صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: ديانات ومذاهب - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية نشأتها وعقائدها
المؤلف: محمد حسن مهدي
الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع
مكان النشر: عمان - الأردن
تاريخ النشر: 2011م
الطبعة: 1
ردمك: 978-6589-09-900-6
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3361&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/178
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 09 شعبان 1446ه/ 08 - شهر 02 - 2025م. دراسات
الإباضية
نشائها وعقائدها
الدكتور محمد حسن مهدي (1/1)
صفحة 2
الإباضية
نشأتها وعقائدها (1/2)
صفحة 3
الأهلية للنشر والتوزيع
e-mail: alahlia@nets.jo
الفرع الأول (التوزيع)
المملكة الأردنية الهاشمية، عمّان، وسط البلد، بناية رقم 12 هاتف 0096264638688، فاكس 0096264657445 ص. ب: 7855 عمان 11118، الأردن الفرع الثاني (المكتبة)
عمان، وسط البلد، شارع الـ الملك حسين،
بجانب البنك المركزي الأردني، مكتب القاصة - بناية رقم 34 مكتب بيروت
لبنان، بيروت، بئر حسن، شارع السفارات هاتف: 824203 1 00961، مقسم 19
الأباضية نشأتها وعقائدها
د. محمد حسن مهدي | مصر
الطبعة العربية الأولى، 2011
حقوق الطبع محفوظة
تصميم الغلاف: زهير أبو شايب 00962795297109، الأردن
متناسي
لوحة الغلاف: حسن المسعودي/العراق
All rights reserved.No part of this book may be reproduced in any form or by any means without the prior permission of the publisher.
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب
أو أي جزء منه، بأي شكل من الأشكال، إلا بإذن خطي مسبق من الناشر. (1/3)
صفحة 4
دراسات
الدكتور محمد حسن مهدي
الإباضية
نشاتها وعقائدها
كاملية (1/4)
صفحة 5
يايُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن
نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
[النساء: 59]
59
صدق الله العظيم (1/5)
صفحة 6
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، سيدنا محمد إمام المتقين ورحمة الله للعالمين، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا أعلام الهدى وأئمة الحق، يهتدى بهديهم، ويقتدى بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وبعد:
فلقد كان الناس لما بعث الله تعالى نبيه محمد الله في ضلال مبين وفي ظلمات دامسة، وكانوا شيعاً وأحزاباً مختلفين في آرائهم، ومتضاربين في عقائدهم، وكان مبعثه بالهدى ودين الحق، ليبين للناس طريق الهداية والمعرفة الحقة والعبادة الصحيحة، بعد أن التبس عليهم الحق فتاهوا بين وثنية جائرة منتشرة في شبه الجزيرة العربية وغيرها من البلدان، ومجوسية فاجرة في بلاد فارس وما جاورها، ونصرانية محرفة تشرك بالله تعالى، تقول بالتثليث والصلب والفداء، ويهودية مدمرة تقول: عزير ابن الله بعثه الله رسولاً لإنقاذ البشرية مما تردت فيه من مهاوي الشرك
والضلال.
وعقيدة الإسلام عقيدة سهلة لا تعقيد فيها ولا غموض، وهي التي توافق الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وتتقبلها العقول النيرة التي لم تتأثر بعوامل التقليد أو العصبية، وإنما هي عقيدة حرة تدفع المرء للبحث والنظر في (1/7)
صفحة 7
8
الأباضية
الكون، ليدرك أن لهذا الكون خالقاً حكيماً قديراً مدبراً، يفعل ما يشاء ويختار، وأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].
وقد فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاءهم به الإسلام، من عقيدة في يسر و هوادة، فاطمأنوا إليها، ثم اطمأنوا بها، فلا مكان إذن لفلسفة المتفلسفين، ولا كلام المتكلمين، ولم يختلفوا مع رسولهم هول و ولا مع أنفسهم في شيء مما جاء به الإسلام عقائد، ولكن ما كان عصر الخلفاء الراشدين ينتهي حتى بدأ الخلاف يدب في البيئة الإسلامية، حيث وُجدت الفرق وتشعبت وكثرت وكثر معها النزاع والشقاق والتفرق والاختلاف، كل فرقة تجادل الأخرى، وتتأول كتاب الله بما يؤيد رأيها، ويضعون الأحاديث المكذوبة التي تؤيد مدعاهم.
من
فقد دخل في الإسلام قوم خلصت قلوبهم من أدران التقليد والعصبية، وصفت نفوسهم لما يدعوهم إليه رسول الإيمان، فعضوا على ذلك بالنواجذ، واستمسكوا منه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وكرهوا الشرك وما كان يعبد آباؤهم ورأوا رسول الله و صحبوه، فأحبوه فوق ما يحبون آباءهم وأبناءهم و آثروه على أنفسهم وأموالهم.
وبجانب هؤلاء الذين صفت نفوسهم النبي هم و، نجد هناك أصنافاً آخرين من الناس، أولهم صنف من العرب، دخل في الإسلام تقليداً لقومهم، حين جاء نصر الله والفتح، وهؤلاء لم تسعد أعينهم برؤية صاحب الرسالة ولا انشرحت صدورهم بسماع تعاليمه منه، ولا صفت قلوبهم من آثار جاهليتهم، فأصبح عندهم انتصار الدعوة الإسلامية وعدمها سواء.
وثانيهم: صنف من عامة أهل الأديان الأخرى، دخلوا في هذا الدين أيام الفتوح التي أخضعت الدولتين الكبيرتين، اليونانية والفارسية، فراراً من حكم الإسلام على من يبقى على دينه منهم، وهؤلاء لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، ولم (1/8)
صفحة 8
مقدمة
9
تقتلع جذور الحقد والضغينة من قلوبهم، بل هم يميلون إلى دينهم القديم، ويتمنون أن يعودوا إليه.
وثالثهم صنف من دهاة أهل الأديان الأخرى، وعلى الأخص اليهودية والمجوسية، تظاهروا بالدخول في الدين الجديد، وهم يضمرون في أنفسهم الكيد والحقد، ويتحينون الفرصة للانقضاض على هذا الدين الذي بسط سلطانه على رقعة الأرض المعروفة يومذاك. فأخذوا يلبسون للناس ملابس الصلاح والتقوى تارة، ويتظاهرون بالحرص على تعاليم الدين ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته تارة أخرى، يضاف إلى هذا أنهم أخذوا ينفثون سمومهم، فيؤولون في تعاليم الشريعة ويدخلون فيها ما ليس منها، وقد أثاروا الجمهور من الناس، وبعثوا في نفوسهم الحماس لما يدعونهم إليه، وهذا فيما نرى هو السبب في الفرقة التي حدثت في الإسلام، وهو غض طري لم يكتمل عليه قرن واحد.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا التفرق في الحديث الذي رواه أبو هريرة له حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (1). والحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص، عنه، قال: قال رسول الله: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة». قالوا: يا رسول الله، وما الملة التي تتغلب؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (2). وفي رواية: «ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة» (3)
(1) أخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح (2) رواه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 5219. (3) رواه الإمام أحمد وغيره، وحسنه الحافظ. (1/9)
صفحة 9
10
الأباضية
فإن هذه الفرقة الناجية، تتنازعها وتدعيها كل الفرق، بل تحاول بوسيلة أو بأخرى أن تفرض رأيها على غيرها، وذلك كله على الرغم من أن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وآثار السلف الصالح تدعو إلى اتباع الطريق المستقيم ونبذ الطرق الملتوية، فعن ابن مسعود قال: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً. وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَالِكُمْ وَصَنَكُم بهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [الأنعام: 153] (1).
وقوله تعالى: {وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103]، وقوله
تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوادِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32]، وقوله: {وَمَن يُشَاقِنِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: 115]، وقوله: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
وقوله: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (2).
نقول: على الرغم من هذا، وغيره قد حدث الخلاف بين المسلمين، ووقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وما حدث به خلفاؤه الراشدون من افتراق الأمة، فوجدت الفرق
(1) الحديث صحيح، رواه أحمد والنسائي.
(2) الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. (1/10)
صفحة 10
مقدمة
11
في تاريخ الإسلام، وكثرت وتفرعت، وكثر معها النزاع والجدل والشقاق، وكثرت الآراء والأفكار، وكانت الدواعي على ذلك متنوعة، تتردد بين الظروف السياسية والعصبية القبلية، والمآرب الشخصية، واشتد الخلاف بعد التلاقح الفكري بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، فكانت هناك الدوافع العلمية الثقافية، والسلوكية الخلقية، ونشأت في ظلها فِرَق ومدارس، كان على رأسها فرقة «الخوارج» فهي أول وأقدم الفرق الإسلامية ظهوراً على مسرح الحياة، والخوارج وإن كانت تتفق في الخروج على الإمام الجائر، إلا أنها تتشعب من داخلها إلى فرق، ومن هذه الفرق، والتي عاشت حتى الآن، فرقة «الأباضية»، والتي يُجمع المؤرخون على أنها إحدى فرق الخوارج، ولكن الأباضية يعتبرون أنفسهم ليسوا بخوارج، وإنما هم فرقة مستقلة، مما كان دافعاً لي في الكتابة في هذه الفرقة نشأتها وعقائدها، ليظهر لنا مدى التوافق والاختلاف بينها وبين الخوارج.
هذا، وقد سميت هذا الكتاب «الأباضية نشأتها وعقائدها» وقد جاء في جزأين:
أما الجزء الأول: فيشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول.
أما المقدمة: فقد تناولت فيها أهمية الموضوع، والباعث على الكتابة فيه، ومنهج
البحث.
وأما التمهيد: فقد تحدثت فيه عن الأسباب التي أدت إلى اختلاف المسلمين ونشأة الفرق.
وأما الفصل الأول: فقد تكلمت فيه عن النشأة التاريخية لفرقة الخوارج.
وأما الفصل الثاني: فقد تناولت فيه النشأة التاريخية لفرقة الأباضية. وأما الفصل الثالث: فقد عقدته للحديث عن فِرَق الأباضية المنشقة وعقائدها. وأما الجزء الثاني: فقد تناولت فيه العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية.
وقد اشتمل على ثمانية فصول وخاتمة: (1/11)
صفحة 11
12
الأباضية
أما الفصل الأول: فقد تحدثت فيه عن قضية وجود الله تعالى.
وأما الفصل الثاني فقد تكلمت فيه عن الصفات الإلهية. وأما الفصل الثالث: فقد عقدته للحديث عن رؤية الباري تعالى. وأما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه عن أفعال العباد. وأما الفصل الخامس: فقد عقدته للحديث عن النبوات. وأما الفصل السادس: فقد تكلمت فيه عن السمعيات.
وأما الفصل السابع: فقد تناولت فيه مبحث الإيمان والإسلام وما يتصل به من أمور. وأما الفصل الثامن: فقد تحدثت فيه عن قضية الإمامة.
وأما الخاتمة: فقد تناولت فيها أهم الحقائق والنتائج التي توصلت إليها من خلال تتبعي ودراستي لهذا الموضوع.
وبعد:
فهذا ما هداني الله تعالى إليه في بحثي هذا، فإن كنت قد وفقت فذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه، وإن تكن الأخرى فعذري أنني بشر أخطئ وأصيب، والكمال الله وحده، وحسبي أنني ما ابتغيت إلا وجه الحق والصواب.
وأخيراً ندعو الله تعالى أن ينفع ببحثنا هذا طلاب العلم والإيمان، وأن يرزقنا
الإخلاص فيما نكتب ونعمل، إنه نعم المجيب.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
المؤلف
د. محمد بن الحسن المهدي (1/12)
صفحة 12
اللجنة الاول الأباضية نشأتها وفرقها
ويشتمل على تمهيد وثلاثة فصول:
التمهيد في الأسباب التي أدت إلى اختلاف المسلمين ونشأة الفرق. الفصل الأول: في النشأة التاريخية لفرقة الخوارج.
الفصل الثاني في النشأة التاريخية لفرقة الأباضية. الفصل الثالث: في فِرَق الأباضية المنشقة وعقائدها.
• (1/13)
صفحة 13
شهيد
تمهيد
15
الأسباب التي ساعدت على اختلاف المسلمين ونشأة الفرق
إن الله تعالى طلب من هذه الأمة أن تتوحد كلمتها، وأن لا تكون شيعاً وأحزاباً، يضرب بعضهم أعناق بعض، وقد صدق الله إذ قال في محكم التنزيل:
و وَإِنَّ هَذِهِ أُمَتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52].
فكل عامل على لم شملها، ساع إلى تأليف قلوب أبنائها، فهو مؤمن حقاً، مجاهد في سبيل أنبل غاية عُني بها الإسلام، وهي تأليف القلوب، وتوحيد الأهداف، وأما أولئك الذين يثيرون العداوات ويبعثون العصبيات، ويصطنعون العداوة والبغضاء، فهؤلاء هم الذين يسعون في الأرض بالفساد، وواجب المسلمين المخلصين أن يقفوا لهم بالمرصاد، وأن يبصروا الأمة بهم، ويكشفوا لهم أهدافهم
وسوء غاياتهم. ولقد فهم المسلمون الأولون روح هذا الدين الحنيف، واختلفوا في فهم نص من كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله، ولكنهم - مع هذا الاختلاف - كانوا متحدين في المبادئ والغايات، ثم خلف من بعدهم خلف جعلوا دينهم لأهوائهم، فتفرقت الأمة إلى شيع وأحزاب ومذاهب وعصبيات.
والخلاف بين الناس بدأ منذ نشأة الإنسان، ومنذ نزول الوحي من السماء، واختيار الله تعالى للأنبياء، وإن كان هذا الخلاف لم يشتهر فلبعد الزمان، ولعدم
وجود الخبر المتواتر الذي يُعتمد عليه، اللهم إلا ما قصه القرآن الكريم على رسول الله (1/15)
صفحة 14
16
الأباضية نشأتها وفرفها
، ومن ذلك: قصة أول خلاف ظهر على الأرض بين ابني آدم ال (قابيل وهابيل) وما كان من قتل أحدهما للآخر. ثم الخلاف الذي كان يظهر بين أقوام الأنبياء السابقين، كالخلاف الذي وقع بين نوح وابنه إلى غير ذلك مما قصه القرآن الكريم من خلاف (فرعون) و (موسى) ال. وخلاف بني إسرائيل مع موسى على رؤية الله تعالى: {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وما كان من خروجه لمناجاة ربه، ثم عودته فإذا القوم قد عبدوا العجل من دون الله تعالى.
وأما منشأ الخلاف في عهد رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأ في حياته، ولكن كان القرآن ينزل برأب الصدع وفصل القول، فيقضي على الفتنة في مهدها، وكان رسول الله لا يسرع بلم الشمل، وإزالة أسباب الخلاف، ولذا لم يكن للخلاف في عهده كبير أثر في تفرق الأمة بعد ذلك.
وقبل أن نخوض في بيان أسباب الخلاف يجب أن نقرر أمرين كما يقول الشيخ
(أبو زهرة) (1) حتى نكون على بينة من هذه الأسباب:
أولهما: أن هذا الاختلاف بين المسلمين لم يتناول لب الدين، فلم يكن الاختلاف في وحدانية الله تعالى، ولا في أن القرآن نزل من عند الله تعالى، وأنه معجزة النبيلة الكبرى، ولا في أنه يروى بطريق متواتر نقلته الأجيال الإسلامية كلها جيلاً بعد جيل، كذلك لم يتعرض الخلاف إلى ركن من أركان الإسلام، أو إلى أي أمر علم من الدين بالضرورة، وإنما كان الاختلاف في أمور لا تمس الأركان ولا الأحوال العامة.
الأمر الثاني: أن ما وقع من اختلاف بين المسلمين يعتبر شراً بالنسبة للاختلافات التي حدثت حول بعض العقائد الدينية والسياسية، ولقد روى الإمام
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية، للإمام محمد أبو زهرة (10/ 1)، طبعة دار الفكر العربي. وقارن أضواء على أهم الفرق الإسلامية وبعض المذاهب المعاصرة، د. عبد المنعم شعبان، ص 23، طبعة القاهرة، قاصد خير. (1/16)
صفحة 15
17
البخاري في صحيحه، عن زينب بنت جحش أنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم محمراً وجهه يقول: «لا إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب»)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يشير بهذا المعنى الذي ينطوي عليه هذا الحديث، إلى ما سيلحق بالمسلمين من خلاف بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
إن أول بذور الخلاف الذي نشأ بين جماعة المسلمين، يرجع إلى منافقي هذه الأمة في زمن النبوة والرسالة، حيث لم يرضَ هؤلاء بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، فيما كان يأمر به وينهي فقد سألوا عما منعوا من الخوض فيه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه، ومن ذلك ما كان من حديث ذي الخويصرة التميمي) عندما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل - وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوزع الغنائم بين المسلمين في إحدى الغزوات - فقال: «إن لم أعدل فمن يعدل؟» فعاود اللعين يقول: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
وذلك يعتبر خروجاً صريحاً على النبي، فإذا كان من اعترض على الإمام الحق يعتبر خارجياً، فإنه من باب أولى يعتبر من اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم أحق بأن يكون خارجياً، ولذلك قال صلوات الله وسلامه عليه سيخرج من ضئضى هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (2).
ويتجلى ذلك واضحاً، في غزوة أحد حينما اعتذر المنافقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا كما حكاه القرآن الكريم: هَل لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ، وقولهم: وَلَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا} [آل عمران: 159]، وقولهم: وَلَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَا تُوا وَمَا قُتِلُوا)
[آل عمران: 156].
(1) الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (609)، طبعة: الشعب. (2) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، (742/ 2). وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الفتن، باب صفة الخلافة، (481/ 4). (1/17)
صفحة 16
18
الأباضية نشأتها وفرفها
فالمتأمل لتلك الآيات يتضح له أن هؤلاء المنافقين بالغوا في عذرهم، وقد
حدث هذا في زمنه ولكن المنافقين هم المنافقون في كل زمان ومكان، يُخَدِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ} [النساء: 142]، فيظهرون الإسلام للناس ويبطنون الكفر عليهم، وكان يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع
(1)
ولكن ذلك كله لم يكن ذا أثر بين وواضح في افتراق الأمة بعد هذا إلى فرق شتى، يكفر بعضهم بعضاً، يضاف إليها بعض الاختلافات بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وإن كانت تعد اختلافات اجتهادية، فأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم على عقيدة واحدة وطريق واحد، ولم يكن أحدهم ليختلف عن الآخر إلا في فهم أوتيه في كتابه الله أو سنة رسوله و يعترضه على أخيه، فإن لم يكن عنده ما يدفعه من سنة أو فهم في كتاب أو سنة، رجع إلى قول أخيه وتقبله أحسن القبول، إلا قوماً كانوا يبطنون النفاق، ويظهرون الوفاق.
وإذا أنت نظرت فيما اختلفوا فيه، وجدتهم قد اختلفوا في أمور اجتهادية لا يوجب الخلاف في أحدها إيماناً ولا كفراً، بل لا يوجب الخلاف فيها كلها إيماناً ولا كفراً، ووجدت أنه قد كان غرض كل واحد من المختلفين في كل مسألة منها إقامة راسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم، بل أنت تجدهم قد اختلفوا في بعض هذه المسائل والرسول بين أظهرهم لم يفارق هذه الدنيا.
ثم جاء من بعد عصرهم - رضوان الله تعالى عليهم - قوم استغلوا أحياناً اختلاف الصحابة في بعض المسائل واتخذوا من هذا الخلاف سبيلاً يسلكونه إلى تفريق كلمة هذه الأمة، وراحوا يلتمسون لبعض وجهات النظر أدلة لم يقتنع بها
(1) الملل النحل للشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني (1/ 21 - 22)، طبعة الحلبي، 1976،
بتصرف. (1/18)
صفحة 17
19
الذين خالفوا هذا الاتجاه في العصر السابق، بل لعل الذين كانوا يرون هذا الاتجاه قد عدلوا عنه ولم يبقوا متمسكين به إما اقتناعاً بما استدل به من خالفهم، وإما إبقاء على وحدة الأمة واستمساكها بالإيلاف الذي امتن الله تعالى به عليهم، إذا لم يكن في أحد الرأيين ما يخالف نصاً من كتاب أو سنة صريحة، وهم بذلك يضربون أبرع المثل لفناء الفرد في الجماعة الصالحة (1).
فالصحابة – رضوان الله عليهم - لم يحدث منهم أن أحداً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء لم يتكلم فيه، وما حدث أن اختلف واحد منهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم آية من كتاب الله تعالى، وفي هذا المعنى يقول المقريزي في خططه: «من أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة لا لله على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، أو على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل كلهم فهموا معنى ذلك، فأثبتوا بلا تشبيه، ونزهوا بلا تعطيل» (2).
وهذا النص - وغيره من النصوص التي تُظهر عدم اختلاف الصحابة – وإن أكد على خلو هذا العصر من الخلاف، فإنما يعني الخلاف في أصول العقيدة، ولكن يمنع من الاختلاف الناشئ عن الاجتهاد، واختلاف وجهات النظر، التي كانت تحسم في وقتها، ويعود الجميع إلى الوفاق، فهذه الخلافات كانت تهدف إلى توطيد الشريعة، وإقامة مراسم الدين، وقد جرت ضمن منهج الإسلام في إباحة الاجتهاد واستعمال العقل، حيث رفع الإسلام من شأن العقل، وحث المسلمين على استعمال عقولهم، ومدح أولي الألباب، وذم الذين يهملون عقولهم. ولم تذكر كتب المقالات
(1) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، للإمام أبي الحسن الأشعري، تحقيق: محي الدين
عبد الحميد، (1/ 34)، طبعة القاهرة.
(2) الخطط للمقريزي (1/ 180)، طبعة القاهرة. (1/19)
صفحة 18
20
الأباضية نشأتها وفرقها
خلافاً عقدياً وقع بين الصحابة بعضهم البعض، وإن كانت قد وقعت بعض الخلافات الاجتهادية، فقد كان الغرض منها إقامة حكم الله بين الناس. ونستطيع أن نقسم لك - بعد الذي أسلفناه - الاختلاف الحاصل في المسائل الاجتهادية بين الصحابة إلى قسمين:
الفرق.
القسم الأول: الاختلاف في مسائل لم تصر فيما بعد من شعار جماعة من أهل
والقسم الثاني: الاختلاف في مسائل اجتهادية أيضاً، اتخذها قوم من بعدهم تكاة إما للطعن في بعض الصحابة، وإما جعلوها أساساً لنحلتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعاراً لهم (1).
والآن إليك هذا الاختلاف من النوعين:
الخلاف الأول: أثناء مرضه:
روى الإمام البخاري بإسناده عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما اشتد بالنبي ومرضه الذي مات فيه قال: ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي، فاختلف من حوله هل يجيئون بقرطاس ليملي عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، أم يكتفون بما علموه من كتاب الله وسنة رسوله؟ فقال عمر بن الخطاب له: إن رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله»، وكثر اللغط في ذلك، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع قال ابن عباس
- راوي الحديث -: الرزية كل الرزية، ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
(1) مقالات الإسلاميين، (1/ 35).
(2) الملل والنحل (221)، الحديث رواه البخاري بسنده في صحيحه عن عبدالله ابن عباس. (1/20)
صفحة 19
21
الخلاف الثاني:
كان النبي صلى الله عليه وسلم - قبيل مرضه الذي عقبه انتقاله للرفيق الأعلى - قد. جهز جيشاً وجعل على رأسه (أسامة بن زيد)، ولما أخذه المرض توقف الجيش عن المسير، وقال
النبي في آخر حياته «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه ومع هذا اختلفوا: أيتمون بعث (أسامة) إيذاناً للعرب ولغيرهم بأن وجع النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته لمن تثن عزائم الصحابة عن إتمام ما شرع فيه، أم يبقون أسامة) ومن معه يترقبون ما يكون من العرب، فقد كان بعضهم يخشى انتقاض العرب، اختلفوا في ذلك، قبيل وفاة النبي وبعد وفاته و و و و لكن أبا بكر له أصر على اتباع الأمر، ثقةً منه بأن البركة في اتباع أمره وأن في بعثه إرهاباً لمن تحدثه نفسه من العرب بالانقضاض (1)
،
وقد علق الشهرستاني على هذين الخلافين بقوله: وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين، وليس
ذلك، وإنما كان الغرض كله إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين ثائرة الـ رة الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور
الخلاف الثالث في موت النبي صلى الله عليه وسلم:
(2)
لما أذيع نبأ وفاته هال الخبر بعض أصحابه، حتى غيب عقولهم، وأذهلهم عن هذا المصير المحتوم، الذي ينتظر البشرية قاطبةً، بما في ذلك الرسل والأنبياء فزعم قوم أنه لم يمت، وإنما رفعه إليه كما رفع عيسى ابن مريم الله، وقال قوم: إنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ا وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي وأرجل رجال زعموا أنه قد مات. وقال الفاروق عمر بن الخطاب له وهو من هو
في هذا الصدد: «من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ضربته بالسيف».
(1) مقالات الإسلاميين، (1/ 35). (2) الملل، (1/ 23). (1/21)
صفحة 20
22
الأباضية نشأتها وفرقها
حدث هذا عندما كان أبو بكر الصديق الله بعيداً عن المدينة، في زيارة أهله،
فلما حضر الصديق، دخل على رسول الله، وهو مسجى فكشف عن وجهه وقبله، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حياً وميتاً، أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها، وتلا قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيتُ وَإنهم مستونَ) [الزمر: 30]. وقف أبو بكر، يعلن أن النبي و قد لحق بربه، وأن شأنه في هذا الأمر شأن غيره من الناس، وتلا على الذين هالتهم المصيبة قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144]. ويسمع (عمر) له المضطرب القوى الضعيف عن احتمال الفاجعة هذه الآية الكريمة، فيثوب إليه الرشد ويعلم أن وعد الله حق، فيخضع لقضاء الله ويؤمن بأن الله تعالى اختار لرسوله ما عنده بعد أن أكمل به الدين الذي رضيه لهم، ويقول عمر: والله لكأني لم أسمع هذه الآية من قبل (). وحينئذ هدأت النفوس واطمأنت القلوب، واعترف جميع الصحابة بما ظهر من الحق، من أن رسول الله قد فارق الحياة، وأنها سنة الله في خلقه، وكن
تحد لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62]، وبذلك زال الخلاف.
الخلاف الرابع: في موضع دفنه:
اختلف الصحابة في موضع دفنه فأراد أهل مكة من المهاجرين ردّه إلى مكة، لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة، لأنها دار هجرته، ومدار نصرته
(1) التبصير في الدين للإسفراييني، ص 19، طبعة القاهرة، 1955. وقارن الفرق بين الفرق، للإمام عبد القاهر البغدادي، تحقيق: محي الدين عبد الحميد، ص 14 - 15، طبعة دار التراث. وأيضاً: الملل
والنحل، ص 23. ومقالات الإسلاميين، ص 35 - 36. (1/22)
صفحة 21
23
وأرادت جماعة، نقله إلى بيت المقدس، لأنها موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء، وفيه قبر جده إبراهيم الخليل الي.
وهنا يقف أبو بكر الصديق الله في هذه المسألة موقف الحكيم الرزين، فيروي لهم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرر أن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون) (1). فتجتمع كلمتهم على أن يدفن في حجرة السيدة (عائشة) التي مات فيها بالمدينة المنورة، وهي في داره الملاصقة لمسجده، والشارعة أبوابها فيه 2
الخلاف الخامس: في الإمامة بعده:
(2)
وأعظم خلاف بين الأمة كما يقول الشهرستاني، خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان (3). ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرر نظاماً معيناً لمن يكون إماماً أو خليفة من بعده، فمنذ اللحظة الأولى من انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، اختلف المسلمون فيمن يخلفه (4). وكانت هذه أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها وجهات نظرهم، شعر المسلمون منذ اللحظة الأولى لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم بضرورة التفكير في من يلي أمرهم وأسرع الأنصار - قبل دفن النبي - إلى سقيفة بني ساعدة، للتشاور في الأمر والبت فيه، وأدركهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح من
المهاجرين.
(1) الحديث أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب الجنائز ما جاء في قتلى أحد، (3/ 329). ورواه الإمام مالك في مسنده، باب جامع الصلاة على الجنائز، ص (545).
(2) الملل، ص 23 - 24. الفَرْق بين الفرق، ص 15 مقالات الإسلاميين، ص 36.
(3) الملل والنحل، ص 24 ومقالات الإسلاميين، ص 39.
(4) انظر: كتابنا قضية الإمامة نشأتها وتطورها بين الفرق الإسلامية، ص 174، طبعة الصفا والمروة،
1999 (1/23)
صفحة 22
24
الأباضية نشأتها وفرفها
وفي السقيفة انقسم المجتمعون إلى فريقين فريق يرى – وهم الأنصار - أن يكون الخليفة منهم، لأنهم هم الذين نصروا رسول الله له عندما هاجر إليهم من مكة إلى المدينة، وآمنوا به وعززوا دينه، ومنعوه وصحبه ممن أرادوا به سوءاً، وكانوا معه على عدوه، حتى خضعت له الجزيرة العربية، فهم أولى الناس أن يخلفوه، وعلى هذا الأساس قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، واتفقوا على سعد بن عبادة الأنصاري. وفريق آخر وهم المهاجرون يرون أن تكون الخلافة فيهم، لأنهم قوم النبي وعشيرته، وهم أول من آمن به، وصبر معه على الأذى، وهم من قريش، والعرب لا تدين إلا لهم، ولا تعتز بعزة غير عزتهم، فهم أولى الناس بالخلافة من غيرهم، والواجب على الأنصار أن يجتمعوا على ذلك، لأن الله تعالى يقول: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أوَلَيْكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].
ولقد قال أبو بكر تعليقاً على هذه الآية: فسمانا الله الصادقين وأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين، قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ} [التوبة: 119]، فقد آمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم. وعندئذ قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك، قال عمر: أنت أفضل مني، قال أبو بكر: أنت أقوى مني. قال عمر: إن قوتي لك مع فضلك لا ينبغي لأحد بعد رسول الله أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار مع رسول الله، ثاني اثنين، وأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتكى فصليت بالناس فأنت أحق بهذا الأمر).
(1)
قال عمر ه: فمددت يدي إلى أبي بكر فبايعته، وانهال الجميع من الصحابة يبتدرونه بالبيعة، ثم كان الغد فجلس أبو بكر على المنبر، وتكلم. بين يديه، يقول
عمر
(1) عبقرية عمر، للأستاذ محمود عباس العقاد، ص 25، طبعة الخانجي، القاهرة. (1/24)
صفحة 23
25
للناس: إن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأولى الناس بأمركم فبايعوه، فبايعه الناس وسكنت الفتنة، إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيها رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فلا يُبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا. وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لما رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الأئمة من قريش (1)
وقد تمت هذه البيعة في سقيفة بني. ساعدة، وعندما ذهب أبو بكر إلى المسجد أقبل الناس عليه فأخذوا يبايعونه عن رغبة منهم، غير جماعة من بني هاشم، وأبي سفيان من بني أمية، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله الذي كان مشغولاً بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه، ثم إن هذه البيعة، وإن كانت قد تمت للصديق، إلا أن ذلك لمن يمنع من تكوين رأي ثالث يرى أن تكون الخلافة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب الناس إليه عمه العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، لكن العباس لم يكن من السابقين إلى الإسلام، فقد حضر غزوة بدر مع المشركين، فأولى الناس من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه علي بن أبي طالب، فهو أول الناس إسلاماً، وزوج السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله وجهاده وعلمه لا يُنكر، وحجة هذا الفريق أن أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن يخلفوه، وإذا كان المهاجرون احتجوا على الأنصار، بأنهم قوم النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته، فأهل النبي صلى الله عليه وسلم وأقربهم إليه أولى (2)، ولقد تطور هذا الرأي، وأصبح يعتنقه الشيعة فيما بعد.
والذي يستفاد من اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة للتشاور فيمن يلي أمر المسلمين بعد رسول الله له أنه على أساسه قام نظام الخلافة» الذي بقي منذ
(1) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (105/ 8). مسلم في صحيحه، (3/ حديث رقم 1). البيهقي في سننه، (3/ 121). (2) أضواء على أهم الفرق الإسلامية، ص 32 - 33. الملل، ص 24 - 25. الفرق بين الفرق، ص 15. (1/25)
صفحة 24
26
الأباضية نشأتها وفرفها
ذلك الوقت في شكل أو آخر إلى القرن العشرين. كما أن أهم النظريات التي عرضت في اجتماع السقيفة، نظرية الدفاع عن دعوى الأنصار في استحقاقهم للخلافة، على أساس أنهم هم الذين دافعوا عن الإسلام وحموه بأنفسهم وأموالهم، ولنا أن نقول: إن هذه هي أول نظرية ظهرت في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام. ونظرية ثانية انبرت لمقاومتها هي الدفاع عن حق المهاجرين، وإثبات أولويتهم في استحقاق الخلافة على غيرهم، على اعتبار سبقهم في الإسلام، وهم أولياء الرسول صلى الله عليه وسلم وعشيرته، وقد جاء في ثنايا هذا الدفاع لأول مرة فكرة التنويه بفضل قريش: «الأئمة من قريش، وستكون أساساً لنظرية أحقية القرشيين بالخلافة، أو انحصار هذا الحق فيهم.
وهناك نظرية أخرى هي التي دعا إليها الحباب بن المنذر بن الجموح وهي إمكان اقتسام السيادة، أو تعدد الإمرة، أي بأن يكون هناك خليفتان، وذلك حين قال: «منا أمير ومنكم أمير».
كما أن المجتمعين على اختلاف وجهات نظرهم، قد أقروا مبدأ خطيراً هو: أن
اختيار رئيس الجماعة أو الدولة، إنما هو بالبيعة - أي بالانتخاب - ونبذوا جميعاً بسلوكهم الفعلي مبدأ الوراثة، واستقر الرأي على انتخاب أبي بكر له ليس متابعة للتقاليد المألوفة عند العرب منذ القدم، من النظر إلى السن والنفوذ، ولكن لما كان يتمتع به بين الصحابة من مكانة دينية عالية يقر بها الجميع، ثم إلى صفاته العقلية والخلقية النادرة، التي جعلت من شخصيته المثل الكامل للمسلم. ولو جرت الأمور وفق تقاليد العرب، لآثروا ابن عبادة زعيم الخزرج، أو أبا سفيان رأس شيوخ بني أمية، أو العباس عميد الهاشميين، وقد كان فيهم من هو ا أسن من أبي بكر، ولما عدل
المنتخبون عن هذه الأسر القوية إلى فرع تيم البعيد الذي كان أقل نفوذاً» (1).
(1) انظر: كتابنا قضية الإمامة نشأتها وتطورها بين الفرق الإسلامية، ص 17 - 20. وقارن: النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الدين الريس، ص،40، 208، طبعة القاهرة، دار التراث،
1979 (1/26)
صفحة 25
27
الخلاف السادس: في قتال مانعي الزكاة:
وقع هذا الخلاف بين الصحابة في قتال مانعي الزكاة حيث استحل جماعة من العرب منع الزكاة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلف الصحابة في شأنهم: أيقاتلونهم كما كان النبي يقاتل الكفار؟ أم يتركونهم مخافة ألا يقووا على قتالهم فتضيع هيبة العرب إياهم؟ فقال بعضهم: لا نقاتلهم قتال الكفرة، وكان على رأس القائلين بهذا الرأي الفاروق عمر بن الخطاب. وقال آخرون: بل نقاتلهم قتال الكفرة، وكان أبو بكر الصديق، على رأس القائلين بهذا الرأي، حتى إنه قال: «والله لو منعوني عقالاً كان يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه». ويشتد عمر له في خلاف أبي بكر، ويستدل لما ذهب إليه من الرأي، ويقول لأبي بكر: كيف نقاتلهم قتال الكفرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله». وهنا يجد أبو بكر مساغاً للرد على: ويقول له: إن الزكاة حق المال وفيها نقاتل بالحق،
عمر
ومضى بنفسه إلى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم، وعلى رأسهم سيدنا عمر ه فقد ثابَ إلى رشده، ورجع عن مراجعة أبي بكر، وعرف أن الحق في قتال مانعي
الزكاة، وقد زال الخلاف (2).
الخلاف السابع: في أمر فدك:
وقع هذا الخلاف في شأن (فدك)، وهي قرية تقع شمال المدينة كانت ملكاً لليهود، ولما انهزم يهود خيبر، خشي يهود هذه القرية على أنفسهم، فسلموها للنبي دون قتال، فكانت في يده خالصة له مدة حياته، ينفق منها على نفسه وعلى بعض المحتاجين من بني هاشم، فلما انتقل النبي لا لا لا اله إلى الرفيق الأعلى، طالبت السيدة فاطمة رضي الله عنها بوراثة هذه القرية تارة وبتملكها تارة أخرى، وقد استندت
(1) الحديث رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين (199 - 20). مسلم في صحيحه، باب الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، (1/ 206).
(2) مقالات الإسلاميين، ص 36. الملل والنحل، ص 25. الفرق بين الفرق، ص 16. (1/27)
صفحة 26
28
الأباضية نشأتها وفرفها
السيدة فاطمة إلى ما روي عن علي الهلال له في هذا الشأن أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد جعل هذه القرية في حياته لفاطمة رضي الله عنها وولدها.
وقضى أبو بكر بأنها لا تورث، واستدل على ذلك بتلك الرواية المشهورة عن
النبي صلى الله عليه وسلم: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (1).
واستمر الوضع على ذلك، حتى توفي الصديق، ثم بعد ذلك سلمها الفاروق عمر ه للعباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، يليانها ولا يملكانها (2). وانتهى النزاع حول هذه القرية.
الخلاف الثامن:
(3)
في تنصيص أبي بكر على عمر رض رضي الله عنهما بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من اعترض على أبي بكر له، وقال: قد وليت علينا فظا غليظاً، وارتفع الخلاف بقول أبي بكر: «لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم وبعد هذا العرض لهذه الخلافات اتضح لنا أنها خلافات اجتهادية لا عقدية، وأنها لا تعدو أن تكون مجرد رأي أو وجهات نظر تهدف إلى غاية واحدة، هي الوصول إلى الحق فهم نشدوه حتى يدركوه، فمتى بلغوه تلاقت الآراء عند كلمة
سواء.
فقد اختلف الصحابة في هذه المسائل وأشباهها، وانقاد بعض المخالفين لبعض، ولم يتذرع بهذا الاختلاف قوم من أرباب النحل الذين جاؤوا بعد عصر الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين - ولم يورث هذا الاختلاف تفرقة بينهم، ولا
(1) الحديث رواه البخاري، كتاب فرض الخمس (2976) مسلم، كتاب الجهاد والسير،
(1367/ 3)
(2) الملل، ص 25. الفرق بين الفرق، ص 15 - 16. (3) الملل، ص 25. وأيضاً اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي، ص 18، طبعة الكليات
الأزهرية، 1978. (1/28)
صفحة 27
29
جعله بعضهم سبباً لتضليل بعض، ولا لتفسيقه، ولم نجد أحداً من بعدهم جعل اختلاف قوم منهم في بعض هذه المسائل ذريعة لأن يتولى فريقاً معيناً من المخالفين، ولا وسيلة للتشنيع به على فريق معين منهم، فأما أن بعضهم لم يجعل الاختلاف في هذه المسائل سبباً في تضليل بعض ولا تفسيقه، فلأنها مسائل لا تمس العقيدة من قريب أو بعيد، وإنما هي مسائل فرعية، ثم هي. مما لم يرد فيها نص صريح عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم أو جاءت في بعضها نصوص مختلفة، بعضها يعارض بعضها في ظاهر الأمر، فلم يكن بد لأحدهم من أن يجتهد برأيه، فيستنبط من نصوص الشريعة العامة حكم بعض المسائل، أو يقيس شيئاً على شيء، ولم يكن بد لأحدهم – إذا جاءته نصوص مختلفة - من أن يوازن بين هذه النصوص، فيلغي بعضها، أو يخصص كل نص بحالة تغاير حالة النص الآخر، أو غير ذلك من وجوه
انقضاء
التخريج. أما اختلافهم في الخلافة عن الرسول الله فقد بقي بعد عصرهم، وبقي مصدر اضطراب في الأمة الإسلامية، ولم يخل عصر من عصور الدولة الإسلامية بعد عصر أبي بكر وعمر له، من قوم يتخذون من هذا الخلاف وسيلة للخروج على سلطان الدولة، وصارت مسألة الإمامة - مع أنها في ذاتها من مسائل الفروع – مسألة من مسائل العقيدة، فتولي الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما – وحب السبطين (الحسن والحسين ابني فاطمة الزهراء، واعتقاد جواز المسح على الخفين، هذه الأمور الثلاث مجتمعة شعار قوم من أهل النحل، ويحترزون بتولي الشيخين عن عقيدة بعض الغلاة من الشيعة، ويحترزون بحب السبطين عن عقيدة الغلاة من النواصب ويحترزون باعتقاد جواز المسح على الخفين عما يراه بعض
الخوارج، وهكذا).
(1) مقالات الإسلاميين، ص 37 - 38. (1/29)
صفحة 28
30
الأباضية نشأتها وفرفها
ومهما يكن من أمر، فإنه بعد أن اجتمعت كلمة المؤمنين على أبي بكر له، عاد المجتمع إلى استئناف حياته على النحو الذي كانت تسير عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الوتيرة استمرت حياتهم طوال عهد عمر، ثم طوال النصف الأول خلافة عثمان الله. إلا أن الحال لم يدم على ذلك طويلاً فقد جد من الأحداث من والفتن بعد ذلك ما جعل المسلمين يختلفون فيما بينهم.
فقد ظهر الخلاف حول الإمامة مرة ثانية في آخر عهد عثمان بن عفان حيث وقعت منه عن اجتهاد وحسن نية تصرفات أنكرت عليه). وتبرم بها المسلمون ووجد أعداء الإسلام الفرصة سانحة لإحداث فتنة بين المسلمين، فجدوا في تحريض الناس على عثمان، وتولى كبر هذا العمل عبد الله بن سبأ الذي أشعل نيران الثورة على عثمان، وكانت ثورة ظالمة، انتهت بهذه الخاتمة الأسفية، ألا وهي محاصرة الشهيد في داره واغتياله - دون حكم شرعي – وهو يقرأ القرآن سنة 35 هـ (2). وبقتله حدثت الفتنة التي صدعت وحدة المسلمين، وفرقت كلمتهم، وجعلتهم فرقاً وأحزاباً، يكفر بعضهم بعضاً، ولم يسلم من تكفيرهم أحد من كبار الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
(1) الأحداث التي أخذت على عثمان كما يقول الشهرستاني: رده الحكم بن أمية إلى المدينة، بعد أن طرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسمى طريد رسول الله، وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أيام خلافتهما، فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً. ومنها: نفيه أبا ذر إلى الربذة - من قرى المدينة - وتزويجه مروان بن الحكم بنته وتسلميه خمس غنائم إفريقية له، وقد بلغت مائتي ألف دينار، ومنها إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان رضيعه، بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه وتوليته إياه مصر بأعمالها، وتوليته عبدالله بن عامر البصرة، حتى أ أحدث فيها ما أحدث إلى غير ذلك مما نقموا عليه، وكان أمراء جنوده معاوية بن أبي سفيان، عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص، عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبدالله بن عامر، عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر، وكلهم خذلوه ورفضوه، حتى أتى قدره عليه. وقتل مظلوماً في داره. انظر: الملل، ص 26. وأيضاً: تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 27 - 31. (2) دراسات نقدية في مذاهب الفرق الكلامية، د. محمد الأنور السنهوتي، ص 10، طبعة القاهرة، دار الثقافة العربية، 1990. (1/30)
صفحة 29
31
ولقد أحدث مقتل عثمان الله شراً مستطيراً لم ينطفئ لهبه حتى اليوم، فقد بدأ
الشقاق يدب في صفوف المسلمين، فحمل كلاهما السيف لقتال أخيه في مأساة دامية بين مطالب بدم عثمان، وبين ثائر عليه.
وفي هذا المعترك بويع علي بن أبي طالب الله ليكون خليفة للمسلمين، وبعد مبايعته تجدد الخلاف حول الإمامة مرة ثالثة، ذلك أن الناس كانوا عند مقتل عثمان ه متفرقين في الأمصار، فلم يشهدوا جميعاً بيعة علي بالمدينة والذين شهدوا بيعته، منهم من بايعه بالإمامة، ومنهم من توقف عن البيعة، حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام، ومن هؤلاء كما يذكر ابن خلدون عبدالله بن عمر، وأسامة بن زيد، والمغيرة بن شعبة، وعبدالله بن سلام، وأبو سعيد الخدري، وكعب بن مالك، والنعمان بن بشير، وحسان بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وفضالة بن عبيد، وأمثالهم من أكابر الصحابة والذين كانوا في الأمصار عدلوا عن بيعة على أيضاً إلى المطالبة بدم عثمان، وظنوا بعلي هوادة في السكوت عن نصرة عثمان من قاتليه، لا في الممالأة عليه، فحاشا لله من ذلك، ولقد كان معاوية إذا صرح بملامته لعلي، إنما يوجهها إليه في سكوته فحسب، وعدم اقتصاصه من قتلة عثمان الا الله.
ثم اختلفوا بعد ذلك، فرأى علي أن بيعته قد انعقدت، ولزمت من تأخر عنها، باجتماع من اجتمع عليه بالمدينة، دار النبي ا ه و و موطن الصحابة، وأرجأ الأمر في المطالبة بدم عثمان إلى اجتماع الناس واتفاق الكلمة، فيتمكن حينئذ من ذلك. ورأى الآخرون أن بيعته لم تنعقد، لتفرق أهل الحل والعقد من الصحابة في الأمصار، ولم يحضر إلا قليل، ولا تكون البيعة إلا باتفاق أهل الحل والعقده ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم، أو من القليل منهم، وأن المسلمين حينئذ فوضى، فيطالبون أولاً بدم عثمان، ثم يجتمعون على إمام، وذهب إلى هذا: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وأم المؤمنين عائشة، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وابنه محمد وسعد وسعيد، ومعاوية بن خديج، ومن كان على رأيهم من الصحابة (1/31)
صفحة 30
32
الأباضية نشأتها وفرقها
الذين تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة، إلا أن أهل العصر الثاني من بعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة علي، ولزومها للمسلمين أجمعين، وتصويب رأيهم فيما ذهب إليه، وتعين الخطأ من جهة معاوية ومن كان على رأيه (1).
ولم تضع مبايعة الإمام علي بن أبي طالب الله حداً للفتنة، بل انقسمت الجماعة الإسلامية على إثرها إلى معسكرين كبيرين، أحدهما: شايع علياً، والثاني: شايع معاوية رضي الله عنهما، وهذه بداية ظهور الأحزاب داخل الجماعة، حيث أطل الشيطان على المشاهد الدامية التي بدأت تأخذ مكانها لبثت الفرقة في مجتمع كان قد التف حول راية رسول الله ولو على الخلفاء من بعده، لنشر الدين، وإعلاء كلمة الحق، وتوطيد دعائم الإسلام.
حينئذ ظهر الاختلاف على أشده، وكان كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أول نزاع ظهر على الإمامة، إذ اعتبر ما جرى من قبل لم يكن نزاعاً بالمعنى الحقيقي، إلا ما جرى في اجتماع السقيفة وما انفصلوا حتى اتفقوا ومثل هذا لا.
نزاعا (2)
يس
وقد شق الخلاف طريقه، تاركاً آثاره العميقة زمناً طويلاً، وفرق المسلمين شيعاً وأحزاباً، وصبغ الخلافات بلون الدماء، وانبعثت آراء ومعتقدات جديدة لم تكن معروفة من قبل، حيث اصطبغ الدين بالسياسة، كما تلونت المطالب السياسية، واستندت في بعض المواقف على الدين.
وخرج معاوية بن أبي سفيان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، على علي ووافقتهم السيدة عائشة - رضي الله عنهم جميعاً – واضطر الإمام علي إلى قتال
(1) المقدمة، لابن خلدون، 187 188، طبعة عبدالسلام شقرون القاهرة. (2) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، لابن تيمية، (261)، طبعة القاهرة، 1930. (1/32)
صفحة 31
33
طلحة والزبير حين خرجا إلى مكة، وحملا معهما السيدة عائشة إلى البصرة، ونصبوا القتال معه، وانتهى أمرهم بانهزامهم جميعاً أمام الإمام علي في وقعة الجمل» (1). والحق - كما يقول الشهرستاني - أنهما رجعا وتابا عن قتال علي، إذ ذكرهما أمراً فتذكراه، فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف، وهو في النار لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بشر قاتل ابن صفية بالنار» (2). وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض، فخر ميتاً، وأما عائشة رضي الله عنها فكانت محمولة على ما فعلت، ثم تابت بعد ذلك ورجعت ولا شك في أن الظروف قد هيأت لهذا النزاع، وأن من الطوائف من سعت سعياً حثيثاً إلى وقوعه للنيل من المسلمين، وإضعاف الدين الجديد، الذي بدأ ينتشر وينمو على نطاق واسع، ويقف على رأس الراغبين في استمرار وقوع الفتنة حزب (السبئيين) (4) ومن مالأهم من قتلة عثمان له.
(3)
(1) كتابنا قضية الإمامة نشأتها وتطورها بين الفرق الإسلامية، ص 24.
(2) الحديث ذكره القرطبي في تفسيره ره، (6/ 321)، طبعة الشعب. وابن كثير في البداية والنهاية،
(7/ 150)، طبعة دار الفكر.
(3) الملل والنحل، (27/ 1).
(4) تنسب
، هذه الفرقة إلى زعيمها عبدالله بن وهب بن سبأ، وهو يهودي من أهل صنعاء، أسلم في عصر عثمان، أو بالأحرى اصطنع الإسلام ليكيد للمسلمين فهو من اليهود الذين دخلوا الإسلام وهم ناقمون عليه، فأعلنوا الإسلام ظاهراً، وأضمروا الكفر باطناً، وقد لقب هذا الرجل بابن السوداء وقد اتخذ هذا الحاقد من التشيع لآل البيت منهجاً لبث سمومه، وأفكاره بين المسلمين، وأخذ يتنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم، وقد أحدث ابن سبأ في الإسلام أموراً كل منها له أثر بالغ في تفريق كلمة الأمة، وتمزيق وحدتها، ومن هذه الأمور: (1) كان هو أول من أحدث القول بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب بالإمامة، فعلي له وصي الرسول صلى الله عليه وسلم وخليفته على أمته من بعده بالنص (2) كان هو أول من أحدث القول برجعة علي ه ه ه ه ه ه إلى الدنيا بعد موته، وبرجعة رسول الله أيضاً. (3) كان هو أول من أحدث القول بأن علياً لم يُقتل وأنه لا يزال حياً، وأنه يسكن السحاب، وأن الرعد صوته، وأن البرق سوطه، وأن فيه جزءاً إلهياً، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض
فيملأها عدلا كما ملئت جوراً. وأكثر هذه القضايا مأخوذ عن اليهودية التي كان يتعارفها قومه (1/33)
صفحة 32
34
الأباضية نشأتها وفرقها
ولهذا فإن القاضي ابن العربي يضع وزر نشوب هذه الحرب على عاتق قتلة عثمان، استناداً على ما روي عن الحافظ بن كثير والطبري، من أن الفريقين كانا يرغبان في الصلح، فبعث علي عبدالله بن عباس، وبعض أصحاب الجمل، بمحمد ابن طلحة هادفين جميعاً الصلح، ولكن قتلة عثمان لم يتفق وما بيتوه من فتن لكي يختفوا وسط هذه المعمعة، فاجتمعوا في السر على إنشاب الحرب، فلما أنشبوها ظن كل فريق من الفريقين أن الآخر غدر به فنشب القتال بينها (1).
ومما يبرهن أيضاً على أن طلحة والزبير والسيدة عائشة – رضي الله عنهم - لم ينهضوا في معارضة علي بغرض الحرب منذ البداية أنهم لم يطعنوا في إمامة علي أو يجرحوها، كما أنهم لم يبايعوا شخصاً آخر غيره، يؤيد هذا ما يقوله ابن حزم الظاهري: «لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه، ولا نقضاً لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته» (2).
ومهما يكن من أمر، فقد انتهت موقعة الجمل» ولم تسفر عن الانشقاق الذي حدث في أعقاب موقعة صفين» ولم يكن لها شأن في إيجاد معتقدات جديدة، أو تحزب ومواقف ذات منهج خاص ونظرة مختلفة، وبذلك لم تترك موقعة الجمل» إلا آثار بصماتها على الفرق الإسلامية، التي تناولت أصحابها بالبحث والنظر، فصوبت البعض، وخطأت البعض الآخر. فقد صوب أهل السنّة علياً في حروبه الثلاثة - أي الجمل وصفين والنهروان - واعترفوا بإمامته إبان خلافته، وأنه صاحب الحق فيه، واعتقدوا بتوبة كل من طلحة والزبير، لأنهما رجعا عن قتال علي، وأن السيدة
يومئذ، بل إنه كان يستدل لمن يخدعهم على صحة هذه القضايا ببعض ما عرف من أحوال موسى ال مع شيء من التمويه والتحريف. وابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان الله، وما زال يُذكي لهبها، ويجمع لها أوشاب الناس، حتى قتل الخليفة المظلوم عثمان بن عفان. انظر: مقالات الإسلاميين، (11/ 1 - 12). وأيضاً: تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 31. (1) نظام الخلافة في الفكر الإسلامي د. مصطفى حلمي ص 132 طبعة دار البيان مصر (2) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي، (158/ 1)، طبعة القاهرة، 1902.
1977 (1/34)
صفحة 33
35
عائشة – رضي الله عنها – قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنوضبة والأزد على رأيها، وقاتلوا علياً دون إذنها، حتى كان من الأمر ما كان (1)
ولما حسم علي به النزاع مع أصحاب الجمل) حمل معاوية قميص عثمان على منبر دمشق، مطالباً بدمه، وجند أهل الشام لقتاله، واعتبرهم الإمام علي خارجين بغاة، خرجوا على حكم الإمام المبايع بيعة صحيحة، فخرج لقتالهم، فكانت معركة «صفين» عام 37 هـ، وكانت أشبه بانفجار ذي دوي شديد، ويحق وصفها بأنها كانت حرباً ضروساً أوشكت أن تفنى المسلمين، وتُذهب بمجدهم وتمحو آثارهم ... ولولا أن تداركتهم عناية الله بصلح حقن من دماء الفريقين، وحفظ عليهم بقية من أبطالهم وأمجادهم، لتغير وجه التاريخ الإسلامي. وقد كان معاوية ممن رأى أن بيعة علي لم تنعقد لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق، وأنه يجب المطالبة بدم عثمان أولاً، ثم يجتمعون على إمام. وكانت حجة الإمام علي أن
(2)
البيعة قد تمت له حيث عقدها القوم أنفسهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان قبله، وتمت عن شورى المهاجرين والأنصار، فلا معنى لخروج أحد عن هذه البيعة التي أجمع عليها هؤلاء وأولئك، وإلا حق على الخارج عن الجماعة أن يقاتل، أما عن قتلة عثمان فإنه طلب من معاوية أن يدخل فيما دخل فيه المسلمون ثم تأتي الخطوة القتلة (3). التالية، وهي القصاص من
وبعد أن يئس الإمام علي من مبايعة معاوية إياه التقى به في موقعة «صفين»، فلما أحس معاوية أن الدائرة كادت تدور عليه أوعز إلى جنده بأن يرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح، ويطلبوا الاحتكام إلى كتاب الله تعالى، وأدرك علي بثاقب نظرته
(1) الفرق بين الفرق، ص 350.
(2) وقعة صفين، لنصر بن مزاحم، مقدمة الكتاب للأستاذ عبد السلام محمد هارون، محقق الكتاب، طبعة القاهرة.
(3) الخوارج الأصول التاريخية لمسألة تكفير المسلم، مصطفى حلمي، ص 9 - 10، طبعة دار الأنصار، القاهرة، 1977. (1/35)
صفحة 34
36
الأباضية نشأتها وفرفها
أن هذه المكيدة يراد بها درء الهزيمة الوشيكة، فنصح لقومه بمواصلة القتال لتحقيق النصر الذي بدت له بشائره، لكنهم اختلفوا عليه، وتعارضت آراؤهم، فمن محبذ للتحكيم داع إليه، ومن ساخط عليه راغب في القتال، وتغلب جانب الأولين، حيث هددوا بالخروج على إمامهم إذا هو واصل القتال، فاضطر علي إلى التنازل عن رأيه وقبل التحكيم
(1)
وقد ذكر الإمام الشوكاني: أن الذين تركوا قتال معاوية، ودفعوا علياً إلى قبول التحكيم كانوا جمعاً كثيراً، منهم عدد من القراء توقفوا عن القتال تأثماً وتديناً، واحتجوا الموقفهم بقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى
كتب الله يحكم بينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ) [آل عمران: 23] (2). فالذين والوا علياً انقسموا إلى فريقين متميزين كبيرين بعد حادثة «التحكيم» فانقلب أحدهما مناوثاً له، وتحول إلى حزب معادٍ، بالغ في الحملة عليه ومقاتلته، كما بالغ من قبل في إخلاصه له وغيرته، وهؤلاء هم الذين سيقال عنهم «الخوارج» وثبت الثاني على الولاء، وضاعف إخلاصه لقائده، ثم استمر هذا الولاء في التاريخ، وورثه الجيل الراهن للأعقاب، أخذ يتطور تبعاً لتجدد الحوادث، وتتفرع عنه نظريات، وهؤلاء هم الذين نسميهم جذر الشيعة» أو أصلها (3).
وبعد مفاوضة بين الجانبين، رضي أهل الشام عمرو بن العاص نائباً عنهم، ورضي أهل العراق أبا موسى الشعري ممثلاً لهم، ثم كتب عقد التحكيم، وأعلنت الهدنة ستة أشهر إلى أن يجتمع الحكمان، ولكن هذا الإجراء لم يرفع الخلاف، بل زاده عنفاً وتمكناً من النفوس. وقد نشأ حزب «الخوارج» عقب إعلان نتيجة التحكيم بين أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، إذ تعالت الهتافات من معسكر علي:
(1) قضية الإمامة نشأتها وتطورها، ص 27 - 28. (2) نيل الأوطار للإمام الشوكاني، (339/ 7)، طبعة دار الفكر، بيروت، 1402 هـ.
(3) النظريات السياسية الإسلامية، ص 60. (1/36)
صفحة 35
37
كفر الحكمين «لا حكم إلا الله وانقلب المؤيدون أعداء، وأصبحوا أكثر خطراً على علي من جيش معاوية (1).
وهذا أول حزب سياسي يتكون في تاريخ الإسلام، وتبرز شخصيته على مسرح الحوادث ويوجد له نظام، ويكون من خواص حياته الاستمرار، ومن هذه اللحظة يمكن تتبع حياته في أدوار مختلفة، وأطوار متعاقبة.
ولما تم ذلك نهض من ثبتوا مع علي، ووافقوه على خططه فقالوا: «في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت وبذا تكون من الطرف الآخر حزب جديد واضح الشخصية، هو حزب الشيعة (2).
وهكذا: تمخضت هذه الحوادث عن نشأة ثلاث فرق إسلامية هي: الخوارج، وهم الذي خرجوا على الإمام علي ومعاوية وحكموا بكفرهما، وزعموا أن التحكيم مخالف للدين. والشيعة وهم الذين شايعوا علياً، وقالوا بإمامته وخلافته، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده والمرجئة وهم من آثروا العزلة، وأرجؤوا الحكم على المتنازعين إلى الله تعالى (3). وهذه الفرق الأولى قد نشأت بسبب أحداث سياسية، فكان ينبغي أن تظل أحزاباً سياسية، ولكن القوم تجاوزوا ذلك إلى البحث في أمور تتعلق بأصل الإيمان والاعتقاد، وآثاروا مسائل دينية مهمة، انتقلت إلى علم الكلام، وأصبحت من صميم موضوعاته، ولذا صارت هذه الفرق بعد ذلك فرقاً دينية كلامية، بعد أن
(1) نظام الخلافة في الفكر الإسلامي، ص 154.
(2) النظريات السياسية، ص 60.
(3) دراسات نقدية في مذاهب الفرق الكلامية، ص 14 - 15. وقارن فجر الإسلام، أ. أحمد أمين (1/ 300، 302)، طبعة الهيئة العامة للكتاب، 1996، و 1، وأيضاً الأشعري، د. حمودة غرابة، ص 25 - 26، طبعة الخانجي، القاهرة. (1/37)
صفحة 36
38
الأباضية نشأتها وفرقها
كانت سياسية. ثم ظهرت بعد ذلك، ومن خلاف عقدي بحت ثلاث فرق دينية هي: المعتزلة والجهمية، وأهل السنة، الأشاعرة والماتريدية.
وإذا كانت مشكلة (الإمامة) تعد أول مشكلة جوهرية اختلف المسلمون بشأنها وأدى الخلاف حولها إلى نشوء الفِرق والأحزاب في الإسلام، فليس ذلك أنها هي السبب الوحيد في تفرّق الأمة، بل يوجد بجانبها أسباب أخرى من أهمها:
1 - العصبية القبلية:
تعتبر العصبية القبلية من أسباب الخلاف، بل هي جوهر الخلاف الذي فرّق شمل الأمة الإسلامية، فإن الإسلام قد حارب العصبية في نصوص القرن والسنة، حرباً لا هوادة فيها، ونعى على الذين يفتخرون بأحسابهم وأنسابهم، وبيّن أن الأحساب والأنساب لا وزن لها، ولا قيمة عند الله القائل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيد ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]، وقال: {يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ)
[الحجرات: 13].
وكذلك أنكر النبي، العصبية، وبيّن أن من يدعو إلى عصبية لا يستحق أن ينسب إلى الإسلام، حيث قال: ليس منا من دعا إلى عصبية)، وبين كذلك أن الأفضلية في الإسلام تكون بالتقوى لا بالحسب ولا بالنسب، حيث قال: «كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» (2).
وقد اختفت العصبية في عصر النبي الله بهذه البينات الواضحات، واستمر اختفاؤها إلى عصر الخليفة عثمان، ثم انبعثت في عهده قوية عنيفة، وكان انبعاثها له أثر في الاختلاف بين الأمويين والهاشميين أولاً، ثم الاختلاف بين الخوارج
(1) الحديث رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب العصبية، (332/ 4)، حديث رقم (5121). (2) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده (361/ 2، 524)، طبعة المكتب الإسلامي. (1/38)
صفحة 37
39
وغيرهم. فقد كانت القبائل التي انتشر فيها مذهب الخوارج من القبائل الربعية، لا
من القبائل المضرية، والنزاع بين الربعيين والمضريين معروف في العصر الجاهلي، فلما
جاء الإسلام أخفاه، حتى ظهر في نحلة الخوارج
(1)
2 دخول بعض أهل الديانات القديمة في الإسلام
لقد اعتنق كثير من اليهود والنصارى والمجوس الدين الإسلامي، وفي رؤوسهم أفكارهم الدينية الباقية من دياناتهم القديمة، وقد استولت على مشاعرهم، فكانوا يفكرون في الحقائق الإسلامية على ضوء اعتقاداتهم القديمة، وقد أثاروا بين المسلمين ما كان في دياناتهم من الكلام عن صفات الله تعالى، وهل هي عين الذات، أم شيء آخر زائد على الذات؟ وهل الإنسان مُسيَّر أم مُخيَّر؟ إلى غير ذلك من الشبه التي كانت تثار في دياناتهم القديمة.
كما كان! يوجد بجوار هؤلاء - الذين دخلوا الإسلام مخلصين، ولكن ما زالت في رؤوسهم بقايا دياناتهم القديمة - آخرون دخلوا في الإسلام ظاهراً، وأبطنوا غيره، وما كان دخولهم إلا ليفسدوا على المسلمين أمور دينهم، ويبثوا فيه الأفكار المنحرفة، ولذا وجد من نشروا بين المسلمين أهواء مردية، كما كان يفعل الزنادقة وغيرهم من المنحرفين.
3 ترجمة الكتب الفلسفية:
كان للكتب الفلسفية المترجمة أثر واضح في اختلاف المسلمين حيث غزا الفكر الإسلامي كثير من المنازع الفلسفية والمذاهب القديمة في الكون والمادة وما وراء الطبيعة، وفي هذه الفترة ظهر من علماء المسلمين على مسرح تلك الحياة، من نهج الفلاسفة والمفكرين القدماء، وحذا حذوهم، وسلك سبيلهم، يضاف إلى هذا أنه قد ظهر في العصر العباسي أقوام شكيون ينزعون في الشك منزع السوفسطائيين
منهج
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة، ص 11 - 12. وقارن: أضواء على أهم الفرق
الإسلامية، ص 24 - 25 (1/39)
صفحة 38
40
الأباضية نشأتها وفرفها
الذين ظهروا في اليونان والرومان، وقد نشأ على أساس هذا مذاهب فكرية مختلفة، وكان لذلك أثره في التفكير الديني نفسه.
فقد وجدنا مفكرين يفكرون في العقائد الإسلامية تفكيراً فلسفياً يتضح ذلك في الفكر المعتزلي حيث إن المتتبع لمذهبهم يراهم قد نهجوا مناهج الفلاسفة في إثبات العقائد الإسلامية، وإن علم الكلام على منهاج المعتزلة، ومن يردون عليهم من علماء السنة، هو مجموعة من الأقيسة المنطقية والتعليلات الفلسفية، والدراسات العقلية.
وقد ترتب على شيوع التفكير الفلسفي بين علماء المسلمين في إثبات العقائد أن تعرضوا لدراسة مسائل ليس في استطاعة العقل البشري أن يصل فيها إلى نتائج مقررة ثابتة كمسألة إثبات صفات الله تعالى ونفيها، ومسألة قدرة العبد بجوار قدرة الرب وغير ذلك من المسائل، فإن البحث في هذه المسائل يفتح باباً واسعاً من أبواب الاختلاف، إذ تختلف الأنظار، وتتباين المسالك، ويتجه كل اتجاهاً يخالف الآخر، وربما كان أكثر المسائل التي وقع فيها الاختلاف بين علماء الكلام من هذا
(1)
القبيل".
هذه بعض أسباب الخلاف، وإن الخلاف دائماً يبدو مظهره، وعوامله أسباب تختفي، وقد يظهر بعضها للباحث، وقد يختفي بعضها في لجة التاريخ، وقد يكون السبب المباشر لها حدثاً جزئياً، وتنبعث وراءه خلافات في قضايا كلية إذا تحفزت النفوس، وتفتحت القرائح، وتباينت الأفهام.
وقد كان للخلاف بين المسلمين مظهران: أحدهما عملي، والآخر علمي. أما العملي، فهو كالذي وقع من الخارجين على عثمان الله، وكالذي وقع بين علي بن أبي
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 13 - 14. وقارن أضواء على أهم الفرق الإسلامية، ص 25 - 26. (1/40)
صفحة 39
41
طالب والخارجين عليه، فتلك حوادث التاريخ السياسي يسجلها، ويوضح أسبابها العلمية ويربط بين الأسباب والنتائج فيها.
ولا يهم الباحث العلمي النظري، الذي يؤرخ للعلوم والمذاهب - لا للحوادث والواقع - إلا أن يسجل مدى تأثير هذه الوقائع في المذاهب الفكرية، ومدى تأثير المذاهب فيها، فمثلاً نجد أن الخلاف بين العالي الله،)، والأمويين الخارجين عليه انبعث عن فكرة هي: من لهم حق اختيار الخليفة أهم أهل المدينة و ة وحدهم، والناس لهم تبع، أم حق الاختيار للمسلمين في كل البقاع؟ ونتج عن هذا الخلاف الشديد بين الإمام علي والأمويين، أن ظهرت فرق مذهبية مختلفة هي: «الخوارج» و «الشيعة وغيرهم، ونجم عن ظهور الخوارج انبعاث حروب بينهم وبين الإمام علي أولاً، وبينهم وبين الأمويين ثانياً، ونجم عن ظهور الشيعة، حروب انتهت بقيام الدولة العباسية، التي كان شيعية في ابتداء تكوين الدعوة.
والنوع الثاني من الخلاف الإسلامي، هو الخلاف العلمي النظري، ويتمثل في الاختلاف حول بعض الأمور التي تتصل بالعقيدة، وفي الفروع، فالخلاف فيما يتعلق بالعقائد والفقه، لم يتجاوز الحد النظري والاتجاه الفكري، وطبيعة حياتهم العلمية لا تسمح لهم بأن ينقلوا الخلاف من ميدان القول إلى ميدان العمل، ولم يكن الاختلاف النظري ليصل في حدته إلى أن يجعلوه عملياً، ولم تظهر الحدة إلا في أن يحكم كل واحد على الآخرين بالخطأ، أو الابتداع.
ومهما يكن مقدار الخلاف النظري - سواء أكان في السياسة أم كان في العلوم الاعتقادية أو الفقهية - فإنه لم يمس لب الإسلام، ولم يكن الاختلاف في علم من الدين بطريق قطعي لا شك فيه أو في أصل من أصوله التي لا مجال لإنكارها، والتي تعد من أركان الإسلام التي يقوم عليها بناؤه.
وأنه إذا كانت هناك آراء تمس الاعتقاد، فقد نحى العلماء معتنقيها عن أن يكونوا في زمرة المسلمين، فمثلاً ظهرت في عهد علي الله طائفة تعتقد حول الله (1/41)
صفحة 40
42
الأباضية نشأتها وفرفها
تعالى في علي تسمى «السبئية»، وأخرى تعتقد أن الرسالة كانت لعلي ولكن جبريل ال أخطأ ونزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم وتسمى «الغرابية»، ولكن المسلمين جميعاً يقررون أن هاتين الفرقتين ليستا من أهل الإسلام في شيء، كما أن في الخوارج فرقة تنكر سورة يوسف، وهذه هي الأخرى قد أجمع المسلمون على أنها ليست من أهل الإسلام (1).
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 17 - 19. الفرقة التي تنكر سورة يوسف هي فرقة (العجاردة) من فرق الخوارج، وهذا يعد خروجاً على كتاب الله تعالى، وكفر به، لأن من ينكر بعض القرآن كالذي ينکره کله. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للرازي، ص 69. (1/42)
صفحة 41
الفصل الأول النشأة التاريخية للخوارج
سبق أن قلنا إن الأحداث السياسية وما جرّته من حروب في المجتمع الإسلامي، كانت سبباً في ظهور الفرق والأحزاب وأدت إلى انقسام المسلمين، و تمزق وحدتهم، ولم يكن الصدع الوحيد بين المسلمين هو حروب علي ومعاوية - رضي الله عنهما – بل سرعان ما امتد ليشمل مؤيدي الإمام على أنفسهم، فانقسموا بين مؤيد لعلي ومشايع، وهم الشيعة، وبين خارج عليه، ومكفّر له، لقبوله التحكيم وهم «الخوارج».
وقد نشأ حزب «الخوارج فور إعلان نتيجة التحكيم بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، إذ تعالت الهتافات من معسكر علي: كفر الحكمين لا حكم إلا الله وانقلب المؤيدون أعداء، وأصبحوا أكثر خطراً على عليه من
جيش معاوية له.
فلما قبل علي التحكيم الذي اقترحه معاوية بن أبي سفيان، إبان وقعة صفين 37 هـ / 657 م وكان من أمره ما كان مما أطلق عليه بعض المؤرخين خداع عمرو ابن العاص لأبي موسى الأشعري، قال بعض المتمردين - وكان معظمهم من قبيلة تميم: لا حكم إلا الله». فلما سمع علي ذلك قال قولته المشهورة: «كلمة حق يراد بها باطل، وإنما مذهبهم ألا يكون أمير، ولا بد من أمير، برا كان أو فاجراً».
- (1/43)
صفحة 42
44
الأباضية نشأتها وفرقها
ثم تجمع هؤلاء الخارجون، واتجهوا نحو حروراء، غير بعيد من الكوفة، فتابعهم علي يبغي صلاحهم، ووقف بينهم وخطبهم متوكثاً على قوسه قائلاً: أنشدكم الله، هل علمتم أحداً كان أكره للحكومة مني؟ قالوا: اللهم لا. قال: أفعلمتم أنكم أكرهتموني عليها حتى قبلتها؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: إنا أتينا ذنباً عظيماً فتبنا إلى الله منه» (1).
وعاد الخارجون في صحبة الإمام علي كرم الله وجهه إلى الكوفة، ثم ما لبثوا أن عاودتهم فكرة الخروج ظناً منهم أن علياً قد رجع عن الحكومة، فأرسل إليهم ابن عباس لكي يتفادى المسلمون الفتنة، ولكنهم أصروا على موقفهم من علي، وأجمعوا البيعة لواحد من بينهم اسمه عبدالله بن وهب الراسبي.
وقد طلبوا من علي الله أن يقر على نفسه بالخطأ، بل بالكفر، لقبوله التحكيم ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فإن فعل عادوا إليه وقاتلوا معه، لكن الأمر كان أكبر من هذا، فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه والدين يأمر بالوفاء بالعهود؟ ولو رجع لتفرق عنه أكثر أصحابه، وكيف يقر على نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئاً منذ آمن؟ فضايقوه بالإكثار من قولهم: «لا حكم إلا لله»، فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: (لا حكم إلا الله» (2)
وكان موقف الإمام علي منهم أول الأمر ألا يحاربهم حتى يبدؤوه بالحرب، فلما عمدوا إلى استعمال العنف، وقتلوا عبدالله بن خباب وفي عنقه المصحف، ولما ركبوا رؤوسهم ولم يحاولوا أن يستجيبوا لدعوة علي، خرج إليهم في يوم النهروان وأوقع بهم وقتل منهم عدداً كبيراً، وفي هذه المعركة قتل زعيمهم ابن وهب وقد كان
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 121، طبعة بيروت 1971 وأيضاً: البداية والنهاية حافظ ابن كثير
(719/ 7)
(2) فجر الإسلام، أ. أحمد أمين، ص 256، طبعة النهضة المصرية، 1965. (1/44)
صفحة 43
النشأة التاريخية للخوارج
45
بمكنة علي أن يقضي على الخوارج قضاء مبرماً، ولكنهم ما لبثوا أن تربصوا به،
(1)
وأرسلوا إليه واحداً منهم يدعى عبدالرحمن بن ملجم المرادي فقتله في المسجد)) قاسم الخوارج يطلق على الجماعة الذين خرجوا على الإمام علي عندما قبل التحكيم ورحى الحرب دائرة في موقعة «صفين»، ونفروا من أن يحكم أحد في كتاب الله تعالى، ورأوا أن التحكم خطأ لأن حكم الله في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المتحاربين، أيهما أحق، وليس يصح هذا الشك، لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون أن الحق في جانبهم
(2)
ويعرف الشهرستاني «الخوارج بمعنى أعم فيقول: «كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً سواء كان الخروج في أيام الصحابة، على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان» (3). فالخوارج حزب سياسي ديني، قام في وجه السلطة القائمة من أجل الدين كما فهموه، وهم لا يعدون أنفسهم خارجين عن الدين بل خارجين من أجل الدين، ومن أجل إقامة شرع الله، غير مبالين بما يُحدثه ذلك الخروج من فرقة وانقسام وأحداث دامية، وهم مجاهرون بدعوتهم متمسكون بدعوة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، غير مبالين بما يؤدي إليه تطبيق هذا المبدأ من قتل المخالفين سراً أو علناً، ولقد تشبثوا بهذا المبدأ وتطبيقه، حتى أصبح علامة من علاماتهم.
(4)
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 122.
(2) فجر الإسلام، أ. أحمد أمين، ص 406، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996، الملل والنحل،
(115/ 1)
(3) الملك والنحل، (144/ 1). قارن اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي، تحقيق: طه عبدالرؤوف، ص 51، طبعة الكليات الأزهرية، 1987.
(4) الفرق الكلامية الإسلامية، مدخل ودراسة، د. عبد الفتاح المغربي، ص 175، طبعة دار التوفيق، القاهرة، 1986. وقارن علم الكلام ومدارسه، د. فيصل عون، ص 120، طبعة دار التوفيق، القاهرة، 1981. (1/45)
صفحة 44
46
الأباضية نشأتها وفرقها
ويمكن القول بأن الخوارج أول حزب سياسي يتكون في تاريخ الإسلام وتبرز شخصيته على مسرح الحوادث، واضحة محددة، وتتقرر عقائده ونظرياته في مبادئ متميزة جلية، ويتبلور له نظام، ومن تلك اللحظة التي نشأ فيها هذا الحزب، يمكن تتبع حياته في أدوار مختلفة، وأطوار متعاقبة، وهي سلسلة تمسك حلقاتها بعضها ببعض، ممتدة طوال عصور التاريخ).
وهذه الفرقة أشد الفرق الإسلامية دفاعاً عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشد الفرق تهوراً واندفاعاً، وهم في دفاعهم وتهورهم متمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها، وظنوا هذه الظواهر ديناً مقدساً لا يحيد عنه مؤمن، استرعت ألبابهم كلمة (لا حكم إلا الله) فاتخذوها ديناً ينادون به، فكانوا كلما رأوا علياً يتكلم قذفوه بهذه الكلمة. واستهوتهم - أيضاً - فكرة البراءة» من سيدنا عثمان بن عفان، والإمام علي - رضي الله عنهما -، والحكام الظالمين من بني أمية حتى احتلت أفهامهم، واستولت على مداركهم استيلاء تاماً، وسدت عليهم كل طريق يتجه بهم للوصول إلى الحق، أو ينفذون منه إلى معاني الكلمات التي يرددونها، بل إلى معاني حقائق الدين ذاتها، فمن تبرأ من عثمان وعلي ومعاوية وطلحة والزبير والحكام الظالمين من بني أمية سلكوه في جمعهم، وأضافوا اسمه إلى أسمائهم، وتسامحوا معه في مبادئ أخرى من مبادئهم
(2)
وبرغم أن الخوارج قد حابوا علياً وخرجوا عليه، فإن له فيهم – وهو الإمام المنصف - كلمة حق حين قال في آخر أيامه: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه، وأمير المؤمنين يشير بذلك إلى أن الخوارج أشرف في قصدهم من بني أمية، لأن الأمويين اغتصبوا الخلافة اغتصاباً بغير حق، ثم ما لبثوا أن حولوها إلى ملك عضوض، الأمر الذي يتنافى مع الإسلام
(1) النظريات السياسية، د. الريس، ص 62. (2) تاريخ المذاهب الإسلامية، (1/ 65 - 66). (1/46)
صفحة 45
47
النشأة التاريخية للخوارج نصاً وروحاً، وأما الخوارج، فكانوا يدافعون عن عقيدة دينية آمنوا بها، وإن أخطؤوا السبيل إليها وقد أيد الإمام العادل عمر بن عبدالعزيز رأي الإمام علي في حُسن الظن بهم، حينما قال لبعضهم: إني علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا أو متاع، ولكنكم أردتم الآخرة، فأخطأتم سبيلها» (1).
وقد ارتبط ظهور مذهب الخوارج وانتشاره في بلاد المغرب الإسلامي بعاملين: أولهما: التطور السياسي الذي حدث للخوارج في المشرق الإسلامي، وفي أواخر القرن الأول الهجري بعد فشل ثوراتهم واضطرارهم إلى اتباع أسلوب الدعوة والتنظيم السياسي، واختيار أطراف العالم الإسلامي ميداناً لنشاطهم بعد أن تعرضوا للمطاردة والاضطهاد.
وثانيهما: ملاءمة الأحوال السياسية والاجتماعية في بلاد المغرب في أواخر القرن الأول الهجري، وأوائل القرن الثاني لتقبل هذا المذهب وانتشاره، وليس من شك في أن ما لحق بالخوارج من فشل في المشرق، يعزى إلى أسباب عدة، منها تطرف عقائدهم، وقصور فكرهم السياسي الظاهر من الثورات التي قاموا بها طوال العصر الأموي،
ثم يقظة الخلافة ورجالها في مناهضة هذه الثورات ومواجهتها في سرعة وحزم
(2)
ألقابهم وأسماؤهم: لقد أطلقت عليهم عدة أسماء وألقاب، منها: أنهم سموا: «خوارج» و «حرورية» و «شراة» و «محكمة» و «مارقة والسبب الذي من أجله سموا «خوارج» هو خروجهم على الإمام علي له، فهم أول من خرج عليه وصحبه، رافضين التحكيم، أو لخروجهم عن الدين الحق (3). وهذا التعليل جاء من مخالفيهم أما هم
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 130.
(2) الخوارج في بلاد المغرب، د. محمود إسماعيل عبدالرزاق، ص 25، ط 2، القاهرة، 1986. (3) مقالات الإسلاميين، (207/ 1). وقارن الأباضية مذهب وسلوك، تأليف السيد عبد الحافظ
عبد ربه، ص 209، طبعة القاهرة، 1987. (1/47)
صفحة 46
48
الأباضية نشأتها وفرقها
فلا يعدون تسميتهم هذه ذمّاً، وإنما كانوا يعتزون بها، ويجدون لها سنداً من القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ
مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
[النساء: 100].
فهم يرضون بهذه التسمية، لخروجهم على كل إمام جائر من وجهة نظرهم واستشهادهم في سبيل الله تعالى، فهم يعتقدون أن ذلك فريضة عليهم، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الخلفاء الراشدين، أم كان بعدهم على التابعين بإحسان في كل زمان (1).
(2)
والسبب الذي من أجله سموا حرورية» لمفارقتهم معسكر علي ونزولهم بحروراء في أول أمرهم، وهي قرية بظاهر الكوفة، بها كان أول تحكيمهم واجتماعهم، حين خالفوا علياً وخرجوا عليه.
وقيل إن علياً له هو الذي أطلق على الخوارج اسم الحرورية، إذ قال متسائلاً: ما أسميكم؟ أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء (3).
والسبب الذي من أجله سموا «شراة) - وهو من الألقاب المحببة إليهم - لأنهم قالوا: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة، نقاتل في سبيل الله فنقتل ونقتل، واحتجوا بقوله تعالى: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بان لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111]، وقوله: و ومن النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضات الله} [البقرة: 207].
(1) الملل والنحل، (1/ 118).
(2) مقالات الإسلاميين ص 207. وأيضاً: الفرق بين الفرق، ص 75.
(3) الزينة، لأبي حاتم الرازي القسم الثالث تحقيق د. عبد الله سلوم السامرائي، نشره ضمن كتابه الغلو والفِرَق الغالية في الحضارة الإسلامية، ص 279، طبعة دار الحرية بغداد، 1972. (1/48)
صفحة 47
النشأة التاريخية للخوارج
(2)
49
وسموا «محكمة»، للشعار الذي أعلنوه في أعقاب وقعة صفين» من رفض التحكيم، إذ قالوا: «لا حكم إلا الله، وأنكروا الحكمين)، ومعنى هذا القول عندهم أنه لا يجوز العدول عن حكم الله تعالى إلى حكم الرجال، فقد بين الله تعالى حكمه في معاوية وصحبه، إذ قال: {فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِى إلى أمر الله) [الحجرات: 9] فلا يصح إذن إغماد السيوف بعدما شهرت، ولا يجوز تحكيم الرجال في الدماء وسموا «مارقة»، وهو لقب أطلقه عليهم خصومهم، أخذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: سيخرج من ضئضئ هذا الرجل - وهو ذو الخويصرة حرقوص بن زهير التميمي - قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. والخوارج يرضون بكل الألقاب السابقة عدا لقب «المارقة». فهم ينكرون أن يكونوا مارقة من
الدين
(4)
(3)
واسم الخوارج هو ألصق الأسماء بهم وأشهرها، وذلك ينعكس على اختلافهم مع بعضهم، فيكثر الخروج بينهم، فبينما نجد أحدهم تلميذاً لأستاذ، إذ به بين عشية وضحاها، ينقلب على أستاذه ويصبح معه على خلاف، وينادي برأي مخالف له، ويتجمع حوله أنصار ومؤيدون، ولذلك تكثر الخلافات بينهم، وينقسمون إلى طوائف شتى وكثيرة (5).
•
(1) مقالات الإسلاميين، ص 207. (2) النظريات السياسية، ص 46.
(3) ورد هذا الحديث في كتب الصحاح، بألفاظ متقاربة، مما يقوي، صحته، فقد ورد أن ذا الخويصرة التميمي أتى رسول الله بعد غزوة حنين، وهو يقسم الغنائم، فآثر نفراً تأليفاً لقلوبهم في الإسلام فقال: اعدل يا محمد. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل! ثم قال: إنه يخرج من ضتضئ هذا الرجل قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. راجع صحيح مسلم بشرح النووي (109/ 3، 110، 116 - 118)، طبعة
الشعب.
(4) مقالات الإسلاميين، ص 207. الفرق بين الفرق، ص 72. اعتقادات فرق المسلمين، ص 51.
(5) اعتقادات، ص 52. (1/49)
صفحة 48
50
الأباضية نشأتها وفرفها
فرقهم
افترقت الخوارج إلى فرق كثيرة، وطوائف شتى، بلغت عند كتاب المقالات والفرق أكثر من عشرين فرقة، أو أقل، كل فرقة منها تخالف الأخرى في بعض تعاليمها، وكبار الفرق منهم كما يقول الشهرستاني: هي: المحكمة، والأزارقة والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والأباضية، والصفرية، والباقون
(2)
فروعهم"
(1)
(3)
وقد اختلفوا فيما يجمع «الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته أن الذي يجمع الخوارج - على افتراق مذاهبها – إكفار علي وعثمان والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر) ولم يرض الإمام الأشعري، هذا الرأي القائل بإجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب، والصواب عنده عدم إجماعهم لكون النجدات من الخوارج،
(1) الفرق بين الفرق ص 24 72. اعتقادات، ص 52 - 66. الملل، (1/ 115). مقالات الإسلاميين، (1/ 212 - 170). الفصل لابن حزم، (3/ 189 - 190). الرد على الرافضة للإمام المقدسي ص 71، طبعة دار الجيل، 1989. (2) الملل والنحل، ص (1/ (115). والذي ذكره الشهرستاني من فرق للخوارج إنما هو أشهرها وأهمها ولا يمنع هذا من وجود فرق أخرى للخوارج، فقد عقب الشهرستاني بقوله والباقون فروعهم. فقد انشطر بعض هذه الفرق إلى أحزاب أصغر (فالعجاردة) مثلاً انشطروا إلى (الصلتية)، أصحاب عثمان بن الصلت و (الميمونية)، أصحاب ميمون بن خالد، و (الحمزية) أصحاب حمزة بن أدرك، و (الخلفية) أصحاب خلف الخارجي و (الأطرافية) و (الشعيبية) و (الحازمية). و (الثعالبة) انشطروا إلى: (الأخنسية)، و (المعبدية)، و (الرشدية)، و (الشيبانية)، و (المكرمية)، و (المعاومية) و (المجهولية) و (البدعية). وقد انشطر الأباضية إلى الحفصية)، و (الحارثية)، واليزيدية)، تلك هي أحزاب الخوارج وشعابها، وأكثرها قد ذ رها قد ذاب في غمرة أحداث الزمان، وكرّ الأيام ولم يبق منها معاصراً لنا إلا
الأباضية.
(3) الفرق بين الفرق، ص 73. وقد وافق الشهرستاني الكعبي، حيث قال: ومما أجمع عليه الخوارج، أنهم يكفرون أصحاب الكبائر، راجع: الملل، ص 115. (1/50)
صفحة 49
النشأة التاريخية للخوارج
51
ومع ذلك لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم، وأجمعوا على أن الله تعالى
(1)
يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً، إلا «النجدات» لم تقل بذلك).
وقد أجمع الخوارج أيضاً على القول بأن الخليفة يختار اختياراً حراً من بين المسلمين، وليس من الضروري أن يكون قرشياً، فمن حق الحبشي – مثلاً - أن ينتخب متى أجمع المسلمون على انتخابه، كما أنه من حق القرشي أن ينتخب متى أجمع المسلمون على اختياره. ومما أجمع عليه الخوارج أيضاً: قولهم إن العمل بأوامر الدين جزء من الإيمان، وليس الإيمان كله (2)، ويذكر ابن حزم الأندلسي، أن الخوارج باستثناء فرقة النجدات» قد اتفقوا على ضرورة نصب الإمام، وهم بذلك يتفقون مع جميع الفرق الإسلامية التي ترى هذا الرأي، مثل أهل السنة والشيعة، والمرجئة (3).
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن اتفاق الخوارج على تكفير الإمام علي وعثمان وأصحاب الجمل، وضعهم في موقف العداء للجماعة الإسلامية برمتها. فتعرضوا لسخط كافة الحكومات الإسلامية. كما أنهم بسبب تكفيرهم لمرتكبي الكبائر، انقسموا على أنفسهم أشد الانقسام في كثير من المسائل الفقهية، واعتبرت كل فرقة ما عداها مارقة، وعاملت أنصارها معاملة الكفار، في استباحة الدماء، واستحلال الأموال (4).
وإلى هنا نستطيع أن نقول: إذا كانت الخوارج قد تفرقت إلى فرق وأحزاب شتى، إلا أن أكثرها قد ذاب في غمرة أحداث الزمان وكر الأيام، ولم يبق منها معاصراً لنا إلا الأباضية، ولذلك سنعقد لها المباحث القادمة، نتحدث فيها عن
نشأتها وعقائدها.
(1) مقالات الإسلاميين، ص 167 - 168. وأيضاً: الفَرْق بين الفرق، ص 73. أيضاً: التبصير في الدين،
للإسفراييني، ص 146.
(2) إسلام بلا مذاهب، ص 131.
(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (724)، طبعة القاهرة، 1902. (4) الخوارج في بلاد المغرب، ص.25. وأيضاً: اعتقادات فرق المسلمين، ص 46: (1/51)
صفحة 50
الفصل الثاني النشأة التاريخية للأباضية
تمهيد
بعد العرض الذي قدمناه عن نشأة الصراع السياسي في تاريخ المسلمين المبكر، وبعد أن وقفنا على مدى ما تعرضت له الساحة الإسلامية من قلاقل واضطراب فكري وعقدي، بسبب المواقف التي اتخذها بعض الذين اندسوا في الإسلام واستتروا بردائه، كابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل، مما كان سبباً في مقتل ذي النورين (عثمان بن عفان واشتعال نار الفتنة من بعده بين المسلمين وكالمواقف أيضاً التي اتخذها بعض أتباع علي من الإمام علي نفسه، حتى تشكلت المحاور الثلاثة، والتي شغلت عقل الأمة الإسلامية وفكرها، منذ خلافة معاوية، فقد تشيع لبيت بني أمية فريق من المسلمين، وتشيع للإمام علي فريق، وتمرد فريق على الفريقين هو فريق الخوارج، وناصبوهم العداء، واستحلوا دماءهم. وهؤلاء الخوارج كانوا إبان هذا الصراع يمثلون الديمقراطية الإسلامية، إذ كانوا يرون أن الخلافة حق لكل مسلم ما دام كفؤاً، لا فرق في ذلك بين قرشي وغير قرشي
(1)
وبعد أن ألقينا نظرة موجزة على الفكر السياسي والعقدي عند الخوارج بحكم أن المناخ السياسي والعقدي، الذي تشكلت فيه أفكار ومعتقدات وممارسات
(1) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، د. حسن إبراهيم حسن، (1/ 376)، طبعة مصر، 1966. (1/53)
صفحة 51
54
الأباضية نشأتها وفرفها
الخوارج، كان جذراً تاريخياً لنشأة مذهب الأباضية باعتبار أن عبدالله بن أباض، والذي تجمع المصادر التاريخية والأباضية أيضاً على نسبة المذهب إليه، كان واحداً من قيادات الخوارج، وخاصة عندما توجهوا إلى الحجاز لنصرة عبدالله بن الزبير ثم حدث وأن خذلوه
(1)
لذلك نقرر، أن الخوارج هم نواة الأباضية، وهم نقطة البدء في مسيرتها ومشوارها. إذ إن أصول المذهب الأباضي التاريخية والحركية ترجع إلى أخطر شقاق وأقصى نزاع ظهر في حياة المسلمين إبان خلافة الإمام علي الله، وعقب وقعة «صفين حين فارقه معظم من كانوا معه استنكاراً لقبوله لمبدأ «التحكيم» مع معاوية أنه كان هناك عناصر غاضبة، وأخرى مدسوسة من مصلحتها تحريك
ه، ويبدو
(3)
الحوادث نحو الاصطدام والاقتتال، وتصاعد مجالات الصراع وميادينه والأباضية يغضبون كثيراً حين يسمعون أحداً ينسبهم إلى الخوارج، ويبرؤون من تسميتهم بالخوارج، ويقولون: نحن أباضية، كالشافعية والحنفية والمالكية، ويقولون: إنهم رُمُوا بهذا اللقب، لأنهم رفضوا القرشية، أي التزام كون الإمام من
(4)
القرشيين" والأباضية تطلق لفظ الخوارج، على كل من خرج على الإسلام، إما بإنكار الثابت القطعي من أحكام الإسلام، أو بالعمل بما يخالف المقطوع به من نصوص أحكام الإسلام ديانة). وهم يعتقدون أن هذا التعريف، لا ينطبق إلا على نافع بن
(5).
(1) الحقيقة والمجاز في تاريخ الأباضية باليمن والحجاز، د. سالم بن حمود السمائلي، ص 35، طبعة سجل
العرب، القاهرة 1980.
(2) الأباضية مذهب وسلوك، ص 219.
(3) البداية والنهاية للحافظ. بن كثير (2807)، طبعة بيروت، 1981.
(4) إسلام بلا مذاهب، ص 135. وقارن الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، ص 15، طبعة الرياض، 1409 هـ.
(5) الأباضية بين الفرق الإسلامية، د. علي يحيى معمر، ص 254، طبعة القاهرة، 1976. (1/54)
صفحة 52
النشأة التاريخية للأباضية
55
الأزرق وأتباعه، ومن ذهب مذهبهم ممن يستحلون دماء المسلمين وسبي نسائهم
وأطفالهم.
(1)
وقد استنكر الأباضيون المعاصرون بشدة انتماءهم إلى الخوارج رغم اتفاق كتاب الفرق والمقالات الإسلامية على أن الأباضية إحدى فرق الخوارج. فيذهب أحد علمائهم المعاصرين إلى أن الأباضية خالفوا الخوارج في عقائدهم المتطرفة وأنهم لم يخالفوا السنّة، ولا يرى فرقة تتبع الحق إلا الأباضية، أما من عداهم فيتبعون أهواءهم، وأهواء أمرائهم ويقلدونهم.
(2)
ويؤكد باحث آخر على أن الأباضية ليسوا من الخوارج فيقول: إن كتاب الفرق والمقالات، قد التبس عليهم الأمر عندما عدوا الأباضية من الخوارج، ذلك لما كان هناك من تشابه بعض آراء الأباضية، مع بعض فِرَق الخوارج، ولكن الدارس لما عليه الأباضية يرى أنهم يوافقون الخوارج في بعض الأمور، ويخالفونهم في البعض الآخر، والذي سرب هذه الشبهة - أي الأباضية فرقة من الخوارج - أن الأباضية ينتقدون قبول التحكيم، ويرون أن علياً مخطئ في الموافقة عليه، وأنه أخطأ في قتاله عبدالله بن وهب الراسبي وأصحاب النهروان، وليس هذا الرأي كان مقصوراً على الأباضية، أو الخوارج، بل إنه كان رأي كثير من الصحابة والتابعين أمثال عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص من الصحابة - رضي الله عنهم - والحسن البصري، وجابر بن زيد، وهما من كبار التابعين، أما الاشتراك في بعض الأمور، فإن ذلك لا يعني أنهما فرقة واحدة (3).
(1) الفصل لابن حزم وبهامشه الملل للشهرستاني (144/ 4)، طبعة القاهرة 1348 هـ. . . التبصير في الدين، للإسفراييني، ص 56. مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص 183. الملل النحل، ص 115. اعتقادات فرق المسلمين، ص 64. الفرق بين الفرق، ص 103. تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 85.
(2) الحقيقة والمجاز في تاريخ الأباضية، ص 18. (3) الأباضية في موكب التاريخ، د. علي يحيى معمر، ص 25، طبعة القاهرة، 1964. (1/55)
صفحة 53
56
الأباضية نشأتها وفرقها
ويفهم من هذا النص، أن الأباضية فرقة مستقلة لها آراؤها الخاصة بها، ولا يهم إن كانت موافقة للخوارج أو لغيرها من الفرق الأخرى، وعلى كل، فالدراسة التي نزمع القيام بها تكشف لنا عن حقيقة مذهب الأباضية، وهل هي إحدى فرق
الخوارج أم أنها فرقة مستقلة، مثلها مثل غيرها من الفرق الإسلامية؟
نشأة الأباضية: تنتسب الأباضية إلى عبد الله بن أباض بن تيم اللات بن ثعلبة، رهط الأحنف ابن قيس التيمي، وهو من طبقة التابعين عاصر معاوية بن أبي سفيان (40 - 61 هـ) مؤسس الدولة الأموية الأول وأدرك عبدالملك بن مروان (65 - 89 هـ) مؤسس الدولة الأموية الثاني. قال عنه العالم الأباضي القلهاتي: «وهو الذي فارق جميع الفرق الضالة عن الحق، من المعتزلة والقدرية والصفاتية، والجهمية والخوارج،
(1)
والروافض، والشيعة، وهو أول من بين مذهبهم ونقض فساد اعتقادهم» (2). وكان بين ابن أباض وعبدالملك بن مروان مراسلات وكان قد كتب الخليفة الأموي إلى ابن أباض في شأن الخليفة عثمان وعلي رضي الله عنهما وكان ابن أباض شأنه كشأن الخوارج يطعنون ويكفرون عثمان وعلياً رضي الله عنهما وأنكر عليه عبدالملك بن مروان ذلك، فكان جواب ابن أباض على الخليفة الأموي: «أما الذي أنكرت فهو عند الله غير منكر، وأما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأئمة فإن الله تعالى ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم أنه و وَ مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأَوَلَتَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 45] والظَّلِمُونَ) [المائدة: 44] والفَسِقُونَ} [المائدة: 47] .. إن عثمان أحدث أموراً لم يعمل بها صاحباه قبله - يعني أبا بكر وعمر - وعهد الناس بهما حديث، فلما رأى المؤمنون ما أحدث أبوه وكلموه، وذكروه بكتاب الله وسنّة من كان قبله من المؤمنين فشق عليه
(1) الأباضية مذهب وسلوك، ص 222 240، 247. وقارن: الفرق بين الفرق، ص 103. (2) الكشف والبيان، محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي (471/ 2)، طبعة عمان، 1980. (1/56)
صفحة 54
57
النشأة التاريخية للأباضية ذلك، فأخذهم بالجبروت، وضرب منهم من شاء، وسجن ونفى، ثم قال: إنما يتبع الناس إمامين، إمام هدى، وإمام ضلالة، أما إمام الهدى: فهو الذي يحكم بما أنزل الله، ويقسم بقسمه، ويتبع كتاب الله، وأما إمام الضلالة: فهو الذي يغير ما أنزل الله، ويقسم بغير ما قسم الله ويتبع هواه بغير سنة من الله، فذلك كفر كما سمى الله، ونهى عن طاعتهم، وأمر بجهادهم، كما قال: {فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهدُهُم بِهِ جِهَادًا كبيرًا} [الفرقان: 52] فإنه حق أنزله بالحق، وليس بعد الحق إلا الضلال (1)
6
والذي يستفاد من هذا النص أن عبد الله بن أباض، نشأ تاريخياً على أصول الخوارج الذين يعتقدون كفر الخليفة الثالث عثمان بن عفان، لكونه حكم بغير ما أنزل الله تعالى فغيّر وبدل.
وبناءً على ما ذكره كتاب «المقالات» (2) من أن عبد الله بن أباضه هو الذي
تنسب إليه الأباضية، فإنني أرى أن هذه الفرقة تنسب له، لأنه هو الذي أذاعها، وأعلن عنها، واشتهر المذهب قديماً وحديثاً باسمه، ولعله كان أكثر تأثيراً من غيره وظهوره أكبر، مما جعل المذهب ينسب إليه.
فنسبة الأباضية إلى عبد الله بن أباض - كما يقول أحد الباحثين – من الأمور التي لا يختلف عليها الأباضيون ولا غيرهم من أصحاب المقالات الأخرى، باستثناء قلة قليلة من المؤرخين لا يعتد بها (3).
(1) مختصر تاريخ الأباضية، للشيخ أبي الربيع سليمان الباروني، ص 20، طبعة تونس. (2) الفرق بين الفرق، ص 103. التبصير في الدين، ص 56. الملل والنحل، ص 134. فجر الإسلام، ص 260. تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 85.
(3) العقود الفضية في أصول الأباضية، أ. سالم بن حميد الحارثي، ص 121، طبعة دار اليقظة العربية. (1/57)
صفحة 55
58
الأباضية نشأتها وفرفها
وليس صحيحاً ما ذهب إليه المقريزي في خططه من أن الأباضية تنسب إلى «الحرث بن عمرو (1)، فليس في طبقات الأباضية ولا كتب تراجمهم ما يدل على صحة النسب إليه. والشخصية الثانية التي أسهمت في تأسيس المذهب الأباضي هي شخصية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية «أبي جعفر المنصور» (58 - 36 هـ)، وقد أدرك جابر بن زيد، وتتلمذ عليه وعلى غيره، وإليه انتهت رئاسة الأباضية، وبتوجيهاته أسس الأباضية في كل من المغرب وحضر موت دولاً مستقلة، وتخرج على يديه دعاة من مختلف البلاد الإسلامية، عرفوا آنذاك باسم حملة العلم»، وعن طريقهم انتشر المذهب الأباضي في مختلف البلدان الإسلامية (2).
وثمة شخصية ثالثة، يرجع إليها الفضل في تأسيس المذهب الأباضي وانتشاره، وهي شخصية «الربيع بن حبيب الفراهيدي، وأصله من عمان، قصد البصرة، وأدرك «جابر بن زيد وأخذ عنه، وآلت إليه رئاسة المذهب بعد أبي عبيدة وتخرج على يديه حملة العلم إلى عمان وخراسان وحضرموت، ورحل في أواخر عمره إلى عمان ومات بها في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري - حوالي عام 170 هـ - وله مسند في الحديث يسمى الجامع الصحيح»، وهو من أقدم كتب الحديث، يقول الشيخ السيابي عنه: (مسند الربيع بن حبيب، أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وعليه المعتمد عند الأباضية) (3).
ويذهب الأباضية المعاصرون إلى أن جل ما ورد في هذا المسند مذكور في الصحيحين وسائر الكتب الستة من كتب السنة، الأمر الذي يستندون إليه في التأكيد على قرب مذهب الأباضية من أهل السنة (4).
(1) الخطط، أبو العباس أحمد بن علي المقريزي، ص 55، طبعة دار صادر، بيروت. (2) الحقيقة والمجاز في تاريخ الأباضية، ص 65 - 66. وأيضاً: الأباضية مذهب وسلوك، ص 283 - 284.
(3) المصدر نفسه، ص 22
(4) الأباضية بين الفرق، ص 134. وقارن: إسلام بلا مذاهب، ص 150. (1/58)
صفحة 56
النشأة التاريخية للأباضية
59
وإذا كان المذهب يحمل اسم عبد الله بن أباض، فلا يعني ذلك أنه مؤسس «أبو الشعثاء جابر بن زيد» ومن بعده «أبو
المذهب من الناحية الفقهية، فذلك.
هو
عبيدة مسلم»، وأما عبدالله بن أباض فكان زعيماً سياسياً من زعماء المحكمة، ولكنه تميز بالاعتدال في فكره مع الشجاعة والبسالة والجرأة في وجه السلطان، مع صواب الفكرة وعمق المقالة، ولقد ذهب مذهبنا في أن عبد الله بن أباض لم يكن رأس الأباضية المذهبية لا السياسية، كثير من علماء الأباضية المتأخرين وفقهائهم، إذ هناك من ينص على أنه كان من أتباع أبي الشعثاء جابر بن زيد (1).
ويعد جابر بن زيد المؤسس الحقيقي لمذهب الأباضية، من حيث كونه مذهباً فقهياً شرعياً. وتُجمع الأخبار على أن عبدالله بن أباض كان يتلقى العلم عليه، لقد كان جابر إماماً في العلم، جامعاً للأحكام، مقبلاً على كتاب الله وسنة رسوله (2) والمذهب الأباضي موجود حتى اليوم، في عمان وزنجبار، وشمال إفريقيا، وكانت لهم صولة في الجزيرة العربية، وعلى الأخص في حضرموت وصنعاء ومكة والمدينة، وقد دخل مذهب الأباضية إلى إفريقيا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وانتشر مذهبهم بين البربر انتشار النار في الهشيم، حتى أصبح مذهبهم الرسمي، وحكموا شمال إفريقيا حكماً متصلاً زهاء مائة وثلاثين عاماً حتى أزالهم الفاطميون (3).
وقد انحسر الأباضية من أكثر البلدان التي انتشروا فيها، فلم يبقوا إلا في
المواطن الآتية:
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 143. وقارن الأباضية مذهب وسلوك، ص 282.
(2) المصدر السابق، ص 147.
(3) المصدر نفسه، ص 135. وأيضاً: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ص 19 طبعة الرياض، 1409 هـ. (1/59)
صفحة 57
60
الأباضية نشأتها وفرقها
1 - عُمان: وأغلب سكان عُمان إلى الآن على المذهب الأباضي، وقد تكونت لهم هناك دولة مستقلة عن دار الخلافة منذ العهد الأموي إلى الآن.
2 - زنجبار كان أغلب سكان زنجبار من الأباضية، وكانت لهم هناك دولة
ملكية، كان بها نشاط جيد في نشر الثقافة الإسلامية.
3 - ليبيا: كان أغلب سكان ليبيا على المذهب الأباضي ثم انحسر فلم يبق إلا في جبل نفوسة وزوارة. وقامت للأباضية في الجناح الغربي من ليبيا دول في فترات قصيرة متقطعة.
4 - تونس: كان أغلب سكان الجنوب التونسي على المذهب الأباضي، ثم انحسر فلم يبق إلا في جزيرة جربة».
(1).
5 - الجزائر: كان أغلب سكان الجزائر على المذهب الأباضي، وقامت لهم هناك دولة، تعاقب عليها ستة أئمة متتابعين، واشتهرت باسم الدولة الرستمية ومهما يكن من أمر، فإن هذه الفرقة باقية حتى اليوم، ذلك لأنهم أكثر الخوارج اعتدالاً كما يقول الشيخ أبو زهرة، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو ولذلك بقوا ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون (2). وقد نشأت الأباضية تاريخياً وسياسياً وعقدياً، على أصول الخوارج، وتفرعت
عنهم كسائر فرقهم الكبرى، وهي لم تخرج عن سمات بقية الخوارج من قتالهم للمسلمين في المشرق والمغرب، ومن حيث خروجهم على الجماعة والأئمة طيلة التاريخ الإسلامي، ومن حيث أخذهم بأصول الخوارج العقدية على وجه العموم (3). إلا أنهم اختلفوا في مسألة حكمهم على من خالفهم من المسليمن
(1) الأباضية مذهب وسلوك، ص 286 - 289.
(2) تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 85. (3) تاريخ الأمم والملوك، للإمام الطبري، (566/ 5)، طبعة القاهرة. (1/60)
صفحة 58
النشأة التاريخية للأباضية
61
فأغلب الخوارج يرون ما عداهم من المسلمين كفاراً مشركين، يجب قتالهم، ولا يجوز مناكحتهم ولا إرثهم، ولا أكل ذبائحهم وديارهم ديار حرب، أما الأباضية فتقول: بأن مخالفيهم من المسلمين كفار، نعمة، ويجرون عليهم أحكام الموحدين، من حيث النكاح والإرث وجوزوا معايشتهم والإقامة معهم.
ومع هذا، فإن الأباضية يرفضون نسبتهم إلى الخوارج من قريب أو بعيد، وإنما يطلقون على أنفسهم «أهل الحق بل إن أحد علمائهم المحدثين، الشيخ سالم بن حمود، قد ألف كتاباً يدفع فيه عن قومه صلتهم بالخوارج، وجعل عنوانه: «أصدق المناهج في تمييز الأباضية عن الخوارج» يقول فيه: «مذهبنا مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذهب ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله ابن عمر، وعبدالله بن عمرو بن العاص، ومذهب الخلفاء الراشدين» (1).
ومع ذلك، فإنه لا يستطيع الباحث أن يقطع الصلة بين مؤسس المذهب الأباضي وعلاقته بحركة الخوارج، فبانتمائه التاريخي، يشكل مذهباً جذره التاريخي منطلق من تيار الخوارج حتى وإن اختلف المذهب فيما بعد، وأصبح يشكل معطيات جديدة، قد لا تضعه أبداً بين أجنحة الغلو في الفكر الخارجي.
وبعد أن تحدثنا عن نشأة الأباضية، ومدى صلتها بالخوارج، ننتقل إلى الحديث
عن فرقها التي انشقت عنها.
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 144. (1/61)
صفحة 59
الفصل الثالث فرق الأباضية المنشقة وعقائدها
افترقت الأباضية فيما بينها فرقاً شتى، نتيجة إفرازات فكرية وسياسية، علاوة على شخصية أصحابها، وقد نشأت الفرق الأباضية في المغرب الإسلامي: ليبيا، وتونس والمغرب والجزائر، وذلك لما مرّ على المغرب الإسلامي إبان إقامة الدولة الأباضية، وكذلك المشرق، فقد ظل القطر العماني منذ فجر الإسلام مستقراً للمذهب الأباضي، وقد سيطر أبناء المذهب على نظام الحكم فيه، في شكل إمامة تستمد نظام حكمها وأحكامها من المذهب الشائع بين أهل البلاد.
وقد ثبت الحكم الأباضي أقدامه، ووطد أركانه في أكثر من قطر إسلامي، وجدناه في عمان ممثلاً في خمس حقب أو بالأحرى خمس دول، هي دولة بني الجلندي والخروصيين، والبناهنة، واليعاربة، والبوسعيديين، ووجدناه لبعض الوقت في اليمن، ولقرن ونصف - إلا قليلاً - في الشمال الإفريقي في الدولة الرستمية، ثم وجدناه أخيراً في شرق إفريقيا، وعلى وجه التحديد في ممباسا وزنجبار، ولكن كفرع من نظام الحكم في عمان (1).
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 151 - 152. (1/63)
صفحة 60
64
الأباضية نشأتها وفرقها
وقد أحصى كتاب الأباضية أهم الفرق التي تنطوي تحت المذهب الأباضي، أو التي انشقت عن الأباضية، فوجدوها ست فرق تجيء تحت هذه الأسماء: النكارية، والنفاثية والخلفية، والحسنية، والسكاكية، والفرثية. وهناك فرق أخرى ذكرها
كتاب المقالات كالحفصية، واليزيدية، والحارثية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها. وهذه الفرق، تمثل في المذهب الأباضي مراحل تاريخية وعقدية، ينطوي عليها المذهب، أو يشكل تجربته التاريخية وإن كان الخلاف فيما بين هذه الفرق ليس في مستوى الخلاف الذي بين الإطار العام للمذهب وجذوره التاريخية إبان نشأة فكر وعقائد الخوارج، وإن كان بعض هذه المذاهب قد أنكرها جمهور الأباضية.
ولا يجد الأباضيون حرجاً، من أن ينطوي مذهبهم على عدة فرق، ويكون تحت لواء عدة أئمة إن بالتعاقب التاريخي، أو بالاختلاف الفقهي، إذ ليس هذا بدعاً من المذاهب، وفي هذا يقول أحدهم: «والمذهب الأباضي، ليس بدعاً من المذاهب الإسلامية، فقد كان الخلاف يقع بين العلماء فيتناقشون فيه» (1). ويقول في الموضع نفسه: إن الخلاف داخل المذهب، قد كان يقع بين ممثليه منذ تكوينه» (2). والأباضية بفرقها تتفق في بعض العقائد والآراء، وتختلف في أمور بعضها يكون الخلاف فيها جوهرياً، وبعضها يكون الخلاف فيها ثانوياً، وسوف يتضح لنا ذلك، بعد استعراضنا لهذه الفرق وأهم عقائدها، على النحو التالي:
أولاً: فرقة النكارية:
هذه الفرقة ظهرت في بلاد المغرب العربي، على أثر وفاة مؤسس الدولة الأباضية في هذه البلاد عام 171 هـ، وهو عبدالرحمن بن رستم» الذي رغب في ترك الأمر شورى من بعده بين سبعة نفر، يتولون تنظيم شؤونهم الداخلية في بلاد
(1) الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص 253. (2) المصدر السابق. (1/64)
صفحة 61
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
65
المغرب، وهم: عبد الله بن يزيد الغزاري، وعبدالله بن عبدالعزيز، وأبو المؤرخ عمر محمد السدوسي، وشعيب بن المعروف، وحاتم بن منصور، ويزيد بن فندين، وعبدالوهاب بن رستم
(1)
وقد انعقد الإجماع على ترشيح عبدالوهاب بن رستم» للإمامة، إلا أن يزيد ابن فندين تقدم للبيعة لأنه كان يرى أنه أكفأ من ابن رستم»، وكان قد انتظر فترة بعد مبايعة «ابن رستم عساه يوكل إليه بعض المهام العظيمة، ولما لم يُوكَّل إليه شيء أثار نزاعاً حول الإمامة، وادعى أن الإمامة باطلة، ووقع الخلاف بين الأباضية في المغرب، فاقترح أن يؤخذ رأي أباضية المشرق الإسلامي في عمان والبصرة يومئذ، فأرسل إليهم الفقيه الأباضي الربيع بن حبيب»، صاحب الجامع الصحيح قائلاً: إن الإمامة صحيحة، وأنه يجوز إمامة رجل من المسلمين مع وجود من هو أفضل
منه» (2)
ولكن ابن فندين» لم تهدأ له نفس، ولم يسترح لرأي ابن حبيب بل أشعلها حرباً على الإمام عبدالوهاب بن رستم استعان على إضرامها بوسائل دينية استغل فيها فريقاً كبيراً من العامة واستخفهم، فأصبح إطفاؤها ليس بالأمر السهل، وما وفق الإمام عبدالوهاب بن رستم إلى القضاء عليها إلا بعد سفك دماء غزيرة وكان عدد ضحايا هذه الفتنة لا يقل عن عشرين ألفاً من الطرفين، من بينهم رأس الفتنة يزيد بن فندين» (3).
وقد هزت الثورة النكارية» التي تزعمها ابن فندين أركان الدولة الرستمية، في عهد إمامها الثاني، وهو عبدالوهاب بن عبدالرحمن الرستمي
(1) الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص 255 بتصرف. (2) طبقات المشايخ بالمغرب، أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، (411)، طبعة البعث بالجزائر، 1974، وقارن الخوارج في بلاد المغرب، ص 157، 201.
(3) مختصر تاريخ الأباضية، ص 34. وقارن الأباضية في الجزائر، أ. علي بن يحيى معمر، 1/ 36 - 37. (1/65)
صفحة 62
66
وقد دبر
الأباضية نشأتها وفرفها
والنكار الذين أشعلوا تلك الفتنة وقاموا بتلك الثورة، قوم أنكروا إمامة «عبدالوهاب، وطالبوا بتكوين مجلس للشورى يكون أعضاؤه أشخاصاً معروفين. فريق «النكار» مؤامرة لعزل الإمام عبد الوهاب» أو قتله، فقد انتهزوا مناسبة كان الإمام قد غادر فيها عاصمة الدولة لبعض الأمور، فأعلنوا الثورة وانقضوا على «تاهرت» فواجههم أهل المدينة، ووقع كثير من القتلى من الفريقين، فلما رجع الإمام وجد على باب العاصمة جثثاً ملقاة ودماء مهراقة، وأخبره الناس بما
وقع فأمر بالقتلى من الفريقين فجمعوا، وصلى على الجميع اقتداء بأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، في موقعة الجمل، ثم أمر بدفن الجميع
•
(1)
وتكمن الدوافع الأساسية لثورة ابن فندين في رفض إمامة «عبدالوهاب» لعدم اعترافه بجماعة المشورة - التي اقترح ابن فندين استرشاد الإمام برأيها - ولأن جماعة المذهب لم يجمعوا على إمامته لذلك، ولأن في جماعة الأباضية من يبز عبدالوهاب علماً، ومن ثم يصبح مغتصباً للإمامة، يضاف إلى ذلك نقمته على سياسة عبدالوهاب الإدارية، ومحاباته لبعض العناصر والقبائل، واختصاصهم بمناصب الدولة دون غيرهم، وبالذات نفوسة والعجم
(2)
والحركة النكارية هذه بضرب الإمام عبد الوهاب لها - وخاصة بعد أن انضم إليها «أبو المعروف شعيب بن معروف، الذي كان إبان اشتداد الأزمة واحتدام الصراع بين ابن فندين وجمهور أباضية المغرب في مصر، ثم انضم إلى «ابن فندين» -
(1) إسلام بلا مذاهب، ص 169. وقارن الأباضية في الجزائر، ص 36 - 37. قارن الخوارج في بلاد
المغرب، ص 158.
(2) الخوارج في بلاد المغرب، د. محمود إسماعيل عبدالرزاق، ص 156. عرفت هذه الفرقة بالنكارية، لإنكارهم إمامة عبد الوهاب بن رستم، وعرفوا أيضاً بـ (النجوية) لأنهم أكثروا الاجتماع والنجوى، كما أطلق عليهم أعداؤهم أسماء أخرى فعرفوا بـ (الشعبية) لإدخالهم التشعب والفرقة في المذهب، وقيل (الشغبية) لإحداثهم الشغب، كما دعوا بـ (النكاث) لنكثهم بيعة عبدالوهاب. انظر: الخوارج في المغرب هامش، ص 156. (1/66)
صفحة 63
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
67
ضعفت سياسياً وعسكرياً، لا سيما في الجزائر، أما دينياً فهي تقوم على مستندين أو
مقومين هما: أنه لا تصح عندهم إمامة المفضول مع وجود الأفضل. والثاني: تصح الإمامة بشروط إذا شرطها الناس عند البيعة، وتسقط لمخالفة تلك الشروط (1).
وبناء على هذين الاعتبارين تسقط إمامة عبد الوهاب بن عبدالرحمن من وجهة نظر النكارية. ومن هنا نلاحظ أن النكارية نشأت فرقة سياسية غير أن «أبا المعروف شعيباً» الذي استقر في ليبيا رأى أن يصبغ هذه الحركة بصبغة دينية، حتى يكتب لها النجاح، ويتقبلها الناس، فأضاف ملتقطات مما كان يجري فيه الجدل بين الناس، وعمق أبو المعروف الخلاف العقدي مع الربيع بن حبيب، الذي أفتى بصحة الإمامة بين جماعته وبين جمهور الأباضية، ولما كان الربيع بن حبيب يمثل ثقلاً دينياً بين أتباع المذهب، فقد كان اختصامه عبئاً على الحركة النكارية (2) فلم يكن من السهولة بمكان السير بخطى واسعة في الحركة النكارية».
ومن مقالات فرقة النكارية (3) السياسية التي خالفت فيها الأباضية، المقالات
الأربع الآتية:
1 - قولهم إن الإمامة غير مفترضة.
2 - قولهم إن صلاة الجمعة غير جائزة خلف الأئمة الجورة.
3 - قولهم إن عطايا الملوك لا يحل أخذها. -4 - قولهم بعدم جواز إمامة المفضول في حالة وجود الأفضل
(4)
(1) الأباضية بين الفرق، ص 258 بتصرف.
(2) الأباضية عقيدة ومذهباً، د. صابر طعيمة، ص 52، طبعة دار الجيل، بيروت 1986. (3) سميت هذه الفرقة بالنكارية، لأنهم أنكروا إمامة عبدالوهاب بن رستم، وأما الذين أيدوه وصوبوا إمامته فسموا (وهابية)، وهم جمهور أباضية المغرب. انظر: مختصر تاريخ الأباضية، ص 35. (4) الأباضية بين الفرق، ص 362. (1/67)
صفحة 64
68
الأباضية نشأتها وفرفها
أما أفكارهم العقدية التي خالفوا فيها جمهور الأباضية، فقد أحصى «أبو عمرو ابن خليفة السوفي المارغني نحواً من عشرين مقالة في كتابه «رسالة فرق الأباضية الست وما زاغت به عن الحق، وقد جاءت على النحو الآتي:
1 - الحد في الأسماء.
2 - قالوا: إن ولاية الله تعالى وعداوته تتقلب بالأحوال.
3 - قالوا: إن أسماء الله تعالى مخلوقة.
4 - قالوا: يجوز الانتقال من الولاية إلى الوقوف.
5 - قالوا: حجة الله تعالى تقوم بالسماع، وقد سمع الناس.
6 قالوا: من لم تبلغه دعوة الإسلام، ودعي إلى دين سماوي آخر لا يجوز له
أن يجيب.
7 - قالوا: النوافل غير مأمور بها.
8 - قالوا: الحرام المجهول حلال.
قالوا: يجوز شرب الخمر تقيَّة.
10 - قالوا بالوقوف في الأطفال كلهم.
11 - قالوا: لا كفر إلا فيها تقطع عليه اليد، وهو ربع دينار، ومن أخذ دونه
ليس عليه شيء.
12 - قالوا: اللطمة والنظر بشهوة والقبلة، ودخول الحمام بغير إزار صغائر
غير كبائر.
13 - قالوا: «يدعى المشرك إلى جملة التوحيد وبراءة أحداث أهل الأهواء من
أهل القبلة». (1/68)
صفحة 65
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
69
عن
14 - قالوا: «لا تقوم الحجة فيما يسمع حتى يجتمع المسلمون بأسرهم» (1). وبعد هذا العرض لمقولات النكارية العقدية والسياسية اتضح لنا حجم الابتداع الذي تمثله هذه المقولات، حتى على عقائد الأباضية نفسها، فضلاًء مخالفتها لمعتقد المسلمين عامة، الأمر الذي جعل مؤرخي الأباضية يعتبرونها فرقة مستقلة، لها من الخصائص والمميزات، شأنها شأن غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى، والفاحص لما عليه هذه الفرقة، يجد الفرق الشاسع، والبون كبير بين معتقدها ومعتقد المسلمين مما جعلها حركة سياسية في المقام الأول، أبرزتها حركة التاريخ السياسي آنذاك.
والنكارية وإن عدت فرقة لها إمام هو (أبو المعروف شعيب بن المعروف)، فيكفي في الحكم على خروجها حتى عن معتقد الأباضية وفقهها - مما سنعرض له فيما بعد - أنهم قالوا بعدم فرضية الإمام، وبعدم جواز صلاة الجمعة وراء الأئمة الجورة، وبعدم جواز ولاية المفضول، مع أن أئمة الأباضية كانوا جميعاً من أيام (جابر بن عبد الله يقولون: إن صلاة الجمعة واجبة وراء الأئمة الجورة ما أقاموها، ووجدت شروطها، وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاج بن يوسف الثقفي)، وكانوا يقولون: إنه يحل أخذ العطاء من الملوك ما لم تؤد إلى حرام، وكان جابر يأخذ العطاء من عامل الحجاج، وكانوا يقولون: إنه تجوز ولاية المفضول مع وجود الأفضل إذا وجدت في المفضول مزايا ترجحه ليست للأفضل.
(2)
(1) الأباضية عقيدة و مذهباً، ص 53 - 54، نقلاً عن فرق الأباضية الست و ما زاغت به عن الحق،
ص 1 - 3. وقارن الأباضية بين الفرق، ص 363.
(2) الأباضية في الجزائر، علي يحيى معمر، ص 56، الجزائر 1979. (1/69)
صفحة 66
70
الأباضية نشأتها وفرفها
ثانياً: فرقة الخلفية:
تُنسب هذه الفرقة إلى خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافر)، وكان والده السمح بن أبي الخطاب) والياً على جبل «نفوسة» (1). وما يليها من ضواحي طرابلس، وقابس بليبيا وتونس
(2)
وحركة الخلفية التي تزعمها خلف بن السمح في شرقي الدولة الرستمية كانت آخر الثورات التي واجهت حكم (عبد الوهاب الرستمي)، وهي التي أسفرت عن ثاني الانشقاقات الأباضية، إذ ما كاد (عبدالوهاب) يفرغ من مواجهة الحركات والثورات التي اندلعت في (تاهرت) وما حولها، حتى داهمته في آخر عهده حركة انفصالية في منطقة طرابلس، وجبل نفوسة، التابعة للإمامة في (تاهرت)، اتخذت طابعاً دينياً. واستفحل خطر الحركة، واقتطعت غالبية أجزاء الدولة
(1) كانت نفوسة من أوسع قبائل البربر، وأكثرها انتشاراً، فمن بطونها بنو زمور وبنو مكسور، وماطوسة، وتضرب شعوبها في أحواز طرابلس، وجبل نفوسة حتى مشارف القيروان، وإن كان الجبل هو معقلهم الأصلي، ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب مسيرة ستة أيام، وارتفاعه نحو ثلاثة أيام، وهو عامر بالمدن والقلاع، والقرى والضياع والمزارع، وأهم مدنه شروس، ومصيف، وجادو، وكانت نفوسة تدين بالمسيحية قبل اعتناقها الإسلام، واعتنقت المذهب الأباضي في أوائل القرن الثاني الهجري، وأسهمت في ثورات الأباضية في المغرب الأدنى وإفريقيا بنصيب وافر. ولما قامت الدولة الرستمية بـ (تاهرت) كان النفوسيون من أشد مناصريها ضد خصومها ولا غرو فقد حظوا بأهم المناصب العامة في الدولة، فكانت نفوسة، تلي عقد تقديم القضاة، وبيوت الأموال، وإنكار المنكر في الأسواق، والاحتساب على الفساق، إلا أنه على الرغم من تبعيتهم للإمامة في (تاهرت)، كانوا شبه مستقلين نظراً لبعد المسافة بينهم وبين تاهرت انظر البلدان، لليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، ص 349، طبعة ليدن 1891، وأيضاً: السير، لمؤلفه الشماخي، أحمد بن سعيد بن عبدالواحد، ص 192 - 273، طبعة القاهرة، وأيضاً: المسالك والممالك، لأبي القاسم بن حوقل، ص 67، طبعة ليدن 1873. وأيضاً: صفة المغرب وأرض السودان ومصر، الشريف محمد
الإدريس، ص 15، طبعة ليدن 1894. (2) الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص 71. (1/70)
صفحة 67
الأباضية المنشقة وعقائدها
71
الرستمية الشرقية، خلال السنوات الأخيرة من حكم (عبدالوهاب بن رستم) يرة من حمد وردحاً طويلاً من عهد ابنه (أفلح) (1).
وكان (خلف بن السمح زعيم الانشقاق الأباضي الثاني، سليل بيت عريق في خدمة المذهب الأباضي في بلاد المغرب. فهو حفيد (أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح «أول أئمة الظهور»، وأبوه السمح بن أبي الخطاب) وزير الإمام (عبدالوهاب الرستمي)، وساعده الأيمن وعامله على جبل «نفوسة»، لذلك اكتسب آل أبي الخطاب منزلة كبيرة بين أباضية المغرب الأدنى، يفسر هذا إقدامهم على مبايعة (خلف بن السمح بالولاية على أثر وفاة والده السمح بن أبي الخطاب)، من غير إذن الإمام (عبد الوهاب الرستمي)، أو حتى الرجوع إليه، فأنكر (عبدالوهاب) على آل أبي الخطاب ما استباحه هو وأسرته من الخروج على مبدأ الاختيار إلى مبدأ الوراثة في الحكم، ومن ثم لم يقر شرعية ولاية خلف بن السمح) كما ضرب صفحاً عن توسلات أباضية الجبل لإبقائه واليا عليهم من قبله وأمر (عبدالوهاب) الناس باعتزاله وقام بتولية غيره
(2)
على أن غالبية الأباضية في هذه النواحي أصروا على موقفهم وأعلنوا خروجهم على إمامة (عبدالوهاب)، وبايعوا خلف بن السمح بالإمامة، محتجين بجواز ازدواج الإمامة ما وجد عدو يفصل بين أتباع المذهب، أو لصعوبة الاتصال، وطول المسافة بينهم وبين تاهرت (3).
(1) البلدان، لليعقوبي، ص 349. (2) الخوارج في بلاد المغرب، ص 163. وأيضاً: طبقات المشايخ بالمغرب، لأبي العباس أحمد بن سعد الدرجيني، (1/ 78)، طبعة الجزائر، 1974.
(3) الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان لمؤلفه محمد بن يوسف أطفيش، ص 107 - 108، طبعة الجزائر،
1304 هـ. (1/71)
صفحة 68
72
الأباضية نشأتها وفرقها
لكن وجد بين أباضية الجبل من تمسك بإمامة (عبدالوهاب) فبعث إليهم (عبدالوهاب) رسالة امتدح فيها موقفهم، وولى عليهم أحدهم، ويدعى (أبا عبيدة الجناوني)، ومن ثم حدث انشقاق سياسي اتخذ صبغة فقهية مذهبية. وجوهر الخلاف كمن في أمرين: أولهما: مدى حقوق الرعية في تعيين عمالها. والآخر: شرعية وجود إمامين في وقت واحد.
وفي تقديرنا، أن تعاليم المذهب الأباضي، ترجح رأي «خلف» وأصحابه. فثمة رواية لأبي الربيع الوسياني تقول: إن أحد مشايخ نفوسة ممن تلقوا العلم على الإمام عبدالوهاب، أخذ عنه مبدأ حق الرعية في اختيار ولاتها (1).
وقد أفتى الربيع بن حبيب بجواز تعدد الأئمة بقوله: «لا بأس باجتماع إمامين أو أئمة في زمان واحد، إذا فصل بينهم سلاطين لا تطاق، أو قوم لا يطاقون، أو
حال بعد المسافة (2).
ولعل ذلك يفسر انضمام غالبية أهل الجبل إليه، ومهما كان الأمر، فقد احتدم الخلاف بين الحزبين وطرحت القضية برمتها على فقهاء المذهب بالمشرق للإفتاء فيها. وتذكر المصادر الأباضية أنهم أفتوا في صالح الإمام (عبدالوهاب) وخطؤوا موقف (خلف) وأتباعه (3).
ومات الإمام (عبدالوهاب) ومعظم أجزاء الدولة الشرقية في حوزة (خلف ابن السمح)، واستمرت حركة (خلف) وتفاقم خطرها، خلال حكم أفلح بن عبدالوهاب) حيث قامت مناوشات بين جماعة (خلف) وجماعة (أفلح بن عبدالوهاب) تمكن بعدها الأخير من دحر جماعة (خلف)، والتغلب عليه عام 221 هـ. وعند تولي العباس بن أيوب حكم جبل نفوسة بعهد من الإمام أفلح بن
(1) الخوارج في بلاد المغرب، ص 164.
(2) الإمكان فيها جاز له أن يكون أو كان، ص 107 - 108.
(3) الخوارج في بلاد المغرب، ص 164. (1/72)
صفحة 69
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
73
عبدالوهاب) تعقب (خلفاً) وقضى على جماعته نهائياً بعد عدة حروب خسر فيها
الطرفان عدداً كبيراً من الأتباع).
وواضح أن المعارك والمنازعات التي وقعت بين خلف وبين الإمام - والتي لم يسكت فيها الإمام الشرعي على (خلف) إلا بعد القضاء على جماعته، وذلك على أيدي ولاته المبايعين له - شغلت (خلفاً) وأتباعه عن أن يدلوا بدلوهم في مجال العقيدة والفقه، كما فعلت فرقة «النكارية» من قبل.
ولذلك نجد أحد المؤرخين الأباضيين الذين حصر الفرق التي انشقت عن الأباضية، وعد من بينها فرقة «الخلفية»، يرجع ويستغرب من كتاب المقالات الذين عدوا هذه الحركة التي قادها (خلف بن السمح فرقة، حيث يقول: «والعجيب من المؤرخين، وكتاب المقالات أن يتأثروا بالجانب السياسي هذا التأثر الكبير، فيعتبروا المقاتلين فرقة، ويعتبرون (خلفاً) إماماً لفرقة» (2).
يتبين لنا مما سبق عرضه، أن هذه الفرقة واحدة من الإفرازات السياسية التي كونت أفكاراً ومعتقدات تخالف في منطلقها وأهدافها الأباضية منشأ ومعتقداً، ولكن الذين كتبوا في هذا الموضوع لم يسجل أحد منهم الجانب العقدي في مذهب (الخلفية)، رغم أن البيئة التاريخية، والحدث السياسي، يدور حول ممارسات عقدية، وأمور شرعية، والعنصر البشري في الأحداث مذهبي، فإن جبل (نفوسة) وما وليه من ضواحي طرابلس، وقابس، وتونس، كان على المذهب الأباضي، والإمارة على هذه البلاد تتم بناءً على أمر من الإمام في المغرب والجزائر، المبايع مبايعة شرعية.
(1) طبقات المشايخ بالمغرب، (1/ 68) مختصر تاريخ الأباضية، ص 36 بتصرف. الخوارج في بلاد
المغرب، ص 166.
(2) الأباضية بين الفرق، ص 258. (1/73)
صفحة 70
74
الأباضية نشأتها وفرقها
ثالثا: فرقة النفاثية
تنسب هذه الفرقة إلى فرج بن نصر (النفوسي) المعروف بـ «النفاث»، وهو من إحدى القرى الغربية من جبل (نفوسة) في ليبيا (1). وهذه الفرقة كانت مناوئة للإمامة في (تاهرت) تزعمها (فرج) بن نصر) وأسفرت عن ثالث الانشقاقات في الجماعة الأباضية. كان الانشقاق الأول نتيجة خلافات فقهية حول مسائل الإمامة وسياسة الإمام (عبدالوهاب في تعيين عماله. وكان الانشقاق الثاني بسبب قضية تعدد الأئمة، وحق الرعية في اختيار عمالها. أما الخلاف الثالث، فكان من جراء الإخلال بشرعية الإمامة وإهدار رسومها على يد أفلح بن عبدالوهاب)، فضلاً عن سياسته في استعمال العمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعية، ومطالب بيت المال من الرعية (2).
وهذه الفرقة تعتبرها معظم المصادر الأباضية مارقة، وخارجة عن الدين، وذلك لما ارتأته هذه الفرقة من أفكار سياسية وعقدية. لكنه بالرغم من ذلك، فإن الفرقة النفاثية محسوبة على التاريخ الأباضي بوجه عام، خاصة إذا علمنا أن مبررات الخروج على الإمام (الرستمي) عند النفاثية، كانت فيما زعم (النفاثيون) لإنقاذ الإمامة الأباضية مما آلت إليه من اتخاذ مبدأ الوراثة في الإمامة، واختفاء مبدأ الشورى والاختيار في الحكم الرستمي
يؤيد هذا ما ذهب إليه أحد الباحثين حين قال: وعلى الرغم مما تورده المصادر الأباضية من تفسير لحركة (نفاث) باعتباره مارقاً على الإمامة لأسباب ودوافع ذاتية، فإن ذلك لا ينفى قط كون نفاث ثائراً، صاحب آراء واجتهادات في المذهب الأباضي، وداعية لإنقاذ الإمامة مما تردت فيه من امتهان على عهد أئمة بني رستم
(1) مختصر تاريخ الأباضية، ص 37. (2) الخوارج في بلاد المغرب، ص 166 - 167. (1/74)
صفحة 71
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
75
فقد آلت الإمامة إلى أفلح بن عبدالوهاب توّاً بعد وفاة أبيه، مما يؤكد استقرار مبدأ الوراثة، واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي (1).
وكان مثل هذا الانتهاك لتعاليم المذهب، كفيلاً بإثارة عالم فقيه، مثل (فرج بن نصر)، الذي أُعطي في العلم منزلة عظيمة، والفقه والفهم، ومن ثم عدل على الخروج على إمامة (أفلح) واتخذ من قريته المجاورة (القنطرارة) مركزاً لدعوته وأنصاره، ولقيت دعوته إقبالاً كبيراً من أباضية نفوسة وزواغة. فقد وجدوا في (النفائية) مبرراً لتظلمهم من دفع الأموال والجبايات والرسوم، التي كان يحصلها عمال الإمام (أفلح) (2).
وقد حاول مؤرخو الأباضية تبرير إمامة (أفلح) بعد وفاة أبيه تلقائياً بقولهم: إن أهل الحل والعقد بادروا بتنصيب (أفلح) إثر موت والده مخافة خطر العدو المتربص بـ (تاهرت). وجدير بالتنويه أنهم لم يذكروا شيئاً عن هذا العدو المزعوم، إلا أنه مقيم بجبل تاهرت. والواقع أن جماعة النكار التي كانت تسكن ذلك الجبل كانت قد تشتت شملها، وعادت فلولها إلى مواطنها الأولى منذ عهد (عبدالوهاب). كما لم يحدث في آخر سني حكمه سوى تمرد خلف بن السمح) الذي لم يكن خطراً مباشراً على مركز الإمامة في تاهرت، ذلك أن حركته اقتصرت على نواحي طرابلس و جبل نفوسة، وقد فات هؤلاء المؤرخين أن (عبدالوهاب) عقد ولاية العهد لـ (أفلح) قبل وفاته، وعقب انتصاره على بدو هوارة، حيث قال: «لقد استحق (أفلح) الإمامة». كما كان أفلح صاحب السلطة في تاهرت أثناء غياب والده بجبل نفوسة، وصراعه مع الأغالبة حول طرابلس، الأمر الذي يؤكد ثبوت مبدأ التوريث في
الإمامة الرستمية
(3).
(1) الخوارج في بلاد المغرب، ص 167.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر نفسه، ص 266. (1/75)
صفحة 72
76
الأباضية نشأتها وفرفها
كما جرى أفلح على سنة والده في استعمال العُمال، والجباية، ومطالب بيت المال، مما أثار حفيظة الفقهاء فثاروا بقيادة (نفاث) لانتهاك الإمام رسوم الإمامة وتقاليدها، إلا أن أفلح أُرغم - أمام ظهور خطر القبائل والعصبيات – على التراجع في سياسته، وعاد إلى تطبيق مبدأ اللامركزية والمساواة، فأخذ بنصائح أهل الرأي والمشورة من شيوخ القبائل في تعيين الولاة والعمال، كما ألزم عماله ضرورة مراعاة فقه المذهب في نظام الجباية، في الوقت نفسه الذي أتاح لهم فيه مزيداً من السلطات
(1)
داخل عمالاتهم.
وهكذا، اتسمت هذه المرحلة من تاريخ بني رستم بكثرة الثورات والفتن التي تلونت في غالبها بالطابع المذهبي، واتخذت شكل الانشقاقات المذهبية في كيان الجماعة الأباضية.
ومع أن فرقة (النفائية قد انقرضت ولم يبق لها أثر حتى في بيئتها التاريخية التي نشأت فيها كما يقول مؤرخو الأباضية (2)، وبالرغم مما اتسمت به هذه الفرقة بأنها ذات طابع سياسي أكثر منه اجتهاداً دينياً، وعملاً فكرياً، فإن الكتاب الأباضيين ينقلون عنها جملة من المعتقدات، بما تركته من بصمات على التاريخ الأباضي وخاصة في الجانب العقدي، متمثلة في النقاط الآتية:
1 - يعتقدون أن الله هو الدهر، وهم لا يرون تعليلاً لإطلاق الدهر على الله، غير أنهم يقولون إنهم وجدوه هكذا في كتابهم المسمى بـ (الدفتر)، وهذا الكتاب مجهول، ومؤلفه أيضاً مجهول كما يؤكد ذلك المؤرخ الأباضي (علي يحيى معمر) (3).
(1) مختصر تاريخ الأباضية، ص 38. (2) الأباضية بين الفرق، ص 267. (3) المصدر السابق، ص 267. (1/76)
صفحة 73
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
77
ومحاولات الربط بين هذا المعتقد الذي يُنسب إلى النفاثية وبين قول الرسول: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» (1). لا يساعد عليها سياق الحديث، وهو النهي عن سب الكائنات، لأن لها بارئها وخالقها، وهو الله، فمن سبّها فكأنما سبّ الله تعالى، فالسياق إذن بعيد بين ما تعتقده هذه الفرقة وبين ما جاء في الحديث النبوي الشريف.
وهذا القول الذي نسب إلى مؤسس فرقة النفاثية، فيه من الغموض والريبة ما فيه، ويكفي أنه أحال عقيدته في الله تعالى إلى كتاب مجهول الاسم والمؤلف، بشهادة الأباضيين أنفسهم.
2 - أنكروا خطبة الجمعة، وقالوا: إنها بدعة.
3 - أنكروا على الإمام استعمال عُمال وسعاة الجباية الحقوق الشرعية ومطالب بيت المال. وقالوا: إن الإمام إذا لم يمنع رعيته من جور الجورة وظلمهم لا يحل له أخذ الحقوق التي شرعها الله لضعفه في الدفاع عنهم.
4 - أعطوا ابن الأخ الشقيق نصيباً في الميراث وأحقية عن الأخ لأب.
5 - قالوا: إن المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك، وعلى من
شهد حضرته تنجيته)
(2)
هذه بعض عقائد (النفائية)، فيها من الغموض والريبة ما فيها، وأقل ما يمكن أن يقال فيها، أنها إذا لم تخرج صاحبها من الإسلام، إن كان مسلماً، فهي أقوال شاذة ما عرفها المسلمون في دينهم الصحيح، وشرعهم الحنيف.
سننه.
(1) الحديث رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تسبوا الدهر فإن الله.، هو الدهر بيده الأمر)، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد في مسنده، وأبو داود في ه، عن أبي هريرة عن النبي فيما يرويه عن رب العزة في حديثه القدسي: يا ابن آدم تسب الدهر، وأنا الدهر،
بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار). (2) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 58 - 59. (1/77)
صفحة 74
78
الأباضية نشأتها وفرقها
رابعا: فرقة الحسينية
مؤسس هذه الفرقة هو: (أبو زياد أحمد بن الحسين الطرابلسي)، عاش في القرن الثالث الهجري بليبيا، وتتميز فرقة الحسينية عن الفرق سالفة الذكر، بأنها لم
تدخل في معارك سياسية ولا صراعات حربية.
وقد جاءت معتقداتهم الدينية على النحو التالي:
1 - لا يشرك من أنكر سوى الله، بمعنى أن من أنكر العقائد الإيمانية الأخرى، كالإيمان بالرسل، والكتب، والملائكة، والقضاء والقدر، والسمعيات لا يعد مشركاً من وجهة نظرهم، وهذا بلا شك كذب وافتراء وبهتان.
2 - حكموا على المؤولين المخطئين بأنهم مشركون
3 - الحب والرضا والولاية والعداوة والسخط، أفعال الله، وليست بصفات له. -4 - أباحوا الزنا وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك، يتقي بها، ويغرم بعد ذلك. - الحرام المجهول معاقب عليه.
-6 - فرقوا بين الأسماء والأحكام، فسموا اليهود منافقين، وسموا المتأولين مشركين، وأجازوا السبي، وأحلوا النكاح منهم، وهم عندهم مشركون فيما زعموا. 7 - لا يجوز أن يبعث الله رسولاً إلا بعلامة يُعرف بها، ويفرز عن غيره، ولا يكون حجة إلا بها.
8 - لم ينه الله تعالى المشركين والبالغين عن غير الشرك، ولم يأمرهم بغير التوحيد، فإذا وحدوا لزمتهم جميع الفرائض، ونهوا عن جميع المعاصي.
9 خوف الرسل خوف إجلال لا خوف عقاب.
(1)
10 - أهل الجنة يخافون ويرجون والموتى تأكلهم الأرض إلا عَجَبَ الذَّنَب).
(1) فرق الأباضية الست وما زاغت به عن الحق، ص 6 - 7 الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 62 - 63. (1/78)
صفحة 75
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
79
وهذه المعتقدات كما هو واضح تشكل مذهباً في الردة والخروج من الإسلام وفي هذا يقول مؤرخ الأباضية (علي يحيى معمر): (وبالتأمل فيما نسب إلى الحسينية مقالات يتبين أن فيها ما يخرجهم عن حظيرة الإسلام» (1).
من
خامساً: فرقة السكاكية:
مؤسس
هذه الفرقة هو (عبد الله بن السكاك اللواتي)، من سكان قنطرار، اعتنق جملة من المقالات ودعا إليها، وهي على الجملة لا تخرجه من الأباضية، وتضعه بين الفرق الأباضية الست التي انشقت عن الأباضية فحسب، بل تبعده عن حظيرة الإسلام وتعاليمه الصحيحة.
ويوضح المؤرخ الأباضي أبو العباس الدرجيني في طبقاته رأي مشايخ الأباضية في هذه الفرقة المنشقة عن جماعتهم، فيقول: «وكان مشائخ سلف الأباضية، تتضارب أقوالهم في السكاك وأصحابه وتتفاوت، فقائل بشركهم، وقائل بنفاقهم، وهذا المذهب قد فني أصحابه» (2).
ولتطرف هذه الفرقة وغلوها في عقائدها كانت لهم نظرة خاصة من جمهور الأباضية، تغاير نظرتهم لسائر الفرق الأخرى، وفي هذا يقول علي يحيى معمر: وكان الأباضية يعاملون جميع الفرق من أهل القبلة معاملة المسلمين ما عدا السكاكية، فإن من مات منهم جعلوا في رجليه مرابط وجروه بها إلى موضع يوارونه فيه (3)
التالي:
وقد جاءت عقيدة السكاكية التي نسبها إليهم المؤرخون الأباضيون على النحو
(1) الأباضية بين الفرق، ص 274. (2) طبقات المشايخ بالمغرب، (1/ 18). (3) الأباضية بين الفرق، ص 275. (1/79)
صفحة 76
80
الأباضية نشأتها وفرقها
1 - أنكروا السنة النبوية، والإجماع، والقياس، وزعموا أن الدين كله مستخرج من القرآن الكريم.
2 - صلاة الجمعة التي هي فرض من فروض الإسلام، عندهم بدعة. 3 - الأذان للصلاة عندهم بدعة، فإذا سمعوه قالوا: نهق الحمار. نعوذ بالله من هذا البهتان العظيم. -4 - البقول والخضر نجسة إذا وضع في أرضها السماد (1).
هذه هي معتقدات السكاكية، تدل دلالة واضحة على ردّتهم وخروجهم مر الإسلام كلية، وقد كان شيوخ الأباضية يعاملونهم بعد موتهم معاملة غير المسلمين من عدم الصلاة عليهم، يدل على هذا قول أبي يعقوب بن نفاث: «أدرت جماعة الشيوخ بقسطيلية، يصلون على جميع موتى أهل القبلة كلهم من المخالفين وغيرهم
إلا أصحاب السكاك (2).
سادساً: فرقة الفرثية:
تنسب هذه الحركة إلى أبي سليمان يعقوب بن أفلح»، نشأ هذا الرجل في بيت أباضي، رغب والده أن يتعلم ابنه علوم الدين من خلال كتب الأباضية في الدعوة والفكر وعلوم الشرع من غير أن يتوسع في غيرها، ولكن الابن جرفه تيار الفكر المتعدد المذاهب والاتجاهات، والتي طالما حذره والده منها، وخاصة تناوله للمقالات التي كان يعرضها أبو زياد أحمد بن الحسين مؤسس طائفة الحسينية، والذي اعتبره الأباضيون نفاقاً أو شركاً، خرج به عن المذهب الأباضي الصحيح،
بل عن الإسلام عامة (3).
(1) الأباضية بين الفرق، ص 275
(2) المصدر السابق، ص 275
(3) طبقات المشايخ، (1/ 106). (1/80)
صفحة 77
فرق الإباضية المنشفة وعقائدها
وجملة اعتقادات الفرثية تقوم على هذه الأمور:
1 - نجاسة الفرث وما طبخ فيه من طعام، وتحريم أكل الجنين.
2 - تحريم دم العروق، ولو بعد غسل المذبوح، وكذلك دم الجوف.
3 - نجاسة عرق الجنب، وعرق الحائض.
4 - لا تعطى الزكاة إلا لقرابة المزكي
(1)
81
هذه جملة ما ذهب إليه أبو سليمان بن يعقوب في فكرته، وهي وليدة تشتت فكري ودراسي عنده، أدى إلى انحراف عقدي في جملته خروج عن الإسلام، ولا جدال في أن المتأمل في هذه الفرقة وفرقة النفاثية معها يجد أنهما ليستا فرقتين مطلقاً، بل آراء في مسائل جرَّت على أصحابها من النقد والتجريح ما تعرضوا له من نقد وتجريح، ناهيك عن أنهم خرجوا عن الانتماء للمذهب الأم الذي كانوا ينتسبون إليه وهو الأباضية، ولأصحابه من الاجتهاد والالتزام ما يجعلهم في التاريخ الإسلامي فريقاً متميز (2).
وبعد عرضنا لمقولات المؤرخين الأباضيين عن الفرق الست التي انطلقت من بيئة أباضية في المغرب الإسلامي وفي ظل معتقدات في الإمامة، فقد رأينا بعضها لا يعدو أن يكون أكثر من حركة ردة دينية تحركها أطماع سياسية، واجتهادات خاطئة كفرقتي (السكاكية والنُّكارية)، وبعضها لا يتجاوز وصف التمرد وخلع ربقة
الطاعة من أجل أحقاد شخصية أو وظائف دنيوية كفرقتي الخلفية والنفاثية. ورأينا كذلك. سر عدم اهتمام كتاب المقالات بهذه الفرق لأسباب كثيرة، منها أنها نشأت في أقصى بلاد المغرب الإسلامي، ولم تكن لهذه الفرق من الأسس العقدية والشهرة ما يجعلها موضوع اهتمام باقي أجزاء العالم الإسلامي، فضلاً عن
(1) الفرق الست وما زاغت به عن الحق، ص 7. أبو عمر عثمان بن خليفة المارغني.
(2) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 66 - 67. (1/81)
صفحة 78
82
الأباضية نشأتها وفرفها
عمليات التدوين وبالاجتهاد المذهبي عند الأباضية، وما انشق منها، بدأت من المشرق الإسلامي، ف، فكان أصحاب الفرق الأربع التي انتسبت للأباضية أول أمرها، ثم تجاوزتها بالتناقض والاختلاف والانحراف بل والردة أمام أعين كتاب المقالات. بل إننا نستطيع أن نقول: إن جملة ما اشتملت عليه أفكار الفرق الست سالفة الذكر هرطقات لا تمت إلى حقيقة المذهب الأباضي بصلة، وإنما هي ابتداعات ابتدعها المنشقون لأغراض سياسية ودنيوية»، فالناظر - مثلاً - إلى فرقة (الخلفية)، يجد أنها أشبه ما تكون في منطلقها ومسارها بالتمرد السياسي، ورئيسها يعتبر زعيماً سياسياً وليس إماماً دينياً».
ومهما يكن من أمر، فإن هذه الفِرَق الست إفرازات فكرية وسياسية وشخصية، اغتنم أصحابها ومؤسسوها جملة عوامل مرت بالتاريخ الإسلامي في المغرب، حيث أقيمت الدولة الأباضية الرستمية التي يعتقد أن معظم حكامها اتسموا بالعدل والتواضع، والتزام روح الإسلام، وأن صورة حكمها كانت في منتهى النزاهة والأمانة، ومع ذلك فإنه ليس لدى المؤرخين الأباضيين إجابة واضحة ومحددة عن سر ذلك الانشقاق المذهبي والطرائقي الذي حدث في مجتمع الأباضية، بالرغم من وحدة نشأة التفكير والمعتقد، خاصة أنه تطور ذلك الانشقاق حتى أنف المؤرخون الأباضيون أن يعتبروا بعض هذه الفرق منتمياً للمذهب الأباضي أو للإسلام عامة. ولهذا نرى كتاب المقالات الإسلامية - أمثال الأشعري والبغدادي والإسفراييني، وابن حزم والرازي والشهرستاني لا يعيرون هذه الفرق اهتماماً في كتبهم، ولا يذكرونها عند كلامهم عن الفرق الأباضية. مما يستدعي الكلام على الفرق الأباضية كما ذكرها كتاب (المقالات) الإسلامية في مقالاتهم، ورأيهم في هذه الفرق. ولهذا نجد المؤرخ عبدالقاهر البغدادي حينما تكلم عن الأباضية وفرقها قال (1): أجمع الأباضية على القول بإمامة (عبد الله بن أباض)، وافترقت فيما بينها فرقاً
(1) الفرق بين الفرق، ص 103 - 104. مقالات الإسلاميين، (1/ 183 - 185). (1/82)
صفحة 79
وق الأباضية المنشفة وعقائدها
83
أربع هي: (الحفصية) و (الحارثية)، و (اليزيدية) و (أصحاب طاعة لا يراد الله بها). ثم ذكر أن اليزيدية منهم غلاة لقولهم بنسخ شريعة الإسلام في آخر الزمان. ولذلك نجد من الأهمية بمكان ونحن بصدد الحديث عن الفرق المنشقة عن الأباضية، أن نلقي الضوء على هذه الفرق الأربع التي ذكرتها كتب المقالات الإسلامية، خاصة أنها قد أغفلت الحديث عن ذكر الفرق الست التي ذكرها مؤرخو الأباضية، وعدوها من الفرق التي زاغت عن المذهب الحق.
أولاً: فرق الحفصية: هؤلاء قالوا بإمامة (حفص بن أبي المقدام)، وقد زعم (حفص) أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرف الله تعالى ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار، أو عمل بجميع الخبائث، من قتل النفس، واستحلال الزني، وسائر ما حرم الله تعالى من فروج النساء، فهو كافر بريء من الشرك، وكذلك من اشتغل بسائر ما حرم الله سبحانه مما يؤكل ويشرب فهو كافر بريء من الشرك، ومن جهل الله تعالى وأنكره فهو مشرك. فبرئ منه جل الأباضية إلا من صدقه منهم.
وتأولوا في عثمان نحو ما تأولت الشيعة في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وزعموا أن علياً هو الحيران الذي ذكره الله في القرآن في قوله: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا ينفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُيَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُل إن هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَ أُمِرْ نَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 71]. وأن أصحابه الذين يدعونه إلى الهدى أهل النهروان وزعموا أن علياً له هو الذي أنزل الله فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَولُهُ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204]. وأن عبدالرحمن بن ملجم، هو الذي أنزل الله فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207]، ثم قالوا بعد ذلك: «الإيمان بالكتب والرسل، متصل بتوحيد الله تعالى، فمن كفر بذلك فقد أشرك بالله تعالى (1).
(1) مقالات الإسلاميين، (1/ 183 184). قارن: الفصل لابن حزم، (4/ 146). (1/83)
صفحة 80
84
الأباضية نشأتها وفرفها
وهذا - كما يقول البغدادي - نقيض قولهم: إن الفصل بين الشرك والإيمان
معرفة الله وحده، وأن من عرفه فقد برئ من الشرك، وإن كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار، فصار قولهم في هذا الباب متناقضاً).
(1).
فالحفصية تقوم على مبدأين هما: أن من عرف الله وكفر با سواه من رسول وغيره فهو كافر وليس بمشرك، وأن بين الشكر والإيمان خصلة واحدة متوسطة بينهما هي معرفة الله تعالى وحده.
والواقع أن هذه التفرقة بين الشرك والكفر ليست بذي بال، حيث إن نتيجتها واحدة، وهي الخلود في النار، وإن كان هناك فرق عندهم، فإنما يكون في درجة العذاب، لا في انتفائه، وقد وقعوا أيضاً في التناقض حينما قالوا: إن الإيمان بالكتب
والرسل متصل بوحدانية الله تعالى، فمن كفر بذلك فقد أشرك بالله تعالى.
والواقع أن الإيمان يتضمن معرف فة الله وكتبه ورسله، ولا يمكن الفصل بينهم فالرسل هم الذين يأتون من قبل الله تعالى ويبلغون رسالته إلى العباد، فهم طريق
معرفة الله تعالى وكتبه.
ثانياً: فرقة الحارثية
(2)
هؤلاء أتباع (حارث بن يزيد الأباضي خالفوا الأباضية في قولهم بالقدر على مذهب المعتزلة، وفي الاستطاعة قبل الفعل وفي إثبات طاعة لا يراد بها الله تعالى وأكفرهم سائر الأباضية في ذلك، لأن جمهورهم على قول أهل السنة في أن الله تعالى
خالق أعمال العباد، وفي أن الاستطاعة مع الفعل
(3)
(1) الفرق بين الفرق، ص 104 - 105.
(2) الملل، ص 136. مقالات الإسلاميين، ص 184. التبصير في الدين، ص 35.
(3) الفرق بين الفرق، ص 105. (1/84)
صفحة 81
فرق الأباضية المنشقة وعقائدها
85
وزعمت الحارثية أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا (عبدالله بن أباض)، وبعده (حارث بن يزيد الأباضي) (1). وقالت طائفة منهم: إن من زنا أو سرق أو قذف فإنه يقام عليه الحد، ثم يستتاب مما فعل، فإن تاب ترك، وإن أبى
التوبة قتل على الردة (2).
ثالثاً: فرقة اليزيدية:
هؤلاء أتباع يزيد بن أبي أنيسة الخارجي)، وكان من البصرة ثم انتقل إلى جور من أرض فارس، وكان على رأي الأباضية من الخوارج، ثم خرج عنهم بمعتقداته
الفاسدة
(3)
وقالت اليزيدية بتولي المحكمة الأولى، وتبرؤوا ممن كان بعد ذلك من أهل الأحداث إلا الأباضية فإنهم يتولونهم جميعاً، إلا من بلغه منهم قولهم فكذبه أو
(4)
خرج عليه. وخالفوا (الحفصية) في الإكفار والتشريك، وقالوا بقول الجمهور " وبالنسبة لموقفهم من أصحاب الحدود، فلقد ساووا بين موافقيهم ومخالفيهم،
وقالوا بأنهم كفار مشركون، وكل ذنب صغير أو كبير فهو شرك (5). ولقد زعم إمامهم يزيد بن أبي أنيسة) أن الله سيبعث رسولاً من العجم وينزل عليه كتاباً من السماء، يُكتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، فترك شريعة (محمد) صلى الله عليه وسلم ودان بشريعة غيرها، وزعم أن ملة ذلك النبي (الصابئة)، وليس هذه الصابئة التي عليها الناس اليوم، وليس هم الصابئين الذين ذكرهم القرآن ولم يأتوا
بعد.
(1) الفرق بين الفرق، ص 105.
(2) الفصل، (4/ 144). (3) الفرق بين الفرق، ص 279.
(4) مقالات الإسلاميين، ص 184. الملل، ص 136.
(5) الملل، ص 136. (1/85)
صفحة 82
86
الأباضية نشأتها وفرفها
وهو بذلك يفارق ما نص عليه الدين، وأجمعت عليه الأمة، من أن النبي محمد هو خاتم الأنبياء، ولم يكن ذلك هو التجاوز الوحيد، بل تجاوزوا أيضاً عندما تولوا من شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا في دينه، ولم يعملوا بشريعته، وزعموا أنهم مع ذلك مؤمنون (1).
وعلى هذا القول، يجب أن يكون العيسوية من اليهود مؤمنين، لأنهم أقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يدخلوا في دينه، وليس بجائز أن يعد في فرق الإسلام من يعد اليهود من المسلمين، وكيف يعد من فرق الإسلام من يقول بنسخ شريعة
(2)
الإسلام. ومن أجل تلك التجاوزات والخروج عن صريح الدين تبرأ منهم الأباضية، وعد مؤرخو الفرق زعيم هذه الفرقة خالعاً للربقة، لقوله بنسخ شريعة الإسلام. رابعاً: أصحاب طاعة لا يراد الله بها:
هذه الفرقة لم يذكر كتاب المقالات اسم مؤسسها، حيث إنهم يذكرونها تحت هذا الاسم - أعني أصحاب طاعة لا يراد الله بها -، ثم يذهبون إلى أن هؤلاء يتألف مذهبهم على ما يرى أبو الهذيل العلاف المعتزلي وأتباعه من القدرية، وفي ذلك يقول الأشعري: والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب (أبي الهذيل)، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعاً الله إذا فعل شيئاً أمره الله به، وإن لم يقصد الله بذلك الفعل، ولا أراده به» (3).
وهذه الفرقة ليست أقل عفوية وارتجالاً وانحرافاً من الفرق الثلاث السابقة، ولا الفرق الست التي رأيناها في المغرب الإسلامي طوال القرون الثلاثة للهجرة.
(1) مقالات الإسلاميين، ص 184.
(2) الفرق بين الفرق، ص 280 الفصل في الأهواء والملل، ص 144.
(3) مقالات الإسلاميين، ص 185. الفرق بين الفرق، ص 105. الملل والنحل، ص 135. (1/86)
صفحة 83
فرق الأباضية المنشفة وعقائدها
87
وقد أنكر مؤرخو الأباضية علاقة هذه الفرق الأربع التي ذكرها كتاب المقالات بالأباضية التي أرسى قواعدها (عبدالله بن أباض)، ثم استقرت قواعدها على أيدي
أئمة مجتهدين.
هذه نماذج لفرق الأباضية أوردها كتاب المقالات عن المذهب وإفرازاته، أقرب ما يكون إلى جملة ما يعتقدونه بالفعل من تلك الإفرازات الست التي شهدها المغرب الإسلامي، وفي ظل قوة وسطوة الدولة الرستيمة الأباضية، حتى إن الأباضيين يرفضون أن يعتبروها فِرَقاً، أباضية، وإذا كان كتاب المقالات لم يذكروها في مقالاتهم، فلعل ذلك بسبب عدم أهميتها العقدية، واعتبارها كما اعتبرها أصحاب الشأن حركات ردة، ومناوات شخصية، لذا لم يذكروها أو أنهم اكتفوا بما ذكر، لأنه استوفى من وجهة نظرهم جوانب المعتقد الأباضي - المنشق عن الجماعة - وغطى جوانبه حتى ما كان منها ينتسب للأباضية وليس منها في شيء.
وفيما يلي نتحدث عن الآراء العامة التي لاقت قبولاً عند جمهور الأباضية، واجتمعوا حولها، أو قال بها الكثير منهم، أو آراء رددها البعض منهم، وهي متمثلة في القضايا العقدية المتمثلة في الإلهيات والنبوات والسمعيات، وأمور أخرى كقضية الإمامة وغيرها، مما سنعرضه الآن بمشيئة الله تعالى. (1/87)
صفحة 84
الجزء الثاني
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ويشتمل على تمهيد وثمانية فصول وخاتمة.
الفصل الأول: إثبات وجود الله تعالى.
الفصل الثاني: الصفات الإلهية.
الفصل الثالث: رؤية الباري تعالى.
الفصل الرابع: أفعال العباد.
الفصل الخامس: النبوات.
الفصل السادس: السمعيات.
الفصل السابع: الإيمان والإسلام.
الفصل الثامن: قضية الإمامة.
•
•
•
•
• (1/89)
صفحة 85
91
تمهيد
ترى الأباضية أن المصدر الأساسي للدين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه إنما هو القرآن الكريم، وأن من أنكر شيئاً منه فهو مشرك، أو مرتد، ويرون أن المصدر الثاني بعد القرآن هو السنة النبوية الصحيحة، وهي على درجات المتواتر منها قطعي الدلالة، يفيد العلم، ويوجب العمل، ومنكره كالمنكر للقرآن، والمشهور من السنة أو المستفيض هو أضعف من المتواتر وأقوى من الأحادي، وهو يوجب العمل، واختلفوا هل حجته قطعية أم ظنية على قولين، والأحادي من السنة ظني الدلالة، يوجب العمل، والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إلا أنه يوجب العمل إذا كان لصحابي أو تابعي.
ويرون أن المصدر الثالث هو الإجماع إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين، والخروج منه فسق وحجيته قطعية والمصدر الرابع هو القياس على الأسس المعروفة في كتب الأصول، والمصدر الخامس هو الاستدلال بأنواعه
المختلفة (1)
وقد اتخذ الأباضية الأصل الأول في مذهبهم فيما يتعلق بالباري سبحانه وتعالى وتنزيهه عن مشابهة الخلق، مستندين في ذلك إلى ما ورد في القرآن الكريم من آيات
(1) الأباضية مذهب وسلوك، ص 347. أيضاً: الموسوعة الميسرة، ص 18. أيضاً: إسلام بلا مذاهب،
ص 139. (1/91)
صفحة 86
92
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
محكمات، وأما ما ورد من النصوص مما يوهم التشبيه، فقد ذهبوا إلى تأويله بما يتفق وسياق الآيات، كما هو الحال لدى متكلمي المسلمين من معتزلة وأشاعرة. وخلاصة ما عند الأباضية في هذا الموضوع: أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقد أن ما جاء به (محمد) من عند ربه هو الحق، والإيمان بجملة الملائكة والرسل، وجملة الكتب التي أنزلها الله على رسله، والإيمان بأن الموت حق، وأن النار حق، والإيمان بالقضاء والقدر، من أقر بأن هذه الأمور التي كان يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عقيدته، فقد تم إيمانه فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين
الناس
(1)
وعقيدة الأباضية في التوحيد، وهي المسماة عندهم بـ «جملة التوحيد»، تعتبر في الواقع من القضايا التي لم يتأثر فيها المذهب الأباضي بمؤثرات أجنبية غير إسلامية، كما هو الشأن عند فرق كثيرة تُنسب للإسلام ولكنها ليست منه.
وجمهور الأباضية ليس بينهم خلاف حول معرفة «جملة التوحيد» بالشرع لا بالعقل، فالعقل عندهم ليس كافياً لأن تقام به الحجة بين الناس، ومعرفة الله تقوم وتثبت بإرسال الرسل.
:
ولقد لخص أحد علماء الأباضية معتقدهم في طريق معرفة التوحيد فقال: وذهب الجمهور منا إلى أن العقل لا حكم له في شيء من الوجوب الشرعي، والمراد بالوجوب الشرعي عندنا هو ما يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا وجوب عندنا قبل الشرع في شيء من الأصوليات والفرعيات لا فرق في ذلك بين التوحيد وغيره، فإن العقل - وإن أدرك بالضرورة أن له صانعاً - لا يوجب أن عليه لذلك الصانع شيئاً من العبادات، فلا وجوب قبل الشرع، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
(1) الذهب الخالص المنوه بالعلم الخالص، لمؤلفه: محمد بن يوسف أطفيش، ص 11 - 12، طبعة سلطنة عمان، أيضاً: الأباضية مذهب وسلوك، ص 348. (1/92)
صفحة 87
93
نبعثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فإنه سبحانه وتعالى لم يقل: (أو لم نركب فيهم عقولاً) (1)
ومن هنا ندرك مدى التلاقي بين ما ذهب إليه الأباضية في طريق معرفة التوحيد وما ذهب إليه أهل السنة في قولهم بوجوب معرفة الاعتقاد بالشرع قبل العقل، معتقدين أن لا دخل للعقل في إثبات شيء من أمور الشرع وأحكامه مخالفين بذلك بالمعتزلة وغيرهم ممن يرى إثبات وجوب المعرفة الاعتقادية بالعقل قبل الشرع، ومما يدل على هذا التلاقي قول أحدهم: إن الناس لم ينالوا شيئاً من معرفة الله تعالى في الدلالة على توحيده ولا من معرفة شيء من دينه، إلا بتوقيف من الله، على ألسنة رسله - عليهم السلام - وتنبيه منه على أيديهم» (2).
ومعرفة جملة التوحيد في المذهب الأباضي من الأمور التي لا يجوز أن يجهلها الإنسان متى بلغ مرحلة التكليف، ويتضح هذا المعنى في قول أحد علمائهم عند تقسيمه العلوم إلى ثلاثة أقسام هي: «علم ما لا يسع الناس جهله طرفة عين، وعلم ما يسع جهله إلى الورود وقيام الحجة، وعلم ما يسع جهله أبداً. فأما علم ما لا يسع جهله طرفة عين فهو معرفة التوحيد والشرك لا. جهله، لأن من جهل الشرك
يسع
(3)
لم يعلم التوحيد، فوجب معرفة الشرك والتوحيد مع أول البلوغ، وهي مرح
التكليف للمسلم. هذا، وقد عبر الأباضية عن أركان الإيمان بجملة التوحيد، نظراً إلى تعبيرها عن كليات الإيمان التي لا تندرج تحتها من مدلولات جزئياته، فإن كل اعتقاد
(1) مشارق أنوار العقول، لمؤلفه: أبو محمد بن عبد الله بن حميد السالمي، ص 42، طبعة سلطنة عمان. (2) الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، لمؤلفه: أبو عمار عبد الكافي الأباضي، (2/ 139)، طبعة الجزائر، 1338 هـ.
(3) كتاب الوضع، لمؤلفه: أبو زكريا يحيى الجناوني، ص 30، طبعة سلطنة عمان. (1/93)
صفحة 88
94
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
صحيح عن الله وصفاته وأفعاله - دنيا وأخرى - تفسير لها، كما أن كل ما تستلزمه عقيدة التوحيد من الأعمال الصالحة وفاء بحقها (1).
ومسألة الذات والصفات تعتبر إحدى المسائل الهامة والبارزة في مجال الدراسات الإسلامية الكلامية منها والفلسفية، فقد امتد نطاق البحث فيها إلى جميع الفرق الإسلامية، وشغلت أذهانهم على مدى قرون طويلة، فأوسعوها دراسةً وبحثاً، وأفردوا لها مباحث خاصة نالت كثيراً من اهتماماتهم ومناقشاتهم، فتنوعت آراؤهم حولها؛ واختلفت وجهات نظرهم بإزائها، وبلغ بنيهم النزاع مبلغاً كبيراً، أدى بهم إلى تبادل الاتهامات بالبعد عن المنهاج المستقيم، وأياً كانت وجهات النظر، وأياً كانت الآراء، فإنها في آخر الأمر أدت إلى وجود نوع من الاحتدام الفكري النشط، الذي ساعد كثيراً على إثراء التراث الإسلامي.
وقد نشأت الأباضية في أحضان الدين الإسلامي وتربوا على مبادئه، ومع هذا كان لهم مفهومهم عن الله وصفاته، الذي يختلف في قليل أو كثير عن التصور الإسلامي عموماً، مما يستوجب التعرض لمفهومهم هذا بشيء من البيان.
ومما ألح الأباضية على تأكيده هو وجوب معرفة الله تعالى فكانت أشرف العلوم عندهم، وقد جعلوا الهدف من كتاباتهم البرهنة على وحدانيته تعالى.
(1) مشارق أنوار العقول، تعليقات الشيح أحمد الخليلي عليه، ص 130، طبعة سلطنة عمان. (1/94)
صفحة 89
الفصل الاول إثبات وجود الله تعالى
معرفة الله تعالى هي أسمى المعارف وأرقاها، إذ هي الأساس الذي يرتكز عليه الإسلام كله، وبدون هذه المعرفة يكون كل عمل في الإسلام أو للإسلام غير ذي
قيمة حقيقية، إذ إنه في هذه الحال يكون فاقداً، روحه، وما قيمة عمل لا روح فيه؟
إن معرفة الله تعالى هي أول الحقائق وأكبرها وأظهرها، دلت على ذلك الفطرة والعقل والبصائر، وهدى إليه الوحي والعلم والتاريخ، والذين جادلوا في وجوده تعالى قلة، ومعظمهم ممن جرفتهم الشهوات، وغلبتهم الغرائز الدنيا، فبرروا هبوطهم وانحرافهم بالإلحاد، وإنكار وجود الله تعالى حتى لا يحاسبهم أحد، ولا يحاسبوا أنفسهم على السقوط والانغماس في الملذات البهيمية.
وإذا كان مفكرو الإسلام قد تحاشوا الكلام عن ذات الله تعالى، فإنهم لم يروا بأساً في الكلام عن إثباته تعالى، فقد استفاضوا في البحث في الطرق المؤدية إلى إثبات وجوده ومعرفته خالقاً للعالم.
وما كان ينبغي أن تصبح مسالة الاستدلال على وجود الصانع مجالاً للبحث والمناقشة بين المثبتين من جانب والملحدين فيها من جانب آخر، ذلك لأنها أجلى من كل جلي، وأوضح من كل واضح ونظرة واحدة من الإنسان إلى نفسه تكفي، ولا يحتاج فيها إلى عوامل خارجية، لكي يقرر فوراً وجود إله قدير أبدعه وسواه، (1/95)
صفحة 90
96
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وأنشأه في أحسن تقويم، وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
[الذاريات: 21].
فهذا أحد الصالحين يقول له: قائل إن فلاناً قد أقام على وجود الله ألف دليل، فيرد هذا الرجل الصالح الحكيم فيقول: لأن فلاناً هذا في نفسه ألف شبهة، فكأنه يريد أن يقول: إن وجود الله حقيقة لا شك في أمرها، ولا مجال لإنكارها، ولا يحتاج
إلى إقامة برهان أو دليل. فالأمر كما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ويقول الشيخ ابن عطاء الله السكندري: إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك (1).
ويقول فضيلة المغفور له الدكتور عبد الحليم محمود محذراً من جعل وجود الله تعالى قضية تبحث عن حل: «إن وضع مسألة وجود الله موضع البحث هو الذي هيأ لذوي الفطر المنحرفة أن يلحدوا في دين الله، وأن يكفروا به – سبحانه – هذه نتيجة. أما النتيجة الثانية فإنها ضعف الإيمان: إذا كنت تضع الوجود الإلهي – مجرد الوجود – موضع بحث، فمعنى ذلك أنك وضعته موضع شك وريبة، ولو لم يكن كذلك لما وضع موضع البحث، وإذا كان الوجود الإلهي - مجرد الوجود – موضع شك وريبة، فماذا بقي من أمور الدين لا يوضع موضع شك وريبة (2).
(1) العقيدة والأخلاق، د. محمد سيد طنطاوي، ص 32 - 33، طبعة الأوقاف. (2) من تراث الإمام الراحل د. عبد الحليم محمود، صوت الأزهر، العدد 151، ص 6. قارن كتابنا إخوان الصفاء وفلسفتهم الدينية، ص 198، طبعة المطبعة العربية الحديثة. (1/96)
صفحة 91
إثبات وجود الله
97
فالإنسان إذا نظر إلى نفسه دون أن يضع فكرة أمام عينيه فلا ريب أنه يهتدي إلى الله، لأن الله وضع معرفته في فطرة كل إنسان فمعرفته – سبحانه - أمر مركوز في نفوس البشر، وقد صدق الله إذ يقول: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]. لكن مع تطاول الأزمان ووسوسة الشيطان وميل بعض الناس إلى التحذلق والتنطع في البحث، انحرفت بعض الطبائع، وكلّت بعض البصائر، وفسدت بعض الفطر تحت تأثير البيئة، وتعارض الأفكار، وتضارب الآراء، وتحت تأثير الأنواع من الثقافات والمذاهب، وصنوف التربية، أصبحت مسألة وجود الله تعالى مشكلة تبحث عن حل، وقضية تحتاج إلى إثبات، وبُذلت جهود كثيرة لمفكري الإسلام في إثبات هذه القضية البديهية، وسلكوا لذلك عدة سبل، واستعملوا عدة وسائل، وبذلك برزت هذه المسألة على الساحة الفكرية، وأصبح لها مكان مناسب في مباحث علم أصول الدين وغيره من العلوم، وليست المشكلة في القضية نفسها، بقدر ما أثير حولها من غبار، وما صاحبها من آراء وأنظار (1)
المختلفة
وبرغم أن وجود الله تعالى أوضح من أن يُبرهن عليه، وأجلى من أن يُستدل عليه، فقد وجد في كل الأزمنة من جحد الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا: «أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه من غير صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان، وكذلك كان، وكذلك يكون أبداً، وهؤلاء هم الدهريون (2). الدهريون» (2).
على هؤلاء في كل زمان ومكان يرد القرآن في استفاضة وفي تنوع، وما من شك في أن مسألة إثبات وجود الله تعالى لم تكن في يوم من الأيام هدفاً من أهداف القرآن وأهداف الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الإيمان بوجد الله تعالى مسألة فطرية بديهية،
(1) كتابنا القول المبين في أهم قضايا علم أصول الدين، ص 151 152، طبعة المطبعة العربية الحديثة. . من الضلال للإمام الغزالي، تحقيق: مصطفى أبو العلا، ص 40، طبعة الجندي، 1973.
(2) المنقذ (1/97)
صفحة 92
98
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ولكن ابتلي الإسلام والمسلمون، بل ابتليت البشرية بمن ينكر وجود الله تعالى، ومن يلحد في إثباته، فكان لا بد أن يتصدى القرآن لأمثال هؤلاء بالاستدلال على إثبات وجوده تعالى، وإن لم يكن ذلك هدفاً من الأهداف القرآنية (1).
والآيات القرآنية الدالة على إثبات الصانع كثيرة ومتنوعة، منها ما يتناول الكلام في آيات الكون نفسها، ومنها ما يتناول آيات الكون من حيث ملاءمتها لحاجات الحياة، ومنها ما يتكلم عن الإنسان من نواح شتى، مثل نشأته وتقلبه في مراحل الخلقة إلى أن يولد، ثم بعد أن يولد ... إلى غير ذلك من الآيات الدامغة الدالة على وجوده تعالى، المتميزة عن غيرها من الأدلة بسهولتها ووضوحها، وشدة إقناعها، لأنها تعتمد على الحس والواقع، وعلى النظر في النفس وفي الكون، وهي بذلك تلائم العامة والخاصة، ومع أنها تعتمد على وقائع الحس والمشاهدة، إلا أنها تنفذ بنورها إلى العقول والقلوب فتفتحها وتضيئها دون جهد أو عناء، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وفي هذا يقول الأستاذ العقاد: لم تتكرر البراهين على إثبات وجود الله تعالى في كتب الأديان السماوية، كما تكررت في القرآن الكريم، وهو إذ يعلل ذلك يقول: إن القرآن كان يخاطب أقواماً ينكرون، وأقواماً يشركون، وأقواماً يدينون بالتوراة والإنجيل ويختلفون في مذاهب الربوبية والعبادة، وكانت دعوته للناس كافة من أبناء العصر الذي نزل فيه، وأبناء سائر العصور، ومن أمة العرب وسائر الأمم، فلزم فيه تمحيص القول في الربوبية عند كل خطاب، وكان يخاطب ليقنع المخالفين بالحجة التي تقبلها العقول الإنسانية، فجاء بكل برهان من البراهين التي قال بها سائر المفكرين قديماً وحديثاً (2).
(1) التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود، ص 50، طبعة دار المعارف، 1984. قارن الإسلام والعقل، د. عبد الحليم محمود، ص 144 - 145، طبعة دار الكتب الحديثة، ص 1973.
(2) الله للأستاذ عباس محمود العقاد، ص 186، طبعة القاهرة، 1972. (1/98)
صفحة 93
إثبات وجود الله
99
وقد نشأت الأباضية في أحضان الدين الإسلامي، وعلى مبادئه، ومع هذا كان لهم مفهومهم عن الله تعالى وعلاقته بالإنسان الذي يختلف في قليل أو كثير عن التصور الإسلامي عموماً، مما يستوجب التعرض لمفهومهم هذا بشيء من الإيضاح، وذلك يتمثل في الأدلة التي قدمها الأباضية للاستدلال على وجود الله تعالى، والتي من أهمها الأدلة الآتية:
أولاً: دليل الحدوث:
يصور لنا هذا الدليل، أحد علماء الأباضية - وهو القلهاتي) في كتابه الكشف والبيان – في صورة سؤال وجواب كي يقربه إلى ذهن القارئ، فيقول: «إن قال قائل: ما الدليل على أن الله محدث الأشياء؟ قيل له: الدليل على ذلك: أنا رأينا الكتابة لا تكون إلا من كاتب والبناء لا يكون إلا من بان والصنعة لا تكون إلا من صانع، فعلمنا أن الأشياء محدثة ولا تكون إلا من محدث أحدثها، وهو الله الواحد القهار.
ويستطرد المؤلف قائلاً: فإن قال: فما الدليل على أن الأشياء محدثة وليست بقديمة؟ قيل له: لأنا وجدنا جميع الأجسام والأشياء في الدنيا لا تخلو من الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، فلما كانت الأجسام لا تخلو من ذلك، علمنا أنها محدثة لحدوث ما لا ينفك منها، ولم يسبقها، ولم يتقدمها إلا وهي معه، - أي الأعراض -، وصح معنا وثبت أن الأشياء محدثة (2).
(1) هو أبو عبدالله محمد بن سعيد الأزدي، القلهاتي، ينتسب إلى مدينة قلهات في عُمان، وينتسب إلى قبيلة الأزد اليمنية، كان من العلماء البارزين في أوائل القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي. انظر: مقدمة كتاب الكشف والبيان للقلهاتي، تحقيق: د. سيدة كاشف ص 6 - 7، طبعة سلطنة عمان،
1980
(2) الكشف والبيان، (1/ 95). (1/99)
صفحة 94
100
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وهذا الدليل هو عمدة أدلة المتكلمين)، وهو المبدأ الأساسي الذي اهتموا به، لأن ذلك هو أصل من الأصول الأساسية في الدين الإسلامي، وهو عكس ما تقضي به طائفة (الدهرية) من أن العالم قديم، ودفاعاً عن الدين بالعقل والمنطق، ومناهضة لتلك الفئة الضالة وغيرها ممن يقولون بقدم العالم، قام المتكلمون ومنهم الأباضية بإثبات أن العالم حادث.
وهذا الدليل الذي قال به الأباضية يستند إلى مبدأ السببية الفاعلة، في أنه لا يتصور وجود صناعة بدون صانع، وكتابة بدون كاتب ... إلخ، فمنهجهم هنا يعد منهجاً طبيعياً، ونقطة البداية التي انطلقوا منها في هذا الدليل هي التأمل في العالم ونظامه، باعتبار أنه فعل للخالق، ومن ثم فهو دليل يدل عليه، بحيث يكون الابتداء من المخلوق، والانتهاء إلى الخالق.
وقد استفاد علماء أصول الدين عامة من المنهج القرآني جملة بالنظر إلى العالم، وأضافوا إليه بعد ذلك مقدماتهم من القول بحدوث الأعراض والأجسام، فبحدوث الأعراض يصح حدوث الأجسام، وبحدوث الأجسام يصح وجود الله تعالى، حيث إن حدوث شيء من غير إحداث محدث مستحيل تصوره.
(2)
وقد نسبت هذه الطريقة لسيدنا إبراهيم، حيث يقول الرازي: والاستدلال بحدوث الأجسام هو طريقة الخليل اللي في قوله: «لا أحب
(1) نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني، ص 124 - 125، طبعة القاهرة. محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، للرازي، ص 147، طبعة الكليات الأزهرية. معالم أصول الدين، للرازي، ص 38، طبعة الكليات الأزهرية. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، (1/ 293)، طبعة دار الكتب العربية. التبصير في الدين للإسفراييني، ص 141. التمهيد للباقلاني، تحقيق: الخضيري، ص 44 - 45، طبعة القاهرة. التوحيد للماتريدي، تحقيق: فتح الله خليف، ص 18، بيروت. أصول الدين للبغدادي، ص 69، طبعة القاهرة. التمهيد للنسفي، ص 128 مقالات الإسلاميين، (1/ 14). (2) انظر: كتابنا القول المبين في أهم قضايا علم أصول الدين، ص 155. " (1/100)
صفحة 95
إثبات وجود الله
101
الآفلين» (1). أي لا أثني على الذي تتعاقب عليه الأحوال، ويعتريه التغير والزوال باستحقاق الربوبية، ولا أعطيه المحبة التي تجب الله الواجب الوجود، الذي يستحيل عليه الزيادة والنقصان والذهاب والإتيان، فاستدل إبراهيم الة على تغير الظواهر الطبيعية على أنها غير صالحة للألوهية، لأن الإله لا بد أن يكون غير متغير ولا
حادث
(2)
ثانياً: دليل الخلق:
هذا الدليل، وإن كان هو بعينه دليل الحدوث، إلا أن (القلهاتي) قد جعله دليلاً ثانياً، وذلك بتمييزه بين الدليل السابق وبين هذا الدليل بقوله: «ودليل ثان أيضاً يدل على أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، وهو أنه إذا وضعت نطفة بين يدي الخلق جميعاً، حيث يرونها ويمسونها، لم يقدروا أن يخلقوا لها عظماً ولا لحماً، ولا شعراً، ولا حياة، ولا قدرة، فكيف إذا كانت في ظلمة الرحم، وبينها وبينهم الحجب الكثيرة فهم في صنعها أعجز، وعن تدبيرها أبعد، فعلمنا أن من جعل النطفة خلقاً كاملاً هو الله تعالى، الذي خلق الأشياء واخترع أعيانها، وأخرجها من العدم إلى الوجود من لا شيء ولا يميز أغلب الباحثين بين هذا الدليل وسابقه، بل يعدهما دليلاً واحداً، يمتاز بميزة عظيمة، فهو أقرب شيء يخرجك عن التقليد، إذ إنه يجعلك تنظر إلى أقرب الأشياء إليك، وهو نفسك انطلاقاً من قوله تعالى: {وَفي أَنفُسِكُ، أَفَلَا تُصِرُونَ) [الذاريات: 21]. فتعلم بالضرورة أنك لم تكن، ثم كنت، فتعلم أن لك موجداً
(3)
أوجدك، لاستحالة أن توجد نفسك.
(1) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، ص 147. قارن الموقف الخامس، للإيجي، تحقيق: د. أحمد
المهدي، ص 5، طبعة القاهرة، 1976.
(2) القول المبين، ص 153 - 154. (3) الكشف والبيان، (1/ 59 - 60). (1/101)
صفحة 96
102
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
فإذا فكر الإنسان في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً وعظماً، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده، عضواً من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة فيدله ذلك على أنه في حال نقصه، وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز. وقد يرى نفسه شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى الشيخوخة والهرم، ولا اختار لنفسه، ولا في وسعه أن يزيل حال الشيب ويُرجع قوة الشباب فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه، وأن له صانعاً صنعه، وناقلاً نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر، فدل ذلك كله على وجود خالق حكيم وراء هذا كله (1)
(1)
وبيان دليل الخلق - أو الحدوث - منطقياً، أن تقول: أنا لم أكن ثم كنت، أو أنا موجود بعد عدم، وأنا حادث، فكل من هو كذلك فله موجد أوجده، فينتج هذا البرهان: أنا لي موجد أوجدني. أما القضية الصغرى في هذا القياس المنطقي، فهي معلومة بالضرورة، لأن كل عاقل لا يشك في أن هيئته المخصوصة التي هو عليها، وبها تحققت حقيقته الإنسانية، كانت معدومة ثم كانت، وأما الكبرى، فلقد اعتقد قوم، ومنهم الرازي أنها معلومة بالضرورة أيضاً، والصحيح عند الثميني (2) - وهو أحد علماء الأباضية - أنها نظرية، أي استدلالية، لأن اختصاص الحادث بالوجود
(1) القول المبين، ص 145 - 146.
(2) هو الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني المصعبي اليسجني الملقب بضياء الدين، ولد في سجن بجنوب الجزائر عام 1130 هـ، وكان أحد أقطاب الأباضية، وإليه انتهت رئاسة العلم، توفي في عام 1220 هـ ومن أهم مؤلفاته (معالم الدين)، جمع فيه العقائد الصحيحة لمذهب الأباضية، وقد ختمه بالتأكيد على تمسكه الشديد بالعقيدة الأباضية حتى الموت، حيث يقول: «وأنت إذا تتبعت كتابنا، لا يخفى عليك اعتقاد الأباضية الخلص المذكورين الذي عليه نحيي، وعليه نموت. انظر: معالم الدين، للثميني، (2362)، طبعة سلطنة عمان، 1986، مقدمة الكتاب لسالم بن حمد ابن سليمان الحارثي. (1/102)
صفحة 97
إثبات وجود الله
103
في الوقت المعين بدلاً عن العدم الجائز يوجب افتقاره إلى مخصص، وإلا لكان أحد الأمرين المتساويين راجحاً لذاته، وذلك محال (1).
هذا الدليل يسمى بدليل (الخلق) أو (الإبداع) أو (الاختراع)، وقد رآه شيخ الإسلام (ابن تيمية) كافياً وحده في الاستدلال على وجود الله تعالى، وليس هناك حاجة إلى اللجوء إلى طريقة المتكلمين التي ترى أن الخلق أو الإحداث لا يُعرف إلا بالاستدلال على حدوث الأعراض أولاً، ثم ملازمتها للجواهر ثانياً، ثم القول بأن الجواهر لما لازمت الأعراض وهى حادثة كانت حادثة أيضا (2).
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الدليل في غاية الحسن والاستقامة، وهو يعد دليلاً عقلياً وشرعياً معاً، حيث يقول: «فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية، دلّ عليها القرآن، وهدى الناس إليها، وهي عقلية، فإن نفس كون الإنسان حادثاً بعد أن لم يكن، ومولوداً ومخلوقاً من نطفة ثم من علقة هذا لم يُعلم بمجرد خبر الرسول صلى الله عليه وسلم بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول أو لم يُخبر، لكن الرسول أمر أن يُستدل به، ودلّ به، وبينه واحتج به، فهو دليل شرعي، لأن الشارع استدل به، وأمر أن يُستدل به، وهو عقلي بالعقل تعلم صحته، إذن فهو عقلي وشرعي
(3)
ولما كانت آية الخلق أقوى أنواع الآيات دلالة على الخالق، يؤكدها القرآن بمبادئ مقررة، يعترف بها كل إنسان عندما يفكر فيها تفكيراً بسيطاً، فمن البين أن الشيء لا يمكن أن يوجد بدون علة، ولا يمكن من جانب آخر أن يكون علة
(1) معالم الدين، للثميني، (1/ 1 8 - 83).
(2) درء تعارض العقل والنقل، ص 41، طبعة دار الكتب المصرية، 1971.
(3) النبوءات لابن تيمية، ص 48، طبعة القاهرة، 1346 هـ. (1/103)
صفحة 98
104
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
صياغة نفسه، وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى: (أمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ
أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ) [الطور: 35 - 36].
فهذه الآيات على قصرها تتضمن الاحتمالات الممكنة فيما يتعلق بحدوث هذه
الكائنات التي يعتبر حدوثها شيئاً مسلماً به، وهذه الاحتمالات هي:
1 - أن تكون الموجودات الحادثة قد حدثت من غير علة، وهذا أمر مرفوض لأنه مخالف لما يقضي به العقل من ضرورة وجود محدث لكل شيء حادث، وهذا مضمون قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَي).
2 - أن تكون الموجودات الحادثة قد أوجدت نفسها بنفسها، وهذا باطل أيضاً، لأن الكائن الحادث وجد بعد أن لم يكن موجوداً، فالقول بأنه أوجد نفسه يتضمن التناقض، لأنه يقتضي أنه متقدم على نفسه متأخر عليها في وقت واحد، وأنه
كذلك موجود معدوم في آن واحد، وهذا معنى قوله: أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ).
3 - أن الحادث أحدثه غ له غيره، وهو الله تعالى، وهذا هو الاحتمال الصحيح الذي يقضي به عقلنا، ويتماشى مع قوله تعالى: (اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكيل) [الزمر: 62].
إذن، فإنكار محدث للحوادث وموجد للوجود تناقض مع العقل، وإقامة على الخطأ، ولعله لهذا الإلزام المنطقي الذي لا مناص منه سماه ابن سينا بالواجب الوجود، حفاظاً على حرمة العقل من أن يوصم بالتخليط والتناقض، أو البلاهة والتبلد، إذ يستحيل أن ينبثق الوجود من العدم
(2)
(1) نماذج من الحكمة الدينية للمسلمين، د. سامي لطف، (1/ 55)، طبعة القاهرة، 1978. قارن العقيدة الإسلامية بين العقل والنقل، د. عبد السلام محمد عبده، ص 15، طبعة القاهرة. أيضاً: كتابنا القول المبين، ص 145.
(2) الله جل جلاله، أ. سعيد حوى، ص 120 - 121، طبعة دار القلم، بيروت، 1981. (1/104)
صفحة 99
إثبات وجود الله
ثالثاً: دليل الممكن والواجب
105
هذا هو الدليل الثالث من أدلة الأباضية قد أورده العالم الأباضي (الثميني)
في كتابه معالم الدين على النحو التالي:
ليس من (
إن العالم ممكن بوجوده وعدمه، لا أرجحية لأحدهما على الآخر بذاته، ويدل ذلك على افتقاره وأن كل ممكن - من حيث إنه قابل للوجود والعدم - فالوجود له ذاته، وكل ما ليس له الوجود من ذاته، فالوجود له من غيره، ثم ذلك الغير لا بد وأن يكون واجب الوجود لذاته، وإلا كان مفتقراً إلى ما افتقر إليه العالم، ولزم الدور، أو التسلسل، وكلاهما محال، فثبت العلم بوجود مؤثر واجب الوجود لـ د لذاته. ويستطرد المؤلف قائلاً: فقد خرج لك من هذا العلم بوجود الصانع، لكن مع احتمال أن يكون صانعاً باللزوم - كما يذهب الفلاسفة - وعلى هذا فإن الأمر يحتاج
إلى دليل آخر لإثبات أنه يكون صانعاً بالاختيار، خلافاً لرأي الفلاسفة (1).
ويمضي شيخ الأباضية - المتأخرين - في تصوير دليل الممكن والواجب، والتدليل على أن الله فاعل بالاختيار، وليس باللزوم كما قال الفلاسفة فيقول: إن صانع العالم: إما أن يكون أوجبه لذاته في ذاته، أو اقتضاه بطبعه، أو أوجبه باختياره، ولا يخلو الأمر من أحد هذه الأوجه الثلاثة.
لا جائز أن يكون المؤثر في هذه الممكنات موجباً لها بذاته كالعلة، ولا مقتضياً لها بطبعه، فبقي أن العالم قد وقع بالاختيار، وتعين أن يكون الفاعل مختاراً، وله إرادة رجح بها بعض الممكنات على بعض
(2)
وهكذا يلفت الشيخ الأباضي الأنظار إلى أن دليل الممكن والواجب لا يمكن التعويل عليه وحده، حقاً إنه ينتهي عند الإقرار بوجود الصانع، ولكنه لا يبين لنا
(1) معالم الدين، للثميني، (1/ 84).
(2) المصدر السابق، ص 85، 88. (1/105)
صفحة 100
106
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
على أي نحو كان هذا الصنع، فمن المحتمل أن يكون صنع الصانع خلوا من الإرادة والاختيار، بحيث يصنع بطريقة قسرية جبرية، فيكون صانعاً باللزوم»، وهذا هو مفهوم الصنع لدى أصحاب نظرية الفيض، فهم يرون أن العلاقة بين الله تعالى والعالم أشبه بالعلاقة بين الشمس وأشعتها، علاقة تلازم إذ لا يتصور أن تتخلف الأشعة في وجود الشمس.
إذن فدليل الممكن والواجب لا يمكن الاقتصار عليه وحده، وإنما هو مفتقر إلى تتمة، محتاج إلى دليل آخر، لم يوفق إليه الفلاسفة، وهو التدليل على أن الله فاعل بالاختيار، وهو ما قام به العالم الأباضي (الثميني) بالفعل، وبذلك يكون قد وافق جمهور الأشاعرة وبالأخص الإمام الجويني وخالف الفلاسفة المشائيين الذين لم يهتدوا إلى إثبات أن يكون الله تعالى فاعلاً
بالاختيار.
(1)
فهذا الدليل وإن اشترك فيه الفلاسفة والمتكلمون تسمية، فقد اختلفوا فيه منهجاً ومضموناً، فالإمام الثميني اعتمد على إمكان العالم، ليصل من ذلك إلى حدوثه، وعن طريق الإمكان والحدوث انتهى إلى القطع بأن صانع العالم مختار غير مجبر في خلقه للعالم، وهذا يغاير ما ذهب إليه ابن سينا الذي جعل مبدع العالم مجبراً على الإيجاد لا في زمان، ولكن مجرد تعقل الله لذاته، يصدر منه العقل الأول ... إلخ، فلا حرية ولا اختيار في وقت دون وقت ولا مكان دون مكان في نظرية الفيض المشائية الإسلامية.
(1) القول المبين، ص 156 157. قارن العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية لـ
17، طبعة القاهرة، 1978. (1/106)
صفحة 101
الفصل الثاني الصفات الإلهية
كان لا بد بعد تقديم أدلة وجود الله تعالى، وإثبات الذات الإلهية، أن نقدم تفصيلاً لما تتصف به هذه الذات من صفات لا سيما وأن قضية الصفات الإلهية تعد أهم القضايا الكلامية والفلسفية وأعظمها تشعباً، وأكثرها مثاراً للخلاف بين الفرق المختلفة، من مثبتين ونافين، فهي بحق قد شغلت أذهان المتكلمين والفلاسفة على مدى قرون عديدة، فأوسعوها دراسةً، وبحثاً، وأفردوا لها مباحث نالت كثيراً من اهتماماتهم ومناقشاتهم، فتنوعت آراؤهم حولها، واختلفت وجهات نظرهم بإزائها، وبلغ بينهم النزاع مبلغاً كبيراً أدى بهم إلى تبادل الاتهامات.
وقد اتفق جميع المسلمين بلا استثناء على أن الله تعالى متصف بصفات الكمال الثبوتية الواجبة لذاته تعالى، والتي أطلقها الباري سبحانه على نفسه، حتى أنه نقل عن الإمام ابن تيمية أنه قال: إن هذه المقدمة، أي القضية القائلة: إن الله متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، مما أجمع عليه العقلاء كافة، حكماء ومتكلمين وغيرهم
(1).
(1) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين، تحقيق وتقديم: د. سليمان دنيا، ص 1/ 276 277،
طبعة الحلبي،
1377 هـ. (1/107)
صفحة 102
108
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ولا خلاف بين المتكلمين قاطبةً والحكماء، في كونه تعالى عالماً قادراً مريداً حياً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، وهكذا في سائر صفاته تعالى، ولكنهم اختلفوا في تحديد العلاقة بين هذه الصفات والذات الإلهية بمعنى أن اختلافهم في كون الصفات عين ذاته أو غيره، أو لا هو ولا غيره، فذهب المعتزلة والفلاسفة إلى الأول، وجمهور المتكلمين إلى الثاني، والأشعري إلى الثالث (1).
وقد آمن الصحابة - رضوان الله عليهم - بما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية، متعلقاً بالذات والصفات إيماناً لا تشوبه شائبة، وقد مضى زمن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على عقيدة واحدة، هي ما جاء في كتاب الله تعالى، لأنهم كما يقول (طاش کبرى زادة: أدركوا زمان الوحي، وشرف صحبة صاحبه، وأزال نور الصحبة حبة صا. عنهم ظلم الشكوك والأوهام (2).
يضاف إلى ذلك خشية الصحابة أن يؤدي البحث العقلي الاجتهادي في مجال العقائد إلى انقسام المسلمين بعضهم على البعض الآخر، فنهوا عن ذلك، وحرصوا على توحيد الكلمة، بأن يكونوا على منهاج واحد في أصول الدين. فقد سمع الصحابة قول النبي صلى الله عليه وسلم: الله تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر (3). وسمعوا قبل هذا الحديث قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْميه) [الأعراف: 180]. ولم يشغلوا
أنفسهم، ولم يفتحوا عقولهم لنوع من الجدل أو المراء حول الذات أو الصفات. وقد أظهرنا المقريزي في خططه على موقف الصحابة من مسألة الذات والصفات في عبارة جميلة مختصرة، نصها: «من أمعن النظر في دواوين الحديث
(1) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين، ص 278. (2) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق، ص 272، طبعة القاهرة، 1944. (3) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الذكر والاستغفار، باب أسماء الله تعالى، (622)، طبعة القاهرة. (1/108)
صفحة 103
الصفات الإلهية
109
النبوي، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم، أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم على لسان نبيه، بل كلهم فهموا ذلك فسكتوا عن الكلام في الصفات، ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة والحياة، والسمع والبصر، والكلام والإرادة، والجلال والإكرام والجود والإنعام، والعزة والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً.
وهكذا أثبتوا له بلا تشبيه ونزهوا بلا تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سوى كتاب الله تعالى، ولا عرف أحد منهم الطرق الكلامية، ولا مسائل الفلسفة» (1). ومثل هذا كان موقف السلف وكبار الأئمة، من أمثال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل - رحمة الله عليهم -، ولم يميزوا بين أسماء الله تعالى وصفاته، وقال الإمام أحمد: «لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث» (2). ورفض أن يدخل في جدل حول هذا الموضوع، ودعا إلى اتخاذ هذا الموقف ابن تيمية وابن حزم وغيرهما من السلفية والظاهرية
(3).
وهذا ما قرره الإمام الراحل الدكتور عبد الحليم محمود - رحمة الله عليه – في تراثه العلمي تحت عنوان: «البحث في الذات والصفات الإلهية تهجم من الإنسان
(1) الخطط، للمقريزي، (1814)، طبعة القاهرة 1324 هـ، وطبعة بولاق (2/ 356). قارن أعلام الموقعين عن رب العلمين، لابن القيم الجوزية، تحقيق محي الدين عبدالحميد، (1/ 49)، الطبعة الثانية، القاهرة، 1955. (2) شرح العقيدة الواسطة، لابن تيمية، إعداد: د. محمد خليل هراس، ص 25، طبعة الرياض، 1983. (3) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (252/ 1)، طبعة الأميرية، 1321 هـ، والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي (1/ (120)، طبعة صبيح، 1348 هـ. (1/109)
صفحة 104
110
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
على مقام لا يرقى إليه»، حيث يقول: «وسواء نظرنا إلى التراث الديني الصحيح، من قرآن أو سنة، ونظرنا إلى أصحاب الآراء السليمة التي فهمت الأوضاع الدينية فهماً يتسم مع الروح الصحيحة للتدين، فإننا نجد أن الاتجاه العام في ذلك كله يبتعد بالإنسان ابتعاداً تاماً عن أن يقول في الله تعالى ذاتاً وصفات برأيه، «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا».
إن هذا الأثر يرسم النهج السليم، ويعبر عما يجب أن يكون عليه الإنسان إذا أراد النجاة وابتغى السلامة. وما من شك في أن البحث في الذات والصفات الإلهية، من ناحية الصلة بينهما: توحيداً أو تغايراً، والبحث في الصفات الموهمة للتشبيه، نفياً، أو إثباتاً، أو تأويلاً إنما هو تهجم من الإنسان على مقام لا يرقى إليه وهم متوهم، ولا خيال متخيل»، وإنه لحق، أن كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وقد كان من الطبيعي أن يقدر الباحثون أنفسهم باعتبارهم من البشر حق قدرها، وأن يقدروا الله حق قدره، ولو سار الأمر على هذا النسق لما تطاول البشر إلى مقام الله تعالى، ولما تجاوزا حدودهم، وبالتالي لما كان هناك اختلاف وتنازع وافتراق في موضوع الصفات
الإلهية (1)
ولكن بعض الباحثين لم يلتزموا حدودهم كأفراد من البشر، وغرهم عقلهم وخدعهم شيطانهم، فحاولوا بعقولهم على الله ما لم ينزل به سلطاناً، فكان النزاع حول مسألة الصفات الإلهية، وغيرها من المسائل التي طرحت على ساحة البحث والمناقشة، وذلك يرجع إلى المتغيرات التي طرأت على الجماعة الإسلامية بعد عصر الفتوحات ودخول عناصر العجم الإسلام وبروز مؤثرات فكرية في حياة المسلمين متأثرة بالثقافات القديمة هندية وفارسية، ويونانية، ويهودية، ونصرانية، فهذه
(1) صوت الأزهر، من تراث الإمام الراحل عبد الحليم محمود، ص 7، 26 جمادى الآخرة. (1/110)
صفحة 105
الصفات الإلهية
111
المتغيرات بدورها شغلت المتكلمين ردحاً من الزمن بمسألة الذات والصفات، وكان من الطبيعي أن تظهر (الأباضية) على الساحة الإسلامية وتدلي بدلوها في هذه المسألة، فهم منذ القرن الثاني الهجري جمهور على امتداد أرض المسلمين في المغرب
والمشرق.
مذهب الأباضية في الصفات:
يرى الأباضية أن الله تعالى صفات واجبة، وبالتالي هناك صفات مستحيلة في حقه تعالى، فالصفات الواجبة هي التي لا يمكن القول بوجوده بدونها، وهي وجوده وجوداً لا يحده زمان، وإنما له الوجود المطلق، والبقاء المطلق، ولا نهاية لبقائه، وهو العليم بذاته البصير بذاته، القدير بذاته السميع بذاته، لا تأخذه سنة ولا نوم لا يخلو منه مكان، ولا تحيط به الأكوان، ولا تفنيه الأزمان (1).
وقد اتفقت الأباضية على منع إطلاق ما لم يرد به الشرع من تسميات تتعلق بالذات والصفات كالجوهر والعرض والجسم، والجهة، والهيولى، والصورة، والعلة، وغير ذلك من الألفاظ التي لا يصح إطلاقها على الله تعالى.
وهم بهذا الاحتراز يتفقون مع جمهور أهل السنة والجماعة في أن أسماء الله وصفاته توقيفية، بمعنى أنه لا يجوز أن نثبت الله تعالى صفة ولا اسماً، إلا إذا ورد الأذن من الشارع بذلك (2) يؤيد هذا ما يقوله القلهاتي: «لا نصفه سبحانه إلا كما وصف نفسه في كتابه (3).
وقد ذهب جمهور الأباضية إلى أن الاسم والصفة شيء واحد، يؤكد هذا ما قاله صاحب كتاب الموجز حين عرف الاسم والصفة بقوله: «إن الاسم والصفة
(1) طلقات المعهد الرياضي، للشيخ سالم بن حمود بن شامس، ص 93، طبعة وزارة التراث القومي،
عمان.
(2) بهجة أنوار العقول، أبو محمد بن عبد الله بن حميد السالمي، (1/ 85)، طبعة مصر. (3) الكشف والبيان، (70/ 1). (1/111)
صفحة 106
112
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
جميعاً ما بان به الشيء عن غيره على ما هو به في ذاته ونفسه، وصفه الواصفون أو لم يصفوه» (1). وهذا يعني أن الاسم ليس عبارة عن تسمية المسمى، والصفة ليست وصفاً للموصوف.
وهذا يعد خلطاً من الأباضية بين مدلول الاسم ومدلول الصفة، إذ إن لكل
منهما مدلوله الخاص به، فالصفة هي الشيء الذي يوجد بالموصوف، أو يكون له، ويكسبه الوصف، الذي هو النعت الذي يصدر عن الصفة». ومعنى هذا أن الصفة قد توجد تارة وتعدم تارة أخرى، فإذا وجدت غيرت حكم الموصوف وصيرته عند وجودها على حكم لم يكن عليه عند عدمها، كالعلم والجهل، والشجاعة والجبن، فيتغير بها الموصوف إذا وجدت به، وتكسبه حكماً لم يكن عليه. ويذهب جمهور الأباضية في تعريف صفات الله تعالى إلى قولين: القول الأول: أنها أمور اعتبارية، لا يراد بها نفي أضدادها من النقائص، فوصفه تعالى عندهم بالعلم، بالسمع، بالحياة، بالقدرة، ليس إلا تنزيهاً عن الأوصاف الناقصة، كالجهل، والصمم، والموت، والعجز والقول الثاني عندهم: أن صفات الله تعالى أمور اعتبارية بحسب تجليات أعيان الوجود وتأثيرها، وانتقالها للذات العلية، وهي الفاعلة بذاتها، والمنكشفة لها الحقائق، ومن ثم فليس هناك صفة زائدة عليها، فإذا ما وصفت الذات بالعلم، فإن ذاته تعالى كافية في انكشاف حقائق الأشياء لها انكشافاً تاماً، فهي – أي الذات – حقيقة وصفه بالعلم)، وقس على ذلك في بقية الصفات.
أما عن تقسيم الصفات، فقد قسمها أباضية المشرق إلى قسمين: صفات ذاتية،
وصفات فعلية.
(1) الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، (1/ 247). (2) التمهيد، للباقلاني، تحقيق الأب مكارثي، ص 213، طبعة بيروت، 1975.
(3) مشارق أنوار العقول، ص 173. (1/112)
صفحة 107
الصفات الإلهية
113
الصفات الذاتية هي: كل صفة لا تجامع ضدها في الوجود، ولو اختلف المحل، كالعلم والقدرة والإرادة، فلا يقال علم الله كذا، وجهل الله كذا، كما لا يقال: أراد كذا، وأكره على كذا.
والصفات الفعلية هي: كل صفة جاز أن تجامع ضدها في الوجود عند اختلاف المحل، كأن يبسط الله في رزق علي، ويضيق في رزق محمد، وهذا القسم من الصفات لا يجوز عندهم أن يتصف الله تعالى بها في الأزل، وإنما يتصف بها فيما لا يزال (1)
وقد التقى الأباضية في تقسيمهم للصفات مع الإمام البيهقي، الذي قسمها إلى قسمين أيضاً، صفات ذاته وهي ما اتصف بها دون ضدها، وصفات فعل، وهي ما اتصف بها وبضدها، فلا يجوز وصفه إلا بما دل عليه الكتاب أو السنة أو أجمع عليه سلف الأمة (2).
والأساس الذي اعتمد عليه البيهقي في هذا التقسيم يتمثل في ملازمة الصفات للذات أو انفكاكها عنها، فإذا كانت الصفات ملازمة للذات ولا تنفك عنها كانت صفات ذات، فعلم الله تعالى - مثلاً - لا ينفك عنه، بل هو عالم في كل حين، أزلاً وأبداً، بخلاف صفات الأفعال، فإنها قد تنفك عن الذات في بعض الأوقات، وليست ملازمة لها، كالإحياء والإماتة، والعفو والعقوبة، وغير ذلك من
صفات فعله.
والذي يستفاد من تقسيم أباضية المشرق للصفات الإلهية، أن صفات الأفعال حادثة، وليست قديمة، في حين أن أباضية المغرب يرون أن صفات الله كلها قديمة
(1) قناطر الخيرات، أبو طاهر الجيطالي، (301/ 1)، طبعة القاهرة، 1965، وأيضاً مشارق أنوار العقول، ص 173. (2) الأسماء والصفات للإمام البيهقي، تحقيق: زاهد الكوثر، ص 110، طبعة بيروت، 1358 هـ. وأيضاً الاعتقاد على مذهب السلف وأهل السنّة، للإمام البيهقي 26 طبعة القاهرة، 1984.
ص (1/113)
صفحة 108
114
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
أزلية). بمعنى أنه لم يزل الله متصفاً بها في الأزل، وفيما لا يزال، وبذلك تختلف أباضية المغرب عن أباضية المشرق في اعتقاد الصفات وتقسيمها.
صفة الوحدانية:
وهي عبارة عن سلب الكثرة في الذات والصفات والأفعال، أي عدم الاثنينية في الذات، فوحدانية الذات تنفي عنه تعالى الكم المتصل والمنفصل، أي تنفي العدد في الذات متصلاً كان أو منفصلاً، فتنفي التركيب في ذاته تعالى، ووجود ذات أخرى تماثل ذاته العلية. ووحدانية الصفات اتصالاً وانفصالاً - أيضاً - تنفي عنه تعالى الكم المتصل والمنفصل فيها، أي تنفي العدد في حقيقة كل واحدة منها، متصلاً كان أو منفصلاً، أي أنه تعالى له حياة واحدة، وعلم واحد، وهكذا، وليس ثم من يتصف بصفات الألوهية سواه. ووحدانية الأفعال تعني أنه ليس لغيره تعالى فعل يشبه فعله تعالى، إذ كل ما
سواه عاجز لا تأثير له في شيء من الأشياء (2)
ووحدانية الله تعالى تعد أهم مباحث علم التوحيد، وأشرف مقاصده، وأجل غاياته، ولذا سمي باسم مشتق منها، فقيل: علم التوحيد، وقد اهتم علماء الكلام بإثبات الوحدانية الله تعالى، فجعلوا للتوحيد ثلاثة أنواع وحدة الذات، ووحدة الصفات، ووحدة الأفعال.
فالله تعالى واحد في ذاته، فليست ذاته تعالى مركبة من أجزاء، وليس هناك إله غير الله. وهو تعالى واحد في صفاته، أي ليس له صفتان أو أكثر من نوع واحد
(1) الموجز في تحصيل السؤال، للكافي (1/ 430). (2) شرح الخريدة في علم التوحيد للشيخ أحمد الدردير، ص 23، طبعة صبيح. وأيضاً: محاضرات في التوحيد والعقيدة والفكر الحديث، د. محمد شمس الدين إبراهيم ص 49، طبعة النوار، 1964. (1/114)
صفحة 109
الصفات الإلهية
115
كقدرتين وعلمين مثلاً، وليس لغيره صفة تشبه صفته تعالى، وهو أيضاً واحد في
أفعاله، فليس لغيره فعل يشبه فعله تعالى.
وقد قدم المتكلمون كثيراً من الأدلة لإثبات الوحدانية الخالصة لله رب
(1)
العالمين، أشهرها دليل (التمانع))، حيث نجده لدى المعتزلة وأهل السنة على حد سواء. ويبنى هذا الدليل على ما جاء في كتاب الله تعالى مثل قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَاءَ الهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَد تا} [الأنبياء:22]، وقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذا لذهَبَ كُل إِله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]،
وقوله: (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ عَالِمَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَابْتَغُوا إِلَى ذِي الْعَرْشِي سَبِيلًا} [الإسراء: 42]. وقد أثبت الأباضية كذلك وحدانية الله تعالى ونفوا عنه الشريك بدليل التمانع، وفي هذا يقول (الثميني) وهو أحد علمائهم: يجب أن يكون الله تعالى واحداً، إذ لو كان معه غيره للزم: إما عجزهما أو عجز أحدهما عند الاختلاف، أو قهرهما، أو قهر أحدهما عند الاتفاق، ثم يبطل جميع هذه الافتراضات (2).
إن آي القرآن الكريم - سالفة الذكر - مرشدة إلى وجه الاستدلال العقلي على وحدانيته تعالى. فالآية الأولى، وهي قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَاءَ المَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا) كاشفة لوجه الاستدلال على إبطال الهين عامي القدرة والإرادة والعلم، وسائر الصفات، لما يفضي إليه ذلك من الفساد والتمانع من وقوع الممكنات والآية الثانية وهي قوله: إذا لذَهَبَ كُل إِله بِمَا خَلَقَ .... الآية، مرشدة إلى إيطال قول من يدعي فاعلين يقدر كل منهما على ما لا يقدر عليه الآخر، كما قالت (الثنوية) بتمييز فاعل الخير وفاعل الشر، فإن كل واحد منهما يذهب بما خلق، ويلزم علو كل واحد منهما على الآخر،
(1) العقائد النسفية للنسفي، ص 54، طبعة الحلبي، 1322 هـ. (2) معالم الدين (244/ 1 وما بعدها. أيضاً: الكشف والبيان القلهاتي، (1/ 61). (1/115)
صفحة 110
116
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
للاستغناء عنه بما يفعله الآخر، فيكون عالياً عليه بذلك، والإله يعلو ولا يعلى
عليه
(1)
وبرهان (التمانع) يقابل برهان التوارد) ويعتبران برهاناً واحداً، ولكنه يختلف من جهة التسمية، ففي حالة فرض الاتفاق يسمى بـ (التوارد)، وفي حالة فرض الاختلاف يسمى بـ (التمانع)، واشتهر هذا البرهان على ألسنة علماء أصول الدين بـ (برهان التمانع).
وتقرير الدليل هكذا: «لو وجد إلهان، فإما أن يتفقا، وإما أن يختلفا، فإن اختلفا، بأن أراد أحدهما إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن ينفذ مرادهما معاً، فيلزم اجتماع النقيضين، فيكون الشيء موجوداً معدوماً في آن واحد، وهو باطل. وإما أن لا ينفذ مرادهما معاً، فيلزم من ذلك عجزهما معاً، وعجز الإله محال. وإما أن ينفذ مراد واحد منهما دون الآخر، فيلزم عجز من لم ينفذ مراده، والآخر مثله، فيلزم عجزه هو الآخر، لانعقاد المماثلة. وإن اتفقا، فإما أن يتفقا على إيجاد الشيء معاً، بأن يكون كل جزء فيه واقعاً بقدرتهما معاً، وهو باطل لما يلزم من اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإما أن يتفقا على أن يوجده أحدهما أولاً، ويوجده الثاني بعد ذلك، فيلزم تحصيل الحاصل، وهذا باطل كذلك، فيبطل ما يؤدي إليه من وجود إلهين خلقا ودبرا أمره بالشيوع. وإما أن يتفقا على أن يوجد أحدهما البعض، ويوجد الثاني البعض الآخر، وهذا باطل أيضاً للزوم عجزهما حينئذ لأنه لما تعلقت قدرة أحدهما بالبعض سد على الآخر طريق تعلق قدرته فلا يقدر على مخالفته، وهذا عجز، ويسمى هذا الوجه بالتوارد (2)
(1) معالم الدين، (1/ 259 - 260).
(2) يراجع هذا الدليل في المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبدالجبار، (4/ 267 - 268)، طبعة المجلس الأعلى للثقافة. شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار، ص 278. نهاية
= (1/116)
صفحة 111
الصفات الإلهية
117
هذا، ونود أن نشير هنا إلى أن فرض الاتفاق إنما هو تجويز عقلي في بادئ الأمر، أما عند النظر العميق فإنه لا يمكن الاتفاق بين الإلهين أبداً، بل لا بد من الاختلاف بينهما، وهو ما قرره الإمام الأشعري، حيث رأى استحالة وقوع الاتفاق بين
الإلهين"
(1)
فالتفرد إذن هو السمة الأساسية في الألوهية، فإذا حصل التعدد حصل التنازع، وإذا حصل التنازع، اختل نظام الكون، أو لم يوجد الكون أصلاً، لكن المشاهد أن الكون موجود وجوداً في غاية الإتقان والإحكام، فالله إذن واحد، لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته أن التوحيد هو أول دعوة الرسل عليهم السلام -، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله
تعالى، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ [الأعراف: 59]، وقال هود ل لقومه: اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُر من إله غيره) [الأعراف: 65]، وقال صالح اللي لقومه: اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]، وقال شعيب القومه: اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَه غَيْرُهُ} [الأعراف: 85]، وقال تعالى مخاطباً حبيبه المصطفى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (2).
=
الإقدام للشهرستاني، ص 91 - 92. اللمع، للأشعري، تحقيق: د. غرابة، ص 20 - 21، طبعة الخانجي، 1955. رسالة التوحيد للشيخ محمد عبد، ص 32 - 33، طبعة صبيح 1965. التوحيد للماتريدي، ص 20. التمهيد للنسفي
ص
130 - 129
(1) اللمع، ص 20 - 21. القول المبين، ص 222 - 223.
(2) الحديث رواه الشيخان في صحيحيهما، وقد سبق تخريجه في التمهيد. (1/117)
صفحة 112
118
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
صلة الذات بالصفات:
تعددت المذاهب في مسألة علاقة الذات بالصفات، فذهب المعتزلة والفلاسفة إلى نفي استقلال الصفات، وجعلها عين الذات، ولما سئلوا عن معنى العينية قالوا: إنها ليست عيناً حقيقية، وإنما هي أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، مع خلاف طفيف بين المعتزلة والفلاسفة في المنهج، وذهب الأشاعرة إلى إثبات الصفات،
وجعلها قائمة بالذات زائدة عليها.
فالفلاسفة يتوهمون أن مجرد اتصافه تعالى بهذه الصفات – حتى ولو كان الاتصاف ذهنياً صرفاً - يترتب عليه من النتائج ما يتنافى مع البداهة ويخل بالتنزيه، وأساس هذا الزعم الخاطئ عندهم هو أنهم يقيسون الصفات الإلهية بالمقياس نفسه الذي يقيسون به الصفات الإنسانية، ويرتبون على كل صفة من النوع الأول اللوازم نفسها التي تترتب على نظيرها من النوع الثاني دون ملاحظة لما بين النوعين من حواجز وفروق.
وأما المعتزلة فقد رأوا أن الاتصاف بالصفات هو من دلائل الجسمية، لذلك قرروا أن صفات الله هي عين ذاته، وأنه سبحانه قادر وعالم ومريد بذاته، لا بصفات زائدة عن الذات، وقد قاسوا الاتصاف في عالم الغيب على الاتصاف في عالم هذا المقياس الخاطئ عن طريق الصواب.
الشهادة، فبعد.
بهم
وأما الأشاعرة فلا يتصورون أن يكون الله تعالى عالماً وقادراً، ومريداً، إلا أن
تكون له صفات أزلية قائمة بذاته، وهذه الصفات مع ذلك زائدة على الذات، ولهم في ذلك عذرهم، فلما رأوا كثرة النصوص التي تذكر الصفات واختلافها وتنوعها، أثبتوا الله الصفات، ولما اختلفت مقتضيات الصفات، فالقدرة غير العلم – مثلاً - قالوا بتعددها، ولما كان التعدد لا يُفهم عندهم إلا بزيادتها على الذات، قالوا بأنها زائدة، ويرجع ذلك أيضاً لمقايستهم عالم الغيب والشهادة بمقياس واحد (1).
(1) انظر: كتابنا القول المبين في أهم قضايا علم أصول الدين، ص 258. (1/118)
صفحة 113
الصفات الإلهية
119
وقد أشار العالم الأباضي (الثميني) إلى اختلاف الفرق في هذه المسألة، وأعلن اتفاق الأباضية مع المعتزلة بصددها، فقال: «اشتهر الخلاف في أن صفاته تعالى عين ذاته، أو زائدة عليها، فذهب أصحابنا والمعتزلة والحكماء ومن حذا حذوهم إلى الأول، وذهب الأشاعرة إلى الثاني (1).
فقد وافق الأباضية المعتزلة في زعمهم أن الصفات هي عين الذات، أي ليست هناك ذات وصفة، بل الذات العلية فقط، والصفات أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج. فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة والكلام، صفات معاني تغاير المعاني الحقيقية القائمة بأوصاف المخلوقين، وأنها ليست زائدة على الذات، لأنه ليس هناك حاجة إلى وجود معاني زائدة على الذات، فوجوده كافٍ لانكشاف جميع المعلومات، وكاف في التأثير في جميع المقدورات، وكاف في تخصيص جميع الكوائن الممكنة ببعض ما يجوز عليه.
ويؤكد العالم الأباضي صاحب مشارق أنوار العقول على أن الصفات عين الذات وليست زائدة عليها فيقول: «ذهب أصحابنا إلى أن أسماء الله وصفاته الذاتية، هي عين ذاته، أي ليس هناك أمر ثانٍ غير ذاته العلية» (2). ويذهب إلى هذا المعنى العالم الأباضي (الرواحي) فيقول: «والأصل الذي ذهب إليه أصحابنا في هذا، أن صفاته تعالى هي عين ذاته الأزلية، ولا ينكشف هذا إلا بتجريد الذات المقدسة عن الصفات الكلية، فنقول في وصفه تعالى – مثلاً - بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة وغيرها من صفاته تعالى: إنها ليست بشيء زائد في ذاته، لئلا يلزم الحلول في ذاته، ولا زائد عن ذاته، لئلا يلزم التبعض في ذاته، ولا زائد على ذاته لئلا يلزم افتقاره إلى ما يزيد على ذاته، فهو سبحانه – مثلاً – عالم لا بعلم يعلم به، وقادر لا بقدرة يقتدر بها، وهكذا في سائر صفاته، لأنه لو كان يعلم
(1) معالم الدين، (1/ 216).
(2) مشارق أنوار العقول، للسالمي، ص 177. وقارن الأباضية مذهب وسلوك، ص 335. (1/119)
صفحة 114
120
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
بعلم، ويقدر بقدرة، فلا بد إما أن يكون ذلك العلم هو، فيقتضي أن يكون ذلك العلم هو الإله، وأن الإله هو العلم، وهذا باطل، وإلا لجاز أن يكون العلم رباً لقوم، والقدرة إلهاً لغيرهم، والإرادة معبوداً لآخرين، وهكذا في سائر الصفات، وهذا باطل لا يدعيه أحد، لأنه شرك ظاهر» (1).
وواضح أن الأباضية يوافقون المعتزلة في جعلهم الصفات عين الذات، وهم في نفيهم الصفات يعتمدون على ما اعتمد عليه المعتزلة من القول بنفي الصفات، خشية من تعدد القدماء، وذلك يؤدي إلى تعدد الآلهة، وهذا كفر كفرت به
النصارى.
فالصفات الإلهية عندهم ليست حقائق مستقلة، وإنما هي اعتبارات ذهنية، ليس لها وجود في الخارج، فالله تعالى عندهم عليم بذاته، لا بعلم هو غيره، وقادر بذاته، لا بقدرة هي غيره، وفي هذا يقول (الرواحي) معقباً على ما قرره الأباضية: ووافقنا على كونها صفات اعتبارية الحكماء والمعتزلة، وأنها لا وجود لها في الخارج من اعتبار العقل (2)
فالحياة والعلم والقدرة، والإرادة والسمع والبصر، والكلام، صفات اعتبارية، لا وجود لها في ذاته تعالى، مقصود بها نفي أضدادها من الموت، والجهل، والعجز، والإكراه، والصمم ... إلخ.
إذن فالذات والصفات شيء واحد في الحقيقة، وإن تغايرا بحسب المفهوم والاعتبار، ولا نعني بالصفات إلا سلب اتصافه بأضدادها السابقة، ولو كانت
(1) نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر لمؤلفه ناصر بن سالم الرواحي، (1/ 23)، طبعة سلطنة عُمان،
1400 هـ.
(2) المصدر السابق، ص 31. قارن: شرح القصيدة النونية المسماة بالنور، لمؤلفها عبدالعزيز بن إبراهيم المصعبي، ص 104 - 105، طبعة القاهرة 1306 هـ. و، وأيضاً: العقود الفضية في أصول الأباضية، لسالم بن حمد بن سليمان الحارثي، ص 285، طبعة دار اليقظة العربية، سوريا. (1/120)
صفحة 115
الصفات الإلهية
121
الصفات زائدة على الذات لكانت ذاته تعالى ناقصة لعينها مكتملة بغيرها
ضرورة (1).
ويحاول الشيخ الأباضي (الثميني) تبرئة المعتزلة من اتهام الأشاعرة لهم بأنهم أثبتوا الذات بدون الصفات، ويؤكد أن ما نسبه الأشاعرة إلى المعتزلة من نفي الصفات إنما هو شهادة زور وإفك، وإنما نفى المعتزلة زيادة الصفات على الذات ويلفت (الثميني) الأنظار إلى أن المذهب الذي نسبه الأشعري إلى المعتزلة إنما هو مذهب الحكماء، إذ كيف يسوغ لأحد ممن يدعى الإسلام أن ينفيها (2).
وهكذا يتضح لنا أن الجزء الأكبر من مذهب الأباضية معتزلي، قد أخذوه من المعتزلة وهم في الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد المغرب، أو أن تكون هذه الأفكار قد تسربت إليهم تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة من الشيعة، وبمعتزلة إقليم طنجة القديم، أو أن مذهب الأباضية في الشرق سار ومذهب أباضية المغرب بخطى واحدة متساوية تحت تأثير معتزلي (3).
والحق أن البحث في الصفات، وهل هي عين الذات أو زائدة على الذات، دخيل على الإسلام ومن البدع الطارئة على العقيدة، ومن المنكرات التي يجب على المسلمين أن يتنزهوا عنها، فقد كان من الأسلم لهذه الفرق التي تصارعت حول هذه المسألة أن تسلم بأن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، وأنه ليس كمثله شيء، فإن ذات الله تعالى أجل من أن تتناول على هذا النحو.
فهذا النوع من التفكير مما نهينا عنه، ولم يكلفنا الشرع به لأنه خارج عن نطاق العقل المحدود، فذات الله تعالى فوق الإدراك. إن كل ما كلفنا به أن نعلم أن الله
(1) معالم الدين، (1/ 222). (2) المصدر السابق، ص 218.
(3) بحوث في المعتزلة، ضمن مجموعة التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، د. عبدالرحمن بدوي، ص 208 209، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية، 1965. (1/121)
صفحة 116
122
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
موجود، وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، والكمال المطلق، وما وراء ذلك
يجب الإمساك عنه، ولا يحل البحث فيه، فالعلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر. فالذي يقتضيه النظر السليم، ويتطلبه الاعتقاد الذي أوجبه الله تعالى على. عباده أن الله تعالى صفات يستشعر المؤمن بإثباتها علاقة الله تعالى بالعالم، وعلاقة هذا العالم به، وعلاقة هذا الإنسان بالله خالقه، بما يحقق له منهج العبودية لله وحده، وخلافة الأرض وعمارتها.
والحق الذي لا شك فيه أن المعروف عن السلف الصالح أنهم لا يتجاوزون الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة في مسألة الذات الإلهية وصفاتها، فلا يقولون على الله بغير علم، ولا يسألون عن الصفات هل هي عين الذات أم غير الذات. ولذلك يقول ابن تيمية: القول الشامل في جميع هذا الباب، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوزون به القرآن والحديث، ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، و من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا
تمثيل (1).
أما ما كان من المتكلمين معتزلة وأشاعرة وأباضية من الحديث في علاقة الصفات بالذات، فقد جاء من التأثر بالفكر الفلسفي في التدقيق في ثنايا الأمور، التي لا طائل من ورائها، سوى إلزام الخصم المتفلسف بالمنهج الفلسفي وإن كان هذا النهج محاولة جريئة ومخلصة في محاولة رد المعتدي على قداسة النص الديني بالتأويل، وتحكيم المنهج الفلسفي في مدلولاته، هذه المحاولة جعلت المتكلمين يستندون أساساً إلى النص الشرعي في إثبات اعتقادهم وتدعيمه بالمنهج العقلي على وجه يدفع الخصم.
(1) علم الكلام وبعض مشكلاته، د. أبو الوفا التفتازاني، ص 133، طبعة دار الثقافة، 1979. (1/122)
صفحة 117
الصفات الإلهية
صفة العلم:
123
اتفق المتكلمون على أن الله عالم، أي منكشف له كل ما كان، وما سيكون، دون سبق خفاء أو جهل، فالله تعالى محيط بجميع المعلومات، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء). وهذا هو الفرق الأساسي بين تصور المتكلمين لصفة العلم
وتصور الفلاسفة.
(1)
فالثابت عند المتكلمين والفلاسفة أن الله يعلم ذاته ويعلم غيره، لكن الخلاف الجوهري بينهما دار حول معرفة الله أو علمه سبحانه للجزئيات المتغيرة، فذهب المتكلمون إلى أن الجواهر يعلمها الله بأفرادها، لأنه هو الذي أوجدها أولاً منفردة، ثم ألف بين هذه الجواهر ليكون الأجسام، وهو الذي خصص كل جوهر أو جسم المجموعة معينة من الأعراض.
لذلك كان مسلك المتكلمين يفيد العلم بالجزئيات، كما يفيد العلم بالكليات ذلك لأن الجزئيات كالكليات صادرة عنه على صفة الإتقان، ومقدرة له، فيكون عالمياً بهما معاً، أما مسلك الفلاسفة فلا يوجب إلا علماً كلياً (2).
وقد أثبت الأباضية صفة العلم الله تعالى، بمعنى أنه منكشف له كل ما كان وما سيكون، دون سبق خفاء أو جهل، وفي هذا يقول أحد علمائهم: «قال أهل الاستقامة - يعني الأباضية -: إن الله تعالى عالم، وإن له علماً، بمعنى أنه عالم بالأشياء، لأن له علماً هو غيره، به علم الأشياء، وقولنا: إن له علماً، كما قال في كتابه:
(1) انظر على سبيل المثال: الانتصار للخياط، ص 7 87، طبعة دار الكتب المصرية 1952. المغني (221/ 5). نهاية الإقدام، ص 215. المسائل الخمسون في أصول الدين للرازي، تحقيق: د. السقا، ص 49، ط 2، المكتب الثقافي، 1989. إحياء علوم الدين للغزالي (1/ 188). المطالب العالية للرازي، تحقيق: د. السقا، ص (1511)، طبعة بيروت، 1987. علم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة لابن حزم تحقيق د. السقا، ص 71، طبعة القاهرة، 1989. (2) شرح المواقف، للشريف الجرجاني، الموقف الخامس، تحقيق: د. المهدي، ص 112 - 113. (1/123)
صفحة 118
124
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]). والدليل العقلي على أن الله تعالى عالم: أن الأفعال المحكمة الواضحة في عالمنا لا تكون إلا من عالم (2).
ويذهب شيخ الأباضية - في عصره - (الثميني) إلى أن الله تعالى يجب أن يكون عالماً بكل شيء جزئياً كان أو كلياً، فصفة العلم الإلهي عامة (3)، ويقول في موضع آخر: «ولما كانت الماهيات المطلقات لا يمكن دخولها في الوجود إلا مع تخصيصها بزمان، ومحل، وكيفية ووضع ومقدار، وكل وجه وجدت عليه أمكن في العقل وقوعها على خلافه أو مثله، ولا يتخصص إلا بالقصر عليه، وجب أن يكون عالماً بها من كل وجه. وذلك أول دليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات (4). والعلم الإلهي الذي يتحدث عنه مشايخ الأباضية ليس علماً كسبياً، لأن العلم الكسبي لا يكون إلا حادثاً، لأنه: إما أن يفسر بالعلم الحاصل عن النظر – وهو المشهور - أو بما تعلقت به القدرة الحادثة، ولا يخفى تعذر العلم الإلهي على كل منهما، فإذا علمت هذا عرفت أن ما وقع في الكتاب والسنة موهماً ظاهره حدوث العلم الإلهي وكسبه يجب القطع بأن ظاهره غير مراد، وذلك مثل قوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ} [العنكبوت:3]، فيأول بأن المراد منه الإخبار بأنه تعالى يجازي المكلفين بما علمه منهم أزلاً من خير أو شر، فأطلق العلم على الجزاء المتأخر عند وقوع أماراته من خير أو شر، وتسمية الجزاء بالعلم من باب تسمية المتعلق باسم التعلق، لأن العلم يتعلق بالمعلوم، فأطلق عليه، وهو مجاز
(5)
شائع.
(1) الكشف والبيان، (253/ 1). (2) المصدر السابق، (1/ 79). (3) معالم الدين، (1/ 190). (4) المصدر السابق (226/ 1)
(5) المصدر نفسه، ص 229. (1/124)
صفحة 119
الصفات الإلهية
125
وقد استدل الشيخ الأباضي على كونه تعالى عالماً بالنظر إلى أفعاله تعالى من ناحية الإحكام والاختيار المشاهد في الكون، فالاستدلال على علمه تعالى بالإحكام يتبين من أنه لو لم يكن عالماً لم يكن الإنسان في ذاته متصفاً با هو عليه من غاية الإحكام والإتقان، ودقائق المحاسن التي لا تنحصر، ومن جوز صدور عجائب مصنوعاته تعالى – مع كثرتها وخروجها عن حد الحصر – عن جاهل، على سبيل الاتفاق - المصادفة - كان معانداً للحق، جاحداً للضرورة.
والاستدلال على كونه تعالى عالماً من جهة الاختيار، فهو أوضح. ووجه الاستدلال به: أنه تعالى فاعل بالاختيار، والفاعل بالاختيار لا بد وأن يكون قاصداً إلى ما يفعله، والقصد إلى الشيء مع الجهل به محال، ولا يتصور القصد من الله إلا مع العلم بالمقصود، وإن كان يتصور من الحادث مع العقد والظن والوهم، فلا يتصور من الله تعالى ذلك، إذ إن اختيار الفعل بناءً على ظن ومن ثم إمكان الخطأ إنما هو نقص، يتعالى الله عنه، وهو جائز على المخلوقين، فتعين أن يكون سبحانه عالماً بكل كبيرة وصغيرة (1).
ومهما يكن من أمر، فإن مسألة العلم الإلهي ليست كما وصفها الفلاسفة، وكما حاول المتكلمون حلها، إلا مسألة أُسيء وصفها، إذ كيف يجوز للإنسان أن يتساءل إذا كان علم الله تعالى عاماً أو خاصاً، كلياً أو جزئياً، قديماً أو حديثاً، ما دام هذا العلم يختلف اختلافاً جوهرياً عن علم الإنسان، فبأي حق أو منطق نقارن بين علمين لم يكن بينهما وجه للمقارنة؟
فغاية ما يستطيع المرء أن يقوله هنا: إنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علاً، فعلمه تعالى لا يحده زمان ولا مكان ولا تقدم ولا تأخر، ولا نقول عنه كلي ولا جزئي، بل نثبت له صفة العلم الذي يحيط بالوجود كله بدون تمثيل أو تشبيه أو تكييف.
(1) معالم الدين، ص 193 - 194. (1/125)
صفحة 120
126
صفة الإرادة:
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
اتفق المسلمون جميعاً متكلمين وفلاسفة على كون الباري سبحانه مريداً، إلا أنهم اختلفوا في معنى الإرادة وتفسيرها، هل هي قديمة أم حادثة، وهل هي صفة زائدة على الذات أم لا؟ ونلاحظ أن هذا الاختلاف لم يكن فقط بين الفرق الإسلامية المتباينة، بل وجد وجد أيضاً بين الفرقة الواحدة ذاتها، بعضها مع بعض. وقد أثبت الأباضية الله تعالى صفة الإرادة انطلاقاً من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) [الحج: 14]، وقوله تعال: فَقَالَ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]. وقد عدوها صفة ذات، لأن كل ما علمه الله فقد أراده، وليست إرادته تعالى فعلاً من أفعاله، كما قال من حاد عن الحق – يعني المعتزلة -، إذ لو صح كان فعلاً أراده في نفسه، أو في غيره، أو أفعالاً قائمة بنفسها، هذه هي الاحتمالات الثلاثة الممكنة، فأما القول إنه تعالى أحدثها في نفسه فليس هو محلاً للحوادث، وأما القول إنه أحدثها في غيره، كان ذلك الغير مريداً، وأما القول إنه أحدثها قائمة بنفسها كان مستحيلاً، لأن الإرادة صفة، والصفة لا تقوم بنفسها، فلما فسدت هذه الوجوه، صح أنه تعالى لم يزل مريداً كما أنه لم يزل قادر (1).
•
وبذلك يلتقي الأباضية مع أهل السنّة، الذين ذهبوا إلى أن الله تعالى موصوف بالإرادة، وأن إرادته تعم جميع مخلوقاته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والإرادة: صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى تخص الممكن ببعض ما يجوز عليه من وجود أو عدم، أو مقدار أو زمان، أو جهة، والتخصص هو ترجيح أحد طرفي الممكن بالوقوع بدلاً عن مقابلة (2).
هي:
(1) الكشف والبيان، ص 259 (2) القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد، د. محمد المهدي، ص 232، طبعة الصفا والمروة، 1997. أيضاً: تاريخ الفلسفة العربية، حنا الفاخوري وزميله خليل الجر، (281/ 2)، بيروت، 1982. معارج السالكين، ص 49. (1/126)
صفحة 121
الصفات الإلهية
127
وقد خالف الأباضية المعتزلة التي اتفقت على اعتبار صفة الإرادة من صفات الأفعال، كما اتفقت أيضاً على حدوثها، لأن أفعال الله تتصل بمخلوقات، وهذه حادثة، فمن الضروري أن تكون الإرادة حادثة بحدوثها، وقد اعتمدوا هنا على مبدئهم المعروف، وهو أن ما يقارن الحوادث حادث مثلها. وفي هذا يقول القاضي عبدالجبار: «وقال شيخنا أبو علي وأبو هاشم، ومن تبعهما: إنه سبحانه مريد على الحقيقة وإنه يحصل مريداً بعدما لم يكن، إذا فعل الإرادة، وإنه سبحانه يريد بإرادة حادثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وإن إرادته توجد لا في محل، إذ لا يجوز أن تكون في محل - على عكس إرادتنا - فلا يصح أن تحل في ذاته، لأن ذاته ليست محلاً للحوادث، ولا أن تحل في غيره، وإلا كان الغير أولى بإيجاب الحكم له
وهكذا فهي إرادة محدثة لا في محل، بمعنى أنها قائمة بذاتها، لا في ذاته تعالى» (1). والإرادة الإلهية عند شيخ الأباضية القلهاتي: إرادة أمر، لا إرادة حتم، فهو تعالى مريد لما أمر به، ونهى عنه، مما علم أنه يكون (2). ويفرق (الثميني) بين الإرادة والرضا من ناحية، وبين الرضا والأمر من ناحية أخرى: فليس كل ما أراده الله يرضى عنه، بمعنى أنه قد يريد الله شيئاً، ولكنه لم يرضَ عن عنه.
مثال ذلك: كفر أبي لهب، فإنه تعالى أراده، ولكنه لم يرضه ولم يأمره به، وإنما أمره بالإيمان، الذي لا يقدر أبو لهب أن يأتي به لعجزه عنه، نظراً لاشتغاله بالكفر المانع له.
لقد أخطأ المعتزلة حين ظنوا أن الأمر يستلزم الإرادة بمعنى أن كل ما أمر الله به فقد أراده، وأن النهي يستوجب عدم الإرادة، فجعلوا إيمان الكافر مراداً لله تعالى، لكونه مأموراً به، وكفره غير مراد له لكونه منهياً عنه، ولكن الأباضية ترى أن
(1)
المغني، 3/ 6، شرح الأصول، ص، ص 440، المختصر في أصول الدين للقاضي عبدالجبار، ص 196،
القاهرة 1971.
(2) الكشف والبيان، ص 261. (1/127)
صفحة 122
128
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
الشيء قد لا يكون مراداً ويؤمر به، وقد يكون مراداً وينهي عنه الحكم ومصالح
يحيط بها علم الله تعالى، فهو لا يلُ عَمَّا يفعل) [الأنبياء: 22] (1).
•
والإرادة صفة بها ترجيح أحد طرفي الممكن، فلو لم يكن الله مريداً لما اختص العالم بوجود ولا مقدار، ولا صفة، ولا زمان، بدلاً عن نقائصها الجائزة. فالإرادة تتعلق بالممكنات وعملها يلي عمل العلم، فما علم الله تعالى وقوعه جاءت الإرادة الإلهية وخصصته بالوجود بدل العدم، وما علم الله أنه لن يوجد خصصت الإرادة الإلهية عدم وجوده ورجحته على وجوده، إذن فما أراد الله تعالى وجوده كان، وما لم
يرد وجوده لم يكن.
صفة القدرة:
يرى المتكلمون – سواء كانوا معتزلة أو أشاعرة - أن الله تعالى قادر بمعنى أنه إن شاء فعل، وإن شاء ترك، أي أنه تعالى إذا أراد الفعل وقصد إليه فعله، وإن لم يرده وأراد تركه تركه، فهو تعالى مختار في أفعاله. وقد وقع الخلاف بينهم وبين الفلاسفة الذين ذهبوا إلى إنكار صفة القدرة، وقالوا: إن الله تعالى يلزم عنه الفعل لذاته، وهذا يعني أنه لا يتمكن من الترك) (2).
والدليل على كونه قادراً هو: أن الله تعالى قد صح منه الفعل، وصحة الفعل تدل على كونه قادراً، والدليل على صحة وقوع الفعل منه تعالى هو خلقه للعالم من أجسام وأعراض، وصحة الفعل تدل على كونه قادر (3).
(1) معالم الدين، ص 206 - 207
(2) التحقيق التام في علم الكلام، د. محمد الحسيني الظاهري، ص 53، طبعة النهضة المصرية، 1939. أيضاً: محاضرات في التوحيد، د. محمد شمس الدين، ص.74. العقيدة الإسلامية والأخلاق، د. الدين الصافي، ص 47، طبعة القاهرة. (3) الكشف والبيان، ص 78. شرح الأصول، ص 151. المحيط بالتكليف، للقاضي عبدالجبار،
يحيي
ص 114 - 115. المغني، (204/ 5). (1/128)
صفحة 123
الصفات الإلهية
129
ويبين شيخ الأباضية (الثميني) أنه لو لم يكن الصانع للعالم قادراً، لما أوجده، ولكان عاجزاً، والعاجز لا يأتي منه فعل ولا ترك). ويقيد الإيجاد بالاختيار، لأنه هو المستلزم للقدرة، إذ الإيجاد بدون هذا الشرط لا يدل على القدرة، كإيجاد العلة والطبيعة إذ لا يلزم أن تكون العلة أو الطبيعة قادرة ولا مريدة ولا حية ولا عالمة (2).
صفة الحياة
(3)
يرى الأباضية أن صفة الحياة هي الأصل في صحة الصفات المتعاقبة، فكونه تعالى عالماً قادراً، لا بد أن يستلزم ذلك كونه حياً، وفي هذا يقول القلهاتي: «إن العليم القادر، لا يكون إلا حياً، فلما كان الله قادراً علمنا أنه. هذا الدليل قال به المعتزلة والأشاعرة (4) وقد أقيم على استنباط صفة الحياة استنباطاً عقلياً من مفهوم العالم القادر المريد، فالاتصاف بالحياة شرط للاتصاف بغيرها من صفات المعاني. يقول الباقلاني: «أما الدليل على أن صانع الأشياء حي، هو أنه فاعل عالم قادر، والفاعل العالم القادر، لا يكون إلا حياً. ويبين ذلك فيقول: إنه لو جاز أن تظهر الأفعال المحكمات ممن ليس بحي ولا عالم ولا قادر، لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة، موتى، ولكن عندما استحال ذلك، دلت الصنائع على أن الله تعالى حي قادر عالم (5).
(1) معالم الدين، ص 175.
(2) المصدر السابق، ص 175. (3) الكشف والبيان، ص 79.
(4) شرح الأصول، ص 161. المختصر في أص الدين، ص 180. الدرر السنية خلاصة شرح السنوسية، ص 13. علم التوحيد عند خلص المتكلمين، ص 216. أصول الدين، للبغدادي، ص 105. القول المبين، ص 286.
(5) التمهيد للباقلاني، ص 47. الإنصاف، للباقلاني، ص 31. اللمع، للأشعري، ص 25. الإرشاد للجويني، ص 63. لمع الأدلة للجويني، ص 94. معالم أصول الدين، للرازي، ص 54. شرح العقيدة الطحاوية، ص 120. مذاهب الإسلاميين، د. عبد الرحمن بدوي، 54. الاقتصاد في الاعتقاد، للإمام الغزالي، تحقيق د. عيش، ص 185، طبعة دار الطباعة المحمدية، 1973. (1/129)
صفحة 124
130
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وهكذا، فإنهم يرون أن الله تعالى لما كان قادراً عالماً، فإنه سيعلم بالضرورة
كونه حياً، إذ لا يمكن أن يكون هناك موجود يتصف بالعلم والقدرة دون أن يكون متصفاً بالحياة، ومعنى اتصافه تعالى بالحياة أن حياته تعالى تختلف عن حياتنا، وعن حياة غيرنا من المخلوقات، فحياته تعالى حياة كاملة، لا يعلم حقيقتها إلا الله كسائر صفاته، وأن حياة كل الموجودات مستمدة منها، وأنها غير مسبوقة بعدم، أو مدركة بفناء، فهي من الأزل إلى الأبد.
صفة الكلام
لقد شغلت مسألة كلام الله تعالى المسلمين زمناً طويلاً، وكانت من المشكلات البارزة في علم الكلام، حتى أرجع بعض الباحثين فيه سبب تسميته إليها، فهي بحق من المسائل التي كثر فيها الخلاف واحتدم فيها النزاع، وتعددت فيها آراء العلماء، حتى بلغت تسعة آراء وفقاً لما ذكره «شارح الطحاوية» (1).
وقد اشتد الصراع في مسألة (كلام الله بين المعتزلة والحنابلة، وبلغ أقصاه عندما وقعت الفتنة التي امتحن فيها الفقهاء والمحدثون في عهد الخليفة المأمون الذي كان واقعاً تحت سيطرة المعتزلة، وخاضعاً لنفوذهم، فاستطاعوا أن يحملوه على نشر مقالة «خلق القرآن»، وامتحان الناس فيها (2).
وقد عُذب فيها جمع غفير، على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، الذي يعد إمام القائلين بقدم القرآن، وقد عُرفت هذه المحنة في التاريخ الإسلامي بمحنة خلق القرآن»، أو محنة الإمام ابن حنبل، لكونه أشهر ضحايا المحنة، فقد عُذب هذا
الرجل - رحمه الله - وامتحن، وأوذي وجُلد فلم يرجع عن رأيه، فهو لم يمتنع عن القول بأن القرآن مخلوق فحسب، بل رفض أن يقول غير مخلوق أيضاً، وكان يقول:
(1) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: جماعة من العلماء، ص 168 169، 8، المكتب الإسلامي، 1984. أيضاً: العقيدة الواسطية لابن تيمية، ص 95، طبعة الرياض، 1983.
(2) تاريخ بغداد، د. أحمد بن علي الخطيب البغدادي، ص 142/ 4، طبعة القاهرة، 1930. (1/130)
صفحة 125
الصفات الإلهية
131
(1)
القرآن كلام الله ولا أزيد على هذا. ويقول في موضع آخر: «من قال لفظي
بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع» (2).
وقد توقف فريق في القرآن، فلم يقولوا إنه مخلوق ولا غير مخلوق، يدعون (الواقفية)، وحجتهم: أن الله تعالى لم يذكر ذلك في كتابه، ولا جاء ذلك في كلام رسوله، ولا أجمع عليه المسلمون (3).
وأما الأباضية، فإن موقفهم من مسألة كلام الله تعالى، يتسم بالتذبذب والاضطراب بين موقفي المعتزلة وأهل السنّة، وقد أشار إلى غموض موقفهم هذا الدكتور (مصطفى الشكعة) حيث يقول: وأما الأباضية، فإن الشيخ محمد يوسف أطفيش يقول بلسانهم: «إن القرآن مخلوق»، وهو في هذا الشطر من رأيه يشارك المعتزلة في رأيهم، ولكنه يعود إلى الاستطراد قائلاً: وعلمه تعالى به قديم غير حادث». ثم يعود مرة أخرى إلى القول بأن القرآن المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف ليس بقرآن حقيقة، بل هو دال على القرآن ويختم الدكتور الشكعة كلامه بقوله: وهو رأي غريب لم أستطع أن أفهمه (4).
ومهما يكن من وجود تباين في المذهب الأباضي حول مسألة كلام الله تعالى فيمكن القول بأن المذهب في هذه المسألة انشطر إلى فريقين، فريق يقول إن القرآن كلام الله تعالى. وقد ذكر هذا شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني) في كتابه «معالم الدين، حيث يقول: إن في هذه ا المسألة. موقفين متعارضين، أحدهما: أن كلام الله
(1) طبقات الشافعية الكبرى، لعبدالوهاب تقي الدين السبكي، (1/ 207)، طبعة القاهرة، 1906. (2) مختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم (307/ 2)، طبعة مكة المكرمة، 1929. أيضاً: الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: د. عميرة، ص 115، 126، طبعة السعودية، 1982. أيضاً: رسائل في العقيدة، د. محمد صالح العثيمين، ص 89، طبعة الرياض، 1983.
(3) الإبانة في أصول الديانة للأشعري، ص 29 - 30، طبعة المنيرية، القاهرة. (4) إسلام بلا مذاهب د. مصطفى الشكعة، ص 138 - 139. قارن: إزالة الاعتراف عن محقي آل أباض للشيخ محمد يوسف أطفيش، ص 2، 56، طبعة سلطنة عمان. (1/131)
صفحة 126
132
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
صفة له، وكل ما هو. صفة له، فهو قديم، فكلامه تعالى قديم. والثاني: أن كلامه مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث، فكلامه تعالى حادث (1)
ولعل هذا الخلاف المرحلي بين الأباضية في مسألة خلق القرآن) قد انتهى إلى الإمام أبي الحسن الأشعري قبل أن يحسم المسألة في كتاب «الإبانة في أصول الديانة»، وقبل أن يتعرف على ما انتهى إليه معظم الأباضية. ومن هنا فإنه حكم بهذا التعميم الذي تعوزه الدقة في الوقوف على ما انتهى إليه أمر الأباضية حين قال في مقالاته: «وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن (2). والأباضية فرقة منهم، فهي تقول
(3)
برأيهم.
وقد ذكر مشايخ الأباضية المتقدمين منهم والمتأخرين نصوصاً وأدلة تثبت أن الأباضية لم تكن على رأي واحد في مسألة كلام الله تعالى، فها هو القلهاتي وهو أباضي ضليع يقول: «إن كلام الله تعالى قديم، لأنه قد ثبت أنه متكلم، كما ثبت أنه عالم، وأن من صفته الكلام، وهي صفة ذات، وصفاته لم يزل موصوفاً بها، فوجب أن يكون متكلماً، وأن يكون له كلام.
والدليل على أن كلامه أزلي قديم قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]. فبين أن قوله: كن يتعلق بخلق ما خلقه، فلو كان قوله مخلوقاً لاقتضى أن يكون له قول آخر فيه يقول: كُن فَيَكُونُ.
(1) معالم الدين، 2/ 9 بتصرف. (2) مقالات الإسلاميين، (1/ 187). (3) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 100. (1/132)
صفحة 127
الصفات الإلهية
133
وكذلك القول الثاني لو كان مخلوقاً، كان حكمه حكم القول الأول، وقد كان
الأمر يتسلسل إلى ما لانهاية له، وذلك ما لا يصح به وجود قول، وفي هذا أدل دليل على صحة ما قلناه من قدم الكلام (1).
ويستدلون على قولهم بقدم القرآن بقوله تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم:4]. وقبل وبعد في الآية، إذ لم يقيدا بشيء يقتضي الأزل، وإذا قيدا بشيء فقيل: قبل كذا، وبعد كذا، كان ذلك لما قيد له، أما إذا قيل قبل مطلقاً، وبعد مطلقاً، كان المراد به الأزل والأبد، أي أن الأمر الإلهي - وهو قول أو كلام - أزلي قديم غير محدث أو مخلوق (2).
و مما استند إليه هذا الاتجاه من أدلة تدعم رأيه القائل بقدم القرآن استشهاده بقول مأثور للإمام علي بن أبي طالب، وفي هذا يقول القلهاتي: إن الإجماع أثبت أن القرآن غير مخلوق، بدليل ما ثبت من أن علي بن أبي طالب لما أنكر عليه جماعته الخوارج تحكيم القرآن قال: «أنا ما حكمت مخلوقاً، وإنما حكمت القرآن. فصح أنه ما حكم مخلوقاً، وإنما حكم القرآن» (3).
وقد رد أنصار هذا الرأي من الأباضية على الحجج التي قدمها شيوخ المعتزلة لإثبات خلق القرآن، وأنه ليس بقديم مثل احتجاجهم بقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْتَهُ قرة انا عربيا [الزخرف: 3]، وقوله: مَا يَأْتيهم من ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهم يلعبون) [الأنبياء: 2]، فبينوا أن كلمة (الجعل) في الآية الأولى لا تفيد الخلق فقط، وإنما تعني أيضاً (تصيير) وكذلك (تفصيل). والمعنى في الحدوث في الآية الثانية هو قراءته، أو العبارة عنه أو تلاوته (4).
(1) الكشف والبيان (1/ 289).
(2) المصدر السابق، ص 290.
(3) المصدر نفسه.
ص
291
(4) المصدر نفسه، ص 298 - 306 بتصرف. (1/133)
صفحة 128
134
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
لكن الفريق الثاني يخالف هذا الفريق رأيه في أن القرآن قديم، ويرى أن القرآن حادث ومخلوق، وهو بذلك ينهج نهج المعتزلة في هذه المسألة، وفي هذا يقول شيخ الأباضية المتأخرين الثميني: قلنا نحن والمعتزلة، ومن وافقنا في ذلك: كلام الله حروف وأصوات، لكنها ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها الله تعالى في غيره كاللوح المحفوظ، وجبريل ال، وهو - أي الكلام - حادث، كما ذهبت الكرامية، خلافاً للحنابلة، وأن هذا الذي نقوله لا ينكره الأشاعرة، بل يقولون به، ويسمونه كلاماً لفظياً، ويعترفون بحدوثه، وعدم قيامه بذاته تعالى، ولكنهم يثبتون أمراً زائداً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس، ويزعمون أنه غير العبارات الدالة عليه» (1). وإلى هذا المعنى ذهب (الشماخي) إذ يقول: ندين بأن الله خالق كلامه، ووحيه، ومحدثه، وجاعله ومنزله» (2). ويؤيده في هذا صاحب كتاب «العقود الفضية» حيث يقول: «فعند المحققين من الأباضية إنه - أي القرآن - مخلوق، إذ لا تخلو الأشياء إما أن تكون خالقاً أو مخلوقاً، وهذا القرآن الذي بأيدينا نقرؤه مخلوق لا خالق، لأنه منزل ومتلو، وهو قول المعتزلة، والعلم غير المعلوم) (3).
وقد قدم شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني) أدلة على حدوث كلام الله تعالى هي بعينها الأدلة التي ذكرها المعتزلة عند حديثهم عن هذه المسألة، نذكر منها الأدلة
الآتية:
(1) معالم الدين، (2/ 10 - 11). قارن المسلك المحمود لمؤلفه الأباضي، سعيد التعاريف، ص 153، طبعة الجزائر، 1321 هـ. مقالات الإسلاميين، (1/ 187) بحوث في المعتزلة، للمستشرق الفونسو تلينو، ضمن التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، د. بدوي، ص 204. عقيدة الأباضية في مجموعة مباحث ونصوص نشرها أساتذة مدرسة الآداب العليا، احتفالاً بالمؤتمر الرابع عشر للمستشرقين، ص 505 - 545، طبعة الجزائر، 1905.
(2) أصول الديانات، لمؤلفه الشيخ عامر بن علي الشـ 4، طبعة القاهرة، 1304 هـ. وهذا الكتاب يعد عمدة كتب الأباضية في جبل نفوسة.
(3) العقود الفضية، لسالم الحارثي، ص 289. (1/134)
صفحة 129
الصفات الإلهية
135
1 - إن القرآن ذكر، والذكر محدث، فيكون القرآن محدثاً، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرُ) [الزخرف: 44].
2 - قوله: كتَب أَحْكَمَتْ ايَتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1]، فإنه يدل على أن القرآن
مركب، وكل مركب حادث.
3 - قوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللهِ} [التوبة: 6].
-4 - إن القرآن موصوف بأنه منزل وتنزيل، ومجعول، وما هو كذلك حادث ضرورة، لاستحالة الانتقال بالإنزال والتنزيل على القديم.
-5
(1)
5 - النسخ حق بإجماع الأمة، وواقع في القرآن وهو رفع وانتهاء على ما حقق في محله، ولا شيء منها يتصور في القديم، إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه وغير هذه الأدلة كثير، مما قدمه أنصار الرأي القائل بأن القرآن مخلوق وليس
قديماً.
وهكذا، كانت مسألة كلام الله تعالى صعبة شائكة، لا يطمئن الإنسان فيها إلى رأي، فالأفضل بنا أن نتوقف في هذه المسألة، ونقر بما عليه عموم المسلمين من أن القرآن كلام الله تعالى، وأما كونه مخلوقاً أو غير مخلوق، فلا نقول شيئاً من هذا، والله
تعالى أعلم. صفتا السمع والبصر:
أشار شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني)، في كتابه «معالم الدين» إلى اختلاف الفرق فيما يتعلق بصفتي السمع والبصر، هل يجب إثباتهما الله تعالى، أم ينبغي تأويلهما وردهما إلى صفة العلم؟ كما أشار إلى اختلاف مشايخ الأباضية فيما بينهم في
هاتين الصفتين فيقول: (وبالجملة فقد تحصل للمشايخ ههنا قولان:
(1) معالم الدين، ص (2/ 14 - 15). (1/135)
صفحة 130
136
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
أحدهما: أنها إدراكان مخالفان للعلم بجنسها، مع مشاركتهما له في أنهما صفتان کاشفتان، يتعلقان بالشيء على ما هو عليه.
والثاني: أنهما من جنس العلم إلا أنها لا يتعلقان إلا بالموجود والمعين، والعلم
يتعلق بالموجود والمعدوم وبالمطلق» (1).
الصفات الخبرية:
الصفات الخبرية: هي ما كان الدليل عليها مجرد خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، من غير
(2)
استناد إلى دليل عقلي. وهي ما جاءت في الذكر الحكيم، والسنة النبوية من ألفاظ يوهم ظاهرها مماثلة الله تعالى للحوادث، مثل العين، والوجه، والقدم، والساق، واليد، والاستواء، والنزول، والمجيء والجهة ... إلى آخر هذه الألفاظ التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وموقف السلف من هذه الألفاظ أنهم نزهوا الله تعالى عن التشبيه، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ها نفياً وإثباتاً من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، والصفات مثل الذات إثبات وجود لا إثبات
(3).
كيفية.
وهم بهذا يثبتون الاستواء على العرش، والمجيء، والنزول، والوجه، والجنب، وغيرها من الصفات الخبرية بدليل السمع، كما ينزهونه تعالى بدليل العقل والسمع، ويفوضونه سبحانه، في معرفة حقيقتها، فمثلاً قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: 39] يقولون: الله تعالى عين ليست كأعيننا، الله أعلم بها، ووجهة نظرهم في هذا، أن الله سبحانه نسب لنفسه هذه الصفة وغيرها، فالنسبة صحيحة لا محالة، لكن ليس على المعنى الحقيقي المتبادر إلى الذهن من هذه الألفاظ، لوجود هذه الآية
(1) معالم الدين، (1/ 206). (2) ابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي، د. عوض الله جاد حجازي، طبعة القاهرة. (3) كتابنا القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد، ص 286. (1/136)
صفحة 131
الصفات الإلهية
137
المحكمة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى) [الشورى: 11]، ولهذا كان الإمام الشافعي - رحمه الله - يقول: آمنت بكلام الله على مراد الله، وبكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله (1)
وفي هذا يقول الإمام البيهقي: يجب أن يعلم أن استواء الله تعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان ولا مماثلة لشيء من خلقه، لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف، وبلا أين بائن عن جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها، ونفينا عنها التكييف (2)
فموقف السلف من هذه النصوص عدم التأويل واعتبارها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. ويمثل هذا المذهب الإمام مالك وشيخه ربيعة وأحمد بن حنبل، وغيرهم جمع كثير، فقد سئل الإمام مالك عن كيفية الاستواء في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [ط:5]، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه (3)
إلا أنه ظهر في المجتمع الإسلامي جماعة من المبتدعة مالت إلى التشبيه والتجسيم، أخذوا بظاهر النصوص الموهمة للتشبيه، ورأوا تفسيرها كما وردت من غير تأويل، كغلاة الشيعة الذين صاروا إلى نوعين من التشبيه، أحدهما: تشبيه الخالق
(1) العقائد الإيمانية في العقيدة الإسلامية، د. عبد السلام، عبده، ص 9 129، طبعة القاهرة، 1979. (2) الاعتقاد، للإمام البيهقي، ص 52 - 53. قارن إشارات المرام من عبارات الإمام، كمال الدين البياضي، ص 188، طبعة الحلبي، 1949. (3) الرسالة التدمرية لابن تيمية، ص 22، طبعة القاهرة. قارن الأسماء والصفات، للإمام البيهقي،
ص 408. (1/137)
صفحة 132
138
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
بالمخلوق، فقالوا: الإله ذو صورة مثل صورة الإنسان، الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق. وفي هذا يقول الشهرستاني: هؤلاء هم الذين غلوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية، فربما شبهوا واحداً من الأئمة بالإله، وربما شبهوا الإله بالخلق، وإنما نشأت شبهاتهم من مذاهب الحلولية، ومذاهب اليهود والنصارى، إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق، فسرت هذه الشبهات في أذهان الشيعة الغلاة، حتى حكمت بأحكام الإلهية في حق بعض الأئمة (1).
كذلك قال بالتجسيم (الهاشمية) حيث زعموا أن معبودهم جسم ذو حد ونهاية، وطول وعرض، وأنه نور ساطع يتلألأ كالسبيكة الصافية من الفضة، وأنه ذو لون وطعم ورائحة، وأنه ذو حواس خمسة كحواس الإنسان، وأن طوله سبعة أشبار من شبر نفسه (2). وقد تبع هؤلاء (الكرامية)، حيث أطلق أكثرهم على الله لفظ الجسم، وقد ذهب ابن كرام إلى أن معبوده في جهة، لكون الأجسام فيها، وأنه مماس للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال والتحول والنزول (3)
وهكذا غالى المشبهة (4) والمجسمة في شأن الإله حتى جعلوه متحيزاً في جهة، وأنه على صورة إنسان، وكان لموقف المشبهة والمجسمة هذا وغلوهم في التشبيه والتجسيم، أن ظهرت فرقة المعتزلة، وغالت في التنزيه، ووحدة الإله حتى انتهوا إلى
(1) الملل والنحل، (173/ 1) مقالات الإسلاميين، (661). التبصير في الدين، ص 107. (2) الفرق بين الفرق 65 مقالات الإسلاميين (1/ 106 - 109). المواقف، (5/ 42)، تحقيق: د.
المهدي.
(3) مذهب التجسيم عند المسلمين، مذهب الكرامية، د. سير مختار، ص 203 وما بعدها، طبعة الإسكندرية 1971 الملل والنحل، (1/ 108 - 109). الفرق بين الفرق، ص 216.
(4) المشبهة: فرقة من كبار الفرق الإسلامية، تمسكت بحرفية النص وظاهره، وهي تضم مجموعة من الفرق الفرعية، يجمعها كلها القول بتشبيه الله تعالى بالمخلوقات، وتمثيله بالمحدثات، ووصفه
بالجسمية، ومن أجل هذا جعلت فرقة واحدة قائلة بالتشبيه، وإن اختلفوا في طريقه. (1/138)
صفحة 133
الصفات الإلهية
139
نفي الصفات الخبرية، وتبعهم في ذلك. من الفلاسفة (الفارابي) و (ابن سينا) حيث رأوا جميعاً استحالة اتصاف الباري حقيقة بهذه الصفات، وقالوا بوجوب تأويل ما ورد فيها من الآيات والأحاديث على نحو يليق بذات الله تعالى، واعتبروا القول بثبوتها الله على الحقيقة يعد تشبيهاً وتجسيماً، وذلك في مقابل المشبهة والمجسمة الذين اتسمت مناهجهم في ذلك بتشبيه الباري بصفات المخلوقين.
وأما الأشعرية، فالمتقدمون منهم كـ (الأشعري) و (الباقلاني) وغيرهما كانوا يثبتون هذه الصفات ويتحرجون من تأويلها الذي يقتضي نفيها عن الباري تعالى. وأول من اشتهر عنه أنه أول هذه الصفات من الأشعرية هو (إمام الحرمين)، وتبعه في ذلك جل متأخري الأشعرية - تقريباً - مثل: (الغزالي) و (الرازي) و (الآمدي) وغيرهم. فهؤلاء تشبهوا في هذه المسألة بالمعتزلة والفلاسفة، فذهبوا لا إلى نفي تلك الصفات، ولكن إلى تأويلها بمعان تليق بذاته تعالى.
ويعتبر الرازي أوضح مثل للغلو في تأويل تلك الصفات، ومعارضة مذاهب المثبتين لها، حتى إنه ألف في ذلك كتباً أسماه (أساس التقديس)، وفيه يُعنى بإقامة البراهين الكثيرة من العقل والنقل على استحالة اتصاف الباري بما يستلزم كونه جسماً أو في حيز، أو مختصاً بجهة، ويورد كثيراً من شبه الخصوم ثم يجيب عنها، ويذكر ذلك كثيراً من الآيات والأحاديث الواردة في تلك الصفات، ويأخذ في تأويلها بما يتفق مع نزعته في التنزيه، التي تظهر واضحة جلية حتى في خطبة هذا
الكتاب (1)
فالخلف - المتمثل في المعتزلة وأهل السنة - ذهب إلى وجوب تأويل هذه الألفاظ التي توهم المثلية، بتعيين المراد من النصوص الموهمة للتشبيه بما يتناسب مع تقديس الله تعالى، حيث استعملوا المجاز في كل آيات الصفات الخبرية، فصرفوا
(1) كتابنا القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد، ص 289. (1/139)
صفحة 134
140
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
هذه الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلى معاني تليق بذاته تعالى. في حين أن السلف حمل آيات الصفات على ظاهرها مع التنزيه قائلين إن معرفة المعنى المراد منها يفوض إليه تعالى بعلمه هو "
(1)
وبهذا يتفق السلف والخلف على تنزيه الله تعالى عن المعنى المحال الذي دل عليه ذلك الظاهر، وعلى إخراجه عن ظاهره المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله تعالى جاء به رسوله، لكنهم اختلفوا في تعيين محمل له على معنى صحيح، وعدم تعيينه، بناءً على الاختلاف في موطن الوقف في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا} [آل عمران: 7].
فالسلف وقفوا على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي قالوا: إن الله وحده هو الذي يعلم تأويله، أما الراسخون في العلم فإنهم يسلمون قائلين: آمنا بهذا المتشابه على وفق مراد الله تعالى. وأما الخلف فإنهم يقفون على قوله وَالرَّاسِخُونَ في العلم، فكأنهم يشركون في معرفة تأويل هذا المتشابه مع الله تعالى الراسخين في العلم، وعلى هذا فالراسخون في العلم يشاركون الله في علم التأويل، ومن هنا فقد أباحوا لأنفسهم تأويل هذه النصوص التي توهم المثلية ومن هنا يتضح لنا أن السلف سلّموا حتى لا يشتغل العقل الإسلامي بالبحث المضني فيما وراء الطبيعة، فقد رأوه أقصر باعاً من أن ينزل ساحة ليس لها بأهل، خوفاً من أن يضل أو يزل، وفوضوا الأمر الله وحده، مع الإيمان والتسليم والتقديس، وأن الخلف نزهوا الله تعالى، ورأوا أن هذه الآيات واردة على سبيل
(2).
(1) مذهب السلف هو تفويض الكيف إلى الله تعالى دون تفويض المعنى الظاهر، فإن الإمام مالكاً قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول)، أما تفويض المعنى الظاهر فهو مذهب رديء، قال فيه شيخ الإسلام: «فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال
أهل البدع والإلحاد. درء تعارض العقل والنقل، (1/ 115) (الناشر).
(2) العقائد الإيمانية، ص 131. كتابنا القول المبين، ص 209. (1/140)
صفحة 135
الصفات الإلهية
141
المجاز، لا على سبيل الحقيقة، لينزهوا الله تعالى عن مثل ما تردى فيه المشبهة
والمجسمة.
أما المشبهة والمجسمة فخالفوا السلف والخلف وفهموا هذه النصوص على أنها صفات خبرية الله تعالى، وأنها تدل على المعنى الحقيقي لها من غير تأويل ولا تفويض، وقد أنكروا المجاز في القرآن الكريم، وهذا المذهب لا شك في بطلانه، لأنه قد ثبت بالدليل النقلي والعقلي، أنه تعالى مخالف للحوادث، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ)
[الشورى: 11].
وبعد هذا التمهيد الذي رأينا البدء به في هذه المسألة حيث عرضنا فيه وجهات النظر المختلفة حول الصفات الخبرية، وقد بان لنا موقف السلف والخلف، والمشبهة والمجسمة، فقد جاء الوقت لبيان وجهة نظر (الأباضية) من الألفاظ الموهمة للتشبيه، وإلى أي المذاهب تميل.
نهج الأباضيون في الصفات الخبرية نهج جمهور المتكلمين معتزلة وأشاعرة، حيث ذهبوا إلى التأويل زاعمين أنه لو ترك ظاهر اللفظ لأوهم التشبيه والتجسيم، وذلك من خواص المخلوقات التي يتنزه الله تعالى عنها. وفي هذا يقول صاحب كتاب «العقود الفضية»: «وكل ما ورد مما يوهم التشبيه فهو مؤول بما يليق به كقوله تعالى: (تجري باغينا) [القمر: 14]، فأثبت عيوناً كثيرة. وقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِ) [طه: 39]، فدلت هذه الآيات أنها غير مراد ظاهرها بل مردودة إلى قوله: لَيْسَ
(1)
ويقول القلهاتي أحد علماء الأباضية، وهو بصدد نفيه للصفات الخبرية، ورده على الصفاتية، الذين أثبتوا الله تعالى هذه الصفات: (وإنما شبه الله تعالى من جهل اللغة ومعانيها، واتساع العرب فيها، حين وجدوا في القرآن والسنة ذكر النفس،
(1) العقود الفضية، للحارثي، ص 290. (1/141)
صفحة 136
142
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
والوجه، والعين، واليد، والقبضة، واليمين، وغير ذلك من ألفاظ يوهم ظاهرها التشبيه، فأخذوها على ظاهرها دون تأويل (1).
فقد نتج عن تجريد الأباضية الذات الإلهية عن الصفات أن نفوا عنه الصفات الخبرية، متأولين في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تثبت الله تعالى الوجه واليد والعين ... إلخ، معتقدين أن ما ورد من صفات خبرية في القرآن والسنة لا يقصد منه ظاهر اللفظ، لأنه يوهم التشبيه والتجسيم، وذلك من خواص الحوادث، وهم في هذا ينحون نحو المعتزلة ومتأخري الأشاعرة.
(3)
وقد بالغ بعضهم في التأويل لدرجة أنه كان يؤول بغير قرينة، كما فعل الرستاقي في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء» (2). فإنه أول قول الرسول بين إصبعين» أي بين نعمتين من نعمه، أحدهما سوق الخير في التماس الرزق والثانية: صرف الشرور عنه وفيما يلي نعرض بعضاً من الآيات التي يوهم ظاهرها مماثلته تعالى للحوادث، وبيان وجهة نظر الأباضية حولها، سواء ما يُفهم منها الجسمية)، أو كونه تعالى في (جهة)، حيث إن صفات الله تعالى الخبرية كثيرة، منها ما يوهم إثبات (الجسمية) كالوجه والعين واليد والساق، وغيرها، ومنها ما يوهم إثبات (الجهة) له تعالى كالاستواء والمجيء والنزول وغيرها، وتلك ترتبط بالجسمية أيضاً باعتبار أن الجسم هو المتحيز، والمتحيز إنما يكون في جهة من الجهات الست.
(1) الكشف والبيان، (1/ 130) بتصرف.
(2) الحديث رواه مسلم في صحيحه کتاب، القدر، باب تصريف القلوب، (51/ 8).
(3)
منهج
الطالبين وبلاغ الراغبين لمؤلفه خميس بن سعيد الرستاقي، (404/ 1)، طبعة الحلبي. قارن:
الكشف والبيان، (1/ 144). (1/142)
صفحة 137
الصفات الإلهية
لقد
143
نهج الأباضية في الصفات الخبرية نهجاً عقلياً، ولم يعتمدوا على النهج الشرعي الذي جعلوه منطلقهم في وجوب معرفة التوحيد، وكان يجب أن ينعكس هذا المعتقد على كل نظرتهم للعقائد الإيمانية، فقد بذل الأباضية جهداً في صرف تلك الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرية إلى معانٍ أخرى مجازية.
وإعمالاً لمبدأ التأويل أول الأباضية (النفس) في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) [المائدة: 116]، وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]. معنى النفس في الآية الأولى: (الغيب)، أي تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، أي أطلع على غيبك، أو بمعنى تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. ومعنى الآية الأخرى يحذركم الله عقوبته، أو يخوفكم إياه، إذ إن نفس الشيء هو الشيء، ومنه قوله تعالى: {كَتَب رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ) [الأنعام:54] أي على ذاته، لا على سواه (1).
أما عن الآيات التي جاء فيه الذكر (اليد) على سبيل الإفراد أو التثنية، مضافة إلى الباري نرى الأباضية يؤولونها بالمنّة والعطية تارة، وبالقدرة تارة أخرى، وفقاً لما يقتضيه المقام، فقالوا في قوله تعالى: {يَدُ اللهِ فَوقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] يعني منة الله فوق منتهم، فاليد هنا بمعنى (المنّة والعطية).
وقالوا في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [المائدة: 64] فمعناه: نعمته وقدرته دائمتان، لا يقبضهما شيء. وقيل: بل يداه مبسوطتان، أي نعمتاه: نعمة الدين، ونعمة الدنيا، وقيل: النعمة الباطنة، والنعمة الظاهرة (2).
(1) الكشف والبيان، (1/ 132 - 133). (2) المصدر السابق، (1/ 140 - 141). (1/143)
صفحة 138
144
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وأما ما يتصل بلفظ (القبضة) الذي ورد ذكره في قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ} [الزمر: 67] المراد به قدرته وسلطانه وملكه. وقيل معناه: أن الأرض ذاهبة فانية يوم القيامة بقدرة الله تعالى. وكذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقبِضُ وَيَبْضُطُ} [البقرة: 245]، قيل: معناه يقتر ويوسع على من يشاء من عباده، وليس يعني به قبضة اليد التي فيها الأصابع، ولا بسطها، فلو كان ذلك كذلك لما جاز أن يكون قابضاً باسطاً في آن واحد، والله تعالى في حال واحد يقبض الرزق ويبسط على من يشاء من عباده)
(1)
كما أول الأباضية كل الآيات التي جاء فيها ذكر (الوجه) مثل قوله تعالى: {كل مَنْ عَلَيْهَا فَانِ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27]، وقوله: كل شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] بمعنى أن الأعمال تضمحل، ويزول نفعها، إلا من التمس به وجه الله تعالى وتقرب به إليه، وقيل: كل شيء هالك إلا وجهه، أي إلا (الله تعالى.
وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُرَ لِوَجْهِ اللهِ} [الإنسان: 9]، فالمراد به ثواب الله، أو لقصد رضا الله، إذ الوجه القصد إلى الشيء والعمل له، أو المراد بوجه الله: الله
ذاته
(2)
كما تأولوا (العين) في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيني} [طه: 39] بالعلم والحفظ، وقيل: تربى وتغذى على عيني، أي بمرأى مني لا أكلك إلى غيري، وقال أبو عبيدة: عَلَى عَيْنِي)، أي على ما أريد وأحب. وكذلك قوله: (تجرى بِأَعْيُنِنَا) [القمر: 14] معناه: بحفظنا وعلمنا، حيث لا يخفى علينا مكانها. وكذلك قوله تعالى:
(1) الكشف والبيان، (143/ 1). (2) المصدر السابق، (1/ 135 - 136). (1/144)
صفحة 139
الصفات الإلهية
145
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]، أي بحفظنا، والأشياء كلها بعين الله ونظره على الإحاطة بها لا على الجارحة (1).
كما أول الأباضية كل الآيات التي يوهم ظاهرها أن الله تعالى في جهة، أو أنه ينتقل من مكان إلى مكان، مثل الاستواء، والنزول والمجيء. وهم يسلكون في هذا مسلك المعتزلة، يقول القاضي: كل ما كان محالاً لا يجوز إلا على الأجسام، يجب نفيه عن الله تعالى، وإذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه وجب تأويلها، لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال» (2).
وإعمالاً لمبدأ التأويل فقد رفض الأباضية الاستواء على العرش على معناه الظاهر كما ورد في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]، لأنه لا يستقر على جسم إلا جسم، ولا يحل فيه إلا عرض، والله منزه عن ذلك، ولأن كل متمكن على جسم لا محال مقدر، فإما أن يكون أكبر منه، أو أصغر، أو مساوياً له، وكل ذلك لا يخلو من التقدير، ولو جاز أن يماسه تعالى جسم من جهة ما، لجاز أن ياسه من سائر الجهات فيصير محاطاً به.
فالأباضية رأوا في الاستواء معنى التجسد والتحديد، فأولوه في الآية بـ (الاستيلاء)، أي الملك والقهر والغلبة (3) وينسب إليهم تفسير قوله تعالى: ثم اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ} [فصلت: 11]، أي استوى أمره وقدرته إلى السماء، ثم قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]، يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، ولا يوصف بصفات الخلق، ولا يقع عليه الوصف، كما يقع على الخلق (4).
(1) الكشف والبيان (1/ 138). (2) المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار، ص 200، طبعة الدار المصرية للتأليف، 1965. (3) الكشف والبيان، (1/ 183).
(4) الجامع الصحيح، مسند الربيع بن حبيب، باب قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]
(353)، طبعة القاهرة. (1/145)
صفحة 140
146
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
فالأباضية ترى أن الله منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، فالله الذي
خلق هذه الجهات لو احتفى بجهة ما لكان متحيزاً، كاختصاص الجواهر والأجسام وتحيزها بالأمكنة والجهات وفي هذا يقول الجيطالي في كتابه «قناطر الخيرات: وقد ثبت استحالة كونه جوهراً أو جسماً، فاستحال كونه مختصاً بجهة، وثبت أنه تعالى في كل مكان (1)
ويصرح الأباضية بأنه لا ضير عليهم في أن يكون منهجهم في الصفات الخبرية على غرار مذهب المعتزلة والمتأخرين من الأشاعرة، معتقدين أن ظواهر هذه الآيات
لا تكون إلا لجسم ولما له حيز وجوهر، وهذه الأمور محالة في حق الله تعالى. وفي هذا يقول الشيخ محمد يوسف أطفيش الأباضي: يد الله قدرته، وعينه و جنب الله حقه، وقبضة الله ملكه ويد الله نعمته، ومجيء الله أمره، ونزوله إلى سماء الدنيا نزول ملك من ملائكته إليها بأمره ليحض على عبادته
حفظه
(2)
وواضح مما سبق أن الأباضية في تأويلهم لآيات الصفات الخبرية، والتي يوهم ظاهرها التشبيه ليست إلا وقفة صارخة في وجه خصومهم من المشبهة، وبهذا يكون الأباضية قد وقفوا من النص القرآني المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته موقفاً عقلياً صرفاً، فأخضعوا النص لعقولهم. وهم في تأويل النصوص الشرعية قد خالفوا بذلك مذهب جمهور المسلمين، وخالفوا منهجهم الذي ارتضوه واعتقدوه عند جملة التوحيد، وهو تقديم الشرع على العقل.
والحق أن الأباضية قد استسلموا في موقفهم هذا المنطق مضطرب في تصور الحقائق الغيبية وكشفها، وفاتهم أن أكثر هذه الحقائق لا. العقل البشري أمامها يسع إلا التسليم والعجز، ولم يكن الأباضية بدعاً في ذلك، فالمعتزلة قد نهجت هذا النهج
(1) قناطر الخيرات (1/ 294).
(2) إزالة الاعتراض عن محقي آل أباض، ص 3 - 6. (1/146)
صفحة 141
الصفات الإلهية
147
العقلي، وكذلك المتأخرون من الأشاعرة الذين نهضوا لرد آراء المعتزلة سرعان ما تحولوا إلى مقالاتهم في نفي الصفات الخبرية، وتأولوها على رأيهم.
ويرجع السبب في نفي هذه الصفات لدى علماء أصول الدين إلى تصورهم لمعنى الكمال اللائق بذاته تعالى، وما يتفرع على تصور هذا الكمال من القول بالصفات نفياً أو إثباتاً. فهم لا يقصدون من وراء مقالاتهم في النفي والإثبات إلا تحقيق معنى الكمال الذي تصوروه في حق الله تعالى، إلا أنهم قد أخطؤوا في تصور هذا الكمال، وفي تفسيرهم لمعناه، إذ كان عليهم أن يفرقوا في تصورهم لهذا الكمال بين حقيقتين مختلفتين تمام الاختلاف، هما حقيقة الذات الإلهية، وحقيقة الذات الإنسانية، وبين ما ينبغي تصوره في حق الله تعالى، وحق الإنسان، فلا ينبغي أن نتخذ المقياس الذي نقيس به في عالم الشهادة، ونطبقه في عالم الغيب.
وإذا كان الله أعلم بنفسه، وبما يجب له من صفات الكمال، فما علينا في ذلك إلا أن نقبل ما وصف نفسه به بدون تأويل لمعناها، أو تحريف لألفاظها، وإذا كان الباري تعالى قد وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات، فليس معنى هذا أن حقيقة الصفتين واحدة فيهما، بل العقل والمنطق يقرران أن كل صفة تتبع موصوفها سمواً وكمالاً ورفعة، فلماذا نحاول تفسير صفته تعالى في ضوء صفاتنا نحن وتصوراتنا لها، أليس في ذلك مجانبة للصواب، ومكابرة للعقل؟
إن الاجتراء على تأويل النصوص الشرعية أمر عظيم الخطر، وإن إباحة التأويل - دون قيد أو شرط - قد تؤدي إلى كثرة التخريجات، وركوب متن الشطط، وفي هذا تمزيق للشريعة، وتعد على حرمتها كما يقول فيلسوف قرطبة (ابن رشد)، ولذلك ينبغي أن ينظر إلى هذه المسألة بحذر شديد، وألا يقبل من التأويلات إلا ما كان ظاهراً بنفسه للجميع، موافقاً لما أدى إليه البرهان، وما جرت به عادة العرب في تخاطبهم.
(1)
(1) مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد، تحقيق د. محمود قاسم، ص 174، طبعة الإنجلو، 1969. (1/147)
صفحة 142
148
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومهما يكن من أمر، فقد رأينا مذهب الأباضية في مسألة الصفات الإلهية يرتكز على منطلقات المعتزلة في التأويل والتعطيل والنفي، وأن المذهب عندهم في هذه المسألة أن صفاته تعالى معان اعتبارية، وقد ذهبوا يدللون على ما ذهبوا إليه في هذه المسألة بنهج عقلي تأويلي ساروا فيه محاكين للمعتزلة.
والذي نرتضيه في هذا الجانب العقدي هو الإيمان بكل ما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة من أسماء الله تعالى وصفاته بغير تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل، فليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، فإذا كانت المخلوقات الفانية ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقهما في الأسماء، فالخالق سبحانه أعظم علواً ومباينة الخلقه. من مباينة المخلوق للمخلوق، وإن اتفقت الأسماء.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية محذراً من الوقوع في التشبيه والتعطيل: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه).
(1)
وقد نقل الإمام ابن قيم الجوزية عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: «التشبيه أن تقول: يد كيد، أو وجه كوجه، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار، وليس إلا هذا المسلك» (2). وقد استشهد ابن القيم بكلام الإمام أحمد هذا وهو في معرض رده على الذين تأولوا في صفات الله تعالى، ما لم يوافق مذهبهم في التأويل وإعمال المجاز.
(1) مجموع فتاوي ابن تيمية، (5/ 110).
(2) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (271)، طبعة دار البحوث العلمية
والدعوة بالقاهرة. (1/148)
صفحة 143
الفصل الثالث
رؤية الباري تعالى
تمهيد
من المسائل التي دار حولها جدال طويل بين مفكري الإسلام - على اختلاف
(1).
فرقهم وطوائفهم - مسألة رؤية الله تعالى، فهي من المسائل الهامة التي تتعلق
(1) الرؤية في اللغة: النظر بالعين والقلب، وذكر ابن منظور أن الرؤية بالعين، تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم، تتعدى إلى مفعولين. يقال: رأى زيداً عالماً، ورأى رأياً ورؤية ... ويقال أيضاً: قوم رئاء، أي يقابل بعضهم بعضاً، وتراءى الجمعان؛ أي: رأى بعضهم بعضاً، وتقول: فلان يتراءى، أي: ينظر إلى وجهه في المرآة أو في السيف، وفلان مني بمرأى ومسمع، أي: حيث أراء وأسمع قوله أنظر لسان العرب لابن منظور، تحقيق نخبة من الأساتذة العاملين بدار المعارف، (3/ 1537)، طبعة دار المعارف. وأيضاً: الصحاح، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبدالغفور، باب الواو والياء، فصل الراء (2347/ 6)، طبعة بيروت، 1979. وعرف الجرجاني الرؤية فقال:. المشاهدة بالبصر، حيث كان، أي في الدنيا والآخرة.
هي
ص
التعريفات،97، طبعة الحلبي والرؤية: إدراك المرئي، وهي على عدة أنواع: الأول: بالحاسة، وما يجري مجراها، مثل قوله تعالى في سورة التكاثر: {لَتَرُونَ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرُونَهَا عَيْن اليقين) [آية: 6 - 7]، والثاني: بالوهم والتخيل: مثل قوله تعالى في سورة الأنفال [آية: 50]: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا). والثالث بالفكر: مثل قوله تعالى في سورة الأنفال [آية: 48]: إنّي أرى ما لا ترون. الرابع: بالعقل: مثل قوله تعالى في سورة الشعراء [آية:61]: {فَلَمَّا تَرَهَا الْجَمْعَانِ)، أي تقاربا وتقابلا، حتى صار كل واحد منهما بحيث يتمكن من رؤية الآخر، ويتمكن الآخر من رؤيته. راجع المفردات في غريب القرآن، أبي القاسم الحسن المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، مادة (رأى)، ص 209، طبعة دار المعرفة، بيروت. والنظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الرؤية. انظر المفردات، كتاب النون، ص 497. (1/149)
صفحة 144
150
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
بالذات الإلهية، وترجع أهمية الرؤية عند المسلمين إلى أنهم عرفوا الله عبر النظر والاستدلال إلا أنهم لم يروه، والمعرفة بالإدراك أوضح أنواع المعارف، ولذا تاقوا لمعرفته تعالى بالرؤية، تأكيداً لما استدلوا عليه.
إن رؤية الله تعالى الذي عجزت العقول عن معرفة كنهه لهي أعظم اللذات، وهي النعيم الأبدي الذي سيكافئ الله به عباده المؤمنين، علاوة على إدخالهم جناته، جزاء طاعتهم وإيمانهم، وكانت هذه هي وجهة نظر المثبتين للرؤية في الآخرة، وهم أهل السنة، وأهل الحديث وغيرهم ممن سلك مسلكهم، فتمسكوا بإثباتها جوازاً بالعقل، ووجوباً بالنص.
ولم ينكر نفاة (الرؤية) - وهم المعتزلة والجهيمة والخوارج وغيرهم ممن سلك مسلكهم - وجهة نظر المثبتين من حيث الغاية، فرؤية الباري تعالى بالبصر أمنية كل مؤمن، ولكن هيهات للعقل أن يتصور إمكان تحقيق ذلك، فالعقل لا يقبل أن يرى من ليس بجسم مقابلاً لجهة الرائي، ويشترط عدم وجود مانع بين الرائي والمرئي
والله ليس بجسم ولا في جهة تقابل الرائي، فلن تتحقق لنا تلك الأمنية الغالية. والحق أن العقل الذي يقضي بنفي (الجسمية) واستحالة (الجهة) على الله تعالى لا يجد سبيلاً إلى إثبات رؤيته بالأبصار، وبالكيفية التي توجد عليها هذه الرؤية في الإنسان، وذلك لأنها تقتضي الجسمية والجهة سواء في الشخص الرائي، أو في المرئي، اللهم إلا إذا أخذت الرؤية بالنسبة الله تعالى بمعنى خاص لا يستقر إلا بدليل خاص أيضاً.
ومما يستوقف النظر حقاً أن نجد مفكري الإسلام الذين نزهوا الباري – تعالى – عن كل ما يجعله شبيهاً بالخلق، أو يجعل أحداً من الخلق شبيهاً به، قد انقسموا في مسألة الرؤية انقساماً أقل ما يوصف به أنه وضع بعضهم على طرفي نقيض من البعض الآخر. ففي الوقت الذي ذهب فيه المعتزلة والجهمية، والخوارج - والأباضية واحدة من فرقها - إلى نفي رؤية الله تعالى بإطلاق، نرى أهل السنة (1/150)
صفحة 145
رؤية الباري تعالى
151
والجماعة وأهل الحديث يثبتونها ويجوزونها في حق الله تعالى، لأن الله بشر بها عباده المؤمنين، ولكن بدون كيفية، وفي هذا يقول ابن تيمية: «أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي محمد. لأن الله تعالى ينشئ خلقه في الآخرة، فيركب أسماعهم وأبصارهم للبقاء، فيراه أولياؤه جهراً كما قال رسول الله
ولا يجد نفاة الرؤية ممن ذكرنا حرجاً في موقفهم هذا، لأنه يتسق تماماً مع نفيهم للجسمية والجهة، أو مع التنزيه المطلق الله تعالى عندهم، وإنما الحرج للآخرين من المثبتين للرؤية، وعلى رأسهم الأشعرية)، فإن موقفهم يبدو وكأنه لا يخلو من تناقض ظاهر، من حيث إنهم جمعوا على صعيد واحد بين نفي الجسمية والجهة عن الله تعالى، وبين إثبات الرؤية له، ولذا فقد كان عليهم أن يبرروا موقفهم هذا، ويقدموا تفسيراً من شأنه أن يزيل ما يبدو من تناقض، أو يستقر به مذهبهم في ثبوت
الرؤية.
والحق أنه قد وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية نصوص تحمل ظواهرها دلالات تفسح المجال لتأويلات وتفسيرات لا تخلو من تباين، ومن ثم عدت هذه النصوص من المتشابهات، فمن هذه النصوص ما يفيد ظاهرها إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، وذلك مثل قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَد نَاضِرة إلى ربها ناظرة) [القيامة: 22 - 23]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته (2)، وقوله: «إنكم سترون ربكم جل ثناؤه
(1) الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبدالرحمن بن قاسم، (6/ 512)، طبعة الرياض،
1982
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد باب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يومهلو ناضرة إلى ربها ناظرة)، (127/ 9). (1/151)
صفحة 146
152
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
عياناً» (1). فإذا أخذت هذه النصوص على أنها قاطعة برؤية الله في الآخرة، فإن من النصوص ما يفيد نفي الرؤية، وذلك مثل قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ
يُدْرِكُ الأَبْصَرَ) [الأنعام: 103]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نور أني أراه» (2).
ولقد حاول كل فريق من المتكلمين أن يستدل على مذهبه في الرؤية إثباتاً أو نفياً بالنصوص التي تدعم موقفه، ثم يؤول الآيات التي يحمل ظاهرها دلالات تتعارض مع هذا الموقف، ومما لا شك فيه أن مسألة الرؤية تبلغ من الصعوبة حداً لا يخول لأي فرقة من الفرق الإسلامية أن تدعى بأن الحق كله في هذه المسألة إلى جانبها، وأن الباطل كله يلزم الفرقة الأخرى، وذلك راجع إلى صعوبة المسألة، فالعقل الإنساني يصعب عليه أن يقطع فيها برأي حاسم لا مرد له (3).
وقد عبر الإمام الجويني عن هذه الصعوبة بقوله: «القول في جواز الرؤية، قد طال فيه ارتباك طبقات الخلق، وقد حسبه الآخذون ببعض العلم من الجليات والانتهاء إلى درك القطع فيه عسير جداً، فإن الإحاطة بحقائق الإدراكات من أدق أحكام المعقولات (4).
هذا، وإذا كان المتكلمون قد انقسموا على أنفسهم تجاه النصوص الدينية التي ورد فيها ذكر رؤية الله تعالى لعباده المؤمنين يوم القيامة، إلا أن الصحابة و قد آمنوا بها كما وردت مع نفي التشبيه عنه سبحانه وتعالى، ومن غير أن يخوضوا في البحث عن كيفية هذه الرؤية، وقد سار على منوالهم التابعون لهم بإحسان، والسلف الصالح من الفقهاء المجتهدين من بعدهم، وأهل الحديث، فهؤلاء جميعاً اتفقوا على
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد باب قوله تعالى: (وجوه يَوْمَزِ نَاضِرة إلى ريها ناظرة)، (127/ 9). (2) الحديث ورد في صحيح مسلم بشرح النووي (123)، باب ما جاء في رؤية الله تعالى. (3) کتابنا ابن رشد وفلسفته الإلهية، ص 515 - 517، طبعة الصفا والمروة، 1997. (4) العقيدة النظامية للجويني، تحقيق د. السقا، ص 39، طبعة القاهرة، 1978.
" (1/152)
صفحة 147
رؤية الباري تعالى
153
إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة لعباده المؤمنين ولكنه إثبات بلا كيف، ثم وقع
الخلاف بعد ذلك بين الفرق الكلامية.
وبعد هذا التمهيد الذي رأينا من الضروري البدء به، ننتقل إلى الحديث عن
رأي الأباضية في رؤية الله تعالى لعباده المؤمنين يوم القيامة.
مذهب الأباضية:
ذهب الأباضية إلى استحالة رؤية الله تعالى دنيا وآخرة، وذلك يرجع إلى إعمالهم العقل لا الشرع في مسألة الصفات الإلهية، مخالفين في ذلك ما قرروه واعتمدوه من تقديم ما يمليه الشرع على ما يراه العقل، فقالوا بنفي الصفات، أو
(1)
بمعنى أوضح بتعطيل الله تعالى عن صفاته، فانتهوا بذلك في مسألة الرؤية إلى النفي أيضاً، متأثرين بمنهج المعتزلة الذي يؤكد إنكارها، لأنها تؤدي – من وجهة نظرهم - إلى التشبيه، فهم - أي المعتزلة ومن تأثر بهم - يحترمون مبادئهم ويستنبطون منها نتائجها المنطقية، لأن من يبدأ بنفي الجهة، سينتهي لا محالة إلى إنكار رؤية الذات الإلهية.
لذلك ترى الأباضية أن رؤية الباري تعالى من الأشياء التي لا يتصور العقل صحة وجودها، لأن العقل يحيل ذلك، وذهبوا في التدليل على هذا المعتقد على غرار ما هو معروف عند المعتزلة: من أن المرء يكون متحيزاً ويكون متشخصاً ومحاطاً، وفي جهة ... إلخ، هذه المقولات التي لجأ إليها من أعمل الفكر والعقل وغض الطرف عن الشرع (2).
وقد أكد مشايخ الأباضية - المتقدمين منهم والمتأخرين - أن رؤية الله تعالى من جملة الممتنعات في حقه تعالى عند الأباضية عقلاً ونقلاً، وأن الرؤية منفية جميع
(2)
(1) التعطيل: يراد به نفي كل صفة من الصفات، مستقلة أو مضافة للذات. بهجة أنواع العقول للسالمي (611) بتصرف. أيضاً: الأباضية مذهب وسلوك، السيد عبد ربه، ص 337. أيضاً: العقود الفضية في أصول الأباضية، ص 286. (1/153)
صفحة 148
154
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
عنه في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقول شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني): وعند أصحابنا الأباضية: من قال إنه يُرى في الدنيا فقد أشرك، ومن قال إنه يُرى في الآخرة فقد نافق» (1).
ويرجع سبب نفي الأباضية للرؤية إلى أنهم قاسوا الغائب على الشاهد، كما فعل المعتزلة، إذ الرؤية بحاسة البصر في الشاهد لا يمكن أن تتحقق إلا بشروط كأن يكون المرئي في مكان، وأن يكون مقابلاً للعين في جهة، وأن تكون المسافة بين الرائي والمرئي متناسبة، وأن يتصل شعاع من البصر بالمرئي، فشرائط الرؤية هذه يستحيل تحقيقها بالنسبة لذات الله تعالى، لأنها تقتضي أن يكون المرئي مادياً في مكان، وله جهة، وهذا يستدعي الاحتياج والحدوث، والباري تعالى منزه عن ذلك. فالأساس الذي بنى عليه الأباضية نفي الرؤية هو نفي الجسمية عن الله تعالى فالله ليس جسماً، ولا يرى إلا الأجسام، فهو لا يُرى. فالأباضية - وكذلك المعتزلة - ليس لديهم إلا مفهوم واحد للرؤية لا تُفسّر إلا به، وهو مفهوم يستمد مشروعيته من قلب الواقع، وما عليه حال الرؤية في الإنسان، ومن ثم فإنها لا تخرج عندهم عن كونها نوعاً من الإدراك الحسي، يرتبط بالجانب المادي لهذا الوجود، وهو الجانب الذي ينتظم الموجودات المحسوسة، سواء كانت جواهر أو أعراضاً، أما الجانب المجرد لهذا الوجود، وهو الذي ينتظم الموجودات المجردة اللامادية، سواء كانت ذوات، أو كانت معاني ومدركات عقلية، فهو خارج عن دائرة الإدراك الحسي كلية، ومن ثم فلا تتعلق الرؤية بشيء من هذه الموجودات التي يصح تعلق العلم بها. (ومن ثم فإن الرؤية ليست علماً ولا معنى مما يتعلق بالذات الإلهية تعلق العلم بها، وإنما هي إبصار يقتضي حاسة تكون أداة، له وشيئاً مرئياً ذا مواصفات تجعله قابلاً لأن يُرى (2).
(1) معالم الديني للثميني (292). قارن إسلام بلا مذهب، ص 137. (2) معالم الدين (31/ 2 - 36). الكشف والبيان، (1/ 153 - 154). شرح الأصول الخمسة، ص 252، 255، 262. المغني، (51/ 4 - 55). (1/154)
صفحة 149
رؤية الباري تعالى
155
ومما يؤكد موقف الأباضية الرافض للرؤية ما قام به شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني) من استعراض لأدلة المثبتين - وخاصة الأشعرية – النقلية منها والعقلية، وتفنيدها ودحضها بمنهج وأسلوب المعتزلة نفسه، وقد خلص من ذلك العرض والنقد إلى أن الله تعالى لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء من كل وجه، ومن كان كذلك استحال في حقه أن يُرى، ويذهب إلى أن مثبتة الرؤية لو أنصفوا القول وأقروا باستحالة رؤيته تعالى لسلموا من التورط في التشبيه، إذ السلامة في تنزيهه تعالى عن كل ما يخطر في الأوهام).
وقد استدل الأباضية بآيات من القرآن الكريم تتفق وما ذهبوا إليه في نفي الرؤية، وأهملوا أو أولوا ما عداها فاستدلوا بقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]. ساق الأباضية هذه الآية مهملين أو متأولين ما عداها من الآيات التي تشرحها وتفسرها، وتبين مرادها. وقالوا في هذه الآية: «إن الله تعالى امتدح بذلك، ومدائح الله لا تزول في الدنيا ولا في الآخرة، فمن زعم أن الأبصار تدركه فقد زعم أن هذا المدح يزول عنه في الآخرة، ومن زعم ذلك فقد جعل ربه منقوصاً، وهذا كفر بالله تعالى (2) بل إنهم ذهبوا في التدليل على ما اعتقدوه في الرؤية إلى حد بعيد، فجمعوا من الآثار النبوية وأقوال الصحابة له ما يرونه يخدم معتقدهم في نفي الرؤية على الإطلاق في الدنيا والآخرة، مثل استدلالهم بالحديث الذي رواه الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن أبي ذره أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال:
نور أني أراه» (3).
(1) معالم الدين، 41/ 2 - 48.
(2) الكشف والبيان، (1/ 155).
(3) الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، كاب الإيمان، باب قوله (نور أني أراه)، (1/ 108). أيضاً:
(12/ 3)، والرواية الأخرى: «رأيت نوراً». (1/155)
صفحة 150
156
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وقد جزم شارح الطحاوية بأن معنى قوله في حديث أبي ذر: «نور أنَّى أراه»، النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته فأنى أراه»، أي كيف أراه والنور
حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟ ثم قال فهذا صريح في نفي الرؤية (1). كما استدلوا بحديث مسروق عن عائشة، حيث قال: كنت متكئاً عند عائشة - رضي الله عنها - فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: «من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» (2). ووجه الاستدلال بهذا الحديث - عندهم - هو: أن مقالة عائشة هذه صريحة بالبراءة ممن قال بذلك، لأن عظم الفرية على الله فسق اتفاقاً، وحينئذ يلزم إما كذب القول بأن محمداً رأى ربه، وإما تضليل عائشة - رضي الله عنها - حيث فسقت قائلاً بصدق على صدقه، وكما يقول السالمي: لا محل للاجتهاد هنا، لأنه ليس للمجتهد أن يفسق من خالفه في اجتهاده إذا كان محل الاجتهاد ظنيا (3).
ومن الأدلة العقلية التي يقدمها الأباضية لإثبات أن الرؤية مستحيلة في حقه تعالى، وأنه ليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرةً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أن الأبصار لا تدرك إلا الأجسام المحدثة، أو ما يكون في معنى من معانيها جسماً، والمحدود لا يكون إلا جسماً أو هيئة الجسم، والجسم صنعه صانع، وكل مصنوع فله صانع، والصانع لا يشبه المصنوع، فمن زعم أنه يُرى جهرةً، فقد زعم أنه محيط بالله، لأن الأبصار إذا رأت شيئاً فقد أحاطت بما رأت، وعليه وقعت، والله تعالى منزه عن ذلك)
(4)
(1) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي تحقيق د. عبدالرحمن عميرة، ص 200، طبعة
الرياض، 1982.
(2) الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه (1/ 159)، كتاب الإيمان.
(3) مشارق أنوار العقول للسالمي، ص 190.
(4) الكشف والبيان (1/ 154). (1/156)
صفحة 151
رؤية الباري تعالى
157
وقد أشار شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني) إلى دليل (الوجود) الذي استدل به الأشاعرة لإثبات رؤية الله تعالى، فقال: إن إثبات رؤية الله تعالى من جهة العقل بفكرة (الوجود) إنما هو دليل ضعيف جداً، وتقرير الاستدلال بهذا الدليل أن يقال: الباري تعالى موجود وكل موجود يصح أن يرى، فالباري تعالى يصح أن يرى (1). ويبين فساد هذا القياس، فيقرر أن القضية الصغرى فيه صحيحة، أما الكبرى - وهي كل موجود يصح أن يرى - فهي غير صحيحة، إذ لو جاز لجاز تعلق الرؤية بالأصوات، والطعوم، والروائح، وبالرؤية نفسها، وبالاعتقاد، وبسائر الأعراض الموجودة المحققة ضرورة.
(2).
وقد أوّل الأباضية الآيات الدالة على إمكان الرؤية، مثل قوله تعالى: {رَبِّ أَرِنِي أنظر إليك) [الأعراف: 143]، بمعنى أرني آية من آياتك، أو علماً من أعلامك، كما أن نتيجة مفهوم الشرط، في قوله: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَني} [الأعراف: 143] صريحة في نفيها في المستقبل مطلقاً، أي في الدنيا والآخرة، ومن ادعى التخصيص بالدنيا فعليه بيانه.
وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَيذِ نَاضِرة إلى ريهاناظر)) [القيامة: 22 - 23] فوجه الاحتجاج في هذه الآية عند مثبتي الرؤية أن النظر الموصول بلفظ (إلى) رؤية، ولا سيما أنه أسند إلى الوجه الذي هو محل العين الباصرة، وأنه قيل بـ (يومئذ). وأما الأباضية فيرون أن الآية نزلت في حال يوم القيامة، فالمؤمنون ناظرة وجوههم بالبشارات والكفار باسرة وجوههم بتحقيق الوعيد، فالأولون منتظرون دخول الجنة، والآخرون يتوقعون أن ينبذوا في الحطمة، أما أهل الأعراف، فلم يدخلوا
(1) معالم الدين (402). الكشف (372/ 2). الإرشاد للجويني، ص 177. لمع الأدلة، للجويني، ص 115 - 116. الإبانة، للأشعري، ص 16. اللمع للأشعري، ص 32. الإنصاف للباقلاني، ص 160. الاقتصاد في الاعتقاد، تحقيق: د. عيش، ص 112. (2) معالم الدين، (41/ 2). (1/157)
صفحة 152
158
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
الجنة، وهم يطمعون. فما يدل على أن النظر في هذه الآية بمعنى الانتظار، تقديم (إلى ربها)، أي لا تنظر إلى الله على معنى أنه يفيد الحصر والاختصاص، ولو كان من نظر العين لا نحصر نظرهم في ذات الله تعالى. ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء كثيرة، ويدل على ذلك أيضاً، ذكر لفظ (تظن) في قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَيذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بها فاقرة)) (القيامة: 24 - 25] في مقابلة لفظ (ناظرة)، أي تتوقع أن يفعل بها فعل شديد فظيع يقصم فقار الظهور، كما ترتجي الوجوه الناظرة إلى ربها أن يفعل فيها كل خير، ومما يدل على ذلك أيضاً أن فاعل (تظن) هو الوجوه، ومعلوم أن الوجوه لا تظن، وإنما تظن القلوب
(1)
•
وأما الأحاديث التي تمسك بها المثبتون للرؤية، فيرى الأباضية أنها أحادية، وتقبل التأويل لتنطبق على الآيات، ولأنه يلزم من يقول بالرؤية إثبات الجهة الله
(2)
تعالى، وهو باطل ففي حديث: «إنكم سترون ربكم ... » يمنع الأباضية المعنى الحقيقي لظاهر الحديث، لجواز أن يكون المراد به ازدياد العلم. وفي بعض روايات هذا الحديث: سترون ربكم عياناً»، أي يقيناً، يقوم مقام العيان، ويصرح الثميني أن هذا الحديث إذا حمل على المعرفة استقام الكلام، وصح المعنى، فيكون المقصود أنهم يعرفون ربهم معرفة جلية لا لبس فيها، وهي في الجلاء والظهور، كإبصارهم القمر إذا امتلأ واستوى.
(3)
ومهما يكن من أمر، فإن مسألة الرؤية قد ارتبطت عند الأباضية - كما ارتبطت عند المعتزلة كذلك - بالتنزيه، فالله الذي ليس كمثله شيء لا يجوز أن يكون جسماً
(1) معالم الدين، ص 30 - 35. أيضاً: انظر: المحيط بالتكليف للقاضي عبدالجبار تجد تأويلاً قريباً من تأويل الأباضية، ص 214. شرح الأصول، ص 245. (2) العقود الفضية في أصول الأباضية، للحارثي، ص 286. قارن الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الأباضية، ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية .. د. بدوي، ص 204.
(3) معالم الدين (362). الكشف والبيان، (1/ 156 - 157). (1/158)
صفحة 153
رؤية الباري تعالى
159
حتى يُرى بالبصر، ووضعوا ذلك فوق إرضاء المسلمين، فالجسمية إذا انتفت انتفت الجهة، وإذا انتفت الجهة، انتفت الرؤية، وبهذا أولوا الآيات والأحاديث، ونفوا بعض الأحاديث، لأنها أخبار آحاد لا يعول عليها في نظرهم.
وقد اعتمدوا في نفي الرؤية على مسند الإمام الربيع بن حبيب، وسند الإمام الربيع ليس بالسند الذي اعتمده أهل الحديث من علماء السنة والجماعة، وإن كان الأباضية يقولون إنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم، ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث (1).
وعلى أي حال، فهذا هو رأي الأباضية في باب الرؤية يرون أنها مستحيلة في الدنيا والآخرة، وقد التقوا في هذا الرأي مع المعتزلة والخوارج. والواجب علينا هو الإيمان بأن الله تعالى يُرى لعباده المؤمنين في الآخرة كما أخبر في كتابه العزيز، وأخبر رسوله بذلك، ولكن على وجه منزه عما هو من خواص الحوادث، فحالتنا في الآخرة ستتغير عما نحن عليه الآن، فإذا كان الأكل الذي سنأكله والشراب الذي نشر به لا يتحول إلى فضلات، فالله تعالى قادر على أن يخلق فينا القدرة على رؤيته في غير مكان ولا جهة وبأية قوة من قوانا أو بقوة جديدة يخلقها الله في ذلك الوقت، في أي عضو من أعضائنا، وإن كان القلب، وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 8] فما دام الكتاب والسنة قد أخبرا برؤيته تعالى في الآخرة لعباده المؤمنين، فما علينا إلا التسليم والاتباع، وليس الرفض والابتداع.
(1) الجامع الصحيح، م، مسند الإمام الربيع، (4/ 1). (1/159)
صفحة 154
تمهيد
الفصل الرابع
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
هذه المسألة بحثت قديماً وحديثاً تحت مسميات عدة، كالجبر والاختيار، أو حرية الإرادة»، أو «القضاء والقدر»، أو «أفعال العباد»، وهذه المسميات كلها في معنى واحد، وإن لم تكن مترادفة على وجه الدقة ولكن البحث في أي منها لا بد أن يتطرق
ليشملها، وهو أن كل ما يحدث من أفعال، هل هو حر في إحداثه أم مجبور فيه؟ فإذا أثيرت هذه المسألة في أي وسط كان فإنها تقسمه إلى قسمين، فمنهم من ينكر على العبد حريته وإرادته، فيجعله مُسيَّراً لا شأن له في خلق أفعاله التي حددت له تحديداً أبدياً لا سبيل إلى تعديله أو تحويره، ومنهم من يثبت للعبد حرية الإرادة، ويجعله قادراً على خلق أفعاله.
ومسألة القدر، أو الجبر والاختيار ليست وليدة البيئة الإسلامية، أو الفكر الإسلامي فحسب، وإنما هي ظاهرة نفسية عامة، خاض فيها أصحاب الفلسفات والديانات القديمة، وانتقلت عدواها إلى محيط البيئة الإسلامية عن طريق المؤثرات الأجنبية، فقد أثارها فلاسفة الإغريق من قبل، فالأبيقوريون (1): يرون أن الإرادة
(1) الأبيقوريون: هم أتباع أبيقورس، (341 - 270 ق. م)، أنشأ مدرسة خاصة بفكرته التي تعتبر أن الحياة هي اللذة. (1/161)
صفحة 155
162
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
حرة في الاختيار، والإنسان يفعل جميع الأفعال بإرادته واختياره دون أي إكراه. (1) يرون أن الإرادة مجبرة على السير في طريق لا يمكنها أن تتعداها،
و (الرواقيون)
والإنسان لا يفعل شيئاً بإرادته، وإنما هو مجبر على فعل أفعاله (2).
أثارها اليهود أيضاً في دينهم، فقال بعضهم بالجبر، وقال آخرون بالاختيار، كما أثيرت في الديانة النصرانية، على مجرى التاريخ، فكان النزاع والجدال، وكان التحيز لرأي والتعصب له، وانقسم رجال النصرانية إلى فريقين يختصمان (3).
والفكر الإسلامي ليس بدعاً من الفكر البشري، على اختلاف الزمان والمكان، بل - بما له من أصالة نابعة من كتابه الكريم، وسنته الشريفة – تناول المسألة تناول العبقري الذكي الفاهم لطبيعة العقل البشري وحدوده، والعارف متى يحسن للعقل البشري، أن يبحث ويحلل ويدقق، ومتى يعفي نفسه من الركض وراء أمل لا مطمع في تحقيقه والعثور عليه.
والمشكلة بهذا الاعتبار قد أثيرت في عهد الرسول الا وعهد الصحابة، وكان موقفهم منها الابتعاد عن الولوج في دروبها ومتاهاتها، والإيمان بها كما جاء الوحي غضة بسيطة، لم تفسدها تدقيقات المنطق، ولا تحليلات الفلسفة، فقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلافى انشقاق الأمة بسبب إثارة هذه المشكلة، فكان ينهى دائماً عن إثارتها، وعن الجدال فيها.
(1) الرواقيون هم معاصرون للأبيقوريين، ومعارضون لهم، وواضع أفكارهم (زينون) (336 - 264 ق. م) أنشا مدرسته في (رواق)، فدعي أصحابه بالرواقيين. (2) مسألة القضاء والقدر، د. عبد الحميد محمد قنبس، وزميله خالد عبد الرحمن، ص 31، طبعة دار الكتاب العربي، 1979. (3) الإسلام والعقل، د. عبد الحليم محمود، ص 136، 159، طبعة دار الكتب الحديثة، 1973. 1. أيضاً: علم التوحيد في ثوب جديد، د. عبد السلام عبده (220/ 1). وأيضاً: (2/ 4) طبعة الفجر الجديد، مصر، 1980. (1/162)
صفحة 156
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
163
أما بعد انتقال الرسول الله إلى الرفيق الأعلى، واختلاط المسلمين بغيرهم، فقد اختلف الحال وبدأت تظهر في عهد الصحابة البذور الأولى للكلام في القدر، فكانوا ينهون عن البحث والجدال فيه، وكانوا يرون أن الإيمان بالقدر يقتضي الاستسلام لأمر الله تعالى. واتخذ هذه الطريقة التابعون وتابعوهم، فكانوا امتداداً لمنهج الصحابة له، وحاربوا الآراء الشاذة التي أعلنها غيلان الدمشقي) و (جهم بن صفوان)، لأنهم فهموا الصلة الوثيقة بين المشيئة الإلهية والإرادة الإنسانية، فأثبتوا أن الإنسان مسؤول حر في اختياره لأفعاله، لكنه مع هذا الاختيار لا يستقل بعمله عن القدرة والمشيئة، وهذا الطريق هو. ما سلكه عمر بن عبد العزيز له في مناقشته
(1)
لغيلان الدمشقي وأمام مقاومة الصحابة والتابعين لهذا الانحراف في التفكير، لم يكتب لهذه البذور أن تتطاول حتى جاء عصر بني أمية، وتحولت هذه الأفكار من خلال أقوال دعاتها والمروجين لها إلى نحلة لها متبعوها ودعاتها (2).
(3)
ويظهر أن بني أمية كانوا يكرهون بوجه عام القول بحرية الإرادة لاعتبارات دينية وسياسية، لأن القول بالجبر يخدم سياستهم، فهم يقولون إنهم جاؤوا بقضاء الله تعالى وقدره، وإذن يجب على المسلمين طاعتهم والخضوع لهم. ومن هنا وجد بعض الذين ليس للدين حريجة في نفوسهم، في القدر اعتذاراً عن مقابحهم وتبريراً لمفاسدهم، فساروا فيما يشبه الإباحية وإسقاط التكليف)
(1)
(4)
منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين، د. مصطفى حلمي، ص 35 - 37، طبعة دار الدعوة، 1982، وهو الحوار الذي دار بين عمر بن عبدالعزيز وغيلان الدمشقي. (2) دراسات في علم الكلام والعقيدة، د. جميل أبو العلا، ص 78، طبعة القاهرة، 1984. (3) في الفلسفة الإسلامية منهجه وتطبيقه، د. إبراهيم مدكور (932)، طبعة دار المعارف، 1983. قارن الإسلام والعقل، ص 137. أيضاً: التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود، ص 145 146، طبعة دار المعارف، 1984، وقارن كتابنا القول السديد، ص 374. (4) تاريخ المذاهب الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة، ص 111 - 112، طبعة دار الفكر العربي. (1/163)
صفحة 157
164
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
والحق أن تشجيع الأمويين القول بالجبر ليس راجعاً إلى أمر يتصل بالعقيدة، بل يتصل اتصالاً حقيقياً بالسياسة، وذلك لأنهم يشعرون أنهم قد اغتصبوا الملك من العلويين، وأن في هذا خطورة على دولتهم ما لم يشعروا الجمهور بأن هذا قدر الله الأزلي الذي لا يمكن تغييره
ومهما يكن من أمر، فإنه قد ظهر في عهد بني أمية من الآراء حول العقيدة ما يمكن أن يعد أساساً لأصول الفرق الكلامية فيما بعد، مثل (الجبرية) و (المعتزلة) و (أهل السنّة)، وهؤلاء تناولوا هذه المسألة على أساس عقلي جديد.
ومبلغ علمي، أنهم لجؤوا إلى هذا النوع من أسلوب التشدق العقلي لمجاراة الحياة بعد مرحلة الاختلاط بالتيارات والثقافات الوافدة من بلاد اليونان والفرس، فقد كانت ثقافات صاخبة بألوان الفلسفة والجدل المنطقي المنظم، فكان لا بد من الإفادة من هذه الثقافات واستخدام الأ الأسلحة نفسها في المعارك الجدلية التي عاش فيها المتكلمون.
والحق أن علم الكلام قد استطاع أن يقيم صرح العقيدة الإسلامية على ركائز راسخة مدعمة بأقوى الحجج والأدلة، بل إن علم الكلام استطاع أن يقوم بواجبه كاملاً في مواجهة الفلسفات والتيارات التي كانت تتسلل إلى الإسلام في خفاء، أو في مواجهة صريحة، ومع هذا فإنه فيما يتعلق بهذه المسألة لم يستطيع أن يقول الكلمة التي لا تساؤل معها، أو يضع أيدينا على حل تطمئن إليه النفس وتقر به العين، بل إن علماء الكلام تنازعوا حولها، ولم يتفقوا فيها على كلمة واحدة، وما كان لهم أن يتفقوا، إذ هي من المسائل الكبرى، وأعظمها تشعباً وتفرعاً، وأكثرها إثارة للشبهة والحيرة، فإنها تتعلق بصفات الله تعالى وأفعاله من الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي داخلة في خلقه وأمره وثوابه وعقابه (1)
(1) انظر كتابنا ابن رشد وفلسفته الإلهية، ص 541، طبعة الصفا والمروة، 1997. (1/164)
صفحة 158
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
165
فهذه المسألة من الأمور المتشابهة التي يحسن فيها التسليم وعدم الخوض فيها لاستعصائها على الحل، وفي هذا يقول الدكتور عبد الحليم محمود: «إن مسألة القدر من المتشابه، بل إنها من أهم مسائل المتشابه، وهي فضلاً: عن ذلك عصية على الحل، أبية على الاتفاق، إنها ليست قابلة للحل، سواء أثيرت في الشرق أو في الغرب، وسواء أثيرت في القديم أم في الحديث، أو أثيرت في البادية أو في الحضر، إنها مفرقة بين الباحثين فيها، ومهما طال الجدل بينهم فسوف لا ينتهون إلى نتيجة، ومن أجل ذلك كانت الروح الإسلامية العامة تحرم الخوض فيها (1).
ومهما يكن من أمر، فإن هذه المسألة قد بدأت تتسلل شيئاً فشيئاً إلى المجتمع الإسلامي، حتى احتلت مركز الصدارة في الفكر الإسلامي، واتخذت شكلاً مذهبياً مختلفاً، وظهرت فيها الآراء وتضاربت، حتى كانت من أمهات المسائل التي ساعدت في نشأة علم الكلام وتكوينه، حيث قامت باسمها مدارس فكرية متميزة، وبقيت هذه المدارس نتنوع وتتعدد على مر الزمن.
ومن هذا المنطلق وجدت المذاهب سبيلها إلى التعدد والتشقق بقدر ما وجدت
(2)
هذه المذاهب المتنافرة أدلتها التي تؤيد بها ما ذهبت إليه. فقال قوم: إن العبد خالق لأفعاله الاختيارية، اتفاقاً مع التكاليف وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، وذكروا لمذهبهم هذا من الأدلة النقلية والعقلية ما يعضده. وقال آخرون: إن العبد مجبور، لا سلطان له في شيء من أفعاله، موافقة منهم لمبدأ انفراد الله تعالى
(1) الإسلام والعقل، ص 159 - 160. قارن كتابنا القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد،
(2)
ص 375.
نعني بهذا القوم فرقة القدرية والمعتزلة انظر: كتابنا القول المبين، ص 375 - 397. (3) نعني بهذا القوم (الجبرية) بزعامة جهم بن صفوان انظر هذا المذهب وأدلته في كتابنا: القول المبين،
ص 359 - 374. (1/165)
صفحة 159
166
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
(1) ,
بالخلق والإيجاد، وتوسط غير هؤلاء وأولئك فذهبوا إلى أن الخلق الله تعالى،
والكسب للعبد.
وهذه المذاهب رغم اختلافها حول هذه المسألة، إلا أنها اتفقت فيما بينها على أن الله واحد لا شريك له، وأنه الخالق المستقل بالخلق المستحق للعبودية، كما اتفقت كلمتهم على أن الله خالق لذات الإنسان، كما أنه الخالق لأفعاله الاضطرارية. وبعد هذه الإطلالة السريعة التي تعرضنا فيها لنشأة هذه المسألة، ومنشأ الخلاف حولها ننتقل بعون الله تعالى وتوفيقه إلى بيان مذهب الأباضية فيها، فهو
بيت القصيد هنا.
مذهب الأباضية:
يؤمن الأباضيون بالقضاء والقدر، وهو ركن من أركان الدين عندهم، وفي هذا يقول أحد علماء الأباضية وهو السالمي: ندين بأن الله تعالى خالق كل شيء، ندين بأن القدر خيره وشره من الله، وندين بأن الله خالق أفعال العباد، ومحدثها ومريدها (2)
والإيمان بالقدر خيره وشره أحد أركان العقيدة الدينية الصحيحة، فهو الركن السادس من أركان الإيمان، من أنكره يعد كافراً، لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة. والنص على هذا الركن حدّث به المصطفى، وأكده في الرواية المشهورة حين جاء جبريل القلة في صورة أعرابي، وأخذ يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة عن حقائق الدين، وعلامات الساعة، فعندما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم
(1) نعني بهذا القوم فرقة الأشعرية، فهي التي توسطت في رأيها بين القدرية والجبرية. انظر: القول
المبين، ص 398 - 425
(2) بهجة أنوار العقول، ص 134. (1/166)
صفحة 160
أفعال العباد بين الجبر والاخ
167
فأخبرني عن الإيمان أجابه بقوله: «الإيمان أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه،
ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فقال: صدقت (1) والمقصود من الإيمان بالقدر هو التصديق والإذعان بأن ما قضاه الله وقدره، أي ما حكم به وقسمه وما أراده وعلمه من خير أو شر، ومن حلو أو مر، إنما هو من عنده تعالى، والاعتقاد بأن كل شيء يجري بتقدير الله ومشيئته، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ... وعلى العبد أن يرضى، لأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، والاعتقاد بأن القدر هو سرا الله في خلقه، ولم يطلع عليه ملك، ولا نبي ولا ولي، لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه والأباضية فيما ذهبوا إليه من إيمان بالقضاء والقدر لم يخرجوا عن الروح العام لإيمان جمهور المسلمين، فهم يؤمنون بأن كل ما ظهر وجوده بعد عدمه من أصناف الخلائق في ملك الله تعالى، فقد سبق به قضاؤه وقدره، لا راد لقضائه، ولا معقب
لحكمة
(3)
(2)
والقضاء كما يعرفه الأباضية هو عبارة عن وجود الأشياء في اللوح المحفوظ إجمالا). والقدر هو: أن الله تعالى علم مقادير الأشياء قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. ويعرف
(5)
القلهاتي القدر، بالتقدير، والتقدير يعني العلم، فالقدر علمه تعالى، والمقدر فعل خلقه، والمقادير من الله تعالى (6).
(1) الحديث رواه الإمام البخاري، كتاب الإيمان، (114/ 1). والإمام مسلم، كتاب الإيمان،
(160 - 157/ 1)
(2) العقيدة السلفية بين الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية، د. السيلي، ص 105.
(3) قناطر الخيرات، (1/ 205) بتصرف.
(4) معالم الدين، (2/ 98).
(5) شرح القصيدة النونية للمصعبي، ص 150.
(6) الكشف والبيان، (1/ 248 - 249). (1/167)
صفحة 161
168
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
والرضا بالقضاء عند الأباضية أصل الطاعة، فإن القبول والعزم على امتثال ما
أمر الله به، وسكون النفس إلى قضائه وقدره، وترك السخط عليه، نظراً إلى أن في قضائه حكمة عظيمة ومصلحة جليلة، لكنها خفية علينا، وقد حثّ الله تعالى العباد على الرضا به، وفي ترك الرضا بالقضاء والقدر آفة عظيمة، وهي اكتساب سخط الرب عز وجل (1)
ومذهب الأباضية في أفعال العباد قريب من مذهب الأشاعرة، فالسالمي وهو من كبار أباضية المشرق يقول:
ذهب أهل الاستقامة - يعني الأباضية - إلى التوسط بين الحالين – أي حال الجبرية والمعتزلة - فقالوا: إن أفعال العباد خلق الله تعالى، وهي لنا اكتساب، فنشاب ونعاقب على اكتسابنا، لا على خلق الله أفعالنا، بدليل قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة: 286]، فالآية صريحة في إثبات الكسب والاكتساب لها» (2). وقد أكد هذا المستشرق (ألفونسو نلينو)، وهو بصدد بيان الصلة بين مذهب
المعتزلة ومذهب الأباضية، فبعد عرضه لنقاط الاتفاق قال: «إلا أن هناك مسألتين اختلف فيهما مذهب الأباضية في شمال إفريقيا عن مذهب المعتزلة، أولاهما تتعلق بالحكم على مرتكب الكبيرة، والأخرى هي مسألة القدر وحرية العبد في أفعاله)». فالمعتزلة يقطعون بحرية العبد، بينما يقول الأباضية – في شمال إفريقيا - بالحرية المحدودة في صورة (الكسب) أو (الاكتساب) عند الأشاعرة، ويؤكدون المبدأ القائل: بأن الله خالق أفعال العباد ومحدثها ومدبرها» (3).
(1) معالم الدين، (97/ 2).
(2) مشارق أنوار العقول، ص 312. أيضاً: العقود الفضية، ص 287. أيضاً: الملل والنحل،
(135/ 1)
(3) بحوث في المعتزلة مقالة عن الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الأباضية للمستشرق ألفونسو نلينو، ضمن مجموعة التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ص 207. (1/168)
صفحة 162
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
169
ويثبت الأباضية أن الله خالق أفعال العباد، لأنه تعالى خالق، وما سواه مخلوق، قال تعالى: {خَلِقُ كُلِّ شَى و} [الأنعام:102] والأفعال شيء موجود، فثبت أنها مخلوقة، لأن مخرج الآية عموم ... وسئل الإمام علي بن أبي طالب عن أعمال العباد التي يستوجبون بها النار: أهي شيء من الله أم شيء من العباد؟ فقال: «هي من الله خلق، ومن العباد عمل» (1).
ويؤكد شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني) على أن الله هو الموجد لأفعال العباد، من غير تأثير لقدرتهم فيها، بل هي موجودة مقارنة لها، خلافاً للمعتزلة في دعواهم أنها هي المؤثرة في أفعالهم على وفق اختيارهم، ولا تأثير للقدرة القديمة أصلاً في تلك الأفعال الاختيارية (2).
وبهذا القول فقد خالف الأباضية المعتزلة فيما ذهبوا إليه، وهم أقرب نهجاً إلى ما ذهب إليه الأشاعرة، فقد وافقوهم في موضوع الاستطاعة، فقالوا: إن الاستطاعة عرض يخلقه الله في الإنسان يفعل به الأفعال الاختيارية، والاستطاعة عندهم وعند
الأشاعرة مقارنة للفعل
(3)
فالأباضية نظروا إلى موضوع أفعال العباد من زاويتين، الأولى: ما تعلق بالفعل من جهة الخلق، أي الإيجاد والاختراع، وهي الله تعالى وحده. والثانية: ما تعلق من حيث إضافة الفعل للعبد اكتساباً، ومن هذا التعلق تكون قدرة العبد في الفعل، أي إن الله تعالى يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد للفعل وتوجيه القدرة إليه لاكتسابه، فالله تعالى موجد، والعبد كاسب، والقدرة الحادثة تؤثر في الأفعال
(4)
(1) الكشف، (1/ 273 - 274).
(2) معالم الدين، (261/ 1).
(3) مشارق أنوار العقول، ص 324.
(4) بهجة أنوار العقول، ص 141. مقالات الإسلاميين، (1/ 187). (1/169)
صفحة 163
170
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ولكن لا على سبيل الاستقلال، كما تقول المعتزلة، بل على أقدار قدرها الله تعالى بمعنى أرادها (1)
وفي مذهب الأباضية يجب على المكلف أن يعتقد أن الله تعالى خلق العباد، وخلق أعمالهم، وخلق الثواب والعقاب عليها، وأنهم اكتسبوا أفعالهم، عملوها ولم يجبروا عليها، ولم يضطروا إليها، والقدرة أو الاستطاعة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله كالصعود دون البعض كالسقوط، فيسمى أثر القدرة الحادثة كسباً، أي إن لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في بعض الأفعال، كحركة البطش، دون بعض كحركة الارتعاش
(2)
ومع ذلك فإن هناك خلافاً في (مذهب الكسب) هذا بين أباضية جبل (نفوسة) وبين الآخرين، ولكنه خلاف ضئيل تعرض له (عمر الثلاثي الأباضي) حيث قال: «بل لهم - أي العباد - في الأفعال اختيار وكسب، كما هو مختار أهل المغرب من أصحابنا، والذي عليه أهل جبل نفوسة أن الله تعالى جبل وطبع عباده على فعل ما علم حصوله منهم قبل أن يخلقهم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فهم منقادون لفعل ما علم الله حصوله منهم، وماشون على ما في كتابه، لا يصدر منهم خلاف ما علم الله صدوره منهم، وهذا هو الحق الذي عليه مشايخ الجبل والذي عليه أهل المغرب من أصحابنا هو هذا أيضاً، إلا أنهم أثبتوا للعباد الاختيار، ونفوا عنهم الجبر وواضح مما سبق أن الأباضية في مسألة أفعال العباد يلتقون مع الأشعرية ويعارضون مذهب الجبرية والمعتزلة، فقد استحسن الأباضية مذهب الأشاعرة في نظرية الكسب، واعتقدوا صحته، ودافعوا عنه، وعدّوه «أنقى المذاهب (4)، يؤكد
(3)
(1) معالم الدين، (1/ 262 263).
(2) المصدر السابق (2661 - 267). أيضاً: الموسوعة الميسرة، ص 16.
(3) بحوث في المعتزلة مقالة: عن
اليوناني، ص 208. (4) معالم الدين، (1/ 263).
الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الأباضية ضمن مجموعة التراث (1/170)
صفحة 164
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
171
ذلك قول المصعبي: «إن أهل الحق - يعني الأباضية - قالوا: إن كل مخلوق يصدر منه فعل اختياري كسب لأفعاله الاختيارية، ألزم الله تعالى بسببه عبده فعل ما فيه كلفه، ولم يكن العبد مؤثراً في المقدور تأثير اختراع وإيجاده (1). هو نفس ما قاله الأشعرية في هذه المسألة.
تعقيب
الواقع أن الأبحاث الدينية حول هذه المسألة قد نشأت عندما نظر الإنسان فرأى أنه من ناحية يشعر بأنه حر الإرادة يعمل ما يشاء، وأنه مسؤول عن عمله، وهذه المسؤولية تقتضي الحرية، وإلا لما كان هناك معنى لإثابته أو عقابه، ومن ناحية أخرى رأى أن الله عالم بكل شيء، أحاط علمه بما كان وما سيكون، فعلم ما سيصدر عن كل فرد من خير أو شر، وهذا يؤدي بالتالي إلى القول بعدم وجود قدرة للإنسان إلا على وفق ما علم به.
ويصور القرآن الكريم الإنسان مسيراً تارة، ومختاراً في أفعاله تارة أخرى، وهذا قد جعل المسألة - كما يرى ابن رشد - من أعوص المسائل الشرعية، وذلك أنه إذا تأملت دلائل السمع في ذلك وجدت متعارضة، وكذلك حجج العقول، أما تعارض أدلة السمع في ذلك فموجودة في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فإنه تلقى فيه آيات كثيرة (2) تدل بعمومها على أن كل شيء بقدر، وأن الإنسان مجبور على أفعاله، وتلقى فيه آيات كثيرة (3) تدل على أن للإنسان اكتساباً يفعله، وأنه ليس مجبوراً على أفعاله)، ولا نعدم أن نجد هذا التعارض في الأحاديث النبوية (5).
(4)
(1) شرح العقيدة النونية، للمصعبي، 151.
(2) انظر: الآيات القرآنية في سور القمر آية 49، الرعد آية 8، الحديد آية 22.
(3) انظر: الآيات القرآنية في سورة الشورى آية 31 - 32 البقرة آية 286 الزلزلة آية 8، آل عمران
(4)
الآية 165، النساء آية 79.
مناهج ا
الأدلة ضمن مجموعة فلسفة ابن رشد، تحقيق: مصطفي عمران، ص 134.
(5) المصدر السابق، ص 135. (1/171)
صفحة 165
172
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ونحن من جانبنا لا نتفق مع هذا الرأي القائل: إن منشأ الخلاف هو التعارض في النصوص الشرعية، إذ الأمر ليس كذلك، فالموضوع من الأهمية بمكان، ولا بد من نظرة شاملة إلى النصوص، لأن الله تعالى يستحيل عليه أن يُنزل قرآناً يعارض بعضه بعضاً، وإنما قصر الفهم لدى الإنسان جعله ينطلق إلى هذا التقسيم وإثبات التعارض، أما من أراد النظرة الشاملة التكاملية في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فإنه يصل إلى نتيجة تخالف هذا التقسيم، وهذا التعارض.
فالجبر الذي تنطق به الآيات والأحاديث، إنما يتجه للجانب الجبري من حياة الإنسان، فالإنسان له جانب جبري، وجانب اختياري، والآيات تتناول علاقة الإنسان بربه، من حيث هو إله ورب كل شيء، قال تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ، فَيَتُونَ} [الروم: 26]، فالآية الكريمة تعتبر كل من في السموات والأرض قانتا لله تعالى، ولا يتنافى ولا يتعارض مع كون الإنسان مختاراً في حالات وجوانب أخرى.
فالكافر وإن كان عاصياً الله تعالى، وفاسقاً عن أمره صدوراً عن الجانب الاختياري في حياته فإنه خاضع له وقانت له ومجبور ومسير لقدرته ومشيئته تعالى صدوراً عن الجانب الجبري، حيث إنه يعيش بنفس الناموس والطبيعة التي أرادها الله له، لذلك فالتعارض الذي أثير يتلاشى أمام الحقائق القرآنية، إذا كان هناك تدبر وتفكر، إن الفرق المتنازعة كانت تضرب كتاب الله بعضه ببعض عن جهل أو سوء قصد وتوهم، بينما آيات الله الكونية والقولية لا تتعارض مطلقا (1).
فمسألة القضاء والقدر، أو الجبر والاختيار يجب أن تكون عامل لقاء ووحدة بين جميع المسلمين، لأن المنهج واحد يؤمن به جميع المسلمين، والاختلاف بين المسلمين في رؤية هذه المسألة ناتج عن الزوايا المختلفة التي ينظرون من خلالها إلى
(1) كتابنا ابن رشد وفلسفته الإلهية، ص 546 - 547. (1/172)
صفحة 166
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
173
هذه المسألة، لذلك وإن اختلفت الآراء حول هذه المسألة، لا بد من إطار يحوي
جميع هذه الآراء، ضمن ما يحمله منهج الله تعالى.
فالذي يتصفح المذاهب في مسألة (أفعل العباد لا يسعه إلا رفض مذهب الجبر المحض رفضاً تاماً، فإن هناك فرقاً واضحاً بين الإنسان والحيوان، وهذا الفرق هو العقل الذي كرّم الله به بني الإنسان، وعليه مدار التكليف، كما أن هناك تفرقة ضرورية بين الفعل الاختياري، والفعل الاضطراري، والعقل والاختيار هما أساس
المسؤولية الشرعية، وهذا الأساس تقوم عليه حرية الإنسان في الترك والفعل. فالمذهب الجبري ظاهر البطلان والفساد لمخالفته النصوص المحكمة، ولأنه لو لم يكن للعبد فعل اختياري أولاً لما صح تكليفه، مع أنه مكلف بالعبادات، ولما ترتب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله، مع أن استحقاق الثواب والعقاب على العمل ثابت بالنصوص القطعية، ثم إن إنكار القدرة والإرادة والاختيار في جميع أفعال العباد إنكار لما هو بديهي بالوجدان. وأما تعلق علمه تعالى وإرادته بفعل العبد أزلاً لا يجعل العبد مجبوراً في أفعاله، ولا يسلب قدرته وإرادته، لأن صفتي العلم والإرادة ليستا من صفات التأثير، بل الله تعالى قد علم أزلاً أن العبد يختار أفعاله، فرجحت إرادته تعالى أزلاً وجود الأفعال فيما لا يزال، وما تعلقت قدرته تعالى بأفعال العبد إلا بعد علمه تعالى أن العبد يختارها ويصمم عليه، فعلم الله تعالى - أزلاً بهذه الأفعال، وأن العبد يكون مختاراً فيها - محقق لاختيار العبد لا سالب له (1).
كما نرفض قضية (لا قدر والأمر أُنف) التي قالت بها القدرية الأولى، فإن علم الله تعالى لا يعزب عنه شيء، وهو محيط شامل غير مكتسب، ولا يسبقه خفاء، ولا يعتريه جهل، ومع ذلك فهو انكشاف لا تأثير، والإنسان وسط هذا الكون ليس
(1) كتابنا القول المبين، ص 427. (1/173)
صفحة 167
174
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
مطلق السراح، يهيمن على الوجود، ويسيطر على الكائنات، بل هو: محكوم بنواميس ثابتة حوله تحيط به، وتقع عليه، ويسير في فلكها، فالليل والنهار، والصيف والشتاء، والشمس والقمر والنجوم ... إلخ كلها مخلوقة الله تعالى مسيرة بإرادته، لا ينفك عنها الإنسان، وجميع هذه الأمور ليس يكلف بها الإنسان ولن يحاسب عليها، ولا يعتريه مدح أو ذم بسببه، فهي خارجة عن نطاق المسؤولية الإنسانية.
!
أما التكليف، والأمر والنهي، والشرائع والأحكام فهي وحدها التي يقف الإنسان حيالها مختاراً، يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، بما منحه الله من طاقات، وما هيأ له من أسباب، وما مكن له من قوى، وقد أراد الله تعالى للإنسان هذا الموقف، وكلفه على هذا الأساس، وفي كلا الحالين أمام التكليف الشرعي بالإيمان أو الكفر، والطاعة أو المعصية، لا يخرج عن المراد، لأن الله تعالى قد منحه الحرية، ولو شاء الله سلبها منه ما منعه أحد، لكنه جل شأنه لم يشأ للإنسان الجبر المحض، وعلى هذا يجب علينا أن نفرق بين القضاء الكوني الجبري، والقضاء الشرعي الاختياري، فنحن مطالبون بالشرعي منه، وليس الكوني، فإنه خارج عن نطاق التكليف الشرعي للإنسان (1).
وأما المعتزلة: فقد أجمعوا على أن الخالق لأفعال العباد الاختيارية هم العباد ولم تتعلق بها قدرة الله تعالى، بل الله أوجد العبد وخلق له قدرة وإرادة، فإذا أراد العبد فعلاً أوجد فعله بقدرته، وعللوا ذلك بقولهم: إن العبد لو لم يكن موجداً لأفعاله بقدرته ما كلف بها وأثيب وعوقب عليها، لأن الإنسان لا يكلف بفعل غيره، ولا يثاب ويعاقب على ما لم تتعلق قدرته بوجوده، لكنه كلف بها وأثيب
وعوقب عليها.
(1) كتابنا القول المبين، ص 462. (1/174)
صفحة 168
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
175
وهدف المعتزلة من هذا القول هو إثبات الكمال الله تعالى، وتنزيهه عن كل نقص، وقد رأوا أن أفعال العباد فيها الظلم والشر، ورأوا أن الله تعالى لو فعل الظلم كان ظالماً، ولو فعل الشركان شريراً، وهذا محال على الله، لأنه كامل غاية الكمال، ورأوا أن العدالة تقتضي أن يكون العباد هم المحدثين لتصرفاتهم، والخالقين لأفعالهم، تحقيقاً لمبدأ الحرية، الذي على أساسه تصبح التكاليف وتقوم المسؤولية، ويكون الثواب والعقاب والمدح والذم.
والخطأ الذي وقع فيه المعتزلة: هو قياسهم أفعال الله على أفعال العباد، وهو قياس للغائب على الشاهد، وهذا القياس فضلاً عن أنه قياس فاسد في باب (العقائد) فإنه قياس مع الفارق، إذ إن العباد واقعون تحت شريعة، فقياس أفعالهم بمدى مراعاتهم أو مخالفاتهم لتلك الشريعة، وليس كذلك الله، إذ ليس فوقه مبيح أم ح أو حاظر، ولقد صدق الله إذ قال: {لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23]. فمذهب المعتزلة إذن غير جدير بالقبول، لما فيه من الشطط، والغلو في حرية الإرادة الإنسانية، فمذهبهم هذا يقضي لا محالة إلى إنكار تدخل الإرادة الإلهية في فعل العبد.
وأما الأشاعرة: فقد حاولوا أن يقفوا موقفاً وسطاً في هذا الأمر، إلا أن التوفيق لم يحالفهم فهم يقولون: إن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة الله ومرادة له، ولا تأثير لقدرة العباد في وجودها، وإنما لهم فيها مجرد (الكسب)، والكسب عندهم - باستثناء الجويني - هو مقارنة قدرة العبد للفعل من غير تأثير لها فيه، فهو أمر اعتباري لا وجود له، فإن قلت لهم: فالله تعالى يخلق الكسب والعبد يفعل الفعل عن طريق الكسب استقلالاً؟ قالوا: لا. إنها الله يخلق الكسب ويخلق الفعل، إذ «لا تأثير للعبد بوجه ما، لا على الاستقلال ولا على المشاركة (1).
(1) كتابنا القول السديد، ص 440 - 441. (1/175)
صفحة 169
176
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ونرى أن الأشاعرة القائلين بهذا الكسب لم يضيفوا شيئاً إلى قول الجبرية، فهو
في حقيقة أمره قول بالجبر، وإن جعلوا الكسب وسيطاً، لمحاولة إيجاد مخرج من لازم
قولهم (1)
فهذا الكسب الذي يرى الأشاعرة أنه من العبد، ولكنه مخلوق مع هذا حين العمل مع العمل نفسه، ليس له أي قيمة حقيقية، بمعنى أن هذا لا يجعل للإنسان وقدرته أثراً حقاً في إصدار الفعل، ما دام الكل - الفعل وقدرة العبد المسماة بالكسب - بخلق الله تعالى وحده، ولأن فكرة الكسب هذه فكرة غامضة خفية، اضطر الأشاعرة إليها لحل مشكلة العمل بين الله والإنسان، إلا أنها لا تقنع العقل غير المتعصب لمذهب خاص، جاء في المثل: أخفى من كسب الأشعري دلالة على أن هذا الشيء مضرب المثل خفي لا يكاد يُدرك أو يُفهم (2).
وأما الأباضية: فهم يرون أن أفعال الإنسان خلق من الله، واكتساب من الإنسان، وهم يقفون موقفاً وسطاً بين المعتزلة والجبرية، وهم هنا يتفقون مع الأشاعرة، وهذا المذهب لم يرق كثيراً من العلماء لعدم وضوحه.
والذي نراه في هذه المسألة: أن كل فعل اختياري للإنسان فيه فعل للإنسان وفعل الله تعالى، وهذا لا يقتضي شركة بين العبد والرب، فالرب هو الخالق لجميع الأشياء، والإنسان حينما يشكل المادة المخلوقة تشكيلاً جديداً، لا يخلق مادة جديدة، وإنما يستفيد من المواد التي خلقها الله تعالى، وهذا هو الذي ميز الإنسان عن كل من على ظهر الأرض من الكائنات، ثم من الذي أبدع هذا العقل وخلقه، لا ريب أنه هو الله، ذو القوة والعزة والعلم اللامتناهي.
(1) المعتزلة بين القديم والحديث، د. محمد العبد وطارق عبد الحليم، ص 59، طبعة دار الأرقم،
القاهرة، 1987.
(2) القرآن والفلسفة، د. محمد يوسف، موسي، ص 114، دار المعارف، 1982. (1/176)
صفحة 170
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
177
فالإنسان ليس مجبراً جبراً محضاً، وإلا لبطلت التكاليف، وبطل الثواب والعقاب من الله، وكذلك ليس حراً حرية مطلقة، كما يدعي (المعتزلة) وإلا كان إلهاً في الكون، ومسيطراً على أفعاله كلها، ولكن الإنسان متوسط بين الجبر والاختيار، فهو مجبر في تحديد عمره، وفي مقدار طوله ولونه، وفي مقدار الذكاء الذي يعطاه من الله تعالى، وفي البيئة التي ينشأ فيها، وهو مختار في الأعمال التي كلفه الله تـ ه تعالى بها كالإيمان بالله وملائكته ورسل، وكتبه واليوم الآخر، والصلاة والزكاة والحج، والانتهاء عن فعل المحرمات. فالإنسان في الأفعال التي كلفه الله تعالى بها يشعر بأنه مخير فيها، يستطيع أن يفعل وأن لا يفعل بإرادته الحرة، فإذا أكره على شيء وفقد هذه الحرية، رفع عنه التكليف (1).
فالإسلام الذي جعل الوسطية الجامعة أخص خصائص منهجه قد نبعت وتنبع فلسفته في حرية الإنسان واختياره من وسطية مكانة هذا الإنسان في هذا الوجود، فلا هو سيد هذا الوجود، حتى تكون حريته مطلقة فيه، ولا هو الحقير المتلاشي الذي لا خلاص له إلا بالفناء في الكل أو المطلق، حتى يكون الجبر المطلق هو قدره في هذا الميدان، وإنما هو الخليفة الذي استخلفه الله لحمل أمانة الحرية والاختيار، حتى يصح تكليفه بتبعات حملها، وحتى يكون حسابه وجزاؤه على ما قدمت يداه عدلاً لائقاً بذات الله تعالى، العادل، فلا بد لذلك من أن يكون حراً مختاراً، لكنها حرية واختيار الخليفة والمحكوم بالنظام الأعظم الذي خلقه خالق هذا الوجود، فهي الحرية الوسط، والاختيار الوسط بين مطلق الجبر، ومطلق الاختيار، وبهذا المعيار نستطيع أن نزن قدر الحرية الإنسانية، وبهذا المنظار يجب أن نرى آفاق الاختيار الإنساني في مختلف الميادين
(2)
(1) كتابنا القول السديد ص
445 - 444,
(2) كتابنا: إخوان الصفا وفلسفتهم الدينية، ص 284 285، طبعة المطبعة العربية الحديثة، نقلاً عن صوت الأزهر، مقال بعنوان: (الإنسان بين الجبر والاختيار)، د. محمد عمارة، العدد 151. (1/177)
صفحة 171
178
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومعنى هذا، أن أفعال الإنسان ليست اختيارية تماماً، ولا جبرية تماماً، إنما هي
تجمع بين الاختيار والجبر في آن واحد، لأنها تتوقف على عاملين هما: إرادتنا، والأسباب أو العوامل الخارجية، وهذه العوامل تتبع نظاماً عاماً مطرداً لا يختلف، وهذا النظام العام هو ما نسميه في عصرنا الراهن بـ (الحتمية الطبيعية)، غير أن هذه الحتمية ليست حتمية مطلقة صارمة في نظرنا، بل هي تفسح في صدرها جانباً للإرادة الإنسانية، وذلك لأن هناك نوعاً من التضامن بين الأسباب الخارجية والأسباب الداخلية (1).
وهذا الحل لهذه المسألة يعد من أسلم الحلول، إذ هو يتفق مع العقل والدين، أما العقل فلأنه يقرر ما يؤكده العلم الحديث من وجود قوانين ثابتة مطردة، وأما الدين فلأنه يحل لنا مشكلة الثواب والعقاب والتكليف بما يطاق 2
(2)
هذا هو مقام الحرية الإنسانية في المنهج الإسلامي، لكنها كما أشرنا «حرية الخليفة المحكوم - في الفعالية والنطاق - بالقدرة والاستطاعة التي ركبها الخالق الأعظم في هذا الإنسان، وبنطاق وحدود وآفاق عهد الإنابة والتوكيل والاستخلاف، فهو لن يستطيع تجاوز نطاق فعل القدرات المخلوقة له، كما لا تستطيع ذلك الأسباب المخلوقة في الطبيعة، ولا ينبغي لحريته أن تتجاوز بفعله نطاق عهد الاستخلاف.
فالآيات التي تسند الفعل إلى الإنسان تتحدث عن الواقع المشاهد الملموس في هذا العالم، وهو أن الفعل مسند إلى الإنسان باعتبار قيامه به، واعتبار نيته وعزمه وتصميمه على فعله، والآيات التي تبين أن الله تعالى هو المتصرف الوحيد في هذا الكون، وأنه أراد كل شيء فيه، ولا يشاء أحد شيئاً إلا أن يشاء الله، فهي تقرر الحق المطلق الأعلى لله تعالى في الإيجاد والفعل، والتصريف والتدبير، وفي القدرة على
(1) ابن رشد وفلسفته الدينية، د. محمود، قاسم، ص 176، طبعة الإنجلو، 1969. (2) مناهج الأدلة لابن رشد، تحقيق د. محمود قاسم، ص 229، طبعة الإنجلو، 1969. (1/178)
صفحة 172
أفعال العباد بين الجبر والاختيار
179
التغيير والتبديل، وفي القدرة على تعطيل خصائص الأشياء، وهذا حق، لأنه من شأن الألوهية وحقوقها، وهي لا تتعارض مع الآيات التي تسند الفعل إلى الإنسان لأن الإنسان قدرته محدودة، وهي ممنوحة له من الله تعالى، فيستطيع الله تعالى أن يسلبها منه، أو أن يوقف عملها متى أراد، والله قدرته مطلقة، ولا تحد بحدود، فلا شك أن كل شيء في ميدان قدرته المطلقة ما دام من آثار فعله.
والعقيدة السليمة في هذه المسألة، هى أن يفوض الإنسان منا الأمر فيها إلى الله تعالى وحده، ويعتقد أنه الواحد المنفرد بالخلق القادر على كل شيء، وسر هذه المسألة يعلمه الله تعالى، ويدع هذه البحوث العقيمة التي أثارها الفلاسفة
والمتكلمون.
فالواجب علينا إذن التسليم والانقياد في المسائل التي لا يمكن أن تصل إليها عقولنا إلى ما جاء به الشرع، فللعقل الإنساني نقطة يقف عندها، فإذا تجاوزها كان كاذباً فيما يقول، ومسألة القدر هذه من المسائل التي يفضل فيها التفويض وعدم
الخوض، إذ لا حاجة للبحث فيها خارج الشريعة، لأن البحث فيها لا يأتي بثمرة. (1/179)
صفحة 173
الفصل الخامين النبوة
تمهيد
إن مبحث النبوة في الجانب العقدي يعد من المباحث الهامة، لأنه عن طريق النبوة يكون الدين الحق الذي يوحيه الله تبارك وتعالى إلى رسله، ليبلغوه إلى أقوامهم، حتى لا يقصروا في عبادة ربهم، بحجة أنه ما جاءهم من بشير ولا نذير، ولئلا يتنكبوا الطريق فينكروا وجود الله تعالى واليوم الآخر، وما يشتمل عليه من أمور غيبية، كالحساب والجنة والنار ... إلخ، بسبب وسوسة الشياطين، وإلقائهم الشبه في عقول الناس، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ
ومُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ تَهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213].
إن الرسل الكرام - عليهم السلام - هم الذين تلقوا من خالقهم عن طريق الوحي ما يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، وقد بلغ الرسل ما كلفوا بتبليغه إلى الناس بكل صدق وأمانة ونشاط وإخلاص، وعلموهم ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وبشروهم بحسن العاقبة، إذا أحسنوا، وبسوء المصير إن أساؤوا، وكان الرسل في كل أمة هم المرجع لغيرهم عند الحيرة، وهم الهداة لهم إلى الطريق القويم في أمور الدنيا والآخرة، لذا كانت حاجة الناس إليهم ضرورية دون أن يختلف في ذلك عاقلان. (1/181)
صفحة 174
182
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
فبعثة الأنبياء، كما يقول الشيخ محمد عبده من متممات كون الإنسان، ومن أهم حاجاته في بقائه، ومنزلتها من النوع كمنزلة العقل من الشخص، نعمة أتمها الله لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (1).
ومن هنا كان للنبوة دورها، إذ هي طريق موصل إلى الله تعالى أوضحه الله للناس، وأمر رسله بإبلاغهم بمضمون ذلك الطريق، وكيفية سلوكه، والعقل البشري هو الذي يصدق النبوة، ويسلم بما جاءت به من موضوعات الإيمان، سواء كانت تكاليف شرعية، أو أموراً سمعية تختص بعالم الغيب.
وإذا كانت حاجة البشر إلى النبوة والرسالة ماسة وضرورية، فما هو مفهوم النبوة والرسالة في اللغة والاصطلاح؟
النبوة في اللغة:
جاء لفظ (النبي) في اللغة، على وجهين مهموز، وغير مهموز. فالمهموز مأخوذ من (النبأ): بمعنى الخبر، والمناسبة أنه يخبر عن الله تعالى، فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل، والأصل فيه الهمز. وقيل: مأخوذ من (نبأ) من مكان كذا إلى مكان كذا، إذا خرج منه، والمناسبة أنه ما جاء نبي بشريعة إلا عاداه قومه وأخرجوه، وهو على هذا أيضاً فعيل بمعنى فاعل، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، أي منبأ بالغيوب. وعلى هذا فالنبي من اختاره الله تبارك وتعالى، ليبلغ خبره إلى عباده، بعد تلقيه عن طريق الوحي.
وغير المهموز: مأخوذ من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض، يقال: نبا الشيء إذا ارتفع، فالنبي على هذا هو الرفيع المنزلة عند الله تعالى، أو هو مرتفع عن طور
(1) الأعمال الكاملة، للإمام الشيخ محمد عبده، تحقيق: د. محمد عمارة، (3/ 427)، طبعة دار الشروق. قارن: رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، ص 99، دار المعارف. (1/182)
صفحة 175
النبوة
183
البشرية باختصاص الوحي، وخطاب الله تعالى، وهو على هذا فعيل بمعنى. مفعول (1). وقيل من النبي، وهو الطريق، لأنه وسيلة إلى الله تعالى (2).
النبوة في الاصطلاح:
هي اختصاص العبد بسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي تكليفي، سواء أمر بتبليغه أم لا والرسالة هي اختصاص العبد بسماع وحي من الله تعالى بحكم
(3)
شرعي تكليفي، لكن بشرط أن يؤمر بالتبليغ. وقيل إن الرسالة: هي سفارة بين الله تعالى وبين ذوي الألباب من خليقته، ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم من مصالح الدنيا والآخرة (4).
من خلال تعريف النبوة والرسالة، فإن الفرق بينهما واضح، وهو أن الرسول أمر بتبليغ ما أُوحي إليه، والنبي لم يؤمر بذلك، وعلى هذا الأساس فإن النبي أعم من الرسول، والرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. وهذا التمييز بين النبي والرسول قالت به الأباضية وغيرها من الفرق حيث يقول شيخ الأباضية المتأخرين: وعليه أصحابنا والأكثرون» (5).
(1) لسان العرب لابن منظور، (1 (163)، مادة نبأ، طبعة دار صادر بيروت قارن القاموس المحيط، (4/ 395). المعجم الوسيط، (2/ 931 - 932). مختار الصحاح للرازي، مادة (نبا)، ص 662، طبعة القاهرة.
(2) المواقف لعضد الدين الأيجي، ص 327، طبعة المتنبي، القاهرة. (3) تحفة المريد على جوهرة التوحيد، للشيخ إبراهيم البيجوري، ص 152، طبعة المطبعة العربية
الحديثة، 1977.
(4) شرح العقائد النسفية، لسعد الدين التفازاني، تحقيق: د. السقا، ص 85، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية، 1407 هـ. قارن أصول الدين للبغدادي، ص 154، طبعة دار الآفاق، بيروت، 1980. (5) معالم الدين (2/ 50). (1/183)
صفحة 176
184
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
الرسالة: هبة أم مكتسبة:
النبوة منزلة جليلة سامية، ودرجة رفيعة عالية، لا ينالها إلا من هو أهل لها ممن صفت نفوسهم واختصهم ربهم بإسناد هذا الشرف الرفيع إليهم، لذا فقد ذهب أهل الحق إلى القول بأن النبوة لا تنال بالاكتساب أو بمباشرة الأسباب، وإنما هي منحة وهبة من الله تعالى، يختص بها من يشاء، ويمنحها من يريد، قال تعالى: {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105]. ويقول: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَكَةِ رُسُلًا وَمِن النَّاسِ) [الحج: 52] وإلى هذا المعنى أشار
صاحب الجوهرة فقال:
ولم تكن نبوة مكتسبة ولو رقى في الخير أعلى عقبة
بل ذاك فضل الله يؤتيه لمن يشاء جل الله واهب المنن
(1)
وبناءً على هذا فالنبوة منحة من الله عز وجل، وخصوصية منه سبحانه، ومرتبة هكذا شأنها، لا يمكن للإنسان أياً كان أن يكسبها مهما بلغ من عبادة ربه، و مجاهدة نفسه، وفي هذا يقول الآمدي: ليست النبوة معنى يعود إلى ذات من ذاتيات النبي، ولا إلى عرض من أعراضه استحقه بكسبه وعمله ... إنما هي موهبة من الله تعالى ونعمة منه على عبده، وهو قوله لمن اصطفاه واجتباه: إنك رسولي ونبي (2)
وذهب الفلاسفة إلى القول بأن النبوة إنما تنال بالكسب والانقطاع إلى الله تعالى بالخلوة والعبادة، حتى تصفو النفس وتتجرد من علائق المادة، بحيث يكون لهذه النفس اطلاع على الغيبيات، وقدرة على الإتيان بخوارق العادات، ورؤية الملائكة
(1) تحفة المريد على جوهرة التوحيد، ص 152 - 153. (2) غاية المرام في علم الكلام للآمدي، تحقيق: أ. حسن عبد المطلب، ص 7 للشؤون الإسلامية.
317,
ة المجلس الأعلى (1/184)
صفحة 177
النبوة
185
بصورة مجسمة محسوسة لتسمع منهم كلامهم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة في شخص نال الرسالة (1).
هذه خلاصة لما يدور حوله مذهب الفلاسفة في النبوة، وهو بلا شك مذهب باطل، ومردود عليهم، ويكفي في بطلانه ورده أنه مخالف لما تقره العقول وتصرح به
النقول.
وقد وافق الأباضية أهل الحق في رأيهم القائل بأن النبوة هية من الله تعالى، واستنكروا رأي الفلاسفة القائل بأنها تنال بالكسب، فالنبوة عندهم: «اصطفاء الله الله بواسطة ملك (2) تعالى عبداً من عبيده، واختصاصه بسماع وحي من
ويرفض الأباضية نظرية النبوة الفلسفية وما يزعمه أصحابها من أن الصورة - صورة الملك – التي تخاطب النبي، لا وجود لها في الخارج، وإنما هي من أفعال الخيال، وأن الذي يراه في النوم الواحد منا من أشخاص تحدثه وتخاطبه، لا وجود لها في الخارج، وإنما هو شيء متخيل، فيحدث للنبي في اليقظة ما يحدث للواحد منا في النوم، ويصف الأباضية هذا الذي ذهب إليه الفلاسفة بأنه كفر وتكذيب (3). فالقول باكتساب النبوة يؤدي إلى أمور كثيرة تُخرج من يعتقدها عن دائرة الإيمان، وذلك لأن القول بأن النبوة تنال بالاكتساب، يترتب عليه القول بعدم انقطاعها إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي بالطبع أن النبوة لم تختم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تكذيب للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّ) [الأحزاب: 40]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نبي
(1) محاضرات في مادة التوحيد للشيخ صالح موسى شرف، ص 6، طبعة القاهرة. قارن: تحفة المريد،
ص 152.
(2) معالم الدين (2/ 49). (3) المصدر السابق، (50/ 2). (1/185)
صفحة 178
186
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
بعدي»، وقوله: «وختم بي النبيون» (). والقول باكتساب النبوة كما يقول الشيخ البيجوري: «أقوى المسائل التي كفرت بها الفلاسفة، ويلزم على قولهم باكتسابها
تجويز نبي بعد سيدنا محمد أو معه، وذلك مستلزم لتكذيب القرآن والسنة» (2).
وإذ بطل ما ذهب إليه الفلاسفة، وهو القول باكتساب النبوة، لما يترتب عليه من القول بأمور تعارض النصوص، ولا تؤيدها العقول، فلم يكن أمامنا إلا أن نقرر من غير أن نتردد أن ما ذهب إليه أهل السنّة والأباضية، وهو القول بأن النبوة منحة من الله تعالى، هو المذهب الصحيح الذي يصدقه النقل ويقره العقل.
حكم الرسالة:
لقد احتدم النقاش واشتد النزاع بين الفرق في حكم إرسال الرسل، فمن قائل بالجواز، ومن قائل بالوجوب، ومن قائل بالاستحالة.
فقد ذهب الأشاعرة إلى أن بعث الأنبياء والرسل جائز على الله عقلاً، وواقع
(3)
فعلاً، وليس واجباً أو ممتنعاً، لأن إرسالهم لطف من الله ورحمة بعباده. وذهب الماتريدية والمعتزلة والفلاسفة إلى أن إرسال الرسل واجب على الله تعالى، لأنه من مقتضيات حكمة الباري تعالى، فيستحيل أن لا يوجد لاستحالة السفه عليه، كما أن ما علم الله وقوعه يجب أن يقع لاستحالة الجهل عليه (4).
والماتريدية والمعتزلة والفلاسفة وإن اشتركوا جمعياً في القول بالوجوب، إلا أن كلاً منهم يخالف الآخر في فلسفة هذا الوجوب، إذ الفلاسفة يقولون بالوجوب
(1) الحديث أخرجه مسلم (1/ 393)، (5/ 155)، طبعة الشعب.
(2) تحفة المريد، ص 52.
(3) شرح المقاصد للتفتازاني تحقيق د. عميرة، (85) طبعة عالم الكتب، 1989. (4) السمعيات من شرح المقاصد، سليمان خميس، ص 7،7، طبعة القاهرة، 1966. أيضاً النبوات والسمعيات من مباحث علم الكلام د. محيي الدين الصافي، ص 7 - 8، طبعة دار الطباعة المحمدية. أيضاً: شرح الأصول الخمسة، ص 564. (1/186)
صفحة 179
النبوة
187
القائم على التعليل، بمعنى أن الله موجود فيلزم من وجوده وجود العالم بالتعليل ويلزم من وجود العالم وجود من يحفظ نظامه، ويصلح حاله وهم الرسل. أما المعتزلة فيقولون بالوجوب القائم على الصلاح والأصلح، والتحسن والتقبيح العقليين، بمعنى أن صلاح حال النوع الإنساني في العاجلة والآجلة لا يكون إلا بإرسال الرسل، فإرسالهم واجب على الله تعالى. وقد وافق الأباضية هنا الأشاعرة القائلين بجواز إرسال الرسل، وفي هذا يقول شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني): ذهب أصحابنا والأكثرون إلى أن الرسالة ممكنة، تفضل بها مولانا عز وجل على من اصطفاه من خلقه، وأوجبتها المعتزلة عقلاً على أصلهم في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح، وأنها تأكيد للعقل، ومنعتها البراهمة عقلاً، ولا يخفى فساد المذهبين (1)
وفيما نرى أن مذهب الأشاعرة والأباضية هو المذهب المختار، لأن العقل والنقل يدلان على أن الله تعالى فاعل مختار كل ما في الوجود ملكه له أن يتصرف فيه وفق إرادته وعلمه المحيط، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص:68]. وقال: {فَقَالَ لِمَا يُرِيدُ) [البروج: 16].
حاجة البشر إلى الرسالة:
لا يستطيع الإنسان بعقله القاصر دون هداية السماء أن يصل إلى كثير من الحقائق، لذا كانت البشرية في حاجة ماسة إلى رسل الله تعالى، ليرشدوا العقول إلى معرفة الله تعالى، وما يجب أن يكون له من صفات الكمال، وليعملوا جاهدين على جمع كلمة الخلق حول إله واحد لا يعبد الخلق سواه.
وقد ذهب شيخ الأباضية المتأخرين إلى أن بعثة الرسل تستهدف قطع أعذار الجاحدين، ويرشد الله بهم العقول إلى الحق بغير تعب ذهني ونظر عقلي، بل بمجرد
(1) معالم الدين، (51/ 2). (1/187)
صفحة 180
188
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
التصديق، كما أن بعثة الرسل يفطن بها إلى دقائق المسائل التي لا تهتدي العقول إليها لولا الرسل، وعند الأباضية أن الرسل هم المصدر الوحيد لمعرفة أمور لا يمكن معرفتها بغيرهم، مثل أمور الغيب، كما أن مهام الرسل إبلاغهم عن الله تعالى خطابه من الأمر والنهي والإباحة، وما يتعلق بها من أمور ومن أهداف الأنبياء أيضاً تصحيح ما في طبيعة النفوس من ميل إلى التدين،
(1)
فالدين مركوز في النفوس، ولكن الإنسان قد ينحرف في اختيار الوسيلة. وإذا كان إصلاح الناس وهدايتهم هو الأساس في بعث الأنبياء، فقد أثبت ا التاريخ مدى إصلاح الرسل للبشر وهدايتهم، والأخذ بأيديهم في أصعب الظروف، إذ النبي يبعث في نفوس الناس المودة والتآلف والوحدة، وهي من أهم أهداف الأنبياء التي سعوا إلى تحقيقها.
المعجزة:
المعجزات مختصة بالأنبياء والرسل وحدهم، وهي أمر إلهي وتعليم رباني يتصل بهم من الملائكة وحياً وإلهاماً، وليس هو تعليماً أرضياً، لذا تفضل الله تعالى بتأييد الرسل بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم مبعثون من قبله تعالى، وأنهم صادقون في دعواهم النبوة.
والمعجزة في اللغة: مأخوذة من لفظ العجز المقابل للقدرة (2). وقيل: مأخوذة من الإعجاز، مصدر أعجز وحقيقة الإعجاز: إثبات العجز في الغير، ثم استعمل في لازمه وهو إظهاره، فالمعجزة معناها الأصلي مظهرة العجز، ثم نقلت للأمر الخارق، الذي هو السبب في إظهار العجز والتاء في معجزة للنقل من الاسمية
6
(1) معالم الدين (52/ 2).
(2) شرح المقاصد، السمعيات، (11/ 5). (1/188)
صفحة 181
النبوة
189
للوصفية (1). والمعجز في الحقيقة هو فاعل العجز في غيره، وهو الله تعالى، فهو الذي
ينفرد بالقدرة عليه، ولا يصح دخوله تحت قدرة الخلق.
والمعجزة في الاصطلاح: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، يظهره الله تعالى على يد مدعي النبوة، تصديقاً له في دعواه مع عجز جميع المخلوقين عن معارضته، والإتيان بمثله (2).
والمعجزة من الأمور الممكنة عقلاً، الواقعة فعلاً كحكم إرسال الرسل، وليست من المستحيلات، أما إنها من الأمور الممكنة عقلاً، فلأن العقول السليمة تشهد أن المعجزة فعل من أفعال الله تعالى، خارق لما اعتاده الناس على أيدي رسله تصديقاً لهم، لأن الله تعالى هو الخالق لكل ما في الكون، وهو الذي وضع الناموس الذي تسير عليه الأحداث وتخضع له، فليس من المحال عليه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات، غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضل من عنده، وهم الأنبياء والرسل عليهم السلام.
أما إنها واقعة فعلاً فلقد تواتر النقل على أن الله تعالى قد أيد أنبياءه ورسله بمعجزات أجراها على أيديهم تصديقاً لهم، ومن يطالع القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم
يجد الكثير من ذلك.
أما عن رأي الأباضية في المعجزة، فهم يعترفون بها ويرون أنها خارقة للعادة، إلا أنهم اختلفوا في كون المعجزة دليلاً على صدق الرسل، فبعضهم قد قال: بأن الله لا يرسل نبياً إلا نصب دليلاً عليه، ولا بد من أن يدل عليه واحد، أي لا بد أن يؤيده دليل، بينما جوز البعض الآخر أن يبعث الله نبياً بلا دليل (3).
(1) حاشية الدسوقي على أم البراهين، ص 113، طبعة المطبعة الخيرية القاهرة.
(2) شرح المقاصد، السمعيات (11/ 5).
(3) مقالات الإسلاميين (1/ 186). الملل، (1/ 135). (1/189)
صفحة 182
190
عصمة الأنبياء:
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
(2)
عنه،
العصمة هي: حفظ الله تعالى ظواهر الأنبياء وبواطنهم عن التلبس بمنهي. ولو نهي كراهة (1). فهم محفوظون ظاهراً من الزنى وشرب الخمر والكذب، ومن كل ما يغضب الله تعالى، ويفوت أغراض الرسالة، وباطناً من الكبر والنفاق والحسد. وقد أجمع أهل الملل على أن الأنبياء - عليهم السلام – معصومون من تعمد الكذب فيما دلّ المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله عز وجل. وأما عن جوازه منهم في ذلك سهواً فمنعه الأكثرون، وهو الحق، إذ لو جاز صدوره عنهم - فيما ذكر - ولو سهواً أو نسياناً لارتفعت الثقة عن أخبارهم، وتطرق إليها احتمال الكذب، وهذا يفوت الغرض المقصود من بعثتهم وقد تعرض شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني) للحديث عن عصمة الأنبياء والرسل، وبيان رأي أصحابه في المذهب، ورأي الفرق الأخرى، فقال: وقد اختلفت الفرق في عصمة الأنبياء: هل هي جائزة قبل النبوة؟ فذهب أكثر الأشاعرة، وكثير من المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عقلاً على الأنبياء قبل البعثة صدور المعصية منهم. وذهب أصحابنا - يعني الأباضية - إلى عصمتهم من الكبائر على كل حال دون الصغائر، وكذلك ذهب الرافضة وأكثر المعتزلة إلى امتناع وقوع الكبائر منهم قبل البعثة عقلاً، ومعتمد الفريقين التقبيح العقلي، لأن صدور المعصية منهم مما يحقرهم في النفوس وينفر الطباع عن اتباعهم، وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة من بعثة الرسل، فيكون قبيحاً عقلا (3).
ويستطرد الشيخ الأباضي قائلاً: أما عن وقوع المعاصي بعد البعثة فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام، لأن المعجزة دلت على صدقهم فيما يبلغونه
(1) تحفة المريد ص 160 كتابنا: دراسات في علم التوحيد النبوات والسمعيات، ص 58، طبعة
الصفاء والمروة، 1997.
(2) كتابنا: دراسات في علم التوحيد النبوات والسمعيات، ص 58 - 59.
(3) معالم الدين، (61/ 2). (1/190)
صفحة 183
النبوة
191
عن الله سبحانه، فلو جاز تعمد الكذب عليهم لبطلت دلالة المعجزة على الصدق. وأما جواز صدور الكذب منهم في الأحكام غلطاً أو نسياناً، فمنعه الأكثرون لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة، وجوزه بعضهم. والصواب – في نظر الأباضية – هو عدم جواز وقوع المكروه من الرسل، فالحق أن أفعالهم دائرة بين الوجوب والندب والإباحة، وليس وقوع المباح منهم بحسب مقتضى الشهوة كوقوعه من غيرهم، فإنهم لا يصدر منهم المباح إلا على وجه الطاعة والقربة، ونحو ذلك مما يليق بمقاماتهم الرفيعة، وإذا كان أهل المراقبة من أولياء الله تعالى بلغوا في الخوف منه تعالى ورسوخ المعرفة، ما منعهم من أن تصدر منهم حركة أو سكون في غير رضاه تعالى، فكيف بأنبيائه ورسله (1).
هذه هي
فلسفة النبوة كما جاءت في المذهب الأباضي، جاءت في أغلبها متمشية مع المعتقد الإسلامي، فقد رأوا أنها أعلى درجة وأرفع رتبة ينتهي إليها حال البشر، وهي منحة وفضل من الله يختص به من يشاء من عباده، ولا تأتي عن طريق الاكتساب كما قال الفلاسفة.
وعلى كل فقد آمن الأباضية بالأنبياء والرسل على ضوء ما في كتاب الله تعالى. أما بالنسبة للكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله «فهم يرون أن الكتب التي أنزله الله تعالى على أنبيائه ورسله قد بلغ عددها مائة وأربعة كتب، خمسون منها على شيث بن آدم)، وثلاثون على (إدريس)، وعشرة على (إبراهيم)، وعشرة على (موسى) قبل التوراة، وهي صحف موسى، ثم التوراة على (موسى) أيضاً، والإنجيل على (عيسى)، والزبور على (داود)، والقرآن على (محمد)، وكلها نزلت مكتوبة في الألواح إلا القرآن (2).
(1) معالم الدين، (2/ 62).
(2) قواعد الإسلام للجيطالي، (1/ 38). معالم الدين، (2/ 133). (1/191)
صفحة 184
الفصل السادين السمعيات
السمعيات هي الأمور التي لا تؤخذ إلا بالسماع من الصادق المصدوق رسول الله، ولا يستقل العقل بإدراكها، وطريق ثبوتها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أو بمعنى آخر هي كل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة وأدركه العقل السليم، سواء كان ذلك عن طريق القرآن الكريم، أو السنة النبوية إذ إن كلاً من الخبر الصادق والعقل السليم يدلنا على اليوم الآخر، وما فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب، وصراط وميزان وحوض، وجنة ونار، وملائكة وشفاعة ... إلى آخر هذه الأمور السمعية.
والعقل السليم يجب عليه أن يؤمن ويصدق بالسمعيات، لأن اعتمادها الأساسي على الأخبار الصحيحة الصادقة المستمدة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وهذه الأخبار الصحيحة الصادقة ليس فيها ما يتعارض مع الفكر القويم والاعتقاد السليم.
والإيمان بالسمعيات دليل على قوة الإيمان وسلامة الفطرة، وقد مدح الله تعالى الذين يؤمنون بالغيب في كتابه العزيز فقال: {ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى
للسقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْهُم يُنفِقُونَ} [البقرة: 2 - 3]. (1/193)
صفحة 185
194
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومعنى الإيمان بالغيب: التصديق بما غاب عن حواسنا وجاء الخبر به عن طريق الكتاب أو السنة، كاليوم الآخر وما فيه من مواقف ومشاهد، وأمور غيبية يعلمها خالقها وبارئها جل في علاه.
وبعد هذا التمهيد الذي رأينا من الضروري البدء به، ننتقل – بعون الله تعالى - إلى استعراض رأى الأباضية في بعض السمعيات - وليست كلها - لنتعرف على معتقدهم فيها، ومدى قربه أو بعده من المعتقد الإسلامي الصحيح الذي دان به رسول الله صلى الله عليه وسلم و صحبه الكرام وسلفنا الصالح من بعدهم.
لم تخالف الأباضية فيما ذهبت إليه في قضايا السمعيات ما ذهب إليه أهل السنة، بل تقترب في كثير من القضايا من مذهبهم وعقيدتهم، ففي قضية الموت: يؤمنون بأن الموت حق، وأن كل مخلوق يموت بأجله، وأن الله يتوفى الأنفس حين موتها، وأنه تعالى هو الذي يحيي ويميت» (1).
الحياة البرزخية:
كما أنهم يؤمنون بالحياة البرزخية، ويرون أنها أول منازل الآخرة، وفي حياة البرزخ تغيير للعادات المألوفة في الدنيا وخرقها، فيصح أن يكون الميت حال مشاهدتنا له، والقبر حال نظرنا إليه على غير الحالة التي نشاهدها، ولم نشعر بشيء مما هنالك، والأمر بيد الله تعالى، يظهر ما يشاء، ويحجب ما يشاء، ومن تأمل في عجائب ملكه وملكوته، وغرائب قدرته وجبروته، لم يستبعد أمثال ذلك (2). فالأباضية تؤمن بعذاب القبر ونعيمه، بخلاف الخوارج وبعض المعتزلة (3)
يقول السالمي: «إن عذاب القبر مما تواترت به الأحاديث» (4).
(1) قناطر الخيرات، (1/ 315).
(2) معالم الدين (2/ 173). (3) مقالات الإسلاميين، (2/ 116).
(4) بهجة أنوار العقول، (1/ 114). (1/194)
صفحة 186
السمعيات
195
والطريق إلى إثبات الحياة البرزخية عند الأباضية هو الأدلة السمعية، ويقول (الثميني): إن عذاب القبر للكافرين والتنعيم فيه للمؤمنين، وسؤال الملكين، وهما منكر ونكير ثابت بالدلائل السمعية، لأنها أمور مكنة، أخبر بها الصادق على ما نطقت به النصوص، قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا عُدُوا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُواءَ الَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 46]. فالله تعالى توعد آل فرعون بنوعين من العذاب الأول: عرضهم على النار غدواً وعشياً، والثاني: إدخالهم يوم القيامة أشد العذاب، وقد عطف الله تعالى العذاب الثاني على الأول، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا كان الثاني في يوم القيامة بعد قيام الساعة، فلا بد أن يكون الأول حاصلاً بهم بعد موتهم إلى البعث، وهو عذاب القبر، وإذا ثبت في حق هؤلاء ثبت في حق غيرهم، لأنه لا قائل بالفرق).
(1)
والآيات التي يستدل بها الأباضية قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [إبراهيم: 27]. فقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في عذاب القبر، حين يُسأل الميت من ربك؟ وما دينك؟ فعن البراء بن عازب له أنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) [إبراهيم: 27] نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد، فذلك قوله تعالى: {يُنَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (2).
ومن الآيات قوله تعالى: (أغرقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا) [نوح: 25]، فبين أن المقصود في هذه الآية عذاب القبر لقوم نوح. وقد وردت أحاديث صحيحة بجانب هذه الآيات وغيرها تثبت عذاب القبر ونعيمه، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «القبر روضة من رياض
(1) معالم الدين (2/ 173) السمعيات من شرح المقاصد، تحقيق: سلميان خميس، ص 110. (2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، (3/ 439). (1/195)
صفحة 187
196
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
الجنة، أو حفرة من حفر النار». وقوله فيما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما – أن النبي و مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) (1).
وغير هذه الروايات الكثير مما يثبت عذاب القبر ونعيمه، وأنه حق لا ريب فيه، وهذه الآيات والأحاديث التي استدل بها علماء الأباضية، هي نفسها التي
استدل بها أهل السنّة، مما يدل على قرب المذهبين في هذا الشأن.
البعث والمعاد
يعتقد الأباضية بالبعث بعد الموت، وأن البعث ابتداء ثان، وهو أمر ممكن، فتحشر أجساد المكلفين مع أرواحها (2). يؤيد هذا ما ذهب إليه شيخ الأباضية المتأخرين حيث يقول: «إن إعادة المعدوم جائزة عندنا، لتوقف المعاد الجسماني عليه، وكذلك الإعادة جائزة عند الأشاعرة. وعند المعتزلة أن الموجود إذا أعدم بقيت ذاته المخصوصة، وأمكن لذلك أن يعاد، وعندنا وعند الأشاعرة ينقضي بالكلية مع إمكان الإعادة، أي أن المعتزلة - وإن كانوا معترفين بالمعاد الجسماني – ينكرون إعادة المعدوم، ويقولون: إعادة الأجسام هي جمع أجزائها المتفرقة)) (3).
ويتساءل شيخ الأباضية قائلاً: هل يعدم الله الأجزاء البدنية ثم يعيدها، أم يفرقها ثم يعيد فيها التأليف؟ فيبين أن في الإجابة عن هذا السؤال خلافاً، حتى قال بعض المحققين والحق أنه لم يثب الجزم بذلك نفياً أو إثباتاً لعدم الدليل على شيء
من الطرفين (4).
(1)
صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الطهار (1/ 588). معالم الدين، (2/ 173 - 174).
بول ووجوب الاستبراء منه
(2) بهجة أنوار العقول، (1/ 110).
(3) معالم الدين، (2/ 174).
(4) المصدر السابق .. (1/196)
صفحة 188
السمعيات
197
ويشير (الأباضية) إلى الأدلة السمعية القاطعة على حشر الأجساد، تلك الحقيقة التي أجمع عليها المتكلمون على اختلاف فرقهم، وأنكرها أكثر الفلاسفة والذين حاولوا تأويل الأدلة النقلية بما يفيد بأن المعاد إنما هو للأرواح وحسب، فقد كابروا بإنكار ما هو من ضرورات هذا الدين فكل ما أخبر به الصادق فهو حق، مثل قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، وقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]، وقوله: {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مرور [الإسراء: 51]، ومثله في القرآن كثير كما يقول القلهاتي في كتابه الكشف والبيان (1)
والذي يجب اعتقاده هو أن الله تعالى يحيي الأبدان بعد موتها يوم القيامة ويعيدها، وما عدا ذلك - من أن الإعادة تكون بعد العدم، أو بعد التفريق، ومن أن الأعراض والأزمان نعاد أو لا تعاد - فليس من العقيدة، ويجب تفويضه إلى علم الله تعالى، إذا لم يرد فيه دليل قاطع، مع اختلاف العلماء فيه، وإن كان الثميني رأى أن الإعادة سواء كانت عن عدم أو تفريق فهي أمر ممكن، وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حق، ومن ثم فالإعادة حق
الحساب
(2)
الحساب هو: توقيف الله تعالى العباد على أعمالهم قبل انصرافهم من المحشر، وسؤالهم عنها بكيفية يعلمها هو تعالى وقد ورد به الكتاب والسنة، فيجب الإيمان به، ومنكره كافر، لإنكاره معلوماً من الدين بالضرورة والحساب يكون بعد أخذ
(1) الكشف والبيان، (31/ 1، 281).
(2) معالم الدين، (181/ 2). (1/197)
صفحة 189
198
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
العباد صحف أعمالهم، وإذ ذاك تشهد على العبد جوارحه، ويشهد بعض العباد على
بعض
(1)
والحساب ثابت بالكتاب والسنة، ففي الكتاب قوله: {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [إبراهيم: 51]. وقوله: (فوريكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[الحجر: 92 - 93]، وفي السنة قوله: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا». ويعتقد الأباضية بأن الحساب حق لا ريب فيه لكل مكلف، ودليلهم قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ} [الأنعام:62]، إلا أنهم يتوسعون في هذه المسألة، فيقسمون الناس ثلاثة أصناف، صنفان لا يسألان عن الأعمال، وهما الأنبياء والمشركون، وإن خالف البعض في حساب المشركين، والصنف الثالث. المؤمنون يسألون، وحتى مرتكب الكبيرة، فالأصح عندهم أنه يسأل (2). ولعل حكمة الحساب - مع أن الله عالم بالأعمال – إظهار فضائل المتقين، وفضائح الفجار على رؤوس الأشهاد تتمياً للمسرة، وزيادة في الحسرة.
الميزان والوزن
هم
الميزان والوزن يوم القيامة ورد بهما الكتاب والسنة، فيجب الإيمان بها، قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَيذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأَوْلَتِبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ موزينُهُ فَأُولَيكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِنَايَتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف: 8 - 9]، وفي السنة قوله: .... أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله، أم وراء ظهره، وعند الصراط، إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز (3).
(1) تحفة المريد، ص 207. (2) بهجة أنوار العقول، (1/ (117). قواعد الإسلام، (181) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 126. (3) الحديث جاء في سنن أبي داود، كتاب في ذكر الميزان (591/ 2 - 592)، طبعة الحلبي. (1/198)
صفحة 190
السمعيات
199
ولا ينكر الأباضية (الميزان)، بل يعتقدون أنه حق، نطق به القرآن والسنة، غير أنهم لا يعتقدون أن الميزان الذي يضعه الله لحساب عباده عبارة عن ميزان ذي كفتين ولسان، توزن فيه صحائف الأعمال الحسنة، وصحائف الأعمال السيئة (1). بل يعتقدون أن الميزان يراد منه تمييز الأعمال وتفصيلها، والمجازاة عليها، لأن أعمال العباد فيما يعتقدون أعراض وليست بأجسام (2).
فالميزان عندهم ليس على ما زعمه (الحشوية) والأشاعرة، وإنما المراد عندهم - وعند معظم المعتزلة - من الميزان اعتبار الحسنات وتمييزها من غيرها، والعدل الذي وضعه الله بين خلقه، كما قال: {وَالْوَزْنُ يَوْمَذٍ الْحَقُّ) [الأعراف: 8]، وكذلك قال: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ} [الحديد: 25]، يعني العدل بين عباده، وكل ذلك تمثيل يجب الحمل عليه كما يقال: اجعلوا بيننا ميزاناً يعدل بيننا، يراد به قاضياً عدلاً، ولا ضرورة تدعو إلى الميزان المتعارف، لأنه يحتاج إليه من لا يعرف مقادير الأشياء، وأراد معرفتها، والله تعالى غني على الإطلاق، محيط علمه بكل شيء، فإنه يحكم فيهم وعليهم بسرائرهم وما تخفي صدورهم، وأيضاً فإن أفعال العباد أعراض لا تقبل الخفة والثقل
(3)
والذي يجب اعتقاده، ويكفر العبد بإنكاره، هو أن في الآخرة ميزاناً ووزناً، لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وما عدا ذلك - من أن الميزان حسي، أو ليس بحسي، بل هو والوزن كناية عن تمام العدل، ومن أن الموزون صحف الأعمال أو الأعمال - فليس مما يكفر منكره، بل يجب تفويضه إلى علم الله، وإن كان الظاهر أن الميزان حسي، وأن الموزون صحف الأعمال، أخذاً من ظواهر الأحاديث مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: کلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان،
(1) تحفة المريد على جوهرة التوحيد، ص 216. (2) قواعد الإسلام للجيطالي، (17/ 1). (3) معالم الدين، (2/ 191). (1/199)
صفحة 191
200
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
سبحانه وبحمده سبحان الله العظيم»، وقوله صلى الله عليه وسلم: الطهور شطر الإيمان، والحمد
لله تملأ الميزان» (1).
الصراط:
الصراط: جسر ممدود على ظهر جهنم يرده جميع الخلائق المؤمنون وغيرهم وقد ورد أنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ومن أهل السنة من أبقاه على ظاهره، وقال لا مانع من مرور العباد عليه، وهو بهذه الحالة، لأن قدرة الله صالحة لتمكينهم من ذلك، ومنهم من قال إن وصفه بأنه أدق من الشعرة وأحد من السيف لم يقصد منه ظاهره، بل كناية عن شدة المشقة التي تلحق بعض المارين» (2).
وهو من السمعيات التي ورد بها الكتاب والسنة، فيجب الإيمان به، قال تعالى: (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) [يس: 66]، وقال: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجوز (3).
ويستنكر الأباضية قول الحشوية، ومن تأسى بهم، أن الصراط جسم ممدود على متن جهنم، وأنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ويعتقدوا أن كلام الحشوية مخالف لظاهر القرآن الكريم، فوجب الحمل على ما في كتاب الله تعالى من أن الصراط هو الطريق الواضح والدين المستقيم. وأن ما استند إليه أهل الحشو من أن الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف، لو سلم ثبوته، فهو من صفات الدين، وأن المقصود به الدين، لأن الدين أدق شيء من حيث إنه لا يوافق الهوى ولا الشهوات (4).
(1) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، (1/ 500 - 501). (2) تحفة المريد على جوهرة التوحيد، ص 217.
(3)
صحيح مسلم.
(4) معالم الدين (1892). الكشف والبيان، (171/ 1). مشارق أنوار العقول، ص 282. الأباضية
مذهب وسلوك، سيد عبد الحافظ، ص 335. (1/200)
صفحة 192
السمعيات
201
كما رجح بعض الأباضية اعتقاد أن الصراط جسر ممدود يقف عليه الخلق، استدلالاً بظاهر الآية: {فَامْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات: 23 - 24]، فإنه يرى أن الصراط إذا لم يكن جسراً مدوداً فكيف يقف عليه العباد إذا كان يراد به طريق الإسلام. وما ذهب إليه الأباضية من تأويل آيات وأحاديث الصراط يعتبر اجتهاداً وتأويلاً في غير محله، وهم به قد خالفوا أهل السنة والجماعة، وأعملوا عقولهم في آيات الله، وصرفوا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على غير وجهها، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة (2).
ومهما يكن من أمر، فالذي يجب اعتقاده، ويكفر المرء بإنكاره، هو أن في الآخرة صراطاً، لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وما عدا ذلك – من أن الصراط جسر ممدود على متن جهنم، أو ليس بجسر، بل هو الطريق الواضح - فليس عقيدة يكفر المرء بإنكارها، إلا أن الظاهر من الأحاديث، ومن إجماع الجمهور أن الصراط. محدود على ظهر جهنم، مع تفويض علم حقيقته إلى الله تعالى. جسر
حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
من السمعيات - التي أجمع عليها الجمهور، ووردت به الأحاديث – حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يعطاه يوم القيامة، وهو جسم مخصوص كبير، متسع الجوانب، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك، وطعمه أحلى من العسل، وكيزانه كنجوم السماء، ترده هذه الأمة، من شرب منه لا يظمأ أبداً، فيجب الإيمان به، ومنكره مبتدع (3).
(1) قناطر الخيرات (3191). أيضاً: مشارق أنوار العقول، ص 586.
(2) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 162. (3) شرح عبد السلام على الجوهرة، المسمى إتحاف المريد بجوهرة التوحيد، للشيخ عبدالسلام بن إبراهيم المالكي، ص 3 168، طبعة القاهرة 1960، وأيضاً: تحفة المريد على جوهرة التوحيد،
ص 223. (1/201)
صفحة 193
202
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومن الأحاديث الواردة في الحوض، ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه أكثر من نجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبداً (1).
ولم يرد ما يدل على أن الحوض قبل الصراط أو بعده، وقد ورد أن لكل نبي حوضاً، وكل أمة ترد حوض نبيها، فأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ترد حوضه، فالطائعون يشربون منه، وغيرهم يطردون عنه، إما طرداً مؤبداً، وهم الكفار، أو طرداً مؤقتاً، ثم يشربون بعد، وهم عصاة المؤمنين وقد أجمعت (الأباضية على إثبات الحوض، ووجوب الإيمان به (3). إلا أنهم اختلفوا كما اختلف غيرهم من العلماء في أنه قبل الحساب أو بعده، وفي أنه واحد أو
حوضان (4)
(2)
والذي يجب اعتقاده، هو أن في الآخرة حوضاً يعطاه أفضل المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك فليس عقيدة، يكفر المرء بإنكارها، ومن أنكر الحوض لا يخرج من الإيمان، وإنما يفسق، وقد نفته المعتزلة (5).
الملائكة:
من السمعيات الملائكة، وهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال حسنة فقط لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناكحون ولا يتوالدون، ولا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة ولا
(1) الحديث رواه الشيخان.
(2) تحفة المريد، ص 225. إتحاف المريد، ص 169.
(3) قناطر الخيرات، (1/ 321).
(4) معالم الدين، (2/ 192).
(5) تحفة المريد، ص 223. (1/202)
صفحة 194
السمعيات
203
بخنوثة من وصفهم بذكورة فسق ومن وصفهم بأنوثة كفر، لمعارضة قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلَكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إننا .... الآية [الزخرف: 19]، وأولى بالكفر من وصفهم بخنوثة لمزيد التنقيص.
وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع وجود الملائكة، فيجب الإيمان بهم، ومنكر وجودهم كافر، لإنكاره معلوماً من الدين الضرورة، قال تعالى: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتيكيه، وكنيه} [البقرة:285]. وقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» (1).
ويؤمن الأباضيون بالملائكة، وبأنهم مخلوقون، ولهم وظائف، ويؤمنون بأن منهم خزنة غلاظاً شداداً موكلين على النيران، وبأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (2)، وليس عليهم من شرائع بني آدم، وعليهم ما كلفوا به من الولاية والبراءة، والتوحيد، والكف عن الذنوب، لأنهم طبعوا طبع من لا يعصي. أما عن أفضليتهم على البشر، ففي هذه المسألة خلاف مشهور، والأصح أنهم أفضل من بني آدم كما يقول شيخ الأباضية المتأخرين الثميني
(3)
والذي يجب اعتقاده والإيمان به إجمالاً: أن الله تعالى ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله، وتفصيلاً بمن ثبت تعيينه بنوعه أو بشخصه، فالذي ثبت تعيينه بشخصه سيدنا جبريل وميكائيل وإسرافيل، وعزرائيل، ورضوان ومالك، ومنكر ونكير، عليهم
(1) الحديث رواه البخاري، كتاب الإيمان، (114/ 1). مسلم كتاب الإيمان، (1/ 157 - 160). راجع كتابنا العقيدة وأثرها في سلوك الإنسان، ص 84 - 85، طبعة المطبعة العربية الحديثة. ودراسات في علم التوحيد، النبوات والسمعيات، ص 113. أيضاً: شرح الخريدة في علم التوحيد للشيخ أحمد الدردير، ص 56 - 57، طبعة بيروت.
(2) قناطر الخيرات، (1/ 321). (3) معالم الدين، (2/ 148). (1/203)
صفحة 195
204
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
السلام. والذي ثبت تعيينه بالنوع حملة العرش والكتبة، وهم الذين يكتبون ما يصدر من الشخص، والحفظة وهم الموكلون بحفظ البشر.
الشفاعة:
الشافعة لغةً: الوسيلة والطلب وعرفاً: سؤال الخير من الغير للغير، وشفاعة
المولى عبارة عن عفوه، فإنه تعالى يشفع فيمن قال لا إله إلا الله، وأثبت الرسالة للرسول الذي أرسل إليه).
ويؤمن الأباضيون بالشفاعة للأنبياء، ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جهة الخصوص، ويرون أن من أنكرها فقد كذب بالقرآن ويرون أن الشفاعة تكون في الحشر قبل دخول أهل الجنة، الجنة، وأهل النار النار (2)
(3)
ويخالف الأباضية أهل السنة والجماعة في اعتقادهم - أي أهل السنة - أن شفاعة الرسول لأهل الكبائر). ويعلن (الثميني) أن شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حق ثابت للمسلمين عندنا – بل عند سائر الخوارج - وعند المعتزلة، دون سواهم من أهل الكبائر (4). مستدلاً بآيات من القرآن مثل قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18]، ومن السنة ما اعتمدوه مما أورده الإمام الربيع بن حبيب في مسنده عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينال شفاعتي الغالي في الدين، ولا الجافي عنه (5).
واستدلال الأباضية لتأكيد ما ذهبوا إليه في إنكار الشفاعة للمذنبين وأهل الكبائر غير مقبول من وجوه كثيرة منها: أن الآية التي استدلوا بها على عدم وقوع
(1) تحفة المريد، ص 226. (2) مشارق أنوار العقول، ص 287.
(3) الكشف والبيان (362/ 2).
(4) راجع معالم الدين (1922). الأباضية مذهب وسلوك، ص 337.
(5) مسند الإمام الربيع بن حبيب، (22/ 4). (1/204)
صفحة 196
السمعيات
205
الشفاعة لأهل الكبائر وأمثالها لا تقوم دليلاً على ما ذهبوا إليه، فالخطاب موجه في هذه الآية إلى المشركين، وأن الشفاعة لا تفيدهم. كما قال تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ
قَالُوا لَنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) وَلَوْنَكَ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ حَتَّى أَننَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيْفِمِينَ)) [المدثر: 42 - 48]. كما أن الآية تفيد نفي الشفاعة التي كان يثبتها أهل الشرك وأهل البدع الذين يعتقدون
أن للخلق عند الله من الجاه والقدر والمكانة، بحيث يقدرون على أن يشفعوا عنده بغير إذنه، فأنكر الله ذلك عليهم
(1)
وأما أحاديث مسند بن الربيع فإن الباحث إذا لم يردها على ضوء الدراسة المقارنة بإصحاحات أخرى، وذلك لانقطاع السند عند ابن الربيع بالقياس لأسانيد أصحاب الكتب من أهل السنّة، فإنها معارضة بأحاديث أخرى بسند أقوى تثبت الشفاعة لأهل الكبائر، وتجعل ما دون ابن الربيع إذا لم يكن منقطعاً أو مردوداً فهو منسوخ بالأحاديث المعارضة، والتي منها ما رواه البخاري بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (2)، وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
(3)
فهذه الأحاديث وأمثالها كثير في كتب الصحاح المعتمدة عند أهل السنة والجماعة تؤكد قيام الشفاعة بإذن الله لأهل الكبائر من أمة الإسلام، ويعضد هذه الأحاديث ويؤكدها فيما قررته واعتقده أهل السنة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116]. فقد فرق سبحانه بين الكفر
(1)
مجموع الفتاوى لابن تيمية (1/ 149 - 150). قارن الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 164. (2) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، (11/ 416). (3) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب الشفاعة، وسنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة،
(1441/ 2) (1/205)
صفحة 197
206
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وما هو دونه (1). إلا أن الأباضية تنكر الشفاعة لمرتكب الكبيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يقولون: «لا ينالها إلا من مات منهم على الوفاء والتوبة النصوح» (2).
الجنة والنار:
الجنة هي دار الثواب التي أعدها الله تعالى للطائعين والنار هي دار العقاب التي أعدها الله للعاصين. وهما من السمعيات التي أطبقت عليها الشرائع، فيجب الإيمان بوجودهما الآن وفي الآخرة، ومنكر وجودهما الآن وفي الآخرة كافر، لإنكاره معلوماً من الدين بالضرورة، وقد أنكرهما بعض الفلاسفة. ومن أنكر وجودهما الآن وأثبت وجودهما في الآخرة فهو فاسق، لمخالفته ظواهر النصوص، وإجماع الصحابة وجمهور المسلمين
(3)
ويؤمن الأباضية بالجنة والنار، وبأنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، وعن الآيات التي وردت بشأنهما قالوا: يجب إجراء هذه النصوص على الظاهر منها، إذ لا استحالة فيه، وفي هذا يقول أحد علمائهم: إن الجنة مخلوقة وهي في السماء، والنار مخلوقة وهي في الأرض (4).
وبذلك يوافق الأباضية أهل السنة وبعض المعتزلة، الذين ذهبوا إلى القول بأن الجنة والنار موجودتان الآن وفي الآخرة، وأنهما مخلوقان من مخلوقات الله تبارك وتعالى، وقد استدلوا على رأيهم هذا بنصوص من الكتاب والسنة كثيرة تدل على أن الجنة معدة للمتقين، والنار معدة للكافرين، منها قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة من رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133]، وقوله
6
(1) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 166. قارن مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (1/ 150). (2) مختصر تاريخ الأباضية للباروني، ص 66، طبعة مكتبة الاستقامة، تونس.
(3) كتابنا النبوات والسمعيات، ص 147.
(4) قناطر الخيرات، (1/ 321). (1/206)
صفحة 198
السمعيات
207
تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]، وقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن
كَذَبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان: 11].
فقد
عبر سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن الإعداد بصيغة الماضين مما يدل
على وجود الجنة والنار الآن، لأنه لا يعد ولا يهياً إلا ما كان موجوداً، فدلت هذه الآيات على وجودهما الآن. (1/207)
صفحة 199
الفصل السابع الإيمان والإسلام
مبحث الإيمان والإسلام يعد من أهم مبادئ أصول الدين، ومن أكبر قضاياه الاعتقادية، لأنه بمثابة الأصل لغيره من مسائل العقيدة، إذ يجب على كل مسلم أن يؤمن إيماناً جازماً لا يخالجه شك بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشر، حلوه ومره.
وقد ارتبطت بحقيقة الإيمان الشرعي جملة أفكار، دار من حولها الخلاف بين مفكري المسلمين، مثل:
1 - موضع الإيمان وهل هو القلب أو اللسان أو غيرهما؟ قد أوجد حركة فكرية ناضجة دارت حول هذا الموضوع، وكان ذلك بداية وجود اختلافات بين الأفراد، اتسعت حتى أصبحت خلافات مذهبية، وتكونت من هذا كله الفرق الإسلامية المتعددة.
2 - صلة الإيمان بالإسلام وهل بينهما تباين أم ترادف أم ملازمة؟ وقد وجدت نصوص تقرر مغايرة الإيمان للإسلام، مرة، وموافقة متعلقات الإيمان لأمور الإسلام
مرة أخرى، الأمر الذي أثار هذه النقطة منذ بداية تفكير المسلمين في الإيمان.
3 - موضوع زيادة الإيمان ونقصانه وهو موضوع حافل بالمناقشات والمجادلات بين مفكري المسلمين، وقد اختلفوا فيه تبعاً لتعريفهم الإيمان، فمنهم (1/209)
صفحة 200
210
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
من قال بالزيادة فقط، ومنهم من قال بالزيادة والنقص، ومنهم من نفى الفكرة أصلاً، ومنهم من وفق بين الآراء المتعارضة.
4 - موضوع مرتكب الكبيرة. قد أثار منازعات بين الخوارج والمعتزلة، وأهل السنة، والمرجئة، والحسن البصري، فمنهم من قال إن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار، وهم الخوارج، ومنهم من قال في منزلة بين المنزلتين، وهم المعتزلة، ومنهم من قال إنه مؤمن وتحت مشيئة الله تعالى إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، وهؤلاء هم
أهل السنة.
والإيمان في اللغة: التصديق: يقول ابن منظور: الإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنى التصديق، ضده التكذيب، يقال آمن به قوم، وكذب به قوم، وقد جاء في الذكر الحكيم: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ} [يوسف: 17]، أي بمصدق لنا.
(1)
أما الإيمان الشرعي: فإنه تصديق مخصص يترتب عليه الثواب أو العقاب للإنسان في الآخرة. خرة، وبه يعامل في هذه الدنيا معاملة المؤمنين، من الصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ومناكحته ... إلخ ". وقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان بقوله: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره (2)
والإسلام في اللغة: هو التسليم والخضوع والانقياد. وفي الشرع: هو الخضوع والانقياد للأوامر والنواهي، بمعنى قبول ذلك والإذعان له، أي إن الإسلام على هذا المذهب هو التصديق الباطني، وعلى هذا فالنطق دليل عليه والأعمال كمال له.
(1) العقائد النسفية، ص 126.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان، باب تعريف الإيمان والإسلام، (1/ 133). (1/210)
صفحة 201
الإيمان والإسلام
211
وهذا ما ذهب إليه الماتريدية وبعض محققي الأشاعرة، وقد استدلوا على قولهم
هذا بقوله: {أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَام فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22]. أما الأشاعرة ومن تبعهم فيرون أن الإسلام هو الامتثال الظاهري للأوامر والنواهي التي جاء بها النبي مع الإذعان للأوامر والنواهي، سواء عمل الممتثل بمقتضى تلك الأوامر والنواهي أو لم يعمل، لأن العمل بمقتضى الأوامر والنواهي
ليس من حقيقة الإسلام، بل هو كمال للإسلام، فلا يفقد الإسلام بفقده، وهذا الامتثال والانقياد يتحقق بالنطق بالشهادتين
(2)
(1)
ويذهب الأباضيون إلى أن الإيمان والإسلام لفظان مترادفان بمعنى واحد وهو جميع ما أمر الله به. ومع هذا لا ينكرون أن الإيمان والإسلام قد ورد في الشرع على جهة الاختلاف والتداخل معاً، مثل ما جاء في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ امَنا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]. وجه دلالة الآية كما يقول الجيطالي: هو أن الإيمان هنا تصديق بالقلب فقط، أما الإسلام فهو الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح وقد جاء في كتب الأباضية أن الإيمان والإسلام معناهما واحد مهملين بذلك الدلالات اللغوية بين كل منهما، إذ في اللغة أن الإيمان هو التصديق، قال تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنِ لَنَا} [يوسف: 17]، أي بمصدق، والإسلام هو الاستسلام والانقياد والخضوع، فالإسلام أعم من الإيمان). ولكن الأباضية يقولون: إن المعنى
(3)
(1) دراسات في العقيدة حول السمعيات د. محمد عبد الصبور هلال، ص 60، طبعة دار الطباعة المحمدية، 1986. أيضاً: شرح عبد السلام على الجوهرة، المسمى إتحاف المريد على جوهرة
التوحيد، ص 38 - 40.
(2) معالم الدين، (2/ 84). (3) قناطر الخيرات، (362/ 1).
(4) أصول الدين للبغدادي، ص 247 - 248. (1/211)
صفحة 202
212
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
الشرعي للإيمان هو الوفاء بالدين مستدلين بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوة فَعِلُونَ} [المؤمنون: 1 - 4]. وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم القائل فيه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن (1).
فالأباضية لا ترى أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام، فالعمل وفعل الواجبات هو الدين، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، فسمى فعل الواجبات ديناً، والدين هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان.
أما أن فعل الواجبات هو الدين، فلقوله تعالى بعد ذكر العبادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) إذ لا يخفى أن لفظة (ذلك) إشارة إلى جميع ما تقدم من الواجبات على معنى ذلك هو الذي أمرتم به دين الملة القيمة. وأما أن الدين هو الإسلام فلقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَم} [آل عمران: 19]، وما ليس بإسلام ليس بدين، ولأن الإيمان لو كان غير الإسلام لما قبل من مبتغيه لقوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] مع أنه يقبل منه
قطعا (2)
فعلم أن الإيمان إسلام، بقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات: 35 - 36]، فإنه لم يكن هناك باتفاق إلا بيت واحد، فالذي وجد هو الذي أخرج، وهو بيت (لوط) (3).
(1)
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بالمعاصي، (1/ 55).
(2) شرح المواقف، (8/ 326).
(3) مشارق أنوار العقول، ص 329. قارن قناطر الخيرات، (1/ 361). (1/212)
صفحة 203
الإيمان والإسلام
213
وبذلك يتضح لنا أن الإيمان والإسلام مترادفان، وعلاقتهما شرعية لا لغوية، ثم العودة مرة ثانية إلى القول بأن الإيمان والإسلام يردان على سبيل الاختلاف والتداخل، وهذا خلط وتناقض واضح.
وقد حاول أحد شيوخ المذهب الأباضي أن يجد مخرجاً لهذا التناقض الواضح في هذه القضية، وهو اللجوء إلى النهج العقلي قائلاً: «فإن قال قائل قد نص رسول الله في حديث جبريل الي أن الإيمان هو ما يتعلق بالقلب في الاعتقادات. وبقوله: «ألا أن الإيمان ها هنا، وأشار إلى صدره» (1). وفيه أيضاً: «هل شققت عن قلبه» (2)، عتاباً لذلك الذي قتل الناطق بالإيمان - وهو أسامة بن زيد -، أي لتعلم أن قلبه ليس فيه إيمان. وأن الإسلام هو ما يتعلق بالجوارح من العبادات، ولم يذكر الدين، وأنت توجب أن الإيمان هو الإسلام، وأن الإسلام هو الإيمان، وهما الدين، فاعلم أن الإيمان أصله هو التصديق، وأن الإسلام أصله الاستسلام والخضوع، وأن الإسلام كله من قبل التصديق إيمان، وأن الإيمان من قبل الاستسلام والخضوع إسلام، والدين من قبل الاستسلام إسلام وكل خصلة من الإيمان فهي إسلام ودين، وكل خصلة من الإسلام فهو إيمان ودين، وكل خصلة من الدين إيمان وإسلام، وإلى هذا القول ذهب أصحابنا» (3).
وبهذا حاول الشيخ الأباضي تبرير ما وقعوا فيه من تناقض بهذا النهج العقلي، الذي أخذ به جلّ الأباضية في مسائل كثيرة من مسائل العقيدة، مما جعلهم أمام حرج ونقد قد يوجه إليهم، وهو أنهم لم يلتزموا بما جعلوه مرتكزاً عقدياً لهم، وهو تقديم الشرع على العقل، فقد عمل العقل في المذهب بين سياق النصوص المتعددة المتعلقة بقضايا العقيدة، حتى يكون مردودها جميعاً بين الأدلة التي يريدونها.
(1)
صحيح البخاري، كتاب الإيمان.
(2) مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله، (1/ 291). (3) قناطر الخيرات، (1/ 362). قارن الأباضية، عقيدة ومذهباً، ص 110 - 111. (1/213)
صفحة 204
214
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
أما عن حقيقة الإيمان عند الأباضية فهو يتركب من ثلاثة أركان - أو مقامات - إذ إن الإيمان هو مجموع المعرفة والاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وأن المؤمن هو الموفي بدين الله تعالى، وكذا لا يكون مسلماً حتى يقر بالتوحيد ويعمل بالفرائض، لأن الإسلام لا يتم إلا بقول وعمل (1). أما القول: فبشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من ربه، وأما العمل: فالإتيان بجميع الفرائض، وهذه الأمور العملية تكون بين المرء وبين الخلائق. وأما فيما بينه وبين الخالق، فلا يكمل إيمانه حتى يأتي بعشرة أقاويل هي: الملائكة، والأنبياء والرسل، وجميع الكتب التي أنزلت على جميعهم، والموت، والبعث، والحساب، والجنة والنار، وجميع ما كان وما يكون وما هو كائن، هو المكون له، فهذه عشرة أقاويل من جاء بهن تامة كمل توحيده مطلقاً، ومن ترك واحدة منهن كان إيمانه ناقصا (2).
الإيمان بجميع
فالله
فحقيقة الإيمان عند الأباضية هو توافر المقامات الثلاثة في المرء: الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فمن ضيّع واحداً منها، فهو كافر بأي معنى من معاني الكفر، وفي هذا يقول (السالمي): من ضيع واحداً من هذه الثلاثة بعد لزومه عليه فهو هالك، استوجب بتضييعه ما افترض الله عليه هلاك المعاند، لأنه حينئذ يكون كافراً كفر شرك أو كفر نعمة» (3).
ويؤكد (السمائلي) وهو من كبار الأباضية على حقيقة الإيمان في المذهب الأباضي فيقول: «الإيمان عند الأباضية قول وعمل واعتقاد، وبالقول تعصم الدماء والأموال، وبالعمل يصح الإيمان، وبالاعتقاد يتحقق الإيمان الصادق، وهو الذي
(1) معالم الدين، (2/ 84 - 85). (2) المصدر السابق (882). (3) مشارق أنوار العقول، ص 333. (1/214)
صفحة 205
الإيمان والإسلام
215
يقول فيه الأباضية بأنه يزيد ولا ينقص، بل إذا انهدم بعضه انهدم كله، للأدلة
الصحيحة التي لا يرتاب فيها أحد» (1).
الإيمان بين الزيادة والنقص
تعرض الأباضية في معرض حديثهم عن قضية الإيمان والإسلام الموضوع زيادة الإيمان ونقصانه، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الفرق الإسلامية، وقد انقسم الأباضيون في هذا الشأن إلى رأيين مختلفين:
الرأي الأول: يذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد ويقوى بالطاعات، وينقص بمقدار الغفلة والنسيان، وارتكاب الأعمال المحرمة، أو يزيد بالطاعة والعلم، ويضعف بالمعصية والجهل.
(2)
وهذا الرأي الذي يقول بزيادة الإيمان ونقصانه يلتقي فيما ذهب إليه مع أهل السنة، وكثير من أهل الحديث.
وقد استدل هذا الفريق بأدلة نقلية وأخرى عقلية من الأدلة النقلية قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2]، وقوله: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَنا مع إيمَنِهِمْ} [الفتح: 4]، وقوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن
(125
يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا اللَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَفَرُونَ) [التوبة: 124 - 125]. ومن السنة قوله: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا (3)
(1) أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج، ص 33.
(2) شرح القصيدة النونية، ص 240.
(3) سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب في زيادة الإيمان ونقصانه، (5/ 9). (1/215)
صفحة 206
216
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومن أقوال الصحابة ما روي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: الإيمان يزيد وينقص (1).
الرأي الثاني: يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن القول بزيادة الإيمان ونقصانه يؤدي إلى القول بنقصان الاعتقاد في حالة نقص الإيمان، وإذا نقص عندهم فقد ينقلب إلى شك، والشك يتنافى مع الإيمان، ومن هنا فالإيمان
الاعتقاد
(2)
الشرعي لا يزيد ولا ينقص، وفي هذا يقول السالمي: ذهب بعض أصحابنا إلى أن الإيمان الشرعي لا يزيد ولا ينقص - وعليه أبو حنيفة، وإمام الحرمين وبعض الأشاعرة -، وبيان ذلك أن الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عليه فرض لا يكون مؤمناً حتى يؤديه على وجهه، ثم يزيد الإيمان بزيادة التكليف ولا يصح نقصه، لأن النقص إخلال ببعض الواجبات» (3).
ويؤيد هذا الرأي ما ذهب إليه النسفي، حيث يقول: «حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص، لأن التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، حتى إن من حصل له التصديق فسواء أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي، فتصديقه باق على حاله لا تغير فيه أصلاً، والآيات الدالة على زيادة الإيمان محمولة على ما ذكره أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - من أنهم كانوا يؤمنون في الجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص، لأن الدين لم ينزل دفعة واحدة بل نزل في فترات متعددة، وكلما نزل شيء آمنوا به، فالآيات تحكي حال الصحابة حين كانوا يتلقون من الرسول ل كل شيء يأتي به الوحـ
(1) سنن ابن ماجه المقدمة، باب في الإيمان (1/ (28) طبعة ا
(2) الأباضية عقيدة و مذهباً، ص 116.
(3) بهجة أنوار العقول، (1/ 150).
(4) العقائد النسفية، ص 128. مذكرة التوحيد، أ. حسن السيد متولي، ص 33، طبعة القاهرة. (1/216)
صفحة 207
الإيمان والإسلام
217
ومن هنا ندرك مدى عمق الخلاف بين الأباضية في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ففي الوقت الذي يعتقد فريق من أتباع المذهب أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالغفلة وارتكاب الأعمال المحرمة، يعتقد الفريق الآخر أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولهذا يقتضي هذا الخلاف بين الفريقين إعادة نظر للتوفيق بين الرأيين وخاصة من فقهاء وعلماء الأباضية المحدثين.
إن الخلاف بين هذين المذهبين خلاف حقيقي، والإيمان يقبل الزيادة والنقص، سواء أكان اسماً للتصديق فقط أم اسماً للتصديق مع العمل، وأن الزيادة والنقص في الإيمان وفي التصديق، أما في الأعمال فواضح أنها تزيد بالكثرة وتقل بالتكاسل، وأما التصديق فمما يؤيد قبوله للزيادة والنقص قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما فضلكم (أبو بكر) بصلاة ولا بصيام، ولكن بشيء وقر في نفسه، والذي وقر في النفس، واستقر في القلب إنما هو التصديق يقول الإمام النووي: «إن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، فلهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريه الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، أما غيرهم من المؤلفة، ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق (أبي بكر) ه لا يساويه تصديق أحاد الناس» (1).
فالإيمان بمعنى التصديق يقبل الزيادة والنقص باعتبار ذاته، لأنه من الكيفيات النفسية كالفرح والحزن، وإلا لاقتضى أن يكون إيمان النبي صلى الله عليه وسلم وإيمان أفراد الأمة سواء، وهو باطل بالاتفاق. كما يقبل الزيادة والنقص باعتبار متعلقه، لأن الإيمان
(1)
صحيح مسلم بشرح النووي، (1/ 190). (1/217)
صفحة 208
218
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
التفصيلي أكمل من الإيمان الإجمالي، فمن بلغته الشرائع إجمالاً فآمن به، ثم بلغته تفصيلاً فآمن بها بعد أن آمن بها إجمالاً ازداد إيمانه (1).
حكم مرتكب الكبيرة (2).
لقد تباينت الفرق الإسلامية تبايناً كبيراً في الحكم على مرتكب الكبيرة، وهذا التباين كان نتيجة طبيعية لما اعتنقته كل فرقة من أفكار، ترى من وجهة نظرها أنها على صواب، وما دونها على باطل، وقد حاولت كل فرقة تقديم أكبر قدر من الأدلة النقلية والعقلية لإثبات معتقدها، وإبطال معتقد غيرها من الفرق الأخرى.
وقد بيّن أحد علمائنا مكمن الخلاف بين الفرق بشأن الحكم على مرتكب الكبيرة فقال: «إن الخلاف بين الفِرَق بشأن هذه المسألة مبني على حقيقة الإيمان،
فمن قال إن الإيمان هو التصديق، قال إن صاحب الكبيرة مؤمن وهم السنيون.
ومن قال إن الإيمان هو التصديق والعمل المفروض، قال إن صاحب الكبيرة لا هو مؤمن - لأنه انتفى عمله الذي هو شطر من حقيقة الإيمان –، ولا هو كافر، نظراً إلى ما تواتر من أن جماعة الأمة كانوا لا يقتلونه قتال المرتد، وكانوا يدفنونه في مقابر المسلمين، وعلى ذلك تكون هناك واسطة بين الكفر والإيمان، وهؤلاء هم
(1) دراسات في العقيدة حول السمعيات، ص 57. قارن محاضرات في التوحيد، الشيخ صالح شرف،
ص 71.
(2) الكبيرة: هي كل معصية تشعر بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. انظر: إتحاف المريد، ص 157. ومع هذا التعريف فقد اختلفت الآراء في ضبط الكبيرة، فبعضهم ضبطها بالعدد، وبعضهم ضبطها بأمر عام، أما من ضبطها بالعدد، فقال إنها سبع، أو سبع عشرة، أو سبعون، وحاولوا أن يحصوها من خلال النصوص الشرعية التي ذكرت أعدداً لها. أما من ضبطها بأمر عام، فقال: هي ما اتفقت الشرائع على تحريمه، وقيل هي ما يسد باب المعرفة بالله. وقيل: هي كل ما نهي عنه فهو كبيرة، وقيل: هي ما يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة أو الغضب، وهذا هو التعريف المختار انظر: قضية التكفير في الفكر الإسلامي، د. محمد سيد المسير، ص 21 - 23، طبعة دار الطباعة المحمدية 1996. أيضاً: الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيتمي، (4/ 1). العقيدة الطحاوية، ص 318. (1/218)
صفحة 209
الإيمان والإسلام
219
المعتزلة، ومن قال إن الإيمان هو التصديق والعمل مطلقاً، فرضاً كان أو نفلاً، قال إن صاحب الكبيرة، بل والصغيرة كافر، لأنه لا واسطة، وهؤلاء هم الخوارج. ومن اعتقد بأن الإيمان هو المعرفة بالله فحسب، فقد أثبت أن المعاصي سواء كانت كبيرة أم صغيرة لا تُدخل صاحبها في الكفر، ولا تمنع عنه الإيمان، فهو مؤمن كامل الإيمان وهؤلاء هم (المرجئة) القائلون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. أما الحسن البصري فذهب إلى أنه منافق في عقيدته، أي يُظهر الكفر، بعمل الكبيرة، ويخفي الإيمان، فهو على غير النفاق المعهود الذي هو إظهار الإسلام وإضمار الكفر (1)
وواضح من هذا أن (أهل السنة) يرون أن الكبيرة لا تُخرج صاحبها من الإيمان، ولا تُدخله في الكفر، بل هو: تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، فهم يقولون: «لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، وما لم يكن من الكبائر المكفّرة، الشرك بالله، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة. وأن الخوارج يرون أنها تُخرج صاحبها من الإيمان وتدخله في الكفر، ولا واسطة بينهما. وأن المعتزلة يرون أنها لا تُخرج صاحبها من الإيمان ولا تدخله في الكفر، لأنهم يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، ويسمونه فاسقاً، وهو مخلد في النار. وأن المرجئة يرون أنها لا تُخرج صاحبها من الإيمان، بل يرون أنه مؤمن، وأنه يدخل الجنة، مهما فعل من المعاصي، لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان، معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فإذا كان الكافر تذهب أعماله الصالحة هباءً منثوراً، لأنه فاقد للإيمان الذي هو أساس قبول العمل، فإن المؤمن الذي استقر في قلبه الإيمان لا يضره ما يعمل من المعاصي، وأن الحسن البصري يرى أن صاحبها منافق، فهذه مذاهب خمسة، ولكل مذهب وجهة نظر، ومحل الخلاف فيها إذا لم يتب صاحبها عنها، أما إذا تاب عنها فلا خلاف في أنه مؤمن، إذ التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له».
(1) مذكرات في التوحيد للشيخ صالح موسي شرف، ص 124 - 125. (1/219)
صفحة 210
220
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومشكلة الكبيرة وحكم مرتكبها والتشدد فيها قد لازمت فرقة الخوارج
بشكل أصلي، وكان طبيعياً أن يكون للأباضية رأي في هذه المشكلة بحكم النشأة الأولى، الذي يرى كثير من كتاب المقالات أنها نشأت في أحضان الخوارج، وهي
فرقة من فرقها.
يرفض الأباضية اعتقاد أهل السنة في جواز عفو الله تعالى عن وعيده بعذاب أهل الكبائر، إذ يعد أهل السنة ذلك من الصفح المحمود، ولكن ذلك عند الأباضية لا يجوز على الله تعالى، بل إنه إذا توعد على فعل وقال: إني أفعله، فلا بد أن يفعل ذلك الفعل، وقد استحسن الأباضية موقف عمرو بن عبيد المعتزلي في هذا الشأن. وفي هذا يقول شيخ الأباضية المتأخرين: «إنا ندين بأن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وبخلود أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار (2)، أي لا يخرج من النار أصحاب الكبائر على ما يعتقد أهل السنّة، الذين أجازوا أن يخلف الله وعيده رحمةً منه ومغفرة لأهل الكبائر، فالذي مات على كبيرة من غير توبة، فالوعيد لازم له ولا أمل له في النجاة من النار، أو الخروج منها، لأن صاحب الكبيرة حبطت
حسناته
(3)
وهذا الموقف منهم أقرب إلى التشدد منه إلى الاعتدال، ذلك أن مرتكب الكبيرة عندهم يعامل لديهم بأحكام المؤمنين، إذا لم يقترن بممارسة الكبيرة بغي لا يمكن رده، فإنه في حالة صدور بغي لا يمكن مقاومته تترك ولايته عندهم، ولا تقبل شهادته، وتجب البراءة منه، ويحل قتله (4). أما مرتكب الكبيرة غير المستحل لها، كالقتل والسرقة، والزنى وشرب الخمر، فهي تستوجب الحد، ما بين قصاص
(1) الكشف والبيان (1/ 168 - 169) بتصرف. (2) معالم الدين (238/ 2). قارن أصول الديانات للشيخ عامر علي الشماخي، ص 113 - 114،
طبعة القاهرة، 1304 هـ. (3) معالم الدين، (2/ 148 - 149). (4) مشارق أنوار العقول، ص 240. (1/220)
صفحة 211
الإيمان والإسلام
221
للقاتل، وجلد للزاني غير المحصن وشارب الخمر، وقطع يد السارق. أما مرتكب الكبيرة المستحل لها بتأويل خاطئ فإنه يُدعى إلى الحق، وترك الاعتقاد الباطل، والبراءة من أئمة الضلال، فإن أجابوا إلى الحق أصبح لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فإن أبو أجرى عليهم حكم المسلمين، وإن امتنعوا ناصبهم الإمام الحرب، ولا يحل منهم غير دمائهم، فلا تغنم أموالهم، ولا يجهز على جريحهم، طالما أنهم لن يصلوا إلى مأوى وفئة (1).
هذا، وقد قسم الأباضية الكفر إلى قسمين: كفر الشرك، وكفر النعمة، وقد ذهبوا في الحكم على كفر الشرك مذهب جميع المسلمين، وعلى أن صاحبه مخلد في النار، ولكنهم قسموا كفر الشرك إلى نوعين: نوع يمثل كفر المساواة، وهو أن يسوي العبد بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات.
والنوع الثاني: كفر الجحود والإنكار، وخلاصته عندهم إنكار وجود الله والأنبياء والرسل والملائكة والكتب والمعاد والحساب والبعث والجنة والنار، وهذان النوعان يستحق فاعلهما الخلود في النار.
أما كفر النعمة المتمثل في اقتراف الذنوب والمعاصي، فهي صغائر الذنوب، وهي التي لم يثبت على فاعلها حد في الدنيا (2)، وهي تلك الذنوب التي قل فيها الإثم، وبعضهم يقول في وصفها: كل ذنب لم يأتِ فيه وعيد، ولم يعينه نص
(3)
(4)
ولا خلاف بين الأباضية على أن صاحب الكبيرة كافر النعمة إذا خرج من الدنيا غير مقلع عن الكبيرة وتائب منها، فهو كافر مخلد في النار. والكبيرة التي
(1) شرح القصيدة النونية، ص 275. أيضاً: الفرق بين الفرق، ص 107.
(2) بهجة أنوار العقول، (1/ 175).
(3) مشارق أنوار العقول، ص 376.
(4) الأباضية عقيدة ومذهباً، ص 119 - 120. قارن: معالم الدين، (2/ 165). (1/221)
صفحة 212
222
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
اقترفها ولم يتب منها، أو لم يقم عليه حدها قد أحبطت الطاعات التي قام بها (1). فعذاب النار أبدي حتى لمرتكب الذنب من المسلمين، وهو إذا مات دون أن يتوب، ولا تنفعه شفاعة الملائكة أو الرسل أو الأولياء، ما لم يتب من الذنب، فإن تاب قبلت شفاعتهم، وليس هذا تبديلاً لما قضى به الله تعالى، وإنما زيادة لهم في الثواب، وتشريف في المنازل كما يقول الجيطالي في كتابه قناطر الخيرات (2).
ومن الجدير بالملاحظة هنا أن أبدية العذاب بالنسبة للمسلم المذنب تبرر بالسبب نفسه الذي ساقه المعتزلة (3)، وهو أن الله صادق في وعده ووعيده الواردين في القرآن (4). وفي هذا يقول الشماخي: وندين بأن الله صادق في وعده ووعيده (5). يؤيد هذا ما ذهب إليه المصعبي حيث يقول: باعتقادنا وقولنا إنه – أي الله – يفعل في أهل الشرك والعصيان يوم القيامة ما أخبر في الدنيا - بالقرآن – بفعله فيهم فيه، ويكون ما قضى به ذلك الوعيد من أنواع العذاب حقاً، وبأنه لا يخلفه كما لا يخلف وعده للمؤمنين بالخيرات، وبدوام أصحاب النار والهوان فيها وعدم خروجهم منها بوجه ما، لنحو قوله تعالى: بَلَى مَن كَسَبَ سَنَةٌ وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَيكَ
(1) قاموس الشريعة، جميل بن خميس السعدي (36)، طبعة زنجبار 1299 هـ. أ. أيضاً: مقالات الإسلاميين، (1891) لوامع الأنوار البهية للعلامة محمد السفارييني، (1/ 87 - 88)، طبعة المكتب الإسلامي.
(3)
هو
(2) قناطر الخيرات (2481)، طبعة القاهرة، 1307 هـ. يرى المعتزلة: أن المسلم المرتكب للكبيرة، والذي يموت دون توبة يخلد في النار، وكل ما هنالك. أن عذابه فيها أخف من عذاب الكفار، بينما يرى أهل السنة: أن المسلم لا يخلد في النار، حتى لو كان مرتكباً للكبائر، اللهم إلا الكفر والإشراك بالله تعالى، ويعتقدون في شفاعة الملائكة والنبيين وأولياء الله للمسلمين المذنبين، ومن أجل هذا هم يسلمون - أي أهل السنة – ضمناً بأن الله يمكن أن يتجاوز عما جاء في القرآن الكريم من وعد أو وعيد. راجع هامش ص 182، من التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية.
(4) بحوث في المعتزلة ضمن التراث اليوناني، ص 182.
(5) أصول الديانات، وهو عمدة كتب الأباضية في جبل نفوسة، ص 113 - 114. (1/222)
صفحة 213
الإيمان والإسلام
223
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 81]، وقوله: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ
النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِ مِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 37]) (1)
ومن الملاحظ أيضاً هنا أن الأباضية وإن اتفقت في هذا مع المعتزلة إلا أن المعتزلة تختلف عنها في القول بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الكفر ومنزلة الإيمان، بمعنى أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً بإطلاق، ولا كافراً بإطلاق. أما الأباضية فهم يرون طبقاً للأصل العام الذي يدين به الخوارج جميعاً أنه كافر (2) قولاً واحداً - كفر نعمة عند الأباضية -، ولهذا يقول العالم الأباضي المصعبي: ندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر (3)، ويعلل بعض علمائهم سر تشددهم في هذا الحكم فيقول: والحكمة في خلود أهل الكبائر في النار أن العاصي إذا عصا فقد عصا رباً عظيماً لا نهاية لعظمته، فكذلك يكون عذابه بخلود لا نهاية له» (4).
وقد استدل الأباضية في هذه القضية ومعهم المعتزلة وبقية فرق الخوارج، على صدق دعواهم في تخليد مرتكب الكبيرة في النار بأدلة من القرآن، وأخرى من السنة، تأولوا فيها بما يحقق دلائل ما اعتقدوه، والذي يقلق حقاً كما يقول أحد الباحثين: هو أن المرتكزات العقدية التي ذهب إليها الأباضية في فهم آيات كتاب الله تعالى كانت على ضوء الأسس العقدية التي دوّنها الربيع بن حبيب في مسنده، وفهم ما رواه في باب الحجة على من قال: إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين، وقد
(1) راجع: شرح القصيدة النونية، المسماة بالنور، عبد العزيز إبراهيم المصعبي، ص 275، طبعة القاهرة،
1306 هـ.
(2) لا يعنينا هنا أن يعتبر كافر شرك، أو مشركاً، كما ترى فِرَق الخوارج الأزارقة والنجدات والصفرية، أو أن يعبر كافر نعمة أي كفر بنعمة الله كما يرى الخوارج الأباضية راجع: الفرق بين الفرق، ص 91، 106 - 107. . أيضاً: معالم الدين، (2/ 165).
(3) شرح القصيدة النونية، ص 322.
(4) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعد الرستاقي، (523/ 1)، طبعة الحلبي بـ (1/223)
صفحة 214
224
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
جاءت معظم هذه الأحاديث بغير سند، ولا راو، والمتن مخالف في غالب رواياته
عند كتب الصحاح
(1)
فمن الآيات التي استدل بها الأباضية قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَا رَجَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [الجن: 23]، وقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي حَمِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايِينَ) [الانفطار: 13 - 16]، وقوله: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا} [النساء: 93]. وغير هذه الآيات كثير مما استدل به الأباضية على خلود مرتكب الكبيرة في النار، فقد طوعوا مفاهيمها ودلالاتها لتحقق لهم جوهر معتقدهم في الحكم على مرتكب
الكبيرة ومن الأحاديث التي استدلوا بها قوله: من ترك الصلاة قد كفر (2) وقوله: «إذا قال رجل لرجل أنت عدوي فقد كفر أحدهما» (3)، وقوله: «لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت والنار أولى به (4)، وقوله: (من مات وعليه دين لم يدخل الجنة»، قيل: ولو قتل في سبيل الله؟ قال: «ولو قتل سبعين مرة، ثم أُحيي، ثم قتل، وعليه دين فلا يدخل الجنة» (5). فهذه الأحاديث كما يقول الإمام الربيع بن حبيب في مسنده: «تثبت الكفر لأهل القبلة» (6).
(1) الأباضية عقيدة، ومذهباً، ص 122.
(2) مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على تارك الصلاة، (1/ 266)،
طبعة الشعب.
(3) الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع، (5/ 3).
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر نفسه.
(6) مسند الإمام الربيع، (5/ 3). (1/224)
صفحة 215
الإيمان والإسلام
225
هذا بالنسبة للكبائر، أما الصغائر فقد ذهب أباضية المشرق إلى القول بأنها معفو عنا طالما اجتنبت الكبائر، مستدلين في ذلك بقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابر ما تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]. أما إذا أصر العبد على الصغائر، فهو هالك، لأن صاحب الصغيرة من الذنوب إذا أتى بها مستخفاً لنهي الله عنها فإنه حينئذ يكون مصراً على الذنب، والإصرار عندهم يعبر عنه بأشياء منها: الإقامة على الذنب، والاستمرار فيه، أو الإعراض عن التوبة، أو العزم على عدم التوبة .. وحكم مرتكب الصغيرة في الدنيا عند أهل الاستقامة أنه موحد، ولا يوصف بالفسق، ولا بالضلال، ومن ثم ولا بالكفر، حتى يعلم منه الإصرار عليها، والعزم على عدم التوبة (1).
أما عن النفاق فقد اختلف الأباضية فيه إلى ثلاث فرق: الأولى: تزعم أن النفاق براءة من الشرك والإيمان جميعاً، واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء} [النساء: 143]. والثانية: تقول: إن كل نفاق شرك، لأنه يضاد التوحيد والثالثة: تقول: لسنا نزيل اسم النفاق عن موضعه، وهو دين القوم الذين عناهم الله بهذا الاسم في ذلك الزمان، ولا نسمي غيرهم بالنفاق واختلفوا في النفاق: أيسمى شركاً أم لا؟ فقالوا: إن المنافقين في عهد رسول الله كانوا موحدين إلا أنهم ارتكبوا الكبائر، فكفروا بالكبيرة، لا بالشرك ... ومن ارتكب كبيرة من الكبائر كفر، كفر النعمة لا كفر الملة (3).
(2)
أما عن مصير أطفال المشركين والمنافقين فقد قالت طائفة من الأباضية: حكمهم في الدنيا والآخرة حكم آبائهم قياساً على حكم أولاد المؤمنين، لا تفاقهم
(1) مشارق أنوار العقول، ص 378.
(2) مقالات الإسلاميين (1851). قارن الفرق بين الفرق، ص 106. (3) الملل والنحل، للشهرستاني (1351) مقالات الإسلاميين، (1/ 189). (1/225)
صفحة 216
226
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
على أن أطفال المؤمنين حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة في حكم الظاهر والدعاء لهم، والتولية والإرث، ويقبرون في قبور المسلمين، وفي الآخرة ينعمون مع آبائهم.
فقالوا: فلما كان أطفال المؤمنين أحكامهم في الدنيا أحكام لآبائهم، كان أحكام أطفال المشركين والمنافقين في الدنيا أحكام آبائهم، ولما كان أطفال المؤمنين يتنعمون مع آبائهم بالاتفاق ولم يعملوا عملاً صالحاً يجازون عليه جاز أن يعذب أطفال
المشركين والمنافقين، وإن لم يعملوا، والله يفعل ما يشاء.
وقالت الطائفة الأخرى: إن أطفال المؤمنين ينعمون مع آبائهم، وهذا موضع اتفاق، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتُهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَنِ الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَنَتَهُم مِنْ عَمَلِهِم مِّن شَى و} [الطور: 21]. أما بالنسبة لأطفال غير المؤمنين فالمسألة موضع اختلاف، فنأخذ بقول ما اجتمعوا عليه، ونقف عما اختلفوا فيه، أي نقر بما اتفق عليه المسلمون من أمر مصير أ. أطفال المؤمنين، ونتوقف عن الحكم فيما اختلفوا فيه من أمر مصير أطفال غير المؤمنين.
وحجة هذه الفرقة (الواقفة) قولها: لما وجدنا الأخبار مختلفة فيهم، والأمة مختلفة في ذلك في حكمهم، وقفنا عنهم، لأن الله تعالى لم يتعبدنا أن نعلم إنهم في النار أو في الجنة، ولذلك رأينا الاعتصام بالسكوت عن حكمهم، ورأينا الوقوف أسلم في أمرهم. ويعقب الشيخ الأباضي بقوله: (وعلى هذا المذهب الأخير - يعني
الوقف في الحكم على أطفال غير المؤمنين - أدركنا أشياخنا رحمهم الله تعالى (1). وقد بين الإمام الأشعري موقف الأباضية من أطفال غير المؤمنين، فقال: ووقف كثير من الأباضية في إيلام أطفال المشركين في الآخرة، وجوز آخرون أن يؤلمهم الله تعالى في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوزوا أن يدخلهم الجنة
(1) الكشف والبيان، (2/ 317 - 320). (1/226)
صفحة 217
الإيمان والإسلام
227
تفضلاً، ومنهم من قال: إن الله تعالى يؤلمهم على طريق الإيجاب، لا على طريق التجويز») وهو نفس ما ذهب إليه العالم الأباضي القلهاتي في كتابه (الكشف والبيان).
أما عن نظرة الأباضية إلى مخالفيهم من المسلمين فقد كانت أخف وطأة من بعض فرق الخوارج الأخرى، فقالوا: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال وما سواه، حرام، أي إنهم لا يبيحون اغتصاب أموالهم أو أخذها إلا عند الحرب باعتبارها غنيمة، وقالوا أيضاً حرام قتل مخالفيهم وسبيهم في السر غيلة، إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة (2).
فهم في حربهم مع مخالفيهم نجدهم أقل قسوة وتعقباً لمخالفيهم من فرق الخوارج الأخرى، فهم يقولون: لا يتبع المدبر في الحرب إذا كان من أهل القبلة وكان موحداً، ولا يقتل منهم امرأة ولا ذرية، لكنهم أباحوا قتل المشبهة واتباع مدبرهم، وسبي نسائهم وذراريهم، وقالوا: إن هذا كما فعله أبو بكر له بأهل الردة. وقالوا: إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي، وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم
(3).
(4)
وبعد أن اتضح لنا موقف الخوارج عامة والأباضية خاصة في حكم مرتكب الكبيرة، نقول إن هذا المنطق يقوم على الغلظة والشدة والتعسير، مع العلم بأننا أمة بعثنا ميسرين ولم نبعث معسرين، والمنطق الذي يسوي بين الكافر الحقيقي
(1) مقالات الإسلاميين (1/ 189). الملل، (1/ 135).
(2) الملل والنحل، (1/ 134).
(3) الفرق بين الفرق، ص 107.
(4) الملل والنحل (1341) الفرق بين الفرق، ص 106. إسلام بلا مذاهب، ص 137. (1/227)
صفحة 218
228
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
وصاحب الكبيرة المؤمن منطق معكوس، لأن المؤمن لا يخرج عن إيمانه مهما ارتكب من ذنوب، وعمل من سيئات.
ومن رحمة الله تعالى بأصحاب الكبائر أنه لم يطردهم من رحمته، ولم يغلق باب التوبة أمامهم، فهو سبحانه يقول منادياً على المذنبين أن يعودوا إلى ساحته مرة أخرى: {قُلْ يَنعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]. وهي أرحب آية في كتاب الله تعالى لأصحاب الكبائر أن يعودوا إلى ربهم في الدنيا قبل لقائه تعالى يوم تقوم الساعة. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن أهل القبلة كلهم مسلمون ومؤمنون لا نرفع عنهم اسم الإيمان أو الإسلام بارتكاب الكبيرة أو ترك الطاعة، وأهل الكبائر أمة من محمد صلى الله عليه وسلم لا يخلدون في النار إذا ماتوا على كلمة التوحيد، وغير مستحلين للكبيرة ولا منكرين لأصل من أصول الدين، ولا لشيء مما علم من الدين بالضرورة، والرسول صلى الله عليه وسلم، قد أخبر أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وقال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». (1/228)
صفحة 219
الفصل الثامن قضية الإمامة
يطلق على الرئيس الأعلى في العرف الإسلامي اسم الخليفة أو الإمام، أو أمير المؤمنين، وهذا الرئيس أو الإمام هو الذي به قوام الدولة والأمة، وهو الذي من أول واجباته سياسة الأمة بالعدل وحمايتها ودفع العدوان عنها، هذا العدوان الذي يكاد يكون طبيعة من طبائع البشر.
والحديث عن القضية (الإمامة) أو الخلافة في الإسلام حديث متشعب، ممتد الأطراف، متعدد الجوانب، إذ تشمل مكانة الخلافة من الشرع، وصلتها بأحداث التاريخ، ومكانتها من الفكر السياسي، ودورها في الحفاظ على وحدة الأمة. «فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا» (1). وهي كما يقول الماوردي: موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدين وسياسة الدنيا (2). ويقول سعد الدين التفتازاني: هي رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، خلافة عن النبي (3)
(1) المقدمة، للعلامة عبد الرحمن بن خلدون، ص 176، طبعة عبد السلام شقرون القاهرة. (2) الأحكام السلطانية، أبو الحسن الماوردي، ص 3، طبعة الوطن بمصر، 1298 هـ. شرح العقائد النسفية، للعلامة سعد الدين التفتازاني، مزيلاً بحاشية الخيالي، ومهمشاً بشرح العصام، ص 137، طبعة الحلبي بمصر. قارن كتاب الخلافة للسيد رشيد رضا، ص 10، طبعة القاهرة.
(3) (1/229)
صفحة 220
230
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
فموضوع هذه الخلافة (حراسة الدين أولاً، ثم سياسة الدنيا ثانياً)، فهي نيابة عن صاحب الشريعة، في حفظ الدين، وسياسة الدنيا، فالإمامة هي الحكومة الإسلامية الشرعية، أو أنها «الحكومة التي تكون الشريعة الإسلامية قانونها» قانونها الأكبر، وهو ما نسميه اليوم بالدستور، وقانون الفرع، وهو مجموعة الأحكام التشريعية التي تنظم حياة الأمة، سواء أكانت تلك الأحكام تتعلق بالمعاملات المالية، أو الأحوال الشخصية أو المسؤوليات الجنائية، أو غير ذلك، وهدف هذا القانون هو تحقيق مصالح الناس في حياتهم الدنيوية والأخروية (1).
والإمامة أبرز مسألة سياسية ذات خطر، نشأ حولها الخلاف بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرر نظاماً معيناً لمن يكون إماماً أو خليفة من بعده، فمنذ اللحظة الأولى من انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى اختلف المسلمون فيمن يخلفه، ثم استقر رأيهم أخيراً على استخلاف أبي بكر الصديق، فكانت الخلافة بذلك شورى بينهم، ثم كان الخلاف على تخصيص أبي بكر الصديق لعمر بالخلافة وقت وفاته، والخلاف على بيعة عثمان، والخلاف الحادث في آخر عهد عثمان وخروج بعض المسلمين عليه ثم قتله، ثم الخلاف بين علي وعائشة وطلحة والزبير من ناحية، ثم الخلاف بين علي ومعاوية من ناحية أخرى، وهو الخلاف الذي أشعل نار الحرب بين المسلمين فترة، وانتهى بثبات الأمر
لمعاوية وذريته من بعده
(2)
والمذاهب في الإمامة تنقسم إلى قسمين: مذاهب تقوم على أساس من القول بالنص والتعيين، أي نص النبي الله على شخص معين يخلفه من بعده، كمذهب الشيعة على اختلاف فرقهم باستثناء فرقة (الزيدية)، ومذاهب تقوم على أساس ثمن القول بأن الإمامة تكون بالاتفاق والاختيار، لأن النبي لم ينص على من يخلفه
(1) النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الريس، ص 127. (2) كتابنا: قضية الإمامة، نشأتها وتطورها بين الفرق الإسلامية، ص 2 - 3. (1/230)
صفحة 221
فضية الإمامة
231
من بعده، وترك أمر المسلمين شورى بينهم، وهي مذاهب باقي الفرق الإسلامية كالخوارج والمرجئة وأهل السنة والمعتزلة.
ولأهمية هذه المسألة في الإسلام فقد أجمع أهل السنة والشيعة والمعتزلة والخوارج - ما عدا (النجدات) من الخوارج ونفر من المعتزلة – على وجوب إقامة حكم إسلامي، متمثلاً في شخص الخليفة، وفي هذا يقول ابن حزم: «إن مذهب الوجوب قد قالت به جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله تعالى، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، إنهم عليهم أن يتعاطوا الحق فيما بينهم، وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد» (1).
ولا شك أن نظرة النجدات إلى الإمامة غير واقعية، لأنه لا بد من حاكم يقيم حدود الله وأحكامه، ولو ترك الناس وشأنهم لاختلفوا في ذلك، وقد علق ابن حزم على ما ذهب إليه النجدات بقوله: وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي في الرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا على بطلانه، والقرآن والسنة قد ورد بإيجاب الإمام (2). والإمامة في نظر القائلين بالوجوب فرض كفاية، الأمة كلها مسؤولة عن أدائه، فإن لم يؤد فالإثم واقع على الأمة بأسرها، فالمسؤولية عن أداء هذا الفرض أخطر بكثير من التبعة التي تترتب على عدم القيام بالفرض العيني، وإذا لم توجد الإمامة فيحكم على الأمة كلها متضامنة بأنها، عاصية لأنها أخلت بأحد الفروض الهامة التي أوجبها الشارع. أما إذا حكم بأن الإمامة جائزة، كما ذهب إليه النجدات من الخوارج ونفر من المعتزلة، كان معنى ذلك أن حكمها حكم سائر الأشياء أو الأعمال المباحة التي لم يرد من الشارع نص قاطع على فرضيتها، والتي ترك للإنسان
(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل (72/ 4). قارن مقالات الإسلاميين، (1/ هامش ص 45). (2) المصدر السابق، (72/ 4). (1/231)
صفحة 222
232
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
أن يفعلها أو يدعها، فلا تترتب على تركها تلك المسؤوليات الخطيرة، ولا يأثم الفرد أو المجموع بعدم القيام بها.
وقد عبر عن ذلك الماوردي قائلاً: إذا ثبت وجوب الإمامة، ففرضها على الكفاية، كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط، وإن لم يقم بها أحد، خرج من الناس فريقان: أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إماماً حاكماً إسلامياً للأمة والفريق الثاني: أهل الإمامة، أي المرشحون لولاية الحكم حتى ينتخب أحدهم للإمامة، وليس على عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم» (1).
الإمامة في فكر الخوارج السياسي:
تؤمن الخوارج إيماناً راسخاً بقضية (الإمامة)، ويدركون أهميتها الكبيرة، إذ إن حول هذا المبدأ والاختلاف فيه كانت نشأتهم، فهم يرون في صلاحها صلاح الأمة. وفي فسادها فساد للأمة، وهذا يشير إلى أهمية دور الإمام وإلى ضرورة وجود الإمام الصالح، وأيضاً يشير إلى واجب الرعية في تقويم الإمام المعوج، وليس هذا
فحسب، بل إن الدار الآخرة وما بها من نعيم أو جحيم مرتبطة بهذه الحياة الدنيا. وقد ابتدأ الخوارج حديثهم عن الإمامة بأمور تتعلق بها، فقالوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لصحة انتخابهما، وبصحة خلافة عثمان له في سنيه الأولى، فلما غيّر وبدل ولم يستر سيرة أبي بكر وعمر وأتى بما أتى من أحداث، وجب عزله، وأقروا بصحة خلافة علي الله، ولكنهم قالوا إنه أخطأ في التحكيم، وحكموا بكفره لما حكم، وطعنوا في أصحاب الجمل طلحة والزبير وعائشة)، كما حكموا بكفر أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (2).
(1) الأحكام السلطانية، ص 13. قارن أصول الحكم في الإسلام، د. عبدالرازق أحمد السنهوي،
ص 87، طبعة الهيئة المصرية، 1998.
(2) كتابنا قضية الإمامة، ص 129. (1/232)
صفحة 223
قضية الإمامة
233
وقد قبض على أحدهم وقدم إلى زياد بن أبيه فسأله زياد عن أبي بكر وعمر، فقال فيهما خيراً، وسأله عن عثمان، فقال: كنت أتولى عثمان - على أحواله - في خلافته ست سنين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، فسأله عن أمير المؤمنين علي فقال: أتولاه إلى أن حكم، ثم أتبرأ منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، فسأله عن معاوية فسبّه سباً قبيحاً ... إلخ).
وواضح من هذا النص الذي أورده الشهرستاني أن كلامهم كان يدور حول تشريح أعمال الخلفاء وأنصارهم، والبحث فيمن يستحق أن يكون خليفة ومن لا يستحق، ومن يكون مؤمناً، ومن لا يكون.
وقد وضعوا نظرية في الإمامة وهي أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير فليس يصح أن يتنازل أو يحكم، وليس بضروري أن يكون الخليفة قرشياً، بل يصح أن يكون من قريش ومن غيرهم، ولو كان عبداً حبشياً، وإذا تم الاختيار كان رئيس المسلمين، ويجب أن يخضع خضوعاً تاماً لما أمر الله تعالى وإلا وجب عزله (2).
ويظهرنا الشهرستاني على رأيهم فيقول: «وجوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إماماً، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة، وعدل عن الحق، وجب عزله أو قتله، ويجوز أن يكون الإمام عبداً، أو حراً، نبطياً أو
قرشيا (3)
(1) الملل والنحل، (1181). مقالات الإسلاميين، (204/ 1). يذكر الشهرستاني أنه عروة بن حدير
بعد نجاته من حرب النهروان
(2) فجر الإسلام، م. أحمد أمين، (410/ 1)، طبعة الهيئة العامة، 1996. (3) الملل والنحل (1161) النبطي أخلاط الناس وعوامهم. (1/233)
صفحة 224
234
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ولا شك أن نظرية الخوارج في الحكم أكثر نظريات الفرق الإسلامية ميلاً إلى الديمقراطية، فعلى خلاف أهل السنة) الذين قصروا أحقية الإمامة على قريش، و (الشيعة) الذين جعلوها في علي وأعقابه، فقد أقر الخوارج مبدأ جواز إمامة أي مسلم عالم بالكتاب والسنة، ومن هنا نظر المحدثون على فكر الخوارج السياسي باعتباره فكراً جمهورياً بالمفهوم الحديث (1).
وهم يعززون هذا المبدأ الديمقراطي بالنصوص الشرعية التي تقرر مبدأ المساواة بين الناس جميعاً، أو تجعل التقوى - لا النسب – هي معيار التفاضل والكرامة عند الله تعالى مثل قوله: {يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وقبائلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات:13]، وقوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ
(2)
فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي وقوله في حجة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب»
وما ذهب إليه الخوارج في جواز أن تكون الإمامة في غير قريش نابع من نظرتهم إلى مفهوم الدولة في الإسلام، فهم يرمون إلى إقامة أمة إسلامية، أساسها الدين، ولا تقوم على عصبية معينة، وتشمل كل المسلمين، ويتمتعون بكل الحقوق والواجبات، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى، إنها نظرة تنبع من مبدأ المساواة الذي يقوم على دعوة القرآن في تقرير مبدأ المساواة.
(1) الخوارج في بلاد المغرب، ص 257. (2) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2302)، طبعة المكتب الإسلامي، 1978، ورواه أبو
داود والترمذي. وقال النووي: حديث حسن صحيح.
(3) الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، (2/ 361، 524). (1/234)
صفحة 225
قضية الإمامة
235
أما عن باقي الشروط اللازم توافرها في الإمام، فلا خلاف كبير بين الخوارج وغيرهم في تلك الشروط، من ضرورة أن يكون عالماً، بالدين، مجتهداً فيه، وله خبرة بأمور الحرب، وإقامة العدل، علاوة على بعض الشروط العامة التي يجب توافرها فيه، كأن يكون مسلماً، حراً، سليم الأعضاء، بالغاً، عاقلاً، وأن يكون ذكراً). ويرى الخوارج وجوب الخروج بالقوة على الإمام الجائر غير المنفذ لأحكام الله تعالى، لإزالة الظلم والبغي، وإقامة العدل والحق، فهم كما يقول الإمام الأشعري: «يقولون باستخدام السيف لإزالة أئمة الجور، ومنعهم أن يكونوا أئمة، بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره (2).
فالثورة على الحاكم الظالم واجبة، ومقاومته ضرورية، وتاريخ الخوارج كان تطبيقاً عملياً لذلك الرأي، فقد كانوا يجاهرون به في معظم الأحيان، ويطبقونه كلما سنحت لهم الفرصة بذلك، وهم بهذا يخالفون جمهور أهل السنة) الذين يرون الاكتفاء بالنصح للإمام الجائر وعدم الخروج عليه، لما قد يفضي إليه من شيوع الفتن وإراقة الدماء
(3)
ومن هذا يتضح موقف الخوارج بجلاء في الوقوف في وجه الحاكم الظالم، وذلك يتفق مع طبيعتهم الثورية، التي تقضي بمقاومة الظلم، ولقد كان هدفهم الأسمى إقامة دولة تطبق شرع الله وأحكامه، وفي سبيل ذلك لا بد من مقاومة لكل خارج عن حدود الدين، سواء كان حاكماً أو محكوماً، غير مبالين بالنتائج التي تنجم
عن ذلك.
(1) كتابنا: الجمهورية المثالية في فلسفة أفلاطون وموقف الإسلام منها، ص 311 - 12 3، طبعة الصفا والمروة، 1997. قارن: نظام الحكم في الإسلام، د. محمد يوسف موسى، ص 68 - 69.
(2) مقالات الإسلاميين، (1/ 204).
(3) كتابنا قضية الإمامة، ص 136. (1/235)
صفحة 226
236
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ويعتقد المستشرق (فلهوزن) أن الخوارج لم تأت في موضوع الخلافة بأمر غريب أو مستنكر، لأنهم لم يكونوا فرقة ضئيلة العدد تعمل في الظلام، وتتكون في شكل تنظيم سري، بل كانت ظاهرة أمام الكافة، وتستند في آرائها على الرأي العام الذي كانت له الغلبة في معسكر أهل العراق في موقعة (صفين)، وأن مبادئهم قد أغرت الكثيرين بالانضمام إليهم دون أن ينادوا هم بها، وعلى هذا، فإن الخوارج إذن كانوا حزباً ثورياً صريحاً كما يدل على ذلك اسمهم، أجل كانوا حزباً ثورياً يعتصم بالتقوى، ولم ينشؤوا عن عصبية العروبة، بل عن الإسلام» (1).
ويرتبط بمعنى التقوى عند الخوارج ما يفهمه (فلهوزن) عن التقوى في الإسلام، التي يصفها بأنها ذات اتجاه سياسي عام، وهي أعلى درجة عند الخوارج، لأن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان يتحقق على يد الخوارج بمناسبة وغير مناسبة، لأنه لا سلطان على الناس إلا الله تعالى، ولكي تصبح السلطة الزمنية شرعية فيجب أن تخضع خضوعاً مطلقاً للدين، لأنها تحكم باسم الله، فالإمام ما هو إلا رمز معبر عن وحدة الأمة الإسلامية (2).
وقد أخطأ الخوارج خطاً شنيعاً بتكفيرهم علياً له وغيره من كبار الصحابة ثم تكفيرهم المخالفيهم بارتكاب الذنوب، فإن تكفير المسلم العادي بشبهة ليس من المسائل الهيئة في الدين فما بالك بتكفير صحابة النبي؟ وما ورد في حقهم من النصوص الثابتة، والأخبار الموكدة التي تشهد لهم بكمال الإيمان، ولكن الخوارج فيما يبدو لم يكونوا مثبتين في أمر دينهم، أو متفقين في كيفية استنباط
(1) الخوارج والشيعة لمؤلفه يولوبوس، فلهوزن، ترجمة: د. عبدالرحمن بدوي، ص 25، طبعة النهضة المصرية، 1968. (2) الخوارج، الأصول التاريخية لمسألة تكفير المسلم د. مصطفى حلمي، ص 46 - 47، طبعة التقدم،
1977 (1/236)
صفحة 227
قضية الإمامة
237
أحكامه، فجاءت أحكامهم التي أطلقوها بالتكفير أحكاماً جزافية، لا تستند إلى
(1)
شهادة نص، ولا تتفق مع حكم عقل).
وفي رأينا أن تدين الخوارج كان من النوع الحماسي، الذي يقود صاحبه إلى
(2)
الهوس، والبعد عن جادة الصواب. فقد ضاقت عقولهم عن قبول الحق، فظلوا يثيرون الفتن، ويمعنون في تكفير من عداهم من غير تثبت في الأمر، أو نظر إلى
العواقب.
ومهما يكن من أمر، فإن الخوارج هم أول حزب سياسي تكون في تاريخ الإسلام، ولكنه لم يستطع الصمود بسبب غلوه وتطرفه، أما الكثرة الغالبة من المسلمين، بعد أن أصبح موضع نقد وهجوم من الفرق جميعاً، فلم يبق إلا الصورة المعتدلة ممثلة في فرقة الأباضية، التي استطاعت أن تنجو من الاندثار لاعتدالها
ومسايرتها لأصول المعتقدات.
الإمامة في الفكر الأباضي
الأباضية وإن نسبوا إلى الخوارج، إلا أنهم يرون أنهم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقة، ويرون أن القدوة الحسنة كانت بعد النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا يحبون عثمان الله ويسمونه صاحب (بدع)، ولا يلعنون
علياً، بل أنكروا قبوله التحكيم، ويعتبرون بيعته باطلة بعد قبوله التحكيم.
ويرون أن الحكم الشرعي يجب أن يكون عن طريق الإمامة، وللإمام السلطتان الدينية والدنيوية، ويجب أن يكون اختياره عن طريق البيعة، والإمامة خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة بالوصية باطلة في مذهبهم (3). والإمامة عندهم هي: -
(1) علم الكلام وبعض مشكلاته، ص 38 - 39. (2) العقد الفريد لابن عبد ربه، (2/ 388)، طبعة مصر. (3) إسلام بلا مذاهب، ص 136 - 137. (1/237)
صفحة 228
238
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
الدين وحفظ الإسلام، وحكمها فرض بنص الكتاب والسنة والإجماع (2)، ونصب الإمام عندهم واجب التوقف الواجب عليه من الأمر والنهي وإقامة الحدود، والقيام بالعدل والإنصاف وردع المعتدي
(3)
ونظرتهم إلى الإمامة نظرة معتدلة، فهي حق لكل مسلم، توفرت فيه صلاحية الدين واستقامته على أمر الله تعالى، وحذقه الحق والعدل، فلا يشترطون فيه أن يكون قرشياً، وإنما ينبغي أن يكون ورعاً فاضلاً، يحكم بكتاب الله، وسنة رسوله مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات:13]، ومن ثم كانت الدعامتان الأساسيتان في شروط الخلافة الكرم والتقوى)، وأسقطوا (القرشية)، أو (الهاشمية). الأباضية حين تمثلوا الخلافة على النحو الذي اشترطوه كان أمامهم عدد من علماء المسلمين من أجناس مختلفة، وألوان متباينة، وكل منهم صالح لإمامة المسلمين. ويحضرني في هذا المجال أبو عبيدة مسلم فقد كان زنجياً أسود أعور، ولكنه مع ذلك كان درة في جبين المذهب، وواحداً من أهم أركانه. غير أن هذا الانفتاح في شروط الإمامة ربما كان وسيلة بشكل ما ولو غير مباشر في الحملة على الراشدين القرشيين الثالث والرابع، وهما (عثمان وعلي رضي الله عنهما، إضافة إلى الأسباب الأخرى التي رآها الأباضية فيهما، ومن قبلهم فرق الخوارج المعروفة (4).
والأباضية بقولهم في الإمامة لعامة المسلمين ممن يصلح لها أولوا الأحاديث الصحيحة التي تنص على أن الإمامة في قريش، فقالوا في حديث: «لا يزال الأمر في
(1) شرح مقدمة التوحيد، للشيخ محمد بن يوسف أطفيش، ص 417، طبعة الجزائر. (2) شرح الجامع الصحيح، مسند الإمام ابن الربيع، (1/ 75). (3) شرح النيل وشفاء العليل الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (271/ 14)، طبعة بيروت، 1972. (4) إسلام بلا مذاهب ص 139 طلقات المعهد الرياضي، ص 22. قاموس الشريعة، (6/ 37). (1/238)
صفحة 229
قضية الإمامة
239
قريش ما بقي منهم اثنان» (1). وحديث: الأئمة من قريش (2): إنها أخبار عن الواقع بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وليس تخصيصاً لقريش بالإمامة (3).
وتقول الأباضية بجواز الخروج على الإمام الظالم، وهذا القول وسط بين ما يذهب إليه أهل السنة، من عدم جواز عصيان الحكم وبين الفرق الأخرى المتطرفة من الخوارج، التي تقول بضرورة الخروج عليه، وتنادي بالشراء وتكفير القعدة، وفي هذا يقول (الورجلاني) أحد فقهاء وفلاسفة الأباضية: اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة - أي الأباضية - في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية أنه لا يحل الخروج عليهم، ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم. وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال المقولة الأولى قول أهل الدعوة أنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم العداء، والامتناع من إجراء
:
أحكامهم عليهم، إذا كنا في غير حكمهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا. والمقولة الثانية: قول المخالفين، أنه لا يجوز الخروج عليهم، ولا قتالهم، ولا الامتناع عن أحكامهم ولا الدفاع عنهم.
والمقولة الثالثة: مذهب الأزارقة والصفرية والنجدات في الاستعراض لسائر الخلق الملوك وجنودها، والرعية وعوامها؛ لأنهم حكموا على الجميع بالشرك فاستعرضوا الجميع وأجروا عليهم حكم الشرك والقتل والسبي والغنيمة، وقولنا هو الصواب إن شاء الله، لأنا نقول: لا يحل لنا أن نستعرض أحداً من الرعايا والمسافرين وغيرهم، إلا الملوك الظلمة الجورة، وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا، فإن
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، (13/ 114). (2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن أنس بن مالك بلفظه (3/ 183). (3) شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، للسالمي، (1/ 75). (1/239)
صفحة 230
240
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
خرجنا عليهم قاتلناهم حتى نزيل ظلمهم على العباد والبلاد، وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك
(1)
ولكن هذا الموقف للأباضية لم يبلغ روح العداء كلية للملوك أو السلاطين الظلمة، لأنهم اتفقوا على أن دار مخالفيهم من أهل مكة دار توحيد، إلا معسكر السلطان، فإنه دار بغي، فهم يستثنون دار السلطان، ويعدونها دار بغي، وهم على أية حال أخف من قول غيرهم من فرق الخوارج.
(2)
وبناءً على ذلك قسم الأباضية الوطن أو الدار إلى نوعين: دار إسلام، أي توحيد وعدل؛ ومعسكر السلطان معسكر توحيد وعدل في هذه الدار، وطاعته هنا واجبة، والخروج عليه فسق، ولا يسمي الأباضية معسكر السلطان دار بغي في هذه الحالة، حتى لو وصل إلى الحكم بتولية غيره له، أو بمساع منه غير مشروعة، لكنه في سلطان الحكم يقوم بشريعة الإسلام والنوع الثاني وطن تسكنه أمة كافرة، وتتولى الحكم فيه دولة أو جماعة لا تدين بالإسلام أصلاً، سواء في ذلك أكانت الدولة كتابية، أم علمانية، أم ملحدة، فالجميع يمثلون دار الكفر، ويسمي الأباضية هنا معسكر السلطان دار كفر، وأما في حالة ما إذا كانت الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، إلا أن الحاكم لا يلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتباع أحكام الله في رعيته، فيكون معسكر السلطان عندهم معسكر إسلام، إلا أنه معسكر بغي يجوز الخروج عليه وتغييره بحاكم عدل يطبق أحكام الله في أرضه)
(3)
(1) الدليل والبرهان أبو يعقوب يوسف الورجلاني، (62/ 3 - 63)، طبعة مصر، 1306 هـ. قارن: تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، د. يحيى هويدي (851)، طبعة القاهرة، 1966. الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص 295. (2) الفرق بين الفرق، ص 106. الملل والنحل (1341) مقالات الإسلاميين، (1/ 204). (3) الأباضية بين الفرق، ص 297 بتصرف. (1/240)
صفحة 231
قضية الإمامة
241
ويصبح عزل الإمام والبراءة منه أمراً حتماً ولازماً، متى ارتكب معصية تعتبر
كبيرة، واستمر عليها وشهد على ذلك أهل الديار، فإنه يجب عليهم قبل البراءة منه والخروج عليه وخلعه، أن يستتيبوه من حدثه، فإن تاب، رجع إلى إمامته وولايته معهم، وإن أصر ولم يتب من حدثه ذلك، كان للمسلمين عزله، فإن كره أن يتوب، أو رفض أن يعتزل، وقاوم يحلون دمه، ويوجبون الجهاد ضده
•
(1)
ومهما يكن من أمر، فإن الأباضية وإن كانوا لا يوجبون تكفير الإمام الظالم غير الملتزم بروح الإسلام وإقامة أحكام الله تعالى، بل يعتبرون معسكره معسكر بغي إلا أنهم في قضية الإمامة يلتقون مع الخوارج في نقاط كثيرة، بل إن شئت فقل يلتقون معهم في جوهر القضية.
ونكتفي بهذا القدر، سائلين المولى تبارك وتعالى التوفيق والسداد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(1) شرح النيل وشفاء العليل، (12/ 342). (1/241)
صفحة 232
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
فقد أسفر البحث في موضوع «الأباضية: نشأتها وعقائدها»، عن عدة معالم أو نتائج أساسية يمكن تلخيصها وإجمالها في الآتي:
1 - الخلاف بين الناس بدأ منذ نشأة الإنسان، ومنذ نزول الوحي من السماء واختيار الله تعالى للأنبياء، وإن كان هذا الخلاف لم يشتهر، فلبعد الزمان، ولعدم وجود الخبر المتواتر الذي يعتمد عليه، اللهم إلا ما قصه القرآن على
-2
رسوله.
إن الخلاف الذي حدث بين المسلمين لم يتناول لب الدين، فلم يكن في الأصول الاعتقادية، مثل وحدانية الله تعالى، ووجوده ... إلخ، كذلك لم يتعرض الخلاف إلى ركن من أركان الإسلام، أو إلى أمر علم من الدين بالضرورة، وإنما كان الخلاف في أمور لا تمس الأركان، ولا الأصول العامة. 3 - إن قضية الإمامة هي أول قضية اختلف المسلمون في شأنها بعد وفاة الرسول مباشرة، وأدى الخلاف حولها فيما بعد إلى انقسام المسلمين إلى فِرَق وأحزاب تتصارع فيما بينها صراعاً سياسياً، سرعان ما تطور فأصبح صراعاً عقائدياً، كان له أثره في توجيه الحوادث المكونة للتاريخ الإسلامي، وقد بقي
هذا الأثر إلى يومنا هذا. (1/243)
صفحة 233
244
الأباضية
4 - إن الخوارج هم أول حزب سياسي تكوّن في تاريخ الإسلام، ولكنه لم يستطيع الصمود بسبب غلوه وتطرفه أمام الكثرة الغالبة من المسلمين، بعد أن أصبح موضع نقد وهجوم من الفرق جميعاً، فلم يبق إلا الصورة المعتدلة، ممثلة في فرقة الأباضية، التي استطاعت أن تنجو من الاندثار لاعتدالها ومسايرتها لأصول المعتقدات.
5 - إن الخوارج هم نواة الأباضية، وهم نقطة البدء في مسيرتها ومشوارها، رغم استنكار الأباضيين المعاصرين بشدة انتماءهم إلى الخوارج.
-6
إن الأباضية تنسب إلى عبد الله بن أباض) مؤسس المذهب، لأنه هو الذي أذاعها وأعلن عنها، وقد اتفقت كتب المقالات الإسلامية على هذه التسمية.
7 - إن الفرق التي انشقت عن الأباضية جاءت نتيجة أوضاع سياسية، أو أفكار شخصية لأصحابها، وأن ما تمخضت عنه من أفكار لا تمت إلى المذهب الأباضي، وإنما هي ابتداعات ابتدعها المنشقون لأغراض سياسية ودنيوية
بحتة.
تناولنا جوانب العقيدة عند الأباضية، بدءاً من عقيدة إثبات الصانع، وانتهاء بقضية الإمامة، ورأينا المذهب يعتقد اعتقاداً صحيحاً في تنزيه الخالق تنزيهاً مطلقاً، وما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مما يوهم التشبيه فإنهم يؤولونه بما يفيد المعنى، ولا يؤدي إلى التشبيه مثبتين الله تعالى الأسماء الحسنى، والصفات العليا كما أثبتها لنفسه.
و - يعتقد الأباضية اعتقاداً صحيحاً في الإيمان بالله الخالق، وطريقتهم في معرفته تعالى هي الوجوب الشرعي لا العقلي، وهم بهذا يوافقون أهل السنة ويخالفون المعتزلة، إلا أننا لاحظنا أنهم لم يحافظوا على هذه القاعدة، وهي وجوب تقديم الشرع على العقل، فقد نهجوا نهج المعتزلة في الأسماء والصفات، فتأولوا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله. (1/244)
صفحة 234
الخاتمة
245
10 - صفات الباري عندهم ذاتية ليست زائدة على الذات، ولا قائمة بها، ولا حالة فيها، بل هي عين الذات، نفياً لتعدد القدماء، موافقين في هذا المعتزلة، ومخالفين أهل السنة، الذين يرون أن الصفات زائدة على الذات.
11 - سلك الأباضية في الصفات (الخبرية) منهج المعتزلة، فقد أولوا هذه الصفات بمعان تليق بمخالفته تعالى للحوادث فيد الله، قدرته، وعينه حفظه، وجنب الله حقه، وقبضة الله ملكه ويد الله نعمته، ومجيء الله أمره، ونزوله إلى سماء الدنيا نزول ملك من ملائكته إليها بأمره ليحض على عبادته.
12 - اتفق الأباضية - مع استثناء بعضهم - مع المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، واستحالة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، وتأويل بعض مسائل الحياة الأخرى تأويلاً مجازياً، كالصراط والميزان، وتأويل كل تشبيه ظاهر تأويلاً مجازياً كاستواء الله على العرش وغير ذلك مما ورد يوهم ظاهره المماثلة للحوادث، وكذلك وافقوا المعتزلة في الوعد والوعيد، وإنكار الشفاعة لأصحاب الكبائر، وخلود أصحاب الكبائر في النار.
13 - وافق الأباضية الأشاعرة في مسألة أفعال العباد، فهم يقولون بفكرة الكسب التي قال بها الأشعري، وهم بذلك يخالفون المعتزلة، فأفعال العباد عندهم خلق من الله، واكتساب من الإنسان، وهم بذلك يقفون موقفاً وسطاً بين المعتزلة والجبرية.
14 - شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون لمن مات مصراً غير تائب، إنما الشفاعة لمن مات على الصغيرة، أو مات وقد نسي ذنباً أن يتوب منه، أو فعل كبيرة وتاب قبل الموت.
15 - لا منزلة بين المنزلتين في الفكر الأباضي، أي بين الإيمان والكفر، فهما ضدان كالحياة والموت وكالحركة والسكون، فالشخص - عندهم - لا يخرج من الإيمان إلا ويدخل في الكفر، فمن لم يكن مؤمناً كان كافراً لا محالة. (1/245)
صفحة 235
246
الأباضية
16 - الإيمان عندهم قول وتصديق وعمل والإيمان والإسلام عندهم لفظان مترادفان، مهملين بذلك الدلالات اللغوية بين كل منهما. أما عن زيادة الإيمان ونقصانه، فهو نقطة اختلاف بينهم.
17 - يطلق الأباضية على الموحد العاصي كلمة كافر، ويعنون بها كفر النعمة، ويجرون عليه أحكام الموحدين فالكفر عندهم كفر نعمة ونفاق، وليس كفر شرك وجحود، وهو الذي يخرج الإنسان من الملة الإسلامية.
18 - دماء مخالفيهم - من المسلمين - حرام و دارهم دار توحيد وإسلام، إلا معسكر السلطان، ويجوزون شهادة المخالفين ومناكحتهم، والتوارث بينهم، ومن ذلك كله يتبين اعتدالهم وإنصافهم لمخالفيهم من المسلمين.
19 - توقفوا في أطفال المشركين، وجوزوا تعذيبهم، وأجازوا دخولهم الجنة تفضلاً. 20 - عقد الإمامة فريضة، بفرض الله تعالى الأمر والنهي، والقيام بالعدل، وأخذ الحقوق من مواضعها ووضعها في مواضعها، ومجاهدة العدو.
21 - رئاسة الدولة الإسلامية - الإمامة - ليس مقصورة على قريش، أو العرب، وإنما يراعى فيها الكفاءة المطلقة، فإن تساوت الكفاءات كانت قريش أو العروبة مرجحاً.
22 - الخروج على الإمام الجائر، ليس واجباً كما تقول الخوارج، وليس ممنوعاً كما يقول أهل السنة، وإنما هو جائز، بترجيح استحسان الخروج إذا غلب على الظن نجاحه، ويستحسن البقاء تحت الحكم الظلم، إذا غلب على الظن عدم نجاح الخروج، أو خيف أن يؤدي إلى مضرة تلحق بالمسلمين أو تضعف قوتهم على الأعداء في أي مكان من بلاد الإسلام
وبعد: (1/246)
صفحة 236
الخاتمة
247
فهذا ما هداني الله تبارك وتعالى إليه في بحثي هذا، فإن كنت قد وفقت فذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه، وإن تكن الأخرى، فعذري أنني بشر أخطئ وأصيب، والكمال الله وحده، وحسبي ما ابتغيت إلا وجه الحق والصواب.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. محمد بن الحسن المهدي (1/247)
صفحة 237
المصادر والمراجع
-1 - القرآن الكريم، جل من أنزله.
2 - أضواء على أهم الفرق الإسلامية وبعض المذاهب المعاصرة، د. عبدالمنعم شعبان،
-3
-4
-5
-6
-8
القاهرة، قاصد خير.
الأشعري، د. حمودة غرابة، الخانجي، القاهرة، 1953. الأباضية مذهب وسلوك، أ. السيد عبد الحافظ، القاهرة، 1987. إسلام بلا مذاهب، د. مصطفى الشكعة، الدار المصرية اللبنانية، 1997. الأباضية بين الفرق الإسلامية، د. علي يحيى معمر، القاهرة، 1976. الأباضية في موكب التاريخ، د. علي يحيى معمر، القاهرة، 1946.
الأباضية في الجزائر، د. علي يحيى معمر، الجزائر، 1979. و الأباضية عقيدة ومذهباً، د. صابر طعيمة، بيروت، 1986. 10 - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان العلامة محمد بن يوسف أطفيش، الجزائر،
1304 هـ.
11 - إخوان الصفاء وفلسفتهم الدينية، د. محمد المهدي، المطبعة العربية الحديثة. 12 - الإسلام العقل، د. عبد الحليم محمود، طبعة دار الكتب الحديثة، 1973. 13 - أصول الدين عبد القاهر البغدادي، بيروت، 1980.
14 - الله جل جلاله سعيد حوى طبعة دار القلم، بيروت، 1981. 15 - أعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، طبعة القاهرة، 1955. 16 - الأسماء والصفات الإمام البيهقي، بيروت، 1358 هـ.
17 - الاعتقاد على مذهب السلف وأهل السنة للإمام البيهقي، القاهرة، 1984. (1/249)
صفحة 238
250
الأباضية
-18
اللمع للأشعري، طبعة الخانجي، 1955.
19 - الانتصار للخياط، دار الكتب المصرية، 1952.
20 - إحياء علوم الدين الإمام الغزالي، طبعة القاهرة.
21 - الإرشاد إلى قواطع الأدلة، للإمام الجويني، طبعة الخانجي، 1950. الإنصاف، للباقلاني، القاهرة، 1369 هـ.
-22
23 - الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي، طبعة دار الطباعة المحمدية، 1973.
24 - الإبانة في أصول الديانة للإمام الأشعري، طبعة المنيرية، القاهرة. 25 - إزالة الاعتراض عن محقي آل أباض محمد يوسف أطفيش، طبعة سلطنة عمان. 26 أصول الديانات، الشماخي، طبعة القاهرة، 1304 هـ.
27 - ابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي، د. عوض الله حجازي، القاهرة. 28 - إشارات المرام من عبارات الإمام كمال الدين البياضي، الحلبي، 1949. 29 - ابن رشد وفلسفته الإلهية، د. محمد المهدي، طبعة الصفا والمروة، 1997. 30 ابن رشد و فلسفته الدينية د. محمود، قاسم، طبعة الإنجلو، 1969. 31 - الله أ. عباس العقاد، طبعة القاهرة، 1972. 32 - اعتقادات فرق المسلمين الرازي طبعة الكليات الأزهرية، 1978.
33 - الأعمال الكاملة، الشيخ محمد عبده، طبعة دار الشروق، القاهرة. 34 - إتحاف المريد بجوهرة التوحيد الشيخ عبد السلام إبراهيم، طبعة القاهرة، 1960. 35 - الأحكام السلطانية، أبو الحسن الماوردي، طبعة الوطن بمصر، 1298 هـ. 36 أصول الحكم في الإسلام، د. عبد الرزاق السنهوتي، طبعة البيئة المصرية، 1998. 37 - البداية والنهاية، للحافظ ابن كثير، طبعة بيروت، 1981. 38 البلدان أحمد بن أبي يعقوب، طبعة ليدن، 1891.
39 - بهجة أنوار العقول للسالمي، طبعة مصر. 40 - تاريخ المذاهب الإسلامية، الشيخ محمد أبو زهرة، طبعة دار الفكر العربي.
41 - التبصير في الدين للإسفراييني، القاهرة، 1955.
42 - تفسير القرطبي، للإمام القرطبي، طبعة الشعب. (1/250)
صفحة 239
المصادر والمراجع
251
43 - تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، د. حسن إبراهيم، طبعة
مصر، 1966.
44 - تاريخ الأمم والملوك، للإمام الطبري، طبعة القاهرة.
45 - التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود، طبعة دار المعارف، 1984. 46 - التمهيد للإمام الباقلاني، طبعة بيروت، 1975.
47 - التمهيد للإمام النسفي طبعة القاهرة.
48 - التوحيد للإمام الماتريدي، طبعة بيروت.
49 - تمهيد لتاريخ الفلسفة، الشيخ مصطفى عبد الرازق، القاهرة، 1944. 50 - التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، د. عبدالرحمن بدوي، طبعة دار النهضة،
1965
51 تاريخ الفلسفة العربية، حنا الفاخوري وخليل الجر، طبعة بيروت، 1982. 52 - التحقيق التام في علم الكلام للظواهري، طبعة النهضة المصرية، 1939. تاريخ بغداد الخطيب البغدادي، طبعة القاهرة، 1930.
-53
54 - التعريفات للجرجاني، طبعة الحلبي، القاهرة. 55 - تحفة المريد على جوهرة التوحيد، الشيخ البيجوري، طبعة المطبعة العربية، 1977. 56 تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، د. يحيى هريدي، طبعة القاهرة،
-57
1966
الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، طبعة القاهرة. 58 - الجمهورية المثالية في فلسفة أفلاطون وموقف الإسلام منها، د. محمد المهدي، طبعة الصفا والمروة، 1997.
59 - الحقيقة والمجاز في تاريخ الأباضية باليمن والحجاز، د. سالم السمائلي، طبعة سجل العرب، 1981.
60 - حاشية الدسوقي على أم البراهين طبعة المطبعة الخيرية، القاهرة.
61 - الخطط، أبو القاسم المقريزي، طبعة دار صادر، بيروت. 62 - الخوارج الأصول التاريخية لمسألة تكفير المسلم د. مصطفى حلمي، طبعة دار الأنصار، القاهرة، 1977. (1/251)
صفحة 240
252
الأباضية
63 - الخوارج في بلاد المغرب، د. محمود إسماعيل، طبعة القاهرة، 1986. 64 - الخوارج والشيعة، يولوبوس فلهوزن، طبعة النهضة المصرية، 1968. 65 الخلافة، رشيد رضا، طبعة القاهرة.
66 - الدرر السنية خلاصة شرح السنوسية، سيد علي حيدرة، طبعة الحلبي، 1957. 67 - دراسات نقدية في مذاهب الفرق الكلامية، د. محمد الأنوار السنهوتي، دار الثقافة العربية، 1990.
68 درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية طبعة دار الكتب المصرية، 1971. -69 - دراسات في علم الكلام والعقيدة، د. جميل أبو العلا، طبعة القاهرة، 1984. 70 - دراسات في علم التوحيد، (النبوات والسمعيات)، د. محمد المهدي، طبعة الصفا والمروة، 1997.
71 - دراسات في العقيدة حول السمعيات د. محمد عبدالصبور، طبعة دار الطباعة الحديثة، 1986.
2 - الذهب الخالص المنوه بالعلم الخالص، محمد بن يوسف أطفيش، طبعة سلطنة
عمان.
73 - الرد على الرافضة للإمام المقدسي، طبعة دار الجبل، 1989.
74 - الدليل والبرهان الورجلاني، طبعة مصر، 1306 هـ.
1965
75 - رسالة التوحيد الشيخ محمد عبده، طبعة صبيح: 76 - الرد على الجهمية والزنادقة للإمام ابن حنبل، طبعة السعودية، 1982. 77 - رسائل في العقيدة، د. محمد صالح العثيمين، طبعة الرياض، 1983. 78 - الرسالة التدمرية لابن تيمية، طبعة القاهرة.
79 - الزينة، لأبي حاتم الرازي، طبعة دار الحرية بغداد، 1972. 80 - الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيثمي، طبعة القاهرة. 81 - السير، للشماخي، طبعة القاهرة.
82 - السمعيات من شرح المقاصد، سلمان خميس، القاهرة 1966. 83 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، طبعة دار الكتب العربية. (1/252)
صفحة 241
المصادر والمراجع
253
84 - الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين تحقيق وتقديم: د. سليمان دنيا، طبعة
الحلبي، 1377 هـ.
85 - شرح العقيدة الوسطية لابن تيمية د. محمد خليل هراس، طبعة الرياض، 1983. 86 - شرح الخريدة في علم التوحيد الشيخ أحمد الدردير، طبعة صبيح.
87 - شرح الأصول الخمسة، القاضي عبدالجبار، طبعة بيروت. 88 - شرح القصيدة النونية للمصعبي، طبعة القاهرة، 1306 هـ.
89 - شرح المواقف للشريف الجرجاني، طبعة السعادة 1907. 90 - شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي طبعة المكتب الإسلامي، 1984. العقائد النسفية، لسعد الدين التفتازاني طبعة مكتبة الكليات الأزهرية
91 - شرح
1407 هـ.
92 - شرح المقاصد في علم الكلام لسعد الدين التفتازاني طبعة عالم الكتب، 1989. 93 - شرح مقدمة التوحيد، محمد بن يوسف أطفيش، طبعة الجزائر.
94 - شرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، طبعة بيروت، 1972. 95 - شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع للسالمي، طبعة عمان.
96 - صحيح البخاري، للإمام البخاري، طبعة الشعب.
97 - صحيح مسلم بشرح النووي، طبعة الشعب.
98 - صفة المغرب وأرض السودان ومصر، الشريف محمد الإدريسي، طبعة ليدن، 1894. 99 - صوت الأزهر. من تراث د. عبد الحليم محمود، العدد 151، طبعة الأزهر. 100 – الصحاح، لإسماعيل الجوهري، طبعة بيروت، 1979.
101 - طبقات المشايخ بالمغرب، أبو العباس الدرجيني، طبعة الجزائر، 1974. 102 - طلقات المعهد الرياضي، سالم بن حمود، طبعة وزارة التراث القومي عمان. 103 - طبقات الشافعية الكبرى تقي الدين السبكي، طبعة القاهرة، 1906.
104 - عبقرية عمر، أ. عباس العقاد، طبعة الخانجي القاهرة.
105 - علم الكلام ومدارسه، د. فيصل عون، طبعة دار التوفيق، 1981. 106 – العقود الفضية في أصول الأباضية سالم الحارثي، طبعة دار اليقظة العربية سوريا. (1/253)
صفحة 242
254
الأباضية
107 - العقيدة والأخلاق، د. محمد سيد طنطاوي، طبعة الأوقاف، 1988. 1 - معالم الدين إبراهيم الثميني، طبعة سلطنة عمان، 1986.
-108
109 - العقيدة الإسلامية بين العقل والنقل، د. عبد السلام عبده، طبعة القاهرة. 110 - العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، للجويني، طبعة القاهرة، 1978.
111 – العقائد النسفية للإمام عمر النسفي، طبعة الحلبي، 1322 هـ. 112 - علم الكلام وبعض مشكلاته، د. أبو الوفا التفتازاني، طبعة الثقافة، 1979. 1 - علم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة لابن حزم، طبعة القاهرة، 1989.
-113
114 - العقيدة الإسلامية والأخلاق، د. محيي الدين الصافي، طبعة القاهرة. 115 - عقيدة الأباضية، مجموعة مباحث نشرها أساتذة الآداب، طبعة الجزائر، 1905. 116 - العقائد الإيمانية في العقيدة الإسلامية، د. عبد السلام عبده، طبعة القاهرة،
1979
117 - علم التوحيد في ثوب جديد د عبد السلام عبده، طبعة الفجر الجديد، 1980. 118 - العقيدة السلفية بين الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية، د. السيلي، طبعة دار المنار،
-119
1995
- العقيدة وأثرها في سلوك الإنسان، د. محمد المهدي، طبعة المطبعة العربية الحديثة.
120 - العقد الفريد لابن عبد ربه، طبعة مصر. 121 - الغلو والفِرَق الغالية في الحضارة الإسلامية، لأبي حاتم الرازي، طبعة بغداد،
1972
122 - غاية المرام في علم الكلام للآمدي المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. 123 - الفرق بين الفِرَق للإمام عبد القاهر البغدادي طبعة دار التراث، القاهرة.
124 - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، طبعة القاهرة، 1902. 125 - الفرق الكلامية الإسلامية، د. عبد الفتاح المغربي، طبعة دار التوفيق، 1986. 126 - في الفلسفة الإسلامية منهجه وتطبيقه، د. إبراهيم مذكور، طبعة دار المعارف،
1983
127 - فرق الأباضية الست وما زاغت به عن الحق، أبو عمر المارغني، طبعة الجزائر. (1/254)
صفحة 243
المصادر والمراجع
255
128 - قضية الإمامة نشأتها وتطورها بين الفرق الإسلامية، د. محمد المهدي، طبعة الصفا
والمروة، 1999.
129 - فجر الإسلام، أ. أحمد أمين، طبعة الهيئة العامة، 1996. 130 - القول المبين في أهم قضايا علم أصول الدين د. محمد المهدي، طبعة المطبعة العربية الحديثة.
131 - القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد، د. محمد المهدي، طبعة الصفا والمروة،
1997
132 - قناطر الخيرات للجيطالي، طبعة القاهرة، 1965. 133 - الفتاوى لابن تيمية، جمع وترتيب عبدالرحمن بن قاسم، طبعة الرياض، 1982. 134 - القرآن والفلسفة، د. محمد يوسف موسى طبعة دار المعارف، 1982. 135 - قضية التكفير في الفكر الإسلامي، د. محمد سيد المسير، طبعة دار الطباعة
المحمدية، 1996.
136 - قاموس الشريعة، خميس السعدي، طبعة زنجبار، 1299 هـ. 137 - الكشف والبيان، محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي، طبعة عمان، 1981. 138 - کتاب الوضع، أبو زكريا يحيى الجناوني، طبعة سلطنة عمان.
139 - لسان العرب لابن منظور، طبعة دار المعارف.
140 - لمع الأدلة، للإمام الجويني، طبعة بيروت، 1987.
-141
14 - لوامع الأنوار البهية للعلامة السفاريني، طبعة المكتب الإسلامي، 1380 هـ.
142 - الملل والنحل للشهرستاني، طبعة الحلبي، 1976.
143 - مقالات الإسلاميين للأشعري، طبعة القاهرة.
144 - المقدمة لابن خلدون، طبعة عبد السلام شقرون القاهرة.
145 - منهاج ا
السنة النبوية لابن تيمية، طبعة القاهرة، 930.
146 - مسند الإمام أحمد بن حنبل، طبعة المكتب الإسلامي.
147 - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للـ
طبعة الرياض، 1409. (1/255)
صفحة 244
256
الأباضية
148 - مختصر تاريخ الأباضية، أبي الربيع الباروني، طبعة يونس.
149 - المسالك والممالك، لأبي القاسم بن حوقل، طبعة ليدن، 1873.
150 - مشارق أنوار العقول، أبو محمد بن عبدالله السالمي، طبعة سلطنة عمان. 1 15 - الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال، أبو عمار الكافي، طبعة الجزائر،
1338 هـ.
152 - المنقذ من الضلال، الإمام الغزالي، طبعة الجندي 1973.
-153
1 - محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للإمام الرازي، طبعة الكليات الأزهرية. 154 - معالم أصول الدين للإمام الرازي، طبعة الكليات الأزهرية. 155 - الموقف الخامس للإيجي، تحقيق: د. أحمد المهدي، طبعة القاهرة، 1876.
156 - معالم الدين إبراهيم الثميني، طبعة سلطنة عمان، 1986. 157 - محاضرات في العقيدة والفكر الحديث، د. محمد شمس الدين، طبعة الأنوار،
-158
1964
المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار، طبعة المجلس الأعلى
للثقافة، 1960.
159 - المسائل الخمسون في أصول الدين للرازي طبعة المكتب الثقافي، 1989.
160 - المطالب العالية للإمام الرازي، طبعة بيروت، 1987. 161 - المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار، طبعة القاهرة، 1971.
-162
1 - معارج السالكين لابن القيم، طبعة بيروت. 163 - المحيط بالتكليف، للقاضي عبد الجبار، طبعة الدار المصرية للتأليف، 1965. 164 - مذاهب الإسلاميين، د. عبدالرحمن بدوي طبعة دار العلم للملايين، بيروت،
1971
165 - مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم طبعة مكة المكرمة، 1929.
166 - المسلك المحمود سعيد، التعاريت طبعة الجزائر، 1321 هـ.
167 - مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد، طبعة الأنجلو المصرية، 1969.
-168
- منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، للرستاقي، طبعة الحلبي. (1/256)
صفحة 245
المصادر والمراجع
257
169 - المفردات في غريب القرآن الراغب الأصفهاني، طبعة دار المعرفة بيروت. 170 - مسألة القضاء والقدر، عبد الحميد، قنيس طبعة دار الكتاب العربي، 1979. 171 - منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين د. مصطفى حلمي، طبعة دار الدعوة، 1982.
172 - المعتزلة بين القديم والحديث، د. محمد العبد وطارق عبدالحليم، طبعة دار الأرقم،
1987
173 - مختار الصحاح، للرازي، طبعة القاهرة.
174 - المواقف للإيجي، طبعة المتنبي، القاهرة.
175 - محاضرات في التوحيد الشيخ صالح شرف، طبعة القاهرة. 176 - مختصر تاريخ الأباضية، للباروني، طبعة مكتبة الاستقامة تونس.
177 - مذهب التجسيم عند المسلمين، مذهب الكرامية، د. سهير مختار، طبعة الإسكندرية، 1971.
178 - النظريات السياسية الإسلامية، د. محمد ضياء الريس، طبعة دار التراث، 1979.
6 - 179
- نظام الخلافة في الفكر الإسلامي، د. مصطفى حلمي، دار البيان، 1977. 180 - نيل الأطوار، للإمام الشوكاني، دار الفكر بيروت، 1402 هـ.
1 18 - نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني، طبعة القاهرة.
182 - النبوات لابن تيمية طبعة القاهرة، 1346 هـ.
183 - نماذج من الحكمة الدينية للمسلمين، د. سامي، لطف، طبعة القاهرة، 1978. 184 - نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر للرواحي، طبعة سلطنة عمان، 1400 هـ. 185 - النبوءات والسمعيات من شرح الم ح المقاصد، د. محيي الدين الصافي، طبعة القاهرة،
1966
186 – نظام الحكم في الإسلام، د. محمد يوسف موسى، طبعة دار الفكر العربي، 1963. 187 - وقعة صفين نصر بن مزاحم، طبعة القاهرة. (1/257)
صفحة 246
كتب للمؤلف
-1
-4
الفلسفة الإسلامية بين الأصالة والتقليد، طبعة الصفا والمروة، 1997.
2 ابن رشد وفلسفته الإلهية، طبعة الصفا والمروة، 1997. 3 - القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد، طبعة الصفا والمروة، 1997. الفلسفة الإغريقية من طاليس إلى أبر وقلوس، طبعة الصفا والمروة، 1997. 5 - المدينة الفاضلة في فلسفة الفارابي وموقف الإسلام منها، الصفا والمروة، 1997. 6 - الجمهورية المثالية في فلسفة أفلاطون وموقف الإسلام منها، الصفا والمروة، 1997.
7 - التيارات الفكرية المعاصرة، وخطرها على الإسلام، الصفا والمروة، 1998. 8 - الأخلاق الإسلامية وأثرها على الفرد والمجتمع، الصفا والمروة، 1998. 9 - قضية الإمامة ونشأتها وتطورها بين الفرق الإسلامية، الصفا والمروة، 1999. 10 - الأباضية نشأتها وعقائدها المطبعة العربية الحديثة، 1999. 11 - الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشير، طبعة المطبعة العربية الحديثة، 1999. 12 - المنطق الأرسطي بين القبول والرفض، طبعة المطبعة العربية الحديثة، 2000. 13 - القول المبين في أهم قضايا علم أصول الدين، طبعة المطبعة العربية الحديثة، 2000. 14 - العقيدة وأثرها في سلوك الإنسان، طبعة المطبعة العربية الحديثة، 2001.
15 - المنهاج القويم في منطق العلم الحديث ومناهج البحث، المطبعة العربية الحديثة، 2001. 16 - لمحات من الفلسفة الحديثة والمعاصرة المطبعة العربية الحديثة، 2001. 17 - ظاهرة الشك بين الغزالي وديكارت المطبعة العربية الحديثة، 2002. 18 - إخوان الصفا وفلسفتهم الدينية، المطبعة العربية الحديثة، 2002. 19 - التصوف الإسلامي بين الاعتدال والتطرف المطبعة العربية الحديثة، 2003. (1/259)
صفحة 247
مقدمة ...........
فهرست
تمهيد
الجزء الأول الأباضية نشأتها وفرقها
الأسباب التي ساعدت على اختلاف المسلمين ونشأة الفرق.
الخلاف الأول أثناء مرض الرسول صلى الله عليه وسلم
الخلاف الثاني
الخلاف الثالث في موت النبي صلى الله عليه وسلم.
الخلاف الرابع في موضع دفنه.
الخلاف الخامس في الإمامة بعده الخلاف السادس في قتال مانعي الزكاة الخلاف السابع في أمر فدك
الخلاف الثامن
العصبية القبلية.
دخول بعض أهل الديانات القديمة في الإسلام
ترجمة الكتب الفلسفية
الفصل الأول: النشأة التاريخية للخوارج
ألقابهم وأسماؤهم فرقهم
الفصل الثاني: النشأة التاريخية للأباضية.
تمهيد نشأة الأباضية (1/261)
صفحة 248
الفصل الثالث: فرق الأباضية المنشقة وعقائدها
تمهيد
فرقة النكارية
فرقة الخلفية
فرقة النفاثية
فرقة الحسينية
فرقة السكاكية
فرقة الفرثية
فرق الحفصية
فرقة الحارثية
فرقة اليزيدية
أصحاب طاعة لا يراد الله بها
الجزء الثاني
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
تمهيد
الفصل الأول: إثبات وجود الله تعالى.
أولاً: دليل الحدوث
ثانياً: دليل الخلق
ثالثاً: دليل الممكن والواجب.
الفصل الثاني: الصفات الإلهية تمهيد
مذهب الأباضية في الصفات
صفة الوحدانية
صلة الذات بالصفات
صفة العلم. صفة الإرادة
صفة القدرة
صفة الحياة (1/262)
صفحة 249
صفة الكلام صفتا السمع والبصر الصفات الخبرية.
الفصل الثالث: رؤية الباري تعالى
تمهيد مذهب الأباضية
الفصل الرابع: أفعال العباد بين الجبر والاختيار
تمهيد مذهب الأباضية
تعقيب
الفصل الخامس: النبوة تمهيد
النبوة في اللغة.
النبوة في الاصطلاح. الرسالة: هبة أم مكتسبة حكم الرسالة
حاجة البشر إلى الرسالة
المعجزة عصمة الأنبياء
الفصل السادس: السمعيات تمهيد
الحياة البرزخية البعث والمعاد
الحساب الميزان والوزن
الصراط حوض نبينا محمد
الملائكة
الشفاعة
الجنة والنار (1/263)
صفحة 250
264
الفصل السابع: الإيمان والإسلام. الإيمان بين الزيادة والنقص حكم مرتكب الكبيرة
الفصل الثامن: قضية الإمامة.
الخاتمة
تمهيد ........
الإمامة في فكر الخوارج ا الإمامة في الفكر الأباضي
المصادر والمراجع. كتب للمؤلف
فهرس (1/264)
صفحة 251
IBADISM: RISE & BELIEF
كان الناس، لما بعث الله النبي محمدا لله في ضلال مبين وفي ظلمات دامسة، وكانوا شيعًا وأحزاباً، مختلفين في آرائهم ومتضاربين في عقائدهم، وكان مبعثه بالهدى ودين الحق ليبين للنّاس طريق الهداية والمعرفة الحقة والعبادة الصحيحة، بعد أن التبس عليهم الحق فتاهوا بين وثنية جائرة منتشرة في شبه الجزيرة العربية وغيرها من البلدان، ومجوسية فاجرة في بلاد فارس وما جاورها، ونصرانية محرفة تشرك بالله تعالى وتقول بالتثليث والصلب والفداء، ويهودية مدمرة تقول إن عزيرا ابن الله، بعثه الله رسولا لإنقاذ البشريّة مما تردّت فيه من مهاوي الشرك والضلال. وعقيدة الإسلام عقيدة سهلة لا تعقيد فيها ولا غموض، وهي التي توافق الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وتتقبلها العقول النيرة التي لم تتأثر بعوامل التقليد أو العصبية، وإنما هي عقيدة حرة تدفع المرء للبحث والنظر.
من مقدمة المؤلّف
ISBN 978 - 6589 - 09 - 900 - 6
9786589 "099000
كليمية
الأردن، ص. ب 7855، عمّان، 11118، وسط البلد، بناية 12، وبناية 34 هاتف 0096264638688 فاکس 0096264657445 • منشورات العام 2011 الغلاف: ستاسيب ®، هاتف 00962795297109
chimin
الإباضية
نشائها وعقائدها (1/266)