صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية مذهب وسلوك
المؤلف: السيد عبد الحافظ عبد ربه
الناشر: مكتبة الاستقامة
مكان النشر: روي - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1406ه/ 1986م
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 110/86
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/368
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 شعبان 1446ه/ 09 - شهر 02 - 2025م. الإباضية مذهب وسلوك
بقلم
السيد عبد الحافظ عبد ربه
الناشر
مكتبة الاستقامة
روي - سلطنة عُمان
1406 - 1986 (1/1)
صفحة 2
ملحوظة:
لك عندى يا قارئي العزيز نسخة
مذهب
من كتابي هذا «الإباضية وسلوك»، ونسخة اخرى من كتابي
السالف (يالمة العرب» هدية وتحية
ارس
لهما بالبريد فور خطاب منك
على عنواني المذكور بهذا الكتاب، تأكيدا للود، وتجديدا للعهد، ووفاءا بما التزمت
به مع كل عربي، ومسلم»
•
المؤلف (1/2)
صفحة 3
بسم
الله الرحمن الرحيم
وان هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) قرآن کريم
افترقت المجوس على سبعين فرقة، وافترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، هم في النار الا واحـ دة»
كلـ
حديث شريف (1/3)
صفحة 4
حقيرة صاحب الجلالة السلطان قابو سن بن سعيد المعظ (1/4)
صفحة 5
الإهداء
إلى صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد، المعظم، سلطان عمان حفظه
الله ورعاه. ياصاحب الجلالة: هذا كتابي الأباضية .. مذهب وسلوك، أقدمه بين يدى
جلالتكم، وأرفعه إلى مقامكم الكريم، وفاءا بما ألزمت به نفسى أمام الله، وأداء ا لما قطعته من عهد الجلالتكم، فى أن أكشف الغطاء. وأزيح الستار، عن ذخائر العروبة، ومفاخر الإسلام، ومآثر العرب والمسلمين عبر سلسلة عمان ..
والامبراطورية العربية،
-
و لقد تتبعت - يا صاحب الجلالة في كتابي هذا، أرومة العروبة، وأمومة العرب في منابتها الأولى، ومغارسها الأصلية، وبداوتها العريقة، ودرت معها في أعماق الماضى، وأغوار الأزل، وبين منعطفات التاريخ، وفى سراديب الدهور والعصور، حتى عهد يعرب بن قحطان، وأخيه، عمان، .. وأوضحت في الكتاب. . ياصاحب الجلالة - مشوار مازن بن عضوبة، من عمان إلى المدينة المنورة، ـ مهجر رسول الله، ومقر حكومة الإسلام الأولى - حيث أسلم على يدى النبي، وبينت كيف أعلن عن اسلامه بين قومه، ثم كيف حمل الاسلام إلى عمان؟
يا صاحب الجلالة ... ووقفت طويلا في عرض هذا الكتاب وشوارعه، و بين دفتيه، وعلى مدى أبوابه، مع «المذهب الأباضي،، وأبنت أنه طريق
الدعوة إلى الله، والطريقة السلفية الصحيحة - الخالية من التعقيد والتشديد - والتي يجب أن يعبد الله عليها، وتتأدى حقوقه من خلالها، ويتعامل الناس عن منهجها مع الحياة. (1/5)
صفحة 6
وقمت - يا صاحب الجلالة - باستقطاب، واستيعاب هذا المذهب من جميع مصادره، وشتى مظانه وخواطره، ومن بطون الكتب والمكتبات، وذخائر
المطبوعات، والمخطوطات، وتوافرت على دراسة تلك الفرقة الناجية. - وهى
بعون الله دراسة أكاديمية موضوعية – قرابة السبعة أعوام.
والله أرجو أن تكون هذه الدراسة نافعة صالحة، تؤدى دورا من أدوار العقيدة، وتسهم كثيراً فى منجزات الدين، وتضيف جديدا إلى فقه الشريعة، وأسلوب العبادة، وكيفية تعامل الناس مع الإسلام والحياة.
فإلى جلالتكم - ياصاحب الجلالة - أهدى هذا الكتاب. الأباضية. مذهب وسلوك. .. والله من وراء القصد، وهو ولى التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، وهو نعم المولى، ونعم النصير.
المؤلف
السيد عبد
الحافظ عبد ربه
من علماء الأزهر (1/6)
صفحة 7
مقدمة
إن دراسة عمان عموما، والأباضية فيها على وجه الخصوص، ترينا النماذج الرائعة الحية، من البطولات العربية، والشوامخ الإسلاميه الفذة، والعبقريات العلمية الأكاديمية، والتكنولوجيات المبدعة الخلاقة، في شتى مجالات السكون،
وفوق خريطة العالم، وعلى مستوى الإنسانية كلها، بما تتصلح به الدنيا، ويستقيم
معه الواقع، وتصح عنده الحقيقة، ويثرى فائضه رصيد البشرية، ويتراءى حصاده زاهياً رابيا في أجواء العقيدة، وآفاق الدين، ويبدأ من لدنه مشوار التاريخ، وتنطلق حركات الحياة في إيقاع متسق منظوم، و توازن متقن منغوم. إن عمان - وقد تداولها و تناوب الحكم عليها بنوسامة، وبنو نبهان. واليعاربة، والبوسعيديون - لتعتبر قمة في رفض التسلط والتعسف والتحكم وآية ثورية ملتهبة - كذلك - ضدأى ظلم أو اضطهاد، أو ظالم أو مضطهد،
—
أو غاصب، أو ناهب، أو سالب، ...
عمان ضد هذا كله .. ولقد ثارت على كل هؤلاء، كما احتمت عمان كذلك بالإمة أو احتمت بها الإمامة - حقبة طويلة من الدهر، بدءا من الجلندى بن مسعود، ومرورا بأئمة كثار كبار منهم الوارث بن كعب الخروصو، وغسان اليحمدي ومهنا ابن جيفر، والخليل بن شاذان، و سلطان بن سيف بن مالك، وبلعرب بن سلطان و محمد بن ناصر الغافري، ثم أحمد بن سعيد مؤسس دولة البو سعيد بين سنة
-
1167، والذى دانت له السلطنة والامامة معا، وتعلقتابه، وتعانقتا في رحابه
وأولاده من بعده، سعيد، وسلطان، ثم أحفاده - من ولده سلطان.
—
ثم تركى، ثم فيصل، ثم تيمور، ثم سعيد بن تيمور ...
-
مجيد
وكانت عمان آنذاك ـ وفي ظل هذه القمم، وتلك القيم الدينية، ولا تزال (1/7)
صفحة 8
-8 -
بمشيئة الله كذلك - رمزا للسلوك الاسلامي المهذب، الذي يصح أن يقاس عليه و يحتذى به سلوك أى مسلم أو عربي، عبر الأمة الاسلامية والعربية، ومن خلال
الألف والسبعمائة مليون، ممن يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله وينطقون العربية ..
>
أنا لا أتكلم فى مؤافى هذا الأباضية مذهب وسلوك، عن عمان الحضارة والمستقبل، أو عمان الأمل والعمل، أو عمان النهضة والتقدم، أو عمان الدبلوماسية الهادئة، أو عمان السياسة الحازمة الحكيمة، أو عمان الصاعدة فوق أكتاف النجوم والسماء، أو عمان الواعدة بالخير والبركة والنماء، أو عمان التكنولوجيا الحديثة المتطلعة، أو عمان الدراية والاحاطة المستوعبة الواسعة.
فذلك كله له موضعه وموعده مع مؤلفاتي القادمة، عبر سلسلة عمان والامبراطورية العربية - يسرا الله لى أمر هذه السلسلة حتى أنجزها وأبرزها بعون منه تعالى - وإنما سأقصر الكلام هنا عن عمان بين أحضان التاريخ، عن عمان والعروبة عن عمان المسلمة، وكيف دخلها الاسلام؟ عن عمان الأباضية، وبيان الشوط الكبير الذي قطعه ذلك المذهب، والقاء الضوء على هذا الرسم البياني الذي رسمت الأباضية أبعاده و آماده، وخططت مساحته و مسافته تلك الفرقة الناجية، فرقة أهل الاستقامة،، وانطلقت به من عمان مشرقة مغربة، مشمئلة بجنبة، في كل بقاع الدنيا، وأصقاع الحياة. هذا المذهب الذي امتد نسبه إلى النبي، واستقى معينه من كبار الصحابة بالذات، ومن حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس الذي حمله في صدره، وبشر به علماء الاسلام وفقهاؤه، من أمثال جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم التميمي، وعبد الله بن أباض، ومرداس بن حدير، والربيع بن حبيب الفراهيدي، ومحبوب ابن الرحيل، وطالب الحق أبي يحيى عبد الله بن يحي، وأبي حمزة المختار بن عوف وباج بن عقبة الأزدي، وضمام بن السائب العماني، وغيرهم كثيرين وكثيرين (1/8)
صفحة 9
من خيار هذه الأمة، والذين قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم:. كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، و تنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله. .
وهكذا بدأت هوية هذا المذهب وملامحه، وشخصيته. تتكامل كائنا سويا، في أعماق، وفي أغوار، وفي وجدان عمان - على الحقيقة ـ منذ أن بدأ الاسلام أول خطواته فيها، وآنئذ وضع قدمه هناك على طريق ــ وفى أرض. هذه الغبيراء التي قال عنها رسول الله: د رحم الله أهل هذه الغبيراء - يعنى عمان - آمنوا بي قبل أن يروني فطوبى لهم .....
هذا ..
إلى جانب ذلك السبق الاسلامى فوق البيئة والطبيعة العمانية، والذي تمثل في أربعة من أهل عمان، ومن كبار أصحاب النبي، وهم: مازن بن
عضوبة السعدى، وكعب بن برشة الطاحى - أو العودى – وصحار بن العباس
-
العبدي، وأبو شداد بن أوس العماني الذماري، وكلهم عمانيون، أنبتهم عمان الولود
التي تلد العباقرة والأفذاذ، وتنبت الدعاة والهداة، والأخيار والكبار.
إن حضارة، أو صدارة عمان، لم تأت - كما أسلفت ـ من فراغ، ولم تنشأ هكذا اعتباطا، بل هيا القدر أمامها الطريق، وأطاب لها المناخ، وأمشى في مسيرتها النجاحات المواتية، وشدها إلى المتاحات القاصدة، في ظروفها الماضية والحاضرة، والآنية، وأعدها إعداداً كاملا مرعيا معنيا. كى تتمكن من قطع
الشوط، وإكمال المشوار، و تطويق آماده، واقتحام أحجامه وأبعاده، وأداء رسالة إصلاحية، استجنت واختبأت فى ضميرها ووجدانها، وظلت حبلى بها حقبا متطاولة من عمر الحياة، حتى جاءها المخاص فيما اعتزمته، وقصدت إليه، وقدمته للعالم في أسلوب من الوعى الجديد، وصيفة مشرقة من الدبلوماسية، وإثراء في رصيد الإنسانية جمعاء، والمسلمين خاصة، والعرب بالذات، وعلى وجه الخصوص (1/9)
صفحة 10
10
من
عدالة
في الحكم، وطهارة في التعامل، وتعفف وعفة، وشرف ونزاهة، وايثارية وتكافل، ومسئوليات و تبعات يدور عليهما الخاطر، وشعور فياض ينفعل به الاحساس، ويستجيب لدعائه وندائه كل من كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد.
فهل يمكنى حينئذ - وبعد ماسقت من آيات شاهدات، واستنطقت من آثار وبصمات - أن أقول: إن عمان ظلت، وستظل أيقظ حراس الاسلام
والعروبة، عبر آلاف السنين، وعلى مدى الدهور والعصور، بما فعلت و بما ستفعل في سهيل العرب، ومن أجل قضايا المسلمين؟
هل يمكنى أن أجهر بصوت عال مجلجل، وأقول ـ بكل ثقة واعتداد،
-
ومباهاة وفخر -: إن فضل عمان على العالم كله مسلمه وعربيه - كفضل الغذاء، والماء، والهواء، تمده بالفكرة، وتحميه بالعقيدة، وتصون لسانه عن
الرطانة واللحن، وتملأ حياته كارا بكل أسباب العيش، وعناصر الحياة. هل يمكننى أن أقول: إن عمان قد حمت نبتة الأباضية، وصانت نشأتها حيث تمخض عنها الفكر الاسلامى هناك، وحيث ترعرعت في بيئتها، ومشت فوق أرضها، فاحتضنتها، وأشبلت عليها، ودافعت عنها، واعتقدتها مذهبا وسلوكا، وقدمت لها خيرة رجالها، وأفضل علمائها وفقاتها، وعمان بذلك - وفي الحقيقة - تكون قد وفرت على المسلمين الكثير من الجهد والوقت، كما هدفت في ذات الأمر إلى تحرير الارادة الإسلامية، والفكر الاسلامي من التمزع والتفرع، والتفسخ والتشرخ، في شئون الدنيا، وفي أمور الدين ... و بذلك أيضاً تكون عمان قد قادت المسلمين إلى الطريق القاصد الواحد، والهدف الراصد في زحف مقدس، وصف منتظم راكم إلى حيث تكون الوحدة الاسلامية، والفرقة الواحدة الناجية، التي عناها الله تعالى في قوله لرسوله: «قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى،، والتي
الواعد، ومشت
معهم (1/10)
صفحة 11
-11
ارتضاها النبي، وأخبر عنها حين قال: «افترقت المجوس على سبعين فرقة، وافترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين
فرقة، وستحترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة،؟ إن الإسلام قد منى - منذ سنواته الأولى، وخطواته الطرية، أو بدها من تعامله مع الحياة، في عهد الخليفة الثالث - بالكثير جدا من الاضطرابات والفتن والكبير الخطير من البلايا والمحن، حين تفرق المسلمون مزعا وشيعا، وتنافروا
أقساما وأرقاما، وكادت شأفتهم أن تنقضى، وعصاهم أن تنكسر، وأمرهم أن ينتهى و ينفض .. وزاد الطين بلة، والقلب أو جاعا وعلة، هذا الهجوم الزاحف، والطوفان الخاطف الراجف، والموج الهائل المتلاطم، الذي جاء في معية هذا الفكر الغريب الوافد على البيئة الإسلامية، والمتمثل في الفلسفات اليونانية، والوثنيات الاغريقية، والشطحات المجوسية الفارسية، والمتاهات الزرادشتية، والترهات المانوية، والبوذية. والبراهمية.
إلى غير ذلك من الديانات الشرقية الوضعية، والأباطيل والاضاليل التي نفها الشيطان في أرواع أصحاب هذه الملل والنحل، من أحلامه وأتباعه وسدنته والمنفذين أمره، والمنتهجين نهجه، والسائرين على حداه وخطاه ... هذا إلى جانب ما أثقل الأمر، وقدم الظهر، من الفرق الإسلامية العديدة، والطوابير الطويلة المديدة، التي أضعفت كيان العقيدة، وأثقلت كاهل الدين، بما ابتدع واتبع، و بما أحدثوه بينهم، وتنازعوا عليه، واختصموا فيه، وتساقطوا عنده ضحايا وصرعى، من مثل الاعتزال، والمغالاة، والجرأة واللامبالاة، والتشيع، والانحياز المتجسم المتضخم في المعتزلة، وغلاة الخوارج والصفاتية، والحشوية والمشبهة، والقدرية، والشيعة، مع ما الشطرت إليه هذه الفرق والطوابير من فروع، وتشكيلات، ومذاهب، ومناحى واتجاهات، وأيضاً مع ما اندرج ضمن هذه اللافتات، وانضوي تحت لوائها، من تسميات وأسماء، ومسميات، بما تفوق العد و تتجاوز الثلاث والسبعين فرقة بكثير وكثير ... الأمر الذي يبهر العادين، ويعجز الحاسبين (1/11)
صفحة 12
- 12 - 0
و من خلال كل هذه التراكمات والتناقضات، والاعداد والكميات. وما يدور بينها، ويحدث في صفوفها، من نزاعات وخلافات، وصدامات وانقسامات ... نرى تلك «الفرقة الناجية،، وقد خرجت وحدها من وسط هذه المعمعة، وجحيم تلك المعركة، وهي تلوح بأغصان الزيتون، وفروع الورد، وقد هيأتها
عمان، وادخرتها لمثل هذا اليوم، ولتقوم - قادرة ماهرة – بهذا الدور
-
البطولى البارع الذي يحفظ على المسلمين وحدتهم، ويبقى على كيانهم، ويصون لهم العقيدة والدين.
فهل يمكنى بعد ذلك وقبل ذلك أن أقول: مرحى عمان، و مرحى بما فعلت وأدت حين تمثلت كلها - بكل أجهزتها، ومرافقها. ومؤسساتها. وطاقاتها وقدراتها في هذا التجمع الإسلامى الكبير - وأعنى به المذهب الأباضي - الذي استنبتته في بيئتها. واستنبطته أسلوبا للفقه الشرعى، وص، وصيغة للإسلام، وطريقة للسلوك الديني الصحيح، والعقيدة المصفاة النقية، التي تراود الاحساسات والمشاعر و تطوف بالوجدانات والخواطر، عبر الألف والسبعمائة مليون مسلم وعربي من يواطنون هذا العالم، ويواكبون مسيرته، ويرافقونه في مشوار الحياة؟
هل يمكنني أن أواجه _ أو أجابه المتشككين والمتشائمين من دعاة التفرقة
-
المذهبية، وأحلاس الهوى المغرض، والمتشنجين، والمتعصبين، وغلاة العقيدة، والخارجين على الجماعة، والمتسوتين في بضاعة الدين، والمترهلين، عند بعض الفتاوى، و الجامدين على بعض الآراء، من سماسرة القيل والقال، وعملاء التميع والتمزق و كمان التفرق والتفسق، وأصحاب هذا الفكر الجامد المعاند؟
هل يمكننى أن أواجه - أو أجابه - أو أقول لكل هؤلاء وأولئك: تلك هى عمان وقد اعتنقت ذلك المذهب الأراضى الذى بعد بها، ـ وبالعالم الإسلامي كله عن هذه المتاهات، وتلك الشقشقات والشفشنات التي دوخت الدنيا. وأتعبت (1/12)
صفحة 13
-17 -
الناس. وأدت كامل السكون، وأثقلت عائق الأيام، وزارات – أو زعزعت
-
كامل الوجود؟
تلك. هي
عمان، وقد تمذهبت بمذهب أهل الاستقامة، واعتقدته منهجا
وطريقا، وتفاعلت معه سبيلا وسلوكا.
تلك هي عمان الماضى والحاضر والمستقبل أصالة وعراقة، وأملا وعملاء و بناء وطموحات وتطلعات، ونهضة، ويقظة، وأمانة ونية، ووثبة وهمة،
،
وذودا عن العروبة، ودفعا عن الإسلام، و.، وحماية لقضايا الشعوب والأمم، ووقوفا صادقا صامداً، وانعطافا منحازاً قاصداً، مع كل مضطهد مغلوب، أو عان مكروب، أو يائس بائس، يطحنه الذل، ويمضغه الظلم، وتسحقه الحاجة، ويرغمه الفقر، ويقهره الهوان، ولا تفتأ التناقضات تلهب ظهره، وتثقل إصره، و تدق فوق رأسه بمطارق المعسكرات الدولية، أو الانتماءات الحزبية، أو التقوقعات الشعوبية، أو الملاهى الشيطانية، الصبيانية، كما نرى ونشاهد، ونسمع ونقرأ، من كل ما يثير الغثيان، ويغضب الانسان. ويفر به به هاربا غاربا ـ إلى الغابات أو أدغال المارستان!!
-
إن العالم الاسلامي - وقد كانت تحكمه قوانين الاحتمالات. و تشطره اختلافات الفقهاء، وتمزقه المذاهب، وتقطع أوصاله الاجتهادات، فردية كانت أو جماعية بدأ يسترد أنفاسه اللاهثة، وجهده المكدود، وخطواته الراكضة اللاغية التي طالما أمشاها على رؤوس الحراب، وفى مفترق الطرق – في ظل هذه المؤسسة الوليدة الشرعية، والتي انفرج عنها، وتمخضها الفكر الاسلامي الصحيح المصفى، الخالي من التعقيد والتعصب، والمنبثق أصلا من المنبع الأساسي للعقيدة، والمصدر المتفق عليه بين رجال القرآن والحديث، ورواد الفقه والشريعة، وأساتذة الدين والايمان، والذي اعتمده الرسول صلوات الله وسلامه (1/13)
صفحة 14
-18 -
عليه بين أمنه وجماعته، مرجعا لهم وقانوناً، في قوله: «لقد تركت فيكم ما إن اتبعتموه لن تضلوا بعدى أبدا، كتاب الله وسنتى. .
أقول: لقد توحد العالم الإسلامي، واستراحت أمته، في ظل، وفي رحاب مؤسسة، أهل الاستقامة، أو «الفرقة الناجية، أو الجماعة، التي تعتها الله تعالى بالخيرية في قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس، وأعنى بها و الأباضية، مذهبا وسلوكا،، وسنة وطريقا، و تعاملا و تداولا.
وإن المتتبع لسلوك هذه الطائفة، وتناولها للدين، وتعاملها معه، ليدرك من أول وهلة، ويعتقد يقينا أنها الفرقة الواحدة: - بين الفرق الثلاث والسبعين - التي ضمت جوانحها على الدين، واستقبلته في صدرها، ومارسته، وتعاملت معه كأسلوب صحيح، وصيغة وضيئة مضيئة، ومن هنا لا عجب أن تذهبت بها عمان وأصدرت وأوردت كل شئونها الدينية والدنيوية من ثنايا، و من خلال ما تشير به وتدل عليه، وتقف عنده، وترشد إليه، ونثق فيه.
وليست عمان وحدها في هذا الطريق الأباضي، بل صارت معها، وشاركتها المشوار طائفة كبيرة من البلدان الإسلامية .. كالحجاز في جملته، ودول الخليج، والامارات العربية، والشام كله قبل تقسيمه وتدويله. ودول شرق أفريقيا
وتونس. وليبيا والجزائر، ومصر مع نشأة المذهب وبداية انتشاره.
هذا .. وان للمذهب فقهاده وعلماءه الاجلاء الفضلاء، الذين توافروا على استنباط أحكامه، وتوضيح مسائله من الكتاب والسنة واجماع السلف الصالح، والذين ربطوا عن منهجه، وبرنامجه ـ شئون الدنيا بشئون الدين، وأطالوا يد الإسلام بيضاء غراء - حتى التفت حول الامة، وأصابت كل شيء فيها بالتهذيب والتشذيب، واحتضنتها، واحسنت إليها، كما دفعت عنها ـ وطاردت ـ كل دخيل أو غريب، أو متلص عليها، أو متال إلى جواهرها ومكنوناتها، إما
ص (1/14)
صفحة 15
-10 -
بقصد السرقة، أو التلبيس والتدليس فيها وغشها، أو العمل على نسنها تماما!!
ولست في حاجة إلى الاسترسال الطويل فى بيان ما أفادته الحياة عن طريق الفكر الأباضي، ولا سيما في العمل على جمع كلمة المسلمين، و توحيد صفهم، وانطلاقهم جميعا من مبدأ واحد، وإلى غاية واحدة
وها نحن اليوم نرى من آثار هذا التفكك المذهب والطريقة التي نعبد الله
-
عليها، والطريق الذي نقطعه ونمشيه إلى تعاليمه: وأداء واجباته ـ ما يندى الجبين ويشيب الطفل، ويذهل كل مرضعة هما أرضعت، ويسكر الناس، ويدعو إلى الأسى والأسف، والفجيعة والمرارة، فيما أصاب الدين، وفيما أصاب المتدينين من جراء ما غرقوا فيه إلى الاذفاق، من هذه التشكيلات المذهبية، والموديلات وه الشللية. .
إن ذلك يمزق كيان الدين، ويفتت وحدته، ويقضى عليه و ويمزق بالتالى كيان المسلمين المتدينين، ويفتت قوتهم وتماسكهم، ويقضى عليهم جميعا تضاءه المبرم، ويفنيهم الفناء الذي لا قيامة بعده أبدا
وهذا حتما من فعل الأبالسة الخبثاء، أو السذج البسطاء .. أو أعداء العقيدة و الدين
ولن يسترجع المسلمون مجدهم الغابر، وأمسهم الدابر، وقوتهم الذاهبة، وشمسهم الغارية، إلا بالاعتصام بحبل الله جميعا، وأن لا يتفرقوا، وأن يتحدوا فيما بينهم، وأن يتجمعوا في كنف إله واحد، ويجتمعوا على عبادته، وأن لا يقلبوا وجوههم حائرين في الأرض ولا في السماء، وأن يلبسوا الياقات المنشاة القابضة التي لا تسمح لهم بالالتفات يمنة ولا يسرة، وأن يتركوا عبادة الأشخاص، والهرولة إلى «الأيديولوجيات، التي صنعها أشرار الناس.
حينئذ وحينئذ فقط - يمكن للمسيرة الإسلامية أن تنطلق في ركب قوى - (1/15)
صفحة 16
-17 -
قوامه أكثر من ألف وسبعمائة مليون مسلم وعرابي إلى غاياتها الضاربة في أعماق الحياة، والذاهبة في تطلعاتها إلى مأتيات السماء. و قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ..
}
أقول: كان من أثر ذلك - أو كرد الفعل، أو رجع الصدى لكل تلك الشيطانيات،، والنجاتف، لكل هذه الكرنفالات، ان انعكست هذه الرؤية الكابية المعتمة ناطقة معبرة عن التمزق الشامل الخانق، والخراب الداهم الحانق:، الذي أحاط بالأمة، وأصابها فى شتى مرافقها، وأجهزتها، ومؤسساتها وفي حياتها السياسية بالذات، ولاسيما، وعلى الأخص المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط ـ التي يعايشها وبواطنه أكثر من مائتي مليون عربي، الأمر الذي
-
أطمع فيهم الأعداء، وأغرى بهم السفهاء، وجرهم دائما إلى الوراء والخلف، وساقهم جميعا وأبدا إلى الهلاك و الحنف .. وشد الأمة إلى ما الله به عليم .. فكثرت
-
فيها الطوائف والنحل، وتهاوت في مستنقعاتها المجموعات» و «الشلل»
وتناوح بين أطلالها الخراب، وتنازعتها «الهيآت» و «الاحزاب».
وهل يعقل يا قوم أن يتقاتل الأخوان، أو يتقابل الشقيقان في معركة أو يختلف أهل البيت الواحد فيما بينهم، أو أن ينشغلوا جميعا من أمرهم، حتى
يتسلل إليهم العدو، ويمزق كيانهم، ويقضى فيهم قضاءه، ويعمل جاهدا على محو معتقدهم، وشطب دينهم، ومسحهم كلهم من فوق خريطة الوجود، وجغرافية الحياة، كمانرى اليوم، ونعايش هذه الأحداث المروعة، في أفغانستان، وباكستان، واندونسيا، وماليزيا، وبلغاريا، والهند، وفي أطراف أفريقيا،
وفي بعض الجيوب الاسيوية، وخاصة في فلسطين ولبنان؟!
" (1/16)
صفحة 17
-
17
-
ولاشك أن من وراء هذا كله الاستعمار الكافر اللثيم، من وراء هذا الصهيونية والشيوعية والصليبية، والرأسمالية، وكل من ينتمى إلى هذا الطابور الغادر ... و واويلتاه اووا إسلاماه! و واعر وبناه من كل هذا الذي أصاب العرب، و من كل خطر راصد متربص، مرتقب، يجريه العدو المستعمر هنا وهناك، في كل أصقاع الأمة، وفي كل بقاع العروبة!!
واويلتاه لهذه الأمة التي فجرت الأحداث جراحها، ومزقت الاختلافات أوصالها، ا، و تآمر عليها بعض أبنائها من محتر فى السياسة، وعشاق الزعامة، ومدمنى اللعبات الصبيانية، والمكائد الشيطانية، ومن كل من يساوم على عرضه، وأرضه ووطنه بالجاء، أو المنصب، أو المال!!
إن العدو قد وضع في خطته، ورصد في مفكرته، ورسم فى استراتيجيته. وسجل في موسوعته منذ أن بدأ المشوار مع العرب - كل هذه النتوءات، والكأداءات. في طريق المسيرة العربية. حتى تتعطل المسيرة، ويتخلف العرب. ولا سلاح أمضى وأعمل في مثل هذه المعركة - يستعمله العدو ويبارز به الاصلاح الشحناء والبغضاء، والتدابر والتناكر الذي هب على الصف العربي – يفعل هذا
-
العدو ــ والذي عصفت به أعاصيره، فشرخ جدرانه. وحطم أركانه. ومزق بنياته وأتى على قواعده من الأساس، وحتى أصبحت الأمة العربية اليوم أشبه بالأطلال والخرائب. التي يعيش فيها البوم. وتعايشها الوطاويط. والخفافيش. والغربان والذوبان. وكل ما له ظفر و ناب، أو مخلب. أو فك مفترس».
وما اليوم. والوطاويط والخفافيش. والغربان. و الذوبان. ومن له (1/17)
صفحة 18
-14 -
الظفر، والناب، والمخلب، والفك المفترس، إلا هؤلاء الذين يتقاسمون هذه الأمة، وهم مع الأسف، من أبنائها، ويتنازعونها فيما بينهم، وكان الأجدر بهم جميعاً أن يدافعوا عنها، كما يحرص كل من هذه الوحوش المتناوشة المتهارشة، والكواسر الضواري، على أن يعبر من هذه الأمة هبرة، أو ينتزع منها بضعة، أو يأخذ قطعة أو مضغة أو لقمة، يسد بها جوفه النهم، ويملأ بها كرشه الشره، ومحشى بها بطنه الضخم المترهل، الذى يقول دائما بقولة جهنم: «هل من مزيد، 115
يا أيها المسلمون، ويا أيها العرب اماذا بقى لكم بعد ذلك؟
يا أيها المسلمون .. لقد خدعكم العدو عن أنفسكم، وعن ماضيكم، وعن تاريخكم وعن إسلامكم، وعن عروبتكم!!
أنساكم أنكم أتباع محمد، وأشياع أبي بكر وعمر، وتلامذة عبد الله بن عباس، وجابر بن زيد، وعبد الله بن أباض، وأجناد خالد بن الوليد، وأبناء، هؤلاء الاصحاب: معاذ بن أنس، وعمار بن ياسر، واسيد بن حضير، وأنس ابن قتادة، وأوس بن ثابت، واياس بن زيد، والحباب بن المنذر, وحوشب ابن طحية، وخارجة بن أبي زهير، وخراش بن الصمة، ورافع بن مالك، ورفاعة بن رافع، وزيد بن أرقم، وزيد بن حارثة، والطفيل بن مالك، ومحمد بن سلمة، ومحاذ بن جبل، ومعن بن عدى، ونوفل بن الحارث، والنعمان ابن بشير، وعبد الله بن غرفظة، وقبيصة بن ذؤيب، وسعد بن عبادة، وسفيان ابن بشر، وأبي عبيدة بن الجراح، وغير هؤلاء من الأفاضل الأخيار، والصحابة الأبرار، الذين لفتوا وجه الدهر، وغيروا مجرى المسيرة، وفجروا ينابيع الخير في ربوع هذه الحياة ... (1/18)
صفحة 19
-19 -
يا أيها المسلمون في كل مكان ... أفيقوا من نومتكم، واستيقظوا من سباتكم الذي تغطون فيه غطيط أهل الكهف، وتنبهوا إلى هذا العدو الشرس اللثيم الذى إزرع بين صفوفكم كل بذور الفرقة، وكل أنواع العداوة، وكل أصناف التحاسد والتحاقد، ثم أخيرا يغرى بعضكم ببعض، ويشعلها - بأيديكم أنتم - حربا ضروسا، وغارات شعواء لا تبقى ولا تذر!!
والا .. فخير و ني بربكم: ما هذه المعارك الدائرة الجائرة بين العراق وإيران؟
ما هذه المعارك والمحارب التى تتراقص عاصفة قاصفة بين المسلمين بعضهم ضد
بعض؟.
من الذي أشعل فتيلها، وأوقدنا رها، وانتزع منها ذراع الأمان لتنطاق على الأمة الإسلامية جبارة غدارة هكذا؟
إن أعداء الإسلام والمسلمين هم من وراء كل ذلك ... و في مقدمتهم الشيوعية والصهيونية ومن لف لفهما، ودار في أفلاكهما.
وإذا كانت عمان في القديم قد أخرجت العجم من ديارها، واجلتهم عن بلادها ولبذتهم نبذ النواة، ورمت. ا بهم في كل ناحية واتجاه.
وإذا كان مالك بن فهم البطل العربي الأزدى العماني، قد طارد الفرس من الجزيرة العربية عامة، و، و من عمان بالذات، وعلى وجه الخصوص، فان السلطان قابوس بن سعيد وهو سليل الأزد، وحفيد مالك بن فهم وفخر العرب، وحامي حمى العروبة، سيخرج الصهيونية. بمشيئة الله. من العالم كله، ويتعقب الشيوعية، ويطاردها في كل مكان، ويطهر الوطن العربي والخريطة العربية، من الوجود الاسرائيلى. وسيشعلبه بممحاة العدم والاوجود من فلسطين. والجولان. وطابا. ولبنان. وكل شبر أرض، أو حبة رمل. عبر
" (1/19)
صفحة 20
- Y. -
أمة العرب، من الخليج إلى المحيط، وقد أعد جلالته لذلك عدته، وضاعف مجهوده وطاقته، ووظف أمكاناته، وقدراته، ورمى بكل أثقاله في الميدان، وحشدو عبا وجهز وهيا، وأعد جيشه وجنده، وأكد عهده ووعده، لهذا الغرض السامى، وذلك الهدف النبيل العظيم.
وإن ما يقوم به جلالته على المستوى الدولى العالمي، وحتى على صعيد الاجماع العربى - من المؤتمرات، والاجتماعات، والندوات، واللقاءات، والجولات الميدانية، والاستعدادات الدبلوماسية، والعسكرية – ليدل على ذلك دلالة واضحة، وان من يرصد خطوات جلالته وممشاه على طريق الحق العربي، يتأكد له يقينا أن قضية العرب لن يفك اشتباكها، ويحل الغازها، ويقضى فيها القضاء العادل المنصف - الذي يعيد إلى العروبة أمنها واستقرارها، ويعمل على تحرير إرادتها، وتقرير مصيرها و مشيئتها - إلا البطل المسلم العربي الأزدي العماني السلطان قابوس بن سعيد، وإنا لمنتظرون، والله معه يحفظه ويرعاه.
إن الشيوعية والصهيونية هما المعسكرار اللذان فتنا المسلمين والعرب، واغريا بعضها ببعض، وحرضا ـ أو سلطا البعض على البعض الجملة
أسباب
و من
أحمر
-
1 - الحقد على الإسلام والمسلمين، والعرب والعروبة، فالشيوعية
لا دينية، والصهيونية كافرة.
2 - إقامة سوق للسلاح، يتاجر فيه كل من المعسكرين على حساب الأمة الاسلامية، والأمة العربية، فالشيوعية والصهيونية تكسبان المليارات، والمسلمون والعرب يخسرون ملايين الارواح، وملايين المليارات من الأموال.
- التخطيط السافر - أو الملثم المقنع - للاستيلاء على مصادر النفط في (1/20)
صفحة 21
- 21 -
حقول الاسلام والعروبة، وصرف – أو طرد - المسلمين والعرب عنها .. سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين، أو خليجيين، أو حرباً على العموم، أو مسلمين عامة.
هل كان يمكن الشيوعية أن تضرب الأفغان و تقتحم عليهم بيوتهم لولا الدولة
والفرقة، والغربة التي يعيشها المسلمون؟
هل كان يمكن للشيوعية أن تقيم القواعد والترسانات في الوطن الإسلامي لتتجمع
فيها، و تضرب منها الاسلام، لولا تخاذل المسلمين و تفرقهم؟
لعلكم أيها المسلمون قد أصابكم الترهل والاسترخاء، حتى طمع فيكم العدو، وكرهكم الصديق، على الرغم من كثرتكم، وألف وخمسمائة مليونكم،
وحتى صدقت فيكم نبوءة الرسول في قوله:
ه يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكالة على القصاع، قالوا: أو من قلة فينا يارسول الله؟ قال: لا، و لكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينز عن الله مها بتكم من قلوب أعدائكم، من حبكم الدنيا وكراهية الموت والجهاد.
وأنتم أيها العرب في كل مكان:
يا أبناء عمان ويعرب، يا أبناء ربيعة و مضر، يا أبناء الغوث بن مالك بن زيد اين كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام.
يا أبناء الأزد زينة الدنيا، وفخر الزمان.
يا أبناء العباقرة المباهلة، والأقيال الصيد، والغر إليها ليل، والأبطال الميامين نظرة متأنية إلى تاريخ أسلافكم وأجدادكم، ورجعة إلى الماضى لاستيعاب مفاخركم وأمجادكم، ووقفة. مع العمالقة الشوامخ من أمثال مالك بن فهم، والجلندى بن المستكبر، والبوسعيديين الأشداء الأقوياء، الذين نشروا مكارم العرب، ورفعوا
فضائل العروبة عالية خنافة فوق كل الأعلام، وعلى مر الدهور والأعوام .... (1/21)
صفحة 22
- 22 -
أيها العرب: ماذا عساه يقول عنكم الآباء والأجداد؟ ماصاهم يقولون عنكم اليوم وبأى لغة يقولون؟ وما عساكم تعتذرون إليهم عن تفرقكم وتمزقكم وضياعكم هكذا أوزاعا واتباعا، وأصغارا وأصفارا؟.
وهكذا تعاون الذهول العربي، مع التربص اليهودى والصليبي، مع ضغائن الدول الكبرى من مثل أمريكا وروسيا، أو الولايات المتحدة والاتحاد السوفيق. من أجل هذا كله - وحفاظا على العروبة والاسلام - حملت همان فوق كتفها قضية القوم جميعا، - مسلمين وعرب وحملتهم على الالتزام بالمحجة، واحترام أبعاد الجادة، وحمتهم من التردى والهاوية، واجتازت بهم هذا الطريق المحوري الصعب، والمنعطف التاريخي الهادر، الذي يشد إلى دواء أنه، ويبتلع في لهاته ومتاهاته، من لم يلتزم بقواعد المرور، ومن لم يخش عاقبة الأمور وذلك بمخالفة الدين، واتباع الشياطين.
-
ومن هنا، فإن عمان لانزل ولم تزل، وستظل تلح على إنجاز ماخطته وانفاذ مارسمته، واكمال ما بدأته, وخططت له، وذلك عن طريق العقيدة و السلوك المنهجى المتوائم مع المذهب الصحيح، الذى تتراءى بين أبعاده، وتتضح في نطاقه و آماده، صور الحياة الاسلامية الكريمة، التي أدرك بها السابقون الشوط والشأو، وحقق بها اللاحقون، الرجاء المنشود، والأمل الحلو، وأعنى بهذا المذهب، مذهب الأباضية، الذين تناولوا به الدين في سهولة ويسر، وتعاملوا معه بطول نفس، ورحابة صدر، وتعاطوه برنامج عمل يقطعون به مفازات الحياة وصحراءها، في حراسة الدين، ورعاية العقيدة، وعناية ساهرة يقظى من تعاليم الاسلام ... فلم يتشددوا ولم يتصبوا، ولم يغالوا، ولم يغرقوا، وكذلك لم يفرطوا في معتقدهم، أو يتناولوه بضعف، أو يتعاطوه بميوعة واسفاف، وإنما كانوا بين ذلك قواما. فاقد استنبطوا مذهبهم من القرآن الكريم. واقتبسوه من السنة المطهرة، وسلكوا في مسيرتهم إلى عبادة الله لنفس الطريق التي ملكها الصحابة، وارتضاها (1/22)
صفحة 23
- 23 -
الإجماع، وحرصوا كل الحرص على أن تكون خطواتهم على ذات الدرب، وفى نفس الطريق، وفوق «إفريز، الشارع، ومع السهيل التوقطعها الرسول صلوات الله وسلامه عليه، في مشواره الطويل، وشوطه البعيد، جيئة وذهو با، على مدى مسيرته المباركة، ورسالته الميمونة عبر الثلاثة والعشرين عاما، ومع تحريمهم الصدق، وحتمية الحق، ومجاهدة النفس، وريادة المعاناة،، والرياضة والترويض على المشقة والمقاساة، حتى استبان لهم الأمر، ووضح أمامهم الطريق، وتبين للعالم أجمع، أو المخلصين المنصفين - أن هؤلاء هم أهل الاستقامة، أوهم في الواقع و على الحقيقة الفرقة الناجية، التي أخبر عنها الصادق المعصوم، والى أمر الله رسوله أن يختارها، وينتهجها سبيلا يوصل إلى عبادته ومرضاته في قوله تعالى:. قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى، وسبحان الله، وما أنا من المشركين.
) -
والمذهب الأباضي، ليس عجيبا فى الدنيا، ولا غريبا عن الحياة، وإنما هو العملة الصحيحة التي يجب تداولها و تناولها، والتعامل بها في شتى الانحاء، وفي جميع المناخات والأجواء، وهى بعون الله عملة لا ينالها التزييف أو التلبيس، ولا يطولها الوضع أو التدليس، ولا يجوز في منطقها العمل بين بين، ولا التفكر في وجهين، ولا المشي على الحبلين، فالحق عندها واحد لا يتجزأ، وكل لا يتوزع. وحينما أشبل جلالة السلطان قابوس بن سعيد – بعطفه السابغ، ورعايته
-
اليقظى – على تعاليم هذا المذهب، وأوصى باستمراريته وحمايته، كان شأنه في هذا كله، أن يحيط هذه المؤسسة الشرعية بكل أسباب الرعاية والعناية، وأن
يحرسها بكافة الضمانات و الوقايات، حتى تعشوشب أفرعها، وتطول أذرعها
،
وتمرح أغصانها، وتشتد سوقها، ويتكاتف ظلها، وتنضج خيراتها وثمارها، فيستظل بها الحران، ويأكل منها الجوعان، ويشرب من زلالها وسلسبيلها كل عاطش أسوان، ويخلد إلى تعاليمها، وأدابها، ومذهبيتها، وأستاذيتها، كل تانه، أوضال، أو حيران، في بيداء هذه الحياة، وفي صحرانها الشاسعة الواسعة (1/23)
صفحة 24
وبعد:
24 -
فلقد قسمت كتابي هذا الأباضية مذهب وسلوك، إلى ثلاثة أبواب،
ومقدمة، وخاتمة:
بهم
الباب الأول: عمان بين أحضان التاريخ. الباب الثاني: كيف دخل الإسلام عمان؟.
الباب الثالث: الأباضية .. والفرقة الناجية.
وفي هذا المقام يطيب لي أن أخاطب الألف والخمسمائة مليون مسلم، والمائتى مليون عربي، وأن أناشدهم الله والإسلام والعروبة، وأن أناديهم جميعا، وأهيب، وأصيح عليهم، وأصرخ فيهم - من تحت الانقاض، والاطلال، والخرائب التي خاضها العدو في ديارهم، وأهتف عليهم: - حتام. وإلام. وعلام تبقون هكذا على هذا الوضع الشائن المزرى المخزى! لم لانهبون جميعا هبة واحدة، وعلى قلب رجل واحد في تشكيل قوى، وتكتيل مؤمن، حتى تستطيعوا - وأخيرا - أن تكونوا «الكتلة الثالثة، أو جبهة العرب إسلامية، التى سيمكنها بمشيئة الله تعالى، أن تقضى على الشيوعية، والصهيونية، والصليبية، والامبريالية، والاستعمار كله بكل أشكاله وألوانه،
-
وأن تحفظ توازن العالم، وأن تعمل على استقرار الدنيا، وأمن الحياة؟. وذلك هو السؤال الحائر الذى أرجو أن أجيب عليه ـ بعون من الله ـ في كتابي القادم ضمن سلسلة، عمان .. والامبراطورية العربية، والله من وراء القصد، وعليه الاعتماد، ومنه التوفيق، وهو حسبى، وهو نعم المولى ونعم
النصير.
القاهرة في 1985/ 11/18
المؤلف السيد عبد ا من علماء الأزهر
الحافظ عبد ربه
عنوان المؤلف:
جمهورية مصر |
العربية
33 شارع دجلة - متفرع من شارع شهاب - شقة 13 - مدينة المهندسين
الجيزة – تليفون 717637 (1/24)
صفحة 25
الباب الأول
عمان بين أحضان التاريخ (1/25)
صفحة 26
بمشيئة الله وعونه:
لقد أسهمت عمان بكل ثقلها وأدواتها في تحضير الحياة، وامتاع الإنسانية بما قدمت و تقدم عبر التاريخ، وعلى المدى الحضاري البعيد، وقد يكون ذلك يفعلها المقصود مع الاصرار والتخطيط، وقد يكون ذلك عفو الخاطر، نتيجة التفاعلات الطبيعية التي تتميز بها طبيعة همان و تقتضيه استراتيجيتها الفذة المتميزة بجملة ملامح، قل أن يجدها الباحث في غير عمان من البلاد العربية وغيرها من سائر بلاد العالم على وجه العموم ... وعلى الاطلاق ..
سواء من الناحية التاريخية، أو من الناحية الجغرافية، أو من الناحية المنهجية في سلوك الإنسان العماني وتكوينه، فلقد أوغلت عمان في أحشاء الماضى، وتغلغلت في أعماق التاريخ، وضربت بسهم وافر في معطيات الحياة، وكان لها الأثر الكبير الفعال في النهوص بكثير من الأمم التي زامنتها وعاشت معها على خريطة العالم منذ نعومة أظفاره، ومنذ أن تفتحت عيناه على هيكل الرسالة التي من أجلها خلقه الله، والتى من أجلها أيضا استخلف الله الإنسان في الأرض،
وباهى بذلك الملائكة في قوله تعالى: «إني جاعل فى الأرض خليفة. .
كله
وإن المتتبع للرحلة العمانية في مشوارها الطويل عبر آلاف السنين قبل الميلاد وبعده، بل حتى قبل ترشيد التقويمات الفلكية، والحسابات الزمنية، منذ عهد السومريين والعماليق والاشور والتبابعة، ليرى ـ من خلال هذا همان في طبعتها الأنيقة الوضيئة، وصورتها الذكية المضيئة، وأبرز ما يتجلى هذا في الأسلوب الحضارى المتقدم، والسلوك الرائد الملتزم، ولاسيما في هندسة التشييد والعمارة، وشئون الإدارة والتجارة، وفنون الفلاحة والزراعة والملاحة. وبالاخص في بناء الانسان، ورصف الطريق تحت أقدامه،
- (1/27)
صفحة 27
- 28 -
و تجميل مساره ومصيره بالمثل والقيم والمبادئ والاخلاق، إلى الحمد الذي أدهش المراقبين الدوليين، وأذهل أهل الخبرة والدراية والاختصاص .. ولعمان
مع التاريخ مواقف مشهودة، وآيات معهودة، ومواثيق قل أن تتسرب إليها الجهالة، أو يعبث بها النسيان، فعمان في الحقيقة كانت هي واجهة الجزيرة العربية كلها، وكانت هى المرآة أو المرصد انتى تتراءى على صفحتها أو يتفاعل في ترمومتره صور الحياة الحقيقية، أو نبض الوجود الصادق، وشعوره الحساس، و وجدانه المتدفق الفياض، و من هنا كانت عمان عط أنظار العالم، و مرصد مناظيره و تطلعاته، وكانت الرؤية الوردية الجميلة التي يسعد كل متطلع إليها، أو حالم بها، أو مدله فيها، أو عاشق لها .. أو باحث سابح يرجو من بحثه وسبحه الوصول إلى شاطيء الواقع، واقتناص شوارد الفكر وأوابده ...
عمان والجزيرة العربية:
وإن نظرة واحدة متأنية إلى جغرافية العالم وخريطته ترينا بصدق ووضوح موقع عمان فوق سطح هذه الحياة، ووسط أعماقها وترا كماتها، كما ترينا بالتالي مكانها ومكانتها هنا وهناك ... ولقد اكثر في ذلك المؤرخون و المكتاب، وأصحاب السير والمؤلفات من الأقارب والأباعد، والمستشرقين والمستغربين، قال ياقوت الحموي:. إن عمان بضم الأول وتخفيف
-
الثاني وآخره نون قبلها ألف لينة ـ كانت تشتمل على معظم الجزيرة العربية، وتحوى بلداناً كثيرة، ذات نخل وزروع، وهي من أخصب أجزاء العالم، وتتميز تربتها بالاستجابة الاكيدة للاستزراع والاستنبات، يساعدها على ذلك مناخ طيب وطبيعة ثرة معطاءة، وهى تعتقد المذهب الأباضي، وتعبد الله عليه، وهو المذهب الصحيح الذى وافق سلوك صاحب الدعوة صلوات الله وسلامه عليه، وتابعه فيه أصحابه من الخلفاء الراشدين والتابعين لهم (1/28)
صفحة 28
- 29 -
والمخلصين من أهل الاستقامة الذين باعوا أنفسهم لله، و تجردو المناصرة الحق فوق دروب هذه الحياة.
وقال ابن الأثير: يطلق اسم عمان في القديم على قطر والبحرين والاحساء والشعر والإمارات ورأس الخيمة والشارقة وأجزاء كثيرة من الحجاز، ومنها واحات البريمي، ويمتد على بحر العرب، وتتعمم رأسه بالجبال الشاهقات - رؤوس الجبال. أو رأس أم سندم - وتكاد تلامس هذه الرأس ساحل إيران
-
عند مضيق هرمز الذي يفصل الخليجين - خليج البصرة وخليج عمان - بعضهما عن بعض، ويستند برأسه مرة أخرى على ساحلى البحرين اليمنى والهندى وأعلا جباله، الجبل الأخضر الذي يرتفع أكثر من عشرة آلاف متر عن سطح البحر، ومنطقة هذا الجبل من اخصب مناطق عمان، وعمان في مجموعه وجميعه جنة الله في أرضه، وآيته بين عباده وخلقه.
و في القاموس ... إن بحر عمان يكاد ينفرد وحده – دون بحار العالم - بمغاصاة اللؤلؤ وكثرة خيرانه، ولعل ذلك راجع إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل عمان حين استدعاء مازن بن غضوبة بعد أن أسلم وقال له: ادع الله يارسول الله لأهل عمان .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:. . اللهم أعدهم وأنهم، .. فقال مازن: زدني يارسول الله فقال النبي عليه الصلاة
والسلام: اللهم أرزقهم العفاف والكفاف، والرضى با قدرت لهم. . فقال مازن. طامعا أكثر فى عطف الرسول -: يارسول الله! البحر ينضح بجانبنا، فادع الله في ميرنا، وخفنا، وظلفنا، فقال صلى الله عليه وسلم:. اللهم وسع عليهم في ميرتهم، واكثر خيرهم من بحرهم فقال مازن: زدنى. . فقال النبي:. اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم، ... وقال لازن. قل آمين فإنه يستجاب عندها الدعاء (1/29)
صفحة 29
آية الله في الأرض:
وقال الزجاج: إن بلاد عمان تشبه اليمن بجوها المتناسق، وأوديتها الخصية، وجالها من أعمر بقاع العالم خصباً وعطاء، حيث تزرع فيها كل أنواع الزروع والزهور وتهب عليها ألطف الرياح، وتتعامل معها الامطار في مراسمها بأدب و تلطف ورقة، وفي عمان قنوات كثيرة، وأفلاج عديدة، تجرى فيها الينابيع العذبة إلى المدن والقرى، من عهد نبي الله سليمان عليه السلام وأهلها متحضرون ويسكنون العمران، وعلى سفوح الروابي، وفي الأودية السهلة
المنبسطة.
ووصف ابن أبي شيبة عمان في كتابه. الوسيط، وتناولها في كتاباته بالبسط والتحليل، حيث يقول: .. إن عمان هي المرادة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحوض، إذ يصف عرضه بقوله ... وعرض الحوض من مقامى هذا إلى عمان ... ويتوغل في أعماقها ويبرزها صورة واضحة أمام الناظرين، ويرسمها بريشة فنان صادق يستقطب كل جوانبها، وأهم زواياها، ويقرر ... إن عمان يطلق على قطر كبير يمتد من الشحر على بحر العرب إلى شبه جزيرة قطر في خليج البصرة، كما يقرر كذلك - في أكثر من موطن - إن بلاد عمان كبلاد اليمن من حيث خصوبة التربة، وصفاء الجو، وملاءمة المناخ، وترتفع جبالها في الداخل وعلى الساحل، وتتجه إلى الشمال حيث تعلو بقامتها الشاهقة ورأسها الشامخة إلى كبد السماء، غير أن كثرة المراعى الجيدة في السهول الواقعة وراء الجمال، جعلت قسما كبيراً من السكان يفضلون حياة البداوة، وينتشرون في تلك السهول، وتشتهر عمان بالهجن العمانيات التي تصدر منها لسائر أقدار جزيرة العرب، ومن أهم مدنها صحار، ومسقط، ولوى، وبركا، وسمائل، ونخل، وشناص، ومطرح، والرستاق، ونزوى، وصحم، والسويق، وصور، (1/30)
صفحة 30
- 31 -
وقلهات، وظفار، وتروى .. والساحل يقع على الخليج أمام سلسلة الجبل! وأخصب مناطقه سهل الباطنة، وأهم مدن هذا الساحل الشارقة، ودبى، وأبو ظبي، ورأس الخيمة، وعموما فإن مسقط ومطرح هما العينان الباصرتان في الساحل، وأما الجبل الأخضر فهو أعمر بلاد عمان على وجه العموم، وهو عرش عمان، وحصنها الرفيع المنيع ...
وقال صاحب كتاب, معالم الجزيرة: إن عمان جزء كبير مهم من الجزيرة العربية يقع إلى الجنوب الشرقي منها، وهو فى تكوينه يشبه المثلث، رأسه إلى الشمال، وينطح به بلاد فارس، وأما قاعدة هذا المثلث فهي ترتكز على خط و همى ممتد بين قطر ومسقط، والساحل العماني في تكوين هذا المثلث يشكل شبه جزيرة، وهو يشمل المحميات السبع، وبضعة من مسقط، وأما باقي القطر فيستوعب مسقط، والجيل الأخضر، وعلى قاعدة المثلث من جهة الجنوب تقع واحات البريمي، وتأتى صحراء الربع الخالي من الجهة الرابعة لعمان ..
وقال المسعودي في المروج: إن عمان إمارة عربية تمتد حدودها من ظفار غربا في حدود حضرموت الشرفية حتى رأس الخيمة، والمشيخات الصغيرة الواقعة جنوب قطر شرقا على الخليج الفارسي، وتمتد جنوبا من البحر العربى حتى الربع الخالي في الشمال، وأهم مدنها مسقط على الساحل، وهي عاصمة آل بوسعيد، ونظام الحكم فيها مدفى، أما عاصمة عمان في الداخل فهي نزوى وهى عاصمة إمام عمان، ونظام الحكم فيها دينى ..
شوط ورحلة:
وفي تحفة الأعيان، قال ابن خلدون في تعريف عمان: إن عمان من ممالك جزيرة العرب المشتملة على اليمن، والحجاز، والشحر، وحضرموت، وعمان وهي قائمة على بحر فارس من الغرب، وبحر الهند من الجنوب، ولاد (1/31)
صفحة 31
- 32 -
حضرموت من الشرق، والبحرين من الشمال، وهي كثيرة النحل والفواكه، وفيها الكثير من المياه والأسواق والبساتين، وما ولى البحر منها فهو سهول ورمال، وما تباعد عنه فهو حزون وجبال.
وقال الأندلسي في كتابه «زاد المسافر -- يصف أعمال البراكين في تكوين الجزيرة -: إن البراكين في القديم هى التى كونت الجزيرة، على هذا الوضع الحاضر، وأن الحرارة التي نحسها في جزيرة العرب، هي من فعل البراكين، ولا تزال مخزونة في احشاء الأرض وأعماقها، وهى اندفاعات بركانية خلفت لنا الحجارة السوداء النخرة فوق الرمال القديمة، فأمسكتها عن التفتت والذوبان، ولقد حدثت حركات أرضية عنيفة، وهزات جيولوجية فوق هذه الأدوار القديمة تسبب عنها تكوين أخاديد البحر الأحمر، وانقسام القارة العظيمة إلى قسمين، قسم غرب البحر الأحمر، وهو ما يعرف اليوم باسم القارة الأفريقية، وقسم آخر شرق هذا البحر، وهو ما نعرفه باسم بلاد العرب، وقد تكونت عمان والجبل الاخضر كذالك محركات أرضية مماثلة نتج عنها ما نلمحه وتتفاوت فيه العين من جبال ووديان، ومرتفعات وأخاديد، وسهول ورمال، وعيون وأفلاج، ... ولعل هذه الحرارة التى نحسها بوضوح في الجزيرة حصاد تلك البراكين أو الغازات، ولعل عمان بالذات من أكثر بلاد
هي
-
الجزيرة غازات وبراكين. .
الانان والخريطة:
:
أما المستر و توماس: - المؤرخ البريطاني - فيقول من عمان: ان عمان هي رأس شبه الجزيرة العربية في الشرق، وفي الرأس جميع الحواس، وفيها الذاكرة والقوات المفكرة، وتقع مسقط من هذا الرأس موقع العين اليمنى (1/32)
صفحة 32
- 33 -
أما صور ورأس الحمد وما يليهما، فهى المنخفض بين الأذنين إلى أصل العنق، وأما مصيرة والدقم وما إليهما، فهى العين اليسرى اعمان، وأما الشرقية إلى نزوى و عبرى، فميهن الهامة والوريد: وأما صحار والشارقة ودبي إلى أبوظبي، فهن العذار الأيمن، وأما الرمل الجنوبي إلى فهود والجبال، وما إليها من منابع البترول الحالية الواقعة في أحراز الدروع، فمن العذار الأيسر، وأما واحات البريمي، فهي البلعوم الذي يستساغ فيه الطعام والشراب، وقلب هذا الجسم العماني كان هو الجبل الأخضر، فيه يحيا، وبه يقوم ويحتفظ بمقومات الحياة، من عروقه وشرايينه وأوردته، يمد عمان بما يمد به القلب دائما سائرا لجسم، ويضخ فيه الدماء ولعله الجبل الذي اعتصم به ابن نوح و آوى إليه فى حادث الطوفان حين قال - كما قص القرآن: سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء،، وهذا الجبل هو حصن عمان المنيع، وما يزال حتى اليوم - يتحصن فيه أهل عمان من الغارات المزعجة المفاجئة، وأما قطر فهي قفص الصدر الأيمن، ورمل الأحقاف هي القفص الصدري الأيسر للكيان العماني المتكامل.
-
وانطلاقا من هذه الخريطة الأطلسية، فار عمان من الجانب الشمالى، سهل مستطيل غير متسع عرضا تسبح فيه العين، وتعوم في محيطه الخواطر، وهو من الجانب الجنوبي، رمل ناعم متكدس متراكم، بعضه فوق بعض خصب معشوشب ينبت المكلا والشجر، وأما القلب فهو حجر خشن صاد لا تزحزحه الرياح ولا تنال منه الأعاصير، ولا يذوب في حر الشمس، ولا فى صهد النار، تحف به الرياض الزهراء، والحدائق الغناء، والغياض الخضراء، والمراعي المتسعة، والأشجار الطيبة المثمرة،، والانهار المتدفقة المنهمرة، والمملكة السعودية - وسط هذا كله - أشبه ما تكون بالبطن المفرطح لهذا الجسم القوى السوى، وعموما فان عمان هي القلعة الشامخة القائمة بين الهند وإيران والمملكة العربية السعودية، (1/33)
صفحة 33
34 -
قلعة عريقة البناء، متينة الأركان، عالية الجدران، محكمة الوضع، بديعة رهي الشكل و الصنع، وضع أساسها الله، وأقام بناءها مالك بن فهم، وأحاط سورها الجلندى الأكبر، وشيد أركانها آل يعرب، وحافظ على بقائها وبنائها أحمد ابن سعيد، وأمدها بروح من عنده، وقوى شبابها بشبابه قابوس بن سعيد. كرسى الجزيرة:
وفى تحقيق. هدهد الجزيرة للرحالة «فيلبي حين استعرض عمان قديما، وقارن بينها اليوم - يقول: إن عمان الطبيعية تقوم على رقعة كبيرة جدا من الجزيرة لها أهميتها في الجاهلية والإسلام، وكان لها أئمة وملوك وسلاطين ومازالت - مله سمع الدنيا وبمر الحياة، حين لم يكن للسعودية آنذاك ذكر أو خبر، حيث أسسها مؤخرا سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان العنزى، الذي زحف من الدرعية مع بعض رجاله في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، إلى ماصارت عليه السعودية اليوم، ا، أما عمان فلقد تبوأ عرشها، وتولى أمرها، وجلس على دست الحكم فيها أكثر من سبعين ملكا وإماما وسلطاناً على مدى ثلاثة عشر قرنا حققوا فيها العدل، وأرسوا قواعد الحرية، ووطأوا اكناف الحق، ووضعوا الموازين القسط بين الناس.
وإن عمان باتفاق المؤرخين القدماء كانت تشمل إمارات كثيرة، منها: أسياف البحرين، وقطر، والعقير، وهجر، وحضرموت، وجزائر كوريا موريا، وجزيرة مصيرة، وغيرها من معظم بلاد العرب في الجزيرة إلى رأس الرجاء الصالح، فهي اسم شامل لهذه الامارات كلها، وتقع واحات البريمي في القلب منها، ولا علاقة لها بأى قطر من أقطار الجزيرة. نعمان ـ كما قيل عنها - كرسى الجزيرة فى الشرق، وهي كثيرة المعادن المتنوعة، والخيرات الشاسعة الواسعة.
هكذا كانت عمان إلى أن تغير بها الواقع وصارت إلى ما هي عليه، حتى (1/34)
صفحة 34
- YO-
أن بعض الدول العربية اليوم والتى كانت بالنسبة لعمان أشبه بحروف الجر في تبعيتها لها، وتعلقها بها، ودورانها في فلكها، والتي كانت في الحقيقة أجزاء مثلاجة منها - أصبحت وبا للاسف تستنكف ذلك التاريخ و تعيبه و تنكره ..
والله في أمره شئون ...
جغرافية ومناخ:
:
-
ويقول صاحب, جغرافية الشرق الأدنى، - إذ يذكر الشحر -: إن هذه المقاطعة تقع شرق شمال مهرة وهى قطعة من عمان، كما أن جزر كوريا وجزيرة مصيرة هي كذلك أجزاء عمانية باتفاق جميع المؤرخين، وإن قطر وأسياف البحرين والعقير وسائر البلاد التي تقع على ساحل الخليج بين البصرة وعمان كانت كلها بلدا واحدا عمانيا في أيام بني العباس، واقد أجمع كثير من المؤ: خين المعروفين كالطبرى واليعقوبي والمسعودى وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم، على أن عمان - بحدوده القديمة التي أسلفت الحديث عنها. يساوى الجزيرة العربية كلها، وكان يعد لها جميعا، ويتفوق عليها في الحضارة
كان
والتقدم، والسلوك العربي المهذب الذى استنته الشريعة الإسلامية الغراء. هذا، وأما مناخ عمان فهو طيب جداً شتاء وصيفاً، وإن وصفت بالحر في الصيف، فقد صح أن غيرها من بلاد العرب أحر منها، وكذلك سائر الجزيرة،
وإن كان العراق والشام وباقى بلاد العرب من غير الجزيرة لا حر بها. فعمان طيبة الهواء جدا، أما الرياح الحارة التي تهب في الصيف فليس لعمان منها أكثر من غيرها، بل إن هواء عمان دائما سجج بارد، أو معتدل، كذلك البرد لم يكن بها شديدا بالنسبة إلى باقى بلاد العرب، فالهواء في الطرف الشرقي من جعلان، إلى أطراف نزوى والظاهرة طلق نظيف لطيف، وهواء البريمي كذلك، أما هواء الباطنة ففيه بعض اللزوجة في أوقات غير طويلة المدى، ثم سرعان (1/35)
صفحة 35
- 36 -
ما تذهب هذه اللزوجة ويبقى الهواء بارداً رطباً تعشقه النفوس، وإذا تبرم منه أهل همان فمنا أنهم لم يتعودوا على هواء البلاد الأخرى، فالرياح لا تكون زعزعاً إلا نادرا
ولا تقف أيضاً بحيث يسبب توقفها نقلا على النفوس كبيراً.
وأما هواء الجبل الاخضر فهو في الصيف رخيم طيب، يلى النفس وينعش القلب وينشط الدم، وأما فى الشتاء فهو بارد جداً بحيث تؤدى برودته غير المتعود عليها، فإنه يقدر ارتفاع الجبل بأكثر من عشرة آلاف متر عن سطح الأرض بحيث لا يحس الماشى بحر الشمس إذا مشى فيه وقت الحر، وفي الشتاء إذا وقعت الأمطار وهبت الريح يتجمد الماء.
معها في أعلا القسم:
وأهم جبال عمان، الجبل الاخضر و هو الجبل الخاص ببنى ريام عند الإطلاق، ثم جبل الكور الخاص ببنى هناة، ثم قنة وادى السحتن و هو الخاص بآل عبرة ابن زهران، ثم تبقى قطع من الجبال بعمان لها حكم الجبل الأخضر في بعض الأحوال، كجيل صيا فى حطاط، وهو جناح مستطيل بوادي الطائيين، وقطعة منه بجعلان تدعى جبل قهوان، ثم جناح يمتد من جبل بني ريام مغرباً، حتى يعانق جبال الحدان بن شمس، فيستمر سائرا في الغرب حتى يشرف على سفح البريمي، ثم تمند جبال ليس لها من صفات الجبل الأخضر شيء أبداً لا اسما ولا معنى و بعض هذه الجبال التي ذكرناها ليس لها حكم الجبل الأخضر إلا في اللون أو في العلو أو في البرودة فقط، أما جبل بني ريام فهو روضة عمان وجنتها، وأما جبل الكور تنميه بعض من نوع ما في جبل بني ريام، وأما قنة وادى السحتن فهي قطعة من الجبل فيها بعض الصفات الملحقة لها بحكم جبل بني ريام، ثم بقيت جبال في عمان فخمة ضخمة في ذاتها، لكنها تخالف ما ذكرنا فى صفاتها، والجبل الأخضر على الإجمال حصن عمان من العدو الغازى، وحوض عمان لحفظ مياهها، ومركز (1/36)
صفحة 36
- 37 -
الأمن في غالب الأحوال، ومستشفى المرضى من أمراض عديدة لا علاج لها إلا في استنشاق هوائه وأكل ثماره، إذ هو روض من الرياض في فواكهه وزهره
و لطيف نسيمه وحسن رياه.
محارات النجوم:
ولقد أخذت عمان حظها من الرمال المتناثرة والمتكدسة، القارة والمتقلة، ففى الباطنة رمال مفروشة عليها جنات معروشة وغير معروشة، هادئة قارة، لها عمتها في الأرض، صالحة للغراس على اختلاف أنواعه بإجماع أهل الفلاحة، ولذلك صار إقليم الباطنة عامرا مأهولا علوكا على طول الساحل ... إلى حيث ينتهى .. وفى عمان الداخلية رمال متنوعة منها الهادئ والمتنقل والمتراكم وغيره من جعلان والدقم وعوت، إلى ظفار فى الجنوب وإلى الأحقاف في الغرب، وإلى قطر، وبادية الظفرة إلى أبو ظبي ودبي في الجانب الشمالي.
وبحر عمان هو بحر الخيرات، ومخزن الارزاق لأنه كثير الأسماك الطيبة. وفيه مفاص اللؤلؤ الذي هو أكبر الذخائر في العالم، ولا يوجد في غير بحر عمان من ذلك شيء، وإن وجد فهو شوء غير كبير الأهمية، ومازال بحر عمان هادتا مطمئنا قليل الأخطار كثير الخيرات، عظم البركات، وعند أهل عمان يرجع ذلك لدعائه عليه الصلاة والسلام حين استدعاه الصحابي الكريم مازن بن غضوبة السعدى
السمائلي رحمه الله ورضى عنه.
مشوار مع الوديان:
ولقد ذكرنا بعضاً من أودية عمان ونذكر هنا بعضا آخر منها .. وأهمها في الداخلة وادى القريات، وهو واد كثير المزارع طويل المدى، فيه قرى متعددة وأفلاج مبعثرة ومزارع متناثرة على طول خطه. (1/37)
صفحة 37
- TA-
و قريب منه وادى عندام المنحدر من رؤوس العق والجرداء، ويمر الـ ر الى أن ينتهي في الرمل الجنوبي من عمان، وهو مأهول، مسكونة قراه وفلواته .. إذ هو كثه
الفلوات واسع الغابات ذو ريف جميل لا يخفى على من مشى فيه.
و وادي حافين ينحدر من الجبل الأخضر من عند سفحه الشرقي و يمتد إلى الرمل
الجنوبي ويسقط في الرمل .. وهو كثير البلدان والسكان.
ووادي سمائل، النازلة من الجبل الأخضر به عض شما به الغربية، ثم تلتقى شهاب أخرى عديدة وأيضا هو كثير البلدان المحتوية على عشرات الآلاف من الرجال وذلك غير النساء والولدان، ولا يزال خصبه مستمراً إلى أن ينزل في رمال الباطنة بالسيب، ويحتوى على أمهات القرى في عمان.
و وادي بني خالد في الجانب الشرقي وهو واد متسع مأهول كثير المكان والبلدان، وهو واقع في شرق عمان، ومن أكبر الأودية العمانية التي ذا أهميتها. ووادى الطائيين وهو واد عظيم له شعاب واسعة، وبه قرى وبلدان متعددة القبائل كثيرة العدد.
ووادى دما وهو يشتمل على قرى لبنى شهيم وغيرهم من سائر القبائل، وبه بلدان واسعة بالنسبة إلى تلك القرى الجبلية
•
ووادي المعاول المشتمل على تلك الديار الفيحاء ذات الحدائق الجميلة، وفى رأسه نخل، وهي من أميات القرى في هذا الوادى المنحدر من سفوح الجبل الأخضر المعروف أعلاه بوادي مستل، وهذا الوادى من اكبر الأودية وأكثرها عمراناً. ووادي الأبيض المعروف من أعلاه بوادي بني خروص لاشتماله على بلدان
بني خروص، وفي آخره قرية الأبيض المأهولة ببني صبح.
ووادي الرستاق أعمر الأودية العمانية وأكثرها أرزافا على الإطلاق، لأن (1/38)
صفحة 38
أعلاه قرى بني عوف، وفى وسطه إلى آخره قرى الرستاق المتعددة، ذات الحدائق الغناء، والبساتين الزهراء، والخياض الخضراء وهو على الإطلاق وادى الخيرات، ووادى الارزاق وهو كثير القبائل واسع الفضائل.
ووادي بني غافر من الأودية المتسعة التى لها أهميتها في عمان وهو مأهول بقبائل عديدة تحت اسم بني غافر في بلدان رائقة حسنة يبتهج بها
القلب.
ووادى الجهاور كذلك. من الأودية المأهولة العامرة بقبائله العريقة. ووادى بني عمر من الأودية الهامة المعروفة المتعددة البلدان والقرى والمزارع، والذى لا يزال عامراً كاثر أودية عمان وهو ذو أهمية قبائلية وأمته التى تواطنه تعيش فيه عيشة الأحرار.
ووادى الجزى المنحدر من جبال واحة البريمي المنصب في النواحي الصحارية، وهو عامر بسكانه المتعددين من كنود ومقابيل وغيرهم من القبائل، ويشتمل على بلدان معروفة لا تخفى على أحد، لأنه طريق البريمي إلى صحار إلى الشميلية في الغرب، وإلى مسقط في الشرق.
ووادى القمور وهو آخر الأودية في الجهة الشمالية، وهو معروف عند الجميع. مواطنين وأجانب، وسكانه كذلك لا يخفى مقامهم، وبلدانه، معروفة لا تحتاج إلى ذكر، وعلى كل حال فإن هذه الأودية التي ذكرناها هى من أمهات الأودية وعمان، وإلا فقد بقيت أودية كثيرة مأهولة عامرة لم أذكرها لصغر بلدانها وقلة قضائها، ولكن مجموعها يسد فراغا هاما في عمان الداخلية، ولا يخفى أنا لم نذكر البلدان الواقعة في هذه الأودية بأسمائها فضلا عن أنها وقبائلها، فذلك شيء يطول شرحه وربما كان ذلك عسيرا، فإن مساحة عمان تقدر على الأقل بمساحة بريطانيا، وكلها مأهولة مسكونة
بقبائل متعددة. (1/39)
صفحة 39
سنام البعير وغاربه:
ولا يخفى أن الوضع العماني ينقسم إلى قسمين، والقاسم له هو الجبل الأخضر، فانه صار سنام البعير وغاربه، أما الجانب الشمالى منه من جوزة رأس الحد في
الشرق إلى رأس أم سندم في الغرب، فهو منخفض جدا نهايته البحر، إذ أنه يسير في الانحدار بحيث يغلب على القياس حتى يتصل بالبحر انحداراً ملموساً، فترى أمطاره تنقض إلى البحر انقضاضا باهراً بحيث يحسبها الراقي انفجار براكين مائلة لاصاد لها ولا راد.
أما القسم الجنوبي بخلاف هذا الذي بينت، فانه ينازل تدريجيا إلى أن ينتهي في الرمل كما قلنا، ثم إن الله جلت قدرته جعل قيعان الأودية المنصبة إلى الشمال كلها صخرا يمنع بقاء الماء في فيعانها، بل سرعان ما يسيل إلى البحر، وبالعكس ترى الأودية الأخرى، ثم إن الجبال الواقعة في الوسط العماني في الكفيلة بتقسيم مياه الأمطار ميا على هذا الوضع الذي ذكرناه، مع ملاحظة إن المنحدر الجنوبي أوسع مدى واكثر مرعى، وأهله أعرق فى البداوة، وأبعد عن ذراع الحكومات، فإن وهيبة والجنبة
والدروع وال والعفار والحريت لا سيطرة عليها الأحد، أيا كان ذلك الأحد
يالها من آية:
هذا، ويلاحظ أن عمان تشتمل على أكثر من أربعين ولاية في الوقت الحالي، والمراد بالولاية هنا منطقة محكمها والى وقاضي، أو أحدهما، وينفذار فيها حكمهما بشرع الله، ويحكمان على القوى و الضعيف، ويستمدان قوتهما من الحاكم الأعلى وهو الامام أو السلطان، ولهما جنود مدنيون يقومون بتنفيذ الأوامر، وأرزاقهم جميعا إما من السلطة العليا، أو من خراج الولاية، وصاحب السلطة ملكا كان أرسلطانا أو إما ما هو القائم على تنفيذ القوانين الإسلامية عن السلف الصالح وكما هو معروف عندهم، فهو أشبه بالخلفاء الراشدين. (1/40)
صفحة 40
41
--
أما عواصم عمان الساحلية فهي:
أولها: مسقط - قال الحموى: إن مسقط مدينة من نواحي عمان في آخر حدودها مما يلى اليمين على ساحل البحر، فهي على ساحل البحر ما يقابل فارس أو على الأقل ما إلى مكران، وهي عاصمة عمان من البحر في الجانب الشرقي الشمالي، وهى مدينة من أهم المدن على البحر العربي الفارسي وقد علا شأنها وعظم مكانها منذ القرن الحادي عشر للهجرة، حين حل بها البرتغاليون وبنوها حصنا لهم وسوروها من الجبال بأسوار مكينة حين صار ملك عمان بأيدى الطغاة آل نبهان، واستمر بها الحال ايام اليعاربة الاجلاء الذين يفتخر بهم الدين
من
و تبتهج بهم الدنيا، ثم اتخذها آل بوسعيد عاصمتهم الوحيدة. وهكذا تطور وقتها حتى الآن، ولله في أرضه وبلاده نظرات و آيات.
والثانية: مطرح - وهي العاصمة الراقية وهي لا تبعد عن مسقط كثيراً وهي مدينة تجارية أقام صرحها الحالى البترول وأنعش روحها السلطان قابوس ابن سعيد، فهي مصب التجارة العمانية على اختلاف أنواعها وهى الثغر الباسم في وجه القادم إلى مسقط، وهي محاطة بجبال منيعة كمسقط وبها الرصيف الذي أقامه السلطان قابوس. والثالثة: صور - وهي العاصمة الثالثة، ولها المقام المرموق في العواصم الساحلية العمانية من نواح عديدة، فهى بالجنبة عزيزة منيعة، وهي بعمان قلعة رفيعة تمون عمان الشرقية وترمى بأبطالها في المغامرات في وجه الطليعة، في أفق مكشوف وفضاء معروف، لها منظر بديع في للبلاد العمانية، لا تباريها فيه بلدة من البلاد العمانية الساحلية مهما كانت، إلا أن أهلها قد أمسكوا زمام الحضارة ولهم في سبر البحر زائد المهارة، وبها في الأعلى منها حدائق غناء ناشئة على مياه عذبة لا يتصل بها البحر، وبها مزارع للخضراوات ولا تزال وافية محاجياتها ومتطلباتها. (1/41)
صفحة 41
وهو
دهليز الشرق:
-
ثم تأتي في الجانب الغربي: صحار. العاصمة الرابعة، قال ياقوت الحموي في الجزء الثالث: وصحار قصبة عمان مما يلى الجبل، و توام قصبتها ما يلى الساحل، و توام اسم للبريمي، والبريمي في عنق عمان، وهي إحدى عواصم عمان. وأكبر مقاطعاتها في الداخل، قال الحموى: وصحار مدينة طيبة الهواء والخيرات والفواكه. مبنية بالأجر والساج، وذلك لكون الحجر بعيداً منها في الجبال العالية. والمرتفعات النائية، قال الحموى وهى كبيرة أى صحار. مدينة كبيرة. قال: ليس في تلك النواحى مثلها، سميت بصحار بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام، أخو رباب وطسم وجديس. قال اللغويون: إنها تلى الجبل، ثم قال البشاري: صحار قصبة عمان ليس على بحر الصين بلد أجمل منه عامر آهل حسن طيب نزه ذو يسار وتجارة وفواكه، وأسواق عجيبة وبلدة ظريفة ممتدة على البحر، قال والجامع على الساحل له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق، قال: وللصحاريين آبار عذبة وقناة حلوة إلى فلج بحسب العرف العماني قال: وهم في سعة من كل شيء قال: وصح ار دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن، قال: والمصلى وسط النخيل، ومسجد صحار على نصف فرسخ أي في وسط البلاد والمسافة لمنتهى صحار نصف فرسخ من الشرق إلى الغرب أو من الجبل إلى البحر، وجميع ذلك غير بعيد من الحق، فان صحار كما وصفها الحموى دهليز الشرق، وإن أهلها في سعة من كل شيء وهذا ما ليس عليه من مزيد، وأما أنها خزانة الشرق فذلك كناية عن كثرة الأموال والارزاق بها، إذ كانت تصب إليها أموال عظيمة، قال الحموى وهو يذكر مسجدها:
وهناك بركت ناقة رسول الله قلت: لم تعرف هذه الناقة متى بركت هناك، ولعلها في عهد عمرو بن العاص أيام جاء الإسلام أهل عمان، وكان الركوب (1/42)
صفحة 42
43
على النوق وإن مركوبته هى نافة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي إحدى فوقه صلى الله عليه وسلم، قال ومحراب الجامع مكوكب مدور، فتارة تراه أصفر وتارة أحمر وأخرى أخضر، وهكذا. وإن المحاريب في الما بعد أول من أحدثها عمر بن عبد العزيز الأموى أيام تولى أمر المدينة قبل خلافته تعيينا لموضع الإمام من الجماعة في الصلاة، قال الحموى: ولا أدرى كيف كان بروك الناقة وكأنه أخذ ذلك نقلا عن غيره، ولعل حقيقته ما ذكرت لك قال: وفتحها
المسلمون في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سنة اثنتي عشرة صاحاً. ومن المعروف أن العواصم الساحلية هي المنظور إليها من الوجهة الاستراتيجية، فإنها هي ثغور القطر وهى أبوابه.
مي
والثغور هي أسوار البلاد وهى حصون الأقدار وهذا مالا يمترى فيه
أحد أبدا. أما العوصم الداخلية، فهي عبارة عن مواطن الحكام الذين يحكمون البلاد،
وأهم العواصم الداخلية: نزوى. إذ هي مقر الإمامة وعرش العدالة وكرسى
-
الشريعة منذ عهد غير يسير، وأهل عمان بطبيعة مذهبهم غير وادعين إلى الزخرفة العصرية، ولا قاصدين إليها لأسباب أبقتهم على هذه الحال وهى لا تخفى على عباقرة الرجال. أما العواصم الأخرى الداخلية فنسبتها إلى نزوى نسبة بقية العواصم الساحلية إلى مسقط وصحار، وقلمات وصور، فرأس الخيمة والشارقة ودبي وأبو ظبي بالنسبة إلى مسقط وصحار نسبة التابع للمتبوع، والمرءوس للرئيس، كما أن بهلى وأزكى وسمائل وسعد الشان وعبرى وينقل ومقنيات كذالك، وقد قلنا إن مسقط و نزوى عاصمتا ملك أو إمام في هذه العمود الأخيرة، وأما مطرح ودي فعاصمتا تجارة في هذه الآونة، وأما الرستاق فعاصمة زعامة، وإما سمائل لحلقوم عمان الداخلية، وأما صحار فسيدة الشميلية من قديم ومرجع المشيخات الساحلية في سالف الأيام، وأما رأس الخيمة التي قامت عن جلفار القديمة فهى (1/43)
صفحة 43
من الشغور العمانية الهامة، ولذلك اتخذها الغزاة قاعدة ينزلونها فيتهيأون منها لغز وعمان ولتكون لهم مرجعا إذا انهزموا، وقد اشتهرت بذلك، وهى فى الحقيقة بحكم موقعها الطبيعي لها تأييد من الناحية الجبلية واتساع من الوجهة الساحلية، وهذا الحال ليس لغيرها من بلاد الساحل، إذ هى فضاء واسع لا يزال ممتداً إلى الجبال المحيطة بها من جانب الداخل، وعمان وبذلك هدفاً بيناً بين أعين الطامعين والعادين وسبحان الله الذي تفضل على عمان بهذا الفضل
الكبير. في طبعتها الحديثة
تلك هي جغرافية عمان قديما. أما عمان حديثا وحتى عام 1984 فهي كالآتي: 1 - المعالم الجغرافية:
تشغل سلطنة عمان الزاوية الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية، ولها ساحل ممتد. مسافة: تبلغ. 1700 كيلو مترا تقريبا، من مضيق هرمز في الشمال حتى الحدود المتاخمة لجمهورية اليمين الديمقراطية الشعبية، ويفصل أرض السلطنة عن رأس مسندم في أقصى الطرف الشمالي من عمان جزء من أرض الأمارات العربية
المتحدة.
وتقع عمان على خط عرض 1640 و 20 26 شمالا وخط طول 50 51
كيلو متر مربع
T .....
1 .....
2000
198000
45000
4 ... 246000
و 40 59 شرقا.
المساحة الأرضية
المجموع منها المناطق الآتية:
منطقة طفار
منطقة مسندم المناطق الأخرى
نوع التضاريس الأرضية: المناطق الجبلية. 450 م، فأكثر
السهول الساحلية الماهولة اودية وصحارى أقل من 450 م (1/44)
صفحة 44
-03
السكان:
لم تمر عملية إحصاء حتى الآن اسكان البلاد، ولأغراض التخطيط قدر عدد
سكان السلطنة
100., ...
- المناطق الجغرافية:
قسمة سنة 01974
تنقسم همان جغرافيا إلى عدد من المناطق المتميزة هي:
منطقة العاصمة:
تعتبر منطقة العاصمة أهم وأكثر مدن همان كلها وتشمل المناطق التالية: (1) منطقة مسقط: وتشمل كلبوه، ريام، الدوحة، سداب، البستان، قنلب، يقي، الخيران.
(ب) منطقة مطرح و تشمل مطرح الكبرى، روى، الوطية، وادى عدى، العامرات، البحرية، الأخضر الحج، البيرين، الحاجر، المنظرية، جحلوت، وادى الميح، الرجع.
(ح) منطقة بوشر: وتشمل القرم، الصاروج، الخوير «مدينة قابوس»،
المذيبة، الغيرة، غلا، فلج الشام، صلب، الحمام، المسناة.
(s)
منطقة السيب: وتشمل الموالح، الحيل، الخريس، الغشب، المعبيلة،
عرق الحديد.
منطقة الباطنة:
يمتد سهل الباطنة من منطقة حدود عمان مع الإمارات العربية المتحدة لمسافة تصل إلى 270 كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي حتى مدينة مسقط تقريبا، ويقع بين
الساحل والحجر الغربي، ويتراوح عرضه من 10 إلى 30 كيلو مترا، وتنحصر الزراعة (1/45)
صفحة 45
- {7 -
في شق ساحلي ضيق، لا يكاد يزيد عرضه على 3 كيلو مترات، ومحاذيا للبحر، ويعتبر
سهل الباطنة من أكثف مناطق عمان سكانا، وأهم مدنه:
بركاء المصنعة، السويق الخابورة، صحم، صحار، لوي، شناص.
منطقة الحجر الغربي:
وهي على غرار سهل الباطنة، وتمتد سلاسل الجبال على امتداد الساحل من الحدود المتاخمة للامارات العربية في الشمال، حتى وادى سمايل في الجنوب، وأعلى قمة في هذه السلاسل تقع في الجنوب الشرقي على الجبل الأخضر، حيث يبلغ على بعض القمم 3000 متر، وهناك مجموعات من مناطق الاستيطان الكبيرة على جانبي الحجر الغربي أما الجزء الواقع على الجهة الجنوبية فيعرف باسم داخلية عمان، أو قلب عمان، بينما المدن الواقعة على الناحية الجنوبية من سلسلة الجبال هي الرستاق، والعوابي، ونخل.
منطقة الحجر الشرقي:
ويعد الحجر الشرقي إمتدادا للتجمعات الجباية لعمان من وادي سمايل حتى جبل خميس شرقا، وهى مسافة تربو قليلا عن 200 كيلو مترا، أما على الشمالي فتمتد الجبال حتى الساحل، بينما تحدها من الجنوب منطقة الشرقية وجعلان، وأعلى قمة في السلسلة الشرقية هي 2100 مترا، ومدن هذه المنطقة الهامة هي صور طيوى وقريات الواقعة على الساحل.
منطقة الظاهرة:
هذا الجزء مهل شبه صحراوى، ينحدر من الأجنحة الجنوبية للحجر الغربي في اتجاه الربع الخالي، ويحده من الشمال ينقل، وجو، والبريمي، أما من الجنوب فيفصله عن عمان الأم جبل الكور - ديار الدروع، ومن الشرق ديار بني هناء، وثمة (1/46)
صفحة 46
مستوطنات كبيرة تقع على الواديين الرئيسيين، وادى ضنك، ووادى العين، وفيها
مدن ضنك، وعبرى، وينقل.
منطقة الجو والبريمي:
إن الإمتداد الشمالي لسهل الظاهرة يسمى الجو. ففى هذه المساحة الصغيرة الواقعة بين منطقة الحدود مع الامارات العربية المتحدة والحجر الغربي، يتركز السكان في المناطق المزروعة بالنخيل على واحة البريمي.
منطقة داخلية عمان، الجوف،:
هي هضبة وسطى تنحدر من سفوح الجبل الأخضر من الشمال في اتجاه "صحراء جوبا، يحدها من الغرب الظاهرة، ومن الشرق الشرقية، وهناك أربعة وديان رئيسية هي: وادي البطحاء، ووادي حلفين ووادى بهلا، ووادي سمايل، ويشكل وادي حامين روادي سمايل معا فبنوة طبيعية في سلسلة جبال الحجر الغربي، وهو طريق تقليدى يربط بين مسقط والمنطقة، وهي أكثر مناطق عمان كثافة بالسكان وأهم مدنها: از کي، بهلا، نزوي، منح، آدم، سمايل، بديد.
منطقة الشرقية:
الشرقية سهل رملى تتخلله الأودية، يقع على الجانب الداخلى من الحجر الشرقي ويحدها من الجنوب الشرفي منطقة جعلان، ومن الجنوب رمال وهيبة، وأهم
مدنها هي:
ابراء مضيبي، سناو، سعد، بدية، القابل.
منطقة جعلان:
جعلان سهل احلى يشكل الامتداد الجنوبي للمنطقة الشرقية، ويمتدحتى بحر العرب
ويحده من الشمال الحجر الشرقى، ومن الناحية الجنوبية رمال وهيبة، وتسكنها (1/47)
صفحة 47
48 -
قبائل جامعة كيفي بوعلى، وبني بو حسن، و بنى راسب، والهشم، والجنبة وغيرها،
ومدنها الرئيدية هي: بلاد بني بوحسن، والوافي، والكامل.
منطقة مصيرة وكوريا موريا:
تقع جزيرة مصيرة التي يبلغ طولها حوالى 60 كيلو متراء على بحر العرب، أما الجزر الهامة الأخرى على ساحل بحر العرب في مجموعة جزر كوريا موريا، فأكبرها
هي جزيرة الحلانية.
المنطقة الجنوبية «ظفار.:
تشمل المنطقة الجنوبية لعمان حوالى ثلث مجمل مساحة البلاد، وتتكون من من طاقتين مناخيتين هما: الساحلى، ويمتد من ريسوت فى الغرب متجاوز اصلالة، ولا يزيد عرضه في أي جزء منه عن 8 كيلو مترات، غير أن التربة الطموية الخصبة تحصل على كمية كافية من الرى من الأمطار الموسمية ما بين يونيو وسبتمبر، وتصل الأمطار إلى التلال المشجرة التي تمتد مسافة 1500 مترا في إرتفاعها وراء السهل الساحلي، و إلى الشمال من الجبال إمتداد حدود المنطقة مع المملكه العربيه السعودية في الربع الخالى، وأمطار هذا الجزء من المنطقة قليلة، وليس فيها سوى النباتات الصحراوية. و أهم مدن وقرى هذه المنطقة: صلالة، مرباط، ثمريت، رخيوت، مغشن، ضلكوت.
منطقة مسندم
محافظة
:.
هي الجزء الشمالي من السلطنة، وتتألف من جبال وعرة ترتفع إلى 1800 متر من ساحل ترصعه سلسلة من سلاسل الصخور، أما المدن الرئيسية فهي: خصب، دبا، مدحا، بخا، وتسكنها قبائل الشحوح، وهم من نسل لقيط بن الحارث بن مالك
ابن فهم. (1/48)
صفحة 48
- الولايات:
تنقسم. لطنة عمان إلى إحدى وأربعين ولاية يدير كلا منها وإلى، بالاضافة إلى العاصمة, مسقط، ويديرها محافظ العاصمة بمساعدة والى في السيب، ونائب في بوشر، وهذه الولايات هي كما يلى:
ديا
مسندم
برکاه
المصنعة
السويق
الخابورة
الباطنة
صحم
10 صحار
11 لوي
12 شناص
13 نخل، ووادي المعاول
14 الرستاق
الحجر الغربي
15 العوابي
16 وادي بني خالد 17 قريات
18 وادى دماء، والطائيين
الحجر الشرقي
19 ضنك
20 عبري
21 ينقل
الظاهرة (1/49)
صفحة 49
22 البريمي
23 حضنة
الجو، والبريمي
24 الحمراء
20 بهلاء
26 نزوى
27 منح
28 اذكى
داخلية عمان
21 آدم
30 سمايل
31 بديد
32 المضيبي
ابراء
34 القابل
35 بدية
36 بلاد بني بو حسن
37 بلاد بني بو علي
38 الكامل، والواني
صور
40 مصيرة
41 ظفار
الشرقية
جعلان، وصور (1/50)
صفحة 50
-01 -
نهضة ووثية:
تلك هي
عمان في منظور الماضي، وفي أحضان التاريخ القديم، أما عمان
الجديدة، أما عمان قابوس فى نهضتها الواثبة، فحسبي أن القي بعض الأضواء على بعض معالمها الحديثة.
و تكفى الاشارة عن الاستقصاء، واللمحة عن الاسترسال والاحصاء، ويكفينى في هذا المقام، ويكفيك معى أيها القارئ، أن اسير معا جنبا إلى جنب وسط هذه الروائع من الانجازات العمانية الحديثة.
والإشارة تغنى عن العبارة، واليك الحديث في اشارات عارة، مع رءوس مسائل
و بعض من الفصول القصار.
الفصل الأول: معلومات عامة وذلك عن:
المعالم الجغرافية.
السكان.
المناطق الجغرافية.
المناطق الإدارية أولايات
الفصل الثاني: الاحصاءات الجوية وذلك عن:
درجات الحرارة العظمى والصغرى، سقوط الأمطار والرطوبة العظمى
والصغرى في مطار السيب الدولى.
درجات الحرارة العظمى والصغرى، سقوط الأمطار، والرطوبة العظمى
والصغرى في مطار صلالة الدولى.
درجات الحرارة العظمى والصغرى، والرطوبة وسقوط الأمطار في مصيرة.
وصور، صحار، ثمريت، بريمي لعام 1983 0 (1/51)
صفحة 51
المتوسط الشهري والسنوى لدرجات الحرارة العظمى والصغرى بالسنتيغراد
حسب المناطق للفترات المبينة أمام كل منها.
الفصل الثالث: التربية والتعليم وذلك عن:
المدارس الحكومية، الطلبة والمدرسين
توزيع المدارس الحكومية حسب المناطق التعليمية المختلفة خلال السنة الدراسية
1984/ 83 0
توزيع الطلبة في المدارس الحكومية حسب المناطق التعليمية المختلفة، والجنس توزيع الطلبة في المدارس الحكومية حسب المراحل الدراسية، الصف، والجنس طلبة المدارس الإبتدائية الحكومية حسب الصف، والعمر، والجنس في العام الدراسي 1984/ 83.
طلبة المدارس الإعدادية والثانوية الحكومية حسب الصف، والعمر، والجنس في العام الدراسي 01984/ 83
توزيع طلاب المعاهد الفنية الثانوية والإعدادية النموذجية.
والعمر والفصول الدراسية للعام الدراسي 01984/ 83
الصف
الطلبة العمانيون في الكليات والجامعات الأجنبية حسب بلد الدراسة والجنس
والتخصص للعام الدراسي 1984/ 83.
- توزيع هيئات التدريس فى المدارس الحكومية حسب الجنس والجنسية طالبة مراكز محو الأمية حسب المناطق التعليمية والجنس والصف.
المراكز الحكومية لمحو الأمية، وأعضاء الهيئة التدريسية والفصول حسب المناطق التعليمية والجنس. (1/52)
صفحة 52
53 -
الدارسين في المراكز الحكومية التعليم الكبار. حسب المناطق التعليمية والجلس مراكز تعليم الكبار والفصول، والدارسين حسب المناطق التعليمية، والمرحلة
والجنس للعام الدراسي 1984/ 83.
عدد المدارس الخاصة المسجلة لدى وزارة التربية و التعليم. طلاب المعهد الثانوى الإسلامي. صنفين حسب العمر، والصف، والمرحلة، وعدد
الفصول.
طلاب وطالبات معهدى المعلمين والمعلمات الحكومي مصنفين حسب الجنس
والعمر والصف العام الدراسي 1984/ 83.
طلبة مركز التدريب المهنى التابع لوزارة الشئون الاجتماعية والعمل
مصنفين حسب العمر والصف.
الفصل الرابع: الصحة وذلك عن:
الوحدات العلاجية، ووحدات الصحة العامة لوزارة الصحة. وعدد الأسرة الوحدات الصحية العلاجية والوقائية المدنية، وأسرتها، موزعة حسب المناطق
خلال عام 1983
توزيع الأسرة على التخصصات المختلفة لعام 1983
العاملين بوزارة الصحة.
خريجي مدرسة الرحمة للتمريض خلال الأعوام 1983/ 1972.
الفصل الخامس: الشئون الاجتماعية والعمالية وذلك عن:
الأندية الرياضية للشباب ... موقعها وعضويتها.
الاستخدام المدنى فى الحكومة, عمانيون وغير عمانيين. . (1/53)
صفحة 53
101
موظفي الخدمة المدنية، موزعين حسب الوزارة، والهيئات العامة، الجنس،
والجنسية في 31 ديسمبر 1983
-
موظفي الخدمة المدنية موزعين حسب الوزارات والهيئات العامة والحلقات الوظيفية، الجنس، الجنسية (عماني غير عماني، حتي 1983/ 12/31 - بطاقات العمل التي منحتها المديرية العامة لشئون العمل للمشتغلين خلال السنوات 81، 82، 1983 للمشتغلين غير العمانيين في القطاع الخاص مصنفة حسب المهنة ومتوسطات الأجور الشهرية
-
1983
بطاقات العمل الممنوحة للمشتغلين غير العمانيين في القطاع الخاص خلال عام مصنفة حسب المجموعات المهنية الرئيسية والجنسيات
بطاقات العمل التي منحتها المديرية العامة لشئون العمل للمشتغلين غير العمانيين
في القطاع الخاص خلال عام 1983 مصنفة حسب المجموعات المهنية الرئيسية والنشاط الاقتصادي
بطاقات العمل التي منحتها المديرية العامة لشئون العمل خلال عام 1983 للمشتغلين غير العمانيين في القطاع الخاص مصنفة حسب المجموعات المهنية الرئيسية
وموقع العمل
بطاقات العمل التي منحتها المديرية العامة لشئون العمل المشتغلين غير العمانيين
في القطاع الخاص خلال 1983
المجموعات المهنية الرئيسية وفئات
الرائب الأساسي.
بطاقات العمل الممنوحة من قبل المديرية العامة لشئون العمل للشتغالين غير العمانيين في القطاع الخاص موزعة حسب الجنسية في الفترة من 1978 إلى
1983 (1/54)
صفحة 54
00 -
-
عدد بطاقات العمل التي منحتها المديرية العامة لشئون العمل للمشتغلين غير العمانيين في القطاع الخاص، مصنفة حسب المجموعات المهنية الرئيسية في الفترة من 1981 إلى 1983
عدد بطاقات العمل التي منحتها المديرية العامة لشئون العمل للمشتغلين غير العمانيين في القطاع الخاص مصنفة حسب النشاط الاقتصادي في خلال الفترة من
1981 إلى 1983
الفصل السادس: البريد والبرق والهاتف وذلك عن:
المكاتب البريدية، فروع المكاتب البريدية. صناديق الرسائل، صناديق
المكاتب البريدية
الحركة البريدية
عدد الخطوط الهاتفية المزودة من سنة 1970 إلى 1983
عدد الخطوط الهاتفية المزودة, حسب المحولات
حركة البرق والهاتف والتلسكس.
الفصل السابع: الطاقة الكهربائية وتجهيزات المياه وذلك عن:
القوة الإنتاجية المركبة لدى المحطات في السلطنة
الطاقة الكهربائية المنتجة والموزعة
الإنتاج الإجمالي الشهري لوحدات الكهرباء المولدة في منطقة العاصمة
والمنطقة الجنوبية
طاقة الكهرباء المنتجة والموزعة شهريا في منطقة العاصمة والمنطقة الجنوبية
1981 – 1980 (1/55)
صفحة 55
07 -
الكهرباء المنتجة في محطات الطاقة بالسلطنة، وتوزيعها بالإضافة إلى محطات
العاصمة.
إحصائيات المياه المتعلقة بمنطقة العاصمة وصلالة، وإنتاج وتوزيع المحطات
الحكومية.
التاج راستهلاك المياه في منطقة العاصمة.
الفصل الثامن: النقل وذلك عن:
حركة الطيران والنقل بمطار السيب الدولى.
حركة البضائع فى الموانئ، ميناء قابوس، ميناء ريسوت، ميناء الفحل.
حركة البضائع السلعية بالتفصيل في ميناء قابوس.
حركة البضائع المفرغة بميناء ريسوت.
الكميات المستوردة شهريا من البضائع فى ميناء قابوس وميناء ريسوت. السفن الداخلة في ميناء قابو م، حسب الجنسيات المختلفة خلال السنوات
01983 - 1977
ملخص أطوال الطرق.
الطرق المرصوفة بالأسفلت
العربات المسجلة.
رخص قيادة السيارات وحوادث الطرق.
الفصل التاسع: الإسكان وذلك عن:
عدد اباحات البناء المستخرجة للمبانى المزمع تشييدها حسب نوع الاستعمال ومساحة القطعة، لمنطقة العاصمة من 19/ 5 إلى 1983.
المساكن الشعبية التي تم بناؤها. (1/56)
صفحة 56
الفصل العاشر: الأسعار و ذلك عن:
الأرقام القياسية للسلع الاستهلاكية فى منطقة العاصمة للمواد الغذائية والمشروبات والتبغ، سع، سعر الأساس = متوسط الأسعار للفترة «يوليو -
ديسمبر 1978،
الارقام القياسية لتكاليف مواد البناء للمقاولين في قطاع البناء والتشييد
الفصل الحادى عشر: الزراعة والمواشى وذلك عن:
المساحة المزروعة حسب المناطق
إجمالى المساحة المزروعة بأشجار المحاصيل الدائمة من الفواكه حسب عدد
الأشجار ونوعها إجمالى المساحة المزروعة بالخضروات والمحاصيل الحقلية.
حسب المناطق المزارع الإنتاجية، عطات البحوث، والمراكز الارشادية لعام 1983
- إنتاج المزارع الإنتاجية، وعطات البحوث التجريبية من الفواكه
والخضروات خلال عام 1983
التمور الخام المستخدمة في الإنتاج والإنتاج النهائي
عدد شتلات الفاكهة والزينة الموزعة على المزارعين
كميات الأسمدة الموزعة على المزارعين
كميات البذور والتقاوى الموزعة على المزارعين عن طريق المراكز الإرشادية - المساحات المعالجة. من مختلف المحاصيل الحقلية والخضروات والفواكه
المساحات التي تم علاجها ضد حشرة دوباس النخيل
مكائن الرش الموزعة على المزارعين
خدمات الحراثة المتاحة للمزارعين
بيان الحيوانات التى تم علاجها (1/57)
صفحة 57
الحيوانات التي تم تحصينها بأنواع الأمراض تقديرات أعداد الحيوانات المختلفة موزعة حسب المناطق الفصل الثاني عشر: التجارة والصناعة وذلك عن:
الشركات والمؤسسات المسجلة في سلطنة عمان مصنفة حسب النشاط الاقتصادي ورأس المال
الشركات والمؤسسات المسجلة في سلطنة عمان موزعة حسب النشاط الاقتصادي وفئة رأس المال للأعوام 1981 - 1983
عدد الشركات والمؤسسات المسجلة بسلطنة عمان مصنفة حسب الشكل القانونى وفتة رأس المال حتى نهاية 1983
عدد الشركات والمؤسسات المسجلة بسلطنة عمان مصنفة
فئات وملكية رأس المال حتى نهاية عام 1983
عدد الشركات والمؤسسات المسجلة بسلطنة عمان حسب المناطق ورأس المال
الفصل الثالث عشر: البترول وذلك عن:
إنتاج النفط الخام وعدد الآبار المنتجة
الأسعار المعانة لصادرات النفط الخام من 1967/ 8/1 إلى 1983/ 12/1
الأنصار المصدر إليها النفط
مبيعات المنتجات البترولية من قبل شركة شل للتسويق وشركة النفط
البريطانية
الفصل نارابع عشر: التجارة الخارجية وذلك عن:
ملخص الصادرات والواردات المسجلة
الصادرات غير النفطية حسب التصنيف الدولي المعدل رقم 20، للأعوام من
1981 إلى 1983
السلع المصدرة والمعاد تصديرها مصنفة حسب فصول وتقسيمات التصنيف
الدولى المعدل 020 (1/58)
صفحة 58
- الواردات المسجلة مصنفة حسب التقسمات و الفصول الدولية للتصنيف
الدولي المعدل «2».
الواردات المسجلة مصنفة حسب تقسيمات التصنيف الدولى المعدل, 2. .
التصنيف الاقليمى للاقطار الوارد ذكرها في الجدول.
الواردات المسجلة خلال الأعوام من 76 إلى 1983 مصنفة حسب
التصنيف الدولى ومجموعات الاقطار المصدرة وأهميتها النسبية ...
الواردات المسجلة خلال الأعوام من 1981 إلى 1983 مصنفة حسب الاقسام الرئيسية للتصنيف الدولي ومجموعات الأقطار المصدرة والمعاد تصديرها. الواردات المسجلة خلال عام 1983 مصنفة حسب التصنيف الدولى
المعدل رقم 20، ومجموعات الأقطار المصدرة.
الواردات المسجلة مصنفة حسب القطاع الصناعي المنتج لها والقطاع
المستخدم خلال عام 1983.
قيمة الواردات المسجلة لبعض السلع المختارة من مواد البناء 1980 – 1983
- ميزان المدفوعات 1979 - 1983 0
الفصل الخامس عشر: البنوك وذلك عن:
النقد المصدر والمتداول.
عرض النقد.
العوامل المؤثرة على كمية وسائل الدفع.
البنك المركزى العماني: المطلوبات – الموجودات،.
الميزانية الموحدة للبنوك التجارية.
- (1/59)
صفحة 59
-1 -
توزيع الائتمان المصرفي على القطاعات الاقتصادية.
البنوك العاملة في السلطنة حتى 1983/ 12/21.
قروض ومساهمات بنك تنمية عمان خلال عام 1983/ 82 مصنفة حسب
القطاعات الإقتصادية.
الفصل السادس عشر: المالية وذلك عن:
-
مالية الحكومة.
الايرادات غير النفطية.
نصيب كل قطاع من الاستثمارات الحكومية واستثمارات القطاع الخاص
المنفذة في الأعوام 1983/ 82.
المصروفات الانمائية موزعة حسب الواردات والدوائر الحكومية.
المصروفات المدنية المتكررة موزعة حسب الوزارات. المصروفات المتكررة للوزارات المدنية حسب بنود الاتفاق.
الفصل السابع عشر: الدخل القومى وذلك عن:
الناتج الحلى الإجمالي بالاسعار الجارية حسب نوع النشاط الاقتصادى. الناتج المحلى الإجمالى بالأسعار الجارية حسب نوع ا النشاط الاقتصادي،
معدلات النمو النسبية ...
الناتج المحلى الإجمالى بالأسعار الجارية حسب نوع النشاط الاقتصادي
الأهمية النسبية ...
الانفاق على الناتج المحلى الإجمالي بقيمة المشترى بالأسعار الجارية.
الاتفاق على الناتج المحلى الإجمالي بقيمة المشترى بالاسعار الجارية، معدلات
النمو السنوية ... (1/60)
صفحة 60
71 -
الاتفاق على الناتج المحلى الإجمالي بقيمة المشترى بالأسعار الجارية الأهمية،
النسبة (%).
- المدخرات المحلية والقومية.
صافي عوائد الدخل من العالم الخارجي.
التكوين الرأسمالي الثابت حسب نوع النشاط الاقتصادي.
توزيع التكوين الرأسمالي الثابت حسب نوع النشاط الإقتصادي والقطاع المستثمر عام خاص.
توزيع التكوين الرأسمالي الثابت حسب نوع النشاط الاقتصادي و القطاع المستثمر عام خاص، الأهمية النسبية %.
أما الحديث عن عمان في ثوبها القشيب، في نهضتها الجادة، في حضارتها الواثبة العريقة، في عروبتها الأصيلة الشامخة، فى إيمانها العميق الواعي، في كل هذا وأكثر من هذا، فلنا معها حديث آخر، ووقفة طويلة متأنية في الجزء الثاني من
سلسلة, عمان .. والامبراطورية العربية، بمشيئة الله تعالى
و من هنا كان الطمع:
إن طمع كثير من الأمم في عمان كان قديما، وقديما جدا، بل حتى قبل التاريخ، أعنى قبل أن يتأهل التاريخ بمعداته وأدواته وآلاته وتكنولوجياته التي نراه عليها
اليوم، فى منظور المصطلح التاريخى الحديث، وفي لغة المؤرخين.
ومن المعروف بداهة، والمعلوم بالضرورة، والمتفق عليه بين ساحة العالم أنه العملة الرائجة المتداولة في الأروقة السياسية، والحارات الدبلوماسية، والأزقة (1/61)
صفحة 61
والمخابي أن الذى يدعو أمة إلى اقتناص أمة، أو يغريها بالتلصص عليها، أو التسلل إليها، أو غزوها واغتصابها - كاهو الشأن في الأفراد و الجماعات كذلك - هو أن الأمة المقصودة، أو الدولة المطموع فيها، تتميز بما لم يكن
عند غيرها من الأمم والدول، وتحظى بأوفر نصيب من المواهب والمنح الطبيعية والخيرات، وتتمتع بما يثير الطمع، ويغرى بالجشع في نفوس الحاقدين، الحاسدين، الذين تتحلب أفواههم شرها في الاغتصاب والاستلاب. وكذلك كان الشأن مع عمان والأمم التي سكنتها أو غزتها حقياً متفاوتة من الدهر، أو تداولت عليها بقصد الانتجاع والاسترواح، نظرا لمناخها الجميل، وجوها البديع، وموقعها المتميز، واستراتيجيتها البكر، وخصوبتها العذراء، وخيراتها التي فانت الوصف، وكبرت على اللغة، ورائها الفذ المتوحد، الذي استعلى على التطلع وفاق التصور والخيال، حتى ليقرر الرحالة البرتغالى «برتون سبيك في كتابه - أيام في عمان -: إن عمان هى الرئة الصحيحة التي تتنفس الجزيرة من خلالها، وهي الذراع الطويلة القوية التي تلاحق المغتصب على مدى الخريطة العربية، وتطول كل أبعادها وجيوبها، وهى إلى جانب ذلك كله، الدماغ الواعية الذكية التي تتشار دائما في الملمات والمدلهات، ولها رأيها الصائب، وحكمها الصادق الناصح في حل المشكلات، وفض الألغاز، وفك الرصد وإلقاء الأضواء على الطلاسم والمعميات.
هذا إضافة إلى أن عمان هي المدخل الفريد الوحيد للتعرف على الإنسان العربي الأصيل، في عروبته وشمائله، فى صفاته، وسلوكه، في أخلاقه، وطبائعه
التي لا توجد إلا فيه وحده دون خلق الله على إمتداد الحياة والأحياء، نعمان أشبه بالكتاب الذى تتراءى على صفحاته، وتتضح بين سطوره وكلماته قصة الإنسانية كلها من بدء الخليقة إلى يومنا هذا، بما فيها من معادلات صعبة أو سهلة، تجمع بين الجبل والسهل، والخصوبة والمحل، والرقة والوعورة. (1/62)
صفحة 62
حتى الأجانب:
وقد اهتم كل من القس، بادجر، ــ الباحث الفرنسي، والمستشرق الهولندى ما يلز إير، في كتابهماء رحلة مع التاريخ بالبحث الأكاديمي، والدراسة الذاتية لشخصية عمان، همان القطاع الواسع الممتد، عمان المنطقة المشخصة، عمان الامارة، والمملكة .. ثم السلطنة الناهضة المتوثبة:
ما هي عمان؟ وكيف تكونت؟ و ما هى القطاعات التي كانت تشملها؟ وماهى المناطق التي كانت تحدها وتحيط بها؟ وما هى إيجابياتها وفي الياتها في إعزاز العرب وإثراء العروبة؟ و لم سميت بهذا الاسم؟ وما هي أهم الأمم التي دخلتها؟ وكيف أعرها الله بالإسلام؟ وكيف باركها الرسول وأصحابه بالثناء والدعاء؟ وما هو دورها الفعال على صعيد الدعوة الإسلامية؟ وكيف أنها لم تتمذهب إلا بالمذهب الأباضي، مذهب الفرقة الناجية، وأهل الاستقامة؟!
شكلها الحقيقي:
لقد طرح الكاتبان كل هذه الأسئلة في. ولفهما، احتفاء بعمان، وتأكيدا لشخصية الأصيلة. و ملامحها المتميزة في منظور التاريخ، وتحت, تلسكوبه، ليرى فيها الرأى العام العالمي رؤيته الموعودة، ويجد فيها الراقي المنصف مالم يجده عند غيرها من الأمم السابقة واللاحقة.
وأهل الرحالة المساوى طرف ما يلز، قد أجاب عن كل هذه الاستفسارات والتساؤلات بما ضمنه كتابه بلاد اها تاريخ حيث استرسل في شرح عوامل الجذب والطرد التي تعترى - أو تتخلى بها - بعض الأمم والشعوب، نظرا لاستراتيجية عمان وما حبتها بها الطبيعة، والتكوين الجيولوجي، الذي يتلاءم في بنيتها، والذي يتفاعل أو يتعادل مع مكوناتها الشخصية التي لا تتخطاها (1/63)
صفحة 63
-12 -
أو تتعداها أبدا، والتى تشير إليها بما خلفته عليها من بصمات ودلالات، وما تركته فيها من سمات وعلامات.
وكان فيما قاله: إن تاريخ عمان القديم يعكس على صفحاته وفي مقولات رسومه البيانية أحاسيس ومشاعر هذه الأمم العديدة المتتابعة التي هبت في زحوف هو جاء عبر عشرات الآلاف من السنين على الخريطة العمانية في شكلها الحقيقي. وفي واقعها التي عايشت به الحياة، ورافقت من خلاله كل الأحداث والحوادث فإن عمان وما حبتها بها الطبيعة، وما أضنمت عليها من ظلال وأطياف، وما حظيت به من التلوين الجمالي، والإبداع الفنى، والتخطيط الذي لا تتكرر نسخه، ولا تتعدد طبعانه ... كل ذلك كان من المقومات الذاتية في بناء الهيكل العماني الشامخ الذي جذب إلى ساحته، وضاعف في مساحته، ووسع مداه، إلى الحد الذي يفوق طاقة التسجيل والحساب، ويتجاوز استطاعة العادين والكتاب، با أحدى واستقصى، وساق وقدم، ودلل، وبرهن على مصاحبة الحق والخير
والجمال، وتعامله الشريف النظيف مع أوليات الحب وأبجديات الكمال
ومرد ذلك كله إلى هذه الهبات الإلهية التى فاضت على عمان تجسيد او مبنى وتجاوزتها إلى أبنائها روحا ومعنى، أقول: كان ذلك كله من مقتضيات هذا الطوفان الهائل من الزحوفات المتوالية، والهجمات المسعورة المتتالية على عمان
في مداها الطويل،، ومن خلال مشوارها الذي بدأته مع رحلة الحياة. إذ ما لاشك فيه ان الحضارة العمانية من أقدم الحضارات العريقة، ويرجع
ازدهار هذه الحضارة إلى موقع عمان المتميز في الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، حيث ملتقى الطرق البحرية بين الشرق والغرب، وما كان لهذا من أثر في تبادل التأثير والتفاعل مع الحضارات الأخرى التي شهدها العالم في مراحله التاريخية المتعافية ... (1/64)
صفحة 64
70 - -
لم يجهلونها؟
ومع هـ هذا فلا يزال كثير من أبناء الأمة العربية يجهلون هذا الجانب المشرق من تاريخ عمان، وغيره من تواريخ العرب، وذلك لندرة ما كتب في هذا الباب، وقد ظل تاريخ عمان بالذات محفوظا في صدور الرواة، أو مسطورا في بطون الكتب، أو مبعثرا على السنة القصاص، فى حين أنه يجب أن يكون هذا التاريخ العماني قرآنا يتلى، وانجيلا يردد، ونوراة تقرأ، وفخرا اكيدا فريدا يتوارثه الأبناء عن الآباء، والاحماد عن الأجداد، لأنه مثل العروبة في أعلا أنماطها، ويبرز العربي في أبهة صوره، وأجمل أشكاله، ويجلى بطولته ورجو ته، ويريه للناس أنه رجل الدنيا وواحدها.
كما يكشف الستار، ويلقى الأضواء، ويبين للعالم أجمع ما كان لعمان والعمانيين من مساهمات فعالة، وإيجابيات بناءة في تشييد الحضارة الإسلامية. وفي الأخذ بناصر العروبة والعرب، وكيف شادت عمان قبل الإسلام وبعده حضارات عريقة شامخة، وانجازات عربية إسلامية، لا تزال حديث السمار، ولا تزال آثارها ناطقة شاهدة على عظمة الإنسان العماني المبدع مع مر الدهور وكر العصور.
ومع ملاحظة أن تاريخ عمان سلسلة من الحوادث والأحداث، كما كان امتداد سواحل عمان على بحرها الكبير، وعلى الخليج العربي الطويل سبا في انطلاق الشعب العماني حتى إلى ما وراء البحار، وفى أن يكون لعمان نشاطات ملاحية، وسنمن تجارية، وأساطيل حربية، وحصون متينة، وقلاع شامخة، وأبراج مشيدة شاهقة. وتأسيسا على هذا كله. أو انطلاقا من بعض زواياه وجوانبه،
.
هذه فانه يمكننا القول بأمانة وصدق، وواقعية وحق، إن عمان - موضوع (1/65)
صفحة 65
-71 -
الدراسة - قد أدت دورا كبيرا فعالا على مسرح هذه الحياة، مع كثير من الأمم والشعوب التي تعاملت معها، أو تعاطت سلوكها، منهجا و أم لا، أو فعلا وإن هذا الأمر يقتضينا الغوص في أعماق التاريخ، والبحث في بطون الكتب،
و عملا،
وقطع الشوط الطويل الأميد في رحلات متتابعة راكضة، إبان تداول هؤلاء المغامرين على كرمى الجزيرة - وأعنى به عمان - لاسيا و إن الكتابة عن عمان والبحث، أو التأليف فيها قد لشط أخيرا على يد بعض الكتاب والمؤلفين العرب والأجانب، مع اختلاف وجهات النظر أو تقاربها بين هؤلاء فيما يكتبون ويؤلفون، ضرورة ان كل كاتب أو مؤلف يترك بصماته الذاتية، وأحاسيسه الشخصية على كتاباته:،، ومن هنا، كان السر في تغاير أحاسيس بعض الكتاب، و تباين مشاعر بعض المؤلفين حيال هذه القضية .. ولو بعض الشيء ... والكتابة عموما عن عمان تعتبر مرادا للحركة الفكرية، والمواريث العربية التي تضيء الناس عامة، والعمانيين - بالذات - طريق حياتهم، وأسلوب تعايشهم، واستمراريتهم في هذه الدنيا على هدى وبصيرة، من ماضى الآباء والاجداد ... التاريخ والواقع:
وحسبنا في هذا المقام بعض المصادر التاريخية المتاحة لتصور لنا بعض أوجه الوجود العربي، و بي، وغير العربي على أرض عمان، و لنتمكن بالتالي من ضبط التاريخ ووضع النقط فوق الحروف، لاسيما في الأحداث الكبيرة المهمة التي أفزعت الحياة، وأيقظت فيها الأحاسيس والمشاعر.
ولنسر مع التاريخ في خطواته المتئدة، أو الراكضة، وفي مشواره المهيب الوقور، باحثين و مفتشين، عن هؤلاء الأقوام الذين تتابعوا ـ أو تزامنوا في الدخول على عمان، واقتعادها، وهى كرسى الجزيرة كما أسلفنا البحث والحديث ... لقد أكدت كتب التاريخ، وشيوخ المؤرخين: أن أول من سكن قطر عمان في القديم فرع من العرب البائدة هم العمالقة، وهم بنو عملاق بن لاوذ بن سام (1/66)
صفحة 66
- TV-
ابن نوح عليه السلام، قال السويدى فى كتابه - رعاية الأحساب وأصول الأنساب - العمالقة قوم عظام الاجسام طوال القامات، يضرب بهما. م المثل في القوة والطول، تفرقوا في البلاد، فكان منهم أهل المشرق، وأهل عمان، والبحرين، والحجاز،، وكان منهم ملوك العراق، وجبابرة الشام، والجزيرة، وفراعنة مصر، ومنهم قبيلة جاشم، وهم بنو جاشم إن عملاق، وكانت ماكنهم يثرب والبحرين وعمان.
ويقال: إن من أهم الأمم التي سكنت عمان مع غبش التاريخ وضبشه - هم «السومريون، الذين استنبطوا منها النحاس، وشكلوه في مصنوعات لافتة مبهرة، وهذا هو رأى المؤرخ البريضاني «توماس، في كتابه - يوميات سائح - الذي يقرر فيه أيضاً: إن ذلك كان قبل الميلاد بأكثر من خمسة آلاف سنة، وأنهم توطنوا عمان، وأسموها بلاد ماجان» .. وتمكنوا ـ كذلك ـ من إدارتها، وتوجيه العمل فيها حقبة من الزمن، ثم جاء من بعدهم. الكلدانيون وسيطروا على عمان، وأطلقوا عليها اسم إبليتا،، وخلفوا فيها بعض الآثار، وتركوا بصماتهم على كثير من المرافق والمؤسسات هناك، وعاشوا هناك زمنا غير يسير، إلى أن أجلاهم عنها - ثم سكنوها من بعدهم – قوم عاد الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم حيث أفاضوا على الجزيرة، وتوافدوا عليها، وتوالت راتهم إليها، فى موجات متتابعة، وهجومات حاشدة مزدحمة من الاحقاف، التي كانت مركز زعامتهم، ومحل العتاة الجبابرة منهم، حتى إذا بغوا وطفوا وعاثوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، سلط الله عليهم. الفينقيين، فطر دوهم من عمان شر طردة، وراحوا يحلون محلهم، ويسيطرون على شئون البلاد، وأمور الحكم فيها، واتخذوا، صور، العمانية عاصمتهم، ومركز ثقلهم، حتى، إذا أذن الله لهم بالخروج منها، ارتحلوا عنها - جلاء ـ إلى الشام، وهناك
هجرا
-
ابتنوا فيها مدينتهم المعروفة إلى اليوم، صور، بدلا من صور عمان. (1/67)
صفحة 67
-74 -
تدقيق وتحقيق:
ويذكر ياقوت الحوى: أن الذي حارب قوم عاد في عمان وأخرجهم منها، إنما هو عمان بن سياق الفنجدهي - - أحد الملوك الاشداء أنذاك - فتولى عمان، وطرد منها بقايا قوم عاد، وعاش فيها هو وأرهاطه ردحا من الزمن، ثم غلبهم عليها - ودخلها من بعدهم - عمان بن قحطان، نائبا عن أخيه الملك يعرب بن قحطان وهم أول بذرة من بذور العروبة توضع في أرض عمان .. إلا أن العويني - المؤرخ الكبير - ذكر في الانساب عن الكابي: أن الذي حارب الفينقيين في عمان وأخرجهم منها هم المعيذيون: - لاقوم عاد - وهم من عمالقة العراق، وقيل: هم من الأراميين،، ثم جاء بعدهم - في حكم عمان – و الحمورابيون» ثم السبئيون، ـ من آل سبأ بن حمير القحطاني – فكونوا دولة. الحميريين.
-
طاحنة بين
الذين إمتد عهدهم في عمان إلى أكثر من ألفي سنة. وفي مروج الذهب، للمسعودي أن الذي أخرج الفينقيين من عمان هم الحميريون، بعد حروب الفريقين، بدءا من مالك بن حمير، ثم ابنه قضاعة، ثم أبنه الحاف، ثم ابنه مالك ثم السكسك الحيرى ..
1
وجاء في تقول تحفة الأعيان، أن الذين تولوا حكم عمان - بعد الحميريين هم الأشوريون، في عهد ملكهم و تقلت فلاس الأشور، ثم حل محلهم في حكم البلاد العمانية، البابليون، وكان ذلك في القرن السابع قبل الميلاد. ولم يكد البابليون يستقرون في عمان بعض الشيء حتى اجناحتهم جيوش, كورش، أحد ملوس الفرس الاشداء .. وتلك هى الهجمة الفارسية الأولى على عمان. ويقال أن السبأبين - وهم آل سبأ بن يغتان بن إبراهيم عليه السلام هم الذين أجلوا
-
القحطانيين من عمان، وحكموها بعدهم، إلى أن طردهم منها و الطميون: (1/68)
صفحة 68
11 -
آل طسم - ثم. الجديسون - آل جديس ... وهم من العرب البائدة، وفى
هذا خلاف كبير جداً بين المؤرخين.
من أعماق الدهور:
-
وعموماً، ولقد أجمعت جمهرة المؤرخين على أن المدة التي قضتها الفرس الأولى في عمان لا تقل أبداً عن سبعة قرون، وأن الذى أخرجهم منها، وحاربهم عليها، وزاحمهم فيها، هم قوم عاد ـ الذين اسلفت الحديث عنهم قبلا. وأن الذي أخرج عادا من عمان، وتعقبهم فيها - بعد حرب ضارية - هو: عمان بن سياق الفنجد يهي، ثم جاه بعده - على حكم عمان عمان بن قحطان ـ واليا من قبل أخيه يعرب بن قحطان ولعل هذا العهد القحطاني هو أول إرهاص عربى في أرض عمان.
وهنا تتضارب الروايات التاريخية حول قوم عاد – هؤلاء – هل حاربوا
-
الفينقيين في عمان؟ أم حاربوا الفرس الأولى؟ أم حاربوهما معا؟
وإن كان المؤرخون قد اتفقوا فيما بينهم - إلى ما يشبه الإجماع – على أن الذي حارب عادا في عمان وأخرجهم منها، إنما هو عمان بن سياق الفنجد يهي الذي عاش في عمان ردحا من الزمن، ثم غلبه عليها عمان بن قحطان من قبل أخيه
يعرب بن قحطان.
ويقرر الأمير شكيب أرسلان في كتابه, حاضر العالم الإسلامي،: أن السبائيين من أولاد سبأ بن يفشان بن ابراهيم عليه السلام هم الذين أجلوا القحطانيين عن عمان، ثم جاء الطعميون ثم الجديسون - وهم من العرب البائدة فغلبوا السبأبين عليها، ومازالوا بها، حتى جاء الازديون الأول فاستولوا على همان، وطردوا منها كل غازاها، أو دخيل عليها. (1/69)
صفحة 69
هم عمالية التاريخ:
والأزديون هؤلاء نسبة إلى ازد. وازد هذا، هو أبوالعرب جميعا كما يجمع
على ذلك جميع المؤرخين في نسبته.
فهو: الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن
يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام.
و من الأزد المذكور، تناسل ولده نصر، ثم تناسل من نصر هذا، مالك بن نصر، ومن مالك بن نصر تفرقت القبائل الأزدية فى كل أنحاء الجزيرة، وتفرعت إلى البطون والأفخاذ.
وكان من تلك القبائل قبيلة أزد شنوة بني عثمان، وهو عثمان، بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله، بن الحارث، بن مالك بن نصر ابن الأزد أبي العرب على الاطلاق.
وتؤكد جماعة من المؤرخين ومنهم السمعاني، في كتابه - الأنساب وه السيوطى، فى - بغية الوعاة. وه الغرناطي اللخمي، في موسوعته ـ الجزيرة هنا وهناك - والمستشرق الألماني هانز باولى، في رحلة على بساط الريح - والمستكشف البرتغالى «ما يرجو سكل، في ـ أعاجيب الدنيا أن الأزد الأول - وهم أقوام عمر بن عمرو الأزدي - ما كادوا يحطون
ـ
D
:-
رحالهم في أرض عمان، ويلتقطون أنفاسهم بعض الشوء، ويستروحون نسائم الراحة الآتية إليهم من خلال الجبال، و ثنايا الهضاب، وعبر أنابيب البحار والأفلاج، ومن فوق أو من بين المروج الخضراء، والحدائق الممرعة الغناء، وما كادوا كذلك يذوقون فيها طعم الراحة، حتى ينقض عليهم الفارسيون بقيادة مليكهم، كورش، في هجمتهم الثانية. (1/70)
صفحة 70
و تمر الأحداث متتابعة، وتشتبك المعارك، وتتعانق السيوف، وتتصافح الرماح مخضوضية من دماء الأقوام المتعاركين على أرض عمان. . حقبة طويلة
واسعة عريضة عميقة من الزمن.
بين النص والإجتهاد:
ويختلف التاريخ في رواياته، ويختلف بالتالي – كل مؤرخ مع مروياته ويحل الاجتهاد والتخمين، محل الاعتقاد واليقين، وتتراءى الأحداث في فكر المراقب المطلع كما يتصور ويتخيل، أو كما يشتهي ويأمل .. وذلك نظراً للأمية المتفشية في العرب آنذاك، بل وفي العالم كله والتي ذكرها القرآن الكريم
في أكثر من موضع. . . و من هنا كان يصعب تماما على الكتاب والمؤرخين والمشتغلين عموما بشئون الفلك والحساب، أو المتعاملين مع وقائع الضبط والتسجيل، او الاستنباط والتعليل أن يقيسوا الأمر من جميع زواياه وأبعاده، أو ينرعوه في شتى مساحاته وأماده، أو يدركوه على الوجه الصحيح، الذي توصل وسيلته إلى غايته، وتتضح نتيجته من خلال مقدمته، وعبر الطريقه المجربة التي يمارسها أوفياء العلم والبحث وأمناء التاريخ والدرس ..
وعلى هذا، وانطلاقا من مأتيات الماضى، وتطلعات الآتى، يمكننا أن نقيض الجهول المحجوب، على المأهد المرقى فى منظور الواقع، ومرصد الممارسة الحقيقية مع ذاتية الدنيا، وأكاديمية الحياة
والأمر كله لا يعدو المعاناة والمقاساة والمشقة الباحثة الدارسة التي توصل
في النهاية إلى ما يصبو إليه الإنسان من الإمساك. - ولو بطرف الخيط كي يصل
من وراء ذلك إلى إدراك اليقين، ومعايشة الصواب
ويجيء الإسلام، وتشرق ومضاته على العالم كله، ومع بحيثه واشراقانه، يجيء الإسلام ويشرق بالتالى على عمان مع الرجل الطيب الصالح مازن بن عضوية، ويتمزق ملك كسرى أخيرا من عمان وتندحر الجيوش الفارسية في مواجهة هؤلاء (1/71)
صفحة 71
- vr-
الأشاوس العرب من الأزد المغاوير، الذين حاربوهم أضرى حرب واشرسها بقيادة مالك بن فهم - كما سنفصل ذلك في مكانه ـ حتى أخرجوهم منها إلى
غير رجعة ...
الخيمة والوتد:
وبدأت العروبة من ذلك التاريخ تحط رحالها، وتدق أوتادها، وتنشر أطلبها
و نقيم سرادقاتها، وتزرع خيامها في تلك المنطقة العزيزة الكريمة - عمان، التي
1
أخصب المعارضها، وطيب مناخها، ونشر الأريج في آفاقها، وأعبق جوها. وزرع
الأمن في ربوعها، وفضل بحرها على سائر البحار بما اختصه من مصائد السمك ومغاصاة اللؤلؤ، وجعل أهلها خير أناس الأرض، أخلاقا وسلوكا، وعقيدة
وإيمانا.
ولقد نوه بذلك الرسول صلوات الله وسلامه عليه في أحاديثه الغراء. وشهد به الخليفة الأول أبو بكر رضى الله عنه. وأكده بلغاء العرب على و مؤرخو هم اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ....
قال صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه ابن عمر -:: إني لأعلم أرضا من أرض العرب يقال لها عمان. على شاطئ البحر. الحجة منها خير من حجتين من غيرها. ...
و قال صلوات الله وسلامه عليه أيضاً:. رحم الله أهل الغبيراء - عمان - آمنوا بي ولم يروني ....
تلك هي بعض الرؤى والتطلعات التي رآها كل من حاول دخول عمان أو الاقامة فيها ...
هذا إلى جانب ما تتمتع به طبيعة هذا البلد من مناخ طيب. وهواء رقيق. وجبال وأفلاج. وحيوانات ومراعى، ورمال وأودية، وبحر منفرد دو ن أبحر العالم جميعا بمغاصاة الأواؤ والأحجار الكريمة. مما يلفت الأنظار. ويسترعى الخواطر والأبصار. (1/72)
صفحة 72
- 73 -
وهكذا
الأنيق
•
وبعد هذه الانتصارات العظيمة. بدأت عمان – في ثوبها
وفي حجمها الطبيعي الصحيح. وفى رونقها الشيق
•
وفى شكالها الشمولي الوضيئي المضيئى - تمارس عملها المنوط بها وتؤدى رسالتها في خدمة الإسلام والعروبة على أرضها الثابتة. وفى أجوائها وآفاقها. بما وهبها الله من قوة. وبماشد به عزمها، وقوى عزيمتها. وهيأه التحمل الأمانة. والقيام بأمر الدين. وإفساح الطريق أمام قنواته وأنابيبه، وجسوره کي يصل نوره إلى كل مكان فوق جغرافية هذه الحياة.
يجب
ووجد العمانيون أن دورهم لم - وان - يقف عند حدود الجزيرة، بل أن يتعداها ويتخطاها إلى خارج الدائرة، وإلى أبعد من الاصطلاحات الجغرافية، والحدود المتعارف عليها. من خلال الرسوم البيانية التي يصطنعها مهندسوا المساحات والحدود. والتى يحبذها ويدعو اليها المستعمرون والمختصبون
والدخلاء.
عمان في شرق أفريقيا.
إن عمان تميزت عن غيرها من حواضر العالم العربي، بأن لها اليد الطولى. والباع القوية، في انتزاع أسباب الحضارة والتقاط خيوط الكشف، والفتوحات
والملمتها سريعا بين أصابعها. . وشدها أو جذبها إلى مغناطيسها، وفي أذرعاتها و مجالها وما عجزت أبدا عن أن تطول السماء. أو قصرت دون أن تجدل من نجومها وكواكبها
أكاليل غار. أو تنظم من تاريخها وأمجادها قصائد مدح وآيات فخار
و من هنا كانت عمان - بأهلها وأناسها - تشرق وتغرب وتشمل و تجنب منذ لفجر التاريخ وحداثته. في بقاع العالم. وفوق خريطته، باحثة مفتشة، تجرى وراء كل ما يفيد الإنسانية أو يمتع العماني هنا وهناك .. ذلك لان عمان تعتقد تماما أنها جزء.
• (1/73)
صفحة 73
- V? -
وجزه
فعال جدا فى تركيبة الحياة، وأن عليها دوراً هاما لابد أن تمارسه
و تتعاطاه، ثم تتعامل معه، بما يدفع بالنوع البشرى نحو تحقيق الهدف الذي من أجله خلقه الله.
وما خلقت عمان، ولا كان لها هذا الوضع الاستراتيجي المتميز وما منحها الله ما منح، ولا أفاض عليها ما أفاض، ولا اختصها وحدها بهذه الجغرافية الأرضية و السماوية، وما سرب إليها هذا المناح البكر، ولاجاملها بهذه النسمات الفواحة العذراء، أقول: ما جعل الله عمان هكذا لتنغلق على نفسها، أو تستأثر وحدها بخيرها، أو تنض الطرف عن حاجات غيرها، دون مشاركة الجار، أو النظر إليه بعين الجدية والاعتبار، مستشعرة فى هذا كله قول القائل - و - وهو يدعو إلى الإيثارية، وفناء الفرد في المجموع -:
فلا هطلت على ولا بأرضو - سحائب ليس تنتظم البلادا.
-
هذا إلى جانب الطموحات الشريفة الواعية التي يتسم بها العماني عموما، والمشاركة المجردة المنزهة التى يحث عليها الإسلام والسلوك الإنساني الحريص الذي يتراءى دائما أمام - وفى خيال - أهل عمان جميعا من ملاحظة حتمية الاقتداء بهم، وسلوك نهجهم، والغزل على منوالهم، فكانوا لذلك ومن أجل ذلك ـ أسوة وقدوة، وائمة هداة في الدنيا والدين، و لقد كان لهم فضل السبق في نشر العروبة، وفي تسليط الأضواء الإسلامية على الدنيا، ما وسعهم النشر والتسليط فى أى زمان، وفى أى مكان، لاسيما في القارة السوداء، وفي شرق أفريقيا بالذات، فإن مما يحفظه التاريخ وتعيه ذاكرته إن العوامل الجغرافية والبشرية، قد صنعت من عمان - قديما وحديثا - بلدا ذات قيمة استراتيجية وحضارية - كما سبق القول - حتى منذ أقدم العصور، فالبحر يحيط بها من أجزائها الثلاثة، ورمال الربع الخالي الناعمة تلفها، وتلتف بجزئها الرابع الذي يفصلها عن بقية شبه الجزيرة العربية، ويقوم التركيب السكاني فيها على أساس قبلى صرف، منذ أن بدأت هجرة القبائل العربية إلى عمان في فترة مبكرة حوالى القرن العاشر قبل الميلاد، وقد استمرت هذه الهجرات
- (1/74)
صفحة 74
- Yo-
ومن أمم مختلفة - في التدفق الزاحف على إمتداد العشرة قرون التالية أو
أكثر منها بعد ذلك
كانتا واحدة:
حق ليذكر خبراء الجيولوجيا، وعلماء الأرض، والمتخصصون في طبيعتها وطبقاتها: أن شرق أفريقيا والجزيرة كانتا أرضا واحدة متصلة، وقد انفصلتا في العصور السحيقة العميقة بفعل الزلازل والبراكين والهزات إلى ما نراهما عليه اليوم وأن هذا كان شأن زنجبار أيضا هو الآخر .. أو شأن العرب الضاربين في أعماق الصحراء معها، وذلك كنتيجة للغضبات الطبيعية، والعوامل أو الثورات المناخية المتفلتة من الهزات الأرضية، والتشققات العنيدة المتمردة في جسم البيئة، كما يقرر ذلك علماء الإجتماع، وكما يقررون ويؤكدون فى أكثر من بحث أو مقولة ـ بأن الصحراء تعتبر من البيئات الطاردة، التي يهاجر سكانها إلى ماحولها من الأقاليم ذات الخضرة والماء، والخصب والنماء، ومن هنا وكما حللت وعملت سابقا
—
من الايثارية العمانية، والاستعجال الخير في غرس بذور العروبة، وباسقات الاسلام وتعميق الأصالة العربية فوق خريطة العالم وفي حقول وعقول أبنائه - كانت هجرة العمانيين إلى شرق أفريقيا، واستيطانهم لعديد من الجهات والجبهات الداخلية، والجيوب العميقة البعيدة في التمارة الأفريقية.
ولقد احتوى القصص العربي، والأساطير النادرة صوراً عديدة، وألواناً شتى من نشاط العرب في هذه القارة السمراء، وبالأخص أهل عمان ومغامريها من الرواد والملاح والبحارة والمكتشفين حول النيل، ومنابعه و توابعه، وبحوره وبحيراته، وهضاب أفريقيا وتضاريسها، والأدغال والاحراش والغابات التي تحتوى الكثير من الخيرات، والتي هي في حاجة إلى من يفض بكارتها، ويقف على أسرارها وأخبارها. (1/75)
صفحة 75
هم لا غيرهم:
هذا، إلى جانب المعارف والفنون والنوادر التي اختص الله بها أبناء عمان من هندسة البناء وزخرفة الهياكل، والتشييد والعمارة، والتفنن في الزراعة والملاحة إلى غير ذلك من العبقريات التي إختبأت بذورها وجذورها جنينة سوية في رحم البيئة العمانية، والتي لم تكد تستكمل مدة الحمل، حتى يجيئها المخاض دائما في شكل توعية حضارية يوزعها لعمانيون بين ربوع هذه القارة الحبيبة، فهم أساتذة ومعلمون فوق أسهم منتجعون ومهاجرون طلبا للرزق، وارتياداً لمصارح الخضوبة
والخير والراحة.
وقبل ذلك أو بعده - وفى ظل الإسلام - فإن الحجاج بن يوسف الثة في عامل الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان على العراق وعمان، لما ضاق ذرعا بابني عبد بن الجلندى سعيد وسليمان اللذين هزماه في أكثر من معركة، أخرج لهما جيشا جرارا كان قوامه أكثر من أربعين ألفا بقيادة مجاعة بن شعوة المزنى، ما اخطر هما إلى أن يحمل ادراريهما ومن لحقهما من الانباع والأشياع وقد آثرا السلامة
أن يخرجا في رحلة مهاجرة إلى شرق أفريقيا، وفي زنجبار بالذات وقد تخطيا الأراضي العربية والبحار الواسعة، والكاداء الشافة الشعرمة والمفازات الشاسعة الرهيبة
أحراش وأدغال:
وقد ذكر العلامة الأسباني, هنرى كراى، فى كتابه, أدغال واحراش، الذي اللغه في العقد الأول من القرن العشرين - قصة هجرة العمانيين إلى الشرق الأفريقى، وقصدهم إلى زنجبار، وأكد أن ذلك تم في القرن الأول من الميلاد، وانه لم يكن من فراغ، أو ينشأ من لاشيء، ثم ألقى بعض الظلال، وساق بعض الأضواء والمعارف التاريخية التي (1/76)
صفحة 76
- VV-
استقاها من سبقه من المشتغلين بأمر التأليف فى التاريخ من ا من الأوربيين وغيرهم، ولا يضير المؤرخ أن يعتمد بعض الشيء أو كل الشيء على السابقين له في الدرب، بقطع النظر عن ملتهم ومعتقدهم، ضرورة إن الانسان - أيا كان ذلك الانسان ـ والكون، والحياة التي يعيشها بأحداثها، وموقعه منها ... تاريخ واحد متصل الحلقات، متسلسل الربط، لا يعيبه أن يحكم على الأشياء في منابتها الأولى، أو بعيدا عنها بعدا لا يقطع علاقته بها، أو ينسيه تدوينها وتسجيلها في إطار الواقع والصدق. والحيدة والحق .. بيد أن المطلع على الكتابات التي تناولت تاريخ عمان يجدها في مجموعها أو في جميعها قد تناولت الأرضية الطبيعية، والمنطلقات التي إبتدأ منها المشوار العمانى شوطه ورحلته إلى القارة الافريقية. وإن ذلك كان فعلا - كما تشير المراجع والمخطوطات قبل الميلاد، وبذلك تتضح الرؤية التي نحن بصددها في ربط العلاقة بين عمان وأفريقيا، وأن ذلك كانت له
خلفية عريضة متينة.
-
وإن ظل تاريخ زنجبار والوجود العماني بها، وفي شرق
أفريقيا، غير واضح المعالم، بحيث لا يجد المفكر العربي فيه زادا متكامل الفيتامينات والعناصر، مما ينقع الخلة، ويقطع غائلة الجوع، ويزيح الستار عن ما انبهم عليه، أو استغلق دونه، إلا أن ذلك حسبنا ويكنينا .. إذ لم يكن من هم العرب العمانيين الذين هاجروا إلى هذه البلاد أن يدونوا تواريخهم. أو يسجلوا أعمالهم ونشاطاتهم. أو يقيموا الاحتفالات والاحتفاءات حول ا كتبه افاتهم وفتوحاتهم، ولم يكن في استطاعتهم - كذالك - أن مخلفوا لأبنائهم ولمن جاء بعدهم إلا الأقاصيص والحكايات، والا الصفحات المسطورة القليلة، التي عادة ما يتوارثها الخلف عن السلف، والتى تتعرض لما يتعرض له في الغالب كل مناخ موروث من سلب ونهب، وفساد وضياع ..
دين وعروبة:
وعموما فلقد أزاح شكيب أرسلان - المؤرخ العربي – في كتابه «حاضر (1/77)
صفحة 77
- VA -
العالم الاسلامى، الغموض عن كثير من التساؤلات والاستفسارات التي تعترض طريق البحث في هذا الموضوع، حيث قرر في أكثر من موضع: إن قيام العلاقات بين عمان وأفريقيا، واتصالهما المباشر بعضهما ببعض، كان من أجل النجارة ـ التي فاق فيها العمانيون غيرهم - أولا، و من أجل التبشير بالدعوة الاسلامية. فيما بعد ثانيا، ثم إظهار الابداع الفنى والتراث العربي الذي يجيده العمانيون - ثالثاً وأخيراً، على مسرح الفنون والمعارف الانسانية، والثقافة التي أهلت القارة المفاخرة ومطاولة أعرق القارات حضارة ورقيا فوق خريطة الدنيا ومسرح الحياة ... وقد ذكر ابن بطوطة - في رحلاته -: أن الذي اكتشف بلاد السودان، ونهر النيجر، ومنابع النيل، وهضاب السنغال، وسوا وسواحل شرق أفريقيا، وأعماق زنجبار، وتحسس أحشاء القارة السوداء عن آخرها، إنما هي القبائل العمانية التي سبقت الى هناك في هجرات واستيطان، وشيدوا الكثير من مراكز التجارة، وبنوا المستوطنات، واتخذوا مقار الدعوة الاسلامية، وشقوا الترع، وأقاموا المساجد ونشروا سلطانهم ووعيهم من فوق منابر الرأى، وفى عاقل الفكر والفن، وكانت لهم الأذرع الطويلة التي تمس المستوطنات العربية، وتقول مؤسساتها في الكونتو، وكينيا، وتتجانيقا، والصومال، وموزنبيق، والجزيرة الخضراء، وزنجبار ومدغشقر والسودان، وغير ذلك هذه من القارة السوداء العذراء.
وقد امتزج العرب العمانيون بسكان هذه البلاد، وانعقدت بينهم وبين السلاطين والمنوك الأفارقة صلات مودة، وحسن جوار، حتى لقد أبقى العمانيون لهؤلاء الملوك والسلاطين نموذهم وسلطانهم على رعاياهم ومواطنيهم في حدود الشرع والتقاليد والعادات المؤدبة المهذبة، إذ أن المذهب الإباضي الذي يتمذهب به أهل عمان، والروح العمانية على وجه الاطلاق، لا تعرف تفاضلا لجنس للون، وإنما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم:. إن اكرمكم عند الله أتقاكم .. ولعل أبرز مثل لذلك هو السلطان،
أو (1/78)
صفحة 78
-49 -
ه منى مكوا. - وهو من السلاطين الوطنيين الذين حكموا زنجبار، وسادوا أهلها قبل الوجود العماني هناك فقد ناصفه السيد سعيد بن سلطان الحكم في
-
زنجبار، وأنصفه فيها، فكان حاكماً يسود رعاياه، وله قدرته بينهم، وسلطانه عليهم، وإلى جانب هذا، فلم يتعرض العمانيون أبداً لأهالى البلاد بشيء من الأذى أو القهر، ولم يفرضوا عليهم ذلا أو إمتهاناً، أو إستعباداً أو استرقاقاً، بل إنهم عملوا جاهدين على تخليصهم من ربقة العبودية التي ربطها بأعناقهم أبناء جلسهم، واسترقوهم النزواتهم، وصيروهم كالأنعام أو أضل سبيلا، ولم تكتف الإنسانية العمانية بمعاملة هؤلاء الخلق من الآدميين هكذا فقط، بل راح العمانيون يعلم و نهم الحرف والصناعات، والفلاحة والزراعة، وأضفوا عليهم مما أفاضه الله الشيء الكثير، وأشركوهم معهم في شئون العيش، وأعطوهم الاملاك والمزارع يتبايعونها ويتوارثونها في حرية تامة، وتملك صحيح، وليس هذا فحسب، بل عملوا على فك رقاب هؤلاء الزنوج، وتحرير أعناقهم من أسباب الرق، ودواعي العبودية، وجيبوا لهم الإقامة بين ظهرانيهم والعيش معهم، وعلموهم آداب الإسلام، وثقفوهم بتعاليمه، وحرروهم من شوائب الكفر، وأدران الشرك، وأوزار الوثنية، والوقوع على أقدام السادة والطواغيت، و عرفوهم طريق الله الحق، وأفهموهم أن ليس لهم رباً سواه، وأحسنوا
معاملاتهم محرم،
، وتزوجوا منهم، فصارت بعض نسائهم أمهات السادة النبلاء،
والعلماء الأفاضل الاجلاء.
•
إثنان في مسيرة:
وهكذا أصبح الزنجي الإفريقى شريك للعماني العربي في كل شيء حتى في
-
-
هذا الزنجي
التناكح والتوارث، والعقيدة، والدين، كما أصبح ـ كذلك قدوة وإماما في أمور الدنيا وشئون الحياة، بعد أن صيره الله إلى قوم آمنوا
بربهم، وعبدوه على شريعة نبيهم، وتذهبوا في سلوكهم بمذهب ابن أباض ... وأعنى بهؤلاء القوم أهل عمان الأوفياء الامناء ـ ولما توفى السيد سعيد بن سلطان (1/79)
صفحة 79
-^-
1851 ميلادية، دخل كل من شرق إفريقيا وزنجبار في عصر جديد، فقد انفصلت زنجبار عن مسقط أيام حكم السيد ماجد أكبر أبناء السيد سعيد، وتوالى على حكم زنجبار السيد برغش بن سعيد سنة 1287 هجرية؛ ثم السيد خليفة بن سعيد سنة 1305 ه، ثم السيد على بن سعيد سنة 1307 ه، ثم السيد حمد بن أو إنى إن سعيد سنة 1310 ه، ثم السيد حمودة بن محمد بن سعيد سنة 1314 ه، ثم السيد على بن حمودة سنة 1320 ه، ثم كان عهد دولة السلطان خليفة بن حارب ابن أوانى بن سعيد سنة 1329 ه - 1911 ـ الذي تعتبر أيام حكمه هي العصر الذهبي، والتاج المرصع فوق مفرق زنجبار، ثم السيد عبد الله بن خليفة سنة 1960 م وفي شهر ديسمبر من عام 1963 م أعلن استقلال زنجبار، والحسر الحكم العماني عنها، وعن شرق أفريقيا بعد أن خلف وراءه آثاره الوضاءة في زنجبار خاصة وفي شرق أفريقيا على وجه العموم، ..
و ما تركت عمان بصماتها وتأثيرها على الشعوب والأمم التي نزحت إليها ودخلتها قبل الميلاد بعشرات الآلاف من السنين، تركت كذلك عمان بصماتها وملامحها الشخصية مع الميلاد أو قبله بقليل على الشعوب والأمم التي عاشرتها وامتزجت بها، وهاجرت إليها، وأعنى بها أمم وشعوب القارة الأفريقية،
وزنجبار، وممباسة بالذات ..
-
مصدراً
وهكذا كانت عمان ـ وما زالت، ولم تزل، وان نزال ثراً، ومعيناً فياضاً، ومنبعاً سلسلا صافياً، قبلا و بعداً للحضارة الإنسانية،
-
واللمسات العبقرية، والمعارف الفنية، والإبداعات الجمالية، والإنجازات الشامخة لعملاقة، الى زرعتها يد القدرة، واستنبتتها مشيئة الله وعنايته في حقول عمان، وفي عقول الثمانيين جميعاً، والتي وسعت الكون ودفعت به خطوات واسعة واثبة نحو التقدم والحضارة، وإلى الرقى والأمام .... (1/80)
صفحة 80
- 81 -
رواد وأساتذة:
2
ويقرر العلامة الفيروزابادي في القاموس المحيط، والمقريزي في «امتاع الاسماع: ان العمانيين هم أول من اكتشفوا وسط افريقيا، وقد توغلوا في أحراشها وأدغالها. وكان لهم الفضل الأكبر فى نشر الدين الإسلامي هناك. وقد رادوها منذ القرن الأول للمسيح عليه السلام. وكان اتصالهم بها عن طريق التجارة، وانهم أول من عمروها بالقرنفل. والنارجيل والبرتقال. وزرعوا فيها شجرة «الدوريات. .
ويؤكد ابن خلكان في «وفيات الأعيان،: ان أهل عمان هم أول من نقلوا خبراتهم الزراعية إلى أفريقيا الشرقية كما نقلوا إليها فن العمارة والهندسة. وبنوا فيها القصور البيضاء الناصعة التي لا تزال شامخة شاهدة على الحضارة العمانية حتى اليوم.
وإن المؤرخين والكتاب ليشدون اذهان العالم. ويفتحون عيونه وجفونه إلى ما خلفه العمانيون في أفريقيا من حضارات وإنجازات. وفي ذلك يقول المؤرخ الفرنسي و باير ليمونيه،:
لقد امتد الوجود العربي العماني في داخل القارة الافريقية، حتى وصل إلى بلاد الجابون، على المحيط الأطلسي واستقر العمانيون فى أنحاء كثيرة متفرقة من القارة السمراء. وكانت لهم فيها نشاطات تجارية و معمارية. ولهم أيضا صلات وطيدة بالسلاطين الوطنيين وقد أفاد العمانيون السياح الأجانب في هذه القارة بمعلوماتهم القيمة وخبراتهم الواسعة. وقدموا لهم الكثير من المساعدات والمعونات التي ساعدتهم على إنجاز أعمالهم المكتفية والسياحية. وكانت لهم المراكز الثقافية والتجارية عبر القارة كلها. وكانت لهم - بالذات - قوات، وسلطات متصلة من الصومال إلى مدغشقر منذ مطلع الفجر الميلادى، بل أن بعض المؤرخين العرب من أمثال ابن بطوطة قد (1/81)
صفحة 81
- AY-
زار سواحل أفريقيا، وتوغل في بطونها، ودخل جيوبها وأحشاءها ووصف بدقة المصور الفوتوغرافي ما رآه هناك من الآثار العمانية القديمة المندثرة، من المساجد والمعابد، والقصور والقبور، واللمسات الحضارية الرائعة، وكتب يقول: إن عرب عمان هم فى الحقيقة قد أحرزوا الجزر والسواحل والأعماق من شرق أفريقيا، وجاء البرتغاليون – كعادة الدخلاء دائماً فانتزعوها منهم عام 1503 ميلادية، ثم سرعان ما استردها العمانيون ثانية بقوة السياسة والسيف في عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي سنة 1694 ميلادية، وما كاد القرن السابع عشر ينتهي حتى تمكن الإمام العماني سلطان بن سيف من طرد البرتغاليين جميعاً، من كل أنحاء أفريقيا، وبالأخص من. زنجبار، ومن مياسة، ومن «بمبار، ومن كلوة، ومن كل مصارح أو مكان رموا أنف الهم فيه.
الأسطورة والبطل:
3
إن عمان بلد عربى مسلم، له أصالته العريقة، وتراثه الضخم، وأمجاده القديمة الضاربة في أعماق الحياة، وضمير الانسانية، ووجدان العروبة، وهو يعبر في مجموعه عن صفحات مشرقات في تاريخ الأمة العربية قبل الإسلام
وفى ظله ..
وإذا كان التاريخ العماني قد تعرض في بعض الأحايين، لبعض الإهمال أو النسيان فإنما كان مرد ذلك كله إلى بعض المؤرخين من غير ابناء البلاد و كتاباتهم المجنحة المغرضة، والذين سلطوا فيها الأضواء على بعض الدول الإسلامية فقط، وعلى بعض التيارات السياسية بالذات دون تعميم التاريخ وتشميله لكل الدول في كل المواقف والأحداث.
ويلاحظ تماما - كما يقرر ذلك ابن المجاور الشيباني في كتابه. تاريخ (1/82)
صفحة 82
- AY-
-
المستبصر، والبرادي في الجوهرة المنتقاة - مدى اعتزاز أهل عمان بجذورهم الحضارية القديمة، وتاريخهم المجيد العريق، واصالتهم الراسخة المتينة، على مدى آلاف القرون، ومن خلال الحوادث الضخمة، وعبر المواقف العملاقة التي مارستها وتعاملت معها عمان، حيث يحرصون على الإشادة أو الإشارة - مثلا - إلى الأيام العشرة التي أقامها في الله داود عليه السلام بين ظهرانيهم وفي عمانهم، وأنه حفر هناك أكثر من خمسة عشر ألف نهر أو فلج، هذا ..
إلى جانب اعتزازهم بالقائد البطل الأزدى القومى مالك بن فهم، فهو عند العمانيين أشبه بالأبطال الأسطوريين الذين يعتز بهم كثير من الأمم والشعوب، ويعتبرونهم المؤسسين الأوائل لهذه الأمة، أو ذلك الشعب، ضرورة إن مالك ابن فهم هو البطل العربي الذي طرد الفرس من عمان، وبالتالى فإنه المؤسس الأول لأمة عمان، وشعبها العربي الأصيل، وسيرته ـ عند أهل عمان تتصف بكل ما تتصف به سير الابطال في الملاحم الشعبية، من مثالية، وسمو، واريحية، وكرم، وبطولة، وإنسانية، فهو القائد الشجاع الذي لا يلين أو يضعف أمام العدو، وهو المحارب الباسل الذى يتقدم الصفوف، ويقود الزحوف دفاعا عن الأرض والعرض، وهو الفارس الذى يتحلى بشمائل الفروسية العربية من مروءة وشهامة ونجدة
وإن الحقائق التاريخية تؤكد في بسط واطناب
-
-
فضائل
العرب، والعمانيين منهم على وجه الخصوص، كما تسلط الأضواء الباهرة على مواقفهم الشجاعة النبيلة في تمسكهم بما اشتهر به أهل البادية من غيرة على الشرف واحترام الأعراض الناس، وأسراع إلى نجدة الملهوف، ويبدو هذا واضحا جليا في خروج سليمة بن مالك بن فهم إلى بلاد الفرس، وكيف ساعدهم على الخلاص من ملكهم الماجن الفاسق دارا، الذي دأب على انتهاك أعراضهم والعبث بشرفهم. (1/83)
صفحة 83
مجابهة ومواجهة:
- A?--
ويبدو جيدا - في هذا المجال - أن المواجهة التي تمت بين العرب. والعجم على جانبي الخليج بفعل الاقدار والمصادفات، جعلت عرب عمان بالذات – دون عرب الجزيرة كلها - أكثر اعتدادا بعروبتهم، وت، و تعصبا لها
ومن هنا تحملوا - وحدهم - العبء الثقيل الجسيم الضخم الملقى على عائق العروبة، والذي كان يجب على العرب - كل العرب ـ أن يتحملوه أو يشاركوا في حمله، وكأن العمانيين - وما زالوا وسيظلون كذلك – أكثر العرب تمسكا بفضائل العروبة، وروح الشهامة والمروءة، والذب عن الشرف والعرض، والدفاع عن القوم والأرض ...
وهذه ـ ولا شك - هي الصورة الأخاذة التي تبدو على طرفي نقيض مع ما كان عليه المجتمع الفارسي - آنذاك وهو يقيم على الجانب الآخر للخليج والذي تفشت فيه المثالب والمسالب، واللامبالاة والنواقص، والتسيبات
والانحرافات، والفوضى و الديما جرجية، التي خر في مستنقعاتها الفرس - غارقين إلى الأذقان ... أما متى؟ وكيف دخل هذا البطال الأزدي العربي أرض عمان؟ وما مدى اقتراب ذلك أو بعده من عهد المسيح عليه السلام؟ وماهي المسالك والدروب التي سلكها ومشى فيها مالك بن فهم للوصول إلى غايته، وتطهير عمان من هؤلاء الانجاس الأرجاس عبدة الكواكب والنار من المجوس الفرس،
والكفار، فهذا ما سيحدثنا عنه التاريخ، وتتناقل أخباره القصاص والسمار.
مع مالك بن فهم:
:
إن دخول مالك بن فهم همان كان قبل الإسلام بألفي عام، وذلك (1/84)
صفحة 84
يقتضى سبقه على عهد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بقرون، وإذا كان هذا قبل الإسلام بألفي عام، وقد علمنا أن عمران بن عامر نزل عمان قبل مالك ابن فهم بعدة طويلة، وكان قد سبقه إليها أيضاً عمان بن قحطان، فكان بين عمان
•
ابن قحطان و عمران بن عامر قرون متطاولة، وبين عمران بن عامر ومالك بن فهم أيضاً كذلك، فغير مستنكر إذا قيل: كان بين ذلك وبين الإسلام ألفا عام فيكون القحطانيون قد تولوا عمان ثلاث مرات، وهذا قريب من الصحة بحسب استقراء التاريخ، ولما قضى الله على مأرب بالخراب، وقضى على أهلها بالانتقال والذهاب، وأن يتنمرقوا فى نواحى الأرض الحكمة أرادها الله عز وجل وقضى بها في محكم الكتاب، أرسل الله على مأرب سيل العرم، فاجتاح السد الذي بناه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فهلكت البلاد وتفرقت العباد، وخرجت الرواد ترتاد لهم الخصب، فكان بعضهم قد خرج إلى مكة، وبعضهم
إلى المدينة، وبعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى السراة، ثم إلى عمان
و هكذا كان مالك بن فهم - على ما يظهر - آخر من خرج منهم إلى عمان، لأن قرناءه الأجلاء ـ الذين سبق لهم العلم الأكيد بخراب السد، ورأوا الآيات الدالة على ذلك، كما أشتهر من أمر كاهنتهم وطريفة - قد خرجوا إلى البلاد، وتوطنوا فيها آهلين، وعاشوا عهداً طويلا، ولعل مالكا كان يفضل المقام ببلاده مهما كان الحال، حتى إذا تحقق الأمر، ورأى ضرورة الخروج خرج، ولا بد أن يكون له سابق علم بعمان، من حيث إن أقيال الأزد وعباهلتها الذين قطنوا
عمان في تلك العهود المشار إليها، هم من قومه، وبني جلدته، فلذلك. ما يظهر ـ أختار مالك عمان، لا سيما أن عمران وآله حلوا بالشام.
تفرقت بهم التاريق:
-
علي
قال في المنتخب إذ يذكر تفرق الازد ومنهم من سار إلى السراة، ومنهم من سرا (1/85)
صفحة 85
-19 -
إلى مضر، ومنهم من سار إلى العراق، ومنهم من سار إلى عمان، قال: فأما من سكن عمان من الأزد فيحمد، والحدان، ومالك، يعنى بن فهم- قال: ومن الأزد
الحجر، ولهب، ونارة، وعائذ، وبارق، وسوام، وحارثة، وسنجار، وعلى، وعمان، إلى آخره، فدل ذلك على أن قبيلة من الأزد تدعى «عمان» قد سكنت عمان في جملة من سكنها من الأزد، فلعل اسمها أطلق على عمان، فشاع ذلك على القطر كلاه ساحلياً وداخليا، أما يحمد فهو بن حمى بن الأزد، وأما الحدان، فهو اين شمس فرع أزدي، وأما مالك، فهو معروف، وأما الحجر، فليس من الأزد، وأما لهب ونارة وعائذ وبارق، فلم يبنى منهم أحد بعمان - فيما علمنا ولعلهم دخلوا في القبائل الأخرى، وكذلك سوام، وحارثة لم تعرف عنهم شيئاً، وكذلك سنجار.
" ppic
وجاء في تحفة الأعيان: أن سنجار قصبة عمان، والمراد بها صحار، والله أعلم بما قاله صاحب المنتخب. وكذلك على، وعمان، أما إن كان أراد بهم بني على، فهم موجودون بعمان، أما بنو عمان فلا.
قال الإمام السالمي - نقلا عن المروج للمسعودي -: إن مالكا سار من اليمن مع ولد جفنة بن عمر بن عامر مزيقيا، فسار بنو جفنة نحو الشام، وانفصل مالك نحو العراق كما سبق. وبقى عند المضريين بالعراق ملكا مكرماً محترما معظما. إلا أنه كان ملكا ولم يكن ملكا. كما هي العادة عند الملوك، واستمر به الحال عهداً غير يسير.
وقال أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة عن أبى اليقظان -: أن سبب خروج مالك بن فهم عن قومه بعد تفرقهم في البلاد حين أخرجهم سيل العرم من جنى مأرب، ونزلوا بالسراة، أن راعياً لمالك بن فهم خرج يختم وكان
في طريقهم كلبة - وفى رواية ثانية، ففيها كلب عقور لغلام من دوس، فشد (1/86)
صفحة 86
87 -
الكلب على راعى مالك، فرماه الراعى بسمهم فقتله، فتعرض صاحب الكلب لراعى مالك، فخرج مالك من السراة هو و من أطاعه من قومه، وذلك لان دوسا
من أعياص مالك الأقربين إليه، فخشي الفتنة بينهم، وخرج مالك. بريد عمان فيمن أطاعه من ولده وقومه وعشيرته من الأزد، ومن أطاعه واتبعه من أحياء
قضاعة، وسار متوجها إلى عمان، وقد اعتزل عنهم من قبل ذلك ولده جذيمة الأبرش بمن صحبه إلى العراق من سائر أبطال الأزد.
حنين وشوق:
قال أبو المنذر بن هشام بن محمد بن السائب السكابي: أخبرني ابن القطامى، قال: لما خرج مالك بن فهم من السراة يريد عمان و توسط الطريق، حنت إبله إلى مراعيها، وأقبلت تلتفت نحو السراة وتردد الحنين، والإبل دأبها ذلك. لأنها تألف المواطن، وتستوطن الأماكن دون سائر الحيوان، وعند ذلك أهاجت حفيظة مالك فأنشد شعراً يهز الوجدان، ويهيج الخواطر. وقال التاريخ: لقد سار مالك من فوره يريد عمان، فجعل لا يمر بقبيلة من قبائل العرب من معد وغيرهم من قبائل اليمن، إلا سالموه، ووادعوه لمنعته وكثرة عشيرته.
من أين
ودل ذلك على أن المسير كان على الإبل عن طريق البر. وانظر من أ يدخل مالك عمان؟ قال التاريخ ثم سار مالك فى مسيره ذلك حتى نزل على برهوت وهو واد بحضر موت. فلبث فيه ريثما يستريح فوجه قصده إلى عمان، فبلغه أن بعمان جماعة الفرس. وهم أهلها. وساكنوها. ولا بد أن تقع بينه. وبينهم منافرات. ومنازعات. فاستعرض رجاله. فاذا هم زماء الستة آلاف فارس وراجل. فرأى أنهم يمثلون كتائب تغنى عند الحاجة عن كثير من الجيوش الاسباب لا تخفى على الفطن فأقبل بهم يريد عمان على الرضى. والسخط. وقد جعل على مقدمته هناة بن مالك، وفراهيد بن مالك - أى ولديه وكان هذان الإبنان النجيبان (1/87)
صفحة 87
- M-
عنده من أنجب أولاده، فجعله ما في ألفي فارس من صناديد الأزد وفرسانها. ثم سار يوم عمان. حتى أنصب إلى الشحر. فتخلفت عنه هناك جماعات مهرة بن حيدان
ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
وفي رواية:
قال الكلبي: كان أول من خرج من العرب من تهامة، مالك بن فهم الأزدي، وعمرو وابنا فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن الحاف بن قضاعة ابن مالك بن حمير، فنزلت الشحر، و تقدم مالك بن فهم في قبائل الأزد ومن معه من أحياء قضاعة إلى أرض عمان، فوجد بعمان أقوام الفوس من جهة «الملك دارا ابن دارا بن بهمن بن اسفنديار، وهم يومئذ أهلها وسكانها، وكان المتقدم عليهم المرزبان عامل ملك فارس آنذاك، فعند ذلك أنزل مالك بن فهم من كان معه من الأولاد والنساء والاتقال إلى جانب قلهات استعدادا لمعركة ستقوم حتما بينه وبين هؤلاء الفرس ..
ويؤكد إتجاهات مالك في مسيرته - وتخطيطاته التى تفرعت عن هذه المسيرة المسعودى أبو الحسن في كتابه «التنبيه والاشراف، إذ يقول.
و
ثم إن مالك لما تحقق من قيام الفرس عليه وأنهم غير تاركيه وتحقق ذلك يقينا بعد ما كان يظنه أثبت دعائم استقراره، وقرر فى نفسه عدم الخروج منها كانت الحال ولا بد من الصراع بينه وبين القوم، و من هنا رتب أعماله و نظم رجاله، ولم ينظر إلى الفرس إلا نظرة النهم للأكل، وقرر أن يحتسيهم إحتساء السم، فاما شفاء وإما قضاء، وعلى العز يحيا العربي أو يموت، وكان معسكر مالك بن فهم وقومه بواحة منح في قلب همان - وهو الذي حفر بها الفاج المعروف بفلج ما لك والفرس (1/88)
صفحة 88
-19 -
إذ ذاك بالساحل من عمان ومعسكرهم بصحار ـ عاصمة عمان وخزانة الشرق ولما رأت الفرس أن لا بد لها من حرب مالك بن فهم، قامت في عدها وعد يدها،
نفخت في أبواقها، ونادت لحشدها، وضربت طبولها.
الكامل في تعبيته، الشديد الشكيمة في صرامته
-
-
وجاه جيشها الضخم
حنقاً على العربي الرابض في قلب
عمان ويقصدون به مالك بن فهم، وصال المرزبان وجال، وأمر أن ينفخ في البوق الذي يؤذن فيه للحرب، وركب هو في جنوده وعساكره، وخرج من صحار في عسكر ضخم حتى ليقال: إن عسكره كان سبعين ألفاً، وقيل تسعين ألفاً، وأخرج معه الفيلة، وكان الفيل الواحد في الحرب يعدل ألف محارب، وتوجه المرزبان لإخراج ما لك من عمان، وكان مالك بن فهم في جوف عمان اسما ومعنى، فخرج المرزبان إليه وعسكر بصحراء سلوت - بالقرب من الجبل الأخضر، وبلغ ذلك مالك ابن فهم فركب ومن معه وكانوا في زهاء ستة آلاف فارس وراجل، وعلى مقدمته البطل هناءة بن مالك فى ألفي فارس من صناديد الأزد و فرسانها، وأقبل في تلك الهيئة حتى أتى صحراء مسلوت وعسكر بإزاء عسكر المرزبان فمكثوا يومهم والروع ملء القلوب، والشنشنة التعصبية تشتد بين الفريقين والنصر من الله، ولم يقع بينهم ذلك اليوم حرب، ثم بات الفريقان يعبثان قومهما وينظمان جندهما، وإذا بجند مالك بن فهم بالنسبة إلى جيش عدوه قليل العدد إلا أنه قوى العزيمة فكتبوا كتائبهم وجهزوا جهاز الحرب.
ذلك
وأوقف مالك بن فهم رجاله في مواقفهم، وعهد إليهم بأوامره، وكان هناءة
ابن مالك على الميمنة وفراهيد بن مالك على الميسرة.
وبات المرزبان أيضاً يعيء جيشه ويرتبه على نظام الفرس في ذلك الوقت. و لما أصبحوا في اليوم الثاني واستعدوا للقتال، وتأهب كل واحد من الفريقين لقتال عدوه، قام مالك بن فهم، فظاهر بين درعين، ولبس عليهما غلالة حمراء، وابس على رأسه قطاعة حديد تكون وقاية من ضرب السيوف وطعن السهام والرماح، (1/89)
صفحة 89
وغطى عليها بعمامة صفراء، وركب جوادا له أبلق، ثم ركب معه أولاده على تلك التعبئة، وقد تقنعوا بالدروع والجواشن، وكذلك فعل أبطال الأزد الذين
معه، والبيض على رءوسهم، فلا يرى الناطر إلا حدق العيون تلمع كالنجوم.
فلما توافقوا للحرب خطب مالك بن فهم في رجاله خطبة الحرب ودعاهم دعوة القتال وحرضهم تحريض المستميت وجعل يطوف عليهم راية راية وكتيبة كنيبة وهو يقول في خطبته: يا معشر الأزد يا أهل النجدة والحفاظ دافعوا عن أحسابكم، وذبوا عن مآثر آبائكم وقاتلوا عدوكم وناصحوا ملككم وسلطانكم فإنكم إن انكسرتم وهزمتم اتبعتكم العجم في كافة جنودكم فاختطف و كم بين كل حجر ومدر و باد عنكم ملككم وزال عزكم وسلطانكم فوطنوا أنفسكم على الحرب وعليكم بالصبر والجلد فإن هذا اليوم له ما بعده.
وهاجت المعركة:
ويستعرض المؤرخ اليعة وبى أحمد بن أبي يعقوب بن واضح هذه الموقعة
بدقة المصور الفوتوغرافي المستوعب الحريص فيقول:
ولما رأى المرزبان الهيئة العربية حوله مستعدة لقتاله زحف بعسكره وجميع قواده وجعل الفيلة أمامه، وأقبل نحو مالك بن فهم وأصحابه، ومالك يحرض جنوده ويقول لهم: يا معشر فرسان الأزد، احملوا معى فداكم أبو وأمى - على هذه الفيلة فاكتنفوها بأسنتكم وسيوفكم فإنها قوتهم القوية التي يعولون عليها وجنتهم التي يتسترون. ن بها، ثم حمل مالك بن فهم - وحملت أبطاله معه – حملة عربية مملوءة حماسا وشدة، ورموا الفيلة بالرماح والسهام، ثم أردفوها بالسيوف، فولت الفيلة راجعة قافلة على عسكر المرزبان، فوطئت منهم. خلقاً كثيراً.
ثم حمل مالك في كافة رجاله الصناديد وأصحابه الأبطال على المرزبان وأصحابه فانتقضت تعبئة المرزبان وجالوها جولة، ثم بانت العجم ورجعت إلى بعضها (1/90)
صفحة 90
-11 -
فلا
البعض، وأقبلت في حدها وحديدها، وصاح المرزبان في أصحابه وكافة جنوده وأمرهم بالحملة، والتقى الجميع، واختلط الضرب، واشتد القتال، وهاجت المعركة يسمع إلا صليل الحديد ووقع السيوف، واقتتلوا يومهم ذلك أشد ما يكون القتال، وثبت بعضهم البعض إلى أن حال بينهم ظلام الليل فانصرفوا ثم أعادوا الحرب في اليوم الثاني على دلك النظام، فكثر في الفرس القتل، وقويت جرأة العرب على القتال، ومازالوا كذلك حتى حجز الميل بينهم مرة أخرى، وفى اليوم الثالث زامت المعركة وتلبظت أكثر من ذي قبل، فكان القتل آخذا مأخذه من الرجال والسيف يضحك في اكف الابطال والأسنة لها الطعنات النحلاء في ثغور الأفيال،
والحرب نار تلتهم كل ما تلحق بغير جدال.
بطل وايم الله
:
فلما أصبحت الحالة على هذا الأمر خرج أربعة رجال من المرازية والأساورة من كان يعد الواحد منهم بألف رجل حتى دنوا من مالك بن فهم سيد الأزد، وزعيم هذه الحرب، فقالوا له: هلم إلينا أيها العربي لتصفك من أنفسنا، ويبادرك منا رجل برجل، فلم ير مالك إلا إجابتهم، ولم يظن بنفسه رهبة منهم و إذ كان جاشه ثابتة، ونفسه أبية، وقد تجرد لهذا الأمر، ووقع فيه، فلا مناص ولاخلاص منه، إلا بأحد الوجهين، فتقدم سيد الأزد وقلبه جنتة، وخرج له واحد من أولئك الأربعة الأعاجم، و تطاردا وتحاورت في أيديهما السيوف، فما هي إلا دقائق حتى اختطفه مالك بالسيف، فأرداه قتيلا ..
ثم خرج له الثانى فعطف عليه مالك ومعه نجدة الملوك وحمية العرب، فلم يتمالك أن قضى عليه بطعنة ... طعنه إياها خر بها صريعاً على الأرض.
-
ثم خرج له الثالث فكان مالك بن فهم أسداً فاغرا فاه ليلتهم ما يلاقى، وكان (1/91)
صفحة 91
-92 -
الفارس الثاني قد ضرب مالكا على رأسه فسلم تصنع ضربته شيئاً، كما يضرب
اليائس رأسه في الجبل.
ثم لما ضرب رب مالك الفارس الثالث، ضربة فلقت البيضة وإنتهت إلى رأسه ثم رمت به في الأرض قطعتين نظر الفارسي الرابع أفعال مالك يا صحابه فاندهش وماله الأمر وأحيم عن ملاقاة مالك بن فهم، وعلم أنه إن خرج فهو لا محالة
مقتول ..
فخافت نفسه القتال، وولى راجعا إلى أصحابه، ودخل فيهم جبانا يرتعد. ثم انصرف مالك الى موقفه ونفسه في نشاط بالظفر، وفي قوة بالفوز
والنصر.
وزغردت الانتصارات:
و فرحت الازد بذلك الانتصار وأحس كل عربي النشوة هذا النصر وأنهم منتصرون دائماً على العجم، وان المنتصر لا يزال يأمل فى النصر فيزيد في نشاطه ويعظم من إغتباطه، ويتفاعل الرحالة الانجليزى المؤرخ، جيمس هنرى، مع هذه المعركة العربية الفارسية فيصفها وكأنه ينقل في ذلك عن آلة فوتوغرافية تجيد التصوير والملقطات
حين يقول:
فلما رأى المرزبان ما صنع مالك في قواده الثلاثة دخلته الحمية والغضب، وخرج من بين أصحابه أثر او قال: لا خير فى الحياة بعدهم، ثم نادى مالكاً قائلا له: أيها العربي، أخرج إلى إن كنت تحاول ملكاً، فأينا ظفر بصاحبة كان له ما يحاول ولا تعرض أصحاب ا للهلاك، وكأنه أتصف مالكاً فيها دعاء له، وفضل الفارسي العاقى الموت على الحياة فى سبيل العز والشرف، ولعله يرى من نفسة سطوة على مالك لم يهتد لها أولئك، وإذا بمالك ذلك البطل المقدام يزحف إلى قرينه المرزبان الفارسي الغضبان على قتل من قتل في ذلك الميدان، فخرج إليه ما لك برباطة (1/92)
صفحة 92
-17 -
جأش وشدة قلب، فتجاولا مليا ـ والناس تنظر إليهما حيث هما زعيما تلك الحرب وقائداً رحاها -، وقد قبض الجمعان أعنة خيلهما ينتظرون ماذا
يفعل الزعيمان.
وصال المرزبان على مالك صولة الأسد الباسل، إلا أن البطال الماهر المحنك بلبان الحرب راغ روغان الثعلب، ثم عطف عليه عطفة فارس جبار فلق بهارأس المرزبان من مفرقه بضربة قطعت البيضة، وأبانت الرأس، فخر هذا الطاغية الأعجمي ميتاً على الأرض.
وحملت الأزد على الفرس حملة أدارت رحى الحرب وأداخت رءوسهم من جديد، وأخرجوا آخر ما تبقى في كناثاتهم من أسلحة الملاقاة مالك وأصحابه. واقتتل الفريقان قتالا شديداً من ظهر النهار إلى عصره، وأكل السيف فرسان الفرس و تغذى على جسو مهم وأجسادهم وصدقتهم الأزد ضرباً، وطعنا، فولوا
منهزمين حتى انتهوا إلى معسكرهم، وقد قتل منهم خلق كثير إلى حد ألقى.
معه
التاريخ آلته الحاسبة، وجعل يتعجب ما جرى، وما يجرى من أفعال هذا البطل العربي الأزدي.
أما المستشرق الهولندي, أرثر جفرى، فيقول ـ في بسط واطناب
المعركة -
:-
بعد هذه الحرب استشعرت الفرس العجز عن حرب مالك بن فهم ورأوا طالع نحسهم يظهر في السماء كل أن، وإقبال الأزد فى إستقبال، وأيقنوا بالهزيمة وما ينتظرهم غداً، فلعل رجال مالك تقضى عليهم نهائياً، فعند ذلك أرسلوا إلى مالك يطلبون منه أن يمن عليهم بأرواحهم ويجيبهم إلى الهدنة والصلح، وأن يكف عنهم الحرب ويؤجلهم سنة كاملة ليستظهروا على حمل أهلهم من عمان، وأن يخرجوا منها بغير حرب ولاقتال، وأعطوا على ذلك العهد والجزية (1/93)
صفحة 93
-9?-
فأجابهم ما لك على ما طلبوه منه ووافقهم على ما سألوه، فتحملوا من سلوت إلى صحار مقر زعامتهم وماحي لها من البلدان المنتشرين فيها، ومكثوا في تلك الأطراف الساحلية على المهادنة بينهم، وأعطاهم مالك عهداً على ذلك وميثاقاً أنه لا يعارضهم بشيء إلا أن يبدأوه بحرب وقتال، فكف مالك عنهم الحرب وأفرهم في عمان على ما سألوه، وظلوا في حال أمن مسالمين للعرب ملازمين "ساحل. وأصبحت الأزد ملوكا في عمان، سهولها وجبالها، واليهم أمر زعامتها، وقد اندقت عصا الفرس وإنهار
ههم
يالها من بطولات:
ويقول العلامة:
عمر (
رضا كحالة في كتابه - معجم قبائل العرب ـ:
وبعد إنتهاء حرب الفرس زحف مالك بن فهم إلى قلهات ليؤيد زعامته فيها، وهى الكورة المنيعة والفرضه الرفيعة، التى لها الك أن إذ ذاك وساحل عمان، لا لتقائها بالوارد من الهند إلى عمان، والوافد من بحر العرب إلى الخليج العماني قبل صحار وأغلب محطات التجارة العمانية من هذه الوجهة هنا، وربما كانت أقرب لاستطلاع الأحوال الفارسية، فانتقل إليها مالك ريثماية عهد أمره وتستقر دعائمه ويتوطد ملكه، ولم يدخل بذراعيه إلى داخلية عمان لعلمه أن العدو لا بد أن يرى منه ما يكره، ويقصد العدو بيضة القوم فتكون الذراري في مأمن من الحوادث المتوقعة، وهذا من بديع سياسته، ولما رأى أن الدائرة تد ورعلى الفرس. حيث خرجوا من قلب عمان مدحورين هب إلى قلهات وللملوك سياسات بقدر ما هم فيه.
وقد تمرس مالك بقتال العجم، وشاع أمره في أحياء العرب، فزاد ذلك من إكباره، وإجلاله في القلوب، وعلت هيبته الهامات، وصار لا ينتظر إلا حربا ولا يهوى إلا طعنا وضربا، وفى أثناء مهادنة مالك بن فهم للحجم كانوا يطمسون (1/94)
صفحة 94
10 -
الأنهار الكبيرة، لأنهم يعلمون أنهم لاقرار لهم بعمان إلا ريثما يرتحلون منها في
تلك المدة المحددة.
وقد أشعر الفرس ملكهم بما وقع عليهم من مالك بن فهم، وذكر وا له من قتل منهم من أبطالهم ومراز بتهم وأساورتهم، و ما حل بهم من الهوان، وأن مالك ابن فهم حكم عليهم بالجلاء من عمان، فهم فى هدنة منه اير تحلوا من البلاد لا ليقروا
فيا.
مهلا على رسلك:
وهنا أخذت الملك الأعجمي الحمية لمن قتل من أصحابه وقواده، فعند ذلك دعا بقائد من المرازبة العظام عنده، وأمره بالمسير إلى عمان وعقد له على سبعة آلاف من رجاله الشجعان المجربين، وقدمه على المرازية والأساورة، وسيره مدداً لأصحابه المذكورين هناك بعمان الذين نكبهم مالك بن فهم، وعهد إليهم حرب العرب وإخراجهم من عمان إن استطاعوا، فتحملوا إلى البحرين ونزلوا بها وواصلوا سيرهم حتى أتوا إلى عمان، فلما وصلوا صحار، واجتمعوا بأصحابهم
"
،
أخذوا يتشاورون فيما بينهم، ويتأهبون للحرب، حتى انقضى أجل الهدنة فبلغ مالك بن فهم خبرهم واهتم لهم اهتماما كبيراً وجعل يستطلع الأخبار عنهم ويرسل عيونه حولهم ومعهم وأحس بقبضهم وضخات الدماء في عروقهم واقسم بعروبته وأزديته على تأديبهم، وأخراجهم تماماً من أرض العرب.
ولكن هيهات:
ويتلقف طرف الخيط فى هذا العرض النتار يخى الشيق المؤرخ العربي الزبيران بكار، ويعرض أمر المعركة في أسلوبه الذي يكاد يتفرد به فيقول:
ولما تحقق ما لك من نزول المدد الفارسي المذكور، ووصوله إلى صحار، وأنهم (1/95)
صفحة 95
-17 ..
قاصدون لا محالة إلى حربه، كان من مقتضى سياسته أن يظهر التجلد ويبتهج باللفاء حتى لا يرى الفرس منه وهنا أو ضعفا أو استكانة، فلذلك كتب إليهم يهددهم قائلا: إنى وابت لسكم بما كان بينى وبينكم من العهد، وتأكيد الأجل، وأنتم بعد مقيمون بعمان، وبلغنى أنه أنا كم مدد من قبل الملك، وأنكم تستعدون لجربي وقتالى، والآن إما أن تخرجوا من عمان طوعاً، وإلا زحونت عليكم بخيلى ورجلى ووطأت
ساحتكم وقتلت مقاتلنكم، وسبيت الذراري وغنمت الأموال.
ولما وصلهم رسول مالكها لهم أمره، وعظم في أعينهم خطره، وضاق علت ما هم فيه، وأكبروا الأمر إذ جربوه بالأمس، وأنه لا يقول إلا ويفعل وينفذ ما قاله، مع قلة عسكره، وكثرتهم بالنسبة إليه، وقوتهم المتغلغلة بعمان و بذلك و بما صار عليهم منه سابقاً من القتل – تحمسوا وتجردوا لقتاله لاسيما وقد هيئوا لذلك، ولم يسعهم إلا مصادمته، فردوا عليه أفيح رد وأغلظواله في المقال، فلما رأى منهم ذلك الحال زحف عليهم وخرج إليهم بخيله ورجله، وقامت الفرس للقاء البطل العربي والملك الأزدى الذى عرف رفته بالأمس وعرفها، فجاءوا بالفيلة أمامهم وبدأت المعركة.
ولما تقارب الزحمان وتلافى العسكران، قام مالك بن فهم يتفقد أصحابه راية راية، وكتبة كتيبة، ويحرضهم ويلقى اليهم تعاليمه كما هي عادته في حروبه وتركهم يتشوقون للقاء العدو الذى جاءوا له، وكان هناءة على الميمنة، وفراهيد على الميسرة، وهما الجناحان و بهما يتطاير الجيش وهما قوته القوية وأركانه الحربية، ونزل الشيخ القائد في القلب مع الأبطال المجربين، والنقوا هم والفرس لقاء رائعاً، فاقتلوا قتالا شديداً، ودارت رحى الحرب كأشد ما تكون جزءا من النهار
ثم انكشفت العجم وزالت عن مواقعها، وذهبت إلى غير رجعة (1/96)
صفحة 96
97
والطاحونة تدور:
ولما رأت الفرس في هذه المعركة لوائح التقهقر، وأن مالكاً لا بد أن يأخذهم وينفذ فيهم ما صرح به لهم، من أنه يقتل المقاتلة، ويسى الذرية، أعلنوا لرجالهم الهجوم على مالك بغير مبالاة، وأن يصبروا لحربه صبر المستميت المقاتل.، ورأوا أن يحملوا على الازدحملة رجل واحد، بحيث لا يبقى منهم أحد في موقعه، فإما النصر على مالك وإما الهزيمة الكبرى ... وزحفوا عليهم بغير مبالاة وجالت الأزد جولتها، ونادت في رجالها البواسل، وناداها مالك الهمام قائلا: يا معشر الأزد اقصدوا إلى لوائهم فاكشفوه، فإن لهذا اليوم ا بعده، وتهاووا عليهم من كل وجه.
ما
وحمل الشيخ البطال حملته المعهودة فهوى على العجم كالنجم الثاقب المنقض: وسرعان ما انكشف لواء القوم، واختلط الطعن والضرب والتحم القتال وعظم النزال، وارتفع الخبار، وثار العجاج. حتى حجب عين الشمس، فلا تسمع إلا وقع السيوف، وصليل الحديد، وغمغمة الأبطال، الذين تراموا بالسهام وتها الدرا بالسيوف فتكسرت، وتطاعنوا بالرماح فتحطمت، وصبروا صبراً جميلا، وكثر الجراح والقتل فى الفريقين، وبدرت بوادر الهزيمة للفرس، ولم يروا لهم قوة يقاتلون بها العرب غداً إذا زحفوا عليهم، وهنا فكروا في المصير، ورأوا الهزيمة أو الموت المحقق، وهما أمران أحلاهما مر، فضلوا الهزيمة وولوا هاربين على وجوههم، فأتبعهم فرسان الأزد الابطال المنتصرون بنشوة النصر يقتلون ويأسرون من الحقوا، وقتلوا منهم خلقا كثيراً، وأسروا كذلك، و النصر معهم والغلبة تمشى في ركابهم، وعلى طول الخط. (1/97)
صفحة 97
إلى غير رجعة:
- 98 -
هذا، ويحدثنا التاريخ عن هؤلاء وهؤلاء فيقول.
ثم سارت فرسان الأزد في أثر العجم يطاردونهم، وظلوا يقتلونهم ويأسرون منهم طيلة يومهم ذلك، حتى حال بينهم الليل فحجر هم بعضهم عن بعضهم ولم ينلت من الفرس إلا من ستره الليل. وتحمل من بقى منهم من تحت ليله. ها را مستخنيا يتدارك النجاة، ويستبقى الحياة، حيث لم تنفع الحرب وما كانت يوماً في صالح الفرس طوال تلك المعارك، مع هؤلاء العرب الصناديد. وركب الفرس السنن وعبروا إلى أرض فارس، واستولى مالك بن فهم ومن معه على سوادهم، واستباحهم وغنم أموالهم،، وسجن من الأسرى خلقاً كثيرا، فكثرا في السجون زمناً ثم أطلقهم ومن عليهم بأرواحهم، وكساهم وأوصاهم وزودهم وحماهم في السنن إلى أرض فارس وهكذا وتلك شيمة العرب
-
-
استولى مالك بن فهم على عمان كلها، وماسكها وما يليها من أعمالها على الخليج
العماني، وسار فيها سيرة جميلة، وبذلك انتهى جلاء الفرس من عمان. أحاديث السمار:
وبالتالي فقد انتشرت أخبار مالك في أحياء العرب، وأصبحت أحاديثه الهوجة السامرين وأحدوثة المؤرخين، فتنادت العرب انها ونزارها للحاق بالملك الفاتح المنتصر، وإن بعمان الخيرات المتنوعة والحياة العربية العزيزة، فما مضى وقت طويل إلا ورايات الحرب تتوالى على عمان، ولم يكن ليهدأ
روع
بن فهم خوفا مالك
من العجم، وقد علم ما وقع بينه وإياهم
ولم يزل مالك بن فهم يلاحظ الحركة الفارسية بدقة، وما زال مستعدا للقاء القوم غير مطمئن إلى جانبهم لما سبق بينه وإياهم وهم من عرف، وقد خرجوا من عمان ما بين أسير، وجريح، والذي يظهر
، (1/98)
صفحة 98
-11 -
من استقراء التواريخ أن العجم لم يعودوا لحرب مالك بن فهم، ولعل ذلك لامور داخلية عندهم، فكان دارا بن دارا، قد مات في تلك الأثناء. وتولى الملك بعده ولده، الذي لم يتحرك يعد ذلك الحرب عمان، فإنه كان جبارا ظالماً عاتياً بالغا في العتو أقصى المبالغ، ثم كان قتله على يدى سليمة بن مالك بن فهم
في خبر عجيب ذكره المؤرخون.
من آل فهم إلى آل الجلندى:
ثم لم يزل الملك فى أولاد مالك بن فهم، ولم يرجع أحد من الفرس إلى عمان حتى انقضى ملك ولد مالك بن فهم، وصار ملك عمان إلى آل الجلندى ابن المستكبر الأزدي،، وهو من معولة بن شمس، ثم صار ملك فارس كذالك إلى آل ساسان وهم رهط الا كاسرة، فتهادنوا هم وآل الجلندى بعمان على أن يجعلوا فيها أربعة آلاف من الأساورة والمرازية مع عامل يكون لهم هناك عند ملوك الأزد، فكانت الغرس فى السواحل وشواطئ البحر، والأزد ملوك في سائر البلاد والأمور كلها منوطة بهم، فكان الساحل للفرس والداخل للعرب، وكان أمر العرب هو النافذ فى البلاد، وإن الخراج إذ ذاك في الساحل لا في الداخل، وإنما المنعة في البلاد لأهل الداخل، وكان الفرس يفضلون الوجود بالساحل وذلك لإمكان اتصالهم، و مهم، فإن بين الساحل وبلاد فارس ذلك القرب المعروف، إذ أن نيران ساحل مكران تتراثى من الساحل العماني، فيقى الفرس هكذا في عمان حتى جاء الإسلام فأجلاهم ملوك بنى الجلندى من عمان إذ لم يقبلوا الدخول في الإسلام، وحينئذ رتحلوا كليا من عمان.
وكان مالك بن فهم ملكاً عظيماً، وكانت قبائل اليمن وغيرهم على منازلهم عددوهم يهابونه ويخافون بأسه فيفتخرون به ويعتزون بمنعته، وكانت له (1/99)
صفحة 99
11.-
جرأة وإقدام ما ليس لغيره من الملوك، ولم لا تهابه قبائل اليمن وغيرهم وقد علمت ما صار بينه وبين الفرس من التعارك في عمان حتى أجلاهم منها راغمين مدحور من بعد قتال عنيف، ومالك لا يزال وسط المعمعة وتتساقط القتلى حوله و بين يديه؟ ولم لا يخافون بأسه وهذا حاله وقد عرفت جرأته وإقدامه؟ ثم أن نزوله ما بين عمان واليمن كان للاستعلاء على أحوال البلاد لما تحقق انكسار العصا الفارسيه، و لعله أيضا وافق حسن الحظ بموت الملك دارا بن دارا كما
أشرنا إليه سابقا، فكان مالك بن فهم يتجول فى النواحي العمانية، ويتفقد
أحوال الوطن.
قال التاريخ: وكان أكثر نزول مالك بشاطئ قنوات من شط عمان، وينتقل
منها إلى غيرها.
وقال أيضا: وكان في ناحية من نواحى بلاد عمان قد نزل ملك من ملوك الأزد يقال له مالك بن زهير من ولد عبد الله بن الأزد
-
ولكنه
لم يحقق الناحية التى نزلها. ولا ممن هو من قبائل الأزد؟ ولا على أى كيفية كان از واه؟ وكاد يكون مثل مالك بن فهم من العزة والمنعة والقدرة، فخشي مالك بن فهم أن يقع بينهما تحاسد أو تحاقد، وأن يطمع أحدهما في ملك الآخر فتقع بينهما الحرب -، وهما عربيان - وهذا يدل على أنه كان لمالك بن زهير قسم من ملك عمان، ولكنه لم يسبق له ذكر في حروب الفرس،
من
و أهله كان قد نزل على بعض العواصم العمانية، فرأى مالك بن فهم أنه الحكمة والكياسة الاغناء والتغافل عنه، ليكون له عوناً وعضدا إذا تحركت الفرس عليه مرة أخرى فإنه ما يزال في قلق من القوم، ولذلك لم يعارضه، وكان من التفكير مكان، فوسم المجال لمالك بن زهير
و من هذا الباب خطب مالك بن فهم الحزام بنت مالك بن زهير قطعاً لدابر (1/100)
صفحة 100
11.11
التحامد والتباغض بينهما وتأكيدا لدودة والصلات، وتقوية لظهره كعادة
العرب في مثل هذه الأمور.
يأخذ كل سفينة غصبا:
ولما رأى مالك بن فهم انهيار صرح العجم في عمان، وانكسار شوكتهم رجع إلى شؤونه الداخلية ليؤيدها بسياسته الحكمية، وآرائه السديدة، وألقى نظراته إلى ما حول عمان من الممالك وما يتبعها من البلدان، وظل يتردد على الأطراف لأنها الأبواب، وكان ينزل فى النواحي المختصة، ويقيم في الأمكنة المنظور إليها، وهو الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً، فكان ملكا عظيما
في العرب.
وكان ينزل قلهات من شط عمان، وينتقل من هناك إلى أى ناحية أخرى، وكانت تلك عادته، وقد علمت أمر قلهات في عمان إذ ذاك ... وفتح بذلك للعرب دار الهجرة إلى عمان ليطه من بهم وتقوى شوكته بقومه، وسرعان ما هاجرت العرب إلى عمان زرافات ووحدانا، يمانية ونزارية، حتى ملأوا عمان فامتد سلطان مالك في عمان وضم إليها البحرين وأطراف العراق. فكان الملك الكبير العظيم السلطان. بين ملوك الجزيرة العربية كلها.
وكان ينتقل في النواحى العمانية متنقدا شؤونها ومتطلعا أحوالها، ومراقبا سير الأعمال في الجزيرة. ولم يكن له معارض أو مزاحم، ولم يذكر التاريخ عن مالك بن زهير شيئا من الأعمال في عمان. بل كان السلطان الوحيد والأمر النافذ لمالك بن فهم. وقد طال عمر مالك بن فهم في الملك. فقد ملك عمان وما حولها حوالى سبعين سنة، ولم ينازعه في ملكه منازع من العرب أو من العجم، وملك على مصر عشرين سنة، وعاش مائة وعشرين. (1/101)
صفحة 101
-1·4 -
أما كيف قتل مالك؟
وكانت وفاة مالك بن فهم نتيجة الكيد الأخوى الأشبه بكيد إخوة يوسف وهي كما يرويها البغدادي السويدى فى كتابه, قبائل العرب، حيث يقول:
فتآمروا
وذلك أن مالك بن فهم تزوج «الحزام، بنت مالك بن زهير كما قدمنا، الذي اشترط على مالك بن فهم أن يكون الملك في ذريتها فوافقه مالك بن فهم؛ ولابد أن يكون ذلك مؤثراً في قلوب أولاد مالك بن فهم خصوصاً إذا جاءت برجال يتولون المالك بالوراثة عن بقية إخوتهم، فكان من القضاء والقدر أن جاءت الحزام بولد سموه سليمة مبالغة له فى السلامة، وكان ولدا تلوح عليه مخائل النجابة، وأحبة مالك بن فهم حباً بالغاً، فقال إخوته: هذا ما كنا نتوقعه، وإن سليمة لاشك أنه سيكون الملك علينا تبعاً للشرط الذى شرط والدامه مالك بن زهير، عليه وأن يكيدوه بمكيدة تسقطه من كرسى محبة الوالد الذي له الشفقة التامة به .. ، والعطف البالغ له حمد الغاية، وكان مالك بن فهم قد وضع الحرس الداخلي الذي يسميه المصريون اليوم حرس الشرف على كواهل أولاده إذ لا يعا من اغيرهم مهما كانوا، وكان لكل واحد منهم نوبة، فقالوا لوالدهم: أيها الملك إن ابنك سليمة لا يقوم بواجبه في الحرس، وإنه ينام فنخشى عليك من قبل توبة سليمة، وكان القصد من ذلك أن يغضب الملك على سليمة فيطرده أو يرفضه ولا يقبل منه في الأعمال الخاصة شيئاً فينتج عن ذلك سقوط سليمة من عرش الملك، وكان قد بلغ من حب مالك لولده سليمة أنه كان يعلمه الرمي بالهام إلى أن أتقنه، وكان ذلك هو القوة في الحرب في ذلك العهد، وكان سايمة يحرس أباه كاخوته فنسب
،
إليه إخوته ضعف الهمة، وأنه إذا جن الليل يعتزل فرسان قومه ويتشاغل (1/102)
صفحة 102
-1·4 -
بالنوم والغفلة عما يلزمه، وجعلوا يوهنون أمره عند أبيه وينسيونه إلى العجز والتقصير، فقال لهم مالك: إنكم ل كذلك وما أحد منكم إلا وهو ما تزم بما وجب عليه، وأما قولكم فى انى أخيكم سليمة فليس هو كذلك وإن ظني فيه كعلمى به، قال: ولم تزل الإخوة يحسد بعضهم بعضاً لإيثار الآباء بعضاً دون بعض، فانصرفوا من عنده أجمعين راجعين بغير ما كانوا يأملون.
خسارة اينها ما كانت:
ثم إن مالك دخله الشك وهو في الحقيقة لم يكن شكاً و لكنه كان حرصا ورعاية وهذا شيء من واجب كل أمير أو ملك حتى لا يكون متهما بالتقصير أو الإهمال الذي لا ينبغى، فأمر مالك كلام أولاده فى نفسه إلى أن كانت الليلة التي فيها نوبة سليمة ولده، فخرج سليمة فى فرسان قومه المحرس كعادتهم، ثم اعتزل عنهم سليمة في المكان الذي يكمن فيه، وما كان لسليمة علم بذلك الذى تآمر به الإخوة، ولم يمكن منه قصور ولا تقصير فيما وكل اليه. فكمن سليمة في مكمنه المعتاد
??،،
بالقرب من دار أبيه، فبيتا هو كذاك إذا أقبل ما لك من قصره في جوف الظلام مختفيا من حيث لا يعلم به أحد ليحقق مقال أبنائه في أخيهم، فتوجه قاصداً الموضع الذي فيه سليمة ليرى ما هو عليه من الحال، فكان من قدر الله الذي لا محال عنه أن لحقت سليمة سنة من النوم في تلك للحظة التى ساق الله فيها مالكا لتكون سببا في حتفه. فأغفا سليمة على ظهر فرسه وهذا طبعاً يعترى الإنسان. وكان سليمة قد
به.
فانتبه
تنكب كنانته وفي يده نوسه وهو على ذلك الحاد. فأحست النغرس بشخص. ما لك وقد ألهم الله الخيل من الحس وجعل لها من البصر ما لم يذله لغيرها. وكان مالك بعيداً فصلت الفرس عند ذلك لتعطى راكبها إنذاراً ما أحست: سليمة ذلك البطل الشاب الحديد في حركاته كلها. القوى على أداء أعماله كما يلزم مذعورا من صهيل الفرس. إذ من عادة الخيل ألا تصل إلا لأمر تراه. فنظر سليمة إلى فرسه وهى ناصية أذنيها إلى الشخص الذى أحسته، وكان ذلك إخباراً (1/103)
صفحة 103
11·?1
منها لصاحبها. ففوق سليمة مهمه في كبد قوسه و يمه نحو الشخص الذي تشير إليه الفرس ولا علم له أنه أبوه. وأطلق سهمه فسمع مالك صوت السهم حسين جذابه سليمة موجها له نحو أبيه الملك. فصاح به مالك: ولا ترم أنا أبوك، فبينا هو يقول أنا
أبوك. كان السهم قد أنعلق محلقا في مايرانه نحو الشخص المرمى فقال سليمة عند ذلك
بصوت المتلوم على ما فرط السهم ملك قصده، أى لا حيلة لى على وده. فأصاب السهم مالكا في قلبه فخر صريعا. وأرسلها سليمة مثلا. وعند ذلك أنشد مالك تلك القصيدة التي جعلها تاريخا لحياته وعبر فيها عن مهام أعماله. وفيها يقول عن
سليمة أبنه:
جزاه الله من ولد جزاء سليمة ما أبر وما جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
تر خاني بسهم شك لبي دقيق قد برته الراحتان فاهوي سهمه كالبرق حتى أصاب به الفؤاد وما عداني الا شلت يمينك حين ترمى وطارت منك حاملة البنان
والمعنى أني علمته الرماية ليرمى عنى الأعداء. فلما اشتد وقوى كان راميا إياى. وفيه تأنيب لسليمة واعله يظنه أنه قد عرف الشخص حين رماه فلم يكن منه إلا الرمي. ومن أين السليمة العلم أنه أبوه؟ ولما سمع نداء مالك لم يكن المهم آنئذ بمالك، والقدر حاكم على الإنسان ولا بد من وقوعه. ولكل شو. غاية ينتهى إليها. وليست الجريمة على سليمة فإن ذلك واجبه. ولكنها نتيجة الكيد الأخوى كما قلنا. وحب الرئاسة والتنافس فيها يقتضيان مثل هذه الأحوال. ولكن لم تعلم وقوع هذا الحادث فى أى موضع من عمان. لأن التاريخ العماني قد ضاع بعدم النشر وتطاول الأيام عليه ... (1/104)
صفحة 104
11901
وهل بق شيء في الأعماق؟:
ولاشك أن خبر مقتل مالك كبير له أهميته الكبرى ولا بد أن يكون له ذكر في السير، إلا أن السير العمانية ذهبت كغيرها في أحشاء النسيان وطي الأهمال والكتمان.
وسيأتي ـ وقد اتى فعلا - ذلك اليوم الذي يريح التاريخ فيه أو ضار تلك التسيبات. وأو زار هذه الانحرافات - أو الكتابات الغير أمينة - عن باد له مكانته الشامخة، وقاعدته الأصيلة الراسخة. مثل عمان. . ذلك البلد الذي اعتدت به التقاليد العربية. وفاخرت بسلوكه ومنهجيته كل من البداوة في أعلا أناطها، والخضارة الحديثة في أرق صورها، وأرقى طبعاتها.
و لقد رصدت سلطنة عمان اليوم ذلك الكم الهائل من الاستعداد الضخم. والتهيؤ الراصد الواثب، لتسخير الطاقات والقدرات وتوظيف الأدمغة وشتى الامكانات في استئناف العمل بجدية وصدق، وأمانة وحق. على خريطة التاريخ العماني الشاسع الواسع. وفي أعماقه وجيوبه. وبين أبعاده. وأماده. تعويضا عن مامضى. واحتفاءا بما هو آت.
•
إن عمان - با خبأت في أعماقها. وما أجنت في بطنها ورحمها. مما يفيد الإنسانية. ويثرى النوع البشرى. ويضيف إلى الحياة جديداً، وأى جديد ـ لهي المتربعة في الحقيقة والواقع على عرش الثقافات والحضارات. والايحاءات والمعطيات الرائدة الواعدة.
وهي التي يجب أن تحتل بؤرة الشعور. ومكون الحس في وجدان العالم وضميره، نظرا لما ستقوم به من دور إيجابي فعال. وما تضطلع به. وتحمله (1/105)
صفحة 105
-1·7 -
فوق عانقها من مسئوليات ضخام وتبعات هائلة جسام. بدها من المد المادى. ومرورا بالترات العلمى الاكاديمي ووقوفاً مع هذه النهضة الروحية الرائعة التي استقطبت كل عناصر التقدم والوعى. واستوعبت في شمولها. وبين أطراف عباءتها أسباب التمكين في الأرض. والصعود إلى السماء.
وذلك كله إنطلاقا من ذلك الوعد الكريم الذي وعد به جلالة السلطان المعظم قابوس بن سعيد، العالم كله. مع إطلالة صباح الثالث والعشرين من يوليو عام 1970. مكن الله له واسعد به الحياة
ومما لاشك فيه، أن الحضارة الانسانية - التى تعمل عمان دائما على إنمائها و اثرائها - إنما هي مجموعة المعارف والذكريات والمأثورات التي اضطلعت بأعبائها، ووظفت نفسها لأدائها، وأخاصت في الاستجابة اسكل متطلباتها وحاجاتها وزارة التراث القومى والثقافة، بسلطنة عمان والتي تجمعت و تراكمت على مر الأجيال والعصور، والحقب والأحداث، وهى أيضا الموروثات التي تركها الآباء والاجداد، عبر الممارسات والاجتهادات، والتفاعل الصادق مع الحياة .. وإن الإنتماء الحقيقى إلى هذه الحضارة، والإسهام فيها، والمشاركة في تطويرها، لا يكون إلا بالتفاعل بها، والتجاوب معها، والتزود ما تنطوى عليه تلك الحضارة من أفكار السلف، وإيجابيات تجاربهم مع المواقف، واقتحامهم لها، وإن السهيل الوحيد إلى ذلك الإنتماء، وذاك الإسهام، وهذا التفاعل والتجاوب إنما هو في تدوين المكتب، وطبع المخطوطات، ومطالعتها، والاستئناس بها، ونشرها واذاعتها، وافساح الطريق أمام مسيرتها، والحفاظ على المخلفات والسلفيات والأثريات التى تكشف الغموض، وتزيل الابهام عن تاريخ البشرية عموما، وعن الدور الفعال العظيم الذي قامت به عمان في خدمة العروبة والاسلام على وجه الخصوص، وهذا ما فعلته عمان، وتقوم به وزارة التراث القومي (1/106)
صفحة 106
والثقافة مع سائر الأجهزة وشتى المرافق والمؤسسات في السلطنة العمانية. ولقد أمشى جلالة السلطان قابوس ... المعظم، طريق النهضة الحديثة في أسلوبها المتميز وصيغتها المشرقة، وعلى المستوى الحضارى العريق، عبر سلطنة عمان، بما يحقق لها و أستاذية، العالم، ويدفع بها إلى إمامية، الدنيا، في محراب البحث والدرس وفي مصلى العلم والمعرفة، وفى المعمل الاكاديمي، العام، الذي يصنع الأدمغة والأمخاخ، ويعد الأوليات والأولويات فى المنهج المبرمج السائد. وفق منطق الواقع، ومع منطلقات الحياة، وذلك من خلال «وزارة التراث القومي والثقافة التي أكدت - وتؤكد دائماً - حتمية ربط الماضى البعيد، بالحاضر المجيد، بالغد المأمول السعيد، بما تقوم به من توظيف الطاقات البشرية، وتوصيف الامكانات والقدرات، وتكليف العلماء والباحثين. على مستوى عمان، وغيرها من بلاد المسلمين والعرب - بالتنقيب والتفتيش، والغوص في أعماق المقتنيات والآثار، والركض وراء المخلفات والخامات، وتتبع حصاد الوعى الانساني، وتجميع متناثرات وما ثورات الفكر العماني، وابداعاته الفقهية، والتشريعية، والقانونية، والفنية، والتاريخية، والعلمية، و (التكنولوجية، عموما .. مما سيكون له الأثر الكبير، والدور الفعال الخطير، في إثراء الحياة، وترقية الانسان، و تصحيح معتقده وسلوكه، حتى يتمكن فى النهاية من افتعاد المنابر الشامخة العالية، ويصبح أهلا - وفعلا .. لأن يتعامل حقيقة مع ايجابيات، وواجبات. أهل الاستقامة:، وه الفرقة الناجية،
- (1/107)
صفحة 107
الباب الثاني
كيف دخل الاسلام عمان؟ (1/109)
صفحة 108
وأشرق النور:
إن التاريخ الصادق يؤكد في سجلاته ومخطوطاته، ويحفظ في رويانه ومقولاته لدى الرأى العام العالمي، أن عمان كانت أسبق الأمم إلى إعتناق الاسلام منذ ظهوره على خريطة العالم، وذلك على يد رجل أزدى من طى، إسمه, مازن بن عضوبة، ابن شماسة بن حيان بن مر، بن أبي بشر بن خطامة بن سعد بن نبهان، بن عمرو ابن الغوث بن طى الأزدي، وكان من أهل سمايل، وهى مدينة تقع على الجانب الأيمن والأيسر من وادى سمايل بسلطنة عمان، وأهم معالمها التاريخية حصنها الذي يقع على شاطيء الوادى، ويبلغ طولها نحو سبعه أميال تقريباً.
ومن خبر إسلام هذا الرجل أنه كان يعبد صنما في الجاهلية يقال له. ناجر،
ويقوم على خدمته، و تعظمه بنو خطامة كلها، ا، وبنو الصامت من طى.
-
قال مازن: فعنزت عنده ذات يوم عنيزة – اى ذبحت له عنزة - فسمعت صوتا جائيا من الصنم يقول: يا مازن: أقبل إلى أقبل، تسمع ما تجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فأمن به كى تعدل. وأتق حر نار تشعل. وقودها
الناس والجندل.
•
قال مازن: ففزعت من ذلك فزعا أرعبني.
وقلت: إن هذا لعجب. ثم عنزت أخرى فسمعت صونا من الصنم أيضاً يقول: يا مازن إسمع تسمر و ظهر خير و بطن شهر، بعث نبي من مضر، يدين بدين الله الأكبر، فدح نحيتا من حجر، تسلم من حر سفر، وإياك إياك أن
تتأخر (1/111)
صفحة 109
-117 -
قال مازن: فقلت إن هذا هو العجب، وأنه لخير يراد بي، قال: وبينما أنا كذلك تاغنى الحيرة، ويغشاني القلق، وتسقيد في الهواجس، و تعصف الأظانين ..
بي
إذ ورد رجل من أهل الحجاز يريد أن ينزل دبا - أحدى وديان المنطقة الشرقية على الساحل العماني -- فقلت له: ما الخبر وراءك؟.
كال الحجازي: ظهر رجل في مسكة يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، يقول: «أيها الناس أجيبوا داعي الله، وآمنوا به فاست بمتكيز، ولاجبار، ولا متسلط، ولا محتال، أدعوكم إلى الله، وترك عبادة الأصنام والأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السماوات والأرض، واستنقذكم من نار، لا يطفى لهبها، ولا ينعم من سكنها. .
قال مازن: فقلت: والله هذا هو النبأ العظيم الذعلم ينصح عنه الصنم، و ما سمعته
فقمت إليه، ووثبت عليه، وأعملت فيه المعول حتى جعلته جذاذا،
مه ..
وركبت راحتي واستعنت بالله، وقصدت إلى رسول الله.
بيني وبين الرسول:
•
وهناك، وفي المقر النبوى الكريم دار بينى وبين الرسول حوار، وسألته عما بعث به؟ فشرح الله صدرى للإسلام، وأسلمت على يديه. وقلت له م - فيما قلت -: يارسول الله: أدع الله تعالى لأهل عمان. فقال عليه السلام:. اللهم اهد أهل عمان وأنبهم ... فقلت: زدني يارسول الله! قال: «اللهم أرزقهم العفاف والكفاف والرضى بما قدرت لهم. . . قلت – مستزيدا طامعا في
-
بركاته ودعواته -: يارسول الله، إن البحر ينضح بجانبنا، فادع الله في ميرتنا، وخفنا، وظلفنا (1/112)
صفحة 110
-11 -
قال عليه السلام: (اللهم وسع عليهم في ميرتهم، واكثر خيرهم من بحرهم، وبارك لهم في حياتهم .... فقلت: زد يارسول الله، قال: يارب .. ولا تسلط عليهم عدوا من غيرهم .. قل يامازن: أمين .. فإن أمين يستجاب عندها الدعاء. .
قال مازن: ثم قلت يا رسول الله: إنى مولع بالطرب، وشرب الخمر، والجوج بالنساء، وقد نفد أكثر مالي في هذا، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد، ويهب لى ولدا تقر به عينى، ويعدل في الحياة. فقال: اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الخلال، وبالعمر عنمة الفرج، وبالخمر ريالا إثم فيه، وآنه الحياة وهب له ولدا تقر به عيناه. .
قال مازن: فأذهب الله عنى ما كنت أجد من الطرب، وحججت حجا، وحفظت شطرا من القرآن، وتزوجت أربع عقائل من كريمات العرب، ورزقت ولدا أسميته حيان بن مازن، وأخصبت همان في تلك السنة وما بعدها من السنوات وبارك الله في الخف، والظلف، وكثر صيد البحر وفاض لؤلؤه، وتضاعف الخير، وربحت التجارات، وأمن أهل عمان من كل خوف، وحفظ الله عمان وكلاها بعينه، ورعاها برعايته، وذلك ببركة دعاء النبي لها، صلوات الله وسلامه
عليه.
وفى هذا يقول مازن:
إليك رسول الله حنت مطيقى تجوب الفيافي من عمان إلى المرج لتشفع لى ياخير من وطى الحصى فيغفر لي ربي وأرجع بالفلج و كنت أمراً، باللهو والخمر مولعاً شبابي حتى آذن العمر بالنهج إلى معشر خالفت في الله دينهم فلا رأيهم رأيي ولا شر جهم شرجي فيداني بالخير خوفا وخشية و بالعصر إحضانا فأحد ولى فرجي فأصبحت همى فى الجهاد و نيقى فلله ماصومي والله ماحجي (1/113)
صفحة 111
-118 -
همان في منطوق النبوة:
قال مازن: فلما كان العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله، و قصصت عن حال عمان، وما أصابها وأصاب أهلها من الخير والبركة، قلت الرسول الله: يارسول الله، يا المبارك ابن المباركين، والطيب ابن الطيبين، قد هدى الله قوما من أهل عمان، ومن عليهم بدينك، وقد أخصبت عمان خصبا هنيئا، وكثرت فيها الأرباح والصيد والخير والبركات .. فقال عليه الصلاة والسلام: و ديني دين الاسلام، وسيزيد الله أهل عمان خصبا ونماء وصيدا، فطوبى لمن آمن بي و رآني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني، ولم ير من رآني، وإن الله سيزيد أهل عمان إسلاما، وسينتشر الإيمان من ديارهم. .
-
ثم كتب عليه السلام إلى ملك الفرس: كسري ابرويز انو شروان، يدعوه إلى الإسلام - وكانت الفرس لم تزل أنذاك تملك أمر عمان حتى ذلك العهد ـ فمزق کسري کتاب النبي لا، فدنا عليه وقال: «اللهم فرق شمله، ومزق ملكه كما مرق كتابي،، ولم يفلح كسرى بعد تلك الدعوة فاهلكه الله، وفرق ملكه، فما بقيت بعد ذلك للفرس دار يملكونها إلى اليوم، فهم في كل بلد رعايا واتباع، ورحل وسواح، وسلط الله عليه ابنه , شيرويه، فقتله.
-
ثم اهتم شيرويه بأمر النبي، وبهذا الدين الجديد، وخاف على نفسه مزمعية العناد والتحدى و مكابرة الحق، واتباع الهوى .. واتعظ بمن سبقه، واخذ العبرة من أبيه، فكتب إلى عامله باذان - - الحاكم القائم على عمان ـ وقال له: أرى أن تبعث من قبلك رجلا عربيا فارسيا - يحسن العربية والفارسية، صدوقا يمكن أن تعتمد على مقاله، ويكون قد قرأ الكتب، وله دراية بها، وعلم بخير ما يأتي من النبوات - إلى الحجاز، كي يتعرف خبر هذا النبي العربي، الذي يشيع الآن في العالم ... فبعث باذان على الفور رجلا يقال له, كعب بن برشة العودى، (1/114)
صفحة 112
110 -
-
أو الطاحي - وكان قد تنصر وقرأ الكتب فأتى النبي، وكامه وسأله واستفهمه، ورأى فيه الصفات والسمات التى يجدها في الكتب، فعرف أنه الذي المرسل الذي بشرت به التوراة، والإنجيل، والكتب السماوية المقدسة وعرض النبي عليه الإسلام فشرح الله صدره له، وأسلم من فوره، وقفل راجعا إلى همان، فكان الصحابي الثاني بها بعد مازن رضى الله عنهما وأرضاهما.
وهكذا أنهتت أرض عمان صحابيين جليلين، مع خطوات الإسلام الأولى ثم تتابعت الصفوف وكثرت الزحوف بعد ذلك من العمانيين مسرعة متتالية کي تحظى بشرف الانتماء إلى الإسلام مع السابقين السابقين، والأولين
المقربين.
ورجع كعب إلى «باذان، عامل الفرس على عمان، وقص عليه الاعاجيب و أنه النبي المرسل للعالم كافة، وأنه خاتم
"
المدهشات، وأخبره بأمر النبي الأنبياء. والمرسلين. فقال باذان - في نفسه هذا أمر أريد أن أشافه
فيه الملك وأطلعه شخصيا على جوانبه و مخباته.
-
ثم استخلف على قومه بعمان رجلا منهم اسمه .... مسكان ... وخرج هو إلى كسرى في فارس لينافيه فيما هو بصدده، ويطلعه على خبر هذا النبي الوارد
ذكره على مسامع العالم، والذى احتفت به واحتفلت بقدومه كل أصقاع الدنيا
وأبقاع الحياة.
من
محمد رسول الله:
هذا ما كان من أمر الإسلام في مطلعة من الأفق العماني مع كينونة الوجود
الفارسي هناك. (1/115)
صفحة 113
116 -
>
وفي عهد، كسرى أنو شروان، وابنه شيرويه،، أما ما كان من أمره أى الإسلام وكيف دخل إلى عمان، ولا سيما بعد أن أسلم كل من مازن بن طى، وكعب بن برشة العودى ويعرف كذلك بالطاحي فإن التاريخ يحدثنا على السنة شيوخه، وجهابذته الأمناء الثقاة: إن النبي ما كتب إلى أهل عمان أولا يدعوهم إلى الإسلام، ثم كتب ثانية إلى الجلندى بن المستكبر ملك عمان، أو إلى ولديه عبد وجيفر ـ بعد موته - على اختلاف بين المؤرخين، وقد يكون من الجائز أن يكون الجلندى هو ا المدعو أولا، وقد أجاب الداعي، ثم إنه مات فكتب النبي إلى ولديه من بعده، أو أن الجلندى هذا مراد به الملك، وأنه لقب لكل ملوك عمان في الجاهلية. كما يقال «تبع» و «و «فرعون» و «قيصر» ود کسري» و «نجاشى، لكل من ملك اليمين، ومصر، والروم، والفرس
والحبشة.
-
-
و كتب إلى أهل عمان يقول:
د بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله، إلى أهل عمان،
أما بعد:
أقروا أن لا إله إلا الله. وانى محمد رسول الله، وأدوا الزكاة، واعمروا المساجد، وإلا غزوتكم، والسلام، ولم يذكر النبي في هذه الرواية الصلاة و لعلها كانت مفهومة بدليل أمره عليه السلام في كتابه بعمران المساجد، وعمرانها لا يكون إلا باقامة الصلاة فيها، وأما نصه عليه السلام صراحة على أداء الزكاة فلأنها عبادة مالية. تتطلب الانفاق والاخراج، والنفوس عادة تشح بهذا الأسلوب من التعامل، وتبخل في تعاطيه أو ممارسته، أو بذله، إلا من عصم الله (1/116)
صفحة 114
- 117 -
وشرح صدره، وفتح قلبه، وسهل عليه، ويسر له، فأعطى وانقى، وصدق بالحسنى، ووقاه الله شح نفسه, و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، كما كتب صلوات الله وسلامه عليه إلى جيفر وعبدابنى الجلندى الأزدي ملكي عمان. يدعوهما وقومهما إلى الإسلام، ويقول فى نص الكتاب الذي يقع في أقل من الشير كما يرى ذلك الوافدى باسناده:
ه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعو كا ومن معكما بدعوة الإسلام اسلما تسلما فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على السكافرين وانكما ان أفررتما بالإسلام وليتكما، وابقيتكما في حكمكما، وان أبينها أن تقرأ بالإسلام، فان ملككما زائل عنكما، وخيل تطأ ساحتكما، وتظهر نبوه تي على ملككما،،
هذا، مع ملاحظة إن كانب هاتين الرسالتين بخطه هو أبي بن كعب، والرسول عليه السلام هو الذي املاهما عليه، وطوى كلا من الصحيفتين، وختمها مخاتمه الشريف المبارك، وكان نقش الخاتم. لا إله إلا الله محمد رسول الله، و بعث بالرسالة عمرو بن العاص بن وائل السهمى، إلى الجلندى بن المستكبر ملك عمان في ذلك العمد.
فاجاب الداعي، وأرسل إلى الفرس الذين كانوا في عمان وكانوا مجوسا يدينون بعبادة النار يدعوهم إلى اعتناق الدين الذي جاء به محمد صلوات الله وسلامه عليه، فأبوا ذلك، وأصروا على عدم المبالاة، والاهتمام بأمر هذا الدين، فحاربهم الجلندى وأرغمهم على الخروج من عمان في قصة طويلة معروفة، أشبه بالأساطير ويرى كل من صاحب, تحفة الأعيان، وابن خلدون، في مقدمته، إن السر فى إقبال أهل عمان على الاسلام، واستجابتهم السريعة إلى المبادرة إليه، واعتناقه (1/117)
صفحة 115
- 118 -
إنما هو شيء أشبه ما يكون برجع الصدى للصوت القوى المجلجل، أو برد الفعل المضاد للسلوك الفارسي المعربد بين هؤلاء العرب العمانيين حقبة طويلة من الزمن وحينا أميدا بعيدا من الدهر المعتم القاتم في معاملة الأعاجم لهم، وتسلط المرازية عليهم، وتحكم الفرس فيهم، وتغطرس الأساورة في معاملتهم، حتى كانوا كثيرا ما يتمنون الخلاص منهم،، والتفلت من قبضتهم، والعمل على ازاحتهم وإزالتهم،، فا أن لمحوا نور الإسلام يتهادى فى آفاق مكه بادى ذى بده، ثم ينتشر سريعا إلى بقاع العالم وأصقاعه، وهو الدين الذي انصب في وعاء العروبة – حتى توافدوا وهم العرب الأقحاح الصحاح - زرافات ووحدانا، وحتى مجاملة وتعصبا لعروبة في هذا الدين، وأيضا لان هذا الدين هو الذي سيخلصهم حتما مما ذاقوه وعانوه، وشربوا مرا وصابه، ابه، وتجرعوا علقمه وعذابه على أيدى غير العرب من الأعاجم والمستغربين، والدخلاء على العربية. خاصة وأن المواجهة كانت دائما على طرفي نقيض بين العربي والأعجمي فوق الخريطة الخليجية أو الجغرافية، مع ما كان عليه المجتمع الفارسي على الجانب الآخر المقابل للخليج العربي، من الميوعة والمثالب والسلبيات، في حين كان عرب عمان اكثر اعتدادا بعروبتهم واصالتهم وكانوا أشد ما يكون تمسكا بفضائل العروبة، والدفاع عن العرض والشرف، كما هو شأنهم دائما في كل المواقف والمواقع، وابدا وعلى طول الخط.
وهكذا دخل العمانيون جميعا في دين الله أفواجاً، وسرعان ما التأموا به، والتحموا فيه، ونهضوا - في همة ونشاط - بدورهم الكامل، كعضو فعال في المجتمع الاسلامى الجديد، وأخذوا بثأرهم الحائق، وغيظهم المتلمظ الغاضب واحتجاجهم المكتوم العارم من هؤلاء الرعاع الأوزاع الأعاجم.
وهل ينتظر من أهل عمان الأشاوس الأخيار غير ذلك؟ وهم الذين أسلموا طوعا، ووالوا رسول الله ولم يروه، فسمعوا له، واطاعوا رسوله، على بعد (1/118)
صفحة 116
-119 -
دارهم وكثرة عددهم، بينما أهله وذووا عشيرته عادوه، حق أخرجوه من وطنه وتألبوا على عداوته، وتواصوا بالكيد له، إلا من شاء الله ممن سبقت لهم منه الحسنى، كما أن أكثر العرب تآمروا عليه، وعارضوا معجزاته، وانكروها، وهو واضحة رأى العين، بينما أهل عمان قالوا لرسوله: أهلا ومرحبا، وسلموا إليه مقاليدهم، وكانوا لدعوته دعاة مخلصين، ولداعيه بينهم وفى بلادهم عضدها ه اليمين ولا وامره وتعليماته خاضعين مستجيبين.
لذلك ـ ومن مثل هذه المنطلقات - قلدهم الرسول وسام الشرف، وزين صدورهم بالشارات، والعلامات، وترك لهم في سجل الحياة أفضل الشهادات، وأجمل الاعترافات، مع قوله صلوات الله وسلامه عليه:
د رحم الله أهل الغبيراء - أهل عمان - آمنوا بي ولم يروني ..
معا على الطريق:
وفي سيرة ابن هشام الحلبية: أن عمرو بن العاص حمل رسالة الذي، وقدم بها
إلى ابنى الجلندى عبد وجيفر، وأن أول موضع نزل به في عمان و دستجرد.
إحدى مدن صحار التي بنتها الفرس على الساحل - وكان نزوله بها وقت الظهر،
"
ومن هناك بعث إلى ابنى الجلندى وهم ببادية عمان، ولعلهم في الداخل كما هو المعروف من أن العرب كانوا في الداخل وفي الأعماق، والعجم في الساحل وعلى المشارف تأهبا للهرب أو الفرار.
وكان أول من التقى به منهما عبد الذي أوصله بدوره إلى أخيه جيفر، حيث دفع اليه كتاب رسول الله مختوما، فقرأه أو استقرأه حتى إذا انتهى من قراءته دفعه إلى عبد فقرأه هو الآخر، ثم التفت جيفر إلى عمرو وقال له: إن هذا الذى يدعو اليه صاحبك ليس بالأمر الهين، ولا بالشوء الصغير أو المقال اليسير، وأنا (1/119)
صفحة 117
-120 -
أعيد فكرى فيه مرات ومرات، وأعلمك بر أبي مع الغداة.
وأكد ابن الأثير في «المسكامل»، والبلاذرى فى انساب الأشراف، والمسعودي
في إمتاع الاسماع،، والزمخشري في الكشاف، وأحمد أمين في فجر الاسلام وأحمد كامل الخضرى فى المواريث الاسلامية، إن أول.
من لقيه عمرو بن
العاص في , دستجرد، بعمان هو عبد بن الجندى أخو جيفر - وكانا ماسكين وهو احكم من أخيه رأيا، وأحسن خلقا، وأرحب صدرا، فأوصله بكتابه إلى جيفر، الذي استحضر جماعة من الأزد وأهل الرأى فيهم، وبعثوا إلى كعب ابن برشة - وكان من علماء المسيحية، وممن أدمن كثيرا على قراءة الكتب التي تبحث في النبوات - وسألوه عن أمر النبي، فقال لهم: أنه نبي مرسل، وقد عرفت صفته من الكتب التي بشرت به، وأنه سيظهر على العرب والعجم جميعا، وكان العرب في عمان آنذاك بدينون بالدين المسيحى، أما الفرس فكانوا يعبدون النار، ويدينون بالمجوسية.
ودار حوار بين عمرو وجيفر حول العقيدة التى يجب أن يكون عليها الانسان واشتد الحوار بينهما، ودارت رحاه قوية ضاغطة، وهنا قال عمرو الجيفر: على أى الديانات كنت تعبد الله ومن معك؟ فأجابه جيفر: كنت أعبد الله على ديانة
عيسى عليه السلام، قال له عمرو: وهل تعلم أن عيسى كان يعبد الله؟
قال: نعم ... قال عمرو - في حجة بالغة، وبرهان ساطع، ومنطق واثق أكيد -: إذن فأنا أدعوك إلى عبادة من كان يعبده عيسى! فأسلم جيفر وعبد أبنا الجلندى، وأسلم أهل عمان، وحسن إسلامهم، وقويت بهم الكتيبة
الاسلامية الفتية. (1/120)
صفحة 118
-121 -
وهذه أيضا من كرامات و مكرمات أهل عمان.
ومن هنا، بعثوا إلى وجوه الناس وأعيانهم يدعونهم إلى الاسلام .. وبايعهم الجميع للنبي عليه السلام، وادخلوهم في دينه، وألزموهم بتسليم الصدقة التى أخبرهم بها عمرو، والتي حددها الاسلام، وأمروا بن العاص بقيضها على البيئة التي أمر بها النبي، وبعثوا - أيضا - إلى مهيرة والشحر ونواحيها؛ وإلى دبا وما يليها إلى آخر عمان في الأطراف الساحلية الشمالية، فما ورد رسولهم على جهة وما جاء داعيتهم إلى أحد بالدعوة الاسلامية إلا واسلم، وأجاب الدعوة، وما تخاف
أحد أبداً عن تلبية داعى الإيمان غير الفرس المجوس عبدة النار والأوثان.
واجتمعت الأزد إلى جيفر وأجمعوا أمرهم جميعا على أن يسلم الفرس، أو يخرجوا فوراً عن عمان، وقالوا .. لن يلتقى الشرك والإيمان بعد اليوم في مكان واحد، ومادام الأعاجم هكذا فلن يجاورولا أبدا.
ودعا جيفر بالأساورة والمرازبة وأعلن عليهم الحرب حين أصروا على موقفهم وأبوا الخروج. وشمرت الحرب عن ساقيها بين الطرفين، وقتل. مسكان. وكثير من أصحابه وقواده، و حوصرت دستجرد التقى أختبأ هؤلاء الجبناء .. وراء جدرانها، وانتهى الأمر بالمصالحة على أن يتركوا وراءهم كل صفراء وبيضاء و كراع ومتاع، ويرحلوا وأولادهم عن عمان إلى غير رجعة أو عودة.
بين عمرو والجلندى
:
وقد أفرد بعض المؤرخين مساحات واسعة من مؤلفاتهم حول النقاش الذى دار بين عمرو بن العاص وبين كل من عبد وجيفر ابى الجلندى بن المستكبر في كيفية، وحول طريقة إسلامهما، و من معهما من جماعة الأزد، وأهل عمان جميعا والناس على دين ملوكهم، كما يقول رسول الله، فلقد ذكر ابن عبد ربه في (1/121)
صفحة 119
-- ITY-
والعقد الفريد، والاصفهاني في كتابه الأغانى، وابن خلكان في وفيات الأعيان و ابن قتيبة في عيون الأخبار، والجاحظ في مخلاته ومؤلفاته، وأبو المحاسن في النجوم الزاهرة، وابن حجر العسقلاني في الاصابة، وابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل، وابن النديم في الفهرست، والتعالي في
الأندلسي
يتمية الدهر، وغير هؤلاء من أئمة المؤرخين الاثبات، والأمناء الثقات من العلماء والفقهاء، وأهل الاطلاع، فلقد ذكروا ما دار حول ما سبق ذكره من الطريقة التقى آمن بها أهل عمان،، بعد الصحابيين الجليلين مازن بن عضوبة الأزدي، وكعب بن برشه العودى، أو الطاحي، وكان أسلوب هؤلاء جميعا متقاربا في القاء الضوء على هذا الحدث الإسلامى الكبير، وفى دور أهل عمان العظيم في هذا المقام المتفرد النابه الذي أعطانا طرف الخيط، ووهبنا منهجية الطريق، وأطلعنا على السلوك القيم والصيغة الصحيحة التي يجب أن تدار دائما، أو تكون لغة المعاملة في الصراع الذي يتأدى عادة بين الحق والباطل، والخير والشر، و اليقين والشك، والهدى
والضلال.
وبدأت المبارزة بين عمرو بن العاص الداعية الداهية، وعبد بن الجلندى الأزدى أحمد ملكي عمان - على مرأى ومسمع من علية القوم وأجلائهم، وأهل عمان فوق الساحة العمانية الرحيبة.
أي شيء تريد؟
قال
عبد بن الجلندى لعمرو بن العاص: أى شيء زيده، وماذا تطلبه منا؟
و ما الذى كافك به النبي أن تؤديه لنا، أو تبلغنا إياه يا ابن العاص؟ قال عمرو بن العاص: أدعوك إلى عبادة الله وحده، وان تخلع ما تعبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله، وترفض سائر المعبودات، وتعترف برسالة النبي ونبونه، (1/122)
صفحة 120
-123 -
قال ابن الجلندى: فما بالك، وأنت ابن سعيد قومك، وماذا صنع أبوك
وهو من لا يجهل شرفه، أو ينكر قدره في قومه؟
قال عمرو: مات أبي ولم يؤمن بمحمد، و وددت لو آمن و صدق، لكان خيراله، وقد كنت على دينه، وعلى مثل رأيه حق هداني الله
للإسلام ...
قال عبد: فمتى تبعته – أو اتبعت ـ محمداً؟ قبل موت أبيك
أم بعده؟
-
قال عمرو: لقد اتبعت محمدا حديثا ومن عهد قريب.
قال عبد: أين، ومتى كان إسلامك؟
قال عمرو: في سنوات البعثة الأولى، وعند النجاشي ملك الحبشة، حين
أرسلنى قومى إلى هناك و كنت لا أزال على دينهم -
-
-
لاستخاص
منهم
بعض فتيان قريش الذين آمنوا بالدين الجديد. واتبعوا دعوة الاسلام، وفروا بها ـ مها جرين – إلى الحبشة، وأن النجاشي قد أسلم وآمن بدين محمد،
وترك المسيحية.
-
قال عبد: وكيف صنع قومه به و مملكه بعد إسلامه؟
قال عمرو: أفروه واتبعوه
قال عبد: والأساقفة، ورؤساء النصرانية، والرهبان، ما بالهم؟، وايان
ذهبوا؟ (1/123)
صفحة 121
- ITE-
قال عمرو: اتبعوه، وآمنوا بالله ...
وهنا تحركت في نفس عبد بن الجلندى عوامل الشك، ودواعي الإتهام، والإنكار لما يقول عمرو بن العاص، واستدرك ابن الجلندى حواره مع ابن العاص قائلا:
ابن الجلندى: أنظر يا عمرو فيما تقول، واعلم أنه ليس في الرجل خصلة أفضح له من الكذب، وإن الذى تخبرنى به كبير، ولا يتأتى هكذا بهذا اليسر والسهولة، ولا سيما مع نصارى الحبشة وهم أعداء العرب.
قال ابن العاص: لقد قلت يا ابن الجلندى ما سمعت آنفاً، وما كذبت في حديثى، وما لستحله، أبدأ ولا يكذب العربي، فإن الكذب خسة ونذالة، ويتنافى مع الطباع العربية الأصيلة، وخلائق العروبة .. الشهمة والشجاعة ..
وهل علم هرقل؟
قال عبد بن الجلندى ـ مستمراً في حواره مع عمرو: ما أرى هرقل عظيم الروم علم بإسلام النجاشي، وهو تحت سيطرته، ومن أخص أهل طاعته. بصفته ملكاً على الحبشة، وهي داخلة في الجناح الذي يستظل به النجاشي، أو ضمن الكتلة التي يحكمها هرقل، وتدين له بالطاعة والولاء، أو تحت العباءة التي ينشرها الروم في غرب الجزيرة هنا وهناك.
قال عمرو بن العاص: بلى، لقد علم هرقل بذلك .. وبكل تفاصيله
وجزئياته، ومفردانه.
، (1/124)
صفحة 122
1170 -
قال عبد: بأى شيء علمت ذلك يا عمرو؟، وما هو مصدرك إلى هذا الذى نقص وتقول وتحكى؟
قال عمرو: كان النجاشى يخرج قبلا خراجاً، ويؤدى أتاوته إلى هرقل، فلما أسلم، وصدق بنبوة محمد عليه السلام، قال: والله لا أخرج شيئاً لهرقل بعد اليوم، ولو سألنى درهماً واحداً ما أعطيته، وكيف أعطيه وأقويه على جماعة المسلمين؟ ذلك لأن العطاء أو الخراج يكون عوناً له، ولا تصح إعانة الكافر فيما يتقوى به على المسلمين ... وبلغ هرقل ذلك الرأى الشجاع الجرئ الذي آرتاه نجاشى الحبشة، وعاتبه أخوه على فعل النجاشي من الإسلام
-
والامتناع عن الخراج، وقال له – فيما قال ـ: أتدع عبدك نجاشي الحبشة
لا يخرج لك خراجا، ويدين بدين جديد محدث؟ فرد عليه هرقل بقوله: إنه رجل رغب في دين، واختاره لنفسه، فما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكى:
"
والخوف من أن يضيع منى، اصنعت كما صنع، وأسلمت كما أسلم النجاشي
خاصة بعد أن سمعت من أبي سفيان في وصفه لنبي هذا الدين.
وقد جاء ذكر إسلام هرقل فى روايات كثيرة شهيرة يتداولها صناع التاريخ وكتابه فيما بينهم.
واستأنف عبد بن الجلندى حديثه مع عمرو بن العاص قائلا:
قال عبد ـ لعمرو -: أنظر ما تقول وتروى في حديثك يا عمرو؟
-
وكأنه يتهمه أو يشك في حديثه -
قال عمرو: والله لقد صدقتك الحديث، وأخبرت بالواقع؛ وما كذبت
عليك أبداً.
قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به، وينهى عنه؟ (1/125)
صفحة 123
-17 -
قال عمرو: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهى عن معصيته، وعن كل ما يحط
بالإنسان، أو يزرى بشرفه وكرامته.
قال عبد: و بماذا أيضاً؟.
قال عمرو: يأمر بصلة الرحم، وبالبر، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنى وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب و و تلك التي ذكرتهى عمود الإسلام وجوهره، وجماع كل خير ويز.
قال عبد: ما أحسن هذا الذى يدعو اليه، ولو كان أخى جيفر يطاوعنى لوكينا اليه فورا حتى نؤمن به، ويكون لنا شرف الاولية، والأولوية في اتباعه، فنصدق به ونواجهه، و نتلاقى معه على بساط الإيمان بالله، واعتناق دينه، واعتقاد عقيدته، فذلك خير لنا من الإيمان به من بعيد.
ولكن لعل أخي لا يطاوعنى. أو لعله يضن بملكه من أن يدعه ويصير تابعا وواحدا من الناس. بعد ان كان ملكا متبوعا.
و ميلمانه ..
يهيمن على الجميع بسلطانه
قال عمرو: انه ان أسلم ملكه رسول الله على قومه، ولا غرض للنبي في أمور الدنيا أبداً، وإذا لم يستجب للدعوة، ويخضع للاسلام، فلن يتركه النبي أبدا على ملكه، فإن حجة الله على الامة هم الانهياء على الملوك، والملوك على الرحية، فبإصرار الململوك والحكام على البطر والبطش والعناد والغش، تستباح منهم الحرمات وينتزع الملك، والسلطان، وبانقيادهم للحق، وحسن معاملة الناس،.، تكون
المصالحة بينهم وبين الله من جهة، وبينهم وبين الرعية من الجهة الأخرى.
قال عبد: إن هذا الخلق حسن، وتلك أنبه المعاملات، وهذه أحكم سياسة وأرقى أسلوب. (1/126)
صفحة 124
-127 -
قال عمرو: كيف لا وهي سياسة الحكيم العليم، خالق الحكمة، ومنظم الأمة، سبحانه ما أعظم شأنه، وأعدل ميزانه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف
الخبير.
قال عبد: وما الصدقة التي يقول عنها صاحبك؟
قال عمرو: هي شوء فرضه الله من الأموال والزروع والمواشى يؤخذ
من الأغنياء ويعطى للفقراء، تكاملا وتكافلا، وتراحما وتقاسما.
:-
قال عبد ــ في استنكار -: يا عمرو .. ويأخذ من سوائم المواشي التي ترعى أنشجر، وترد المياه؟.
قال عمرو: نعم، والله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
-
قال عبد: فى ضيق وغيظ -: والله ما أرى قومى فى بعد دارهم، وكثرة هددهم، وعظيم عتادهم، يطبقون هذا أو يطيعوه، أو يعطوه، وأنهم ليرون عارا أن يتصرف أحد هكذا في أموالهم، ويعتبرونه عظيما لا ينال ولا يطال ..
وانتهى ما بينهما من حديث.
تسكام مجاحتك:
قال عمرو بن العاص: فبقيت أتردد على باب جيفر مرات عدة، وقد أوصل اليه أخوه ره عبد خبره معى، وأطلعه على ما أدرناه معا من شئون القول والحديث فيما جئت من أجله من أمر النبوة، وكتاب النبي له.
ثم إنه دعانى وأذن لي بالدخول عليه، فأخذ أعوانه بعضدى، فقال لهم: دعوه، وذهبت لأجلس، فأبوا ذلك على، فنظرت اليه ـ في شبه عتاب واستنكار - فقال من فوره: تكلم بحاحتك ياعمرو. (1/127)
صفحة 125
-128 -
فدفعت إليه بكتاب النبي محتوما، فقضه وقرأ فيه، حتى إذا انتهى إلى آخره
دفعه ـ بالتالي إلى أخيه عبد، فقرأه هو الآخر، ثم أدار بينى
-
نوع نقاش أخيه .. بدأه هكذا: -
وبينه نقاشا من
جيفر: الا تخبرني ياعمرو عن قريش، كيف صنعت مع صاحبك، وهم أشد مراسا، وأطول باعا، وأحد لسانا، وأقوى حجة، وأخص به من غيرهم؟ عمرو: آمنوا به واتبعوه، ومنهم الراغب فى الدين عن عقيدة، أو الرهب
المقهور.
جيفر: ومن هم الذين آمنوا به واتبعوه؟
عمرو: إن الناس قد رغبوا فى الاسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم وقلوبهم - مع هدى الله لهم، وتوفيقه أياهم - أنهم كانوا في ضلال مبين، ومناهات، ودوامات، من الشرك والحيرة والضياع، وما أعلم أحدا بقى على درب التيه والضياع والشك غيرك، وأنت إن لم تسلم اليوم، وتعتق دين الله، وتعتقد عقيدة محمد و تتبعه، فستفوك الخيل، وتبيد خضراءك الجيوش، أنت وجماعتك، أسلم تسلم أيها الملك، ويستعملك النبي على قومك، ويبقيك في ملكك ولا تكون عرضة أبدا لحرب المسلمين، وهم من هم في الحروب؟ وقد دوخوا الاكاسرة والقياصرة، ولست من هؤلاء في شوه وان تكون أقوى منهم إلا بالإسلام يا جيفر.
جيفر: دعى يومى هذا ياعمرو، وارجع إلى غدا، أكون قد فكرت في
الأمر، وقلبته على جميع وجوهه، فإنه من الأمور الكبيرة الخطيرة.
قال عمرو: فلما كان الغد أتيث جيفر - كوعده باللقاء فأبى أن يأذن لى، وحيل بينى وبينه، ورجعت إلى أخيه عبد، وأخبرته بأني منعت، فأوصلنى إليه، واستمر النقاش بيننا كما بدأناه، متواصلا متتابعا .. (1/128)
صفحة 126
-179 -
جيفر: إلى فكرت يا عمرو فيما دعوتى إليه بالأمس، وما هددنى به، وما خوفتى منه، ومثلى لا يجدد ولا يخوف، ولا يؤخذ بالقوة، أو على الذراع أو الضغط، والاكراه. وإني لأكون أذل العرب وأضعفهم، إن أنا ملكت رجلا ما في يدى، وألقيت إليه زمامي، وحكمته في أمرى، وهو لا تبلغ وان تبالغ خياله إلى هاهنا، وأن بلغت خيله ألفت قتالا شرسا عنيدا ليس كقتال من لاقى.
عمرو: غدا سيكون اللقاء في الساحة تحت ظلال السيوف، وسنابك الخيل ومثار النقع الملتهب الحار .. وغد لناظره قريب.
بمخرجي
قال عمرو بن العاص - فيما يرويه التاريخ -: فلما أيقن عبد بن الجلندى هكذا غاضبا، اختلى بأخيه جيفر، وتحدثا معا طويلا، ومع الصباح الباسم المشرق أرسل إلى عبد وجيفر إبنا الجلندى، وأعلنا عن إسلامهما، وصدقا ومن معهما من الأقوام دعوة محمد صلوات الله وسلامه عليه، وخليا بيني وبين الصدقة، وبين الحكم فيما بينهما، وكانالى عونا في نشر دعوة الاسلام ورفع
رايات الايمان بين ربوع عمان.
ملوك ودعاة:
:
وفي الحقيقة أن عبد بن الجلندى كان داعية الرسول ما بين قومه وأهله في عمان، لاسيما مع أخيه جيفر حين أخذ بيده، وارشده إلى الطريق الصحيح الواضح، وملأ قلبه بالفكر الاسلامي الناجح، الذي زرعه في عقله وحقله، والذى أتي ثماره وحصاده في سلوك العمانيين جميعا على مدى الصعيد العماني الواسع، وعلى بعده وحده الذى يحيط به الاسلام من جميع النواحى والجهات، وفى شتى الميادين
والجبهات. (1/129)
صفحة 127
-17 -
أما المدى الزمني الذي عاشه عمرو في عمان، فاختلف فيه المؤرخون، وتناولوه فيما بينهم بالفتوى والاجتهاد والتوضيح والترجيح، وبعضهم يرى أنه بقى بها أكثر من ثلاث سنوات أو ثلاثا فقط، وبعضهم يرى أن المدة التي قضاها عمرو هناك كانت أقل من ذلك بقليل، ومن أنصار الرأى الأول الباقلاني، وابن سعد، وابن عبد البر، والزركلى، والبغدادي، وابن منظور، ومن القائلين بالرأى الثاني المعارض الترمذي، والشهر ستانى، والفير و زابادي، والشماخي. وابن تيمية.
وعموما ومع إتفاق المؤرخين أو إختلافهم على المدة التي أقامها عمرو في عمان عاملا لها من طرف النبي - فإن عمرا لما أراد الرجوع إلى المدينة صحبه في تلك الرحلة عبد بن الجلندى، وجيفر بن جشم العتكى، وأبو صفرة سارف بن ظالم وفى بعض الروايات سارق بين ظالم - في سبعين راكبا من جماعة الأزد
الأشداء، ووجهائهم الفضلاء.
إرهاصات هودي:
-
وفي تحفة الأعيان، كان عمرو بن العاص عاملا للنبي على عمان، وبينما هو يمارس عمله هناك، إذ جاءه يهودى فى صحار وقال له: ياعمرو أرأيتك إن سألتك عن شيء أخشى على منك؟
قال عمرو: لا .. قال اليهودي: أنشدك بالله من أرسلك إلينا؟
قال عمرو: اللهم رسول الله ..
قال اليهودى: الله: إنك لتعلم أنه رسول الله؟
قال عمرو: اللهم نعم ..
قال اليهودى: لئن كان حقا ما نقول، اقدمات صاحبك اليوم. (1/130)
صفحة 128
- 131 -
-
فلما رأى عمرى ذلك جمع أصحابه وعلى رأسهم عبد بن الجلندى ـ نائبا عن أخيه جيفر ـ وقوما كثرا من الأزد وعبد القيس يؤمن هم رحلته، ويأ من معهم مفاجآت الطريق وغاراته، وحفظ عمر و ذلك التاريخ الذي قال له فيه اليهودى بعض نبوءاته، وجاءته وفاة الرسول فى هجر، ووجد ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى أمير البحرين، فسار حتى قدم أرض بني حنيفة، فألحق معه بعض حراسهم، إلى أن وصلت به مسيرته بني عامر، وهم هناك نزل على قرة بن هبيرة
القشيري.
و لقد شك بعض العلماء والمؤرخين فيما قاله اليهودى وكيف له بعلم الغيب؟ إلا أن بعضا آخر من العلماء والمؤرخين أيضا أجازوا ذلك وأصحوه. لان اليهود أتاهم الله التوراة. وبالذات العلماء منهم الذين تبحروا في استنطاق الكتب وقراءة المأثورات. وقد عرفوا ذكر النبي وصفاته وعلاماته وحجم قومه معه ومعاداتهم له، وإخراجهم إياه من مكة إلى يثرب. وكيف سينتصر عليهم و ينشر الله دينه في جميع الأرجاء. عرفوا ذلك من كتبهم، و من قبل ذلك بقليل. وعلى قيد خطوات قريبة من التاريخ .. قال اليهود في المدينة لعمر بن الخطاب رضى
الله عنه:
إنا نجدك في التوراة
قال عمر: تجدونى ماذا؟ قالوا: نجدك قرنا.
قال: أي قرن أكون؟ قالوا: قرن من حديد صلب صعب .. ولا تدرك مثل هذه الإرهاصات إلا من النصوص النبوية، أو الآيات السماوية، وقد صح ذكرامة محمد عليه السلام فى الكتب السابقة، حتى تمنى موسى صلوات الله وسلامه عليه أن يكون واحدا من هذه الأمة، كما جاء ذكر ذلك في خبر الألواح وفي المأثورات. (1/131)
صفحة 129
- 132 -
كذبت يا ابن الأخابث:
>
وجاء في أمر عمالة عمر و على عمان، وخروجه منها أقوال كثيرة، وروايات عدة، أجتزات ببعض منها اكتفاءا با ردده أو أورده بعض المؤرخين والفقهاء والعداء، وإن كان بعض هؤلاء يوسع الهوة، أو يعمق الفجوة أو يباعد البين أو يظهر الأمر في صورة لا نتفق والواقع الذى تمريناه و نتحراه دائما في كل كتاباتنا ولقد تولى عنا أمر كشف الحقيقة فى هذا الموضوع، نفر غير قليل من المؤرخين الأثبات الثقات، وكفونا مئونة التحقيق وارتياد الطريق الصعب في هذا المشوار الطويل، وعلى رأس هؤلاء المحققين أبو اليقظان في كتابه الأباضية في شمال أفريقياء وسليمان الباروني في الأزهار الرياضية، ونور السالمي في اللمعة المرضية، وابن الدييغ الشيباني في تيسير الوصول، وأبو دواد السجستاني، والبغدادي، والجو اليقي، والخفاجي، والذهبي، والسيوطى وغيرهم فى مؤلفاتهم، فلقد أجمع كل هؤلاء في تواريخهم، على أن عمرو بن العاص حين هم بالعودة إلى المدينة حيث مقر الحكومة الاسلامية - صاحبة في عودته عبد بن الجلندى لسان الملك الذي انتخب في رحلته تلك من أعيان قومه، جيفر بن جشم، وأبا صفرة سارف أو سارق ــ بن ظالم من كبار الازد، وشوامخهم ومرمى الأبصار ومحط الانظار في عمان. واصطحب معه الحراس والخفراء من الأزد وعبد قيس، عملا بالتقاليد العربية المرعية آنذاك. ومر في طريقه على المنذر بن ساوى حاكم البحرين، كما مر كذلك على بني حنيفة، وخرج إليه بعض رجالهم لحراسته وتحيته، حتى نزل أرض بني عامر على قرة بن هبيرة القشيرى، وقيل خرج قرة لملاقاة عمرو في مائة رجل من قومه احتفاء ابه واحتفالا لمقدمة وطمعا فيه فيما بعد ... . وأقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين عن الإسلام حتى أتى ذا القصة فلقيه عيينة بن حصن خارجا من المدينة وهو يقول له:
- (1/132)
صفحة 130
إن جعلت لا شيئا كفيناك ما وراء نا. فقال له عمرو: وما وراءك ياعيينة؟
ومن ولى أمور الناس؟
قال عيينة: أبو بكر هو الذى ولى الأمر. فقال عمرو: الله أكبر.
قال عيينة: لقد أستوينا ياعمرو نحن وأنتم.
قال عمرو
-
في أنفعال وغضب.
:-
كذبت يا ابن الأخابث من مضر، وسار عيينة، وجعل يقول لكل من يلقاه
من الناس: أحبسوا عليكم أموالكم.
قالوا: فأنت ما تصنع؟
قال: ماعاد رجل من فزارة يدفع إليه عنانا واحدة.
ثم لحق بطليحة الأسدى وظل عنده و معه، حتى إذا فرغ خالد بن الوليد من بيعة بني عامر، صال على عيينة هذا صولة الأسد الباسل. وأوثقه وأوثق معه قرة بن هبيرة القشيري، وساقهما كما تساق الأنعام والسوائم.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: وقدم خالد بن الوليد بهما إلى المدينة في وثاق، فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه ينخسه الغلمان والصبية بالجريد والأعواد، ويرمونه، ويرجمونه بالطوب والحجارة، ويقولون: أي عدو الله
أتكفر بعد إيمان؟
فيقول: والله ما كنت آمنت.
. ومع. هذا كله، ومع ذلك، فلقد عفا عنه
أبو بكر وأعطاء الأمان، كما فعل ذلك كذلك مع قرة ابن هبيرة تأليفا لقلبيهما (1/133)
صفحة 131
- IT-
وعتابا لامثالهما، ومعاملة طيبة تلين الصخر، وتذيب الحجر، ومن المعاملة الكريمة ما هو أفعل من الجيوش، وأعمل من الحروب، وأكثر عائداً في النفوس
من كل عدة وعتاد، وحشد أو تعبئة.
طموحات ونبوءات:
-
ويروى أيضا عن بعض طموحات عمرو بن العاص ـ كما ذكر ابن الأثير في الكامل، - أنه سأل اليهودي الذي التقى به في صحار. . والذي أخبره عن وفاة النبي -: ومن يكون بعده؟ فقال: أبو بكر، وان مدة خلافته قصيرة، ثم يلى بعده رجل من قومه مثله تطول مدته ويقتل غيلة، ثم يلى بعده رجل من قومه تطول مدته ويقتل عن ملا .. قال عمرو: فذلك أشر، ثم يتابع اليهودي قوله، فيقول: ثم يلى بعده رجل من قومه ينتشر الناس معه، وتكون على رأسه حرب شديدة، يقتل قبل أن تجتمع الناس عليه، ثم يلى بعده أمير الأرض المقدسة، فيطول ملكه، ويجتمع عليه طلاب الدنيا، وذو المنافع والأغراض، ثم يموت.
وكان الرجل الذي تطول مدته ويقتل غيلة، هو عمر بن الخطاب، والرجل الذي تطول مدته ويقتل عن ملا هو عثمان بن عفان، والرجل الذي تكون على رأسه حرب شديدة، ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس عليه، هو على ابن أبي طالب والرجل الذي يكون أمير الأرض المقدسة، ويطول ملكه ويتبعه ذوو الأهواء والأغراض هو معاوية ابن أبي سفيان ..
وهنا يسر ابن العاص إلى نفسه بشوء - بعد الذي سمعه من اليهودى و يصر في أعماقه مستقبلا على تحقيق ذلك الشوء، مهما كافه من ثمن، كما يورد ذلك (1/134)
صفحة 132
-190 -
جيمس هنرى، في كتابه العصور القديمة، طبعة بيروت 1926 م، والمح اليه الدكتور عبد الرحمن بدوي في التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية. . وألقى الأضواء على بعض جوانبه الدكتور البهى فى الجانب الإلهى من التفكير
الإسلامي. .
وجعل التاريخ يركض:
-
واستمر التاريخ في حديثه عن الشوط الطويل الواسع الذي قطعه عمرو بن العاص في عمالته على عمان. وفي طريق عودته منها، ثم وصوله أخيرا هو ومن معه من وجهاء وأشداء الأزد، وعلى رأسهم ملك عمان البطل الهمام عبد بن الجلندى إلى المدينة حيث مقر الحكومة الإسلامية الجديدة، وجمعهم الـ م اللقاء وجها لوجه مع أمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وتلقاهم أبو بكر وشكرهم، وأثنى عليهم، وأدنى مجلسهم منه، وقربهم اليه، وأشاد بفضلهم وفضل عمان والعمانيين جميعا بين جموع المسلمين الملتنين حوله، وحرق بخور الثناء عليهم، وأزكى عطر أخلاقهم ونشر أريج سلوكهم ومحامدهم في أفاق الدنيا، وفوق اجواء وسماوات العالم كله من مشرقه إلى مغربه، ومن أناه إلى أدناه حيث آمنوا طائعين أو وصلوه مذعنين خاضعين، في حين أن الجزيرة كلها لفتها غاشية من الفتنة، وموجة هو جاء من الشك والارتداد ... و تتابع الخطباء في ساحة، وفي ساعة اللقاء، وتقدم سارف بن ظالم بين يدى الخليفة ـ نائبا عن
-
كل العمانيين خطيبا. فحمد الله واثنى عليه. ثم قال: ياخليفة رسول الله. (1/135)
صفحة 133
-136 -
فقد
بوئنا
هذه أمانة كانت في أيدينا وفي ذمتنا، وديعة الرسول الله منها إليك اليوم، وتخلت أعناقنا عن ثقلها، وهاهي دو نكا يا امام المسلمين ودفع إليه شيئاً. فقال أبو بكر رضى الله عنه: جزاكم الله خيرا يا أهل عمان، يا أهل السبق والفضل والعطاء والبذل .... وتوالى المسلمون والخطباء من فوق المنبر، وفى المسجد بالثناء على أهل عمان. وقالوا - فيما قالوه -: كفاكم معاشر الأزد العمانيين قول رسول الله فيكم، وثناؤه عليكم، وحمده لكم، لقاء ما فعلتم،
وجزاء ما قدمتم من المأثر والمفاخر، والمعطيات والمكرمات.
ثم قام عمر و بن العاص - وإلى عمان - فلم يترك شاردة ولا واردة. ولا شيئا قط من الثناء والمجد والدعاء والحمد. إلا قاله في الأزد وفي جماعة عمان
جميعاً.
و تعاقبت وجوه الأنصار، ووجهاء المهاجرين من الأزد وغيرهم مسلمين على عبد بن الجلندى ملك عمان ومن معه .. واستضافهم أبو بكر بخير ما يستضاف عليه القادمون الأحباب الأضياف في هو اطاف أهل المدينة و وجدانهم، وبين حناياهم وخواطرهم، وفي ضمائرهم ومشاعرهم.
معاشر أهل عمان:
فلما كان من الغد أمر الخليفة أبو بكر فجمع الناس من المهاجرين والانصار
وقام فيهم خطيبا. وقال. بعد أن حمد الله واثنى عليه، وذكر النبي صلوات الله
وسلامه عليه ـ:
- (1/136)
صفحة 134
-- ITY-
-
و معاشر أهل عمان .. إنكم أسلمتم طوعا، لم يطأ رسول الله ساحتكم مخف ولا حافر، ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة ولا تشقيت شمل، فجمع الله على الخير شملكم، ووحد إلى طريق الحق جمعكم، وثبت فوق ساحته أقدامكم، وهذا كم جميعا إلى صراط مستقيم، ثم بعث اليكم عمر و بن العاص بلاجيش ولا سلاح، فأجبتموه إذ دعا كم على بعد داركم، وأطعتموه إذ أمركم، على كثرة عددكم، وعدتكم، وعتادكم، فأى فضل أبر من فضلكم؟ وأى فعل أشرف من فعلكم؟ كفاكم قول رسول الله من فيكم إلى يوم الميعاد، ثم أقام فيكم عمرو ما أقام - مكرما، ورحل عنكم – إذ رحل ـ مسلما، وقد من الله عليكم بإسلام عبد وجيفر ابنى الجلندى، وأعزكم الله بهما، وأعزهما بكم، وكنتم على خير حال، حتى أتتكم وفاة رسول الله لا، فأظهر تم ما يضاعف فضلكم، وهو انقيادكم للحق وتعزيز كم له، فحين بلغتكم وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ثبتم على الإسلام، ولم تتزعزعوا كما تزعزع غيركم من الناس، ولا تقلقلتم كما تقلقلوا، وأنتم كثيروا العدد، وأفروا العتاد، وأقوى العدد. وقتم مقاما حمدنا كم فيه، وهو ثباتكم على الحق، ومؤازرتكم له، وتأييدكم إياه، وعضتم بالنصيحة. وأخلصتموها الله، وصارحتم بها، وشاركتم بالنفس والمال، فثبت الله على الصدق السنتكم، وأهدى بالإيمان قلوبكم ـ وللناس في مجال الفتنة جولة
-
وردة، وفيهم على ساحة الشك زعزعة وحيرة ورعدة ــ فكونوا عند حسن ظنى فيكم، وهو ثباتكم القوى على دينكم، وفي طاعة ربكم وإما مكم، ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على أمركم، أو تنزعوا من وطنكم وبلادكم، فقد صار عتم الفرس، وجدعتم أنف المتكبرين، وتحديتم المغتصبين الدخلاء. وما عدت أخشى عليكم - بعد اليوم - أن تطردوا من دياركم، أو ترجعوا عن دينكم،
-
-
أو تفتنوا في شئون دنيا كم، وجزاكم الله عن المسلمين كل الخير والبر و الجزاء (1/137)
صفحة 135
- 138 -
يضرب الصخرة بالصخرة:
وفى: مناهل العرفان، الزرقاني، و الفكر اليوناني،، أو الأدب الهيليني لغلاب، وه تاريخ الفلسفة الإسلامية، لمصطفى عبد الرازق، و «جمهرة أنساب العرب،
للمستشرق، ليغي بروفنسال، و، وبعض المتحدثين من شيوخ التاريخ: ان عبد بن الجلندى، لما قدم على أبي بكر رضى الله عنه مع عمرو بن العاص،، وعلى رأس السبعين فارسا الاشاوش من أبطال الأزد العمانيين - وبعد أداء مراسم الاستقبال وتلاوة الخطب. والقاء الكلمات - استنهضه أبو بكر ومن معه من رجال عمان لغرب آل جفنة المرتدين من أزد الشام وغاسفته، وهم بنو جفنة بن عمرو من غسان من الأزدمن القحطانية: ولم يجد أبو بكر حجرا خشنا. اير مي به هؤلاء المرتدين العتاة - الذين أثاروها فتنة مجنونة هو جاء، وأشعلوها حربا طاحنة شمطاء بين قبائل الجزيرة - غير الجلندى وأقوامه من أبطال عمان، ورجال العقيدة والإيمان، الذين وهبوا أنفسهم في سبيل الله، و نذروا أرواحهم من أجل اسعاد الدنيا وامتاع الحياة، وكأنما أراد الخليفة بذلك أن يضرب الصخرة بصخرة، وأن يصيب المرمى عن دراية وخبرة، وأن يهاجم المرتدين، ويهجم عليهم بالجلندى ورجاله الأقوياء الأشداء، الذين هم أعرف العرب بمصادر الحروب
ومواردها.
وقديما قيل: لا يفل الحديد إلا الحديد، ونهض عبد بن الجلندى، وخرج على رأس قوة ضاربة من أعيان المهاجرين والأنصار، والرماة الأشاوس الأحرار، من عباقرة الأزد وعمالقة عمان. وشوامخ العرب ... وأتى الجلندى ديار جننة في الشام، وقضى على الفتنة هناك في مهدها وكان في المعركة
و تحت امره الجلندى
مع جميشده، وبين جنوده
-
حسان (1/138)
صفحة 136
- 111 -
ابن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله، فما ان عاد الجلندى وجيشه حتو قام حسان بين ظهراني المسلمين - على مرأى ومسمع من أبي بكر ـ يعلن في خطاب فياض ثناءه البليغ، وحمده الكثير على عبد بن الجلندي، وفاخر بأفعاله الحربية ومواقفه
،
البطولية وأعماله التى لا يجيد أفعالها إلا البطل الأزدي العماني في أكثر مقاطع الخطاب، وكان فيما قال: ولقد اشتهر من قبل مقام عبد في الجاهلية كما اشتهر اليوم في الإسلام واستطاع أن يفرش بساط المجد تحت أقدامه، وان يضرب قبة الفخار فوق رأسه وهامه، وإني والله لم أو رجلاهو أحزم. ولا بطلا أحسن رأيا وتدبيرا من ابن الجلندي. لا سيما في حربه وضربه، ومنازلة الأعداء، ومطاردة المتسللين والدخلاء ممن وهب نفسه الله في يوم غار منه صباحه، واظلم فيه ضوؤه
-
وهو ـ والله. و مصباحه ... فتهلل وجه ابي بكر رضى الله عنه من هذا القول، وسر أيما سرور بما سمع، وقال: هو كما قلت ـ وفوق الذى قلت ــ يا ابا الوليد. والقول يقصر فلما بلغ ذلك ابن الجاندى بعث إلى
عن وصفه، والوصف يقصر عن فضله
حسان بن ثابت بمال عظيم وأرسل اليه قائلا: إن مالى يعجز عن مكافأتك،
فاعذر فيما قصر. واقبل ما تيسر.
من أبي بكر:
عليهم
ثم إن أبا بكر - فيما يروى رواة التاريخ وثقاته. وأئمته واثباته، وما عليه شيوخ المؤرخين أرسل كتابا إلى أهل عمان ضمنه شكره لهم، وثناءه، وثقته فيهم، وأقر في الكتاب جيفرا. وأخاه عبدا على ملك عمان، وأيدهما وشد عضدهما. وقوى ملكهما، وجعل لهما أخذ الصدقات، وإدارة المرافق والمؤسسات، واصلاح شئون الناس. والتصرف في كل ما يمس سلوك الحياة. ويأخذ بأقدام القوم على طريق الحق. (1/139)
صفحة 137
-18 -
ومنهج العدل، وذاتية الإسلام ... وشكر أهل عمان جميعا، وخاصة الوفد منهم .. وزودهم بما فيه خيرى الدنيا والدين، وأرجعهم إلى عمان محترمين مكرمين وجاء في كتاب: معركة صنمين، لا بن مزاحم المنقرى، ومخطوطة «مقدمة
التوحيد وأصول الفقه، للشماخي، و «أسد الغابة، لابن الأثير - صاحب الكامل -:
إن أبا بكر استعمل عكرمة بن أبي جهل القرشى على عمان، ثم عزله وسيره إلى اليمن، واستعمل على عمان حذيفة القلعاني - أو القلماتي - وضبطه الطبرى فقال: حديثة بن الحصين الغاذاني بالغين والفاء
ولما تولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر الخلافة بعد أبي بكر، عزله عن عمان وولاه اليمامة، وولى على عمان والبحرين عثمان بن أبي العاص الثقفي،.
ويسترسل التاريخ في مذكراته وذكرياته ـ عن قضية عمان فيقول: و في أيام أبي بكر وقت, حادثة دبا، من أعمال عمان، فلقد وجه أبو بكر حذيفة بن الحصين، أو ابن المحصن - الذى كثر تي. رى المؤرخين في ضبطه وهو من بارق، إلى عمان واليا عليها، وكان حليفا للانصار، وكان له بعر ودراية، فصدقهم، أى لعله كان أميرا فقط على الصدقة.
إقطع رأسها قبل أن تطال:
و في خبر تداوله بعض المؤرخين، وتناوله المجتهدون منهم في كتاب, المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار، للمقريزى:
إن أبا بكر رحمه الله، وجه حذيفة إلى أهل دباء وأمره بأخذ الصدقة منهم فقط فلما صار في ولد الحارث بن مالك بن فهم ليصدقهم، تناول بعض عماله خطأ غير (1/140)
صفحة 138
-181 -
مقصود مع امرأة منهم في أمر الصدقة، وكادت الفتنة تطل برأسها الشمطاء بين أحياء العرب، خاصة بعد أن تنادت هذه المرأة بدعوة الجاهلية: «يا آل مالك
ولا سيما بعد أن انتشر أمر الودة بين قبائل الجزيرة، وفوق ربوعها وفي أحيائها وكل فجاجها، وسارع حذيفة إلى بني الحارث وأغار عليهم، وقبض على أناس منهم وأوثقهم قهرا، وساقهم إلى المدينة قسرا، بدعوى الإرتداد الذي اجتهد فيه، وأدركه من تداعى القوم وتصايحهم وتناديهم وصراخهم، وخاف الفتنة، فثار سبيعة بن عراك الصيلمى، والمعلا بن سعد الخمامي – وهما من زعماء القوم، وإليهما الحل والربط - وقدما المدينة في وفد من الناس، حيث جاؤا إلى أبي بكر وقال قائلهم: يا خليفة رسول الله: إنا على إسلامنا لم ننتقل عنه قيد أنملة، ولا حجم شعرة، ولم تمنع زكاة، ولم ننزع يدا من طاعة، ولم نرجع عن دين، وقد عجل علينا عاملك حذيفة، وأوثق أكتافنا، وربط أيدينا إلى أعناقنا. وأنانا إليك
كما ترى ..
فقال أبو بكر: أصنع بكم ما صنعت بالعرب إن شاء الله.
وفي رواية: إن المعلا بن سعد الخمامي، وسبيعة بن عراك الصيلمى - قدما المدينة، وقد
وهما من زعماء أهل دبا بعمان، وإليهما الحل والعقد
-
مات أبو بكر الصديق رحمه الله تعالى وتولى أمر الناس عمر بن الخطاب رضي
الله عنه، فكلماه في سبى أهل دبا. وقال المعلا بن سعد ـ فيما قال ـ
: -
يا أمير المؤمنين، إن حذيفة بن حصن - أو بن الحصين ـ تعدى طوره، وعظم في الناس حدثه وأمره، ولزم العسف في المعاملة، وأذل الأقوام، وربطهم في وثاق القهر والأسر، والضعة والمهانة، واتهمهم بالردة، ومنع الصدقة، وترك الدين، والمكفر بالله رب العالمين، وساقهم إلى سلفكم أبي بكر - عليه رحمة الله - (1/141)
صفحة 139
11? Y-
أسارى مقهورين، واستباحهم وأموالهم، على أنهم غنيمة المسلمين.
فقال
عمر: يا معلا ... إن في الحق سعة، وكف غربك أولى بك، ولقد سوى الإسلام بين الناس. فرفع الضعيف الوضيع، ووضع الشريف الرفيع، إذا خالف الحق، أو حاد عن الجادة، وطريق الصدق، وأعطى كل أمرى.
قطه، من خيره وشره.
عمر ... و ... والقضية:
و نظر عمر من جديد إلى القضية بعينها العادلة، وقلبه المؤمن، وبصره الواعي وعة له المنصف، وفراسته الملهمة. لاسيما بعد أن استنكر كبار الصحابة أسلوب
-
التعامل الذي مارسه حذيفة مع أهل دبا - فأبطل حكم المصدق، و نقض رأيه، ورد السبايا إلى بلادهم - عمان - مكرمين معوزين، وقد أعطاهم من بيت المال ماجبر به خواطرهم، وهون عليهم مصائبهم، وخذف الوطأة، أو أزاحها عن أكتافهم و كواهلهم، ثم التفت بقوة إلى حذيفة، واستدار نحوه بعصبية وثورة وقال له - فى غضب وعنف مارأى عمر على مثلهما أبدا -:
لو كنت أعلم أنك فعلت ما فعلت شرعا خمنته، أو اجتهادا ارتأيته، أو دينا نأولته، دون الرجوع إلى، أو إلى فقهاء المسلمين وعلمائهم، لقطامتك طوائف وأجزاء، ومزقتك أيضاعا وأبعاضا ...
و كان الناس قد تقاولوا كثيرا في أهل عمان، وردتهم، وخروجهم من ريقة العقيدة، ورباط الدين، ورحابة الاسلام والإيمان، بما لم يدع متاباً أن ما با التائب أو آيب ...
وهكذا فوت الخليفة الثاني، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – بثاقب (1/142)
صفحة 140
-431 -
فكره، وصائب نظره - على هؤلاء المعوقين المر جنين أغراضهم الدنيئة، ومراميهم الجبانة الخبيثة، فى اتهامهم أهل عمان، وجماعة دبا بالردة من الحق، والرجوع إلى الكفر، واللجاج في الدين .. والعناد في العقيدة.
إستغراب واستعجاب:
وهكذا قضى: عمر على الفتنة في مهدها، وقبرها موءودة في الحدها، قبل اشتعال نارها، أو تطاير شررها، أو زحف شرها، أو امتداد خطرها. وإلى لا تساءل - في استغراب و استعجاب، ودهول ودهشة كيف يرتد أهل عمان، وأستبعد ذلك منهم، أو وقوعه بينهم وفي مجتمعهم؟
كيف يرتد أهل عمان، وقد أسلموا الله طائعين، وأذعنوا للحق راغبين؟ كيف يرتد أهل عمان وقد سمع العالم كله ما قاله أبو بكر فيهم، وعنهم وقد
اسانت ذلك آنها. حيث قال: معاشر اهل عمان، إنكم اسلمتم طوعا ولم بطأ رسول الله لا مساحتكم بخف ولا حافر، ولم تجشم وه كما جشمه غيركم من العرب، ولم تكلفوه المشاق التي عانى منها في سبيل الدعوة إلى انه مع سواكم؟
فإن أهل مكة أقاربه و عشيرته وذويه آذوه، وطردوه، وأخرجوه، حتى نصره الله برجال من الأنصار، آزرده و نصروه، و تقاسموا معه العقار والمال، وكانوا وإياه يدا واحدة، وعلى قلب رجل واحد. فى الحل والترحال، وانتم يا اهل عمان لم ترموا بفرقة جماعة، ولا قطيعة رحم، ولا تشتت شمل، ثم دعا لكم دعاء طيبا في حديثه عنكم، وعن بلدكم، مع الصحابي الجليل مازن بن عضوية، وشكركم المسلمون جميعا شكرا عظيما على مواقفكم وافعا ليكم من اجل الدعوة الاسلامية؟ (1/143)
صفحة 141
-1 {?-
وجعل أبو بكر يسترسل في الحديث مع أهل همان الانقياء الأوفياء، ويحكى عنهم الحال التي سر النبي منها تجاههم، فقال - فيما قال: ثم بعث اليكم صلوات الله وسلامه عليه ـ عمرو بن العاض بلاجيش، ولا سلاح، فأجبتموه إذدعاكم على بعد داركم، وكثرة عددكم، وأطعتموه إذ أمركم، فأى فضل يا أهل عمان أبر من فضلكم؟ وأى فعل أشرف من فعليكم؟ وكفاكم شرفا إلى يوم القيامة والميعاد ماقاله رسول الله ما عندكم وفيكم - للصحابي الذي أرسله عليه السلام إلى قوم لأمر ما .. فسبوه وضربوه -: «لو أنك أتيت أهل عمان ماسبوك وما ضربوك، بل كانوا قد أهلوابك وأكرموك ..
وكان أبو بكر رضى الله عنه يقول دائما وكثيراً - كما يروى ذلك المؤرخون ويعيه التاريخ في أهل عمان: اللهم ثبت ألسنتهم على قول الصدق، واهد قلوبهم دائما إلى طريق الإيمان والحق.
تلك هي عمان - مهد الحضارة الإسلامية - فى منظور أبي بكر ومنطوقه .. و هذه هي تنويهاته بها، وإشاراته إليها، وشهاداته لها. فأين دعوى الارتداد إذن؟، وأهل عمان من عهد النبوة حتى اليوم، مازالوا ـ وان يزالوا أبدا ـ ثابتين على إسلامهم، أوفياء لعهودهم مع الله، أمناء على أداء ما التمنهم عليه رسول الله؟
ذلك هو الصدق، وهذا هو الواقع والحق، وتلك هي. عمان معاذ الهدى واليقين، وملاذ العقيدة والدين. ومهوى الأفئدة، ومعقد الآمال.
فماذا اذن بعد، مع
هذا الكذب وذلك المحال؟ وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
و لعمري است أدري من أين بدأ مشوار هذه المقولة الماكرة الخبيثة عن عمان وأهلها
الطيبين الأخيار فوق خريطة التاريخ، وبين أبعاد الحقيقة والواقع؟ (1/144)
صفحة 142
145
جميعا من الازد:
هذا .. ويلاحظ ان اهل عمان جميعا من الأزد الذين يتصل نسبهم إلى نبي
الله هود عليه السلام.
و للازد القدح المعلى، والمكانة السامية، والمنزلة المنيعة الرفيعة في عالم
العروبة والإسلام. لا سيما بين ربوع عمان ...
إذ أن يعرب بن قحطان - أول من التقى البذور العربية في أرض عمان - من الأزد، و كذلك مازن أو مالك بن عضوبة بن حيان بن طيئ السمايلي أول من تلقى الإسلام على يدى الرسول مال و ألقاء في البيئة العمانية من الأزد أيضا. وكذلك كان أسبق الناس إلى صحبة الرسول صلوات الله وسلامه عليه من العمانيين الأزد بين، أصحابا، وصاحبات.
كما كان منهم الرواد الذين ارتادوا مجاهل العالم، واكتشفوها، فكريا. وعقائديا. وجيولوجيا .. وجغرافيا. . ولغويا، وتكنولوجيا. وعلم يا شموليا على وجه العموم ...
ومنهم كذلك الفطاحل الافذاذ من العلماء العباقرة الذين أفضوا وأفاضوا
الشوء الكثير الوفير.
ومنهم
القادة الأشاوس الذين اخذوا على عواتقهم تحرير كل مغصوب،
و تخليص كل مكروب، ومساعدة كل محتاج. وذرع مساحات الدنيا جيئة وذهو با للأخذ بناصر الإنسانية، والوقوف بجانبها، حتى تستكمل الشوط، وتدور مع المشوار في سبيل ترقية الحياة. و من اجل افساح الطريق امام مسيرة الإنسان. و من الأزد - و من اعلا انماطهم فى ارض عمان العربية - هؤلاء الشوامخ من الملوك والسلاطين، العدون الأمناء. الانقياء الأوفياء .. الذين افاضوا العدل، ووضعوا الموازين القسط في معاملات الناس، وتعاطى اساليب الحكم (1/145)
صفحة 143
-187 -
والسلطان، وإذن فمن حق الأزد - وقد عرفت فضلهم ـ على كل مشتغل بالفكر الإسلامي، والتأصيل العربي، أن يقف معهم لحظات، في أغوار التاريخ، ومنعطفات الماضى، وجيوب - أو دهاليز - المتغيرات الحادة الجادة، ومع الأحداث الكبيرة المثيرة التي أثاروها على حقب متفاوتة، من عمر الزمن، ليطلع عليها ويعايشها كل مفتون بسلوكهم، أو معجب بطريقهم، في التعامل مع الحياة.
من حق الأزد على شيوخ الإسلام وشبابه، وشيخاته وشاباته. من حق الازد على آباء العروبة وأمهاتها، وصبيانها وصبياتها.
من حق الأزد على الصنفين معا – رجالا ونساء ــ في جميع الأعمار، ومع
مختلف از اسنان.
من حق الأزد على كل هؤلاء أن يقفوا له، وأن يحتفوا به، وأن يحتشدوا في موكبه، تعظيما وسلاما، وتقديرا واكبارا.
وكان من الأزد تلك الطوابير العديدة المديدة - من أزل الدنيا إلى أبدها على ساحات المجد، وفوق مساحات أو مسافات العبقرية و النبوغ، و الإبداع والإبتكار، وقد شرقت بهم الحياة و غربت و يامنت وياسرت، وأتهمت وأنجدت
وسارت بهم في كل منحى واتجاه في أمور الدنيا وشئون الحياة. وقد بعضهم إلى الشام، واستقرت أرومتهم وأمو منهم في عمان، عبر رحلات وهجرات، وأفواج، وأمواج، ومسيرات وأشواط، تكفل بها التاريخ، و وقف معها بجميع مؤشراته ودلالاته. فالازد .. هو ابن الغوث بن مالك بززيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يا رب بن
قحطان بن هود في الله عليه السلام.
وولد الأزد نصرا، و من نصر تناسل مالك، و من مالك بن نصر تفرقت القبائل والبطون والافخاذ. (1/146)
صفحة 144
- 147
و من تلك القبائل قبيلة أزد شنوة بني عثمان، وهو عثمان بن نصر بن عثمان
اين زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن الحارث بن مالك بن اصر بن الأزد.
و من الأزد راسب، الذي ينتسب إليه عبد الله بن وهب الراسبي، أول الخوارج الذين خرجوا مجاهدين في سهيل الله.
في كل مكان:
وقد تفرعت من الأزد - بعد ذلك - أهم شي، وأقوام لا تحصى، أو
-
نستقصى، في العراق والشام. وما إليهما من البلدان المتفرقة، وفي أفريقيا عموما وفي شرقها على وجه الخصوص.
ومن ذريتهم الملوك والسلاطين في أنحاء الجزيرة العربية، ولاسيما دول الخليج وبالذات، أو بالأخص السادة النجب، والكواكب الشهب من ملوك وسلاطين بو سعيد في عمان.
ومنهم من أوقد النار بكل يفاع من الأرض لتفد إليها الضيوف والوفود، وذوو الفاقات، والحاجات، والتائهون، والحيارى، عبر الصحراء، وفى أعماق الجزيرة.
ومنهم من بنى المنازل، والمناهل، وترك عليها الأنعام والمواشى، لإطعام الجائع، وإيواء الغرباء، والقيام على إضافتهم، وراحتهم، وانتجاعهم.
و إلى الأزد - كما أسلفت، وأوضحت - صار الحكم، والدولة، والسلطان والملك في عمان، حتى يومنا هذا - وبمشيئة الله - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. (1/147)
صفحة 145
-- SE^-
فمن ولد مالك بن فهم كانت ملوك وسلاطين عمان.
وصح كل ما نسبه التاريخ إليهم من مجد، و باهى. من فخار.
ومنهم تبدأ حركة الحياة صحيحة, و تتطلق دورتها في الإطار المحسوب المكتوب، كما تحركت ودارت، في قابل الأيام فيما بعد. وفي عهودهم، ومعها شامخة عملاقة - يقاس بها الواقع، وتمشو على حداها الحقيقة، وتتشكل في إطارها، وبين أبعادها صور الحياة. وكان من أبناء معولة بن شمس بن عمرو، وذراريهم ما كان، ما صحت به خطوات المجد الواثية على طرائق العز والفخار، وما تواءم مع إنطلاقاتها في مسيرات الحياة إلى الغلبة والانتصار، وكان منهم بنو كهلان وملوكهم، ومن ملوك هؤلاء القوم أمرؤ القيس بن عوف بن عمرو بن الحارث بن أدد بن زيد
ابن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
و من قبائل الأزد - بعد مالك بن نصر بن الأزد – راسب، وعامد
وبنو واكبة القرح.
ومن
6
ان رجالهم مخفف وجندب بن زهير، ومالك الأهبيئة الشاعر، والحجن بن المرفع، وعبد
، وبنو مازن، وأبو ظبيان الأعرج، بن سليم
الرحمن بن عوف، وعبد الشارق لغط، وعامد بن جندب الخير.
ومنهم عبد الله بن كعب، وبنو شكر، وبنو قطيفة،، ومنهم
وعبد الله بن زهران، وزهران بن كعب وأيضاً مع سائر الفنون:
مالك
بن كعب
ومنهم أبو عبادة البحترى الوليد بن عبيد بن يحي بن عبيد الله بن شملان ابن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن جشم بن أبي حارثة بن جدى بن بدول ابن محتر بن عوف بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمران بن الغوث بن جلهمة ابن علي بن أدد بن زيد بن كهلان بن يشجب بن يعرب .. الشاعر المشهور. (1/148)
صفحة 146
1189 -
ومنهم أبو تمام حبيب بن أوس الطائى، وأبو الطيب المتنبي، الذي كان الدهر من رواة أشعاره
ومنهم أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المظفر بن زياد بن ربيعة بن الحارث، بن ربيعة بن أنور بن أسحم، بن أرقم ابن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن شريح بن جذية بن تيم الله بن أسد ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمان بن الحاف بن قضاعة التنوخي المعرى الشاعر المتشائم الفيلسوف.
ومنهم الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة.
و من ذريتهم السلاطين: شمس بن عمرو، وعناق بن حاضر، وعمر بن مالك، والوايد بن عصر، وبنو الحدان بن شمس.
ومنهم صبرة بن سليمان الحداني – وكان رأس شنوة ـ.
ومنهم مدولة بن شمس بن عمرو بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، و من ولده كانت ملوك عمان وسلاطينها، وإليهم صار الملك مالك بعد بن فهم وولده.
ومنهم عبد العزيز بن محولة بن شمس بن عمرو، وكان من أعز الناس نفسا وملكا، وهو الذي دى القباب – موضع بنجد واستبى منه ألف فارس.
-
و من سادة الأزد وشجعانهم، بنو المهلب بن أبي صفرة، فلقد تناسل من المهلب ولده ظالم بن سراق بن صبح بن کندي، بن عمرو بن وائل بن الحر بن
العتيك بن أسد بن عمران بن عمر
ولم يزل المهلب ظافرا منصورا، فلقد دعاله على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وكان مستجاب الدعاء وأخبار المهلب، وأحاديثه، وأيامه ومعاركة، وملاحمه (1/149)
صفحة 147
11011
وسياساته، ودبلوم اسيانه، ودهاؤه، كلها درر وغرر، تتحلى بها الأخبار، ويتناقلها القصاص والسمار، ويقف التاريخ أمامها خاشعا راكعا، يرقبها على استحياه، ويرويها في خفر وحياء.
ومن الأزد بنو خطامة من ملوك اليمن، ومنهم عبادة بن الصامت، ومنهم قحطية أحد نقباء بني العباس، ومنهم أبو حنبل جابر بن حجر الثعلبي الذي أجار أمرؤ القيس، ومنهم كعب بن الأشرف، ومنهم أخزم بن أبي أخزم جد
حاتم الطائي.
في الجاهلية والاسلام
و من مشاهيرهم في الجاهلية إياس بن قبيصة، ملك الحيرة بعد النعمان بن المنذر، ومنهم معتن بن صعتر، وكان يعد من دهاة الحرب.
ومنهم قسامة بن رواحة الشاعر، ومنهم عبد عمر بن حماد، و كان خطيب مذحج، وأمتع الناس حديثاً.
وكان من ملوكهم القدماء. الرايش بن شداد، وهو أول التبابعة ـ وأبوه شداد بن الملفاظ - غزا ملوك الأعاجم، وسار إلى أرض فارس، فقتل وغنم وأسر خلقا كثيرا ومالا لاطائل له.
ومنهم ذو المنار أبرهة بن الرايش الذي غزا أرض المغرب. ومعه أبنه العبد على مقدمة جيوشه، واستخلف بعده على اليمن ابنه إفريقيش بن أبرهة، ثم تملك بعده إبنه العبد. فلما مات ملك الأمر ذو شرح الهدهاد بن شراحيل. الذي ـ يقاله بأنه - تزوج أمرأة من الجن. فأولدها بلقيس التي ملكت بعده و تزوجت نبي الله سليمان - كما ورد ذكر ذلك في القرآن. . وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. .
-
— (1/150)
صفحة 148
11011
ومنهم ناشر النعم بن عمر و بن شراحيل،
ومنهم الحارث بن شداد الذي سار نحو المغرب، وساحل البحر، ودخل العراق، ثم توجه إلى الصين، وكان طريقه إلى ذلك ارض فارس وسجستان، حتى دخل خراسان، وهو التبع الثاني، ومن بعده ولده عميكرب الذي غزا اهل الروم، ثم حفيده كليكرب، ويحيى التبع الثالث – الأسعد بن تبع بن كلاي كرب الحيرى - الذي بلغ في مغازيه ما بلغه آباؤه واجداده من تشريق و تغريب، وزاد عليهم في الشمال والجنوب، ثم سار إلى بحر الظلمات، ودخل بلاد فارس، وخرج يريد بلاد معد، ومضى إلى الطائف. بعد ان اكتسح الجيوش وافتتح البلاد وارسل سراياه إلى هوازن وثقيف، واتجه ـ في مسيرته - إلى اليمامة، ثم سار أخيراً في رحلات متتالية متواصلة، وحروب شرسة رهيبة، واشواط بعيدة مديدة - عجز التاريخ عن ملاحقتها وتتبعها والكتابة عنها - حتى دخل المدينة، - يثرب ـ وارسل إلى اشرافها وذوى الرأى فيها من الأوس والخزرج ....
أبيت اللعن:
-
ثم إن الأوس والخزرج ناصحاه، وأخلصا له الرأي والمشورة، حين قالوا له: أبيت اللعن، إن اليهود أهل ختل، وخدع، وحيل، فمثلك ـ وأنت التبع العادل - لا يقبل على العقب، ولا يقبل قول الزور، وشأنك أعظم من أن يصير أمرك إلى التسرع، أو إلى ما لا يجمل، وأنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، .. قال التبع - في تعجب -: ولم ذلك؟ قالوا: فإنها محفوظة، وإنها مهاجر أي من بني إسماعيل بن إبراهيم، إسمه أحمد، يخرج في آخر الزمان من هذه الثنية - وأشاروا إلى مكة - .. قال تبع ـ وقد أخذته الدهشة، وكأنه يستعجل الزمن -: متى يكون ذلك؟ قالوا له: سيكون هذا الأمر من بعد زمنك بزمان و أزمان .. فوقع كلامهم في قلب التبع، ولعله صادف هوى في (1/151)
صفحة 149
11011
نفسه، وأمسك عن حرب أهل المدينة، وانصرف عن رأيه في حربها وخرابها .. ويستمر التاريخ في حديثه الأخاذ المذهل - عن هذا التبع - فيقول: وسار
تبع نحو مكة فنصب مطابخه فى الشعب – الذي يقال له شعب عبد الله بن عامر - وكانت خيله بمكان إسمه , جياد الخيل،، وأقام مكة أياماً ينحر في كل يوم خمسمائة بدنة، والناس يأخذون منها حاجاتهم، وتقع عليها الطير، ثم تنهشها السباع إذا أقبل الليل، وأمسى المساء ..
ورأى هذا التبع في منامه أنه يكسو البيت، فكساه بالأنطاع، ثم كاه بالبرود الموشاة من حبرات اليمن، وطاف بالبيت، وجعل لبا به مصراعين من الذهب، ومزلاجاً من أندر المعادن الثمينة الغالية ...
—
وعن أبي هريرة ـ بأسانيد مختلفة
--
قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن سب تبع الأسعد الحميري، وقال: «لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم، وهو أول
من كسا البيت. .
واستمر ملك التبابعة قائماً دائماً، فمن حسان بن ذي معاهن بن تبع، إلى عمرو بن تبع، إلى عبد كلال بن مثوب من تبع، إلى مرثد بن تبع، إلى وليعة ابن مرثد بن تبع، إلى حسان بن عمرو تبع الأصغر بن حسان بن ذي معاهن ابن تبع الاسعد، وكانت مدة ملكه سبعاً وخمسين سنة ... ثم ملك من، بعدهم رجل ليس من أهل المملكة، ولا من التبابعة، هو، خشيعة ذو شناز، الذي استمر في الملك سبعاً وعشرين سنة، إلى أن قتله ذو نواس من ولد تبع، وهو صاحب الاخدود الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة البروج ..
>
ثم كان ما كان من أمر أبرهة الأشرم الذى ابتنى بيعة لعبادة النصارى في الطريق من مكة إلى اليمن، ليصرف بها الحاج عن عبادة الله في المكعبة، وأن يجعل حج العرب إليها، فأهم ذلك العرب وأغمهم، وبيتوا بينهم أمراً، وأداروا أقداح الرأى فيما يتخذون حيال ما أحدثه أبرهة الأشرم، فقال القلمس الكناني - (1/152)
صفحة 150
-107 -
وهو من دهاة العرب وعظما تهم، وكان من نسأة الشهور ـ أى الذين يقدمون
ويؤخرون فيها -
-
إذ كان يقف عند جمرة العقبة، ويقول: اللهم إنى ناسى. الشهور، وواضتها مواضعها، ولا أعاب ولا أجاب، اللهم إني قد أحالت أحد الصفرين، وحرمت صفر المؤخر، وكذلك في الرجبين رجب وشعبان ... إنفروا على إسم الله أيها العرب، أقول: قال القدس الكناني للقوم – الهائجين المائجين -: أنا أكفيكم ذلك، وأكفيكم أمر ابرهة هذا .. ثم سار حتى ورد على ابرهة، وقال له: أنا وافد قومى عليك، وانهم سيحجون لبيعتك من قابل فسر به إبرهة وأكرمه، حتى إذا كان يوم عيد الحبشة، واشتغل الأحباش بملاعبهم وخمورهم، أقبل القلمس الكناني وسلح في البيعة، وأقذر حيطانها. ثم قفل راجعاً إلى مكة المكرمة.
وغضب لذلك ابرهة اشد ما يكون الغضب، ثم بعث إلى النجاشي يستأذنه ويستمده العون في حرب العرب ... واعتزم المسير إلى البيت ليهدمه، وساق الجحافل والجيوش تتقدمهم الفيلة والأفراس، في عدد وعدة، وتهيئة وتعبئة
لم يرا ير الرامون مثلها قبلا
يا أبناء حمير:
وهنا هب العرب عن بكرة أبيهم، ونصايحوا على المعركة، وتنادو متجمعين، وقالت حمير:، والله، يا معشر حمير، لئن سار ابرهة إلى البيت الحرام يريد هدمه، ولم تقاتلوه، ولم تمنعوه عن ذلك، اشتد غضب الله عليكم، وعلى سائر العرب ... فنزلت حمير من جبالها، وعليها ذو نفر بن الأنقاء الحميرى، فساروا حتى لقوا ابرهة، وقاتلوه قتالا شديداً، فانهزمت حمير، و، وانكشفت،
فلحقت بأجبالها.
وثبت ذو نفر حتى أسر، فأتى به ابرهة، فكلمه فيه مضارب بن سعيد (1/153)
صفحة 151
11021
الحميري، فاستبقاء ثم إن أبرهة وجه الأسود بن صقور ـ وهو قائد من قواده - من تهامة، وعهد إليه، فسار حتى أوقع بقيس، وبنى عقيل،
وأسروا فيمن أسروا خالد بن كعب بن كلاب ..
ثم سار حتى قدم تهامة، فأخذ ما أصاب من سبي، وأخاف أهل الحرم، وكان جيشه كلهم من السود، ليس فيهم عربى إلا دليل، وأقام الأسود بتهامة، وكتب إلى أبرهة بما يصنع ...
فسار أبرهة ــ بعد ما هزم ذا نمر - فجمع له نفيل بن حبيب الخثعمى
-
خثعماً كلها، ثم سار إليه، فواقعه، فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزمت ختم، ولحقت بجبالها، وأسر تميل بن حبيب، فأتى به إلى أبرهة، فقال له نفيل: استبقنى، أ كن دليلك في أرض العرب.
فاستبقاء أبرهة، فسار به تقيل حتى انتهى إلى البيت الذي كانت ثقيف تعظمه بالطائف، وأراد بذلك صرفه عن الحرم.
وقال تنميل: أيها الملك، دونك هذا البيت الذي أردت، فاهدمه، وأصنع بأصحابه ما شئت، فقال له مسعود بن مغيث الثقفى: ليس هذا البيت الذي أردت، بل هو أمامك، وإن الأسود بن مقصور دونه ينتظرك.
وبعث مسعود بن مغيث رجلا من ثقيف دليلا لأبرهة إلى الحرم، فسار معه الدليل الثقفى، حتى أورده مكة، وعظم أمره في قلوب أهل تهامة، و هربوا منه حتى لحقوا شواهق الجبال ..
أعجبتني ثم زهدتك:
وكانت طلائع الجيش - فيما نهبوا من أموال كنانة ـ قد أخذوا إبلا لعبد المطلب بن هاشم، فأقبل عبد المطلب بن هاشم حتى أتى عسكر أبرهة، يطلب (1/154)
صفحة 152
-100 -
رد إبله، فدخل على ذي نفر الحميرى وكان صديقاً له - فقال: هل عندك حيلة أدخل بها على أرهة؟ فقال ذو نفر: وأى حيلة عند مجوسى؟
فكلم ذو نفر أنيساً سائس الفيل، وقال له: يا أبا رباح، هذا سيد قريش،
وصاحب هذا البيت، فاستأذن له على الملك.
فدخل أنيس وأدخل معه عبد المطلب على أبرهة، فأعجب به أبرهة وقال:
سل حاجتك
فقال: مائتا بعير، أخذها الأسود بن مقصور.
فقال أبرهة: لقد أعجبتنى حين ظننت أنك لا تسألنى مالك دون دينك، أنا أريد أن أهدم بيتكم الذى تحجونه، وهو عزكم، وأنت تطلب منى إبلا؟
فقال
عبد المطلب: إنما طلبت إبلى، وأما البيت فإن له ربأ سيمنعه ويحميه،
فردوا عليه الإبل
وأنى عبد المطلب قريشاً، وقال: قد أنا كم ما لا طاقة لكم به، فارغوا
إلى ربكم، ثم أخذ علقة الباب، وقال:
يارب لا أرجو لهم سوا كا يارب فامنع منهموا حماكا
يارب لا يفلح من عصا كا
إن عدو البيت من عادا كا
فلذا أصبح أبرهة، وتهيأ لدخول مكة، وعبأ الحبشة، وقدم الفيلة، أقدم نفيل بن حبيب الخشمى، فأخذ بأذن الفيل، وهو يقول: إنزل محموداً،
وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في حرم الله وكنفه.
فبرك الفيل، ولم يتحرك ...
وخرج نفيل يعدو حتى صعد الجبل، وضربوا الفيل، فقام، فوجهوه إلى (1/155)
صفحة 153
-109 -
البيت، فبرك، فوجهوه إلى المغرب فارتد، فوجهوه إلى البيت، فبرك.
فصاح أنيس – سائس الفيل -: أيها الملك، نفيل سحر الفيل.
قال: أطلبوه.
فجعلوا يصيحون: يا نفيل ... يا نفيل.
وأرسل الله عليهم طيراً أبابيل كأمثال الخطاطيف، مع كل طائر ثلاثة أحجار، في كفيه ومنقاره، أمثال الحصى كما يقرر ذلك المفسرون
فلما غشيت القوم، أرسلت عليهم ما متها من الحجارة، فلم تصب الحجارة إلا السود، فكانت تنصيب الأسود بين الأبيضين
قال
عبيد بن شرية: أخبرني رجل قال: قد أصيب أسودان، وأنا بينهما، فنظرت إليهما والحجرة نقع على اليافوخ، فتمر على جوفه إلى الدابة، فتنفذ إلى الأرض، فلا يرى شيئاً.
وجعلوا يسألون عن نقيل، فلم يجبهم أحد.
بعدت بلادك عنا
وخرج الأحباش العادون يتساقطون في كل طريق، وأصيب أبرهة أيضاً، فخرجوا به متوجهين إلى صنعاء اليمن، فجعلت تسقط أنامله، وكلما سقط إصبع أتبعها دم وقيح، حتى قدموا صنعاء، وهو مثل الفرخ، فانصرع قلبه فمات.
فملكت الحبشة عليهم يكشوم بن أبرهة، فلم يلبث أن هلك هو الآخر، فقام مقامه أخوه، مشرق بن أبرهة.
وكان ابن ذي يزن،، واسمه النعمان بن الحارث بن قيس بن معدى يكرب ابن عبد سيف بن ذي يزن، وهو عامر بن أسلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس (1/156)
صفحة 154
- lov -
ابن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن سبأ، ومن قبل ذلك بمدة كان قد خرج حتى قدم
على قيصر اروم يستعده على الحبشة، فطله القيصر ثلاث سنوات، ثم مال إلى النصرانية، فلما عرف ابن ذي يزن ذلك خرج من عنده، حتى قده على النعمان بن المنذر اللخمي، وكان النعمان يأتي كسرى مرة في كل خمس سنوات، وذهب ابن ذي ازن مع النعمان حتى دخلا على كسرى في إيوانه وتاجه معلق فيه كالقنديل، يتقد بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فى سلسلة من ذهب في رأس إيوانه، فلما دخل ذو يزن من باب الإيوان طأطأ رأسه، فلما وصل إلى كسرى كلمه، وشكا إليه ما هم فيه من أمر الحبشة، وسأله أن يبعث فيهم جنداً لمحاربتهم ..
فقال له كسرى: بعدت بلادك عنا.
فقال له ابن ذي يزن: إنما نريد من الرجال سمعة بقدر ما يذهب بها الصوت، فاني لو صرت إلى بلدى اصار إلى من الخيل والرجمال ما شئت.
فقال له كسرى: أنظر في حاجتك وأرى رأيي.
ثم دعا بطعامه، وجلس مع ذي يزن يؤا كله، ووضع كسرى ألوانا من الطعام بين يدى ابن ذي يزن، وقال لرجل من أساورته: خذها، فمد الأسورة يده ليأخذها, فضر به ابن ذي يزن بالسكين، فقطع إصبع الفارسي.
بين کسرى وابن ذي يزن:
وكان ابن ذي يزن - حين دخل على كسرى، وكلمه قد سقطت محضرته من يده، فقطع كلام كسرى حتى أخذ المحضرة، ثم تكلم.
منهن
فقال له كسرى. قد فعلت منذ دخلت ثلاث خلال، ما رأيت أعجب (1/157)
صفحة 155
101 -
قال ابن ذي يزن: وماهن؟.
قال کسري: دخلت وانت رجل قصير، وإيواني ذاهب في السماء، وطأطأت راسك، حين دخلت ابواب الإيوان، ثم كالمتنى فسقطت محضرتك من يدك فقطعت كلامي حتى اخذتها، وما فعل هذا بي احد قط، ثم جلست على طعامى فريد رجل من أساورتى يده ليأخذ شيئاً من بين يديك، فقطعت إصبعه بسكينك،
ما رأيت مثلك فما هذا؟.
قال ابن ذي يزن: اما قولك، طأطأت راسى فهى همى أعظم من إيوانك، واما قطعى كلامك حتى اخذت محضر تي، فإن كلامى بها وما كنت اتكلم وليس حضرة، و ة، واما قطعى يد رجل من أساورتك فإني ما خرجت من اليمن إلا مخافة ان أضام، فكيف اقر الضيم وأمارسه، او و هو يمارس معى، وفى ايوان کسري؟
معي
فعجب كسرى من كلامه، ثم شاور أصحابه، فقالوا: ما ينبغي لك ان تنجد
هذا الرجل، وبلده بعيد، وليس لك من الرأى إلا ان تخرج من في سجونك من الفرس، وتعطيهم السلاح، ونقو بهم بالخيل والآلة، ثم توجه
بهم مع هذا
الرجل لقتال الروم، فإن فتحوا فتحاً كان ما اردت، وإن قتلوا كان قتل قوم كنت تخافهم على مملكتك
فأخرج كسرى كل من كان في سجونه من الفرس من كان يخافهم على عليكته و كانوا ثمانمائة رجل، واعد لهم السلاح والآلة. وحملهم على الخيل.
وقال لابن ذي يزن: ليس عندى ما انجدك به غير هؤلاء فوجه بهم معه، وولى عليهم ابن عم له قد تشعب عليه يقال له خر زاد بن (1/158)
صفحة 156
-109 -
موسى، من نسل بهرام أحور، وكان رجلا حازماً، وهو من الأساورة
المتقدمين
، ومنه مائة وعشرون سنة، وقد سقط حاجباه على عينيه.
فحملهم على ثماني سفن، وساروا حتى أرست مرا كهم بساحل عدن. فلم اخرجوا إلى عدن كتب ابن ذي يزن إلى اليمن، يخبرهم بقدومه. ويستنجدهم وكان أول من أنجدهم السكون، من كندة، في جمع عظيم، ونزلت إليه حمير، وهمذان من جبالها في أربعين ألفاً من اليمن، وصارت الفرس فيهم كالشامة،
لا يعرفون إلا بالإسم.
ذل الحمار وذل ملكه:
فلما رأى خر زاد بن موسى كثرة من صار مع ابن ذي يزن، أو حشه ذلك
فقال: ما تأمرنى، فإني لا أظن بك حاجة إلى؟.
قال: بل أنت معى حتى تظفر جميعاً أو نموت جميعاً.
فسر خر زاد بما قاله.
وسمع مسروق بن أبرهة ملك الحبشة بابن ذي يزن، وما اجتمع إليه من الناس فجمع أصحابه، وسار بهم للقتال.
فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديداً، وعمد خر زاد إلى ابن له، فولاه فرسان أصحابه، وقدمه ليقاتل، فصار في موضع لم يمكنه الخروج منه، فقتل جميع
أصحابه.
واصطكت الناس حتى حميت الشمس، و كان مسروق على الفيل، واشتد القتال و كان على رأس مسروق تاج، وفيه ياقوتة حمراء، فلما حميت الحرب قال لهم خر زاد: يا معاشر حمير واليمن، على أى الدواب ملككم؟. (1/159)
صفحة 157
-19.-
قالوا: على الفيل، فقاتلهم ساعة. ثم قالوا: تحول على فرس، فقاتلهم ساعة. ثم قالوا: تحول على بغل، فقال: ذل الحمار، وذل ملكه، إسمتوا إلى سمته، فلما استقر بصره عليه، وقد ربط حاجبه بحريرة، فأخذ قوسه، ثم نزع فيها، ور مي مسروقاً بسهم، فأصابه السهم على الياقوتة التي بين عينيه، فتقلقل السهم في رأسه حتى خرج من قفاه، وخر صريعاً، وحمل أهل اليمن على الحبشة فانكشفواء وقتلوا كل من اختفى تحت حجر أو شجر.
و ملك ابن ذي يزن اليمن، ودخل صنعاء، و نزل غمدان، وهو بيت مملكتهم وله حديث طويل.
فلما توفى ملك بعده، أبرهة بن الصباح الأصبحي، ذي أصبح بن طبيعة بن شيبة الحمد بن شريك الخير بن نكيف بن زيد بن معدي كرب إن مصحا، وهو عبد الله بن عمر ذو أصبح بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة بن سبأ الأصغر ابن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن الهميسع بن حمير بن بن سبأ.
معد بن
وكان من أحلم ملوك اليم، جزيل العطاء، حسن الرأى، محبا لبنى. عدنان، وكان ذا علم وافر، ويرى فى عله. . . أن الملك صائر إلى بني قهر،
وهو القائل:
صبراً بني حمير عن مليككم فأنا إلى معد أراء زول ملككموا
ولم يزل الملك في حمير يتوارثونه إلى أن أتى الله بالإسلام.
وكانت أم أبرهة بنت الصباح، ريحانة بنت أبرهة الأشرم ملك الحبشة من ولد أبي شمر بن أبرهة الذى قتل مع على أبن أبي طالب بصنمين، وأبو رشد بن أبرهة (1/160)
صفحة 158
-171 -
كان سيد حمير في زمانه بالشام، والنضر بن تريم بن معدي كرب بن أبرهة كان
مقدام حمير وأمه بنت معبد بن العباس بن عبد المطلب
والعمالقة يتوافدون:
و من الأزد أيضا، امرؤ القيس بن حاج بن عبيد بن ذهيل بن عبد الله بن كنانة
-
ومنهم بنو المدينة - وهو اسم امرأة - بنو يخصب، نسبوا لها ـ وولد عمرو بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن زفيرة بن ثور بن كلب بن وبرة.
و منهم الفحل بن عياش بن شراحيل بن سميرة، جد بني جابر بن زهير الذي قتل يزيد بن المهلب، ومنهم محمد بن السايب بن عمرو بن الحارث بن عبدالعزعا ابن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود، وابنه أبو المنذر، وكانا من أعلم أهل زمانهما بعلم العرب، وأيامها، وأنسابها، وكان محمد ابن السايب ممن حضر الجماجم، عند عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان عالماً بتفسير القرآن الكريم، وأيام العرب.
وقد روى عنه أنه قال: حضرت مجاس ضرار بن عطارد بن ولد حاجب ابن زرارة بالكوفة، فبينما أنا عنده إذ رأيت رجلا بالمجلس كأنه جرذ يتمرغ في الحر، فغمزني ضرار عليه، فقال: اسأله، ممن أنت؟ فسألته، فقال لى: إن كنت ناسياً فانسيني، فإني أشرف بني تميم، فابتدأت النسب، فنسبت تميما حتى بلغت غالباً، فقلت: وولد غالب هماماً، فاستوى جالساً وقال: والله ما سمانى أبواى إلا ساعة من نهار، فقلت له: إني لأعرف اليوم الذي سماك فيه أبواك الفرز دق، أتعرف أي يوم كان ذلك؟، فقال: حين بعثك في حاجة، فخرجت تمشى وعليك منشفة لك فقلت: والله لكأنك فرزدق دهقان - قرية سماها، (1/161)
صفحة 159
- 162 -
بالجبل - فقال: صدقت والله.
ومنهم أبو ثور بن جهينة، واسمه إبراهيم بن خالد، ومنهم بنو رقاش، ومنهم مالك وربيعة وثعلبة بنو عامر بن عوف، ومنهم، حميد بن سالم صاحب مرة كلب.
و من شعر انهم حسان بن الطوامة، ومنهم بنو زيد مناة بن عامر، ومنهم الخزرج رهط رحبة بن خليفة بن فروة بن فضالة بن امونه القيس بن الخزرج وهو زيد مناة بن عامر بن بكرة، ومنهم بنت كلب بن عمرو بن عدى الازد، وغلبت على ولد عوف بن عامر، فولدت كعبا والحارث، وحجرا، وبنى عوف ابن عامر، و، وبها يعرفون.
ومنهم الأبرش الكلبي، واسمه الوليد بن هاشم، وكان نسابة عالماً بالأخبار وسير الملوك، وكان مصاحباً لهشام بن عبد الملك، فلما أفضت الخلافة إليه سجد هشام، وسجد كل من كان معه. والأبرش شاهد لم يسجد، فقال له هشام:
ما منعك من السجود؟
فقال: ولم أسجد وأنت اليوم معى ماشياً؟
فقال هشام: فإن طرت أتطير معي؟
فقال: أراك فاعلاء.
قال: نعم: والله،
قال الأبرش: الآن طاب السجود.
د.
و من كلب، يزيد بن معاوية بن قيافة بن عدى بن زهير بن عبد الله بن كنانة
ابن بكر بن عوف، عاش مائة وثمانين سنة، وأدرك الإسلام، ولم يسلم، وأما ابنه فقد أسلم وحسن إسلامه. (1/162)
صفحة 160
-11 -
ومنهم بنو حسن، ومنهم مشجعة بن تميم بن ثمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان ومنهم راسب بن حدير بن حزم بن رتان بن تغلب بن حلوان بن عمران، ويقال: ومنهم حزم بن زياد بن حلوان بن خولان بن عمرو بن الحاف.
ومنهم أيضاً:
أما بطون عمرو بن الحاف، فان منهم أسلم بن عمرو بن الحاف، ومنهم أراشة ابن عمر و بن بلى بن عمرو، ومنهم فرعون موسى، واسمه الوليد بن مصعب بن قاران بن بلى بن عمرو، ومنهم الهيثم بن التيهان، واسمه ما لك، وهو من خيار المقداد الصحابة، ومنهم بدر بن عمرو. ومن بار ان الأسود صاحب رسول الله، حليف الأسود بن عبد يغوث بن مغيث بن عبد مناف ابن زهرة، واسم أبيه عمرو، ولكن غلب عليه اسم الأسود بن عبد يغوث الزهرى، ومن بهر أهبيلة بن هبل بن عمرو بن أبي جشم بن كعب بن عمرو بن لحيون بن مهرا، غلب على اسم ولده خوط بن عامر بن عبد ود، وزيد بن خوط ابن عامر بن عبد ود، و من بهر الأوية بنت أبى جشم، وهم بطن بمضر، والحوتك وقتيبة بن أسلم بن عمرو، وفهد بن زيد بن ليث، ويقال، الأوية بنت أبى جشم ابن كعب بن الحاف، ومهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف، وهو الأصح، و من مهرة رشيد بن سعيد الفقيه، ومنهم عنابة الفيل بن صعد ان النحوى، وحويكة ابن أسلم بن عمرو. ومنهم فهد بن عبد الله بن العجلان الشاعر، ومنهم عقبة بن
عامر، صاحب النبي،، بعد قدومه إلى المدينة، وكان يكثر الرمي لحديث سمعه من رسول الله في فضل الرمي، ومات وترك سبعين قوساً
بجعابها ونباطها، وشهد صفين مع معاوية، وتحول إلى مصر، وكان يخضب بالحناء
وسعد بن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو، وسعد بن زيد، وهو سعد هذيه
، (1/163)
صفحة 161
- 17 {-
و كان هذيم عبدأ حبشياً، فنسب إليه، ووائل بن سعد بن زيد بن أسلم بن عمرو، وعذرة بن رباح، في، فمن أشراف عذرة ربيعة جدقصى لأمه، وإخوته جرير ابن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، ورزاح أخو نهد بن زيد، وحويكة بن أسلم، وهما كانا أكثر من بطون قضاعة في وقتها، فأجلوا حتى لحقوا باليمن،
وشردوا من بلادهم، فقال قصى بن كلاب، - وكان يحب قضاعة لنموها واجتماعها بيلادها و لما بينه وبين رزاح من الرحـ
يعاتيه شعراً:
ولا لأنهم
الا من مبلغ عنى رزاحاً فاني قد لحيتك في إثنتين
عنده -
لحيتك في بني نهد بن زيد كما فرقت بينهم و وبيني ورزاح بن ربيعة العذرى.، هو الذي أخرج رفاعة بن عذرة، فألحقهم بيني يشكر، وهم رهط ابن أسلم الخارجي، وألحق قبائل عاملة، وولى الحجاز حتى مسكن بعضهم جزائر البحر، وأخرج طائفة منهم إلى مصر، وهو الذي رد حجابة البيت إلى قصى بن كلاب.
عنقوا قالوا:
و من عذرة النحار بن أوس الخطيب، وسمى النحار لأنه كان إذا حمى نحر، فكان أول من رآه معاوية وقد دخل عليه في عباءة فأنكره وأنكر مكانه
ولا
علم ذلك النحار فال لمعاوية: ليست العباءة هي التي تكلمك ولكن من فى العباءة يكلمك، فملا سمعه) وعظم حاله. ثم نهض ولم يسأل.
فقال معاوية: ما رأيت رجلا أرث ولا أجل منه، وأنشأ النحار يقول:
فان تك أثوانى تخرقن للبلى فإني كنصل السيف في حلق الغمد
فأحسن إليه معاوبة، وخلع عليه الخلع السفية، وكان لا يفارقه
• (1/164)
صفحة 162
- 190 -
و من عذرة زياد بن زيد الشاعر ومنهم هدية بن حشرم بن كرز بن أبي
حية الكاهن
ومن عذرة جميل بن عبد الله بن معمر بن قمية بن الحارث بن ظبيان بن جن بن ربيعة بن حزام بن ظبة بن عبد الله بن كثير بن عذرة بن سعد بن هدية، العاشق لبثينة بنت عمه، وهى بثينة بنت منار بن ثعلبة بن الهود بن عمرو ابن الحارث بن لاحب بن جرير بن ربيعة.
ومنهم عروة بن حزام صاحب عفراء، وقد مات من شدة عشقه، وهى قبيلة كثيرة العشاق، صادقة المحبة، مات منهم بالعشق جماعة لعفتهم وعفة نسائهم وجمالهن.
وقد ذكروا أن رجلا من عذرة وقف بباب بيت سكينة بنت على بن الحسين بن على بن أبي طالب، فاستسقى بعض خدمها، فقالت سكينة: إذا سقيته فاسأله عن قبيلته، فسأله، فقال: أنا من قوم إذا عشقوا مالوا، فلما أخبر سكينة بذلك قالت: إذن هو من بني عذرة.
ومنهم من بطون عمرو بن الحاف، سلامان بن سعد بن زيد بن سود ابن أسلم بن عمرو، ومنهم جلهمة بن عمرو بن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو.
و منهم قبائل نهد بن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو، وما لك وسو دو صباح وجريبة وحنظلة وعامر ويعرب، وطول وحمل وربيعة وغشم.
بنو الذئب والنمر والثعلب:
و من بطون قضاعة غشم ووديعة والحاوى، ومنهم بنو الذئب والنمر والدب والثعلب، وفهد وسرحان وضبع بن وبرة بن ثعلب بن جولان بن عمدان بن الحاف، والبريد والوحيد، وعبد مناة ومصلاة وراسبة وفويد، (1/165)
صفحة 163
177
-
ومنهم بنو ضبة بن سعد، وهذيم بن زيد، وقيل: وهذيم بن ليث، وشداد ابن قضاعة بن مالك بن حمير.
وكان من ولد حيدان بن عمرو بن الحاف بن مالك بن حمير، مهرة و عمراً، فولد عمرو مجيداً وغريداً، وغريباً ويزيد، و النعمان، والضيغر، واللحا، وجنادة. وقيل سميت هذه القبائل بآل وحيدان، وولده مهرة صمطرى بن مهرة، فولد صمطارى ثلاثة نمر، الأمرى ونادعم والدير، فولد الأمرى القمر والقمراء والمصلى والمسكى، فمن قبائل القمر بنو ريام، وبلدهم قرية يقال لها، رصاغ على جانب ساحل بحر عمان، ولهم جبل حصين بناحية عمان، يمتنعون فيه، يعرف بجبل منى ريام، ويقال له، رضوان.
و من القمر بنو حريت وبنو يبرح، ومن قبائل الدير حسريت والسوحم
ويختر بن حمريت بن الديل بن صمطرى بن مهري.
فولد مختر كرشان و المعين، فمن المعين بنو تبلة بن شماسة بن وهـ وهط أبي ثور، صاحب الأشعار، وهو عمرو بن محمد بن كنانة بن جيل بن نبلة، ويقال لهم بنو قصف، ومن قصف بنو وتار بكسر الواو، وهم الوتاريون، فأما وتار يفتح الواو، فمن ولد الهميسع بن حمير.
و من قبائل إياد عمرو بن صمطرى بن مهرة العفار، والهيثم والعبدى، وإليهم نسب العبدية والشب والنقر والقرحا، وهم مهرة، فهذه قبائل مهرة، وقيل بجزيرة سقطرى من جميع القبائل من مهرة، وهى جزيرة طولها ثلاثمائة فرسخ، وبها الصبر السقطرى، وبها نخل كثير، ويسقط إليها العنبر، وبها ذم الأخوين، فاذا قيل للمهرى، يا سقطرى، غضب، وإنما السقطرى الروم الذين كانوا بها من أولاد الروم فدخلوا في نسب القمر بن مهرة، (1/166)
صفحة 164
وهم معروفون بها، وبها عشرة آلاف مقاتل كانوا نصارى، وذلك أنهم يذكرون أن قوما من بلد الروم أخرجهم بها قيصر فعمروا بذلك حتى عبرت لهم مهرة، فطلبت عليهم وعلى الجزيرة، وكانوا هم رهبان على دين الروم من النصرانية، ثم دخلتها الشراة من مهرة وحضر موت، فقتلوا من كانوا فيها ومن مهرة، ثم من بني ريام بن القمر بن الأمرى بن مهرة بن حيدان، ويقال، ريام بن يبرح بن صم طرى بن أمرى بن مهرة بن حيدان، كان منهم منير بن النير ابن عبد الملك بن ساور بن وهب بن عبيد بن صلت ان يحيى بن حضرمي ابن ريا.
تبابعة .. وماذا؟
وهؤلاء جميعاً ينتهي نسبهم إلى التبابعة، وإنما سموا التبابعة لأن ملك اليمين كان لملكين، ملك بأرض حضرموت، وملك بأرض سبأ، فمن ملكها جميعا سمى تبعاً. لا تباع أهل البلدين إياه، وأول من ملك البلدين تبع الحارث، وهو
الملفاظ بن
ان
الرايش، ويقال له، ملك الأملاك، واسمه الحارث بن شداد عمرو بن دى أنس بن الضرار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن
عمرو بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
و منهم يزيد بن هلال بن عباد بن عبد شمس بن وائل بن حمير.
•
ومن تبابعة حمير ابنان، منهم كيكرب، ومنهم حسان بن تبع، وهو ذو
معاهن، ومنهم ذو فيقان شراحيل، ويقال له، علقمة، ومنهم ذو كلاع، واسمه حديد الأصغر، ومنهم ذو يزن، واسمه عامر، وابنه سيف بن ذي يزن ابن شريك بن ياليل، ومنهم ذو رعيز، وانهم سبأ الأصغر، واسمه سماعة بن كعب بن زيد بن سهل، ومن بطون حمير بنو شمال، ومنهم ذو نواس
قاتل خشيعة. (1/167)
صفحة 165
-17 A-
وأما ملك العراق فمناصفة بين الأزد و لخم. وكانت الأزد تسكن الحيرة و بخشون ملوك البلد. وكان مرة يستعملون من هؤلاء، ومرة من هؤلاء، فان اضطرب حبل الأعاجم سلطوا إحدى القبيلتين على الأخرى، فأيتهما غلبت ملكت حتى صنما ملك العراق، واجتمعوا على جذيمة الأبرش؛ وهو الوضاح الأزدى صاحب الزباء، وهو أزل عربي ملك العراق حتى كان آخرهم إياس بن قبيصة الطائي.
وأما ملك الشام فلقد كان اليح حتى نزلت عليهم غسان، فتغلبوا على صليح، و ملكتها غسان، وبقي فيهم نحو من ثلاثين ملكا حتى أتى الإسلام، وكان آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم.
ومنهم كعب الأحبار، وهو كعب بن مانع، ومنهم أبو حميد محمد بن ابراهيم السمرقندى، وكان قائدا لأبي سلمة الخلال، وهو أول من بابع السفاح، خيفة من أبي سلمة.
و من مواليهم عبد الرزاق بن همام بن نافع المحدث، صاحب التفسير. و من شعرائهم المعترف الحميرى، واسمه النعمان بن يعفر من ولد شرحيل، و منهم الـ م الشاعر يحي بن نوفل الحميرى، وكان كثير الهجاء، قلما
مدح
أحدا.
ومنهم يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرع الشاعر، و من ولده السيد الحميرى
الشيعي
بين أجا .. وسلمى:
أما أخبار طى بن الازد وانتشار ولده هنا وهناك، فيطنب التاريخ فى ذكرها و يقول على السنة روانه:
قال الخليل، أصل بناء طى من طاو، وأصله الواو، فقلبوها ياء، فصارت ياء ثقيلة، وكان الأصل فيها طوى. وقال الكلبي، إنما سمى طيا لأنه أول من (1/168)
صفحة 166
- 179 -
طوى المراحل، يتمال: طويت الشيء أطويه طياً، وكذلك، طويت البتر أطويها بالحجارة، وبها سميت الهوى، واسم طى جلهمة بن أدد بن كهلان بن سبأ بن
إشجب بن يعرب بن قحطان.
قال: كان طي - وهو جلهمة بن أدد باليمن يقال له طريف - قد نزل به ضيف فأكرمه، وأنزله وسقاء لبناً بعدما أطعمه، فقال الضيف: إلى نزلت باخوتكم هؤلاء، فسقونى لبناً ما شربت مثله، ولا رأيت قط لبناً أطيب منه، طعما ولونا، وذقت ألبانكم فوجدتها لا دسم لها، ولا رغوة.
فقال له طى: ولم ذلك ترى؟.
قال الضيف: لأنهم في أعلا الوادى يسرحون إبلهم وأغنامهم مشرق الشمس، فتغرب الشمس أعناقها، فتحسن نجوتها، وتصفو ألبانها، وتدر أحلافها، ويطيب طعم لبنها، وتنقى جلودها لاستقبالها واستدبارها اضرر، وتسرحور أنتم مواشيكم فتستدبرها الشمس حتى تعود في أعطافها، فلا ينتفع بمرعا رعاها، واستقر بطى المقام بين أولاده في هذه الأرض البراح الواسعة، وبينما طى جالس ذات يوم ومعه ولده، إذ أقبل: جل من بقايا جديس بن عامر، يقال له الأسود بن عفار، فقال لعلى: من أدخلكم بلادى وأرومتى وميراثى من آباني؟ أخرجوا من بلادي، وإلا فعلت بكم .. وفعلت .. فقال طي: البلاد بلادنا، وقد دخلناها وما فيها أحد، بل تخليت أنت بخلاء البلاد ثم جئت فادعيتها بعد ذلك
فقال الجديسى: لتخرجن منها، وإلا فعلت بكم الأفاعيل، وأريتكم ما لم
تروا أبداً ...
قال له طى: فاضرب لنا أجلا وموعداً للمبارزة ....
ثم قال طى لجندب بن خارجة: قاتل عن مكر منك.
، (1/169)
صفحة 167
- 170 -
فقالت أم جندب،: أنترك ينيك، وتعرض إبنى للقتال؟ لا، والله
لا يفعل.
قال طي: ويحك، إنا خصصته بذلك، وشرفته دون غيره ممن لا يستحق
هذا الشرف ...
وكان طي يحب جندباً، ويختار له الحيس والطعام والطيب. فلما أبت
عليه أمه، أمر طى ابنه عمرو بن الغوث بن طي، وقال: يا عمرو، الرجل فقاتله.
دونك
ثم قال طى أيضا لابنه عمرو بن الغوث، يا بني، هذا الدار أكرم دار على
وجه الأرض.
قال عمرو: لن أفعل إلا على ألا يكون لولد جندب فيها شي.
قال طي: ذلك لك.
و مضى عمرو بن الغوث في طلب الجديسي، فوجده يخترق رطباً.
وأقبل الجديسي و معه قوس شديد، ونشاب حديد، له نصال عظام. وهى التي يقال لها، الغفارية.
فقان ..... : إن شئت صارعتك، وإن شئت رميتك، وإن شئت أبقيك.
قال عمرو: الصراع أحب إلى.
قال الجديسي: أرى معك قوساً.
قال عمرو: فاني لا كسرها الآن.
وكان قوس عمرو متى شاء جعلها، ومتى شاء ردها فأهوى بها إلى سفح
جبل، فظن الجديدي أنه كسرها. (1/170)
صفحة 168
-
171 -
فلما ركبها ثانية اعترض الجديسى بوجهه، وقال: «من بر يوماً بربه،
فذهبت مثلا
ورماه عمرو، فعلق قلبه، ومزق هامته، وقد جسده نصفين.
فقال الأسود الجديسي وهو يجود بنفسه.: آه ... لقد جهلت قدرك
-
يا عمرو، وجهلت أنك ابن طى الفارس المغوار.
قال له عمرو: خذها يا أسود، حتى تفيق، وحتى لا تجهل أقدار المغاوير وتحشرجت روح الأسود في حلقومه، وجعل يقول: شرقي غربي، طبي ... طي ... طي ... وظل يردد هذه الكلمات حتى مات ...
وانصرف عنه عمرو بن الغوث، وأقام طى منذ ذلك الحين بالجبلين، وسمياً أجا. وسلمى، فنزلوا بهما، وأطمأنوا إليهما .. وصار قرار ولد طي الجبلين ... إنهم قوم مازن:
وهنا يأتى نسب طى بن أدد، فلقد ولد طي بن أدد رجلين، الغوث بن على هذا، وفطرة بن طى، فولد الغوث بن طى عمراً و لؤياً، وولد لوى إسامة بن اوى ابن الغوث، وولد عمرو بن الغوث أسودان، وإسمه نبهان، وثعل، وخزم، و نولان، وحنة، وتناسلوا هنا وهناك، وأكثر أولاد طى تناسل من سعد ابن فطرة، و من ه، ومن هذه الأرومة تفرقت أكثر قبائل طى، فولد سعد بن فطرة خارجة بن سعد، وولد خارجة جندباً وضمرة، ومن ولد جندب بن خارجة
بنو جديلة:
، وهم بنو جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طى، وجديلة
هذه أمهم جميعاً ... وهم بها يعرفون ....
و من قبائل الغوث بن طي، بنو نبهان بن عمرو بن الغوث، و من بطونهم،
بنو هنى بن عمرو بن ثعل، وبنو سنبس بن عمرو بن ثعل، وبنو بحتر بن عنود (1/171)
صفحة 169
- 172 -
ابن عزيز بن سلامان بن ثعل، وبنو خطاف بن سعد بن نبهان، وهم أيضاً بعمان، منبت الأبطال، ومصنع الأحرار من الرجال، وموطن العرب الأشاوس هذا، وإن أفخاذ طى كثيرة جداً، غير أن جمهور النسب إلى الأب الأكبر، وهو «طى بن أدد بن نبهان، فمن بني نبهان، أسودان بن عمرو بن الغوث بن على بن نائل بن نبهان، ومنهم كذلك نائل زيد الخيل بن مهلهل الطائي، فارس طى، وصاحب غاراتها، وهو فارس العرب كافة، وكان يكنى أبا مكتف وأدرك الإسلام، ووفد على النبي، فسماه زيد الخير». وهو أحد من أكرمه
رسول الله،، وبسط له رداءه ودعا له، ومات في رجوعه ..
ومن بني نبهان أيضا، حريث بن عتاب الشاعر، و منهم بنو خطامة بن سعد ابن نبهان، و هم بعمان، ومنهم، مازن بن عضوبة الصحابي الجليل، أول من حمل الإسلام، وبشر به عند قومه،، وهو من أهل سمايل
وسمايل هذه مدينة بسلطنة عمان، تقع على الجانب الأيمن والأيسر من وادي سمايل، تتكون هذه المدينة من علاية سمايل، وسفالة سمايل، ويبلغ طولها نحو ستة أميال تقريبا، وأهم معالمها التاريخية، حصنها الذي يقع على الشاطيء الأيمن لوادي سمايل، وهذه المدينة مشهورة بمزارع النخيل التي تروى بالأفلاج .. و لقد قدم مازن هذا على رسول الله ما عند أول مشرق، ومع أول ضوء يشرقه الإسلام، وتضيء به تعاليمه على أرض عمان، وأسلم على يديه، ودعا له الذي من ولاهل عمان جميعا بالخير والبركة والنجاح والفلاح ... وأيضا من الأصحاب:
من الموثوق المحقق تاريخنا، أن من الأنصار الذين أدركوا الإسلام، ورووا الحديث عن رسول الله، وجاهدوا معه بالأموال والأرواح، واتبعوا سبيل الصلاح كثير من الأزد العمالقة الكرام السابقين دائما إلى الخير والبر، (1/172)
صفحة 170
173 -
و تذكر منهم على سبيل المثال فقط: بنو معاوية يعرفون ببنى جديلة. وهى أمهم، بنت مالك بن حبيب بن عبد حورثة بن عضب بن جشم بن الخزرج.
روى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «افرا أمتى أبي،، وروى عنه صلى الله عليه وسلم، مرتين ... اقرأ عليك القرآن»، و «أعرض عليك
القرآن
ومنهم:
أبي بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك شهد مع أخيه أنس بن معاذ بدراً وأحداً، وقتلا يوم بتر معاوية شهيدين،
رحمها الله تعالى
ومنهم أبي بن عمارة الانصاري.
ومنهم أسيد بن حضير بن سماك بن عبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج.
ومنهم أسيد بن ثعلبة الأنصارى، شهد بدراً وشهد صفين مع على بن أبى
طالب.
ومنهم: أسيد
بن يربوع بن البدر بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو ابن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي، شهد أحداً، وقتل يوم اليمامة
شهيداً.
و منهم: أسيد بن ساعدة بن عمرو بن جشم بن مجزعة بن حارثة بن الحارث
الأنصاري، شهد أحداً، هو وأخوه أبو خيثمة، وهو عم سهل بن خيثمة.
ومنهم: أسيد بن طهر بن رافع بن عدي بن زيد بن عمرو بن بديل بن (1/173)
صفحة 171
- IV{-
حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك الحارثي، وكان أبوه من كبار الصحابة، روى عنه ابن الأسود، مولى بني خطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ه من أتى قباء فليصل فيها ...
ومنهم: أنس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث بن عبيد بن زيد بن الله بن عوف بن مالك بن الأوس الانصارى، شهد بدراً، وقتل يوم أحد شهيداً.
ومنهم: أنس بن قتادة الأنصارى، ويقال له، أنيس، وكان من أفاضل الصحابة وأعلم وأفهم، وأفقه.
ومنهم: أنس بن أدريس بن عتيك بن عمرو الأنصاري الأشهلى، قتل يوم الخندق شهيدا، رماه خالد بن الوليد - قبل اسلامه - بسهم:
"
فقتله.
ومنهم: أنس بن معاذ بن قيس بن عباد بن زيد بن معاوية بن عمرو ابن مالك النجار الانصاري، شهد بدرا، واختلف في اسمه، فابن إسحق يقول: عبد الله بن معاذ إلى تمام نسبه، وأنه قتل يوم بتر معاوية، لأنه قتل فيه أوس ابن معاذ، وقال عبد الله بن محمد: شهد بدرا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله لا ومات في خلافة عثمان.
ومنهم: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري النجار، خادم رسول الله. ومنهم: أنس بن مالك القشيرى، ومنهم: أنس بن ظهير الحارثي
الانصاري.
ومنهم أنس بن مالك الأصبحي، كان بحرا في علم الشريعة والحديث النبوى، ويقال، إنه ولد له ثمانون ولدا، منهم ثمانية وسبعون ذكورا، والباقي إناثا، إحداهن تسمى حفصة، والثانية تكنى أم عمرو. (1/174)
صفحة 172
ومنهم: أوس بر ثابت الأنصارى بن منذر بن حزام، ومنهم، أوس بن
خوا، بن عبد الله بن الحارث بن عبيد الله بن مالك، ومنهم: أوس بن الصامت ابن قيس بن أحزم بن قيس بن ثعلبة بن غنم، ومنهم أوس بن الأرقم بن زيد ابن قيس بن النعمان، ومنهم أوس بن قنطى بن عمر و بن زيد بن جشم، ومنهم أرس بن النماكه الانصارى، ومنهم إياس بن معاذ، من بني عبد الأشمل. هل أدلكم إلى خير؟
وذكر ابن اسحق عن عبد الرحمن بن معاذ الاشهلى عن محمود بن لبيد: أنه لما قدم أبو الجيش بن رافع مكة، ومعه فتية من بنى عبد ا الاشهل، فيهم إياس ابن معاذ يلتمس الخلف من قريش على قومه من الخزرج سمع بهم رسول الله، فأتاهم في محبس لهم، فقال: هل أدلكم إلى خير ما جئتم له؟ .... قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أنا رسول الله، أمين الله على العباد، أدعوهم أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، ثم أنزل على القرآن ...
ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وقال: «لا بأس، هذا خير
ما جئتم
له
1 ..
: إلى تمام الحديث.
ومنهم: إياس بن زيد بن جشم، قال ابن أسحق: هو رجل من اليمن، حليف الأنصار، شهد بدراً واحداً، وقال ابن هشام: عمرو بن إياس هذا هو أخو الربيع بن إياس، وورقة بن إياس.
ومنهم: إياس بن ورقة الأنصارى النجارى، و منهم، إياس بن عدى النجارى من بني عمرو بن مالك، قتل يوم أحد شهيداً، ومنهم، أسعد بن يزيد الفا كه
الانصاري،، أسعد
، ومنهم
بن يربوع الانصارى الساعدي، ومنهم
أمر حد
بن
رزان بن عدي بن عبيدان بن ثعلبة، ومنهم، أسعد بن سهيل بن حنيف الأنصارى (1/175)
صفحة 173
-177 -
ومنهم، أسعد بن زرارة، ومنهم، أسعد بن بحرة الانصارى، ومنهم، امرؤ القيس بن عابس الكندى الشاعر، له صحبة، ورواية، وشهد فتح البحير بأرض اليمن، ومنهم، أمية بن خلى الخزاعي، ويكنى أبا عبد الله، وله صحبة، روى
عنه المثنى بن عبد الرحمن، وهو ابن أخيه، و له حديث واحد في الأكل.
ومنهم الأشعث بن أنس بن كريز بن معاوية، ومنهم أريد بن حمير الأنصارى، ومنهم، أبيض بن جمال، ومنهم أكثم بن الجون، ومنهم، أحمد الهمداني، ومنهم، البراء بن مالك، ومنهم البراء بن عازب بن حراث بن عدى، ومنهم بشر بن ابراء، ومنهم بشير بن سعد بن ثعلبة بن مالك، ومنهم بشير بن عمرو، ومنهم، بشير بن عبد الله الأنصارى، ومنهم، بشير الحارثي، ومنهم، بديل بن
ورقاء، ومنهم، تميم بن بشر، ومنهم تميم الدارمي، ومنهم، تميم المازني ومنهم، ثابت بن الجزع ومنهم، ثابت بن هزال، ومنهم، ثابت بن عمرو، ومنهم ثابت بن خنساء، ومنهم ثابت بن صهيب، ومنهم ثابت بن زيد، ومنهم، ثابت بن قيس، ومنهم ثابت بن ربيعة، ومنهم، ثابت بن عامر، ومنهم، ثابت بن الضحاك، ومنهم، ثابت بن غنم بن عدي بن ثاني بن عمرو ابن غنم بن كعب بن سلمة الأنصارى، ومنهم، ثعلبة بن عمرو بن عبيد.
خالد
بن
وم نهم، جابر بن عبد الله بن النعمان، ومنهم، جابر بن مسعود بن عبد الأشهل، ومنهم، جابر بن سفيان، ومنهم، جابر بن عمير، ومنهم، جابر بن ظالم بن حارثة بن عتاب بن أبي حارثة، ومنهم، جبير بن
إياس، و منهم جنادة بن سفيان الأنصارى، ومنهم:
6
جنادة بن مالك الأزدى.
و منهم، حارثة بن النعمان، ومنهم الحجاج بن عمرو بن عرثة بن ثعلبة بن
خنساء بن مبذول بن عمرو بن تميم بن مازن النجار. (1/176)
صفحة 174
-177 -
والحجاج بن عمر و هذا هو الذي ضرب مروان يوم الدار، فأسقطه وحمله أبو حفص مولاه، وهو لا يعقل.
،
ومنهم، حاطب بن عمرو بن عتيك بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف ابن عمرو بن عوف بن مالك بن نهارش، شهد بدرا، ولم يذكره ابن إسحق في البدريين، ومنهم حازم بن حزم بن ملحان، وإسم ملحان، مالك بن خالد بن زيد بن حزام بن جندب بن عامر بن غنم بن مالك النجار الأنصارى، شهد بدراً مع أخيه سليم بن ملحان، وشهد أحداً، وقتل يوم بثر معاوية مع المنذر بن عمرو، قتله عامر بن الطفيل
بهذا أشار الحباب:
:
ومنهم
الحباب بن المنذر بن حزام بن زيد بن حزام بن جندب بن عامر
ابن غنم بن مالك، وقيل: الحباب بن المنذر بن حزام بن زيد بن حزام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصارى الأسلمي، وهو الأصح، ويكنى أبا عمر، شهد بدراً، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، هكذا قال الواقدى وغيره، وكلهم ذكره في البدريين إلا ابن إسحق، وفي رواية مسلمة عنه كان يقال له: ذو الرأى»، وهو الذي أشار على رسول الله أن ينزل على ... بدر
للقاء القوم.
قال ابن عباس: فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله، فقال: الرأى ما أشار به الحباب
وشهد أحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، لا وهو القائل يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير. (1/177)
صفحة 175
- SVA -
ومات الحباب في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
ومنهم: حبيش بن خالد بن منقذ بن ربيعة، ومنهم من يقول: حبيش ابن خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة الخزاعي الكعبي، أحد بني كعب، ويكنى أبا صخر، وهو صاحب حديث أم معبد الخزاعية، واسمها عاتكة بنت خالد، وأخوها خويلد بن خالد، ومن نسبهم قالوا: بنو خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة
ابن أصرم بن حبيش بن حزام بن حبيشة بن عمرو، وهو أبو خزاعة.
الله،
ومنهم، حوشب بن طحية الحيرى، أسلم على عهد رسول، وقيل: أنه قدم على النبي،، واتفق أهل المسلم بالسير والمعرفة بالخبر، أن رسول الله، كتب إلى حوشب بن ذي ظليم الحميرى هذا كتاباً، وبعثه إليه مع جرير البجلي، يتعاون هو وذو الكلاع، وفيروز الديلي، ومن أطاعهم، على قتل الأسود العنسي الكذاب.
وكان حوشب وذو الكلاع رئيسين في قومهما متبوعين، وهما ومن كان قد تبعهما من اليمن قدقاما بحرب صفين مع معاوية، وقتلوا جميعاً في المعركة. ومنهم، الحفشيس الكندى - ويقال فيه بالجيم، والحاء، والخاء قدم على النبي،، في وفد كندة، وهو الذى نازع الأشعث في أرضه، وترافعا إلى
النبي،
ومنهم خالد بن زيد بن أكلب بن ثعلبة بن أيوب الأنصاري النجاري من بني غنم بن مالك بن النجار، غلبت كنيته، وأمه هند بنت سعد بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج
الأكبر، شهد العقبة وبدراً، وسائر المشاهد، وعليه نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم،
" (1/178)
صفحة 176
- 179 -
حين قدم المدينة مهاجراً من مكة، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده في تلك السنة، و بنى مساكنه، ثم انتقل إليها فآخى بينه وبين مصعب بن عمير.
ومنهم خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك
الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الانصاري، ويعرفون ببنى الأعز، شهد العقبة وبدراً، وقتل يوم أحد شهيداً، ودفن هو وسعد بن الربيع في قبر، واحد، وكان من كبار الصحابة، صهر لأبي بكر الصديق، رضى الله عنه، حين آخى النبي، بين المهاجرين والأنصار، وابنه زيد بن خارجة هو الذي تكلم بعد الموت في روايات.
أغرانا على يوم بدر:
وذكر، أن خارجة بن أبي زهير قد أخذته الرماح يوم أحد، فجرح بضع عشرة جرحاً، فمر به صفوان بن أمية، فعرفه، فأجهز عليه، ومثل به، وقال: هذا الذي أغر نا على يوم بدر، يعنى أباه أمية بن خلف، وكان أمية بن خلف الجمحي والد صفوان يكنى أبا على، وابنه على قتل معه يوم بدر.
در
ومنهم خارجة بن عقبان وحديثه عن والده، أنه أتى رسول الله،، لما مرض فرآه يعرق، فسمع فاطمة تقول: وأكرب أبي، فقال النبي ولا كرب على أبيك بعد اليوم.
ومنهم خراش بن الصمة بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حزام بن كعب ابن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، شهد بدراً، وأحداً، وجرح أحد عشر جرحاً، وكان من الرماة المذكورين، ومنهم خراش بن أمية بن الفضل
6
الكعبى الخزاعي الذي شهد مع رسول الله، ا، عام الحديبية، وهو ا حلق شعر رسول الله، بل هناك في الحديدية.
الذي (1/179)
صفحة 177
180
روى عنه ابنه عبد الله بن خراش، و توفى خراش في خلافة معاوية، ومنهم رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الزرقي الانصاري الخزرجي ويكنى أبا مالك, ويكنى أبا رفاعة أيضا، وهو بدرى، شهد العقبة الأولى والثانية، و شهد بدرا فيماذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ولم يذكره ابن اسحق في الثانية وذكر فيهم رفاعة بن رافع، وخلاد بن رافع ولديه إلا أنهما ليسا بعقبين.
أحد الستة .. والاثنى عشر .. والسبعين
قال أحمد بن زهير، سمعت سعد بن عبد الحميد بن جعفر يقول: رافع بن ما لك أحد الستة النقباء، وأحد الإثنى عشر، وأحد السبعين قتل يوم أحد شهيدا.
وقال الواقدى: رافع بن مالك يكنى أبا مالك، قال ابن عمر، الستة النقباء كلهم قتلوا، ومنهم رافع بن الحارث بن سواد بن زيد بن ثعلبة بن غنم، هكذا قال الوافدى، وقال ابن عمارة، هو الأسود بن زيد بن ثعلبة، شهد رافع
ابن الحارث هذا بدرا واحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله، وهو ابن عم رافع ان جريج بن جشم الانصارى الحارثي الخارجي. وتوفى في خلافة عثمان بن عنمان.
ومنهم رافع بن جريج بن رافع بن عدي بن زيد بن عمرو بن يزيد بن جشم، ويكنى أبا عبد الله، وقيل، أبا خديج، روى عن ابن عمرو، وأم رافع حليمة بنت مسعود بن سنان بن عامر بن عدى بن أمية بن بياضة الأنصاري. وهو ابن أخ ظهير ومظهر إني رافع بن عدى، ورافع بن جريج هذا هو الذي رده رسول الله،، لانه استصغره، وأجازه يوم أجد، فشهدها،، يوم بدر، وشهد الخندق، وأكثر المشاهد كلها، وأصابه مهم يوم أحد، فقال له رسول الله، ا: و أنا أشهد لك يوم القيامة. . وانتفضت جراحاته في زمن عبدالملك (1/180)
صفحة 178
- 181 -
ابن مروان، فمات، سنة أربع وسبعين، وهو ابن ست وثمانين سنة، وقال الواقدى
مات في أول سنة أربع وسبعين.
قال أبو عمر، روى عنه بن محمود وابن عمر بن لبيد، والسائب بن زيد، وأسيد بن ضمير، وروى عنه من التابعين دون هؤلاء مجاهد وعطاء والشعبي،
وابن عبابة بن رفاعة بن رافع، وشهد صفين مع على بن أبي طالب.
ومنهم رفاعة بن عمرو بن يزيد بن ثعلبة بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف ابن الخزرج الأنصاري السلمي، شهد بيعة العقبة، وشهد بدرا وقتل يوم أحد، ويكنى، أبا الوليد.
ومنهم رفاعة بن رافع بن مالك العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري، الزرقى، أمه أم مالك بنت أبي بن سلول، ويكنى أبا معاذ، شهد بدرا، واحدا، وسائر المشاهد مع رسول الله، ومعه أخوه مالك بن رافع، وشهد رفاعة بن راقع مع على بن أبي طالب يوم الجمل وصفين، وتوفى في أول إمارة معاوية.
فاعة
ومنهم را بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك
ابن عوف بن عمرو بن عوف، أبو لبابة الأنصاري، من بني عمرو بن عوف
ابن مالك الأوسى: شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد، وهو مشهور بكنيته
ومنهم
رفاعة بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب بن ظفر بن الخزرج بن
"
عمرو بن مالك بن أوس الانصارى الطغرى روى عن قتادة بن النعمان، وهو الذي سرق سلاحه وطعامه بنو أبيه، فتنازعوا إلى رسول الله، فنزلت في بني (1/181)
صفحة 179
- 182 -
أبيه: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يجب من كان
خوانا أنيما. .
ومنهم رفاعة بن مبشر الحارثي الأنصارى المعمري، شهد أحدا مع أبيه مبشر، ومنهم ربيع بن إياس بن عمر بن غنم بن أمية بن لوذان الانصارى شهد أحدا، ومنهم زيد بن حارثة الأنصاري المعمري، وكان ممن استصغر على الجهاد يوم أحد،، وهو من بني عمرو بن عوف، وكان زيد بن حارثة وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن عتبة من استصغروا
يوم أحد.
:
بن عبيد الله قال: حدثني زيد بن حارثة، قال:، قلت: طالحة عن موسى بن يارسول الله، قد علمنا كيف تسلم عليك، فكيف نصلى عليك؟
قال: «صفوا على وقولوا، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. .
وفت أذنك ياغلام:
و منهم زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الاعز بن ثعلبة الانصاري الخزرجى من بني الحارث بن الخزرج، واختلف في كنيته اختلافا
كثيرا.
قال الواقدي والهيثم بن عدى، وروينا عنه من وجوه: أنه غزا مع رسول (1/182)
صفحة 180
- 183
الله،، تسع عشرة عزوة، وهو يعد في الكوفيين، وكانت وفاته سنة ميمان وستين، وزيد بن أرقم هذا هو الذى رفع الرسول الله، ا، عن عبد الله بن سلول قوله: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فكذبه عبد الله بن أبي، فأنزل الله تصديق زيد بن الأرقم. فتبادر أبو بكر وعمر إلى زيد، يبشرانه، فسبق أبو بكر. فأقسم عمر لا يبادره بشيء بعدها.
وجاء الذي لا، فأخذ بأذن زيد بن أرقم، وقال:. وفت أذنك يا غلام، من تفسير ابن جريج، ومن تفسير الحسن، ومن رواية معمر وغيره، قيل: وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، وقيل في تبوك ... وشهد زيد بن أرقم مع على بن أبى طالب صفين، وهو معدود في خاصة الصحابة.
، منهم
أبو إسحق
ومنهم زيد بن حارثة، روى عن زيد بن أرقم، وجماعة، السبيعي، ومحمد بن كعب القريط، وأبو حمزة مولى الانصار. ومنهم زيد بن مربع الانصارى من بني حارثة قال يزيد بن شيبان: أتانا ابن مربع في الحج، فقال، أناني رسول الله،: فقال: كونوا على مشاعركم، فانكم على إرث من إرث إبراهيم، عليه السلام.
قتله وحشى أيضا:
ومنهم الطفيل بن مالك بن النعمان بن خنساء، وقيل: الطفيل بن النعمان ابن خنساء الأنصاري السلمي من بني سليمة، شهد العقبة وبدرا وأحدا، وجرح واحدا وثلاثين جرحاً، وعاش حتى شهد الخندق، وقتل شهيدا، قذله وحثون حرب، وذكره موسى بن عقبة في البدرييز، وسميه رجل يسمى الطفيل، فالله أعلم، أيهما استشهد؟ (1/183)
صفحة 181
-148 -
ومنهم كعب بن مالك بن أبي كعب، واسم أبي كعب عمر بن كعب
مد بن سودة بن يزيد بن
ابن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن كعب بن سعد بن أسد جشم بن الخزرج الأنصاري السلمى، يكنى أبا عبد الرحمن، أمه ليلى بنت زيد
ابن ثعلبة من بني سلمة، شهد العقبة الثانية، واختلف في شهوده بدراً.
ومنهم كعب بن عمر بن عباد بن عمرو بن سودة الأنصاري السلمي، من بني سلمة، وهو مشهور بكنيته، شهد العقبة وبدراً، وهو ابن عشرين سنة. ومات بالمدينة سنه خمس وخمسين.
ومنهم كعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن حارثة بن النجار الأنصاري، شهد بدراً، وقتل يوم الخندق شهيداً، قتله ضرار بن الخطاب في
قول الواقدى، وقال ابن إسحق: أصابه سهم غرب نصله:
ومنهم محمد بن سلمة الأنصاري الحارثي، ويكنى أبا عبد الرحمن، ويقال بل يكنى أبا عبد الله، وهو محمد بن سلمة بن خالد بن مجدعة بن حارثة. ابن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، حليف بني عبد الأشهل، شهد بدرا والمشاهد كلها، ومات بالمدينة، ولم يستوطن غيرها.
،
ومنهم محمد بن صيفى الأنصارى، لم يرو له غير الشعبي حديثه في يوم عاشوراء، وليس له غيره، ومنهم محمد بن أنس بن فضالة الطغرى الانصاري، روى عن إبنه يونس بن محمد، ما قدم على النبي المدينة: وقال، وأنا ابن أسبوعين، فأتى بى إلى النبي ما فمسح على رأسى، وقال: سموه باسمى، ولا تكنوه بكنيتي. (1/184)
صفحة 182
1110 -
6
$
محمد بن أبي بن كعب الأنصارى، ولد على عهد رسول الله، ومنهم. ويكنى أبا معاذ، روايته عن أبيه، وعن عمر، روى عنه بشير بن سعيد
الحضرمي، وقتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين، هذا ما رواه الواقدى. ومنهم محمد بن عمر بن حزم الأنصارى، ولد في سنة عشر من الهجرة بنجران، وأبوه عامل رسول الله، وقيل، ولد قبل وفاة رسول الله ما بنتين، سماه أبوه محمداً، وكناه، أبا سليمان، وكتب بذلك إلى رسول الله، فكتب له رسول الله، ه سمه محمداً، وكنه عبد الله، وكان محمد عمر بن حزم فقيهاً، وروى عنه جماعة من أهل المدينة، وروى عن أبيه، وغيره من الصحابة أنه قتل يوم الحرة وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، ويقال، إنه قتل يوم الحرة مع محمد بن عمر بن حزم ثلاثة عشر رجلا من أهل
بيته،.
بن
ومنهم معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن كعب بن عمر بن أدى ابن سعد بن على بن راشد بن ساورة بن يزيد بن جشم من الخزرج، وإنما أدعته بنو سلمة، لأنه كان أخاً سهل بن محمد بن الحدين بن قيس لأمه.
ذكر الزبير عن الأثرم عن ابن الكلبي عن أبيه قال: رهط معاذ بن جبل هم بنو عدى، وسعد أخو سلمة بن سعد الخزرجي، قال: ولم يبق من نبى أحد، وكان آخر من بقى منهم معاذ بن جبل، ومات بالشام في
عدى
الطاعون.
ومنهم مرة بن الحباب بن عدى بن العجلان البلوى الأنصارى المزني، حليف
بني عمرو بن عوف.
شيطان أم ابن قرط؟
ومنهم مسلم بن عبد الله الأزدي، روى عن النبي ما في تغيير اسم عبد الله (1/185)
صفحة 183
- LAT-
ابن قرط قال: جاء عبد الله بن قرط الأزدى إلى النبي، ا، فقال:. ما اسمك؟ قال: شيطان، قال: «بل أنت عبد الله بن قرط، روى عنه بسكر إن زرعة
الخولاني.
ومنهم محمود بن الربيع بن سراقة الخزرجي الأنصاري، من بني عبد الأشهل، وقيل: إنه من بني الحارث بن الخزرج، وقيل: إنه من بني عبدالأشمل، وقيل: إنه من بنى سالم بن عوف، ويكنى أبا نعيم، وقيل: يكنى أبا محمد،
معدود في أهل المدينة.
ومنهم
محمد بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس إن زيد الأنصاري الأشهلى ابن عبد الأشهل، ولد على عهد رسول الله الله، وقد حدث عن رسول الله أحاديث منها، أن رسول الله قال: إذا أحب الله عبدا حماه عن الدنيا
كما يحمى أحدكم سقيمه.
ومنهم محرز بن عامر بن مالك بن عدى بن عامر بن غنم بن النجار الأنصاري شهد بدرا واحدا ..
ومنهم منقذ بن عمرو المازني الانصارى. له صحبة، و هو جد محمد. د بن يحيى ان
حيان، وكان قد أصابته ضربة في رأسه، فعلقت لسانه.
ومنهم معوذ بن عمرو الجموح بن زيد بن خزام الأنصاري السلمي، شهد بدرا مع أخيه معاذ، هكذا قال موسى بن عقبة، وأبو معشر، والواقدي، ولم يذكره ابن إسحق، وأكثر الروايات عنه أنه، شهد بدرا واحدا. (1/186)
صفحة 184
- 187 -
ومنهم معن بن عدى بن الجد بن عجلان إن ضبيعة البلوى من بني الحاف ابن قضاعة، حليف بني عمرو بن عوف الأنصارى، والجد يعنى أبا عدى، شهد العقبة و بدرا واحدا والخندق وسائر مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل شهيدا في خلافة أبي بكر الصديق، رضى الله عنه، يوم اليمامة،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد آخى بينه وبين زيد بن الخطاب.
ومنهم مسعود بن سعد بن قيس بن خالد بن عامر بن رزيق الأنصاري الزرقى شهد بدرا واحدا، وقتل يوم بتر معاوية شهيدا.
ومنهم مسعود بن زيد بن سنان بن عدي بن كعب بن غنم بن كعب أبو سلمة الأنصارى شهد العقبة، ولم يشهد بدرا.
ومنهم مسعود بن عدى بن حرملة اللخمي، ويزعم أهله وولده أن له صحبة، روى الحديث عن جماعة من ولده، ومنهم مسعود بن الحكم بن الربيع بن عامر
ابن خالد بن عامر بن رزيق الأنصاري الزرق، أمه حبيبة بنت شريف بن أبي خيثمة من هذيل، ويكنى أبا هرون، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ويعد فى جملة التابعين وكبارهم، ومنهم مغيث بن عبيد بن إياس البلوى حليف الأنصار، قتل يوم الرجيع شهيدا، وهو أخو عبد الله بن طارق من الام، هكذا قال فيه عبد الله بن محمد، وعمارة.
النعامة:
ومنهم النعمان بن قوقل، ويقال النعمان بن ثعلبة، وثعلبة يدعى قوقلا، (1/187)
صفحة 185
- 188 -
ويقال، النعمان بن مالك بن ثعلبة بن عدى بن ثعلبة بن فهر بن غنيم بن الخزرج قتل شهيداً يوم أحد.
ومنهم النعمان بن مالك بن ثعلبة بن وعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف ابن الخزرج، وثعلبة بن رعد هو الذي يقال له قوقلا، وكان له عز، وكان يقال للخائف، قوقل حيث شئت. فأنت آمن، فقيل لبني غنم ولبني سالم لذلك قوقلة، وقتل يوم أحد شهيداً، قتله صفوان بن أبي أمية في قول محمد بن عمرو،
ومنهم النعمان الأعرج بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بن بهر بن ثعلبة بن غنم لم يشهد بدراً.
ومنهم النعمان بن الحدان الزرقى الأنصارى، وهو الذي خلف على خولة بنت قيس الأنصارى بعد قتل حمزة بن عبد المطلب عنها، وكان النعمان الحدان لسان الأنصار، وشاعرهم.
بن
قال أبو الأسود، ولد ابن الزبير على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا، في ربيع الآخر، وهو أول مولود من ولد الانصار بعد الهجرة، يكنى أبا عبد الله.
وكان النعمان كريماً جوادا، عالماً، شاعرا.
ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن الأنصارى الأشهلى، له صحبة ورواية حديثه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في بني عبد الأشهل.
روى عنه إسماعيل بن أبي حبيبة، وكان يقوم الليل ويصوم النهار. (1/188)
صفحة 186
ومنهم عبد ا
الله
-149 -
بن عدي
الانصارى، روى عبد الله بن عدى من الخيار عن
عبد الله بن عدى الأنصارى، وتابعه جماعة من أصحابه، فقالوا، إنه شهد رسول
•
الله صلى الله عليه وسلم، ورجل يستأذنه في قتل رجل من المنافقين. فقال:،. أليس يشهد أن لا إله إلا الله،؟ الحديث.
أفلحت الوجوه:
ومنهم عبد الله بن عتيك الأنصارى من بني عمرو بن عوف، وهو الذي قتل أبا رافع بن أبي الحقيق اليهودى بيده، وكان في بصره شوء، فنزل تلك الليلة عن درك غرفة أبي رافع بعد قتله إياه، فوثبت رجله، فاحتمله أصحابه حينا، فلما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسح رجله، قال: كأن لم
أشكها قط.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له وللذين توجهو معه في قتل ابن أبي الحقيق - إذ رأهم مقبلين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخيب:
, أفلحت الوجوه،
واستشهد عبد
الله بن عتيك يوم اليمامة، وقيل، إنه وأخاه شهدا بدراً، ولم
مختلف أحد في أن عبد الله شهد أحدا
ومنهم عبد الله بن غرفطة بن عدى بن أمية بن حدارة بن عوف بن الخزرج الأنصاري، شهد بدراً، وكان ممن هاجر مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، وهو حليف لبني الحارث بن الخزرج .... ومنهم عبد الله بن قيس بن صخر بن حزام بن ربيعة بن عدى بن غنم بن كعب بن مسلمة الأنصاري، شهد بدراً، هو وأخوه معهد بن قيس. (1/189)
صفحة 187
11911
ومنهم عبد الله بن قيس الخزاعي، وقبل الأسلمى، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ابتاع من رجل من بني غفار سهمه،
ومنهم عبد الله بن قيطى بن قيس بن لودان بن ثعلبة بن عدي بن محدجة ابن حارثة الانصارى، شهد أحداً، وقتل يوم جسر العبيد، فتخن مع إخونه
عقبة وعباد شهيداً.
أكنمها على:
-
ومنهم عمير بن سعد بن عبيد بن النعمان الأنصاري من بني عمرو بن عوف وهو الذي قال للجلاس - وكان على أمية: إن كان ما يقول به محمد حقا فنحن أشر من الحمير، وقال الجلاس، اكتمها على، قال، لا والله، ونماها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولم يكتمها. فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الجلاس:، فعرفه مما قال عمير؛ فحلف له الجلاس ما قال، فنزلت: «يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر إلى قوله تعالى:. فان يتوبوا يك
خيرا لهم، قال الجلاس: أنوب إلى الله.
قال عروة بن الزبير، فما زال عمير منها في علياء بعد هذا
و منهم عمير بن عمرو الأنصارى الأزدى ولم يرو عنه غير ابنه أبي بكر بن عمير حديثه صحيح الإسناد عن النبي أنه قال: إن الله وعدنى أن يدخل الجنة
من أمتى مائة ألف ... الحديث.
ومنهم.
عمير بن حبيب بن حماسة، ويقال ابن حباشة الأنصاري الخطمي
ويقال إنه من بايع تحت الشجرة. (1/190)
صفحة 188
-191 -
وكان عمير هذا أعمى، وكانت له أخت تشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلها عمير هذا فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «أبعدها الله. .
ومنهم عمير بن عمر الأنصارى، ويقال الأزدي الأنصاري، حديثه عن وكيع عن سعيد بن سعيد الثعلبي عن سعيد بن عمير الأنصاري عن أبيه، وكان بدرياً، يعد في الكوفيين.
ومنهم عمير بن عمر الأنصاري، والد سعيد بن عمير الانصاري.
ومنهم عمرو بن عمرو بن غربة بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمر ابن غنم بن مازن بن النجار الانصارى المازني، شهد العقبة، ثم شهد بدرا، وهو والد الحجاج بن عمرو بن غربة، وإخوته الحارث وعبد الرحمن وزيد وسعيد، و له صحبة، واختلف في صحبة الحجاج، ولم تصح الغيره من ولده،
و منهم عمرو بن أحيحة بن الحلاج الأنصاري، وذكره ابن أبي فيمن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة.
ومنهم عمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم بن سواد الأنصاري السلمي، شهد بدراً، في قول أكثرهم، ولم يذكره موسى بن عقبة.
ومنهم عمرو بن معاذ بن إياس الأنصاري من بني عبد الأشمل، شهد مع أخيه سعد بن معاذ بدراً، وقتل يوم أحمد شهيداً، لا عقب له، قتله ضرار بن
الخطاب، وكان يوم قتل ابن اثنتين وثلاثين سنة. (1/191)
صفحة 189
- 192 -
ومنهم عزو ن غنمة بن عدى بن داى من بني سلمة الأنصاري السلمي الخزرجي، شهد بيعة العقبة مع أخيه ثعلبة بن غنمة، وهو أحد البكائين الذين نزلت فيهم الآية: «ولا على الذين إذا ما اتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحماسكم عليه، قولوا وأعينهم تفيض من الدمع. .
ومنهم عمرو بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار، قتل يوم أحد شهيداً، ويكنى أبا حمام.
ومنهم عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم الأنصارى النجارى،
شهد بدرا.
ومنهم عمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدى بن مالك بن عدى بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن حكيم شهد بدرا وأحدا.
وم نهم عمرو بن مطروق، أو مطرق، بن
علقمة بن عمرو الأنصاري، قتل
يوم أحد شهيدا ..
اللهم اكه جمالا:
هر
ومنهم قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب، وكعب طافر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الطفرى الأنصاري، يكنى أبا عمرو وقيل، يكنى أبا عبد الله، شهد بدرا، والمشاهد كلها، وأصيبت عينه يوم بدر، وقيل يوم الخندق، وقيل يوم أحد، فسالت حدقته فأرادوا خلعها، ثم أقوا النبي صلى الله عليه وسلم، فدفع حدقته بيده حتى وضعها موضعها، ثم غمرها براحته وقال: «اللهم، أكه جمالا، فمات، وإنها لأحسن عينيه، أصيب يوم أحد. (1/192)
صفحة 190
--197 -
ومنهم قبيصة بن ذؤيب الخزاعي بن جلجة بن عمرو بن كلب بن أخزم، روى عنه أبو هريرة وأبو الدرداء وزيد بن ثابت، وجماعة من الصحابة، وروى عنه الزهرى ورجاء بن حيوة، ومكحول، وكان ابن شهاب إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة، و تو فى سنة ست وثمانين وله ست وثمانون سنة.
ومنهم قيطى بن قيس بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن مجدعة بن حارثة الأنصاري الخزرجي، شهد أحدا في قول الواقدى عن سعيد بن سعيد بن الحارث الخزرجي قال:، حدث سعيد بن نصر قال، حدثنا قاسم بن إصبع قال، حدثنا ابن وضاح قال، حدثنا ابن شيبة قال، حدثنا ابن الحسن مو و أبو الليث عن عقيل عن
ابن شهاب، عن عروة عن الزبير عن أسامة بن زيد، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أردفه وراءه ليعود سعد بن عبادة، وسعيد بن الحارث قبل
وقعة بدر.
و منهم سعيد بن القشيب الأزدى حليف أمية، وقتل يوم أحد، شهيدا. ومنهم سعيد بن عران الهمداني، كان كاتبا لعلى بن أبي طالب، أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أوطارا جميلة، وروى عن أبي بكر، وروى
عن عامر بن سعد.
ومنهم سعيد بن معاذ بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج، وأمه كيشة بنت رافع، له صحبة، أسلم بالمدينة بين (1/193)
صفحة 191
-198 -
العقبة الأولى والثانية على يد مصعب بن عمير، وشهد أحدا والخندق، ورمى يوم
الخندق بسهم، فعاش شهرا ثم تحرك جرحه، فمات منه.
ومنهم السعود الثمانية:
ومنهم سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصارى، وهو والد سهل بن سعد.
ذكر الواقدى عن أبي بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال، عزم سعيد ابن مالك على أن يخرج إلى بدر، فمات، فوضع قبره عند دار بنى قارة. فضرب له رسول الله، بسهمه وأجره.
ومنهم سعد بن عبادة بن رديم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف
ابن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الساعدي.
ومنهم سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية بن ضبيعة ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، أبو عمير، ويقال أبو زيد، شهد بدرا، وقتل بالقادسية شهيدا، وذلك سنة خمس عشرة، وهو ابن أربع
وستين سنة يومئذ.
و منهم سعد بن يزيد الفا كه بن خلدة بن عامر بن زريق الانصاري الزرقى، شهد بدراً.
ومنهم سعد الطغرى الأنصارى من طغر، روى عنه عبد الرحمن بن حرملة
عن النبي، أنه نهى عن الكنى القبيحة.
ومنهم سعد بن زيد الأنصارى من بني عمرو بن عوف، ولد على عهد رسول (1/194)
صفحة 192
-190 -
الله صلى الله عليه وسلم. . وروى عن عمر، وتوفى في آخر ولاية عبد الملك بن
مروان.
ومنهم سعد بن جمار بن مالك الأنصارى، وهو أخو كعب بن جمار، حليف ساعدة من الانصار، قتل يوم اليمامة شهيدا، وكان قد شهد أحدا، وما بعدها من المشاهد.
بف
•
ومنهم سليمان بن صرد بن الجوان الخزاعي سكن الكوفة وكان له شرف في قومه.
وكان فيمن كتب إلى الحسين بن على للقدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل الحسين قدم هو والمسيب بن نجيبة الفزاري وجميع من خذلوه ولم يقاتلوا معه، ثم قالوا، ما لنا من توبة فيها فعلناه إلا أن نقتل أنفسنا
في الطلب بدمه.
فخرجوا فعسكروا بالنخيلة في مستهل ربيع الآخر سنة خمسة وستين وولوا أمرهم سليمان بن صرد، وسموه أمير التوابين، ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد، فاقوا مقدمته في أربعة آلاف، عليها شر حبيل بن ذي الكلاع، فاقتلوا، فقتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجيبة بموضع يقال له، عين الوردية، وقيل، إنهم خرجوا إلى الشام في طلب دم الحسين، فسموا التوابين، فكانوا أربعة آلاف، فقتل سليمان بن صرد، رماه يزيد بن الحسين بن نمير بسهم، وحمل رأسه ورأس المسيب بن نجيب - ة إلى مروان بن الحكم، وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وسبعين سنة.
أخبر سعيد بن أصرم قال، حدثنا قاسم بن أصبع بن وضاح قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن عدى بن
ثابت عن سليمان بن صرد، أن رجلين تلاحيا، فاشتد غضب أحدهما. فقال (1/195)
صفحة 193
-197 -
الذي مال: إني لأعرف كالمة لو قالها سكن غضبه، هي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
ومنهم سفيان بن بشر بن زيد بن الحارث الأنصاري الخزرجي من بنى جشم ابن الحارث بن الخزرج، شهد بدرا، واحدا.
ومنهم سفيان بن حاطب بن أمية بن رافع بن سديد بن حزام بن الهيثم بن طغر الانصاري الطغرى، شهد مع رسول الله، أحدا، وقتل يوم بهر معاوية شهيدا. هذا وغيرهم كثير وكثير جدا رحمهم الله جميعا رحمة واسعة
وصحابيات فاضلات:
كذلك كان للساء الأزد - كما كان لرجالهم - فضل الصحبة، وميزة السبق إلى الإسلام، وملاقاة النبي والتحدث اليه، صلوات الله وسلامه عليه. .، وهذا بعض قليل من الصحابيات الراويات أكثر من للحديث، المجانيات للدنس والخبيث، والآهلات بالمدينة، المشتهرات بالتواضع والسكينة، ومنهن على سبيل المثال فقط أيضا:
أسماء بنت النعمان بن الجون بن شراحيل، وقيل، هي أسماء بنت النعمان
ابن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن النعمان بن كندة.
ولقد ذكر بعض المؤرخين أن رسول الله لا تزوجها، واختلفوا في: أنها لما دخلت عليه دعاها، فقالت، تعال أنت،
قصة فراقه لها، فقال بعضهم:
إن رأيت أن تجيء .. هذا قول قتادة وأبى عبيدة، وزعم بعضهم انها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: عذت بمعاذ، وقد أعاذك الله منى فطلقها.
وقال قتادة، إن هذه المرأة كانت جميلة الصورة، فخاف نساؤه أن تغلبين على (1/196)
صفحة 194
-198 -
النبي، فقلن لها: إن رسول الله يعجبه أن تقولى له: أعوذ بالله منك، فقال: لما قالت ذلك: (عذت بمعاذ، فطلقها، ثم سرحها إلى قومها.
:-
قال ولا شك، إن هذا الكلام غير مطابق للصواب، ولا يلتفت إليه أولوا الألباب، حاشا لزوجات النبي، ا، أن يقان لها، قولى لرسول الله، إذا دعاك، أعوذ بالله منك
•
وقال عبد الله بن عقيل: وتزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، امرأة من كندة، وهي الشقيقة، سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يردها إلى قومها وأن يفارقها، ففعل، وردها مع رجل من الأنصار، يقال له، عبد الله بن أسد
الساعدي.
و منهن: أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة، أم منيع الأنصارية من المبايعات بيعة العقبة.
ومنهن: أسماء بنت يزيد بن السكن الانصارية الأشهلية، و هي من المبايعات، وهى ابنة عم معاذ بن جبل و تكنى أم سلمة، وقيل أم عامر. كانت من ذوات العقل، والتى روى عنها، أنت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يارسول الله، إن من وراثى جماعة من نساء المؤمنين، كان يقان لى قولى للني: إن الله بعثك للرجال والنساء، فآمنا بك وصدقناك، ونحن معاشر النمساء المقصورات المخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا عنا بالجمعات والجماعات، وشهود الجنائز، والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا أموالهم، وربينا أولادهم، أفتشاركهم في الأجر
يارسول الله؟ (1/197)
صفحة 195
-194 -
فلما قالت ذلك لرسول الله التفت صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة، وقال: و هل سمعتم مقال امرأة أحسن سؤالا عن دينها منه،؟ قالوا: لا يارسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (أبشرى يا أسماء، وأعلمى من وراءك من النساء، أن أحسن التعبد طاعة إحداكن لزوجها وطلبها، مرضاته، واتباعها لموافقته، وهذا يعدل كل ماذكرت عن الرجال، فانصرفت أسماء وهى تهال وتكبر استبشارا بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى عنها محمود بن محمد، وشهد بن حوشب وإسحق بن راشد وغيرهم
هذا الحديث.
و منهن أميمة بنت خلف بن أسعد بن عامر الخزاعية، زوج خالد بن سعيد، ويقال لها، هيمة بنت خلف بن أسعد بن عامر الخزاعية.
ومنين أميمة بنت النجار الأنصارية، حديثها عن ابن جريج عن حكيمة بنت أبي حكيم عن أمها أميمة، أن أزواج النبي، كانت من عصائب، فيها الورس والزعفران، فيغطين بها أسافل رؤوسهن قبل أن يحرمن ثم يحر من.
و منهن جميلة بنت سعد بن الربيع الأنصارى، أدركت النبي، وروت عنه وروى عنها ثابت بن عبيد الأنصارى، أن أباها وعمها قتلا يوم أحد، فدفنا في
قبر واحد.
و منهن جمرة بنت قحافة الكندية، روت عن النبي ل وروى عنها شبيب بن عذرة، وروت عنها ابنتها أم كلثوم، إن صح حديثها ذلك، لأنه مما لا يعباً
بإسناده. (1/198)
صفحة 196
-199 -
ومنون
خنساء بنت حزام بن وديعة الانصارية من الأوس أنكحها أبوها وهي كارهة، فرد رسول الله لا نكاحه، واختلفت الأحاديث في حالها في ذلك الوقت، فعلى ما نقل ما لك بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الله بن يزيد بن وديعة عن خنساء أم حزام، أنها كانت يومئذ بكرا، والصحيح ما نقل مالك.
شاعرة العرب:
ومنين الخنساء بنت عمرو بن شريد الشاعرة السلمية، وأبوها عمرو بن شريد بن رباح
ابن ثعلبة بن حذافة بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم،، قدمت على رسول الله مع قومها من بني سليم وأسلمت معهم، فذكروا أن رسول الله ما قال لها ـ وكانت نشده: «هيه با خناس، ويؤمى بيده، وكانت الخنساء تقول في أول أمرها البيت والبيتين والثلاثة، حتى قتل أخوها معاوية بن عمرو. وهو أخوها لأبيها وأمها. قتله هاشم و مرشد .. أما صخر فكان أخوه الا بيها. وكان أحبهما إليها، لأنه كان حكيما جوادا، محبوبا في العشيرة، وكان قد غزا بني أسد، وأصابه أبو ثور الأسدى بطعنة فرض بها قريبا من حول، ثم مات.
ولما قتل صخر أكثرت الخفاء من أشعارها، وأجادت من قولها في صخر
هذا. فمن قولها:
أعينى جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى؟ ألا تبكيان الحوى الجميلا ألا تبكيان الفتى السيدا؟ طويل العماد عظيم الرفا د قد ساد عشيرته أمردا
ومن قولها فيه أيضاً:
أشم، أبلج، تأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار (1/199)
صفحة 197
وفي رواية:
وإن صخرا لحامينا وسيدنا وإن صخرا إذا نشتوا لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها، وقالوا اسم الخفاء: تماضر، وذكر الزبير بن بكار بن محمد بن الحسن المخزومى عن عبد الرحمن عن عبد الله عن أبيه قال: حضرت الخنساء القادسية، حرب ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول النهار: إنكم أسلمتم طائعين، وها جرتم مختارين، ووالله الذى لا إله غيره، إنكم لبنو رجل واحد، وبنو امرأة واحدة، ما خنت أبا كم، ولا فضحت خالكم، ولا غيرت نسلكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل:. يا أيها الذين آمنوا. اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون،. فان أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على عدوه مستنصرين، فإن رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطربت لطاعن ساقها، وأورت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها عند اخترام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والاقامة ... هيا بنى إلى حرب عدو الله فخرج بنوها
قابلين لنصحها، عازمين على انجاز قولها.
ولما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم يقول شعرا: يا إخوتي ان العجوز الناصحة قد نصحتنا ودعتنا البارحة (1/200)
صفحة 198
مقالة ذات بيان واضحة فيا كروا الحرب الضروس الطافحة من آل ساسان كلابا نابعة قد أيقنوا منكموا يوقع الجائحة أو ميتة تورث غنما صالحة
وتقدم، فقاتل حتى قتل شهيدا، ثم حمل الثاني وكر على العدو، وهو يقول: إن العجوز ذات حزم وجلد والنظر الأقوم والرأي السدد قد أمرتنا لسداد ورشد نصيحة منها وبرا بالولد فيا كروا الحرب حماة في العدد إما لفوز بارد على الكبد أو ميتة تورتكم غنم الأبد في جنة الفردوس والعيس الرغد
فقاتل حتى استشهد، ثم حمل الثالث، وهو يقول: والله لا أعصى العجوز حرفا قد أقرأتنا حربا وعطفا نصحا و برا صادقا و لطفا فبادروا الحرب الضروس خفا حتى تلفوا آل كسرى لفا أو تكشفوهموا عن حماكمو اكشفا إنا نرى التقصير منكم واضعفا والقتل فيكموا مجدة وعرفا فقاتل حتى قتل شهيدا، ثم حمل الرابع، وهو يقول: في حماس منقطع النظير لست لخنساء ولا لحزم ولا لعمرو ذي السنان الأقوم إن لم أرى في الجيش جيش الأقدم ماض على الهول خصم خضرم إما لفوز عاجل ومغنم أو لفوات في السبيل الأكرم
فقاتل حتى استشهد، فبلغها الخبر، فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعنى بهم في دار الرحمة، ومستقر المرور.
وكان عمر بن الخطاب، رحمه الله ورضو عنه، يعطى الخنساء أرزاق أولادها لكل واحد منهم مائتا درهم، حتى قبض، رحمة الله عليه. (1/201)
صفحة 199
- 202 -
فلو كان النساء كمثل هذى:
من تلائل من كثر، وقليلات من كثيرات في عمان وعلى الصعيد الإسلامي ـ من رفعن قدر الحياة، وأفهم من العالم كله، إن العبقرية، والنبوغ، وشتى أرومات المجد والاصالة وأمهات السبق في ميادين العلم، والمعرفة، والدين لا تفرق بين الرجل والمرأة، والذكر والأنثى، بل ان من النساء من أفسح لمن التاريخ أوسع أبوابه، واحتفى بهن - فاضلات عالمات صحابيات. في ضيافته وفوق ساحته، وتحت قبابه ... فى كل فنون الحضارة والمجادة، وكل شئون المهارة والسيادة، كهؤلاء اللائى ذكرت ننمرا منهن، واستعرضت جزيئا من جزء من كاهن، وما أكثر من فى باب الإجمال، والكليات، والعموم، اللواتي ولدن الرجال، وقدن الأبطال، وصنعن المحال، وكن في أعلى قمة، وعلى أروع
مثال ..
ولا شك ان للاسلام أثره فى تنشئة هؤلاء الفضليات، وأخذهن بالأسلوب الصحيح الراقي المهذب في التربية والتثقيف، وحسن التعامل، وصدق المناهج في تعاطى هذه الحياة، فلم يتفاتن عن قبضته، ولم يهربن من ساحته، ولم ينطلق ن مع الهوى والجنوح، سادرات غوبات، مع أهوائه و لجاجه، وفوق ظهور مياهه
وأمواجه.
إنهن اللواتي هذبهن الإسلام، وأطلعين من آفاقه، وباشر هن صبيات، وفتيات، وزوجات، وأمهات، وجعلون صانعات الأجيال، ومنجبات الأبطال، وأمهات الرجال، فالمرأة التى تهز المهد بيمينها تحرك العالم بيسارها.
من هنا .. أدركت اساء الإسلام عموما، ونساء عمان على وجه، الخصوص كل هذه المقولات، وما يتعلق بها، وما تعبر عنه, وتشير اليه، وتدل عليه، وتتفاعل (1/202)
صفحة 200
معه وتتركز فيه، من التوجيهات السماوية، والتوصيات الآلهية والمعاملات الشرعية، فاحتضنها، وتفانين في برمجتها وترجمتها سلوكا وهملا، وشوقا وأملا، حتى أصبحن كما يرى العالم، وتتكحل بر آهن عيون الحياة، وحتى أصبحت
كل واحدة فيهن من المسلمات المؤمنات القانتات العابدات، وكأنما يعنيها أبو الطيب بقوله:
فلو كان النساء كمثل هذى افضلت الناء على الرجال (1/203)
صفحة 201
البات الثالث
الأباضية والفرقة الناجية (1/205)
صفحة 202
أغدر بعد عهد؟:
حدثنا التاريخ فيما يرويه الطبرى فى تاريخ الملوك، والزبير بن بكار في جمهرة نسب قريش، والسالمي في (تحفة الأعيان، والمقريزي في. المواعظ، والقطب في لاميته، وأحمد أمين في , ضحى الإسلام، ومحمد
والاعتبار أبو زهرة في المذاهب الاسلامية، وغير هؤلاء من شيوخ المؤرخين ومحدث بهم: إنه لما استقام أمر المسلمين على إنتخاب الخليفة الرابع على بن أبي طالب. وتم إجماعهم على ذلك، خرج طلحة والزبير على هذا الاجماع مشاقين مفارقين، وذلك بعد أن بايعا عليها، و بعد أن وضع كل منهما يده في يده، وذهبا من فورهما إلى عائشة أم المؤمنين بمكة، وقالا لها: إن على بن أبي طالب قد استأثر بهذا الأمر لنه من غير رأى المسلمين ولا مشورتهم، وإنه بذاك قد أحدث حدثاً، وأقام بناءه على أنقاض عثمان، وأن عثمان قتل مظلوما بعد أن تاب راتاب. ودعاها - أو صرفاها - عن رأيها وبصيرتها في عثمان، ولم يزالا يزينان لها أمر الخوض في التيار، والمشاركة في الرأي، وامتطاء صهوة الموج، والتعامل مع الأحداث الجارية، حتى أقنماها بضرورة الخروج من بيتها، وقالا لها ضمن ما قالا، وما أكثر الذي قالاه: ألا عليك أن
-
—
اجب
تقومى وتردى الأمر إلى عامة المسلمين - وأنت أمهم - فيختارون لأنفسهم من شاء وا، ونحن نرغب أن تسيرى معنا إلى العراق، وتصلحى بين الناس
هناك، و تكنى بعضهم عن بعض، ويصلح الله أمر هذه الأمة على يديك، ونرجو أن يوليك الله هذا الأمر؟
•
وهكذا أخرج طلحة والزبير عائشة أم المؤمنين من بيتها بمكة - بعد أن تقضا
بيعتهما لعلى بن طالب، واصطحباها معهما، وسارا مهما إلى البصرة - في طريق ها إن العراق - وجالمبيان أمر الدنيا تحت عباءة أم المؤمنين، وقد شاهدا قتل (1/207)
صفحة 203
208 -
عثمان، وبايعا عليا، ودخلا فيما دخل فيه المسلمون، ووصل بهما الشوط إلى مشارف البصرة، واقتحماها ومعهما جمع من الغوغاء، و نفر من الشواذ، وصناع العتبة، وطلاب الجاه والمغنم، والمشاركين بالتصفيق، والهتاف والدعاية، والتقت بهم: جماعة المسلمين هناك، وناشدوهم الله والتعقل والروية حقنا للدماء وصونا الأرواح، وإبقاءا على جمع الكلمة، وتوحيد الصف لاسيما وإن على بن أبي طالب رجل الساعة والمهمة الصعبة، إلا أن طلحة والزبير واتباعهما مالوا على القوم وأعملوا فيهم السيوف، فقتلوا جماعة من المسلمين فيهم حكيم ابن جبلة العبدى مع رهط من أصحابه، ونتفوا لحية عثمان بن حنيف، وكان واليا على البصرة.
ولم يسمع أمير المؤمنين على بن أبي طالب ازاء ذلك – وهو في المدينة - الا الخروج عليهم، والقيام الله بحقه.
وإن من نكث، أو غدر وخان، أو خرج على جماعة المسلمين، فلا ديزله ولا عهد، و تجب مقاتلته حتى يفى. إلى أمر الله
•
وخرج على واصطحب معه - وهو فى طريقه أ - فرا من أهل الكوفة، حتى قدم البصرة، وهناك وفيها قامت المعركة، وزحف طلحة والزبير ومن منهما لملاقاة القوم، وأبرزوا أم المؤمنين على الجمل حاسرة كاشفة ـ وعلى
بسهم
الله حسابهم - وحمل بعضهم على بعض، ورمى مروان بن الحكم طلحة فقتله - على الرغم. من أنه كان فى جيشه وضمن عسكره، وذلك لما كان يتهمه به من التحريض على قتل عثمان - وهرب الزبير، فتعة به عمر بن جرموز التميمي في وادى السباع حتى قضى عليه ومثل به، وساعده على ذلك السعدى من بني مجاشع .... أما عائشة فقد عقر جمالها رجل من بني تميم اسمه عين بن حكيم، وهاجت المعركة، و تلفظ شدقاها، وهبت أعاصيرها، وتصايح الفريقان، ونادى منادى على بن أبي طالب: «ألا .. من أغلق بابه فهو آمن ... ثم هدأت العاصفة، بعد انتصار على، (1/208)
صفحة 204
واستذيب الناس و رجعت عائشة من هذا المشوار أسيفة حزينة نادمة!! ودخل عليها عمار بن ياسر رحمه الله وقال لها: أخبرينا يا أم المؤمنين عن القتال الذي تقاتلينا عليه: أهو عهد عهده اليك رسول الله؟ أم هو رأى ارتأيتيه من نفسك؟ فقالت: بل هو رأى ارتأيته يا ابنى وأنا استغفر الله وأتوب اليه ما
صنعت!!
وأصيب من المسلمين يومئذ زيد بن صوحان الذي قال فيه رسول الله ما
و تقطع يده في سبيل الله ثم يتبعها سائر جسده. .
مؤامرة واويلتاه:
وهكذا تنتهى موقعة الجمل، ويدخل أهل البصرة في طاعة على بن أبي طالب،
ويجتمع أمر الناس عليه.
وللمؤرخين حول هذا كلام كثير .. ويستقر الأمر. وتهدأ العاصفة، ويشفق معاوية من مغبة واستمرارية هذا النجاح والظفر الذي يصاحب عليا في ملاحمه ومعاركه.
ويتحدث إلى نفسه ويشاورها في حتمية اللقاء مع على في معركة فاصلة يتبين من خلالها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ويسعفه في هذا الخاطر عمرو بن العاص، ويساعده على تجسيده وتحريكه في إطار الواقع والفعل، ويتواعدان على لقاء على في جيش لجب من أهل الشام، و، وكأنهما يطالبان بدم عثمان، ومن فوق هذا المنبر – وبهذا المنطق راحا يصرخان و اولولان
ويصيحان .. يالدم عثمان. و بالثأره!!
-
وقد جيشا جيشا تجاوز عده المائة ألف أو يريد، وفي الجانب الآخر، (1/209)
صفحة 205
- 210 -
أو في المقابل يكون على بن أبي طالب أمير المؤمنين قد جهز بدوره جيشه الذي تمت تركيبته أو بنيته من الأنصار والمهاجرين وانتا به ين لهم بإحسان. وفي صفين في جانب
وإشتتهم
الفرات الأيمن، وبإزاء الرقة، تدور رحى الحرب ضارية جبارة، وتطحن في دورتها الشرسة الرهيبة الآلاف والآلاف من المسلمين، حتى ليقال بأن عدد القتلى بلغ في ليلة الحرير وحدها خمسين ألفاً، وقيل سبد بين، .. ولما كثر القتل، واستحرت المذبحة في أهل الشام، وخاف معاوية على جنده وقومه أن تبتاعهم الحرب، ونقضى عليهم المعركة، ويفرق جمعهم ما منوا به من دزيمة أمسكت بخناقهم، أو كانت، .. هنا يستنجد معاوية بعمر و بن العاص الداهية، ويطلب منه المشورة، ويستحثه على إعمال الحيلة والخديعة إنقاذاً الموقف، و وكسباً للوقت، وتفادياً لما عساه يمسك بحجز أصحابه، وينفر هم منه، ويفرقهم عنه، و ا من حوله ... ويتذكر عمرو نبوءة ذلك اليهودى الذي التقى به في صحار عبر عشرات السنين، ويدرك أن وقته قد آن، وإن الحاجة إليه أصبحت ملحة وضرورية، وأن الدنيا تلوح له بالإقبال، والحظ أوشك أو يراوده، ويتماثل بين يديه .. وتسعف عمر حياته، وينجده دهاؤه، ويشير على معاوية أن يعلق المصاحف على أطراف الأسنة، ومتون الرماح، وأن يكاتب عليا - سراً - بأن كتاب الله سيحكم بيننا في هذا الموقف وتكون له الكلمة الأولى والأخيرة، وكتب معاوية بذلك إلى على واقترح عليه ـ أو طلب منه ـ أن يحكما حكمين فيها بينهما حتى ينهى النزاع، وينفض السامر، وتهدأ العاصفة، وما حكما به رضياه، فأجابه على إلى ما طلب حقناً للدماء، وإبقاءاً على وحدة المسلمين.
وقال له في خطابه الذي أرسله له - رداً على ما استرح أو طلب -: نعام، ونهم، وتم الأمر بينهما سراً، كما طلب معاوية ذلك ... وبلغ عمار بن ياسر رضى الله عنه أمر ذلك الاتفاق، وثارت ثائرته وقال لأصحابه: إنتوا عليا (1/210)
صفحة 206
- 211 -
فعاتبوه على ما فعل .. وعاتب القوم عليا، وأجابهم بقوله: إني تارك ذلك إن شاء الله .. وانتهت إجابة على إلى عمار فقال قولته المشهورة: جروا الخطام
ما اجتر ...
ويتنافش عمار على ويقول له: إن القوم سيقولون لك: بيننا وبينك مع كتاب الله ... فقل: على ترككم كتاب الله قتلنا كم .. وسيقولون: تجعل بيننا وبينك حكمين، فما حكما به من شيء رضيناه، فقل: «ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون، .. فان قالوا: تجعل بيننا وبينك مدة نصطلاح عبرها، فقل: إن الله قال:. فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله ....
خالصة لله:
ويقبل عمار على على، ويأخذ بأذنه وجمع ثوبه، ويقول له ـ في إشفاق وإخلاص ـ: أشككنا في ديننا، وارتددنا عن بصائرنا، حتى نحكم عدونا
-
في ديننا ومصيرنا ودمائنا؟
ملا كان ذلك قبل وضع السيف في الرقاب؟ هلا كان ذلك قبل طلحة والزبير وأصحابهما وهم يدعونك إلى ذلك، فأبيت عليهم وقلت لهم: أننا على الحق دو اسكم؟
لا .. يا ابن أبي طالب فإن كان القوم كفر مشركين فليس لنا أن ترفع السيف عنهم حق يسلموا.
وإن كان القوم كثرة أهل كتاب فليس لنا أن نرفع السيف عنهم ويعطوا
الجزية عن يدوهم صاغروو.
وإن كان القوم بغاة فليس لنا أن ترفع السيف عنهم حتى يفيثوا إلى أمر الله. (1/211)
صفحة 207
-212 -
ثم قال: والله إن القوم ما أسلموا .. ولا أدوا جزية ... ولا فاءوا إلى أمر الله، .. ولا وضعت الحرب أوزارها، فكيف لنا أن نسكت عنهم، أو تخلى لهم، أو تركهم وشأنهم بعد الذي كان منهم؟
ويقول اليعقوبي، والجمبرى، وجاويش، وفلوزن، وابن ماجة، وابن الباقلاني: إن عماراً خرج هو ومن معه من المقاتلين إلى حرب معاوية، فقاتل هو وأصحابه حتى استشهدوا رحمهم الله، واستشهد معه كما يؤكد ذلك
أصحاب السير والتراجم - سبعة وعشرون رجلا من المهاجرين والأنصار
وفيهم ابنا بديل، وخزيمة بن ثابت الأنصارى ذو الشهادتين رحمهم الله جميعا وغفر لهم، وأنا بهم جنة عرضها السماوات والأرض!
تقتلك الفئة الباغية:
وهكذا كانت مسألة الخلافة والتصارع عليها والتطاحن في سبيلها، ومن أجلها من أمهات المسائل أو المشاكل السياسية التى عرضت للمسلمين بعد وفاة النبي، ونتج عنها، أو أثمرت حصادها المر السكريه الذي كان من أولى سلبياته أو سيئاته نشوء الفرق، والتحزب، والمذاهب المختلفة في الإسلام ... وهكذا و على يد فئة معاوية - استشهد عمار بن ياسر الذي قال له رسول الله ما:
ه يا عمار. .. تقتلك النغمة الباغية، وقاتاك وسالبك فى النار.
ويكثر التاريخ من ذكر عمار فيقول عنه في مذكراته و مروياته:
بلغنى أنه يوم بناء مسجد الرسول في المدينة كان المسلمون المشاركون في البناء يحملون حجراً حجراً، وعمار يحمل حجرين حجرين، حتى وقع مغشياً عليه - وكان لا يزال ناقها من مرض أصابه - فأقبل عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه ـ في لهفة حانية - وجعل يمسح التراب عن وجهه. ويقول:
C (1/212)
صفحة 208
-213 -
ريح ابن سمية تقتله الفئة الباغية، وقاتله وسالبه في النار، وبلغني أنه قال له:. آخر عهدك في الدنيا يا عمار شربة من ضياح، والضياح هو اللبن الممزوج بالماء ...
وبلغني أنه مر بعمار والمشركون يعذبونه – وقد وضعوا الحجر المحمي الثقيل فوق صدره مرة، ومرة أخرى صبوا على رأسه الماء المغلى، ومرة ثالثة وضعوا رأسه في برميل من المساء وكتموا فيه أنفاسه - فقال: أبشر يا ان ياسر بالجنة. ...
وبلغنى من أكثر من مصدر: أن حذيفة بن اليمان خرج يوما ومعه من يتبعه ويتعلم منه، فقال له حذيفة: كيف أنت إذا أقتتل الشيطان والقرآن؟ فقال له تابعه الذي يتعلم على يديه: عن ما تأمرني به جعلني الله فداك؟ قال حذيفة: أمر أن تتبع القرآن ... ثم سكت .. فقال حذيفة: أما تسألي إذا اقتل أهل القرآن؟ فقال له التابع: بم تأمرنى به إذن جعلني الله فداك؟ قال حذيفة: حينئذ أمرك أن تتبع ابن سمية .. عماراً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
ه إن عمار ا قد حشا الله قلبه وسمعه وبصره إيماناً، فلا يعرض له حق إلا أخذ به، ولا باطل الا تركه. .
و بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المعذبي عمار: و مالكم والعمار
يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار،؟ ..
وبلغنى أن حذيفة كان يقول دائماً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:. اقتدوا بالذين من بعدى وعليكم بهدى عمار، وهدى ابن أم عبد،
يعني عبد الله بن مسعود رحمهم الله جميعاً. (1/213)
صفحة 209
- YIE-
و بلغني أن على بن أبى طالب بعث إلى عمار بن ياسر أن يقسم على ربه أن حزم عدوهم - وقد شرب الشربة التي وعده رسول الله ما إياها آخر عهده في الدنيا - فقال له عمار: اليوم ألقى الاحبة محمداً وحزبه، هذا اليوم الذى وعدنى رسول الله أن ألقاه فيه ..
وباقي أن عماراً قال لعلى بن أبي طالب: اتق الله يا على والحق بالله قبل تحكيم الحكمين.
و بلغني أن عماراً قال لأصحابه: أين الرائح إلى الجنة قبل تحكيم الحكمين؟ اليوم تزينت الحور العين: يا قوم ردوا الماء قبل الظمأ، فإني أرى الجنة تحت ظلال السيوف، لنضر بنهم اليوم ضرباً يرتاب منه المبطلون، والذي نفس عمار بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا شفات هجر، لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ولوضر بونا حتى يبلغوا بنا الغاف من عمان، لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، فهل من رائح إلى الجنة قبل تحكيم الحكمين؟!
ذلك
هو موقف التاريخ مع عمار، وتلك هى احتفالات الذي به، وتكريماته له، وهذا هو الاحتفاء الحق من النبي العظيم بهذا الصحابي الكريم، فلله درك يا ابن ياسر، ولله أنت يا عمار ا وكم لك بابنك من المفاخر والمآثر ياسمية!
ورحم الله الجميع ...
على من يقع الوزر؟
ويحمل أبو المحاسن فى كتابه. النجوم الزاهرة، معاوية وزر قتل عمار، ولا يعفى عمرو بن العاص أبداً من جراء ذلك ومغبته، فعمرو هوا الذي أشار ومعاوية هو الذي نفذ، ويقول التاريخ فيما يرويه حول ذلك الموضوع: (1/214)
صفحة 210
-910
وتحمل رأس عمار إلى معاوية، ويعرف الناس حينئذ أن معاوية إنما كان يقاتل على الملك والدنيا وأنه لا يقاتل على دين، ويقول له عمرو: أبعد رأس عمار يا معاوية تقاتل أهل الدين؟ والله لأفسدن عليك أمرك أو تجعل مصر ما كاة
لى وحدى. .
وفى هذا يذكر الكندى فى كتابه, الولاة والقضاة، واليعقوبي في تاريخه، والمقريزي في خططه:
إنه عقب مقتل عثمان بن عفان استطاع معاوية بن أبي سفيان أن يستميل إليه عمرو بن العابس، ويكون مستشاره الخاص. وسيفه الذي يحارب به على ابن أبي طالب، على أن تكون ولاية متر طعمة صائغة له وحده، واستطاع عمرو فعلا أن يتخلص مصر من حكم على فى شهر صفر سنة 38، لتكون خالصة له، وذلك قبل أن يخرج التحكيم، ويقول الطرائفي في تحقيقه و تعليقه على كتاب الرد على أهل البدع والأهواء،: إن معاوية طمع في مصر لما اختلف أهل العراق على على، وأنه قصد من الاستيلاء عليها أن يستعين بها على ضرب على، ولأهمية تلك المسألة استار معاوية خواصه، و من بينهم عمرو بن العاص الذي قال له: أهمك أمر مصر وخراجها الكثير،، وعدد أهلها، وخصب ترابها، وكثرة خيراتها، فتدعونا لنشير عليك فيها؟ فان كان ولا بد فاعزم وانهض، فان في افتتاحها عزك وعز أصحابك، وقهر عدوك وكبته ... فقال له معاوية: يا ابن العاص إنا أهمك الذي كان بيننا
ويقال: إن معاوية استشار بعض أصحابه وخاصائه فيما طلب إليه عمرو بن
الداعي،، فقال له صاحبه في شعره:
عطه مصر وزده مثلها
إنما مصر من عزوز
إن مصراً أعلى أولنا
يغلب الآن عليها من عجز (1/215)
صفحة 211
- 216 -
ولما استشهد عمار ومن معه - وبعد ما ذكرت من كلام الذي لا في عمار فيمن يقتله - ارتاب المبطلون، وأراد الله أن يمحص الذين آمنوا ويمحق
الكافرين، وتفرق الناس عن معاوية، وكفوا من مناصرته خوفا من الله،
و تراجعوا عن السير في هذا المضمار، ورجع على إلى الكوفة، ورجع معاوية إلى الشام، وبدأ كل من على ومعاوية يتبادلان الكتابة فيما بينهما سراً دون علم الناس كما يقرر ذلك بعض المؤرخين، وكتب على إلى معاوية ـ فيما كتب: من على أمير المؤمنين إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: لو أعلم أنك أمير المؤمنين لم أقاتلك ولم أرفع في وجهك سيفا، فامح اسم أمير المؤمنين.
كيف بك مع ابن الطلقاء؟
وفعل على ما أشار به معاوية فيما يرويه بعض المؤرخين، وبلغ ذلك المسلمين فنضبوا وقارا - معاتبين: يا أبالحسن .. ما حملك على أن تخلع نفسك من اسم سماك به المسلمون؟ ألست أنت أمير المؤمنين؟ فتب عما صنعت و استغفر الله .. فتاب على من ذلك، واستمر معاوية يكاتبه، وجعل يستحثه سراً في إنفاذ أمر التحكيم، واختار على مكرها - أبا موسى الأشعرى، واختار معاوية عمرو بن العاص شأني رسول الله ويذكر المؤرخون ذلك ويعلمونه في قولهم: إن عمرا – قبل أن يسلم – كان
-
قد هجا النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنى لا أحسن الشعر، ولا ينبعى لى، فالعنه اللهم بكل بيت لعنة .. وتمت الحكومة, ورضى على بحكومة عمرو .. . فليت شعري، ان كانت هذه الحكومة عدلا وصوابا - وما أظنها كذلك أبدا ـ فاقد هلك على عاسفك من دماء قبلها، وكان معاوية أحق منه بالعدل؛ لأنه الذي دعا إليها؟ وإن كانت هذه الحكومة خطأ وضلالا - وهي حتما كذلك في الحقيقة والواقع - فلقد هلك على بدخوله فيها، وقبوله لها، وفي كلا الأمرين لا تخرج لعلى من هذا المأزق الذي صنعه له عمرو ومعاوية ..
، (1/216)
صفحة 212
-217 -
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البخاري بسنده.
أنه قال:
سيكون فى أمتى حكمان ضالان مضلان يضلان ويضل من اتبعهما،!! قال العلامة الشماخي - فيما تناثر اليه من أقوال المؤرخين والعداء. ونقلا عن العقد الفريد .. لابن عبد ربه: -
إن على بن أبي طالب قال: لقد خرجت مخرجي هذا وأنا ظالم أو مظلوم لست أدرى؟ وإني لا ذكر الله رجلا رعى حقه إلا نفر، فإن كنت مظلوما أعاني وإن كنت ظالما أخذ منى، والله! إن كلا من طلحة والزبير لأول من بايعنى واول من غد ربي، والله المستعان!
وعن الاحنف بن قيس قال: ناظرت طلحة والزبير وعائشة: من أبايع إن قتل عثمان؟ قالوا: بايع عليا، ولما قدموا البصرة ناشدتهم قولهم هذا، فقالوا: نعم، ولكنه بدل وغير.
همه الدنيا وفقط:
وحكى ابن الأثير فقال: اجتمع رأى معاوية وعمرو بن العاص، ومن دار في فلكهما، أو لف في مدار هما، على أن يلزموا عليا بدم عثمان ويطالبوه به هكذا، ادعاها وإن معاوية قام خطيبا بين رسل على، وفيهم شبث بن ربعي، فقال: أما بعد، فإني دعوتكم وصاحبكم إلى الطاعة والجماعة، التي دعوتم إليها، وأما طاعتنا لصاحبكم فإنا لا نراها، لأن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وضيع ثأرنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتل عثمان، وإن كان كذلك فنحن لا نرد عليه قوله، ولكن ليدفع الينا قتلته، ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة ... فقال شبث: أيسرك بامعاوية أن تقتل عمار بن ياسر؟ فقال معاوية: وما يمنعنى من ذلك؟ والله (1/217)
صفحة 213
- MIA-
لو تمكنت من ابن سمية هذا لقتله، ولى عثمان.
فقال شيث: والله الذي لا إله
غيره لا تصل إلى ذلك أبدا يا معاوية حتى تتناثر الهام، وتسقط عن الكواهل، و تضيق الأرض الفضاء عليك.
وفي غمرة هذه الأحداث يقول ابن المبرد: وبعد صراع دام أشهرا، وكادت تقع الهزيمة فيه على معاوية وأصحابه، رفعوا المصاحف على الرماح طالبين حكم القرآن ... هنالك دب الخلاف في جيش على خاصة بعد أن تأكدوا من وان هذا الأمر تم بليل، وان عليا قبل التحكيم.
ذلك
وفي هذه اللحظة فقط فارقوه، وخرجوا عنه محتكمين إلى الله تعالى، سائرين في الأرض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد أصابهم الاحباط والاحباط، ولفتهم المرارة في غاشيتها، وابتلعهم الأسى من هذا الموقف المردى
المخزى.
ويؤكد ياقوت الحموي في. معجم البلدان، والبغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق، والطبري في تاريخه.
ان القوم خرجوا من عند على بعد سبعة وأربعين يوما من التحكيم وبعد أن حاولوا مرات عديدة أن يمكثوا هذه الجراج، أو يداوا هذا الذي أصابهم -
ونزلوا أرضا بظاهر الكوفة، تبعد عنها قرابة الميلين اسمها و حروراء. .
و من هذه القرية حملت جماعتهم اسم (الحرورية، واجتمعوا فيها يومئذ وهم أكثر من خمسة عشرة ألف مجاهد، من خيار الصحابة، وكبار المهاجرين والأنصار ورؤساء المسلمين وفقهائهم وقرائهم وعلمائهم، وفيهم آنذاك شيخ الصحابة، وإما مهم عبد الله بن وهب الراسي الازدى ـ وهو أول إمام عقد له المسلمون آنذاك و نصبوه -، وفيهم حرقوص بن زهير السعدى، وزيد بن حسن الطائي، (1/218)
صفحة 214
219 -
وحمزة بن سنان الأزدي، وشريح بن أو في العبدي، وعبد الله بن سرح الأزدي السلمي، والكثير جدا من اجلاء وأفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنصارا ومهاجرين، واجتمعوا جميعا في بيت عبد الله الراسي، وعرضوا الامامة على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسي بعد أن تنا جلوها وتجاذب القوم أطرافها فيما بينهم، فقال ابن وهب: ها توها، أما و الله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدعيها فرارا من الموت ... فبايعوه عليها، وجعلوا الموعد بينهم النهروان، شمال بغداد بالعراق ..
ليتهم ما فعلوها:
ويتحدث التاريخ على لسان شيوخه ويقول:
لقد خرج القوم إلى صفين مع على وهم أحباء .. وادون، وسرعان مارجعوا متباغضين أعداء، تنفث الفرقة سمومها بينهم، وما برحوا من معسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم، وعمتهم بلوى التنازع والتصارع، ولقد مشوا الطريق كله يتدافعون، ويتشاتمون، ويقول الخوارج لهم:
يا أعداء الله .. أو هنتم في أمر الله عز وجل، وحكمتم من حكمتم أو يقول
الآخرون: انكم فارقتم إمامنا، وفرقتم جمعنا:
ولما دخل على الكوفة لم يدخلوا معه، وظلوا سائرين حتى أتوا حروراء. وكانوا يقاربون أو يتجاوزون أو يناهزون الخمسة عشر ألف رجل من خيرة
المسلمين واتقيائهم، وأهل التقى والفضل، والزهد، والورع فيهم واله الأمر من قبل ومن بعد!!
وينتهى الأمر بخلع على من الامامة، والخلاف على بقاء معاوية وتثبيته فيها أعمالا لنصوص الوثيقة، واستمارا بمشورة العهد وبنوده التي نقضى بذلك، دالي (1/219)
صفحة 215
- 220 -
جاء فيها: ـ كما قال ابن الأثير بعد
المقدمة هذا ما تقاضى عليه على بن أبى
طالب ومعاوية بن أبي سفيان. قاضى على بن أبي طالب على أهل الكوفة ومن
معهم، وقاضي معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن معهم، أننا ننزل عند حكم الله وكتابه، وأن لا يجمع بينا غيره، وان كتاب الله هو شرعنا ودستورنا من فاتحته إلى خاتمته، نحي ما احيا، ونميت ما أمات، فما الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعرى، وعمرو
وجد
ابن العاص بن وائل السهمى - عملا مه، ومالم يجداه في كتاب الله، فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة.
وإن للحكمين ما للمتحاكمين من المنعة والنفوذ، ولهما على الأمة العهود والمواثيق بأنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والمسلمون لهما انصار في انفاذ أحكامهما، وأدوات عمل وإنجاز على الذي يتقاضيان عليه، ويقضيان به، وعلى
عبد الله بن قيس الأشعرى وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه
الأمة.
-
-
بدون تفرقة بين المتخاصمين - بما حكم به الله في كتابه الكريم وما
حكم به النبي في سنته الطبيبة الطاهرة، وعلى جميع المسلمين أن يلتزموا بكل ما يحكم به الحكمان في اطار الشرع. وفي حدود الدين، والله خير ووقع على هذه الوثيقة وذلك العهد كل من الطرفين
الشاهدين
المتحاكمين، إلا أن «الاشتر، أبى أن يوقع قائلا: لا صحبتنى يمينى ولا نفعتنى بعدها شمالى إن خط لى فى هذه الصحيفة اسم، ولست على بينة من عدوى ... . أو لستم قد رأيتم الظفر، وصافحكم النصر؟ فقال له الأشعث: والله ما رأينا ظفرا، ولا أصبنا نصرا، هلم الينا، أم لك رغبة بك عنا؟. فقال الاشتر بلى والله الرغبة عنكم في الدنيا للدنيا. وفي الآخرة للآخرة، لقد سفك الله بسيقى هذا دماء رجال ما أنتم والله خير
•
، (1/220)
صفحة 216
221 -
عندى منهم، ولاد مكم أحرم على من دمائهم ... وخرج الأشعث بالكتاب والوثيقة والعهد - يقرؤه على الناس، ومر على طائفة من بني تميم، فيهم عروة بن أدية. أخو أبي بلال، وقرأ الكتاب عليهم، فنهره عروة في غضب وقال له: أتحكمون الرجال في أمر الله؟ والله لاحكم إلا لله، وشد بسيفه عليه فأصاب به عجز دابته.
تفرقة وأى تفرقة؟:
وحول قضية التحكيم، وما جرى فيها، وكيف كانت مدعاة لتفرق المسلمين و اختلاف الكلمة بينهم، يطوف بنا العلامة «أبو اسحاق الاطفيشى»، ويلوب في مجالها كل من الحسن البصرى، ومالك بن أنس، كما أسهم فى ذكرها باسهاب المبرد في الكامل، وأحمد أمين فى ضحى الإسلام، ويجمع الجميع في مقولهم على صيفة تكاد تكون متحدة من حيث الباعث على التحكيم والغرض منه، والاخطاء الكبرى التي وقع فيها المتحاكمون بقدر الدهاء والحيطة والمسكر الذي اختبأ تحت عباءته معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، ومن طالب بما يطلبان من الجرى وراء الدنيا، والركض في مضمار الجاه وفوق الساحة الفسيحة والمساحة الواسعة والمدى الطويل الكبير البعيد الذي رسمته المطامع على جغرافية الشهوات، وفى أطلس المناصب، ومع المنحنيات والخطوط البيانية، التي تقفز فجأة وبلا مقدمات إلى التملك والسيطرة ممن كانوا لا يملكون ولا يسيطرون، وما
كان ذلك في الحسبان أبدا ولا طلف مرة بالمخاطر .. أو حلموا به وهم نيام. ويتلخص رأى هؤلاء المؤرخين فيما يردده التاريخ في أكثر من مناسبة، والذى يقول في مجمله:
إن على بن أبي طالب بعد أن جاءته الخلافة، وقام بشئونها وأمرها قيام الأئمة العدول، وعمل بأوامر القرآن الكريم، وها به أهل الباطل من رجال (1/221)
صفحة 217
-
222 -
الدنيا الذين يتها لكون عليها، وقاتل أهل الفتنة القائمين لقتاله، والمتسترين عند العوام بطلب دم عثمان، حتى قتل منهم الوفاء، وهزم صفوفاً برجاله الأبرار، وأنسحابه من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم باحسان .. وشوش عليه بعض أهل الأغراض الدنيوية حين رأوه حليف ذى الفقار، وأليف العدل والحق على كل طاغية جبار، .. عند ذلك تأمروا عليه، وقالوا فيما بينهم - وهم ينصبون له الانخاخ والاشراك -: إن هذا الرجل لا يرى لنا الحق شيئاً، ولا ينقاد من لرغباتنا،، فهلم ندس له المسكائد، ونزرع في حقله الألغام والمصائد، ونسجوا له نسيجاً من الفتنة لا ينفلت منه إلا بدماره، وهكذا أمكن لهؤلاء الأبالسة أن يخدعوا عليا الإمام المظلوم في قضية التحكيم من نواح عديدة، إذ أرغموه على قبولها، ثم فرضوا عليه أبا موسى الأشعرى وهو لا يراه هناك، وصبوا في حاقومه الكأس حتى الثمالة، وهم يغصبونه على متابعة الفارين الهاربين في حروب متتالية أنهكت جنده، و أتت على معنوياتهم، ثم حاكوا له الدسائس وبولوا عن الحق، وتكسر بذلك العمود الذي قامت عليه دولته، وأنهار الصرح الذي فيه عزه وقوته، وأوغلوا في الشقاق، ولجوا في الخصومة والنفاق، ورجع بعضهم يضرب رقاب بعض. وبقضية التحكيم هذه وجد الشيطان له مدخلا بين صفوف المسلمين، وكثر القيل والقال، واشتد النقاش والجدال، وأطلت الفتنة رأسها، وأخرج معها طلاب الدنيا أدمغتهم ولحاهم، وقد تطاولوا على الإمام وانضموا إلى أعدائه وخصومه، وكان بعضهم يرى التحكيم ضرورة من ضرورات الدين، فهو أمر واجب، ويراه البعض الآخر آفة ومصيبة، فهو محرم وجريمة وعار، و قوم يرونه شيئاً مباحا أو عملا جائزاً، فهم فيه بين الحل والربط، والإبرام والنقض، وانشقت بذلك. عصا المسلمين، وعن طريقه خرج عن على أهل
طاعته.
وهكذا وقع الإمام الخليفة على بن أبي طالب في ورطة شرسة جاءته عاصفة (1/222)
صفحة 218
-
- 223
-
راعدة، من ناحية التحكيم التي نسج خيوطها، وغزل سدتها ولحمتها ما كرداهية أراد الدنيا من فوق ظهر الدين، والله المستعان!!
ويقال أيضا إن عليا أوشك أن يتخبط أكثر وأكثر في الخيوط
العنكبوتية التي برمها له في عيش المكر وضبش الغدر ـ عمرو ومعاوية،
-
حين عرض عليه معاوية - بعد أن خرج عليه قومه وفارقوه إلى النهروان - أن يحاربهم عنه، ويقاتلهم له، وكتب إليه فى ذلك يقول: إنه بلغني أن طائفة من أصحابك خالفوك وخرجوا من عسكرك، وقد تعلم أن الأمر بيننا لا يتم إذا كان له منازع، فان كان منهم أحد على غير رأيك، وأحببت أن أكفيكهم، وأقضى عليهم فعلت ... ! .. إلا أن أهل الرأى فى مشورتهم له كفوه عن ذلك، وقالوا له فيما قالوا: إن صار معاوية يدخل عليك في بلادك، ويقتل أصحابك، وعرف مداخل الأمر، وخبر مصادره و موارده قوى عليك، ورفع يده فوق رأسك،
،
وأدائك، وربما يتقرب إلى القوم دونك، وماذا تنتظر من عدوك؟ أو ترجي عده؟ ولكن عاجل القوم أنت وبادرهم قبل اجتماعهم أو تفرقهم في القرى
والأمصار ...
له الله:
قال ابن عند البر النموى القرطى فى كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب،
:-
- حين تعرض لأمر التحكيم -
-
إن على بن أبي طالب أعنف وأشد عليه من ذي قبل، خذله قومه، وقاتلوه، وقتلهم، ومعاوية وقومه محتلون ممالكه شبرا شبرا، وفترا فترا، حتى أغمه الأمر، وغام به الطريق، فكان إذا صلى الغداة يقنت في صلاته ويقول: اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد، وبلغ ذلك معاوية
بعد طوفان الحوادث التي مرت به بقى في صراع (1/223)
صفحة 219
- YYE-
فكان يقول هو الآخر: إذا أفنت - اللهم العن عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر، وهكذا - ومن ذلك التاريخ - استمر بنو أمية حاكما بعد حاكم يلعنون عليا على المنابر، وفي خاتمة خطبة كل جمعة، حتى استخلف الإمام العادل عمر بن عبد العزيز فأبدل اللعن والسب بقول الله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى الغربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. ...
أبو موسى وعمرو والإمامان:
ثم إن الحكمين ـ كما يذكر ذلك صاحب السيرة العمانية، الشيخ أبو الحسن البيساني، وهو من علماء القرن الرابع الهجرى التقيا بدومة الجندل، وخلع أبو موسى الأشعرى صاحبه على بن أبى طالب من الخلافة، وثبت عمروبن العاص صاحبه معاوية بن أبي سفيان، ولما علم على بذلك ندم أشد الندم على ما فعل، وكتب إلى أهل النهروان كتابا يستحثهم فيه الاستعداد لحرب معاوية ويطلب منهم الرجوع إليه، وفيه يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين على بن أبي طالب إلى زيد بن حصن الطائي وعبد الله بن وهب الراسبي، ومن معهما من المسلمين: سلام عليكم، فاني أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو .. أما بعد، فإن الحكمين نبذا كتاب ... الله وراء ظهورهما، وحكما بغير ما أنزل الله، فبرئ الله منهما ورسوله، وأنا منهما يرىه، فهلموا تعطيكم الرضى، ونرجع إلى الأمر الأول الذي طلبتموه مني وتقاتل عدونا وعدوكم، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، والموعد بيننا
وبينكم نجران، والسلام ...
فكتبوا إليه رداً على جوابه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من إمام المسلمين عبد الله بن وهب الراسبي، (1/224)
صفحة 220
- 225 -
وزيد بن حصن الطائى ومن معهما من المسلمين، إلى على بن أبي طالب سلام على من اتبع الهدى، وتجنب متالف الردى، أما بعد، فإنا نحمد
الله الذي لا إله إلا هو، وبلغنا كتابك تذكر فيه أن الحكمين نبذا كتاب الله وراء ظهورهما، وحكماً بغير ما أنزل الله، وقد علمنا. فالحمد لله أن أمرهما
.
كان مخالفاً للحق من أوله، وأنت بتحكيمك إياهما قد أخطأت كثيراً، وعليك أن تدخل فيما دخل فيه المسلمون من طاعة الله، وطاعة رسوله، وطاعة إمام المسلمين عبد ا الله بن وهب الراسبي، فقد بايعناه بعد أن خلعناك ولا يسعنا إلا
ذلك، والسلام.
ان
هنا بدأ الخوارج:
ومن هنا، وإنطلاقا من هذه المسيرة الصعبة الشاقة بدأ الخوارج مشوارهم
مع الحياة على صعيد الدعوة إلى الله.
والخوارج - كما ناقش ذلك صاحب السيرة شبيب بن عطية وغيره من المؤرخين - يسمون «المحكمة» و «الحرورية، و و الشراه، و. السراة ...
من
أما لماذا غلبت عليهم التسمية باسم الخوارج؟ فقد عال العلماء ذلك بأكثر
علة
و ساب ..
قيل: سموا بذلك لخروجهم عن الإمام على بن أبي طالب، وقيل: الخروجهم عليه. وقيل: لخروجهم عن ضلالة التحكيم، وقيل: لخروجهم مجاهدين في سبيل الله، ... والخوارج هم أول الفرق الإسلامية، خرجوا على على بن أبى طالب وصحبه، رافضين التحكيم، وتحصنوا في بعض المناطق بالعراق والجزيرة العربية، وقاوموا الدولة الأموية، وصدراً من الدولة العباسية مقاومة عنيفة، وقد انقسموا إلى عدة فرق، واشتهروا بالتشدد فى العبادة، ويرون ان الخلافة (1/225)
صفحة 221
-226 -
لا بد أن تتم عن اختيار حر، ولا تنعقد إلا بذلك، وليس من حق الخليفة الذى اختير بإرادة الأمة أن يتنازل، أو يحكم، ويرون كذلك، أن الحمل جزء من
الإيمان، وأن تارك الفرض يحارب شرعاً على ذلك الترك ...
:-
قال البغوى، واليعقوبي، والطبرى - في موضوع الخروج للجهاد إن المصريين هم أول من فتح باب الخروج بتميادة كل من جبلة بن عمر، والساعدى الأنصاري، وهما ممن شهدا أحداً، وبايعا تحت الشجرة.
ثم البصريون ورئيسهم في هذا حرقوص بن زهير السعدى الصحابي، ثم الكوفيون - كذلك - برئاسة زيد بن صوحان، وهو صحابي جليل.
وتبعهم على ذات الطريق طلحة، و الزبير، وأهل النهروان، ورئيسهم في هذا المضمار الشاق عبد الله بن وهب الراسبي، وهو الصحابي الفاضل المجاهد الذي ذكره ابن حجر، وعشرات وعشرات من المؤرخين والمحققين والعلماء والاعلام من أصحاب الحديث والفقه والشريعة.
ومن الخوارج أيضاً - في نفس المضمار - أهل المدينة والحسين بن على، وكلهم من شيوخ الصحابة الفضلاء.
ثم سعيد بن جبير، والشعبي، وفقهاء العراق إذ خرجوا على الحجاج وجميعهم من أخيار التابعين وصلحاتهم.
أما سر تسمية الخوارج، بالمحكمة،، فلأنهم كانوا يقولون دائما: لا حكم إلا لله .. وأول من قالها, عروة بن أدية، أخو أبى بلال، وأبو بلال هذا من
أهل النهروان ولهما أخبار ذكرها ابن الأثير وغيره من المحققين الثقات وأما الحرورية، فهي من أسماء الخوارج، وسموا بها نسبة إلى حروراء، وهو
الموضع الذي نزلوا فيه بعد انفصالهم عن جيش على .. ويقول ابن جرير الطبري: (1/226)
صفحة 222
-227 -
إنه لما رجع على بن أبى طالب من موقعة صفين، لقيه عبد الله بن وديعة الانصاري فدنا منه، وسلم عليه، وسايره .. ثم قال له: أما سمعت ما يقول الناس في أمرنا يا ابن وديعة؟ قال: نعم سمعتهم .. منهم المعجب بالأمر، ومنهم الكاره له .. قال على: فما قول ذوى الرأى؟ قال ابن وديعة: يقولون: إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه! وكان له حصن حصين فهدمه التي يجمع على ما فرق؟ ومتى يبني ما هدم؟ ويقولون أيضاً: ولو كان مضى على بن أطاعه ـ إذ عصاه من عصاه ـ فقاتل حتى يظفر أو يقبر .. لكان ذلك أحكم وأحزم ...
قال ابن الاثير: ولما رجع على من صفين فارقه الخوارج، وأتوا حروراء فنزل بها منهم أربعة عشر ألنا، قال العلامة الشماخي: وقيل أربعة وعشرون ألفاً، وقيل: سبعة وعشرون ألفا وأكثر من ذلك، وهم خيار أهل الأرض يومئذ وأقراهم للقرآن، وأهل التقوى والصلاح فيهم، وهم من يخافون الله الخوف كله، ويحرصون على إنفاذ طاعته، وإنجاز شريعته، وتحقيق الإيمان في قلب كل
مؤمن، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى ..
وهم القدوة والاسوة في الزهد والورع، فيمن بقى من كبار الصحابة
والتابعين.
لله الأمر:
أما مقتلة النهروان: فيقول كتاب التاريخ
-
ومنهم
إن المعركة
المنصفون العدول، ومنهم المجنحون الغسالون دارت بين على بن أبي طالب من جهة، وبين أهل النهروان من الجهة
الأخرى:
معا
-
-6
ويا لسبحان الله. يدور القتال وتراق الدماء بين المسلمين من الجهتين
ولعل التاريخ يعيد نفسه اليوم في حرب العراق وإيران!! أقول ـ على (1/227)
صفحة 223
- YYA-
ويستمر الحديث على السنة المؤرخين: وقتل يوم النهروان في ملحمة بين مسلم ومسلم خمسة آلاف مقاتل من خوارج النهروان المسلمين .. إي والله خمسة آلاف مسلم من أفاضل الصحابة، وشيوخهم - بينهم - كما يروى الرواة – سبعون من أهل
الذي
بدر، وأربعمائة من «السواري، الذين كانوا يلازمون دائما مسجد الرسول ويجلسون تحت سارياته للعبادة، والصلاة، وكأن جباههم وركبهم من شدة اجتهادهم وكثرة سجودهم ثمن الإبل، فهم خيار الناس وفقاؤهم، وأهل الشرف في الدين والرأى والأولية فى الإسلام من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم باحسان، وقتل فيهم الصحابى الفاضل الجليل. حرقوص بن زهير أسلفت الحديث عنه قريبا - وهو الذي دفن, دانيال، الحكيم، وكان دانيال هذا قد سأل ربه أن يدفنه رجل من أهل الجنة، ولم يزل دانيال في تابوته في أيدى أهل الضلال والاهواء من أهل الكتاب يستسقون به إذا أمسك عنهم المطر، أو شحت عليهم السماء، حتى فتح أبو موسى الأشعرى مدينة السوس فوجده في تابوت هناك، وكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب رحمهم الله ورضى عنهم، فكتب إليه عمر: إن يدفنه سرأ ولا يشعر به أحد.
ويقال: إن أبا موسى سأل عن حرقوص بعد ذلك فقيل: أصيب في أهل النهروان .. فقال - في أسى -: والذي نفسي بيده لو اجتمع على الرمح الذي طمن به حرقوص كل من بين المشرق والمغرب لدخلوا النار كلهم ...
مظلوم وايم الله:
وعن الحصين بن نوفل عن ابن عباس قال: أصاب أهل النهر السبيل، أصاب أبو بلال السبيل، وعنه - أيضا - قال: حدثنى مسعود بن عبد الله بن شداد، أنه قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة، وقالت له: يا عبد الله .. لم قتل على أصحابه؟ فحدثها بالقصة كلها. . فقالت: مظلو من جميعا والله اهل تسمى أحداً من قتل؟ قال: (1/228)
صفحة 224
نعم، حرة وص بن زهير العدى، فاسترجعت، وقالت: أشهد أن رسول الله كان في منزلى .. فقال: يا عائشة .. أنظرى أول رجل يدخل من هذا الباب هـ من أهل الجنة، فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماء ... وقال ذلك في اليوم الثاني .. وفى اليوم الثالث - كذلك - على التوالى، فكان الداخل هو حرقوص في هذه المرات الثلاث.
قالت عائشة: ثم من أيضا؟ قلت: زيد بن حصن الطائي ... فيكت ... وقالت: لو اجتمعت الأمة كلها على الرمح الذي طعن به زيد لـ كان حقا على الله أن يكبهم جميعا في النار!! ولما التحم القتال في النهروان من الغداة إلى الأصيل، و على بن أبي طالب واقف ومعه أبو العقيصة إذسمعه يقول: والله أن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار، وأصحاب الجمل يوم الجمل، وأصحاب صفين يوم صفين، وأصحاب القرآن إذا تلى القرآن!!
فقال له أبو العقيصة - وكانه يستيقظه من إغراقات تأمل آسية آسفة نادمة حزينة، أو يلومه ويعتب عليه: ففيم نحن اذن؟ ثم ضرب فرسه، ولحق بهم
وقتل في المعركة.
-
و عن ابن عباس قال: حدثني قنبر - مولى على ـ قال: قال على بن أبي طالب: و يحك .. صرعناها هنا خيار هذه الأمة وقراءها افقلت: أى و الله فابك كثيراً و كثيرا، وبكى على ابن أبي طالب ماشاء الله له أن يبكى!!. ثم قال واللغة تتمزق على لسانه، والسكلمات تتبعثر في فمه هنا وهناك
:-
لقد جدعت، أنفى، وأشقيت نفسى .. ثم أظهر الندامة على قتاله لهم ... وقان له رجل من الحضور الشهود - يجامل عليا -: هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون
صنعاء
فنهره على .. وقال له: ويحك. . أولئك أهل التوراة والإنجيل
ورهبان القرآن و فرسانه. (1/229)
صفحة 225
- Pr. -
وقال له آخر: والله ما بين الطريقين طريق، فان كان أمر الحكمين هدى فقد ضللت بنقضك عهدك، وبراءتك منهما، وإن كان ضلالة .. فلقد ضللت اذن بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلانة .. فقال على رضى الله عنه: تلك مشيئة الله، وماشاء الله فعل، وأرجو من الله التوبة والمغفرة على ما قدمت وما فعلت!!
و في السير ـ من كتاب النهروان - عن جابر بن زيد:، أن على بن أبي طالب أظهر الندامة للناس، ... وقيل له في معرض المعاتبة: قتلت قوما، وأظهرت الندامة عليهم و وطفقت تمدحهم، وتزين أمرهم؟ فو الله لتخلون أو لتقتان ... فلما أصبح قال: ابتغوا في القتلى رجلا وسماه -، فوجدوا نافعا مولى ترهلة صاحب رسول الله - قطع السيف يده، ومزق جسده، فقال: هذا هو؟ فقال ابنه الحسن نعم ... هذا نافع مولى ترمله.
عفوا وغفرا:
إن على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضى عنه اريه الساحة، براح المساحة في معاملة المسلمين عموما.
وفى هؤلاء الذين خرجوا عليه على وجه الخصوص، سيما وان الواجب الشرعى كان يحتم عليه أخذ القوم بالشدة وعدم ملا يفتهم حفاظا على وحدة الأمه، وصوتا لها من التمزق والتفكك.
وان التاريخ ليحدثنا في ثقة وأمانة ان عليا طاول الخوارج مرات عديدة، وكانوا هم مع ذلك أميل إلى العودة اليه والالتزام بنصحه، والانغمار في مسيرة الجماعة، والخضوع لرأى أمير المؤمنين، وطاعة ولى الأمر، لولا ما كان وراءهم من يؤرثون الأحقاد، ويبغون الفساد، ويثيرون الفتنة، حتى يستطيعوا أن يتسللوا عبر غبارها، ومن خلال دخانها إلى مآربهم الشخصية، وأهوائهم المادية الدنيوية (1/230)
صفحة 226
231 -
ابتغاء إمارة، أو اقتطاع، ولاية، أو تحقيق غنم ذاتي ولو على حساب المصلحة العامة، أو فوق تلال وفي أعماق بحور من جماجم المسلمين ودمائهم.
ولن يبرأ معاوية بن أبي سفيان أو عمرو بن العاص، و من!
التف
حولهما،
أو تآمر معهما من هذه الجريمة البشعة التي قضت على الوحدة الإسلامية أولا، وقضت على آل محمد وأحتماده وذريته ثانيا ومزقت وحدة المسلمين ثالثا وأخيرا ..
إن التاريخ لن يغفر لمعاوية أو ابن العاص ما ارتكباه في حق على بن أبي طالب،، من تأليب الناس عليه، وخروج بعضهم عن طاعته، وهذا الطوفان الرجيم من الشغب والتمرد الذى لوى ذراع الأمة، وكاد يدق عنقها أو يخلع فقراتها أو يقضى عليها، من أجل الحكم، وفى سبيل الولاية وطمعا في احتواش المغانم واقتطاب الدنيا، وتحقيق الوجاهة والجاه.
أما على بن أبي طالب الإمام الشرعى، وأمير المؤمنين المنتخب، فكان زاهدا في كل ذلك، ورعا تقيا، وكثيرا ما رفض الدنيا وطلقها حين كانت تتعرض له بالاغراء، أو تحاول صرفه عن الحق، أو تحيد به عن الطريق، وكثيراً ما كان يقول: يادنيا غرى غيرى!!.
إن على بن أبي طالب الإمام المظلوم كان أول من أسلم على يدى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عمه، وصهره، مزوج ابنته فاطمة، وأبا الحسن والحسين، وأصل النسب المحمدي الطاهر والنبض الإسلامى المرهف الذي ربط بين الاشراف
وصاحب الرسالة، وسيظل نسله من بعده كذلك إلى أن تقوم الساعة.
إن على بن أبي طالب كان يعيش مع الناس بجسده، ويتعامل مع الدنيا بجوارحه، فقط، أما روحه، أما، وجدانه، أما ضميره، أما حياته كلها فكانت متعلقة بالسماء .. كان دائما مع الملأ الأعلى، والمسيرة السماوية، مع الحياة الروحية (1/231)
صفحة 227
232 -
-
في أعلا الماطها، وأرقى أطوارها، وأعمق أدوارها ... كان دائما يقول لأصحابه: أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لأنا أعلم بطرق السماء منى بطرق الأرض، وأطيعوني قبل أن تشعر برجلها فتنة تطأ في خضامها، وتذهب بأحلام قومها،، ثم تكون النهاية الفاجعة، والله المستعان.
إن على بن أبي طالب لم يكن في يوم ما من طلاب الجاه أو الامارة، أو المنصب أو المعنم، أو غير ذلك من هذه المآرب الشخصية التي كان يسيل لها لعاب معاوية و عمرا، ومن هنا فان معاركه كانت خالصة لوجه الله لاقامة حدود الشريعة، وكم تمنى ألا تكون هذه المعارك، وكم نضحت عيونه من عبرات، وسالت من دموع على شهداء هذه الحروب، وكم بكاهم ورثاهم وترحم عليهم!!.
ولقد سئل مرة عن أهل النهروان: أمشركون هم؟ فهب فزعا، وقال ـ والاسى يتخلل مقولته -: لا .. والله، هم أبعد الناس عن الشرك، ومن الشرك فروا ... قيل له: أمنا فقون هم؟ قال كرم الله وجهه ورضى عنه -: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء قولهم الناطق، وهمهمات قلوبهم، واختهم التي لا تقطع هى ذكر الله .. ولكن إخواننا بغوا علينا!!.
وقال لأصحابه والآهات تكاد تمزقه، والمرارة تستبد به، والحزن يسيطر عليه ـ: لا نقاتلوا الخوارج وكفوا عن منا وأتهم وحربهم، فهم طلاب حق، وليس سواء من قصد الحق فأخطأه، ومن قصد الباطل فأصابه. . ويسأل الحسن أباه عليا - رضى الله عنهما - وقد عاد من الكوفة: أقتلت القوم يا أبت أو يجيبه أبوه على بن أبي طالب فى صوت متهدج حزين: نعم قاتلتهم وليتني لم أفعل ذلك ... فقد كانوا أسود النهار ورهبان الليل رحمهم الله جميعاً ويغفر الله لى .. ويكى ابن أبي طالب، وما أصعب بكاء الرجال وما أمره!!.
وهكذا وقع الإمام على بن أبي طالب بين شقى المقص، وعلى مفترق الطرق (1/232)
صفحة 228
-233 -
بفعل طلاب الدنيا، ومصدقى نبوءات اليهود ... أما أنت أيها الإمام المظلوم ... أما أنت يا ابن أبي طالب .. فعفوا وعفوا .. وعذرا وغفرا .. وكان الله ممك وعموما فان التاريخ يعطى للإمام على بن أبي طالب العذر فيها أقدم عليه من حرب الخوارج. خصوصا إذا كان هؤلاء الخوارج على الأمن هم جنود الأمن أنفسهم، وهم المنوط بهم حراسة الأمة، والقيام على شئونها الداخلية والخارجية. أو ليسواهم أصحاب على بن أبى طالب الإمام الشرعى المنتخب، وأمير المؤمنين بإجماع أهل الحل والعقد، والابرام والنقض؟
لو بغ - ير الماء حلقى شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري!
ولما فقد على بن أبي طالب تلك الأصوات القارئة بالليل المرتلة آيات الله الذاكرة له على الدوام، وكأنها دوى النحل، قال مدهوشا مذهولا -: أين أسود النهار، ورهبان الليل؟ فأجابه أصحابه: قتلناهم يوم النهر. فيكي الإمام عليهم - وكانه يريثهم أو يؤبنهم - وما أصعب بكاء الرجال وما أمره!
وجاء في كتاب بيان الشرع: و هو من الكتب العمانية القديمة المعتمدة قيل: لماقتل على بن أبي طالب أهل النهروان، أمر أن تجمع كل متعلقاتهم، فاذا هي خمسة آلاف مصحف من كتاب الله تعالى .. فبكى على حق كادت نفسه أن تخرج، ويقال: إنه دخل على ابنته أم كلثوم فهنأته بالظفر والغلبة على أقوم ..
فقال لها متع الملا: أصبح أبوك من أهل النار إن لم يرحمه الله!!
-
:--
وهكذا كانت البداية مع هؤلاء الخوارج.
أهل الاستقامة والسنة:
روى الحالم والمسعودى ـ في معرض الحديث عن: أهل الاستقامة،
وه أهل السنة» و «الخوارج: -: إن اسم: الخوارج، كان في أول الأمر
من دواعي المدح ومقتضياته، .. ذلك لأن المراد بهم كما سبق الحديث وتكرر
-
- (1/233)
صفحة 229
- TTE-
Pric
الطائفة التي خرجت - وتخرج في سبيل الله للجهاد والغزو، وكما نوه القرآن الكريم بهذا في قول الله تعالى:. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ... ثم صار هذا الاسم فيما بعد سمة من سمات الذم على ألسنة المتأ و لين والغالين والرافضين، وأصبح سبة يعير بها من انتسب إلى هؤلاء القوم، ثم ازداد الأمر واشتد صعبة وتعييرا وقبحاحين فعل الازارقة والصفرية والنجدية أفعالهم المتشددة المستبدة تحت عباءة الخوارج، وباسم الدين، حتى أصبح اسم الخوارج من هذه الزاوية اسما قائما معتها، وأصبح من الأسماء التي اختفى سببها، وقبحت لغيرها، ومن ثم، ولهذا السبب نفرت الاباضية – وهى الفرقة المؤمنة حقا، والمستقيمة صدقا من اطلاق هذه التسمية عليها، وأصبحت من ذلك الحين، ولذات السبب، تقسمى باسم «أهل الاستقامة. لاستقامة أتباعها على جادة الطريق، وانطباعهم بطابع الدين الصحيح الصريح، و عكس هذا كانت تسمية (أهل السنة، إذ كانت من الأسماء التي تبحت أنذاك حيث كان المراد بها، والمقصود منها .. السنة التي استنها معاوية وأصحابه في سب على بن أبى طالب، وشتمه و آله على المنابر، وصارت، السنة التي ينشأ فيها الصغير، ويموت عليها الكبير عبر المجتمع الإسلامي كله، حتى جاء الخليفة الأموى العادل عمر بن عبد العزيز، فغيرها، وأبدل ذلك السب والشتم في نهاية خطبة الجمعة إلى قول الله تعالى:: إن الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون،
?
وغام الأمر - أنذاك أمام الطريق التي يجب أن تخطو فوقه أقدام المسلمين وخطواتهم. ... وتساءل الناس - في لهفة -: من هم الخوارج، و من هم أهل السنة، ومن هم أهل الاستقامة؟ حتى أسعفهم الخليفة الأموى العادل عمر بن عبد العزيز، ووضع أقدامهم على أول الطريق وانجد تساؤلاتهم .. ومن هنا عرف (1/234)
صفحة 230
- 235 -
الناس حقيقة الأمر، وان أهل السنة، هم أهل الاستقامة، مة، هم الخوارج في أصفى صورة، وأبهى شكل، وأوسع معنى، وأعمق ادراك وشمول والمحاماة: وهم في الحقيقة والواقع أهل النهروان. الذين هم نقطة الارتكاز، ومحور الدائرة،
وقطب الرحى، والمنطلق الذى انبعثت منه الحركة الأباضية في العالم كله، وعلى المستوى الشمولي المستوعب لشتى حركات الحياة.
النواة الأولى للمذهب:
في الحقيقة إن الخوارج هم نواة الأباضية، وهم نقطة البدء في مسيرتها ومشوارها، والخوارج لم يأتوا من خارج النطاق الإسلامى، ولم يأتوا أو يبشروا بدن جديد، وإنما هم قد واطنوا الإسلام في كل مواطنه، وداخل حدوده وأسواره، وعايشوه أو عاشروه في وطنه، وفوق أرضه وبين ربوته: ومع أبعاده و مسافاته، و آماده وساحاته، وهم لذلك أو بالتالى من اتباع الإسلام الخلصاء الأوفياء الأمناء، الذين حرصوا كل الحرص على التمسك به، و، والتذهب بطريقته سلوكا، وعملا، ورجاء وأملا، وهم يريدونه ـ كما بدأ الرسول به صلوات الله وسلامه عليه، وتلقاه من ربه على يد جبريل أمين الوحى - دينا سلوكياً عقائدياً، يتعانق مع كل سلوك، ويتلاحم في كل فكر، ويتراءى مذهباً ومبدأ وحتمية وضرورة عند كل فعل، أو عمل من خلال ما يفعله أو يقوم
بأدائه ويعمله كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ...
-
فالقوم – إذن – مسلمون، عايشوا الاسلام في كل مواطنه، وفي جميع حالاته ومواقعه، إلا أنهم أخذوه مأخد التشديد، ولم يفرطوا فيه أبداً، أو بنها و نوا في أدائه، وممارسته، والتعامل مع كلياته وجزئيانه وعمومياته ومفردانه .. وفي مقابل ذلك - وتأدية للأمر على أكمل وجوهه ـ فقد وضعوا أرواحهم (1/235)
صفحة 231
236 -
على أسنة رماحهم، وربطو احياتهم فى شبا أسيافهم، حشداً وتعبئة، واستعداداً
وتهيئة ...
كما فعل خوارج النهروان حين باعوا أنفسهم وأموالهم لله غزوا في سبيله
وجهاداً من أجل دينه.
وليس شرطاً أن ترتبط ميرة الخوارج بأهل النهروان ...
وليس شرطاً أن يكونوا ممن خرجوا على على بن طالب، أو غيره. وليس شرطاً أن يكونوا من خرجوا على بدعة التحكيم، أو خرجوا على التقاليد والعادات والأعراف التى تواطأ عليها بعض القوم، واصطدمت بالدين
في بعض تطبيقاته أو جزئياته ...
لماذا لا يكونون الخوارج الذين خرجوا جهاداً في سبيل الله؟ أو الخوارج الذين خرجوا عن أموالهم وديارهم وأهليهم وكل متعلقاتهم في الدنيا تلبية لنداء الدين؟
أو الخوارج الذين خرجوا على المصطلحات والأعراف التي تمجدها المجتمعات و تحتفى بها الأمم والشعوب ولو كان فيها مساس بأمور الدين؟
كل هذه المعاني وأكثر منها يتقبلها منطوق الخوارج، وتتسع لها تلك التسمية، ويسعنها اللفظ في مداولاته وإشاراته .. وكلها أيضاً واردة فيما تستهدفه هذه التسمية من مسميات .. وعلى هذا فليس للخروج وقت ينطلق منه، ولا مكان يتلاقى مع خوارجه، وإنما يصح ويجوز جداً أن تبدأ خرجة الخروج أو الخوارج في أي زمان أو مكان على مدى الحياة كلها إلى أن تقوم الساعة متى اقتضى الأمر ذلك أو استدعاه الحال، أو حتمه المقام .. أو نادت به الضرورة .. وأعنى بها
الضرورة الدينية. (1/236)
صفحة 232
- 237 -
الإسلام النقى:
و عموماً - وبعد استقصاء واستحصاء، ودرس و بحث. و وتحليل وتعليل - تبين أن الأباضية هي الطريقة المثلى في الأداء الاسلام و، وفي تعاطى الحياة، وفي التعامل مع الناس .. وأئمتها ودعاتها هم الذين واجهو مواكب النفاق وناهضو! أعاصير الشرك، وعواصف الالحاد، وتحدوا ـ بكل صرامة وشدة وبأس. تلك الأفاعيل الهوجاء النكراء التي تتبدى في سلوك المبطلين أو المستهترين من الحكام والباطشين، سواء على المستوى الديني أو التعامل الدنيوى بين أفراد وجماعات الأمم والشعوب .. تمشيا مع منطق الدين، واستجابة لدعاءاته ونداءاته ومتطلباته ..
وما أحوح الدنيا اليوم إلى هذا اللون المتميز في الفقه الاسلامي ..
-
ما أحوج الدنيا إلى دعاة الأباضية والمهنا الذين من مهمتهم ومن أولى وظائفهم - إصلاح المسار الدينى، ومؤاخذة التسيب، والقبض بشدة على خناق الاستهتار والانحراف واللأخلاقيات، وإعادة الانضباط في شتى السلوكيات إلى هذه الحياة.
و من الثابت علميا وتاريخيا أن المذهب الاباضو ند شق طريقه في غدار الحياة، ووسط أحداثها، وترك بصماته على كل شيء فيها واضحة غراء، تشير إلى إيجابياته، وتتضح ملامحها في مقتضياته ومنجزاته ... ومبدؤه ـ على أصح الوجوه - مرتبط تماما مع مبدأ الاسلام وطلوعه ...
فهو حركة ملوكية دانية دائمة قائمة فى الأشخاص الذين أساءوا وتحركوا
ها، أو داروا معها في إطارها الاسلامي الصحيح ..
والمتتبع لهذا المذهب يراه وقد انتسب إلى العالم الفقيه، والحجة الثبت الثقة (1/237)
صفحة 233
-
238
والمؤمن المجاهد، والملم الغيور الامام عبد الله بن أباض بن تيم بن ثعلبة التميمي من بنى مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس.
ومن المؤكد التاريخي، ومن المعلوم بالضرورة، أن الامام عبد الله بن أباض جاهر بدعوته في عهد عبد الملك بن مروان المؤسس للثانى الدولة الأموية .. ومن المؤكد التاريخى كذلك ومن المعلوم بالضرورة، أن مد المذهب الأباضي لم يبدأ في حركته من عبد الله بن أباض، ولا انطلقت مسيرته أو شرارته من لدنه، ولا تحركت أمواجه أو فاضت سيوله ومياهه، إلا حين حركها أو أفاضها عبد الله بن أباض، وإنما المذهب كان قائما فعلا، وفي حركة وفي جولان وفى نشاط، وفي إدراك تام وصحوة كاملة متيقظة، وهو يؤدى دوره في تحمل المسئولية، والقيام بمهام تبعاته على أيدى أمته الذين عايشوه وزامنوه وحملوا أموره وبذوره في عقولهم وحقولهم من لدن حبر هذه الأمة، وبحرها الزاخر عبد الله بن عباس، أو في الحقيقة والأصح من لدن صاحب الدعوة ـ أو على يديه - محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
6.
معاً في مضمار:
وأعنى بهذا، أن الفكر الأراضى بدأ مع الدعوة الاسلامية، ونشأ معها جنبا إلى جنب، أو عاش في ضميرها وسلوكها جنينا حيا متكاملا سويا، مع فعل النبي و تقريراته و تأدياته الدينية والسلوكية، ومع أفعال و تقريرات وتأديات الصحابة والتابعين في شئونهم الدينية والسلوكية.
وكان ذلك شأن المسلمين جميعا آنذاك في عهد الرسول وفي عهود خلفائه
من المحافظة على الدين، وضبط السلوك الحياتي، والبرنامج اليومى على إيقاع الشريعة، وحداء العقيدة، وتعاليم السماء. (1/238)
صفحة 234
- rra-
وما كان العالم - آنذاك - في حاجة إلى الافصاح عن حركة مذهبية تقوم
—
-
على ترجمة المعاني الدينية، والوصايا الالهية، إلى تطبيق وفعل و عمل وإتيان ..
ذلك، لأن الجميع كان سائراً في الطابور، وكان منتظما في الصف، ويمشون معا لذات الغرض والهدف ... فلم يسكن ثمة نزاع أو شقاق، ولم تدل الذقن بعد من جحورها وشقوقها ..
وكما يقولون: لا يكون الأطباء إلا حيث تتكاثر الأمراض والأدواء. فلما استشرى المرض، وكثرت الملل، وبدأت الفتن تطال برؤسها، وبدت المناوشات والمصارعات على الحكم ومقتضياته، وظهر في الميدان طلاب الجاه والمنصب والحكومة والخلافة، ظهر فى مواجهة هؤلاء جميعاً وبالتالي والضرورة أيضاً ـ هؤلاء الأئمة الهداة، وكشفوا عزوجوههم وشخوصهم، وحملوا أرواحهم على اكفهم، تهيأ واستعدادا لساعات الروح والفزع، وتسلموا القيادات والمواقع - بعضهم من بعض - كابرا عن كابر، وعرف كل واحد دوره الذي يؤديه، وواجبه الذي يقوم به، وقد ربط كل واحد مصيره بدوره،
-
وحياته بواجبه
ومن هذا لا عجب إذا قلنا إن الأباضية بدأت مقنعة عجبة في ضمير الإسلام: ومع بده دوره، ثم ظهرت - فيما بعد - كاشفة سافرة حاسرة تؤدى دورها وتقوم بواجبها في عهد معاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان .. وتقوم دائما ضد أو عند كل جور أو ظلم أو تعسف .. ويمكننا أخيرا وعودا على بده أن نقول: إن كل سلوك نظيف شريف يؤديه أى سلم في أي زمان وفي أي مكان، سلوك أباضي في الشكل والمضمون، والغاية والوسيلة، والمقدمة والنتيجة.
هر (1/239)
صفحة 235
- 240 -
وليسمه العلماء والمصنفون ما يشاءون من التسميات، وليسلكه المؤرخون في أى تشكيل يريدون، وتحت أى بنديرون، أو مع أى فكر يجدونه ملائما، أو ضمن أى اعتقاد مواكب مناسب، وليطلقوا عليه جميعا من عند ياتهم ما يختارون من أدوات التمييز والتشخيض، والأساليب الدالة المعبرة التي تبرمج الأمر، و تضع النقاط فوق الحروف، فهو أولا وأخيرا، وقبلا وبعدا .. وهو في البدء والنهاية، وفي الحقيقة والواقع ونفس الأمر سلوك أباضي مائة في المائة
شهادة وتقدير:
وحول المذهب الاباضو و منهجه التاريخى والعقيدى والسلوكي، ومدى ارتباطه العميق الوثيق بالخوارج في أعلا انماطهم وعبر آدابهم يحدثنا العلامة أحمد أمين في كتابه وضحى الإسلام - الجزء الثالث - فيقول:
انم دكان الخارج للعناصر التى تكون الأدب وتجعله عقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث، وتضق عليه حماسا شديداً تهون بجانبه الأرواح والأموال، وصراحة في القول لا تخشى بأسا ولا ترهب أحداً، وديمقراطية صحيحة لا ترى الأمير إلا كأحدهم ولا العظيم إلا خادمهم، ولقد رسم أدبهم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه رسما مستقيما واضحاً لا عوج فيه ولا غموض ... يجب أن يعدل الخليفة والأمراء وإلا يعزلوا ويقتلوا، ويجب أن يسير المسلمون حسب نصوص الكتاب والسنة من غير أن ينحرفوا عنها قيد شعرة، وإن حادوا يقاتلوا وليحل محلهم مسلمون مخلصون طاهرون ويجب أن يسلك السبيل إلى ذلك من غير تقية ولا مجاملة ولا مواربة، ويجب أن يقابل الواقع كما هو، ويشخص كما هو، ويعالج كما هو على طريقة عمر بن الخطاب لا على طريقة عمرو بن العاص، وكان من وراء ذلك كله نفوس بدوية غالباً فيها كل الاستعداد للقول، وفصاحة اللسان، وفيها كل ما تعهده في البدوى من قدرة على البيان وسرعة في البديهة وأداء للمعنى بأوجز عبارة و أقوى لفظ، من هذا كله (1/240)
صفحة 236
- YEI-
نرى الخارجي قد اجتمعت له العاطفة القوية والأداة الصالحة للتعبير عنها. وهذا الذي ذكرنا قد جعل لأدبهم لوناً خاصا غير لون الأدب المعتزلى، وغير لون الأدب الشيعي. فأدب المعتزلة أدب فلسفى، فيه عنصر المعاني أغلب وأقوى، وأدب الشيعة أدب باك، أو أدب حزين على فقدان الحق، أو أدب غضبان على أن الخلافة لم توضع موضعها، أما أدب الخوارج فأدب القوة، أدب الاستماتة في طلب الحق ونشره، وأدب التضحية، فلا تستحق الحياة البقاء بجانب العقيدة، وأدب التعبير البدوى الذي لا يتفلسف ولا يشتق المعانى ويولدها كما يفعل المعتزلة، هو فى بعض الأحيان أدب غضبان، ولكن ليس غضبه من جنس غضب الشيعة، فالشيعة يغضبون لشخص أو أشخاص، ولكن الخوارج يغضبون للعقيدة والإسلام عامة بقطع النظر عن الأشخاص، وإن نظروا للأشخاص فى ضوء ا، العقيدة، لا كما يزعل غيرهم من النظر إلى العقيدة في ضوء الأشخاص، وقد يرثون ويبكون واسكنهم حتى في رئاتهم وبكاتهم أقوياء يذرفون الدمع ليسفكوا الدم ويبكون الميت ليشجعوا الحي، ويؤبنون المفقود ليرسموا المثل الأعلى لله وجود ولا يعرفون هزلا في الحياة، وبالتالى فلا يعرفون هزلا في الأدب، ولا يعرفون خمراً ولا يجونا ... فلا نجد في أدبهم خمراً ولا مجوناً، إنما يعرفون الجهاد والقتال والتربية المتزمته الماسية التي تخرج رجالا أقوياء لا يحرصون على الحياة، فكذلك أدبهم، كالذى روى أن مروان أخا يزيد لامه - دخل وهو صغير على عبد الملك بن مروان يبكى اضرب المؤدب له فشق ذلك على عبد الملك، وكان عنده أحد الخوارج، فقال له الخارجي: دعه يبكي فانه أرحب لشدقه وأصح لدماغه وأذهب لصوته وأحرى الا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة ربه فاستدعى عبرتها ... لا يحبون الكذب ولا يحبون المعاصى فكانوا كما قال المبرد: والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذى المعصية الظاهرة فكذلك كان أدبهم حتى حين قال قائل: (1/241)
صفحة 237
- 242 -
لقد زاد الحياة إلى حيا
فقال عمران بن حطان الخارجي:
بناتي أنهن من الضعاف
لقد زاد الحياة إلى بغضا وحبا للخروج أبو بلال أحاذر أن أموت على فراشي وأرجو الموت تحت ذرى العوالى فمن يك همه الدنيا فاني لها والله رب العرش قالى
ويقول قائلهم:
و من يخش أطراف المنايا فإننا ابنا لمن السابغات من الصبر فان كريه الموت عذب مذاقه إذا ما مزجناه بطيب من الذكر و ما رزق الإنسان مثل منية أراحت من الدنيا ولم تخز في التمبر ويقول عيسى بن فاتك الخارجي:
فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرد العتاق مسومينا فلما استجمعوا حملوا عليهم فظل ذوا الجعايل يقتلونا حتى أتاهم سواد الليل فيه يراوغونا
بقية
يومهم
يقول بصيرهم لما أتاهم: بأن القوم ولوا هاربينا ا ألفا مؤمن فيما زعمتهم ويهزمهم بآسك أربعونا؟ كذبتم ليس ذلك كما زعمتهم و لكن الخوارج مؤمنونا الفئة القليلة غير شك على الفئة الكثيرة ينصرونا أطعتم كل جبار عنيد من طاعة للظالمينا
هم
وما
و من أجل هذا كان كلامهم كسهامهم، وخطبهم كقلوبهم، يصفهم عبد الله بن زياد فيقول: إن كلام هؤلاء الخوارج أسرع إلى القلوب من النار إلى المشيم، وبروى المبرد: أن عبدالملك بن مروان أتى برجل منهم فبحثه، فرأى منه ما شاء، فهما وعداء (1/242)
صفحة 238
- 243 -
ثم يحثه فرأى منه ما شاء أربا ودهاءا، فرغب فيه واستدعاء للخروج عن مذهبه فرآه مسة ضراً محققا، فزاده في الاستدعاء، فقال له: الخارجي: يا عبد الملك .. أنفنيك الأولى عن الثانية؟ وقد قلت فسمعت، فاسمع أقل، قال له عبد الملك: قل، فجعل الرجل يبسط من قول الخوارج، ويزين له من مذهبهم بلسان طاق وألفاظ بية، ومعان قريبة ... فقال عبد الملك لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأنى أولى بالجهاد منهم ... لقد كانت ثقافة الخوارج بحكم غلبة البداوة عليهم ثقافة: عربية خالصة لا أثر فيها لفلسفة اليونان كما هو الشأن في ثقافة المعتزلة، ولا أثر فيها لثقافة الفرس كما هو الشأن فى الشيعة، إنما ثقافة الخوارج ثقافة أدبية لغوية على نمط العرب في ثقافتهم، وثقافة إسلامية على النمط المهود في عصر هم من تفهم للكتاب والسنة في سهولة ويسر، فان جادلوا فى الدين فاحتجاج بظواهر النصوص و تمسك بحرفيتها، فكان على أدبهم هذا الطابع المتميز، لقد كان مظهر أدهم من جنس أدب العرب، لاكتب تؤلف، ولا بحوث تصنف، ولا موضوع يحال، ولكنه شعر كثير، وخطب كثيرة، وحكم مأثورة منثورة، وقد أنتجوا في هذا تتاجاماع كثيره وبقى قليله، ولو لم يحفظ لنا المبرد في كتابه الكامل طائفة صالحة منه لعمى علينا أمره، وقد د لنا هذا القليل المروى على الكثير الضائع، كما لم يدق في أيدينا -
-
على ما أعلم من دواوينهم إلا ديوان الطرماح الشاعر .. و من المجيب الغريب أن أن أكثر ما عيب به الخوارج، وأخذوا منه، إنما هو كثرة صلاتهم، واستغراقات قيامهم، و، وتبتلهم الهاجد في غفلات الناس، وفى غفوات السحر، ومع قرآن الفجر، وممارسة صلوات الليل، وتعاطى العبادات، ومعاملة السلوكيات التي هي من صفات الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين الذين قال الله فيهم و في أمثالهم من نماذج الخير في الانسان:
تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما
ينفقون. .
رزقناهم (1/243)
صفحة 239
- YEE-
والذين امتدحهم وحبب في الاقتداء بهم، وانتهاج مسلكهم، ودعا إلى طريقهم وطريقتهم:، وجعل منهم النموذج والمثال فى قوله تعالى:, وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. ... أما كيف بدأت الأباضية ودرها؟
إن التشريع الإلهى يستهدف أول ما يستهدف – في الهياته، وعباداته، ومعاملاته - خدمة البشرية، والنهوض بالانسان، والترقى بهذا النوع وحده الذي قال الله فيه:. و لقد كرمنا بني آدم، والذى ائتمنه على الدنيا، واستخلفه دون خلقه في الأرض.
إذ قال عز من قائل:. وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فالانسان هو ملتقى السماء بالأرض، وهو مقصد التنظيم الالهي الحق، وهو
البدء والنهاية، والوسيلة والغاية فى خلق الدنيا، وابتعاث الديانات.
و إن المتتبع للحركات التشريعية الجائية من السماء على ألسنة الأنبياء والرسل يجدها كاها لا تتعدى هذا الغرض السامي النبيل، وقد تحدث مع تأدية هذه الرسالات والنبوات معارك طاحنة بين الأنبياء والرسل من جانب، وبين أقوامهم ومن يعز أو يصعب عليهم تلقيها أو قبولها من الجانب الآخر، والنصر دائماً وفي النهاية لدعاة الله. وأصحاب الشرائع،. إن العاقبة للمتقين:
وفي حياة الاسلام، أو في حركات المسلمين وتحركاتهم، نجد أن هذا النوع من الصراع قد بدأ مبكراً منذ عهد عثمان بن عفان، أو في السنة السادسة من حكمه، حيث أطلت العصبيات برأسها، ومدت الفتن أعناقها، وتطاولت العشائر بعضها على بعض، امتداداً للمعارك الأولى التى خاضها النبي مع أقوامه من قريش، والذي انتهى به الأمر معهم إلى أن أخرجوه من مكة، وشردوا أصحابه
هنا وهناك. (1/244)
صفحة 240
- 245 -
وما زاد الطين بلة، والواقع فتنة، والنار اشتعالا، أمر الخلافة آنذاك، وما اعتورها وأحاط بها، وطوقها، من التسابق إليها، والتصارع عليها، ووأد القيم، والاستهتار بالاخلاقيات والمبادئ في سبيلها ومن أجلها، خاصة وأن الاسلام كان آنذاك لا يزال وليداً وجديداً في عمر الحياة وفي عقول الناس، مما أتاح الفرصة لأعدائه، والمتربصين به من المنافقين والكفار - أن ينفثوا السموم في طريقه، وأن ينفخوا الكيد والغيظ حقد و حسداً، وقيلا وقالا - بين صفوف المسلمين، وضعاف النفوس، وأصحاب الاغراض والأهواء، ... وكأن الأمر من أوله كان تلاحماً ضارياً، ومعارك رهيبة – في صور شتى -
-
على الدنيا وحيازتها، وإصابة أكبر نصيب فيها من الغنم والمكسب، والجاه والمال، والألقاب والمناصب!
إلا أن الله اللطيف الخبير بعباده وخلقه – وما يصلح حالهم وبالهم، وما يحفظ لهم، أو عليهم إيمانية الوعى والبصيرة، وإسلامية الفعل والسلوك، ومنهجية المذهب والعقيدة حفظ على الدنيا هذا الدين، وأبقى على الحق واليقين، وأينع غصون الشريعة، وأنضج ثمار العلم والمعرفة، وأوصل ذلك كله إلى الناس عن طريق القنوات والجسور، من لدنه إلى خلقه، و، وعبر الخواطر والضمائر، والأحاسيس والمشاعر، وفي أعماق هذه الحياة ... وتحمل مسئولية القيام بهذه التبعة، وتأدية ذلك الواجب، وحمل هذه الأمانة، وإنجاز تلك المهمة الصعبة. أو كان الأبطال فى هذه الملحمة الشاقة، وتلك المعركة الشرسة هم على الحقيقة هؤلاء الرواد الأشاوس الذين قطعوا ذلك الشوط الطويل، واجتازوا تلك المسافة الواسعة البعيدة، وارتادو اهذه المجاهل الكأداء العذراء، وقادوا من خلالها تلك الزحوف الاسلامية الموحدة، وهذه الجحافل المؤمنة المجاهدة. فوق خريطة العالم، وجغرافية الاسلام، وأعنى هؤلاء المؤمنين الذين خرجوا على الفتنة والباطل. (1/245)
صفحة 241
- 246 -
وفي العقد الفريد، والجمهرة، والكامل عن بعض ثقاة المؤرخين والاثبات أن بعضاً من الصحابة سألوا النبي ولا وقالوا له: يا رسول الله، صف انا الفرقة الناجية، فقال له: و الناجي من اتبع كتاب الله وسنتى، أما قرأتم قول الله في كتابه الكريم: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، و تنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله،؟ ..
الفرقة الناجية:
فالأباضية أصبحوا في الواقع - وفى نفس الأمر ـ وعلى الحقيقة، هم اللغة
-
الصحيحة الفصيحة، والصيغة المشرقة الوضاءة بين الله والناس، والغدة النشطة السليمة التي تفرز للدنيا ماهيات الدين، وتقدم على موائد الانسانية ما لذ وطاب من طعوم الحق، وطيبات اليقين، فهم الفرقة الناجية التي أخبر عنها الذي في كل أحاديثه ومروياته .. وكأن وجود هذا الصنف – أو النوع- من البشر ضرورة ملحة، أو حتمية مقتضية، استقطبت رحمة الله بعباده، واستوجبت منهم مقابلة هذه الرحمة بألوان شتى من العبادات والقربات، وأولها الشكر الخالص، والعبودية الصادقة الصافية، والاحتفاء بنعم الله، والاحتفال بآلائه، وترجمة ذلك كله إلى السلوك الذى يحبه الله ورسوله .. وكان من مظاهر رحمة الله الفياضة الحانية أنه لم يترك عباده هكذا في هذه الدنيا ـ ضياءاً
-
أو زاعا أو هملا، أو كميات هابطة ساقطة، تحت ركامات الشك، وانقاض الفتنة، وخرائب التيه، وأطلال الحيرة والقلق والتخبط والاضطراب.
لتأكد فاعليته،
ولما كان من حتمية الوجود الانساني، وضروريته وينمو وجوده، وتستمر معه الحياة - أن يعبر الطريق، ويجتاز الجسر من الحاضر إلى الماضى، ويصاحب التاريخ، ويرافقه في كل خطواته، ومع أبرز العناصر التي أثرت فيه بالإيجاب والسلب. والثبوت والنفى، كان حتما مقضيا (1/246)
صفحة 242
- YEV-
أن يصطحب الإنسان مع التاريخ تلك الفئة الهادية المهدية، التي حملت أرواحها على راحاتها، وحياتها على أصلحتها، وهبت وقت الفزع والروع، مطالبة بإنسانية الإنسان، وكينونته البشرية في نطاق ما شرع الله، وفي الإطار الذي خطته يد القدرة، وحبك نسيجه الشرع، وتكفلت به عناية الإسلام، وعمل على ترجمته وتطبيقه مملوك محمد عليه الصلاة والسلام ...
وهل هناك من هو أنقى وأنقى، وأب وأرفى في تأدية هذا الدور العظيم،
والقيام بهذه الرسالة الكبيرة الخطيرة غير الأباضيين؟
وهل هناك مذهب يتلاحم في هذا الفرقى الروحي، أو يتلاءم مع ذلك السمو التشريعي الفقهي غير المذهب الأباضي والأباضية عموماً؟
وهل هناك فوق ظهر الأرض، وفى جيوب، وبين طيات، وطبقات الحياة من يمكنه أن يستوعب هذه التعاليم الإلهية، أو يستطيع أن يستة طلب نالك المواجيد الكونية السماوية، غير إنسان أباضي - صادق الأباضية – مصدره من الله، و مورده إلى الله، وحياته بين المصدر والمورد ودائماً مع الله؟!
الأمانة العظمى والأباضية:
إن الأباضية - إنصافا للحق - حملت الأمانة العظمى، والواجب الذي يقتضيه الاسلام بعد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وبعد خليفتيه إلى بكر و عمر رضى الله عنهما، حين بدأ عمود الاسلام يتخلخل أو يتزلزل بعض الشيء، بل حتى ـ في الواقع - مع اطلالة هذا الدين، وإشراقة تلك الدعوة، ضرورة أنها دعو رة الفطرة والخلقة والجبلة التى يستقيم عليها الأمر، ويعتدل بها السلوك، وهى بلاشك قد عملت في أنفسهم العمل كله، وامتزجت بهم وبكياناتهم امتزاجها بصاحب الدعوة والذين معه،، إقتداء بسلوكه وتمشياً أو تأسيساً بمنهجية أصحابه، ثم تشخصت أخيراً، وتجسدت في هؤلاء الذين جاهروا بها، (1/247)
صفحة 243
- YEA-
واعتنقوها مذهبا، وأعلنوها في إطارها المختوم المرسوم في عهد المؤسس الأول والمؤسس الثاني للدولة الأموية، معاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان. و من المعلوم بالضرورة أن الذي عجل بظهور الدعوة الأباضية على مسرح الواقع هو ما اعترى العالم الاسلامى حينئذ، وما أحاط به وطوقه من الاضطرابات السياسية، والفتن الداخلية، والطوفان الرجيم الهائل، والأعاصير المعربدة المسعورة من المذاهب الفلسفية الواردة، والنظريات الفاسدة الملحدة، والأفكار الغريبة الوافدة، على محيط الدولة الاسلامية، والتي جاء بها آنذاك الفرس والروم والهند واليونان، والتي أدخلها وساعد على إنتشارها السوفطائيون
وعلماء الكلام
ماذا كان قبل الأباضية؟
هذا .. ولقد ظهر على مسرح الحياة عبر المد الديني، والحركة الاعتقادية أربع فرق أصلية، وتفرع عن تلك الفرق فروع وجيوب، بلغ عدها كلها إثذتين وسبعين ناحية أو فرقة أو منعطفا، وكلها كادت تحطم كيان الدين، أو تهز العقيدة، لكثرتها وتعددها، وثقلبا ... أولى هذه الفرق، أو الفرقة الأولى هي: (أ) ... المعتزلة:
والمعتزلة أربع عشرة فرقة كما يلى:
1 - الواصلية ... أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال 2 - الهذيلية ... أصحاب أبي الهذيل العلاف شيخ المعتزلة 3 - النظامية ... أصحاب إبراهيم بن سيار بن هانى النظام - المخايطية ... أصحاب محمد بن أحمد بن خايط ه - البشيرية ... أصحاب بشر بن المعتمر (1/248)
صفحة 244
6 - المعمرية ... أصحاب معمر بن عباد السلمي 7 - المزدارية ... أصحاب عيسى بن صبح الملقب بالمزدار
- الثمامية ... أصحاب ثمامة بن الأشرس النميرى
- 1
الجاحظية ... أصحاب عمرو بن بحر الجاحظ.
10 - الخياطية ... أصحاب أبي الحسين بن عمر الخياط الجبائية ... أصحاب أبى على محمد بن عبد الوهاب الجبائي
11
-
12 – الجهمية. . أصحاب جهم بن صفوان
13 - النجارية ... أصحاب الحسن بن محمد النجار 14 - الضرارية ... أصحاب ضرار بن عامر
(ب) ... الصفاتية:
والصفاتية خمس عشرة فرقة كما يلى:
1 - المكرامية ... أصحاب محمد بن المكرام
الهيضمية ... أصحاب محمد بن الهيضم
3 - الأشعرية .. أصحاب أبي الحسن على بن اسماعيل الاشعرى
ع - المالكية ... أصحاب مالك بن أنس الأصبحي المدنى
-9
الحنفية ... أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت
الحنبلية ... أصحاب أحمد بن حنبل
- الشافعية ... أصحاب محمد بن ادريس الشافعي
- الداودية ...
9 - الكشمية ...
-1.
العابرية (1/249)
صفحة 245
-11
الثورية ...
12 – الرزنية ...
13 - الاسحاقية
14 – الواحدية.
15 – الظاهرية
(ج) ... الخوارج:
والخوارج ست عشرة فرقة كما يلى:
1 - الوهبية .. أصحاب عبد الله بن وهب الراسي الازدى
2 - الازرقية .. أصحاب أبي راشد نافع بن الازرق
3 - النجدية .. أصحاب نجدة بن عامر الجنفى
- العطوية .. أصحاب عطية بن الاسود الاعسمية .. أصحاب زياد الاعسم
6 - الصالحية .. أصحاب صالح بن مسبروح 7 - البهيسية .. أصحاب أبى بيهس الهيضم بن جبار - المجردية .. أصحاب عبد الكريم بن عجرد
9 - الميمونية .. أصحاب ميمون السعدي
- 1·
-
11
الصفرية .. أصحاب زياد بن الأصفر
الحفصية .. أصحاب حفص بن أبي المقدام
12 - الثعلبية .. أصحاب ثعلبة بن كارم
13 - الاخنسة .. أصحاب الأخنس بن قيس (1/250)
صفحة 246
-901 -
2
14 - الحازمية ... أصحاب حازم بن على 15 - الخلفية ... أصحاب خلف بن حبيبي الخارجي 16 - السعيدية ... أصحاب سعيد بن محمد الاباجي
(د) ... الشيعة:
والشيعة سبع وعشرون فرقة كما يلى:
ا - الكيانية ... أصحاب كيسان مولى على بن أبي طالب
4
18
المختارية .. أصحاب المختار بن أبي عبيد
الهاشمية ... أصحاب أبي هاشم بن محمد بن الحنفية
البنانية ... أصحاب بنان بن سمعان النهدي
الرزامية ... أصحاب رزام بن غيلان
6 - الزيدية ... أصحاب زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب
V
الجارودية ... أصحاب أبي الجارود الهذيلي.
- السليمانية ... أصحاب سليمان بن جرير
9 ـ الصالحية ... أصحاب الحسين بن صالح بن يحيى
10 - الامامية. . القائلون بامامة على بن أبي طالب بعد النبي زعا وتعيينا
11 - الباقرية .. أصحاب محمد بن الباقر
12 - الناوسية ... أصحاب ناويس بن جعفر الكناني
13 - الاسماعيلية ... القائلون بامامة اسماعيل بن جعفر بعد أبيه جعفر
نصا وتعبيا
14 - الأبطحية ... القاتلون بانتقال الامامة من الصادق إلى ابنه عبد الله الأبطح. 15 - الأساطية ... أصحاب يحيى بن الأسمط
16 - الموسية ... القائلون بامامة موسى بن جعفر (1/251)
صفحة 247
- Yor--
-17
الغالية ... الذين غالوا في أتتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة إلى
حدود الالوهية
18 - السبئية ... أصحاب عبد الله بن سبأ بن عبد الله
16 - الكاملية ... أصحاب أبى كامل الذى كفر جميع الصحابة بتركهم بيعة على 20 - العلائية ... أصحاب على بن ذراع الأسدى
21 – المغيرية ... أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي
22 - المنصورية ... أصحاب منصور العجلى
23
الخطابية ... أصحاب أبي الخطاب محمد بن زينب الاجدع
24 - الكيالية ... أصحاب أحمد الكيال
20 – الهشامية ... أصحاب هشام بن الحكم من متكلمى الشيعة 26 - النعمانية ... أصحاب محمد بن النعمان المكنى بشيطان الطاق 27 - البصرية، والاسحاقية، والباطنية، والقرمطية، والمدركية،
واليعملية.
وهذه كلها فروع لفرقة واحدة هي تكملة السبع و العشرين فرقة هذا .. ويلاحظ أن بعض أفرع تلك الفرق، أو بعض مذاهبها يلتقى تماما مع المذهب الأباضي في الشكل والمضمون، ولا يبعد عنه كثيرا أو يختلف كبيرا أو يتعارض مع الحق أبدا على أى شكل ... وذلك من مثل المذهب الحنفى، والمذهب المالكي.
والمذهب الشافعي، و المذهب الحنبلي .. فكلهم سار على الطريق الذي حدد النبي منه نقطة الانطلاق، وتابعوا في مسيرتهم تلك، شيوخ الصحابة وأجلاء التابعين رضى الله عنهم أجمعين. وكافأهم على إخلاصهم في فقهم ومعتقدهم بخير ما يكافأ به أئمة المسلمين ... ولنا عودة في مؤلف آخر خاص ذكر الفرق الأربعة وشرح الفروع الاثنين (1/252)
صفحة 248
- 253 -
وسبعين فرعا التى تفرعت عنها، ودورا الفلاسفة والمتكاء بين معها، وانقاء الأضواء على خلفيه تلك الفرق، وتوضيح مذاهبها، وتبيين اتجاهاتها وملاحها، وما تستهدفه وتتغياه في مسيرتها، من حيث المنهج والسلوك، ومناقشتها فرقة فرنة، واجراء حوار ونقاش معها يتبين فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واته الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أحماض وأمراض:
و من هنا ـ ومن ذلك المنطاق والمنطلق، ونتيجة لكل هذا ـ كانت الأباضية أشبه بالهزات الايجابية الفعالة، والزلزلات المؤثرة العاملة، التي تسقط الأوراق الجافة والاغصان الذابلة، والأجزاء الضامرة المزيلة من جسم الامم، وكينونة الأفراد والمجتمعات والدول، ونتيجة لذلك
•
وهيولا الشعوب أثمرت تلك الهزات والازازلات حصاداً متميزاً، وحاصلا طيبا صحيحاً، تمثل في القضاء على الخرافات والأباطيل، والشعوذات والجهالات التى
تعترى السلوك العقيدى الذي يدين الله به عباده، والذي يتقرب العباد من خلاله - وعبر أنابيبه وقنواته - إلى الله تعالى .. وفى الوقت نفسه ساهمت ـ أعنى الأباضية -- في خطة عملها، وعلى خريطة برنامجها، بالعمل الجاد على تحرير
-
العقول وتخليصها من افتراءات المشعوذين والدجالين الذين يستمرون تحت عباءة التقوى، ويختبئون في ظل ما يزرعونه أو يبعثرونه في وجوههم من شعيرات أو غابات اللحى والذقون التي يتخذون منها فخاخاً واشر الى لاصطياد السذج، وإيقاع البسطاء في حنمائرها ومستنقعاتها، .. فالأباضية هي الصحوة الكبرى، والنفخة العظمى، والبعث المتيقظ الواعي لهذه الأمة التى هد كيانها الخلاف "سياسي،
وأثقل كاملها الاستعمار الفكرى، وواقدات الهند واليونان، والفرس والرومان من المقولات الوضعية، والآراء الرخيصة، والاجتهادات
-
كما أسلفت
-
المارغة التافهة التى تآمرت على إفشال الوعى الاسلامي، وإفلاس الفكر العربي، (1/253)
صفحة 249
- 254 -
وتصفية التقاليد والعادات والأعراف والموروثات التي يعتز بها المسلمون والعرب، والتي تهدد دائماً بامتلاك الأرض، وانتهاك العرض، والتي تمثلت أخيرا
في الماسونية، والصهيونية، والشيوعية، والوجودية، والتي تمثلت قبلا، وتجسدت فعلا في الماثونية، والمزدكية، والديصانية، والمزقوبية، والمكتوبية، والصابئة، والدهرية، والبراهمة، والكابلية، والبهادونية، والباشمونية، والناهودية، وعبادة الكواكب، واليعسوئية، والبوذعانية، والموسكانية، والعنانية، والنعنانية، والنسورية، واليعقوبية. والممسكانية، والبلارمية، والمغنانوسية، والبرطونية، والكم الهائل من ذلك الطوفان الذي كاد أن يفرق
أو يبتلع الأمة الإسلامية جمعاء. بآثاره المدمرة، وعدواه الغائلة القاتلة.
فالاباضية في الحقيقة - ومع الحياد التام، ودون تحيز هم الذين حموا العالم الإسلامي كله، وأقاموا حوله ستارا وجدارا، وأحاطوه بسياج قوى منيع، ونطاق محكم رفيع، حفاظا عليه. وصونا له من هذه التيارات الجارفة، وهذه الأمواج الباطشة الزاحنمة.
والأباضية – برجالها الأبطال - كما حموا الفكر الإسلامي العربي من التآمر عليه، والكيد له، والعمل ضده، حموا - كذلك – الوطن العربي المسلم، ودفه و عنه عدوه، ودافعوه حتى حمل عصاه فوق كتفه، ورحل إلى غير رجعة فهم الذين حاربوا معركة الجزائر، وتونس، وليبيا، ولبنان، واليمن، ومراكش والمغرب العربي كله، وامتدت رماحهم وزحفت سيوفهم خارج نطاق العروبة، وطالت بلادا إسلامية كاد أعداء الله أن يكيدوا لها، أو ينالوا منها، أو يطأوا أرضها، أو يحتلو فيها الديار والاقطار، وبالذات في شرق افريقيا وزنجبار
وهم في طبعتهم الأخيرة ونسختهم الوحيدة التي لن تتكرر (1/254)
صفحة 250
-- too-
وعلى وجه التعميم والتشميل، - فى كلهم وأحادهم، وجمعهم وجميعهم - تصحيح المسيرة الإنسانية فى معتقدها الديني، وتصويب لكل ما يعتور الحياة، أو يعترض طريقها - وبالأخص في جانبها الروحى - من أخطاء وأغاليط. قالوها ... لا:
وهم هذه الطائفة المؤمنة الواثقة فى الله التى استطاعت وحدها أن نقول ـ في وقت يعز فيه القول -: «لا، للملوك والأمراء، واستطاعت بالتالى - وبكل قوة وجسارة - أن تترجم هذه اللا، إلى عمل وفعل، فهي التي دفعت إمامها عبد الله بن أباض المؤمن القوى لأن يرسل كتابه، ـ الذي شرق التاريخ و غرب، وأوجز في مأتياته وأطنب – إلى عبد الملك بن مروان، ويقول فيه ما تقشعر له الأبدان، ويشيب من هوله الأطفال والولدان! ... وهي التي كذلك خطيبها المفوه، وفارسها المغوار ابن فهر الأزدى أبا حمزة
حرضت
-
المختار، على ان يعتلى منبر المدينة ويخطب خطا به الذي كان ناراً وسعيراً، وجهنم وزفيراً، راح يحرق من يصادفه أو يلتقى به من أمراء بني أمية الجائرين على مدى التاريخ الأموى في كل زمان أو مكان!؟
والأباضيه فى مجملها - رد فعل عنيف لما شاب العالم وقت ظهورها، وساده وانتشر فيه، من فساد وعبث، وتسيب وانحراف، ومادية ناهشة، وطيفية طاحنة، واختلال في كل الموازين، وعلى جميع المستويات، وهي أشبه ما تكون بصمام الأمن أو الفرامل، التي تحكم السيارة، وتتحكم في حركتها، بالنسبة لاوضاع العالم، والتيارات المختلفة فيه، والرياح العاصفة التي كانت تتناوح بين جدرانه، وتلطمه دائماً، و تتصارع عليه لتعصف به وتبعثر ما فيه!
>
وإذن، وبعد هذا الذي قدمت. وفى ضوء الرسالة الكبرى، والأمانة
-
العظمى التي ألزم بها الأباضيون أنفسهم – ينبغي أن تلوح في الأفق هذه (1/255)
صفحة 251
-907 -
الاستفهامات والأسئلة، كي تنير الطريق أمام الباحث أو الدارس أو المهتم بأمر
هذا المذهب ...
كيف، ومتى نشأت الأباضية؟ وعلى يد من قامت هذه الطائفة؟ وما أهم وأوضح تعاليمها وأصولها؟ وما الضرورة التى اقتضتها وحتمت ظهورها؟ وماهى الظروف والملابسات والعوامل التي ساعدت في انتشارها على مستوى العالم بخطوات واسعة؟ وما هو الدور العقيدى الصحيح الذي قامت به، وتبنته، ودعت إليه في الكيفية التي عبدت بها الله؟ والطريقة التي يجب أن تمارس بها العبادة؟ وما هو السلوك المنهجي لتلك الطائفة؟!
أقدم من إسمه:
من الثابت تاريخياً أن المذهب الأباضي في عمان أقدم من إسمه، كما أن الأباضية في عمان قديمة قدم الإسلام فيها، كذلك تعتبر عمان الوطن الأم الاباضية في العالم الاسلامي.
و من المحقق كذلك أن الأباضية لم تنسب إلى أى شخصية فقهية تشريعية عقيدية قبل عبد الله بن أباض الذي عاصر معاوية بن أبي سفيان – 40 - 561 – مؤسس الدولة الأموية الأول، وعبد الملك بن مروان - 65 - 586 مؤسس الدولة الأموية الثاني، ونحن نرى من خلال الدراسات المستوعبة، أن الأباضية هي أول الفرق الاسلامية التي تعتمد على القرآن الكريم والسنة المطهرة والاجتهاد، وأن الايمان في منظورها تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان .. ومن يستوعب التاريخ الأباضي، ويتتبع دراسته، يرى أن المسلمين في عهد الرسول آمنوا بما أنزل على الرسول، ولم تكن لهم حاجة إلى تأويل القرآن، أو بحث المتشابه فيه، وبعد وفاة الرسول و بعد انتشار الاسلام أخذت الجماعة الاسلامية تحاول فهم العقيدة، وتحاول شرحها، وطبيعي جداً أن مختلف (1/256)
صفحة 252
- Yov -
المسلمون في الشرح وانفهم، وحين ظهرت الفتنة الأولى في الإسلام، بعد السنين الست الأول من خلافة عثمان. وأدت ما أدت إليه من اختلال وخيال في الفكر
الاسلامي عامة ...
و بدأ أهل الدعوة يتلمسون الحلول من القرآن الكريم، ومن الأحاديث النبوية، والسنة الشريفة، وبدأوا بالتالى يتساءلون – فيما بينهم ـ عن المسلم الحقيقى، وعن الإيمان، وعن جوهر العقيدة، و عن مسئولية الإنسان، وعن ارادة الله، وصفاته وأسمائه؟
و طبيعى جدا ان المسلمين الأوائل كان تفكيرهم اسلاميا عربيا خالصا، ثم بعد ذلك اتصل الفكر العربي بتراث البلاد التي فتحها هؤلاء العرب، وبدأ يظهر في تنكير المسلمين استيعابهم لا للفلسفة و الفكر، والدراسات القديمة السابقة على
الإسلام.
مع
ملاحظة أن المذهب يعتمد كثيرا فى مقوله ومنقوله، وبحوثه ودروسه
على عبد الله بن عباس حبر الأمة، وفقيه السنة، لاسيما في التفسير والأحاديث،
فر و بحق كما يعتبره، الأباضيون – وكما يعتبرون معاصريه معه أصحاب رسول الله - الحلقة الأولى لسلسلة المذهب الأباضي.
كذلك
من
ولا شك أن الأباضية قد أصبحوا مرآة النهضة العلمية الإسلامية على مدى التاريخ الاسلامي كله.
فالأباضية هم رمز الحضارة الإسلامية الأصيلة التي استمدت أصولها من القرآن الكريم، والسنة النبوية، والحديث الشريف.
على مستوى العالم:
وعموما، فلقد أسدت الأباضية إلى المجتمع الإنساني كانه العلم والعمل، والفكر،
والإيمان، والخلق. . . والمذهب الأباضي في جملته تارة يمثل الفكر السياسي (1/257)
صفحة 253
—
258 -
الإسلامى البحث، وتارة يمثل الفكر الإسلامي المستمد من الثقافات والعقائد
السابقة على الإسلام.
و من ناحية التاريخ، فإن الفكر الأباضى له نظرة عالمية إسلامية، تقوم على
مساحة واسعة، وتعبر عن فكرة وحدة الأمة العربية الإسلامية.
ثم ان من جملة المذاهب الإسلامية بل أول المذاهب على خريطة التاريخ - مذهب الأباضية المعتمد على الكتاب و السنة والاجماع والقياس فيما لم يرد
فيه نص
وهذا المذهب أقدم المذاهب تأسيسا، وعلماؤه أكثر العلماء تأليفاً، فهم أول من دون تفسير القرآن، وأول من دون الحديث، وأول من دون الفقه والأصول، وكثيرا من العلوم والفنون.
ولم يكن عجيبا أن تزدهر عمان منذ فجر الإسلام ازدهارا كبيرا، فهى في ذلك مكملة لمسيرتها الحضارية عبر آلاف السنين، وقد دفع الإسلام عمان دفعة قوية نحو التطور والحضارة، وساهم مساهمة فعالة في إثراء الفكر العماني، وفى ارساء النهضة العمانية المجيدة.
وأصبحت عمان العربية الإسلامية مركزا علميا هاما في الدولة الإسلامية، الشاسعة الارجاء، وظهر دورها الفعال الواضح في مختلف نواحي الحضارة الإسلامية، دون أن تفرط فى علاقاتها مع سائر الدول والشعوب التى اتصلت بها منذ أقدم العصور، حتى العصر الحاضر، بحكم موقعها الجغرافي، وصلاتها البحرية، والتجارية، والسياسية، والثقافية، والعلمية عموما ...
وليس عجيبا أن يتواصى الأراضيون فيما بينهم - عن طريق فكرهم
ومؤلفاتهم - على تنظيف عقول المسلمين، و تطهير العقل البشرى العام، ما (1/258)
صفحة 254
- Yoq.-
أصابه وعشش فيه من بقايا الكفر، وعبادة الأوثان، وما وفد عليه وأظله من ترهات المجوسية، وأباطيل البراهمة، وسقطات الصابئة، وأضاليل الدهرية وجه الات الفلاسفة، وسفسطة المزايدين ...
كما تواصوا – بالتالى - على أن يضعوا الخطوط الحمراء، وكل الصيغ المنفرة المحذرة، تحت – أو فوق - الفكر الجرئ الذي تورط فيه المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والمعطلة، والمشبهة، والمجسمة، والصفاتية، والحشوية، والمرجئة، وغلاة الروافض والخوارج والشيعة، والزيديين وغير ذلك من الفرق التي سأتناولها بالإطناب والاسهاب فى مؤلف خاص ضمن سلسلة, عمان
والامبراطونية العربية ..
أم المذهب:
ان عمان - بما تميزت من علماء وعالمات في المذهب الأباضي ـ قد أثرت الوعى الإنساني، وأتمته، واحتضنت التراث ومانته من عوادى الزمن وبعثرات الفوضى وسلبيات الأيام .... والمتتبع لتاريخ ومسيرة الحركة الفكرية إسلامية كانت أو عربية - على مدى الوعى العماني، و من خلال أرضياته، وخلفياته، وفي كل الجيوب، وبين دهاليزه ومنعطفاته، ليدرك تماما ما لعمان من اليد البيضاء، والفضل العظيم
العديم، ويلمح قطعا ما خلفته عمان عبر بصماتها، من المآثر والمفاخر،
والمعطيات والإنجازات التي وقفت شامخة شاهقة، شاهدة على مجد الإنسان، في وطنه عمان ...
وكما أسلفت القول: فإن التشريعات السماوية تستهدف أول ما تستهدف خدمة البشر، والنهوض بالإنسان، والعمل على إسعاده، واشباع نوازع الخير فيه، والنهوض به، إلى أرقى الاطوار، واعلا الأدوار في سلم التحضر والترقي،
، (1/259)
صفحة 255
-490 -
ليتمكن عن جدارة من خلافة الله في الأرض، واستعمار كل ذرة فيها، واستنباط
عناصرها، واستخراج طيباتها لخدمة النوع، وخير الحياة
وكان السبيل إلى ذلك كله، هي شرائع السماء التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، وأوصلوها إلى أقوامهم وذويهم، وتحملوا في ذلك ما تحملوه بما قصه القرآن الكريم، وأفاضت به كتب السنة ...
وكانت الشريعة الاسلامية هي خاتمة المطاف في رحلة الدعوة إلى الله من لدن آدم إلى نبينا محمد، وما كان بينهما من أنبياء ورسل عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وعاشت مفاهيم الرسالة، ومضامين النبوة، وتعاليم الشريعة في قلوب، وفي سلوك المسلمين بدءاً من صاحب الدعوة والذين معه إلى يومنا هذا .. وحتى يرث الله الأرض ومن عليها ...
وبدأ البحر الكبير، أو المحيط اللامحدود - وأعنى به الاسلام - في توزيع روافده، وشق قنوانه وطرائقه إلى عقول وحقول الانسانية في مسيرتها الكبرى، وامتد زحف الاسلام دون توقف إلى كل مكان فوق جغرافية السكون، وفى خريطة الوجود ..
ودخل الناس جميعاً في دين الله، وتسابق العلماء إلى استقطاب مسائل هذا الدين، حرصاً منهم على التوغل فيه، واستيعابه، وفرض تعاليمه وسلطانه على العقائد والسلوكيات التي يعتقدها ويسلكها كل إنسان على مدى - ومن خلال ـ الانسانية جمعاء ..
ومن هنا، أصبح للفهم الفردى، أو الفهم الكلى الجماعي - المتمذهب بمذهب واحد - أسلوبه وطريقة تفكيره فى أخذ هذا المذهب، وممارسته، والتعامل معه، مع. ملاحظة البيئة والجو والمتغيرات التي يزامنها، ويعيش فيها، ويخضع لظروفها وملابساتها، وأسلوب الحياة فيها .. (1/260)
صفحة 256
- 261 -
عملاق بين الأقزام:
هذا .. ويلاحظ أكثر من ذى قبل أن المتبع للمساوك الأباضي، والعاريقة
الأباضية عند عند معتنقيها، يرى أن هذا المذهب وهو يستعرض ـ في أنفة ـ به مضر
-
الاتجاهات والعقائد التي جابها بعض المتفلسفين على الفكر الاسلامي، وانتى
دخلت ـ هاجمة – على مقدسات البيئة، واختلطت اعتباطاً ـ أو عن سوء
-
قصد ـ بمعطيات الاسلام ومنجزاته، من أمثال الفلسفات اليونانية، والتصوف الهندى، والمحاورات السوفسطائية، والمناقشات البيزنطية، والجدل الاغريقي، وما تخلفه هذه العقائد فى النفس من رواسب وأوضار – قد تفسد النفوس،
وتتهدد العقول لا بد لها من مواجهة ومصادمة، وقوة مضادة، وإلا اكتسحت
-
وزحفت، ومن هنا كانت حتمية المذهب الأباضي الذي طلع مع مطلع هذه العقائد والمفاسد، في أفق واحد، وعلى أرضية واحدة، وكان لا بد من التصادم والتضاد الذى يستطيع أن يدفع عن أرض العروبة وعقيدة الاسلام ما حاول هؤلاء الخبثاء الدهاة أن ينثروه، أو يبذوره في عقول وفي حقول المسلمين، وكان قدراً مقدوراً أن يصادف خروج هؤلاء الفلاسفة الغازين الزاحفين خروج الأباضية الذين انتمنهم الله على دينه، واصطفاهم حراماً على العقيدة، حماة للاسلام، دعاة له، مجاهدين فى سبيله .... أضف إلى ذلك ما كانت عليه الأمة - بعد وفاة الرسول ا - من اختلاط الحابل بالنابل، والعالم
بالجاهل، والارتداد، والجاهلية، مما أيقظ الفتنة، ونصايح على العصبيات
،
وأحيا الشعوبية من جديد، ونفخ في بوق القبليات، مما قد يكون له أسوأ الأثر على حياة الدعوة، وقد يودى بها بالمرة، ويقضى عليها تماماً ...
ومن هنا، جاء الدور الأباضي في وقته، وفى الحساب المعلوم المرسوم
الذي قضى به الله، وسارت عليه سفته، و لن تجد لسنة الله تبديلا .. (1/261)
صفحة 257
- 262 -
-
كانا على موعد:
ومع مجيء هذا الدور البطولى، جاء إلى المسرح هؤلاء الأبطال الأباضية
الذين تجردوا خالصين مخلصين منطلقين من عمان قاعدة الاسلام المتينة
6
و من غيرها من البلاد الاسلامية - رجالا أشداء العزيمة، أقوياء الشكيمة نذروا أنفسهم الله، وباعوها بيع السماح، وحملوا الأرواح على الراح، وامتشقوا السيوف والرماح، خارجين كالليوث الكواسر، والسباع الضواري مجاهدين في سبيل الله، و من أجل الدين والعقيدة، تحت الراية الاسلامية المعهودة في آفاق الحياة، والتى كتب الله خطها، ورسم خطوطها، وزين أبعادها وأمادها، وجمل نطاقها وحدودها بقوله تعالى: «والذين جاهدوا فينا، لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين،
وهكذا .. يمكننا الاعتقاد تماماً، والجزم الاكيد اليقين، إن هذا المذهب الأباضي لم يأت من فراغ، ولم تقذف به الظروف على شاطئ الكون اعتباطاً ومصادفة، بل إن له خلفياته التاريخية الواسعة، وأرضياته الثابتة الشاسعة و منطلقاته العريضة التي مكنت الفكر الاسلامي، أن يتحرك من خلالها، وأن ينطلق عبرها وبين جنباتها غازياً مجاهداً، متخففا متجرداً هدفه الله ..
وهكذا كانت الأباضية - فوق أرض عمان - نجدة المستغيث، وغوث العائذ اللائذ، ورجاء الصارخ المكروب، وأمل الأمة، ووحيدة الاسلام في أول مخاضه، ونصيرة الدعوة فى الوقت الذى تناثرت فيه الآراء، وتبعثرت الأفكار، وغام الوعى، وضل الطريق تحت أقدام الغزاة الدعاة، المجاهدين في سبيل الله، وصدق الله إذ يقول: «وإن جندنا لهم الغالبون،!
وهكذا مرات عديدة، خرج هؤلاء المغاوير من النهروان ومن عمان إلى مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، حيث وردوا الماء من مناهله، وتلقوا (1/262)
صفحة 258
-263 -
خالص الدين من الأنصار والمهاجرين وأمهات المؤمنين، وعلى رأسهم عبد الله ابن وهب الراسي – فيما بعد -، وجابر بن زيد الفرقى النزوى – أولا -
وفي زمن متباعد بعض الشيء. وغيرهما، وتتلمذوا هناك ما شاء الله، وما يسر
لهم من أصول هذا المذهب وفروعه، وتزودوا بالكثير من آياته وبناته وأمكن ـ بالتالى لكل من الراسي والنزوى - كل في زمنه ووقته.
-
،
نشر هذا المذهب بين الصفوف العمانية المتراصة، وذهب به تلامذتهما غرباً وشرقا، وفي جهات العالم الأصلية والفرعية، يؤدون الرسالة، ويبلغون الأمانة .. وفي مستهل القرن الثاني بدأ انتشار غرس جابر وازدهاره في عمان وفي غيرها حتى نضج وأينع، وأشتى وأربع في المغرب العربي كله، وفي مصر، واليمن، وحضرموت، ومكة، والمدينة، وليبيا، والجزيرة العربية كلها، والشرق الأوسط من الخليج إلى المحيط، ثم انتظم صفه، وامتد زحفه، حتى شمل الدنيا، واستوعب العالم في صورته التي أصبح عليها، وفي شكله المتعارف عليه الآن .. وهو المذهب الأباضي.
وفى هذا يقول بعض المحققين من المؤرخين والفقهاء وعلماء التفسير والحديت قولتهم المشهورة: بارض العلم بالمدينة، وفرخ بالبصرة، وطار إلى عمان، و من عمان انطلق إلى كل بقاع العالم وأصقاعه.
عبد الله بن أباض:
أما الامام الذي انتسب إليه هذا المذهب الأباضي، فهو: عبد الله بن أباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي و من بنى مرة بن عبيد، رهط الأحنف بن قيس، وهو الذي فارق جميع الفرق التائهة عن الحق، البعيدة عنه ـ ولو بعض الشيء - كالمعتزلة، والقدرية، والصفاتية، والجهمية، والخوارج الغلاة، والروافض و الشيعة .. (1/263)
صفحة 259
- 17?
والإمام الأراضي هو أول من بين هذه الفرق، و نقض مذاهبهم، وكشف القناع عن فساد معتقداتهم، بالحجج الباهرة، والبراهين النيرة، والمنطق الصحيح،
والأسلوب الواضح الصريح ...
نشأ ابن اباض في زمن معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى عهد عبد
الملك
بن
مروان، وكتب اليه ونصحه، وانتقد تصرفاته، ووجهه و وجه معه كل ولاة الأمور
في رسالته المشهورة الذي تناقلها السمار، ومشت بها الأحاديث والأخبار.
و قال عنه العلامة الشماخي - وأيده في مقولته المحقق الرقيشي -: إن عبد الله ابن اباض المرى التميمي، امام اهل التحقيق، والفيصل عند اختلاف الطريق. والعمدة في مواجهة أولى الاهواء والتفريق، ملك بأصحابه، والمتمذهبين مذهبه حجة العلم والعدل، وفارق سبل الهلالة والجهل.
وكان ـ رحمه الله - ممن خرج إلى الجهاد لمنع بيت الله وحرمه من لامبالاة مسلم عامل يزيد و استهتاره .. وله مناظرات طويلات مع الخوارج المتشددين وغيرهم من الفرق المندرجة ضمن الاثنتين والسبعين فرقة، عساه يعيدهم إلى الصواب، أو يربط المسيرة بأقدامهم على طريق الحق والهداية.
وللامام عبد الله بن أباض مع عبد الملك بن مروان مواقف عديدة، وكثيرا ما كان يبدى له النصائح و وان تعرض بسببها إلى كثير من المصاعب والمتاعب، وتلك هي أولى الأحرف في أبجديات الدعوة إلى الله، والتبشير بدينه، لنشر الوية الإسلام عالية خفافة.
والعمل
وفى حياة ابن أباض دروس وعظات لاصحاب الدعوات والرسالات. قال القطب في شرح العقيدة: إن المسلمين بعد قتل أبى بلال اجتمعوا بجامع البصرة، وعزموا على الخروج، وفيهم عبد الله بن أباض، ونافع بن الأزرق، و وجوه المسلمين (1/264)
صفحة 260
-0265 -
فلا
جن الليل وسمع عبد الله دوى القراء، ورنين المؤذنين، وحنين المسبحين، وضرعات الداعين الباكين. قال لأصحابه: لم لا أكون مع هؤلاء وأخرج
معهم؟
فرجع وكتم أمره ثم اختفى في خرجة كبرى أصلحت فيا بعد موازين
الحياة ..
قال العلامة البرادي - صاحب كتاب الجواهر -:
إن عبد الله بن أباض هو الذي فارق جميع الفرق الضالة عن الحق من المعتزلة والقدرية والصفاتية والجهمية والخوارج والروافض والشيع، وهو أول من بين مذاهبهم ونقض فساد اعتقادهم بالحجج الباهرات، والآيات المحكمات النيرات والروايات البينات الشاهرات. نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان، وكتب إليه السير المشهورة والنصائح المعروفة المذكورة. ورفع المذهب عن عبد الله بن العباس، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، ونقل عن أهل النهروان والنخيلة وعن التابعين من أهل صفين والجمل، وعن الصحابة مثل عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذى الشهادتين، ومحمد وعبد الله ابنى بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، ومعاذ ابن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وسلمان الفارسي، وبلال، وصهيب الرومى، وعائشة أم المؤمنين، والخليفتين الرضيين أبي بكر وعمر، والمهاجرين والأنصار رضى الله عنهم أجمعين.
وذلك أنه فارق جميع الفرق الغالية والمتشددة وقال: إن الإيمان قول، وعمل، ونية، واتباع سنة، وان ليس فيه مساومة أو مقايضة بالجنات ولا ميولة الى هوى، وإنما هو اتباع سبيل التقوى، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه (1/265)
صفحة 261
- 266 -
ورسله وجنته وناره و وعده و وعيده والبعث والحساب واليوم الآخر، وتصديق ما جاء به الأنبياء من ربهم، وان القرآن كلام الله ووحيه وتزيله على نبيه محمد، وان لله ثواباً لايشبه ثواب، وعقاباً لا يشبهه عقاب، وان نؤمن بالقدر خيره وشره، وان الله خالق كل شيء ولا خالق سواه، وأنه لا يخلف وعده ولا يبطال وعيده، و ده، وأنه صادق فيما قال، وان كل ما جاء به محمد بن عبد الله من عند الله فهو الحق المبين، ولا شك فيه ولا ارتياب، وان الله سبحانه لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا تحويه الأقطار، وهو الله لا إله إلا هو الواحد القهار، الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، الخالق البارى. المصور الباعث الوارث المحي المميت الباقي الذي لا يموت، القوى الغنى العلى الولى الجبار المتكبر الواحد الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، عالم خبير عزيز حكيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أول ليس قبله شيء، آخر ليس بعده شيء، خالق كل شوء ومحيط بكل شيء، وعالم بكل شوه وهو بكل شيء عليم، لا تدركه الأوهام، ولا يشبه بالاجسام، ولا الحركات والسكون، حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، عالم بما يكون قبل كونه أن لو كان كيف يكون بالقدرة الظاهرة والعظمة الباهرة؟ منشوء النشأة الأولى والنشأة الآخرة، لا تحويه الأمكنة، ولا تغير الأزمنة، ذو العزة والملكوت والقوة والجبروت، الحى الباقي الذي لا يموت، البرئ من الأشباه والاضداد، المقدس عن الصاحبة والأولاد، المنزه عن صفات أهل الشرك والإلحاد، المتعالى عن ادراك النواظر، وتحصيل الأوهام
>
والخواطر، القادر بلااً أعوان وأنصار، الناظر بلا خواطر وأفكار العالم لا باكتساب ولا اضطرار، الدائم لا بزمان ومقدار، المطلع على
خفيات الأسرار، لا تراه العيون و الأبصار، العالم بما يكون قبل كونه أن يكون
• (1/266)
صفحة 262
---
إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت
كل شيء واليه ترجعون. ...
وان الإسلام من الإيمان: وهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وان ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين، لاشك فيه ولا ارتياب، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور. ويحدثنا التاريخ فيقول: إن عبد الله بن أباض كان مثلا أعلا للفكر الإسلامي الصحيح، كما كانت تبتدئ دائماً منه العبارات الرائقة، والإشارات الوضيئة الشيقة، والسلوكيات التي تبهج الخاطر، وتسر الناظر، مع تداخل علومه وحكمه، و تناسب حروفه وكلمة، إذ كله داخل فى كله، وأوله مرتبط بالأخير من قوله، بل كل مسألة من مسائله تسكملة لما قبلها، وتوطئة لما بعدها، وكل باب في فقهه كالشرح للذى قبله، والذي قبله أيضاً كأنه شرح له، فكل حكمة له أو كلمة منه، إنما هي كالتكملة أو المقدمة، فأوسطه طرفاه، وآخره مبتداه، وأوله
منتهاه ..
وقال عنه الكثير من الفضلاء الاجلاء: إن عبد الله بن أباض كان آية في التحقيق، وكان ذا تجمل وزهد، وتواضع وعفاف، كثير الوقار والحياء، رضي الخلق، جميل اللقاء، لا بري لنفسه مزية على مخلوق، لما غلب عليه من هيئة الجلال، وهيبة العلم والكمال.
وكان رضي الله عنه من أولياء الله الذين خلع الله عليهم الخلع العظيمة، وتولاهم بمنته الجسيمة الوسيمة، فاصطفاهم لنفسه، واختصهم احبته وأنسه، وطهر أسرارهم من أنجاس الأغيار، وصان قلوبهم بما أودع فيها من الأنوار
والأسرار، فكان لذلك ضمن صفوته في عباده، وخباياه الغالية في بلاده. (1/267)
صفحة 263
268 -
لقد ابتدأ ابن أباض -- كما تبتدئ الصفوة المختارة - باحثاً منقباً عن الله سبحانه ـ ظاهراً في آثاره، وجده في النسمة العليلة، في الزهرة
فوجده
-
الندية، في النجم المتألق، في شعاع الشمس، وجده في الخير، في الجمال، في الكمال والجلال، وجد الله في كل شيء حين نظر إليه بعين الوجد والحب والوله والقرب فأحبه وهام به، وكانت حالته. ذلك الله كما يصف هو فيقول: والمحب يتعال إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتلى عنه بأى شيء، ويتبع آثاره، ولا يدع مشورته أو استخباره
الله
وكان ابن أباض عبا لله إلى الحد الذي قال عنه: كل ما فاتك من الله سوى
يسير، وكل حظ لك من الحظوظ - وإن عظمت
-
سوى الله قليل
يدبر عنه دائما في قوله:
وكان لا بن أباض منهج في عبادته لربه، وحبه له، ينبغي أن يكون فرحك فى العطاء بالمعطى، ولذتك في اللذات بخالق اللذات، وتنعمك في النعم بالمنعم دون النعمة، لأن ذكر النعمة عند ذكر المنعم حجاب ورؤية النعمة عند رؤية المنعم ساتر له وباب ...
وكان كثيراً ما يقول: واعجبا لمن لم ير محسنا غير الله، كيف لا يميل بكليته إليه؟ وفى الاتجاه إلى الله نعيم لا يعد له نعيم، ولذة لا تعدلها لذة، وإذا نعم الناس بملبس يبلى، أو بمطعم لا تلبث حلاوته أن تزول، فان لأولياء الله وأصفيائه نعيمهم المبرأ من الأوضار، ومحبتهم الخالصة عن الشركاء والأغيار. إن لهم نعيمهم الروحى،، ولكن مع هذا – أيضا – لهم نعيم أبدانهم
الطيب الظاهر ..
المقامات والطريق:
و كان الامام عبد الله بن أباض يرى أن أول الطريق إلى الله هو مقام التوبة، وأن مقام التوبة هو أول الطريق إلى مقام الخوف، ... وأن مقام الخوف هو (1/268)
صفحة 264
- 171 -
أول الطريق إلى مقام الرجاء، ... وأن مقام الرجاء هو أول الطريق إلى مقام الصالحين،. . وأن مقام الصالحين هو أول الطريق إلى مقام المريدين، .. وأن
هر
مقام المريدين هو أول الطريق إلى مقام المطيعين، ... وأن مقام المطيعين أول الطريق إلى مقام المحبين، ... وأن مقام المحبين هو أول الطريق إلى مقام المشتاقين، وأن مقام المشتاقين هو أول التاريق إلى مقام الأولياء، وإن مقام الأولياء هو أول الطريق إلى مقام المقربين.
وذكر الإمام الأباضي أن لكل من هذه المقامات آدابها التي إذا أداها المؤمن والتزم بها، انفردت نفسه با اذكر، وجالت في ملكوت عز الله بخااص العلم به، وارادة على حياض المعرفة، قارعة لبابه، خاشعة في رحابه.
ولقد سلك الامام الأباضى حياته مع رجال جاءتهم دعوة الإسلام، فأمنوا بها، وصدقتها قلوبهم، وما كان قولهم إذا دعوا إلى الله ورسوله إلا أن قالوا:
وربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا،
ووضعوا أيديهم فى يد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وهانت عليهم نفوسهم، وأموالهم، وعشيرتهم، واستطابوا المرارة والمكاره في سبيل الدعوة إلى الله، وأفضى يقينها إلى قلوبهم، وسيطر على نفوسهم وعقولهم،، وصدرت عنهم عجائب الايمان بالغيب، والحب لله والرسول، والرحمة على المؤمنين، والشدة على الكافرين، وإيثار الآخرة على الأولى، والآجل على العاجل، والغيب على الشهادة، والهداية على الجباية، والحرص على دعوة الناس، وإخراج الخلق من عبادة العباد إلى عبادة الله خالق العباد، ومن جور الأديان إلى سماحة الاسلام وعدالة الايمان، و من ضيق الدنيا إلى سعة الدين، والاستهانة بزخارف هذه الفانية وحطامها، والشوق إلى لقاء الله والحنين إلى الجنة، وعلو الهمة، وبعد النظر في نشر روافد الاسلام وخيراته في العالم. (1/269)
صفحة 265
-270 -
ولقد انتشرت تلك الصفوة من هؤلاء الرجال الأبطال في مشارق الأرض ومغاربها، ونسوا في سبيل ذلك لذاتهم، وهجروا راحاتهم، وغادروا أوطانهم وبذلوا مهجهم، وحر أموالهم، حتى ألقى الدين بجرانه، ونساء بكلكنه، وأقبلت القلوب إلى الله، وهبت ريح الايمان والأمان قوية طيبة مباركة، وقامت دولة التوحيد الخالص، والايمان الناصح، والعبادة والتقوى، و نفقت سوق الجنة، وانتشرت الهداية، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولقد ضمت وقائعهم كتب التاريخ، وحفظت أخبارهم وأيامهم دواوين الاسلام، وكانت دائما مادة التجديد، والبعث الجديد في حياة المسلمين، وعبر أشواطها، وعلى مدى مشوارها الطويل العريض، الوسيع العميق.
وذكر ابن الاثير، والمقريزى، والطبرى، والمبرد، وابن عبد ربه في العقد الفريد، خروج الخوارج إلى مكة المكرمة -- لصونها وحمايتها من أهل الشام الذين حركتهم أهواء بني أمية ومطامعهم - وعلى رأسهم. عبد الله بن أباض،، كما ذكر هؤلاء المؤرخون كذلك افتراق الخوارج فيما بينهم، وأن نافع بن الأزرق كتب إلى كل من ابن الصفار، وعبد الله بن أباض يدعوهما ومن معهما إلى معتقده ... فقرأ ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه، خشية أن يتفرقوا عنه، أو يختلفوا عليه.
وأما أبن أباض فحين قرأ كتاب ابن الأزرق قال: قاتله الله، أى رأى رأى؟ لقد كذب نافع فيما يزعم .. وأن القوم برآء من الشرك، و لكنهم كفار بالنعم
والأحكام ....
يا لها من رسالة:
و لقد وجه الامام عبد الله بن أباض رسالة إلى الحاكم عبد الملك بن مروان المؤسس الثاني لدولة بني أمية ولقد صب في تلك الرسالة ثقافته العقيدية، ونخل (1/270)
صفحة 266
-271 -
فيها مكنون سره، وأراق على سطورها تجارب عمره و دهره، ونفض من خلالها حصاد حياته و ممارساته، وأزجى من ثناياها الصيحة خالصة صادقة، وساق على ساحتها ومساحتها مواليد الحقيقة الناصحة الواضحة .. وأخذ بتلابيب بني أمية منذ جدهم الأكبر أبي سفيان بن حرب، وراح يطوح بهم في الفضاء، ويكشف عن أعمالهم كل غطاء وخفاء، وأشهد العالم عليهم، ولقنهم الدروس البالغات، والعظات البينات، وأبان لهم أن الحق واحد لا يتعدد، وان له صولة ودولة.
وان الناس جميعاً سواسية أمام سلطانه وبرهانه. . وان كلمة الحق لابد أن تقال في أى مواجهة، وعلى أى صعيد .. وإلا كان الناس – في سكوتهم عن قولة الحق - شياطين خرسا.
ولقد استعرض الإمام ابن أباض فى هذه الرسالة كثيرا من المواقف والأشخاص، خاصة من كانوا في دائرة الضوء.
ومن كان لهم تعامل أكيد، وممارسات وإنجازات على مستوى الأفراد والجماعة والمجتمع ..
بزعمه.
وكان ما جاء في هذه الرسالة - ردا على عبد الملك بن مروان فيما كان
: -
وأما قولك فى شأن معاوية بن أبي سفيان: أن الله قام معه وعجل نصره، وأفلج حجته، وأظهره على عدوه، بطلب دم عثمان، فإن يكن يعتبر الدين من جهة الدولة أن يظهر الناس بعضهم على بعض في الدنيا، فانا لا تعتبر الدين بالدولة، فلقد ظهر المسلمون على الكفار، لينظر كيف يعملون؟ وقد ظهر الكفار على المسلمين ليبنو المسلمين بذلك، ويكون عقابا على الكافرين .. ، وقال, وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا و يمحق الكافرين، فان كان الدين (1/271)
صفحة 267
- 272 -
إذا ظهر الناس بعضهم على بعض، فقد سمعت الذى أصاب المشركون من المسلمين يوم أحد ... حد ... وقد ظهر الذين قتلوا ابن عفان عليه وعلى شيعته يوم الدار، وظهروا أيضاً على أهل البصرة، وهم شيعة عثمان، وظهر المختار على ابن زياد وأصحابه،
و هم شيعتهم، وظهر مصعب على المختار، وظهر ابن السجف على أخنس بن دجلة وأصحابه، وظهر أهل الشام على أهل المدينة، وظهر ابن الزبير على أهل الشام بمكة يوم استباحوا منها ما حرم الله عليكم وهم شيعتكم، فان كان هؤلاء على الدين فلا يعتبر الدين من قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض، ويعطى الله رجلا كافراً ملكا في الدنيا، كما أعطى فرعون ملكا ظهر في الأرض، وقد أعطى الذي حاج إبراهيم في ربه.
ثم إن معاوية إنما اختلس الإمارة من الحسن بن على بعهد عاهده، ثم لم يف له بالذى عاهد عليه، وقال الله:, وأوفوا بعهد الله إذا عاهدة ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكانا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربي
من أمة، إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون. .
فلا تسأل عن معاوية، ولا عن عمله، ولا عن صنيعه، غير أنا قد أدركناه، ورأينا عمله، وسيرته في الناس، ولا نعلم أحداً أترك للقسمة التي قسم الله، ولا لحكم حكمه الله، ولا أسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلا دم ابن سمية اسكان فى ذلك ما يكفره بنعم الله.
ثم استخلف ابنه يزيد فاسقا من الناس، لعينا يشرب الخمر المكفر، فيكفيه من السوء، وكان يتبع هواه بغير هدى من الله وقال الله:. ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين، فلم يخف عمل معاوية ويزيد على كل ذي عقل من الناس. (1/272)
صفحة 268
273 -
فاتق الله يا عبد الملك، ولا تخادع نفسك في معاوية، فقد أدركنا أمل بيتكم يطعنون في معاوية، ويزيد، و يعيبون عليهما كثيراً مما يصنعون.
فمن يقول عثمان ومن معه فإنا نشهد الله وملائكته وكتبه ورسله بأنا منهم براء ولهم أعداء بأيدينا، وألسنتنا، وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت
عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، ونحاسب بذلك عند الله.
وكتبت إلى تحذر فى الغلو في الدين، وإني أعوذ بالله من الغلو في الدين، وسأبين لك ماهو الغلو في الدين إذا جهاته؟ فانه ما كان يقال على الله غير الحق، ويعمل بغير كتابه الذي بين لنا، وسنة نبيه التي من، وقال الله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، كما فعل عثمان، والأئمة .. بعده، وأنت على طاعتهم، وتجامعهم على معصية الله، وتتبعهم وقد اتبعوا أهواءهم واتبعتهم أنت عليها، وقال الله عز وجل: ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
فهؤلاء أهل الغلو في الدين .. فليس من دعا إلى الله، وإلى كتابه، ورضى وغضب لله، حين على أمره، وأخذ بحكمه حين ضيع، وتركت سنة إبنة. وكتبت إلى تعرض بالخوارج تزعم أنهم يغلون في دينهم، ويفارقون أهل الإسلام، وتزعم أنهم يتبعون غير سبيل المؤمنين .. واني أبين لك سيلهم
وانشر عليك جهادهم، وارفع فوق هامات الحياة أعلامهم .. وألو يتهم.
كانوا يتولون في دينهم وسنتهم رسول الله، وأبا بكر، وعمر بن الخطاب ويدعون إلى سبيلهم، ويرضون بسنتهم، وعلى ذلك كانوا يخرجون، وإليه يدعون، وعليه يتفارقون، وقد علم من عرفهم من الناس، ورأى من عليهم، أنهم كانوا أحسن الناس عملا، وأشد قتالا في سبيل الله، وقال الله: «قاتلوا الذين يلونكم
من الكفار و ليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين .. (1/273)
صفحة 269
- 274 -
فهذا خير الخوارج نشهد الله، والملائكة، انا لمن عاداهم أعداء، وانا من والاهم أولياء، بأيدينا، وألسنتنا، وقلوبنا، على ذلك نعيش ما عشنا، ونموت على ذلك إذا متنا، غير أنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر، و لكنهم ارتدوا عنه، وكفروا بعد إيمانهم، فتبرأ إلى الله منهم.
أما بعد: فإنك كتبت إلى تطلب منى أن أكتب بجواب كتابك، وأجتهد لك في النصيحة، وأن أبين لك، ألا ... فانى قد بينت لك بجهد نفسى وأخبرتك خبر الأمة، وكان حقا على أن أنصح لك، وأبين لك ما قد علمت. إن الله يقول: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم. .
إن الله لم يتخذ فى عبداً لاكمر به، ولا أخادع الناس بشوء ليس في نفسي، وأخالف إلى ما أنهى عنه.
أدعوكم يا آل مروان - إلى كتاب الله، وسنة نبيه، لتحلوا حلاله، وتحرموا حرامه، وأترضوا بحكمه، وتنيبوا إلى ربكم، وتراجعو اكتاب الله، وأدعوكم إلى كتاب الله ليحكم بينى وبينكم فى الذى اختلفنا فيه، وغرم ما حرم الله، ونقسم بما قسم الله، ونحكم بما حكم الله، ونبرأ من برأ الله منه ورسوله، وتتولى من، ونطيع من أحل لنا طاعته في كتابه، ونعصى من أمر الله بمعصيته أن
تولاه الله.
تطيعه، فإذا الذي أدركنا عليه نبينا.
وإن هذه الأمة لم تحرم حراما، ولم تسفك دماً، إلا حين تركوا كتاب ربهم الذي أمرهم أن يعتصموا به، ويأمنوا عليه، وإنهم لا يزالون مفترقين مختلفين، حتى يراجعوا كتاب الله، وسنة نبيه، ويطبقوا كتاب الله على أنفسهم، (1/274)
صفحة 270
- YVO -
ويحكموه إلى ما اختلفوا فيه فإن الله يقول: و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى
الله ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب ..
وإن هذا هر
السبيل الواضح، لا يشبه به شوء من السبل، وهو الذي هدى
الله من قبلنا محمداً مالي والخليفتين الصالحين من بعده، فلا يضل من اتبعه، ولا يهتدى من تركه، وقال: وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ..
واحذر أن تفرق بكم السبل عن سبيله، ويزين لك الضلالة باتباعك هواك فيما جمعت اليه الرجال، فانهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، إنما هي الأهواء، إنما يتبع الناس في الدنيا والآخرة إمامين: إما هدى،، وإمام ضلالة.
کتاب
أما إمام الهدى، فهو يحكم بما أنزل الله، ويقسم بقسمته، ويتبع الله، وفيه وفي جماعته قال الله تعالى: «وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، وهؤلاء أولياء المؤمنين الذين أمر الله بطاعتهم، ونهى عن
معصيتهم.
وأما إمام الضلالة، فهو الذى يحكم بغير ما أنزل الله، ويقسم بغير ماقسم
"
الله، ويتبع هواه بغير سنة من الله، فذلك كفر، كما سمى ا الله و نهى عن طاعته وطاعة جماعته، وأمر بجهادهم، وقال: ولا تطعهم و جاهدهم به جهاداً كبيرا، فانه حق أنزله بالحق، وينطق به، وليس بعد الحق إلا اضلال فأني تصرفون؟ .. ولا تضر بن الذكر عنك صفحاً، ولا تشكن في كتاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، فانه من لم ينفعه كتاب الله، لم ينفعه غيره.
وكتبت إلى أن أكتب اليك بوصول كتابك، فاني قد كتبت اليك، وأنا أذكرك بالله العظيم لما قرأت كتابي، وتدبرته، واكتب إلى إن استطعت بجواب كتابى إذا كتبت إليك بما أتنازع فيه أنا وأنت، انزع عليه بينة من كتاب (1/275)
صفحة 271
- 276 -
الله أصدق فيه قولك، فلا تعرف لى بالدنيا،، فإني لا رغبة لي في الدنيا، وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصيحتك لى فى الدين، ولما بعد الموت، فإن ذلك أفضل النصيحة، فان الله قادر أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة، فانه لاخير فيمن لم يكن على طاعة الله، وبالله التوفيق، وفيه الرضى، و السلام على من اتبع
الهدى ..
وهكذا:
وهكذا كان الايمان بالله والثقة فيه، والاطمئنان إلى عدالته، والرغبة فيها عنده، كل هذه المعاني هي التي جعات الامام عبد الله بن أباض إمام هذا المذهب الأباضي - يكتب رسالته، ويوجهها إلى عبد الملك بن مروان، وقد ضمنها كل تعليماته وتوجيهاته، ونصائحه وتوصياته، في أسلوب جرئ مهذب، وصيغة شريفة عفة، ومنهج عقيدى ينصلح به شأن الدنيا وأمر الدين، وشتى المعاملات بين الناس، ولاسيما بين الحاكم والمحكوم، في حسن الأداء، وصدق الالتزام، وخالص النبات، والأعمال.
هذا .. إلى جانب ما فى هذه الرسالة من تصحيح وتوضيح إلى أن ولاية أمر المسلمين، وحكمهم وحكومتهم، ليست شيئاً هيناً، وليست بالأمر اليسير الذي يتلهى به، أو ينصرف عنه، أو يتاجر فيه، لحساب الحاكم وبطانته، وسماسرته وعملائه، بل إن الولاية والحكومة والامامة مسئوليات وتبعات، وعهود ووعود وأمانات.
و من هنا، انطلاق صوت الحق في ضمير عبد الله بن أباض، وجاجلت كلماته الصارخة في وجدانه، وجعل الايمان يتدفق على لسانه، ويفيض على شبا براعته، وعيداً و تهديداً، وتحذيراً وإنذاراً لهذا الحاكم الأموى، وكل من سار على دربه، (1/276)
صفحة 272
277 -
أو انتهج مذهبه، أو وضع قدمه على أول خطوة في طريقه من ولاة أمور المسلمين وحكامهم.
-
مع بيان أن المناصب العامة - على مستوى البيئة الاسلامية – ليست
مغنما، ولا مربحا، ولا حانوتا، ولا مزرعة، يتكسب منها اللصوص، ويتعيش عليها الخونة، ويتوارثها الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد
و هكذا يجب أن يكون علماء المسلمين وأئمتهم في مواجهة الحكام، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ...
إلى مهاجر إلى ربى:
-
قال أبو الفرج في كتابه, الأغاني،:. إن عبد الله بن يحيى الكندى أحد بني عمرو بن معاوية - كان مجتهداً عابداً، قال قبل أن يخرج لحرب بني أمية - بعد أن استجار به الناس من ظلمهم.: لقينى رجل فأطال النظر إلى، وقال: ممن أنت؟ فقلت: من " كندة .. فقال: من أيهم؟ قلت: من بنى شيطان .. قال: والله لتملكن، ولتبلغن خيلك وادى القرى، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك .. فذهبت أتخوف مما قاله، واستخير الله، فرأيت باليمن جوراً ظاهراً، وعسفاً فاجراً، وتسلطا شديداً، وسيرة فى الناس قبيحة.
قال أبو الفرج: ثم قال لأصحابه: والله لا يحل لهذا المقام على ما نرى، ولا يسعنا الصبر عليه ... وكتب من فوره إلى أبي عبيدة مسلم، وهو مولى بني تميم،
الذي جمع أصحابه من الأباضية يستشيرهم .. فكلهم قال له:
إن استطعت أن لا تقيم يوما واحداً فافعل، فان المبادرة بالعمل
الصالح أفضل (1/277)
صفحة 273
-278 -
واست تدري متى ينتهى بك أجلك، والله يبعث دائما خير عباده إذا شاء لنصرة دينه، ويخص بالشهادة منهم من يشاء، ومن كتبها له ..
و شخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدى أحد بني سليمة، وباج ابن عقبة الفرهودى فى رجال أو فياء أمناء من الأباضية، وحثوه على الخروج، وأمدوه بالكثير من كتب المذهب والتي جاء فيها: .. واقتدوا بأسلافكم
6
الصالحين، وسير وامسيرتهم، ولقد علمتم أن الذى أخرجهم على الحاكم، وذمرهم منه، وأبرمهم به، وزهدهم فيه، إنما هو العبث والظلم، والموبقات التي يمارسها هذا الحاكم وأعوانه ...
وهنا تجمع الناس جميعا على مبايعة أبي يحي عبد الله بن يحيى السكندى، وقصدوا معه إلى دار الامارة، وعليها إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، فأخذوه، ه، ثم أطلقوا، وعفوا عنه، فأتى إلى صنعاء، وأقام عبد الله ابن يحي في حضر موت، وأمه الناس من كل فج، و كثر جمعه واتباعه، وسموه منذئذ و طالب الحق. .
وحبوه،
سر
قال أبو الفرج: فلما استولى عبد الله بن يحيى على اليمن، خطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ووعظ، وذكر، وحذر .. ثم قال: أيها الناس. إنا ندعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه، وإجابة من دعا إليهما .. الاسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بديلا، ولا نشتري به ثمناً قليلا، وحرمنا الحرام، ونبذناه وراء ظهورنا،، ولاحول ولا قوة إلا بالله، و إلى الله المشتكى، وعليه المعول، من زنى فهو كافر، و من سرق فهو كافر، و من شرب الخمر فهو كافر، و من شك في إنه كافر فهو كافر، أقول: لاشك أن المراد بالكفر في هذا المقام (1/278)
صفحة 274
- 279 -
-- على رأى الأباضية - هو كفر النعمة الذي ورد ذكره في أكثر من مكان
في القرآن الكريم .. والحديث النبوي الشريف ..
قال تعالى:. والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين. .
وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرين ... وهو عام لكل من لم يحكم بما أنزل الله وهو نادر، ولكل من ترك الحج وهو مستطيع وفي صحيح البخاري حديث إمرأة ثابت بن قيس المختلعة التي قالت: إني أخاف الكفر في الإسلام ..
وفي صحيح مسلم: «لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض .. وفي صحيح مسلم أيضا: «إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما. .. والأحاديث كثيرة في الصحاح حول هذا كله ..
قال أبو الفرج: وفي رواية أخرى، قال طالب الحق في خطبته: فانا ندعوا إلى فرائض بينات، وآيات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد ان الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الرب، واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأهل عداوة الله.
أيها الناس .. إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقية من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الألم في جنب) الله تعالى، يقتلون على الحق في
سالف الدهور، شهداء فما نسيهم ربهم، وما كان ربك نسيا ...
أوصيكم بتقوى الله، وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به، فابلوا بلاما (1/279)
صفحة 275
- 280 -
حسنا في أمر الله وذكره ... أقول قولى هـ هذا، واستغفر الله لي ولكم .. قال المقريزي: وأقام عبد الله بن يحيى فى صنعاء أشهرا يحسن السيرة بين الناس ويلين جانبه لهم، ويكف عنهم.
ثم جاءته الشراة من كل جانب يبايعونه، و ينضمون إلى صفه، وينضمون في جيشه وزحفه. و تحت لوائه ..
قال: فلما كان وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وابرهة بن الصباح إلى مكة المكرمة في تسعمائة، وقيل في ألف ومائة، وأمر المختار أن يقيم بمكة إذا صدر الناس، وأن يوجه بلجا إلى الشام.
وأقبل المختار إلى مكة فقدمها يوم التروية، وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأرسل الوالى الخطباء والفقهاء من قريش وغيرهم إلى أبي حمزة ليناقشهم فيما جاء من أجله، و ليشرح لهم المبادئ التي تقوم عليها دعوة الخوارج عامة، والأباضية على وجه الخصوص، وأهم تعاليمهم ..
-
-
وخرج أبو حمزة المختار بن عوف الأزدى - على الجميع ـ وقد تنكب
قوسه، حتى إذا خطب الخطباء، وتكلم الفقهاء، وانتهى كل من خطابه وكلامه بعد أن عظموا حرمة الحج.، ويوم عرفة، ما قدر لهم، وما قدروا عليه تكلم أبو حمزة المختار، فحمد الله واثنى عليه .. ثم قال ــ للخطباء والفقهاء والعامة المستمعين والمشاركين ـ:
أما ما قلتم وذكرتم من تعظيم هذا اليوم، فانكم لم تبلغوا بعد أي بلاغ إلى ذلك ... ثم ذكر جور بني أمية، وما هم عليه من ظلم الناس، والتعصف بهم، والتحكم فيهم، والفسق والجور والفجور .. ومازال بهم ومعهم حتى أفحمهم جميعا، وحتى أسمعهم من لم يكونوا قد سمعوه قبلا أبدا، ومن لم يكونوا يعرفونه بالمرة، (1/280)
صفحة 276
- 281 -
فرجعوا إلى الوالى - الذي سلطهم وحرضهم - وأعلموه بأمر الرجل وخطورته واعترفوا جميعا بعجزهم عن مباراته ومجاراته فيما ذهب اليه من عجائب القول
420
وغرائبه ... قال لهم الوالى فاسألوه الموادعة في هذه الأيام، على أن يستأنف معه الحديث فيما بعد، وعلى أن لا نعرض له، ولا يعرض لنا .. فأعطاهم أبو حمزة ما طلبوه، ورادعهم إلى ما بعد الحج وأداء المناسك ...
حتى إذا فرغ الناس من مناسكهم وصاروا إلى مكة .. خرج الوالى عبد الواحد وخلى مكانه، قال أبو سفيان: وصار بلج بن عقبة يأتي لرمي الجمرات في الخيل والسلاح، وكان أبو حمزة كثيراً ما يقول له: رحمك الله يا ابن عقبة، ما يدعوك إلى هذا؟ وماذا عليك او جنت متنكرا حتى ترمى جمارك؟
و كان بلج يرد عليه بقوله: لا ... والله لا أفعل، إلا ما أفعل الآن وأكثر
من هذا ..
ان القوم غادرون، ولا آمن غدرهم بنا، ونقضهم ما قطعوه من عهد أو ميثاق. . وهذا ديدنهم، وتلك طبيعتهم وجباتهم، فان فعلوا كنا قد استعدد نالهم ...
وأقام أبو حمزة فى ذى طوى، وأقام من حوله خلق كثير، واجتمع اليه من نواحي مكة رجال من خزاعة. وبعد ذلك توجه إلى المدينة فدخلها.
وخطب من فوق منبر النبي ما في مسجده الشريف، وقال: يا أيها الناس إنا نخير كم في ثلاث خلال، أيما شئتم فخذوا لانفسكم، رحم الله أمراً أخذ الخيار
لنفسه، إما قابل لما ندعو اليه، ويعبد الله على طريقتنا، وحملته نيته الصادقة على أن يجاهد معنا في صفنا وبنفسه، فيكون له من الأجر. ما للمجاهد منا، ومن قسم هذا الفو. . ما لا فضانا. ومن أفضله ... (1/281)
صفحة 277
- 282 -
وإما عارف بهذا الأمر مقيم فى داره، يدعو اليه بقلبه ولسانه، فماه ـ وارجو أن يكون أحسن منزلة منا.
أما الثالث فهو الذى كره قولنا، .. فإنا آمناه على أهله وماله إذا كف عنا يده ولسانه، فان ظفرنا به، ولم يعرض نفسه لغضبنا لم تسفك دمه، وان نحن قتلنا كان قد كفى مؤنتنا،
ثم وجه أبو حمزة بلج بن عقبة الأزدى، وابرهة بن الصباح الحضرمي إلى الشام، في سبعمائة من الرجال، فلقيهم في الطريق بوادى القرى عبد الملك بن عطية رسول مروان بن محمد في أربعة عشر ألفاً، فيهم خمسة آلاف فارس، وهزمهم
بلج بن عقبة، ودارت بهم دائرته الثائرة الغضى، وقتل منهم الكثير والكثير جدا. فصاح ابن عطية في أصحابه: يا أهل الشام .. يا أهل الحفاظ .. يا أهل النصرة والنجدة .. يا أهل القتال والنزال، هلموا واثبتوا .. فعطف القوم على بلج وابرهة .. أصحابه .. من
و تكاثروا عليهما ـ وهم كثير
-
شاء الله - فقتل بلج و من:
و توجه عبد الملك بن عطية بعد ذلك إلى اليمن يريد الإمام عبد الله بن يحي
فقاتلهم وقاتل حتى فقل!!
وفي موسوعة, العصور القدعة: - التي ألفها العلامة البرتغالى المستر وجيمس
هنري: -:
إن عبد الواحد بن سليمان كتب إلى مروان بن محمد يعتذر من عدم قدرته واستطاعته على اخراج المختار من مكة، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عمر - عامله على المدينة - يأمره بتوجيه الجيش إلى مكة لقتال أبي حمزة المختار الأباضي، (1/282)
صفحة 278
-283 -
و تجمعت هناك وحدات عارمة من الجيش الأموى في أكثر من ثلاثة عشر ألف مقاتل من أهل المدينة، ولما بلغ أبا حمزة اقبال أهل المدينة عليه استخاف على مكة ابراهيم بن الصباح وشخص هو اليهم في جيش يتقدمه بلج بن عقبة، فلما كان في الليلة التى وافاهم في صبيحتها، وأهل المدينة هناك بتقديد. . قال لاصحابه: انكم لا قون القوم غدا، وقد وضح الصبح لذي عينين، فأكثروا ذكر الله تعالى، وتلاوة قرآن، ووطنوا أنفسكم على الصبر، .. ومع الصباح غداة السابع من صفر سنة مائة وثلاثين أرسل إليهم أبو حمزة بلج بن عقبة في ثلاثين راكباً وسطاء صالح -، فذكرهم الله وسألهم أن يكن وا عنهم، وقال لهم: خلوا لنا سبيلنا الفسير إلى من ظلمكم، وجار في الحكم عليكم، ولا تجعلوا لقاءنا بكم، ولا آخر شوطنا عندكم ومعكم، فانا لا تريد قتالكم أبدا، وكيف نقاتلكم وأنتم جيرة رسول الله، وفيكم أهل بيته؟
شتمهم أهل المدينة، وتعدوا عليهم، وقالوا: أن تمكنكم ما تريدون ... يا أعداء الله. أنحن نخليكم تدخلون الديار، وندعكم تفدون في الأرض، وتعيثون فيها الفساد؟
فرد أصحاب حمزة المختار وقانوا لهم: ومن هم أعداء الله يا أعداء الله؟ أنحن نفسد فى الأرض؟ كلا .. ثم كلا. وكلا ... إننا خرجنا مجاهدين في سبيل الله، لنقضى على الفساد، ونغل أيدى المفسدين، ونقاتل من قاتلنا، واستأثر بالفي. وأكله وحده غنيمة باردة. وتلصص عليه من وراء ظهور (1/283)
صفحة 279
- YA? -
المسلمين. فراعوا الله في سلوككم، وانظروا بعين واعية وقلوب باصرة إلى
ما فيه خير الإسلام والمسلمين.
الخطاب الثائر:
ودارت المعركة التى انتصرت فيها جيوش الحق، ونقدم الأباضية الخوارج
في مسيرتهم صوب المدينة المنورة.
ثم دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومائة، ومضى عبد الواحد بن سليمان إلى الام .. ورقى أبو حمزة المنير فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل المدينة ... سألناكم عن ولا نكم هؤلاء، وأسأتم - لعمر الله - فيهم القول، وسألناكم: هل.
يستحلون المال الحرام، والفرج الحرام؟ فقلتم: نعم ... فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم ـ فتناشدهم الله أن يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسامون لأنفسهم ... فقلتم: لا تفعلوا .. فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم تلقاهم، فإن نظر نحن وأنتم نأت بان يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه؛ وإن نظفر تعدل في أحكامكم ونحمامكم على سنة نبيكم، و نقسم فيتكم بينكم، فان أبيتم وقاتلتمونا دونهم فقاتلنا كم، فأبعدكم
الله وأسحة. كم!
يا أهل المدينة .. مررت بكم في أزمان الأحول هشام بن عبد الملك وقد أصابتكم عامة في ثماركم، فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعه عنكم
فراد الذي غنى، وزاد الفقير فقرا، فقلتم: جزاه الله خيرا، الله خيراً ولا جزاكم.
فلا جزاه (1/284)
صفحة 280
- YAC-
أتعلمون يا أهل المدينة .. أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا، ولا بطاراً، ولا عبثاً، ولا لهوا، ولا لدولة مالك نريد أن نخوض فيه. ولا الثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمان، وحكم القرآن، فأجبنا داعى الله، ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، فأقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد، وعليه زادهم وأنفسهم يتعاورون لحافاً واحداً، قليلون، مستضعفون في الأرض، فآوانا الله. وأيدنا بنصره، وأصبحنا ـ والله ـ بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمان، وحكم القرآن، ودعوتمونا إلى طاعة الشيطان، وحكم مروان، وآل مروان، وشتان - لعمر الله ـ ما بين الغي والرشد ... ثم أقبلوا يهرعون ويزفون، وقد ضرب الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب بكل مهند وحسام، فدارت رحانا، واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهل المدينة .. إن تنصروا مروان وآل مروان يحتكم الله بعذاب
من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين.
يا أهل المدينة .. إن أولكم خير أول، وآخركم شر آخر.
يا أهل المدينة. الناس منا. ونحن منهم، إلا مشر كا عابد وثن. أو كافراً من
أهل الكتاب، أو اماما جاترا.
يا أهل المدينة .. من زعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها. أو سألها عما لم
يوتها، فهو لله عدو، ولنا حرب. (1/285)
صفحة 281
- 286 -
يا أهل المدينة .. أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى في كتابه على القوى -- على حبه ـ للضعيف، فجاء التاسع وليس له منها ولا سهم واحد فأخذ جميعها لنفسه، مكابراً محاربا لربه، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله؟
يا أهل المدينة .. بلغى أنكم تنتقصون أصحابي وتعيبونهم وقلتم: هم شباب أحداث، وأعراب حماة، ويحكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله ا إلا شبابا أحداثا؟ شبابا والله مكتملون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم،، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أننسا تموت غداً بأنفسر لا تموت أبداً، قد خاطرا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف و قد انتضيت، وإلى الرماح وقد أشرعت، وإلى السهام وقد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفوا وعيد المكتيبة عند وعيد الله، ولم يستخفوا وعيد الله عند وعيد الكتيبة فطر بي لهم وحسن مآب.
فيكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله!
وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها را كما وساجداً في محراب الله!
أقول قولى هذا، واستغفر الله من تقصيرنا وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. .
وقال - أيضا - صاحب الأغانى عن أبي علقمة: سمعت أبا حمزة يخطب
بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل المدينة .. مال رأيت رسم المدين فيكم باقيا، وآثاره دارسة؟ لا تقبلون (1/286)
صفحة 282
- YAY-
عليه عظة، ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم جدته، وانطمست عليكم سفته، ترون معروفه منكراً، والمنكر من غيره معروفا .. إذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النذر، وعميت عنها أبصاركم، وصمت عنها أسماعكم، ساهمين في غمرة، لاهين في غفلة، تنبسط قلوبكم للباطل إذا لشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها
موعظة زادتها عن الحق نفوراً، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة الحجارة، ولم تان لكتاب الله الذى لو أنزل على جبل ارأيتموه خاشعاً من
متصدعا
من خشية الله!
يا أهل المدينة .. ما تغنى عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، إن الله قد جعل لكل شيء غالبا يقاد له، ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة، فاذا مالت القلوب ميلا. كانت الأبدان لها بتعاون القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله، وقوة النية، ونفاذ البصيرة، ولو استشعرت نقوى الله قلوبكم لاستعملت بطاعة الله أبدانكم ...
يا أهل المدينة .. داركم دار الهجرة، ومثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نبت به داره، وضاق به قراره، وآذاه الأعداء، وتجهم له الخبثاء، فهاجر إلى قوم لعمري - لم يكونوا أمثالكم، منؤازرين مع الحق على الباطل، مختارين
للاجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، نصروا الله، وجاهدوا في سديله، و آووا رسول الله، وآزروه واتبعوا النور الذي أنزل و آثروا الله على أنفسهم ولو كانت خصاصة .. قال الله تعالى لأمثالهم ولمن يهتدى بهداهم -: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
بهم
-
وأنتم أبناؤهم ومن بقى من خلفهم، تركون أن نقتدوا بهم، وتأخذوا بستهم؟ عمى القلوب، صم الآذان، اتبعتم الهوى، فأردا كم من الهدى، وأسها كم، (1/287)
صفحة 283
- 280 -
فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزد جروا، ولا تعظكم فتعتبروا، ولا توقظكم فتستيقظوا، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم، ما سرتم بسيرتهم، ولا حفظتم وصيتهم، ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم اعجبوا كيف صرف الله العذاب عنكم؟
وروى أيضا أن أبا حمزة بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابه لحداثة أسنانهم وخفة أحلامهم، فصعد المنبر - وعليه كساه غليظ، وهو متنكب قوما عربية ـ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه وآله، ثم قال: يا أهل المدينة .. قد بلغتنى مقالتكم في أصحابي، ولولا معرفتي بضعف رأيكم، وقلة عقولكم لاحسنت آدابكم، ويحكم: إن رسول الله ما أنزل عليه السكتاب، وبين له فيه السنن، وشرع له فيه الشرائع، وأوضح له فيه ما يأتي وما يذر، فلم يكن يتقدم إلا بأمر الله، ولا يحجم إلا عن أمر الله، حتى قبضه الله إليه. وقد أدى
6 ...
الذي عليه، لم يدعكم من أمركم فى شبهة، ثم من بعده أبو بكر، فأخذ بسفته، وقاتل أهل الردة. دة، وشمر في أمر الله حتى قبضه الله إليه، وأبناء الأمة عنه راضون
رحمة الله عليه ومغفرته.
الأمصار،
ثم ولى بعده عمر فأخذ بسنة صاحبيه، وجند الأجناد، ومصر وجاه الفييء، فقسمه بين أهله، وشمر عن ساقه، وحسر عن ذراعه، وضرب في الخمر ثمانين، وقام في شهر رمضان، وغزا العدو في بلادهم، وفتح المدائن والحصون، حتى قبضه الله إليه. وأهل الأمة عنه راضون، رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته.
ثم ولى من بعده عثمان بن عفان فعمل في ست سنين بسنة صاحبيه، ثم أحدث (1/288)
صفحة 284
- YA-
أحداثا أبطل آخر منها أولا، واضطرب حبل الدين بعدها، فطلبها كل امرئ لنفسه، وأصر كل رجل منهم سريرة أبداها الله عنه .. حتى مضوا على ذلك.
ثم ولى معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله، وابن لعينه، وجلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب - مؤلف طليق - فسفك الدم الحرام، واتخذو عباد الله خولا، ومال الله دولا، وبغى دينه عوجا ودغلا، وأحل الحرام، وعمل بما يشتهيه.
قال في العقد الفريد: ولما دخل معاوية مكة أراد أن يلعن عليا على المنبر، فأنكر ذلك سعد بن أبي وقاص، ولما مات سعد لعن معاوية على بن أبي طالب على المنبر، وكتب إلى عماله أن يلعنوه.
وروى ابن الأثير وغيره من الثقات عن الحسن البصري قال: أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة السكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوا الفضيلة، واستخلافه بعده إبنه يزيد سكيراً خيراً، يلبس الحرير بالطنابير. وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله لا: «الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدى وأصحاب حجر. وهم خلق كثير ..
فيا ويلا له من حجرا، ويا ويلاه من حجر وأصحابه!
وقد ثبت أن معاوية رأس والفئة الباغية، التي قتلت عماراً كما فى البخاري وغيره و لقد جعله النبي و من المؤلفة يوم هوازن، وأنه من الذين أسلموا يوم الفتح قصيرهم النبي الاقل من الطلقاء، وأنه جاء يقود أباه فلما رآهما رسول الله (1/289)
صفحة 285
- M-
لعنهما .. وصارحه بشيء من هذا أبو قتادة الانصارى، والإمام على بن أبي طالب شهيد الحق والواجب ... كمافى ابن الأثير، والطبرى، وغيرهما.
وقال صاحب الأغاني - يحكى خطبة أبي حمزة -:
ثم ولى معاوية بعده إبنه يزيد، يزيد الخور، يزيد الصقور، يزيد الفهود، يريد الصيود، يزيد القرود، فخالف القرآن. واتبع الكهان، ونادم القردة، وعمل بما يشتهيه، حتى مضى على ذلك.
لعينه.
قال: ثم ولى مروان بن الحكم طريد ولعين رسول الله وآله، وابن
ثم تداولها بنو مروان بعده أهل بيت اللعنة، طرداء رسول الله وآله، وقوم من الطلقاء، ليسوا من المهاجرين والأنصار، ولا من التابعين لهم باحسان .. فأ كلوا مال الله أكلا، ولعبوا بدين الله لعبا، واتخذوا عباد الله عبيداً، يورث ذلك الاكبر منهم الأصغر ...
فيا لها أمة ما أضيعها وأضعفها!
الله
بن
ثم مضوا على ذلك من أعمالهم، واستخفافهم بكتاب الله تعالى، وقد نبذوه وراء ظهورهم، وتحكموا في عباد الله .. وأذكر قتل عبد الزبير، وقتل سعيد بن جبير، وقتل عدد من المهاجرين والأنصار على يد عبد الملك، والحجاج، وما يصنعه الوليد، ويزيد، مما أجمع على إنكاره
المؤرخون.
وانظر أبها أقبح قول أبي حمزة وفعله؟ أم قول أولئك وأفعا لهم؟ أم ترى أن قتل الحسين بن على هين عند الله؟ ومعاوية هو الذي استخاف يزيد قاتل الحسين كما أنه هو نفسه الذى قتل الحسن أيضا بالسم! يالها من مهزلة مروعة قام بها بنو (1/290)
صفحة 286
- 291 -
معاوية على مسرح الحياة، ومع من؟ مع آل بيت النبي صلوات الله وسلامه
عليه!!
قال: وقد ولى منهم عمر بن عبد العزيز، فبلغ، ولم يكد، وعجز عن
الذي أظهره من الحق والعدل، حتى مضى اسبيله راضيا مرضيا!! ..
قال: ثم ولى يزيد بن عبد الملك وهو غلام ضعيف فيه، غير مأمون على
شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشده، ولم يؤ الامن رشده، وقد قال الله عز وجل: و فان آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ... ولاشك أن أمر أمة محمد في أعظم من ذلك كله، وإن كان ذلك عند الله عظيما،
أحكامها، ودمائها
،
فهو يشرب الحرام، ويأكل الحرام، ويلبس الحرام، يلبس بردتين قد حيكتا له، وقومتا على أهلها بألف دينار وأكثر، قد أخذت من غير حلها، وصرفت في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الابشار، وحلقت فيها الأشعار، واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح، ولا لنبي مرسل، ثم يجلس وحبابة، وسلامة عن شماله ويمينه تغنيانه بمزامير الشيطان، ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها، حتى إذا أخذت مأخذها فيه، وخالطت روحه، ولحمه ودمه، وغلبت صورتها على عقله، مزق حلتيه، ثم التفت إلى مغنيتيه وقال ويالسوء ما قال ـ أتأذنان لى أن أطير؟ نعم. قطر إلى النار أيها المعتوه، وإلى لعنة الله أيها المفتون ... حيث لا يردك الله!
ثم ذكر بني أمية، وأعمالهم، وسيرهم، فقال: أصابوا إمرة ضائعة، وقوها طعاما جهالا، لا يقومون بحق، ولا يفرقون بين الضلالة والهدى، ويرون أن بني أمية أربابا لهم، فلكوا الأمر، وتسلطوا فيه تسلط ربوبية. بطشهم بطش الجبابرة، يحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظن، ويعطلون الحدود بالشفاعات، ويؤمنون الخونة، ويقصون ذوى (1/291)
صفحة 287
292 -
الأمانة، ويأخذون الصدقة على غير فرضها، ويضعونها في غير موضعها.
فتلك هي الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله!!
تلك هى الفرقة التى ظاهرت بكتاب الله، وأعلنت الفرية على الله، أهلها وأتباعها لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن، ولا عقل بالغ في الفقه، ولا تفتيش عن حقيقة الصواب، ق قلدوا أمرهم أهواءهم، وجعلوا دينهم عصبية الحزب لزموه وأطاعوه، في جميع
-
ما يقوله لهم - غيا كان، أو رشداً، أو ضلالة أو هدى ـ ينتظرون القول في رجعة الموتى، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدعون علم الغيب لمخلوق لا يعلم ما في داخل بيته، بل لا يعلم ما ينطوى عليه ثوبه أو يحويه جسمه، ينقمون المعاصى على أهلها، ويعملون إذا ظهروا بها، ولا يعرفون المخرج منها، جفاة في الدين، قليلة عقولهم، قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة، قاتلهم انه أنى يوفكون؟
فأى هؤلاء الفرق يا أهل المدينة تقبعون؟ وبأى مذاهبهم تقتدون؟ وقد
بلغنى مة التحكم في أصحابي، وما عبتموه من حداثة أسنانهم ...
ويحكم ... هل كان أصحاب رسول الله مع وآله المذكورون في الخير إلا أحداثا شبابا؟ والله مكتملون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، قد نظر الله إليهم في جوف الليل، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الله يكى شرقا، وكلما مر بآية من عذاب الله شرق خوفا، كأن زفير جهنم بين أذنيه، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم، وصلوا كلال الليل بكلال النهار، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام، وكثرة الصيام، أنضاء عبادة، موفون بعهد الله، منتجزون لوعد الله، قد شروا أننسهم، حتى إذا التقت الكتيبتان، وأبرقت سيوفها، وفوقت (1/292)
صفحة 288
- 293 -
سهامها، وأشرعت رماحها، لقوا شبا الاسنة، وشائك السهام، وظباء السيوف بنحورهم، ووجوههم، وصدورهم، 2، فمضى الشاب منهم حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه بالثرى، وانحطت عليه الطير من السماء، وتمزقته سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما يكي بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله! وكم من وجه رفيق، وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، وضربات العدو في سبيل الله ....
ثم بكى وقال: آه او آه على فراق الإخوان! رحمة الله على تلك الأبدان! رضي الله عنهم وأدخلهم دار الجنان!!
و في العقد الفريد - من رواية الامام مالك بن أنس قال: خطبنا أبو حمزة خطبة شك فيها المستبصر. ومن لم يتكبت فى مذهبه رجع إلى مذهب أبي حمزة، قال أبو حمزة:
أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه، وسنة نبيه ا، وصلة الرحم و تعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظمت من الباطل، وإمانة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله، وبعصى العباد في طاعته، فالطاعة الله، ولاهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ندعو إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس في مواضعها، التي أمر الله بها.
إنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا ولا لهواء ولا عبثا، ولا لدولة ملك، نريد أن تخوض فيها. ولا لثأر قد قيل منا. ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت. ومعالم الجور قد ظهرت. وكثر الادعاء في الدين. وعمل بالهوى. وعطلت الأحكام.، قتل القائم بالقسط. وعنف القائل بالحق. وسمعنا مناديا ينادى إلى الإيمان. وإلى (1/293)
صفحة 289
- 998 -
طريق مستقيم، أجبنا داعى الله وأمنا به، وأقبلنا من قبائل شتى، وتجمعنا من كل فوج .. قليلين مستضعفين فى الأرض، فآوانا الله، وأيدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا، وعلى الدين أعوانا.
يا أهل المدينة ... أو لكم خير أول، وآخر كم شر آخر، إنكم أطعتم قراءكم، وفقهاء كم، فاختانو كم ان
كتاب غير ذي عوج، بتأويل الجاهلين، وانتحال
المبطلين، فأصبحتم عن الحق ناكبين، أموانا غير أحياء وما تشعرون.
يا أهل المدينة. . . يا أبناء المهاجرين والأنصار، ما أصح أصلكم، وأسقم فرعكم، كان آباؤكم أهل اليقين وأهل المعرفة بالدين والبصائر النافذة والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهالة، استعبدتكم لدنيا، فأذلتكم، والأمانى فأضلتكم؛ فتح الله لكم باب الدين فأفسدتوه، وأغلق عنكم باب الدنيا فنمتحتموه، سراعا إلى الفتنة، بناءا عن السنة، عميا عن البرهان، صما عن العرفان، عبيد الطمع، حلفاء الجشع ..
نعم. ما ورثكم آباؤكم - لو حفظتموه -- وبشما تورثون أبناءكم - إن تمسكوا به، نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل، كان عدد آرائكم قليلا طيباً، وعددكم كثيرا خبيثا، انبعتم الهوى فأرداكم، واللهو فأسراكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزد جرون، وتعبركم فلا تعتبرون ..
سألناكم عن ولا تكم هؤلاء، فقلتم: والله ما فيهم الذى يعلم، أخذوا المال من غير حله فوضعوه في غير حقه، وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله، واستأثروا بفيدنا فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء وفروج الإماء، وقلنا ليكم: تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا، وظلموكم، وجاروا في الحكم، فحكموا بغير ما أنزل الله .. فقلتم: لا نقوى (1/294)
صفحة 290
1990 -
على ذلك، ووددنا أنا أصبنا من يكفينا، فقلنا: نحن نكفيكم، ثم الله راع علينا إن ظفر نا لنعطين كل ذي حق حقه، وجتنا فاتقينا الرماح بصدورنا، و ا، والسيوف
بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم، وقاتلتمونا، فأبعدكم الله، فوالله لو قلتم:
لا تعرف الذي تقول ولا نعلمه، لكان أعذر
،
مع
أنه لا عذر للجاهل،
ولكن أبى الله إلا أن ينطق بالحق على السنتكم، ويأخذكم به في الآخرة.
الناس منا ونحن منهم، إلا ثلاثة: حاكما بغير ما أنزل الله، أو متبعا له،
أو راضيا بعمله
وقال – أيضا – أما بعد: فإنك أيها المستمع في ناشيء فتنة. وقائد ضلالة، قد طال جثومها، واشتدت عليك غمومها، وتلوثت مصائد. عدو الله وما نصب من الشرك لأهل الغفلة، عمى في عواقبها فلن يهد عمودها. ولن ينزع أوتادها
إلا الذي بيده ملك الاشياء وهو الرحمن الرحيم.
ألا .. وان لله بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها. ولم يشايعوا أهلها على شبهها، مصابيح النور فى أفواههم تزهو، والسلهم بحجج الكتاب تتعاق. ركبوا منهج السبيل. وقاموا على العلم الأعظم .. هم خصماء الشيطان الرجيم. يصلح الله بهم البلاد ويدفع عن العباد، طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم. وأ لم. وأسأل الله أن يجعلنا منهم
أنه
سميع مجيب الدعاء.
قال صاحب الأغاني: ثم خرج أبو حمزة وخلف بالمدينة بعض أصحابه،
-
فسار حتى نزل الوادى. وكان مروان قد بعث ابن عطية – قائد جيوشه في مكة
والمدينة ـ في جيش خننم لملاقاته. وبعث أبو حمزة بلج بن عقبة الملاقاة جيش ابن عطية (1/295)
صفحة 291
-997 -
وقتل بلج وأكثر أصحابه. ولم ينج منهم إلا ثلاثون رجلا فقط رجعوا إلى أبي حمزة .. وقد نصب ابن عطية رأس بلج على رمح!!
واغتم الثلاثون الذين رجعوا إلى أبي حمزة من وادي القرى إلى المدينة. و جزعوا من انهزامهم وقالوا: فررنا من الزحف، فوا ويلتاه! فقال لهم أبو حمزة: لا تجزعوا فأنا لكم فئة، وإلى انصرفتم ...
وخرج أبو حمزة من المدينة إلى مكة، واستخلف المفضل، عليها .. وخطب أهل المدينة وودعهم .. وكان فيما قال:
يا أهل المدينة: انا خارجون لحرب مروان، فإن تظهر تعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم، ونقسم بينكم وان يكن ما تمنون لذا، فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!!
وأقام ابن علية بالمدينة شهرا وأبو حمزة مقيم بمكة ... ونائبه على بن حصين العنبرى ـ وهو من أخلص أصفيائه - وقال له: اني كنت قد أشرت عليك يوم قديد وقبله أن نقتل هؤلاء الاسراء فلم تفعل، وعرفتك أنهم سيغدرون بك وأنت لا تبالي بهم حتى قتلوا، بلجا، وأصحابنا المقيمين بالمدينة .. وأنا أشير عليك اليوم أن تضع السيف في هؤلاء الغادرين الفجرة، ولو قدم ابن عطية لكانوا أشد عليك منه .. فقال أبو حمزة: لا أرى ذلك، لأنهم قد دخلوا في الطاعة، وأقروا بالحكم، ووجب لهم حق الولاية.
قال ابن حصين: انهم سيغدرون بك .. فقال أبو حمزة: ابعدهم الله، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. .
وقدم عبد الملك إلى مكة فصير اجناده فرقتين .. فرقة بالأبطح .. والفرقة الأخرى بازاء أبي حمزة وتحت قيادته هو، وصار أبو حمزة أسفل مكة، وصير (1/296)
صفحة 292
- 297 -
قائد رجاله و ابرهة بن الصباح، في الأبطح حيث قتله وهبار القرشي، في كمين
على جبل دمشق عند بتر ميمون.
أما أبو حمزة، فلقد التقى وابن عطية بأسفل ممكة في معركة ضارية خشنة. وخرج أهل مكة جميعا مع ابن عطية، في مواجهة أبي حمزة .. حيث قتل أبو
حمزة على «فم الشعب، وقتلت معه امرأته وهي ترتجز وتقول:
أنا الجعيداء وبنت الاعلم من سأل عن اسمى فإسمى مريم بعت سواري بسيف مخذم
و تفرقت الخوارج الأباضية، وتتبعهم ابن عطية وقتلهم جميعا، وصلب أبا حمزة وأبرهة بن الصباح على فم شعب الخيف، ودخل ابن حمد بن دارا من دور قريش، فأحدق أهل الشام بالدار وأحرقوها .. فلما رأى ابن الحصين ذلك رمى بنفسه من فوق سطح الدار، وقاتلهم حتى أسر وقتل، وصلب مع أبي حمزة وصاحبه، ولم يزالوا مصلوبين معلقين على الأعواد تعتورهم الرياح وحتى أفضى الأمر إلى بني العباس، وحج «مهلهل الهجيمي، في خلافة أبي العباس فأنزل أبا حمزة ليلا ودفنه وفعل كذلك بأصحابه.
و هكذا يلاقى الأحرار من الصعاب والشكال ما تنوه به راسيات الجبال.
والمشقة والمحنة والعذاب والاشكال والقتل، كل ذالك أول خطوة في طربت المجد والخلود وهو أول بند في قاموس التضحية، وأول باب ينفتح على دنيا الأحرار
الابرار عن اصطفاهم الله لإصلاح هذه الحياة.
النبع الذي فاض:
أما عن خلفيات المذهب، ولقد رفع هذا المذهب الأباضي الشيخ أبو الحسن على ابن محمد البسياوى، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وسعيد بن عبد الله بن (1/297)
صفحة 293
- PA-
محمد بن محبوب و من كان بعصر هم من المسلمين، عن بشير وعبد الله ابنى محمد بن بعصرهم من المسلمين، وسعيد بن محرز والوضاح بن عقبة،
محبوب، ومن
كان
ومن كان بعصرهم من ا المسلمين، عن موسى بن على، وهاشم بن غيلان، ومحمد بن
محبوب، ومن كان بعصر هم من المسلمين، عن موسى بن أبى جابر، ومنير بن النير
وسلمان بن عثمان، ومحبوب بن الرحيل البصرى، وخلف بن زياد البحراني
وشبيب بن عطية العماني، و من كان بعصر هم من المسلمين، عن الجلند بن مسعود العماني،
و عبد الرحمن بن رستم الفارسو، وجعفر بن السمان، و من كان بمصر هم من المسلمين، عن المختار بن عوف العماني، وعبد الله بن يحيى الحضر مي، وعلى بن الحصين، وهلال ابن عطية الخراساني، ومن كان بعصرهم من المسلمين، عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصرى، وفروة بن نوفل، و وداع بن حوثرة، ومن بعصرهم من المسلمين، عن عبد الله بن أباض، وعروة والمرداس ابني حذير، ومن بعصر هم من المسلمين، عن أبي الشعثاء، جابر بن زيد وعبد الله بن وهب الراسبي، وزيد بن صوحان العبدى، و من كان بعصر هم من المسلمين، عن عبد الله بن العباس، وخزيمة بن ثابت، ومحمد وعبدالله إبنى يديل ابن ورقاء الخزاعي، وعمار بن ياسر، و بلال، وصهيب وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي ذر، وعائشة أم المؤمنين، والخليفتين أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار رضى الله عنهم أجمعين، عن النبي، عن جبريل الأمين، عن رب العالمين.
مع أهل عمان:
إن مذهب أهل عمان متسلسل من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بنقلة ثقات وأئمة هداة وعلماء أثبات، اشتهر مقامهم بين رجالات الإسلام، وعرف منهاجهم بين قادة الأنام. إن مذهب أهل عمان تناقله فطاحل الرجال الذين هم في الدين أسهر من نار
"
، (1/298)
صفحة 294
- 299 -
على علم، وأول ناقل له مازن بن عضوية السعدى، وهو معروف في التاريخ العماني، فهو صحابي عماني، ثم كعب بن برشة الطاحي أو العودى الصحابي، ثم صحار بن العباس العبدى العماني الصحابي الثالث، ثم أبو شداد العماني الصحابي الرابع.
هؤلاء الأشياخ الاجلاء والهداة الأدلاء، والعمالقة الأولون هم الذين حملوا إلى عمان الدين الإسلامي، وعلموا أهل عمان أصوله، وفروعه، وواجباته، ولوازمه، ومقتضياته، و تفقه أهل عمان منهم قبل كل أحد، و بعد ذلك انتشر الإسلام في عمان انتشار ضياء الشمس بعد الظلام، حتى عم عمان أولها وآخرها، و لقد رسخ برجالها الأبطال وعلمائها الفطاحل كالإمام أبي الشعثاء، والإمام الربيع بن حبيب راوى المسند الصحيح، وضمام بن السائب الندبي العماني، وجملة من أهل العلم العمانيين، ومنهم السبعون راكباً الذين خرجوا مع عبد بن الجلندى إلى المدينة
المنورة.
عن .. من .. نقلوا؟
و من نقلة العلم من أهل عمان إلى عمان، وإلى العراق، كثيرون لا يحصون عدداً إلا أن طبقاتهم متفاوتة، أما عمن نقلوا؟ فقد نقلوا عن النبي، ونقلوا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بن أبي طالب، ونقلوا عن عائشة أم المؤمنين السيدة المصونة التى تحوى شطر الدين عن سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، ونقلوا أيضاً عن العبادلة الثلاثة، وهم عبد الله بن العباس حبر ا الأمة وبحرها الزخار, وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، ونقلوا أيضاً عن ألس ابن مالك وأبى هريرة راوية الدين، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عبد الرحمن ابن عوف أيضا كذلك، وعن عمار بن ياسر، وعن عبد الله بن مسعود حضيرة الفقه، وعن أبي ذر، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبى إن كعب، وسلمان الفارسي، وصهيب إمام الشورى، وزيد بن صوحان المقتول (1/299)
صفحة 295
شهيداً يوم الجمل، ونقلوا أيضاً عن خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وعن محمد
وعبد الله ابنى بديل، وحرقوص بن زهير السعدى أحد المشهود لهم بالجنة،
وعن زيد حصن الطائى الذى نعته السيدة عائشة والمقتول في النهروان
•
هؤلاء هم علماء الصحابة، وسادة أمة الإجابة، رحمهم الله، ورضى عنهم وللاباضية مصادر أخرى كثيرة، فلقد أخذوا أيضاً عن كثير من رجال العلم وأعمدة الحق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنكر المنكر على أهله، وممن شهد يوم الدار ويوم الجمل ويوم صفين، وممن شهد النهروان مع المسلمين،، وممن لم يشهد هذه المشاهد من مات على دينهم، و من مات قبل اختلاف الأمة، فهم الأئمة والأولياء، رحمهم الله، لا ينكر فضلهم ولا يجهل شرفهم ... وهم أهل الطبقة الأولى.
ثم من بعدهم الطبقة الثانية وهم: عبد الله بن وهب الراسي وأصحابه الذين جاهدوا معه يوم النهروان حتى استشهدوا رحمهم الله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
•
ثم أهل الطبقة الثالثة, وهم: فروة بن نوفل الأشجعي، ووداع بن حوثرة الأسدى ومن كان معهما يوم النخيلة رحمهم الله. ثم أهل الطبقة الرابعة، وهم: قريب، والزحاف وأصحابهما الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ذكر هم الإمام أبو إسحاق الحضرمي.
تم أهل الطبقة الخامسة وهم: المرادس إن حدير، وأخوه عروة ومن معهما وهم الأربعون الذين شاع ذكرهم في عالم الإسلام بكل فضل في الدين، ومن باعوا نفو منهم الله حتى سالت أنفسهم على الحق.
ثم الطبقة السادسة وهم: عبد الله بن أباض، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وصحار بن العباس العبد، وجعفر بن السماك، وحتات بن كاتب، وأبو عبيدة الضرير وهو أبو عبيدة الكبير العالم التحرير، وأبو نوح صالح بن نوح الدهان.
1411 (1/300)
صفحة 296
- 301 - -
ثم الطبقة السابعة وهم: عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق إمام أهل اليمن ومن معه من الرجال كالمختار بن عوف المعروف بأبي حمزة أحد أبطال العلم، وأقيان السنان، وأبو الحر على بن الحصين، ومن استشهد معهم في جهاد أهل البغى رحمهم الله.
ثم الطبقة الثامنة وهم: ابن حبيب بن عمر و الفراهيدى البصرى، وضمام بن السائب الندبي، وأبو منصور الخراساني و من معهم في أيامهم.
ثم الطبقة التاسعة وهم: الجلندى بن مسعود الإمام، وأبو الحطاب إمام أهل المغرب، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، و من كان في طبقتهم وهم أفاضل الأمة في زمانهم.
ثم الطبقة العاشرة وهم: محبوب بن الرحيل، وهاشم بن عبد الله الخراساني، وموسى بن أبى جابر، وبشير بن المنذر، ومنير بن النير الجيلاني، وهشام بن المهاجر، وعبد الله بن أبي قيس، وسعيد بن المهشر، وعلى بن عزرة، وهاشم ابن غيلان، وسليمان بن عثمان، وعبد المقتدر بن الحكم ومحمد بن هاشم بن غيلان، وموسى بن على، وسعيد بن محرز، والوضاح ابن عقبة وأضرابهم، فهؤلاء الأئمة الأجلاء والأساطين الفخام هم مقدمة رجال الأباضية الذين يأخذ بعضهم عن بعض من معاصريهم وغيرهم، ذكرناهم لا على الترتيب الزمنى كما ينبغى، لأن هذا يحتاج إلى فراغ واسع يأتي على ذكر منازلهم العلمية، وطبقاتهم الزمنية وأسمائهم القبائلية، وأعمالهم الفقهية ومؤلفاتهم الثمينة التي يحق لها أن تكتب بماء الذهب على وجنات الخور، فقد قام وارحمهم مقاماً يحق له الإكبار، وجاهدوا واجتهدوا في حق دين
الله ورضى عنهم
الله
عز وجل، وأدوا واجبهم حتى انقضت أيامهم، وجاء من بعدهم من أقاموا منار الدين، وكشفوا عن منهج سيد المرسلين، وابتلوا بالأمه حينا من الدهر، (1/301)
صفحة 297
هذا والله يجزيهم رضاه ويهديهم إليه سبيلا، إذ ما من قرن إلا ولأهل عمان فيه أبطال عديدون، وفقهاء كثيرون، وعلماء عمان فقهاء الشريعة
جماعة كمحمد
لم بتخصص منهم أحد فى غير الفقه، وإن نال بعضهم من غير الفقه أيضا .. ، وقد اشتهر بالطب منهم. بن هاشم الطبيب الرستاقي المشهور، وهو صاحب لامية الطب، وإن كان لبعضهم فى الطب أياد إلا أنها بالمعنى المعروف عند العرب ولهم في الطب النبوى نصيب، لأنه شرعى، فهم في علوم الشريعة الرعيل الأول، و من بعدهم غيرهم من علماء الأمة، فهم رواة الحديث ولهم فيه السبق على غيرهم فإن الإمام الربيع بن حبيب أول من ألف فيه المسند الشهير بالجامع، إذ جمع فيه أمهات الأحكام من جوامع كلمه عليه الصلاة السلام، وعليه بنى المسلمون قواعد مذهبهم الصحيح، ولم يذكره المؤرخون لعدم إطلاعهم عليه، فانه لم ينشر وبالأخص لم يطبع، فانظر ما يقوله العلامة التنوخي فيه، ولهم في علوب الأدب المقام الأكبر بالخليل بن أحمد الفراهيدي، وابن دريد وأضرابهم! وفي التاريخ كذلك، وفي سائر العلوم و المعارف الإنسانية لهم اليد البيضاء الطولى. .
ذرية بعضها من بعض:
وإذا أردنا أن نذكر علماء عمان في كل قرن .. أعنى مشاهير هم الاجلاء، فالإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، وأبو عبيدة ومن معهم، فهم علماء القرن الأول للهجرة، ولا يرد علينا أن هؤلاء بصريون، بل نقول: هم عمانيون بغير شك، وإن أقاموا بالبصرة، فقد صارت البصرة عمانية بكل معنى الكلمة، إذ كان علماؤها هؤلاء، وهم عمانيون، وأميرها المهلب بن أبي صفرة
وهو عمانى بغير شك، فهى عمانية به و بقومه الأزد من أهل عمان.
أما علماء القرن الثاني، فهؤلاء وآخرون جاءوا من بعدهم، فان الإمام الجلندى (1/302)
صفحة 298
- 303 -
ابن مسعود رحمه البته فى أول علماء القرن الثاني: قال المؤرخ أبو الحسن البياني: وكان في أيام الإمام الجلندى حاجب، والربيع بن حبيب بالعراق، وعبد انه بن القاسم و هلال بن عطية الخرساني، وخلف بن زياد البحراني، وموسى بن أبى جابر الأزكاني، وبشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني:
ومنهم أيضا، أبو صالح الوضاح بن عقبة، ويحيى بن نجيح، وكلهم عيالم فقه وأئمة هدى، بل كاد أن يكون أيام الإمام الجاندى كل أهل عمان علماء، أو قل على الأقل أهل ذلك القرن.
و من علماء القرن الثاني أيضاً: شبيب بن عطية العماني الذي قام بالأمر احتساباً، وكان من مشاهير أصحاب الامام الجلندى رحمهم ا الله،، وعبد الوهاب ابن جيفر، ومحمد بن عبد الله بن حساس، وأبو جعفر سعيد بن محمد، وسعيد بن محرز، ومحمد بن محبوب الرحيلي القرشي، ومحمد بن هاشم.
وقد سبق ذكر أبيه هاشم بن غيلان، والأشعث بن محمد، ومحمد بن المعلى الكندى، ومحمد بن عبد الله زميل الشيخ موسى بن على، وعبد الله بن محمد بن روح، ووائل بن أيوب، والصلت بن خميس المعروف بأنى المؤثر البهلوى وهو
خروصي
النسب
وأما علماء القرن الثالث فهم: هؤلاء المذكورون ومن التحق بهم، وهم زياد بن الوضاح، ومبارك بن جعفر، والحكم بن بشير، والأزهر بن على، وعلى ابن عزرة، وجعفر بن زيادة، وعبد الله بن أبي قيس، وعبد الله بن نافع، ورابس بن يزيد، وأبو مالك بن هزبر، والأشعث بن محمد، را، والأزهر بن عبد
الملك، وعبد العزيز بن عبد الرحمن، وعمر بن الأخنس الذى صلى بالناس
الجمعة وغيرهم وغيرهم أكثر من أن محمى أو يستقصى. (1/303)
صفحة 299
وعموما:
و بالجملة فإنا إذا ذهبنا إلى ذكر علماء عمان في كل قرن يضيق بنا الوقت، فهؤلاء العلماء المعدودون، وأولهم زياد بن الوضاح، ومبارك بن جعفر، والحكم بن بشير، إلى غدانة بن محمد، وهم إلى عهد الإمام الصلت بن مالك، والإمام الصلت المذكور كان قد بويع له بالإمامة لستة عشر خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومانتين فهو في صدر القرن الثالث، وكان العلماء المشاهير الذين لهم في الأمة الحل والعقد، والابرام والنقض لا يحصون عدداً، ثم طال عهد الصلت بنما لك، إذ عاش في الإمامة إلى سنة اثنتين وسبعين ومائتين، فكانت إمامته خمساً وثلاثين سنة، نشط فيها العلم، وقوى سوقه، وطالت أغصانه، وأثمرت أيام الصلت بن مالك الثمر الحلو في عمان، وانتشر العلماء فيها، وانتشروا من عمان إلى سائر بقاع العالم، وساروا فيه كما تنتشر الشمس، ويسرى الهواء.
ففي كل بلد تجد أجلة العلماء، حتى لقد غصت العواصم العمانية بهم، وكان سلطان الامامة بالغاً حده، وعمان في ذروة الشرف، وأهلها يتسابقون على العلم. إذ توالت أيام الامام وازدهر عهدها، وقامت لهم في أرجاء عمان كيكية مشرقة، وضيئة (وتلك الأيام نداولها بين الناس).
فلما طال العهد بالأمة، تجاسروا على الامام الصلت بن مالك حتى صارت أيامهم حديث سمر الناس، وحيرة أهل الفضل، ولم يزالوا على ذلك حتى تخلى الصلت رحمه الله عن الأمر تسكيناً لثورة الثائرين، واخمادا للفتنة وقضاءا على
الاضطراب، وتهدئة للخواطر والمشاعر.
إمامة .. وأئمة:
إن الإمامة في عمان فكرة مذهبية خالصة، أساسها عقيدة دينية، واختيار (1/304)
صفحة 300
- r.o--
الامام وتنصيبه مردود أمره إلى أهل الاستقامة، في الدين، الذين يتشاورون فيما بينهم، ويختارون لأنفسهم، إماما، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر وفق ماجاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأفعال الرسول صلوات الله وسلامه عليه كما كان يفعل من إجراءات في اختيار الخليفة.
وبالتالي، فإذا اختار المسلمون لهم اماما، وجبت:، عليهم بالضرورة ـ طاعته، فيما يأمرهم به، وفيما ينهاهم عنه، فهو لهم الراعي الأمين، وكل راح مسئول عن رعيته، وطاعة الامام واجبة له على رعيته، وفي أعناقهم وذماتهم في أمور الدنيا. وفي أمور الدين، واليه ترجع كل الشئون، وتؤول المهام الجسام، والتبعات فهو الذي يولى الولاة، وينصب القضاة، ويجى الأموال، ويقيم
الضحام الحدود، وفق قواعد الدين .. أداءاً للامانة، ووفاءا بالعهد، وقياما بالمسئولية التي ربطها الله في عنقه، ووضعها فوق عانقه، وانتمارا بأمر الله الذي ألزمه به في
معاملة الناس
وان المتتبع لحركة الامامة وتاريخها في عمان عبر الكتب والمؤلفات والواقع - يجد أن الامامة قد عاشت حياتها. كما يعيش الأفراد حياتهم، وان عمر الامامة - تماما - مثل عمر الأفراد، طفولة، ومراهقة وشبابا، وكهولة وهرما،
وشيخوخة ..
وهى كالأفراد - أيضاً - بعضها يولد هزيلا مريضا، وبعضها يولد صحيحا معافى، تمتد حياته ويطول عمره .. والامامة - كذلك ـ مثل الأفراد يصيبها داء الفجاءة أحياناً. وأحيانا يدب فيها الفناء تدريجيا، فتموت عضوا عضوا، حتى ينتهى أجلها و تنقضى أيامها، فهذا شأن كل موجود، ماديا كان ذلك الموجود، أو معنوياً .. (1/305)
صفحة 301
وكما يحدثنا التاريخ، فإن الإمامة شكل من أشكال الخلافة، أو هي - وفى عمان بالذات ـ امتداد للخلافة الإسلامية في عهودها الأولى، منذ الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وهو
أحد
وأول إمام بويع له في عمان الإمام الجلندى بن مسعود جينر بن بن جاندي، بنى الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الجرار بن عز بن معولة بن شمس - ملوك عمان بعد أولاد مالك بن فهم - وكان الجلندى في جيش الإمام طالب الحق، فلما قتل الإمام جاء إلى عمان فبايعوه فيها، وكان في زمانه حاجب، والربيع بن حبيب في البصرة، وكان أبو عبيدة مسلم غير موجود في ذلك الوقت، وقد حضر البيعة حملة العلم الأربعة، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقتل سنة أربع وثلاثين ومائة، كذا قال ابن الأثير: وبقى في منزلة الامام بعده شعيب بن عطية الأباضي العماني، ومحمد بن أبي عفان، حتى اجتمع المسلمون على تقديم الامام الوارث بن كعب الخروصي، وهو أول إمام من بني خروص، وهم من اليحمد، وذلك في سنة تسع وسبعين بعد المائة، وكان القائم بإمامته والبيعة له موسى ابن أبي جابر الأزكوى - أحد حملة العلم إلى عمان وكانت إمامته ثلاث عشرة سنة رضى! الله عنه وأرضاه.
ثم بويع للامام غسان بن عبد الله اليحمدي من الفحج، بويع له في اليوم الذي مات فيه الامام الوارث من عام اثنتين وتسعين ومائة، وكان على رأس العلماء الذين تولوا بيعته العلامة سليمان بن عثمان، والعلامة مسعدة بن تميم، وكانت بيعته بنزوى وتوفى سنة سبع ومائتين، وكانت إمامته حوالى خمس عشرة سنة وبويع بعده الامام عبد الملك بن حميد، وهو من بنى على بن سودة بن على بن عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي، وكانت بيعته بعد موت الامامغان بيوم واحد، (1/306)
صفحة 302
- r•v-
وكان على رأس العلماء يومئذ موسى بن على بن الحصين المنبرى، وتوفى الامام سنة ست و عشرين ومائتين، وكانت بيعته و هو ته بنزوى.
ثم بويع الامام مهنا بن جيفر، وهو من اليحمد، بويع له في اليوم الذي مات فيه عبد الملك بنزوى، وعلى رأس العلماء يومئذ موسى بن على المذكور، وفي زمانه توفى موسى بن على رضى الله عنه لثمان ليال خلون من ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين، وبويع للامام الصلت بن مالك فى اليوم الذى مات فيه المهنا، وكان على رأس العلماء بشير بن المنذر أحد حملة العلم إلى عمان، ومحمد بن محبوب ابن الرحيل القرشي.
وكانت إمامة الصلت خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوماً ومات و دفن بنزوى، وصلى عليه عزان بن تميم، قبل أن يكون عزان إماماً، ووقع بعده اضطراب كثير، واشتاق عريض، أدى إلى إنقسام أهل عمان إلى نزوانية
ورستاقية.
ومازاء كذلك حتى أمدهم انه بالامام العادل سعيد بن عبد الله بن محبوب
وكانت بيعته سنة عشرين وثلاثمائة. وكان على رأس العلماء يومئذ أبو محمد الحواري بن عثمان، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، ومحمد بن زايدة السمائلي .. وقتل شهيداً بعد ثمانى سنوات من إمامته، وبويع للامام راشد بن الوليد الكندى، وكان على رأس العلماء المبايعين له، أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر الخروصي، ولبث في إمامته حوالي أربع عشرة سنة، وصارت عمان بأيدى الجبابرة، فاعتزل الامام دار الخلافة إلى منزله حتى توفاه الله والعلماء موجودون ولم تنقطع الدعوة، وربما يقدمون إماما ويعاجل بالقتل وهكذا حتى بويع الإمام الخليل بن شاذان بن صلت بن مالك سنة سبع وأربعمائة وكان في زمانه من العلماء محمد بن المندى السكندى والحسن بن أحمد شيخ صاحب (1/307)
صفحة 303
- 308 -
كتاب بيان الشرع، وفى زمانه وزمان الامام راشد بن سعيد زار عمان الامام الشارى إبراهيم بن قيس الحضرمي، وتوفى في أوائل سنة خمس وعشرين
وأربعمائة.
ثم بويع بعده الإمام راشد بن سعيد، وهو من اليحمد، بويع له بعد موت الخليل، وبقى في الامامة إلى سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
وكان في زمانه أبو الحسن البياني، وأبو محمد بن بركة، وأبو سعيد الكندمى والحسن بن سعيد بن قريش، وبويع بعده لولده حفص بن راشد، وبويع بعده الإمام راشد بن على سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
و كان في زمانه الحمن بن أحمد الهجاري، ومحمد ابن عيسى السرى، و نجاد بن موسى و تو فى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وبويع بعده للامام محمد بن أبي غسان ولابي المعالى وغيرهما من الأئمة، مع اضطراب الاحوال وافتراق الكلمة النزاونية
الرستاقية.
ومنذ ذلك الحين اختفى صوت الامامة في عمان أكثر من قرنين من الزمان وتولى الأمر ملوك النباهنة، وقتلوا كثيراً ودمروا كثيراً، ومن ضحاياهم العلامة الجليل أحمد بن النظر الشاعر العالم صاحب كتاب الدعائم، و وسالك الجمان في سيرة أهل عمان. .
وفى سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بويع الامام الحواري أبي مالك، وكان في زمانه العلامة سليمان بن أحمد مفرج الهلوى، ولبث في الامامة حوالى ثلاث وعشرين سنة، ثم بويع بعده للامام أبي الحسن بن خميس بن عامر سنة تسع وثلاثين وثمانماية، وبقى فى إمامته سبع سنين وشهرين، و كان في زمانه العلامة ورد بن أحمد بن مفرج البهلوى المتوفى سنة أربع وسبعين وثمانمائة، ثم بايعوا (1/308)
صفحة 304
-4.9 -
عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد بن شاذان بن صلت بن مالك، وذلك في سنة خمس وثمانين وثمانمائة، وقضى بتفريق أموال بني نيهان.
وكانت إما مته تسع سنين ودفن بنزوى، ثم بايعوا لمحمد بن سليمان بن مفرج ثم بايعوا لأبي الحسن بن عبد السلام، وكان في زمن هؤلاء الأئمة بعض ملوك بني نهان الذين تصارعوا كثيرا فيما بينهم على الملك .. حتى استنب الأمر للإمام محمد ابن اسماعيل بن عبد ا الله ن محمد بن اسماعيل الحاضرى، وهو رجل من قضاعة و يتصل نسبه بالنبي. هود عليه السلام، وكانت بيعته سنة ست وتسعمائة، ولبث في في إمامته ستا وثلاثين سنة، وتوفى رضى الله عنه سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة ..
ثم بويع من بعده لولده بركات بن محمد بن إسماعيل في اليوم الذي مات فيه أبوه، وكان على رأس العلماء المبايعين عبد الله بن عمر بن زياد الشخصى، ومحمد ان أحمد بن غسان وصار بين الإمام وبعض ملوك النباهنة ورؤساء القبائل بعض التنافس، وتوفى الإمام وأهل عمان في صراع شديد، حتى أدرك الله الامة بالدولة اليعربية، فجاء الإمام ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي الدرب من ولد نصر بن زهران مجمع شملها، وداوى جراحها، وأصلح شأنها، وزالت النعرات النزوانية والرستاقية، وأصبحت دولة مسلمة فطرية محمدية ذات أسطول عالمى هزم البرتغال وطهر الخليج من الجنوب إلى الشمال، وأعادت اليعربية لعمان الشرف الباذخ والمجد الشامخ، فقد بويع الإمام ناصر سنة أربع وعشرين بعد الألف، وكان على رأس العلماء الشيخ خيس بن سعيد الشقصى الرستاقى مؤلف منهج الطالبين، وفيهم من العلماء الشيخ مسعود بن رمضان النبهاني النزوى، وصالح بن سعيد الزاملي العقرى وكان عدد العلماء الحاضرين أكثر من أربعين عالما وذلك في بلدة الرستاق وتوفى سنة خمسين بعد الألف.
ثم بويع بعده للإمام سلطان بن سيف بن مالك بن عمه في اليوم الذي مات (1/309)
صفحة 305
فيه الإمام، فنزا الهند، واستمر في نضاله ضد البرتغال، وعمل على تقوية الأساطيل، و تعمير البلاد، وتأمينها، ولبث في إمامته حوالى إحدى وأربعين سنة، وكان في زمانه عدد كبير من العلماء منهم الشيخ درويش بن جمعة المحروقي المؤلف، والشيخ خلف بن سنان الغافري.
ثم بويع بعده لابنه بلعرب بن سلطان في اليوم الذي مات فيه أبوه من عام واحد وتسعين بعد الألف، وكان على رأس العلماء في ذلك الوقت محمد بن عبد الله بن عبيدان.
وفي زمانه الشاعر المشهور راشد بن خميس ن جمعه الحبسى، ومات الامام سنة أربع ومائة بعد الألف، ودفن بقصره الذي بناه.
ثم بويع لأخيه سيف بن سلطان قيد الأرض، واستمر في جهاده، واحتل شرق أفريقيا متابعة الجهاد سلفه، وتوفى سنة ثلاث وعشرين بعد المائة والألف بالرستاق، وكان في زمانه عدد كبير من العلماء كالعلامة الجليل سعيد بن بشير الصبحي
و ناصر بن خميس الحمرا شدي و خلف بن سنان الغافرى وعدى بن سليمان الذهلي و ناصر بن سليمان بن مداد.
ثم بويع بعده لابنه سلطان بن سيف سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد الألف، وبنى حصن الحزم.
وتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف، وبموته تفاقم الشر في عمان
وكثرت الفوضى والفتن.
فقد بويع بعده الإمام مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك بن بلعرب في ذلك العام، ولم يبق فى امامته أكثر من ثلاث سنوات، ثم خذل وقتل.
،،.
وبويع بعده الإمام يترب بن بلعرب بن سلطان بن سيف في ذلك العام، (1/310)
صفحة 306
-411 -
وقامت الحروب بين القبائل، وحرقت عدة مكاتب، وقتل عدد كبير من رجال العلم والإصلاح، واعتزل الامامة، وقدموا لها سيف بن سلطان وكان صغيراً، إلا أن محمد بن ناصر الغافري أخذ البيعة.
وهنا انقسم أهل عمان إلى غافرى. وهناوى، فالغافرية اتباع محمد بن ناصر، والهناوية أتباع خلف بن مبارك الهنائي، وبقيت حزازات في قلوب القبائل العمانية، يتقاتلون باسمها، وأدخلوا العجم في البلاد فعاثوا في الأرض الفساد، حتى أغاث الله البلاد بالامام أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي، وبويع له سنة سبع وستين ومائة بعد الألف، وبه انقرضت دولة اليعاربة بعد صراع دام بينهم حوالي أربعين سنة، وكان في ذلك الوقت من العلماء العلامة الصبحي المذكور الذي توفى قبل دخول العجم إلى عمان، والعلامة حبيب بن سالم امبو سعيد النزوى، والشيخ سعيد بن أحمد الكندى .... وكانت أيامه أيام راحة واستراحة، وتوفى بعد تسع وعشرين سنة من إمامته، وبقيت عمان حوالى تسمين سنة لم يكن بها إمام متفق عليه، ولكن العلماء الأخيار فيها كثير، كالشيخ العلامة الرباني جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي صاحب التأليفات الكثيرة والأسرار المنيرة والكرامات الشهيرة والفتاوى النيرة وتوفى سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف، والعلامة ناصر بن أبي نبهان الذي توفى بزنجبار سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، وعمره سبعون سنة، وأخوه نبهان، والسيد مهنا بن خلفان البوسعيدي من أهل مكد والشيخ العلامة جميل بن خميس السعدى مؤلف القاموس في تسعين جزءاً ومنهم الشيخ سلطان بن محمد البطاشي المتوفى عام واحد وسبعين ومائتين بعد الالف و الشيخ سالم بن سعيد الصايغي مؤلف الأرجوزة واللباب، والعلامة خميص بن راشد العبرى والد الشيخ ماجد بن خميس.
ثم بايعوا للامام عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الامام أحمد، وذلك (1/311)
صفحة 307
- 312 -
سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وكان على رأس العلماء العلامة المحقق سعيد ابن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي، والشيخ صالح بن على بن ناصر الحارثي و الشيخ محمد بن سليم الغاربي السعدي، وغيرهم من أفاضل العلماء.
زيد عبد الله
ثم بويع للامام سالم بن راشد الخروصى سنة واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف، وكان على رأس العلماء ير منذ العلامة الجليل نور الدين عبد ا الله بن حميد السالمي، وحضر البيعة العلامة عامر بن خميس المالكي، والعلامة أبو ابن محمد الريامي، والعلامة محمد بن سالم الرقيشي والشيخ عبد الله بن راشد الهاشمي، والشيخ عامر بن على الحبو، ثم قتل الامام بعد سبع سنوات من إمامته في بلدة الخضراء، وبايعوا بعده للامام محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلى بعد أيام من قتل الامام، وكان القائم بإمامته العلامة الأمير عيسى بن صالح بن على الحارثي المتوفى سنة خمس وستين عن عمر يبلغ خمسا وسبعين سنة، وحضر البيعة عدد. من العلماء كالشيخ ماجد بن خميس العبري الذي أدرك الامام عزان والامام سالما، وهذا الامام الثالث.
ولبث الامام في إمامته إلى سنة ثلاث وسبعين، و تو فى ليلة 29 من شعبان من السنة المذكورة، واستخلف على المسلمين الامام غالب بن على بن هلال الهنائي، وبايعه كل من العلماء والزعماء، وكان على رأس العلماء العلامة محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي المتوفى سنة ثمان وسبعين عن عمر يناهز الثمانين.
وبقى الامام غالب في الامامة حوالى عشرين شهراً، واعتزل الامامة وأعمال المسلمين وأقام في بيته، وذلك فى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف في آخر ربيع الثاني .... لم تزل عمان إلى اليوم معمورة بالعلماء والفضلاء والصالحين باركها الله
وحماها ... وزادها وزانها .. (1/312)
صفحة 308
-212 -
قال صاحب. کتاب عمان.:
الامامة منشأة قديمة عريقة في عمان، ترتد إلى القرن الثاني من العصر الهجرى
الموافق للقرن الثامن الميلادي:
وقد أنشأ الأباضيون من المسلين هذه المؤسسة، وصانوها هناك، ودافعوا
عنها طويلا، وأمدوها بأرواحهم، واستودعوها شبابهم وحياتهم. والأباضيون فرح من الخوارج المعتدلين، الذين قاموا بحركات دينيه محافظة، وانفصلوا عن على بن أبى طالب، وقد قصد بعضهم إلى شرق الحزيرة العربية، واستقروا بجبال عمان، حيث نشروا مذهبهم الذي تعرض لتغييرات بسيرة على مدى القرون المتتالية ...
ويمكن اعتبار امامة الأباضيين في عمان من الآثار الحية التي خلفتها الخلافة
الإسلامية الأولى، في ثوبها القشيب، وشكلها الزاهي الحبيب.
فهي حركة إسلامية واعية متيقظة، ترعى مصالح الاسلام، وشئون المسلمين، ولا يزال الامام الأباضي يختار بطريقة تكاد تماثل طريقة اختيار الخلفاء الراشدين في القرن الهجرى الأول ...
وليس مما يغفل شأنه بحال، أن نعرف أن لقب و الامام، نفسه كان يطلق
على الخليفة أحياناً في تلك الأيام، وكانت رسوم واجراءات انتخاب أو تعيين الامام، أشبه ما تكون تماما بانتخاب أو تعيين خليفة المساءين على مستوى الأمة
الاسلامية جمعاء ...
ليس لها مثيل:
اقد شغلت عمان حيزا كبيرا في ذهن النبي وفي وجدانه، إلى حد أنه (1/313)
صفحة 309
—
صلوات الله وسلامه عليه قال فيها، وفى أهلها ما لم يقله – وما قاله – في غيرها،
وفي أهل غيرها أبدا.
وكذلك فعل أصحابه الكرام رضى الله عنهم، وفعل النا بهون من هذه
الأمة.
وإن عمان كانت – وستظل - الأمر العظيم العالى، والشيء الثمين الغالي الذي شغل بؤرة الشعور في التفكير الاسلامى العام.
-
فأهل عمان ـ كما حدثتنا كتب التاريخ مجتمعة مجمعة - أسلموا الله طوعا، ووالوا رسول الله، وتولوه، فسمعوا له، وأطاعوه، على بعد دارهم، وكثرة عددهم، ومنعتهم في أقوامهم، وقالوا لرسوله وعامله: أهلا و مرحباً، ولم ير منهم صلوات الله وسلامه عليه - طيلة حياته - إلا الخير الذى يحبه، ومكارم الأخلاق التي امتدحها الله في كتابه الكريم - وهو يخاطب رسوله –: «وانك لعلى خلق
عظيم ...
لاشك أن شنافية الروح العمانية، وصفاء النفس فيها، وحساسية الشعور منها، وأريحية الفعل في سلوكها، ومنهجية الأسلوب فى معتقدها ودينها، كل ذلك وأكثر منه كان له الفضل كل الفضل فى سبق عمان بين أشواط هذه المضامير و فوزها الساحق الشاهق في قطع هذا المشوار الطويل، من أزله إلى أبده، مما كان له - وما ترتب عليه - من ردود الفعل المبهرة، على جميع المستويات.
وفى شتى الأنشطة والأصعدة، ومع ذاتية العمل الصادق المخاص، التي تمخضت بعد أن حملت فيه طويلا - الارادة العمانية اللا محدودة، والمشيئة القوية الفاعلة، التي يتميز جا كل عماني في صفوف الحياة، وبين مواكب
عنه
-
الاحياه ... (1/314)
صفحة 310
1410 -
وفي هذا - وفى معرض الحديث والثناء على عمان وأهل عمان ـ يقول
-
الرسول صلوات الله وسلامه عليه:: رحم الله أهل الغبيراء – يعنى عمان - آمنوا بي ولم يروني ..
ويروى أحمد ـ في مسنده .. عن طريق أبي لبيد - قال: خرج منا رجل
-
ــ
يقال له بيرح بن أسد، فرآه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ـ وكان ذلك في خلافة أبي بكر - فقال له: ممن أنت أيها الرجل؟ قال: من أهل عمان ...
-
فأدخله عمر على أبي بكر رضى الله عنهما .. قال أبو بكر: أأنت إذن من هذه الأرض التي سمعت رسول الله ما يقول فيها:. إني لأعلم أرضاً يقال لها عمان ينضح البحر بناحيتها، الحجة منها أفضل من حجتين من غيرها، لو أتى أهلها رسولى ما رموه بسهم ولا حجر.؟ ولعل هذا يشير إلى ما رواه أبو مسلم من حديث أبي برزة الأسلمى، قال: بعث رسول الله رجلا إلى قوم - ولعله عامل صدقة – فسبوه وضربوه فجاء إلى رسول الله يشكو.، فقال له النبي – مياهاً بأهل عمان، مثنيا عليهم، حامداً أفعالهم:
لو أهل عمان أنيت ما سبوك ولا ضربوك. ...
وفي حديث طويل، وفى خبر ذائع شائع - بين النبي و بين مازن بن يقول عليه السلام - فيما يقول -: وديني دين
دي -
عضوبة السعدى الأزدي
الإسلام، سيزيد الله أهل عمان خصباً وصيداً، فطوبى ان آمر بي ورآني، وطوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرنى، ولم ير من رآني، وإن الله سيزيد أهل عمان خيراً وبركة، وإنانا واسلاما، ...
وذكر الامام أبو يعقوب في لواحق المسند من روايات الامام الربيع بن حبيب عن شيخه أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي – رحمهم (1/315)
صفحة 311
-
الله جميعا، و ضى عنهم - عن أزور، قال: إن نسوة من نساء أهل عمان أستأذن على عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، فأذنت لهن .. فسلمن عليها -
وفي رواية، فسلمت عليهن - ثم قالت: من أنتن؟ قلن: من أهل عمان قالت لهن: لقد سمعت حبيبي عليه الصلاة والسلام يقول - في مقام المدح على عمان وأهل عمان -: ليكترن و راد حوضى من أهل عمان. .. طوبى للغرباء:
وحول ذات المعنى، وفي نفس الموضوع، من روايات الربيع عن أبي سفيان، قال: دخل جابر بن زيد على عائشة رضى الله عنهما، وأخذ يسألها عن مسائل لم يأ لها أحد عنها من قبل، وأكثر من السؤال لها، وطلب الاجابة منها وقالت له في نهاية اللقاء: وممن أنت؟ قال لها جابر: من أهل المشرق .. من بلد
يقال لها عمان.
قال أبو سفيان: فامتدحت السيدة عائشة عمان كثيراً، وقالت له: إن النبي
دعا لأهل عمان بالخير، والبركة، وكثرة الرزق، وحلاله ...
وفي اجتهادات بعض العلماء الثقات، وجمهرة من رواة الحديث، ورجال الفقه، إن رسول الله انا حين قال:. بدأ الدين غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء من أمتى،، وساله أصحابه، وقالوا له: ومن هم الغرباء يا رسول الله؟ قال صلوات الله وسلامه عليه: (الغرباء هم الذين يعملون بكتاب الله حين يترك، وهم الذين يتمسكون بحبل الاسلام حين يقطع!
فلقد أكد هؤلاء العلماء، وتلك الجمهرة الثقات من رواة الحديت وأئمة الفقه أن الغرباء هم أهل عمان .. وقالوا: من سره أن ينظر إلى أصحاب رسول الله
دائما و على مدى الحياة، فلينظر إلى الصلحاء، الأتقياء، من أهل عمان. (1/316)
صفحة 312
- 317 -
ينظر إليهم في أخلافهم، في سلوكهم، في تعاملهم مع الحياة، في منهجيتهم
العقيدية.
في صدقهم وأماتهم وعفتهم، في كل شئون الدنيا، وفي كل أمور الدين. وفي بعض كتب الصحاح، قال رسول الله:. من تعذر عليه الرزق فعليه بعمان. .
وقال - عن طريق أحمد والترمذى والنسائي -:. من أعينه المكاسب
فليأت همان، فإن خيرها كثير، وبرها و غير ..
وفي رواية - عن أبي داود - أن النبي عليه السلام قال: «يوشك أن
ينتقل الناس في آخر الزمان إلى عمان. .
-
وفي رواية أخرى له - أيضاً - قال صلوات الله وسلامه عليه: «من أحب أن يسكن عمان فليسكن، فان في أهلها القناعة، والرضى باليسير، وعليهم من الله أمن وسكينة ..
وسمع عبد الله بن سلمة رجلا يودع آخر، فقال له: وأين تريد؟ قال: أريد
عمان ..
قال: فالحق بها يا ابن أخي سراعا .. فان بها أمان الليل، وأمان النهار. يوشك أن ينتقل إليها الناس في آخر الزمان – كما قال رسول الله - فرارا من
-
جور الظلمة، وأعوان الحاكم، وحطاط النبط ..
وعن النبي صلوات الله وسلامه عليه ـ فيما يرويه البخاري ومسلم في
صحيحه ما -:
ه يوشك أن تكفر أمتى، ويلى عليهم أعوان الظلمة، الذين يدسون القوانين (1/317)
صفحة 313
- PIA -
ويتاجرون بها، ويرفضون البراهين، ويتبعون الاهواء، ويقدسون الأقوى، وحينئذ يلتجئ الناس إلى عمان، وإن عمان عند اقتراب الساعة يعمر خرابها، ويكثر سكانها، وتفيض خيراتها، وتضيق بان فيها، من كثرة من يهاجر إليها، حتى ليباع مربض الشاة، ومقعد الرجل بعشرة دنانير، أو بعشرين دينارا فلا يقدر على ذلك إلا خواص الناس، وذلك لكثرة الأموال في أيدى أهلها واتساع الأرزاق بينهم، بما ينضحه البحر، وتأتى به الأرض الطيبة الخصبة،
آمن ليلهم طيب نهارهم ..
لمن أعاشي الله:
وحول هذا المعنى الآمن الهادى المستقر الذي يسود عمان، ويتواكب دائما مع أهلها ويلازمهم، يقول «سلطان بن سيف اليعربي» - أحد أئمة عمان العدول: لأن أعاشنى الله، وأطال حياتى، وأمد في عمري: لا تركن المسافر يذهب من عمان إلى مكة بغير زاد أو ماء، وسأؤمن الطريق، وأزوده بالطعام والشراب، وكل ما يحتاجه الظاعن.
--
قال الإمام سالم بن حمد بن سليمان الحارثي - تعليقا على ما سمع وشاهد،
وعلم وأدرك -:
ولا ريب في هذا كله، فان أهل عمان شاركوا في كل فضل، حتى دعا لهم رسول الله، وباركهم خليفته وصديقه أبو بكر، و لقد ظهرت دعوات النبي لهم، وتوسمات أصحابه فيهم
وفى هذا يقول جمع كثير من علماء عمان، وفي مقدمتهم شيخهم الامام السالمي - رحمهم الله جميعا - حيث يقرر في دروسه الجامعة، وعظاته النافعة ومؤلفاته الثرة الغزيرة: (1/318)
صفحة 314
-319 -
إن دعاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وشهادة أبي بكر لأهل عمان،
صادفا الواقع، وأصابا الحقيقة، وصدق الله توسمهما فيهم، وقولهما عنهم،
وثناء هما
ا عليهم
-
هدي
، فأهل عمان أكثر الناس - على مستوى العالم كاه. وصوابا، وعلما وعملا، وعبادة وتقوى، منهم الأئمة العدول. وفيهم العلماء الراشدون، لم يتسلط عليهم عدو من غيرهم، ولم تخرج بلادهم من أيديهم. وإن غلبوا على دولتهم - في بعض الأحايين – فانماهو تمحيص المؤمنين و تمحيق الكافرين، وما زالت دعوتهم بالحق ظاهرة، وسيرتهم بالعدل شاهرة، و دولتهم بالفضل زاهرة عامرة، وحسبنا في هذا المقام سيرة جلالة السلطان المعظم قابوس بن سعيد، وسلوكه الذاتي، ومنهجه الاخلاقي في معاملة أهل عمان جميعا، وعلى وجه العموم، هذا فضلا عن سلوكه المنهجي الملتزم على مستوى العالم
الإنسان جميعه.
أحرزوا قصب السبق:
و اقد سبق أهل عمان.
-
كما أسلفت ـ إلى الاسلام، وشاركوا في صحبة
الرسول بأربعة من رجالاتهم العباقره الأفذاذ، عرف مقامهم، وحمد مرامهم الأول: مازن بن عضوبة السعدى الطاقي السمائلى الأزدي، وقد سبق الكلام حوله كثيرا، وطافت به الخواطر والأفكار، حينها مد يديه إلى النبي الا وهو
يبايعه على الاسلام، والدخول فى دين الله.
الثاني: كعب بن برشة الطاحي - ويعرف أيضاً بالعودى ــ الذي أرسله
-
زعماء الفرس إلى النبي، لاستطلاع خبره، واستكاه أمره، وكشف صحة
نبو ته وره ... (1/319)
صفحة 315
-320 -
فأتى النبي، وعرف نبوءته، واستيقنتها نفسه، وصدق برسالته، إذ كان ممن قرأ الكتب، وعلم عن النبوات، وطالع ما تشير إليها من علامات وارهاصات ...
فعاد إلى القوم، وأخبرهم بصحة نبوة محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك، فانه حين أخبرهم وطالعهم بالآيات، قالوا له - مبهورين مأخوذيين -: هذا أمر ضخم، وحدث جلل، نريد أن نشافه فيه كسرى، وتخبره بخلفياته ومأنياته، إذ كانوا يعلمون يقيناً صدق كعب، وأنه لا يقول غير الحق، وإن نبوة محمد صحيحة، وإنه رسول الله إلى الناس كافة.
فكان كعب - بذلك ـ أول أو ثاني داعية إسلامي في عمان، بعد مازن
و من اقتدى به.
والثالث صحار بن العباس العبدى من عبد القيس من أهل عمان، وكان من
أجله العلماء الأتقياء الأوفياء
•
والرابع: أبو شناد العماني المعروف بالذماري، كان يأتي ذماراً فقالوافيه: العماني الذماري، ذكره صاحب الاستيعاب وغيره ممن كتبوا عن الصحابة رضوان الله عليهم.
وإن أنكر فضل أهل عمان من أنكره من أعدائهم، فهذه حقائق واضحة في أفق التاريخ وضوح الشمس في رابعة النهار، لا ينكرها إلا أعمى عن الحقائق، وأى فضل أعظم ممن أتى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الشاء العظيم، ثم أثنى عليهم أبو بكر رضى الله عنه ذلك الثناء الجسيم؟ ثم عمر بن الخطاب رحمه الله ورضى عنه، وأثنت عليهم الانصار في ملأ من (1/320)
صفحة 316
-
المهاجرين والأنصارة ولذلك لم يزالوا ثابتين على الحق رغم معاذيات الدهر الذى من طبعه
التقلب.
فأهل عمان أهل خير لم يتزعزعوا عن دينهم منذ أسلموا، ولا نقضوا
عهدا، ولا ذمة ولا بداوا من الأوامر الشرعية شيئاً أبدا. بل.
هم على الحق
ثابتون، وعلى المذهب الصحيح عاضون النواجذ تبعاً لوصيته عليه السلام.
إن عمان أشبه ما تكون بؤرة الشعور التي يتزاحم عليها الفكر الاسلامي، وتتواكب فيها عناصر نهضته، وعوامل تقدمه وحضارته. بمن ولدت وتمخضت من عباقرة العلماء، وبما قدمت - وتقدم. للعالم من أساليب السياسات؛ والمنهجيات السلوكية الموفقة ... حفظها الله حصنا الاسلام و المسلمين.
ومنهم الخطباء والشعراء:
قال عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ - وهو يرد على من ينكر فضل أهل عمان: ربما سمعت من لا علم له يقول، و من أين لأهل عمان البيان؟ فقال الجاحظ. و هو يرد على هذا القائل: إنه لا علم له، وهل يعد هؤلاء الجاحدون البلدة واحدة من الخطباء والإلغاء ما يعدون لأهل عمان؟ ولا شك أن هذه أكبر شهادة من هذا العالم الوحيد الفريد المتميز في علمه وسعة معارفه:
-
ثم أخذ الجاحظ يذكر فضائل أهل عمان فقال ضمن ما قال: ومنهم أي أهل عمان - مصقلة بن الرقية أخطب الناس قائماً، وقاعداً، ومفرداً، ومنافسا، وبجيبا، ومبتدنا، أى فى كل هذه الأحوال، ونحو ذلك .. كان أخطب الناس، أي أوسعهم مقالا، وأسرعهم بيانا، وأقواهم حجة، قال: وابنه من بعده كرب بن مصفلة. ولهما خطبنا العجوز في الجاهلية، والعذراء في الإسلام، أي (1/321)
صفحة 317
322
هاتان الخطبتان شاعتا عند العرب .. الأولى فى الجاهلية، فتناقلها الأدباء، والثانية في الإسلام، وقد جمعنا من العلم والأدب ما خضعت له أعناق فطاحل العرب، ولولا أن ذكرهما يطول بنا لجعت بهما قال الجاحظ: ومن خطباء عمان وعلمائها صحار العبدى، أبو إسحاق وهو ابن العباس العبدى، وهو الذي سبق عده في الصحابة، فهو الصحابي الثالث من همان، قال ابن إسحاق: قيل إنه أدرك النبي ا وروى عنه ثلاثة أحاديث، وهو من أئمتنا وشيخ أبي عبدة مسلم صعصعة بن صوحان ـ بين أعلام الأدب، وأبطال العرب، وما زالت خطبه مأثورة متداولة، مشهورة متناقله، يتناقلها العلماء الأعلام، وتزدان بها المؤلفات.
قال: ومن خطباتهم، مرة بن البليد الأزدي، ولم يكن في الأرض أجود منه ارتجالا وبديهة، ولا أعجب فكراً وتحبيراً منه، وكان رسول المهاب إلى الحجاج، ومنهم بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، ولم يكن في أرض عمان أنطق منه، ومنهم خطيب المصريحي بن يعمر، وأصله من عمان، وكذلك الجحاف بن حكيم وغيرهما.
قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: رأيت أعرابيا بمكة فاستف صحته أى أعجبتني فصاحته، فقلت: من الرجل؟ فقال: من الأزد، قلت: من أيهم؟ قال: من بني الحدان بن شمس، فقلت: من أى البلاد؟ فقال: من عمان، قلت: صف لي بلادك، فقال: سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صلاح، ورمل أصبح، فقلت: أخبرني عن مالك؟ قال: النخل، قلت: وأين أنت عن الإبل؟ أي، ولها الشهرة إذ ذاك عند العرب، فقال: كلا .. إن النخل أفضل، أما علمت أن النخل حملها غذاء، وسعفها صياء، وكربها صلاه، وليفها رشاء، وجذعها غماء، وفروها إناء، قلت: وأنى لك هذه الفصاحة؟ أي من أين لك هذه الفصاحة البليغة التي تجابهنى بها في موقفى هذا بداهة؟ قال: إنا بقطر لا نسمح (1/322)
صفحة 318
- 323 -
فيه هدير التيار، أي نحن بعيدون عن ساحل البحر الذي لا يزال الاعاجم والأنباط مختلطون بأهله، بل نحن بعيدون منهم حيث منابت الشيخ والقيصوم من عمان أي في داخلها.
وإذا
وفي خير الحجاج بن يوسف الثق فى، حين خرج إن القاوسان، بأعرابي في زرع له، فقال له الحجاج: من أنت؟ قال من أهل عمان، قال: فمن أى القبائل أنت؟ قال: من الأزد: قال: فكيف عليك بالزرع؟ قال: إني لأعلم منه علما. قال له الحجاج: أى شئ خيره؟ قال: ما غلظت قصبته، واعتم نبته، و عظمت جثته، قال: فأى العنب خيره؟ قال: ما غلظ عوده، وعظم عنقوده قال: فما خير التمر؟ قال: اغلظ لحاه، ودق نواه، ورق شحاه، فأدهشه بما أبداه
من فصاحة علمية.
قال: و من أهل عمان كعب ان صور قاضى عمر بن الخطاب على البصرة، قال:
وهو أول من قدم على البصرة بعد تمصيرها.
وأيضا .. فقهاء ومحدثون:
و من أهل عمان أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رحمه الله تعالى، وكان غاية في العلم والورع، مثالا للنزاهة والنقوى، ومرجعا للمشاكل، ومنتهى الطالب للفقه الإسلامى بجميع معانيه في أيامه، أجمعت الأمة على ثقته وعدالته وضبطه وصيانته, وعاش عمرا طويلا قضاه في تحصيل العلم وحفظه وجمعه ونشره في الأمة، فطلية العلم في عهد التابعين عبال عليه، فأين رجال العلم: عند جابر تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما؟
و من أهل عمان الإمام الربيع بن حبيب الفرهيدى صاحب المسند الصحيح، انتقل إلى البصرة ونسب البها، وعاش فيها عهداً إذ هى؟ حضيرة علم
آنذاك (1/323)
صفحة 319
- 324 -
ودوحة فقه، ومعدن فضل، ثم رجع إلى عمان في آخر عمره، فعاش قدوة الأمة وعمدة أهل المذهب، وكان يضرب به المثل فى العلم، ومن أهل عمان أبو حمزة الشاري المختار بن عوف السليمى من أهالى بجز من أعمال الصحار، صحب الإمام عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق في حضرموت، وكان المختار عنده السيف البتار، والضيغم الزار الذى تحدث عنه وعن أصحابه صاحب الأغانى، وذكر طرفا من تاريخهم الزاهر، وذكرهم العاطر، فكانوا جمال المكتب وزينة
الدفاتر.
وهو خطيب مصقع، قال عنه المؤرخون: إن خطاب أبي حمزة الشارى لا تخفى على أحد من أهل العلم، ولقد رواها أجلة العلماء، كمالك بن أنس، وقال فيها مقالته المشهورة: خطبنا أبو حمزة خطبة حيرت المبصر، وردت المرتاب، وهذه أعظم شهادة من ذلك العالم الجليل بحق أبي حمزة، وأنه على الحق حيث ردت خطبه المرتاب عن ارتيابه، وحيرت المبصر الذي يرى أنه البصير في دينه.
حتى علم العروض:
و من أهل عمان الخليل بن أحمد الفراهيدي، و لقد اشتهر بالعلم بين أعلام الأمم، وهو في مقدمتهم فقهاً وأدبا وتاريخا وشعراً، وله بدائع علمية لم تكن لغيره من رجال العلم، ولا عرفها أحد قبله، فهو صاحب العروض الذي لم يكن له سبق وجود في عالم العلم، وقد سماه باسم المكان الذي فتح له به فيه وهو العروض، فرتب أبحر الشعر ستة عشر بحراً، ورتب قوافيها على غير مثال سبق، فكأنه من آيات أفكاره الوقادة، وقد ذكره ابن خلكان وغيره، و له «كتاب العين، الذي هو إمام الكتب فى اللغة، وشهرته تغنى عن ذكره، وما سبقه إلى تأليفه أحد، وإليه يتحاكم أهل الأدب، فإنه إمام فيها يختلفون فيه، وهو صاحب (1/324)
صفحة 320
-- 325 -
النحو، وإليه ينسب، وهو أول من بوبه وأوضحه ورتبه وشرحه وهذبه، و هو شيخ سيبويه في النحو، وسيبويه أنحى أهل الأرض في أيامه، وكان الخليل المذكور قد أخذ النحو عن أبي الأسود الدولى، وهو أيضا صاحب الشكل والقط في الالفاظ العربية، ولم تكن قبله مشكولة، فأزال الخليل إشكالها بأشكالها، ومشت الأمة على عمله هذا منذ ذلك العهد تبعا له، والفضيلة السبق فيه و التقدم في مضماره ..
و من أهل عمان ابن دريد، المعروف بأدبه وعلمه، وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الحسن بن دريد الأزدي، صاحب: كتاب الجمهرة، المشهور بين أهل الأدب لغة وغيرها، ولو لم يكن له غيره لكفى، وهو الخطيب المشهور والأديب المذكور، والشاعر المعروف، والفصيح الذي يقف عند كلامه البلغاء، ويستعير من بلاغته الفصحاء، ويعجز عن بجاراته في الأدب أجلة الأدباء، ويستعين بعباراته اللغوية الخطياء، فهو خطيب في شعره، مصقع في نثره، قدوة في خطبه وأدبه، حكيم في وضعه، أديب في شهره، مجيد في نظمه ونثره، لا زيادة عليه فى فنون الأدب والعلم، ولو لم يكن له من الشعر إلا مقصورته اسكفت دليلا على بلاغته، وبرهانا على حكمته، وقد تداولها الشراح، وتسابقوا إلى التعليق عليها لما حوته من المعاني الأدبية، وما انطوت عليه من الحكم.
صاحب الكامل وأيام العرب:
الذي هو
و من أهل عمان أبو العباس المبرد، صاحب كتاب الكامل، المشهور أحد كتب الأدب، وأيام العرب، وقد عده كثير من أهل العلم في طليعة الوعاة العرب، وله مصنفات كثيرة، والكامل، أشهرها، وشيوعه بين الأدباء مقدور مشهور غير متهم ولا منكور، لا سيما في تحليل المعاني الشعرية، وذكر محتويات كلماتهم، فله يد طائلة، و لهجة واسعة، ومقالات جامعة، ولا يخفى أن (1/325)
صفحة 321
- 326 -
أهل عمان في الركب العربي من المقدمين في الأعمال الإسلامية بجميع معانيها، فلا هل همان في سياسات الممالك السهم الأكبر والحظ الأوفر، وناهيك بسياسة المهلب بن أبي صفرة العماني الأزدى، فقد وصفه أهل التاريخ بأوصاف سياسية يحتار في وضعها كثير من فطاحل الرجال، وله في الحزم والعزم على مراوغة لابطال، بحيث يعييهم أمره، وبذلك استنقذ البصرة من أيدى الازارقة وكادت الدولة الإسلامية أن تيأس من إرجاعها إلى دائرتها، حتى جاءها هذا البطال الأزدي العماني، فأخرجها من أشداق الازارقة وأراهم منه صولة لا ترد، ونكايات لا تعد، ودهاء لا تصل إليه عقولهم، فأعاروها اسم بصرة المهلب، وقد أشبع العوني المؤرخ الناقد الفكر العربي بأعمال المهلب، حتى هم أن يتولى مهام الدولة إلى حد بعيد، وهو هو في سيره وسراه، وكان قيامه على الازارة في حرب البصرة بأبطال عمان من قومه وآله، وهم العمدة معه في ذلك، وإن كان به من غيرهم، ومن قرأ التاريخ العربي الإسلامي أدرك ما قلناه واضحاً، فلم تزل المعارك دائرة بينه وبين الأزارقة عهد أطويلا، حتى ردهم الله بسببه خاسرين، حليفهم الفشل، والخذلان .. وإذا استقرأ الباحث الدارس التاريخ العربي، رأى فيه لعمان نقاطاً هامة ومواقف شامخة عملاقة في هذا المجال البطولى الشامخ العملاق.
وذكر ابن خلدون كثيراً من أمجاد أهل عمان، وفاخر بأفعالهم، وباهي بهم في كل زمان ومكان، و لقد قال ــ في معرض الفخر .. ولأهل عمان في الشجاعة المنزلة العليا، والسهم الأوفر، وذلك فيهم غير مجهول ولا مستنكر، فمنهم بلج بن عقبة الفراهيدي الذي كان يعد بألف فارس، وهو شاب في سن العشرين من عمره، قال:
وخبره في سيرة الإمام طالب الحق الكندي مشهور مذكور، وكم مثله من الأبطال العمانيين ثم ذكر أفراداً منهم في تاريخ الامام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي، ومن أرادهم
بالتفصيل فليرجع إليهم هناك يجد رجالا تفوق الرجال، وأبطالا لهم في الشجاعة أعلى مثال، ولهم في السياسات التي يحار فيها الواصفون مقام، وأوه بسياسة المهلب (1/326)
صفحة 322
327 -
فقال: ولآل المهلب تاريخ ضخم يدل على إنجازات هؤلاء الرجال المنظورين، و الأبطال المشهورين، وهم من منابت عمان التي أنبتت أرقى أنواع الانسان في كل زمان ومكان ...
و من هذا الطراز في كل نواحى هذا البلد الطيب الوليد الودود .. والله يوم يصبح البطل العماني فيه مرفوع الاعلام في أفق التاريخ، وغير بعيد ذلك اليوم إن شاء الله، في عهد جلالة السلطان المظهر العادل و قابوس بن سعيد، فإن الزمان قد هم أن يستدير کهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فيعرف الحق لأهله، ويرد الباطل على ذويه، وفي عمان من أهل الفضل في المجالات الأخرى من يعد في طليعة ركب الرجال الميامين، كل واحد منهم أفضل من الثاني، كأنما يشير إليهم جميعا ويعنيهم قول القائل: من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها السارى فهم في الفضل النمط الأوسط يرجع إليه العالى، ويلتحق به التالى، وهم في العلم البحور التي تقذف با الآلئ، وهم بين الرجال في قمم الشرف الأطم العوالي، هؤلاء جميعا نقطة من قطر، وبلة من بحر، ذرية بعضها من بعض.
تلك هي عمان:
تلك
هي عمان الودود الولود، التي قدمت ـ وتقدم ـ للعالم خلاصة ما يحتاجه هذا العالم، من أفكار مضيئة، وآراء وضيئة، ورجال وأبطال، في كل مضامير العلم، وميادين العمل والنضال، من الابداع الانساني، والنبوغ العماني، و معطيات طاقة البشر، ومنجزات الحياة فيها تحتاجه من خير وبر ...
ولا سيما في مجالات الاسلام، وما يقتضيه الدين من نفسك وورخ، وزهد وعفة، ونزاهة وشرف، وما تتطلبه منهجيته من الترفع عن الدنايا، والتعالى على السفاسف و الخطايا، والأخذ بأسباب المجد، واقتناص نواصي العز والفخار والسؤدد ... (1/327)
صفحة 323
- 328 -
إن عمان أدت و تؤدى، وستؤدى دائماً إلى ما شاء الله
-
-
دورها
الحضاري في ترقية الانسان، وتطوير الدنيا، وتحرير العالم من كل معوقاته، وتخليصه من أسر القبضات المعربدة الداهمة، وفكه من أصر الأحمال الثقيلة الرهيبة الغاشمة، وتوجيهه إلى الجادة والريادة، ورفعه إلى منصات القيادة والسيادة، ووضعه حيث مبدأ المسيرة، وربط قدميه بأول الطريق ..
التقاليد.
وذلك هو الدور الكبير الذي ما فتئت عمان تقوم به منذ مطلع التاريخ من مشرق هذا البلد، فلقد حافظت على العروبة، كما حافظت على الاسلام، وصانت، وحمت القيم، وارتفعت بالمبادئ، وحركت المثاليات، وأمشت الجردات المرجوة المأمولة، واقعاً يتحرك، وأسلوباً، يفعل ويريد، ودنيا مأمولة حافلة بكل أسباب القوة، وتدافع الأمل، و تعارك المضادات، والوصول أخيراً إلى إنتصار مشيئة الحياة.
فمن أذكر، ومن أترك من عمالقة هذا البلد وشوامخه، الذين زحموا مسيرة الكون، وملا واشوارح الوجود، وزحزحوا النجوم والكواكب والأفلاك تمهيداً وتوطئة لاحتلال مواقع النجوم، واقتصاد مسارات الكواكب والأفلاك في كل ما يندر وجوده،،، أو يصعب تطويعه وانقياده من شوارد العلم، أو أوابد المعرفة، أو المثاليات العاليات، في كل ما ينهض بالبشرية، ويسعفها في أداء ما خلقت له، وتحقيق ما تصبو إليه ونتمناه، فى نفاق ما رسمته الشريعة ودعا إليه الرسول، ونادى به الله.
S ...
أولئك هم جميعاً خيار:، من خيار، من خيار ...
وهكذا كان الاسلام هو الخير كله أشرقت به آفاق عمان، وانشقت عنه - وأنبتته - أرض عمان، وكان علماء عمان وفقاؤها، هم نتاجه وثمراته، وخيراته وبركاته، ليس في عمان وحدها، بل في العالم كله، مع تنوع هذه (1/328)
صفحة 324
-
الثمرات، وتعدد هذه الخيرات والبركات، فلقد حفظ هؤلاء العلماء أرومة اللغة وأمومة الدين، وحافظوا - أيقاظاً حراساً على مفاخر العروبة، ومآثر الإسلام .. ونقلوا كل ذلك بأمانة وإخلاص، وإيثارية وصدق – إلى من تلاهم ثم تواصوا معهم بالحق، إلى أن ينقلوه هم كذلك – وبالتالي – إلى أعفاهم وأخلاقهم من الأجيال اللاحقة، والأمم القادمة، على مدى التاريخ، وسعة الأيام، ومد الحياة، وأيضاً وبنفس الأمانة والإخلاص، والإيثارية والصدق، ومن هنا استمر هذا المدد الرباني ساري المفعول بين جنيات الأرض، وفي جميع الأصقاع والبقاع، وفى شتى الأزمنة والأمكنة، وسيستمر بعون من الله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..
و همسة في أذن أهل عمان جميعا، وعلمائها خاصة، ورجاء آ حريصا مخلصا، أضعه بين يدى جلالة السلطان قابوس بن سعيد، ونداءا ودعاء لجلالته بالذات، و على وجه الخصوص -: أن حافظوا على ما حبا كم الله به، واختاركم لانجازه وتحقيقه، وترجمته وتطبيقه، من توظيف الدنيا في خدمة الدين، وانتهاج الحق طريقا لمسيرة الاسلام والمسلمين، حتى تكونوا «الأمة الواحدة، و «الفرقة الناجية، التي عناها الرسول صلوات الله وسلامه عليه بقوله: .... وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار، إلا واحدة، .. والتي أمر الله رسوله بالسير على منهجها، واختطها طريقا للدعوة إليه، وسبيلا واصلة إلى الفوز والنجاة في يوم الدينونة، وفي هذه الحياة، في قوله تعالى:
و قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى، وسبحان الله، وما أنا من المشركين. . (1/329)
صفحة 325
خانة
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدى أولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على رسول الله .. وأصحابه، والتابعين، وكل من والاه .. وبعد: فاستكمالا الامر، وعودا على بده. ونتيجة، وغاية، ما قدمت من مقدمة، ووسيلة، استأنف الحديث ذاته، وأدعو كل افراد، وجماعات، وشعوب الأمتين العربية، والمسلمة، إلى الكد والجهد، والنضال والكفاح في سبيل تجميع العرب والمسلمين في السكتلة العرب إسلامية، حق يكونوا قوة فاعلة فى إيجابيات هذا الكون. وفى انتزاع الأمم الضعيفة المغلوبة، والشعوب المهيضة المريضة، من بين حلاقيم الأمم القادرة القوية، ومن تحت أضراس هذه التكتلات الرهيبة، والمعسكرات الشرسة الضارية، في شرق العالم وغربه، وفى شماله وجنوبه.
>
فلا ينبغى أبدا للعرب، ولا يجوز للمسلمين - مجال أن يتقاعسوا هكذا وأن يجلسوا على مفترق الطرق، وأفواه السكاك حزاني آسفين، يندبون حظهم
العاثر، وتاريخهم الغابر، وأمسهم الدابر، ويبكون في لوعة ومرارة، على اللبن المسكوب، والحق المغصوب، والنصيب الصليب المنهوب، الذي أخذه
منهم الأقوياء، وأبعدهم عنه الدخلاء الأشداء من الأفاقين، والمغامرين.
فيا أيها العرب - وأخاطب المسلمين من خلالكم، ضرورة ان القرآن نزل باختكم، وأن الرسول بعث من بيئتكم – لتكونوا أنتم النواة، واللبنة في بناء هذه الكتلة العرب اسلامية،، ولتتوحد صفوفكم، وليتحد أمركم، ولتجمعوا جميعا على انتزاع الحرية والسيادة، والكرامة، والمجادة، التي كانت لكم في يوم من الأيام .... (1/331)
صفحة 326
322 -
-
فإنا نحن العرب لم نطلب الحرية والسيادة في أرضنا لنكون بضع عشرة أمة ... بل أردناها. أمة واحدة، .. فليكن لنا عشرات ومئات من الرايات. ولكننا نريدها, راية واحدة، ... راية عظمى،. الرأية الكبيرة، التي ترفرف فوق هذه الرايات جميعاً ... هى راية, الأمة العربية المتحدة، ... وذلك هو الهدف العربي الجديد المطلوب من أمة العرب.
هناك في غرب الظلمات، دولة عظمى ليس لها على تلك الأرض الجديدة عراقة أو أصالة ... فشعبها أشتات وامشاج واخلاط وانماط .. من الإنجليز، والأسبان والبرتغال، والايطاليين، والحمر، والصفر، والبيض، والسود والأسكيمو، والهنود، والأجيال المتتابعة المتحدرة من أبناء الطبقاء، الذين لفظتهم السجون إلى هنالك، ليكدحوا ويلتمسوا أسباب عيش جديد في أرض جديدة ... فتجمات من هؤلاء وأولئك، دولة واحدة، لم يمنعهم اختلاف أجناسهم، وألوانهم، وطبائعهم، أن يجتمعوا تحت راية واحدة، تو حد بينهم، وتجعلهم في نظر المجتمع السياسي، أمة واحدة، لها جيش .. وقانون وأسلوب معيشى متميز.
أشتات من المستوطنين الغرباء يعيشون فى أكثر من خمسين ولاية .. لكل ولاية راية ... وقد جعلوا فوق راياتهم جميعاً راية. الولايات المتحدة .... وكذلك و هذه الأمة اللقيصة، أمة, الشيوعية، والجمهوريات الحمراء العديدة .. من كم أمة تجمعت .. ومن أى شتات وضياع تكونت ... وكيف تألفت و تلاقت ـ بعد دوامات التمزق، ومتاهات التفسق في وحدة واحدة .. هي «الاتحاد السوفيتى ... وهكذا تكون من الولايات المتحدة، و «الاتحاد السوفيق، دولتان كبيرتان هما فكا الكماشة، الشرسة المفترسة. شقا المقص، القاطع المروع، أو
و.
ه الطاحونة، ذات المخلب والغاب في دنيا الاستعمار والتسلط والاغتصاب!!
وإن هؤلاء، وهؤلاء ليحاولون اليوم فى الولايات، و و الاتحاد، أن
يكونوا للعالم كله سادة وقادة!! (1/332)
صفحة 327
-
333
فيا ليت شعرى ... بماذا يطمع كل أولئك في السيادة والقيادة؟ أبأنهم جنس ممتاز؟ أبأنهم شعب مختار؟ أبأن لهم مبادرات تعجز بقية الشعوب عن تحقيقها بأسلوب أمثل وأكمل، وأفضل، وأعدل؟ ... كلا .. ثم كلا. فهم غرباء لا يجمعهم جنس .. وهم أوزاع لا تربطهم آصرة أو أصل ... أبماضيهم في خدمة الحضارة، ورفع بنيان التقدم والمدنية؟ كلا .. ثم كلا .. فانهم أمم بلا ماضى في التاريخ. . . أبأنهم أصحاب رسالة إنسانية في العالم المتطور المتحضر؟ ... .. ثم كلا .. فان كل رسالتهم أن يغتصبوا البلاد ... وأن يستذلوا العباد وأن يجمعوا المال. وأن يسترقوا العالم بهذا المال. . والمال ـ في بعض الاحيان قد يسترق، أو قد يشترى بعض أصحاب البطون الجائعة، أو النفوس المريضة الضائعة.
كلا.
ولكنه أبدا لا يمنح السيادة .. والقيادة ... ولا يستذل الأحرار الاباة ... إذن بماذا يأمل هؤلاء الافاقون، و «المغامرون، أن يكون لهم في العالم سيادة وقيادة؟! بشيء واحد .. وواحد فقط لا غير .. ذلك الشيء الواحد .. هو. الوحدة،. الوحدة التي جمعت ذلك الشتات .. ولمت هذه الأنماط والاخلاط تحت راية واحدة، في وطن واحد .. فاجتمعت لهم - بوحدة الرأى، ووحدة الراية، ووحدة الوطن - قوة يطمعون أن يوجهوا بهما العالم، وأن يسودوا ويقودوا .. وأن يفعلوا ما يشتهون وما يشاءون.
الوحدة هي التي صححت تلك, الكسور» .. وحولت هذه, الأصفار، إلى و آحاد، صحيحة .. و «أرقام، مستقلة متكامله في حساب العالم، وفي حسبان
الحياة.
فاننا لو استعرضنا ما كانت عليه, الولايات المتحدة، في الماضي، ثم (1/333)
صفحة 328
-334 -
ما صارت إليه الآن .. لدهشنا كل الدهشة، وعجبنا العجب كله، وأخذنا الذهول والدوار، والغرابة، والانبهار.
إذ أنه على الرغم من مرور أكثر من مائتي عام على تأسيس تلك الولايات المتحدة ـ التي تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى قوة عالمية كبرى ـ فان
-
جميع الأمريكان لا ينسون - حتى الآن - من اين جاء أباؤهم وأجدادهم؟ ولا إلى أى الدول تعود أصولهم وفروعهم؟ وعند ماجرى آخر تعداد في الولايات المتحدة الأمريكية .. اتضح من واقع هذا التعداد ـ أن الأمريكيين ينتمون إلى حوالى 150 دولة .. وقومية
وفي هذا التعداد ـ الذي يعتبر أكثر التعدادات تفصيلا وشمولا في تاريخ
الولايات المتحدة - تبين الآتى:
إن أكثر من 50 مليون أمريكي - أى 22? من عدد السكان - ينحدرون من
أصل بريطاني ..
وان 49 مليون أمريكي ينحدرون من أصل الماني
وأن 40 مليون أمريكي ينتمون إلى الشعب الايرلندي.
وجاءت الأصول الأفريقية - من سكان الولايات المتحدة الأمريكية - في المرتبة الرابعة .. حيث أثبت التعداد أن 21 مليونا - وهم الزنوج بطبيعة
الحال - ينتمون إلى أفريقيا.
وإن 13 مليوناً من أصل فرنسي.
و أن 12 مليونا من أصل إيطالى.
وإنو الاسكتلنديين، يمثلون - في الولايات المتحدة الأمريكية - (1/334)
صفحة 329
10 ملايين. و «البولنديين، يمثلون 8 ملايين .. والهنود الأمريكيين يمثلون
ملا بين.
وقد أثبت التعداد
كذلك - أن عدد الأمريكيين البريطانيين وصل اليوم
إلى أكثر من عدد سكان إنجلترا .. كما يزيد عدد الأمريكيين الايرلنديين من عدد
سكان إيرلندا الحاليين بنسبة 12 - إلى 1 -
وقد كانت هناك نتائج أخرى هامة لهذا التعداد، الذي شمل أكثر من 250 مليون شخص .. هم عدد سكان الولايات المتحدة على وجه التقريب. ومنها:
-
ان ولاية ماساشو سيتش، تتركز فيها أكبر أغلبية إيرلندية. حيث
>
تبلغ نسبة سكانها من أصل إيرلندى 27,3 ? من عدد السكان.
>
وأن ولاية كاليفورنيا - - وهى أكثر الولايات عدداً - يوجد بها خليط من الجنسيات .. ففيها من هم من أصل عربي، ومضرى بالذات، ومن أصل إنجليزى .. وألماني .. وإير لندى .. وفيها أغلبية ذات الأصل البرتغالى والسويدى .. والمكسيكي .. والصيني .. والايراني.
-
وأن أغلبية سكان مدينة نيويورك، من أصول بولندية .. وإيطالية
وأفريقية.
وأن أكثر الولايات ازدحاما بالانجليز .. هي ولاية أوناء، حيث
يسكنها 54% من أصل إنجليزى.
وأن واحدا من كل سبعة من ذوى الأصول, الاسكندنافية، يعيشون
في ولاية مينيسونا، حيث الجليد متوفر في الشتاء يذكرهم دائما بلادهم
الأصلية. (1/335)
صفحة 330
-
336
- وأن في ولايات, كاليفورنيا» و «تكساس» و «لو بزبانا، يعيش
نصف و الفيتناميين، الأصل .. وعددهم 215 ألفا و 190 شخصا
•
وأن أصغر جماعة قومية هناك - في الولايات المتحدة الأمريكية -
تتمثل في ذوى الأصول القبرصية التركية، .. ويبلغ عددهم 1770
فقط
>
-
شخصاً
هذه هي أمريكا حاسرة، سافرة، بلا رتوش، أو «ما كياج، أو أصباغ
وألوان.
هذه هي أمريكا التي تتبجح اليوم، وتتوقع على العرب، وتحاول أن تطمس وما قيل عن أمريكا و «الولايات المتحدة،، يقال عن
حضارتهم وتاريخهم روسيا و الاتحاد السوفيق، كذلك، في «أصله، و «فصله .. يقال عن هؤلاء
بهم
اللقطاء، الذين لفظتهم مجاهل «سيبيريا، ومستنقعات سخالين»، ودفعت الحاجة، والعوز، والفافة، والضرورة، إلى أن يخرجوا من شقوق الأرض، وأحشاء الضياع، وأخاديد اللاشيئ، وتجاويف الضعة والمهانة، وبطون الكهوف والأغوار ... كي يصبحوا بعد ذلك. و بعد أن لم يكونوا شيئاً – قوة كبيرة ترعد وتبرق، وتخيف الآمنين،، وترهب المطمئنين الوادعين. . وتصبح كل شيء ..
هذه روسيا الحمراء التي زين لها شيطانها المريد، وهيأ لها خيالها المريض، أن في استطاعتها - بولاياتها الكثيرة، وجمهورياتها المتعددة الوفيرة – احتواء العالم كله، والتحكم في مصيره وقدره، وتلوين عقيدته باللون الأحمر القاني .. وأن العرب أو المسلمين في حسابها وتقديرها، أن يزيدوا عن كونهم أبدا. مسمارا، في «مطرقة، أو «صدأ، بين أسنان «المنجل» (1/336)
صفحة 331
- rry -
تلك هي أمريكا، وروسيا، وهذه الولايات المتحدة، وهذا الاتحاد السوفيتي، من لاشيء أصبحوا كل شيء و من الضياع والغربة، كونوا الولايات
و الاتحاد. .
ونحن العرب أبناء، أب واحد، خرج من تلك الجزيرة منذ بضعة عشر قرنا .. فهذه الاجيال كلها بين الشاطئين - من الخليج إلى المحيط - من أبنائه وحفدته.
وهذه الأرض - تحت أقدامنا جميعاً - ملك لنا .. يجب أن لا يشاركنا فيها أحد .. لم تغتصبها من صفر، ولا من سود .. ولم نسرقبا أبدا من حمر، ولا من هنود .. كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية .. وكما يفعل الاتحاد السوفيتي الشيوعي .. بدماء آبائنا وأجدادنا بقت أشجارها. . و من كد، وجهد آبائنا وأجدادنا، كان عمر انها وحضارتها .. ونحن إلى كل ذلك، أصحاب رسالة إنسانية في العالم .. ولولانا لم تسكن في العالم هذه الحضارة.
علماؤنا في قرطبة، وفى بغداد، وفى القاهرة وفى الاسكندرية، وفي سلطنة عمان وفي السعودية وفى ليبيا - هم الذين قدحوا تلك الشرارات، التي يضيء بها اليوم كل أفق في العالم ... عنا أخذ واقتبس علماء أوربا ... ثم انصرفوا يباهون بما أخذوا واقتبسوا ... وكدنا أن ننسى أننا مشعلوا ذلك النور ... وقادحوا
زناده.
نحن العرب أمة ذات عرق .. وذات وطن .. وذات حضارة. وذات ماضى
وذات رسالة ..
وأولئك هم أباؤنا، وأجدادنا، الذين أناروا للإنسانية سبيل الحضارة ..
وطريق الحياة .. (1/337)
صفحة 332
- 338 -
فماذ يمنعنا أن نقول غدا - أو اليوم، وفوراً .. وبكل فخر واعتزاز:
نحن أبناء الأمة العربية المتحدة،؟
أولئك آبائي فيتنى بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع!!
نعم .. ماذا يمنعنا اليوم أن تفاخر، ونباهي، وتختف من صميم قلوبنا،
ونقول بملء أفواهنا:
نحن أبناء الأمة العربية المتحدة؟!
وهل يصعب علينا نحن العرب أن نتحد في اطار واحد، وتتجمع في تشكيل
متحد قوى؟
-
ذلك سؤال يخطر اليوم على قلب كل عربي في الوطن العربي الكبير. . . إنه هدف الوعى العربي الجديد .. غاية لابد أن نبلغها – وستبلغها إن شاء الله - بأسبابها ووسائلها ..
وأول هذه الأسباب، وتلك الوسائل .. هو أن ندرك أن كل عربي لكل عربي أخ، وجار، ومواطن ... وإن كل أرض عربية لكل عربي وطن، وسكن .. وإن لكل وطن في الأمة العربية راية ... و أن للأمة العربية كلها, مجتمعة متحدة، راية كبيرة واحدة, راية العروبة،.
لا بد أن ندرك أن خيرات الوطن العربى متكاملة، يكمل بعضها نقص بعض ..
ففيها - مجتمعة -. من خامات الصناعة .. و من خامات الزراعة .. و من طاقات
العمل .. ومن إمكانيات القدرات .. ومن ألوان الخبرة، وفنون المهارة
ما يفي بحاجات الوطن ومتطلباته. فكل جزء منها في بلد عربي بحاجة إلى جزء
آخر في بلد عربي آخر .. وليس بها جميعا مجتمعة حاجة إلى أحد أبدا من الغرباء .. (1/338)
صفحة 333
لا بد أن ندرك أن تاريخنا - منذ القدم، وإلى الغد – سلسلة متتابعة الحلقات منى منها ما مضى بأسباب المجد والفخار، والعزة والانتصار ..
نحن نؤمن بالوحدة إيمان القلب، ولكننا نريد أن نؤمن بها - مع إيمان القلب - إيمان العقل، والمعرفة، والوعى، والتنفيذ، والكفاح ... ولا يكون ذلك إلا بالوحدة، والتجمع، والتكتل، والحشد.
ان التجمع والتكتل أصبح من سمات هذا العصر، ومن ميزاته وخواصه المشخصة له. فان الدول التي لها حاجات متشابهة، أو أهداف متواكبة متقاربة سرعان ما تلتحم وتلتئم، وتترابط بعضها مع بعض، في «حلف، أو وجهة، أو كتلة، أو , منظمة، أو «اتحاد، أو «هيئة، أو «معاهدة، .. أو في أي لون من ألوان «التضخيم» و «التجسيم. .
إن هذا الأسلوب يساعد هذه الدول على جلب المغانم، ودفع المغارم .. وقضاء الحاجات، وانجاز المصالح ... وفى الوقت نفسه يقيها من ضراوات الدول الكبرى، وضربات الاستعمار ... ويجعلها في مأمن، ومنأى عن «فكى الكماشة» و «شقى المقص، اللذين تمثلها كل من الكتلتين الشرقية، و الغربية، .. أو الاتحادين و السوفيتي ... و «الأمريكي ..
ولا شك أن الأمة العربية - وقد أصبحت غرضاً, استراتيجيا، لكل ان روسيا وأمريكا - في أشد الحاجة اليوم إلى التجمع، والتكتل و «الحشد. و و التعبئة، و «التراص، و «الوحدة .... كي تحصن نفسها بالأمصال الواقية کي ضد هذه الأوبئة الفتاكة، والأطماع المسعورة، التي تتراءى دائما وعلى طول الخط ـ فى هذا السلوك العدواني، وتلك الهجمات الشرسة التي يرمينا بها العدو .. والتى تقتحم على العرب بيوتهم، وتدق عليهم أبوابهم، وتطوقهم من جميع الجهات، وفي كل الجبهات. (1/339)
صفحة 334
إن الوحدة العربية. وهي ظاهرة صحية حضارية - غدت اليوم بين العرب ضرورة ملحة من ضرورات الحياة، ولازمة من لزوميات العيش الكريم ..
-
وأصبحت - بالنسبة للعرب - على وجه الحقيقة .. المقصد الأسمى و والمطلب الرفيع الأعلى، الذي يجب أن يسعوا من خلاله إلى تكوين, الكتلة الثالثة. التي ينتظرها العالم منهم .. والتى تقيم التوازن، وانتناسق، و ترسى قواعد العدل بين أبناء البشر جميعاً، وتنشر ألوية السلام خناقة عالية في ربوع هذه
الحياة ...
وإذا كانت. القومية الصهيونية: - بقيادة إسرائيل قد استهانت بالقومية العربية، فحاربت العرب في عقر دارهم، واحتلت أرضهم في فلسطين ... والجولان. . ولبنان .. وهؤلاء العرب - وياللهول - يشهدون كل هذا في صمت ودهشة وذهول، من غير أن يحركوا ساكنا ـ أو حتى ينكروه ـ وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو من بعيد ....
إلى لاعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟ أيخون انسان بلاده!؟
بل ان منهم - مع الأسف والأسى والمرارة - من باع نفسه للشيطان، فراح يتلصص على أمته العربية لحساب اسرائيل، ويدها بالأسلحة والأسرار ويرتكب في سبيلها ومن أجلها - أنذر الوان الخيانة، واحط أنواع العار!! أفلا يهيب بنا ذلك أيها العرب، ويحرك فينا دم يعرب وعمان، ونزار وربيعة ومضر وقحطان ويناشدنا العروبة إلى أن نكتل الصفوف، وتنظم الزحوف، وتخوضها معركة على بركة الله - وعبر ألف وسبعمائة مليون عربي ومسلم - باسم ه الكتلة العرب اسلامية، لتحرير الأرض، وصون العرض، ودفاعا عن العقيدة
والدين؟ وإن المنتصرون بعون من الله ... والله غالب على أمره. . (1/340)
صفحة 335
- TEI-
إن العالم العربي تمزقه اليوم هموم و الأيديولوجيات، المتباينة المتعددة، حتى
لتكاد تخنقه، وتكتم أنفاسه، وتقضى عليه، وذلك بفعل فلاسفة الأعداء،
أو بفضل - وغباوة - الأصدقاء .. سيان .. فهناك الشيوعية، والرأسمالية
-
،
والتقدمية، والتعاونية، والاشتراكية، والديمقراطية، والامبريالية، والميكافيلية، والاستعمار التقليدي القديم، والاستعمار الحديث البراق، وسماسرة هذه الكرنفالات،، وعملاء تلك البورصات،، وأذناب كل هذه الموديلات و و التشكيلات، وأبواق الشوارد الأوابد من هذه الدعاوى الرخيصة التافهة، إلى آخر هذه القائمة السوداء من الداء والوباء الذي أناخ بكلامكله، وسط بزخمه
و ثقله فوق صدر هذه الأمة العربية المهيضة المريضة المجهضة المجهدة.
و من عجب أن تتقاسم كل هذه الضواري الكواسر جسد هذه الأمة، وتتزاحم عليه، و تتخذ فيه مناطق نفوذ لها، أو قواعد، تتجمع فيها، كي تضر به منها، وتشون فيه ما تشاء من أدوات الملاك والدمار، وتفتح عليه منها جحيماً من الاعصار والنار ..
والاعجب من ذلك كله أن تتسابق هذه الغيلان في شوط مسعور معربد - إلى اختراع شرعية الأسلوب الذى تتذرع به فى النهب والغصب، وانتزاع قانونية الصيغة التي تتسلل من بين سطورها، وتتلصص من داخل كاماتها وبنودها إلى السرقة والساب، فترى كل فريق من هؤلاء الفرقاء، وقد عكف على و جدل، أحابيله، و «قتل، خداعه وأحاييله، في صورة منهج، أو مذهب، أو برنامج، يخدع به السذج والبسطاء، ويتعامل من خلاله مع الحياة ... والأمة العربية وحدها، هي مضمار ذلك النزاع، والملعب ـ أو المعمل الذي تجرى فيه، أو تجرب في أفرانه، أيديولوجيات هذا الصراع!!
-
و من المسلم به تاريخا و واقعا، ومن البديهيات الأوليات، أن العربية هي (1/341)
صفحة 336
342 -
وعاء الإسلام، وإنهما معاً متشابكان متعانقان، كتشابك الروح بالجسد، وتعانق المعنى والمبنى، وأن الله أنزل دينه، وأوحى قرآنه، وأرسل رسوله، في بيئة عربية خالصة، وإلى قوم عرب خلص، وبلسان عربي مبين.
و من هنا، وفى هذا المجال - وقد طفح الكيل، وفاض السيل، وتتابعت الهدوم، وتكاثرت السحب والغيوم، وقد رأيت، ورأى العالم كله معى ما حل بالمسلمين والعرب، من مغبة المصير، وسوء المنقلب. . فقد آن لى - و آن كذلك لكل مسلم عربي حر - أن أسأل وأتساءل، ثم أصرخ - في فزع وجزع، واستنكار، واستنفار -: كم هي مساحات كل قطر عربي، وكل قطر مسلم على حدة؟ وكم عدد سكان كل من القطرين معاً على ساحة العرب والمسلمين؟ وكم سي الحاصلات الزراعية للامتين الإسلامية والعربية؟ وما نوعية هذه الحاصلات؟ وما هي الحرف والمهن التى يحترفها ويمتهنها أبناء هاتين الأمتين؟ ثم ماهى الانهر، والابحر، والخلجان، والافلاج، والعيون، والآبار، والبحيرات، والمحيطات التي تستوعبها، وتشتمل عليها، وتحتاجها المقتضيات الزراعية والحياتية عموما في حقول المسلمين والعرب وفي حياتهم جميعا.؟ و ما هي الطرقات، والممرات، والجسور، و الثغور، والموانئ، والمرافى.، التى تتحزم بها أمنا الإسلام والعرب في الحل، والطعن، والانتجاع والترحال، وتربط عليها أقدامها، وتمشى في مسيرتها الطريق؟
وما هي الخامات، والطاقات، والمعادن، والجيولوجيات، والمواد الأولية والعناصر الطبيعية، التي تستكن في باطن، وتستجن فى أعماق، وتتنامى في أحشاء، مي و تجاويف، وعبر طيات وطيبات الأرض العربية المسلمة، مما تحتاجه الصناعة والتقنيات، ويعتمد عليه الاقتصاد والسياسات، وتتطلبها الحرف والمهارات، و الديناميكية،، و ه،، و «التكنولوجيات،؟
كم عدد العلماء، والعباقرة، والأفذاذ، والشوامخ النوابغ، في كل أبواب (1/342)
صفحة 337
- 343 -
المعرفة، وصنوف العلم، وضروب الثقافة، ومختلف النشاطات الفكرية، التي
تتطلبها الدنيا، وتنشدها الإنسانية، وتعيش عليها الحياة في الشرق العربي وفى الأمة الإسلامية جمعاء؟
وما هي أبرز ما تميز به قادة هاتين الأمتين، وزعمائهما في السلم، والحرب والسياسة، والدبلوسية، والذكاء، والدهاء؟
وماذا أفاد أبناء العروبة من العربية، وماذا أفاد أبناء الإسلام من العقيدة
والدين، على مر الأحداث والعصور, والمواقف والدهور؟
،
إن في العروبة ما ليس فى غيرها قط، من سائر القوميات ـ على مستوى العالم كله - لا سيما مع التقاليد الأصيلة، والموروثات العريقة، والخلائق الشائعة العملاقة، التى لا تتواءم، أو تتلاءم إلا مع التركيبة العربية المتميزة .... وإن في الإسلام أميات الفضائل، وأرومات القيم، وكليات المبادئ، وأوليات أو أولويات - الحقائق، ومنطلقات الواقع، ومشتقات الفعل الصادق، والإنجاز الصامد، والمفهوم العام، والمحتوى الشامل الكامل لما يحتاجه النجاح عادة من دوافع وبواعث، وما ينتظره ويتغياه من غايات وأهداف، مما يسهم كثيراً، ويساعد دائماً وأبداً على حسن أداء هذا النجاح وتلقيه، والتعامل معه، في السلوكيات العامة، والتفاعلات الحياتية المتكررة، والمنهجية الذاتية، المقتبسة – أو المنبثقة - من واقع الدين، وفقه القرآن، وشرعية السنة، وورع العقيدة، وتسامى الإسلام، وكياسة المسلم، وإمامية الرسول، وفعل الصحابة، وإجماعهم، والتابعين لهم بإحسان، على «وسطية، و «خيرية، هذه الأمة حتى تكون - ويكون معها أبناؤها المسلمون ـ كما قال الله تعالى:
د كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، و تؤمنون بالله. ... (1/343)
صفحة 338
- TEE-
وكما قال - جل: ل شأنه ـ: «وكذلك جعلنا كم أمة وسطا لتكونوا
شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً. .
تلك هي العربية، وهذا هو الإسلام، وهذه إمكانات، وطاقات، وقدرات وحشود هاتين الأمتين، في أعداد بشرية هائلة، لا تقل بحال عن الألف والسبعمائة مليون عربي ومسلم، وخامات طبيعية كاملة، وخيرات، وخبرات، واكتفاء ذاتي ممتع،، واستغناء حياتى رائع ممرع، مما يسعف العربي والمسلم، ويستغنى به من أن عمد ناظره، أو يرسل خاطره، أو يتمنى، أو يشتبى، أو يقف من أجله على عتبة دولة، أو يقرع في سبيله باب أمة، أو يجثو خاشعاً را كعاً تحت قدم، أو يسجد ذليلا مهينا أمام وثن أوصم، كما يحدث الآن - ويا للاسف و العار مع بعض الدول، أو الحكومات أو الأنظمة العربية المسلمة!!
-
فلم لا تتكون ـ والحالة هكذا - من هاتين الأمتين التاهتين كتلة واحدة قوية؟
لم لا تتواجد الأمة العربية والأمة الإسلامية في إطار شامخ هائل منيع؟ وفى بناء راسخ شاهق ثابت؟
لم لا تتجمع هذه الأصفار الكثيرة المبعثرة، والكسور العديدة المتناثرة. في رقم واحد صحيح؟
لم لا تتألف: المكتلة العرب إسلامية - - وقد آن الاوان ـ من خلال الدول العربية، والآحاد، أو الأقطار الاسلامية المتنوعة والمتوزعة في شتى أنحاء
المعمورة؟
و بذلك - وبعد هذا - لن تكون هناك دولة كبرى باطشة، أو تشكيل قوى متسلط، أو حلف ظالم جائر. (1/344)
صفحة 339
- 345 -
وبذلك. وبعد هذا - ان يكون هناك. حق الفيتو، تستغله. الولايات المتحدة، ويستعمله الاتحاد السوفييتي، وتوظفه القوى الغاشمة في قهر القضايا المصيرية، وفى إسكات الأصوات الراعشة المظلومة، وفى خنق التأوهات الصارخة الملهوفة، في حناجر الضعفاء، وعلى شفاه، وفي حلاقيم المعذبين البؤساء
و في طرد ورفض الحقوق المشروعة، اكل صاحب حق مشروع ...
و بذلك وبعد هذا - سيتحرر الإنسان، وتتحرر مشيئته من التبعية
والرعوية و الذيلية،، ولن يباع مرة ثانية، أو ينادى عليه أبداً، أو يعرض مولى رقيقاً، أو بضاعة بائرة، أو سلعة كاسدة فاسدة، في أسواق النخاسة،
وفي حوانيت العبدان.، أو في متاجر المذلة والضعة والهوان .. !
وبذلك ـ وبعد هذا. سوف تنبثق من هذه الكتلة العرب إسلامية، غارات الله، و تنطلق حراساته و نجداته، ساهرة يقضى في تقبع المعاندين، ونقه و آثار المجرمين، وتعقب المفسدين، والأخذ بتلابيب هؤلاء الصعاليك العابثين، الذين يلعبون بأقدار الامم، ويدوسون بأقدامهم مص اثر الشعوب، ويتلهون - فكم اين ضاحكين - بما جدلوه من حبال، وما قتلوه من أمراس، ليعلقوا في
د خيته، ويشنقوا بأنشوطته جسم الإنسانية، وضمير الحياة ..
وبذلك ـــ وبعد هذا
-
ان يكون هناك بغاة طغاة، ولا جبارون عتاة،
ولاغلاظ شداد، يتلهون بمنظر الدم الذبيح المسفوك، أو العرض السليب المهتوك أو الحمر الأخيذ المجهود المنهوك .. و أن يبقى بعد ذلك أبداً هؤلاء الشياطين المردة المعاندين الذين يعبثون بالمقدسات، ويتسلون بتفجير الذرات والنوويات، و تشغيل الأفران والمفاعلات في هيروشيما، و «ناجازاكي، وفى غيرهما، وكينا
ه
يفعلون الان في حقول التجربة، وعلى بقايا الإنسانية وأشلاء الحياة .. (1/345)
صفحة 340
- 346 -
و بذلك – وبعد هذا - ستبور تجارة الأسلحة، وتكسد، أسواق الموت و تنغلق أبوابها بالضبة والمفتاح، ويجوع حفار و القبور، في أمريكا، وروسيا، وإسرائيل، وغيرهم من تجار الموت، وسماسرة الفناء، الذين يتعيشون من هذه الحرف الحقيرة، ويعيشون. كالنائحات المأجورات - على دموع الأرامل
-
واليتامى، وأنات الثواكل والأيامى، وآهات الباكيات الزافرات المحزونات.
وبذلك.
-
هذا
و بعد
-
ستسكت المدافع، وتنخرس الطلقات، وتتعطل
القنابل، وينسد البارود، و تبطل تشكيلات الحرب، وتتقطع أواصر الأحلاف، وتتمزع بنود الاتفاقيات الباغيات، وتتبخر مواد المعاهدات القادرات دخاناً في الهواء، وتتجمد ضراوة الاستعباد، وشراسة الاستبداد، ثلجاً بارداً يرقد في أعماق الماء، أو دمى صبيانية تافهة تعبث بها أصابع الفناء .. أو أوراقا ذابلة
تطير بها عواصف الشتاء.
وبذلك
-
وبعد هذا
-
ستنفض المعارك القائمة الدائمة بين المعسكرين الأكبر قوة، والاكثر عناداً وعدة وعنوة في كل من فيتنام، والصين، ونيكارجوا واليابان، ودول الشمال، وبلاد الأيديولوجيات، المتصادمة المضادة وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الاتحاد الشيوعي اللاديني، وتقضى على هذه الحروب الدائرة في كل من جنوب أفريقيا، وجيوب وأعماق وأحشاء الصحراء، وفي الوطن العربي من خليجه إلى محيطه، وبالأخص في فلسطين، والجولان وإسرائيل، ولبنان، والمغرب، والبوليساريا، والجزائر، وتونس، وليبيا، والسودان، وسوريا، والعراق، ودول الخليج وإيران، وروسيا وأفغانستان، وفي كل هذه الاشتباكات المتصارعة المتنازعة بين مختلف القوميات والنزعات والجنسيات، فوق أرض العرب، وعلى المدى الاسلامي البعيد عبر الأمة اللإسلامية جمعاء، وفوق خريطة العالم كله.
و من أجل هذا الحلم الجميل، وفى سبيل تحقيق تلك الأمنيات الرغيبات، (1/346)
صفحة 341
-- TEY -
كانت رسالة عمان منذ أبعاد التاريخ و آماده، وكانت تلك الدعوات الصادقة التى يصاحبها العمل الميدانى، والتي يدعو إليها، ويحض على فعلها، والتبتل في
-
عرابها جلالة السلطان قابوس بن سعيد – سلطان عمان في كل تحركاته وتصريحاته، وفي كل أفعاله ومقولانه، بعيداً عن الدعاية والطنطنة، ورفضاً للمظهرية والإعلان، وعملا خالصا لوجه الله، في عناد الصامدين، وإصرار المناضلين، وعزيمة الأوفياء الامناء و الذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون،، وفى هذا يقول جلالته - وكثيراً ما قال، وفعل، وصرح، وتحرك، وناضل، وعبر، حول هذا المعنى، وفى ذات المضمون والمحتوى: و لقد كنت حريصا يوم أن توليت أمر عمان صباح الثالث والعشرين من يوليو عام 1973 على أن أعيد - مع السلطنة - الاتصال بالعالم الخارجي، وأن أؤكد انتماءنا العربي، ومحمد الله، لقد نجحنا في هذا كل النجاح، و نمن عند ما نتحدث عن ضرورة دعم العلاقات العربية، فإننا لا نقصر حديثنا على الجزيرة وحدها، إنما نعنى جميع الدول العربية، من المحيط إلى الخليج، إننا نؤمن بالتعاون العربي في أوسع صوره، وفى الوقت نفسه نؤمن بالتعاون الدولى، الذي لا يمس سيادتنا، أو ينال من استقلالنا وذاتيتنا، ونؤمن الإيمان كل الإيمان بالأمة المسلمة العريضة
-
العريقة ... ويا حبذا – وكم تمنيت، وأتمنى، وأدعو دائماً ـ لو تلاقت العروبة
-
مع الإسلام في موقع عمل موحد، وفى مركز استراتيجي واحد، وساراً معا في موكب واحد، على درب واحد، و فى طريق قاصد واعد ... إذن لسعد العرب، وسعد المسلمون، وسعد العالم كله، وسعدت الحياة جميعها بكل هذا التلاقي والتوحد في العمل والاستراتيجية.
فيا أيها العرب، ويا أيها المسلمون، كونوا من أصفاركم وكسوركم أرقاما صحيحة، ومن أحادكم وعشراتكم حشوداً زاحفة ضخمة، ومن الألف و السبعمائة مليون عربي ومسلم و السكتلة العرب إسلامية، حتى تتمكنوا أخيراً وفى النهاية - من فسخ: ذراعى مقص، الكتلتين العظميين، ومن تمزيق (1/347)
صفحة 342
-348 -
و شقى طاحونة نيويورك، والكرملين، و من فك فكى كماشة، الأيديولوجيات الشرسة الرهيبة التي تعمل على افتراس العالم، وابتلاع أقداره و مصيره، وإحكام قبضتها - وفرض وصايتها - عليه، ولا سيما على العالمين العربي والاسلامي ... يا أيها العرب: ويا أيها المسلمون .. ارموا جميعا عن قوس واحدة، ينصركم الله، ويسدد خطاكم، ويصوب رمياتكم، وكونوا مع الله يكن الله معكم .... إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون ... وصدق الله إذ يقول: .. . إنا لنتصر رسلنا، والذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الاشهاد. ... وليكن شعاركم القائم الدائم قول الله تعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين». و إلى اللقاء - بمشيئة الله - فى موافى القادم «جابر بن زيد، شيخ المحدثين وإمام الفقهاء سلسلة. عمان ... والامبراطورية العربية، .. والله من وراء القصد، وعليه الاعتماد، وبه التوفيق والسداد، ومنه العون والرشاد. ... وهو نعم المولى،
عبر
،
و نعم النصير.
عنوان المؤلف
جمهورية مصر العربية
33 شارع دجلة
المتفرع من شارع شهاب شقة 13 مدينة المهندسين - الجيزة
تليفون رقم 717637
المؤلف السيد عبد الحافظ عبد ربه
من علماء الأزهر (1/348)
صفحة 343
الصفحة
الموضوع الاهداء
مقدمة
الفهرس
بمشيئة الله وعونه
عمان والجزيرة العربية
آية التي في الأرض
شوط. ورحلة
الإنسان .. والخريطة
كرسى الجزيرة
جغرافية .. ومناخ
منها في أعلا القمم محارات النجوم
مشوار مع الوديان
منام البعير وغاربه
يالها. آية! من
الباب الأول
عمان بين احضان التاريخ
أما عواصم عمان الساحلية دهليز الشرق
في طبعتها الحديثة
نهضة .. ووثبة (1/349)
صفحة 344
الموضوع
و من هذا كان الطمع
حتى الأجانب
في شكلها الحقيقي
لم يجهلونها؟
التاريخ .. والواقع
تدقيق .. و تحقيق
من أعماق الدهور
هم عمالقة التاريخ
بين النص والاجتهاد
الخيمة .. والوتد
عمان في شرق أفريقيا
كانتا واحدة
هم لا غيرهم
احراش .. وادغال
دين .. وعروبة
اثنان في مسيرة
رواد وأساتذة
الأسطورة. والبطل
مجابهة .. ومواجهة
مع مالك بن فهم
تفرقت بهم الطريق
حنين .. وشوق
الصفحة (1/350)
صفحة 345
الصفحة
الموضوع
وفي رواية
وهاجت المعركة
بطل وأيم الله
وزغردت الانتصارات
يا لها من بطولات!
مهلا .. على رسلك
ولكن .. هيهات
والطاحونة تدور
إلى غير رجعة
أحاديث السمار
من آل فهم إلى آل الجلندى
يأخذ كل سفينة غصبا
أما كيف قتل ما لك؟ خسارة ليتها ما كانت!
وهل بقى شيء في الأعماق؟
الباب الثاني
كيف دخل الاسلام عمان؟
وأشرق النور
بيني وبين الرسول
عمان في منطوق النبوة
من محمد رسول الله (1/351)
صفحة 346
الصفحة
- 352 -
الموضوع
معا .. على الطريق
بين عمرو ..
أي شيء تريد؟
والجلندى
وهل علم هرقل؟
تكلم بحاجتك
ملوك .. ودعاة
إرهاصات يهودى
كذبت يا ابن الأخابث
طموحات .. ونبوءات
وجعل التاريخ يركض معاشر أهل عمان
اغرب الصخرة بالصخرة
من أبي بكر
إقطع رأسها قبل أن تطل
عمر .. والقضية
استغراب .. واستعجاب
جميعا من الازد
في كل مكان
وأيضاً مع سائر الفنون
في الجاهلية والإسلام أبيت اللعن
يا أبناء حمير (1/352)
صفحة 347
الصفحة
- 353 -
الموضوع
أعجبتن ثم زهر تك بعدت بلادك عنا
بين كسرى وابن ذي يزن
ذل الحمار وذل ملكه
والعمالقة يتوافدون ومنهم أيضاً
عشقوا .. فالوا
تبابعة .. وماذا؟
بين أجا .. وسلمى
ا هم قوم مازن
وأيضاً .. من الأصحاب
هل أدلكم إلى خير؟
هذا أشار الحباب
أغرانا على يوم بدر
أحد الستة .. والاثنى عشر .. والسبعين
وقت أذنك يا غلام
قتله وحشين أيضاً
شيطان أم ابن قرط؟
النعامنة
أفلحت الوجوه
أكتمها على
اللهم اكه جمالا (1/353)
صفحة 348
الصفحة
- 354 -
الموضوع
ومنهم السعود الثانية
وصحابيات فاضلات
شاعرة العرب
فاو كان النساء كمثل هذى
أغدر بعد عهد؟
الباب الثالث
الأباضية .. والفرقة الناجية
مؤامرة .. واويلتاه!
خالصة لوجه الله
تقتلك الفئة الباغية
على من يقع الوزر؟
كيف بك مع ابن الطلقاء؟ همه الدنيا وفقط
ليتهم ما فعلوها
تفرقة وأى تفرقة!
له الله!
أبو موسى وعمرو والامامان
من هنا بدأ الخوارج لله الأمر
مظلوم وأيم الله!
عفوا .. وغفرا (1/354)
صفحة 349
الصفحة
الموضوع
أهل الاستقامة والسنة
النواة الأولى للمذهب
الإسلام النقي
معا .. في مضمار
شهادة .. و تقدير
أما كيف بدأت الأباضية دورها؟
الفرقة الناجية
الأمانة العظمى والأباضية
ماذا كان قبل الأباضية؟ أحماض .. وأمراض
قالوها .. لا
أقدم من اسمه
على مستوى العالم أم المذاهب ..
عملاق بين الاقزام
كانا على موعد
عبد الله بن أباض
المقامات .. والطريق
يالها من رسالة!
وهكذا ..
إلى مهاجر إلى ربى
الخطاب الثائر (1/355)
صفحة 350
الصفحة
- 356 -
الموضوع النبع الذي فاض مع أهل عمان
عن من نقلوا؟
ذرية بعضها من بعض وعموما ..
إمامة .. وأئمة
ليس لها مثيل
طوبى للغرباء
اين أعاشنى الله
أحرزوا قصب البق
ومنهم الخطباء والشعراء وأيضا .. فقهاء ومحدثون
حتى علم العروض
صاحب الكامل وأيام العرب
تلك هي عمان.
خاتمة
الفهرس
للمؤلف (1/356)
صفحة 351
1 - بحوث في قصص القرآن
للمؤام
2 - الآيات الكونية في القرآن
-2
- مع الإسلام في السانيته.
- الإسلام .. والحياة.
ه - الديمقراطية الصحيحة .. والاسلام
6 - الثورة الاجتماعية في الاسلام
- Y
فلسفة الجهاد في الاسلام
- الوحدة الاسلامية من القرآن والحديث
9 - المسلمون على مفترق الطرق
10 - إفلاس المذاهب البشرية
11 - الايديولوجيات الملحدة
12 - البطل الفاتح خالد بن الوليد
13 - ثورة وثوار
14 - مطلع الفجر
15 - من مشاهد يوم القيامة
16 - علامات استفهام؟؟
17 - ماذا بعد الحق؟
18 - مع هؤلاء الشوامخ
19 - الاسلام في مواجهة الشيوعية
20 - الشيوعية دون قناع (1/357)
صفحة 352
- 358 -
21 - السياسة الاقتصادية في الإسلام 22 ـ الدين سلوك ومعاملة
23 - المرأة في موازين الإسلام
24 - سماسرة العقيدة وتجار الديانات
20 - علامات على الطريق
26 - أيها المسلمون!
27 - إنه لقرآن كريم
28 - التعاون الخليجي خطوة إلى الامام 29 - المسلمون. والقوة الثالثة
30 ـ العالم في طريقه إلى الاسلام
31 - الأباضية مذهب وسلوك
32 - أضواء على تفسير القرآن الكريم في ثلاثين جزءا تحت الطبع
33 - جابر بن زيد. .. من سلسلة عمان .. والامبراطورية العربية.
تحت الطبع
34 - يا أمة العرب ...
30 - نوعيات من الناس ...
تحت الطبع (1/358)
صفحة 353
ترقب
شيخ المحدثين وإمام الفقهاء
ه جابر بن زيد»
ضمن سلسلة، عمان ... والامبراطورية العربية.
إنه في الطريق إليك (1/359)
صفحة 354
رقم الايداع 86/ 110
طبع بمطبعة الألوان الحديثة بالوطية ت: 562276 (1/360)