صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تراث - إجتماعيات - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: التواصل الإباضي بين عمان والبلاد المغاربية
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1435ه/ 2014م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4348&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/390
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 شعبان 1446ه/ 10 - شهر 02 - 2025م. التواصل الإباضي
بين عمان والبلاد المغاربية
تأليف
الشيخ أحمد بن سعود السيابي
أمين عام مكتب الإفتاء (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
الطبعة الأولى
1435 هـ / 2014 م
نشر وتوزيع
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
t.k.aldhamri@gmail.com
ص ب: 2 السيب - الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
التواصل الإباضي
بين عُمان والبلاد المغاربية
تَأْلِيفُ أحمد بن سعود السيابي أمين عام مكتب الإفتاء
النشر والتوزيع
اسلطنة عما
مكتبة الضامن علي
هن. ب 2 الرمز البريدي (1/3)
صفحة 4
التواصل الإباضي
قَالَ تَعَالَى:
يتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنتَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
13
الله أنقنكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ المرات: 13
13 (1/4)
صفحة 5
بين عُمان والبلاد المغاربية
الله الجراحة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أما بعد: فإن التواصل بين الناس على مختلف طبائعهم وأطيافهم وطوائفهم لهو من ضرورة الاجتماع البشري لأن التواصل بينهم يؤدي إلى الاجتماع مع بعضهم البعض على أن الاجتماع بين بني البشر من سمات التمدن في حياتهم، والتمدن معناه تكوين المدينة التي يكون العيش فيها، وتكوين المجتمع المدني القائم على ألفة الناس بعضهم مع بعض، لذلك قيل إن الإنسان مدني بطبعه، أي أنه يحب العيش مع الإنسان الآخر وهو الذي يقوله ابن خلدون في مقدّمته في الباب الأول: «إن الاجتماع الإنساني الحكماء ضروري، ويعبر عن هذا بقولهم، الإنسان مدني بالطبع، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران».
ومن المعلوم أن التواصل والاتصال بين بني البشر هما الأساس الذي
ينبني عليه الاجتماع البشري.
ولما كان التواصل مع الجميع هو من الصعوبة بمكان، فإن التواصل مع
الخصوص فيه سهولة ويسر. (1/5)
صفحة 6
التواصل الإباضي
لذلك فإن كل واحد من الناس أو كل جماعة منهم ينجذب كل منهم إلى جنسه من الناس دينا وفكرا ومذهبا وانتماء عرقيا.
والذي حصل وحدث بين الإباضية مشرقا ومغربا من تواصل هو من هذا القبيل، سواء كان ذلك التواصل زيارات ولقاءات أو مراسلات، ولا شك أن الهدف من كل ذلك هو تبادل الأفكار، ومناقشة الأحوال واستبيان الأحكام الشرعية وتبيينها إفتاء وإجابات، كما أن تبادل المؤلفات فيما بينهم من أهم تقوية العلاقة المذهبية لأن أتباع المذاهب وأصحابها إنجاز كل إلى مذهبه تمسكا به أو دفاعا عنه او نشرا له.
كان
فكان لا بد للإباضية من سلوك نفس الطريق الذي سلكه أولئكم
الآخرون.
ولقد بذل أسلاف الإباضية الشيء الكثير في سبيل التواصل فيما بينهم شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، متخذين من موسم الحج فرصة للقاء والاجتماع لتبادل وجهات النظر فيما يهمهم ويعنيهم، وكم من قضايا نوقشت وإشكالات حلت هنالك.
ولقد سنَّ لهم إمامهم سيد التابعين وكبيرهم جابر بن زيد الأزدي العُماني تلك السنة الحسنة التي له أجرها وأجر من عمل ويعمل بها إن (1/6)
صفحة 7
بين عمان والبلاد المغاربية
V
شاء الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو كان له وأرضاه يحج كل سنة لهذا الهدف القويم والغرض المستقيم، وسار على ذلك النهج خلفاؤه الكرام العظام كأبي عبيدة وضمام ومن جاء بعدهم من السادات الأعلام في الإسلام.
لذا كان لزاما علينا، ورأيناه واجبا على عاتقنا أن نوثق ذلكم التواصل المحمود، الذي جاوز الحدود، وتخطى الوهاد واقتحم النجاد، كل ذلك لمرضاة رب العباد، تسجيلا لمآثر أسلافنا وتوثيقا نقدمه للجيل الحاضر، ولأجيال المستقبل إن شاء الله تعالى، لكي يقتفي اللاحق أثر السابق، ويقتدي الخلف بالسلف، ولكي يعرف الجيل الحاضر والأجيال اللاحقة أن الأمر لم يصل إلينا وإليهم بسهولة، وإنما ارتكبت في ذلك الأهوال، واشتدت عليهم الأحوال، ولاقوا شدائد المحن، بعد أن ركبوا الدواب في البر، والسفن في البحر، دعوة إلى الخير والصدق، وطلبا للعلم وإقامة للحق، فهم كما يقول شاعر العروبة والإسلام أبو مسلم البهلاني
الرواحي: أكبوا على القرآن شربا بمائه فأصدرهم والكل ريان هائم
لهم قدم في الاستقامة ثابت وهم على الإخلاص الله قائم
فجاء هذا الكتاب ذاكرا تواصل أولئك الأخيار، ومبينا مآثر سلفنا الأبرار، وهو في أصله بحثان قدما من أجل الموضوع وتم تطويرهما (1/7)
صفحة 8
التواصل الإباضي
وتوسعتهما والإضافة إليهما عسى أن ينفع الله به، كما أسأله ل ثوابه
دنيا وأخرى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين.
أحمد بن سعود السيابي
مسقط. (1/8)
صفحة 9
بين عُمان والبلاد المغاربية
القسم الأول
التواصل العُماني المغاربي إباضيا (1/9)
صفحة 10
بداية التواصل)
التواصل الإباضي
وبعضهم إلى عُمان انتقلا وضربوا في الانتقال مثلا
لاق
بطائر فرخ في العراق ولعمان طار بانط كذلك أيضا طار نحو المغرب فامتلأت بالعلماء النجب كذاك نحو اليمن المبارك فاتضحت أرجاؤه للسالك عُلَما والخراسان وفيهم والآنَ مِنْ غالبها قد عدما (2).
هذه الأبيات عن الإمام نور الدين السالمي، وهي نظم المقولة تاريخية إباضية تقول: «باض العلم بالمدينة، وفرَّخ في البصرة، وطار إلى عُمان».
ويعني ذلك أن العلم الذي انبنى عليه المذهب الإباضي وقام عليه فكره عقيدة وفقها وسلوكا، وجد في مدينة الرسول على يد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ومن بعده أصحابه الكرام.
ثم نشأ في البصرة على يد الإمام جابر بن زيد اليحمدي الأزدي، ثم انتقل العلم والدين والمذهب إلى عُمان بوساطة علماء المذهب من طلبة
الإمام جابر ابن زيد، وبعدهم حملة العلم من طلبة الإمام أبي عبيدة.
(1) أصل هذا الموضوع بحث أعددته للملتقى الثامن لوحدة الدراسات العُمانية بجامعة آل البيت، بالمملكة
الأردنية الهاشمية.
(2) - السالمي عبد الله بن حميد، جوهر النظام، باب العلم. (1/10)
صفحة 11
بين عمان والبلاد المغاربية
وانتشر من عُمان إلى الآفاق شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، على أن التأصيل التاريخي لأي فكر ولأي حراك هو من الأهمية بمكان مكين، لأنه
يبين البداية العلمية لذلك الفكر أو لذلك الحراك.
لذلك فإننا نقول وندون هنا، بأن التواصل العُماني المغاربي بجميع أطيافه وأشكاله الدينية والعلمية والحضارية والثقافية، وعلى وجه
الخصوص المذهبية الإباضية، كان ذلكم التواصل قد بدأ في وقت مبكر نسبيا في تاريخ الإسلام، حيث أرسل الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أحد طلبته العظماء النابهين ألا وهو سلمة بن سعد وهو من عُمان أو من حضر موت باليمن وهناك أقبل المغاربة على المذهب الإباضي إقبالا كبيرا، لأنهم وجدوا فيه عدالة الإسلام والمساواة الإسلامية القائمتين، على قول الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ الحجرات: 13، وعلى قول الرسول الكريم: " لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى والعمل الصالح.
لذلك فقد أرسلوا أولادهم إلى المشرق كالبصرة وعُمان ليتزودوا بالعلم النافع، حتى أخذ ذلكم التواصل بشتى أنواعه وأشكاله وصوره يتوسع شيئا فشيئا عبر مراحل التاريخ وتعاقب الأيام، إلى أن وصل إلى (1/11)
صفحة 12
12
التواصل الإباضي
وقتنا هذا الذي تكثف فيه التواصل بجميع أنواعه بحمد الله تعالى، وأصبحت سلطنة عُمان هي مأرز المذهب وأتباع المذهب من مختلف
مواطنه. (1/12)
صفحة 13
بين عمان والبلاد المغاربية
13
الخلفية الفكرية للتواصل
ترجع الخلفية الفكرية للتواصل الديني العلمي والثقافي والحضاري بين عُمان والبلاد المغاربية متمثلة في المرجعية العلمية للإمام جابر بن زيد (21 - 93 هـ)، ولكون الإمام جابرا تتمثل فيه تلك المرجعية الدينية والعلمية، فإنه لابد من إيراد نبذة مختصرة عنه فنقول:
ولد الإمام جابر في بلدة فرق التابعة لولاية نزوى، ورحل في شبابه إلى البصرة بالعراق، حيث قومه من الأزد العُمانيين، ومنذ ذلك الوقت أخذ في التردد على الحجاز حيث مكة المكرمة والمدينة المنورة وهناك اتصل بأصحاب النبي الله ورضي الله عنهم، وحمل العلم عن كثير منهم، وفي مقدمتهم كبار الصحابة ولنستمع إليه وهو يحدثنا عن لقائه بأولئكم الصحابة الكرام حيث قال: «أدركت سبعين بدريا فحويت ما
(2)
عندهم إلا البحر» ويعني بالبحر الصحابي الجليل؛ بل عالم الصحابة عبد الله بن العباس، الذي عرف ببحر العلم وترجمان القرآن وحبر الأمة، واستثناء جابر بن زيد عبد الله بن عباس من أهل بدر، استثناء منقطع، مسألة إعرابية نحوية معروفة عند النحاة وعلماء العربية، وكان جابر
وهي
(1) كانت منفصلة عن نزوى المدينة، ولكنها حاليا أصبحت داخلة ضمن مدينة نزوى نظرا للتوسع
العمراني.
(2) كل المصادر الإباضية التي ترجمت الجابر. (1/13)
صفحة 14
14
التواصل الإباضي
أكثر ملازمة لابن عباس عن غيره من الصحابة إلى حد أن انعكس فقه ابن عباس على فقه جابر، وانعكس ذلك على الفقه الإباضي بصورة عامة وواضحة.
وكان جابر شديد الاحترام والتقدير لشيخه ابن عباس، حتى إنه كان يرى الرأي، وعندما يجد أن شيخه ابن عباس يقول بخلافه يترك رأيه ويأخذ بقول ابن عباس ومن عباراته الرائعة قوله «ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى لم يزل الآخر يعرف للأول وكان أحق بذلك المهاجرون مع رسولنا والتابعون لهم في ذلك بإحسان فقد شهدوا وعلموا فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع أثرهم واعلم أنه لم يهلك قوم قط حتى نازع الآخر الأول في العلم إذا تمسك أهل القيم بعلمهم
(1)
ومفهوم كلام الإمام جابر بن زيد أنه لا يكون هنالك هلاك إذا احترم اللاحق السابق، واعترف الآخر للأول، واقتدى الخلف بالسلف، ولم يتنطع الآخر مخالفة للأول، وإنه إذا ما كان ذلك الاتباع فإن الأمة لا تزال بخير. أثنى عليه العديد من الصحابة ومنهم شيخه وأستاذه ابن عباس الذي قال فيه: «إسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه»، وقال فيه الصحابي الجليل أنس بن مالك عندما توفي «اليوم مات أعلم من على ظهر الأرض».
(1) رسائل الإمام جابر بن زيد الأزدي، دراسة وتحقيق فرحات الجعبيري، ص 152، مكتبة الضامري. (1/14)
صفحة 15
بين عمان والبلاد المغاربية
جلس الإمام جابر للتدريس والإفتاء في البصرة، وجاءه خلق كثير من أماكن شتى من العراق وعُمان واليمن وخراسان وفارس ومصر، قال فيه البدر الشماخي قولا بليغا: «وكان أعلم الناس وأورع الناس وأعبد الناس استضاء بنوره جماعة عظيمة وأخذ عنه ناس كثيرة وكان مجاب الدُّعاء» (1).
(1) الشماخي، السير، ج 1، ص 67، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان. (1/15)
صفحة 16
??
التواصل الإباضي
البداية العلمية للتواصل
أما البداية العملية للتواصل الإباضي بين المشارقة والمغاربة فهو على عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أو مسلم بن كيسان، الخلف العلمي للإمام جابر بن زيد والخليفة الشرعي له.
وقد بلغ أبو عبيدة في العلم منزلة عالية بز بها أقرانه، لأنه كان من خواص الإمام جابر بن زيد، ومن أقواله التي تدل على حرصه في اتباع شيخه جابر قوله: «كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو في
(1)
ضلال، ولولا أن أنعم الله علينا بجابر لضللنا هذه العبارة العظيمة من ذلكم الإمام العظيم توجب على الإباضية أن يجعلوها العنوان العريض لفكرهم، وأن يعتبروها وثيقة المذهب لأنها تعبر عن منهج أصيل سار عليه الإباضية ردحا من الزمن، تألق فيه المذهب الإباضي وانتشر، وشرق وغرب، وشمال وجنب، لا سيما في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، والخلاصة في القول: إنه منهج محكم ومحكّم ينبغي التمسك به والعض عليه بالنواجذ والأيدي والأقدام، وإذا كان الإمام أبو عبيدة قال في شيخه الإمام جابر ذلك القول الرائع، فإنه هو أيضا قيل فيه ما يستحقه من ثناء عاطر ووصف رائع، فقد قال فيه الإمام نور الدين السالمي: «ولقد تفجرت
ينابيع الحكمة من قلب أبي عبيدة وطلعت من لسانه شموس العلم»
(1) النامي عمرو بن خليفة، دراسات عن الإباضية، ص 97، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
(2) السالمي، شرح المسند، ج 1، ص 6.
(2) (1/16)
صفحة 17
بين عمان والبلاد المغاربية
17
هذه العبارة العظيمة من الإمام نور الدين السالمي تعبر عن عظمة أبي
الحكمة من
قلبه
عبيدة ومكانته علما ودينا، فهو حقا وصدقا تفجرت ينابيع لأنه قامت على توجيهاته تلك الدول الإسلامية المباركة الميمونة في اليمن وعُمان، والمغرب الإسلامي، تلك التي أعادت إلى الإسلام رؤاه، وجددت منه ما أخلقته وأبلته دول الجور والظلم والطغيان، وطلعت من لسانه شموس العلم، فقد انتشر علمه في الآفاق عن طريق طلبته الذين سموا حملة العلم إلى المشرق وإلى المغرب.
وبالنسبة إلى التواصل مع المغرب إباضيا على عهده فقد كان يراقب الأوضاع العالمية آنذاك، ومن ذلك أنه بلغه أن ولاة بني أمية على المغرب الذين اتخذوا من تونس قاعدة لأعمالهم مارسوا الكثير من التعسف والجور على البربر أو الأمازيغ، سكان الشمال الإفريقي (المغرب الإسلامي) حتى ضاق البربر ذرعا بتصرفات أولئكم الولاة.
وهناك أرسل أبو عبيدة بعد أن بلغته تلك الممارسات أحد طلبته الا وهو الداعية المخلص لله ولرسوله ولدينه سلمة بن سعد، وتوجه الداعية الكبير إلى البلاد المغاربية يجتاز القفار والمهامه والصحارى، ويقتحم الجبال والوهاد، متنقلا من سرت شرقا وإلى تلمسان غربا داعيا الناس إلى الإسلام الصحيح الذي لم يلوثه الظلم والطغيان، موضحا لهم أن الإسلام دين (1/17)
صفحة 18
18
التواصل الإباضي
العدالة والمساواة، بل هما روح الإسلام ولبه، ولحنه وفحواه)، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الإسلامي الصالح وأن ما يفعله ولاة بني أمية فيهم وعليهم ليس هو من الإسلام في شيء.
وهناك قال قولته الشهيرة التي ظلت خطا عريضا في تاريخه ودعوته: «
،
(2)
وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تُضرب عنقي ولعله يعني بالأمر مذهب أهل الحق والاستقامة، أو يعني قيام نظام حكم إسلامي يسير على منهج النبوة والخلافة الراشدة.
وشاء الله أن يتحقق الأمران، فقد ظهر المذهب الإباضي وشمل الكثير من المناطق المغاربية قبل أن يتقلص في أماكن منها، ويختفي في أماكن أخرى، والله الأمر من قبل ومن بعد، وأما نظام الحكم الإسلامي، فقد تحقق أيضا بظهور دولة الإمامة الإباضية في طرابلس الغرب في ليبيا، وفي تيهرت بالجزائر – التي سنتحدث عنها لاحقا إن شاء الله تعالى – تلك الدولة العادلة التي هيمنت على مساحة واسعة من البلاد المغاربية، والتي
(1) لحن الخطاب وفحوى الخطاب، هما القسمان اللذان يتكون منهما مفهوم الموافقة المعروف في أصول
الفقه.
(1) الدرجيني، أحمد بن سعيد، طبقات المشايخ بالمغرب، ج 2، ص 11. أبو زكريا الوارجلاني، سير الأئمة وأخبارهم تحقيق إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الشماخي، السير، ج 1، 90، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان. علي يحي امعمر الإباضية في ليبيا، القسم الأول، ص
ص
ص
25 (1/18)
صفحة 19
بين عمان والبلاد المغاربية
19
ذاق من خلالها الأهالي هناك طعم العدل الإسلامي، والحرية في الإسلام، وبذلك تحقق بفضل الله تعالى ما تمناه ذلكم الداعية المخلص سلمة بن سعد. وعلى كل حال فقد أخذ سلمة بن سعد يتنقل ويتجول بين أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولكنه المبدأ الذي يجعل من صاحبه يضحي بالغالي والنفيس من أجله، ومن المعلوم أنه لا شيء أغلى من الحياة على حد قول الشاعر أبي العتاهية:
يجود بالنفس إذا ظن الجبان بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود. غير أنه مما يؤسف له أنَّ هذا الداعية الكبير أصبح غير معروف من الكثير من المنتسبين إلى المذهب الإباضي، لا سيما في مواطن الإباضية في بلاد المغرب، حتى أنه لم يطلق اسمه على أية مؤسسة ولا مسجد ولا مدرسة ولا أي معلم صغيرا كان أو كبيرا.
وعندما زرت الجزائر في شهر ذو القعدة 1433 ه سبتمبر 2012 م، ألقيت محاضرة في جامع العطف بوادي ميزاب بولاية غرداية مساء يوم الإربعاء، بعنوان (سلمة بن سعيد وجهوده الدعوية)، وسألتهم عن سلمة بن سعد، فوجدت أن الكثير منهم لا يعرفونه، وسألتهم أيضا فيما إذا كانوا أطلقوا اسمه على مؤسسة ما عندهم فأجابوا بالنَّفي، وعاتبتهم على ذلك، (1/19)
صفحة 20
التواصل الإباضي
وقد وعدوا جزاهم الله خيرا، إنهم سوف يطلقون اسمه على شيء من المؤسسات تخليدا لذكره وذكراه. على أن هناك رواية أوردتها المصادر الإباضية (1)، لا بد من تصحيحها وهي: أن سلمة بن سعد وعكرمة بن عبد الله البربري، مولى ابن عباس
سارا إلى بلاد المغرب معا وكانا على بعير، واحد وكان سلمة يدعو إلى الإباضية، وعكرمة إلى الصفرية (2).
(2)
ونقول: إن هذه الرواية غير صحيحة وهي مختلقة للأسباب التالية: 1. إن عكرمة ليس صفريا على الصحيح، وهو من كبار تلاميذ ابن عباس، وصديق حميم وزميل للإمام جابر بن زيد، حتى إن جابرا
قال عنه بأنه أعلم الناس
(3)
2. عكرمة توفي سنة 105 هجرية بينما كان مسير سلمة في العشرينيات من القرن الثاني الهجري، لأنه حسب الاستقراء التاريخي كان مسيره في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (105 – 125 هجرية). لأن سكان البلاد المغاربية جاؤوا إلى هشام شاكين من الولاة وعندما سمع أبو عبيدة بذلك قرر إرسال سلمة بن سعد إلى
المغرب.
(1) سير الإئمة وأخبارهم، و ص 41. طبقات المشايخ ج 2، ص 11. (2) فرقة من فرق الخوارج، إمامهم عبد الله بن الصفار.
(3) بكوش يحي، فقه الإمام جابر بن زيد، ص 41. (1/20)
صفحة 21
بين عمان والبلاد المغاربية
21
لا يعقل أن يذهب شخصان على راحلة واحدة وهما على مذهبين
مختلفين كل منهما يخالف مذهبه مذهب الآخر مع ما كانوا عليه من تعصب مذهبي آنذاك.
4. هنالك اضطراب حول اعتناق عكرمة مذهب الصفرية، حيث تقول الرواية إنه لازم نجدة بن عامر الحنفي (ت: 69 هـ)، إمام النجدات (1)، وتأثر به ومن المعلوم أن النجدية غير الصفرية، فالصفرية هم أتباع عبد الله بن الصفار (ت: 60 هـ)، وهذان الشخصان عبد الله بن الصفار و نجدة بن عامر، كانت وفاتهما في حياة عبد الله بن العباس، فهل يترك عكرمة شيخه وسيده ويذهب إلى نجدة وابن الصفار، وعلى افتراض صحة كون عكرمة صفريا، فمن غير المقبول ولا المعقول أن يذهبا هو وسلمة بن سعد إلى بلاد المغرب وعلى بعير واحد كل واحد منهما يدعو إلى مذهب يختلف عن مذهب الآخر. إن التصديق يجعل ذلك الأمر يشبه التمثيل وأداء الأدوار التمثيلية، وهو تسويق رخيص للمبادئ الدينية، لا يليق
بالدعوة الإسلامية ولا بالدعاة المسلمين.
(1) فرقة من فرق الخوارج، إمامهم عبد الله بن الصفار. (1/21)
صفحة 22
22
التواصل الإباضي
البعثة الطلابية
تمكن بفضل الله تعالى وتوفيقه سلمة بن سعد من تكوين بعثة طلابية مغاربية، ولعلها تعتبر أول بعثة طلابية موجهة ومنظمة في تاريخ الإسلام وقد استفاد سلمة من تمشيطه لمناطق المغرب أو الشمال الإفريقي كما ذكرنا من سرت شرقا وإلى تلمسان غربا من التعرف على الطلبة المؤهلين للانضمام إلى تلك البعثة التي ضمت خمسة طلاب وهم: 1. عبد الحميد بن مغطير الجناوني النفوسي من نفوسة (الجبل الغربي)
في ليبيا.
2. إسماعيل بن درار الغدامسي من غدامس، جنوب طرابلس بليبيا. عبد الرحمن بن رستم الفارسي من القيروان بتونس.
4. أبو دواد القبلي النفزاوي من تونس.
ه عاصم السدراتي من جبال الأوراس بالجزائر (1).
إن المتمعن في التوزيع الجغرافي في اختيار الطلبة، ليدرك المغزى الذي بن سعد، وهو أنه على ما يظهر أراد أن يكون كل
كان يرمي
إليه سلمة
(1) عندما زرت ليبيا في شهر نوفمبر 2012 م التقيت في جبل نفوسة بالشيخ صلاح الدبلي، وهو باحث جيد في تاريخ المذهب الإباضي، وسمعته يذكر أن سدراتة التي ينتمي إليها عاصم السدراتي، ليست سدراتة الجزائر، وإنما هي سدراتة الموجودة في جنوب ليبيا، ولعل هذه الملاحظة تحمل قدرا من الصحة ولكن الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحث. (1/22)
صفحة 23
بين عمان والبلاد المغاربية
23
واحد سراجا مضيئا في منطقته بعد عودته من رحلته العلمية وهو ما كان
ووقع وتحقق.
وسارت البعثة الطلابية إلى البصرة، حيث الإمام أبو عبيدة وحيث معهده الميمون، تحدوهم عناية الله، ويحوطهم توفيقه، وتظللهم الملائكة بأجنحتها داعية لهم بسعادة الدارين.
وعند وصولهم البصرة تلقاهم الإمام أبو عبيدة واستقبلهم وسألهم عن أحوالهم والغرض من مجيئهم، ولما عرف رغبتهم في طلب العلم ضمهم إلى معهده، وبقي أولئكم الطلبة خمس سنين متتالية في البصرة، ينهلون العلم نهلا، بكل شغف ومحبة وتوق وشوق، بيد أن أحدهم وهو عبد الحميد بن مغطير الجناوني عاد إلى بلده، قبلهم ولعل عودته كانت لظروف طرأت عليه، وأحوال ألمت به، ولكنه بعد عودته لم يجلس سبهللا ولم يقعد اعتباطا، وإنما أخذ في الدعوة إلى دين الله الذي أخذه من المعين الصافي، وأخذ ينشر العلم الذي حمله بكل جد ونشاط، حتى إنه عندما عاد زملاؤه بعد ذلك وجدوه قد هيّاً لهم قاعدة علمية وشعبية، الأمر الذي سهل لهم مهمتهم في إقامة دولة الإمامة فيما بعد، أما الباقون فقد أكملوا خمس سنين من البقاء في البصرة.
وبعد خمس سنين قضاها أولئكم الطلبة الميامين في البصرة مع الإمام أبي عبيدة، أخذوا في التأهب إلى العودة إلى ديارهم، وقد سموا فيما بعد (1/23)
صفحة 24
C
24
التواصل الإباضي
بجملة العلم إلى المغرب، وقد أذن لهم شيخهم أبو عبيدة بتلك العودة بعدما علم أهليتهم العلمية والفكرية، وضم إليهم أحد طلبته وهو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني، وعندما أرادوا السفر خرج معهم أبو عبيدة مودعا لهم إلى مكان ما، من البصرة، والظاهر أنه خارج البصرة، وهناك سأله إسماعيل بن درار الغدامسي عن ثلاثمائة مسألة من مسائل القضاء والأحكام، حتى قال له شيخه، ولعله أحس رغبته في ذلك: أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ فأجابه الطالب النجيب: أرأيت إن ابتليت بذلك؟ وهذا يعتبر إذنا ضمنيا من أبي عبيدة لابن درار بتولي القضاء بعد توفر الأسباب، وهي قيام دولة الحق، وهنالك في ذلك التوديع المؤثر والمهيب، وزع عليهم أبو عبيدة المهام والاختصاصات، قائلا
لعبد الرحمن بن رستم أفت بما سمعت مني وما لم تسمع.
وقال لأبي الخطاب المعافري: لا تفت إلا بما سمعت.
(1)
وقال لأبي داود القبلي النفزاوي: لا تفت بما سمعت وما لم تسمع الأمر الذي يدلُّ على فِرَاسَةِ أبي عبيدة في طلابه، ومعرفته بكل واحد
منهم.
(1) شرح المسند، ج 1، ص 6. (1/24)
صفحة 25
بين عمان والبلاد المغاربية
دولة الإمامة
25
عندما
عزم أولئكم الطلبة العلماء على الرحيل إلى بلادهم، شاوروا شيخهم أبا عبيدة في إقامة دولة الإمامة إن وجدوا من أنفسهم قوة، لأنه كانت هنالك تجارب سابقة للإباضية، حيث قامت دولة الإمامة في اليمن سنة 129 هـ، على يد الإمام عبد بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق.
كما قامت في عُمان دولة الإمامة الأولى سنة 132 هـ على يد الإمام
الجلندى بن مسعود.
وقد وافقهم أبو عبيدة على ذلك، وأشار إليهم أن يقدموا زميلهم أبا
(1)
الخطاب المعافري إماما لهم، إن وجدوا إلى ذلك سبيلا، وهذه سياسة حكيمة من الإمام أبي عبيدة، لعله رأى في أبي الخطاب المعافري وحدة لكلمتهم باعتباره عربيا ورأى أن الأمازيغ لا يتفقون على واحد منهم يكون حاكما عليهم.
والظاهر أن تلك السياسة من أبي عبيدة قامت على قراءة الواقع
الاجتماعي لسكان البلاد المغاربية الأمازيغ.
(1) الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص (1/25)
صفحة 26
26
التواصل الإباضي
وبعد وصولهم إلى بلدانهم أخذوا ينشرون العلم، ويقومون بالدعوة ويبثون في الناس فكرة إقامة الدولة كتهيئة للأجواء المناسبة، وبعد أن تكونت القاعدة الشعبية لذلك اجتمعوا في طرابلس، واجتمع معهم عدد من الناس من أهل الحل والعقد، و فكروا في كيفية تنفيذ الفكرة وإعلان الإمامة، واتفقوا أن يخرجوا إلى الضاحية الغربية لطرابلس في موضع يقال له (صياد)، كأنهم ذاهبون إلى صلح بعض الناس في أمر من أمور الخصومات والنزاعات، تورية على السلطة الحاكمة في طرابلس التي كانت من قبل العباسيين.
وبعد أن فكروا وتشاوروا اقتضى نظرهم إعلان الإمامة لأبي الخطاب بناء على رأي شيخهم أبي عبيدة، وأمره، وكانوا قد أخفوا الأمر عنه عند خروجهم إلى منطقة (صيّاد)، ولما فاتحوه بالأمر رفض واعتذر لهم قائلا: ما لهذا كان خروجي معكم، ولكنَّهم أخبروه بحكم الإمام أبي عبيدة، وهو أنه في حال رفضه تضرب عنقه.
بن
والظاهر أن هذا الحكم الصارم مأخوذ من حكم الخليفة الثاني عمر الخطاب له عندما أمر صهيبا الرومي أن يضرب عنق من يختاره أعضاء الشورى الستة الذين أوصى إليهم عمر باختيار خليفته، أو الذي يختاره أغلبهم فيرفض المختار الخلافة. (1/26)
صفحة 27
بين عمان والبلاد المغاربية
27
وهذا الحكم أصبح قاعدة من قواعد الأحكام عند الإباضية، وكان له
(1) -
حسم صارم في مواقف مشابهة)، فلله درهم ما أبعد نظرهم وأصوب رأيهم وأصح موقفهم.
وهكذا تمت البيعة بالإمامة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح ا المعافري و كان ذلك سنة 140 هجرية واستولى على طرابلس وقابس والقيروان وغيرها من المناطق.
وبقيام دولة الإمامة تلك، تكرّست فكرة وجود دولة الإمامة عند الإباضية في المغرب الإسلامي أو المغرب العربي.
محمد
وبعد القضاء على دولة أبي الخطاب بمقتله على يد الوالي العباسي بن الأشعث سنة: 144 هجرية أقام الإباضية دولة الإمامة مرة ثانية بعد ذلك بعشر سنوات، حيث اعلنت إمامة أبي حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي سنة 154 هجرية في طرابلس أيضا، وقتل هو الآخر سنة: 158 هجرية، لتقوم بعد ذلك دولة الإمامة الرستمية (160 – 296 هجرية)، على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي، تلك الدولة التي كانت
(1) تكرر الأمر عند نصب الإمام سالم بن راشد الخروصي في عُمان سنة: 1331 هجرية في بلدة تنوف، فعندما رفض قبول منصب الإمامة أمر الشيخ السالمي أبا زيد بضرب عنقه، وعندما رأى الإمام سالم أبا زيد واقفا على رأسه سالا سيفه وافق على ذلك. (1/27)
صفحة 28
28
التواصل الإباضي
مفخرة التاريخ الإسلامي في المغرب الإسلامي، عدلا وفضلا وحضارة،
(1)
شهد لها الموافق والمحالف بذلك (1).
وهو ما عبر عنه الإمام السالمي في جوهره بقوله:
وللعمانيين والمغاربة = وحضر موت أمراء غالبه
يشابهون العمرين عدلا وثقة وورعا وفضلا
مضوا على نهج الصواب فلهم حسن الثنا مع الرضى من ربهم
(2)
(1) هذه المعلومات مأخوذة من طبقات الدرجيني، وسير أبي زكريا وسير الشماخي، من ترجمة أبي
الخطاب المعافري.
(2) جوهر النظام، باب الإمامة. (1/28)
صفحة 29
بين عمان والبلاد المغاربية
التواصل العُماني المغاربي
29
على عهد دولة الإمامة الثانية في عُمان والدولة الرستمية بالمغرب ظهرت الدولة الرستمية في بلاد المغرب، وظهرت معها دولة الإمامة الثانية في عُمان، وكانت كلتا الدولتين من القوة بمكان مكين، ويضاف إليهما ظهور إمامة للإباضية في حضر موت باليمن، ولكنها أقل منها قوة وأصغر مساحة، ولا شك أنه كانت هنالك علاقات من التعاون والتواصل بين الدولتين العُمانية والرستمية، بيد أن التاريخ لم يرسم لنا خريطة واضحة لتلك العلاقات، وإنما حفظ لنا بعضا منها، غير أنها تشكل معالم بارزة في التواصل العُماني المغاربي في تلك الفترة ومن
الدعم المالي:
ذلك:
بعدما تمت الإمامة للإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي، الذي كان أول إمام في الدولة الرستمية، أرسل الإباضية من المشرق، - الظاهر إنها عُمان والبصرة- إليه مساعدة مالية وقد سار الوفد إلى تيهرت
كانت من عاصمة الدولة الرستمية حاملا معه تلك المساعدة، وعند وصولهم إلى تيهرت سألوا عن الإمام عبد الرحمن، فأرشدهم بعض الناس إلى بيته، وتقول الرواية إنهم وجدوه في أعلى البيت يعمل بيده في السقف، وعنده عبد يناوله الطين، فلم يظنوا أن الرجل الذي يقوم بالبناء هو الإمام، فطلبوا من العبد أن يدخل على الإمام ويستأذنه لدخولهم، وكان الإمام يسمع كلامهم، فأشار إلى العبد أن يؤخرهم فنزل من فوق البيت واغتسل من (1/29)
صفحة 30
التواصل الإباضي
الطين وخرج إليهم فعرفوه، وأمر لهم بالضيافة، وكانوا قد تركوا أموال المساعدة خارج المدينة، وهدفهم التحقق من سيرة الإمام أولا، فلما رأوا سيرته مرضية اتفقوا أن يدفعوا إليه الأموال، وأخبروه بأنهم راضون عن سيرته، لما شاهدوه وسمعوه من حسن سيرته، وعدله وفضله، وإنهم جاؤوا إليه بأموال لمساعدة الدولة وتقويتها من إخوانه في الدين من أهل المشرق.
على أن الإمام لم يخر على تلك الأموال تلهفا وجشعا، وإنما شاور أصحابه أهل الحل والعقد والرأي والنصيحة في قبول تلك المساعدة أو رفضها، فأشاروا إليه بقبولها وتسلمها، وأن يجعل بعضها في فقراء المسلمين، وبعضها الآخر في شراء السلاح لقوة الدولة)، وكان ذلك بتدبير من العلامة العُماني أبي عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم المكنى والملقب بأبي
عبيدة الصغير، تفرقة بينه وبين شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم هو الذي وصل إلى مقاطعة (كانتون) (2)، بالصين في رحلة تجارية، وبهذا فهو يعتبر أول من دشن
العلاقة بين عُمان والصين.
(1) الدرجيني، الطبقات، ج 1، ص (2) وتسمى الآن (جوانزو)، وهي جوانزو القديمة، وهناك أيضا جوانزو الجديدة وهي التي تحضر منها البضائع الصينية في العصر الحالي، والجدير بالذكر أن حكومة سلطنة عُمان، قامت ببناء مسجد في (1/30)
صفحة 31
بين عمان والبلاد المغاربية
المرجعية الدينية:
31
إن المرجعية الدينية العليا التي كان يرجع إليها الإباضية المغاربة لحل التي تنشأ بينهم كانت في المشرق كالبصرة وعُمان، فقد كانوا
الخلافات
يرجعون إلى علماء المذهب فيهما.
شانها
فمثلا عندما اختير عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي إماما بعد أبيه اعترض عليه بعض الناس قائلين إنه ليس له أن يقطع أي أمر من الأمور دون رأيهم والرجوع إليهم، بمعنى أنه ليس له أن يسير الأعمال اليومية، أو يصرف الأعمال الإدارية المعروفة والمعتادة إلا بالرجوع إلى أولئكم الأشخاص المعترضين، وادعوا أن البيعة منهم للإمام عبد الوهاب كانت على هذا الشرط، ولا بد أن يلتزم به وكادت أن تكون فتنة من أن تضعف الدولة، بل وربما كانت تسقطها لولا أن توجهوا بالمسألة إلى علماء المذهب شرقا، إلى العالمين الكبيرين الربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبي غسان مخلد بن العمرد الغساني، اللذين لاقاهما المبعوثون في مكة المكرمة، وهنالك أصدر العالمان الفتوى التالية: «أما بعد فقد اتصل بنا ما وقع قبلكم وما كتبتم فيه فأما ما ذكرتموه من أمر الشرط فليس من سيرة
جوانزو القديمة. بمسجد أبي عبيدة عبد الله بن القاسم تخليدا لذكره وقد افتتح في شهر أكتوبر
سمي
سنة 2009 م. (1/31)
صفحة 32
32
التواصل الإباضي
المسلمين أن يجعلوا في الامامة شرطا أن لا يقطع الامام أمرا دون جماعة معلومة. الامامة صحيحة والشرط باطل، فلو صح في الامامة الشرط لما قام الله حق ولا اقيم له حد، ولبطلت الحدود والاحكام، وضاع الحق، والجماعة يتعذر اتفاقها على أن الامام ان قدم اليه سارق فلا يمكنه أن يقيم عليه الحق فيقطع يده حتى تحضر الجماعة، أو زنى أحد فلا يرجم أو يجلد حتى تحضر الجماعة، ولا يجاهد الامام عدوا، ولا ينهى عن منكر، الا بمحضر الجماعة، فيكونوا كلهم إذن إماما، وكلهم لا إمام، فهذا إيطال، وتتبعه غير الاستقامه ورمي الإمامة به، بغي والسؤال عن هذا غي. وأما ما ذكرتم من تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو أعلم منه فذلك جائز إذا كان مستكملا لشروط الإمامة، وكان من أهل الفضل والدين ولاعدل والسياسة والمنزلة المرضية، فقد ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ وزيد بن ثابت أفرض منه، وعلى أقضى منه، ومعاذ بالحلال والحرام أعرف منه، وأبي بكتاب الله أقرأ منه كل شهد له رسول الله] بذلك ومع هذا فلم يكن أحد منهم أولى منه بالإمامة، فالجواب إثبات الولاية وإبطال الشرط، ولو انعقدت عليه، وتخطئة من اختلقه وأحله غير محله، والإمامة لا تبطل إلا بحدث في الإمام بعد الإعذار والإنذار، وتمادي المحدث على الإصرار والاستكبار، فحينئذ يجب القيام عليه، وإبطال ما صار من أمر المسلمين إليه» (1).
(1) الدرجيني، الطبقات،
،1
ج ص
، 48. وانظر اطفيش محمد بن يوسف شرح النيل ج 14، ص 306. وكان رئيس المعترضين يزيد بن فندين اليفرني، ومنذ ذلك وجد من عرفوا بالنكار، فقد اعتبروا (1/32)
صفحة 33
بين عمان والبلاد المغاربية
33
إنها تعتبر بحق فتوى دستورية، رسمت المعالم بين الأمة والإمام (الحاكم)، وحددت صلاحيات الأمة في رقابتها للحاكم، كما حددت للحاكم (الإمام) صلاحياته التنفيذية في ذلك الزمن المبكر من تاريخ الإسلام، حيث تعود إلى بداية العقد الثامن من القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي.
كذلك عندما أراد الإمام عبد الوهاب التوجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ووصل إلى نفوسة اعترضه أهلها خوفا عليه من بني العباس، وقالوا له إن بقاءه في دولته هو الأنسب بحاله والأفضل لمآله، لأنه يقوم بمصالح
المسلمين والنظر في أمورهم، وذلك أصلح وأوجب.
مي
منكرين لإمامة عبد الوهاب الرستمي، وأقصاهم الإباضية ونفوهم مذهبيا، كما أن النكار كانوا عنيفين في مواقفهم من الإباضية وهكذا. حدة المغاربة، وحدثت بين الفريقين مصادمات وحروب ثم تحول النكار إلى المذهب المالكي، فكانت النتيجة أن الخسارة كانت إباضية والربح مالكيا. وهكذا يفعل التشدد والتصلب في الرأي، ودائما ما يؤدي ذلك إلى النفرة، وإذا كان النكار قد أخطأوا في مواقفهم العنيفة من الإمامة الرستمية ومن الإباضية، فإن الإباضية أخطأوا أيضا في إقصاء المعترضين ووصفهم بالنكار، لأن حصر المخالف في الرأي في القاب مخترعة يؤدي إلى النفور والعزلة، وفي رأيي أن الذي مكن المدرسة النزوانية من البقاء والاستمرار على حساب المدرسة الرستاقية في عمان هو احتواء أصحاب الآراء المخالفة والمختلفة، فالإمام أبو سعيد الكدمي عميد المدرسة النزوانية أبقى كل ما كانت له ولاية على ولايته من المؤيدين والمعارضين للخروج على الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237 - 272 هجرية)، بينما أوجبت المدرسة الرستاقية وعميدها ابن بركة البراءة من الخارجين ومتوليهم، بل وأوجبوا العلم بالحدث لكي يبرأ من المحدث. (1/33)
صفحة 34
34
التواصل الإباضي
غير أن الإمام لم يقتنع بهذا الرأي النفوسي، فأرسل إلى علماء المذهب بالمشرق، حيث أرسل إلى الإمام الربيع بن حبيب في البصرة أو، وإلى عبد الله. بن عباد في مصر يستفتيهما في ذلك، فأجابه كلاهما بأفضلية بقائه في دولته وبين مواطنيه إلا أن الربيع فضل له أن ينيب من
بعمان (1)،
يحج عنا
أما عبد الله بن عباد فقد أسقط عنه وجوب الحج بالكلية، معللا ذلك بفقد الأمن بالنسبة للإمام، وأمان الطريق من شروط الاستطاعة
للحج. وهناك أخذ الإمام برأي الربيع، وأرسل من يحج عنه عملا بالأحوط حتى لا تفوته شعيرة الحج إن لم تكن بالنَّفس وإلا بالمال، والذي لا يدرك كله لا يترك كله، وعلماء المذهب وأئمته دائما يعملون بالأحوط إذا تعلق الأمر بهم، ويوسعون الأمر إذا تعلق بغيرهم فجزاهم الله خيرا.
وهكذا استمر الإباضية في المغرب العربي أو الإسلامي يستمدون فتاواهم من علماء المشرق، بدءً من رسالة الإمام أبي عبيدة إليهم في مسائل الزكاة، وفتواه الحاسمة في إبقاء الحارث بن تليد الكندي وعبد الجبار المرادي عل ولايتهما بعد أن وجدا مقتولين وسيف كل واحد منهما فوق
(1) لعل الإمام الربيع في هذه الفترة قد عاد إلى عُمان، فإنه عاد إلى عُمان آخر عمره، حيث سكن غضفان من ولاية لوى، وتوفي بها، وبها قبره، رحمه الله
ورضي عنه. (1/34)
صفحة 35
بين عمان والبلاد المغاربية
35
جثة الآخر في طرابلس، فكادت توقع هذه القضية فتنة بين الإباضية، في الولاية والبراءة، منهما أو من أحدهما، فجاءت فتوى أبي عبيدة حاسمة بإبقائهما في الولاية، لأنه عرف أنها مكيدة حربية دبرها أعداؤهم من السلطة الحاكمة آنذاك في القيروان، وذلك في الثلاثينيات من القرن الثاني
الهجري.
وتتوالى الفتاوى المشرقية إلى إخوانهم بالمغرب بعد أبي عبيدة، مرورا بالربيع بن حبيب وأبي غسان وعبد الله بن عباد وغيرهم إلى جوابات العلامة المحكم محمد بن محبوب الرحيلي في القرن الثالث الهجري.
ومن الأمور المهمة التي تدل على ارتباط المغرب بالمشرق علميا في الإطار الإباضي، قصة كتاب المدوّنة لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني، فقد دون أبو غانم الخراساني الذي كان قد عاش في البصرة كتابه الذي سماه (المدونة) بالنقل والرواية عن تسعة من تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهم: الربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبو غسان مخلد بن العمرد الغساني البصري العراقي، وعبد الله بن عبد العزيز البصري، وأبو المؤرج عمرو بن محمد القدمي اليمني، وحاتم بن منصور الخراساني، وأبو المهاجر هاشم بن المهاجر الحضرمي الكوفي، وأبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي،
وعبد الله بن عباد المصري، وشعيب بن المعروف الأزدي. (1/35)
صفحة 36
36
التواصل الإباضي
وصدر المدونة بقوله: «سألت الربيع وأبا المهاجر وأبا المؤرج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز وأبا غسان مخلد بن العمرد وأبا أيوب وحاتم ابن منصور منهم من سألت مشافهة ومنهم من أخبرني من سألهم مشافهة»، ولم يذكر هنا عبد الله بن عباد المصري وشعيب بن المعروف الأزدي، لأنه التقى بهما بعد ذلك وهو في طريقه إلى نفوسة وتيهرت
وهناك روى عنهما.
ويضاف إلى أولئك التسعة، محبوب بن الرحيل تلميذ الربيع، وهو يروي لأبي غانم عن الربيع.
وبعد أن أكمل أبو غانم تأليف كتابه الذي هو المدوّنة، سار في زيارة إلى تيهرت عاصمة الدولة الرستمية، حاملا معه نسخة من الكتاب لكي يقدمها إلى أمير المؤمنين وإمام المسلمين عبد الوهاب الرستمي، الذي كان يجمع بين إمامة الحكم وإمامة العلم حتى يكون كتاب المدوّنة واحدا من مكونات مكتبة تيهرت الكبيرة العامرة التي كانت تسمى المعصومة. وفي رحلته تلك مرَّ أبو غانم على جبل نفوسة، وهناك التقى بعمروس بن فتح المساكني، الذي كان شابا حدثا ولكنه كان يتألق ذكاء ويتوقد فطنة، ويتفتق عبقرية، فأودع أبو غانم الكتاب عمروسا، حتى يرجع من تيهرت، ولعله كانت لدية نسختان النسخة التي قدمها إلى الإمام عبد الوهاب، (1/36)
صفحة 37
بين عمان والبلاد المغاربية
37
والنسخة الثانية هي التي أودعها عمروس بن فتح، أو أنه كان حاملا نسخة واحدة وهي التي تركها عند عمروس وكان ذهابه إلى بعض الأماكن في نفوسة أو القريبة منها.
بيد أنني أرجح الرواية الأولى وهي وردت في المصادر الإباضية وخلال تلك المدة التي غاب فيها أبو غانم عن عمروس حتى يرجع إليه قام عمروس باستنساخ كتاب المدوّنة باذلا كل جهد وطاقة، وكانت تعاونه أخته العالمة المجاهدة جيث كان هو يكتب وأخته تملي عليه، وكان يتنقلان مع ظل الصباح وظل المساء، وعندما عاد أبو غانم من زيارته وجد الكتاب منسوخا من غير إذن منه، ودون أن يخبره عمروس لولا أن استدل المؤلف ببعض نقاط الحبر على الكتاب وقال لعمروس أسرقت هذا؟ قال: نعم سمني سارق العلم".
والظاهر أن النسخة العمروسية لكتاب المدونة هي التي بقيت لدى الإباضية في بلاد المغرب، بعد أن قضى العبيديون الشيعة الإسماعيلية على المكتبة الرستمية في تيهرت، وكانت نسخة مباركة اعتمد عليها الفقه الإباضي فيما بعد، فكانت كالأصل له، وهي التي انتقلت فيما بعد إلى القاهرة مع الإباضية، ثم انتقلت إلى دار الكتب المصرية، بعد تأميم
(1) أبو زكريا، يحي بن أبي بكر، سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق: إسماعيل العربي، ص 170، دار الغرب الإسلامي بيروت. (1/37)
صفحة 38
38
G
التواصل الإباضي
الأوقاف في مصر ووضعها تحت يد الحكومة، ومنها أوقاف الإباضية، وهي النسخة التي حققها الشيخان يحي بن عبد الله النبهاني وإبراهيم بن محمد العساكر (1)، وبعد المدونة الغانمية وجدت كتب المذهب المشرقية طريقها إلى
المغرب، وأقبل عليها إباضية المغرب إقبالا كبيرا.
من ذلك أن الإمام عبد الوهاب الرستمي بعث بألف دينار إلى علماء المذهب بالبصرة بالعراق لكي يشتروا بها كتب المذهب.
ولكي يقتني بذلك المبلغ عددا كبيرا من الكتب قام إباضية البصرة بشراء جلود وحبر، على أن يقوموا هم بالنسخ فنسخوا بتلك الطريقة أربعين حملا من الكتب، وبعثوا بها إلى الإمام عبد الوهاب، وعندما نشرها وقرأها حمد الله أن جميع مسائلها من محفوظاته عدا مسألتين قال: إنه لو سئل عنهما لأجاب فيهما قياسا على غيرهما من باب الأشباه والنظائر (2).
(2)
و مما يدل على كثرة الكتب الإباضية المشرقية ما ذكره أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي، قال: أنه عندما كان يدرس في جبل نفوسة
(1) قامت بطبعها مكتبة الجيل الواعد، مسقط سلطنة عُمان، ونشير إلى أنها المدونة الأصلية الخالية من الإضافات والتعليقات والحواشي، وهذا الأمر يغيب عن الكثير من الناس فلا يفرقون بين نسخ
المدونة.
(2) أبو زكريا، المصدر السابق، ص 99. (1/38)
صفحة 39
بين عمان والبلاد المغاربية
39
مرت عند شيخه سعدون مرت عليه ذبيحة الأقلف، فقال شيخه إن بها قولين ولكن لم ينسبهما، قال ودخلت ديوان الكتب الذي كان بنفوسة، وبقيت أربعة أشهر لا أنام إلا بين أذان الفجر وصلاة الفجر، وإذا
(1)
بالديوان فيه ثلاثة وثلاثون ألف كتاب من كتب أهل المشرق في المذهب)
على أن الرواية وإن كانت بها مبالغة أو تصحيف إلا أنها تدل على
كثرة كتب المذهب المشرقية بالمغرب.
(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر، القسمة وأصول الأرضين، المقدمة. (1/39)
صفحة 40
40
التواصل الإباضي
مضارب محبوب:
كانت مضارب محبوب بن الرحيل المخزومي القرشي وهي خيامه بمنى أثنا ءمواسم الحج تمثل نقطة التقاء للحجاج الإباضية الذي كانوا يأتون من مختلف أوطانهم، فقد ذكر لواب بن سلام اللواتي الذي يعتبر كتابه أقدم مؤلف تاريخي عن المغرب العربي الإسلامي أن دار محبوب بمكة كانت وخمسين حاجا في سنة من السنين منهم خمسة وعشرون من أهل عُمان، وذكر أن له خياما تسمى مضارب محبوب بمنى أيام الحج وقال إنه أخبره بذلك عالم نفوسي كان قد التقى بحجاج عمانيين، وكان ابن سلام لقيه بجندوبة (1) بعد سنة 273 (2)
تضم.
مائة
وتحفظ لنا المصادر الإباضية لقاءً هاماً كان قد جرى بين العلامة العُماني الكبير المحكم محمد بن محبوب الرحيلي، والعلامة النفوسي عمروس بن فتح المساكني، فقد زار عمروس ومعه عدد من أصحابه محمد بن محبوب، وبعد الأخذ في المناقشة والمذاكرة عرف ابن محبوب عمروسا من نقاشاته وسؤالاته، وكان لم يعرفه من قبل عيانا والظاهر أنه كان يعرفه سماعا، أو أنه كانت هنالك مراسلات بينهما من قبل ذلك اللقاء، عرف
(1)
منطقة في ليبيا في الشمال الغربي منها.
(2) تاريخ ابن سلام، امنثور بعنوان الإسلام) وتاريخه من وجهة نظر إباضية)، تحقيق شفارتز وسالم بن
يعقوب، ص
130 (1/40)
صفحة 41
بين عمان والبلاد المغاربية
41
ابن محبوب منزلة عمروس العلمية من خلالها، لذلك قال: إن كان
عمروس فيكم فهذا السؤال لا يصدر إلا منه، فقالوا نعم، إنه عمروس.
حينئذ أدنى مجلسه ورفع منزلته، حتى جرى بينهما من السؤال
والجواب في شتى فنون العلم الشيء الكثير.
ونظرا لعمق الطرح العمروسي والجواب المحبوبي، فقد اعتبر ابن محبوب تلك المسائل بأنها من مكنون العلم التي ينبغي ألا تطرح أمام العامة)، لأنها فوق مستواهم وإدراكهم، وخشية أن يفهموها على خلاف ما هي عليه حقيقة وواقعا فيعملوا بما تمليه عليه أفهامهم، من هنالك كان حرص ابن محبوب على عدم طرحها أمام العامة.
وعلى العموم فقد كانت مراسم الحج مناسبات يلتقي فيها الإباضية لا سيما علماؤهم ليتشاوروا في أمورهم وليتدارسوا أفكارهم وذلك من
}
المنافع التي أخبر الله عنها في الحج بقوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ)
الحج: 28.
(1) طبقات المشايخ، ج 2، ص 139. (1/41)
صفحة 42
42
C
التواصل الإباضي
وكانت عادة متبعة عندهم منذ الإمام الأول للمذهب، ألا وهو الإمام جابر بن زيد الذي كان حريصا على أداء مناسك الحج كل عام، وله في ذلك قصص وأخبار هي من المتعة بمكان.
وسار على ذلك خلفه أبو عبيدة مسلم، وكذلك ضمام بن السائب الندبي، وحاجب بن مودود الطائي والربيع بن حبيب الفراهيدي، ووائل بن أيوب الحضرمي، ومحبوب بن الرحيل القرشي وابنه محمد بن محبوب وغيرهم رحمهم الله ورضي عنهم.
كما أن مواسم الحج كانت أيضا فرصة لتبادل المراسلات والمعلومات فكم من كتب عُمانية تم إرسالها إلى المغرب على أيدي الحجاج العُمانيين، وكتب مغاربية تم إرسالها إلى عُمان على أيدي الحجاج المغاربة.
ومن التواصل المشرقي المغاربي كما ذكره ابن الصغير في تاريخه عن الدولة الرستمية، أن الإمام محمد بن أفلح الرستمي كان له مستشار من
(1)
العرب هو محمود بن بكر، وقال إنه كان أخص الناس به، ولا ندري من هو محمود بن بكر ومن أي بلد هل هو من عُمان، أم من اليمن أم من العراق، ولعله من اليمن لأن إباضية اليمن كان لهم وجود متواصل في بلاد
المغرب.
(1) أخبار الأئمة الرستميين، ص 81. (1/42)
صفحة 43
بين عُمان والبلاد المغاربية
43
كما أن من التواصل المشرقي المغاربي أيضا قدوم رجل يجمع بين العلم والتجارة يسمى ابن الجمعي كما عند الدرجيني في الطبقات، وابن الجمع كما عند الشماخي في السير، ولا ندري من أي مكان في المشرق هو، والظاهر أن قدومه إلى بلاد المغرب كان في بداية القرن الرابع الهجري، حيث قدم إلى توزر بالجنوب التونسي أولا ثم انتقل إلى سجلماسة بالجزائر، وقد لازمه وأخذ عنه العلم أبو زيد محمد بن كبداد اليفرني الذي تحول فيما بعد نكاريا، وأبو الربيع سليمان بن زرقون الذي صار واحدا من أئمة العلم الكبار (1).
(1) *
(1) الطبقات، ج 2، ص 110. السير، ج 2، ص 338 وكلاهما ذكره ضمن ترجمة أبي الربيع سليمان
بن زرقون. (1/43)
صفحة 44
44
التواصل الإباضي
طلاب مغاربة إلى عُمان
شهد التواص العُماني المغاربي نقلة نوعية في القرن الرابع الهجري، فقد جاء إلى عُمان عدد من طلاب العلم للدراسة في مدرسة الإمام أبي محمد ابن بركة في مدينة بهلا)، وقد روى الشيخ الشيبة محمد بن عبد الله السالمي عن والده نور الدين السالمي قوله إنه تخرج من مدرسة ابن بركة ثمانون عالما مغاربيا)، وذلك لأن الإمام أبا محمد ابن بركة كان على سعة من الغنى والثروة، وكانت مدرسته تقع بمحلة الضرح في بهلا التي لا تزال أطلالها باقية إلى يومنا هذا وقد أنشأ سكنا للطلاب لإيوائهم وتغذيتهم شبيها بما يعرف في الوقت الحاضر بالأقسام الداخلية، ومن أجل ذلك كان طلبة العلم من عُمان والمغرب يقصدون مدرسة ابن بركة في بهلا، نظرا لتوفر المأوى والدراسة والغذاء.
من هنالك يقال إن الإباضية المغاربة أكثر إجلالا للإمام ابن بركة من المشارقة، ولعل ابن بركة بهذا الصنيع يعتبر أول من أنشأ نظام الأقسام الداخلية في التاريخ الإسلامي.
وتشترك مع مدرسة ابن بركة وقسمها الداخلي مدرسة أبي زكريا فصيل بن أبي مسور التي أنشأها في الجامع الكبير في حومة الحشان بجزيرة
(1) هي مدينة كبيرة تقع في المنطقة الداخلية من عُمان، تشتهر بقلعتها الكبيرة والقديمة، وسورها الكبير، وكانت من حواضر العلم، وعاصمة للحكم في بعض فترات التاريخ العُماني.
(2) الروض النضير، ص
171 (1/44)
صفحة 45
بين عمان والبلاد المغاربية
45
جربة التونسية، وأنشأ بجانب الجامع الكبير حجرات كمساكن للطلبة،
وذلك في النصف الأول من القرن الرابع الهجري
(1)
ونعود بالحديث عن الطلبة المغاربة الذي قال عنهم نور الدين السالمي بأنهم ثمانون طالبا تخرجوا من مدرسة ابن بركة.
الظاهر أن أولئك الطلبة كانوا قد جاؤوا على دفعات متفرقة، ولم يأتوا دفعة واحدة إذ لا يتسنى ذلك في تلك الأيام، لصعوبة المواصلات وخطورة الطريق وعدم القدرة على استيعاب ذلك العدد في مدرسة واحدة وإسكانهم وتغذيتهم، ومن هنالك كان للإمام ابن بركة مكانة خاصة لدى المغاربة فه يعتمدون عليه في أقواله إلى حد كبير، ومن هنالك أيضا توجد مقولة عُمانية هي أن ابن بركة شيخ المغاربة.
ويبدو أن ذلك التوجه الطلابي المغاربي إلى عُمان كان بعد سقوط الدولة الرستمية، وبعد معركة (مانو) التي قتل فيها المئات من علماء المذهب، فالدولة الرستمية كانت نهايتها سنة 296 هـ، وأما معركة مانو فقد كانت سنة 283 هـ، ولا شك أن لهذين الحدثين نتائج عكسية وسلبية على
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية، ص
9. (1/45)
صفحة 46
G
46
التواصل الإباضي
الإباضية في بلاد المغرب، لأن ذهاب العلماء وسقوط الكيان السياسي من
أهم عوامل الضعف لأي جماعة ولأي مجتمع.
ومن العجيب أن يتزامن سقوط دولتي الإمامة الثانية في عمان سنة 280 هـ، على يد العباسيين، بينما سقطت دولة الإمامة الرستمية سنة 296 هـ على يد العبيديين الفاطميين الشيعة.
وقد تخلى الإباضية في المغرب بعد ذلك عن فكرة إقامة الدولة، وإنما اكتفوا بوضع نظام اجتماعي أطلقوا عليه (نظام العزابة).
هو
وليتهم لم يتخلوا عن محاولة إيجاد الدولة، لأن الكيان السياسي الذي. الدولة هو الذي يترتب عليه القرار السياسي، والقرار السياسي هو مكمن القوة لأي فكر ولأي مذهب ولأي جماعة، والتاريخ خير شاهد على ذلك (1)، وبتخلي الإباضية عن إقامة الدولة في المغرب واليمن، تقلص المذهب في بلاد المغرب، وانتهى في اليمن.
أما العُمانيون فقد أصروا على إقامة الدولة دولة بعد دولة فعندما كانوا
يأنسون من أنفسهم قوة يعمدون إلى إقامتها.
(1) أخبرني الشيخ محمد بن إبراهيم اطفيش، أن والده الشيخ أبا إسحاق اطفيش، كان يتمنى أن يدرس المذهب الإباضي في الأزهر وقد حاول ذلك ولكنه لم يوفق، وقال إن هذا الأمر يحتاج إلى قرار
سياسي يتبناه ويتابعه، الأمر الذي يدل على أهمية وجود الدولة. (1/46)
صفحة 47
بين عمان والبلاد المغاربية
47
على أنه وإن كان بعض تلك الدول دولا ملكية قائمة على التوريث وليست على البيعة والشورى كما هو الشأن في دول الإمامة، فإن كلا
النظامين حافظ على الكيان السياسي للإباضية في عُمان. (1/47)
صفحة 48
??
التواصل الإباضي
التواصل على عهد النباهنة في عُمان
النباهنة قبيلة عُمانية من العتيك من الأزد، وقد حكموا عُمان على فترتين، واستمر حكمهم في الفترتين حوالي أربعمائة عام، غير أن الفترة الأولى كانت أطول فترة حكمهم، لذلك يطلق على حكمهم في الفترتين الدولة النبهانية الأولى والدولة النبهانية الثانية وكانوا يلقبون بالسلاطين ولعلهم كانوا هم أول من حمل لقب السلطان من حكام عُمان.
و آخر سلاطين الدولة النبهانية الأولى السلطان سليمان بن سليمان
النبهاني.
وفي عهده زار عُمان عالم جربي اسمه عيسى بن أبي بكر بن محمد، و وصل إلى نزوى وقابل السلطان سليمان بن سليمان، الذي أكرمه غاية الإكرام ورجب به أجمل ترحيب وأخبر السلطان وعلماء عُمان وأهل عُمان بما أبهجهم وأدخل السرور على خواطرهم من انتصار أهل جزيرة جربة على الغزاة الذين غزوا الجزيرة وعند عودته من عُمان إلى جربة زوده علماء عُمان بخطاب إلى العالم الفقيه رئيس العزابة في جربة ورئيس علمائها الشيخ العالم الفقيه يونس بن تعاريت وأميرها الشيخ أبي زكريا يحي بن سعيد بن أبي نوح السمومني، جاء فيه بعد المقدمة: «كتابنا إلى الفقيه يونس بن تعاريت والشيخ الأمير أبي زكريا يحي بن سعيد بن أبي (1/48)
صفحة 49
بين عمان والبلاد المغاربية
49
نوح السمومني، شيخ جربة المقاتل على المذهب بسيفه، وإلى إخواننا من المسلمين بجربة سلّمهم الله وأسعدهم في الدارين بحرمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
وبعد:
فقد وصل إلينا إلى عُمان إلى بلد نزوى الحاج عيسى بن أبي بكر بن محمد، وكان من أجل الواصلين، وسعدنا بوروده واستبشرنا لمحته ومطلعه وسرنا ما أطلعنا عليه من علم سلامتكم واستقامة حالتكم وما منحكم الله من صلاح ذات بينكم وهدايتكم للرشاد في دينكم وسلوككم المذهب الرضي والدين الحنيفي الجلي الوهبي الراسبي، الواضح أنواره وسبيله، القليل أهله ومتبعوه، الأول سالكوه وحاملوه الكثير أعداؤه ومبغضوه، الوافر طاعنوه ومخالفوه، تلك صفة خص الله بها العباد أهل صفوته في البلاد، فقال في كتابه المنزل على لأن نبيه المرسل، في القليل ولا كثير بوصف القليل من الصالحين، والكثير من المخالفين، وقد قال رسول الله استفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة،
فقيل من هذه يا رسول الله فقال من اجتمعت الأمة على بغضها، ونحن بحمد الله من تلك الفرقة الصفية والطائفة الحقيقية وقال عليه السلام: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي فقيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال: قوم يعملون بكتاب الله حين يترك، ويتمسكون بحبل الإسلام حين يقطع، فاثبتوا على دينكم، فإنكم إن شاء الله من
(1) هو الإمام عبد الله بن وهب الراسي إمام المحكمة أهل النهروان. (1/49)
صفحة 50
50
التواصل الإباضي
الفائزين، ونعلمكم أنه قد وصل الحاج المبارك عيسى بن أبي بكر إلى سلطان عُمان، وهو السلطان الأعظم والعلامة الأكرم أبو علي سليمان بن سليمان دام عزه، وذل عدوه، إذ هو الإباضي المستقيم، ولولاه لاندرس المذهب، ولقد دارت به الشيعة والشافعية وما ينقضون به على هذا المذهب في مجلسه، فقطع حجتهم، وأسكت دعوتهم، بحيث لا يقدر أحد على أن يطعن في المذهب إلا ودحض حجته، إذ هو عالم في أصول الدين لتعلموا ذلك.
ولما وصل الحاج عيسى إلى السلطان المذكور أعلمه أنه من جربة من مذهب الوهبية)، فأنزله منزلا والزمه (3)، وأمر أن عند إخوانه وأهل مذهبه، وأعلم عيسى السلطان ما جرى بين الأمير الشيخ أبي زكريا السمومني وبين الترك (3)، من القتال وما قد نصره الله عليهم ببركة
المذهب
(4)
هذه
هي
رسالة علماء عُمان إلى أهل جزيرة جربة بتونس، ونستفيد
منها أمورا عدة منها:
أولا: إن ما جاء فيها يخالف ما ذكر عن السلطان سليمان بن سليمان النبهاني من خلاعة ومجون أو المبالغة في ذلك إلى أن ذكر عنه
(1) تفرقة بينهم وبين النكار.
(2) لعله وأكرمه فحدث تصحيف في الكتابة.
(3) لعلهم حكام طرابلس الغرب.
(4) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية، ص 222. (1/50)
صفحة 51
بين عمان والبلاد المغاربية
51
مطاردته لامرأة من نزوى وهي عارية إلى حد أن كانت في ذلك نهايته أو نهاية حكمه، وقد فنَّدتُ تلك القصة في كتابنا الوسيط في
التاريخ العُماني فليرجع إليه من شاء هناك.
ثانيا: تبين الرسالة ما يتصف به حكام الإباضية من أئمة وملوك وسلاطين شرقا وغربا من سعة صدر لمخالفيهم، في حين يعدم هذا من حكام المذاهب الأخرى تجاه الإباضية.
ثالثا: تدل الرسالة على أن النباهنة هم إباضيو المذهب، وليس كما يردد بعض الباحثين بأن النباهنة كانوا على المذهب السني على اعتبار المذهب الإباضي بأنه مذهب إمامي أي قائم على دول الإمامة فقط.
وما قاله أولئك البعض من الباحثين طبعا غير صحيح، فإن المذهب الإباضي مذهب فقهي عقدي كغيره من المذاهب، وهو يضم المستقيم وغير المستقيم، كما أن فيه العادل وغير العادل من الحكام، وفيه الأئمة والملوك والسلاطين والأمراء وزعماء وشيوخ القبائل وهم بين مستقيم وعادل، وغير مستقيم ولا عادل.
وعلى هذا العهد أي عهد النباهنة، زار رجل عُماني اسمه محمد بن عبد الله السمائلي جبل نفوسة، والتقى بالشيخ بدر الدين أحمد بن سعيد الشماخي مؤلف كتاب السير وغيره من المؤلفات، والظاهر أن (1/51)
صفحة 52
52
التواصل الإباضي
الرجل العُماني لديه إلمام بعلوم الطب، وذهب الشيخ الشماخي والضيف العُماني ومعهما الشيخ يونس بن محمد إلى زيارة أبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى وكان مريضا، فتكلم يونس بن محمد ومحمد بن عبد الله السمائلي عنده في الطب، ولكن الشيخ أبا يوسف
أفحمهما (1).
(1) - الشماخي، السير، ج 2، ص 796، تحقيق: محمد حسن دار المدار الإسلامي تونس. (1/52)
صفحة 53
بين عمان والبلاد المغاربية
التواصل على عهد اليعاربة في عمان
53
اليعاربة قبيلة أزدية تفرعت من قبيلة النباهنة التي مر ذكرها ودولة اليعاربة دولة إمامة، وقد كان أول إمام بها هو الإمام المؤيد والعلم الأرشد
ناصر بن مرشد اليعربي (1034 هـ - 1059 هـ) (1).
وآخر الأئمة هو الإمام سلطان بن مرشد (1154 هـ - 1157 هـ) (2). وعلى عهد دولة اليعاربة ازداد التواصل بين العُمانيين والمغاربة، فقد كثرت بينهم الرسائل والمكاتبات حيث وجّه إليهم شيخ الإسلام والمسلمين خميس بن سعيد الشقصي، صاحب كتاب (منهج الطالبين)، الذي قامت على فكره وفكرته دولة الإمامة، اليعربية خطابا عن الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، ضمنه الشيخ خميس نصائحه لهم بالائتلاف وعدم الفرقة والاختلاف، وذلك الخطاب المبارك هو:
الحمد لله موجد الأشياء بعد الإعدام، ومخرج الثمرات من الأكمام، ومصور الأمم كما شاء في ظلمات الأرحام، العالم بخفيات خواطر الأوهام، والمتفضل على خلقه بالألطاف، والأنعام، مبدئ الخلق ومعيدها، وخالق
(1) - يوافق ميلاديا: 1624 - 1649 هـ. (2) - يوافق ميلاديا
(3) کتاب منهج | الطالبين وبلاغ الراغبين كتاب فقهي موسوعي أحدث نقلة نوعية في الخطاب الفقهي الإباضي وأصبح معتمد الإباضية شرقا وغربا، وحضي بشهرة واسعة في الوسط الإباضي لانه كتاب يقوم على تحرير المسائل الفقهية ولأن الشيخ الشقصي جمع بين المدرستين النزوانية والرستاقية وكون من ذلك مدرسة هي المدرسة الشقصية التي هيمنت فكريا على الساحة العُمانية عبر مراحل الدولة اليعربية وبداية عهد دولة البوسعيد. (1/53)
صفحة 54
54
التواصل الإباضي
البرية ومبيدها الذي جلت عظمته وعظمت، منته ودقت حكمته، وعزت كلمته، وعلت قدرته وعمت بركته ووسعت كل شيء رحمته، سبحانه من ملك كريم، بر رحيم، شکور حليم واسع عليم، أحمد حمد من أقر بوحدانيته وشهد بأزليته وأخلص له العمل بسريرته وعلانيته، وأشكره شكر من رضي بقضيته، وصبر على بليته واستسلم لأحكامه، واعترف بفضله وأنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد القهار الملك الجبار، العزيز الغفار، أظهر مبتدعات مصنوعاته، وابتدع مخترعات مكنوناته دليلا لعقلاء ليتفكروا، ويشاهدوا معجزاته ويعتبروا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وآله خاتم أنبيائه، وإمام أوليائه، وصفوته من أصفيائه، عبده النبي ورسوله العربي، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون صلى الله عليه وعلى آله أجمعين صلاة موقوفة على التأييد، موجبة له النصر والتأييد، مدخرة له عند ربنا العزيز الحميد ما اختلف الثقلان وتعاقب الملوان
أما بعد: فهذا كتاب فيه تحية وافرة وألوكة ظاهرة، ونصيحة زاهرة، من إمام المسلمين، ونظام المؤمنين، وقدوة المجتهدين، ولي الله المأمون وعبده الميمون، الهمام الأبي والأورع الزكي الرضي المرضي ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب بن سلطان بن أبي العرب اليعربي المسلم الوهبي، ومن معه من المسلمين، لا زالت بمس فضله من بروج السعود، ولا برح عدله على الخلق غير مفقود، بحرمة الآيات والذكر الحكيم، والنبي المصطفى (1/54)
صفحة 55
بين عمان والبلاد المغاربية
55
الكريم، وعلى آله إلى المشايخ السادة الفضلاء القادة، دعاة الناس إلى طريق السعادة، أهل العلم والزهادة القائمين بدين الله القويم، والمستقيمين على الصراط المستقيم المستمسكين بنحلة أهل التحقيق، المخلصين بالإيمان والتصديق، الدائنين الله بما جاء في كتابه الآخذين عن رسول الله بما أفتى به، مصابيح الدجى، ومعالم الهدى، ذي الحسب الأحسب، والنسب الأنسب، والجد الأغلب، سادة العجم والعرب، إخواننا رجال بني مصعب، سلمهم الله سلامة باقية وكلأهم حراسة وافية، وأسبل عليهم جميل ستره، واعتمدهم بعظيم عفوه وغفره، وأمد بالنصر والتأييد، وقواهم بالتوفيق والتسديد بحرمة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله أهل الفضل الأوفى وسلم عليه وعليهم كثيرا. أما بعد: فإنا نحمد الله تعالى في حالة يحمد عليها، ونستعينه إلى القيام لأداء شكرها، ونسأله المزيد من فضله العظيم، ونيل ثوابه الجسيم ونوصيكم وأنفسنا بتقوى الله ولزوم طاعته والمسارعة لمرضاته، فإنه العالم بما تخفيه السرائر، وتجنه الضمائر.
وبعد: فقد بلغتنا عنكم أخبار أبكت عيوننا، وضاعفت أحزاننا وهمومنا، حيث أخبرنا بافتراقكم واختلافكم، وشق عصاكم بعد ائتلافكم، وكنا قبل ذلك نرجو منكم الوصول والإعانة على هذا الأمر الجليل، فضاقت من أجل ذلك صدورنا وتكدرت خواطرنا رحمة لكم، وخوفا على دينكم، أن يختلسه الشيطان منكم، ويلقى بينكم العداوة والبغضاء، فانتبهوا (1/55)
صفحة 56
التواصل الإباضي
رحمكم الله وابتصروا واعتبروا واعلموا على ما أنزل الله في كتابه حيث يقول: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ امنكُمْ كَفِرِينَ) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ وَايَنتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْنَصِيم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تهتدون وقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ (2). فقوموا بما أمركم الله به، وانزجروا عما نهاكم عنه، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، وهو العالم بجميع أعمالكم، والمطلع على عقائد ضمائركم، فاتقوا الله ثم اتقوا الله، فقد وضح السبيل وقام الدليل، وأكمل الله الإسلام وبين معالم الحلال والحرام، واحذروا من عدو الله، ثم احذروا أن يكدر عليكم أمر دينكم، ويبدلكم الشك بعد يقينكم، ويسلب الرحمة من قلوبكم ويلقي الغل في صدوركم، فإنه أكثر معاناة، وأكيس مقاساة لأهل هذه الدعوة الزهراء، والنحلة الغراء، وأما
(1) سورة آل عمران، الآية: 100 - 103. (2) سورة الأنفال، الآية: 46.س
(2) (1/56)
صفحة 57
بين عمان والبلاد المغاربية
OV
سائر الملل الضالة، فقد آمن عليهم وكفى مؤنتهم، فاحترزوا منه كل الاحتراز وارغبوا إلى الله في السلامة منه واسألوا العصمة عنه، حمانا الله وإياكم من مكائده، ونجانا من أشراك مصائده.
واعلموا سادتنا أن الفرقة عذاب وأن الاجتماع رحمة، وقد أدب الله المؤمنين وحثهم على إصلاح ذات بينهم، فقال: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَتْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَيْلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تفية الله أَمْرِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)).
الله،
فإن كنتم قد تألفتم واجتمعتم وأصلحتم ذات بينكم فبرحمة من ذلك الذي يسرنا منكم وإن كنتم مقيمين على اختلافكم، والحرب بينكم واقفة، ذلك نزعة من الشيطان لعنه الله فبادروا إلى الله بالتوبة، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فكفوا عن الحرب، وسلموا أموركم إلى الله تعالى وأولى الأمر منكم، وأولوا الأمر وهم أهل العلم على الاستقامة في الدين من الفقهاء الصالحين، وتآلفوا جميعا واجتمعوا، واتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
فإن كان لكم إمام عادل مرضي، قد لزمتكم له بيعة صحيحة، وعقدة صريحة، أم صح التراضي بإمامته والاجتماع على عدالته فواجب عليكم
(1) سورة الحجرات، الآية: 9 - 10. (1/57)
صفحة 58
58
التواصل الإباضي
طاعته ونصرته، وحرام عليكم خذلانه ومعصيته من الرعية، ما استقام على الصواب، وتمسك بالسنة والكتاب، وإجماع المحقين من الأصحاب، فإن خالف عليه أحد من الرعية ومال عن الحق إلى الحمية وأخذته العزة بالإثم والعصبية فألينوا له المقال، ولا تبدأوه بالتعنيف والجدال، لعله يتذكر أو يخشي وخوفوه الله تعالى لعله تنفعه الذكرى وانصحوا له فسوف يرضى، فإن أبى إلا نفورا واستكبارا، وجنح إلى الظلم والبغي مختارا، فأغلظوا قولكم عليه، وأعيدوا نصحكم إليه، فإن انزجر وأبصر واعتبر، وإلا فعرفوه دعوة المسلمين، وأقيموا عليه حجة المؤمنين، ونابذوه الحرب، واحسروا له عن ساعد و شمروا له عن ساق، إن وجدتم إلى ذلك سبيلا حتى يفيء إلى أمر الله، وإن لم يكن لكم إمام، فتكاتبوا وتراسلوا بالكف عن الحرب، ونادوا بالأمان في جميع أحبائكم وقربائكم، واسلموا أموركم إلى فقهائكم وصلحائكم، وأهل الفضل منكم، واعطوهم على ذلك عهودكم ومواثيقكم، إنكم تبع لهم، وطوع لأمرهم، ولا تخونوهم، ولا تغروهم، ولا تخدعوهم ولا تمكروا بهم، وليجتمع العلماء والصلحاء والفقهاء و الفضلاء من كل حي وقرية من قراكم واختاروا رجلا منكم صالحا، مرضيا ثقة عدلا وليا جلدا قويا، عالما، أمينا مأمونا منصفا حليما، لا حسودا ولا حقودا ولا مخلفا للوعد، ولا ناقضا للعهد، محتملا للآئمة، لا بخيلا ولا عجولا، لا يميل إلى قريب ولا يتجانف عن بعيد، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وقدموه إماما لكم وخليفة عليكم، وبايعوه على (1/58)
صفحة 59
بين عمان والبلاد المغاربية
59
السمع والطاعة في السراء والضراء، والشدة والرخاء، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جهاد كل فرقة باغية، وطائفة امتنعت عن الحق طاعية، وعلى إنفاذ الحق في القوي والضعيف والدنيء والشريف، وأخذ الحق من الظالم الغشوم للضعيف المظلوم، وقبض الصدقات من حلها، ووضعها في أهلها. فإذا اجتمعتم على رجل منكم كما وصفنا، ولم يكن في الحاضرين من يفضله ويفوقه في العلم والحلم والورع و الدين، فلا عذر له عنكم وإجماعكم عليه إجماع، فاحكموا عليه بالإمامة، وإن لم يتهيأ الاجتماع من كل حي وقرية فليس ذلك باللازم، شرعا، بل استحبابا، ويكتفي بمن حضر من المسلمين، إلا أن يحضر البيعة أهل العلم والفضلاء في الدين من أهل الحل والعقد، ولو كانوا أربعين رجلا، وقيل: بالأقل تجوز البيعة، وكلما كان أكثر كان أفضل.
وإن كان قتالكم عن تأويل وديانة واختلاف كلمة، وكل أحد منكم يدعي الإمامة ويتسمى بها ويقول: إن الحق في يده دون الآخرين، فمن الرأي عندنا أن تكفوا عن الحرب وتغضوا أبصاركم عن الإحن التي مضت، وتطأوا على الدماء التي سلفت، وتكتبوا شرح صفة حربكم وسبب اختلاف كلمتكم، وكيفية اختلافكم من أهل نفوسة وجربة، أو عُمان وإخوانكم منها، وانظروا رأيهم وقولهم وفتواهم في أمركم،
إمام (1/59)
صفحة 60
C
7.
التواصل الإباضي
واعملوا على رأيهم المصيب، وفتوى كل عالم أريب، فإنا نرجو لكم
سلامة دينكم وتسديد، أموركم وتوفير أموالكم ونفوسكم.
وإن كان قتالكم على الدنيا، وطلب الرئاسة، وحب الثناء، وفخر السياسة، فذلك من أبخس البضائع، وأسوأ الصنائع، وأنجس الحظوظ وأشأم الأعمال، وأخس الآمال، وأضر شيء بدين المرء ودنياه، وأعظم حسرة في حضرته وعقباه، وقد هلك بذلك كثير من الناس من الأولين والآخرين، إلا من عصمه الله وتفضل عليه بمنه وحوله وقوته، نسأل الله لنا ولكم النجاة من الفتن، ومسامحة النفوس إلى إجابة دعوة الشيطان، والولوج في الظلم والعدوان ونعوذ به و نعتصم به، ونتوكل عليه، ونفوض جميع أمورنا إليه، ونستهديه لإرشادنا وتوفيقنا وتسديدنا إنه الكريم المفضال الكبير، المتعال، فينبغي لكم الرجوع إلى ما أنتم عليه والفرار إلى الله بالكف عما زين الشيطان لكم، وسولت نفوسكم إليه، والمبادرة إلى الله بالتوبة النصوح، وزجر النفس الجموح واغتنام بقية الحياة القليلة بحبس الاعتداد للنقلة الطويلة والندم على ما فات، ومضى وزال وانقضى وإخلاص العمل الله تعالى بما بقي فإن الله واسع عليم، وارغبوا إلى الله لا في
!
هدايتكم ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وقد صار من أمر عُمان مما هو أعظم مما ابتليتم به من الفتن النازلة، والإحن والحروب والمظالم، المتكانفة، والفساد والمناكر الظاهرة، الله فيها بالمجاهرة حتى كاد لا يطمع أحد من المسلمين بتغيير منكر
وعصي (1/60)
صفحة 61
بين عمان والبلاد المغاربية
61
ولا رد مظلمة وخفي الإسلام وأهله، وظهر الفساد كله، واستبيحت المحارم، وارتكبت المآثم، واستضعف المسلمون، وصاروا كالقابض على الجمر، لا يستطيعون إخفاء بدعة، ولا إظهار شرعة، وكادت أن تنطمس آثار الدين وتستأصله الشياطين، فلما أراد الله إظهار المسلمين ونصرة المؤمنين، أظهر الله هذا النور الساطع، والحسام القاطع، ذا الفضائل المشهورة والمآثر المشكورة، والسيرة الظاهرة المبرورة، إمامنا أعز الله نصره، ورفع ذكره، وأعلى قدره وأدام، دولته ونصر صولته، وأيد سيادته، وحدد
سعادته وحمى به الدين ونصر به الضعفاء والمساكين، آمين رب العالمين. فاجتمع رجال ممن يسر الله أن يجتمعوا من المسلمين، وبايعوه على السمع والطاعة، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الحق في القوي والضعيف، والدنيء والشريف، فصدقوا له، فوفقوا وانتصروا من بعد ما ظلموا وهو قليل في كثير، ورمتهم العرب عن قوس واحد، وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والفاسقون والمنافقون، ففتحت لهم القلاع والحصون، ودانت لهم القبائل، وانقادت لهم الملوك طائعين وكارهين، وسكنت الحركات، وردت المظالم، وانتصر المظلوم، وظهرت الدعوة وقامت الحجة، وحييت السنن، وعظمت المنن، فالحمد الله على ذلك كثيرا.
فالله الله ثم الله الله يا قوم الإسلام ويا صدور الأنام، ويا أمناء الله في بلاده، وخلفاءه على عباده لا تتركوا أيامكم تمضي ضياعا، وتجافوا عن (1/61)
صفحة 62
62
التواصل الإباضي
الراحة في الدنيا واقلعوا عنها إقلاعا واشتروا الحياة الباقية بالحياة الفانية، فعما قليل أنتم ميتون وملاقون ما كنتم تعملون وإلى إحدى المنزلتين أنتم صائرون، فمن ثقلت موازينه فأولئك خفت موازينه
هم
المفلحون ومن
فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. فهذه نصيحتنا إليكم، وذخيرتنا لديكم، ونصحنا لكم، ولستم أحق بالنصح منا، ولكن هذه سنة الدين ومراسلة المؤمنين، قال النبي: الدين النصيحة، الدين النصيحة ومن خالف خولف به، ولا يصيب المؤمن من محن الدنيا ومصائبها إلا لذنب أسلفه، فذلك كفارة له، أو رحمة من الله تفضل بها عليه، ليدخرها له ليوم فقره إليها، وقد قال الله تعالى: {وَمَا
أصبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ الشورى: 30، وأرشدنا الله وإياكم إلى أقوم المسالك، ونجانا وإياكم من جميع المهالك، ومن علينا وعليكم بسلامة ديننا وإخلاص نيتنا، وجعلنا وإياكم من عباده المؤمنين الآمنين، المطمئنين، الذين لا خوف عليهم ولا
هو يحزنون.
كتبنا لكم كتابنا هذا، ونحن في سلامة شاملة، ونعمة من الله كاملة، وكلمة المسلمين واحدة، وحجتهم عالية، ودعوتهم ظاهرة، ويدهم قاهرة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما، (1/62)
صفحة 63
عمان والبلاد المغاربية بين
63
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والسلام عليكم وعلى كافة
إخوانكم ممن شملته شفقتكم ومحبتكم ورحمة الله وبركاته» (1). وقد ورد جواب من الشيخ سليمان بن القاسم الميزابي (2) من الجزائر،
ردا على خطاب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي وهذا هو:
فأهدي سلاما قد تحلى بحلل المجد في أعلى المراتب، ويرفل في برد الفخر من أسنى المواهب، تخامره المودة الصافية، والمبرة الوافية، يهتدي به الضليل، ويشتفي به العليل لجمع ممن يرد عليهم من الإخوان رسول الخلد، ممن يلونهم من الأخدان من ظاعن وقاطن، ممن تمسك بالحبل المتين، وسنة الأمين، سالكا للمحجة البيضاء النيرة، عادلا عن السبل الموبقة المضلة، دائبا بما دار به القرآن والسنة والإجماع، مما يشتمل على أنواع الأفراد والتنزيه، قطعا نابذا لفنون الإلحاد والتمويه، صدعا ممن أغنى شماع أنوارهم وسطوع مناقبهم عن تعداد، أفعالهم، وذكر أخبارهم، خاليا وحاليا من أهل النحلة الإباضية، والدعوة الراسبية (3)، كائنا ما كانوا ومحلا ما حلوا، ويعين من مست الحاجة إلى تعينيه ودعت الحاجة إلى تخصيصه من الأهلة المقمرة، والأجنة المثمرة، أهل الروضة العُمانية، الذين هم ذو الهمة السماكية، سلاما سرمديا متصلا أبديا، يروح ويغتدي عليهم ما لاح ابن
(1) الخراسيني، عبد الله بن محمد، فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم، ج 1، ص 219.
(2) يطلق على بني ميزاب قديما بنو مصعب.
(3) نسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسي إمام المحكمة بالنهروان (1/63)
صفحة 64
64
التواصل الإباضي
ذكاء نور على القلل، وما انهمر شآبيب السواري على التلل، عم الله بعاجل العذاب وآجله، قالئهم وكائدهم وأرغم أنف شازرهم وحاسدهم. يمر سلامنا بأسافلها، مرتقيا لأعاليها مر العهاد الموسمية، والبواكر الغيثية من الجو وضنك وبهلة ونزوى والرستاق وسمائل وإزكي وغيرها من البلاد والقرى، أظلهم الله بغمائم العافية، وأسبل عليهم من منحائه السلامة، وعليك بالشيخين البارعين والفطنين الناميين: الشيح محمد ابن عمر النزوي، والشيخ مسعود بن هاشم البهلوي، ومن لاذ وأنزر بهما، إذ هما قطب الرحا، وغاية القصوى للصلادة والصلابة في دين الله وإقامة حدوده آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر على عدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، دوام الأضحيان، ودوران الملوان، لا تنثني عن ذلك
أعطافهما، ولا يولون له أدبارهما، ساعة ما في الحالي والحالي. هذا؛ وأقول مستلطفا مستعطفا: إن الذي أوجبه إليكم لا زلتم عن صحائح العقائد والعزائم، ما رأينا من عتو الزمان وكبوه، وما أوما إليه قسط حاليه مما يدل عن مشائم آتية، إذ المعهود منه التنكيس والتعكيس، فشأنه عهد خلوب، ووعد عرقوب، إن أحسن ندم من حينه، وإن أساء أصر على إساءته، لا يدوم على حال، لا يخلو من محال، هذا حسا لا حدسا، وهو الذي أودع الأشجان في الأكباد وأسهر الأجفان عن الرقاد وكادت الأرواح ان تبين عن أجسادها، والمرضعات عن مراضعها
وأولادها. (1/64)
صفحة 65
بين عمان والبلاد المغاربية
65
هذا؛ وقد تخيم بجوره على الديار المصعبية والمحال المزابية، وأفردهم من بني الجنس قهرا واستيلاد باستسفال الأعالي، وقلبها على غير وجهها الذي خلقت، وأساسها الذي عليه بنيت، وأسست وأعقب المضض والحرض، وما أخصني فيه بالعرض نفسا لدهر، فدري الأحباب بالكسد والأصحاب بالكمد، فالصنع منه الجون، والخالص أجون، عياذا بالله من سطواته، و اعتصاما به من هنات عجائم نقماته.
هذا؛ وقد رثت حبالهم وانهدت جبالهم، وقصت قوادمهم، واجتثت شفاههم، لما دارت عليه دوائر الغلابية، ومشائم صدائمة الغواشية، والله الأمر والقضاء، وبه لياذا من سؤاله الرضا، بانزواء العلم عنهم وانطوائه، بتودع حملته وانقباضها، واستيلاء الجهلة وإقبالها، فالتبك الأمر وأحتلك، فصاروا في العلاجم والطلائم يتخبطون، وفي مهامه الغي والردى يتحيَّرون، قبحه الله من عصر ما أسمجه، ومن دهر ما أخبثه، فمخادنته مخالبة، ومسايرته معاطبة، فهو أبدا مبني على الاعوجاج، وماء بحره أجاج، وعبوره ثجون، وصروفه شجون. وحاصله: أنه لم يزل بنا أهل ديار بني مصعب ماكرا ناكرا عابسا بائسا، ماضي الصوارم في أجسادنا وأسعر نار الاكتئاب في أكبادنا، حتى استهلك سترنا، واستشفى شرنا، واستنقد الأسد، واستدمث الصلد واستمكن المناوي سؤله من المطلوب، واستظفر منه نبيل كل مرغوب.
(1)
(1) وادي ميزاب بالجزائر. (1/65)
صفحة 66
66
التواصل الإباضي
هذا؛ وقد ترك الذروة منتشرة نافرة ومشمئزة نايرة، في ليلة ماطرة ريحية، في غوضة مسبعة مؤذية، وقد حيل بينها وبين راعيها ببوائق العوائق، وامتداد العلائق.
هذا؛ وأدهى ما كان، وأشجى ما يكون ما هو متوقع ومترقبوه، مما هو مسموع غير منكور في سالف الدهور على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من قول مسطح، أفتهم قله المطر وبيت الشعر، عياذا بالملك الخلاق، وقد فشى ذلك فينا حتى أضرح الجرح واستحب المزح، وأشغل الخلب الحلو، وأعقب الغث الصفو هل، وقد أمهلتم بل أهملتم ما عليه السلف الصالح فينا من المعاهدة بالمكاتبة والمناصحة والمخاطبة والمشافهة، وتكتمونا سدى هائمين في أودية التضيع والتفريط دائبا دائما في تحصيل الخردقة وما تقادم به الأصحاب عن معاهد ذوي الألباب.
فبينما نحن في حين الوحشة، إذ أتاح الله لنا بقدوم الحاج الشاب المكرم النزيه المعظم الحاج عمران علينا، فانفسخ بقدومه ما قد ضاق، وابتهج لبزوغه ما قد صوح فانجلي به ما بالعين من العشا والقذى وما بالجسد من الداء والأذى، فلما ألم بنا والحال لا حال والأيام لا أيام، أيام هوش و دهش، وهواش واشتباك والتباك فاستهتهنا واسترددنا بالحافرة استعصافا واستعجالا لما يفيض علينا من سحائب فضلكم وغمائم نولكم واستشفاء لما بنا من العياء، وما حل بنا من اللوى، فتجهز مسعدا مستعدا عازما على المطلوبة منه، راغبا في المرغوب فيه، مع ما أودع فينا من (1/66)
صفحة 67
بين عمان والبلاد المغاربية
67
الوحشة منه بعد الاستئناس بمطالعته والاستكان بمجاورته ومحاورته فابتعد والدموع منا سائلة على الخدود والأشجان متراكمة على الكبود، بالحنين المذيب للجلامذ والبكاء المصدع للصلائد، فالله الله سادتنا نوروا بصائرنا ضياء بواصرنا، ارحموا بكاءنا كما رحمنا بكاءه بتسريحه مع ما أودع فينا بطيب صفي الود، نافق ناصح عالم بأسرار الطبائع. مفحص عن دخيل الدواء، يحوذ شكل داء، فإنا مترقبوه من تلقائكم، ترقب الرضيع من مرضعته، ومتيقن الشفاء من علته أغيثوا إخواننا بالعجلة فإنا على شفاء، باختلاف القلوب، والآراء واشتباك الأمور والتباسها، واستيلاء الأهواء
واقتفائها.
هذا؛ وقد خيف الانفلات إن لم تعاجلوا استرداد النافرة، والمشمئزة
الهائمة.
هذا؛ ولا أقوى إن شاء الله - أن أقدم على إساءة الظن بأهل الغبيرة)، والإباء، والسنة، والعزيمة إلا ما استحسن الحال من التهديد والتشيع وقلة الوثوق بالإمارة بالسوء مع ما يدعو إليه الزمان من الأود والتعكيس والتنكيس، وما يسعر في الأجواف من المضض والحرض، وما يزلزل من الوجف والرجف، واستطماع الذين في قلوبهم مرض، من أهل
الإلحاد والزيغ.
(1) الغبيرة اسم قديم لعمان. (1/67)
صفحة 68
68
التواصل الإباضي
سادتنا، هذا لا زالت ما يشوش عليكم وإلا فقد خيف الخيف، العجلة ثم العجلة، وقال الجليل جلا جلاله قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقال أيضا فيما يحكى عنه: " من ردَّ لي شاردا كتبته ابزيريا، وإذا قناتنا تشعبت من دوحتكم، وعيوننا من سواحل بحوركم نبعت، وفضلكم على الغير كفضل الشمس على السها، كيف لا وقد قال: " الصخرة لأهل عمان تواترا غير منكور، وما ذلك إلا لتحقق المذهب والعقيدة وأضلاعه على صحة الأمر حاصلة بعد إضمار كل مسرَّة، واعتقاد كل مبرة، تحقيق النظر في المضمون المطلوب والإعراض عما وراءه من الكتابة والألفاظ بل ربما يعرب ويفصح ويستنهج السبل المشوبة بالإبر، والمهايع المسدودة بالزبر، بالإهمال والإغفال وترك المعاهدة.
إخواننا سنة من مضى لا زلتم على الرضا).
وقد أجابه مرة أخرى وفي نفس الموضوع الشيخ محمد بن أحمد الخراسيني النزوي بإذن من الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، وهو كما يلي: الحمد لله الملك الحميد المبدي المعيد الفعال لما يريد، منجر الوعد ومثبت الوعيد فكل من في السماوات والأرض له عبيد، ذي البطش الشديد، والقول السديد العالم بمغيبات الضمائر وما يجري من تغلب الأزمنة ودوران الدوائر وما كان وما يكون ما لا يكون أن لو كان كيف صائر، كما علم من الصغائر والكبائر، مجرى الدهور، ومدبر الأمور،
(1) فواكه العلوم، ج 1، ص 202. (1/68)
صفحة 69
بين عمان والبلاد المغاربية
69
ومقدر المقدور، كما شاء وعلم، سبحانه الملك الغفور، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فتدبرت عند ذلك أرباب العقول، وتفكرت فيما شاهدته أبصارها، وأدت فيه بعين بصائرها من خلق سماواته وأرضه
ما
وما بينهما، وما فيهما من لطيف عجائب صنيعها، وليله ونهاره وجميع يشاهدونه من آيات الله ماتحار فيها عقول ذوي الألباب، فعملوا عند ذلك
علما يقينا مما ينفي الارتياب، إنما خلق الله ذلك إلا بالحق، لتجزى كل نفس بما تسعى، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، يعلم ما نأى وما دنا، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فكم قلب الله شاكر، ولسان ذاكر وعين باكية بدموع واكفة، فارقوا الأهل والأصحاب، وألفوا المحراب قلوبهم من الله وجلة، ونار الوعيد في أكبادهم مشتعلة، أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون، أوفوا بعهودهم فأنجزهم الله موعودهم، فمضوا لسبيلهم وانقلبوا إلى أطيب مقيلهم، فهم في الجنات الخالدون، يحييهم الجبار بملائكته الأبرار، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، أولئك أصحاب الرسول وعلى آله، يعملون بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلامة، فلما أكمل الله منه دينه وبين حلاله، وحرامه وأمره ونهيه، وجميع ما تعبد به عباده وما يتقون، قبضه الله إليه، فخلف عليهم القرآن إماما إليه يرجعون، وإليه يستهون، لقول الله: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا أطيعوا الله وأطيعوا (1/69)
صفحة 70
70
التواصل الإباضي
الرَّسُولَ وَأُولى الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء: 59.
فجميع ما في القرآن من وعده ووعيده، وحلاله وحرامه، وجميع ما نطق به محكم غير منسوخ، سوى حرفين يجري عليهما النسخ، الأمر والنهي، ولا يجوز على الله الانقلاب في شيء من الأشياء إلا لعلمه بمنافع العباد ومصالحهم من أمره في التشديد والتخويف والتخفيف في الأمر والنهي، لما يؤول إليه من منافعهم.
فالقرآن إمامنا وأصل ديننا، وأساس مذهبنا نحتج به إن شاء الله على من فارقنا، فقد قامت الحجة، واتضحت المحجة، وليس المحتج بتأويل الضلال، حجة، لأن القرآن هو الأصل والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ا ب ايدي عليا و السفرة الكرام، وكان يلقنه الصحابة، فمات وهو متلو مجموع محفوظ لقوله تعالى: بَلْ هُوَ آيَتُ بَيِّنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم العنكبوت: 49.
ثم بعد النبي صلى الله عليه وسلم بايع المسلمون لأبي بكر الصديق له لكرامته وعلو درجته وأول من قام بتصديقه، فسار بسيرة نبيه رَحمَهُ اللهُ ومات والمسلمون عنه راضون، وله مجامعون ومؤازرون وهم الحجة التامة، أمناء الله على خلقه بعد نبيه صلوات الله عليه وعلى آله. (1/70)
صفحة 71
بين عمان والبلاد المغاربية
71
ثم بايع المسلمون لعمر بن الخطاب الله له فأقام فيهم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فمضى علي سبيل صاحبيه لا بدل قليلا ولا غير قبيلا، فارق الدنيا والناس عنه راضون، وهم حجة الله بعد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله
تعالى: وكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} البقرة: 143.
ثم بايع المسلمون لعثمان بن عفان لاتفاق رأي الستة النفر الذين هم أهل الشورى، وبايعوا لعلي بن أبي طالب بعده باجتهاد فيهما الله وللمسلمين وللقضاء السابق، فالله أعلم بما كان من أمرهما، وبما مضى من حالهما، لمغيب أمرهما، وانقطاع، زمنهما، وتخفيف المحنة في البحث عما آل إليه أمرهما، ولانقطاع الوحي عنا، لأنا لا نقلد ديننا الأخيار، ولا نشهد بما وردت به الآثار لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله أو نبي كريم على الله، أو آية من كتاب الله، ولكن قولنا فيهم قول المسلمين، ورأينا رأيهم، ولينا وليهم، وعدونا عدوهم.
نتولى إمام أهل النهروان عبد الله بن وهب الراسبي، وهم حجة الله وعلماؤنا وأئمتنا -رحمهم الله - وأهل النخيلة، ومن يدين بدينهم وسار بسيرتهم من بقية الصحابة والتابعين مثل: عبد الله بن العباس، وأبي عبيدة مسلم، والربيع بن حيبب وجابر بن زيد والمرداس بن حدير، وقريب، والزحاف، وعبد الله بن يحي طالب الحق، وجعفر بن السماك، والمعروف (1/71)
صفحة 72
72
التواصل الإباضي
بالفضل والعلم عبد الرحمن الفارسي المغربي، وأولاده عبد الوهاب
وأفلح، ومحمد بن أفلح فهؤلاء أئمتنا من أهل المغرب. وعبد الله
بن
بن إباض، ومحبوب بن الرحيل، ومحمد بن محبوب، وسعيد
ابن عبد الله محمد بن بن محبوب الإمام، وموسى بن علي، وهاشم بن غيلان وعزان بن الصقر، ومحمد بن هاشم وموسى بن أبي جابر، وبشير المنذر ومنير بن النير، ونبهان، فهؤلاء أئمتنا في الدين، الذيت نقلوا العلم صادقا عن صادق، وآخرا عن أول، ولو أردنا الإطالة بذكرهم وما ذكروه من الاحتجاج على من خالفهم بتأويل الضلال، وما فارقوهم عليه من اقتراف ما عملوا ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون، لطال الكتاب واتسع فيه الجدال، والحطاب، وقد مضى بالحجة الأولون،
وكفى بالقرآن حجة، لقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ العنكبوت: 51.
فنحن ندين الله بمفارقة أهل العمى والضلال، ونتقرب إليه بدين العلماء الأبدال، نتولى الله ورسوله، والمسلمين، ونبرأ ممن يبرأ منه الله ورسوله والمسلمون، ديننا دينهم عدونا، عدوهم، ولينا وليهم، كلمتنا كلمتهم، دعوتنا واحدة يجمعنا الكتاب والسنة والإجماع، ولا نقلد ديننا الرجال، ولا ندين بدين آبائنا على الضلال، بل أمرنا الله أن نكون مع الصادقين فمنا الاجتهاد، وعلى الله توفيقنا لسبل الرشاد، لقوله جل ذكره: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ العنكبوت: (1/72)
صفحة 73
بين عمان والبلاد المغاربية
73
69، فحسبنا الله وكفى كل ذي لب أن ينظر إلى غريزة عقله وإخلاص عمله ونيته، فإن وجدهن مع الله، فالله معه، وما توفيقنا وإياكم إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ونحن والحق في أيدينا غير دارس ومجهول، ونحن الفرقة الوهبية ا لإباضية المحبوبية وهي أقرت واستقرت إلا ما كان بين المسلمين من الدعاوي ولم ينصب أحدهم بحمد الله على صاحبه دينا إلى يومنا هذا فافترقوا على ما كانوا عليه في ظاهر أمرهم ونحن إن شاء الله مع الصادقين إلى يوم الدين. وأول ما ندين لله بشهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحد أحد، فرد صمد، بريء من الصاحبة والولد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد من عند الله فهو الحق المبين مجملا، ومفسرا، وندين الله بالإيمان والتصديق بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة والملائكة والجنة والنار وأن أهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار خالدون لقوله: وهم فيها خلدون م البقرة: 25 لقوله: وأن الله يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ الحج: 7، ويحاسبهم كما شاء وأراد، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وهو السميع العليم.
وندين الله بولاية أوليائه، وعداوة أعدائه من الإنس والجن، فمن الإنس من لدن آدم إلى يوم القيامة، وندين الله بإقامة الصلاة، وبكمال (1/73)
صفحة 74
74
التواصل الإباضي
طهارتها، وتمام ركوعها وسجودها والاعتدال بعد الركوع، والقعود بين السجدتين إلى أن نطمئن جالسين وبإيتاء الزكاة وأخذها من أهلها وحقها ووضعها في محلها ومستحقها، تجبى جباة الأئمة أعشار الثمار مما سقته السماء والأنهار، وأمثالها ونصف أعشارها مما سقته النواضح والآبار، ولا نقبض صدقة الورق والماشية إلا بعد حماية أهلها عاما كاملا من الظلم والعدوان، إلا من طاب بذلك نفسا ودفعها للإمام، فواسع للإمام أخذها من غير جبر، ومن الحروث قيل في ذلك قولان: أحدهما إذا حمى قبل أن ترفع من الدوس، وقيل: إذا استولى على المصر أوان الزرع، وهو على نظر الإمام، والإمام على نظر العلماء بالله وبأيامه وبالزكاة، قيل: من جميع الحبوب وقيل: من ذوات السنبل سواء ما سواهما من الحبوب، وقيل: من الستة الأجناس، وهي المجتمع عليها.
وندين لله بحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، وبصيام شهر رمضان بالصدق والعفاف والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة إلى أهلها وترك الخيانة، وبالنصيحة للمسلمين، وهي أجل عرى الإسلام، وهي التي ترد بها الإنبياء على أممها، لقوله تعالى: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ) الأعراف: 79 وأنا لكم ناصح أمين، مع ماروت بفضلها الآثار واتصلت بفضلها الأخبار، لأنه كم من ناج بنصيحة أخيه، وأفضل ماش مشى في نصيحة أحد من المسلمين. (1/74)
صفحة 75
بين عُمان والبلاد المغاربية
Yo
وندين الله بأن نقيم الوزن بالقسط ولا نخسر الميزان والمكيال، وندين الله بالخلود في النار على الإصرار، ولو على مثقال ذرة، خالدا مخلدا أبدا لا غاية ولا انقطاع، وندين الله بصلة الأرحام والجيران، وبر الوالدين، والقيام لليتامى بالقسط.
وندين الله بتطهير الأفئدة من الغل والحسد والرياء والعجب والنفاق، والشرك والشك وسوء الظن بالمسلمين والعداوة لهم، والكبر والخيلاء وحب الدنيا، وحب الرئاسة والثناء بل نعبد الله مخلصين له الدين حنفاء. وندين الله بحسن الظن في المسلمين ما أمكن لهم مخرج من وجوه الحق، فإن ظهر من أحد ممن له قديم فضل مما تثقل به القلوب وتحقق عليه ذلك من تحقق من المسلمين جاءه بالنصيحة والموعظة الحسنة و لين المقال، فإن قبل ذلك فالمنة علينا وعليه من الله، وإن رد ذلك روجع، ولا يعجل عليه، فإن أصر واستكبر ترك تركا جميلا إلا من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا، أو أحدث فيهم بدعة، فعلى المسلمين تغيير ذلك منه والإنكار عليه وإظهار بدعته في الخاص والعام ليتجنب ولا يمتثل، وذلك بعد النصيحة، لأن النصيحة على المسلمين حق من الله واجب، لأن من ديننا ألا نغتنم العثرة ولا نرد التوبة والمعذرة.
وندين إلى الله بترك الغيبة والنميمة وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن وندين الله بالأمر والنهي عن المنكر وقتال الفئة الباغية بعد الحجة وإظهار الدعوة، والتقدمة لا نرمي بسهم ولا جندل ولا غيرهما، إلا أن (1/75)
صفحة 76
76
التواصل الإباضي
يصاب منهم ويمتنعوا من الرجوع وإعطاء الحق الذي لزمهم، فحينئذ يجب علينا قتالهم لا نغنم لهم مالا، ولا نسبي لهم عيالا، ولا نجيز لهم على جريح ثأرا، ولا نقتل لهم مدبرا موليا تؤمن أوبته ورجعته، ما لم يكن لهم مسند قائم إليه يرجعون.
ونقتل قائد البغاة ولا دعوة له، ولا نستحق قتل المرأة والطفل والشيخ الفاني إلا من أعان البغاة منهم على ظلمهم وعدوانهم، وأما الطفل فلا يقتل على حال إلا أن يقاتل المسلمين بيده ولا نولي على البلد إلا مرضيا حازما قويا، وإن استغنى بعلمه أو بصيرته ولا بد من المشورة، لأنها من شرائط الإمامة، وإلا سأل على ما يوجد في آثار المسلمين ليكون له حجة ومخرجا، ورجاء التوفيق من الله وقد جعل الله لكل شيء فرجا ومخرجا لقوله: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن يكن الله كافيه وكافله ووثق بالله، فقد أوتي حظه، إلا من فرّ من اليقين، وهو عليه مدار الأمور، ومن كان اليقين قرينه والعقل أميره فنرجو له من الله سعادة الدارين، فطوبى له ثم طوبى له وحسن مآب.
فهذه سيرة أئمتنا الأولين، وسيرة إمامنا ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب بن سلطان اليعربي الرستاقي ثم النزوي رحمة الله عليه، وروحه وريحانه ومغفرته ورضوانه، عظيم شأنه كريم مكانه، قوي سلطانه، عزيز وجوده، متواترة سعوده، بالمؤمنين رؤوف رحيم، ليس بفظ ولا غليظ، كثير (1/76)
صفحة 77
بين عمان والبلاد المغاربية
VY
الذكر، قليل اللغو، لا يستنكف أن يمشي مع العبد والمسكين، وهو ملك في زي مسكين، رؤوف القلب كثير الحياء، واسع الصدر، طويل الحزن عظيم الرجاء، قليل المن كريم الوفاء، أمين الله، كاتم السر، كاظم الغيظ، جليل
العطاء، لين الجانب قليل الأذى، سراج الهدى، عظيم الرجاء.
تراه حليما ودودا صافيا كريما قائما بأمر الله موفيا بعهد الله ملتمسا رضوان، ربه قاطعا للشهوات غافرا، للعثرات كاتما للمصيبات، خاشعا منيبا، شريف الهمة، حبيب الفقراء غريبا بين أهله، جميل الفطنة، تقي الأتقياء، يعظم الكبير لوقاره، ويقرب الصغير لشدة افتقاره، ويشكر اليسير لقلة اغتراره ويرحم الفقير لرؤية اضطراره، سهلا عند المصاحبة، طلق الوجه عظيم الخطر، هيوب المنظر، كثر التبسم، سخي النفس، بطيء الغيظ، رزين العقل، طيب الكلام واسع الخلق قليل الملام، ليس بذي سب ولا نميمة ولا غيبة ولا حسود ولا كذوب ولا حقود، وكاد أن يكون نبيا ورسولا، رحمه الله وغفر له.
سيرته شاهرة، وسريرته أنبأت عنها علانيته الطاهرة، يدرس الآثار، ويسأل العلماء الأخيار، ليس بمعدوم من الحظ من كان مسيره إمام المسلمين وعالمهم في الدين ذو الجد الأرفع والصيت والورع والعلم بالله وبأيامه، بقية التابعين وسيد الآخرين، وهو الغاية في الفضل والكمال، وحيد عصره وكريم دهره أبا عبد الله محمد بن عمر بن أحمد بن مداد رحمه الله، ومفتي أهل عُمان وعالمهم في الحلال والحرام، قدوتنا في الدين مسعود (1/77)
صفحة 78
VA
التواصل الإباضي
بن رمضان رحمه الله وبقايا المسلمين من إخوانه الذين اصطفى وارتضى، بحمد الله موجودون غير معدومين والله تعالى مؤيده ووكيله، وهو له
وهم
حفيظ وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير.
من
وفقنا الله وإياكم معاشر المسلمين، لما يقربنا من درجات المتقين، الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وذلك مما يدل عندنا. كثرة اليقين، واليقة بالله رب العالمين لأنه قليل من أصلح فيما بينه وبين الله كفاه الله شر ما بينه وبين الناس، إذ هو بر رحيم، لا يجبر على بيعة ولا قتال ولا يأخذ الناس بالإحن والاغتلال، ولا يعاقب بقديم الزمان، ولا يأخذ إلا بحجة وبرهان، رحيم بالمؤمنين، أينما كانوا وحيث كانوا كثير السؤال رحمه الله.
فلما وصلته كتبكم الكرام، ونظر إليها وتأملها وعرف معانيها، وما شکوتم من قلة الراغب في الجهاد، وعدم ذوي البصائر لسبيل الرشاد، وقلة العلماء والمتعلمين، وأهل المغرب كانوا هم أشد قوة وأكثر أموالا ورجالا، وهم الغاية التي لا نهاية لها في العلم والعمل والحث على جهاد أهل العناد ورثة الأنبياء ومصابيح الدجى بهم نهتدي، وإلى رأيهم ننتهي في البلدان مشهورون وفي الأرض معروفون، تقوم بأمثالهم الأرض، وامتلأ بذكرهم
الطول والعرض. (1/78)
صفحة 79
بين عمان والبلاد المغاربية
79
فأصبحوا وقد اقفرت منهم الديار، ولم يبق إلا ذكرهم في الدفاتر والآثار، تبكي عليهم الأرض وهوامها، وطير السماء ونجومها، ودواب البحر وحيتانها، لأن الله ينزل عليهم البركات، ويرفع النقمات، ويرسل السماء عليهم مدرارا فينبت به الزرع ويملأ به الضرع، فتعيش دواب الأرض وهوامها، راغدة مسائمة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل
مكان.
ورحم
فالله الله معاشر المسلمين، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، وشدوا بنا ظهوركم فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، فكلنا كأنتم، وشكونا إلى الله ما شكوتم، فاستجاب دعوتنا، ضعفتنا، فأمد بخليفة مرتضى، أظهر العدل، وفك المظالم، ولم يخش في الله لومة لائم، فأظهر الله كلمته ورفع درجته، وأطاعت الجبابرة له صغرا، واستصغرت له الملوك طوعا وقسرا، فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين بعد أن كنا، مخذولين فأصبحنا غالبين عالين، والحمد لله العالمين، وصلى الله على رسوله النبي الأمي الكريم، وآله الطيبين
رب
الطاهرين.
فكونوا عباد الله بأولئك، مقتدين، وبسبيلهم مهتدين، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، فنحن إن شاء الله بالله غالبون، ونيتنا أن نملأ الأرض
عدلا، والله مع نيات العبيد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/79)
صفحة 80
التواصل الإباضي
وما كتبت لكم شيئا من بعض أصول ديننا إلا لتطمئن قلوبكم بنا، إنا على نحلة الذين اتقوا والذين هم محسنون، فما وجدتموه موافقا لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين الصالحين من الأئمة فهو الحق من الله فخذوه واعملوا به، وما كان مخالفا فهو مني ومن الشيطان فاتركوه، وردوا مكان الباطل حقا، ومكان الكذب صدقا وقسطا وعدلا، وردوا جواب خط ما كتبنا به إليكم، وانسبوا إلينا شيئا من أصول مذهبكم لتطيب بذلك نفوسنا ونفوسكم، ونعلم أنا وإياكم على الحق المبين وأنا أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، من جميع الخطأ والزلل وكل قول بلا عمل، مما دق منه وجل، من الخطأ والعمد من يوم احتملت إلى ساعة افتراغي، أنا أستغفر الله العظيم من كل ما كان سيئه عند الله مكروها، ولا يؤخذ بما كتبته في كتابي هذا إلا حتى يعرض على المسلمين إلا من أبصر عدله، والسلام عليكم معاشر المسلمين ورحمة الله وبركاته وتسلموا لنا على من حضركم وقدرتم عليه من مشايخ أهل الدعوة محدودين غير معدودين، من خادمكم الأقل ومحبكم الأكبر سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد الله النزوي، بأمر إمام
رحمه الله. مالك
المسلمين ناصر بن مرشد بن وإسألتم عن العلماء الذين هم من أهل عُمان أولهم ومقدمهم الذين ذكرناهما آنفا الشيخ محمد بن عمر بن أحمد بن مداد رحمه الله، والشيخ مسعود بن رمضان رحمه الله، والشيخ محمد بن علي المنحي، رحمه الله، والشيخ مسعود بن هاشم البهلوي رحمه الله والشيخ القائم بالحجة العالم (1/80)
صفحة 81
بين عمان والبلاد المغاربية
81
بالمحجة خميس بن سعيد بن علي الرستاقي رحمه الله، فهؤلاء الذين عليهم المدار، وأهل الدرجة العليا، و من دونهم في العلم و المتعلمين كثير والحمد الله حق حمده.
وغفلنا عن الشيخين الأجلين المعظمين أحمد بن خلف، وخلف بن محمد الأزكويين، رحمهما الله ونذكرك أيها الخليفة المرضى في الترغيب في الوصول إلينا، إلى عُمان ممن يرغب في الجهاد، أو لوصول الإمام فإنه أهل لذلك، ولأمثاله تشد الرحال عصمه الله ووفقه، فقد بلغنا فيكم من قطع نفسه إلا لأمر الآخرة، والحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على خير خلقه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهذه المخاطبات المتبادلة بين العُمانيين والمغاربة تدل على التواصل والتعارف بينهم كما تدل على أن كل فريق كان يتتبع أحوال الفريق الآخر،
تجمعهم في ذلك وحدة المذهب وعاطفته.
(1)
وفي عصر الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي الإمام الثالث في دولة الإمامة اليعربية (1090 - 1104 هـ)، زار عُمان عالم مغربي هو عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا من جزيرة جربة من تونس، فدخله السرور والابتهاج لما رأى من ظهور العدل وإحياء السن وإماتة البدع غير أنه أبدى ملاحظات قيمة حول الخلل والتقصير في نشر العلم، فكتب إلى الإمام
(1) فواكه العلوم، ج 1، ص 212. (1/81)
صفحة 82
82
التواصل الإباضي
بلعرب بن سلطان رسالة تتضمن نصيجة خالصة جاش بها قلب مخلص
مو
الله ولرسوله ولكتابه ولإمام المسلمين و عامة أهل عُمان وهذه هي: ولانا أصلح الله أحوالك وسدد أقوالك وتقبل منك أفعالك وجعل إلى السعادة مرجعك ومآلك، فأقول أنا العبد الفقير: إني لما من الله تعالى علي بالوصول إلى هذه البقعة المباركة رأيت بحمد الله في مسكد وسمائل وفي نزوى وفي هذا المقام الشريف من الأحكام الشرعية والسيرة الأباضية والسنن المحمدية ما انشرح به الصدر وامتلأ بمشاهدته سرورا والله الحمد على توفيقه فتأملت أحوال عُمان فوجدتها عجيبة الشأن حسنة الشكل كاملة الأوصاف سوى أن مجالس الذكر ومدارس العلم فيها قليلة، والعلم سيدي كما لا يخفى عليكم يزداد بالاستعمال وينقص بالإهمال، ونقصان العلم ضرر في الدين عظيم؛ وما كان على النقصان يوشك زواله؛ وأخبرك يا نعم السيد ببعض أحوال أهل جربة من أهل هذه الدعوة في زماننا هذا مع ضعفهم وقلتهم وسوء حالهم، ومعهم من مدارس العلم ما يزيد على العشرين كل يعلم على قدر علمه؛ منهم من اقتصر على النحو واللغة وعلم الديانات ومنهم من تبحر في النحو واللغة والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتوحيد وأصول الدين والفقه والحساب والفروض الشرعية والعروض الشعرية أعني الأوزان وما يتعلق بها من الزحاف وغيره، وهم من عادتهم يجتمعون في كل يوم الأحد ويوم الثلاثاء على شيخ المشايخ وهو أبو زيد بن أحمد بن أبي ستة فيقرأون عليه ويلقون في المجالس (1/82)
صفحة 83
بين عُمان والبلاد المغاربية
83
المشكلات والسؤالات؛ فيتحرى فيها الصواب ويزيل عنها الالتباس؛ وهم في هذه الحالة يتأسفون غاية التأسف على اندراس العلم ونقصانه؛ ولعلمهم أن المذهب الحقيقي الحنيفي الرستمي يزداد بازدياد العلم وينقص بنقصانه ويذهب بذهابه؛ وقد كان هذا المذهب بأرض المغرب في زمان الله مسيرة ثلاثة أشهر وأزيد كلها عمارة محشوة
الأئمة الرستمية رحمهم بالزهاد والعباد والعلماء لا يحصى عددهم ولا يطاق عتادهم؛ فلما زالت عنهم الإمامة لأمر أراد الله إبرامه ذهبت الأخيار وبقيت الأشرار، وتهاونوا في العلم والتعليم ومالوا إلى الدنيا، فركبهم الجهل، فطبع على قلوبهم بسبب ذنوبهم؛ وأتتهم العلماء المخالفون بالحجج الباطلة، فتخيلوا السراب ماء لطموس البصيرة وتمكنت من أزمة قلوبهم، فسلكوا بهم طريقهم الضالة، كما سلك الذود بين قائد وسائق فارتدوا على أدبارهم والعياذ بالله في أزمنة متقاربة حتى لم يبق منهم إلا من ساقه التوفيق واعتصم بالله واستتر بالعلم؛ وهو أهل البقاع الثلاثة بعض أهل نفوسة، وبعض أهل جربة وبنو مصعب ليس إلا سنة الله التي قد خلت من قبل سلكوا بها
وتمسكوا.
فإذا كان الأمر هكذا فينبغي لإمام المسلمين أيده الله بالتوفيق وأنار له معالم التحقيق وأن يجعل في كل حصن من حصون مملكته المجلل عدله المزيد فضله معلما يعلم الناس أمر دينهم ويزهدهم في الدنيا الفانية الخسيسة ويرغبهم في الآخرة الباقية النفيسة، ويتيسر هذا إن شاء الله تعالى بالنظر في (1/83)
صفحة 84
??
التواصل الإباضي
أحوال من له نظر ومعرفة ولو أدنى معرفة وذوق في العلم إن ظهرت منه أسباب الخير بالنصيحة لنفسه أولا ولعباد الله والشفقة عليهم والرغبة في
الدين.
فحينئذ يتوجه الأمر المطاع من إمام المسلمين بأن يتصدى التعليم بالغداة والعشي ولا يحقر ما معه من العلم وإن قل إن كانت نيته خالصة بأن ينمو ويزيد ويفيد يستفيد ببركة العلم وفضله، حيث كان خالصا لله عز وجل لعل غافلا ينتبه أو نائما يتيقظ أو ناسيا يتذكر أو جاهلا يتبصر، وتكون سنة حسنة في الإسلام لمن سنها وأجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو إمام المسلمين وأعوانه في الدين لا يغير ولا ينقص من أجور
المتعلمين شيء.
الله الله
بتوفيق الله
ثم
الله الله وحاشا لمثلك أن يتغافل ويتهاون في مثل هذا وأنت وفضله خليفته في أرضه؛ والعلم أصول دين الله وفروعه ولوازم
العدل المأمور به المفروض أمثاله وشروعه، ولكن لكل شيء سبب ولكل أجل كتاب، وإذا أراد الله إظهار أمر يرضيه في الدين أجراه على يد أحد من خلقه ممن يختصه لمزيد فضله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) كظهور العدل وعلو كلمة الحق وذهاب ذوي الشقاق وانطماس معالم الشرك والنفاق على يد المرحوم الشيخ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي والإمامين الرضيين رحمة الله عليهم أجمعين، وأنت (1/84)
صفحة 85
بين عُمان والبلاد المغاربية
الرضي الثالث بحمد
85
الله وقد ترى ما ابتلي الناس به من الميل إلى الدنيا
والزهد في الآخرة مع شدة افتقارهم إليها.
سيدي ومولاي: أنظر بعين البصيرة والعقل الراجح الثاقب في وصل ما أمر الله به أن يوصل بينه وبين عباده الذين استخلفك عليهم رأفة ورحمة بهم ورجاء لرضوان الله تعالى، ولا تخلو أرض الله تعالى من قائم فيها بحق وعلم في خلقه في كل وقت من الأوقات وهو الحجة على خلقه، كما قال الله (ولكل قوم هاد (يا نعم السيد ويا جهد المكارم إذا نظرت وتأملت في هذا الأمر العجيب الشأن واطمأنت نفسك إليه وهممت ببذل المجهود في تجديد معاهده وتشييد قواعده حبا الله ورجاء لثوابه، فثوابه أجل وأعظم للمسبب والمتسبب فيه من ثواب المجاهدين والمرابطين والمصلين والصائمين والحاجين والمعتمرين ما خلا الفرائض من ذلك كله وكان كل ذلك فضلا ونفلا فأرني منك علامة تسرني كقول إمام المسلمين: نعم ابتغيت رضوان الله تعالى فإن إحياء هذه الطريقة أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وغربت، وأحب إلى الله ورسوله وإلى من ناصح نفسه من المسلمين، إذ جميع حطام الدنيا الفانية لا يعتبر في جانب السعادة الأبدية ولا تزن ذرة منه، وكتبته بيدي والله على ما أظهر وأضمر شهيد. وهذا سر من العبد الغريب إلى المولى الحبيب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ورضوانه يتسلسل تسلسل أنفاس أهل الجنة، وأما أهل جربة وإن كانوا متمسكين (1/85)
صفحة 86
86
التواصل الإباضي
بالعلم جهدهم، فتدبيرهم مختل وعقدهم منحل وأمرهم مشكل لفقدهم
الإمام العدل وقرناءه أهل الفضل»
(1)
وقال الإمام السالمي بعد أن أورد نصيحة العالم الجربي:
«انتهى كلام عمر الجربي وهو كلام ناصح ماهر؛ وقد قيل أن النصيحة إذا خرجت من الجنان وقعت في الجنان، وإن خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان؛ فأثرت نصيحته الأثر الجميل؛ وتلقاها الإمام بالقبول والتبجيل فقام وشمر وحث الرعية على طلب العلم وأمر بالتعليم في ممالكه؛ وجمع جملة من المتعلمين في الحصن الذي جدد بناءه وهو (جبرين) فقيل أنه كان يخدمهم هنالك بنفسه وكان يعطرهم بنفسه وكان يتحرى لهم الأطعمة المقوية للإفهام والذكاء؛ فيقال أنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما أهل اجتهاد وأهل إفتاء بالرأي» (2). على أن مدرسة حصن جبرين تعتبر أول مدرسة أقامتها الدولة في
عُمان، بمعنى أنها أول مدرسة حكومية في التاريخ العُماني.
وهكذا انتشر العلم وقوي عوده واشتد ركنه بناء على نصيحة ذلكم العالم الجربي عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا فجزاه الله خير الجزاء على ما قدمه من نصيحة، وجزى الله خيرا إمام المسلمين بلعرب بن سلطان
على استجابته السريعة والقوية.
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 2، ص 81 - 84. (2) المصدر نفسه، ج 2، ص 85. (1/86)
صفحة 87
بين عمان والبلاد المغاربية
87
وفي نفس هذا الوقت أي في عصر الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي وبالتحديد في سنة 1103 هـ زار جزيرة جربة وجبل نفوسة الشيخ ناصر بن خميس بن سعيد الشقصي ابن صاحب كتاب (منهج الطالبين)، ولعله زار أيضا مواطن الإباضية بالجزائر، وحضر الملتقى أو المؤتمر العلمي الإباضي الذي عقد في قرية لالوت (نالوت) بجبل نفوسة، ذلك المؤتمر أو الملتقى الذي حضره عدد من علماء الجبل وحضره من جربة سبعة علماء
هم:
1 - أبو القاسم زكريا الباروني.
-2
سعيد بن يحي الجادوي.
علي بن سالم بن بيان.
عمر بن صالح الباروني.
- {
-0
-6
-7
علي بن أبي بكر الباروني.
يوسف بن محمد المصعبي.
محمد بن يوسف الباروني
واشترك معهم في هذا الاجتماع المبارك الميمون الذي نوقش فيه الكثير من القضايا الفقهية و الدعوية التي تواجه الإباضية ويواجهها الإباضية آنذاك، الشيخ ناصر بن خميس الشقصي العُماني، ويقول عنه الإمام محمد ابن يوسف اطفيش إنه هو الذي كتب لأهل جربة صيغة التحليف باليمين التي كان أهل عُمان يحلفون بها المنكر للدعوى، والمقصود بأهل عُمان (1/87)
صفحة 88
88
التواصل الإباضي
حكامهم وقضاتهم، وتلك الصيغة هي: قل واللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْمُقْتَدِرُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ مُنْشِئُ السَّحَابَ، وَمُنَزِّلُ الْكِتَابَ، قَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، مَاحِي الْآثَارَ وَبَاتِرُ الْأَعْمَارَ، قَاصِمُ الْجَبَابِرَةِ وَمُدَمِّرُ الْفَرَاعِنَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ الَّذِي يَأْخُدُ مَنْ حَلَفَ بِاسْمِهِ كَاذِبًا أَحْدَ عَزِيزِ مُقْتَدِرٍ، مَا عَلَيَّ لِهَذَا الرَّجُلِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُ حَانِنَا فِي ذلِكَ يَنتَقِمُ اللهُ مِنْ الْحَانِثِينَ يَنَكَال الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ)، هكذا يخبرنا التاريخ أن الزيارات المتبادلة واللقاءات بين المشارقة والمغاربة لها فوائد جمة وبركات عظيمة، وهي ولا شك تقوي العلاقة وتشد الأواصر، وتوحد
الكلمة وتقرب وجهة النظر.
(1) شرح النيل، ج 13، ص 354. (1/88)
صفحة 89
بين عمان والبلاد المغاربية
التواصل على عهد دولة البوسعيد في عمان
89
أحمد
بن
كثر التواصل وازداد قوة بين أهل عُمان، والمغاربة منذ الإمام سعيد البوسعيدي (1161 - 1196 هـ)، وكانت بين الفريقين مخاطبات ورسائل، فقد وجه إليهم العالم القاضي أبو سليمان محمد بن عامر بن عريق المعولي قاضي الإمام أحمد بن سعيد على مسقط رسالة وقصيدة شعرية
جاء فيهما:
«الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصل اللهم على سيدنا محمد النبي وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم عليه وعليهم أجمعين)، أما بعد فقد بلغني أن بني مصعب وأهل الجزيرة وأمثالهم من أرض نفوسة من المغرب ثبتوا على الدين الذي كان عليه رسول الله، ولم يغيروا، ولم يبدلوا وصار آخرهم يأخذ عن أولهم، فرق قلبي لهم بالشوق، وتحرَّك بأن أخصهم بالسلام، و أنظم لهم درر الكلام محبة مني لهم في قصيدة أقولها لتكون المودة بيننا موصولة وأسباب البحر مقطوعة مفصولة (؟).
أما القصيدة فقد ذكرهم فيها وأثنى على ثباتهم على المذهب، ذاكرا
أيضا بعض مبادئ المذهب ومعالمه العقدية.
(1) ليته ذكر الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالصلاة والسلام تبعا للنبي و فهم الذين نقلوا هذا
الدين إلينا وهم الحلقة الأولى في ذلك.
(2) سالم بن يعقوب، جزيرة جربة، ص
195 (1/89)
صفحة 90
التواصل الإباضي
والقصيدة هي:
لكم في قلوب المشفقين منازل وهن بذكراكم عمار أواهل زلتم رياض القلب يا أهل مصعب فيوركتم أنتم وتلك المنازل لنا فيكم خط المودة سـ ابقا كما سلفت يوما عليه الأوائل أيا عصبة الدين الحنيف الذي مضى عليه رسول الله ثم العبادل
عليكم بما أنتم عليه من الهـ
فدينكم الدين القويم سبيل
دى ولو قاومتكم بالقتال الجحافل
ودينهم المرذول أعوج مائل
لكم جنة الفردوس دون الذين هم إذا نوصحوا في الله صدوا وجادلوا فياليت شعري كيف حال دياركم وقد بعدت عنها يديها الهواجل فنحن الإباضيون دينا ومذهبا وما لسوانا منصب وفضائل فكم يتمنى بالديانة والهـ ولكنه غاو عن الرشد غافل فلا تسمعوا فيكم وإن قال مقولا وصدقه بكر وبشر وواثل
ــدى
إن لم يبن منه صواب مقال ة يواطئ ما قال الكرام الأوائل فما قد عدى الدين الإباضي باطلا ومن صد عنه فهو في النار داخل (1) فلو زخرفوا ما زخرفوا وتقولوا فما لم يواطئ الذكر ذلك باطل لقد قلدوا دنياهم تارة لهـ ولو ظهرت بالإفك منهم مسائل فليس لهم في ديننا من ولاية إذا خالفوا في الدين ما هو نازل وقالوا شفاعات الرسول صحيحة لمن مات بالعصيان لو هو قاتل
(1) هكذا كانت جميع الفرق والمذاهب تقف من بعضها البعض، أما الآن فلا عذر من التعرف والتعارف والاعتراف بالآخر إسلاميا نظرا للتقارب والتقريب الذي حصل بين أتباع الفرق والمذاهب إلا البعض الذي لا يزال مصرا على موقفه الإقصائي. (1/90)
صفحة 91
بين عُمان والبلاد المغاربية
91
ـــل
كذلك لم يخلد على النار من عصى ومات مصرا عن هدى الحق عادل فتلك مقالات تزخرف بالهوى وليس لأهليها عليها دلائل فلا عفو للعاصين من غير توبة ولا فر من النار لمن هو داخل وقد شبهوا الرحمن خلقا بخلقه كذلك يزري بالجهول التجاهل وقولهم يوما تراه عيونهم إصابتهم بالموبقات الغوائل فذاك غلو والغلو محـ كذلك قد قال الربيع ووائـ وقد قسموا الأركان جورا وقولهم مقاماتنا فيها تود الوسـ ائل من الكعبة البيت الحرام فلا لكم سوانا وأنتم لا لكم فيه عامل نقول لهم لا في الكتاب مقالكم ولا عن نبي الله تلك الأقاول ولا في زمان الصالحين متى بدت بدائعكم في ذا وأنتم أراذل فلا لكم البيت العتيق سبيـ مباح فلم يملك وإن قال قائل فهاتوا لنا برهانكم عن مقالكم وقول بلا أصل غمام وزائل وقولهم الأعمال توزن بالذي له كفتان بل عمود وعامل نقول لهم من صام شهرا وقامه من الوزن كم رطل له صح كامل وكم وزن ما تنوي القلوب وما ترى عيون الورى والسمع يا من يجادل ومن هده الجبار قتلا وهـ حقير بقتل لا يطي ق يقاتل وقد كان لفظ الهدر في ذين كلّه سواد ولم يقتله من ذين قاتل فبات من الجبار يرجف خائـ
ــفا ومن هذه المحقور لا يتكاسل
فهل بين هذا في الأمور تفاوت وبون فلا هذا لهذا يماثـ
وكم من ثقيل الوزن في القدر قاصر ورب خفيف الوزن في القدر طائل
فكيف إذا كان القرى هدر قلـ
وشد على من أعطشته الهواجل (1/91)
صفحة 92
92
التواصل الإباضي
ففي الوزن هذا راجح لك قدرة مع الله دون المجد في الغر جاهل
فما الوزن في هذا التفاوت عندكم على ميزان لذاك يعادل
فما الوزن غير القسط الله عندنا يميز بالعلم الذي هوعادل
وما لم يكن جسما تراه نواظر فليس عليه المن والرطل داخل
ولكنها الأعمال توزن بالذي يميز للأشياء حق وباطل
ولا عمل الإنسان كالبقل وزنـ وليس لميزان البقالة ناقل
تكلفهم أهواءهم سوء ما هم فيا ليت كانت لم تلدهم حوامل
فلما هم زاغوا أزاغ قلوب إله الورى يوما كما هو قائل
فليس لغير المستقيم عواقب ترجى إذا عنهم هو ا الله قائل
بخاتمة الأعمال ينجو سعيدنا ويشقى شقي بالذي هو عامل
وتكبر بالإصرار كل صغيرة وتمحى عن المستغفرين الجلائل
ويخلد بالإصرار في النار مذنب بمثقال ذر ليس عن ذاك زائل
فهذا اعتقاد الصالحين ومن يقل خلافا لهم في الدين فهو المعاضل
فيا عصبة حلت نفوسا وجربة ومصعبنا الزاكي ونعم الأفاضل
عليكم لواء الحمد والمجد والثناء يواصلكم بالمكرمات المواصل
عليكم سلام الله منا تحية بما عاقبت ريح الدبور الشمائل
وتاريخها من بعد ألف ومائة وستين يتلوها ثمان كوامل
سنينا وفي شهر الربيع الذي يلي جمادى إذا ما جئت عنه تسائل
بهجرة خير الخلق من آل هاشم عليه صلاة الله ما أنهل وابل (1/92)
صفحة 93
بين عمان والبلاد المغاربية
93
وقد أجابه الشيخ العالم عيسى بن أبي القاسم بن عمر الباروني الجربي، نيابة عن إخوانه علماء جزيرة جربة العامرة بالعلم والعلماء،
وعلماء جبل نفوسة وعلماء وادي ميزاب وهذه رسالته أو رسالتهم: «الحمد لله الذي جعل الكتابة للإنسان قائمة مقام المشافهة بالكلام عند تعذر الملاقاة بالأبدان ولو تباعدت الأوطان، ذلك فضل من المنان الذي ألهمنا وعلّمنا، فعلم الإنسان ما لم يعلم، وأنعم بمحض فضله وعمم فضله على كثير من خلقه وأكرمه بجل نعمه وسخر له اللسان، وعلمه القرآن، بعدما شرف بالغريزة العقلية، فبسببها كلفه بالفرائض القولية والفعلية، حتى صار من غلب عقله هواه سما وعلا، ومن غلب عقله هواه هوى فتدلى، فجل وعلا عن قول الملحدين من الأمم، فوفق من شاء بقدرته إلى القيام بالأفعال الصالحة وخذل بعدله من شاء بأفعاله الطالحة، فسبحانه من إله تنزّه عن ند وضد وصاحبة وولد، وعن العلة والمعلول وعن شريك في القول والفعل، " ثم بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، مصباح الظلم من غير سبق دراسة كتب ولا خط قلم، المؤيد بالبراهين القاطعة والآيات الباهرة، أظهره الله بها على الكفرة الجاحدة، وغيرهم من الملحدة المتنافرة، وأمدَّه بالكتاب الناطق واللسان الصادق رحمة وبشرى للمؤمنين وموعظة وذكرى للمتقين فأشبع بهما من ضما القلوب (1/93)
صفحة 94
94
التواصل الإباضي
غليلا، وصار سيف الحق بهما صقيلا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه
المتبعين له بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين، وبعد: فأخص بجزيل السلام والتحية والإكرام، الكرام ذوي الفضل والإحسان والعدل والإنعام، المنشرحة صدورهم لتخليص البيان، المنورة قلوبهم بلوامع التبيان المشرفين بحلية الإدراك وزينة الإفهام، وبإدراج درر المعاني في جواهر الألفاظ على شرط الانتظام، أعني بهم سادتنا وقادتنا ومشايخنا وإخواننا حقا من أهل عُمان ذوي الدين القويم والصراط المستقيم، العلماء الأخيار بني الأخيار الذين شهدت بتحرير سطورهم الدفاتر، وقضت بتحقيقهم أقلام المحابر، وقامت كلمة الإجماع على أنهم ختام من يذكر بعلم وعمل من الناس، وحكت كلمة الأنام على أنهم مقدمون تقدم النص على القياس البارين العاملين بمقتضى الكتاب والسنة آناء الليل وأطراف النَّهار، والمخلصين له العمل من غير رياء ولا استكبار، فأولئك هم أولوا الألباب أسكننا الله وإياهم في أعلى عليين، مع من خصهم المولى بالحوض موردا وإنعاما، إذ قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: " ليكثرن رؤاد حوضي من أهل عُمان، فيا لها من بشارة ما أعظمها، وكرامة ما أجلها وألطفها، كناية تفيد التصريح، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأخص بالسلام إمامنا وقدوتنا السلطان أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد الأزدي العُماني آل بوسعيد (1161 - 1196)، أسعد الله أيامه وجعل في أعلى
عليين مقامه وكبت بالدُّل عدوه، ونصره على من عاداه. (1/94)
صفحة 95
بين عمان والبلاد المغاربية
95
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من يلون بجنابكم الشريف من أولي الفضل والإخوان، هذا وأخص بالسلام والتحية والإكرام العالم العلامة الشيح محمد بن عامر بن راشد ناظم القصيدة التي تلقيناها، فتناثرت الدموع من عيني كل حبيب بسماعهم الكلام العجيب، وما ذاك إلا شغفا وتشوّقا ومحبة منا لإخواننا فتهاديناها من يد إلى يد وتراسلناها من بلد إلى بلد، وقد حبَّنا بالتمسك واتباع أسلافنا الأخيار الأبرار، فها نحن يا إخوتنا كلنا على ما عليه أسلافنا وأسلافكم، فلا مبدل ولا مغير، فكبيرنا وصغيرنا من الرجال والنساء على ما تعلمونه من العقيدة الربانية والعبودية الغرى المحمدية.
هذا وقد حدثت بعض الحوادث في عام 1156، في أيام أحمد باشا طرابلس، وكان أمرا فضيعا كاد يورد الأبدان إلى الأكفان، وأن لا تنام العينان، لولا التأسي بولد عدنان، والتمسك بآية الصبر من القرآن، وذلك بردهم شهادة أهل دعوتنا إلى أن ألف شيخنا علم الأعلام يوسف بن محمد المصعبي له رسالة تشتمل على بعض اعتقاداتنا والرد عليهم من كتبهم وأدلة أوائلهم على ما أحدثوا فأفحمهم ولم يجدوا جوابا يجيبون به ولا دليلا، والحمد لله رب العالمين، وإنما ردَّ عليهم من كتبهم وقول أشياخهم وقادتهم، لأن قتل المرء بسيف نفسه أعظم من قتله بسيف غيره، وشهادة المرء على نفسه أعظم من شهادة عدلين. (1/95)
صفحة 96
96
التواصل الإباضي
وهذا ما وقع بطرابلس التي لا شيخ لنا فيها، وقد وقعت فتنة ببعض بلدان نفوسة من بعض هؤلاء الأعراب ودامت ثماني سنين ومات من الخلق كثير، ومات بعض الأفاضل فيها، وهؤلاء الأعراب فريقان، فريق يقاتل فيهم وفريق يقاتل معهم طمعا في جزاء الدنيا، وسبب ذلك يطول به الكتاب.
هذا وكاتبها يقرؤكم السلام والتحية والإكرام منه ومن جملة الإخوان
الشاهد بلسانه والغائب بحاله فمنهم:
- العدل التقي والدنا الشيخ أبو القاسم بن عمر الباروني وأخوه الشيخ صالح.
- والمدرس الشيخ محمد ابن الشيخ سليمان الباروني وأخوه الشيخ
أحمد.
- والولي الزاهد الأفضل شيخنا وقدوتنا الشيخ يوسف بن محمد المصعبي وبنوه الشيخ المدرّس محمد، والورع الأجل الشيخ مهني والمكرم الأجل الشيخ علي.
- والفاضل الشيخ يونس بن محمد الباروني وأخوه الفاضل الشيخ أيوب وابنه الشيخ عبد العزيز بن أيوب الباروني.
- والشيخ الفاضل يوسف بن محمد بن أبي زيد الصدغياني. - والشيخ المدرس سعيد بن المرحوم عبد الله الجادوي وأخوه الشيخ
علي (1/96)
صفحة 97
بين عمان والبلاد المغاربية
97
- والشيخ عيسى بن إبراهيم الباروني وأخوه الشيخ صالح بن إبراهيم
الباروني وصهره أبو القاسم بن أيوب الباروني. - والشيخ. عمر بن أحمد الجادوي وابنه الشيخ سليمان. - والشيخ أحمد بن إسماعيل الشماخي.
- والشيخ قاسم بن عمر الشماخي.
- والشخ سعيد بن يحي الشماخي.
- والشيخ علي بن مرزوق بن حديد الأجيمي. - والشيخ يحي بن قاسم القلالي
- والشيخ قاسم المثني.
والشيخ سعيد الزنكري.
- والشيخ رمضان الغول القلالي.
- والشيخ علي بن سليمان بن حديد الجيطالي. - والشيخ أحمد بن إبراهيم التندميرتي وابنه الشيخ إبراهيم. - والشيخ أيوب بن عيسى التندميرتي.
- والشيخ عبد الله بن أحمد الشماخي.
والورع الفاضل الشيخ الحاج عمر بن علي الباروني.
- والشيخ محمد بن إبراهيم الباروني.
- والشيخ محمد بن عبد الرحمن الفساطوي. (1/97)
صفحة 98
98
التواصل الإباضي
وكافة إخوانكم المغاربة المتمسكين بالدين القويم قديما وحديثا من نفوسة وأهل الجزيرة وبني مصعب خصوصا وعموما، هذا وأنتم إخواني عرفونا بأسمائكم ومشائخكم وأوليائكم وباسم السلطان حفظه الله، وعرفونا بجميع أحوالكم لتكون أسباب المودة والمحبة موصولة وأسباب الهجرة مقطوعة، كما كانت عادة الأسلاف منا ومنكم، وإياكم أن تغفلوا عن إرسال مكاتباتكم الشريفة وخطاباتكم الظريفة كلما يسرتموه، لأننا مشتاقون غاية الاشتياق إليكم، ومنوا علينا بإرسال – شرح الدعائم – نظم ابن النظر رحمه الله، غير شرح ابن وصاف رحمه الله إن كان موجودا
متأخرا.
هذا والسلام عليكم ثانيا من كاتبها إليكم ومن جملة الإخوان الداعين لكم بالتوفيق والصلاح في كل أوان الطالب لكم ذلك إثر كل عبادة في كل زمان، أخوكم عيسى ابن أبي القاسم بن عمر الباروني نسبا، الإباضي مذهبا، النفوسي وطنا الجربي دارا ومسكنا وفقنا الله وإياكم للعمل الصالح وجمعنا وإياكم في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين، وصلى الله
على سيدنا محمد خاتم النبيئين وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين). كما كان من أهم التواصل العُماني المغاربي مجيء بعض طلبة العلم للدراسة في عُمان، وتذكر الرواية المتداولة شخصين منهم، وهما: الشيخ
(1) تاريخ جزيرة جربة، ص)
199 (1/98)
صفحة 99
بين عمان والبلاد المغاربية
99
إبراهيم بن يوسف اطفيش، أخو الإمام العلامة الكبير الشهير محمد بن يوسف اطفيش صاحب المؤلفات الكثيرة والشهيرة، وهو جد الشيخ العلامة المحقق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشخص الثاني منهما هو محمد بن إدريس أزبار وهما من وادي ميزاب بالجزائر.
ويرى شيخنا العلامة الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان أبقاه الله أن مجيئهم كان في زمن الإمام أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي (1137 - 1236 هـ)، الذي. هو قامة علمية عالية مستنتجا أنهم درسوا عنده، إذ يبعد أن يتركوه ويذهبوا عند غيره للدراسة، وهو المرجع العلمي والديني في
عُمان آنذاك.
كما أن من أهم الشخصيات العُمانية التي زارت بلاد المغرب علي بن أحمد الذي قام بتشطير قصيدة الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي التي هي في فضل العلم والحث على طلبه.
وَكَانَ مِنَ الأَدَبَاءِ ذَا اقْتِدَارِ عَلَى النَّظْمِ وَحِفْظِهِ، لَهُ مِنْهُ كُلُّ مَا رَقَ وَطَابَ، فَمِنْ شِعْرِهِ الرَّائِقِ تِلْكَ الْمَنْظُومَةُ الْمَشْهُورَةُ بَيْنَ التَّلَامِدَةِ الْجَامِعَةُ لحكم وَتَصَائِحَ هِيَ جَدِيرَة بِالْحِفْظِ وَالاعْتِنَاءِ، بَلْ يَحِقُ لَهَا أَنْ تُكتَبَ بِمِدَادِ التبْرِ عَلَى صَفَحَاتِ اللُّجَيْنِ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا كُلُّ مَنْ كَانَ ذَا اعْتِنَاءٍ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ مِنْ مَكْنُونَاتِ فُؤَادِهِ، وَمِنْ دُرَرٍ مَحْفُوظَاتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ مُهَدَّبَ: (1/99)
صفحة 100
100
التواصل الإباضي
الأخلاقِ وَالْخُلُقِ، مُتَحَلّيًا بِمَحَاسِنِ الآدَابِ الْعَالِيَةِ وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَقَدْ عُنِي يَتَشَطِيرِهَا ذَلِكَ الرَّحَالَةُ الشَّهِيرُ الأَدِيبُ الْكَامِلُ الْعَلَامَةُ الْمُفَلَّقُ الشَّيْحُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْعُمَانِيُّ (1) مِنْ عُلَمَاءِ إِبَاضِيَّةِ الشَّرْقِ فِي أَثْنَاءِ سِيَاحَتِهِ بالْقَارَّةِ الإفريقِيَّةِ فِي أَوَاسِطِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ عَشَرَ مِنَ الْهَجْرَةِ، لَمَّا زَارَ مَشَاهِدَ جَبَلِ نَفْوسَةً وَرَأَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُهُ إِذْ دَاكَ مِنَ التَّهَورِ فِي الْمَنَاهِي الشَّرْعِيَّةِ مَعَ خَرَابِ الْمَسَاجِدِ وَانْطِمَاسِ مَعَالِمِ السَّيْرِ، وَمِنْ هُنَاكَ تَوَجَّهَ إِلَى السُّودَانِ وَفِي طَرِيقِهِ ذَلِكَ سَرَقَ مِنْهُ دِيوَانَهُ الْجَامِعَ لأَشْعَارِهِ وَقَصَائِدِهِ، وَمَا حَرَّرَهُ مِنْ رِحْلَتِهِ، فَاغْتُمْ لِذلِكَ عَمَّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَهُنَالِكَ تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ، وَإِلَيْكَ نَص الْمَنْظُومَةِ الرَّائِقَةِ مَعَ تَشْطيرهَا الْبَدِيعِ له صَاحِبِ الأَصْلِ وَرَحِمَ مَنْ حَادَاهُ بِالْمِثْل.
فضل العلم والعلماء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
العِلْمُ أَبْقَى لَأَهْلِ الْعِلْمِ آثَارَا وَلَيْلُهُمْ بِشُمُوسِ الْعِلْمِ قَدْ نَارًا (2) يَحْيَا بِهِ ذِكْرُهُمْ طُولَ الزَّمَانِ وَقَدْ يُرِيكَ أَشْخَاصَهُمْ رُوحًا وَأَبْكَارًا
(1) انْظُرْ: مُعْجَمُ أَعْلامِ الإِبَاضِيَّةِ، قِسْمُ الْمَشْرِقِ، ج 3، ص 396. (مَرْقُونٌ).
(2) الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية لسليمان الباروني مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ص 260. (1/100)
صفحة 101
بين عُمان والبلاد المغاربية
1.1
ي وَإِنْ مَاتَ ذُو عِلْمٍ وَذُو وَرَع إِنْ كَانَ مُنْتَهِجَ الْأَبْرَارِ مَا مَارَا أَوْ أَنَّهَا غَيَّرَتْ أَشْخَاصَهُمْ وَمَضَوْا مَا مَاتَ عَبْدٌ قَضَى مِنْ ذَاكَ أَوْطَارَا وَذُو حَيَاةِ عَلَى جَهْلٍ وَمَنْقَصَةٍ وَلَا يُبَالِي أَخَيْرًا نَالَ أَمْ عَارَا
تم
حَيَانُهُ عَدَمٌ فِي طُولِ مُدَّتِهِ كَمَيِّتِ قَدْ نَوَى فِي الرَّمْسِ أَعْصَارَا لِلَّهِ عُصْبَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ هَـ فِي كُلِّ أُنْقِ مِنَ الْآفَاقِ أَنْوَارَا نالُوا الأَمَانِي بِهِ طُرًا وَبَانَ هُمْ فَضْلٌ عَلَى النَّاسِ غُيَّابًا وَحُضَارَا الْعِلْمُ عِلْمٌ كَفَى بِالْعِلْمِ مَكْرُمَةٌ وَمَنْ يُرِدْ خَيْرًا فَالْعِلْمُ مَا اخْتَارًا كمْ جَاهِلِ بِأُمُورِ الدِّينِ مُخْتَبِط وَالْجُهْلُ جَهْلُ كَفَى بِالْجَهْلِ إِدْبَارَا الْعِلْمُ عِنْدَ اسْمِهِ أَكْرِمْ بِهِ شَرَفًا لِلْمَرْءِ إِذْ يَكْتَسِي بِالْعِلْمِ أَطْبَارًا مَا لِلْفَتَى غَيْرُ نُورِ الْعِلْمِ مِنْ رُتَبٍ وَالْجَهْلُ عِنْدَ اسْمِهِ أَعْظِمْ بِهِ عَارَا يُشرفُ الْعِلْمُ لِلإِنْسَانِ مَنْزِلَةً وَيَجْتَنِي مِنْ جَنَاهُ الْعَذْبِ أَنْهَارًا الْعِلْمُ فَخْرٌ عَلَا عَنْ كُلِّ مَرْتَبَةٍ وَيَرْفَعُ الْعِلْمُ لِلإِنْسَانِ أَقْدَارًا الْعِلْمُ دُرِّ لَهُ فَضْلٌ وَلَا أَحَدٌ مُحْصِ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ دُونَهُ حَارًا فَسَلْ خَبِيرًا وَجُبْ غَوْرَ الْعُقُولِ وَمَنْ في النَّاسِ يَدْرِي لِذَاكَ الدُّرُ مِقْدَارًا لِلْعِلْمِ فَضْلُ عَلَى الأَعْمَالِ قَاطِبَةً گـانَ ذَوُوهُ لِدِينِ اللَّهِ أَنْصَارَا وَفَضْلُهُ الجَمُّ قَدْ نَصَّ الحَدِيثِ بِهِ عَنِ النَّبِي رَوَيْنَا فِيهِ أَخْبَارًا يقُولُ طَالِبُ عِلْمٍ بَاتَ لَيْلَتَهُ بِرَغْبَةٍ تُورِدُ الظَّمْآنَ تَيارًا وَمَنْ بِبَيْتِ الدُّجَى بِالحِدُ مُبْتَدَلاً فِي الْعِلْمِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ أَخْطَارًا (1/101)
صفحة 102
102
a
التواصل الإباضي
مِنْ عَابِدٍ سُنَّةٌ لِلَّهِ مُجْتَهِدا وَمُنْفِقٍ مِنْ كُنُوزِ التَّيْرِ قِنْطَارًا مَا نَالَ فَضْلاً كَفَضْلِ الْعِلْمِ قَطُّ وَلُو صامَ النَّهَارَ وَأَوْحَى اللَّيْلَ أَسْهَارًا وَقَالَ إِنَّ مِدَادَ الطَّالِبِينَ عَلَى دَوَامِهِمْ فِيهِ آصَالاً وَأَسْحَارًا إِنْ أَثَرَ النُّضْجُ مِنْهُ حِينَ يُبْدِي عَلَى تابِهِمْ وَعَلَى الْقِرْطَاسِ أَسْطَارًا مِثْلَ دَمِ الشُّهَدَاءِ الْمُكْرَمِينَ هُمْ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ حُورُ الْعِينِ أَبْكَارًا فَضْلُ ذَوِي الْعِلْمِ حَتْما لا يُمَائِلُهُ فَضْلُ فَأَكْرِمْ بِأَهْلِ الْعِلْمِ أَخْيَارًا وَقَالَ هُمُ يَرِثُونَ الأَنْبِيَاءَ كَذَا مَرَاتِبُ الْعِلْمِ لَا يَرْتَابُ مَنْ مَارَا فَهُمْ وَلَاةٌ لِرَبِّ الْعَرْشِ لَا عَدِمُوا فيهِمْ رَوَيْنَا أَحَادِيثًا وَأَخْبَارَا أكْرِمْ بِهِمْ مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ الْمُبِينِ هُمْ سر كَسَا مُظْلِمَاتِ الْأَرْضِ أَنْوَارَا مَا ارْتَابَ فِي فَضْلِهِمْ أُولُوا الْعُقُولِ وَهُمْ إرْتُ النُّبُوءَةِ فِي أَيْدِيهِمُ صَارَا الْكَاشِفِينَ مَعَانِي كُلِّ مُشْكِلَةٍ مِنَ الْعُلُومِ وَمَا فِيهِ النُّهَى حَارًا النَّادِبِينَ إِلَى دِينِ الإِلَهِ بِه وَالْمُظْهِرِينَ خَفِيَّ الْغَمْضِ إِظْهَارًا اشْدُدْ إلَى الْعِلْمِ رَحْلاً فَوْقَ رَاحِلَةٍ وَكُنْ إِلَى طَلَبِ التَّعْلِيمِ سَيَّارَا وَاعْصِ الْكَرَى وَاصْطَبِرْ دَهْرًا عَلَى أَرَقٍ وَصِلْ إِلَى الْعِلْمِ فِي الْآفَاقِ أَسْفَارًا وَاصْبِرْ عَلَى دَلَجِ الْأَغْسَاقِ مُعْتَسِفًا وَاقْطَعْ مِنَ الْأَرْضِ غِيطَانًا وَأَقْفَارًا وَابْذُلْ مِنَ الْجُهْدِ مَا يَشْفِي الْفُؤَادَ مهامِهَ الْأَرْضِ أَحْزَانًا وَأَقْطَارًا حَتَّى تَزُورَ رِجَالاً فِي رِحَالِهِمُ عَانِ هُمْ وَاقْتَبِسْ مِنْ نَارِهِمْ نَارًا وَاصِلْ زِيَارَتَهُمْ طُولَ الزَّمَانِ تَجِدْ فَضْلاً فَأَكْرِمْ بِأَهْلِ الْعِلْمِ زُوَّارَا (1/102)
صفحة 103
بين عُمان والبلاد المغاربية
103
وَالطَّفْ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ الْعِلْمُ مُقْتَبَسٌ وَكُنْ بِهِ مُشْفِقَا بَرًّا وَلَوْ جَارَا لَوْ كَانَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ مُنْقَبِضًا جَدُدْ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْكَ إِبْرَارًا فَاللُّطْفُ مُسْتَخْرَجُ مِنْهُ فَوَائِدُهُ دُونَ اللَّالِي تَرَى لِلْيَمُ تَبَّارًا وَاجْعَلْ بِقَلْبِكَ بَرَّ الْوَالِدَيْنِ لَهُ وَكُنْ لِصَوْلَتِهِ إِنْ صَالَ صَبَّارَا فَصَدْرُ ذِي الْعِلْمِ إِنْ رَاجَعْتَهُ حَرِجُ رَاعِ الرُّضَا مِنْهُ وَاحْمَدْ حِينَمَا فَارًا وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ أَنْ تُهْدِرْ شَفَاشَقُه فَقَدْ بَرَى اللَّهُ هَذَا الخَلْقَ أَطْوَارَا وَارْصُدْ خَوَاطِرَ سَاعَاتِ النَّشَاطِ لَهُ وَسَتُمْطِرَنَّ سَحَابًا مِنْهُ مِدْرَارًا وَحَاذِرِ الزَّيْعَ وَاحْسِنُ فِي السُّؤَالِ لَهُ إِذَا أَرَدْتَ لِبَعْضِ الْقَوْلِ تَكْرَارًا وَأَحْسِنِ الْكَشْفَ عَنْ عِلْمٍ تُطَالِبُهُ وَانْصِتْ بِحِسْكَ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَدُمْ عَلَيْهِ وَلَا تَسْأَلُ لَهُ طَلَبَا وَالْزَمْ دِرَاسَتَهُ سِرًّا وَأَجْهَارَا وَلا تَكُنْ جَامِعَا لِلصُّحْفِ تَخْزِنُهَا تملا التَّوَابِيتَ بِالْأَسْفَارِ أَوْقَارًا وَأَنْتَ عَنْ طَلَبِ التَّعْلِيمِ فِي شُغُلٍ كَالْعِيرِ يَحْمِلُ بَيْنَ الْعِيرِ أَسْفَارًا نِعْمَ الْفَضِيلَةُ نِعْمَ النُّخْرُ تُورِتُهُ فَكُلُّ ذُخْرٍ وَكَنْزِ دُونَهُ بَارًا وَالْعِلْمُ خَيْرُ كُنُوزِ المَرْءِ وَهُوَ غِنَّى لِنَفْسِكَ الْيَوْمَ إِنْ أَحْسَنْتَ أَثَارًا وَإِنْ هَمَمْتَ بِخَيْرِ النَّاسِ تَأْلِفُهُمْ تلْقَ أَفَاضِلَهُمْ مَثْنَى وَأَوْتَارًا لَقَدْ وَجَدْتَ اصْطِحَابَ الأَكْرَمِينَ وَقد أَلِفْتَ بِالْعِلْمِ أَبْرَارًا وَأَخْبَارًا فاطلبْ مِنَ الْعِلْمِ مَا تُقْضَى الْفُرُوضُ بِهِ وَارْدِفْ بِهِ عَمَلَا فِي الْقَلْبِ نَوَّارَا وَطَهرِ النَّفْسَ مِنْ أَوْسَاحَ شَهْوَتِهَا وَاعْمَلْ بِعِلْمِكَ مُضْطَرًا وَمُخْتَارًا (1/103)
صفحة 104
1.2
التواصل الإباضي
وَاطْلُبُهُ مَا عِشْتَ فِي الدُّنْيَا وَمُدَّتِها وَكُنْ بِعَزْمِكَ وَالتَّرْغِيبِ مِغْوَارًا وَاجْعَلْهُ ذُخْرًا لِيَوْمٍ لَمْ يَعُدْ نَدَم الموْقِفِ الْعَرْضِ الأَتُورَدَ النَّارَا وَاجْعَلْهُ لِلَّهِ لا تَجْعَلْهُ مَفْخَرَةٌ بَيْنَ الأَنَامِ لِدَيْلِ الْكِبْرِ جَرَّارًا وَصُنْهُ عَنْ كُلِّ جَبَّارٍ تَفُقُ عَمَلاً وَلا تُرَائِ بِهِ بَدْرًا وَأَحْضَارَا تَعْسا لِكُلِّ مُرَاء غَيْرِ مُقْتَصِدٍ كَانَتْ بَطِيتُهُ شُوبًا وَأَكْدَارًا لَقَدْ عَدَا طَوْرُهُ فِيمَا يَخُوضُ بِهِ وَقَدْ تَقَلَّدَ أَثَامًا وَأَوْزَارَا يَصْطَادُ بِالْعِلْمِ أَمْوَالَ الْعِبَادِ كَمَا سَاءَتْ خَلَائِقُهُ وَاخْتَارَتِ الْعَارَا يَلْقَى الحَبَالَاتِ رَاجِ لِلْقَنِي كَمَا يَصْطَادُ مُقْتَنِصٌ بِالْبَازِ أَطْيَارَا لَوْ كَانَ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ مُعْتَرِضًا ذرْهُ وَلا تَغْتَنِمْ مِنْ ذَاكَ دِينَارًا وَلَوْ تَرَى الْأَرْضَ مِنْ أَطْرَافِهَا ذَهَبًا ولِلدَّرَاهِم فِي الْأَسْوَاقِ طُرَّارًا فَلا تُخَادِعُ بِمَا تُبْدِيهِ خَالِقُنَا وَاحْذَرْ وَكُنْ عَنْ قَبِيحِ الْفِعْلِ فَرَّارَا وَاجْهَرْ وَسِرَّ التَّقَى وَادْرِفْ دُمُوعَ دَمِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُخْفِيهِ أَضْمَارًا مَوْلاكَ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ فَلاَ تُفْتَنْ بِفِعْلِكَ مَهْمَا كُنْتَ غَدَّارَا إِنْ حِدْتَ عَنْ رَبِّكَ الْبَاقِي الرَّؤُوفِ فَلَا يَكُن لَكَ الحِلْمُ مِنْ مَوْلَاكَ غَرَّارَا وَلا تُدَاهِنْ إِذَا مَا قُلْتَ مَسْأَلَةٌ وَكُنْ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ مُمتَارًا وَلا تُدَاهِنْ بِفُتْيَاكَ الأَنَامَ لَقَدْ أضْرَرْتَ بِالدِّينِ إِنْ دَاهَنْتَ إِضْرَارَا وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ حَظًّا مِنْ مُذَاكَرَةٍ وَلا تَكُنْ لأَخِيكَ الْبَرِّ هَجَارَا وَمِلْ إِلَى تَجْلِسِ تَجْلُو الْحَمُومَ بِهِ مَعَ الصَّدِيقِ إِذَا اسْتَوْحَشْتَ أَسْمَارًا (1/104)
صفحة 105
بين عُمان والبلاد المغاربية
1.0
وَانْشَطُ لِعِلْمِكَ إِذْ لابُدَّ مِنْ مَلَلٍ إِذَا عَرَا قَلْبَكَ التِّهْمَامُ وَأَنْظَارَا وَجَانِبِ النَّذْلَ لا تَنْزِلُ بِسَاحَتِهِ وَلَا تَكُنْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ فَرَّارَا وَعَاشِرِ النَّاسَ وَانْظُرْ مَنْ تُعَاشِرُهُ فَإِنَّ فِي النَّاسِ صَداقًا وَمَكَارًا صَاحِبْ أَنَا عِلْمٍ تُرُّبِهِ قَصْدًا وَلَا تُكْثِرَنَّ الصَّحْبَ إِكْثَارَا فَرُبَّ مُكْثِرِ صَحْبِ لا يَزَالُ يَرَى مَذَاقَ وُدُ وَبِالْأَسْنَانِ كَفَّارًا وَرُبِّ صُحْبَةِ مَنْ يَهْوَى الْفَتَى جَلَبَتْ لِنَفْسِهِ قُرَنَاءَ السُّوءِ أَشْرَارَا الخيرُ فِي النَّاسِ مَعْدُومٌ وَفَاعِلُهُ أرَى الزَّمَانَ لَهُ قَدْ صَارَ غَدَّارَا مَا فِي الزَّمَانِ بَقِي خِلٌ تُسَرُّ بِهِ إِلَّا الْقَلِيلَ وَذَاكَ الْقِل قَدْ بَارًا وَكُنْ بِرَبِّكَ لَا بِالنَّاسِ مُعْتَصِما فَالنَّاسُ كَانُوا كَلَمْعِ الآلِ غَرَّارًا وثق بِهِ وَاسْتَكِنْ فِيمَا دَعَاكَ لَهُ كَفَى بِرَبِّكَ رَزَّاقًا وَغَفَّارًا خَيْرُ الْعِبَادِ عِبَادُ اللَّهِ إِنَّ لَهُ طَرْفًا إِلَى خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ نَفَّارًا تَرَى لَهُ عِنْدَ خَوْفِ الْعَبْدِ مِنْ ضَرَرٍ لطفا خَفِيَّا يَرُدُّ الْعُسْرَ أَيْسَارَا سُبْحَانَهُ صَمَدٌ لا شَيْءَ يُشْبِهُهُ فَرْدٌ قَدِيمٌ مَدِيدُ الْمُلْكِ قَهَارًا أَنَا الْفَقِيرُ إِلَيْهِ أَرْجُو رَحْمَتَهُ أَقْرَرْتُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ إِفْرَارًا
تمَّتِ الْقَصِيدَةُ مَعَ تَشْطِيرِهَا] (1/105)
صفحة 106
1.7
التواصل الإباضي
وكانت هذه القصيدة من محفوظات الكثير من العُمانيين حيث كانوا يحفظونها عن ظهر قلب.
وكان علي بن أحمد هذا عالما وأديبا وشاعرا له ديوان شعر، وقد زار مواطن الإباضية في بلاد المغرب، ثم توجه إلى غرب إفريقيا التي كانت يطلق عليها أرض السودان، وفي الطريق إلى هنالك سرق منه ديوانه الشعري، وقد حزن عليه كثيرا، ولعله ذهب إلى غرب إفريقيا للتجارة، برفقة الإباضية من جبل نفوسة، وكانت زيارته في أواسط القرن الثالث عشر الهجري وتوفي في تلك الرحلة، ومن الزيارات العُمانية إلى المغرب، زيارة الوجيه سليمان بن ناصر اللمكي الذي زار وادي ميزاب بالجزائر، وقد سافر إلى هنالك من زنجبار بإفريقيا الشرقية حيث كان مقيما، فقد زار الإمام قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش، والظاهر أن ذلك
(د)
من الزيارة اللمكية وقد تزوج ابنة الشيخ القطب اطفيش)
هو
الهدف
وعلى عهد العالمين الكبيرين محمد بن يوسف اطفيش بالجزائر ونور الدين عبد الله بن حميد السالمي بعُمان وآل الشماخي بمصر، أصبح التواصل بين عُمان وبلاد المغرب أكثر قوة وحميمية وكثرت المراسلات من العُمانيين إلى الإمام القطب اطفيش، وقد قام بجمع الكثير منها وترتيبها
(1) الأزهار الرياضية، 245.
(2) رواية شفوية مشهورة ومتداولة. (1/106)
صفحة 107
بين عمان والبلاد المغاربية
107
الشيخ أبو الوليد سعود بن حميد الذي يعد من كبار طلبة الإمام نور الدين السالمي، وهو من كبار العلماء العُمانيين، حيث قام بذلك بأمر من الأمير العلامة عيسى بن صالح الحارثي الذي هو الآخر من طلبة النور
السالمي.
وسماه كشف الكرب، وقامت بطبعه وزارة التراث والثقافة بالسلطنة في
جزأين، ويقول المرتب أبو الوليد
أما بعد، فلما كانت رسائل الشيخ العلامة الإمام النحرير القدوة الشهير قطب الأئمة مفتي الأمة شيخنا الحاج أمحمد بن يوسف بن عيسى ابن صالح بن عبد الرحمن الإباضي الوهبي المغربي اليسجني تغمده الله برحمته وأسكنه فراديس جنته وكتبه إلى أهال عُمان متفرقة في كل مكان وجب علينا جمعها لينتشر في الناس نفعها فهي شوارد سائرة وفوائد باهرة ألفناها كتاباً ورتبناها أبوابا لتكون أقرب تناولا للراغب المفيد وأسهل نيلا للطالب المستفيد وأعم نفعا للمريد من البعيد ولعمري ما هذا المجموع إلا قطرة من غيث وبلة من منبع علوم ذلك البحر الفياض الذي شاع ذكره وذاع في جميع الأصقاع، واعترف له جهابذة الملل بالسبق والاقتدار وطول الباع، وناهيك بما اشتهر من تأليفه العديدة التي عم نفعها الخافقين ومآثره
(1)
الحميدة التي سارت مسير النيرين وتعميقا لذلك التواصل فإن قطب
كشف الكرب، ج 1، ص 5. (1/107)
صفحة 108
108
التواصل الإباضي
الأئمة قام بنشر مؤلفات النور السالمي، قال في رسالة له إلى النور السالمي: أما بعد: فسلام من كاتبه لتسع مضين من رمضان عام 1325 أمحمد بن الحاج يوسف وسائر تلاميذه وإخوانه في الدين على العالم العامل عبد الله بن حميد أعانه الله على مراده قائلا: اعلم أني قد نشرت تآليفك كلها وأمرت بمطالعتها والعمل بما فيها ولا يشكل شيء إلا بينته لهم حتى يفهموه بفضل الله وينقادوا ويدركوه على قصدك من الوجه الحق وسلام على تلاميذك كلهم ومن لك [كذا لعله حولك]، وأخص أكبر تلاميذك. وإني مريد لنفعكم لو كان لي مال بمالي وبكتبي في كل فن».
على أن العُمانيين هم الذين لقبوه بقطب الأئمة، حتى أصبح هذا اللقب علما له، يقول نورالدين السالمي في مشارق الأنوار مثنيا على شعر شيخ البيان محمد بن شيخان السالمي في مدح قطب الأئمة: «وممن جعله الله خليفة ذلك الإمام)، شاعر زمانه والمقدم على أقرانه شيخ البيان محمد
(د)
(†)
بن شيخان فإنه أتى في هذا الباب (3) بالعجب العجاب، كما يشهد له ذلك
من تتبع کلامه فمن ذلك قوله في آخر قصيدة مدح بها قطب الأئمة:
لقد كملت فيك الفضائل وانتهى بك المجد واستوفت إليك البشائر)
(1) کشف الكرب، ج 1، ص 6.
(1) أحمد بن النظر السمائلي.
(3) إتيان المتكلم في خاتمة كلامه بما يشعر بتمام مقصوده.
(4) مشارق الأنوار، الطبعة الأولى، ص 37.
(4) (1/108)
صفحة 109
بين عُمان والبلاد المغاربية
1.9
فهنا لقب نور الدين السالمي الإمام محمد بن يوسف اطفيش بقطب
الأئمة.
ومن المعلوم أن نور الدين انتهى من تأليف كتابه المشارق في بداية سنة 1313 هـ، كما لقبه بذلك أيضا شيخ البيان محمد بن شيخان السالمي، الذي
هو من أكثر المتواصلين مع الإمام اطفيش، فقد قال فيه: ذاك الإمام ابن الكرام محمد قطب الأئمة يا له من أفضل (1).
ولا ندري من من السالميين لقبه بذلك أولا بهذا اللقب الطيب المبارك؟، وفي رأيي أن ابن شيخان هو أول من أطلق عليه هذا اللقب لأنه أديب وشاعر والأدباء والشعراء هم الأكثر استعمالا للأوصاف
والألقاب.
،
(2)
وانظر لمكانة قطب الأئمة عند العُمانيين، فقد قال العُمانيون علماؤهم وشعراؤهم فيه أشعاراً كثيرة، مدحا له في حياته، ورثاء حارا وحزينا بعد مماته، وفي مقدمتهم العالمان الشاعران الكبيران، أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي، ومحمد بن شيخان السالمي.
(1) ديوان ابن شيخان السالمي، ص 226، الطبعة الثانية.
(2) وهو عالم دين)
أيضا. (1/109)
صفحة 110
110
التواصل الإباضي
ومن أهم التواصل العُماني المغاربي، أو المغاربي العُماني، زيارة الزعيم سليمان باشا الباروني لعُمان وإقامته بها، حيث عمل مستشارا للإمام محمد بن عبد الله الخليلي أولا، ثم مستشارا للسلطان سعيد بن تيمور ثانيا، وقد صار لوجوده في عُمان صدى واسع وأنعشت زيارته الحياة الفكرية والأدبية والسياسية، وسنتحدث عن طرف من زيارته لعُمان وإقامته في القسم الثاني من كتابنا هذا.
كما أن الكثير من الطلبة العُمانيين في الستينات من القرن الميلادي الماضي أي القرن العشرين ذهبوا للدراسة في معهد الحياة ومدرسة الحياة، في بلدة القرارة بوادي ميزاب بالجزائر، وعندما تغير الوضع في عُمان تقلدوا بعد عودتهم في بداية السبعينيات من القرن الماضي مناصب علمية وإدارية، ولا يزالون أو لا يزال الكثير منهم على رأس عملهم.
وفي هذا العهد، عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم عهد الدولة العصرية، وعهد الحياة المعاصرة في عُمان، انفتحت الأبواب وتحطمت القيود، و كثر التلاقي والتواصل وأقيمت العلاقات الدبلوماسية بين السلطنة ودول المغرب العربي الإسلامي. (1/110)
صفحة 111
بين عمان والبلاد المغاربية
القسم الثاني
الزعيم الباروني في الشعر العُماني شعر أبي سلام الكندي أنموذجا
111 (1/111)
صفحة 112
112
C
التواصل الإباضي
الباروني في عُمان
وصل الشيخ الزعيم سليمان باشا الباروني إلى عُمان في السابع من شهر محرم عام 1343 هـ الموافق للثامن من شهر أغسطس لعام 1924 م، بدعوة من السلطان تيمور بن فيصل بن تركي، في أول زيارة للزعيم الباروني إلى عُمان.
وقد استقبله العُمانيون استقبالا حافلا مملوءا بالحفاوة والحرارة
والأريحية.
وفي رأيي أن عُمان لم تستقبل زائرا بتلك الحفاوة البالغة كمثل استقبالهم للزعيم الباروني، وأكاد أجزم أن الباروني لم يستقبل في غير عُمان بمثل ذلك الاستقبال، ولنستمع إليه وهو يصف لنا أحد تلك المشاهد الاستقبالية عن زيارته لبلدة الحمراء حيث يقول: «وكان لدخولنا إلى الحمراء منظر مطرب، وقد تلبد دخان بنادقها ومدافعهم في الجو كالسحاب، وكنا نمر بين مزارعها الخضراء، تحف بنا الرجال والخيل والمهر، وقد بلغ عدد البنات والخادمات اللاتي يحملن جرار الماء المغطاة بأكواب الزجاج على رؤوسهن نحو المائة، يراهن الناظر كأسراب الظباء يمينا
(1) هذا الموضوع في الأصل بحث مقدم إلى ندوة سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية، التي أقيمت في المملكة الأردنية الهاشمية بتاريخ: 10 - 11 يوليو 2012 م، بالتعاون بين مركز الدراسات
العمانية بجامعة السلطان قابوس ووحدة الدراسات العُمانية بجامعة آل البيت بالأردن. (1/112)
صفحة 113
بين عُمان والبلاد المغاربية
113
وشمالا ينادين هل من شراب؟ ويرى الأكواب والجرار تلمع كالنجوم عند
مقابلة الشمس، فكان الموكب من أجمل ما شاهدته من المواكب». ويصف الشاعر أبو سلام الكندي مشهدا آخر من تلك المشاهد
الاحتفالية عندما زار الباروني بلدة نفعاء بولاية بدبد: اعلام نفعا بالبشارة تنشر وعن السرور بكل ناد تخ لما أتى الباروني ساحة أرضها أضحت بها سحب التهاني تمطر به من قادم في موكب كالليث إذ نار التصادم تسعر
أهلا
تاهت بها نفعا فخارا مثلما تاه الجواد به وتاه المنب أضحت مدافعها ترحب والقنا تبدي التحية والسيوف تبشر وترى الملأ يتهافتون لنحوه فرحا وكل بالتحية يبدر حدقوا به وكأنه من بينهم ملك يتوج والخلائق تنظر عرفوه حقا قبل رؤية شخصه لما رأوه استعظم وه فكبروا لله يوم الوصل أصبحت القرى كلا تطالبه الوصال وتنذر
(1) ,
شرفت به نفعا وطابت مثلما سعدت به فنجاء (3) وطابت بوشر
آل المسيب (3) لا تزال بلادكم أعلامها فوق المجرة تنشر
(1) أسماء بلدان عُمان.
(1) أسماء بلدان في عُمان.
(3) قبيلة السيابيين. (1/113)
صفحة 114
114
G
التواصل الإباضي
وقد ارتسمت له صورة رائعة وجميلة في الشعر العُماني، حيث انبرى الشعراء العُمانيون، وتفتقت فيه قرائحهم شعرا، يحمل الكثير من المديح والإطراء والثناء على الزعيم الباروني.
وتباروا في إلقاء قصائدهم في حضرته تغنيا بأمجاده وبطولاته وأدواره السياسية، وجهوده الإصلاحية، غير أن أغزر أولئكم الشعراء شعرا في الباروني،، الشاعر المبدع البليغ الفصيح أبو سلام الكندي، الذي كان مرافقا له في جولاته ورحلاته العُمانية، فقد قال فيه سبع عشرة قصيدة في الإشادة به علما وعملا وجهادا ومواقف.
كما رثاه بمرثيتين سكب فيهما دموعا سخينة عليه.
لذلك رأيت الاكتفاء بشعر أبي سلام الكندي لاستجلاء صورة الباروني المتعددة الأبعاد، نظرا إلى كثرة الشعراء الذين سالت قرائحهم في وصف ذلك الزعيم والإشادة به، الأمر الذي يطول معه البحث والقول، إذا نحن استعرضنا صورة الباروني في أشعارهم.
والشاعر أبو سلام هو سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي، و هو ينتمي إلى أسرة عريقة في العلم فأبوه الشيخ سعيد بن ناصر الكندي أحد العلماء الكبار في عُمان في عهده.
وعاش الشاعر أبو سلام حياته بين مسقط وبوشر ونزوى وقد توفي سنة 1379 هـ 1959 م، ولد ديوان شعر غير مطبوع" وهو متأثر في شعره
(1) يقوم حاليا أخونا الفاضل محمد بن إبراهيم الكندي حفيد أخي الشاعر بإعداده وتهيئته للطبع. (1/114)
صفحة 115
بين
عمان والبلاد المغاربية
115
إلى حد كبير بشاعر العرب أبي مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي، وقد كلف الشاعر أبو سلام بمرافقة الباروني من قبل الحكومة في مسقط. على أن صورة الباروني في شعر أبي سلام الكندي متعددة ومتنوعة، لكن أبرزها ما يلي: (1/115)
صفحة 116
116
التواصل الإباضي
الباروني مرحبا به في عُمان
كان أول مكان ينزل فيه الباروني ويحط فيه رحاله، هو العاصمة مسقط حيث استقبله السيد نادر بن فيصل أخو السلطان تيمور، رئيس الوزراء وذلك لأن السلطان تيمور كان في زيارة إلى الهند، وهناك ألقى الشاعر أبو
سلام أولى قصائده في الباروني مرحبا به زائرا في عُمان حيث قال: هذه هذه البشائر جاءت تتهادى وبالسرور تنادي ذا الفتى البروني جاء هلموا يا لقومي للثم تلك الأيادي صحت في الحي يا لقومي هبوا ذا سليمان مصدر الوراد أصبحت مسقط بوصلك تسمو بفخار على جميع البلاد بوركت أرضها ونارت سماها يا كريم الآباء والأجداد
الباروني عالما
يعد الباروني من العلماء، فهو قد جمع علوما كثيرة لأنه نهل من منابع العلم عندما كان شابا، وأبرز من أخذ عنهم العلم والده العالم عبد الله بن يحي الباروني، والإمام محمد بن يوسف اطفيش في الجزائر، كما أنه درس في الزيتونة بتونس، وبالجامع الأزهر بمصر، لذلك وصفه الشاعر أبو سلام بأنه عالم حيث قال فيه:
أنت شمس العلوم أنت سناها بك قامت دعائم الإرشاد
وقال فيه:
هو البحر بحر العلم غص فيه تلتقط جواهره واقصده يغنك نائله (1/116)
صفحة 117
بين عمان والبلاد المغاربية
وقال في رثائه له:
ولكم له من حكمة منشـ
117
ورة ومؤلف كالجوهر المكنون
(1)
شهدت على آثاره أسفاره ازهاره حفلت بحجم فنون
قد غاص بحر العلم وانطمس الهدى بذهاب هذا الطالع الميمون
الباروني مقاوم للمحتل الإيطالي
احتلت إيطاليا ليبيا، فكان على أحرار ليبيا مقاومة المحتل لإخراجه منها، وتحرير ليبيا، فكان من الباروني وفي مقدمة أولئكم الرجال الأحرار المجاهدين وكان العُمانيون يتابعون جهاد إخوانهم الليبيين، ويعرفون مقاومة الباروني لذلك الاحتلال البغيض، لذلك كان الشاعر أبو سلام يشيد به
عبر
عدد
من قصائده، و يذكر ذلك له حيث قال:
كم روايات لنا ع نك أتت
إنما أنت جحي
سعرت
وأحاديث بصدق وردت
لذوي الكفر إذا جاؤا الحمى
کم جواد لك في الحرب ورد و شجاع رام لقياك فرد وزعيم من بني الشرك فقد من شبا سيفك نال الألما سائل الطليان ماذا وجدوا من سليمان وماذا شاهدوا كلما نارا لحرب أوقدوا أطفؤوها إذا رأوه هجما
(1) إشارة إلى كتابه (الأزهار الرياضية). (1/117)
صفحة 118
C
118
التواصل الإباضي
وقال في هذا المعنى في قصيدة أخرى
وكم كرة للمشركين أتى بها وإن أوقدوا نارا طفتها ذوابله حسام لدين الله لم تثن عزمه صواعق إرهاب العدا ومعاوله هو الأسد الكرار في حومة الوغى إذا اشتبكت القنا ومناصله سمر قد أصبحت إيطاليا في مهانة لما شاهدت من بأسه إذ تقاتله
وقال في قصيدة أخرى: سمعنا بما أوقعته في طرابلس
وقال فيه أيضا:
فحسبك فخرا بالمعارك يرسم
كفى العرب فخرا أنت منهم وكيف لا وأنت أبو الهيجاء للحرب مسعر رأت دول الأحلاف أسرك راحة فابقتك في باريس) كالليث تزار
وقال فيه أيضا:
هو الفارس المقدام من شهدت له أروبا بما لاقت إذا البحر تسطع فإن قبضت كفاه سيفا سطا به وإن قلما منه الجبابر تخضع له صدمات في الحروب شهيرة تؤرخها إيطاليا ن تصرع فمن كابن عبد الله جيء بمثله إذا ازدحم الفرسان والبيض تلمع
(1) يشير إلى منعه من الخروج من فرنسا بطلب من إيطاليا، فبقي في باريس ومارسيليا حتى توسط له الشريف حسين بن علي حاكم الحجاز آنذاك فسمح له بالخروج. (1/118)
صفحة 119
بين عمان والبلاد المغاربية
الباروني بطلا
119
البطولة في الحروب وفي سائر مناحي الحياة أمر مطلوب ولا شك أنها في مجال الحرب والنزال لها الحسم في الغالب المعتاد، ما لم تكن هنالك ظروف تحول دون ذلك وقد كان العُمانيون ومن بينهم الشاعر أبو سلام، يتابعون الباروني في جهاده ضد الإيطايين وما كان يحققه من بطولات في حربه معهم، ومقاومته لهم، لذلك جاء وصفه في شعر أبي سلام بأنه البطل في الحروب ومن ذلك قوله:
ـل
قم يا رفيقي نلبي دعوة البطل نطوي الفيافي دجى ا الأسحار والأصل ونترك العيس تهوى والحداة بها كأنما سيرها ضرب من الخت حتى توافى بنا نزوى فننزلها عند الهمام فيشفيها من العـ
لل
صل
ذاك البروني من أم العفاة له فيصدرون بفضل الله متـ ووصفه في قصيدة أخرى بقوله: بطل الحروب أبو الفوارس من غدا فوق المجرة والسماء يحلق أسد يكر إذا الحروب تأججت نارا ومنه أخو البسالة يفرق ذاك البروني الذي أروى العـ دا بحسامه البار فهو موفق
وعندما ولى الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الباروني الوزارة التي
سماها شاعرنا أبو سلام (بنت العلا) قال فيه: (1/119)
صفحة 120
120
بنت العلا إن المعالي صعـ
التواصل الإباضي
إلا لمثلك أين هم يعلوك
خطبوك أرباب المناصب كلهـ لولا طلاب المجد ما خطبوك يتسابقون إليك كل يرتجى منك الوصال لأنهم عرفوك زفوك للبطل الغيور وأنت في حلل المكارم عندما زفوك جزلوك أرباب المناصب والعلى لابن البروني أنه لكفوك (1/120)
صفحة 121
بين عمان والبلاد المغاربية
الباروني سياسيا
121
خبر الباروني السياسة من كل جوانبها، وتمرس بها تمرسا طويلا، وتقلبت به كثيرا، بدءا من مقاومة الاحتلال الإيطالي في ليبيا، وعلاقته المتوترة مع الدول الغربية، وعلاقته مع الدولة العثمانية التي أوصلته إلى عضوية مجلس المبعوثان (الشورى)، في تركيا، ثم تنقلاته في العديد من الأقطار، وأقامته لعلاقات جيدة مع حكامها وأصحاب القرار فيها، وتأسيسه لأول جمهورية عربية في التاريخ
كل ذلك أعطاه خبررة كبيرة في شؤون السياسة الداخلية والخارجية، لذلك عند وصوله عُمان أحب أن يفرغ تلك الخبرات السياسية، والتجارب الإدارية لتكون معالم واضحة أو خطوطا عريضة تسير عليها الدولة في عُمان.
على أن قصيدته الغراء التي وجهها إلى الإمام محمد بن عبد الله الخليلي
رحمه الله تعالى ورضي عنه، تبين ذلك خير بيان، إذ يقول فيها: فانهض وشمر فالعوائق جمة ولذا الزمان سياسة خرقاء تذر العقول الراجحات بحيرة ويري بليدا من لديه ذكاء خل القضا لرجاله واعكف على تنظيم جند فالنظام دواء وامح التداعي بالقبائل إنه سهم العدوي ومحنة سوداء واجمع قلوبا بالخلاف تمزقت حتى يضم شتاتهن لواء ولشبل فيصل ول طرفك عاقدا معه الخناصر فالشقاق شقاء (1/121)
صفحة 122
122
التواصل الإباضي
دع ما تقدم واعملن لمقبل فلال فيصل همة ووفاء وامدد إلى نجد يديك مصافحا صمصامها بل نارها الزرقاء واعطف إلى سبط الرسول حميد من ضاءت بطلعت بدره صنعاء وهنالك الحدوا ولا تتفرقوا وتعها هدوا ولتشهدن حواء ودعوا وساوس من يفرق واذكروا مجد الجدود ليسعد العقلاء وضعوا الحدود بصورة مقبولة ترضي الإله فيطرب العقلاء وليعن كل بعد ذا ببلاده وكنوزها فلها بتلك عناء فعساكر وتجارة وصناعة وزراعة ومدارس علياء إذ ذاك يرجع للجزيرة عزها ولها جميع المسلمين فداء
من هنالك كان الشاعر أبو سلام غير محطئ عندما قال فيه: يا مرشد الأمم السياسة والهدى ارشد عُمان فأنت هاد موفق ولطالما حنت لوصلك ترتجي ما أملته وأنت حر مشفق
وقال فيه أيضا:
ما كل من يولي الأمور يسوسها إن لم يكن في بحرها عواما ما ضل قوم قلدوا آراءهم ابن البروني سيدا وهماما
وقال أيضا:
ولبوا دعاء ابن البروني واقبلوا إلى الرأي ما يلقيه يوم النوائب خبير بأحوال السياسة كلها لقد حنّكته الحرب أيدي التجارب (1/122)
صفحة 123
بين عمان والبلاد المغاربية
الباروني مصلحا
123
من واقع المعطيات التيي كان يتمتع بها الباروني من علوم ومعارف وخبرات، أصبح ينظر إليه إلى أنه مصلح، فهو مصلح ديني ومصلح سياسي، ومصلح اجتماعي، ومصلح تربوي إلى غير ذلك من وجوه الإصلاح، يعرف ذلك عنه من قرأ له رسائله وأشعاره وخطبه، فقد كان من دعاة الجامعة الإسلامية (الوحدة الإسلامية)، التي انطلقت في آخر القرن التاسع عشر الميلادي.
ونظرا إلى تلك القيم الإصلاحية التي كان يدعوا إليها في حياته، قال فيه شاعرنا أبو سلام
هذا سليمان بن عبد الله قد وافي إليكم فانشروا الأعلاما قد جاء يسعى في صلاح بلادكم متداركا أوطانكم قواما وقال مخاطبا له عندما ولاه الإمام الخليلي الوزارة:
قم سليمان في صلاح البلاد
إنما أنت عالم كيف أضحت فابذل النفس والنفيس وشمر نظم الجند واجمع المال واسلك وانشر العلم والمعارف وامحق فبهذا وذاك نحيا ونرقى
لا تبال بقول أهل العناد
أمم الغرب تزدري بالعباد واصرف الجهد من صميم الفؤاد بعمان سبل أهل الرشاد أثر الجهل من جميع البلاد ذروة المجد يا طويل النجاد (1/123)
صفحة 124
124
التواصل الإباضي
وقد أنشأ الزعيم الباروني مدرسة للتعليم العصري في مدينة سمائل عندما كان في مسؤولية دولة الإمام الخليلي، وفي ذلك قال أبو سلام
إذا.
ى ذاك الـ
ان أو انقض
فبالبط
ل الباروني يجتمـ
الشـ
مل
جاه
ــدا يحـ
البلاد مشمرا
ينادي وقد زك مقالته الفعـ
علت مفخرا أعلى سمائل () فاعتلت
بهمت
ــه القعاء على غيرها تعلـ
مر في إنشـ اء مدرسة بهـ
اء شعب طالم مه الجهل (1/124)
صفحة 125
بين عمان والبلاد المغاربية
رثاء أبي سلام للباروني
125
(1)
غادر الزعيم الباروني الحياة سنة 1359 هـ 1940 م في مدينة مومباي 1 بالهند، ذاهبا إليها للعلاج بصحبة السلطان سعيد بن تيمور الذي كان قد اتخذه مستشارا سياسيا، ورثاه شاعرنا أبو سلام الكندي بمرثيتين.
أولهما مطلعها:
ما بال ركن الدين أصبح منهدم وبلادنا أضحت كليل مدلهم.
ويقول فيها
وترى المعاقل نكست أعلامها حزنا فهل من حادث فينا ألم أبكي سليمان بن عبد الله ما قد عشت أبكيه بدمع منسجم لا زال يوليني الجميل حياته فالله يجزيه بما أولى نعم كيما أودي ما علي من الذمم كانت منيته بمباي فكم باك عليه من الأنام وكم وكم
يا ليتني كنت المشيع نعشه
والثانية مطلعها:
إن العروبة والشهامة والحجي طابت به شرفا وطابت تربة
ويقول فيها:
قد ضمنت قبرا به الباروني
بمباي فيا الله من مدفون
هذا سليمان بن عبد الله من ضبط البلاد غدا أليف بطون ذهب الذي نصب المعالي للعلى ودعا إلى إحياء علوم الدين رحل الفقيد له مآثر جمة بالمغرب الأقصى وأرض مزون.
(1) كانت تسمى بومباي بالباء سابقا، وفي السنين الأخيرة غير اسمها إلى مومباي. (1/125)
صفحة 126
126
هذه
التواصل الإباضي
هي صورة الزعيم سليمان باشا الباروني في شعر الشاعر الفصيح أبي سلام سليمان بن سعيد الكندي، كأنموذج لما حظى به الباروني من مكانة رفيعة عند العُمانيين، الأمر الذي جعل الشعراء العُمانيين يبادرون إلى مدحه والثناء عليه، ووصفه بالصفات الجميلة والخلال الحميدة، فهو البطل وهو المجاهد، وهو العالم وهو السياسي المحنك وهو المصلح الديني والاجتماعي والتربوي.
ولما كان الشاعر أبو سلام الكندي هو أكثرهم شعرا فيه، وأكثر تأثرا به اعتمدنا الصورة المشرقة المتعددة الجوانب والأبعاد للزعيم الباروني من شعر أبي سلام الذي أنشأ فيه سبع عشرة قصيدة وقصيدتين في رثائه.
والله ولي التوفيق.
المراجع:
1. ديوان أبي سلام الكندي، وتوجد عند الباحث نسخة مطبوعة على الآلة الكاتبة.
2. سليمان الباروني باشا في أطوار حياته للشيخ إبراهيم أبي اليقظان. . غاية السلوان، في زياة الباشا الباروني لعُمان، للدكتور سعيد بن محمد الهاشمي.
(1) مزون هي عُمان، ويقال إنها تسمية فارسية كما سماها السومريون، ماجان واسمها ا ا العربي: وأحيانا يطلق عليها في الشعر نعمان.
عُمان (1/126)
صفحة 127
بين عمان والبلاد المغاربية
القسم الثالث
تقديمات لكتب إباضية مغاربية)
127
(1) هذه تقديمات كنت قد وضعتها لكتب مغاربية، رأيت من المناسب إيرادها في هذا الكتاب، ليعم نفعها لما بها من جوانب فكرية وتاريخية تتعلق بالوجود الإباضي في بلاد المغرب. (1/127)
صفحة 128
128
التواصل الإباضي
تقديم لكتاب الدينونة الصافية
للعلامة الإمام عمروس بن فتح المساكني
تقديم
«إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه»
كلمة عظيمة من إمام عظيم في إمام عظيم.
هذه العبارة لهي شهادة علمية رفيعة المستوى، وأجازة من الأجازات العلمية العالية منحها واحد من أقطاب العلم وعظماء الإسلام ذلكم هو
الله عنه.
عنه
الله الإمام المحكم محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العُماني رضي إلى واحد من عباقرة العلم وعلماء الإسلام هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي رضي إن علاميَّة عمروس ودقة فهمه وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه جعلت من الإمام الكبير محمد بن محبوب إن يظهر إعجابه بهذا النابغة المغربي الذي سبقته شهرته العلمية إلى المشرق العربي ولا سيما عُمان عندما تم اللقاء بينهما في مكة المكرمة حرسها الله تعالى، حتى اخذ الحديث بالإمامين الكبيرين شجوناً وشئوناً كل مأخذ وتوغل بهما وتوغلا فيه إلى
مكنون العلم الذي يضن به على غير أهله.
(1)
هذا التقديم لكتاب الدينونة الصافية للعلامة الإمام عمروس بن فتح المساكني. (1/128)
صفحة 129
d
129
بين عُمان والبلاد المغاربية
إن هذه الحادثة اللقائية المكية ترشدنا إلى ما لعمروس من منزلة عظمى
في العلم ودرجة عليا في الفهم.
لذلك نجد إمام المنقول والمعقول أبا يعقوب الوارجلاني رضي الله عنه يورده في كتابه ((الدليل والبرهان ((من بين الأئمة العشرة الذين نقل عنهم مسائل عقدية تعتبر قواعد في علم العقيدة.
فلا غرو أن تأتي ((الدينونة الصافية)) صافية من غير كدر نقية من أية شائبة عذبة المورد سائغة للشاربين.
على أن الدينونة معناها الدين وهو دين الإسلام الحنيف، مشتقة من دان يدين وهي كلمة ليست لها صيغة تصريفية عند العرب، وإنما مما عدوه من النوادر وقليل النظائر ومنه قولهم طار طيرورة، وسار سيرورة، وحاد حيدودة، وكان كينونة، ودام ديمومة وهاع هيعوعة، وساد سيدودة، وقال قيلولة)).
إن هذا العمل الجليل هو واحد من نتاج فكر عمروس ووحي عبقريته
الفذة ضمنه دقيق مسائل العبادات وواضح قضايا الأحكام.
ولقد جاء عمل الأستاذ الفاضل / حاج أحمد بن حمو كروم في تحقيق الكتاب جهداً واضحاً ملموساً، فهو قد بذل فيه جهداً مشكوراً حيث استطاع أن يجمع مخطوطات خمسا للكتاب وهو أمر يعتبر من أساسيات عمل التحقيق. (1/129)
صفحة 130
130
التواصل الإباضي
وإن وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد / فيصل بن على بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة حينما تهم بنشر هذا الكتاب فإنها تضيف إلى المكتبة الإسلامية كنزاً قيما من كنوز العلم والمعرفة، وتملأ بذلك حيزاً من مساحة الفكر الإسلامي العظيم عقيدة
وشريعة.
وما ذلك إلا إستلهاماً من توجيهات القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ليكون حاضر هذه الأمة موصولا بماضيها تراثاً، وليكون اللاحق سائراً على درب السابق تاريخاً، وليكون السلوك مستمداً من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ومأثور أهل العلم اعتقاداً وعملاً.
والله نسأله التوفيق إلى كل خير والسداد في القول والعمل وصلى الله
على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
10/ 6 / 1418 هـ
12/ 10/ 1997 م. (1/130)
صفحة 131
بين عمان والبلاد المغاربية
أولا: المؤلف:
تقديم لكتاب السير للشماخي المؤَلِّفُ وَالْمُؤَلَّفُ)
131
مؤلف كتاب السير هو الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمد بن عمر بن يحي بن إبراهيم بن موسى بن عامر الشماخي.
فهو من أسرة الإمام المحقق العلامة النحرير أبي ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي رضي الله عنه صاحب كتاب الإيضاح في الفقه، حيث يلتقي معه في جده عامر الشماخي، لذلك فالمؤلف نفسه ينتمي إلى أسرة كريمة المحتد وعائلة عريقة ضاربة بجذور راسخة في العلم والفضل، وقد لقب المؤلف رحمه الله - ببدر الدين فهو بدر الدين الشماخي، ويختصر أحيانا فيقال له البدر، ويجد القارئ في الكتب التي تحكي أقواله وآراءه وقال
البدر».
وكان مولده في الأربعينيات من القرن التاسع الهجري، وهذا على وجه التقريب ليس إلا، حيث إننا لم نعثر على تاريخ محدد لولادته بيد أن أباه الشيخ أبا عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي توفي سنة 865 هجرية، والمؤلف لا يزال في طور الشباب ومرحلة اليفوعة.
(1) هذا التقديم لكتاب السير للشماخي. (1/131)
صفحة 132
132
التواصل الإباضي
ولكونه من تلك الأسرة أسرة الشماخى أسرة العلم والفضل والصلاح، كان لا بد له منذ صغره ونعومة أظفاره من الالتحاق في رحاب العلم والعلماء، فلازم أساتذة أجلاء وعلماء فضلاء لهم القدم الراسخة في العلم، واليد الطولى في الفهم، فاول ما أخذ العلم عن الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي من نفوسة بليبيا، ثم أتاحت له الظروف التنقل بين ليبيا وتونس، وهيأت له الأقدار أشياخا، عظماء فتلقى العلم في تونس
على كل من:
-1
-2
العلامة الجليل البيدموري.
الشيخ يونس بن محمد.
- الشيخ أبو زكريا يحي بن عامر بن إبراهيم.
- الشيخ أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى.
وبلغ الإمام أبو العباس الشماخي رضي الله عنه منزلة كبيرة في العلم ونال درجة عالية منه، وأخذ منه بحظ وافر، ولنستمع إلى الشيخ العالم البارع دفين القاهرة أبي إسحاق إبراهيم اطفيش وهو يحدثنا عن تلك المكانة العلمية التي تبوأها المؤلف والمنزلة التي نزلها حيث يقول: «وأبو العباس من أعلام العلم الذين نبه لهم شان عظيم لجدهم واجتهادهم، وبلغوا منزلة قصوى في العلم، كانوا بها منارا يهتدي به، وعلما يعتصم به، ويلجأ إليه. إذا ألف وصنف كان آية وإذا ردت إليه مشكلة كان في حلها غاية، وإذا (1/132)
صفحة 133
بين عمان والبلاد المغاربية
133
علوم
حضر مجلسا من مجالس العلم كان فيه النهاية له من التصانيف: عدة كلها تعد من الأمهات». أما التأليف فقد ضرب فيه بسهم ووطئ فيه بقدم، فقد ألف العديد من المؤلفات القيمة المفيدة التي أصبحت مصادر لا يستغنى عنها ومن مؤلفاته:
1 - كتاب السير الذي بين أيدينا وهو في تراجم علماء الإباضية. 2 - مختصر العدل والإنصاف، اختصر فيه كتاب العدل والإنصاف للإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في أصول الفقه والاختلاف.
- شرح مختصر العدل والإنصاف، ويعتبر من أهم وأروع كتب أصول الفقه، أودعه آراء في الأصول الفقهية لم يسبقه إليها، وهو
تحت التحقيق حاليا على يد أحد الأساتذة المهتمين بالعلم.
4 - شرح مرج البحرين، وقد شرح فيه كتاب مرج البحرين للإمام الوارجلاني في المنطق والفلسفة، ولأهمية هذا الكتاب فقد تمنى الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني – مؤلف النيل - رحمه الله الوقوف عليه قائلا: «غير أني سمعت أن البدر الشماخي علق
عليه (مرج (البحرين) شرحا عجيبا ولكنه ضاع فيا ليتني كنت له
مصيبا».
<-0
إعراب القرآن. (1/133)
صفحة 134
134
التواصل الإباضي
6 - إعراب مشكل الدعائم، وكتاب الدعائم هو للعلامة أحمد بن النظر الناعبي السمائلي، العماني من علماء القرن السادس
الهجري.
شرح متن الديانات، وقد شرح فيه رسالة متن الديانات في
التَّوحيد للإمام أبي ساكن عامر بن علي الشماخي.
- رسائل في علم الكلام والفقه.
والظاهر أن للمؤلف كتبا أخرى لم يُقدَّر لها أن تصل إلينا وقضت عليها عوادي الدهر، يقول الشيخ أب إسحاق اطفيش – رحمه الله-: «وبعد فإني أرى أن البدر الشماخي من المؤلفين المكثرين، ويظهر أن له مصنفات في الفروع الفقهية، بيد أنها لم تصل إلينا، بل لعبت بها أيدي التلاشي، وعبتث بها عوادي الغواشي فكانت أثرا بعد عين».
وخلال إقامة المؤلف في تونس في جزيرة جربة إحدى حواضر العلم في العالم الإسلامي، زاره أحد المشايخ العمانيين، هو محمد بن عبد الله السمائلي، ويظهر أن الشيخ العماني لديه إلمام بعلوم الطب، فقد ذكر المؤلف في هذا الكتاب - كتاب السير - إنه ذهب لزيارة أبي يوسف يعقوب أحمد بن موسى ومعه الضيف العماني، معهما الشيخ: يونس بن محمد،
بن
وكان الشيخ أبو يوسف مريضا، قال فتكلَّما في الطب فأفحمهما.
وانتقل المؤلف رحمة الله تعالى عليه ورضوانه إلى جوار ربه سنة 928 هجرية بعد حياة حافلة بالجد والنَّشاط في خدمة العلم والدين مليئة (1/134)
صفحة 135
بين عمان والبلاد المغاربية
135
بأعمال البر والطاعات وقد اختلف في مكان وفاته، فذهب بعض إلى أنه توفي في يفرن بجبل نفوسة في ليبيا، وهذا الذي ذكره الشيخ ابو إسحاق اطفيش، بينما ينقل الأخ الأستاذ مهنى عمر في مذكراته عن البدر الشماخي تحمس الشيخ سالم بن يعقوب وهو من علماء جربة ومؤرخيها المعاصرين، إلى القول بأنه توفي في جزيرة جربة ودفن فيها، فرضي الله عن بدر الدين لما قدمه من أجل خدمة للدين.
ثانيا: المؤَلَّفَ:
أما المؤلفُ فهو كتاب السير، ويتضمَّنُ تراجم العلماء أجلاء فضلاء، وقادة عظماء أسهموا في تكوين الواقع التاريخي إسهاما وافرا ونزيها، يحدوهم في تلك المسيرة التاريخية الخيرة تطبيق شريعة الإسلام نظام حكم ومنهج حياة وسلوك أفراد وتعامل، مجتمع، وإن القارئ ليجد متعة السلوك الإسلامي الذي أحاط بحياة وسيرة أهل الاستقامة منذ الرعيل الأول في القرن الأول الهجري، ذلك السلوك الذي يملك – ولا ريب- على القارئ مشاعره ووجدانه وينقله نقلة من مشاغل الحياة المادية الجافة إلى ساحة العمل الإسلامي الجاد، المتمثل في أولئك الأشخاص الذين يلتقي بهم عبر صفحات هذا الكتاب القيم الهادف، وهو يحكي تاريخهم وأحوالهم وكراماتهم وسيرتهم المثلى، فمن خلاله يرتبط القارئ بأولئك العلماء العظام ارتباطا وثيقا محكما لتمتد السلسلة التاريخية متشابكة الحلقات بين السابق واللاحق ألا وإن التدليل على أهمية هذا الكتاب كتاب السير - (1/135)
صفحة 136
136
التواصل الإباضي
في مضمونه ومحتواه أمسك القلم تاركا الحديث لشيخين عالمين جليلين هما الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ علي يحي امعمر، فلنستمع أولا إلى صاحب القول الجامع والقلم البارع إبي إسحاق اطفيش رحمه الله تعالى في قوله: «ومن مراجع تراجم الرجال وتاريخ أهل الحق والاستقامة: كتاب السير له، يظن الذين لا حظ لهم من التاريخ، ولا قدرة لهم على جوب مراحله ودخول ميادينه انه كتاب غير مفيد، ولكنهم لا يعلمون انه ثروة ومادة أخذت من كل ناحية بسبب واختصت بذكر أساطين العلم والدين، وأتت منهم بعجب، وانى لأطالع هذا الكنز المكنون، والفلك المشحون، ولا أزال أكتشف فيه الاعلاق وجلائل تاريخ الأئمة، ومفاتيح ما أغلق من تاريخ الإباضية وسط الأمة الإسلامية بشمال إفريقية ... تاريخ العلم والعمران، وازدهار الدين والايمان». أما الشيخ علي يحي امعمر فيقول: «وإذا كانت الحركة المباركة آتت ثمارا طيبة وتركت لنا تراثا مجيدا تفتخر به المكتبة الإسلامية فإن طريقة أبي العباس في كتابه القيم (السير)، طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ، فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة ويتتبعون المظاهر الحادعة من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام إلى أن قال: «لقد قرات من كتب التاريخ وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع فلم أجد ما يستهويني، كما أجد ذلك في كتابه (السير)، هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة (1/136)
صفحة 137
بين
عمان والبلاد المغاربية
137
قرون، أرأيت القصصي الموفق الذي يستطيع أن يبعث الحياة في شخوص أبطاله ويجعلك معجبا بهم مهتما بأعمالهم، إنه أبو العباس الشماخي، قصة حياة أمة خلال عشرة قرون، وأبطالها الحقيقة لا
وقصته هذه
هي
الخيال، حقيقة الحياة بما فيها من متعة، بما فيها من فقر وغنى، بما فيها من حركة وصراع ونضال، بما فيها من عمل فردي وجماعي، والأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى كتاب من هذا الطراز يصورون الواقع كما هو، وكما تشهد به الحياة، وكما يجري به التاريخ الواقعي في فلك الزمان الطويل».
هذا ما قاله العالمان الجليلان في حق هذا الكتاب، وكفى به قولا ينبئ عن أهمية هذا الكتاب المفيد وأعظم به حجة تبرهن عن جلالة قدره وعظيم محتواه، على أن كتاب (السير) يعتبر مصبا لكثير من الكتب التي تقدمته والتي فقد الكثير منها مثل كتاب النهروان، وكتاب للإمام أبي يعقوب الوارجلاني وغيرها من الكتب مما أعطاه صفة المصدرية الموثوقة، وقد طبع بمطبعة حجرية في القاهرة من نخسة منقولة كانت بخط المؤلّف نفسه، وقام بالطبع الشيخان الفاضلان محمد بن يوسف الباروني، وسليمان بن مسعود النفوسي.
وقد انتشرت النسخ المتفرعة عن هذه الطبعة المباركة شرقا وغربا بحيث لم يعد الناس يقرأون سواها، بيد أنها مشحونة بالأخطاء الإملائية، فصححنا هذه الطبعة وفق قواعد الإملاء الحديثة، وما وصل إليها الخط (1/137)
صفحة 138
138
التواصل الإباضي
العربي من تطور في هذا الفن، إضافة إلى اللمسات الفنية التي عملناها في
كيفية طبع الكتاب وإخراجه بهذا الشكل المناسب إن شاء الله. وقد رجعنا إلى كتاب (الطبقات) للإمام أبي العباس الدرجيني الضبط بعض الكلمات والأسماء بصفته أهم رافد لكتاب (السير)، فكان عملنا هذا - ولله الحمد- يقرب من التحقيق العلمي المعروف لم ينقصه سوى تعدد النسخ، وقد ألحق بآخر الكتاب في الطبعة الأولى (الحجرية) بعض
الرسائل هي: 1 - رسالة في ذكر نسب الدين.
2 - منظومة ةللشيخ الباروني.
3 - رسالة في ذكر بعض المشايخ.
- {
رسالة في تسمية بعض مساجد جبل نفوسة.
فأثبتناها في هذه الطبعة أيضا إتماما للفائدة.
ونرى لزاما علينا أن نتوجه بالشكر الجزيل إلى وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد وزير التراث القومي والثقافة على العناية والاهتمام والجهود العظيمة الطيبة التي تبذل لنشر كتب التراث التي من بينها هذا الكتاب القيم المفيد. ونسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب وما وضعناه فيه من عمل مفيد
إنه ولي التوفيق
مسقط. (1/138)
صفحة 139
بين عمان والبلاد المغاربية
تقديم كتاب الفرق بين الإباضية والخوارج
مقدمة
139
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ
وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ كَثرَ الْخَلْطُ وَالنَّهْرِيجُ حَوْلَ نِسْبَةِ الإِبَاضِيَّةِ إِلَى الْخَوَارِجِ، وَيَظْهَرُ التَّكَلْفُ سَافِرًا فِي جَعَلِ الإِبَاضِيَّة فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْخَوَارِجِ، وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْخَوَارِجِ عَلَى الإِبَاضِيَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ مِنَ الدُّعَايَاتِ الْغَاخِرَةِ، الَّتِي نَشَأَتْ عَنِ التَّعَصُّبِ السَّيَاسِي أَوَّلاً، ثُمَّ عَنِ الْمَذْهَبِي ثَانِيَا.
عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتْ ثَمَّةَ عَلاقَةٌ تَرْبُطُ الإِبَاضِيَّةَ بِالْخَوَارِجِ الأَزَارِقَةِ وَالصَّفْرِيَّةِ وَالنَّجْدِيَّةِ) وَغَيْرِهَا مِنْ فِرَقِ الْخَوَارِجِ، وَإِنَّمَا هِيَ دِعَايَةٌ اسْتَعَلَّتْهَا الدَّوْلَةُ الأَمَوِيَّةُ لِتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنِ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِعَدَمِ شَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ الأُمَوِيِّ، كَمَا أَن جَعَلَ الْمُحَكَمَةِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ) - الَّذِينَ هُمْ سَلَفٌ لِلإِبَاضِيَّةِ وَلَيْسُوا سَلَفًا لِلأَزَارِقَةِ وَالصُّفْرِيَّةِ وَالنَّجْدِيَّةِ - مِنَ الْخَوَارِجِ، هُوَ مِنْ وَضْعِ
(1)
هذا التقديم.
هو لكتاب الفرق بين الإباضية والخوارج. (1/139)
صفحة 140
140
التواصل الإباضي
الْوَاضِعِينَ، وَمِنْ صُنْعِ أَرْبَابِ الأَقْلامِ الْمُغْرِضَةِ، مَعَ أَنَّ الْخَوَارِجَ يَسِيرُونَ فِي خَط مُعَاكِسٍ مَعَ الإِبَاضِيَّةِ، يَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ الْمَبَادِي وَالْأُسُسِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا مَدْهَبُ كُلِّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلِلإِبَاضِيَّةِ الْعَدِيدُ مِنَ الْمَوَاقِفِ ضِدَّ الْخَوَارِجِ، مِنْهَا:
أَوْلاً: قِتَالُ الْقَائِدِ الشَّهِيرِ الْمُهَلب بن أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ الْعُمَانِي لِلْخَوَارِجِ، وَالْمُهَدَّبُ وَإِنْ كَانَ مُوَالِيًا لِلأُمَوِيِّينَ – وَهُوَ بِالطَّبْعِ عَمَلٌ لَمْ يَرْضَهُ الإِبَاضِيَّةُ - فَإِنَّ مِنَ الثَّابِتِ تَارِيخيا أَنَّ أُسْرَةَ آلِ مُهَلْبٍ كَانُوا إِبَاضِيَّةً، وَكَانُوا عَلَى انْصَالِ وَثِيقِ بِالْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الْأَزْدِيِّ رَضِيَ ا يَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمْ يَبْدُلِ الْمُهَلْبُ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ إلا لِعِلْمِهِ بُعْدَ الْعَلاقَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإِبَاضِيَّةِ.
ثانيا: كَانَ الإِمَامُ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبَاضِ شَدِيدًا إِزَاءَ الْآرَاءِ وَالْأَفْكَارِ الَّتِي يُنَادِي بِهَا نَافِعُ بْنُ الأَزْرَقِ، وَكَانَ يُعْلِنُ بُطْلَانَهَا بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ،
وَيُحَدِّرُ مِنْهَا النَّاس.
ثالثًا: كَانَ الْمُحَدِّثُ الْحُجَّةُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبيبِ الْفَرَاهِيدِي صَاحِبُ الْمُسْنَدِ يَبْرَأُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ يَقُولُ فِيهِمْ: دُعُوهُمْ حَتَّى يَتَجَاوَزُوا الْقَوْلَ إِلَى الْفِعْلِ، فَإِنْ بَقُوا عَلَى قَوْلِهِمْ فَخَطَؤُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ تَجَاوَزُوهُ إِلَى الْفِعْلِ حَكَمْنَا فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ. رابعا: قِتَالُ الإِمَامِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ لِشَيْبَانَ الْخَارِحِيِّ - وَهُوَ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ - عِنْدَمَا قَدِمَ فِي جَيْشِ إِلَى عُمَانَ هَارِبًا مِنَ السَّفَاحِ - (1/140)
صفحة 141
بين عمان والبلاد المغاربية
141
الْحَاكِمِ الْعَبَّاسِيِّ - وَدَارَتْ مَعْرَكَةٌ بَيْنَ جَيْشِ الْإِمَامِ الْجُلَنْدَى وَبَيْنَ
شيْبَانَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَسْفَرَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنْ مَقْتَل شَيْبَانَ وَجُنُودِهِ. خامسًا: كَانَ الْبَطَلُ الْمِغْوَارُ هِلالُ بْنُ عَطِيَّةَ الْخُرَاسَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الَّذِي صَارَ الْقَائِدَ الأَوَّلَ فِي جَيْشِ الإِمَامِ الْجُلَنْدَي بْنِ مَسْعُودٍ، كَانَ عَلَى الْمَدْهَبِ الصُّفْرِي، ثُمَّ اعْتَتَقَ الْمَدْهَبَ الإِبَاضِيِّ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ الإباضيَّةُ الانْضِمَامَ إِلَيْهِمْ إِلا بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الَّذِينَ دَعَاهُمْ إِلَى مَبَادِي الْخَوَارِجِ، وَيُعْلِمَهُمْ بِبُطْلَانِ تِلْكَ الْمَبَادِي وَالآرَاءِ الَّتِي دَعَاهُمْ إِلَيْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى عُمَانَ فَكَانَ قَائِدًا وَوَزِيرًا لِلإِمَامِ الْجُلَنَدَى بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْمَوَاقِفِ الصَّارِمَةِ الَّتِي وَقَفَهَا الإِبَاضِيَّةُ ضِدَّ الْخَوَارِجِ، تَخْتَفِي بَيْنَ رُكَامِ الْأَحْدَاثِ وَتَكْمُنُ فِي زَوَايَا التَّارِيخ
وَيَأْتِي هَذَا الْبَحْتُ الْقَيِّمُ الَّذِي كَتَبَهُ الشَّيْخُ الْعَلَامَةُ الْجَلِيلُ أَبو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ أَطْفَيْش رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مُوَضّحًا النِّقَاطَ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا الإباضيَّةُ مَعَ الْخَوَارِجِ، وَرَاسِمًا الْخُطُوطَ الْعَرِيضَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ عَظَمَةَ الْمَبَادِيِّ وَسُمُو الآرَاءِ الَّتِي يَقُولُ بِهَا الإِبَاضِيَّةُ وَأَخَدُوا بِهَا نَظَرِيَّةٌ وَتَطْبيقا. (1/141)
صفحة 142
142
التواصل الإباضي
وَقَدْ كَتَبَ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الْبَحْتَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ الشَّيْخ إبْرَاهِيمَ مُحَمَّدِ عَبْدِ الْبَاقِي مِنْ عُلَمَاءِ الأَزْهَرِ، وَنَشَرَهُ فِي كِتَابِهِ الدِّينُ وَالْعِلْمُ الْحَدِيث ص 252 - 264 فِي مَعْرِضَ حَدِيثِهِ عَنِ الْفِرْقِ الإِسْلامِيَّةِ، تَحْتَ عُنْوَانِ تُبْدَةٌ عَنِ الْخَوَارِجِ
وَقَالَ مُؤَلِّفُ كِتَابِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ الْحَدِيثِ قَبْلَ سَيَاقِهِ لِلْبَحْثِ وَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ شَرِيحًا يَضِنُ عَلَيَّ بِالْبَحْثِ عَنْهُمْ - أَي الإِبَاضِيَّةِ وَالْخَوَارِج - وَالتَّنْقِيبِ، الصَلْتُ بِمَنْ لَهُ خَيْرَةٌ يهمْ، وَهُوَ زَعِيمُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تُسَمَّى الإباضية، هَذا الزَّعِيمُ يُسَمَّى أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ أَطْفَيَّش، مُوَظَّفٌ بِدَارٍ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، فَكَفَانِي مَؤُونَةَ الْبَحْثِ كَمَا نَشَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ السَّالِمِيُّ وَناحِي عَسَّافَ فِي كِتَابِهِمَا عُمَانُ تاريخ يَتَكَلَّمُ ص 103 - 114، وَنَشَرَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ عَلِيُّ يَحْيَى مُعَمَّرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْقَيِّمِ الإِبَاضِيَّةُ بَيْنَ الْفِرَق الإِسْلامِيَّةِ ص 531 - 541.
وَلا رَيْبَ فَإِنَّ جَعَلَ هَذَا الْبَحْثِ بَيْنَ دَفَتَيْ كُتُيِّبٍ صَغِيرِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسَهْلَ ـ إِلَى حَدٌ كَبِيرٍ - عَلَى الْكَثِيرِ مَعْرِفَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ الإِبَاضِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ
-
وَلِتَعُمْ بِهِ الْفَائِدَةُ.
وَاللَّهَ نَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنَا إِلَى خَيْرِ الْقَوْلِ وَصَالِحِ الْعَمَلِ. (1/142)
صفحة 143
بين عمان والبلاد المغاربية
تقديم كتاب الإباضية مذهب إسلامي معتدل
1 - تعريف المؤلف:
للعلامة الشيخ علي يحي امعمر
تقديم)
143
مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ العلامة الأديب المؤرخ علي يحيى معمر ولد وخرج إلى هذه الحياة سنة 1337 هـ / 1919 م حيث صافحت عيناه النور في قرية تكويت من اقليم نالوت في ليبيا.
ونشأ وترعرع في أسرة صالحة كريمة على جانب كبير من الصلاح والاستقامة والمحافظة على مقتضيات الدين وواجباته، وكان لتلك التربية الصالحة والتنشأة المستقيمة أثر طيب انعكست إيجابياته على حياة الشيخ علي
فشاب على ما شب عليه من الاستقامة والنزاهة وحسن السلوك.
حياته الدراسية:
(Y),
ابتدأ حياته العملية بالالتحاق باحدى مدارس القرآن العظيم، كعادة أبناء المسلمين، امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عَلِمُوا أولادَكُم القُرآنَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَن يُتعلَّم مِن عِلمِ اللهِ هُو (3)، فدخل مدرسة الشيخ عبدالله بن مسعود الكباوي، وبعدها انتقل إلى المدرسة الابتدائية فأظهر نبوغا فائقاً وذكاء حادا وموهبة وقادة امتاز بها بين زملائه، ولفت بذلك أنظار أساتذته، وكان من محاسن الصدف ومشيئآت القدَر مَجيءُ الشيخ العالم رمضان بن يحيى الليني
(1) هذا التقديم هو لكتاب الإباضية مذهب إسلامي معتدل للعلامة الشيخ علي يحي امعمر.
(2) الحديث أخرجه الربيع في باب (3) ذكر القرآن، ر 3. (1/143)
صفحة 144
144
التواصل الإباضي
الجربي التونسي إلى ليبيا، والشيخ الليني من طلبة قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش - رضوان الله عليه، فانظم المؤلف إلى حلقته ولازمه ملازمة تنم عن رغبة الطالب وحرصه وسعة علم الشيخ وحسن إفادته، وبعد أن نمت مواهبه العلمية وقوي إدراكه لشتّى فنون العلم رنا بصره خارج
امتداد
الحدود الليبية وكانت تونس وجهته، فدفعه طموحه إلى السفر إليها، وتم له السفر إلى جزيرة جربة حاضرة العلم بالقطر التونسي سنة 1347 هـ/ 1927 م مقتفياً أثر شيخه الليني الذي عاد إليها قبل هذا الوقت بقليل، فانظم إلى حلقته مرة ثانية ولازمه واغترف من معين علمه الذي يعتبر لعلم قطب الأئمة أمحمد بن يوسف ذلك العملاق العلمي العظيم. وبعد ذلك انتقل إلى تونس العاصمة حيث التحق بجامع الزيتونة، الجامع العريق في تونس، وفي عام 1357 هـ / 1937 م شدَّ الرحيل إلى، مُولّيا وجهته شطر معهد الحياة بالقرارة بوادي ميزاب، ذلك المعهد الذي يعتبر واحدا من أهم صروح العلم والمعرفة في العالم الإسلامي، فالتحق به طالبا، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ظهر لأشياخه مستواه العلمي الجيد، وما يملكه من أرضية علمية قادرة على العطاء، فأسندت إليه مهمة التدريس في المعهد، فصار تلميذا ومدرساً في آن واحد، الأمر الذي حفزه على المزيد من البحث والتنقيب عن مكنونات العلم ودقائقه وعن مرويات الأدب وروائعه، وقد استفاد علماً كثيراً خلال وجوده بمعهد الحياة وخاصة من الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، والشيخ عدّون بن بلحاج (مدير المعهد حالياً)، وظل على هذا (1/144)
صفحة 145
بين عمان والبلاد المغاربية
145
الحال سائراً على هذا المنوال حَتَّى سنة 1365 هـ/ 1945 م فقفل عائداً إلى وطنه ليبيا ليؤسس بها نهضة فكرية.
نشاطاته: لقد كان من أبرز أوائل نشاطاته إنشاؤه جمعية في جربة بتونس، مهمتها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثناء وجوده بمعهد الحياة ب وجد أرضاً خصبة وجواً صالحاً لتعدد نشاطاته الهادفه المركزه، من تكثيف في إلقاء الدروس ومشاركة فعاله في الجمعيات الأدبيه والفرق الرياضيه والمسرحية بالمعهد.
وكان من أبرز محرري مجلة «الشباب» التي كان يصدرها طلبة المعهد، كما برز في إنشاء الأناشيد المعبرة؛ أوحتها إليه البيئة الوطنية الثائرة، يقول أحد المشايخ عن تلك الأناشيد: «أناشيده تلهب المشاعر وتحرك الشجون، وتترك الجبان الرعديد لينا هصورا»، وعندما رجع إلى وطنه ليبيا شمر عن ساعد الجد وكشف عن ساق الجهد، وأخذ يعمل على الرفع من مستوى أبناء وطنه فكريا وعلميا، وأنشأ مجلة سماها البراغ ولكنها صودرت لأسباب سياسية بعد أن صدر منها ثلاثة أعداد. ثم حاقت به ضائقة مالية أفرزتها أسباب إجتماعية وظواهر كونية، فلم يجد بدا من اللجوء إلى العمل الوظيفي الرسمي، فتعين مدرساً ثم تدرج وظيفياً من مدرس إلى مدير مدرسة إلى موجّه تربوي فموثق تربوي، ثم استقر
به المطاف وطاب له المقام في طرابلس الغرب في وظيفة محترمة بوزارة التربية مبجلا مُكرَّما من زملائه ومسؤوليه المباشرين، وقضى حياته شعلة.
من
النشاط
لا تنطفئ وهمة من العمل لا تفتر وعزيمة في مواجهة الأحداث لا تلين، (1/145)
صفحة 146
146
التواصل الإباضي
فكان يلقي الدروس والمواعظ وينشر المقالات الدينية والأدبية في عدد من الصحف المشهورة في العالم، كما أنه تحقق على يديه كثير من المصالح منها تأسيس مدرسة ابتدائية ومعهد للمعلمين في بلدة "جادو، وجمعية الفتح ومدرسة الفتح في طرابلس.
وكان للتأليف نصيب كبير واهتمام وافر من جهوده ووقته؛ فألف العديد
من المؤلفات القيمة المتميزة بالعرض الجيد والتحليل العميق.
مؤلفاته:
1. الإباضية في موكب التاريخ أربع حلقات).
الإباضية بين الفرق الإسلامية.
أسرة مسلمة. سمر
4. الميثاق الغليظ.
0
الفتاة الليبية ومشاكل الحياة. 6 الأقانيم الثلاثة أو الهة من الحلوى.
الإسلام والقيم الإنسانية.
فلسطين بين المهاجرين والأنصار.
أجوبة وفتاوى.
10. صلاة الجمعة.
11. أحكام السفر في الإسلام.
12. مسلم ولكنه يحلق ويدخن.
13. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (1/146)
صفحة 147
بين عُمان والبلاد المغاربية 14. الحقوق في الأموال.
147
15. الإباضية مذهب إسلامي معتدل (وهو بين يدي القارئ) نشر مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
16. دواوين شعر. وعددها ثلاثة ولكنه أحرقها، ولم يبق من شعره إلا ما نشر في الصحف والمجلات، وآخر ما سال به يراعه وفاضت به قريحته قصيدة شعرية قالها في مهرجان ذكرى أبي اليقظان الذي أقامته
جمعية البلابل الرستمية في غرادية سنة 1979 م، نقتطف منها هذه
الأبيات:
ــتني إلى الذكرى بلابل رس
ستم
وقالت أبو اليقظان يرحمه الله
تقام له الذكرى فهل أنت حاضر
لتلق
ا أو تشيد بذكراه
سلام أبا اليقظان ما قام شاعر
يغني بليلاه ويشدو بنجـ
كما كنت في: عهـ د الشباب وقد غدا لك الشعر مملوكا تذل مطايـ
بكل فم ليلى يردده ذكرها ويحظى بلقياه وتحظى بلقياه وليلى أبي اليقظان أمة مُحَمَّد له وحدها قد صاغ ما كان غناه
واه (1/147)
صفحة 148
148
التواصل الإباضي
فلولاه ما كانت بلابل رستم ولا طرب الوادي ومالت حناياه سلام أبا اليقظان ما ظل كاتب ينسق أشتات البيان ومعناه على صفحات للجرائد طرزت أنا ملك العجفاء ما يعلم الله
إلى أن قال بعد ذكر الصحف التي أصدرها شيخ الصحافة أبو اليقظان: ثمان من الصحف العزيزة عطلت
ولكن صوت الحق عاشت قضاياه
دعوت بها للحق والحق مرهق
تحاربه الأعداء دوما وتخشاه
وهكذا نلاحظ شعره يمتاز بروعة المعنى وسلاسة المبنى، وله أيضاً عدد كبير من المقالات والبحوث وعلق على عدد من الكتب وله مسرحيتان: - الأولى: مسرحية ذي قار وهي ذات مغزى سياسي.
- والثانية: مسرحية محسن. وفاته: انتقل المؤلف إلى رحمة الله تعالى وسلّم الروح إلى بارئها في 27 صفر 1400 هـ الموافق لـ: 15/ 1 / 1980 م، بعد أن تدهورت صحته تحت وطأة الضغوط السياسية.
2 - الكتاب:
كتاب الإباضية مذهب إسلامي معتدل هو آخر ما ألفه الشيخ علي يحيى معمر أو أنه من أواخر تآليفه، وكان هذا الكتاب في الأصل بحثاً أعده (1/148)
صفحة 149
بين عمان والبلاد المغاربية
149
المؤلف الموسوعة الحضارة العربية، ثم توسع فيه حَتَّى صار على هذا الشكل
والمضمون، وقد فرغ من تأليفه سنة 1399 هـ / 1979 م.
وحدثني فضيلة الشيخ الفقيه محمد بن الشيخ (أستاذ الفقه وأصوله بمعهد الحياة)، فقال: «كنا في شهر رمضان من عام 1399 هـ في ليبيا فأطلعنا الشيخ علي يحيى معمر على كتابه الإباضية وقال لنا: «إن هذا الكتاب سيكون آخر مؤلفاتي عن المذهب الأباضي، وعليكم أن تواصلوا المسيرة في هذا الموضوع، وتوضحوا للناس مبادئ هذا المذهب وتتحملوا الدفاع عنه» .. وبعد هذا اللقاء بأشهر قليلة توفي الشيخ علي - رَحِمَهُ اللهُ، وإنه لمن فضل الله تعالى وصول هذا الكتاب إلى الأستاذ الفاضل محمد اطفيش بدار الكتب المصرية بالقاهرة، في أوراق مكتوبة بالآلة الكاتبة، وقام بإرسالها مشكوراً إلى شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي (مفتي سلطنة عمان)، فدفعها إليَّ لنشرها لتعم فائدتها، وقد تزامن مع وصول الكتاب - أو الأوراق - إلينا وجود بعض الإخوة من أساتذة معهد الحياة ب منهم الأخ الأديب الكاتب مُحَمَّد ناصر بو حجام (أستاذ الأدب العربي في المعهد) فأخذوا نسخة مصورة منه، وقام بطبعه في تحت عنوان «الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، ووضع له مقدمة قيمة وترجمة مفيدة عن حياة المؤلف استقينا منها معلوماتنا المدونة أعلاه عن المؤلف رحمه الله-، ولكن الأوراق التي وصلت إلينا لا تحمل عنواناً للكتاب وإنما جاءت (1/149)
صفحة 150
150
التواصل الإباضي
في أولها هذه العبارة: الإباضية مذهب من الْمَذاهب الإسلامية المعتدلة وإلى القارئ صورة منها.
وقد يكون المؤلف أراد من هذه العبارة أن تكون عنواناً للكتاب، إلا أن الشيخ المفتي اختار له عنوان: أضواء على الإباضية» فظهرت الطبعة الأولى منه تحت هذا العنوان. أما الأستاذ محمد بوحجام فقد نشره في بعنوان «الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، وقد رأينا في هذه الطبعة أن يكون عنوان الكتاب: الإباضية مذهب إسلامي معتدل اقتراباً من العبارة التي وضعها
المؤلف وصدر بها كتابه.
على أن هذا الكتاب وإن كان صغير الحجم إلا أنه كبير المعنى، عظيم الفائدة .. وقد ضمنه المؤلف لمحة تاريخية عن نشأة المذهب، كما ضمنه عبارات جامعة توحي بالشمولية والدقة .. وخلاصة القول: إنَّ هذا الكتاب يقدم للقارئ الخطوط العريضة، والمعالم البارزة عن المذهب الأباضي ..
نسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل .. (1/150)
صفحة 151
بين عمان والبلاد المغاربية
تقديم كتاب الأحكام
للعلامة أبي زكريا يحي بن الخير الجناوني
بسم
الله الرحمن الرحيم
(1)
a
151
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله
وصحبه الشرفاء، وأصحابه الأوفياء.
وبعد: فإن الحكم في الإسلام هو مدار الحياة الاجتماعية، ومحور
التفاعل الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان أخذا وعطاء.
وقد جاء الإسلام معتنيا بأمور الحكم أسما اعتناء: قَالَ تَعَالَى: وَأَن أحكم بينهم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
المائدة: 49 - 050
وقد كان الرسول العظيم والله على رأس الدولة الإسلامية حكما
وقضاء، وسار الخلفاء الراشدون على نهجه وهداه.
وعندما توسع الإسلام انتشارا وتضخم هيكله الإداري والتنظيم كان للقضاء حيز كبير فيه، وصار للقضاء في الإسلام شأن عظيم، وحفل تاريخ الإسلام بالقضاة رموزا وبالقضاء، وقائع جاعلا من ذلك معالم بارزة
71)
هذا التقديم هو لكتاب الأحكام للعلامة أبي زكريا يحي بن الخير الجناوني. (1/151)
صفحة 152
152
التواصل الإباضي
وكان للقاضي مكانته المرموقة في المجتمع باعتباره رمز العدالة لإحقاق الحق وإبطال الباطل بجعله الضعيف قويا حتى يأخذ له الحق، والقوي ضعيفا حتى يأخذ منه الحق.
وقد برز في المذهب الإباضي الكريم قضاة ضربوا أروع الأمثلة عدلا ونزاهة لم تأخذهم في الله لومة لائم.
ذكر الشيخ ميمون بن حمودي أن هود بن محكم الهواري جاءه رجل من العزابة يستعين به على ما يفك كتبا له مرهونة عند رجل من النكار في خمسة دنانير، فدعا هود بن محكم رجلا فقال له: «سر مع هذا الرجل إلى مواطن مزاتة» فجاءهم وأخبرهم القصة، وتسارعوا فيما يصنعون له، ويجمعون له الأموال فبسكوا بساطا فطفق الرجال والنساء يرمون فيه الدنانير والدراهم وما أمكن كل واحد منهم، فجمع من ذلك مالا كثيرا، فلموا أطراف البساط فرفعوه، فأتوا به هود بن محكم، فعمد الرجل صاحب الكتب إلى الخمسة دنانير فأخذها وترك الباقي، فقال هود: «أنت
أولى بها يا شيخ فإن المؤونة عليك كبيرة ممن يقصدونك ويعترونك» (1). وقد ألفوا في ذلك المؤلفات الجليلة التي ترسم الطريق إلى الحكم
والقضاء، أودعوا فيها علومهم وتجاربهم. ويأتي كتاب الأحكام، واحدا من الكتب المهمة في هذا المجال، ولؤلؤة مضيئة بين تلك الكتب لا سيما وأن مؤلفه هو الإمام العلامة المجتهد أبو
(1) أبو زكريا يحي بن أبي بكر، كتاب السيرة وأخبار الأئمة،.
ص
360، ت/ ع الرحمن أيوب. (1/152)
صفحة 153
بين عُمان والبلاد المغاربية
153
زكريا يحي بن الخيرين بن الخير الجناوني صاحب كتاب الوضع ذلكم الكتاب المبارك الذي انتشر انتشارا واسعا في عُمان وشمال إفريقيا، واستفاد منه خلق كثير.
وهذا الكتاب ألا وهو كتاب (الأحكام) المذيل بحاشية العلامة الجليل يوسف بن محمد المصعبي الذي قام بتحقيقه كل من الأستاذين الفاضلين الكريمين: أحمد حمو كروم، عمر أحمد بازين، سوف يحتل المكانة المناسبة والحيز الواسع في المكتبة الإسلامية العامرة، وقد جاء التحقيق تحقيقا علميا رائعا لكونه معتمدا على نسخ متعددة.
ولا شك أن هذا يعتبر من أساسيات عمل التحقيق العلمي، كما أنه
مزود بفهارس جيّدة من شأنها تسهيل الرجوع إلى الكتاب وحاشيته. وفي الختام لا يسعنا إلا أن نبارك جهود المحققين الفاضلين على هذا الجهد الكبير المبارك الذي بذلاه في تحقيق وإخراج الكتاب المذكور حتى جاء في حلة زاهية قشيبة وبهذه الصورة الجميلة.
داعين الله لهما بالتوفيق والسداد، مهنئين لهما هذا الإنجاز الرائع
وصلى الله ولم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
15 ذو الحجة 1419 هـ
1 أفريل 1999 م. (1/153)
صفحة 154
بعد:
G
154
التواصل الإباضي
تقديم كتاب سير الوسياني، للعلامة أبي الربيع الوسياني
وقد قام بتحقيقه الأستاذ عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة
تقديم
(1).
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما
فإن التاريخ يعتبر من أهم العلوم إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وقد لقبه بعضهم بأبي العلوم، وذلك لما فيه من عبر وعظات، لكونه إطار الحركة البشرية وسيرورتها عبر الحقب والأزمان منذ بدء الخليقة على هذا الكوكب الأرضي، فهو السجل المعتمد والمحكم لتفاعلاتها وتدافعها في الحياة، أي أنه ديوان لسنة التدافع والتداول (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (2)، (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (3).
ومن هنالك تكون العبرة والمنفعة الإيجابية للاقتداء والاهتداء، مصداقا لقوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب (4). إذن في الوقائع التاريخية وذكر الأمم عبرة، ولكن تلك العبرة لمن؟
سر
(1) هذا التقديم هو لكتاب سير الوسياني، للعلامة أبي الربيع الوسياني، وقد قام بتحقيقه الأستاذ عمر
ابن حمو لقمان سليمان بوعصبانة.
(2) سورة البقرة، الآية: 251. (3) سورة آل عمران الآية: 140. (4) سورة يوسف، الآية: 111. (1/154)
صفحة 155
بين عمان والبلاد المغاربية
100
طبعا لأولي الألباب، لأهل العقول السليمة الصافية، فهم الذين يعتبرون ويتعظون، ويتدبرون في أحوال الأمم والشعوب الغابرة، وهناك عبارة جميلة وبديعة للإمام نو رالدين السالمي رحمه الله بين فيها أهمية علم التاريخ والفائدة منه، تعتبر بحق تعليلا مناسبا لهذا الفن العلمي الممتع وأثره في سلوك الفرد والمجتمع، حيث قال: «فإنه لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين ويرشد على طريقة المتقين لأن فيه ذكر أخبار من مضى من صالح وطالح؛ فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه إلى اقتناء آثارهم؛ وإذا سمع أخبار الطالحين أشفقت نفسه أن يكون من جملتهم؛ فتراه بذلك يقتفي آثار من صلح؛ ويتجنب أحوال من طلح؛ فيجاهد نفسه حق الجهاد؛ فيستحق بذلك من الله العون والتوفيق».
ولا ريب أنه من هذا المنطلق كان اهتمام أهل الإسلام بالتاريخ رواية وتدوينا، لكي يستفيدوا عبرا وعظات من أحوال من سبقهم من الأمم، ولعله كان ذلك هاديهم ومرشدهم وقائدهم إلى الاهتمام بتاريخ نبيهم وسيدهم وحبيبهم محمد و الا الله في جميع أحواله وأطوار حياته، منذ مولده الشريف وحتى موته العظيم المؤثر والمدوّي في سمع الزمان، لقد سجل المسلمون حياة محمد عليه الصلاة والسلام الحافلة بالعطاء تشريعا وحكمة وسلما وحربا، سرايا وغزوات. (1/155)
صفحة 156
التواصل الإباضي
وقد أطلق على ذلك التاريخ المجيد فيما بعد اسم " السيرة أي سيرة النبي حتى أصبحت لفظة السيرة علما أو حقيقة عرفية على تاريخ سيدنا
وحبيبنا محمد.
وقد ظهرت لفظة السيرة السيرة النبوية كما يقول المؤرخون على لسان الوالي الأموي خالد بن عبد الله القسري (ت: 126 هـ)، عندما أمر ابن شهاب الزهري (ت: 124 هـ)، أن يكتب له السيرة النبوية، قائلا له: اكتب لي النسب فبدأ الزهري بنسب مضر، فقال له خالد: اقطعه قطعه الله واكتب السيرة. ومنذ ذلك الحين أخذ اهتمام المسلمين في الازدياد من كتابة السيرة النبوية الشريفة، فظهرت سيرة ابن إسحاق ومغازي الواقدي وهما بمعنى امتداد واحد، وعبر التاريخ الإسلامي أكثر المسلمون من التأليف في هذا المجال عندهم، حتى تجاوزت كتب السيرة النبوية ثلاثين ألف مؤلف في اللغة العربية وغيرها. على أنه أطلق أيضا اسم السيرة على بعض كتب التاريخ، منها: كتاب
تحفة الأعبان بسيرة أهل عُمان للإمام نور الدين السالمي.
وصحب الاهتمام بكتابة السيرة النبوية العطرة، الاهتمام بتدوين التاريخ أيضا حتى ظهرت كتب التاريخ العام التي أرخت للبشرية منذ بداية الخليقة - بغض النظر عن نسبة الصحة في ذلك وللمسلمين منذ عهد (1/156)
صفحة 157
a
157
بين عمان والبلاد المغاربية
الخليفة الأول أبي بكر الصديق، وكان للإباضية نصيب من ذلك، سواء
كان في الكتابة عن السيرة النبوية أو عن التاريخ العام والإسلامي. وعندما تفرقت الأمة الإسلامية، وتشيعت شيعا، وتحزبت أحزابا اهتم علماء ومؤرخوا كل مذهب بالتراجم لعلماء مذاهبهم، وعرفت كتب التراجم تلك بكتب السير أو كتب الطبقات.
وأزاء ذلك كان لا بدَّ للإباضية من الكتابة عن علمائهم، فظهرت كتب
السفر
السير والطبقات، لا سيما لدى إباضية المغرب العربي الإسلامي. على أن الوجود الإباضي في المغرب العربي يعود بداية إلى النصف الأول للقرن الثاني الهجري، عندما ذهب إلى هنالك من البصرة الداعية المخلص لله ولرسوله ولدينه سلمة بن سعد، متجسّما عناء مشقة ووعورة الطريق مقتحما الجبال والوهاد قاطعا المهامه والقفار، حتى وصل إلى أرض المغرب من سرت شرقا إلى تلمسان غربا، مبينا للناس هنالك عظمة الإسلام وعدالته ومساواته بين الخلق أجمعين، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، شارحا لهم قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وقبائلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:
13 (1/157)
صفحة 158
158
التواصل الإباضي
نافيا عن الإسلام الممارسات الظالمة والجائرة التي كان يمارسها ولاة بني أمية عليهم، حتى استطاع بفضل الله وبفضل جهوده المخلصة، تكوين بعثة علمية من أنحاء متفرقة من بلاد المغرب العربي، تتكون من:
1 - عبد الرحمن بن رستم |
-2
الفارسي.
إسماعيل بن درار الغدامسي.
أبو داود القبلي النفزاوي.
4 - عاصم السدراتي.
-0
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني، وقد سبقهم في العودة. وتوجهت تلك البعثة المباركة الميمونة إلى البصرة بالعراق للالتحاق بمعهد إمام أهل الدعوة والاستقامة آنذاك أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ه، الذي تفجرت من قلبه ينابيع الحكمة وطلعت على لسانه شموس العلم، كما وصفه بذلك الإمام السالمي له. وبعد أن مضت عليهم بضع سنين قيل - إنها خمس - ظلوا خلالها ينهلون من معين علم ذلكم الإمام الكبير، وبعد أن امتلأت قلوبهم علما، ولبست جوانحهم فضلا، وصاروا أوعية علم وأحلاس فضل، كان عليهم العودة إلى بلادهم والرجوع إلى أوطانهم، فالأسود لا بد لها من العودة إلى عرينها، وبعث منهم إمامهم أبو عبيدة زميلهم أبا الخطاب المعافري الحميري اليمني. (1/158)
صفحة 159
بين عمان والبلاد المغاربية
159
وهكذا يعود أولئك النفر الذين سموا فيما بعد بحملة العلم إلى المغرب، من البصرة، ليقوموا بنشر تلك المبادئ السامية للإسلام في أصقاع المغرب العربي، تلك المبادئ القائمة على الحق والعدل والمساواة والاستقامة والسلوك القويم.
وبفضل جهود أولئكم السادة الدعاة انتشر المذهب في بلاد المغرب العربي عبر مساحة واسعة امتدت من سرت شرقا إلى تلمسان غربا، وبما أنه لا بد لهذه المفردات الإسلامية السامية من كيان سياسي يقوم بها حماية وتنفيذا، وبما أنه لا بد أيضا للدعوة من كيان سياسي تأوي إلى حماه، وتأزر إليه، لذلك وجههم إمامهم أبو عبيدة مسلم توجيها استراتيجيا بإقامة ذلك الكيان السياسي المتمثل في الدولة، وتم الإعلان بإقامة دولة الإمامة الإباضية في طرابلس الغرب سنة: 140 هـ، وبويغ أبو الخطاب المعافري
إماما لها.
وفي ضوء ذلك أخذ المذهب يزداد انتشارا، وأخذ العلم يزداد نموا ورسوخا، وأصبح جبل نفوسة (نسبة إلى نفوسة قبيلة أمازيغية) العاصمة الفكرية والإيمانية للإباضية، حتى شاع القول القائل بأن من لم يجلس إلى مشايخ الجبل لا تؤخذ عنه فتوى.
وانتشر العلم انتشارا عجيبا في نفوسة، وأقبل النفوسيون رجالا ونساء على حفظه وتقييده تعلما وتعليما، وتأليفا، حتى غدت كل قرية لا تحتاج (1/159)
صفحة 160
17.
التواصل الإباضي
إلى غيرها في الإفتاء، بل أصبح أهل كل بيت لا يحتاجون إلى غيرهم في الإفتاء وأمور دينهم، وهناك قرية واحدة هي قرية (إجناوَن) أصبحت تحوي سبعين عالما، وحفظ لنا التاريخ الإباضي المغاربي أسماء العديد من النساء العالمات الفقيهات اللواتي كان لهن أثر في الفقه والدعوة، ويذكر الوسياني قائلا::: «وذكر أن العلم فشا في الجبل وشاع، حتى إن خدمهم وإماءهم إذا خرجن إلى الاستقاء لا يرجعن حتى يذكرن بينهن مسائل کتاب ماطوس، صاحب كتاب، وفيه ثلاثمائة مسألة مواعظ كتاب
الإخوان.
إذن إزاء ذلكم الزخم العلمي الهائل المتمثل في العلماء ومؤلفاتهم، كان لا بد من ذكر أخبارهم، وتدوين سيرهم لتنتفع الأجيال من بعدهم بتلك المآثر الجليلة، ويتشوقون إلى اقتفاء، آثارهم، فحاءت كتب السير والطبقات التي أوردت أسماءهم وسجلت أخبارهم، وذكرت شمائلهم، وأبرزت علومهم، ومنها كتاب سير الوسياني الذي هو بين أيدينا، ولولاها لانطمست أخبارهم ونسيت أسماؤهم واندرس ذكرهم. وهنا يحق لنا أن نثير تساؤلا، ألا وهو لماذا كان الاهتمام بذلك لدى
الإباضية المغاربة، ولم يكن لدى الإباضية المشارقة اهتمام بمثل ذلك؟ هل استمرار وجود الدولة الإباضية لدى المشارقة لا سيما العُمانيين شاغلا لهم عن الاهتمام بهذا الفن العلمي؟ (1/160)
صفحة 161
بين عمان والبلاد المغاربية
161
أم أن الحس العربي لدى المشارقة الذي لا يأبه كثيرا بذكر الأشخاص
كان هو الحاجز؟
ذلك؟
أم أن هناك أمورا أخرى نفسية واجتماعية شكلت مانعا عن كل هذه الاستفسارات والتساؤلات بحاجة إلى نقاش ودراسة لعلها توصلنا إلى أسباب ذلك أو بعض تلك الأسباب.
نعود إلى الوسياني وكتابه السير.
فهو أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني، من أرض الجريد ببلاد تونس، وصفه الدرجيني في كتابه الطبقات بأنه: " أحد شيوخ الحلقة الكبار الحافظ للسير والآثار المروي عنه التواريخ والأخبار، لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الأعصار، وجملة أوصافه باختصار، أنك مهما وجدت رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الكبار. كما وصفه البدر الشماخي في كتابه السير بهذه الأوصاف نقلا عن
الدرجيني.
ومن خلال المعطيات التاريخية لحياته، تبين أنه علماء النصف الأول من من القرن السادس الهجري، ولعله من الغريب أن يعده الدرجيني من علماء الطبقة الاثنتي عشرة النصف الثاني للقرن السادس الهجري)، وكان من المناسب أن يعتبره من الطبقة الحادية عشرة (النصف الأول للقرن (1/161)
صفحة 162
a
162
C
التواصل الإباضي
السادس الهجري)، حسب تصنيفه وتوصيفه للطبقات، والدرجيني هو من هو، في هذا الفن دقة وتحقيقا، إلا إذا كان يعتبر في ذلك التوصيف الوفاة، وليست المعايشة أو المعاصرة، أو أن لديه تاريخا آخر للوسياني يجعله معاصرا ومعايشا للنصف الثاني من القرن السادس الهجري.
على أن كتاب السير للوسياني يعتبر من المراجع المهمة، والمصادر القيمة فعنه أخذ الكثيرون، واعتمد عليه من جاء بعده، وهو بالإضافة إلى كونه مرجعا ومصدرا تاريخيا فهو أيضا ذخيرة فقهية، حيث يورد في ترجمة كل عالم أفكاره العقدية وآراءه الفقهية والمسائل التي ينفرد بها، مما يجعلنا نجزم قائلين بأنه يوجد فيه ما لا يوجد في غيره من المسائل العقدية
والفقهية.
وهذا - ولا شك - يعطيه قيمة علمية كبرى ولعله يجود الزمان بمن يستخرج منه تلك الذخائر العقدية والفقهية فإن في ذلك فائدة كبيرة وعلما نافعا.
ويأتي عمل أخينا وصديقنا الدكتور عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة على كتاب (سير الوسياني دراسة و تحقيق)، ليبرز لنا المزيد من
أهمية هذا الكتاب، وتأثيره العلمي على من جاء بعده. (1/162)
صفحة 163
بين عمان والبلاد المغاربية
163
ولكن دعونا نتعرف على السبب الذي حمل (عمر حمو لقمان سليمان
بو عصبانة) على اختيار سي رالوسياني موضوعا لدراسته الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه، وإذا ما عرفنا السبب، سوف يبطل عنا العجب.
أخونا وصديقنا (عمر) شغف حبا بالتراث العلمي الإباضي.
وكان عشقه الدائم لا يبارحه، وقد حمله على ذلك الشغف وذلك العشق على الترحال إلى أماكن متفرقة منها القريب ومنها البعيد، وقد تحمل عناء السفر ومشقة الترحال إلى دول أوربا شرقيها وغربيها، وإلى جمهوريات الإتحاد السوفياتي سابقا، وإلى غرب أفريقيا، للبحث والتنقيب عن كنوز التراث الإباضي، وفعلا اكتشف بهتمه تلك الكثير، ووجد الغزير
من ذلك.
وأذكر أني اطلعت على شيء ما كتبه من و لما اكتشف من مخطوطات إباضية، ولعل مما زاد في اهتمامه كونه متخصصا في التاريخ
والحضارة.
سير
كل ذلك كان سببا كافيا لأن يتحفنا الصديق (بوعصبانة) بإخراج سـ الوسياني مدروسا، ومحققا، فجزاه الله خيرا، ونفع الله بعلمه هذا، وأعماله الأخرى البحث والباحثين. (1/163)
صفحة 164
164
التواصل الإباضي
وحسنا فعلت وزارة التراث والثقافة الموقرة بهمة وزيرها الهمام سمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وهي تولي عنايتها لإصدار هذا الكتاب القيم مطبوعا ومنشورا، لتعم الفائدة عديدا من القراء والباحثين، ومحبي الاطلاع المعرفي، لينتظم في سلسلة إصداراتها، وسجل اعمالها، لمصادر التراث الإباضي استلهاما من التوجيهات السامية لباعث النهضة العلمية العُمانية المعاصرة، ومفخر الحركة الفكرية التجديدية المؤصلة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه-. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مسقط العامرة.
ه رمضان المبارك 1428 هـ
الموافق لـ: 17 سبتمبر 2007 م. (1/164)
صفحة 165
بين عمان والبلاد المغاربية
تقديم كتاب الجواهر المنتقاة
لأبي القاسم البرادي
تقديم
(1)
165
الحديث عن أب القاسم البرادي هو حديث عن عائلة علمية، كان أبو
القاسم مؤسسها علميا وعمادها أسريا.
البرادي مولدا ونسبا:
فهو الإمام العلامة أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن أبي عمران البرادي، الدمري ينتمي إلى قبيلة دمر من قبيلة زناتة التي هي إحدى فروع نفزاوة، القبيلة الأمازيغية والظاهر أن أبا القاسم اسم له وليست كنية، وإنما كنيته أبو الفضل، ولعل أبا القاسم أصله بابا قاسم وبابا يعني سيدنا ثم اختصر إلى با القاسم ثم إلى أبي القاسم، على طريقة الأمازيغ الذين يكنون عظماءهم بأسمائهم كما يقول العلامة المحقق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش في ترجمته لأبي داود سليمان التلاتي لشرحه على
مقدمة التوحيد.
ولد أبو القاسم البرادي سنة 720 هـ في منطقة جبل دمر بالجنوب التونسي، وسمّي جبل دمّر نسبة إلى ساكنيه من قبيلة دمر ويطلف على
المنطقة حاليا (بني خداش).
(1)
هذا التقديم هو لكتاب الجواهر المنتقاة لأبي القاسم البرادي. (1/165)
صفحة 166
البرادي؛ تعلما وتعليما.
كان جبل دمر معمورا بالعلم والعلماء في ذلك العهد الذي ولد فيه البرادي، وهنالك درس أبو القاسم علومه في فنون العربية وعلوم الشريعة. وكانت جزيرة جربة التونسية مملوءة هي الأخرى بكبار العلماء ومزدهرة بانتشار العلم، لذلك راق له الانتقال إليها لكي يتلقى العلم على أساطين العلماء فيها وفي مقدمتهم الشيخ العلامة الكبير يعيس الزواغي المتربع للتدريس بمنطقة وادي الزبيب وكذلك الشيخ أبو البر صالح بن نجم المغراوي في صدغيان.
وبما أن جبل نفوسة (1) له في الوسط العلمي الإباضي منازل، فقد شد أبو القاسم الرحال إليه ليلتحق بمدرسة الإمام العلامة العلم: أبي ساكن عامر بن علي الشماخي صاحب كتاب الإيضاح الكتاب المسدد، والمصنف المعتمد، كما التحق بمدرسة الشيخ أبي موسى الطرميسي الذي هو شيخ
الشماخي. إن الدراسة في جبل نفوسة والجلوس إلى مشايخ العلم فيه، يعتبر إجازة علمية عالية لمن يحظى بذلك ويوفق إليه. وهكذا اغترف أبو القاسم العلم من مناهل العلم، ويعزو الشيخ الولي الصالح سالم بن يعقوب الجربي، جرأة البرادي العلمية وقوة شخصيته
(1) يقع في غرب ليبيا، ونسأل الله أن ترجع إليه مكانته العلمية والدينية بعد أن انتهى الطاغية القذافي،
وزال عهده إلى غير رجعة. (1/166)
صفحة 167
بين عُمان والبلاد المغاربية
167
واستقلاله الفكري إلى دراسته في جبل نفوسة الذي يعتبر العاصمة الإيمانية
للوجود الإباضي في بلاد المغرب الإسلامي.
وبعد أن انتهت مرحلة الأخذ العلمي والتلقي المعرفي بالنسبة إلى حياة البرادي، فقد حان أوان الإعطاء العلمي والنشر المعرفي منه، وهناك رجع إلى موطنه " جبل دمر كرد للجميل إلى أبناء بلده الذي أجبه إنسانا، وكونه عالما أولا، وذلك لكي يحارب الجهل، ويكافح الجاهلين، ولكي يدافع عن مذهبه، ويدفع عنه خصومه.
ولكن الظاهر أن جربة، تلك الجزيرة الوادعة الجميلة تركت في نفس البرادي أثرا لم يمحه الزمان ولا المكان فشدَّه الحنين إليها، ليحمله إلى العودة إليها و بالتحديد إلى منطقة وادي الزبيب ذلك الوادي الذي يشكل لوحة طبيعية خضراء وواحة ظليلة من أشجار الزيتون المباركة (1) حيث كان تلقى تعليمه في مرحلة ما من محياته التعلمية.
البرادي عالما ومرجعا
أخذ البرادي يتدرج في سلم القيادة الدينية والمرجعية العلمية للمجتمع في جربة حتى آلت إليه القيادة الدينية والمرجعية العلمية فيها، وأصبح رئيس عزابتها ورئيس مجلس علمائها بعد وفاة الشيخ سعيد بن علي يامون، ونظرا لما كان يتمتع به مؤلفنا من همَّة لم تفتر ونشاط لم ينقطع، فقد
(1) زرت جربة للمرة الأولى في شهر فبراير سنة 1998 م، وكانت زيارة قصيرة ليوم واحد، وزرتها للمرة الثانية لحضور الملتقى العلمي لعمي سعيد الخيري الجربي في الفترة من 25 – 27 ديسمبر 2012 م وقد أعجبني المنظر البهيج لوادي الزبيب. (1/167)
صفحة 168
168
التواصل الإباضي
زار بعض مواطن المذهب في بلاد المغرب الإسلامي للتعرف على أصحابه، وللبحث عن كنوزه العلمية التي حصل على قدر لا بأس به منها، الأمر الذي جعل له منها رافدا علميا، وزادا معرفيا، استزاد بهما علما ومكناه في
التأليف والتصنيف.
وكانت له فرصة اللقاء بأهل عمان في مكة المكرمة، عندما ذهب لأداء مناسك الحج ولعله اقتنى منهم بعض كتب المذهب المشرقية، وربما أنه صارت له اتصالات مستمرة عبر الحجّاج المشارقة والمغاربة، لأن موسم الحج فرصة اللقاء بين الجانبين، ومكان التبادل العلمي بينهم، حيث كان الكتاب المغاربي يصل إلى المشرق بواسطة الحجاج المغاربة والكتاب المشارقي يصل إلى المغرب بواسطة الحجاج المشارقة، كما أن الزيارات المتبادلة التي كان يقوم بها المشارقة والمغاربة لها دور كبير في إيصال الكتب
فيما بينهم.
مؤلفاته
ألف الإمام أبو القاسم البرادي عددا من المؤلفات هي:
- الجواهر المنتقاة الذي هو بين أيدينا الآن.
- البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق وأسرار كتاب العدل والإنصاف، وكتاب العدل والإنصاف هو في أصول الفقه لعلامة المنقول والمعقول الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني من علماء القرن السادس الهجري. (1/168)
صفحة 169
بين عُمان والبلاد المغاربية
- أطروحة المفيد في الحقائق والاعتقاد والتوحيد.
- رسالة في تقييد كتب الإباضية.
-
169
شفاء الحائم شرح لبعض كتاب الدعائم. وكتاب الدعائم.
هو
كتاب في العقيدة والفقه بنظم شعري للإمام أحمد بن النظر السمائلي العماني من. علماء القرن السادس الهجري.
-
له فتاوى يقول الشيخ سالم بن يعقوب الجربي إنها كثيرة
وتدل على أنه قد بلغ درجة كبيرة في الاجتهاد.
حمل العلم عنه كثيرون منهم:
تلاميذه
-
ابنه عبد الله بن أبي القاسم البرادي.
ابنه محمد بن أبي القاسم البرادي.
- سعيد بن أحمد السدويكشي.
- أبو زكريا بن أفلح الصدغياني.
كتاب الجواهر
ألف أبو القاسم البرادي كتابه الجواهر المنتقاة فيما اخل به كتاب الطبقات، وكتاب الطبقات هو كتاب طبقات المشايخ تأليف العلامة أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني وهو الآخر ينحدر من أسرة علمية عرفت بالعلم والفضل والصلاح والإصلاح، وهو كتاب يمتاز بجمال أسلوبه الأدبي الرائع، وهو من أجل كتب المذهب في تاريخ الدولة الرستمية (1/169)
صفحة 170
170
التواصل الإباضي
وتراجم علماء المذهب، غير أنه لم يتطرق إلى أحداث الخليفتين عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وهي التي تعرف بأحداث الفتنة، أو تاريخ الفتنة، أو الفتنة الكبرى، ورأى البادي أن ذلك مخل بكتاب الطبقات، على اعتبار أن تلك الأحداث هي الأساس الذي افترقت عليه الأمة إلى فرق ومذاهب، لذلك فهو استدراك على كتاب الطَّبقات بذكر أحداث الفتنة الكبرى، حيث إن تلك الأحداث تشكل الجانب الأكبر والمهم من كتاب الجواهر، وقد ساق المؤلف بعض أحداث السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم بصورة موجزة، وأيضا ساق تاريخا موجزا عن الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، كمدخل إلى ذكر احداث الفتنة الكبرى بصورة مفصلة.
ولكن يا ترى هل هذا هو السبب في تأليف أبي القاسم البرادي لكتاب
الجواهر المنتقاة هذا؟ أم هناك سبب آخر دفعه إلى تأليفه؟.
في رأيي أن هناك سببا آخر دفعه إلى التأليف ذلك السبب هو ما كان تعيشه تلك الفترة من تعصب مذهبي حاد، كما يقول الشيخ علي يحي كتابه: " الإباضية في تونس في معرض حديثه عن الشيخ أبي القاسم
معمر
البرادي حيث قال: «والذي يبدو من دراسة التاريخ أن الفترة التي كان فيها أبو الفضل كانت من أحرج الفترات التي مرت على جبل دمر والجنوب التونسي كله فقد كانت العصبية المذهبية بلغت حدا كبيرا، على أن كتاب الجواهر المنتقاة على أهميته للباحثين باعتباره أفضل كتاب يناقش (1/170)
صفحة 171
بين عمان والبلاد المغاربية
171
أحداث الفتنة الكبرى على عهد الخليفتين عثمان. بن عفان وعلي بن أبي طالب بشكل واسع، لم يطبع سوى طبعة واحدة حجرية من مكتبة الباروني بمصر سنة 1302 هـ وهي طبعة مملوءة بالأخطاء الإملائية والمطبعية، وقد اجتهدت في تصحيح هذه الطبعة في ضبط الكلمات والأسماء والمعلومات مستعينا بالمصادر الأخرى ذات الصلة بالموضوع.
وإنها لمبادرة إيجابية وطيبة من أخينا الأستاذ الكريم حازم السامرائي صاحب مكتبة دار الحكمة بلندن لطبع هذا الكتاب القيم ليكون من منشورات مكتبته العامرة عمرها الله بالعلم النافع والعمل الصالح والأدب
الرفيع.
والله ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مسقط 13/ 6/ 1434 هـ
2013/ 4/25 م. (1/171)
صفحة 172
172
المقدمة
المحتويات
القسم الأول التواصل العُماني المغاربي إباضيا
بداية التواصل
الخلفية الفكرية للتواصل.
التواصل الإباضي
البداية العلمية للتواصل.
البعثة الطلابية.
دولة الإمامة.
التواصل العُماني المغاربي على عهد دولة الإمامة الثانية في عُمان
والدولة الرستمية بالمغرب.
الدعم المالي.
المرجعية الدينية.
مضارب محبوب
طلاب مغاربة إلى عُمان.
التواصل على عهد النباهنة في عُمان ...........
التواصل على عهد اليعاربة في عُمان.
التواصل على عهد دولة البوسعيد في عُمان. فَضْلُ الْعِلْمِ وَالْعُلَماءِ.
القسم الثاني الزعيم الباروني في الشعر العُماني. (1/172)
صفحة 173
بين عمان والبلاد المغاربية
الباروني في عُمان.
الباروني مرحبا به في عُمان. الباروني عالما.
الباروني مقاوم للمحتل الإيطالي.
الباروني بطلا
الباروني سياسيا
الباروني مصلحا
رثاء أبي سلام للباروني.
القسم الثالث تقديمات لكتب إباضية مغاربية.
تقديم كتاب الدينونة الصافية للعلامة الإمام عمروس بن فتح المساكني ...... 128
تقديم كتاب السير للشماخي
تقديم كتاب الفرق بين الإباضية والخوارج.
تقديم كتاب الإباضية مذهب إسلامي معتدل، للعلامة الشيخ علي يحي معمر تقديم كتاب الأحكام للعلامة أبي زكريا يحي بن الخير الجناوني.
تقديم كتاب سير الوسياني، للعلامة أبي الربيع الوسياني
تحقيق د/ عمر بن. لقمان سليمان بوعصبانة.
حمو
تقديم كتاب الجواهر المنتقاة لأبي القاسم البرادي. (1/173)