662)
صفحة 663
قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99].
وقال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36].
فعلى الإنسان أن يكثر من أوراد الذكر خاصة بطرد الشيطان، وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأب أحد بفضل مما جاء به إلا من عمل من ذلك. ويتبين بأن الالتجاء إلى الله تعالى وإدامة ذكر هو الكفيل بالانتصار على مكائد الشيطان
أكثر
ووساوسه 2
حب الدنيا:
إن حب الدنيا وملذاتها وشهواتها يعمي البصيرة ويصم
الآذان ويغلق نوافذ العقل في الإنسان فإذا بهذا الكائن البشري كتلة من الشهوات الهائجة تراه يلهث وراء نزوات النفس ونداءات الشهوة ليحقق متعته المادية دون أن تحده حدود أو تضبطه ضوابط حتى يخرج من سمته البشري وبفقد القيم السامية التي فضله الله تعالى بها على سائر المخلوقات، وتحت تأثير. الدنيا يتساقط الكثيرون على أعتاب الرذيلة والفساد مستسلمين لشهواتهم يغترفون من المتع المادية بلا حساب ولا يزال الواحد منهم ينزل على فطرته البشرية، يتنكر لقيمه الإنسانية حتى يتدحرج في الدرك الأسفل ليصبح أخس من الحيوان وأحط قيمة من الأنعام. فقال تعالى: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].
1
مسند الربيع، رقم 506، 2204/ 2 2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 473.
662 (1/663)
صفحة 664
لذا فقد حذر القرآن الكريم من إسلام النفس للدنيا، ومباهجها وبين لنا أنها ظل زائل ومتعة مؤقتة ويصرح
القرآن الكريم بكل وضوح
أن
الدنيا يؤدي بصاحبه إلى النار والعياذ بالله 1.
قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16].
فالحياة الدنيا لعب ولهو وزينة من الملبس الفاخر، والمأكل الشهي والمركب المريح والمنزل الحسن، زينة يتزين بها الناس ويتجملون بها إلى حين 2. وقال تعالى: واعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرْ فِي الْأَمْوَالِ [الحديد: 20].
صور مبهجة في ظاهرها براقة في شكلها، تأخذ بالألباب وتسلب العقول وتهفو إليها النفس، لكنها في النهاية متعة مؤقتة وزهرة ذابلة كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ
حُطَامًا} [الحديد: 20].
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوجه الناس إلى التعامل السليم مع الدنيا وملذاتها فكان يوصيهم بأن يأخذوا منها
بقدر الحاجة، فلا تكون هذه الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم
3
فعلى اللبيب أن يتخذ الدنيا طريقاً للآخرة، ومطية لحسن الخاتمة، فيعمرها بالعمل الصالح، ويكون فيها عنصراً فعالاً، يسخر كل قدراته الجسدية والفكرية لإعمارها بالخير ونشر الفضيلة وسد منافذ الرذيلة، وبهذا تكون الدنيا وسيلة إلى الآخرة وليست هدفاً للمتعة وإشباع رغائب النفس متمثلاً قول الباري عز وجل
663
المرجع السابق، ص 475.
المرجع السابق، ص 475.
المرجع نفسه، ص 476.
1
2
3 (1/664)
صفحة 665
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنُ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ
الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].
والجهل هو تصور المعلوم على خلاف هيئته، وقيل: انتفاء العلم بالمقصود أو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به وهو ضد العلم. ولا شيء أقبح منه فبالجهل تلتبس الأمور على الناس فيصبح الشر خيراً والظلام ضياء، والفساد صلاحاً وتختلط البدعة بالسنة وتتشابك المسالك ويؤول مصير الإنسان إلى التيه والضياع. قال تعالى في وصف من تلبسوا بالجهل يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]. وقال جل وعلا: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم: 29 - 30].
—
الجهل:
الجهل عدو الإنسان لأنه سبب لكل رذيلة ومعصية، بالجهل عبدت الأوثان وارتكبت المعاصي، لذا جاء الإسلام ودعا إلى العلم والتعمق فيه، واعتبر الإباضية طلب العلم أصلا من أصول عقيدتهم، كما أنهم اعتبروا الجهل قاعدة من قواعد الكفر 3. وكان جابر يقول: إن الله نصب الإسلام للناس وأمرهم بطلبه والناس بين
مصيب له ومخطئ وقد قطع عذر كل جاهل بالعلماء.
وتكررت فتاوى الإباضية بأنه لا عذر للجاهل إذا ما ارتكب محظوراً: قال محبوب بن الرحيل: من ركب
الكبائر بجهل أو علم هلك 4.
1
مقدمة التوحيد أبو حفص، ص 54.
2 الفكر العقدي، ص 478.
3
4
المرجع نفسه، ص 478. بيان الشرع للكندي، 27/ 3 - 54.
664 (1/665)
صفحة 666
ثالثاً: الكفر وأقسامه:
في كتاب الفكر العقدي عند الإباضية بين المؤلف بأن الإباضية يقسمون الكفر إلى نوعين: كفر الشرك،
وكفر نفاق أو كفر نعمة.
1. كفر الشرك:
وقسم الدكتور مسلم الوهيبي الشرك إلى نوعين:
أ: جحود والمراد به مطلق النفي سواء كان نفياً للصانع، ككفر من جحد وجود الصانع المختار عز وجل أو نفياً لوحدانيته ككفر من عبد مع الله غيره أو نفياً لصفاته ككفر من وصف الله عز وجل بشيء من صفات غيره، أو أنكر شيئاً من كمالاته أو أنكر شيئاً من أفعاله الثابتة بالبرهان القاطع كبعث الرسل وإنزال الكتب أو إنكار آية من قرآنه وكاستحلال ما حرمه الله أو تحريم ما أحله الله تعالى.
ب. مساواة: وذلك بجعل شريك له في ذاته أو صفاته أو أفعاله والذي يجمع النوعين معاً: أن يجحد ما
علم من الدين بالضرورة.
- أحكام كفر الشرك
أما اليهود والصابئين والنصارى فأحكامهم واحدة وذلك أن الإمام يدعوهم إلى الدخول في الإسلام،
فإن دخلوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وإن امتنعوا من الدخول في الإسلام دعاهم
إلى الجزية عن يد وهم صاغرون فإن أجابوا لذلك اخذت
منهم وأمنوا بأداء الجزية، وحرم منهم
ثلاثة:
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 204.
665 (1/666)
صفحة 667
سفك دمائهم وغنم، أموالهم، وسبي، ذراريهم وحلّت منهم ثلاثة أكل ذبائحهم، ونكاح الحرائر من
نسائهم وأخذ الجزية من أحرارهم البالغين.
وليس على نسائهم وصغارهم ومجانينهم جزية فإن امتنعوا عن إعطاء الجزية مع الامتناع عن الدخول في الإسلام، ناصبهم إمام المسلمين الحرب واستحل منهم ما يحرم بأداء الجزية، وحرّم ما يحل بأدائها وليس لحربهم أمد حتى يذعنوا لأحد الأمرين: إما الإسلام وإما الجزية.
وأما المجوس فأحكامهم، كأحكام أهل الكتاب حذو النعل بالنعل، إلا في الذبائح ونكاح الحرائر منهم، فهما على التحريم ولو مع إعطاء الجزية 2.
وأما الذين أشركوا من عبدة الأوثان، فأحكامهم أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في الإسلام، فإن دخلوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وإن أبوا وحادّوه ناصبهم الإمام الحرب حتى يسلموا طوعاً أو كرهاً، ولا تقبل منهم جزية، ويحل سبيهم وغنيمة أموالهم وسفك دمائهم ما داموا على شركهم وخلاصة القول: أن هذا النوع من الكفر كفر الشرك - هو خروج من الملة الإسلامية حيث أن صاحبه أنكر ما علم من الدين بالضرورة مما نص عليه في الكتاب العزيز أو السنة أو جمعت عليه الأمة إجماعاً قاطعاً.
2. كفر النعمة
وهو الاجتراء على الله بترك ما فرض كالصلاة والصوم والزكاة، أو ارتكاب ما حرم، كالزنى والسرقة وشرب
الخمر من غير استحلال للفعل أو الترك. وبمعنى ترك ما أوجبه الله تعالى مع الدينوية بوجود به أو ارتكاب
1
2
3
المرجع السابق، ص 4
204,
204
المرجع السابق، ص 4
المرجع نفسه، ص 205. * المرجع نفسه، ص 205.
4
666 (1/667)
صفحة 668
ما حرمه الله تعالى مع الدينوية بتحريمه إذن فكل من ارتكب الكبيرة من الآثام، يصبح كافراً كفر نعمة إلى
أن يتوب 1.
—
مرادفات كفر النعمة:
هناك ألفاظ أخرى ترادف كفر النعمة وهي: نفاق كفر دون كفر، كفر عملي، فسق، والإباضية يعدون مرتكب الكبيرة كافراً كفر نعمة ولا يجوز تسميته بالمؤمن ولا بالمسلم إلا على سبيل الاعتبارات التي سبق ذكرها، فاتضح أن الإباضية يقسمون الكفر إلى قسمين هما: كفر الشرك وكفر النعمة، وقد كان هذا التقسيم-مصدر إشكال للفرق الأخرى؛ لأن كلمة الكفر تطلق في أغلب نصوصهم بدون إضافة الشرك، أو النعم، ولهذا كثيراً ما تتهم الفرق الأخرى الإباضية بأنهم يكفرون غيرهم دون الوقوف على هذا التعبير الاصطلاحي 2
—
أدلة كفر النعمة:
يستدلون بصحة هذا التحرير الاصطلاحي كفر النعمة من القرآن الكريم والسنة الشريفة بما يأتي:
- الدليل الأول: قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] والخطاب للمصدقين 3.
- الدليل الثاني: قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
- الدليل الثالث: قال تعالى: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40].
- الدليل الرابع: قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
1
المرجع السابق، ص 5
205
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 206.
3
البعد الحضاري
الجعبري،
ص
667
509 (1/668)
صفحة 669
- الدليل الخامس: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
الله
- الدليل السادس: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول (لا) قال: أرأيت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسن إلى أحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط 2
الدليل السابع: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض 3.
- الدليل الثامن: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فقد كفر 4.
- الدليل التاسع: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله) قال: أيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد
باء بها أحدهما.
وعلق الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي على هذه الأدلة فقال: فهذه النصوص وأمثالها دليل على كفر فاعل الكبيرة كفر نعمة وكثرة الدليل تمنع التأويل وما دام راكب المعاصى المذكورة في هذه النصوص يعتبر كافراً كفر نعمة، فكيف بمن ركب معاصي أكبر وأعظم فحشاً عما هو مذكور؟ أفلا يجوز أن يسمى كافراً كفر
نعمة؟
668
البخاري، رقم
6044
البخاري، رقم 29.
البخاري رقم 1
البخاري، رقم
4403
6768
5 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 208.
1
2
3
4 (1/669)
صفحة 670
هنا من
عمم
الإباضية مصطلح "كفر نعمة" على كل من ركب كبيرة من الكبائر، ومنع بعض العلماء
تسمية مرتكب الكبيرة بـ "كفر النعمة" إذا الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم مع التعظيم والفسق لا ينافيه، إذ قد يكون الفاسق معترفاً بالنعمة مع التعظيم بقلبه أو بجارحته، فكيف يقال أنه كافر نعمة. ويجيب مثبتو كفر النعمة: على أنه ثبت بالنص إطلاق اسم الكفر على الإخلال بالشكر ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]. وقد علق سبحانه الكفر بالنعم حيث صرح بأن الإخلال بالشكر كفر 3.
- قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3]، فالطاعات شكر الله تعالى فمن تركها أو بعضها فقد كفر نعمة الله. وأصل اللغة أن الكفر في العرف هو الإخلال بالشكر، يقول عنترة العبسي
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي
أحكام كفر النعمة:
والكفر مخبث لنفس المنعم
هذا النوع من الكفر كفر نعمة أو كفر نفاق - لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام، إذ تبقى له جميع أحكام
الإسلام في الدنيا ما عدا الولاية وتجريح العدالة، فتجوز مناكحته وتبقى موارثته ويدفن مع المسلمين ويصلى عليه ومن معه. وهذا هو من الفوارق بين الإباضية والخوارج، حيث أن الخوارج حكموا على مرتكب الكبيرة
5
1
2
المرجع السابق، ص 3
المرجع نفسه، ص)
208
209
3
المرجع نفسه، ص)
209
4 الفكر العقدي عند الإباضية.
5
المرجع السابق، ص 210.
209
669 (1/670)
صفحة 671
بالشرك فأخرجوه من الملة بينما الإباضية لم يفعلوا هذا منذ نشأتهم وإلى وقتنا هذا ولا فرق معهم بين من
كان إباضياً أو غير إباضي، فكل من ركب الكبيرة فهو كافر نعمة ويطلقون عليه كافر كفر نفاق.
وقد أورد الإمام الربيع في كتابه العقيدة ضمن مسند الإمام الربيع باب بعنوان "باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة، ولا يرى الصلاة خلف كل بار، وفاجر 2، وكان في هذا رداً على الأزارقة، والخوارج من هذه الأحاديث ما يأتي:
- قال الربيع
: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: الصلاة جائزة خلف
كل بار وفاجر، وصلوا على كل بار وفاجر
- وفي حديث آخر يرويه الربيع عن النبي (قال: الصلاة على موتى أهل القبلة المقربين بالله ورسوله
واليوم الآخر واجبة. ونتيجة لما سبق يتبين أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة.
—
توجيه الأحاديث الواردة في إطلاق لفظ الكفر على مرتكب بعض المعاصي:
أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفر ينقل عن الملة بالكلية، كما قال الخوارج إذ لو كفر كفراً ينقل على الملة لكان مرتداً يُقتل على كل حال ولا يقبل عفو ولي القصاص ولا تجري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضاً إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من
670
المرجع السابق، ص 211.
مسند الربيع، 297/ 3.
المرجع نفسه، ص 210.
المرجع نفسه، ص.210
المرجع نفسه، ص 20.
1
2
3
4
5 (1/671)
صفحة 672
المؤمنين ... ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يُقتل، بل يقام عليه
الحد فدل على أنه ليس بمرتد.
وقد قسم أهل العلم الكفر إلى قسمين: قال ابن القيم: فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر وكفر أصغر
- الكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار.
- كفر أصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود 2.
كما بين ابن تيمية أن للإيمان مراتب ودرجات فكذلك الكفر درجات، فليس كل كفر سماه الشرع كفراً فهو كفر ينقل عن الملة، فقال: فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر، ومعه إيمان أيضاً، وعلى هذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في تسمية كثير من الذنوب كفراً، مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد النار، كقوله: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وقوله: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وهذا مستفيض عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في الصحيح من غير وجه، فإنه أمر في حجة الوداع أن يُنادى به في الناس، فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلا حق كفاراً وسمى هذا الفعل كفراً ومع هذا فقد قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 19 إلى قوله: إنما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].
فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة كفر دون كفر وكذلك قوله: " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ". فقد سماه أخوه حين يقول القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه
1
2
شرح العقيدة الطحاوية، ص 301.
مدارج السالكين، 244/ 1.
671 (1/672)
صفحة 673
كفر. وقد سلك أهل العلم رحمهم الله - في توجيه لفظ الكفر الوارد في هذه الأحاديث سبعة مسالك
إليك بيانها:
- المسلك الأول: أن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو الكفر اللغوي، الذي هو بمعنى الستر والتغطية، وليس المقصود به المعنى الشرعي للكفر.
- المسلك الثاني: أن المراد بالكفر في هذه الأحاديث هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، وذلك من المستحيل أو الجاحد، فمن استحل المسلم ما حرّم الله أو جحد ما شرعه الله فإنه يصبح كافراً بالله تعالى. - المسلك الثالث: أن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام. - المسلك الرابع: أن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو النهي عن التشبيه بأفعال الكفار.
- المسلك الخامس: أن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو المبالغة في التغليظ والتحذير من هذه
الأفعال.
- المسلك السادس أن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو أن الفعل الوارد فيه لفظ الكفر قد يَؤُول بفاعله إلى الكفر وذلك لأن المعاصي يريد الكفر.
- المسلك السابع: أن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو كفر دون كفر، وهو الكفر الأصغر، وهو
الكفر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام 2.
الإيمان بالله، ص 279.
انظر: توجيه الأحاديث التي توهم منها تكفير العصاة ماهر مروان، ص. ص 57 - 69.
672
1
2 (1/673)
صفحة 674
ولعل الراجح من هذه المسالك هو المسلك السابع القائل بأن المراد بالكفر الوارد في هذه الأحاديث هو
كفر دون كفر وهو الكفر الأصغر العملي الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام.
وذلك لما تقدم من أن الكفر في لسان الشرع ينقسم على قسمين: أكبر مخرج من الملة وهو الكفر الاعتقادي الملة وأصغر لا يخرج من وهو الكفر العملي وهو المقصود به كفر دون كفر وهو المسلك رجحه ابن تيمية
وتلميذه ابن القيم.
قال ابن تيمية: وأما حمله على كفر دون كفر فهذا حمل صحيح محمل مستقيم في الجملة في مثل هذا الكلام ولهذا جاء عن النبي (وأصحابه والتابعين في كثير من المواضيع مفسراً. وقال ابن القيم: مبيناً أن الكفر ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر وأن هذا التقسيم هو قول الصحابة رضي الله عنهم: وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين:
منه
فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون
ظلم
يقول الدكتور التواتي بن التواتي الأغواطي الجزائري: ما مراد الإباضية بقولهم: كفر نعمة؟ يعني كفر أصغر، لا يخرج عن الملة مثل قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
673
المرجع السابق، ص 72.
شرح عمدة الفقه، ص 78.
الصلاة وأحكام تاركها، ص 73.
1
2
3 (1/674)
صفحة 675
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] كفر النعمة كفر أصغر.
نعم أليست المعاصي كفراً بنعمة الله، فما الفرق بين أهل السنة وبين الإباضية؟
الجواب: لا، المعاصي عند أهل السنة طبقات، بعضها يسمى كفراً، الذي سمي في النصوص كفر مثل: الطعن في النسب والنياحة على الميت، وبعضها لا يسمى كفراً، الذي لم يسم في النصوص كفراً ما نسميه كفراً والإباضية يسمون كل معصية كفر نعمة إذا ترك شيئاً من الطاعات فهو كافر كفر نعمة.
قالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات، فمن ترك شيئاً كان كافر نعمة وليس كافر شرك، واحتجوا بالآية: بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَانَة [إبراهيم: 28].
وقال أبو إسحاق: المراد كفر النعمة وهو الكفر العملي لا الكفر الذي هو الشرك، فتأمل ذلك فيما يأتي من قوله: "ولا يسموا بالشرك أهل القبلة فليتنبه لهذه الدقيقة فإنها مزلة أقدام كثير، وهذا ردّ لعقيدة الخوارج ورد لما يدعيه قومنا زوراً على أصحابنا من أنهم يكفرون سواهم ويريدون بالتكفير الحكم بالشرك وهذه مزية
تقدمه هذه الحقيقة الناصعة.
ثالثًا: النفاق
ينقسم النفاق إلى قسمين هما:
نفاق عقيدة: وهو من أظهر الإيمان وأخفى الشرك وأخذ يستمر في عبادة الأصنام وغيرها أي لم يصدق بكل ما يلزمه تصديقه مما علم من الدين بالضرورة، وهذا النوع هو الذي فيه قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي
الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَحِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145].
1
2
3
الفقه المقارن بين المالكي والفقه الإباضي، (29/ 1).
المرجع نفسه، 30/ 1
المرجع نفسه، 31/ 1
674 (1/675)
صفحة 676
نفاق عمل: وهو من آمنه بقلبه ولم يظهر على جوارحه ما يقتضيه إيمانه وهو المرادف لكفر النعمة.
ومن هذا القبيل يعتبر الإباضية أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نفاق، فيطلقون عليه أحيانا منافقاً. ومن أقوالهم في ذلك ما يأتي:
- قال أبو أيوب والفراق لأهل المعاصي من أهل الكبائر المستحلين والمجرمين والبراءة منهم ونفي الإيمان عنهم وتسميتهم بالكفر كفر أهل النفاق. 3
- قال جابر بن زيد: إن رجلاً قال لحذيفة: يا أبا عبد الله ما النفاق؟ فقال: أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل الأدلة التي سوقها الإباضية في جواز تسمية مرتكب الكبيرة بالنفاق ما يأتي:
به من
- قال رسول الله): أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه
خصلة
من النفاق حتى يدعها؛ إذا ائتمن، خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم
6
فجر. وفي رواية مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.
وعلق الدكتور مسلم الوهيبي على هذا الحديث فقال: وليس في نسبة ثلاث خصال أو أربع إلى النفاق ما يمنع من كون النفاق العملي ينسحب حكمه على كل من خالف الدين في الأعمال، فإن ذكر هذه الخصال لا يقتضي الحصر وإنما هو من باب التمثيل والتقريب للأذهان ومما هو ظاهر بداهة أن التمثيل بها دال على خطورتها ومقتضي للتحذير منها والعدد هنا ليس له مفهوم.
675
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 215.
2
3
مسند الربيع، 362/ 4.
أبو أيوب: سيرة أبو أيوم في صفه الإسلام الشمس الشارقة ص 122.
مسند الإمام الربيع، 264/ 4، رقم 931.
مسلم، باب خصال المنافق، رقم 58، 78/ 1.
مسلم باب خصال المنافق، رقم 59، 78/ 1
4
5
6 (1/676)
صفحة 677
و روى عن جابر بن زيد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ثلاثة لا يستخف بحقهم إلا منافق حامل العلم وذو
الشيبة والإمام العادل. فالاستخفاف بتلك الثلاثة كبيرة من الكبائر ومن اقترف أي واحدة منهن
صار منافقاً 2
1. أحكام المنافقين:
أحكام المنافقين عند الإباضية هي نفس أحكام كافر النعمة، لأن كفر النعمة وكفر النفاق ألفاظ مترادفة تدلان على معنى واحد هو ارتكاب الكبائر. حتى أصحاب نفاق العقيدة يأخذون الأحكام نفسها لأنه لا تعلم حقيقتهم وقد حكم فيهم الرسول (ل) في المدينة بأحكام المسلمين.
ولتوضيح رأي الإباضية في أحكام المنافقين تذكر قول أبي أيوب الحضرمي في كيفية التعامل معهم حيث قال: "ونحسن صحبتهم وجوارهم ونصل أرحامهم، وبر الوالدين منهم، ونحسن ملكتهم ونؤدي الأمانة إليهم ونصدقهم الحديث، ونكف عنهم الظلم، ونؤدي إليهم الحقوق التي أوجبها الله لهم ونجري بيننا وبينهم في حال الأمانة والتقية والتحريم لدمائهم وأموالهم والقصاص والدماء وما دون ذلك من الجراحات لمعتد يعتدي عليهم منا ومن غيرنا وإن كانوا عندنا في تلك الحال كفاراً منافقين 3. ولكنهم غير خارجين من ملة الإسلام.
وقد ذكرت في كتابي "الإيمان بالله" إن النفاق لفظ إسلامي، لم يكن العرب تعرفه قبل الإسلام بهذا المعنى المخصوص، وحاصل عبارات العلماء في تعريفه يمكن إرجاعها إلى أن النفاق وهو إظهار الإيمان وإبطان
الكفرة. كما أنه ينقسم إلى قسمين عند أهل السنة:
1
مراسيل الإمام جابر ضمن مسند الإمام الربيع، رقم 927.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، 216.
3
سيرة أبو أيوب، في صفة الإسلام ضمن الشمس الشارقة"، ص 123.
4
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 217.
5 الإيمان بالله للصلابي، ص 238، النفاق وأثره في حياة الأمة عادل الشدي، ص (
20
676 (1/677)
صفحة 678
- نفاق الاعتقاد: وهذا النوع من النفاق النفاق الأكبر وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته
يسمى
وكتبه ورسله واليوم الآخر، فيعصم بذلك دمه وماله وعرضه ويصبح ظاهراً في عداد المسلمين ويحسب منهم وهو في الحقيقة أمره باطنا منسلخ من الدين كله مكذب به لا يؤمن بالله ولا بكلامه الذين أنزله على رسوله
فليس
معه من الإيمان شيء كالمنافقين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهذا النفاق يوجب لصاحبه الخلود في النار، بل هو في الدرك الأسفل منها. 1
- نفاق العمل وهو النفاق الذي لا ينقل صاحبه عن الملة، بل يظل معه مسلماً ويبقى إيمانه وهذا النفاق العملي هو الاتصاف ببعض أعمال المنافقين التي لا تنقض الإيمان، بل هي في المعاملات، وذلك مثل
الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد والعذر عند الخصام والخيانة عند الائتمان، فإنّه قد يجتمع في العبد بعض خصال الخير وبعض خصال الشر ويستحق من الثواب على قدر ما عنده من خصال الخير، ويستحق من العذاب على قدر ما عنده من خصال الشر والنفاق، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يخافون النفاق ويحذرون من الوقوع فيه والاقتراب منه 2.
قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلهم يخاف النفاق على نفسه 3.
—
إطلاق لفظ النفاق على مرتكب بعض المعاصي
جاءت بعض النصوص النبوية بتسمية بعض الأعمال نفاقاً ومن ذلك:
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله (آية المنافق بغض الأنصار وآية المؤمن حب الأنصار 4.
توجيه الأحاديث التي توهم منها تكفير العصاة، ص 87.
الإيمان بالله، الصلابي، ص 239.
المرجع نفسه، ص)
البخاري،
239
ك الإيمان باب حب الأنصار، رقم 3784.
1
2
3
4 (1/678)
صفحة 679
عن عبد الله
بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أربع من كن فيه كان
منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان،
وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدرن وإذا خاصم فجر.
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان 2
– عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً.
عن علي رضي الله عنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم) إلى ألا يُحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق 4.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من مات ولم يغز ولم يُحدّث به نفسه مات على شعبة من شعبة النفاق.
وقد سلك أهل العلم -رحمهم الله - في توجيه النفاق الوارد في هذه الأحاديث خمسة مسالك وهي: - المسلك الأول: إن النفاق المذكور في هذه الأحاديث المقصود به النفاق العملي لا الاعتقادي. - المسلك الثاني: أن النفاق المذكور في هذه الأحاديث يبقى على ظاهره وذلك في حق من استحل هذه
الأفعال وأبطن العداوة للإسلام وأهله.
678
34
1
البخاري، ك الإيمان علامة النفاق، رقم
2 البخاري، ك الإيمان، رقم 33.
3
4
5
ك المساجد، رقم 622.
مسلم،
مسلم، رقم
78
مسلم، ك الإمارة، رقم 1910. (1/679)
صفحة 680
المسلك الثالث: أنّ النفاق المذكور في هذه الأحاديث يبقى على ظاهره والمقصود به المنافقون الذين
صلا الله
كانوا على عهد النبي)
- المسلك الرابع: أنّ النفاق الوارد في هذه الأحاديث محمول على التشبيه بأفعال المنافقين وأخلاقهم
وصفاتهم.
- المسلك الخامس: أنه أطلق عليه ذلك باب التغيظ والمبالغة في التحذير من أن يعتاد المسلم هذه
الخصال التي يخاف أن تفضي به إلى حقيقة النفاق.
هذه
هي
المسالك الخمسة
إطلاق لفظ التي ذكرها أهل العلم - رحمهم الله - في توجيه الأحاديث الواردة
النفاق على مرتكب بعض المعاصي، وكلها تؤكد على عدم الكفر من فعل هذه الخصال إن لم يستحلها 2.
مشكلاً
قال النووي عند شرحه لحديث: أربع من كن فيه كان منافقاً .... هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدّق الذي ليس فيه شك وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف عليه السلام جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أوكله.
قال ابن القيم وكذا النفاق، نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. وفي الصحيح أيضاً: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث
679
توجيه الأحاديث التي توهم منها تكفير العصاة، ص. ص 89 - 94.
المرجع نفسه، ص 4 ص 94.
شرح صحيح مسلم، (46/ 2).
1
2
3 (1/680)
صفحة 681
كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان. فهذا النفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان
ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.
رابعًا: المعصية:
وهي الخروج عن طاعة الله تعالى، ومخالفة أمره. ومتتبع آيات القرآن الكريم ينتبه إلى وجود عدة أسماء لمدلول الخروج عن طاعة الله تعالى وهذه الأسماء أيضاً ظهرت في مقالات الإباضية محذرين منها بشتى الوسائل والأساليب ومن هذه الأسماء، البدعة والبغي والغلو، والطبع والسيئة والمروق والذنب، والكفر والإثم والإجرام والفاحشة والوزر، والخطيئة وكل هذه الألفاظ يجمعها المعصية ويقسم الإباضية المعاصي إلى صغائر وكبائر 3.
1. الكبيرة:
قال الدكتور مسلم الوهيبي: للكبيرة من الآثام أكثر من تعريف ولكن أفضلها أنها: كل ما أوعد الله على ركوبه حداً في الدنيا ووعيداً أو عقاباً في الآخرة، أو لعن عليه تبارك وتعالى أو لعن عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو برئ الله من أهله عليه أو برئ منهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك أو أشبه ذلك وما أجمع عليه أهلم العلم أنه من الكبائر، وما أشبه ذلك وما أشبه الكبير فهو كبير في دين تبارك وتعالى 4. وباختصار يمكن القول إن الكبيرة هي كل مخالفة للشرع يترتب عليها وعيد في الآخرة ومن أمثلة الكبائر الزنى، اللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وترك الصلاة، وترك الزكاة إلخ، أي كل أمر أوجب الشرع اتيانه وكل أمر أوجب الشرع الابتعاد
عنه
1
الصلاة وأحكام تاركها، ص 60.
2 الفكر العقدي عند الإباضية (ص)
3
4
5
المرجع نفسه، ص (
220
المرجع السابق، ص
221
المرجع نفسه، ص 221.
220
680 (1/681)
صفحة 682
- أحكام الكبيرة:
إن لمقترف الكبيرة من الآثام عند الإباضية إذا لم يتب منها حالاً من الأحكام وهي:
أ. أحكام الدنيا
لا
يسمى
لا يسمى
مؤمناً
مسلماً
يسمى كافراً ويقصد به الكفر غير مخرج من الملة إذا لم ينكر أمراً من الدين بالضرورة وهذا الكفر
يقصد به كفر النعمة أو كفر نفاق أو كفر عملي.
يعاقبه الإمام بالحدود أو التعازير وفقاً لنوع الكبيرة التي يقترفها.
- يعلن الإمام البراءة منه ويبغض بالقلب، وإن أظهر له الوجه والسلوك الحسن، فهو من باب تأليفه
أو كف شره.
غير مقبول العدالة أي لا تطلب شهادته ولا يُقدم للمسؤولية على المسلمين.
وبقية الأحكام حاله كحال المسلمين، حيث تؤكل ذبيحته ويصلى
معه
وعليه وينكح ويوارث وغيرها من
أحكام. وأما إذا تاب فترجع كل الحقوق ويصح حاله كحال المسلمين الموفين.
أحكام الآخرة:
لم يحدث خلاف في إنفاذ وعد الله بالجنة لمن أطاعه أو خرج من الدنيا تائباً من ذنوبه، فالله عز وجل وعد
المؤمنين، بأن يسكنهم فسيح جناته ووعده صادق لا خلاف فيه، بل لا يجوز الشك بوجوب الصدق في
1
المرجع السابق، ص 221.
681 (1/682)
صفحة 683
تحقق وعده قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ
طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72].
وكذلك لم يحدث خلاف في إنفاذ وعيد الله بالنار لمن كفر به أو أنكر أمراً من الدين بالضرورة، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
مقيم [التوبة: 68].
وقد جمع الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة ووعد الكفار بالنار في قوله تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44].
وعقيدة إنفاذ الوعد والوعيد لها أثر فعال في تحسين السلوك فإذا شعر الإنسان بأن ثم وعداً ووعيداً وأنه لا بد من أن يحاسب على أعماله فيجازي بها يوم القيامة إذا شعر بذلك من أعماق نفسه كان هذا الشعور باعثاً على فعل الخير واجتناب الشر، فإن الإيمان بثواب الله المصحوب بالرجاء والإيمان بعقاب الله المصحوب بالخوف يزجران الإنسان عن الشر ويدفعانه إلى الخير 1.
2 وعيد عصاة الموحدين:
قال عبد الله بن إباض: أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيد وتكاثرت النصوص التي تثبت إيمان الإباضية بإنفاذ الوعيد حتى على عصاة الموحدين فهم لم يفصلوا بين الوعد الوعيد فكما أنه لا يجوز الخلف في الوعد
682
المرجع السابق، ص 311. البعد الحضاري للجعبري، ص 534.
1
2 (1/683)
صفحة 684
كذلك لا يجوز الخلف في الوعيد وبهذا يرون أن مرتكب الكبيرة يقع عليه الوعيد بالعذاب إذا خرج من
الدنيا بدون توبة.
إلا أن هذا الحكم لا يسلطونه على التعيين أي كل شخص بعينه - فمهما رأوا شخصاً ركب من الكبائر ما ركب، مات على تلك الحالة السيئة بدون توبة فلا يحكمون عليه بأن فلان هذا في النار. ولأن ذلك من علم الغيب، فلعله تاب قبل الموت ولم تظهر توبته للآخرين 2.
يقول السالمي "تحت عنوان" عدم القطع بالنار لمسلم ظالم .... وقولنا بعدم القطع بالغيب لا يخاف الوعيد القاطع في عذاب من قبل مؤمناً، وكذلك لا ينافي الوعيد في عذاب مطلق الفسقة ولا المشركين، لأن الوعيد الوارد في ذلك إنما ورد على عموم الصفة فليس لنا أن نقطع به في شخص بعينه إلا بقيد نعتقده وهو قولنا: إن كان لم يتب، لأن باب التوبة مفتوح وقد جاءت بقبول التوبة، وإن كان في الظاهر لم يتب فيمكن في علم الله أنه تاب من حيث لا نعلم .. فلا نقطع بكونه من النار من غير شرط الاحتمال أن يكون تاب عند الله. واستدلوا لإثبات الوعيد على عصاة الموحدين بالآتي:
- الأدلة من القرآن الكريم
أ المجموعة الأولى آيات الوعيد مثل:
- قال تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
683
[30
[النساء:
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 312.
المرجع نفسه، ص 312.
جوابات الإمام السالمي، 235/ 6.
1
2
3 (1/684)
صفحة 685
—
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْتِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ
يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِمَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْثِرُونَ} [التوبة: 34 - 35].
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيرًا} [النساء: 10]
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّيمُ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 15 - 16].
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اتَّأَقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38 - 39]. وقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا
[مريم: 59].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمَّ
تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278 - 279].
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ} [النور: 23].
- وجه الاستدلال بهذه الآيات من وجوه قال الدكتور مسلم الوهيبي:
أنها عاملة في كل من ركب المعاصي المذكورة.
684 (1/685)
صفحة 686
بعض الآيات المذكورة تستهل بنداء المؤمنين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ثم تذكر المعصية وما ينتظرها
من عذاب مبين مما يدل على أن ما فيها من وعيد متوجه إلى المؤمنين إذا افترقوا الكبائر المذكورة 1. كل وعيد في القرآن الكريم إنما هو خاص بالمصرين ممن عمل تلك السيئة التي ثبت على أهلها ذلك الوعيد 2.
وإذا قيل إن الوعيد المذكور في الآيات السابقة خاص بالمشركين يقال له كذلك النهي عن هذه الكبائر إنما هو في المشركين وليس هو لأهل الكبائر من أهل التوحيد، ... وإذا كان الوعيد للمشركين يكون الله إنما حض المشركين، على أن لا يولوا أدبارهم للمسلمين ويتوعدهم على أن فعلوا ذلك فيقول: {وَمَنْ يُوَلِّمُ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 16]. ويقول للمشركين: مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ انَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [التوبة: 38]. ويقول لهم إلا تَنفِرُوا فتغزوا المؤمنين يعذبكم عذاباً أليماً ويقول للمشركين: لا تكنزوا الذهب والفضة، لكن انفقوها في سبيل الله الذي أنتم عليه من قتالكم محمداً رسول الله وجهادكم المؤمنين 3. وهذا القول بعيد عن الصواب 4.
ب. المجموعة التالية: آيات مفادها ألا تبديل لكلمات الله:
قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ تكررت أربع مرات في القرآن الكريم، وفوق كل ذلك يقول
ابن القيم: لم يقل الله لا يخلف ميعاده.
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 314.
2
3
المرجع السابق، ص 314.
المرجع السابق، ص 315.
المرجع نفسه، ص 315.
في الآيات القرآنية الرعد 31 آل عمران 9 آل عمران: 194 الزمر: 20
685
315
المرجع نفسه، ص
4
5
6 (1/686)
صفحة 687
وقال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلُم لِلْعَبِيدِ} [ف: 29]-
- وقال تعالى: ولا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64].
قال تعالى: {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} [الأنعام: 34]، وإن وجه الاستدلال لهذه الآيات من وجوه: أن الله عز وجل وعد قوماً وتوعد آخرين، فجعل وعده بالجنة لأوليائه المؤمنين وجعل وعيده بالنار لأعدائه الكافرين، ولن يجوز أن يكون وعده ووعيده مبدلا ولا محولا ولا مستثنى فيه. ولا مرجوعاً عنه إذ لا يجوز أن تكون أخباره جل جلاله متكاذبة ولا متناقضة ... وهل الوعد والوعيد إلا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بأنه أعد للفريقين ما وعدهم به وتوعدهم عليه.
علينا أن نسلم لأخبار الله التي لا تتبدل ومن بينها أخبار الوعيد لأن الله عز وجل لا يقول إلا الصدق، كما أنه لا يأمر إلا به وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122].
- الأدلة من السنة النبوية
دعم الإباضيون في أقوالهم مسألة إنفاذ الوعيد على عصاة الموحدين بمجموعة من الأحاديث منها
يأتي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم قال: صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة،
ولا يجدن ريحها ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله 3.
6
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم معه ولا متاع قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا
1
تمهد قواعد الإيمان، الخليلي، 157/ 2. 2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 316.
3
مسلم رقم، 2581.
686 (1/687)
صفحة 688
وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (): أول ثلاثة يدخلون النار أمير متسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حقه، وفقير فخور
قال رسول الله (من كذب علي متعمداً فليتبوا مقعده من النار.):
عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله () قال: ليس من رجل أدعى لغير أبيه وهو يعلمه
إلا كفر، ومن ادعى قوماً ليس فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار.
عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله () قال: أرأيت النار؟ فإذا أكثر أهلها النساء
يكفرن قيل أيكفرن بالله؟ قال يكفرن العشيرة
5
قال رسول الله (ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم
الجنة.
عن أبي أمامة الله رضي
عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه فقد
أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال:
وإن كان قضيباً من آراك .. وأحاديث أخرى كثيرة على هذا النحو.
687
1
مسلم، رقم 2581.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 316.
3
4
مصنف بن أبي شيبة رقم 19328
سنن الترمذي، رقم 2670.
البخاري، رقم 29.
مسلم، رقم 142. مسلم، رقم 137.
5
6
7 (1/688)
صفحة 689
وقد تحدث العلامة أحمد الخليلي في كتابه الحق الدامغ وذكر أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في
النار، وتوسع في هذا الباب واستدل الآيات الكريمة مثل:
قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 80 - 81]. ودلالته عليه من وجوه
- أولها: أن هذه العقيدة يهودية المنبت كما هو ظاهر من هذا النص وقد ذكرت في مساق التنديد بهم
والتشهير بضلالهم.
- ثانيها: ما فيه من استنكار لهذا القول الوارد موارد الاستفهام المقصود به التحدي، والتقرير بأنهم لم يستندوا في مقالتهم هذه إلى عهد من الله، وغنما هي ضمن ما يتقولونه عليه تعالى بغير علم وناهيك بذلك ردعاً عن التأسي بهم فيما يقولونه عليه تعالى بغير علم وناهيك بذلك ردعاً عن التأسي بهم فيما يقولون والخوض معهم فيما يخوضون.
- ثالثها: ما فيه من البيان الصريح بأن مصير كل من ارتكب سيئة وأحاطت به خطيئته لعدم تخلصه منها بالتوبة النصوح أنه خالد في النار مع الخالدين وهو رد على هذه الدعوى، يستأصل أطماع الطامعين في النجاة مع الإصرار على الإثم وما أجدر العاقل بأخذ الحيطة وعدم الاغترار لهذه الأماني التي تثبت بها أهل أَهْلِ
الكتاب وحذر الله هذه الأمانة من التشبيث بها منا تشبثوا حيث قال: {وَلَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِي
الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].
688
الحق الدامغ، ص 220.
1 (1/689)
صفحة 690
واستدل بغير ذلك من الآيات والحديث وقال والتحقيق أن العبرة بخواتم الأعمال، فمن ختم بالعقيدة
من
الصحيحة والعمل الصالح كان سعيداً عند الله مهما عمل من قبل، فإن التوبة تمحو الآثام وتطهر صاحبها الحوب، ومن ختم له بالإصرار على الآثام ولم تجد أعماله السابقة شيئاً لأنها محيطة بإصراره والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، والتقوى لا تجامع الإصرار وقال: ومن أمعن النظر في أحوال الناس يتبين أن اعتقاد انتهاء عذاب العصاة إلى أمد، وانقلابهم بعده إلى نعيم جرأ هذه الأمة كما جراً اليهود من قبل على انتهاك حرم الدين والتفضي عن قيود الفضيلة والاسترسال وراء شهوات النفس واقتحام لجج أهوائها.
من
ذلك
ولا أدل على ذلك من ذلك الأدب الهابط الذي يصور أنواع الفحشاء ويجليها للقراء والسامعين في أقبح صورها وأبشع مظاهرها، وقد انتشر هذا الأدب في أوساط القائلين بالعفو عن أهل الكبائر أو انتهاء عذابهم إلى أمد انتشاراً يزري بقدر أمة القرآن وغلب على المؤلفات الأدبية مطولاتها، ومختصراتها، كالأغاني ومحاضرات الأدباء والعقد الفريد حتى كاد الأدب يكون عنواناً على سوء الأدب وقد صان الله أدب أصحاب العقيدة الحقة الذي رسخ في نفوسهم ما جاء به القرآن من أبدية عذاب أهل الكبائر المصرين، كأبدية ثواب المطيعين المحسنين، كما صان الله سلوكهم طهر وجدانهم وسلّم سرائرهم من الاستهانة بحرمات الله تعالى، والاستخفاف بأحكامه الزاجرة ولو قلبت صفحات أدبهم لوجدتهم في شعرهم ونثرهم – كما يقول الأستاذ أحمد أمين لا يعرفون خمراً ولا مجوناً، فلا تجد في أدبهم خمراً ولا مجوناً.
وقال: ولست أنسى ما قاله لي الداعية الكبير العلامة المنصف الشيخ عبد المعز عبد الستار: لو أن الأمة أخذت بعقيدتهم في خلود صاحب الكبيرة في العذاب لكان لها شأن في الصلاح والاستقامة والنزاهة
689
المرجع السابق، ص 230. ضحى الإسلام، 342/ 2.
1
2 (1/690)
صفحة 691
والعفاف غير ما نراها عليه. وقال لي مثل هذا الشيخ محمد بن زكي بن إبراهيم رائد العشيرة المحمدية بمصر: ليتنا أخذنا، بآرائهم في اعتبار الغيبة والنميمة مفطرة للصوم ناقضة للوضوء 2. وقال الدكتور عمرو النامي: وبالنسبة للمسألتين الآخرتين اللتين تتعلقان بدوام العقوبة للمسلمين الذين يرتكبون الكبائر بالشفاعة وغفران الله لأولئك الذين اقترفوا الكبائر، فقد عالجهما جابر بن زيد أول إمام للمذهب الإباضي، على أساس الآيات القرآنية وأحاديث الرسول.
لقد نشأت المسألة من الآية التالية: إن تَحْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كريما [النساء: 31].
ووفقاً لابن عباس أن ارتكاب ما ينهون عنه في القرآن هو إحدى الكبائر، وارتكاب ما تنهى عنه السنة معصية والغفران المذكور في الآية السابقة متعلق بالسيئات فقط أي بالمعاصي، وبذلك تبقى جميع
الكبائر سبباً للوعيد 3. وهنالك آيات أخرى تتناول هذه المسألة:
- إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
- إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]. - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
690
الحق الدامغ، ص 247.
247
المرجع نفسه، ص) دراسات في الإباضية، ص 190.
1
2
3 (1/691)
صفحة 692
في الآية الأولى لم يشترط أي شرط للعقوبة الدائمة للذين يعصون الله ورسوله وهكذا فإن الآيتين هما بمثابة
قول عام حول المسألة: أما في الآية الثانية وفي الآية الثالثة فقد فرض التوبة شرطاً لغفرانه، ولقد قال أيضاً وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82].
ونشأ الخلاف في الرأي حول هذه المسألة بالنسبة لإرادة الله فيما يتعلق بغفران الذنوب التي هي دون الشرك، وكان رأي جابر بن زيد أن: الله أبلغنا مشيئته بالنسبة للمغفرة، إذ قال إنه يريد أن يغفر على التوبة. وَإنِّي
لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ.
وبما أن القرآن يذكر ان الذين يعصون الخالق ورسوله يخلدون في نار جهنم إلى الأبد، فلا مبرر لعدم تنفيذ ذلك إلا إذا تابوا، كما هو مبين في القرآن فالتوبة فقد هي التي تنقذهم من الخلود في النار وعلى أي حال، اعتمد المعتزلة وجهة النظر نفسها وعرفوا بها بتسميتهم بأهل الوعد والوعيد.
وبالنسبة للشفاعة فقد روي جابر بن زيد عدداً من الأحاديث عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بخصوص أولئك الذين يستحقون الشفاعة وقد ذكر جابر بوضوح أن الشفاعة ليست للخاطئين الذين لم يتوبوا قبل أن يموتوا، وسيأتي الحديث إن شاء الله تعالى عن الشفاعة عند الإباضية مفصلاً.
3 حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة:
سلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان منهجاً وسطاً في شأن مرتكب الكبيرة، فلم يكفروه ولم يقولوا بأنه كامل الإيمان بل إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن عاص، وهذا الحكم عليه
691
المرجع السابق، ص 190.
المرجع السابق، ص 191.
1
2 (1/692)
صفحة 693
إنما هو في الدنيا أما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له، وبهذا الحكم عليه جمعوا بين
النصوص الشرعية التي تصف أهل الإيمان والنصوص التي لم تخرج الفاسق من دائرة الإسلام.
إن فساق الملة ليسوا مخلدين في النار وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة بل لهم حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب, وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضاً على أنّ نبينا (صلى الله عليه وسلم) يشفع فيمن بإذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته 3.
ونصوص أهل السنة والجماعة في تقرير هذا المعنى كثيرة جداً ومن ذلك ما قاله:
الإمام أحمد بن حنبل: الكف عن أهل القبلة ولا نكفر أحداً منهم بذنب ولا نخرجه من الإسلاد
وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله - في صحيحه بقوله: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشركة.
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: إن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه مالم تكن كبيرته شركاً بالله.
وقال الإمام الطحاوي وأهل الكبائر من أمة محمد) في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين وهم بمشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما
692
1
أقوال التابعين في مسائل التوحيد والإيمان، 1315/ 3
2 المرجع نفسه، 1315/ 3. وانظر: الفتاوى، 679/ 7.
3 الإيمان، لابن تيمية ص 209. وانظر: الصلابي، الإيمان بالله، ص 249.
4
السنة للإمام أحمد تحقيق اسماعيل الانصاري، ص 72.
صحيح البخاري، ك الإيمان، 13/ 1.
تفسير الطبري، 450/ 8
5
6 (1/693)
صفحة 694
ذكر عز وجل في كتابه: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 48]. وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم
يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته.
ويقول ابن عبد البر: وقد اتفق أهل السنة والجماعة - وهم أهل الفقه والأثر - على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام.
ويقول ابن تيمية في سياق مذهب أهل السنة والجماعة ... وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان .. وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق .. ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى
الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم
—
أدلة أهل السنة على قولهم في مرتكب الكبيرة من القرآن الكريم
فأما أدلتهم على كونه مؤمناً صاحب الكبيرة وليس بكافر فمنها:
قال تعالى: إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]. وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففى مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله. 4
قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
693
العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز، 524/ 2.
التمهيد لابن عبد البر.22/ 17
العقيدة الواسطية، 151/ 3، ضمن مجموع الفتاوى.
تفسير الطبري 129/ 4
1
2
3
4 (1/694)
صفحة 695
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10]. رغم أن القتال بين
المسلمين من الكبائر لم ينتف عن المقاتلين اسم الإيمان، ولم يخرجوا به عن
أهله 1.
وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أن المعصية وإن عظمت لا تخرج من الإيمان 2.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الحُرُ بِالحُرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]. مع أن الله عز وجل توعد القاتل بالخلود في النار عقوبة له على جريمته قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا
فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93].
ومع ذلك لم ينف عن هذا القاتل العاصي صفة الإيمان، فهو أخ لأولياء المقتول، وهم مؤمنون: "فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" والمراد بالأخوة إخوة الدين والقاتل جزاؤه جهنم، فإن شاء الله أن يغفر له غفر له 3 فقد ثبت الله تعالى الإيمان للقاتل والمقتول من المؤمنين وأثبت لهم أخوة
الإيمان 4.
لم ينف القرآن الكريم صفة الإيمان عن أكل أموال الناس بالباطل أو آكل الربا ما دام غير مستحيلة.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].
694
دراسة عن الفرق وتاريخ المسلمين، أحمد جلي، ص 127.
علي بن أبي طالب، الصلابي، ص 383.
الإيمان بالله للصلابي، ص 250.
العقيدة الواسطية، (151/ 3) ضمن الفتاوى.
الإيمان بالله للصلابي، ص 250.
1
2
3
4
5 (1/695)
صفحة 696
أدلة أهل السنة على قولهم في مرتكب الكبيرة من
السنة:
—
وورد أيضاً من الأحاديث الصحيحة التي تنص على أن المعاصي لا تخرج عن الملة ومن ذلك:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق؟ ثلاثاً ثم قال في الرابعة وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذرا.
ففي قوله: وإن زنى وإن سرق دليل على أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوا أخرجوا منها وختم لهم بالخلود في الجنة.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في مجلس، فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه
فأمره إلى الله، وإن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.
ففي
الحديث التصريح يجعل الحدود كفارات ولو كان ارتكاب الكبيرة يخرج من الملة لسقطت الحدود،
ولوجب قتل مرتكبها ردة ولما جاز توريثه وهذا خلاف الإجماع.
695
البخاري،
ك اللباس، رقم 5827.
شرح صحيح مسلم، 97/ 2.
البخاري، رقم:
18
الفتاوى لابن تيمية 482/ 7.
1
2
3
4 (1/696)
صفحة 697
ولو كان ارتكاب الكبيرة مخرجاً من الملة لما جازت الصلاة على من قتل حداً، أو مات منهم، وهذا خلاف أمره صلى الله عليه وسلم.
في قوله صلى الله عليه وسلم: عن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين 2. فسمّى النبي (صلى الله عليه وسلم) الفئتين المتقاتلين بالمسلمين، كما هو في الآية السابقة.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير .. فيه دليل على أن الموحد لا يُخلد في النارة.
الأحاديث الواردة في إطلاق لفظ البراءة على مرتكب بعض المعاصي: وردت نصوص على النبي (صلى الله عليه وسلم) يصف فيها مرتكب بعض الذنوب بأنه ليس منه أو بأنه بريء منه أو أنه ليس من المسلمين ومن ذلك:
عن عبد الله
منا.
الله بن عمرو رضي عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حمل علينا السلاح فليس
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (): ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب
ودعا بدعوى الجاهلية.
696
موقف المتكلمين، سليمان الغض، 74/ 2.
البخاري، رقم
2704
عقيدة الأشاعرة دراسة نقدية حسان إبراهيم الرديعان، ص 548.
193
البخاري، رقم
44، مسلم، رقم
عقيدة الأشاعرة دراسة نقدية، ص 548.
7070
البخاري، رقم 1
7 البخاري، رقم 1297.
1
2
3
4
5
6 (1/697)
صفحة 698
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن.
قال رسول الله () من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة الجاهلية، ومن قاتل
تحت راية عميّة، يغضب لعصبية ... ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى 4،
من مؤمنها ولا يضي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه؟.
قال رسول الله (): من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا.
وغير ذلك من الأحاديث في نفس هذا المعنى وقد سلك أهل العلم في توجيه لفظ البراءة الوارد في هذه
الأحاديث ثمانية مسالك إليك بيانها:
المسلك الأول: أن المراد بذلك أن من فعل هذا الفعل فليس هذا الفعل من سنة المسلمين وأخلاقهم
وهديهم وأدبهم.
المسلك الثاني: أن المراد المستحل للفعل من غير تأويل فإنه يكفر.
المسلك الثالث: أن هذا
من
أحاديث الوعيد التي يجب أن نؤمن بما ورد فيها، وتمرُّ كما جاءت ولا
يتكلم في تأوليها حتى يكون ذلك أبلغ في الزجر.
المسلك الرابع: أنه ليس على ديننا الكامل أي: أنه خرج من فرع من فروع الدين، إن كان معه أصله
وهذا قول ابن العربي حكاه عنه ابن حجر.
1 تحسين الصوت الاستغناء به التخزن والترنم الشاغل به عن.
2
البخاري، رقم
7527
3 الأمر الأعمى لا يستبين وجهه.
4
5
6
لا يتحاشى: لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله.
مسلم، رقم
1848
أبي داود، رقم 4943. سنن
مكان التغني.
697 (1/698)
صفحة 699
المسلك الخامس: أن المراد من ذلك أن من فعل شيئاً من تلك الأفعال فقد تعرض لأن يُهجر ويُعرض
عنه فلا يختلط بجماعة السنة، تأديباً له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام. المسلك السادس: معنى الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بريء من فاعل ذلك فيكون كأنه توعده بأنه لا يدخل في شفاعته مثلاً.
المسلك السابع أن معناه ليس من أهل الإيمان المستحقين للثواب بلا عقاب ولهم المولاة المطلقة والمحبة المطلقة وإنما هو بارتكابه لذلك الفعل نقص إيمانه وصار ممن يستحق العقوبة.
المسلك الثامن: بأنه يكون مثل الجاهلية وعملهم، لأن هذه الأعمال ليست من فعل أهل الإسلام إنما هي فعل الجاهلية. وهذه هي المسالك الثمانية التي ذكرها أهل العلم في توجيه الأحاديث الواردة في إطلاق لفظ البراءة على مرتكب بعض المعاصى.
وهذه الأقوال فيها تقارب في بيان معنى الحديث والواجب في ذلك، إبطال المعنى الفاسد، وهو التكفير أو الحكم بالخروج من الدين، ثم إثبات اللفظ أو ما يدل عليه والتشديد فيه، ليكون ذلك أبلغ في زجر الفاعل عن الفعل، ونهيه عنه، فإن من علم من المسلمين أن هذا الفعل على غير هديه صلى الله عليه وسلم وليس على سبيل العصاة المنحرفين عن هديه وشريعته تيقن أن الفعل محرم، وأن صاحبه معرض للعقوبة التي
يستحقها المخالف لرسول الله () حيث حذر الله من معصية رسوله ومخالفة أمره 2.
- الأحاديث الواردة في إطلاق نفي الإيمان على مرتكب بعض المعاصي:
لقد وردت نصوص نبوية نفت الإيمان عن مرتكبي بعض الذنوب ومن ذلك:
698
انظر: توجيه الأحاديث التي توهم منها تكفير العصاة، ص 1 101 إلى 107.
المباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها. د. سعود الخلف، ص 96.
1
2 (1/699)
صفحة 700
قال رسول الله (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
قال رسول الله: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.
قال رسول الله (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن: ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حتى ينتهبها
وهو مؤمن.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه.
وقد سلك أهل العلم في توجيه نفي الإيمان الوارد في هذه الأحاديث تسعة مسالك بعد أن أجمعوا على أن المعاصي لا يخرج صاحبها من الدين ولا يكون بها كافراً إلا إذا استحلها وإليك بيان هذه المسالك بإيجاز: المسلك الأول: أن النفي في هذه الأحاديث حقيقة الإيمان ونهايته وهو الإيمان الكامل وليس النفي
لأصل الإيمان.
المسلك الثاني: أن المراد بذلك أن الإيمان يرتفع عنه حال المعصية ثم إذا أقلع وتاب رجع إليه إيمانه.
المسلك الثالث: أنه بارتكابه للكبائر يخرج من الإيمان إلى الإسلام.
المسلك الرابع: أن فاعل هذه الأشياء لا يُجازى مجازاة المؤمن بدخول الجنة من أول وهلة.
المسلك الخامس: أن هذه الأفعال لا تليق بالمؤمنين ولا تشبه صفاتهم.
المسلك السادس: أن النفي محمول على الأنذار لمرتكب الكبيرة هذه الكبائر بسوء عاقبة الأمر.
المسلك السابع: أن المنفي:
هو
من عذاب الله. الأمان نفي
699
البخاري، رقم 13.
البخاري،
رقم 15.
البخاري، رقم
2475
البخاري، رقم 6016.
1
2
3
4 (1/700)
صفحة 701
المسلك الثامن: أن المنفي هو أصل الإيمان وذلك في حق المستحل لذلك الفعل.
المسلك التاسع: أن هذه الأحاديث كلها تمر كما جاءت ولا تفسر وأنها على التأكيد والتشديد والمبالغة في الزجر والتغليظ.
هذه أشهر أقوال أهل العلم في معنى الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب بعض المعاصي وهي أقوال متقاربة تؤكد أن الكبيرة والذنب عموماً يؤثر على الإيمان إما بنفى كماله أو نوره وما يكون به خضوع لهيبة الله وجلاله أو بإخراجه من دائرة أهل الإيمان إلى مرتبة أدنى في الدين وهي الإسلام، وإما أن يترك اللفظ الشرعي كما ورد ولا يؤول ليكون أبلغ في الزجر، مع اعتقاد أن مرتكب الكبيرة ولا يكفر بذلك 2.
قال النووي عند شرحه لحديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن مرجحا المسلك الأول القائل: إن المنفي من هذه الأحاديث هو الإيمان الكامل وليس النفي لأصل الإيمان: اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلها محتملة، والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولاً
والله أعلم.
700
121 - 114
توجيه الأحاديث التي توهم منها تكفير العصاة، ص. ص.
المرجع السابق، ص. ص
121 - 114
شرح صحيح مسلم، 41/ 2.
1
2
3 (1/701)
صفحة 702
خامسًا: موانع انفاذ الوعيد
إن أهل السنة حين يقطعون بإنفاذ وعيد بعض العصاة فإنما يقطعون بذلك على سبيل الإطلاق لا على سبيل التعيين لأن المعاصي المعين يحتمل أن يقوم به ما يمنع إنفاذ وعيده والأمور التي تمنع إنفاذ الوعيد
متعددة وقد دل الاستقراء الكلي لنصوص الوحيين على أنها ثمانية وهي التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، دعاء المؤمنين، إهداء القربات، الشفاعة المصائب المكفرة، العفو الإلهي
1. التوبة
التوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه الندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة.
والتوبة مانع من إنفاذ وعيد جميع الذنوب ودليل ذلك النص والإجماع، أما النص فمنه قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ [الزمر: 53] أي لمن تاب 3.
وقال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 38 - 39].
وفي قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عن أبي موسى
الله عنه: إن الله الأشعري رضي
عز
وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس
من مغربها. وقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغرة.
موانع إنفاذ الوعيد، عيسى السعدي، ص 10.
المفردات للراعب، ص 76. وانظر: مدار السالكين ابن القيم 305/ 1 وراجع موانع إنفاذ الوعيد، ص 31.
تفسير الطبري 17/ 24
مسلم، ك التوبة، 2113/ 4
مسند الإمام، 132/ 2.
701
1
2
3
4
5 (1/702)
صفحة 703
فالتوبة مانع شامل منع إنفاذ وعيد جميع الذنوب، الكفر فما دونه، وهذا الشمول مختص بهذا المانع: فالتوبة
تمحو جميع السيئات وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة.
ومعنى الشمول في أثر التوبة، أن المذنب إذا تاب من أي ذنب توبة صحيحة ارتفع وعيد ذنبه الذي تاب وأما ما لم يتب منه فوعيده باق بحاله ولذلك إذا أسلم الكافر ولم يقلع عما كان يمارسه في كفره من كبائر، فإنه يؤاخذ بالأول منها والآخر، لأن إسلامه تضمن التوبة من الكفر دون الكبائر ويدل على هذا
منه،
ما رواه مسلم بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية؟
2.
قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء بالإسلام أخذ بالأول والآخر.2.
والمقصود بحسن الإسلام التزام الأوامر، وترك النواهي. وأما قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ
مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38].
فإنما يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما قد سلف منه والكافر إذا أسلم وبقي مصرًا على ما عمل من كبائر حال كفره فهو منته عن الكفر دون الكبائر، فيغفر له الكفر الذي انتهى عنه، دون الكبائر التي
لم ينته عنها.
2. الاستغفار:
يقول الآلوسي في تعريفه هو: طلب ستر الذنوب من الله تعالى والعفو عنه. فالاستغفار طلب أمرين في آن واحد، ستر الذنب والتجاوز عنه، ولا يغني الأول عن الثاني، لأن ستر الذنب لا يستلزم إسقاط العقوبة، فإن الله قد يستر على من يعاقب ومن لا يعاقب. ودلت النصوص الشرعية علة أن الاستغفار مانع من إنفاذ الوعيد ومن هذه النصوص:
702
منهاج السنة النبوية، 180/ 3.
مسلم کتاب الإيمان، 111/ 1.
موانع انفاذ الوعيد، ص 42.
مدارج السالكين 307/ 1. وفي: موافع الإنفاذ الوعيد، ص 49.
1
2
3
4 (1/703)
صفحة 704
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ [آل عمران: 135 - 136]. وقال
تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110].
وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا
رَحِيمًا [النساء: 64].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء يقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم. فدلت هذه النصوص المحكمة على أن الاستغفار مانع من إنفاذ الوعيد 2.
إن الاستغفار من أنواع الدعاء، لأن حقيقته سؤال الله تبارك وتعالى ستر الذنوب والتجاوز عنه والدعاء سبب مقتض للاستجابة، كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. كما أن الاستغفار لأهل الكبائر مشروع، لأنهم داخلون في عموم قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19].
ولأن المغفرة ترجى لهم، كما ذل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]. ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستغفرون لأهل الكبائر، فقد روي البزار بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقال: أخرت شفاعتي لأهل الكبائر 3.
703
مسلم، ك التوبة، 2106/ 4
موانع إنفاذ الوعيد، ص 56.
مجمع الزوائد، 211/ 10. اسناده جيد رواه البزار.
1
2
3 (1/704)
صفحة 705
ففى هذه النصوص دلالة بينه على مشروعية الاستغفار لأهل الكبائر وذلك لأن مغفرة ذنوبهم ترجى بالاستغفار لهم، فكيف بصاحب الكبيرة لو استغفر لنفسه استغفار صادراً من قلب منكسر بالذنوب، أو وافق ساعة من ساعات الاستجابة، كالأسحار وأدبار الصلوات المكتوبات، ألا يكون استغفاره أولى بالقبول أو مماثلاً على الأقل.
إن الاستغفار سبب مقتض للمغفرة، وقد يقترن به ما يقوي اقتضاءه وذلك من حيث الصيغة والهيئة والوقت وعمل القلب.
فمن حيث صيغة الاستغفار يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا بدأ العبد بالثناء على ربه ثم ثنى بالاعتراف بذنبه ثم سأل الله المغفرة وذلك كما في سيد الاستغفار، وهو ما رواه البخاري بسند عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي () قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح فهو من
أهل الجنة.
ومن حيث الهيئة يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين واستغفر لذنبه وذلك لم رواه الترمذي بسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر له.
704
مجموع الفتاوى، 31/ 10 319.
البخاري، ك الدعوات، 2323/ 5 - 2324 سنن الترمذي، أبواب الصلاة، 257/ 2 - 258
1
2
3 (1/705)
صفحة 706
ومن حيث الوقت يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا استغفر العبد في أوقات الإجابة، كثلث الليل الأخير، فقد روي البخاري بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله) قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى الثلث الآخر يقول من يدعوني، فاستجب له، من يسألني أعطيه من يستغفر فاغفر لها.
من حيث عمل القلب يترجح تحقيق أثر الاستغفار إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب، لئن انكسار القلب من أعظم أسباب الإجابة، بل إن ابن القيم يرى أنه هو السر في استجابة دعوة الثلاثة، المظلوم، والمسافر، والصائم، للكسرة التي في قلب كل واحد منهم، فإن غربة المسافر وكسرته، مما يجده العبد في نفسه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها.
وانكسار القلب قدر زائد على مجرد حضوره وهو معتبر في كمال الاستغفار لا في صحته أما
حال الاستغفار فالظاهر أنه معتبر في صحته وذلك لما رواه الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن
حضور
القلب
عمرو رضي
الله عنه عن النبي () قال: القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبده دعاه عن ظهر قلب غافل 3.
3. الحسنات الماحية
هي
الطاعات المقبولة قبول رضا أو قبول، ثواب وأما المقبولة قبول إسقاط للعقاب فلا يحصل بها شيء من
المحو. وإن حصول الحسنات الماحية للسيئات لا يكون إلا مع القبول الذي عليه الثواب، فبقدر ما يكتب له من الثواب يكفر عنه به من السيئات الماضية وما لا ثواب فيه لا يكفر وإن برئت به الذمة.
705
صحيح مسلم ك صلاة المسافرين 521/ 1، 524.
موانع إنفاذ الوعيد، ص 64.
64
المرجع السابق، ص.
موانع إنفاذ الوعيد، ص 64.
1
2
3
4 (1/706)
صفحة 707
ودلت نصوص شرعية كثيرة على أن الحسنات يمكن أن تمنع إنفاذ وعيد السيئات ودلالتها على هذا الأصل
على ضربين:
الأول: دلالة مجملة، كقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114].
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله
اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن
1
الثاني: دلالة مفصلة وشواهدها كثيرة منها: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله): من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار.
صلا الله
عثمان
وعن
عفان رضي بن
الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من توضأ فأحسن الوضوء خرجت
خطاياه من جسده حتى تخرج من أطفاره.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: أريتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغسل فيه
كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيئاً، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا.
عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند عمر
رضي
الله فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في
الفتنة قلت؟ أنا كما قاله قال: إنك عليه أو عليها - الجرئ قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره
تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي
1
2
3
4
سنن الترمذي، كتاب البر والصلة 355/ 4.
مسلم صحيح، كتاب الإيمان، 58/ 1. البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، 197/ 1. البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، 197/ 1
706 (1/707)
صفحة 708
وقال رسول الله: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من حج الله، فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.
وعن أبي قتادة عن رسول الله (): أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله: نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مُقبل غير مدبر ثم قال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): أيما رجل أعتق امرءا مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. ولا شك أن الحسنات يذهبن الماحية من الأعمال الصالحة يمكن أن تمنع إنفاذ وعيد الكبائر بطريق الموازنة فإذا ارجحت حسناته بسيئاته لم ينفذ وعيد كبائره يقوم الإمام البيهقي: والذي يعرف بالاستدلال بالأخبار أن حسنات المؤمن دون الإيمان تقابل سيئاته، فمن ثقلت موازين حسناته فهو في عيشة راضية.
ويقول ابن تيمية: الوعيد ينتفي ... إما بتوبة وإما بحسنات يفعلها تكافئ سيئاته. وإما بغير ذلك. والنصوص الدالة على هذا الأصل العظيم جلية الدلالة على المقصود قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8]، وقال سبحانه فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ
رَاضِيَة [القارعة: 6 - 7].
1 البخاري، ك الإيمان، 22/ 1.
2 البخاري، ك الحج، 553/ 2.
3
مسلم، ك الإمارة، 1501/ 3. 4 البخاري، ك العتق، 891/ 2.
109
5 البعث والنشور، ص) مجموع الفتاوى، 649/ 11.
6
707 (1/708)
صفحة 709
والمعتبر في الموازنة مقادير الأوزار والأجور لا أعداد الطاعات والمعاصي، فرب حسنة يعظم أجرها ويكثر
ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب ويشهد لها ثلاثة أدلة
السنة: من
عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يارب فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا
يارب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع
هذه السجلات؟
فقال: إنك لا تظلم قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة
فلا يثقل مع اسم الله شيء.
هذا حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم
كانوا يقولون: لا إله إلا الله ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة.
ثانيها: ما رواه البخاري بسند عن أبي هريرة رضي
الله
عنه قال: قال النبي): بينما كلب يطيف بركية 3
كان يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني اسرائيل فنزعت موقعها فسقته فغفر لها به.
وهذه سقت الكلب بإيمان خالص فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يغفر لها.
5
1
2
سنن الترمذي، ك الإيمان، 24/ 5 - 25
منهاج السنة، 182/ 3.
3 الركية: البئر وجمعها ركايا، مثل عطية وعطايا.
4
البخاري، كتاب الأنبياء، 279/ 3.
منهاج السنة، 182/ 4.
708 (1/709)
صفحة 710
ثالثها: ما رواه الشيخان بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: بينما رجل
يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له.
هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك 2 والمقصود أن
عدم إنفاذ وعيد الكبائر بسبب العمل الصالح أمر لا شك في وقوعه إذا كان ذلك طريق
الموازنة، كما أن الطاعات العظيمة كالحج والجهاد والعتق تكفر الكبائر، وذلك لقوة عموم الدال على شمول
التكفير بها، كقوله صلى الله عليه وسلم: من حج الله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.
وقوله: القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين.
6
وقوله: أيما رجل أعتق امرءًا مسلما استنقذ الله بكل عضو منه من النارة.
4. دعاء المؤمنين:
دلت نصوص شرعية كثيرة على مشروعية الدعاء لأحياء المؤمنين وأمواتهم بالمغفرة والرحمة وعلى مدلول هذه النصوص أجمع أهل السنة والجماعة والدعاء للمؤمنين بالمغفرة وما في معناه نوعان:
الأول: دعاء مطلق.
الثاني: دعاء مقيد بفعل معين:
أما النوع الأول فقد دل على مشروعيته قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19].
1
2
مسلم، ك الإمارة، 1521/ 3.
منهاج السنة، 182/ 3. 3 البخاري، الحج، 553/ 2.
4
5
مسلم، ك الإمارة، 1502/ 3. ك العتق، 891/ 2.
البخاري،
709 (1/710)
صفحة 711
وقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159].
وقوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10].
وأما الثاني "المقيد بفعل معين" فله ثلاث صور:
الأولى الصلاة على الميت
الصلاة على الأموات ثابتة ثبوتاً ضرورياً من فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه والمقصود من هذه
الصلاة تحقيق حكمتين في آن واحد
نفع المصلى: قال النبي: (): من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط فإن تبعها فله قيراطان. قيل:
وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أحد أ
ونفع المصلي عليه ودليل هذه الحكمة ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه
والشفاعة للميت - أي الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة هي المقصود من هذ الصلة أصالة ولذلك أمر النبي) في صلاة الجنازة بإخلاص الدعاء للميت 3.
روى أبو داود وابن ماجة بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إذا
صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء 4.
710
مسلم، ك الجنائز (653/ 2).
مسلم، ك الجنائز، 655/ 2
أي الدعاء له بإخلاص وحضور القلب.
سنن
أبي داود، 538/ 3.
1
2
3
4 (1/711)
صفحة 712
وقد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في صلاة الجنازة أدعية مختلفة منها رواه الإمام مسلم بسنده عن عوف الله عنه قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جناة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه
مالك
رضي وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار.
الثانية: القيام على القبر:
وقد دل على مشروعيتها مفهوم قوله تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ
[التوبة: 84]، والمقصود من ذلك القيام سؤال المغفرة والتثبيت للميت والدليل على ذلك ما رواه أبو داود بسنده
عن عثمان
بن عفان رضي
الله
عنه قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا
لأخيكم وسلوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل 2
الثالثة: زيارة القبور:
الله
وقد دل على مشروعيتها ما رواه الإمام مسلم بسنده عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، والمقصود من هذه الزيارة تحقيق حكمتين في آن واحد:
اعتبار الزائر واتعاظه ودليلها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة 4.
1
2
3
4
مسلم، ك الجنائز، 662/ 2.
المستدرك للحاكم، 370/ 1 371.
مسلم،
ك الجنائز، 672/ 2.
المسند، 38/ 3.
711 (1/712)
صفحة 713
الدعاء للمزور بالمغفرة والرحمة ودليلهما ما رواه الإمام مسلم بسنده عن عائشة الله عنها أنها قالت:
رضي
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما
توعدون غداً مؤجلون وإن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
والنصوص الشرعية التي تدل على مشروعية الدعاء للمؤمنين بالمغفرة والرحمة تدل قطعاً على انتفاع المدعو
له بدعاء المؤمنين ومن أهم مظاهر انتفاعه عدم إنفاذ وعيده بسبب دعاء المؤمنين واستغفارهم
2
والدعاء لأهل الكبائر بالمغفرة والرحمة من جملة الأمور التي يمكن أن تمنع إنفاذ وعيدهم على مذهب أهل السنة والجماعة، فصلاة المسلمين على الميت ودعاؤهم له من أسباب المغفرة وكذلك دعاؤهم واستغفارهم في غير صلاة الجنازة. كما أن الاستغفار لأهل الكبائر مشروع والاستغفار المشروع يمكن أن يمنع إنفاذ وعيد المدعو له.
وأما مشروعية الاستغفار لأهل الكبائر، فعموم النصوص الدالة على مشروعية الاستغفار للمؤمنين كقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، فصاحب الكبيرة داخل في هذا العموم، لأن وصف الإيمان يشمله، فقد سمى البغاة مؤمنين ولم يرفع عن القاتل أخوة الإيمان. كما مر معنا.
وأما ما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عن امتناعه عن الصلاة على الغال وقاتل نفسه وهما من أصحاب الكبائر وهذا الامتناع يوهم أن الدعاء لأصحاب الكبائر بالمغفرة وما في معناها لا تأثير له في وعيدهم، فيرفع الأشكال لكون هذين الأمرين لا يدلان على الترك الكلي، بحيث أن الغال وقاتل نفسه لم يصل عليهما
712
مسلم، ك الجنائز، 669/ 2.
موانع إنفاذ الوعيد، ص 97.
المرجع السابق، ص)
100
مجموع الفتاوى، 498/ 7
موانع انفاذ الوعيد، ص 101.
1
2
3
4
5 (1/713)
صفحة 714
أحد، لا النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا أحد من أصحابه وإنما يدلان على امتناع النبي خاصة بدليل قوله في الغال: صلوا
على صاحبكم وقوله في قاتل نفسه كما وقع عند النسائي: أما أنا فلا أصلي عليه.
كما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يمتنع عن الصلاة على بعض الأشخاص ويأمر أصحابه بالصلاة عليهم وذلك لزجر الناس عن مثل أفعالهم، فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يترك الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجراً للناس عن التساهل في الاستدانة وإهمال الوفاء ويأمر أصحابه بالصلاة عليه 2.
إن النبي ((إنما ترك الصلاة على الغال وقاتل نفسه لزجر الناس عن قتل أنفسهم وعن الأخذ من الغنيمة قبل تقسيمها ولم يترك الصلاة عليهما لأن المغفرة لهما لا ترجى بالدعاء لهما بدليل أنه أمر أصحابه بالصلاة
عليهما، بل إنه دعا لرجل قتل نفسه بالمغفرة، فقد روى الإمام مسلم بسنده عن جابر رضي
الله
عنه قال:
لما هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فجاؤوا المدينة 3 فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشحبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟
فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال مالي أراك مغطيا يديك؟ قال: لي لن نصلح منك ما أفسدت الطفيل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال رسول الله (): اللهم وليديه فاغفر
5
والاستغفار للمؤمنين وما في معناه إنما يمنع إنفاذ الوعيد ظناً لا قطعاً لأنه دعاء والدعاء قدر لا يستجاب، إما لتخلف شرط وإما لوجود مانع، وإما لحكمة إلهية لا نعلمها ولكن جانب الإجابة أرجح لقوة دلالة النصوص والعمل بالراجح مطلوب شرعاً، فينبغي الحرص على الدعاء للمؤمنين بالمغفرة والرحمة والإجتهاد
1
سنن الترمذي، ك الجنائز، 66/ 4.
2 أحكام الجنائز، الألباني، ص. ص 83 - 87.
3
4
المقصود: كرهوا المقام بالمدينة لضجر ونوع سمم.
البراجم: مفاصل الأصابع.
5
مسلم، ك الإيمان، 108/ 1، 109
713 (1/714)
صفحة 715
في ذلك فقد يعتق الله بدعائه كثيراً من أهل البلاء والمحنة في البرزج أو في الآخرة قال تعالى: مَنْ يَشْفَعْ
شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ} [النساء: 85]. وروى البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي
مرفوعاً: اشفعوا تؤجروا.
الله عنه
والشفاعة الحسنة تشمل الشفاعة للناس في قضاء حوائجهم والدعاء لهم بخير الدنيا والآخرة وغير ذلك، فمن شفع لينفع كان له نصيب من الأجر، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب آمن المك على دعائه وقال: ولك
بمثل 2.
5. إهداء القربات:
إن القربة اسم جامع لكل ما يدني المتقرب من ربه عز وجل والذي يدني العبد من ربه طاعته سبحانه بفعل أمره واجتناب نهيه، فالقربات إذن بمعنى الطاعات تماماً وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على أن الإنسان
يمكن أن ينتفع بعمل غيره، ومن ذلك:
ما رواه الإمام البخاري بسنده عن ابن عباس رضي
الله عنه أن
سعد
بن
عبادة رضي
الله
عنه توفيت، وأنا
غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم. قال: فإنني أشهدك أن حائطي المخراف 4،
صدقة عليها.
ومعنى نفع الميت بالصدقة عنه: تنزيله منزلة المتصدق بحيث تقع الصدقة نفسها عن الميت ويكتب له ثوابها.
البخاري، كتاب الزكاة، رقم 1432.
تفسير القرطبي، 295/ 5.
موانع إنفاذ الوعيد، ص 111.
المخراف: المكان المثمر.
البخاري،
ك الوصايا، 1013/ 3.
نهاية المحتاج، الرملي، 92/ 6.
714 (1/715)
صفحة 716
وقد جاءت نصوص تدل على الانتفاع بعمل الآخرين في إسقاط الحقوق الثابتة في الذمة وهذه الحقوق إما أن تكون الله، وإما أن تكون للناس.
فالحقوق التي لله، كالزكاة والصيام والحج الواجب والنذور والكفارات فقد دلت النصوص على الانتفاع بعمل الآخرين في إسقاط هذه الحقوق إجمالاً وتفصيلاً.
فأما الدليل الإجمالي، فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: اقضوا الله فالله أحق بالوفاء 2. والحديث إن ورد على سبب خاص، وهو الحج إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على المعتمد من أقوال أهل العلم ولذلك قال ابن حجر: ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته، من كفارة أو نذر أو زكاة أو غير ذلك. وأما الأدلة التفصيلية فمنها قول رسول الله): من مات وعليه صيام صام عنه وليه 4.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تفضيه، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فاقضه عنها.
ما رواه مسلم بسنده عن بريدة رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ أتته امرأة فقال: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت: يا رسول الله إنه
كان عليها صوم
شهر
فأصوم عنها؟ قال: صومي عنها قالت إنها لم تحج قط، أفأحج عنها. ا. قال:
حجي
عنها.
1
موانع إنفاذ الوعيد، ص 115.
2 البخاري، باب الحج والنذور، 656/ 2، 657.
3
4
5
6
الباري،. 66/ 4. وانظر: إشاد الفحول الشوكاني، ص 133.
ك الصوم، 690/ 2.
فتح
البخاري،
مسلم، ك النذر، 1260/ 3.
مسلم، ك الوصايا، 805/ 2.
715 (1/716)
صفحة 717
أما الحقوق التي للناس كالدين، فقد دلّ على الانتفاع بعمل الآخرين في إسقاطها النص والإجماع.
أما النص، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي (أتى بجنازة ليصلي عليها، فقال هل عليه دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أخرى فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله فصلى عليه. أما الإجماع فيقرر ابن القيم دلالته بقوله: أجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت لو كان من أجنبي أو من غير تركته، وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأدخله منه أنه ينفعه ويبرأ منه، كما يسقط من ذمة الحي
ومن كل ما سبق يتبين أن النصوص الشرعية دلت على جواز إهداء القربات في الجملة وعلى ذلك أجمع أهل السنة، أي من حيث الأصل لا من حيث التفاصيل.
والحكمة من هذا الجواز:
الأول: نفع المهدى إليه والتكفير عنه بدل ذلك ما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي
الله عنه
أن
سعد
بن عبادة رضي
الله
عنه توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب
عنها، أينفعها شيء وإن تصدقت عنها؟ قال: نعم
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) إن
أبي مات وترك مالا ولا يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم.
1 كتاب الروح، ص 165 بتصرف
2 كتاب الروح، ص 159. ك الوصايا، 1013/ 3.
3
4
البخاري،
مسلم، ك، الوصية، 1254/ 3
716 (1/717)
صفحة 718
الثاني: نفع المهدي من أجل بره وإحسانه يدل على ذلك ما رواه مسلم بسنده عن عائشة
رضي
الله عنها
أن رجلاً قال للنبي): إن أمتي افتلتت، نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت، فلي أجر أن أتصدق
عنها؟ قال: نعم. وإهداء ما يمكن أن ينتفع به الميت من قربات يجوز أن يمنع إنفاذ وعيد
الكبائر.
وأما ما يمكن أن ينتفع به الميت من قربات فإنه فيه تفصيلا، لأن القربات إما أن تكون علمية وإما أن تكون عملية. فللقربات العلمية، كالإيمان بالله ورسوله لا يمكن إهداء ثوابها إليه لأنها لا تقبل النيابة إجماعاً ويلتحق بحكم هذا النوع من القربات العملية ما يتعين أن يفعله العبد بنفسه ولا تدخله النيابة إجماعاً كالتوبة 3
أما سائر القربات العملية فإن فيها تفصيلاً، لأنها بدنية محصنة وإما مالية محصنة وإما مركبة منهما فالقربات المالية المحصنة كالصدقة والعتق يمكن إهداء ثوابها إجماعاً يقول ابن تيمية والأئمة اتفقوا على أن الصدقة
4
تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية، كالعتق.
أما القربات البدنية المحصنة كالصوم والقراءة فإن في إهداء ثوابها نزاعاً قوياً بين أهل العلم فقد ذهب الحنفية والحنبلية في المعتمد من مذهبهم إلى أن الميت ينتفع بكل ما يهدى إليه من هذه القربات لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات البدانية.
وذهب المالكية والشافعية في المشهور من مذهبهم إلى أن الميت لا ينتفع بما يهدى إليه من هذه القربات، واستدلوا بقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39].
717
افتلتت: ماتت بغتة وفجأة.
مسلم،
ك الوصية، 1254/ 3.
الفروق للقرافي 192/ 3. وفي مواهب الجليل للحطاب، 543/ 2.
مجموع الفتاوى، 309/ 42
فتح القدير
للكمال ابن الهمام، 65/ 3، 66.
1
2
3
4
5 (1/718)
صفحة 719
وبما رواه الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إذا مات الإنسان انقطع
عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو
له.
والآية الكريمة وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، لا تعني أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره وإنما تعني
أن
الإنسان لا يستحق عمل غيره وظاهر الآية أن الإنسان ليس له إلا سعيه وهذا حق فإنه لا يملك ولا
يستحق إلا نفسه، وأما غيره فلا يملكه ولا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به،
سعي
سعي
كما أنه دائم يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم 2.
وقد نقل الإجماع على الانتفاع بقربة الحج المركبة من المال والبدن ذكر ذلك النووي، وابن تيمية وابن القيم وغيرهم. 3
وروى أبو داود بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة قال: من شبرمة؟ قال أخ لي أو قري قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة 4.
والمقصود من هذا كله أن الميت يمكن أن ينتفع بكل ما يهدى إليه من قربات عدا القربات التي يتعين أن يفعلها العبد بنفسه، كالإيمان والتوبة ولا فرق في ذلك كله بين أن تهدى إليه من الولد أو من غيره وهذا اختيار المحققين من أهل العلم، كابن تيمية وابن القيم والصنعاني، بل إن ابن القيم نسبه إلى جمهور
السلف 6.
718
موانع انفاذ الوعيد، ص 124.
مجموع الفتاوى، 499/ 7. بتصرف يسير.
موانع انفاذ الوعيد، ص 125.
سنن
أبي داود، ك المناسك، 403/ 2.
موانع انفاذ الوعيد، ص 129.
الروح، ابن القيم، ص 160.
1
2
3
4
5
6 (1/719)
صفحة 720
وأما أن إهداء ما يمكن أن ينتفع به من قربات يجوز أن يمنع إنفاذ وعيد الكبائر فقد نقله ابن تيمية عن أهل السنة فقال: يجوز عندهم أن صاحب الكبيرة يدخله الله الجنة بلا عذاب إما لحسنات تمحو كبيرته منه أو من غيره .... وإما لغير ذلك. ويمكن أن يستدل لهذا الأصل بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48].
فقسم الله الذنوب إلى قسمين قسم لا يمكن غفرانه وهو الكفر وقسم يمكن غفرانه وهو ما دون الكفر من كبائر وصغائر، ومغفرة ما دون الكفر قد تكون بسبب من العبد كالاستغفار وقد تكون بسبب الخلق كإهداء ثواب بعض الأعمال وقد تكون بمحض المشيئة 2
إن عدم إنفاذ وعيد ما دون الشرك من كبائر وصغائر بسبب إهداء ما يمكن إهداؤه من قربات يجوز أن تكون بطريق الموازنة ويجوز أن يكون بطريق التكفير. أما أنه يجوز أن يكون بطريقة الموازنة، فالعموم قوله
تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8].
إذ لا فرق بين أن ميزان المؤمن بمجرد حسناته أو بها وبما يهدي إليه من حسنات وأما أن يكون
يرجح
بطريقة التكفير، فلما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي (صلى الله عليه وسلم): أن أتصدق
719
عنه؟ قال: نعم.
مجموع الفتاوى، 480/ 12
منهاج السنة، 187/ 2.
مسلم، ك الوصية، 1254/ 3
1
2
3 (1/720)
صفحة 721
6. الشفاعة:
قال محمد الطاهر بن عاشور: الشفاعة هي الوساطة في حصول نفع أو دفع ضرر. ويأتي الحديث عنها مفصلاً إن شاء الله تعالى وعن أنواعها والشفاعة المقبولة يمكن أن تمنع إنفاذ وعيد المعين من أهل الكبائر
ظناً لا قطعاً. والشفاعة المقبولة هي التي انتظمت فيها شروط القبول وهي ثلاثة:
إذن الله في الشفاعة ودليله قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
رضاه عن الشافع ودليله قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ قَوْلًا} [طه: 109]، أي شفاعة من أذن له الرحمن.
لَهُ
رضاه عن المشفوع له ودليله قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وأهل الرضا الله
هم أهل التوحيد ولو كانوا أهل كبائر 2.
وقد دل على هذه الشروط مجتمعة قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]. أي أن الشافع والمشفوع له.
إن النصوص الشرعية دلت على وقوع الشفاعة في بعض أهل الكبائر قبل إنفاذ وعيدهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله) لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً.
720
التحرير
والتنوير، 664/ 1.
فتح القدير، الشوكاني، 406/ 3.
موانع انفاذ الوعيد، ص 147. ك الدعوات، 2323/ 5.
البخاري،
1
2
3
4 (1/721)
صفحة 722
يقول المناوي رحمه الله: هذا الحديث قد استدل به أهل السنة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، قالوا: لأن الشفاعة تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئاً كما نص عليه في رواية مسلم وصاحب الكبيرة في ذلك فوجب أن تناله الشفاعة. وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): شفاعتي لأهل الكبائر لأمتي.
إن الشفاعة المقبولة يمكن أن تمنع إنفاذ وعيد المعين من أهل الكبائر ظناً لا قطعا، فلأن الشفاعة فيه يحتمل أن تقع ابتداءً فتمنع إنفاذ وعيده ويحتمل أن تتأخر فلا تمنع حينئذ إلا استمراره 3.
7. المصائب المكفرة:
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن نفس المصائب مكفرات ومثيبات وقد استدلوا بالقرآن الكريم والسنة أما القرآن فقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا تَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُةٍ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120].
فرتب الله سبحانه الأجر على جملة أمور منها ما هو من المصائب كالنصب فدل ذلك على أن الإنسان يؤجر على المصائب نفسها. وأما السنة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة. أن نفس المصائب مكفرات والثواب: إنما يكون على العمل الاختيار المترتب عليها وهو الصبر.
721
فيض القدير، 217/ 2.
أبي داود، باب الشفاعة، 106/ 5. سنن
موانع إنفاذ الوعيد،.
ص
148
المرجع نفسه، ص 7 ص 157.
مسلم، ك البر، 1991/ 4. موانع إنفاذ الوعيد، ص 158.
1
2
3
4
5
6 (1/722)
صفحة 723
والمصائب يمكن أن تمنع إنفاذ وعيد الكبائر على مذهب أهل السنة والجماعة: فيجوز عندهم أن صاحب الكبيرة يدخله الله الجنة بدون عذاب، أما الحسنات تمحو كبيرته وأما المصائب كفرتها عنه. وإما لغير ذلك.
وذلك لعموم الأدلة الدالة على المصائب تكفر الخطايا ومن ذلك ما رواه البخاري بسنده عن ابن مسعود الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما من مسلم يصيبه أذى مرض فما سواه إلا خط الله له
رضي
سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها. ووجه الدلالة أن السيئات جمع مضاف، فيفيد العموم فليزم جميع الذنوب كبيرها وصغيرها 2.
8. العفو الإلهي:
منه
تكفير
هو الصفح عن الذنوب وترك مجازاة المسيء. دلت النصوص الشرعية المتواترة دلالة قطعية على أن الله تعالى عفو غفور، يتجاوز عما يستحقه المذنبون من العقاب منها قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]. وقوله تعالى: وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا
غَفُورًا [النساء: 43].
وهذه النصوص وما في معناها تدل قطعاً على أن العفو الإلهي من موانع إنفاذ الوعيد، ويمكن أن يمنع إنفاذ وعيد أهل الكبائر عند أهل السنة والجماعة، فصاحب الكبيرة عند سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة لا يشهدون له بالنار، بل يجوز أن يغفر الله له. وقد ذكرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
التي استدل بها أهل السنة عند الحديث عن حكم مرتكب الكبيرة.
722
مجموع الفتاوى، 480/ 12
موانع إنفاذ الوعيد، ص 168
تفسير الطبري، 397/ 1 مجموع الفتاوى، 475/ 4
1
2
3
4 (1/723)
صفحة 724
ومن
رضي
عمر
هذه الأحاديث المتعلقة بعفو الله عزو جل وستره ومغفرته ما رواه الإمام مسلم بسنده عن ابن الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: يدني المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل حتى يضع
على كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربي أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم
وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: قال الله تعالى يا بن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لآتيتك بقرابها مغفرة.
والنصوص النبوية الدالة على هذا الأصل العظيم كثيرة جداً، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على مقتضي
هذه النصوص.
إن أمر أهل الكبائر متروك لمحض المشيئة الإلهية وقد بين النصوص سابقاً التي تدل صراحة على أن كل صاحب كبيرة فهو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء أدخله الجنة ونحن حين نرد إلى محض المشيئة الإلهية، فإنما نرده إلى مشيئة عليم حكيم، لا يضع العفو والعقاب إلا في محلهما اللائق بهما قال تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّجُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 106]. فديل الآية
2
1 كنفه: أي ستره. مسلم، ك التوبة، 2120/ 4
3
مسلم، ك التوبة، 2120/ 4.
4
5
سنن الترمذي، ك الدعوات، 548/ 5.
موانع انفاذ الوعيد، ص 178.
723 (1/724)
صفحة 725
بما يدل على أسمائه الحسنة على علمه التام وحكمته البالغة، لأن العفو عن أصحاب الكبائر مبني على هاتين الصفتين 1.
ومما تقدم يتضح إن دخول الشخص في عموم نصوص الوعيد لا يعني لحقوق الوعيد، به لاحتمال أن يقوم به ما يمنع إنفاذ وعيده كالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ودعاء المؤمنين والشفاعة في أهل الكبائر والمصائب المكفرة، والعفو الإلهي
إن نصوص الوعيد يقال بموجبها على الإطلاق يقال من فعل كذا فهو متوعد لكذا دون أن يعين شخص فيقال: هذا مغضوب عليه، أو هذا في النار، أو هذا ملعون لإمكان أن يتوب، فيتوب الله عليه أو يستغفر فيغفر له أو يكون له حسنات تمحو سيئاته، أو تقبل فيه شفاعة أو يبتلى بما يكفر عنه أو يتجاوز الله عنه.
وهذا الطريق يتضمن العمل بموجب نصوص الوعد والوعيد، معا لأن اعتقاد أن فاعل هذا الذنب المعين متوعد بهذا الوعيد المعين عمل بنصوص الوعيد في مقتضاها واعتقاد أن إنفاذ الوعيد هذا المذنب يتوقف على تحقيق الشرط وانتفاء سائر الموانع عمل بنصوص الوعد بمقتضاها وهذا طريق محكم التزمه أهل السنة والجماعة، فظهرت آثاره في العقائد التالية: 2
1
2
9. الكف عمّا شجر بين الصحابة
:
من
عقائد أهل السنة والجماعة الإمساك عما شجر بين الصحابة، لأن وعيد ما ثبت صدوره عنهم
الذنوب قد لا يلحق بهم، إما بتخلف الشرط وإما لوجود مانع، كما أن الآثار المروية في مساوئ الصحابة منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه، ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما
موانع إنفاذ الوعيد، ص 212.
المرجع السابق، ص 221.
724 (1/725)
صفحة 726
مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون وهم مع هذا لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم
كبائر الإثم وصغائره بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد
تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو لشفاعة محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي هم
عنه.
بشفاعته أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه
أحق
عدم لعن المعين:
10
المختار عند المحققين من أهل السنة، جواز لعن أنواع الفساق لا أعيانهم، لأن الفاسق المعين الذي تحقق فيه
شرط الوعيد قد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو غير ذلك من موانع إنفاذ العقوبة.
11
عدم الشهادة على معين من أهل القبلة بالنار
يقول الإمام الطحاوي: ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً. والمراد بأهل القبلة: من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول (صلى الله عليه وسلم) وذلك لأن المعين الذي قام به سبب الوعيد، وتحقق به شرطه، يجوز أن لا ينفذ وعيده لمعارض راجح كالتوبة، والحسنات الماحية والشفاعة المقبولة، والعفو الإلهي يوضح هذا ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنا أصحاب النبي (لا لا لا لا شك في قاتل المؤمن واكل مال اليتيم وقذف المحصنات وشهادة الزور حتى نزلت هذه الآية إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 48].
725
مجموع الفتاوى 154/ 3 وفي: منهاج السنة، 176/ 3.
موانع انفاذ الوعيد، ص 222.
شرح
العقيدة الطحاوية ص 286 287
1
2
3 (1/726)
صفحة 727
فأمسك أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الشهادة وإليك تفريقاً عملياً من واقع النصوص الشرعية بالقول بموجب
نصوص الوعيد على وجه العموم دون أن يحكم بالوعيد على معين لاحتمال تخلف شرط الوعيد أو وجود
مانعه. فقد روى الإمام أبو داود بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.
وروى الإمام البخاري بسنده عن عمر بن
الخطاب رضي
الله. عنه:
ه: أن رجلاً كان على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) كان
اسمه عبد الله وكان يلقب بالحمار وكان يضحك رسول الله صلى الله عيه وسلم وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جلده في الشرب، فأتى به يوماً فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي): لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله 3.
ففي الحديث أبي داود لعن () شارب الخمر على وجه العموم والإطلاق وفي حديث البخاري نهى (صلى الله عليه وسلم) عن لعن هذا المدمن اللعين، لقيام مانع من موانع إنفاذ الوعيد به، وهو حب الله ورسوله مما يدل عملياً على التفريق بين إطلاق الوعيد وتعيينه *
روي مسلم بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) آكل الربا وموكله وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم فيه سواء.
بتمر برني فقال
وروى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي له النبي (صلى الله عليه وسلم): من أين هذا؟ قال بلال كان عندنا تمر دريء، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي (صلى الله عليه وسلم)،
726
تفسير ابن أبي حاتم 1339/ 3.
سنن
، أبي داود، ك الأشربة، 82/ 4.
البخاري، ك الحدود، 2489/ 6. مجموع الفتاوى لابن تيمية، 484/ 12.
مسلم، 1219/ 3.
1
2
3
4
5 (1/727)
صفحة 728
فقال النبي: أوه" أوه، عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بيعاً آخر ثم اشتر
ففي
الحديث الأول لعن الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا على سبيل العموم والإطلاق، ثم أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم على بلال رضي الله عنه بهذا الوعيد لعدم علمه بالتحريم مما يدل علمياً على التفريق بين إطلاق الوعيد وتعيينه 2.
روى الشيخان بسندهما من طريق أبي بكر رضي الله عنه عن
النبي
) قال: إذا التقى المسلمان
بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار.
ورى الإمام مسلم بسنده عن أم مبشر رضي الله عنهما عن النبي قال: لا يدخل النار إن شاء الله
من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها.
الله
فدل حديث أبي بكر رضي الله عنه على أن التقاتل سبب لدخول النار ودل حديث أم مبشر رضي عنهما على أن هذا الحكم لا يتطبق على من قاتل من أهل بيعة الرضوان في موقعة الجمل وصفين، لأن حسناتهم منعت المقتضى أن يعمل عمله وفي هذا دلالة عملية على التفريق بين إطلاق الوعيد وتعيينه 3
1
2
3
4
5
البخاري، ك الوكالة، 813/ 2.
موانع انفاذ الوعيد ص 225، مجموع الفتاوى، 353/ 20.
ك الفتن، 2214/ 4.
مسلم،
مسلم، ك الفضائل، 1942/ 4.
موانع انفاذ الوعيد، ص 226.
727 (1/728)
صفحة 729
سادساً: الولاية والبراءة:
تعد قضية الولاية للمطيعين والبراءة من العاصين أصل من أصول الدين عند الإباضية ومبحث من مباحث العقيدة وقد التفت أئمة الإباضية ومشايخها منذ البداية إلى أهمية هذا الاعتقاد وضرورة استخدامه في تطوير حركتهم ونشر دعوتهم وهذا الاعتقاد كان من أهم العوامل التي ساعدت في الحفاظ على وحدة الجماعة الإباضية وتماسكها عبر العصور.
بدأت الحركة الإباضية سرية واتخذت من البصرة مقراً لها وكان ذلك خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري والنصف الأول من القرن الثاني الهجري، حيث كانت زمام الأمور بيد الدولة الأموية وكان ولاتهم في العراق يشتدون في ملاحظة أتباع الفرق الإسلامية المناوئة للحكم الأموي فرأى الإباضية أن يسيروا بدعوتهم بحذر شديد متجنبين المعارضة المسلحة ضد الحكم القائم وفي الوقت نفسه أوجدوا الوسائل الكفيلة لنشر دعوتهم في الأمصار الإسلامية، فاستعملوا التقية الدينية وأوجدوا تنظيماً سرياً دقيقاً كانت الولاية والبراءة إحدى عناصره وساعد في إنجاح الحركة وتحقيق أهدافها 2.
وقد أصبحت هذه الدعوة قاعدة مهمة ومارسها الإباضية في كل زمان ومكان بحيث لا يقبل في الجماعة
الإباضية أحد إلا بعد أن يعلن أنه ولي وليهم وعدو عدوهم.
وعلى كل حال فإن مبدأ الولاية والبراءة يعتبر فرضاً دينياً واجباً على كل إباضي أن يتقيد بأحكامه وشروطه، طبقاً للقواعد التي وضعها وطبقها مشايخ الإباضية الأوائل، وقد قام علماء الإباضية ومفكروهم بتدوين
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 420.
المرجع السابق، ص 421.
قواعد الإسلام للجيطالي، 55/ 1.
مشايخ الإباضية الأوائل هم: جابر بن زيد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الربيع بن.
728
2
3
4 (1/729)
صفحة 730
هذه القواعد والأحكام وألفوا الكتب التي تبحث في هذا الموضوع بحيث أصبح للإباضية بعداً عقائدياً،
خاصة في هذا الشأن 1.
1 منازل الناس في الولاية والبراءة:
قسمت الإباضية الناس باعتبار التزامهم بالشرع إلى ثلاثة أصناف:
معرفون بالصلاح، وهم أصحاب الولاية أصحاب براءة وغير معروفين لا بصلاح ولا بفساد فيقف المرء
عنهم، لا يضعهم في ولاية ولا فيبراءة حتى يتبين أمرهم فإن عرف منهم عصيان أصبحوا في براءة، إذن جميع الناس إما أن يكونوا في ولاية أو في براءة أو في وقوف وتفصيل هذا فيما يلي
-
الولاية في اللغة والإصطلاح
- في اللغة: معناها: القرب مأخوذة من ولاية أمر اليتيم وهو القيام بأمره والاهتمام بمصالحه وهو ولاية الله لأوليائه، وذلك معنى قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 257] أي ناصرهم ومتولي أمروهم
وحافظهم.
3
- اصطلاحاً: الحب بالجنان والثناء باللسان، والنصرة والإعانة بالجوارح عند المقدرة. وبمعنى آخر الولاية تعنى المحبة والمودة والمؤاخاة والمصافاة والمناصرة والثناء ووجوب التراحم والاستغفار للمؤمنين، وتجمع هذه
المعاني كلها عبارة الحب في الله.
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 421.
2
3
4
المرجع نفسه، ص 422.
لسان العرب (490/ 6)، قواعد الإسلام (45/ 1).
بهجة الأنوار للسالمي، ص 126.
5 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 422.
729 (1/730)
صفحة 731
قال ابن ذكران وتقربوا إلى الله بولاية أهلها وانظروا فيمن تجعلوا ولايتكم، فإنكم أولياء من توليتهم، فإياكم
وأولياء الشيطان لا تولوهم ولا توادّوهم ولا تتبعوا أهواءهم فإن الله لم يرضى ذلك لولي له.
-
البراءة: لغة واصطلاحًا:
لغة ومعناها: الخلاص من الشيء أو التحرر منه، وبريء: إذا تخلص كذلك إذا تنزه وتباعد 3
ومنه
اللهم
أبرأ إليك من الحول والقوة، وهو بريء بما قذف به وقد برأت شريكي فاصلته وأبرأت الرجل: جعلته بريئاً
من حق لي عليه. وتكرر لفظ البراءة في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهُ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].
وقوله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216]
ومما تقدم يتبين أن معاني البراءة في اللغة تدور حول الخلاص والتباعد.
اصطلاحاً: للبراءة تعاريف عديدة منها:
الميل بالقلب والجوارح عن عاصي لعصيانه.
التبرؤ من الفعل المكفر ومفارقة أهله عليه والتخطئة لهم والإنكار عليهم والكراهية لهم وترك الرضاء
يفعلهم.
البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح. ومن خلال التعاريف السابقة يمكن استنتاج
1
الملاحظات الآتية:
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 422.
2
3
دائرة المعارف الإسلامية، الشتناوي، 481/ 3.
لسان العرب، 72/ 1.
4 أساس البلاغة، الزمخشري، ص 43.
5
بهجة الأنوار، ص 126.
730 (1/731)
صفحة 732
البراءة عقوبة على الخروج عن طاعة الله تعالى.
البراءة عبارة عن تغيير للمنكر بثلاث طرق مجتمعة أو مفرقة باليد واللسان والقلب.
البراءة عبارة عن عملية مفارقة بسبب العصيان وبالتالي يمكن أن تحسب تنظيراً وتقعيداً لعقوبة
الهجرا.
قال سالم بن ذكوان ونبرأ ممن ظهر منه عمل هو الله معصية أو عد الله عليه العذاب وأمر بفراق من عمل بذلك العمل والبراءة منه. وهكذا يتضح أن الولاية للمؤمنين والبراءة من العاصين أصل من أصول العقيدة عند الإباضية منذ نشأتهم قال ابن إباض: وإن نتولى من تولى الله وأن نبرأ ممن تبرأ الله منه. وقال أبو أيوب: من أوثق عرى الإسلام وأثبت أركانه الولاية في الله والعداوة في الله.
والله أول من برئ من أهل المعصية وعاداهم عليها، ثم أمضى ذلك وأمر به فيهم سنة تامة عندالله معمول بها، وإنما ولينا، من أوفى بما عاهد عليه الله في كل ما ألزم فيه طاعته حق واجب على العباد تأديته في تقوى وورع عن حرماته، وعدونا الناكث بميولة إلى هواه وشهوته وغيه وما حرم الله عليه وما نهى الله عنه استخفافا بما أوعده ونقضا لما عاهده عليه فأولئك خلعهم والبراءة منهم بما استحلوا الحرام وركبوا من
من
الله
الآثام.
وهكذا يتضح جلياً من الأقوال السابقة مكانة الولاية والبراءة في عقيدة الإباضية وأنها أصل من أصولهم.
1
الفكر العقدي، ص 3 ص 423.
2 الفكر العقدي، ص 423.
3
4
5
المرجع السابق، ص 3
423
المرجع نفسه، ص 423.
الضمير في ولينا يعود إلى الإباضية.
6 سبيرة أبي أيوب "ضمن السير والجوابات"، 60/ 1.
7 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 424.
731 (1/732)
صفحة 733
2. حكم الولاية والبراءة:
أجمعت الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها على وجوب الولاية للمؤمنين ووجوب البراءة من الكفار والمشركين، أما البراءة من مرتكب الكبيرة لم يظهر عند المذاهب الإسلامية كما هو الحال عند الإباضية، التي تعد البراءة من مرتكب الكبيرة أصلاً من أصول العقيدة دونت في توضيحها المؤلفات منذ القرون الأولى.
ومن أجل توضيح حكم الولاية والبراءة عند الإباضية منذ القرون الأولى نورد ما قاله أبو أيوب في هذا الشأن حيث قال: كما جعل الله الولاية فريضة واجبة دينا مفروضاً أمر به المؤمنين فيما بينهم، واستحق حفظه على العباد وحكم به عليهم، كذلك حكم على المؤمنين في واجب تنزيل الكتاب المحكم فريضة البراءة والعداوة وتحريم الاستغفار والولاية وتحريم حقوق الولاية كلها، ومن الولاية، والمحبة ممن زال عنهم اسم الإيمان والإسلام ولزمه اسم الكفر والنفاق، لأن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216] يقول إني بريء منكم ومن عملكم.
وقال تعالى: {وَلَا تَحِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ} [المجادلة: 22].
وقد وصف الله المؤمنين بما ثبت عليهم من الولاية وبما كانت عليه ولايتهم فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
732
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 425.
المرجع السابق، ص 425.
1
2 (1/733)
صفحة 734
وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]. وحق الولاية بالتسمية بالإسلام والإيمان وإيجاب}
الاستغفار والمودة والمحبة والنصيحة وحسن الظن بأهل الدين.
وقد وصف الله أهل النفاق وولاية بعضهم لبعض وما توالوا عليه في آية محكمة ميز فيها بينهم وبين المؤمنين في الأسماء والصفة والنعت على الأعمال والثواب، فقال تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] ثم أخبر أنه وعدهم النار بما وصفهم به من أعمالهم فقال: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 68].
وقد وعد الله المؤمنين أن لهم الجنة، وكما فرض على المؤمنين الولاية فيما بينهم وفرض على بعضهم بعضا الولاية لمن زال عنه اسم الإيمان ولزمه اسم الكفر والنفاق وتحريم الاستغفار، له واستوجب البراءة والفراق منه 2
وفي الجملة لا خلاف بين العلماء على وجوب الولاية للمؤمنين ووجوب البراءة من الكفار والمشركين، لكن الخلاف حاصل في البراءة من مرتكبي الكبائر، فالإباضية ترى كما مر معنا أن مرتكب الكبائر كفار نعم، وبالتالي تحب البراءة منهم 3.
يقول الشيخ علي يحيى معمر: هذه قضية رابعة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة وقالوا: يجب على المجتمع المسلم أن
733
المرجع نفسه، ص 426.
426
المرجع السابق، ص المرجع نقسه، ص 426.
1
2
3 (1/734)
صفحة 735
يعلن كلمة الحق في كل فرد من أفراده وأن يتولى تهذيب الناشزين وتقويم المنحرفين وتربية المخطئين بالوسائل
التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية من أمر بالمعروف ونهي عن منكر وإعراض عمن يتولى عن الله.
وليس من الحق أبداً أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصى، ونضعهم في صف واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن نعامله بالعداوة ما دام منحرفاً عن سبيل الله وألا نساوي المعاملة بينه وبين الموفي، وألا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة وحسن التعامل ما نعطيه للذي يراقب الله في
في
الخفاء والعلانية ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة ويقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطاها.
ثم قال ويسرني أن أختم هذا الفصل بهذه السطور الرائعة من كلام الأستاذ محمد الغزالي: هل الدين إلا الحب والبغض في الله ... إن الدين هو هذه العاطفة المشبوبة بمحبة الخير وأصحابه وكراهة الشر وأحزابه هو هذه العاطفة الدافقة المنسابة، كالفيضان الموار، لا تجد مستقرها إلا حيث تبلغ أهدافها لا يهمها أن تغمر
سفحاً أو تطوق قمة.
إن الدين هو هذه العاطفة الحرة اليسيرة: اشمئزاز من مسالك الفسقة يقبض يدك عن مصافحتهم ويجعل حمرة الغضب تصبغ وجهك الجراء تهم على ربهم، فإما استطعت أن تخسف الأرض من تحتهم أو تقيم الدنيا وتقعدها حولهم، وإلا فإن أقعدك العجز البليد على ما وصل إليه من قرار 2.
لقد
شرح
الأستاذ الغزالي في هذه السطور القليلة قاعدة الولاية والبراءة التي سار عليها الإباضية منذ فجر
التاريخ والإباضية لا يخرجون العصاة من الملة ولا يحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم
وبعضهم وإعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم
1
2
الإباضية في موكب التاريخ، ص 87. في موكب الدعوة، محمد الغزالي، ص 85.
3 الإباضية في موكب التاريخ، ص 87.
734
3 (1/735)
صفحة 736
—
وجوب البراءة من مرتكب الكبائر عند الإباضية:
قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56]. ذكرت الآية صفات من تحب ولايتهم فمن لم يتصف بها فلا ولاية له.
وقال تعالى: لا تَحِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]. قال الإمام السالمي: الآية السابقة ونحوها من الآيات ليس فيها دلالة على وجوب البراءة نعم تدل على تحريم ولايتهم. وليس كل ما دل على تحريم ولاية يدل على وجوب البراءة منه لأن هنالك أمراً ثالثاً وهو الوقوف 3 واعلم أن الأمة مجمعة على وجوب البراءة من أعداء الله جملة ولكن اختلفوا في ثبوتها في الأشخاص، فمذهب الأصحاب، يثبتونها في الأشخاص مستدلين أن العلة التي لأجلها وجبت البراءة في الجملة أنما هي الإخلال بشيء من أوامر الله تعالى، أو ارتكاب شيء من مناهيه فإذا وجدنا هذه العلة في شخص بعينه وجب علينا أن نجري عليه الحكم الذي أوجبته هذه العلة فثبت القياس قطعياً للقطع بأن على للحكم في الأصل هي ما ذكرنا وهي مقطوع بوجودها في الفرع فثبت الحكم قطعاً.
كما اعتمد الإباضية على وجوب البراءة من مرتكب الكبيرة بعد القرآن الكريم على مجموعة من الأحاديث
النبوية الشريفة منها على سبيل المثال لا الحصر:
2
5
الفكر العقدي عند الإباضية.
ص
يقصد مرتكبي الكبائر.
427
3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 428.
4
أي البراءة من الشخص وفق ما يظهر عليه من أعمال فسقية ويسميها الإباضية براءة الظاهر أو براءة الأشخاص.
يقصد الإمام السالمي بالأصحاب أصحابه الإباضية.
6 المشارق للسالمي، رقم 971، 371/ 4.
735 (1/736)
صفحة 737
أحاديث فيها التصريح بالبراءة مثل: قال رسول الله) من أتى عرافاً أو كاهنا أو ساحراً فصدقه فيما
يقول فهو بريء مما أنزل الله على محمد.
أحاديث تتصدر بعبارة: ليس منا مثل قول الرسول (): ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية.
أحاديث الحب في الله والبغض في الله مثل قوله صلى الله عليه وسلم من أحب الله وأبغض الله وأعطى الله، ومنع. لله فقد استكمل الإيمان.
أحاديث اللعن مثل قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض.
موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، حيث أعلن الرسول (صلى الله عليه وسلم) مقاطعتهم واستمرت
خمسين يوماً. 5
ومن هذه الأدلة وأمثالها رأى الإباضية وجوب البراءة من مرتكب الكبائر، وقال الإمام السالمي .... الوجوب الثابت في الولاية إنما هو نفس المحبة على الدين والوجوب الثابت في البراءة إنما هو البغض بالقلب على فعل الكبائر من الذنوب، وما عدا هذين من الثناء باللسان أو الشتم به، ومن الإعانة بالجوارح والردع بها،
1
2
3
4
مسند الربيع، رقم 971، 371/ 4.
البخاري، رقم
1294
، أبي داود، رقم 4681، 228/ 4. سنن
مسلك، رقم:
1978
5 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 430.
736 (1/737)
صفحة 738
فيلتزم تارة ويرتفع تارة أخرى كل ذلك بحسب المقامات والتكليف بالفرائض وباعتبار الأحوال الداعية
لذلك 1.
وإذا كانت البراءة بالجوارح لا ترد المعاصي أو تزيد في عصيانه، ولا ترهب الآخرين، فإن البغض القلبي هو
الواجب فحسب على انتهاك حرمات الله عز وجل 2.
—
البراءة حكم دنيوي:
ومن الجدير بالإشارة أن الإباضية عندما ما تعلق البراءة على مرتكب الكبيرة لا
يعني.
ذلك إخراجه من الملة
بل يظل في صفوف المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم سوى يغضه بالقلب وتغييره باليد أو اللسان لمن
3
قدر عليه.
كقطع السارق، فالسارق حكمه في الدنيا قطع يده ولا يخرج من الملة مع احتمال أن يكون من أهل الجنة كذلك المتبرأ منه لا يعني الحكم عليه بالنار، قال السالمي: فالحكم بالبراءة إنما يكون على حكم الظاهر والقطع بدخوله النار يشترط أن يكون عن تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله به فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول وعملنا في البراءة منه بحكم الله الذي أوجبه علينا في البراءة من المصرين المحادين في حكم الظاهر، ولم يتعاطى فيه الغيب إذ ليس ذلك إلينا وإنما هو إلى عالم السر والنجوى فأهل الأحداث المضلة ... إنما نبرأ منهم بسبب ما أحدثوه من المعاصي التي أوجب ربنا تعالى مفارقتهم علينا والبراءة منهم
1
بهجة الأنوار للسالمي، ص 126.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 431.
3
المرجع السابق، ص 1 ص 431.
4 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 431.
737 (1/738)
صفحة 739
بسببها ولا نقطع أنهم في النار إلا إذا كانوا على ما علمناه منهم في حكم الظاهر، فنحن نبرأ منهم بموجب
حكم الله ونتأدب عن القطع بالغيب بموجب حكم الله.
والبراءة حكم من أحكام الله ولا تنافي دخول الجنة لمن تاب فإن الحد قد يقام على الشخص وهو في علم الله أنه من أهل الجنة فمن قطع يده بحكم الله لا يكون مخالفاً ولا مضيعاً بل قائم ومؤد فيه فرضه الذي
أوجبه الله عليه والله أعلم.
—
الوقوف:
و "الوقوف واجب آخر، لازم متصل بالولاية والبراءة فإذا لم يكن الشخص يستحق الولاية أو البراءة فإن حالته ينبغي أن تكون حالة "الوقوف" وهي حالة ضرورية طالما أن حالة الشخص غير واضحة، ومثل هذا الموقف يستند إلى الآيتين القرآنيتين التاليتين:
قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
[الإسراء: 36].
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ} [الحجرات: 6]. ويستشهد بالأحاديث التالية لتعزيز هذا الرأي، يروى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إن الأمور ثلاثة أمر بان لكم رشده فاتبعوه وأمر بان لكم غيّه فاجتنبوه وأمر أشكل عليكم فكلوه إلى الله.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): المؤمن وقاف والمنافق وتاب 3.
وذكر السالمي خمسة أنواع من الوقوف:
738
من جوابات الإمام السالمي، 236/ 1.
القواعد، الجيطالي، ص 46.
مشارق، السالمي، ص 372.
1
2
3 (1/739)
صفحة 740
- الأول: هو وقوف الدين" أو كما يسميه آخرون "وقوف "السلامة" وهو وقوف بالنسبة لشخص مكلف
شرعا لكن حالته مجهولة عند المؤمنين، واتفق جميع العلماء الإباضيين بخصوص هذا القسم لكنهم لم يتفقوا بالنسبة للأقسام الأخرى.
- الثاني: هو الوقوف بخصوص الولي الذي ينسب إليه عمل لم يكن المؤمنون مطلعين عليه إلى حدّ كاف بخصوص الولي الذي ينسب إليه عمل لم يكن المؤمنون مطلعين عليه إلى حد كاف يمكنهم من إصدار حكم ومن العلماء من يقول إن موقف المؤمنين في هذه الحالة يجب أن يكون "الوقوف".
بشأنه
- الثالث: من الوقوف هو وقوف السؤال وهو شبيه بالقسم بالثاني إلا أنه يشترط فيه أن يسأل المؤمن
العلماء بشأن الفعل المجهول 1.
- الرابع: هو "الوقوف" الإشكال بالنسبة للقضايا المشكوك فيها وهو ينطبق على الوليين الذين يلعن
أحدهما الآخر أو يقتله، ويظل المسيء الفعلي غير معروف للمؤمنين.
- الخامس: كما يقول السالمي هو وقوف الشك" أي الوقوف من جميع الناس، وعدم اتخاذ أولياء إلا ممن يتخذون مثل هذا الموقف مثل هذا الوقوف يعتبر غير شرعي لأنه يهمل واجب الولاية لمن هم أهل لها.
والخلاصة عند الإباضية: أن المؤمن إذا علم تقواه وصلاحه ففي الولاية، وأن الفاسق إذا علم حاله ففي
3
البراءة وأن جهل حاله ففي الوقوف حتى يُعلم.
739
258
دراسات عن الإباضية، ص
مشارق، السالمي، ص 373. وفي: دراسات عن الإباضية، ص 258.
3 الفكر العقدي، ص 433.
1
2 (1/740)
صفحة 741
3. تقسيمات الولاية:
قسم الإباضيون الولاية إلى ثلاثة أقسام هي:
- القسم الأول: ولاية الجملة وتعني وجوب الولاية ممن تولاه الله ورسوله والمؤمنون من الأولين والآخرين من
الجن والإنس أجمعين إلى يوم الدين، معروفين أو غير معروفين أحياء كانوا أم أمواتا.
- القسم الثاني: ولاية الحقيقة، وهي تسمى أحياناً ولاية المعصومين وتشمل ولاية الأنبياء والرسل والملائكة
وأولياء الله المذكورين في القرآن الكريم.
- القسم الثالث ولاية الأشخاص وتسمى أحياناً الولاية بحكم الظاهر: ويقصد بها موالاة الأفراد الموافقين
في القول والعمل.
وتجب الولاية للشحص بحكم الظاهر إذا تحققت أحد الشروط التالية:
الخبرة بالشخص ومشاهداته عياناً بأنه من أهل الصلاح والتقوى والورع.
الشهرة التي لا تدفع بأن يكون مشهوراً بالفضل والالتزام ولا يعرف عنه إلا الصلاح والخير.
أن يشهد على أحقيته بالولاية شخصان عدلان فكل من عرف بهذه الشروط أو أحدها أصبحت ولايته
واجبة وهي إضمار الحب له بالجنان وإعلان الترحم والاستغفار باللسان وتحريم بغضه وشتمه وغيبته 2.
4. قسيمات البراءة:
قسم الإباضيون البراءة إلى أقسام ثلاثة وهي:
- القسم الأول: براءة الجملة: وتعني وجوب البراءة ممن برئ منه الله ورسوله والمؤمنون من الأولين والآخرين
من الجن والناس أجمعين إلى يوم الدين معروفين أو غير معروفين أحياء كانوا أم أمواتاً.
740
دراسات عن الإباضية، ص 244.
الفكر العقدي، ص 424.
1
2 (1/741)
صفحة 742
- القسم الثاني براءة الحقيقة أو براءة أهل الوعيد؛ وتعني وجوب البراءة من أولئك الذين توعدهم الله تعالى
بالنار، بدليل قطعي سواء كان من القرآن الكريم أو من السنة المطهرة.
القسم الثالث: براءة الأشخاص بحكم الظاهر، أو براءة الظاهر. وتجب البراءة من الشخص بحكم الظاهر
إذا تحققت فيه أحد الشروط الآتية:
- أن يعترف الشخص بارتكاب الكبيرة من الكبائر وأنه لم يتب منها.
—
أن يشاهد الشخص وهو متلبس باقتراف إحدى الكبائر، مثل الزنى، أو شرب الخمر، الخ أن يشهد رجلان عدلان من تقوم بها الحجة في الولاية. والبراءة على أن شخصاً ما يستحق البراءة. الشهرة التي لا تدفع أي أن يكون الشخص معروفاً بالسوء مشهوراً به، إذ أن المشهور بالشر يبرأ
منه بغير شهادة 2.
قال أبو عبيدة: عمن كانت له ولاية فلا يبرأ منه حتى بيرى منه مثل شعاع الشمس في الحجة الصحيحة
من ذنب وعد الله عليه بالنار في الآخرة أو حدّ في الدنيا.
4. أثر عقيدة الولاء والبراءة:
إن لعقيدة الولاية والبراءة التي ركزت عليها الإباضية آثار من أهمها:
-
وسيلة دعوة إلى الفضيلة والالتزام بالشرع:
إن هذا الأصل له تأثير مباشر على منهج الدعوة عند الإباضية لأنه وسيلة ناجحة لبناء مجتمع فاضل تسوده
المحبة في الله، مجتمع لا تربط أفراده المصالح الدنيوية والمنافع المتبادلة فتركن به إلى أن يرى الشر فيصمت،
741
المرجع السابق، ص 434.
المرجع السابق، ص 435.
منهج
الطالبين للرستافي 32/ 2.
1
2
3 (1/742)
صفحة 743
والرذيلة فيتجاهل، فالراضي بالشر كفاعله ولأن الشر إذا بدأ بفرد واحد استشرى خطره إلى المجتمع كله
والرذيلة إذا أصابت بعضها التمرة الواحدة تسلل الداء منها إلى كل الثمرات الأخرى.
وسيلة التقويم الذاتي للسلوك:
إن هذا الأصل يعد من أصول العقائد الاجتماعية الإباضية في معالجة سلوك المنحرفين حتى لا يشهروا
الفواحش، ولا يقلدهم آخرون، فلا شك إن وجدوا الجفاء من أبناء مجتمعهم الإسلامي وأحسوا أن مصالحهم
قد تعطلت كليه ففي هذه الآلة سيقومون بإصلاح أنفسهم عن طريق التربية الذاتية، الهادفة إلى تغيير
سلوكهم والسعي إلى اكتساب الفضيلة الاخلاقية والابتعاد عن الرذيلة.
5. الإباضية ونظام الولاية والبراءة:
أنماط
في شمال إفريقية على المحافظة على عقيدتهم رغم التحديات الكثيرة التي تعرضوا إليها منذ سقوط الدولة الرستمية الإباضية على أيدي الفاطميين نحو 297 هـ وبدلا من التخاذل واليأس والخضوع لمخالفيهم فقد انسحب الإباضية إلى مناطق نائلة واستغلوا مبدأ الولاية والبراءة إلى أبعد الحدود وأقاموا مجتمعات إباضية متماسكة تسودها المحبة وتسيطر عليها روح الجماعة وأنشأوا هيئة العزابة والعزابة التي تشبه في مهمتها وسلطاتها مهام مشايخ البصرة في طور الكتمان إبان القرنين الأول والثاني الهجريين والعزابة تقوم بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي طيلة عدة قرون وكان من بين مهماتها تأديب المنحرفين، فإذا ثبت لديها انحراف أي شخص عن دين الله فإن هيئة العزابة تعلن عليه حكم البراءة وعندما يعلن حكم البراءة على شخص سرعان ما يتبدل وجه الحياة، لديه فيفقد ما كان يجده من حسن المعاملة وإشراقة الحب في الله ويتجافى عنه الأصدقاء
742
40 - 39
الأصول العقدية / محمد ناصر، ص. ص
107
دراسات إسلامية، بكير. ص الفكر العقدي عند الإباضية، ص 437.
1
2
3 (1/743)
صفحة 744
فيجد نفسه معزولا عن المجتمع لا حق له في الحياة الكريمة ولذلك يضطر إلى التوبة والاستغفار والندم علنا
وفي المسجد، فإذا تأكد مجلس العزابة أن الرجل صادق توبته نادم على خطيئته راجع إلى ربه، أعلنوا رفع البراءة منه وعندئذ ترجع إليه جميع الحقوق.
قد ساعد نظام الولاية والبراءة أتباع الحركة الإباضية على إقامة مجتمع متماسك قائم على المحبة والأخوة والمساعدة ولم يبق بينهم مرتاب أو مشكك ولما كانت الولاية عند الإباضية فرضاً واجباً فإننا نرى الإباضي - تبعاً لذلك - يقدم أخاه في العقيدة على أخيه في النسب وتشير المصادر الإباضية إلى أمثلة متعددة تؤكد هذا
المبدأ 1.
ومن خلال ما سبق يتضح بكل جلاء دور عقيدة الولاية والبراءة في تثبيت المعروف ورفع المنكر، بل تعتبر البراءة تطبيق عملي لفريضة النهي عن المنكر، قال رسول الله:)) من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان 2.
والبراءة ما هي إلا تغيير للمنكر بالقلب والجوارح اليد" واللسان، ولما كان تغيير المنكر بالقلب مقدور كل فرد كان البغض القلبي هو الواجب من طرق البراءة أما ما يكون بالجوارح فيثبت تارة ويرتفع أخرى.
وتغيير المنكر بالجوارح قد لا يملكه إلا الحاكم لذلك كان من العبث بل من المفسدة تطبيق البراءة بالجوارح دون إعلان من ولي الأمر ومن هذا المنطلق كانت البراءة نوعاً من العقوبات التعزيزية التي يملكها ولي الأمر وعندما يعلنها على أي شخص، فإنها تصبح ملزمة على كل فرد من أفراد المجتمع، فلا يتعاملون معه ولا
743
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 437.
المرجع السابق، ص 439.
1
2 (1/744)
صفحة 745
يتخالطونه ولا يقدمون له المساعدة وقد طبق الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذه العقوبة على الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
والتزم بها كل الصحابة رضوان الله عليهم.
كذلك طبقت في المجتمعات الإباضية ولا تزال تطبق هذه العقوبة عند إباضية وادي ميزاب بالجزائر إلى وقتنا
هذا
من خلال سلطة هيئة العزابة فعندما يعلن شيخ العزابة البراءة من شخص ما لركوبه الكبائر، فإن المجتمع الميزابي يلنزم بها فيتنكر كل أفراد المجتمع على العاصي حتى يتوب وقد أثبت هذا النظام التربوي فاعليته حتى
اليوم
2
سابعًا: التوحيد:
يظهر واضحًا في فكر الإباضية أنهم اتخذوا معياراً محدداً للتفريق بين الموحد والمشرك وهذا المعيار يتخلص في
ثلاث جمل هي:
شهادة أن لا إله إلا الله
شهادة أن محمداً رسول الله
شهادة أن ما جاء به حق من عند الله.
قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8].
قال محبوب بن الرحيل: وإن جميع قولنا ممن يقر بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بجميع ما جاء من الله أنهم مقرون وأنهم بإقرارهم خارجون من الشرك، لأن الشرك لا يكون إلا إنكاراً وتكذيباً وجحوداً والتوحيد إقرار وتوحيد 3.
هذا المعيار الشهادات الثلاث-عبر عند الإباضية المتأخرون عن القرن الثاني بمصطلح "الجملة" فعندما ترد كلمة "الجملة" في مؤلفات عقائد الإباضية، فإنما يقصد بها الشهادات الثلاث وما دامت هذه الجلمة
744
439
المرجع نفسه، ص
المرجع السابق، ص 440. المرجع السابق، ص 230.
1
2
3 (1/745)
صفحة 746
معياراً بين الشرك والتوحيد، فهى أول ما يجب اعتقاده على الإنسان، وإذا وصل حد التكليف ولم يعتقد
بها أصبح من الهالكين والعياذ بالله. وقد جاء التعبير بمصطلح "الجملة عن الشهادات الثلاث لاشتمالها
على كليات الإيمان ومنهج
الحياة 2.
ويقصد الإباضية بجملة التوحيد هو أن يقر العبد بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والاعتقاد بأصوول الإيمان الأخرى، والإقرار بأن رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) وكل ما جاء به حق، وبهذا يكون العبد موحداً، وتجري عليه أحكام الموحدين، فلا يُسفك دمه، ولا تسبى ذريته ولا يصبح ماله غنيمة للسلمين، يقول الشيخ يومسف اطفيش الإباضي: متى أتى العبد بجملة التوحيد وخرج من الشرك وهذه الجمة هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن ما جاء من عند الله ربه هو الحق والإيمان بجملة الملائكة والأنبياء والرسل، وجملة الكتب التى أنزلها على رسله والإيمان بأن الموت حق و أن النار حق، والإيمان بالقضاء والقدر فمن أقر بهذه الأمور التي كـ كان يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد تم إيمانه فيما بينه وبين الله تعالى، وفيما بينه وبين الناس 3.
ويؤكد الإباضية على أن التوحيد من المسائل الرئيسية التي لا يجوز أن يجهلها العبد متى بلغ وأصبح مكلفاً يقول الجناوي الإباضي في كتاب "الوضع": إن علم ما لا يسع الناس جهله طرفة عين هو علم التوحيد والشرك فلا يسع جهلها، لأن من جهل الشرك لم يعلم التوحيد فوجبت معرفة التوحيد والشرك مع أول
البلوغ 4.
فمعرفة الله وتوحيده واجبة على كل مكلف بالغ عاقل يقول السالمي الإباضي: أول ما يجب على الصبي بعد البلوغ أن يعرف أن له صانعاً وخالقاً خلقه، هو الذي أوجد كل شيء وخلق كل موجود، وأن جميع
المرجع نفسه، ص 231.
المرجع السابق، ص 231 ن.
الذهب الخالص، اطفيش ص 11.
4 الوضع، ابن زكريا الجناوي، ص 30. وفي الخوارج، الإباضية الشيعية، عامر النجار، ص 258.
745
1
2
3 (1/746)
صفحة 747
الموجودات محتاجة إليه وهو غني عنها، وأنه لا يكون بهذه الحالة إلا من هو متصف بالكمال الذاتي، مباين
لجميع الأشياء في ذواتها وأحوالها وأفعالها وهو الله تعالى.
ويرى الإباضية أن طريق معرفة الله هو الشرع، والدليل على معرفة الله هم رسل الله الذين يبينون للناس أمر واحدانيته من خلال بيانهم لشرائع الله تعالى.
يقول العلامة الإباضي أبو عمار عبد الكافي: إن حجة الله التي يثبت بها فرض دينه على عباده فيما تعبدهم به من طاعة وزجرهم به عن معصيته، قد قامت على الناس من جميع البالغين بمعرفة رسل الله التي أرسلها إلى خلقه، وأن الناس لن ينالوا شيئاً من معرفة الله في الدلائل على توحيده ولا من معرفة شيء من دينه إلا بتوفيق الله على ألسنة رسله 2.
ويرى الإباضية أن الله واحد في ذاته وصفاته وأن ذاته وصفاته شيء واحد وأنه سبحانه وتعالى المالك الوحيد الخالق للكون، والمدبر لكل ما في الكون، و أن محمداً) خاتم الأنبياء والمرسلين ورسالته عامة للعالمين ويجب الالتزام بها وتطبيقها في شتى مناحي الحياة 3.
1 صفات الله تعالى:
يقول الدكتور مسلم سالم الوهيبي: خصص الإمام الربيع في كتابه العقيدة اثنان وستون رواية عن الرسول) وأثاراً من آثار الصحابة رضوان الله عليهم وهذا الرصيد من الروايات والآثار المستنبطة في معظمها من القرآن الكريم-أصبحت منطقاً للإباضية في فهمهم لصفات الله تعالى. ويقسم الإباضية صفات الله
تعالى إلى ثلاث أنواع:
746
تلقين
الصبيان ما يلزم الإنسان، السالمي، ص 9. الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال، 193/ 2.
الخوارج،
الإباضية، الشيعة، ص 259.
1
2
3 (1/747)
صفحة 748
صفات واجبة في حق الله تعالى وهي الصفات التي يترتب على ثباتها كمال وعلى عدمها نقص
ومحال، كالسمع والقدرة والبصر ... الخ.
صفات مستحيلة على الله تعالى وهي الصفات التي يترتب على ثباتها نقص وعلى نفيها عنه كمال، كالموت والصمم والعمي. الخ.
صفات جائرة على الله تعالى: وهي الصفات التي لا يترتب على ثباتها أو نفيها كمال أونقص، کالرزق مثلا، فتضيق الرزق على فلان لا يعتبر نقيضه في حق الله تبارك وتعالى فقدير يرزق فلانا ولا يرزق آخر ... ولا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].
تنزيه الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته
حرص الإباضيون على التنزيه المطلق لله تعالى انطلاقاً من قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
البَصِيرُ [الشورى: 11]. والمعرفة حقيقة الله تعالى أورد الربيع مجموعة من الروايات نذكر منها ما يأتي:
قال جابر بن زيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سألت اليهود رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في صفة الله فسكت قليلاً رجاء أن ينزل عليهم عذابه ونزل عليه جبريل عليه السلام بسورة الإخلاص
قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ـ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الإخلاص: 1 - 214
ففي هذه السورة وصف الله سبحانه نفسه بأنه أحد صمد، فهذان الوصفان يدلان على اتصاف الله بغاية الكمال المطلق. وذكر أبو هريرة رضي الله عنه في معنى الصمد: أنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل خلال قوله أبي هريرة رضي الله عنه في معنى الصمد يدل على الإثبات والتنزيه، فالإثبات
أحد 4. ومن
747
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 233.
المرجع نفسه، ص 233.
من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، الصلابي، ص 67.
تفسير القرطبي، 245/ 20.
2
3
4 (1/748)
صفحة 749
بوصفه سبحانه بأنه هو الذي يصمد إليه، أي: يرجع إليه في كل أمر وذلك لأنه
هو
المتصف
الصفات بجميع
الكمال، فهو القادر على كل شيء والفعال لما يريد والذي بيده الخلق والأمر والجزاء، وما من لغيره إلا بهيمنة منه إذا شاء أبقاها ومتى شاء سلبها، فالمرجع والمراد إليه، أما التنزيه فيوصفه بأنه غني عن كل شيء فلا افتقار فيه بوجه من الوجوه، لا في وجوده، فأنه الأول الذي ليس قبله شيء وهو الذي لم يلد ولم يولد، ولا في بقائه فإنه الذي يُطعم ولا يُطَعم ولا في أفعاله فلا شريك له ولا ظهير.
كما أن وصفه سبحانه بأنه أحد صمد يدل على اتصافه بالكمال المطلق فكذلك يدلان على معنى آخر وهو نفي الولادة والتولد عن الله سبحانه وتعالى، فإن الصمد جاء في بعض الأقوال بأنه الذي لا جوف ولا أحشاء، فلا يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالى كما قال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14].
وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 56 مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقِ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ 3 إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58]. فإن الأحد هو الذي لا كفو له ولا نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة والتولد إنما يكون من شيئين: قال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمَّ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101].
وفي قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] وفي هذا نفي عن المخلوق مكافأته أو مماثلته للخالق ومثل ذلك قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1].
أي يعدلون به غيره فيجعلون له من خلقه عدلا ولا نظيراً ومثال هذا قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَميَّا [مريم: 65]، أي لا شيء يساميه لا ند ولا عدل ولا
748
من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، ص 68.
1 (1/749)
صفحة 750
نظير له يساويه، فأنكر التشبيه والتمثيل، وبهذا يتبين لنا أن تنزيه سبحانه عن العيوب والنقاص واجب لذاته،
كما دلت على ذلك سورة الإخلاص.
وقال عبد
الله
شبهه بخلقه 2
بن
مسعود: ما عرف الله من شبهه بخلقه وقالت عائشة أم المؤمنين والحسن: ما عرف الله من
وعن الضحاك بن مزاحم قال: قال رجل لابن مسعود: كيف أعرف الله؟ فقال: اعرفه إنه خالق الخلق ولا
تتوهم
أنه
يشبهه بشيء من خلقه ولا تدع قلبك يتوهمه بشيء من الأشياء لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ
[الشورى: 11] 3
نفي التشبيه:
لإثبات نفي مشابهته تعالى بخلقه جاءت الروايات عند الإباضية منها:
قال الربيع قال أبو عبيدة: بلغني عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: إنه كائن قبل الساعة زمان أهله الجهلة وعلماؤهم السفهاء وأمراؤهم المتكبرون وقراؤهم المتصنعون فعند ذلك يضع الشيطان مصايده إذا تفكروا في الخالق شبهوه بالمخلوقين يأتون بروايات فيذكرون أنها عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويحدو الله حداً يصفونه
بصفات المخلوقين، فإذا رأيتم تلك الفتنة ولا فتنة أضر منها فاعتصموا منها بالقرآن فإن فيه النور من
والبيان من الشبهة والنجاة من هلكة وفيه الهدى من الضلالة.
الظلمة
1
المرجع السابق، ص)
69
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 235.
3
4
المرجع نفسه، ص 235.
المرجع نفسه، ص 236.
749 (1/750)
صفحة 751
قال الربيع وأخبرني عن أبي هلا الراسي قال شهدت الحسن فأتى عبد الله بن رواحة المدني فقال: يا أبا
سعيد أتنعت ربك؟ فقال الحسن: بغير صفة ولا مثال ولا صورة تعالى من لا عدل ولا ند له عما قاله الذين كفروا وهم بربهم يعدلون فمن شبهه بخلقه فعدل ربه به 1.
نفي الحلول في الأمكنة:
—
عن ثابت البناني عن أبي عثمان النهدي أن أبا موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر فلما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم فقال النبي (يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا أبا موسى هل أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال جابر: ومعنى قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عندنا: إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم وذلك إن الله تعالى يقول: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّهُمْ مَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]. وقال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16]
والتشبيه والتحديد لا يكون إلا لمخلوق لأن المخلوق إذا قرب من موضع تباعد من غيره وإذا كان في مكان عدم من غيره لأن التحديد يستوجب الزوال والانتقال والله تعالى عز عن ذلك.
236
المرجع السابق، ص
المرجع نفسه، ص / ص 237
المرجع السابق، ص 7
750
237
1
2
3 (1/751)
صفحة 752
عاقبة المشبهة:
إن تشبيه الله تعالى بخلقه، أو بأي أحد مركبات خلقه جرم عظيم وانحراف بعيد يستحق العقوبة العاجلة
فضلاً عن العقوبة الآجلة التي لا يعلمها إلا الله وفي سبيل هذا الأمر أورد الربيع الروايات التالية:
محمد
قال جابر عن ابن عباس: أن رجلاً من بني عامر بن ربيعة يقال له أربد جاء إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا أخبرني من أي شيء ربك أمن ذهب أو من فضة أو من نحاس أو من حديد؟ وهو سبحانه يقول: سبحان الله إذا جاءت رعدة وبرقة فأرعدت وأبرقت ثم جاءت صاعقة حتى وقعت على رأسه فوقع ميتاً قال الله عز وجل: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ مَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: 13]، يعني: العقاب. وقال: وحدثنا الأعمش بن أبي وائل عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك والله العدل 3.
عجز الإفهام عن إدراك كنهه:
مهما تميز الإنسان عن سائر المخلوقات بعقل مميز ومهما تفتح هذا العقل حتى صار عبقري زمانه فلن يصل
إلى إدراك كنه الله عز وجل تعالى قدره وتنزهت ذاته وعظم جلاله من أن يدركه عقل أو يحيطه فهم ولذلك
قيل في شأن إدراكه: العجر عن الإدراك إدراك 4.
1
أي: النبي صلى الله عليه وسلم يقول. 2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 238.
3
4
المرجع نفسه، ص 238.
المرجع نفسه، ص)
239
751 (1/752)
صفحة 753
-
النهي عن التفكير في ذات الله:
أورد الربيع بعض الروايات التي تنهى عن التفكير في ذات وتدعوا إلى التفكير في خلقه منها:
قال: تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق، فإنه لا يدرك إلا بتصديقه.
قال جابر بن زيد حدثنا رجل من أئمة أهل الكوفة يكنى أبا أمية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج على قوم وهم
يتذاكرون فلما رأوا النبي (): سكتوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قال: نتذاكر في الشمس ومجراها قال:
كذلك فافعلوا تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق، وزاد فيه الحسن: إن الله لا تناله الفكرة.
قال الربيع: بلغني عن الضحاك قال: إن عمر بن
الخطاب رضي
الله
عنه
مر ذات ليلة برجل وهو مستقبل
القبلة فقال: ما تخلفك هذه الساعة؟ فقال: صليت يا أمير المؤمنين العشاء ثم صليت ما قضى لي فجلست أتفكر في الله فعلاه بالدّرة فقال: ثكلتك أمك أفي الله أمرت بالتفكير أم في خلقه؟ ثم تلا عمر إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. وقد استدلت الإباضية
3
بروايات وأثار تهدف إلى تنزيه الله تعالى عن كل نقص.
ولقد العلماء الراسخين عبر العصور على الأسس المتينة في باب الأسماء والصفات الإلهية ومن ارتكزت على
أسس رئيسية هي:
- الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتاً ونفياً.
تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه شيء من صفاته شيئاً من صفات المخلوقين.
1
المرجع السابق، ص
240
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 241.
3
المرجع نفسه، ص 242.
752 (1/753)
صفحة 754
قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات.
وهذه الأسس العظيمة مهمة جداً لطالب العلم وبها تتفتح أبواب مغلقة للعبد في معرفة أسماء الله وصفاته.
والله الهادي إلى صراطه المستقيم وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].
تأويل المتشابه
ما إن انتقل الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى ودخل الناس في دين الله أفواجاً حتى انطلق المسلمون يسألون أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يجيبون بما أثر عن الرسول (ل) لكن من حين لآخر يصطدمون بأسئلة دقيقة لم يسأل مثلها الرسول (صلى الله عليه وسلم).
ويرى الإباضية: أن من الصحابة من آثر الوقوف ومن ذلك ما أثر عن أبي بكر: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم، ومنهم من فسر وتأول وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن عباس وقد دعا له الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقوله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ولا ننسى أن إمام الإباضية جابر بن أخذ جل علمه عن ابن عباس 3.
زيد
فمدرسة الإباضية حينئذ قامت من يومها الأول على منهج يعتمد التأويل يتناسق مع محكمه، على أساس تنزيه الخالق تنزيهاً مطلقاً عن الشبيه في ذاته وصقاته وأفعاله.
وظهرت الفرق الإسلامية وتباينت مواقفها واختلفت آراؤها الصفات الخبرية والآيات المتعلقة بها كاليد
والوجه والعين وما إلى ذلك بين تفويض وإثبات وتأويل للنصوص انطلاقاً من قيام اللغة على الحقيقة والمجاز.
1
2
منهج الدراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي، ص 25.
تفسير ابن كثير، 6/ 1.
3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 245.
4
المرجع السابق، ص 245.
753 (1/754)
صفحة 755
والإباضية من يومهم والتابعين من تأويلات لكل ما جاء من المتشابهات في حق الله تبارك وتعالى وما جاء من التراث العقدي
الأول اعتنقوا مذهب التأويل وحرص الربيع على أن يجمع ما أثر عن الصحابة
الإباضي بعد الربيع استمر في نقل هذا الرصيد للاحتجاج به وتحليله اعتماداً على ما ظهر من علوم البلاغة
خاصة منها في باب المجاز 1.
—
وجود المتشابه في القرآن ومعناه:
ومما لا ريب فيه أن في القرآن محكماً ومتشابهاً وفقاً لما صرح به القرآن نفسه في الآية السابقة من سورة آل عمران "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وآخر متشابهات" آل عمران: 7".
هذا مع أن في آية اخرى أثبت القرآن أن آياته كلها محكمة كما قال تعالى في مطلع سورة هود "آلر كتاب أحكمت أياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير".
ومعنى "إحكامها" إتقائها وإحسانها بحيث لا يتطرق إليها أي لون من ألوان الاختلاف في اللفظ أو المعنى في المفردات أو الجمل في الأخبار أو الأحكام، كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: 115] صدقاً في الأخبار عدلاً في الأحكام.
كما وصف القرآن في آية أخرى بأنه كله متشابه، كما قال تعالى: اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا
مَثَانِي [الزمر: 23].
ومعنى تشابهه: أنه يشبه بعضه في بلاغته وإعجازه وروعة تأثيره وفي صدق أخباره وعدالة أحكامه، كما قال
تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115].
754
المرجع نفسه، ص 245.
1 (1/755)
صفحة 756
وكذلك في تناسقه وتناغمه يصدق بعضه بعضاً، ولا يتناقض بعضه مع بعض وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82].
إن آية سورة آل عمران قد بينت أن في القرآن آيات محكمات وأخرى متشابهات فما
والمتشابه وبالتالي: ما معنى المحكم والمتشابه في القرآن؟
قيل: المحكم: ما وضح معناه والمتشابه: نقيضه.
وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه: ما احتمل أوجها.
وقيل المحكم: ما تأويله تنزيله والمتشابه ما لا يدري إلا بالتأويل.
وقيل المحكم: ما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه القصص والأمثال.
قيل المحكم: ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه: ما ينفرد الله بعلمه.
وقيل المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور وما سوى ذلك محكم، وقيل غير ذلك.
معني
الإحكام
وقال جماعة من الأصوليين: المحكم ما عرف المراد منه، وقيل ولو بالتأويل والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه كالحروف المتقطعة، وهو معنى قول بعضهم: إن المحكم هو المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه: ما يتعارض فيه الاحتمال ويجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة: كالقرء، وكاللمس 3 المتردد بين اللمس والوطء، وقد يطلق على ما ورد في صفات الله تعالى مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج
إلى تأويله.
755
فصول في العقيدة بين السلف والخلف يوسف القرضاوي، ص 23.
وهو متردد بين الحيض والطهر، تفسير القرطبي، 112/ 3. انظر: تفسير القرطبي، 223/ 5. وفي: زاد المسير، 92/ 3
فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 24.
1
2
3
4 (1/756)
صفحة 757
سر وجود المتشابه في القرآن:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِحُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
والحق أن من عرف طبيعة اللغات وبخاصة العربية وما فيها من اختلاف الدلالات للألفاظ والجمل وتنوع الخطاب، حسب مقتضي الحال، ما بين الحذف والذكر والتقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وما بين الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية والعموم والخصوص. ... إلخ.
وعرف طبيعة الإسلام الذي يخاطب أولى الألباب ويريد تحريك العقول لتبحث وتجتهد، وتدرس وتتنشط، ولا تركن إلى الدعة والكسل العقلي.
وعرف طبيعة البشر، وتنوع أصنافهم، ففيهم الظاهري الذي يقف عند حرفية النص، وفيهم الذي يهتم بروح النص، ولا يكتفي بظاهره، فيهم من يسلم، وفيهم من يؤول فيهم العقلاني، وفيهم الوجداني. وكان الخطاب القرآني للناس جميعاً، فاقتضت حكمة الله أن يسعهم خطابه، وأن يودعه من البيان، والدلائل ما يرشدهم
إلى الصواب، ولكن بعد بحث وجهد حتى يرتقوا في الدنيا والآخرة والله أعلم.
—
قولان باطلان في نصوص الصفات
وهذان القولان هما:
- فرقة أخذت بظواهرها كما هي، فنسبت إلى الله وجهاً كوجوه الخلق ويدا أو أيادي، كأيديهم وضحكاً كضحكهم، وهكذا حتى فرضوا الإله شيخاً وبعضهم فرضه شاباً هؤلاء هم المجسمة والمشبهة وليسوا في
1
المرجع السابق، ص 25.
756 (1/757)
صفحة 758
الإسلام في شيء وليس قولهم نصيب من الصحة ويكفى الرد عليهم لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
- فرقة عطلت معاني هذه الألفاظ على أي وجه يقتصدون بذلك نفي مدلولاتها مطلقاً عن الله تبارك وتعالى ويتظاهرون بتقديسه وهؤلاء المعطلة ويطلق عليهم بعض علماء تاريخ العقائد الإسلامية: الجهمية ولا أظن أن أحداً عنده مسكة من عقل يستسيغ هذا القول المنهافت وها قد ثبت الكلام والسمع والبصر لبعض الخلائق بغير جارحة فكيف يتوقف كلام الحق تبارك وتعالى على الجوارح؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. 1
مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديتها:
أما السلف رضوان الله عليهم فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى، فهم يثبتون اليد والعين والأعين والاستواء والضحك والتعجب ... إلخ وكل ذلك بمعان لا ندركها، ونترك الله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها ولا سيما وقد نهينا عن ذلك في يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله، فإنكم لن تقدروه قدره، مع قطعهم رضوان الله عليهم بانتفاء المشابهة بين الله وبين الخلق 3. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله
عنه
في قول النبي (صلى الله عليه وسلم): إن الله ينزل إلى السماء
الدنيا، وإن الله يرى في القيامة وما أشبه ذلك نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئاً منها
نعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا
757
المرجع نفسه، ص) ص 29.
2976، حسنه
الألباني.
صحيح الجامع، رقم 3 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 29.
البخاري،
ك التهجد، 66/ 2.
1
2
4 (1/758)
صفحة 759
حدود ولا غاية. ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتثبيت القرآن 2
قال الشيخ اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: المتوفى "449 هـ ": إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب الأخبار
والسنة يعرفون ربهم تبارك وتعالى بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله وشهد بها رسوله على ما وردت به الصحاح ونقله العدول الثقات ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه ولا يكيفونها تكييف المشبه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية ومن عليهم بالتفهيم والتعريف حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه وتركوا العقول بالتعطيل والتشبيه واكتفوا بنفي النقاص. 4 وذلك بقوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اعتقاد انفراد الرب جل جلاله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك وذلك لإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه
رسوله صلى الله عليه وسلم من النقائص والعيوب وعن كل ما بنا في كماله؟.
قال الشيخ عبد المحسن العباد: المذهب الحق وسط بين الطرفين في قضية الإثبات، فلا نفي ولا تأويل وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل وكل من المشبهة والنفاة جمعوا بين إساءة وإحسان. فالمشبهة: أحسنوا إذ أثبتوا فلم
ينفوا الصفات وأساؤوا إذا شبهوا ومثلوا.
758
من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، ص 58. لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لإبن قدامة، ص 35. المنطق، ابن تيمية ص 4 من عقيدة المسلمين، ص 59
من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، ص 59.
القول السديد، ص 15.
1
2
3
4
5 (1/759)
صفحة 760
وأهل السنة والجماعة جمعوا بين الحسنيين وسلموا من الإساءتين، فإحسان الذي عند الطرفين عندهم وليس
مشابهة
عندهم ما عند كل من الإساءة وذلك أنهم أثبتوا ما أثبت في الكتاب والسنة من الصفات ونزهوا الله عن خلقه، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فأول الآية تنزيه وآخرها إثبات. فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلين كاللبن السائغ الخالص السائغ للشاربين الذي يخرج من
بين فرث ودم.
—
مذهب الخلف في آيات الصفات وأحاديثها:
تبين أن السلف رضوان الله عليهم يؤمنون بآيات الصفات وأحاديثها كما وردت ويتركون بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى مع اعتقادهم بتنزيه الله تبارك وتعالى عن المتشابهة لخلقه. وأما الخلف فقد قالوا: إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الأحاديث لا يراد بها ظواهرها وعلى ذلك فهي مجازات لا مانع من تأويلها، فأخذوا يؤولون الوجه بالذات واليد بالقدرة وما إلى ذلك هرباً من شبهة التشبيه 3.
ومن نماذج أقوالهم:
قال أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي في كتابه دفع شبهة التشبيه:
قال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27].
قال المفسرون: ويبقى ربك وكذلك قالوا في قوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] أي يريدونه وقال
الضحاك وأبو عبيدة و كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] أي: إلا هو 4.
1
عشرون حديثاً.
من صحيح مسلم رقم 177 - 178
2 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 31.
3
4
المرجع نفسه، ص 31.
* المرجع السابق، ص 31.
759 (1/760)
صفحة 761
وعقد في أول الكتاب فصلاً إضافياً في الرد على من قالوا: إن الأخذ بظاهر هذه الآيات والأحاديث هو
مذهب السلف وخلاصة ما قاله: إن الأخذ بالظاهر هو تجسيم وتشبيه، لأن الظاهر اللفظ
ما
هو
وضع
له، فلا معنى لليد حقيقة إلا الجارحة، وهكذا، وأما مذهب السلف فليس أخذها على ظاهرها، ولكن السكوت جملة عن البحث فيها، وأيضاً فقد ذهب إلى أن تسميتها آيات الصفات وأحاديث الصفات: تسمية مبتدعة، ولم ترد في كتاب ولا في سنة وليس حقيقة، فإنها إضافات ليس غير، واستدل على كلامه في ذلك بأدلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا.
وقال فخر الدين الرازي في كتابه "أساس التقديس: واعلم أن نصوص القرآن لا يمكن إجراؤها على ظاهرها
الأول: أن ظاهر قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]. يقتضي أن يكون موسى عليه والسلام مستقراً على تلك العين ملتصقاً بها مستعلياً عليها وذلك لا يقوله عاقل.
الثاني: أن قوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [هود: 37] يقتضي أن يكون آله تلك الصنعة
العين.
هي
الثالث: أن إثبات الأعين في الوجه الواحد قبيح فثبت أنه لابد من المصير إلى التأويل، وذلك هو أن تحمل هذه الألفاظ على شدة العناية، والحراسة وإلى هنا وضح أمامك طريقاً السلف والخلف وقد كان هذا الطريقان مثار خلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين وأخذ كل يدعم
مذهبه بالحجج والأدلة 3.
760
المرجع نفسه، ص 32.
المرجع السابق، ص 33. المرجع نفسه، ص 33.
لوجوه:
1
2
3 (1/761)
صفحة 762
بين السلف والخلف
—
قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى: أن يمروها على ما جاءت عليه ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها وأن مذهب الخلف: أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك
وتعالى عن مشابهة خلقه وعلمت أن الخلاف شديد بين أهل الرأيين وإن كان كل الفريقين. واتفق الفريقان
على:
- تنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه.
كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله تبارك وتعالى على ظاهرها التي وضعت له هذه الألفاظ في حق المخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفى التشبيه.
كل من الفريقين يعلم أن الألفاظ توضع للتعبير عما يجول في النفوس أو يقع تحت الحواس مما يتعلق بأصحاب اللغة وواضعيها، وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله تبارك وتعالى من هذا القبيل، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق، فالتحكيم في تحديد هذه المعاني بهذه الألفاظ تغرير، وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل وانحصر الخلاف بينهما في أن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظاً لعقائد العوام من شبهه التشبيه وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا إعناتاً.
ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى: أسلم وأولى بالاتباع حسماً لمادة التأويل والتعطيل، فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة، الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين،
فلا تعدل به بديلا.
761
المرجع السابق، ص 66.
1 (1/762)
صفحة 763
—
اختلاف موقف السلف في قضية الصفات بين التفويض والإثبات والتأويل:
إن الحق أن من ينظر في تراث السلف في هذه القضية باستيعاب وإنصاف يجد أن السلف رضوان الله
عنهم،
قد تفاوتت مواقفهم:
- ففيهم من فوّض وهم الأكثرون وفيهم من أثبت وفيهم من أوّل.
وإذا كنا عرفنا في تراثنا الفقهي منذ عهد الصحابة شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وعرفنا اختلاف الصحابة في صلاة العصر في بني قريضة، فمنهم من أخذ بحرفية الأمر، ومنهم من من أخذ بمقصوده، ولم يلم الرسول الكريم أحداً من الفريقين وعرفنا مدرسة الأثر، ومدرسة الرأي، وعرفنا المدرسة الظاهرية، والمدرسة المقاصدية، فلا غرو أن يختلف الناس في بعض النصوص المتعلقة بالصفات الخبرية لله تعالى قد يقال: إنهم اختلفوا في الفروع، ولم يختلفوا في الأصول. وهذا صحيح في الجملة فهم لم يختلفوا في أن الله تعالى يجب أن يتصف بكل كمال يليق بذاته وأن ينزه عن كل نقص لا يليق بجلاله وجماله وكماله، وأن ينزه عن مشابهة خلقه، إذ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] وإنما اختلفوا في تفسيرات لا تمس أصل التعظيم والتقديس والتنزيه لله جل جلاله الذي له الملك والحمد وهو ذو الجلال والإكرام. فهنالك من الصحابة من قال: إن النبي رأى ربه وقالت عائشة: من زعم زعن أن محمداً رأى ربه فقد أعظم"، أي: دخل في أمر عظيم 2.
من السلف من فوّض ونجد من السلف من فوض في أمر الصفات الخبرية ووكل علمها إلى سبحانه
وعبروا عن ذلك ب عدم الخوض فيها أو "عدم التفسير" لها أو "السكوت عنها".
1 فصول في العقيدة، ص 66، البخاري، رقم 3234. 2 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 66.
762 (1/763)
صفحة 764
وهذا واضح غاية الوضوح لمن تأمل الأقوال والروايات الكثيرة المأثورة عن السلف، في هذا المجال وتوسع الدكتور يوسف القرضاوي ونقل من كلام العلامة الحنبلي الشيخ مرعي في كتابه "أقاويل الثقات" نقوله الثابتة والوفيرة من المصادر الموثوقة والمعتمدة ما يثبت هذه القضية ويؤيدها وأطال في النقل عنه مثالين على
ذلك 1:
قول محمد بن الحسن الشيباني: اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي (فارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا 2.
وعلق الدكتور محمد عياش الكبيسي على ذلك فقال: وهكذا فاختلاف ما وردنا من تفسير لهذه النصوص عن بعض من تكلم فيها من السلف عاد بالاختلاف في تفسير المتأخرين لموقف السلف 3.
- ما أثبت من السلف وإذا كان هناك من السلف من فوّض وسكت ولم يخض ولم يفسر، ورعا واحتياطا لدينه وخشية في الوقوع في غلط غير مقصود، فإن منهم من أثبت الله تعالى ما ورد من صفات ومن فسر ولم يسكت ولم يتوقف 4. وروى البخارى معلقاً عن مجاهد في قوله تعالى: واسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]
أي: علاة.
763
المرجع نفسه، ص 66 إلى 80.
رسالة التنزيه، ابن قدامة، ص 18 - 19. الصفات الخبرية عند اهل السنة والجماعة، ص 75.
4 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 80.
5
فتح الباري، 416/ 13.
1
2
3 (1/764)
صفحة 765
وهناك نصوص كثيرة وردت عن السلف رضوان الله عليهم، وقد استدل بها بعضهم على الإثبات واستدل
بها آخرون على التفويض والمتأمل فيها بحياد وإنصاف يجد ظاهر بعضها إلى الإثبات أقرب وظاهر أكثرها
إلى التفويض أقرب. ومن الأمثلة على إثبات السلف للصفات الخبرية:
ينقل الذهبي عن الأوزاعي عليهما الرحمة - أنه قال كنا نحن والتابعون متوافرون نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، وينقل أيضاً عن عبد الله بن المبارك أنه سئل: كيف تعرف ربنا عز وجل؟ قال: السماء السابعة على عرشه 3.
يرى الطبري عن ابن عباس -رضي الله عنهما - أنه قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.
ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه شئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم
ما ألفه بعض المتأخرين من السلف طافح بالإثبات كما فعل ابن خزيمة والدرامي، ومنه أيضاً رسالة الإمام أحمد في الرد على الجهمية وتبويب بعض المحدثين منهم قد يشعر بذلك أيضاً كما فعل البخاري رحمه الله - صحيحه حيث عقد كتاباً خاصاً سماه "كتاب التوحيد وبوبه على أبواب كثيرة جاء كثير منها مبوبا بحسب الصفات الخبرية فتراه يقول مثلا باب قول الله تعالى:"ويحذركم الله نفسه" وباب قوله تعالى: {كُلُ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وباب قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] وباب قوله تعالى: ولما
1 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 81.
2
3
4
5
مجموع الفتاوى، 394/ 6
مختصر
العلو، ص 137.
المرجع السابق، ص 151.
فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 81.
764 (1/765)
صفحة 766
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 175 وهكذا ثم يذكر تحت كل باب الأحاديث التي وردت فيها هذه الألفاظ إن هذا
التبويب وبهذه الطريقة لا شك أنه يشعر بميله إلى مذهب الإثبات.
-
من أوّل من السلف:
وإذا كان أكثر السلف كما تفيد الروايات - قد سكتوا أو فوّضوا ولم يخوضوا في قضية الصفات الخبرية لله
تعالى وكان منهم من
أثبت فإن من
السلف كذلك:
من أوّل في " آيات الصفات" كما يروى عن كبار
مفسري السلف رضي الله عنهم وهو تأويل مقبول غير متكلف ولا متعسف بل يجري على سنن لسان
العرب فيما سماه "علماء البلاغة" فيما بعد الإستعارة والمجاز، والكناية 2.
ومن
أمثلة تأويل السلف لآيات الصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تأويل قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: 35]، أن الله هادئ أهل السموات والأرض ونحو هذا عن أنس بن مالك رضي
الله عنه 3
عن ابن عباس أيضاً في قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، قال: إنهم لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكنهم يقولون إنه بخيل أمسك ما عنده 4.
وتأويل ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 115] بالقبلة التي أمرنا الله بالتوجه إليهما وتبعه على هذا التأويل عكرمة ومجاهد والشافعي وابن تيمية رضي الله عنهم أجمعين يقول ابن تيمية: قد قال مجاهد والشافعي: يعني قبلة الله فقلت: نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما
1
الصفات الخبرية، د. محمد عياش، ص 73. 2 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 84.
3
تفسير الطبري 135/ 18
4
تفسير الطبري، 135/ 18.
765 (1/766)
صفحة 767
وهذا حق وليس هذه الآية من آيات الصفات ومن عدها في الصفات فقد غلط فإن سياق الكلام يدل
على المراد 1.
هذا
ومن
السلف
من فسر الوجه بالذات وهو المروي عن الضحاك وأبي عبيدة واختاره ابن كثير وذلك في
قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] ومنهم من فسر الوجه في قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 188 أنه العمل الذي قصد به وجه الله وهذا هو المروي عن ابن عباس ومجاهد والثوري وغيرهم
رضي
الله
عنهم.
هذا وقد صرح البخاري في صحيحه بتأويل الوجه بالملك فقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] إلا ملكه ويقال ما أريد به وجه الله .. وهكذا تكون أغلب النصوص التي وردت فيها لفظة الوجه مؤولة عند السلف. وكذلك نجدهم أولوا في "المعية" في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] فالمأثور عن مفسري السلف أن معناها: هو معكم بعلمه وإحاطته كم في الآية المذكورة وهي المعية العامة.
وأما المعية الخاصة مثل قوله تعالى لموسى وهارون: إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: 46].
وقوله على لسان موسى كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62].
وقوله على لسان محمد في الغار لصاحبه: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].
فمعناها التأييد والرعاية والعون من الله تعالى وهذا ما قرره ابن تيمية نفسه وإن كان لا
يسميه تأويلاً.
1
المرجع السابق، 300/ 6.
2
3
مجموع الفتاوى، 193/ 3. وفي الأسماء والصفات، البيهقي، ص 309.
الصفات الخبرية، ص 74.
4 فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 84.
766 (1/767)
صفحة 768
الاتفاق على التأويل في بعض المواضع:
وقد اتفق الجميع على التأويل في بعض النصوص من القرآن والحديث لا بد فيهما من اللجوء إلى التأويل
عقلاً ونقلاً مثل تأويلهم النسيان المنسوب إلى الله تعالى، بالترك والإعراض.
كما قال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67].
والذي يلزم بهذا التأويل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَّا [مريم: 64].
وقوله سبحانه على لسان موسى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52].
ولأن النسيان صفة نقص يجب أن ينزه الله تعالى عن الإنصاف بها، فهو سبحانه متصف بكل كمال منزه،
عن كل نقص، فإذا وصف نفسه بالنسيان فلا بد أن يؤول بلازمه وهو الترك والإعراض.
ومثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] أولوها بأنه معهم بعلمه وإحاطته حتى المثبتون المدافعون
عن الإثبات مثل ابن تيمية ومدرسته يقولون بذلك.
وألزمهم بهذا التأويل أنه تعالى مستو على عرشه، فكيف يكون معهم بذاته.
2. بعض تأويلات الإباضية:
اعتنقت الإباضية بمدرسة التأويل منذ يومهم الأول وحرص الربيع بن على أن يجمع ما أثر على الصحابة والتابعين من تأويلات لكل ما جاء من المتشابهات في حق الله تبارك وتعالى وما جاء من التراث العقدي الإباضي بعد الربيع استمر في نقل هذا الرصيد للاحتجاج به تحليلة اعتماداً على ما ظهر من علوم
البلاغة 2
767
المرجع السابق، ص 86.
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 246.
1
2 (1/768)
صفحة 769
في تأويل اليد:
—
قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
[المائدة: 64]. فقال: قالت اليهود رزقه محبوس، قال الحسن: قد
حبس رزقه، قال الله: بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] أي: بل رزقه مبسوط على جميع خلقه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].
يعطي أقواماً ويمنع، آخرين وهو قوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الآية]، كقوله لنبيه عليه السلام: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا} [الإسراء: 29]، فنهى عن التقتير والتبذير، قال الضحاك: بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، أي: بل نعمتاه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وقال ابن عباس: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: 75] أي بقدرتك وضعي.
وقال علي بن أبي طالب لما خلقت أن وكذلك عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71]، يقول: مما علمنا وقال الضحاك: مثل ذلك، وقال الحسن: يأمرني كقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]، وكقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ آل عمران: 59]. وهناك مدرسة الإثبات وعلى رأسها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ترى يجب إثبات اليدين لله عز وجل بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهما يدان حقيقتان لله تعالى يليقان به.
الَّذِي
بِيَدِهِ
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى صفة اليد بالإفراد والتثنيه والجمع ففي الإفراد قال تعالى: تَبَارَكَ الْمُلْكُ [الملك: 1] وقال تعالى: وبَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا
عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71].
هذا بيان لمقالة اليهود يد الله مغلولة.
[الرعد: عد،26] [الإسراء: 30]، [القصص: 82]، [العنكبوت،62: [الروم: 37] [سبأ: 36] [سبأ: 39]، [الزمر: 52]، [الشورى: 12]
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 247.
768
1
2
3 (1/769)
صفحة 770
والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول: الوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت الله من يد ولا ينافي الثنتين
وأما الجمع فهو للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر وحينئذ لا ينافي الاثنتين على أنه قد قيل:
إن أقل الجمع اثنين فإذا حمل على أقله فلا معارضة بينه وبين التشنيه أصلا.
في تأويل الوجه:
—
قال جابر سئل بن عباس عن قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام [الرحمن: 27]. قال بن عباس: يعني كل شيء يفنى ويبقى الله وحده وكذلك قال الضحاك ومجاهد وأنس بن مالك.
- في تأويل العين
وأما قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، قال ابن عباس ولتربي بأمري، قال الحسن: ولتربى بعلمي وقال مجاهد والضحاك: بعلمي، وكذلك قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14]، يعني بعلمنا وحفظنا، حفظ سفينه نوح من الطوفان، وحفظ موسى عليه والسلام من فرعون وقومه حتى بلغ الله به أن جعله رسولاً مكلماً فتلك الخاصة التي اختص الله بها موسى عليه السلام.
ويرى الكثير من علماء السلف إثبات صفة العين على ما يليق بالله تعالى ولا يفهم منها أن العين الله جارحة كأعيننا بل له سبحانه وتعالى عين حقيقة تليق بعظمته وجلاله وقدمه وللمخلوق عين حقيقته تناسب حاله وحدوثه وضعفه وهذا شأن جميع الصفات التي فيها المشاركة اللفظية مع صفات المخلوق 3.
769
88 - 87
ص
من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين.
249
الفكر العقدي عند الإباضية ص)
عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، ص 88.
1
2
3 (1/770)
صفحة 771
والعين صفة الله تعالى بلا وهي من الصفات الخبرية الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة والأدلة من الكتاب
على صفة العين:
قال تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]. وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة فقط، لأن المفرد المضاف يراد به أكثر من واحد مثل قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34]. وقال الجمع.
تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: 14]، وهنا ذكرت بصيغة الجمع مضافة إلى ضمير
—
في تأويل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]
قال جابر بن زيد: سئل بن عباس عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5] فقال: ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المنددون إن له أشباهاً وأنداداً تعالى الله عن ذلك. وذكر ابن تيمية في كتابه شرح حديث النزول: أن مالك بن أنس شئل عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]. فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا وأمر أن يخرج من
المجلس.
وأكثر من صرح بأن الله مستو بذاته على عرشه أئمة المالكية فصرح أبو محمد ابن أبي زيد في ثلاثة مواضع
من كتبه أشهرها الرسالة وفي كتاب جامع النوادر وفي كتاب الآداب، وصرح بذلك القاضي أبو بكر الباقلاني
عمر
وكان مالكياً، وصرح به أبو عبد الله القرطبي في كتاب الأسماء الحسنى، وكذلك أبو ابن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين وغير ذلك من السادة المالكية ويثبتون استوى على عرشه من غير
770
89
المرجع نفسه، ص)
3
248
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص حديث النزول لابن تيمية، ص 5. من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، ص 93.
4
شرح
1 (1/771)
صفحة 772
تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهو استواء حقيقي معناه العلو، والاستقرار على وجه يليق بالله
تعالى 1.
3. موقف الإباضية من خالفهم في تأويل المتشابه:
إن المصادر الإباضية ظلت حريصة كل الحرص على نفي كل ما من شأنه أن يفهم التجسيم والتشبيه للخالق
تعالى وردت على المشبة بشدة وظلوا بذلك أوفياء بالآية التي جعلوها محور الحديث عن الذات والصفات ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]
ومع شدة حرص الإباضية على التنزيه الله عز وجل وتأويل كل ما يؤهم التشبيه أو التجسيم إلا أنهم لم يحكموا بشرك من خالفهم في التأويل.
قال محبوب بن الرحيل ديننا لمن أقر بالقرآن ثم تأويله على غير تأويله وحرفه عن مواضعه غير أنه يحاجج
بالقرآن وينازل به فهو عندنا في حكمنا من الموحدين المقرين 2.
وتحدث العلامة أحمد حمد الخليلي عن المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة عند الإباضية فقال: وإن
ما بلغ الخلاف بينهم وبينهم
بلغ، إذا لم يتجرؤوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما
دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل، أما من استند إلى التأويل –
وإن كان أوهي من نسيج العنكبوت فحسبه تأويله واقيا له من الحكم عليه عندهم بالخروج عن حظيرة
الأمة وخلع رقبة الملة عن
عنقه،
ومن هذا المنطلق صدر ذلك الإعلان المنصف الذي رسم مبدأ الإباضية
في نظرتهم إلى الأمة من أشهر قائد وهو حمزة المختار بن عوف السليمي في خطبته التي ألقها على منبر
1
لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، ص 62.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 253.
771 (1/772)
صفحة 773
رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأصاح لها الدهر، وسجلها الزمن وخلدها التاريخ، إذ قال فيها: الناس منا ونحن منهم إلا
ثلاثة مشركا مشكراً بالله، عابد وثن، أو كافر من أهل الكتاب أو إماماً جائر.
إلى أن قال:. .. فكانوا أشد احتياطاً من إخراج أحد الملة منهم من
بسبب
معتقده ما دام مبنياً على تأويل
نص شرعي، وإن لم يكن لتأويله أساس من الصحة ولاحظ من الصواب ومن هنا اشتد إنكار الإمام الإباضي الكبير محبوب بن الرحيل على هارون اليماني الذي حكم بشرك المشبهة وخروجهم من الملة وأنشأ محبوب في ذلك رسالتين جامعتين ضمنهما حججه الدامغة لرأي، هارون، وجّه إحداهما إلى الإباضية عمان وثانيهما إلى إباضية حضر موت وأطبق الرأي الإباضي على تصويبه وتخطئة هارون وسئل المحقق الخليلي رضوان الله عليه عن حكم هؤلاء المشبهة هل هم مشركون؟ فكان جوابه السائله: إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أحد من أهل القبلة بالإشراك من قبل معروفة بأصوله، فإنه موضع الهلاك والإهلاك 2.
ولعل مما يفاجئ كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية المفكرين من الإباضية، بلم شعث هذه الأمة وجمه شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية ومزقتها النزعات العصبية، فكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدروهم وتؤرق ليلهم وتقض مضجعهم وقد كانت منهم محاولات للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها، من جيوبهم وجيوب المخالفين من سائر أبناء الأمة، وأصدق مثال على ذلك ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك، ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني عضو مجلس المبعوثات بالدولة العثمانية المشهور بسليمان الباروني وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي وقد توجه
772
الحق الدامغ، ص 12. المرجع السابق، ص 14.
1
2 (1/773)
صفحة 774
بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق ومرجعهم في أمور الدين الإمام عبد الله بن حميد السالمي ونص السؤال: 1
هل توافقون على أنه من أقوى أسباب اختلاف المسلمين وتعدد المذاهب وتباينها؟ على رفض الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة، فهل يمكن توحيد بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة؟ وأي بلد يليق به إبراز هذا الأمر؟ وفي كم سنة ينتج؟ وكم يلزم له من المال تقريباً؟ 2
وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة؟ مصلح أم مفسد؟ وكان هذا السؤال في عام 1326 هـ فكان من جواب ذلك الإمام له: نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلافا المذاهب وتشعب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع وللتفرق أسباب اخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرئاسة، وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة وإذا أراد الله أمراً كان لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حكيم [الأنفال: 63]، والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على الإسلام: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19].
فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم المذهبية ولو بعد حين فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة وهي دعاية الإسلام
773
الحق الدامغ، ص 17.
المرجع نفسه، ص 18.
1
2 (1/774)
صفحة 775
وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً فيصير الناس إخوانًا وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108]، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبولهم وكفيتهم مؤنة المغرم، وإن تعذر في هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم كثير. وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحى ومتردد الملائكة، ومقتصد الخاص والعام، حرم الله الآمن لأنه مرجع الكل.
وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق مما جاء به وإن كان بغيضاً ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً ونعرف الرجال بالحق فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حيث ذهب كل فريق طريقه.
ثامناً: رؤيا الله عز وجل في الآخرة:
قال الإباضية بنفي رؤية الله دنيا، وآخرى، ولا شك أن الحديث في الآيات المتشابهات هو الذي أثار الموضوع
بين المسلمين وقد خصص الإمام الربيع في كتابه العقيدة مجموعة من الروايات بنفي بها رؤية الباري عز وجل ويرى أن إثبات الرؤيايتنافى مع تنزيه الله تعالى 2.
وقد تحدث العلاة أحمد الخليلي بشيء من التفصيل في كتابه الحق الدامغ وكذلك أشار إلى هذا الموضوع في كتابه شرح غابة المراد في نظم الاعتقاد وذكر مجموعة من الأدلة التي استند إليها الإباضية.
1 من أدلة الإباضية على نفي الرؤيا:
ذكر الخليلي في شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد بأن أصرحها وأقواها وأدلها على استحالة رؤيته تعالى قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]. فإنه سيق مساق التمدح
1
الحق الدامغ، ص 19.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 257.
774 (1/775)
صفحة 776
وما كان كذلك فلا يمكن تبدله دنيا ولا أخرى لأن مدائحه تبارك وتعالى لا تزول فمثل ذلك مثل قوله تعالى: {وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 1255، وقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا [الجن: 3]. وقوله: {وَلَا
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49]. فلا يجوز انقلاب شيء من ذلك إلى ضده فلا وجه لحضر هذا النفي في الدنيا دون الآخرة ولا في جعله خاصاً ببعض الأبصار دون بعض.
وما قيل من أن الإدراك غير رؤية مردود بأن إدراك الأذن سماعها وإدراك اليد، قبضتها، وإدراك السهم إصابته، وإدراك العين رؤيتها، وهو الذي عليه المعاجم اللغوية المعتمدة في تفسيرها الإدراك باللحاق. ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى لموسى عليه السلام قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف: 143]. فإن كن من أقوى عوامل النفي، فلذلك تفيد تأكيده أو تأييده ولئن انتفت رؤيته تعالى عن موسى عليه فانتقاؤها عن غيره أخرى.
ومن أدلته ما جاء في التشديد في القرآن على من سألها، كما في قوله أم تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108].
وقاله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 153].
ومن دلائل ذلك في السنة النبوية:
حديث أبي الدرداء عند الشيخين: جنتان من ذهب آنيتها وما فيها وجنتان من فضة آنيتها وما فيها وما
بين القوم وبين
أن
يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجه ربنا في جنة عدن 1.
1
البخاري،
ك التفسير، رقم 4878.
775 (1/776)
صفحة 777
فإن معناه أن الله أعلى منازلهم وقربهم منه فلا يحل بينهم وبين رؤيتهم إياه إلا اتصافه تعالى بالكبرياء ورؤيته
تنافي كبايائه عز وجل، وثفة الكبرياء صفة ذاتية لله لا تتبدل فما انتفى بسببها، فإن انتفاءه أبدي يستحيل
ضده.
وحديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رؤية ربه ليلة الإسراء فقال: نور أني أراه 2، فإن قوله: " أني أراه استبعاد لأن تجوز رؤيته، وهو شاهد على استحالة رؤيته.
عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله (بخمس كلمات فقال:
- إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام.
- يخفض القسط ويرفعه.
- يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل.
حجابه النور وفي رواية النار
لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه
خلقه 4.
بصره من
ووجه الاستدلال به على امتناع الرؤياما يقتضيه من تعذر أن ينتهي إليه سبحانه بصر أحد من العباد،
والحديث ما أراد به صلوات الله وسلامة عليه إلا تمثيل تعذر وصول عقول البشر إلى منه الحقيقة الذاتية
المقدسة أو امتداد أبصارهم إليها، فإن الرؤيا وسيلة من وسائل الاكتتاع عادة.
1
2
3
4
شرح
غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 51.
مسلم، ك الإيمان، رقم:
178
شرح
غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 51.
رواه مسلم، رقم
179
الحق الدامغ، ص 95.
776 (1/777)
صفحة 778
والحديث الشريف ما هو إلا كناية عن عدم إمكان وصول المخلوق إلى حققة ذات الخالق بحاسة ولا فكر،
وأمثال هذه الكنايات معروفة في كلام الرسول ()، بل وفي كلام الله تعالى.
كما أن النور أو النار في حديث أبي موسى ليسا حسيين وإنما هما كناية عما يتجلى للعارفين به تعالى صفات جلاله وعظمته التي تجعلهم مبهورين بجلال الحمال، وتحلى الكمال.
وواضح من كلام الشيخ الخليلي، بأن أصحاب هذا القول متمكسون بأهل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا وجه لتكفيرهم أو تضليلهم وقطع الواصلة بينهم وبين الأمة الإسلامية قال الدكتور القرضاوي: إن أمور العقيدة منها ما هو من الأصول والأركان التي لا يجوز التساهل فيها بل لا يدخلها الاجتهاد أصلاً، ويكفر منكرها وجاحدها ومنها ما هو من فروع العقيدة التي اختلفت فيها الأمة في أفعال العباد وفي رؤية الله في الآخرة وفي بعض الأشياء التي تثبت بأحاديث الأحاد التي لا تفيد العلم اليقين، كما هو المذهب الصحبح حتى عند الحنابلة أنفسهم، ومن هذه الفروع العقيدية مسألة الصفات الخبرية وما ثار فيها من جدل وما نقل فيها من خلاف بين علماء الأمة، من مفوضين أو مثبتين أو مؤولين وكلهم تسعهم دائرة الإسلام الرحبة.
هناك مسائل عقدية دقيقة حصل فيها خلاف بين الصحابة ومن بعدهم من المسلمين، مسألة التفضيل بين
علي وعثمان رضي الله عنهما.
ومسألة رؤية النبي لربه ليلة الإسراء والمعراج ومثل هذه المسائل الدقيقة لاتوجب التضليل والتبديع، وضرب
الله
ابن تيمية أمثلة للمسائل التي وقع فيها خلاف وأعذر فيها المخالف فقال: فعائشة أم المؤمنين رضي عنها، فقد خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة في أن محمداً رأى ربه وقالت من زعم أن محمداً رأى ربه
777
المرجع نفسه، ص 96.
المرجع نفسه، ص
96
3 أنصاف أهل السنة والجماعة محمد العلي، ص 172.
1
2 (1/778)
صفحة 779
فقد أعظم على الله الفرية وجمهور الأمة أن قول ابن عباس مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين رضي الله عنها وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحى وكذلك معاوية نقل عنه في
أمر المعراج أنه كان بروحه والناس على خلاف معاوية رضي الله عنه ومثل هذا كثيرا.
إننا في أشد الحاجة لترسيخ آداب الحوار بين طلاب العلم واحترام وجهات النظر والاجتهادات بين المذاهب الإسلامية والابتعاد عن الغلو المدمر ويبقى المسلم على إسلامه ما دام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن شهد بذلك عصم دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله، وإذا ثبت إسلامه ولا يخرجه عنه إلا كفر بواح عندنا فيه من الله برهان كأن ينكر معلوما من الدين بالضرورة أو يستهزيء بالله أو برسوله أو بكتابه أو يعمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر، كأن يسجد لضنم أو يلقى المصحف في القاذورات ونحو ذلك. بل أرى أن الخلاف في هذه القضية لا يحتمل تأثيماً ولا تفسيقاً ولا تبديعاً إنما أقصى ما فيه يكون بين مصيب ومخطئ أو مصيب وأصوب منه 2.
رأي الشيخ علي يحيى معمر في الرؤيا
تحدث الشيخ من علي يحيى معمر طارحاً سؤالاً هل رؤية الباري جل وعلا في الآخرة ممكنة وأجاب؟ أحسب أن ما وقع في مشكلة الرؤياهو نفس ما وقع في مشكلة الكلام - وإن كانت مشكلة الرؤياقد أثيرت قبل مشكلة الكلام فقد كان فيها هي أيضاً طرفان متطرفان ووسط معتدل هو مكان اللقاء بين المذهبين ذلك أن طرف الاثبات يبالغ حتى يصل به التطرف إلى حد التشبيه والتمثيل والتحديد وطرف النفي يبالغ حتى يصل به التطرف إلى حد نفي حصول كمال العلم وبينها يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاء كاملاً أو لقاء متقارباً وهذه الصورة تتمثل فيما ذهب إليه بعذ علماء السنة
778
أي خلاف في الصفات الخبرية بين العلماء. فصول في العقيدة بين السلف والخلف، ص 177.
1
2 (1/779)
صفحة 780
أن الرؤيامعناها حصول كمال العلم بالله تبارك وتعالى وعبر عنها آخرون منهم بأن الرؤياتقع بحاسة سادسة هي كمال العلم.
واختلفت تعابير كثير منهم ولكنها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيلها الإنسان لصورة رائي ومرئي وما تستلزمه من حدود وتشبيه وتتفق في النهاية على الابتعاد عما يشعر بأي تشبيه في أي مراتبه وبالمحدودية في كل أشكالها ومنهم من التجأ لكي لا يصطدم بنصوص النفي والاثبات إلى أن هذا من أحوال يوم القيامة وليس لنا أن نغوص فيه بغير القدر الذي جاءت به النصوص والمعتدلون من الإباضية لا يمنعون أن يكون معنى الرؤياهو كمال العلم به تعالى ويمنعون حالة لا تدخل تحت هذه القيود ولا تؤدي إلى التحديد أو التشبيه إنما هو شيء يشبه ما يقوله بعضهم من حصول كمال العلم فلا مانع مانه يضاف إلى هذا اللقاء أن الإمام الغزالي يميل في أغلب كتبه إلى نفي الرؤيا مطلقاً ومنطلق الجميع في الواقع التشبيه فالمتطرفون من الإباضية يفرون من كل ما يوهم التشبيه ولو بتأويل بعيد فراراً شديداً ويكتفي المتطرفون من أهل السنة بنفى التشبيه بالنفى القولي وإن دلت عليه ألفاظهم وأدت إليه تعابيرهم وأحسب أن اعتقاد التنزيه والفرار من التشبيه ثم التماس الحلول التي تلتقي عليها النظريات في إيضاح مدلول
ذلك من
النصوص المتعارضة في الظاهر هو مقدار كاف للدلالة على أن المذهبين ملتقيان ملتقبات لقاء قريباً يمكن
أن يعتبر به كلاهما نابعاً من نفس الاتجاه الذي نبع منه
الآخرا.
- رأي الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي في الرؤيا
تحدث في رسالته العلمية "الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري، وذكر قضية الرؤيا وأدلة رؤية الباري من المتقدمين من علماء الإباضية وأدلة المحدثين ونقل أدلتهم العقلية والنقلية من آيات
قرآنية تؤيد مذهبهم في نفي الرؤياقال: وفي العموم يمكن القول: إن الذين أنكروا رؤية الله إنما أنكروا رؤية
779
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 262.
1 (1/780)
صفحة 781
مادية لها جهة وتحيز وانحصار والذين أثبتوها لم يقروا لها هذه الخواص والكل يجتهد في تنزيه الله تعالى عن
مشابهة مخلوقاته 1.
رأي عمرو النامي في الرؤيا
قال الدكتور عمرو النامي: تحت المجموعة الأولى من أي المسائل الكلامية التي ظهرت في المرحلة الأولى لعلم الكلام الإباضي تقع مسألة الرؤياوهي وثيقة الصلة بالتشبيه، قال الإباضيون إن الخالق لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. وهناك حديثان للرسول رؤية في مسند الربيع يؤكدان على هذه النظرة.
الحديث الأول يروى بطريق مسروق عن عائشة أنها قالت من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. والحديث الثاني يروى عن محمد الشياني وهو أن رسول الله سئل: هل ترى ربك؟ فقال سبحان الله وأنى أراه، وأما بالنسبة للآيات القرآنية التي توحي بأن الخالق سوف يرى فقد لجأ الإباضيون إلى التأويل وفسروها بطريقة لا تتناقض مع وجهة نظرهم، وكلمة "ناظرة" في سورة الإنسان الآية "23" "فسرت" بأنها انتظار الأذن من الخالق للدخول الجنة وقد نقل هذا التفسير عن الصحابيين علي بن أبي طالب وابن عباس معا ثم إن مسألة الرؤيا مناقشة بصورة كاملة في مسند الربيع بن
والأثار التي تروى في المجموعة الإباضية للأحاديث تبين بوضوح أن التشبيه كان مرفوضاً بقوة من قبل الصحابة ويروى أن ابن مسعود وعبد الله عمر ارتعد فرقا حين سمعا أن المسلمين في الشام يقولون بأن الخالق صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضح قدمه على الصخرة ورأى أن اليهود كانوا وراء هذه الآراء
1 الفكر العقدس عند الإباضية، ص 268.
780 (1/781)
صفحة 782
التشبيهية، قال ابن مسعود: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء يهدوكم وقد ضلوا. ونتيجة البحث عند
العلامة الخليلي في الرؤية
بعد أن عرض موضوع الرؤيالله تعالى في الدنا والآخرة واستعرض أدلة المثبتين والنافين، وما يتوجه إليها من اعتراض وما يعقبه من جواب قال ... وقبل أن أغادر هذا الموضوع أود أن أضع بين يديك أمرين اثنين لعلها يحظيان بتفكيرك وتأملك:
أولها: إنك تجد في كتاب الله ما وعد به المؤمنين في الدار الآخرة من النعيم مذكوراً بأصرح العبارات ومكرراً في مواضع شتى لأجل التشويق إليه بينما لا تجد للرؤية ذكراً إلا ما يتأوله مثبتوها من لفظ الزيادة وأمثالها، وهو لم يذكر إلا مجملا، فهل ترى من المعقول أن لو كانت الرؤياثابتة وهي من أجل من كل نعيم في الجنة أن يكتفى بمجرد هذه الإشارة الطفيفة إليها بينما تذكر الماكل والمشارب والمساكن والمناكح والحدائق والأنهار وسائر المباهج واللذات الفينة بعد الفنية بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل 2.
وثانيها: ما ذكره الله في كتابه من قصة عبده وخليله إبراهيم عليه السلام وهو يقيم الحجة على قومه الذين كانوا يعبدون الأجرام السماوية، وما ينتزعه من الأدلة على بطلان أولويته من واقع حالها، إذ كانت تتحول من حال إلى حال تظهر تارة وتختفي تارة أخرى، ومن المعلوم أنها لم تكن باختفائها تنعدم أصلاً وإنما يواريها الأفق عن الأبصار، أليس في هذا شاهد بأن من يظهر للأبصار ثم يختفي عنها لا يمكن أن يكون حقيقياً بالربوبية والألوهية لأن الحقيق بهما لا تجري عليه الأحوال فلا ينتقل من حال إلى حال؟
781
دراسات عن الإباضية، ص 166.
الحق الدامغ، ص 99.
1
2 (1/782)
صفحة 783
فكيف لنا أن نثبت بعد ذلك الله في هذه الصفة التي أنكرها إبراهيم عليه السلام محتجاً بها على قومه فنزعم
أنه ينكشف لأهل الجنة فيرونه ثم يجتجب عنهم إلى أن يحين ميقات رؤيته مرة أخرى؟
لقد نهج الإباضية نهج المعتزلة في قولهم بنفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وقالوا: إن العين لا ترى إلا جسماً أو قائماً بجسم ولأن الله سبحانه وتعالى تنزه عن ذلك امتنعت واستحالة رؤيته بالأبصار وتأولوا الآيات والأحاديث التي تفيد الرؤيا عند أهل السنة 2.
2. أدلة المثبتين للرؤيا
نقل أهل السنة إجماع الصحابة على جواز الرؤيا ووقوعها في الآخرة وقد نقل ذلك الإجماع الباقلاني والجويني والنووي، وابن تيمية والتفتازاني من المتقديمن والداواني والدردير من المتأخرين، كما استدلوا بآيات قرآنية هي عمدتهم في إثبات الرؤيا وأهم تلك الآيات:
- ما جاء في قصة سيدنا موسى عليه السلام: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَحَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].
فقالوا بأن موسى سأل ربه الرؤيا وهذا يدل على جوازها، وإلا فكيف يسأل ما هو مستحيل؟ ثم إن الآية علقت الرؤيا على ممكن في نفسه، وهو استقرار الجبل في مكانه مما يدل على أن سيدنا موسى عليه السلام سأل الرؤيا وهو يعلم أولاً أنها ليست بمستحيلة ثم منعها لا لكونها من المستحيل، بل لعدم الوقوع المعلق
1
الحق الدامغ، ص 99.
2
الخوارج، الإباضية الشيعة د. عامر النجار، ص 281.
3 أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 371، شرح صحيح مسلم للنوي،20/ 2 مجموع الفتاوى 230/ 2. وفي: شرح مقاصد للتفتازان، ص 192.
782 (1/783)
صفحة 784
عليه وهو استقرار الجبل، قال الأشعري: فلما قرن الله الرؤيا بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله تعالى جائزة
غير مستحيلة.
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22 - 23].
ووجه الاستدلال فيها: أن ما جاء فيها من النظر إنما هو إثبات انكشاف زائد على العلم وهو الرؤيا البصرية والنظر إلى الله تعالى ولا يمكن أن يكون النظر في هذه الآية بأي معنى آخر غير هذا، لأن النظر فيها مقرون " إلى" التي تعني: النظر والرؤية، لا التدبر والترحم والانتظار كما زعم المعتزلة، قال الأشعري: فلا يجوز أن يكون الله عن نظر التفكير والاعتبار؛ بأن الآخرة ليست بدار اعتبار، ولا يجوز أن يكون عن نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، وكذلك نظر الانتظار، ولا يكون في الجنة، لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير ولا يجوز أن يكون المعنى إلى ثواب ربها ناظرة؛ لأن القرآن العزيز على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة، فالله تعالى قال: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 23] ولم يقل: إلى ثواب ربها أو إلى غيره 2.
وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26]. قال العلامة السعدي في تفسيره: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهلين ونصيحة المعرضين وغير ذلك من وجوه البر والإحسان فهؤلاء الذين أحسنوا لهم الحسنى، وهي الجنة الكاملة في حسنها، وزيادة هي النظر إلى وجه الكريم، وسماع كلامه والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون ويسأله السائلون 3.
الإباضية للأشعري، ص 62 أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 372.
783
الإبانة، ص. ص
60 - 58
تفسير
السعدي، ص 405.
1
2
3 (1/784)
صفحة 785
- وقال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: 35]. قال العلامة السعدي: كل ما تعلقت به مشيئتهم فهو حاصل وَلَدَيْنَا، فوق ذلك مَزيدٌ، أي: ثواب يمدهم به الرحمن الرحيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأعظم ذلك وأجله وأفضله النظر إلى وجهه الكريم والتمتع بسماع صوته والتنعم بقربه فنسأله. فضله 1. من
- وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]
ووجه استدلالهم أنه كان منطوق على حجب الكفار عن ربهم فمفهومه دال على أن المؤمنين يرونه لأن تب الكفار عقاب توعدوا به فلا يليق بالمؤمنين إلا خلافه 2.
أدلة السنة: اتفق أهل السنة جميعهم على صحة ما جاء في السنة من أحاديث إثبات رؤية الله تعالى في
الآخرة، كما اتفقوا على أن هذه الأدلة صريحة ظاهرة لا تقبل التأويل ومن أشهر الأدلة
السنة: من
حديث جرير بن عبد الله
رضي
الله عنه قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فنظر إلى القمر ليلة –يعني البدر-
فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ولا تضامون في رؤيته، فإنكم استطعتم أن لا تغلبوا على
صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا.
حديث صهيب رضي الله عنه، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إذا دخل أهل الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى:
تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف
الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم
4
784
تفسير السعدي، ص 909
الحق الدامغ، ص 56.
أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 374.
2475
مسلم، رقم
1
2
3
4 (1/785)
صفحة 786
وقد ذكر هذا الدليل ملأ على القارئ، والتفتازاني في شرح المقاصد وابن أبي العز الحنفي وقال ابن الزاغوني
وهو حديث روى في الصحاح بأسانيد محققة من الثقات العدول وقال الرازي: إن النقل المستفيض صح عن
رسول الله (أنه قال: الزيادة هي النظر إلى الله تبارك وتعالى.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن ناساً قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه ذلك 2.
- حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: جنتان من فضة آنيتهما وما فيها وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن 3
هذه أشهر أدلة السنة وهناك أحاديث نبوية أخرى اجتمعت على معنى واحد وهو رؤية الله تعالى في الآخرة، وأما عن الأدلة العقلية على إثبات رؤية الله المؤمنين لربهم يوم القيامة فقد ذكر الإمام أبي الحسن الأشعري في كتابه "الإبانة" دليل الوجود، فإن وجود الله عز وجل دليل على جواز رؤيته، لأن الذي لا يجوز أن يرى هو المعدوم، فلما كان الله عز وجل موجوداً مثبتاً كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل.
ومما يدل على رؤية الله بالأبصار أن الله عز وجل يرى الأشياء وإن كان للأشياء رائياً فلا يرى الأشياء من لا
يرى نفسه وإذا كان لنفسه رائياً فجائز أن يرينا نفسه.
785
أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 377.
4500
4500
البخاري رقم 1
البخاري رقم 1
الإبانة عن أصول الديانة، ص 16.
1
2
3
4 (1/786)
صفحة 787
هذا مسلك أهل السنة في أدلتهم من القرآن والسنة ومنطق العقل في إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة
وقد فاض ابن تيمية وان القيم وغيرهم في التدليل النقلي والعقلي على رؤيته الله لأهل المؤمنين في الآخرة.
تاسعا:
عصر المحنة بالقول بخلق القرآن (218 هـ إلى 232 هـ):
يمثل هذا الحدث منعطفاً خطيراً في عقيدة الأمة لا لكونها بدعة جديدة، وإنما لاضطلاع الخلافة الإسلامية طوال أربعة عشر عاماً بها وحملها الكافة عليها وهو ليس له نظير قبله في تاريخ خلفاء الأمة وهذه المحن تمثل ذروة جهود المعتزلة الذين اكتفوا الخليفة العباسي المأمون وزينوا له باطلهم وساعدهم ما جل عليه الخليفة من ذكاء وحب للبحث في الأمور العقلية حتى صاروا بطانته وموضع عيبتها.
إن اعتناق المأمون في آخر سنوات خلافته، سنة 218 هـ للقول بخلق القرآن ومحاولته إرغام العلماء والقضاة والمحدثين والخطاء والوعاظ وغيرهم من أهل العلم على القول بذلك ثم اتباع الخليفتين بعده المعتصم، والواثق لمنهجه حول المسألة مسألة دينية عقدية إلى مسألة سياسية يقول بها الموالون أو إن شئت فإن من قال من بها عُدّ مواليا للحكومة العباسية ويرفضها ويأباها المعارضون لها، وإن شئت قلت إن من رفضها وأبى الأقرار بها عُدّ معارضاً لتلك الحكومة.
وتذهب الرويات إلى أن المأمون كان يقول بهذا القول من قبل ولكنه لم يكن يجهر به بل يتداوله مع خاصته، ثم أعلنه سنة 212 دون أن يجبر الناس عليه ثم اتخذ مذهباً ملزماً للناس سنة 218 هـ وذلك في كتاب طويل كتبه إلى والي بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، قال فيه بعد أن وصف مخالفيه بأوصاف سوء: فأجمع من بحضرتك من القضاة وأقر عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك وأبدأ بامتحانهم في ما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا
786
مذهب أل التفويض أحمد عبد الرحمن القاضي، ص 33.
المدارس
الفكرية الإسلامية د. محمد العوا، ص 219.
1
2 (1/787)
صفحة 788
واثق فيما قلده الله واستحفظه من أمور رعيته لمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه فإذا أقروا بذلك
ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم .. ويترك شهادة من لم يصر أنه مخلوق محدث واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون.
وأرسلت نسخ الكتاب إلى سائر الأمصار الإسلامية وكان القاضي أحمد بن أبي داود معظماً عند المأمون أمير المؤمنين يقبل شفاعته ويصغى إلى كلامه وأخباره في هذه كثيرة وكان فصيحاً فدس ابن أبي داود للمأمون القول بخلق القرآن وحسنه عنده وصيره يعتقده حقاً مبيناً.
وقد فتحت في عهد المأمون كثرة تعريب كتب الأوائل من فلاسفة اليونان مما كان له أسوأ الأثر في تكدير
صفو العقيدة وبلبلة الناس وشغلهم بالمنطق الإغريقي عن الكتاب والسنة 2.
1. اختيار العلماء وثبات الإمام أحمد بن حنبل
كتب المأمون إلى والي بغداد أن يشخص إليه سبعة من كبار المحدثين هم: محمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب أو حيثمة، وإسماعيل بن داوود، وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن الدّورقي، وظن المأمون أنه لو واجههم أجابوه إلى القول بخلق القرآن، وأن الناس سوف يتبعونهم، وصدق ظنه في الأولى وخاب في الثانية، فإن الناس اتبعوا أحمد بن حنبل الذي قال عن هؤلاء: لو كانوا صبروا وقاموا لله لكان انقطع الأمر وحذرهم الرجل يعني المأمون" لكن لما أجابوا وهم عين البلد - اجترأ على غيرهم وكان أحمد إذا ذكرهم اغتم، وقال: هم أول من ثلموا هذه الثلمة.
1
المرجع السابق، ص (220، نقلاً.
مذهب أهل التفويض، ص 34.
عن
الطبري وابن الأثير.
787 (1/788)
صفحة 789
ولم يول المأمون عملاً أيا كان لمن لا يقول بخلق القرآن ثم أراد حمل الناس من أهل العلم خاصة، على ذلك ولو لم يكن يتولون له عملاً.
وتكرر امتحان والي بغداد بأمر المأمون للعلماء أربع مرات وفي المرة الرابعة لم يبق على القول بأنه غير مخلوق إلا أحمد بن حنبل وسجاده والقواريري ومحمد بن نوح، فشدوا في الحديد فلما أصبحوا امتحنهم إسحاق بن إبراهيم مرة ثالثة فأجاب سجادة فأطلقه وبعد يوم آخر أجاب القواريري فأطلقه ونفى أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح فأرسلهما موثقين بالحديد إلى المأمون في طرسوس، ومات المأمون قبل وصولهم إليه، ومات محمد نوح في قيوده في طريق العودة إلى بغداد ففكوا وثاقه وصلى عليه أحمد بن حنبل وتركزت عامة المعارضة منذئذ في الإمام أحمد
وكان يقول: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ فلما ذكرت له الأحاديث في إنقاذ النفس قال لهم: فما تقولون فيما روى خباب: إن من كان قبلهم كان أحدهم ينشر بالمناشير ثم لا يصده عن. دينه 2، فيئسوا منه.
ذلك
وفي عهد المعتصم "ت-227 هـ أمر به فضرب بالسياط وعذب حتى سال الدم منه وتعددت جروحه وظل حبيساً من آخر عهد المأمون إلى أن أطلقه المعتصم سنة 220 هـ وكانت مدة الإمام أحمد 28 شهراً. حبس
وقال المعتصم حين أطلق احمد بن حنبل: لو لم أفعل ذلك لوقع شر عظيم لا أقدر على دفعه قالوا: أطلق
أحمد بعد
أن
اجتمع
الناس وضجوا حتى خاف السلطان 3.
788
المدارس
الفكرية الإسلامية، العوارض 34.
البخاري، رقم 3612.
طبقت الشافعية، 162/ 2.
1
2
3 (1/789)
صفحة 790
وأمر الواثق "ت 2320 هـ " ألا يساكنه أحمد بأرض فاختفى حتى وفاة الواثق، وفي أيام الواثق مات يوسف بن يحيى البويطي صاحب الشافعى الذي قال لئن أدخلت على الواثق لأصدقنه أو لأموتن في حديدي هذا، حتى يأتي أقوام يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم من حديدهم فحمل إلى بغداد ومات في سجنها وهو مكبل بأصفاده سنة 231 هـ وتوفي أحمد بن حنبل 241 هـ في ثاني عشر ربيع الأول.
وفي وصف جنازة أحمد قال عبد الوهاب الدراق: ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية والإسلام كان مثله، صلى عليه نحو مليون وثمانمئة ألف سوى من كان في السفن "أي النهر" وكان على سور بغداد نحو ستين ألف امرأة، كره الناس المعتزلة لاحتضان الحكومة لهم وأحبوا المتوكل لأنه رفع المحنة عن الناس وسمح للعلماء بالحديث والتعليم ولو كانوا مخالفين 2.
2. رفض الأمة لفرض الآراء بالقوة:
لم يكن الذي أخرج الإمام أحمد من هذه المحنة إماماً لأهل السنة وناطقاً باسم السلف الصالح كون هذه المسألة متصلة بأصل من أصول الدين فحسب، بل كان الذي وضع هذه المكانة للإمام أحمد أن المسألة كانت في الجانب الأكبر والأهم منها مسألة سياسية تتعلق بالسلطان ومدى حقه في إكراه الناس والعلماء خاصة على اعتناق آرائه المتعلقة بالدين والفقه فيه والشريعة المبنية عليه، كان المأمون ومن بعده المعتصم والواثق، يريدون أن يتنزعوا من يد العلماء والفقهاء والمحدثين إمامة الدين كما انتزعوا بالملك العضوض إمامة الدنيا. وقد فهم هذا المراد أحمد بن حنبل ومن اختار سبيله من العلماء، فكان هؤلاء يدافعون عن حق الأمة في اتباع علمائها وفقهائها وأهل الفتوى فيها ضده محاولة الخلفاء جمع السيطرة الدينية والسياسية جميعاً لهم.
789
المدارس الفكرية الإسلامية، ص 221
المرجع نفسه، ص 222.
1
2 (1/790)
صفحة 791
وكان موقف الإمام أحمد ومعاصريه من أئمة السنة هو الإنكار التام والرفض المطلق لأي حق للدولة في التدخل في شؤون العقيدة أو الشريعة، وبعبارة أوضح كان أحمد ونظراؤه يرون أنه لا سيادة للدولة وأصحابها في مجال الشريعة والفقه وأن السيادة هنا للأمة التي تختار أئمتها الذين تقلدهم قيادة الرأي فيها، وتقبل قولهم فيما يجوز ومالا يجوز من أمور الحلال والحرام وليس على الخليفة وأعوانه الدولة إلا الوقوف عند حدود الله كما بينها هؤلاء العلماء الثقات.
وقد كان هذا المعنى واضحاًكل الوضوح عند الناس " الأمة" الذين رفعوا أحمد بن حنبل إلى مكان لم يرفعوا إلى مثله فقيهاً أو محدثاً قبله ولا بعده وهذا الموقف يبين أن الأمة ليست بالجهل الذي يصورها عليه بعض المتعالمين، بل هي عرفت الحق، ووقفت معه وميزت بين من يخلصون القول العمل عن بصيرة نافذة ورؤية واعية، ومن أحسنوا فهم العلم وجمع أدلته ومسائله ولكنهم لم ينجحوا في اختيار الثبات على الحق والدفاع.
إن ضجة القائلين بخلق القرآن كانت صدى لخلافات منهجية ضخمها تدخل السياسة وأسكتها الموقف العظيم لأحمد بن حنبل ومن سار سيرته وإن منطق المعتزلة وقهرهم الناس عليه يجعل القرآن محل جدل مستمر، يفرض فيه رأي بالجدل أو القوة وينفيه الجدل والقوة، فتنفتح أبواب المراء وهو خطر تسد الذرائع إليه في كل المذاهب، وإن المحاولة العقيمة التي قام بها المعتزلة في هذا الصدد لم تكن فيها فائدة في العقيدة أو في عمل صالح، بل كانت رياضة جدلية فيها تشقيق كلام وتشكيك فكر وتقسيم وحدة، ثم كانت سيرة الذين نذروا أنفسهم لفرضها مانعاً من قبولها يقول أبو حيان التوحيدي في المتكلمين: إن الطريق التي لزموها وسلكوها لا تقضي بهم إلا الشك والارتياب لأن الدين لم يأت بكم ولا بكيف في كل باب، ويقول كان الأصحاب الحديث، أنصار الأثر مزية على أصحاب الكلام والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر
790
223
المرجع السابق، ص 3
تاريخ موجز للفكر العربي، حسين مؤنس، ص 217.
1
2 (1/791)
صفحة 792
المحشو بالشك والريبة ولم يأت الجدل بخير قط، يتكلم أحدهم "المتكلمين" في مئة مسألة
لا ترى عنده قلباً خاشعاً ولا رقة ولا تقوى ولا دمعة.
3. الضربة القاضية للمعتزلة:
انقضى عصر
ويورد
مئة حجة ثم
المحنة بعد سنتين من خلافة المتوكل في سنة 234 هـ أظهر المتوكل، وزجر عن القول بخلق
القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار واستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل صلاتهم ورووا أحاديث الرؤيا والصفات 2. وجعل المتوكل، يتلطف بإمام أهل السنة أحمد بن حنبل، تلطفاً بالغاً ويخطب وده وأوقع برؤوس المعتزلة من أعدائه كأحمد بن أبي داود. قال الذهبي: وغضب المتوكل على أحمد بن أبي داود وصادره أصحابه وحمّل ستة عشر ألف ألف درهم، وافتقر هو وآله وأطلق من تبقى من الاعتقال ممن امتنع
وسجن
من القول يخلق القرآن وأنزلت عظام أحمد بن نصر الشهيد، ودفنها أقاربه .. والتمس المتوكل من أحمد بن حنبل أن يأتيه فذهب إلى سامراء ولم يجتمع به واستعفى فأعفاه، ودخل على ولده المعتز فدعا له.
وفي هذه الظروف الإيجابية بعد المحنة العصبية وخوف اندراس الحق انفسح المجال لأهل السنة أن يرفعوا صوتهم عالياً بمعتقدهم، وتثبيت أركانه وتشييد بنيانه 5.
وكانت الضربة القاضية للمعتزلة على يد واحد كان منهم ويعني بذلك أبا الحسن الأشعري، وتاريخه الذي تعبيراً صادقاً يعبر
عن الأزمة النفسية والاضطرابات التي لاقاها بعد أن عاش أربعين سنة على الاعتزال
متتلمذاً على أبي علي وولده أبي هاشم الجبائي 303 - 321 هـ)، ولكنه عندما عرف طريقه الإمام أحمد
791
أحمد بن حنبل إمام أهل السنة المستشار عبد الحليم الجندي، ص 424.
سير أعلام النبلاء، 34/ 12.
البداية والنهاية، 337/ 10 - 340
أعلام النبلاء، 36/ 12. سير مذهب أهل التفويض، ص 39.
1
2
3
4 (1/792)
صفحة 793
ومنهجه وعقيدة أهل السنة والجامعة التي امتحن وابتلى بسببها، عندما عرف ذلك كان شجاعاً في التصريح ينبذه منهج المعتزلة وعقائدهم.
تبوأ الإمام أحمد بن حنبل، منزلة رفيعة بسبب جمع الله له من العلم والزهد ونصرة السنة، والصبر في الله
على ذلك، مما جعله علماً يستدل به الباحثين وعن الحق، وفصيلاً قاطعاً لاختلافات المختلفين 2
الله
فلا عجب أن نرى أبا الحسن الأشعري رحمه الله - يأوي إلى طريقه حين انخلع من مذهب الاعتزال ويعلن على منبر جامع البصرة سيره على سنته وموافقته على ما يقول. ويسطر ذلك في كتابه الإبانة فيقول: ديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن جنبل نضر وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين. وأخذ الإمام الأشعري يؤلف كتبه للرد عليهم ونقض آرائهم وتابعه الأئمة المنتسبون إليه بعده كالباقلاني والجويني والغزالي وغيرهم.
ولم يكن طعن المنهج الاعتزالي وتأويلاته بالقهر والقسر كما فعل المأمون وخلفاؤه في قضية خلق القرآن ولكن بمقارعة الحجة بالحجة واستخدام المنهج العقلي سواء بطريقة أبي الحسن الأشعري وأتباعه أو بالمنهج الذي أصله علماء الحديث والسنة على لسان الإمام أحمد بن حنبل وعبد العزيز المكي وغيرهم.
منهج
علماء الحديث والسنة في أصول الدين مصطفى حلمي، ص 158.
مذهب أهل التفويض، ص 55.
المرجع نفسه، ص 55.
منهج.
علماء الحديث والسنة في أصول الدين د. مصطفى حلمي، ص 158.
792
1
2
3
4 (1/793)
صفحة 794
4. خلاف الإباضية في مسألة خلق القرآن:
—
الدكتور عمرو النامي:
مناقشة خلق القرآن لأول مرة في الأوساط الإباضية في عمان في العقود الأولى من القرن الهجري الثالث ولقد قال الفضل بن الحواري "ت 891/ 278" إن شيوخ الإباضية ومنهم الوضاح بن عقبة، وسعيد بن محرز، ومحمد بن هاشم ومحمد بن حبوب وآخرون قال: إنني أقول إن القرآن مخلوق. فغضب محمد بن هاشم وقال: ساترك عمان ولن أبقى فيها أبداً وظن ابن محبوب أن ابن هاشم يشير إليه فقال: أنا أولى بالخروج من عمان، فأنا غريب عنها. وعلى أي حال يروى أن هؤلاء الشيوخ أنفسهم اجتمعوا ثانية، ورجع محمد بن محبوب عن موفقه السابق لتجنب الانشقاق 2.
وللإباضية وجهات نظر مختلفة حول هذه المسألة وفي عمان، كانت هناك ثلاث وجهات نظر يقول بها كبار علماء القرن الثالث للهجرة ومن قال بأن القرآن هو كلمة الله، هو ليس صفة له، ولذاته ولا لعلمه وجهة نظر قال بها أبو علي موسى بن علي "ت 230 هـ/844 م" وآخرون.
هذه
ومن لم يتوصل إلى أي موقف حاسم من المسألة لكنهم قالوا بأن القرآن هو كلمة الله ووحيه إلى الرسول وقالوا بأنها قضية قد يبقى المسلمون جاهلين لها، منقسمين حولها "مما يسع جهله" وهذا هو موقف محمد
بن محبوب.
1
دراسات الإباضية، ص 182. 2 تحفة الأعيان للسالمي، 128/ 1، 129.
793 (1/794)
صفحة 795
ومن رفض وجهة النظر القائلة بأن القرآن مخلوق واتخذوا موقف "الوقوف" "التحفظ" بالنسبة للذين قالوا بأن القرآن مخلوق، هذه هو موقف سليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة ومحمد بن هاشم وسواهم.
وبقيت هذه القضية مسألة قام حولها الخلاف بين إباضي "الشرق" حتى وقت لاحق 2
وقال أبو يعقوب الوارجلاني "ت 750 هـ" أنه سأل أحمد الحضرمي في مكة عن القرآن فرد عليه: إن أهل عمان يقولون إنه غير مخلوق، فيما يقول إباضي شرف إنه مخلوق. أما بالنسبة لنا أهل حضر موت، فإننا بين بين لا مع هؤلاء ولا مع الآخرين على أن هذه الآراء كانت تعتبر نتيجة الرأي الشخصي الذي يسمح بالخلاف من غير أن يؤثر على الإيمان أما بالنسبة للإباضية في شمال أفريقيا فكانوا جميعاً على رأي واحد يقولون إن القرآن مخلوق وأقدم وثيقة تعالج هذه المسألة هي رسالة ألفها الإمام الرستمي أبو اليقظان محمد بن أفلح "ت 281" ناقش فيها المسألة بتفصيل مقدماً حججاً قوية لدعم عقيدة خلق القرآن.
وكانت الأعمال اللاحقة لمؤلفين من إفريقيا الشمالية تتبنى الموقف نفسه كالإمام محمد أفلح، كيف حدث أن الإباضية في شمالي إفريقيا تبنوا وجهة نظر واحدة واضحة حول هذه المسألة فيما كان إباضيو الشرق مرتكبين بهذا الخصوص؟ هل كان ذلك بسبب تأثير المعتزلة، كما يقول بعض العلماء الأوروبيين؟ وإذا صح ذلك فلماذا كان النفوذ في شمالي إفريقيا بالغ الفعالية فيما هو أقل فعالية في الشرق؟
ودعماً لوجهة النظر نلينو القائلة، بأن الإباضية في شمالي إفريقيا تأثروا بالمعتزلة بالنسبة لعقيدة خلق القرآن أن هذا التأثير وجد طريقه إلى علم الكلام الإباضي في شمالي إفريقيا بواسطة محمد بن أفلح، الإمام
فالمرجع
الرستمي
الذي وضع أول عمل حول هذه المسألة والمحتمل أنه افتتن بهذه العقيدة أثناء سجنه في بغداد في
عهد أحد خلفاء العباسيين ولما لم يكن أحد
من
الأئمة الإباضيين قبله في شمالي إفريقيا قد ناقش هذه
794
الجواهر
المنتقاة، البرادي، ص 285.
دراسات عن الإباضية، ص 183.
1
2 (1/795)
صفحة 796
المسألة فقد استطاع أبو اليقظان أن يدخل وجهة نظره لأول مرة ولكونه إمام الدولة الإباضية كلها في شمالي
إفريقيا فإن أنصاره ارتضوا وجهة نظره بالإجماع، ومن ناحية ثانية يحتمل أن تكون عقيدة خلق القرآن قد تطورت بصورة طبيعية ومستقلة على أيدي العلماء الإباضيين على أساس نظريتهم في ذات الله وصفاته على أنه برغم ذلك فإن الإباضية في مرحلتهم الأولى لم يعالجوا هذه المسألة من هذه الناحية؟ وحين عالجوها كانت وجهة نظر المعتزلة حول خلق القرآن قد انتشرت في أوساطهم انتشاراً واسعاً.
وخلاصة القول إن الإباضية يرون في مسالة خلق القرآن ثلاثة آراء مختلفة أحدها أن القرآن مخلوق ولقد نظروا إلى هذه المسألة كواحدة من تلك المسائل التي يمكنهم أن يختلفوا حولها بناءً على حكم شخص أو
الحال
اجتهاد
وهي
لذلك ليست من العقائد الأساسية التي ينبغي اتخاذ نظرة معينة بشأنها، كما
هي
للمعتزلة 2.
- محمد عبد الرحيم الزيني:
قال الدكتور محمد عبد الرحيم: نعتقد أن الإمام المهنا بن جيفر سبق عصره حينما منع الخوض في قضية خلق القرآن وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سعة الأفق، وتعمق في فهم رسالة القرآن الجوهرية، ونود أن ننبه أن هذه القضية تسللت لنا من اللاهوت المسيحي حينما جادل بوحنا الدمشقي "750" علماء المسلمين في معنى "وكلمة ألقاها إلى "مريم" إذ يذهب النصارى بأن السيد المسيح قديم مساوق للرب في الوجود لأن الكلمة قديمة ولما كان الإيمان الإسلامي يقوم على إفراد الوحدانية لله ولا قديم إلا الله، فهو الأول والآخر، وكل ما عداه مخلوق حادث وكان الله ولا شيء ء معه في ضوء ذلك اضطر علماء الكلام إلى القول بأن القرآن مخلوق وتزعم المعتزلة في ذلك لمواجهة فتنة اللاهوت المسيحي، ثم نشبت معركة خلق القرآن
1
2
دراسات عن الإباضية، ص 182 إلى 184.
المرجع نفسه، ص 1
191
795 (1/796)
صفحة 797
ثانية مع
امتحان المعتزلة للإمام أحمد بن حنبل "ت 231 هـ " وإهانته إهانات عنيفة وسجنه وضربه ونقول
نحن بصدد قضية ميتا فيزيقية من الصعب على العقل ارتياد دروبها فضلاً عن اكتشاف سرادينها ولا يمكن أن نحسم القضية مهما استندنا لآيات القرآن لأن الله ليس ذاتا مشخصة أمامنا حتى نحكم عليها ونقيس الشاهد على الغائب 1.
ويكفينا أن نقول إن القرآن كتاب الله المنزل على قلب محمد بواسطة جبريل ونحن نتعبد بتلاوته وفيه من المبادئ والقواعد الفقهية والعقائدية والسياسية والقانونية والأخلاقية والاجتماعية ما يقيم حياة كريمة عول عليه المتصوفة في أحوالهم ومقاماتهم واستند إليه علماء الكلام في القضايا التي طرحوها، ولم يتأخر الفلاسفة إذا استشهدوا بآياته لتأكيد وجهة نظرهم في القضايا التي خاضوها ولم يتأخر الفلاسفة إذ استشهدوا بآياته لتأكيد وجهة نظرهم في القضايا التي خاضوا فيها واستنبط منه علماء التربية والأخلاق قواعد للسلوك وهكذا، علاوة على ذلك فإن مبادئه ما ينبي أمة فتية ويشيد حضارة، فلنعكف على قراءته قراءة معمقة وننقل هذه القوانين إلى واقع الناس في عمل يتحقق وسلوك مرئي وفي تشييد قواعد حضارية
سامقة 2
وقال: نود القول إن إثارة قضية خلق القرآن ترجع إلى اللاهوت المسيحي الذي تسلح بالمنطق والفلسفة اليونانية، وهناك إجماع عند مؤرخي علم الكلام أن يوحنا الدمشقي "750 م" الذي كان يعيش ف بلاد الأمويين هو الذي جادل المسلمين في مسألة طبيعية المسيح وأثار قضية قدم الكلمة التي ألقاها إلى مريم وليست دخيلة توراتية .. هذا من جهة ومن جهة أخرى إن المشكلة أثيرت في وقت مبكر عند الجهم بن صفوان وقد قتل "128 هـ" وناصره في ذلك المعتزلة وعلى رأسهم واصل بن وعمرو بن عبيد، وكانت وجهة
2
1 قراءة في كتب المدرسة الإباضية، ص 141.
المرجع نفسه، ص 141.
796 (1/797)
صفحة 798
نظر المعتزلة أن عقائد الناس فسدت ويجب تصحيحها يجب أن يدور على توحيد الله ورأوا أن القول يقدم القرآن يفضي إلى تعدد القدماء.
لذلك شنوا حملة واسعة على رواه الحديث وأسهموا في ذمهم وامتهانهم ومنهم ابن قتيبة وأنكروا أحاديث الآحاد وقرروا أن خير الواحد العدل لا يفيد العلم ويجمع المؤرخون أن المعتزلة حرضوا المأمون عندما ألت السلطة إليهم فأرادوا أن ينتقموا منهم ولا نستطيع أن ننفي العامل الفكري والديني ومع هذا لا ننكر العامل السياسي. وقال: نلوم المعتزلة لوما شديداً على إجراء مثل هذه المحاكمات التي ألبت الجمهور عليهم لأن الفكر يواجه بالفكر والمناظرة والجدل وليس بالسيف ولا سيما إذا كنا بصدد شخصية جليلة مثل الإمام أحمد الذي تحمل المحنة بشجاعة وضير ... ولا شك أن هذا الدور المخزي عجل بتدمير المعتزلة وإزاحتهم من على المسرح، إذ باعتلاء المتوكل سدة الحكم طردهم من وظائفهم وشرد بهم، واضطهدهم مع هذا ظل حياً ورائداً في الدراسة الكلامية والفلسفية نلخص من ذلك أن القضية كان لها جذور فكرية
منهجهم
ودينية منذ القرن الأول بلغت ذروتها في محاكمات المأمون فيما بمحنة خلق القرآن 3.
سمي
ويرى الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني في قضايا العقيدة، مثل نفي الرؤيا أو خلق القرآن أو تأويل الصفات الحسية مثل اليد والعين ليست من أصول الدين وعلى كل مدرسة كلامية أن تحترم وجهة نظر المدرسة الأخرى الأدلة النقلية والبراهين العقلية ومن يذهب لإثبات الرؤيا فعنده أدلته
فمن.
يريد أن ينكر الرؤيا فعنده متسع من
التي يستنبطها من القرآن والعقل وهكذا باقي القضايا ونتعامل مع بعضنا يصدر رحب وأفق بلا حدود وقلب
من
أصحاب
محب وضمير نقي، إذ إننا بصدد قضايا غيبية علمها عند علام الغيوب واجتهادات من العلماء النوايا الطيبة ولكل مجتهد مصيب، ويكفينا أننا متفقون على أصول الدين وما هو معلوم من الدين بالضرورة
797
المرجع السابق، ص 183.
المرجع نفسه، ص 183.
المرجع نفسه، ص 184.
1
2
3 (1/798)
صفحة 799
فلنتعاون لنصرة ديننا ورفع شأنه بين الأمم وبناء أمتنا وإقامة النهضة الفكرية والدينية والحضارية التي نأمل
فيها.
وقال: إننا نعتقد أن منهج
التأويل أفضل للنص القرآني والأوفق والذي ينسجم مع سياق الآيات ومعطيات
القرآن والغوص على المعاني الخفية في النص واستخراج كنوزها التي تساير تطور الزمان وتباين المكان إلا أنه علينا أن نحترم وجهة النظر الأخرى ونقدر ظروفهم الفكرية والفروق الفردية الموجودة بين البشر ودواعيهم التي دفعتهم إلى ذلك، وعلى الطرف الآخر ألا يتهموا الذين يأخذون بالتأويل بقلة الإيمان وسوء النية وأنهم معطلة ونفاه للصفات وفي الوقت نفسه لا نتهمهم أنهم حشوية ومجسمة وليقبل بعضنا بعضا كما نحن، وليس كما نجب أن نرى غيرنا وبهذا نفك هذه الإشكالية التاريخية التي أثارت حروباً وملأت الصدور بالنفور والكراهية.
—
العلامة أبي الحسن علي بن محمد البسيوي:
قال في مسألة "في خلق كلام الله" قد اختلف الناس في ذلك فقال قوم: إن كلام الله مخلوق وقال آخرون وهم أكثر الأمة: إن كلام الله ليس بمخلوق ووقف في ذلك واقفون 3. وكلام الله تعالى من صفاته لم تزل له، ولو جاز لقائل أن يقول: إن الله لم يكن متكلماً ثم تكلم لجاز لقائل أن يقول: لم يكن الله عالماً ثم علم فلما فسد هذا القول على قائله وكان الإجماع أن الله لم يزل الرحمن الرحيم الحيّ العالم القادر السميع البصير المتكلم
فسد قول من يقول: إن كلام الله مخلوق 4.
798
المرجع السابق، ص 185.
المرجع نفسه، ص 187.
جامع أبي الحسن البسيوي، 117/ 1.
المرجع السابق، 117/ 1.
1
2
3
4 (1/799)
صفحة 800
—
الإمام محمد بن محبوم الرحيلي
قال في رأيه في خلق القرآن: إن القرآن مخلوق ويعد من أوائل من قال بهذا الرأي من المشارقة، وكان الخلاف بينهم لفظياً وخالف أصحابه في هذا لقرون طويلة منذ أن تناقش مع أهل عمان في مسألة ووقع الخلاف في بادئ الأمر، ثم أجمعوا على قول واحد أن القرآن هو كلام الله ووحيه وتنزيله، ولا نقول مخلوق لا غير مخلوق، وكان يقول أيضاً: القول في خلق القرآن مما يسع جهله.
وقال ابن محبوب وأبو علي وسليمان بن الحكم أبو زياد الوضح بن عقبة من أهل عمان والشيخ يوسف بن إبراهيم من المغاربة: إن المسألة من الفروع لا يقطع فيها العذر لمن قال بقدمه أو بخلقه أو بالوقوف وهي أقوال ثلاثة عند الإباضية. وقال في: قوله فيما يسع جهله كل مالم يكن في كتاب الله تعالى بيانه ولا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا إجماع العلماء فواسع جهله 3.
العلامة أحمد الخليلي:
—
يقول: وكان الرعيل الأول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنيناً من القول في هذا الموضوع وإنما كانوا مجمعين على أن الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق وأن القرآن كسائر الكتب المنزلة كلام الله ووحيه وتنزيله وهذا الذي اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر، بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية بعد أن طمى عبابه وهاجت عواصفه بمدينة البصرة الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك وكانت للعمائيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والاقتصادية التي تربطهم بها، وليتهم وقفوا عند أهل الحد، بل ليت كل المسلمين جميعاً اكتفوا بهذا القدر من الاعتقاد والقول
799
الإمام محمد بن محمود الرحيلي حياته وآثاره، ص 194.
المرجع نفسه، ص 194.
المرجع نفسه، ص. ص
194 - 190
1
2
3 (1/800)
صفحة 801
في هذا الموضوع ولكن استحكمت في هذه القضية أهواء وحكمت فيها العواصف الهوجاء التي أشعلت سعير هذه الفتنة التي اصطلى المسلمون أواره.
ومرد ذلك كله إلى الغلو، فإن من شأن المغالاة أن تدعو إلى ضدها وكانت بداية ذلك مناندة أهل الحديث ومن سار في ركبهم لأصحاب المدرسة العقلية من المعتزلة وغيرهم، واستدعوا السلطان عليهم وتأليب الناس ضدهم وعندما دالت الدولة للمعتزلة في أواخر أيام المأمون ثم المعتصم أنتهزوا فرصتهم للتشفى والانتقام من أهل الحديث، فأسرفوا في التقتيل والتعذيب فامتلأت الصدور بالأحقاد وأخذت القضية مجرى عاطفياً في البحث، وأخذ كل فريق يندد بالفريق الآخر ويكيل له التهم ويرميه بالبدعة والانحراف.
وتحدث عن خلق القرآن في كتابه الحجة الدامغة في عشرات الصفحات 2، ومال إلى القول بخلق القرآن وقال: أن الصواب والسلامة في اعتقاد أنه كسائر الموجودات، كائن بعد أن لم يكن وما كان كذلك فهو مخلوق، قطعاً، كما أن القول بقدمه بفتح الباب على مصراعيه لمن يقول بجواز تعدد القدماء حتى يفضي الأمر إلى القول يقدم العالم.
ومع دفاعه عن رأيه في مسألة خلق القرآن إلا أنه في نهاية المبحث قال: ومع هذا كله فإنني كنت أود أن لا أتعرض لهذه المسألة بإيجاب ولا سلب رغبة مني في الاقتصار على المأثور عن الرعيل الأول من هذه الأمة
وحرصاً على عدم إثارة أي جدل أحداً.
يزعج
من
المسلمين ولكني ماذا أصنع والألسنة لم تهدأ والأقلام لم
تتوقف عن إشارة إلى هذا الموضوع بغير هدى ولا دليل ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى تكفير
800
الحجة الدامغة، ص 110.
المرجع نفسه، ص. ص
184 - 103
المرجع نفسه، ص 183.
1
2
3 (1/801)
صفحة 802
من قال كلمة الحق أو دعا إليها فرأيتني بسبب ذلك ملزماً أن أقول كلمة هادئة هادفة بس لي وراءها من قصد إلا رضى سبحانه وتعالى.
والشيخ الخليلي يعذر مخالفيه ويراها طبيعية بشرية وسنة كونية، حيث قال: في مقدمة كتابه الحق الدامغ: فإن التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة، فلذلك نجدهم متفاوتين في المدارك مختلفين في المشارب، متعاكسين في الأحاسيس وإلى ذلك يرجع تعداد مذاهبهم في الأمر الواحد وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119]
وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوسهم فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة في العقل والوجدان مستعصية إلى الحجة والبرهان لا تتزعزع لمحرك ولا تنقاد لداع ولذلك كانت دعوات المرسلين عليهم السلام تستفرغ منهم الجهد الجهيد وتستغرق منهم الوقت الطويل 2.
وقال: وليس هذا النزاع في أصول الدين مع وحدة المصدر الذي تنهل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التطورات عند أئمة الفرق ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً تطوع له الأدلة المخالفة له لكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
ولست أبالغ إن قلت: إن الإباضية أهل الحق والاستقامة تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين
بثلاثة أمور:
- الأمر الأول سلامة المنزع: فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين صحيح النقل وصريح العقل، فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادئ الأمر كما
801
المرجع السابق، ص 184.
المرجع نفسه، ص 8.
1
2 (1/802)
صفحة 803
هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس، وأصح وأثبت مما جاء به النبيون عن
الله عز وجل، فعوّلوا عليه في التحسين، والتقبيح والتعليل والحكم كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ غير مسترشدين بها في استكشاف أبعاد معانيها والغوص في حقائق مراميها!
وقال: بل استمسكوا بالعرى الوثقى من النصوص واتخذوا من العقل السليم دليلاً على فهم مقاصدها ومن الأساليب اللغوية شراكاً لاقتناص شواردها ولا غرو فهم منطلقون في ذلك من راشد القرآن نفسه فكم تجد
فيه:
لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12].
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11]، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]
هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [غافر: 54]
كما نجد في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]
فهو وإن سما فوق بلاغة بلغاء العرب والعجم لم يخرج عن كونه عربي
اللسان والأسلوب، وقد يسره الله للذكر
بتفههم آياته واستجلاء مقاصده واستلهام مراشده 2
- الأمر الثاني: عدم التعصب لأئمتهم تعصباً يجعلهم يتصاممون عن النقول الصحيحة ويتعاملون عن العقول الصريحة، كما نجد ذلك عند كثير من المتفقهة والمتكلمين ... فقد باين الإباضية هذا المسلك الضيق فقهياً وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة، ولم يسوغها لأنفسهم أن يرفعوا كلام أحد من أئمتهم إلى
1
2
المرجع السابق، ص 10.
المرجع نفسه، ص 10.
802 (1/803)
صفحة 804
درجة كلام الله أو كلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم الورع ما بلغ، فهذا نور الدين
السالمي رحمه الله في كتاب أصول الدين من جوهر نظامه:
وهي أمور تبتني عليها
لا دين للمرء إذا لم يعرف دت ذلك بالدليل
واعتمدت
إلى أن قال:
ولا تناظر بكتاب الله معناه لا تجعل له تظيراً
ديننا فمل إلينا
ما كان منه لازماً فلنعرف
في حالة الإجمال والتفصيل
ولا كلام المصطفى الأواه ولو يكون عالماً خبيراً
ويقول أيضاً:
نقدم الحديث مهما جـ
ونرجعن في بيان الحكم
ولا مراء
على قياس عنه إلى إجماع أهل العلم.
الأمر الثالث المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ الخلاف بينهم وبينهم ما بلغ، إذ لم يتجرؤوا قط على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل أما من استند إلى التأويل وإن كان أوهى من نسيج العنكبوت فحسبه تأويله وإقباله من الحكم عليه عندهم بالخروج عن خطيرة الأمة، وخلع ربقة الملة عن عنقه 2.
1
2
المرجع السابق، ص 11. المرجع نفسه، ه، ص 12.
803 (1/804)
صفحة 805
- في أدلة القائلين بخلق القرآن:
ذكر العلامة الخليلي أدلة القائلين بأن القرآن مخلوق العقلية والنقلية واستدل بالآيات القرآنية والسنة النبوية
وإليك بعض الآيات التي ذكرها في استدلاله:
قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101]، ووجه الاستدلال به أن القرآن إما أن يكون شيئاً أو لا شيء فإن لم يكن شيئاً فعلام الاختلاف إن كان المختلف عليه معدوماً؟ وما الذي أنزله الله وفصله وأحكمه إن كان ذلك غير واقع على شيء؟ وإن كان شيئاً فمن الذي يخرجه من هذا العموم؟ فإن قيل: إن إجراء عموم
الآية على كل شيء.
يستلزم أن يكون الله خالقاً لذاته وصفاته، فجوابه أنه استحال عقلا ونقلاً دخول الذات العلية في هذا العموم، وقد عد الأصوليين هذا التخصص من باب التخصيص العقلي، وصفاته تعالى كذاته في ذلك، لاستحالة عدمها لما يترتب عليه من وجود أضدادها تعالى الله عن ذلك.
فإن قيل والكلام صفة من هذه الصفات فلماذا لم تستثنوه كما استثنيتموها من عموم الآية، أجيب بأن كلامنا ليس في الكلام النفسي الذي هو صفة ذاتية لله عز وجل والذي تثبت بثبوته قدرته تعالى على الكلام، وإنما كلامنا في كلام منزل متركب من الحروف تتلوه الألسن وتسمعه الآذان وتعيه العقول وتختزنه الأذهان، ويدون في الصحف، وهل لذلك مثيل من صفاته تعالى الذاتية؟
قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]. وهذا الوصف ظاهر في القرآن فإنه مقدرة سوره وآياته وجمله وكلماته، وحروفه وحركاته، وتلاوته ومعانيه وحكمه وأحكامه وأخباره وأمثاله.
قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]. والاستدلال على خلقه من وجهين:
804 (1/805)
صفحة 806
أولهما الإخبار عنه أنه مجهول المجهول هو المصبر من حال إلى حال وهذا لا يكون إلا في المخلوق.
ثانيهما: تعليل جعل عربياً بقصد عقل المخاطبين له.
ومثل هذه الآية سائر الآيات الناصة على أنه مجهول كقوله: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا تَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52] وقد شرح حجية الجعل على ثبوت الخلق الإمام محمد بن أفلح رضي الله عنه بقوله: إن الأمة اجتمعت على أن كل فاعل قبل فعله، وأن الجاعل قبل المجعول وأن الصانع قبل صنعه، وأن الجاعل غير المعجول، فلما ثبت بينهما التغاير والقبل صح أنهما شيئان وأن الأول المتقدم هو الجاعل القديم، والثاني: المجعول هو الحادث الكائن بعد أن لم يكن.
واستدل على أن الجعل إذا أسند إلى الله كان بمعنى الخلق بكثير من الآيات الدالة عليه، كقوله تعالى: {وَجَعَلَ
الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1].
وقوله: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف: 189].
وقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67].
وقوله: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرًا} [النمل: 61]
وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81].
وقوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [نوح: 16].
وقوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12].
805
المرجع السابق، ص 170.
1 (1/806)
صفحة 807
ومثلها في ذلك قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا} [المرسلات: 25].
وقوله: ألم نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا 5 وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا أَلَمْ
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشَا (البا: 6 - 11] إلى غيرها من الآيات.
قال الإمام أبو اليقطان محمد بن أفلح: فمعنى جعلنا في هذه المواضع التي ذكرنا خلقنا، كذلك عند المعارض غير ما ذكرناه في القرآن فإنه زعم أن الجعل فيه غير القرآن من الجعل الذي اتفقنا وإياكم عليه أنه بمعنى الخلق هو بمعنى آخر غير الخلق، وإلا فما الفرق بين الجعلين؟ فيكون الله عز وجل خاطب العرب بما لا يعقلونه من كلا مهم ولا يعرفونه من لغتهم وبما يجوز لهم فيه الشك والطعن والارتياب، فيكون جعل في موضع خلق وأحدث ودبر وفي موضع لمعنى آخر لانفهمه ولا ندريه وهذا لا يوصف الحكيم به فلما اتفقنا نحن وهم على أن الجعل في قوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [نوح: 16].
وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف: 7].
وقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الشورى: 11].
وفي قوله: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] بمعنى الخلق. صار الجعل كله إذا كان من الله عز وجل بمعنى الخلق فيدخل في ذلك القرآن وغيره وإلا بطلت المناظرة ولم يصح الشاهد 2.
قوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2].
ومثله قوله: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5].
806
المرجع السابق، ص 171.
المرجع نفسه، ص 171.
1
2 (1/807)
صفحة 808
ووجه الاستدلال بالآيتين وصف الذكر فيهما بالأحداث وهو الخلق ولا ريب أن الذكر لم يقصد به فيهما
غير القرآن بدليل قوله تعالى: وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]
وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [يوسف: 104].
وقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَة [الحجر: 9].
وقوله تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50] " 1.
وغير ذلك من الآيات القرآنية التى استدلوا بها في دعم رأيهم المتعلق بالقرآن الكريم.
وأما الأدلة من السنة فكثير من الرويات وإنما نقتصر منها علي
أخرج الإمام أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي سعيد بن المعلي، قال: كنت أصلي فقال: ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24]، ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم أوتيته”.
روى الإمام الربيع: في مسنده عن أبي عبيدة بن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سمع رجلاً يقرأ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4]. ويرددها فلما أصبح غدا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكر لك ذلك له فكان الرجل يتقللها فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن 3
807
المرجع السابق، ص 174.
مسند
أحمد انظر: الحق الدامغ، ص 180. مسند الربيع انظر: المرجع نفسه، 181.
1
2
3 (1/808)
صفحة 809
وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله) لأصحابه أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟
فشق ذلك عليهم وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن.
وري
أحمد
بن نصر والطبراني بسند صحيح عن معقل بن بسار رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً واستخرجت الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لله [البقرة: 255] من تحت العرش فوصلت بها.
أخرج أبو يعلى وابن حيان والطبراني والبيهقي عن سهل بن سعد الساعدي قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن لكل شيء سناماً وسنام القرآن سورة البقرة من قرأها في بيته نهاراً لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام.
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على خلقه أنها ناصة على أن بعضه أعظم من بعض وأفضل، وأن بعضه سنام لسائره، وأن بعضه كان مفصولاً، عن غيره ثم وصل به وكل ذلك غير جائز على القديم ألا ترى أنه لا يجوز تفضيل بعض صفات الله على بعض فلا يقال إن علمه أفضل من قدرته أو إرادته وإذا امتنع عن ذلك في مجموع الصفات، فلأن يمتنع في الصفة الواحدة أحرى فلا يبغض علم الله فيفضل بعضه على بعض ولا
تجرأ قدرته فيجعل منها ما هو أعظم من غيره كما لا يمكن أن يكون جزء من صفة منفصلاً عنها ثم يوصل
808
البخاري، المرجع السابق، ص 81.
الطبراني بسند صحيح انظر: المرجع نفسه، ص 181
البيهقي انظر: المرجع نفسه، 181.
سنن
الحجة الدامغة، ص 182.
بھا.
1
2
3
4 (1/809)
صفحة 810
أدلة النافين لخلق القرآن:
—
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه منه بدأ وإليه يعود فهو المتكلم بالقرآن والتوراه والانجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقاً منفصلاً عنه هو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته فكلامه قائم بذاته ليس مخلوقاً بائناً عنها.
وقال: من جعل كلامه: مخلوقاً لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسى إنَّني أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14]. وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاماً إلا لرب العالمين وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروف لم يكن شيء من ذلك مخلوقاً، بل كان ذلك كلاماً لرب العالمين 2. وقد استدل النافين لخلق القرآن بأدلة من القرآن الكريم والسنة
النبوية الشريفة منها:
قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6]. وجه الدلالة من الآية: إن الله صرح فيه بأن القرآن المنزل على الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو
809
كلام الله.
مجموع الفتاوى، 37/ 12.
مجموع الفتاوى، عقائد الفرق الضالة عزة بنت محمد، 41/ 12.
مناظرات أهل السنة والجماعة عزيزة الصاعدي، ص 317.
1
2
3 (1/810)
صفحة 811
وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 1 - 3]. وذكر أنه علمه ولم يخلقه كالإنسان
من
خلقه والقرآن
من
علمه وفيه أسماؤه كالرحمن والرحيم وغير ذلك فلو كان القرآن مخلوقاً كما ذهبوا إليه
لوجب أن تكون أسماؤه مخلوقة لأنها منه وإذا لم يجز أن تكون مخلوقة فقد صح أن القرآن غير مخلوق.
قوله تعالى: ويس وَالْقُرْآنِ الحكيم} [يس: 1 - 2 وجه الاستدلال أن الله أقسم بالقرآن، ووصفه بالحكيم ولم يقل المخلوق 2.
قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرِ} [القمر: 49]، وقوله وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] هاتان الآيتان استدلّ بهما الواثق على قوله بخلق القرآن، حيث ادعى أن القرآن مخلوق بدلالتها. فسأله العباس بن مشكويه أولا: عن كلمة كل إذا وردت في القرآن الكريم، هل هي على العموم أم الخصوص؟ فقال: على العموم فرد عليه العباس بن مشكويه لا بل هي على الخصوص واستدل بقول الله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]. ووجه الاستدلال بالآية: أن الله وصف ملك بلقيس بأنها: أوتيت من كل شيء فعبر عن سعة ملكها بكلمة: كل شيء، فهل دخل في ملكها ملك سليمان عليه السلام؟ فانقطع الخليفة الواثق ولم يجب، لأن الجواب يترتب عليه بطلان استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49] لأن كل الواردة في الآية ليست على العموم، فلا يدخل القرآن ضمن من خلق
الله وفي ذلك إبطال لقولهم بخلق القرآن 3.
810
المرجع نفسه، ص 318.
المرجع السابق، ص 317.
المرجع نفسه، ص 319.
1
2
3 (1/811)
صفحة 812
قال تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164] وقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] فالله تعالى
أثبت لنفسه كلاماً كما في الآية الأولى وفصل بين الخلق والأمر في الآية الثانية، فدل على أن الأمر غير مخلوق لأنه كلامه وفيه أمره ونهيه، وهو صفة له 1.
وقد ردّ أهل السنة على كل الاستدلات التي ذهب إليها المناصرون بالقول بخلق القرآن وبينوا بطلانها ومن أراد التوسع فلينظر في مظانها مثل كتب ابن القيم، وابن تيمية وغيرها.
وأما السنة النبوية فقد استدلوا بهذه الأحاديث منها:
حديث من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك، ذكر الأشعري في الإبانة والبيهقى في الأسماء والصفات وقالا بأن الحديث يأمرنا بأن نستعيذ بكلمات الله، وهي غير مخلوقة، لأن الله لا يأمرنا أن تستعيذ بمخلوق 3.
كما استدل بهذا الحديث ابن أبي العز الحنفي أيضاً، وقوى استدلاله بذكر أحاديثه أخرى فيها الاستعاذة بصفات الله تعالى كالرضا والعظمة والعزة، كما ذكر هذا الدليل أبو يعلى الحنبلي وقال بأن الله لا يستعيذ
بمخلوق 5.
وحديث علي رضي الله عنه: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يقول عند مضجعه: اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر شرّ أنت آخذ بناصيته. وقد ذكره البيهقي في الأسماء والصفات وقال: فاستعاذ
811
أصول مسائل العقيدة عند المتكلمين، ص 253.
186 - 185
مسلم، رقم
4881
الإبانة، ص 96، الأسماء والصفات، ص. ص
شرح الطحاوية، ص 115.
المعتمد في أصول الدين، ص 87، أبو يعلى الحنبلي.
، أبي داود، رقم 4393. سنن
1
2
3
4
5
6 (1/812)
صفحة 813
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الخبر بكلمات الله كما استعاذ بوجهه الكريم، فكما أنّ وجهه الذي استعاذ به غير
مخلوق، فكذلك كلماته.
5. مناظرات بين أهل السنة والمعتزلة حوّل القرآن
—
الكريم:
مناظرة أبي عبد الرحمن الأذرمي الموصلي مع أحمد بن أبي داوود "ت: 240 هـ "
أخرج هذه المناظرة ابن بطة في الإبانة، والخطيب البغدادي في تاريخه، والسبكي في طبقاته. حيث قال ابن بطة: قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله عز وجل حين نزل على رسول القرآن الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وقلت أنت لا يكون الدين كاملاً حتى يقال بمقالتك، أكان الله الصادق في إكماله أم أنت الصادق في نقصانه؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هاتان اثنتان ثم قال الشيخ: يا أحمد الكلمة التي يكوّن الله بها تعالى بها الأشياء من أي شيء خلقها؟ فسكت أحمد فقال الشيخ: ثلاث يا أمير المؤمنين. ثم قال الشيخ: يا أحمد أخبرني حيث كان الله في وحدانيته قبل أن يخلق الخلق كان تاماً أو ناقصاً؟ قال: بل تاماً، قال: فكيف يكون تاماً من لا كلام له، فسكت أحمد فقال: أربع يا أمير المؤمنين قال الشيخ: يا أحمد أكان الله عالما تام العلم أم كان جاهلاً؟ فسكت أحمد فقال: خمس يا أمير المؤمنين، ثم قال الشيخ يا أحمد قوله: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة: 13]، الكلمة منه أم خلقها من غيره؟ فأمسك أحمد فقال: ست يا أمير المؤمنين قال الواثق: يا شيخ زد أحمد من هذه الحجج لعله يرجع عن هذه المقالة. قال: يا أمير المؤمنين عليكم نزل العلم ومنكم اقتبسناه ثم قال الشيخ: يا أحمد قد علمنا وعلمت أن الله عز وجل قال:
812
أصول مسائل العقدية عند المتكلمين، ص 254.
الإبانة الكبرى لابن بطة 6/ 275.
تاريخ بغداد، 271/ 11
طبقات الشافعية الكبري للسبكي، 55/ 2.
1
2
3
4 (1/813)
صفحة 814
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[المائدة: 67].
أليس ما أنزل الله على رسوله؟ قال: نعم قال: فهل تقدر أن تقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بلغنا هذا الذي تدعونا إليه؟ أم هذه المقالة في كتاب الله أو سنة نبيه حتى نتابعك عليها، وإن قلت: إنه لم يبلغنا، فقد نسبت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى التقصير في أمر الله وأنه كتم أمراً أمره الله إبلاغنا إياه فسكت أحمد فلم يجبه بشيء. قال الشيخ: يا أحمد قول الله عز وجل: يا موسى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] أفيجوز أن يكون هذا مخلوقاً؟ فسكت أحمد قال الواثق يا شيخ سلني حاجة؟ قال: حاجتي أن تردني الساعة إلى منزلي الذي أخرجت عنه فأمر بردّه مكرماً. قال صالح: فقال أمير المؤمنين المهتدي بالله: فرجعت في ذلك اليوم عن تلك المقالة، ورجع أمير المؤمنين الواثق، ولم نسمعه يناظر في شيء من ذلك القول حتى مات. وقال السبكي: -رحمه الله- وكان من الأسباب في رفع الفتنة أن الواثق أتى بشيخ مقيد فقال له ابن أبي داود يا شيخ ما تقول في القرآن أمخلوق هو؟ فقال له الشيخ: لم تنصفني المسألة أنا أسألك قبل الجواب، هذا الذي تقوله يا ابن أبي دوواد من خلق القرآن شيء علمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعثمان وعمر وعلي الله عنهم أو جهلوه؟ فقال: بل علموه فقال: فهل دعوا إليه الناس كما دعوتهم أتت أو سكتوا؟ قال:
رضي
بل سكتوا قال: فهلا وسعك ما وسعهم في السكوت. فسكت ابن أبي داوود وأعجب الواثق كلامه وأمر بإطلاق سبيله، وقام الواثق من مجلسه وهو على ما حكي يقول: هلا وسعك ما وسعهم ويكرر هذه الكلمة 2.
1
2
مناظرات أهل السنة والجامعة عزيزة الصاعدي، ص 306.
طبقات الشافعية الكبري للسبكي 55/ 2.
813 (1/814)
صفحة 815
—
بين الإمام أحمد بن حنبل والمتعصم:
ذكر هذه المناظرة ابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة: حدثنا سليمان بن عبد الله السجزي قال: قال المعتصم للإمام أحمد: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق قال: الله عز وجل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فقال: له عندك حجة غير هذا؟
فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن: 1 - 2] ولم يقل الرحمن خلق القرآن وقوله عز وجل ريس) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: -1 - 2] ولم يقل: يس والقرآن المخلوق فقال: المعتصم احسبوه فحسب وتفرق الناس.
بن
وناظر الإمام أحمد بن حنبل المعتزلة في مجلس الخليفة وذكر ذلك ابن بطة في الإبانة قال: أخبرنا عبد الله أحمد عن أبي عبد الله، قال: وجعل أولئك يلقون المسائل فقال الإمام أحمد: هذا مما لا أتكلم فيه لأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم قال لهم: أي بشيء تقولون إذا دخلتم المسجد؟ وأي شيء تقولون إذا خرجتم من المسجد؟ فسكتوا فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء لا يدرون أي شيء يقولون إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا يسألون عن القرآن؟ أمر القرآن أعظم.
وقال ابن تيمية لما سألوا الإمام أحمد في مناظرتهم له في المحنة وأمر المعتصم قاضية عبد الرحمن بن اسحاق أن يناظره سأله فقال ما نقول في القرآن هو الله أم غير الله؟ عارضه الإمام أحمد بالعلم فقال: ما تقول في
علم الله أهو الله أم غير الله؟ فسكت 3.
814
طبقات الحنابلة، 164/ 1.
الإبانة الكبرى لابن بطة 267/ 6
الصفدية، 107/ 1. وفي: مناظرات أهل السنة والجماعة، ص 309.
1
2
3 (1/815)
صفحة 816
—
مناظرة رجل من أهل السنة والجماعة مع أبي الهذيل العلاف (ت 235 هـ):
أخرج هذه المناظرة اللالكاني في شرح أصول الاعتقاد وأبو الحسن اليمني في الانتصار 2.سأل رجل أبا الهذيل العلاف المعتزلي البصري عن القرآن فقال: مخلوق فقال له: مخلوق يموت أو يخلد؟ قال: بل يموت قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته قال فقد مات من يتلوه وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، وقال الله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] فهذا القرآن وقد مات الناس؟ فقال: ما أدري وبهت 3.
مناظرة ابن سحنون (ت 265 هـ) في مجلس الوزير:
ذكر هذه المناظرة صاحب "رياض النفوس" والذهبي في سير أعلام النبلاء: حضر محمد ن سحنون يوماً عند علي بن حميد الوزير وكان علي يبعيه وكان يجل محمداً ويعظمه ويكبره وكان في مجلسه جماعة ممن يحسنون المناظرة، وأحضر معهم شيخاً قدم من المشرق يقال له أبو سليمان النحوي، فقال علي بن حميد الوزير لمحمد: يا أبا عبد الله إن هذا الشيخ وصل إلينا من المشرق، وقد تناظر معه هؤلاء فناظره أنت فقال محمد: تقول أيها الشيخ أو تسمع؟ فقال له الشيخ: قل يا بني. فقال محمد: أرأيت كل مخلوق هل يذل لخالقه؟ فسكت الشيخ وقتا طويلاً ولم يجد جواباً و معنى وانحصر ولم يأت بشيء فقال له محمداً كم سنة أنت عليك أيها الشيخ؟ فقال له: ثمانون سنة.
815
شرح أصول اعتقاد أهل السنة، 221/ 2.
مناظرات أهل السنة والجماعة، ص 314. مناظرات أهل السنة والجماعة، ص 314.
1
2
3 (1/816)
صفحة 817
فقال ابن سحنون للوزير ابن حميد قد اختلف أهل العلم في الصلاة على الميت بعد سنة من يوم موته، فقال بعضهم: يصلي عليه، وأجمعوا أنه إذا جاوز السنة لا يصلي عليه. وهذا الشيخ له ثمانون سنة في عداد
الموتى فقد سقطت الصلاة عليه بإجماع، ثم قال، فسر بذلك علي بن حميد وأهل المجلس.
فسئل ابن سحنون أن يبين لهم معنى سؤاله هذا فقال: إن قال: إن كل مخلوق يذل لخالقه فقد كفر لأنه جعل القرآن ذليلاً، لأنه يذهب إلى أنه مخلوق وقد قال الله عزو جل وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيدٍ [فصلت: 413 - 42] وإن قال: إنه لا يذل فقد رجع إلى مذهب أهل السنة لأنه لا يذهب في هذه الحالة إلى أنه مخلوق الذي هو صفة صفاته 1. من
إن أسلوب المناظرة يعد من الأساليب الشيقة التي تميل إليه النفوس لما يظهر من خلاله من مظاهر الإبداع الاستدلال وبراعته. وإن في بيان هذه المناظرات بياناً للمنزلة الرفيعة التي حباها الله للعلماء.
الحواري وحسن
وقد حرص علماء أهل السنة والجماعة على تدوين المناظرات ونشرها بين المسلمين لما فيها من عظيم
الفوائد 2. ويظهر من خلال المناظرات:
—
—
—
أهمية التمسك بالكتاب والسنة في الاعتماد على الحجة والدليل والبران
أهمية الجدل والمناظرة في بيان الحق والرد على الشبهه
إن الله بين في كتابه من الأمثال المضروبة ما يدل على الوصول للحقيقة.
وجوب الاعتقاد الجازم بكمال الدين وأن الرسول)) وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة.
خطورة المسلك العقلي والتفرد به في فهم مسائل العقيدة وذلك بإبعاد أدلة القرآن الكريم وحجج
816
السنة النبوية المنيرة.
سير أعلام النبلاء، 16/ 13.
مناظرات أهل السنة والجماعة، ص 8.
1
2 (1/817)
صفحة 818
عاشراً: الأنبياء والكتب السماوية والملائكة
تمثل الإباضيون المنهج القرآني والسنة النبوية في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتجلى ذلك في:
1. الأنبياء عليهم السلام:
يرى الإباضية من الإيمان الواجب الإيمان بجميع النبيين من غير تفرقة بينهم في أصل الإيمان، وقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285].
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رحِيمًا [النساء: 150 - 152]. ومعنى ذلك أن التفرقة بين رسول وآخر في أصل الإيمان تهدم الإيمان من أساسه وتجعل من اتصف بذلك في عداد الكافرين حقاً الذين توعدهم الله بالعذاب المهين وأن الإيمان بجميعهم من غير تفرقة بينهم ينتظم به المؤمن في سلك المؤمنين الذين وعدهم الله أن يوفهم أجورهم. ويجب الإيمان بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) هو واحد من رسل الله المصطفين الأخيار والإيمان به أنه واحد من الرسل
يقتضي الإيمان بجميع هؤلاء الرسل ورسالاتهم جميعاً ولكن الواجب من إيماننا بهم هو الإيمان بجملتهم إلا من
الله
قامت علينا حجته فعرفناه من بينهم معرفة خاصة فعلينا أن نخصه بالإيمان ويتميز إيماننا بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم أنه إيمان بعينه فلا يكفي أن نؤمن به إيمانا مجملاً مع سائر المرسلين لأنه النبي الخاتم، ورسالته هي الرسالة الخاتمة وقد تعبدنا بها وفرض علينا اتباعه وذلك مستحيل إلا إذا ما خصصناه بالإيمان والمرسلون جميعاً ميزوا
817
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 82.
1 (1/818)
صفحة 819
على غيرهم بفضائلهم الجمة التي اختصهم الله بها وناهيك أن الله وصفهم بالمصطفين الأخيار فهو دليل على
1
اصطفائهم من بين سائر الخلق وأفضليتهم على من عداهم.
2. الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
وقد ميز الله من بين الأنبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وسلم) بما رفع درجته فوق درجاتهم وشمخ بقدره من بين أقدارهم وحسبكم ما وصفه الله به حيث قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وهو وصف تتقاصر دونه الأوصاف وقدر تتواضع دونه الأقدار، إذا لم يجعل الله تعالى رحمة للوجود الإنساني وحده وإنما جعله
رحمة لمطلق الوجود وقد تميز من بينهم:
- بأن رسالته هي الرسالة الخاتمة المهيمنة على رسالاتهم.
—
—
—
وأن الكتاب المنزل عليه هو الكتاب الآخر من بين الكتب فهو مهين عليها
وأن معجزته هي المعجزة الخالدة من بين سائر المعجزات.
وأن شريعته هي أجمع الشرائع وأدقها وأوفاها بكل ما تحتاج إليه الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها.
وأن رسالته لم تكن خاصة بقوم دون قوم، وإنما هي رسالة إلى الثقلين جميعاً.
وأن الله تعالى قد رفع بها ما كان على الأمم من الآصار الشاقة والتكاليف العسيرة، فجعل الدين
1
—
فيها يسرا.
وأن أمته هي خير الأمم، وأنها تضطلع من بعده بأمانة رسالته قياماً بواجباتها وتبليغاً لمضمونها إلى
جميع العالمين ..
المرجع نفسه، 59.
818 (1/819)
صفحة 820
وقد زاده تعالى شرفاً بأن وعده أن يبعثه مقاماً محموداً يوم القيامة وأن تكون له الشفاعة العظمى
وأن الناس جميعاً في ذلك اليوم تحت لوائه.
3. الإيمان بالكتب:
الإيمان بالكتب ركن من أركان العقيدة يجب الإيمان به في تصديق ويقين وإلا انقطع حبل الإيمان ودخل المكذب لها في زمرة الجاحدين وقد ثبت ركنية هذه الكتب السماوية في القرآن والسنة:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136]
والإيمان بالكتب يقتضي إتباع ما فيها، فإن ترك أدابها وإهمالها يعني عدم الإيمان بها فليس كل من صدق بأن هذا الكتاب هو من عند الله ما لم يعمل به يقتضيه هذا الكتاب ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أنزل هذه الكتب لا لتتلى فقط ولكن ليعمل بها والتتبع. ويجمع ما تفرق في هذه الكتب من الهدى والخير والبر كتاب الله الخالد القرآن الكريم" الذي أنزل على النبي العظيم محمد (2.
والقرآن الكريم: الذي هو المعجزة الخالدة والصراط المستقيم والمنهج الشامل لكل ما تحتاج إليه الإنسانية وقد الله سبحانه وتعالى من بين الكتب ببقاء نصه محفوظاً من أيدي العابثين ومصوناً من تحريف المبدلين الألباب
ميزه
يبهر
يتحدى الثقلين بشكله ومضمونه يتجدد في كل حين إعجازه، وتتجلى في كل عصر آياته، بما ويستأصل شبهة كل مشاقق ويأتي على تلبيس كل دجال فيه النور والشفاء والهدى والرحمة والنجاة
والعصمة 3.
1
المرجع السابق، ص 60.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص)
3
شرح
290
غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 291.
819 (1/820)
صفحة 821
وقد بين الله سبحانه وتعالى عقوبة الذي يعرض عن هذا الكتاب العزيز حيث قال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]. وقال سبحانه: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وزرا} [طه: 100]
التفاعل
هكذا عقوبة الذي يعرض عن هذا القرآن والله سبحانه وتعالى بين أن الإيمان الصحيح بما أنزل الله يقتضي معه حيث قال في بني إسرائيل بعدما عاتبهم على ما ارتكبوه من أعمال تتنافى مع هدى ما أنزل إليهم في الكتاب فقال الله تعالى لهم أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ} (البقرة: 85]. ويقول الله تبارك وتعالى في بني إسرائيل: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمَّ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5].
وهكذا شأن المسلم عندما يهجر هذا الكتاب العزيز ولا يعمل بمقتضاه ولا يتمسك بهديه ولا يتبع نوره، كذلك مثله كمثل الحمار الذي يحمل أسفاراً، إذ لا يختلف شأن هذه الأمة عن شأن غيرها من الأمم إذا هجرت كتاب ربها وأضاعت هدى نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام.
4. الملائكة:
مما يجب الإيمان به ملائكة الله وهم من عالم الغيب، نؤمن بوجودهم وإن لم نشاهدهم، والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول العقيدة الإسلامية يجب كل مسلم اعتقاده،
قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]
820
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 291. غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 291.
شرح
1
2 (1/821)
صفحة 822
وقال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136].
وصرحت السنة بوجوب الإيمان بالملائكة كما جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور 1.
—
صفات الملائكة:
إن تحديد صفاتهم لا يمكن التهكن به إلا ما ورد من نصوص في ذلك، فمن صفاتهم الواردة على سبيل
المثال لا الحصر ما يلي:
- أنهم مخلوقون من نور فعن عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من
مارج من نار، وخلقت آدم مما وصف لكم.
11
أن الملائكة قد يكونون معنا ولا نراهم فقد كان ينزل الملك جبريل عليه السلام بالوحى على رسول
الله) ولا يراه جلساء الرسول.
أن الملائكة قادرون على التشكل بالأشكال الجسمانية الحسنة.
ومن صفاتهم أن لهم قدرات خارقة، فقد ثبت للملائكة في القرآن الكريم والسنة قدرات عجيبة بإقدار
الله لهم قال تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17].
(صلى الله عليه وسلم - ومن صفاتهم الضخامة العظيمة: قال رسول الله: (صلى الله عليه وسلم): أذن لي أن أكدت عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. وروى الإمام جابر بن زيد في مراسيله:
1
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 294. 2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 294.
3
تفسير القرطبي، 419/ 4.
821 (1/822)
صفحة 823
أن الله خلق ملكاً رأسه في السماء السابعة ورجلاه في الأرض السفى إحدى زوايا العرش على كاهله يقول: سبحانك ما أعظمك 1.
- ومن صفاتهم أنهم مطيعون الله مقربون منه قال تعالى: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27]
وهم
- ومن صفاتهم أنهم لا يتناكحون ولا يتناسلون ولكنهم عباد الرحمن مخلوقون الله دون وساطة تناسل 2 مميزون عن سائر الخلق بطبائع خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتعبون ولا ينامون ولا يفرزون الفضلات الطبيعية التي تفرزها الأجسام الأخرى 3.
- ومن صفاتهم الخوف من الله تعالى وإن كانوا لا يعصونه وعلى عبادته مقيمون، قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ
المحال [الرعد: 13].
وظائف الملائكة:
—
أسند الله تعالى الملائكة وظائف شتى وهي كما يلي:
- فهم مكلفون بتسبيح الله وتعظيمه والسجود له وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ
وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49].
وهم مأمورون بالاستغفار وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5].
822
مراسيل الإمام جبر ضمن مسند الربيع، رقم 948، 365/ 4.
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 295.
شرح
غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 79.
1
2
3 (1/823)
صفحة 824
- واتخذ الله من الملائكة رسلاً مكلفين بنقل الوحي، فقال تعالى اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
- وقال: يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
[النحل: 2]
وكلف الله وملائكته بالاتصال بالصالحين من عباده سواء لتبشيرهم بنعمة من نعمة وفضل من أفضاله أو تطمينهم في وقت الشدة والحاجة ففي سياق الحديث عن مريم قال تعالى {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42].
وقال تعالى في شأن تطمين الصالحين: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
وتتدخل الملائكة بأمر من الله لنصرة المؤمنين المجاهدين في سبيل الله لتكون كلمته هي العليا فترجح كفتهم عند قتال الأعداء قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمُدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 123 - 124].
وكلف الله الملائكة بالتسجيل عن المكلفين من الإنس والجن أعمالهم في الدنيا والشهادة لهم أو عليهم في الآخرة وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: 10 - 11] وقال: {وَلَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: 166]
وخصص بعض الملائكة بقبض الأرواح حين يحين أجل أصحابها المقدر من الله، قال حل ذكره إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 97]. وقال: {وَلَوْ
تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50].
823 (1/824)
صفحة 825
ويوم القيامة، وبعد الحساب يتولى الملائكة أهل الجنة وخدمتهم، في مقابل التنكيل بأهل النار وتعذيبهم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ 5 لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا
اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ 5 لَا يَحْزُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 101 - 103].
وقال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23].
وفي الجانب الثاني: يقول تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِرِينَ} [الزمر: 71 - 72].
—
أثر الإيمان بالملائكة
إن الإيمان بملائكة الله سبحانه وتعالى يقتضي مراقبة النفس ومحاسبتها، فالإيمان ليس بالأمر الهين إذا كان على حقيقته وسيطر على العقل والوجدان، واستشعر الإنسان بأن عليه مراقبة دقيقة لأن من وظائف أولئك الملائكة مراقبة الإنسان، فالله تبارك قال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]. وقال الحق سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12].
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 297.
824 (1/825)
صفحة 826
والإنسان محاسب ومراقب وملائكة الله تلحظه في كل أوقاته وتسجل جميع أعماله فيستشعر بالخوف
هذه المراقبة الدقيقة ويحرص على ألا تنقلب الملائكة إلى الله تعالى إلا بصحائف بيضاء من أعماله الصالحة التي عملها وبجانب ذلك يشعر أيضاً بعظمة الله سبحانه وتعالى الذي تخشاه الملائكة رغم مالها من قوة.
الحادي عشر: الإيمان باليوم الآخر:
هو إيمان بالمنقلب الذي لا مفر لأحد منه وفيه يجزى كل أحد بما كسب مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: 46] على أن الجزاء في ذلك مباين لكل ما يكون من جزاء في الدنيا إذ لا ينقطع خيره ولا شره وكل منهما أعظم من أن تكتنهه البصائر أو يرتسم في ألواح الخيال، فلذلك كان منشأ للصلاح والاستقامة وينبوعاً للهداية والفضائل. ولذلك كثيراً ما يقترن بالإيمان بالله في النصوص القرآنية والنبوية في مقام الدعوة أو التحذير كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِي [البقرة: 232]. وقوله تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [الأحزاب: 21]. كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره 2. وقوله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا
أو ليصمت".
1. أثر الإيمان بالغيب:
إن الأخبار التي تتعلق بأمور الآخرة مما يدخل في غيب الله تعالى ولا تقع تحت مدارك الإنسان لا بالحس ولا بالعقل ومن هنا كان الإيمان بها اعتماداً على ما ورد بشأنها سمعاً في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله
825
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 298. غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 102.
شرح
1
2 (1/826)
صفحة 827
)، وهي خاصية من خصائص المؤمنين، يقول تعالى: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 1 - 3].
والإيمان بالغيب هو نقطة الافتراق بين أصحاب الفطر السليمة والنفوس الزكية والعقول الراسخة، والأفكار الواعية الذين يتصلون بما وراء هذا العالم المحسوس، ويدركون أنه محاط بقوة لقهره وإرادة تدبره، وبين الذين تكدرت، فطرهم وأظلمت نفوسهم واضطرت عقولهم وانغلقت أفكارهم فلم يفهموا تفسيراً للوجود إلا ما وقعت عليه حواسهم المحدودة فالمؤمنون بالغيب ينطلقون بأرواحهم وعقولهم في فسيح ملكوت الله الواسع، ويرون أن هدف الحياة أسمى من أن يكون من أجل شهوات الدنيا، والتنافس على حطامها والتناحر على منافعها، بينما الذين يكذبون بالغيب لا يعرفون هدفاً في الحياة إلا إرضاء العواطف المضطربة، وإشباع الغرائز المنهمومة ومن هنا يختلف سلوك الطائفتين وتختلف موازين الأمور بينهما، فالمؤمنون بالغيب يلمحون في كل شيء المبدأ والمصير فيحرصون على أن تكون أعمالهم كلها خالصة لوجه الله تعالى ومنطبقة على المقاييس التي أنزلها ومؤمنة لمصيرهم في الدار الآخرة ومن ثم كان الإيمان بالغيب القاعدة الأساسية التي يقوم عليها العمل للمسلم وينطلق منها اتجاهه إلى ربه في جميع مجالات الحياة.
والإيمان باليوم الآخر يقتضي الاستعداد لذلك اليوم وهو أهم ضابط من ضوابط حياة الإنسان بعد الإيمان بالله تعالى، الذي أيده وأخرجه من العدم إلى الوجود وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والبطانة واستخلفه في الأرض وخلق له جميع منافعها وسخر له منافع الكون، إذا آمن بذلك دعاه هذا الإيمان لاتباع أوامر الله واجتناب
محارمه 1.
1 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 302.
826 (1/827)
صفحة 828
هو
2. الموت:
سبيل الانتقال من الدنيا إلى الأخرة ومن الفناء إلى الخلود ومن العمل إلى الجزاء ولا يجادل فيه مجادل لأنه حقيقة واقعة لا يتمارى فيها اثنان فهذه الأمم غير القرون يطويها الموت طياً وليس فيما من كان قادراً على التخلص منه أو تأخير ساعته عندما يحين حينه بل الناس وغيرهم من الأحياء في سباق مستمر إليه لورد منهله والعب من كأسه لا فرق في ذلك بين قوي وضعيف، ولا بين قاهر ومقهور، ولا بين غني ولا فقير، ولا بين عزيز ولا ذليل فلذلك سلم الكل له ولم يوجد من يماري في حقيقته أو يشكك في ثبوته، فالمؤمنون والكفار والبررة والفجرة سواء في الاقرار به.
حياة القبر:
يؤمن الإباضية بالحياة البرزخية ويعتقدون بعذاب القبر بالنسبة للكافرين ونعيمه بالنسبة للمؤمنين معتمدين على صحة وقوعه بقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّا [غافر: 46]. وقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِنْ سَبِيلٍ [غافر: 11].
وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغنا عن رسول الله أنه
برجلين يعذبان في القبر فقال:
يعذبان في كبيرة أما أحدهما فقد كان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة 2.
3
قال أبو عبيدة: كان جابر ممن يثبت عذاب القبر وعموماً إثبات عذاب القبر للكفار بما فيهم عصاة
الموحدين وردت عند كثير من علماء الإباضية مما يؤكد تصديقهم به.
1
2
شرح غاية الاد بنظم الاعتقاد، ص 62.
مسند الربيع، رقم
197/ 2.487
3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 303.
4
المرجع نفسه، ص 303.
827 (1/828)
صفحة 829
3 يوم
القيامة
والإيمان بيوم القيامة ركن من أركان الإسلام، والإيمان وأصل من أصول الدين والتكذيب به كفر بالله وبالإسلام فلا ينكره إلا مكابر جاحد قال تعالى: " قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون" "الجاثية: 36".
وقد ورد في القرآن الكريم أسماء كثيرة مرادفة لاسم "القيامة" ومن هذه المسميات الساعة، الآخرة، الحاقة،
التناد، يوم
الدين، يوم
التلاق،
يوم
الحساب، يوم
الطامة، الصاخة، الغاشية، القارعة، الواقعة، الآزفة، يوم المحشر، ولكل اسم من هذه الأسماء مدلولات في الذهن والنفس والنفور وإيحاءات شتى من الرهف والرجفة،
والانفعال.
ويظهر التذكير بيوم القيامة وما يحدث فيه كثيراً في فكر الإباضية واستخدامه في المواعظ ومجالس الذكر وترقيق القلوب، قال جابر بن زيد في أحد رسائل:. . وإنك خلقت فرداً عريانا وكذلك تبعث، فخذ جهازك وزادك وخذ عدتك للقاء وأصلح لنفسك مرجعها واطلب لها منافع الآخرة.
وقال في موضع آخر: وقد اقترب إنفاذ أجلك وحضر أمر الآخرة وعند ذلك تنظر شدة ربك وأخبارك كلها، فانظر ماذا أعددت وماذا قدمت إليه، واستدرك عجزك وتفريطك قبل أن تطعن 2.
- موعد يوم القيامة:
بالنسبة لموعد هذا الحدث العظيم يوم القيامة وزمنه والوقت الذي يكون فيه فذلك ما أخفى الله تعالى علمه على الناس كلهم بما فيهم الرسل والأنبياء فليس لأحد على الناس كلهم بما فيهم الرسل والأنبياء فليس لأحد كائنا من كان من سبيل إلى معرفة ما بقي من عمر الدنيا ولقد صرح القرآن بهذا مكرراً ومؤكداً فقال مرة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي
1
الفكر العقدي عند الإباضية، رقم 15، ص 305.
2 الفكر العقدي للإباضية، ص 305.
828 (1/829)
صفحة 830
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187]. وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الملك: 25 - 126
وأوضح النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا في الحديث عندما سأله جبريل عليه السلام: متى الساعة؟ حيث أجاب: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.
لكن نصب الشرع علامات ليوم القيامة، صغرى وكبرى ولم يظهر كثيراً الحديث عن علامات الساعة في فكر الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري إلا ما جاء على لسان جابر بن زيد عندما روى حديثاً في مراسيله عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: لا تقوم الساعة حتى يسود كل أمة منافقوها 2
بقي
وأما علماء الإباضية في القرن الثالث فقد صرحوا بأن العلاقات الصغرى للساعة-القيامة- قد ظهرت ولم يبق إلا العلامات الكبرى قال أحد علماء القرن الثالث الهجري اليوم قد كملت أشراط الساعة إلا ما من الآيات اللاتي لا ينفع معها العمل ولا قبول التوبة.
أن
فلا تنتظر اليوم إلا تلك العلامات ومجئ القيامة فبادر نفسك والتمس السلامة قبل نزولها فإنه بلغني النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بعث التقم صاحب الصور ووضع فاه فقدم رجلاً وأخر أخرى ينتظر الأذن للأخرى، وقال تعالى: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18]، وقال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء: 1] وإذا كان علماء القرن الثالث الهجري يقولون أن علامات الساعة اكتملت فماذا يقول علماء القرن الخامس عشر الهجري 4.
1
البخاري، رقم 50.
2
مراسيل جابر بن زيد ضمن مسند الربيع، رقم 926.
3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 306.
4
306
المرجع السابق، ص 5
829 (1/830)
صفحة 831
البعث:
—
المؤمنون كما آمنوا بثبوت الموت المشاهد يؤمنون بثبوت البعث المغيب وما يتبعه لتسليمهم أن الله على كل
شيء ء قدير وتصديقهم بكل ما أخبر به وقد أقام الله على العبد الحجة على مأ أنكروه من البعث من دلائل خلقه لهم من العدم وتصويره إياهم على غير سابق مثال وما آتاكم من مواهب الحياة وأفاضه عليهم من نعم المدارك والأحاسيس فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ تُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ
بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 5 - 7].
خَلْقَهُ
وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82 فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 77 - 183
وقد دلت النصوص القاطعة أن الإنسان يومئذ محاسب على ما قدم وأخر قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا
تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحافة: 18]. وقال عز وجل: يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ} [القيامة: 13].
830 (1/831)
صفحة 832
—
الميزان:
قال علامة الخليلي: جاءت الآيات القرآنية على أن الناس يوم القيامة متفاوتون في المآل بحسب التفاوت في الأعمال، فمنهم ثقيل الميزان ومنهم خفيفه قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102 - 103]
وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَة نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 6 - 11]. وقد اختلف المسلمون في تأويل ذلك في فريقين:
الأول: من ذهب إلى أن الأعمال توزن وزنا حقيقاً بميزان، حقيقي، فأهل البر تثقل موازينهم، وأهل الفجور تخف موازينهم وهو قول الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
الثاني: ذهب آخرون إلى أن الميزان كناية عن فرز الأعمال وتمييز خيرها من شرها وبيان مقبولها من مردودها فإن الله تعالى هو العليم بكل شيء ولم يكن في حاجة إلى ميزان حقيقي لبيان الصالحات والسيئات وإنما يعرض على عباده يوم القيامة ما قدموا وما أخروا وما أخلصوا فيه لله وما أرادوا به غير حجة، فتقوم الحجة على المسيء بإساءته وينعم المحسن بنعمة القبول من الله وهو قول أصحابنا والمعتزلة. وإن وحجة هؤلاء أن الله سبحانه أخير عن الوزن بأنه الحق وبين أنه القسط في قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8]. وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].
فقول الحق خير من الوزن وقوله الْقِسْط بدل من الموازين.
831
المرجع السابق، ص 66.
1 (1/832)
صفحة 833
وهو دليل على صحة ما ذهبوا إليه وصواب ما عولوا عليه من أن الوزن ليس هو بميزان مادي وإنما هو
ميزان معنوي وهو الحق والقسط، فإن الخبر هو نفس المخبر عنه، والبدل هو عين المبدل منه. ومما يقوى ذلك أن الأعمال أعراض وليست أجساماً والأعراض لاتوزن بمعايير مادية. وقال ابن تيمية: الميزان هو ما يوزن به الأعمال وهو غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة إلى أن قال: وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب 2. فالواجب الوقوف مع النصوص نفيا وإثباتاً. وأما الموزونات فقد ثبت وزن الصحف ووزن العامل ووزن العمل فأما وزن الصحف فيدل عليه ما سبق من حديث البطاقة.
وأما وزن العامل فيدل عليه ما رواه البخاري بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرؤوا إن شئتم فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا [الكهف: 105]. وروى الإمام أحمد بن مسعود: أنه كان يجتني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه فقال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما تضحكون؟ قالوا يا نبي الله من دقه ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد 3
وأما وزن الأعمال أنفسها فقد ورد فيه عدة أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان. وقوله صلى الله عليه وسلم: كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
حسنة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ما من شيء أثقل من ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن
832
المرجع السابق، ص 66.
مجموع الفتاوى، 302/ 4
مسند أحمد، 421/ 1. اسناده صحيح.
مسلم، 103/ 1.
صحيح الترمذي، 194/ 2. صححه
الألباني.
1
2
3
4
5 (1/833)
صفحة 834
فهذه الأحاديث تدل على أن الأعمال توزن وإن كانت أعراضا، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على وزنها
وهي
أعراض أو أنه سبحانه يقلبها أجساماً. فثبت وزن الأعمال العامل وصحائف الأعمال، وثبت أن
الميزان له كفتان والله أعلم بما وراء ذلك الكيفيات 2
من
يقول الشيخ علي يحيى معمر في حديثه عن معنى الميزان والصراط: هذه مسألة
استنفذت المسائل التي من
جهداً ووقتاً ووصل بها التحدي إلى صور تكاد هزلية أو بهلوانية، يصر فيها بعض الناس أن يكون الميزان
أن
يوم القيامة ذا كفتين ولسان ثم يختار كيف بقع الوزن فيذهب في التصور شوطا بعيدا ويصر بعضهم يكون الصراط جسر فوق جهنم وأن يكون أرق من الشعرة وأحد من السيف ثم يتسابق الناس عليه فمن كان وقع منهم مصيره إلى النار، وهم في سباقهم هذا بحسب أعمالهم، أن هذا التصور يجب أن يرتاح اليوم وإذا كان العلم البشري منذ ذلك العهد إلى هذا العهد قد اكتشفت أنواعاً من الموازين والمقاييس للذكاء والعقل وما إلى ذلك، فكيف للإنسان اليوم أن يصف موازين الله لأعمال الإنسان يوم القيامة.
إن كلا من الإباضية وأهل السنة مؤمنون أن الله سبحانه وتعالى يوم الجزاء يفصل بين عبداه وأن قوله تعالى
الفصل، ووزنه الحق، وحكمه العدل 3.
—
- الصراط والحساب:
قال العلامة نور الدين السالمي:
ولا الصراط بجسر مثل ما زعموا
وما الحساب بعد مثل ما ذهلا
موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة د. سليمان الغصن، 739/ 2.
شرح الطحاوية، 612/ 2، 613.
الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 263.
833
1
2
3 (1/834)
صفحة 835
وشرح العلامة أحمد الخليلي البيت فقال: يعني أن الصراط المستقيم هو جسر على متن جهنم يعبره السالكون، كما هو رأي كثير من العلماء بأن الصراط هو دين الله الحق الذي تتوقف نجاة كل أحد على سلوكه بحذق وحذر. والدليل على ذلك أن الله سماه صراط مستقيماً في قوله تعليماً لعباده اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ الله
[الفاتحة: 6].
وفي قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اللَّهِ
[الأنعام: 161].
وأما ما جاء في الروايات من أن الصراط جسر على متن جهنم يعبره الناس وأنه أحد من السيف وأن الناس يتفاوتون في عبورهم منهم من يعبره، كالبرق ومنهم كالريح ومنهم كالفارس، ومنهم كالماشي، ومنهم من يهوى بهم في النار، فما هو إلا تمثيل لتفاوت الناس في اتباع الدين فمنهم الحاذق الماهر الذي لا يفرط في
شيء منه ومنهم من هو دون ذلك ومنهم من ترديه شهواته في جهنم
1
ويدل على ذلك القصد بذلك التمثيل حديث النواس
بن سمعان رضي
الله
عنه عند أحمد والترمذي وحسنه
الحاكم وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان" أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تفرقوا وداع يدعوا من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتح، فإنك إن فتحته تلجخ فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك
1
شرح
غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 68.
834 (1/835)
صفحة 836
الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم، وقد ذكر
الحافظ ابن كثير بعض أسانيد الحديث فقال: وهو اسناد حسن صحيح.
وقول المصنف: وما الحساب بعد مثل من ذهلا أن الحسنات يعني:
هو عرض أعمال الإنسان عليه، من
خير أو شر وبيان المنجي من المهلك منها وليس هو بعد كعد المخلوق الذاهل 3.
يقول الدكتور عامر النجار: والحقيقة أن الإباضية انقسموا في مسألة الصراط إلى قسمين فمنهم من يقول بثبوت الصراط مثل أبو القاسم البرادي والجيطالي ومنهم من يؤوله تأويل المعتزلة بأنه ليس الصراط المستقيم الممدود على متن جهنم بل أولوه بالدين المستقيم مثل المعصبي الإباضي الذي ينكر الصراط الحسي إنكاراً تاماً.
جهنم،
الأدلة ومن على إثبات حقيقة الصراط ما ورد في حديث أبي هريرة الطويل وفيه: .. ويضرب قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فأكون أول من يجيزه، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم وبه كلالبب مثل شوك السعدان، أما رأيتم بشوك السعدان؟ قالوا بلى يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل، ثم ينجو
وفي رواية أخرى: ترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبي الصراط يمينا وشمالاً فيمر أولهم كالبرق قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شئ كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع من طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم
835
سنن الترمذي، رقم 2868.
شرح غاية المرادي نظم الاعتقاد، ص)
69
المرجع نفسه، ص)
69
الخوارج،
البخاري،
الإباضية، الشيعة، عامر النجار، ص 296.
كتاب الرقاق، 205/ 7.
1
2
3
4
5 (1/836)
صفحة 837
كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز
أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، ففي هذين الحديثين ونحوهما دليل صريح على إثبات حقيقة الصراط 2.
وأما وصف الصراط بأنه أحد من السيف، فقد ورد في الحديث صحيح رواه الحاكم وغيره وصف الصراط بأنه كحد السيف ولفظ الحديث: الصراط كحد السيف
وأما وصفه بأنه أدق من الشعر، فإنما ورد في الحديث ضعيف رواه الإمام أحمد عن
عائشة رضي
الله عنها
قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف. ولم يرد في وصفه بأنه:
5
أدق من الشعر حديث صحيح وإنما ورد في ذلك أثر موقوف على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف. والمقصود أن وصف الصراط بكونه أدق من الشعرة لم يثبت في حديث صحيح 7. . ومما ينبغي أن يعلم أنه ورد في وصف الصراط أثاراً وأقوالاً لا تصح ومنها ما
جاء عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن هذا الصراط أدق من الشعر على بعض الناس ولبعض الناس
مثل الوادي الواسع.
ومنها ما جاء عن الفضيل بن عياض قال: بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشر ألف سنة، خمسة آلاف صعود خمسة آلاف هبوط وخمسة آلاف مستوي فهذه الأقوال وأمثالها مما لم يثبت في حديث صحيح أو في
79
836
مسلم، ك الإيمان، رقم 329.
موقف المتكلمين، 744/ 2.
رواه الحاكم في ك التفسير، 376/ 2، 377.
مجموع الفوائد، 359/ 10. ضعفه البيهقي انظر: الغماز على اللماز،
ص
موقف المتكلمين، 747/ 2.
مسلم، ك الإيمان رقم 302، 171/ 1
موقف المتكلمين، 747/ 2.
فتح الباري، 454/ 11. (1/837)
صفحة 838
أثر صحيح له حكم الرفع لا يجوز اعتقاد موجيها لأن الاعتقاد ما لم يأت به الشرع كنفي ما أتى به الشرع
ولا يجوز التكلف ولا التخرص فيما لم يأت به شرع مما لا تدركه عقولنا ولا تحيط به أفهامنا. وبالتالي، يمكن القول: بأن الصراط من المسائل الإيمانية التي تعددت فيه أقوال الأئمة والفقهاء الإباضية، وومسألة تخضع
لاجتهاد كل عالم إباضي.
- الجنة والنار:
قال العلامة السالمي في منظومته:
وأنه من أطاع الله يدخله
ومن عصاه ففي النيران مسكنه
جناته أبداً لا يبتغي نقلا
ولم يجد مفزعاً عنها فينتقلا
وشرح الشيخ الخليلي الأبيات فقال: أن الناس مصيرهم يوم القيامة بتباين مسيرهم في الحياة الدنيا. فمن وافاه الموت وهو على صلاح واستقامة تائباً عن سيئاته حريصاً على طاعة ربه فهو رضي عند الله بفوز منه بحسن الجزاء وهو جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ينعم فيها ولا يبأس ويخلد فيها ولا يموت ويبقى فيها ولا يخرج. ومن وافاه أجله وهو منهمك في هواه مصرّ على معصية ربه فإنه منقلبه والعياذ بالله- إلى نار حامية شديد عذابها حميم شرابها ولا يفتر عنهم نكالها، من دخلها خلد فيها ولم يمت وشقى بها ولم يسعد وأقام بها ولم يخرج.
ودليل ذلك قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعَا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26 - 27].
1
موقف المتكلمين، 748/ 2.
837 (1/838)
صفحة 839
وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (3) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ
الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِتُونَ} [الزخرف: 69 - 77]
وقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ 5 يَصْلَوْهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار: 13 - 16]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن الجنة أعدت للمتقين وأن النار أعدت للمجرمين وأن كلاهما دار خلود وبقاء 1.
والجنة والنار من أمور الآخرة التي يجب الإيمان بهما وجاءت الآيات القرأنية موضحة ومفصلة للجنة والنار ووردت عن رسول الله () العديد من الأحاديث في وصفهما ولعل عمدتها في ذلك الأحاديث الذي جاء في وصف الجنة برواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قال الله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قبل بشر، وأقروا إن شئتم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17].
وفي وصف النار ورد أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم: قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها
بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها.
1
شرح. غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 72.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 335.
838 (1/839)
صفحة 840
وقد تكاثر ذكر الجنة والنار على ألسن وأقلام الإباضية وكان لذكرها أثر فعال فها هو أبو حمزة الشاري
يصور
أصحابه عندما يذكرون الجنة أو النار حيث قال: إذا مر أحدكم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها
وإذا مر أحدكم بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه.
5 الشفاعة
يرى الإباضية الشفاعة درجة يمنحها الله لمن يشاء من عباده يوم القيامة فيأذن له أن يطلب لغيره غفران
ذنب أو رفع درجة أو تعجيل دخول الجنة.
وهي
الله
للنبيين وقد تكون لغيرهم كالشهداء ولكن الشفاعة العامة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الموقف بأن يعجل
لعباده بالفرج فيدخل المؤمنون الجنة.
وليست الشفاعة لمن أصرّ على فجوره ومات على ضلاله وإنما هي للتائب من ذنبه وهو المراد بالتقى في كلام المصنف والدليل على ذلك ما وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: 48] وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123]. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا حُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]. وقوله في وصف ملائكته وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَن
[الأنبياء: 28].
ومن المعلوم أن الله لا يرتضى الفاسق المصر على فسوقه فإن قيل: إن الآيتين من هذه الآيات إنما هما في بني إسرائيل لأن الخطاب فيهما لهم ولا ينفي ذلك الشفاعة عن غيرهم، قلنا: إن الخطاب وإن كان لبني اسرائيل فإن الوصف إنما هو لذلك اليوم حذروه وهو وصف يستوي فيه بنو اسرائيل وغيرهم من الناس،
1
المرجع نفسه، ص 336.
839 (1/840)
صفحة 841
ويؤيده أن الآية الثالثة خوطب بها المؤمنون تحذيراً لهم من التثبت بالأماني والاتكال على نيل الشفاعة. فإن
قيل: إن الله وعد بقبول توبة التائبين من عباده فهم ليسوا بحاجة إلى شفاعة أحد.
قلنا: إن وعد الله لا يخلف ولكن لا يعلم أحدا أن توبته بعينه مقبولة أولا، لأن الإنسان عرضة للخطأ والتقصير وإن من فضل الله على عباده أن رفع بعضهم فوق بعض درجات، وإنما يأذن سبحانه لمن يشاء في ذلك إظهار لمزية هؤلاء الشافعين ورفعة درجاتهم، كما أن في ذلك بيان لفضل الله على التائبين بأن يتقبل توبتهم وقد حكى الله دعاء حملة العرش حيث قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ ـ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ العظيم [غافر: 7 - 9]. فهولاء مع كونهم تائبين متبعين لقول الله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الشورى: 5].
قلنا: هذا مجمل بينته تلك الآيات السابقة، ومن المعلوم أن المجمل يرد إلى المبين، ولو أخذ بما يقتضيه ذلك الإجمال حسب ظاهره بعموم لفظه لزم أن يكون دعاؤهم بالمغفرة شاملاً للمشركين، والملاحذة، لأنهم ممن في الأرض، وهو معارض لقوه تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113].
لقد اتضح موقف الإباضية في نفي الشفاعة عن مرتكب الكبيرة، إذا خرج من الدنيا بدون توبة منذ القرون الأولى، فلا شفاعة لمن استوجب النار ولا شفاعة لمن دخل فيها حتى ولو كان موحداً وأورد الإمام جابر بن
840
75 - 74
شرح غاية المراد، ص. ص
1 (1/841)
صفحة 842
زيد مجموعة من الروايات تنفي الشفاعة عن مرتكب الكبيرة، مما يعني أن القضية كانت مثارة منذ وقت
مبكر واستمر الموقف عند الإباضية إلى يومنا هذا. 1
—
أقسام الشفاعة عند أهل السنة:
تنقسم الشفاعة في الآخرة عند أهل السنة إلى:
الشفاعة الصحيحة: وهي التي جمعت شروط الشفاعة الثلاثة وهي رضى الله، ورضاه عن المشفوع، والأذن
بذلك.
الشفاعة الباطلة: هي ما يتعلق به المشركون في أصنامهم، حيث يعبدونهم، ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ال [يونس: 18]. ولكن هذا الشفاعة بالله لا تنفع كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].
ومن الآيات الدالة على بطلان شفاعة المشركين قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43]. وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44].
1
—
شروط الشفاعة الصحيحة:
شروط الشفاعة الصحيحة ثلاثة: وهي ظاهرة في كتاب الله عز وجل تأملها وهي:
رضى الله عن الشافع قال تعالى: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 328.
841 (1/842)
صفحة 843
رضي الله عن المشفوع له قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ
خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].
أذن الله بالشفاعة قال تعالى: و اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
فقوله: "إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " هذا شرط الأذن وقوله: "ويرضى" فلم متعلق الفعل
"يرضى" فهل يرضى عن الشافع أم عن المشفوع؟ والقاعدة تقول حذف التعليق يفيد بالعموم. إذن فالآية تدل على المعنيين، فتشمل الرضى عن الشافع وعن المشفوع وهو المطلوب 2.
وقد وضح رسول الله
صلي الله عليه وسلم
هذه القضية في حديث أنس في الصحيحين 3 فقال: "فأستأذن
على ربّي، فإذا رأيتُه وقعت له ساجداً، فيدعُني ما شاء الله، ثم يقول لي: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل
يُسمع لك، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميدٍ يعلّمُنيه ربي، ثم أشفع، فيحدُّ لي حداً، ثم
أخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة ثم أعود".
- أنواع الشفاعة:
إن للنبي (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة شفاعات متعددة منها:
أ الشفاعة العظمى: وهذه الشفاعة من أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي قال الله تعالى فيه: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، وذلك حين يتوسّل الناس يوم القيامة إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم،
ثم موسى، ثم عليهم السلام، حتى ينتهي الأمرُ إلى نبيينا محمد (صلى الله عليه وسلم): " فيقولون: يا محمد، أنت
842
قواعد التفسير، خالد السبت، 597/ 2
اليوم الآخر في القرآن العظيم
ص
البخاري، رقم
6565
وفي: مسلم، رقم
292
193 (1/843)
صفحة 844
رسول الله وخاتم الأنبياء، وعفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ، ويلهمني من
محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، وقل يسمع،
واشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وبصرَى " ".
يعني أن من لا حساب عليه من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) يدخل الجنة مباشرة، ولا يمر بما يمر به الناس من أهوال، ثم بعد هذه الشفاعة يبدأ الحساب، وهذه الشفاعة خاصة بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم). اختصاصه صلى الله عليه وسلم باستفتاح باب الجنة: قال رسول الله (): "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً "2. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): آتي باب الجنة يوم القيامة فأستشفع، فيقولُ الخازنُ: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمِرتُ لا افتحُ لأحدٍ قبلكَ"
وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته صلى الله عليه وسلم، فقد قال: "نحنُ الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أوّلُ من يدخل الجنّة".
ب. الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة فوق ما يقتضيه ثواب أعمالهم:
وقد جاء في ذلك بعض الأحاديث، ودليل هذا النوع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى
رضي
الله عنه في استشهاد أبي عامر رضي الله عنه، وفيه: يا بن أخي، انطلق على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأقرئه
843
البخاري رقم 4312. وفي: مسلم، رقم 194.
299
اليوم الآخر في القرآن العظيم.
ص
مسلم، رقم
مسلم، رقم
196
333
1
2
3
4 (1/844)
صفحة 845
مني السلام، وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي، قال واستعملني أبو عامر على الناس، ومكث يسيراً، ثم إنه مات فلما رجعتُ إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) دخلت عليه، وهو في بيتٍ على سرير مُرمّل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر قلت له: قال: قل له: يستغفر لي، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه، ثم قال: "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر حتى رأيت
بياض إبطيه"، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس"، فقلت ولي يا رسول
صَلَا الله
الله فاستغفر، فقال النبي (): "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريما". وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، فضج ناسٌ من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره، ونوّر له فيه 2.
ج.
الشفاعة في بعض الكفار من أهل النار حتى يخفف عنهم:
وهذه الشفاعة خاصة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) لعمه أبي طالب، ويُستدلُّ لهذا النوع بحديث في الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طلب بشيء، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". وهذه شفاعة تخفيف لا شفاعة إخراج من النار، وإن كان أهون أهل النار عذاباً، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "أهونُ أهل النار عذاباً يوم القيامة أبو طالب، وهو متنعّل بنعلين، يغلي
منهما دماغه 4.
855
مسلم، رقم
مسلم، 920
ضحضاح: ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين فاستعاره للنار. النهاية (75/ 3).
844
209
وفي: مسلم،
6208
البخاري، رقم:
1
2
3
4 (1/845)
صفحة 846
د. الشفاعة في أهل الكبائر
شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته، ممن دخل النار، فيخرجون منها، وقد تواترت بهذا
النوع الأحاديث، وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً، وهذه الشفاعة تتكرر
منه
صلى الله عليه وسلم أربع مرات، ومن أحاديث هذا النوع، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال
رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
211
هـ. الشفاعة في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب:
ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب" قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين لا يكتوون، ولا يسرقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فقال عكاشة بن محصن رضي الله عنه: أدع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم" قال: فقام رجلٌ فقال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عُكاشة"3. شفاعة الرسول في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم:
و.
فيشفع فيهم ليدخلوا الجنّة، وفي آخرين قد أمر بهم إلى النار، ألا يدخلونها.
ز الشفعاء غير النبي صلى الله عليه وسلم:
- الملائكة: قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] "، وفيه دلالة على أنه إذا أذن الله تعالى له فإنه يشفّع، وقال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].
845
292
مسلم، رقم
362
المنحة الإلهية في تهذيب الطحاوية للغنيمي،
ص
مسلم، رقم
216
الشفاعة عند المثبتين والنافين، ص 412.
الشفاعة عند المثبتين والنافين
412
ص (1/846)
صفحة 847
- الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون: الصالحون وهذا النوع قد ثبت بالحديث الطويل لأبي سعيد الخدري
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ... ثم يقول الله: شفّعت الملائكة، وشفعَ الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين ".
- الشهداء: قال رسول الله: "يشفّع الشهيد في سبعين من أهل بيته
211
- أولاد المؤمنين: عن أنس رضي الله عنه، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الجنة بفضل رحمته إياهم 3، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار " فقالت امرأة عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله أو اثنان قال: "أو اثنان"4.
- القرآن الكريم: عن أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله:)): "اقرؤوا القرآن، فإنه
يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما
غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة
البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ": أي السحرة. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "إن سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يغفر له، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] 7.
846
وسنده صحيح وله شواهد كثيرة في الصحيحين.
سنن ابن ماجه.129/ 2
1 أحمد
11488
2
صحيح
3
البخاري، رقم:
1381/ 1248
4 الموطأ، 1/ 23، جامع الأصول لابن الأثير، 593/ 9. حديث صحيح.
الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه.
مسلم، 804.
صحيح ابن ماجة، 2016/ 2 (1/847)
صفحة 848
ك. الأسباب الجالبة للشفاعة:
- التوحيد وإخلاص العبادة لله: جاء في الحديث قول النبي (صلى الله عليه وسلم) لما سُئِل: من أسعد الناس بشفاعتك
يوم القيامة؟ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصة من قلبه أو نفسه"،
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لكل نبي دعوة مستجابه، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي ولم يشرك بالله شيئاً "2.
- الصيام: عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "الصيام والقرآن
شفيعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيامُ: أي
ربِّ منعته الطعام والشراب بالنهار فشفّعني فيه، ويقول
القرآن ربِّ منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان"3.
"1
- الدعاء بما ورد عند الأذان: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعته مقاماً محموداً الذي وعدته،
حلت له شفاعتي يوم القيامة ".
- سكنى المدينة، والصبر على لأوائها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصبر أحد على لأوائها، إلا كنت (صلى الله عليه وسلم): له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً 6.
847
البخاري، رقم 99.
مسلم، رقم
200
المسند، 174/ 2. وفي الحاكم، 544/ 1. حديث صحيح.
البخاري،614.
لأوائها: أي الصبر على شدائدها وضيق العيش فيها.
مسلم، 477/ 1374.
1
2
3
4
5
6 (1/848)
صفحة 849
- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي حين يصبح عشراً،
وحين يمسي عشراً، أدركته شفاعتي يوم القيامة" 1.
- صلاة جماعة من المسلمين على الميت المسلم: قال صلى الله عليه وسلم: "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفّعوا فيه 2، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ما من رجل
مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفّعهم الله فيه"
311
- كثرة السجود: عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيتُ مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأتيته بوضوئه
وحاجته، فقال لي: "سل" فقلت: "أسألك مرافقتك في الجنّة، قال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك: قال:
"فأعني على نفسك بكثرة السجود".
الثاني عشر: الإيمان بالقضاء والقدر
يرى الإباضية مما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره.
1. الفرق بين القضاء والقدر
—
5
- القضاء اصطلاحًا عِلمُ الله في الأزل بالأشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل.
- القدر اصطلاحًا: إيجاد تلك الأشياء بالفعل طبقاً لعلمه الأزلي المتعلق بها، بمعنى أن القضاء هو إيجاد
الله الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة، والقدر هو إيجاد المكونات في المواد.
صحيح الجامع للألباني، رقم 6233.
مسلم، رقم
947
مسلم، رقم 948.
مسلم، رقم
489
5 الفكر العقدي عند الإباضية، ص
6
المرجع نفسه، ص 365.
365
848 (1/849)
صفحة 850
- أما المعنى الشرعي للقضاء والقدر عند أهل السنة: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، على صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه وتعالى لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حساب ما قدرها جل وعلا، وخلقه لها. وإن مراتب القدر أربع كما هو ظاهر في التعريف: العلم الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين 2.
ويرى العلامة الخليلي: أن القضاء هو إثبات الأشياء في اللوح إجمالاً، والقدر هو إيجادها في المواد تفصيلاً، ذلك لأن الله سبحانه عليم بكل شيء ما يحدث في هذا الكون، وقد أثبت ذلك في اللوح المحفوظ، ولا بد من وقوع ما أثبته إذ يستحيل أن يقع شيء بخلاف ما علمه تعالى، كما أنه سبحانه هو الخالق لكل ما يجري في هذا الكون، إذ لا خالق سواه.
وفرق قطب الأئمة في الذهب الخالص بين القضاء والقدر، حيث عرف القدر بأنه خلق الله الأجسام، والأعراض، والقضاء بأنه إثبات ذلك في اللوح، وهو يقف مؤخراً في مؤداه مع التعريف السابق.
واختلف علماء أهل السنة في الفرق بين القضاء والقدر، فمنهم من قال لا فرق بين القضاء والقدر فكل منهما يدخل في معنى الآخر، فإذا أطلق التعريف على أحدهما فيشمل الآخر، بمعنى إذا أطلق التعريف على القضاء فإنه يشمل، القدر، وإذا أطلق التعريف على القدر فإنه يشمل القضاء.
:
وقال آخرون: لا هناك فرق بين القضاء والقدر فالقضاء هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في
الأزل، وأما القدر فهو الحكم في وقوع الجزئيات لهذه الكليات التى قدرت في الأزل، فالقضاء أشمل وأعم
من القدر.
849
الإيمان بالقدر للصلابي، ص 18.
المرجع نفسه، ص 3
18
وانظر: القضاء والقدر، المحمودي، ص 41.
شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، ص 90.
1
2
3 (1/850)
صفحة 851
ومنهم من قال: بأن القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل، بمعنى أن القدر هو التقدير
6
القديم
الأزلي،
والقضاء هو التفصيل لهذا القدر الكلي في أوقات معلومة بمشيئة الله تبارك وتعالى على الكيفية التي أرادها
أو خلفها عز وجل.
فالقضاء والقدر لفظات متباينان إن اجتمعا ومترادفان إن افترقا يعني إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، بمعنى: إذا ذكر القضاء والقدر معاً، فالمعنى لكل مفردة منهما واحد، وإذا أفرد اللفظان صار لكل مفردة منهما معنى يختلف عن معنى الآخر، فالتقدير هو ما قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل أن يكون في خلقه، وعلى هذا يكون التقدير سابقاً على القضاء، وأما القضاء إذا ذكر مع القدر فكلاهما بمعنى واحد مشترك.
ويرى الخطابي: أن القضاء والقدر أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه 2.
2 حكم الإيمان بالقضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، يجب الإيمان بهما، ورد ذلك في الحديث الصحيح حين جاء جبريل يسال النبي صلى الله عليه سلم عن الإسلام والأركان يريد تعليم المسلمين أحكام دينهم قال جبريل عليه السلام: "فأخبرني عن الايمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن
بالقدر خيره وشره.
وقال الربيع بلغني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله، قال: قلت: يا رسول الله كيف لي أن أعلم خير القدر
850
41,
1
2
الإيمان بالقضاء والقدر، محمد حسان، ص 1
الإيمان بالقدر، على الصلابي، ص 19. 3 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 366. (1/851)
صفحة 852
وشره قال: "تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، فإن مُتَّ على غي ذلك دخلت النار.
وذلك كله مدلول عليه بدلائل القرآن، فإن الله تعالى يقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].
ويقول: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [يونس: 107]. ويقول: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَحِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]. ويقول: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]. ويقول تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125].
وهذا هو الذي تقتضيه أدلة العقل، فإنه لو نفذ في هذا الكون غير مراد الله لكانت إرادة غيره تعالى غالبة على إرادته، وهو عين المحال، وهذا لا يعني أنه لا أثر لإرادة الإنسان في فعله، فإن الإنسان له جانب الكسب منه، وإنما الخلق الله سبحانه وتعالى وليس اكتسابه لما يكتسب أمراً اضطرارياً فإنما يكتسب ما توجهت إليه إرادته وكل أحد يدرك الفرق بين ما يقع على الإنسان اضطرارياً، وما يحدث له اختياراً، فحركته الاضطرارية كالرعشة والنبض وغيرهما هي غير الحركة التي تكون بتحريك مقصود من الإنسان، كحركة المشي الاختياري، وتناوله الطعام والشراب ودفعه ما يريد، دفعه، وأخذه ما يريد أخذه 2.
851
مسك الربيع، باب في القدر والحذر والتطير، رقم 72.
شرح. غاية المراد، ص 91.
1
2 (1/852)
صفحة 853
القدر سر من أسرار الله:
:
قال العلامة الخليلي وما القدر إلا سر من أسرار غيب الله تعالى فذلك منعنا من إغراق النظر فيه، وإنما علينا أن نوقن أن الله تعالى لا يؤاخذه عبده إلا بفعله فالعقوبة على أفعال الشر إنما على اكتساب العبد لها، لا على خلقه تعالى إيّاها ومثل ذلك ثواب أعمال الخير، ونفاة الكسب يزعمون أن الثواب والعقاب المترتبين على أفعال إنما هما بسبب ما كان من الله تعالى من إيجاد الخير، أو ضدّه على يد العبد من غير أن يكون في ذلك كسب وهو عين المحال، فإن الله أجل وأعظم وأبر وأرحم من أن يجازي عبداً على مالا اختيار له فيه ولا كسب، وقولهم هذا يترتب عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب مادام من كان مقصوداً بذلك ليس له اختيار ولا كسب وفيه ما لا يخفى من تعطيل حكمة الله تعالى في نظام الوجود.
- أفعال العباد
يعتقد الإباضية أن أفعال العباد الاختيارية من خلق الله تعالى وبكسب من الإنسان، وجمهور الأمة عدا المعتزلة والزيدية وبعض علماء الشيعة - يرون أن أفعال العباد خلق من الله تعالى وكسب من العبد يستدلون على أن أفعال العباد خلق من الله تعالى مما يأتي:
قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك: 13 - 14]. وجه الاستدلال: إن ما أسرّ العباد وما أظهروه هو من خلق الله تعالى، ولو لم يكن
كذلك لم يكن للاحتجاج معنى
1
المرجع السابق، ص 95.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 370.
3
المرجع نفسه، ص 370.
852 (1/853)
صفحة 854
وقال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]. ووجه الاستدلال: الآية على ظاهرها خالقهم وخالق
أعمالهم.
قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال: 17]. ووجه الاستدلال: في الآية تصريح بإسناد الرمي إليه تعالى ولا شك أنه فعل النبي ()، وإطلاق الرمي على الإصابة مجاز يحتاج إلى قرينة ولا قرينة هنا. وإن عمدة الأدلة في هذا الشأن الآيات التي تثبت أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء مثل:
قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الفرقان: 2].
وقال تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3].
وقال تعالى: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102].
وجه الاستدلال: أفعال العباد أشياء فيكون الله خالقها لعموم الآيات 2. فهذه هي أبرز الأدلة
التي يستدل بها على أن أفعال العباد من خلق الله تعالى 3.
—
- الرزق والأجل:
يؤمن الإباضية بأن الرازق هو الله تعالى وبيده انتهاء الآجال ولكن لم يرد حول هذين المفهومين إلا إشارات
بسيطة خالية من الجدل.
قال منير بن النير: وأوصيك بتقوى الله الذي خلقك فبرأك في خلقك، فلم يرزقك معه رازق وأنعم عليك نعماً ظاهرة وباطنةً في خصال شتى بعجز عنها الإحصاء، ويعجز عنها الشكر إلا ما وفق الله من الخير 4
1
المشارق للسالم، 180/ 2.
2 الفكر العقدي عند الإباضية، ص 372.
3
4
المرجع نفسه، ص 373.
منير بن النير، ضمن السير والجوابات، 229/ 1.
853 (1/854)
صفحة 855
وفيما جاء عن الأجل قال سالم بن ذكوان .. واعلموا أن القعود لا يخلدكم ولا يؤخر آجالك، إذا حضرت،
قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج} [النساء: 78].
وقال تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11].
فارغبوا فيما رغبكم الله فيه من فضيلة الجهاد، فإنه لا بدّ لكم من موت أو قتل؟ فإن الجهاد في سبيل الله لا ينقص من أعماركم، ولا يعجل لأحد الموت دون أن تنتفض أيامه التي كتب الله له، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 145].
العصمة والخذلان:
—
تحاول مصادر الإباضية أن توفق بين مسؤولية الإنسان في فعله وبين المدد الإلهي الذي يمن به على من يشاء من عباده فتقول: "العون والعصمة، والتوفيق والتسديد والتأييد وشرح الصدر الذي خص الله تعالى بها المؤمنين ألفاظ مترادفة على معنى واحد، وهو أمر يوجدُهُ الله تعالى فيهم حال إيمانهم ووفائهم، على أنه فضل تفضيل به عليهم، عاصم وحافظ لهم من الشيطان وطرقه وأعوانه وذلك الأمر كيفية نفسانية يجدها المؤمن في نفسه إذا خلا ونفسه على أنه لولا تفضل الله تعالى على المؤمنين بها ما زكى أحد منهم. وقد جاءت الإشارة إلى هذا المعنى من زمن مبكر مع أبي عبيدة عندما قيل له: لا يستطيع الكافر الإيمان قال: ما أزعم من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من الحلّ إلى الحرم لا يستطيع أن يصلى ركعتين، وما أزعم إنه يستطيع
أن
ذلك إلا أن يوفقه الله 3.
854
الفكر العقدي عند الإباضية، ص 382.
المرجع نفسه، ص 385.
المرجع السابق، ص
385
1
2
3 (1/855)
صفحة 856
ونحو ذلك قال قبله جابر بن زيد في أحد رسائله: " ... فإن استطعت ولم تملك ذلك إلا بالله ألا تموت، إلا وأنت مسلم فافعل فإن الإسلام سلم وسلامة، وقال الربيع: أما بعد عصمنا الله وإياكم من كل شبه تورتُ أهلها النار، وعصمنا الله وإياكم بالتقوى ولزوم أخلاق أهلها حتى يبلغ بنا وبكم أفضل منازل المتقين برحمته 2.
وفي النهاية إن تلك المواقف حول الاستطاعة والعصمة والتوفيق والخذلان كلها تثبت فرار الإباضية من الجبر المطلق، ومن الحرية المطلقة، فلله أن يعصم من يشاء، وألا يعصم من يشاء، لا يسأل عما يفعل في خلقه وهم يسألون عما أوجبه عليهم
هذا ومما لا شك فيه أن للعقيدة الإسلامية آثار بارزة في حياة الأفراد والجماعات وتزداد تلك الآثار ظهوراً بزيادة تمسك صاحبها بتعاليم العقيدة الإسلامية، والمتتبع للفكر الإباضي يجد إشارة العقيدة واضحة في أقوالهم وأفعالهم وقد ذكر الدكتور مسلم بن سالم بن علي الوهيبي تلك الآثار في كتابه المتميز في بابه: الفكر
العقدي عند الإباضية.
3 نماذج من آثار العقيدة:
ما من شك أن للعقيدة الإسلامية آثار بارزة في حياة الأفراد والجماعات تزداد تلك الآثار ظهوراً بزيادة تمسك صاحبها بتعاليم العقيدة الإسلامية والمتتبع للفكر الإباضي يجد آثار العقيدة واضحة في أقوالهم وأفعالهم، لهذا من الجدير بالإشارة ذكر نماذج على سبيل المثال لا الحصر - لآثار العقيدة في الفكر الإباضي
حتى نهاية القرن الثاني الهجري فيما يأتي:
855
المرجع السابق، ص 3
385
المرجع نفسه، ص 385. المرجع نفسه، ص 385.
1
2
3 (1/856)
صفحة 857
تعظيم الله تعالى:
إن الله عز وجل لا نهاية لعظمته، واستشعار هذه العظمة واجب على كل مسلم ولمثل هذا المعنى قال جابر بن زياد: "وأوصيك بتقوى الله الرب العظيم الذي يعلم منك ما تجهل من نفسك، والذي اطلع على ما يضمر قلبك "، وقال أيضاً: "فإن أفضل المؤمنين عند الله شرفاً ومنزلة ووجهاً أفضلهم تعظيماً له ولكتابه "2، ثم يعلن الإمام جابر بن زيد بالعجر عن تقدير عظمة الخالق حيث قال: "ولا تقدر عظمته، وأنه أحاط
بكل شيء علما "3.
- شكر النعمة:
قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، وقد أسدى عز وجل نعم كثيرة على الإنسان، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34]. وحول هذا المعنى قال جابر بن زيد: "ونحن بخير من الله ونعمة متظاهرة لا يحصى عددها ولا نبلغ شكرها.
وقال أيضاً: "فأنا بخير وعافية من الله إن شكرناه واتقيناه "5، وقال أبو عبيدة: " ... واشكروا الله نعمه عليكم، فإنه قد أنعم عليكم نعماً لا تقدرون قدرها، ولا تحصرون كنهها، ولا تؤدون شكرها إلا بعون الله وتوفيق منه"، وقال أبو أيوب: "وإظهار النعمة، والثناء على الله بها، والمعرفة لها، والشكر له عليها"7،
الجعبري: نفحات من السيرة، ص 274 نقلاً عن رسائل الإمام جابر / جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، رسالة " 7 ".
"16"
جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر، رسالة رقم
المرجع السابق، رسالة رقم 11.
المرجع السابق، رسالة رقم 8.
المرجع السابق، رسالة رقم 9.
أبو عبيدة وأبو مودود: رسالة أبو عبيدة وأبو مودود إلى أهل المغرب، ضمن كتاب الإمام أبو عبيدة، ص 579
أبو أيوب: سيرة أبو أيوب، ضمن السير والجوابات، ج 2، ص 52.
856
1
2
3
4
5
6
7 (1/857)
صفحة 858
والتطبيق الفعلي لشكر النعمة يكون بالامتثال لأوامر الله عز وجل، والتحقيق الصادق لمعنى العبودية لله
تعالى والإخلاص له.
الطاعة:
—
طاعة الله تعالى واجبة في جميع ما أمر، والانتهاء عن جميع ما نهى، في كل وقت، قال جابر بن زيد: "فإن استطعت ألا تقيم ساعة من نهار ولا ليل على أمر تعرف أنه الله سخط فافعل"، والاستمرار على طاعة الله عز وجل هو المسلك المؤدي إلى الجنة، قال جابر بن زيد: "واعلم إن أطعته رافقته في داره مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، وإنك إن عصيته أدخلك ناراً وقودها الناس والحجارة"2.، بل أبو أيوب أن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لأهل الطاعة حيث قال: "وإنما خلق الله الجنة وأعدها ثواباً
يصرح
لأهل دينه، وهم أهل الطاعة "3.
ويؤكد سالم بن ذكوان هذا المعنى بقوله: " ونرضى لكم طاعة الله، ونسخط عليكم معصيته، فإنه من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار وذلك الفوز العظيم، ومن يعصي الله ورسوله، ويتعدى حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين 4". إذن لا مفر لمن يريد الجنان من الاستمرار على طاعة الله، قال
،
سالم بن ذكوان: "فتيسروا لطاعة الله وتهيئوا لها وهبوا لها، أنفسكم، ووطنوا أنفسكم على إتباع الحق وإن وافق الحق أهواءكم أو خالفها، فإنكم لن تدركوا ما تطلبون ولن تنجوا مما تحذرون إلا بترك ما تشتهون"، يتضح
أن الطاعة
هي
مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وهي بالتالي وقاية من كل هلكة، قال جابر بن زيد:
جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر: رسالة رقم "11".
المرجع السابق: رسالة رقم "7".
أبو أيوب: صفة الإسلام، ضمن كتاب الشمس الشارقة، ص 120. سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن كتاب منهج الدعوة، ص 341.
857
المرجع السابق، ص 345.
1
2
3
4
5 (1/858)
صفحة 859
أطاعه "وأوصيك بتقوى الله الذي يعصم من ممن عصاه، ولا يعصم
منه عاصية، فاعتصم به فإنه نعم المولى
ونعم النصير، ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم"
—
كثرة العبادة:
1"
خلق الله عز وجل الإنسان لهدف نبيل وغاية سامية، ألا وهي عبادة الله تعالى، حيث قال الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الحِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، لهذا اشتهر الإباضية بكثرة تعقلهم بالعبادة، فهذا إمامهم الأول عبد الله بن وهب الراسي يعرف "بذي الثفنات" وذلك لثفنات التي كانت بيديه وركبه من كثرة العبادة. وكذلك منهم رجل يدعى تبرح عاش زمن أبي بلال مرداس- كان عابداً مصلياً لا يفتر من العبادة، حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدبر البعير، وكان قد اتخذ سرداباً في الأرض يعبد الله فيه 2. وأيضاً اشتهر عنهم كثرة ترددهم على الحج، ويقال إن لجابر بن زيد ناقة سافر عليها أربعاً وعشرين سفرة ما
بين حجة وعمره 3.
ومما يروى عن جابر بن زيد قوله: نظرت في أعمال البر فإذا هي الصلاة تجهد البدن، ولا تجهد المال والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك "4. ويصف أبو حمزة كثرة عبادة أصحابه بقوله: موصول" كلاهم بكلالهم كلال الليل بكلال النهار، وقيام ليلهم وصيام نهارهم أنضاء عبادة واطلاح سهر، قد أكلت الأرض ركبهم، وأيديهم، وأنوفهم وجباههم، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام، مستقلين ذلك في جنب الله 5.
1
2
3
جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، رسالة "15".
الشماخي: السير، ج 1، ص 77.
بكوش: فقه الإمام جابر، ص 23.
4 الأصفهاني: حلية الأولياء، وطبقات، ج 3، ص 87/ ابن كثير: البداية والنهاية، ج 9، ص 94.
5
أبو حمزة: خطب ابي حمزة الشاري، ضمن كتاب حياة عمان الفكرية، ص 264.
858 (1/859)
صفحة 860
- الذكر والدعاء:
الذكر والدعاء مخ العبادة، ورمز الاحتياج إلى مالك الحاجات، ومصرف الأمور، الذي منه نستمد
وجودنا في كل لحظة، وقد أمر الله عز وجل بالذكر والدعاء في آيات كثيرة من كتابه، وحث نبيه على ذلك
في أحاديث يصعب عدها. ولهذا ظهر اهتمام الإباضية كثيراً بالذكر والدعاء، قال سالم بن ذكوان: " ... ونحثك على ذكر الله والأخذ بأمره، فإن وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35]، ونرغبكم فيما عند الله، ويحث أبو أيوب أصحابه بقوله: "ما من مسلم يقول: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاث مرات إلا غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر، وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم): "افصلوا" بين حديثكم بالاستغفار"، وقال علي بن ابي طالب: العجب لمن يهلك والنجاة معه، فقيل: ما هي؟، فقال: الاستغفار "2. وعادة ما تختتم سير الإباضية بالدعاء، مثل قول أبي أيوب: "نسأل الله لنا ولكم عوناً على طاعته، وعصمة من معصيته، ويوفقنا لتبين الهدى التي فضل من هداه
عليها في معافاة لنا وسرور وكفاية لكل مخدور "، وكثيراً ما يرشد أئمة الإباضية على استغلال مظنة إجابة الدعاء، فهذا جابر بن زيد يوجه إلى اسم الله الأعظم، والإلحاج في المسألة، واستغلال يوم الجمعة،
وصلاة الليل، الدعاء للإخوان في ظهر الغيب.
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن كتاب منهج الدعوة، ص 341. 2 الكندي: بيان الشرع، ج 5، ص 7.
انظر مثلاً: جابر بن زيد، رسائل الإمام جابر، رسالة رقم 9،3، 1/ منير: سيرة منير: ضمن السير والجوابات، ج 1، ص 229.
أبو أيوب: سيرة أبي أيوب، ضمن السير والجوابات، ج 2، ص 61.
قال جابر بن زيد: اسم الله الأعظم هو "الله"، وقد اختلف العلماء في اسم الله الأعظم في الأقوال التالية:
1. الله 2. يا حي يا قيوم 3. يا ذا الجلال والإكرام انظر تفاصيل الخلاف: السعدي، قاموس الشريعة، ج 4، ص 158 - 162/ الهاشمي:
الإمام جابر من خلال تفسير الطبري، ص 21.
237
جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر بن زيد، رسالة رقم "6، 1". قال جابر: "فتسأل الله، وتلح إليه في المسألة، وتترجا إليه بما دلّ على نفسه أن يبارك لنا ولك في الذي وهب، رسالة رقم "1". بكوش: فقه الإمام جابر، ص 24/ الجعبري: نفحات من السيرة، ص 7 قال جابر بن زيد: "إذا جئت يوم الجمعة فقف على الباب وقل: "اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وطلب إليك"، الأصفهاني، حلية الأولياء، ج 3، ص 85.
وقال أيضاً: "بلغنا أن الكتاب يكبتون يوم الجمعة على أبواب المسجد حتى يخرج الإمام فيرفعون الكتاب، وقد تحدث الناس إن في الجمعة ساعة لا يدعوا فيها مؤمن
ربه إلا استجاب له، وقد ذكر لنا ابن عباس أن ذلك حين يقوم الإمام إلى الصلاة، وذلك أشغل ما يكون عند صفوفهم". انظر: رسالته.
رقم
جبر بن زيد: رسائل الإمام جابر، رقم "3"
منير، سيرة منير، ضمن السير والجوابات، ج 1، ص 229.
859
"3" (1/860)
صفحة 861
- اتقاء الشبهات
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .. إلخ ". من وحي هذا الحديث أخذ الإباضية ينصحون أتباعهم بالابتعاد عن الشبهات، قال أبو أيوب: " .. وترك ما يرتاب فيه من ذلك مما لا سنة فيه ولا أثر، وأوحش الأمور مما لا شاهد له من الله، ولا في كتاب، ولا في سنة نبيه، ولا أثر أفاضل أصحابه، وأوحش البيع ما لا جزاء له في ثوابه، والوقوف عند الشبهات والأخذ بالبينات النيّرات"، وقال البحراني: " .. ثم ليكن فيما تتقونه به وتتقونه فيه طلب المخرج لأنفسكم من شبهات الأمور والعرفان بنور البرهان من لبس الفتن بالتبين والثبت في الدين ". وكذلك كثيراً ما كان الإمام جابر يوصى تلاميذه
211
بالابتعاد مما فيه ريبه حيث يقول في رسائله: "فترة عما أرابك وانتقل منه إن أصابك ودع الريبة لأهلها"3، وقال: "اترك الريبة لأهلها، وقال: فذر" ما يريبك إلى ما لا يريبك "5.
- المحاسبة:
إن محاسبة النفس والشعور بمراقبة الله كفيلان بأن يردعان عن كل رذيلة، ويقودان إلى كل فضيلة، قال أحد الناصحين: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم"، لهذا تكاثرت نصائح أئمة الإباضية في هذا الشأن، قال سالم بن ذكوان: "فعليكم عباد الله في الجد في أداء حق الله عليكم، وراقبوه في أموركم كلها سرها وعلانيتها واعلموا أنه بالمرصاد لمن عصاه، وأنه لا يخفى عليه من أعمالكم
860
أبو أيوب: سيرة أبي أيوب، ضمن السير والجوابات، ج 2، ص 52. خلف، سيرة خلف البحراني، ضمن السير والجوابات، ج 2، ص 52.
جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر، رسالة رقم
"10"
"11"
المرجع السابق، رقم
المرجع السابق، رقم "15".
2
3
4
5 (1/861)
صفحة 862
شيء فامهدوا لأنفسكم من كل خير تجدوه عند الله، يَوْمَ تَحِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا
عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] "،
فاحذروا من الله حذركم من نفسه.
كما
ينصح جابر بن زيد أحد تلاميذه بقوله: " وقد اقترب نفاذ أجل وحضر أمر الآخرة، وعند ذلك تنظر
شدة ربك وأخبارك كلها، فانظر ماذا أعددت وماذا قدمت إليه، واستدرك عجزك وتفريطك قبل أن تظعن
211
2"
ألا
وذات يوم فاتت الإمام جابر صلاة الجمعة، فندم كثيراً، وأنّب نفسه على ذلك فقال: "اللهم لك عليّ أعود لمثلها "3، ويقول الجعلاني في نصيحة وجهها للإمام غسان: "فأنا وإياك قادمون على الله مسؤولون عن
العمل والعمر والنعم والتقدمة، فأعد واستعد للقاء الله "4.
-
الجهاد:
جاء الحث على الجهاد في سبيل الله في نصوص كثيرة من قرآن وسنة وجاء امتثال الإباضية لهذه الشعيرة من خلال مواقف كثيرة قولاً وعملاً، قال سالم بن ذكوان وخذوا نصيبكم من الجهاد في سبيل الله، فإنه أشرف الأعمال عند الله, وأفضلها، ثواباً وهي التجارة التي لا تبور والتي تنجي من عذاب أليم، ثم استمر سالم بن ذكوان في ايراد آيات الحث على الجهاد مثل قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهاج الدعوة، ص 345.
جابر بن زياد رسائل الإمام جابر، رسالة رقم "15".
بكوش: فقه الإمام جابر، ص 24.
منير: سيرة منير إلى الإمام غسان ضمن السير والجوابات، ج 1، ص 234.
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن كتاب منهج الدعوة، ص 345.
861
1
2
3
4
5 (1/862)
صفحة 863
الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ
مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 95 - 96]،
كذلك قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَاهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَاهُمْ} [محمد: 4 - 5] وقال: إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، وقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران: 169 - 171]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10 - 11]، وقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 7 - 9]، فأوفوا الله عباد الله - بيعته، والذي با يعتموه عليه يوف لكم الشرط الذي شرط لكم على نفسه؛ واعلموا أن القعود لا يخلدكم ولا يؤخر آجالكم إذا حضرت قال الله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوحِ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
وقال لنبيه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 34 - 35]، وقال: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا
862 (1/863)
صفحة 864
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11]، فارغبوا فيما رغبكم الله فيه من فضيلة الجهاد، فإنه لا بد لكم من موت أو قتل، فإن الجهاد في سبيل الله لا ينقص أعماركم ولا يعجل لأحد الموت دون أن تنقضي أيامه التي كتب الله له وقال: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145].
وقال شبيب في حثه إلى الجهاد: " يا أيها الناس اعلموا أن من أمرنا أن نقاتل ونقتل من عصى الله حتي يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحنا إن شاء الله لنرد منار الإسلام إلى معالمها الأولى التي كانت على عهد نبي
211
الله والذين من بعده أبي بكر وعمر يبدو أن الإباضية امتثلوا لفريضة الجهاد أيما امتثال، فهذا أحد
قادتهم يصف أتباعه بقوله: حتى إذا رأوا سهام العدو قد وقعت ورماحه قد أُشرعت، وسيوفه قد انتضيت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استحفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ولقوا شبا الألسنة وشائك السهام وظبأة السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم، ومضى الشباب منهم قدما "3. كيف لا يمتثل
الإباضية للجهاد، وهو عندهم معيار قيمة الرجل، قال أبو حمزة الشاري: أدركت المسلمين إذا كان الرجل
منهم ما يستزاد في صلاة ولا صيام ولا في حج ولا في عمرة ولا في وجه من الوجوه وإن عُرف منه أنه ليس
بشديد الحرص في الشراء سقط من أعينهم ونقصت منزلته عندهم
411
فالمعيار ليس في التفاني في العبادة فحسب، وإنما يقاس المرء بمدى رغبته في الجهاد، فإن كان حريصاً عليه
راغباً في بيع نفسه في سبيل الله من أجل نصرة الحق، فهو من أهل الاستقامة بحق ورمز من رموزها، وإن
هو بدا منه شيء من التقاعس في ذلك تردت منزلته عند الجماعة.
1
2
3
347
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن كتاب منهج الدعوة، ص 7 عطية: سيرة شبيب بن عطية، ضمن السير والجوابات، ج 2، ص 347. أبو حمزة الشاري: خطب أبو حمزة الشاري، ضمن كتاب حياة عمان الفكرية، ص. ص ص 264 - 265.
شبيب بن
4 الجعبيري: أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق، ص 98/ الدرجيني: طبقات ج 2، ص 262.
863 (1/864)
صفحة 865
—
الإنفاق:
وردت نصوص كثيرة تحث على الإنفاق والأمر به كقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: 33]، وقوله: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 17، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، ومدح سبحانه وتعالى المنفقين بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمَّ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]. ويعد الإنفاق علامة من علامات الإيمان بل
"الامتناع عن إخراج النفقة للفقراء ليس من الإيمان" "، لهذا حرص الإباضية على الإنفاق في سبيل الله، قال
6
محمد بن سيرين: يصف جابر بن زيد: "كان أبو الشعثاء مسلماً عند الدرهم والدينار)
211
ويؤكد ذلك قول جابر بن زيد بنفسه: "لأن أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الإسلام"3، بالرغم من كثرة تردد الإمام جابر بن زيد على الحج إلا أن النفقة أفضل بعد حجة الفريضة، ويدل هذا الأمر على أن الإمام جابر كان سبّاقاً لكل خير من إنفاق وغيره. وقد سلك الإباضية مسلك إمامهم في المسارعة إلى الإنفاق. قال أبو سفيان: لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى ووجه أبا حمزة المختار بن عوف، أقام حاجب فجمع له أموالاً كثيرة ليعينه بها. قال فكتب على كل موسر من المسلمين
قدر ما يرى قال فما امتنع عليه أحد قال ودعا أبا طاهر وكان شيخاً فاضلاً قال عليك بالنساء، وأوسط الناس فإنه نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون قال فانطلق أبو طاهر، فيمن انطلق مع المسلمين قال فلم
1
أبو مودود حبيب: سيرة أبو مودود حبيب بن حفص إلى الإمام غسان ضمن مخطوط السيد، ص 74.
2 الأصفهاني: حلية الأولياء، ج 3، ص 85. وفي بكوش: فقه الإمام جابر، ص 23.
3 الأصفهاني: حلية الأولياء، ج 3، ص 85.
4
أبو سفيان هو محبوب بن الرحيل.
لمساعدة جيش أبي حمزة في تحرير الحرمين من الأموية.
6 أبو طاهر من شخصيات الإباضية، عاش زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
864 (1/865)
صفحة 866
يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلاً إلا ووجدوه مسرعاً فيما سألوه، قال وكان رجل من المسلمين لم يكن أحد يرى
أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم قال له أبو طاهر أي أخي العيال فقال الله لهم، والله ما رأيت منذ كنت وجهاً مثل هذا أنفق فيه، فإذا وجدته أفأدعه؟ ولا يرجع إلي منها شيء ولكن يا عبد الله لا تخبروا باسمي ما بقيت قالوا ففعلوا فلم تمس الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، قال فأتوا حاجباً فأخبروه فسر بذلك وقال: إن في الناس لبقية، بعد، قال فاشتري بتلك الأموال سلاحاً ووجه ما بقى
إلى أبي حمزة رحمه الله.
ومن
أمثلة
حرص الإباضية على الإنفاق ما يقوم به أب الحر علي بن الحصين إمام الإباضية في مكة، كانت
له غلة تأتيه من البصرة فيقسمها إلى نصفين يفرق نصفها في فقراء المسلمين وربعها ينفقه على نفسه، والربع الآخر يحسبه للنوائب والنزلات ولمن يمر به من إخوانه المسلمين، وفي معونتهم. ومثال آخر" قال أبو سفيان: مات حاجب وعليه دين مائتان وخمسون الفاً أو أكثر، قال فدخل قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه فقال لهم: قرة يا قوم ما تقولون في دين هذا الرجل، قال فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه، قال: ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين وكان، موسراً، فأخبره، قال: فقال لهم الفضل: دينه علي دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال. فقالوا له شأنك "3، وعموماً لدى الإباضية رصيداً كثيراً من الأمثلة على التسابق في ميدان الإنفاق في سبيل الله نكتفي بما ورد خشية الإطالة.
—
- الزهد:
لم يتحل بالزهد إلا من تمكن الإيمان في قلبه، وعرف الدنيا على حقيقتها الفانية، والآخرة على حقيقتها
الباقية. وقد ظهرت فضيلة الزهد في الفكر الإباضي بشكل بارز تحلوا بها في سلوكم وأقوالهم. فها هو
865
الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 262.
المرجع السابق، ص)
269
المرجع السابق، ص 250.
1
2
3 (1/866)
صفحة 867
الإمام جابر بن زيد يروي حديثاً عن فضل الزهد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " ما من عبد زهد في الدنيا إلا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا وداءها ودواءها وأخرجه منها سالماً إلى دار 1 السلام "، ويقول ابن ذكوان في النصح بالزهد وأرغبوا فيما رغبكم الله فيه من نعيم الآخرة وكرامتها، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه من الدنيا وزينتها "2.
ويحرك أبو بلال مشاعر المجاهدين بقوله: " ... إنك تخرج جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا تريد شيئاً من أعراض الدنيا، ولا لك في الدنيا حاجة ولا لك إليها رجعة أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها، الراغب في الآخرة، الجاهد في طلبها 3، وتظهر نزعة الزهد عند عبد الله بن إباض عندما قال مخاطباً عبد الملك بن مروان بقوله: "ولا تتعرض لي بالدنيا فإنه لا رغبة لي في الدنيا وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصيحتك لي في الدين ولما بعد الموت، فإن ذلك أفضل النصيحة".
ولو نظرنا في تراجم شخصيات الإباضية لوجدنا صفة الزهد في الدنيا بارزة على سلوكم، ولنأخذ شخصية جابر بن زيد مثالاً على ذلك. قال جابر: سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن، سألت زوجة مؤمنة وراحلة صالحة، ورزقاً حلالاً كفافاً يوم بيوم"، حيث لم يكن همه من الدنيا إلا رزقاً كفافاً يوم بيوم، وزوجة وراحلة أنها مطية للآخرة، فلتكن
تعينانه على الطاعة، فحتى سؤاله فريد من نوعه، إنه لا
هم
له
في الدنيا لأنه
يعلم
مجرد وسيلة فحسب، وكان جابر يقول لأصحابه: "ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي درهم ولا عليّ
611
هو
دين"، وكذا بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه أن الغنى الحقيقي غنى القلب، ذلك أن الذي لم يملأ قلبه بحب الله تعالى فإنك وإن ملكته مال قارون فإنه دائماً يقول هل من مزيد؛ لأن المال يجلب المال كما يقول
جابر بن زيد: مراسيل جابر بن زيد ضمن مسند الربيع، ج 4، ص 378. سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن كتاب منهج الدعوة، ص 345.
منير: سيرة منير إلى الإمام غسان ضمن السير والجوابات، ج 1، ص 236.
عبد الله
بن إباض: رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان ضمن كتاب. الدعوة، ص 337.
منهج
الجعيبري نفحات (ص)
220
المرجع السابق، ص 221 الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 214.
866 (1/867)
صفحة 868
أهل الاقتصاد اليوم، ولا شك أن الإمام يدرك أنه قل من اقبلت عليه الدنيا وسلم من مغرياتها، لذلك تراه يعتز بين أصحابه في مناسبات عديدة بأنه لا يملك من الدنيا إلا حماراً، وأتى الإمام جابر ذات يوم أصحابه في مصلّاهم وعليه نعلان خلقان، فقال: "مضى من عمري ستون سنة، نعلاوي هاتان أحب إلي مما مضى، إلا يك خيراً قدمته " 2.
يا لها من معادلة حسابية معبرة نعلان خلقان توضعان في كفّة وستون سنة من الحياة في الدنيا في كفّة، النعلان ترجحان، هذه هي الدنيا ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء. نعم إن الدنيا لا قيمة لها إذا خلت من العمل الصالح، لذلك استثنى الإمام جابر ما قدّم من خير إخلاصاً
تملأ
لله تعالى وهو يعلم أن الدنيا إذا خلت من العمل الصالح لا يمكن أن تبقى فراغاً أو حياداً، وإنما هي عملاً صالحاً، فالنعلان أفضل منهما لأنهما تحفظان الأقدام من الضرر، بينما تجر الدنيا التي عمرها صاحبها بالشر إلى غضب الله تعالى وإلى جهنم وبئس المصير. ولم يكن الإمام جابر بن زيد وحده متصفاً بالزهد، بل معظم أتباعه من بعده كانوا متحلين بذلك فها هو الجعلاني يصف أصحابه بقوله: "لم يزدادوا في أيام الحياة إلا زهداً بالدنيا ورغبة في الآخرة، وقد تركوا الدنيا وراء ظهروهم، وجعلوا الآخرة أمام أعينهم للذي يرجون من موعود الله الذي لا خلف له"، وقال يصفهم في موضع آخر: "ليس الدنيا من ذكرهم، ولا جمع المال من شأنهم، والشهوات من حاجتهم، وكيف لا يكون ذلك من باع الله نفسه ليجود بها على ترك الدنيا ويزهد بما فيها "4.
1 قال ابن أبي شيبة حدثنا ابن عينيه عن عمرو قال: "ما رأيت أحداً أعلم بفتيا من جابر بن زيد، وسمعته يقول: "ما أملك. من الدنيا إلا حماراً". انظر: الطيواني، خلفان بن سليمان بن خلفان: فتاوى الإمام جابر بن زيد الأزدي من خلال مصنف ابن أبي شبة، ومصنف عبد الرازق وسنن سعيد بن "، بحث تخرج مقدم إلى معهد القضاء الشرعي والوع والإرشاد سلطنة عمان، مرقون، ص 133.
2
منصور
3
منير: سير منير إلى الإمام غسان ضمن السير والجوابات، ج 1، ص 231.
867
239
المرجع السابق، ص)
4 (1/868)
صفحة 869
ويصف الجعلاني جند الإمام الجنلدي بقوله: "وكان المرء يرزق منهم في الشهر سبعة دراهم في غلاء من السعر، فيصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله، وقد بلغنا أنه ربما فضل مع الرجل
منهم الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيرده في فيئ المسلمين رحمهم الله وجزاهم خيراً مع ما أظهروا السنة". إنها حقاً فريدة في الزهد والتنزة عن كنز الأموال، ولم يصلوا إلى هذه المرحلة إلا لأنهم عرفوا
من
حقيقة الدنيا الفانية فزهدوا فيها واشتروا الآخرة وحقيقتها الباقية، فلو كانت الدنيا تبراً والآخرة تراباً لكانت الآخرة أولى وأحرى أن يُسعى إليها، وأما الدنيا حتى ولو كانت ذهباً فلا مطمع فيها لفنائها وفناء من عليها.
- التواضع
التواضع من شيم الصالحين، والكبر من شيم الفاسقين، فمن تواضع لله رفعه، وجاءت بذلك الأحاديث النبوية، قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: "من عظم نفسه للناس وضعه، ويروي الربيع عن محمد بن عمير العبدي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
الله، ومن تواضع لله رفعه الله "2،
(): " ألا إن التواضع للعبد لا يزيده إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا
3
يعزكم الله وإن الصدقة لا تزيد المال، إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله .. إذن التواضع صفة حميدة ينبغي على
المسلم أن يتحلى بها ويسأل ربه أن يعينه عليها، قال جابر بن زيد: "فتسأل الله رب العرش العظيم أن يهب لنا ولكم من اليقين، ما نتصغر فيه كل شيء من أمرنا حتى لا يعرف منا كبراً يمقتنا الله عليه، ونستحق به عذابه، ونسأل الله الكبير المتعال أن يرزقنا له تواضعاً يملأ به أجوافنا خشية له" 4.
240.
المرجع السابق، ص)
الربيع: مسند الربيع، ج 2، ص 273، رقم 705.
محبوب بن الرحيل روايات محبوب بن الرحيل ضمن مسند الربيع، ج 4، ص 347، رقم 885.
جابر بن زيد: رسائل جابر بن زيد، رسالة رقم 16.
868
1
2
3
4 (1/869)
صفحة 870
ومهما برز أي إنسان بأعماله بين الناس فليحذر من الغرور وليتحلى بالتواضع وأن ذلك البروز ما هو إلا
ابتلاء من الله، يقول جابر بن زيد في ذلك: "واحذر أن تدل على الله بدالة، ولا تزين أن لك فضلاً في
الإسلام فإن من يكون بتلك المنزلة تزيد من معرفة فضله، ومن يكن بهذه المنزلة يكبر مقته عند الله، وكفى
بالعباد شقاءً أن يكونوا بمنزلة يرون أن لهم، فضلاً على سائر العباد بخير ابتلاهم الله
به
واختصهم
وكذلك مهما بلغ الإنسان من العلم ما بلغ ينبغي عليه ألا يغتر بعلمه، روي جابر بن زيد عن
النبي
به 1
211
قال: "من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجود الناس إليه فهو في جهنم" لذلك نجد الإمام جابر على رغم شهرته العلمية كان متواضعاً ومعترفاً لأفضلية سابقيه، حيث قال: "ورأي منْ قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى، لم يزل الآخر يعرف للأول، وكانوا أحق بذلك من المهاجرين مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والتابعين لهم بإحسان، فقد شهدوا وعلموا، فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع أثرهم، واعلم أنه لم يهلك قوم قط حتى نازع الآخر الأول في العلم إذا تمسك أهل العلم بعلمهم 3، وقال ايضاً: "فلعمري ما أنا إلا متعلم متبع آثار قد وطئت قبلي، وما عندي من ذلك ثقة ولا دلالة إلا رواية عسى أن نختلف ويظهر التواضع صريحاً في قوله: "فنحن أنقص رأياً، أي أقل علماً ممن سبقنا.
الاقتداء بالصالحين:
—
اتخاذ القدوة الصالحة فرض جاء به الشرع، وصرحت به الآيات القرآنية، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وفي معرض اهتمام الإباضية باتخاذ القدوة الصالحة، استشهد ابن ذكوان بالآية السابقة على وجوب الاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم)،
869
جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر، رسالة رقم 4.
جابر بن زيد: مراسيل جابر بن زيد ضمن مستند الربيع، ج 4، ص 369.
جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد رسالة رقم 13.
المرجع السابق، رسالة رقم
16
المرجع السابق، رسالة رقم 6.
1
2
3
4
5 (1/870)
صفحة 871
والاقتداء بالأنبياء قبله، حيث قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهُ} [الأنعام: 90]، ثم تابع
ابن ذكوان نصحه باتخاذ القدوة فقال: "ثم إنا لا نرى اليوم شيئاً أفضل ولا أهدى ولا أقرب إلى طاعة الله ولا خيراً فيما بعد الموت، ولا أوجب الحجة في الدنيا من الرضا بسبيل من هدى الله قبلنا واقتدى بصالح سنتهم قال الله: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26]، وأمرنا تبع لأئمة المسلمين، ورأينا اليوم لرأيهم تبع يومئذ وتأويلنا القرآن اليوم لتأولهم يومئذ تبع لسنا ممن يزعم أنه أفاد اليوم علماً في القرآن والسنة حتى غلبهم"2.
ويقول الربيع في إحدى مواعظه: فاتقوا الله يا معشر المسلمين، فعليكم بالذي كان عليه أسلافكم من ولاة المسلمين، وأئمتهم وأهل الفضل منهم 3. وتكثر نصائح أئمة الإباضية في ضرورة اتخاذ القدوة الصالحة، ويتكرر هذا الأمر في خطاباتهم باستمرار، بدءاً بالإمام جابر بن زيد عندما قال: "فإن حسن الرعاية والتشبه
411
بأخلاق المؤمنين، والاقتداء بهداهم واتباع أثرهم أفضل لأقدامهم. ويحذر ابن ذكوان من مغبة التنكر لأفضلية الأوائل حيث قال: "وعليكم" بالسمت الحسن والسيرة المعروفة في الإسلام التي سار بها نبي الله وأولياء الله واعلموا أنه لا يهتدي أحد بخلافهم، قال الله تعال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115]. وينتقد أبو حمزة الشاري في خطبه أحفاد المهاجرين والأنصار الذين لم يقتدوا بأجدادهم وآبائهم، انتقاداً لاذعاً عندما خطب فيهم قائلاً: "وأنتم أبناؤهم أبناء المهاجرين والأنصار - ومن بقي خلفهم تتركون أن تقتدوا بهم، أو تأخذوا بسنتهم، عمي الله قلوبهم صم الآذان، ابتعتم الهوى، فأرداك عن الهدى، وأسهاكم فلا مواعظ القرآن تحزركم
870
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة، ص 356.
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة، ص 376.
الربيع وآخرون: الرسالة الحجة، ص 24.
جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد رسالة رقم (
16
سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة، ص 343.
1
2
3
4
5 (1/871)
صفحة 872
فتزد جروا، ولا تعظكم فتتعظوا ولا توقظكم فتستيقظوا لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم، ما سرتم
سيرتهم، ولا حفظتم وصيتهم ولا احتذيتم مثالهم، ولو شقت عنهم، قبورهم، فعرضت عليهم أعمالكم، لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم".
ويقول أبو حمزة في خطبة أخرى: "يا أهل المدينة: يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصح أصلكم وأسقم فرعكم، أولكم خير أول وآخركم شر آخر، كان آباؤكم أهل اليقين، وأهل المعرفة بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة، والجهالة، استعبدتكم الدنيا فأذلتكم، وغرتكم الأماني فأضلتكم، فتح الله لكم باب الدين فسددتموه، وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه سراع إلى الفتنة، بطاء عن السنة، عُمي عن البرهان صم عن القرآن، عبيد الطمع حلفاء الجزع، نعم ما ورثكم آباؤكم لو حفظتموه، وبئس ما تورثون أبناءكم إن تمسكوا به، نصر الله آباءكم على الحق وخذلكم على الباطل، كان د آبائكم قليلاً طيباً، وعددكم كثيراً خبيثاً، وكل ذلك حدث نتيجة عدم اقتدائهم بمن سلف من آبائهم
عدد
الصالحين.
- العزة:
إن اعتزاز المسلم بربه ودينه ونفسه هو كبرياء إيمانه وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان، إنها أنَفَة المؤمن ألا يصغر لمخلوق مهما علا وتجبّر، يقول الغزالي عن العزة: "هي" كبرياء فيها من التمرد على الباطل بقدر ما فيها من الاستكانة للحق، وفيها من التعالي على الباطل بقدر ما فيها من التضامن للحق، فيها الترفع على مغريات الأرض وأباطيل الحياة وفيها الانخفاض للمؤمنين والتبسط لهم، واحترام الحق الذي يجمعه بهم،
فيها إتيان البيوت من أبوابها وإطلاب العظمة من أصدق سبلها " سبلها"3.
1
2
أبو حمزة الشاري: خطب أبي حمزة ضمن كتاب حياة عمان الفكرية، ص 256.
المرجع السابق ص
267
الغزالي: محمد، خلق المسلم، ص 209.
871 (1/872)
صفحة 873
قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) [فاطر: 10]، وقال يصف المؤمنين: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
ومن
الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]، وقد روي الإمام جابر في هذا الأمر حديثاً عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال فيه: "ما من عبد خرج من ذُلّ إبليس إلى عز الله إلا أعطاه الله ثلاثاً: "اليسر من غير كثرة، والغنى من غير مال، والعلم من غير تعلم"، وعندما يشعر المؤمن بالعزة التي اكتسبها من وراء معرفته الحقيقة نفسه، فلا يذل لغير الله العظيم، ولا ينكس رأسه لغير باريها، وهنا تكمن العزة. وقد تحلى بها أئمة الإباضية كما يتضح لمتتبع سيرهم، أمثلة ذلك ما روي أن الحجاج بن يوسف كان يكتب وجابر بن زيد حاضر لديه، فسقط القلم من يد الحجج فقال لجابر ناولني القلم فقال له: جابر: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم، وها هو عبد الله بن إباض عندما كان يراسل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قال في بداية رسالته: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان ... "، حيث ظهر اعتزازه بنفسه من خلال تقديم اسمه على اسم الخليفة الأموي، وكذلك ناداه باسمه عبد الملك بدون لقب الخليفة أو أمير المؤمنين؛ لأنه يرى عدم أحقيته في الخلافة، وأنه أخذها بطريقة غير شرعية. ومن أجل تثبيت الاعتزاز بالنفس المؤمنة أفتى الإمام جابر بن زيد بكراهية السلام على أهل الكتاب والمجوس 4
ويحذر الجعلاني من الوهن والاستكانة فيقول: "واعلم أن الوهن والتقصير وتألف الناس على ما لا يوافق الحق لا يزيد في الزرق، ولا يمد في العمر، ولا يزيد لأهله إلا مقتاً ووهناً، وخساراً. فعلى المؤمن ألا يهون ولا يستذل أو يستضعف طالما يعتقد أنه إن بقي حياً فلا يعدم الله رزقاً، فالرزق من وحده، وهو كذلك لا
يشكو مصيبة لغير الله، فالنفع والضر من عنده لا من سواه، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): "من أصبح حزيناً على
جابر بن زيد: مراسيل جابر بن زيد ضمن مسند الربيع، ج 4، ص 378. الوارد جلاني: الدليل والبرهان، ج 3، ص 64:بكوش فقه الإمام جابر، ص 24.
عبد الله
بن إباض: رسالة عبد الله بن إباض إلى الملك بن مروان ضمن كتاب منهج الدعوة، ص 324.
جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، ص)
119
منير: سيرة منير الجعلاني إلى الإمام غسان ضمن السير والجوابات، ج 1، ص 247.
872
1
2
3
4
5 (1/873)
صفحة 874
الدنيا، أصبح ساخطاً على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع
لغني لينال مما في يديه أسخط الله "، فالإيمان بالله يمنح الروح طاقة قادرة على الصمود أمام كوارث الحياة وتقلباتها، والمؤمن في حالتي احتمالها ووقوعها ثابت لا يهتز قوي لا يقهر، ولا يتقهقر، لأن إيمانه أعطاه ثقة بالنفس، واعتزازاً بها، واستعلاء على صغائر الأحياء، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
- التحرر:
تحرير النفس من القيود والعادات غير الشرعية مظهر من مظاهر الاعتزاز بالنفس، وقد حرر الإسلام الوجدان البشري من عبادة الآلهة المزعومة السائدة في الأرض، ومن الخضوع لغير الله تعالى، فلا كهانة إذن، ولا وساطة بل شخصية المسلم متصلة اتصالاً متيناً بقوة الأزل والأبد، يستمد منها القوة والعزة والشجاعة، فلا سبيل إلى الخوف أو الاستكانة إلا لخالق الكون ومالك الأمور والقاهر فوق عباده وقد ظهرت نزعة التحرر عند الإباضية حتى في إدارة شؤون بلادهم، حيث ظل حكم عمان معقل الإباضية- بيد أهلها بعد افتراق الصحابة، وأنه لم يكن لمعاوية ولا لمن بعده سلطان في عمان، حتى صار الملك لعبد الملك بن مروان، واستعمل الحجاج على أرض العراق ... فكان الحجاج يغزو عمان وتكبد خسائر فادحة حتى تم له الاستيلاء بعد أن جيشان بحري قوامه عشرون ألفاً، وآخر بري قوامه أيضاً عشرون ألفا. ولم يستمر الأمر طويلاً
سير
حيث عادت عمان إلى استقلالها وتحررها، ولم تكن هذه الاستقلالية رغبة في شق عصا الطاعة، أو الانفراد
بالحكم، ولكن عندما رأى الإباضية فساد الدولة الأموية، ولم يرضوا أن يكونوا تبعاً لهم فاستقلوا بأنفسهم
وأقاموا حكم الله فيما بينهم
3
رواه الطبراني.
السالمي: تحفة الأعيان، ج 1، ص 74.
العبيدلي: الدولة العمانية الأولى، الكتاب كله يتحدث عن استقلال عمان عن الدولة الأموية وتنظيم أحكام الله تعالى بالعدل والشورى على منهاج النبوة.
873
1
2
3 (1/874)
صفحة 875
وخير دليل على ذلك عندما تولى عمر بن عبد العزيز خلافة الدولة الأموية، أصبحت عمان خاضعة طواعية لحكمه لما اشتهر من عدالته ونزاهته فكان عامل عمر بن عبد العزيز على عمان، عمر بن عبد الله
الأنصاري، ويصور منير الجعلاني تحرر شخصيات الإباضية بقوله: "لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخشون الدوائر، ولا يهتمون للعواقب، ولا ينزلون الناس عندهم لشرف ولا قوة ولا أرحام ولا قرى ولا فقه لا قرابة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا منهم إلا بحيث أنزلوا أنفسهم من طاعة الله ومعصيته حتى مضوا لسبيلهم رحمهم الله وغفر لنا ولهم على الصدق والوفاء، فلنا ولكم فيهم اسوة حسنة لمن كان الله واليوم الآخر "1. فعلاً يرجو تحرروا من كل رباط غير رباط التقوى والعقيدة ولعل من شواهد التحرر من رباط القبيلة والرحم، وصدق الولاء الله تعالى، ما يُذكر عن الإمام الجلندي بن مسعود، فعندما تمرد عليه جماعة من أقاربه، مثل جعفر الجلنداني، وابنيه النظر وزيادة، قبض عليهم الإمام الجلندي بن مسعود، ثم أمر بقتلهم، وعندما قتلوا فاضت عينا الإمام بالدموع، فقال له أصحابه: أعصبية يا جلندي؟ قالوها بدون لقم إمام دليلاً على التحرر - فقال: لا ولكن الرحمة فقال المسلمون من اتباعه ابتاعه اعتزل أمرنا، فاعتزل ... ثم طلب منه أن فرفض في البداية ثم رجع خضوعاً لمشورة المسلمين 3.
يرجع،
إن قضاء الإمام الجلندي على ثورة أقاربه الطامعين في الملك تدل على إخلاصه الله تعالى، وتحرره، من عصبة القبيلة والدم، وموقف أصحاب الجلندي عندما دمعت عيناه تدل هي الأخرى على أخرى على وصولهم إلى على قمة التحرر وصدق الولاء الله عز وجل، وعلى هذا النحو من التحرر من قيود القبيلة" يذكر أبو سفيان أن أبا الحر علي بن الحصين كان في المسجد جالساً في حلقة فقدم أخوه الحسن من العراق وكان على غير استقامة تامة كما يبدو. قال فأقبل يريده حتى جاء إلى الحلقة ظن أنه يقوم إليه غليه، فلم يقم
منير: سيرة منير الجعلاني إلى الإمام غسان ضمن السير والجوابات، ص 235.
874
انظر ترجمته من
هذا البحث.
السالمي: تحفة الأعيان، ج 1، ص 93.
1
2
3 (1/875)
صفحة 876
إليه وأخذ أخاه بيده وهو جالس وقال ولم يكن يراه منذ، زمان قال فبينما هم كذلك إذ كلع إليه رجل من أهل عمان فلما نظر إليه أبو الحر قام قائماً وخرج من الحلقة فتلقاه، فاعتنقه وقبل صفحتي عنقه، ورحب به، قال فسقط في يد أخيه فقال له مودة هذا على غير مودتك لأن مودة هذا على الدين وأنت على
النسب.
جمع
وقد ظهرت الدعوة إلى التحرر حتى في بعض الفتاوى، عندما تكون موجهة إلى الدعاة الموثوق بهم، قال الإمام جابر بن زيد في إحدى رسائله لفصل خصام حدث بين أحد دعاته: "فإذا جاءك كتابي فكن قاضياً على نفسك، واجتمع أنت وخصمك عند كتاب الله، ثم ليقص كل واحد منكما قصته على كتاب الله فإن أمركما فدوما على ذلك، وإن فرّق بينكما فليأت أحدكما صاحبه ولا تشقيا، وليعترف أحدكما لصاحبه، فإن التنازع والتشاجر هلاك لأمركما 2. إن مثل هذه الفتاوى من إمام كبير إلى الدعاة ناطقة بنفسها لا تحتاج إلى كبير تعليق، إنها الدعوة إلى الإيمان الخالص الذي يقوم على تعظيم الله عز وجل، والإخلاص له والتحرر من أي تبعية غير الحق فيتجلى أثر ذلك في القول والعمل، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ
أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
- التكافل والتآخي:
التكافل الاجتماعي أن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندوا فيما بينهم، والتآخي ما هو إلا مظهراً من مظاهر هذا التكافل والإيمان بالله يغرس في النفس حب الآخرين الذين يجتمع المرء معهم على عقيدة واحدة، وقد ربى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المسلمين على التعاون والتكافل وتبادل الحقوق والواجبات وجعل ذلك من صميم الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
1
2
الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 272.
جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، رسالة 10.
875 (1/876)
صفحة 877
لنفسه". ومن أجل ترسيخ هذه المحبة حذر من كل ما شأنه أن يعكر صفوا، روى الربيع عن أبي عبيدة بن جابر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث 2، ويجمع الإمام الربيع تحت باب جامع الآداب ستة أحاديث كلها حول آداب الإخاء والأخوة 3.
إن التكافل بين المسلمين مصدر السعادة والعزة لهم، والإسلام دوماً يحث المسلمين أن يكونوا متكافلين متضامنين متعاونين متحابين، يسعى بذمتهم أدناهم ويعطف غنيهم على فقيرهم، ويساعد قويهم ضعيفهم، وهم يد على من سواهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "المؤمنون تتكافى دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد
على من سواهم"
411
ومن المعلوم بداهة أن المجتمع الذي يقوم على التعاون ويتحقق بين أفراده التكافل، ويسود في أرجائه الشعور بالمحبة والإخاء والإيثار، فهو مجتمع حصين متين متماسك، لا تؤثر فيه معاول الهدم. ومن نماذج التكافل بين الإباضية ما يلاحظ في ثورة طالب الحق في اليمن حيث اشترك معه إباضية عمان وإباضية البصرة والحجاز، وكذلك مساعدي الإمام الجلندي بن مسعود في إمامته لعمان ليسوا كلهم من عمان.5
ومن نماذج التكافل عندهم أيضا ما قاله أبو سفيان: سمعت بعض مشايخ من أدركت يقول إنا لنذكر إذا دخل شعبان تأتي الفقراء الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها يأتي الرجل بالحمال حتى يقف على باب الدار فيقول ادخل فيكتب في خرقة، كلوا وأطعموا وكانوا يحملون
1
البخاري: ك 2،
ب 7، ح 3، ج 1، ص 82، مسلم: ك 19، ب،17، ح 45، ج 1، ص 67، الترمذي: ك،38، ب 59، ح 2523، ج 4، ص 231، النسائي: ك 47، ب 19، ح 5031، ج 8، ص 489، ابن ماجة: المقدمة، ب 19، ح 66، ج 1، ص 38.
876
189
2
الربيع، مسند الربيع، ج 2، ص 270، رقم 696.
3 الأحاديث (701 - 686)، ج 2، ص 271.
موسى: سيرة موسى بن أبي جابر ضمن مخطوط السيد، ص) العبيدلي: الدولة العمانية الأولى، ص 116.
4
5 (1/877)
صفحة 878
مشايخ العلم إلى الحج ويكون لأحدهم عدة نجائب أعدها، وكانوا يجمعون الأموال ويبعثون بها إلى المغرب والمشرق، وتيهرت لإقامة دين الله، وكان الذي يتولى ذلك في أيام أبي عبيدة حاجباً. ويقوم بعضهم بجمع التبرعات من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء، ولعل من نماذج التآخي عند الإباضية على ما سبق ذكره على لسان أبو حمزة في خطبه عندما قال: " ... فأقبلنا من قبائل شتى النفر منا على بعير واحد، عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافاً واحداً قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره فأصبحنا بنعمته
أخوانا، وعلى الدين أعوانا.
- كشف الكرب:
قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): "من فرّج على مسلم كربة من كرب الدنيا فرج عنه الله كربة من كرب يوم القيامة". وها هو جابر بن زيد يسارع في تخليص المنكوب من كربته، "قال أبو سفيان: طلع أبو الشعثاء، فإذا برجل من الأكارين يبكي ويمسح دموعه، قال: مالك ويحك؟ قال: صبيان على دربكم هذا نزعوا مني قنوين جئت بها إلى صاحب الأرض فأخاف ألا يصدقني، فبعث جابر إلى بعض أصحابه له نخل فأخذ قنوين فبعث بهما إليه، إنها مثالية رائعة ونموذج يحتذا من جابر وأصحابه الذين أرسلوا له القنوين، مما يدل
على التكافل فيما بينهم.
1 نجائب: يعني الجمال التي يركبون بها إلى الحج.
2 الشماخي: السير، ج 1، ص 105.
3 المرجع
4
6
نفسه، ص
104
أبو حمزة الشاري: خطب أبي حمزة ضمن كتاب حياة عمان الفكرية، ص 269.
الأكارين: الحمالين الذين يحملون السلع.
قنوين: القنو: العرجون بما فيها من الرطب.
7
الشماخي: السير، ج 1، ص 72.
877 (1/878)
صفحة 879
احترام حقوق الجيران:
—
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَحُورًا} [النساء: 36]. ويقول عليه السلام: "ما يزال" أخي جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه". إن لهؤلاء الذين ذكرتهم الآية حقوقاً على الإنسان ومن بينهم الجيران، ذلك أن الإنسان لا يعيش مع قرابته فحسب، وإنما يتعاون مع من حواليه وإن لم يكن بينه وبينهم أية قرابة ولن يكون ذلك إلا بالإحسان الخالص لوجه الله تعالى. وهذا الإمام جابر يترجم هذه المعاني الإسلامية السامية التي تبين أن الإنسان لا ترتفع درجة إيمانه إلا إذا أمن جاره بوائقه وذلك أنه أهدت له جزور (وهي ما يصلح لأن يذبح من الإبل (فأمر أصحابه بنحرها وتوزيعها على الجيران، فوفّى هؤلاء في نصيب الإمام جابر فلما تناوله واستكثره وقال: "أكل جيراننا أصاب مثل هذا؟ قالوا: لا، قال "واسوأتاه! ساووا بيننا وبين جيراننا " ". إن الإمام لم يقبل أن يكون نصيبه أكثر من نصيب جيرانه؛ لأنه أراد أن يعمّ هذا الخير أكثر ما يمكن من هؤلاء الجيران متطلباته أسرهم، واعتبر أن استئثاره على هؤلاء بنصيب أوفر مصيبة (واسوأتاه). ويعني أنه سوء كبير
يستغيث بالله أن يحفظه منه.
إنها حركة تبدو بسيطة في ظاهرها، ولكنها عظيمة الشأن في حقيقتها، ذلك لأن الناس اليوم قد غفلوا عن هذه المعاني خصوصاً في المدن المزدحمة حيث لا يفصل بين الجيران في العمارات الضخمة سوى خشبة في بعض الأحيان لا يبلغ سمكها سوى 5 سم، لكنك تسأل هؤلاء الناس عن بعضهم البعض فتعجب أنهم لا يعرف أحدهم الآخر، فكيف سيفكر في مصالحه وحقوقه؟ إنّ هذا وذاك وغيره عرفته مجتمعات اليوم لأنها ابتعدت عن كتاب الله الذي يأمر بالإحسان إلى الجار وذي القربى الذي يجمع بين ثلاثة حقوق، حق
878
الشماخي: السير، ج 1، ص 71.
1 (1/879)
صفحة 880
العقيدة، وحق القرابة الدموية وحق الجوار، كما يأمر بالإحسان إلى الجار الجنب أي المحاذي في السكن وله حقان، حق الرابطة الإيمانية، وحق الجوار، وإن لم يكن مسلماً فله حق واحد يجب أن يحترم وهو حق الجوار، ويتمثل في حفظ عرضه وماله واحترام عقيدته وإن كان من أهل الذمة أي اليهود أو النّصارى، وحتى إن كان من أهل الشرك، إذا لم تعلن الحرب فإنه له حقُّ الجوار. لمثل هذا وغيره أمر الإمام أن تقسم الجزور بالتساوي؛ لأنه أراد أن تكون قسمة هذه الهدية عادلة على جميع الجيران.
وقديماً كان الناس يحترزون في شأن هذه الحقوق، فلا يطبخون طعاماً شهياً تفوح رائحته دون أن يطعموا منه من قرب من الجيران قليلاً أو كثيراً؛ لأنهم يعتبرون أنّ في انتشار تلك الرائحة إيذاء لهؤلاء الجيران حتى وإن لم يكونوا من أهل الخصاصة، وأما إن كانوا من الفقراء المعوزين فالإيذاء أكثر إذ لا يصلح للمسلم أن
يشبع وجاره جائع.
—
مقابلة الإساءة بالإحسان
قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حميم [فصلت: 34]، إن مقابلة الإساءة بالإحسان قمة في الأخلاق، وصدق في الإيمان، ومما يرد من
أمثلة
هذا السلوك في التراث الإباضي ما يرويه أبو سفيان عن قصة خروج آمنة زوجة جابر إلى الحج، فيما يلي تفاصيلها مع شيء من التحليل. خرجت آمنة زوجة جابر إلى الحج، ولم يخرج تلك السنة، فلما رجعت سألها عن كريها (الذي اكتراه ليساعدها) فذكرت سوء الصحبة، ولم تثن عليه بخير، فخرج إليه وأدخله داراً، واشترى لإبله علفاً وعولج له طعام واشترى له ثوبين كساه بهما، ودفع له ماكان مع آمنة من قربة وأداة
وغير ذلك، فقالت: أخبرتك الصحبة ففعلت ما أرى فقال: أفنكافيه بمثل فعله فنكون مثله، لا بل
بسوء
نكافيه بالإساءة إحساناً وبالسوء خيراً. إن شريعة الإسلام لم تحرّم على المسلمين القصاص وإرجاع الإساءة
1
الشماحي: السير، ج 1، ص 72.
879 (1/880)
صفحة 881
بمثلها، ولكن جعلت فوق ذلك درجة وهي العفو، أي التنازل عن الحق، قال تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14]. ولم يكتف الإمام بهذه الدرجة بل ارتقى إلى الدرجة الأسمى وهي
مقابلة الإساءة بالإحسان كما كان يفعل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مع كل من يسيئون إليه إذ يقول: "أحسن إلى
من أساء إليك".
الاتحاد:
الدعوة إلى الوحدة والاتحاد، ونبذ الشقاق، مطلب إسلامي جاءت به النصوص الكثيرة، ونصح به أئمة الإباضية أبتاعهم وتلاميذهم، قال الإمام جابر محذراً أتباعه فإن التنازع التشاجر هلاك لأمركما ". وقال أبو عبيدة: "اعلموا رحمكم الله أن أحب الأمور إلى الله وإلى المسلمين، وأعمها منفعة، وأجمعها كلمة عند المسلمين، وأصلحا لذات البين ما جمع الله به كلمة المسلمين، وألف بين قلوبهم، وأن أبغض الأمور عنده وعند المسلمين ما فرق الجماعة وصدع الشغب "2، وقال في موضع آخر: "واعلموا أن كل من رأيناه يدعو
311
إلى الفرقة والاختلاف ويعنت المسلمين فهو عندنا صغير المنزلة مقيت الجانب". ومن أجل تثبيت الاتحاد
والوحدة أفتى الإمام جابر بن زيد بكراهية إمامين في مسجد واحد لصلاة واحدة 4.
جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد، رسالة رقم 10.
أبو عبيدة وأبو مودود: رسالة أبي عبيدة وأبي مودود إلى أهل المغرب، ضمن كتاب الإمام أبي عبيدة، ص 581.
المرجع السابق، ص 3
583
جابر بن زياد: من جوابات الإمام جابر، ص 26.
880
1
2
3
4 (1/881)
صفحة 882
الخلاصة:
1. نشأ المذهب الإباضي على يد مؤسسه الإمام جابر بن زيد الذي ركز نشاطه على مجال التربية والتكوين
فأثمرت جهوده العلمية في إنشاء قاعدة واسعة من الأتباع الذين اقتنعوا بآرائه ومبادئه.
2. تنسب المدرسة الإباضية إلى عبد الله بن إباض التميمي، وإنما نسب الإباضية إلى عبد الله إباض ولم
ينسبوا إلى جابر بن زيد لأن عبد الله
بن إباض الواجهة العلنية للجماعة وكان يجادل عنهم، ويحاجج
الأمويين ويبين مواقف أصحابه من القضايا السياسية والفكرية المحتدمة سوقها آنذاك فعرف أصحابه
بأنهم أتباع ابن إباض أو الإباضية.
3 ستموا أنفسهم بالتسميات التالية؛ المسلمين جماعة المسلمين أهل الدعوة أهل الدعوة والاستقامة أهل الحق، ولم يرضوا لأنفسهم في البداية بالتسمية الإباضية ولم تظهر في مؤلفاتهم إلا في نهاية القرن
الثالث الهجري.
4 يورد المؤلفون في (الفرق الإسلامية (و (الملل والنحل) الإباضية باعتبارها فرقة من فرق الخوارج، فعل ذلك أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات (الإسلاميين). وعبد القاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق)، وابن حزم الظاهري في كتابه الفصل في الملل والنحل والشهرستاني في (الملل والنحل). ونسب هؤلاء وغيرهم ممن كتبوا في الفرق الإسلامية آراء إلى الإباضية وذهبوا إلى أنهم يتفقون فيها مع الخوارج ولكنهم لم يرجعوا إلى مراجع ومصادر الإباضية المعتمدة ولا إلى علمائهم الثقات فوقعوا في خطأ كلّف الحقيقة التاريخية الشيء الكثير وأصبحت هذه الكتب مرجعية لمن جاء بعدهم حتى
منهجي
عصرنا الحاضر فوقع الكثير من الباحثين فيما وقع فيه السابقون.
881 (1/882)
صفحة 883
5. إن الإباضية قديماً وحديثاً لم يقبلوا قط أن ينسبوا إلى الخوارج، وإنما رأوا أنفسهم مدرسة فكرية مستقلة
لها أصولها من الكتاب والسنة والإجماع القياس، ولها فكرها السياسي ومذهبها العقدي الفقهي الذي
لا تتفق مع فكر الخوارج.
6. إن المنهج العلمي المتقيد بقيمة العلم والإنصاف في البحث يقتضي الوقوف على أقوال علماء وفقهاء الإباضية في مصادرهم الاصلية، وكتبهم المرضية عندهم وكلام المعاصرين والسابقين من علمائهم، حيث أنها لا تزال مدرسة فكرية قائمة ومذهباً فقهياً مشوعاً، فالأخذ عنهم أولى من الأخذ عن غيرهم، إذ هم أدرى بموقف مدرستهم الفكرية على قاعدة أهل مكة أدرى بشعابها.
7. يرى العلامة أبو إسحاق اطفيش أن إطلاقة لفظة الخوارج على الإباضية من الدعايات الفاجرة التي
نشأت على التعصب السياسي أولاً ثم المذهبي ثانياً.
8. لقد عبّر الشيخ علي يحيى
معمر عن صدمته مما نسب من عجائب العقائد والآراء والأقوال إلى المذهب
الإباضي في كتب الفرق ومن أسماء لأشخاص لا علاقة لهم بالمذهب ولا مرجعيته.
9. يتفق أغلب المؤرخين الذين تطرّقوا إلى سيرة ابن إباض على انتمائه إلى قبيلة تميم وتنسب المصادر
10
11
الإباضية إلى عبد الله دوراً ثانوياً بالمقارنة مع جابر بن زيد الأذري الذي تعتبره إمام الإباضية ومؤسس
فقهم ومذهبهم، وتذكر أن ابن إباض كان يصدر في كل أفعاله وأقوال عن جابر بن زيد.
يرى المؤرخ محمد علي دبوز بأن الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة إلى عبد الله بن إباض، لأن الأخير كان من علمائهم والمناظر باسمهم، كما أن الأمويين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس فنسبوهم إلى عبد الله بن إباض وهو أقل منزلة من جابر في
العلم.
إن أول إشارة صريحة واضحة حول ظهور ابن إباض على المسرح السياسي كان مع اشتراكه مع
بعض المحكمة في الدفاع عن الكعبة مع ابن الزبير ضد الجيش الشامي زمن يزيد بن معاوية، وقد حاول
882 (1/883)
صفحة 884
زعماء الخوارج استدراج عبد الله بن إباض للخروج معهم، فامتنع وأخبرهم أنه لا يخرج على قوم يرتفع
الأذان من صوامعهم والقرآن من مساجدهم.
تصدى ابن إباض للمتطرفين من الخوارج وردّ على نافع ابن الأزراق والصفرية وأصبح المناظر
باسم أهل الدعوة ضد مناوئيهم من الخوارج وغيرهم من الفرق، كما فعل ذلك مع السلطة الأموية الحاكمة ممثلة بالخليفة عبد الملك بن مروان حيث احتفظت لنا المصادر برسائله أو ما تسميه المصادر
الإباضية نصائحه إلى عبد الملك بن مروان.
بعد اختفاء ابن إباض أقلع الإباضية عن المناقشة العلنية والجدل الكلامي مع مناوئيهم، ومخالفيهم ولجأوا إلى السرية المطلقة في تنظيم دعوتهم وكان الجابر بن زيد دور تنظيمي كبير في هذه المرحلة التي
تعرف في التاريخ الإباضي بطور الكتمان.
ولد الإمام جابر بن زيد الأزدي في عُمان ثم رجل إلى البصرة وأقام بها، وقد قضى الأمام جابر
أغلب حياته بالبصرة وبقي بها إلى أن توفي سنة 93 ه على القول الراجح.
أخذ جابر بن زيد يتزود في العلم والمعرفة وخاصة فيما يتعلق منها بعلوم القرآن والحديث وما
يتصل بهما وقد تتلمذ جابر على أيدي الكثير من الصحابة والتابعين وأخذ عنهم الحديث والتفسير
وعلوم اللغة والأدب، ومن أهم العلماء الذين أخذ جابر؛؛ عبد
عنهم
الله بن عباس، وعبد الله بن عمر،
الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وغيرهم إلا أنه كان أكثر ملازمة لعبد الله بن عباس من غيره
وعبد
وكان أنجب تلاميذه.
قال ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا على قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً في كتاب الله.
كان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذ سأله أهل البصرة عن مسألة يقول: كيف تسألوننا وفيكم
883
أبو الشعثاء.
12
13
14
15
16
17 (1/884)
صفحة 885
18
19
20
21
22
إن المصادر السنية والإباضية تسهب في الحديث عن زهد جابر وانصرافه إلى الدرس والتحصيل
حتى أصبح بعلمه مرجعاً لكل سائل في أمور الفتيا والفقه الإسلامي.
كان البون سحيقاً بين المدرسة الإباضية والخوارج الذين حكموا على أهل ملة التوحيد بأحكام
المشركين فاستباحوا منهم سفك الدماء وغنم الأموال الذراري. وقد كان استنكارهم لهذا الغلو
وسبي
منذ بداية بروزه وكان الجابر بن زيد وعلماء الإباضية دوراً كبيراً للتصدي لفكر الخوارج.
لا يختلف الإباضية أبداً في أن الذي أرسى قواعد المذهب الإباضي هو الإمام جابر بن زيد
وهو الذي حدد معالمه السياسية والدعوية والفقهية، وقد لقى بسبب ذلك ضروباً من المحن كالسجن في زمن عبيد الله بن زياد، ونسبة بن جابر إلى الإباضية أكدها الإمام يحيى بن معين.
إن من فكر المذهب الإباضي التاريخي منصب ضد أسلوب الحكم الأموي في تداول السلطة وممارسة الظلم والجور على الناس ويستثنون فترة عمر بن عبد العزيز، لذلك اضطروا إلى السر والكتمان والعمل المنظم الخفي خوفاً على دعوتهم، واعتبرتهم الدولة الأموية من الخوارج خوفاً على سلطاتهم
وحكمهم ونفوذهم.
تعرّض الإباضيون لإشاعات كاذبة، ودعايات مضللة، التي انطلقت من دوافع سياسية لم تكن
23
24
منصفة.
بدأ التنظيم السري للدعوة الإباضية في عهد جابر بن زيد (21) - 93 هـ (وهو الذي وضع
الأسس التنظيمية للدعوة، وقد قامت سياسة جابر على اللجوء إلى جميع الوسائل لضمان أمن وحركة
وسلامة أتباعه.
آخرون.
واجهت الحركة الإباضية الاضطهاد في تلك الفترة وقد قتل أصدقاء مقربون من جابر وسجن
884 (1/885)
صفحة 886
لم يشأ جابر الانسحاب من المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه مع بقية أتباع حركته ولذا فإنهم لم يعزلوا أنفسهم عن الناس ولم يدعوا للخروج والهجرة، وكان ينشر آراءه ويبث أفكاره بين الناس من خلال أحاديثه الدينية وفتاويه وأجوبته على المستفسرين عن بعض الأمور الدينية من داخل البصرة
وخارجها.
لم تقتصر دعوة جابر على من كان موجود في البصرة بل تعدتها إلى الأمصار الإسلامية الأخرى حيث كان يبعث بالدعاة لمختلف المناطق وكان عمله هذا إرهاصاً لما تم في عهد خلفه أبي عبيدة من
تدريب للدعاة الذين عرفوا باسم حملة العلم إلى الأمصار.
حدثت تطورات سياسية في عهد عبد الملك بن مروان وثار أزد عثمان ضد الأمويين واستطاع
25
26
27
28
الحجاج بن يوسف أن ينكل بالأزد، وأوقع فيهم الذل والهوان مما كان له أبعد الأثر في موقف أزد العراق حلفاء الإباضية الذين يتزعمهم جابر الأزدي واعتبروا الحجاج مسؤولاً عما حدث فسخطوا عليه وتمنوا زوال حكمه، وتنكر الحجاج لآل الملهب، زعماء أزد العراق وخراسان وطلق زوجته التي كانت أختاً ليزيد بن الملهب والي خراسان آنذاك وأخذ يكيد له ويحرّض عبد الملك بن مروان ضده ونجح في إقناعه بعزل يزيد من ولاية خراسان، والسماح له في معاقبته وتعذيبه، فزج الحجاج بيزيد وبعض أفراد أسرته في السجن وأساء إليهم مما زاد في إغضاب أزد العراق والبصرة.
كان لموقف الحجاج بن يوسف هذا أثره على الدعوة الإباضية التي يتزعمها الإمام جابر بن زيد الأزدي البصري فقد استغل جابر فرصة الكراهية بين الأزد والحجاج لإقناع كثير من الأزد بالانضمام
عاتكة بنت
إلى الحركة، وتبعه قسم كبير منهم وعلى رأسهم أفراد من آل الملهب رجالاً ونساءً، منهم الملهب أخت يزيد التي كانت من أشد الناس حماساً للمذهب ولم تبخل بمالها لمساعدة المحتاجين من
885
أهل دعوتها. (1/886)
صفحة 887
29
30
31
32
33
34
كان لهذه التطورات أثرها الكبير في موقف الحجاج من جابر وأتباعه وقد حبس جابراً مع بعض أصحابه البارزين، مثل ضمام بن السائب وأبي عبيد مسلم بن أبي كريمة التميمي وصحار العبدي
وغيرهم.
35
لم يلبث الحجاج أن أطلق سراح جابر ونفاه رجل من مشايخ الدعوة يدعى هبيرة إلى عُمان، وقد أفاد وجود جابر مع بعض رفاقه هناك الدعوة الإباضية وساعد على سرعة انتشارها في ذلك القطر، وكانت جهوده مقدمة لنشاط حملة العلم بهم فيما بعد خليفته أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وقد عاد جابر إلى البصرة ومات فيها.
بعد وفاة جابر بن زيد تولى قيادة الدعوة الإباضية أبو عبيدة مسلم بن ابي كريمة مولى بن تميم السماك وضمام بن السائب العبدي
فقد أخذ العلم عن جابر بن زيد وصحارى العبدي، وجعفر بن
العماني، وهم أشهر علماء الإباضية في مرحلة الكتمان.
كان أبو عبيدة عالماً فذاً من علماء الإباضية الأوائل كرّس حياته للتعلم والتعليم والتنظيم
والقيادة والإدارة، وطوّر التنظيم الإباضي.
تواصل علماء الإباضية بالخليفة عمر بن عبد العزيز وكانت علاقتهم به ودية، وحدث بينهم
حوار، ومناقشة ورجع الوفد راضياً عن سياسته وسلوكه واستفاد أبو عبيدة من عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك الموالي للمهالبة الأزديين ومن عدل عمر بن عبد العزيز لتطوير الحركة من أجل الوصول إلى هدفهم وهو تأسيس إمامة الظهور وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباع الدعوة. تطوّرت حركة الإباضية في العمل السري، وتشكل مجلس الشيوخ أو قادة الحركة ومجالس العامة ومجالس طلبة العلم، ونقلت فكرة المجالس بواسطة طلاب العلم من البصرة إلى شمال إفريقيا.
إن الحركة الإباضية بقيادة أبي عبيدة مسلم كانت حركة دينية فكرية وإن نشاطاتها بالبصرة كانت ثقافية بالدرجة الأولى، وكان نهج أبي عبيدة أن يثقف الأعضاء وأن يعلمهم العقيدة الإباضية وتوسعهم
886 (1/887)
صفحة 888
في أقاليم العالم الإسلامي بدعوته في اليمن وشمال افريقيا وعمان وكان مقر القيادة بالبصرة بيد حكومة ثورية سرية وكان أبو عبيدة هو زعيمها وكانت تلك الحكومة توفر مطالب الدعاة في الأقاليم.
نجحت الدعوة الإباضية في عهد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في تحقيق أهدافها بسبب القيادة الحكيمة والمقدرة الفكرية التي تمتع بها الدعاة واستيعابهم لفقه الواقع وقدرتهم على التعامل معه.
في أواخر العقد الثالث من القرن الثاني الهجري استغل مشايخ الإباضية المشاكل التي واجهت الدولة الأموية وأوعزوا إلى أتباعهم لإعلان الإمامة في بعض المناطق، كحضر موت واليمن وعمان. يتعلم علماء الإباضية عبارة مسالك الدين وهي تعني حرفياً طرق الدين للتعبير عن مراحل مجتمعهم الذي يجب أن تنفذ قوانين الشريعة ولذلك يذكرون المراحل الأربعة؛ الظهور، الدفاع، السراء، الكتمان.
يرى الشيخ علي يحيى معمر ان الدعاية التي سلطها المغرضون على الإباضية والإشاعات التي يطلقونها زاعمة أن الإباضية يكرهون الصحابة لا حقيقة لها، وقد ذكر مجموعة من علماء الإباضية في الثناء على الصحابة.
كان رأي عبد الله بن إباض قاسياً على عثمان رضي الله عنه، واعتمد على آراء المعارضة التي
كانت ضده، وقد بينت بأدلة وبراهين اباطيل وشبهات الذين أشاروا عليه.
جاءت أحاديث صحيحة وثابتة في فضائل عثمان رضي الله عنه، وجمعت كل الشبهات التي
وردت في حق عثمان سواء من ذكرها ابن إباض أو غيره.
بحثت في أحداث معركة الجمل وصفين وآراء المؤرخين والعلماء فيها ودور السبيئة في نشوب الحرب.
تحدثت عن كتب شوهت تاريخ الصحابة، كالإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة، ومروج
الذهب للمسعودي ودور الاستشراف في التاريخ الإسلامي.
887
36
37
38
39
40
41
42
43 (1/888)
صفحة 889
يرى الدكتور عمرو النامي؛ بأن الإباضية: لم يوافقوا على قبول على بالتحكيم معتبرين أن الذين رفضوا التحكيم هم المسلمون الحقيقيون وأن زعيمهم عبد الله بن وهب الراسبي هو الخليفة الشرعي الخامس، وهاجموا علياً بن أي طالب لأنه فتك بأهل النهروان وحجتهم أنه لم يكن يحق له على الإطلاق
بأن يقاتلهم.
هناك رؤية تاريخية مغايرة للإباضية ترى أن الحق مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مدعومة
بالأدلة والحجج العلمية والتاريخية.
استخدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أسلوب الحوار مع الذين خرجوا عليه وأرسل لهم الفقيه
ابن عباس لمجادلتهم وإقناعهم وإقامة الحجة عليهم.
تمكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بغزير علمه وسعة فقهه أن يضع قواعد وأحكاماً وهي ضوابط شرعية في قتال أهل البغي، ثم سار العلماء والفقهاء على سيرته في البغاة واستنبطوا من هديه الراشدي الأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن حتى قال جلة أهل العلم قولاً في حرب علي لن خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة.
من أهم صفات الخوارج؛ الغلو في الدين والجهل به وشق عصا الطاعة، والشدة على المسلمين. من الآراء الاعتقادية للخوارج تكفير صاحب الكبيرة، طعنهم في بعض الصحابة، والشدة على
المسلمين.
إن الإباضية بعيدة كل البعد عن الخوارج ووقفوا ضد آراء نافع بن الأزرق ونجدة والضارة وقال
الإمام أبو إسحاق اطفيش وهو أحد الأعلام المشهورة والمعتبرة في المذهب الإباضي، الخوارج طائفة من الناس في زمن التابعين؛ رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار ومن شايعهم،
وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأئمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك، فاستحلوا ما حرم الله من الدماء والأموال بالمعصية متأولين قوله تعالى: (وإن وأطعتموهم إنكم لمشركون)، فزعموا أن
888
44
45
46
47
48
49
50 (1/889)
صفحة 890
51
معنى الآية: وإن أطعمتموهم في استحلال الميتة والاستحلال لما حرم الله شرك، وحين أخطأوا في التأويل
لم يقتصروا على مجرد القول بل تجاوزوه إلى الفعل ثم حكموا على مرتكب المعصية بالشرك واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بالمعصية، فاستعرضوا النساء والأطفال والشيوخ، وقد تصدى علماء وفقهاء الإباضية قديماً وحديثاً لمعتقدات الخوارج، مثل العلامة أحمد الخليلي، وأبو النبهان وسالم بن ذكوان الهلالي ونور الدين السالمي الذي قال أبيات من الشعر في هذا المعنى:
ومال أهل البغى لا يحل
خوارج ضلت وصارت مارقة فحكموا بحكم المشركينا
وإن يكن قوم له استحلوا من دينها صفرية أزارقة جهلاً على بغاة المسلمينا
فعرضوا للناس بالسيف كما
قد استحلوا المال
مغنما
وأمة المختار فارقتهم
منهم وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم مع المختار
جملة أخبار مع
الآثار.
إن الإباضية الذين كتب عنهم أبو الحسن الأشعري لا وجود لهم في الواقع، وإن الإباضية
الموجودين في الواقع والذين كانوا يعيشون كما أبو الحسن أي إن أبا الحسن لم يكتب عن الإباضيين
الحقيقيين.
52
منه
منذ ألف أبو الحسن الأشعري كتابه (مقالات الإسلاميين) أصبح مصدراً يستسقي ومرجعاً يعود إليه المؤلفون فينقلون ما فيه من خطأ، وصواب وحق وباطل تارة بالنص وتارة بالمعنى،
يشيرون إليه، وأحياناً يغفلون عن الإشارة.
53. بعد أبو الحسن الأشعري بنحو قرن تقريباً جاء مؤلف آخر اهتم بالحديث عن الفرق والمقالات
الإسلامية هذا المؤلف هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي صاحب كتاب (الفرق بين الفرق)
(وقد كتب البغدادي عن الإباضية فيمن كتب في الفرق، ومن المؤسف أن هذا المؤلف لم يهتم
مطلقاً
بأن يتصل بأئمة الإباضية ولا علمائهم ولا بأن يطلع على عقائدهم ومقالاتهم في كتبهم وإنما رجع إلى
889 (1/890)
صفحة 891
ما كتبه وقال عنهم غيرهم، وقد اعتمد على أبو الحسن الأشعري كثيراً فنقل عنهم ما قال عنهم تارة
بنفس العبارة وتارة بتصرف قليل، فد اعتمد البغدادي كل الاعتماد على الأشعري.
54. إن البغدادي كان يعيش في القرنيين الرابع والخامس، وفي هذا العصر كان الإباضية قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلامية من خراسان إلى الأندلس، واشتهرت لهم مؤلفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامية لا سيما علم الكلام ودونت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن أكثر المذاهب الإسلامية قد تميز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها وآرائها ومقالاتها وأئمتها وعلمائه مع ذلك فإن أولئك الذين ذكرهم البغدادي هم أولئك الذين ذكرهم الأشعري من قبله حاشرين إياهم في الإباضية، والإباضية لا
شيئاً ولم يذكروهم في كتبهم ولا في طبقات علمائهم.
لا
يعرفون عنهم 55. وقد زعم البغدادي كما زعم غيره من أن الإباضية من الخوارج وأن هذه الفرقة من الفرق التي يجوز للسني حسب زعمه أن يتزوج منها ولا أن يأكل من ذبائحها وقد ورد هذا الكلام في مقدمة الكتاب، وفي الفصول الختامية منه، ونسب بعضهم هذه الأحكام إلى أئمة عظام وأحسب أنه لا دعوة أشد من إيقاظ نار الفتنة وشق صفوف الأمة، وتفريقاً لوحدة الكلمة، وتمزيقاً لشمل المسلمين، من هذه الدعوة على كل حال فقد طوى التاريخ البغدادي فيما يطوي كثيراً من تلك الفرق التي كانت تملأ فراغاً ضخماً في حياة المسلمين، وبقي كتابه يحمل آراء شاذة في الإباضية بعيدة عن الحقيقة العلمية
للمذهب الإباضي.
56. قد تحدث ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل عن الإباضية، ولكنه لم يوفق فيما كتب عن الإباضية وكلامه فيهم يهدم بعضه بعضاً، ولا يعول على ابن حزم في حديثه عن الإباضية فهو إما أن يكون مكذوب عليهم وهذا ما يقوله الإباضية، وإما أنه كلام فرقة ضاله نسبت نفسها إلى الإباضية وليست منهم، وأياً ما كان الأمر فإننا إذا أردنا أن نعرف آراء الإباضية وهم يعيشون بيننا ويكتبون
890 (1/891)
صفحة 892
57
ويخطبون ويؤلفون، فإن من واجبنا أن نرجع إلى ما يكتبونه بأنفسهم لنتعرف إلى حقيقة آرائهم وهذا ما
قمت به في هذه الدراسة المتقيدة بقيمة العلم والإنصاف.
تعد الإباضية من المدارس الإسلامية المعتدلة والمتسامحة مع مخالفيهم، ويغضبون ممن يعتبرهم فرقة من
فرق الخوارج، وسبب إلصاق تهمة الخوارج بالإباضية هي سياسة الدولة الأموية في التشنيع على الإباضية الرافضة للتوريث والاستبداد، وحكم الجور حتى ينفروا الناس من أصحاب المذهب الإباضي الذين
وجدوا منهم الصلابة في مواقفهم ضد الدولة الأموية.
58. إن بعض كتاب المقالات والفرق الإسلامية كانوا في حكمهم على الإباضية قساة غير موضوعيين لم يرجعوا إلى كتب القوم ولا إلى اجتهادات علماء المذهب.
59 مصادر التشريع على الإباضية هي القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، ويدخل تحت
الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسل وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال
كلمة "الرأي".
60. يقول الشيخ محمود السيابي: "إن مذهبهم مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذهب ابن
عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر بن
الخطاب، وعبد
الله
بن
عمرو بن العاص، ومذهب الخلفاء الراشدين، فإن كان لهؤلاء مذهب خاص فهو مذهبنا وإلا فمذهبنا القرآن والسنة وحلالهما حلالنا وحرامهم حرامنا، لا ينبغي بهما بديلاً ولا ننهج عنهما سبيلاً، ولا نقلد في غيرهما إذا لزم التقليد".
61 دافع مجموعة من العلماء المعاصرين عن الإباضية، وبينوا بعدهم عن الخوارج، منهم الدكتور سليم العوّا في مصر، والدكتور التوالي التوالي بالجزائر، والدكتور محمد عبد الرحيم الزيني، والأستاذ ناصر بن سعيد بن سليمان السابعي، والدكتور عمّار الطالبي وعبد العزيز المجذوت التونسي، والدكتور عوض محمد خليفات، والأستاذ مهدي طالب هاشم والأستاذ عز الدين التنوخي وغيرهم.
891 (1/892)
صفحة 893
62. إذا أردنا الإنصاف والموضوعية والالتزام بالنهج العلمي للوصول إلى الحقيقة، علينا أن نرجع لكتب ومصادر ومراجع الإباضية، وهذه أولى خطوات المنهج العلمي السديد ونقرأها بإمعان وتدبر ولا نحكم
عليهم من خلال رؤية كتاب أبو الحسن الأشعري مقالات الإسلاميين، ولا ابن حزم في الفصل بين
الملل والنحل، وقد درسنا في الجامعة أن الإباضية خوارج، وهذا ليس من باب الإنصاف لأن أساتذتنا كانوا يعولون على كتب المقالات التي أشرنا إليها.
63. إن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة سأل الله أن
يرحم
عم
بن عبد العزيز، مما
يعني
أن
عمر كان
يستحق الولاية، ويروى أيضاً أن أبا عبيدة أرسل وفداً إلى عمر يدعوه لقبول العقيدة الإباضية ويعد
نقاش طويل، وافقهم عمر منها أيدينا ولنطهر منها ألستنا ورفضوا القبول برأيه وقال رئيس الوفد الإباضي أبو الحر علي بن الحصين لعمر: أعلم أنا لا نتولاك، ولدى سماع هذا النقاش قال أبو عبيدة إن كنت لأتمنى لو أنهم قبلوا رأي
على أكثر آرائهم غير أنه رفض الطعن في عثمان، وقال تلك دماء طهر الله
عمر
64. لم يكن معاوية مشاركاً في قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، بل كان هو مستهدفاً من قبل الخوارج الذين تأمروا على قتل معاوية وعلي وعمرو بن العاص رضي الله عنهم.
65. إن السياق الطبيعي لمجريات الأحداث تبين ان معاوية جاء إلى السطلة من خلال صلح عام قاد الخليف الخامس الحسن بن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه.
66. لقد اختير الحسن بن علي بعد والده اختياراً شورياً وأصبح الخليف الشرعي على الحجاز واليمن والعرق وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده وقد استمر في خلافته ستة أشهر وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة الراشدة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدتها ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً. 67. أهم دوافع الصلح بالنسبة للحسن بن علي مع معاوية الرغبة فيما عند الله، دعوة الرسول الكريم: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين حقن الدماء، والحرص على وحدة
892 (1/893)
صفحة 894
68
الأمة، ومقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، شخصية معاوية، اضطراب جيش العراق وأهله، وقوة
جيش معاوية، واشترط الحسن بن علي مجموعة من الشروط من أهمها العمل بالكتاب والسنة وسيرة
الخلفاء الراشدين والعفو العام ... إلخ.
انتهى عهد الخلافة الراشدة بتنازل الحسن بن علي لمعاوية رضي الله عنهما.
69 لا يعرف بنقل صحيح عن معاوية بأنه تعرض لعلي بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته فهل من العقل أن بسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد من أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
70. لقد توسع العلّامة أحمد الخليلي مفتي عام عُمان في نقده اللاذع للدولة الأموية في كتابه الاستبداد مظاهره ومواجهته، ولم يشر إلى أي إيجابيات للدولة الأموية، وإنما ركز على السلبيات، واستثنى عهد عمر بن عبد العزيز الأموي الذي أشاد به إشادة كبيرة، ولقد ألفت كتاباً عن الدولة الأموية "عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار" رجعت فيه إلى مصادر ومراجع وصلت إلى نحو مئتان وسبعة وعشرون، واستغرق وقتاً طويلاً في التأليف وحاولت الوصول إلى الحقيقة بموازين العلم والإنصاف، وابتعدت عن التعامل أو الدفاع عن الأخطاء، فمن أراد معرفة الدولة الأموية ما لها وما عليها فليرجع إليه، وسيجد مبتغاه بإذن الله تعالى.
71 ذكر الدكتور عمرو النامي بأن المصادر الإباضية تقدم لنا الآراء الفقهية والدينية لعلي بن أبي طالب
وعثمان بن عفان رضي
الله عنهما، وسواهما حتى معاوية الذي يعارضه الإباضية بقوة كان أحد
الأشخاص الذي روي عنهم جابر بن زيد أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم.
72. يعتمد الإباضيون في أصول التلقي على القرآن والسنة والرأي والإجماع والقياس والاستدلال ويدخل
تحت الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وقد يطلقون على الاجماع والقياس
والاستدلال كلمة "الرأي".
893 (1/894)
صفحة 895
73. قال الدكتور محمد وهبة الزحيلي: كان جابر بن زيد من العلماء التابعين العاملين بالقرآن والسنة، وتتلمذ على ابن عباس رضي الله عنهما، واصول الفقه الإباضي كأصول المذاهب الأخرى المعتمدة على القرآن والسنة والاجماع والقياس والاستدلال بجميع طرقه وهم يتبرؤون من تسميتهم بالخوارج وكانوا يعرفون بأهل الدعوة والاستقامة وجماعة المسلمين.
أما الشيخ العلامة الطاهر بن عاشور يقول عن المذهب الإباضي: استمر بقاؤه إلى اليوم معمولاً به كأنصع مظهر للإسلام مستمداً خلوده من متانة أصوله ومرونة فروعه.
وقال الدكتور أحمد الريسوني عن الإباضية وجدت في أصوله في التشريع هى الكتاب والسنة والاجماع والقياس وعلى هذا أنا أعتبرهم أقرب إلى السنة من الظاهرية على سبيل المثال الذين لا يقولون بإجماع أو قياس ... ويبقى أصولهم الاجتهادية والتشريعية هي الكتاب والسنة والاجماع والقياس
ومن خلال أقول الدكتور وهبة الزحيلي والطاهر بن عاشور وأحمد الريسوني وغيرهم يتضح أن الإباضية مدرسة من مدارس الإسلام السني في أصول الفقه ومصادر التشريع وأقد أرست قواعدها وأصولها المتينة من خلال أئمتها جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب.
74. يرى الإباضيون أن المصدر الأول للشريعة الإسلامية في عقائدها وعبادتها ومعاملاتها وأخلاقها وتنظيمها هو الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن من أنكر منه حكماً
75
أو حرفاً أو آية أو سورة فهو مشرك مرتد.
يعتبر الإباضية السنة النبوية الشريفة من مصادر التشريع وهي تأتي في ترتيبها الثاني بعد الكتاب
العزيز، ويعتبرون من جحدها أو استخف بها ضال مضل، وقد تواترت نصوص علماء الإباضية قديماً وحديثاً على تأكيد اعتماد السنة في التشريع وجعلها أصلاً ثانياً بعد الكتاب العزيز وأن حجية السنة النبوية أصلها من القرآن وقد توالت آيات الكتاب مؤكدة وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، ومعلقة
894 (1/895)
صفحة 896
76
صحبة الإيمان والنجاة في الدار الآخرة على طاعته فيما أمر به أو نهي عنه وعلى حسن التأسي بفعله.
وإن اتهام الإباضية بنكران السنة كلام بعيد عن العلم والإنصاف وإيماناً بأثر الهوى أو الجهل أو التعصب، فالمدرسة الإباضية من أحرص المدارس على اتباع السنة والالتزام بها حسب ورودها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملاً وتركاً وفكراً أو تطبيقاً، وساروا على هدي الصحابة في وزن ما يلقى إليهم من الروايات بموازين العدل لسير أحولها من ثبوتها وعدمه.
يعد الفقه الإباضي أحد أقدم المذاهب الباقية بين الفقه الإسلامي ويعود قيامه إلى التابعي جابر بن
زيد الأزدي وزميله المعاصر له وتلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
77. إن مذهب الإباضية الفقهي يتقارب مع المذهب المالكي، ومرد ذلك إلى تقارب الأصول التي اعتمد عليها المذهبان فباستثناء عمل أهل المدينة الذي لم يعتمده غير المالكية، تكاد تكون أصول المذهبين واحدة، والمسائل الخلافية مع المالكية لم يخرج فيها الإباضية عن المذاهب السنية الأربعة إلا مسائل
معدودة.
78. يقول الشيخ السالمي في كتابه طلعة الشمس: اعلم أن قدماء الفقه من أصحابنا بنوا الفقه على
خمس قواعد:
- الأولى: إن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله.
الثانية: إن الأمور بمقاصدها.
الثالثة: إن الضرر يزال.
الرابعة: إن المشقة تجلب التيسير.
الخامسة: إن العادة محكمة: أي محكمها الشرع.
79 ترى الإباضية بفتح باب الاجتهاد على مرّ العصور وهو مطلب شرعي وأن الضرورة بالغة في حياة
الأمة على وجود العلماء المجتهدين، وقد ذكر العلامة الخليلي في كتابه بيان أثر الاجتهاد والتجديد في
895 (1/896)
صفحة 897
تنمية المجتمعات الإسلامية ما اشترطه العلماء في شروط المجتهد وذكر منها: العلم بالقرآن والسنة
النبوية، ومواقع الاجماع، ومعرفة العربية لغة وبلاغة وتصريفاً، وإعراباً ومعرفة أصول الفقه، ومقاصد
الشريعة، والسيرة النبوية وسيرة الصحابة وأحوالهم، والأمانة والتقوى.
80 يرى العلامة الخليلي أن باب الاجتهاد لم يغلق بحال، فإن الرجوع إلى الكتاب والسنة، واستلهام الأحكام منهما أمر لا مناص منه في كل عصر حتى تستقيم حياة الناس. والتجديد في الجانب الفقهي والدعوي ضرورة لا بد أن تلبي في هذه الحياة وإلا سارت القافلة وتخلف المسلمون ن اللحاق بها. يرى الخليلى أهمية توعية الناس لتقبل الآراء الجديدة المبينة على الأصول الشرعية وعدم الجمود على
81
ما يقدم من آراء سابقة ربما كانت صالحة لعصور خاصة، وذلك في المتغيرات دون الثوابت.
ويرى: إعداد جيل من الفقهاء الربانيين الجامعين بين دراسة مصادر الشريعة واستلهام
مقاصدها وبين دراسة العصر وظروفه، ومتطلباته.
ويرى أهمية توفير فرص الاجتهاد الجماعي لأجل تفادي الخطأ باجتماع الفقهاء وتدارسهم
الموضوعات المطروحة.
82 الإمامة عند الإباضية لا تخضع لنظام وراثي ولا ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وإنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية والكفاءة العلمية والكفاءة العقلية،
ولا يشترط في الإمامة نسب بعينه فجميع الناس متساوية فيه أقدامهم عندما تتوفر فيهم الشروط المطلوبة، فليس العربي أولى به من الأعجمي، ولا القرشي أولى به من غيره.
83. إن الإباضية يتمسكون بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها الإسلام، يربون أتباعهم عليها،
من خلال محاضن تربوية عريقة، من أهمها ما يعرف بنظام العزابة.
84
اهتمت التربية الإباضية ومناهجها السلوكية بالعلم والعمل، وإخلاص النية لله، والورع والتوكل على
الله، وغرس المعاني الإيمانية في الإنسان ومحاربة الجهل، وتطهير النفس من التكبر والحسد والتمسك
896 (1/897)
صفحة 898
85
بتعاليم الإسلام، وأخلاقه الحميدة والتذكر بيوم الحساب وخطورة الذنوب والمعاصى على حياة الإنسان
في الدنيا والآخرة، وتوضيح مفهوم العبادة وأهمية المحافظة على الصلاة والزكاة والصيام والقيام بالحج والتخلق بالرحمة والعدل والتسامح والصدق والأمانة والعفاف والاعتدال والعناية بالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
تصدى علماء الإباضية لمحاربة المحرمات من خمور وزنا وحشيش وحاربوا التدخين والظواهر السلبية
في المجتمعات الإسلامية.
86 تفرغ علماء الإباضية لبناء المجتمع وفق تعاليم الإسلامي فأنشأوا نظام حلقة العزابة الذي اشتهر في المغرب الإسلامي وتولّى دور الأهل والمجتمع في العملية التربوية وقد ظهر هذا النظام بعد انهيار الدولة
الرسمية.
87 تطورت مهام العزابة مع تطور العصر ومتطلباته واصحبت مهامها تشمل مختلف مناحي الحياة، وهذه المهام، دينية واجتماعية واقتصادية وتربوية واشتهرت مجالس العزابة في المناطق الإباضية وأوجدت نظاماً تعليماً خاصاً بمدارسهم يتسم بالصرامة والتنظيم ويتجلى هذا التنظيم في الهيئات التالية:
الهيئة الإدارية والتعليمية وتتألف من الشيخ والعرفاء.
حرصت مدارس العزابة على بدء اليوم الدراسي بالاستفتاح وتلاوة القران الكريم وختام
كل فترة دراسية بالدعاء وتعويد الطلبة على الدعاء بذكرهم باستمرار أنهم عباد الله تعالى، ومن هنا كان القصد الأسمى للدعاء الذي هو مخ العبادة، ولم يكتف العرفاء في مدارس العزابة بإعطاء المعلومات فقط مع التسليم بأهمية المعلومات وقيمتها بل ركزوا على السلوك
الذي يجب أن يكتسبه الطفل.
897 (1/898)
صفحة 899
88 ذكر الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي في كتابه الفكر العقدي عند الإباضية بأن الإيمان اصطلاحاً:
اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، وقال: وإن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان واستدل
بآيات وأحاديث وأقوال العلماء من علماء المذهب الإباضي.
89. يرى بعض علماء الإباضية أن الإيمان يزيد وينقص، يقول عبد العزيز المصحبي الإباضي: الإيمان عندنا إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بزيادة الطاعة وينقص بنقصها، وهناك فريق آخر من علماء الإباضية يرون أن الإيمان يزيد ولكنه لا ينقص، لأنه لو نقص شيء منه في راي هذا الفريق بطل كله.
90. إن مذهب الإباضية في الصحابة رضي الله عنهم أنهم أهل السابقة والفضل وأنه لا يدانيهم أحد في فضلهم ومنازلهم وأنهم المصطفون لنصرة الدين وحمل الرسالة وأن التأدب معهم واحترامهم أصل من الأصول وأن الترضي عنهم والترحم عليهم هو مقتضى معرفة أقدارهم وأحوالهم، وشهادة الله تعالى لهم، وأن الأمة مدينة للخلفاء الأربعة وعلى الخصوص أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكذلك عثمان وعلي وأن ما جرى بين الصحابة تؤخذ منه العبرة والعزمة ولا يجوز أن يتخذ ذريعة للسب والشتم وانتهاك الذمم والأعراض، وأن الكف عن ذلك ما جرى هو الأولى مع جواز تخطئة المخطئ من غير خوض في ذمة أو دين، وأما علي رضي الله عنه عندهم فلا تحتاج سابقته في الإسلام إلى شهادة ولا منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دعاية، فهو أحد وأول فوارس الإسلام ويلا ينكر فضله إلا جاهل أو دخيل. 91. إن الإباضية لا يخرجون العصاة من الملة، ولا يحكمون عليهم بالشرك ولكن يوجبون البراءة منهم، وبغضهم وإعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم ومرتكب الكبيرة عند الإباضية له حالان: حال في الدنيا وحال في الأخرة، أما حال الدنيا فهو ليس مشركاً ولا كافراً ولا حتى مؤمناً،
898
محمد نعيم القانون في عقائد الفرق، ص 370.
1 (1/899)
صفحة 900
وإنما هو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين حياً وميتاً، وعلى هذا فإن دمه وماله وعرضه على العصمة الأصيلة، أما حاله في الآخرة - والمقصود بها أنه إن مات مرتكب الكبيرة في معصيته من غير توبة فهو
عندهم من أهل النار مخلداً فيها. وأهل السنة يرون أن مرتكب الكبيرة والذي مات عليها تحت مشيئة
الله إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وقد حمل من قال بعدم تخليد أهل الكبائر من الموحدين في الناس كل ما جاء في القرآن عما هو صريح في تخليد العصاة على من استحل منهم ذلك جاهد
للمقطوع به من الحرمات منكراً له، ودليلهم على هذا التأويل أمران:
الأصل الأول المقطوع به: هو أنه له سبحانه مطلق المشيئة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ
مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 284].
شاء
الأصل الثاني: جاء في القرآن والسنة مصرحاً بغفران الذنوب ما دون الشرك وذلك لمن من عبادة سبحانه، وإخراج عصاة الموحدين من النار بعد تعذيبهم فرأي أهل هذا القول إن ذلك متناسق مع الأصلين المذكورين ولا تعارض بين تلك النصوص وبينهما البتة، يجعلوا إخراج الموحدين من النار على وقف الأخبار الموحدين من النار على وقف الأخبار المروية موافقاً بالمطلق مشيئته، وعدله إذ أن الرحمة لا تناقض أو تعارض العدل. 92. إن مسألة تخليد أهل الكبائر في النار لها تعلق بمسألة الوعد والوعيد وأن الخلاق فيها راجع إلى التوصيف بين النصوص وبين الأصول وبين الأصول المقطوع بها شأنه شأن أي خلاف فرعي بين أهل الإسلام سواء كان في اعتقاد أو كان في تشريع، وقد ذكرنا النصوص القرآنية والنبوية في جهد كل فريق للاستدلال بها على مذهبه مما جاء في القرآن والسنة في تخليد أصحاب المعاصى "الكبائر" في النار،
والنصوص التي تدل على إخراج الله تعالى لعصاة المؤمنين.
899
المرجع السابق، ص 434.
1 (1/900)
صفحة 901
وقد كان حجة القائلين بعدم خلود المؤمنين في النار هي حمل كل ما جاء في النص على الخلود على استحلال المعاصي، بمعنى الجحود بحرمتها، وهذا يقتضي التكذيب بما قطع بتحريمه وهو كفر والعياذ بالله، وحمل ما جاء من الأحاديث في خروج أهل المعاصي المؤمنين إلى أنهم فعلوا ما فعلوه غير مستحلين ولا مكذبين، والذي دفعهم إلى هذا قوة الدلالة في الأحاديث المقيدة لعدم الخلود قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، وقد بينا وجه الحجة فيه.
وأما الذين قالوا بخلود أهل الكبائر إذا ماتوا من غير توبة فكان حجتهم النصوص القرآنية الظاهرة الدلالة على الأخص آية قتل العمد وآية، الفرقان وكذلك النصوص النبوية المصرحة بالتخليد فكان عندهم أن الأصل الذي نص عليه القرآن وأيدته السنة هو تخليد أصحاب الكبائر فلا يقوى معارضته ما جاء مخالف له في معناه إذا كانت مرتبته في الثبوت أقل منه وكأنهم يقولون قرآن وخبر عارضهما خبر، فقدم الأولان على الآخر لأن الخبر لا يقوى على معارضة القرآن الكريم وحده فكيف إذا كان معه خبر يؤيده.
93 كفر النعمة عند الإباضية: هو الاجتراء على الله بترك ما فرض كالصلاة والصوم والزكاة أو ارتكاب ما حرم الله كالزنا والسرقة وشرب الخمر من غير استحلال الفعل أو الترك، بمعنى ترك ما أوجبه الله تعالى مع الدينوية بوجوبه، أو ارتكاب ما حرمه الله تعال مع الدينوية بتحريمه، إذن فكل من ارتكب كبيرة من الآثام يصبح كافراً كفر نعمة إلى أن يتوب.
94 إن الإباضية يقسمون الكفر إلى قسمين: كفر الشرك وكفر النعمة، وقد كان هذا التقسيم مصدر إشكال للفرق الأخرى لأن كلمة الكفر تطلق في أغلب نصوصهم بدون إضافة الشرك أو النعم ولهذا كثير مما تتهم به الفرق الإباضية بأنهم يكفرون غيرهم دون الوقوف على هذا التعبير الاصطلاحي
ويستدلون بصحة هذا لتحرير الاصطلاحي كفر النعمة - من القرآن الكريم والسنة الشريفة بما يأتي:
900
المرجع نفسه، ص 439.
1 (1/901)
صفحة 902
قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
[آل عمران: 97]
السنة، ومن
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". وغير ذلك من الآيات والأحاديث ومن هنا عمم الإباضية مصطلح "كفر النعمة" على كل من ارتكب كبيرة من الكبائر.
وهذا النوع من الكفر كفر النعمة - أو كفر نفاق لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام، إذ تبقى له جميع أحكام الإسلام في الدنيا ما عدا الولاية وتجريح العدالة فتجوز، مصالحته وتبقى موارثته، ويدفن مع
المسلمين ويصلى عليه ومن معه.
95 تكاثرت النصوص التي تثبت إيمان الإباضية بإنفاذ الوعيد حتى على عصاة الموحدين فهم لم يفصلوا بين الوعد والوعيد، فكما أنه لا يجوز الخلف في الوعد، كذلك لا يجوز الخلف في الوعيد، وبهذا يرون أن مرتكب الكبيرة يقع عليه الوعيد بالعذاب إذا خرج من الدنيا بدون توبة.
96 إلا أن هذا الحكم على مرتكب الكبيرة - لا يسلطونه على التعيين أي على شخص بعينه فمهما رأوا شخصاً ركب من الكبائر ما ركب ومات على تلك الحالة السيئة بدون توبة فلا يحكمون عليه بأن فلان هذا في النار، لأن ذلك من علم الغيب فلعله تاب قبل الموت ولم تظهر توبته للآخرين. الصحابة والتابعون لهم بإحسان منهجاً وسطاً في شأن مرتكب الكبيرة، فلم يكفروه ولم يقولوا بأنه
97
كامل الإيمان، بل إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن عاص وهذا الحكم عليه إنما هو في الدنيا وإما في الآخرة فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذابه، وإن شاء غفر له، وبهذا الحكم عليه أجمعوا بين النصوص الشرعية التي تصف أهل الإيمان والنصوص التي لم خرج الفاسق من دائرة الإسلام.
901 (1/902)
صفحة 903
98
إن فساق الملة ليسوا مخلدين في وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات، وسيئات، يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان واتفقوا أيضاً على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن أذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته. هناك أمور متعددة تمنع إنفاذ الوعيد وقد دل الاستقراء الكلي لنصوص الوحيين على أنها ثمانية وهي: التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية دعاء المؤمنين، إهداء القربات، الشفاعة، والمصائب المكفرة، والعفو الإلهي.
99
تُعد قضية الولاية للمطيعين، والبراءة من العاصين أصل من أصول الدين عند الإباضية ومبحث
من مباحث العقيدة وقد التفت أئمة الإباضية ومشايخها منذ البداية على أهمية هذا الاعتقاد وكان من
أهم العوامل التي ساعدت في الحفاظ على وحدة الجماعة الإباضية وتماسكها
عبر
العصور.
100. إن المصادر الإباضية ظلت حريصة كل الحرص على نفي كل ما من شأنه أن يفهم التجسيم والتشبيه للخالق عز وجل ووردت على أن المشبهة بشدة وظلوا بذلك أوفياء بالآية التي جعلوها محور الحديث عن الذات والصفات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ومع شدة حرص الإباضية على التنزيه الله عز وجل وتأويل كل ما يؤهم التشبيه أو التجسيم إلا أنهم لم يحكموا بشرك من خالفهم في التأويل. 101. بدأت مشكلة الصفات الخبرية بالظهور مقترنة بأخواتها من المسائل الكلامية المعقدة وأخذت الدراسات المستفيضة لهذه النصوص تتمخض عن ثلاثة مذاهب لأهل السنة والجماعة: التفويض، والتأويل والإثبات وهذه المذاهب الثلاث مذاهب متكاملة لكل واحد منها أصوله ومنهجه ورجاله
ودعاته وإلى يومنا هذا.
102. لم تكن هذه المذاهب لتتكئ على وسادة من خارج الدائرة الإسلامية، بل كل واحد منها جاد في الوصول إلى الحق ومعرفته بالأدلة الصحيحة شرعاً وعقلاً ولغة وإنما الخلاف الذي اتسع فيما بينهم خلاف طبيعي يخضع لقانون الاجتهاد في الإسلام ومبرراته ودوافعه الحقيقية تكمن في النص الإسلامي
902 (1/903)
صفحة 904
نفسه، لا فرق بين هذه المذاهب وما يقابلها من المذاهب الفقهية إذا أن طبيعة النص الإسلامي تسمح
بهذه التعددية في العقيدة والفقه على السواء ولا دليل على التفريق.
طالما أن هذه المذاهب تعمل وتجتهد ضمن دائرة النص الإسلامي فلا يمكن أن يستأثر أحدهما بالصواب دون أخويه وإنما الكل معرض للصواب والخطأ من هنا كان لا بد من نظرة حيادية مجردة، تأخذ من المعيب صوابه وتعذر المخطئ على خطئه وقد كانت هذه النظرة بالفعل ماثلة في بحوث بعض الأئمة الكبار كالخطابي والبيهقي والنووي وابن حجر عليهم رحمة الله جميعاً فلا بد من تعميق هذه النظرة وتوسيعها لردم الفجوة العميقة في التفكير الإسلامي المعاصر 1.
103. يرى الإباضية بنفي رؤية الله دنيا وأخرى وقد خصص الإمام الربيع في كتابه العقيدة مجموعة من الروايات ينفي بها رؤية البارئ عز وجل ويرى أن اثبات الرؤيايتنافى مع تنزيه الله تعالى، وقد تحدث العلامة أحمد الخليلي بشيء من التفصيل في كتابه الحق الدامغ وكذلك أشار إلى هذا الموضوع في كتابه شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد وذكر مجموعة من الأدلة القرآنية والنبوية التي استدل لها الإباضية
في العموم يمكن القول إن الذين أنكروا رؤية الله إنما أنكروا رؤية مادية لها جهة وتحيز، وانحصار والذين أثبتوها لم يقرروا لها هذه الخواص والكل يجتهد في تنزيه الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته.
104. نقل أهل السنة إجماع الصحابة على جواز الرؤيا ووقوعها في الآخرة وقد نقل ذلك الإجماع الباقلاني والجويني والنووي وابن تيمية والتفتازاني من المتقدمين والدواني والدردير من المتأخرين، واستدلوا بآيات
قرآنية هي عمدته في إثبات الرؤية، وأحاديث نبوية صحيحة.
105. قال الدكتور يوسف القرضاوي: إن أمور العقيدة منها ما هو من الأصول والأركان التي لا يجوز
التساهل فيها، بل لا يدخلها الاجتهاد أصلاً ويكفر منكرها وجاحدها ومنها: ما هو من فروع العقيدة
903
الصفات الخبرية عند أهل السنة، ص 354.
1 (1/904)
صفحة 905
التي اختلفت فيها الأمة في أفعال العباد وفي رؤية الله في الآخرة وفي بعض الأشياء التي تثبت، بالأحاديث
الأحاد التي لا تفيد العلم اليقين، كما هو في المذهب الصحيح عند الحنابلة أنفسهم ومن هذه الفروع العقدية مسألة الصفات الخبرية وما ثار فيها من جدل وما نقل فيها من خلاف بين علماء الأمة، من
مفوضين أو مثبتين أو مؤولين وكلهم تسعهم دائرة الإسلام الرحبة.
106. إن عصر المحنة بالقول بخلق القرآن يبدأ من 218 هـ يمثل هذا الحدث منعطفاً خطيراً في عقيدة
الأمة لا لكونه بدعة جديدة فقط وإنما لاضطلاع الخلافة الإسلامية طوال أربعة عشر عاماً بها وحملها الكافة عليها وهو سبق ليس له نظير في تاريخ خلفاء الأمة.
107. يقول العلامة أحمد الخليلي: وكان الرعيل الأول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنيناً من القول في هذا الموضوع مسألة خلق القرآن وإنما كانوا مجمعين على أن الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق وأن القرآن كسائر الكتب المنزلة - كلام الله ووحيه وتنزيله وهذا الذي اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين بعُمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية بعد أن طمى عبابه وهاجت عواصفه بمدينة البصرة الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك وكانت للعمانيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والاقتصادية التي تربطهم بها وليتهم وقفوا عند هذا الحد، فيا ليت كل المسلمين جميعاً اكتفوا بهذا القدر ومن الاعتقاد والقول في هذا الموضوع ولكن استحكمت في هذه القضية أهواء وحكمت فيها العواصف الهوجاء التي اشعلت سعير هذه الفتنة التي اصطلى المسلمون أوراها.
ومرد ذلك كله إلى الغلو، فإن من شأن المغالاة أن تدعو إلى ضدها وكانت بداية ذلك مناشدة أهل الحديث ومن سار في ركبهم لأصحاب المدرسة العقلية من المعتزلة وغيرهم واستعداء السلطات عليهم وتأليب الناس ضدهم وعندما دالت الدولة للمعتزلة في أواخر أيام المأمون ثم المعتصم انتهزوا فرصتهم للتشفى والانتقام من
904 (1/905)
صفحة 906
أهل الحديث، فأسرفوا في التقتيل والتعذيب فامتلأت الصدور بالأحقاد وأخذت القضية مجرى عاطفياً في
البحث، وأخذ كل فريق يندد بالفريق الآخر ويكيل له التهم ويرميه بالبدعة والانحراف الدامغة.
108. جرت المناقشة خلق القرآن لأول مرّة في الأوساط الإباضية في عمان في العقود الأولى من القرن
الهجري الثالث واختلفوا في المسألة على ثلاثة أقوال بينها العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسيوي
فقد قال في مسألة خلق القرآن قال قوم:
- إنه كلام الله ليس بمخلوق وهم أكثر الأمة.
- إن كلام الله مخلوق
- وقف في ذلك واقفون
انتصر العلامة الخليلي لمسألة خلق القرآن في كتابه الحجة الدامغة وفي نهاية بحثه قال: ومع هذا كله فإنني كنت أود ألا أتعرض لهذه المسألة بإيجاب ولا سلب رغبة مني في الاقتصار على المأثور عن الرعيل الأول من هذه الأمة وحرصاً على عدم إثارة أي جدل يزعج أحداً من المسلمين.
ويرى محمد بن محبوب بأن قضية مسألة خلق القرآن بأنه كلمة الله ووحيه الرسول وقال بأنها قضية يبقي
المسلمون جاهلين لها، منقسمين حولها "مما
يسع جهله".
وذكر الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني: ويكفينا أن نقول إن القرآن كتاب الله المنزل على قلب محمد بواسطة جبريل ونحن نتعبد بتلاوته وفيه من المبادئ والقواعد الفقهية والعقائدية والسياسية، والقانونية والأخلاقية
والاجتماعية ما يقيم حياة كريمة.
109. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة وهو الذي يوافق الأدلة
905 (1/906)
صفحة 907
العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فهو المتكلم بالقرآن والتوراة
والانجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقاً منفصلاً عنه هو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته فكلامه قائم
بذاته ليس مخلوقاً بائنا عنه.
وقال: من جعل كلامه: مخلوقاً لزمه أن يقول: المخلوق هو القائل لموسى إنَّني أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14]، وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاماً إلا لرب العالمين وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروف لم يكن شيء من ذلك مخلوقاً، بل كان ذلك كلاماً لرب العالمين. وقد استدل النافين لخلق القرآن الكريم بأدلة من القرآن الكريم،
والسنة النبوية الشريفة.
لفظاً
110. إن القرآن هو كلام الله تعالى الذي أوحى به ربنا إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى عن طريق الوحي جبريل وهو المعجزة الباقية التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم تصديقاً بنبويه ورسالته وتحدى بها الإنس والجن مجتمعين على أن يأتوا بمثلها أو ببعضها وهو الموجود بين دفتي المصحف المبتدأ بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس المنقول إلينا بجمع التواتر من لدن الصحابة نقلا وتلقيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة في السطور وحفظاً في الصدور
رضي
الله
عنهم
وإلى أيامنا هذه من غير تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان بحفظ الله تعالى ووعده وهو المتعبد بتلاوته، والذي أمر الله تعالى نبيه بتبليغه إلى الخلق كافة فأدى الأمانة صلى الله عليه وسلم وأتم البلاغ. .111. كيف يستوي عند الباحث الحفيص والمثقف النزيه النهي عن الصلاة خلف الإباضية والإمام البخاري يأتمن هؤلاء وغيرهم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي البخاري في صحيحه عن الإباضية وغيرهم وإن كان النهي عن الصلاة خلف الإباضية لقولهم في مسألة خلق القرآن، فإن المسألة ليست من أصول الاعتقاد بل من فروعه التي لا يكلف مسلم بأن يخوض فيها أو
906 (1/907)
صفحة 908
الله
يقول فيها بشيء وليس لها ذكر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو أثار الصحابة رضي عنهم وإن كان النهي عن الصلاة خلفهم لاتهامهم بالفسق، فالفاسق في عرف الشرع هو العاصي المتلبس بالمعصية والمعصية هي معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يترك ما أجمعت الأمة على وجوبه أو فعل ما أجمعت الأمة على حرمته وهذا كله مفقود وإن كان النهي عن الصلاة خلفهم لقولهم بامتناع رؤية الله بالأبصار فلم ينفردوا بهذا القول، وقد بينا هذا من قبل.
وإن كان النهي عن الصلاة خلفهم لقولهم بتخليد أصحاب الكبائر فكذلك لم ينفردوا بهذا القول بل اعتمدوا على حجج وأدلة من ظواهر نصوص الكتاب والسنة وقد بينا هذا من قبل، مع العلم أنهم لا يكفرون مسلما بذنب وإنما الكفر عندهم لصاحب الكبيرة هو كفر نعمة وهذا في حال حياته حتى يتوب إلا أنهم لا يستحلون دماً ولا مالاً ولا عرضاً. وإن كان النهي عن الصلاة خلفهم بقولهم في آيات الصفات وأخبارهم
فجمهور الخلف وبعض السلف من أهل السنة على قولهم
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: وأما مسائل الوعد والوعيد، والرؤيا يعني رؤية الله بالأبصار - والمخلوق يعني خلق القرآن كما قاله والذي شارحه على القاري، وخلق أفعال العباد وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح، إذ ليس في الجهل منها جهل بالله تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئاً منها.
112. يقول الإمام النووي في المجموع شرح المذهب بعدما نقل اختلاف أصحاب الشافعي في تكفير القائل بخلق القرآن، قال القفال وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب العدة هذا هو المذهب، وعلق النووي فقال: قلت: وهذا هو الصواب فقد
907
القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، ص 457.
القاضي عياض، شرك كتاب الشفا.
القانون في عقائد الفرق، ص 458.
1
2
3 (1/908)
صفحة 909
قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقتهم ولم يزل
السلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم وإجراء سائر الأحكام عليهم، وقد تأول
الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وغيره من أصحابنا المحققين ما نقل عن الشافعي وغيره من
تكفير
القائلين بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة لا كفران الخروج عن الملة، وحملهم على هذا التأويل ما
ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم
1
وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب إمامة المفتون والمبتدع وقال الحسن: صلّ وعليه بدعته وقال الحافظ
في الفتح: وصله يعني الأثر عن الحسن البصري سعيد بن منصر عن ابن المبارك عن هشام بن حسان أن الحسن سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة فقال الحسن: صل خلفه وعليه بدعته 2.
وعن عبيد الله
بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان عفان
بن
رضي
الله عنه وهو محصور فقال: إنك
يعني
الله عنه: الصلاة أحسن
إمام عامة ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة فتنخرج فقال: عثمان
رضي
ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم وقد أوضح الحافظ في تعليقه المقصود في كلام سيدنا عثمان رضي الله عنه وهو صحة الصلاة خلف المفتون أو المبتدع بما رواه سيف في الفتوح عن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه قال: كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه، قال الحافظ: فهذا في أن مقصوده بقوله الصلاة أحسن، الإشارة إلى الأذن بالصلاة خلفه وفيه تأييد لما فهمه المصنف يعني البخاري- من قوله إمام فتنة.
وأخرج سعيد بن منصور عن نافع مولى ابن عمر قال: كان ابن عمر يصلي مع الحشبية والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون فقيل لهم: أتصلي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا؟ فقال: من قال حي على
908
المرجع السابق، ص 461.
يعني: وعليه إثم بدعته.
1
2 (1/909)
صفحة 910
الصلاة أجبته، ومن قال حي على الفلاح أجبته ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت:
لا ذكر ابن قدامة في المغني وهو مذهب الإمام الكبير أبي بكر بن المنذر نقله الأحناف ذكره صاحب تحفة الفقهاء السمرقندي ونص عليه كذلك الإمام الكاساني وهو المفتي به كما يفيده كلام العلامة ابن عابدين
والكلام كله هنا في الصحة وعدم وجوب الإعادة. وجملة القول في مسألة الصلاة خلف المختلفين في فروع الاعتقاد أنها صحيحة عند جمهور الفقهاء وأنها مسألة خلاصة فرعية لا يجوز أن يعظم من شأنها على حساب أصل من أصول الإسلام والمتفق عليه، وهو فرضية الوحدة بين المسلمين، وجمع كلمتهم والله الموفق
لا رب سواه.
113. يؤمن الإباضية بأركان الإيمان بالسنة بالله واليوم الآخر والأنبياء والمرسلين والقرآن الكريم والكتب السماوية، والملائكة وبالقدر خيره وشركه ويرون أن للعقيدة آثار من أهمها تعظيم الله عز وجل، وشكر النعمة، والطاعة وكثرة العبادة والذكر والدعاء واتقاء الشبهات والمحاسبة والجهاد والإنفاق، والزهد، والتواضع، والاقتداء بالصالحين والعزة والتحرر والتكافل والتآخي وكشف الكرب، واحترام حقوق الجيران، ومقابلة الإساءة بالإحسان والاتحاد ... وغير ذلك من الآثار.
114. يمكن أن نختم بقول الشيخ علي يحيى معمر في المعرفة والتعارف والاعتراف، إذ يقول الشيخ علي رحمه الله: "إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة. ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر يرضى، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ) وفي ظل الأخوة والسماح تغيب
909
القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، ص 462.
1 (1/910)
صفحة 911
التحديات، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة،
غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت مذهباً. ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص. ويقول أيضا وإن من يكتب عن فرقة معتمدا على مصادر غيرها يبعد عن الحقيقة ولا يسلم من التجني، أو هو في الحقيقة واقع في الخطأ من أول خطوة وإن ما يجيء على لسانه أو قلمه من الصواب فيها فهو بمحض الصدفة " 1.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
اعلي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص. ص 7 – 8.
910 (1/911)
صفحة 912
1. إبراهيم
المراجع
الديبو، أصول المسائل العقيدة عند المتكلمين دار اليمان، ط 1 2014 م.
2. إبراهيم بن عامر الرحيلي، الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال، مكتبة العرباء الأثرية
الطبعة الأولى 1418 هـ / 1997 م.
3. إبراهيم بن موسى الشاطبي، الاعتصام، بيروت، دار المعرفة.
4. ابن أبي الحديد، نهج البلاغة، تح حسن تميم مكتبة الحياة، بيروت،1964 م.
5. ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، الجرح والتعديل، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1
1317
6. ابن الجوزي تلبيس إبليس، تح محمود مهدي استانبولي، 1396 هـ / 1976 م.
7. ابن القيم الجوزية الروح، تح محمد اسكندريلدا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1402 هـ.
ابن القيم شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، مدارج السالكين، بيروت، دار الكتاب العربي.
9. ابن تيمية، العقيدة الواسطية.
10
ابن تيمية، المنطق.
11 ابن تيمية شرح حديث النزول، المكتب الإسلامي، ط 6 1492 هـ، 1928 م.
ابن تيمية، مجموعة الرسائل والمسائل، تعليق محمد رشيد رضا، لجنة التراث.
12
13
14
15
ابن تيمية، منهاج السنة تح محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة.
ابن.
، تقريب التهذيب.
ابن عباس أحمد بن عمر القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، تح محي الدين مستو يوسف
بديوي، بيروت، دار ابن كثير.
911 (1/912)
صفحة 913
ابن عساکر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان رضي الله عنه تح سكينة الشهابي، دمشق، المجمع العلمي، 1984
16
17
18
ابن قتيبة، الإمامة والسياسة المنسوب، مؤسسة الحلبي، القاهرة.
ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 1956 م.
19 أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1950
أبو الحسن الشيخ علي بن محمد البسيوني، مختصر البسيوي، لندن، دار الحكمة، لندن، ط 1
2007
20
21
أبو الحسن بن أبي المكارم الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تح علي شيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 1 1408 هـ.
22 أبو الحسين مسلم بن ورد النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 2، 1972 م.
23
24
25
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الإيمان لابن تيمية.
أبو العباس شمس الدين أحمد ابن خلكان وفيات الأعيان وأبناء الزمان، بيروت، دار صادر.
أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، دار الريان، ط 1 1988 م. 26 أبو الفرج جمال الدين ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، تح زهير الشاويش، بيروت، المكتب
27
الإسلامي، ط 13841 هـ.
أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، القاهرة، طبعة حجرية.
28 أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها، مطبعة لندن 1920 م.
912 (1/913)
صفحة 914
29 أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الاعتقاد على مذهب السلف، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2
1986
30 أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، أحكام القرآن تح البجاوي، بيروت، دار المعرفة.
31. أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 19921 م.
32 أبو حفص عمر بن جميع بشرح الشماخي، مقدمة التوحيد وشروحها، تعليق: إبراهيم اطفيش، مسقط،
سلطنة عمان.
33 أبو زكريا الجناوي، مختصر في أصول الفقه.
34. أبو زيد بن شبة النميري البصري، تاريخ المدينة ابن شبة تح محمود شلتوت، نشر السيد حبيب
محمود
أحمد.
35. أبو سليمان بن داود، شرح عقيدة التوحيد، في مقدمة التوحيد وشروحها، تح أبي اسحاق، القاهرة
1353 هـ.
36. أبو طاهر إسماعيل بن موسى ت. (750 هـ 1349 م)، قناطر الخيرات الجيطالي، وزارة التراث القومي
والثقافة سلطنة عمان، ط 2 1989 م.
37
38
أبو عبد الله سالم بن حمد الحارتي، العقود الفقهية في أصول الإباضية.
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تح عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1948 م.
39. أبو عمر خليفة
40
بن
خياط بن أبي هبيرة الليثي، تاريخ الخليفة بن خياط، تح: أكرم ضياء العمري،
مؤسسة الرسالة، ط 13972 هـ.
محمد أبو عيسى
بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، دار الفكر، 1398 هـ.
41 أبو غانم الخراساني، مدونة أبي غانم الخراساني.
42 أبو محمد أحمد بن علي بن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار الجيل، صنعا 1985 م.
913 (1/914)
صفحة 915
أبو محمد عبد الله بن أحمد
بن قدامة، المغني، تح عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، القاهرة، دار
43
44. أبي اسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي (ت: 790 هـ)، الموافقات في أصول الشريعة، تح
عبد
الله دراز،
، مصر، المكتبة التجارية الكبرى.
45. أبي الحسن الأشعري، الإبانة في أصول الديانة، المدينة المنورة، الجامعة الإسلامية، 1975 م.
46. أبي الحسن علي بن محمد البسيوي، جامع بن أبي الحسن البسيوي، طباعة الأوقاف العمانية،
2010/ 1434
محمد
47 أبي الحسن علي بن بن،، الأحكام السلطانية، بيروت، دار الفكر.
48. أبي الحسين محمد بن أبي يعلى محمد بن الحسين (ت: 526 هـ)، طبقات الحنابلة، بيروت، دار المعرفة.
49 أبي العرب التميمي، المحن.
50 أبي الفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، صححه وعلّق عليه أحمد فهمي محمد، مكتبة الحسين التجارية، القاهرة 1948.
51. أبي الفرج ابن الجوزي، صفة الصفوة للإمام، بيروت، دار المعرفة.
52 أبي الفرج عبد الرحمن علي الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت، دار الكتب العلمية. 53. أبي القاسم الأصفهاني، سير السلف لأبي القاسم الأصفهاني، الرياض، دار الراية، ط 1 1999 م. 54. أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي، ط 1
2001
55 أبي جعفر الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيروت، دار الفكر، ط 1 1987 م.
56 أبي حاتم المراسيل، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1 1397 هـ.
57 أبي حامد محمد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر.
58. أبي حنيفة أحمد بن داود، الأخبار الطوال، بغداد، مكتبة المتنبي.
914 (1/915)
صفحة 916
59 أبي داود لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن، ط 3 1399 هـ، المكتبة السلفية.
60 أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي، تح أحمد ميرين البلوشي، الكويت، مكتبة المعلا
61. أبي عبد الله محمد اسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار الفكر، ط 1 1991 م.
62. أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1965 م.
63. أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 1990 م
64. أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت (463 التمهيد لما في الموطأ من معاني وأسانيد، الطبعة المغربية.
65. أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محي الدين الأصفهاني، المكتب الإسلامي، ط 1 1409 هـ.
66. أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الحلية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 4 1405.
67 إحسان إلهي ظهير الشيعة وأهل البيت القاهرة، دار الأنصار، 1979 م.
68
69
6
أحمد الخليلي، الاستبداد مظاهره ومواجهته، 2013 م.
أحمد الخليلي نبذ التعصب المذهبي، مسقط، دار الكلم الطيب.
70 أحمد السباعي، عمان تاريخ يتكلم، دمشق، 1963 م.
71
72
أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر.
أحمد
بن
ادريس القرافي الفروق للقرافي، بيروت، دار المعرفة.
915 (1/916)
صفحة 917
أحمد بن حمد الخليلي، بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية، مسقط، دار الكلمة الطيبة، 2017 م.
أحمد بن حمد الخليلي، اختلاف المطالع وأثره على اختلاف الأئمة، دار الكلمة الطيبة، ط 1 2017/ 1438
أحمد بن حمد الخليلي، الحقيقة الدامغة، ط 14361 هـ / 2015 م، مسقط، مكتبة مسقط.
أحمد بن حمد الخليلي، جوهر الإيمان، سلطنة عمان، مكتبة الاستقامة ط 1 1409 هـ / 1988 م.
أحمد بن حمد الخليلي، حقيقة الإسلام مكتبة الضامري، ط 1 1435 هـ / 2014 م. ط 1
أحمد بن حمد الخليلي، حكم مرتكب الكبيرة، عمان، دار الكلم الطيب، 1438 هـ / 2017 م.
أحمد بن حمد الخليلي، شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد مسقط دار الكلمة الطيبة، ط 1 2017/ 1438
أحمد بن حمد الخليلي، عوامل تقوية الوحدة الإسلامية في الشعائر الدينية مكتبة الضامري، ط 2 1992/ 1412
أحمد بن عبد الرحمن القاضي، مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، دار العاصمة، ط 1 1996
73
74
75
76
77
78
79
80
81
82
أحمد بن علي العسقلاني، تهذيب التهذيب، تح مصطفى عبد القادر، بيروت، دار الكتب العلمية،.1994
83
84
أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1995 م.
أحمد بن علي بن حجر، لسان الميزان حيدر آباد، الدكن، مطبعة دائرة المعارف العثمانية 1912/ 1331
أحمد بن محمد الخلال، السنة لأبي بكر الخلال، تح عطية الزهراني، الرياض، دار الراية، ط 1 1410 هـ.
أحمد بن محمد الخلال، كيف تكتب التاريخ الإسلامي؟ السعودية، دار الوطن، ط 1 1412 هـ.
916
85
86 (1/917)
صفحة 918
أحمد بن محمد بن حنبل، فضائل الصحابة، دار ابن الجوزي السعودية، ط 2 1999.
أحمد بن يعقوب بن جعفر بن وهب اليعقوبي البلدان.
أحمد حمد الخليلي، أجوبة مختارة، دار الكلمة الطيبة مسقط، سلطنة عمان، ط 1 1438 هـ.
أحمد حمد الخليلي، الحق الدامغ، مسقط، دار الكلمة الطيبة.
أحمد حمد الخليلي، القيم الإسلامية ودورها في تقديم الحلول للمشكلات البيئية العالمية، مسقط، دار الكلمة الطيبة، ط 1 2017 م.
أحمد سعيد الشماخي، السير، سلطنة عمان، تح أحمد بن سعود السيباني، وزارة التراث القومي والثقافة، 1407 هـ.
أحمد محمد جلي، دراسة عن الفرق وتاريخ المسلمين، ط 14061 هـ، السعودية، مركز الملك فيصل البحوث والدراسات الإسلامية.
أسامة أحمد سلطان، عمّار بن ياسر: رجل المحنة وميزان الفتنة المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط 1 1999
87
88
89
90
91
92
93
94
95
أسماء محمد زيادة، دور المرأة السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، دار السلام، مصر، ط 20011 م.
الأصفهاني، كتاب الإمامة والردّ على الرافضة للأصبهاني، تح أبي نعيم، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، ط 3 2001 م.
اطفيش أبو اسحاق ابراهيم النقد الجليل للعتب الجميل رسالة مطبوعة سنة 1342 هـ.
96
97
98 أكرم ضياء العمري عصر الخلافة الراشدة مكتبة العلوم والحكم، ط 19941 م.
99
الألباني، السلسة الصحيحة، الرياض، مكتبة المعارف، ط 14221 هـ/2002 م.
100. الإمام أبو عبد الله محمد بن بطة العكبري، الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة،
917
دار الحرية، ط 1 1988 م. (1/918)
صفحة 919
101. الإمام النووي، شرح صحيح مسلم، بيروت، دار الفكر، 1981 م.
102. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، تح محمد حامد
الفقي، ط 1 1374 هـ.
103. بدر الدرين. محمد بن بهادر بن عبد الله
الزركشي الشافعي، البحر المحيط في أصول الفقه، دار الصفوة
للطباعة والنشر.
104. البسيوي، مختصر البسيوي، زنجبار، طبعة 1304 هـ.
105 البغوي، شرح البغوي.
106. بكير بن سعد أعوشت، الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديماً وحديثاً، غرداية، الجزائر، المطبعة
العربية.
107. البلاذري، أنساب الأشراف، تح سهيل زكار، رياض زركلي، بيروت، دار الفكر الطبعة الأولى 1996 م. 108 تاريخ الإباضية في المغرب الإسلامي يوسف بن بكير الحاج سعيد منشورات، المطبعة العربية غرداية
2016
109. التبصير في الدين، تحقيق: محمد زاهد الكوثري وعزت العطار القاهرة، مطبعة الأنوار، 1940 م.
6
110. التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، مطبعة الحلبي، مصر، ط 1.
111 تحفة الأعيان سيرة أهل عمان مسقط: للسالمي، مكتبة الاستقامة.
112. تحقيق موقف الصحابة من الفتنة من روايات الطبري والمدثين. د. محمد أمحزون دار طيبة مكتبة الكوثر،
الرياض، الطبعة الأولى 1994 م.
113. تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني مجموع الفتاوى دار الوفاء، ط 1 1997 م.
114. تقي الدين أحمد علي المقريزي، الخطط للمقريزي، بيروت، مطبعة الساحل الجنوبي، لبنان.
115. التناوي، دائرة المعارف الإسلامية.
918 (1/919)
صفحة 920
116. التواتي بن التواتي الأغواطي الفقه المقارن بين المالكي والإباضي، دار ابن الحزم، بيروت الطبعة الأولى
2014
117. جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، الرسالة العاشرة.
118 جار الله أبي القاسم محمود عمر الزمخشري، أساس البلاغة، بيروت، دار النفائس، ط 1 1412 هـ /
1992
119. جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي، نصب الراية لأحاديث الهداية، القاهرة، دار
المأمون، 1357 هـ / 1938 م.
120. جوابات الإمام السالمي، تنسيق ومراجعة د. عبد الستار أبو غدة، إشراف: عبد الله السالمي، الطبعة
الثانية 1419 هـ،1999 م.
121. حاجي خليفة، كشف الظنون.
122. حازم الصعيدي النظرية الإسلامية للصعيدي، مصر، دار النهضة، ط 1 1397 هـ.
123. الحافظ أبو عبد الله محمد بن زيد القرويني، سنن ابن ماجه، بيروت، دار الفكر. 124. الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، البعث والنشور، بيروت، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية،
ط 1 1406 هـ.
125. الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، المصنف بن أبي شيبة، بومباي، دار السلفية، ط 1 1403 هـ. 126. الحافظ أبي عبد الله محمد بن عثمان الذهبي، المنتقي من منهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض
والاعتدال.
127. الحافظ أحمد بن الحسن البيهقي، سنن البيهقي، دار المعارف، بيروت، مكتبة المعارف.
128. الحافظ شمس الدين الذهبي، مختصر العلو للعلي الغفار، مراجعة محمد بن ناصر الدين الألباني، المكت
الإسلامي، ط 14011 هـ / 1978 م.
129. حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان.
919 (1/920)
صفحة 921
130 حامد محمد الخليفة، الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من خلاف عمان، المدينة الرياضية،
2002/ 1423 1
131 الحركة الإباضية في الشرق العربي، مهدي طالب هاشم، دار الحكمة لندن، الطبعة الثانية 2013 م. 132. حسان إبراهيم الرويعات عقيدة الأشاعرة دراسة نقدية، الرياض، دار التوحيد، ط 1 1434 هـ /
2013
133. حسن إبراهيم حسن، تاريخ عمرو بن العاص، مطبعة السعادة، ط 1 1340 هـ/ 1922 م.
134. حسين مؤنس تاريخ موجز للفكر العربي.
135 حمدي شاهين الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، دار القاهرة.
136. خالد محمد الغيث استشهاد عثمان وواقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري دراسة
نقدية، دار الأندلس الخضراء، ط 1.
137. الخروصي، من جوابات الإمام جابر زيد.
138. خميس الرستاقي، منهج الطالبين، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي الثقافة سلطنة
عمان، الطبعة الأولى 1400 هـ، 1980 م.
139. الدولة الأموية المفتري عليها دراسة الشبهات ورد المفتريات د. حمدي شاهين، دار القاهرة للكتاب،
2001
140. الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، تحقيق: أبو اسحاق اطفيش.
141. زاهر بن سعود بن سيف السيابي، الباب لمعرفة تاريخ الأصحاب التاريخ الإباضي، بأسلوب قصصي
ميسر مكتبة الضامري، ط 14342 هـ، 2013 م.
6
142. زهير تغلات الفكر السياسي الإباضي، تونس، الدار التونسية للكتاب، 2014 م.
143. زيانة خلفان الحارثية، الإمام جابر بن زيد وتأسيسه الفكر الإباضي، مكتبة الجليل الواعد، ط 2
920
2012/ 1433 (1/921)
صفحة 922
144. سالم البنهساوي، الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية، الكويت، مكتبة المنار
الإسلامية، 1418 هـ /1997 م.
145. السالمي، الإمام السالمي في جواباته.
146. السالمي، حاشية الجامع للصحيح، تحقيق عز الدين التنوفي، القاهرة، 1963 م.
147
سعيد حزى، الأساس في السنة.
148. سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني، داعية الكلمة الطيبة السيرة العملية للشيخ أحمد بن حمد
ذاكرة عمان مسقط 2015 م.
الخليلي
149. سليمان إبراهيم الوارجلاني، الإمام محمد بن محمود الرحيلي، حياته وأثاره، سلطنة عمان.
150 سليمان الغصن موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، دار العاصمة، ط 1
1996/ 1416
151. سليمان
بن
حمد العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، دار طيبة، الرياض،
ط 3 1412 هـ.
152. سليمان بن سالم بن رجاء السحيمي، العقيدة في أهل البيت بين الإفراد والتفريط، مكتبة البخاري،
ط 1 2000 م.
153. سليمان بن عبد الله المديد السويكت منهج المسعودي في كتابة التاريخ، ط 1 1407 هـ / 1986 م.
154 سليمان محمد الإباضية أمة حضارة ونظام.
155. السوفي، سؤالات نقلًا عن القطب، شرح النيل.
156. السيد عمر، الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1
1996/ 1417
157. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة تح أحمد الغامدي، الرياض، دار طيبة، ط 3 1994 م.
158 شرح القواعد الفقهية، تحقيق مصطفى الزرقاء.
921 (1/922)
صفحة 923
159. شمس الدين محمد
أحمد عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1
بن
1402
160. شمس الدين محمد
بن
أحمد الذهبي، تذكرة الحفاظ، تح عبد الرحمن المعلمي اليماني، حيدر آباد،
1377 هـ.
161. الشنقيطي، منهج ودارسات لآيات الأسماء والصفات الجامعة الإسلامية، ط 14012 هـ. 162. شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة،
بيروت، دار الكتب العلمية.
163 الشوكاني، فتح القدير.
164. شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني شرح عمدة الفقه، تح: خالد علي
المشيقح، الرياض، دار العاصمة، ط 1 1418 هـ
165. صادق جرعون عثمان بن عفان السعودية، ط 3 1990 م.
166. صالح الصوافي، الإمام زيد وآثاره في الدعوة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1989 م. 167 صولة الغدامسي وأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي الحوار الإباضي المالكي، ط 14352 هـ /
2014 م، سلطنة عمان.
168. ضحى الإسلام أحمد أمين، مكتبة النهضة المصرية.
169. عامر النجار، الإباضية ومدى صلتها بالخوارج.
170 عامر النجار، الخوارج، الإباضية، الشيعة، دار الفوائد، ط 1 1434 هـ / 2013 م.
171. عبد الآخر حماد الغنيمي، المنحة الإلهية في تهذيب الطحاوية، دار الصحابة، ط 3 1418 هـ /
1997
172. عبد الحليم الجندي، أحمد بن حنبل إمام أهل السنة المستشار.
173. عبد الحميد ناصر فقيهي، خلافة علي بن أبي طالب رسالة علمية الجامعة الإسلامية المدينة المنورة.
922 (1/923)
صفحة 924
174. عبد الرحمن السعدي، القول السديد.
175. عبد الرحمن السعدي، تفسير السعدي المسمى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤسسة
السعدية.
176. عبد الرحمن الشجاع، دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ط 1 1999 م، صنعاء، دار الفكر
المعاصر.
177. عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، بيروت، مؤسسة الأعظمي للمطبوعات. 178. عبد الرحمن عثمان حجازي، تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى 2000 م.
179. عبد الستار الشيخ،
عثمان عفان، الخليفة الشاكر الصابر، ط 1991 م. بن
180. عبد العزيز إبراهيم العمري الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين، ط 1 1409 هـ.
181. عبد العزيز أحمد حامد غراس، الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية، الكويت، ط 1 1422 هـ. 182. عبد العزيز صغير دخان، أحداث وأحاديث فتنة الهرج، دار الصحابة، الإمارات.
183. عبد القادر الأرناؤوط، جامع الأصول لابن الأثير تح الناشر، مكتبة الحلواني. 184. عبد القادر البغدادي الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1973.
185. عبد الله
بن
حمد السالمي، بهجة أنوار العقول شرح أنوار العقول في التوحيد، مسقط، مطابع النهضة،
1994/ 1414 31
186. عبد الله
بن
حمد السالمي، مشارق أنوار العقول، تح عبد الرحمن عميرة، سلطنة عمان، مكتبة
الاستقامة، ط 1 1409 هـ / 1989 م.
187. عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث القومي.
188. عبد الله
بن حميد السالمي بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، مسقط، مطابع النهضة، سلطنة
عمان.
923 (1/924)
صفحة 925
189. عبد الله
بن
حميد السالمي، جوهر النظام، تح أبو اسحاق طفيش، سلطنة عمان، المطبعة الذهبية، ط
1993/ 1413.12
190. عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، الرياض، دار طيبة، ط 14092 هـ.
191. عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الإمامة العظمى عند أهل السنة، الرياض، دار طيبة، ط 2. 192. عبد المحسن العباد المدرس، عشرون حديثا من صحيح مسلم دراسة أسانيدها وشرح متونها، الجامعة
الإسلامية.
193. عبد المحسن سالم الكاتب، الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية، بيروت، دار ابن حزم،
ط 1
2013/ 1434
194. عبد الوهاب علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، محمود محمد
الطناجي.
195. عثمان الخميس حقبة من التاريخ الإسكندرية، دار الإيمان.
196. عزيزة، الصاعدي، مناظرات أهل السنة والجماعة، الرياض، الناشر المتميز، ط 14381 هـ / 2017 م. 197. على الطنطاوي، أبو بكر الصديق، جدة، دار المنارة، ط 14063 هـ / 1985 م.
198. علي العلياني، عقيدة الإمام ابن قتيبة، السعودية مكتبة الصديق، ط 1 1412 هـ / 1991 م. 199. علي بن أبي بكر الهيثمي، كشف الأستار عن زوائد البزار، مؤسسة الرسالة، ط 1 1404 هـ. 200 علي بن الحسين بن علي المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تح محمد محي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العصرية.
201 علي حسن الخربوطلي، تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي، القاهرة، دار المعارف، ط 1 1959 م. 202 على محمد الصلابي، الإيمان بالقدر للصلابي، إستانبول، دار الروضة، ط 1 2017 م.
203. علي
محمد الصلابي، الإيمان بالله جل جلاله، بيروت، دار ابن كثير.
924 (1/925)
صفحة 926
204 علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، دار الروضة، إستانبول، ط 1 2017 م.
205. علي
محمد الصلابي، أمير المؤمنين عثمان عفان، دار ابن كثير، ط 4 2015 م. بن
206 علي محمد الصلابي، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دار ابن كثير، ط 4 2015 م. 207 علي محمد الصلابي خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي، بيروت، دار ابن كثير، 2015 م.
208 علي محمد الصلابي من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، بيروت، دار المعرفة، ط 2
2009.1430
209 علي مصطفى الغرابي، الفرق الإسلامية، ط 2، مطبعة محمد علي صبح، مصر.
علي
210
2014
يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة الضامري للنشر، عمان، الطبعة الثالثة
211 علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ مكتبة وهبة، القاهرة، 1964 م.
212. عمار الطالبي ابن باديس حياته وآثاره.
213. عمار الطالبي، آراء الخوارج.
214
عمرو
الشاعر، عقائد الإسلاميين الجيزة مكتبة النافذة، ط 1 2008 م.
215 عمرو بن العاص، عبد الخالق سيد أبو رائبة، الطبعة الأولى 1408 هـ، 1988 م.
216. عمرو بن المنعم سليم، دفاعاً عن السلفية، الشارقة، مكتبة الصحابة، ط 4 1420 هـ/1989 م.
217
عمرو
خليفة النامي دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، تونس، ط 2 2012.
218. عوض محمد خلفان، نشأة الحركة الإباضية دار الحكمة لندن الطبعة الثانية.
219. عيسى السعدي، موانع إنفاذ الوعيد، دار ابن الجوزي، ط 1 1426 هـ.
220. غالب عبد الكافي، القرشي أولويات الفاروق، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 1 1403 هـ / 1983 م. 221 فرحات بن علي الجعبري، شخصيات إباضية، مسقط، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 1431 هـ /
2010
925 (1/926)
صفحة 927
222 فرحان بن علي الجعبري، البعد الحضاري للجعبري، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي، 1998 م.
223 فقه الإمام جابر بن زيد تح يحي محمد بكوشي، دار الغرب الإسلامي، ط 1 1407 هـ/1986 م،
بيروت، لبنان.
224. فهد بن علي السعدي، لقاءات في الفكر والدعوة مع سماحة
ورتبه فهد بن علي السعدي، مسقط، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
الشيخ
أحمد بن
حمد
أعده
225. القاضي أبو بكر بن العربي، العواصم من القواسم، تح محب الدين الخطيب، إعداد محمد سعيد مبيض، دار الثقافة، ط 2 1919 م.
226 قاموس الشريعة، الحاوي طرقها الوسيعة، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، ط 1 1403 هـ /
1983
227. قطب إبراهيم محمد، السياسة المالية لعثمان بن عفان القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب،
1986
228. القلقشندي، مآثر الإنافة في معالم الخليفة، تحقيق: عبد الستار أحمد الفرج عالم الكتب، بيرود
229 للكمال ابن الهمام، فتح القدير، مطبعة الحلبي،
230. لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علوم الأصول، بيروت، دار
المعرفة.
231. مالك ابن أنس أبو عبد الله الأصبحي، تحقيق محمد فؤاد، موطأ الإمام مالك، القاهرة، دار إحياء
التراث العربي.
232 ماهر مروان، توجيه الأحاديث التي توهم منها تكفير العصاة، دار اللباب، ط 1 1438 هـ / 2016 م،
الكويت.
233. محب الدين الخطيب، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق الأستاذ محب الدين الخطيب، دار
الريان، القاهرة، الطبعة والنشر، 1983 م.
926 (1/927)
صفحة 928
234 محمد إبراهيم الكني، بيان الشرع مسقط وزارة التراث القومي والثقافة.
235. محمد أحمد بن، زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي.
236. محمد إسماعيل، التاريخ الصغير للبخاري، القاهرة، دار الكتب العلمية.
237 محمد التميمي، دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات محاضرات على طلاب، المدينة المنورة،
الجامعة الإسلامية.
238. محمد الخضري بك، إتمام الوفاء سيرة الخلفاء، بيروت، دار المعرفة، ط 1 1417 هـ/1996 م.
محمد الغزالي، عقيدة المسلم، الإسكندرية، دار الدعوة، ط 14113 هـ / 1990 م.
240 محمد الغزالي، في موكب الدعوة، القاهرة، دار وهبة.
241 محمد بطانية، دراسة في تاريخ خلفاء الدولة الأموية، عمان، دار الفرقان، 1999 م.
242 محمد بن أبي العباس الرملي نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ومكتبة ومطبعة الحلبي، مصر.
243. محمد بن
أحمد
بن
عثمان الذهبي، تاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين دار الكتاب العربي، ط 1
1987/ 1407
244 محمد بن اسماعيل البخاري التاريخ الكبير، بيروت، دار الفكر، دار الكتب العلمية 1986.
245 محمد بن حبان بن
أحمد أبو حاتم التميمي، صحيح ابن حيان بترتيب ابن بلبان، بيروت، مؤسسة
الرسالة، ط 2 1414 هـ / 1993 م.
246 محمد بن حسين الفراء الحنبلي أبي يعلى الأحكام السلطانية، تح محمد حامد الفقي، ط 2، القاهرة،
مطبعة الباب الحلبي.
247 محمد بن حيان بن
1959
248. محمد
بن
أحمد، مشاهير علماء الأمصار تح فلا يشهمر دار الكتب العلمية، بيروت،
سعد، الطبقات لابن، سعد دار صادر، بيروت، لبنان.
927 (1/928)
صفحة 929
249. محمد بن
صالح بن يوسف العلي، إنصاف أهل السنة والجماعة دار الأندلس الخضراء، جدة، ط 2
1420
250 محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي الخطاب، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ليبيا، مكتبة
النجاح.
251 محمد بن يحيى بن أبي بكر المالقي الأندلسي، التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، تح محمود يوسف زايد، الدوحة دار الثقافة، ط 1 1405 هـ.
252 محمد بن يزيد المبرد الكامل في اللغة والأدب، تح محمد الدالي، مؤسسة الرسالة، 1986 م. 253 محمد حسن أبو يحيى، نظام الأراضي في صدر الدولة الإسلامية، دار عمار، عمان، ط 1 1996 م. 254 محمد حكيم الترمذي، نوادر الأصول.
255 محمد حميد الله، الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس، ط 5،
1985/ 1405
256 محمد رشيد رضا، الخلافة أو الإمامة العظمى، المطبعة المنار، 1341 هـ.
257 محمد سعد بن مسعود اليوبي، مقاصد الشريعة الإسلامية، الرياض، دار الهجرة للنشر والتوزيع،
1998/ 1418
258 محمد سليم العوا، المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين، الشبكة العربية
للأبحاث والنشر، بيروت.
259 محمد سيد الوكيل الأمويين بين المشرق والمغرب، دمشق، دار القلم، ط 14161 هـ / 1995 م. 260 محمد شاكر الأمين ذو النوريين المكتب الإسلامي، ط 1 1997 م.
261 محمد صالح الغرسي، فصل الخطاب في مواقف الأصحاب، القاهرة، دار السلام، ط 1 1996 م. 262 محمد صالح الغرسي، فصل الخطاب في مواقف الأصحاب، دار السلام، مصر، ط 1 1996.
263 محمد صالح ناصر مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، دار ناصر، ط 4 2016 م.
928 (1/929)
صفحة 930
264 محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، الجزائر، ط 5 2013 م.
265 محمد صامل العلياني السلمي، منهج كتابة التاريخ الإسلامي، الرياض، دار طيبة، ط 1 1406 هـ/
1986
266 محمد ضياء الريس، النظريات السياسية الإسلامية، ط 7، بيروت، دار التراث، 1979 م.
267 محمد عبد الحكيم، ظاهرة الغلو في الدين.
268 محمد عبد الرحيم، قراءة في كتب المدارس الإباضية، دار اليقين، الطبعة الأولى 1436 هـ/ 2015 م. 269 محمد عبد الله الأزدي، فتوح الشام، تح عبد المنعم عبد الله عامر، مؤسسة القاهرة، 1970 م. 270 محمد عبد الله الغبان فتنة مقتل عثمان، مكتبة العبيكان، ط 1 1999 م.
271 محمد عبد الهادي رزان الشيباني، مواقف المعارضة في خلافة يزيد المكتبة المكية، دار البيارق، ط 1. 272 محمد علي الأذرعي، شرح الطحاوية، تح محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي. 273 محمد علي الباز، الإعجاز العلمي في أحاديث التداوي بالخمر.
274 محمد علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق من علم الأصول، دار المعرفة، بيروت.
275 محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، دار النهضة العربية، بيروت، 1981 م.
276 محمد عمارة تيارات الفكر الإسلامية.
277 محمد عمر الواقدي، المغاري، تح مارسدن جونسن عالم الكتب، بيروت، ط 3 1404 هـ / 1984 م.
278 محمد عياش الكبيسي، الصفات الخبرية عند أهل السنة والجماعة المكتب المصري الحديث، ط 1.
279 محمد كنعان، تاريخ الخلافة الراشدة.
280 محمد لقان الأعظمي الندوي، دراسات تربوية في الأحاديث النبوي، القاهرة، دار العبيكان، ط 1
1997 م.
281 محمد مال الله، ذو النورين عثمان عفان، مكتبة ابن تيمية، ط 1 1989 م. بن
282 محمد ناصر الدين الألباني، أحكام الجنائز وبدعها المكتب الإسلامي
929 (1/930)
صفحة 931
283 محمد ناصر الدين الألباني، إرواء الغليل تخريج أحاديث منار السبيل، ط 1 1399 هـ، المكتب
الإسلامي.
284 محمد نعيم هاني ساعي، القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، دار السلام، ط 2 1428 هـ /
2007
285
محمد يحيى بن أبي بكر الملقي الأندلسي، التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، الدوحة، دار
الثقافة، ط 1 1985 م.
محمود
286
287
العقاد، عمرو بن العاص، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 2 1969 م.
محمود شيت، سفراء النبي صلى الله عليه وسلم خطاب مؤسسة الريان دار الأندلس للخضراء بجدة،
1996/ 14071 b
288
الدين بن أبي زكريا يحيى بن شرف النووي تهذيب الأسماء واللغات بيروت، دار الكتب العلمية.
289 المدينة النبوية فجر الإسلام والعصر الراشدي، محمد محمد حسن شراب دار القلم دمشق الدار الشامية
بيروت الطبعة الأولى 1994 م.
290. مسلم بن سالم الوهيبي، الفكر العقدي عند الإباضية، سلطنة عمان، مكتبة الضامري، ط 1
2006/ 1427
291 مسند أحمد المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
292. مسند الربيع بن بيب، تحقيق: الشيخ عز الدين التنوحي، عُمان.
293. المصادر الأولى لتاريخنا مجلة الأزهري، سنة 1374 هـ.
294 مصطفى الشكعة إسلام بلا، مذاهب دار القلم، القاهرة، 1961.
295 مصطفى حلمي، منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين، ط 19922 م. 296 مصطفى صالح ياجو أبو يعقوب الورجلاني أصولياً، ط 20072
297. المنار المنيف في الصحيح والضعيف، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية.
930 (1/931)
صفحة 932
298 مناقب الشافعي للبيهقي تحقيق أحمد صقر مكتبة دار التراث، طبع دار النصر، الطبعة الأولى
الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان،
1319
299
منهج
1980/ 1400 1
300
منير
الغضبان، معاوية بن أبي سفيان، دمشق، دار القلم، ط 3 1417 هـ / 1996 م.
301 موقف الدين ابن قدامة لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد الدار السلفية، ط 2 1992 هـ.
6
302 ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي الخوارج والحقيقة الغائبة، ط 1 1420 هـ / 1999 م. 303 ناصر عبد الله السعوي، الخوارج: دراسة نقدية لمذهبهم، الرياض، دار المعارج الدولية، ط 1 1417 هـ /
1996
304 ناصر عبد الله بن علي القفاري، أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشر، عرض ونقد، مصر، دار الرضا، ط 3 1418 هـ/ 1998 م.
305 ناصر علي عايض عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، مكتبة الرشد بالرياض. 306 نايف معروف، الأدب الإسلامي، بيروت، دار النفائس.
307. ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة، جامعة السلطان قابوس، 9 - 13 أبريل، ط 1 1990 م.
308
نعيم بن حماد، الفتن.
309 نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد تح الحافظ العراقي، وابن حجر،
بيروت، دار الكتاب، ط 3 1402 هـ.
310 وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته.
311 ياقوت الحموي، معجم الأدباء، بيروت، دار صادر.
312. يحيى إبراهيم السيحي، مرويات أبي محنف في تاريخ الطبري، الرياض، دار العاصمة، ط 1 1410 هـ. 313. يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ط 2 1410 هـ، الكويت، دار القلم. 314 يوسف القرضاوي، فصول في العقيدة بين السلف والخلف، القاهرة، مكتبة وهبة، ط 1
931
2005.1426 (1/932)
صفحة 933
الفهرس
إهداء.
مقدمة
المبحث الأول: نشأة الإباضية وأهم أعلامها
:أولاً: نشأة الإباضية وأصل التسمية وسيرة ابن إباض
نشأة الإباضية
أصل تسمية الإباضية
رفض الإباضية تبعيتهم إلى الخوارج
المنهج العملي للوصول إلى حقيقة الإباضية
سيرة عبد الله بن إباض
الإمام المحدث جابر بن زيد
اسمه ونسبه ومولده ونشأته
الإمام جابر طلبه للعلم وثناء العلماء عليه.
الإمام جابر وتدوين الأحاديث
الإمام جابر والإفتاء في البصرة ..
الإمام جابر وزهده
الإمام جابر وتصديه لفكر الخوارج
إثبات كون الإمام جابر إباضيًا
بداية التنظيمات السرية للإباضية في البصرة.
الإمام جابر بن زيد والمجتمع
علاقة الإمام جابر بالحجاج (1/933)
صفحة 934
دعوة جابر لقبيلة الأزد والأمصار الإسلامية
ثورة أزد عُمان ضد الأمويين.
نهاية الإمام جابر بن زيد: سجنه ونفيه ووفاته
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي
اسمه ونشأته
تطور الحركة الإباضية زمن أبي عبيدة
علاقة الإباضية مع الخليفة عمر بن عبد العزيز
المجالس السرية في الدعوة الإباضية
الإباضية والابتعاد عن الحكام
الإباضيون والمجتمع المغلق المتعاون
الحكومة الثورية السرية.
ثورة يزيد بن المهلب على الأمويين
تأتي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في إعلان الثورة.
الانتقال من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور وإعلان الدعوة.
نشر الدعوة الإباضية في شمال أفريقيا
أباطيل منسوبة إلى الإمام أبي عبيدة.
ضعف النشاط الإباضي في البصرة.
نتائج العمل السري للدعوة الإباضية
دول الإباضية
تأسيس الدولة الرستمية الإباضية.
مراحل بناء المجتمع الإباضي
فرق منشقة عن الإباضية (1/934)
صفحة 935
المبحث الثاني: تفسير بعض أحداث التاريخ الإسلامي عند الإباضية.
:أولاً: الصحابة عند الإباضيّة.
اجتهاد الصحابة عند الإباضية
101
الإباضيون ومواقفهم من الأحداث الدامية والنزاعات بين الصحابة ....... 102
خطاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لعشيرته وأهل بيته الطاهر
التحذير من الغلول والظلم
أحاديث الحوض.
ثانيًا: الإباضيون وخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.
الثورة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه
من
أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عثمان
رضي الله عنه فيما ورد في فضائله مع غيره ......... 122
عثمان رضي الله عنه
وولايته للأقارب
استعمال عثمان لبني أمية في الحكم.
استعمال عثمان للوليد بن عقبة.
حد الوليد بن عقبة في الخمر.
نظرتهم في تولية عثمان لعبد الله بن أبي السّرح.
ردة الحكم بن أبي عاصم إلى المدينة.
عثمان
عفان واتهامه بالتبذير من بيت المال. بن
اتهام عثمان بتولية صغار السن ...
اتهام عثمان بالتضييق على المسلمين في أرض الحمى.
اتهام عثمان بمخالفة النبي في صلاة السفر
اتهام عثمان بتحريف القرآن.
اتهام عثمان بأنه أنقص أهل بدر من عطاياهم
عثمان لم يحضر بدرًا وانهزم في أحد وغاب عن بيعة الرضوان
معاملة عثمان لبعض الصحابة (1/935)
صفحة 936
اتهام عثمان بإقطاع الأراضي لخاصته.
توسيع المسجد النبوي والمسجد الحرام.
اتهام عثمان بنكث العهد مع المتمردين.
مواقف الصحابة رضوان الله عليهم من مقتل عثمان رضي الله عنه ....... 167
ثالثًا: معركة الجمل:
محاولات الصلح قبل معركة الجمل.
محاورة القعقاع لطلحة والزبير رضي الله عنه
دور السبئية في نشوب الحرب
عدد القتلى في الجمل
نداء أمير المؤمنين علي بعد الحرب
رأي الإباضية في واقعة الجمل
تفقد أمير المؤمنين على للقتلى بعد الواقعة
موقف أمير المؤمنين علي ممن ينال من عائشة.
دفاع عمار بن ياسر عن أم المؤمنين عائشة.
هل استباحت السيدة عائشة أم المؤمنين قتال المسلمين في معركة الجمل؟
أمير المؤمنين على رضى الله عنه يرد عائشة إلى مكة مكرمة ........
ندم طلحة والزبير على ما حصل منهم.
رأي الإباضية في الزبير بن العوام رضي
الله عنه
طلحة
عبيد بن
الله
الله عنه
رضي
رابعا: معركة صفين.
دوافع معاوية في عدم البيعة
خروج معاوية إلى صفين (1/936)
صفحة 937
الدعوة إلى التحكيم
مقتل عمار بن ياسر وأثره على المسلمين.
فهم العلماء للحديث "تقتلك الفئة الباغية"
الرد على قول معاوية "إنما قتلته من جاء به".
عدد القتلى في صفين .....
تفقد أمير المؤمنين على القتلى وترحمه عليهم.
نتهي
أمير المؤمنين علي عن شتم معاوية ولعن أهل الشام
أبو موسى
الأشعري
الله عمرو بن العاص رضي
عنه
نص وثيقة التحكيم
قصة التحكيم المشهورة وبطلانها من وجوه وردت روايات تنقض تلك الروايات تماما.
- معاوية يرى أن عليا أحق بالخلافة. الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة.
حقيقة قرار التحكيم. مكان انعقاد الاجتماع
عمر بن عبد العزيز والقتال بين الصحابة.
خامسا: كتب شوهت تاريخ الصحابة.
الإمامة والسياسة المنسوب لأبي قتيبة.
2 كتاب نهج البلاغة
کتاب الأغاني للأصفهاني.
4 تاريخ اليعقوبي (1/937)
صفحة 938
الذهب للمسعودي مروج
الاستشراق والتاريخ الإسلامي
سادسًا: معركة النهروان
مناظرة ابن عباس للذين خرجوا عن خلافة علي كرم الله وجهه
تحديد المرجعية.
مناظرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لهم
مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي ومعركة النهروان
معاملة أمير المؤمنين عليّ للخوارج
سابعا: الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
ثامنا: نشأة الخوارج والتعريف بهم
صفات الخوارج
الغلو في الدين.
الجهل بالدين.
شق عصا الطاعة
التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم
الشدة على المسلمين
بعض الآراء الاعتقادية للخوارج
تكفير أصحاب الكبائر
طعن الخوارج وتكفيرهم بعض الصحابة
فرق الخوارج الأزارقة
النجدات (1/938)
صفحة 939
الصفرية.
تاسعا: موقف الإباضية من الخوارج.
آراء الإباضية في مسألة الخروج.
موقف الإباضية بالنسبة لخصومهم مع المسلمين "المخالفين".
سالم بن ذكوان
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني
الإمام أبو إسحاق اطفيش.
العلامة أحمد حمد الخليلي
العلامة أبو نبهان
العلامة نور الدين السالمي
الإمام العلامة أبو إسحاق إطفيش
الإمام الحافظ الربيع بن الحبيب
الشيخ علي بن يحيى معمر
علماء الفرق ورأيهم بالإباضية كما ذكر علي يحيى معمر
مقالات الإسلاميين "للأشعري"
البغدادي والإباضية في كتابه "الفَرْق بين الفِرَق
ابن حزم والإباضية
أبو المظفر الاسفراييني والإباضية
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
الشيخ محمد أبو زهرة والإباضية.
مصطفى بن صالح باجو
عامر النجار. (1/939)
صفحة 940
محمد سليم العوّا
التواتي التواني الأغواطي الجزائري
محمد بن الرحيم الزيني
ناصر بن سعيد بن سليمان السابعي
أحمد توفيق المدني
الشيخ عبد الحميد بن باديس
عمار الطالبي.
عبد العزيز المجذوب التونسي.
عوض محمد خليفات
مهدي طالب هاشم
- عز الدين التنوخي.
عاشرا: موقف الإباضية من الدولة الأموية.
العلامة أحمد حمد الخليلي وآراءه في الدولة الأموية.
استشهاد أمير المؤمنين علي رضي الله.
عنه
هل وثب معاوية على السلطة أما جاء صلحا؟
الشرعية التي كان يملكها الحسن
تقييم الحسن بن علي للموقف وقدراته القيادية ..
وجود بعض القيادات الكبيرة في صف الحسن بن علي رضي الله عنهما 354
معرفته أهل العراق.
تقييم عمرو بن العاص ومعاوية لقوات الحسن رضي الله
عنهم.
مراحل الصلح.
أهم الأسباب ودوافع الصلح (1/940)
صفحة 941
دعوة الرسول () للخليفة الحسن.
حقن دماء المسلمين.
- الحرص على وحدة الأمة.
مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي
شروط الصلح
الله عنه
ولاية العهد أم ترك الأمر شورى بين المسلمين؟
انتهاء عصر الخلافة الراشدة.
الإباضية ولعن أمير المؤمنين رضي الله عنه على المنابر.
الانتقادات التي وجهت لمعاوية بشأن البيعة ليزيد.
المآخذ على فكرة ولاية العهد في عهد معاوية
إسهاب الشيخ أحمد الخليلي في نقد الدولة الأموية
المبحث الثالث: أصول المذهب الإباضي وفقهه وقواعده
:أولاً: أصول المذهب الإباضي
القرآن الكريم
السنة النبوية.
السنة ومكانتها في التشريع وضلال من جحدها أو استخف بها .......
نصوص علماء الإباضية في جعل السنة مصدرًا مستقلًا للتشريع
3 الإجماع.
القياس
ثانيًا: الفقه الإباضي.
1 الجامع الصحيح في الفقه الإباضي
المادة الأصلية للفقه الإباضي. (1/941)
صفحة 942
الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الفوارق بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى في الأحكام الفقهية ......
المسح على الخفين كجزء من الوضوء
رأي وهبة الزحيلي في الفقه الإباضي
اجتهادات من علماء المذهب الإباضي.
انفتاح المذهب الإباضي على المذاهب السنية الأخرى
ثالثًا: أهم القواعد الفقهية المشركة المتفق عليها في علم أصول الفقه المالكي والإباضي ... 432
رابعا: الاجتهاد والتجديد
شروط بلوغ درجة الاجتهاد.
الشرط الأول: العلم بالقرآن الكريم.
الشرط الثاني: العلم بالسنة النبوية.
الشرط الثالث: العلم بمواقع الإجماع
الشرط الرابع: معرفة العربية لغة وإعرابًا وتصريفا وبلاغةً.
الشرط الخامس: معرفة أصول الفقه
الشرط السادس: العلم بمقاصد الشريعة.
الشرط السابع: المعرفة بالسيرة النبوية وسيرة الصحابة وأحوالهم
الشرط الثامن: تصور أحوال الناس والظروف التى يعيش
الشرط التاسع: الأمانة والتقوى
الاجتهاد مطلب شرعي في جميع القرون
معنى تجديد الدين.
مشکلات معاصرة باجتهاد من الفقهاء المعاصرين
خامسًا: الإمامة عند الإباضية وآراء أهل السنة. (1/942)
صفحة 943
شرط القرشية في الإمامة.
إمامة المتغلب
عبد الملك بن مروان أول خليفة ينتزع الخلافة بقوة السيف والقتال ......... 473
عزل الحاكم الظالم
الخروج على الحكام عند الإباضية.
القائلون بعدم جواز الخروج على الأئمة الظلمة
القائلون بالخروج على أئمة الجور والظلم
خلاصة فيما يتعلق بالخروج على الأئمة وعدمه.
سادسًا: التزكية والقيم عند الإباضية.
قواعد الدين وأركانه ومسالكه
قواعد الدين.
العلم
العمل
النية.
الورع
أركان الدين
مسالك الدين.
قواعد الكفر وأركانه
قواعد الكفر.
الإسلام
الدينونة للإسلام
الإنسان لم يخلق هملًا. (1/943)
صفحة 944
عمارة الأرض
مفهوم العبادة
الارتباط الوثيق بين الإيمان بالله واليوم الآخر.
أركان الإسلام هي أصول البر والإحسان
- المرحمة في نفوس المسلمين
العدالة.
الصدق والأمانة.
العفاف
القصد والاعتدال
الأمر بالعروف والنهي عن المنكر
الغرس والزرع
اتقاء الخبائث والمضار.
التدخين وضرره بالإنسان والبيئة.
خطورة الفاحشة على الإنسانية
تربية الأفراد على تأدية الحقوق
علاقة النعم بالاستقامة والانحراف
التحذير من التقول على الله يغير علم
ذكر الله وأثره في النفوس.
للشيخ الخليلي في برنامج سؤال أهل الذكر المتعلقة بالأخلاق ...... 571
أسئلة
خطورة آفة الكذب.
سابعاً: نظام العزابة.
العزابة (1/944)
صفحة 945
هيئة العزابة
-
مهام العزابة
المهام الدينية.
المهام الاجتماعية
المهام الاقتصادية.
- المهام التربوية
شروط الانتساب إلى العزابة.
نظام التعليم في مجالس العزابة
الهيئة الإدارية والتعليمية
- سير العمل الدراسي اليومي
استنتاجات
8 أوقات الدراسة في العزابة
9 أساليب الدراسة في مدارس العزابة.
المبحث الرابع: العقائد عند الإباضية
أولاً: الإيمان
علاقة العمل بالإيمان
المعصية والإيمان لا يجتمعان في إنسان.
ثانياً: مفهوم الإسلام عند الإباضية:
الفرق بين الإسلام والإيمان
زيادة الإيمان ونقصانه
المعصية والإسلام لا يجتمعان في إنسان
4 عوارض الإيمان (1/945)
صفحة 946
الشيطان.
الجهل
الدنيا
ثالثاً: الكفر وأقسامه.
1. كفر الشرك
- أحكام كفر الشرك.
2. كفر النعمة.
مرادفات كفر النعمة
أدلة كفر النعمة.
أحكام كفر النعمة.
توجيه الأحاديث الواردة في إطلاق لفظ الكفر على مرتكب بعض المعاصي.
ثالثًا: النفاق
1. أحكام المنافقين
إطلاق لفظ النفاق على مرتكب بعض المعاصي
رابعا: المعصية
الكبيرة.
2. أحكام الكبيرة
وعيد عصاة الموحدين.
الأدلة من القرآن الكريم
الأدلة من السنة النبوية.
3. حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة
أدلة أهل السنة على قولهم في مرتكب الكبيرة من القرآن الكريم (1/946)
صفحة 947
أدلة أهل السنة على قولهم في مرتكب الكبيرة من السنة
الأحاديث الواردة في إطلاق نفى الإيمان على مرتكب بعض المعاصي.
خامسًا: موانع انفاذ الوعيد
التوبة.
الاستغفار
الحسنات الماحية
دعاء المؤمنين
إهداء القربات
الشفاعة
المصائب المكفرة
العفو الإلهي
الكف عمّا شجر بين الصحابة
10. عدم لعن المعين
11. عدم الشهادة على معين من أهل القبلة بالنار
سادساً: الولاية والبراءة.
1. منازل الناس في الولاية والبراءة
الولاية في اللغة والإصطلاح.
البراءة: لغة واصطلاحًا.
2. حكم الولاية والبراءة
وجوب البراءة من مرتكب الكبائر عند الإباضية
البراءة حكم دنيوي.
الوقوف (1/947)
صفحة 948
- تقسيمات الولاية.
قسيمات البراءة.
أثر عقيدة الولاء والبراءة.
وسيلة دعوة إلى الفضيلة والالتزام بالشرع.
وسيلة التقويم الذاتي للسلوك
الإباضية ونظام الولاية والبراءة.
سابعًا: التوحيد
1. صفات الله تعالى
-
تنزيه الله تعالى مشابهة مخلوقاته
نفي
التشبيه
عن
نفي الحلول في الأمكنة.
عاقبة المشبهة
عجز الإفهام عن إدراك كنهه
النهي عن التفكير في ذات الله.
تأويل المتشابه.
وجود المتشابه في القرآن ومعناه.
سر وجود المتشابه في القرآن
- قولان باطلان في نصوص الصفات
مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديتها.
مذهب الخلف في آيات الصفات وأحاديثها
بين السلف والخلف
اختلاف موقف السلف في قضية الصفات (1/948)
صفحة 949
2. بعض تأويلات الإباضية.
في تأويل اليد
في تأويل الوجه.
في تأويل العين
في تأويل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]
3. موقف الإباضية من خالفهم في تأويل المتشابه
ثامناً: رؤيا الله عز وجل في الآخرة
1 من أدلة الإباضية على نفي الرؤيا
-
رأي الشيخ علي يحيى معمر في الرؤيا. رأي الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي في الرؤيا.
رأي عمرو النامي في الرؤيا.
2. أدلة المثبتين للرؤيا.
تاسعا: عصر المحنة بالقول بخلق القرآن (218 هـ إلى 232 هـ) ........... 786
1. اختيار العلماء وثبات الإمام أحمد بن حنبل.
2 رفض الأمة لفرض الآراء بالقوة.
3. الضربة القاضية للمعتزلة.
4 خلاف الإباضية في مسألة خلق القرآن.
الدكتور عمرو النامي
محمد عبد الرحيم الزيني.
العلامة أبي الحسن علي بن محمد البسيوي
الإمام محمد بن محبوم الرحيلي
العلامة أحمد الخليلي (1/949)
صفحة 950
أدلة القائلين بخلق القرآن
أدلة النافين لخلق القرآن
5 مناظرات بين أهل السنة والمعتزلة حوّل القرآن الكريم ..
مناظرة أبي عبد الرحمن الأذرمي الموصلي مع أحمد بن أبي داوود "ت: 240 هـ" بين الإمام أحمد بن حنبل والمتعصم.
مناظرة رجل من أهل السنة والجماعة مع أبي الهذيل العلاف. (ت 235 هـ). مناظرة ابن سحنون (ت 265 هـ) في مجلس الوزير ..
عاشراً: الأنبياء والكتب السماوية والملائكة.
-
الأنبياء عليهم السلام
الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
الإيمان بالكتب
4. الملائكة.
صفات الملائكة.
وظائف الملائكة
أثر الإيمان بالملائكة
الحادي عشر: الإيمان باليوم الآخر.
أثر الإيمان بالغيب
الموت.
حياة القبر
القيامة يوم
موعد يوم القيامة.
البعث (1/950)
صفحة 951
الميزان
الصراط والحساب
- الجنة والنار
5. الشفاعة
أقسام الشفاعة عند أهل السنة
شروط الشفاعة الصحيحة. أنواع الشفاعة
الثاني عشر: الإيمان بالقضاء والقدر
الفرق بين القضاء والقدر
حكم الإيمان بالقضاء والقدر
القدر سر من أسرار الله
أفعال العباد
الرزق والأجل.
العصمة والخذلان
نماذج من آثار العقيدة.
تعظيم الله تعالى
شكر النعمة
الطاعة.
كثرة العبادة ..
الذكر والدعاء ..
اتقاء الشبهات.
المحاسبة (1/951)
صفحة 952
الجهاد
الإنفاق.
الزهد.
التواضع ..
الاقتداء بالصالحين.
العزة
التحرر
التكافل والتآخي.
كشف الكرب
احترام حقوق الجيران.
مقابلة الإساءة بالإحسان.
الاتحاد
الخلاصة
المراجع
الفهرس
كتب صدرت للمؤلف (1/952)
صفحة 953
كتب صدرت للمؤلف:
1. السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث
2. سيرة الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: شخصيته وعصره.
3. سيرة أمير المؤمنين عمر بن
4 - سيرة أمير المؤمنين عثمان
الخطاب رضي
بن عفان رضي
الله عنه: شخصيته وعصره.
الله عنه:
ه: شخصيته وعصره.
5. سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: شخصيته وعصره.
6. سيرة أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب: شخصيته وعصره. 7. الدولة العثمانية: عوامل النهوض والسقوط.
8. فقه النصر والتمكين في القران الكريم.
9. تاريخ الحركة السنوسية في إفريقيا.
10. تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي. 11. عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين.
12. الوسطية في القران الكريم.
13. الدولة الأموية، عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار.
14. معاوية بن أبي سفيان، شخصيته وعصره.
15. عمر بن عبد العزيز، شخصيته وعصره.
16. خلافة عبد الله بن الزبير.
17
عصر الدولة الزنكية.
18. عماد الدين زنكي.
19 - نور الدين زنگي.
20. دولة السلاجقة.
21 - الإمام الغزالي وجهوده في الإصلاح والتجديد.
22. الشيخ عبد القادر الجيلاني.
23. الشيخ عمر المختار. . 24. عبد الملك بن مروان وبنوه.
952 (1/953)
صفحة 954
25. فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة.
26. حقيقة الخلاف بين الصحابة.
27. وسطية القرآن في العقائد.
28. فتنة مقتل عثمان.
29. السلطان عبد الحميد الثاني.
30. دولة المرابطين.
31. دولة الموحدين.
32. عصر الدولتين الأموية والعباسية وظهور فكر الخوارج.
33. الدولة الفاطمية.
34. حركة الفتح الإسلامي في الشمال الأفريقي.
35. صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير البيت المقدس.
36. استراتيجية شاملة لمناصرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، دروس مستفادة من الحروب الصليبية. 37 ـ الشيخ عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء.
38. الحملات الصليبية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة) والأيوبيون بعد صلاح 39. المشروع المغولي عوامل الانتشار وتداعيات الانكسار.
40. سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت في عهد المماليك.
41. الشورى في الإسلام.
42 ـ الإيمان بالله جل جلاله.
43. الإيمان باليوم الآخر.
44. الإيمان بالقدر.
45. الإيمان بالرسل والرسالات.
46. الإيمان بالملائكة.
47. الإيمان بالقران والكتب السماوية.
48. السلطان محمد الفاتح.
49. المعجزة الخالدة.
50 - الدولة الحديثة المسلمة، دعائمها ووظائفها.
الدين.
953 (1/954)
صفحة 955
51. البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة.
52. التداول على السلطة التنفيذية.
53. الشورى فريضة إسلامية.
54 - الحريات من القرآن الكريم حرية التفكير وحرية التعبير والاعتقاد والحريات الشخصية.
55. العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية.
56. المواطنة والوطن في الدولة الحديثة.
57. العدل في التصور الإسلامي.
58. كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي.
59. الأمير عبد القادر الجزائري.
60. كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، سيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، الجزء الثاني.
61. سُنة الله في الأخذ بالأسباب.
62. كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، وسيرة الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
63. أعلام التصوف السني "ثمانية أجزاء".
***
954
64. الإباضية: مدرسة إسلامية بعيدة عن
الخوارج. (1/955)
صفحة 956
د. علي محمد محمد الصلابي
مفكر ومؤرخ وفقيه
- ولد في مدينة بنغازي بليبيا عام 1383 هـ / 1963 م
- نال درجة الإجازة العالمية (الليسانس) من كلية الدعوة وأصول الدين
من جامعة المدينة المنورة عام 1993 م، وبالترتيب الأول.
- حصل على درجة الماجستير من كلية أصول الدين في جامعة أم درمان الإسلامية عام 1996 م.
نال درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بأطروحته فقه التمكين في القرآن الكريم من جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان عام 1999 م. - اشتهر بمؤلفاته واهتماماته في علوم القرآن الكريم والفقه والتاريخ والفكر
الإسلامي.
-
زادت مؤلفات الدكتور الصلابي عن ستين مؤلفًا أبرزها:
السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث
سير
الخلفاء الراشدين
الدولة الحديثة المسلمة
الدولة العثمانية عوامل النهوض والسقوط
فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح
وسطية القرآن الكريم في العقائد.
صفحات مشرقة من التاريخ الإسلامي.
تاريخ كفاح الشعب الجزائري
العدالة والمصالحة الوطنية
وآخر مؤلفاته "الإباضية. مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج".
955 (1/956)
صفحة 957
www.alsallabi.com
0000 (1/957)