صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق مقارنة مع أهل السنة والجماعة
المؤلف: بكير بن بلحاج وعلي
تقديم: عبد الرزاق قسوم
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1421ه/ 2001م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
أصله: رسالة ماجستير
ردمك: 9961-908-68-6
الإيداع القانوني: 2001/65
الكلمات الدالة: الإمامة عند الإباضية، المذهب الإباضي، المذهب الإباضي وأهل السنة و الجماعة، الإمامة
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=94&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/748
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 صفر 1447ه/ 07 - شهر 08 - 2025م. كير بلحاج وعلي
الأقامة عند الأباضية
بَيْنَ النظرية والتطبيق مقارنة مع أهل السنة والجمالحة
الجزء الأول
تَقْدِيم الدكتور بدنه و قسوم
المطبعة العربية، غرداية، الجزائر
نشر: جمعية التراث
القرارة غرداية الجزائر 1421 هـ. 2001 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
بكير بن بلاج وعلي
العامة عند الأباضية
بين النظرية والتطبيق
مُقَارَنَة مع أهل السنة
الجزء الأول
لمالحة
تَقْدِيم الدكتور عده زود شنوم
?
نشر: جمعية التراث
القرارة غرداية الجزائر 1421 هـ. 2001 م (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة
المطبعة العربية 11 نهج طالبي احمد غرداية الهاتف: 53 36 88 (09)
الإيداع القانوني رقم: 65/ 2001
ردمك 6 - 68 - 908 - 9961 L.S.B.N (1/4)
صفحة 5
رب أنعمت فزد ... (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
i
:
هذا البحث
هو في الأصل رسالة ماجستير، قدم بالمعهد العالي الأصول الدين، جامعة
الخروبة، الجزائر
في السنة الجامعية 1414 - 1415 هـ/1993 - 1994 م
إشراف الدكتور عبد الرزاق قسوم
ونال به الباحث درجة ماجستير بتقدير: مشرف جدا
ثم بادرت ثلة من أصدقاء المؤلف وعائلته إلى طبعه كما نوقش، مع الحرص على الضبط والتصحيح ما أمكن
وبعد استكمال الأفلام عثر على نسخة بها إضافات بيد المؤلف، لم نتمكن
من إدراجها
وسنلحقها بإذن الله تعالى في طبعة لاحقة، مزيدة ومنقحة (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
ه إلى والدي رحمه.
الإهداء
إلى والدتي حفظها الله ورعاها.
ه إلى زوجتي وأولادي.
إلى جميع مشايخي وأساتذتي وأصدقائي.
إلى كل باحث ومجتهد ينشد الحقيقة في رحاب الفكر الإسلامي، متحررا من عقدة التقليد وتبني الثقافات، مبدؤه المقولة الشهيرة للإمام مالك بن أنس: «ما من عالم إلا وفي
علمه مأخوذ ومتروك إلا صاحب هذا القبر
إلى كل مسلم غيور على وطنه ومحب لأمته قاطبة، شعاره الكلمة الرائعة التي جاءت على لسان أبي حمزة المختار بن عوف: «الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب أو ملكا جبارا مقيما على جوره» إلى هؤلاء جميعا أهدي هذا البحث.
كم بكير (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
تمهيد:
تقديم
بقلم الدكتور عبد الرزاق قسوم
لقد منَّ الله عليَّ، بنعمة الإشراف على بحث الدارس بكير بن
بلحاج وعلي
-
رحمة الله عليه
-
وهو بحث متميز في موضوعه،
،ومنهجه وشخصية صاحبه.
كان عنوان البحث هو: "الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق مقارنة بأهل السنة والجماعة، وفي ذلك مساهمة علمية كبيرة، في محاولة إزالة النجوات بين المذاهب، وتبيان ما هو متفق عليه، وتقريب ما يمكن تقريبه، وتوضيح ما هو مختلف فيه، وليعذر بعضنا
بعضا.
وكان المنهج العلمي المتبع في تحقيق البحث، طريقة جديدة في تناول الوقائع والأحداث دون أحكام مسبقة، متبعا في ذلك الخطوات العلمية
التالية:
1 - التحرر من عقدة التقليد المطلق.
2 اعتماد مصادر كل طائفة بنفسها، أي استقاء المعلومات الخاصة (1/11)
صفحة 12
بكل مذهب من مصادره الأصلية.
-3 - إبراز التقارب الموجود بين المذاهب، بإزالة كل أسباب التباعد،
وتوضيح المفاهيم المبهمة لكل فرقة (ص 12).
4 - اتباع أسلوب التحليل المقارن في إعداد البحث، وفي ذلك وضع الأسس تجديدية في كتابة التاريخ ونقد المنهجين السائدين: إما منهج سرد الأحداث دون التحليل، وهو منهج القدامى؛ أو منهج التحليل دون سرد الحوادث، وهو منهج المعاصرين.
أما شخصية الباحث بكير بن بلحاج وعلي، فقد كانت شخصية متعددة الجوانب الإيجابية.
فإضافة إلى التكوين العلمي، القائم أساسا على التعددية اللغوية، والتضلع في اللغة العربية، هناك الانضباط الشخصي في المواعيد، والرغبة في تحصيل المعرفة أينما وجدت، وبأية لغة كُتبت. فقد كان يقضي ليله مسافرا، ليكون في ساعة مبكرة من الصباح، في الموعد المحدد حيث يعرض علي إنجازه في البحث، مبديا كل الاستعداد لتقبل الملاحظات، وتنفيذها في الموعد المقبل.
وأهم من هذا، كان الباحث بكير بن بلحاج وعلي رحمه الله، يتّسم بروح التسامح مع الأفكار المخالفة لتوجهه إلى جانب روحه النقدية
التي هي
ذلك
بمثابة المصفاة العقلية لكلّ ما يرد عليها من فكر، سواء أكان
من داخل المذهب الإباضي أم خارجه.
لقد مثل التلاقي بيننا، من خلال هذا البحث، إرساء لقاعدة (1/12)
صفحة 13
التكامل المذهبي والتفاهم الفكري، إذ كان هو إباضيا وكنت مالكيا،
وفي ذلك دلالة علمية ودينية بالغة الأهمية.
حلقة وصل في القاهم المذهبي
الله كان المرحوم بكير بن بلحاج وعلي، بما وهبه من ثقافة لغوية فذة تسامحية إلى جانب دمائة خُلق، وإرادة فولاذية
متعدّدة،
وروح
يمثل حلقة وصل بين المذهبين المالكي والإباضي في ثقافتنا، مما أهله لدفع الحوار بين مختلف الأفكار والمذاهب للتقريب بينها، ومكافحة كلّ أنواع التعصب والغلو بحثا عن الحقيقة، وإرساء دعائم التفاهم بين أبناء الدين الإسلامي الواحد .. ولكن شاء الله أن يذهب بكير شهيد البحث هذه الحقيقة، والعمل على إيجاد التفاهم بين الجميع، فيكون ضحية
عن
التعصب والغلو، اللذين ظل يقاومهما بالكلمة الطيبة، والقلم الملتزم. لقد أغتيل، وهو في ريعان الشباب، كالورد المبتسم للحياة، ينظر بتفاؤل إلى مستقبل الحوار المذهبي، فيوجه نداء استغاثة إلى المسلمين عموما، والباحثين بصفة أخص من أجل تجاوز الصراع المذهبي، والخروج من المذهبية الضيّقة، والتعصب للآراء، إلى رحاب الاجتهاد،
ومواكبة العصر، دون قفز على حدود الشرع» (ص 17).
"
وكان يصارع حواجز مزيفة من الأشباح والصخور والثلوج، صنعها تراكم الجمود التاريخي، فتطلب ذلك شجاعة نادرة في البحث، التي جعلته لا يلين في إبداء الرأي، ونقد المخالفين، بعلم وحكمة،
في
ج (1/13)
صفحة 14
كما فعل مع أساطين الفكر الإسلامي من أمثال الشهرستاني، والبغدادي وابن حزم، وابن الصغير، وغيرهم [ص 20 - 21]. فقد أدار مع الجميع حوارًا فكريا، هدفه تصحيح المفاهيم، فأعاد طرح التساؤل المنطقي حول المرجعية الصحيحة لظهور أهل السنة والجماعة .. وهل هي مرجعية دينية أم سياسية أم كلامية (ص 37). وفي هذا السياق، وبشجاعته الفكرية، خرج على المعهود المتعارف
-
عليه في الثقافة الإسلامية، وطالب بتصحيح المفاهيم التالية: 1 إبطال مصطلح "أهل السنة والجماعة"، واستبدال مصطلح "الاحتكام إلى الكتاب والسنة، به مدعما حكمه هذا بالكتاب والسنة، وفي ذلك
خروج من الضيق المذهبي إلى رحابة الإسلام وسعته.
2 - إبطال القول الشائع بأن الإباضية خوارج «فهم ليسوا من الخوارج، بل هم من الخوارج فرُّوا، وسبب اختلافهم معهم، موقفهم من دماء المسلمين» (ص 56 - 57).
3 - لا يجتمع الإباضية مع الخوارج إلا في مبدإ واحد هو رفضهم للتحكيم في قضية "الفتنة الكبرى؛ وإن كانت الأهداف حتى في هذه
القضية متباينة.
4 - تطابق وجهات النظر بين أهل السنة والجماعة والإباضية، في
مسألة الإمامة، في معظم الحالات. (1/14)
صفحة 15
الإمامة عند الإباضية وغيرهم:
كانت قضية الإمامة - وما تزال - هي اللغز السياسي الذي حيّر – عقول أقطاب الفكر السياسي في الإسلام .. فشروط التأهيل للإمامة، وطريقة الاختيار، وتحديد مصطلح أهل الحل والعقد، كلها قضايا لا يزال الناس فيها مختلفين، وفي هذا الاختلاف يبرز اجتهاد كل مذهب، ويتبارى علماؤهم لإحراز قصب السبق.
وعندما يتصدى الدارس بكير بن بلحاج وعلي، لهذه القضية الشائكة، وبعد قيامه بأوجه المقارنة بين الإباضية وغيرهم، ينتصر للمذهب الإباضي، مؤكدا على تميز الإباضية على غيرهم في مسألة
الإمامة بين النص والتعيين والاختيار، إذ أنهم – أي الإباضية يمزجون بين الصفات الدينية كالورع والحلم، والنزاهة، والبر للمسلمين، وبين الصفات الأخلاقية كأن لا يكون حسودا، ولا كنودا، ولا كذابا، ولا مخلفا للعهد، والصفات الذاتية الجسدية كالسلامة من الجنون والعته والخرس وغيرها (ص 155)، وهذه الشروط هي التي يلتزم بما أهل الحل والعقد.
غير أن هذا التأكيد في مسألة الإمامة لا يمنع باحثنا من الاعتراف في النهاية «بأن أهل السنة قد دققوا في شروط أهل الحل والعقد أكثر من الإباضية». (ص 157).
وعندما يتطرق الباحث وعلي إلى حديث: «الأئمة من قريش»، يتميز هنا أيضا بشجاعة فكرية خاصة، فيناقش أحكام مفكرين كابن (1/15)
صفحة 16
خلدون، وأحمد أمين في قسوتهما على العرب، فالعرب عند ابن
خلدون «هم عند أحمد أمين «أبعد عن سياسة الملك والرئاسة» (ص 191). وحجة بكير في خطا أحكام كل من أحمد أمين وابن خلدون، هو مخالفة هذه الأحكام للمنطق، وعدم استنادها إلى الأدلة العلمية والتاريخية.
أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض» (ص 191)، وهم
فأحمد أمين، حسب الباحث «لم يكن عالما بالأمم، ولم يحصل له تاريخ في كلِّ أُمَّة، حتى يستطيع إثبات هذه الوصمة» (ص 191 - 192). وكذلك الأمر بالنسبة لابن خلدون «فإننا رغم اعترافنا له بالتبحر في علم الاجتماع والتاريخ، إلا أنه يبقى دائما العالم الذي عاش في زمن يصعب فيه إحصاء الأمم والشعوب والتعرف عليها، ودراسة كلّ واحدة منها دراسة وافية» (ص 192).
وينتهي
الباحث من كلّ هذا إلى عدم الالتزام بمبدإ القرشية في اختيار الحاكم، لأن «الحاكمية المطلقة، وكل من حكم في الأرض تحت الإسلام يكون خليفة، وأن الله وعد جميع المؤمنين بدون استثناء، بأن يستخلفهم، ولم ينصَّ على استخلاف فرد دون آخر، مصداقا لقوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض) [الآية 53 من سورة النور، ص 193]. .
فالنظرية السياسية لدى الإباضية، كما يشرحها المؤلف، تتميز عن من النظريات الأخرى بطرحها نماذج وأنواع من الإمامة المختصة (1/16)
صفحة 17
بكل ظرف من الظروف .. وتتمثل من وجهة نظر المؤلّف – دائما أن الإباضية في عملهم السياسي لا يلتجئون إلى العنف والقوة، بل
في
يعتمدون على الدعوة والإقناع، إلا في حالة الدفاع» (ص 248). على أن القارئ غير الإباضي قد ينتابه نوع من الغموض، أثناء قراءته لكتاب «الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق، مقارنة بأهل السنة والجماعة»، خصوصا فيما يحاول المؤلف إثباته للإباضية من الجمع بين الاختيار الحر والانتخاب، وبين حصر الإمامة في قبيلة واحدة أو عائلة واحدة مما قد يفضي مثل هذا المنحى، إلى نوع من
التناقض .. فكيف يمكن الجمع بين وراثة الحكم واختيار الحاكم؟ ينتبه المرحوم بكير بن بلحاج وعلي إلى هذا «المطب المنهجي»، فيحاول سل المذهب منه سل الشعرة من العجين، فنقرأ له «إن حصر الخليفة في قبيلة واحدة أو في عائلة واحدة لا يعني وراثة الحكم، فالعبرة بالطريقة التي توصل بها الإمام إلى الحكم، ومدى استيعابه للشروط المطلوبة فيه شرعا» (ص 315)، وواضح أن الفكر ينصرف هنا إلى العائلة الرستمية الإباضية التي أقامت دولة تيهرت، وفي هذه الحالة بالذات يستدرك المرحوم بكير، بأن حصر الإمامة في عائلة واحدة كالرستمية، هو وضع خاص بدولة تيهرت، لأن الإمامة الإباضية عموما، قد سارت وفق الأساليب التي جرى عليها أصحاب رسول الله ص في خير القرون (ص 316) أي الاختيار الحر، ولذلك نجد في الفكر الإباضي ما يدلُّ على هذا الاختيار الحر، وتجسد ذلك عبارات من
ز (1/17)
صفحة 18
مصطلحاتهم مثل: "بايع المسلمون"، وانتخبوا بعده"، و"أجمع رأيهم"، وغيرها من العبارات الدالة على الاختيار الحر. (ص 318).
المرأة والعمل السياسي في الفكر الإباضي
يتخذ الشيخ بكير بن بلحاج وعلي، موقفاً واضحاً وصرخاً، من قضية اشتغال المرأة المسلمة بالعمل السياسي .. إنه موقف رافض رفضاً كاملاً لتوليها المنصب السياسي .. ويقيم كل أحكامه الرافضة هذه، بالاعتماد على تفسيره للآية: الرجال قوامون على النساء سورة النساء الآية 34، هذه الآية التي يفسرها حسب رأيه الحديثان: الأول الذي رواه الترمذي «إذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاؤكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن من الأرض خير لكم»، والحديث الثاني الذي رواه أحمد والترمذي والنسائي، بألفاظ مختلفة أظهرها «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».
وطبقا لهذه الأحكام يقرر المؤلّف بأن الإسلام قد أوصد أمام النساء أبواب العمل السياسي، وباب مجلس الشورى، الذي هو قوام
على الأمة كلها (ص 447).
أمَّا
عن
قضية أمّ المؤمنين عائشة أيام الجمل، وما قامت به تقاتل
عليا، مطالبة بدم عثمان فيعلّق عليه بكير بقوله: «وعندما نعود إلى التاريخ الإسلامي، نجد في الحقيقة أن ما قامت به عائشة قد خطأه كبار الصحابة ولم يسق اسم واحد منهم، وإنها هي نفسها قد ندمت على
ح (1/18)
صفحة 19
بدعتها وتابت و لم يذكر لنا المؤلف هنا أيضا نص أو قول أم المؤمنين عائشة» (ص 446، واكتفى بالاعتماد على كتاب المودودي "نظرية الإسلام وهديه".
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الموقف الإباضي كما يعرضه، ويدلل عليه المرحوم بكير بن بلحاج وعلي، يتخذ موقفاً رافضاً لتولّي المرأة أية مسؤولية عامة، سواء في المجال السياسي، أو في مجال القضاء .. فلم تسجل المرأة الإباضية بدورها عملاً سياسيا يذكره التاريخ، فقد أغلق الإباضية هذا الباب غلقا محكما، بحيث لم تقترب المرأة أيام الحكم الإباضي - مشرقا ومغربا - من القصر، ولم تحتك بالساسة والأئمة في هذا الميدان» (ص 450).
على أن هذا الإغلاق المحكم لباب السياسة أمام المرأة الإباضية، لا يعني إقصاءها من العمل العلمي والاجتماعي «فإن المرأة الإباضية قد قامت بأعمال جَبَّارة في الطور السري للحركة الإباضية، وقد ذكرت الدراسات عدة نساء شهيرات في هذا الميدان من أمثال: سعيدة المهلبية، وعاتكة، وهند بنت المهلب» (ص 450). وهذا العمل وإن كان يمثل حركة سياسية فإنه يبقى دائما خارج نطاق الحكم والسياسة، إذ لم يسند إلى المرأة فيه، أمر القيادة حتى في الأحوال السرية (ص 450). وإلى أن يُثبت علماء الإباضية أمراً مخالفاً لهذا الحكم، فإن المذهب الإباضي يبقى حبيس هذا الموقف الذي خدّده بكير بن بلحاج وعلي،
وهو المنع الكامل للعمل السياسي من طرف المرأة الإباضية.
ط (1/19)
صفحة 20
الاستنتاج:
إن من أشد المواقف حرجا على الكاتب أن يكتب بدمع العين، ودم القلب، وعرق الجبين، ولعلّ هذا هو الموقف المحزن الذي أجد نفسي فيه وأنا أكتب عن فقيدنا بكير بن بلحاج وعلي، فإن صورته تطوقني من كلِّ الجهات .. وما كنت أدري حين كنت أعقد معه جلسات البحث، وحلقات الدراسة، أنني سأضطر إلى الكتابة عنه ذات يوم في قالب رثاء، وإنَّها لإرادة الله، ولا راد لقضاء الله.
ولئن رحل المرحوم بكير في الظروف المأسوية الدامية، شهيد فكر آمن به ودافع عنه، فإنَّه قد خلف لنا باكورة عمل علمي يذكر فيشكر، وإنَّه لعمل رغم حداثته، يحتوي على أهم المقدمات العلمية التي ننشدها
في الدراسات الجامعية العليا، مما يجعله مرجعا علميا لا غنى عنه. فقد اتسم بالموضوعية العلمية في الأحكام، وبالواقعية الإيجابية في
التحرير، وبالاعتدال المحمود في المقارنة.
وحسب الدارس أنه وضع لبنة صلبة في بناء التقريب بين المذاهب الإسلامية، ذلك أن الاختلاف بين هذه المذاهب هو اختلاف تنوع، لا
اختلاف تضاد، وفي ذلك قوَّة للفكر الإسلامي بوجه عام.
كما أن البحث حمل لواء الدعوة إلى تنقية كلّ المذاهب الإسلامية من الشوائب التي أثارتها العصبيات والنعرات الطائفية، وأذكتها العقلية الشعوبية، ولن يتم التقارب بين المذاهب، كما يقول فقيدنا، إلا بالمعرفة والتعارف والاعتراف بين المذاهب. (1/20)
صفحة 21
وبعد، فإن المرحوم بكير بن بلحاج وعلي، قد قال كلمته ورحل
إلى عالم الخلود، وإنَّها لأمانة يتحملها من بعده، جيل الباحثين من كلّ مذهب لمواصلة رأب الصدع، وإزالة الغموض، فبالرغم من الجهد المبذول في البحث، يبقى جانب من الغموض، بل والاضطراب في بعض الأحيان، وهو ما يتطلب بحثا أكثر تدقيقاً، وتعميقاً، فما تزال مسألة الفصل بين أهل السنة والإباضية إشكالية قائمة، وتحتاج إلى توضيح وتصحيح.
فلماذا هذا الفصل بين المدرستين أليست الإباضية جزء من أهل
السنة؟ ففيم هذا التمييز التاريخي إذن؟
إنَّها تسمية خرج بها على الناس المؤرخون القدامى، وتكاد تثبت في الأذهان، إلى أن يأتي من يعيد تصحيحها وإزالتها بالحكم والدليل .. ولعل في هذا السياق، ينبغي وضع بحث الشهيد بكير بن بلحاج وعلي، فعسى أن يكون له هذا البحث ذخرا وسندا في الجنة، وحسبه شهادة لجنة التحكيم العلمي، على جده العلمي، وخلقه السلوكي. جعله الله في عليين مع الصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن
أولئك رنيقا.
:
ك
د. ع. ق (1/21)
صفحة 22
ترجمة مؤلف الكتاب
الشهيد بكير بن بالحاج، وعليه
ولد بالقرارة يوم 14 أكتوبر 1953 م/1373 هـ، ونشأ في أسرة
الحال، من أبوين كريمين وهو الذكر الوحيد بين أخواته.
بدأ دراسته في مدرسة الحياة بالقرارة واستظهر القرآن سنة
1969 م.
واصل دراسته في معهد الحياة، وتدرج فيه إلى سنة 1973 م، متحصلا على شهادة الأهلية.
انتقل إلى العاصمة ليستكمل دراسته الثانوية، فتحصل على شهادة
الباكلوريا سنة 1975 م.
التحق بجامعة الجزائر معهد العلوم السياسية والإعلامية، وحصل
على شهادة الليسانس فرع العلاقات الدولية، سنة 1979 م.
من سنة 1987 إلى 1989 م استأنف دراسة ما بعد التدرج بكلية الدراسات الإسلامية في القاهرة بالمراسلة وعودلت شهادته في الجزائر بدبلوم الدراسات المعمقة.
• نال شهادة الماجستير في جوان 1994 م بدرجة مشرف جدا. في سنة 1995 م سجل بحثا لدكتوراه الدولة في السياسة الشرعية.
معجم أعلام الإباضية. تأليف لجنة من الباحثين، نشر جمعية التراث القرارة، طبعة
الجزائر، 1999 م. وطبعة بيروت 2000 م. الترجمة رقم 195. وقد استفاد المعجم من ترجمة أعدتها لجنة الطلبة عشيرة آل كاسي بن الناصر: بكير وعلي في سطور، بمناسبة حفل تأبين
الشهيد بالقرارة.
ل (1/22)
صفحة 23
نشاطه التعليمي
من سنة 1974 إلى 1976 م درس بالمجمع التعليمي “سانت إليزابيت"
بالعاصمة في المستوى الابتدائي.
من سنة 1982 إلى 1993 م درس بمعهد الحياة القرآن الكريم، والتربية الإسلامية، واللغة الفرنسية والإنجليزية.
من سنة 1994 إلى يوم وفاته سنة 1996 م اشتغل مدرسا في جامعة باتنة بمعهديها: العلوم الإسلامية والسياسية وأشرف على عدة مذكرات التخرج لطلبة السنة الرابعة وكان ضمن لجنة مناقشة بحوث طلبة الشريعة بمعهد الحياة.
نشاطه الاجتماعي والثقافي
نشط في كثير من المنظمات الاجتماعية والثقافية والخيرية:
كالكشافة، وأنغام الحياة، والرسالة، واليقظة.
ساهم بفعالية في اللجان العملية للطلبة الجامعيين، ولجنة المثقفين لمعالجة القضايا الاجتماعية الهامة، مثل: التراث المعماري، البرامج البيداغوجية للتعليم الحر، تعليم البنت، تنظيم المكتبات القديمة، إنشاء جامعة صيفية لتدريس مقومات الشخصية الإسلامية الميزابية ...
كان عنصرا بارزا في تنظيم الأسابيع الثقافية للطلبة الجامعيين بالقرارة. • إليه يعود الفضل في فتح قسم الحضانة بالتعليم الصيفي، إذ تولاه بنفسه، فأثمر ثمارا يانعة.
• دفعه حسه السياسي وغيرته على أمته إلى المشاركة بفكره وآرائه وتطوعاته في منظمة حزب جبهة التحرير الوطني.
م (1/23)
صفحة 24
ساهم في بعث الحركة المسرحية، بإعطاء دروس في تقنيات المسرح. شارك بمحاضرات في الأسابيع الثقافية التي نظمت في بعض مدن
الشرق الجزائري.
آثاره الفكرية
خلف ترانا علميا وفنيا معتبرا، منه:
رسالة الماجستير بعنوان: «الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق، مقارنة مع أهل السنة والجماعة»، (مر).
مشروع بحث لنيل دكتوراه الدولة بعنوان: «السياسة الأمنية والحربية في الإمامة الرستمية ودولة الأمير عبد القادر استراتيجية وأهدافا»، (مرقون).
شارك في لجنة تأليف معجم أعلام الإباضية. عشرة أشرطة فيديو كمادة خام لإعداد شريط وثائقي حول تاريخ
معهد الحياة.
مجموعة أشرطة سمعية بصرية تضم مواضيع مختلفة.
شريط سينمائي فكاهي.
استشهاده
اختاره الله إلى جواره يوم الفاجعة الكبرى 22 ربيع الثاني 1417 هـ /:
5 سبتمبر 1996 م حيث استشهد في حادثة اغتيال مريعة ذهب ضحيتها رفقة ثلة من خيرة شباب القرارة وأعيانها.
رحمهم الله تعالى رحمة واسعة وحشرهم يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، آمين. (1/24)
صفحة 25
شكر وتقدير
بعد أن استقامت هذه الفصول كتابا، أجدني سعيدا مجمل أكف الضراعة إلى المولى تبارك وتعالى، شاكرا جليل نعمه وتوفيقه، كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى كل من ساهم من قريب أو بعيد في إخراج هذا
البحث إلى الوجود.
وأخص بالذكر وخالص الامتنان أستاذي الدكتور عبد الرزاق قسوم الذي شرفني برعاية هذا البحث، فكان خير موجه ومعين على
الصعاب، ومواصلة المسير.
فلهم مني جزيل الشكر وخالص التقدير وما عند الله خير وأبقى
إنه غفور شكور. (1/25)
صفحة 26
[صفحة فارغة] (1/26)
صفحة 27
المقدمة
الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق مقارنة بين أهل السنة والجماعة عنوان لافت للأنظار من الناحية الموضوعية، وذلك لوقع كلمة "مقارنة" التي توحي باختلاف كبير قد يصل إلى درجة الفرقة، لأن المقارنة عادة ما تكون بين رأيين متناقضين، كما توحي هذه الكلمة بأن الإباضية ليسوا من أهل السنة. والحقيقة أننا اعتمدنا هذا العنوان مسايرة للمألوف لدى بعض المسلمين، وللرأي الخاطئ غير السديد من أن الإباضية خوارج، وأنهم مغايرون عقديا لأهل السنة
والجماعة.
وهناك عدة عوامل و اعتبارات تاريخية أدت إلى تسمية هذه الفرقة أو تلك باسم من الأسماء. وإذا ما بحثنا في أصول هاتين الفرقتين محل الدراسة أمكننا القول بأن الاختلاف بينهما أقل مما هو موجود بين المذاهب الأربعة المكوّنة لفرقة أهل السنة والجماعة، وهذا ما سنتعرض له عند الحديث عن التعريف بالمذاهب وأصولها وأصل تسميتها. إن دراسة الحضارة الإسلامية دراسة عميقة لم تتم حتى اليوم بالشكل المنهجي العلمي. وأكثر من تناولها بالبحث هم المستشرقون، الذين يجب أن تؤخذ دراستهم بكثير من الحيطة والحذر، ولكن الذين تناولوها من المسلمين قليلون جدا. كما أن هناك فريقا من الكتاب المسلمين الذين يجب أن نحذر منهم أكثر من المستشرقين، ذلك لأن
7 (1/27)
صفحة 28
كتاباتهم كانت نُسخا أمينة لنتاج المستشرقين، وأحيانا أخرى كانوا أكثر إمعانا في الدس والتشويه لتراث وتاريخ الإسلام من أساتذتهم. والقارئ المسلم قد يثق بهم لانتمائهم إلى ملته وبني جلدته، وهنا مكمن
الخطر.
وعلى هذا النمط سارت كتابات التاريخ الإسلامي السياسي، وقد كانت الكتب السياسية تؤلّف تحت رعاية الخلفاء والسلاطين ومن أجلهم، فكتاب "سياسة الملك في تدبير المماليك" ألفه ابن أبي الربيع للمعتصم العباسي. وكتاب نهج السلوك وسياسة الملوك" ألفه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله لصلاح الدين الأيوبي. كما قدم ابن خلدون مقدمته من إلى العباس الحفصي سلطان تونس. فهل يعقل أن يكتب هؤلاء ضد رغبات ملوكهم؟ وهذا الوضع التاريخي هو الذي يحتم علينا إعادة قراءة النصوص التاريخية.
نسخة
ونعتقد أن هناك طريقين لكتابة التاريخ: الأول هو سرد الأحداث دون تحليل، وهو ما اتبعه الأوَّلون. والثاني هو التحليل دون سرد للحوادث، وهو منهج المعاصرين. والواقع أن كلا الطريقين مكمل
للآخر.
ونتساءل هنا: أين نضع التاريخ السياسي الإباضي بالنسبة لأهل
السنة والجماعة تحت هذا المجهر العلمي؟
من خلال إعادة قراءة النصوص التاريخية التي تحدثت عن الإباضية خصوصا، نجد أنه كان لتأثر المؤرخين بالعصبية المذهبية والسياسية دور
8 (1/28)
صفحة 29
ذلك
كبير في تسجيل الأحداث والكتابة عن الفرق الإسلامية، من إرسال الخلفاء لمن يقوم لهم بتسجيل الأحداث في حروبهم. فهل كان هؤلاء المؤرخون يسجلون الأحداث وفق ما جرت عليه فعلا؟ أم كانوا يصوغونها وفق إرادة ملوكهم؟ علماً بأن هذه الكتابات سوف تكون المصدر الأوَّل لاستقاء المعلومات التاريخية.
وفي الفترة التي ندرسها وهي فترة القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، كانت الصراعات على أشدّها وبخاصة بين الأمويين والعباسيين من جهة، وبين إحدى هذه الأنظمة والإباضية من جهة أخرى. من هنا
جاءت حتمية إعادة قراءة النصوص التي كتبت عن الإباضية وغيرهم. ثم إن طبيعة الصراع بين الأنظمة السائدة في تلك الفترة، أي بين النظام الوراثي والنظام الشوري، هي التي جعلت المؤرخين يسكتون عن تاريخ الدول الإباضية إرضاء لزعمائهم. وإنَّنا لنجد بعض مؤرخي المغرب الإسلامي كابن عذارى المراكشي والسلاوي اللذين عاشا في ـد الملوك المستبدين كانوا لا يُجيزون الكتابة عن الرستميين كما يجيزون تاريخ بني واسول وهم ليسوا إباضية، فالهدف واضح هو عدم الإشهار للأنظمة الشورية خوفا على أنفسهم من الملوك.
عهد
إلى جانب هذه الأسباب هناك أيضا عوامل التعصب المذهبي، فقد أورد المؤلفان محمد السالمي وناجي عساف في كتابهما "عمان تاريخ يتكلم" قول الشيخ اطفيش: «فانظر إلى تاريخ الأندلس الموجود بيننا، فإننا لا نجد إطلاقا ذكرا للإباضية والحال أنهم بلغوا في الأندلس مبلغا
9 (1/29)
صفحة 30
عظيما من العلم والمال حتى إن جزيرة اليابسة التابعة للأندلس كانت کلها إباضية إلى القرن السادس الهجري، بل إلى نكبة الأندلس
الكبرى».
من هنا فإننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا بأن الإباضية لم تُدرس آراؤهم العقدية والسياسية دراسة تماثل دراسة آراء الفرق الأخرى كالشيعة والمعتزلة.
ويقول الدكتور عمر فاروق في كتابه "التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين": «إنّ أكثر المعلومات الواردة عن الإباضية غير متكاملة، بل ومضطربة في بعض الأحيان، وإن ذلك يعود إلى عدة عوامل ترجع أصلا إلى الحياة التي قضوها أيام كانوا مضطهدين، وهذه الوضعية السياسية أدت إلى العمل السرِّي، وهذه بدورها أدَّت إلى ندرة الكتب والوثائق وكذلك قيام كيانات سياسية لهم بعيدا عن مراكز الحكم الأموي والعباسي جعل كتبهم ليست في متناول الجميع، بل فقدان كثير من تلك الكتب والوثائق نتيجة الملاحقات السياسية وإحراق مكتباتهم. وإذا أضفنا إلى ذلك عدم اتفاق الكتاب على مفهوم مصطلح "الخوارج"، حيث إن الكثير منهم يلحقون بعض آراء الخوارج بالإباضية، وآراء الإباضية بالخوارج، فهنا تكون حلقة الجهل بالإباضية وعقائدهم قد اكتملت». وإن جميع هذه العوامل لا تعني إطلاقا أن الإباضية ليس لهم تراث فقهي وسياسي، وفي جميع الفنون الأخرى، بل هي قيد المخطوطات التي اختفى بعضها نتيجة الظروف السابق ذكرها.
10 (1/30)
صفحة 31
ونتيجة للسياسات المتبعة أزاء كل من عارض النظام الأموي
والعباسي من شيعة وخوارج وإباضية. وإذا كان كل ما يعرف عن الإباضية والخوارج أنهم بدو لا علاقة لهم بالحضارة، وأنهم متخلفون سياسيا، ولا قدرة لهم على إقامة كيانات سياسية، وأن الفكر السياسي منعدم لديهم. وأنهم قد اندثروا بعد نهاية العصر الأموي، وعموما أنهم لم يتركوا لنا تراثا مهما يتعلق بهم. فإن الحال عكس ذلك تماما، وإنما الذي حال دون ظهور هذا التراث هو الحصار السياسي والعقدي وسوء الفهم والتعصب والنظرة المسبقة من طرف أكثر من تناولهم
بالدراسة.
يقول اف. سي. ولكنسون في كتابه "عمان تاريخا وعلماء": «إنّ الاستشهاد بالمعلومات التي وردت في مؤلفات ابن الأثير وابن مسكويه وابن خلدون عن هذا التاريخ ينبغي أن تؤخذ بكثير من الحيطة
والحذر».
إلى جانب هذا فقد لاحظنا أثناء قراءتنا لتاريخ الأنظمة الأموية والعباسية عدة مبالغات، إذ أسرف بعض المؤرخين في وصفها
بالانحراف عن أحكام الله وتعميم ذلك على كلّ الخلفاء. وهذا ما لم يثبته التاريخ الإسلامي، كما أن هذه الوضعية تجعل القارئ يشعر وكأنه يتعامل مع أنظمة ميكافيلية استبدادية لا تعرف مبدأ من مبادئ الإنسانية، والواقع غير ذلك؛ إلا أنه بالمقارنة مع الإباضية فإن ما لحق بهؤلاء من الظلم والإجحاف والنسيان من قبل الكتاب والمؤرخين شيء
11 (1/31)
صفحة 32
لا يقاس بالنسبة لأهل السنة والجماعة.
سياسيا،
فمن كل ما سبق ذكره تتبين لنا دواعي اختيار هذا الموضوع، وهو بالنسبة للأنظمة الأموية والعباسية تصحيح لكثير مما قيل عنهم وإعادة الاعتبار لهذه الكيانات ووصفها بما تستحقه دون إفراط ولا
تفريط.
أمَّا بالنسبة للإباضية فهو كذلك إعادة قراءة لنصوص تراثها وفق المنهج العلمي في بحث الوقائع والأحداث دون نظرة مسبقة قد تخضع الأحداث إلى تفسير محدود، فتخرج بنتائج مقصودة.
ولا يتأتى هذا التجرد والإنصاف إلا اعتمادا على مصادر كل
طائفة بنفسها، وهو ما تعهدتُ بالتزامه في بحثي لاستقاء المعلومات الخاصة بكلِّ مذهب من مصادره الأصلية، بحيث تكون هي المعتمد في التحليل والحكم للمذهب أو عليه. وإذا اقتضى الحال إضافة معلومات عن موضوع ما من مصدر أجنبي فإن ذلك من باب التأكيد والاستئناس
ليس إلا.
ومن دواعي البحث في هذا الموضوع أيضا الخروج بخلاصة جامعة حول آراء أهل السنة والجماعة والإباضية في باب الإمامة نظريا وتطبيقيا. ثم تحرير فكر الباحثين من عقدة حكم كتاب المقالات والمؤرخين عموما قديما وحديثا بعد أن غدت كتاباتهم مصدرا مسلما بما فيه، والحال أن أصحاب المقالات لا يرجعون في كتاباتهم إلى مصادر كل مذهب بعينه، وكشف الغطاء عن علماء الإباضية وفقهائهم،
12 (1/32)
صفحة 33
فعندما اهتم الدارسون بالفكر السياسي الإسلامي التفتوا إلى الفارابي (370 هـ/950 م) وابن أبي الربيع، والغزالي (505 هـ/1111 م)، وابن خلدون (808 هـ)، ولم يلتفتوا إلى علماء إباضية، أمثال تبغورين بن الملشوطي (53 هـ/11 م)، وأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (570 هـ/1294 م) وأبي عمار عبد الكافي (ق 6 هـ/11 م)، وأبي طاهر إسماعيل الجيطالي (750 هـ /1350 م)، ثم الشيخ عبد العزيز الثميني (1223 هـ/1808 م)، وأخيرا الشيخ محمد بن يوسف اطفيش
عيس
(p 1914/_1332)
ومن البواعث أيضا ما رأيناه من غياب فكر إسلامي موحد، والواقع أن الحواجز بين مختلف آراء المذاهب لا تعدو أن تكون ضبابا يمكن أن ينقشع بالبحث والتنقيب من أجل الوصول إلى توحيد الفكر السياسي الإسلامي، أو على الأقل التقريب بين وجهات النظر، بحيث هذا عاملا من عوامل قوة المسلمين بعد أن كان سببا في
يصبح
ضعفهم.
وربما أتت هذه المحاولة المتواضعة بمستجدات ترفع الضيم عن الفرق التي لم يسعفها التاريخ بالإنصاف، سواء كانت من أهل السنة أم الإباضية، ثم إظهار التقارب الموجود بينها بإزالة كل أسباب التباعد وتوضيح المفاهيم المبهمة لكل فرقة.
و انطلاقا من أن هذه الرسالة التي تضمن جانبين، جانب نظري وآخر تطبيقي، فقد اقتضت الضرورة اختيار أنظمة سياسية تابعة لكلِّ
3.
13 (1/33)
صفحة 34
مذهـ
المذهبين. وبما أن الإباضية لم يوجد لهم نظام سياسي في
المغرب بعد القرن الثالث الهجري، فقد اخترت أن يكون التطبيق على كل من النظامين الأموي والعباسي بالنسبة للفكر السني، والنظامين العماني والرستمي بالنسبة للفكر الإباضي.
وحددت الفترة الزمنية بالقرون الثلاثة الأولى من الهجرة النبوية، وذلك لعدة اعتبارات، منها أن النظام الأموي يُعتبر أوَّل كَيان سياسي إسلامي جمع أهل السنة، وأن النظام العباسي قد عايش كلا من الإمامة في عمان وتيهرت. وبهذا تصبح عملية المقارنة ممكنة، ويصبح المنهج المتبع في البحث هو أسلوب تحليلي مقارن، حتى أتمكن من الوصول إلى نتائج تسمح لي بالحكم على هذه الأنظمة في التزامها بتطبيق نظريتها السياسية أم أنها لم تلتزم بها.
إن اختياري لموضوع الإمامة للمقارنة بين أهل السنة والإباضية كان مقصودا، ذلك لأني من خلال مطالعاتي تيقنت أن العامل الأكبر الذي أهم المسلمين بوجود هوة سحيقة بين مذاهبهم هو العامل التاريخي والاختلاف السياسي الصوري، والمفروض أن يوقعا في ذمة
التاريخ.
وأهدف من خثي هذا إلى المساهمة في إزالة هذه الفجوات، وتبيان ما هو متفق عليه، وتقريب ما يمكن تقريبه، وتوضيح ما هو مختلف فيه، حتى يعذر بعضنا بعضا
با خطة البحث فقد قسمتها إلى مدخل وقسمين، يتضمن
كل
14 (1/34)
صفحة 35
قسم أربعة فصول. قمت في المدخل بتعريف أهل السنة والجماعة والإباضية، ثم أضفتُ خلاصة وجيزة عن الشيعة والمعتزلة ... بصفتها مدارس سياسية قائمة. لها مساهمتها في بناء النظرية السياسية الإسلامية. مبينا الجذور وأصل التسمية وأهم العقائد الدينية والسياسية لها. أمَّا القسم الأول فقد عنونته بـ "النظرية السياسية عند أهل السنة والجماعة والإباضية" وابتدأته بالتمهيد عارضا بإنجاز النظرية السياسية عند كل من أهل السنة والإباضية والشيعة والمعتزلة، وذلك لإعطاء القارئ نظرة عامة عن موقف كل فرقة من مسألة الإمامة، ثم بدأت في عرض آراء المذهبين محل الدراسة.
فكان الفصل الأول في ثلاثة مباحث، خصصت الأول لمفهوم الإمامة، والثاني لوجوبها والأدلة النقلية والعقلية لكل مذهب. وفي المبحث الثالث تعرضتُ إلى وحدة الإمامة وتعددها وموقف المذهبين من المسألة.
وتناولت في الفصل الثاني مسألة الإمام بين النص والتعيين والاختيار، وقسمته أيضا إلى ثلاثة مباحث، تضمن الأول منها طرق إثبات الإمامة لدى المذهبين وتطرق الثاني إلى شروط أهل الحل والعقد. وفي الثالث تناولت الاستخلاف وولاية العهد.
وفي الفصل الثالث إلى شروط الإمام نصبه عزله. والخروج عليه وقسمته بدوره إلى ثلاثة مباحث تناول الأول شروط الإمام، والإمام
15 (1/35)
صفحة 36
المفضول وآراء العلماء حول مسألة النسب القرشي. أما في البحث الثاني فتناولت فيه نصب الإمام من ترشيح وبيعة وصفقة. وفي البحث الأخير تعرضت إلى عزل الإمام والخروج عليه وموقف المذهبين من
هذه المسألة.
وفي الفصل الرابع، وهو الأخير في القسم الأول، عرضت أنواع الإمامة، فقسمته إلى مبحثين الأول خاص بأهل السنة والجماعة، والثاني خاص بالإباضية، وبينت فيه أنواع الإمامة عندهم، بدءا بمرحلة الظهور و موجباته وعلاقة الإباضية بمخالفيهم خارجيا وداخليا، ثم مرحلة الدفاع شروطه ونتائجه ثم مرحلة الشراء وشروطه وأهدافه، وأخيرا إمامة الكتمان. وفي هذه النقطة تعرضت للتنظيم الاجتماعي لدى الإباضية وعلاقتهم بالمخالفين، ثم نظامي العزابة والعشيرة، ودور هذه المؤسسات دينيا واجتماعيا.
وفي ختام هذا الباب مبحث خاص بنتائج النظري، وفيه تعرضت إلى النتائج التي توصلت إليها عند مقارنة الآراء في كل فصل ومبحث، وبينت الآراء التي يتفق فيها المذهبان والتي يختلفان فيها مع محاولة
إظهار علل ذلك، والتقريب بين وجهات النظر.
أما في القسم الثاني والذي خصصته للتطبيق، فقد اخترت في الفصل الأول منه طريقة اختيار الإمام ومبايعته، وكيف يتم ذلك عمليا عند الأنظمة السياسية التابعة لكل، مذهب وقسمته إلى مبحثين؛ الأول خاص بالاختيار وطرقه، والثاني بالمبايعة.
16 (1/36)
صفحة 37
وكان الفصل الثاني مقسما إلى مبحثين تناولت في الأول قبيلة
الإمام عند النظامين، وفي الثاني ولاية العهد.
أما في الفصل الثالث فقد تعرَّضتُ لسيرة الأئمة والخلفاء ومدى تطبيقهم للخلافة النبوية، وقد اشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث، تضمن الأول السياسة الداخلية أسسها الإدارية والمالية، وسيرة والأئمة، ثم حرية الرأي والعقيدة والثاني تناول السياسة الخارجية، الفتوحات الإسلامية والعلاقة مع الدول الإسلامية وغير الإسلامية. وأنهيت الفصل بمبحث عن خاص بالمرأة والعمل السياسي نظريا وتطبيقيا.
وفي الفصل الرابع والأخير من هذا القسم تناولت عزل الإمام في مبحث، والخروج عليه في مبحث آخر.
وأشير في النهاية إلى أني ختمت كل فصل أو مبحث بخلاصة مقارنة للآراء الواردة. كما خصصت لكل قسم مبحثا خاصاً
التي توصلت إليها نظريا وعمليا.
صحيح
بالنتائج
أما فيما يخص الأحاديث فقد تم تخريجها من عشرة كتب، وهي: البخاري، صحيح مسلم سنن أبي، داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه موطأ مالك، مسند أحمد، سنن وأخيرا مسند الربيع بن حبيب.
الدارمي،
أمَّا الخاتمة فقد تناولت ثلاثة محاور الأول خاص بالنتائج التي
توصلت إليها، والثاني بينتُ فيه القضايا التي بقيت بدون نتائج، أما
17 (1/37)
صفحة 38
الثالث فقد تناول دعوة الباحثين إلى دراسة تلك القضايا.
كما أنهيت الخاتمة باقتراح إلى إدارة معهد أصول الدين، وبنداء إلى المسلمين عامة من أجل تجاوز الصراع المذهبي، والخروج من المذهبية الضيقة والتعصب للآراء إلى رحاب الاجتهاد ومواكبة العصر بدون قفز على حدود الشرع.
أمَّا أهم الصعوبات المنهجية التي صادفتني أثناء البحث، فمنها ما تم التغلب عليه، وهي: أن المادة العلمية كانت غزيرة جدا لدى علماء أهل السنة والجماعة إلى الحد الذي يصعب التحكم فيها، فقد كانت هذه المعلومات الوفيرة وخاصة في بعض النقاط المختلف فيها كمسألة النسب القرشي ومسألة الخروج على أئمة الجور، مثار الصعوبات أثناء استغلالها، وقد استطعت التغلب عليها باختيار أكثر هذه المعلومات أهمية. إما نظرا لأصالتها ومدى مساهمتها في التنظير السياسي، أو لجدتها في الموضوع المطروح. وهذه الصعوبة لم تعترضني في الجانب الإباضي نظرا لوحدة مصدر المعلومات، وهو الكتاب والسنة وعدم تخصيص علماء الإباضية مؤلفات للحكم والسياسة بشكل متميز بل كانت المعلومات كافية لتبيان آرائهم السياسية بالشكل المطلوب.
أما الصعوبات المنهجية التي لم أتمكن من التغلب عليها، فهي عدم توفر المعلومات الكافية عن الإمامة العمانية، ويعود هذا أساسا إلى بعد المناطق بعضها عن بعض، ثم قيام نظام سياسي مغاير لنظرية الإمامة
18 (1/38)
صفحة 39
الإباضية في عمان. حيث حالت هذه الوضعية دون التمكن من البحث في موضوع الإمامة عموما، أو على الأقل الوصول إلى ما كتب عنها المتأخرون، وهذا ما جعل بحثنا يميل إلى التركيز أكثر على التطبيق الرستمي، مع الإشارة دائما وبصفة عامة إلى التطبيق العماني.
19 (1/39)
صفحة 40
[صفحة فارغة] (1/40)
صفحة 41
نقد المصادر والمراجع
أولا: المصادر غير الإباضية:
من الكتب التي أمدَّتنا بالمعلومات حول عقائد المذاهب الإسلامية، كتاب "أخبار الأئمة "الرستميين لابن الصغير، وكتاب "الفرق بين الفرق"، وكتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل"، و"الملل والنحل". وقد كانت هذه الكتب مصادر يمكن أن نعدها من أحسن المصادر السنية، وإذا استثنينا كتاب ابن الصغير، فإن المصادر الأخرى تعتبر كتبا عقدية، وفيها قال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": «إنّ ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنفين في الملل والنحل عامة مما ينقله بعضهم عن بعض بدون ذكر إسناد كله من المصنفين الرافضة المتهمين في ما ينقلونه» (1). فمن هذه المقولة نتحقق فعلا أن هؤلاء الكتاب لم يكونوا إلا ناقلين للمعلومات والذي يدعم هذه المقولة هو عدم ذكرهم للإسناد إطلاقا، فالقارئ لهذه المصادر يلاحظ أن شعور هؤلاء مجرد شعور مذهبي، أو كما يكتب أي صحافي أو كاتب محترف ليدافع عن حزبه أو مذهبه مهاجما في نفس الوقت المذاهب الأخرى المعارضة (2). فالمراد أن هؤلاء الكتاب قد نصبوا أنفسهم للدفاع عن
1 ابن تيمية منهاج السنة النبوية، 207/ 1.
2 - عمر صالح با دراسات في الفكر الإباضي، ص 47.
21 (1/41)
صفحة 42
آرائهم ولو أدَّى ذلك إلى نقل معلومات خاطئة عن المذاهب الأخرى، وهذه الحقائق هي التي تحتم على الباحث التأكد من كل معلومة ينقلها
من
هذه المصادر.
فإذا أخذنا مثلا الشهرستاني (ت 548 هـ) وهو بلا خلاف في كتابه "الملل والنحل" يؤرخ للعقيدة ولا يبحث في غيرها، فإنَّه يقول: وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كلّ فرقة كما وجدته في كتبهم
فاسده
من غير تعصب لهم ولا كسر عليهم دون أن أبين صحيحه من وأعين حقه من باطله». بيد أنه لم يلتزم هذه الخطة، ونقضها بعد صفحات قليلة تعدُّ على الأصابع (1) إذ نجده قد سار بتعاطف خفي في كتابه مع مذهبه، وانطلق من حديث الافتراق ثم بدأ في تعداد الفرق وحصرها في العدد المذكور في الحديث، وكأنه قد اطمأن وتأكد إلى أن هذا العدد لن يزيد. وأنه لن تنشأ فرق أخرى بعده (2). فنسقها لتصل إلى ست وسبعين فرقة، في حين عدد الأشعري أكثر من مائة. وقال ابن حزم إنها خمس فرق، وحصرها الملطي في أربع فرق (3).
فهذا التذبذب في المعلومات يضع بعض هذه المصادر في مجهر التحقيق، ويجعل الباحث لا يطمئن إلى معلوماتها إلا بالمقارنة فيما بينها. هذه المعلومات هي نفسها التي ننقد بها ابن حزم الذي يصف
1 - عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 10.
2 - عبد الحليم محمود، نفسه، ص 97.
3 - د. محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، صفحات 134 فما بعد.
22 (1/42)
صفحة 43
المذاهب والفرق المعارضة بأهل الأهواء والباطل، وقد قال الرسول: ستفترق أمتي إلى ست وسبعين فرقة، وكل فرقة تدعي أنها الناجية» (1). فلا يخرج كلام ابن حزم عن دائرة الاجتهاد. أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله الذي يحكم يوم القيامة بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. ونستثني من هذه الفرق التي كفرت بإنكارها أصلا من أصول الدين، وما عُلم من الدين بالضرورة. قال أحمد أمين في هذا الصدد: ني رأيت ابن حزم وأمثاله إذا عرضوا للرأي المخالف سفهوه
«لک
وأوسعوا قائله سبا وتعنيفا» (2).
وبسبب عدم تمحيص المعلومات من قبل العلماء وعدم التأكد من صحتها وقائلها، فإنَّنا نجد كثيرا من آراء مذهب ما تُنسب إلى آخر، ففي كتاب "الانتصار" نقل الراوندي أشياء كثيرة عن المعتزلة وكذبه فيها الخياط المعتزلي.
وما دمنا نتحدث عن الإباضية في بحثنا، فلا بد أن نبرز للقارئ الكريم بعض ما قيل عنهم، ونريد هنا أن نعرج على كتاب أبي الحسن الأشعري "مقالات "الإسلاميين ففي هذا الكتاب نجد الأشعري يلحق
1 - رواه أحمد بلفظ: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» 332/ 2 - وبلفظ «إن بني إسرائيل قد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة وأنتم تفترقون على مثلها 120/ 3 - والترمذي مثله بزيادة والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» 25/ 5 كتاب الإيمان، باب 18، رقم 2640.
2 - أحمد أمين ضحى الإسلام، مقدمة الكتاب ج 3 ص أ
23 (1/43)
صفحة 44
بالإباضية فرقا غريبة اسما ومبادئ وتاريخا كالحفصية واليزيدية والحارثية والهذلية. وإذا بحثنا في كتب تاريخ الإباضية فلن نعثر على ما أشار إليه، ثم إنَّه ينسب إليها أقوالا يكفى الواحد منها لإخراجها من الإسلام. والواقع أنه عندما يرجع الباحث إلى كتب الإباضية في عصر أبي الحسن لا يجد أي فرقة من هذه الفرق فمن أين جاءت هذه الآراء وهذه الفرق؟ فهل استقاها من مصادر غير إباضية؟ ربما يكون هذا هو الأصح، لأننا لا نعثر إطلاقا في كتابه على أسماء للأئمة الإباضية، كجابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والجلندى بن مسعود العماني والربيع بن حبيب وعبد الرحمن بن رستم، وغيرهم ممن توزعوا في البلاد العربية والإسلامية كالعراق واليمن والحجاز والشام ومصر والمغرب العربي. سواء في النصف الثاني من القرن الأول الهجري أو ما بعده (1).
وما جاء على لسان أبي الحسن الأشعري هو نفسه الذي جاء على لسان البغدادي وابن حزم والشهرستاني (2) مع اختلاف ضئيل يتمثل في اختلاف الألفاظ والمعنى واحد فيهما، والكل يسعى لتبرئة مذهبه من وصمة الخطإ وإلصاق وصف الباطل بغيره.
ومع كل هذا، ومن باب وبالأضداد تتمايز الأشياء، فإن هذه
المصادر تعدُّ مؤشّرات ونقاط إشارة يستطيع الباحث أن يستضيء
أثناء عمله في البحث عن الحقيقة.
1 علي يحي، معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، صفحات 29 فما بعد.
2 - علي يخي، معمر نفسه، صفحات 38 - 45 - 58 ..
بھا
24 (1/44)
صفحة 45
أما من الوجهة التاريخية فإن خثنا هذا قد اعتمد الوقائع التاريخية مجالا لاستنباط مادة البحث وتحليلها للخروج خكم صحيح، ولكنَّ الكتب التاريخية لكثير من العلماء الأفذاذ لم تنج هي الأخرى من الكبوات، فكتاب اليعقوبي (ت 284 هـ)، والطبري (ت 310 هـ)، وابن البشير (ت 630 هـ)، قد أرخت للدولة المركزية، و لم تمتد أخبارها لتشمل الأطراف البعيدة. وإذا تصفحت أمثال هذه الكتب فإنَّك لا تجد للدول الإباضية أكثر من فقرات صغيرة غير واضحة ولا مركزة (1). فدولة عمان الإباضية كانت قريبة جدا من بغداد أبام اليعقوبي والطبري، أي في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريين، ومع هذا لم تركز على إباضية عمان وإمامتهم التي لم تخضع للعباسيين إلا مدة لا تزيد عن أربعين سنة، كانت القوات العباسية فيها تحكم الشواطئ، أما في داخل عمان فالإمامة لم تنقطع أبداً. فهل كتب اليعقوبي والطبري تاريخهما تحت عناية الخلفاء؟
ونجد الموقف نفسه عند ابن خلدون (ت 808 هـ) في كتابه
"العبر"، فهو لم يضع عنوانا للدولة الرستمية مثلما فعله مع دويلات المغرب الإسلامي، ورغم أن المؤرخ إبراهيم بخاز قد وجد له عذرا، إذ يرى بأن الدولة الرستمية قد بنيت على كاهل قبيلة لماية التي انقرضت بقيام تاهرت (2)، فإني لا أرى ذلك صحيحا، وبخاصة إذا علمنا
1 - إبراهيم بجاز، الدولة الرستمية، ص 35.
2 - إبراهيم جاز، نفسه، ص 38.
25 (1/45)
صفحة 46
كتابه قد قدَّمه إلى سلطان تونس أبي العباس الحفصي ثم إلى السلطان برقوق بمصر (1).
وفيما يخص الكتب التاريخية الحديثة، فيمكن وصفها بأنها فعلا درست الدولة الرستمية، فكتاب موجز" التاريخ العام للجزائر" للأستاذ عثمان الكعاك، وكتاب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" للأستاذ محمد مبارك الميلي، وكتاب "تاريخ الجزائر العام" للأستاذ عبد الرحمن الجيلالي. وكذلك الدكتور إبراهيم أحمد العدوي في كتابه "بلاد الجزائر"، والدكتور عبد العزيز سالم في كتابه "المغرب العربي الكبير " (2). كما نضيف كتاب "الدولة الرستمية بالمغرب" للدكتور عيسى محمد الحريري. وكلُّها كتب أفاضت في وصف هذه الدولة
وأتت على جوانبها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها.
ونأتي في الأخير إلى كتاب ابن الصغير، فرغم قدمه فقد تركناه في ختام هذا التقييم نظرا لأهميته، إذ يعدُّ أكثرها أهمية من وجهة نظر تاريخية، فهو أسبقهم، كما أن مؤلفه عاصر بعض مؤلفه عاصر بعض أئمة الرستميين وحضر مجالسهم، وذكر أنه رأى الإمام أبا اليقظان بن أفلح (حكم: 281 - 261 هـ) الذي يقول عنه: «وقد لحقت أنا بعض أيامه وإمارته
و حضرت مجلسه» (3).
1 - محمد الخضري لك، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، صر (6).
-2 - إبراهيم بجاز، الدولة الرستمية، صفحات 48 فما بعدها.
3 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 34.
26 (1/46)
صفحة 47
ثم إن ابن الصغير إلى جانب معايشته للإباضية في تاهرت، فقد نقل أخباره عن طريق الرواية الشفوية، ويظهر ذلك من استعماله لفظة "قالوا" أو "أخبرني غير واحد"، كما كان لا يتحمل مسؤولية بعض الأخبار التي يرويها، وعادة ما يختمها بذكر عبارة "والله أعلم أيَّ ذلك كان. ورغم أنه صرح أنه يكره سيرة الأئمة الرستميين ويبغضهم ولا تعجبه أفعالهم، ويقول في ذلك: « ... وإن كنَّا للقوم مبغضين، ولسيرهم كارهين، ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما أتصل بنا، وعدلهم فيما وُلُوا، فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم .. » (1). فإن ابن الصغير يُعتبر بحق مؤرّخ الدولة الرستمية. وقد اعتمدت عليه كثيرا في استنطاق الأحداث التاريخية لهذه الدولة، وذلك لما أخذه على نفسه من عهد في ذكر الحقائق والصدق فيما شاهد وسمع الأئمة الرستميين. وهو الذي قال: «وأن أتم الصدق فيها ولا أحرفها عن معانيها، ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروؤات ولا من أخلاق ذوي
عن
الديانات» (2).
1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 34.
-2 - ابن الصغير نفسه، ص 34.
27 (1/47)
صفحة 48
ثانيا: المصادر الإباضية
بالرغم من الظروف السيئة التي لا حقت الإباضية زمانا ومكانا، مما أدى إلى إتلاف عدة كتب ووثائق لهم، فضلا عن الرقابة الشديدة التي سلطتها عليهم الأنظمة القائمة المحيطة بهم، أو المنضوون تحت حكمها، فإن الإباضية خلفوا تراثا علميا غزيرا شمل مختلف العلوم كالتفسير والحديث والفقه، إلا أن أغلبها لا زال دفين خزائن المخطوطات. وعملية استخراج تلك المخطوطات لا تزال بطيئة جدا، نظرا لما أحاط بالإباضية من عوامل الجهل من قبل الكتاب غير الإباضية. ومن أسباب هذا الجهل قيام الدول الإباضية بعيدة عن مراكز الدولة الإسلامية بالمشرق، ثم للسياسة التي اتبعتها هذه الدول إزاءهم باعتبارهم خوارج. وترك هذا الوصف ضبابا قائما حال دون محاولة المؤرخين الوصول إلى مناطقهم والتعرف على حقيقة أمرهم فضلا عن التعصب المذهبي الذي أدى دورا كبيرا في تكريس هذه الصورة السوداء.
ذلك
ولقد اعتمدت في بحثي على كثير من المخطوطات، من "كتاب السير" لأبي العباس أحمد الشماخي، وكتاب "الضياء" لأبي المنذر سلمة بن سعيد العوتي الصحاري، وكتاب "أصول الدين" لتبغورين بن عيسى الملشوطي. وكتاب "شرح اللؤلؤة" لقاسم بن سليمان بن محمد الشماخي والملاحظ على هذه المصادر غلبة الجانب الديني عليها.
وكان اعتمادي الأكثر على "سير" الشماخي، الذي استطاع فيه
28 (1/48)
صفحة 49
المؤلف جمع "سير" أبي زكرياء يحي بن أبي بكر الوارجلاني، و"سير" أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، و"سير" أبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني و طبقات المشايخ" لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، و"الجواهر المنتقاة" لأبي القاسم البرادي (1).
"
كما كان لكتاب الدرجيني الأثر الكبير في هذا البحث، مع الاعتماد على سير أبي زكرياء الوارجلاني، الذي حققه إسماعيل العربي، إضافة إلى كتاب "شرح النيل" لمحمد بن يوسف اطفيش، وكتاب قاموس الشريعة" الجميل بن خميس السعدي في جزئه السادس
والثمانين والخاص بالإمامة، وهو مخطوط هام في هذا الموضوع (2).
إلى جانب هذه المصادر الهامة من حيث تناولها للعقائد الإباضية وتاريخ الدولة الرستمية، ومعظمها يمثل نتاج المدرسة الإباضية المغربية، نجد مصادر عمانية عامة في نفس الموضوع. وقد كانت في أغلب الأحوال تعود في سندها إلى مصادر واحدة مثل كتاب "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة للشيخ سرحان بن سعيد الأزكوي (3). وكتاب
1 - إبراهيم بخاز، ص 32.
-2 - جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة، مخطوط يقع في اثنين وتسعين جزءا، تناول فيه جميع ما يتعلق بعلوم الشريعة في الفقه والأصول، وقد خصص الجزء السادس والثمانين لأحكام الإمامة. وقد طبع الكتاب في عمان كما يوجد مخطوطا في مكتبة القطب اطفيش ومكتبة آل خالد ببني يزحن. بميزاب.
3 - الأزكوي، كشف الغمة لأخبار الأمة مخطوط لم نعثر عليه في الجزائر.
29 (1/49)
صفحة 50
ثالثا: كتب الفكر الإسلامي الحديث
نظرا للتطورات التي أحدثتها عدة مؤلفات إسلامية حديثة من
كلا
المذهبين والتي أعطت في دراساتها وجها جديدا لبعض النظريات
السياسية، فإني رأيت أن ذكرها جدير في هذه العجالة.
11
إن اتباع المؤلفين المعاصرين لمنهجية البحث العلمي مكنهم من التقريب بين وجهات النظر بين المذاهب، وإذا أخذنا على سبيل المثال كتاب الشيخ عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام"، وكتاب "قواعد نظام الحكم في الإسلام" للدكتور محمود الخالدي، وكتاب "الإسلام وأوضاعنا السياسية" لعبد القادر عودة، وكتاب الشيخ محمد الغزالي "الإسلام والاستبداد السياسي"، وكتاب الدكتور محمد عمارة "الإسلام وفلسفة الحكم، وكتاب التاريخ الإسلامي وفلسفة القرن العشرين" للدكتور عمر فاروق فوزي، وكتاب الأستاذ محمد الشيخ بالحاج "مميزات الإباضية، وأخيرا البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية" للأستاذ فرحات الجعبيري، وغيرها من الكتب الحديثة، فإنَّنا نجدها في أغلبها تسير في اتجاه واحد، حيث يسلك مؤلّفوها منهج تصحيح الأفكار، وتقويم المفاهيم، ووضع الآراء المذهبية في مرتبتها، وبالتالي السير بالمذاهب الإسلامية إلى الوضع الذي يجب أن تكون فيه، وهو موضع الاجتهاد والاختلاف المتكامل دون الافتراق والتصارع. ثم الوصول بها إلى اعتراف بعضها ببعض، وبالأخطاء التي ارتكبتها أزاء المذاهب الأخرى، وتنقيتها من الشوائب التي وضعتها عيون السلاطين.
32 (1/50)
صفحة 51
ولقد لمست في هذه المطبوعات الحديثة سيرا حثيثا نحو إعادة النظر في كثير من الآراء السياسية الإسلامية كانت في القديم حجر عثرة أمام
تقدم النظرية السياسية الإسلامية، وملاءمتها للظروف العصرية التي المسلمين الاتحاد من أجل مجابهة التحديات.
تتطلب من
وقد عالجت هذه الكتب بالنسبة لأهل السنة والجماعة ثم الإباضية مسائل عدة، من بينها مسألة الخروج على أئمة الظلم، وقضيَّة النسب القرشي، وكذلك مفهوم مصطلح الخوارج. فاتضحت عدة مبهمات كان التاريخ والجهل وسوء الظنّ والتعصب المذهبي والتقليد وتقديس العلماء والآراء السابقة من وراء فسادها وإذكاء نار الفرقة بين الإخوة في الدين الواحد والقبلة الواحدة.
كما اعتمدت في بحثي على عدة مراجع أجنبية كتبت عن الإسلام ومذاهبه، وقد تناول كثير من الكتاب المستشرقين المذهب الإباضي، ونشروا آراءهم حوله، كما فعل المستشرق موتيلانسكي Moulinski) الذي نشر تاريخ ابن الصغير سنة 1908 م، وكتب ليفتسكي (Lewiki(2) عدة مقالات مهمَّة عن الإباضية، وعلى منواله نسج الأب كوبيرلي Pierre Cuperly(3) وغيرهم.
Mutylinski : l'Aquida des Abadhites, recueil de memoire de texte publi? a -1 l'honneur du 14 eme congré des orientalistes, imp oriental Alger, 1905.-
بحاز إبراهيم، ص 54.
نجاز إبراهيم، ص 54.
Lewicki T. Un chronique Ibadite; opcit. - -2
Pierre Cuperly ; Profession de foi ibadite. Contribution a l'étude de l'ibadism -3 et de sa théologie. Univérsité des sciences humains, Paris, 1977.
33 (1/51)
صفحة 52
كما اعتمدت على بعض الدوريات العربية والفرنسية وبعض المحاضرات التي تناولت جوانب تتعلق بهذا الموضوع.
وأشير في النهاية إلى أنني قمت بمقابلة شخصيتين من الفرقتين محل الدراسة، مستعينا بآرائها حول بعض المسائل المطروحة والمختلف فيها بين المذهبين. ورغم تحرُّجنا من طرح بعض المسائل فإنهما لم يبخلا بإعطاء الأجوبة الصحيحة. ويتعلق الأمر بالأستاذ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، وهو أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة والدكتور الفاضل محمد الأمين الإسماعيلي من المغرب الشقيق، وهو أستاذ بجامعة الرباط. جزاهما الله عنا أحسن الجزاء، وجعلهما وأمثالهما ذخرا للأمة
الإسلامية.
34 (1/52)
صفحة 53
المدخل
أولا: أهل السنة والجماعة
ثانيا: الإباضية
ثالثا: الشيعة
رابعا: المعتزلة
35 (1/53)
صفحة 54
[صفحة فارغة] (1/54)
صفحة 55
أولا: أهل السنة
يمثل أهل السنة والجماعة السواد الأعظم من الأمة الإسلامية، فقد ظلت هذه الجماعة الإسلامية السند الكبير لقيام أكثر وأكبر الكيانات السياسية في العالم الإسلامي، وذلك منذ العصر الأموي حتى سقوط
الخلافة الإسلامية بتركيا سنة 1924، وبصورة أقل بعد ذلك.
فمن هم أهل السنة والجماعة؟ وإلى أين تعود جذورهم؟ وما أصل
التسمية؟
لقد وقع اضطراب كبير في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، لأن كل الذين حاولوا ذلك كان اعتمادهم على أسس مختلفة، فمنهم من اعتمد على القواعد الفكرية التي تنطلق منها الفرق الإسلامية، بدءا بمؤتمر السقيفة ومنهم من اعتمد على ظهور بعض الأئمة، الذين كان لهم أثر في حياة هذه الفرقة كظهور أبي حنيفة ومالك بن أنس أو ابن حنبل أو الأشعري، وفريق ثالث أرّخ ذلك بانفصال بعض الفرق كتميز الخوارج والمعتزلة، وغير ذلك من الأسباب التي تظل عقبة كبيرة في
وجه الباحث للوصول إلى معرفة حقيقة أهل السنة والجماعة.
1 - الجذور:
من
ن الناحية التاريخية يرجع بعض الكتاب المبادئ التي أدت إلى ظهور أهل السنة والجماعة إلى مؤتمر السقيفة، حيث تمت مبايعة أبي بكر الصديق لخلافة رسول الله له بإجماع الصحابة (1)، إذ المعروف
-1 علي الإدريسي الإمامة عند ابن تومرت ص 42 نقلا عن: يوسف أبيش، نصوص الفكر السياسي، ص 20.
37 (1/55)
صفحة 56
تاريخيا أن المؤتمر الذي وقع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قد أفرز عدة آراء حول مسألة الخلافة، وكان هذا المؤتمر انطلاقا لأهم العقائد السياسية المطروحة حتى الآن في الساحة الإسلامية.
ويرى البغدادي أن سندهم يعود إلى علي بن أبي طالب، ويعتبرونه أول متكلميهم، ويذكرون أنه أوّل من ناظر الخوارج في مسألة الوعد والوعيد، كما ناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة. وبعد علي بن أبي طالب يأتي عبد الله بن عمر، فعمر بن عبد العزيز، فالحسن البصري، ثم زيد بن علي زين العابدين (1). كما جعل البغدادي أوَّل المتكلمين من الفقهاء أبا حنيفة النعمان، ثم الشافعي (2).
وإذا كان أبو حنيفة هو أول ممثل حقيقي لأهل السنة والجماعة، فإنَّنا نجد بذور هذا المذهب أيضا عند الحسن بن محمد بن الحنفية، الذي تصدى للرد على الخوارج حين نشروا مبدأهم الخطير "لا عقيدة بدون عمل". وكذلك قولهم بتكفير صاحب الكبيرة واستحلال قتله، فأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية (3). ويبدو من تتبع قضايا الفكر الإسلامي أن أهل السنة كفرقة مذهبية ذات أسس نظرية ونسق فكري متكامل لم تظهر إلا في أواخر القرن الثالث الهجري، وبالضبط حين انفصل أبو الحسن الأشعري من المعتزلة، هذه الفرقة رد فعل على طغيان التصور الباطني الإسلامي
فكان محيى
1 - البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 220. جلال محمد، نشأة الأشعرية وتطورها، ص 20.
2 محمد حلال نفسه، ص 20.
-3 محمد جلال، نفسه، ص 20
38 (1/56)
صفحة 57
من قبل الشيعة من جهة والتصور العقلاني من قبل المعتزلة (1).
أمَّا الدكتور مصطفى الشكعة فإنَّه يؤرّخ لظهور تسمية أهل السنة والجماعة بأواخر القرن السابع الهجري، أي بعد ظهور آخر الأئمة المشهورين وهو أحمد بن حنبل بحوالي أربعة قرون (2).
-2 من هم أهل السنة والجماعة؟
الحقيقة أننا نجد بعض الصعوبات في تعريف فرقة أهل السنة والجماعة، نظرا لاختلاف التعاريف الواردة.
فابن تيمية يقول: «فلفظ السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك معنى "أهل السنة" جميع الطوائف إلا الرافضة. وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يُثبت الصفات الله تعالى ويقول القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل السنة والحديث» (3).
ومن الكتاب من عرف هذه التسمية "أهل السنة والجماعة" باجتماع الكلمتين السنة والجماعة كالبغدادي الذي يذكر أن الصفاتية هم أهل السنة والجماعة، وجعلهم ثمانية أصناف (4).
-1 على الإدريسي، ص 43.
2 - مصطفى الشكعة إسلام بلا مذاهب، ص 390.
-3 ابن تيمية منهاج السنة النبوية، ج 2، ص 163.
4 - انظر المزيد من التفصيل: البغدادي الفرق بين الفرق، ص 189.
39 (1/57)
صفحة 58
ومنهم من فرق بين المصطلحين بذكر أسباب كل واحد، فالسنة
من الناحية الشرعية تعني أقوال الرسول لله وأفعاله وتقريراته، أما اصطلاحا وهذا هو الجناح الثاني للتفسير - فيرده بعض المؤرخين كابن أبي الحديد إلى السنة التي سنها معاوية بن أبي سفيان في سب ولعن علي ابن أبي طالب على منابر الجمعة (1)، إلى أن تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز فأمات هذه السنة وأحل محلها قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (2).
أما لفظ الجماعة فإن له مدلولا تاريخيا أيضا، إذ يرجع إلى عام الجماعة حينما تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب عن الخلافة لمعاوية ابن أبي سفيان سنة 41 هـ (3).
وذهب البعض إلى أن الجماعة هم السواد، وقيل: هم أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر من الأمور الشرعية، وقيل: هم أهل الفقه والعلم والحديث من الأئمة المجتهدين (4).
1 ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، المجلد الأول، صفحات 778 فما بعد. – عمر صالح با، دراسات في الفكر الإباضي، ص 18. - المسعودي، ج 3 ص 35 طبعة السعادة،
مصر 1948 م.
-2 سورة النحل، آية 90.
3 - محمد عبد الهادي أهل السنة والجماعة، ص 48 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة
شخصية - انظر تفصيل ذلك في ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 3، ص 203.
4 - محمد عبد الهادي، نفسه،
ص
47/ 46
40 (1/58)
صفحة 59
وقيل لفظ الجماعة تعني الذين هم على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من الاتباع وترك الابتداع (1).
إن المتتبع لهذه التعاريف المختلفة عدة وجوه، يستطيع أن يتبين من
عدة ملاحظات فمن خلال مقولة ابن تيمية والتي نراها قد جمعت عناصر التعريف من وجهة نظر تاريخية وعقدية، فإنَّه يجمع أهل السنة والجماعة في إثبات خلافة الخلفاء الثلاثة ويبدو أنه قد استبعد أحد الخلفاء الراشدين دون ذكره. فمن هو هذا الخليفة؟ مع العلم أن جميع الخلفاء قد تولوا لخلافة بالطرق الشرعية، وأن أكثر المذاهب ترضى عنهم جميعا، باستثناء الشيعة الذين يرون أن الخلفاء الثلاثة الأولين قد اغتصبوا الخلافة من علي.
بذلك جميع
مذاهب
ثم إن ابن تيمية يستثني الرافضة، فهل يعني الشيعة؟ ثم يضيف عنصرا جديدا في التعريف وهو العنصر العقدي، وهو اتجاه الحديث والسنة. والظاهر منه أيضا أنه يستبعد أهل الرأي من أتباع أبي حنيفة، ثم ينهي هذه المقولة بإيراد بعض الشروط كما هي في التعريف، والتي ترجع في النهاية إلى عقائد أهل الحديث والسنة. لا نستطيع أن نحكم بأن هذا التعريف مضطرب، ولكن الذي نراه
1 - البغدادي الفرق بين الفرق، ص 191. محمد عبد الهادي أهل السنة والجماعة، ص 48 كان معاوية يقول: «اللهم إن أبا تراب قد ألحد في دينك وصد عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما». ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، المجلد الأول، ص 778.
41 (1/59)
صفحة 60
وأنه قد يجمع إليه بعض الفرق وهي ليست من أهل الحديث، كالأحناف الذين يُعطون للرأي النصيب الأوفر في اجتهاداتهم. أما البغدادي فتعريفه لا يبتعد كثيرا عن الأول، فمن خلال الأصناف الثمانية التي ذكرها نلاحظ اختلافين:
الأول هو
أن البغدادي يذكر جميع الأئمة الكبار للمذاهب
الأربعة (1)، في حين يقتصر ابن تيمية على ثلاثة فقط.
الثاني أن البغدادي يذكر جميع أئمة المذاهب الأربعة الكبار ذكرا
صريحا، في حين أن ابن تيمية يلمح بتعريفه إلى أهل الحديث والسنة. فهل يقصد بذلك إبعاد أهل الرأي؟
وأما ما ذهب إليه ابن أبي الحديد من أن أصل تسمية أهل السنة يرجع إلى سنة معاوية في لعن علي، فهذا التعليل في الحقيقة لم نعثر عليه في كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير، ولا ندري من أين استقاه فلعل
أن
هذا مجرد اجتهاد وربط للأحداث ببعضها والمراد بهذا التعقيب هو سنة سب علي ولعنه على منابر الجمعة كان معاوية قد سار عليها طويلا، كما أن إزالة عمر بن عبد العزيز لها ثبت تاريخيا، إلا أن ربط
هذه الواقعة بتسمية أهل السنة بذلك فهذا مالا نرجحه (2).
1 - البغدادي، ص 189.
2 - يبدو أن الأمويين لم يكونوا كلهم راضين بهذه السنة التي سنها معاوية. وهذا ما يظهر من قول ابن أبي الحديد ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أن هشام بن عبد الملك لم يكن يفعل هذا وذكر المبرد في الكامل أن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق في خلافة هشام كان يلعن عليا كما فعل ذلك الوليد بن عبد الملك. المجلد 1، ص 778
42 (1/60)
صفحة 61
ويخلص لنا من كل ما سبق ولجميع العوامل التي اعتمد عليها الذين
ساهموا في تعريف أهل السنة والجماعة ما نراه هو أن أهل السنة
والجماعة ليسوا فرقة واحدة، فما جمع بينها غير العنصر العقدي، حيث تجتمع كثيرا في أصولها وتختلف في فروعها، كما تختلف المذاهب الأخرى مع المذاهب الأربعة الكبرى. كما أنها من وجهة نظر تاريخية تعود كلُّها إلى منطلق واحد، حيث جمعت بينها كثير من الظروف التاريخية والسياسية، وبالتالي ساهم هذا الوضع في إبعاد باقي الفرق الأخرى، فكان لعام الجماعة وهو سنة 41 هـ، بتنازل الحسن بن علي ن أبي طالب عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان أكبر الأثر في تجميع المسلمين تحت حكم واحد واستمرارهم في كيان سياسي طويل الأمد، عاشت فيه المذاهب الأربعة آخذة بواقعية الأحداث السياسية التي مرت بها الأمة الإسلامية في ذلك العهد (1).
وإذا وضعنا نصب أعيننا تلك المقاييس التي مرت بنا في تعريف أهل السنة والجماعة، وبخاصة ما يتعلق باتِّباع السنة النبوية وإجماع الصحابة والتابعين مع بعض الاختلافات كالتي هي موجودة بين المذاهب الأربعة وبين فروعها، فإنَّنا نستطيع القول بأن لفظ أهل السنة والجماعة يشمل "كل من اتَّبع الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين" (2) من تأويل أو تعطيل أو تكييف. والمقصود بالتأويل ما لا يخرجه تعالى عن
1 علي الإدريسي، ص 42.
2 - البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 300.
غير
43 (1/61)
صفحة 62
صفة الربوبية وما يجب أن يكون عليه مع ملاحظة أن جميع الذين أولوا
صفات الله
لم ينزلوا بها إلى درجة العباد، وأنهم جميعا يريدون بها: وجه الله وتنزيهه، ولا أحد يرمي إلى وصف الله بصفات النقص (1). وبالتالي فإن المذاهب الأخرى التي لها نفس المبادئ ستجد مكانا لها بين أهل السنة والجماعة. وانطلاقا من هذا المفهوم فالواجب علينا أن تحتكم إلى الكتاب والسنة لا إلى غيرهما، فلا يجوز أن نقول إن هذا المذهب أو ذاك أقرب إلى أهل السنة والجماعة، بل الأصح أن نقول إنَّه أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله (2)، قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (3). وقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله
والرسول) (4). والرسول (4). وقال: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا
في الدين) (5).
فجعل الحكم لمن تفقه في الدين، وليس للكثرة أو القلة. كما أنه لم يقل: قيسوا ذلك المذهب على مذهب من المذاهب. قال: «ترکت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي» (6).
1 - محمد الأمين الإسماعيلي، مقابلة، بتاريخ 1992/ 12/26 م. 2 محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بتاريخ 1992/ 06/14
-3 سورة الشورى آية 10
-4 - سورة النساء آية 59.
-5 - سورة التوبة آية 122
رواه مالك بلفظ: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنةة نبيه كتاب الجامع للنهي عن القول بالقدر، ص 648، رقم 1619.
44 (1/62)
صفحة 63
فالعبرة إذن بالمتبوع لا بالتابع، وإنما الشيء الذي أعطى لأهل السنة والجماعة هذه المرتبة هي ظروف تتلخص في أنهم يمثلون السواد الأعظم للأمة الإسلامية، وأن جل الكيانات السياسية قد حمتهم، أو حمى مذهبا من المذاهب الأربعة، وهذا ما لم يحصل لكل الفرق الإسلامية
الأخرى.
ونحن عندما نناقش قاعدة اقتران الحقِّ مع الكثرة أو القوة، فهذا لا
أن
بني إطلاقا الانتقاص من قيمة أي مذهب، أو تفضيل مذهب على آخر، أو إدخاله في منطق الباطل، بقدر ما نريد بذلك التأكيد على المذاهب الإسلامية متساوية، لكونها تستقي أصولها من منبع
واحد: الكتاب والسنة.
-3
- أهم أصول أهل السنة والجماعة (1).
1. أخذوا في التوحيد بظواهر النصوص القرآنية والأحاديث. 2 صفات الله عز وجل قديمة وزائدة على ذاته.
3 القرآن كلام الله، غير مخلوق.
4 رؤية السعداء لربهم يوم القيامة ممكنة وحاصلة.
5 مرتكب الكبيرة هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفى
عنه
1 - للمزيد من التفاصيل حول عقيدتهم انظر عدة كتب منها: ابن حزم، الفصل، ج 2، ص 92. - ج 3، ص 33/ 32. - ج 4، صفحات 38 - 53 - 54 - 72. ابن تيمية، منهاج
السنة، ج 1، ص 52 - ج 2 صفحات 80 226 327.
5
45 (1/63)
صفحة 64
6. إن أفعال العباد مخلوقة الله، على أن الإنسان إن لم يستطع خلق
عمله، فهو قادر على كسبه.
7. القبيح هو ما نهى عنه الشارع، والحسن ما لم يرد في الشرع هي
عنه
8. الشفاعة ثابتة وهي نوعان الأولى في المقام المحمود لبدء الحساب، والثانية لإخراج أهل الكبائر من النار.
9. إن الكفار مخلدون في النار، والمؤمنون في الجنة.
10. الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وأن العمل ليس جزءا من الإيمان خلافا للحنفية، أما المذاهب الثلاثة الأخرى: المالكية، الحنفية الشافعية فإنها تعد العمل الركن الثالث
للإيمان.
11. الرضى التام عن صحابة رسول الله، والتماس العذر
للمخطئ منهم.
ومن أصولهم السياسية:
12. الإمامة واجبة شرعا، أي نقلا وسمعا.
13. نصب إمام ممكن بالاختيار أو العهد أو التغلب.
14. أن يكون الإمام قرشيا.
15. طاعة الإمام واجبة شرعا إلا في المعصية.
16. النصح وكلمة الحق عند الإمام الجائر.
17. عدم جواز الخروج على الإمام الجائر لأنه يؤدي إلى الفتنة.
46 (1/64)
صفحة 65
ثانيا: الإباضية
من هم الإباضية؟ إلى أين تمتد جذورهم التاريخية؟ ومتى
نشأتهم؟ وما هي علاقتهم بالخوارج؟ وما هي أصولهم العقدية؟
-1 الجذور
كانت
إن الإباضية باعتبارها فرقة إسلامية متميزة بمبادئها، تعود في جذورها التاريخية إلى مؤتمر السقيفة (1)، الذي دارت فيه المناقشات السياسية وفق الأساليب الحديثة في عصرنا (2)، وكانت مشكلة الخلافة أوَّل مسألة أثارت النقاش بين المسلمين، وأدَّى هذا إلى تفرقهم شيعا وأحزابا وبخاصة وأنه لم يرد في القرآن نص صريح يبن كيف يتم بموجبه اختيار رئيس الدولة (3). وقد توفي رسول الله دون أن يعين من يخلفه، مما ترك أمر الخلافة تتجاذبه الآراء من كل ناحية. وقد تجلت خلال المناقشات التي جرت بين الصحابة في السقيفة
ثلاث نظريات
• النظرية الارستقراطية العائلية القبلية، أو القومية: قال أصحابها بحصر الخلافة في بني هاشم وخاصة آل البيت، وفي
قريش، أو في العرب، أو في المهاجرين والأنصار.
1 - د. عمار، طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 45. وحول مؤتمر السقيفة، انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ مجلد 2 صفحات 220 فما بعد.
-2 - ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، نقلا عن ماكدونالد، ج 1، ص 166.
3 - د. عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 44.
47 (1/65)
صفحة 66
نظرية الإمامة لمن يستحقها قالوا إن السلطة الزمانية حقٌّ
للأمة، بقطع النظر عن الانتماء النسبي (1).
نظرية الوصية القائلة بأنّ الإمامة ليست من مصالح العامة، بل هي ركن من أركان الدين، وإن الأئمة لم يعرفوا بالوصف، بل عُيّنوا
بالشخص، فعين النبي الله عليا، وهو يعين من بعده (2).
فجذور المذهب الإباضي تعود إلى مؤتمر السقيفة، وذلك عندما نادى بعض الصحابة بأن الخلافة حقٌّ للأمة تختار من ترضاه لذلك من ذوي الكفاءات الدينية (3)، إذ القرآن لم ينص على ذلك ولا حصر النبي الخليفة في قبيلة ما أو أسرة ما (4).
وفي هذه المسألة يلتقي الإباضية مع أهل السنة والجماعة في قول من
-1 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة شخصية، ص 4، بطاقة 2 من الأجوبة.
2 - انظر: الكليني، كتاب الروضة من الكافي. النوبختي، فرق الشيعة. – محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان.
هذه نظرية أكثر الشيعة عدا الزيدية، وهم أتباع زيد بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذين لا يؤمنون بالإمام الذي أوصى به النبي، وقد عينه بالاسم والشخص بل عرفه بالوصف فقط. انظر تفاصيل ذلك في: الشهرستاني، الملل والنحل، ج 2، ص 2. البغدادي الفرق بين الفرق، ص 23/ 22، أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 52/ 51.
3 - د. عوض خليفات التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان
ص 24.
4 محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 1.
48 (1/66)
صفحة 67
قال بأنهم يعودون في جذورهم إلى مؤتمر السقيفة (1).
فالمذهب الإباضي إذن لم ينطلق من الفراغ، ولم يكن نتيجة ظروف معينة سياسية كانت أو تاريخية وما يؤكد ذلك هو بقاء هذا المذهب بمبادئه إلى يومنا هذا، في حين اندثرت فرق أخرى لم تكن واقعية في مبادئها كفرق الخوارج، أو كانت شعوبية في منطلقاتها كالقرامطة
والمانوية.
2 النشأة والتسمية:
إن الحركات المذهبية الدينية أو السياسية تتبلور وتتحدد معالمها بعد أطوار قد تكون طويلة الأمد، وقد تمتد إلى أجيال. والإباضية كفرقة مستقلة، كغيرها من الفرق الدينية، لم تتبلور أفكارها و لم تتحدد معالمها إلا بعد زمن طويل، وذلك لتسارع الأحداث، وعدم استقرار الأوضاع، وعدم تميز الفرق بعضها عن بعض، مما صعب كثيرا تحديد تاريخ معين لظهور الإباضية كفرقة إسلامية ذات استقلال فكري وأصول واضحة (2).
وعندما وقع أوَّل خلاف في الإسلام بين علي ومعاوية أدى إلى وقعة صفين (3)، وفيها انقسم المسلمون بين علي ومعاوية، ثم انقسم
1 - انظر جذور أهل السنة والجماعة، ص 37 وما بعدها (من هذا البحث).
2 عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 29.
3 - بحاز إبراهيم، الدولة الرستمية، ص 73.
49 (1/67)
صفحة 68
جيش علي إلى حزبين بسبب قضية التحكيم (1)، فمنهم من رضي بالتحكيم ووقف إلى جنب على، بينما رفضه الفريق الثاني لأنه يرى أن عليا أحق بالإمامة من معاوية، فخرجت عن هذه الجماعة منادية بأن "لا حكم إلا الله"، وقد حكم الله في الفئة الباغية بقوله: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (2).
وهو ما أكده النبي الله بقوله: «تقتل عمارا الفئة الباغية» (3).
بسبب
هذا خرجت عن علي بن أبي طالب جماعة من أكبر أنصاره إلى النهروان وبايعت الصحابي الجليل عبد الله بن وهب الراسبي إماما جديدا للمسلمين، بعد أن تنازل علي عن الخلافة وملك أمرها
الحكمين.
وقد تسمت هذه الجماعة بعدة أسماء اختارتها لنفسها، منها "المحكمة" و"المسلمون" و "جماعة المسلمين" و"أهل الدعوة"، وكذلك
انضافت في ما بعد كلمة "أهل "الحق" و"أهل الاستقامة" (4).
وقد كانت معاملة أصحاب على للمحكمة قاسية، مما دفع بطائفة
1 - حول فصول التحكيم انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مجلد 3، صفحات 188. -2 سورة الحجرات، آية 9.
-3 - رواه مسلم، ج 4، ص 2236 كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم 2916. بلفظ: «أن رسول الله قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية وبلفظ آخر «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية ج 1، ص 302، كتاب الصلاة باب 62، رقم 408. – والترمذي بلفظ «أبشر عمار، تقتلك الفئة الباغية ج 5، ص 669، كتاب المناقب، باب مناقب عمار بن ياسر، رقم 3600. - وأحمد، ج 2، صفحات 161 - 206. ج 3، صفحات 5 - 22 - 28. 4 - فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 56.
50 (1/68)
صفحة 69
منهم إلى التطرف والاعتقاد بحلية دماء مخالفيهم، فلم تتفق معها بقية المحكمة. وبذلك انقسمت المحكمة الأولى إلى فرق؛ منها الأزارقة والنجدات، وسُمُّوا بالخوارج، في حين قعد المسلمون الباقون عن قتال مخالفيهم وسُمَّوا بالقعدة وهم النواة الأولى للإباضية.
يقول الدكتور مصطفى الشكعة هذا ومن الحقيقة بمكان أن القوم أي الإباضية - لم يُطلقوا على أنفسهم هذه التسمية، وإنما أطلقها عليهم مخالفوهم في الرأي، وقد ارتضاها القوم
وتقبلوها ... » (1).
والإباضية نسبة إلى عبد الله
الناحية
بن إباض (2)، هذا من الاسمية، أما من الناحية التأسيسية فإن جابر بن زيد يُعتبر الزعيم الروحي
للإباضية (3). ولهذا فإن اسم الإباضية اسم للتمييز وليس للتشريع (4).
1 - مصطفى الشكعة إسلام بلا مذاهب، ص 137.
2 - هو عبد الله بن إباض المري التميمي، عاش وعاصر معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان والراجح أنه توفي قبل سنة 86 هـ / 705 م. انظر: الدرحيني، طبقات
المشائخ بالمغرب، ج 2، ص 214 الشماخي، السير، ص 77.
3 - هو جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري، من قبيلة اليحمد العمانية، ولد ما بين 18 و 23 للهجرة، وتوفي على الأرجح سنة 93 هـ. انظر ما كتبه السالمي، شرح مسند الربيع بن حبيب، ج 1، ص 7 - بكوش يحي، فقه الإمام جابر بن زيد، ج 1، ص 11.
د. عوض خليفات، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ص 9، – علي يحي معمر، أضواء على الإباضية، ص 1.
4 - د. سيدة إسماعيل كاشف عمان في فجر الإسلام، ص 70.
51 (1/69)
صفحة 70
وتذكر المصادر الإباضية أن عبد الله بن إباض الذي تُنسب إليه
الفرقة، إنما كان يصدر في أمره عن رأي شيخه جابر بن زيد (1). والنتيجة التي ننتهي إليها أن المذهب الإباضي أقدم المذاهب تأسيسا، اعتبارا من مؤسسه جابر بن زيد التابعي (2)، كما أن الإباضية يمثلون المجرى الطبيعي لنظام الحكم الإسلامي، باعتبارهم الذين واصلوا الطريق بعد أفول نجم علي وسيطرة معاوية بالغلبة لا بالشورى، وبالتالي
فإنه هو وأنصاره هم الذين قلبوا الحكم من الشورى إلى الوراثة. وتتجلى أحقية الإباضية بصفتهم المجرى الطبيعي لمسيرة المسلمين بعد علي بكونهم بقية من محبيه الذين أنكروا عليه فقط قبوله التحكيم، و بانتخابهم لعبد الله بن وهب الراسبي إماما بعده، وعنهم تناثرت الفرق الخارجية بخروجها عن أحكام الدين.
-3 الإباضية ليسوا خوارج
سبق الحديث أنه بعد تمزق المسلمين عامة بمواقفهم المختلفة حول التحكيم، وبعد صدور قرار الحكمين بإقرار معاوية بن أبي سفيان وإبعاد علي بن أبي طالب من الخلافة، واصلت الفرقة الرافضة للتحكيم
1 - إبراهيم بجاز، الدولة الرستمية، ص 74.
2 عمر صالح با ص 92. - سالم بن حمد الحارثي، العقود الفضية، ص 3. محمد على دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 329 - د. محمود إسماعيل، الحركات السرية في الإسلام، ص 22.
- A. Benachenhou, Connaissance de Maghreb et histoire. P 95.
52 (1/70)
صفحة 71
مسيرتها وبايعت عبد الله بن وهب الراسي إماما للمسلمين، وتجمعوا
بالنهروان.
وبسبب معاملة أصحاب علي الجماعة النهروان، انقسم هؤلاء أزاء محاربيهم إلى قسمين كبيرين تزعم أحد الفريقين أبو بلال مرداس (1)، البذرة الأولى للإباضية، في حين تزعم الفريق الثاني نافع ابن
الأزرق وابن الصفار.
إن الظهور السياسي للإباضية كان مبنيا أساسا على رواية مسألة التحكيم على النسق الذي سبق ذكره والتي انتهت إلى عزل عمرو بن العاص لعلي بن أبي طالب وتثبيت معاوية، وهي الرواية التي يرويها أكثر المؤرخين. ولكننا نجد أبا بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم يعتبر النتيجة التي آلت إليها عملية التحكيم مسرحية سياسية، غزلتها أيادي الملوك المبتدعة لأهداف سياسية، فيقول: «هذا كله كذب صراح ماجرى منه قط حرف وإنما هو شيء اخترعته المبتدعة الله
ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي
والبدع» (2).
1 - أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، حضر معركة صفين مع علي بن أبي طالب وأنكر التحكيم، وكان من خاصة عبد الله بن وهب الراسي توفي سنة 61 هـ. انظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 214.
2 - أبو بكر بن العربي العواصم من القواصم، نشر بعنوان "آراء أبي بكر بن العربي الكلامية"، تحقيق ودراسة د. عمار الطالبي ج 1، صفحات 418 فما بعد.
53 (1/71)
صفحة 72
والذي عليه أبو بكر بن العربي هو عزل عمرو لمعاوية، وذلك من قوله: «وإنما الذي رواه الأئمة الثقاة الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في
الأمر في عصبة كريمة من الناس منهم عبد الله بن عمر أو نحوه عزل عمرو معاوية» (1).
إن موقف ابن العربي أزاء مسألة التحكيم يطرح عدة تساؤلات تدور حول ما آلت إليه الأمور بعد العملية والنتائج المباشرة للرواية الأولى، أي إثبات عمرو لمعاوية. فإذا كان التحكيم قد جرى وفق ما وصفه ابن العربي، فعلى ماذا وقع الخروج إذن؟ وعلى أساس رفض التحكيم من قبل الإباضية والخوارج ومن نحا نحوهم؟ لأن الرافضين انشقوا عن علي بسبب قبوله التحكيم بالدرجة الأولى لاعتقادهم بشرعية إمامته.
وإذا صحت رواية ابن العربي فإن مجرى التاريخ سيتغير، لأن هذه الحادثة كما رواها أكثرُ المؤرّخين كانت منعطفا كبيرا في حياة الأمة الإسلامية ومنطلقا جديدا لكثير من الفرق الإسلامية كالإباضية والخوارج والمعتزلة في نظر الذين يرجعون أصل تسميتهم إلى اعتزال فريق منهم لجيش علي (2).
إن المسألة التي أثارها ابن العربي في حاجة إلى التحقيق وإعادة قراءة النصوص التاريخية ثانية، واستقراء الأحداث والرجوع إلى ما اعتمد
1 ابن العربي، العواصم من القواصم.
-2 - انظر فصل تسميتهم في المبحث الرابع من مدخل الرسالة.
54 (1/72)
صفحة 73
عليه المؤرخون في رواياتهم لاستنباط الحقيقة.
إن ظهور هذه الرواية الجديدة لابن العربي تجعل الإباضية في حاجة إلى إعادة تثبيت وضعيتهم كفرقة تميزت بصفة خاصة أيام التحكيم وبعد صدور نتيجته وفق ما ذهب إليه أكثر المؤرخين، أي وفق الرواية الأولى والتي كانت تعاكس اعتقاد الإباضية ببطلان الوصول إلى السلطة عن طريق التغلب.
وفي رأينا تبقى هذه المسألة قيد البحث والتحقيق، ولا يكفي هذا العرض الوجيز لإظهار الحقائق، وفي انتظار تحقيق ذلك ووفق ما جاء على ألسنة المؤرّخين الذين لا يرون رأي ابن العربي، فإنَّه بعد مقتل أبي بلال اجتمع الرافضون للتحكيم وهم يومئذ جماعة واحدة بجامع البصرة وعزموا على الخروج، وفيهم عبد الله بن إباض وابن الأزرق،
ولما جاء الليل سمع ابن إباض التسابيح وترنين المؤذنين فأبي الخروج (1). ووقعت الفرقة وتميزت الفرق بعضها عن بعض، وكانت المسألة التي أثارت الخلاف بينهم هي موقفهم من دماء المسلمين أصحاب معاوية وأصحاب علي، فاستحل الخوارج دماء هؤلاء وسبي ذراريهم ونسائهم وغنم أموالهم، أما الإباضية فقد قعدوا عن قتالهم واعتبروهم أهل توحيد لا يجوز قتلهم والتعرض لهم وسي أطفالهم ونسائهم (2).
1 - أبو القاسم البرادي، الجواهر المنتقات، ص 156. أبو يعقوب الوارجلاني، الدليل
والبرهان، م 2، ج 3، صفحات 57/ 56.
-2 - الوارجلاني نفسه، ج 2 صفحات 57 فما بعدها.
55 (1/73)
صفحة 74
وهذا المبدأ هو الذي فرَّق بين الإباضية والخوارج الذين استباحوا دماء
الموحدين.
وقد اغتنم الأمويون هذه الفرصة فأشعلوا حربا دعائية ضد معارضيهم من شيعة علي، وخوارج وإباضية، وصفوهم بالخوارج (1). إلا أن الجماهير أيام ظهور الإباضية لم تكن مستعدة من الناحية الاجتماعية والسياسية لتقبل أفكارهم مما جعلها تتأثر بالدعاية الأموية
ضدهم (2).
تقول Anne Marie في معنى الخروج «الكلمة معناها الخارجون، ن فعل خرج والسبب الأوَّل يعني رفض التحكيم الذي قبله علي صهر النبي (3).
وإذا تعمق الباحث في معنى الخروج والظروف التاريخية التي صاحبت ذلك فإنَّه يتوصل إلى أن له معنيين:
خروج سياسي كخروج الحسين بن علي، وابن الزبير، وبلال
بن، مرداس والمختار بن عوف، وغيرهم.
خروج سياسي ديني، وهو الذي ابتدأه نافع بن الأزرق، وسار
عليه الخوارج من بعده (4).
1 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، صفحات 3 - 4 - 8.
2 - د. عمر فاروق فوزي التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 4.
Anne Marie, Abderrahim Reichlem; Contribution a l'étude de la vie social -3
de la communauté ibadite, P 37.
-4 - علي يحي، معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 431.
56 (1/74)
صفحة 75
وإذا كان الإباضية لم يسلُّوا سيفا ضد الموحدين (1)، فإنَّه من الخطا إدماجهم ضمن الخوارج، ولا يجتمع الإباضية معهم مطلقا إلا في مسألة رفض التحكيم.
يقول ابن أبي الحديد ومن المشهورين برأي الخوارج -يعني الإباضية - عكرمة مولى ابن عباس ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنه كان يذكر عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر» (2).
ورغم قرب بعض كتابات المسلمين هذه المسألة تاريخيا، فإنَّنا
من
نجد كثيرا منهم يعتبرون الإباضية خوارج، منهم الأشعري، والبغدادي،
وابن حزم والشهرستاني والشاطبي، وغيرهم (3).
وقد ظلم هؤلاء الإباضية وألحقوهم بالخوارج وألصقوا بهم كثيرا من الأفكار الخارجية، وقسموهم إلى فرق لا علاقة لهم بها. لا من حيث الأئمة كالحفصية والحارثية، واليزيدية ولا من حيث الأقوال التي
نسبت إليهم. ومن عجيب هذه الأقوال المنسوبة للإباضية، أن:
ليس بين الشرك والإيمان إلا معرفة الله وحده.
أن الله سيبعث رسولا من العجم.
1 - محمد السالمي وناجي عساف عمان تاريخ يتكلم، ص 108.
2 - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، مج 3، ص 143. أبو العباس الميرد، الكامل، ص 39 3 - د. سيدة إسماعيل كاشف عمان في فجر الإسلام، ص 43.
57 (1/75)
صفحة 76
في دينه.
من شهد لمحمد بالنبوة من أهل الكتاب فهو مؤمن، وإن لم يدخل
أنهم ينكرون الإجماع والرجم وعذاب القبر.
يستحلون غنيمة أموال المسلمين من السلاح والكراع، ويحرمون
ما عدا ذلك.
يستحلون دماء مخالفيهم في العلانية، ويحرمونها في السر. يتم أصحاب عنف، وغلاظة الطبع وجفاء البداوة وشذوذ
انم
المعاملة.
والحقيقة أن الإباضية بعيدون كل البعد عن هذه الأقوال، وأن جميع كياناتهم السياسية قامت بدون إراقة الدماء. ومنذ سقوط الدولة الرستمية لم يحاولوا الخروج على أي دولة نصبت عليهم، بسبب آرائهم في مسألة الخروج على أئمة الجور وهم يجيزونه ولا يوجبونه.
كما يتميزون في الفكر السياسي بتنظيم مرحلة الكتمان التي تمنحهم فرصة تحضير المجتمع، وهذا ما سنتعرض له في الفصل الرابع من
القسم الأول.
ويذكر الشيخ علي يحي معمر أنه يوجد من الكتاب من يقول: والإباضية يرون إزالة أئمة الجور بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره، وأحد المؤلفين يقول: ولن تغمد السيوف ويتوقف القتال في الأمة الإسلامية ما دام لهم وجود ولهم أنصار» (1).
1 علي يحي معمر الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، صفحات 46 فما بعدها.
58 (1/76)
صفحة 77
فالإباضية إذن يرفضون هذه التسمية، ويكرهون نسبتهم إلى الخوارج من قريب أو بعيد، بل يُطلقون على أنفسهم "أهل الحق"، لأنهم انفصلوا عن علي بن أبي طالب ولم ينفصلوا عن الدين (1). وليس يلزم بذلك تكفير ولا تضليل، بل كل مجتهد مصيب (2).
-4 - بعض عقائد الإباضية:
1. الصفات الإلهية هي عين الذات.
2. رؤية الله لا تتحقق للإنسان أبدا في الدنيا والآخرة (3).
3 القرآن مخلوق وعلمه تعالي به قديم غير حادث.
4 الإنسان حرّ في اختياره، مكتسب لعمله، ليس مجبرا عليه ولا
خالقا لفعله.
5. الخلود في الجنة والنار أبدي لا يشقى أهل الجنة، ولا يسعد
أهل النار.
زيادة للمؤمن في أجره ورفع درجته، وهي أيضا
6. الشفاعة هي للذين عصوا ثم تابوا.
1 د. مصطفى الشكعة إسلام بلا مذاهب، ص 105. - د. عمار طالبي، آراء الخوارج
الكلامية، ج 1، ص 19.
-2 الشهرستاني، ج 2، ص 36.
- Aicha Daddi Addoun; Sociologie Ibadite, P 87.
3 - العوتي، الضياء، ج 2، ورقة 90 (مخطوط). الوارجلاني، ج 1، ص 40. اطفيش، إزالة
الاعتراض صا.
59 (1/77)
صفحة 78
7. الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وعمل صالح تبرهن به
الجوارح.
8 وجوب الولاية للمطيع والبراءة من العاصي، والتوقف إذا وجـ
ذلك.
و الله صادق في وعده ووعيده (1).
10 النفاق منزلة بين الشرك والإيمان، وهو المنزلة بين المنزلتين في أحكام الدنيا.
11. ولا منزلة بين المنزلتين في الآخرة. فإما الجنة وإما النار. 12. إذا أطلقت كلمة الكفر على موحد، فإن ذلك
النعمة لا كفر الشرك (2).
يعني
کفر
13. الصحابة عدول كلهم، وأنهم أولياء الله، وروايتهم مقبولة، إلا
في الأحاديث المتعلقة بالفتن لمن خاض فيها.
14. مصادر التشريع هي، القرآن والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، والقواعد الفقهية العامة، والمقاصد الكبرى
للشريعة (3).
15. الإمامة، فرض ولا تنحصر في عنصر خاص.
16. الإمامة أربعة أنواع الظهور، والدفاع، والشراء، ثم
1 تبغورين بن عيسى الملشوطي أصول الدين، ورقة 4 (مخطوط).
2 - إبراهيم بجاز، ص 78.
-3 محمد الشيخ بالحاج، مميزات الإباضية، صفحات 68 فما بعدها.
60 (1/78)
صفحة 79
الكتمان (1).
17. لا يحلُّ الخروج على الإمام العادل، ويجوز الخروج على الجائر
إذا غلب ظن النجاح.
18. الإمام يُختار بالشورى، وهو مسؤول عن تصرفات ولاته. 19. وأبرز ما يتصف به الإباضية تمسكهم الشديد بالدين، بأداء فروضه و تحنُّب نواهيه، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينيا، ومجدا سياسيا، خلد ذكرهما
التاريخ (2).
20. يعتمد الإباضية في رواية أحاديثهم على مسند الربيع بن حبيب (3)، ذي الحلقات الذهبية والسند الثلاثي: أبو عبيدة (1)،
1 - تحدثت كثير من المصادر الإباضية عن مسالك الدين ومنها أحكام الكتمان. انظر مثلا: الشيخ، اطفيش شرح شرح مختصر العدل والإنصاف، ج 2، ورقة 194،
(مخطوط). نور الدين السالمي، مشارق أنوار العقول، صفحات 293/ 289. - الشماخي والتلاتي شروح عقيدة التوحيد، ص 76. جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة، ج 5، صفحات 439 وما بعدها. فرحات الجعبيري، دور المدرسة الإباضية، ص 12. سالم بن حمود السيابي، أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج، ص 33.
2 عبد العزيز المجدوب الصراع المذهبي بإفريقية، ص 104.
-
3 - الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري من عمان، انتقل إلى البصرة لأخذ العلم، أدرك جابر بن زيد وروى عنه وعن ضمام وجابر روى عن ابن عباس. وهو من الطبقة الرابعة انظر الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 273. عبد الله
السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، ص 3.
61 (1/79)
صفحة 80
عن جابر بن زيد عن ابن عباس (2)، أو غيره من الصحابة،
عن رسول الله.
21 لهم نتاج فقهي غزير وفقههم دقيق وشامل، ويقارب فقه
المذاهب الأربعة في أكثر الأحوال (3).
?
1 - هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، كبير تلامذة جابر بن زيد، وهو من الطبقة الثالثة، توفي في عهد أبي جعفر المنصور، بعد وفاة حاجب، روي عن جابر بن زيد،
وروايته له رواية تابعي عن تابعي انظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 238. عبد الله السالمي شرح الجامع الصحيح، ج 1، ص 6.
-
2 - عبد الله بن عباس (ت 88 هـ) ابن عم النبي، ولد قبل الهجرة بقليل، لم يشارك في نشاط ديني أو سياسي إلا ابتداء من خلافة عثمان، اتخذه علي مستشارا وولاه على البصرة زمنا وبقي علويا إلى أن تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية فاعترف ببيعة الأمويين. كان محدثا وفقيها ومفسرا للقرآن. توفي بالطائف عن نحو سبعين سنة. الموسوعة العربية الميسرة. ص 1178
-3 - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 35.
62 (1/80)
صفحة 81
ثالثا: الشيعة
-1 الجذور والنشأة والتسمية:
تعدُّ الشيعة إحدى الفرق الإسلامية الكبرى بعد السواد الأعظم من أهل السنة والجماعة. فمن هم الشيعة؟ وما هو أصل تسميتهم؟ وأهم أصولهم العقدية والسياسية؟
يعرف النوبختي الشيعة بقوله: «وهم فرقة علي بن أبي طالب الله، المسمون بشيعة علي ال في زمن النبي وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته» (1).
وقال محمد جواد مغنية وهو شيعي معاصر -: «الشيعة من أحب عليا وتابعه أو من أحبه ووالاه» (2).
فالشيعة اتفاقا بين علماء الشيعة وغيرهم من علماء المذاهب الأخرى هم أنصار علي وموالُوه، يقول الشيخ عبد الحليم محمود: ولكننا نرى أن السبب في نشأة الشيعة لا يرجع إلى الفرس عند
سبا،
دخولهم في الإسلام، ولا يرجع إلى اليهودية ممثلة في عبد الله بن وإنما أقدم من ذلك، فنواته الأولى ترجع إلى شخصية علي له من
1 - النوبختي، فرق الشيعة، ص 36.
2 محمد جواد مغنية الشيعة في الميزان، صفحات 19/ 17.
63 (1/81)
صفحة 82
جانب وصلته بالرسول من جانب آخر» (1).
إلا أن ظهورهم السياسي كان انطلاقا من مؤتمر السقيفة التاريخي، فإنّ جذورهم تمتد إلى ذلك اليوم، حيث قامت جماعة من الصحابة يناصرون
علي بن أبي طالب الله ويطالبون له بالخلافة باعتباره أولى من أبي بكر (2). وقد عرف التشيع طرقا أخرى غير طريق علي بن أبي طالب، ولم يكن هؤلاء المتشيّعون على أساس الكتاب والسنة في انتصارهم لعلي، وقد كانت لهذه الوضعية ظروف ساعدت على تقوية الشيعة، وبخاصة أيام الأمويين والعباسيين، حيث تشيع قوم لكرههم لهاتين الدولتين الظالمتين لهم، كما تشيَّع آخرون لاعتقادهم بتقديس البيت المالك، وتشيع قوم لضرب الإسلام من داخله كفرقة السبئية المنسوبة إلى عبد الله بن سبا (3).
وافترق الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسية منها التي فرضت إمامة علي وعقبه، ومنها التي رأت أن عليا كان أولى بالخلافة، وأجازت إمامة أبي بكر وعمر، ثم افترقت بدورها إلى فرق أخرى، غير أن ما يجمعها هو
2 - من
1 - عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 166. من الصحابة الذين نادوا بخلافة علي جابر بن عبد الله وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب، وبنوه. انظر أحمد أمين ضحى الإسلام، ج 3، ص 208 - إبراهيم العدوي، النظم، ص 169 أحمد شلي، التاريخ الإسلامي، ج 2، ص 133. - محمد عمارة الإسلام وفلسفة
-
الحكم، ص 157.
3 أحمد أمين نفسه، ج 3، ص 208.
64 (1/82)
صفحة 83
حب آل البيت وموالاتهم (1).
روحي،
إن حبهم لعلي هو الذي حدد عقائدهم وجعلها ذات طابع فكانت الخلافة عندهم من أركان الدين. يقول الخميني، زعيم إيران، في كتابه "ولايت "الفقيه" (بالإيرانية) أو "الحكومة الإسلامية" ما نصه: «كما رُوي عندنا بأن الأئمة كانوا أنوارا تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم ... وأنهم قالوا إن لنا مع الله أحوالا لا يسعها ملك
مقرب ولا نبي مرسل، وهذه المعتقدات من الأسس والأصول التي قام
عليها مذهبنا» (2).
2 - أهم عقائد الشيعة:
الله، وهو
حادث ومخلوق.
1. القرآن كلام الله
2 صفات الله عين ذاته، فهو قادر وعليم بالذات لا بزيادة.
هي
3 رؤية الله يوم القيامة غير ممكنة.
4. الوعد والوعيد: يجب على الله الوفاء بالوعد، أما الوعيد فلا
يجب لأنَّه حق الله يمكن إسقاطه.
5 مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق يجب إقامة الحد عليه.
6 الشفاعة حاصلة القيامة من النبي لأهل الكبائر بإسقاط يوم
1 حول فرق الشيعة وعقائدها انظر النوبختي، فرق الشيعة، صفحات 42/ 38.
2 - نائب الإمام الخميني (بالإيرانية) ولايت فقيه در خصوص حکومت إسلامي، باب
وايت تكويني، ص 58، من الأصل الفارسي.
65 (1/83)
صفحة 84
الكبائر عنهم.
7 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالسمع بنص
الكتاب والسنة.
8. الإنسان حر ومخير غير مسيَّر في أفعاله (1).
9. موقف الشيعة من الصحابة منطلقه روحي بسبب حبهم لعلي وآله فمنهم الغُلاة الذين اعتبروا بعض الصحابة مرتدين، فالإمام الكليني يقول: كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان
الفارسي» (2).
-3 أهم عقائدهم السياسية:
1. الإمامة ركن من أركان الدين وليست من أمور العامة. 2. الخلافة نص من النبي، أو على الأقل إشارة إلى أن الذي
يتولى الخلافة من بعده هو علي بن أبي طالب (3).
3. الإمامة لعلي وولديه الحسن والحسين، ومن بعده لولد الحسين خاصة دون ولد الحسن. وهذا هو موقف الإمامية الاثني عشرية، أمَّا الزيدية فترى أنها في ولد فاطمة من غير فرق بين
1 - محمد جواد مغنية صفحات 218/ 129.
2 - الكليني، كتاب الروضة من الكافي، ج 2، ص 245.
-3 حسن الأمين دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج 1، ص 197.
66 (1/84)
صفحة 85
ولد الحسن والحسين (1).
4. الإمام معصوم من الخطا والسهو في بيان الأحكام الشرعية. 5. الخروج على الإمام الجائر واجب بكل وسيلة، وإلا انسد باب
الجهاد.
6 يعتقد الإمامية أن المهدي حق، وأنه موجود في مكان لا يعلمه إلا الله، وأنه سيخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (2).
رابعا: المعتزلة
تعتبر المعتزلة من الفرق التي ليس لها جذور ممتدة إلى أيام السقيفة وقد كان لظهورهم بعد ذلك أثر كبير في تقديم العقل على النقل، إذ
ناقشوا قضايا القدر والحرية واقتحموا الفلسفة الإسلامية من بابها
الواسع.
1 - الجذور والنشأة:
تجمع كل المصادر التاريخية على أن مشكلة القدر التي طرحت أيام
1 - محمد جواد مغنية، ص 192.
2 - محمد جواد مغنية ص 206. ولمزيد من المعلومات حول عقائد الشيعة الدينية والسياسية،
1
انظر: النوبختي، فرق الشيعة - الخميني ولاية الفقيه، أو الحكومة الإسلامية - الشاكاني، منهج الصادقين في إلزام المخالفين حسن الأمير، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، - محمد جواد مغنية معالم الفسلفة الإسلامية - الشيعة في
الميزان.
67 (1/85)
صفحة 86
الأمويين كانت أقدم مشكلة ميّزت العناصر الأساسية التي سارت في الطريق الذي أدى إلى تكوين وظهور الأفكار الاعتزالية. وقد تزعم هذه المشكلة ثلاثة من أعلام الإسلام، قيل عن كل منهم إنَّه أول من ناقش في القدر، وهم أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو (ت 69 هـ)، ومعبد الجهني عبد الله بن حكيم (ت 80 هـ)، وأبو مروان غيلان الدمشقي ت بعد 106 هـ) (1).
ولقد ساروا في هذا الطريق من البحث والتنقيب إلى نهايته ووصلوا إلى عدة مسائل تُعد جديدة في مسار البحث الفكري
الإسلامي، وأهمها ثلاثة:
1 أن الله
يسير بالخلق إلى غاية، وأن الله يريد خير ما يكون لخلقه.
2 وأن الله لا يريد الشر ولا يأمر به.
3 وأن الله لم يخلق أفعال العباد لا خيرا ولا شرا، وأن إرادة الإنسان حرة والإنسان خالق، أفعاله ومن أجل هذا كان مثابا على الخير معاقبا على الشر (2).
وفيما يخص أصل تسميتهم بالمعتزلة، فإن الأقوال متضاربة، وأهمها
اختلاف واصل بن عطاء مع أستاذه الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة وانزوائه بزاوية المسجد، فكان الحسن البصري يقول:
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، صفحات 186 فما بعد.
-2 - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 150 م.
68 (1/86)
صفحة 87
«إن واصلا اعتزل عنا».
- ويرى المسعودي (1)، بأنهم سُمّوا كذلك لاعتزالهم كل الأقوال
المحدثة، وأنهم خالفوا الأقوال السابقة في مرتكب الكبيرة.
- كما قيل بأنهم سُمُّوا معتزلة لأنهم قالوا بأن صاحب الكبيرة اعتزل من الكافرين والمؤمنين.
وقيل إنّه مشتق من نشأتهم من فريق في جيش علي اعتزل السياسة. وممن قال بهذا أبو الحسن محمد النوبختي (2).
- وقال بعض المستشرقين، ومنهم نلينو (3)، إنهم سُمُّوا كذلك لأنهم كانوا رجالا أتقياء متقشفين أعرضوا عن ملاذ الحياة
واعتزلوها (4).
2 - أهم عقائد المعتزلة:
1 التوحيد، وفسَّروه بأن الله واحد في ذاته وصفاته، فلا يشاركه
أحد
من المخلوقات في أي صفة.
2. العدل من الله، ولذا اقتضت حكمته بأن يخلق الإنسان أفعال
نفسه ليكون التكليف والثواب والعقاب.
1 - المسعودي، مروج الذهب، طبعة الشيخ محيي الدين، ج 4، ص 104.
2 تاريخ أبي الفداء، ج 1، ص 183.
3 - عبد الرحمن بدوي، الحضارة الإسلامية، كتاب التراث اليوناني، ص 187.
4 - للتفصيل انظر: أبو القاسم البلخي، القاضي عبد الجبار، الحاكم الجشي، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، صفحات 25/ 12.
69 (1/87)
صفحة 88
3 الوعد والوعيد، بأن يجازي المحسن، ومن أساء فلا غفران
لمرتكب الكبيرة إذا لم يتب.
4 مرتكب الكبيرة في منزلة بين المؤمن والكافر، وقد يسمى مسلما فاسقا، لكن لا يسمَّى مؤمنا فهو مخلد في النار.
5. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذه
هي
الأصول الخمسة التي يتميز بها المعتزلة. قال أبو الحسن
الخياط في كتابه "الانتصار: وليس أحد يستحق اسم الاعتزال حتى
يجمع القول بالأصول الخمسة» (1).
ومن معتقداتهم كذلك:
-
الإيمان بالله ليس هو التصديق والاعتقاد القلبي وحده، بل هو
كذلك أداء الواجبات.
-
نفي رؤية الله يوم القيامة.
القرآن كلام الله وهو مخلوق.
ويفهم من كلامهم أنهم وضعوا الصحابة موضع الناس يخطئون ويصيبون، ولم يتحرَّجوا من ذلك كما تحرَّج غيرهم ممن وضع الصحابة
والتابعين في دائرة حصينة لا يستباح مهاجمتها.
1 - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 149 - ج 2، ص 55. نقلا عن أبي
الحسن الخياط المعتزلي، كتاب الانتصار.
70 (1/88)
صفحة 89
من آرائهم السياسية
نصب الإمامة واجب عقلا لا شرعا.
اختلفوا في شرط القرشية في الإمام، إذ رآه البعض وأنكره
آخرون، ويمكن أن يكون قرشيا إذا لم يوجد.
يجوز تقديم الإمام المفضول على الفاضل، إذ العبرة عندهم بمصلحة النصب وما تقتضيه الظروف.
الخروج على الإمام جائز إذا كان فاسقا فسقا ظاهرا، وغلب على الظن نجاح الثورة، فهم يرون أن الإمام يجب أن يكون دائما عادلا (1).
لا شك أن استعراض معالم فلسفة العقيدة الدينية والسياسية للفرق الأربعة في هذا المبحث دون التعرُّض لمناقشتها، من شأنه أن يعطينا نظرة شاملة لمجمل القواعد التي ينطلق منها كلُّ مذهب لبناء نظريته السياسية، فنتمكن بسهولة من تصور الخطوط العريضة لكل نظرية سياسية، وفهمها فهما منطقيا واضحا.
وما يلاحظ بالنسبة لأهل السنة والجماعة والإباضية هو وجود بعض التقارب في أهم الآراء السياسية، وذلك بحكم انتمائها إلى مدرسة
1 - وردت تفاصيل عقائد المعتزلة في مصادر عدة ينظر القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، صفحات 208/ 172. - أحمد بن الحسين بن أبي هاشم،
شرح الأصول الخمسة، تحقيق د. عبد الكريم عثمان.
71 (1/89)
صفحة 90
فكرية سياسية واحدة، ذلك أن طريقة تعاملهم مع النصوص واحدة، وهي تعتمد على النقل ثم العقل. مع ملاحظة أن أهل السنة تشدَّدوا في الأخذ بالنصوص دون أخذ الواقع بعين الاعتبار. وشرحوا النصوص على ضوء القرآن والسنة وأهداف الشريعة في حين توسع الإباضية في النصوص، واتسمت مفاهيمهم بواقعية ومرونة خاصة. ويتجلى مفعول هذه الآراء في الاختلاف الموجود في مسألة الشرط القرشي، والخروج على الإمام الظالم، فمن هذا المفهوم العام ابتداء لا يستغرب إذا حكمنا بكون المذهبين يقتربان من بعضهما كثيرا (1).
ذلك
أمَّا الشيعة فقد كان تميزهم عن سائر الفرق الإسلامية ظاهرا بسبب تقيدهم بأفكار ذات منبع واحد هو البيت العلوي، وإسقاطهم ما دون من الآراء، مما جعلهم يتصفون بمبدإ النقل وإبعاد العقل تماما. وهذه الطريقة هي التي جعلت استنباطهم للأحكام الشرعية من نصوص ذات اتجاه واحد متشيع للبيت النبوي وعترته فقط، ومن ثُمَّ إخضاع
جميع مفاهيم النصوص من كتاب وسنة لهذا الاتجاه وفي خدمته (2). أمَّا المدرسة الرابعة وهي المعتزلة، فقد أعطت للنقل مرتبة ثانية، وأخضعت جميع النصوص للعقل، وهذا المنطق جعلهم يقتربون كثيرا من أفكار أهل السنة والجماعة والإباضية في المسائل السياسية، فوافقوا أهل السنة في القرشية والإباضية في جواز الخروج على
1 - انظر المبحث الأول من هذا المدخل.
-2 - انظر المبحث الثاني من هذا المدخل.
72 (1/90)
صفحة 91
الإمام الجائر (1).
وبهذا يمكن أن نصنف هذه المذاهب الأربعة إلى صنفين بالنسبة للطابع العام للنظرية السياسية، صنف الاختيار والشورى الذي يشمل أهل السنة والجماعة والإباضية، والمعتزلة، وصنف النص والتعيين ويختص
بالشيعة فقط.
1 - انظر المبحث الأول من هذا المدخل.
73 (1/91)
صفحة 92
[صفحة فارغة] (1/92)
صفحة 93
القسم الأول
نظرية الإمامة
عند أهل السنة والجماعة والإباضية (1/93)
صفحة 94
[صفحة فارغة] (1/94)
صفحة 95
تمهيد
أولا: النظرية السياسية عند أهل السنة والجماعة والإباضية:
يستمد الحكم الإسلامي جميع قواعده من دستور واحد متفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية وهو القرآن الكريم. قال الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء)) (1). ثم السنة النبوية، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (2). فالرجوع إلى القرآن في أمور الحكم والسياسة شيء ضروري بالنسبة للمسلمين، إذ لم تنشأ أيُّ نظرية سياسية، ولا أية أفكار تدور حول مسائل الحكم والسياسة، إلا وقد استندت إلى الدين بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة (3).
ولكن ومع هذا فقد اختلفت الآراء حول عدة نقاط تمس نمط الحكم الإسلامي وطبيعة سيره. ويعود ذلك مبدئيا إلى شيئين
رئيسيين:
أولا: مدى اعتماد كل مذهب على رواية النصوص السنية
•
ثانيا: الطرق والمناهج التي يعتمدها كل مذهب في شرح النصوص
القرآنية والسنية.
1 سورة الأنعام، آية 38.
2 - سورة الحشر، آية 7
3 أبو زهرة، المذاهب الإسلامية، ص 37.
77
7 (1/95)
صفحة 96
وهذه الأسباب هي التي حددت معالمه الفلسفية وصنفتها في ميدان العقيدة الدينية والسياسية ما بين غالية بالأخذ بآرائها، وأخرى معتدلة فيها
إن إدراجنا للمذهبين السني والإباضي في مبحث واحد، يرجع إلى كونهما يمثلان مدرسة واحدة بحكم انطلاقهما من مبادئ وأسس متشابهة، اتباعا لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (1)، وقوله: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا وأن تناصحوا لمن ولاه الله أمركم» (2). وقال أيضا يخطب في حجة الوداع: « ... ولو استعمل عليكم عبد يقودكم
وهو
بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» (3)
ثم اجتماع السقيفة (4) الذي يعدُّ المنبع الأول والميدان الحقيقي الذي وضعت فيه الأسس الهامة لنظام الحكم في الإسلام.
وما يستنتج من هذا الاجتماع (5):
-1 سورة النساء آية 59.
2 - مالك الموطأ، باب ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين رقم 1817. ص 701. -3 صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب 8 حديث رقم 1838. ج 3، ص 1468. - ورواه ابن ماجة بلفظ: وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا". سنن ابن ماجة، كتاب الجهاد، باب طاعة الإمام، رقم 6662/ 6661/6660 ج 2، ص 955/ 954.
-4 - حول تفصيل أحداث السقيفة، انظر: ابن الأثير الكامل في التاريخ، مجلد 2، ص
220 فما بعد.
-5 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 139 فما بعد.
78 (1/96)
صفحة 97
1. إقامة الخلافة واجبة ومقدسة.
2 تحديد مبنى النظام السياسي الجديد ووظيفته
3 إقرار الانتخاب الحر قاعدة للخلافة وليس نظام الوراثة ..
4 تقرير حق الأمة في اختيار الخليفة عن طريق الجماعة.
5 تحديد سلطة الخليفة بالرأي العام مع تقييدها أيضا بدستور الإسلام.
وانطلاقا مما أسفر عنه هذا الاجتماع التاريخي في حياة الأمة الإسلامية، انطلقت هذه الآراء لتصبح مدارس تتبنى نظريات في الحكم والسياسة، وتخطط لتنفيذها على أرض الواقع.
ونظرا لعدة عوامل منها وجود غالبية الصحابة بالمدينة وجدية الموقف وحرجه بوفاة الرسول الرسول، فإنَّه لم يُسمح لجميع النظريات بالظهور إلى حين وبقيت كلُّها مكتومة لا تكاد تبرز ضمن الحياة
الراشدية.
والنظام الإسلامي يقوم على فكرتين أساسيتين مستمدتين من نظرته الكلية للكون والحياة والإنسان فكرة وحدة الإنسان في الجنس والطبيعة والنشأة، وفكرة أن الإسلام هو النظام العالمي الخالد في مستقبل البشرية (1). أي أن الإنسانية مهما اختلفت جنسا ولونا فإن العلاقة التي تربط بينها هي علاقة الأخوة وليست ثمة صلة نسب أو قرابة أ ابة أو قبيلة، وأن الحاكم ليس مشرعا بل منفذا لشريعة الله
1 - سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 93.
79 (1/97)
صفحة 98
والمصدران هما الكتاب والسنة. ثم الاجتهاد والشورى إذا تعددت
الآراء (1).
فتوحيد الله يعني أن الحكم والسلطان والتشريع له، والرسالة المحمدية عن طريقها وصل القانون الإلهي للبشرية ثم الخلافة التي تعني نيابة الحاكم في الأرض في تنفيذ تلك القوانين السماوية. تعد الدعائم الثلاثة التي يقوم عليها بناء النظام السياسي الإسلامي (2).
وليس هناك اي شكٍّ في أنّ النظام الإسلام متكامل، فلم ينم شيئا فشيئا على مر الزمن حتى أصبح ناضجا، ولكنه نزل كاملا شاملا ممثلا في القرآن والسنة (3)، فهو نظام جامع محكم الأسس على مبادئ حكيمة متقنة، إذ إنَّنا نجد أركانه الكبرى العامة نزولا إلى الجزئيات
الصغيرة الدقيقة كلها مرتبطة بتلك المبادئ ارتباطا منطقيا (4).
إن النظام الإسلامي نظام متميز ولا نستطيع أن نقول إن النظام الديمقراطي أو الدكتاتوري أو الثيوقراطي يشبهه، بل إن هذه الأنظمة قد توجد في الإسلام ويشملها ولكنه سيبقى نظاما مستقلا بنفسه، وإن تشبهت به بعض النظريات الحديثة فإنَّه ليس ملكيا لإبقائه الإمام طول حياته، ولا هو اشتراكي لندائه بالعدل والمساواة، ولا هو رأسمالي لاحترامه الملكية ولا جمهوري لأنه ينتخب إمامه انتخابا. بل هو نظام
1 - محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 27/ 26.
2 - المودودي، نظام الحياة في الإسلام، ص 25 فما بعد.
3 - عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 9. 4 - المودودي، نظرية الإسلام السياسية، ص 7.
80 (1/98)
صفحة 99
فريد سياسي ديني، لا يمكن تسميته بهذه الأسماء إطلاقا (1).
يقول أبو الأعلى المودودي: «ليس الحكم الإسلامي هو الديمقراطية، وسن القوانين وفق أهواء الناس، ولا ثيوقراطيا أوروبيا
يتحكم فيه القساوسة وفق شهواتهم، ويقولون هذا
عند الله، من
بل هو
حكم ثيوديمقراطي، لأنه قد خوّل للمسلمين حاكمية شرعية مقيدة
تحت سلطة الله» (2).
ولهذا فإن الحكم بغير ما أنزل الله
يعني
حتما حكم طائفة من
الناس على بقية الناس، ومن ثم حكم مصلحة طبقة معينة على حساب
الأخرى (3) ..
قال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الكافرون) (4). ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم هم الظالمون (5)، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (6) وانطلاقا من المعطيات السابق ذكرها فقد تناول فقهاء الإسلام هذه النظريات السياسية والقواعد الكلية ليستنبطوا منها قواعد جزئية
1 - ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج 1، ص 388. – عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 79.
2 - المودودي، نظرية الإسلام السياسية، ص 31. - وانظر أيضا: العقاد، الديقراطية في
الإسلام، ص 26.
3 - محمد قطب جاهلية القرن العشرين، ص 270.
4 - سورة المائدة آية 44.
5 - سورة المائدة آية 54.
6 - سورة المائدة آية 47.
81 (1/99)
صفحة 100
صالحة لحل المشاكل الإنسانية، ووضع حلول للنوازل التي قد تعترض حياتها، وهذا ما جعل الفلاسفة المسلمين يختلفون في بعض الجزئيات وفق مدارك كل مجتمع وأهدافه والمفاهيم التي ينطلق منها في حياته، فإذا كان هدف الأمة الإسلامية هو إقامة الدين، فإن اختلافهم قد انصب على الطرق المؤدية إلى ذلك، وهذا ناتج من تلك المفاهيم العديدة التي تستخرج من القواعد العامة، والطرق المتبعة في استخراجها، ومدى فهم كل مجتهد لغايات ومقاصد الشريعة. وقد شكل هذا الاختلاف قاعدة لتنوع المدارس السياسية الإسلامية، ويمكن تحديد مواضع الاختلاف في المحاور التالية (1):
المحور
الموقف الأول
الموقف الثاني
الأول.
وجوب تنصيب الإمام
لا ضرورة لتنصيب الإمام
(جميع المذاهب) (النجدات من الخوارج) (2)
الثاني
حواز تعدد الأئمة
لا يجوز إلا إمام واحد
(الكرامية من الشيعة)
(جميع المذاهب)
الثالث.
تنحصر الخلافة في آل
لا تنحصر في آل البيت
البيت (الشيعة)
(بقية المذاهب)
الرابع
يكون الخليفة قرشيا
لا تشترط القرشية
(السنة والمعتزلة)
(الإباضية والخوارج)
1 - عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 20.
2 - ترى النجدات من الخوارج عدم نصب الإمام، وكذلك هشام القوطي وأبوبكر الأصم من المعتزلة. انظر: ابن حزم الفصل في الملل والنحل، ج 4، ص 72.
82 (1/100)
صفحة 101
الخامس
الإمام معصوم (الشيعة) لا عصمة إلا للأنبياء (جميع المذاهب)
السادس
الخلافة تنتقل بالوصية
والوراثة (الشيعة)
لا تجب الوصية والوراثة (بقية المذاهب)
السابع
تثبت الإمامة بالشورى
والبيعة
لا وجوب للشورى ولا البيعة (الشيعة)
السنة والإباضية والمعتزلة)
الثامن
يجب الخروج على الإمام لا يجب الخروج (السنة، الشيعة)
الجائر (الخوارج)
وقد يجوز الإباضية والمعتزلة)
وأزاء هذه المحاور فقد تميزت عدة فرق إسلامية ومدارس سياسية، منها التي تركت بصماتها على الحياة الإسلامية السياسية، ومنها التي
انقرضت دون ذلك، ويمكن حصر هذه المدارس في الفرق الآتية: أهل السنة والجماعة الإباضية الشيعة المعتزلة. ثم الخوارج (1). وقد ساهمت كل واحدة منها في وضع أسس الحكم الإسلامي، إذ تقاربت بعض المدارس في كثير من المحاور، في حين تباعدت الأخرى إلى حد الاختلاف في عدة محاور، وكونت بمختلف آرائها المدرسة السياسية الإسلامية الكبرى.
ومن الفقهاء السياسيين الذين درسوا الفكر السياسي الإسلامي دراسة مستفيضة لدى أهل السنة والجماعة نذكر منهم: الفارابي (ت 950/ 339 م)، وابن أبي الربيع (33 هـ / 9 م)، وأبا حامد الغزالي، (ت
1 - عن تفاصيل آراء هذه الفرق، موافقة ومخالفة ينظر: محمد عمارة، الإسلام وفلسفة
الحكم.
83 (1/101)
صفحة 102
505 هـ / 1111 م)، وعبد الرحمن بن خلدون (ت 880 هـ / 1406 هـ).
ومن فقهاء الإباضية، تبغورين بن عيسى (ق 5 هـ/1174 م)، وأبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ/1174 م)، وأبا عمار عبد الكافي (ق 6 هـ / 11 م). وعبد العزيز الثميني (ت 1223 هـ/ 1808 م). وأخيرا الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (ت 1332 هـ/
(1914
هذا
سعد بن
عن إباضية المغرب كما كان للمشارقة أيضا دور بارز في إثراء الدراسات الإسلامية السياسية، أمثال الشيخ سلمة العوتي العماني (ق 5 هـ/ 11 م). وعبد الله بن حميد السالمي، (ت 1332 هـ/1914 م). وغيرهما.
وقد تميزت هاتان المدرستان - السنية والإباضية- بالتقارب الكبير في أكثر المحاور التي دار حولها الخلاف السياسي، ولا تتعدى نقاط الاختلاف بينهما أكثر من محورين وهذا ما سنعرفه في دراستنا لهذا
الموضوع.
84 (1/102)
صفحة 103
ثانيا: النظرية السياسية عند الشيعة
تنطلق الشيعة في مفهومها للإمامة من مبدإ واحد يجمع كل فرقها، وهو مبدأ النص والوصية. ومفاده أن الرسول قد أوصى بالخلافة إلى علي بن أبي طالب. وهذا المفهوم هو الذي جعل الشيعة قاطبة تعطي للإمامة معنى أوسع من الخلافة، فقاسوها على النبوة، وبالتالي فالإمام عندهم وخاصة الإمامية تضفي عليها نوعا من التقديس. وتجتمع بين يديه السلطة الروحية والزمنية. وهو يتلقى الوحي من الله
عن طريق عمود النور. وبالتالي فهو حافظ للشرع، وهو مصدر العلم الديني، ويعصمه من الذنوب ويورثه علم الأنبياء والمرسلين، ويُطلعه على ما كان وما سيكون.
وتعتقد الشيعة أن النبي ما كان يعلم علما علمه الناس وعلما آثر به عليًّا، وعلي آثر به وصيَّه، وهكذا إلى المهدي. وأن الإمام هو ظلُّ الله فى أرضه والاعتقاد بذلك جزء من الإيمان (1).
يقول الشهرستاني: « ... قالوا وليست الإمامة قضية مصلحية تناط
باختيار
العامة وينتصب الإمام بنصبهم بل هو قضية أصولية، هي ركن
الدين الذي لا يجوز للرسول عليه السلام إغفاله وإهماله وتفويضه إلى
العامة» (2)
1 الكليني، الكافي، ص 126/ 96/88/ 86/62.
الأمير دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج 1، ص 14. وحول عقائد الشيعة
الخاصة بالأئمة، ينظر: ابن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 415/ 414 - -
85 (1/103)
صفحة 104
ويستدل الشيعة على مبدئهم هذا بأدلة نقلية منها قوله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم
الخيرة من أمرهم) (1) وقوله: إني جاعلك للناس إماما (2). وقوله: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (3).
وقد فسروا هذه الآيات وغيرها تفسيرا يتماشى مع مفهومهم. للإمامة ورؤيتهم لها، كما يستندون في ذلك إلى أحاديث أئمتهم، وخاصة حادثة الغدير (4) التي نص فيها النبي هلا بالعين والوصف على إمامة علي، وطبقا للوصية فإنها سوف تتسلل في نسله
باب النوادر في أحوال الأنبياء والأوصياء في الولادة. - محمد بن الحسن الشفري، الفصول المهمة، ص 152 - العياشي أبو النظر محمد بن مسعود، (ق 3 هـ)، تفسير
العياشي، ج 1، ص 181.
1 - سورة الأحزاب آية 36.
2 - سورة البقرة آية 124.
3 - سورة الأنبياء، آية 73.
4 غدير خم هو المكان الذي عيّن فيه رسول الله الله عليا خليفة، وذلك عند رجوعه من حجة الوداع. قالوا: أمر بالدوحات فأقمن وأمر مناديه فنادى الصلاة جامعة، ثم قال عليه السلام من كنت مولاه فعلي،مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار. ألا هل بلغت؟ (قالها ثلاثا». وقد تم ذلك التعيين بعد أن نزل قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)، والمأمور بتبليغه في تفسيرهم هو تعيين علي، فلما تم التعيين نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي). انظر:
أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي، ج 2، ص 165/ 164.
86 (1/104)
صفحة 105
وإذا كان الشيعة لم يختلفوا في مبدإ النص والتعيين، فقد اختلفوا في الأشخاص الذي تتوارث الإمامة في عقبهم. وكانت هذه المسألة نقطة الاختلاف والافتراق إلى فرق رئيسية مبدئيا، ثم يتولى التفرق والاختلاف وفق اجتهاد أئمة الشيعة من بعد ذلك.
يقول أحد أئمة الشيعة وهو الإمام النوبختي: «وافترقت الشيعة ثلاث فرق فرقة منهم قالت إن عليا إمام مفترض قالت إن عليا إمام مفترض الطاعة بعد رسول الله، وإنّ الإمامة جارية في عقبه ... ، وفرقة قالت إن عليا كان أولى الناس برسول الله ... ، وأجازوا بعد ذلك إمامة أبي بكر
وعمر» (1).
وقد وقف العلماء المسلمون من غير الشيعة موقفا معاكسا لنظرية النص والتعيين، واعتبروها تعطيلا لإرادة الأمة في اختيار من يسوسها، كما أنها لا توافق النصوص الشرعية وعمل الصحابة بعد رسول الله
وبهذا تكون النظريات السياسية الأخرى أقرب إلى الشورى
والديمقراطية
المعاصر حسن الأمين في
وفي هذه المسألة يتولى العالم الشيعي "دائرة المعارف الإسلامية" الشيعية الرد على هؤلاء العلماء بقوله:
1. سواء كان الأمر متروكا أو غير متروك للناس، فإنَّه لا يمكن للنبي أن لا ينص على طريقة الاستخلاف، وأن لا يضع قانونا
1 - النوبختي، فرق الشيعة، ص 42/ 39 - حول فرق الشيعة انظر كذلك: حسن أمين: أعيان الشيعة، ج 1، طبعة بيروت، 1960.
87 (1/105)
صفحة 106
يحول بين المسلمين والفتن وعمل النبي وهو على فراش الموت كان يهدف إلى وضع هذه القواعد، ولكن أفسد عليه تدبيره
2. إذا استثنينا الطريقة التي تم بها اختيار أبي بكر، فأين رأي الأمة في اختيار الخلفاء عمر وعثمان؟ ومهما يكن نوع النص بالنسبة لعثمان، فهو نص من خليفة، فكيف يجوز ذلك لأبي بكر وعمر ولا يجوز لمحمد؟
3 أين رأي الأمة منذ معاوية بن أبي سفيان إلى عبد المجيد العثماني؟ ويعتقد حسن الأمين أن الخليفة الوحيد الذي انتخب انتخابا شعبيا هو علي بن أبي طالب عدا أهل الشام الذين كانوا خاضعين
للاستبداد (1).
فالشيعة إذن ينتقدون الطرق التي سار عليها الخلفاء، ويعتبرونها نصا. فهم لا ينظرون إلى الكيفية التي تمت بها عملية الاختيار التلقائي في كل من عمر وعثمان وكذلك علي بن أبي طالب، الذي يزعم حسن الأمين أنه انتخب انتخابا شعبيا. فعلي وقبله عثمان، قد أخذا الشرعية من مجلس الستة الذين عينهم عمر بن الخطاب، كما أن حسن الأمين لم يورد في كلامه ما قاله علي للجماهير التي جاءت تبايعه، حيث قال: ليس ذلك لكم، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة» (2). فبيعة الجماهير لعلي لم تكن هي
1 - حسن الأمين، ج 1، ص 15/ 14.
2 - ابن قتيبة الإمامة، والسياسة، ج 1، ص 47. وانظر قصة ذلك في: حسن الأمين، الموسوعة الإسلامية الشيعية، ج 1، ص 39/ 38.
88 (1/106)
صفحة 107
الأساس، بل لا بد لأهل الشوكة من إمضائها.
ثم إن النص الذي يتحدث عنه الشيعة يحدث بطريقة واحدة، ومن
أن
طبيعته تسهيل الوصول إلى الاستبداد والحكم الفردي، في حين الطرق التي نصت عليها الفرق الأخرى إذا سلمنا بأنها أشكال أخرى
من النص - هي أوسع من الناحية الشورية، حيث لا يمكن أن يتفق مجلس كمجلس عمر على الضلال والاستبداد.
ثم إن نظريات العصمة والتقية والرجعة المهدوية من المواضيع التي ز نظرية الإمامة لدى الشيعة الإمامية، وهذه الآراء هي التي أدت بهم إلى الغلو والابتعاد عن الشورى، ومن ثم السقوط في حكم يشبه كم الكسروي، ويشبه نظرية الحكم الإلهي. وهذه النظريات أيضا التي زادت لنظرية الإمامة عندهم تعقيدا كبيرا.
مي
ففيما يخص العصمة التي نادى بها الشيعة لأئمتهم، فإنهم يعرفونها
بأنها: «لطف من الله لعباده الأخيار الذين وصفهم في قرآنه الكريم
وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) (1) (2). وقد كان منطلق العصمة
نابعا
من
الطبيعة الدنيوية للإمامة وضرورة القيام بها كما فعل الرسول
وأن الإمام مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في وساطته بين
الله وعباده. ومن
هذا المفهوم فإن المعصوم عند الشيعة هو الذي لا يأتي محرما ولا يترك
واجبا، وجميع أعماله محمودة، وأفعاله حجة يعتمد عليها.
1 - سورة ص، آية 47.
2 علي الإدريسي، ص 168.
89 (1/107)
صفحة 108
إن أساس نظرية العصمة عند الشيعة يتمثل في:
أن الشيء الذي دعا إلى نصب الإمام هو جواز الخطا على الأمة، وإذا جاز الخطأ على الإمام احتجنا إلى هاد آخر، فلا بد
لتفادي هذا التسلسل أن يكون الإمام معصوما.
، أن الإمام هو حافظ الشرع، والنبي صلى الله عليه وسلم مبلغ له، والقرآن ليس حافظا. وذلك لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية، ولظنية دلالته في كثير من الآيات وكذلك الأمر بالنسبة للسنة
والإجماع (1).
أما التقية فقد عدَّها الشيعة من مبادئهم وجعلوها جزءا مكملا لتعاليمهم وركنا لدينهم وهذه النظرية هي أساس حياتهم ومرتكز أحداثهم التاريخية. وهي تستر الإمام وأنصاره المنبتين في كل مكان للدعاية له وأخذ البيعة له ومطالبتهم بالكتمان والتظاهر بالطاعة حتى تنضج الثورة لقلب الأوضاع ونشر العدل الإلهي.
ويعرف ابن تيمية معنى التقية أن يُظهر الشيعي إذا اجتمع بمخالفيه غير ما يبطن، وأن يتظاهر بموافقتهم حتى يتمكن من كتمان أمره عنهم واتقاء شرهم» (2).
ولقد اتصلت نظرية الرجعة وانتظار المهدي المختفي بالآراء الشيعية
-1 انظر محمد جواد مغنية معالم الفلسفة الإسلامية، ص 175. - وما قيل حول أئمتهم، انظر: الشفري، الفصول المهمة، ص 152 فما بعد – الكافي، الأصول من الكافي، ج 1،
ص 196 فما بعد.
2 ابن تيمية منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 54.
90 (1/108)
صفحة 109
اتصالا مميزا ويرجع كثير من الكتاب ذلك إلى عبد الله بن سبا الذي نشر هذه الفكرة ونادى برجعة محمد كما يرجع عيسى. وقد انتشرت هذه النظرية في العهد الأموي، وكان لهذا العصر مهدي آخر يدعى بالسفيان وكان منتظرا كالمهدي الشيعي.
وسار العباسيون على هذا النمط في إيجاد مهدي لهم، فوضعوا له
الأحاديث على هذه الطريقة.
ويبدو
أن القول بالرجعة يتصل بعودة المهدي، فأكثر الإمامية يعتقدون بأن النبي له وعليا والحسن والحسين وباقي الأئمة، وخصومهم كأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد، سيرجعون إلى الدنيا بعد ظهور المهدي ليعذب من اعتدى على الأئمة وغصبهم حقوقهم وقتلهم، ثم يموتون جميعا ثم يحيون يوم القيامة (1). إن الدارس لهذه الآراء يجدها في الحقيقة بعيدة عن الإسلام وعن
وعدم
طبيعة الإنسان التي تكشف عن ضعفه، وبالتالي إمكانية خطئه عصمته. ولقد كان من أسباب بقاء نظرية العصمة عدم تعرض الشيعة للحكم وللتجربة إطلاقا، ولم يتعرضوا للجماهير، ولم تر أعمالهم وتصرفاتهم، بل كانوا عبر التاريخ، مضطهدين عكس أهل السنة الذين عُرفت أخطاؤهم من صوابهم. ولو كان لعلي بن أبي طالب كل هذه العصمة والمعرفة ببواطن الأمور، لتغير وجه التاريخ، ولما رضي علي بالتحكيم، ولدبر الحروب أحسن تدبير. فإن قالوا بأنه قد علم وسكت وتصرف وفق الظروف، فهذا يعني انه خاضع للظروف كغيره من
1 - أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 246/ 239/238/ 237 بتصرف.
91 (1/109)
صفحة 110
الناس. قال تعالى على لسان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: ولو
كنتُ أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) (1). وإذا تصفحنا التاريخ وجدنا أن موقف الأئمة الأولين من قضية الإمامة لم يكن على نسق الأئمة المتأخرين. فعلي بايع أبا بكر وعمر وعثمان، وبايع الحسن والحسين معاوية، وبايع علي زين العابدين يزيدا، ولم يكن في زمانهم حديث الإمامة، وأن هذه الوضعية قد استحدثت من بعد، وذلك عندما دخل الانحراف إلى المذهب. وظاهر أن عقيدة الشيعة على هذه الطريقة تشل العقل وتميت الفكر، وتعطي للخليفة كامل السلطة مما يجعله مستبدا لا أحد ينصحه ولا أن يعترض عليه، ناهيك عن الثورة عليه. وهذه الطريقة هي أبعد ما تكون عن الديمقراطية والاختيار. وإن الأبحاث الحديثة لبعض فرقهم كالزيدية. والإثنى عشرية بدأت تكشف عن هذه الأخطاء، وتعود إلى الشيعة الأصلية، وبالتالي التقرب من أهل السنة كما بدأ أهل السنة يقتربون
منهم ويقتبسون من فقههم (2).
??
1 - سورة الأعراف آية 188.
2 أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 221 فما بعد - أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي،
ج 2، ص 162 فما بعد.
92 (1/110)
صفحة 111
ثالثا: النظرية السياسية عند المعتزلة:
إن المعتزلة باعتبارها فرقة إسلامية، تعد لونا آخر غير الحركات الإسلامية الأخرى التي ظهرت في العهد الأموي. فهي حركة فكرية محضة، إذ لم يُعرف عنها أنها سلت سيفا على أحد الحكام. وقد كان
ر بروز عدة مسائل ناقشها المسلمون، كالقضاء والقدر
إثر
ظهورهم ومرتكب الكبيرة، فواصلت ذلك الحين مسيرتها الفكرية، أي أن من
سبب ظهورها كان فكريا فلسفيا محضا، و لم يكن بحد السيف. يرى المعتزلة أنَّه لا بد للمسلمين من إمام ينصبونه، وينطلقون في مفهومهم للإمامة من نظرية "المدنية المتمدنة" التي تعني بأن الإنسان تتناقض مصالحه وأهدافه، فلا بد من إمام عادل يحتاج إليه لتنفيذ الأحكام الشرعية من إقامة الحدود، وحفظ بيضة البلد، وسد الثغور وتجييش الجيوش والغزو، وتعديل الشهود وما يجري هذا المجرى ... » (1) ومن هذا الأساس فإن الإمامة عندهم واجبة بحكم العقل لا بدليل الشرع، وأن عدم نصبها ضرر، ودفع الضرر واجب عقلا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
من
والإمام المعتزلي يجب أن يكون عادلا، فاضلا، عالما، حسن السياسة، قادرا على التنفيذ، ويسوس بأحكام الله ..
ويشترطون في الإمام أن يكون من قريش، هذا عند
1 - القاضي عبد الجبار، الأصول الخمسة، ص 750 فما بعد.
أكثرهم،
93 (1/111)
صفحة 112
استنادا إلى الحديث «الأئمة من قريش» (1). ولإجماع الصحابة على ذلك. وهناك من المعتزلة من لم يشترط القرشية باعتبار أن الحديث غير متواتر لأن الأنصار لم تتبعه، وأن عمر كان يجوز إمامة المولى سالم مولى أبي حذيفة.
وقد اختلفوا في اختيار الإمام والعقد له ما بين العامة والخاصة، فأبوبكر الأصم وتلامذه يرون أن ذلك من واجب العامة، أما غيره من المعتزلة فقالوا بأن ذلك من واجبات الخاصة دون العامة (2).
والإمام عند المعتزلة ليس حافظا للشريعة ولا معصوما، وهو مفوض في مصالح الدنيا فقط، والقياس فيه ليس إلى النبوة، بل إلى الحكام والأمراء والحكم بصفة عامة.
وذهبوا إلى جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل، إذ العبرة لديهم بمصلحة النصب وما تقتضيه الظروف المفوضة إلى الإمام، كما أجازوا الخروج عليه إذا غلب الظن بنجاح الثورة. ولهذا فإنهم عذروا الصحابة الذين قعدوا أيام معاوية، و لم يخرجوا نتيجة القهر والاستبداد السياسي.
1 - رواه أبو داود، ج 2، ص 163، بلفظ: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأئمة من قريش إذا حكموا وإذا عاهدوا وقوا، وإن استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة منهم الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منهم صرف ولا عدل». ورواه البخاري في كتاب الأحكام، من طريق معاوية بلفظ: «إن هذا الأمر في قريش ... »، فتح الباري، ج 16، ص 233. - والترمذي بلفظ: «قريش ولاة الناس ... » سنن الترمذي، ج 4، ص 503. وقال عنه: حديث حسن غريب صحيح. - ورواه أحمد بنفس اللفظ: «الأئمة من قريش» مسند أحمد، ج 3، ص 129.
2 القاضي عبد الجبار، الأصول الخمسة، ص 754 فما بعد.
94 (1/112)
صفحة 113
وأساس مفهومهم هذا عن الخروج على الإمام الظاهر فسقه، هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1).
وبناء على ما مر من آراء المعتزلة حول الإمامة، فإنهم يصنفون ضمن مدرسة الاختيار، لأنهم يرفضون النص والتعيين والوصية رفضا قطعيا، ولقد عاشوا مضطهدين طيلة العهد الأموي والفترة العباسية، و لم يتمتعوا بالحرية إلا في عهد المأمون والمعتصم والواثق، حيث انتشرت أفكارهم في مدن كثيرة غلب عليها الفكر الاعتزالي (2).
إن الفكر النظري الاعتزالي قد اتّصف بالعقل، وناضل من أجل إقامة دولة اعتزالية المبادئ، بإحلال الفكر القومي القائم على الحضارة محل العصبية القبلية والتعصب الشعوبي، وفيه يسود العقل على الخرافة، ويتقدَّم على غيره من الأدلة وطرق الاستدلال. وفي هذه الدولة يصبح أهل الاختيار الذين يكونون أكثرية الرأي العام المستنير - هم سند الدولة وقوتها والمحاسبين لها والمراقبين لتصرفاتها. دولة تسود فيها الأصول الاعتزالية الخمسة، وترتفع فيها راية العدل والتوحيد. إلا أن الظروف لم تكن لصالحهم، فقد اندثروا كلهم بجميع فرقهم، وذاب المذهب الاعتزالي في تعاليم الشيعة الإمامية والزيدية، حيث أخذ المذهبان أطيب ما عند المعتزلة وتركا التطرف (3).
1 - القاضي عبد الجبار، الأصول الخمسة، ص 750 فما بعد. - محمد جواد مغنية، ص 188 2 - انظر أسماء تلك المدن: محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 252/ 246.
3 - القاضي عبد الجبار نفسه، ص 732/ 729.
95 (1/113)
صفحة 114
من خلال استعراضنا للنظريات السياسية لدى أهل السنة والجماعة، والإباضية، ثم الشيعة والمعتزلة، يتبيَّن لنا لأول وهلة انقسام
آرائهم إلى مذهبين كبيرين أزاء طرق إثبات الإمامة:
المذهب الأول وهو مذهب الاختيار، ويدخل فيه كل من أهل
السنة والجماعة، والإباضية، والمعتزلة.
والمذهب الثاني: وهو مذهب النص والتعيين والوصية، ويختص به
الشيعة وحدهم.
ولا شك أن كلا الفلسفتين تجعل الرأيين بعيدين كل البعد عن بعضهما. وذلك للنتائج التي ستترتب عن اتباع كل فريق لآرائه وفلسفته حول الحكم الإسلامي. فأهل الاختيار وهم السواد الأعظم للأمة الإسلامية ينطبع حكمهم بالشورية والديمقراطية ومشاركة الأمة في الحكم، في حين ينطبع حكم أهل النص والتعيين بطابع التقديس والرهبانية التي تجعل الإمام معصوما من كل خطا، وهذا يقوده إلى
الاستبداد.
وبالنسبة لوجوب الإمامة، فإن الفرق الإسلامية الأربعة ترى ذلك، وتختلف فيما بينها في الوجوب الشرعي أو الوجوب العقلي، فأهل السنة والجماعة والإباضية يرون وجوبها بالشرع (1)، في حين تجتمع الشيعة والمعتزلة على القول بوجوبها عقلا. مع اختلاف في الرؤية، فالشيعة يقصدون من إثباتها بالعقل الابتعاد بالإمامة عن أمور الدنيا
1 - انظر المبحث الأول من التمهيد.
96 (1/114)
صفحة 115
وجعلها من أصول الدين، أما المعتزلة فيرون أنها من مصالح الدنيا،
انطلاقا
من نظرية "المدنية المتمدنة" (1).
أما موقف الجميع من الإمامة والدرجة التي أعطاها كل فريق لمفهوم الإمامة، فإن الأمر يختلف بين المذهبين، فأهل الاختيار وهم السنيون والإباضية والمعتزلة، يضعون الإمام في مرتبة المنفذ لأحكام الله، وهو غير معصوم من الخطا ومسؤول عن خطئه ومحاسب عليه، أما أهل النص والتعيين فإنهم يقيسون الإمامة بالنبوة، ومن ثم فالإمام عندهم افظ للشرع وذو علم مصدره النور الإلهي، وهو معصوم، وأفعاله حجة. وإذا كانت الأفكار الشيعية مبالغا فيها، فإن الفرق الشيعية لا تتفق كلها على هذه المبادئ، إذ نجد الزيدية لا ترى عصمة الإمام ولا تحصر الإمامة في أولاد علي من الحسن والحسين، بل إن كل شيعي توفرت فيه شروط الإمامة وخرج لنفسه داعيا فهو إمام (2). وفيما يخص مسألة القرشية فإن أهل السنة والجماعة والمعتزلة ترى ذلك الشرط إلا القليل منهم، في حين يقف الإباضية مع القائلين بصلاحية كل مسلم جمع الصفات المؤهلة للإمامة، بغض النظر عن النسب والجنس واللون. وبرؤية أوسع فإن الإباضية وحدهم يقفون موقفا مغايرا لأهل السنة والشيعة والمعتزلة بالنسبة لشرط النسب. مع
1 - بالنسبة للشيعة انظر حسن الأمين ص.15. وبالنسبة للمعتزلة انظر: القاضي عبد الجبار، الأصول الخمسة، ص 755 فما بعد.
2 - اتفقوا جميعا ما عدا الإمامية والإسماعيلية على عدم وجوب العصمة للإمام، راجع: محمد جواد مغنية، ص 192 فما بعد.
97 (1/115)
صفحة 116
اختلاف ضئيل بين الشيعة من جهة وأهل السنة والمعتزلة من جهة أخرى، فالمذهب الأول يجعل الإمامة في بيت النبوة، أما المذهبان الآخران فيو سعان مجالها إلى البيت القرشي. وهذه الصفة الجامعة للمذاهب الثلاثة تجعل نظرتها تتسم بالضيق والتخصيص في مجال تولي الإمامة، إلا في حالة واحدة عند إجماع الأمة على تولية غير قرشي، فأجاز ذلك أهل السنة، وهي حالة تخرج نظرتهم من التخصيص إلى رحاب التعميم فيلتقون مع الإباضية الذين يجعلون من القرشية شرطا للأفضلية، وليس شرطا للصلاحية.
وفي موقف الأمة من الإمام الجائر فإن الإباضية والمعتزلة يجمعهم رأي واحد وهو جواز الخروج عليه إذا غلب على الظن نجاح الثورة، في حين يتفق أهل السنة والجماعة في موقفهم مع الشيعة من الإمام
مع
اختلاف الرؤية، فالأولون تمنعهم الدماء والفتن، أما الآخرون
الجائر
وهم
الشيعة فتصدهم عصمة الإمام (1).
1 - انظر الفصل الثالث من القسم الأول.
98 (1/116)
صفحة 117
الفصل الأول
مفهوم الإمامة ووجوبها ووحدتها
99 (1/117)
صفحة 118
[صفحة فارغة] (1/118)
صفحة 119
تمهيد:
خلق الله الإنسان وأسكنه في الأرض واستخلفه فيها ليقوم
بعمارتها. وفق ما قرره القرآن في قوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) (1). ومن سنّته تعالى أن جعل العاقبة في هذه الأرض لعباده المتقين، فقال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) (2). ثم جعل حياة البشر في أمم يخلف بعضها بعضا في عبادة الله، وأنزل عليهم تنظيما اجتماعيا محكما لحياتهم الدنيا، ومن ذلك ما يتعلق بأمور الحكم والسياسة في قواعد
عامة من غير تفصيل. وقد كانت الإمامة والخلافة من أخطر المسائل التي جرى الجدل فيها بين الأقدمين والمحدثين على حد سواء. كما أسالت هذه المسألة
كثيرا من الدماء بين المسلمين وفرقتهم شيعا وأحزابا (3).
ومعلوم أن منزلة الإنسان في الأرض بالنسبة للخلافة لا تتعدى الله وهي خلافة عامة وخاصة. فالاستخلاف الخاص هو
نيابة
الاستخلاف في الحكم، وهو نوعان: استخلاف الدول، واستخلاف
الأفراد. وهذه الوظيفة تؤدي حتما إلى القيام بواجبات الله وأحكامه، لأنه ليس من المنطق أن نخرج عن حدود من منحنا الخلافة والنيابة في
1 - سورة الأنعام، آية 165.
-2 سورة النور، آية. 55
3 - محمود إسماعيل الحركات السرية في الإسلام، ص 13.
101 (1/119)
صفحة 120
ملكه. وتتلخص هذه الواجبات في إقامة الدين كما هو (1).
وقد أثيرت حول الخلافة عدة مسائل، كانت حول ماهيتها وشكلها وطريقها وغير ذلك، كما أثيرت مسألة كونها أمرا دينيا عقديا أم عمليا.
وفي هذه المسألة ذهب بعض أهل السنة والإباضية إلى القول بأنها مسألة دينية (2). بينما يرى آخرون بأنها مسألة عملية لا عقدية، إذ لو كانت الخلافة دينية لما اختلف العلماء حولها. ويستشهد ابن تيمية لهذا بأن الرسول الا لو كان إذا أسلم الكفار أجرى عليهم أحكام الإسلام، ولم يذكر لهم الإمامة. ومن أدلة ذلك أيضا حديث جبريل الذي جاء في صورة رجل وسأل الرسول الله عن الإسلام والإيمان والإحسان (3) و لم يذكر له الإمامة (4).
1 - عبد القادر عودة الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 19/ 14.
2 - ينسب هذا القول إلى الإمام الشافعي، انظر: أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص 252. – ابن رزيق حميد بن أحمد، الشعاع الشائع اللمعان في ذكر أئمة عمان، صا. - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة.
3 - نص حديث جبريل: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ... » رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس ... كتاب الإيمان باب،37،ج 1، ص 48. - وأبو داود، كتاب السنة، باب 16، ج 2، ص 526. والترمذي، كتاب الإيمان، باب 4، ج 5، ص 6. - وابن ماجه، المقدمة، ج 1، ص 24.
-4 ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 70/ 49/48. ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج
1، ص 296.
102 (1/120)
صفحة 121
تحتلها
والمراد بكون الخلافة أمرا دينيا أم عمليا، هو بيان الدرجة التي لها هذه المسألة في حياة المسلمين، فلم تكن الخلافة شرطا من شروط الإسلام، أو عقيدة واجبة بقدر ما كانت من تنظيمات الحياة الواجبة الاتباع والتنفيذ. إذ كان لا بدَّ من إقامتها حتى يقام الدين وتصان الأحكام وتنتظم مصالح الأمة.
ويعتبرها الماوردي: أصلا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استتبت بها الأمور العامة، وصدرت عنها الولايات هذا الخاصة، فلزم تقديم حكمها على كل حكم سلطاني» (1). ومن المنظور شملت سلطة الإمام جميع النواحي المدنية والدينية، فكانت منزلته من الأمة بمنزلة الرسول من المؤمنين، بصفته خليفة له ومنفذا الأحكام الله، وله عليهم الولاية العامة، وله عليهم الولاية العامة من مناصرته ومؤازرته وطاعته الطاعة التامة، ما دام قائما بأمر الله (2).
تحديد المصطلحات
أولا: مفهوم الإمامة
نشأت في الفكر السياسي الإسلامي ثلاثة مصطلحات تتعلق بمنصب رئيس الدولة هي الأمير، والخليفة والإمام (3). وقد كان لكل
1 - الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 27.
2 - أنور الرفاعي، الإسلام في حضارته، ص 87. حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية، ص 2. 3 علي الإدريسي الإمامة عند ابن تومرت ص 26 محمد عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، ص 25.
103 (1/121)
صفحة 122
مصطلح مفهوم خاص ومناسبة أطلق فيها.
أ- الأمير:
يوج
عرف هذا المصطلح في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لفظة "الآمر"، إذ مع جد بين الأمير والآمر علاقة وطيدة (1) من ناحية الوظيفة، فالأمير في عرف المسلمين هو الرئيس الأعلى للمجتمع. وعادة ما يكون ذا صفات تميزه عن أصحابه كالشجاعة والرأي، وهذا حسب الوظيفة المنوطة به. قال رسول الله: «ما من ثلاثة يكونون في أرض فلاة إلا أمروا عليهم أميرا» (2). من هنا فإن الأمر يتعلق بالتنظيم وانضباط المسلمين. وقد ضرب الرسول الله لذلك مثالا، وكان من سنته أنه كلما غزا ترك على المدينة أميرا، أو أمر على الجيوش أميرا، إذا لم
يصحبها هو بنفسه.
وما يوضح ويعرف هذا المصطلح أيضا بكونه وظيفة تطبيقية لا تستقيم الأمور إلا به، هو ما حدث السقيفة حين قالت الأنصار: يوم منا أمير ومنكم أمير فكان الردُّ أنَّه لا يستقيم سيفان في غمد واحد. وقال المهاجرون: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء». الذي يستنتج من هذه الواقعة هو أن لفظة الأمير لم يكن استعمالها مقتصرا على عهد الرسول، بل استمر من بعده.
1 - رواه أحمد، عن عبد الله بن عمرو، ج 2، ص 177/ 176. 2 - ابن خلدون، المقدمة، ج 2، ص 688. الماوردي، ص 50.
104 (1/122)
صفحة 123
ب- الخليفة:
النبي
بعد وفاة الرسول لا كان لا بد للمسلمين من خليفة يقوم مقام لمواصلة رعاية الأمة الإسلامية. وهذه الوظيفة تُعد أساسا خلافة محضة لرسول الله الله يقوم المستخلف فيها بتنفيذ ما كان الرسول ينفذه. كما أن الخلافة تعني انقطاع الوحي بصفته من
خصوصيات النبي، ولهذا فقد ظهر هذا المصطلح بعد وفاته وأول من حمله أبو بكر. وقد اختلف في تسميته، فقيل له: خليفة
الله (ا)، لأن الكتبادر إلى الذهن أنه يخلف الله ورسوله في عمارة الأرض طبقا لقوله تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) (2). ذلك إلا أن أبا بكر نهي عن
ومن ثم أخذ هذا المصطلح معناه الحقيقي في ميدان السياسة الشرعية، وطبع بطابع الخلافة التي يراد منها اتباع أحكام الله
وتنفيذها، لأن المشرع الوحيد هو
الله تعالى.
ج- أمير المؤمنين:
جاء هذا المصطلح موافقا لخلافة عمر بن الخطاب، فقد أنكر تسميته بخليفة خليفة رسول الله لا لا ل، ل، لأنه لا يخلف أبا بكر، بل يخلف النبي يا الله، كما أنَّه أنكر تسميته بالملك، واختار لقب أمير المؤمنين
Louis Cardat ; L'Islam religion et communauté, P :284. -1
2 - سورة ص آية 26.
105 (1/123)
صفحة 124
ابتعادا عن لقب خليفة رسول الله الذي يعطي معنى السلطة الدينية (1). والملاحظ أن شخصية عمر بن الخطاب كان لها أثر بارز في إيجاد هذا المصطلح، نظرا لما عُرف عنه من التشدد في الدين والتطبيق الدقيق
للشريعة، ومحاسبة نفسه، شعورا منه بعظم المسؤولية.
-
د الإمام:
ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم للتعبير عن المسؤولية الدينية، وجاء يحمل معنى النبوة والتقوى والتقدم في الدين والصلاة وما أشبه ذلك (2). قال تعالى على لسان عباد الرحمن: واجعلنا للمتقين
إماما (3). وقال لإبراهيم: إني جاعلك للناس إماما (4). انطلاقا من هذه المعاني أصبح هذا المصطلح يحمل معنى الولاية العظمى، ودخل في قاموس السياسة الشرعية. وغدت «الإمامة والخلافة والإمارة والرئاسة عبارات مختلفة في اللفظ، ومتفقة في المعنى
العام» (5).
كما نجد ابن خلدون يعرف الخلافة بقوله: «هي حمل الكافة بمقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الدنيوية والأخروية، وهي خلافة
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 29 فما بعد.
2 محمد عمارة نفسه، ص 33/ 32 - ابن خلدون، المقدمة، ج 2، ص 688.
- سورة الفرقان آية 74
-4 سورة البقرة آية 124.
5 اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 437.
106 (1/124)
صفحة 125
عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا» (1)
ويعرفها الشيخ امحمد اطفيش بأنها: «رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص، وهي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة
الملة» (2).
كما عرفها الماوردي بقوله: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بما في الأمة واجب بالإجماع» (3).
وتبين هذه التعاريف أنها متقاربة جدا، إذ لا يوجد فرق بين الإباضية وأهل السنة والجماعة في مفهوم الإمامة. فالكل يُجمع على أنَّ خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الدين والدنيا.
الخلافة
هي
ورغم أن هذه المصطلحات متفقة في الدلالة والمعنى إلا أننا نلاحظ استعمال بعض المذاهب لألفاظ ومسميات دون أخرى.
1 - أهل السنة والجماعة:
بعد نهاية الخلافة الرشيدة وظهور النظام الوراثي في الحكم كان مصطلح الخليفة هو الأكثر استعمالا لدى الحكام، وذلك عبر التاريخ
1 - ابن خلدون المقدمة، ج 2، ص 688.
2 اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 437. وتوجد نفس التعريفات من حيث المعنى عند كل من: ابن تيمية الخلافة والملك، ص 1؟. - أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 271.
عباس محمود العقاد الديمقراطية في الإسلام، ص 68.
3 الماوردي، ص 29.
107 (1/125)
صفحة 126
الإسلامي الذي سادت فيه كيانات سياسية سنية كالأمويين والعباسيين
في المشرق، والأغالبة والأدارسة في المغرب.
وبعد سقوط الدولة العباسية في سنة 656 هـ، وانتقال الخلافة إلى العثمانيين ساد مصطلح السلطان إلى نهاية الخلافة الإسلامية سنة 1924 م. فأهل السنة عبر تاريخهم السياسي الطويل قد استعملوا مصطلحين: الخليفة ثم السلطان، وهذا تبعا للظروف السياسية والأوضاع التي رافقت الأمة الإسلامية.
إن مصطلحات الخلافة والملك والإمامة، مترادفات، تدل على الرئاسة العليا للدولة، فإذا قام الحكم على دعامتي طاعة الله واجتناب
نواهيه، ثم الشورى، فهو حكم إسلامي خالص (!).
فالمذهب واحد بالنسبة للأسس التي يقوم عليها الحكم الإسلامي لدى الإباضية وأهل السنة وهو الشورى والاختيار الحر. ومع هذا نجد بعض الفقهاء من كلا المذهبين كابن تيمية ومحمد الشيخ بالحاج،
انه
يتساهلون في ملكية الحكم الإسلامي، فيرى الأستاذ الشيخ بالحاج لا حرج في ذلك اشتراط الشورى وحرية الاختيار وعدم تعيين خلف الإمام إلا بعد اجتماع أهل الحل والعقد. ويقول ابن تيمية:
فهذا يقتضي لدينا في العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل» (2).
شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وإن ذلك
1 - عبد القادر عودة الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 72.
2 ابن تيمية الخلافة والملك، ص 31.
108 (1/126)
صفحة 127
وإذا كان ابن تيمية يجيز اختيار الملك فإنَّه يشترط العدالة والقدرة على تنفيذ الأحكام، وهو ما ذهب إليه القاضي أبو يعلى في "المعتمد" عندما تكلم عن ملك معاوية في أنَّه أظهر إسلامه وحسنت سيرته
وثبتت إمامته بعد موت علي وتسليم الحسن له (1).
إلا أن ابن تيمية يفضّل الخلافة المحضة، خاصة إذا توافرت القدرة والعلم والعمل. فاختيار الملكية إذا مع وجود ما سبق ذكره من
الشروط سبب في الذم والعقاب كما يقول (2).
2 - الإباضية: - مذهو والاتحاد 11
سم
أطلق الإباضية لفظ "الإمام" على ولاة أمورهم، وقد ابتعدوا كل الابتعاد عن مصطلح الملك والسلطان الذي يرافق مفهوم القوة والظلم. والشيخ اطفيش لا يرى تسمية الإمام العادل بالسلطان (3).
ويذهب الإباضية أبعد من ذلك في هذه المسألة الملك والسلطان - فتسمية الإمام العادل عندهم بالسلطة يوجب ويثبت البراءة وعدم الطاعة وحربه إن قدر عليه سواء كان (المتسمي) من
المذهب أو من غيره» (4).
إن سب
تشدد الإباضية في مسألة الأخذ بمصطلح السلطان أو
1 - ابن تيمية الخلافة والملك، ص 30.
-2 - ابن تيمية نفسه، ص 32.
3 اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 427.
4 - السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 234.
109 (1/127)
صفحة 128
الملك، يعود أصلا إلى خوفهم من السقوط في الاستبداد، فالإنسان كثيرا ما يغتر بما يحمله ألقاب، والإباضية حريصون كل الحرص من
على البقاء في رحاب الاختيار والشورى.
معناه عن
إن حديث «السلطان ظل الله في أرضه» (1) لا يخرج تنفيذ أحكام الله، لأن الظل تابع لصاحبه، ولا يمكن أن يكون الظل أعوج وصاحبه مستقيم وبالتالي فإن الحديث يفيد النيابة والخلافة وفق يريده الله. ثم إن لفظة "الظل" تدل على وجوب اتجاه الأمة إلى
لطانها إذا احتاجت إلى ذلك، وهو أمر ممكن ما دام هذا السلطان مطبقا لأحكام الله.
فالملك ما أخذ بالسيف أو من عقدت له الأشرار إمامته (2) والإباضية لا يريدون الخروج عن شعارهم "لا حكم إلا لله"، والشورى والاختيار. وقد رُوي عن عمر بن الخطاب الله له له أنه قال: «الخلافة على ما أؤتمن عليها، والملك ما أخذ بالسيف» (3).
والملاحظ أن الإسلام لم يحدد الطريقة التي يتم بها تنفيذ الخلافة في الأرض، ولم يسم أي شكل من أشكال الحكم في ذلك. ولم يرد أي نص قطعي صريح محدد بصفة إلزامية لشكل الخلافة إلا اشتراط الشورى، وهذا الموقف هو الذي ذهب إليه الأستاذ محمد الشيخ
1 رواه أحمد، رقم 4582، ج 6، ص 5. - السيوطي، الجامع الصغير رقم 4817. ج 4، ص 142. 2 الكندي، المصنف، ج 10، ص 60.
3 حميس الرستاقي، منهج الطالبين، ج 8، ص 45.
110 (1/128)
صفحة 129
بالحاج إذ يقول: «مع ملاحظة أن الإسلام لم يخرم النظام الملكي، ولم ينه عنه بصفة حتمية، وإنما حسبه أن يكون نابعا عن الشورى، فلا يعلم الخلف السلف عند شغور منصب الإمامة إلا بعد اجتماع وتشاور أهل الشورى، وقد يكون أقرب قريب من السلف الراحل، وقد يكون
بعيدا، حسبه أنه أهل لما رشح له، ارتضاه المسلمون لإمامتهم» (1). وإذا كان أساس الحكم الإسلامي هو الشورى والاختيار والرضى من طرفي العقد، أهل الحل والعقد ثم الرعية، فإنَّه لا يهم كثيرا النظر إلى الشخص المتولّي للإمامة، بل المهم أن يكون ذلك شغور المنصب، فقد قال تعالى في هذا الشأن وورث سليمان داود) (2). فورثه في الرسالة والنبوة والملك.
من خلال المطلبين نجد أن الإباضية لا يختلفون نظريا مع أهل السنة والجماعة، فيما يخص تحديد مصطلح ومفهوم الإمامة، ونجد كلا الطرفين يشير إلى عدم التقيد بالأسماء والألقاب إلا بقدر ما يقام بها الخلافة النبوية وكذلك اشتراط العدالة والشورى في حال قيام الملك. والأفضل لديهما الابتعاد عن الملك الوراثي وخاصة إذا كانت الخلافة
النبوية مقدورا عليها.
1 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 3.
-2 سورة النمل، آية 16.
111 (1/129)
صفحة 130
إن الابتعاد عن الملك والسلطان في رأينا أضمن لبقاء الحكم بعيدا
عن الوراثة والسقوط في مغبَّة الاستبداد بالسلطة، وإعطاء الفرصة لكل من تسول له نفسه المغامرة للاستحواذ عليها والتاريخ الإسلامي خير شاهد على ذلك، فشهوة السلطة كادت أن تصبح أقوى غريزة لدى الإنسان، وإن الخوف آت من تمكن الملك من السيطرة بالقوة ثم الاستبداد. وحينئذ يصعب على المسلمين إزاحته.
وما يلاحظ بعد هذه المقارنة بين الإباضية وأهل السنة والجماعة في مفهوم مصطلح الإمامة، هو التقارب الكبير بين جميع الأقوال
الواردة، وخاصة بين الشيخ ابن تيمية ومحمد الشيخ بالحاج. فالأوَّل يجيز الملكية في الحكم إذا لم يقدر على الخلافة النبوية، في حين نجد الثاني يقرُّ بذلك بدون تفضيل الخلافة النبوية مع اشتراط العدالة لكل منها. كما أن ابن تيمية يجعل الملكية جائزة لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف (1)، أمَّا محمد الشيخ بالحاج فإنَّه ينطلق من هذا المثال كقاعدة عامة مسلّم بها بدون استثناء.
إن مفهوم سياق تحليل الأستاذ محمد الشيخ بالحاج في مسألة الإمامة عند الإباضية يُستنتج منه نوعية هذا الحكم الملكي، فهو كغيره من الأحكام على شرط أن يكون قد تم ذلك بالشورى، وأن يصبح اختيار نظام الحكم لكلِّ ظرف هو مبدأ الإباضية. وهذا ما يُستشفُ من ذكر الأستاذ للنظام العسكري إذا اقتضت الحكمة ذلك وإنقاذ المسلمين من خطر محدق؛ اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد،
1 - ابن تيمية الخلافة والملك، ص 30 فما بعد.
112 (1/130)
صفحة 131
حيث قال: «ما كان لنبي لبس لامته أن يرجع إلى بيته». وهذه السياسة المنتهجة من قبله الله كانت لقطع الخلاف الذي وقع بين
شيوخ الصحابة وشبابهم في كيفية ملاقاة المشركين (1).
وإلى هذا القول أيضا ذهب القاضي أبو يعلى في مسألة الخلافة المشوبة بالملك معتمدا في ذلك على وضعية معاوية بن أبي سفيان، فهو يراه ممن يدخلون في الخمس والثلاثين التي جاءت في حديثه: «تدور رحا الإسلام على رأس خمس وثلاثين» (2) ويعلل ذلك بقوله: «إن معاوية قد ظهر إسلامه وعدالته، ورغم أنه يخرجه من الخلافة النبوية، إلا أنه يرى أن صفة الملكية لا تقدح في خلافة معاوية، كما أن ملك سليمان لا يقدح في نبوءته» (3)
ومهما يكن من الأمر بالنسبة لموقف أهل السنة والإباضية أزاء قضية الملكية، فإنَّنا نرى أن اعتماد أهل السنة وإقرارهم بالخلافة المشوبة إقامة العدل هو اعتراف فقط بالأمر الواقع، كحال معاوية.
بالملك
1 - عندما سمع المسلمون بتجمع المشركين ضدهم استشار الرسول أصحابه في كيفية الدفاع عن المدينة، فأشار عليه البعض بالمكوث داخل المدينة، وأشار عليه الشباب بالخروج وملاقاة العدو خارج البلدة، فدخل بيته وخرج ثم قال له الشباب: كأننا استكرهناك يا رسول الله، فإن شئت فاقعد فأجابهم بقوله: «ما كان لنبي لبس لامته
أن يرجع». انظر تفصيل غزوة أحد: ابن الأثير الكامل في التاريخ، مجلد 2، ص 103.
2 - . -2 أخرجه أبو داود بلفظ: «تدور رحاء الإسلام بخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين». كتاب الفتن والملاحم باب 1، ج 2، ص 414. - ورواه أحمد بنفس اللفظ،
ج 1، ص 395/ 393/390.
3 - ابن تيمية، الخلافة والملك، ص 31/ 30.
113 (1/131)
صفحة 132
وأن موقف الإباضية أزاء نفس القضية أي اعتماد الملكية العادلة
كنظام حكم جائز - هو فقط للخروج من الأزمات.
ويستنتج من كلام ابن تيمية أنه كان أكثر مرونة قياسا مع شيوخه الأربعة، رغم حكمنا على أن ذلك كان اعترافا بالأمر الواقع، وبالنسبة للإباضية فإن ذلك يدخل ضمن مبادئهم التي تقضي بإعطاء كل ظرف من الظروف التي قد تقع فيها الأمة الإسلامية مخرجا مع تحين الفرصة للرجوع بالحكم إلى الخلافة النبوية. وهذا ما لم يشدد عليه ابن تيمية، مما سهل لكثير من الأنظمة بعده اتباع نظام الملكية كقاعدة مسلّم بها. وهذا ما يجعلنا أيضا نؤكد الرأي الأول وهو الابتعاد قدر الإمكان عن نظام الملك والسلطان لأن العدالة التي يعتمد عليها ابن تيمية،
من
ومراقبة الفرصة للرجوع إلى الخلافة النبوية عند الإباضية غير مضمونتين، وذلك وذلك لما يعتري هذا النظام عادة من حب البقاء في السلطة. وهذه الوضعية من شأنها إيقاع الفتن بين المحافظين على ملكهم وبين من يريد إرجاع الحكم إلى نبوءته.
وفيما يخص الشيعة فإن أغلب أحوالها السياسية نظرية كانت أم تطبيقية قد غلبت عليها صفة الأئمة وتسمية ولاة أمورهم بالإمام، ولا نعثر على اسم آخر كالخليفة أو الملك أو السلطان في تاريخهم السياسي إلا قليلا، كما حدث للخلفاء الفاطميين بمصر. ويعود هذا إلى اعتقادهم بعصمة الإمام إذ إن لقب الإمام أكثر وقعا في النفس من الناحية الدينية بالنسبة للألقاب الأخرى. ثم إن ما استدلوا به من القرآن
114 (1/132)
صفحة 133
في قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (1). لإضفاء صفة العصمة على أئمتهم تجعلهم يتمسكون بهذا الاسم أكثر من غيره (2)
أما المعتزلة فما
ملاحظ
هو عنهم أن أكثر علمائهم يستعملون
لفظة الإمام أثناء حديثهم عن الإمامة ولم نقف على اسم آخر أثناء اطلاعنا على كتبهم. ومن الناحية التطبيقية، فإن المعتزلة لم تقم لهم دولة طبقت الأصول الخمسة التي نادوا بها، فقد شاع ذكرهم وانتشرت آراؤهم أيام بعض الخلفاء العباسيين كالمأمون والمعتصم والمكتفي، ولكنهم لم يصلوا إلى السلطة (3)
:
115
1 سورة الأنبياء آية 73.
1
2 - انظر المبحث الثاني من المدخل.
3 - انظر المبحث الثالث من المدخل. (1/133)
صفحة 134
ثانيا: وجوب الإمامة
أهل السنة:
يرى جميع أهل السنة وجميع المرجئة
وجميع
الشيعة وجميع
الخوارج وجوب الإمامة، حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق فيما بينهم ... » (1).
ونجد إلى جانب النجدات هشام القوطي وأبا بكر الأصم من المعتزلة الذين خرجوا عن هذه المسلّمة (2). وقد اعتمدوا في ذلك على أن الناس إذا أرادوا إقامة إمام مال كل حزب مع هواه فأدى هذا إلى الفتنة، فالأولى غلق هذا الباب، إلا إذا اتفقت كلمتهم (3).
وإذا استعرضنا حجج النجدات وجدناهم في الأصل متفقين مع الفرق الإسلامية الأخرى في إقامة الخلافة، وذلك لأن اعتراضهم جاء
بعد انعقاد الإجماع، ثم إنهم قيدوا حجتهم بتواطؤ الناس على العدل،
وتنفيذ أحكام الله فيما بينهم (4) فإذا ما استحالت هذه المقولات
دخلت النجدات مع سائر الفرق بالضرورة. واتفقت الآراء في النهاية
على قول واحد.
1 - ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 72.
2 - ابن خلدون، المقدمة، ص 340. - البغدادي أصول الدين، ص 270.
3 - محمد جواد مغنية، ص 183.
4 - محمد الخضرى، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، ص 73/ 72.
116 (1/134)
صفحة 135
د اختلفت الفرق الإسلامية أيضا في مسألة عقد الإمامة هل
وقد
ثبتت بالشرع أم بالعقل، أم بهما معا؟
فالقائلون بوجوب إقامتها عقلا استدلوا بكون الناس يهملون أحكام الله تعالى أمَّا القائلون بوجوبها شرعا فاحتجوا بصحابة رسول الله له عند وفاته عندما بادروا إلى بيعة أبي بكر.
ومهما يكن من أمر، فإن أهل السنة يرون طريق وجوب الإمامة
هو الشرع، نقلا وسمعا وذلك بإجماع الصحابة (1).
ويفصل ابن خلدون هذه القضية ببيان جلي قائلا: «ثم إن نصب الإمام واجب، قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ... وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل ... وإنما وجب بالعقل لضرورة اجتماع البشر واستحالة حياتهم ووجودهم منفردين ... » (2). فسبيلها عند أهل السنة والجماعة إنما هو الشرع.
يُستشف
1 - الأدلة النقلية:
القرآن الكريم ضرورة إقامة الخلافة وانتظام المسلمين من
تحت راية واحدة، وقد وردت في هذا الموضوع آيات، منها التي تبين ذلك مباشرة، كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (3). ومنها التي تأمر المسلمين بالاتحاد
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 331 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 296. -
محمد جواد مغنية، ص 190.
2 - ابن خلدون، المقدمة، ج 2، ص 690/ 689.
-3 سورة النساء آية 59
117 (1/135)
صفحة 136
وعدم التنازع، مثل قوله: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (1). وقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) (2). وجميع هذه الآيات توحي بضرورة وجود يد عُليا في المجتمع الإسلامي تعود إليها الأمة في جميع شؤونها الدنيوية والأخروية.
وفي أقوال النبي لال أوامر بوجوب القيام بالدولة والحكم (3). قال رسول الله: ستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: قُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم (4)، وقال: «ستكون هنات، وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان» (5).
ولا تعدو أن تكون أعماله الا الله تدل على ذلك، فقد كان الرسول أمير المسلمين ورئيس دولتهم، يولّي الولاة، ويعين القضاة، ويعقد
الألوية، ويغزو ويقيم الحدود ويرسل الرسل إلى الملوك (6). كما أن إجماع الصحابة في ذلك جلي، كما سارعوا يوم وفاته
1 - سورة الأنفال آية 46.
2 - سورة النساء، آية 59.
3 - محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 14.
-4 رواه مسلم كتاب الإمارة، رقم الحديث 1842. ج 3، ص 1470.
رواه مسلم کكتاب الإمارة، رقم الحديث 1852 - وأحمد بنفس اللفظ، ج 4، ص 341. وأبو داود، كتاب السنة، باب قتل الخوارج، ج 2، ص 543، بلفظ: «ستكون بعدي
هنات وهنات ... »
6 - محمد المبارك، ص 16.
118 (1/136)
صفحة 137
إلى تعيين خليفة له، إذ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا جماعة» (1) وقول أبي بكر يوم السقيفة: «إنّ محمدا قد مضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به» (2). وقال علي بن أبي طالب: «لا بد للناس من إمارة، برة كانت أو فاجرة»، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟» فقال: يقام بها الحدود، وتؤمن بها السبل، ويُجاهَد بها العدو، ويُقسم بها الفيء» (3).
فإجماع الصحابة قائم وهو حجة ودليل. وعقدها لمن يقوم بها في
الأمة واجب بالإجماع (4).
ب - الأدلة العقلية:
«إن الإنسان اجتماعي بالطبع، ولا يمكن لأي فرد مهما كانت خصائص شخصيته أن يعيش منفردا. فلا بد من الاجتماع، لأن الأفراد من شأنه تنظيم حياتهم
تتكامل منافعهم والتفاهم حول الخليفة وسلوكاتهم، ومن جهة أخرى فإن الناس تتشعب مصالحهم، وقد تكون لى حساب بعضهم بعضا، فالسلطة هنا واجبة لرعايتهم وحفظ المصالح. وأن الله قد خلق الناس لغرض العبادة، فسنَّ لهم شرائع تفضي بهم إلى السعادة الدنيوية والأخروية. وبما أن الشارع أعلم بمصالح
-1 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 157.
2 - صبحي صالح النظم الإسلامية، ص 262.
-3 للتوسع ينظر: البغدادي، ص 210. – ابن تيمية السياسة الشرعية، ص 72/ 71 - 169.
4 الماوردي، ص 29. - محمد المبارك، ص 16 وما بعد.
119 (1/137)
صفحة 138
الكافة فلا بد له من تجمع إنساني لحملهم على تنفيذ أوامر الله، من إقامة الحدود وتنفيذ القصاص والناس لا يمكنهم أن يبقوا بعض اليوم بدون ولاة الأمور، وإلا فسدت أحوالهم» (1).
والإمام هو الذي يقوم بالسهر على تواطؤ الناس على العدل، ورد الظالم ومحاربة الباغي وحشد الثغور وحماية البيضة، وتسمية الولاة
والقضاة، وتبليغ الرسالة السماوية إلى الناس جميعا
الإباضية
اعتنى الفقه السياسي عند الإباضية بمسألة الإمامة ووجوبها أشد الاعتناء، وقد دقق في جميع تفاصيل الوجوب، فالإباضية كغيرها من الفرق الإسلامية ترى وجوب الخلافة وإقامتها من قبل المسلمين. يقول الشيخ قاسم الشماخي: وليس منا إنكار وجوب الخلافة» (2) وينظر الإباضية إلى قضية وجوب الإمامة نظرة لا تختلف تماما عن نظرة سائر الفرق الإسلامية الأخرى، ويدافعون عنها. وهذه من التي يختلفون فيها مع الخوارج (3). وقد تطرقنا إلى ذلك في قضية الخوارج في مدخل المطلب الأول من هذا الفصل.
النقاط
وينطلق الإباضية في نظريتهم القاضية بضرورة إقامة الإمامة من
أن
عقدها فريضة بفرض الله الأمر والنهي والقيام بالعدل والحقوق
1 - ابن تيمية، منهاج السنة، ج 1، ص 360. - ابن خلدون، ج 2، ص 687.
2 قاسم الشماخي، شرح اللؤلؤة، ج 2، ورقة 235. مخطوط.
P. Cuperly. Professions de foi ibadite. Tomc 2. P 519. -3
120 (1/138)
صفحة 139
والواجبات (1).
فالإباضية عموما يرون نصب الإمام، بل ويقرر الفكر السياسي لديهم أنه إذا اتفقت الأمة على تولية إمام عادل أهل لتلك المسؤولية، فأبى أن يتقدم قتلوه، ونظروا في غيره، وذلك أسوة بالخليفة عمر بن وصيته للصحابة أهل الشورى الذين كلفهم باختيار خليفة من بعده، حيث أمرهم بقتل من يرفض الإمامة إذا اتفقوا عليه. ومثل ذلك فعله الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مع حملة العلم (2) إلى
الخطاب في
1 - تبغورين الملشوطي أصول الدين، ورقة 8. مخطوط.
2 - حملة العلم إلى المغرب هم:
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني، زعيم ديني وقائد عسكري، وصاحب رأي حصيف. ولاه حملة العلم على أنفسهم بناء على أمر شيخهم أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة للقيام بالدعوة سرا ثم الانتقال إلى الظهور. أقام الإمامة في طرابلس سنة 140 هـ. دامت إمامته أربع سنوات، إذ قتله جيش العباسيين في هجوم على سرت سنة 144 ينظر حول سيرته الشماخي، سير المشايخ، ص 132/ 123. - ابن الأثير الكامل، ج 5، ص 316. ـ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 112. وحول تفاصيل مبايعته ومعاركه الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 35/ 22. عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسي وابن الصغير لا ينكر صراحة أن عبد الرحمن فارسي، وإنما يقول إن لا قبيلة له يشرف بها، ولا عشيرة تحميه، ينظر: سير الشماخي، ص 9 - ويذكر المسعودي، في مروج الذهب، أن سلالة عبد الرحمن
-
-
ابن رستم التي حكمت المغرب وعمرت الديار من الأسبان الذين تنوزع في نسبهم، فمنهم من يقول إنهم من أهل اصبهان من ملوك الفرس الأولى، ومنهم من يرى أنهم من ==ملوك الأندلس اللذارقة، والمسعودي مع هذا الرأي الأخير. أما الإباضية فيجعلون سلالته من الملك الفارسي الملك الفارسي. أسس الدولة الرستمية سنة 160 هـ. وتوفي سنة 171 هـ. راجع أخباره وسيرته في سير أبي زكرياء، ص 54 - طبقات الدرجيني، ج 2، ص 19. مروج الذهب، ج 1، 358/ 357/186. ابن خلدون، ج 6، ص 225. ـــ ابن حزم، جمهرة
121 (1/139)
صفحة 140
المغرب (1).
ويستدل الشيخ اطفيش على وجوب نصب الإمام العادل إذا تمت شيروطه بتوقف الواجب عليه، ومن تمام الأمر والنهي وإقامة الحدود والقيام بالعدل والإنصاف وردع المعتدي، وما لا يتم الفرض إلا به
فهو فرض (2).
1 - الأدلة النقلية:
يعتمد الإباضية القرآن الكريم مصدرا للاستدلال على وجوب
أنساب العرب، ص 511. البكري، المغرب، ص 167. ابن عذاري، البيان، ج 1، ص 196. عاصم السدراتي، نشأ في قبيلة سدراتة. كان قوي البنية قويم الخلق حضر مجالس العلم، ثم سافر مع حملة العلم إلى المشرق. ومكث معهم عند شيخهم أبي عبيدة خمس سنوات. لم يتقلد عاصم مسؤولية معينة، بل اختير ليكون داعية يتجول في القرى للوعظ والإرشاد. ومن تلامذته تكونت النواة الأولى لكبار علماء جبل نفوسة. قتل مسموما بالقناء. في معركة في عهد أبي حاتم الملزوزي. راجع تاريخه في سير الشماخي، ج 1،
-
ص 126. ـ علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص 124. إسماعيل بن ضرار الغدامسي أبو الزاجر، كان عضوا بارزا في البعثة العلمية، تولى القضاء لأبي الخطاب في إمامته بطرابلس. و لم تبين المصادر تواريخ مولده ووفاته. راجع سيرته في سير الشماخي، ج 1، ص 127. ـ علي معمر الإباضية في موكب، ح 2، الإباضية في ليبيا، قسم 2، ص 13.
-
أبو داود القبلي من بلاد نفزاوة، كان شيخا مشهورا بالعلم والورع، لم تذكر المصادر تواريخ ولادته ووفاته انظر سير الشماخي، ج 1، ص 129. ـ
وحول تفاصيل حملة العلم إلى المغرب ينظر أيضا مقال لويسكي تاديوش، في دائرة المعارف الإسلامية مادة: "إباضية".
1 - المصدر نفسه - الشيخ، اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 272 فما بعد.
2 اطفيش نفسه، ج 14، ص 271.
122. (1/140)
صفحة 141
إقامة الخلافة، قال تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض ... ) (1). وتمكينهم هو جعل النفوذ لهم في الأرض. وهذه الآية تفيد المدح، والمدح من الله تعالى يقتضي الأمر بالممدوح (2). وتمكينهم يعني ريادتهم في الحكم في الأرض، وإقامة الدين ونشره لتكون كلمة الله العليا، كما جاء في الآية. وهذا أيضا مصداقا لقوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (3) (4)
هي
فمهما بلغت الأمة من درجات الرقي الحضاري لا بد لها من إمام يسوسها، ويحتكم الجميع إليه، بصفته المسؤول الأول عن العدالة في جميع نواحيها. كما أن إقامة الشرع وتنفيذه لا يتم على أيدي أفراد المجتمع، والصفوف لا تجتمع إلى على يد عليا. قال تعالى على لسان بني
إسرائيل: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) (5) (6)
كما أن الرسول ل كان إذا فتح بلدا جعل عليها أميرا، وأنه قال: «تخيروا لإمامتكم وتخيروا لنطفكم وقال: «أطيعوهم ما لم يمنعوكم
1 - سورة الحج، آية 41.
2 اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 271.
-3 - سورة آل عمران، آية 104.
4 - إبراهيم اطفيش مجلة المنهاج، عدد 1، ص 7/ 6.
5 - إبراهيم اطفيش نفسه عدد 1، ص 7/ 6 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 1
-6 - سورة البقرة آية 246.
-
123 (1/141)
صفحة 142
الصلوات الخمس» (!).
وإذا كانت أعمال الرسول ل وتقريراته وأوامره من تأمير الأمراء على البلدان المفتوحة وعلى الجيوش، ثم الأمر بطاعتهم، إذا كانت هذه قد وقعت في حياته، فهي من بعد مماته من باب أولى وأحرى (2)، لقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (3). ولا مراء في أن كلّ الصحابة قد سلكوا مسلك النبي في إقامة الخلافة من بعده حيث اشتغلوا بمعالجتها عندما تحققوا من موته، لما رأوا من لزوم، أمرها، إذ إنَّه ل لم يُدفن بعد والصحابة مشتغلون بأمر الخلافة (4).
ولو كانت الإمامة غير واجبة لما بايع المسلمون أبا بكر ثم عمر من بعده، وهؤلاء هم صحابة رسول الله، وشاهدو الوحي، كما أن عمر وضع المشورة في ستة من أهل الحل والعقد، وأمر بقتل من يتسبب في عدم إقامتها، ولم يكن ليأمر الفاروق بإراقة دماء في أمر تساوى فعله وتركه، فلما كان من إجماعهم ما رأينا، ثبت أن عقد الإمامة على
1 - رواه أبو داود بلفظ: ستكون عليكم أئمة تعرفون منهم وتنكرن، فقيل يارسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا» سنن أبي داود كتاب السنة، باب قتل الخوارج، ج 2، - وأحمد في المسند، ج 6، ص 305/ 302. - والربيع بن حبيب، الجامع
-
الصحيح، ص 204/ 203.
،
2 - عبد الله بن حميد السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، ص 74.
3 - سورة الحشر، آية 7.
-4 سالم بن حمود الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز، ص 23.
124 (1/142)
صفحة 143
تختلف
المسلمين فرض واجب، إذ لا يمكن أن تجتمع الأمة على شيء ثم فيه (1). واختلافهم الذي وقع في السقيفة كان في الإمام ولم يكن إطلاقا في وجوب الإمامة (2).
فالإمامة عند الإباضية إلى جانب كل ما تقدم من موجبات إقامة
أحكام الله، فإن مهمة الإنسان في الأرض تقتضي عمارتها لدفع الفساد
ولا يتم
هذا إلا بدفاع الله بعضهم ببعض (3)، حتى لا تكون فتنة، قال تعالى: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (4).
ہے?
الأدلة العقلية:
إن إقامة ونصب الإمامة لدى المسلمين أمر منطقي، نظرا للشرائع التي شرع الله، ومن ثم فإن نصب الإمام ليكون مرجع كلمتهم أمر لا جدال فيه. فمن يقيم الحدود، وينصف المظلوم ويرد الظالم، ويكبح شهوات الإنسان غير الإمام؟
وهذه الأحكام الإلهية من شأنها التنظيم والوقوف على تنفيذها. إذا فلا بدَّ من سلطة عُليا فوق الجميع لتنظيم أمور الحياة. يقول الشيخ اطفيش ونصب الإمام العدل الكبير واجب إذا تمت شروطه، والدليل على وجوبه توقف الواجب عليه، من تمام الأمر والنهي، وإقامة الحدود،
-1 عمار، طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 2، ص 234 وما بعد.
2 - إبراهيم بن يوسف، الحكم والسياسة في الإسلام من منظور الإباضية، ص 22.
3 - إبراهيم، اطفيش مجلة المنهاج، عدد 1، ص 6.
10
125
سورة البقرة آية 251 (1/143)
صفحة 144
والقيام بالعدل والإنصاف وردع المعتدي ... وما لا يتم الفرض إلا به
فهو فرض» (1).
ومن هنا فإن الناس لا يمكنهم إغفال هذا الواجب، لأنهم لم يخلقوا عبثا، بل العبادة هدفهم، ومن العبادة إقامة أحكام الله والسير في
منهجها.
ونشير إلى أن الإمامة لدى الإباضية تقوم على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي قاعدة صلبة لا يمكن لأحكام الله
أن تنفذ بدونها. إن المسؤول الأوَّل في المجتمع هو الإمام، ونجد في التاريخ الإباضي ما يؤيد مذهبهم هذا، وذلك عندما تفطنت الفلول البربرية في تيهرت وقالت: لا بد لنا من إمام، فاجتمعوا لذلك «وقالوا: قد علمتم أنه لا يُقيم أمرنا إلا إمام نرجع إليه في أحكامنا، وينصف مظلومنا من
ويقيم لنا صلاتنا، ونؤدي إليه زكاتنا، ويقسم فيئنا» (2). فنصب الإمام أيضا واجب عقلا
ظالمنا،
خلال سردنا لمواقف وأدلة الفريقين أهل السنة والإباضية، يتبيَّن من لنا أنهما يتفقان في قضية إقامة الإمامة، ونصبها قرآنا وسنة وإجماعا
ص 272/ 271.
1 - اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 271 272 - P. Cuperly. Professions de foi
ibadite. Tomc 2. P 519.
2 - ابن الصغير، ص 26/ 25.
126 (1/144)
صفحة 145
الخلافة،
واستدلالا. وقد أشار ابن حزم في كلامه إلى وجوب نصب وإلى الفرق التي ترى ذلك، فلم يستثن منها إلا النجدات من الخوارج. وهذا المبدأ المتفق عليه بين الفرق الإسلامية، كان نتيجة للطبيعة العملية العقلية والفطرية، إلى جانب ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من آيات آمرة بإقامة الدين وتنفيذ الأحكام، وهذه الأخيرة لا تتم إلا باجتماع المسلمين حول إمام.
ومن ناحية المنطق والمبدإ اللذين ينطلق منهما كلا المذهبين، ونعني بذلك اعتقاد المذهبين بوجوب إقامة الخلافة شرعا أم عقلا، فإن أهل السنة والإباضية يعتقدون بوجوبها شرعا أي نقلا وسمعا، إلى جانب ما تقتضيه حاجة الإنسان باعتباره حيوانا اجتماعيا، لا بد له من تنظيم إنساني ينظم له حياته، ويعكس فيه إنسانيته.
ومن خلال دراستنا لمقولة ابن حزم الجامعة للفرق الإسلامية التي ترى وجوب نصب الإمام، فإنَّنا نجده يجمع الشيعة بكل فرقها في هذا المضمار، فالشيعة تقف في صف أهل السنة والإباضية بالنسبة للمسألة، أي أنها ترى أن النصب واجب، إلا أنها لا تشاطر المذهبين من حيث كون الإمامة واجبة شرعا، بل تراه واجبا عقلا. لأن الشيء الذي دعا إلى نصبها هو جواز الخطا على الأمة، وإذا جاز ذلك على الإمام احتاج المسلمون إلى هاد، آخر من هذا المنطلق جاءت نظريتهم في العصمة. كما أن القرآن لم يُحط بجميع الأحكام التفصيلية وأن دلالاته ظنية، وهو نفس الموقف بالنسبة للسنة والإجماع. إذن فلا بد من الإمام ليحفظ الشرع، لأن القرآن ليس حافظا له للأسباب التي
نصب
127 (1/145)
صفحة 146
ذكرناها سابقا (1).
وإلى هذا المذهب ذهب، المعتزلة، فنصب الإمام عندهم واجب عقلا وهذا انطلاقا من نظرية "المدينة المتمدنة" (2). فمنطلقهم اجتماعي محض اقتضته إنسانية الإنسان وطبيعته التي تحتاج إلى من يجمعه ويشرف على تنظيم حياته والسهر على سعادته.
أنهما رغم
إن ما يلاحظ بين المذهبين الشيعي والمعتزلي هو انتمائهما إلى المذهب العقلي في مسألة وجوب الإمامة، إلا أن لكلِّ منهما نظريته الخاصة، فنظرة الشيعة آتية من مبادئ وفلسفة دينية، في حين أن نظرة المعتزلة ذات فلسفة اجتماعية محضة.
1 - انظر النظرية السياسية عند الشيعة في المبحث الثاني من التمهيد.
2 - انظر النظرية السياسية عند المعتزلة في المبحث الثالث من التمهيد.
128 (1/146)
صفحة 147
ثالثا: وحدة الإمامة وتعددها
اختلف الفلاسفة والفقهاء السياسيون عند المسلمين اختلافا كبيرا حول مسألة تعدد الأئمة بالنسبة للأمصار المتباعدة، أو بالنسبة للمصر الواحد. ولكل وجهة نظر اعتمد فيها على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسلوك الصحابة وأقوالهم والتابعين من بعدهم.
فالرأي الأول وهو القائل بجواز إمامين في مصرين متباعدين، يستدل بإمامة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، حيث كان الأول بالعراق والثاني بالشام، وهذا في سنة 41 هجرية. والرواية تقول إن معاوية كتب لعلي يقول له: «أما إن شئت فلك العراق ولي الشام، وتكف السيف عن هذه الأمة ولا تحرق دماء المسلمين» (1). أما الرأي الثاني فهو عدم جواز ذلك إطلاقا، ويستند هذا الرأي إلى حديث لعمر بن الخطاب يقول فيه: «إن الله واحد، والإسلام واحد،
ولا يستقيم سيفان في غمد واحد» (2). ويشير بقوله هذا إلى إمامين في وقت واحد.
أما الرأي الثالث فقد كان بخصوص إقامة إمامين في مصر واحد. وقد أنكر جلّ الفقهاء السياسيين الرأي القائل جواز إمامين في مصر واحد، وأجازوه في المصرين المتباعدين، أما في مصر واحد، فمحال في الواقع، ومما يؤيد ذلك تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب عن
1 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 140.
2 - الماوردي، ص 9 ـ ابن حزم، ج 4، ص 87.
الخلافة
129 (1/147)
صفحة 148
41 للهجرة، لأن هدفه كان توحيد الأمة الإسلامية والكف عن
إراقة الدماء وإرجاع الخلافة إلى اختيار المسلمين، بدلا من توارثها في
البيت الواحد. وقد سمى هذا العام بعام الجماعة.
فما موقف الفرق الإسلامية من هذه المسألة؟
1 - أهل السنة والجماعة
إن موضوع وحدة الإمامة وتعددها، يعد من المواضيع التي شغلت فقهاء المسلمين منذ فجر التاريخ الإسلامي، وذلك لعدة أسباب تتمثل أساسا في التقلبات السياسية التي شهدها المسلمون، وخاصة بعد نهاية الخلافة الرشيدة كاجتماع معاوية، وعلي، ثم الحسن ومعاوية في فترة زمنية واحدة.
وقد أورد الأشعري الآراء الثلاثة في هذا الموضوع، إذ: «قال قائلون لا يكون في وقت واحد أكثر من إمام واحد، وقال آخرون يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، أحدهما صامت والآخر ناطق، فإذا مات الناطق خلفه الصامت، وهذا قول الرافضة (1). والرأي الثالث ثلاثة أئمة في وقت واحد، أحدهم صامت. وأنكر أكثر ذلك» (2)
هو
1 الرافضة من الشيعة سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر. وقال الرازي لأن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب خرج على هشام بن عبد الملك فطعن عسكره في أبي بكر فمنعهم من ذلك فرفضوه فقال لهم: رفضتموني. قالوا نعم. فبقي عليهم هذا الاسم مقالات الإسلاميين، ص 87.
2 الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 2، ص 134/ 133.
130 (1/148)
صفحة 149
وقد أشار الماوردي (1) إلى الرأيين الثاني والثالث اللذين يشيران إلى تعدد الأئمة، ولعله يريد بذلك الزيدية والكرامية، والبغدادي (2). مع ملاحظة
ينصر
أن البغدادي قد قيَّد وجود الإمامين في وقت واحد بشرط وجود الحاجز البحري، أو عدوّ لا يطاق. وإذا استطاع أهل صقيع أن الآخر وجب عقد الإمامة لواحد يصلح لها منهما (3)، لأن بقاء الإمامين قد يؤدّي بالأمة إلى التحرُّب وفرقة الكلمة، وهذا ما عبر عنه ابن حزم بقوله: «وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم بوجود التنازع ... فلو جاز أن يكون في العالم إمامان لجاز أن يكون فيه ثلاثة وأربعة وأكثر ... وأمَّا علي ومعاوية فما سلم قط أحدهما للآخر» (4)
وفي الحقيقة فإنَّه لا يُعقل أن يكون أكثر من إمام واحد في مصر واحد. وقد استحالت هذه القضية عقلا وشرعا. وأما فيما يخص وجود إمامين أو أكثر في، مصرين، ومهما كانت حالهما من النطق أو الصمت، فإن الرأي الأصح هو ما ذهب إليه الماوردي من عدم الجواز. وقد علق الماوردي ذلك الجواز بعدم وجود الحاجز البحري أو العدو القوي. وبالنسبة لذلك الزمن فإن العذر يكون فيه مقبولا، نظرا لبطء المواصلات، وما سينجر عن ذلك من فتن وعدم تمكن الإمام الواحد من مراقبة جميع أراضيه. ولا أدل على صحة هذا الرأي من أن
1 - الماوردي، ص 37. - منير العجلاني عبقرية الإسلام، ص 121.
2 - البغدادي، ص 136/ 130.
3 - نفسه، ص 211.
4 - نفسه، ص 211.
131 (1/149)
صفحة 150
الماوردي قد علّق الشرطين بعدم استطاعة الصقيعين نصرة بعضهما. والمفهوم هو أنه إذا استطاع الواحد منهما نصرة الآخر سقطت العلة وأصبح توحيد الإمامة، وهو ما ذهب إليه ابن حزم كذلك، مسقطا حجة من قال بقيام معاوية وعلي في وقت واحد. وإن الأحداث التاريخية قد ذهبت مذهبهما حيث دارت كفة القوة خو معاوية منذ صفين فأصبح أمر معاوية في الظهور، في حين صار أمر علي إلى
الاختفاء.
فأهل السنة والجماعة لا يرون إقامة إمامين في وقت واحد ليس بينهما بخر أو عدو غير مقدور عليه. وهذا بسقوط جميع حجج القائلين بتعددها، وعلى رأسها وضعية علي ومعاوية، وكذلك الحسن ومعاوية،
إذ يقرر ابن حزم أن كلا منهما لم يسلم للآخر
التي
ولعل الثورات التي حدثت أيام الأمويين والعباسيين هي جعلت العلماء يزدادون رغبة في طرح موضوع جواز قيام إمامين أو أكثر (1). فهل يكون هذا الطرح أيضا من باب الاعتراف بالأمر الواقع، وتقديم الحلول السياسية لإيقاف النزيف الدموي؟ وقد يكون هذا الطرح طرحا سليما إذا كان قيام الإمامين في مصرين متباعدين، على أساس ازدياد الجبهات الإسلامية ضد العدو الواحد، فبقدر ما يكون الإمام قريبا من العدو بقدر ما تكون معرفته الدقيقة به أكثر، فيتم التعاون الإسلامي، لأن للجانب العددي والكثرة إيجابياته السياسية في ميدان المواجهة والأصوات المؤيدة للقرارات الدولية.
1 - ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج 1، ص 320.
132 (1/150)
صفحة 151
وفي الموضوع نفسه، فقد طرح العلماء مسألة العقد لإمامين في
وقت واحد في مكان واحد، وجملة الحلول التي قدموها هي:.1 أن الإمام المعوّل عليه هو الذي يعقد له في البلد الذي مات فيه سابقه؛ لأن أهل الحل والعقد في ذلك البلد أصحاب الحل
والعقد الحقيقيين، فليس للأمة إلا الطاعة.
هم
2 على كلّ إمام عقد له أن يدفع الخلافة عن نفسه، ليختار أهل
الحل والعقد غيرهما
3. يقرع بينهما (1)
4 يرى الإمام الغزالي أن الإمام هو من انعقدت له البيعة من أكثر
أهل الشورى.
5 أنَّ الإمام هو الذي سبقت له البيعة، سواء اختاره الكثيرون أم القليلون (2).
وعندما نستعرض هذه الآراء بشيء من المناقشة، فإننا نجد أن الظروف التي طرحت فيها هذه الآراء قد تغيرت. ففي العصر الحالي لا يمكن أن يجهل أهل الحل والعقد أنه تمت البيعة لإمام دون آخر، بسبب سرعة الاتصالات ووسائل الإعلام المتطورة، مما يجعلنا نسقط كل الأطروحات السابقة.
أما النظرية الأولى القائلة بأن أهل الحل والعقد في ذلك البلد هم
1 - الماوردي، ص 38/ 37.
2 عبد القادر عودة، ص 164.
133 (1/151)
صفحة 152
أصحاب العقد الحقيقيين، فهذا الرأي أيضا لا يصلح في زمان تشرئب فيه الناس إلى المشاركة في اختيار الإمام عبر الأحزاب والجمعيات
السياسية.
والملاحظ أن أكثر الحلول المقترحة من جانب الفقهاء القدامى ع للظروف التي عاش فيها أصحابها، وتجعلها ميزات معينة، مثل انعدام وسائل الاتصال السريعة وكذلك هجرة المسلمين للعمل السياسي، ثم تمركز أهل الشوكة في العاصمة الإسلامية.
وبغرض الخروج من الأزمة، فقد اقترح بعض العلماء أن يُقرع بين الإمامين، ولكن الماوردي يردُّ على هذا بحجة قوية صحيحة عقلا وشرعا، إذ إنَّه يشبه عقد الإمامة بعقد الزواج الذي لا دخل للقرعة فيه، ولا يجوز الاشتراك فيه أيضا، وأن القرعة لا دخل لها في العقود. ويجب أن تكون الأسبقية للأول، كما لو زوج الوليان الفتاة لاثنين، فالزواج الأوَّل هو الصحيح. وفي حال الاشتباه في أي الإمامين أسبق، فإنَّه لا يحلف ولا تسمع دعواهما، إلا إذا جاء أحدهما بالشاهد والبينة. حال انعدام البينة لكلِّ منهما بطل عقدهما واستؤنف الاختيار منهما أو من غيرهما، على خلاف في ذلك (1). هما، على خلاف في ذلك (1). وهو مذهب الإمام الغزالي، الذي قال بأن الإمام الأسبق هو الحائز على أكثر الأصوات (2). وكما سبق فإن هذه الوضعية لا وجود لها في عصرنا الحاضر، لعلم
وفي
الأئمة بعضهم ببعض.
1 - الماوردي، ص 38.
2 عبد القادر عودة، ص 164.
134 (1/152)
صفحة 153
2 - الإباضية يرى الإباضية أنَّه لا يجوز أن يكون إمامان للمسلمين في الدنيا إلا في حالة واحدة، وهو أن يكون بينهما، بحر، فإن لم يكن بحر وعقد لهما في صفقة بطلت إمامتهما، لأنه لا يجوز أن يكون إمامان مقترنين في
الدنيا (1).
ويضيف الشيخ اطفيش على شرط وجود البحر بين الإقليمين وجود جبار لم يقدرا عليه ويعبر عنه الصائغي بالسلطان الجائر، وفي حال زوال هذا الجبار واتصال سلطان الإمامين انفسخت إمامتهما واختار المسلمون إماما منهما أو من غيرهما (2).
وفيما يخص إقامة إمامين في مصر واحد ليس بينهما بحر أو إمام جائر، فإن الإباضية يقفون من المسألة موقف أهل السنة طبقا لقوله: «إذا ظهر إمامان فاضربوا عنق أحدهما» (3). يقول الشيخ قاسم الشماخي: « ... وكذلك ليس منا من قال بجواز أن يجتمع إمامان ليس أحدهما عاملا للآخر في حوزة واحدة» (4). ويرى الشيخ عبد الرحمن بكلي وهو عالم إباضي من المتأخرين جواز قيام إمام في كل إقليم،
1 الشماخي، شرح اللؤلؤة، ج 2، ورقة 236 مخطوط. - الحضرمي، مختصر الخصال،
ص 194.
2 اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 370 عمر فاروق، ص 58 نقلا عن الصائغي، ص 88 ب
-
3 - رواه مسلم كتاب الإمارة، باب إذا بويع الخليفتين. حديث رقم: 1853.
4 - الشماخي، سير، ج 3، ص 235.
135 (1/153)
صفحة 154
وهذا مسايرة للأوضاع العصرية في العالم الإسلامي (1).
إن اختصارنا لموقف الإباضية من مسألة وحدة الإمامة وتعددها، وإيرادنا فقط لأهم أقوال علمائهم، كان بغرض عدم التكرار، لأن أكثر الخطوات التي سار عليها أهل السنة والجماعة كانت شبيهة بمثيلاتها لدى الإباضية إلى حدّ التشابه في الأقوال، مرورا بمسألة وجود إمامين في مصرين متباعدين ليس بينهما بحر أو عدو قوي، أو مصرين يوجد بينهما حاجز بحري وعدو أو على صقيع واحد، فالآراء كلها كانت متطابقة، وهذا الرأي هو رأي جميع المذهب الإسلامية. عدا الكرامية من الشيعة القائلين بإمكانية ازدواج الإمامة (2).
وفي الحقيقة فإن القرآن لم ينص صراحة على هذه المسألة، ويبقى المستند الوحيد لها هو السنة ثم إجماع الصحابة وسيرتهم. قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فَلاة إلا أمروا عليهم أحدهم» (3). كما أنه كان القائد الوحيد للمسلمين.
والذي نراه هو أن هذا الحديث يمكن إخراجه وشرحه على ضوء الأوضاع السياسية، ففي عهده الله كان المسلمون يعيشون زمن تلقي
1 - الثميني، كتاب النيل، هوامش عبد الرحمن بكلي، ج 3، ص 887/ 886.
2 - انظر الجدول في تمهيد القسم الأول.
-3 - رواه أحمد، المسند، ج 2، ص 177.
136 (1/154)
صفحة 155
الوحي، وكان الرسول هو المربي الوحيد للمجتمع، فكان يغرس في
مي
نفوس الرعية حب الجماعة وانضباطها تحت لواء واحد، والحقيقة أن هذه الميزة الجماعة من خصوصيات الإسلام، فأكثر مناهجه التربوية والاجتماعية جماعية تكافلية كالصلاة خلف الإمام والسمع والطاعة لأولي الأمر وغيرها. ثم إن إجماع الصحابة وقع فعلا على أبي بكر يوم السقيفة (1). وكادت أن تقع حركة انفصالية من الأنصار إثر قول الصحابي الحباب بن المنذر: «منا أمير ومنكم أمير»، فردَّ عليه أبو بكر: «يحل للمسلمين أن يكون لهم أميران» (2). كما أن سيرة الخلفاء الراشدين كانت على نفس المنهج، و لم تتغير الوضعية إلا بعد صفين. بعد كل هذه الحقائق، وفي ضوء أوضاع المسلمين الحالية، هل يمكن لهم أن يجتمعوا تحت ظل إمام واحد؟
إن الانضواء تحت لواء واحد يقتضي وحدة التصور الإسلامي، ولكن الواقع أن المسلمين دخلوا بإسلامهم تحت عدة إديولوجيات
أنظمة
فرقتهم شيعا وأحزابا كالاشتراكية والرأسمالية والجماهيرية، وفي وأشكال سياسية مختلفة جمهورية وملكية وكل واحد منها يدعي الأحقية. وقد استغل العدو هذه الاختلافات للحيلولة دون وحدة المسلمي. انطلاقا من هذه المعطيات للعالم الإسلامي، فإننا نرى استحالة
قيام إمام واحد يجمع في قبضته جميع هذه المتناقضات
1 - محمود الخالدي، قواعد نظام الحكم في الإسلام، ص 314 فما بعد. 2 - انظر فصول مؤتمر السقيفة في تاريخ الطبري، ج 2، ص 446.
137 (1/155)
صفحة 156
ورغم خروج الشيخ عبد الرحمن بكلي عن الإجماع الإباضي، فإن
رأيه يمكن أن يكون هو المخرج الوحيد للمسلمين، وهو القاضي بقيام إمام في كل قطر. وتبقى مسألة وحدة القيادة فإنَّه يمكن أن تتجلى في وحدة الرأي والقرار وهو مطلب عصري، إذ إن العمل السياسي بدأ يتجه نحو التكتلات الدولية كما هو واقع أروبا.
138 (1/156)
صفحة 157
الفصل الثاني
الإمامة بين النص والتعيين والاختيار (1/157)
صفحة 158
[صفحة فارغة] (1/158)
صفحة 159
من
أولا: طرق إثبات الإمامة
النقاط المطروحة في النظرية السياسية الإسلامية مسألة إثبات
الإمامة وطرق ذلك.
ولم يخرج الجدال فيها عن رأيين اثنيين، أولهما النص والتعين و به قالت طوائف الشيعة مع اختلافات بسيطة بين فرقها، وثانيها القول بالعقد والاختيار وإليه ذهبت الفرق الأخرى.
وقد كان المبدأ السائد في أول اجتماع بعد وفاته هو عدم النص على الإمامة «وليس هذا هو قول أهل السنة جميعهم، بل لقد ذهبت طوائف منهم إلى أن إمامة الصديق قد ثبتت بالنص. والنزاع في ذلك معروف في مذهب الإمام أحمد وغيره من الأئمة. ومنهم من قال بأنها ثبتت بالاختيار منهم جماعة أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية،
أما الحسن البصري فإنَّه يقول بثبوتها بالنص الخفي والإشارة (1). والحقيقة أن النبي أمر أبا بكر بالصلاة و لم تكن إشارته بالخلافة واضحة. وأن الحاضرين في السقيفة لم يحتجوا بهذه الحجة (2). بل كان ميلهم إلى أبي بكر لأنه أفضلهم وأحبهم إلى رسول الله.
ولقد تمخض هذا الاجتماع كما هو معروف عن نظريتين اثنتين، كانت الأولى تنص على أن الإمامة طريقها الاختيار. في حين
1 ابن تيمية منهاج السنة، ج 1، ص
341/ 340
2 أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 25.
نصت
11
141 (1/159)
صفحة 160
الثانية على أن يكون ذلك بالنص (1).
وذهب إلى القول الأول، وهو الاختيار والعقد والبيعة، جميع المعتزلة، وجميع الخوارج، وجميع الأشعرية، والجمهور الغالب من أهل السنة وأصحاب الحديث، وكذلك الزيدية من الشيعة بعد إمامة علي والحسن والحسين. أما القائلون بالنص من الله و رسوله، ثم النص من
الإمام على الإمام الذي يليه فهم الشيعة على اختلاف فرقهم (2).
وقد تطورت نظرية الاختيار بفعل الممارسة السياسية لصحابة رسول الله لهم من بعده. فظهرت عدة طرائق الاختيار، بما يصل إمام
المسلمين إلى الحكم وهي:
1. اختيار حر عن مشورة من غير عهد من أحد. وقد تحقق ذلك
2. أن
في اختيار أبي بكر.
يعهد خليفة لمن يليه إذا لم يكن له قرابة. وهذا ما حدث
لعمر بن الخطاب من أبي بكر.
3. العهد إلى واحد من ثلاثة أو أكثر من أفضل المسلمين (3).
ويضيف ابن حزم رأيا آخر في تولي الإمامة، وذلك بقيام إمام يدعو إلى نفسه على شرط استحقاقها فطاعته واجبة. ويستدل على
-1 ينظر عن تفاصيل ذلك محمد الخضري محاضرات، ج 1، ص 158.
2 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 336.
3 ابن حزم الفصل، ج 4، ص 131. - أبو زهرة تاريخ المذاهب، ج 1، ص 100. ـ منير العجلاني، عبقرية الإسلام، ص 140.
142 (1/160)
صفحة 161
ذلك بفعل علي ابن أبي طالب بعد مقتل عثمان ابن عفان وابن الزبير وخالد ابن الوليد عندما قتل زيد بن حارثة وعبد الله بن حارثة وعبد بن رواحة وتصويب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك (1)، إلا أن الشيخ محمد
الله
الشيخ بالحاج وهو باحث إباضي معاصر يرى بأن عليا قد أخذ أحقيته
بالإمامة من المجلس الذي عينه عمر بن الخطاب للشورى.
فما هو موقف أهل السنة والجماعة والإباضية من هذه المسألة؟
1 - أهل السنة والجماعة
تقدم بأن أهل السنة والجماعة ممن قالوا بأن طريق تولية الإمامة إنما هو الاختيار. وبما أن النصوص لم ترد لتحديد طريقة تعيين الإمام فلا بد من الرجوع إلى الطرق العملية للصحابة والرعيل الأول في كيفية توليتهم للإمام (2).
ورغم اتفاق كل الذين قالوا بالاختيار على أن طرق ذلك ثلاثة، إلا أنه يوجد يوجد من أهل السنة والجماعة من يضيف طريقة رابعة مستندا في ذلك إلى الكيفية التي بويع بها علي بن أبي طالب بعد الفتنة الكبرى، إذ جاءته الخلافة بطلب من جمهور الصحابة، وبهذا يكون تاريخ نظام الحكم في الإسلام قد عرف أربعة طرق للتولية (3).
1 - ابن حزم الفصل، ج 4، ص 131.
2 - البغدادي، ص 210 - الماوردي، ص 39. - محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 73/ 72.
—
3 - ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج 1، ص 213. - وانظر القصة كاملة في الكامل لابن
الأثير، ج 3، ص 80.
-
143 (1/161)
صفحة 162
والحقيقة أن تولية علي تمت من طرف أهل الشورى وهم أهل
بدر، وأما ما ذهب إليه محمد الشيخ بالحاج من أن عليًّا قد أخذ أحقيته بالخلافة من مجلس عمر الشوري، فهذا ما لا نراه، لأنه لا يمكن لأي شخص أو جماعة أن تقوم بتعيين إمامين في وقت واحد. فقد عين عثمان واستحق الإمامة قبل علي ويمكن أن يعتبر هذا العمل بالنسبة لعلي مجرد ترشيح يحتاج إلى المبايعة من جديد، وللمسلمين الحق في قبوله أو رفضه، و خلافة علي ليس فيها ما يُخرجها من شرعيتها لأن وهم أهل الحل والعقد، قد بايعوه كما جاء ذلك على لسانه نفسه، حيث قال للجمهور وهو يبايعه: «ليس ذلك لكم إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى و أهل بدر فهو
الصحابة،
الخليفة» (1).
كما أن ما ذهب إليه ابن حزم من دعوة الإمام المتوفر على الشروط لنفسه غير مجدي نظرا لم يترتب عنه من خرق لقواعد الاختيار، وخاصة إذا ظهر ودعا أكثر من إمام لنفسه، وهذه الطريقة قريبة جدا من رأي الزيدية.
إن الأصل في هذه المسألة أن الخلفاء الراشدين لم يسلكوا إلا ثلاثة
طرق لاختيار الخليفة وهي التي سبق ذكرها.
ويعلق سيد قطب على خلافة علي بن أبي طالب بقوله: «إن تأخير تولية علي إمامة المسلمين إلى ما بعد عثمان له فضل كبير في التقرير العملي لنظرية الإسلام في الحكم، حتى لا تقوم عليها شبهة الوراثة
1 - ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 47.
144 (1/162)
صفحة 163
الذي هو أبعد شيء عن روح الإسلام و مبادئه» (1). فلا يجوز لطائفة أو فرد من أفرادها أن ينتزع حق الخلافة من جمهور المسلمين وينصب نفسه مسيطرا عليها (2). وبهذا فإن إقرار نظام التغلب في الحكم وإعطائه الشرعية ما هو الاعتراف بالأمر الواقع، إذ يوجد من بين من كتب في السياسة الشرعية من اعتبر التغلب و أخذ السلطة المسلمين بالقوة طريقة شرعية مع اشتراطه قيام المتغلب بأمر الإمامة حق القيام.
من
فالإسلام إذا قد سبق الشرائع إلى تقرير الديمقراطية للإنسانية التي تخول لها حق اختيار حكومتها (3). ومن ثُمَّ لا يمكن لأحد أن يتولى
ولاية لأمة إلا إذا ولته هي وهي صاحبة السلطة والقرار والعزل (4). إن طلب الولاية والحرص عليها في الإسلام من المهام التي يتهرب منها المسلمون نظرا لثقل المسؤولية. وقد رُوي عن أبي ذر أنَّه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملي؟ قال: فضرب بيده على منكبه، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها، أمانة و إنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها» (5).
1 - سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 180.
2 المودودي، نظرية الإسلام السياسية، ص 49.
3 - العقاد، الديمقراطية في الإسلام، ص 43.
4 سيد قطب السلام العالمي والإسلام، ص 122 - ابن باديس مقال في جريدة النور، عدد 54 سنة 1932. بعنوان "ابن باديس وأصول الحكم".
5 رواه مسلم، کتاب الإمارة، باب 4،ج 3، ص 1457. - ورواه النسائي بلفظ "أن رجلا من الأنصار جاء رسول الله فقال: إلا تستعملني كما استعملت فلانا؟ ". باب ترك
استعمال من يحرص على القضاء. ج 8، ص 198. - وأحمد، المسند، ج 4، ص 351.
145 (1/163)
صفحة 164
2 - الإباضية:
تعتبر الإباضية ضمن الفرق التي أخذت بنظرية الاختيار وهذا استنباطا من إجماع الصحابة على ذلك قولا وعملا، فقد كانت إمامة أبي بكر باختيار أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، ثم إن عمر ابن الخطاب لم يرشّحه أبو بكر للخلافة إلا بعد أن استشار صحابة رسول الله، و في مجلس الشورى الذي تركه عمر للاختيار خليفة المسلمين أحسن دليل على ذلك.
ولم يخرج عن قاعدة الاختيار إلا الشيعة يقول الشيخ اطفيش:
واتفقت الأشاعرة والمعتزلة والخوارج والصالحية من الزيدية على الاختيار طريق إليها أيضا وهو مذهبنا (1). والاختيار في منظور الإباضية يرتكز أساسا على مبدإ الشورى ويكون الإمام نابعا عن الإشارة، وقد كان للإباضية الباع الطويل في إدارة وتوجيه السياسة، وخاصة فيما يتعلق باختيار الإمام ونصبه» (2).
وكثير من أصحاب النزعة الاجتماعية والاتجاه الجمهوري في الفقه السياسي، وهذا انطلاقا من القرآن الكريم، لأن مصدر السلطة في الإسلام إنما هو
الكتاب يعتبرون الإباضية من الخوارج، وبالتالي يعدُّون
انتخاب الأمة، ومبدأ الشورى مبدأ متفق عليه ولا نزاع فيه (3). يرتكز الاختيار عند الإباضية على أساس رضى المسلمين من
1 - محمد اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 429.
2 - محمد الشيخ بالحاج مقابلة بطاقة رقم 3 - مهدي طالب هاشم، الحركة الإباضية بالمشرق العربي، ص 294/ 293. - أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 258.
3 عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 115.
146 (1/164)
صفحة 165
الناحية الدينية، و الكفاءة العقلية والخلقية. وبالتالي فإن تخطي الرقا إلى الإمامة و الاستيلاء عليها مبدأ مرفوض لديهم (1).
إن ما يستخلص من هذين المبحثين هو أنَّه لا يوجد أي اختلاف يذكر بالنسبة للطريقة المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة و الإباضية في تولية الإمامة، إلا ما كان التغلب الذي اعتمده بعض فقهاء من السياسة الشرعية لدى السنيين (2). ودعوا إلى الصبر عليه ما لم يأمر بمعصية. وإن أكثر فقهائهم أتَّفقوا على أن السير العملية للصحابة في تولية الحكام لم تخرج من دائرة الاختيار، بما في ذلك خلافة أبي بكر التي وقع فيها بعض الاختلاف فيما بينهم (3). أهي بالنص من الرسول
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 135. 2 - يقول ابن تيمية معلقا على حديث: "لا تنزعن الطاعة من يدهم" صحيح مسلم، ج 6، ص 23. «وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور، وأنه يكره وينكر ما يأتونه من معصية الله، ولا تنزعن اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وإن منهم خيارا وشرارا». انظر تفصيل ذلك منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 77.
وورد في رواية عن الإمام أحمد يقول فيها: ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا الجماعة وخالف الآثار عن رسول الله ... » انظر: أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 104.
3 - فيما عدا جماعة صغيرة لم تعمر طويلا، سميت بـ"البكرية، قالت بأن أبا بكر قد تولى الخلافة بنص من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك قلة من أهل السنة والظاهرية قالوا: إن الإمامة بالنص ... وروي القول بذلك عن الحسن البصري وجماعة من أصحاب الحديث، وهو يمثل إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. ـ انظر: محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 336.، نقلا عن كتاب الإمامة لأبي يعلى
-
ص
200/ 196
147 (1/165)
صفحة 166
أم بالاختيار؟ فأمر الرسول الله لأبي بكر بالصلاة اعتبره البعض أمرا بالصلاة دون الأمور الدنيوية.
أما الإباضية فلا خلاف عندهم في أن أبا بكر قد تم اختياره اختيارا حراً وبدون نص لذلك، سواء كان إشارة خفية أو ظاهرة، إلا ما كان من أمر الصلاة.
أما موضوع التغلب، فهذا ما سنتناوله بالتفصيل في فصل العزل والخروج على السلطان الجائر.
وبعد المقارنة فإنَّه لا بدَّ من الإشارة إلى أن المعتزلة من الفرق التي تصنف ضمن مدرسة الاختيار مع أهل السنة والجماعة والإباضية، يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد: وعند المعتزلة أنه العقد
والاختيار» (1).
ولا تبقى من الفرق الإسلامية غير الشيعة التي تنفرد بطريق النص والتعيين. إذ لا دخل للأمة ولا لأهل الحل والعقد في هذا التعين؛ لأن الإمامة ليست من أمور العامة للإمام القائم حق الوصية لمن لا يراه صالحا لذلك من بعده، فكما بدأت الإمامة من الرسول وصية إلى
علي، ومن علي إلى الحسن، فالحسين، فإنها تبقى متسلسلة في عقبة (2). وقد اخترنا أن نتحدث عن هذا الموضوع، أي كيفية تولية الإمام الشيعي، في محور الاستخلاف وولاية العهد، نظرا لتميز الشيعة في هذا الموضوع، مقارنة مع أهل السنة والإباضية والمعتزلة.
-1 القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة 754/ 753. 2 - انظر: عقيدة الشيعة السياسية في المبحث الثاني من التمهيد.
148 (1/166)
صفحة 167
ثانيا: شروط أهل الحل والعقد.
إنَّه من البديهي أن بيعة الانعقاد التي بموجبها تتم تولية رئيس الدولة الإسلامية لا يمكن أن تؤخذ من كافة المسلمين، وإنما تأتي من جماعة مخصصة، وهؤلاء متميزون بصفات ومدارك ومؤهلات معينة. وهؤلاء يسمون عند البعض أهل الاختيار) (1)، والبعض سماهم (أهل الاجتهاد والعدالة) (2)، والجميع يقصد بهؤلاء الناس الذين يتم بهم انعقاد الإمامة. أما الإباضية فيسمونهم (أهل الشورى) (3)، فقد سماه شارح النيل
(جماعة المسلمين)، و (أهل الدين) (4)، و (أهل العدالة) (5).
ولا نستطيع أن نقوم بتحديد أول من أطلق هذا الاصطلاح، والمرجع الوحيد لذلك فقهاء السياسة الشرعية وتفسيرهم للآية يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (6) كما أن علي بن أبي طالب قد ردَّ على الجماهير التي جاءت تعرض عليه المبايعة بقوله: ليس ذلك إليكم إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة» (7)، في هذا
1 - الماوردي، ص 31.
2 البغدادي، ص 211.
3 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 77.
4 - اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 312.
5 اطفيش نفسه، ج 14، ص 312.
6 - سورة النساء، آية 58.
7 - ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 47.
149 (1/167)
صفحة 168
الكلام حقيقتان: الأولى أن اختيار الإمام يكون بالشورى، والثانية أن أهل الشوري هم الذين لهم الشوكة واليد العليا في المجتمع.
والإباضية يكونون قد انطلقوا في تسميتهم لأهل الشوكة (بأهل الشورى) أسوة بعلي، وإذا سلمنا بشوكة أهل الشورى أو أهل الحل والعقد، فما هي شروطهم والمميزات التي تميزهم عن سائر أفراد
المجتمع؟
1_أهل السنة والجماعة
تدارس أهل السنة والجماعة مسألة أهل الحل والعقد دراسة وافية،
فقهاء
ولا تكاد تخرج هذه الدراسة عن نقاط معينة تناولها جميع المسلمين، وهي تتعلق بمن هم أهل الشورى وشروطهم والعدد الذي
يصح به عقد الخلافة.
إن أهل الاختيار وأهل الاجتهاد والعدالة، كما سبق ذكره، أو (فضلاء الأمة) (1)، يُقصد بهم أولئك الذين بموجبهم يتمُّ العقد للخليفة وبهم يقع التراضي من الكافة، وهؤلاء النخبة يمثلون في أغلب الأحيان العلماء أهل البصيرة والرأي في سياسة الأمة ومصلحتها، وأصحاب الشوكة والقوة وأهل الخبرة من رؤساء القبائل، والزعماء والحكام ورؤساء الجند، بشرط أن يكونوا أمناء وألا يخالفوا أمر الله ولا سنة
رسوله التي عرفت بالتواتر، وأولئك جميعا يمثلون في عرف الإسلام
1 - ابن حزم، ج 4، ص 129.
150 (1/168)
صفحة 169
أهل الشورى وأهل الحل والعقد (1) (2).
أمَّا شروط أهل الحل والعقد، فإن الماوردي يجعلها ثلاثة وهي:
1 العدالة الجامعة لشروطها.
2 العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. .3 الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح (3). إنها شروط سياسية تشترط في فئة قد أنيطت بها مهمة سياسية،
مِن ثَمَّ فإن الطابع السياسي يحجب الطابع الديني، فلا نرى ذكرا لشروط التقوى والصلاح والفضل في الدين (4). والحقيقة أن هذه المسلمة، أي عدم ذكر الصفات الدينية في أهل الشورى، تظل أمرا مفروغا منه، لأنه لا يمكن أن يتولى أمر المسلمين من هو أقل منهم تدينا، إلا في بعض الظروف كالإمام الفاسق في بعض الحالات، كما أنه لا يمكن أن يتولى الكافر أمر المسلمين، لقوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيل) (5).
أما أبو الأعلى المودودي فإنَّه يجعل شروط فضلاء الأمة (6):
1 - ويعلق القاسمي هنا بأن "هذه هي آراء رشيد رضا ومحمد عبده". انظر: تفسير المنار،
ج 3، ص 11.
2 ظافر القاسمي، نظام الحكم، ج 1، ص 238 ـ محمد المبارك، ص 42.
3 - الماوردي، ص 31.
-4 - محمد عمارة، ص 437.
5 - سورة النساء، آية 141.
-
6 المودودي نظرية الإسلام وهديه، ص 296 وما بعد.
151 (1/169)
صفحة 170
الإسلام يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)) (1)
والرجولة الرجال قوامون على النساء) (2).
والعقل والبلوغ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) (3).
و سکني دار الإسلام والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) (4).
إن الطابع الديني ظاهر بقوة في هذه الشروط، وكذلك إقامة الإمام وعلاقته بالمسلمين من حيث السكنى.
أما شرط العقل والبلوغ فلعل الذي اشترطه قد أراد بذلك الروافض الذين يجيزون إمامة الصبي الذي لم يبلغ، والجنين في بطن أمه،
لأنه غير مخاطب، والإمام مخاطب من الله تعالى بإقامة الدين (5).
أما شرط الرجولة فلإخراج المرأة بصورة قطعية من تولي الإمامة، وهذا باتفاق جميع أهل القبلة (6)
•
وقد تكلم الفقهاء السنيون في عدد العاقدين للإمام، وهذه قد اختلفوا فيها كثيرا ما بين مكثر للعدد، ومقل، وإذا كانت الغاية هي تنصيب إمام ذي شوكة، فإن قضيَّة العدد تبقى مجرد شكلية قد يستغنى
-1 سورة النساء آية 59 2 - سورة النساء، آية 34.
- سورة النساء آية 5.
-4 - سورة الأنفال آية 72.
5 ابن حزم الفصل، ج 4، ص 89.
ابن حزم، نفسه، ج 4، ص 89.
152 (1/170)
صفحة 171
عنها، وخاصة أن التراضي مطلوب وبدونه لا تقوم الخلافة
وقد استعرض الإمام ابن حزم أقوال المجتهدين في العدد المطلوب لعقد الإمامة وقال: ذهب قوم إلى أن الإمامة لا تصح إلا بإجماع فضلاء الأمة في أقطار البلاد، وذهب آخرون إلى أن الإمامة إنما تصح بعقد أهل حضرة الإمام ... وذهب الجبائي إلى أن الإمامة لا تصحُ بأقل من عقد خمس رجال، ولم يختلفوا في أن عقد الإمامة تصح بعهد
من الإمام الميت إذا قصد فيه حسن الاختيار» (1).
وقد قام هو بنفسه بالرد عليهم، إذ إن إجماع فضلاء الأمة عبر إقليم البلاد مستحيل، لاتساع الرقعة الإسلامية، ولا يكلف الله نفسا إلا
وسعها (2)، قال تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج) (3). أما القاعدة بانعقاد الإمامة بمن هو في حضرة الإمام دون غيرهم من البلاد الإسلامية، فساقط أيضا، وقد استدل ابن حزم بأهل الشام الذين قالوا بهذا الرأي، وبه بايعوا لمروان وابنه عبد الملك، فأدى هذا إلى استحلال دماء المسلمين خارج الشام.
وقول الجبائي بخمسة نفر أيضا رأي خاطئ، لأنه اعتمد على فعل عمر بن الخطاب، والحقيقة أنه قد قال: إذا مال ثلاثة إلى واحد وثلاثة إلى واحد فالإمام هو الذي يكون معه عبد الرحمان بن عوف، فيكون بهذا قد أجاز ثلاثة ثم إنهم تبرؤوا جميعا وتركوا ذلك لعبد الرحمان بن
1 ابن حزم الفصل، ج 4، ص 129.
2 ابن حزم نفسه، ج 4، ص 129.
-3 - سورة الحج، آية 76.
153 (1/171)
صفحة 172
عوف الذي عقد لعثمان بن عفان، فيكون بذلك جواز الواحد (1). والذي نراه في هذه المسألة يذهب في اتجاه معاكس لما رآه ابن حزم بالنسبة لمن رأى أن عقد الإمامة يقوم به فضلاء الأمة عبر إقليم البلاد،
أضمن
فما كان مستحيلا في زمن ابن حزم أصبح اليوم ممكنا، وهو للإجماع، بعكس أن يكون العقد من أهل حضرة الإمام وهو ما نتفق فيه مع ابن حزم الذي يسقطه إلا أنَّه يتنافى التصور الديمقراطي في
عصرنا، وما يرجح الرأي الأوَّل هو توفر وسائل الاتصال السريعة. أما قول الجبائي بحصر العدد في الخمسة أسوة بعمر بن الخطاب، فالذي نراه أن العقد وطريقته وعدد العاقدين، إنما كان المقصود به التراضي وحصوله من الأمة، فكما يحصل ذلك بخمسة قد يحصل بواحد، فالإمامة تصح بوجوه، إذ العبرة بمن يعقدها وبالطريقة التي تعقد بها، فقد ركز عمر بن الخطاب على الصحابي الجليل عبد الرحمن ابن عوف لثقله الديني والاجتماعي في مجتمع المدينة. ولا شك أن ذلك يكون أيضا لحنكته السياسية وسداد رأيه ومن هنا فإن العدد العاقد في رأينا ليس له أهمية بقدر ما للأشخاص العاقدين من وزن وكلمة دينية
وسياسية.
وإذا ظهر إمام صالح، للإمامة وبايعه أحد ثم خرج إمام آخر، ب ضرب عنق الثاني، لقوله: «فوا بيعة الأول فالأول» (2).
1 - ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 130 ـ الماوردي، ص 34/ 33.
2 ابن حزم نفسه، ج 4، ص 130 - الماوردي، ص 34/ 33.
154 (1/172)
صفحة 173
وإذا ظهر اثنان قدم أفضلهما وأسيسهما (1).
وإلى جانب هذا فقد اختار ابن حزم طريقة أخرى لتولية الخلافة إذ قال: «وأفضلهما وأصحهما أن يعهد الإمام الميت إلى إمام بعينه سواء
في حياته أو في مماته، ولنا في الصحابة خير أسوة» (2). وهنا ينتقل ابن حزم إلى العهد والاستخلاف، وهو ما سنتعرض له في المبحث الثالث.
2 - الإباضية:
انطلاقا من أن أهل الحل والعقد يصلحون جميعا لتولّي
الخلافة مع وجود
الأفضلية كما فعل عمر بن الخطاب عندما
بينهم،
رشح ستّة من أصحاب رسول الله، فإن الإباضية لا يفرقون كثيرا بين أهل الشورى كأعضاء وبين من يقدَّم للإمامة، فهم يمزجون بين الصفات الدينية كالورع والحلم والنزاهة والبر للمسلمين، وبين الصفات الأخلاقية كأن لا يكون حسودا ولا كنودا ولا كذابا ولا مخلفا للعهد والصفات الذاتية الجسدية كالسلامة من الجنون والعته والخرس، وغيرها (3).
و لم يتعرض علماء الإباضية إلى الأسماء التي يجب أن تطلق على أهل الحل والعقد بقدر ما تعرضوا ودارسوا واختلفوا في عددهم، والمشهور عند الإباضية أن من يتولى النصب للإمام ويبايعه أولاً خمسة، وذلك
- رواه مسلم كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء بالبيعة حديث رقم 1842، ج 3، ص 1471. - وابن ماجه كتاب الجهاد باب الوفاء بالبيعة حديث 2871 ج 2، ص 559
-
-2 ابن حزم، ج 4، ص 131.
3 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 77.
155 (1/173)
صفحة 174
أسوة بما حدث في العقد لأبي بكر وعثمان (1). حيث جعلت المشورة في ستة، وعُقد لواحد، وبقي الخمسة الآخرون حجة للانعقاد.
هو عند أهل
وأجد نفس الاختلاف في العدد عند الإباضية كما السنة، فكما ورد العدد خمسة أعضاء، ورد أيضا الاثنان والواحد، على أن النقطة التي يرجع إليها كلا المذهبين هي مسألة التراضي أي قبول الطرفين العاقد والمعقود له لهذه التولية ويذهب الإباضية إلى أنه إذا الخاصة حصل التراضي من وهم أهل الحل والعقد على الإمام فهو الإمام. ولو كان هو المبتدئ والداعي لنفسه، وقد استدلوا على ذلك الخطاب الذي اختاره أبوبكر ورضي به المسلمون. وكذلك عمر بن عبد العزيز الذي تسلّم الإمامة ثم أظهر التوبة بإرجاعها إلى
بن
المسلمين فرضُوا به إماما فثبتت إمامته (2).
وقد ورد في كتاب "الضياء" (3) أنَّه لا تصح الإمامة إلا برجلين حرين مسلمين تقيين عالمين، وقال أبو المؤثر (4): «بخمسة فيهم عالم». وقال أيضا: «إنما يثبت له عقد الاثنين برأي جماعة المسلمين ومشورة
-
1 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 100 وما بعد. - اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 312. ج 10، ص 100 2 - الكندي، نفسه، ج 10، ص 100 وما بعد. - اطفيش، نفسه، ج 14، ص 312. 3 الضياء، مخطوط لسلمة بن سعيد العوتي، محفوظ بمكتبة الحاج صالح لعلي ببني يزحن. غرداية. الجزائر.
4 - أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي، تتلمذ على الإمام محمد بن محبوب بن الرحيل. تشهد له الآثار بسعة العلم، وكان أعمى، عاش في القرن الثالث الهجري، إلى أيام
الإمام عزان بن قيس. ومات في زمانه انظر: البطاشي إتحاف الأعيان، ج 1، ص 201.
156 (1/174)
صفحة 175
أهل الدين وأما برأيهما وحدهما فلا نرى ذلك ... وإن اجتمعوا
فأفضل» (1). فالملاحظ في هذا الاختلاف هو اتفاقهم جميعا، أي الإباضية، على مبدإ التراضي سواء أكان من العامة أو من الخاصة، فإذا حصل هذا المبدأ بين العاقد والمعقود له والمسلمين فالإجماع حاصل والإمامة قائمة. إن الجديد في رأي أبي المؤثر هو ربط عقد الاثنين للإمامة. باستشارة جماعة المسلمين ويقصد بذلك الجماعة الخاصة، فما جاء من آراء قبل أبي المؤثر كانت آراء مستقلة تنص على التراضي من طرف العاقد فقط بدون استشارة الجماعة.
سار أهل السنة والجماعة والإباضية في مسألة شروط أهل الحل والعقد في محورين متقاربين من حيث السند الشرعي، لاعتمادهم أساسا على السيرة العملية لصحابة رسول الله.
ففيما يخص الشروط فإن أهل السنة قد دققوا فيها أكثر من الإباضية، وهذا لا يعني أن الإباضية لم يولوا الأهمية الكافية للشروط، وإنما المراد من ذلك أنهم اعتبروا أي عضو من أهل الحل والعقد عضوا صالحا للإمامة، وبالتالي لم يحتج هذا إلى التأكيد وإعادة ذكر الشروط، فكان تسميتهم للشروط على سبيل المثال لا الحصر، كما جاء في
1 اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 312.
121
157 (1/175)
صفحة 176
"المصنف" للكندي، الذي مزج بين جميع الصفات الدينية منها والخلقية، فكان شرط الكفاءة اللازمة للمنصب هو مقصد الإباضية .. ويعلق الدكتور محمد عمارة على الشروط التي أوردها الماوردي بأنها شروط سياسية وليس فيها أي طابع ديني، إلا أن الحقيقة هي أن الطابع الديني يتجلى في الشرط الأول وهو العدالة بجميع خصائصها، ومن بين هذه الخصائص الإسلام من هنا فإن شروط كلا المذهبين هي شروط واحدة.
والنقطة الثانية هي. التسمية، فبقدر ما تنوعت أسماء أهل الحل والعقد من طرف علماء أهل السنة، فإن الإباضية لم يتعرضوا كثيرا لهذه المسألة، والملاحظ أن هذه الأسماء في كلا المذهبين كان المقصود بها الأوصاف، كأن يسموا أهل الاجتهاد والعدالة)، أو (أهل الدين)، أو (أهل العدالة).
خمسة
أما فيما يخص العدد فقد كان أكبر عدد ذكره المذهبان هو أسوة بعمر بن الخطاب، ثم قرروا ثلاثة، فاثنين، فواحد. وكان التركيز دائما على مسألة التراضي، ولم يظهر في المسألة خلاف بين المذهبين على ما رأينا، إلا في ربط أبي المؤثر الإباضي عقد الاثنين باستشارة جماعة المسلمين ولا شك أنه كان يقصد بذلك كسب رضى
الجماعة.
والذي نراه في هذه المسألة أن هو الفقهاء بمختلف مذاهبهم، ما عدا الشيعة قد درسوا المسائل الخاصة بشروط أهل الحل وفق الظروف
158 (1/176)
صفحة 177
التي عاشوا فيها، والحال أن هذه الظروف قد تغيرت كثيرا.
وبالنسبة للشروط، فإنَّه إلى جانب ما تقدم به علماء أهل السنة والإباضية، فإنَّنا نرى أن المصلحة التي من أجلها نصب الإمام هي التي تحدد ماهيته وكفاءته، مع التأكيد دائما على الجانب الديني بصفتنا مسلمين، فلا يمكن أن نقدّم للإمامة في مثل ظروفنا هذه عالما فاضلا ليست له حنكة سياسية ولا دراية بما يجري في العالم.
وقد تكلم أيضا فقهاؤنا في عدد العلماء الذين يحق لهم تقديم الإمام، وهذه مسالة لا جدال فيها، لأن عامل التطور وتقدم الإعلام وسرعة المواصلات كفيلة بحلها، فبقدر ما يزداد عدد المشاركين في تقليم الإمام، ترتفع نسبة حصول التراضي وتكتمل الشرعية وبما يتم تحقيق الأمن واستتباب الأوضاع.
أمَّا المعتزلة فتدخل في هذه القضايا ضمن مدرسة أهل السنة والإباضية، وهم يؤكدون كثيرا على شروط الكفاية والرأي المؤدين ... إلى معرفة الأصلح للإمامة، والذي ينصب وافق المصالح المطلوبة منه، وهذا ما لاحظناه في دراسة المعتزلة الإمامة (1).
أما الشيعة فنظرا لتولي الإمام القائم لكل عمليات الاختيار والنصب، فإن مهام أهل الحل والعقد تتجمع في يد هذه الشخصية
المعصومة، وهذا ما سنتناوله في مبحث الاسختلاف.
1 - القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 750 وما بعد.
159 (1/177)
صفحة 178
ثالثا: الاستخلاف وولاية العهد
يعتبر العهد في اصطلاح فقهاء السياسة الشرعية اختيار إنسان لعمل معين من أعمال الدولة. يبدأ من رئاستها وينتهي في أدنى درجة من درجاتها. ويسمى هذا الاختيار عهدا.
أما العهد بالخلافة فهو في الأصل أن يقترح الخليفة أو أن يرشح شخصا يتولى الخلافة من بعده، ويكون العهد حال الحياة، ثم أصبح العهد بالخلافة تعيينا (1).
والعهد في حقيقته رأي يقدمه الإمام للرعية إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا أهملوه، ولا يظهر هذا إلا حين البيعة التي يجب أن تكون بكل حرية، ولا أثر فيها للضغط أو الإكراه أو الإغراء (2).
ومن الباحثين من فرَّق بين الاستخلاف وولاية العهد، فولاية العهد تكون في حياة الإمام وصحته، وعافيته والغرض من عهده هو إعطاء الفرصة لذويه للوصول إلى الحكم، أما الاسختلاف فيكون أثناء الموت ويكون بعد تفكير في الاختيار ولا يكون للأقرباء، وهذا ما فعله. أبو بكر وعمر (3).
ومهما يكن من أمر فإن الفقهاء لم يبحثوا في ماهية الاستخلاف وولاية العهد بقدر ما بحثوا في صحة العملية وشروطها وشروط المعهود
1 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 168.
2 - نفسه، ج 1، ص 168.
3 - عبد القادر عودة، ص 119.
160 (1/178)
صفحة 179
إليه، ومدى مصداقيتها بالنسبة للعقد والانعقاد.
فواجب الخليفة الذي يريد أن يعهد لإنسان أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها، لأنه يشترط اتفاقا توفر شروط الإمامة في
المعهود إليه واستدامتها إلى ما بعد موت الخليفة القائم (1).
فما هو موقف أهل السنة والجماعة والإباضية من المسألة؟ وما هي القواعد التي استنبطوها من السنة العملية للخلفاء الراشدين؟ وما هو
رأيهم فيها؟
-
-1 أهل السنة والجماعة
اختلف أهل السنة والجماعة في مسألة الاستخلاف وولاية العهد ما بين مجوز ومانع لذلك. وهل الخلافة ميراث؟ وهل يجوز للإمام أن يوصي بها إلى أحد أقاربه؟
وممن ذهب مذهب التأييد إلى اعتبار الاستخلاف أو العهد طريقة شرعية لنصب الخليفة الماوردي والنووي وابن حزم وابن تيمية والرافعي وغيرهم (2). يقول ابن حزم ولم يختلفوا في أن عقد الإمامة تصح بعهد من الإمام الميت إذا قصد حسن الاختيار للأمة عند موته، ولم يقصد بذلك هوى» (3). ويفضل ابن حزم الاستخلاف من الإمام سواء كان ذلك
1 - الماوردي، ص 43. - عبد القادر عودة ص 122 نقلا عن الأحكام السلطانية للفراء،
ص 10/ 9.
-
2 محمود الخالدي، نظام الحكم في الإسلام، ص 274.
3 ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 129.
161 (1/179)
صفحة 180
في صحته أو مرضه أو في مماته، حيث لا يوجد نص أو إجماع على منع أحد الوجوه. وهو خير للمسلمين الإتصال الإمامة وعدم إعطاء فرصة للفوضى، وهذا اقتداء بالنبي مع أبي بكر، وأبي بكر مع عمر،
،
وسليمان بن عبد الملك مع عمر بن عبد العزيز (!).
اما
ابن خلدون فإنَّه يرى جواز ذلك بناء على أن الإمامة هي النظر
في مصالح الأمة، والإمام مسؤول على ذلك في حياته وكذلك بعد مماته، وذلك للثقة الموضوعة فيه، وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع
الأمة على جوازه وانعقاده. والإجماع حجة كما عرف (2).
وقد استدل على ذلك بأبي بكر وعمر. إلا أن أبا بكر إذا كان قد صح أن يختار من ينوب عنه في حياته، فليس له أن يختار من يقوم مقامه بعد وفاته، لأن النيابة تنتهي بالوفاة، وفعله هذا يخرج عن حدود النيابة، فلا يكون اختياره هذا ترشيحا خاضعا لقبول الأمة (3).
وهذا هو نفس الموقف لابن تيمية الذي يعارض ولاية العهد ويرى أن الطريق الوحيد هو اختيار أهل الحل والعقد، وأن الإمامة عقد طرفاه الخليفة وأولو الرأي في الأمة، ولا ينعقد إلا بإيجاب
وقبول (4).
والذين يرون جواز الاستخلاف ويستندون فيه على إجماع
1 - ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 129.
2 ابن خلدون المقدمة، ج 2، ص 721 فما بعد.
3 - عبد القادر عودة، ص 112.
4 ابن تيمية، منهاج السنة، ج 1، ص 192/ 188.
162 (1/180)
صفحة 181
الصحابة وعملهم كالإمام مالك (1)، وابن حنبل (2)، والماوردي، والفراء، وابن خلدون (3)، ورشيد رضا (4)، فإنهم يقيدون ذلك بشرط النية الحسنة في الاختيار لا الهوى، وتوفر شروط الإمامة في العاهد والمعهود إليه، ثم قبول أهل الاختيار لذلك بدون إكراه أو ضغط أو إغراء، وبالتالي فإنهم يعتبرون ذلك ترشيحا فقط.
والحقيقة أن هذا الرأي الأخير هو الأصح، ذلك أن عهد أبي بكر لعمر كان على مراحل وهو على أساس التشاور ثم الترشيح (3)، وأن الذين استندوا على عزم ابن الخطاب تولية سالم مولى أبي حذيفة، أمر مستحيل التحقيق، لأنه قد توفي بعد (6). وقد أبي علي بن أبي طالب أن يفعل ل ذلك حين سأله بعض المسلمين العهد لابنه الحسن، فقال: «لا آمركم ولا أنها كم أنتم أبصر» (7). فقد ردَّ ذلك للمؤمنين مما يفيد ضرورة التشاور والاختيار.
وانطلاقا من هذا فإن العهد لا ينشئ حق الإمامة إلا بمبايعة المسلمين للمعهود إليه وليس بالضرورة استشارة أهل الحل والعقد
1 - أبو زهرة، تاريخ المذاهب، ج 2، ص 211/ 210.
2 أبو زهرة، نفسه، ج 2، ص 211/ 210.
- ظافر القاسمي، ص 326
4 - عبد القادر عودة، ص 119.
5 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 206. محمد المبارك، ص 75.
6 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 197.
7 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 1، ص 436.
163 (1/181)
صفحة 182
وقت العهد، لأنه ليس بعقد، لأنه لو كان كذلك لأفضى ذلك إلى
اجتماع إمامين في وقت واحد، وهذا غير جائز (1).
وقد اختلف العلماء في العهد للولد والوالد على ثلاثة أقوال: 1 لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد أو والد، حتى يستشير فيه
أهل الاختيار. 2. يجوز أن ينفرد بعقدها لولد أو والد، لأنَّه أمير الأمة نافذ الأمر لهم وعليهم. فغلب حكم المنصب على حكم النسب.
3 أنه يجوز لوالده ولا يجوز لولده (2).
كما اختلفوا إذا كان العهد في الأبناء في قضية الرجوع إلى اختيار الأمة، فالذين يرون الرجوع إلى الأمة فجائز ذلك العهد، أما الذين لا يرون ذلك فإنهم يوجبون الرجوع إلى الأمة واستشارتها. واختلفوا في وقت قبول العهد، هل يكون بعد وفاة العاهد، أم يكون بين العهد والموت (3).
واتفقوا جميعا على أنه يجوز أن ينفرد الخليفة بهذا الترشيح إذا لم يكن المعهود إليه ولدا أو والدا (4).
1 - عبد القادر عودة، ص 118، نقلا عن الفراء، الأحكام السلطانية، ص 9. -
القاسمي، ج 1، ص 206.
2 - الماوردي، ص 44.
3 - عبد القادر عودة، ص 121 وما بعد.
4 - محمد عمارة الإسلامة وفلسفة الحكم، ص 10.
ظافر
164 (1/182)
صفحة 183
غيرهم،
أما ابن خلدون فإنَّه يفتح الباب على مصراعيه للعهد للأبناء أو إلى لأن الإمام هو أمين الأمة في حياتهم وفي مماتهم، حيث قال في ذلك: «ولايتهم للإسلام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لانه مأمون على النظر لهم في حياته، فأولى ألا يحتمل فيها تبعة بعد مماته ... لاسيما إذا كانت بناك داعية تدعو إليه من إيتار مصلحة أو توقع
مفسدة» (1).
وبالنسبة للعهد إلى اثنين فأكثر، فإن ذلك جائز إذا رتَّب العاهد
الخلافة فيهم، وسذا استنادا إلى ما وقع في جيش مؤتة (2) وإذا توفي الإمام، والثلاثة المعهود إليهم أحياء، رافت الخلافة إلى فأراد أن يفهد بك إلى غير الاثنين، فمن الفقهاء من منع
واحد منهم، ذلك حتى يتنازل عنها صاحبها طوننا كما فعل المنصور مع عيسى بن عندما أراد العهد لابنه المهدي (3)، والمذهب الشافعي لا يرى
موس
مانعا في وضع العهد فيمن يشاء دون مستحقيها (4).
من خلال هذا السرد للآراء السنية في مسألة الاستخلاف وولاية التشهد الحظ اختلاف المواقف في نظرة العلماء إلى عمل أبي بك
-1 ابن خلدون، ج 2، ص 722.
2 - مؤتة، غزوة وقعت في سنة 8 هجري، انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير، مجلد 2، ص 158. 3 - بعد أن أعطى السفاح ولاية العهد للمنصور ومن بعده عيسى بن موسى، حاول أخذ العهد لابنه المهدي، وقد أزاحه وحقق ذلك بكل الوسائل. انظر القحمة
المنصور
بالتفصيل في: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 131.
4 - الماوردي، ص
49/ 48
165 (1/183)
صفحة 184
ل هو عهد صحيح تام، أم هو مجرد ترشيح؟ فالذين قالوا بصحته واعتبروه عهدا نافذا، اعتمدوا عليه كقاعدة عامة تعطي الصلاحية الكاملة للإمام أن يعهد لمن يريد سواء من أقاربه أم غيرهم.
أما الذين اعتبروا عمل أبي بكر، ترشيحا، فقد قالوا بوجوب استشارة أهل الحل والعقد، والأمَّة بصفتها صاحبة السلطة، وأن لها
الحق الكامل في قبول أو رفض المعهود إليه.
ثم اختلفوا بعد ذلك في العهد للولد والوالد، وأنهى ابن خلدون. كله الخلاف بفتح الباب باعتبار أن الإمام أدرى بمصلحة الأمة في
حياته، فمن باب أولى أن يضمن لها ذلك بعد مماته.
2 - الإباضية
وقد تناول الإباضية مسألة الاستخلاف وولاية العهد، وربطوا بين الاستخلاف والعقد بعاقد واحد للإمام المراد بيعته. يقول الشيخ قاسم الشماخي: «ولا تنعقد الإمامة برجل واحد إلا في خطة واحدة، وهو أن يكون إمام يستخلف أحدا من بعده، بدليل صحة إمامة عمر بن الخطاب بتولية أبي بكر، فرضي المسلمون بما رضي لهم إماما ... » (1). وما يستنتج من هذه المقولة قاعدتان:
:أولهما استشارة أهل الرأي قبل العهد إلى الإمام الجديد، وهذا ما
يستنتج من الرضا الذي حصل، فالرضا نتيجة مباشرة للاستشارة.
1 - الشماخي، شرح اللؤلؤة، ج 2، ورقة 236 مخطوط. - ابن قيس الحضرمي، مختصر الخصال، ص 194.
166 (1/184)
صفحة 185
ثانيهما: حصول الرضا من طرف المسلمين.
والإباضية لا يفرقون بين الاستخلاف وولاية العهد، وسواء كان ذلك في حياة الإمام العاهد أم بعد موته، فالعبرة بالطريقة التي يتم بما العهد أو الاستخلاف، وبالظروف التي تمت فيها العملية، وأيضا بمؤهلات المعهود إليه. فلا يجوز أن يكون الاستخلاف بغرض الوراثة وبقاء الحكم في الأسرة. وهذا عادة لا يتم إلا بالحرب والمغالبة بين أعضاء الأسرة الحاكمة. بل ويتعين ولي العهد منذ ولادته فينادي عليه بذلك. وهذا بقطع النظر عما سيكون عليه يوم يتوفى سلفه.
والأمثل في الاستخلاف هو توفر شروط الإمامة في المعهود إليه، ثم استشارة أهل الشورى اقتداء بأبي بكر ورضا المسلمين بمرشحه (1)، مما يجعل هذا العمل ترشيحا فقط، إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا
أهملوه.
ويعلق محمد الشيخ بالحاج أمر الاستخلاف على مبدإ الشورى
السلف
ومبدإ موافقة المسلمين عليه، فقد يكون أقرب قريب من الراحل، وقد يكون بعيدا، حسبه أنَّه أهل لما رُشح له (2). ولا غضاضة في ذلك ولا مانع في الشرع يمنع من هذا وقد قال تعالى في حق داود وسليمان وورث سليمان داود) (3). في النبوة والرسالة (4).
1 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 3 2 - محمد الشيخ بالحاج، مميزات الإباضية، ص 33. -3 - سورة النمل، آية 16.
4 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 3.
167 (1/185)
صفحة 186
يتبين لنا من هذا أن الإباضية لم يبحثوا مسألة ولاية العهد بمفهوم
أهل السنة والجماعة، الذي يوحي بالوراثة في الحكم، بل على أساس انه استخلاف ومجرد ترشيح والأصل في هذا اعتقاد الإباضية بأن الحكم لا يورث، بل يجب أن يتم بالاختيار فقط، بطرقه الثلاثة: الانتخاب، أو الاستخلاف، أو مجلس الشورى.
إن ما يمكن استخلاصه من موقف أهل السنة والجماعة والإباضية فسيما يخص مسألة الاستخلاف وولاية العهد هو النظرة المختلفة إلى الموضوع مبدئيا، حيث اعتبر أهل السنة عمل أبي بكر مبدأ صحيحا وعملا تاما نافذا، في حين اعتبره الإباضية مجرد ترشيح. وإذا كان الإباضية قد رفضوا مبدأ ولاية العهد أساسا، فإن العهد إلى واحد أو اثنين أو أكثر، أو إلى ولد أو والد من باب أولى. ويعود هذا إلى نبذهم لنظام التوريث، لأن ما آل إليه أمر المسلمين فيما بعد يجعل ولاية العهد مسألة غير مستحسنة. وفيما يذهب إليه أهل السنة من جواز ولاية النهد للأبناء أو الوالد، وسواء كان لواحد أو أكثر، فإن عملهم هذا كان على أساس المراحل التي مرَّ عليها أبو بكر من استشارة وتوفر النية الحسنة، وهذه الشروط والمراحل في رأينا لا تتوفر دائما في العاهد والمعهود إليه.
وإذا كان ابن خلدون قد فتح أبواب المسألة واضعا الثقة في الإمام العاهد، على أساس أنه أدرى بمصلحة الرعية، فإنَّنا نرى أن معرفة ذلك
168 (1/186)
صفحة 187
بعد وفاته ضرب من الغيب، لأن الظروف لا تستقر على حال. إن علماء أهل السنة، كالإمام مالك وأحمد والماوردي والفراء وابن خلدون الذين أجازوا ولاية العهد والذين جاءوا في زمن كانت ولاية العهد فيه هي الوسيلة الوحيدة لإقامة الخلافة، قد قاموا بهذا العمل مسايرة للأوضاع السياسية وتماشيا مع قاعدة الصبر اتقاء للفتن وحقنا للدماء. ولا أدل على ذلك من اختلافهم الواضح في هذه المسألة، وخاصة ما بين القدامى والمحدثين فالشيخ ابن تيمية لا يرى
ولاية العهد طريقا للخلافة، بل هو اختيار من قبل أهل الحل والعقد. ثم إن ما توصل إليه العلماء من كلا المذهبين، وهو الاتفاق على الطرق الثلاثة للوصول إلى الخلافة ونظرا لما يحدثه أسلوب ولاية العهد من مشاكل وفتن، وهو ما صدقه الواقع، وعلى فرض أن تكون ولاية العهد كما يراه بعض السنيين عهدا كاملا ونافذا لإقامة الإمامة وليس استخلافا وفق نظرية الإباضية، فإنَّه من الأحسن في رأينا الاستغناء عن هذا الأسلوب، والاكتفاء بالأسلوبين الآخرين، لأن الواقع يذهب عكس ما توقعه علماؤنا. وهذا ما سنتعرض له في القسم الثاني من البحث.
وللمعتزلة في هذا الموضوع أيضا موقف مماثل لموقف الإباضية، حيث يعتمدون طريق الاختيار فقط، وهذا ما يفهم من كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي القائل: وعند المعتزلة أنَّه العقد والاختيار» (1). ولم يتعرض المعتزلة لهذا الأسلوب من التولية، ولم يقروا به كطريقة للتنصيب.
1 - القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 754/ 753. 1 -
169 (1/187)
صفحة 188
أما الشيعة فإنَّه نظرا لتميز نظريتهم السياسية في مسألة التنصيب
عن نظريات الفرق الأخرى، وذلك باتباعهم لأسلوب النص والوصية والتعيين، فإن الإمام القائم هو الذي يقوم بتنصيب الإمام والعهد إليه، وبالتالي فهو يمثّل سلطة أهل الحل والعقد وإرادة الرعية.
وينطلق الشيعة في مفهومهم لهذه العملية الخاصة بالنصب من تفسيرهم للآية: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
(1). فالإمام القائم يعرف الإمام الذي سيخلفه، وفيهما نزلت هذه الآية، وعليه أن يؤدي له الكتب والعلم والسلاح وكل شيء عنده، والذي يكون قد اكتسبه ممن قبله عن طريق الوصية (2).
ويقول الإمام الكليني (3) رواية عن محمد بن يحي عن أحمد
محمد بن
عن الحسن بن سعيد بن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عمرو بن
الأشعث قال: سمعت أبا
الله عبد
ال يقول: أترون الوصي منا
يوصي إلى من يريد؟ لا والله، ولكن عهد من الله ورسوله لرجل
فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه» (4).
1 سورة النساء آية 58.
2 - الكليني، الأصول من الكافي، ج 1، ص 276
3 - الكليني، هو محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي البغدادي، أبو جعفر الأعور. ينتسب إلى بيت طيب الأصل في كلين تخرج عليه عدد من أفاضل فقهاء الإمامية، توفي على الأرجح سنة 329. ينظر ترجمته في: كتاب الأصول من الكافي، ج 1، ص 42/ 8.
4 - الكليني، نفسه، ج 1، ص 278.
170 (1/188)
صفحة 189
وقد أثار الشيعة مسألة معرفة الإمام الموصى إليه بالإمامة، وقد تولى الإجابة الإمام أبو الحسن الكليني، فقال: «يعرف الإمام بثلاث
وهو
خصال لا تكون في غيره، الأولى أن يكون أولى الناس بالذي قبله ـيه الثانية عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته، الثالثة لا ينازع فيه أي في الأمر. لأن الإمامة له بضرورة النص والتعيين. ويضيف أبو الحسن أن يكون أكبر ولد أبيه، ويكون فيه الفضل والوصية، ويقدم الركب عند وفاة الإمام الراحل وحجته في ذلك هي الوصية ومن الإمام المتوفى» (1).
الأمر إلى القائم.
وأكثر من هذا فإن الإمام الخلف يلهمه الله تعالى بمضي الإمام الأول (2). ويعرف كل ما كان يحمله الإمام الأول من العلم في آخر دقيقة من روحه (3) حتى تتم عملية التنصيب وتكتمل الشروط. لأن من شروط الإمامة انتقال العلم الذي خص به رسول الله عليا وخص به على أئمة الشيعة من بعده، إلى أن ينتهي إن نظرية الوصية عند الشيعة تنص على أن تكون الإمامة في العقب، فهي ليست ميراثا بل هي النص، وتكون في الولد ولا دخل للأخ والعم والخال فيها. فعن أبي الحسن الرضا أنه سئل: «أتكون الإمامة في عم أو خال؟ فقال: لا. فقلت: ففي أخ؟ قال: لا. قلت: ففي من؟ قال: في ولد وهو يومئذ لا ولد له».
1 - الكلبي الأصول من الكافي، ج 1، ص 278.
2 - الكليني، نفسه، ج 1، ص 381.
3 - نفسه، ج 1، ص 274.
171 (1/189)
صفحة 190
وقد استبعدت النظرية الشيعية الأخ من الإمامة إلا ما كان من
الحسن والحسين، فإن هذه الحالة لن تتكرر كما يعتقد الشيعة (1). ف الإمامة عند الشيعة ليست ميراثا ولا ولاية عهد؛ لإنها تتبع الولد فقط والميراث والعهد يتطلبان انتقالهما من أخ إلى آخر أو من فرع عائلي إلى آخر إذا انعدم الولد والأخ.
فتميز النظرية السياسية الشيعية، واضح، ويكمن في النص والتعيين. وبهذا تكون آراء الشيعة مختلفة تمام الاختلاف مع آراء المذاهب الأخرى من حيث الاختيار والنصب والشروط.
1 - الكليني، الأصول من الكافي، ج 1، ص 286.
172 (1/190)
صفحة 191
الفصل الثالث
شروط الإمام ونصبه عزله والخروج عليه
1335 (1/191)
صفحة 192
[صفحة فارغة] (1/192)
صفحة 193
نمهيد:
كيف يتم اختيار الإمام؟ وما هي أهم شروطه من ناحية الكفاءة الخلقية والخلقية؟ وما هي المراسيم التي يتم بما نصبه؟ وفي حالة الخرافه عمَّا تعهد به، هل يحق للمسلمين التظاهر والخروج عليه؟ وما هي مراحل ذلك؟ لقد تبنت الإجابة عن هذه الأسئلة مدرسة الاختيار، التي تضم في بحثنا أهل السنة والإباضية دون مدرسة النص والتعيين التي حصرت هذه العملية في شخص الإمام الذي يتولى تعيين خلفه. أما مسألة الخروج على الإمام الشيعي فهو عندها، حرام، إذ لا يمكن أن يحدث هذا أصلا نظرا لعصمته (1).
ونظرا لاختلاف المدرستين السنية والإباضية حول الأخذ ببعض النصوص السنية لتنظيم عملية الاختيار والخروج على الإمام الجائر، فقد اختلفت بعض آرائهم حول المسألتين. ومن جهة أخرى يعود هذا الاختلاف إلى الطريقة التي يسلكها كلُّ مذهب في تفسير تلك
الأحاديث، وإلى مدى تطبيقهم لذلك على ضوء القرآن الكريم. وقبل الدخول في عرض المواقف والنظريات السياسية لكلا المذهبين، هل نستطيع أن نجمع بين الآراء المختلفة، خاصة بعد حدوث التطور الناتج عن التطبيق العملي لهذه النظريات؟ ثم تبنّي كثير من فقهاء السياسة الشرعية السنيين مواقف مغايرة لآراء أئمتهم الأولين أزاء النقاط المختلف فيها بين المذهبين. وهي مسألة شرط القرشية
والخروج على الإمام الجائر.
1 - انظر المبحث الثاني من تمهيد القسم الأول.
175 (1/193)
صفحة 194
أولا: شروط الإمام
1 - أهل السنة والجماعة
أ-شروط الإمام:
تعتبر الإمامة أعظم وظيفة دينية ودنيوية في الجهاز الحكومي الإسلامي، والإمام هو رئيس كل مسلم على وجه الأرض. وهذا وفقا للرأي القائل بوحدة الإمامة، وبما أن الخلافة لا تقوم إلا على عقد فلا بدَّ للمسلم المرغوب في تقديمه لمسؤولية الإمامة أن تتوفر فيه شروط
معينة.
وقد جاءت في حق الإمامة شروط كثيرة، بعضها جاءت بما النصوص الشرعية، وبعضها لم تأت بها، إلا أن الفقهاء اتفقوا في بعضها واختلفوا في الأخرى، وهذه الشروط لا بدَّ منها، وإلا فقد الإمام صفة
الخلافة (1).
والعلماء، وإن اختلفوا في العدد وفي التفاصيل، وأحيانا في بعض القضايا الهامة، إلا أن بينهم تقاربا يجعلهم في اتجاه فكري واحد (2). فعند الإمام الجويني أن صفات الإمام وشروطه محددة في ستّة، بينما جعلها البغدادي أربعة وذهب الباقلاني إلى أنها خمسة، واختصرها
النسفي والتفتزاني في ثلاث صفات (3).
1 - محمود الخالدي، ص 283.
2 محمد عمارة، ص 460.
نفسه، ص 465.
176 (1/194)
صفحة 195
ولعل أفضل من قام بجمع هذه الصفات واستوعبها هو الماوردي
الذي حصرها في سبعة جاءت حاوية لجميع جوانب شخصية الإمام الدينية والخلقية والخلقية. وكذلك ما يتعلق بتكوينه ومستواه العلمي وإدراكه المجريات الأمور. وهذه الشروط هي:
1. العدالة على شروطها الجامعة.
2 العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.
3 سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان.
4. سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة
النهوض.
5 الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.
6. الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو. 7 النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه (1).
أما شروطه عند ابن خلدون فتشبه ما أورده الماوردي، إلا أنه ملها خمسة، إذ أدمج شرط سلامة الحواس مع سلامة الأعضاء،
وأدخل الرأي والشجاعة في بند واحد (2). وجملة الشروط التي قال بها العلماء هي.
أن يكون (3):
1. مسلما (4)، لقوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على
1 - الماوردي، ص 32/ 31.
2 ابن خلدون، ج 2، ص 692.
3 - محمود الخالدي، ص 293 وما بعدها.
4 البغدادي، ص 211 - ابن حزم الفصل، ج 4، ص 128. – الماوردي، ص 31.
177 (1/195)
صفحة 196
المؤمنين سبيلا (1).
2 بالغا (2)، لأن الصبي غير مخاطب، والإمام مخاطب من
الدين.
3 عاقلا (3)، فالمجنون غير مكلف ولا مخاطب.
الله
بإقامة
4 ذكر ا ()، لقوله: «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (5). 5 عدلا ()، لقوله تعالى: ولا توتوا السفهاء أموالكم (7). 6 حرا ()، والعبد لا حرية له ولا يملك نفسه.
7 مجتهدا (()) قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (10).
1 - سورة النساء آية 141.
2 ابن حزم، الفصل، ج 2، ص 128.
3 - محمد جواد مغنية، ص 192.
4 - ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 128 - منير العجلاني، ص 126.
الله
5 - رواه أحمد بلفظ: «قال رسول الله له من يلي أمر فارس؟ قالوا: امرأة. قال: ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة ج، ص 550 - والترمذي بنفس اللفظ: «لن يفلح»، كتاب الفتن باب،75 حديث رقم 2262.،ج 4، ص.527 - والنسائي بنفس كتاب القضاء، باب 7، ج 8، ص 201.
6 - البغدادي، ص 211 – ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 129 - ابن خلدون، ج 2، ص
692
- سورة النساء آية 5.
8 أبو يعلى، الأحكام السلطانية، ص 20.
9 - البغدادي، ص 211 – ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 128 الماوردي، ص 31. ابن
خلدون، ج 2، ص 692.
10 - سورة النساء، آية 58.
178 (1/196)
صفحة 197
شجاعا (!)، قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من
المؤمن الضعيف» (2).
9 بصيرا بأمور الحرب (3).
10. سليم الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل (4).
11. قرشيا (5).
12. معصوما (6).
هذه
هي
الشروط الواردة في أقوال الفقهاء، وفيها مراتب. فمن
العلماء من اعتبر بعضها سياسية، وهي شروط الانعقاد، في حين وضعها الآخرون في مرتبة ثانية باعتبارها مكملة.
أما الشروط التي يتمُّ بها الانعقاد، ويجب أن تكون مجتمعة في المقدم
إلى الخلافة فهي ستة: الإسلام والعقل والذكورة، والبلوغ، والحرية، والعدالة (7).
أمَّا الشروط المسماة بشروط الأفضلية فهي: الاجتهاد، والشجاعة،
1 - الماوردي، ص 31.
2 رواه مسلم كتاب القدر، باب 8 حديث،2664، ج 4، ص 2052. - وابن ماجة، المقدمة رقم 78، ص 31. وكتاب الزهد، باب 14 رقم 4168، ص 1395. - وأحمد،
ج 2، ص 370/ 366.
3 - الماوردي، ص 31.
4 - ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 129.
-
-
الماوردي، ص 32 ابن حزم الفصل، ج 4، ص 128. البغدادي، ص 211.
ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 7، ص 160.
7 - محمود الخالدي، ص 295 وما بعدها.
179 (1/197)
صفحة 198
وأهلية الرأي، وسلامة الحواس والأعضاء، والنسب القرشي (1).
وهذه الشروط قد صحت فيها النصوص، أو اندرجت تحت حكم
ثبت بنص صحيح، ولكن لم يرد الدليل متضمنا طلبا جازما لها (2). أما العصمة فلم يقل بها، ولم يشترطها أحد غير الشيعة. وهذا انطلاقا من أن الإمامة عندهم لا تتم إلا بالوصية، والإمام السالف لا يمكن أن يوصي إلا بإمام جامع للشروط، ومن بينها العصمة. وهذه العصمة منطلقها الطبيعة الدينية لمهام الإمام، واشتراكه مع النبي صلى الله عليه وسلم في النهوض بهذه المسؤولية. وبما أنه هو المرجع الأخير فلا بد أن يكون معصوما. كما أنه مثل الرسول الله الله الذي يتلقى وحيا من السماء، إلا
أنهم يسمونه تفهيما وتحديثا، تفاديا لاستعمال كلمة الوحي (3). إن أهم شرط وقع فيه النقاش بين العلماء هو شرط النسب، وقد ذهب أهل السنّة، وكلُّ الشيعة وبعض المعتزلة وجمهور المرجئة والإمام أحمد والشافعي وابن حزم والماوردي والبغدادي، إلى أنه من شروط الانعقاد (4)، وقد استدلوا على ذلك بدليلين (5):
أولا: الأحاديث التي تواترت عن النبي حيث قال: «الأئمة من
1 - محمود الخالدي، ص 299.
2 - نفسه، ص 298.
3 - محمد عمارة، ص 478/ 471.
4 ابن حزم الفصل، ج 4، ص 74. البغدادي، ص 211 الماوردي، ص 32.
5 - محمود الخالدي، ص
302
180 (1/198)
صفحة 199
قريش» (1).
ثانيا: إجماع الصحابة في السقيفة.
وينص ابن خلدون أنَّه قد بقي الجمهور على القول باشتراط
النسب القرشي، ولو كان عاجزا عن القيام بأمور المسلمين» (2). وهذا الشرط في الحقيقة من شروط الأفضلية لا الانعقاد، وذلك لعدة أسباب وعلل تدلُّ صراحة عليه، ولا تدلُّ على الوجوب، وهو ما سنفرده ببحث مستقل لاحقا.
ب- إمامة المفضول:
إن شروط الأفضلية تكاد لا تعد ولا تحصى، وإن المسلمين
الكشف يعسر
يتفاوتون في مواهبهم وصفاتهم الدينية والخلقية، وهي مما عنها كلها، وحينما يحتاج إليها يتجه المعنيون إلى معرفتهم وخبرتهم بالأشخاص، ولكل منصب رجل مناسب، وقد تجتمع في مسلم صفات لا تجتمع في آخر، مما يجعل المفاضلة بينهما أمرا واقعيا، وهنا بحث الفقهاء موضوع تولية المفضول مع وجود الأفضل.
1 - رواه أبو داود بلفظ: عن أنس أن النبي الله قال الأئمة من قريش، إذا حكموا وإذا عاهدوا وفوا، وإن استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منهم صرف ولا عدل» ج 2، ص 163. - والبخاري، كتاب الأحكام، عن معاوية بلفظ: «إن هذا الأمر في قريش». فتح الباري، ج 16، ص 233. - والترمذي بلفظ قريش ولاة الناس» ج 4، ص 503. – وقال عنه: حديث حسن غريب صحيح. - وأحمد بنفس اللفظ «الأئمة من قريش» ج 3، ص 129.
2 ابن خلدون، ج 2، ص 694.
181 (1/199)
صفحة 200
وقد نشأ موضوع الفاضل والمفضول بعد بروز نظام الخلافة يوم
استجاز المسلمون المفاضلة بين الصحابة (1). ولقد اتفقت أطراف الخلاف في هذا المبحث على أن معنى التفاضل هنا ديني لا دنيوي، وأهل الاختيار يقولون بإمامة المفضول ونجواز تقديمه مع وجود الأفضل
منه دينيا (2).
الرأي الأول: وهو القائل بأن الإمام يجب أن يكون أفضل القوم. وهو قول طائفة من الخوارج، وطوائف من المعتزلة، وأخرى من المرجئة وجميع الرافضة من الشيعة (3)، والأشعري (4).
وليس لهذا الرأي من دليل شرعي قاطع، إلا ما يراه الطبري من أن الأحاديث التي أثنت على أبي بكر تدل على تعيينه (5). وقد ذكر ابن حزم أن الباقلاني لا يجوز إمامة المفضول، وهو الذي جوز أن تكون في الإمامة والنبوءة والرسالة في من هو أفضل من رسول الله. «ثم إنه كيف يمكن التعرُّف على الفاضل وقريش قد تفرقت في البلاد الإسلامية. كما نجد أن الرسول الله قد ولى كثيرا من الصحابة على الأقاليم بعد فتحها، وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وغيرهم
أفضل منهم» (1).
1 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 327.
2 - محمد عمارة، ص 514.
3 - محمود الخالدي، ص 308.
-4
انظر جلال موسي، نشأة الأشعرية وتطورها، ص 274.
5 - محمود الخالدي، ص 309.
6 - البغدادي، ص 127 وما بعد.
182 (1/200)
صفحة 201
فلاش
و لم نعثر على نص من كتاب أو سنة أو إجماع على هذا الرأي، شك أنه غير صحيح. وأن إمامة المفضول جائزة، لأن الخلافة تستدعي من يقوم بها أحسن قيام. وما دامت ظروف الأمة غير مستقرة سياسيا نظرا لعدم وجودها كقوة فاعلة ومؤثرة في العلاقات الدولية فإنَّه لا بدَّ أن يكون الإمام وفق ما نصب من أجله، وتبعا للمصلحة التي يُرجى منه القيام بها.
الرأي الثاني: وهو القائل بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وإليه ذهبت طائفة من الخوارج وأخرى من المعتزلة ومن المرجئة، وجميع الزيدية من الشيعة وجميع أهل السنة وابن حزم (1). ويستدلون على ذلك بترشيح أبي بكر لعمر وأبي عبيدة، وهو
أفضل منهما ولم ينكر الصحابة ذلك (2).
وإن الإجماع حاصل على صحة إمامة الحسن ومعاوية، وقد كان في الناس أفضل منهما، كسعد بن أبي وقاص (3).
ويقول ابن تيمية على لسان أهل السنَّة: «وأهل السنة يقولون ينبغي أن يتولى الأصلح للولاية إذا أمكن، إما وجوبا عند أكثرهم، وإما استحبابا عند بعضهم، وأن مَن عَدَل عن الأصلح مع قدرته، فهو ظالم. ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو
معذور» (4).
1 - محمود الخالدي، ص 308.
2 ابن حزم، الفصل، ج 4، ص 126.
-
محمود الخالدي، ص 309.
3 ابن حزم نفسه، ج 4، ص 126 - محمود الخالدي، ص 309.
4 - ابن تيمية منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 282.
183 (1/201)
صفحة 202
ذلك أنه ويستنتج من
إذا بويع للمفضول بعذر من الفاضل فهو
جائز، وأما إذا كان بغير عذر فقد اختلف فيه، وأكثر الفقهاء على
الجواز إذا لم يكن المفضول ناقصا عن شروط الإمامة (1).
وهذا الرأي هو الأقرب إلى المعقول والواقع التاريخي للأمة الإسلامية، قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج) (2). وهو الواقع الذي يعترف به ابن تيمية بقوله: «ومن المعلوم أن أهل السنة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه» (3).
إن هذا الرأي، أي تولية المفضول و جوازه، هو في نظرنا أكثر صوابا. وفي هذه المسألة نرجح قول ابن تيمية لما قدمناه
من تعليل الرأي
الأول.
2 - الإباضية
أ- شروط الإمام:
من هو الإمام الحقيقي؟ وما هي أهم شروطه وصفاته؟
تلك هي أهم مسألة أثارت الاختلاف بين المدارس الإسلامية، وأدَّى هذا في كثير من الأحوال إلى تكوين تلك المذاهب الإسلامية. وإذا كان المسلمون قد اتفقوا على مجمل الصفات المخولة للإمامة
1 - الماوردي، ص 36.
2 - سورة الحج، آية 78.
3 ابن تيمية منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 381.
184 (1/202)
صفحة 203
كالصلاح والتقوى والورع والذكاء والرأي والشجاعة، واعتبروها
أصلية؛ فإن الخلافات كانت تدور حول بعض الشروط التفضيلية.
وبالرغم من عدم اتفاق علماء الإباضية المشارقة منهم والمغاربة حول الشروط الدقيقة للإمامة، فإن المبدأ الأساس الذي ترتكز عليه نظريتهم السياسية هو المنهج الديمقراطي وأحقية كلّ متوفر على شروط الإمامة لمنصب الخلافة، دون إقامة وزن لكون والجنس. وهذا المبدأ الذي لا يختلف فيه الإباضية إطلاقا (1).
واختيار الإباضية لهذا الاتجاه كان مبنيا على أساس أنه المسار الوحيد الذي يضمن الحريات الأساسية للمواطن في إطار التعاليم الإسلامية. ومن أهم تلك الحريات مبدأ حرية اختيار من يتولى شؤونه،
وبالتالي فإن أبسط حقوقه أن يتولى هو بنفسه تلك الحقوق (2). وقد أورد قاسم الشماخي الشروط المؤهلة للإمامة وجعلها اثني عشر شرطا، وهي: «كونه بالغا عاقلا، ليس بأعمى، ولا أصم، ولا أخرس، ولا زمنًا، ولا مقطوع اليدين والرجلين، ولا ممن أقيم عليه حد من قطع وجلد، وأن يكون من أهل العلم والدين والورع، وأن يعقد له من أهل الولاية ستّة رجال بالغين عاقلين من أفضل المسلمين علما وورعا ودينا. قال: والتاسع ألا يعقدوا لأحد قبله المسلمين إلا أن من يكون بينه بخر، فإن لم يكن بخر كان داعية للذي قبله» (3). وقد جمعت هذه الفقرة أهم الشروط التي جاء بها فقهاء الإباضية للإمامة. ومن
1 - عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 180.
2 عدون جهلان، نفسه، ص 179.
3 - الشماخي، سير المشايخ، ج 2، ص 236.
185 (1/203)
صفحة 204
خلالها يلاحظ أن الإباضية قد ركزوا كثيرا على شرط العلم والورع والتقوى (1) بالدرجة الأولى، ثم الصفات الخلقية كالصدق والوفاء بالعهد والأخلاق الحسنة (2)، ثم الصفات الخلقية كأن لا يكون أصم ولا أعمى ولا ناقص الجوارح، وما يسقط عنه فرض الجهاد، ولا مجنونا ولا معتوها» (3). وفي الدرجة الثالثة صفة الرجولة والرأي والذكاء والشجاعة وقوة الشكيمة (4).
وقد انطلق الإباضية في تسمية الشروط منطلقا له استدلالاته الشرعية من نصوص صحيحة ثبتت عن النبي وسنن عملية للصحابة، كالإسلام والعقل والبلوغ والذكورية والحرية والعدالة التي الصفات الأساسية. من
تعد
و لم يلتفت الإباضية إطلاقا إلى شرط القرشية باعتباره من شروط الأفضلية، ويقابلون حديث الأئمة من قريش» (5)، بحديث «اسمعوا
1 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 77.
2 الرستاقي منهج الطالبين، ج 8، ص 44.
-
3 - الكندي، نفسه، ج 10، ص 77.
4 - الرستاقي نفسه، ج 8، ص 44 - محمد السالم وناجي عساف، عمان تاريخ يتكلم،
،
ص 126. -.18 Megali. Islam et la politique. P 1
5 - رواه أبو داود بلفظ: عن أنس أن النبي قال: الأئمة من قريش، إذا حكموا وإذا عاهدوا وفوا، وإن استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل ج 2، ص 163. – والبخاري، كتاب الأحكام، عن معاوية بلفظ: «إن هذا الأمر في قريش». فتح الباري، ج 16، ص 233. - والترمذي بلفظ قريش ولاة الناس»،ج 4، ص 503. - وقال عنه: حديث حسن غريب صحيح. - وأحمد بنفس اللفظ «الأئمة من قريش» ج 3، ص 129.
180 (1/204)
صفحة 205
وأطيعوا لمن يحكمكم ولو كان عبدا حبشيا رأسه كرأس زبيبة» (1). ثم إن هذه الروايات لم ترد بصفة الحصر والتخصيص، وإنما هي أخبار بما سيقع بعده، كما أن هذه الأحاديث تتنافى مع شمولية
الإسلام من جهة ومحاربة العصبيات العرقية من جهة أخرى (2). وإن أبا بكر لم يحتج اعتمادا على هذا الحديث، بل كان أساس احتجاجه قوة قريش وتقدمها على سائر العرب. ولا أدل على ذلك من أن عمر قال: «لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا ما ساورني فيه
شك» (3).
فالإباضية مجمعون على أن الإمامة حق للجميع متى توفرت الشروط المطلوبة في المقدَّم مستأنسين في ذلك بقوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (1). وإن المعقول يخالف حصر الإمامة في قبيلة أو أسرة واحدة كما أن النبي كان قد ولى من عدة
قبائل (5).
1 - رواه البخاري، بلفظ: «اسمع وأطع ولو لحبشي كان رأسه زبيبة» كتاب الأذان، باب 54 حديث رقم 623،ج 2، ص 56. - ومسلم في كتاب الإمارة، باب 8، حديث 1835/ 1838/1837/ 1836. بألفاظ مختلفة. ج 3، ص 1465. - والترمذي، بلفظ: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد ... » كتاب الجهاد، باب 39.
حديث 2862/ 2861/2860/ ج 3، ص 965.
2 - 2 إبراهيم اطفيش المنهاج، عددا، ص 11. 3 - احمد، اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 441. 4 - سورة الحجرات، آية 13.
5 سالم بن حمود، أصدق المناهج، ص 28.
187 (1/205)
صفحة 206
وتُعدُّ هذه المسألة إبعاد النسب القرشي من
فيها الإباضية مع الخوارج (1).
النقاط التي يلتقي
والإباضية ليسوا وحدهم الذين تأولوا حديث «الأئمة
من
قريش»، بل وافقهم في ذلك بعض القدامى مثل الباقلاني وابن
خلدون، وأبو زهرة من المحدثين (2).
رأي العلماء في شرط القرشية:
استند القائلون بشرط القرشية إلى أحاديث صحيحة وردت عن
النبي قريش ما بقي من الناس اثنان» (3).
منها «الأئمة من قريش وحديث «لا يزال الأمر في
إن هذه الروايات أحادية لا تُفيد اليقين، كما قال بذلك الفقهاء، ومن بينهم الأئمة الأربعة، مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه (4). فهذه الأحاديث تُعد من قبيل الإخبار بالغيب وبالأمر الواقع، أو ما سيقع في ذلك العصر، وتخرج مخرج الإرشاد والتوجيه من النبي بصفته القائد السياسي والزمني، وليس بصفته التشريعية، ومثل هذه الأحاديث حديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا
1 - أحمد أمين، ضحى الإسلام، ص 332 - فجر الإسلام، ص 258. – محمد عمارة، ص
1
490
2 - أحمد مصلح وآخرون، هذه مبادئنا، ص 158.
3 - رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب،2 ج 9، ص.62. -،ومسلم، كتاب الإمارة، باب
1 حديث 1820. ج 3، ص 1452
4 - محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، ص 71.
188 (1/206)
صفحة 207
عضدا» (1). أمَّا الأحاديث التي وردت بصفة الأمر، مثل: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم» (2)، فقد جاءت لتبين للأمة الإسلامية ما
يجب أن تتعامل به مع قريش إذا بقيت مستقيمة على أمر الله (3). أما فيما يخص رواية الحديث نفسه «الأئمة من قريش» عند البخاري، فهو مسند مرَّة إلى معاوية بن أبي سفيان، ومرة إلى عبد الله ابن عمر. ولفظ رواية معاوية: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا الأمر في قريش، ورواية بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش» فيها ملاحظتان:
الأولى: أن أيا منهما لم تستخدم كلمة "الأئمة"، ثم إن هذا المصطلح لم يستخدم في ذلك العصر للدلالة على الحكم والخلافة، ورواية البخاري ليس فيها هذا المصطلح.
الثانية: أن المناسبة التي ذكر فيها البخاري رواية معاوية للحديث تفتح عدة تساؤلات حول مدى مصداقية هذه الرواية. فالبخاري يروي عن محمد بن جبير بن مطعم أن معاوية قد بلغه أن عبد الله بن يحدث أنه سيكون ملك من قحطان أي من غير قريش،
-
1 رواه أحمد بلفظ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملكا بعد ذلك» ج 5، ص 221. - و بلفظ الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك»، ج 5، ص 220. - وأبو داود بلفظ «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء، أو ملكه من
يشاء». كتاب الفتن باب 8. ج 2، ص 515.
2 - رواه أحمد، ج 5، ص 277.
-3 - عبد القادر عودة، ص 109.
189 (1/207)
صفحة 208
فغض
وقام وقال ثم روى الحديث. فما معنى هذا؟ معناه أن ابن عمر كان يروي على أن الأمر ليس مقصورا على قريش، وأنه سيكون
ملك من قحطان وأن معاوية القرشي كذب ابن عمر (1).
وأما فيما يخص رواية مسلم فهو يروي عن أبي هريرة بلفظ: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم المسلمهم وكافرهم لكافرهم» (2). كما يروي عن جابر بن عبد الله بلفظ: «الناس تبع لقريش في الخير والشر» (3). كما يرويه عن جابر بن سمرة بلفظ: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» (4). وفي هذه الرواية عدة ملاحظات:
أولا: أن الرسول الله قد بشر بقيام إمامتين في قريش، إلا إذا كان الرسول قد قاله قبل أن يعم الإسلام قريشا.
1 عمر فاروق، ص 493/ 492.
2 - رواه البخاري، كتاب المناقب، باب، ج 4، ص 13. - ومسلم، كتاب الإمارة، باب، حديث 1820/ 1818، ص 1451. وأحمد بلفظ: «الناس تبع لقريش، صالحهم تبع لصالحهم وشرارهم تبع لشرارهم»، ج 1، ص 101. - وبلفظ «الناس تبع لقريش، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام» ج 4، ص 101.
رواه مسلم كتاب الإمارة، باب حديث 1819. ص 1451. – وأحمد بنفس اللفظ، ج 3، ص 383/ 379/331.
-4 رواه مسلم کتاب الإمارة، باب الناس تبع، لقريش، حديث 1821. ج 3، ص 1452. - ورواه بلفظ لا يزال أمر الناس ماضيا و بلفظ: لا يزال الإسلام عزيزا»، و بلفظ: «لا يزال هذا الأمر عزيزا وبلفظ: لا يزال الدين عزيزاً منيعا»، وبلفظ: لا يزال الدين قائما» رقم الحديث 1822.
190 (1/208)
صفحة 209
ثانيا: رواية جابر بن سمرة تتحدث عن قيام اثني عشر خليفة. فهذه الرواية تتناقض مع حديثه بأن الخلافة
هي خلافة الراشدين، ثم تكون ملكا عضدا. ثم لا تنطبق على الراشدين، فهم أربعة فقط، ولا
على الأمويين فهم أربعة عشر خليفة. وهي تصدق على الإمامية، ولهذا فهم يستدلون بهذين الحديثين (1).
يقول الدكتور محمد عمارة: «إن ما يعزّز هذا الموقف أيضا هو أن الخوارج ويقصد بذلك الإباضية - لما انتخبوا عبد الله بن وهـ الراسي (2) خليفة للمسلمين، ودارت المناقشات بينهم وبين علي بن أبي طالب وابن عباس، فإن جميع ما انتقد عليهم لم يحتو ولم يشر إلى النقد والتجريح على انتخابهم خليفة من غير قريش. فلو كان الحديث صحيحا لاحتج به علي وأصحابه، مع العلم أنه كان في الخوارج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواة للحديث وقراء وأهل ورع وتقوى، فلا
يمكن أن يغيب عنهم مثل هذا الاحتجاج (3).
يقول الشيخ محمد الغزالي: «فلا يعدو
أن النبي
كان يعلم
1 عمر فاروق ص 494/ 493.
2 - عبد الله بن وهب الراسبي من الأزد و من أئمة الإباضية، كان ذا علم ورأي وفصاحة وشجاعة، وكان عجبا في العبادة. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص، ثم كان مع علي في حروبه، ولما وقع التحكيم أنكره
جماعة
الله
من أصحاب علي، وفيهم عبد بن وهب الراسبي، فاجتمعوا في النهروان - بين بغداد وواسط وأمروه عليهم فقاتلوا عليا وقتل الراسي في هذه الواقعة سنة 38
هجرية. الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 288.
3 - محمد عمارة، ص 110.
191 (1/209)
صفحة 210
منزلة قريش بين العرب، وقد أحس بأن الحكم قد لا يعدوها، وتوجس من هذا الاستهتار بهذه الأمانة الثقيلة فاستنزل لعنة السماء والأرض على من يفرط فيها» (1).
إن المتمسكين بهذا الشرط يكونون قد استندوا إلى ما وقع في السقيفة واحتجاج أبي بكر وعمر بأحقية قريش بهذا المنصب، والحق أن أبا بكر قد روى الحديث «الأئمة من قريش» لكي يُقنع جانب الأنصار، وهذا إجماع مشهور، ولكنَّ الذين رووا قصة السقيفة وخاصة الطبري منهم لم يذكر هذا الحديث، وذكر «أن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسطهم دارا
ونسبا» (2).
من هذا يُفهم أن اجتماع السقيفة لم تُبن الدعوة فيه لتكون الإمامة من قريش استنادا إلى هذا الحديث، بل بناء على مكانة المهاجرين من الإسلام، عموما، والرسول خصوصا (3). وهو مذهب عمر بن الخطاب حين قال: «والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا لدخلته
العرب في أثركم، فاتقوا الله فيه» (4).
فمفهوم أبي بكر وعمر كان على أساس تفوق قريش على العرب في الرئاسة، ثم التواضع والتراضي بين المسلمين خوف الفتنة، وخاصة
1 محمد الغزالي الإسلام والاستبداد السياسي، ص 178.
2 عمر فاروق فوزي، ص
495/ 494
3 - أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 95/ 94.
4 - الطبري، ج 3، ص 246/ 244.
192 (1/210)
صفحة 211
بين قبيلتي الأوس والخزرج، وكراهية إحدى القبيلتين أن تكون الرئاسة
للأخرى (1).
إن ما روي عن أبي بكر أنه لما حضرته الوفاة قال: «ثلاث ليتني سألت رسول الله عنهنَّ: لمن هذا الأمر من بعده، فلا ينازعه فيه أحد؟ وهل للأنصار فيه من حق؟ وعن ميراث بنت الأخ والعمة؟» (2).
وكذلك قول عمر بن الخطاب عندما عين مجلس الشورى: «ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته». فسالم ليس بقرشي (3). كل هذه أدلة قاطعة على أن القرشية شرط للأفضلية.
وقد ناقش العلماء متن الأحاديث وعلة رواياتها فأجمعوا على أن هذا لا يمكن أن يكون إلا لعلل في الموضوع تزول مصداقيتها بزوال تلك العلل. وإذا كان العرب "وهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض (4)، و"أبعد عن سياسة الملك والرئاسة" (5)، وأن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تقوم لها قائمة حيث قال: «ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه» (1)، فلا بدَّ من وازع قوي حتى تستقيم الأمور (7).
-1
سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 180/ 179.
2 - ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 24.
3 - سيد قطب، ص 180.
4 - أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 32.
5 - ابن خلدون، ج 2، ص 626. - أحمد أمين، ص 32.
- رواه أحمد بلفظ قال: «قال، لوط فما بعث الله عز وجل نبينا إلا بعثه في ذروة قومه»، وبلفظ: «فما بعث الله عز وجل نبيا بعده إلا في منعة من قومه» ج 2، ص 533
7 - ابن خلدون، ج 2، ص 662.
193 (1/211)
صفحة 212
وقبل أن نستكمل حديثنا عن آراء العلماء في مسألة القرشية، لا بدَّ
من إبداء عدة ملاحظات حول ما ذهب إليه ابن خلدون وأحمد أمين من الاعتماد في بيانهما لمتن الأحاديث الخاصة بإمامة قريش، على مبدإ يبدو لنا أنه منطلق خاطئ، فقد وصفا العرب بأنهم أبعد الناس عن الملك، والرئاسة، وأنهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض. وفي الحقيقة فإنّ هذه الأوصاف قاسية جدا، وهي تدل على مدى فظاظة العرب وبداوتهم. وهذه المسألة قد تطرح عدة أسئلة، ذلك أن أحمد أمين من لم يكن عالما بالأمم و لم يحصل له تاريخ في كل أمة حتى يستطيع إثبات هذه الوصمة. وكذلك الأمر بالنسبة لابن خلدون، فإنَّنا رغم اعترافنا بتبحره في علم الاجتماع والتاريخ، إلا أنه سيبقى دائما ذلك العالم الذي عاش في زمن يصعب فيه تصنيف الأمم والشعوب والتعرف عليها ودراسة كل واحدة منها دراسة مستفيضة ثم الحكم لها أو عليها. وحكم ابن خلدون وأحمد أمين هذا يعتبر مشكوكا فيه، ولا يفيد غير الدعوى والظن، ولا يفيد اليقين.
وحتى لو أمكننا التسليم بقولهما فلا نظن أن العرب مع تخلفهم و جاهليتهم وعصبيتهم ينزلون إلى الدركة التي نزلت إليها شعوب أوروبا في القرون الوسطى، وشعوب التتار والمغول الذين قضوا على الحضارة الإسلامية في بغداد. فشهوة الحكم غريزة في كلّ إنسان، مهما كان جنسه وانتماؤه، ومدى تقدم حضارته. والتاريخ البشري مليء بأمثلة وأدلة تناقض ما ذهب إليه ابن خلدون أن العرب أصعب أمم انقيادا. وتبقى قضايا العصبية والنفوذ مسائل يتحملها الدارس،
الأم
194 (1/212)
صفحة 213
لأنها أمور ظرفية تكون في أمة ثم تنتقل إلى غيرها.
وإذا كانت قريش قد تلاشت عصبيتها بسبب ما أصابها من الحضارة، وأصبح النفوذ لغيرها، فلا معنى لاشتراط القرشية التي زالت علتها (ا)، وإن هناك كثيرا من الأقوال من شأنها إلقاء الضوء على هذه من ناحية المنطق والواقع.
المسألة
فالواقع أن قريشا أمة كسائر الأمم، وهي قابلة للانقراض والتلاشي (2)، ثم إنه لم يثبت لنا التاريخ عقلا ولا نقلا أن جنسا أو قوما من الأقوام قد احتكر ميزات المواهب (3). ثم إن الإسلام لا ينوط أمر الخلافة لفرد من الأفراد أو بيت من البيوت أو طبقة من الطبقات (4)، وأنَّ الحاكمية المطلقة الله تعالى، وكل من حكم في الأرض تحت الإسلام يُعد خليفة الله، وأنَّ الله وعد جميع المؤمنين بدون استثناء بأن يستخلفهم، ولم ينص على استخلاف فرد دون آخر، قال تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
الأرض (5).
عدة
والواقع أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ولى من غير قريش من قبائل. وصحة الإمامة أصل لصحة الولاية، فإنها فرع عليها، وما
جاز في الأصل جاز في الفرع (()).
1 - ابن خلدون، ج 2، ص 662). - ظافر القاسمي، ج 1، ص 335. 2 محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 9.
3 - محمد الغزالي، الإسلام والاستبداد السياسي، ص 189.
4 - المودودي، نظام الحياة في الإسلام، ص 28.
5 - سورة النور، آية 55.
-
6 سالم بن حمود الحقيقة والمجاز، ص 26.
195 (1/213)
صفحة 214
ثم إن الأئمة الأربعة الذين عاشوا في زمن كانت فيه قوة قريش على أشدها، هو الذي جعلهم يتمسكون بهذا الشرط (1)، وسائر الجمهور قد أجازوا إمامة المتغلّب ولو لم يكن قرشيا، وفي هذا تناقض، ولكنهم عللوا ذلك بالضرورة (2).
كل هذا يجعلنا نفهم صيغة الأحاديث ومتنها وعللها ودورها في
حياة العرب عموما وقريش خصوصا.
وخلاصة القول: إن النسب القرشي ليس شرطا لانعقاد الإمامة بل للأفضلية، وهذا من عدة وجوه أو جزها الدكتور محمود الخالدي في
ست نقاط:
«أولا: الأحاديث جاءت بصيغة إخبارية، ورغم أنها تفيد الطلب إلا أنها ليس فيها قرينة تفيد التأكيد.
ثانيا: إن كلمة قريش اسم وليس صفة، ومعنى كون الأمر في
قريش أنها فيهم ولا مانع من أن تكون في غيرهم.
ثالثا: لو كانت القرشية شرطا لانقعاد الإمامة لما قال: «ما أقاموا الدين»، وإذا لم يُقيموه فهل تبقى الأمَّة بدون إمام، فالقرشية في
الحق فقط.
رابعا: لم يُنكر الصحابة أنه سيخلفه معاذ بن جبل، وهو أنصاري. خامسا: أن شرط الرضا والاختيار ضروري لعقد الخلافة في المسلمين، فقد تختار الأمة غير القرشي للحكم مع وجود القرشي.
1 - محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 71.
2 عبد القادر عودة، ص 108.
196 (1/214)
صفحة 215
سادسا: لو كان واجبا لوجب على المسلمين حفظ هذا التسلسل
في النسب إلى قيام الساعة والحال أنه تمتنع وغير ممكن، والتكليف لا يكون إلا بما هو مقدور عليه» (1).
والذي نراه بعد عرض هذه الآراء لمختلف العلماء، وهو ما تُنهي به هذه المناقشة، أن اشتراط القرشية في كلام الفقهاء وعلى لسان الصحابة هو من باب السياسة الشرعية التي تتغير بتغير الزمان، ولا أدل
على ذلك من إجماع المسلمين على خلافة غير القرشي عبر التاريخ (2). يقول الشيخ محمد الغزالي: «إن إخواننا الشيعة يرون انتخابه من ت النبوة، ويرى إخواننا السنة أنه يكون من قريش، والرأي عندي أن زعيم المسلمين لا ينسبه بيت معيَّر ولا قبيلة معيَّنة، وإن أكفأ الناس أحق بقيادتهم من غيره دون نظر إلى نسب أو جنس» (3).
ب- إمامة المفضول:
يذهب الإباضية في موضوع المفضول والفاضل من الأئمة مذهب الجواز، ولم يذكر أي مصدر إباضي من أنكر ذلك من الإباضية سواء المشارقة أم المغاربة، ما عدا أبا الحسن البسيوي العماني الذي خالف وقال بشرط الأفضلية، ويرى الشيخ اطفيش أن «ثبوت الإمامة لا يفيد
القطع بالأفضلية» (4).
1 - محمود الخالدي
ص
307/ 304
2 محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 71.
3 - محمد الغزالي، كيف نفهم الإسلام، ص 142. 4 - امحمد اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 427.
197 (1/215)
صفحة 216
وإذا لم يتهيأ للمسلمين من هو أصنحُ للإمامة بالشروط الم. كورة
من الورع والتقوى والكفاية، وخافوا زوال دولتهم فالأحسن مبايعة الأضعف. وشرطوا له شروطا، كأن لا يعمل إلا بمشورة العلماء إذا لم يعرف واجباته، وإذا علمها في الحق والعدل عمل بها، وإن المشورة من أهل الرأي أحسن (1).
ويستأنس الإباضية في هذا المقام بأن المفضول قد يكون أحسن من الفاضل وأقوم منه في القيام بأمر ما، أو يكون أطوع للرعين، ولا ينقادون إلا للمفضول (2). إذ المعتبر هو القيام بأمر الله.
كما استدل الإباضية على جواز ذلك بفعل الرسول حينما بعث سرية وجعل عليها عمر بن العاص أميرا، وفيها أبو بكر وعمر وصلحاء المهاجرين والأنصار. وكذلك إمامة أبي بكر وفي الصحبة من هو أعلم منه كابن مسعود وابن عمر وزيد وأبي. ومجلس عمر النوري وفيهم من هو أعلم من عثمان. وقوله: «لو كان أبو عبيدة حيا أو سالم ما خالجني فيهما شك». وكذلك ما أجاب به الربيع بن حبيب وأبو غسان أصحاب الإمام عبد الوهاب الرستمي في قضية ابن فندين، عندما ادعى هذا الأخير عدم جواز تولية المفضول (3).
1 - الرستاقي، منهج الطالبين، ج 8، ص 45.
2 - احمد اطفيش، ص 427.
3 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 64 امحمد اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 278. - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية في تاريخ أئمة وملوك الإباضية، ص 105. -
عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 2، ص 258.
198 (1/216)
صفحة 217
تناولنا في هذا المبحث موضوعين، تعلّق الأول بشروط الإمام، والثاني بالتفاضل بين الأئمة.
ولقد كان موضوع شروط الإمام من المواضيع التي تبدو لأوَّل وهلة أنها من النقاط التي يختلف فيها الإباضية مع أهل السنة، بحصر الخلاف في شرط القرشية. وهذا الخلاف كاد أن قاعدة مسلّما يصبح بما بين المذهبين، ولكن الباحث والمتأمل جيدا في هذه المسألة يجدها مجرد اختلاف صوري تنوعي، وأن الإباضية يلتقون حتما مع أهل السنة والجماعة في شرط القرشية، وذلك لأنهم أجازوا اتفاق الأمة على جواز إمامة غير القرشي (ا)، وهي نقطة الالتقاء، وهي من الحجج التي ساقها الذين يعتبرون هذا الشرط للأفضلية فقط.
وهذه الظروف والحالات التي اتفقت الأمة فيها على جواز إمامة غير القرشي أمر وارد كثيرا في عصرنا الحاضر، نظرا لاستقلال الأقاليم بعضها عن بعض، وقيام إمام في كل إقليم منها. كما أنه لا يمكن الحفاظ على النسب القرشي الصافي في المجتمع المسلم، نظرا لتداخل الأنساب وتمازج المجتمعات بالهجرات هذا في المجتمع العربي، والأمر أعقد بالنسبة للمجتمعات الإسلامية غير العربية. كما أنه لا يمكن استيراد قرشي لتولي الإمامة في بلد غير بلده، وهذا ما يمنعه قانون المواطنة المتعارف عليه دوليا.
أما فيما يخص الشروط الأخرى فإن أغلب الفقهاء من سنيين
وإباضية قد ركزوا على الجانب الديني للإمام بصفته مسلما، ثم على
1 - محمد الأمين الإسماعيلي، مقابلة، خاصة.
199 (1/217)
صفحة 218
الجوانب الأخرى كالرأي والشجاعة وسلامة الحواس والأعضاء. ويبدو أنه نظرا لتطور أمور الحكم ووسائله فإنَّه يمكن في عصرنا الحاضر إسقاط بعض الشروط المتعلقة بنقص الأعضاء كقطع الرجلين وذلك لوجود مصالح وكتابات وأعوان متخصصين في هذه الأعمال، والتي تخفف عن الإمام كثيرا من المسؤوليات.
والموضوع الثاني المتعلق بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، فإن الرأي الغالب لدى أهل السنة هو الجواز، نظرا لقوة الحجج الواردة المجيزة لإمامته. هذا بينما لم يرد القول بالمنع عند الإباضية. وبهذا يكون الجمهور الغالب السني والإباضي على اتفاق في هذه المسألة، والظروف الحالية تؤيد هذا الرأي نظرا لتنوع الظروف وتقلباتها، فالمنصب هو الذي يحدد الرجل المناسب له.
* أما المذهب الشيعي وموقفه من شروط الإمام فإن له منطلقا. آخر، وهذا المنطلق يدور أساسا حول معتقد الشيعة في الإمام علي بن
أبي طالب، وذلك في محورين:
الأول هو الوصي الوحيد للنبي،، وعصمته تتجلى في أنه لم يسجد لصنم، ولم يشرك بالله قط، ولم تصدر عنه خطيئة سهوا ولا عمدا. وبما أن الأئمة من بعده هم الأوصياء فلا بدَّ أن يكونوا مثله في العصمة، وبالتالي فهم
أن علي بن أبي طالب معصوم كالأنبياء، نظرا لكونه
كالأنبياء.
الثاني هو كون علي أفضل الصحابة على الإطلاق، فلا بد أن يكون الإمام أفضل الناس، حيث إنه لا يمكن للأتقى والأعلم أن
200 (1/218)
صفحة 219
ينقاد لمن هو دونه، طبقا لقوله تعالى أفمن يهدي إلى الحقِّ أحق أن
يتبع (1)
وبهذا تنحصر الشروط عند الشيعة في ثلاثة: النص، والحكمة،
والأفضلية.
والملاحظ في هذه المسألة هو ترابط الأفضلية مع الشروط، نظرا للمنطلق الواحد، فلا مجال للحديث عن التفضيل والمفاضلة مادام الإمام
الشيعي هو وصي النبي
(2)
* أما المعتزلة، فإن شروطهم المطلوبة في الإمام قريبة من أهل السنة نظرا لاتفاقهم معهم في مسألة النسب، فلا يحصرون الإمام في آل البيت، كما هو الأمر عند الشيعة بل يمكن أن يكون من أي بطن من بطون قريش. يقول القاضي عبد الجبار ولا يكفي هذا القدر حتى يكون فاطميا، ثم لا يجب أن يكون حسنيا أو حسينيا، بل الذي لا بدَّ منه هو أن يكون من أحد البطنين» (3).
و إلى جانب هذا الشرط يضيف المعتزلة الشروط الأخرى الخاصة بالجوانب الخلقية والخلقية، ويُضيف القاضي عبد الجبار بخصوص هذا الموضوع قوله: «لا بدَّ من هذه الشرائط أن يكون ورعا شديدا، يوثق بقوله ويؤمن منه ويعتمد عليه، وأن يكون ذا بأس وشدة وقوة قلب،
1 - سورة يونس آية 35
2 - محمد جواد مغنية الشيعة والحاكمون، ص 24/ 23. - الكليني، الأصول من الكافي، ج 1، ص 274 وما بعدها.
-3 - القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 752.
201 (1/219)
صفحة 220
وثبات في الأمور» (1).
وللمعتزلة في مسألة الإمام الفاضل والمفضول منطلق خاص، فهم لا يقيسون الإمام بالنبي كما هو الأمر عند الشيعة، بل يقاس بالحكام والحكم والساسة. ثم إن الإمام يقدَّم للمصلحة التي من أجلها أنشئ المنصب. وهذا طبقا للظروف الآنية للدولة الإسلامية، ومن
هذا المفهوم
فإن المعتزلة يجيزون مبدأ تقديم المفضول على الفاضل. مما تقدم يمكن تصنيف المذاهب أزاء شروط الإمامة والمفاضلة إلى صنفين، يشمل الصنف الأوَّل منها أهل السنة والإباضية والمعتزلة، ويشمل الصنف الثاني الشيعة فقط. مع ملاحظة أن الشيعة تلتقي مع أهل السنة والمعتزلة في شرط النسب ولكن مع فارق يتمثل في حصر الشيعة ذلك في أهل البيت وتوسيع الآخرين له ليشمل جميع بطون
قريش.
1 - القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 752.
202 (1/220)
صفحة 221
ثانيا: تنصيب الإمام
-1 أهل السنة والجماعة
عندما يتعين نصب الإمام وتدعو الحاجة إلى ذلك بسبب عذر طراً على الإمام القائم نتيجة مرض أو جنون، أو غير ذلك الأسباب من المقيلة له كالعزل، أو الوفاة، فإن الأمة الإسلامية لا يمكن لها أن تبقى
بدون إمام أكثر من ثلاثة أيام. وهذا ما جرى عليه العمل أيام
الراشدين (1)، وانعقد عليه الإجماع (2). ولا أدل على ذلك من
أن عمر
ابن الخطاب أمهل مجلسه الشوري ثلاثة أيام وأوصى بقتل من يسبب عرقلة عملية الاختيار. من هذا كان الإسلام قد قطع العذر على المسلمين في مسألة إقامة الخلافة، ومدة إقامتها.
وتمر عملية تنصيب الإمام بمراحل ثلاث:
أ- الترشيح:
من يقوم بالترشيح؟ ومن هم المرشحون؟ ومن يختار، وكيف يختار؟ وهل يوجد لذلك قواعد وضوابط إسلامية؟
إن المتتبع لحياة الصحابة السياسية يستنبط منها قواعد الترشيح. فقد رشح أبو بكر في السقيفة من قبل الحاضرين، وأوصى أبو بكر عمر بالخلافة، ورشّح عمر ستَّة من أصحابه وانتخبوا عثمان، وأما عليّ
1 - انظر قصة السقيفة وتولية الخلفاء الراشدين في كتاب الكامل للتاريخ لابن الأثير، ج 2، صر 220 فما بعد، ج 3، ص 41 - 98.
2 - محمود الخالدي، ص 254.
203 (1/221)
صفحة 222
فقد حصل على الإمامة من مجلس عمر الشوري.
والذي يهمنا في هذا المقام هو الطريق الذي مرت به عملية الاختيار دون الطرق الأخرى، وهذه الطريقة لا يمكن أن تخرج عن
قاعدة الشورى والتشاور بين أهل الحل والعقد.
ولقد تناول الفقهاء مسألة الذين يتولون عملية الاختيار والعقد، فهل يقوم بذلك الحاضرون من بلد الإمام؟ أم يجب أن يحضر العملية
كل من يصلح للخلافة من سائر أقاليم البلاد؟
له إنما
يذهب الماوردي إلى القول بأن الذين يتولون اختيار الإمام والعقد
هم
الحاضرون في بلده، وذلك ما يستشف من قوله: «وإنما صار
من يحضر ببلد الإمام متوليا لعقد الإمامة عرفا لا شرعا، لسبوق علمه بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب موجود في بلده» (1). والحقيقة أن تحديد الماوردي أهل الاختيار بالموجودين في بلد الإمام أمر نظري، والتحديد الثاني هو واقعي، إذ إن كل طامع في تولّي مسؤولية الخلافة يجمع حوله أنصارا يتفقون على ترشيحه وتقديمه
ومبايعته (2).
ولهذا فالاختلاف قائم حول من يعقد الإمامة وعددهم، أهي جمهور أهل الحل والعقد في كل بلد أم من الحاضرين في العاصمة فقط؟ أم بخمسة كأبي بكر وعمر؟ أم بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين كعقد النكاح؟ أم بواحد كالعباسي عندما أراد مبايعة علي؟
1 - الماوردي، ص 31.
2 منير العجلاني، ص 143.
204 (1/222)
صفحة 223
والحق أن الإسلام شرع الشورى ولم يحدد طرقها، وترك ذلك
للمسلمين حسب الزمان والمكان. ونجد كل هذه الآراء قد لا تتفق مع قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) (1). فلا بد أن يقوم الاختيار على رأي أهل الشورى في جميع البلاد الإسلامية (2)، لأن المواصلات ووسائل الانتخاب والترشيح العصرية قد قطعت هذا العذر، فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار حسب الطريقة المتوفرة لضمان اجتماع أهل الشوكة فقدموا منهم أكثرهم فضلا، فإن قبل ورضي بالمسؤولية بايعوه وإن رفض ذلك لا يُجبر عليها لأنها فقط مراضاة. ولأهل الشورى بعد ذلك العدول إلى غيره، فإن تكافأ اثنان في شروط الإمامة قدَّم أهل الاختيار أكبرهما سنا، وليس هذا بشرط، إذ لو بويع لأصغرهما جاز. وإذا كان أحدهما أكثر علما والآخر أشجع منه روعي فيهما ما يتطلبه منصب الخلافة. وإذا وقع التنازع بينهما فمن الأفضل العدول إلى غيرهما (3).
ولا بدَّ أن يكون أساس الاختيار مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا دخل للهوى من قرابة أو حب للسلطة، أو انتصار لفريق دون آخر. وعندما يتم الاختيار ويتعين الشخص يأتي الدور الثاني من عملية
التنصيب، وهو البيعة.
1 - سورة الشورى آية 38
2 - عبد القادر عودة، ص 168/ 160.
3 - الماوردي، ص 35 ابن باديس جريدة النور، عدد 54 سنة 1932. – عبد القادر
عودة ص 163. - منير العجلاني، ص 142.
15
205 (1/223)
صفحة 224
ب البيعة:
البيعة؟ وما هي أقسامها؟ وعلى من تحب؟
هي
تعريفها:
"البيعة اصطلاحا وعرفا هي تأييد المرشح للخلافة، والموافقة على
الترشيح " (1).
أما من الناحية العرفية العملية فالمقصود بها "العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلّم له النظر في أمر نفسه وأمر
المسلمين" (2).
أم البيعة في القرآن الكريم
وردت في القرآن الكريم عدة آيات تبين للمسلمين أهمية البيعة ومغزاها وقيمتها عند الله تعالى حيث قال:
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) (3).
فكأنما
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) (4). وقد عبر الله عنهما بالشراء والبيع، لأن المؤمن عندما يبايع نفسه ليضعها تحت تصرف الإمام. قال الله تعالى: (إن الله يبيع اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) (5). وإذ يبايع
1 - ظافر القاسمي، ج 1 ص 258 - محمود الخالدي، ص 105.
2 ابن خلدون، ج 2، ص 718. حسن علي إبراهيم، النظم، ص 10. – منير العجلاني،
ص 161.
3 - سورة الفتح، آية 10
4 - سورة الفتح، آية 18.
5 - سورة التوبة آية 112.
206 (1/224)
صفحة 225
المسلم إمامه على النصرة وإقامة الدين، فكأنما يبايع الله، ومن بايع الله فقد أعطى عهدا وميثاقا غليظا لا يجوز الخروج عليه ما دام الإمام
قائما بأمر الله.
ب) البيعة في السنة:
من ذلك ما وقع بين الرسول صلى الله عليه وسلم والأوس والخزرج على النصرة والطاعة (1). وقد أخذ الرسول ل عهد الأنصار على السمع والطاعة لبناء دولته. وقد كانت هذه البيعة تعني الوقوف معه في السلم والحرب. ب. وقد طلب الرسول الله ذلك منهم بقوله: «أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون عنه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر» (2).
فتم بذلك أصل البيعة، وأصبحت فرضا واجبا، وهو ما جرى عليه العمل السياسي، أيام الراشدين وأصبح إجماعا.
أقسام البيعة:
عندما نتتبع الحياة السياسية في التاريخ الإسلامي نتبين أن البيعة قد مرت بمرحلتين، وهي مراحل ضرورية حتى يتمكن الإمام من أخذ شرعية السلطة من أولي الأمر ومن الرعية، لأن البيعة تستند أساسا على
1 - محمود الخالدي، ص 101.
2 ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2، ص 85/ 84.
207 (1/225)
صفحة 226
الترشيح والاختيار، ثم الرضا من الخاصة والعامة. فللبيعة قسمان (1):
القسم الأول: بيعة الانعقاد
عندما ينتهي
أهل الشورى من تصفح المتقدمين إلى منصب
الخلافة، ويتميز الإمام يقوم أفضل الحاضرين فيظهر رغبتهم في الإمام المرغوب فيه، وهو ما يسمَّى بالإيجاب ويقابله من جهة أخرى رضى المبايع على تحمل المسؤولية، وهو ما يسمَّى بالقبول. وهاتان العمليتان
ضروريتان لأنهما تعنيان «أن المبايع هو صاحب السلطة له حق الطاعة
والنصرة والانقياد» (2).
القسم الثاني: بيعة الطاعة
وهي
الإعلان عن نتيجة الاختيار للمسلمين، لأنه من واجبهم
التعرف على إمامهم، وهي تمنح الخليفة خضوع الأمة لسلطته
السياسية وإعطائه عهدا بالموافقة على خلافته» (3).
شروط البيعة
شروط البيعة من حيث كونها عقدًا
هي
أنها عملية ثنائية طرفها
الأول الخليفة الذي يتعهد بالتزام تطبيق أحكام الله كتابا وسنة، وإعطاء الحرية الكاملة للأمة في المبايعة، بحيث لا يتم ذلك بالإكراه أو ما شابه ذلك. ثم محاسبة الإمام إذا ما خرج عن العهود، وهو ما يسمى في عصرنا هذا بالمعارضة.
1 - أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص 96. - محمود الخالدي، ص 263.
2 - محمود الخالدي، ص 263.
نفسه، ص 263.
208 (1/226)
صفحة 227
أمَّا طرفه الثاني فهو الأمَّة التي تتعهد بالسمع والطاعة، وعدم
الخروج إلا في مكروه شرعا (1).
أما شروطها من حيث صحتها فهي أربعة:
1 الإسلام لأنها بيعة على الإسلام وإقامة الدين، فلا تطلب البيعة
من
الله غير المسلم. قال
تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على
المؤمنين سبيلا) (2).
2 البلوغ: إذ لا تجب البيعة على غير المكلفين، لأن الشرع يخاطب البالغ قال: «رفع القلم عن ثلاث عن المجنون حتى يفيق،
وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ» (3).
3 العقل: فالمجنون والمعتوه والأبله لا مسؤولية عليهم ولا لهم. .4 الرضا والاختيار وهما سند البيعة في الإسلام، فلا بد للإمام أن يرضى، ولا بدَّ للأمة أن تختار، وبهما يتمُّ إمضاء العقد (4).
وإتماما للفائدة فإن أصل البيعة في الإسلام يتفق مع نظرية العقد الاجتماعي الذي افترضه علماء العصر في أصل الدولة، فقد قرر جان جاك روسو، وهوبز، وجون لوك الانكليزي بأن الأصل في قيام الدولة
1 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 4 وما بعدها.
-2 سورة النساء آية 141.
3 - رواه البخاري، كتاب الطلاق، ج 11، ص 310. - وأبو داود، كتاب الحدود، باب 16، حديث،4402/ 4403، ج 4، ص 560. والترمذي، كتاب الحدود، رقم 1433. ج 4، ص 32 - وابن ماجة كتاب الطلاق باب 15، حدي 2042/ 2041. 4 - محمود الخالدي، ص 128 وما بعد.
209 (1/227)
صفحة 228
هو عقد بين الحاكم والمحكوم. وقد سبق الإسلام في هذه المسألة
النظريات السياسية لأنه دين الفطرة (1).
ج- الصفقة:
جميع
جرى العمل في عهد النبوة والخلافة الرشيدة على أن البيعة حق لكل مسلم رجلا كان أو امرأة (2). أما صفتها والطريقة التي تتم بما فإن الشرع لا يحدد لذلك صفة ولا وسيلة، ولهذا فإنها تصح بأي طريقة ووسيلة من الوسائل ففي عهد النبوة قد تم ذلك مصافحة بالأيدي كما وقع في بيعة الرضوان، وفي بيعة النساء التي تمت مصافحة باليد نيابة عن رسول الله و من تحت الثوب أو بالمشافهة (3).
وبالنسبة للرجال كانت الصفقة تتم باليد مباشرة، أما المرأة فقد اختلفت الروايات بشأنها، والأصل أن الرسول لم يصافح النساء. الله عنها حيث قالت: «والله ما
رضي
وهذا ما رواه مسلم عن عائشة أخذ رسول الله إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد
بايعتكن كلاما» (4).
وقد تنوعت ألفاظ البيعة، وهذا حسب الموضوعات التي من أجلها
1 - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 98.
2 محمود الخالدي، ص 118.
نفسه، ص 118.
4 - رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب،4 ج 9، ص 63 - مسلم، كتاب الإمارة، باب
8، حيث 1840 - ج 3، ص 1469. - وأحمد، ج 1، ص 124/ 94/82
210 (1/228)
صفحة 229
عُقدت، إلا أن صيغتها كانت تتضمن أمرين:
الأول: ما يختص برعاية الدولة وحق القيام بأمر الله تطبيقا. والثاني: ما يختص بالرعية من التزام السمع والطاعة والنُّصرة في كل الأحوال ومهما كانت الظروف (ا).
وهذا ما يستنتج من خطبة أبي بكر يوم بويع (2)، كما يظهر ذلك أيضا من نص مبايعة الخليفة الظاهر بأمر الله: «أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة
سواه». (3)
وقد وقعت عدة زيادات في ألفاظ البيعة بعد الخلفاء الراشدين، ولا عبرة بها، والأصل ما يدخل في اختصاص الأمير والرعية. وقد استعمل بعض الأمراء الأمويين عدة وسائل لضمان عدم خروج الرعية عن البيعة، وذلك بالحلف على الطلاق والعتق، وغيرها، ثم استمر هذا العمل أيام العباسيين وهذا ما سنراه في القسم التطبيقي.
أما علامات الخلافة فعادة ما كانت ثلاثة:
البردة: وهي بردة الرسول
الخاتم: فقد اتخذه الخلفاء أسوة بالنبي.
1 - محمود الخالدي، ص 125 وما بعدها.
2 - راجع نص الخطبة كاملا، في كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 2، ص 224.
3 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 291 نقلا عن السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 26.
211 (1/229)
صفحة 230
القضيب وهو قضيب طويل يكون في يد الخليفة (1).
وقد بقيت هذه العلامات طيلة أيام الأمويين والعباسيين.
وفيما يخص مدة الخلافة، فهي ليست محددة بمدة معينة، فما دام الإمام قائما بأمر الله فهو الخليفة، وإذا خرج على أحكام الشرع، أو
ظهرت فيه صفة توجب العزل عُزل ونظر في غيره (2). وهذا ما سنراه
في المبحث الثالث.
2 - الإباضية
أ- الترشيح:
كيف تتم عملية الترشيح؟ ومن ير ومن يرشّح؟ ومن يرشح؟ وما
نتائج الترشيح والمسؤوليات الناتجة عن
ذلك؟
تتكون عملية الترشيح من عدة فصول، بدايتها من اجتماع أهل
الحل والعقد، ثم تحديدهم لقائمة المرشحين، والمداولات، ثم اختيار الأصلح للإمامة. وهذه المراحل تبين لنا مدى أهمية الإمامة ونصبها، ومدى عظم مسؤولية من يختار، والعواقب التي قد تنجر نتيجة الاختيار عن هوى أو استهتار بأمور المسلمين.
ويلخص لنا الصائغي أهمية العقد ببيان أن «الإمامة فريضة والعقد فيها وسيلة والفرض إذا وجب بالإجماع لم يسقط بعدم الوسيلة ولا بتركها. وقيل إن الرضا والتسليم يقومان مقام العقد الصحيح أو أقوى
-1 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 361.
2 عبد القادر عودة، ص 76.
212 (1/230)
صفحة 231
منه، فإذا وقع الرضا والتسليم فأي عذر يبقى له» (1).
وبهذا تتجلى لنا أهمية العقد الذي هو نتيجة مباشرة للترشيح
والمبايعة بقسميها بيعة الانعقاد وبيعة الطاعة (2).
فبعد تحديد القائمة المرشحة للإمامة حسب الوسائل والطرق المتاحة لذلك، يجتمع مجلس الشورى لاختيار واحد (3)، وعادة ما يكون مجلس الشورى متكونا من ستة، وقد يتقلص إلى اثنين معروفين بالعلم الغزير والفهم الكبير (4)،
مع العلم أنه لا يمكن اختيار إمام جديد حتى يتوفى الأول، ويقوم الإمام الجديد بدفن الإمام المتوفى والصلاة عليه، إلا إذا لم يجد سبيلا فليصل عليه قاضي المصر (5)، وإن لم يحضر فليصل عليه العدل، وإن لم يحضر صلى عليه أفضل أعلام المصر دينا (6).
وعندما تتم عملية الاختيار ويقع الإجماع على واحد من المرشحين يأتي دور البيعة للانعقاد ثم الطاعة وهي أهم مرحلة في نصب الإمامة، نظرا للكيفية التي ستتم بها والنتائج المترتبة عليها.
1 عمر فاروق، ص 50/ نقلا عن كنز الأريب وسلافة اللبيب، مخطوط بجامعة
كبريدج، ص 199.
- انظر تفصيل ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث.
3 عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 189.
4 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 118.
5 عمر فاروق، ص 49/ 48.
6 امحمد اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 334.
213 (1/231)
صفحة 232
ب البيعة:
«البيعة إمارة على حكم الله بإمامة المبايع، ولا يشترط فيها الإجماع، إذ تصح ولو بواحد كعقد عمر بن الخطاب لأبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف لعثمان» (1).
فالعبرة في البيعة كما هو واضح تكون بالرضا والتسليم ولو تم
ذلك بواح بواحد.
للإمامة.
إلا أنه إذا حصل الإجماع كان أوثق وأكثر صحة
وتتم البيعة بقيام أحد أهل الحل والعقد فيبسط يده ويصافح الإمام (2) قائلا بعد أن يحمد الله: «إنا نبايعك الله بيعة صدقا ووفاء الله، لنا ولجميع المسلمين على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وعلى الجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية وكلّ فرقة امتنعت عن الحق حتى تفيء إلى أمر الله، وتدعو إلى أمر الله، وتوالي وتعادي
عليه، وعلى إقامة الحقِّ في القوي والضعيف والوضيع والشريف والعدو والولي والقريب والبعيد» (3).
ولا عبرة بكثرة الكلمات أو قلتها، وقد يكفي لذلك: «بايعناك على طاعة الله وطاعة رسوله الا الله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (4).
1 - امحمد، اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 443.
2 عمر فاروق، ص 49
3 - قاسم الشماخي، ج 2، ورقة 236 مخطوط.
4 - نفسه، ج 2، ورقة 236 مخطوط.
214 (1/232)
صفحة 233
وبعد نهاية قراءة البيعة من قبل ممثل أهل الشورى يقول الإمام: قد بايعت فلان بن فلان على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وإن عليك ما على الشراة الصادقين والله شهيد بذلك. فإن قال: نعم، ثبتت عليه البيعة على عنقه، وإذا قال: نعم إن شاء الله، فقد انهدمت عليه.
فليعدها عليه ثانية حتى يقول: نعم، بلا استثناء» (1).
ج-
الصفقة:
بعد ثبات البيعة في عنق الإمام الجديد يتتابع الحاضرون لمبايعته، وما كثر فهو أفضل. ثم تجمع الكمة في رأسه والخاتم في يده، وينصب العلم خذائه، ثم يقوم الخطيب يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ثم يذكر أمر الإمام بالعقد عليه والحث على البيعة، يبايع سائر الناس ويكبر في سائر أوقاته فيقول: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، ثلاث مرات. لا حكم إلا الله، ولا طاعة إلا لمن عصى الله لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن لم يحكم بما أنزل الله» (2). علما بأن البيعة
تتم بالصفقة على يده. ولا عبرة بما يكتنف عملية المبايعة أحد المسلمين، والعبرة بأهل الحل من
والعقد، وهم عمدة الأمة، فإذا حصل اتفاقهم فقد حصل الإجماع (3). أما بالنسبة للمدَّة التي يبقى فيها المسلمون بدون إمام، فإنها لم
-
1 امحمد اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 317/ 314.
2 - نفسه، ج 14، ص 317/ 314.
3 - إبراهيم، اطفيش مجلة المنهاج، عدد 1، ص 9.
215 (1/233)
صفحة 234
هيئة الطلبة
مجلس المدينة
هيئة العوام
رئيس الجماعة
شيخ
مجلس العوام
حلقة العزابة
هيئة العاملات
(رؤساء العشائر)
هيئة إروان
الأمناء
العشيرة
اصحاب اللويحات
هيئة المحاضر
امسوردان
الشعب
215
المكاريس (1/234)
صفحة 235
تحدد، والمعلوم من سيرة الصحابة أنها ثلاثة أيام على الأكثر وبالنسبة للإباضية فقد أثيرت مسألة هل يكون اختيار الإمام قبل قبر المتوفى أم بعده؟ فقيل: إن وجد إلى ذلك سبيل أن يصلّي عليه إمام يعقدون عليه (1). وهذا دليل على حرص الإباضية على عدم البقاء بدون إمام، اقتداء بالصحابة الذين كرهوا أن يبقوا ليلة بدون إمام بعد وفاة النبي.
وهناك بعض الحالات الشاذة التي قد يقع فيها المسلمون أثناء عملية من ذلك أنه إذا حصل أن كان المبايعون للإمام من عوام
التنصيب الناس، وكانت سيرته غير معروفة، فلا تجب عقدته على من لم يعرفه، ولا ولاية له، ولا تجوز البراءة منه حتى يُعرف، فإذا عُرفت سيرته فحينئذ تجب إمامته، وولايته ما لم يُعلم أنه على ضلال، أو تنازعت العلماء في ذلك، فتكون العلماء أولى بالأمر منه، ويجب عليهم أن يختاروا لأنفسهم إماما مؤهلا لذلك، وإذا خضع أهل الشوكة له أي
(2)
للأول فهو الإمام الشرعي ومن ذلك أن الإمام إذا رفض تحمُّل المسؤولية وقد حمله المسلمون إياها فإنَّه يجب قتله والنظر في غيره، أسوة بعمر بن الخطاب مع أهل الشورى (3)، وإذا أُسر الإمام من قبل عدو، أو أكره على الكفر والاعتزال فلا بأس، وتبقى ولايته من قبل المسلمين، وتظل إمامته رغم
1 - امحمد اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 334.
2 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 30.
-3 - تبغورين بن عيسى الملشوطي أصول الدين، ورقة 8/ مخطوط.
216 (1/235)
صفحة 236
إقامة إمام آخر. وإذا اشترط عليه شرط مع الإمامة فإنها صحيحة
والشرط باطل، كما وقع في مسألة ابن فندين.
30 E 30 E 30 E
تمر عملية نصب الإمام من الترشيح وبيعته وصفقته بمراحل متشابهة جدا بين المذهبين السني والإباضي.
وقد لاحظنا ثلاثة اختلافات الأول منها اختلاف يكاد وجود يكون جوهريا، أما الآخران فشكليان ويتعلق الاختلاف الأول بمسألة رفض الإمام الحاصل على شروط الخلافة، إذ نجد أهل السنة هنا يجيزون العدول عنه إلى غيره بينما يتشدَّد الإباضية معه إلى درجة قتله، وذلك بسبب النظرة الدينية التي يوليها الإباضية إلى شخص الإمام من حيث كونه قادرا على إقامة الدين ولكنه استدبر هذه المسؤولية، و مستند الإباضية في هذا فعل عمر بن الخطاب الذي أمر أعضاء مجلس الشورى بقتل من يرفض الخلافة إذا وقع الاتفاق عليه.
أما المسألة الثانية فهي الشروط التي قد يشترطها أهل الحل والعقد
إلى جانب وظيفته، فهذه قد رفضها الإباضية البتة، في حين لم يتعرض
الله
وسنة نبيه.
لها السنيون، وهذا فيما عدا شرط الحكم بشريعة أما المسألة الثالثة فهي عند التحقيق مسألة شكلية، وتتعلق بالمراسيم والأزياء المميزة للخليفة عن سائر أفراد الرعية، من شارات وخاتم وقضيب وغير ذلك، فقد اختص كل مذهب بمراسيم معينة،
217 (1/236)
صفحة 237
وتبقى سائر مراحل النصب من ترشيح وبيعة عامة وخاصة، ثم الصفقة
وما يرد فيها من صيغ تكاد لا تختلف بين الجميع، وإن تنوعت ألفاظا،
فهي
متفقة المضمون.
إن عملية نصب الإمام الشيعي ومراحل ذلك تختلف اختلافا كبيرا عنها لدى أهل السنة والإباضية، وهي تتعلق أساسا بنظرية الوصية،
وأن الإمام القائم هو الذي يقوم بالتنصيب. وقد لاحظنا من
هذه
العملية ترابطا كبيرا مع ولاية العهد، وهو ما سبق الحديث عنه (1). أمَّا المعتزلة فإن المصادر الأساسية لهذه الفرقة لم تتعرض لهذه
العملية.
1 - انظر الفصل الثاني الخاص بولاية العهد.
218 (1/237)
صفحة 238
ثالثا: عزل الإمام والخروج عليه
1 - أهل السنة والجماعة
أ- عزل الإمام:
إن من النتائج البدهية التي تتولد عن امتلاك الأمة للسلطة حقها في محاسبة الأئمة وإسداء النصح لهم، لأن ذلك يعد من الحقوق السياسية في الإسلام، إلى جانب حرية اختيار من يتولاها في أمورها. ولهذا فهو مبدأ إسلامي يجب أن يكون فيه النقد والتوجيه بعيدا عن الجرح والتشهير والإضعاف (1). فلا شك إذا أن محاسبة الحكام واجب على الرعية، ولو أدَّى ذلك إلى القتال، لأن الإسلام دعا إلى
حمل السلاح دفاعا عن سلطة الأمة، إذ الوقوف ضد جور
واجب (2).
الأئمة
إن مبدأ حق الأمَّة في محاسبة الإمام ونقده يتجلى من عدة نصوص من الكتاب والسنة، قال تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (3). وقال: {وتعاونوا على
البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (4).
1 - محمد المبارك، نظام الإسلام ص 122 - ابن باديس، جريدة النور، عدد 54.
2 - محمود الخالدي، ص 200.
-3 - سورة آل عمران آية 104.
4 - سورة المائدة آية 2.
219 (1/238)
صفحة 239
كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «الطاعة في المعروف» (1).
وقال أيضا: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (2).
وقد كان هذا المبدأ ساري المفعول أيام دولة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء
الأربعة، ثم تبدد بعد ذلك لدى الأمويين حيث صار الحكم وراثيا (3). إن المسؤولية التي انجرَّت عن عملية الاختيار والبيعة تجعل الإمام مسؤولا عن نفسه أمام العدالة وأمام الأمة إذا أخل بشرط من شروط الإمامة أو ترك النصح (4)، سواء أكان ذلك عن إهمال أو تقصير أو عمد، من خروج عن حدود سلطته أو ارتكابه للتعسف في أخذ الحق القصاص من الإمام إذا قصد
والظلم، لأن القاعدة الإسلامية هي.
وتعمد الظلم، إلا أنه لا يسأل جنائيا إذا كانت سلطته وعمله في
الحدود المرسومة له، شرعا، ويكون مسؤولا إذا تعداها (5).
1 - رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب 4، ج 9، ص 63. - ومسلم، كتاب الإمارة، باب 8، حديث،1840، ج 3، ص 1469. - والترمذي، ج 2، ص 38. – والنسائي، ج 7، ص 142. - وأحمد، ج 1، ص 124/ 94/82.
2 - رواه البخاري، باب 108، ج 4، ص 49. - ومسلم حديث 1639. – والنسائي، كتاب البيعة، باب 34، ج 7، ص 142. - وأبو داود، كتاب الجهاد، باب 97، ج 2، ص 39. - والترمذي، كتاب الجهاد، حديث،1707، ج 4، ص 209. - وابن ماجه، كتاب الجهاد، حديث،2864، ج 2، ص 956. - وأحمد، ج 2، ص 17.
3 - محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 39.
4 - محمد المبارك نفسه.
ص
5 - عبد القادر عودة، 184.
37/ 36
220 (1/239)
صفحة 240
وإذا قام الخليفة بما أوجبت عليه أمور الخلافة نحو الأمة وجب له عليها حقُّقُ السمع والطاعة والنصرة، ما لم ينحرف عن الطريق الشرعي (1).
و لم يختلف الفقهاء في جواز خلع الإمام إذا ثبت خروجه عما تعهد به، أو ظهر فيه سبب من أسباب العزل ولكنَّ الخلاف ظاهر فيما إذا كان هذا العزل سيؤدي إلى الفتنة وإراقة الدماء، أما إذا أُمِن ذلك فلا خلاف فيه. إلا الشيعة الإمامية التي ترى عدم خلع الإمام لأنه وصية من النبي (2)
وإذا كانت نظرة أهل السنة والجماعة في مسألة عزل الإمام نظرة واقعية تميل إلى المهادنة وحقن الدماء، فقد أدى موقفهم هذا إلى فرقة المسلمين شيعًا وأحزاب (3). والحق أن هذه المواقف من أئمة الجور هي التي أدَّت بالأمة الإسلامية إلى ما صارت إليه بعد دولة الراشدين من استبداد في الحكم وظلم للرعية.
وقد تعرض الفقهاء إلى الأسباب التي توجب العزل، والتي لا تخرج عن دائرة شرع الله، وهي الفسق بظلم أو خروج عن حدود الشريعة، مما يخرج من شروط الإمامة، أو مرض في العقل واليأس من شفائه، أو نقص في الأعضاء.
أولا: ففيما يخص الفسق، فإن الشريعة تُسقط الطاعة عن الإمام إذا
1 - الماوردي، ص 35.
2 العقاد، الديمقراطية في الإسلام، ص 71.
-
3 علي الإدريسي، ص 68.
221 (1/240)
صفحة 241
فسق (1)، وعزله بهذا الموجب واجب لأنه من بين النظريات الثلاثة التي ظهرت إزاء هذه المسألة. وهي: العزل أو عدم العزل، أو العزل إذا أمنت الفتنة. فإن أصحها قاعدة وجوب عزله ولو بالفتنة، لأن ما
سيؤدي إليه هذا العزل ليست فتنة، بل هو إصلاح ديني واجتماعي، اعتمد أصحابه فيه على نصوص من السنّة، وعلى ضوء القرآن. بل إن الصبر على الإمام الفاسق هو فتنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه سيكون بعدي أمراء من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه» (2). وقال أيضا: من أرضى سلطانا بما يسخط ربه الله» (3). خرج من دين
فمقاومة الحكام الفسقة لا بدَّ بالتقيد به وهو واجب، وإلا فإن سيادة الأمة سوف تكون لا قيمة لها ويتحول النظام الإسلامي إلى كفر، وتصبح الدولة الإسلامية لقمة سائغة أمام العدو الخارجي وأرضا خصبة لزرع بذور الكفر والإلحاد والزيغ عن شرع الله في الداخل. والسكوت عن هذا يعتبر إعانة للأئمة الظلمة، للأئمة الظلمة، وفي ذلك إثم
كبير (4).
والماوردي ممن يوجب العزل في حالة الفسق المؤدي إلى اتباع الشهوات، في حين يبقى الإمام في منصبه إذا تعلق الأمر بشبهة، أي
1 - عبد القادر عودة، ص 141/ 140.
2 - رواه النسائي، كتاب البيعة، ص 143. 3 - رواه أحمد، ج 6، رقمه 301.
-4 - محمود الخالدي، ص
211/ 210
222 (1/241)
صفحة 242
الاعتقاد بغير الحق. كما لا يمنعه ذلك من ولاية قضاء وقبول الشهادة،
وهو مذهب علماء البصرة أيضا (1).
عفان الذي
وأوَّل عزل وقع في الإسلام كان في عهد عثمان بن أجبره الثوار على الاستقالة وخلع نفسه، فأدى ذلك إلى قتله، وإلى الفتنة الكبرى. وقد وقع في التاريخ الإسلامي أيضا، إلا أن القتل كان أفضل عند الثائرين من عزل الإمام الفاسق وإبقائه مخلوعا، لأنه يبقى يمثل خطرا عليهم من أنصاره (2).
ثانيا: أما الاستعفاء الاختياري، أو ما يعبر عنه بالاستقالة، فإن التاريخ لم يحدثنا عنه كثيرا، و لم يسجل ذلك إلا مرة واحدة حدثت أيام الأمويين، وهي استقالة معاوية بن يزيد بن معاوية، المعروف بمعاوية الثاني (3)، ولعلّ هذا ما جعل الفقهاء يُحجمون عن دراسة
موضوع الاستقالة الذاتية.
ثالثا: الحالة الثالثة
هي
ما يوجزه الماوردي في ثلاثة عناوين، وهي
نقص الحواس، وفقد الأعضاء، ونقص التصرف (4).
1 نقص الحواس: فيما يخص نقص الحواس ففيه ثلاث حالات:
قسم يمنع وقسم لا يمنع، وقسم مختلف فيه.
فأما الذي يمنع فزوال العقل، وهو على حالتين: عارض
1 - الماوردي، ص 53 فما بعد.
2 ظافر القاسمي، ج 1، ص 333.
385
3 - نفسه، ج 1، ص 4 - الماوردي، ص 59/ 54
223 (1/242)
صفحة 243
لا يخرج من الإمامة ولازم لا يُرجى زواله. فإن كان مطبقا
فإنه يمنع، وإن كانت تتخلله إفاقة نظر إلى أيهما أدوم. أما ذهاب البصر، وهو من الموانع للإمامة واستدامتها، فإذا طراً خرج به الإمام. أما العشى الليلي أي عدم النظر ليلا، فلا يمنع من عقد ولا استدامة وضعف البصر إذا كان يُعرف به الأشخاص لا يمنع، وإذا كان يدرك به الأشخاص ولكن لا يعرفها منع من الإمامة عقدا واستدامة. وأمَّا الذي لا يمنع فالخشم في الأنف، وفقد الذوق،
لأنهما لا يؤثران في الرأي والعمل.
ابتداء
وما هو مختلف فيه فشيئان، الصم والخرس. فيمنعان من عقد الإمامة واختلف في الخروج منها بهما، فقالت طائفة بالخروج، وقالت أخرى بعدمه لقيام الإشارة مقامه. وقال آخرون إذا كان يحسن الكتابة لم يخرج. وأما تمتمة اللسان وثقل السمع فلا يخرج بهما إذا حدثا، واختلف في عقد الإمامة مع وجودهما ابتداء. .2 فقد الأعضاء: ثمة أعضاء لا يؤثر فقدها في عقد الإمامة ولا استدامتها كقطع الذكرين والأنثيين. وقد وصف الله تعالى يحي ابن زكرياء بذلك، وقال: وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) (1). فإذا جاز ذلك في النبوءة فأولى أن يكون في الإمامة، لا يمنع من عقد واستدامة كقطع اليدين والرجلين وما يمنع من عقد الإمامة.
1 - سورة آل عمران، آية 39.
224 (1/243)
صفحة 244
واختلف في الاستدامة كقطع إحدى اليدين والرجلين، وإن طرأ بعد العقد فقد اختلف في الخروج بهما منها، وما لا يمنع من استدامة الإمامة كجدع الأنف وسمل إحدى العينين لا يخرج من
الإمامة، وفي العقد اختلاف.
3. نقص التصرف: وفيه حجر وقهر.
ويصبح
أما الحجر فهو أن يستولي أحد من أعوانه على السلطة مسيرا، ففي هذه الحالة فإنَّه لا يخرج من الإمامة، وإنما يُنظر إلى
صاحبه، فإن كان متبعا للشرع فذاك، وإلا لم يجز إقراره. وأمَّا القهر فهو وقوع الإمام في الأسر، وهذا يمنعه من عقد الإمامة سواء أكان القاهر مشركا أم مسلما باغيا. وإذا أسر بعد العقد فعلى الأمة إنقاذه، وهو إمام ما دام مرجو الخلاص. وإذا وقع اليأس منه
خرج منها.
هذا إذا كان في أسر المشركين أمَّا في المسلمين فيبقى على إمامته إذا كان مرجو الخلاص، وإن كان ميؤوسا منه، فالأمر على حالين: إذا نصبوا لأنفسهم إماما أو لم ينصبوا. فإن لم ينصبوا ورضي فهو على إمامته، لأن بيعته لهم، لازمة، والطاعة واجبة، وعلى أهل الشورى استنابة ناظر عنه. وإذا نصبوا لأنفسهم إماما فالإمام خارج من إمامته، وعلى أهل الحق والعقد العقد لمن ارتضوه.
ب الخروج على الإمام:
إن مسألة الخروج على الإمام الجائر من المسائل التي أسالت أقلام الفقهاء السياسيين وفرقتهم طوائف ما بين مجوز ومانع ومقيد للمنع.
225 (1/244)
صفحة 245
قالت المعتزلة إذا كنا يقينا على أننا نكفي المخالفين خرجنا ... وقالت الزيدية إذا كنا على عدد أصحاب بدر عقدنا الإمامة وخرجنا. وقال قائلون إن عقد الإمامة واجب مهما كان العدد. وقال قائلون إذا كان العدد نصف العدو وجب الخروج» (1).
أما جمهور أهل السنة والجماعة فقد اتفقوا على أنه لا يجوز الخروج على السلطان الجائر حقنا للدماء واتقاء للفتنة. قال الزرقاني في شرح الموطأ: «أما أهل السنة قالوا: الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عادلا، محسنا، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه لما فيه من استبدال الخوف بالأمن وإهراق الدماء وشن الغارات والفساد، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه. والأصول تشهد والعقل والدين أن أقوى المكروهين أولى بالترك» (2). حتى ولو قتل هؤلاء الأئمة الرجال واسترقوا الذرية وسبوها (3).
ويمثل جمهور أهل السنة في هذه النظرية أي عدم الخروج- الإمام
مالك وأحمد والحسن البصري وابن تيمية (4).
وإذا كان جمهور أهل السنة والجماعة قد أكد على الصبر مع السلاطين الجورة، إلا أنه قد قرَّر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية
1 - الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 2، ص 197.
2 - الزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 299.
-3 الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 2، ص 140.
4 - انظر تفصيل ذلك في كتاب: ابن تيمية منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 396/ 76/73، و محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 111/ 104. - ج 2، ص 327/ 211
- محمد عبد الهادي أهل السنة والجماعة، ص 60.
226 (1/245)
صفحة 246
ذلك
الخالق، إذ الواجب على المسلمين عدم اتباع الإمام الجائر فيما حرَّم الله، وكذلك ضرورة مناصحته والتغيير الحسن بما لا يؤدي إلى إراقة الدماء، مستندين في ذلك على أقوال الرسول في لزوم الجماعة وفضلها واحترام البيعة والصبر على ما يكون من الإمام. ومن قوله: «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف» (1)، وقال: «من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (2)، وقال: من رأى من أميره شيئا يكره فليصبر» (3).
وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قال: «الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ولا يخرج على الأمراء بالسيف وإن
1 - رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب، ج 9، ص 63. - ومسلم، كتاب الإمارة، باب 8، حديث 1840، ج 3، ص 1469.
2 - رواه البخاري في كتاب الأحكام وكتاب الفتن بلفظ: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنَّه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية»، فتح الباري ج 16، ص 112،ومسلم بلفظ: ألا» من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية ولاينزعن يدا من طاعة» كتاب الإمارة، ج - 12، ص 1477. حديث رقم 1849. - ورواه أحمد، ج 1، ص 275. - اختلاف بسيط كتاب السير باب،76، حديث 3623، ج 2، ص 158.
والدارمي، مع
3 - رواه البخاري، كتاب الفتن، باب 2، ج 9، ص 47. - ورواه في كتاب الأحكام، ج 4، ص 62 بلفظ "فإنه ليس أحد يفارق الجماعة". - ومسلم، كتاب الإمارة، باب
-
وجوب ملازمة الجماعة حديث 1849، ج 3، ص 1477. ورواه بلفظ "من كره من أميره شيئا فليصبر ". ص 1478. - وأحمد، ج 1، ص 310/ 197/175. – ولمزيد من التفصيل حول الموضوع ينظر: ابن تيمية منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 77. - الخلافة والملك ص 18/ 14 - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص
203 وما بعدها.
227 (1/246)
صفحة 247
جاروا» (1). ونقل عن الحسن البصري قوله في بني أمية: «هم يولون من أمورنا خمسة: الجمعة والجماعة، والفيء، والثغور، والحدود، لا
يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وإن ظلمها. والله لما يصلح أكثر مما يفسدون» (2).
الله
بكم
وقد اختلف أهل السنة في الإمام الذي يظهر فيه فسق، وذلك في
بيعته وطاعته، وقيل إن البيعة تنتقض والطاعة غير واجبة (3). وكما وقف جمهور أهل السنة موقف جواز الصبر مع الإمام الجائر، فقد كان لهم نفس الموقف مع الحاكم المتغلب، حتى إنهم اعترفوا له بالخلافة واختلفوا في طاعته. فقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا قام إمام متغلب واستولى على الخلافة بالقوة، وهو متوفّر على شروط الإمامة، ولم يكن في المسلمين إمام فإنه يكون إماما واشترط الشافعي فيه شرط العدالة والقرشية والرضا من المسلمين (4).
وقال أحمد بن حنبل: ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة فهو خليفة». وروي عن الشافعي قوله: كل قرشي غلب على الخلافة
بالسيف واجتمع عليه الناس فهو خليفة» (5). أما بالنسبة لطاعة المستولي على الحكم بالقوة، فقد اختلفوا فيها
1 ابن الجوزي، المناقب، ص 176.
2 - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 111.
3 - نفسه، ج 1، ص 112.
4 - نفسه، ج 1، ص 104.
5 - نفسه، ج 1، ص 104.
228 (1/247)
صفحة 248
بالنسبة لظهور فسقه منهم من رأى نبذ الطاعة، سواء في الطاعات أم في المعصية، لأنه لم يؤخذ ببيعة. وهناك من رأى طاعته في المعروف دون المعاصي، وهو الرأي الراجح لدى الجمهور. بينما رأى فريق ثالث أنه إذا كانت الإمامة الكبرى فالطاعة في الطاعات فقط، أما إذا كانت الإمامة الصغرى فلا طاعة إطلاقا (1).
والحق أن الخلافة لا تنعقد ولا تؤخذ بالقوة مهما كانت وسائلها، وأن السلطان المتغلب لا يكون خليفة، ولكنه يصبح حاكما، أي ليس
حكمه خلافة نبوية، بل هو ملك دنيوي (2).
إن الرأي الذي يتبنى الاعتراف بالأمير المتغلب رغم وجاهته في تجنب إراقة الدماء والمحافظة على وحدة المسلمين وصفوفهم، فإنَّه يجب على الفقهاء إعادة النظر فيه، والبحث عن طرق أخرى تحول دون الوصول إلى هذه الوضعية التي تفتح المجال واسعا أمام المغامرين (3)، لأننا لا نستطيع أن نضمن نجاح الانقلاب، كما أننا لا نملك الضمان الكافي على أن المستولي على الحكم متوفّر على شروط الإمامة. وإذا حصل العكس أن صار الإمام المتغلب جبَّارا فاسقا ولا يحكم بما أنزل وهو على قوة، فكيف يكون موقف المسلمين في وقت يحرم فيه
الله
النصح ويستحيل فيه الخروج؟
هذا، وإننا نجد لدى أهل السنة والجماعة من خرج عن
1 - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 112.
2 - نفسه، ج 1، ص 112. - محمود الخالدي، ص 208.
3 محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 77.
قاعدة
229 (1/248)
صفحة 249
الصبر على الظلم، ورأى خلع الحاكم المستبد إذا أمكن ذلك دون قتال. وهذا هو موقف الشيخ محمد الغزالي، إذ يرى وجوب طاعته والحكم بإمامته (1). ولعله يريد بذلك ضمان عدم إراقة الدماء ونجاح التغيير. وهـ ما ر. وهو يسمى بنظرية الإعداد من أجل التغيير. وهذا هو مذهب الإباضية في مسألة الخروج.
ولا يكون هذا إلا تطورا حادثا في نظرية أهل السنة في الخروج على الإمام الظالم، وإذا ما نظرنا إلى الواقع التاريخي للأمة الإسلامية وجدنا أن هذا الرأي قد عرقل كثيرا المسلمين عن الخروج في الوقت الذين يستطيعون فيه فعله.
ولو أن المسلمين جميعا وقفوا موقفا سلبيا أمام طغيان أئمة الجور لما استمروا وما دام لهم وجود والغريب أننا في أكثر الأحيان نجد مع هؤلاء السلاطين من يقف بجانبهم يزكّي انحرافهم، ويسمي ظلمهم
عدلا، وفسادهم إصلاحا، واستبدادهم بالرعية إكراما لها (2). ونتيجة لهذه المبررات التي ساقها أهل السنة لإقرار مبدإ عدم الخروج، فإنّه مع وجود بعض الوجاهة في بعض المواقف، إلا أن الوضعية السلبية التي انتهت إليها هذه الآراء تتمثل في صبغ الأنظمة الاستبدادية بالشرعية وانقلب الكلام عن الخلافة وشروطها وشروط الإمام اللازم توافرها من المجال الواقعي إلى مجرد مباحث كلامية وفقهية نظرية. وأصبح الكلام عن الخروج مروقا عن الدين، وغدا
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 631.
2 - محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص 204.
230 (1/249)
صفحة 250
النظام الاستبدادي هو القاعدة، في حين أصبحت الخلافة الإسلامية
تمثل القاعدة الشاذة (1).
2 - الإباضية
أ- عزل الإمام:
لا يتميز الإمام الإباضي عن بقية المواطنين من حيث التبعات والمسؤوليات التي تلحقه بصفته مسلما، ثم مسؤولا عن الأمة. فليس للإمام أيُّ حصانة معيَّنة تحميه عن إجراءاته، والقرارات التي يتخذها. فإذا اتخذ قرارا غير قانوني لا يتفق ونصوص الشريعة الإسلامية وجب عليه تحمل التبعة من ماله الخاص (2).
من
هذا فإن الإمامة عند الإباضية ليست مطلقة، وإنما ترتبط
شرعيتها ارتباطا وثيقا مع التزام الإمام بتنفيذ الأحكام والاستقامة مع الحق والعدل (3). وكمبدإ متفق عليه، فقد أجمعت الأمة على تحريم عزل أئمتها إذا عدلت واستقامت على منهاج العدل» (4). وبالتالي فإنّ الثورة على الإمام العادل منكر، ويجب عليه محاربة البغاة وردهم إلى الصواب بمساعدة الأمة (5).
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 633/ 632.
2 عمر فاروق، ص 36 نقلا عن الصائغي ورقة 184. 3 - إبراهيم بن يوسف، الحكم والسياسة، ص 34. -4 عمر فاروق، ص 61. نقلا عن الصائغي، ورقة 85 أ. 5 عمر فاروق، ص 61. نقلا عن الصائغي، ورقة 85 أ.
-
231 (1/250)
صفحة 251
ويستدل الإباضية على جواز عزل الإمام بعدة نصوص، منها قوله سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون بما
يأمرون ثم يكون من بعدهم خلفاء لا يعملون بما يعلمون، ولا يفعلون بما يؤمرون، فما أنكر عليهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن كان معهم فهو منهم» (1). وقال: «إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعذاب منه» (2).
1
ويمكن إيجاز العوامل التي توجب عزل الإمام في محورين: ديني أخلاقي كالردَّة عن الإسلام أو إنكار ركن من أركان الدين مما يخرج من الملة، أو اتباع شهوة من الشهوات المحرمة
من
كالخمر والزنا، والتمادي فيها والإصرار عليها. وإذا ركب منكرا هذه المنكرات فعلى العلماء استتابته فإن تاب فهو في إمامته وولايته، وإن جار ولم يعدل عما هو فيه وجب عزله، وإن خاف العلماء على أنفسهم ودمائهم وأموالهم، وسعتهم التبعية في الظاهر سرا، ولم يؤدُّوا إليه الزكاة، ولم يتولوا له شيئا من
منه
والتبرؤ عمله، إلا ما وافق الحق، مع مراجتعهم إياه بالتوبة، واستدراجهم إياه أو الاعتزال. ويمكن أن يتوب من ذنبه سرًّا إن لم يظهر معها كبر، وإن ظهر تاب جهر (3). قال: «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف» (4).
1 - رواه النسائي، كتاب البيعة، باب ذكر الوعيد لمن أعان أميرا على الظلم، ص 143. 2 رواه أبو داود كتاب، الملاحم، ج 2، ص 436 - والترمذي، كتاب الفتن، باب نزول العذاب إذا لم يتغير المنكر، رقم 2168، ج 4، ص 467. - وأحمد، ج 1، ص 7.
3 امحمد، اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 338 - عدون جهلان، ص 197. 4 - رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب 4 ج 9، ص 63. - ومسلم، كتاب الإمارة، باب 8، حديث 1840، ج 3، ص 1469.
232 (1/251)
صفحة 252
2. أسباب خلقية بذهاب، عقله فالإجماع عليه معقود، لأنه لا تزول عنه الأحكام، وأما السمع والبصر والكلام ففيه اختلاف. فبالنسبة للجنون، فإذا كان يفيق حينا وحينا آخر يجن، فهم مخيرون في عزله أو تركه، وكذلك ما يتعلق بالسمع والبصر والكلام، فإن الأمر متروك للمسلمين، فإن شاءوا عزلوه وإن شاءوا تركوه، كعلم من أعلامهم وأقاموا من يقيم الأحكام (1).
وقد ورد في الموضوع أيضا قولان وهما انتظار موته بدلا من عزله، وهو على حالته هذه أو استشارته في ذلك. هذا إذا تعلق الأمر بالإباضية مع حاكم إباضي، أما إذا صاروا في حكم غير حكمهم وحدث ما يخل بالإمامة حاولوا إرشادهم، وإذا لم يتمكنوا من عزله أو خافوا على دولتهم من اضطراب في الحكم أبقوه ما لم يأمر بمعصية. ويتفق هذا الرأي مع رأي الأشاعرة وأهل السنة (2). إقالة الإمام نفسه فكما أن الإمامة تثبت بالإجماع فإن العزل كذلك، ولا يمكن لإمام المسلمين أن ينزع نفسه بدون موجب، والحقيقة أنه إذا كان الإمام متوفّرا على شروط الإمامة ورفضها قتل، كما سبق ذكره. فإن عزل نفسه فمن باب أولى. يقول الشيخ
اطفيش: «إن تبرأ الإمام من الإمامة بدون موجب لم يجز له، وإن
تاب
من
ذلك
رجعت له، وقيل
يستحب أن يجدد له العقد ... إذا
قال هذه إمامتكم خذوها استُتيب ... فإن تاب ثبت، وإن أصرَّ
1 - امحمد اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 343. - الحضرمي، مختصر الخصال، ص 194. -2 عدون جهلان الفكر السياسي، ص 195 وما بعدها.
233 (1/252)
صفحة 253
احتجوا عليه في تركه القيام وإصراره، وأقيم غيره» (1).
من
هنا فإن الموجب للاستقالة يخضع لمقاييس عدم الاستطاعة
سواء من الناحية الدينية أم الناحية الخلقية، ولا بد أن يتم ذلك
بإجماع أهل الحل والعقد.
ب الخروج على الإمام الجائر:
إن أول حقيقة في هذا الموضوع يجب بيانها والتأكيد عليها هي أن
الإباضية لم يُنقل عنهم إطلاقا القول بوجوب الخروج على الإمام الجائر، فعدم الخروج هو الأصل، وخاصة إذا خيف تصدع المجتمع وهلاكه. والأصل في ذلك هو ما يترتب عنه من نتائج، لأن الإباضية أصلا يميلون إلى التسامح واللين لا إلى استعمال القوة، إلا إذا اقتضت الظروف ذلك (2). وقد وقع الكتاب في خلط كبير في مسألة وجوب الخروج الذي ينسبونه إلى الإباضية. ومنشأ هذا هو خلطهم بين الإباضية والخوارج الذين يوجبون الخروج مهما كانت الظروف، أما بالنسبة للإباضية فعندهم أن الخارج على إمام بالإجماع باغ بإجماع،
والبراءة من الباغي بالإجماع واجبة بالإجماع» (3).
عدم
وإذا أجاز الإباضية الخروج على الإمام الجائر فذلك عند ضمان هلاك الأمة، وهذا لا يكون إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة وتثبيت
1 - امحمد اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 346.
2 عدون جهلان، الفكر السياسي، ص 199.
3 - السالمي تحفة الأعيان، ج 1، ص 178.
234 (1/253)
صفحة 254
الحق والدعوة إليه (1).
أما بالنسبة للإباضية إذا كانوا تحت الحكم الجائر وخافوا الضرر إذا خرجوا عليه، فحينئذ تكون الطاعة له ما لم يأمر بمعصية، كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يظلان واجبين في كل الظروف، تحت الخلافة الرشيدة أو غيرها (2).
وقد اهتم الإباضية اهتماما كبيرا بموضوع الخروج على الإمام الجائر، حتى إنهم قالوا جواز الخروج مع الظالم ضدَّ من هو أظلم منه» (3). وهذا دليل على النضج السياسي والإدراك الحقيقي لما قد يترتب من آثار على عملية الخروج.
وقد اهتم الإباضية بمسألة الإمام المتغلب، وسماه الشيخ اطفيش السلطان المتسلط، لأنه يأخذ بلا حق ويعطي بلا حق» (4). وأكثر هؤلاء قد وصل إلى السلطة عن طريق القوة. وهو يسمى في عصرنا الحاضر بالانقلاب. وعادة ما يميل هؤلاء الانقلابيون إلى عدم تنفيذ أحكام الله. والدليل على ذلك عدم قبولهم للوضعية السابقة، وإن حبهم للسلطة يؤدي بهم إلى الترف والتبذير، وحكم البلاد وفق شهواتهم.
وتبقى القاعدة الإباضية نحو هؤلاء واحدة، وهي عدم الخروج
1 - السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 178.
-
2 علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 334.
3 - وكمثال على ذلك إباضية عمان مع الإمام غسان بن عبد الملك، وهو ممن لم تحمد
سيرته. وهذا لدفع الأكثر ظلما منه الساني، تحفة الأعيان، ج 1، ص 108.
4 - احمد، اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 427.
235 (1/254)
صفحة 255
عليهم إلا إذا أُمنت الفتنة والدماء. فالأصل إذا عند الإباضية هو عدم الخروج، وجوازه إذا أنس المسلمون من أنفسهم القوة وتأكدوا من
نجاح التغيير (1).
ونستنتج من كل الدراسات الإسلامية وحياة الأمة الإسلامية،
أربعة آراء حول الخروج على الأئمة الجورة، وهي (2):
4 يجب السمع والطاعة مهما كانت الخلافة دينية أم دنيوية، ولا يجوز الخروج. وهذا هو رأي الأشاعرة وأهل السنة.
الخلافة ليست للبشر، وهو وصية من الخليفة السابق إلى
اللاحق، والخروج فسق والإمام معصوم. وهذا مذهب الشيعة. 6 يتم تعيين الإمام بالاختيار الحرّ، وتجب طاعته إذا كان عادلا، وإذا جار وجب الخروج عليه، وإلا قتل إذا لم ينعزل. وهذا رأي خاص بالخوارج.
7 مهما كانت طريقة الوصول إلى الحكم فإذا كان الإمام عادلا وجبت طاعته وكان الخروج عليه فسقا، وإذا جاز البقاء ولكن لا
طاعة في معصية الخالق. وجاز الخروج عنه. وهذا رأي الإباضية. والحقيقة أن الإباضية قد توسطوا في مسألة الخروج، فالخروج على
الظلم مهما كانت الظروف يؤدي بالأمة إلى التهلكة. ما كان
ويصبح
عليه المسلمون أحسن حالا. وعدم الخروج يُعطي للظالم فرصةً تمكنه التسلط على المجتمع وإفساده إلحادا وانحلالا. وتبقى الظروف
من
1 - الوارجلاني، ج 3، ص 77. - علي يحي معمر، الإباضية بين الفرق، ص 334.
2 - علي يحي معمر الإباضية بين الفرق، ص 461.
17
236 (1/255)
صفحة 256
ونتائج الثورة هي سيدة الموقف، والمحدّدة للخروج إقداما أو إحجاما، ولو أدَّى هذا إلى الإعداد ثم الخروج. وهذا هو رأي الإباضية في
الموضوع.
إن مسألة الخروج على الإمام الجائر هي النقطة الثانية التي يختلف فيها الإباضية مع أهل السنة والجماعة. وقد تقدم أن المسلمين اختلفوا فيها إلى ثلاث اتجاهات رأي يدعو إلى الصبر، وهو خاص بأهل السنة. ورأي يدعو إلى الخروج وبه أخذت فرق الخوارج. وقد انقرضت هذه النظرية الأخيرة مع أصحابها. أما الرأي الثالث فهو رأي
الجواز الذي توسط بين الأولين، وقد أخذت به الإباضية والمعتزلة. وقد ساهمت الوقائع والأحداث التاريخية في تغيير مواقف بعض فقهاء أهل السنة المعاصرين، مما سهّل في التقارب بينهم وبين الإباضية. وهذا اعتمادا على ما أنتجه الواقع الذي عاشته الأمة الإسلامية. وما أدى إليه ذلك من انحراف في الحكم وهذا ما سنعرفه في القسم الثاني
من
البحث.
ينطلق السنيون في هذه المسألة من النصوص الآمرة بالصبر، في حين يقابل الإباضية تلك النصوص بأخرى تحث على الضرب على يد الظالمين. كما أن للواقع وأخذه بعين الاعتبار الأثر الكبير في شرح تلك النصوص. أي شرحها على ضوء القرآن الكريم، فالسبب في هذا الاختلاف واضح، وهو كيفية أخذ النصوص ومعالجتها من طرف هذا المذهب أو ذاك.
237 (1/256)
صفحة 257
ولا يقف الخوارج وحدهم إلى جانب قاعدة وجوب الخروج،
فهناك الشيعة الذين يرون فعل ذلك الظلمة، فقد فضلوا الإمام الكافر العادل على الإمام المسلم الظالم، وقد اشتهر عن ابن طاووس أنه قال: «الكافر العادل خير من المسلم الظالم»، وقال العلامة المجلسي في البحار الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم»، كما روي عن
الإمام الباقر قوله: لا دين لمن دان بطاعة لمن عصى الله
ويفتي علماء الشيعة بأن أي عمل من شأنه إعانة الظالم فهو حرام وكبيرة من الكبائر، إلا ما كان فيه نفع المؤمنين أو دفع ظلم عن
المظلومين.
ومن
هنا فإن منطق التشيع ملازم لمبدإ الثورة على الظلم والفساد،
لأن الخروج على الجائر من صميم الدين، والصبر عليه خروج منه. مع العلم بأن الجور في منطق الشيعة هو خروج عن الشريعة الإسلامية (1).
أزاء هذه المسألة فإن المذاهب الأربعة تنقسم إلى:
قسم يدعو إلى الصبر، ويشمل أهل السنة.
وقسم يدعو إلى الخروج ويشمل الخوارج والشيعة.
وقسم يدعو إلى جواز ذلك إذا غلب على الظن نجاح الثورة،
ويشمل الإباضية والمعتزلة.
وأما فيما يتعلق بالإمام المتغلب فإن المذاهب الأربعة لها نفس
الرأي، أي ما تراه بالنسبة للإمام الجائر.
1 - محمد جواد مغنية الشيعة والحاكمون، ص 29/ 27/26.
238 (1/257)
صفحة 258
وفي نظرنا يبقى الرأيان السني والإباضي رغم اختلافهما من
العوامل التي تعطي للنظرية السياسية تكاملا وقوة تسمح للمسلمين بانتهاج أحد الأسلوبين، وهذا طبقا للظروف التي قد تصادف الدولة الإسلامية. كما تمكّن السياسة الشرعية من المرونة والتحرك حسب ما تقتضيه المصلحة، لأن نظرية الصبر قد خيبت آمال علمائنا السنيين،
حيث إن الجور الصادر من الإمام الخارج عن شرع الله أو من
المتغلب، لم يبق في حدود السلطة، بل تعدى ذلك إلى سياسة الرعية، مما أدى إلى قيام الثورات. كما أن الخروج على مثل هذه الأنظمة بغير إعداد للمجتمع قد يعرض الأمة للهلاك، وهو منهي منهي عنه شرعا. قال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (1).
مي
وتبقى نظرية الإعداد ومراقبة الفرصة المواتية لتصحيح الأوضاع سيدة الموقف، وهو الصواب الذي أثبته الواقع الإسلامي.
1 سورة البقرة آية 194.
239 (1/258)
صفحة 259
الفصل الرابع
أنواع الإمامة (1/259)
صفحة 260
[صفحة فارغة] (1/260)
صفحة 261
إنَّه من البديهي أن يطرح مثل هذا السؤال: هل للإمامة أنواع؟ فبقدر ما اجتهد الفقهاء السياسيون في وضع قواعد وضوابط لنظام
الحكم في الإسلام، من حيث ماهية الإمامة ووحدتها وشروطها، وغير ذلك، فإن هناك من المذاهب من ذهب أبعد من ذلك، فدرس جميع الأوضاع التي قد تطرأ على الأمة الإسلامية بصفتها أمة كسائر الأمم، وحضارة من بين حضارات الإنسان تخضع لسنة الكون من قوة وضعف، أما الإسلام فيظل سيد الوجود والحياة كما قال تعالى: والله متم نوره ولو كره الكافرون) (1). وقال: {والعاقبة للمتقين) (2). ولكن رغم هذا فإنَّه لا بدَّ من ابتلاء ليمتحن الله عباده فيعلم
المجاهدين ويعلم الصابرين.
وأنواع الإمامة في موضوعنا هذا ليس من حيث طرق الوصول إليها أو شكلها، بل من حيث طبيعتها وما ستكون عليه الإمامة في وضعية من الأوضاع التي قد تتعرض لها الأمة الإسلامية. وستبقى الإمامة الكبرى وهي إمامة الظهور عند الإباضية، هي الأصل، التي يعمل المسلمون من أجل إقامتها، كما تبقى سائر قواعد الإمامة وضوابطها من حيث الاختيار، وشروطها ووجوبها بدون تبديل ولا
تغيير.
1 سورة الصف آية 8. 2 - سورة الأعراف، آية 128.
242 (1/261)
صفحة 262
[صفحة فارغة] (1/262)
صفحة 263
أولا: أهل السنة والجماعة
إن من الصعوبة التطرق لهذا الموضوع بالنسبة لأهل السنة والجماعة، وذلك لعدم تناول الفقهاء السنيين هذا الموضوع وذلك لعدة
أسباب.
إن السبب الرئيس والمباشر في هذه المسألة هو أن المذهب السني الناحية السياسية قد احتل مقدمة الدول الإسلامية في أغلب الفترات التاريخية، ومن ثم فإن الفقهاء السنيين لم يفكروا في إيجاد صيغة أخرى للحكم، رغم تعاقب عدة ظروف سياسية ليست متشابهة ن حيث المذهب الذي حكم به الخليفة والطرق التي اتبعها معظم الأئمة في نصب الحكام من بعدهم. كما أن هذه الوضعية السياسية للأمة الإسلامية قد وضعت حدا لاجتهاد الأئمة، ويتمثل ذلك في انحراف الحكم والحكام، ولا أدل على ذلك من وصية الماوردي لعدم نشر كتابه "الأحكام السلطانية" إلا بعد مماته (1).
ويظهر هذا جليا في أن بعض المذاهب التي لم تتزعم كيانات سياسية جعلها تجتهد في وضع نظريات سياسية معبرة عن مواقفها أزاء وجودها بين حكّام أهل السنّة الذين جمدوا نشاطها ووصفوها بالمعارضة والخارجة عن الجماعة.
ومن ناحية أخرى فإنّ أئمة المذاهب الأربعة، التي تشكل جماعة أهل السنة، قد عاشوا في زمن لم تُظهر فيه المذاهب الأخرى أي قوة تذكر، فساعد هذا الوضع على انتشار الأفكار السنية، وطبقا لقاعدة
1 محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 350.
244 (1/263)
صفحة 264
الحق مع القوَّة - فإنَّه أصبح عُرفا أن الخروج على تلك الآراء بدعة، وهذا ما حرم النظرية السياسية لأهل السنة أن تعرف تطورا كبيرا من وجهة نظر سياسية، نظرا للوتيرة الوحيدة التي سارت عليها تلك الأنظمة السياسية، وبالتالي لم تكشف أخطاء هذه الآراء إلا بعد مرور زمن طويل على تطبيقها ميدانيا. وهو ما يفسر ذهاب كثير من المفكرين السنيين (1) في السياسة الشرعية إلى استساغة كثير من النظريات السياسية لمذاهب أخرى، ووصفها بأنها نظريات مرنة وذات
نظرة بعيدة (2).
ومن الأسباب التي تعلل هذا الموقف أيضا، تمسك أهل السنة بحرفية النصوص دون التعمق في فهم مقاصدها، وتوظيفها بما يناسب أوضاع المسلمين لمعالجة المستجدات وأوضاع المسلمين المتقلبة الظروف. ولم يستفد المفكرون رون السنيون من السنة العملية للرسول، فحياته وتعامله مع الأعداء والأصدقاء، وتقلبه بين مختلف الأوضاع، وفي شتى المراتب إلى أعلى منصب يتمثل في رئاسة الدولة الإسلامية وبناء دعائمها السياسية خاصة فيها قدوة وأسوة حسنة، ومنبع فياض لاستخلاص واستنباط أحسن السبل للمسلمين لبناء دولتهم.
-
-1 مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق، ص 300.
-2 - إن كثيرا من الفقهاء السياسيين السنيين يذهبون في آخر تحليلاتهم إلى رأي الخوارج - و الإباضية في اعتقادهم منهم وخاصة ما يتعلق بمسألة الخروج على الإمام الجائر، ثم النسب القرشي. ومن هؤلاء الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 91 - محمد أبو زهرة، في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص 204 - عمر فاروق فوزي التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 34. – محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 632 - عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 128/ 127/126.
245 (1/264)
صفحة 265
وإذا كان أهل السنة قد تطرقوا إلى أنواع الأئمة التي قد تتولى أمور
المسلمين بطرق لا يسمح بها الشرع، كالإمام المتغلب أو المستولي، فإنهم لم يعالجوا ذلك إلا في إطار الهدنة والاستسلام للأمر الواقع (1). كما أنهم لم يتطرقوا إطلاقا إلى حالات استثنائية طارئة على الأمة الإسلامية مثل الاستعمار، أو تولي إمام مخالف لأهل السنة عقديا كم في البلاد. ويعود ذلك أصلا إلى ما سبق ذكره من أن مذهب ــل السنَّة كان له الصوت العالي واليد العليا على جميع الأنظمة ية التي قامت وبخاصة في المشرق العربي. وحفاظا على الأمن والسلم الاجتماعيين، واتقاء للفتن وتمزق المسلمين فإنهم فضلوا الأمر الواقع، وقد اعتمدوا في ذلك على أحاديث النبي. والحق أن تفسر هذه الأحاديث على ضوء القرآن والأحاديث الأخرى التي تأمر المسلم بإقامة الدين والجهاد في سبيل نشره، ومحاربة كل من يعطّل دود الله). قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما
حدود
أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (3). ولكن الرسول الله قال: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم
1 - انظر الفصل الثالث الخاص بذلك.
2 - عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 141/ 140. 3 - رواه البخاري، باب 108، ج 4، ص 49. - وفي باب السمع والطاعة للإمام، ج 9، ص 62. - ورواه مسلم بلفظ على المرء السمع والطاعة" حديث رقم 1839، - والنسائي بنفس اللفظ كتاب البيعة باب،34، ج 7، ص 142. وأبو داود، كتاب الجهاد، ج 2، ص 39 - وابن ماجه، كتاب الجهاد باب لا طاعة في معصية الله، رقم الحديث،2864، ج 2، ص 956. - وأحمد، ج 2، ص 17.
246 (1/265)
صفحة 266
يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (1).
وقد تطرق الفقهاء أيضا إلى الإمام الجائر والإمام الفاسق، فنهجوا لهم نفس الطرق صبرا على المكروه. وبناء على كل ما سبق ذكره من الأسباب، فإن أهل السنة والجماعة تمسكوا بنوع واحد من الإمامة، وهي الإمامة الكبرى، والتي سايرتهم طوال أيام عزهم. ولم يلتفتوا إلى ما سيكون عليه الغد، ذلك لعدم وقوعهم فيما وقعت فيه سائر الفرق الإسلامية الأخرى من محن وملاحقات سياسية وعقدية، كالشيعة والمعتزلة والإباضية وفرق الخوارج.
كما أن كثيرا من الآراء التي سادت أيام الأمويين والعباسيين خاصة، كانت قد ساهمت في تخدير الرأي العام ونشر الخرافات، من ذلك انتشار النظرية الجبرية والإرجاء، وكذلك حضر الخلافة في قوم دون آخرين، ثم تقديس الخلفاء وإضفاء الحق الإلهي عليهم. كل هذه الوضعيات أدَّت إلى الركود الفكري وجمود الاجتهاد في ميدان السياسة الشرعية، حيث ظهر الرأي الذي يعتبر الخروج على الإمام لا يقوم به إلا العوام، والمتمردون، وأن الثورات لا يقوم بها إلا الزنادقة المارقون عن الدين.
والترمذي،
1 رواه أبو داود كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، ج 2، ص 436. - كتاب الفتن، باب نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، حديث رقم 2168، ج 4، ص 467
- وأحمد، ج 1، ص 7.
247 (1/266)
صفحة 267
الأخر
ثانيا: الإباضية
تتميز النظرية السياسية عند الإباضية عن غيرها من النظريات ري بطرحها نماذج وأنواعا من الإمامة مختصة بكل ظرف من الظروف المتغيرة التي قد تقع فيها الأمة الإسلامية. وهذه الأنواع من الإمامة لا تتغير من حيث مضمونها وجوهرها وأهدافها البعيدة، بل
هي متنوعة من ناحية طبيعتها وفق الوضع الذي يعيشه المسلمون. وقد بنيت أسس هذه النظريات على نماذج عملية، تمثلت في سيرة
الخليفتين أبي بكر وعمر والسيرة المكية الأولى (1).
والإباضية في عملهم السياسي لا يلتجئون إلى العنف والقوة، بل يعتمدون على الدعوة والإقناع إلا في حالة الدفاع، وهذا ما يفسر عدم خروجهم مع الخوارج والشيعة والتوابين وابن الزبير وابن الأشعث وغيرهم ضدَّ الأمويين، رغم إنكارهم وانتقاداتهم لأعمالهم الخارجة عن الكتاب والسنة (2).
ولا بدَّ من ملاحظة أنه لا يوجد فرق بين الإمامة الكبرى وغيرها من الإمامات الأخرى عند الإباضية كما سنعرفه من حيث كونها لا تفصل بين الدين والسياسة، إذ الإسلام لا يعرف فصلا بينهما (3). وقد سماها الإباضية بمسالك الدين، وهي الطرق التي تؤدي إلى إقامة الدين طبقا لقوله تعالى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (4). قال
1 - الشماخي، شرح عقيدة التوحيد، ورقة 16 ب /26) (مخطوط).
2 علي يحي معمر الإباضية دراسة مركزة في أصولهم، ص 52. -3 - مهدي طالب هاشم، الإباضية في المشرق العربي، ص 295. -4 - سورة الشورى آية 13
248 (1/267)
صفحة 268
الشيخ عمر التلاتي في تعريفه لمسالك الدين: «مسالك: أي الطرق. الدين: أي الأحكام التي بعث بها نبينا محمد، هي أربعة أشياء» (1)، وهي الظهور، الدفاع، الشراء، الكتمان (2).
إن الإباضية قد اعتمدوا هذه المسالك الدينية لا لكونها نماذج عملية تمثلت في السيرة الراشدية فحسب بل اعتبارا لسيرة الأئمة الإباضية الأولين الذين يعتبرون أقرب زمنا إلى الرسول والصحابة والتابعين. فإمامة الظهور تمثلت في النظام السياسي أيام الدولة الرستمية (3). أما الدفاع فالإمام عبد الله بن وهب الراسي، والشراء كإمامة أبي بلال مرداس بن حدير والكتمان كإمامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأبي الشعثاء جابر بن زيد (4). وقد كان للإباضية إدراك سياسي بعيد، وتفقه للأوضاع السياسية جعلهم يختارون لكل مرحلة من المراحل ولكل منطقة من المناطق التي يوجدون أسلوبا معينا يتلاءم مع تلك الأوضاع، كظروف البصرة أيام أبي عبيدة وجابر بن أبي زيد (5). حيث كان الأمويون يشنون حربا ضدَّ
1 - عمر التلاتي، عقيدة التوحيد وشروحها، ص 51.
2 - أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، ص 50. عمر التلاتي، عقيدة التوحيد وشروحها، ص 51 وما بعدها. - بكير أو عوشت دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 53 وما بعدها. – بحيو الحاج بكير، محاضرة.
-
Cheikh Bekri: Le Kharijism berber. P 60. – Aicha Daddi addoun, Sociologie et histoir. P 89. - Benchenhou, Connaissance du Magrheb. P 95.
Benchenhou, Connaissance du Magrheb. P 95. –3
-
-4 أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، ص 50 عمر التلاتي، عقيدة التوحيد
وشروحها، ص 51 وما بعدها.
5 - مهدي طالب هاشم الإباضية في المشرق العربي، ص 300.
249 (1/268)
صفحة 269
جميع قوى المعارضة، سواء كانت من الشيعة - شيعة علي وأنصاره أيام صفين - أم إباضية أم خوارج، وكان الجميع يوصفون بالخروج والمروق
من
الدين.
إن تعاليم مسالك الدين التي لم تخرج عن إطار الكتاب والسنة، هي التي مكنت الإباضية من البقاء والاستمرار في عقائدهم الدينية والاجتماعية، وكذلك سائر المعاملات الواجب اتباعها مع السلطات الحاكمة ومع مخالفيهم من أهل القبلة (1). وسنرى أن
جميع هذه المسالك تتميز بمرونة سياسية، بمواقف وضوابط وقواعد لا تتنافى المعاملات الإسلامية، بل وتستند في كلّ منها على نصوص من الكتاب ومواقف نبوية مرحلية، سلكها الرسول وأصحابه في مختلف الأزمات عبر تاريخ الدعوة الإسلامية
الطويل.
والمسالك الأربعة تبتدئ بمرحلة الظهور التي هي الأصل، وإذا ما طغى الظلم واستبد الحكام انتقل المسلمون إلى مرحلة الدفاع، وهي القيام بالثورة بزعامة إمام. وفي حالة عدم استجابة المسلمين تأتي مرحلة الشراء. وهي القيام بعمليات فدائية ضد الحكام وبعيدا عن الآمنين. وإذا رضيت الأمة بالذل وبالحكام الجورة عليها جاءت المرحلة الرابعة وهي الكتمان والقيام بتنظيم المجتمع، والعمل من أجل المحافظة على
القيم الدينية (2).
1 - عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 149.
2 بكير أو عوشت، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 96/ 93.
250 (1/269)
صفحة 270
1 - مرحلة الظهور:
تعتبر مرحلة الظهور هي الأصل والمأمور بها. وقد ختم بهما الرسول
حياته، وكذلك أبو بكر وعمر (1).
وهي الوضعية التي ينبغي على كل مسلم أن يعمل من الوصول إليها، وذلك للتمكين لدين الله وإقامة أحكامه.
أجل
وهي واجبة إذا ما توفرت شروطها، وهي أن يكون أهل الحق نصف عدوهم المتخوف منه أو أكثر. قال الله تعالى: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن تكن منكم أمة صابرة يغلبوا
مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) (2). ولا بد أن يكون معهم
ما يكفيهم من سلاح وكراع وعلم ومال (3).
وإذا حصلت هذه الشروط أصبحت واجبة لإنقاذ حقوق الله وحقوق العباد. ولا يزول إمامها إلا بإحداث في الإسلام أو زوال عقل أو عدم نفع به (4).
فقد اعتمد الإباضية في مرحلة الظهور على نماذج من سيرة
بعد إسلام عمر بن
الخطاب
الرسول في مكة والمدينة. ففي مكة ظهر الإسلام، قويا لقول الرسول: «اللهم انصر الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام (5). وقال تعالى: (فاصدع بما تؤمر
1 - الشماخي، مقدمة التوحيد، ص 50.
-2 سورة الأنفال آية 66
3 - امحمد، اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 436.
4 - امحمد اطفيش، نفسه،
ص
113
- ابن الأثيير، الكامل، ج 2، ص 58.
251 (1/270)
صفحة 271
وأعرض عن المشركين) (1). وكذلك سيرة الصحابة أبي بكر وعمر، إذ ظهرا يصلّيان الجمعة ويجمعان الزكوات والغنائم، ثم ظهر عبد الله ابن يحي طالب الحق باليمن والجلندى بن مسعود والوارث بن كعب وغسان بن عبد الله وغيرهم من المشرق الإسلامي، وظهور الدولة الخطابية والدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي (2).
ولم يحدد الإباضية العدد الكافي للظهور ولا الوقت اللازم لذلك. والمعتبر فيه هو القوَّة ومدى تمكن المسلمين من الغلبة للوصول إلى الحكم، فربما قدر الرجل في الأربعين، وربما لم يقدر في عشرة آلاف، وربما ينظر في تبليغ الحجة» (3). فوضعية المسلمين وحالتهم أزاء المؤشر الوحيد لميزان الضعف والقوة.
أعدائهم هي
حكم الدار:
يقصد بالدار الوطن وللمسلم علاقة وطيدة بوطنه الذي يسكنه وطبيعة الحكم فيه. ومن ثم واجبه نحو السلطة، ثم موقف سائر المسلمين
منه ومن
حاكمه.
وعندما يتحدث الإباضية عن الدار فإنهم يجعلونها قسمين: دار إسلام، أهلُها مسلمون وحاكمها مسلم وصل إلى السلطة عن طريق الشورى والاختيار ودار كفر أهلها كفار وحاكمها كافر (4).
1 - سورة الحجر، آية 94.
2 - امحمد اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 114. – الشماخي، ص 50.
3 - الكندي، المصنف، ج 10، ص 51.
-4 - علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 341.
252
18 (1/271)
صفحة 272
فالدار الأولى هي دار إسلام، وطاعة الإمام فيها واجبة، والدار
الثانية هي
دار كفر، ومعسكر السلطان فيها معسكر بغي.
أما دار الإسلام فلا تخرج عما يلي: 1 الوطن وطن إسلام أهله مسلمون وحاكمه مسلم، وصل إلى الحكم بطريقة شرعية، ويعمل بشرع الله، فهذه الدار دار إسلام وتوحيد وعدل، وكذلك معسكر السلطان، فالطاعة فيها للإمام، واجبة، والخروج عنه فسق.
2. الوطن مسلم، ولكن الحاكم وصل إلى السلطة بطريق غير شرعي، غير أنه متَّبع لحكم الله، فحكم الدار أنها دار إسلام وتوحيد وعدل، وكذلك معسكر السلطان، وإذا كان وصوله إلى الحكم وراثيا فلا ذنب له، وإذا كان بالتغلب فإن نيته الحسنة كفيلة
بأن تشفع له هذا الزلل في طريقة الوصول إلى الحكم.
3 الوطن، مسلم والحاكم مسلم وصل إلى السلطة بالطريقة الشرعية، ولكنَّه منحرف عن أحكام الله، فالدار دار توحيد وعدل، ومعسكر السلطان معسكر إسلام، إلا أن فيه بغيا وظلما، فالطاعة واجبة والخروج جائز إذا أمنت الفتنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان. 4 الوطن مسلم، والحاكم وصل إلى السلطة بطرق تختلف عن
أنظمة الإسلام، ثم لا تتقيد بحكم الله، فالدار دار إسلام ودار السلطان دار إسلام، ولكن فيه بغي وظلم وعدوان، طاعته واجبة في غير معصية الله، والخروج عليه جائز والأمر بالمعروف والنهي
253 (1/272)
صفحة 273
عن المنكر واجبان (1).
والجدير بالملاحظة هو أن الإباضية عندما يُطلقون على السلطان أنه جائر وأن معسكره دار بغي وظلم وعدوان، فإنهم يقصدون بذلك جميع السلاطين، سواء أكان السلطان إباضيا أم غير إباضي مخالف لهم
في المذهب (2). فالسلطان العادل الواجب علينا ولايته وولاية كاتبه ووزيره و خازنه، وجميع من كان تحت لوائه من المسلمين، وبراءة الجائر وبراءة كاتبه ووزيره، وخازنه، وأما ما كان تحت لوائه فلا» (3).
الأمة
وهناك حالات تاريخية وجد الفقهاء لها حلولا، وهي وضع الإسلامية التي تسلّط عليها الاستعمار بالحديد والنار، ففي هذه الحالة
فالدار دار، إسلام ومعسكر السلطان معسكر كفر (4).
علاقة الإباضية بالمخالفين:
عن
يعتمد الإباضية في عملهم الدعوي على الحجة والإقناع، ويبتعدون استعمال السيف، كما ينتهج الإباضية في تعاملهم سواء مع أنفسهم أم مع غيرهم من أهل القبلة مبدأ العدل والمساواة. وقد تمثل ذلك عمليا في الدولة الرستمية حيث تعايش جميع الناس بمختلف مذاهبهم في تفاهم ووئام. وهذا ما يشهد به كل من كتب عن هذه الدولة. وقد كانت سياسة الإباضية المتبعة مع المخالفين لهم في الداخل هي نفسها المتبعة في الخارج مع جيرانهم، أي مبدأ التعايش السلمي وحسن الجوار.
-
1 علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 341.
2 علي يحي معمر نفسه، ص 343.
-3 - أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، ص 12.
4 - علي يحي معمر، نفسه، ص 345.
254 (1/273)
صفحة 274
أ- العلاقات الداخلية:
ونقصد بذلك الأسلوب الذي يتبعه الإباضية مع مخالفيهم في المذهب داخل الدولة، الإباضية، إذ إن العلاقات الدينية الاجتماعية بينهم وبين غيرهم تجمعها كلمة رائعة جاءت في خطبة أبي حمزة المختار بن عوف قال فيها: «الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو ملكا جبارا مقيما على جوره» (1). فالدعوة إلى اتباع الحقِّ هي الخطوة الأولى في معاملة المخالف، من غير عنف أو قهر. قال تعالى: لا إكراه في الدين) (2). وإذا ظل المخالف على معتقده فله ما للإباضية وعليه ما عليهم، قال أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: «والذي ينبغي لأمير المؤمنين بينه وبين أهل الخلاف أن يدعوهم إلى ترك ما به ضلوا، فإن أجابوا اهتدوا وصاروا إخواننا ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، ونصير وإياهم شرعا
واحدا. وإن امتنعوا عن ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام. فإن أطاعوا بذلك تركناهم على ما هم عليه، فوجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب نا وعلينا، وإن امتنع منهم ما وجب علينا أدبناه، وإن جاوز ذلك
سفكنا دمه» (3).
فمنطلق الإباضية في تعاملهم مع الغير مبني على أساس الحرية التامة
1 - علي يحي معمر، أضواء على الإباضية، ص 22.
2 - سورة البقرة آية 256.
3 الوارحلاني، ج 2، ص 57. - علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية
ص 351.
255 (1/274)
صفحة 275
في العقيدة بعد القيام بالشرح والدعوة إلى العقيدة الإباضية، وبعد ذلك فإن المسلم المخالف حرّ في تصرفاته داخل الإطار الشرعي، وخاضع لكلِّ الأحكام المقامة في الدولة سواء كانت حقوقا أو واجبات. فلا تحل أموالهم ولا دماؤهم في السر ولا في العلانية، ولا سبي أطفالهم ونسائهم، ولا يُقتل أحدهم إلا إذا ارتد، وبعد استتابته. والحقوق من ميراث ونكاح ومساجد، وإمامة للصلاة، والصلاة على الموتى وغسلهم وتكفينهم، والذبائح والمقابر وغير ذلك، حقوق ومرافق يشترك فيها جميع أهل القبلة دون النظر إلى مذهبم (1).
ب - العلاقات الخارجية:
ونقصد بذلك أهل القبلة إذا كانوا خارجين عن سلطة الإباضية، وكونوا لأنفسهم دولة مستقله بمذهبهم. فكيف تكون العلاقة معهم؟
في هذه الحالة يكونون على صيغتين:
إما في دولة مستقلة معترفة بالسلطة الإباضية ومراقبتهم إياهم. وإما في دولة منفردة ذات قوة قائمة بنفسها على نفسها. وفي كلتا الحالتين فإن قاعدة التعايش السلمي وسن الجوار هي مبدأ التعامل بين الطرفين. نمي الحالة الأولى، أي عند الاعتراف بمراقبة الإباضية لأهل
الخلاف، وهم في دولتهم، فعلى الإباضية تركهم أحرارا ومراقبتهم في تنفيذ أحكام الله. يقول الوارجلاني: «وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببلادهم، وأجروا فيها أحكامهم تركناهم، ونستقضي عليهم منهم، ونأخذ كل ما يجب من الحقوق ونردَّها في فقرائهم وذوي الحاجة
1 - علي يحي معمر، أضواء على الإباضية، ص 25/ 11.
256 (1/275)
صفحة 276
منهم، وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم، وننبذ إليهم على
سواء» (1).
فالمعاملة واحدة سواء أكان المخالف داخل الدولة الإباضية أم خارجها. وما يميز بين الوضعيتين هو أن الحالة الأولى تشبه ما يسمى في عصرنا الحاضر بالاستقلال الذاتي، ذلك عندما يتم تسيير إقليم من الأقاليم بواسطة أبنائه مع الاعتراف بالسلطة في البلد الأم. وعندما ينفرد المخالفون بدولتهم - في الحالة الثانية - فلا خروج
على القاعدة السابقة مهما كانت الظروف.
وللإباضية قواعد تحكم العلاقات العدائية مع الجيران في حالة الحرب، وهو ما بينه الوارجلاني بقوله: «وإن حاربناهم في هذا كله وهزمناهم، فإننا لا نتبع مدبرا ولا تُجهز على جريح. وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان لبيت المال فإنَّنا نجوِّزه على وجهه. وإن قدرنا عليهم قتلنا كل من قتل أحدا منا. بعينه ولا نستعمل فيهم حكم المحاربين، ونسرح سبيل الأسرى ولا نتبع المنهزمين. ولا نتعرض للعامة لأحد، إلا من طعن في الدين ونصلي على قتلاهم وندفنهم، ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها» (2).
فالإباضية درسوا جميع ما يمكن أن يحدث أثناء ظهورهم على إخوانهم من سائر المذاهب الأخرى، فوضعوا لذلك سلوكا إسلاميا يتماشى مع قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (3).
1 الوار حلاني، ج 3، ص 67. 2 الوارجلاني، ج 3، ص 68. - امحمد، اطفيش إزالة الاعتراض، ص 2. - جميل بن خميس، قاموس الشريعة، ج 7، ص 247 - السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 32
3 - سورة البقرة آية 188.
257 (1/276)
صفحة 277
وإذا كان النبي الله قد حكم أهل الذمة على أساس حرية العقيدة، قد وعلى منعة من أحوالهم ودمائهم فمن باب أولى أن يكون ذلك للمسلمين. وقد روي عن أبي بكر أيام الارتداد عن الإسلام، قوله عن الله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه، وحقه على
رسول
الله))
الظهور،
وبالنسبة للإباضية فإن ما يلاحظ أن هناك نوعين من الأول وهو ظهور كامل وقوي، حكم وحافظ على الأحكام وأقام الحدود، ودافع عن البيضة، وطبَّق جميع مبادئ السياسة الإباضية. وظهر هذا النوع جليا في الكيان الرستمي. أما الثاني فهو ظهور ضعيف وغير مستقل تمام الاستقلال في تنفيذ الأحكام واختيار الإمام والشورى والبيعة، وتمثل هذا في إمامة عمان الإباضية في أواخر القرن العشرين (2).
2 - مرحلة الدفاع:
إن واجب المسلمين هو الظهور بأمر الله والحكم بأحكامه. فإذا كانت الدولة الإسلامية على هذه الحالة من السيادة لا يقهرها عدوُّ خارجي ولا تقلقها فتن داخلية، كخروج الحاكم عن شرع الله، فذلك هو المطلوب وهو المأمور به شرعا. قال تعالى: والله العزة ولرسوله وللمؤمنين (3). وإذا تغيرت الأوضاع وأصبح العدو وشيك المداهمة،
1 - رواه مسلم باب الأمر بقتال الناس، ج 1، ص 52.
2 عدون جهلان، ص 151.
3 - سورة المنافقون، آية 8.
258 (1/277)
صفحة 278
أو حدث انشقاق أو بغي أو انحراف في السلطة عن جادة الطريق انتقل
المسلمون إلى مرحلة الدفاع.
يهج
والدفاع في مسالك الدين يرادف ما يعبر عنه في العصر الحاضر بالثورة (1). وقد سُمِّيت بذلك لأن المسلمين يتشغلون بالدفاع عن أنفسهم ودينهم، حيث يُصبح الدفاع واجبا، يقومون به ضد عدو على لى المسلمين يصيبهم في أبدانهم أو أموالهم. ويكون ذلك بنصب إمام تعقد له إمامة الدفاع إلى أجل مسمى، ينتهي بنهاية موجب الدفاع. فإذا زال سببه انتهت إمامة الدفاع ورجع الإمام إلى صفوف المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم من حقوق وواجبات. وإذا ظهروا على عدوهم جدَّدوا له الإمامة إن أرادوا ببيعة جديدة. وعادة ما يكون إمام الدفاع متميزا بالشجاعة العسكرية، لأنه قد من أجل هدف الدفاع (2). وقد كان للإباضية تطبيق عملي لهذه النظرية، وذلك عندما أذن عبد الرحمن بن رستم للإباضية في طرابلس بالثورة على عمرو بن حفص والي العباسيين فقام الإباضية الموجودون ما بين طرابلس وجنوب تونس بمبايعة أبي حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي (3)، إماما للدفاع في حربهم ضد العباسيين (4).
-
- علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 94.
بويع
2 امحمد اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 113. - شرح النيل، ج 14، ص 307/ 303. - بحاز الدولة الرستمية، ص 79. - جهلان، الفكر السياسي، ص 156.
3 - هو أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي ولي مدينة طرابلس في رجب سنة 154 هجري، ومكث بها أربع سنوات، وكانت ولايته ولاية دفاع. انظر طبقات الدرجيني، ج 1، ص 36.
4 - الدرحيني، طبقات المشائخ، ج 1، ص 36. - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 51.
259 (1/278)
صفحة 279
موجبات الدفاع: إن إقامة الإمامة الظاهرة مشروط بقوَّة المسلمين عُدَّة وعددا، وإذا أقاموها وعقدوا الإمامة لذلك فهذا غير واجب عليهم، لأنهم لم يبلغوا
ما يتطلبه الوضع لإقامة الدولة الإسلامية، ومن تطوع خيرا فهو خير له. وإذا توفرت الشروط و لم يقيموا دين الله، فإن الله لن يرضى لأنهم قادرون على إحيائه وقد أماتوه» (1)، وذلك إذا انعدم الظهور بسبب إحدى هذه الموجبات (2):
عنهم،
1 وقوع حرب مع عدو خارجي، ثم سيطرته على الوضع، وقلب الإمامة والإطاحة بها، أو قيام انشقاق داخلي، كظهور إمام متغلب
يهدف إلى السيطرة على أمور المسلمين.
2 انحراف الحاكم عن شرع الله، وظهور الفساد والرشوة والانحلال
الخلقي.
هذه الحالة يقوم المسلمون بنصح الإمام وتحذيره، فإن تاب وإلا ثاروا ضده. وفي كل الحالات فإن واجب المسلمين هو الالتفاف حول إمام يبايعونه قصد الثورة ضدَّ كلّ ما من شأنه الإطاحة بالنظام الإسلامي الشرعي.
ف الملاحظ في إمامة الدفاع أنها تكون بعد الظهور، وذلك لردّ عدوان خارجي، أو ردع بغي أو سلطان جائر. وهذه الأهداف هي المتوخاة من الدفاع. ولهذه الأسباب فليست مرحلة الدفاع تعقب
1 - امحمد اطفيش، شرح النيل، ج 14، ص 309.
-
2 - التلاتي، مقدمة التوحيد وشروحها، ص 52. محمد السالمي وناجي عساف، عمان يتكلم، ص 125 - 118 , Malagi. Islam et la politique
260 (1/279)
صفحة 280
الشراء كما ذكر مهدي طالب هاشم الذي يرى ذلك (1). وقد اعتمد
بن سعيد
فيما ذهب إليه على الدرجيني الذي روى مبايعة عبد الله إماما للدفاع، بعد موت الإمام الشاري عبد الله بن يحي
الحضرمي الكندي طالب الحق (2)، والحقيقة غير ذلك. وقد جاء ذلك في سياق الحديث عن الخروج على الظلمة ومبايعة رجل يقال له حسن، بعد ما وقع في أمر عبد الله سعيد الذي أنكروا عليه أشياء» (3)، فالأصل بن أن يكون الدفاع بعد الظهور وليس بعد الشراء.
نتائج الدفاع:
بعد قيام الثورة للدفاع عن الأمة الإسلامية تنتهي الحركة بأحد أمرين: إما الانتصار على العدو وإرجاع الأوضاع كما كانت، وعودة قوة المسلمين، وانضمام المنشقين إلى الحق. وإما الفشل وسيطرة العدو أو الخارج عن السلطة على زمام الأمور.
1
ففي حالة الفشل فإن الثوار مخيرون بين أمرين:
الاستراحة والهدوء والكفُّ عن محاربة النظام، ثم الدخول في مرحلة الكتمان. أو الخروج ضدَّ الحاكم والاستشهاد عن آخرهم وهو مطلب عظيم.
2 للبقية من الثوار أن ينظموا أنفسهم ويخرجوا شراة. أي الدخول
الملقب
1 - مهدي طالب هاشم، الإباضية في المشرق العربي، ص 295. 2 - عبد الله بن يحي بن عمر الأسود الكندي الجندي الحضرمي، أبو يحي بطالب الحق، إمام إباضي من أهل اليمن كان قاضيا بحضرموت، خلع طاعة مروان بن محمد. وبويع له بالخلافة الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 288.
3 - الدرحيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 251.
261 (1/280)
صفحة 281
في مرحلة الشراء (1).
والذي يجب الإشارة إليه هو أن الإباضية قد اهتموا بمسألة القيام والتمكين لدين الله في حدود الاستطاعة، بحيث لا تنتج عن خروجهم فتنة تؤدي بالأمة الإسلامية إلى الهلاك أكثر مما هي. وأن الثوار الذين منحهم الفكر السياسي الإباضي حق الخروج والاستشهاد عن بَكَرَة أبيهم لا يتعدى ذلك إلى غيرهم من المسلمين، الذين يبقون في عزلة عن الثورة وتنتهي القلاقل بنهاية هؤلاء الثوار. أما الشراء فمرحلة أخرى تأتي بعد الدفاع والعجز عنه.
3 - مرحلة الشراء:
عندما يضعف المسلمون حتى عن موقف الدفاع، ويحكم العدو أو السلطان الجائر سيطرته يكون الشراء حقا للمسلمين، وهو ليس بواجب. والعلماء «لم يجعلوا حال الشراء الوجوب» (2). وقد أقام النبي برهة من الزمن بمكة بعدما نزل الوحي مكتتما غير ظاهر، ولكن
إذا خرج الشاري وقد باع نفسه الله فعليه الوفاء» (3). وقد سُمُّوا بالشراة لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله مقابل الجنة، قال تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) (4). ولهذا فالواجب على الشراة عدم الرجوع حتى يظهروا أو يموتوا عن آخرهم (5).
1 - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 347.
2 امحمد اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 310.
-3 السيابي، ج 1، ص 204.
-4 سورة البقرة آية 207
الشماخي، ص 54.
262 (1/281)
صفحة 282
من النار، أو
الشيخ اطفيش: والشراء شراء الإنسان نفسه شراء الجنة بنفسه، أو بيع نفسه بالجنة، والشراء كأبي بلال مرداس بن
حدير» (1).
ويختلف الشراء عن الدفاع من حيث الطريقة، فالدفاع يعتمد على مجابهة العدو ميدانيا في حين يتميز الشراء بمباغتته في كل مكان، وعدم مهادنة الظلم (2). وهي تعتمد على حرب العصابات، لأن الهدف
هو
عدم إعطاء الفرصة للعدو حتى يتمكن من تنفيذ برامجه الجائرة. وقد اختلف العلماء حول تقية الإمام الشاري، فقد ذهب البعض منهم إلى عدم جواز ذلك، وعدم فراره من الزحف، ولكن يجوز له التحول عن العدو إذا كان معه رجال لا يستطيع بهم الدفاع، وهذا مذهب الشيخ اطفيش وأبي المؤثر الذي يرى جواز التقية والكتمان فقط للإمام الذي لا يكون شاريا إلا إذا زالت قوته (3). ومهما يكن الأمر فإن خروج الشاري يعني الإسلام أو الموت دونه، لأن رجوعه وتقيته لا تعني الشراء بل تعني الكتمان. وعدم استعمال التقية هو الراجح، نظرا لمهمة الشراء وأهدافه، كما أن الشراة هم في الأصل فدائيون مقبلون على الموت، وهم قلة لا يُنتظر منهم قلب الحكم نظرا لقوته من جهة، ثم استسلام الأمة الإسلامية للذلّ من جهة أخرى، فعملهم إذا ينحصر في عرقلة
نظام الحكم الظالم فقط.
1 - امحمد اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 85.
2 عدون جهلان، ص 160.
3 - امحمد اطفيش شرح النيل، ج 14، ص 354.
أساسا الذود عن
263 (1/282)
صفحة 283
شروط الشراة:
يتفق جميع فقهاء الإباضية على أن «عدد الشراة يجب أن لا يقل عن أربعين رجلا أحرارا بالغين عاقلين أصحاء، وهذا تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ظل يكتم أمره بمكة حتى بلغ من آمن به أربعين رجلا، فخرج مظهرا أمرهم، وذلك بعد نزول قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (1).
بعد اكتمال عدد الثوار أربعين رجلا فما فوق، فإنهم يخرجون من ديارهم إلى الأماكن التي يمكن أن يتم فيها العمل الفدائي، ولا يعودون إلى أهلهم حتى يهلكوا عن آخرهم، ويمكن لهم ذلك إذا بقي ثلاثة، وذلك ليكونوا نواةً أخرى لمواصلة العمل الفدائي.
منهم
ويمكن تلخيص شروط الشراة فيما يلي: أ. يتخذ الفدائي من الجبال والوهاد منزلا، ولا يعود إلى منزله إلا من أجل غرض ضروري، كالتزود بالسلاح أو تتبع أخبار الطغاة. ب. يعتبر في منزله غريبا وفي حالة مسافر. ولهذا وجب عليه قصر الصلاة فيه، وإذا رجع إلى الجبال والعمل الثوري كان بين أهله وفي وطنه. ج. عدم الاستقرار في مكان واحد، لأن عمله تتبع حركات الجورة وعرقلة مسيرتهم كلما سنحت الفرصة بذلك.
د. اجتناب إلحاق الضرر
الأطفال والمسنين والنساء.
بالعامة من المسلمين، وخاصة قتل
، علم إفساد الحرث والغلال وأموال الناس من مبان وقلاع إلا
للضرورة.
1 - سورة الحجر، آية 94.
264 (1/283)
صفحة 284
و. عدم التخلّي عن رسالتهم إلا بالموت في دين الله (1)، والقتل أقرب الأمرين إليه (2).
ز. ويضيف ابن قيس الحضرمي شرطا مهما، وهو أن يكون فيهم ستة رجال فصاعدا أهل علم بأصول الدين والفقه، ذوي ورع وصلاح في الدين. فإذا اجتمع في أهل الدعوة هذا الوصف وجب عليهم أن يعقدوا الإمامة لأفضلهم في الدين والعلم والورع (3).
أهداف الشراة:
إن هدف الشراة عظيم عظم مسؤولية المسلمين في إقامة أحكام الله وهذا ما جعل نشاطهم ينصب أساسا على إزالة الظلم والظالمين، وإسقاط هيبة السلاطين الجورة، وإفساد خططهم، حتى لا يتم لهم ما
يريدون بالأمة الإسلامية من فساد وانحراف عن شرع الله، وتحطيم الأغلال التي تقيد حرية المسلمين إذا كان الحاكم مستعمرا لا تقوى
عليه عامة المسلمين.
وتتلخص أهداف الشراة فيما يلي:
أ. قطع المواصلات والحيلولة دون تنسيق قوات العدو وتمكنه من
إيقاف الثورة.
ب. هدم القلاع وثكنات العدو، وكل ما من شأنه تقوية جيوشه. الاستيلاء على الأسلحة والذخيرة لضربه وإضعافه.
ج.
1 - عدون جهلان، ص 160 فما بعدها.
2 علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 96.
3 الحضرمي، مختصر الخصال، ص 193.
265 (1/284)
صفحة 285
د. إثارة الشغب والتشويش لإسقاط الحكم وأجهزته القائمة. ه زعزعة سلطته وهيبته (1)، حتى تشعر الأمة الإسلامية أن هناك
قوة إلهية روحية أقوى وأشد من القوة المادية الحاكمة (2).
ثم إعطاء الفرصة لكلِّ من يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومساعدة الشراة في أعمالهم الفدائية.
وإذا ما مكن الله هؤلاء الشراة إن استطاعوا إضعاف قوة الظلم وإجهاضه، وتمكن المسلمون من إقامة حكم إسلامي، فإن الشراة الذين قدموا أنفسهم بالأمس فداء لدينهم يصبحون اليوم إحدى الركائز في المجتمع المسلم، الذي يعتمد عليهم في تنفيذ الأحكام، ومراقبة الولاة والعمال والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يخفى على أحد ما في هذه المهمة النبيلة من فوائد جمة تعود بالصلاح على المجتمع، خاصة وأن مركز الشراة هو التوسط بين الرعية والحكام لحل
مشاكلهم (3).
من هنا فإن نظام الشراة يُعتبر نظاما ثوريا محكما، يعتمد على التخطيط الدقيق والتنفيذ المحكم والوقوف ضد الظلم والجور. والإباضية وحدهم يتميزون عن غيرهم من الفرق الإسلامية بهذا النظام. وهو من أدق الأساليب التي وضعها فقهاء الإباضية لإخراج المسلمين من وضعية هم فيها ضعفاء لا يملكون قوة ولا مالاً ولا علما،
إلى الفئة القليلة وهي التي جاز لها الخروج خدمة لأمتها.
-
1 عدون جهلان، ص 162.
2 - بكير أوعوشت، ص 112.
-
3 عدون جهلان، ص 163.
266 (1/285)
صفحة 286
يقول الشيخ اطفيش الشراء اختص به الإباضية ولا ينصرف ذلك إلى غيرهم، ولم يُعرف الشراء في غير الإباضية، وهذا هو
الحق» (1).
4 - مرحلة الكتمان
مرحلة الكتمان هي المرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل التنظيمات السياسية عند الإباضية، وفيها يستكين المسلمون ويركنون إلى تنظيم أنفسهم تنظيما محكما، بعيدين كل البعد عن كل ما يبعث فيهم شبهة سياسية أو يفسد عليهم خططهم الدينية والاجتماعية الإعدادية. والكتمان المحافظة على الدين بحيث لو ظهر لعطّل ومنع منه، فمن
ضيع دينه فليس جاريا على حكم الكتمان» (2).
وإمامة
الكتمان هي من كتم يكتم كتمانا أي أخفى» (3)، «ومن
فعل: كنم، سکت» (4).
إن الإباضية ليسوا وحدهم القائلين بالتقية عندما يعظم البلاء على المسلمين، ويضعفون عن الظهور بأمر الله، وقد اعتمدوا في ذلك على القرآن، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (5)، وقوله إلا أن تتقوا منهم تقاة (6)، وكذلك
1 - امحمد اطفيش مقدمة التوحيد، ص 53.
2 امحمد اطفيش نفسه، ص 113. 3 - الشماخي، مقدمة التوحيد، ص 54.
Anne Marie, Contribution a l'étude. P 10. -4
5 - سورة النحل، آية 106
6 - سورة آل عمران آية 28.
267 (1/286)
صفحة 287
استنادا إلى مسلك النبي الله في دار الأرقم بمكة قبل تمام الأربعين، إذ إنه لم يظهر إلا بعد إسلام عمر بن الخطاب الذي كان يمثل قوَّة معنوية كبيرة للإسلام (1). كما روي عن عبد الله بن مسعود قوله: ليست التقية بالعمل، إنما التقية باللسان».
وفي سيرة أئمة الإباضية الأوَّلين نماذج عملية، كجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة اللذين قاما بتنظيم وتطوير التنظيمات السرية للمذهب. وهذا اتقاء لشر ومطاردات السلطات الأموية. ولم ينتقل الإباضية إلى السرية إلا بعد وفاة عبد الله بن إباض الذي كان يناظر الأعداء جهارا (2).
وما يلاحظ في مرحلة الكتمان أنها تتميز أيضا بمسلكين، أو
بطابعين لا يخرجان عن صفة الكتمان والتستر:
النشاط
الأوَّل كتمان خفي، وهو الركون والركود التام عن العلني، وهذا يأتي في الظروف التي يطغى فيها السلاطين ويحكمون بقوة الحديد والنار، وهذا ما عاشه الأئمة الإباضية الأولون، جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم، كما سبق ذكره.
والثاني وهو الكتمان المعتدل، حيث يبرز الإباضية بنشاطهم مع سائر أعضاء المجتمع الكبير في الدولة الحاكمة. ويكون هذا النوع من الكتمان عندما يسمح بحرية الرأي وحرية النشاط. بحرية الرأي وحرية النشاط. وفي كلتا الحالتين لا بد من نصب إمام يقوم بقيادة المجتمع بعيدا عن السياسة وممارساتها، إلا
1 - امحمد اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 113.
2 - الشماخي، مقدمة التوحيد 54 - خليفات التنظيمات الاجتماعية، ص 5.
19
268 (1/287)
صفحة 288
نظام إسلامي، فإن الإباضية سيظهرون دون بلوغ درجة
ما كان من تكوين دولة خاصة بهم (1).
التنظيم الاجتماعي:
إن التنظيم الاجتماعي في مرحلة الكتمان هو المحور الأساس والركيزة الأولى التي يتمُّ عليها بناء المجتمع، ويتم بكيفية تجعل المجتمع يعيش في نسق ونظام يخوّل له القيام بجميع شعائره الدينية والاجتماعية والأخلاقية، دون أن يتعرض للضغوط الخارجية، ومحافظة على سماته الإباضية من الذوبان في المجتمع الكبير.
ويتركز نشاط الإباضية في هذه المرحلة على جانبين:
جانب يتعلق بالشكل الذي يقوم عليه المجتمع، في شكل يسمح بإقامة مرحلة الكتمان من أجل المحافظة على المبادئ الإباضية، أي مرتكزا على الجانب الديني، ويكون ذلك بإقامة الهيئات اللازمة لذلك العائلة ثم العشيرة إلى المساجد فالبلدة ومجالس الأعيان. أما من
ابتداء
من حيث المضمون فيشمل العادات والتقاليد والتراث الأصيل (2). إن الشكل الهرمي لهذا التنظيم الاجتماعي يفرز في النهاية سلطة دينية اجتماعية، تتميز بشورية أكثر اتساعا منها في المراحل الثلاثة الأخرى، بحيث إذا كانت السلطة تتركز في شخصية الإمام في مرحلة الظهور والدفاع والشراء، فإن المجلس الأعلى على مستوى البلدة يقوم مقام الإمام، والحكم وتوجيه المجتمع يكون جماعيا.
1 - عدون جهلان، ص 173.
2 - نفسه، ص 166.
269 (1/288)
صفحة 289
ومن أجل بلوغ الأهداف المنتظرة في هذه المرحلة فإنَّه لا بدَّ من إقامة الأجهزة والهياكل التي تضمن تلك النتائج، ويتمثل ذلك في إنشاء للمساجد وإقامة المؤسسات الخيرية والتربوية الساهرة على تربية النشء تربية إسلامية،
بحيث تجعل الفرد شاعرا بانتمائه الإسلامي وشخصيته المتميزة. وعادة فإن المجال السياسي لا يجد له مكانا في هذه المرحلة، رغم أن هذه الفترة الزمنية من تاريخ الإباضية تعتبر مرحلة تربصية تكوينية يستعد فيها المجتمع لإقامة الدولة الإسلامية والظهور بالدين من جديد. يقول الشيخ سليمان التلاتي: «نحن جماعة العزابة ليس بأيدينا ولا
إلينا تولية الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان» (1).
فالمؤكد إذن، أن العمل السياسي ليس من اختصاص أهل الحل والعقد، وخاصة أن النظام الإسلامي قائم زيادة على أن الهدف من هذا التنظيم هو الظهور بأمر الله فلا بدَّ من عدم منازعة الأمير أمره،
حتى لا يلفت انتباهه فيفسد على المشرفين خططهم.
ثم إن هذه المرحلة هي مرحلة الضعف التي تردّى إليها الإباضية، فلا يلزمهم أكثر من تقوية أنفسهم والدعوة سرا، إذ يجوز في هذه المرحلة البقاء تحت حكم غيرهم (2).
فالمرحلة إعداد لمراحل النضج والظهور، وإذا كان هذا التنظيم قد حقق نجاحا «فالسرُّ في ذلك يعود أساسا إلى ارتباطه بالمسجد قلبا وقالبا، نظرية وتطبيقا، إيرادا وإصدارا» (3). والذي يدل على مدى
-
1 كتاب، سير المشايخ، ص 583.
2 بجاز الدولة الرستمية، ص 80. 3 - محمد ناصر، حلقة العزابة، ص 48.
270 (1/289)
صفحة 290
تماسك
نجاح هذا النظام النظام هو ما يشاهد عليه المجتمع الإباضي من اجتماعي وتمسك ديني متين لعدة مئات من السنين، رغم تعرضه لعدة هزات وتدخلات ومحاولة تقويمه، فلم يتأثر بذلك كثيرا، وبفضل مرونته استطاع أن يتكيف مع المستجدات مسايرة للعصر وبدون تضييع لشخصيته الإسلامية (1).
ونظرا لزوال الدولة الاستعمارية الكافرة من بلاد المغرب العربي، وقيام دول مسلمة فيها، فالملاحظ أنه لم يعد للإباضية نية الظهور بدولتهم (2)، ويبقى نشاطهم الدائم هو إصلاح المجتمع حتى لا يخرج الدائرة الإسلامية وفق مبادئهم وآرائهم.
عن
علاقة الإباضية بالمخالفين
إن تجمع الإباضية في هذا التنظيم الاجتماعي كان سببه الضرورة الملجئة إلى ذلك، إذ الأصل هو الظهور لا الكتمان، وهذه الوضعية تجعلهم يعيشون حتما في ظروف قد لا تخرجهم من وضعين: فإمَّا وجودهم تحت حكم جائر مهما كان مذهبه إباضيا أو غير ذلك، أو تحت حكم عادل دون اعتبار للمذهبية في ذلك أيضا. ففي كلتا الحالتين كيف يكون تعاون الإباضية مع إن جوهر المسألة هو المحافظة على المجتمع الإباضي، وهذا يعني بل
المخالفين؟
ويوحي بضرورة الانزواء والانغلاق والابتعاد عن كل ما شأنه أن
من
يمس سلامة البناء الديني والاجتماعي للإباضية، ورغم هذه الحقيقة
1 - محمد ناصر حلقة العزابة، ص 48.
2 عدون جهلان، ص 164.
271 (1/290)
صفحة 291
«فإن بقاء العلاقة الأخوية مع المخالفين على الدوام دون إثارة للفتنة، ما لم تمس الجماعة في دينها وأعراضها وممتلكاتها (1)، أمر ضروري وواجب. يقول أبو يعقوب الوارجلاني: «يجوز الغزو معهم والجهاد ويأخذ (المشارك) سهمه من الغنيمة، ويلي لهم على العشر وعلى الغنيمة، ويلي لهم على الفتوى وقسمة المساحات، بشرط أن يعملوا بأمر الله، ويلي أمور المساجد والإقامة ... كما يجوز له الصلاة خلفهم إذا أقاموها» (2). هذا إذا كان الإمام عادلا، أما إذا كان جائرا فالعمل في الوظائف التي تنجر عنها محرمات محرَّم، ولا يجوز اتباعهم في المعصية (3). فالأصل في هذه العلاقات هو المحافظة على الكيان الإباضي، ولا شأن للانزواء والانغلاق والحذر من المخالفين بهذه العلاقات، وإذا كان قد حدث هذا فلا شك أنه قد وقع في عصر قد بلغ فيه الصراع المذهبي أوجَهُ» (4).
وتعتبر مرحلة الكتمان هذه فرصة تمكن علماء الإباضية من الدراسة والتأليف وتدوين آرائهم، حيث إن الحركة العلمية لم تنقطع إطلاقا في مرحلة الكتمان. والتاريخ الإباضي يحدثنا عن قيام عدة مدارس في مثل هذه المرحلة كمدرسة أبي عبيدة ومدرسة أبي عبد الله بن بكر، حيث قاما بتحضير وتكوين تلاميذهم بعيدا عن مراكز
محمد
السلطة القائمة.
1 - عدون جهلان، ص 167.
2 الوارجلاني، ج 3، ص 80. - علي يحي معمر، أضواء على الإباضية، ص 24.
-
3 الوارجلاني، ج 3، ص 80.
4 عدون جهلان، ص 167.
272 (1/291)
صفحة 292
والحقيقة أن الإباضية في مرحلة الكتمان المعاصرة هم أقرب إلى
التقارب ونبذ الخلافات مما كانوا عليه من ذي قبل (1). وإذا سلمنا أن المذهب الإباضي يعايش حاليا في شمال إفريقيا الجمهور العريض من أتباع المذهب المالكي، وأن المسائل الخلافية بين المذهبين تعدُّ على الأصابع، أدركنا مدى أهمية التقارب المطلوب في هذه المرحلة، وأن هذه المسائل لا تعدو كونها خلافات موجودة بالفعل ليس بين المذاهب التي تكون فرقة أهل السنة والجماعة فحسب، بل هي موجودة بين مدرسة وأخرى داخل المذهب الواحد ..
نظام العزابة:
بعد سقوط الدولة الرستمية اختفى الإباضية بمذهبهم عن الخريطة السياسية، وانزووا في واحات الصحراء بعيدا عن المدن الكبرى. ولم تقم لهم إمامة ظهور حتى الآن وقد فكّروا في إقامة إمامة كتمان ونصب إمام لذلك، ولكنهم لم يستطيعوا. وبعد مشاورات ودراسة للأوضاع ظهر في القرن الخامس الهجري. نظام خاص عرف بنظام العزابة، وقد بقي ساري المفعول في بلاد المغرب حيث يوجد الإباضية، ثم انحسر في المدة الأخيرة في وادي ميزاب جنوب الجزائر، دون سائر مواطن الإباضية (2). ويرجع الفضل في تأسيس وضبط هذا النظام إلى أحد علماء الإباضية الأفذاذ وهو الله أبو عبد محمد بكر بن
1 - عدون جهلان، ص 168.
2 عوض خليفات التنظيمات، ص 12.
273 (1/292)
صفحة 293
الفرسطائي النفوسي (!)، وذلك سنة 409 هجري (2).
ويقرر كثير من الباحثين أن أبا الباحثين أن أبا عبد الله محمد بن بكر يعتبر واضع قواعد هذه الحلقة في شكلها النهائي، ومكملا للجهود السابقة التي بدأها مفكرون سابقون له، وذلك أن الشيخ سليمان بن زرقون قد سبق إلى وضع بدايات تنظيم يعتبر إرهاصا ومقدمة للجهود اللاحقة، كجهود الشيخ أبي القاسم يزيد بن مخلد (3) الذي تأثر بشيخه سليمان ابن زرقون (4) فواصل الطريق، وسنَّ عدة سنن، منها عدم السماح لتلاميذه بالزواج حتى يتفرغوا لإتمام مراحل العلم، وإلزامهم بنوم الهاجرة، وغير ذلك، ولهذا فإن نظام العزابة بدأ ضبط قواعده بداية من القرن الثالث الهجري بعد سقوط الرستميين، وكان في أول الأمر شفاهيا ثم دوّن في الكتب منذ القرن الرابع الهجري من قبل الشيخ أبي عبد الله محمد بكر (5). بن
فمن هم العزابة؟ وما هو أصل تسميتهم؟ وكيف يختار الواحد
منهم؟ وما هي مهامهم؟
1 - هو أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي، ولد بمدينة فرسطاء بجبل نفوسة بليبيا سنة 345 هـ، انظر عن ترجمته وآثاره الدرجيني، طبقات المشايخ
ج 2، ص 377 فما بعد.
2 - محمد ناصر حلقة العزابة، ص 5.
3 - أبو القاسم يزيد بن مخلد صنفه الدرجيني ضمن الخمسين الأولى من المائة الرابعة،
(350 - 300 هـ) الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 119.
4 - هو أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي، صنفه الدرجيني ضمن الخمسين الأولى من المائة الرابعة (300 - 350 هـ)، الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 349
5 - خليفات النظم السياسية والإدارية، ص 21 فما بعد.
274 (1/293)
صفحة 294
انفرد
«العزابة جمع عزاب، بفتح العين، مأخوذ من عزب عن أهله سُمُّوا بذلك لانقطاعهم إلى الله بالاشتغال بأمر دينه» (1)، وهو العزوب عن الدنيا وملذاتها، والاشتغال بالعلم وأهل الخير.
عنهم.
ويقرر الدكتور محمد وعوض خليفات بأن معنى
لفظ العزابة يعود
المدن
إلى كون الشيخ وأصحابه يجتمعون في مكان سري بعيدا عن والتجمعات الكبرى مما جعلهم يطلق عليهم اسم العزابة، ثم لم تلبث هذه اللفظة أن أطلقت على عدد محدود من المشايخ أصحاب
السلطة (2).
والأصح ما ذهب إليه أكثر العلماء، ومنهم الدرجيني الذي يقول:
وهذا الاسم مشتق من العزوب عن الشيء، وهو البعد عنهم، فاستعير لمن بعد عن الأمور الدنيوية الشاغلة عن الآخرة» (3). ثم يواصل وصف العزابة وما ينبغي أن يكونوا عليه من هيئة ولباس فيقول: «أول ما يتجرد من طريقة أهل الدنيا بحلق شعر رأسه ثم لا يتركه يطول أبدا، ومنها أن لا يلبس ثوبا مصبوغا إلا البياض، ثم إن اقتصر على عباءة
وملحفة لم يشنه ذلك، وإن لبس ذلك على قميص كان أكمل» (4). أما الطريقة التي يختار بها العزاب عندما يراد إلحاق عضو إلى حلقة العزابة، فإنهم يعينون له شخصا يقوم بمراقبته ومراقبة أعماله. وفي حالة النجاح فإنه يستدعى ليُعلن له العزابة ذلك بالإجماع. ويكون في
1 - البرادي، الجواهر المنقات في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، ص 207.
2 خليفات النظم السياسية والإدارية، ص 27.
3 - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 4.
4 - الدرجيني نفسه، ج 1، ص 171.
275 (1/294)
صفحة 295
أصغر مرتبة كما يقوم بخدمتهم (1). وتعتبر هذه العملية التي يقوم بها العزابة لاختيار العضو الجديد، ضرورية، ذلك أن هذا النظام يعتمد أساسا على الورع والتقوى والاعتدال في السيرة الدينية، والذكاء واللباقة والرأي والحكمة، لأنه سيكون مثلا لعشيرته في الحلقة. فلا بدَّ أن يكون ذا نفوذ ليسهر على سير المجتمع (2).
تشكيل هيئة العزابة:
عادة ما يتكون هذا المجلس من اثني عشر عضوا، وقد يرتفع العدد
إلى أكثر من
هذا وذلك حسب المهام (3). وقد يرتفع عدد العشائر في
البلدة فيضطر المجلس إلى إضافة عدد الأعضاء.
مهام الأعضاء:
3 شيخ العزابة وهو أكبر شخصية في الحلقة، يقوم بالإشراف على أعمالها وتسييرها، والوعظ والارشاد، وتبليغ الرعية إعلان
ومقررات الحلقة. وقد يكون له نائب.
4 المؤذن: ومهمته ضبط أوقات الصلاة والأذان.
5 الإمام وهو إمام الصلاة، ويكلف بإعلان البراءة على المحكوم عليه بذلك، وقد يقوم بإعلان العفو إذا كان شيخ الحلقة غائبا. 6 وكيلان لأوقاف المسجد مهمتهما السهر على أموال المسجد
1 - عوض خليفات التنظيمات الاجتماعية، ص 15.
2 محمد ناصر حلقة العزابة، ص 10.
،
3 عوض خليفات نفسه، ص 14.
276 (1/295)
صفحة 296
والأوقاف.
7 ثلاثة معلمين للصبيان ومهمتهم تعليم الصبيان القراءة والكتابة
والإشراف على المحاضر وسيرها.
8 خمسة أعضاء إضافيين مهمتهم الجوانب الاجتماعية (1).
اما
من ناحية الأمور الدينية والدنيوية فإن الحلقة ترجع إلى أصلين: قسم الطلبة الذي يتكون من هيئة العزابة وهيئة التلاميذ حفظة القرآن.
غير
ويطلق عليهم اسم "إيروان"، ثم هيئة التلاميذ (2)، من حفظة القرآن، ويطلق عليهم اسم "إمصوردان" (3). واللفظتان الأخيرتان بربريتان. فلفظة "إيروان" تعني الذين تربوا وارتووا من القرآن وعلومه. أما "إمصوردان" فمعناها الذين ختموا القرآن من غير
حفظ کامل.
أما القسم الثاني من الأصلين فهو قسم العوام، وهم "المكاريس" رجال يعرفون بالشجاعة والقوَّة، واليقظة وهم رجال الأمن مهمتهم
المحافظة على أمن البلد والحراسة لممتلكات الناس وحرماتهم.
كما يعتبر مجلس "تمسردين" وهو مجلس خاص بالنساء في نفس
مستوى هيئة العزابة من ناحية الشروط والمهام (4).
1 - عمر سليمان بوعصبانه وعبد الله، خرفي نشأة وعمران ميزاب ومؤسساته الدينية
والاجتماعية، منسوخ بخط اليد، ص
7/ 6
2 - التلميذ: اسم للواحد المبتدئ عند الدخول في الطريق، سواء أكان طالب فنون أم
مقتصرا على الصلاحية فقط. وأصل اللفظة فارسي الدرجيني، ج 1، ص 4.
3 - محمد ناصر حلقة العزابة، ص 11.
4 - محمد ناصر نفسه، ص 43.
277 (1/296)
صفحة 297
المجالات التي تعمل فيها هيئة العزابة:
1 المهام الدينية وتتلخص في إطار الفتوى وإمامة الصلاة والأذان، إلى جانب ما يقوم به بعض الأعضاء من السهر على ممتلكات المسجد وتسييرها. وكذلك تأديب الصبيان وغسل الأموات والوعظ والإرشاد وقيادة الناس في حياتهم اليومية.
2 المهام الاجتماعية: يحرص العزابة على القيام بمراعاة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد من زواج وطلاق وتحديد للمهور. كما يقومون بالإشراف على مناسبات الأفراح والأتراح، وغسل الأموات والصلاة عليهم وتقسيم التركات، وكذلك مراعاة شؤون اليتامى والأرامل والحفاظ على أخلاق النشء وحمايتهم من الانحلال. كما يقوم العزابة بتعيين القاضي، وهم الذين يصادقون عليه ليؤكدوا كفاءته العدلية والدينية (1).
3 المهام التربوية تعتبر هذه المهمة من أولى المهام التي أنشئت من أجلها هذه الحلقة، وذلك لتعليم النشء والعناية به في حفظ القرآن وعلومه واللغة العربية والشريعة الإسلامية.
4 المهام الاقتصادية وهذا رعاية وتوجيها للناس من الناحية الدينية حتى لا يقع المجتمع في الحرام في معاملاته الاقتصادية. كما يشرف العزابة على تصريف السدود ومراقبة التخطيط العمراني، واتباع قواعد البناء حفاظا على الحقوق الفردية والجماعية، ومراعاة
1 - محمد ناصر حلقة العزابة، ص 18 وما بعدها.
،
-
Omar Dhina. Actualité. N 520. -P 15.
278 (1/297)
صفحة 298
الحريم وستر البيوت بما يتفق وأحكام الدين الحنيف. ويعينون من يقوم بحضور عملية الذبح والسلخ لضمان شرعية الذبائح وحلية اللحوم التي يأكلها الناس.
وانطلاقا من هذه المهام والمسؤوليات التي جمعت كل وظائف الحياة، فإن هيئة العزابة تُعتبر أعلى سلطة في البلد على الإطلاق في كلّ
ما له علاقة بالدين، وهي الهيئة القائمة مقام الإمامة الكبرى في مرحلة الكتمان إذ تهيمن على الجوانب التشريعية والتنفيذية ونقل قرارات مجلس الجماعة الذي يعدُّ هيئة أخرى بجانب العزابة، وأعمالهم تشمل جميع شؤون الحياة، ما عدا إقامة الحدود التي تعطلها حتى لا تسترعي انتباه الحاكم، وتستند في أحكامها إلى الشريعة الإسلامية سواء في العبادات أم في المعاملات أم في الدماء (1).
ونشير إلى أن لهيئة العزابة مكانا خاصا بها، وهو دائما بجانب المسجد حيث تجتمع فيه، وهذا المبنى يسمّى "تمنايت" ومعناه بالبربرية
مكان الفرسان ومن الناحية العملية مكان فرسان الدين (2).
هيئة تمسير دين
نف
إلى جانب الهيكل العزابي للرجال لدى الإباضية، يوجد بجانبه وفي
المستوى من القيادة الدينية والاجتماعية مجلس يخص النساء،
ويطلق عليه اسم "تمسيردين" وهو
لفظ بربري يعني
الغاسلات، وقد
اشتق هذا الاسم من عملهنَّ الذي أخذ صبغة غسل الأموات من
1 - محمد ناصر حلقة العزابة، ص. - إبراهيم بن يوسف الحكم والسياسة، ص 56. 2 عوض خليفات التنظيمات التربوية والاجتماعية، ص 13.
279 (1/298)
صفحة 299
النساء والأطفال الصغار، والواقع أن عمل هذا المجلس يتوسع ليشمل كثيرا من الميادين الأخرى.
يعود تاريخ نشأة هذا المجلس النسوي إلى نشوء نظام العزابة، وقد يكون بعده بقليل، وذلك للأهمية الكبرى التي يوليها الإباضية للمرأة، التي كانت الحصن الذي صان المذهب الإباضي لمئات السنين، وأثناء الحروب حيث تعرض الرجل للقتل والتشريد، في حين بقيت المرأة المنبع الذي لا ينضب لتزويد الأجيال بالمبادئ الإباضية.
وكذلك انطلاقا من المراحل التي قسمها الإباضية فيما يُعرف بمسالك الدين، فإن مرحلة الكتمان تعتمد أساسا على التنظيم والتحضير الاجتماعي، وفي كل الأحوال فإن المرأة تُعد الحجر
الأساسي لبناء الأسرة والمجتمع (1).
يتكون مجلس الهيئة النسوية من نساء تتوفر فيهن شروط العزابة إلى جانب العفة
والحياء والاستقامة والحنكة في معالجة الأمور. ولا يشترط فيهنَّ حفظ القرآن كله، وتمثل كل امرأة عشيرتها، وعادة ما يكون عددهن اثني عشر عضوا، وقد يزيد وينقص حسب ما تقتضيه الحاجة والمهام. وتتم عملية اختيار الأعضاء لهذا المجلس تماما كما يحدث للعزابة مع استشارتهم قبل إعلان التنصيب.
يعمل المجلس النسوي بالتنسيق مع حلقة العزابة في كثير من الأمور العامة. وإذا كان الموضوع يخص المجتمع النسوي فقط فالأمر إليهنَّ على العموم. فيقمن إلى جانب المهام الدينية بمراقبة عادات وتقاليد
1 - صالح عمر اسماوي، نظام العزابة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات المعمقة في التاريخ الإسلامي، ص 94 وما بعدها.
280 (1/299)
صفحة 300
المجتمع حتى لا يخرج عما قنه العزابة. وهذا فيما يخص الأعراس وتحديد المهور وتقديم الأطعمة والحفلات ثم المآتم وإصلاح ذات البين، وغيرها من السير الإباضية (1).
ويجتمع المجلس في دورات محددة لمناقشة المستجدات، ويترأس هذا
المجلس مسؤولة تسمى في بعض مدن ميزاب "ماما شيخة".
ولهن في جوار المسجد جناح خاص بالنساء لمتابعة ما يجري في المسجد من تلاوة القرآن والوعظ والإرشاد، ولهن مثل هذا في دار
خاصة بمنَّ.
وإذا كان مجلس العزابة أعلى سلطة في البلد، فإن الإباضية، ومواكبة للظروف، أنشؤوا مجلسا كبيرا يجمع هذه المجالس على مستوى مناطق الإباضية، وهو مجلس عمي سعيد يقوم بتمثيل البلد فيه ثلاثة مشايخ شيخ الحلقة والإمام وآخر ينتخب من حلقة العزابة. ومن مهامه من التشريعات واختيار القضاة كما يعتبر هذا المجلس أيضا قضاء الاستئناف للمشاكل التي يتعذر حلُّها على عزابة المدينة. وقراره
إلزامي، كما يُشرف على الحج وتأمين الطرق والسكن بالبقاع المقدَّسة، ويُعتبر المسؤول الوحيد الذي يحل المشاكل ما بين المدن الإباضية، كذلك العلاقة مع المتساكنين من غير الإباضية، وعقد
الاتفاقيات مع الخارج وغيرها من المهام فيما عدا الحدود (2).
ورغم نجاح نظام العزابة كأسلوب جديد يضمن المحافظة على السمات الدينية والاجتماعية للإباضية، فإنَّه لا بد أن يشهد هذا النظام
Marghoub Balhadj, Le Développement en Algerie. P 32. -1
2 خليفات التنظيمات التربوية، ص 17/ 16.
281 (1/300)
صفحة 301
تطورا جديدا ملائما للحياة العصرية التي يعيشها، خاصة وأن الإباضية يعيشون كتمانا علنيًّا ضمن مجتمع إسلامي واسع. وهذه الوضعية جعلت العزابة تضيع كثيرا من مهامها وخاصة السياسية، علما بأن هذا النظام قد عرف عدة تطورات حتى وصل إلى ما هو عليه الآن. والظروف التي تحتم على الإباضية تطوير هذا النظام هي ظروف لم تكن معهودة من قبل، مثل الحرية الواسعة للتعبير لدى الرأي العام، وحرية الانتقاد، إلى جانب انتشار الثقافة والوعي اللذين جعلا الفرد الإباضي في مستوى فهم الأحداث، وما يجري حوله من أعمال العزابة وطرق اختيارهم وانتماءاهم الفكرية والعشائرية، بل والعائلية منها، لأن العنصر الأساس لاختيار عضو العزابة هو الصلاح والتقوى إلى جانب الصفات الأخرى كالكفاءة. وهذا الأساس الذي سار عليه الإباضية في اختيار أئمتهم في كلِّ مراحل حياتهم السياسية السابقة، المحافظة عليه، إلا أنه لا بدَّ أن يتم ذلك في إطار من التوازن
يجب
تقديم
الاجتماعي، بالتمثيل الواسع قدر الإمكان لأكبر عدد ممكن من شرائح المجتمع حسبا ونسبًا حتى لا يسير الإباضية بهذا النظام رويدا رويدا إلى المركزية السلطوية، لأن الصلاح والتقوى والمواهب ليس حكرا على قوم أو عائلة دون أخرى، بل وأكثر من هذا وفي سبيل إيجاد مجتمع متوازن ومحافظة على وتيرة الطاعة للجماهير، فإنَّه الحكمة من المفضول وفي محيطه أفضل منه، وذلك عند اللزوم، لأنه رغم نقاء وقوة الأسس المتعمدة في الاختيار فإن رياح الديمقراطية وروح النقد أقوى، وهذا لا يتناقض مع الشريعة الإسلامية. الشريعة الإسلامية. كذلك حتى لا يتناقض الإباضية مع مبادئهم، ومن بينها عدم حصر الخلافة في قوم دون قوم،
282 (1/301)
صفحة 302
وفي عائلة دون أخرى.
فهل من عالم كأبي عبد الله محمد بن بكر يطور هذا النظام مسايرة
للظروف العصرية؟
مؤسسة العشيرة:
العشيرة نظام اجتماعي يعتمد على الخلية الأولى للمجتمع وهي الأسرة. وتجمع العشيرة عدة أسر ينتمون عادة إلى جد واحد، وهذا التجمع العشائري تذوب فيه جميع الانتماءات والطبقات الأسرية. وتجمعها المنفعة المشتركة، ويدير العشيرة مجلس للشيوخ يختارون من أعضاء العشيرة، والتي بدورها تكون الخلية الأولى التي تكون مجلس الجماعة على مستوى البلدة، والمكلف بتنفيذ قرارات هيئة العزابة، ويمثلها في هذا المجلس رئيسها (1).
بين
وتتضمن مهام العشيرة جانبين:
أولا: التكافل الإلزامي، وهي المهام الواجبة على العشيرة نحو الأسرة والفرد. ومن بين هذه الواجبات دية القتل الخطا فيما فوق الثلث، ومساعدة الفقير والمحتاج بسبب العجز والمرض، وتعيين وكيل لليتيم، وتصفية التركات، وتقدير النفقة للزوجة في حالة حدوث تهاون من قبل
زوجها، أو في حالة طلاقها، وتحديد المسؤول للسهر على السفيه. إن مؤسسة العشيرة تحتل مكانا اجتماعيا مهما من حيث كونها قريبة من الأسرة والفرد (2). وإن النظام العام للدولة الإسلامية مهما بلغ
1 عدون جهلان، ص 171.
نفسه، ص 171.
283 (1/302)
صفحة 303
به التنظيم والهيكلة الاجتماعية، فلا يستطيع أن يترصد كل ما يحدث في المجتمع، لأن أقرب سلطة لأن أقرب سلطة إلى الضعيف والفقير والأرملة والمجنون والسفيه واليتيم بعد الأسرة إنما هي العشيرة. كما أن الدولة لا تستطيع بمفردها التكفل ماديا ومعنويا بكل الأفراد، من هنا تتجلى أهمية
العشيرة.
هذه بعض المعلومات عن مرحلة الكتمان لدى الإباضية، والتي تعتبر بحق مرحلة أساسية بحيث يتوقف وجودهم واستمرار عقائدهم على مدى نجاحها.
والإباضية في العصر الحديث يعيشون مرحلة الكتمان العلني، وذلك بالتقارب مع أفراد المجتمع الكبير، والتفاعل مع مختلف التطورات التي يحياها هذا المجتمع، وذلك بالمرونة والاعتدال التي يتميز بها المذهب
الإباضي. يقول الدكتور عمر فاروق: «وهنا لا بد من القول بأن المذهب الإباضي أظهر مرونة واعتدالا ونظرة توفيقية بحيث يتلاءم مع الظروف السياسية والاجتماعية، وفي ذلك يكمن سر نجاح الإباضية واستمرارها لأكثر من اثني عشر قرنا من الزمان» (1).
إن ما يمكن استخلاصه من هذا الفصل هو تميز الإباضية عن أهل السنة والجماعة بخصوص مسألة تنوع الإمامة، وسبق أن بيننا أن سبب
انعدام هذه الميزة لدى السنة
يعود د بالدرجة الأولى إلى ما تمتعت به هذه
1 عمر فاروق التاريخ الإسلامي، ص 64.
284 (1/303)
صفحة 304
الفرقة من مكانة سياسية هامة على الصعيد الإسلامي، وريادتها للدول الإسلامية. وهذه الوضعية في نظرنا هي التي جعلت علماءنا السنيين لم يفكروا في البحث عن أنواع أخرى من أنماط الفكر السياسي التي تسمح لهم بالاستمرار في ظروف القهر والاستبداد.
كما أن نظرة هؤلاء العلماء أزاء بعض القضايا الإسلامية، كمسألة الخروج عن الإمام الجائر، وتفسيرهم إياها تفسيرا استسلاميا حسب ظواهر النصوص وليس على ضوء القرآن، هي التي تبطت عزائم الفقهاء السياسيين دون التعمُّق في الفقه السياسي، في حين حين أن مثل هذه الظروف هي التي أجبرت الفرق الأخرى إما على الاختفاء نهائيا مثل الخوارج جميع فرقهم، أو على التفكير في سياسة وسلوك سياسي اجتماعي يكفل لهم البقاء والاستمرار، وهذا ما حدث لفرقة الإباضية، باختيارها لأسلوب الكتمان.
وعندما نعود إلى الواقع الإباضي في ظل مرحلة الكتمان نجد أن هذه المرحلة قد طالت فالإباضية لم يظهروا بدولتهم منذ عدة قرون. فهل أصبح قيام دولة إباضية أمرا مستحيلا؟ أم إن هناك ظروفا أخرى
حالت دون ذلك؟
ما نراه هو أن هناك عدة عوامل ساهمت في عدم ظهور الإباضية بدولتهم من جديد، وعلى رأس هذه العوامل قلة عدد الإباضية، هذا إلى انهماكهم في الإصلاح الداخلي للمجتمع، ثم التخلي عن الدعوة إلى مبادئهم. وكذلك تعاقب الظروف غير الملائمة كالاستعمار الأجنبي، والمواقف الإسلامية غير الواضحة نحو المذهب
ويرجع
285 (1/304)
صفحة 305
الإباضي. وقد ساعدت هذه الظروف في جعل الإباضية في حالة دفاع
مستمرة.
والعامل الثاني هو تشتت الإباضية عبر العالم الإسلامي (1)، الأمر الذي ساهم كثيرا في عدم التحام الإباضية، فضلا عن السياسات المتبعة أزاء بعض الأقليات الإباضية في بعض الدول الإسلامية، وخاصة اتباع سياسة الحصار العقدي والتذويب.
وفيما يخص مرحلة الظهور التي ينشدها الإباضية فإن النظرة قد تغيرت في عصرنا الحاضر، بحدوث تطور كبير في نظرة الفرق الإسلامية إلى المسألة المذهبية، إذ بدأت مرحلة التقارب وعملية تنقية الآراء المذهبية من أوضار الشعوبية، وتقليد الآراء. وهذه النظرة الجديدة جعلت الإباضية يشعرون بخفة حدة التوتر العقدي، وبالتالي ينزلون من أبراجهم الدفاعية الكتمان الخفي) إلى الساحة الإسلامية الكبيرة، متعاونين مع الفرق الأخرى فيما اتفقت عليه، ومتسامحة فيما اختلفت فيه، وهذا هو مفهوم الكتمان العلني. كما أصبحت مرحلة الظهور مرحلة بعيدة المنال نظرا لما سبق
ذكره من عوامل الانفتاح المذهبي.
وللمعتزلة نفس الموقف مع أهل السنة والجماعة في مسألة تنوع الإمامة، فأهل السنة لم يدرسوا هذا الموضوع نظرا للمكانة السياسية والتاريخية التي عاشوها، أما المعتزلة فإن التاريخ لم يسجل لهم قيام دولة التوحيد والعدل. فقد بقي نشاطهم السياسي مجرد فلسفة لم يُكتب لها
التطبيق العملي.
1 - أماكن توزع الإباضية حاليا هي الجزائر تونس ليبيا، غانة، زنجبار، عمان.
286 (1/305)
صفحة 306
أما الشيعة فإنهم لم ينصوا صراحة على إمامة الكتمان، إلا أن
الباحث في عقائدهم السياسية يجد الزيدية منهم تؤمن بالإمام الكاتم أمره، الذي يبث أنصاره عبر العالم الإسلامي لنشر آرائه الشيعية، إلى أن تتم له القوَّة ثم الظهور (1). وهذه النظرة السياسية الشيعية تقترب كثيرا من مرحلة الكتمان الإباضية. والحقيقة أنه لم يتمكن الزيدية من بناء كيان سياسي زيدي خالص، انطلاقا هذا الأسلوب السالف من ذكره. فهل كانت هناك ظروف حالت دون ذلك كما وقع للإباضية، أم إن هناك ظروفا أخرى لم تمكّن هذا الأسلوب الزيدي من إعطاء
ثماره؟
1 - انظر عقائد الشيعة السياسية في المبحث الثالث من مدخل الرسالة.
287 (1/306)
صفحة 307
خلاصة مسالك الدين (1)
المسلك
الظهور
الدفاع
الشراء
الكتمان
الهدف
إقامة الدولة
الدفاع عن
الثورة ضد المحافظة على
العادلة
دليل
المشروعية
الدين ومحاربة الحكم الجائر الدين وإصلاح
الفساد
المجتمع
والله العزة وجاهدوا في إن الله اشترى أدلة مشروعية
ولرسوله
وللمؤمنين
سبيله لعلكم من المؤمنين
تفلحون
التقية
أنفسهم وأموالهم
نوع
السلطة
أسلوب
العمل
الشرط
توفر القوة انتشار فساد أو تسلط حكم أقلية ضعيفة في الواجب الكافية في العدد ظهور عدو جائر أو مستعمر دولة مخالفة
والعدة
کافر
إمام منتخب إمام ينعزل قائد مؤقت سلطة اجتماعية وحكومة عادلة بانتهاء الحرب ينتصر أو يموت (حلقة العزابة) سياسة الرعية المجابمة بالقوة الثورة عند الظلم وإنفاذ أحكام بعد النصح أو المراقبة في
النشاط الديني
والاجتماعي
الشرع
والتحذير
السلم
والتربوي
الإمكانيات السلاح والعلم
السلاح
ما يحتاج إليه
العلماء
والمال والرجال
والرجال
الفدائي مع قوة
والمؤسسات
الإيمان
الثقافية
والاجتماعية
المثال
النبي بعد عبد الله بن أبو بلال إباضية الجزائر
الهجرة، الخلفاء وهب الراسي
الراشدون
مرداس
وتونس وليبيا
- زحاف
الطائي
بعد الدولة الرستمية
الدولة الرستمية
1 عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، ص 175.
288 (1/307)
صفحة 308
نتائج القسم النظري
اشتمل هذا القسم النظري على أربعة فصول تناولنا فيها أهم الخطوط العريضة لنظرية الإمامة عند أهل السنة والجماعة و الإباضية مقارنة مع الشيعة والمعتزلة. وخلال عرضنا لآراء ونظريات الفريقين استطعنا حصر أهم مسائل الخلاف. إن ما يمكن قوله إن هذه الاختلافات لا تعدو أن تكون مسائل فرعية اجتهادية وإن كلا المذهبين له في ذلك أدلة وشواهد من الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين ثم أئمة كل مذهب. ولقد لعبت الأصول العقدية من جهة، والظروف التاريخية لكل فرقة من
جهة دورا هاما في تحديد معالم النظرية السياسية لدى كل مذهب. إن الإباضية وأهل السنة لم يختلفوا في الإمامة من حيث المفهوم والوجوب والوحدة وطرق إثباتها وشروط أهل الحل والعقد ولا في نصب الإمام، بل كان اختلافهم على قدر ضئيل جدا في مسألة الشرط القرشي، حيث اعتبره الإباضية من شروط الأفضلية، في حين عده
السنيون شرطا ضروريا.
والمسألة الثانية هي
قضية عزل الإمام والخروج عليه، فالإباضية في
هذا الموقف أجازوا العزل والخروج إذا توفرت شروط نجاح الثورة وتغلب جانب الانتصار على جانب الفتنة، أما أهل السنة والجماعة فقد حرموا الخروج واستندوا في ذلك إلى أحاديث أخذوها على ظاهرها، ولم يفسروها على روح القرآن ومبدإ إقامة الدين.
وقد لاحظنا ظهور بعض آراء لعلماء معاصرين من أهل السنة
289 (1/308)
صفحة 309
والجماعة تدعو إلى جواز الخروج على السلطان الجائر، إذا ضمنت الثورة نجاحها، وهذا ما جعل أهل السنة يتفقون في هذه المسألة
الإباضية.
فإلى جانب الكثير من الأحاديث التي تأمر بالصبر على ما يكره المسلم من أميره وضرورة السمع والطاعة فيما أحب وكره، وأن من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وغيرها من النصوص السنية، فإن هناك أقوالا عن النبي جاءت لتنظيم علاقة المسلم بإمامه، حيث قال: «استقيموا لقريش ما استقاموا
لكم» (1)، وقال: «أطيعوهم ما لم يمنعوكم الصلوات الخمس» (2)، وقال: «إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعذاب منه» (3).
فلا شك أن هذه الأحاديث الصحيحة قد تعد المخرج الوحيد لأهل السنة والجماعة في تأويلهم التأويل الصحيح لمسألة الخروج، وقد علق النبي لا لا لا طاعة المسلم على استقامة أولي الأمر، وعدم منعهم
1 - رواه أحمد، ج 5، ص 277.
2 - رواه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، ص 203. عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو دواد بلفظ "ستكون عليكم أئمة تعرفون منهم وتنكرون فقيل: يارسول الله أفلا نقتلهم؟ قال: لا، ما صلوا" كتاب السنة، باب في قتل الخوارج، ج 2. - وأحمد بلفظ أبي داود، ج 6، ص 321/ 305/302. – وبلفظ: "لا، ما صلوا لكم الخمس" ج 6، ص 295/ 28.
3 - رواه أبو داود، كتاب الملاحن، باب الأمر والنهي، ج 2، ص 436. – الترمذي، كتاب الفتن، باب نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، حديث 2168. ج 4، ص 467. -
وأحمد، ج 1، ص 7، بنفس اللفظ.
-
290 (1/309)
صفحة 310
الله
وإذا
الصلوات الخمس، وهي إشارة إلى عدم تعطيل أحكام كانت هذه الأحاديث قد صحت فعلا، سواء التي تأمر بالصبر، أو
الأخرى التي تحث على الضرب على يد الإمام الظالم، فهل يمكن أن نقول إن النبي قد تناقض في أقواله؟ هذا مستحيل في حقه. وفي هذه الحال، لا يبقى إلا شرحها على ضوء القرآن ثم الأخذ بها حسب الظروف، أي الأخذ بالصبر والإعداد للخروج وفق كل وضعية وأزمة تصادف الأمة الإسلامية. فالجمع هنا بين النصوص ممكن لإتمام مشيئة الله في الأرض، وهي إقامة الدين.
إن المتفق عليه هو أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وإذا كانت النوازل لا يحصى لها عدد والنصوص القطعية محدودة ومعدودة، والمسائل الخلافية بين الإباضية و أهل السنة والجماعة تستند كلها إلى نصوص شرعية وإلى اجتهادات العلماء، فإنَّه من الواجب على المسلمين استقراء هذه النصوص من جديد ومحاولة كشف أسرارها، إذ القرآن لا تنتهي عجائبه، وذلك من أجل الوصول إلى الوضعية السليمة التي تمكّن المسلمين من بناء دولتهم في زحمة تغيرات العصر الحديث بدون تخطي حدود الله.
فالنسبة للخروج وتحريمه من قبل أهل السنة فإن الدكتور محمد عمارة يقول: «إنه نتيجة لهذه المبررات التي ساقها أهل السنة لإقرار مبدإ عدم الخروج مع بعض الوجاهة في بعض المواقف، إلا أن الوضعية السلبية التي أدت إليها هذه الآراء هي إعطاء الشرعية لأنظمة
الاستبداد» (1).
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 633/ 632.
291 (1/310)
صفحة 311
إن هذه الآراء السابق ذكرها، والخاصة بأهل السنة والجماعة في
مسألة الخروج على أئمة الظلم قد أخَّرت كثيرا من المسلمين في مسألة الوقوف ضد الجور في الوقت الذي يستطيعون فيه القيام به، فلو أنهم وقفوا جميعا موقفا سلبيا ضد الاستبداد لما تمكن هؤلاء الجورة من الظلم
والاستمرار فيه.
والموقف هو نفسه بالنسبة لشرط القرشية، إذ الواقع يكذب هذا، فقد تحدث التاريخ عن عدة أئمة ليس لهم علاقة بهذا النسب، كما أن الواقع يجعل هذا الشرط مستحيلا، إذا استحضرنا جميع ما يمكن أن يؤول إليه الإسلام والمسلمون، وكذلك كيفية تطبيق ذلك. يقول سيد قطب: «ولقد صادفنا من الناحية النظرية ما يؤيد إقرار الإسلام لبعض حكام البلاد المفتوحة على حكمها إذا أسلموا. فهذا ـ بازان - يقره أبو بكر على حكم اليمن، وهذا فيروز يقيمه حاكما
الفارسي
على صنعاء، وكذلك حكام مسلمون غيره فعلوا مثل هذا» (1). وخروجا من هذه الأزمات فإن الآراء التي اعتقدها الإباضية ومن معهم من الفرق الأخرى كالمعتزلة في هذه المسائل، تُعتبر الممر الوحيد لوصول المسلمين إلى إقامة دولتهم، وذلك لعدة عوامل، منها: الاعتدال بالنسبة للفرق الأخرى، ثم الواقعية البعيدة عن المثالية
والحماس الديني.
-
أنها حركة تحاول التغيير نحو الأفضل. وعارضت السلطة في
مبادئ داخل الإسلام وقيم العروبة. أما الأخرى فقد اتخذت الإسلام
1 - سيد قطب العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 172 وما بعدها.
292 (1/311)
صفحة 312
مظلة لإخفاء نواياها القبلية» (1).
ويقصد المؤلف بالفرق الأخرى غير أهل السنة والجماعة الذين كانوا حكاما في أغلب فترات التاريخ، وقد وصف كثير من المؤرخين الخوارج بعدة أوصاف شاعت في القرن العشرين، منها أنهم يمثلون: جمهوريي الإسلام، وذلك بتمسكهم بالديمقراطية في الحكم.
- بيورتان الإسلام، وذلك لتمسكهم بالقرآن والسنة. - ثوربي الإسلام، وذلك لحضهم على الثورة ضد أئمة الجور. - بولشفيك الإسلام، وذلك لتطرفهم في الدفاع عن عقيدتهم (2). وفي كل مرة يجب أن نشير أن أكثر الكتاب عندما يطلقون لفظ الخوارج فإنهم يقصدون بذلك جميع فرقهم، والإباضية في اعتقادهم من ضمنهم وهذا نتيجة لخلطهم بين الفرقتين عقديا، وعدم الاتفاق على تحديد مصطلح الخوارج.
وإذا جاز أن نصف الإباضية بالوصفين الأولين أي التمسك بالقرآن والسنة والمنهج الديمقراطي في الحكم، فإنَّه يجب تحديد مفهوم الحض على الثورة ضدَّ الجور في الوصف الثالث، لأن الفارق بين الإباضية والخوارج يكمن في هذه المسألة (3). أما فيما يخص النقطة الرابعة والخاصة بالتطرف في العقائد، فبالنسبة للإباضية يجب استبدال كلمة التطرف وتعويضها بكلمة التشدد. لأن التطرف يعني أحيانا تجاوز الحدود والغلو في الدين والإباضية لا يعرفون غلوا ولا تسيبا.
1 عمر فاروق التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 40. 2 عمر فاروق نفسه، ص 33.
-3 - راجع بحث "الإباضية ليسوا خوارج" في المبحث الثاني من المدخل.
293 (1/312)
صفحة 313
إن شيوع حرية التفكير في عصرنا، وعمق الفهم بالتفكير الفلسفي، وبعد النجارب الطويلة للفكر الإسلامي، وبعد أن ابتعد التاريخ الإسلامي
عن جميع المؤثرات التي جعلته يسير في اتجاه معين، فإنَّه لا هذه الأمة
يسع.
إلا أن ترى رأي الإباضية في كثير من مسائل الحكم والسياسة إذا أرادت أن تعود إلى الخلافة النبوية. وذلك بدون إقامة أي وزن للقرشية أو الهاشمية أو القبلية أو الطائفية عموما، إلا في موضوع الترجيح عندما تتساوى القدرات والكفاءات والمواهب لدى المسلمين وفي أمَّة تشمل الملايين من
مختلف المستويات مواهب وأخلاقا (1).
يقول الشيخ عبد الحليم محمود في هذا الموضوع: «أما رأيهم في الإمامة -يعنى الإباضية - فإنَّه الرأي الذي يؤيده الاتجاه الحديث، ويؤيده كل مخلص لدينه ووطنه» (2).
ولا شك أن هذه الآراء التي جاء بها فقهاء من أهل السنة، والمؤيدة
للنظرية الإباضية ليست من قبيل الصدف ولا من باب التعصب لمذهب دون آخر، بل إن الأمر يعود لعدة عوامل كان التاريخ والأحداث من وراء تكوينها، وذلك عن طريق استنطاق التاريخ، والتعمق في فهم الأحداث مع مقارنة ذلك بما أتت به النصوص، فتبلورت بذلك هذه الآراء وقويت حجتها.
كما أن هذه النظريات قد نودي بها في القرن الأول الهجري قبل نحول الخلافة إلى الوراثة وبعدها، بيد أن علماء العصر في كل مذهب بدعوا يتحققون من صحتها، وهذا على إسلاميتها وسلامتها.
1 - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ.
2 - عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 19. (1/313)
صفحة 314
المحتويات
تقديم الدكتور عبد الرزاق قسوم ..
المقدمة.
نقد المصادر والمراجع.
المدخل.
تمهيد
.
أولا: المصادر غير الإباضية
ثانيا: المصادر الإباضية ..
ثالثا: كتب الفكر الإسلامي الحديث
أولا: أهل السنة والجماعة
ثانيا: الإباضية.
ثالثا: الشيعة
رابعا: المعتزلة.
القسم الأول
نظرية الإمامة عند الإباضية
7 ..........
21 .......
21
28
32
35
37 .........
47
63 ......
67
77 ...
أولا: النظرية السياسية عند أهل السنة والجماعة والإباضية ................ 77
85.
93 ..
103
103
104
105
...
ثانيا: النظرية السياسية عند الشيعة
ثالثا: النظرية السياسية عند المعتزلة.
أولا: مفهوم الإمامة
وتحديد المصطلحات
أ ـ الأمير ....
الفضل الأول
مفهوم الإمامة ووجوبها ووحدتها
......
ب ـ الخليفة (1/314)
صفحة 315
105
........
106 ....
116 .....
116
117 .........
119 .......
120
122
125
129
130 ........
135
141
143
146 .....
149
150
155
160 .....
161 ..
166
:
ج ـــ أمير المؤمنين
د الإمام.
ثانيا: وجوب الإمامة
1 ـ أهل السنة والجماعة
-
أ ـ الأدلة النقلية.
ب ـ الأدلة العقلية
2 الإباضية.
..
أ - الأدلة النقلية
ب الأدلة العقلية.
-
ثالثا: وحدة الأمامة وتعددها.
...
1 - أهل السنة والجماعة
2 - الإباضية
......
الفصل الثاني
الإمامة بين النص والتعيين والاختيار
أولا: طرق إثبات الإمامة.
1 - اهل السنة والجماعة
2 - الإباضية
ثانيا شروط اهل الحل والعقد
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية
...
ثالثا: الاستخلاف وولاية العهد
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية.
... (1/315)
صفحة 316
176
203
203
212 ....
219
219
219 .......
225
231 ...
231 .......
234 .....
244
248
251 ................
258
262
267 ....
$269 ...
271 .......
273
283
288
289
الفصل الثالث
شروط الإمام ونصبه وعزله والخروج عليه
..
أولا: شروط الإمام
ثانيا: تنصيب الإمام.
.
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية.
...
ثالثا: عزل الإمام والخروج عليه
1 - أهل السنة والجماعة
أ- عزل الإمام
ب الخروج على الإمام.
2 - الإباضية
أ- عزل الإمام ......
ب الخروج على الإمام الجائر
الفصل الرابع
أولا: أهل السنة والجماعة.
ثانيا: الإباضية
1 - مرحلة الظهور
2 - مرحلة الدفاع
3 - مرحلة الشراء
4 - مرحلة الكتمان
-
-
التنظيم الاجتماعي
أنواع الإمامة
علاقة الإباضية بالمخالفين .....
نظام العزابة.
مؤسسة العشيرة
.
خلاصة مسالك الدين.
نتائج القسم النظري.
..... (1/316)
صفحة 317
[صفحة فارغة] (1/317)
صفحة 318
بكيرز بلاج وَعَلِي
العامة عند الأباضية
بير
بين النظرية والتطبيق مُقَارَنَة مع أهل السنّة وَالجَمَاعَة
الجزء الثاني
تَقْدِيم الدكتور عبده نه و فنول
المطبعة العربية، غرداية، الجزائر
نشر: جمعية التراث
القرارة غرداية الجزائر 1421 هـ. 2001 م (2/1)
صفحة 319
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 320
بكير بزب
حَاجُ وَعَلي
الأقامة عند الأباضية
بين النظرية والتطبيق
مقارنة أهل السنة والجماعة مع
الجزء الثاني
تقدير الدكتور عبد هنود فنول
نشر: جمعية التراث القرارة غرداية الجزائر 1421 هـ. 2001 م (2/3)
صفحة 321
حقوق الطبع محفوظة
المطبعة العربية 11 نهج طالبي احمد غرداية الهاتف: 53 36 88 (09)
الإيداع القانوني رقم: 65: 2001
ردمك 4 - 69
1. S.B.N 9961
908
- (2/4)
صفحة 322
رب أنعمت فرد ... (2/5)
صفحة 323
هذا البحث
هو في الأصل رسالة ماجستير، قدم بالمعهد العالي لأصول الدين، جامعة، |
الخروبة، الجزائر
في السنة الجامعية 1414 - 1415 هـ/1993 - 1994 م
إشراف الدكتور عبد الرزاق قسوم
ونال به الباحث درجة ماجستير بتقدير: مشرف جدا
ثم بادرت ثلة من أصدقاء المؤلف وعائلته إلى طبعه كما نوقش، مع الحرص على الضبط والتصحيح ما أمكن
وبعد استكمال الأفلام عثر على نسخة بها إضافات بيد المؤلف، لم نتمكن
من إدراجها
وسنلحقها بإذن الله تعالى في طبعة لاحقة، مزيدة ومنقحة (2/6)
صفحة 324
القسم الثاني
تطبيق الإمامة
عند أهل السنة والجماعة والإباضية (2/7)
صفحة 325
[صفحة فارغة] (2/8)
صفحة 326
تمهيد
لقد تطرق فقهاء السياسة الشرعية إلى جميع جوانب الحياة السياسية، وتناولوا الدولة وأجهزتها كالإمام ومجلس الشورى والولاة والقضاة والجيش. وبما أن الموضوع شاسع فقد وقع اختيارنا على مواضيع معينة للتطبيق، نظرا لأهميتها واستراتجيتها في التنظيم السياسي، وبالتالي معرفة مدى نجاح هذه الأنظمة السياسية، وهل فعلا وفقت إلى تنفيذ أحكام الله؟. وهذه المواضيع هي:
1. طريقة انتخاب الإمام ومبايعته.
2 قبيلة الإمام، وولاية العهد.
3 سيرة الأئمة، ومدى تطبيقهم للخلافة النبوية.
4 عزل الإمام، والخروج عليه.
فبالنسبة للنقطة الأولى والمتعلقة بطريقة اختيار ومبايعة الإمام، فإنَّها تعتبر أس النظرية السياسية للمذهبين محل الدراسة، وذلك بحكم انتمائها إلى مدرسة الاختيار والشورى، وفق ما نظره فقهاء السياسة الشرعية، فإنَّه لا ينبغي للمذهبين أن يخرجا عما للمذهبين أن يخرجا عما رسمه العلماء، إذ الخروج يؤدي حتما إلى الوقوع في توريث الحكم، مهما كانت صيغته، وراثية محضة أم استبدادية.
ولقبيلة الإمام وولاية العهد ارتباط وثيق بالموضوع الأول، ذلك أن الاختيار يستدعي عدم بقاء الخلافة في قبيلة أو عائلة واحدة إلا إذا
297 (2/9)
صفحة 327
حدث هذا بالاختيار الشوري. ثم إن ولاية العهد التي توحي بوراثة الحكم، والتي وضع العلماء السنيون لها ضوابط من شأنها ضمان السير الديمقراطي للحكم حتى لا ينزلق في هوة الاستبداد واحتكار السلطة. أما الموضوع الثالث فيتعلق بسيرة الأئمة أنفسهم وحرصهم على تطبيق الخلافة الشرعية، حيث إن السيرة الشخصية للخلفاء لها تأثير مباشر على ممارسة الحكم، فعادة ما تؤثر هذه الشخصية على آراء الخليفة لتصنع منها قرارات تعبر عن ميوله وأفكاره.
ولقد تطرق الموضوع إلى السياسة الداخلية والخارجية من حيث إنَّهما مرآة تعكس شخصية الإمام في رعاية الأمة والنظام عموما، وفي
معاملة الأجانب سواء أكانوا مسلمين أم غير ذلك.
أما الموضوع الأخير فهو المعيار الحقيقي لتقويم تلك السياسات المطبقة على الرعية، ويتعلق الأمر بالخروج وعزل أئمة الجور. وهذه من النقاط المختلف فيها ما بين نظرية الصبر، ونظرية وجوب الخروج أو الجواز. فلا يعقل أن تثور الأمة
الأمة إذا ما سيست بالعدل وطبقت عليها
أحكام الله، وإذا حدث هذا في ضوء العدالة الإسلامية أصبح بغيا يجب
محاربته.
وإذا اعتبرنا أن وقعة صفين هي الحد الفاصل والنهاية للفترة الرشيدة، والتي طبقت نظريات الحكم الإسلامي بكامل صوره، وأصبحت معتمدا ومرجعا للفقهاء السياسيين من بعد، اتفاقا، وهذا فيما عدا الفتنة الكبرى أيام عثمان بن عفان، فإن الأمور قد تغيرت
كثيرا بعد ذلك.
298 (2/10)
صفحة 328
ولقد ثبت الكيان الأوَّل ببلاد الشام، واتخذ من دمشق عاصمة له، وتمثل في الدولة الأموية، بينما تمركز الكيان الثاني ببغداد في العراق، ممثلا في الدولة العباسية.
ولقد صاحب قيام الدولتين الإسلاميتين الأموية والعباسية- ظهور عدة كيانات سياسية، إباضية، وتمثل ذلك في إمامة عمان بالمشرق، والدولة الرستمية ببلاد المغرب، والتي اتخذت من تيهرت عاصمة لها، وقام حكم هذه الدول في فترات زمنية متقاربة، أي خلال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، وهذا ما جعلنا نركز عليها لإجراء عملية المقارنة بيسر، حيث إن الظروف الزمانية والمكانية من العوامل التي تسهل البحث جلاء. وهذا رغم وجود بعض الدويلات الصغيرة، سواء أكانت سنية مثل الأغالبة والأدارسة بالمغرب أم إباضية مثل إمامة أبي الخطاب بطرابلس وطالب الحق باليمن.
فهل طبق المسلمون نظرياتهم السياسية في الواقع العملي؟ أم إنهم وقعوا في الهوة السحيقة التي تحدث عادة بين التنظير والتطبيق، مثل غيرهم من الأمم التي اتبعت الأحكام الوضعية؟ وإلى أي مدى اقتربت هذه الأنظمة في ممارساتها السياسية إلى الحقيقة والمأمور بها شرعا؟ وما أسباب ذلك إذا لم تطبق ما نظره علماء الإسلام؟ إذ العبرة بالإرادة الخيرة للخلفاء والأئمة، واتخاذ كل الوسائل للوصول إلى التطبيق الكامل لأحكام الله؟ امتثالا لقول الحق تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم) (1).
1 - سورة التغابن آية 16.
299 (2/11)
صفحة 329
[صفحة فارغة] (2/12)
صفحة 330
الفصل الأول
طريقة اختيار الإمام ومبايعته (2/13)
صفحة 331
[صفحة فارغة] (2/14)
صفحة 332
تعتبر أهل السنة والجماعة من الفرق الإسلامية الحتي ذهبت في مسألة
الإمامة مذهب الاختيار لا مذهب النص والتعيين (1). وذلك استنادا إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وآثار الصحابة. وهم من الذين يقولون بأن طرق وصول الإمام إلى السلطة ثلاثة، وهي: إما عهد السلف للخلف ضمن الشروط التي يتطلبها الإمام لتولّي الإمامة، اقتداء بعهد أبي بكر إلى عمر بن الخطاب. أو الاختيار الحر كاختيار الصحابة لأبي بكر. والطريقة الثالثة تجلس الشورى، وهذا ما فعله عمر بن
سي
الخطاب عندما عين ستة من الصحابة لاختيار الخليفة (2).
آراء أهل السنة والجماعة بالإجماع، ولم
وقد كانت هذه الآراء هي. يشذ عنهم في ذلك أحد، عدا جماعة صغيرة تعرف بالبكرية، القائلة بأن
معها
أبا بكر قد تولى منصبه بالتعيين من الرسول عندما أمره بإمامة
الصلاة أثناء مرضه.
فهل طبق أهل السنة والجماعة آراءهم هذه إبان توليهم الحكم؟
وما موقف الإباضية العملي من طريقة تولي الأئمة عندهم؟
عمارة: ومن الطريف أن
1 - انظر الفصل الخاص بذلك في الباب الأول، وفي هذا الموضوع يقول الدكتور محمد أمية قد اتفقوا مع الشيعة على إنها بالميراث، ولكن بالميراث أمية لا في بني علي، أما المعتزلة ومعهم أهل السنة والخوارج، فقد رفضوا مبدأ
بني
في بـ بني الميراث في الإمامة، وهنا يخرج بنو أمية من أهل السنة انظر: محمد عمارة، الإسلام
وفلسفة الحكم، ص 363.
-2 - انظر الفصل الأول من الباب الأول.
303 (2/15)
صفحة 333
1 -
أولا: طريقة اختيار الإمام
1 أهل السنة والجماعة:
تعتبر الصلة بين الأفراد في الإسلام صلة أخوية، وليست مبنية على صلة النسب أو القومية أو القبلية، كما يُعتبر الوطن الإسلامي دولة الاختيار الإنساني للنظام الإلهي للحياة، وليس دولة محددة جنسا ووطنا
وترابا (1).
انطلاقا
من هذا المبدإ فأين هي مكانة الدولة والخلافة الإسلامية تطبيقا لدى النظام الأموي والنظام العباسي؟ فهل سارت الأوضاع كما كانت أيام الراشدين أم تغير الوضع من الاختيار الحر إلى التعيين، مستغلين بذلك إحدى طرق إثبات الإمامة؟
يكاد يتفق جميع المؤرّخين والفقهاء الذين كتبوا في تاريخ وسياسة هاتين الدولتين بأن الحكم والخلافة أيام الأمويين والعباسيين استحال إلى حكم وراثي، يخلف فيه الولد الوالد أو أحد أقرباء الخليفة. وبالتالي فقد انعدمت الشورى وأصبح الانتخاب مسرحية سياسية يقوم بها الخليفة
لإيصال ولي عهده إلى مقاليد الحكم (2).
طبيعة الحكم الأموي:
إن بني أمية تمسكوا بضرورة حصر الخلافة في قريش دون غيرهم. والواقع أن هذا لم يكن إلا مطية، إذ أضحى سلطانهم مطية إلى سلطان
1 - محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 27 بتصرف.
2 - حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية، ص.
304 (2/16)
صفحة 334
دنيا لا إلى خلافة نبوية كما زعموا أما بنو العباس فهم الذين اعتقدوا أنهم وارثوا بيت رسول الله، فأقاموا سلطانهم على أساس
ثيوقراطي، مبني على الدين وزعماء الدين (1).
وفي كلا النظامين نجد الحكم قد أصبح وراثيا استبداديا، تؤول الخلافة فيهما إلى أصحابها بقوة السيف والسياسة والمكائد. وإذا اختلفت الوسيلة أحيانا في طريقة إيصال السلطة إلى أصحابها، فإن السند كان عند الأمويين سياسيا ثم دينيا بعد أن كان دينيا محضا. أما عند العباسيين فإن الصفة الروحية للخليفة والتي جعلته شخصية مقدسة، كانت هي الممر الوحيد الذي يتخذه الخلفاء لتمرير السلطة إلى أصحابها، كما يبدو ذلك من قول أبي جعفر المنصور: «إنما أنا سلطان الله في أرضه» (2). ولهذا فإن معاوية بن أبي سفيان يعتبر أول من نسف قاعدة أساسية في نظام الحكم الإسلامي، وذلك عندما جعل الحكم وراثيا في نسله، وتحققت بذلك أوَّل ضربة في نظام السياسة العامة الإسلامية والأغرب من هذا التماس الفقهاء لتبرير ذلك بسند من السنة النبوية في قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعدي أربعون سنة ثم
1 - حسن على إبراهيم تاريخ الإسلام، ج 2، ص 254 - العقيلي، الإباضية في عمان، ص
17/ 16
2 - حسن على إبراهيم تاريخ الإسلام، ج 1، ص 437 - أنور الرفاعي، الإسلام في حضارته، ص 86/ 85. وهذه العبارة هي من وصية المنصور لابنه المهدي من الرواية الرابعة التي يعتقد الدكتور عمر فاروق فوزي بأنها أصبحت من الروايات الأخرى مع العلم بأن عمر فاروق يعتبر متخصص في تاريخ الدولة العباسية والمدافعين عن سياستهم. انظر عمر فاروق فوزي التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 168 وما
بعدها.
2
305
2 (2/17)
صفحة 335
تصير ملكا عضدا» (1) (2).
والحقيقة أنه لا غرابة في هذا، ففي كل عصر يوجد فقهاء البلاط الذين سقطوا في شباك الحكام وفق السياسات المتبعة في ذلك، والتي قد يكون طريقها استعمال القوة وتخويف ضعفاء العلماء، أو شراء الذمم من ذوي النفوس الضعيفة منهم بالأموال والوظائف وغيرها.
طبيعة الحكم العباسي:
إذا كانت سياسة التوريث عند الأمويين مبنية على أساس ديني عرقي، فقد كانت عند العباسيين على أساس روحي محض، أي أساس الحق الإلهي المقدس. وهذا ما يستخلص من خطبة المنصور عندما قال: «أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتأييده. و حارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه. فقد جعلني الله عليه، قفلاً، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإن شاء يقفلني عليه أقفلني» (3).
الله
كما يظهر ذلك أيضا من خلال وصية المنصور لابنه المهدي، حيث قال: «فالسلطان يابني حبل الله المتين وعروته الوثقى ودين القويم». فالمنصور يبرر رأيه في التمسك بالسلطان العباسي، وذلك
1 - رواه أحمد، بلفظ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة"، وبلفظ "الخلافة ثلاثون عاما"، ج 5، ص 221/ 220. - وأبو داود بلفظ خلافة النبوة ثلاثون كتاب الستة، باب 8، ج 2، ص 515. - والترمذي بلفظ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة"، كتاب الفتن، باب 48. حديث رقم 2226. ج 4، ص 503
-2 محمود الخالدي، ص 18
3 - سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 204.
306 (2/18)
صفحة 336
بادعائه بأنه يمثل الله وينوب عنه في الأرض (1). ولم يكن أبو جعفر المنصور يخاف على الخلافة من الأمويين الذين مزقهم، بل كان الخوف
ينتابه من جهات أخرى، وهي منافسة عمه عبد الله بن علي وهيبة أبي
مسلم الخراساني الذي قامت الدولة العباسية على أكتافه، ثم خوله من
بني عمه آل علي بن أبي طالب وهي الجهة القوية (2).
من هنا فإن الأمر لا يتعلق بإقامة الخلافة النبوية وبالتالي اتباع طرق إثباتها الشرعية، بقدر ما كان الأمر يتعلق بالمحافظة على السلطان العائلي مهما كانت الوسائل المؤدية إلى ذلك حتى ولو كان ذلك بالطرق الميكافيلية، ولا عبرة للدين والمبادئ الإسلامية والإنسانية، وهو عكس ما كان عليه السلف الصالح حيث كان الحكم أمانة يتهيبها أصحاب الطاقات الكبيرة، فأصبح شهوة يتطلبها أصحاب الغرائز العارمة ... وكان تسخيرا للدنيا في خدمة الدين فأصبح تسخيرا للدين وللدنيا
جميعا في خدمة أشخاص تافهين أو أسر زنيمة كذوب» (3).
وإن أصح شاهد على ذلك، أي ابتعاد الحكم عن الخلافة النبوية، وعن الطرق الشرعية لنصبه وسقوطه في الإرث اعتراف شيخ الإسلام ابن تيمية بذلك في قوله ومن المعلوم أن أهل السنة لا ينازعون في أنَّه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه ... » (4).
1 عمر فاروق فوزي التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 171/ 168. 2 - محمد الخضري بك، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، ص 54/ 53. 3 - محمد الغزالي، كيف نفهم الإسلام، ص 93/ 92.
4 ابن تيمية، ج 1، ص 138. - ظافر القاسمي، ج 1، ص 282.
307 (2/19)
صفحة 337
أ- طرق تولية الخلافة:
إن أقرب صورة نستطيع بما تبيان الطريقة المتبعة في تولّي الخلافة أيام الأمويين والعباسيين، والتي تقربنا إلى الواقع المر الذي سارت عليه تلك السنة، إنما هي كيفية اعتلاء معاوية بن أبي سفيان للحكم الأموي، والطريقة التي تمت بها مبايعته، حيث إن «ما لجأ إليه معاوية من إرهاب مخالفيه لم يكن قط مشروعا، ولاسيما إذا عرفت أن الإرهاب قد انتهى إلى قتل الأطفال الأبرياء ... ووضع معاوية يده على أموال الدولة، وسخَّرها في سبيل الملك ... واستعمل معاوية ... كل ما يفعله المهرة من الطامعين في الحكم، كالوعود بالولايات مدى الحياة ... وزور كتبا، ونشر شائعات ودسَّ الوقيعة بين جماعة علي» (1). وهذه الصورة قريبة جدا مما استنتجناه فيما سبق من خطبة أبي جعفر المنصور (2). وقد تميزت طريقة تولية هؤلاء الخلفاء بعدة صفات تجعل العملية بعيدة كل البعد عما نظره فقهاء السياسة الشرعية ولا يتطابق ذلك إطلاقا مع الكتاب والسنة.
ومن هذه الصفات تلك الصورة التي توهم بأن تقديم الخليفة إلى السلطة إنما كان يتمُّ بكيفية شرعية، وهي في الحقيقة ضرب من ضروب السياسة، تتمُّ في جو من الرعب والخضوع التام للنفوذ.
1 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 282. - وانظر حال الأمة الإسلامية مع معاوية والخوارج والشيعة خاصة في كتاب محمد الخضري بك محاضرات ج 1، ص 100 وما بعدها. 2 - أبو جعفر المنصور هو المؤسس الحقيفي للدولة العباسية، كان العضد القوي للسفاح، ثم آل له الأمر في 136 هـ، وولاه السفاح عهده فلما مات السفاح أخذ عيسى بن موسى البيعة له بالأنبار. وبايعه الناس في كل مكان عقب ذلك. انظر: أحمد شلبي، ج 3،
ص 51/ 50.
308 (2/20)
صفحة 338
فعادة ما يتمُّ تقديم الخليفة الجديد بحضور القضاة والعلماء والأمراء وسائر عظماء الدولة في شكل مقبول ومضمون مرفوض أساسا. رغم أن هؤلاء هم أصحاب الشوكة ونخبة المسلمين، ولكنهم في الأصل يحافظون على النسب محافظة على مراكزهم السلطوية، ولا تكمن القوَّة المتحكمة في سير أمور الدولة في هؤلاء الأشخاص، بل هناك من يحتكر النفوذ في الدولة، وهي تكتلات داخل البلاد وخارجه، من وزراء ورؤساء الدواوين وأرباب السيوف، وهؤلاء لم يكونوا كلهم أتراكا
معهم
-
بالنسبة للعباسيين - بل هم من جنسيات مختلفة. (1)
وكثيرا ما كان للسيف الدور الأكبر في تولية الخلفاء كمعاوية بن أبي سفيان (41، 60) ومروان بن الحكم (64، 65 هـ) ويزيد بن الوليد (126 هـ -بقي في الحكم ستة أشهر)، ومروان بن محمد (127 - 132 هـ) (2) إن ما يميّز انحراف الخلفاء عن أحكام الله في تولية أولي الأمر، عدة أسباب تهدف إلى إبقاء السلطة فيمن يريدون؛ منها انعدام الكفاءة الخلقية والخلقية كما حدث في تولية المعتصم بالله (218 - 227 هـ) (3) ومحمد بن الواثق الملقب بالمنتصر (247 - 248 هـ) (4). وكذلك الأدوار
1 - حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية.، ص 86. - عمر فاروق فوزي، التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 340.
2 أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 2، ص 101.
8/ 7
3 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 4 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 9، ص 154. - ويروي في تاريخه أنه لما توفي الواثق
تشاور رجال القصر فيمن يولونه، وقالوا بخلافة محمد بن الواثق، وهو غلام فألبسوه،
فنصحهم وصيف قائلا: ألا تتقون الله فإنه صغير ولا تجوز به الصلاة.
309 (2/21)
صفحة 339
التاريخية لخلع الخلفاء لبعضهم بعض، ثم تدخل النساء في السياسة
والحكم (1).
وهذه الميزات لا شأن لها بما نظره فقهاء السياسة، إذ الواجب أن يكون الخليفة بعد رضاء أهل الشوكة والمسلمين به، ومن غير إكراه لذلك ذا شخصية متوازنة من الناحية الخلقية من حيث العمر. وإذا
كان الأنبياء وهم مسيرون بعناية الله، قد أوحي إليهم في تمام الرجولة، قال تعالى: ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما (2)، فمن باب أولى أن
يكون ذلك لغيرهم من المسلمين الذين لا يملكون هذه الخاصية.
أما من الناحية الخلقية فإن الخليفة يجب أن تتوفر فيه شروط
الكفاية العلمية والفقهية إلى درجة الإجتهاد، كما ذهب البعض إلى ذلك (3). كما ركز العلماء على شرط الذكورة اتفاقا، ولم يخرج عن القاعدة إلا البعض منهم كالطبري (4)، إلا أن الواقع السياسي كان غير
ذلك.
وكنتيجة لهذه الفصول السياسية، فلا غرابة إذا خرج الحكم عن أيدي أصحابه بفعل سيطرة أهل الشوكة من رجال القصر والوزراء والضباط على مقاليد الحكم، ومن ثم توليتهم من يضمن لهم بقاء
السيطرة (5).
1 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 47.
-2 سورة يوسف آية 22
3 - انظر شروط الإمام في الفصل الثالث من القسم الأول.
4 - انظر البحث الخاص بالمرأة والعمل السياسي في الفصل الثالث من هذا القسم.
-5 - راجع طرق تولية بعض الخلفاء في الطبري، تاريخ الأمم والملوك، جو.
310 (2/22)
صفحة 340
إن المحور الأساس لسياسة هذه الأنظمة، والتي أفسدت ما قدَّموه
للعالم الإسلامي من خدمات دينية تتمثل في الفتوحات الإسلامية، والثقافية في نشر التقدم العلمي، وخاصة أيام العباسيين، إنما هو إثارة العصبية القبلية وخاصة العربية منها واستغلالها من أجل المحافظة على
الخلافة.
والأساس الثاني هو استعمال كلّ وسيلة من شأنها الوصول بالخليفة
إلى البقاء على السلطة، فاكتملت بذلك باقي الويلات. ولقد سارت على هذا النمط في توريث الحكم، وتبني جميع الوسائل منها للتمكن من الخلافة أكثر الدول الإسلامية السنية في
المغرب العربي كالأغالبة (1)، والأدارسة (2)، والأمويين بالأندلس (3).
ثم جاء العهد العثماني وقبله عهد المماليك، الذين سنوا سنة جديدة في تولية الخلافة في الأسرة الواحدة التي يرثها أكبر الأخوة فالأكبر. فأدَّى هذا إلى فتن واغتيالات بين أفراد الأسرة، بهدف الوصول إلى الحكم بأقصر الطرق.
وما نؤكده هو أن أكثر عمليات التولية التي جرت أيام هؤلاء الخلفاء لتقديم الخليفة كانت على الشكل الكامل من ناحية المظهر، من اجتماع لأهل الشوكة والعلماء والقواد وسائر العظماء في الدولة، ثم شيح والبيعة، يقول محمد الخضري: «وفي نظرنا أن خلافته الترشيح بذلك معاوية بن أبي سفيان لم تنقص في الشكل عن بيعة
سني
—
1 - انظر تاريخ هذه الدولة في: ابن الخطيب، تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط.
-2 - عبد العزيز سالم تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 465.
-3 - انظر تاريخها في حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4.
وبيعته
311 (2/23)
صفحة 341
من
الصفات
علي، بقطع النظر عن التعرض لما في كل منهما والامتيازات الدينية، لأن معاوية بايعه فريق من الناس، وعلي بايعه فريق
المحافظة
آخر، ومن الضروري أن يتغلب أقوى المتنازعين» (1)، إلا أن الأمر لا يعدو أن يكون مسرحية سياسية، بطلها الدهاء والنفوذ، بغرض على الوتيرة الواحدة للحكم الأسري.
الأمويين
والملاحظ أن الخلفاء السنيين قد استغلوا نظرية العهد إلى الإمام الموالي اقتداءً بأبي بكر عندما عهد إلى عمر، واتخذوها وسيلة لبلوغ مرامهم والحال أنه لا يمكن للعاهد أن يعهد لمن بعده إلا على شروط (2). وهذه الشروط لم تتوفر في هؤلاء المستخلفين من والعباسيين إلا قليلا منهم، فمن الأمراء من لم تكتمل له شروط الخلافة سواء من الناحية الدينية الأخلاقية، أو من ناحية الاستعداد الذاتي كصغر السن أو العجز، ومنهم من تردَّى إلى أكثر من ذلك بعد توليه
الخلافة واتخذ القصور واللهو والغناء والصيد.
888888888888
2 - الإباضية
نظرة المؤرخين إلى الإمامة الإباضية:
إن المتتبع للدراسات التاريخية التي كتبت عن الدول الإباضية عموما، والدولة الرستمية خصوصا، يترصد فيها كثيرا من الشبه الذي يضفي عليها الصبغة الوراثية في حكمهم، ونجد مثل هذه الكتابات عند بعض الكتاب، سواء كانوا إباضية أم غير إباضية، ولم يسلم منهم إلا
1 - محمد الخضري بك محاضرات، ج 1، ص 164. -2 - انظر المبحث الثالث من الفصل الثاني في القسم الأول.
312 (2/24)
صفحة 342
القليل، وهم الذين درسوا التاريخ الإباضي مقارنة مع مبادئ ونظريات أهل السنة السياسية.
ويعود هذا الخطأ أساسا إلى أن التاريخ الإباضي السياسي كان مغمورا نتيجة السياسات المتبعة أزاء هؤلاء باعتبارهم خوارج ظاهريا، أما واقعيا فقد كانت الآراء الإباضية تُزعج عروش الذين حولوا الحكم إلى الوراثة. وهناك عامل آخر ساعد كثيرا على طرح الأنظمة الإباضية جانبا وعدم دراستها، فإلى جانب التعصب والجهل كان هناك عامل الأفكار المسبقة حول الكيان الإباضي عموما، وهذه الأفكار هي التي توحي بأنه اعتمد نفس الطرق التي اعتمدها أهل السنة والجماعة في أنظمتهم السياسية، حيث يظهر للدارس أن الدولة الرستمية والدولة العمانية (!)، قد تسلسل أمراؤها في عائلة واحدة مما أوحى إلى المؤرخين النمط الواحد بين جميع الدول الإسلامية.
ولكنَّ الذي أخذ على عاتقه دراسة التاريخ السياسي الإباضي دراسة معمقة وفق ما نظره فقهاؤهم السياسيون، يحكم بأن الإمام الإباضي ينتخبه وجوه المدينة، وزعماء المذهب، وشيوخ الدين، بحرية ن غير مبالاة ولا تقاليد ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان. يراعون فيه المعرفة والدراية والحنكة والدهاء والعدل والإنصاف، يُجريهما على نفسه قبل ذوي قرابته وعلى ذوي قرابته قبل الحاشية أو
عموم
-1
السكان» (2).
إن الإمامة في عمان لم تستمر من حيث القوة كما بدأت، بل تحولت إلى سلطنة في
عهودها الأخيرة.
2 عثمان الكعاك موجز تاريخ الجزائر، ص 180.
313 (2/25)
صفحة 343
طبيعة الإمامة الإباضية
إن الإباضية من الفرق الإسلامية التي تأخذ بطريق الاختيار والانتخاب الحر لإثبات الإمامة (1)، ولم يخرج الإباضية في تطبيقاتهم
السياسية عن طرق ثلاثة:
إما طريق الاختيار الحر، كما وقع في اختيار أبي بكر.
أو بالاستخلاف، كاستخلاف أبي بكر لعمر.
والثالثة هي إحالة الاختيار على مجلس شوري وفق أسلوب عمر بن الخطاب. فالإمام الإباضي والرئيس الأعلى يعين بالانتخاب لمدة حياته، أو بالعهد إليه من سلفه» (2).
إنَّه من خلال ما سنعرضه من تطبيقات سياسية لتولية الأئمة الإباضية، ومبايعتهم، فإنَّنا سنستخلص أنهم عموما لم يقيموا أمر الخلافة على أساس من العصبية في مفهوم القوة، وهو ما ذهب إليه ابن
خلدون (3).
فالعصبية مهما كانت قوتها فإنَّها معرّضة للزوال. على هذه النظرية سارت أكثر الإديولوجيات المعاصرة كالرأسمالية والاشتراكية، والأصل في هذه المسألة أي الإمامة - أن تُبنى على عصبية الدين، وخاصة إذا كان دينا صحيحا كالإسلام، فإنَّها أدوم. وهذه الفلسفة والآراء هي لتي أخذتها الإباضية أساسا لخلافتها، سواء كان في عمان أم في
تيهرت (4).
1 - انظر المبحث الأول من الفصل الثاني في القسم الأول.
2 مبارك لليلي، تاريخ الجزائر، ج 2، ص 60 - عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ص 221. -3 - انظر شروط الإمام عند الإباضية في الفصل الثالثمن الباب الأول.
4 - محمد الشيخ بالحاج، مقابلة، بطاقة رقم 9.
314 (2/26)
صفحة 344
فحصر
الخلافة في قبيلة واحدة أو في عائلة واحدة لا يعني وراثة الحكم، فالعبرة بالطريقة التي توصل بها الإمام إلى الحكم، ومدى استيفائه للشروط المطلوبة فيه شرعا وما وقع من تسلسل في العائلة الرستمية في المغرب ليس من فعل أبنائها، بل هو من صنيع الدولة واختيار القبائل، وهذا هو جوهر قاعدة الاختيار الحر.
إن أهل السنة والجماعة قد ذهبوا في شروط الاستخلاف إلى اشتراط عدة شروط، يجب أن يتقيَّد بها المستخلف، وهذه الشروط تخص الولد والوالد وغيرهما (1). وذهبوا إلى أنَّه لا يجب أن يكون أحد أعضاء مجلس الشورى من أقرباء العاهد، وذلك لخوفهم من بقاء الخلافة في نسب واحد. ولكن الإباضية لا يرون هذا الشرط، إذ الأصل في شروط العضوية هو الكفاءة الدينية أولا، حتى ولو كان هذا العضو من نسل الإمام الراحل، ويرتكز نظام الحكم والسياسة لدى الإباضية على قواعد الكتاب والسنة، ووفق ما تقتضيه قواعد الاجتهاد في مذهبهم. وهذا تحت إدارة وإشراف الرئيس الأعلى المسمَّى بالإمام، إذ لا خلافة وراثية عندهم (2). بل كان علماء الإباضية يرفضون تسلم منصب الإمامة، وذلك بشعورهم بالمسؤولية، لأن الإباضية كانوا يراقبون الإمام أعماله، وتكفي غلطة بسيطة لإقامة ضجة قد تؤدي إلى عزله،
في جميع
أو الخروج عليه إذا ضمنت الثورة نجاحها (3).
1 - انظر الفصل الخاص بولاية العهد في الباب الأول. -2 - عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ص 222. بتصرف. 3 - محمد السالمي وناجي عساف، عمان تاريخ يتكلم، ص 127.
315 (2/27)
صفحة 345
تولية الأئمة الإباضية:
بغض النظر عن حصر الإمامة في العائلة الرستمية، وهو وضع خاص بدولة تاهرت، فإن الإمامة الإباضية عموما قد سارت وفق
الأساليب التي جرى عليها أصحاب رسول الله له في.
القرون (1)، وهي الطرق الثلاثة الشرعية التي اتفقت عليها الفرق الإسلامية عدا الشيعة وهذه الطرق هي: الاختيار الحر، الاستخلاف على وجه الترشيح، ثم طريقة الشورية.
وهي
الاستخلاف،
وقد سارت إمامة تاهرت على الأسلوب الأول والثاني، مع ملاحظة أن بعض المؤرخين يضيفون الطريقة الثالثة وهذا بخصوص تولية أفلح بن عبد الوهاب (211 - 240 هـ). يقول ابن الصغير: «إن الإمام عبد الوهاب قد تفطن لشجاعة ابنه أفلح في المعركة مع قبيلة هوارة ولواتة فقال لقد استحق أفلح الإمامة، فكان أول يوم عقدت له الإمامة» (2).
إلا أن الدارس للطريقة التي تمت بها تولية أفلح يجدها قد سارت على أسلوب الاختيار الحر، وذلك بعد اجتماع المسلمين وأهل الشورى، «فقدَّموه لعلمهم بصلاح أحواله في أيام أبيه، وكثرة علمه،
وقوة نفسه وشجاعته» (3).
وإذا أخذنا طريقة وصوله إلى الحكم عن طريق الاستخلاف، كما
1 - علي يخي معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 61.
2 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 54 وما بعدها.
3 - أبو العباس الشماخي كتاب السير، ص 183 مخطوط. - أبو زكرياء، السيرة وأخبار الأئمة، ص 128 - الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، ج 72،1.
316 (2/28)
صفحة 346
ذهب إلى ذلك الأستاذ محمد عيسى الحريري القائل بأن عبد الوهاب قد أوصى أن يكون أفلح ولي عهده في الإمامة (1)، فالملاحظ أن الإمام عبد الوهاب لم يتلفظ إطلاقا بولاية العهد، بل قال إن أفلح قد استحق الإمامة، وهو ما يعني الترشيح فقط؛ لأن هذا الاستحقاق كان بعد ظهور شجاعته وقوته أثناء الحركة. كما أن أهل الحل والعقد بعد وفاة بد الوهاب قد اجتمعوا فوجدوا أفلح أوّل مستحقيها، إذ لا يوجد لذلك عهد سابق، بل كان ترشيحا، وتلك هي الطريقة التي اتبعها أبو بكر عندما رشح عمر بعد استحقاقه للإمامة.
أما فيما يخص باقي الأئمة الرستميين فقد انتخبوا بإحدى
الطريقتين إما الاختيار الحرّ، أو مجلس الشورى (2).
ويعتبر كثير من الكتاب غير الإباضية أن عبد الرحمن بن رستم قد رشح ابنه عبد الوهاب في مجلس الشورى، حتى يضمن وصوله إلى السلطة. وقد أخذوه كثيرا على فعلته هذه وذلك جهلا منهم بقواعد الإباضية في السياسة والحكم، وأن الإباضية لا يولون للنسب كبير اهتمام بقدر ما يهتمون بشرط الكفاءة الدينية.
ثم إن جميع الروايات التاريخية تتفق على أن مجلس الشورى قد اتفق على تولية مسعود الأندلسي، ومال إليه أعضاء المجلس، إذ كانوا لا يقبلون مبدأ الوراثة (3). يقول أبو العباس الشماخي: « ... فتدافعوها
1 - عيسى الحريري الدولة الرستمية بالمغرب، ص 139.
2 - انظر: فصول تولية الأئمة العمانيين والرستميين في عدة كتب منها: السالمي، تحفة الأعيان، ج 1. - أبو زكرياء، السيرة وأخبار الأئمة.
-3 - عبد العزيز سالم، ج 2، ص 551.
317 (2/29)
صفحة 347
-
—
يعني الإمامة ـ فأجمعوا على أحد اثنين: مسعود وعبد الوهاب، ثم مال الأكثرون والعامة إلى تولية، مسعود فبادروا إلى مبايعته، فبلغه
الخبر، فاختفى فأرادوا عبد الوهاب» (1).
الصغير عن
من هنا يتضح لنا أن عبد الوهاب كان في الدرجة الثانية بعد مسعود الأندلسي، ولولا اختفاء هذا الأخير ما صار الأمر إليه. وكانت مبادرة أهل الحل والعقد إلى مبايعته بعد اختفاء مسعود الأندلسي بهدف اتقاء الفتنة التي قد تصدر من القبائل الكبرى. وكذلك ردعًا لكلّ اختلاف جديد حول الإمامة بين أعضاء مجلس الشورى. وقد عبر ابن هذه المسألة بقوله: فصيرت الإباضية الأمر إليه بعد» (2). وقد غلبت طريقة الاختيار الحر على أسلوب مجلس الشورى لدى الإباضية عند توليتهم أئمتهم، وبخاصة في عمان. ففيما يخص الاختيار. نجدهم عادة ما يجتمع أهل الحل والعقد بعد وفاة الإمام القائم مباشرة وينتخبون إماما جديدا، وقد استعمل أكثرُ مَن كَتَبَ عن الأئمة الإباضية عبارات متقاربة مثل: ثم ولّى المسلمون بايع المسلمون، انتخبوا بعده، أجمع رأيهم، وغيرها من العبارات التي تدل على الاختيار الحر (3).
أما فيما يخص مجلس الشورى فقد اشتهر مجلسان، المجلس الذي عينه عبد الرحمن بن رستم (4)، والمجلس الذي عقد لتولية الإمام الصلت
1 - الشماخي، السير، ص 145 - أبو زكرياء، ص 87/ 86.
2 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 47.
3 - انظر: السالمي، تحفة الأعيان، ج 1.
4 - أعضاء مجلس الشورى الذين عينهم عبد الرحمن هم مسعود الأندلسي، أبو قدامة يزيد
ابن فندين، اليفرني مروان الأندلسي، عبد الوهاب بن عبد الرحمن، أبو الموفق سعدوس ابن عطية، شكر بن صالح الكتامي. انظر: الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 46.
318 (2/30)
صفحة 348
ابن مالك (1). وكلا المجلسين تضمنًا سبعة أعضاء. كما عرفت حالات أخرى ضم المجلس الشوري فيها أقل من ذلك العدد، إذ إن السنة القولية لم تحدد من هم أهل الشورى ولا عددهم. أما السنة العملية فقد كان الرسول يستشير أصحابه وهم أهل الرأي والنظر، وكان يتقبل المشورة من أيهم كان حسب مستوياتهم وكفاءاتهم واستعدادهم العقلي والنفسي وسبقهم في الإسلام أو بتفوقهم العلمي وثقلهم الاجتماعي في المجتمع الإسلامي (2).
ولم يخرج العمل الاستشاري الإباضي عن هذه السنن النبوية، فإذا كانت أغلبية الحالات التي مارسها الإباضية تتضمن جماعة من الاستشاريين، فقد تطوَّرت مسؤولية الأئمة وكان لهم الصوت المسموع والكلمة النهائية في توجيه السياسة عموما، وفي اختيار من يتولى إمامة للمسلمين خصوصا. وقد عرف هذا النمط من سيرة الإمامة الإباضية في عمان، واشتهر من شيوخ الإسلام فيها الإمام الديني موسى بن أبي جابر الأزكوي (3)، والإمام موسى بن على بن عرزة الأزكوي وغيرهما، واللذان كانا يعقدان لوحدهما لبعض أئمة عمان، كما عُقد للإمام غسان بن عبد الله (192 - 207 هـ) من قبل
الإمامين سليمان ابن عثمان ومسعدة بن تيم (4).
1 - أعضاء مجلس الشورى هم محمد بن محبوب بن الرحيل، المعلى بن المنير، عبيد الله بر الحكيم. الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 46.
2 - يعقوب المليجي، مبدأ الثورة في الإسلام، ص 147.
3 - مهدي طالب هاشم، الإباضية في المشرق العربي، ص 283 وما بعدها.
-4 - لمزيد من التفاصيل حول هذه الشخصيات انظر: سيف بن حمود البطاشي، إتحاف
الأعيان، ج 1.
319 (2/31)
صفحة 349
إن الروايات التاريخية قد سجلت للإمامة الإباضية في تاهرت
مساعدة أبناء الأئمة الرستميين في شؤون الحكم والسياسة، وذلك على أساس الكفاءة والشجاعة والرأي وليس على أساس المحافظة على السلطة العائلية. ولم تسجل الروايات ذلك عن أئمة عمان، و لم تذكر لنا هذه المصادر أن أحد الأئمة قد خلفه ابنه في الحكم، ولا استعان به في سياسة الرعية. إن حصر الإمامة في العائلة الرستمية لم يكن صنيع الأسرة وأفرادها، إذ لا يعقل أن يفعل ذلك غريب في وطن ليس بوطنه، مع ضعفه بين القبائل الكبرى، ويُرجع أكثر المؤرخين ذلك إلى أسباب استراتيجية أمنية تحفظ للدولة كيانها من خطر الفتنة التي قد تكون بين رؤوس القبائل لتولي السلطة وبالتالي احتكارها لها دون غيرها، مما يؤدي إلى إشعال نار الحرب الأهلية، خاصة وأن هذه القبائل تملك الرجال الأكفاء الذين تتوفر فيهم شروط الإمامة، وهروبا من زرع الغيرة بين هذه القبائل التي قد تستأثر بالحكم وتولي أبناءها مراكز الحكم، وبالتالي سقوط الحكم الإباضي في الاستبداد والوراثة، فإن أهل الحل والعقد قد آثروا العائلة الرستمية لصغرها وضعفها من جهة، ثم كفايتها الدينية والسياسية من جهة أخرى، حتى لا تستبد بالحكم ولا تستطيع مقاومة عزلها في حالة خروجها عن شرع الله أو جورها
وظلمها للرعية.
كما أن هذه العائلة قد تمتعت وأصبحت ملتقى القبائل وموضع
320 (2/32)
صفحة 350
احترامها إلى جانب حنكتها السياسية (1)، لأن منافسة البربر لبعضهم أشدُّ وأكبر من منافستهم الأجنبي، ولهذا فلو كانت الإمامة في إحدى
قبائلهم لنازعتها القبائل الأخرى (2).
ويلخص أبو العباس الشماخي طريقة تولية عبد الرحمن بن رستم الإمامة بقوله: «فنظروا من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا جماعة كل واحد صالح شجاعةً وعلما وتقوى، فاتفق رأيهم على عبد لرحمن لفضله وكونه من حملة العلم ... ، ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل» (3). وهي الطريقة التي بويع بها عبد الرحمن بن علي بعد وفاة المهدي بن تومرت وكادت الفتنة تشتعل بين القبائل التي ينتمي إليها أصحابه العشرة (4).
وقد اتبع الإباضية نفس الطريقة في تولية جميع أئمتهم، وبهذا لم تسجل الأحداث أية منازعات بين القبائل حول السلطة، وإذا كان الكتاب والمحللون قد ركزوا كثيرا على هذه النقطة، فإن هذه العوامل أي كون العائلة الرستمية ضعيفة - يسهل عزلها كانت نقطة لاحقة، وتأتي في الدرجة الثانية بعد استيفاء الأئمة الرستميين لجميع شروط الإمام، وخاصة الشرط الديني وعامل الورع والتقوى وسداد الرأي
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 522 - ابن يوسف إبراهيم، الحكم والسياسة من وجهة نظر إباضية، ص 50/ 49.
2 - مبارك الميلي، تاريخ الجزائر، ج 2، ص 63.
3 - الشماخي، السير، ص 139 مخطوط. - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 29. .
الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 1، ص 40.
4 حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، ص 220.
321 (2/33)
صفحة 351
والشجاعة. من هنا فإن التولية قد تركزت على عامل الكفاءة بالدرجة الأولى، ثم عامل الاستراتيجية الأمنية والاجتماعية للمجتمع الإباضي آنذاك، حيث لم يذكر لنا التاريخ أن أحد أئمة الرستميين خاصة أو
غيره من أئمة عمان كان دون المستوى المشروط في الخلافة الإسلامية. والملاحظ أن الأستاذ محمد الشيخ بالحاج يركز أساسا في نظرته وتحليله لهذا الواقع السياسي الإباضي على العصبية الدينية فقط، دون الاهتمام بالعامل الاسترتيجي الاجتماعي الذي يحفظ لهذا المجتمع توازنه ونجد هذه الاستراتيجية بالنسبة للعائلة الرستمية الحاكمة في ضعفها بالنسبة للقبائل الأخرى.
فعلى أساس العصبية الدينية تولى جميع أئمة الإباضية الإمامة، وقد سجلت الإمامة في عمان وتاهرت بعض الخروج عن هذه القاعدة، ولكنَّ الرعية وأهل الحل والعقد كانوا دائما بالمرصاد لإرجاع الأمور إلى نصابها، كما وقع للإمام بن أبي نبهان (177–179 هـ) حينما جار، وظلم وكذلك راشد بن النظر (273 - 277 هـ) وهؤلاء بعمان، كما أنَّه حدث أن حاول ثلاثة أشخاص للوصول إلى الحكم في تاهرت بطرق غير شرعية، فلم تعترف الأمَّة بإمامتهم، وهم مسالة بن
الهواري، ويعقوب بن أفلح، واليقظان بن محمد (1).
محمد
XXX
1 - علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 61. - ابن الصغير، أخبار الأئمة
الرستميين، ص 111. - الحارثي، العقود الفضية، ص 256.
322 (2/34)
صفحة 352
ثانيا: مبايعة الإمام
1 أهل السنة والجماعة:
تتم مبايعة الإمام، سواء كانت البيعة الخاصة وهي البيعة التي يقوم بها أهل، والعقد أم البيعة العامة والتي يقوم بها سائر المسلمين، بدون قيد ولا شرط إلا اشتراط الحكم بأحكام الله، ولا يجوز إكراه أحد أعضاء مجلس الشورى أو أحد المسلمين على المبايعة، إذ لا عبرة برفض الواحد أو القلة، فالعبرة بالأغلبية، فالمعارضة الإسلامية وفي إطار الشرع لا تقدح في شخصية الإمام إذا حصل على أغلب الأصوات. وعلى المعارضة واجب اتباع الجماعة والخروج على الإمام العادل حرام
بعده،
بالإجماع. وإذا تغيرت الأحوال فإن لذلك ضوابط وقواعد إسلامية (1). وقد جرى هذا العمل أيام الرسول الله واتبعه الصحابة في ذلك من فلم يكن الإكراه ولا الشروط تقيد المبايع. وقد سجل التاريخ معارضة الصحابة لبيعة علي بن أبي طالب أثناء أخذها، هذا لم يخدش ذلك في شخص الإمام. وإذا كانت البيعة الشرعية تتم بواسطة مصافحة اليد بالنسبة للرجال والنساء في بعض الروايات (2)، فإن الأمر قد تغير بعد الصحابة
1 - انظر المبحث الثاني من الفصل الثالث من الباب الأول. 2 - اختلفت الروايات حول مبايعة النساء للنبي بالأيدي، إلا أن الراجح أن هذا لم يحدث، لقول عائشة: «والله ما أخذ رسول الله له على النساء قط إلا بما أمر الله تعالى، وما مست كف رسول الله كف امرأة قط. وكان يقول إذا أخذ عليهن العهد: قد بايعتكن كلاما». صحيح مسلم، باب المبايعة بعد فتح مكة، ج 13، ص 10.
323 (2/35)
صفحة 353
الراشدين والأمويين خاصة، حيث كانت البيعة المشهورة لهذا العهد
العباسي هي تحية الملوك الكسروية، من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل» (1). وهذه الوضعية لا تدلُّ إلا على الخضوع وإذلال الرعية، كما توحي بسوء العواقب في حالة خروج المبايع عن العهد، وتقبيل الأرض واليد أو الرجل لا تشير إلا إلى الطغيان والاستبداد بالرأي وعبودية الرعية.
أما فيما يخص العبارات التي كانت تصاحب المصافحة، فلم تكن
من حيث
محدودة بعبارات معينة وألفاظ متفق عليها، بل كانت مختلفة اللفظ ومتفقة من حيث المعنى. وقد كان في عهد رسول الله الأمر
يتم بالمبايعة على السمع والطاعة في السلم والحرب، واستمر الوضع كذلك بقول المبايع: أبايعك على السمع والطاعة، وعلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه. و لم يتغير الوضع كثيرا في أوائل الدولة الأموية، في حين شهدت الأيام الأخيرة للدولة الأموية ثم العباسية من بعدها زيادة عبارات وأيمان توثق العهود وتجعل المبايع كافرا إذا خرج عن البيعة. وقد كان الخلفاء» يستخلفون على العهد ويستوجبون الأيمان كلّها لذلك .... وكان الإكراه فيها أكثر وأغلب» (2).
ومن العبارات والأيمان التي كان الخلفاء يزيدونها:
استحداث الحجاج وأتباعه صيغا مختلفة للمبايعة، فكان يحمل الناس على أن يقولوا في بيعتهم: "عبيدي أحرار،
1 - ابن خلدون، المقدمة، ج 2، ص 120/ 119.
2 ابن خلدون نفسه، ج 2، ص 120/ 119.
324 (2/36)
صفحة 354
من
ونسائي طوالق، إن خرجت عن طاعة الخليفة" (1). ذلك إلزامهم بتطليق نسائهم وعتق مماليكهم، والحج مشيا على الأقدام مدة ثلاثين سنة، وجعل أموالهم صدقة للفقراء (2). وذلك بقول أحدهم: "أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى ألا تسألوا رزقا
ولا طعاما حتى يبدأكم به ولاتكم، وإن كان عدو تحت قدمه، فلا تهيجوه إلا بأمر "ولاتكم
(3) "
ورغم هذه المواثيق الغليظة والعهود والإشهاد عليها، فإنَّها لم تنفع البعض منهم، إذ كان الغدر سمة هؤلاء القواد وأهل الشوكة، وخاصة في العهد العباسي، كما وقع للمعتز العباسي (252 - 255 هـ) الذي أخذ المواثيق ولكنه خُلع ثم قتل. وكذلك الخليفة المنتصر (623 - 640 الذي مات مسموما (4).
ومن أجل المحافظة على النسب العائلي في الحكم، فقد انتهج الأمويون ومن بعدهم العباسيون عدة سياسات لضمان وصول أبنائهم وذويهم إلى السلطة، واتخذوا لذلك عدة وسائل، فمنها التي اعتمدت على العطاء وتقريب الشخصيات وشيوخ القبائل، ومنها التي اعتمدت
أساسا على قوة السيف والتهديد.
1 - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1، ص 97.
2 - محمد ماهر حمادة، الوثائق السياسية والإدارية في العهد الأموي، ص 22.
3 - محمد الخضري بك، محاضرات، ج 2، ص 24.
-4 - محمد ماهر حمادة، نفسه، ص 23/ 22.
325 (2/37)
صفحة 355
وقد استعمل معاوية كل أساليب السياسة لأخذ البيعة من الناس، فكان يداري البعيد ويعطي القريب حتى استوثق به الناس، وإذا لم تنجح هذه الطرق فعادة ما كان السيف هو الفاصل في هذه القضية. ولعل ما وقع في بيعة يزيد بن معاوية (60 - 64 هـ)، وما وقع في بيعة المهدي بن أبي جعفر المنصور (158 - 169 هـ) خير دليل على ذلك، ث إن كلا العاهدين معاوية والمنصور قد التجآ أولا إلى سياسة
اللين، ولما لم تجد نفعا هدَّدا المبايعين باستعمال السيف (1).
وقد كان للمال والعطاء الدور الكبير في ذلك، وكان الجند أصحاب الشوكة عبيد المال، فاستغل الخلفاء ذلك، فكانت الأعطيات تنزل على الأجناد بمجرد الانتهاء من المبايعة، كما وقع في مبايعة
الأمين (193 - 198 هـ)، والمكتفي (289 - 295 هـ) (2).
و لم تكن الوسائل المعتمدة واحدة، فهناك من كان اللين والحيلة سبيله، كان السيف وسيلته المفضلة كما اعتمد الآخرون وسائل
وهناك من روحية كالحج وإجماع الفقهاء والقضاة، وكتابة الكتب وتعليقها في الكعبة
حتى تتسم بنوع من القداسة، فيصعب على الخارج إنكار ذلك (3).
-1 - انظر تفصيل القصة في ابن قتيبة الإمامة، والسياسة، ج 1، ص 143. - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 1، ص 281.
2 - ابن الأثير الكامل، ج 6، ص 100 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 8، ص 240. -3 - يروي الطبري كيفية أخذ هارون الرشيد البيعة لابنه فقال: وحج هارون ومحمد وعبد الله معه قواده وزواره وقضاته في سنة 186 هـ، فلما قضى مناسكه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين أحمد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذ البيعة على محمد وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم. وذكر أن الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء وأدخلوا البيت الحرام وأمر بقراءة الكتاب. ج 8، ص 277 وما بعدها.
326 (2/38)
صفحة 356
وخلاصة القول: إنَّه مهما اختلفت الطرق والكيفيات، فإن في ظاهرها الليونة والسياسة، في حين أنها تنطوي أساسا على الخديعة وتمرير القرارات وتفويت الفرصة على كلِّ معارض، وإضفاء الشرعية على البيعة. يقول سيد قطب: تمت مبايعة المسلمين ليزيد بن معاوية بحد السيف وكمّ الأفواه، وهذا الأساس لا يعترف به الإسلام، ولم يقم به أحد من الخلفاء الراشدين من قبل» (1).
2 - الإباضية:
لم تتميز مبايعة الأئمة الإباضية بطابع خاص يُخرجها من دائرتها الشرعية، ولقد حاول الإباضية قدر الإمكان تطبيق الخلافة النبوية تطبيقا حرفيا، وكانوا يمثلون إحدى جبهات المعارضة الإسلامية إبان الحكم الأموي والعباسي، وذلك لاعتقادهم بأن الحكم قد خرج عن شرع الله، مما جعل الإباضية يبتعدون عن مراكز الخلافة الإسلامية لإقامة أنظمة خاصة بهم تسير وفق كتاب الله وسنة رسوله. . من هذا المنطلق فإن البيعة لدى الإباضية تتم طبقا لما نظروه، وهو لا يختلف إطلاقا مع آراء أهل السنة والجماعة، حيث كانت تتم البيعة الأولى، والخاصة بأهل الحل والعقد، ثم البيعة العامة الخاصة بالرعية.
قال أبو العباس الشماخي عن بيعة الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن: « ... فأول من بايعه مسعود، وتتابع المسلمون، ثم بايعه المسلمون بيعة عامة، فحملوه إلى دار الإمارة، فلم يتخلف عن بيعته
1 - سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام. ص 181 وما بعد.
327 (2/39)
صفحة 357
أحد» (1). والمقصود بمسعود، مسعود الأندلسي الذي كان أحد أعضاء مجلس الشورى الذي عينه عبد الرحمن بن رستم قبل وفاته لاختيار خليفة للمسلمين. والمقصود بالمسلمين الأولى سائر أعضاء المجلس، وبالمسلمين ثانية عامة الناس.
ولم يثبت تاريخيا أن أحد أئمة الإباضية أخذ بيعة قبل وفاة الإمام القائم، وهو عكس ما كان يطبقه الأمويون والعباسيون، فقد كانت بيعة الإمام مهنا بن حيفر اليحمدي الخروصي (226 - 237 هـ) في اليوم الذي توفي فيه الإمام عبد الملك بن حيد، وكذا بالنسبة لجميع الأئمة في عمان وتاهرت (2).
وعادة ما كان الإمام الجديد هو الذي يصلي على الإمام الراحل، وقد تميزت إمامة عمان بهذا العمل أكثر منها في تاهرت. ولعل هذا يرجع إلى كثرة أئمتهم، إذ لم يسجل تولية الإمام في تاهرت بعد الدفن
مباشرة إلا في عهد أفلح بن عبد الوهاب، ويوسف بن محمد (3).
وقد اتبعت الإباضية في مبايعة أئمتهم السلم التنازلي، وذلك ما يستشف المؤرخ ابن الصغير المالكي (4) الذي يعتبر من الذين أرخوا
1 - الشماخي، كتاب السير، ص 145. (مخطوط) 2 السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 81. - تحفة الأعيان، ج 1. ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين.
3 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 526 - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية، ص 265.
4 - ابن الصغير، مؤرخ عاصر الدولة الرستمية في الأيام الأخيرة من إمامة أبي اليقظان بن أفلح الذي توفي سنة 281 هـ، وعاش مع الإباضية. ويعتبر مؤرخ هذه الدولة. ويبدو أنه كان بصريا أو قرويا، أما مذهبه فهو إما مالكي أو شيعي، وهذا الرأي الأخير أقرب إلى الحقيقة، لأنه كثيرا ما أشار إلى ميوله العلوية. انظر ترجمته في كتابه أخبار الأئمة الرستميين. ص 12 وما بعدها.
328 (2/40)
صفحة 358
لإباضية المغرب، وعايشهم وعاشرهم في دولتهم الرستمية.
استعمل ابن الصغير عدة ألفاظ نستبين منها الطرق التي كان الإباضية يستعملونها، خاصة مع العامة لأخذ البيعة العامة لأخذ البيعة منهم. يقول عن بيعة الإمام عبد الوهاب: « ... فصيرت الإباضية الأمر إليه بعده» (1). وفي بيعة الإمام أفلح بن عبد الوهاب: ... إلا أن الناس يترشحون من جمعهم إلا اثنين» (2). ويورد محمد علي دبوز عبارة على نفس المنوال بقوله: «فأسرعت القرى والمدائن إلى المساجد ودور الحكومات فقدمت بيعتها إلى عمال الإمام» (3).
إن هذه العبارات كافية للاستدلال على أن ولاة الأمور لم يكونوا يستعملون أي طريقة غير شرعية لأخذ البيعة من الرعية، سواء كانت طرقا استبدادية أم غيرها.
كما أن السبيعة كانت تتم بمصافحة الأيدي في البيعة العامة وفي الخاصة أيضا. وحسب المعلومات التي توفّرها المصادر التاريخية فإنَّه لم يكن هناك أسلوب آخر غير المصافحة. ومن روايات المؤرخين قولهم: فقالت له الخاصة ابسط يدك نبايعك ... فبسط يده فبايعوه" و "فقبل الحمل الثقيل، وبسط يده للخاصة والعامة فأسرعوا إليه فبايعوه" (4). الأسلوب المتبع في مبايعة جميع الأئمة في المشرق والمغرب.
وهو
1 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 42.
ابن الصغير نفسه، ص 63.
3 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 456.
4 - محمد علي دبوز نفسه، ج 3، ص 209 - 526.
329 (2/41)
صفحة 359
المصافحة نجد أن العبارات التي كان أهل الحل والعقد وسائر المسلمين يتلفظون بها، لم تكن خارجة عمَّا اشترطه الشرع الإسلامي
وآثار السلف الصالح عموما، والطاعة فيما وافق الحق وطابقه.
ويروي السيابي كيفية مبايعة الإمام الوارث بن كعب الخروصي (192 - 179 هـ) بأنه قد على ما بويع عليه أئمة العدل من الأمر بويع بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الشري في سبيل الله وإظهار الحق. والمقصود بأئمة العدل الخليفتان أبوبكر وعمر ومن اتبعهما في سيرتهما (1).
ومن العبارات المعروفة لدى الإباضية: «إنا نبايعك الله بيعة صدق ووفاء، لنا ولجميع المسلمين، على طاعة الله وطاعة الرسول، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه وعلى الجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية وكل فرقة امتنعت عن الحق، حتى تفيء إلى أمر الله، وتدعو إلى الله وتوالي وتعادي عليه،
وعلى إقامة الحق في القوي والضعيف والوضيع والشريف والعدو والولي والقريب والبعيد» (2).
والحق أن هذه الصياغة تعتبر دستورا متكاملا تُقيّد به الأمة ولي أمرها، حيث اشتملت على جميع جوانب الحياة السياسية، ولا يشتم منها أيُّ رائحة للاستبداد أو الضغوط أو الإكراه، وأكثر معانيها مستنبطة من السيرة النبوية وآثار الصحابة في صنيعهم أثناء البيعة.
1 - السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 71.
2 قاسم الشماخي شرح اللؤلؤة، ج 2، ص 236. (مخطوط)
330 (2/42)
صفحة 360
إن هذا العرض للطرق التي كان الإباضية يتبعونها أثناء بيعتهم يؤكد لنا مدى حرص الإباضية على تطبيق آرائهم السياسية، وقد طبقوا شروط البيعة تطبيقا يكاد يكون حرفيا (1). وبهذا يكونون قد وافقوا
الشرع والتزموا بمبادئ الاختيار الحر من غير إفراط ولا تفريط، سواء من جانب الأئمة أم من جانب الرعية. وهذا ما سنتعرض له أثناء
حديثنا عن ممارستهم السياسية ومدى تطبيقهم للخلافة النبوية.
أخذ أهل السنة والجماعة آراءهم في مسألة مبايعة الخلفاء من عمل النبي والصحابة من بعده، وذلك في جميع وجوه المبايعة والتي تعني أخذ القبول من الخاصة والعامة ثم المصافحة وما يصاحب ذلك من عبارات تؤكد البيعة.
وقد أفرغ الخلفاء بعد الحقبة الراشدية عملية المبايعة من مضمونها وأهدافها، واحتفظوا بشكلها الظاهري، وضمنوها كل ما من شأنه أن يسوق العملية إلى أهدافهم.
رسم
ولدى اطلاعنا على الواقع السياسي وجدنا بأن أغلبية المحللين يركزون في دراساتهم على الخلفاء العظام الذين كان لهم الفضل في تلك السياسات والتي استمرت بعدهم بكثير. فكان معاوية بن أبي سفيان رائد الدولة الأموية وصانع مجدها، وكان السفاح وأبو جعفر المنصور الشخصيتين اللتين وضعتا الركائز الأولى للنظام العباسي. وهذا ما جعل النظرية السياسية في مسألة المبايعة تبقى حبرا على ورق.
1 - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 224.
331 (2/43)
صفحة 361
والشيء الأساسي الذي تغير في الحقيقة وكان سببا في اتباع جميع الأساليب الأخرى إنما هو قلب نظام الحكم من شوري إلى وراثي وهذا باتفاق جميع المحللين السنيين أنفسهم (1).
فلا غضاضة ولا شبهة في الموقف إذا شهد الإنسان بنفسه على عدم مطابقة الفعل مع القول، وهذا ليس مع ما نظره فقهاء أهل السنة والجماعة فحسب، بل مع الشرع أيضا، فالخلفاء السنيون انحرفوا عن أحكام الله» (2). ولم يخرجوا عن الدين لأن عملهم هذا قد أصاب أسلوب السلطة، وبقي الانحراف في القمة دون أن تتأثر به العامة. على أنه رغم كل هذا فقد كانت لهذا الانحراف بعض الميزات الحسنة، وهذا ما سنراه في السياسة الداخلية والخارجية.
وخير دليل على هذا الحكم سلبية عملية المبايعة- هو ما قام به بعض الفقهاء السنيين مواجهةً لمثل هذه المواقف، أمثال الإمام مالك بن
أنس وما لاقاه من العباسيين حينما أفتى بأنه لا يمين على مكره (3). وتجدر الإشارة إلى أن هذه الميزة كانت الأسلوب العام والغالب
-
محمد
1 - انظر في ذلك مصادر التاريخ الإسلامي ومنها محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية - أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية. – حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام. محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم. الغزالي الإسلام والاستبداد السياسي. - محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية. -2 محمد الأمين الإسماعيلي، مقابلة. 3 - انظر تفصيل المحنة في كتاب محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص 204. انه لقي من العباسيين ضروب التعذيب، فقد ضربه حاكم المدينة جعفر بن سليمان بالسياط حتى انخلعت كتفه، فكن يستعين على حمل يده اليمنى باليسرى، لأنه أفتى بفساد بيعة الخلفاء بالقهر والإكراه راجع صبحي الصالح النظم الإسلامية، ص
وروي
332
214 (2/44)
صفحة 362
لمبايعة الخلفاء، وقد تتغير بعض الأدوار أو تخفُ بعض المعاملات ويبقى الهدف واحدا وهو تمرير المقررات. ولا يختلف المؤرخون السنيون في استثناء الخلفاء الصالحين، ويجمعون على معاوية الثاني والخليفة عمر بن عبد العزيز من الأمويين اللذين أرجعا الأمر إلى المسلمين في مسالة مبايعتهما، والواثق من العباسيين الذي لم يعهد إلى خليفة بعده (1).
ومن خلال استقرائنا للتاريخ ومقارنة ما فعله الخلفاء السنيون مع ما قام به الأئمة الإباضية، نجد الفرق واضحا باعتراف المؤرخين السنيين أنفسهم (2). فهل من الإسلام أن يوقف حارسان بسيفيهما على رأس كل عضو أهل الحل والعقد أثناء المبايعة حتى لا ينطق بشيء يعارض إرادة
من
الخليفة؟ وهذا ما فعله معاوية من أجل أخذ البيعة لابنه يزيد.
وهل من الشرع تكبيل الناس بالحلف بالطلاق والعتق والحج مشيا على الأقدام لأخذ البيعة لولي العهد؟ ملاحظة أن هذه المعاملة لم تكن قد بقيت هي بذاتها، فقد بقيت في مضمونها المكره مع تطور في الكيفيات، وهذا ما لم يحدثنا عنه ابن الصغير وكتاب سنيون آخرون أمثال عثمان الكعاك، والدكتور عيسى الحريري بخصوص الإباضية، وهذا باستثناء ما سبق ذكره من بيعة أبي بكر واليقظان بن محمد من
1 - أحمد شلي التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 2، ج 3. 2 - انظر كيف بويع الأئمة الإباضية في كتاب: عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر. عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ الجزائر العام - مبارك الميلي، تاريخ الجزائر.
333 (2/45)
صفحة 363
الرستميين (1).
فإذا لم نستطع أن نحكم بأن الإباضية قد طبقوا آراءهم في التولية والمبايعة، فالمؤكد أنهم لم يصلوا إلى درجة الانحراف التي وصل إليها
بعض الخلفاء السنيين.
1 - راجع كيفية توليها الإمامة في: الشماخي كتاب السير، ص 260 - 262. (مخطوط) -
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61 - 91. - جودت عبد الكريم، العلاقات
الخارجية للدولة الرستمية، ص 66 - 69.
334 (2/46)
صفحة 364
الفصل الثاني
قبيلة الإمام، ولاية العهد (2/47)
صفحة 365
[صفحة فارغة] (2/48)
صفحة 366
ظهر الإسلام واعتمد في دعوته على العصبية العربية، وحارب جميع العصبيات الجزئية، ووحد العرب بإحياء العصبية الكلية القائمة على الدين، وجعلها سندا قويا لنشر تعاليمه وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث في هذا المعنى منها قوله من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله» (1).
وبعد وفاته المسار الصحابة على سيرته، وأقاموا دولتهم على أساس عصبية الدين، ولم يفرقوا بين هذا وذاك إلا بما يحمل من تقوى وصلاح وبدخول العقد الرابع الهجري بدأت فقاعات من العصبية العربية تظهر على سطح الأحداث، وبدأت بعض الأعناق تشرئب إلى السلطة، وبدأ التشيع الحزبي.
وبتفوق معاوية انتعشت العصبية العربية وعمت وسيطرت على سائر العصبيات الأخرى، ودبَّ الوباء العنصري ليشمل ليس فقط الخلفاء، بل والولاة أيضا، فكان الخليفة يتملق لقومه ويعطف عليهم ويناصرهم ويوليهم إدارة الأقاليم وشايعه في ذلك أكثر الولاة، وقد كانت هذه السياسة نقطة ضعف جعلت رياح الزوال تعصف بدولتهم (2).
ثم قامت الدولة العباسية وبنت مجدها على أنقاض الأمويين، وقد
1 - رواه أبو داود بلفظ: "من ولاه الله ع شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم". ج 2، ص 22. . كتاب الخراج، باب فيما يلزم الإمام. ج 2، ص 22. – ورواه أحمد بلفظ: "من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله" أحمد، ج 1،
ص 8.
-2 - محمد الخضري بك، تاريخ الأمم، ج 2، ص 488 وما بعدها.
337
2 .. (2/49)
صفحة 367
كانت عصبيتها من الناحية العرقية هي التشيع للبيت العباسي، باعتباره العاصب الوحيد للرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. ومن الناحية السياسية لاسترضاء هؤلاء الأعاجم الذين اعتمد عليهم الخلفاء في بقائهم في الحكم، فبعد أن اعتمد العباسيون على سياسة تقديس علي في أوَّل أمرهم، انتقلوا في سياستهم هذه إلى وجهة أخرى تمثلت في تقديس أبي بكر وعمر وتفضيلهما على علي، مما جعل نار العلويين تشتعل أكثر، وبدؤوا يصبون إلى قلب الأوضاع لصالحهم (1).
فمن هذا الواقع التاريخي الإسلامي نجد أن عنصر القبيلة قد كان له دور كبير في إسناد الحكم إلى هذا الخليفة أو ذاك، كما أن كلا
النظامين قد انطلقا في بناء كيانه على مبدإ العصبية القومية.
إن السند الوحيد والديني الذي جعل هذه الوضعية العرقية تسود، هو فكرة حصر الخلافة في عنصر واحد هو العنصر القرشي، وقد تمسك الخلفاء جميعهم بحديث جعل الخلافة في قريش، والذي لم يكن سوى إخبار بواقع الأمر من الرسول (2)، مع اختلاف في البطون القبلية. يري أن الخلافة يجب أن تكون في عرب قريش عموما، والآخر
فهذا
يري حصرها في البيت النبوي.
وقد اختار الأمويون العرب كعنصر أساس في بناء دولتهم، ثم لم يلبثوا أن جعلوها في بني أمية ليضمنوا الولاء الكامل من ولاتهم، وبعد ذلك زادت الوضعية انحصارا فأصبح الصراع بين الفرعين السفياني
والمرواني.
1 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 488 وما بعدها.
2 - انظر تفسير ذلك في مبحث رأي العلماء في القرشية، الفصل الثالث من القسم الأول.
338 (2/50)
صفحة 368
وهذه السياسة هي التي أدت إلى كون العباسيين قد عاشوا مدة حكمهم في صراع مرير مع أبناء عمومتهم العلويين، مما اضطرهم إلى الاستعانة بغير العرب، وليس هذا بسبب إسلامهم بل هو من باب عدوّ العدو صديق، حيث كان الفرس خاصة، وهم أصحاب حضارة بائدة، يرون ويصبون إلى استرجاع سطوتهم، فوفّر لهم الخلفاء العباسيون تلك الفرصة، فكانت القاضية على أيديهم (1).
وبهذا يكون الخلفاء السنيون قد استغلوا النص على قرشية الخلافة، بغية ضمان السلطة في أيديهم، فقد حاولوا تطبيق نظرية ولاية العهد السنية، والتي كانت على شروط وضوابط تضمن مسيرتها الشورية. ولا تسقط الحكم في الاستبداد والوراثة فهل سار خلفاؤنا على هذا المبدإ؟ أما بالنسبة للإباضية فإنَّهم من الناحية النظرية قد اعتمدوا مبدأ حقّ الخلافة لكلِّ مسلم تتوفر فيه شروط الإمامة، واعتبروا أحاديث تخصيص قريش بالإمامة أحاديث ترقى لتكون إخبارا بواقع المسلمين آنذاك، ولا تنصرف إلا إلى كون القرشية شرطا من شروط الأفضلية إذا تساوى
المقدمان للخلافة.
وقد تقدَّم أن الإباضية لا يولون اهتماما كبيرا للعرق والنسب العائلي، ولا يقدح في الإمامة إذا تولاها أحد أقرباء الإمام بعده، بما في ذلك أحد أبنائه. فالإباضية يعتمدون على أساس عصبية الدين وتوفر شروط الإمامة، وهذا ما جعل غير الإباضية يقولون بوراثة الحكم الإباضي لدى أئمة الدولة الرستمية معتمدين في ذلك على آرائهم في الحكم والسياسة، جاهلين آراء الإباضية في ذلك. في حين أن الإباضية
-1 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 488 وما بعدها.
339 (2/51)
صفحة 369
يرون أن أئمتهم الرستميين قد ساروا في حكمهم وفق نهج الراشدين،
وحاولوا تطبيق نظرياتهم حرفيا.
إن الحرص على بقاء الأسر في السلطة في بعض الأنظمة السياسية جعل هؤلاء السلاطين يولون اهتماما كبيرا لولاية العهد، وأصبح هذا سمةً ظاهرة مميزة لتلك الأنظمة، وأصبح العهد من أكثر المحاور الأساسية التي دارت حولها الأحداث التاريخية. وما ينتج من ذلك وأحلاف وتحزب واغتيالات أدَّت في النهاية إلى القضاء على تلك
الأنظمة.
من
منافسة
فما هو موقف أهل السنة والجماعة من جهة، والإباضية من جهة أخرى من مسألة ولاية العهد من الناحية العملية، بناء على آراء كل
فرقة؟
340 (2/52)
صفحة 370
أول: أهل السنة والجماعة
إن اتباع الخلفاء السنيين لأسلوب ولاية العهد كطريقة وحيدة لتولية الخلفاء، لم يكن مخالفا نظريا لما نظره علماء السياسة الشرعية السنيون، وقد كانت هذه المسألة من المفارقات بينهم وبين الإباضية، ث اعتمد الأوَّلون ثلاثة طرق، في حين رفض الإباضية ولاية العهد
كأسلوب للتولية، وهذا خشية الوقوع في ميراث السلطة.
من
وقد اتبع الأمويون والعباسيون أسلوبا يكاد يكون متشابها حيث الهدف في تولية العهد لأقربائهم عموما وأبنائهم خصوصا، وهذا أيضا ليس مخالفا للرأي السني، بل المخالف هو استعمال النظامين عدة وسائل لضمان وصول المعهود إليه إلى السلطة، سواء كانت الوسيلة شرعية أم غير شرعية، مما أدى إلى إحداث فتن وقلاقل وتناحر بين العائلات، وعدم الاستقرار الأمني في الدولة بصفة عامة (1).
وأصبحت هذه السنة فيما بعد الطريقة الوحيدة المتبعة من قبل أكثر الخلفاء السنيين في الأنظمة الكبرى التي تركت آثارا على صفحات التاريخ الإسلامي، كالأمويين والعباسيين والعثمانيين، أو الدول الصغيرة كالأغالبة والأدارسة في المغرب والدويلات المستقلة في المشرق
الإسلامي، كاليمن وصنعاء والموصل وغيرها (2).
1 - حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية. ص 29 - محمد جلال، نشأة الفكر السياسي،
ص 114.
2 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 383 وما بعدها.
341 (2/53)
صفحة 371
وهذه الطريقة المتبعة في ولاية العهد هي الغالبة على هذه الأنظمة،
مما جعلها تغطي بعض الخلفاء الذين خرجوا وشذوا عن هذه القاعدة،
واتبعوا في ذلك الطريقة الشرعية وتركوا الأمر للمسلمين كما سنرى. وإذا كان الأمر في المسألة متوقفا على مدى تطبيق الرأي السني شكلا ومضمونا، فإن الخلفاء قد أفرغوا ولاية العهد من الضوابط التي وضعها علماء السياسة الشرعية، وهذا مسايرة لأهوائهم.
وقد اتفق جميع المؤرّخين أن الخلفاء عدا القلة لم يطبقوا ولم
منهم
مع
يعطوا للنظرية الخاصة بولاية العهد حقها وفق ما نظره العلماء، العلم أن كثيرا من علماء أهل السنة المعاصرين لم يوافقوا على مبدإ ولاية العهد كطريقة سليمة لإثبات الإمامة، ويذهبون في ذلك مذهب الإباضية، أمثال الدكتور أحمد شلبي (!)، والدكتور حسن علي إبراهيم (2). وقد كانت الأساليب التي اتبعها خلفاء أمية بني وبني العباس هي
نفسها التي اتبعت أثناء البيعة وتولية أبنائهم.
هي حصرها في
إن أهم ميزة ميزت ولاية العهد في هذه الأنظمة الأبناء بصفة عامة، وهذه الصفة قد لا تضمن دائما الكفاءات المطلوبة للإمامة هو ما صدَّقه الواقع، ولم يتَّبع الخلفاء في ذلك تقاليد تولية العهد التي قد تخرج في الأبناء إلى الإخوان أو الإمام بحثا عن الكفء، وهذا ما جعلهم يتخذون كل الوسائل الحصر هذه الولاية في الأبناء (3)، وقد كان
1 - انظر: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 128.
2 حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية، ص 41. -3 من ذلك ما حدث من خلع المنصور لولي عهد السفاح عيسى بن موسى بن محمد بن علي راجع حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 46/ 28.
342 (2/54)
صفحة 372
الخلع وتولية العهد للأبناء من الأساليب المعهودة لدى الخلفاء، وذلك بشتى الوسائل كالانتقاص من قيمة المعهود إليه وبث الدعاية ضده، وغيرها مما يجعله غير مؤهل لولاية العهد (1).
إن سياسة حصر السلطة في عائلة واحدة بعينها، من
شأنها إباحة
جميع الوسائل المؤدية إلى ذلك، كاستعمال القوة والتهديد (2). وقد كان للعامل المالي الدور الكبير في تولية العهد، سواء كان بشراء العهد من صاحبه أم ممن يملك حق التولية (3).
?
1 - يروي الطبري ما حدث بين الهادي والرشيد قائلا: " ... فأراد الهادي خلع هارون الرشيد، والبيعة لابنه جعفر بن موسى الهادي، وتابعه على ذلك القواد ... فخلعوا هارون، ودسوا إلى الشيعة فتكلموا في أمره وتنقصوه في مجلس الجماعة. وأمر الهادي ألاً يسار قدام الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن أحد يجترئ أن يسلم عليه ولا يقربه". الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 8، ص 207.
وكثيرا ما التجأ الخلفاء إلى استعمال القوة والتهديد من ذلك ما فعله معاوية بن أبي سفيان عند أخذ البيعة لابنه يزيد لولاية العهد، حيث أمر بحارسين على كل واحد من الصحابة الخمسة الحاضرين مع الجماعة آنذاك، (وهم عبدالله بن عمر، الحسن بن علي ابن الزبير عبد الرحمن بن أبي بكر ابن عباس، لئلا يتكلم أحدهم في الملا بغير عهد معاوية .. كذلك ما فعله هشام بن إسماعيل وهو عامل عبد الملك بن مروان، على المدينة بالفقيه سعيد بن المسيب، وقد ضربه ستين سوطا وطاف به وحبسه. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 303 - ج 6، ص 416. - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 1، ص 283. 2 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 303 - ج 6، ص 416. – حسن إبراهيم حسن،
تاريخ الإسلام، ج 1، ص 283.
-
-
3 - وقد نصت الروايات في حق عيسى بن موسى بن محمد بن علي، والتي ذكرت أن أبا جعفر المنصور اشتراها منه لابنه المهدي (169/ 158 هـ). أما ما هو معتاد فهو توزيع العطاء على القواد ورجال القصر بعد أخذ البيعة بولاية العهد فالفرسان ثلاثة أشهر من
343 (2/55)
صفحة 373
وإذا كانت نظرية العهد تنص على شرط البلوغ، حيث لا سلطة
للطفل، وهو ما ميّز سياسة الخلفاء في تولية عهودهم (1)، فإن الأمر لم يبق في هذه الحدود، بل أصبحت عملية التولية حاصلة لاثنين وثلاثة. وأول من سنَّ ذلك مروان بن الحكم، ثم سار على ذلك الخلفاء السنيون من بعده (2).
وقد كان لرجال القصر، والقواد وخاصة في الفترة التركية من عهد الدولة العباسية، دور كبير في تولية العهد، وذلك باتباع الأساليب التي تمكنهم من البقاء في النفوذ، ولو أدَّى الأمر إلى تولية العهد الخلفاء أطفال أو لأكثر من واحد.
الأعطية، والرجالة ستة أشهر، وتفريق في بني هاشم خمسة عشر ألف دينار. فهذا ما كان مقابل بيعة المقتدر. راجع قصة عيسى بن موسى في حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 84. - وفيما يخص دور الأموال راجع: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 11، ص 29/ 28. 1 - كان الوليد بن يزيد (126/ 125 هـ) يوم عقد له أبوه يزيد ابن إحدى عشرة سنة، فلم يمت يزيد حتى بلغ الوليد خمسة عشر سنة. وفعل ذلك أيضا بعض الخلفاء حيث بويع للمقتدر وهو في الثالثة عشرة من عمره راجع الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 7، ص 209 - حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية، ص 45. 2 - وحرصا على بقاء الحكم في العائلة الحاكمة، فقد انتهج بعض الخلفاء أسلوبا لتولية العهد لأكثر من واحد من أبنائهم وأول من فعل ذلك وسنّه مروان بن الحكم (65/ 64 هـ)، فولّى عهده ابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز، فاصبح ذلك سنة سار عليها أكثر خلفاء بني العباس في الفترة الأولى خاصة وفي الفترة الثانية. فقد عهد الرشيد بالخلافة لأبنائه الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن. وعهد المتوكل - من الفترة العباسية الثانية - لأولاده المستنصر فالمعتز فالمؤيد. للمزيد عن هذه التوليات انظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 9، ص 175 - محمد الخضري بك محاضرات في تاريخ الأمم، ج 1،
ص 336 - ج 3، 63.
344 (2/56)
صفحة 374
ولم يكتف بعض الخلفاء باتباع شتى الوسائل لتنفيذ إرادتهم في تولية العهد، بل حدث أن عهد سليمان بن عبد الملك إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، ويوم قراءة العهد على العائلة المالكة كان الجميع يجهل اسم ولي العهد (1).
أن
بالخلافة يوصي
ورغم كل هذه الأحداث التاريخية التي أخرجت العهد من مصداقيته ومن شرعيته، فإنَّه وحد من الخلفاء من لم يول عهده أحدا، فقد سئل الواثق (227 - 230 هـ) في مرض موته لولده، فلم يقبل، وقال: «لا أتحمل أمركم حيا وميتا» (2). إن النتائج التي أسفرت عنها تلك السياسة المتبعة من طرف أكثر الخلفاء السنيين في تولية العهد كان لها أكبر الأثر في زعزعة النظام والاستقرار السياسي من ذلك إثارة العداوة والبغضاء بين أفراد الأسرة الحاكمة، فأدَّى ذلك إلى الاغتيالات والقهر واستمالة النفوذ بكلّ الوسائل، فلا يكاد يستقر الأمر لخليفة حتى يقوم الآخر بالتنكيل به وبسمعته حتى يخلو له الجو. وكثيرا ما عمل المتنافسون على السلطة على إقصاء بعضهم لبعض، وقتل بعضهم لبعض، كالمقتدر والأمين وغيرهم. وقد أدَّت هذه الفتن والأحداث إلى إضعاف قوة الخلفاء واختلاف كلمتهم وبالتالي ضعف المسلمين وتقسيم البلاد بين ولاة العهد، كما فعل الرشيد لما قسم البلاد بين أولاده الثلاثة، فلا شك أن كل واحد منهم سوف يحاول إقصاء الآخر ليضم ملكه إليه، مما يجعل
1 - عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 116. 2 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 84.
345 (2/57)
صفحة 375
الحرب هي سيدة الموقف (1).
ورغم هذه الوضعية التي لا يختلف فيها اثنان على أنها وضعية غير شرعية، فإن عبد الرحمن بن خلدون له موقف مغاير إذ صوَّب ما قام
الخلفاء
به بعض الخلفاء السنيين من ولاية العهد، رغم الظروف التي مرت بها، فيقول: «ثم إنه وقع مثل ذلك يعني ولاية العهد من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون، به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية، والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس ... ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم، وخروجهم عن سنن الراشدين الأربعة في ذلك. فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنَّهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينيا». ولكن ابن خلدون يناقض نفسه بنفسه، فيقول بعد بضعة أسطر: «أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق، وسماه الرضى كيف أنكرت العباسية ذلك، ونقضوا بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن
المهدي» (2).
والمقصود من كلام ابن خلدون هو أن الخلفاء الذين ذكرهم كان عملهم في ولاية العهد عملا شرعيا لا يعاب عليه شيء، بل كان
1 حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 85 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 10، ص 140.- محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 152. - أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 69. – حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية.، ص 41. 2 - ابن خلدون، المقدمة، ج 2، ص 723. - انظر قصة نقض علي بن موسى في نفس المصدر ص 640. - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 8، ص 554.
346 (2/58)
صفحة 376
الوازع فيه دينيا. وقد استعرضنا نماذج من الأفعال غير الشرعية التي قام
الخلفاء
كما هؤلاء، مثل المنصور والمهدي والرشيد، مع اعترافنا بوجود الذين لم يخرجوا عما نظره فقهاء السياسة في ولاية العهد، إلا أنه
أن وهي
سيبقى المشكل قائما ما دام الهدف هو إبقاء السلطة في العائلة الحاكمة. كما أن موقف ابن خلدون سيوقعنا في مشكلة جديدة هؤلاء الخلفاء المذكورين لديه، هم من ولوا عهدهم وفق قواعد الولاية
الإسلامية، ولكنهم في الحقيقة ابتعدوا عنها بشيئين:
أولهما أن أبا بكر لم يستخلف قريبا له، ثانيهما: أن الهدف من
استخلافه هو
الهدف
المحافظة على الدولة الإسلامية وهذان الشرطان لا تتوفر عليها إطلاقا ولاية عهود هؤلاء الخلفاء. فقد ولوا أبناءهم، وكان هو المحافظة على كياناتهم التي تنتسب إليهم. ولا أدل على ذلك الأعمال التي قاموا بها من أجل هذا الهدف دون مراعاة لشرع من الله. وإلى هذا الرأي تقريبا ذهب الدكتور أحمد شلبي من المعاصرين،
عندما حكم على تولية يزيد بن معاوية العهد بأنه عمل غير حكيم. معللا ذلك بأن الحكم عن بني أمية يعني عودة الحرب أكثر من الجمل وصفين. ويضيف أن ما يؤخذ على هذه الولاية هو تعيين معاوية
خروج
لابنه يزيد، وفي القوم من هو أصلحُ منه، كعبد الملك بن مروان (1). والحقيقة أن فساد أمر ولاية العهد يكمن في إيثار الأبناء والإخوان رغم وجود من هو أصلح منهم. وهذه من المساوئ التي وقع فيها. الخلفاء السنيون لأنهم ساروا على قاعدة: الغاية تبرر الوسيلة.
1 - أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 2، ص 45.
347 (2/59)
صفحة 377
وما يشهد على ذلك هو رفض بعض الخلفاء لنصائح الصحابة
والفقهاء والعلماء في عصرهم، فمعاوية يرفض النصح ويغضب ويتهدد القوم ويتوعدهم قائلا: لستُ في زمن أبي بكر وعمر، إنما هم بنو أمية، من عصاهم أو جلوه بالسيف، وادَّعى أن بعض أبناء الصحابة كابن عمر وابن الزبير والحسين بايعوا يزيدا وهم لم يبايعوا (1). فمن أين نلتمس العذر لهؤلاء؟
ثانيا: الإباضية
يعتبر موضوع ولاية العهد من أفقر المواضيع لدى الإباضية، سواء الناحية النظرية أم الناحية التطبيقية (2). فالإباضية من الفرق التي اختارت
طريق الاختيار كسبيل لإثبات الخلافة النبوية. وولاية العهد من
شأنها
أن تخرج عن هذا المفهوم عن إطاره المحدد، والغاية المرسومة له. فلم تذكر المصادر التاريخية الإباضية منها وغيرها أن أحد أئمة الإباضية اتخذ لنفسه وليا للعهد (3)، و لم يحدث ذلك إطلاقا سواء في عمان أم في تاهرت بحيث إذا كان الواقع الرستمي يوحي بذلك، فإنَّنا
1 - عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 120 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 364.
-2 انظر الباب الأول في الفصل الخاص بولاية العهد عند الإباضية.
3 - فرحات الجعبيري دور المدرسة الإباضية في الفقه الإسلامي، ص 19.
348 (2/60)
صفحة 378
لانجد إماما رحل وخلفه أحد أبنائه أو أقربائه منه (1)، إلا ما بسعي كان ترشيحا. ولم يحدث هذا إلا في الإمام أفلح بن عبد الوهاب الذي يخرج هذا المخرج، لأن الملاحظ أن الإمام عبد الوهاب لما تعلق باستحقاق ابنه الإمامة، كما روى ذلك ابن الصغير، فإن ذلك لا يخرج إلا من مخرج التعبير عن شعوره نحو ابنه البطل.
ولا يخفى أن عملية ولاية العهد لا بدَّ أن تمر على عدة مراحل، أقلها القيام بإشهاد أهل الحل والعقد واستشارتهم، كما فعل أبو بكر عندما استخلف عمر بن الخطاب، وكذلك ما فعله شكليا الخلفاء السنيون من مراسيم أخذ البيعة قبل وفاة الخليفة القائم. وإن ابن الصغير
قام
لم يذكر لنا سوى تصريح الإمام عبد الوهاب، ولم يذكر لنا أنَّه بأخذ البيعة له على ولاية العهد. ولدى تتبعنا للكتاب الذين اهتموا بالدولة الرستمية وإمامة عمان، فإنَّنا لم نعثر على أي نقطة توحي بوجود معنى لولاية العهد من أحد الأئمة ومن ذلك قولهم: «وخلفه بالبيعة الإمام عبد الملك بن حميد بيوم واحد بعد وفاة غسان»، و «ثم ولي المسلمون المهنا بن جيفر» (2). و اجتمع المسلمون وعينوا محمد بن أفلح إماما لهم» (3)، «بويع أبو حاتم من طرف جميع الناس و لم تظهر له أية معضلة مكشوفة» (4).
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 408.
2 - مجهول قصص وأخبار جرت في عمان، ص 56.
Aicha Daddi Addoun, P 138. -3
-4 - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية، ص 286 عن ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، بتصرف.
349 (2/61)
صفحة 379
كما يستشف ذلك أيضا من أقوال من عارض تولية أبي بكر الرستمي عندما توفي أفلح بن عبد الوهاب، فقدمه الناس بدون موافقة أهل الحل والعقد، إذ إنَّه لا تتوفر فيه شروط الإمامة كاملة. يقول ابن غير في ذلك: «عندما توفي أفلح قدَّم الناس أبا بكر فخرج عبد العزيز بن الإوز (1) يقول: الله سائلكم معاشر نفوسة إذا مات واحد
جعلتم مكانه آخر، ولم تجعلوا الأمر للمسلمين، وتركوه إليهم فيختارون من هو أتقى وأرضى ... » (2).
لا نجد أية معان لولاية العهد في هذه العبارة من قريب أو بعيد، بل ما يفهم منها هو تمكن المسلمين آنذاك من تولية أئمتهم وهم جماعة، وذلك ما يُفهم من صيغة الجمع الظاهرة في النص، وكذلك ظهور دوة ابن الاوز المعارض الداعي إلى تولية من هو أكفأ، وهو ما وقع فعلا عندما جاءت الفرصة لعزل أهل الحل والعقد أبا بكر، وولوا مكانه أبا اليقظان وقد كانت الفرصة سانحة لهم بتقديم غير أبي اليقظان، وهذا ما يؤكد قوَّة أهل الحل والعقد على تولية الأكفا بغض النظر عن نسبه، فقد عزلوا هذا وولوا ذاك بدون فتنة.
وما يثبت هذا الرأي أيضا هو تخطئة الإمام عبد الوهاب لتولية
1 - عبد العزيز بن الإوز من علماء الإباضية الذين لهم فقه وباع في الدين، رحل إلى أنه كان صريحا لا يعرف المداهنة، وجريء اللسان أورد له ابن الصغير
المشرق، ويبدو
قصة تدل على قوة ملاحظته. ولعل سفاهة لسانه وخفة عقله كما قال ابن الصغير هما
سبب إعراض الإباضية عنه وإهمال ذكره في كتاب الطبقات وسير علماء المذهب.
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 70.
2 ابن الصغير نفسه، ص 70.
-
350 (2/62)
صفحة 380
العامة لخلف بن السمح (1) على جبل نفوسة، وذلك عندما توفي أبوه السمح بن أبي الخطاب الذي كان واليا لعبد الوهاب على الجبل، وذلك بسبب عدم كفاءته.
يقول أبو العباس الشماخي: بعد وفاة أبي الخطاب اجتمع بعض العامة فولوا ابنه خلفا، وقد رفض هذا كبار العلماء فكاتبوا عبد الوهاب فأجابهم بعودة كلّ عامل إلى مكانه وبتخطئة تولية خلف، كما أجابهم بذلك أبو سفيان محبوب بن الرحيل» (2).
علما بأن هذا قد وقع مع عامل جبل نفوسة، فالإباضية كانوا متبعين نفس الأسلوب مع عمالهم، ولم يتركوا لعائلة ما التسلط على
الحكم إلا بحق.
1 - خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح، جد هذا مؤسس أول إمامة بالمغرب سنة 140 إلى 144 هـ. بعد وفاة السمح بن أبي الخطاب ولى بعض العامة أمور
الجبل
لخلف
بن السمح، ولما علم الإمام عبد الوهاب رفض ذلك لعدم كفاءته. وأعقب ذلك مشاكل في الحياة السياسية للدولة الرستمية. انظر: علي يحي معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 312 - عبد العزيز سالم تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 536.
2 - الشماخي، كتاب السير، ص 181. (مخطوط)
351 (2/63)
صفحة 381
إن أهل السنة والجماعة أجازوا ولاية العهد للأبناء والإخوة على
شرط توفر مؤهلات الإمامة في المعهود إليه، مع ملاحظة اختلاف علماء أهل السنة في ذلك، وخاصة المعاصرين الذين يرون أن الذين أجازوا ولاية العهد من علمائهم القدامى اعتمدوا في رأيهم على ما فعله أبو بكر في استخلاف عمر ويرون أن ذلك ليس إلا ترشيحا فقط، وللصحابة إمكانية الخروج من هذا الاقتراح (1).
ورغم هذا الأسلوب الذي اتَّبعه الخلفاء في عملهم هذا فإن المشكلة تنصب أساسا على كيفية تطبيق ولاية العهد تطبيقا يتماشى مع النظرية السنية، فقد عملوا كل ما في وسعهم لإيصال ولاة عهودهم إلى
السلطة.
كما أن أبا بكر لم يختر رجلا من أقاربه، بل هو من بطن آخر، في حين أن هؤلاء الخلفاء اختاروا من ذويهم، وفي الأغلب كانوا أولادهم (2).
ولقد كانت مسألة ولاية العهد في أيامها مثار المتاعب والمشاكل وعدم الاستقرار واستنفذ ذلك جهودا، مضنية، وجهت أنظار الخلفاء من الرعية وشغلتها بهذه القضية، وخاصة ما يتعلق بولاية العهد لاثنين وأكثر، وما انجر عن ذلك من فتن وحروب، مع العلم العلم أن هذه الخاصية قد تميزت بها الأيام الأموية وأكثر أيام بني العباس.
وإذا كان الإسلام لا يسمح بإقامة وتنصيب حكومة المستقبل مع
1 - انظر الفصل الخاص بولاية العهد لدى أهل السنة والجماعة في القسم الأول. -2 محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 1، ص 164.
352 (2/64)
صفحة 382
الحك
خلافة قائمة فإن الخلفاء تحايلوا في ذلك لضمان وصول الأبناء إلى الحكم، بأخذ البيعة في حياتهم لهم، ثم تأكيدها لهم بعد الممات (1). أما الإباضية فإنَّهم لم يقرُّوا بولاية العهد نظريا، وما طبقوه في كياناتهم السياسية لم يكن مخالفا لما نظروه، وأن الذين حكموا بتوارث الإباضي في الدولة الرستمية كان موقفهم نتيجة تحليل تلك الأوضاع وفق مقاييس أهل السنة وليس وفق آراء الإباضية السياسية. وهذا بسبب الخطإ الذي وقع فيه أكثر الذين كتبوا عن الإباضية، باعتمادهم على غير مصادرهم، ليتمكنوا من مقارنة الرأي الإباضي بالواقع الإباضي، وليس الرأي السني بالواقع الإباضي. وهذه من أخطاء المنهج في البحث العلمي.
إن الفارق واضح بين الطريقتين في التطبيق بين الإباضية وأهل السنة. فقد كان الإباضية لا يعينون أئمتهم إلا بعد شغور المنصب، بغض النظر عمَّن سيكون هذا الإمام من حيث النسب. فالمهم توفر الشروط فيه، وعلى رأسها عصبية الدين، وهذا ما تنص عليه أيضا نظرية العهد السنية.
وعلى عكس ذلك تماما سار أكثر خلفاء أهل السنة، فقد عيَّنوا الخليفة مع إمام قائم، واستغلوا عمل أبي بكر مع إفراغه من مضمونه وأهدافه، محافظة على الحكم العائلي استغلالا شكليا، مع خروجهم عن شروط ولاية العهد وفق ما نظره علماؤهم. وعلى هذا النمط ساروا في تولية عمالهم إذ غالبا ما خلف الابن أباه.
1 - أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 128.
353 (2/65)
صفحة 383
هو انه مهما سقنا
من
إن ما يمكن الخروج به من هذه المسألة أعذار، فإنَّه نظرا لما وقع في أيام الأمويين والعباسيين، فإننا لا نستطيع
أن تجد له مكانة فيما نظره علماء السنة.
وإذا أخذنا نظرية ولاية العهد التي أجازها بعض الخلفاء السنيين اعتمادا على ما حدث من استخلاف أبي بكر لعمر، وهذا تجاوزا لأن هذه العملية في حقيقتها قد مرت بعدة أطوار، من استشارة للصحابة وجمع للرأي ثم ترشيحه كما أن الصحابة بعد أبي بكر ليسوا مضطرين للأخذ برأيه، فإذا سلمنا بكل هذا فهل طبق الخلفاء ما فعله أبو بكر من استشارات واسعة؟ فهذا في الواقع ما لم يتحقق إلا في فترات تاريخية بسيطة لم تستطع قلب الموازين والرجوع إلى قواعد تولية العهد الشرعية (1)، بل العكس، فقد يختار الخليفة من يخلفه ثم يسعى
البيعة له بكل الوسائل.
في أخذ
1 - من العهود التي صدقت بأصحابها أيام الخلفاء الأمويين عهد عبد الملك بن مروان وعمر
بن عبد العزيز. وكذلك بعض الخلفاء العباسيين كالرشيد والمأمون اللذين كانا فعلا
خلفاء بأتم معنى الكلمة. راجع: راجع أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3 - محمد الخضري بك محاضرات في تاريخ الأمم، ج 3.
3
354 (2/66)
صفحة 384
الفصل الثالث سيرة الأئمة
ومدى تطبيقهم للخلافة النبوية (2/67)
صفحة 385
[صفحة فارغة] (2/68)
صفحة 386
ينطلق الإسلام من مفهومه لمبادئ الفلسفة السياسية للحكم من أن الحكم الله وحده. وهو الوحيد المشرع، وأن الحاكم ما هو إلا منفذ الله ويعتمد في حكمه على قاعدة الشورى. وكلُّ المؤمنين
لقوانين
إخوة (1).
وأن الإسلام قد شرع لصالح المؤمنين قاطبة، دون أن يميز طبقة عن أخرى. من هنا فإنَّه لا يوجد أي مبرر عندما يحكم الحاكم لصالح فئة
معينة
من المجتمع. وقد انطلق الإسلام في بناء قواعد الحكم والسياسة بين الناس، وبناء الدولة على أسس متينة هي:
• الأخوة الدينية: إذ لم يول الإسلام أي اعتبار للجنس أو اللون أو المواطنة والسكن في بلد معين من أجل بناء الدولة التي يتم فيها تطبيق أحكام الله.
التكافل الاجتماعي وهو أن يكون شعور الفرد بمسؤوليته نحو الآخرين يؤدي به إلى التماسك الاجتماعي، فيكفل بعضه بعضا. . الشورى وهي من الأسس السياسية لرعاية أمور المسلمين. وعلى أساس الشورى يتمكن المجتمع من المشاركة في الحكم
مباشرة، مما يعزز شعوره بالمسؤولية الجماعية.
• العدل وهو أساس الملك كما قيل. وهو السبيل الوحيد الذي
يطمئن به المواطن للوصول إلى حقوقه (2).
اعتمادا على هذه المبادئ والأسس تصبح الدولة الإسلامية ممكنة
LouisGardet.P 277. - 1
2 محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، ص 445 وما بعدها.
357 (2/69)
صفحة 387
القيام، وبدونها تنعدم. وإذا تخلف أحدها اختلت الأمور وخرج الحكم عن مداره، فيستبد الحاكم وتخرج الرعية عن طاعته، وتبعا لذلك لم يمكن التوصل إلى النتائج المرجوة من إقامة دولة الإسلام، وهي إقامة الدين ونشره وإسعاد البشرية بهذا النظام.
وهي
فسياسة الحكم في الإسلام تقوم على أقطاب ثلاثة: «العدل من الحكام، والطاعة من المحكومين والشورى بين الحاكم والمحكوم» (!). الخطوط العريضة والأساسية التي ناضل الإنسان من أجل الوصول إليها لبناء سعادته، وعليها تركزت جميع الثورات الديمقراطية التي قامت في العالم ضد الظلم والاستبداد. ولكنَّ الإسلام قد بشر بهذا من قبل، وهذا ما يدلُّ على صلاحية النظام الإسلامي لكل زمان ومكان.
1 - سيد قطب العدالة الاجتماعية في الإسلام. ص 95.
358 (2/70)
صفحة 388
أولا: السياسة الداخلية
-1 أهل السنة والجماعة:
-
السياسة الداخلية هي تلك المبادئ والأسس التي ينطلق منها أيُّ
حاكم في معاملة رعيَّته ومن وجهة نظر إسلامية فإنَّها تنطلق من مبادئ ثلاثة هي: العدل، والطاعة، والشورى. وهي تعتبر المرآة الحقيقية التي تعكس الأساليب والتعامل بين الحاكم والمحكومين. ومن خلال تلك السياسة نستنتج مدى تطبيق الخليفة لأسس وقواعد الحكم الإسلامي. وهي أيضا الرصيد الوحيد الذي يتبين به مدى رقي المجتمع دينيا واجتماعيا واقتصاديا.
فإلى أي مدى وصل تطبيق ذلك في دولنا الإسلامية؟ وما هي التي سارت عليها الكيانات السياسية مقارنة مع السيرة الراشدية؟ فهل حكموا بما أنزل الله؟ وإذا كان غير ذلك، فما
الأسس
الأسباب؟
أ- أسس السياسة الداخلية:
هي
قامت دول أهل السنة في سياستها الداخلية على قواعد ومبادئ أجمع عليها الكتاب القدامى منهم والمعاصرون، وقد كانت لدى الأمويين والعباسيين سمات مشتركة أتَّبعها خلفاؤهم في معاملتهم مع
الرعية.
وإن أول ما يُلفت النظر في هذه المسألة هو اعتماد كلا النظامين
على جنس واحد معين من المسلمين لتدعيم كيانهم، فقد اعتمد
359 (2/71)
صفحة 389
الأمويون على العرب بصفة خاصة لتكوين المجتمع الإسلامي السياسي واعتمدوا على قريش وبني أمية لإرساء قواعد العرش الأموي في الحكم بصفة أخص. أما بنو العباس فقد اعتمدوا على الموالي من الفرس ثم الأتراك من بعدهم. فقد اعتزوا بهؤلاء مرة، وكادوا لهم مرة أخرى عبر تاريخهم السياسي الطويل (1). وبصفة عامة فقد كانت «دولة بني العباس أعجمية، خراسانية، ودولة بني مروان أموية عربية» (2).
وقد أتَّبع كل من النظامين أساليب مختلفة في سبيل تثبيت عروشهم داخليا. وهذا الأخير هو الهدف الوحيد الذي يجمعهما.
خصائص السياسة الداخلية الأموية:
تميز النظام الأموي عن العباسي بعدة مفارقات مكنته من توطيد الحكم والتسلط على المسلمين بواسطة حفنة صغيرة من بني أمية وأتباعهم. فمن هذه الأساليب استغلال الجانب الديني والفلسفي لحياة
الإنسان.
1 - فمنذ أن حلّ معاوية في السلطة الإسلامية حدثت عدة تحولات فكرية لها صلة وثيقة بالتحولات السياسية، حيث سار حكم بني أمية بصفة عامة على مبدإ الجبرية ومفهوم الإرجاء. فمن خلال نظرية الجبر استطاع هؤلاء الحكام أن يثبتوا في أذهان الرعية أن الإنسان لا حول له ولا قوة، وأن جميع أفعاله مخلوقة لله تعالى ومقدرة من الله، وهذا لتبرير
-1 محمد الغزالي الإسلام والاستبداد السياسي، ص 208 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ
الإسلام، ج 2، ص 192.
2 الجاحظ، البيان والتبيين، ج 3، ص 365.
360 (2/72)
صفحة 390
التحولات السياسية الجديدة المتمثلة في انتقال الحكم من الشورى إلى الوراثة. فبالجبر يستطيعون تبرير مظالمهم التي ينسبونها إلى قضاء الله وقدره، وبالإرجاء يحاولون الإفلات من الحكم على إيمانهم بعد ارتكابهم المظالم. وقد أشاعوا هذه الفكرة وشجعوا مذهب الجبر، وأخذوا به جميعهم، وعملوا على نشر هذا المذهب بمختلف الوسائل (1). وحاولوا بكل ما في وسعهم القضاء على فكرة حرية الإرادة لا من الناحية الدينية فحسب، بل حتى من الناحية السياسية. وهذا خدمة لتحولاتهم، إذ لا يتمُّ لهم ذلك إلا بهذه الأفكار التي تخضع
الرعية (2).
وقد استغل الأمويون الجانب الروحي للمسلمين لتمرير سياساتهم، حيث إن العاطفة الدينية أقوى العواطف، وبها يستطيع فرد واحد أن يقود الآلاف من الأفراد. وقد اختار الأمويون هذه السياسة الروحية لقرب المسلمين من حياة الرسول والخلفاء الراشدين، فكثير منهم
1 - في هذه الفترة من التاريخ الأموي ظهر غيلان الدمشقي بن مسلم، وقيل غيلان بن مروان، وقيل ابن يونس كان أبوه مولى من موالي أمير المؤمنين عثمان بن عفان، من. كان الفقه في أصل مصري، من أصحاب الحسن البصري، واشتهر اسمه كصاحب فرقة سميت بالغيلانية نادت بأن الإنسان حر مختار في تصرفاته وصانع لأفعاله. ولقد قامت الغيلانية بنشاط سياسي هام ضد الأمويين. أخذ غيلان مذهبه في القدر والحرية والاختيار عن الحسن بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب. انظر: محمد عمارة، مسلمون ثوار، ص 60. 2 - عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، ص 203. - أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 81. - محمد عمارة مسلمون ثوار ص 60. - محمد عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، ص 185.
361 (2/73)
صفحة 391
الذين عاشوا الأيام الشورية للدولة الإسلامية، ومن الصعب الانتقال بهم إلى سياسة جديدة تخالف تعاليم الإسلام، وقد يكون في الرعية من حضر نزول الوحي وكتبه وحضر أعمال الرسول واستشاراته
لأصحابه.
-2 من الأساليب التي اعتمدها الأمويون مؤسسة (نظام الجماعة)، فقد بدأه معاوية باني الدولة، وذلك بإقامة المؤتمرات والجماعات لبت الأفكار المراد تبليغها للرعية لخدمة سياستهم. ومن ثم تكوين رأي عام قوي يخدم تلك المصالح. وهذه العادة أصبحت فيما بعد سنة أتَّبعها سائر الخلفاء بعد معاوية. وقد أطلق عليها الفقهاء فيما بعد اسم (نظام أهل الجماعة).
وقد استغل الحكام هذه الفكرة لجمع الناس، واعتمادا على هذا النظام الذي يعود في أصله إلى صحابة رسول الله الذين اجتمعوا حول أبي بكر بعد وفاته وأصبحوا يمثلون حماة التطور في النظام الإسلامي، وأيدوه على أساس العقيدة، والتي تعني أن يد الله
الجماعة، وأنها معصومة من الخطإ بقوَّة الإجماع، استنادا إلى قوله: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» (1).
وقد أصبح هذا النظام أهل الجماعة - مؤسسة سياسية خالدة، قادرة على هدي العامة إلى الحقيقة وبها يستطيع المسلمون إبعاد الانحرافات والمبالغات، وإن اتباع هذه المؤسسة دليل على انتماء المسلم
1 - رواه ابن ماجه،کتاب الفتن باب السواد الأعظم، حديث رقم 3950، ج 2،
ص 1303.
362 (2/74)
صفحة 392
للجماعة، وبالتالي للدولة الإسلامية. وعلى هذا الأساس أصبح معاوية ومن بعده يبعثون بالوفود إلى جميع أنحاء الدولة الإسلامية للحصول على التأييد والطاعة لكلِّ ما يصدر عن الخليفة. واستطاعوا بهذا امتصاص غضب الثائرين والمعارضين للسلطة الأموية، إلى جانب استعمال المال والقوَّة أحيانا، واللذان كان لهما الدور الفعال في تثبيت الحكم الأموني (1).
وإذا كان اجتماع الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل اختيار أبي بكر، وتطبيقا لقاعدة الشورى فإن اجتماع الأمويين قد حصل من أجل تكوين رأي عام خدمة لتأصيل قاعدة وراثة الحكم وتثبيته. وبهذا يكون هذا الاجتماع قد خرج عن جوهره وهدفه، فلم يبق لمعنى (أهل الجماعة إلا الدور السياسي. وقد اتخذته جميع الأنظمة السياسية الإسلامية من بعد الأمويين وسيلة لجمع المسلمين حول الأنظمة القائمة، ومحاربة كل المناوئين لهم في السلطة مهما كانت آراؤهم.
3 - نتيجة للسياستين السابق ذكرهما فقد أفرز مجتمع واسع متكون عدة أجناس وشعوب مختلفة العادات والتقاليد، تحكمه طبقة أرستقراطية حازت على السلطة والمال وأخضعت الجميع لخدمة
ملكها. وفي الحقيقة فإن هذه الطبقة الارستقراطية قد تميزت منذ أواخر خلافة عثمان بن عفان، وذلك بامتيازات خاصة وتعصب طائفي، فأغدقت عليهم الأموال وولوا الولايات (2).
1 - إبراهيم العدوي النظم الإسلامية، ص
2 - منير العجلاني، عبقرية الإسلام، ص 51.
186/ 177
363 (2/75)
صفحة 393
وفي سبيل ذلك لجأت المرجئة (1) إلى وضع الأحاديث التي تبرر انتقال السلطة إلى معاوية. وقد نسب إلى ابن عمر قوله: إن الرسول قال لمعاوية: يا معاوية أنت مني وأنا منك، لتزاحمني على أبواب الجنة كهاتين، وأشار بإصبعه الوسطى والتي تليها». كما نسبوا لأبي الدرداء قوله: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم حبيبة وعندها معاوية،
وهي زوج الرسول الله وأخت معاوية، فقال لها النبي: أو تحبينه يا أم حبيبة؟ فقالت: أي والله يا رسول الله. قال: فأحبيه، فإني أحبُّ معاوية وأحبُّ من يحبه وجبريل وميكائيل يحبان معاوية، والله لا أشدُّ حبا لمعاوية من جبريل وميكائيل» (2).
فبهذه الأسباب استطاع الأمويون أن يظهروا على الناس، وبواسطة هذه المبادئ سارت سياستهم الداخلية تقريبا، وفي أغلب أحوالهم. إذ كان الحكم وراثيا وولاية العهد هو السبيل الوحيد للوصول إليه. وفي المجال المالي والاجتماعي فقد استأثر الحكام والولاة والقواد والجنود وأنصار الدولة، ومن طاف حولهم بخيرات الأرض وثرواتها. وفي العلاقات الاجتماعية اتضحت جليا الطبقات الاجتماعية وظهرت من
1 - المرجئة فرقة وقفت موقفا وسطا بين القدرية الداعية إلى الحرية، والجهمية الداعية إلى الجير، وهي لم تخاصم عليا ومعاوية بل أرجأت أمرهما إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم. وبهذا الرأي انتقلوا من الحياد السياسي إلى الحياد العقدي. والإرجاء هنا جاء استنادا إلى حديث الصحابي أبي بكرة ستكون بعدي فتن القاعد فيها خير من وإلى الآية "قالوا" أرجه وأخاه". وهو الأصح لأنهم كانوا يؤخرون العمل
الماش
"
السنية. وأن الأعمال المفروضة على المؤمنين من صلاة وغيرها ليس من شروط
-
الإيمان. انظر: صبحي الصالح النظم الإسلامية، ص 143.
2 محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 650/ 649.
364 (2/76)
صفحة 394
جديد العصبية الجاهلية التي سعى الإسلام إلى القضاء عليها، ولم يبق إلا على عصبية الدين. كما أضيفت إلى العصبية الجاهلية العصبية الشعوبية (1). فقد عمل الأمويون على استرقاق كثير من المسلمين بتأثير العصبية القبلية حينا، وبالاستعباد المالي حينا آخر. وأصبحت طبقات الموالي المختومة في أعناقها والمسومة كالخيل علامة لاستعبادهم، معروفة ومتميزة عن غيرها في المجتمع العربي. والعرب متميزون أيضا عن بطن قريش، ثم بني أمية الذين تميزوا بالحاكمية المطلقة (2).
وقد كانت جميع هذه السياسات من أجل هدف واحد في الحكم والسياسة الأموية وهي إثبات وإرساء فكرة وراثة الحكم في النظام
الإسلامي.
وقد تجلت معالم هذا التقنين فيما يلي:
1 إقرار مبدإ الأمر الواقع المستند إلى القوة في اختيار الخليفة. 2. استناد الخلافة الوراثية إلى السياسة أولا، ثم إلى الدين ثانيا.
3. نقل مقر الخلافة الوراثية إلى مقر عصبتها.
4 إقرار الشارات والعلامات للدلالة على الخلافة.
5 إقرار مبدإ الوراثة في الحكم، وهو المظهر الذي صار السمة العامة للنظام الجديد للدولة الأموية» (3).
1 - محمد عمارة الإسلام والمستقبل، ص 256
2 ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 242. 3 - إبراهيم العدوي النظم الإسلامية، ص 157.
365 (2/77)
صفحة 395
خصائص السياسة الداخلية العباسية:
أجله الكثير من
الدماء
أما فيما يخص العباسيين فإنَّهم لم يلاقوا صعوبات كثيرة في تثبيت فكرة وراثة الحكم في أذهان الرعية. ذلك أن الذين سبقوهم من الأمويين قد قاموا بهذا الدور، ودفعوا من والأموال، ولم يبق لبني العباس سوى إيجاد الطريقة التي يتم بها إيصال أبنائهم إلى السلطة. ومن البديهي أنه لم يتم ذلك إلا بإراقة الدماء في بعض الأحيان ليس من جانب الرعية بل من جانب المعارضين لهم. والتاريخ يؤكد أن عظام الأمويين كان السلم الذي تسلّق عليه العباسيون إلى سدة الحكم (1).
وتبقى الصفة الشرعية للخليفة العباسي هي ذلك الأسلوب الذي حدث جديدا في سياستهم الداخلية من أجل إرساء دعائم حكمهم، وقد سبق أن ذكرنا أنهم قد اشتركوا مع الأمويين في ميزة واحدة، وهي الاعتماد على جنس معيَّن لبناء دولتم. فالعباسيون بنوا كيانهم السياسي على كواهل الفرس. وقد أسقطوا العرب وأحلوا محلهم الأعاجم من فرس وترك، فكان تاريخهم السياسي الطويلة مسيرة شعوبية تنطلق في عدائه للأمويين، ثم تطورت هذه العداوة لتصبح عداء خاصا بالعرب کجنس (2). فغدا هؤلاء الأجانب السندَ الوحيد لتنفيذ سياستهم الداخلية بغية الحفاظ على بقائهم في السلطة.
1 - انظر العلاقات الأموية العباسية في: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية،
ج 3، ص 148 وما بعدها.
2 - محمد الخضري بك محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 487 وما بعدها. – حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 253 - محمد عمارة، الإسلام وفلسفة الحكم، ص 694.
366 (2/78)
صفحة 396
إن ما ركز عليه العباسيون في سياستهم مع الرعية هو الجانب الروحي، تأثرا بالنظرية الفارسية القائلة بالحقِّ الملكي المقدَّس. وهذا نتيجة ميلهم إلى الفرس. وفعلاً فقد كان الحكم العباسي مماثلا لما كان عليه في بلاد فارس أيام آل ساسان وأصبحت هذه النظرية فكرة ثابتة الله
في الأذهان، وأصبح الخليفة العباسي يحكم في نظرهم بتفويض من لا من الشعب، وهذا ما يظهر جليا من قول أبي جعفر المنصور: «إنما أنا سلطان الله في أرضه» (1).
ورغم ما وقع في التاريخ السياسي العباسي من استيلاء الأتراك على مقاليد الحكم، فإن الخليفة بقي محتفظا بسلطته الدينية واعتراف هؤلاء الأمراء بذلك، سواء كانوا داخل الدولة أم مستقلين بإماراتهم. والكلُّ يلجأ إلى الخليفة للحصول على التفويض بالحكم باعتباره خليفة رسول الله وقد لجأ هؤلاء إلى مثل هذه السياسة لإعطاء سلطتهم الصبغة الشرعية في نظر الشعوب التي يحكمونها. وقد اعترف يوسف بن تاشفين (2) ملك المرابطين بالمغرب بسلطة الخليفة المقتدي (3). وهذه الوضعية السياسية التي رافقت خلفاء بني العباس، وخاصة في الأخيرة، تدلُّنا على مدى التطور الذي حدث في سلطة
عهودهم
1 محمد جلال، نشأة الفكر السياسي، ص 114. - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام،
ج 2، ص 253.
2 - يوسف بن تاشفين (410 - 500 هـ) بن إبراهيم المصالي الصنهاجي اللمتوني الحميرين أبو يعقوب أمير المسلمين وملك الملثمين، سلطان المغرب الأقصى، وباني مدينة
،مراکش، وأول من دعي بأمير المسلمين. انظر: الزركلي، الأعلام، ج 9، ص 294.
3 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، ص 308 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 71/ 70.
367 (2/79)
صفحة 397
الخليفة، وكيف أصبحت دينية بحتة، وليست سياسية (1). وهذا ما يؤكد المقولة القائلة بأن الدولة العباسية كانت ثيوقراطية، والحقيقة التي يجب
ألا نغفل عنها هي أن هذه الوضعية لازمت الخلفاء العباسيين بداية من الحقبة التاريخية الثانية بخاصة. وفي الفترة الأموية والفترة العباسية الأولى لم يكن لهذه المسألة أي تأثير، فالأمويون والعباسيون الأوائل اتخذوا الجانب الديني وسيلة للوصول إلى الحكم بدون أن يفصلوا بين الدين والسلطة الزمنية كما وقع خاصة بعد بيبرس.
فمن هذا الجانب أصبح هذا النظام يماثل تقريبا نظام الحكم
الفارسي من الوجهات الآتية:
1 التسلط على أرواح الرعية.
2 الاحتجاب عن الناس.
3. اتخاذ الوزير والسياف.
4. إحاطة شخص الخليفة بهالة خرافية من القداسة، والزعم له
بالجبروت المفتعل.
5 ظهور الأزياء الفارسية والاحتفال بالأعياد الفارسية القديمة.
6 اتباع المظاهر الوثنية في معاملة الحاكم، كانحناء الداخل عليه وتقبيل الأرض.
التوسل ببردة النبي لتأييد نظرية التفويض الإلهي.
8 السير على نظام تولية العهد لأكثر من واحد (2).
1 أنور الرفاعي الإسلام في حضارته، ص 90.
-2 مصطفى الرافعي، ص 44/ 43.
368 (2/80)
صفحة 398
انطلاقا
من هذا العرض لأهم مبادئ السياسة الداخلية للدول السنية، فإنَّنا نجد بأن الهدف كان واحدا هو البقاء في السلطة، وإن اختلفت الوسائل والسبل التي اتبعها كلُّ نظام. وإذا كانت المبادئ غير
شرعية فلا بد أن تكون نتائجها كذلك.
ب سيرة الخلفاء:
إن تعرضنا لهذه النقطة مهم جدا بالنسبة لنظام اتخذ حكمه وراثيا، حيث إن الوراثة عادة ما توحي بالملك الذي يعطي للخليفة حقّ التصرُّف الكامل في الدولة في أموالها ورعيتها. وبالتالي كثيرا ما يتميز هذا النوع من الحكم بالبذخ والنعيم الملكي.
هو
ومن جهة أخرى فإن الدولة إسلامية، وخلفاؤها مسلمون، فما مدى اقترابهم من السيرة الإسلامية الحقيقية؟ وما ينبغي أن يكون عليه خليفة المسلمين كعضو منهم لا يحق له أن يتصرف في سلطته وأموال الدولة وأحكام رعيته إلا بالحق؟
فما هي سيرة الخلفاء السنيين مقارنة الخلفاء الراشدين من حيث حياتهم الشخصية وحياة ذويهم؟ فهل طبق هؤلاء السنة النبوية في سيرتهم، أم كانوا ملوك دنيا فقط؟
ولقد سبق أن بينا أن النظام الأموي والعباسي قد اعتمدا عدة طرق لتثبيت سلطتهما، وتبيَّن لنا جليا أن الخليفة كان مسلوب السلطة إلا
الروحية منها، وخاصة في العهود الأخيرة للدولة العباسية.
يقول محمد الغزالي: «تولى الخلافة رجال ميتو الضمائر، وشباب
سفهاء جريئون على معصية الله واقتراف الإثم، وليس لثقافتهم
369
2 (2/81)
صفحة 399
الإسلامية قيمة. اتسع نطاق المصروفات الخاصة للحاكم وبطانته ومتملقيه، وتحمَّل هذه المغارم بيت مال المسلمين، وأثر هذا السرف الحرام على حاجات الفقراء ومصالح الأمة» (1).
فهل نستطيع أن نحكم على هؤلاء الخلفاء من هذه المقولة بأنهم لم يقدموا لأمتهم خيرا إطلاقا؟ وهل كانت هذه الصفات تشملهم جميعا؟ إن أكثر الكتاب لا تسلم كتاباتهم ولا تغفل عن ذكر مثل هذه الأوصاف، سواء من الناحية الدينية والخلقية، أم ما يتعلق بمعاملاتهم وتصرفاتهم أزاء ممتلكات الأمة الإسلامية.
فمن الناحية الدينية والمذهبية فإن غالبية الخلفاء السنيين قد تعصبوا للمذهب السني وحاربوا كلّ ما سواه.
ويؤكد الدكتور محمد عمارة أن السفاح والمنصور كانا عضوين في تنظيم المعتزلة (2). ولا نرى في ذلك إلا خطة سياسية بغية التمكن من ود المعتزلة الذين نشطوا في أيامهم مع العلم أن السفاح والمنصور كانا الموطّدين لأركان الدولة العباسية، وأن السفاح قد قام بعدة حروب
من
لتصفية بني
أمية. ولهذا فإن ما يمكن تأكيده هو أن المذهب المتبع كان
سنيا، وأن خروج بعض الخلفاء القاعدة كان
غير. ومن
عن
باب السياسة لا من
الناحية العملية وقيام الخليفة بأعماله المنوطة إليه كإمام
للمسلمين، فإن أكثر الخلفاء في بني العباس لم يكونوا يؤمون الناس في الصلاة، أو في خطب الجمعة كما فعل الراشدون وبعض الأمويين. بل
-1 محمد الغزالي الإسلام والاستبداد السياسي، ص 187. 2 محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 692.
370 (2/82)
صفحة 400
كانوا يظهرون للناس ببردته له باعتباره خليفة له لإعطاء الصبغة
الشرعية لحكمهم (1).
والحقيقة أن هذه المقولة السابقة للإمام الغزالي لا تخرج الخلفاء السنيين عن دائرة التعفن السياسي والانحراف الديني، والحقيقة غير ذلك، إذ لا بدَّ أن يكون لهذه الوضعية استثناءات (2).
إن المسألة التي أسال الكتاب فيها حبرهم هي
نمط حياة الخلفاء،
والتي وصفها أكثر الكتاب بالبذخ وبنعيم الدنيا على حساب فقراء
المسلمين. وهذه المسألة المتعلقة بحياة الخلفاء الشخصية من المبادئ التي أكد عليها الإسلام، وتدخل ضمن تحقيق العدالة وتحديد مسؤولية الحاكم التي هي من أعظم المسؤوليات بالنسبة للرعية. وهذا ما جعل المحللين يولون للموضوع اهتماما كبيرا (3).
1 ابن تيمية السياسة الشرعية، ص 28/ 27 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام
ج 2، ص 255.
-2 - ومن هذه الاستثناءات معاوية وعبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد، الذين كانوا يرجون للجهاد والفتوحات الإسلامية. وكذلك الخليفة المهدي الذي عُرف بعدله وبجلوسه للمظالم بنفسه، وكان يحب كثيرا ألا يخالف سنة رسول الله - محمد
الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 94 وما بعدها. 3 - يروي الطبري أن المأمون لما أخذ به النبيذ قال غنوني فسبق إلى ذلك مخلوق - وهو أحد المغنين فضرب المأمون الأرض بقدحه وقال: مالك؟ عليك لعنة الله. ثم قال: يا غلام أعط مخلوقا ثلاثة آلاف درهم، وأخذ بيدي فأقمت وعيناه تدمعان. – الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 7، ص 210 – ابن طباطبا، الآداب السلطانية، ص 46/ 45. - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ص 134. حسن علي إبراهيم، النظم
الإسلامية.، ص 33.
371 (2/83)
صفحة 401
وقد كان الخليفة يتصرف بكل حرية في أموال الدولة، بعد تسديد
حقوق الخراج والموظفين، فكان الباقي وهو كثير جدا، نظرا لاتساع الرقعة الإسلامية من نصيب المغنين والشعراء والكتاب وغيرهم (1). وبناء على هذا التصرف المنحرف والذي كان له الأثر الكبير والفعال في انطباع سياسة دولتنا الإسلامية بطابع جعلها تنحرف عما سار عليه السلف. واعتمادا على ما أوردته الروايات فقد تصدى المحللون إلى طعام الخلفاء ومصدره وأنواعه وربطوا واقع الرعية الاجتماعي بإسراف الحكام (2).
هؤلاء
وهذه السيرة غير الشرعية هي التي تفسر لنا مدى تسلط الخلفاء على أرواح الرعية واستبدادهم بالحكم. ويلخص معاوية ذلك في مقولته الشهيرة: «الأرض الله وأنا خليفة الله، فما آخذ من الله فهو
لي وما تركته منه كان جائزا لي» (3). وكذلك المعتصم الذي روي عنه أنه قال عند احتضاره لو علمت أن عمري هكذا قصير، ما فعلت ما فعلت ... وذكر أنه إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل» (4). ومن خلال الأحداث والروايات التاريخية نستطيع أن نسجل أن بني مروان كانوا أكثر اعتدالا من بني العباس، وأقلهم طغيانا. فقد كان
1 - محمد الخضري بك محاضرات في تاريخ الأمم، ص 134.
2 - يذكر ابن طباطبا يزيدا المولع بالصيد، فقد كان يلبس لكلاب الصيد أساور من اللعب والجلال المنسوجة، ويهب لكل كلب عبدا يخدمه واتخذ الوليد بن يزيد للخمر حياضا والسفه موارد و مصادر. راجع ابن طباطبا، الآداب السلطانية، ص 55. – السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 224.
3 - محمد الغزالي، الإسلام والاستبداد السياسي، ص 39.
4 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 9، ص 119.
372 (2/84)
صفحة 402
منهم من صلى بالناس وقاد الجيش وجى الخراج وقضى بين الناس، ولم يكونوا محجبين عن الناس إلا القليل. في حين تميّز بنو العباس بامتيازات أخرى مثل السهم من موارد بيت المال، وتخصيص قاض لهم، وإقامة الحدود عليهم من طرف نقيبهم لا من ولاة الدولة ولا موظفيها (1). هكذا نجد أنهم أقاموا ملكا حقيقيا وساسوا الناس بما يخدم مصالحهم، واتخذوا الحكم والسلطان وسيلة للتنعم والاستبداد، وأتوا
كثيرا مما حرم الله. وكانت هذه السيرة نتيجة منطقية لخروج نمط حكمهم عما شرعته أحكام الله وسنة رسوله وسيرة الراشدين من بعده. وقد أولوا النصوص وفق الشهوات واشتروا ذمم بعض الفقهاء، فلطخوا بذلك جبين الأمة الإسلامية بعار الاستبداد، وغيَّروا بأعمالهم ما أنزل الله وما أمر به من الشورى والعدل والتعفف والزهد في الدنيا
والعمل من أجل الآخرة.
ج السياسة الإدارة والمالية:
السياسة الإدارية:
يعتبر الجهاز الإداري الهيكل التنظيمي للدولة، وبه يتم تسيير أمور الدولة وضمان وصول التعليمات الصادرة من الحكام إلى الرعية، وهذا
ما يفرض أن يكون الجهاز الإداري في مستوى متطلبات ذلك النظام. ولقد تطورت الإدارة الإسلامية تطورا طبيعيا متماشيا مع توسع الدولة الإسلامية ففي عهد الرسول ل كانت الأمور بسيطة جدا،
1 - منير العجلاني عبقرية الإسلام، ص 51. - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 212.
373 (2/85)
صفحة 403
حيث إن النبي الله جمع السلطات، وكان يستعين على إدارة الدولة بأصحابه. ثم تعاقبت الخلافة الرشيدة، فتوسعت الإدارة بإحداث أجهزة إدارية جديدة، كالبريد والحجابة وغيرها.
وفي العصر الأموي بخاصة توسع هذا الجهاز ليشمل البريد والحجابة والشرطة والقضاء والجيش.
وعرف البريد تطورا كبيرا في عهد معاوية، وكان صاحب البريد يقوم بعملية التجسس على عمال الدولة وعلى الأعداء. وكان يمثل بحق جهاز المخابرات في العصر الحاضر.
ولقد تواصلت عملية إصلاح هذه الأجهزة والابتكار فيها في العصر العباسي، وكان لكلِّ من النظامين سياسة خاصة في الإدارة (1). العصر الأموي وضع معاوية بن أبي سفيان سياسية إدارية حكيمة من أجل توطيد الحكم والإشراف الكامل على كل ما يجري في أطراف الدولة. وقد سار نظامهم الإداري على أساس اللامركزية، وذلك على قاعدتين:
الأولى، تتمثل في فصل الإدارة المالية للولاية وربطها مباشرة
بالعاصمة واشتهر صاحبها باسم (صاحب الخراج).
أما الثانية فهي تعيين عمالة إدارية في الولايات مهمتها مراسلة الخليفة وإخباره بكلِّ ما يحدث في الولاية من أعمال الوالي والرعية (2).
1 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 260 – حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 274/ 267. - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 293.
2 إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 250 وما بعدها.
374 (2/86)
صفحة 404
في حين أتبع العباسيون في عصرهم الأوَّل النظام الإداري المركزي،
بحيث أصبح الولاة في أقاليمهم عبارة عن عمال لا ولاة، وليس لديهم مطلق السيادة، ولم يكونوا من الشخصيات البارزة (1). وهو عكس الوضعية التي كان عليها ولاة بني أمية من حيث السلطة، إذ كانوا كاملي السيادة يتصرفون بكل حرية في أقاليمهم. وهو ما يسمى الآن بالاستقلال الإداري. وقد ظهر طغيان كبير من الولاة، فتصرفوا تصرف الخلفاء وأكثر. وقد كان الحجاج بن يوسف يجمع الأموال حسب هواه دون مراجعة في ذلك. ومن الخلفاء من حكم ولايته لأكثر من عشرين
عاما (2).
وقد أتَّبع الخلفاء السنيون في كلا النظامين سياسة متقاربة من حيث شخصية الرجل الإداري، وموحدة من حيث الهدف، وهو ما يضمن لهم بقاء الوالي في خدمة البيت الحاكم.
فمن مميزات الإدارة الأموية كونها عربية خالصة، مع نجاحهم الكبير في اختيار الرجل القوي الذي يضمن لهم سحق الاضطرابات وقمع الفتن ويبقى الوالي دائما هو سيد الموقف. وقد سار العباسيون حذو الأمويين في هذا المنوال مع الميل الكبير إلى استعمال الأعاجم في الإدارة، وخاصة في المراكز الحساسة كالوزارة والجيش.
وقد جمع كلا النظامين ميزة خاصة، وهي وهي أنهم لم يتورعوا إطلاقا في استعمالهم أبناءهم وأقرباءهم على البلاد، لضمان الولاء التام.
1 - حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية، ص 142.
2 - حسن علي إبراهيم نفسه. ص 141. - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ
الأمم، ج 2، ص 212
375 (2/87)
صفحة 405
وبالجملة فإن عملية الحكم والإمارة خاصة، تكاد تكون محصورة
في الطبقة الارستقراطية المحدودة بالأبناء والأقرباء، أو من المناصرين
للسلطة
عموما (1).
وفي النظام الأموي كانت الوتيرة الوحيدة التي سار عليها نظام الإدارة متميزة، حيث إنها جمعت بين النظام الديمقراطي الذي يعطي التصرف الكامل للوالي في إقليمه إلى درجة الطغيان على الخليفة نفسه، وبين نظام الحكم المطلق حيث كانت المراقبة متواصلة من الخليفة على الأمير والأهالي. ولم يستفد هذا النظام من مزايا الديمقراطية ولا من الحكم المطلق. كما شهدت الأيام الأخيرة للعصر الأموي إذلالا كبيرا للولاة ومصادرة أموالهم وأحيانا قتلهم بعد عزلهم. وقد بدأت هذه
الظاهرة خاصة في عهد سليمان بن عبد الملك (96 - 99 هـ) (2). أما في النظام العباسي فنظرا لطول عمر هذا النظام الذي دام أكثر من خمسة قرون، فقد شهدت الإدارة فيه عدة حالات، انتقلت فيها من قوة إلى ضعف. ففي الزمن الذي عرف فيه الخليفة قوَّة، وكان يعين رجال إدارته، وخاصة الوزراء بالدرجة التي يصبح فيها الخليفة مطمئنا على سير شؤون دولته، مما جعل أكثر الوزراء في ذلك الوقت وزراء تفويض لا تنفيذ. ويظهر هذا جليا من مقولة الرشيد لوزيره يحي بن خالد حين عينه قائلا له: «قد قلدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي
1 - منير العجلاني، عبقرية الإسلام ص 298 - ظافر القاسمي، ج 1، ص 550. 2 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 213 – حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 1، ص 438.
376 (2/88)
صفحة 406
إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت،
واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى». ودفع إليه خاتمه. وهذا ما جرَّ الخلفاء إلى أن يسوسوا رجال بلاطهم بسياسة التملق
حتى يطمئنوا إليهم من ذلك اقتطاع الضياع لهم، والهدايا النفيسة والأموال الطائلة. ومن جهة أخرى كان الوزير لا يغفل عن تقديم المال للخلفاء ونسائهم. ومقابل هذا فلا بدَّ أن يثقل كاهل الأهالي بالضرائب والشدة والتعسف في جمعها (1).
إن الاستبداد كان دائما سيد المواقف، حيث إنه إذا كان تقييد الوزارة يتم برسائل جميلة وخلع جليلة وموكب فخم، فإن العزل يكون عادة أكثر مكرا من قتل وتمثيل ومصادرة للأموال، وملاحقات لكلِّ العائلة. وقد اشتهرت العائلة البرمكية في هذا الشأن، وكان الكثير من القادة يتجنَّب أن يسمى وزيرا بعد أن مات أبو الجهم على يد المنصور. طبيعة الملك الاستبدادي الذي لا يتورع في استعمال كلّ شيء لتحقيق كل شيء، ويجب أن يكون ذا السلطان الذي لا يشارك، والحول الذي لا يُقهر واليد الطولى التي لا يضارعها يد» (2).
هذه
هي
العصر
إلا أن هذه السياسة لم تعمر طويلا، وخاصة ابتداء من العباسي الثاني الذي بدأ فيه الضعف يدخل قصور الخلفاء، سواء لضعفهم هم كخلفاء، أو بسبب القوة التي أصابت قواد رجال القصر
1 - الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 8، ص 233. – منير العجلاني، عبقرية الإسلام، ص
226 إلى 235.
-
2 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 120/ 119. – حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 257 - منير العجلاني، نفسه، ص 237.
377 (2/89)
صفحة 407
وأصبحوا يتحكمون في أمور الدولة من تولية وعزل ليس فقط لعمال
الإدارة البسيطة بل أيضا الخلفاء أنفسهم.
ونتيجة الضعف الذي أصاب بعض الخلفاء فقد كان تصرفهم وفق ذلك، إذ كانوا يولون من شاؤوا دون مراعاة القوة والكفاءة في رجل
الإدارة، بل كان همهم الوحيد هو ضمان ولائه لهم (1).
كما عرفت المرأة العباسية تدخلا كبيرا في شؤون الدولة عموما والإدارة خصوصا، فقد رجع كثير من الخلفاء إلى رأي النساء في تولية
رجال إداراتهم، وقد اشتهر ذلك في عصر المقتدر (2).
وتبعا لهذه التصرفات الإدارية التي انحرفت حتى عن قواعد الحكم الدنيوي، تبين عدم إحساس الخلفاء بثقل الأمانة التي وضعها الإسلام على عاتق الحكام كما ظهرت جليا الأهداف التي خططت الإدارة
الإسلامية من أجلها، وهي خدمة المسلمين. و بدهي أنه إذا كانت المقدمات خاطئة فلا بد أن تكون النتائج كذلك، وقد ركز الإسلام في اختيار الموظفين على ركيزتي القوَّة والأمانة. قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: قال اجعلني على
1 من ذلك ما رواه الطبري عن مروان بن أبي الجنوب أنه قال: "أنشدت أمير المؤمنين المتوكل فيه شعرا، وذكرت الرافضة فيه فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع عليّ أربع خلع في دار العامة. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 9، ص 230. -2 أصبحت أم المقتدر ذات سلطان، كبير وعينت قهرماناتها صاحبة المظالم، واشتهرت عدة نساء في تلك الحقبة الثانية، كقبيحة أم المعتز، وأم موسى وست الملك وغيرهن. راجع: حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 446 حسن علي إبراهيم، النظم الإسلامية.، ص 46.
378 (2/90)
صفحة 408
خزائن الأرض إني حفيظ عليم) (1) وقال: إن خير من استأجرت القوي الأمين) (2). فالإدارة إذا تستدعي القوة والأمانة والعلم بما حمل به الإداري، وإذا كانت الوضعية على الحال التي وصفها المؤرخون فلا شك أن الضعف سيدبُّ إليها نتيجة الجهل والانحراف وانعدام الضمير.
السياسة المالية:
تميزت السياسة المالية في عهدها الأوَّل أيام الأمويين- بطابع خاص، ذلك أنهم ساروا في سياستهم الإدارية سياسة الاستقلال الإداري التام، فاستتبع هذا النظام الجانب المالي للدولة، فقد كان للوالي السلطة الواسعة في جميع الأموال من مواردها الشرعية وغير الشرعية. وهذا السلطان الواسع لصاحب الخراج على مستوى الولاية جعل النظام المالي يختلف من إقليم لآخر، وهذا حسب الوالي الحاكم في كلِّ مصر، وصار بذلك لكلِّ ولاية نظامها الخاص حسب ما نظمه صاحب خراجها، إلى جانب القواعد الأساسية التي ورثها النظام من الخليفة عمر بن الخطاب (3).
مع ملاحظة أن النظام الإداري والمالي كان في أول عهد الأمويين بيسطا جدا، إلا أنه مع بداية عصر عبد الملك بن مروان بدأ ينتظم أكثر ويعرف صبغته العربية بصورة أوضح (4). وهي السياسة التي اعتمدها
1 - سورة يوسف آية 55.
-2 سورة القصص، آية 26
3 - إبراهيم العدوي النظم الإسلامية، ص 266.
4 - حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام، ج 1، ص 448.
379 (2/91)
صفحة 409
الأمويون في كل جوانب معاملاتهم السياسية، وذلك لضمان ولاء
الأقاليم وتنفيذ خططهم.
وتبعا لنظام التطور في كل جوانب الحياة العامة، فقد عرفت الإدارة المالية نفسها هذا التطور، لتصل إلى أرقى نمط من الدقة والتطور في
عهد العباسيين الذين اتبعوا سياسة مالية في غاية الإتقان، حيث كانت ترمي إلى إحداث التوازن بين موارد الدولة ومصاريفها، حتى تضمن لنفسها سير شؤون الدولة. ومن هذا المنطلق قسمت الميزانية العامة إلى قسمين قسم الاستخراج، وقسم النفقات.
وكان لكلِّ ولاية ديوان للخراج يتبع الديوان المركزي في بغداد أو في سامراء. وينقسم كل واحد منها إلى قسمين: قسم خاص
بالواردات، وقسم خاص بالنفقات مع حمل الباقي إلى دار الخليفة (1). إن كلا النظامين قد اعتمد أساسا على الموارد التي حددها النظام المالي في الإسلام، وهي ستة موارد محددة (2). إلا أن النظام الأموي بخاصة أضاف موارد أخرى لم يأت بها شرع الله، وتمثلت في الضرائب
التي كانت تصب على أصناف معينة من الرعية. وقد زادت هذه الضريبة في عهدهم أكثر مما كانت عليه في عهد الخلفاء الراشدين، ولم يراعوا فيها القواعد التي أقرها من سبقهم من الراشدين، بل تجاوزوها إلى حد الإفراط (3).
1 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 288.
-2 - الموارد المالية في الإسلام هي: الزكاة، الخراج الجزية، الغنيمة، الفيء، العشور. انظر تفاصيلها في: الدكتور صبحي الصالح النظم الإسلامية، نشأتها وتطورها. ص 354 وما بعد.
3 حسن علي إبراهيم، نفسه.، ص 210.
380 (2/92)
صفحة 410
وقد حرم الشارع مثل هذه الضرائب لأنها لم تجر في محراها التي أخذت من أجلها، ولم تكن هذه الضريبة التي يجمعها الناس لمصلحة أنفسهم، بل حولت لتصرف حسب أهواء الملوك، وبما أن الرقعة الإسلامية كانت كبيرة جدا بسبب الفتوحات المتواصلة، فقد أصبح المال وفيرا جدا، وبلغ الترف أقصاه، خاصة في العهد العباسي. وهذا ما جعل الخلفاء وأمراءهم يعيشون في قصور، بينما بقي عامة الناس في فقر ذلك أن أكثر المال كان من مورد الخراج والجزية اللذين يدخلان في بيت المال تحت سلطة الخلفاء وأمراء البلاط، فكانوا ينفقون منه على مصالح الدولة، وما بقي وهو مقدار كبير فإنَّه يذهب لتلبية رغبات الحكام (1).
وبؤس،
ولقد كانت أهداف الأمويين المتمثلة في إثبات السلطة في أيديهم سببا في انتهاج سياسة غير شرعية في جباية الأموال والحصول عليها، فإلى جانب الضرائب التي كانت تسلط على الصناع والأجراء، فقد أحيى معاوية بن أبي سفيان العرف المحلّي للولايات، فأحبى عادة الإهداء في النيروز والمهرجان على عهد الساسانيين، وكان النيروز من أعياد المقدَّسة، فجلب بذلك الأموال الطائلة من أجل القيام بأعباء
الفرس
البلاط في دمشق، وما تتطلبه من منح عائلية، وكذلك سياسة الاسترضاء أزاء القبائل العديدة وشراء ولائها بالمال (2).
1 - وهي هبات الشعراء والمغنين والمداحين، وشراء ما يعرضه تجار الجواهر والجواري والتحف وجوائز للمضحكين. ولم يتوقف طغيان بعضهم عند هذا الحد، بل كثيرا ما صودرت أموال الأغنياء إذا لم يف بيت المال بهذه المطالب والرغائب. انظر: المودودي،
نظرية الإسلام، ص 313. - أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 114.
2 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 269/ 266.
381 (2/93)
صفحة 411
قال سيد قطب: «فأمَّا معاوية بعد علي فقد سار في سياسة المال سيرته التي ينتفي منها العنصر الأخلاقي، فجعله للرشي واللهى وشراء
الذمم في البيعة ليزيد وما أشبه هذه الأغراض» (1).
ولقد تميز العصر الأموي خاصة في ميدان سياسة المال بعدم إسقاط الجزية على من أسلم من غير العرب، وخاصة في الفتوحات الإسلامية في المغرب. وقد أثقل الولاة العرب السكان البربر بالضرائب مما جعلهم يعيشون في اضطراب مستمر، ويحنُّون إلى نظام إسلامي متسامح. وهذا ما هيأ الأرضية لقيام أنظمة إسلامية بالمغرب، إذ إن التعاليم الإسلامية تلزم بإعفاء كل من أسلم من الجزية، ولا تلزم إلا الذمي (2). ونتيجة لهذه السياسة المتبعة من قبل بعض الأنظمة تغيرت شرائح المجتمع الإسلامي، وأصبح مكونا من طبقة عربية ميسورة وموالي غير عرب، متميزين بنمطهم الاجتماعي، وفي الدرجة الثانية. وظهر هذا جليا في منطقة العراق خصوصا. وتمثل ذلك في طبقة الدهاقين ملاك الأراضي من الفرس. وكانت هذه الطبقة ميسورة. ثم إن الحكام أسندوا إليهم مقاليد السلطة والإدارة في تلك الأقاليم وجباية الأموال. أما الطبقة الأخرى فهي تشكل باقي سكان العراق الذين عُوملوا معاملة سيئة بعيدة كل البعد عن العدالة الإسلامية.
وتذكر المصادر التاريخية العربية أن جميع الأراضي العراقية الخصبة أصبحت بعد مرور خمسين سنة على قيام الحكم الأموي في أيدي القرشيين فقط، كما أصبحت نفس الأراضي إقطاعات في أيدي الخلفاء
1 سيد قطب العدالة الاجتماعية في الإسلام ص 216 - 2 محمود إسماعيل، الحركات السرية في الإسلام، ص 23.
382 (2/94)
صفحة 412
والولاة الأمويين ومن ناصرهم. رغم أن عمر بن الخطاب رفض توزيعها على الفاتحين. ويقوم بخدمتها الموالي الذين جلبوا من الأصقاع، والذين يعملون في وضعية غير إنسانية (1).
من هنا نلاحظ المنهج الذي اتخذته الأموال في سبيل تمركزها في قبيلة واحدة، فبعد أن كانت موزعة بين جميع أفراد وطبقات المجتمع، أصبحت في قبضة ولاة الأمور، وذلك لأنها أتت عبر قنوات غير شرعية وصرفت في أخرى مشابهة لها.
وقد حدد الله تعالى موارد المال الإسلامي بطريقة عادلة، كما حدد مصاريفها بطريقة لا تسمح له بالتمركز في عائلة دون أخرى، ولا أن تبقى دُولَةً بين الأغنياء وحدهم.
ولقد ظهر في تلك العصور من قام بتصحيح الأوضاع المالية ووقف ضد هذه السياسات واستطاع الخليفة عمر بن عبد العزيز أن يوقف هذا الشطط من الضرائب والامتيازات المالية على الأنصار وآل البيت الأموي، واستهل خلافته بتغيير هؤلاء الولاة كأسامة بن زيد عن مصر، ويزيد بن المهلب عن خراسان واستبدل مكانهم آخرين أكثر رفقا بالرعية، وأرجع موارد الصوافي التي كانت تدفع العشر فقط بدلا من الخراج، وأسقط الجزية عمن أسلم عموما (2).
كما عُرف عن المنصور ميله إلى الاقتصاد وعدم الإسراف في النفقات، حتى امتلأت خزائن الدولة. ولم يكن من بالغ في الإهداء وإكرام الشعراء. ولم يكن في بني العباس خليفة أعلى همة وثباتا على
1 - الخربوطلي، ثورات في الإسلام، ص 143/ 142. 2 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 281.
383 (2/95)
صفحة 413
المبدإ أكثر من أبي جعفر المنصور، وخاصة اهتمامه بأمر الرعية والوقوف على احتياجاتها، وجده في البلاط حيث لم ينزلق إلى الدركة التي وصل إليها أبناء العباس من بعده، من البذخ والإسراف والشهوات وغيرها (ا).
من هذا العرض الوجيز للسياسة المالية الأموية والعباسية، فإنه تكاد تتحد مناهجهم وأهدافهم. وقد تميزت بالتعصب لمن استفاد منها، وقد كان ذلك للعرب في أوَّل العهد، ثم للقصور في آخره. واتسمت بالغلو وفرض موارد جديدة غير شرعية، ثم إخضاعها لمآرب الخلفاء والولاة،
حيث لم يجعل الله لهم فيها إلا نصيبا محدودا.
د حرية الرأي والعقيدة:
تعد الحريات الفردية وحرية العقيدة الأساس الذي تعتمد عليه السياسة الداخلية، بحيث يشعر كل فرد داخل المجتمع الإسلامي شعورا حقيقيا بكامل حريته وإرادته وفرديته بدون أن تخرج عن دائرة المجتمع الواسع، وبدون أن تمس بأمن واستقرار المسلمين.
إن الإسلام مجتمع ينبني أساسا على المبادئ الإنسانية عامة، وليس على المبادئ القومية والعصبية الضيقة والدولة الإسلامية تجمع الناس تحت راية واحدة دون إلغاء الانتماءات العرقية والقومية، وتجعل المقياس الوحيد في المعاملة هو التقوى ووحدة العقيدة. وتكون العلاقة بين الأفراد علاقة مساواة لا علاقة استعلاء وسيادة.
وقد استعمل القرآن لفظ الأمة مغايرا للفظ القومية. قال
1 - محمد الخصري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ص 84 وما بعدها.
384 (2/96)
صفحة 414
تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة (1). وقال: ومن قوم موسى أمة) (2). فلا أساس إذن للقوميات والقبائل والعشائر. فالإنسان هو جوهر المسألة في بناء الدولة الإسلامية على أسس ومبادئ واضحة (3). «والعدالة الاجتماعية التي يرمي إليها الإسلام لن تتحقق إلا إذا شعر الفرد بشعور باطني نفسي على أنه يستحق تلك العدالة، وأن الجماعة بحاجة إليها، وأنها تؤدّي في النهاية إلى غايات إنسانية سامية، وأنها تعتمد على واقع مادي يهيئ للفرد أن يتمسك بها ويحتمل تكاليفها ويدافع عنها» (4). وبدون هذا الشعور والأساس للفرد أزاء هذا المبدإ الإسلامي فإنَّه لن يصل المجتمع الواسع إلى الاستقرار والتقدم وبناء الدولة الإسلامية المطلوبة، ثم ضمان سياسة واضحة تضمن لهذه المبادئ التنفيذ والتطبيق الدقيق والحرفي على أساس إنسانية الإنسان لا على أساس انتمائه العرقي.
من هذا فإنَّ الديمقراطية الإسلامية تنبني على أسس منها:
«المسؤولية الفردية.
عموم الحقوق وتساويها بين الناس.
وجوب الشورى على ولاة الأمور.
التضامن بين الرعية على اختلاف الطوائف والطبقات» (5).
1 - سورة يونس، آية 19.
2 - سورة الأعراف آية 158.
3 - المودودي، نظرية الإسلام، وهديه، ص 76. محمد المبارك، نظام الإسلام، ص 101.
-
4 سيد قطب العدالة الاجتماعية في الإسلام. ص 35 بتصرف.
5 - العقاد الديمقراطية في الإسلام، ص 43.
7
385
2 (2/97)
صفحة 415
انطلاقا من هذه الأسس فما هو واقع المجتمع الإسلامي أيام الأمويين والعباسيين، وخاصة في العصور التي شهدت هذه الدول فيها تقدما كبيرا في الفتوحات الإسلامية، حيث انضمت إليها عدة شعوب
وقوميات غير عربية؟
من
خلال وصية المنصور لابنه المهدي ليحكم بالعدل بين الناس، يتبين لنا اهتمام الخلفاء وخاصة العباسيين منهم بمسألة العدالة الاجتماعية وحرية التفكير والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع الكبير. إلا أن الملاحظ أن المنصور نفسه لم يكن عادلا أيام حكمه. وربما يعود ذلك إلى أسباب وضرورات أساسية ملحة من أجل توطيد أركان الدولة، حيث عامل معارضته السياسية من علويين وأمويين وثوار الحجاز والبصرة، معاملة منافية لشرع الله).
ولكن الواقع السياسي للنظام الأموي والعباسي قد سار على وتيرة واحدة بالنسبة لهذه القضية، إذ كان الهدف الأول والأخير هو محاربة كل من يحاول قلب نظامهم.
وقد استغلت هذه الأنظمة مبدأ الشورى في الإسلام، والتي لم تحدد طريقة استعماله تحديدا معينا، بل ترك ذلك لولاة الأمور لينظموه حسب ظروفهم الزمانية والمكانية (2)، فاستبدُّوا بالأمر ولم يستشيروا إلا من أنسوا منهم الولاء والمناصرة.
وبهذه السياسة استطاع الأمويون أن يتوجهوا إلى المعارضة بكل ما
1 عمر فاروق فوزي، التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 172.
2 - سيد قطب معركة الإسلام والرأسمالية، ص 92.
386 (2/98)
صفحة 416
أوتوا من قوة مادية وسياسية ودهاء ومكر. واستطاع العباسيون أيضا أن يعبئوا جميع عناصر السخط والتذمر الاجتماعي من جميع عناصر المجتمع الإسلامي آنذاك للوصول إلى الحكم، ثم مقاومة جميع الثوار المعارضين لحكمهم (1) فلاحقوا جميع من اعتقد خلاف ما اعتقدوه، ونصبوا له العداء في كل مسلك وسبيل (2). وينقل الدكتور محمد عمارة عن الطبري وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أن «إبراهيم بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس كتب إلى أبي مسلم الخراساني في سنة 132 هـ يقول: إن استطعت أن لا تدع بخراسان أحدا يتكلم العربية إلا قتلته فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، وعليك بمضر فإنَّهم العدو القريب الدار، فأبد خضراءهم ولا تدع على الأرض منهم
ديارا» (3).
إن اختلاف الرأي من مسلّمات الاجتهاد، ولا يمكن أن تتحد أمَّة مهما كان تقدمها على رأي واحد وعلى هذا الأساس كانت فكرة. المعارضة الإسلامية التي تحترم الأغلبية، وتعارض في إطار المبادئ الإسلامية وحرية التعبير، دون المساس بأمن الدولة والسعي لقلب النظام. وكلُّ طائفة من الطوائف والقوميات إذا كانت آراؤها لا توافق
1 - إبراهيم العدوي النظم الإسلامية، ص 417.
-2 وعلى هذا النحو تخلص الرشيد من إدريس بن عبد الله، وتخلص المأمون من الفضل بن سهل، وذلك عن طريق تسميمهم. انظر: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 149.
الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 9، ص 123 - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 268/ 267.
387 (2/99)
صفحة 417
آراء الجماعة الإسلامية فلا يحق للدولة الإسلامية أن تحول دون إبداء آرائها، وليس لها أن تقمع حرياتها، ولكن إذا حاولت فعل ذلك بحمل الناس عليها بالطرق الجبرية، فإن على النظام الإسلامي الشرعي أن يضرب على يدها (!).
وفي هذا السياق فقد انطلقت الدول الإسلامية في اعتقادها على الأساس السني ومناصرة علماء أهل السنة والجماعة عموما، وإذا كانت هذه هي الصبغة العامة لهذه الأنظمة، فإن مذهب أهل السنة والجماعة لم يكتب له الاستقرار التام والاتباع الحقيقي من كل الخلفاء. فقد انتصر كثير منهم وعارضه آخرون وقد قام الصراع بينهم وبين المعتزلة والشيعة بل واصطدم فقهاء أهل السنة أنفسهم مع العباسيين عندما تعرَّضوا للمسائل السياسية كالإمامة، فقد نقم أبو حنيفة على العباسيين استبدادهم بالحكم. ومال إلى العلويين في فتنة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم. كما أفتى مالك بن أنس أن ليس على المكره يمين (2)
وتتحدث الكتب التاريخية عن كتاب المأمون وما حمله من الشنائع عند فقهاء أهل السنة والجماعة وقد حمل هذا الكتاب سبًّا وشتما واستهتارا بالعلماء، وأرسله إلى عامله ببغداد. ولم يتوقف عند هذا الرأي بل ألزم الرعية باتباع مذهب الاعتزال (3).
1 - المودودي نظرية الإسلام، وهديه، ص 307.
2 - أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 2، ص 48 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 163. - ج 3، ص 5/ 4.
3 - مصطفى الشكعة إسلام بلا مذاهب، ص 450 - انظر الرسالة التي بعث بها المأمون إلى
عامله ببغداد، المرجع نفسه.
388 (2/100)
صفحة 418
ولقد اتبع هؤلاء الخلفاء سياسة كمّ الأفواه إلا ما يخدم سياستهم،
فلم يتركوا للمعتقدات مجالا، ناهيك عن الآراء. وكان الشعب يتكون من مختلف الشرائح والقوميات، وخاصة المضريين واليمنيين، ثم الفرس والترك، ثم أهل الذمة من اليهود والنصارى، ثم المغاربة البربر الذين أسلموا بعد فتح بلدانهم (1).
من
ولقد اتبع نحو هؤلاء عموما سياسة مبينة على أسس دنيوية لا دينية. فالمجتمع المسلم وقتذاك كان عموما ينقسم إلى سنيين وشيعة في أغلب عصور الدولة الإسلامية، فلم يتوقف الصراع بينهم إلا نهاية العصر العباسي الأوَّل، فقد نالت السياسة المتبعة في ذلك الوقت كلاً الأمويين والشيعة والخوارج والإباضية والمعتزلة. وختم الموالي لاستعبادهم وبتوا الجواسيس حول هذه الحركات، واستعملوا مبدأ "فرق تسد" فلم يترك لأحد منهم فرصة التعبير عن آرائه خاصة السياسية منها. ونتيجة لهذه المواقف أزاء المعتقدات، ظهرت عدة حركات مستغلة في ظهورها ونشاطها تناقضات هذا المجتمع، كالراوندية (2) والمقنعية (3)، والخرمية (1)، والزنادقة (2). ذلك أن المستنصر
1 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 2، ص 85 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 653 وما بعدها. 2 - فرقة تنسب إلى ابن الراوندي، أبو الحسن أحمد بن إسحاق الراوندي، نسبة إلى قرية راوندة من قرى قاسان بنواحي أصبهان. كمان متكلما معتزليا، ثم فارق المعتزلة وصار ملحدا زنديقا. له مصنفات كثيرة قيل إنها تبلغمائة وأربع عشرة كتابا. انظر: الموسوعة العربية الميسرة، ص 16. -3 - كان زعيم المقنعية رجلا يعرف بالمقنع أعور، كان على دين الرزامية، بمرو. ثم ادعى لنفسه الألوهية. وأباح لأتباعه المحرمات، وحرّم عليهم القول بالتحريم، وأسقط عنهم الصلاة والصيام وسائر العبادات. توفي سنة 163 هـ. انظر: البغدادي الفرق بين الفرق، ص 155.
389 (2/101)
صفحة 419
أصدر قرارا بالتضييق على العلويين واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، لا يحق لهم شراء الضياع، ولا ركوب الخيل، ولا لهم أن يخرجوا عن مدينة الفسطاط، ولا يزيد ما يملك أحدهم من العبيد عن واحد، ولا تقبل شهاداتهم في الخصومات. وما عاناه الموالي من فرض الضرائب والإنقاص من عطائهم.
وقد استفحل هذا الأمر خصوصا في أيام الأمويين بالأندلس
والأغالبة، وذلك من جراء موقفهم من البربر المسلمين.
ولقد أسفرت هذه الأساليب عدة طرق اتبعتها هذه الحركات سواء الإسلامية منها كالأمويين والشيعة والمعتزلة والإباضية، أم غير الإسلامية منها كالراوندية والزنادقة والتجأت جميعها إلى العمل السري، وبقيت هذه الأخيرة تعمل مختفية عن عيون النظام في تخريب المجتمع الإسلامي، ورصد الفرص للثورة والانتقام من الخلفاء. كما التجأت بعض الفرق الإسلامية إلى الابتعاد عن مركز الدولة متجهة نحو الأطراف، للدعوة
إلى آرائها، كقيام الشيعة والإباضية بذلك، ثم الأمويين بالأندلس (3).
1 - -- الخرمية، بضم الخاء وفتح الراء المشددة. سُمّوا بذلك لاتباعهم شهواتهم. وقد يقال لهم الخر مدينية. حيث يدينون بالروح واتباع الشهوات قال ابن حزم: "والخرمية أصحاب بابك، وهم فرقة من فرق الزندقية، وهم أيضا شر مذهب الإسماعيلية ومن كان على قول القرامطة وبني عبيد وعنصر هم البغدادي الفرق بين الفرق، ص 160. 2 - الزنديق معرب عن الفارسية، وهو لفظ أطلقه الفرس على الخارج على دين الدولة بالبدع، أهمها القول بأزلية العالم. استعمله المسلمون أولا في الدلالة على القائلين بالأصلين النور والظلمة. على مذهب المانوية وغيرهم من الثنوية. ثم اتسع معناه ليشمل الدهريين والملحدين وكل أصحاب المعتقد الضال. - انظر: الموسوعة العربية الميسرة،
ص 529.
3 عبد العزيز المجدوب الصراع المذهبي بإفريقية، ص 115 وما بعدها.
390 (2/102)
صفحة 420
وإذا كان موقف هذه الأنظمة أزاء المسلمين بهذه الطريقة، فإن سياستها مع أهل الذمة قد اختلفت كثيرا. وقد عاش هؤلاء الذميون من
يهود ونصارى في ظل الإسلام حياة تساء تسامح وحرية وحرية كاملة في
معتقداتهم وعوملوا معاملة شرعية طبق القواعد التي وضعها الرسول في نظام أهل الذمة. بل لقد فاقت حياتهم حياة بعض المسلمين الذين كانوا عرضة للنهب والسلب والاضطهاد والضرائب. ولم يتميز أهل الذمة من بين المسلمين إلا بلباسهم المخصص لهم، كما استخدم الأمويون الكثير منهم في أعمال الدولة (1). إن المتتبع للتاريخ السياسي الطويل للدولة الإسلامية، وخاصة خلال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، لا يستطيع أن يحكم بنزاهة الخلفاء في
ــرية الرأي والمعتقد. وهذه السياسة التي أدت إلى انقراض هذه
من
هي
الأنظمة عموما، ذلك لأن هذه الحركات المضطهدة باتت تنخر النظام أساسه، فلم يترك بعض الخلفاء باباً مفتوحا للمعارضة الإسلامية الواجبة لتنبيه الحاكم إلى أخطائه، لأن المعارضة الإسلامية مبنية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد عارض علي أبا بكر في المبايعة، كما تذكر إحدى روايات الطبري. وعارض طلحة والزبير كلاً من أبي بكر وعلي بن أبي طالب.
كما عارض أبو سفيان وسعد بن عبادة أبا بكر (2).
وقد عاشت هذه الأنظمة أيامها في حروب مستمرة، قامعة لجميع
1 - محمد ماهر الوثائق الإدارية و السياسية (العصور العباسية)، ص 47. - إبراهيم
العدوي، النظم الإسلامية، ص 381.
2 ظافر القاسمي، ج 1، ص 156/ 100.
391. (2/103)
صفحة 421
الثورات والحريات الأساسية، ولم يعش فيها بسلام إلا من كان مداحا
للنظام، أو مسالما لهم، أو مستسلما لقوتهم.
و لم تخلُ هذه الحقبة الإسلامية من وجود بعض الخلفاء الذين فتحوا الميدان واسعا لهذه الحساسيات كعمر بن عبد العزيز الذي حاور بعض معارضيه من شيعة وإباضية وخوارج وقضى على السنة الأموية في سب عليّ بن أبي طالب على منابر الجمعة، فهدأ بذلك من غضب الشيعة، وأرضى بها الإباضية الذين طالبوا بإماتة هذه البدعة.
إن ما يلاحظ عند قراءة تاريخ هذه الدول هو استحواذ بعض الحكام على رأس قائمة الخلفاء الاستبداديين، أمثال معاوية بن أبي سفيان، وأبي جعفر المنصور، وأبي مسلم الخراساني. وفي رأينا إنَّه بالنظر إلى الفترة التي عاش فيها هؤلاء يتبين لنا سبب اتباعهم لهذه السياسة، فهم بانوا أنظمتهم وواضعو أركانها، ولا شك أن هذه المهمة تتطلب منهم الضرب بيد من حديد على المناوئين لهم، حتى تستقر
الأوضاع. وإذا كان المحللون يركزون على بعض زعماء الخلفاء السنيين من أجل تقييم سياسة أنظمتهم، فإن ذلك يعود إلى طغيان الجانب السلبي في خلافتهم، وأن الواقع قد عرف بعض الخلفاء الذين أقاموا العدل وجلسوا إلى المظالم، أمثال الخليفة المهدي الذي يقول فيه محمد الخضري
إنَّه كان عادلا يجلس بنفسه إلى المظالم» (1).
-1 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 94.
392 (2/104)
صفحة 422
2 - الإباضية
مثلت الإباضية إحدى جبهات المعارضة القوية ضد السياسة الأموية والعباسية، سواء أكان ذلك على الصعيد الداخلي في علاقاتها مع الرعية وإقامتها للخلافة النبوية أم على الصعيد الخارجي في معاملاتها مخالفيها في العقيدة والرأي.
مع
وقد ناقضت الإباضية مع الفرق الإسلامية الأخرى كالمعتزلة والخوارج بشدَّة الدول السنية في جعلها الحكم الإسلامي حكما وراثيا و ملكا عضدا، بعد أن كان اختياريا، شوريا واعتبرت ذلك خروجا عن أحكام الله
وهذه الوضعية أدَّت بهذه الفرقة - أي الإباضية- إلى النزوح بعيدا عن مراكز الحكم الأموي والعباسي، وأقامت دولها الصغيرة طبقا لآرائها في الحكم والسياسة، وذلك مخافة البطش والكيد لها من قبل هذه الأنظمة السياسية المتحكمة.
وإذا كانت الإباضية قد عارضت هذه الأنظمة واعتبرتها استبدادية وغير شرعية، فهل أقامت هي مبادئ الشورى والعدل والمساواة في أيام حكمها وتحت ظل سلطانها؟ وكيف كانت سياستها أزاء الرعية داخليا؟ وما هو موقفها من الدول المخالفة لها مذهبا؟
أ- أسس السياسة الداخلية:
هي
إن الأسس التي تتبعها كل دولة في إرساء سياستها الداخلية المرآة الوحيدة التي تترجم أهدافها. ومن خلال هذه القواعد نستطيع
393 (2/105)
صفحة 423
معرفة أسلوبها في الحكم والسياسة، ثم الحكم لها أو عليها في مدى
تطبيقها لمبادئها النظرية والتي من أجلها أقامت دولتها.
الجانب الاجتماعي:
من
ن الناحية الاجتماعية فإن دولة عمان تختلف اختلافا تاما حيث العناصر المكوّنة لشعوب وأفراد الحكم بالنسبة للدولة الرستمية. ففي دولة عمان كانت جميع الطبقات الاجتماعية والحاكمة منها عربا أقحاحا. وعمان لم يصل إليها الإسلام بقوة السيف، بل دخله طوعا (1). في حين أن الذين فتحوا إفريقيا كانوا عربا، وساكنيها بربرا، وحكامها في تاهرت فارسيين على أرجح الأقوال.
ورغم هذه الوضعية الاجتماعية فإن داء العصبية لم يُصب دولة الإباضية بالمغرب، ولم يفكّر الأئمة الرستميون في نشر الفارسية لأنهم
بين قوم أشد عصبية، كما أن ذلك غير مجد سياسيا ولا دينيا (2).
1 - يتفق جميع المؤرخين أن العمانيين دخلوا الإسلام طواعية وبدون غزو، وأن أول من أسلم من عمان هو الصحابي مازن بن غضوبة بن سبيعة بن علي. وكان من أهل سمائل، قدم على رسول الله الله عند أو ظهور الإسلام بعمان. وأسلم ودعا له النبي، "اللهم اهدهم وأثبهم" فقال مازن: زدني يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم اللهم لا تسلط عليهم من غيرهم". وكان لعمان مشاهير من الصحابة أسلموا على يد النبي، وكان لهم الفضل في نشر الإسلام بعمان وفارس منهم مازن بن غضوبة، عبد الله بن وهب الراسي. وقد أخذ العمانيون دينهم الصحيح عن أبي بكر وعمر ومعاذ بن جبل، وعند الرحمن بن عوف. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 42/ 41 - السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 210.
2 مبارك الميلي تاريخ الجزائر، ج 2، ص 88.
394 (2/106)
صفحة 424
وقد كانت الأسرة الفارسية قليلة العدد ولا قبيلة لها تحميها، إضافة
إلى كثرة عدد البربر ببلاد المغرب، إلى جانب الجاليات العربية، كلُّ
هذه العوامل دفعت الرستميين إلى عدم اتباع سياسة الاعتماد على العصبية القبلية. فمن الناحية السياسية فإن الإباضية كانوا فتحا على البربر الذين بقوا زمنا طويلا تحت أقدام الأمويين، خاصة وأنهم عاملوهم معاملة الموالي ومعاملة السيد لعبده. وإن التفاف البربر حول الإباضية واعتناقهم لمبادئها كان إعجابا بها وبالديمقراطية التي نادوا بما، وبالعدل والمساواة بدون تمييز باللون أو بالنسب. أما من الناحية الدينية فإن العصبية الدينية عند الإباضية هي الركيزة الأولى في بناء صرحهم السياسي، فلا يمكن لهم في ظل هذه الوضعية المتمثلة في تنوع شرائح المجتمع في المغرب إلا تنفيذها.
ويرى الدكتور إبراهيم العدوي أن الرستميين قد طبقوا الأفكار
السياسية الإسلامية الجديدة على ركائز هي:
1 ضرورة قيام دولة إسلامية تعتمد على الانصهار بين العرب
الفاتحين وسكان المغرب البربر.
2. الاعتماد على السكان المحليين والحفاظ على الصفة التنظيمية القبلية للسكان في دعم السلطة الحاكمة.
3 احترام الشعور الديني الإسلامي في البلاد، ذلك أن سكان المغرب عرفوا بتقديس المثالية في السلوك، ومطابقة القول مع
العمل (1).
1 - إبراهيم العدوي بلاد الجزائر، ص 184.
395 (2/107)
صفحة 425
الأجل هذا أبعد الرستميون نهائيا فكرة الاعتماد على جنس واحد
دون آخر، أو مذهب دون مذهب، بل كانت الدولة الرستمية قوامها البربر الناقمون على حكام القيروان والنتيجة هي أنَّه لم تُرَق أية دماء في سبيل إنشاء هذه الدولة (1). إذ كان هدفهم هو نشر أفكارهم وبناء كيان سياسي وفق مبادئهم، ولم يكن غرضهم هو بسط النفوذ أو إقامة ملكية فارسية أو إباضية.
فما دام الرباط الديني هو العصبية الوحيدة في المجتمع، فإن كل مسلم سيجد حتما مكانا له في هذا المجتمع السياسي الجديد. قال ابن الصغير: ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه آلف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله
ذلك» (2).
ولم يكن للمجتمع العماني في إمامته إلا تلك العصبية الدينية، ولم يعرف للأئمة الذين حكموا عمان خلال الأيام التي ازدهرت فيها الإمامة ميلا إلى إحدى بطون الأزد من ذلك أن المسلمين عزلوا الإمام الجلندى بن مسعود بعد قتله الجعفر بن سعيد وابنه النضر وزائدة ومن معهم، بسبب قيامهم بالمؤامرة ضد الإمام. وسبب عزله أن رحمةً عليهم، في حين أن الأمر لا يستدعي الرحمة بمثل هؤلاء
الخارجين (3).
ويمكن حصر أسس السياسة الداخلية للإباضية في:
1 - مبارك الميلي تاريخ الجزائر، ج 2، ص 71. 2 - ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 117. 3 - السيابي عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 241 وما بعدها.
عينيه دمعتا
396 (2/108)
صفحة 426
الأساس الأول: العدالة:
كان العدل والإحسان السمة التي تميزت بها الفترة الرستمية، ومن
المبادئ التي سار عليها جميع أئمتهم باتفاق المؤرخين جميعا (!). إن هذه السياسة لم تملها ظروف تلك المنطقة بتعدد جنسياتها
ولغاتها ومذاهبها، بقدر ما أملتها مبادئ الإباضية، التي طالما نادوا بها وبتطبيقها، فكانت تلك التربَةُ الأرض الخصبة لاستثمارها فيها. وقد اشتهرت بذلك الدولة الرستمية نظرا لسعي أئمتها دائما في بسط العدل بين المتساكنين .. هذا العدل جلب إليها كثيرا من التجار والصناع من العراق والقيروان وإفريقية والأندلس وغيرها (2). وقد شهد بذلك مؤرّخ الرستميين ابن الصغير، وروى عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب وازدهار دولته، وتنافس الناس في البناء والتعمير والإقامة على أرضها من كلِّ الأنصار. فقد كان العدل والإحسان والأخوة الوسائل التي ارتكز عليها الأئمة في سياستهم الداخلية، مما جعل تاهرت مقصد الجميع. قال ابن الصغير: «ليس أحدٌ ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته
وأمانه على نفسه وماله» (3).
1 - إبراهيم بحاز الدولة الرستمية، ص 117.
2 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 282.
3 - وقد استعمل أبو العباس وهو أخو أفلح، مقامه ونفوذه الاجتماعي لدى قاضي الإمام أفلح أخيه. ولكن القاضي أجلسه في نفس الدرجة التي جلس فيها خصمه. ولما اشتكى أبو العباس إلى أخيه الإمام أجابه بأن ذلك هو الحق. رجع ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36 إلى 61.
397 (2/109)
صفحة 427
إن هذه الوضعية التي يصفها المؤرّخ ابن الصغير يستحيل أن تصدر
سي
عن سياسة القمع وانعدام الأمن والعدالة. فالعدالة أس الملك
ومتنفس الحضارة والازدهار، ولا ترقى الأمم تحت وطأة الاستبداد وفساد سيرة الأئمة.
لم تكن ميزة الأئمة الرستميين هذه صادرة عن ضعفهم، لأن العدل يقتضي قوة الدولة في إلزام الناس على الخضوع لقوانين الدولة، وهذا ما جعل الأئمة في عمان وتاهرت يجدون في تقوية الدولة وأجهزتها الإدارية، وذلك بكبح الشهوات وإرغام الخارجين على الحق بالعودة إلى
الجماعة (1).
وقد سار الأئمة في ذلك بكل ما أوتوا من تجارب وحنكة سياسية، فاستعملوا السيف محلّ السيف واللين محل اللين. وأحيانا بالمصاهرة وحسن الجوار ليفرضوا على الرعية مبادئ العدالة بالقوة. فالأمن الاجتماعي والسلم لا يأتيان إلا من العدل والعدل لا يكون إلا بتطبيقة سياسة واحدة واضحة مع كلّ أفراد الرعية، مهما كانت طبقتهم ومذاهبهم وألوانهم (2).
1 - وقد استطاع الإمام المهنا بن جيفر أن يسير بالدولة العمانية نحو الازدهار والاستقرار، وأصبح مضرب المثل رجع السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2،ص 84. - كذلك بالنسبة للإمام أفلح الذي وقعت في زمانه أربع تورات النكار، الواصلية، مزاتة، وسدراتة، ثم هوارة. فقمعها جميعا، وأرجع الأمن إلى الدولة. راجع: محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3.
2 عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر، ص 194. عيسى الحريري، ص 147 وما بعدها.
398 (2/110)
صفحة 428
الأساس الثاني: الشورى
من الأسس التي اعتمد عليها الأئمة الرستميون في سياستهم الداخلية مبدأ الشورى، فقد كان جميعهم يستشيرون مشايخ ورؤساء القبائل في أية نازلة تقع، وبذلك كوَّنوا رأيًا عاما موحدا جميع الأمة على صعيد واحد كما كانت المشورة رائدهم في تولية القضاة وحرب البغاة وتوزيع الصدقات وجمعها. وانحصر هذا المبدأ في الأمور الأكثر أهمية بالنسبة للدولة، أما الأمور العامة من اقتصاد واجتماع فالاستشارة تكون فيه لشيوع القبائل وخاصة المدينة (1).
قال ابن الصغير: ولما دخل أبو حاتم مدينة تاهرت جمع مشايخ البلد
إباضيتها وغير إباضيتها، فاستشارهم فيمن يوليه قضاء المسلمين ... » (2). ولقد مكنت الشورى الأيمة الإباضية من تنفيذ سياساتهم على الوجه الإسلامي، وعلى الطريقة التي كانوا يؤمنون بها، واستطاعوا بذلك الجمع بين فئات وشرائح مختلفة في المجتمع الواحد، وأن يلبوا أكثر الرغبات في دولة وفدت الأقوام إليها من كلّ الأصقاع، من إفريقية والسودان وطرابلس وجزيرة العرب، ودخلت كلها تحت راية المسلمين ابتغاء الأمن. وقد كان الإباضية يطبقون سياساتهم انطلاقا من جميع مصادر التشريع الإسلامي، وآراء الفقهاء بما يناسب الواقع ويحقق مقاصد الشارع، فاستطاع بذلك أحد أئمتهم في عمان أن يظل في سدة الحكم أكثر من سبعين عاما. ودام حكمهم على مدى ثلاثة عشر قرنا،
1 - عثمان الكعاك موجز تاريخ الجزائر، ص 194. 2 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 116.
399 (2/111)
صفحة 429
حققوا فيه العدل وأرسوا قواعد الحرية ووطؤوا أكناف الحق، وكان الدولة الإسلامية تحكم على مسيرة ثلاثة أشهر، لا ترى فيها إلا عابدا
أو زاهدا أو قائما بأمر الله.
وقد كانت العدالة الاجتماعية مطبقة بين المتساكنين دون اعتبار لأية عصبية والعدل في السياسة والشورى بين رؤوس القبائل والمشايخ والفقهاء السند الثلاثي للسياسة الداخلية الإباضية (1).
إنَّ الإباضية في سياستهم الداخلية وتنفيذها قد اعتمدوا على الشراة، الذين كانوا يمثلون القوة المراقبة والمحاسبة للإمام في أعماله، فلم يكن هؤلاء ساخطين على أحكام الأئمة ولا على صدقاتهم ولا على أعشارهم. وهذا ما سجله التاريخ والمؤرخون (2).
ب سيرة الأئمة:
إن السيرة الأئمة الدينية والدنيوية علاقة وطيدة مع المنصب الذي يحتله هؤلاء، ذلك لأنهم يعتبرون المثل الأعلى للدولة في دينهم وأخلاقهم، كما أن هذه السيرة تطبع سلوك الإمام بطابع يتعداه إلى
بع
معاملاته مع الرعية، الرعية، ومن
خلال هذه السيرة نحكم على الإمام
بمدى تطبيقه للخلافة النبوية ومطابقته الهام
وما يمكن قوله في هذه القضية بالنسبة لحكام الإباضية بوجه عام، هو تمي زهم بميزة التواضع والزهد والتقشف في حياتهم الدنيوية، والتقوى والصلاح والفقه في الدين بالنسبة لحياتهم الأخروية.
1 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 232 - عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر،
ص 187. - السالمي اللمعة المرضية، ص 11.
2 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 57.
400 (2/112)
صفحة 430
وقد سار أكثرهم بهذه السيرة الحميدة، وآثروا السلف الصالح في
جميع جوانب حياتهم. يقول ابن الصغير في إمامة عبد الرحمن بن رستم: فسار بهم سيرة جميلة حمده أولهم وآخرهم، ولم ينقموا عليه في أحكامه حكما، ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كل
البلدان» (1).
ويُعتبر ابن الصغير في هذه المسألة خير شاهد على حياة الأئمة الرستميين في تاهرت، وهو الذي تتبع بكل دقة أسلوب حياتهم الخاصة ومعاملاتهم مع الرعية، فلم يرو لنا في تاريخه ما يُسيء إلى سمعة الأئمة،
إلا ما رواه عن الإمام أبي بكر.
ويكمن جوهر العدالة أيضا إلى جانب الممارسات العملية للحاكم في الكيفية التي تتم بها تلك الممارسات، فهل كانت تتم ضمن السلوك الإسلامي من تواضع وعدم احتجاب عن الرعية؟ وما مدى قيام الإمام
بمهمته المنوطة به كالخروج إلى الجهاد وإقامة الجمع والجلوس إلى المظالم؟ في هذا الموضوع ينقل المؤرخون تواضع الأئمة الرستميين وقيامهم بجميع وظائفهم، ويعزون أسباب الاستقرار السياسي إلى تلك
السياسة (2).
1 - ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 31.
2 - للمزيد من المعلومات حول المؤسسات الإباضية راجع الشماخي، كتاب السير، ص 140. (مخطوط) - أبو زكرياء، كتاب السيرة وأخبار الأئمة، ص 149. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 190. - عبد العزيز سالم تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 558. – سليمان الباروني، الأزهار الرياضية، ص 251 - علي يحي، معمر أضواء على الإباضية، ص 8. - السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 50 - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 234
- Ben Achenhou, P 90. - Rachid Buorouba, Actualité, N 495. P 16.
8
401
2 (2/113)
صفحة 431
ولقد أجل الأئمة الإباضية العلم والعلماء، وساروا معهم جنبا إلى
جنب في ترشيد سياستهم وقبول، نصحهم، كما أدى نظام الشراة دورا هاما في تنبيه الإمام وإسداء النصح، له وإعادته إلى الجادة إذا حاد عن الصواب. وكثير هم الأئمة الذين تلقوا رسائل من العلماء الذين اشتهروا في زمانهم، من أجل نصحهم وإرشادهم (1).
ولم يتعصب الأئمة لمذهب دون آخر، بل كان الحق هدفهم مهما كانت النتائج. وإذا كانت هذه المميزات هي الغالبة والأكثر في أئمة الإباضية، فقد عرف زمانهم من خرج عن هذه السيرة وغلبته دنياه، وأنسته أمور السياسة والحكم، فاستمع إلى الشعر وأخبار القصاص، وقد عرفت الدولة الرستمية أبا بكر الذي ذهب أكثر المؤرّخين إلى أنه لم يكن كسابقيه حزما وحسن سيرة في حياته الخاصة والعامة، مما أثر في سلوكه السياسي، يقول ابن الصغير: «فلما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله من آبائه، ولكن كان سمحا جوادا لين العريكة، يسامح أهل المروؤات ... ويحبُّ الآداب والأشعار وأخبار الماضين» (2).
ورغم هذه الوضعية فإنّ الدولة لم تصل إلى حال يصعب احتمالها، وهذا ما أوضحه ابن الصغير واصفا أبا بكر ووضعية الرستميين بقوله: فالكلمة مجتمعة والدعوة واحدة والناس مقيمون في أحوالهم، والبلد
زائدة في العمارة» (3).
1 - انظر تلك الرسائل في السالمي تحفة الأعيان، ج 1، ص 115. – السيابي، عمان عبر
التاريخ، ج 2، ص 60.
2 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 72/ 71.
3 ابن الصغير نفسه، ص 72/ 71.
402 (2/114)
صفحة 432
ولهذه المآخذ على أبي بكر فقد وقعت في أيامه بعض الاضطرابات كادت أن تؤدي بالدولة إلى النهاية، لولا تدخل أهل الحل والعقد،
عندما رجع أبو اليقظان من المشرق وانتخب إماما (1).
ومن الأئمة الذين لم تُحمد سيرتهم، اليقظان الذي استولى على الإمامة في آخر أيامها بقتل الإمام السابق. ولذلك فإن الإباضية لا يعتبرونه إماما شرعيا لانحرافه واستيلائه على السلطة بالقوة.
كما عرفت الإمامة في عمان بعض هؤلاء الذين خرجوا عن سيرة الإباضية، واشتهر منهم راشد بن النضر 273 - 277 هـ) الذي كان ظالما، وصف بالاستبداد واتباع الباطل مع مؤيديه، واستولى على الإمام رغما على العمانيين، فقتل ونهب وأخاف ونشر الجهل، حمد العدل
(2)
وتطاول البغي (2) وما يلاحظ أن هؤلاء الأئمة الخارجين عن السيرة الإباضية، عادة ما كانوا في آخر فترة الإمامة، كما أنه رغم طغيان هؤلاء فلم يرو التاريخ انغماسهم في المحرمات من الملذات والغناء والمجون. والملاحظة حالتهم ووضعيتهم السياسية المخالفة لم تدم طويلا، وذلك إما بوقوف الشراة وأهل الحل والعقد وتدخلهم لإنقاذ الموقف،
الثانية هي
أن
كما هو الحال في واقع أبي بكر، أو بمنة من الله تعالى على المسلمين
بتسليط ليط ظالم على ظالم فيستريح منه العباد والبلاد، كواقع اليقظان
1 - انظر تفاصيل حياة أبي بكر بن أفلح في عبد الرحمن الجيلالي تاريخ الجزائر العام - عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر. - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3. 2 - أف. س. ولنكسون، عمان تاريخا وعلماء، ص 73. - السيابي، عمان عبر التاريخ،
ج 2، ص 144.
403 (2/115)
صفحة 433
الذي ذهب به العبيديون أو راشد بن النضر الذي تسلط عليه حُكام
العراق.
إن هذه الميزة الخاصة بالأئمة الإباضية في عمومهم ليس مصدرها إلا المبادئ الإباضية في السياسة والحكم ورغبتهم في تطبيق ذلك. وقد حاول الإباضية تطبيق ذلك ميدانيا قدر الإمكان، ولا يمكن أن تحكم عليهم بالعكس من ذلك، إذ التاريخ شاهد على ذلك. وقد كان الدين هو أساس عملهم السياسي، وعلى أساسه اجتمعوا حول أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة كإمام لهم في البصرة بعد جابر بن زيد، وهو أسود اللون أعور العين مولى في بني تميم فقير ليس في مظهره ما يفتن النفوس به إلا جلال الدين (!).
ج - السياسة الإدارية والمالية:
نقصد بهذه السياسة ما اتبعه الأئمة الإباضية في إسناد الولاية وتعيين إدارييهم، ومدى اقترابهم من السنة النبوية وما أمر الله به أن يُفعل.
السياسة الإدارية:
كانت الولاية لا تُسند إلا إلى الأكفاء الأقوياء من النواحي الخلقية والشخصية، وإذا كانت الآية في هذا الموضوع قد وردت من باب الاستحسان في قوله تعالى: إن خير من استأجرت القوي الأمين) (2). فإنَّها قد تضمنت صيغة الوجوب في قوله تعالى: إن الله يأمركم أن
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 171.
-2 سورة القصص، آية 26
404 (2/116)
صفحة 434
تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها) (1). والولاية أمانة، والطريقة التي يتم بها
إسنادها هي التي ترفع من قيمة النظام أو تحط منها.
ثم إن الوالي والإداري عموما ما هو إلا أجير لدى الدولة، فلا يحقُ له التصرف في أمور وأموال الدولة إلا بحقها. وقد ظل العلماء طوال عهود الدولة الإسلامية ينصحون ولاة الأمور باتباع هذه السنة المتمثلة في ضرورة الاختيار انطلاقا من مبدإ القوة والأمانة، والتي لا تصلح الدولة إلا بهما (2).
إن الكيانات السياسية الإباضية كانت مؤسسة على سنن الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، وذلك بتعيين رئيسها بالانتخاب وهو يستشير رؤساء قومه في كلّ أعماله، ويعين القضاة بعد
الحر،
مشاورة العلماء (3).
من هذه المقولة يتبيَّن لنا أن النظام الإباضي قد سار على وتيرة معينة بالنسبة لمهام القيادة في الدولة، حيث كان يوجد مع الإمام وفي نفس الدرجة مجلس استشاري مكون من العلماء والفقهاء وشيوخ القبائل والذي يقوم بمساعدة الإمام ثم مراقبته ومحاسبته، وهؤلاء الذين اصطلح عليهم بالشراة وهم علماء الإباضية الذين يقومون بمراقبة سير أعمال الإمام والإمامة ويتدخلون لإحقاق الحق وإثبات العدل ... وهو نظام خاص بالدولة الرستمية.
1 - سورة النساء آية 58
2 - ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ج 1، ص 475 وما بعدها. 3 د بلغراد، مجلة الأصالة، عدد 4، ص 46.
405 (2/117)
صفحة 435
ومصطلح الشراة مقتبس من قوله تعالى: ومن الناس من يشري
من
ناحية
نفسه ابتغاء مرضاة الله) (1) (2). وتشبه هيئة الشراة (3) التنظيم الهيئات العسكرية، ويكون تدخلها في شؤون الإمام والإمامة بصفة منظمة دون تعف.
وكلُّ هذه الأنظمة تتمتع باستقلال تام عن الأخرى، رغم أن الإمام
هو الذي يقوم بتعيين قضاته وشرطته ورجال حسبته وولاته (4).
ويعتبر
هذا التنظيم للشراة تطورا لجهاز المراقبة وامتدادا له، وهو
الذي صبغ النظام السياسي الإسلامي بالصبغة الإباضية، والأصل هو وجود من يراقب الإمام ويحاسبه من العلماء والفقهاء. وليس بين المؤسستين، فرق فالجميع يعمل طبقا لمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إحدى ركائز النظام السياسي الإباضي (5).
نتيجة لسيطرة الإمام على سائر أمور الدولة، فإن الوزير لم يتخذ
1 - سورة البقرة آية 2007.
2 ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 73.
3 - يعتبر الإمام الجلندى بن مسعود (132 - 134 هـ) أول من اتخذ الشراة في عمان، وقد رتبها وجعلها كتائب، يقومون بحفظ النظام وقمع الثورات. انظر: السيابي، عمان عبر
التاريخ، ج 1، ص 237. أما تنظيم الشراة فانظر: السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 91. 4 - مهدي طالب هاشم، الإباضية في المشرق العربي، ص 120 - 124. - جودت عبد الكريم العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص 50/ 49. 5 - وقد سجلت هذه المراقبة عدة وقائع في سبيل ترشيد أعمال الإمام، من ذلك ما وقع للإمام عزان بن قيس (277 (290 هـ) من مراقبة ومحاسبة عندما أرسل قطعا من النحاس إلى بلده الرستاق وكانت من مكاسب المعركة فتاب إلى الله ورجع عن ذلك. انظر: محمد السالمي وناجي عساف عمان تاريخ يتكلم، ص 127.
406 (2/118)
صفحة 436
مكانة له أكثر من مرتبة وزير تنفيذ ولا تتعدى أعماله حدود
الاستشارة للإمام ومساعدته في تنفيذ الخطط السياسية (1).
إن سياسة الإباضية في اختيار موظفيهم سواء كانوا قضاة أو ولاة، كانت سياسة تعتمد أساسا على جانب توفر الورع والتقوى والإخلاص في العمل، إلى جانب القوة الشخصية والحنكة السياسية، و لم تكن للعصبية أية مكانة في شروط تولي المناصب، وقد رشّح الإباضية للإمامة مسعود الأندلسي، وهو عربي من الأندلس انتقل إلى تاهرت وعاش فيها، وبهذه السياسة استطاعوا أن يسوسوا مختلف العناصر المكونة للمجتمع التاهرتي، وخاصة البربر الذين كانوا يمثلون الأغلبية. وقد جاروهم على عاداتهم ودخلوا في الإسلام، وانصهروا في الأمة الإسلامية من غير ابتلاع. وقد اتبع الأئمة مثل هذه السياسة، خاصة في المسؤوليات الأساسية في الدولة كالولاية والقضاء والحسبة والجيش والشرطة (2).
ومن أبرز الأجهزة التي تجلت فيها هذه السياسة جهاز القضاء،
حيث كان مستقلا تمام الاستقلال عن السلطة المركزية. وقد كان للشعب الدور الكبير في اختيار قاضيهم. وذلك ما وقع في اختيار محكم الهواري الذي عينه أفلح بن عبد الوهاب للقضاء، ولا يكون ذلك إلا بعد استشارة أهل الشوكة في المجتمع، ويقصد بالناس النخبة من المجتمع في عاصمة الدولة.
1 عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، ص 218 وما بعدها.
2 - عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر، ص 184. - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 113. - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 221.
407 (2/119)
صفحة 437
أمَّا المظالم فكان يجلس إليها الإمام نفسه في مجلس أعلى للقضاء،
وهذا المراجعة المظالم والشكوى (1).
سياسة الدفاع الإباضية:
ومن السياسات التي انتهجها الإباضية وهذه خاصة بالدولة الرستمية هو عدم تكوين جيش منظم ونظامي، تكون مهمته حراسة البلاد. وقد انطلق الإباضية في هذا المفهوم من أن الجيش يمثل الخطر الأكبر على الدولة، وقد يقوم بغرض سيطرته على الجهاز السياسي، فيمارس الاستبداد وللابتعاد عن هذه الشبهة سار الإباضية على نظام آخر، وهو وجود فرق من المحاربين تابعة لكل قبيلة، وفي مفهوم الإباضية وفلسفتهم في مسألة القتال وردّ العدوان هو الاعتماد الكلّي على تلك الروابط المعنوية والطاعة العمياء من الرعية للإمام في حالة احتياجه للقوة المدافعة عن الدولة (2).
وبالرغم من وجاهة هذه السياسة في إدارة الدفاع، إلا أن الجيش في هذا النوع من التنظيم سيبقى القنبلة الزمنية، وخاصة عندما تحتد الأمور وتصعب الظروف، فتكون الحرب الأهلية عندئذ وشيكة الوقوع، بسبب وجود الجيوش التابعة للقبائل وهذا مما يسهل على من تسول له نفسه حب الرئاسة أن ينفصل عن الدولة الأم. وإذا كان التاريخ لم يسجل أحداثا من هذا النوع إلا القليل. ولكن ما هو مؤكد
1 عمر فاروق فوزي التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ص 53. – عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، ص 227.
2 - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 128.
408 (2/120)
صفحة 438
أن كثيرا من المؤرخين يُرجعون أسباب سقوط الإمامة في تاهرت إلى
عدم وجود جيش نظامي.
إن مثل هذه السياسة المتبعة في الإدارة الإباضية قد أتت بنتائجها، ذلك ما شوهد من الأمن والاستقرار السياسي، ويعود هذا بالدرجة الأولى إلى المسؤولين والقائمين على إدارة شؤون الدولة. ويتراءى ذلك جليا في غياب الإمام عبد الوهاب عن العاصمة لمدة زمنية كبيرة، قال عنها البعض إنَّها بلغت سبع سنين قضاها في شرق الدولة الرستمية. ولم تسجل أية اضطرابات أو أحداث سياسية. وقد أشرف بنفسه على
تنظيم الأقاليم الجديدة التي دخلت في حوزة الإباضية (1).
وإذا كان لكلِّ قاعدة شواذ، فإن هذه السياسة قد شاهدت خروجا واضحا عن القواعد التي رسمها الإباضية، وذلك بوجود وزراء عبر تاريخهم السياسي الطويل وخاصة في عمان - عُرفوا بالظلم والاستبداد
بالحكم. وعادة ما يكون هؤلاء أشبه بمن ولأهم تلك المسؤولية (2). وجملة القول فإن الإباضية حاولوا قدر الإمكان تطبيق المبادئ الإسلامية في سياستهم الإدارية وذلك بإعطاء المسؤولية لمن أكفاً هو لها دينيا وخلقيا وسياسيا. وإذا كان قد حدث ما يخرجهم عن هذه القاعدة فذلك من سنن الحياة ولا يقدح ذلك في سياستهم.
1 - الشماخي، كتاب السير، ص 192. (مخطوط) - عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر،
ص 182.
-2 - تنقل الروايات التاريخية أعمال الوزير سعيد بن زياد في إمامة محمد بن أبي عفان بعمان، الذي طغى وكان جاهلا متعسفا ظالما إلا أن نظام الإباضية كان له بالمرصاد فعزله
وأقام مكانه إماما عادلا انظر: السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 14. .
409 (2/121)
صفحة 439
السياسة المالية:
ما هي السياسة المالية التي اتبعت من قبل ولاة الأمور في الدولة الإباضية؟ وهل كانت كلُّها شرعية؟ أم استحدثت موارد أخرى غير شرعية لتعزيز بيت مال المسلمين؟ وأين صُرفت هذه الأموال؟ وما هو مستوى تلك النفقات؟
يصف ابن الصغير الخزائن الإباضية بأنها ممتلئة، ويستعمل ألفاظا تدل على ازدهار اقتصاد الدولة. كما يستشف من شهادته اتباع الإباضية لسياسة عادلة في جمع زكاتهم وتوزيعها توزيعا عادلا، وكذلك قيام السلطة بأخذ حقوقها من غير إجحاف ولا تعسف.
يقول ابن الصغير: « ... والسيرة واحدة والقضاة مختارة، وبيوت أمواله ممتلئة، وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم .... لا يظلمون ولا يُظلمون. فإذا حضر الطعام صرف إلى الفقراء، فإذا صارت أموالا دفع منها إلى العمال ثم يوزع
الباقي على الفقراء والمساكين بعد إحصائهم» (1).
وقد كانت الموارد المالية الإضافية تأتي من الزكاة ومن «مال الجزية والخراج» (2)، ومن بعض الضرائب التي كانت تأتي من التجارة البعيدة.
ويظهر أن سياسة الإباضية في ذلك كانت تقوم على توزيع
هذه
الأموال إلى بيتين: الأوَّل يخص الزكاة فقط، والثاني يشمل باقي الأموال. ولم تذكر المصادر الإباضية موارد أخرى لبيت المال، وخاصة
1 - ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 40.
2 ابن الصغير نفسه، ص 41.
410 (2/122)
صفحة 440
إذا اعتمدنا على ابن الصغير الذي عاش في تاهرت وراقب الإباضية عن كتب كما أنه لم يلتجئ الإباضية إلى سياسة معينة لإحداث موارد مالية جديدة غير شرعية من ضرائب أو هدايا أو مهرجانات أو غيرها.
جمع
ولقد اتبع الإباضية في هذا المجال طريقة واضحة تتمثل أساسا في تلك الأموال من أصحابها الشرعيين ونعني بذلك المسلمين الذين يكونون تحت حكم الإباضية، مطبقين في ذلك القاعدة الشرعية "لا جباية بلا حماية (1). وفي هذا الموضوع يقول أبو إسحاق اطفيش: ومن آثار أسلافنا أنهم قالوا ولا تجي جزية ولا صدقة حتى نكون على الناس حكاما ... بهذا ندين. ومن خالف المسلمين برئنا منه» (2) (3). ولا شك أن ذكر ابن الصغير للجزية والخراج يوحي بوجود الذميين بتاهرت، فبالنسبة للنصارى فقد كانت لهم كنائسهم، أمَّا اليهود فلم تذكر الروايات شيئا عنهم. وكذلك الأمر بالنسبة للخراج، إذ تذكر بعض الروايات أن موسى بن نصير قد وضع الجزية على البربر والنصارى الذين أسلموا، ولكن تظل هذه القضية غير واضحة المعالم، وربما يعود ذلك إلى بقاء بعض الأوضاع كما هي منذ الفتح الإسلامي لبلاد المغرب. أما الغنائم والتي تعدُّ من موارد بيت مال المسلمين، فإنَّ الإباضية تورعوا عنها، ويظهر ذلك جليا في غنائم حربهم مع ابن
1 السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 224.
2 - السيابي، نفسه، ج 2، ص 224.
-3 وقد روي الإمام الجلندى بن مسعود إنَّه لا يرفض صدقة البحر إلا ما طابت به أنفس الناس أن يبذلوه لهم، وذلك لأنهم لم يحموا البحر المحاذي لعمان الذي كان تحت سيطرة
العباسيين. انظر: السيابي نفسه، ج 1، ص 233.
411 (2/123)
صفحة 441
طولون بسبب اعتقاد الإباضية حرمة أموال أهل القبلة من المسلمين ولو كانوا في حالة بغي وعدوان بل إنها تبقى لورثتهم، ما عدا السلاح الذي بغوا به فإنَّه يؤخذ منهم على سبيل التأمين، ثم يرجع إليهم إذا تابوا عن غيّهم. وعلى هذا المسار سار الأئمة في عمان وتاهرت (1).
من هذا فإن السياسة الإباضية في موارد أموالهم كانت شرعية باتفاق الكتاب والمؤرخين، حيث لم يخرجوا عن حدود الشرع، ولم يؤولوا النصوص لتبرير سعيهم لملء خزائنهم.
أما الأسلوب الذي اتبعه الإباضية في توزيع تلك الأموال فقد كان خاضعا للآية الكريمة: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين
کلامه
وابن
عن نفقات
عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله السبيل) (2). وهذا ما يوضحه ابن الصغير في الأموال الإباضية بقوله: فإذا صارت أموالا دفع منها إلى العمال ثم يوزّع الباقي على الفقراء والمساكين ... ثم ينظر ما اجتمع إليه من الجزية وخراج الأرضين، فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم لسنة» (3).
مال
فسياستهم بالنسبة للزكاة إذا سبيلها الفقراء والمساكين ثم العاملين عليها. أما أموال الجزية والخراج فسبيلها نفقات الدولة وأجور الموظفين. ولم يذكر ابن الصغير نفقات أخرى غير شرعية سواء كانت
1 - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 68.
2 - سورة التوبة آية 60.
3 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 41/ 40.
412 (2/124)
صفحة 442
خاصة بولاة الأمور أنفسهم أم خاشيتهم.
وما يؤخذ أيضا من كلام ابن الصغير هو عدم إبقاء الأموال في بيوت المال. وهذا واضح من كلامه بعبارة "الباقي". ثم إنهم لم يفرضوا ضرائب أخرى على الرعية لأهداف البذخ والترف السلطوي. والإشارة إلى هذه القضية واضحة من قوله "لا يظلمون ولا يُظلمون". وبصدد حديث ابن الصغير عن جمع الأموال الإباضية وتوزيعها، فإنه يثير مسألة تتجلى منها بعض السلبيات في توزيع الصدقات، وذلك بقوله: «ويُؤثر بذلك أهل الفاقة من مذهبه» (1)، وهنا يتهم ابن الصغير الإمام الرستمي بالتحيز إلى أهل مذهبه، إلا أن الواقع أن الإباضية في الدولة الرستمية كانوا يمثلوان الأغلبية الساحقة، فتوهم ذلك ابن الصغير. فازدهار التجارة والاقتصاد عموما جعل صدقاتهم كثيرة، وبالتالي، فإن ما وما يؤكد هذا المنهج هو أنه لم تشر المصادر إطلاقا، ومنها تاريخ ابن الصغير إلى منع هؤلاء من حقهم في الصدقة، بل تثبت العكس
تماما (2)
منهم يرجع على فقرائهم.
وما ينبغي أن نشير إليه هو أن ابن الصغير الذي عاش وعاشر السلطة الإباضية لم يكن إباضيا كما سبق ذكره، فهو إما مالكي أو شيعي. ولعل الثاني أرجح (3)، وذلك استنتاجا من أسلوبه في عرض الوقائع الخاصة بالدولة الرستمية. ومن خلال مناظراته مع الإباضية. وما
1 - ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 41.
2 - إبراهيم بحاز الدولة الرستمية، ص 241.
-3 - انظر ترجمته في ابن الصغير نفسه
ص 17/ 12.
413 (2/125)
صفحة 443
يجعل ابن الصغير صحيح الرواية هو تحرُّجه في ذكر بعض السلبيات الخاصة بالسلطة الإباضية، وتمنعه من تحمل المسؤولية التاريخية في
الرواية.
فالسياسة المالية الإباضية كانت وفق الأحكام الشرعية سواء كان ذلك في الموارد أم في النفقات. وما يُستنج أيضا من كلام المؤرخين هو أن كل الأعمال المالية كانت تتمُّ أمام أعين الرعية. والمؤرخ ابن الصغير ممن اعتمد في روايته على المعايشة وبالمشافهة بالنسبة للأحداث التي لم يحضرها، فلا شك أنه لو كان في بعض هذه المعاملات ما يخرجها عن طابعها الشرعي ما سكت عنها. فهو يشرح في إحدى رواياته أنه لا يعجبه القوم، وذلك من قوله: « ... وإن كنا للقوم مبغضين، ولسيرهم کارهين والمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا، وعدلهم فيما ولوه، فلسنا ممن تعجبهم طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم» (1). وهو يعني بذلك الإباضية. ورغم هذا التصريح فإن ابن
الصغير قد نقل إلينا عدلهم ونزاهتهم في السياسة المالية.
د – حرية الرأي والعقيدة
اتبع الإباضية في مسألة حرية الفكر والعقيدة سياسة مبدإ أن أهل القبلة أمة واحدة وإن اختلفت آراؤهم، إلا من حلل حراما أو حرَّم حلالا. ولقد بقيت هذه السياسة متبعة مدة الحكم الإباضي سواء في المشرق أم في المغرب، ولم يذكر الرواة أن أحد الأئمة قام بكم الأفواه ومصادرة الحريات الأساسية.
1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 31.
414 (2/126)
صفحة 444
إن النظام الرستمي قد أتاح لأبنائه حريات ثلاثة كانت دعائم متينة
للدولة وسبيلا لمساعدة جميع سكانها، وهي: حرية الفكر والمعتقد الإسلامي حرية الاقتصاد، وحرية التقنين والتشريع السياسي
والاجتماعي، في ضوء وحدة إسلامية متكاملة مطبقة لأحكام الله، وما
جاء في أحكام السياسة الشرعية (1).
مختلفة،
ومسايرة لهذه الدعائم الثلاثة فقد قصد هذا المجتمع عدة أجناس وضمت تاهرت عدة قوميات من بربر وعرب وفرس، وديانات أخرى سماوية كالنصرانية واليهودية، إلى جانب الاختلاف المذهبي بالنسبة للمسلمين، فأصبحت تاهرت تعج بالفرق الإسلامية مما ساعدها على التطور والازدهار فكريا واقتصاديا. وكان لشهرة عدل أئمتها أن انتقل إليها التجار من مصر وإفريقيا والمغرب، خوفا على ممتلكاتهم من
أئمة الجور (2). قال ابن الصغير في هذا الموضوع: «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم حتى لا ترى دارا إلا قيل
هذا لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي» (3). وهذه السياسة مبنية أصلا على مبدإ حسن الجوار والتسامح الأخوي الذي اتبعه وسنه الأئمة الإباضية بين كل المتساكنين. ولم تختلف معاملتهم مع الناس إلا مع المخالفين الذين أظهروا خروجا عن
1 - إبراهيم العدوي بلاد الجزائر، ص 198.
2 - الشماخي، كتاب السير، ص 158. (مخطوط) - جودت عبد الكريم، العلاقات الخارجية
للدولة الرستمية، ص 55.
-3 ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 12.
415 (2/127)
صفحة 445
الإسلام كالمرجئة والقدرية والخوارج. ولم تكن معارضة الإباضية لهؤلاء إلا أنهم فتنوا الناس في دينهم، وزرعوا أسباب الفتن والقلاقل. أما الذين كانوا على التزام السكينة وبقوا على مذاهبهم، فإنَّهم في حرية من ما حدث أيضا في أيام الإمام المهنا بن جيفر (236226
ذلك. وهو وأيام آل الجلندى بعمان.
وبهذه الطريقة يقة استطاع الإباضية بالمغرب أن يسوسوا البربر ويُدخلوهم في الإسلام ويتمذهبوا بمذهبهم، خلاف الصفرية الذين
تشددوا عليهم بحكم تعاليمهم فلم ينجحوا في سياستهم معهم (1). وتذكر المصادر أن كثيرا من المذاهب الإسلامية قد تعايشت في تاهرت، ويقرر الأستاذ جودت عبد الكريم يوسف أن الأحناف كانوا كثيرين ولا يقل عددهم عن الأربعين، وذلك لاتخاذهم مسجدا خاصا قسم إلى جانب المالكية والمعتزلة والصفرية. ويبدو أن الغالبية العظمى من غير الإباضية كانوا مالكية. وأن ما جمع بين هذه المذاهب هو روح التسامح وحرية الفكر. وهذا ما جعل أمر المناظرات ممكن الوقوع، وقد ظهر جليا ترابط الإباضية بالمالكية أكثر من غيرها من الأخرى، ويعود هذا إلى عدم وجود اختلافات كثيرة بين المذهبين. كلُّ هذه الوضعيات جعلت من تاهرت مركزا هاما للدراسات الإسلامية والعطاء الثقافي.
المذاهب
وما يلاحظ هو أن السياسة التي انتهجها الإباضية مع جميع الفئات
1 - محمد العقيلي، الإباضية في عمان ص. - السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 94. عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 7.
416 (2/128)
صفحة 446
هي
الإسلامية كانت هـ الجاذبة لهذه الفئات، في حين كانت سياسة العباسيين آنذاك الدافعة إلى الهروب والاتجاه إلى المغرب، وهذا ما يؤكده الدكتور عبد العزيز سالم وهي نفس الوضعية التي عاشها أهل السنة مع إخوانهم الإباضية في عمان إذ لم يلاحظ أي تناقض بين المذهبين خلال تاريخ عمان. وقد اختار الجميع طريق الاعتدال واحترام
الرأي (1).
وانطلاقا من هذه السياسة فإن الإباضية لم يتعصبوا لمذهبهم، فقد نقلوا كل الكتب التي ظهرت في المشرق من دينية وغيرها. وجلسوا للحلقات والتدريس كما نشطت البربرية إلى جانب العربية التي كانت اللغة الرسمية للدولة، إلا أن غالبية الرعية كانت بربرية مما جعل هذه لغة التأليف، وخاصة في الدين والفقه، وذلك بهدف إدخال
اللغة
هي
البربر في الإسلام (2). ولقد تجلت مبادئ التسامح في سياستهم أيضا مع عبيدهم (3) الذين
1 - في موضوع تسامح الإباضية مع المذاهب الأخرى، انظر: جودت عبد الكريم، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص 95 إلى 107 - عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 543 - سيد إسماعيل كاشف عمان في فجر الإسلام، ص 51. – عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 123 إلى 148. – مبارك الميلي، تاريخ الجزائر،
ج 2، ص 154 إلى 169.
2 - مبارك الميلي، نفسه، ج 3، ص 68/ 67. 3 - أنفق الإمام غسان بن عبد الملك أموالا لاسترجاع عبد كان اللصوص قد سرقوه وفروا به إلى نواحي فارس وأن أهل الباطنة في داخل عمان كان عبيدهم يقومون بالزجر ليلا، فسمع الإمام لهم بذلك وناقشهم، فلما علم أنهم يريحون بالنهار رضي وسلّم. انظر: السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 63/ 62.
417
9
1
2. (2/129)
صفحة 447
اعتبروهم في مستوى الإنسان، وهذا عكس ما كان سائدا في المشرق
الإسلامي لأعدائهم الوافدين من الخارج (1).
آنذاك معاملة الموالي والعبيد، وكذا معاملة الإباضية من
وفي خضم هذه السياسة ونتيجة للحرية الفكرية والرأي، فقد سجل ابن الصغير بعض المعارضات السياسبة الظاهرة أيام الرستميين، فقد برز عبد العزيز بن الإوز عندما قدَّم الناس أبا بكر مناديا: «الله سائلكم معاشر نفوسة، إذا مات واحد جعلتم مكانه آخر، ولم تجعلوا
الأمر للمسلمين وتردُّوه إليهم، فيختارون من هو أتقى وأرضى» (2). إن ما يجب ملاحظته في هذه المقولة هو أن ابن الصغير يروي
كلامه هذا عن طريق المشافهة بقوله: «أخبرني جماعة من الإباضية وغيرهم». فلعله بهذا التعبير يريد أن لا يتحمل مسؤولية هذه الدعوى مستعملا في ذلك ألفاظا تبين اهتمامه بالأمانة التاريخية، وهذا ما يوضح
حسه النقدي للروايات بصفته مؤرخا» (3).
*
كما أن النفوسيين كانوا يمثلون الغالبية العظمى في المجتمع التاهرتي، وهذا ما يتأكد من قوله: جماعة من الإباضية وغيرهم». والظاهر أن
بعض الإباضية لم يكونوا راضين بأبي بكر إماما. وما يمكن اعتباره في هذه المسألة هو كون أبي بكر «لم تكن فيه الشدة في دينه ما كان من
1 في زمن الوارث بن كعب بحث هارون الرشيد بعيسى بن جعفر بن أبي المنصور غازيا لعمان، فقضى الوارث على الجيش وقبض على عيسى وسجنه و لم يقتله. انظر: سرحان
ابن سعيد، تاريخ عمان، ص 46.
2 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 70.
3 ابن الصغير نفسه، ص 17.
418 (2/130)
صفحة 448
فيمن قبله آبائه» (1). ويبدو كذلك أن
من
عبد العزيز بن الاوز هذا لم الإباضية يولونه كبير اهتمام رغم علمه وفقهه وكونه من علماء
الإباضية، وذلك لسلاطة لسانه وخفة عقله كما يصفه ابن الصغير. ومهما يكن من أمرٍ فإن مثل هذه الواقعة لا تدلنا إلا على مدى تمتع المواطنين بحرية الرأي والمعارضة السياسية والفكرية واحترام رأي الأغلبية.
ويشير ابن الصغير إلى قضية أكثر خطورة في بيان بعض الأساليب السياسية التي كان الإمام أفلح قد استعملها للتمكن من السيطرة على القبائل المجاورة، وذلك باستعماله سياسة "فرق تسد"، سد"، إلا أن ابن الصغير كعادته يستبعد هذا الفعل، وهذا ما يظهر في آخر روايته إذ يقول: «فيما قالوا والله أعلم فيمن رأي ذلك» (2). وكما سبق فإن ابن
الصغير يعتمد في روايته على المشافهة والمشاهدة، وآفة الأخبار رواتها. فلا بدَّ إذن في ظلّ هذه الحرية أن يوجد من يعارض الحكم ويدس له، وبخاصة وأن العاصمة تموج بالمذاهب والجاليات المختلفة. وهناك من القضايا السياسية التي وجدت إبان الحكم الإباضي والتي استغلها كثير من الكتاب ليجعلوا منها نقطة ضعف في المذهب الإباضي ونظرياته السياسية. وذلك بإعطائهم الخلافات السياسية أبعادا دينية خطيرة، والوصول بالزعيم المناوئ للإمامة الشرعية إلى جعله رئيس فرقة دينية انفصلت عن المذهب الأم. وفي الحقيقة فإن تلك القضايا لا تعدو أساسا إلى اختلاف الزعماء حول
كونها خلافا سياسيا محضا،
يرجع
1 - ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص 71.
2 ابن الصغير نفسه، ص 63.
419 (2/131)
صفحة 449
بعض القضايا السياسية كتولي الإمامة بين الفاضل والمفضول. ومن بين
هذه الفرق النكارية (1) والنفاثية (2) والخلفية (3).
وفي الواقع فإن ما يُستنج من هذه الوقائع ليس ضعف الدولة بل قوتها التي جعلت النظام يطلق العنان للحرية السياسية. بينما يتجلى
أن
الضعف في كم الأفواه والاستبداد السياسي. ولا أدل على ذلك من هذه السياسة قد أتت نتائجها عندما كانت الدولة قوية، وأتت على الدولة في نهايتها عندما ضعفت هذه المبادئ وخرج عنها الأئمة
الأواخر. أما سياسية الإباضية مع أهل الذمة فقد اتسمت بالطابع الشرعي، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وهذا ما يُستنتج من عهد الإمام بن جليد حين بعثه واليا على رستاق الهجار منطقة (بعمان ومما جاء فيه: وليس على الصبيان، ولا على الشيخ
الصلت
مالك لغسان بن
1 - النكارية: أتباع ابن قدامة بن فندين بايع الإمام عبد الوهاب، واشترط عليه أن لا يقضي أمرا دون استشارة جماعة مخصصة لذلك، فأجابه مسعود الأندلسي: لا نعرف شرطا إلا العمل بالكتاب والسنة. فخرج على الإمام. 2 - النفالية: أتباع فرج بن نصر النفوسي المعروف بنفاث كان يحلم بالولاية على جبل نفوسة أو قنطرار، ولكن الإمام أفلح أسند الولاية إلى أحد أصدقاء نفاث، فخرج على الإمام وطعن فيه.
3 - الخلفية: أتباع خلف بن السمح بن أبي الخطاب. تولى الولاية بعد أبيه بدون استشارة الإمام عبد الوهاب، وهو غير كفء فعظم أمره، وأراد الاستقلال بجبل نفوسة إلى ان انتهى أمره.
المزيد من المعلومات حول هذه الفرق انظر الشماخي كتاب السير. (مخطوط) - لي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 288 وما بعدها. – محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3.
420 (2/132)
صفحة 450
الفاني، ولا على الفقراء ولا على الزمني ولا على النساء، ولا على العبيد، ولا على الإماء شيء» (1).
وقد تمتع غير المسلمين بحرياتهم الأساسية. ويذكر الأستاذ عيسى الحريري، ومحمد علي دبوز أنه ساكن الإباضية أقوام من البيزنطيين والقرطاجيين والرومان ثم المسيحيون واليهود والسودانيون، وكان منهم المقيم ومنهم المتعلم أو المتعامل في التجارة كاليهود والنصارى، وقد دخل هؤلاء المغرب مع الجيوش الإسلامية لإخماد ثورات البربر فاستقروا هناك.
ولم يمنعوا من التعامل إلا في ما حرم الله من جلب البضائع المحرمة كالخمر والخنزير. ونتيجة لسياسة التسامح فقد وجد بعض المسيحيين
مكانة خاصة لهم لدى بعض الأئمة الرستميين كأبي بكر بن أفلح (2). إن هذه السياسة قد أفرزت عدة أحداث كانت من جانب الذميين، ومن بعض المذاهب الإسلامية التي كانت لها أياد خفية في إثارة بعض الاضطرابات والفتن الداخلية كما مكنت هذه السياسة الدولة الرستمية من أن تعمر طويلا نتيجة تناسق طبقاتها الاجتماعية وتوافقها دينيا. وتفشي روح التسامح والأخوة، فعم الرخاء وانعدمت الطبقة السفلى المحرومة. وهذه السياسة أيضا هي التي أدت إلى سقوط دولة الإباضية في النهاية نتيجة الحرية المطلقة، حيث إن بعض القبائل اكتسبت قوة تضاهي القوة الحاكمة وتغلبت عليها أحيانا (3).
1 - السالمي تحفة الأعيان، ج 1، ص 160.
2 - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص
المغرب الكبير، ج 3، ص 333 وما بعدها.
-
19/ 18
محمد علي دبوز، تاريخ
3 - عثمان الكعاك، موجز تاريخ الجزائر، ص 203 - مبارك لليلي تاريخ الجزائر، ج 2، ص 75.
421 (2/133)
صفحة 451
إن الدولة الإسلامية قد تكاملت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسس ثلاثة، وهي طبيعة النظام الإسلامي المتكامل تحت قانون واحد،
ومبدأ حرية التفكير للفرد، ثم إقرار مبدإ الشورى (1).
فعلى ضوء هذه المبادئ من جهة، وعلى ضوء المبدإ الذي ميّز الأنظمة السنية والمتمثل في إلغاء شورية الحكم يبرز التناقض، ولا بد أن تكون النتائج تبعا للمقدمات.
فقد انطلقت هذه الأنظمة في بناء كياناتها على أساس شعوبي ممقوت من طرف الإسلام وأعطت بذلك الفرصة للحركات العدائية التي استغلت التسامح الإسلامي لبث سمومها، وتطورت إلى أحزاب وحركات كالمانوية والزردشتية.
کما مارس الخلفاء بعض أنواع الاستبداد السياسي، وخدمة للملوك فقد شرعوا واستحلوا كل ما يمكن أن يساهم في إبقاء نفوذهم. وبالتالي انقلبت الأوضاع ضدَّهم وأصبح اسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب، ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب ... وبقي الأمر ملكا بحتا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق، يدينون بطاعة الخليفة تبرُّكا، والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة
منه
شيء» (2).
ونتيجة لهذه السياسة فقد اتخذ بعض الخلفاء من الفقهاء من يلتمس
1 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية، ص 134/ 133.
2 ابن خلدون، المقدمة، ج 2، ص 718.
422 (2/134)
صفحة 452
لهم الحق والحجة في أعمالهم (1). وإذا ما نفر علماء وأنذروا قومهم وتولوا إرشاد الخلفاء قام هؤلاء بمحاربتهم، ومن نماذج ذلك محنة الإمام مالك. فشاعت المقولة القائلة بأن الشورى غير ملزمة للحاكم، وعمت في الفكر السياسي الأحاديث الداعية إلى طاعة ولي الأمر، وتناست العلماء شروط الخليفة وحق الأمَّة في مراقبة ومحاسبة الإمام وتغييره بالسلم أو بالثورة. وصوّرت أن ذلك قدر محتوم، فتواتر الكتاب على تبرير الظلم وبيان أن الثورات الاجتماعية هي من فعل العوام وتمرد الأسافل وأنها مروق من الدين وكفر وزندقة (2).
أنهما عاشا
ويرجع الدكتور ظافر القاسمي الأسباب التي جعلت الإمامين الماوردي والفراء يكتبان ويوضحان الوزارة ووظائفها، هي في النصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري، حيث إن الوزارة لم تكن
في خدمة المجتمع الإسلامي، ولم تكن الرعية عنها راضية، وكان واقعها مخالفا للعقل والشرع (3).
وهذه الأسباب السياسية أنتجت في آخر المطاف انعداما تاما للنظريات السياسية عند أهل السنة وأصبحت مجرد نظريات لا تمت إلى الواقع بصلة، ويعود ذلك أساسا إلى:
1 - وهذا ما حدث بفرنسا، من وجود "فقهاء الملك" لتبرير أعمالهم وتسويغها في الشرع والقانون منير العجلاني عبقرية الإسلام، ص 105.
2 في موضوع تقييم السلطة الأموية والعباسية، انظر: محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 3، ص 45 - عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 218. - محمد عمارة الإسلام والمستقبل، ص 27 وما بعدها. - محمود إسماعيل، الحركات السرية في الإسلام، ص 60.
3 - ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ج 1، ص 434.
423 (2/135)
صفحة 453
1. تفشي نزعة الجمود والتقليد في المجتمع الإسلامي، وخشية العلماء والفقهاء من الحكام.
2. التخلف في ميدان الفقه السياسي نتيجة الاستبداد السياسي للحكام. ويكفي أن الماوردي أوصى بعدم نشر كتابه "الأحكام السلطانية" إلا بعد وفاته.
3. اضمحلال القوى السياسية في المجتمع، فلم تعد فيه قوة حية سياسية توجه البلاد، وذلك لتفتت الطاقات بسبب الصراع، ثم تفشي الآراء الخاطئة والخرافات كنظرية الجبر والحكم الإلهي، ثم الغزو الأجنبي للدولة الإسلامية وأخيرا النكبات المتعاقبة في
السلطة
من المتنافسين عليها (1).
وإذا أمكن إصدار حكم عام فإن الشيخ محمد الغزالي يقول: «ومن المستحيل أن يكون كل ملوك بني أمية والعباس وعثمان أمثلة راشدة للإسلام الحنيف، فقد ورثوا الحكم بعصبية الدم والبطش، فكيف يكونون حكاما مرشدين؟» (2).
هذا
ملاحظة أن جميع الآراء السياسية التي يصدرها علماء أهل السنة على هذه الأنظمة سواء القدامى منهم كابن خلدون والطبري، أم المعاصرين كالكعاك والخضري وظافر القاسمي ومحمود المليجي ومحمد الغزالي، هي في الحقيقة آراء تتّسم بالتعميم، ذلك لأنه إذا كان أكثر الخلفاء قد انتهجوا نفس السياسة، فإنَّنا نجد من الخلفاء من استرشد في أحكامه بذوي النصح والعلماء كما سبق ذكره أثناء التحليل. وهذا
1 - محمود المليجي، مبدأ الشورى في الإسلام، ص 15/ 14.
2 محمد الغزالي كيف نفهم الإسلام، ص 95.
424 (2/136)
صفحة 454
الرأي الأخير، أي كثرة الخلفاء الذين استبدوا هو الذي جعل المؤرخين
يصفون الأنظمة السياسية السنية بأنها منحرفة.
أما فيما يخص الإباضية فقد ظلت تصبو إلى تطبيق الفكر السياسي
المتمثل في احترام القيم الإسلامية، سواء في المشرق أم في المغرب. ولم يتمكن العباسيون المعاصرون للإباضية المشارقة من تطبيق النموذج المثالي للحكم نتيجة الإسراف والتبذير. وبفضل تمسك الإباضية بالحرية الفكرية والاقتصادية والتشريعية أصبحت نموذجا يُقتدى به في المجتمع المغربي، رغم أنها كانت تعيش بين مفارفات سياسية ومذهبية، وتتكون من عدة تناقضات أيضا. فقد كانت إسلامية في قضائها عربية في معارفها بربرية في عصبيتها، فارسية في إدارتها، وما جمع بين هذه الأجناس سوى الرابطة الدينية (1).
وبفضل انفتاح سياسة التسامح والعدل والشورى نجح الإباضية في عمان وتاهرت في الاحتفاظ باستقلال دولهم، كما نجحوا في إقامة مذهبهم وإقامة الإمامة العادلة، وانتقلوا من المجال النظري إلى التطبيقي ملتزمين بقواعد الدين، وذلك بحسن اختيار الإمام ومساعديه، ثم مراقبته ومحاسبته على أخطائه. وقد سار الإباضية في هذا المنهج اعتبارا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وولاية الأشخاص وبراءتهم، وتحمل نتائج أعمالهم (2).
1 مبارك الميلي، تاريخ الجزائر، ج 2، ص 58.
2 - عيسى الحريري الدولة الرستمية بالمغرب، ص 7 - سيدة إسماعيل كاشف، عمان فجر الإسلام، ص 6. - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 34.
في
425 (2/137)
صفحة 455
وإذا كان من نجاح لهذا النموذج الإباضي فللعلماء والفقهاء فضل كبير في ذلك، فإذا كانوا في العصر الأموي والعصر العباسي لم يؤيدوا الخلفاء في سياستهم المنحرفة، فإنَّهم لم يفعلوا ذلك أيضا في أيام أئمتهم
المنحرفين.
وبغض النظر عن النتائج المتحصل عليها في كلا النظامين، فالملاحظ أن هناك بعض الأساليب السياسية المتشابهة بينهما، مثل الأخذ باللامركزية الإدارية، وهذه ميزة جمعت بين الإباضية والأمويين، مع فارق في التنفيذ، فالأمويون اعتمدوا على ذويهم ومن ناصرهم في السهر على الموالاة في الأقاليم البعيدة، في حين اعتمد الإباضية على
اختيار الأكفا لا لضمان الولاء بل لضمان تنفيذ أحكام الإسلام. وهذه الخاصية في كلا النظامين أدت إلى نتائج منطقية، فبالنسبة للأمويين والعباسيين في المجال الإداري، وجدنا أنه كان لزاما عليهم بث العيون ومراقبة المعارضة التي لم تترك فرصة إلا وعبرت بالدم عن آرائها، وبالنسبة للإباضية فقد أدَّت هذه السياسة الإدارية أحيانا إلى أن يفكر بعض الولاة في الانفصال (1).
أما في المجال المالي فالفارق بينهما أيضا يظهر في استقلال الجهاز المالي الإباضي عن السلطة، وتمسُّك الخلفاء السنيين به، وربط هذا الجهاز بقصر الخليفة (2). ونظرا لاتساع الرقعة الإسلامية فقد فاضت الأموال على خزائن الأمويين والعباسيين وأصبحت مدعاة للبذخ، وهذا
1 - كما حدث في جبل نفوسة أيام الإمام عبد الوهاب حينما حاول خلف بن السمح الانفصال عن الدولة الرستمية، راجع محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3.
2 - انظر السياسة المالية السنية في الفصل الثالث من هذا القسم.
426 (2/138)
صفحة 456
ما جعل الخلفاء يبتدعون مصادر أخرى مالية عرفية غير شرعية. وهي مجال انتقاد الفقهاء. إلا أنَّه لا بدَّ أن نشير إلى نقطة هامة كانت نتيجة مباشرة لهذه
في
كلا
أنظار
السياسة، وتخص المستوى الداخلي، وهو ما عرفته الحياة العامة النظامين، والناتجة عن سياسة إبعاد القصر وأعمال السياسة عن الناس، فاطمأنوا على هذا الجانب الخاص بالحكم، مما جعل الحياة الثقافية والاقتصادية والفنية وعملية الترجمة تزدهر، فتنافس العلماء في البحث والتأليف، وأصاب المجتمع الغنى، وعاش في الملاذ إلى حد
الإسراف.
وكان للجانب الإباضي أيضا نفس النتائج رغم المنطلقات السياسية والتطبيقات العملية لها.
وإذا كان الحكام السنيون قد اتبعرا سياسة الاستحواذ على كلّ شيء، وبث الأفكار كنظرية الجبر والإرجاء والحق الإلهي، لضمان استمرارية النظام، فإن الإباضية قد انتهجوا سياسة الانفراج وحرية الرأي، إلا أن هذه السياسة الأخيرة قد أدت بهم إلى الزوال نتيجة الإفراط في الديمقراطية غير المسؤولة، مما وفّر للمعارضة الجو المناسب لتخريب النظام من الداخل، ثم إعطاء الفرصة للعدو الخارجي للقضاء
على دولتهم.
427 (2/139)
صفحة 457
ثانيا: السياسة الخارجية
1 أهل السنة والجماعة
تدخل مسألة العلاقات الخارجية ضمن مسؤولية الخليفة، ولا تتحدد فقط بالدفاع عن بيضة الإسلام، بل تتعدى إلى مواصلة نشر الإسلام بصفته خليفة الرسول الله، ومن ثم تترتب على هذه الوظيفة عدة معاملات تتنوع حسب الظروف التي يعيشها النظام
الإسلامي.
وقد سعى الإسلام في الأرض ناشرا السلم الذي يمثل العلاقة الأصلية بين الناس في الحياة. وعلى هذا المبدإ بني الإسلام سياسته وعلاقة المسلمين بعضهم ببعض من جهة وبينهم وبين غيرهم من غير المسلمين من الأمم المختلفة من جهة أخرى (1). وتبقى قاعدة عدم
الإكراه في الدين للرعية هي أصل المعاملات.
وانطلاقا من
هذا المبدإ كان لزاما على الدولة الإسلامية أن تبني
علاقاتها سواء مع المسلمين كدول أو مع الأمم الأخرى، على أساس
من السلم. هذا
من جهة، ومن جهة أخرى فإن على الدولة الإسلامية
أن تقوم بواجب الدعوة للإسلام حتى تقوم الحجة.
وفي إطار العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية فقد كان لها ثلاثة
اتجاهات:
علاقات مع الأمم الأجنبية التي لم تكن قد سمعت بالإسلام، ومن
-1 محمود شلتوت، ص 465.
428 (2/140)
صفحة 458
واجب المسلمين القيام بواجب التبليغ، وهو ما يصطلح عليه بالفتوحات
الإسلامية.
ثم العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية. .
وثالث هذه العلاقات هي مع الدول الإسلامية بعضها ببعض. فما هو حال الدول السنية مع هذه الكيانات الثلاثة؟
الفتوحات الإسلامية:
يُجمع المؤرخون على أن الفترة الأموية والعباسية الأولى كانت من أزهى عصور الفتح الإسلامي، وقد أعطت هذه العملية المقام الأوَّل لهذه الأنظمة في سيادة العالم الإسلامي والهيبة من جانب العالم غير الإسلامي. ورغم أن الثورات الداخلية لم يمكن إخمادها بصفة نهائية (!)، إلا أن الفتح ومواصلة الزحف الإسلامي لم يتوقف (2).
ونظرا لهذه الوضعية الإيجابية والمتميزة في سيرة الخلفاء السنيين، فإن الفقهاء لا يؤخرون حكمهم بأن الحكام قد قاموا بمسؤولياتهم كاملة أزاء هذه المسألة.
وقد كان لهذا الفتح العظيم عدة أسباب. كان في مقدمتها حماية الثغور التي وصل إليها الفتح أيام الراشدين والتي كانت هدفا لغير المسلمين للإغارة عليها، وثانيها أن بعض الخلفاء كانوا يشعرون
1 - راجع تاريخ الثورات في العهد الأموي والعهد العباسي في: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 2، ج 3.
2 - اتجه الإسلام نحو الشرق في السند والهند وبلاد الترك، وفي الجهة الشمالية نحو أذربيجان وأرمينيا وبلاد الروم، وفي الغرب نحو إفريقيا والأندلس. راجع: محمد الخضري بك،
محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 213.
429 (2/141)
صفحة 459
بواجبهم في نشر الدين والوقوف ضد المشركين. أما السبب الثالث فهو ظهور نزعة حب الملك والسلطة والتوسع والهيبة أمام ملوك العصر عند بعض الخلفاء الآخرين. وهذا السبب الأخير هو الذي جعل هذا العمل الجبار يفقد بعض قيمته.
ولقد قويت هذه الفتوحات خاصة في عهد معاوية وابنه يزيد، إلى أيام عبد الملك بن مروان ولكنها بدأت في الضعف ولم تتوقف تماما حتى الأيام الأخيرة للعباسيين. مع ملاحظة أنه إذا كانت الفتوحات قد توقفت فإن الإسلام لم يتوقف انتشاره، وذلك عن طريق الدعاة
والتجار (1).
إن السياسة التي اتبعها بعض الأمويين خاصة في بناء دولتهم في الميدان الخارجي، كانت بالدرجة الأولى بهدف التوسع في السلطة وبناء دولة قوية. ولكنَّ هذه السياسة قد رافقتها ثورات داخلية عنيفة، كان الخلفاء قد تصدوا لها بكل قوة، مما جعل عملهم قاصرا فقط على الحروب داخليا وخارجيا، ولم تسمح لهم الظروف بالنظر إلى الداخل الاجتماعي، ولا الاتصال برجال التشريع فكانت حياتهم سياسية أكثر منها دينية وهذه الصبغة السياسية لم تسلم منها حروبهم الخارجية التي اصطبغت بها، فأصبح الغرض منها الوقوف أمام العدو المسيحي،
وابتلاع الدويلات الإسلامية الخارجة عنها.
1 - أحمد شلي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 2، ص 104 وما بعدها.
430 (2/142)
صفحة 460
العلاقات الخارجية الإسلامية:
لم تستطع الأنظمة السنية الإبقاء على وجهة واحدة للسياسة الإسلامية، فقد برزت إلى الوجود بعض الدول الصغيرة في المشرق والمغرب. وإذا كانت دول المغرب لم تنقض نظرية وحدة الإمامة الإسلامية بسبب وجود الحاجز البحري، فإن الدول المشرقية منها قد نقضتها رغم امتداد الرقعة الإسلامية واتصالها، علما بأنه لا يوجد من علماء السنة من فتح باب ازدواجية الإمامة وتعددها (!).
والملاحظ أن هذه الأخيرة كانت قد اتصلت عن الدولة الأم أيام ضعف الخلفاء، في حين كان قيام الدول المغربية أيام عزها. وأول دولة إسلامية سنية انفلتت من دولة سلطة الخلفاء هي " الأمويين بالأندلس، أما في المشرق فإن الإباضية أقاموا دولا لهم في كلِّ من إمامة طالب الحق في صنعاء وإمامة عمان وتاهرت في المغرب. وقد اتبعت الأنظمة العباسية سياسة واضحة العداء مع كل الدويلات التي خرجت عن سلطتها، سواء في المشرق أم في المغرب، واستعملت كل أساليب الحروب للقضاء عليها، كما التجأ بعض الخلفاء إلى سلاح
المؤامرات السرية عن طريق الطعن الصامت أو السم القاتل (2). وقد انتهجوا هذه السياسة لسببين: أولهما أن هذه الدول سوف تصبح إحدى القلاع التي ينطلق منها أعداؤها للانقضاض عليها، كما ملجأ المعارضيها في السياسة والحكم. وثانيهما أن هذه الدولات
تصبح
1 - انظر مبحث وحدة الإمامة وتعددها في الفصل الأول من القسم الأول.
2 على هذا النحو تخلص الرشيد من إدريس بن عبد الله راجع أحمد شلبي، التاريخ
الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 149.
431 (2/143)
صفحة 461
لهذين
كانت قد قامت نتيجة السياسة الداخلية التي اتسمت بالاستبداد وكم الأفواه، وبالتالي فإنَّها ستصبح فاضحة لها في مثل هذه المعاملات. ونظرا السببين فإن الدولة العباسية لم تفرّط في بذل أي جهد من أجل القضاء على هذه الأنظمة الصغيرة الناشئة، فأغرقت المنطقة في بحيرة من الدماء، لأنها تراها خطرا على نظامها السياسي بالنسبة للدول السنية، والعقدي بالنسبة للدول الإباضية (1). فالذي يبرر الحكم على سياسة بعض الخلفاء بأنها منفعية وسياسية محضة، هو ما اكتسبته معاملتهم مع الدول السنية الصغيرة، فبالنسبة للدولة الأموية بالأندلس فقد كان المنصور والمهدي يودان إزالتها (2). وقد انطلقت العلاقات في أوَّل الأمر بين النظامين مبنية على الإرادة الخيرة، وهذا من أجل أن يستميل العباسيون عبد الرحمن الداخل إليهم، ولكنهم فشلوا في هذه السياسة، فلجؤوا إلى القوة فحبطت مساعيهم كذلك، نتيجة لبعد الشقة. وكانت أحسن وسيلة هي الالتجاء إلى العدو المشترك المسيحي واستمالته إليهم، فقد التجأ العباسيون إلى إقامة علاقة طيبة مع ملك الإفرنجة المسيحي للاستعانة به على الأمويين بالأندلس، فكانت بينهما سفارات وهدايا فوطدت العلاقات بين المنصور و"بيين"، وبين الرشيد" و "شارلمان".
وهذه الوضعية جعلت الروح السياسية تطغى على الروح الدينية. وهكذا وضع الإسلام جانبا، فأصبح التعامل على قاعدة: "عدو عدوي صديقي". ولم يعد للمبادئ الإسلامية مجال. ومما يؤكد إرادة بعض الخلفاء من وراء هذه السياسة والمتمثلة أساسا في المحافظة على الملك،
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 54.
2 - محمد الخضري بك، محاضرات في تاريخ الأمم، ج 2، ص 92.
432 (2/144)
صفحة 462
جانب
وضرب كل ما سواه. وقد كان هذا التعامل أيضا من المسيحيين، إذ استمالوا العباسيين إليهم ضدَّ منافسيهم البيزنطيين في أروبا الشرقية (1).
أمَّا معاملتهم للأنظمة الإباضية فقد كانت عقائدية بالدرجة الأولى بصفتهم خوارج، ثم مصلحية بغرض توسيع الملك. وكانت هذه السياسة متبعة مع كل من العمانيين وطالب الحق باليمن.
وقد ظهر الأمويون في حروبهم مع الإباضية بالوحشية والطابع البدوي والمجازر الرهيبة والخروج على المبادئ الإسلامية. فكانت المعاملة إذا مبنية على علاقات عدائية بحتة (2) فلم تعمر هذه الدولة طويلا، إذ شمر الأمويون على أيديهم وجيَّشوا الجيوش وقضوا عليها في سنواتها الأولى.
وتتميز علاقة هذه الأنظمة مع الرستميين بطابع له منطلقان، عقدي
وسياسي. وهما:
1
أن العباسيين يعتبرون الرستميين الأعداء التقليديين لهم، لأنهم
استحوذوا على ميراث لهم من الأمويين وهو إفريقية.
2 الطابع الديني بين السنة والخوارج. ولهذا كان العداء بينهما قويا، ولم تضيع الدولة العباسية أية فرصة للقضاء عليهم (3).
1 - أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 253 وما بعدها. 2 مهدي طالب هاشم، الإباضية في المشرق العربي، ص 113. وانظر تفاصيل المجازر ضد الإباضية في المصدر نفسه، ص 153 وما بعدها.
3 - وقد لاحقت عبد الرحمن بن رستم بعد قتل أبي الخطاب، وأصبحت ملجأ للمعارضة الرستمية كما يظهر ذلك من التجاء نفاث بن نصر إلى بغداد وترحيب المأمون به.
انظر: عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 190/ 187.
10'
433
'2 (2/145)
صفحة 463
العلاقات مع غير المسلمين:
نظم الإسلام قواعد المعاملات مع غير المسلمين، وهي مبنية على أساس تفوق دولة الإسلام. وكانت النظرية السياسية الإسلامية قد قررت هذا المبدأ ضمن مسؤولية الخليفة، وهي ضرورة رد عدوان هؤلاء ودعوتهم إلى الإسلام. وفي حال رفضهم للدعوة الإسلامية، فإن الإسلام يضمن بقاءهم على عقائدهم وهم صاغرون (1).
ففي السنوات الأخيرة للعصر العباسي الأول، وهي الفترة التي كان فيها للدولة الإسلامية الكلمة العليا والهيبة في العالم الإسلامي، كانت أروبا تتقاسمها دولتان مسيحيتان الأولى في غرب أروبا، والثانية في شرقها في القسطنطينية. ونتيجة للسياسة المتبعة من قبل الخلفاء، فقد استغل الشرق الإسلامي الغرب المسيحي لضرب العربي في قرطبة، وكانت الأهداف نفسها، لغرب أروبا الذي استغله الشرق الإسلامي لضرب الشرق المسيحي.
ولقد رغب المنصور في استمالة "بيين" في عهده، ورغب الرشيد في استمالة "شارلمان"، وقد توطدت العلاقات بينهما إلى حد تبادل السفراء، فاتّسمت هذه المعاملة بالطابع السياسي أكثر منها بالطابع الديني، فكان الخليفة العباسي يهدد الأمويين في الأندلس بواسطة الملك
المسيحي (2).
1 - انظر: ابن قيم الجوزية أحكام أهل الذمة تحقيق د. صبحي الصالح، مطبعة جامعة دمشق. 1381 هـ/1961 م.
2 أحمد شلي التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 3، ص 236.
434 (2/146)
صفحة 464
وبهذه المعاملة الإسلامية للدول المسيحية والتي كانت على حسا
المسلمين، خرجت هذه السياسة عن مبادئها الإسلامية من ناحيتين، أولها: انعدام المبادئ الإسلامية عموما والتي تبنى على أساس السلم بين الأفراد والجماعات. ثانيها: اتخاذ العدو وليا وحليفا دون مراعاة لقواعد الشرع، قال تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين (1). وأصبح الهدف هو بسط النفوذ بدلا من بسط الإسلام بالدرجة الأولى.
وتعتبر هذه الفترة المحددة بالعصر العباسي الأول الفترة التي بدأ الضعف فيها يدب في جهاز الدولة وذلك بخروج النظام الإسلامي السني عن قواعد الحكم والسياسة على الصعيد الخارجي.
2 - الإباضية
إن المتأمل في خريطة الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى الهجرية يتضح له بقوة وجود الكيانات السياسية الإباضية بعيدا عن مركز الخلافة السنية، وذلك بحكم انفرادهم بآراء سياسية مغايرة لما عليه الأنظمة القائمة، وكونهم تبعا لذلك أعداء تقليديين لهم بحكم المذهبية. فقد عاشت الإمامة العمانية معاصرة لأقوى فترة سياسية للنظام العباسي، الذي ظل يحاول ابتلاع عمان، مما جعل هذا البلد في حالة دفاع مستمرة، وقد تخللتها فترات استقر فيها العباسيون بعمان على السواحل، بينما انحصرت الإمامة في الداخل.
1 سورة آل عمران آية 28
435 (2/147)
صفحة 465
أما الدولة الرستمية فقد وُجدت هي الأخرى بين عدة كيانات غير
متجانسة سياسيا ومذهبيا مقارنة بالدول الإسلامية. ودينيا بالنسبة لدولة السودان غير الإسلامية. فقد كان التناقض واضحا في المغرب الإسلامي، إذ قام بالقيروان نظام سياسي تابع للعباسيين، بينما كان نظام الحكم بالأندلس أمويا سنيًّا على المذهب المالكي. وفي فاس المغربية قام نظام علوي على المذهب المالكي أيضا. وفي سجلماسة حكم الصفرية. بينما كانت بلاد السودان خارج دائرة الإسلام. وفي ظل هذه التناقضات كان لا بدَّ للإباضية أن يتكيفوا مع الوضع مهما كانت
الوسائل (1).
ولا يجب إغفال وضعية سياسية هامة في موضوعنا، وهي اعتبار الدولة الرستمية من أسبق الدول المستقلة عن العباسيين، هذا من ناحية، ومن جهة أخرى فقد قامت هذه الدولة على اتجاه مخالف للدولة العباسية، مما جعل العباسيين يطاردونهم في كل مكان، معتدين على مقولة "أن الحق مع القوة". وتحت هذه العوامل كان لا بد لهذا النظام أن يكون لنفسه شخصية دولة مستقلة، ويطبع علاقاته الدولية بطابعه
الخاص (2).
ففي ظل هذه الوضعية المتناقضة للمغرب الإسلامي اختارت الإباضية مبدأ سياسة حسن الجوار، والباب المفتوح مع جميع الكيانات الإسلامية الأخرى، ومبدأ مهادنة العدو، ومبدأ عدم استعمال قانون سياسة المعاملة بالمثل. فلم ترفع السيف إلا إخمادا لثورة أو ردًّا لاختراق
1 - جودت عبد الكريم العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص 290. 2 - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 187.
436 (2/148)
صفحة 466
الأمن والسلم الاجتماعيين، أو دفاعا عن الدولة.
وقد سار العمانيون على نفس الوتيرة من أول أمرهم في معاملاتهم للدول غير الإباضية إلا في أيام الانقلابات واستحواذ العباسيين على
سواحلهم، فإنَّهم بقوا على حكم التقية حتى لاحت لهم الفرصة
المواتية (1).
التوسع والعلاقات مع الجيران:
في خضم التناقضات المذهبية والوضعية غير المتجانسة سياسيا من جهة، ومن جهة أخرى وجود الدولتين الإباضيتين متزامنتين مع الدول السنية العظمى التي جمعت ريادة العالم الإسلامي، وفي هذه الظروف بالذات أصبحت هاتان الدولتان تسيران على مبادئ واحدة بالنسبة لمسألة العلاقات مع غير المسلمين.
فالدور الإسلامي الكبير المتمثل في نشر الإسلام عن طريق الجيوش والغزو، لم يعد من اختصاص جميع الدول الإسلامية الصغيرة السنية منها والإباضية.
فالسنية منها قد كفتها المؤونة دمشق وبغداد، أما الإباضية فإن دولة عمان بقيت دائما في وضعية دفاعية ضد الغزو العباسي لها خاصة، و جدارا منيعا ضدَّ الفرس من الشمال. أما الرستميون فقد اختاروا من الأول سياسة المهادنة وحسن الجوار والباب المفتوح.
1 - فقد دست لها إمارة زناتة في تلمسان بإثارتها للواصلية، وإذكاء نار هوارة في شمال تيهرت. ولكن الرستميين لم يردوا بالمثل. انظر: بحاز إبراهيم الدولة الرستمية، ص 113. - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب ص 6 - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية، ص 186 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3.
437 (2/149)
صفحة 467
وانطلاقا من
هذه الوضعية فإن الإباضية قد ساهموا في نشر الإسلام
عن طريق التجارة في كلِّ من إفريقيا الشرقية، وإفريقيا السوداء، جنوب الصحراء، وبعض مناطق الشرق (1).
وقد استغلت الدولة الرستمية مبادئها المنادية بالشورى إلى جانب بعض الوضعيات التي يعيشها البربر بإفريقيا كالضرائب الثقيلة والتعسف في استعمال السلطة من قبل الأمويين في بسط نفوذهم وضم بعض الأقاليم إليها (2). كما كانت هذه الوضعية نفسها بالنسبة للإباضية في عمان هي
وهذا من حيث التناقض السياسي والعقدي اللذين تجاورهما، فالدولة العباسية كانت تمثل المذهب المخالف للإباضية، وكان الفرس العدو المشترك، فأصبحت عمان بين فكي كماشة، مما جعلها مستهدفة أكثر من الرستميين، وبقيت في حالة دفاع مستمر ولم تتمكن من اتباع سياسة حسن الجوار إلا في فترات.
ورغم هذه الوضعية فإن سيادتها لم تتغير على أقاليمها، فقد استرجعت جزيرة سوقطرة (3)، وأدخلت الإسلام إلى أفريقيا عن طريق زنجبار (4).
-1 - محمد عوض خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ص 52. -2 وقد قام الإمام عبد الوهاب بضم جبل دمّر بنفسه، وذلك عن طريق إقناع نفسه فمد كذلك ضم بعض الأقاليم الإباضية عن طريق معاهدة بينه وبين الأغالبة. انظر: العدوي، بلاد الجزائر، ص 203 - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3،
يده وبويع
ص 430.
3 - جزيرة في المحيط الهندي واقعة شرقي خليج عدن محصولاتها التمر والبخور. انظر:
المنجد في اللغة والأعلام.
4 - السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 137.
438 (2/150)
صفحة 468
نتيجة لهذه المبادئ السابق ذكرها فقد أقام الرستميون علاقات طيبة وصلت إلى حد التحالف ضد العدو المشترك العباسيين- مع أغالبة القيروان ومصر التي عرفت المذهب الإباضي إذ كان أكثر المصريين .. على مذهب الإباضية» (1). والأدارسة في فاس، وبني واسول في سجلماسة، وأخيرا مع الأمويين بالأندلس.
ولقد كانت سياسة الإباضية في المغرب على هذه المبادئ مستلزمة لأن يقوم الجانب الآخر بنفس العمل، وهو ما وقع فعلا. إلا أن المصالح السياسية لعبت دورا هاما في هذه القضية، فإذا كان العباسيون قد رضوا بالإباضية كدولة مستقلة، فإنما كانت علاقاتهم معهم بزرع الكيان الأغلبي في المغرب الأوسط محافظة على التوازن السياسي في شمال إفريقيا. وكذلك كان الوضع بالنسبة للأدارسة في المغرب الأقصى الذين حافظوا على الود الرستمي ليقفوا لهم في وجه العباسيين والأغالبة. وكذا بالنسبة للأمويين في الأندلس الذين قاموا بنفس المعاملة لدى الإباضية، فكانوا يمثلون بالنسبة إليهم حلقة وصل مع المشرق العربي. وقد استغلت تاهرت هذه الأوضاع فنشطت دبلوماسيتها لتضمن لنفسها البقاء، وفعلاً فقد كانت ملجاً لكثير من الفارين من العباسيين وخاصة العلويين، ومنهم من استقر على الأراضي الرستمية، مثل ضفاف نهر الشلف، والمدينة الخضراء، وسوق إبراهيم، ومدينة تمطلاس (2).
1 - عبد العزيز سالم تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 572/ 571. 2 - انظر حول هذا الموضوع: الشماخي كتاب السير،. (مخطوط) - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية. - مبارك الميلي، تاريخ الجزائر. - عبد العزيز الفلالي، العلاقات السياسية بين الدولة الأموية في الأندلس ودول المغرب.
439 (2/151)
صفحة 469
العلاقة مع غير المسلمين:
اتبعت الإباضية نفس السياسة مع هذه الدول، وذلك اعتمادا على مبادئها مع الدول الإسلامية. انطلاقا من عدة عوامل، أولها أن الدولة الرستمية بحكم ضعفها ووجودها بين عدة دويلات تختلف معها سياسيا ومذهبيا، فإنَّها لم تلعب دور القوَّة الكبرى في المنطقة بل كانت تحافظ دوما على التوازن السياسي، حتى لا تلفت أنظار هذه الدويلات إليها. وثانيها أن الإباضية لم يكن لهم جيش نظامي يحمي الحدود في كل وقت. إلا ما كان من الموادعة والعهود والتحالف (1). وبالتالي فإنَّهم لم يفكروا في نشر الإسلام في جنوب الصحراء عن طريق إعداد الجيوش والغزو بها، بل كان ذلك عن طريق حسن الجوار والعلاقات التجارية والثقافية، وعبر هذه القنوات فقد كان للإباضية مع ملك صوصو - أو
كوكو - التي تبعد مملكته عن تاهرت بمسافة ثلاثة أشهر (2).
–
وجملة القول فإن الإباضية بحكم أقليتهم المذهبية، إلى جانب الأنظمة السنية والشيعية، فإنَّهم لم يستطيعوا أن يتتبعوا أكثر من سياسة
حسن الجوار والباب المفتوح بناء على مبادئها الدينية ثم السياسية.
وفي خلال هذه الحقبة التاريخية من السياسة الخارجية الإباضية، فقد وقعت عدة أحداث دموية وخاصة بين الإباضية والعباسيين مشرقا، وبينهم وبين العباسيين من جهة والأغالبة من جهة أخرى. ولم يتبع
1 - كما وقع بين الأغالبة والإباضية بالمغرب من عقد للهدنة. راجع ابن خلدون، المقدمة، ج 4، ص 415 - ابن الخطيب أعمال، ص 10. - السلاوي، الاستقصاء، ج 1، ص 120. -2 - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية، ص 184. - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 212/ 210.
440 (2/152)
صفحة 470
الإباضية في هذه الأحداث إلا المبادئ الإسلامية. فلم يتعرضوا للغنيمة ولا للسببي ولا للإجهاز على المدبر ولا للقتل وذلك لاعتقادهم بحرمة أموال المسلمين ولو كان في حالة بغي. وعند استرجاعهم لإقليم من الأقاليم فإنَّهم كانوا على تلك المبادئ (1).
ونتيجة لهذه السياسة أصبحت الدولة الرسمية الشريان الذي ينقل الحضارة الإسلامية من المشرق إلى المغرب، وقد أثمرت هذه السياسة في الأندلس إلى حد أنَّها لم تقبل للفارين منه والمقيمين بأرضها
علاقاتها
بالقيام بأي نشاط سياسي ضد الأمويين، وأنه نتيجة الاحتكاك التجاري والعلاقات الاقتصادية المتينة أصبحت قرية "بلفين" بالأندلس إباضية صراحة. وبفضل هذه السياسة أيضا استقرَّ المغرب عموما، وأدَّى هذا إلى ازدهاره اقتصاديا وثقافيا بين هذه الدول، وأصبحت الدولة الرستمية ذات بأس وسلطان كما أصبحت الآمرة الناهية في بلاد المغرب الأوسط (2).
1 - من ذلك تخيير الإمام أبي الخطاب لوالي العباسيين بين الترحال إلى المشرق أو القيام بالمغرب مكرما، له ما لكل المسلمين، فاختار الترحال مع من أراد من العباسيين بأموالهم. راجع السيابي عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 233. محمد الشيخ بالحاج،
مقابلة.
-
2 - عثمان الكعاك موجز تاريخ الجزائر، ص 170 - إبراهيم العدوي، النظم الإسلامية ص 221. - عيسى الحريري، الدولة الرستمية بالمغرب، ص 220 وما بعدها.
441 (2/153)
صفحة 471
إن السياسة الخارجية الإسلامية في مجموعها كانت مرآة للسياسة
الداخلية، فالتطوُّر كان واحدا في كلا النظامين السني والإباضي. فبالنسبة للمعسكر الأموي العباسي، فبعد أن كانت النيات متجهة إلى نشر الإسلام أصبحت لدى بعض الخلفاء تهدف رقعة ممالكهم والظهور أمام العالم بمظهر القوة والعظمة.
أما بالنسبة للمعسكر الإباضي فإن الظروف وعوامل القوى لم ها مبدئيا ببسط نفوذها على أقاليم جديدة، إلا ما كان عن
تسمح إقناع ومعاهدات مع أنظمة أخرى. وحسب ما تقدَّم لنا فإن السنيين لم يستطيعوا أن يحققوا نظرية وحدة الإمامة (1) التي وضعوا لها ضوابط وقواعد، ويعود ذلك في رأينا إلى سياستهم الداخلية، فإذا كانت بغداد تفصله عن القيروان والأندلس حواجز بحرية، وأنظمة مغايرة مذهبا كالفاطميين في مصر، في إحدى الفترات التاريخية، فما بال الدول الأخرى في المغرب والمشرق الأقصى.
وهذه الوضعية لم تكن موجودة أيام الإباضية، إذ لم يكن لهم نظام سياسي في وقت واحد مخالف لنظريتهم الدينية الخاصة بوحدة الإمامة، فلم
يكونوا يصدرون في آرائهم إلا عن أئمتهم الموجودين خاصة في البصرة. ولقد حاول بعض المغامرين الاستقلال بأقاليمهم فلم يتمكنوا، وذلك بوقوف الأئمة ضدهم (2).
1 - انظر الرأي السني في موضوع وحدة الإمامة وتعددها في الفصل الأول من القسم الأول. -2 - محاولة خلف بن السمح بن خلف في عهد الإمام عبد الوهاب الاستقلال بالجبل. انظر:
علي يخي، معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 33.
442 (2/154)
صفحة 472
ولعل الفارق بين النظام السياسي السني، والنظام الإباضي في هذا
الموضوع هو وحدة الإمامة والعامل الزمني، حيث إن الإباضية لم يعمروا طويلا إلى جانب القوة الكبيرة للدول السنية التي استمرت عدة قرون. مع ملاحظة أن هذه الحالة لم تبدأ إلا في الأيام العباسية عندما اتسعت الرقعة وصعبت مراقبة الأقاليم.
والملاحظة العامة للسياسة الخارجية لكلا النظامين تكمن في وضعية كل واحد منهما بالنسبة للآخر، فعامل التوتر وحب الملك والعظمة عند بعض الخلفاء ساعد الأمويين والعباسيين في نشر الإسلام عن طريق الفتوحات وضم الدول الصغيرة إليها. في حين كان مبدأ الشورى والتسامح من جهة ثم التناقض المذهبي والسياسي من جهة أخرى بالنسبة للإباضية سببا في اتباع سياسة المهادنة وحسن الجوار وفتح الأبواب أمام الجميع.
وهذه الوضعية أدَّت بالإباضية إلى نشر الإسلام عن طريق التجارة
والحملات العلمية.
443 (2/155)
صفحة 473
ثالثا: المرأة والعمل السياسي
إن قاعدة القوامة التي بينها القرآن الكريم بين الرجل والمرأة هي التي حددت مسؤولية المرأة في كل المجالات، وبينت الميادين التي يحق لها ممارستها والتي لا تدخلها إطلاقا، ويرجع ذلك إلى تكوينها النفسي والفيزيولوجي. وإذا كان للمرأة في العمل السياسي عموما ما يلزمها أن تكون ذات حنكة ورأي، وشجاعة، ثم ظهورها إلى ميدان الحكم، فإنّ الإسلام قد أوجب ذلك على الرجل دون المرأة، وإذا كان لها بعض الحق في العمل السياسي كما يراه البعض، فإنَّهم قاسوا ذلك على ما قامت به عائشة يوم الجمل في قتال علي، ويوم صفين في المطالبة بدم عثمان. وعندما نعود إلى التاريخ الإسلامي نجد أن ما قامت به عائشة قد خطأه كبار الصحابة، وأنها هي نفسها قد ندمت على بدعتها
وتابت (1).
إن الحديثين: إذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم» (2). و «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (3). قد جاء كلاهما يفسر قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء)) (4)، تفسيرا سديدا ويبينان أن الولاية والعمل
1 - المودودي نظرية الإسلام، وهديه، ص 322.
2 - رواه الترمذي، باب الفتن، 78. -3 رواه أحمد، بلفظ "ما". ج 5، ص 50 - والترمذي، كتاب الفتن، باب 75. حديث 2262
-
ج 4، ص 527. والنسائي، كتاب القضاء، باب 7، ج 8، ص 201.
-4 سورة النساء آية 34
444 (2/156)
صفحة 474
السياسي خارجان عن اختصاص المرأة المسلمة (1).
يقول الماوردي في عمل المرأة في الوزارة ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة ولو كان خيرها مقبولا لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء لقوله: "ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"، ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهنَّ محظور» (2).
وطبقا لكلِّ هذه القواعد الشرعية فإنَّنا نجد أن الإسلام قد أوصد
قوام
أمام النساء أبواب العمل السياسي، وباب مجلس الشورى الذي هو على الأمة كلها. والحق أنه لا نجد إطلاقا في كتب التاريخ ولا في الأحاديث النبوية ما يشهد بأن النبي الله أو أحد الخلفاء الراشدين قد أشرك المرأة في مجلس الشورى، لأن ذلك أدعى إلى الخروج إلى ما هو محرم عليهنَّ كما سبق ذكره (3).
وفيما يخص ولاية القضاء فإن الأئمة الثلاثة مالكا والشافعي وأحمد يشترطون الذكورة، ولا يتركون للمرأة مكانا في القضاء. بينما يجيز الحنفية قضاء المرأة في غير الحدود والقصاص، لأنها تقبل شهادتها في غيرهما، والشهادة نوع، ولاية، وعليها يتم قياس القضاء. وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري قياسا على أن لها الحق في الإفتاء. بل إن ابن جرير يجيز قض يجيز قضاء المرأة إطلاقا دون استثناء. وهو ما ردَّه الماوردي
1 - المودودي، نظرية الإسلام، وهديه، ص 322. 2 - الماوردي، ص 68/ 67.
3 - المودودي، نفسه، وهديه، ص 312.
445 (2/157)
صفحة 475
واعتبره رأيا شاذا مخالفا للإجماع. وهناك من يؤيد قضاء المرأة في
القضايا التي تنسجم مع طبيعتها (1).
في هذه القضية نجد الأمر واضحا بالنسبة للولاية الكبرى، إذ ليس ن المنطقي إسنادها للمرأة، وهو أمر مجمع عليه، فلا تتولى الخلافة. ويبقى توليها الولايات الصغرى فيما دون الخلافة مجال اختلاف واجتهاد بين العلماء.
هذا
من الجانب النظري، فما هو الجانب العملي للقضية لدى أهل السنة والجماعة، ولدى الإباضية خلال حكمهم؟ وكيف كانت مكانة المرأة السياسية؟ وما مدى تأثيرها في الحكم؟ وهل خرجت عن الإجماع
فيما وقع فيه إجماع؟
1 - أهل السنة والجماعة
عندما نتصفح الدراسات التاريخية حول القرون الثلاثة الهجرية الأولى، لا نكاد نعثر على عمل سياسي قامت به المرأة المسلمة، إلا في الأيام التي بدأ الضعف يدب فيها إلى الخلافة العباسية في فترتهم الثانية. حيث تدخلت المرأة بقوَّة وسيطرت أحيانا على مقاليد الحكم. وأصبح الأمر والنهي بيدها. وقد تمتعت المرأة العباسية بقسط وافر من الحرية جعلها تصل بسهولة إلى مراكز السلطة. ويرجع ذلك إلى الحياة التي عاشتها هذه المرأة في ظل البذخ واللهو، إلى جانب رجال القصر، مما جعلها تحتك بالسياسة وتتأثر حياتها بها، وبالتالي كان لا بد لها من
1 - عمر الشريف نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية، ص 125 وما بعدها، نقلا عن: محمد سلام مدكور القضاء في الإسلام، ص 38/ 37.
446 (2/158)
صفحة 476
التكيف حسب مزاجها هذا من جهة، ومن جهة أخرى ظهور ضعف في بعض الخلفاء وعدم كفاءتهم. مما وفرَّ الفرصة السانحة للمرأة لتتدخل في مجرى الحياة السياسية وتتصرف في مقاليد الأمور.
وقد اشتهرت أم المقتدر -السيدة وقهرماناتها في تدخلهنَّ في السلطة، واشتهر المقتدر بالرجوع إلى رأيهن في تعيين موظفيه. كما أصبحت أمه تأمر وتنهى من ذلك أنها أجلست "ثومال" إحدى قهرمانا تھا كصاحبة المظالم. واشتهرت "أم موسى" و"ست الملك"، و"قبيحة" أم المعتز الخليفة العباسي. وفي الأندلس أيام الأمويين تألق نجم "صبح" أم هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر (1).
وما يمكن ملاحظته هو أن هذا العمل السياسي الذي قامت به المرأة كان في الفترة الضعيفة للحكم الإسلامي، كما سبق ذكره. وذلك عندما أصبح بعض الخلفاء ألعوبة في أيدي رجال القصر والحكام وأصحاب الشوكة، كالوزراء والضباط. وهذا ما يجعلنا لا نعتبر هذه الفترة مقياسا حقيقيا للحكم على أهل السنة في تطبيقاتهم العملية الخاصة بمنع المرأة من الوصول إلى السلطة السياسية العليا، لأن العبرة بالأيام التي كانت الأمور فيها ميسرة للخلفاء ويشرفون تمام الإشراف على أمور الدولة، وهي الفترة التي لم تشهد إطلاقا وصول المرأة إلى
سدة الحكم، ولا إلى استشارتها أو إسناد عضوية الشورى إليها.
- -
1 حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 254 446 - حسن علي إبراهيم،
النظم الإسلامية.، ص 46.
447 (2/159)
صفحة 477
2 - الإباضية
لم تسجل المرأة الإباضية بدورها عملا سياسيا يذكره التاريخ، فقد أغلق الإباضية هذا الباب غلقا محكما بحيث لم تقترب المرأة أيام الحكم الإباضي مشرقا ومغربا إلى القصر، ولم تحتكَ بالساسة والأئمة في هذا
الميدان.
وباعتبار أن للإباضية مراحل سياسية عايشوها ابتداء من مرحلة الكتمان أيام الأمويين، ثم الدفاع والشراء وأخيرا الظهور، فإن المرأة قد قامت بأعمال جبارة في الطور السري للحركة الإباضية. ذكرت الدراسات عدة نساء شهيرات في هذا الميدان (1). وهذا العمل وإن كان يمثل حركة سياسية فإنَّه يبقى دائما خارج نطاق الحكم والسياسة، إذ لم يسند إلى المرأة أمرُ القيادة حتى في الأحوال السرية.
وتذكر المصادر التاريخية الإباضية استشارة أبي عبيدة بن عبد الحميد الجناوني لعجوز اشتهرت بالعلم والتقوى والورع، وذلك لما حمله الإمام عبد الوهاب مسؤولية جبل نفوسة كعامل له عليه، فأشارت عليه بالأمر السديد والقيام بذلك لكفاءته ولعدم وجود من هو أكفأ وأحزم منه بين الرجال (2). وقد حدثت هذه الحادثة أيام ظهور الإباضية وأيام عزّهم وازدهار دولتهم والتي عُرفت فيها نساء شهيرات في العلم والأدب، ومع هذا لم تتقلد إحداهن أمور السياسة، ولا أثرت في الحكم، وهذا ما
1 أمثال هند بنت المهلب، وعاتكة وسعيدة المهلبية اللاتي كن يعقدن في بيوتكمن اللقاءات ويجمعن الأموال للحركة الإباضية. انظر: عوض خليفات التنظيمات السياسية والإدارية للإباضية في مرحلة الكتمان، ص 50.
2 أبو زكرياء، كتاب السيرة وأخبار الأئمة، ص 123 وما بعدها.
448 (2/160)
صفحة 478
يستنتج من قول هذه العجوز لأبي عبيدة حيث قالت: «هل تعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت به وأحق بتقليد ما قُلّدت؟» ومن جوابه لها: «أما في أمور الرجال فلا» (1). فالظاهر من هذه المقولة أنه يوجد من النساء من هو أعلم وأقوم، ومع هذا فقد أشارت عليه بقبول المسؤولية، لأنه أقوم الرجال، وليس أقوم النساء في
بلاده.
ولم تعرف أيام الضعف السياسي للحكم الإباضي كذلك آية أعمال سياسية قامت بها المرأة الإباضية سواء في عمان أم في تاهرت. ونعني بذلك أمور الخلافة بقدر ما عرفت قيام المرأة بالجوانب الأخرى
للحياة، خاصة العلم والتفقه في الدين.
ويستنتج من
هذه المعلومات السابق ذكرها أنها كانت تُستشار
فقط، دون الممارسة العملية للسياسة.
***
من الناحية النظرية فإن الإباضية لا يختلفون في مسألة تولي المرأة للوظائف السياسية عن أهل السنة، إذ يتفقون على تحريم العمل السياسي على المرأة إلا ما عُرف عن آراء بعض علماء أهل السنة من قولهم بجواز ذلك لها، قياسا على الإفتاء. وهو رأي لم يصل درجة
الإجماع. أما
من الناحية التطبيقية فإن النظامين لم يعرفا أي ممارسات سياسية للمرأة، وذلك بحكم تمسكها بشرط الذكورة فيما يخص الإمامة الكبرى. ويبقى ما حصل أيام العباسيين، فإنَّا قد عللنا ذلك بالضعف
-1 الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، ج 1، ص 71.
11
449
2 (2/161)
صفحة 479
الذي تردَّى إليه بعض الخلفاء. وهذه حالة شاذة لا يُقاس عليها. وقد عرف الحكم العباسي بعد فترة نفوذ عادت فيه الكلمة للخلفاء. أما خلاف ذلك في غالب حكم الأمويين والعباسيين فإن المرأة لم تصل إلى مقاليد الحكم ولا أصبحت عضوا في مجلس الشورى.
دي وديو
450 (2/162)
صفحة 480
الفصل الرابع
الخروج على الإمام وعزله (2/163)
صفحة 481
[صفحة فارغة] (2/164)
صفحة 482
في خضم الصراعات السياسية للحركات والفرق الإسلامية إبان ظهورها، أفرزت تلك الأحدات ثلاث نظريات سياسية تخص عزل الأئمة الجورة والخروج عليهم. ولقد افترقت هذه الفرق إلى ثلاثة مدارس كبرى وهي مدرسة الصبر، مدرسة الإعداد، ثم مدرسة الخروج. وقد اعتمدت كل مدرسة على نصوص قرآنية وأخرى سنّية. وكانت أسباب تفرقها هي الطريقة التي سارت عليها كل مدرسة في تفسير تلك النصوص. فمنها التي تشبثت بالنصوص إلى حد الجمود والتوقف عند مفهوم الكلمة. من بين هذه النصوص قوله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا) (1). وقوله: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني» (2) ومنها التي تطرفت في ذلك، ونادت بالخروج مهما كانت الظروف والوسائل، وبدون مراعاة الواقع الاجتماعي وما سينجر عن ذلك من فتن. في حين توسطت مدرسة الإعداد بينهما، وذلك بالاعتماد في عملها على مدى نجاح الثورة في قلب النظام وتغيير المنكر.
وقد اختصت بمدرسة الصبر كلّ من أهل السنة وفرق الشيعة، ونادت بالإعداد ومراقبة الفرصة المواتية الفرقة الإباضية والمعتزلة، في حين تطرف الخوارج ونادوا بالخروج على الظالم مهما كان الثمن (3).
1 - سورة الأنفال آية 45 - 2 - رواه البخاري ج 9، كتاب الأحكام باب 1 ص 61 وابن ماجة ج 1، ص 4، المقدمة رقم 3، ج 2، ص 954، باب طاعة الإمام رقم 2859 وأحمد، ج 2، ص 270، 416 3 - انظر الفصل الثالث من الباب الأول.
453 (2/165)
صفحة 483
والجدير بالملاحظة أن هو نظرية الخروج في مذهبها الخارجي قد
انقرضت مع أصحابها. أما نظرية الصبر، التي نادى بها فقهاء المذاهب الأربعة الكبرى الأوَّلون، فقد حصل فيها تطور عرفه علماء أهل السنة المحدثون، ونادوا بضرورة التحضير الاجتماعي ومراقبة الفرصة لتصحيح الأوضاع، بأقل ما يمكن من إراقة الدماء. وقد ألقوا بكل ما حدث من استبداد أيام الحكم الإسلامي على مثل هذه النظريات التي أعطت فرصة للطغاة وللمغامرين للاستحواذ على سلطة المسلمين.
أولا: الخروج على أئمة الجور
-1 أهل السنة والجماعة:
إنه وفق ما توصلنا إليه في الفصول الأولى السابقة من أن بعض الخلفاء قد جنحوا إلى الاستبداد، وكمُّوا الأفواه، وصادروا بعض الحريات الأساسية. فلا شك أنه كان للرعية ردُّ فعل معين قد يكون مدعاة للخروج ضدَّ الخلفاء. فما هو حال المسلمين عامة، والعلماء خاصة أزاء هذه المسألة؟
إن تعصب الأمويين لعروبتهم وتعزيزهم لنظرية الجبر، واتخاذ بني العباس الصبغة الإلاهية للحكم مطية للبقاء في السلطة، جعلتهم جميعا يفرضون على الرعية كل ما من شأنه تسهيل عملية السيطرة، وبالتالي
454 (2/166)
صفحة 484
تسخير كل الوسائل من مالية وإدارية لبلوغ أهدافهم. وإذا كانت هذه الوضعية لا تشبه تماما ما كان عليه الخلفاء الراشدون، حيث كان الناس
يسلمون بالقانون الشرعي، وأصبحت تقاد بالأهواء، فإننا لا نتعجب من قيام الرعية بشقّ عصا الطاعة، والدخول في العصيان. نتيجة السياسات القاهرة التي سهلت إهراق الدماء.
فبعد أن كان الخليفة عمر يخطب للمسلمين قائلا: «من رأى منكم اعوجاجا فلقومه»، نسمع الخليفة عبد الملك بن مروان يقول بعد قتله
لابن الزبير: ولا يأمرني أحد منكم بتقوى الله بعد الآن إلا ضربت
عنقه».
وبعد أن كان الخليفة يختلط بالناس في جميع أمور حياتهم، يراقب ويأمر وينهى، نجد الوليد بن عبد الملك يخلى له المسجد النبوي من جميع الناس ليقوم بمشاهدته (1)
إن هذه الصور تعطينا فكرة واضحة عن علاقة بعض الخلفاء بالرعية في العصرين الأموي والعباسي. إن التعسف في السلطة وسياسة الرعية بغير أحكام الله جعلت كثيرا من الأتقياء يتبرؤون من خلفائهم. وقد أدى هذا الوضع إلى قيام جماعات بالعراق تنادي بالعدل والمساواة وإقامة الشورى في الحكم واختيار الإمام (2)
فإذا كانت هذه الركائز قد غابت في الممارسات السياسية لهؤلاء الخلفاء، فإن المعاملة وكثرة المطالب والمغارم التي أثقلت كواهل سوء
1 - محمد الخضري، ج 2، ص 208
2 نفس المصدر، ج 2، ص 120 - عبد العزيز سالم، ج 3، ص 593
455 (2/167)
صفحة 485
المسلمين وخاصة في المغرب، والنفوذ الأجنبي، وظهور النظم الإقطاعية، وتقنين الرقّ، وظهور روح التفرقة العنصرية في المجتمع الإسلامي، وانتشار المبادئ الشورية لفرقة الخوارج إلى جانب ثورة القرامطة، كلُّ هذه العوامل كانت الأسباب الحقيقية والمباشرة لتدمر الرعية ومحاولة قلب الأنظمة السنية (1)
ويلخص الدكتور إبراهيم العدوي الجبهات التي قامت فيها الثورات على الحكم الأموي والعباسي في ثلاث جهات معارضة، وهذه الثورات كلها وبد
وبدون استثناء كانت تريد الرجوع بالحكم إلى الشورى (2)
وإذا كانت الخوارج تؤمن بقاعدة الخروج صراحة على الإمام الجائر، فالسؤال المطروح هو ما بال الفرق والجبهات الأخرى لم تستكن للصبر، طبقا للنظريات التي وضعها فقهاء أهل السنة؟
فالمؤكد تاريخيا أن أكثر هذه الثورات قامت وعاصرت كثيرا من الصحابة الذين حضروا نزول الوحي، وسمعوا أحاديث رسول الله، كما أن الكثير منها قد وقعت أيام التابعين من أبناء الصحابة، وأئمة المذاهب الأربعة الكبرى. ثم إن أربعتهم أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأحمد قد عاصروا أعزّ أيام هؤلاء الحكام المستبدين، وذلك ابتداء من سنة 80 هجرية إلى سنة 241 هـ، ومع هذا فإننا نجد منهم من قام بالثورة، أو على الأقل مال إلى الثوار وناصرهم خفية.
1 - انظر تفاصيل أسباب الثورات في كتاب الخربوطلي، ثورات في الإسلام، ص 122 و 172 - عبد العزيز سالم ص 47 - جودت عبد الكريم، ص 40.
Henri Laoust: Les Schismes dans L'Islam, p 22.
2 - وهذه الجبهات التي قامت فيها الثورات هي حبهة أبناء علي بن أبي طالب أبناء
الصحابة في الحجاز جماعات الخوارج. انظر تاريخها إبراهم المدوي، النظم، ص 164
456 (2/168)
صفحة 486
وإن الأحداث التاريخية التي مرت بها الفترة الأموية والعباسية تؤكد
أنها كانت فترة ثورات وفتن داخلية. وإذا كانت جهود الأمويين قد انصبت على جبهتين: داخلية هي متابعة أتباع علي بن أبي طالب، المتبقين من صفين، والخوارج والإباضية وخارجية هي مواصلة الفتوحات الإسلامية، فإن أكثر جهود بني العباس قد توجهت إلى قمع الثورات وموجة الانفصاليين. وإن الطابع الاستبدادي الذي ميز الحكم
أيام يزيد بن معاوية يكفي أن يكون مثالا حيا لمسألة الخروج عن الجورة (1)
الأئمة
وإذا استثنينا الخوارج الذين لم يكفوا عن الثورة ضد الخلفاء السنّيين طوال عهودهم منادين بالنظام الجمهوري، فإن الخارجين على هذه الأنظمة لم تكن إلا سنية أو شيعية تجمعهم نظرية الصبر وعدم الخروج، وطاعة الإمام في غير معصية.
ولقد تركزت نقاط التوتر بالنسبة للخوارج في عمان والجزيرة العربية والمغرب وخرسان وغيرها. ولكنَّ السلطة القائمة كانت دائما وراء إخمادها أو على الأقل إضعاف قوتها (2). مع ملاحظة أن المؤلّف ذكر الإباضية ضمن الخوارج، وهذا ما يفهم من ذكره لعمان والمغرب. فالإباضية لم يخرجوا إطلاقا في عهد الأمويين، بل كانوا مكتتمين لأمرهم. ويظهر ذلك جليا من أن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن
1 - وقد سجلت ثلاث فتن كبرى تمثلت في حادثة الحسين وقتله من طرف يزيد، ثم وقعة الحرة وحصار المدينة، وأخير حصار مكة وابن الزبير الذي تحصن بها. انظر، محمد الخضري، ج 2، ص 132/ 130/124. 2 - أحمد أمين ضحى الإسلام، ج 3، ص 237. ولمزيد من المعلومات عن خروج الخوارج انظر - حسن إبراهم حسن، تاريخ، ج 2، ص 208 - أحمد شلي، ج 2، ص 214
457 (2/169)
صفحة 487
علي بن أبي طالب لما أراد الخروج على الأمويين أرسل إلى إباضية العراق يستنصرهم، وتفاوضوا مع أبي عبيدة، فكانت النتيجة هي الامتناع عن الخروج لأنهم خرجوا بهدف الملك واسترجاعه، ولم
يخرجوا نصرة للإمامة العادلة كما كان هدف الإباضية (1)
وقد
كان خروج الإباضية ظاهرا وجليا في الفترة العباسية بالنسبة للدولة الرستمية، وفي الفترة الأموية والعباسية بالنسبة لإمامة عمان، التي لم تنقطع إلا في فترات معيَّنة وعلى سواحل عمان فقط، وكان سبب هذا الخروج هو بعد هذه المناطق التي أقام الإباضية فيها دولهم عن مراكز الخلافة السنّية، لأن عامل البعد يضمن في أغلب الأحوال النجاح في الخروج.
إن الثورات التي قام بها أغلبية الزعماء الشيعيين كانت في أغلبها من أجل القضاء على الخلافة السنية، وإقامة الخلافة الشيعية (2). فهذه
الله
1 - انظر تفاصيل ذلك في دبوز، ج 3، ص 167 وما بعدها. -2 - كثورة الحسين بن علي وثورة الثوابين في العهد الأموي. وثورة يحي بن عبد التي جعلت الرشيد يترك شرب النبيذ، وينتدب لقتاله الفضل بن يحي بن خالد. وثورة أخيه إدريس بن عبد الله وثورة أهل قم على المأمون، ثم ثورة محمد بن عبد الله وإبراهيم بن عبد الله. انظر تفاصيل ذلك في الطبري، ج 8، ص 614 - ابن طباطبا، ص 30 وما بعدها- محمد الخضري، ص 103 أحمد شلبي، ج 2، ص 200/ 180/179 - حسن إبراهيم حسن، تاريخ، ج 2، ص 121 - الخربو طالي، ص 70 إلى 160. البيذ الأحناف وأكثر أهل العراق يفسرون الخمر في الآية «نما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعكم تفلحون» المائدة، 91، بعصير العنب. ويقولون يحصر الحرمة فيها. أما النبيد وهو ما أخذ من التمر والزبيب فليس حراما إذا لم يسكر، ويستدلون بقوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون سكرا ورزقا حسنا سورة النحل، آية 67 وبقوله: «حرمة الخمر بعينها، والسكر من كلّ شراب» أحمد شلبي، ج 3، ص 126.
458 (2/170)
صفحة 488
الثورات، وإن كانت قد ثارت بسبب القهر والاستبداد، فإنَّها في غايتها
واحدة هي استرجاع السلطة العلوية.
وفي هذه الفترة قامت ثورة شهيرة وهي ثورة زيد بن علي، والتي جمعت بين آراء الشيعة وآراء السنَّة، وقامت ضد استئتار البيت الأموي بالسلطة، وضدَّ ظلم ولاتهم (1)، فكان هدفها أقرب إلى الواقع والحق، و لم يكن بهدف استرجاع الخلافة العلوية.
أما الثورات السنية الحقيقية التي قامت من أجل إزاحة الظلم والقهر من طرف الخلفاء، وخروجهم عن أحكام الشريعة، ونادت بالشورى، واختيار الإمام وفق الشروط الإسلامية، فقد تربع على عرشها عبد الله ابن الزبير الثائر سنة 61 هـ، والذي جعل دولة الأمويين تتضاءل، وأصبح خليفة على الحجاز ومصر (2). ثم ثورة عبد الرحمن بن الأشعث الذي تلقب بناصر المؤمنين (3)، وثورة المختار بن وثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي، و خروج إبراهم بن المهدي، والعباس بن المأمون (4) وإذا كانت هذه الثورات كلها قد حدثت قريبا من الخلفاء وتحت أعينهم، فإن جناحي الدولة الإسلامية لم يسلما من أحداث الخروج عن السلطة المركزية وأقامت دويلات سنية مستقلة عن الخلافة في بغداد. وقد كان البعض
منها معترفا بالخلافة العباسية في حين استدبرها الأكثرون (5)
1 - الخربوطلي، ص 160. 2 - نفس المرجع، ص 105/ 88 - أحمد شلبي، ج 2، ص 203 - .. Henri Laoust, p 22 - 3 المرجع السابق، ص 140
-4 المرجع السابق، ص 121 - أحمد شلي، ج 2، ص 192/ 170/168
5 - حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام، ج 2، ص 210 - ج 3، ص 26 - ج 4، ص 310. حسن علي إبراهيم، النظم ص. مصطفى الرافعي، ص 45/ 44.
459 (2/171)
صفحة 489
وقد كانت جميع في الوقت الذي تدعو فيه النظرية السياسية لأهل السنة إلى وحدة السلطة في شخص الخليفة الواحد. وإذا استثنينا بعض الدول التي يفصل بينها وبين الدولة الإسلامية بحر أو نظام معادي، كالفاطميين في مصر بالنسبة للجناح الغربي، فإن أكثر الدول المنفصلة الأخرى كانت على اتصال جغرافي بالدولة الأم (1)
هذه الأنظمة سنية وقائمة بنفسها على نفسها،
ويمكن إضافة عدة ملاحظات على هذه الوقائع. فالثورات الأولى كانت بهدف إزالة الحكم الاستبدادي، أمَّا الثورات الأخيرة فكانت في أغلبها تهدف إلى إقامة حكومات وراثية خاصة بها، كالنظام الأغلبي والأموي في الأندلس. ولم تقصد إقامة الخلافة النبوية، وهذا ما توضحه لنا الأحداث التاريخية والحروب والمجازر التي قام بها هؤلاء لبناء دولهم، وكذلك الثورات التي قامت داخل هذه الدول نفسها، وخاصة الأغالبة، حيث إنَّها عمرت مائة واثني عشرة سنة، وحدثت فيها تسع عشرة ثورة، كان أغلبها من البربر والشعب عامة نتيجة لسوء سياسة الخلفاء والولاة (2)
1 ففي نهاية القرن الثالث الهجري وبداية الرابع كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بويه وأصبهان والري والجبل في يد أبي علي الحسن بن بويه، والموصل وديار وربيعة في أيدي بني حمدان وخرسان وما وراء النهر في يد العمانيين، وطبرستان وجرجان في يد الديلم وخزستان في يد البربدي والبحرين واليمامة وهجر في يد القرامطة، هذا بالنسبة للشرق الأوسط والأقص منه. أما في الغرب فقد كان الأندلس في يد الأمويين والغرب الأقصى في يد الإدريسيين، وفي تامسنا دولة برغواطة، ثم الأغالبة في إفريقيا. انظر تفاصيل هذه الدول في كتاب أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 91 - حسن إبراهيم، حسن، تاريخ، ج 2، ص 210. ج 3، ص 26. ج 4،ص 310 - حسن علي إبراهيم النظم، ص 49 - مصطفى الرافعي، ص 45/ 44.
2 دبوز، ج 3، ص 424
460 (2/172)
صفحة 490
والملاحظة الثانية هي
أن بعض
الخلفاء كانوا كثيرا ما يقومون
بأعمال غير إنسانية أزاء المناطق الثائرة في وجوههم، ولا يطبقون على أناسها أحكام الله الخاصة بالمدنيين من شيوخ ونساء وأطفال. كما
حدث في وقعة الحرة، وحصار يزيد للمدينة، واستباحتها من طرف الكعبة بالمنجنيق. فكلها أحداث ورمي
قواته. وكذلك حصار
مكة،
وأعمال ليس لها علاقة بشرع الله من أحكام المعاملات في الحروب
والخاصة منها بقمع الخارجين عن السلطة (1)
ومن الناحية النظرية فإن السيرة الراشدية تؤيد إقرار الإسلام لبعض الحكام الذين تم فتح بلدانهم على حكمها إذا أسلموا. فقد أقر أبو بكر "بازان" الفارسي حاكما على اليمن، و"فيروز" حاكما على صنعاء، كما قام بمثل ذلك حكام مسلمون غيره (2). فإذا كان هذا هو المخرج الوحيد لأهل السنة في هذه المسألة والخاصة بالانفصال، فما بال الخلفاء يقاتلونهم ويسعون في رعيتهم استباحة وقتلا وتعذيبا؟ فهذا دليل على نية هؤلاء الحكام في حروبهم ضد المنفصلين عنهم.
ثم إذا كانت نظرية الإمامة تختلف بين العباسيين والفاطميين ثم الرستميين، فما بال الدويلات الأخرى القائمة على أساس نظرية أهل السنة والجماعة في الإمامة كالعباسيين والأغالبة الزيريين وغيرهم؟ (3) من هنا فإن قضية الخروج بالنسبة لأهل السنة قد ارتكزت أساسا
1 - محمد الخضري، ج 2، ص 134/ 132 - أحمد شلبي، ج 3، ص 203. 2 - سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 172 وما بعدها. 3 - انظر حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4.
461 (2/173)
صفحة 491
على سببين: أولهما خروج بعض الثوار ضدَّ الخلفاء نتيجة القهر والظلم والتفرقة العنصرية ثانيهما الثورة والانفصال على شكل دويلات بهدف إقامة أنظمة مستقلة وليس بغرض تصحيح الأوضاع وإقامة الخلافة النبوية.
وفي هذه الفترة التاريخية الحرجة بسبب عدم تطبيق النظرية السياسية، فإن كثيرا من الفقهاء لم يدَّخروا جهدا في إرشاد الحكام والفتوى بعدم صلاحية أحكامهم، كالإمام مالك بن أنس، والإمام أبي حنيفة، الذي عاش اثنتين وخمسين سنة من عمره في العصر الأموي، وثماني عشرة سنة في العصر العباسي، وإذا كان التاريخ لم يثبت لنا أنَّه خرج مع الخارجين أو ثار مع الثائرين، ولكن مجرى الأحداث كان أن يثبت قلبه كان العلويين في خروجهم وثورتهم ضد الأمويين مع والعباسيين. ولم يكن يرى حقَّ الأمويين في خلافة المسلمين، ويروى عنه أنه لما خرج زيد بن علي بالكوفة قال: «ضاهي خروجه خروج رسول الله له «بدر» (!)، يوم بدر (1)، كما تزعم هذه الثورات كثير من الفقهاء
منهم الشعبي وسعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بن يوسف وغيرهم كثيرون (2)
يتضح مما سبق أن الجانب التطبيقي للعمل السياسي السني لم يحترم قواعد الصبر على الجور. فقد حدث الخروج، وقد كان في أكثره
أن
بغرض الملك والسلطة، كما كان بهدف التصحيح. وهنا يجب نسأل: هل كان الخارجون بهدف تصحيح الأوضاع يجهلون نظرية أهل
1 أبو زهرة، تاريخ المذاهب، ج 2، ص 153.
2 - الوار جلاني، ج 3، ص 78/ 77
462 (2/174)
صفحة 492
السنة
في هذه المسألة؟ أم أن الوضعية التي عاشوها كانت لا تحتمل
الصبر أكثر، نتيجة الإفراط في الاستبداد؟
والذي نراه هو أن نظرية الصبر التي استغلها بعض الخلفاء للبقاء على السلطة لم تكن إمَّا محل إجماع فقهاء أهل السنة، أو أن هذه النظرية كانت بعيدة عمَّا تصوّره علماؤنا السنيون. فكان الواقع مخالفا لما تصوروه، وبالتالي أدَّى هذا الواقع إلى نقض نظرية الصبر والخروج لتصحيح الانحراف.
2 - الإباضية:
سبق أن ذكرنا أن الإباضية ممن توسطوا في قضية الخروج، وقالوا بنظرية الإعداد ومراقبة الفرصة المواتية لإصلاح الأوضاع. فخروجهم مبني أساسا على ضمان نجاح الثورة واعتماد أخف الضررين في كلِّ الحالات (1)، وهذا ما يفسر عدم خروجهم أيام العباسيين مع كل الذين استنصروهم ضدَّ الخلفاء الظلمة. وقبل ذلك لم يشتركوا في أي عمل عنيف قام به الخوارج، والشيعة والتوابون وابن الزبير، وابن الأشعث، وغيرهم أيام الأمويين. ولم يسجِّل لهم التاريخ استعمال القوَّة إلا مرة واحدة، وذلك عندما خرج يحي بن عبد الله الكندي (2) طالب الحق - ضدَّ أئمة الجور باليمن. كما قامت جميع دولهم سواء في ليبيا أو
1 - انظر الفصل الخاص بالخروج في الباب الأول.
-2 إمام من اليمن استولى على صنعاء ومكة. بعث له الخليفة عبد الملك بن محمد وقتله سنة 130 هـ. الدرجيني، ج 2، ص 260.
463 (2/175)
صفحة 493
تاهرت على أساس الدعوة والإقناع (1)، وهذا محافظة على الدماء واتقاء للفتنة. حيث كان الخلفاء الظلمة على سطوة وسيطرة كاملة وقوية على الأمة الإسلامية، فلم يرض الإباضية بالمغامرة. والأحداث التاريخية تؤكد فشل جميع الذين خرجوا ضدَّ الأمويين والعباسيين. فلم يتمكنوا
من إنزال ولو خليفة واحد من سلطته سواء كان أمويا أو عباسيا. ولقد ترجم الإباضية مبادئهم قدر المستطاع على الساحة السياسية، وذلك ما يتجلى من الوقائع التي جرت في إمامة عمان وتاهرت. وقد عرفت إمامة عمان أكثر الأحداث فيما يخص الخروج على الأئمة. ولكنَّ الملاحظ أن أكثر هذه الثورات لم تكن ضدَّ الأئمة من أجل ظلم وجور، بل كانت ذات أهداف سياسية وبغرض الوصول إلى السلطة. والذي جعل عمان تستحوذ على أكبر عدد من الثورات هو طول تاريخ إمامتها، فالرستميون بتاهرت لم يمكثوا أكثر من قرن ونصف، بينما بقيت العمانية متواصلة منذ نشأتها إلا في فترات الضعف والسيطرة الأجنبية.
يقول الشيخ علي يحي معمر بأن الدولة الرستمية لم يقع فيها إلا ثمانية ثورات كانت كلها سياسية، وبغرض الظهور والتمسك بالولاية (2)، والدليل على ذلك هو أنها لم تستطع إسقاط النظام، ويعود ذلك لا إلى استبداد الأئمة وتمسكهم بالسلطة، بل كان العدل والتسامح أساس بقائهم.
1 - علي يخي، معمر أضواء على الإباضية، ص 17/ 13
2 علي يخي معمر الإباضية في موكب التاريخ، ص 45/ 44
464 (2/176)
صفحة 494
وإذا أغفلنا جانب البغاة كخروج غسان بن سعيد أيام آل الجلندى في سنة 145 هـ، وخروج آل الجلندى والمهرة المتمردين على الإمام المهنى بن جيفر (1) فإن كل الثورات الأخرى كانت سياسية محضة كما سبق ذكره، کالنكار، واليزيدية (2)، والحسينية (3)، والسكاكية (4)، والنفاثية، والفرثية (5)، والخلفية والعسكرية (6)، التي خرجت في المغرب الرستمي، وخرج نصر بن منهال وجماعة علي بن موسى وراشد في عمان (7) حيث كان حب الظهور رائدهم. ثم إن البعض منها عرفت تطورا في بعض العقائد الدينية فأعلنت الانفصال والحرب ضد الإباضية، ملاحظة أن الجميع خرجوا وفي أعناقهم بيعة.
1 - انظر تفاصيل القصة السالمي تحفة، ج 1، ص 128/ 127 - السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 268 ج 2، ص 93/ 87.
2 - أتباع عبد الله يزيد، ونجد الدكتور عوض خليفات ينسبهم إلى النكار، أي إلى يزيد ابن فندين، ولعل هذا هو الصحيح، فعرفوا هذا الإسم رافضين كلمة النكار التي هي تسمية مخالفيهم لهم. والشهرستاني ينسبهم إلى يزيد بن أنيسة الذي كان تبرأ من جميع الخوارج، ويتولى الإباضية، وذكر لهم اعتقادات باطلة فنذها ابن حزم الذي ينسبهم إلى يزيد بن أنيسة ابن الصغير، ص 44).
-3 - أتباع أبي يزيد أحمد بن حسن الطرابلسي، عاش في القرن الثالث الهجري (علي يحي معمر، أضواء على الإباضية، ص 31).
-4 - يتزعمها عبد الله السكاك اللواتي رغب في الظهور، فأنكر الأذان، وصلاة الجمعة، وأنكر الإجماع والقياس والسنة علي يحي معمر، أضواء، ص 32). 5 - تزعمها أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح، عالم واسع الاطلاع، أحب الظهور في وقت
كثر فيه العلماء، وأفتى بمسائل لم يقل الإباضية بها (نفس المرجع، ص 33)
6 - أهل العسكر، كما يقول ابن الصغير، فهذه التسمية وظيفية وليست مذهبية (ابن
الصغير، ص 45
7 - السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 123
1227
465
2. (2/177)
صفحة 495
كما ظهرت بعض الثورات التي كانت مذهبية أصلا كالواصلية وابن مسالة (1)
يقول الأستاذ عبد الرحمن الجيلالي في موضوع هذه الثورات، هذا: ورغم ذلك فإنه وقع شيء من التنازع المذهبي بين النكارية والإباضية على عهد الإمام عبد الوهاب، وهو في حقيقة أمره نزاع سياسي لا ديني، سببه التهالك على الرئاسة من أصحاب المقاصد والمنافع
الشخصية» (2)
فالإباضية في ذلك الحين لم يشهدوا خروجا ضد الأئمة لأنهم كانوا في الغالب عدولا. وإذا حدث أن خرج إمام على عهده وشروط بيعته، فالمسلمون له بالمرصاد بدون تفويت للفرصة التي توفر مناخا غير
دموي.
هذا فإن الاسثناء قائم في كل الظروف. فإذا كان عهد
الراشدين قد شهد قد شهد خروج من العهود من باب أولى. وفعلا فذلك ما سجله تاريخ عمان إلا أن الأئمة الإباضية قاموا بالتصرُّف فيما وافق قواعدهم، ضبطا للنظام، وكفا للدماء قدر الإمكان (3)
طلحة والزبير - فإن عهد الإباضية وغيره
1 - انظر قصة الثورتين في كتاب الدرجين، طبقات، ج 1، ص 57. دبوز، ج 3، ص 584. 2 - عبد الرحمن الجلالي، تاريخ الجزائر العام، ص 230.
-3 وتروي الأحداث التاريخية عن راشد بن النظر أنه لما طغى والمسلمون يومئذ على ضعف منه اجتمعوا عليه من كل نواحي عمان وهزموه وفرق موس بن أبي جابر وهو على رأس المسلمين جميع ولاة راشد على الولايات للتخلص منهم، ثم ولى محمد بن أبي عفان، ولما قوي هذا الأخير عزلهم. انظر السالمي، تحفة، ج 1، ص 88.
466 (2/178)
صفحة 496
وعندما نتحدث
عن قاعدة الخروج عن الإمام الجائر إذا سمحت
الظروف، فإنَّنا نعني بذلك جميع الظروف سواء كانت قوة أجنبية أصابت المسلمين، أو ضعفا أصاب الإمام الجائر. ولو أدَّى الأمر إلى
الوقوف مع ظالم والخروج
معه
ضد من هو أظلم منه. كما وقع أيام
الإمام غسان بن عبد الحميد، حيث وقف الإباضية وشيوخهم إلى جانبه رغم انه تحمد سيرته ويعلق الدكتور طالب هاشم على هذا بقوله: وهذا دليل على النضج السياسي» (1) وقد سجلت الدولة الرستمية أيضا أحداثا سياسية في تغيير الإمام الضعيف بغية المبايعة للإمام الأقوى، بناء على قواعد الحكم والسياسة لدى الإباضية (2) مع المحافظة قدر الإمكان على الدماء والابتعاد عن
الفتن.
فإذا كانت حوادث الخروج ضدَّ الأئمة الجورة قليلة بالنسبة للأنظمة الإباضية، فإن السبب منطقي جدا، حيث إن قاعدة اختيار الإمام بالطرق الشورية عن طريق أهل الحل والعقد، وبدون استعمال. لوسائل الإكراه، ثم النصح والإرشاد وقيام أهله به بدون جرح وتشهير التي مكنت الإباضية من الوصول إلى هذه الوضعية، التي
بالضعف،
هي
1 طالب هاشم، الحركة الإباضية في الشرق، ص 199/ 198. 2 حدث هذا عندما التفت جماهير الإباضية حول الإمام أبي بكر وهو غير كفء، ومن غير عقد وبيعة خاصة من أهل الحل والعقد. ولكن اتقاء الفتنة العامة فقد تركت الأمور على حالها، وبمجرد رجوع أخيه من الشرق قام أهل الشوكة بعزل أبي بكر ومبايعة أبي اليقظان (281241 هـ)، بدون إثارة لثورة ولا إراقة للدماء. انظر كيف ولي أبو بكر الإمامة في كتاب ابن الصغير، ص 61. الشماخي، السير، ص 220. جودت عبد الكريم، العلاقات، ص 66.
467 (2/179)
صفحة 497
تجلت فيها العدالة الاجتماعية، وبالتالي الاستقرار الأمني.
وفيما يخص الثورات التي قامت بأغراض سياسية أو أهواء أو حب للظهور، فمرد ذلك إلى الحرية الفكرية التي كان المواطن الرستمي يتمتع
بها.
•
كما أنه لا يمكن إغفال جانب أهل الحل والعقد، وما تميزوا به من حرص شديد على إقامة قواعد الحكم والسياسة في إطارها الشرعي، وعدم التهاون وترك الإمام ونفوذه يطغى إلى درجة لا يمكن التحكم فيه، وذلك بمراقبة أعماله وولاته وقضاته وبسبب هذه الوضعية لأهل الحل والعقد، كثيرا ما أصبح هؤلاء قوة ضغط على الإمام، وأصبحوا معادلة سياسية ثقيلة في الحياة السياسية الإباضية. بل لقد وصل الوضع إلى أن يكون الواحد منهم يعادل الإمام ونفوذه، من ذلك الفقيه موسى أبي جابر (1) الذي كان رأس الشيوخ في عهد راشد بن النضر.
ابن
إنه من خلال تحليلنا لمسألة الخروج واقعيا، نستنتج عدة نتائج من
شأنها توضيح طبيعة الحكم إبان العصور الأولى للدولة الإسلامية. إن قرب تلك الفترة السياسية من زمن الوحي يجعل من الرعية أمة أشدَّ تمسكا بالتعاليم الإسلامية، وأكثرها انقيادا للجانب الروحي للشريعة واجتهادات الفقهاء، وخاصة الأئمة الأربعة الكبار. فهذه الملاحظات التي كانت موجودة فعلا ومحققة في الأمة الإسلامية، وبقوة
كبيرة آنذاك، هي
تبين لنا الدرجة التي وصلت إليها سلطة الخلفاء في
1 - السالمي، تحفة، ج 1، ص 88.
468 (2/180)
صفحة 498
الاستبداد، بحيث لم يسجل التاريخ أية انتصارات مشهودة من طرف الذين خرجوا وثاروا على النظام إلا الانفصاليين الذين جاءوا مستغلين لبعض الظروف الزمانية والمكانية والسياسية لخروجهم، كالضعف الذي عرفته الفترة العباسية الثانية، أو الابتعاد عن مركز الخلافة، كما وقع في شرق وغرب مركز السلطة، أو وجود نظام مغاير لأهل السنة كالفاطميين الذين وقفوا حاجزا في مصر ضد تقدم العباسيين نحو
المغرب.
إضافة إلى ذلك، فإن الخروج الذي حصل بين العباسيين أنفسهم، أو التمرد العسكري والسياسي بالاصطلاح العصري، لم يكن بغرض الإصلاح الديني السياسي، بل كان هدفه أساسا هو الاستحواذ على السلطة، كما وقع بين الأمين والمأمون وما قام به إبراهم بن المهدي والعباس بن المأمون (1)
وما يمكن قوله هو أن جميع الثورات التي وقعت، مع تباينها في أهدافها ما بين دينية ودنيوية، فإنَّها لم تكن مطابقة لآراء أهل السنة
ما
والجماعة المنادية بالصبر واحتمال أخف الضررين، بالمقارنة مع سيحدثه الخروج من فتن وإراقة للدماء، وأن في اجتماع الأمة الخير الكثير. وهذه هي الخيبة التي وقع فيها الفقهاء السنيون بسبب تنظيرهم لهذه الآراء، فمكنوا بعض الخلفاء من الاستبداد، ودين الله
منهم بريء.
وأمَّا فيما يخص الإباضية الذين حاولوا تطبيق آرائهم حرفيا، فإن ما وقع في عهودهم من ثورات لا يعدُّ بحقِّ خروجا؛ لأن النظرية السياسية
1 - أحمد شلي، ج 3، ص 169 وما بعدها.
469 (2/181)
صفحة 499
الإباضية لا تجيز الخروج إلا ضد الجور، وهذا الجور لم يحدث نظرا لتغلب عدالة الأئمة. وقد كانت أكثر الثورات كما سبق ذكره من أجل أهداف سياسية أو مذهبية (1) في حين أن ما وقع أيام الأمويين والعباسيين كان الهدف منه ما بين مغير للمنكر كثورة الثوابين، والوصول إلى الحكم كالانفصاليين والخلفاء بعضهم مع بعض الأمين والمأمون.
ولم يسجل التاريخ خروجا حقيقيا شرعيا منطلقا وهدفا في أيام الرستميين والعمانيين ويعود ذلك في رأينا إلى ما اشتهرت به هاتان الدولتان من العدالة، وكانت أحداث أبي بكر الرستمي وراشد بن النضر العماني إقالة تصرف فيها الأئمة الإباضية وفق آرائهم
السياسية (2)
ونشير في النهاية إلى نقطة هامة استراتيجية كان لها الأثر الكبير في
وجود
و.
هذه
استقرار الدول الإباضية إلى جانب عدلها، وهي في رأينا الأنظمة في محيط متناقض سياسيا ومذهبيا، مما جعل الإباضية كلهم عينا واحدة ساهرة على مراقبة الخطر الخارجي، قبل التفكير في زحزحة الحكم داخليا.
-1 - راجع تاريخ تلك الثورات في كتاب عبد الرحمان الجلالي، ص 230 وما بعدها السيابي،
عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 123.
-2 طغيان الإمام راشد بن النضر وتصرف الأئمة معه. انظر قصة ذلك في السالمي، ج 1، ص 89.
تحفة،
470 (2/182)
صفحة 500
ثانيا: عزل الأئمة
-1 أهل السنة والجماعة:
إن علماء السنة يقرُّون بالإجماع أن ما يخرج الإمام عن إمامته هو جرح في عدالته أو نقص في بدنه وفي تصرفه (1) وقد شهدت الخلافة الإسلامية ضُروبا من هذه الحالات، وخاصة ما يتعلق بالجرح في العدالة والتصرف.
والقاعدة العامة في عزل الإمام وإجباره على الاستقالة تنطلق من مدى استقامته على العهد الذي قطعه على نفسه في تنفيذ أحكام الله،
وإقامة الدين.
فإلى أي مدى استطاع خلفاء أهل السنة المحافظة على هذه
النظريات السياسية؟
بناء على ما قرره الفقهاء السنيون في عزل الإمام والأسباب التي تجيز ذلك، وخاصة ما جاء في الأحكام السلطانية (2)، فإننا نستطيع أن نحكم من البداية أن الواقع السياسي لهذه الأنظمة بناء على ما أرخه الكتاب قد عرف مثل هذه الأسباب وأكثر منها. ولكن الواقع والنتائج لم تتغير، إذ بقي السلطان في منزلته فلا هو استقال، ولا استطاع أهل الحل والعقد إزاحته من منصبه.
إن الواقع السياسي الذي سارت عليه وتيرة الحكم في العهد الأموي
1 - الماوردي، ص 53 وما بعدها.
2 - انظر تفاصيل ذلك في كتاب الماوردي. وفي الفصل الثالث من الباب الأول.
471 (2/183)
صفحة 501
والعباسي كفيل بالإجابة على هذا الطرح، حيث إن أكثر الخلفاء ساروا في احتكار السلطة، وانتهجوا في سبيل ذلك كل ما من شأنه أن يحافظ على وراثة الخلافة. وهذه الحالة من الحكم والنوع الذي اختاره الخلفاء لسلطتهم يلغي تماما فكرة العزل أو الاستقالة ما دام الحكم وراثيا، وإن النظريات التي كانت من الأسس التي اعتمدت عليها سياساتهم، هي أسس استراتيجية فقط كالاعتماد على نظرية الجبر والإرجاء، والنظرية الإلاهية في الحكم. فهذه هي التي جعلت الرعية تستكين للواقع المحتوم، وتخضع للخلفاء والأمراء، باستثناء الثورات التي تزعمها بعض أبناء الصحابة، وبعض الفقهاء، والتي أحمدت نهائيا بالقوة والاحتكام إلى
السيف.
اما
ناحية أهل الحل والعقد، وواجبهم الديني، وتطبيق قاعدة من مراقبة ومحاسبة الإمام، فإن الوضعية السياسية قد كمت الأفواه. ودخل الجميع في تقية أجازوها لأنفسهم، وهي عدم الخروج على الخلافة الظالمة. وأما من نقض هذه القاعدة فعادة ما كان مصيره القتل، وصنوف أخرى من القهر والتعذيب والمصادرة.
إن النظام الوراثي قد كان بدوره من أكبر الأسباب في الوصول إلى هذه الوضعية، وعدم القدرة على العزل فولاية العهد للابن" هذه القاعدة، قد صدَّت الجميع عن مراقبة ولي العهد، ومدى استيفائه لشروط الخلافة، وهي التي جعلت أكثر العيوب التي تجعل الإمام يتخلى عن إمامته وجوبا موجودة في بعض الخلفاء الذين مروا على سدة الحكم السني، وخاصة ما يتعلق بالجرح في العدالة، كضعف الشخصية، وصغر
472 (2/184)
صفحة 502
السن، وعدم الكفاية العلمية والسياسية، ثم النتائج المترتبة عن كل ذلك من ضياع لأمور المسلمين واستيلاء بعض من لا خلاق له على مقاليد الحكم (1)
الخلافة
ولقد سجل التاريخ السياسي الطويل للعهود السنية بعض أحداث العزل، كان الخليفة دائما هو كبش الفداء ولكن من المنظور الإسلامي ووفق ما شرعه العلماء، فإن هذا العزل لم يكن بغرض تصحيح لنقص طرأ عليها، وقد تم ذلك لأن الذين كان بيدهم الحكم، من الوزراء والجند ورجال القصر، لم يكن الخليفة ضمن هواهم ولا منفدا لسياستهم. وقد حصل هذا خاصة في العصر العباسي الثاني، وذلك عندما بدأ الأتراك يسيطرون على الخلفاء، وهذا ما جعل العزل دنيويا
محضا (2)
إن العزل من الخلافة بهذا النمط السابق ذكره قد وقع عدة مرات، ورغم أن عثمان بن عفان الذي وقع له الخلع بواسطة قتله لا يعد ضمن الخلفاء موضوع الدراسة، فإن الدكتور ظافر القاسمي يقحمه ضمن دراسته لهذه الحالة، ويضيف بأن القتل كان دائما الوسيلة المختارة للثوار، وأنه خير من تركه لأن له أنصارا قد يعكّرون صفو الحكم. وهذا ما وقع فعلا في تاريخ كثير من الخلفاء العباسيين كالمتوكل وغيره (3)، إلا أن ما بين هدف ثوار عثمان وهدف الحاملين على خلفاء بني العباس بونا شاسعا، فبينما سعى الأوَّلون إلى تصحيح الحكم، ذهب
1 - انظر الفصل الخاص بسيرة الخلفاء، في الفصل الثالث من القسم
2 - أحمد شلبي، ج 4 - محمد الخضري، ج 2.
3 نفس المرجع، ج 2، ص 268.
الثاني.
473 (2/185)
صفحة 503
الآخرون إلى تثبيت الحكم بين أيديهم.
وأما ما يعرف بالاستعفاء والاستقالة الذاتية، فإن التاريخ السني لم يعرف هذه الحالة إلا مرة واحدة وهي فريدة من نوعها في التاريخ الإسلامي كله كما يقول الدكتور ظافر القاسمي. وهي استقالة معاوية ابن يزيد سنة 64 هـ، والذي بقي في الحكم أربعين يوما، ثم تنازل عنه وتوفي بعده بقليل (1)، وهذه الواقعة الوحيدة كانت قد تمت بمحض الإرادة، ولم يكن فيها عنف أو إجبار على الاستقالة، عكس ما وقع في ولاية عهد عيسى بن موسى الذي يقول عنه بعض الكتاب إنَّه أرغم على التنازل عن ولاية العهد من طرف المنصور نفسه (2)
وإذا أمكننا القول بأن عزل خلفاء الجور بجميع أنواعه لم يقع إطلاقا طوال الفترة الأموية والعباسية، فإن ذلك يرجع إلى ضياع كثير من الحقوق السياسية للرعية، والتي أرساها الإسلام وجعلها وسيلة لمراقبة ومحاسبة الحكام لضمان تنفيذ أحكام الله. وعلى رأس هذه
الحقوق:
-
حق المسلم في اختيار الحاكم، عن طريق أهل الحل والعقد، والمبايعة العامة، ضمن قواعد الشورى وبدون أية ضغوطات أو إكراه
على ذلك.
حق وواجب النصح والتوجيه، ونقد أعمال الخليفة المخلة
بمبادئ الإسلام، بعيدا عن العنف والجرح والتشهير والإضعاف (3)
1 - انظر قصة معاوية الثاني في كتاب الطبري، ج 5، ص 501. أحمد شلبي، ج 1، ص 49. 2 حول موضوع الاستقالة انظر ظافر القاسمي، ج 1، ص 383 و 386.
-3 مبارك الميلي، ص 122.
474 (2/186)
صفحة 504
فبدون هاتين القاعدتين فإن الحكم سينحاز إلى الجور والاستبداد هو كل شيء، وأصل كل سياسة، وهدف السياسي، ويصبح الخليفة ومصير، وهذا ما لم يأمر به الشرع إطلاقا ومبادئ وآراء أهل السنة
والجماعة من بعض هؤلاء الخلفاء بريئة.
هذه المسألة التي تخص العزل والاستقالة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة الخروج على أئمة الجور، حيث تركزت كلتا المسألتين على نظرية الصبر والطاعة في غير معصية. ولا شك أن الفرص المواتية لقلب الأوضاع لصالح الإسلام والمسلمين قد وحدت بكثرة عبر هذا التاريخ الطويل. ولكن انتشار فكرة كون الخروج هو مروق من الدين، وأنه أفعال العوام والمارقين، وأن أخذ الإمام بالشورى أمر غير واجب وملزم، إلى جانب اضمحلال القوى السياسية وعدم نضجها، كل هذا
من
أدَّى بالحكم الإسلامي إلى ما عرفه خلال القرون الثلاثة الأولى.
2 - الإباضية:
ترتبط هذه القضية ارتباطا وثيقا بمسألة الخروج، وهذا من قوة الفاعلين، أي الخارجين والعازلين للإمام. وإذا كانت الثورة والخروج على الإمام الجائر تستلزم قوة كبيرة لضمان نجاح الانقلاب وفق النظرية الإباضية، فإن الذي يقوم بالعزل يتطلب منه أكثر من ذلك؛ لأن العزل عادة ما يكون بدون استعمال لأي قوة مادية. وتعتمد هذه العملية أساسا على القوَّة المعنوية لأهل الشوكة، الذين يجب أن
يكونوا في مستوى نفوذ الإمام، حتى لا يطغى وينفرد بالحكم.
475 (2/187)
صفحة 505
والإباضية لم يسجلوا في تاريخهم السياسي، على ما اطلعنا، خروجا على أئمة الجور بالقوَّة إلا في بعض الحالات، وهذا دليل على التوازن السياسي الذي ساد أنظمتهم بين السلطة التشريعية التي لها الكلمة النهائية في أمور انتخاب الإمام وعزله والسلطة التنفيدية المتمثلة في الإمام نفسه.
والإباضية في مسألة العزل يقفون موقف الخروج، وهو ضمان نجاح. العملية واستمرار الاستقرار والأمن، ويجب أن ذلك بمشورة المسلمين، كما انتخاب الإمام. يقول أبو المؤثر (1): «فأما إذا كان
يتم
يتم
الإمام يعزل أو يحارب فليس إلا بمشورة من من أهل المصر، المسلمين من حتى يكونوا شهودا عليه، وحجة ثم يكون حقا على عامة المسلمين الرعية اتباعهم وتصديقهم» (2)
فهذه القاعدة
هي
التي مكنت الإباضية من الاستقرار السياسي إبان
عزلهم وتغييرهم للإمام الجائر أو الضعيف ولقد حدثت للإباضية عدة وقائع من العزل متبعين في ذلك قواعدهم السياسية، سواء في عمان أو في المغرب، إلا أن عمان كانت لها الحصة الكبيرة، نظرا لطول الإمامة
1 - هو العلامة الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي .. تشهد له الآثار بقمة علمه، وكان أعمى ولا يعرف تاريخ، مولده وهو بلا شك من علماء القرن الثالث الهجري، ومن تلاميذ الشيخ محمد بن محبوب عاش إلى أيام الإمام عزان بن تيم ومات في زمانه (البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1، ص 201) 2 عمر فاروق، ص 62 نقلا عن أبي المؤثر، الأحداث والصفات (مخطوط) بدار الكتب المصرية، ورقة.5 انظر تفاصيل موضوع العزل لدى الإباضية في الباب الأول الفصل الثالث. وكتاب شرح النيل، ج 14، ص 340.
476 (2/188)
صفحة 506
فيها، بينما لم تسجل تاهرت إلا عزل الإمام أبي بكر، لأنه لم تكن فيه الشدَّة في دينه ما كان في آبائه (1) من
ولقد استعمل أهل الحل والعقد عدَّة وسائل لبلوغ هذا الهدف وتطبيق مبادئ العزل على الإمام غير المرغوب فيه، حرصا منهم على إقامة العدل، وعدم تمكنه من السيطرة والظلم. وقد اعترضت الإباضية بعض العوائق في قضية العزل، بحيث لم يجدوا عذرا في عزل أحد الأئمة الإباضية، لم تتوفر فيه الشروط اللازمة لذلك، وذلك ما وقع للإمام بن مالك. وقد تفرقت الإباضية في عمان إزاء القضية إلى فرقتين: فرقة ترى أن الصلت قد وصل إلى الضعف والعجز عن القيام بالإمامة فيجب عزله، في حين رأت الأخرى إمكانية بقائه. ولقد انتهت هذه المشكلة إلى اعتزال الصلت بنفسه الإمامة، ومبايعة الشيوخ لراشد ابن النضر الذي اختلف في إمامته هو أيض (2)
الصلت
بن
وفي الحقيقة فإن الإمام الصلت مالك قد استقال تلقائيا، بعد أن رأى ما وصل إليه الأمر بالنسبة للرعية.
والمشكلة قامت بسبب اختلافهم حول حالة العجز والهرم وهل يكون ذلك مما يفقد الإمام إمامته؟ ويشبه الأستاذ. أف. س. ولكنسون هذا الخلع أو الاستقالة بإقالة عثمان بن عفان من طرف الثوار. وقد كثرت الكتابات الإباضية حول هذا الموضوع، نظرا إلى أن هذه المسألة تمثل إحدى النظريات التي تقوم عليها العقيدة الإباضية بالنسبة للعلاقات
1 - ابن الصغير، ص 71.
-2 - راجع أبو العباس السير، ص 270 (مخطوط) السالمي تحفة، ج 1، ص 163 وما بعدها.
رحان بن سعيد، ص 52.
477 (2/189)
صفحة 507
الدستورية التي تربط الإمام بالرعية بحيث كانت الأولى، أي واقعة عثمان، منطلقا جديدا لوضع الأسس النظرية للدولة الإسلامية (1) وقد كان لتدخل أهل الشوكة والذين كان على رأسهم موسى بن موسى ابن علي (2) فضل كبير في التحام الأمَّة العمانية أكثر مما سيحدث لولم يبايع راشد بن النظر ومن بعده من الأئمة، بحيث لم تعرف الإمامة بعد هذا التاريخ استقرارا سياسيا معتبرا. فعزل الصلت يشكل منعطفا في تاريخ الإمامة بعمان، حيث استغلت الدولة العباسية الشقاق بين المدرسة الرستاقية المتطرفة في آرائها والناكرة للعزل، والمدرسة النزوية المعتدلة في آرائها. ولم تستطع
الإمامة الرجوع إلى قوتها إلا بعد مرور قرن ونصف من الزمن (3) فبالنسبة لهذه الحالة التي شملت الإقالة والاستقالة، فإنَّها لم تكن واضحة في النظرية السياسية الإباضية، لأن العجز لم يعرف مقداره الذي إذا وصل إليه الإمام عزل، وهذا مما فرق العمانيين إلى طائفتين (4) وبالنظر إلى هاتين الحالتين فإن الأمر غير واضح بالنسبة للعجز. فالصلت قد عجز فأقيل، وعبد الملك عجز ولم يقل، بل بقي في بيته
1 - أف. س ولكنسون، ص 66، ص 466. 2 هو ابن العالم موسى بن علي، وهو من البطاشي، إتحاف، ص 162)
العلماء، وممن خرج على الصلت
مالك.
بن
3 عمر فاروق، ص 46.
-4 - وهي نفس الحالة التي صادفت الإمام عبد الملك بن حميد (208 - 226 هـ) الذي هرم حتى ضعف، ووقعت الأحداث في عسكره، فتشاور المسلمون في حالته، فأشار الشيخ موسى بن علي بتركه في إمامته وإقامة الدولة، وبقي الإمام إماما في بيته بدون عزل حتى توفي. انظر السيابي، ج 2، ص 73 ابن رزيق الشعاع، ص 36. الفتح المبين، ص 228
478 (2/190)
صفحة 508
حتى توفي. ومثل هذه الأوضاع لا شك أنها تستدعي الاجتهاد وفق الظروف السياسية، ثم الوصول إلى حكم جامع للأمة، شأنه ضمان من استقرار الأوضاع الأمنية.
وفي هذا الإطار من المواقف السياسية، فإن النظرية الإباضية تعرف نضجا سياسيا كبيرا، من أجل المحافظة على الإمامة وشروطها في وضع أمني يضمن الاستمرار للدولة. إذ نجد لشيوخ عمان في مثل هذه الوضعيات الباع الطويل، حيث سجل التاريخ السياسي العماني سياسة موسى بن أبي جابر (1) الذي كان على رأس شيوخ زمانه أثناء معضلة أبي عفان الذي ظهرت منه أحداث لا تعجب المسلمين بن واستحق بذلك العزل، لأنه أساء السيرة وطغى، وقد تم عزله بإخراجه من نزوى العاصمة، وتفريق نفوذه على الولايات (2)
محمد
و بقدر ما عرفت سياسة العزل الإباضية نضجا كبيرا ومرونة حسب الأوضاع السياسية، وهذا بسبب توازن القوى السياسية الفعالة والمديرة للحكم، ونعني بذلك السلطتين التشريعية والتنفيدية، إلا أن الوتيرة لم تبق على حالها (3)
-1 - موسى بن أبي جابر من بني ضبة تلميذ الربيع بن حبيب، ومن حملة العلم إلى عمان توفي 281 ه (البطاشي، ص 168).
2 - انظر تفاصيل هذه السياسة السالمي، تحفة، ج 1، ص 93/ 91 سرحان بن سعيد، ص 45 السيابي ج 2، ص 18
كفة
-3 - تغيرت الأحوال في أواخر الإمامة الثانية لعمان ابتداء من 273 هـ، حيث رححت الشيوخ، وأصبحوا يولون من شاءوا ويعزلون ولا يعود ذلك إلى ضعف الأئمة بل إلى افتراق الشيوخ أنفسهم. فقد ولوا وعزلوا الثمانية من الأئمة انظر تفاصيل هذه البيعات في السالمي، تحفة، ج 1، ص 228 إلى 232.
479 (2/191)
صفحة 509
وقد شهدت الممارسات الإباضية أحيانا خروجا عن قاعدة استعمال الوسيلة السياسية في عزل الإمام، وذلك باستعمال القوة من طرف الرعية بسبب ضعف أهل الشوكة (1)
أن هذه
إن ما يمكن قوله بالنسبة لمسألة العزل لدى الإباضية هو السلطة بقدر ما سجَّلت دوراً هاماً في النظرية السياسية الإباضية عمليا، إلا أنها قد عرفت بعض الجموح. ولم يظهر هذا الإفراط إلا في إمامة عمان نظرا لتاريخها الطويل، أما في الدولة الرستمية فلم تعمر الإمامة أكثر من قرن وستين سنة على أرجح الأقوال. كما أن هذه السلطة كما يبدو أنها بقيت في جهة معينة من النفوذ الإباضي، وهم النفوسيون الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة في العاصمة مركز الإمامة. وهذا ما يظهر من مفهوم المقولة الإباضية أنّ الدولة الرستمية (إنما قامت بأموال زناته وسيوف نفوسه).
333333
في نهاية هذا الفصل والمتعلّق بالخروج على أئمة الجور وعزلهم، فإن نظرية الصبر قد اصطدمت بأرض الواقع، وتبين بأنه بقدر ما ازداد المسلمون صبرا بقدر ما تطاول بعض الخلفاء في الاستبداد. وقد استغل بعضهم نظرية الصبر فأشاعوها بين المسلمين، وجندوا لذلك فقهاء البلاط، ومكنوهم من كلِّ الوسائل ليقوموا بخدمة السلطة. وإذا كانت نظرية أهل السنة تعتمد على الصبر إلا فيما حرم الله،
1 - فقد عزلوا راشد مرَّة عن طريق القوَّة، وذلك بتجمع اليحمد بنزوى. انظر السيابي،
ج 2، ص 139.
480 (2/192)
صفحة 510
فإن الولاة المسلمين قد أطاعوا خلفاءهم في قمع الثورات التي نادت بتغيير المنكر. ثم إن خروج بعض الفقهاء على الخلفاء كابن الزبير، والشعبي، وسعيد بن جبيرة وغيرهم دليل على أن هذه النظرية لم تكن محل اتفاق بين جميع علماء أهل السنة، وإذا كان معتمد ذلك هو تفسير الأئمة الأربعة لنصوص الحديث التي جاءت في طاعة أولي الأمر، فهل يمكن أن نقول بأن تلامذتهم قد خرجوا عن آرائهم؟ كما أن هناك احتمال حدوث تطور في هذه الآراء، وذلك عندما طال صبر المسلمين وازداد استبداد بعض الخلفاء على حساب الرعية التي ازدادت سوءا
وفقرا.
وما يفسر هذه الوضعية بالنسبة للأنظمة السنية في مسألة الخروج والعزل، إنما هو وجود اختلاف بين علمائهم فيما يخص موقفهم من الخلفاء. فمنهم من دخل البلاط وأصبح رهينة المال والبذخ، ومنهم من توقف خشية التنكيل والظلم، ومنهم من خرج فكان مصيره القتل والفتك به. والمصادرة أمَّا الرعية فقد توزّعت هي الأخرى ما بين الاستبداد، وساقط في أحضان العائلة المالكة، وقلة أدركت
خائف من
المنكر وخرجت مع علمائها ولقيت نفس مصيرهم. فلم يكن هناك للشمل. ويعود هذا أساسا إلى قاعدة الصبر التي أخذت منهم
جمع
مأخذا
روحيا لا يمكن الخروج عنه، لأنه مروق من الدين في نظرهم. وفيما يخص الأنظمة الإباضية - وكما سبق – فإن مسألة العزل من الناحية التطبيقية لم تكن واضحة في بعض الظروف من حيث الشروط العازلة. فقد وقف العلماء العمانيون فريقين أمام الإمام الصلت بن مالك الذي ضعف ثم استقال، وعبد الملك بن حميد الذي عجز هو
13
481 (2/193)
صفحة 511
أيضا ولكنه لم يقل (1)
وفيما يخص المسائل الأخرى فإن التطبيق كان سليما. كإقالة أبي بكر الرستمي (2) وكذلك راشد بن النضر الذي يُعتبر عمل الشيوخ ضده إقالة أكثر منه خروجا (3)
وما وقع فعلا في الأنظمة الإباضية هو طغيان بعض الشراة من الشيوخ الذين استغلوا نفوذهم بتعيين إمام وعزل آخر إلى حدّ الإسراف. فأورث هذا الوضع تمزقا بين المسلمين ما بين مؤيد ورافض
للإمام، وتتابعت الفتن وكادت أن تعصف بالإمامة في عمان.
ومن المسلم به أن السياسة عامة هي سلسلة ترتبط حلقاتها، فإذا وهنت حلقة تبعتها حلقات فرضى المسلمين بالطريقة التي سار عليها ولاية العهد، وبإمامة المتغلب وبالسكوت على الخلفاء الجورة والخوف من الفتنة وإراقة الدماء هو الذي أدى بالمسلمين إلى ما
هم
عليه. وخوفهم من
الفتنة
أسقطهم في فتنة أشدَّ وأعظم، وهي فتنة فساد الدين. والحقيقة هي: ما هو غرض الإسلام وفيما جاء، إذا كان الخوف مما يقبض أيدي المسلمين عن
إقامة الدين ويرضيهم عن الأوضاع المنافية للشرع؟ (4)
ولو أن المسلمين جميعا وقفوا من الظالمين موقفا سلبيا، وعصوهم في جميع أوامرهم، لما استمرَّ هؤلاء في ظلمهم، وما ارتاعوا في غيهم» (5)
1 - انظر السالمي تحفة، ج 1، ص 163 السيابي عمان عبر التاريخ، ج 2، ص - 115/ 113.
-2 ابن الصغير، ص 71.
3 - السالمي، ج 1، ص 88.
-4 - عبدالقادر عودة، ص 128.
-5 أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 2، ص 204.
482 (2/194)
صفحة 512
ولما وجدوا من العلماء من يناصرهم أو يجد لهم حجة تبرر أعمالهم. ومن الأمانة أن نؤكد أن الإمام أبا حنيفة كان يري بأن الحكم الأموي والعباسي غير شرعي، باستناده إلى غير أصول الحكم في الإسلام. وأن الخلافة الإسلامية انتهت بمقتل علي بن أبي طالب. كما
أن الإمام مالكا كان له نفس الرأي في ملك بني أمية وبني العباس (1) ولا شك أن أبا حنيفة لم يدرس ولم يطلع على الحكم الإباضي، الذي عاصره في عهوده الأولى بعمان. وهذا ما يُستنتج من كتاباته التي لا يفهم منها ذلك، إذ يعتبر الإباضية ضمن الخوارج، وأن السياسة التي عاصرها حاربت جميع من نادى بالحكم الشوري، فلا بد أن تسترهب هذه السياسة أعين العلماء آنذاك. وهذه الوضعية هي وضعية أكثر علمائنا بما في ذلك معاصريهم. فالدكتور إبراهم العدوي بعد أن يحلل الأوضاع السنية للأمويين والعباسيين ويحكم بانحرافهم يقول: «وانتهى بانتهاء ابن الزبير آخر أنصار المبدإ الإسلامي القائل بالانتخاب في الخلافة، كما انتهى عهد الحجاز باعتباره مقرَّ الخلافة وعاصمتها» (2) والدكتور بمقولته هذه يكون قد علق التاريخ بابن الزبير والحجاز وحكم على المسلمين عامة بالجمود وفي الحقيقة، في الوقت الذي ظهر فيه ابن الزبير ثائرا وخارجا عن النظام القائم الاستبدادي كان عبد الله ابن يحي - طالب الحق يثور باليمن، ولنفس الهدف، وهو إرجاع الحكم إلى إسلاميته. وهو الوقت نفسه الذي يحضر فيه البربر أنفسهم
-
لإقامة الدولة الرستمية على أنقاض الأمويين.
1 - مصطفى الشكعة إسلام بلا، مذاهب، ص 408/ 397/396. -2 إبراهيم العدوي، النظم، ص 176.
483 (2/195)
صفحة 513
نتائج القسم التطبيقي
إن التطبيقات العملية لأيَّة نظرية مهما كانت يمثل الجانب الأكثر
صعوبة في الحياة، وذلك لما يعتري ويعترض الإنسان من مشاكل
وصعوبات وهو يحاول تطبيق ما قرره نظريا.
إن أول الاعتراضات هي تلك التي تتعلق بذاته ومدى خضوعها للواقع الذي يفرضه الجانب النظري. ثم اختلاف الذوات الأخرى في المجتمع الواسع، وإمكانية تقبلها لهذه الآراء. ويعود هذا أساسا إلى أن هذه الأفكار وإن كانت تستند إلى نصوص شرعية، فستبقى دائما محل اجتهاد الفقهاء. وخاصة إذا تعلق الأمر بالقواعد العامة، كانتخاب الأمير وكيفية إقامة الشورى والعدل. وإذا كانت النظريات التي تعرضنا إليها في بحثنا هذا قد تعرضت إلى الجانب التطبقي، فما هي نتائج ذلك، وهل كانت لهذه العملية التطبيقية نتائج تتطابق فعلا ما خططه مع ما العلماء، وأنها أتت بأكلها الطيب والمنتظر منها؟
أولا: أهل السنة والجماعة
إنَّه من جراء السياسة التي انتهجها الخلفاء السنيون إبان حكمهم، والتي انحرفت عن أحكام الله، فإنَّه لا يمكن أن يرتاح الدارس لهذه الوضعية إلى نتائج مرضية، وإن تمسك الخلفاء عموما إلا القليل منهم بمبدإ وراثة الحكم وبغية البقاء في السلطة، حتّم عليهم ضرورة اتباع أسلوب سياسي يعتمد أساسا على الاستبداد فتولية الخلفاء ومبايعتهم،
484 (2/196)
صفحة 514
وولاية العهد قبل شغور المنصب، وسيرة الخلفاء أنفسهم في حياتهم الخاصة والعامة، وطريقة ممارستهم لسياسة الرعية، ثم الأساليب الإدارية التي اعتمدوا عليها في سلوكاتهم من كم للأفواه وتضييق على الحريات الأساسية، كلُّ هذه الأساليب أدت إلى حكم لا يكاد يختلف فيه اثنان،
وهو
-
قد
تحلى
أن الحكم الإسلامي في هذه الفترة – محل الدراسة بصبغة الاستبداد والابتعاد عن أحكام الله. ولم يكن للشورى مكانة تذكر في سياسة هؤلاء الأمراء. ويروي الإمام ابن باديس قولة الإمام جعفر الصادق: «إن أعظم الفتنة أن يسلّط الله السلطان الجائر» ثم يقول معلقا عليها: «إن أعظم ما لحق الأمة الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على يد السلاطين الجائرين منها ومن غيرها، وهذا ما يشهد به ماضيها وحاضرها» (1)
وانطلاقا من هذه الوضعية فقد أورثت الأمة الإسلامية تقهقرا سياسيا كبيرا، أدى إلى الجمود الفكري والفقهي في مجال السياسة الشرعية بانتشار الجهل والخرافات وتفشي الأفكار التي تؤيد الاستبداد والصبر عليه والطاعة لأولي الأمر. ووجد هؤلاء من الفقهاء من يزين لهم أعمالهم، ويقوم بتخدير الجماهير الإسلامية بكل ما من شأنه أن يجاري ويداري السلطة الحاكمة.
ولقد بذل هؤلاء الحكام من أجل تنفيذ سياستهم كل ما تمكنوا منه. فلو أن ما أنفق في الحروب بين الأمويين والعلويين والعباسيين ثم بين هؤلاء كحكام ومعارضيهم من ثورات لأهل السنة أنفسهم ضد حكامهم، وثورات أفراد البيت الحاكم لإقصاء بعضهم البعض من
1 - محمد عمارة مسلمون ثوار، ص 257
485 (2/197)
صفحة 515
الخلافة وولاية العهد، وكذا بالنسبة لجميع الثائرين من خوارج وشيعة، فلو أن كل هذه الجهود صُبَّت في اتجاه واحد شرعي، لكان جهدا يكفي لفتح العالم وإخضاعه لسيطرة المسلمين. ولو عقل الناس وفكروا مليا ما قبلوا حجج هذه الجهات المتقاتلة من أجل السلطة، ولكان أحق الناس بالخلافة أصلحهم ولو كان عبدا حبشيا. لأن خير الناس أكثرهم نفعا للناس ليس أكثرهم نفعا لقوم أو عائلة أو فرد، كما حدت في كل
هذه الأنظمة (1)
وبقدر ما تكون الأهداف المتوخاة من وراء سياسة غير شرعية بقدر ما تكون النتائج غير إسلامية أيضا، فمن الناحية المذهبية فقد أقصيت الشيعة والإباضية والخوارج والمعتزلة في بعض الفترات، وصبت عليهم أنواع القهر والمتابعة والرصد الحركاتهم واتبعت بحملة إعلامية واصفة إياهم بالخوارج والمارقين عن الدين ومن الناحية العرقية فقد وجد غير العرب أنفسهم خارج الدائرة الإسلامية، واعتبر بعضهم ممن يجوز إبقاء الجزية عليهم رغم إسلامهم، كوضعية البربر المغاربة أيام الأمويين. وفي زمن آخر وجد العرب أنفسهم خارج دائرة السلطة وعرضوا بأعاجم من أجل المحافظة على الحكم العائلي. لا شك أن هذه المعاملة قد أورثت هؤلاء الموالي وضعية غير إسلامية، مما جعل الوضعية السياسية آنذاك أرضا خصبة لزرع القلاقل والفتن العرقية، وبالتالي تفشي الآراء الهدامة للقيم الإسلامية، كحركة القرامطة والزنادقة وغيرهم. وجعلت المغامورية يستقلون بعدة أقاليم، والتي مزقت العالم الإسلامي وأضعفت قوته، رغم تحريم أهل السنة لقيام مثل هذه الدول
1 - أحمد أمين ضحى الإسلام، ج 3، ص 299/ 298.
486 (2/198)
صفحة 516
إذا كانت متصلة بالدولة الإسلامية الأم، ومن غير بحر أو عدو. وقد أفرغت الخلافة من جميع سماتها الإسلامية وابتعدت عما أقيمت من أجله، وأصبحت تبركا ودرعا واقيا للسلطة كلِّ ما من شأنه من
تمديد الخلافة وإخراجها عن خدمة العائلة الحاكمة.
وإذا كان ما حدث من نتائج عملية تكشف لنا عن بينونة كبيرة بين أحكام الله والعمل السياسي، فإن الجانب النظري والفقهي قد تأثر هو بدوره، واتخد صبغة من التخلف وسيادة للمواقف السلبية أزاء كل ما يقع في القصور والممارسة العملية اليومية لرجال الدولة. فأصبح المبرر الوحيد لهذه الوضعية - أي الخضوع التام للسلطة هو بدافع
-
التقية والامتناع عن إراقة الدماء، والرضا بالسيئ خير من الانتقال إلى الأسوء. وقد تكون لهذه المبرّرات العلمية بعض من الوجاهة والحظوظ في بعض المواقف والملابسات إلا أنها أدت إلى ما هو أسوء منه من الناحية الفكرية، وتغلغل الآراء المتخاذلة في أوساط الأمة الإسلامية، حيث أعطت هذه المواقف الشرعية أنظمة استبدادية، حتى أصبحت هي القاعدة الصحيحة، وأصبح الرضوخ والطاعة لأولي الأمر هي والقانون. وانقلب الحديث عن الإمامة وشروطها وكيفية قيامها ومهامها وصفات الخليفة وما ينبغي أن يتميز به عن سائر الأفراد، وكلّ ما ينظم النظرية السياسية الإسلامية، عبارة عن مباحت وأفكار كلامية فقهية لا تتجاوز اللسان ولا تنزل إلى أرض الواقع.
الشرعية
كما أصبح النصح والتوجيه وإرشاد الخلفاء، ناهيك عن الثورة والخروج عن أئمة الجور، منكرا. وهذه المواقف قلبت النظرية السياسية
487 (2/199)
صفحة 517
رأسا على عقب، فأصبح كل ما يفعله الطغاة
هو القاعدة، وأن نظام
الخلافة النبوية الشورية هو الشذوذ والاستثناء (1) فانتفى بهذا العدل
والمساواة اللذان نادى بهما الإسلام.
الخلافة
ورغم كل هذه الآلام وما وصل إليه المجتمع السياسي المسلم، فإنّ الأنظمة السنية قد كانت لها عدة نتائج جوهرية حفظت الإسلام، والمسلمين، والتي لا يجب إغفالها إطلاقا. ولقد كان للمواقف الاستبدادية التي قام بها معاوية بن أبي سفيان، وجعله الحكم وراثيا، وتجميع كلّ السلطات في يديه، سببا قويا في توحيد المسلمين وخاصة ما وقع من تنازل الحسن بن علي عن لمعاوية، حيث سجلت هذه الحادثة التاريخية أكبر انتصار للمسلمين بغض النظر عما صار إليه أمر السلطة من ملكية شبه مطلقة. وبالتالي أصبح المسلمون في قوة كبيرة، تضاهي القوتين اللتين عاصرتا هذه الأنظمة الإسلامية وهما دولة الفرس والروم، واللتان كانتا تشكلان القوَّة المهدّدة للإسلام في دياره إلا أن وحدة المسلمين أدت إلى حماية البيضة ضد هؤلاء جميعا، وأصبحت الكلمة الأخيرة في العالم للأمة
الإسلامية.
وبناء على هذه الوضعية التي نتجت عن هذه الأحداث من قوة ووحدة، فقد سارت وتيرة الفتوحات الإسلامية بصورة لم تكن معهودة من قبل، من سرعة اتساع في الرقعة الإسلامية، وانتشار الإسلام، وبالتالي ازدهار الدولة وتطورها في كل الميادين (2)
1 - محمد عمارة الإسلام وفلسفة الحكم، ص 633/ 632
-2 محمد الأمين الإسماعيلي، مقابلة.
488 (2/200)
صفحة 518
فانطلاقا من
كل ما سبق، وما حققته هذه الفترة من إيجابيات وسلبيات، والحكم عليه بأنه حكم إسلامي، وصورة أمينة لتعاليم ديننا كلام لاوزن له (1)
وإن الباحث المطلع على كيفية نشأة الخلافة وكيفية تطورها وتطبيقها أيام الراشدين ومن بعدهم من الخلفاء الصالحين، فإنَّه ينظر إلى هؤلاء الأوائل بإعجاب وإجلال وتقدير كبير ثم لا يملك أن ينظر إلى ما انتهى إليه أمرها إلا بإشفاق، ورثاء، إن لم نقل بازدراء واشمئزاز لما مخالفات لشرع الله. وكل ما ارتكبه هؤلاء المتسلطون على
حدث
من
منه بريئ. وإنما
الرعية باسم الإسلام واجتهادات فقهائهم، فدين الله إلمه يوم القيامة من اقترافه وجعله شرعا ومنهاجا إسلاميا (2) ذلك لأن السنية» نقضوا أقوالهم بأفعالهم» (3) وتمسكوا بما ظهر من النص دون مراعاة للواقع الإنساني.
وإذا أمكننا أن نقول بأن شهوة الحكم كانت وراء هذا الواقع المر فإن الحكم بغير ما أنزل الله ابتداء هو الذي ينشئ الانحراف. ولأن الحكم بما يضعه البشر معناه تسلط طائفة على أخرى، ومن ثم استئثار مصلحة أناس على مصالح الرعية بالقوة والإكراه وشراء الضمائر (4) ولقد سئل الشيخ أبو الأعلى المردودي: كيف كانت الدول الناشئة بعد الخلفاء الراشدين، وهل كانت إسلامية أم غير إسلامية؟ فكان جوابه:
1 - محمد الغزالي كيف نفهم الإسلام، ص 91.
2 - صبحي الصالح، ص 277 إلى 280.
3 الوارجلاني، ج 3، ص 78/ 77.
4 محمد قطب جاهلية القرن العشرين، ص 270 بتصرف.
489 (2/201)
صفحة 519
«الحقُّ أنها لم تكن إسلامية ولا غير إسلامية بأتم مدلول الكلمتين. كان قد تغير فيها أساسان مهمان من أسس الدستور الإسلامي: الأول
انتخاب الأمير، والثاني تسيير نظام الدولة بالمشورة» (1)
وهذا القول بأن هذه الأنظمة (لم تكن إسلامية ولا غير إسلامية) نضع عليه علامة استفهام كبيرة، والحق أنه لا يمكن إطلاقا أن نجحد ما قامت به الأنظمة من حماية لبيضة المسلمين وحفظ الإسلام. بل كانت إسلامية في عقائدها ورعيتها وفي ممارسة الشعائر الدينية. ولكن الذي لا يمكن إنكاره هو خروج بعض الخلفاء عن قواعد السياسة الشرعية، والابتعاد عما نظره الفقهاء. أما الرعية فقد عضت على الإسلام بنواجذها، واستكانت للأمر الواقع بناء على ما تقدم من أسباب. فكانت السلطة لاهية في قصورها، في حين تصدى العلماء والفقهاء لتوجيه الأمة.
ولقد بقي الإسلام ونظمه جمرات مغطاة بالرماد ومحافظة على حرارتها، ومنتظرة من ينفخ فيها لتلتهب من جديد، وترجع بالخلافة إلى
نبوؤتها (2).
2 الإباضية
كانت للأوضاع التي آلت إليها الأمة الإسلامية بعد صفين خاصة، والسياسة التي اتبعتها الأنظمة الأموية والعباسية داخليا أزاء العناصر المختلفة التي تكون المجتمع الإسلامي الكبير آنذاك، الأثر الفعال في قيام
1 - المودودي، نظرية الإسلام وهديه، ص 311
-2 - محمد الأمين الإسماعيلي، مقابلة.
490 (2/202)
صفحة 520
دول الإباضية وغير الإباضية في المشرق والمغرب. وإذا كان سبب معارضة الإباضية للخلفاء السنيين ينطلق أساسا من الانحراف، فإنَّه لا
بد لهؤلاء الناكرين من إقامة العدل والشورى في دولهم. ولقد أثمرت جهود الإباضية وحملة العلم وتنظيماتهم السرية الدقيقة،
وقامت لهم أنظمة مستقلة في كل من عمان والمغرب.
وقد كانت هذه الكيانات السياسية الأساس والمقدمات لبناء
المغرب العربي من وجهة نظر سياسية (1)
وذلك لما قامت به تاهرت من توازن للقوى الفعالة في المنطقة، فأمسكت الرستمية العصا من الوسط، وعاشت بين عدة كيانات مختلفة
سياسيا ومذهبيا وأصبحت بذلك بغداد المغرب.
وما يمكن استنتاجه من تطبيقات للنظريات السياسية الإباضية، لا يمكن أخذه إلا من اعترافات الكتاب والمؤرخين وخاصة من غير الإباضية كابن الصغير والكعاك وعبد الرحمن الجلالي وعيسى الحريري وغيرهم، وما يؤخذ من إقرار هؤلاء أنه لم ينقم أحد على حكم بني رستم ولا على أئمة عمان، عموما، ولا في سيرتهم خصوصا، فلم يحتجبوا عن الرعية، ولم يستبدُّوا في معاملاتهم إلا ما كان من قمع للبغاة والخارجين عن ربقة الإسلام (2)
ونتيجة لتطبيق العدالة، فقد تعايش الجميع في المدينة الواحدة رغم الاختلاف العرقي والمذهبي، وسار المجتمع على قاعدة إن أكرمكم
1 - عوض خليفات الأصول التاريخية، ص 52 عيسى الحريري، ص 07.
2 ابن الصغير، ص 31 وما بعدها
491 (2/203)
صفحة 521
أحد
عند الله أتقاكم) (1) وقاعدة لا إكراه في الدين (2) فلم يجبر من غير الإباضية على التخلي عن مذهبه، بل كانت المناظرات سبيل الإقناع، إلا من اتخذ ذلك وسيلة لإثارة الفتن.
وبعد أن قهرت الديموقراطية في المشرق العربي وجدت لها مكانة مرموقة لدى الإباضية، وأصبحت تاهرت مقرا أمينا للفارين من
أنظمتهم.
الدين.
ومن النتائج السياسية التي تم التحقيق منها ومن صلاحيتها، ضرورة تفسير النصوص العامة وشرحها على ضوء القرآن الداعي إلى إقامة كذلك قاعدة تطبيق لكلّ حال حالة تواكبه دون الخروج عن شرع الله. ونتيجة للنضج السياسي الإباضي فقد استبعدوا نهائيا قضية ولاية العهد، رغم أن أهل السنة قد وجدوا في عمل أبي بكر سندا لهم، واتخذوه أسلوبا في تولية عهودهم وخرجوا عن شروطه تطبيقيا (3) وقد أحل الإباضية محل ولاية العهد قاعدة الكفاءة والعصبية الدينية التي لا تزول ولا تتأثر بالزمان والمكان. وإذا كانت الإمامة قد بقيت في آل رستم، فإن ذلك بناء على قاعدة الصلاح الديني والسياسي ثم على أساس الاستراتيجية الاجتماعية والأمنية المتمثلة في صغر هذه العائلة، بحيث يمكن عزلها عن الإمامة إذا خرجت عن أحكام الله، فإن الإمامة في عمان قد تجلت فيها هذه القاعدة بوضوح، حيث إنَّها انتقلت بين
1 - سورة الحجرات، آية 13.
2 - سورة البقرة آية 256. -3 انظر الفصل الثاني القسم الأول.
492 (2/204)
صفحة 522
الأسر الكثيرة ولم تتمركز في عائلة معينة. وتشير الدراسات إلى تعاقب بعض العائلات على الحكم مثل بني سامة وبني نبهان واليعاربة، والبوسعديين (1)
فكانت أن ازدهرت هذه الدول وعمرت طويلا، وأعطت للمسلمين متنفسا ونفسا كبيرا في سبيل تطوير العلوم الإسلامية عامة. ومكنت الإباضية من مواصلة وجودهم وتطبيق عقائدهم، رغم النكبات التي عرفها بعض أئمتهم عندما حاولوا إقامة الخلافة الإسلامية الحقيقية، سواء في اليمن على يد طالب الحق، أو في طرابلس على يد
أبي الخطاب.
«وإن الإسلام والتشريع فوق المذاهب والتشيع، وفوق اختلاف العلماء، وفوق السياسات التي أقرت مذهبا ورفضت آخر .. » (2) فقد ركز النظام السياسي الإباضي على المجال الداخلي تركيزاً كبيراً أتى بثماره وفق ما ترجاه الإسلام وأكثر من ذلك، فقد كان للمعراضة الدينية والسياسية الجولات ذات البصمات التاريخية. ولم يجرد السلطان سيفا أزاء هؤلاء إلا إذا ركنوا إلى استعمال القوة.
ولقد كان لأحد العلماء السنيين المعاصرين (3) رأي قسم فيه جميع الفرق الإسلامية إلى أحزاب سياسية كالشيعة والخوارج ومن نحا نحوهم، وإلى مذاهب دينية جمع فيها أهل السنة والأشاعرة والماتريدية
1 - راجع لهذا الموضوع، كتاب السالمي، تحفة، ج 1.
2 - صبحي الصالح، ص 208
-3 - د. محمد الأمين الإسماعيلي مقابلة.
493 (2/205)
صفحة 523
ومن سار في نهجهم. وفي رأينا أن مثل هذا التقسيم يجعل من الإسلام
أن
أستاذنا
منهجا يختص بالجانب الروحي للحياة دون السياسي. في حين الشريعة الإسلامية لم تترك مجالا مجالات الحياة إلا وقتنته، فلا فصل من للدين عن السياسية. وفي رأينا أن الإباضية وقد حشرهم ضمن الخوارج حسب فهمنا لم يسيسوا الدين، بل دينوا السياسة وأخضعوها لقواعد وأحكام الإسلام وهذا هو سر نجاحهم وبقائهم أيام كانوا ولا يزالون في الوقت الذي اندثرت فيه كثير من الفرق الإسلامية كالمعتزلة والخوارج، كما أن مثل هذا التقسيم الذي أصبغ بعض الفرق بالصبغة الدينية البحتة وأخرى بالصبغة السياسية، هو الذي ألبسها لباس الرهبنة وأبعدها عن ميادين السياسة، ووفر لبعض الخلفاء فرصة الخروج عن أحكام الله، كما وضع نظريات مكنتهم من محاصرة
الإسلام في المساجد والمعابد وإبقائه في إطار الوعظ والإرشاد بعيدا عن التشريع والتنظيم.
إن رجوع كثير من فقهاء السياسة الشرعية السنيين المعاصرين (1) وانتقادهم لنظريات الصبر على أئمة الجور وحصر الإمامة في قريش، ثم ولاية العهد، يعتبر نتيجة منطقية لما وصل إليه الوضع الإسلامي آنذاك، ثم نتيجة مباشرة أيضا للجانب التطبيقي للإباضية في كياناتهم السياسية التي أقاموها، والتي أظهرت الفارق بين التطبيقين السني والإباضي، وأظهرت حقيقة الحكم الإسلامي.
1 - انظر المدودي، نظرية الإسلام وهديه- أحمد أمين، ج 3 - عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام محمد عمارة الإسلام وفلسفته الحكم.
494 (2/206)
صفحة 524
وإلى هذا المذهب ذهب الدكتور علي الإدريسي عند حديثه عن
التاريخ السياسي للمغرب الإسلامي قائلا: «وقد امتاز التاريخ السياسي للمغرب الإسلامي عموما بالصبغة الدينية أكثر من أي صبغة أخرى ... ويكون من المفيد أن يتجه المهتمون بالفكر السياسي الإسلامي في بلاد المغرب وتاريخه للكشف أكثر عن العلاقة بين الدين والدولة في المغرب الإسلامي، والتعرف بعمق عن دور الأئمة والفقهاء منذ عبد الرحمان ابن رستم، وعبد الله بن ياسين ومحمد بن تومرت، إلى الأمير عبد القادر، والأمير عبد الكريم الخطابي، وعبد الحميد بن باديس وغيرهم كثيرين في إمكان بلورة نظرية سياسية تمتاز بالربط بين النظر والعمل والواقع الإجتماعي» (1) والواقع أنه قد حصل هذا عندما طبق بعض الأئمة المسلمين من السنيين أمثال عمر بن عبد العزيز والإباضية إلا القليل منهم، أحكام في الحكم والسياسة، بحيث أصبح عمر بن عبد العزيز يُعد خامس الخلفاء الراشدين، في حين لم يرق الأئمة الإباضية المماثلين له إلى مثل هذه المكانة نتيجة جهل المؤرخين والمحللين بهم، وعدم التعمق في
الله
النظريات الإباضية.
وإن أجل ما يُستخلص من التطبيق الإباضي هو موقفهم من جميع المذاهب التي عاشت في دولهم، وهذا ما يدحض نظرية التطرف وتكفير أهل القبلة، واستحلال دمائهم وسي ذراريهم ونسائهم، وغيرها من الآراء التي تتهم بها الإباضية، وعن طريقها يزحون في فرق الخوارج.
1 علي الإدريسي، ص 245
495 (2/207)
صفحة 525
وإن ما طبقه الإباضية داخليا كان هو نفسه المطبق
الجيران،
سواء مع الأنظمة السنية كالأغالبة والأمويين بالأندلس، أو مع الصفرية بسجلماسة. وهي سياسة اعتمدت أساسا على مبدأ حسن الجوار والباب المفتوح. وبهذه النظريات السياسية ضمنت الرستمية خاصة استقرارا وازدهارا ثقافيا واقتصاديا، مكنت البربر من التعرف على
الإباضية مذهبا وسلوكا وجعلتهم يعتنقون مذهبهم.
وإذا
كان
من نتيجة نهائية جامعة للعمل الإباضي، وإذا كان لنا من حكم فهو على لسان المؤرّخ عثمان الكعاك الذي يقرر بشأن الرستميين، بأن الأمن الاجتماعي لا يأتي إلا من العدل. والعدل لا يكون إلا بتطبيق سياسة واحدة واضحة مع كافة أفراد الرعية، مهما كانت طبقاتهم ومذاهبهم وألوانهم (!) وأن كل ما وقع من في عمان أو تيهرت كخروج آل الجلندي وسياسة راشد بن النظر وفتنة ابن فندين والواصلية وابن عرفة لا تقدح في سياسة الأئمة الإباضية، ولا تنقص من قيمتها ولا تكون أخطر من الفتنة الكبرى، ووقعة.
الجمل، وصفين والنهروان أيام الخلفاء الراشدين.
أحداث سواء
1 - عثمان الكعاك، ص 195
496 (2/208)
صفحة 526
الخاتمة
بعد هذه الدراسة المقارنة لنظرية الإمامة عند الإباضية وأهل السنة والجماعة نظريا وتطبيقيا، والتي من خلالها اطلعنا على أكثر جوانب العقيدة السياسية للمذهبين، فإننا نُلاحظ ابتداء بأن النظرية السياسية الإباضية لم تستفد ولم تتأثر بالأفكار غير الإسلامية. ذلك أن علماء الإباضية الذين تحدثوا عن مسألة الحكم لم يكن من بينهم من خصص مؤلفات في موضوع السياسة وبحث فيها ونظر، ويعود ذلك إلى أن العلوم السياسية لديهم كانت وحيدة المنبع وهو القرآن والسنة، فأغلبهم كانوا علماء بأصول الدين والفقه وهذا ما جعل آراءهم السياسية تأتي ضمن المؤلفات العقدية والفقهية كالعبادات والمعاملات. ويتميز بهذه الخاصية أكثر العلماء الأقدمون.
وقد كانت آراؤهم السياسية شديدة الارتباط بالواقع الإنساني الذي يحتاج إلى من يسوسه، ليبلغ درجة التنفيذ الكامل لتعاليم الإسلام المنبثة في الكتاب والسنة، اللذين يُعطيان الحاكمية المطلقة الله تعالى. وما على الإنسان إلا الالتزام بها.
أما فيما يخص النظرية السياسية لأهل السنة والجماعة، فقد تميزت
عن النظرية الإباضية في ميدان الحكم بشيئين:
أولا أفرد بعض علماء أهل السنة مؤلفات خاصة بالحكم والسياسة، كالفرابي والماوردي وأبي يعلى وابن أبي الربيع والمهدي بن تومرت وابن خلدون، مع ميل هذا الأخير إلى علم الاجتماع السياسي.
497 (2/209)
صفحة 527
فقد بحث هؤلاء ونظروا نظريات قد تصل إلى حد المثالية، باستثناء ابن خلدون الذي عرف الواقعية في آرائه وقد استفادوا من جميع إمكانياتهم
العلمية، وتوسعوا في نظريات الحكم، مستغلين في ذلك بعض الآراء غير
الإسلامية، مما لا يتناقض مع
الدين.
مذهب
ثانيا: منهم من تأثر بالكتابات اليونانية كالفرابي الذي أخذ المثالية في الحكم والسياسة من الأفلاطونية، فاتسم رأيه بالنزعة العقلية
البعيدة عن الواقع الإنساني.
ويمكن تلخيص نتائج البحث النظري فيما يلي:
-
1
الخلافة
اتجهت الدراسات الإباضية والسنية في موضوع الحكم إلى شخصية الإمام في ماهيته وشروطه وكيفية توليه منصب ومهامه ومسؤولياته وحدودها. وكذلك ما يخص وظيفة الوزارة والجيش والشرطة والحسبة والولاة. وغيرها إلا أن الدراسة الإباضية قد ركزت أكثر على وظيفة الإمام باعتباره المسؤول الأول في الدولة الإسلامية، كما أن وظيفة الوزير والوالي في رأيهم لم تأخذ أكثر من درجة مساعد على التنفيذ. ولهذا فقد كانت دراسة الإباضية لهذه الوظيفة دراسة استعراضية سطحية، وتعود دائما هذه الوضعية للمذهبين إلى تخصيص بعض فقهاء أهل السنة مؤلفات للسياسة الشرعية، وانعدام هذا التخصيص لدى الإباضية.
2 أخذت عملية استنباط الأحكام السياسية من النصوص الشرعية لدى الإباضية بمبدإ اعتبار الواقع، حيث إنهم أخذوا بالنصوص الأكثر واقعية وأهملوا غيرها. في حين انصرفت هذه العملية عند أهل
498 (2/210)
صفحة 528
السنة إلى التقيد بظواهر النصوص. كما وقع للمذهبين في مسألة النسب القرشي. حيث قابل الإباضية حديث: «الأئمة من قريش»، بحديث: ولو استعمل عليكم عبد حبشي رأسه كرأس زبيبة». أما أهل السنة فقد تمسكوا بالحديث الأوَّل بدون مراعاة لما ستكون عليه وضعية قريش بعد الرسول.
فانطلاقا
من المبدإ السابق ذكره أصبحت الفلسفة السياسية الإباضية
تتسم بالواقعية في السلوك والعمل الاجتماعي، في حين نجد بأن فلسفة أهل السنة قد اصطدمت بالواقع في بعض جوانبها. وهذا ما بينته التجارب السياسية التي عاشتها كلا الفرقتين.
3 وبناء على ما تقدَّم فإن الشريعة الإسلامية قد اتصفت بالواقعية الإنسانية. من ذلك أن النظام السياسي الإسلامي لا يشبه الأنظمة الوضعية، فلا هو ثيوقراطي بتسلط رجال الدين على الرعية، ولا هو اشتراكي بسبب العدالة الاجتماعية ولا هو رأسمالي باحترامه للملكية الفردية، ولا هو ملكي أو دكتاتوري ببقاء الإمام طول حياته في المنصب، ولا هو جمهوري بالإفراط في الديموقراطية. بل هو نظام إنساني شرعه خالق الإنسانية. وأن هذا النظام يشمل جميع أنواع أساليب الحكم التي شرعها الإنسان في الوقت الذي لا تستطيع فيه هذه القوانين الوضعية أن تشمل كل جوانب النظام الإسلامي، ويعود هذا إلى أن القوانين الإسلامية قد استوعبت جميع جوانب الحياة من روحية ومادية وبالتالي اتسمت بالواقعية وهذا ما تفتقر إليه الأنظمة الوضعية.
499 (2/211)
صفحة 529
4 حدوث تطور ملحوظ في مسألة النسب القرشي، والخروج
على أئمة الجور لدى أهل السنة وهذا عند فقهاء السياسة الشرعية المتأخرين. فقالوا بأن القرشية شرط للأفضلية وليس للانعقاد، وبعدم الاستكانة للظلم إذا توفرت فرصة التصحيح. وبهذا انتقلوا من نظرية وجوب الصبر إلى جواز الخروج.
ك لا تختلف النظريتان السياسيتان الإباضية والسنية إلا في مسألتين: الأولى تخص شرط النسب، والثانية الخروج ضد الظلم. وهما في الأصل اختلافان صوريان بسبب ما سبق ذكره في البحث. فإجازة فقهاء أهل السنة لإمامة غير القرشي إذا اتفقت عليه الأمة، وتركيز المتأخرين منهم على أن النسب شرط للأفضلية فقط من جهة، ثم تغيير نظرية الخروج من الصبر إلى الجواز من جهة ثانية، كل هذه العوامل
جعلت الآراء السنية تلتقي حتما مع آراء الإباضية.
6 يختص الفكر الإباضي بطرحه نماذج للإمامة تسمى بمسالك الدين، ليقدموا للأمة الإسلامية حلولا تتفق مع كل الأوضاع العصيبة التي قد تصادفها، مع المحافظة على المبادئ الإسلامية. أما أهل السنة والجماعة فقد ركنوا في بعض الظروف إلى اتباع سياسة الأمر الواقع، كإجازتهم لإمامة المتغلب. وهذا تطبيقا لمبدإ "أقوى المكروهين أولى بالترك".
7 بسبب واقعية الفكر الإباضي السياسي أصبح قابلا للتطور ومواكبة العصر، بالاستفادة من النظريات الوضعية وإخضاعها للعقيدة استعمال العقل والاجتهاد في كل النوازل، وما يعترض
الإسلامية، مع
الإنسان في حياته بدون قفز على حدود الشريعة.
500 (2/212)
صفحة 530
نتائج البحث التطبيقي.
ه انطلق التطبيق العملي للإباضية في بناء نظامهم السياسي في عمان وتيهرت على أساس شوري، بالاختيار الحر للإمام الأكثر كفاءة خلقا وخُلقا. وانطلق أهل السنة في ذلك بمخالفة أهم قاعدة سياسية إسلامية في الحكم والسياسة وهي قاعدة الشورى والاختيار. فأصبح
الملك عضدا.
و استبعد الإباضية من حكمهم نظام ولاية العهد، واعتبروا ما قام به أبو بكر مع عمر بن الخطاب مجرد ترشيح. واعتمدوا في التولية على العصبية الدينية، ثم مبدأ التوازن الاجتماعي. وهذا ما ظهر في تيهرت عندما التجأت القبائل إلى حصر الإمامة في العائلة الرستمية خشية التنازع عليها. أما عليها. أما في عمان فإن أمر الإمامة قد سار عاديا بانتقال الإمامة بين عدة قبائل أما أهل السنة فقد أخذوا بمبدإ ولاية العهد وحدَّدوا لذلك شروطا وضوابط، إلا أن أكثر خلفائهم قد أفرغوه من
المضمون والقواعد التي سار عليها أبو بكر وما شرعه فقهاؤهم. 10 اعتمد الإباضية في السياسة بناء الدولة وتسييرها على أساس ديني بمفهومه الواسع، وبدون إعطاء المذهبية والعرق واللون أي اعتبار. ولم يتبع الخلفاء السنيون نفس السياسة، بل عمد البعض منهم وهذا خاص بالعباسيين إلى الاستعانة ببعض الموالي من أجل توزيرهم وإدارة الأقاليم، لضمان الولاء للبيت الحاكم. فكان المقياس هو مدى التأييد،
بدلا من
-11
الكفاءة الدينية.
على مستوى السياسة الداخلية التزم الإباضية منهج الحرية في
التعبير والمذهبية في شروطها السلمية بين جميع المذاهب الإسلامية
501 (2/213)
صفحة 531
كالواصلية والمالكية الذين كانوا يمثلون الأغلبية بعد الإباضية، والأحناف في تيهرت في حين لم يشهد النظام الأموي والعباسي مثل
هذه السياسة، فقد سار أغلب الخلفاء على سياسة كم الأفواه ومصادرة الحريات الأساسية، وعاشت بعض الفرق الإسلامية إما في الداخل مكتتمة أمرها أو في الخارج تبني لها كيانات سياسية، كالفاطميين
والإباضية.
12 في مسألة وحدة الإمامة، فقد وفق الإباضية إلى تطبيق هذه النظرية، حيث قام النظام العماني والنظام الرستمي في زمن واحد، إلا أنه كان بينهما حاجز بحري، وكيان مخالف لهم. أما أهل السنة فإنَّهم لم يبقوا قبلة واحدة لفرقة أهل السنة والجماعة وإذا كانت أنظمة المغرب العربي في ذلك العهد قد سمحت لها نظرية وحدة الإمامة بالقيام، فإن ذلك غير مسموح به للمشرق الأقصى، كمنطقة فارس التي كانت في يد علي بن بوية، ومنطقة خرسان وما وراء النهر التي كانت في يد السلمانيين، واللتان لم تكونا مفصولتين عن الدولة الإسلامية ببحر أو
عدو.
13 اعتمدت المصادر والنفقات المالية في الدولة الإباضية على ما حدده الشرع الإسلامي مع زيادة الضرائب التي كانت تؤخذ من التجارة البعيدة وهذا ما خالفت فيه السياسة المالية الأموية والعباسية، بإنشائهم موارد غير شرعية. وكذلك بالنسبة للنفقات التي كانت في أغلبها تخدم الحكام. 14 وعلى الصعيد الخارجي اتبع الإباضية مبدأ حسن الجوار وسياسة الباب المفتوح، طبقا لمبدإ أهل القبلة أمة واحدة". أما الأنظمة
502 (2/214)
صفحة 532
السنية فقد واصل بعض الخلفاء وخاصة في العهد الأموي سياسة الفتح الإسلامي وتوسيع رقعته فحموا البيضة ووحدوا المسلمين وحافظوا على العقيدة. واتبع بعضهم في ذلك سياسة كانت في أغلبها تتسم بحب الظهور والعظمة أمام ملوك العالم، وهذا ما يظهر من محاولتهم لضم بعض الأنظمة التي كانت على المذهب السني، أو تأليب أنظمة سياسة غير إسلامية للقضاء على تلك الأنظمة وهذا مخالف للشرع. 15 إن الانحراف الذي أصيب به أكثر الحكام السنيين لم ينتقل إلى المجتمع، بل بقي محصورا فيما يخص الأمور السياسية كالإمامة وشروطها وطرق الوصول إليها التي بقيت مناقشتها محظورة. وهذه السياسة أدت إلى أن يبتعد العلماء عن هذا الجانب مرغمين، فتوجهوا إلى الميادين الأخرى الاقتصادية والزراعية والثقافية، فتقدمت العلوم والترجمة وأصبح الشرق قبلة العلماء.
16 في المجال الإداري سار الإباضية على سياسة اختيار الأكثر كفاءة والذي يضمن حسن التنفيذ. واتبع أغلب الخلفاء الأمويين والعباسيين سياسة اختيار الأكثر وفاء للقصر. فكان الوزراء الإباضية وزراء تنفيذ وأغلب وزراء أهل السنة وزراء تفويض.
17 إن الثورات التي شهدتها الدولة الرستمية والعمانية كانت ذات أهداف سياسية كثورة ابن فندين في تيهرت، وآل الجلندى في عمان، ولم تكن تهدف إلى إيقاف الجور. أما أهل السنة والجماعة فإن ثوراتهم أيام الأمويين والعباسيين كانت تهدف إلى تصحيح الأوضاع والرجوع إلى الخلافة الشورية، فخرجت بذلك عن قاعدة الصبر، كثورة ابن الزبير.
503 (2/215)
صفحة 533
18 في مسألة الإقالة، لم يكن التطبيق الإباضي فيها واضحا، وهذا خاص بإمامة عمان ويعود ذلك إلى عدم وضوح مدى العجز الذي يتسبب في عزل الإمام. أما أهل السنة والجماعة فإن هذه المسألة لم ترد في أيامهم السياسية نظرا لنمط الحكم الوراثي.
إن ما يمكن الخروج به هو أن الإباضية قد وفقوا كثيرا في تطبيق آرائهم السياسية، ولم يسقطوا في الهوة السحيقة الموجودة بين النظرية والتطبيق، نظرا لما تميزت به آراؤهم من الواقعية والابتعاد عن المثالية والحماس الديني. وهذه الميزة لم تتوفر لأهل السنة عندما نظروا آرائهم السياسية. وكذلك الجانب التطبيقي الذي بدأ بالضربة التي وجهت إلى غط الحكم الإسلامي، فجاءت السياسات بعد ذلك منحرفة، لأن النتائج عادة ما تكون وفق المقدمات.
وفيما يخص القضايا التي بقيت بدون دراسة، فالواقع أن الفقهاء المسلمين من كلا المذهبين قد تطرقوا إلى جميع جوانب العقيدة السياسية. وأن أكثر قضاياها قد تكررت فيها البحوث إلى حد غزارة المعلومات وتكرارها وهذا ما أشرنا إليه سابقا. ومع هذا فقد أوقفتني أثناء البحث مسألة إدماج نمط الحكم الملكي ضمن مبادئ وآراء مدرسة الاختيار، فملكية الحكم وأصوله ومبادئه وأهدافه تتناقض أساسا مع قاعدتي الشورى والاختيار. إن العلماء الذين تبنوا هذا الرأي لم يبينوا لنا كيفية تطبيق النظام الملكي، كطرق الوصول إليه ومؤهلاته والسياسة التي ينبغي أن
504 (2/216)
صفحة 534
يسلكها الملك. وكذلك كيفية الخروج من هذا النظام، إذا توفرت شروط الرجوع إلى الخلافة النبوية التي يفضّلها المذهبان على الملكية. فلم يشترط ابن تيمية فيها غير العدالة. كما أنه لم يبين كيفية انتقال من السلف إلى الخلف أهي بالانتخاب أم بالوراثة. وهو أيضا مذهب الإباضية الذين يقولون بإمكانية إقامة نظام ملكي أو حتى عسكري ولكن على أساس الشورى.
السلطة
إن هذه المسألة قد بقيت بدون دراسة نظرا لغموضها وعدم التعمق في تفاصليها، وهذه تجعلنا نجدد الدعوة إلى الباحثين لتناولها بالبحث. بهدف تكوين فكر سياسي إسلامي موحد وغير متناقض، يمكن المسلمين من مسايرة الأوضاع السياسية المستجدة. باستغلال أنجع أساليب الحكم، بغض النظر عن انتماءاتها الفكرية.
كما أنه يبحثي هذا لا أستطيع أن أجزم بأني قد أتيت على كلِّ جوانب الموضوع، ولكن ما أطمئن إليه هو أني على الأقل قد أثرت مسائل جديدة في موضوع تطبيق النظرية السياسية الإسلامية، أهمها الجانب الإباضي الذي أهمل تماما من قبل المؤرخين، كذلك الجانب السني الذي لاحظت أن جل الكتابات فيه ذات اتجاه واحد متميز بطابع الانحراف المطلق من جهة، ثم تحامل المحللين السياسيين على خلفاء معينين كمعاوية بن أبي سفيان والسفاح للحكم على النظام كله هنا فإني أقف إلى جانب الدكتور عمر فاروق فوزي الذي وجه في كتابه التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين) دعوة إلى الكتاب من أجل إعادة قراءة النصوص التاريخية، فهذه العملية أصبحت واجبة لأن المؤثرات التي كتب تحتها التاريخ الإسلامي لم تعد
بالاستبداد. من
505 (2/217)
صفحة 535
موجودة حتى نتمكن من إنصاف الفرق والأنظمة والشخصيات
السياسية التي ظلمت من طرف بعض المؤرخين.
وأخيرا، وفي ظل تغيرات العالم المتجهة نحو التعددية، فإني أغتنم هذه الفرصة لأتقدم إلى إدارة المعهد الوطني العالي لأصول الدين المحترمة، باقتراح إدماج مادة تعنى بمقارنة المذاهب، ضمن البرنامج الدراسي الجامعي من أجل تمكين الطالب من الاطلاع على المذاهب الإسلامية بأساليب علمية، وبالتالي الوصول إلى الهدف المنشود، وهو تكوين فكر إسلامي مستنير وموحد.
وبعد، فأملي كبير أن يسهم هذا البحث المتواضع في التقريب بين
المذاهب الإسلامية، ثم إثراء الدراسات الإسلامية في مجال السياسة الشرعية. فبعد اطلاعي على هذا الجانب السياسي للمذهبين محل الدراسة، تيقنت بأن الاختلاف بينهما إنما هو اختلاف تنوع وليس
التقليد
اختلاف تضاد. والذي ساهم في توسيع الهوة بين المسلمين هو والتعصب وتقديس الآراء. لأن الفُرقة في العقيدة منبوذة. قال تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانو شيعا ليست منهم في شيء) (1) وأن طبيعة الإسلام تقبل الاختلاف، وتحتمله وفيه تكمن قوة المسلمين بما يوفّره من رحابة في التشريع، قال تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم من) ربك، ولذلك خلقهم) (2). كما أننا لانستطيع أن نكفّر أحدا من أهل القبلة، ولا أن نشهد له بالجنة أو النار، إلا من شهد له رسول الله له بذلك.
-1 سورة الأنعام، آية 159.
-
-2 - سورة هود، آية 117 - 118.
506 (2/218)
صفحة 536
وليست الدعوة إلى تقريب المذاهب الإسلامية دعوة إلى نصرة مذهب على حساب آخر، ولكنها دعوة إلى تنقية المذاهب من الشوائب التي أثارتها العصبيات والنعرات الطائفية، وأذكتها العقلية الشعوبية. ولن يتمَّ هذا التقارب إلا بالمعرفة والتعارف والاعتراف، بين جميع المذاهب.
وقد كان الإمام أبو حنيفة تلميذا للإمام زيد بن على، وزيد تلميذا لواصل بن عطاء، وكان الإمام مالك بن أنس تلميدا لجعفر الصادق. كما جلس البخاري إلى عمران بن حطان الخارجي يتلقى عنه الحديث ويدونه. فلماذا التقى هؤلاء وافترقنا نحن
يقول الإمام الغزالي رحمه الله: «إني لست بمعتزلي ولا أشعري، ولا أرضى بغير الانتساب إلى الإسلام وصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام، وأعدُّ الجميع إخوانا أحسبهم على الحق أعوانا»
أبي
كما روى ابن أبي شريف والنجار في حواشيهما نقلا عن الحسن الأشعري ما معناه: «احفظوا عني أني لا أكفّر أحدا من أهل القبلة، لأني رأيت الكل يشيرون إلى معبود واحد»
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)، ولا
تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنَّك رؤوف رحيم)
507 (2/219)
صفحة 537
[صفحة فارغة] (2/220)
صفحة 538
الملاحق (2/221)
صفحة 539
[صفحة فارغة] (2/222)
صفحة 540
مصطلحات إباضية
الإسلام هو الدين، وهو الخضوع والإدمان الله تعالى، والالتزام بأحكامه، باتباع
أوامره واجتناب نواهيه.
الإمامة وتعني الخلافة وهي الرئاسة العامة في أمر الدين والدنيا، نيابة عن رسول الله، والتزام الإمام بالكتاب والسنة.
إمسردان: أصل الكلمة بربري، وتعني الطلبة الذين ختموا القرآن بدون حفظ. أهل الدعوة: مصطلح يطلقه الإباضية على أنفسهم، ومصطلح (أصحابنا) هو الغالب، والأهم من المصطلحات الأخرى مثل (أهل الإستقامة) و (جماعة المسلمين) و (أهل الحق).
إيروان أصل الكلمة بربري وتعني الطلبة حفظة القرآن، والمتشبعين بعلومه. الإيمان: هو الإسلام، فلا إيمان شرعا بغير إسلام وإسلام شرعا بغير إيمان. وهو يدرك من أركان ثلاثة: تصديق وعقيدة راسخة في القلب، وقول باللسان
يعبر عما في القلب، وعمل صالح يظهر على الجوارح.
البراءة: هي الهجران وذلك عندما يقوم فرد من أفراد المذهب بجرم قولا كان أو عملا فإن بقية الأفراد يهجرونه ولا يتعاملون معه إطلاقا، حتى يخس بالوحشة والإبعاد الاجتماعيين، فيكون عندئذ واجبا عليه الرجوع إلى الجماعة بالتوبة والاستغفار. فإذا قبلت الجماعة منه ذلك رفعت عنه البراءة، وعاد كما كان.
التقية: هي لغة التستر، والكتمان واصطلاحا نظام سري لحماية دعوة معينة، يقوم صاحبها على التموية أمام السلطة لحماية نفسه.
التلميذ: اسم للواحد المبتدئ عند الدخول في الحلقة سواء كان طالب فنون أو
مقتصرا على الصلاحية فقط، وأصل الكلمة فارسي.
509 (2/223)
صفحة 541
:تمسردين أصل الكلمة بربري وجاءت من الغسل وتعني النساء اللائي يقمن
في الجانب النسوي بما يقوم به العزابة في جانب الرجال، وتختار عضوا في
الحلقة بنفس شروط العزابة.
التوحيد: إفراد الله تعالى عن المخلوقات وأفعالها وصفاتها، وكماله يقتضي عدم التشابه بالخلق ولو جزئيا، لأن ذلك مما يدخل عليه العجز والاحتياج، وهذا مستحيل في حقه تعالى.
الجملة: المقصود بما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به حق من عند ربه سماها الإباضية بالجملة، لأنها تضمن جزئيات الإيمان من الناحية الاعتقادية كالإيمان بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والناحية العملية، وذلك بتنفيذ أحكام الله عمليا.
الدفاع: هو التفاف المسلمين حول إمام يختارونه لمحاربة عدو جاءهم أو احتل ديارهم، أو الوقف ضد ظلم حاكم خرج عن شرع الله طاعة الإمام
واجبة وإمامته تزول بزوال الهدف الذي قام من
أجله، وشروطه هي
نفسها شروط إمام الظهور، مع التركيز على شرط الشجاعة والحنكة
والرأي.
الدين انظر مصطلح «الإسلام»
الشراء: جماعة من الناس يخرجون ضد السلطة الجائرة، ولا يعودون حتى يستشهد أكثرهم، وإذا بقي منهم ثلاثة عادوا إلى منازلهم لتفقد أحوال الأمة والتزود وتكوين نواة أخرى لمواصلة المهام التي تتلخص في ضرب السلطة، وعرقلتها، حتى لا تلحق ظلمها بالرعية.
الشفاعة:
هي
طلب الخير من الغير للغير، وعند الإباضية هي شفاعة النبيء للمؤمنين كافة للتخفيف عنهم يوم الحشر والتعجيل بهم لدخول الجنة، وكذلك طلب الدرجات لبعض المؤمنين الذين ماتوا على الوفاء والتوبة.
510 (2/224)
صفحة 542
صفات الله:
وأن جميع
هي جوهره وذاته وليست شيئا آخر مستقلا عنه، صفاته كافية للاتصاف بالكمال المطلق، وليست في حاجة إلى ما تكتمر
به، فهو قادر بذاته وعالم بذاته ...
صفات الله الجائزة: هي التي يوصف بها الله تعالى إن فعلها، ولا يوصف بكما إن
لم يفعلها، كالخلق والرزق.
صفات الله الواجبة: وهي التي لا يمكن نفيها عنه تعالى إطلاقا، وهي صفات الذات في الأزل والحاضر والأبد، ومن خصائص هذه الصفات أنها لا تجامع ضدها في الوجود ولو اختلف المحل كاستحالة وصفه بالعلم
والجهل.
الظهور: ظهور الدولة الإسلامية بمظهر القوة، تحكم بكتاب الله وسنة نبيه. وتأمر وتنهى وتقيم الحدود، وتعلن الحرب على المرتدين الكافرين. كظهور الدولة الإسلامية الأولى في عهد رسول الله إلى آخر خلافة علي بن أبي طالب.
القدر: هو تفصيل هذا الحكم (القضاء) بتعيين الأسباب بالأوقات والأزمان، بحسب قابلياتها واستعداداتها المقتضية للوقوع منها. وتعليق كل حال من
أحوالها بزمان معين وسبب مخصص.
القديم من سبق وجوده وجود الحدث، فكل ما جاء بعد الأول فهو محدث و مخلوق، وكل ما كان ولا تكوين فهو قديم وهذا الاصطلاح يطلق في
علم الكلام علة والموجود الذي ليس لوجوده إبتداء.
القضاء هو الحكم الكلي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل إلى الأبد، مثل قضاء الموت على كل نفس.
قومنا يطلقها على غير أهل المذهب من سائر الفرق الإسلامية الأخرى. الكبيرة هي كل ما وعد عليه في الآخرة، سواء أوعد عليه في الدنيا أم لم يعد.
16
511
12. (2/225)
صفحة 543
کالشرك والسحر وأكل أموال الناس بالباطل والقتل، أو الإعانة عليه ولو
بكلمة.
الكتمان مرحلة تعتبر أدنى درجات الجهاد وهي الابتعاد بالمجتمع بعيدا عن السلطة الظالمة، والقايم بإصلاح هذا المجتمع عن طريق المشاريع الخيرية.
كفر الشرك وهو كفر، ملة، ويقتضي إنكار وجود
الله
أو صفة
صفاته
من
2
الذاتية، أو نسب إليه شيء مما لا يجوز في حقه. ودخل فيه أيضا إنكار شيء مما علم من الدين بالضرورة.
كفر النعمة: وهو كفر نفاق وعصيان ويقتضي ارتكاب كبيرة من الكبائر.
وهذا النوع من الكفر لا يخرج صاحبه من الإسلام. ولكنه يستتاب ويتبرأ
منه
فعلته.
حتى يعود عن
الولاية: وهي
الحب والإخلاص والأخوة الصادقة التي يكنها ويظهرها كلُّ مسلم
نحو أخيه المسلم في الله.
512 (2/226)
صفحة 544
التركيب الهيكلي لحلقة العزابة شيخ الحلقة
الغسالون
الغسالات
الآخرون
المستشارون
الإمام
المؤذن
الوكيل
المرشد
2512
العرفاء
ع.
ع القرآن ع
الختمات أوقات الطعام (2/227)
صفحة 545
معاوية بن أبي سفيان
يزيد بن معاوية
معاوية بن يزيد
مروان بن الحكم
عبد الملك بن مروان
الوليد بن عبد الملك
خلفاء بني أمية
680 - 660/ 60 - 40
684 - 680/ 63 - 60
684 - 684/ 64 - 63
?685–684/— 65 - 64
705 - 685/ 86 - 65
715 - 705/ 96 - 86
سليمان بن عبد الملك
99 - 96 هـ / 715 - 717 م
101 - 99 هـ / 717 - 719 م
عمر بن عبد العزيز
يزيد بن عبد الملك
هشام بن عبد الملك
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
مروان بن محمد
724 - 720/
105 - 101
743 - 724/
125 - 105
744 - 743/
هـ
126 - 125
749 - 744/ 132 - 127
هـ
المصدر: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي، ج 2.
512 م 3 (2/228)
صفحة 546
أبو جعفر المنصور: عبد الله
المهدي: محمد بن عبد
خلفاء بني أمية
بن
السفاح: أبو العباس عبد الملك محمد
بن
محمد
الله المنصور
الهادي: موسى الهادي
الرشيد: هارون الرشيد
754 - 750/ 136 - 123
775 - 754/ 158 - 136
785 - 775/ 169 - 158
786 - 785/ 170 - 169
809 - 786/ 193 - 170
الأمين: أبو عبد الله
محمد الأمين
198 - 193 هـ / 809 - 813 م
833 - 813/ 218 - 198
842 - 833/— 227 - 218
847 - 842/ 232 - 227
861 - 847/ 247 - 232
862 - 861/ 248 - 247
866 - 862/ 252 - 248
868 - 866/— 255–252
870 - 869/ 256 - 255
892 - 870/ 279 - 256
902 - 892/ 289 - 279
908 - 902/ 296 - 289
932 - 908/— 320 - 296
934 - 932/ 322 - 320
المأمون: عبد الله أبو العباس
المعتصم: أبو إسحاق محمد
الواثق هارون الواثق
المتوكل: جعفر بن
المعتصم
المنتصر: أبو جعفر محمد
محمد
المستعين: أحمد
بن
المعتمد: أبو العباس أحمد
المهتدي: ابن الواثق
المعتمد بن المتوكل المعتضد: أبو العباس أحمد
المكتفي: أبو محمد علي
المقتدر: أبو الفضل جعفر
القاهر: محمد المعتضد بالله
بن
المصدر: أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي، ج 2.
42512 (2/229)
صفحة 547
قائمة أئمة عمان
الجلندى بن مسعود محمد بن أبي عفان الأزدي
134 - 132
179 - 177 هـ
غسان
عبد الملك محمد الأزدي
بن
الوارث بن كعب الخروصي بن عبد الله
192 - 179 هـ
-207 - 192
226 - 208 هـ
الهنا
بن جيفر الحمدي الخروصي
الصلت بن مالك الخروصي
-237 - 226
-273 - 237
راشد بن النظر اليحمدي الخروصي
277 - 273 هـ
عزام بن تيم الخروصي
-280 - 277
ثم تسلسل عدة أئمة في زمن قصير جدا، نتيجة ضعفهم وصراعهم مع الشيوخ
ومن هؤلاء الأئمة:
محمد بن الحسن الخروصي، الصلت بن القاسم الخروصي، عزان بن الهزير
المالكي، عبد الله بن محمد الحداني، الصلت بن القاسم الخروصي
المصدر: السالمي: تحفة الأعيان، ج 1.
5 - 512 (2/230)
صفحة 548
عبد الرحمن بن رستم
عبد الوهاب بن عبد الرحمن
أفلح بن عبد الوهاب
أبو بكر بن أفلح
أبو اليقظان بن أفلح
أبو حاتم يوسف بن محمد
أئمة الدولة الرسمية
171 - 160 هـ
208 - 171 هـ
-258 - 208
-261 - 258
-281 - 261
-294 - 281
المصدر: أبو زكرياء: كتاب سير الأئمة وأخبارهم.
62512 (2/231)
صفحة 549
[صفحة فارغة] (2/232)
صفحة 550
الفهارس
513 (2/233)
صفحة 551
[صفحة فارغة] (2/234)
صفحة 552
أولا: المصادر المخطوطة
- تبغورين عيسى الملشوطي (ق 5 هـ):
1 أصول الدين 55 ورقة 27 سطرا، المقاس 24.7×12.5 مكتب القضب بني يزقى
غرداية.
- الشماخي (أبو العباس أحمد بن سعيد ت 928 هـ – 1521 م):
2 كتاب السير 598 ورقة 21 سطر المسطرة 105×24، مخروم من الأولى إلى الورقة ونسخة واحدة في مكتبة الحياة القرارة غرداية
- الشماخي (قاسم بن اسليمان بن محمد)
3 شرح الؤلؤة، ج 140/ 2 ورقة 24 سطرا المقاس: 23×17 الناسخ عمر بن عيسى بن سعيد تندمرتي مكتبة القطب بني يزقن غرداية
اطفيش (محمد بن يوسف):
4 شرح شرح مختصر العدل والإنصاف م 2 349 ورقة المسطرة 33 سطرا المقاس
21.7×31 النسخ بخط المؤلف
- العتبي سلمة بن سعد العماني):
5. ضياء 2 243 ورقة عدد الأسطر 23 المقاس 18 x 13 نسخة مصورة في ج
مكتبة الحاج صالح لعلي بني يزقن غرداية
ثانيا: مصادر والمراجع المطبوعة
- إبراهيم بن بكير بحاز (معاصر):
6 الدولة الرستمية (160 هـ، 296 هـ / 777 م، 909 م) دراسة في الأوضاع الإقتصادية والحياة الفكرية 1985/ 1 مط. لافوميك الجزائر
- إبراهيم بن يوسف (معاصر):
-
الحكم والسياسة في الإسلام من منظور الإباضية مط. تقنية الألوان
ابن أبي الحديد) عبد الحميد هبة الله بن محمد الحسين):
8 شرح نهج البلاغة م 2،1 تح الشيخ حسن التميمي، نشر: دار مكتبة الحياة
بيروت لبنان
515 (2/235)
صفحة 553
- ابن الأثير (علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني (1160 - 1234 م): و الكامل في التاريخ 6، ط نشر دار الكتاب العربي بيروت لبنان 1967/ 2 - ابن تيمية (تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (661 72 هـ/1263 - 1328 م): 10. الخلافة والملك تح. حماد سلامة مر. د. محمد عويضة ط. نشر ديوان ومطبوعات
الجامعية
11. السياسة الشرعية وإصلاح الراعي والرعية. ط. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية نشر. الزهراء، 1990/ 1
12. منهاج السنة النبوية، تح. د. محمد رشاد سالم، ج 2،1، ط مكبة الخياط لبنان
- ابن حزم علي بن أحمد الطاهري الأندلسي (ت 456 هـ- 1065 م): 13. الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 4،3،2،1، طائص. عبد الرحمن خليفة. من. محمد علي صبيح وأولاده ميدان الازهر 1347 هـ
ابن حنبل أحمد (246 هـ/780 - 855 م):
14. المسند ط.1403/ 4 هـ / 1993 م المكتب الإسلامي بيروت
- ابن الخطيب لسان الدين (1313 - 1374 م): 15 تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط تح. وتع. مختار العبادي ومحمد إبراهيم الكتاني. نشر وتوسيع دار الكتاب دار البيضاء المغرب، 1964 م
- ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد 8 هـ - 14 م):
16. المقدمة تح زد علي عبد الواحد واقي، ج 2، ط 2 طبع ونشر لجنة البيان العربي
- ابن الرزيق (حميد بن محمد)
17. الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان. تح. عبد المنعم عامر. طبع وزارة الثرات القومى والثقافة عمان مط. أمون للتجليد والطباعة بالقاهرة 1984
18. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعديين. تح. عبد المنعم عامر ود. محمد مرسي عبد الله ط 2 طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان مط. أمون للتجليد والطباعة
1984
- ابن الصغير (ق. 3 هـ):
19. أخبار أيمة الرستميين تح. وتع. د محمد ناصر والأستاذ إبراهيم بحاز طبع مؤسسة
جواد للطباعة والتصوير نشر دار الغرب الإسلامي، 1986 م
516 (2/236)
صفحة 554
- ابن طباطبا (محمد علي):
20. الفخري في الآداب السلطانية. واندولة السندمية طبع دار صادر بيروت 1966 ء
- ابن العربي (أبو بكر):
21. آراء أبي بكر العربي ونقده للفلسفة اليونانية (العواصم من القواصم) تح. د: عمار طالبي نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ط 2، الجزائر، 1981 م
- ابن قتيبة (أبي محمد عبد الله بن مسلم الدينوري 828 - 889 م): 22. الإمامة والسياسة ج،2،1، تح. د. محمد طه الزيني نشر دار المعرفة لبناء ابن ماجه أبو عبد الله بن يزيد القزويني ت 273 هـ 887 م):
23 سنن، تح، وتر، محمد فؤاد عبد الباقي 1952 م، دار إحياء الكتب العربية ابن هشام (أبو محمد عبد الملك):
24. سيرة النبي (ص) مراجعة وضبط وتع. وفهرسة محمد محيدبن عبد الحميد مط. الحجازي القاهرة
أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني ت 275 هـ (88 م):.25 سنن تع، أحمد سعد علي، ط 1، 1952 طبع ونشر شركة ومكتبة مصتطتى
الجابي مصر.
- أبو زكرياء (يحيى بن أبي بكر):
26 كتاب السير الأئمة وأخبارهم تح. إسماعيل العربي طبع ديوان المطبوعات الجامعية 1984. أبو زهرة محمد (معاصر):
27. تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد ج ا طبع ونشر دار الفكر العربي 28 تاريخ المذاهب الإسلامية في تاريخ المذاهب الفقهية) ج 2، طبع ونشر دار الفكر
العربي.
- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ:
29 البيان والتبين ط 3، تح، وشر، عبد السلام محمد هارون نشر مؤسسة الخانجي
القاهرة
- أبو عمار عبد الكافي التناوني) الوارجلاني، أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني محمد بن
الحاج أبي القاسم المصعبي يوسف بن محمد المصعبي ق 5 هـ - 12 م):
30 مجموعة رسائل طبع المطبعة البارونية مصر
517 (2/237)
صفحة 555
أبو يعلى (محمد بن الحسين الفراء):
31. الأحكام السلطانية. مصطفى الحلبي بمصر ط. 1966/ 2
- إحسان الأهبي ظهير (معاصر):
32. الشيعة وأهل البيت ط 2 نشر إدارة ترجمان السنة
- أحمد أمين (الدكتور):
33 فجر الإسلام، ط 10 نشر دار الكتاب العربي لبنان 1969
34 ضحى الإسلام ج 1، ط 1، مط. الاعتماد 1933
35 ضحى الإسلام، ج 2، ط 1، مط لجنة التأليف والترجمة والنشر 1935 36. ضحى الإسلام، ج 3، ط 10 نشر دار الكتاب العربي لبنان 37 ظهر الإسلام جامط .. خلف القاهرة 1958
38 ظهر الإسلام ج 4، ط 2 طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية
- أحمد مهني، مصلح محمود جمعة الأندلسي، عاشور يوسف كسكاس، مهني عمر
التيواجني (معاصرون):
39. هذه مبادئنا طبع مطابع النهضة 1987
- الإدريسي علي (الدكتور)
40. الإمامة عند ابن تومرت دراسة مقارنة مع الإمامية الإثني عشرية. تق. د. أبو
عمران الشيخ طبع ديوان الجامعية 1991
- الأزكوي سرحان بن سعيد العماني):
41. تاريخ عمان: المقتبس من كتاب كشف الغمة تح. عبد المجيد
طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان مط. مطابع سجل العرب 1980
- إسماعيل محمود (معاصر):
42. الحركات السرية في الإسلام ط 1 طبع دار القلم بيروت لبنان 1989 - الأشعري (الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل 260 - 324 هـ/874 - 93 م): 43 مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ج 21، تح محمد محي الدين عبد الحميد ط 1 طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية 1954
- اف. سي. ولنكسون (معاصر): 44. عمان تاريخا وعلماء. تر. محمد أمين عبد الله العدد 10، ط 2، 1980 طبع وزارة
الثرات القومي و الثقافة عمان مط. سجل العرب
518 (2/238)
صفحة 556
- أوعشت بكير بن سعيد (معاصر):
45. دراسات إسلامية في أصول الإباضية ط 1، 1982 ضع دار البعث لبضاعة والنشر
قسنطينة الجزائر.
- الباروني الشيخ سليمان:
46. مختصر تاريخ الإباضي
- الباروني (سليمان بن الشيخ عبد الله النافوسي ق 14 هـ):
47. الأزهار الرياضية في أئمة والملوك الإباضية ج 2، مط الأزهار البارونية
- البخاري (أبو عبد الله اسماعيل بن إبراهيم):
48. صحيح، إشراف محمد توفيق عويضة، القاهرة 1386 هـ
- البرادي أبو القاسم بن إبراهيم:
49 الجواهر المنتقاة في تميم ما أخل به صاحب الطبقات
- البطاشي سيف بن حمود بن حمد (معاصر):
50 إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج 1، طبع مطبعة النهضة 1992
- البغدادي (أبو منصور عبد القاهر بن طاهر ت 429 هـ):
51. الفرق بين الفرق تص، محمد بن زاهد بن الحسن الكوثري نشر عزت العطار
الحسيني مصر 1948
- بكوش يحيى محمد (معاصر):
52. فقه جابر بن زيد ج 1، ط 2 طبع المطبعة العربية، غرداية
- الترمذي (أبو عيسى محمد بن عيسي 209 - 279 هـ/824 - 882 م): 53 الجامع الصحيح تح، أحمد محمد شاكر، دار إحياء الثرات العربي بيروت
- الثلاثي عمر بن رمضان الحربي:
54. عقيدة التوحيد وشروحها المطبعة الإدارية 1323 هـ
- الجعبيري فرحات بن علي (معاصر):
55. البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، جا نشر جمعية الثرات القرارة غرداية
1987 م.
56. دور المدرسة الإباضية في الفقه و الحضارة الإسلامية، ط دار الجويني للطبع 1988 م - الحارثي سالم بن حمد بن سليمان:
519 (2/239)
صفحة 557
57. العقود الفضية في أصول الإباضية، طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان
1983
- الحريري محمد عيسى (معاصر)
58. الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي، ط 3، طبع دار القلم للنشر والتوزيع حسن إبراهيم حسن (معاصر) 59 تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 1، ط 7، طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية 1964 م
60 تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 2، ط 7، طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية 1964 م
61. تاريخ الإسلامي، السياسي والديني والثقافي و الاجتماعي، ج 3، ط 7، مكتبة النهضة
المصرية 1965 م
62 تاريخ الإسلامي السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 3، ط 7 طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية 1967 م
- حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن:
63. النظم الإسلامية، ط 2، طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية 1959 م
- حسين محمد الخضر (معاصر):
64. نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم مطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة 1344 هـ الحضرمي (أبو إسحاق إبراهيم بن القيس):
65. مختصر الخصال طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان مط، دار نوبار للطباعة
1884 م
- حمادة محمد ماهر (معاصر)
66. الوثائق الإدارية والسياسية العصور العباسية) ط،2 طبع ونشر مؤسسة الرسالة للطبع والنشر والتوزيع 1982 م
- الحموي ياقوت شهاب الدين أبو عبد الله 1179 - 1229 م):
67. معجم البلدان، مج 2،5،1، طبع ونشر دار بيروت للطباعة والنشر والتوزيع 1982 م.
- الخالدي محمود (معاصر)
68 قواعد نظام الحكم في الإسلام طا مزيدة ومنقحة نشر مؤسسة الإسراء
قسنطينة الجزائر، دخل الجزائر 1991 م
520 (2/240)
صفحة 558
- الخربوطلي علي حسين (معاصر):
69. ثورات في الإسلام م 2 طبع دار الآداب بيروت 1978 م
- الخضري بك محمد (معاصر):
70. محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية 1958/ 8 ء
71. حاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، ج 1، 6، مطبعة الإستقامة القاهرة
72 محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، ج 2، ط 6، مطبعة الإستقامة القاهرة - خليفات محمد عوض (معاصر) 73. الأصول التاريخية للفرقة الإباضية: وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية
عمان
74. التنظيمات السياسية و الإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان، وزارة العدن والأوقاف والشؤون الإسلامية عمان
75. نشأة الحركة الإباضية بالمشرق، طبع سنة 1978 م
76. النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان، ذا!
1982
- الدارمي (أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي ت 255 هـ - 869 م):
77. السنن، نشر دار إحياء السنة النبوية ودار الكتب العامة
- دبوز محمد علي (معاصر): 78 تاريخ المغرب الكبير ج 2،3، ط 1، مطبعة دار إحياء الكتب العربية 1963 م - الدرجيني (أبو العباس أحمد بن سعيد ت 670 هـ):
79 طبقات المشايخ بالمغرب، ج 1،2، تح إبراهيم طلاي طبع دار البعث قسنطينة - الرافعي مصطفى (معاصر)
80. الإسلام نظام إنساني، مر الشيخ حسين تميم ط 2 نشر دار احياة
- الربيع بن حبيب بن عمر الازدي البصري (ت 150 هـ):
81. الجامع الصحيح) مسند الربيع) على ترتيب الشيخ أبي يعقوب بن يوسف بن إبراهيم الورجلاني، نشر دار الفتح للطباعة والنشر بيروت ومكتبة الاستقامة
روي عمان 1388 هـ
- الرستاقي خميس بن سعيد بن علي:
82
منهج الطالبين وبيان الراغبين، ج 8، تح سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ضبع
وزارة الثرات القومي والثقافة عمان
16
521
2 (2/241)
صفحة 559
الرفاعي أنور (معاصر):
83. الإسلام في حضارته ونظمه، ط 2، طبع دار الفكر 1982 ء
- الزرقاني:
84 شرح الرقابي من موطأ مالك تص، ومرا، جنة من العمساء. نشر المكتبة التجارية
الكبرى، تو، دار الفكر 1355 هـ -1936 م
- سالم السيد عبد العزيز (معاصر):
85 تاريخ المغرب الكبير، ج 2، طبع النهضة العربية
- سالم عبد الله بن حميد:
86 شرح الجامع الصحيح، ج 1، ط 2 ن طبع المطابع العالمية عمان
87 مشارق أنوار العقول، مطبعة جريدة (المحروسة) 1314 هـ
88 تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 1، ط 2،طبع تح، تص، إبراهيم اطفيش،
مطبعة الكتاب
- السالمي محمد عبد الله وناجي عساف:
89. عمان تاريخ يتكلم، مط العمومية دمشق 1963 م
- السالمي نور الدين بن عبد الله ت 1332 هـ - 1914 م):
90. اللمعية المرضية من الأشعة الإباضية العدد،18، طبع وزارة الثرات القومي
والثقافة عمان أفريل 1981 م
- السعدي جميل بن خميس:
91. قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة ج 5،6،7 طبع دار جريدة عمان
للصحافة و اللصحافة والنشر عمان 1983
- سليمان بن يوسف (العطفاوي):
92. الخوارج هم أنصار علي، ج 1، ط 1، طبع دار البعث قسنطينة 1983
السيابي (سالم بن حمود بن شامس أبو هلال ق 14 هـ):
93 طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي طبع ونشر وزارة الثرات
القومي والثقافة عمان، مط سجل العرب عمان
94 عمان عبر التاريخ ج،2،1، ط 2 طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان مط، سجل العرب 1986 م
522 (2/242)
صفحة 560
95. أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج، تحد، السيدة سماع لكان.
مض، سجل العرب 1979 م
96. الحقيقة وانجاز في تاريخ الإباضية باليمن واخجاز، صبع وزارة الترات القومي والثقافة، عمان مط، سجل العرب 1980 م
- سيد قطب
97. السلام العالمي والإسلام،5، نشر مكتبة وهبة مصر 1966 م
98. معركة الإسلام والرأسمالية ط 1، نشر محمد حلمي المنياوي، من دار الكتاب العربي 1951 م
99. العدالة الاجتماعية في الإسلام، ط 3، نشر شركة الطباعة والصحافة للإخوان المسلمين مط، دار الكتاب العربي 1952
- شرف محمد جلال (معاصر):
100. نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام طبع، ونشر دار النهضة العربية 1982 م
- الشريف عمر (معاصر)
101. نظام الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية - دراسة مقارنة – طبع معهد الدراسات الإسلامية القاهرة 1987 م
- الشكعة مصطفى (معاصر):
102. إسلام بلا، مذاهب ط 7 طبع ونشر الدار المصرية اللبنانية القاهرة 1989 م
- شلبي أحمد (معاصر): 103. التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 1، ط 2، نشر وطبع مكتبة النهضة المصرية 1959 م
104. التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ج 2، طبع لجنة التأليف والنشر، نشر مكتبة النهضة المصرية 1960 م
105. التاريخ الإسلاوي والحضارة الإسلامية، ج 3، 2، نشر وطبع مكتبة النهضة
المصرية 1962 م
- شلتوت محمود (الشيخ):
106. الإسلام عقيدة وشريعة طبع دار القلم بالقاهرة
523 (2/243)
صفحة 561
- الشماخي أبو سليمان الثلاثي:
107. مقدمة التوحيد وشروحها، تص، إبراهيم اطفيش شر الشماخي والثلاثي
القاهرة 1353 هت
- الشيخ بلحاج محمد (معاصر):
108. تميزات الإباضية نشأة وتأصيلا تشريعا وسلوكا طبع دار البعث قسطينة 1991 ء
- صالح با عمر بن الحاج محمد (معاصر):
109 دراسة في الفكر الإباضي تق تع، أحمد بن سعود السيابي
- - الصالح صبحي (معاصر):
110. النظم الإسلامية نشأتها وتطورها، ط 2، طبع دار العلم للملايين بيروت 1968 م
- طالبي عمار (الدكتور):
111. آراء الخوارج الكلامية، مج،2،1، ج 2،1، طبع ونشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1978 م
- الطبري محمد بن جرير أبو جعفر (ت 310 هـ/922 م):
112 تاريخ الرسل والملوك ج 5،6،7،8،9،10، تح محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2 طبع
دار المعارف
- اطفيش أبو اسحاق إبراهيم:
113. الفرق بين الإباضية والخوارج
طفيش محمد بن يوسف (قطب الأيمة) 1818 م – 1914 م:
114. شرح النيل وشفاء العليل، ج 14، ط 2، نشر دار الفتح بيروت 1972 115 شامل الأصل والفرع، ج 1، طبع وزارة الثرات القومي عمان 1984 116 إزالة الاعتراض عن محق آل إباض العدد 29، طبع وزارة الثرات القومي عمان
1982 م
- عبد الباقي محمد فؤاد (معاصر):
117. المعجو المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، نشر وطبع دار الحديث القاهرة
- العجلاني منير (معاصر):
118. عبقرية البإسلام في أصول الحكم ط 2، مط دار الكتاب الجديد 1965 م
524 (2/244)
صفحة 562
- عدون جهلان (معاصر)
119. الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ طميش نشر جمعية الثر
القرارة غرداية
- العدوي إبراهيم أحمد (معاصر):
-
)
120. النظم الإسلامية مقوماتها الفكرية ومؤسساتها التنفيذية في صدر الإسلام والعصر
الأموي نشر مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة
121. بلاد الجزائر تكونها الإسلامي العربي، طبع مكتبة أنجلو المصرية 1970 ء
العقاد عباس محمود (معاصر)
122. الديمقراطية في الإسلام، طبع ونشر دار المعارف بمصر 1952
- العقيلي محمد رشيد (معاصر)
123. الإباضية في عمان وعلاقتها مع الدول العباسية في عصرها الأول تعدد (6) 1984، طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان مط. الشرقية ومكتبتها عمان - عمارة محمد (الدكتور):
124. الإسلام وفلسفة الحكم، ط 2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1979 125 الإسلام والسلطة الدينية ط 2، دار الشروق 1986
126. الإسلام والمستقبل، ط 2، طبع دار الشروق 1986 127. مسلمون، ثوار ط 2، طبع المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1979 م - عودة عبد القادر (معاصر)
128. الإسلام وأوضاعنا السياسية، مط دار الكتاب العربي
الغزالي محمد (الشيخ)
129. كيف نفهم الإسلام، ط 1، طبع ونشر دار الكتاب العربي عصر 1957
- فاروق عمر فوزي (معاصر):
130. التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ط 2، طبع دار إقرأ 1985
- فيلالي عبد العزيز (معاصر):
131. العلاقات السياسية بين دولة الأموية في الأندلس ودول المغرب، طبع ونشر
الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1982 م
525 (2/245)
صفحة 563
،
القاسمي ظافري (معاصر): 132. نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ج 1، ط 4، طبع دار النفائس 1982 133. نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ج 2، ط 2، طبع دار النفائس 1983 - القاضي (عبد الجبار بن أحمد 415 هـ- 1025 م): 134. الأصول الخمسة، تع الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هشام، تح د عبد الكريم عثمان ط 1، طبع في مطبعة الاستقلال الكبرى نشلار مكتبة وهبة مصر 1965 135 شرح أصول الخمسة، تع الإمام الحسين بن أبي هاشم تح، وتق، د. عبد الكريم عثمان، ط اطبع في مطبعة الاستقلال الكبرى نشر مكتبة وهبة مصرة
- قطب محمد
136. جاهلية القرن العشرين، ط 1، نشر مكتبة وهبة 1964
- كاشف سيدة إسماعيل (معاصرة):
1965
137. عمان في فجر الإسلام العدد 1، ط 2، طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان
مط الصف العرب.
- الكليني (أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق ت 329 هـ – 941 م): 138. الأصول من الكافي، ج 1، ط 3، تص، وتح، علي أكبر الغفاري نشر دار الكتاب
الإسلامية طهران 1388 هـ
- الكعاك عثمان:
139. موجز تاريخ الجزائر
عبد الله بن موسى السدي التروي:
- الكندي (أبو بكر أحمد بن
140. المصنف، ج 10، طبع وزارو الثرات القومي والثقافة عمان 1983
- مالك بن أنس (17993 هـ / 712 - 975 م):
141. الموطأ، تص، وتر، وتخ، وتع، محمد فؤاد عبد الباقي
المبارك محمد (معاصر)
142. نظام الإسلام - الحكم والدولة - ط 4 طبع دار الفكر 18 - 981 م
- الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي ت 450 هـ-1058 م): 143. الأحكام السلطانية والولايات الدينية تح، خالد عبد اللطيف السبع العلمي، ط
1 نشر دار الكتاب العربي 1990 م
526 (2/246)
صفحة 564
-
- المبرد (أبو العباس 285 هـ-898 م):
144. أخبار الخوارج - الكامل - طبع دار الفكر الحديث لبنان
- المجذوب عبد العزيز (معاصر)
145. الصراع المذهبي بإفريقيا إلى قيام الولة الزيرية تق عني الشالي نشر التونسية
للنشر 1975 ء
- محمود عبد العليم (معاصر):
146. التفكير الفلسفي في الإسلام طبع دار الكتاب اللبناني 1982 م
مسلم أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن القشيري النيسابوري ت 261 هـ- 875 م):
147
صحيح، تح، وتص، وتع، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الثرات العربي
بيروت
المصري محمد عبد الهادي (جمع وإعداد)
148. أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى طبع ونشر دار طيبة للنشر
والتوزيع الرياض
- معمر علي يحيى (معاصر):
149. الإباضية في موكب التاريخ - الإباضية في الجزائر -، ج 1،2،تص، أحمد عمر أو بكة، طبع مطبعة العربية غرداية 1985 م
150. الإباضية بين الفرق البإسلامية، مطبعة العربية غرداية
151. أضواء على الإباضية، طأ مطبعة المطابع العالمية روي عمان 1985 152. الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مطبعة العربية غرداية 1985 م 153. مغنية محمد جواد (معاصر)
154 معالم الفلسفة الإسلامية، ط 1، مطبعة دار العلم للملايين لبنان 1960 م 155. الشيعة والحاكمون، ط 3، نشر المكتبة الأهلية بيروت 1966 م
- المليجي يعقوب محمود (معاصر): 156. مبدأ الشورى في الإسلام مع المقارنة بمبادئ الديمقراضية الغربية و النظام
المركسي - طبع ونشر مؤسسة الثقافة الجامعية مصر
- المودود ابو الأعلى:
157. نظرية الإسلام وهديه ط 1، طبع دار الفكر بدمشق 1964 م
527 (2/247)
صفحة 565
158. نظرية الإسلام السياسيةن طبع دار الفكر بدمشق 1388 هـ
159. نظام الحياة في الإسلام، تر، محمد عاصم حداد، ط 2، مطبعة دار الفكر
الإسلامي دمشق 1958 م
موسي جلال محمد (معاصر)
160 نشأة الأشعرية وتطورها، ط 1، طبع دار الكتاب الفناني 1975 م
- الميلي مبارك:
161 تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج 2، نشر مكتبة النهضة الجزائرية
- ناصر محمد (الدكتور):
162. حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، طبع جمعية الثرات القرارة
غرداية 1989
- النسائي (أبو عبد الرحمن بن شعيب ت 303 هـ - 915 م):
163. سنن المجتبى، طا، نشر شركة ومكتبة مصطفى اجابي مصر 1964
- هاشم مهدي طالب (معاصر):
164. الحركة الإباضية في المشرق العربي نشأتها وتطورها حتى القرن الثالث الهجري - ط 1، طبع دار الاتحاد العربي للطباعة العراق 1981
- الورجلاني (أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم ت 570 - 1174 م):
165. الدليل والبرهان المجلد،21، ج 3، 1، تح، سالم بن حمد الحارثي، طبع وزاروة الثرات القومي و الثقافة عمان 1983 م
- يوسف جودت عبد الكريم (معاصر):
166. العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، نشر المؤسسة الوطنية للكتاب 1984 م
- مؤلف مجهول 167. قصص وأخبار جرت في عمان تح، عبد المنعم عامر طبع وزارة الثرات القومي والثقافة عمان، مطبعة سجل العرب 1983 م
- مؤلف مجهول
168. نسخها أبو سالم عبيد فرحان تح وشر، عبد الفتاح عاشور طبع وزارة الثر
القومي والثقافة عمان مطبعة سجل العرب 1980 م
528 (2/248)
صفحة 566
ثالثا: الدوريات
169. الأصالة - وزارة الشؤون الدينية عدد 1 من مطبعة البعث قسنطينة 1977 ء 170. المنهاج - إبراهيم طفيش العدد 1 مطبعة السلفية مصر مقال كتبه ابو اسحاق إبراهيم طفيش
171. النور - العدد 1992/ 54 مقال عن مجلة الشهاب مجلد 13 ج 11 جانفي 1938 ء
رابعا: رسائل جامعية
172. نظام العزابةن بحث لنيل شهادة دبلوم الدراسات المعمقة في التاريخ الإسلامي. إشراف د. موسى لقبال السنة الجامعية 86 - 1987 - معهد التاريخ جامعة الجزائر
خامسا: المقابلات
173. ش محمد بن بابه الشيخ بلحاج، أستاذ الشريعة الإسلامية معيد الحياة القرارة غرداية، أجريت المقابلة يوم 14 جوان،1992 م، ونسخ أجوبتها بخط يده في أحدى
و عشرين صفحة (21)
174. الدكتور محمد الأمين الإسماعيلي، أستاذ بدار الحديث الحسنية، الرباط المغرب، أجريت المقابلة يوم 26 ديسمبر 1992 بالجزائر.
529 (2/249)
صفحة 567
سادسا: المراجع الأجنبية
Ahmed benechenhou.
175 -
Connaissance
du Maghreb
d'histoire (notions
d'ethnographie de sociologie Imp. Edition populaire
d'armee. 1971
Aicha Daddi addoun
176 - Sociologie et histoire des algeriens Ibadites imp. El- Arabia Ghardaia 1977
Anne Marie Abderrahim Reichlem.
177 - Contribution a l'etude de la vie sociale et economique de la communaute Ibadite du M`zab Algerie: dist ecole.des hautes etudes en sciences sociale paris. Fevrier 1980.
Bibliotheque des centres d'etudes superieures specialises:
178 - le Shi-ism imamite. Imp.presses univeritaires de France paris 1978.
Cheikhe Beiri :
197 - le Kharigisme berber t.xv dis la typo-litho et jule carbonel Alger 1957.
Henric Laouste:
180 - les schismes dans l'islame : imp. SNED. Alger. Bibliotheque des centres d'etudes superieures specialises. 181 - le chi- isme imamite : imp.presses universitaires de francs Paris 1968.
Louis Gardet:
182 - l'Islam religion et comminaute. Dist. L'ordinaire d.d.b. desclee de Brouwer Paris 1982
Loius perillier :
183 - les Chiites: imp. politique des allies. Dist. Berger- levrauli editeurs Paris 1920
Pierre Cuperly
184 - Profission de foi ibadites contribution a l'etude de l'ibadisme et de sa sociologie t.2 universite de Paris- Sorbone 1982
530 (2/250)
صفحة 568
فهرس الآيات الكريمة
106.86
124
257 ......
188
239 .........
195
406.262 .................. 207
123 ..
246
125 .........
251
492.255 .................. 256
435 ........
28
267 .......
28
224 .........
39
219.123 .....
104
إني جاعلك للناس إماما
ولا تاكلو أموالكم بينكم بالباطل
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
ومن الناس من يشري نفسه
ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله
سورة البقرة
ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض
لا إكراه في الدين
سورة آل عمران
178.152 .......
5
،444،152.
34
404.170 .......
58
118.44
59
149 117.78 ............... 59
209.177 151 ......... 141
453.178.152__
سورة النساء
لا يتخذ المومنون الكافرين أولياء
إلا أن تتقوا منهم
وسيدا وحصورا ونبينا
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
ولا توتوا السفهاء أموالكم
الرجال قوامون على النساء
إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا
531 (2/251)
صفحة 569
وتعاونو على البر والتقوى
سورة المائدة
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون
ما فرطنا في الكتاب من شيء
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وهو الذي جعلكم خلائف الارض
سورة الأنعام
سورة الأعراف
والعاقبة للمتقين
ومن قوم موسى أمة
ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير
سورة الأنفال
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
الآن خفف الله عنكم
والذين آمنوا ولم يهاجروا
إنما الصدقات للفقراء
إن الله اشترى من المؤمنين
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
سورة التوبة
532
219.
2
81
44
81
45
81
47
38
77
506 .......
159
101 ....
. 165
243.
385 .........
128
159
92
.. 188
118 ..
46
251 .......
66
152 .......
72
412 ...
60
206 .........
111
44
122 (2/252)
صفحة 570
385.
19
201 .......
35
506 ........
118
.
310 .......
22
378 ..........
.... 55
264.251 .......
94
40.
267.106 .........
90
..
106
.....
.73
115.86 ....
123 ........
41
184.153 .....
78
195.101 ....
55
سورة يونس
وما كان الناس إلا أمة
أفمن يهدي إلى الحق
سورة هود
ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة
سورة يوسف
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما
قال اجعلني على خزائن الارض
سورة الحجر
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين
سورة النحل
إن الله يأمر بالعدل والاحسان إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
سورة الأنبياء
وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا
سورة الحج
الذين إن مكناهم في الارض
وما جعل عليكم
سورة النور
وعد الله الذين آمنوا منكم
533 (2/253)
صفحة 571
106 ........
74
167.111.
16
404.379 .....
26
86 ..
36
105 ........
89
26
47
248 ......
13
205 .........
38
44
10
206 .........
10
206 ........
.. 18
سورة الفرقان
واجعلنا للمتقين إماما
سورة النمل
وورث سليمان داود
سورة القصص
إن خير من استأجرت القوي الأمين
سورة الأحزاب
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار
أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
وأمرهم شورى بينهم
وما اختلفتم فيه من شيء
إن الذين يبايعونك
لقد رضي
الله عن المؤمنين
فإن بغت إحداهما على الأخرى إن أكرمكم عند الله أتقاكم
سورة ص
سورة الشورى
سورة الفتح
سورة الحجرات
50 .....
9
491 187 ....
13
534 (2/254)
صفحة 572
124.77
7
243 ...
8
258 ........
8
299 .......
16
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
سورة الحشر
سورة الصف
والله متم نوره ولو كره الكافرون
سورة المنافقون
والله العزة ولرسوله وللمومنين
سورة التغابن
فاتقوا الله ما استطعتم
535 (2/255)
صفحة 573
الأئمة من قريش. أبايعكم على أن
إذا ظهر إمامان
إذا كان أمراؤكم
استقيموا لقريش ..
اسمعوا وأطيعوا لمن يحكمكم أطيعوهم ما لم ينمعوكم. امرت أن أقاتل
إن أمتي لا تجتمع
إن
فهرس الأحاديث النبوية
الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه
إن الناس إذا رأوا
...
إن هذا الأمر في قريش
إن هذا الأمر لا ينقضي
إنه سيكون بعدي أمراء
تخيروا لإمامتكم
.
تدور رحا الإسلام
تركت فيكم ما عن تمسكتم.
تقتل عمار الفئة الباغية الخلافة بعدي أربعون
الخلافة بعدي ثلاثون
رفع القلم عن ثلاث.
ستفترق أمتي إلى
ستكون هنات
السمع والطاعة.
.
499.192.189.188 186 180.94.
207 ....
135 ...........
444 .......
290 189 ..
187 186
290.123 .......................
258
362 .......
78
290.246.232 .................
189.
190 ......
222 .......
123 .....
113.
44 .....
50
305
188
209 ......
23
220 .........
536 (2/256)
صفحة 574
110 ........
232.118
220 .....
246 .........
154 .....
189.188 ....
136 .........
232 ......
227 ......
251 ..........
(444
445 178 ......
193 .........
113 .........
179.
222 ......
453 .........
227
227 ...
104
337 .........
190 ....... .190 .........
210 .........................
499.78.
145 ........
17
537
السلطان ظل
الله
سيكون بعدي خلفاء
الطاعة في المعروف
على المرء المسلم. فوا بيعة الأول
لا يزال هذا الأمر في قريش لا يحل لثلاثة.
لا طاعة في معصية إنما.
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
اللهم انصر الإسلام
لن يفلح قوم
ما أفلح قوم
ما بعث الله نبيا ما كان لنبي لبس
المؤمن القوي خير من أرضى سلطانا
من أطاعني فقد اطاع الله.
من خرج من الجماعة
من رأى من أميره
ما من ثلاثة
من ولي من أمر المسلمين
الناس تبع لقريش في الخير.
الناس تبع لقريش
والله ما أخذ ولو استعمل
يا رسول الله ألا
2 (2/257)
صفحة 575
25 .....
387
459 346 ......
387.57.42.40
497.83.13.8
507
42.11
55 ......
459.248 .......
495.485 ........
25 ........
فهرس الأعلام
-أ-
إبراهيم بجاز.
.....
إبراهيم بن محمد بن علي.
إبراهيم بن مهدي
ابن أبي الحديد
ابن أبي الربيع.
ابن أبي الشريف
ابن الاثير
ابن الأزرق
...
ابن الأشعث.
ابن باديس
ابن البشير
...
..
ابن تومرت محمد
.....
495 ....
161 114 112 109 108 102 90.42.41.39.21 ............. w jul
505 307 226 184 183 .169.162
154 153 144 142 .132 131 .127 .57 .24 .23 .22 ...
183.181 .161 .155
.......
ابن حزم
ابن حنبل أحمد .......... 17، 37، 39، 141، 163، 169، 180، 188، 226، 227،
456.445.228
ابن خلدون ........... 8، 11، 13، 25، 84، 106 117، 163، 165، 166، 169،
23 .......
347.346.314.194.188.181.177
498.497.424
538
ابن الراوندي. (2/258)
صفحة 576
396.349.333.329.328.318.316.33.27.26.21 ......... i jul
412 411 .410 .402 .400 .399 .398 .397
491 419 418 414 413
53 ...
161
238.
412.
9 .........
55 .54 .53 ......
496 ......
503 .496 .217.198 .....
274 .....
265 ...
11.
411 .....
68 .....
489 .151 .81 ..
288 .263 .249 .56 .55 .53 ........
116 .94
421
482 .477 .470 .418 .403 402 .400
ابن الصفار
ابن قتيبة.
ابن طاووس .....
ابن طولون ...
ابن عذارى المراكشي
ابن العربي أبو بكر
ابن عرفة.
ابن فندين ..
مخلد ...... أبي القاسم يزيد بن مخلد.
ابن قيس الحضرمي
ابن مسکويه
......
أبو إسحاق إبراهيم طفيش.
أبو الأسود الدولي.
أبو الأعلى المودودي
أبو بلال مرداس
أبو بكر الأصم
أبو بكر بن أفلح.
أبو بكر الرستمي.
أبو بكر الصديق .............. 37، 64، 87، 88، 91، 92، 105، 117، 119، 124،
148 147 146.142.141.137
167 166 165.163 162.160.156
198 193 192 187 183 181.168
252.251.248.214.211.204 203
539 (2/259)
صفحة 577
350 .....
330.317.314.312.303.292.258
354.353.352.349.348.347.333
501 492.391.362
347 346.331 308 307 306.305 165
386 384.383 377 370.367
377
349 ..
70 ...
171
197
251 ....
255.56 .........
474 434 432.392
493.299 .......
507483.462 456 188.41.38.37
17 .......
364 .....
145.66 .......
29 .....
188
أبو بكر الرستمي أبو جعفر المنصور ...
أبو الجهم أبو حاتم .......
أبو الحسن الخياط .....
أبو الحسن الرضا
.
أبو الحسن البسيوي العماني.
أبو الحكم بن هشام
أبو حمزة مختار بن عوف
أبو الخطاب عبد الأعلى
أبو حنيفة النعمان
أبو داود.
....
أبو الدرداء أبو ذر الغفاري
ابو زكرياء ...
أبو زهرة.
..
أبو سفيان.
أبو سفيان محبوب بن رحيل
أبو عبيدة الجراح.
...
391
351 ....
198.183 ........
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ....... 24، 61 121 249، 268، 272، 404، 458،
أبو العباس الحفصي (سلطان (تونس)
26.8
540 (2/260)
صفحة 578
أبو العباس السفاح أبو عمار عبد الكافي أبو غسان.
أبو مروان غيلان الدمشقي
أبو مسلم الخراساني أبو المؤثر
أبو نصر محمد الظاهر
أبو هريرة
أبو نبهان ..
أبو يعلى
أبو اليقظان بن أفلح.
أبي بن كعب.
أحمد بن محمد
.
أحمد أمين
الإدريسي علي
الأزكوي سرحان بن سعيد ....
أسامة بن زيد.
إسماعيل العربي
أبو الحسن الأشعري ..
اف.
سي.
ولكنسون.
أفلح بن عبد الوهاب.
أم حبيبة ..
أم موسى.
الأمين (الخليفة).
آن ماري
.....
505.370.346.331
84.13
198 ..
68 ....
392.387.307 ...........
476.263.158 157 156 ......
211.
190 ......
322 ....
497.106.109 ..
403.350.26 ....
198
170
194.23 ..
495 .......
29 .....
383
29 ........
507.130.57.38.37.24.23.22 ...... .477.30.11
407.397.350.349 328 317 316 .......
364
447 ......
470.469.345.326 ...
56.
541 (2/261)
صفحة 579
31.
238 ......
188.181.176 .........
507.189.171.
207
29
..
26.
461 .......
الباروني سليمان بن عبد
الله
الباقر (الإمام)
الباقلاني أبو بكر محمد بن الطيب.
البخاري.
البراء بن معرور
...
البرادي (أبو القاسم)
برقوق (ملك مصر)
بازان (حاکم صنعاء في عهد أبي بكر.
:
180 176 131 57 42.39.38.24 .......
9 ........
33.
434.432 ...............
84.28.13 ........................
17.
176 ............
249
270
447
-ت-
-ج-
404.268.249.62.52.51.24.
191.190 ......
542
البغدادي
بني واسول
بيار كيبيرلي.
بيبين (ملك فرنسا في عهد المأمون)
تيبغورين عيسى الملشوطي
الترمذي.
التفتزاني ...
الثلاثي عمر الثلاثي سليمان
ثومال
جابر بن زيد أبو الشعثاء
......
جابر بن سمرة. (2/262)
صفحة 580
جابر بن عبد الله
جان جاك روسو.
الجبائي
الجعبيري علي فرحات
جعفر بن سعيد
جعفر الصادق (الإمام).
الجلندي بن مسعود (الإمام)
الجناوي أبو عبيدة بن عبد الحميد.
جودت عبد الكريم يوسف
الجزيني (الإمام)
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى.
الجيلالي عبد الرحمن
الحباب بن المنذر.
الحجاج بن يوسف الثقفي
الحريري عيسى بن محمد
حسن الأمين .....
الحسن البصري ..
الحسن بن سعيد بن أبي عمير
ح
190 ...
209
153.
32 ...
396 ........
507.485 ..
396.252.24
449.448 .....
416
176 .......
13 .........
491 466.26 ......
137
462.375
491.421.333.317.26 ..........
88.87 ...
228.226.141.68.38 .............................
170
الحسين بن علي بن أبي طالب ...... 56، 66 67، 91، 92، 97، 142، 148، 172،
حسن علي إبراهيم (الدكتور)
342
الحسن بن محمد الحنفية.
38 ....
الحسن بن علي بن أبي طالب ......... 40، 43، 66، 67، 91، 92، 97، 109، 129،
حماد
بن
عثمان ......
488.183.172.163.142.132.130
543
170. (2/263)
صفحة 581
خالد بن الوليد
......
الخالدي محمود الخضري بك محمد
..
خلف بن السمح بن أبي الخطاب.
خليفات محمد عوض. الخميني (آية الله)
الخياط المعتزلي ..
الدارمي
داود عليه السلام
دبوز محمد علي.
الدرجيني ..
-خ-
-5 -
143.
196.32 ........
392.311
351
275.31 ........
65
23
17 ....
112
421.329.30 ......
275.261.29 ...
راشد بن النضر .... 322،403 404 465 468 470 477 478، 482، 496
الرافعي الربيع بن حبيب
رشيد رضا ..
-ز-
زائدة بن النضر.
الزبير بن العوام ...
زحاف الطائي
الزرقاني
..
زيد بن ثابت ....
544
161
198.61.24.17 .......
163
396
466 391.57 .......
288
226 ..........
198 ....... (2/264)
صفحة 582
143 ....
507.462.459.92.38 ............
26 .......
198.193.187.163 ...
9 ........
84.30 .....
447.
183
391 ....
29
481 462 .....
9 ........
66 .......
113 112 ....
274
376 346 345 162 ....
319 .....
351 ...
382.327.292 144
330 .....
434.432
57
زيد بن حارثة.
زيد بن علي زين العابدين.
سالم عبد العزيز
سالم مولى أبي حذيفة. السالمي محمد
السالمي نور الدين
ت الملك
سعد بن أبي وقاص
سعد
عبادة بن
السعدي جميل بن خميس
سعيد بن جبير
السلاوي
سلمان الفارسي
سليمان بن داود عليه السلام.
سليمان بن زرقون.
سليمان بن عبد الملك
سليمان
بن
عثمان
السمح بن أبي الخطاب
سيد قطب
السيابي
-ش-
شارلمان
الشاطبي
الشافعي
456 (445.228.188 180 165.38 ........
545 (2/265)
صفحة 583
481.462
347.342 .....
351.327.321.317.28 ..........
185.166 135 120 28 ...............
85.57.24.22.21
212 ..
447 .......................
8 ........
481 478 477 420 318 ....
440 .....
.....
467.261 ....
الشعبي
شلبي أحمد (الدكتور).
الشماخي أبو العباس.
الشماخي قاسم
الشهرستاني
...
الصائغي
صبح أم هاشم بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر
صبح صلاح الدين الأيوبي
مالك الصلت
بن
.
صوصو (ملك السودان عهد الرستميين)
- b-
445 .424 .391 387 310 192 181.42 .25 .........
•
طالب هاشم.
الطبري
طفيش محمد بن يوسف ............ 9، 13، 29،84، 107 109، 122، 125، 135
267.263.235 233.197.146
466.391.57
- b-
474.473 424 423
444
204 ....
459
طلحة
الله ...... بن عبد
ظافر القاسمي
-ع-
عائشة أم المؤمنين.
العباس بن عبد المطلب
العباس بن المأمون
546 (2/266)
صفحة 584
عبد الجبار بن عبد الحليم محمود.
أحمد القاضي المعتزلي).
201.169 ..
294.63.32 ...
138.135 .......
495.400.328.321.318.317.259 24 ........
8 ......
321 ....
214.154 153 .......
432 .....
84.13 ..........
419.418.350 .......
417 ......
495 .........
268.55.52.51 .........
283 274 273.272
143 ......
457 .......
143
عبد الرحمن بكلي ....
عبد الرحمن بن رستم
عبد الرحمن بن عبد الله
عبد الرحمن بن علي
عبد الرحمن بن عوف.
عبد الرحمن الداخل
عبد العزيز الثميني
عبد العزيز بن الأوز.
عبد العزيز سالم.
عبد الكريم الخطابي
عبد الله بن إباض .....
أبو عبد
الله محمد بن بكر
عبد الله بن حارثة.
عبد
الله بن الحسن بن الحسن بن علي عبد الله بن رواحة.
عبد
الله بن الزبير ........... 56، 143، 248، 348، 459، 463، 481، 483، 503،
عبد الله بن سبأ
91.64.63 .......
261
191.62
364 348 198 190 189 54.38 .........
307 .......
268.198 ......
288.249 191.53.52.50 ........
495 ..........
547
عبد الله بن سعيد الحضرمي
عبد
الله بن عباس.
عبد الله بن عمر
عبد الله بن علي عبد الله بن مسعود
عبد الله بن وهب الراسبي الله بن ياسين .......
عبد (2/267)
صفحة 585
493.483.433.299.252 .....
495
32
88
478.481 349.328 ......
430.379.347.346.153 .......
321 ....
عبد الله
بن يحيى طالب الحق
عبد القادر الأمير
..
عبد القادر عودة
عبد المجيد العثماني
عبد الملك بن حميد
عبد الملك بن مروان
عبد المؤمن بن علي.
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم .. 198، 316 317 318، 327 329، 349
466 448 409 351.350.349
198 181.156 154 144 143 92 91.88. 57 .......... Ulic
478.477.473 .444 363 .298 .223 .214.203
496 .333 .26 ........
483 456 395 .26 ........
29.
57 ........
عثمان
بن
عثمان الكعاك
أحمد ...... العدوي إبراهيم بن أحمد
العربي اسماعيل ...
عكرمة مولى بن عباس
علي بن أبي طالب ........ 38، 40، 42 49 50 52 53 54 55، 57، 59، 63،
119.109 97 92 91 88 87 86 85.69.66 65 64 171 163.149 148.144. 143.142.132 131 130 129.338.322.312.308.307.204 203.200.191.181. 483 457.444.392 391.382
92
465 .......
346 .......
464.58.31.29 ...
507
463.170
548
علي زين العابدين
علي بن موسى .....
علي بن موسى جعفر
علي يحيى معمر
عمران بن حطان
الأشعث ..... عمرو بن الأشعث (2/268)
صفحة 586
عمرو بن حفص
عمرو بن العاص. عمر بن الخطاب ...
....
259.
198.54.53 ...
121 110.106.105.92.91 89 88 87.64 ........
158.156.155 154 153.146.144.143.142.129.124.198.193 192 187 183 181 166 163 162.160. 312.303.268.252.251 248 217 216 214.204.203.501.383.379.354.352.349.348.330.317.314.
عمر بن عبد العزيز ...... 38، 40،42، 162156 333 345 383 392 495
العوتبي سلمة بن سعيد
عيسي بن موسي
84.28 .....
474.165 .........
الغزالي أبو حامد.
الغزالي محمد (الشيخ)
غسان بن جليد
غسان بن سعيد.
غسان بن عبد الحميد
غسان بن عبد
الله
فاروق عمر الفوزي.
فاطمة
الفرابي.
الفراء.
فيروز (حاكم اليمن)
-غ-
507.371 134 133 83.13
424.369.230 197 191.32 ....
-ف-
549
420
464 ......
467.349 ........
319.252
505.284.32.10 ...
66 ........
498 497 83.13 ..........
423.169.163 .........
461 292 ..... (2/269)
صفحة 587
148
190.189.
447
30
491.424 .......
171 170.66.
158 ...
440
209 ...
33
33
القاضي
عبد الجبار بن أحمد
قحطان .......
قبيحة أم المعتز
-ق-
-ك-
- f-
- م-
کاشف سيده اسماعيل.
الكعاك عثمان
الكليني أبو الحسن.
الكندي العماني .....
كوكو ملك السودان في عهد الرستمي
لوك الأنجليزي
لويسكي تادوز
...
ليفتسكي
مالك بن أنس ........... 17، 37، 57، 163، 169، 226، 332، 388، 445، 462،
470.469.388.346 115.95
$507.483
المأمون الخليفة
169.163 161 158 151 134 132 131 107 103 .............
424 423.244.223.222.204 180 177
26.
473 ....
407 .......
550
497 (445
الميلي محمد مبارك
المتوكل الخليفة
.
محكم الهواري. (2/270)
صفحة 588
محمد بن أفلح.
.
محمد الأمين الإسماعيلي.
محمد بن جبير بن مطعم
محمد الشيخ بلحاج
محمد عمارة ..
محمد النفس الزكية
محمد
بن
مسالمة الهواري
محمد بن الواثق (المنتصر) ...
محمد بن يحيى
محمد بن أبي عفان
مختار بن أبي عبيد الثقفي مروان بن الحكم. مروان بن محمد.
المزاتي
..
مستنصر مسعدة بن تميم
مسلم بن الوليد المحدث مسعود الأندلسي.
المسعودي
مصطفى الشكعة
معاذ بن الجبل
349
34
189
322.167.144.143 112.110.108.34.32
387.370.291.191.158.32
388.
466.322 ...............
333.325.309
170 ....
479
459
....
360.344.309.153
309.
29 .......
389 .......
319
17 .........
407.328.327 318 317 ........
69 ... 51،39 .......
196 ........
معاوية بن أبي سفيان ...... 40، 42، 43، 49، 50، 52، 54، 55، 88، 91، 92، 94،
308.305.190 189.183.132 131 130 129.113.109 360.348.347.346.337.333.331.326.312.311.309.488 430.392.382 381 374 372 364 363 362.
505
351 (2/271)
صفحة 589
معاوية بن يزيد (معاوية (الثاني)
معبد الجهني المعتز بالله
المعتصم بالله
مغنية محمد جواد المقتدر بالله
المقداد بن الأسود المكتفي بالله
الملزوزي أبي الحاتم الملطي.
المليجي محمود
....
المهدي بن المنصور
المهدي بن تومرت.
مهنا بن جيفر
مهدي طالب هشام ..
موتلنسكي.
موسى بن أبي جابر الأزكوي
موسى بن علي بن عزرة الأزكوي.
موسى بن موسى بن علي
موسى بن نصير ..
474.333.223.
68 ......
325 ........
372.309 115.95 .........
63 .......
447 378 367.345 .....
66
326.115 ..........
259 ....
22 ........
424 .....
432.392.386.347.346.326.306.165
497.321
465 416 349 328 ......
261
33 ..
479.468 319
319.
478 ...
411
9 ........
56.53 ........
-ن-
507
17 ........
176 ............
552
ناجي عساف
.
نافع بن الأزرق ...
النجار
النسائي المحدث
النسفي (2/272)
صفحة 590
465
69
87.69 ...........
161
343.432.376.347.346.345 ........
116
209 ........
345 95 ........
507.69.68 .........
--
330.252.
272.257.256.255.84.13 .....
29 ......
455.
376 ...
224
463 261 .......
-ي-
نصر بن منهال
نلينو المستشرق.
النوبختي أبي الحسن محمد
......
النووي
هارون الرشيد
هشام القوطي
هوبز الأنجليزي
الواثق بالله
واصل بن عطاء ......
الوارث بن كعب الخرو
الورجلاني أبو يعقوب يوسف
الوسياني
الوليد بن عبد الملك .......
يحيى بن خالد
يحيى بن زكرياء عليه السلام.
يحيى بن عبد الله الكندي
يزيد بن معاوية.91، 92، 326، 327، 347،333 348، 382، 430، 457، 461
383
309 ....
322 .....
25 .........
18
553
يزيد بن المهلب
يزيد بن الوليد
يعقوب بن أفلح
اليعقوبي
2. (2/273)
صفحة 591
333.322
367 ... .328
378.112
554
اليقظان بن محمد
يوسف بن تاشفين يوسف بن محمد
يوسف عليه السلام (2/274)
صفحة 592
فهرس الفرق والمذاهب والدول والقبائل
- i-
473 .367 .360 .......
92
502 .416 .42 .....
439 .341 .311 .299
51
396 ..
507 493 236 181 146 142 .141 ......
137 .....
496.461 1440 439 .390 341 .311 .299 ....
503.496 465 416 ...
492
367 ..........
307 ....
221 .95 .91 89 .67 .66 ........
الأتراك الإثني عشرية
الأحناف
الأدارسة
الأزارقة
الأزد
الأشاعرة
الإشتراكية
..
الأغالية
آل الجلندي
آل رستم
آل ساسان
آل علي بن أبي طالب
الإمامية الشيعية
380 6376 1374 6369 1363 360.327 95 93 14 11 .......................... ??? l 502 .483 .471 462 459 1456 1426 .393 .386 .383 .382
503.
223 220 .212 211.191 132 .108 .68 .64 56 9 ............. ? gi
324 .312 .311 .308 .306 305 304 .249 248 247
،
362 .361 .360 .359 354 .341 .338 .337 .333 .328 .325 .381 .380 .379 .375 .370 .368 .366 365 .364 .363. 434 433 432 .430 .426 .395 391 390 .389 .386 .383 .457 455 454 450 448 .447 443 .441 .439 .438. 503.496 486 485 483 470 464 463 .462 .458
555 (2/275)
صفحة 593
207.198.192.47
50
42
42 .......
50 ..
389
??
3207.193.
..
الأنصار
أهل الإستقامة
أهل الرأي.
أهل الحديث
أهل الدعوة.
أهل الذمة
أهل الحق
الأوس قبيلة
415 411 407.396.395 394 1390 1389 382 321 .....................................
377.
433.421
303 ...
375 ........
404
491
493 ...
373 .....
372 .....
493.
47 .......
439 .....
493.
496.486.460.438.421.417.416
556
البربر
البرمكية
البزنطيون البكرية فرقة
بنو أمية
بنو تميم
بنو رستم
بنو سامة .....
بنو العباس بنو مروان
بنو نبهان
بنو هاشم
بنو واسول
البو سعديون. (2/276)
صفحة 594
194
389.366
470.463.248 ..........
388.361 ..
137
57 24 .......
465 ......
57 24 ..........
46 .........
445.46
389
207.193.
465.420 .........
-ج-
....
التار
الترك
الثوابون.
الجبرية الجماهرية
ح
الحارثية
الحسينية
الحفصية
الحنابلة
الحنفية
-خ-
الخرمية
الخزرج
الخلفية
55 54.52.51 49 47 38 37 33 28 11 10 7 ........ El
183 181 146 142 127 120 116 83 82 .58 .57 .56 .293 .285 .250 .248 .247 .238 .236 .234 .191 188 483 .463 .457 456 453 .433 .416 .393 .392 .389 .313
500 495 494 493 .486.
421 .391
- ز-
557
الذميون. (2/277)
صفحة 595
137 ..
181 130.55.54.52.41.39
-ر-
الرأسمالية الرافضة
الرستمية الدولة .......... 19، 25، 29، 30، 249، 252، 254، 273، 288، 299،
405 402.397.396.394.353.349.39.329.313.312
442.441 440.438 437 436.421 413 409 408.
503 483 480 467 464 458
?
الرستميون ......... 9، 26، 27، 340، 396، 400، 402، 418، 433، 438، 439.
421
390.389 ....
488
422
480 ....
486.390.389 .................
-ز-
496 470 464.461
148 146 144 142 131 97 95 92 66
............
287.183
381 64
465 ...
421
الرومان
الرواندية
الروم
الزردشية
زناتة قبيلة
الزنادقة
الزيدية الشيعة
الساسانيون
السبئية ......
السكاكية
السودانيون
-ش-
الشافعية
46 ..........
558 (2/278)
صفحة 596
86.85.83.82.73.72.63.41.39.35.15.11.10 .......... .128.127.116.114.98 97 96.92 90 89 88 87 181.180.172.171.170.159.148 146 142 141.136.250.248.247.238 236 202 201.200.197.183. .453 440.413.392.390 389 388.316.289.287 493.486.463.459.458
146
496.436.416 ...........
-ع-
478 474 432 370 337 324 307 299 108 95 ..... 304 259 247 212 211 132 108 91 64 25 9. .341 339 338.328 325.312.311.308.306.305 417.388.387.386.380.375.368.367.366.359.353 440 439 437 436 435 433 432 430 426 425. 483 473 470.469.464.463.462.461 450 449.443
404
341 108 ....
422 .....
503.501.485.
الشيعة.
الصالحية فرقة. الصفرية
l?hell
ubedl
العبيديون
العثمانيون
العجم
..
366 1365 1359.339 338 334 196 194 193 192 (47 ...... .? ell
465
485 ....
486.422 415 395 .384 .382
503 313 .........
478 470 437 433 403 .....
559
العسكرية
العلويون
العمانية الدولة ....
العمانيون (2/279)
صفحة 597
6394
502 469 461.460.442 ....
465
الفارسيون
الفاطميون
الفرثية
488.437.415.389.382.381.367.366.360.339 ............. i
416 .38.
486 456 49 ..
421
- ق-
339.338 304.202 197 196 195 194.191 47 ......
499 1494.365.360
382
136.131
25
316 ........
493
.
-ك-
القدرية
القرامطة
القرطاجيون
قريش. ......
القريشيون
الكرامية
-ل-
لماية
لواتة
-م-
الماتوريدية
المالكية
المانوية
المرجئة
المحكمة
502 436 416 413 46 ..........
422.49 ........
416 364 183.181 180 116 .......................
51 50 .......
560 (2/280)
صفحة 598
69.33.8.7 ........
433.421 ..
439 ......
389
المستشرقون
المسيحيون
المصريون
مضر يون
82.73.72.68.67.54 139 138 137 35 23 15 10 ................................ jall
146 142 141 .128 116 115 98 97 96 95 93 83 238.226 .218 .202 201 .183.181 180 .169 .159.148 416 393 390 .389 .388 .370 .292 .289 .286 .247 . 507 (494 486 .453
194 .389
198 .47 ...........
33 ..........
127.116 .51 .....
421 411 391 389 ...
415 .......
1466 465
420 .....
465 420 ....
480 418 ....
294.
316 .24 .......................
-?-
561
المغول
المقنعية
..
المهاجرون
موتيلانسكي.
النجدات
النصارى
النصرانية
النكار
النكارية
النفاثية
النفوسيون
الهاشمية
الهذلية هوارة قبيلة ... (2/281)
صفحة 599
502.496.466 ..........
465.57.24.
493
389 ...
421 411 391 389 .....
415 63 .................
-و-
الواصلية
-ي-
اليزيدية
اليعاربة
اليمنيون
اليهود
اليهودية ....
562 (2/282)
صفحة 600
فهرس الأماكن والمدن
-أ-
436 434 432 431.407 397 390.311.10 9 .........
447.442.441.439
496.460 439.438.433.415.399.397 394.
138
259
65 .........
442 404 386.55 ........
491 459 442 437 388 380 299.194 25 ...
441
37 ...
الأندلس ............
328.322 320 316 314.299.126.27.25 14 ............ 415 412 411 408 407.400.399.398.394.348
501 496 492 491 477 464 449.440 439 431 416
288 439
480 448 351 ........
457.399 .......
-ج-
563
503.502.
إفريقيا أروبا
جنوب تونس
إيران
البصرة
بغداد ....
بلفين ...
تركيا
تيهرت
تونس
مدينة تمطلاس
جبل نفوسة
الجزيرة العربية (2/283)
صفحة 601
288
496
483.459.386.24 ......
461
........
502457 387 383.360.
268 ....
381.299 .......
1420
478 ....
438 ....
380
496 1439 1436 ..........
192
436 399 .....
439
438 ......
ح
-خ-
......
-ر-
-ز-
564
.....
.....
الجزائر
الجمل.
الحجاز
الحرة
خرسان
دار الأرقم
دمشق.
....
رستاق هجار
الرستاق
....
.......
زنجبار
سامراء ....
سجلماسة.
السقيفة
السودان
سوق إبراهيم
سوقرطة
.... (2/284)
صفحة 602
الشام الشرق العربي
شمال افريقيا
الصحراء
صفين
صنعاء .....
طرابلس
العراق
عمان.
ليبيا
-ص-
299.129.24
492
273 ...
438.273
496.457 (444.347.298.250.49 .......
461 431 341 292 .....
- b-
- ع-
493.399.259 ..
458404 397.382.129.24
320 319 318.314.299.258. 30.25.19.14 ......
412 409 403.399.398 396 394 349 348 328 322.457.449 1438 437 435.431.425.420.417.416. 491 483 482 479 478 477 476 466 465 464 458 504 503 501 496 492 491 ?
- J-
- م-
المدينة المنورة
المدينة الخضراء
المسجد النبوي
463 288 .....
251
439 ...
455 .......
565 (2/285)
صفحة 603
مصر
الموصل
469.460.459.442 439 415.383 114 24 .....
341 ....
المغرب العربي ............... 24، 415، 417،431، 457، 476، 491، 495، 502.
مكة
ميزاب
نفوسة
....
نهر الشلف
النهروان
فاس فارس الفسطاط
...
قرطبة
.
القسطنطينية
القيروان
الكوفة
اليمن
-ن-
-ف-
-ق-
268.251.
273
418 ....
439 .......
496.53.50
439 436 ................
502
390 ....
434
434
...
442.439.436 397 396 ..........
--
-ي-
462
493.483.463.461.433.341 292.24 .......
566 (2/286)
صفحة 604
الجزء الأول المحتويات
تقديم الدكتور عبد الرزاق قسوم
المقدمة
نقد المصادر والمراجع.
المدخل ..
..
أولا: المصادر غير الإباضية
ثانيا: المصادر الإباضية.
ثالثا: كتب الفكر الإسلامي الحديث
أولا: أهل السنة والجماعة
ثانيا: الإباضية.
تمهيد.
ثالثا: الشيعة
رابعا المعتزلة.
..
7 ...........
21
21 ....
28
32
35
37 ........
47
63 ... 67
القسم الاول
نظرية الإمامة عند الإباضية
77 ....
أولا: النظرية السياسية عند أهل السنة والجماعة والإباضية ................ 77
ثانيا: النظرية السياسية عند الشيعة
ثالثا: النظرية السياسية عند المعتزلة.
الفصل الأول
مفهوم الإمامة ووجوبها ووحدتها
85 ......
93 ...
أولا: مفهوم الإمامة
تحديد المصطلحات
أ ـ الأمير.
ب ـ الخليفة
103
103
104
105
567 (2/287)
صفحة 605
105
106
116 .......
116
117 .......
119 .......
120
122.
125 .......
129
130
135
...
141
143 ....
146 ........
149 ...
150 .....
155 ........
160
161
166 .........
لمانيا: وجد
ج ـــ أمير المؤمنين
د ـ الإمام.
ثانيا: وجوب الإمامة.
1 - أهل السنة والجماعة
-
...
أ - الأدلة النقلية ..
ب - الأدلة العقلية
2 الإباضية.
أ - الأدلة النقلية
ب الأدلة العقلية.
---
ثالثا: وحدة الأسامة وتعددها
.....
1 - أهل السنة والجماعة
2 - الإباضية.
الفصل الثاني
الإمامة بين النص والتعيين والاختيار
أولا: طرق إثبات الإمامة ..
...
1 - اهل السنة والجماعة
2 - الإباضية
.....
:ثانيا شروط اهل الحل والعقد
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية ....
.....
ثالثا: الاستخلاف وولاية العهد
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية.
568 (2/288)
صفحة 606
أولا: شروط الإمام
الفصل الثالث
شروط الإمام ونصبه وعزله والخروج عليه
ثانيا: تنصيب الإمام
......
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية ........
ثالثا: عزل الإمام والخروج عليه.
1 - أهل السنة والجماعة
:
أ- عزل الإمام
ب الخروج على الإمام.
2 - الإباضية
أ- عزل الإمام
ب الخروج على الإمام الجائر
الفصل الرابع
أنواع الإمامة
أولا: أهل السنة والجماعة.
ثانيا: الإباضية ....
....
1 - مرحلة الظهور.
2 - مرحلة الدفاع
3 - مرحلة الشراء
4 - مرحلة الكتمان
...
...
التنظيم الاجتماعي
...
علاقة الإباضية بالمخالفين
نظام العزابة.
569
176
203 ....
203
212
219 ......
219.
219 ....
225
231
231.
234 ......
244
248
251
258 ...
262 ...
267
269 ....
271
273 (2/289)
صفحة 607
??
283
288
289
297
3 -
304 ....
304
304 306!
308 ....
312 .....
312
314 ... 316 ........
323
..
مؤسسة العشيرة
خلاصة مسالك الدين.
نتائج القسم النظري
الجزء الثاني القسم الثاني
تطبيق الإمامة عند أهل السنة والجماعة والإباضية
أولا: طريقة اختيار الإمام
210
1 - أهل السنة والجماعة.
o
الفصل الأول
طريقة اختيار الإمام ومبايعته
طبيعة الحكم الأموي .......
ه طبيعة الحكم العباسي طرق تولية الخلافة
: 2 - الإباضية
نظرة المؤرخين إلى الإمامة الإباضية
طبيعة الإمامة الإباضية.
ه تولية الأئمة الإباضية
ثانيا: مبايعة الائمة
--- -1 - أهل السنة والجماعة .....
- -2 - الإباضية.
...
323
327 ...
570 (2/290)
صفحة 608
341
348 ....
:
359
359 .....
359
360
366 ......
369 ......
373 ........
373
379.
384
393 ...
393
394
400 ..
404
408
410 .....
414 ....
الفصل الثاني
قبيلة الإمام وولاية العهد
..
أولا: أهل السنة والجماعة
ثانيا: الإباضية
:أولا: السياسة الداخلية
الفصل الثالث
سيرة الأئمة ومدى تطبيقهم للخلافة النبوية
.....
1 - أهل السنة والجماعة
أ- أسس السياسة الداخلية .....
خصائص السياسة الداخلية الأموية ...
خصائص السياسة الداخلية العباسية
يب سيرة الخلفاء
ج السياسة الإدارية والمالية
500 السياسة الإدارية
.. السياسة المالية
د حرية الرأي والعقيدة
. 2 - الإباضية
أ- أسس السياسة الداخلية
الجانب الاجتماعي
ب - سيرة الأيمة ....
ج- السياسة الإدارية.
...
سياسة الدفاع الإباضية
السياسة المالية
د- حرية الرأي والعقيدة
...
57 F (2/291)
صفحة 609
428
428
429
431
....
434
435 .......
444 ....
446
448
454
454 ....
463 .....
471
471
475 484 ......
484
490 .... 497 .......
ثانيا: السياسة الخارجية.
1 - أهل السنة والجماعة
2 - الإباضية
ثالثا: المراة والعمل السياسي
الفتوحات الإسلامية
العلاقات الخارجية الإسلامية
العلاقات مع غير المسلمين
1 - أهل السنة والجماعة
2 - الإباضية.
أولا: الخروج على أئمة الجور.
1 - أهل السنة والجماعة
2 - الإباضية
ثانيا: عزل الأئمة
1 - أهل السنة والجماعة
2 - الإباضية
نتائج القسم التطبيقي
1 - أهل السنة والجماعة.
2 - الإباضية
الخاتمة
الفصل الرابع
الخروج على الإمام وعزله
572 (2/292)
صفحة 610
509
13512
23512
.
3,512 ....
42512 ...
5 p 512.
63512 ...
515 ....
531
536 .......
538 ...
555 ....
563 .......
المصطلحات الإباضية هيكل المدينة.
الملاحق
هيكل العزابة
قائمة خلفاء بني
أمية
قائمة خلفاء بني العباس
قائمة الأئمة العمانيين
قائمة الأيمة الرستميين
الفهارس
فهرس المصادر والمراجع. فهرس الآيات
فهرس الأحاديث النبوية
فهرس الأعلام ...
فهرس الفرق والمذاهب والدول والقبائل.
573
فهرس الأماكن والمدن ...
..... (2/293)