صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية مذهب إسلامي معتدل
المؤلف: علي يحيى معمر
قدم له وعلق عليه: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1430ه/ 2009م
الطبعة: 3
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/757
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 09 ربيع الأول 1447ه/ 02 - شهر 09 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقا و الشون الدينية المديرية المياة للوعظ والارشاد دائرة الحو الدينية
الإباضية
مذهب إسلامي معتدل
تأليف الشيخ
علي يحيى معمر
رحمه الله
قدم له وعلق عليه أحمد بن سعود السيابي
الطبعة الثالثة
1430 هـ - 2009 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان وزارة الأوقا و الشون الدينية للمديرية العامة للوعظ والرماد دائرة النحو الدينية
الإباضية
مذهب إسلامي معتدل
تأليف الشيخ
علي يحيى معمر
رحمه الله
قدم له وعلق عليه أحمد بن سعود السيابي
الطبعة الثالثة
1430 هـ - 2009 م (1/2)
صفحة 3
تقديم
1 - المؤلف مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ العلامة الأديب المؤرخ «علي يحيى معمر، ولد وخرج إلى هذه الحياة سنة 1337 هـ - 1919 م حيث صافحت عيناه النور في قرية تكويت من إقليم نالوت في «ليبيا»،
ونشأ وترعرع في أسرة صالحة كريمة على جانب كبير من الصلاح والاستقامة والمحافظة على مقتضيات الدين وواجباته، وكان لتلك التربية الصالحة والتنشئة المستقيمة أثر طيب انعكست إيجابياته على حياة الشيخ «علي»، فشاب على ما شب عليه من الاستقامة والنزاهة وحسن السلوك.
حياته الدراسية
ابتدأ حياته العلمية بالالتحاق بإحدى مدارس القرآن العظيم كعادة أبناء المسلمين، امتثالا لأمر الرسول علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو، فدخل مدرسة الشيخ عبدالله بن مسعود الكباوي»، بعدها انتقل إلى المدرسة الإبتدائية فأظهر نبوغا فائقاً وذكاءاً حاداً، وموهبة وقادة امتاز بها بين زملائه، ولفت بذلك أنظار أساتذته، وكان من محاسن الصدف، ومشيئات القدر مجيئ الشيخ العالم رمضان بن يحيى الليني الجربي التونسي إلى ليبيا والشيخ الليني من طلبة قطب الأئمة «محمد بن يوسف اطفيش، رضوان الله عليه، فانضم المؤلف إلى حلقته، ولازمه ملازمة تنم عن رغبة الطالب وحرصه وسعة علم الشيخ وحسن إفادته، وبعد أن نمت مواهبه العلمية وقوي إدراكه لشتى فنون العلم رنا ببصره خارج الحدود الليبية وكانت تونس وجهته فدفعه طموحه إلى السفر إليها، وتم له السفر إلى جزيرة جربة حاضرة العلم بالقطر التونسي سنة 1347 هـ - 1927 م مقتفياً أثر شيخه الليني» الذي عاد إليها قبل هذا الوقت بقليل، فانضم إلى حلقته مرة ثانية
-- (1/3)
صفحة 4
ولازمه واغترف من معين علمه الذي يعتبر امتداداً لعلم قطب الأئمة
محمد بن يوسف، ذلك العملاق العلمي العظيم.
وبعد ذلك انتقل إلى تونس العاصمة حيث التحق بجامع الزيتونه، الجامع العريق في تونس، وفي عام 1357 هـ - 1937 م شد الرحيل إلى الجزائر موليا وجهته شطر «معهد الحياة بالقرارة بوادي ميزاب ذلك المعهد الذي يعتبر واحداً من أهم صروح العلم والمعرفة في العالم الإسلامي، فالتحق به طالبا، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ظهر لأشياخه مستواه العلمي الجيد، ومايملكه من أرضية علمية قادرة على العطاء، فأسندت إليه مهمة التدريس في المعهد، فصار تلميذاً ومدرساً في آن واحد، الأمر الذي حفزه على المزيد من البحث والتنقيب عن مكونات العلم ودقائقه، وعن مرويات الأدب وروائعه، وقد استفاد علماً كثيراً خلال وجوده بمعهد الحياة وخاصة من الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيوض، والشيخ «عدون» مدير المعهد حالياً، وظل على هذا الحال سائراً على هذا المنوال حتى سنة 1365 هـ - 1945 م فقفل عائداً إلى وطنه «ليبيا» ليؤسس
بها نهضة فكرية.
نشاطاته:
لقد كان من أبرز أوائل نشاطاته إنشاؤه جمعية في «جربة» بتونس، مهمتها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثناء وجوده بمعهد الحياة بالجزائر وجد أرضا خصبة وجواً صالحاً لتعدد نشاطاته الهادفة المركزة من تكثيف في إلقاء الدروس ومشاركة فعالة في الجمعيات الأدبية والفرق الرياضية والمسرحية بالمعهد.
وكان من أبرز محرري مجلة الشباب التي كانت يصدرها طلبة المعهد، كما برز فى إنشاء الأناشيد المعبرة أوحتها إليه البيئة الوطنية الثائرة، يقول أحد المشايخ عن تلك الأناشيد: أناشيده تلهب المشاعر وتحرك الشجون وتترك الجبان الرعديد ليثا هصورا، وعندما رجع إلى وطنه «ليبيا» شمر عن ساعد الجد وكشف عن ساق الجهد، وأخذ يعمل على الرفع من مستوى أبناء وطنه فكرياً وعلمياً، وأنشأ مجلة سماها (1/4)
صفحة 5
اليراع، ولكنها صودرت لأسباب سياسية بعد أن صدر منها ثلاثة أعداد. ثم حاقت به ضائقة مالية أفرزتها أسباب اجتماعية وظواهر كونية، فلم يجد بدأ من اللجوء إلى العمل الوظيفي الرسمي فتعين مدرساً ثم تدرج وظيفياً من مدرس إلى مدير مدرسة إلى موجه تربوي فموثق تربوي ثم استقر به المطاف وطاب له المقام في طرابلس الغرب، في وظيفة محترمة بوزارة التربية والتعليم مبجلاً مكرماً من زملائه ومسئوليه المباشرين، وقضى حياته شعلة من النشاط لا تنطفئ، وهمة من العمل لا تفتر وعزيمة في مواجهة الأحداث لاتلين، فكان يلقي الدروس والمواعظ وينشر المقالات الدينية والأدبية في عدد من الصحف المشهورة في العالم، كما أنه تحقق على يديه كثير من المصالح منها تأسيس مدرسة ابتدائية ومعهد للمعلمين في بلدة
«جادو» وجمعية الفتح ومدرسة الفتح في طرابلس. وكان للتأليف نصيب كبير واهتمام وافر من جهوده ووقته فألف العديد من المؤلفات القيمة المتميزة بالعرض الجيد والتحليل العميق.
مؤلفاته:
1 - الإباضية في موكب التاريخ (أربع حلقات)
- الإباضية بين الفرق الإسلامية.
- سمر أسرة مسلمة.
- الميثاق الغليظ
ه - الفتاة الليبية ومشاكل الحياة.
- الأقانيم الثلاثة أو «آلهة من الحلوى».
الإسلام والقيم الإنسانية.
فلسطين بين المهاجرين والأنصار
أجوبة وفتاوى.
10 - صلاة الجمعة.
11 - أحكام السفر في الإسلام.
12 - مسلم ولكنه يحلق ويدخن.
13 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (1/5)
صفحة 6
14 - الحقوق في الأموال.
15 - الإباضية مذهب إسلامي معتدل الذي هو بين يدي القارئ». 16 - دواوين شعر وعددها ثلاثة ولكنه أحرقها، ولم يبق من شعره إلا مانشر في الصحف والمجلات، وآخر ما سال به يراعه وفاضت به قريحته قصيدة شعرية قالها في مهرجان «ذكرى أبي اليقظان الذي أقامته جمعية البلابل الرستمية، في غرداية بالجزائر سنة 1979 م نقتطف منها هذه الأبيات:
دعتني إلى الذكرى بلابل رستم وقالت أبو اليقظان يرحمه الله تقام له الذكرى فهل أنت حاضر لتلقي خطابا أو تشيد بذكراه
سلام أبا اليقظان ما قام شاعر يغني بليلاه ويشدو بنجواه غدا لك الشعر مملوكاً تذل مطاياه
كما كنت في عهد الشباب وقد
بكل فم ليلى يردد ذكراها
ويحظى بلقياه وتحظى بلقياه
وليلى أبي اليقظان أمة أحمد له وحدها قد صاغ ما كان غناه
ولا طرب الوادي ومالت حناياه
فلولاه ما كانت بلابل رستم سلام أبا اليقظان ما ظل كاتب ينسق أشتات البيان ومعناه على صفحات للجرائد طرزت أنا ملك العجفاء ما يعلم الله إلى أن قال بعد أن ذكر الصحف التي أصدرها شيخ الصحافة
الجزائرية أبو اليقظان:
ثمان من الصحف العزيزة عطلت دعوت بها للحق والحق مرهق
ولكن صوت الحق عاشت قضاياه تحاربه الأعداء دوما وتخشاه
وهكذا شعره يمتاز بروعة المعنى وسلاسة المبنى وله أيضاً عدد كبير من المقالات والبحوث وعلق على عدد من الكتب وله
مسرحيتان:
الأولى: مسرحية ذي قار وهي ذات مغزى سياسي.
الثانية: مسرحية «محسن».
-1 - (1/6)
صفحة 7
وفاته: انتقل المؤلف إلى رحمة الله تعالى وأسلم الروح إلى بارئها في السابع والعشرين من شهر صفر 1400 هـ - الموافق 1980/ 1/15 م بعد أن تدهورت صحته تحت وطأة الضغوط السياسية.
2 - الكتاب
كتاب الإباضية مذهب إسلامي معتدل، هو آخر ما ألفه الشيخ علي يحيى معمر، أو انه من أواخر تآليفه وكان هذا الكتاب في الأصل بحثا أعده المؤلف لموسوعة الحضارة العربية، ثم توسع فيه حتى صار
على هذا الشكل والمضمون وقد فرغ من تأليفه سنة 1399 هـ - 1979 م. وحدثني فضيلة الشيخ الفقيه محمد بن الشيخ، أستاذ الفقه وأصوله بمعهد الحياة بالجزائر، فقال كنا في شهر رمضان من عام 1399 هـ في ليبيا فأطلعنا الشيخ علي يحيى معمر، على كتابه الإباضية، وقال لنا: إن هذا الكتاب سيكون آخر مؤلفاتي عن المذهب الإباضي، وعليكم أن تواصلوا المسيرة في هذا الموضوع وتوضحوا للناس مبادئ هذا المذهب وتتحملوا الدفاع عنه) .. وبعد هذا اللقاء بأشهر قليلة توفي الشيخ «علي» وإنه لمن فضل الله تعالى وصول هذا الكتاب إلى الأستاذ الفاضل محمد أطفيش، بدار الكتب المصرية بالقاهرة في أوراق مكتوبة بالآلة الكاتبة، وقام مشكورا بإرسالها إلى شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي مفتي السلطنة العمانية، فدفعها إليَّ لنشرها لتعم فائدتها، وقد تزامن مع وصول الكتاب أو الأوراق إلينا وجود بعض الإخوة من أساتذة معهد الحياة بالجزائر، منهم الأخ الأديب الكاتب محمد ناصر بوحجام،
- V - (1/7)
صفحة 8
- أستاذ الأدب العربي في المعهد فأخذوا نسخة مصورة منه وقام الأستاذ محمد بو حجام، بطبعه في الجزائر تحت عنوان «الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، ووضع له مقدمة قيمة وترجمة مفيدة عن حياة المؤلف استقينا منها معلوماتنا المدونة أعلاه عن المؤلف رحمه الله، ولكن الأوراق التي وصلت إلينا لاتحمل عنوانا للكتاب، وإنما جاءت في أولها هذه العبارة «الإباضية مذهب من
المذاهب الإسلامية المعتدلة، وإلى القارئ صورة منها.
وقد يكون المؤلف أراد من هذه العبارة أن تكون عنوانا للكتاب إلا أن الشيخ المفتي اختار له عنوان أضواء على الإباضية، فظهرت الطبعة الأولى منه تحت هذا العنوان.
أما الأستاذ محمد بو حجام، فقد نشره في الجزائر بعنوان الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم .... وقد رأينا في هذه الطبعة أن يكون عنوان الكتاب الإباضية مذهب إسلامي معتدل اقتراباً من العبارة التي وضعها المؤلف وصدر بها كتابه على أن كتاب الإباضيه مذهب إسلامي معتدل وإن كان صغير الحجم إلا أنه كبير المعنى عظيم الفائدة. وقد ضمنه المؤلف لمحة تاريخية عن نشأة المذهب كما ضمنه أصول الإباضية العقائدية والتشريعية والسياسية والفقهية والاجتماعية بعبارات جامعة توحي بالشمولية والدقة. وخلاصة القول إن هذا الكتاب يقدم للقارئ الخطوط العريضة للمذهب الإباضي ونسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل .. أحمد بن سعود السيابي
- ^ - (1/8)
صفحة 9
الإباضية
الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة وإلى
القارئ صورة له ملخصة في الفقرات التالية:
لمحة تاريخية:
إمام الإباضية أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، ولد سنة 22 للهجرة، وتوفي سنة 96 هـ على أرجح الأقوال ()، وعلى هذا الاعتبار فهو أول المذاهب المعتدلة نشوءا.
نسب أتباع هذا المذهب إلى عبد الله بن إباض التميمي - أحد رجالهم المشهورين - نسبة غير قياسية، ساهم بذلك بعض ولاة الدولة الأموية في عهد عبدالملك بن مروان فيما يبدو، وبسبب المراسلات والمناقشات الطويلة التي جرت بين عبدالله وعبد الملك، ولحركته النشطة في نقد سلوك الحكم الأموي، بابتعاده عن منهج الخلفاء الراشدين السابقين ودعوته الصريحة لحكام الدولة إلى الاعتدال أو اعتزال أمور الناس، ثم لمواقفه الجدلية المتصلبة ضد الخوارج، بحيث ظهر عند العامة بمظهر الزعيم.
أما الإباضية أنفسهم فقد كانوا يسمون أنفسهم أهل الدعوة ولم يعرفوا بالإباضية إلا بعد موت «جابر» بزمان، ولم يعترفوا بهذه التسمية إلا بعد ذلك عندما انتشرت على ألسنة الجميع، فتقبلوها
تسليما بالأمر الواقع عن الآخرين.
(1) الراجح أن وفاته سنة 93 هجرية.
- 4 - (1/9)
صفحة 10
الإمام الثاني للإباضية هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أخذ العلم عن جابر وغيره، وعن طلابهما انتشر المذهب الإباضي في أغلب بلاد الإسلام، وقد اشتهر من أولئك الطلاب حملة العلم إلى المشرق وحملة العلم إلى المغرب.
وقد ابتدأ التأليف والتدوين عندهم مبكراً، فقد ألف «جابر» ديوانا ضخما جمع فيه روايته وآراءه على ما تقول كتب التاريخ، ولكنه ضاع في العهد العباسي وألف الربيع بن حبيب، صحيحه في القرن الثاني، ولايزال هذا الكتاب معتمد الإباضية في السنة، وهو أعلى درجة من صحيحي البخاري ومسلم لأنه ثلاثي السند، وألف عبدالرحمن بن رستم تفسيراً للقرآن وألف هود بن محكم الهواري، أيضا تفسيراً للقرآن، وألف أبو اليقظان محمد بن أفلح، عدة كتب في الاستطاعة وألف أبو غانم بشر بن غانم، مدونته في الحديث والآثار كل هذه في القرنين الأول والثاني، بل هناك عدة مؤلفات أخرى في تلك الفترة، ثم توالى التأليف في فروع الثقافة الإسلامية في كل عصر من العصور التالية.
ولعله لو قام باحث بإحصاء جميع الكتب التي ألفها الإباضية واستخرج نسبتها المئوية إلى عددهم ثم فعل مثل ذلك في بقية المذاهب، ثم قارن بين نسب الجميع لوجد نسبة الإباضية من أعلى النسب إذا لم تكن أعلاها. وقد ضاع منها الكثير للملاحقة السياسية التي لم تتوقف في أي زمان عن مطاردتهم ومضايقتهم بشتى الأساليب والصور، تبلغ أحيانا إلى حرق الكتب والمكتبات، وفي أحيان كثيرة تكون أصابع الفقهاء المتعصبين وراء أجهزة السلطة تحركها لإلحاق الأذى بمخالفيهم وإلى الآن لاتزال أكثر كتب الإباضية وأهمها مجهولة حتى عند الإباضية أنفسهم فضلا عن غيرهم. ولذلك عدة
- 1.- (1/10)
صفحة 11
أسباب منها:
1 - حرص من ملك مخطوطاتها وضنه بها خوفا من الضياع وقد مرت بهم تجارب مريرة ضاعت فيها كتب قيمة.
2 - الوضع القلق الذي كانوا يعيشون عليه والذي يفرض على الكثير منهم الانتقال من مكان إلى مكان هروبا بالنفس في حالات لا تسمح بالاحتفاظ بكل الأشياء الثمينة لاسيما إذا كانت ثقيلة الوزن.
- التعصب المذهبي الانغلاقي من الطرفين أي من بعضهم ومن بعض مخالفيهم.
4 - لم يتح لها ما أتيح لغيرها من كتب المذاهب الأخرى، لاسيما في العصر الحديث، فقد تولت الدول الإسلامية بمختلف مذاهبها نشر كتبها وكونت من أجل ذلك مؤسسات ضخمة تولت توزيعها وإيصالها إلى كل مكان، وانتشرت بين الناس. أما كتب الإباضية بالإضافة إلى أنه مضيق عليها لايزال نشرها مقصوراً على الجهود الفردية ولذلك فلم ينتشر منها إلا بعض الكتب المختصرة الصغيرة. أما أمهات الكتب التي تتكون من عشرات الأجزاء فلا يزال مالم يضع منها مرهوناً في مكتبات فردية تنتظر الأنامل تنفض عنها الغبار ولا أحسب أن ذلك قريب).
(1) لقد كانت وفاة المؤلف رحمة الله قبل أن يرى ما يسره ويبهجه من نشر كتب المذهب وأمهات كتبه، فقد تم بحمد الله وتوفيقه طبع جزء كبير من ذلك التراث الضخم العريق وظهرت الكتب الإباضية بمختلف أنواعها وأحجامها وفنونها وأصبحت في متناول يد كل راغب في القراءة والاطلاع وذلك بفضل جهود وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان وهمة سمو وزيرها السيد فيصل بن علي آل سعيد.
-11 - (1/11)
صفحة 12
إن المكتبة الإباضية تضم ثروة هائلة في علوم الشريعة والعربية ورغم أن أكثرها وأهمها غير مطبوع إلا أن الباحث المتقصي والذي لا ترده الصعاب قد يستفيد منها فوائد جمة إذا تعنى وذهب إليها حيث هي قابعة في خزائن أصحابها.
وقد انحسر الإباضية من أكثر البلدان التي انتشروا فيها فلم يبقوا إلا في: 1 - عمان: وأغلب سكان عمان الآن على المذهب الإباضي، وقد تكونت لهم هناك دولة مستقلة عن دار الخلافة منذ العهد الأموي حتى الآن، تسير أحيانا على منهج الإمامة، وأحيانا على
منهج الملكية وأحياناً تنقسم إلى دولتين: إمامية، وملكية.
وقد ازدهرت فيها الحركة العلمية ونبغ فيها أئمة عظام، وألفت فيها موسوعات علمية بلغت سبعين جزءا لاتزال تنتظر الأيدي التي تنفض عنها الغبار وتنشرها للناس (1).
وازدهرت فيها الحياة الاقتصادية وبنت أساطيل ضخمة للتجارة كانت تجوب المحيط الهندي على سواحل أفريقيا الشرقية وجنوب آسيا وتطور أسطولها التجاري إلى أسطول حربي عظيم استطاع أن يصد الهجمات الغربية الشرسة لاستغلال ثروة الشرق وأن يقف في قوة وحزم أمام التغلغل البرتغالي ثم في وجه الاستعمار الإنجليزي
2 زنجبار كان أغلب سكان زنجبار من الإباضية، وكانت لهم هناك دولة ملكية كان لها نشاط جيد في نشر الثقافة الإسلامية،
(1) تم طبع العديد من هذه الكتب في السنوات الأخيرة وتقوم وزارة التراث القومي والثقافة مشكورة بجهود طيبة بطبع ونشر هذه الموسوعات والكتب.
- IT- (1/12)
صفحة 13
وتولى بعض سلاطينها نشر بعض الكتب في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ، وكان لأهل زنجبار أياد طويلة في نشر الإسلام في شرق ووسط وجنوب أفريقية بسبب العلاقات الاقتصادية الطيبة التي كانت تربطهم بتلك الجهات، وكانت سلطنة زنجبار تكون مع دولة عمان قوة رادعة لحماية الثغور الواقعة على ساحل المحيط الهندي.
وعندما قامت الثورة الشيوعية في تانجانيقا استطاعت أن تطيح بدولة زنجبار وأن تضمها إلى تانجانيقا تحت اسم تانزانيا. وشرد المسلمون والعرب وأتلفت مصادر الثقافة الإسلامية فأحرقت
الكتب وقضي على العلماء.
ليبيا: كان أغلب سكان ليبيا من المذهب الإباضي ثم انحسر فلم يبق إلا في جبل نفوسة وزوارة. قامت للإباضية في الجناح الغربي من ليبيا دول في فترات قصيرة متقطعة ما بين سنتي (135 - 155 هـ) تولاها ثلاثة أئمة نقلت عنهم أخبار جيدة في الاستقامة والنزاهة والعدل وإن كان قصر مدة كل واحد منهم في الحكم تحول دون التقويم الصحيح لما كان يمكن أن يقوم به لو طال به أمد الحكم.
كان لإباضية ليبيا نشاط علمي واضح، لاسيما في الفترة الواقعة ما بين القرنين الثالث والعاشر. وقد اشتهر لهم عدد كبير من العلماء والأئمة تركوا عددا من المؤلفات القيمة، كما اشتهرت لهم مدارس عامرة بأنظمة تربوية رائعة، زودت بأقسام داخلية لإقامة الطلبة الغرباء تحت إشراف مربين ممتازين، وقد اهتموا أيضا بتعليم المرأة، وخصصوا لها مدارس ووفروا لها إقامة
- IT- (1/13)
صفحة 14
داخلية للغريبات منهن تحت إشراف مربيات قديرات. فنبغ منهن عالمات جليلات سجلت لهن آراء وأقوال في مسائل الشريعة. وكان بعضهن يشتركن في مناظرات مع كبار العلماء ويسجلن على بعضهم فوزاً واضحاً، وكان لبعضهن مواقف حازمة في قضايا خطيرة من شؤون السياسة والمجتمع.
وكان لهم نشاط اقتصادي ملحوظ وتجارة متبادلة مع بعض البلدان الإفريقية مثل تشاد والسودان وغيرها مما كان سببا في إدخال الإسلام إلى بعض تلك البلدان أو توسيع نشره فيها، وتثبيت معتنقيه عليه.
تونس: كان أغلب سكان الجنوب التونسي على المذهب الإباضي ثم انحسر فلم يبق إلا في جزيرة جربة.
كان للإباضية في تلك المنطقة نشاط علمي مزدهر، وفيه تكونت جمعيات علمية للتأليف وكانت أول جمعية تتكون من سبعة علماء تأسست في أوائل القرن الخامس اشتركت في تأليف موسوعة فقهية في خمسة وعشرين جزءا أطلق عليها إسم ديوان الأشياخ ويعتبر هذا الديوان من أهم المراجع في الفقه الإباضي، وهو لايزال محفوظا في المكتبات الخاصة وربما وجدت منه أجزاء في دار الكتب المصرية.
وبعده تم تأليف ديوان العزابة، اشترك في تأليفه عشرة من العلماء أما مؤلفات الأفراد فكثيرة وكان اهتمام أصحاب هذه المنطقة بتاريخ الإباضية أكثر من اهتمام، غيرهم وكان لهم أيضاً نشاط تجاري يمتد إلى جميع الاتجاهات ولاسيما إلى «مالي، مما ساعد على نشر الإسلام وتعريف أهالي تلك المناطق به.
- 18 - (1/14)
صفحة 15
وفي العصر الأخير ولاسيما في عهد الاستعمار الفرنسي سيطر أهل جربة على التجارة في تونس وكانوا سدا منيعا دون التغلغل اليهودي في الاقتصاد التونسي مما أحنق عليهم اليهود وأنصارهم من المستعمرين.
ولكن ذلك لم يكن مبعث فشل لهم بل مبعث صمود وتحد. ولقد كان لهم في خبرتهم وابتكارهم لأساليب جديدة وصبرهم وتضحيتهم ما كفل لهم النجاح، وأبقى الاقتصاد التونسي بأيدي التونسيين حتى انزاح كابوس الاستعمار وانقشعت سحب الصهيونية ولم يبق إلا أبناء تونس الأحرار الكرام.
5 - الجزائر
كان أغلب سكان الجزائر على المذهب الإباضي وقامت لهم هناك دولة فيما بين (160 - 296) للهجرة، تعاقب عليها ستة أئمة متتابعين واشتهرت باسم الدولة الرستمية». وقد شمل نفوذها بالإضافة إلى أغلب الجزائر الجنوب التونسي والجناح الغربي من ليبيا.
ولعل أخصر عبارة نصور بها تلك الدولة هي ما قاله الأستاذ يحيى بو عزيز في كتابه الموجز في تاريخ الجزائر، ص 92 قال: (ولقد كان نظام الحكم فى الإمارة شوريا يطبق أئمتها أحكام القرآن والسنة، وسعوا جهدهم لإصلاح الأوضاع، فانتشرت الثقافة العربية بشكل ملحوظ، كما راجت الأعمال التجارية والفلاحية والعمران وغدت مدينة تيهرت التي جددوا بناءها ووسعوا عمرانها، ملتقى القوافل التجارية، ووفود طلاب العلم). انتهى ..
لقد حققت الدولة الرستمية في الفترة التي حكمت فيها كثيرا من الازدهار فنشرت العدل وأمنت السبل وكفلت الحريات
-10 - (1/15)
صفحة 16
وعممت التعليم وعمرت المساجد ودور العلم، واتسعت الأسواق وازدهرت التجارة ازدهارا كبيرا وعقدت اتفاقات اقتصادية وسياسية مع دول الجنوب، فانتشر الرخاء بين الناس، وأصبحت حياة النعيم ملحوظة على الجميع، ولكنها وقفت بحزم لمحاربة الرذيلة وما تجره حياة الرفاهية من مساوئ في الأخلاق وانحلال في السلوك.
أما أئمتها فقد كانوا يتمتعون بقسط وافر من العلم مع ورع وتقوى، واشتغل أكثرهم بالتدريس واشتغل بعضهم بالتأليف وبعد سقوط الدولة الرستمية إلتجأ الإباضية إلى الواحات، وكان لهم في بعضها حضارة مزدهرة، ثم تعاونت عليهم ظروف قاسية مؤلمة بعضها من البشر، وبعضها من الطبيعة، فانحسروا إلى وارجلان ووادي ميزاب حيث حافظوا على نمط حضاري قل أن تجد له شبيها في مثيلها من الواحات، كما حافظوا على وضع شبه مستقل باستمرار، فقد اتفقوا مع ولاة العهد العثماني أن لا يدخلوا إلى بلادهم على أن يدفعوا لهم ضريبة محددة يحملونها هم أنفسهم إلى الدولة، ولا يدخل جباة الدولة إليهم، فلما جاءت فرنسا وتغلبت على المغرب الإسلامي استطاعوا أن يصلوا معها إلى نفس الوضع فاتفقوا معها على عقد حماية لا احتلال، واتفقوا معها على أن يدفعوا إليها نفس الضريبة التي كانوا يدفعونها إلى الأتراك ويحملونها هم أنفسهم إلى أقرب مركز لحكم فرنسا، على أن لا تدخل إلى بلادهم وأن لا تتدخل في شيء من شئونهم، وقد بقيت اتفاقية الحماية بينهم قائمة إلى قيام الثورة الجزائرية العامة رغم خرق فرنسا لبعض بنودها، فلما قامت الثورة توحدت الجزائر كلها تحت راية الجهاد، وهبت
-17 - (1/16)
صفحة 17
جميعا لمطاردة الاستعمار بكل أشكاله، وقد كلل جهادها بالنجاح وانتظمت جميع أطراف البلاد تحت نظام حكم واحد، هو النظام الذي اختاره الشعب الجزائري بجميع فئاته ليبني به مستقبله المشرق على أسس متينة من ماضيه المجيد.
وقد كانت المناطق التي يسكنها الإباضية في الجزائر تعج بحركة علمية دائبة، وفي بعض واحاتها تم تنسيق النظام التربوي الدراسي الذي عرف بنظام العزابة» والذي تطور فيما بعد حتى أصبح نظامًا تربويا إداريا اجتماعيًا شاملا، ولايزال معمولا ببعض بنوده، أما ما يتعلق بالجوانب السياسية والقضائية فقد تولته الدولة بعد الاستقلال ونظام العزابة، عند نشأته في القرن الخامس يعتبر وثيقة تربوية لزمانها، ويكفي أنه اهتم بتوحيد الزي وملاحظة الفروق الفردية بين الطلاب والعناية بالمعوقين وإعداد الأقسام الداخلية للطلبة المغتربين تحت إشراف تربوي دقيق والقيام برحلات طلابية للتدريب العملي والتوجيه والتقويم، وأرجو أن لا يفهم القارئ أن هذا النظام بلغ من الكمال ما بلغته أنظمة اليوم، ولكنه يكفي أنه تنبه لكثير من شؤون التربية ومشاكلها في ذلك العصر المتقدم ووضع لها حلولا لا تختلف كثيراً عن الحلول التي يضعها اليوم علماء النفس والتربية.
يشاع عن وجود أتباع للمذهب الإباضي في بعض البلاد الإفريقية وكذلك في بعض البلاد الأوربية الشرقية، ولكن شيئا من ذلك لم يتأكد بصفة قطعية (1).
(1) يوجد أيضا الإباضية في جمهورية غانا بغرب أفريقيا.
- 17 - (1/17)
صفحة 18
الإباضية ليسوا خوارج
لقد ظلمهم كتاب المقالات في العقائد، فاعتبروهم من الخوارج -وهم أبعد الناس عن الخوارج فألصقوا بهم عدداً من الشنائع والمنكرات لا علاقة لهم بها، وقسموهم إلى عدد من الفرق ثم جعلوا لكل فرقة منها إماما ثم نسبوا إلى كل إمام منهم جملة من الأقوال كافية لإخراجه من الإسلام ولا أصل لتلك الفرق ولا لأولئك الأئمة، ولا المقالاتهم عند الإباضية، بل يبرأون ممن يقول بذلك).
ومن تلك الفرق فرقة الحفصية وفرقة الحارثية، وفرقة اليزيدية ثم فروعها. ومن الأئمة الذين ينسبونهم إلى الإباضية أئمة هذه الفرق وفروعها. وكل ذلك لاصحة له.
ومن الأمثلة على المقالات المنكرة التي ينسبونها إلى الإباضية بقصد التشنيع مايلي:
1 - ليس بين الشرك والإيمان إلا معرفة الله وحده، فمن عرف الله وحده ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار فهو كافر برئ من الشرك. أن الله سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتابا من السماء
-2
جملة واحدة.
من شهد لمحمد بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته فهم بذلك مؤمنون.
(1) لاحظ كثير من الكتاب المحدثين الذين عنوا بدراسة المذهب الإباضي أن ما كتبه كتاب المقالات عن الإباضية هو كذب وافتراء لايمت إلى الحقيقة بصلة. وأقول إن كتاب المقالات كالأشعري والشهرستاني وابن حزم والبغدادي وغيرهم عندما لم يجدوا شيئا من مبادئ الإباضية يتوجه إليه النقد والطعن اختلقوا لهم أشياء والصقوها بهم زورا وبهتانا.
- 1 A - (1/18)
صفحة 19
والمطلع على كتب المقالات في العقائد يجد كثيراً من هذه الشنائع، والإباضية يحكمون على من يقول بهذا وأمثاله بالشرك لأنه رد على الله وتكذيب لما علم من الدين بالضرورة.
ويبدو أن كتاب المقالات نظروا إلى جميع ما ينسب إلى الخوارج -بحق أو بباطل- فنسبوه إلى الإباضية باعتبارهم في زعمهم أنهم منهم دون ترو أو تمحيص. ومن الأمثلة على ذلك مايلي:
1 - ينكرون الإجماع.
ينكرون الرجم
ينكرون عذاب القبر.
والإباضية لا ينكرون الإجماع بل يرونه الأصل الثالث من أصول التشريع، ولا ينكرون، الرجم، وإنما يقولون إنه ثبت بالسنة القولية والعملية وليس بقرآن منسوخ ويثبتون عذاب القبر وسؤال الملكين
استنادا إلى أحاديث كثيرة ثبتت في الموضوع.
وقد لاحق كتاب المقالات الإباضية حتى في مجال الحرب فحاولوا التشنيع عليهم بقدر الإمكان ومن الأمثلة على ذلك مايلي:
1 - يستحلون غنيمة أموال المسلمين من السلاح والكراع، ويحرمون ما
عدا ذلك.
2 - حرموا دماء مخالفيهم في السر واستحلوها في العلانية. - تجب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل فإن تابوا وإلا قتلوا سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو ما لايسع جهله.
من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل
-14 - (1/19)
صفحة 20
والإباضية لا يستحلون غنيمة أي شيء من أموال المسلمين لا سلاحاً
ولا غيره لا في حرب ولا في سلام وهم يستتيبون من يرونه يرتكب بدعا من الدين أو يقدم على كبائر من المعاصي فإن تاب كان واحدًا منهم وإن أصر على موقفه أعطوه حقوق المسلم العامة ولا يجوز عندهم قتله أبدا، إلا إذا تجاوز البدعة إلى الردة فحينئذ تنطبق عليه أحكام المرتد، وهم يتساوون في هذا الحكم مع غيرهم من المذاهب الإسلامية المعتدلة، وهم لا يستحلون دماء مخالفيهم لا في السر ولا في العلانية لأن جميع المسلمين قد حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم وصانوا نساءهم وأطفالهم بكلمة التوحيد ولا يحل شيء منها إلا بالخروج من التوحيد.
والإباضية يقولون إن من سرق أقيم عليه حد السرقة، وهو القطع ثم أخلي سبيله فليس لهم عليه شيء بعد ذلك، ومن زنى فإن كان محصنا رجم وإن كان غير محصن جلد ثم ترك سبيله، وليس عليه غير ذلك اللهم إلا مسألة قبول الشهادة، والقتل جعله الله حدا لجرائم معينة بينها الشارع الحكيم ولا تنقل إلى غيرها.
وكتاب المقالات فيما نسبوه إلى الإباضية من جميع ما ذكر مخطئون ولهم من أشباهها كثير.
وكما ظلم الإباضية عند كتاب العقائد، ظلمهم المورخون أيضا فاعتبروهم كذلك فرقة من الخوارج ثم الصقوا بهم كل ما ألصقه الإعلام الأموي والإعلام الشيعي بحق وبباطل- وبصدق وبكذب بالخوارج، ونسبوا إليهم هكذا على التعميم كل ما ينسبونه إلى أولئك من أعمال العنف، وغلاظة، الطبع، وجفاء البداوة، وشذوذ المعاملة، وجمود الفهم، رغم أن الإباضية لم يقوموا بأي عمل من أعمال العنف (1/20)
صفحة 21
طوال تاريخهم في غير حالات الدفاع، وحتى عندما استطاعوا أن يغيروا بعض أنظمة الحكم فإنما قام عملهم على الدعوة والإقناع، وتم لهم ما أرادوه دون أن يجردوا سيفا أو يزهقوا روحا، فقد غير نظام الحكم في ليبيا ثلاث مرات دون عنف، بل كان الإمام ينصبونه يدعوا إليه الحاكم السابق ويخيره بين البقاء بحقوقه وواجباته كأي مسلم أو الخروج إلى مكان يريده سليما بماله ومن يشاء من أهله، وبنفس الطريقة تم تكوينهم للدولة الرستمية ومنذ تم القضاء على آخر أئمتهم من الدول القائمة في ليبيا سنة 154 هـ لم يحاولوا الخروج على الدول التي قامت فيها وتبادلت عليها الحكم من بعد.
ومنذ سقوط الدولة الرستمية في الجزائر سنة 296 هـ لم يحاولوا الخروج على الدولة التي انتصبت هناك، ولم يقوموا ضدها بأي شيء من العنف، ومع ذلك فإن المؤرخين لا يرحمونهم وينسبون إليهم استعمال العنف والشغب ومحبة القتال ويرددون مع كتاب المقالات عباراتهم المألوفة، التي لا يكاد يخلو منها كتاب والإباضية يرون إزالة أئمة الجور بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره). ويضيف إليها أحد المؤرخين المعاصرين قوله: (ولن تغمد السيوف ويتوقف القتال
في الأمة الإسلامية مادام لهم وجود ولهم أنصار).
ولعل كراهة الإباضية لإراقة الدماء وهروبهم من الفتن جرأ عليهم مخالفيهم فشددوا عليهم الهجوم، ولاحقوهم باستمرار، واستحلوا منهم مالم يستحلوا هم من غيرهم فكان ذلك سببا في تناقص عددهم وانحصارهم في أماكن محدودة ضيقة.
من أصولهم في السياسة.
الإباضية يعتمدون على الدعوة والإقناع، ولا يلجأون إلى استعمال
- YI- (1/21)
صفحة 22
العنف إلا في حالات الدفاع. ولذلك لم يشتركوا في أي عمل من أعمال العنف التي قام بها الخوارج والشيعة والتوابون وابن الزبير وابن الأشعث وغيرهم ضد الدولة الأموية، رغم إنكارهم الشديد على حكام الدولة الأموية ونقدهم العنيف لسلوكهم المنحرف عن الكتاب والسنة.
وقد حاول زعماء الخوارج استدراج عبد الله بن إباض للخروج معهم فامتنع وأخبرهم أنه لا يخرج على قوم يرتفع الآذان من صوامعهم، والقرآن من مساجدهم.
وأول حركة عنف قام بها الإباضية - وأسبابها دفاعية - هي تلك التي قام بها في اليمن طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة جزء 5 ص 106 مايلي:
(فرأى باليمن جورًا ظاهرا وعسفا شديداً وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: إنه لا يحل لنا المقام على ما نرى، ولا الصبر عليه، وكتب إلى جماعة من الإباضية بالبصرة وغيرها يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل) انتهى وأسباب تلك الحركة ونتائجها معروفة مفصلة في كتب التاريخ والأدب ولعلها أول حركة عنف وآخرها قام بها الإباضية ضد مخالفيهم فتجاوزوا منطقة الدفاع عن النفس (1).
ولعل في إمكاننا أن نلخص أهم أصولهم في السياسة في النقاط التالية:
.
(1) لا يعتبر هذا المفهوم مبدأ من مبادئ الإباضية، فالإباضية عندما يقومون بإيجاد حكم اسلامي عادل لا يحصرون ذلك في إقليم معين أو على طائفة معينة، لأن العدل والحق ليس لهما موطن معين أو مذهب معين بل هما حق للجميع وعلى الجميع، ولكن
الإباضية يتحرون القدرة ويتوخون النجاح في توسيع مظلة الحكم العادل.
- 22 - (1/22)
صفحة 23
1 عقد الإمامة فريضة بفرض الله الأمر والنهي والقيام بالعدل وأخذ الحقوق من مواضعها ووضعها في مواضعها، ومجاهدة العدو. والدليل عليها من الكتاب والسنة والإجماع.
2 - رئاسة الدولة الإسلامية (الخلافة) ليست مقصورة على قريش أو العرب وإنما يراعى فيها الكفاءة المطلقة فإن تساوت الكفاءات كانت القرشية أو العروبة مرجحا.
3 - لا يحل الخروج على الإمام العادل.
- الخروج على الإمام الجائر ليس واجباً كما تقول الخوارج، وليس ممنوعا كما تقول الأشاعرة (1) ومن معها، وإنما هو جائز يترجح استحسان الخروج إذا غلب على الظن نجاحه، ويستحسن البقاء تحت الحكم الظالم إذا غلب على الظن عدم نجاح الخروج أو خيف أن يؤدي إلى مضرة تلحق المسلمين أو تضعف قوتهم على الأعداء في أي مكان من بلاد الإسلام.
والإباضية عندما يتكلمون على الأئمة الجورة لا يقصدون مخالفيهم فقط، كما توحي بها عبارات المؤرخين وكتاب المقالات. وإنما يقصدون أئمة الجور الذين انحرفوا عن حكم الله سواء كانوا من أتباع المذهب الإباضي أو من أتباع غيره. فالجور ليس له مذهب.
ه الإمام يختار عن طريق الشورى وباتفاق أغلبية أهل الحل والعقد. 6 - الإمام هو المسئول عن تصرفات ولاته، ويستحسن له أن يستشير أهل الحل والعقد من أهل كل منطقة في تولية العمال عليهم وعزلهم عنهم. - لا يجوز أن تبقى الأمة الإسلامية دون إمام أو سلطان. الحاكم الجائر يطالب أولا بالعدل فإن لم يستجب طولب باعتزال (1) وهو قول السلفية أيضاً.
- 23 - (1/23)
صفحة 24
أمور المسلمين فإن لم يستجب جاز القيام عليه وعزله بالقوة ولو أدى
ذلك إلى قتله إذا كان ذلك لا يؤدي إلى فتنة أكبر.
- السلطان الجائر سواء كان من الإباضية أو من غيرهم هو وأعوانه في براءة من المسلمين ومعسكره معسكر بغي.
10 - بلد المخالفين لهم في المذهب بلد إسلام ولو كان السلطان جائرا.
11 - لا يجوز الاعتداء على دولة مسلمة قائمة داخل حدودها إلا ردًا لعدوان. 12 - يجوز أن تتعدد الإمامات في الأمة المسلمة إذا اتسعت رقعتها وبعدت أطراف البلاد منها أو قطع بين أجزائها عدو بحيث يعسر حكمها بنظام واحد أو يكون ذلك سببا لانهيارها وتشتت قواها وتعطل مصالح الناس فيها.
13 - لحكم الدار في نظر الإباضية أربع صور هي كما يلي:
أ- الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر إسلام وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة مسلمة تعمل بكتاب الله.
ب- الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر إسلام إلا أنه معسكر بغي وظلم وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والدولة مسلمة لكنها لاتنتهج المنهج الإسلامي في الحكم سواء كانت من الإباضية أو مخالفيهم.
ج الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر كفر وشرك وذلك عندما يكون الوطن مسلما والأمة مسلمة والحاكم دولة مستعمرة مشركة كتابية أو غير كتابية.
د الدار دار کفر ومعسكر السلطان معسكر كفر وذلك عندما يكون الوطن للمشركين تسكنه أمة مشركة وتتولى الحكم فيه دولة مشركة.
- YE - (1/24)
صفحة 25
من أصولهم في العقيدة
الأصل العام في عقيدة الإباضية هو التنزيه المطلق للباري جل وعلا وكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية
الثابتة يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه
1 - الإيمان يتكون من ثلاثة أركان لابد منها وهي الاعتقاد والإقرار والعمل.
2 - صفات الباري جلا وعلا ذاتية ليست زائدة على الذات ولا قائمة بها ولا حالة فيها.
- الله تبارك وتعالى صادق في وعده ووعيده.
الخلود في الجنة أو النار أبدي
ه - كلمة التوحيد هي أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق وإنكار أي قسم من أقسامها
الثلاثة شرك.
إنكار معلوم من الدين بالضرورة شرك.
القرآن كلام الله تعالى نقل بالتواتر وإنكار شيء منه شرك.
الصراط المستقيم ليس طريقا حسيا فوق جهنم وإنما هو طريق الإسلام ودين الله الذي ارتضاه لعباده، ووصفه بأنه أحد من السيف وأدق من الشعرة إن صح يقصد به صعوبة الاستمساك بالإسلام والسير في نهجه القويم وسط أمواج الرغبات الجامحة والشهوات الطامحة والفتن المتلاطمة في خضم الحياة.
10 - الإنسان حر في اختياره مكتسب لعمله ليس مجبرا عليه ولا خالقا لفعله.
- YO- (1/25)
صفحة 26
11 - الاستطاعة مع الفعل ليست قبله ولا بعده.
12 ولاية المطيع والبراءة من المعاصي واجبتان (من رأينا منه خيرا وسمعنا عنه خيرا، قلنا فيه خيرا وتوليناه، ومن رأينا منه شراء وسمعنا عنه شرا، قلنا فيه شرا، وتبرأنا منه.
13 - التوبة أساس المغفرة فلا تغفر كبيرة بدون توبة، أما الصغائر فإنها تغفر باجتناب الكبائر، وبفعل الحسنات (أتبع السيئة الحسنة
تمحها).
14 - الناس قسمان مؤمن وكافر أو سعيد وشقي وليس هناك قسم ثالث لا منزلة بين المنزلتين
15 - من سعد في الآخرة لايشقى أبدًا، ومن شقى لا يسعد أبدا، ولن تجتمع السعادة والشقاوة لشخص واحد أبداً.
16 - النفاق منزلة بين الشرك والإيمان، والمنافقون مع المسلمين في أحكام الدنيا، ومع المشركين في الآخرة) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما). وهي المنزلة بين
المنزلتين.
17 - إذا أطلقت كلمة الكفر على الموحد فالمقصود بها كفر النعمة لا كفر الشرك من باب فسباب المسلم فسوق وقتاله كفر) و (لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) و (الرشوة في الحكم كفر).
18 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان
19 - شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثابتة وهي قسمان الشفاعة الكبرى يوم
- Yr- (1/26)
صفحة 27
القيامة لبدء الحساب ولدخول المؤمنين الجنة، وهي المقام المحمود الذي يختص به نبينا محمد، والشفاعة الصغرى ولا تكون إلا للمؤمنين الموفين بزيادة الدرجات.
20 - حجة الله تقوم على الخلق بالرسل والكتب.
21 - الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع. من أصولهم في التشريع
مصادر التشريع عند الإباضية هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال. ويدخل تحت الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة، وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة (الرأي) فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر التشريع هي الكتاب والسنة والرأي. لذلك أخطأ بعض من كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع. وإليك رأي الإباضية في بعض مسائل الأصول:
1 - شرع من كان قبلنا شرع لنا إذا لم ينسخ ونصه الله تبارك وتعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام علينا على جهة التشريع.
- الإجماع القولي حجة قطعية والإجماع السكوتي حجة ظنية. الحديث الأحادي يفيد العمل ولا يفيد العلم فلا يحتج به في
العقائد.
4 - عمل أهل المدينة أو إجماعهم ليس حجة على غيرهم.
ه مذهب الصحابي ليس حجة على غيره.
6 - إذا تعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم وعمله ولم يمكن الجمع بينهما
- YV- (1/27)
صفحة 28
فالقول أقوى لأنه أساسا موجه إلينا، والعمل يحتمل الخصوصية.
7 - ما لا يتم الواجب به فهو واجب.
لاخيار للناس في حكم ثبت بنص القرآن ويدخل في هذا قضية
التحكيم.
9 - لهم في عدالة الصحابة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الصحابة كلهم عدول إلا من فسقه القرآن كالوليد بن عقبة وثعلبة بن حاطب.
القول الثاني: الصحابة كلهم عدول وروايتهم كلهم مقبولة إلا في الأحاديث المتعلقة بالفتن ممن خاض في الفتن
القول الثالث: الصحابة كغيرهم من الناس من اشتهر بالعدالة فكذلك، ومن لم يعرف حاله بحث عنه، قال السالمي في «طلعة الشمس:
أما الصحابي فقيل عدل
وقيل مثل غيره والفصل
بأنه عدل إلى حين الفتن
وبعدها كغيره فليمتحن
10 - الأعمال التي صدرت عن رسول الله له في بعض العبادات لسبب عارض، أو فعلها ولم يعد إليها، أو لم يثبت أنه داوم عليها. لا يعتبرونها سنة، وإنما يرونها واقعة حال يمكن الإتيان بها في ظروف مشابهة فقط، اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك فهم لا يقولون بسنية المسائل الآتية: القنوت في الصلاة، رفع الأيدي عند التكبير تحريك
- YA- (1/28)
صفحة 29
السبابة عند التشهد الجهر بكلمة آمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة، زيادة "الصلاة خير من النوم" في أذان الفجر
11 - إذا اختلف المجتهدان في القطعيات فأحدهما مصيب، والآخر مخطئ آثم. وإذا اختلفا في الظنيات أي في الفروع، فإباضية المغرب و ابن بركة من أئمة المشرق يرون أن أحدهما مصيب له أجران، وأن الآخر مخطئ وله أجر واحد جزاء اجتهاده. أما إباضية المشرق وأبو يعقوب الوارجلاني، من أئمة المغرب فيرون أن كلا المجتهدين مصيب. وفي التعريفات الفقهية تراعى القواعد العامة، أمثال:
- كل مكان دخل إليه بإذن تجوز فيه الصلاة ولو بلا إذن.
- لا يصح لغاصب أن يوطن بيتا غصبه.
- المسافر يقصر مادام على نية السفر.
- كل عمل لا ينقض الصلاة سهوا يفسدها عمدا إن لم يكن لإصلاحها. - الأصل في المقبرة أن تكون للجميع إن لم تعرف لخاصته.
- كل ما لا يصلى به لا يصلى عليه.
- شهادة العدلين توجب عملا لا علما.
- الإستثناء في اليمين ينفع في المستقبل لا في الماضي.
- الخلوة توجب العدة والصداق الكامل.
- الولد تابع لمن أسلم من أبويه.
- كل مجمع على تحريمه حرام بيعه وأكل ثمنه.
- الأمور بمقاصدها.
- 29 - (1/29)
صفحة 30
- اليقين لا يزول بالشك.
الأصل براءة الذمة.
- البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
- البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة.
- الخراج بالضمان والخراج والضمان لا يجتمعان.
لاضرر ولا ضرار والضرر يزال.
الضرورات تبيح المحظورات والحاجة تنزل منزلة الضرورة.
- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
- المشقة تجلب التيسير.
- الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان.
- الجواز الشرعي ينافي الضمان. وكل وصية لم تتبين رجعت للأقرب.
- كل مال يورث فحرام قسمته، وكل مال يغنم فحرام ميراثه
وأمثالها كثيرة مذكورة في كتب الأصول وكتب الفقه ..
من أصولهم في العلاقات الاجتماعية
العلاقات الاجتماعية بين الإباضية أنفسهم وبينهم وبين غيرهم تجمعها كلمة رائعة جاءت في خطبة «أبي حمزة المختار بن عوف، وهي قوله: (الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو ملكا جبارا مقيما على (جوره ويمكن تفصيل ذلك باختصار في فقرتين
الفقرة الأولى: العلاقة بين الأفراد والدولة (1/30)
صفحة 31
أ- إذا كانت الدولة ملتزمة بالمذهب الإباضي فإن معاملتها لمن يكون
تحت سلطانها من مخالفيها تجري على النحو التالي:
1 - تدعوهم بالحسنى إلى ترك ما خالفوا فيه (مابه ضلوا) فإن استجابوا صاروا منها وصارت منهم)، وإن امتنعوا دعتهم إلى أن تجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام، فإن استجابوا تركوا على ما هم عليه، ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لبقية المواطنين من أهل مذهبها.
2 - يسعهم جميعا العدل كما يسع غيرهم.
لهم حقوق الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها.
لهم على الدولة دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين.
ه لهم عليها حق الحماية في النفس والمال والأهل 6 - لهم أن يتولوا جميع المناصب والأعمال في الدولة حسب كفاءاتهم ومؤهلاتهم مثل غيرهم.
من امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدب بما يردعه ويرده
إلى سواء السبيل.
9 - من أظهر الفتنة ودعا إليها وتجاوز ذلك إلى العمل جاز قتاله وحل
سفك دمه.
10 - إذا اعترفوا بسلطان الدولة ثم انفردوا ببلادهم وأجروا فيها أحكامها، تركوا على ذلك مادام يجري على أسلوب القضاة كلهم) مالم يكن رداً لآية محكمة أو سنة قائمة.
(1) نقل المؤلف هذا القول عن الإمام أبي يعقوب الوارجلاني من علماء القرن السادس الهجري وقد جرى العمل بخلافه.
- I- (1/31)
صفحة 32
11 - يختار منهم من يقضي بينهم، ويقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم ويسمع قوله في ذلك مادام يجري على أسلوب القضاة كلهم.
12 - يؤخذ منهم كل مايجب من الحقوق ويرد في فقرائهم وذوي الحاجة
منهم.
13 - إن اتهمتهم الدولة بحركة عصيان أعذرت إليهم.
14 - لا تتركهم يظهرون منكرا بين الناس إذا كان ذلك منكرا عندهم أيضاً.
ب إذا كانت الدولة ملتزمة بغير المذهب الإباضي فإن الإباضية الذين يكونون تحت سلطانها يجري تعاملهم معها على النحو التالي: 1 - يشتركون معها في الغزو والجهاد والقتال لجميع المشركين هجوما ودفاعا.
2 - يقومون معها بالدفاع عن الوطن ولو كان المهاجمون دولا إسلامية، مالم تكن الإمامة الشرعية العادلة
لهم أن يتولوا جميع الأعمال مالم تكن فيها مساعدة على إبطال حق أو إظهار معصية يجوز لمن يأنس منهم في نفسه قوة، ولا يخشى أن يستغل أن يتولى أعمال القضاء والإدارة أو أي عمل آخر بشرط أن لا ينجر إلى ارتكاب
محظور.
ه لهم أن يتولوا جميع الأعمال التي لا تتعلق بها حقوق كأمور المساجد والمدارس والصحة وما شابهها.
6 - إذا كلف أحدهم بأي عمل فيه إقامة حد من حدود الله، فعليه أن يقوم به إذا تأكد أن ذلك حق.
- TY- (1/32)
صفحة 33
- لا تجوز طاعة الحاكم في معصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. تسري عليهم جميع الأحكام، وتترتب لهم وعليهم جميع الحقوق الصادرة بمقتضى أقوال فقهية معمول بها في مذهب الدولة ولو كانت
مخالفة لمذهبهم.
ماترتب من حقوق على أحكام صدرت وفق مذهب الدولة لا يسقط ولو تغيرت الدولة.
10 - النظر - في التعاون مع الدولة - إلى العدالة والتزام أحكام الإسلام لا إلى المذهب.
أكثر الشروط والإحترازات السابقة واردة عندما تكون الدولة جائرة، أما إذا كانت عادلة متمسكة بأي مذهب فعلى المواطنين - وإن اختلفوا معها في المذهب - أن يتعاملوا معها في جميع المرافق دون تحرز. الفقرة الثانية: العلاقة بين الأفراد
نستطيع أن نلخص العلاقات بين الأفراد فيما يلي:
1 - حقوق الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين، وأبناء السبيل، والصاحب، والجار - واجبة - أبراراً كانوا أم فجارا، موافقين كانوا أو مخالفين
2 - الأمانة يجب أداؤها إلى أصحابها موافقين كانوا أو مخالفين
3 - الوفاء بالعهد واجب للجميع.
من استجار بهم وجبت إجارته موافقا أو مخالفا.
ه- الكاف عن القتال المعتزل بسيفه له عليهم حق الأمن وتوفير
الحماية.
- 33 - (1/33)
صفحة 34
6 - النكاح والميراث، والمساجد والإمامة في الصلاة، والصلاة على موتى المسلمين، وغسلهم وتكفينهم ودفنهم، والذبائح، والمقابر هذه كلها حقوق ومرافق يشترك فيها جميع أهل القبلة دون نظر إلى مذاهبهم وإن اختلفت في الفروع أو في بعض الأصول.
- من حل دمه من المسلمين -سواء كان بحد من حدود الله أو ببغي على الدولة القائمة أو بفتنة بين دول المسلمين لا يحل غنيمة ماله، ولا سبي نسائه وقتل أطفاله ولا قطع الميراث عنه.
- لا يحل الفتك بالمخالف ولا يجوز اغتيال الخصوم. 9 - لا يحل لأحد قذف أحد من أهل القبلة وهو يعلم براءته. 10 - لا يحل فرج امرأة متزوجة على كتاب الله وسنة رسوله حتى يطلقها زوجها أو يتوفى عنها ثم تعتد عدة الطلاق أو عدة الوفاة. 11 - لاهجرة بعد الفتح ولا يجوز الخروج من دار المخالفين إلى دار الموافقين باعتقاد الهجرة
12 - الولاية (وهي الحب في الله حق لكل مؤمن موف بدين الله. 13 البراءة (وهي البغض في الله واجب على كل مؤمن إزاء كل عدو لله مشرك وكافر ومصر على المعصية.
14 - الولاية لأهلها من الذين سبقونا في الزمن تثبت بشهادة المسلمين العدول وكذلك البراءة.
15 - الولاية والبراءة للمنصوص عليه واجبة
16 مرتكب الكبيرة ليس مشركا فلا تجوز معاملته معاملة المشركين وإنما هو مسلم له كل حقوق المسلمين ما عدا الاستغفار مادام مصرا ولم يتب.
- re- (1/34)
صفحة 35
-17
مخالفوهم في المذهب ليسوا كفارا وإنما هم مسلمون لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل ما على صاحب المذهب نفسه إلا في شيء واحد وهو الاستغفار فإنه لا يكون إلا للموفي من أهل
المذهب.
18 - الأحوال الشخصية من نكاح وطلاق وحضانة ونفقة تجرى بينهم وبين مخالفيهم حسب الأصول الفقهية المعروفة ومقتضيات العرف فيما يرجع فيه إلى العرف.
19 - لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها
20 - الزاني والزانية المحصنان حدهما الرجم وقد ثبت عليها هذا الحكم بالسنة وليس بقرآن منسوخ
21 - من زنى بامرأة حرمت عليه على التأبيد.
- To- (1/35)
صفحة 36
فرق انشقت عن الإباضية
المذهب الإباضي ليس بدعا في المذاهب الإسلامية. فقد كان
الخلاف يقع بين علمائه فيتناقشون حتى يقنع بعضهم بعضا.
وقد يصر كل واحد منهم على رأيه وقد يخالف أحد العلماء من سبقه، فينتج عن ذلك تعدد الأقوال فى المسألة الواحدة ومن العسير أن يحدد الباحث الخلاف الأول في المسألة الأولى بين الإباضية، كما يعسر ذلك في كل مذهب، ولكنه يستطيع أن يجزم أن الخلاف داخل المذهب واقع منذ عصوره الأولى، فقد خولف «جابر» في مسائل جرى العمل فيها بغير قوله، كما خولف أبو حنيفة ومالك، وغيرهم من الأئمة في مسائل جرى العمل فيها بغير فتواهم. ويستنتج من كتب الإباضية في التاريخ وكتبهم في المقالات أن أهم خلاف جدي بين الإباضية كان في عهد أبي عبيدة، فقد قال ثلاثة من زملائه وهم عطية وأبو حمزة، وغيلان بالقدر ولم يتمكن من إقناعهم. فأبعدهم الإباضية عنهم وبرئوا منهم وانقطعت الصلة بينهم فانضموا إلى فرق أخرى. وكان هذا الخلاف فرديا وهو عبارة عن أشخاص كانوا من أتباع مذهب معين ثم خطر لهم فانتقلوا بتبعيتهم إلى مذهب ينسجم مع معتقداتهم. ثم خالفه مجموعة من تلاميذه هم: سهل بن صالح، وأبو المعروف شعيب بن معروف، وعبدالله بن عبدالعزيز وأبو المؤرج عمر بن محمد السدوسي في مسائل، فاستطاع أن يقنعهم بالعدول عن أقوالهم والتوبة عنها ولكنهم بعد وفاته عادوا إليها وتمسكوا بها وملخص تلك الأقوال هي:
- 36 - (1/36)
صفحة 37
1 - صلاة الجمعة وراء أئمة الجور لا تجوز.
-2 - أهل القبلة المتأولون بما يوهم التشبيه مشركون.
- المرأة التي يعبث بها خارج المحلين لا تكون بذلك كافرة (أي فاسقة) (1).
وذلك الخلاف الذي وقع في عهد أبي عبيدة، وكذلك هذا الخلاف الذي وقع بعده في عهد الربيع لم ينتج عنه تكون فرقة أو فرق منشقة عن الإباضية تابعة لها في الأصول العامة فيقال فيها فرقة من الإباضية. ولافرقة مستقلة داخلة في عموم فرق المسلمين. وإنما كل ما في الأمر أن بعض أصحاب أبي عبيدة خالفوا في أصل هام من أصول العقيدة وهو القدر - فانفصلوا عن الإباضية والتحقوا ببعض الفرق التي تقول بالقدر من المعتزلة. فالحركة فردية، وهي عبارة عن تغيير شخصي أو أشخاص لمذهبهم. ثم إن عددا من تلاميذه خالفوا الإباضية في مسائل فأقصاهم الربيع بن حبيب، وهو عمدة الإباضية بعد أبي عبيدة، عن مجالس أهل الدعوة، وعوملوا بنوع من الجفاء والقسوة، ولكنهم لم يخرجوا عن نطاق أهل الدعوة، ولم يتخذ أقوالهم التي خالفوا فيها، وأخذ بقولهم فيما عداها كما اعتمدت رواياتهم للحديث والآثار فهم بهذا خالفوا خلافا فرديا في مسائل محدودة ردت عليهم وبقوا من أتباع المذهب الإباضي.
والمؤرخون وكتاب المقالات من الإباضية قد تجاوزوا هؤلاء فلم (1) هذه الآراء هي التي كانت يدعو إليها هارون بن اليمان في القرن الثالث الهجري وجرت بينه وبين العلامه الجليل محبوب بن الرحيل مناظرات وجهها الجانبان إلى الإمام المهنا بن جيفر وأهل عمان، وقد صوب الإمام والمشايخ محبوب بن الرحيل رحمه الله، واعتبروا آراءه امتدادا لفكر أهل الاستقامة.
- rv- (1/37)
صفحة 38
يذكروهم في الفرق المنشقة لأن خلافهم خلاف فردي كما أوضحت سابقا. ولكنهم مع ذلك، يذكرون أسماء ست فرق انشقت عن الإباضية. وهذه الفرق الست هي ليست من الفرق التي ينسبها كتاب المقالات من غير الإباضية إليهم، مما يدل على أن أولئك الكتاب لا يعرفون شيئا عن حقيقة الإباضية ولا عن فرقهم، ولعلنا نستطيع أن نعطي صورة عن هذه الفرق بإيجاز فيما يلي
1 - النكار:
:
منشأ هذه الفرقة سياسي محض ثم اتخذت لها بعض الأقوال في الأصول والفروع فأصبحت فرقة متميزة كغيرها من الفرق الإسلامية ولا يربطها بالإباضية كون مؤسسيها كانوا على المذهب الإباضي زعيم هذه الفرقة رجل يقال له أبو قدامة يزيد بن فندين، أنكر إمامة
عبدالوهاب الرستمي، بعدما بايع مستندا على مبدأين هما: 1 - لا تجوز الخلافة للمفضول مع وجود الأفضل، وفي الأمة ممن هو أفضل من عبدالوهاب.
2 - اشترط على عبدالوهاب أن يكون له مجلس شورى خاص لا يقضي في شيء من الأمر دون الرجوع إليه، ولم يتم هذا الشرط، وبناء على هذا فإمامته باطلة، وقد انضم إليه شعيب بن المعروف الذي ذكرناه سابقا وتجاوز مرحلة القول إلى مرحلة العنف فهجموا على العاصمة على حين غرة، وكان الإمام غائبا، إلا أن العاصمة صمدت في وجوههم وقتل ابن فندين» نفسه، وفر «شعيب» إلى ليبيا حيث استمر في دعوته ثم أضاف إلى المبدأين السابقين تلك المسائل التي خالف
- TA- (1/38)
صفحة 39
فيها هو وأصحابه أستاذهم أبا عبيدة ونشطت حركته حتى ورد عليهم شخصية أخرى من الشرق تحمل مجموعة من المقالات الشاذة هو عبد الله بن يزيد الفزاري، فأضافها إليهم وأصبح النكار أصحاب مبدأ يعتمد على رصيد ضخم من المقالات لعل أخطرها ما يلي: 1 - إن ولاية الله وعداوته تتقلب حسب الأحوال.
2 - لا تقوم الحجة فيما يسع حتى يجتمع المسلمون بأسرهم. - أسماء الله مخلوقة.
وقد بلغت مبادئهم نيفاً وعشرين مسألة ...
2 - الحسينية
زعيمها أبو زياد أحمد بن الحسين الاطرابلسي، عاش في القرن الثالث، وتمتزج مقالاته مع مقالات فرقة أخرى تسمى «العميرية» زعيمها عيسى بن عمير يبدو أن أصلهما كان واحدًا ثم افترقتا فحسبت إحداهما على الإباضية ونسبت الثانية إلى المعتزلة. وقد كان لهذه الفرقة نشاط امتزج بنشاط النكار الفكري وربما تأيد بعضها ببعض في محاربة الإباضية. وقد ذكر كتاب المقالات لهذه الفرقة بضع عشر مقالة لعل أخطرها مايلي:
1 - لا يشرك من أنكر ماسوى الله من نبي وكتاب ومعاد وجنة ونار. المتأولون المخطئون من أفراق الأمة مشركون.
3 - يسع جهل محمد.
3 - السكاكية
زعيمها عبدالله السكاك اللواتي، كان أبوه رجلا صالحا فأسلمه
- rs- (1/39)
صفحة 40
مؤدبا فحفظ القرآن العظيم وطلب العلم فنال منه فنونا. واحترف الصياغة فجمع مالا جما فأغراه ذلك على طلب الظهور فخالف المسلمين في مسائل قطعوا بها عذره وحكموا عليه وعلى أتباعه بالشرك. ولعل أخطر مقالاته هو مايلي:
-1 أنكر السنة والإجماع والقياس
-2 الأذان وصلاة الجمعة بدعة.
4 - النفاثية:
زعيم هذه الفرقة هو فرج بن نصر النفاثي، كان عالما واسع الاطلاع وكان ذكيا حاد الذكاء، درس على بعض الأئمة الرستميين في «تاهرت» وكان يمني النفس بالولاية على جبل نفوسه ولما سنحت له الفرصة حسب ظنه صرفت عنه الولاية إلى أحد زملائه ممن هم أقل منه ذكاء وعلما وكفاءة - فيما يرى - فسخط على الإمام أفلح، وجعل ينتقد سلوكه وشخصيته حتى أغضبه، فأرسل إليه يأمره بالكف عما يقول والتوبة منه وإلا ناله عقاب فرحل إلى المشرق وتلطف حتى وصل إلى بلاط الدولة العباسية، ولم يحقق شيئا من مطامعه فعاد وكف انتقاداته لشخص الإمام وسلوكه، أما آراؤه فلعل أهمها مايلي:
1 - إن ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ لأب.
2 - المضطر بالجوع لا يمض بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك وعلى من
شهد مضرته تنجيته.
- أنكر الخطبة في الجمعة وقال إنها بدعة.
ه - الفرثية
زعيم هذه الفرقة هو أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح، عالم واسع (1/40)
صفحة 41
الإطلاع يحب الظهور في فترة مزدهرة بالعلماء، أفتى في عدة مسائل بأقوال لم يقل بها أحد من الإباضية فجفاه علماء عصره وقسا عليه والده نفسه ولعل أهم مسائله هو ما يأتي:
1 - نجاسة فرث الحيوان المأكول لحمه وما طبخ فيه من طعام. 2 - تحريم أكل الجنين.
تحريم دم العروق ولو بعد غسل المذبح
نجاسة عرق الجنب والحائض.
6 - الخلفية:
زعيمها هو «خلف بن أبي الخطاب المعافري (1)، كان والده واليا لعبد الوهاب الرستمي على الجناح الغربي من ليبيا فتوفي فأسرع جماعات من الناس إليه وطلبوا منه أن يتولى مكان أبيه دون الرجوع إلى مركز الدولة فقبل وبدأ يتصرف ولما بلغ الخبر إلى الإمام رفض هذه الولاية وأمره باعتزال أمر الولاية وعين واليا غيره. فغضب لذلك ولم يستجب لأمر الإمام وأعلن استقلال ليبيا عن الجزائر وتابعه على رأيه عدد كبير من الناس واستمرت حركته فترة طويلة حتى تغلبت عليه الدولة المركزية فانتهى أمره، وليس لهذه الفرقة رأي أو مبدأ
ما عدا قولهم بجواز انفصال ليبيا عن الجزائر في الحكم. هذه كل الفرق التي انشقت عن الإباضية فيما نعلم وبالتأمل في أوضاعها المختلفة يتضح لنا مايلي:
-1
النكار: فرقة من فرق المسلمين إمامها الحقيقي شعيب بن (1) كان جده الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري هو أول إمام للإباضية في أقطار المغرب العربي، بويع
بالإمامة سنة 140 هجرية.
- {1 - (1/41)
صفحة 42
المعروف فهو الذي جعلها فرقة دينية لها مبادؤها وشعاراتها وهي وإن انشقت عن الإباضية بالفعل فى حركة سياسية محضة إلا أنها صارت فرقة مستقلة ينبغي أن تحسب ضمن الفرق الإسلامية العامة. 2 - الحسينية والسكاكية: خرجتا عن الإسلام بإنكارهما للسنة والإجماع أو إنكارهما لوجوب الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والجنة والنار ووجوب معرفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهاتان الفرقتان وإن نبت زعيماهما من أسر على المذهب الإباضي إلا إنهما قد خرجا عنه واشتطا في الخروج ولا نعلم لخروجهما سببا سياسيا. ولكن يلاحظ عنهما وعن النكار أيضا أنهما اعتنقوا بعض المقالات الشاذة التي بقيت تتأرجح بين طوائف المسلمين والتي يقول بها أو ببعضها بعض طلاب الزعامة أو حب الظهور هنا أو هناك، بل ربما يذهب إليها أولئك الأشخاص الذين يرفضون البقاء في مجتمعاتهم يبحثون عن أي شيء يتخذونه وسيلة للرفض وعلى هذا الأساس التقط شعيب وأبو زياد والسكاك ما وقع لهما منهما ثم كونوا فرقهم التي ظهرت ظهور
الزوابع ثم اختفت فلم يبق لها أي أثر غير ما دونه خصومها عنها. أما الخلفية: فليست فرقة دينية، وأقصى ما يقال فيها إنها فئة باغية على الإمامة الرستمية يرأسها زعيم سياسي وليس إماماً دينيا وقد انتهت تلك المجموعة أيضاً بانتهاء حركتها على مسرح الأحداث. لقد انتهت كل تلك الفرق التي قيل إنها انشقت عن الإباضية ولم يبق منها إلا ماسجل في كتب غيرها وبقيت الإباضية بكتبها وعلمائها تملأ حيزا واضحا بين المذاهب الإسلامية المعتدلة. وأحب أن يدرك القارئ الكريم أنه أثناء تلخيص مقالات الإباضية
- EY- (1/42)
صفحة 43
في جميع الجوانب التي عرضت لها، قد أهملت بعض الأقوال الشاذة الناتجة عن قصور في نظر متفقه جامد لا يرى أبعد من قدميه، أو كلمة نابية صدرت عن محنق أغضبه التعدي، أو دعوى عريضة انطلقت من منفعل أثاره التحدي، فرفضت تلك الكلمات أو المواقف الشاذة من الإباضية، وإن بقيت تذكر في مواقعها من أحداث التاريخ أو مجالات النقاش كشواهد على واقع جرت به الحياة في زمن من الأزمان، وهي على أحسن الفروض لاتزيد على آراء فردية تمثل وجهة نظر قائليها فقط، وهي على أسوأ الفروض لاتزيد عن حركة انفعال أو رد فعل ذهبت مع مسبباتها ثم طواها التاريخ فيما طوى وأمثالها في كل مذهب كثير.
مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية نشأ المذهب الإباضي في فترة متقدمة بالنسبة إلى غيره من المذاهب الإسلامية. هذا من حيث التاريخ، أما الطريقة التي نشأ بها فهي لا تختلف عن غيرها من طرق نشأة بقية المذاهب إمام من أئمة المسلمين) وبالنسبة إلى الإباضية هو أحد كبار التابعين) يجتمع عليه عدد من طلاب العلم، يلتزمون مجلسه ويأخذون عنه ثم يتفرقون بعد التحصيل في البلاد، فيقف المتفوقون منهم موقف أساتذتهم، يتخذ لنفسه أسلوبه في السلوك والتدريس وينقل عنه طلابه روايته ورأيه، ثم تنتقل العملية مع الأجيال وكل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظه من آثار وآراء تكتسب مع مضي الزمن شيئا فشيئا من الاحترام يبلغ درجة التقديس أحيانا وتزداد هذه الصورة وتكبر مع الأيام.
هذه هي الصورة التقريبية التي نشأت عنها جميع المذاهب، وإن اختلفت أزمنة الأئمة، فمنهم من كان من الرعيل الأول من التابعين، ومنهم من كان فى الدرجة الثالثة ومنهم من كان أبعد من ذلك بكثير
-? r- (1/43)
صفحة 44
>
كابن تيميه وكمحمد بن عبدالوهاب».
وبالنسبة إلى الإباضية فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب الأذكياء، منهم من يأخذ عنه وعن غيره، كقتادة، وأيوب وابن دينار، وحيان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه، كأبي عبيدة مسلم، وضمام وأبي نوح الدهان، والربيع بن حبيب، وعبدالله ابن إباض، ومن هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشؤون العامة ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحاتها مع حكام الدولة الأموية فى ميدان الكلمة دون استعمال السيف كعبدالله بن إباض ()، ومنهم من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمامة كأبي عبيدة وأبي نوح صالح الدهان، وقام بنفس الدور وتخصص فيه ولما كانت هذه الحركة فى عنفوان بناء الدولة الأموية وكانت سيوفها مسلطة على جميع الأمة والعلماء خوفا منهم أن يجهروا بالإنكار عليها، أو يدعوا الناس إلى الخروج عنها وكان «جابر» في مجالسه كزملائه الحسن وسعيد وغيرهم من كبار التابعين غير راضين عن الوضع وكثيرا ما يتناولونه بالنقد، فكانت السلطات بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدة، وتضيق عليهم الخناق، وتحاول بكل وسيلة أن لا تسمح لنقدهم أن يتسرب إلى الناس وقد احتاطت لذلك من بداية الأمر فنسبتهم إلى التطرف واعتبرتهم ضمن الخوارج، وكانت تهمة الخارجية - تشبه ما يسمى اليوم بالعمالة أو بالخيانة - عملية ليس لها ضوابط توجه بسهولة إلى كل من يراد
(1) كثير من المؤرخين وأصحاب المقالات يحسبون أن عبدالله خرج في أيام مروان بن، وأنه قتل في معركة تباله وهو خطأ تاريخي لأن عبدالله بن أباض الذي تنسب إليه الإباضية توفي في أواخر أيام عبد الملك وهو أكبر من جابر في السن وتابع له في المذهب والرأي ونسب المذهب إليه لأنه أكثر ظهورا في الميدان السياسي عندالدولة الأموية والتسمية منها - المؤلف
- {{- (1/44)
صفحة 45
التخلص منه أو الانتقام منه أو إيقاف نشاطه وتستغل عند اللزوم. ولذلك فلم يسلم منها الإمام جابر بن زيد كما لم يسلم منها الإمام مالك بن أنس (1)، وكان الغرض من إشاعة هذه التهمة هو إشعارهم بأنهم تحت المراقبة وأن تبرير أي موقف يتخذ معهم من السلطات هو موجود في أذهان الناس ولا يحتاج إلا إلى تأكيد عملي من أجهزة الحكم. فإذا تركنا هذا الجانب خارجا عن البحث واتجهنا إلى الجانب الفكري والسلوكي، فإننا سوف نجد المذهب الإباضي مذهبا إسلاميا نشأ كما نشأ غيره من المذاهب الإسلامية بأئمته وعلمائه طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم، وقد بدأ جهوده العملية في خدمة الثقافة بالاتجاه الذي اختاره قبل أن تبدأ أكثر المذاهب الأخرى ودونت له مؤلفات في الحديث والفقه وقبل أن تبدأ بعض المذاهب التي وجدت
(1) جاء في الكامل لأبي العباس المبرد الجزء الثاني صفحة 159 مايلي: «يرون أن المنذر بن الجارود كان يرى رأي الخوارج وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف يراه، وكان صالح بن عبدالرحمن صاحب ديوان العراق يراه، وكان عدة من الفقهاء ينسبون إليه، منهم عكرمة مولى ابن عباس وكان يقال ذلك في مالك بن أنس المديني، كان يذكر عثمانا وعليا وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر، فأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان ينكر الحكومة ولا يرى
رأيهم»
وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الجزء الخامس صفحة 76 مايلي: ومن المشهورين برأي الخوارج تم بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات الناس عكرمة مولى ابن عباس، ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنه كان يذكر عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير فيقول والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر» ويقول في نفس المصدر بعد أسطر مايلي: «وممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد، وعمرو بن دينار ومجاهد». راجع إن شئت كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
وغيرهما-المؤلف.
- 20 - (1/45)
صفحة 46
لها مكانا فسيحا في الدارسة على المنهج الذي سارت عليه. وفي النقاط الآتية أستطيع أن أضع جملة من الخطوط العريضة التي يمكن أن يحدد القارئ الكريم بعد دراستها والتحقق منها موضوع الإباضية بين المذاهب الإسلامية
1 يرى الإباضية أن المصدر الأساسي للدين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه إنما هو القرآن الكريم، وأن من أنكر
شيئا منه: سورة أو آية أو حرفا فهو مشرك أو مرتد. 2 - ويرى أن المصدر الثاني للدين الإسلامي إنما هو السنة الصحيحة، وهي على درجات المتواتر منها قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل ومنكره كالمنكر للقرآن والمشهور من السنة والمستفيض هو أضعف من المتواتر وأقوى من الأحادي وهو يوجب العمل واختلفوا هل حجته قطعية أم ظنية على قولين. والأحادي من السنة ظني الدلالة يوجب العمل والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إلا أنه يوجب العمل إذا كان لصحابي أو تابعي.
- ويرون أن المصدر الثالث هو «الإجماع، إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين والخروج منه فسق وحجيته قطعية ويرون أنه وقع إجماع بقسميه القولي والسكوتي وأنه من الممكن أن يقع في كل عصر وينقل إلى الناس بالشروط المعتبرة. - ويرون أن المصدر الرابع هو القياس على الأسس المعروفة في كتب الأصول.
ه ويرون أن المصدر الخامس هو الاستدلال» بأنواعه المختلفة
-27 - (1/46)
صفحة 47
ويهتمون بالمصالح المرسلة اهتماما خاصا وربما يكون الإباضية - بالنسبة إلى اعتبار المصالح المرسلة - في الدرجة الثانية بعد
المالكية. العقائد
يرى الإباضية أن الإنسان لا يكون مسلما إلا إذا أقر بالجمل الثلاث فشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله وما تدل عليه هذه الجمل الثلاث من
التفصيلات
وأساس عقيدتهم في الخالق تبارك وتعالى هو التنزيه المطلق فلا يشبهه ولا يشبه شيئا من الخلق وما جاء في القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة مما يوهم التشبيه فإن يؤول بما يفيد المعنى ولا يؤدي إلى التشبيه ويبتعدون كل البعد عن وصفه تعالى بما يوهم التشبيه، ويثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها
لنفسه.
القدر:
يقولون إن الإيمان لايتم حتى يؤمن المسلم بالقدر خيره وشره أنه من الله تبارك وتعالى وأن أفعال الإنسان خلق من الله واكتساب من الإنسان ويبتعدون عن رأي المجبرة» كما يبتعدون عن رأي من يقول بأن الإنسان يخلق أفعاله.
مرتكب الكبيرة
:
يرون في مرتكب الكبيرة رأي الحسن البصري وجابر بن زيد
- {V - (1/47)
صفحة 48
وغيرهما، لا يحكمون عليه بالشرك كما يقال عن الخوارج، وإنما يقولون هو منافق ولا يمكن لمرتكب الكبيرة في حال معصيته وإصراره عليها أن يدخل الجنة إذا لم يتب ولعل أعنف الخصومات إنما قامت بين الإباضية والخوارج في هذا الموضوع منذ أثارها نافع بن الأزرق، حسبما تقول مصادر التاريخ.
الفقه:
مكان الإباضية في هذا الباب ربما كان في الشريحة التي تقع بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة والحنفية من جهة أخرى، ورغم أن المذهب الإباضي نشأ في العراق إلا أنه لم يذهب مع الرأي المذهب الذي بلغه الحنفية والمعتزلة ويكفي لإيضاح هذه النقطة أن يعرف القارئ الكريم أن الفقه الإباضي يعتمد من حيث الأدلة بعد القرآن الكريم في مجال السنة على المتواتر أو المشهور أو المستفيض وعلى الأحادي وعلى مرسل الصحابة والتابعين وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث ولو كان أحادياً أو مرسلا للطبقة السابقة، ولا يرد الحديث الآحادي إلا إذا صادمه دليل قطعي. ويقولون بالقياس والاستصحاب والمصلحة المرسلة على التفاصيل
والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب أصول الفقه.
السلوك:
1
يتمسك الإباضية بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها الإسلام ومن مظاهر ذلك:
-1 يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في الحدود
- EA- (1/48)
صفحة 49
التي ذكرها القرآن الكريم وبينها الحديث الشريف. 2 - يرون أن محبة المسلمين في الله من أجل طاعتهم وبغض العصاة والكافرين من أجل معصيتهم؛ واجب على كل مسلم وأن هذه المحبة يجب أن تتوجه إلى جميع أولياء الله في جميع الأزمنة والأماكن على الإجمال وأن يقصد إلى من ثبتت ولايتهم لله بالإسم أو بالصفة وأن يتعامل مع الحاضرين ممن يعرفهم على هذا الأساس أما من عرفهم في زمانه ولم يعرف أحوالهم من الطاعة والمعصية فيجب عليه أن يقف فيهم ولا يتولاهم ولا يبرأ منهم حتى يعرفهم بيقين لأن الولاية والبراءة لا تلزم إلا باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إلا بيقين.
- يرون أن جميع المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات ما عدا شيئا واحدا وهو الدعاء بخير الجنة وما يتعلق به فإنه حق خالص للمتولى أي المسلم الموفي بدينه الذي يستحق الولاية بسبب طاعته. أما الدعاء بخير الدنيا وكذلك بما يحول الإنسان من خير الدنيا إلى خير الآخرة كقولك لإنسان تعرف أنه منحرف عن الإستقامة: رزقك الله توبة نصوحا، أو هداك الله أو رزقت الصحة والعافية أو رقاك في مراتب
الوظيفة فإن هذا كله حق جائز لكل أحد من المسلمين تقاة وعصاة. - عندما تكون الأجهزة الحاكمة جائرة غير متمسكة بأحكام الشريعة يجوز للمسلمين البقاء تحت حكمها والخروج عنها وإذا بقوا تحت حكمها فإنه تجب عليهم الطاعة في غير معصية الله وإذا كانت تنفذ أحكامها على مقتضى مذهب مخالف لهم؛ فإن أحكامها نافذة عليهم
- 24 - (1/49)
صفحة 50
بما يترتب عليها من حقوق وواجبات مادامت تلك الأحكام مطابقة لمذهب إسلامي، وأقرب مثال لذلك: إن الإباضية يغلبون جانب الأب في الحضانة على جانب الأم فيرون أن الجدة للأب أولى بالحضانة من الجدة للأم، وأكثر المذاهب الأخرى ترى العكس فإن كانت تحكم وفق مذهب يرجح جانب الأم فإن على أتباع المذهب الإباضي الخاضعين لتلك الدولة أن ينفذوا هذا الحكم بما يترتب عليه ولا حرج عليهم. وكذلك يرى الإباضية أن الجد يمنع الإخوة من الميراث وبعض المذاهب الأخرى ترى أن يقتسموا معه، فإذا كانت الدولة تحكم علي مذهب الرأي الأخير؛ فإن على الإباضية أن يقبلوا بهذا الحكم وأن ينفذوه ولا حرج عليهم.
أحسب أن هذه الخطوط العريضة كافية لمعرفة مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية، فهو على كل حال لم يتطرف في موضوع الأدلة الشرعية فيعتبر كل أثر مهما ضعف حجة ولم يتطرف إلى الجانب الآخر فيرد السنة بالقياس
وهو لم يتطرف في موضوع الإجماع فيعتبر الاتفاق الضيق في حدود المذهب أو حدود المكان كوطن معين أو الحرمين أو المدينة - حجة، ولم يتطرف إلى الجانب الثاني فينفي حجة الإجماع أو إمكانه، أو إثباته أو وقوعه وسلم بوقوعه بكلا قسميه القولي والسكوتي في عهد الصحابة مع احتمال وقوعه في كل عصر إلى قيام الساعة، ورأى أن الإجماع المحدود في نطاق مذهب معين أو بلد هو حجة ظنية على المجمعين وليس له قوة الإجماع وينبغي أن يجعل اسم اتفاق لا اسم
الإجماع. (1/50)
صفحة 51
وهو لم يتطرف في موضوع القياس فيمنع اعتباره دليلا شرعيا إذا
استوفى شروطه ولم يتطرف إلى الجانب الأخر فيرد به النص. وقبل الاستدلال بالاستصحاب والمصالح المرسلة، ولم يتطرف في موضوع العقيدة إلى جانب فيقع في التشبيه ولا إلى الجانب الثاني فيقع في نفي ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أو أثبته له رسوله، ولم يتطرف في موضوع القدر فيميل إلى جانب السلبية حتى يقول: إن الإنسان مجبر على أعماله وهو كالميت بين يدي الغاسل أو يميل إلى جانب الإيجاب حتى يزعم أن الإنسان يخلق أفعاله، ولم يتطرف في موضوع الكبيرة فيوافق من يحكم عليه بالشرك ولم يقف موقف المرجئة» الذين يفتحون أبواب الجنة للعصاة كأنها فندق يملكون هم مفاتحه على مبدأ (لا تضر مع الإيمان معصية). والآن وقد عرف القارئ الكريم الأسس التي بني عليها المذهب الإباضي أو الاتجاهات التي يتجهها والسلوك الذي يسير به؛ يستطيع أن يقرر له حيزا واسعا أو ضيقا بين المذاهب الإسلامية، وأن يبعد عن نفسه تلك الصورة القاتمة البشعة التي تعاون على وضعها ظروف مختلفة من السياسة والتعصب وسوء الفهم ......
علي يحيى معمر
1979/ 8/12
-01 - (1/51)
صفحة 52
مراجع البحث
- الإباضية بين الفرق الاسلامية - الإباضية في موكب التاريخ - الأزهار الرياضية - تاريخ الفتح العربي - التبصير في الدين الإسلامي - تحف ــة الأعـ
- الجواهر الـ
مـ
يمان باشا الباروني اهر أحمد الزاوي المظفر الاسفراييني
نور الدين السـ
نتقاه أبو القاسم البرادي
- حواشي باكلي على متن النيل باكلي عبدالرحمن عمـ الدليل والبرهان أبو يعقوب الوارجلاني
- الـ
ــديـ
- السـ
ات
ؤالات
- سلم العامة والمبتدئين - شرح صحيح الربيع بن حبيب شرح نهج البلاغة
طـ
ـبـ قات المشائخ
1
ـة الشـ
تبغورين الملشوطي أبو عمرو عثمان بن خليفة عبدالله بن يحيى الباروني
ور الدين السـ
عباس الدرج
مس
ور الدين السا
- عقيدة التوحيد وشروحها
ـواعـ
من المؤلفين
- عمان تاريخ يتكلم محمد السالمي وناجي عساف - الفرق بين الفرق عبدالقادر البغدادي - الفصل في الملل والأهواء والنحل أبو محمد بن حزم د الإسلام إسماعيل الجيطالي - كتاب الديانات أبو ساكن عامر الشماخي - كـ ــتاب السـ أبو العباس أحمد الشماخي - مختصر تاريخ الإباضية أبو الربيع سليمان الباروني
مشارق أنوار العقول
قالات الإسلاميين
ور الدين السالـ حسن الأش
- OY -
طبع بالمطابع العالمية سلطنة عمان ت 24815771 (1/52)
صفحة 53
[صفحة فارغة] (1/53)