صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
أخرجها وعلق عليها: زاهر بن سعود بن سيف السيابي
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 2 (مزيدة ومنقحة)
أصله: محاضرات
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6112&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/379
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 رجب 1446ه/ 02 - شهر 01 - 2025م. الدعوة عند الإباضية
بين الماضي والحاضر
تأليف الشيخ
أحمد بن سعود السيابي
أمين عام مكتب الإفتاء
أخرجها وعلق عليها زاهر بن سعود بن سيف السيابي (1/1)
صفحة 2
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
مزيدة ومنقحة
1436 هـ / 2015 م
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
نشر وتوزيع
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 0096896444669
t.k.aldhamri@gmail.com
ص ب السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
الدعوة عند الإباضية
بين الماضي والحاضر
تأليف الشيخ
أحمد بن سعود السيابي أمين عام مكتب الإفتاء
أخرجها، وعلّق عليها زاهر بن سعود بن س
نشر وتوزيع مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 00968/ 96444669
t.k.aldhamri@gmail.com
صب) السيب الرمز البريدي 121 سلطنة عمان (1/3)
صفحة 4
قَالَ تَعَالَى:
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
فصلت: الآية:33 (1/4)
صفحة 5
شا الله
مهيل
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم
الدين، وبعد ...
فإن من النعم الجزيلة التي أنعم الله بها على أهل عُمان أن قيض لها من العلماء والمصلحين والدعاة المخلصين ما جعلها تتصل جيلاً بعد جيل بفيوضات، وأنوار خير الأنام، وصحابته الكرام، والأئمة الأعلام كأبي الشعثاء الإمام جابر بن زيد والإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وتلامذته
الأفذاذ في ذلكم السرداب النوراني العظيم.
نعم، إن الناظر بعين بصره، وبصيرته في سيرة الإباضية أهل الحق والاستقامة يرى حقيقة ما قاله الشيخ البهلاني في
قصيدته النونية: (1/5)
صفحة 6
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
أئمة حفظ الدين الحنيف بهم
من يوم قيل لدين الله أديان
صيد شراة أُبات الضيم أُسد شرى
شمس العزائم أواهون رهبان
سفن النجاة هداة الناس قادتهم
طهر السرائر للإسلام حيطان
إنه بحق لشرف عظيم أن ننتمي إلى هذه المدرسة الأصيلة، التي ضربت للعالم أجمع أروع الأمثلة في الاستقامة على المنهج الرباني، والأخلاق الفاضلة، والتضحية لنصرة دين الله، ولقد أتاحت لنا الأقدار أن نستنشق شذى سيرة الإباضية الأخيار من خلال تلك اللقاءات الفكرية التي ألقاها أحد هؤلاء الجهابذة الأعلام، الذين بذلوا الغالي والنفيس لخدمة مبادئهم وقضاياهم، فالمجموع الذي بين أيدينا هو نتاج فكري لسعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام لمكتب الإفتاء بسلطنة عمان-. (1/6)
صفحة 7
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
إن الاهتمام بهذه الدرر، والاعتناء بها هو أقل ما يتوجب علينا فعله، لذا فقد أشار أحد الأخوة الأفاضل أن تُجمع تلكم الدروس المتناثرة بين دفتي كتاب متكامل وتنشر للقراء، كي يسهل الرجوع إليها والاستفادة منها، فشرفت بأن گلفت بإخراج هذه المادة القيّمة – رغم عدم أهليتي لذلك – ولكننا نتعلق بأذيال العلم والعلماء، ونتقرب إلى الله بخدمتهم ونتبرك باتباعهم فالتابع للمرفوع مرفوع، كما
يقول النحاة!
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل، والوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا بمعرفة العلم، وحسّن أخلاقنا بالحلم، وسهل لنا أبواب فضلك وانشر علينا من خزائن رحمتك وعلمك يا أرحم الراحمين يا ذا الجلال والإكرام.
زاهر بن سعود بن سيف السيابي
نفعاء ولاية بدبد 10 رجب 1434 هـ 20 مايو 2013 م (1/7)
صفحة 8
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
باينة الحال
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وعلى كل من سار على نهجه وهداه، أما بعد:
فهذه محاضرات تتعلق بماضي الدعوة عند الإباضية وحاضرها، ألقيت بعضها خارج عمان وبعضها داخلها، بينت فيها الماضي المشرق للدعوة عند الإباضية لا سيما في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، والحاضر الباهت حيث لم يكن للإباضية في القرون الأخيرة نشاط دعوي مثل الذي يقوم به غيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، ولم يجاروهم في ميدان الدعوة، وإنما اكتفوا بالتفرج والنظر من مكان بعيد، في حين أن غيرهم نشط نشاطاً قوياً في سبيل ذلك، وحققوا ما حققوه المذاهبهم تعليماً ودعوة. (1/8)
صفحة 9
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
لذلك وجدنا المذهب الإباضي اختفى من أماكن كانت حواضره ومقراته، وتقلص في أماكن أخرى، وحتى عمان التي هي أم المذهب وحاضنته لم تسلم من الغزو المذهبي لاسيما بعد الحملات الوهابية، وإن المرء ليعجب كيف تأثر العقل الإباضي بالاستجابة لدعوة المذاهب الأخرى، وكيف أنهم يتبعون غير مذهبهم، وذلك هو إمامهم جابر بن زيد لم يرض أن يتابع الحسن البصري الذي زاره وهو على فراش الموت، حيث قال الحسن لجابر: قل لا إله إلا الله فقال له جابر: طالما قلناها إن قبلت، وتلا قول الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَنِهَا خَيْرا كل الأنعام: 158
وذلك حتى لا يقال إن جابراً تابع الحسن في آخر عمره، لأن ذلك الوقت كان وقت تكوّن الأفكار والتيارات الفكرية. (1/9)
صفحة 10
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
على أنه من الغريب ومن العجيب بل ومن المؤسف أن يظل هذا التأثر المذهبي من قبل الإباضية موجوداً ومستمراً، فنراهم
يتساقطون عن مذهبهم كتساقط أوراق الشجر في الخريف.
لهذا أحببت جمع هذه المحاضرات بين دفتي كتاب وقام أخونا زاهر بن سعود بن سيف السيابي جزاه الله خيراً بإخراجها لتعم به الفائدة المرجوة إن شاء الله تعالى.
وما يجده القارئ من تكرار لبعض الأشخاص والمواقف، فذلك يعود إلى أصل هذا الكتاب الذي كان محاضرات ألقيت. والله أسأله التوفيق والسداد في القول والعمل، إنه ولي ذلك
كله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أحمد بن سعود السيابي
9 شعبان 1434 هـ
مسقط العامرة
18 يونيو 2013 م (1/10)
صفحة 11
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
المحور الأول
"سلمة بن سعد وجهوده الدعوية" (1/11)
صفحة 12
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
معهد أبي عبيدة والتكوين العلمي
عند الإباضية
تقع البصرة على ضفة شط العرب - مصب نهري دجلة والفرات - وهي مدينة عظيمة وارفة الظلال، خصبة تكون الآن جزءاً من دولة العراق الشقيق كانت هذه المدينة تمثل مركز الإشعاع الفكري في العالم الإسلامي، منها خرجت
المذاهب الإسلامية، وفيها تكونت الفرق الإسلامية، وفي هذه
المدينة كان هنالك رجل عظيم يحرك الدائرة الفكرية التي سار
عليها الإباضية، ذلكم هو إمامنا سيد التابعين، وثقتهم المطلقة ألا وهو أبو الشعثاء جابر بن زيد (1)، الذي أجمعت الأمة على
(1) جابر بن زيد، أبو الشعثاء اليحمدي الأزدي الجوفي العماني البصري ت 93 هـ، تابعي كبير، وفقيه محدث، وإمام الإباضية الأول، أخذ عن كثير من عائشة أم المؤمنين وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود ..
الصحابة منهم.
انظر معجم
الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق) إعداد: فهد بن علي السعدي ج 1 93 وما بعدها. من منشورات مكتبة الجيل الواعد الطبعة
ص
الأولى 1428 هـ (1/12)
صفحة 13
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
توثيقه، فتكون الإطار العلمي الأكاديمي البحثي الإباضي في ذلك المكان، وإذا بذلك المركز الإشعاعي يرسل خيوطه إلى شرق الأرض وغربها وإلى جنوبها وإلى شمالها، وتنتهي حياة ذلكم الرجل
العظيم، وإذا بخلفه ذلكم الرجل العملاق الإسلامي أبو عبيدة
صدقاً
(1)
مسلم بن أبي كريمة التميمي (1) يقود زمام الأمر ليكون خليفة وحقيقة لذلكم التابعي العظيم، كان ذلكم العملاق - وهو ضرير البصر - مطارداً من قبل الدولة الأموية وولاتها، إلى حد أن اختفى في سرداب، شكّل فيه معهداً عالمياً قصده طلبة العلم من الجنوب والشمال والشرق والغرب، فالتقى ذلك الجمع الكريم الذي أطلق عليه تاريخياً حملة العلم إلى المشرق و إلى المغرب، في ذلك المعهد السردابي، ومع الملاحقة والمتابعة وعيون الدولة الأموية تلاحقهم، وتلاحظهم، وتتابعهم أوهموا أولئكم الظلمة بأنهم في ذلك الغار أو في ذلك السرداب إنما يصنعون
(1) مسلم بن أبي كريمة، أبو عبيدة البصري التميمي بالولاء الملقب بـ "القفاف"، ت 145 هـ، أحد كبار أئمة المذهب الإباضي الأوائل، ولد ونشأ في البصرة، أدرك عددا كبيرا من الصحابة منهم ابن عباس وأنس بن مالك الفقهاء والمتكلمين الإباضية للباحث فهد السعدي ج 3 ص 191
انظر معجم
وما بعدها. (1/13)
صفحة 14
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
القفاف من السعف، وهنالك شخص آخر على باب السرداب لديه سلسلة موصلة بقاع السرداب إذا رأى من يشك فيه من عيون الظلمة، حرك السلسلة فتوقف الشيخ ومن معه عن التدريس وأخذوا يشتغلون بصنع المنتجات السعفية.
ما الذي حملهم على هذا؟ في حين الآخرون ينعمون بالراحة،
أن
ينعمون بالماء البارد، بالحياة الطيبة، بالتزلف الوظيفي إلى الولاة الظلمة الأمويين، هذا أن يريد يكون قاضياً، وهذا يريد يكون والياً، وهذا يريد أن يكون كاتباً، وهذا يريد أن يكون
وهم
موظفا، كي يعيش ويتزوج المرأة الجميلة، ويعيش الحياة الفارهة، ولكن هؤلاء يعيشون في ذلك السرداب، يحذرون البطش الأموي والظلم والجبروت والطغيان، فالمؤمن يجب أن يكون حذوراً، لا أن يكون خائفاً، يحذرون من هؤلاء الظلمة، تكبدوا مشاق الحياة، أولاً برحيلهم عن أوطانهم ذات المسافة البعيدة، حتى يأتوا إلى البصرة ليعيشوا في ذلك السرداب على حذر من أن تصطادهم عيون الولاة الظلمة، هم آثروا تلك الحياة، ما الذي حملهم على ذلك؟ إنه الإخلاص لله، حملهم الإخلاص لإقامة دولة الحق، حملهم الإخلاص لانتشار الحق، (1/14)
صفحة 15
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
حملهم الإخلاص لتصحيح صورة الإسلام التي شوهت تشويها كبيراً من قبل الدولة الأموية وولاتها في العالم).
ذلكم العملاق العظيم أبو عبيدة ومن معهده السردابي العالمي كان يتابع ما آلت إليه أحوال المسلمين فيرى أنه لابد من تصحيح صورة الإسلام التي شوهت مع هذه الشعوب حتى لا يرجعوا إلى كفرهم، وحتى لا يتركوا الإسلام وحتى يعلموا أن الإسلام ليس هو الإسلام الأموي إنما هو الإسلام المحمدي الذي سار عليه محمد صلى الله عليه وسلم وسار عليه خلفاؤه الكرام في الخلافة الراشدة مع ما نالها من بعض التصحيف، والتحريف في أواخرها، وسار عليه أصحابه الكرام رضي الله عنهم.
(1) كان الوالي الأموي في أفريقيا يوشم حرسه من البربر على أيديهم، حتى أن أحد الولاة وقف على المنبر وقال: (أني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما تصنع ملوك الروم بحرسها فأرسم في يمين الرجل اسمه وفي يساره حرسي ليعرفوا بذلك من بين سائر الناس فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به)
انظر: المراكشي، ابن عذاري، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ج 1 48 الطبعة الثالثة بيروت - دار الثقافة 1983 م.
ص
انظر: فتوح البلدان للبلاذري) دار ومكتبة الهلال، بيروت). (1/15)
صفحة 16
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الإمام أبو عبيدة يرسل سلمة بن سعد للمغرب قرر الإمام الكبير أن يرسل من يصحح صورة الإسلام هناك
فوقع اختياره الموفق على طالب من طلابه، وعلى تلميذ عرف فيه النجابة وعرف فيه الإخلاص وعرف فيه الحكمة، وعرف فيه العلم. إنه سلمة ابن سعد الحضرمي (1)، سلمة بن سعد ذلكم الجندي المجهول - للأسف - في تاريخ الدعوة الإسلامية ويعتبر سلمة بن سعد هو أهم رجل ربط المشرق بالمغرب إباضياً، فلولا فضل الله أولا ثم جهود سلمة بن سعد الدعوية، لم يكن هذا التواصل الحضاري الثقافي بين إباضية المشرق وإباضية المغرب، فبفضله بعد فضل الله انتشر الكتاب المشرقي في المغرب وانتشر الكتاب المغربي في المشرق، فقد ضحى بحياته و وقته، وضحى بالغالي والنفيس على أن يتحقق على يديه هذا الربط.
(1) سلمة بن سعد رحمه الله، وهو الذي وصل إلى المغرب يدعو الناس إلى هذا المذهب، وهو يتمنى ظهوره يوماً واحداً. انظر الشماخي، أحمد بن سعيد كتاب السير دراسة وتحقيق د. محمد حسن -بيروت-المدار الإسلامي-الطبعة الأولى 2009 م-ج 1 ص 212 (1/16)
صفحة 17
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
لم تكن رحلة سلمة بن سعد إلى المغرب هيئة، لقد كان متابعاً من قبل ولاة الدولة الأموية التي كانت تهيمن على العالم العربي أو على العالم الإسلامي أو على كثير من العالم الإسلامي الحالي، ولكنه رأى أن يبتعد عن تلك العيون وأن يأتي في الطرق الصعبة يجتاز الجبال ويقتحم الوهاد، وهو بمفرده، كيف يتخيل إنسان أن رجلاً أصله أما من عُمان أو من اليمن من حضرموت (1) يأتي إلى البصرة ثم يتوجه إلى تلكم الآفاق، فنتأمل تلك المسافة ونتخيلها من البصرة في العراق إلى تلمسان في المغرب الأوسط حيث وصل، كيف يغامر الإنسان بحياته ويذهب إلى قوم لا يعرفهم ولا يعرفونه، يذهب إلى شعوب لا يعرفهم ولا يعرفونه، يذهب إلى المغرب يجتاز الجبال، ويجتاز الصحاري، ويجتاز الكثير من المصاعب حتى يصل إلى المغرب من سرت في الشرق من المغرب الأدنى إلى تلمسان في المغرب الأوسط، هل يتخيل إنسان اليوم بإن إنساناً سوف يضحي هذه التضحية في
(1) لا نعرف موطن سلمة بن سعد على وجه التحقيق لأنه صار جندياً مجهولاً
في تاريخ الدعوة الإسلامية (1/17)
صفحة 18
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
ذلك الزمان وهو بمفرده، من منا يتخيل ذلك؟ لولا أن التاريخ سجل تلكم الرحلة لما تخيلنا ذلك (1).
إن سلمة سعد رضي الله عنه هو الذي عمل ذلك العمل بن الجبار، فذهب من البصرة حتى وصل إلى المغرب وتعايش واندمج مع الشعوب الأمازيغية هناك مع اناس لا يعرف لغتهم ولا يعرفون لغته، ولكنه الإخلاص الذي حمله أن يغامر تلك المغامرة وأن يذهب إلى المغرب الأوسط ويبدأ بالدعوة وتصحيح صورة الإسلام، قائلاً للمسلمين هنالك: هذا هو الإسلام المحمدي، غير الإسلام الذي يمارسه هؤلاء الظلمة، فأخذوا يقتنعون بدعوته وإذا بهم يقبلون على هذه الدعوة، وإذا بهم يقبلون على هذا المذهب، وهنالك كان سلمة بن سعد قد أعد خطة استراتيجية عظيمة، بأن يُكون بعثة علمية (2) تذهب من أماكن مختلفة
(1) تذكر كتب التاريخ أن عكرمة مولى ابن عباس كان برفقة سلمة بن سعد في رحلته إلى المغرب، يتعاقبان جملاً واحداً سلمة بن سعد يدعو للإباضية وعكرمة يدعو للصفرية، وسوف يبين الشيخ عدم صحة هذه الرواية في ما
سيأتي
(2) البعثة العلمية تكونت من خمسة أشخاص أحدهم من اليمن وهو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، والباقون مغاربة وهم عبد الرحمن بن رستم الفارسي، (1/18)
صفحة 19
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
من المغربين الأدنى والأوسط لتذهب إلى ذلكم المعهد العالمي عند أبي عبيدة ليدرسوا ثم يعودوا ليقوموا بمواصلة توسيع الدعوة
التي سميت فيما بعد بالمذهب الإباضي، وكوّن منهم بعثة علمية وهي أول بعثة طلابية علمية تتكون في التاريخ الإسلامي (1). كون سلمة بن سعد هذه الخطة الاستراتيجية، كي يكون هنالك علماء من نفس الأماكن وأن يكونوا موزعين حتى يبقى كل واحد سراجاً مضيئاً في إقليمه، حتى تتواصل هذه الأشعة النورانية العلمية وتخدم مذهباً واحداً.
وعاصم السدراتي، وأبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي. (انظر تراجمهم في كتاب طبقات المشايخ للدرجيني)
(1) المذهب الإباضي سبق المذاهب كلها في الكثير من الأمور فالإباضية هم أول من ألف التأليف الموسوعي، وهم أول من كون البعثات العلمية، وهم أول من أنشأ الأقسام الداخلية للمعاهد والمدارس الإسلامية، فابن بركة إمام المشارقة والمغاربة هو الذي أنشأ مدرسة في بهلاء في القرن الرابع الهجري، كان يغذي الطلاب، ويعلمهم، ويسكنهم، وقد تخرج على يديه ثمانون عالماً من أهل المغرب، والإباضية هم أول من أرسى علم النحو وأخرجه وفصله وأوضحه، وهم أول من كتب معاجم اللغة وهم أول من كتب في علم
الحديث. (1/19)
صفحة 20
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
كان رضي الله عنه يقول: وددت أن لو ظهر هذا الأمر من أوّل النهار إلى آخره فلا أبالي أن تضرب عنقي"، هذه المقولة سجلها التاريخ وسجلها الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتناقلها الناس ونتناقلها نحن معشر الإباضية، لم يكن يبالي سلمة بن سعد بالموت إذا تحقق هدفه الذي ذهب من أجله.
ما المقصود بهذا الأمر؟ هل المقصود المذهب الإباضي؟ أم
الفكر الإباضي كفكر؟ أم المقصود إقامة دولة إسلامية؟ كلا الأمرين قد تحقق، انتشر المذهب الإباضي، وانتشر الفكر في تلك الأصقاع وتحقق قيام الدولة الإسلامية الإباضية التي بدأت في طرابلس سواء على تلك البدايات البسيطة على يد الحارث بن تليد وقاضيه عبد الجبار (1) أو تلك الدولة الكبيرة الناجحة دولة أبي الخطاب المعافري (2).
(1) الحارث بن تليد وقاضيه عبد الجبار، قاما على عامل مروان بن محمد بطرابلس. انظر الشماخي، أحمد بن سعيد كتاب السير دراسة وتحقيق د. محمد حسن-بيروت-المدار- الإسلامي - الطبعة الأولى 2009 م-ج 2 ص 248 (2) عبد الأعلى بن السمح ابن عبيد المعافري الحميري اليمني (أبو الخطاب) ت 144 هـ أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة، بويع بالإمامة في طرابلس (1/20)
صفحة 21
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
إن الذي يتضح لي هو أن الأمر الذي كان يقصده الداعية الكبير سلمة بن سعد هو إقامة الدولة الإسلامية الإباضية، لأن إقامة العدل ساعة واحدة خير من عبادة ستين سنة كما جاء في بعض الروايات (1)، فإن إقامة العدل شيء كبير عند الله تعالى، إن قيام شرع الله ولو ساعة في هذه الأرض هو الذي يحبه الله، إقامة العدل هو الذي جاء من أجله الأنبياء، وجاءت من الشرائع، وما فرض الجهاد إلا من أجل العدل، العدل أمره عظيم
عند الله.
أجله
سنة 140 هـ .. انظر طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجينيت: إبراهيم
طلاي ج 1 ص 22 وما بعدها.
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير. بلفظ / حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أحمد بن يونس، ثنا سعيد أبو غيلان الشيباني، قال: سمعت عفان بن جبير الطائي، عن أبي حريز الأزدي، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول
وحد
الله صلى الله عليه وسلم: يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين - سنة، يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين عاما. انظر الطبراني، أبو القسام - المعجم الكبير ت حمدي بن عبدالمجيد - القاهرة – مكتبة ابن تيمية-ج 337 الحديث رقم 11932
11 ص (1/21)
صفحة 22
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
قالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَايِ ذِي القرى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل: 90
فالداعية الكبير سلمة بن سعد كان يتمنى إقامة نظام إسلامي بديل عن ذلك النظام الحكمي الذي هو تحت الدولة الأموية، وقد تحقق له ما أراد ولله الحمد، نتيجة ذلك الإخلاص،
مسمى
فإذا بالمذهب ينتشر في تلك الأماكن انتشاراً كبيراً، وإذا بالدولة الإسلامية تقوم بدءاً من عهد أبي الخطاب المعافري رحمه الله (140 - 144 هـ) وإلى نهاية الدولة الرستمية المباركة (160 هـ - 296 هـ) وبعد ذلك خلفتها بصورة أقل الإمارة الإسلامية
الإباضية في وارجلان (1/22)
صفحة 23
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
عكرمة مولى ابن عباس
لم يرافق سلمة بن سعد في رحلته
هنالك في التاريخ بعض الروايات ولكن القرائن أو السياق التاريخي لا يحكم بصحتها ومع الأسف وجدت في مصادرنا الإباضية، من ذلك أن سلمة بن سعد جاء () هو وعكرمة (1) على بعير واحد هذا يدعو إلى الصفرية وهذا يدعو إلى إلى
الإباضية.
أولاً: قبل كل شيء لابد من أن نحلل هذه الرواية حتى نعرف صحتها من عدم صحتها، عكرمة متقدم على سلمة بن سعد، فقد توفي عكرمة سنة 105 هـ وسلمة بن سعد جاء
() العبارة بكلمة ((جاء)) لأن المحاضرة كانت بجامع مدينة العطف بوادي ميزاب بالجزائر (المؤلف)
(1) أحد التابعين والمفسرين المكثرين والعلماء الربانيين، والرحالين الجوالين. وهو أبو عبد الله، وقد روى عن خلق كثير من الصحابة، وكان أحد أوعية العلم، وقد أفتى في حياة مولاه ابن عباس انظر البداية والنهاية ج 9 ص 244 وما بعدها / الناشر دار الفكر لعام 1986 م (1/23)
صفحة 24
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
على ما يبدو في العشرنيات من القرن الثاني الهجري أو في آخر العشرينات منه، لأن البعثة العلمية التي كونها سلمة بن سعد مكثت في البصرة خمس سنوات وعادت سنة 140 هـ أو قبلها بقليل أي في أواخر الثلاثينات ونصبوا الإمام المعافري إذا فالبعثة لعلها ذهبت في بداية أو وسط الثلاثينات من القرن الثاني الهجري تقريباً، ورحلة سلمة
بن سعد إلى المغرب
قادماً من البصرة كانت في الثلاثينيات من القرن الثاني الهجري أو في آخر العشرينيات في الوقت الذي كان فيه عكرمة قد توفي قبل
ذلك بأكثر من عشرين سنة.
ثانياً: عكرمة على الصحيح لم يكن صفرياً و نحن إذا أطرنا فكره نعتبره إباضياً لأنه تلميذ الصحابي الجليل ابن عباس، كما أن الإمام أبا الشعثاء جابر الذي هو الآخر تلميذ ابن عباس كان معجباً بعكرمة حتى أنه أعطى أحد تلاميذه صحيفة فيها فتوى عن عكرمة وعندما لم يحسن ذلك التلميذ قراءتها أو معرفة ما فيها جذب منه (1/24)
صفحة 25
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الإمام جابر تلك الصحيفة، وقال له: هذه صحيفة عكرمة مولى ابن عباس أعلم الناس (1) فعكرمة على الرأي الصحيح – طبعا إن أطرنا الأفكار نعتبر عكرمة إباضياً، لأن فكره قريب جداً من فكر الإمام جابر بن زيد وكلاهما من كبار تلاميذ الصحابي الجليل عبدالله
بن العباس.
ثالثاً: كيف يصطحب سلمة الإباضي وعكرمة الصفري - إن كان صفرياً- والإباضية يبرئون من الصفرية، حتى أنهم لم يقبلوا من هلال بن عطية الخراساني الذي كان صفريا وصار قائد الإمام الجلندى بن مسعود، أن يدخل المذهب الإباضي إلا بعد أن يتوب ويذهب إلى الذين دعاهم إلى
(1) قال ابن علية عن أيوب بن عمروا بن دينار قال دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة قال فجعل جابر يقول: هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا البحر فاسألوه وقال سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار قال أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل فقال سل عنها عكرمة قال فكأني تباطأت فانتزعها من يدي وقال هذا عكرمة مولى ابن عباس هذا أعلم الناس. انظر التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي. عمر يوسف القرطبي / الناشر وزارة.
والشؤون الإسلامية بالمغرب سنة النشر 1387 هـ.
عموم
الأوقاف (1/25)
صفحة 26
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الصفرية ليعلمهم بأن دعوته تلك لهم كانت خطأ
وضلالاً.
رابعاً: حارب الإباضية بقيادة الإمام الجلندى بن مسعود الصفرية بقيادة شيبان اليشكري الذي جاء إلى عُمان
هارباً من جيش الخليفة العباسي أبي العباس السفاح، حتى قتل شيبان وأنهزم جيشه.
إذن من خلال هذا السياق التاريخي والقرائن
التاريخية، يعرف أن قصة سلمة
بن
سعد
مع
مجيء
عكرمة على بعير واحد هذا يدعو إلى الصفرية وهذا
يدعو إلى الإباضية أنها رواية غير صحيحة. (1/26)
صفحة 27
سلمة
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
عدم اهتمام الإباضية برموزهم
إن الملاحظ عندنا نحن معشر الإباضية غياب الاهتمام برموزنا، والحق يقال أن إباضية المغرب لديهم أفضل مما عندنا في المشرق نسبياً، أما عند المذاهب الأخرى نجد اهتماما بالغا برموزهم وعلمائهم وأئمتهم، فعلى سبيل المثال ماذا نعرف عن بن سعد؟ لا نعرف عنه هل هو عماني أو هو بصري أم هو يمني؟ ما نعرفه عنه أنه جاء إلى المغرب، وغير الوضع، وجاء بالعدل بدل الجور، وجاء بالحق بدل الباطل هذا الجهد العظيم الذي بذله وهذه النتيجة الكبرى التي تحققت من ذلك الجهد، تقابل من جانبنا بالتنكر لتراثنا ولرموزنا ونسيانهم. لو كان رجل في مثل سلمة بن سعد عند المذاهب الأخرى وأثر هذا التأثير الرأيتم وقد سميت باسمه المؤسسات والشوارع والمدارس والجامعات والمساجد، ولكن مع الأسف سلمة بن سعد أصبح مجهولاً عندنا نحن الإباضية، نحن نغبط المذاهب الأخرى على ذلك، ونتمنى أن نتعلم منهم فالأمور الطيبة ينبغي أن ننقلها ونتعلم منها، فالاستفادة الإيجابية مما عند الغير أمر محمود، (1/27)
صفحة 28
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
والأمور الدنيوية الحياتية حق مباح فنحن نستفيد مما عند الآخرين، فهي ليست أموراً تشريعية.
إن اهتمامنا بأئمتنا وعلمائنا والبحث في تراجمهم والاحتفاء بهم هو أقل ما يجب علينا فعله تجاههم، و الاهتمام بهم يقوي فينا الرابطة بيننا وبينهم، وتتواصل الحلقات اللاحقة بالسابقة. في تقديمي لكتاب "سير الوسياني" الذي حققه الدكتور عمر لقمان طرحت تساؤلاً حول سبب اهتمام إباضية المغرب بتاريخ الرجال وسيرهم بينما فقد معنا نحن المشارقة وذكرت بعض الأسباب، ولكن الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة، وبحث وتحليل. (1/28)
صفحة 29
المحور الثاني
نماذج من الجهود الدعوية
عند الإباضية الأوائل.
" (1/29)
صفحة 30
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الإسلام والدعوة
الدعوة في حقيقتها هي منهج الأنبياء والرسل من لدن أبينا آدم وهو نبي على القول الصحيح إلى نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا نبي بعده على الإطلاق، وبما أن الإسلام هو خاتم الرسالات والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فإن الإسلام هو دعوة ويجب على كل
مسلم أن يكون داعية للإسلام.
فما من نبي إلا قال لقومه:
اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ
الأنبياء
الدعوة أمرها عظيم عند الله تعالى لأنها منهج والرسل، فالأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذه بحظ وافر، كما جاء في الحديث (1)، إذن فالعلم
هو ميراث النبوة، والعلماء هم ورثة الأنبياء والرسل.
(1) رواه ابن حبان في صحيحه أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال حدثنا عبد الله بن داود الخريبي، قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس، قال: كنت جالسا (1/30)
صفحة 31
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
قَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كل فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122
فالعالم يجب أن يكون داعية، ولكي يكون داعية عليه أن يتعلم ويتفقه في دينه، فالآية جمعت منهجية التفقه والدعوة إلى الإسلام، يقول الإمام محمد بن محبوب (1): لم يؤت
مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء، إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء: أما جئت لحاجة أما جئت لتجارة، أما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة،
والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات، ومن في الأرض، والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. انظر الدارمي محمد بن حبان - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان - بيروت-مؤسسة الرسالة - الطبعة الثانية 1993 م ج ص 289 الحديث رقم 88 (1) محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي، عالم، فقيه وقاض نزيه، وداعية مجتهد، عاش في القرن الثاني، وأكثر القرن الثالث الهجري ولد في البصرة، كان رئيس العلماء في عهده ورأس المبايعين للإمام الصلت. بن مالك. انظر (1/31)
صفحة 32
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الله العباد مثل العلم بعد النبوة النبوة هي اصطفاء إلهي وغير مكتسبة، أما العلم فهو مكتسب وراجع إلى اجتهاد الإنسان ورغبته في طلب العلم. وهذا العلم لابد له من دعوة تصاحبه، فلذلك فأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول معلم وأول فقيه، وأول عالم بأحكام الله تعالى وشريعته، وهو أول داعية، أخذ يعلم أصحابه سراً ثم جهراً بعد أن جاء أمر الله تعالى. الدعوة ليست شيئاً مكتوباً، بل هي أي عمل أو قول يخدم الإسلام، فتعلم القرآن دعوة، وتعليم القرآن دعوة وبث العلم دعوة، الأمر بالصلاة دعوة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة، كل عمل يدعو إلى الخير هو دعوة. فالمسلم في الحقيقة هو داعية من حيث لا يشعر، فلذلك فأن الصحابة قاموا بالدعوة إن الفتوحات الإسلامية أظهرت عدالة الإسلام، وخلق الإسلام فالكثير من الناس اعتنقوا
معجم
الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق) إعداد: فهد بن علي السعدي ج 3 ص 153 وما بعدها. من منشورات مكتبة الجيل الواعد الطبعة
الأولى 1428 هـ (1/32)
صفحة 33
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الإسلام بسبب المعاملة، لما رأوا عدالة الإسلام. يقول العالم الفرنسي جوستوف لوبون: لم يشهد التاريخ فاتحا أرحم من العرب (1) لأن الشعوب رأت في الإسلام العدالة والرحمة
(1) غوستاف لوبون (7) مايو 1841 - 15 ديسمبر 1931) طبيب، و مؤرخ فرنسي عني بالحضارة الشرقية من أشهر: آثاره: "حضارة العرب" و "حضارات الهند" و "باريس "1884 و الحضارة المصرية" و "حضارة العرب في الأندلس". وهو أحد أشهر فلاسفة الغرب وأحد الذين أنصفوا الأمة العربية والحضارة الإسلامية.
ويقول في موضع آخر لما أمعنا في دراسة حضارة العرب وكتبهم العلمية واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ولسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون، مورداً علمياً سوى مؤلفاتهم وأنهم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلا وأخلاقا وتأثير العرب عظيم في الغرب وهو في الشرق أشد وأقوى.
وفي موضع آخر يقول: لو أن العرب استولوا على فرنسا لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا مركزا للحضارة والعلم حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ، بل ويقرض الشعر أحيانا في الوقت الذي كان فيه ملوك أوربا لا يعرفون كتابة أسمائهم، ويبصمون بأختامهم.
انظر غوستاف لوبون حضارة العرب، الناشر / مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر والدراسات ترجمة عادل زعيتر.
وقد علق على هذه المقولة المفكر الإسلامي عبدالحميد بن باديس (1/33)
صفحة 34
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
والمساواة فتقبلوا الإسلام بل إنهم رفضوا أنظمتهم الحاكمة التي كانت تحكمهم وهي منهم، وأرادوا المسلمين أن يحكموهم ثم دخلوا في الإسلام هذه هي الدعوة الحقيقية. إن التمثيل العملي للأخلاق الإسلامية ساهم مساهمة كبيرة في نشر الإسلام، فالإسلام لم ينتشر عن طريق الفتوحات وحسب، هنالك بعض الأماكن في شرق آسيا لم تصل إليها الفتوحات إلا أن الشعوب رأت في التاجر المسلم المعاملة الحسنة، ورأوا فيه القدوة الطيبة، والمثال الجيد فالدعوة شيء واسع ولا تحصر في مجال من المجالات.
الصنهاجي بقوله: نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد. انظر مجالس التذكير من حديث البشير النير لعبد الحميد بن باديس الناشر وزارة الشؤون الدينية بالجزائر الطبعة الأولى 1983 م ص 300 (1/34)
صفحة 35
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الانقسامات السياسية في صدر الإسلام
بعدما حصل للصحابة من فتن تأطرت الأمة الإسلامية في ثلاثة أطر تدور جميعها حول نظرية الخلافة، نظرية الحكم في الإسلام، افترقت الأمة على هذه المبادئ إلى ثلاث فرق، كل
فرقة تضم تحتها فرقا عديدة كلها تدور حول خلاف سياسي في الأصل، من أحق الناس بالخلافة؟ فالذين عرفوا بمذاهب أهل السنة قالوا: إن قريش هي الأولى بالخلافة، ويمثلهم في ذلك الأمويون، وعلى رأسهم معاوية، هذا هو الرأي الذي قام عليه الفكر السني. الأمويون هم من كرّس هذه المقولة، أمّا فقد الفكر الشيعي حصر الخلافة في آل البيت، علي بن أبي طالب وأولاده من فاطمة، وكل فرق الشيعة تقول بهذا القول. أما الفريق الثالث فإنه يقول: إن الخلافة هي حق شوري بين كان مؤهلا لها فهو أحق بها (1) هؤلاء هم
جميع
المسلمين من
(1) يرى الإباضية أن القرشية ليست شرطاً للإمامة، وإن الإسلام جعل التقوى، والورع، والالتزام بالشريعة الإسلامية هو مقياس التفاضل بين المسلمين وهذا القول هو الذي يوافق تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة، أما القول باشتراط (1/35)
صفحة 36
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
المحكمة، الذين أنكروا التحكيم الذي حدث بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان، ثم أن المحكمة افترقت إلى فرق لكنهم متفقون على هذا القول. فافترقت الأمة كلها على هذه الفرق الثلاث. يقول الشيخ أبو
مسلم البهلاني رحمه الله:
تحزيت الأحزاب بعد محمد
فكل إلى نهج رآه يصير
وقرت على الحق المبين عصابة
قليل وقل الأكرمين كثير
القرشية فهو دعوة للعصبية القبيلة المقيتة التي حاربها الإسلام الحنيف، ولقد سار السادة الإباضية وفق هذه التعاليم الشرعية وجعلوا مبدأ الشورى هو الفيصل في اختيار أئمتهم رضوان الله عليهم.
ولقد حاولت باقي الفرق الإسلامية الانتصار لآرائها، و قامت المؤسسات الإعلامية بوضع الأحاديث والروايات التي تُدعم هذه الآراء، والتي أدت بطبيعة الحال إلى تدهور حال الأمة الإسلامية و أخذ الناس بالقهر والبطش. (1/36)
صفحة 37
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
هذا الفريق يرى أن الحكم والخلافة شورى بين جميع المسلمين ليس لقريش كقبيلة يكون محصوراً فيها ولا لآل
البيت، وهذا الذي يصدقه الواقع.
نحن الإباضية بقينا من فرق المحكمة الوحيدين الذين نحمل هذا الشعار، ونحمل هذا المبدأ ونحمل هذا الأصل بأن الخلافة أو الحكم حقاً لجميع المسلمين لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، فلذلك فحيث ما وجدت المجتمعات الإباضية كان الحكم فيها شورياً بينهم، فالرستميون وهم من الفرس حكموا شمال أفريقيا، وهنالك أمازيغ أما عُمان لكونها - طبعا – مجتمعاً عربياً فحكامها من العرب، لو وجد الحكم في بلاد أخرى في بلاد غير عربية لكان الحكم منهم، وكان الحكم شرعيا متسقاً مع منظومة الإسلام. هذه التقسيمات السياسية الثلاث تبعها التأطير العقدي، والتأطير الفقهي. إذن صار الإباضية موجودين على الساحة منذ القرن الأول الهجري، يتقلص المذهب أحيانا وأحياناً يظهر، فالمذهب تعرّض للتقلص في القرون الأخيرة، اختفى من بعض (1/37)
صفحة 38
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الأمكنة كلياً وتقلص في بعضها نتيجة عدم الاهتمام بالدعوة، هذا التقلّص الذي أصاب المذهب نتيجة عدم اهتمام اتباعه بالدعوة إليه، فالدعوة هي التي تنميه تنمية أي فكر لا بد له
من الدعوة إليه.
إذن كيف انتشر المذهب في الآفاق في زمان لم تكن فيه المواصلات موجودة وتقلّص في الأزمنة الأخيرة؟ لابد أن هناك
أسباباً وخللاً. (1/38)
صفحة 39
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
بعض العوامل التي أدت إلى تقلص المذهب
إن الذي جعل المذهب الإباضي ينتشر هو وجود أشخاص
قاموا بالدعوة إليه بل استعملوا الرحلات الدعوية إلى ما وراء البحار، دعوا إلى هذا المذهب وانتشر، فلو أن إنساناً عمل تقييماً لانتشار المذاهب في القرون الأربعة الأولى، لوجد أن المذهب الإباضي كان أكثر المذاهب انتشاراً، هم كانوا موجودين في خراسان (1)، وكانوا موجودين في فارس في أصفهان (2)، وكانوا موجودين في اليمن لا سيما في جنوب اليمن (3)، وكانوا موجودين في عُمان، و موجودين في الشمال الأفريقي، تونس على سبيل المثال كانت أغلبها على المذهب الإباضي، الآن بقي في جزيرة جربة فقط، في الجزائر كانوا موجودين كثرة، في ليبيا كانوا كثرة حتى قيل إن حجاج نفوسة فقط ولد لهم ثلاثمئة مولود ذكر في
(1) إقليم قديم يشمل بعض مناطق من إيران وأفغانستان وبعض مناطق آسيا
الوسطى
(2) إحدى مدن إيران تبعد 340 كم جنوب طهران.
(3) حضرموت و توابعها (1/39)
صفحة 40
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
موسم حج واحد، لأنه في تلكم الفترة لا يمر الإنسان على تلك الديار إلا يجدها كلها مملوءة بالإباضية.
وعندما زار عالم جربي عمان في عهد الإمام بلعرب بن سلطان رأى قوة الدولة اليعربية والفتوحات، وعظمة الدولة، والعدل إلا أنه لاحظ أن مدارس العلم لا تواكب هذه القوة، فكتب رسالة وجهها للإمام بلعرب بن سلطان، وأخبره كيف كان المذهب وكيف أخذ المذهب يتقلّص بعد الدولة الرستمية حتى بقي في جربة، وجربة مع ضعفها لكن فيها أكثر من عشرين مدرسة تدرّس العلم والفقه والحساب والفرائض والفلك، فاهتم الإمام بلعرب بن سلطان وأنشأ مدرسة في حصن جبرين وتخرج منها أكثر خمسين عالماً
القياس والرأي.
من
من
أهل (1/40)
صفحة 41
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
على نصيحة الشيخ الجربي
مسكد
(1) الشيخ هو عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي الإباضي المغربي، وقد جاء في الرسالة: مولانا أصلح الله أحوالك وسدد أقوالك وتقبل منك أفعالك وجعل إلى السعادة مرجعك ومآلك، فأقول أنا العبد الفقير: إني لما من الله تعالى علي بالوصول إلى هذه البقعة المباركة رأيت بحمد الله في وسمائل وفي نزوى وفي هذا المقام الشريف من الأحكام الشرعية والسيرة الإباضية والسنن المحمدية ما انشرح به الصدر وامتلأ بمشاهدته سرورا والله الحمد على توفيقه، فتأملت أحوال عمان فوجدتها عجيبة الشأن حسنة الشكل كاملة الأوصاف سوى أن مجالس الذكر ومدارس العلم فيها قليلة، والعلم سيدي كما لا يخفى عليكم يزداد بالاستعمال وينقص بالإهمال، ونقصان العلم ضرر في الدين عظيم وما كان على النقصان يوشك زواله، وأخبرك يا
نعم السيد ببعض أحوال أهل جربة من أهل هذه الدعوة في زماننا هذا ضعفهم وقلتهم وسوء حالهم ومعهم من مدارس العلم ما يزيد على العشرين كل يعلم على قدر علمه منهم من اقتصر على النحو واللغة وعلم الديانات ومنهم من تبحر في النحو واللغة والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتوحيد وأصول الدين والفقه والحساب والفروض الشرعية والعروض الشعرية أعني الأوزان وما يتعلق بها من الزخارف وغيره، وهو من عادتهم يجتمعون في كل يوم الأحد ويوم الثلاثاء على شيخ المشايخ، وهو أبو زيد ابن أحمد بن أبي ستة فيقرأون عليه ويلقون في المجالس المشكلات والسؤلات، فيتحرى فيها الصواب ويزيل عنها الالتباس، وهم في هذه الحالة يتأسفون غاية التأسف على اندراس العلم ونقصانه، ولعلمهم أن المذهب الحقيقي الحنيفي الرستمي يزداد بازدياد العلم وينقص بنقصانه ويذهب بذهابه، وقد كان هذا المذهب بأرض المغرب في زمان الأئمة الرستمية الله مسيرة ثلاثة أشهر وأزيد كلها عمارة محشوة بالزهاد والعباد رحمهم (1/41)
صفحة 42
منهم
إلا من
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحا
والعلماء لا يحصى عددهم ولا يطاق عتادهم، فلما زالت عنهم الإمامة لأمر أراد الله إبرامه ذهبت الأخيار وبقيت الأشرار، وتهاونوا في العلم والتعليم ومالوا إلى الدنيا، فركبهم الجهل، فطبع على قلوبهم بسبب ذنوبهم، وأتتهم العلماء المخالفون بالحجج الباطلة، فتخيلوا السراب ماء لطموس البصيرة وتمكنت من أزمة قلوبهم، فسلكوا بهم طريقهم الضالة، كما سلك الذود بين قائد وسائق فارتدوا على أدبارهم والعياذ بالله في أزمنة متقاربة حتى لم يبق ساقه التوفيق واعتصم بالله واستتر بالعلم، وهو أهل البقاع الثلاثة: بعض أهل نفوسة، وبعض أهل جربة وبنو مصعب ليس إلا سنة الله التي قد خلت من قبل سلكوا بها وتمسكوا. فإذا كان الأمر هكذا فينبغي للإمام المسلمين أيده الله بالتوفيق وأنار له معالم التحقيق وأن يجعل في كل حصن من حصون مملكته المجلل عدله المزيد فضله معلما يعلم الناس أمر دينهم ويزهدهم في الدنيا الفانية الخسيسة ويرغبهم في الآخرة الباقية النفيسة، هذا إن شاء الله تعالى بالنظر في أحوال من له نظر ومعرفة ولو أدنى معرفة وذوق في العلم إن ظهرت منه أسباب الخير بالنصيحة لنفسه أولا ولعباد الله والشفقة عليهم والرغبة في الدين.
ويتيسر
فحينئذ يتوجه الأمر المطاع من إمام المسلمين بأن يتصدى التعليم بالغداة والعشي ولا يحقر ما معه من العلم وإن قل إن كانت نيته خالصة بأن ينمو ويزيد ويفيد يستفيد ببركة العلم وفضله حيث كان خالصا الله عز وجل لعل غافلا ينتبه أو نائما يتيقظ أو ناسيا يتذكر أو جاهلا يتبصر، وتكون سنة حسنة في الإسلام لمن سنها وأجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو إمام المسلمين وأعوانه في الدين لا يغير ولا ينقص من أجور المتعلمين شيء. الله الله الله الله وحاشا لمثلك أن يتغافل ويتهاون في مثل هذا وأنت
ثم (1/42)
صفحة 43
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
بتوفيق الله وفضله خليفته في أرضه والعلم أصول دين الله وفروعه ولوازم العدل المأمور به المفروض أمثاله وشروعه ولكن لكل شيء سبب ولكل أجل كتاب، وإذا أراد الله إظهار أمر يرضيه في الدين أجراه على يد أحد من خلقه، ممن يختصه لمزيد فضله ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم كظهور العدل وعلو كلمة الحق وذهاب ذوي الشقاق و انطماس معالم الشرك والنفاق على يد المرحوم الشيخ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي والإمامين الرضيين رحمة الله عليهم أجمعين، وأنت الرضي الثالث بحمد الله، وقد ترى ما ابتلي الناس به من الميل إلى الدنيا والزهد في الآخرة مع شدة افتقارهم إليها.
سيدي ومولاي: أنظر بعين البصيرة والعقل الراجح الثاقب في وصل ما أمر الله به أن يوصل بينه وبين عباده الذين استخلفك عليهم رأفة ورحمة بهم ورجاء لرضوان الله تعالى، ولا تخلوا أرض الله تعالى من قائم فيها بحق وعلم خلقه في. في كل وقت من الأوقات وهو الحجة على خلقه، كما قال الله وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ يا نعم السيد و يا جهد المكارم إذا نظرت وتأملت في هذا الأمر العجيب الشأن واطمأنت نفسك إليه وهممت ببذل المجهود في تجديد معاهده وتشييد قواعده حبا لله ورجاء لثوابه، فثوابه أجل وأعظم للمسبب والمتسبب فيه من ثواب المجاهدين والمرابطين والمصلين والصائمين والحاجين والمعتمرين ما خلا الفرائض من ذلك كله وكان كل ذلك فضلا ونفلا فأرني منك علامة تسرني كقول إمام المسلمين: نعم ابتغيت رضوان الله تعالى فإن إحياء هذه الطريقة أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وغربت، وأحب إلى الله ورسوله وإلى من ناصح نفسه من المسلمين، إذ جميع حطام الدنيا الفانية لا يعتبر في جانب السعادة الأبدية ولا تزن ذرة منه، وكتبته بيدي والله على ما أظهر وأضمر. شهيد وهذا سر من العبد الغريب إلى المولى (1/43)
صفحة 44
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
لذلك فإنه عندما أهملنا الدعوة تقلّص المذهب واختفى
من بعض الأماكن،
ومن ذلك الإهمال أن الإباضية في
حضرموت استنجدوا بإباضية عمان، فلم ينجدوهم بالشيء المطلوب، وإنما اكتفوا بأن يرسل إليهم أحد العلماء رسالة
أن
توضح لهم معالم المذهب لأن العالم في عمان كان يكتفي يرسل إلى أصحاب المذهب رسالة توضّح معالم المذهب، فهذه الرسالة قد تصل وقد لا تصل وإذا وصلت فإنها تبقى عند شخص واحد ولم تكن هنالك زيارات إنقاذ ولم تكن هنالك رحلات إنقاذ ولا مبادرات. لقد انتشرت المذاهب الأخرى بأمرين أثنين:
أولا بالأطر العلمية، وثانياً باهتمامهم بالدعوة لمذهبهم، فلو جئنا للأطر العلمية التاريخية عند أهل السنة لوجدنا الأزهر في
الحبيب والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ورضوانه يتسلسل تسلسل أنفاس أهل الجنة، وأما أهل جربة وإن كانوا متمسكين بالعلم جهدهم، فتدبيرهم مختل وعقدهم منحل وأمرهم مشكل لفقدهم الإمام العدل وقرناءه أهل الفضل. (1/44)
صفحة 45
مصر
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
' (x)'
(1)، والزيتونة في تونس (3)، والقرويين في فاس (3)، ومدارس في الحجاز ومدارس في العراق، ولو جئنا إلى الأطر العلمية عند الشيعة لوجدنا العديد من الحوزات العلمية في النجف بالعراق، وفي قم في إيران، فالدراسة عند المذاهب الأخرى لم تنقطع، والدعاة يذهبون جيئة وذهابًا يمرون على أتباعهم يرشدونهم،
ويشجعونهم، ويحفزونهم ويثبتونهم.
(1) من أهم المساجد في مصر والعالم الإسلامي، بني سنة 361 هـ على يد جوهر الصقلي، وفي سنة 378 هـ جعله الخليفة العزيز بالله جامعة يدرس فيها العلوم الإسماعيلية، وأوقف الفاطميون عليه الأحباس للإنفاق منها على فرشه وإنارته ورواتب الخطباء والأئمة والمدرسين وحينما تولى صلاح الدين الأيوبي. ملك مصر حوله إلى جامعة سنية.
(2) يعد ثاني الجوامع التي بنيت في أفريقية بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان، أمر ببنائه حسان بن النعمان عام 79 هـ وأتم عمارته عبيد الله: بن الحبحاب في
116 هـ، لعب دوراً كبيراً في نشر العلوم الإسلامية في بلاد المغرب.
(3) جامع في مدينة فاس المغربية بني عام 245 هـ، قامت ببنائه فاطمة الفهرية، حيث وهبت كل ما ورثته لبناء المسجد، انتقل الجامع إلى المرحلة الجامعية في العهد المرابطي، حيث قام العديد من العلماء باتخاذ المسجد مقراً
لدروسهم. (1/45)
صفحة 46
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
وكدليل على ذلك أذكر أنني في السبعينيات من القرن المنصرم اطلعت على رسالة بعثها طالب سني من التبت يدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وجهها إلى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة أبقاه الله وقد كان يحسب أن الشيخ الخليلي على المذهب السني، ويقول في الرسالة: إن علماء المذاهب السنية لا يذهبون إلى التبت بينما علماء الشيعة يخرجون من العراق، ومن لبنان ويمرون على أتباعهم إلى أن يصلوا إلى الصين، كي يثبتوا أتباعهم على
مذهبهم.
إن المذهب الإباضي فقد هذين الأمرين، فالأطر العلمية عنده غير متوفرة وإنما يأتي عالم من العلماء ويجتهد ويتعلم، ويدرس ويكون مكتبة، وعندما يتوفى يموت بموته كل شيء حتى كتبه تتفرق وتوزع وتباع، لأنه لم يعمل تحت مظلة نظام مؤسسي، وكمثال على النظام المؤسسي التعليمي لدى أهل السنة فهناك الأزهر في مصر فهو مؤسسة منظمة، بحلقاته وأروقته، فللمغاربة رواق يتسع إلى كذا طالب، ولأهل الشام (1/46)
صفحة 47
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
رواق، ولأهل العراق، رواق، وللصعايدة رواق، وكل رواق له قدر محدد من الطعام حتى أرغفة الخبز، فعددها محدد لكل
رواق.
وهذا النظام المؤسسي مستمر من القرن الرابع الهجري وحتى الآن، وهكذا بالنسبة إلى المدارس الأخرى (1) وبالنسبة
إلى الأخوة الشيعة لهم كذلك في قم والنجف (2).
فالنظام المؤسسي عندما يموت الشخص العالم لا يتأثر العمل، فالعملية التعليمية تبقى مستمرة ولا يتأثر العمل العلمي بأي طاريء، أما العمل الفردي هو مبني على فرد
(1) عند زيارتي لحضرموت لفت انتباهي الاهتمام البالغ بالأطر العلمية والربط المتفرقة في أنحاء الوادي فهناك رباط لأحمد المهاجر، ورباط للإمام الحداد، وفي تريم هناك دار المصطفى وهي مؤسسة علمية أسسها الحبيب عمر بن حفيظ بتريم عام 1414 هـ تعتمد في التدريس على فقه المذاهب الأربعة، وتركز على علوم أهل التصوف والتزكية
(2) المذهب الشيعي حوزات علمية في البحرين والكويت، ولبنان، والعراق، وإيران. و تتم الدراسة في الحوزة العلمية غالباً في ثلاث مراحل: دراسة المقدمات وتقوم مقام الدور الابتدائي في الأنظمة التربوية دراسة السطوح وتقوم مقام الدور المتوسط دراسة الخارج (ما يطلق عليه بحث الخارج) وتقوم مقام الدراسات العليا. (1/47)
صفحة 48
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر واحد، فإذا توفي أو مرض أو انتقل إلى مكان آخر مات بذلك
كل شيء وفقد بفقده كل شيء.
على أن المذهب الإباضي عندما انتشر في القرون الثلاثة الأولى انتشر بجهود دعوية، وقد ساهم بعض الدعاة في نشر المذهب عن طريق الرحلات الدعوية. (1/48)
صفحة 49
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
نماذج من الرحلات الدعوية
عند الإباضية الأوائل
النموذج الأول: سلمة بن سعد الحضرمي في القرن الأول الهجري كان هناك الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة يقوم بالتعليم وكان تحت قهر وضغط الدولة الأموية إلى حدٍ لا يكاد أن يصدق، حتى ألجأه ذلك إلى أن يتخذ سرداباً يُعَلِّم فيه تلاميذه وقد جعل سلسلة على باب السرداب وكانوا يتظاهرون بصنع القفاف (مصنوعات سعفية) ويتركون أحد التلاميذ على باب السرداب وإذا رأوا شخصاً يرتابون منه حرّك السلسلة فتوقفوا عن الدراسة وقاموا بصنع القفاف، إلا أن ذلكم السرداب خرج أولئكم العلماء الكبار وأقاموا الدول الإسلامية في اليمن وعمان وشمال أفريقيا)،
(1) دولة الإمام طالب الحق في اليمن ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في المغرب. (1/49)
صفحة 50
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
وشيخهم وإمامهم الأكبر أبو عبيدة يتابعهم وهو تحت القهر
وتحت ذلك العذاب.
ولما سمع
أن الأمويين في أفريقيا جاروا وتجبروا على الأمازيغ وأخذوا أملاكهم بشكل جبروتي وجاء منهم وفد إلى هشام بن عبدالملك (أخذ الدولة عام 105 هـ - 125 هـ) وظلوا سنة كاملة ينتظرون الأذن للدخول على الخليفة حتى وصل بهم الأمر أن فكروا أن يرتدوا لما رأوه من الظلم والطغيان، أرسل الإمام أبو عبيدة الداعية الكبير، سلمة بن سعد فسار يجتاز القفار من البصرة مبتعداً عن رقابة العيون الأموية وسار في
طريق بين الصحراء وبين البحر يقتحم الجبال حتى مسح:
تلك
المنطقة جغرافيا وديموغرافيا من سرت في شرق ليبيا إلى تلمسان غرب الجزائر فدعاهم إلى الحق وإلى الاستقامة وإلى الدين القويم وقال: وددت لو يظهر هذا الأمر يوما واحداً فما أبالي أن تضرب عنقي. (1/50)
صفحة 51
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
ولكن ما هو هذا الأمر؟ هل هذا الأمر هو إقامة الدولة أو انتشار المذهب؟ أوكلاهما؟ وقد تحقق كلاهما نتيجة إخلاصه لله ولدينه ودعوته، وكوّن أول بعثة علمية أرسلها إلى معهد أبي عبيدة من أماكن عدة في شمال أفريقيا، وبقي أولئك الطلاب خمس سنوات في البصرة ثم رجعوا إلى المغرب وسموا بحملة العلم إلى المغرب، وأقيمت الدولة الإباضية في المغرب نتيجة إخلاص سلمة بن سعد الله وإخلاصه لدين الله وللدعوة.
النموذج الثاني: أبو عبيدة عبدالله بن القاسم (1)
أبو عبيدة عبدالله بن القاسم سمي بأبي عبيدة الصغير، تفرقة بينه وبين استاذه أبي عبيدة الكبير، فقد أخذ عن أبي عبيدة وعن الربيع، أصله من بسيا من عُمان وعاش في صحار ثم انتقل إلى البصرة، ثم ذهب في رحلة إلى الصين، هذا الرجل
(1) عبدالله بن القاسم أبو عبيدة الصغير البسيوي عالم فقيه، وتاجر ثري، عاش في القرن الثاني الهجري من بلدة بسياء من أعمال بهلاء من. عمان أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب .... المعجم ج 2 ص 284
انظر (1/51)
صفحة 52
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر بدأ ينشر المذهب هنالك هو وزملاؤه الذين ذهبوا معه، الإسلام منذ ذلك الوقت ينتشر.
وبدأ
أخذ سنتين في الرحلة حتى رجع إلى صحار. المدوّن في السجلات الصينية والذي وجد مكتوباً اسم قاسم وأنه عماني وذلك من باب عدم معرفة الأسماء بدقة نتيجة اختلاف اللغة والأسماء وما إلى ذلك، وإذا كنا نحن العرب لا نضبط أسماء بعضنا البعض بتلك الدقة، فكيف بغيرنا، وعندما أقيمت العلاقة بين السلطنة وبين جمهورية الصين عام 1979 م رأيت نشر الموضوع فكتبت مقالاً ونشرته في مجلة الغدير بعنوان (1) أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم أول داعية يذهب إلى الصين، وأتيت بقصته ومن هناك انتشر اسمه، وأخذ في الاعتبار، لقد وصل هذا الداعية إلى كانتون (2) وفي السنوات الأخيرة أقامت الحكومة العمانية مسجداً تحت اسم أبي عبيدة
(1) مجلة كانت تصدر عن نادي المضيرب.
(2) جوانجو حاليا. (1/52)
صفحة 53
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
عبدالله بن القاسم، وفتح عام 2009 م وقد وضعت له ترجمة بنفسي، وترجمت إلى اللغتين الصينية والإنجليزية، فهي هناك مكتوبة باللغات الثلاث العربية والإنجليزية والصينية تكريماً وتخليداً لهذا الرمز الدعوي العالم أبي عبيدة الصغير
عبدالله بن القاسم).
النموذج الثالث: محمد بن عمر البشري لم يكن الإباضية الأوائل يتركون أصحابهم، فقد كانوا يساعدونهم ويثبتونهم على مبادئهم وفكرهم الصافي، لقد كان الإباضية موجودين على ساحل شرق أفريقيا بشكل عام وفي كلوة بشكل خاص، وعلاقة العمانيين بشرق أفريقيا قديمة منذ عهد
(1) لقد كان أبو عبيدة إذا سئل عن مسألة يقول: عليكم بوائل فإنه أقرب عهداً بالربيع، لأن وائل لما انتقل الإمام الربيع إلى عمان حل في المسؤولية العلمية في البصرة وهو أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي من حضرموت وهو الذي يقول: أدركت في حضرموت رجالاً لو ولي أحدهم الدنيا لأحتملها علماً وفضلاً وورعاً وعدلا، فتولى المسؤولية العلمية بعد الإمام الربيع لأنه الإمام الربيع انتقل إلى غضفان وتوفي بها. (1/53)
صفحة 54
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
سعيد وسليمان ابني عباد (1) بل أقدم من ذلك، ولكن سليمان وسعيدا بعدما قاتلهما الحجاج ذهبا ومن معهما إلى شرق أفريقيا، والظاهر أنهم نزلوا في الجزيرة الخضراء، وقد ذَهَبَت بعثة بريطانية إلى هناك قبل سنوات ووجدوا مسجداً ومقبرة وحددوا عمرهما بأنهما من سبعينيات القرن الأول الهجري، وذلك يتوافق مع حروب الحجاج لعمان وخروج العُمانيين إلى شرق أفريقيا، ومنذ ذلك الوقت والإباضية موجودون في كلوة على ساحل تنزانيا وهي من المدن الإسلامية والحواضر الإسلامية في التاريخ وكان هناك عالم يقال له الوليد بن سليمان ابن يارك (2)، ولما توفي كان ولده يارك هو الأكبر فصار في
(1) سعيد وسليمان أبناء عباد بن عبد بن الجلندى و الإمام الجلندى بن مسعود ابن جيفر بن الجلندى قريب لهما، وقد هَزَما جيوش الحجاج في أكثر من
وقعة.
(2) الوليد بن سليمان بن بارك الكلوي، قاض عاش في القرن السادس الهجري من كلوة بشرق أفريقيا، عاصر الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي، مدحه الشاعر عادي بن يزيد الأزدي البهلوي بقصيدة ذكرها ابن مداد في سيرته. انظر معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق) إعداد: فهد بن علي السعدي ج؟ ص 300 وما بعدها من منشورات مكتبة الجيل الواعد الطبعة الأولى 1428 هـ (1/54)
صفحة 55
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
المسؤولية الدينية بعد والده ومعه أخ أصغر منه وكان مشاغباً، وأراد أن تكون المسؤولية له فصادف مجيء رجل عراقي أشعري يقال له عليان فتلقفه عليان واعتنق الأشعرية وقاما يدعوان إلى الأشعرية وتأثر الناس بهما، والمجتمع الإباضي مجتمع جاهل في معظمه، فكتب الشيخ يارك إلى مشايخ عمان فاجتمع المشايخ في منح في بداية القرن السابع الهجري، حيث اجتمع مجموعة من المشايخ فقالوا: لابد أن نجيب هؤلاء الناس فاختاروا رجلاً منهم يقال له محمد بن عمر البشري لكي يسافر إلى كلوة، فسافر الشيخ البشري إلى قلهات أولاً حيث نزل عند الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي (1) صاحب كتاب الكشف والبيان، الذي رتب له السفر فسافر إلى كلوة، وعندما وصل هنالك هرب ذلك الرجل الأشعري المسمى عليان، واستطاع البشري أن يرجع أصحاب المذهب إلى مذهبهم، ولما رجع نزل
(1) محمد بن سعيد القلهاتي، فقيه أصولي، ولغوي مؤرخ، وأديب شاعر، عاش في القرن السادس الهجري، من أهم مؤلفاته الكشف والبيان. انظر معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق إعداد: فهد بن علي السعدي ج 3 ص 94 وما بعدها .. من منشورات مكتبة الجيل الواعد الطبعة الأولى 1428 هـ. (1/55)
صفحة 56
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
مرة أخرى عند الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي وأخبره عن القصة فأنشأ الشيخ القلهاتي المقامة الكلوية على لسان الشيخ محمد بن عمر البشري يذكر فيها وصول البشري إلى كلوة ووصف كلوة وما قام به ذلك الشيخ من الدعوة إلى المذهب لارجاع الإباضية إلى مذهبهم. (1/56)
صفحة 57
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
النموذج الرابع: الإمام أبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي
وهناك مثال آخر على الجهود الدعوية عند الإباضية في ماضيهم المشرق، ذلك المثال هو الإمام أبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (1) وكان في بداية القرن الخامس الهجري، وذلك أنه قام بدعوة أهالي وادي ميزاب بالجزائر
وكانوا معتزلة، قام بدعوتهم إلى المذهب الإباضي فقد انتقل من جبل نفوسة، وذهب إلى مدينة العطف بوادي ميزاب وكانت المعقل الحصين للمعتزلة، وأخذ يدعوهم ويناقشهم حتى أنهم قتلوا أحد أبنائه، ولم يردّه ذلك عن دعوتهم
ومناقشتهم.
(1) محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي، أحد أقطاب الإباضية في المغرب ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين. انظر معجم أعلام الإباضية، الناشر جمعية التراث لجنة البحث العلمي ج 4 ص 772 وما
بعدها (1/57)
صفحة 58
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
حتى انتقلوا -أي أهالي مدينة العطف- إلى المذهب الإباضي
ثم تبعهم جميع المعتزلة بوادي ميزاب، ومنذ القرن الخامس
الهجري أصبح الميزابيون إباضية، أعز الله بهم المذهب، وأعز
أئمة
بهم
الإسلام
عامة،
وخرج منهم في المذهب وعلماء
كثيرون.
والإمام محمد بن أبي بكر الفرسطائي هو الذي وضع نظام العزابة الذي سار عليه إباضية بلاد المغرب من نفوسة وإلى وادي ميزاب كبديل عن الدولة التي فقدها الإباضية
هنالك.
وبارك الله في دعوة الإمام الفرسطائي وجهوده الدعوية التي أثمرت تلك الثمار الحسنة الطيبة وأينعت وكان قطافها تحوّل أهالي وادي ميزاب إلى مذهب أهل الحق والاستقامة، وهاهم على المذهب إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله تعالى، بل هم في قوة التمسك بالمذهب علماً وعملاً، وذلك بتوفيق الله تعالى وإخلاص ذلكم الإمام العالم الداعية. (1/58)
صفحة 59
المحور الثالث
واقع الدعوة عند الإباضية" (1/59)
صفحة 60
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
تعريف الدعوة:
الدعوة هي الوسيلة الإعلامية لنقل أي شيء فكراً كان أو أي
أمر آخر.
فالدعوة من دعاه يعني أعلمه وأرشده ودعاه إلى الشيء. وهي رديفة الإسلام، و لبه و قوته و وسيلته في انتشاره بين الناس، والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإسلام، أي الدعوة إلى الله من خلال الدعوة إلى الإسلام كذلك نجد في القرآن الكريم أن الله تعالى يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقوم بالدعوة إلى الله تعالى من خلال الرسالة الإسلامية التي بعثه بها إلى الناس كافة فقال له: فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) الحجر:
والصدع بالأمر معناه الدعوة إلى الإسلام.
وقال له: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين لا الشعراء: 214
فالإنسان شيئاً فشيئاً يبدأ بالأقرب فالأقرب وقال له: (1/60)
صفحة 61
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هي أحسن إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ (النحل: 125
وقال: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتُ وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَبِ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ
يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى: 15
وقال له: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وسبحنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ال يوسف: 108 هذه أوامر من الله تعالى بالدعوة إليه من خلال الإسلام، وقبل ذلك ما من نبي إلا قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ
إذن فالدعوة في الحقيقة هي رديفة كل دين من ديانات الأنبياء السابقة، وبالنسبة إلى ديننا الإسلامي فهي آلته، و وسيلته الإعلامية، فالدعوة لو جئنا إلى اشتقاقها هي مشتقة دعا، وكل فكر أو دين أو فكرة أو مشروع أو أي شيء في هذه
من
الفعل (1/61)
صفحة 62
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الحياة لا يدعى إليه ولا يدعى له سوف لا يكون له انتشار، إنما الوسيلة الفعالة التي ينتشر بها أي فكر من الأفكار أو أي دين
من الأديان إنما ذلك بالدعوة فلذلك القرآن أمر بالدعوة. لماذا أُمرنا بالدعوة؟ لو تأملنا في الآيات القرآنية التي أمر الله تعالى فيها نبيه بالدعوة لوجدناها دائماً تأتي بعد حكاية الفرقة وحكاية الاختلاف بين أصحاب الديانات السابقة، فالله بعدما نهى عن الفرقة في قوله شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي
إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ الشورى: 13 جاء الأمر منه سبحانه وتعالى فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمَرْتَ وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ وأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ
لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}
الشورى: 15 (1/62)
صفحة 63
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
إذن فالدعوة هي التي تمنع من الاختلاف، الدعوة إذا قام بها أصحاب أي مذهب أو أي دين أو أي فكر من الأفكار تمنع أصحاب ذلك الفكر من الاختلاف والآية الكريمة هي قوله تعالى: ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل: 125
جاءت أيضاً بعد حكاية الاختلاف عن الأمم التي قبلنا، إذن كأن الدعوة هذه هي التي يجتمع بها وحولها أصحاب أي فكر، فلذلك الإسلام ركز على قضية الدعوة واهتم بالدعوة وأمر بها وهي التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بها من بعده أصحابه الكرام رضي الله عنهم ثم قام بها العلماء المصلحون المخلصون عبر التاريخ، فبقدر إخلاص المرء الله تعالى تكون دعوته، وبقدر إخلاصه في الإسلام تكون منه الدعوة، فلذلك تبارى العلماء العاملون المصلحون في الدعوة إلى الله وهو الذي تميز به أسلافنا
الإباضية. (1/63)
صفحة 64
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الدعوة عند الإباضية الأوائل
لم يكن أسلافنا يطلقون على أنفسهم الإباضية وإنما أطلق هذه التسمية عليهم غيرهم وقبلوا بها بعد فترة من التاريخ وإنما كانوا يطلقون على أنفسهم أهل الدعوة أو أهل الاستقامة.
والسبب بتسميتهم أهل الدعوة لأنهم قاموا بهذه الدعوة وانتشر الفكر الإباضي الجابري في الآفاق شرقاً، وغرباً، و جنوباً، وشمالاً. الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه سيد التابعين
عند
الذي وثقته الأمة توثيقاً ولم توثق أحداً غيره، فهو الجميع على الإطلاق وهذه حقيقة تاريخية لم نجد رجلاً أعطته الأمة ثقتها أو كان ثقة مطلقاً عند الأمة إلا الإمام جابر بن زيد بعد الصحابة، هذا الإمام هو الذي أسس الدعوة عند الإباضية و وزّع الدعاة في الأمصار، وجاء الطلاب من جميع الأصقاع، فدرسوا على يديه وانتشر طلابه شرقاً وغرباً، فهو (1/64)
صفحة 65
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
كما وصفه الشيخ البدر الشماخي في كتابه "السير" فقال ((وكان أعلم الناس، وأورع الناس، وأعبد الناس، استضاء بنوره جماعة عظيمة، وأخذ عنه ناس كثيرة، وكان مجاب الدعاء (2))) ثم حمل راية الدعوة من بعده تلاميذه العظام الكرام وفي مقدمتهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي أنشأ ذلك المعهد العالمي بامتياز في البصرة الذي قصده طلاب العلم من عُمان ومن بلاد المغرب العربي، ومن مصر، ومن العراق ومن فارس ومن خراسان، ذلك المعهد الذي كان في سرداب جعله في سرداب لأنه كان ملاحقاً من قبل ولاة الدولة الأموية، ذلك السرداب هو الذي أصبح المعهد العالمي الذي خرج أئمة علم وأئمة حكم، تخرج منه الإمام عبدالله بن يحيى الكندي (طالب الحق) أول إمام حكم في
(1) بدر الدين أحمد بن سعيد الشماخي، ولد في يفرن بجبل نفوسة، وكتاب السير من أشهر مؤلفاته .. انظر الإباضية في موكب التاريخ للشيخ علي يحيى معمر - مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
(2) السير، ج 1، ص 188، تحقيق محمد حسن (1/65)
صفحة 66
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
اليمن (1)، ومنه تخرج الإمام الجلندى بن مسعود (2) أول إمام بعمان، ومنه تخرج أبو الخطاب المعافري أول إمام في بلاد المغرب في طرابلس ثم الإمام عبدالرحمن بن رستم (3) مؤسس الدولة الإمامة الرستمية، إضافة إلى أئمة العلم وهم كثير، فمن ذلك المعهد السردابي العالمي تخرج أولئك الأئمة، أئمة العلم، وأئمة الحكم، فقام الإباضية بالدعوة حتى انتشر المذهب الإباضي انتشاراً واسعاً كما يقول الشيخ عبدالرحمن بكلي
(1) عبدالله بن يحيى بن عبدالله الكندي الحضرمي، أبو يحيى المشهور بطالب الحق توفي 130 هـ إمام الإباضية في اليمن تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمه .. انظر المعجم ج 2 ص 320
(2) الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى ت 134 ه، أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمه وهو من حملة العلم إلى المشرق من البصره إلى عمان - انظر العقود الفضيلة للشيخ مسلّم بن حمد الحارثي رحمة الله عليه
، وكتاب عمان عبر التاريخ للشيخ سالم بن حمود السيابي رحمه الله.
(3) عبد الرحمن بن رستم ابن بهرام بن كسرى، أسس الدولة الرستميه في المغرب الأوسط علم 160 هـ (1/66)
صفحة 67
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
رحمه الله (1): إن المذهب الإباضي في القرون الأربعة الهجرية
الأولى أكثر المذاهب انتشاراً.
قلت: لو الإنسان استقرأ إلى حد القرن الرابع الهجري وعمل خريطة بيانية لتوزيع المذاهب وانتشار المذاهب لوجد المذهب الإباضي من أكثرها انتشاراً، فالإباضية كانوا في خراسان وهي في أقصى الشرق بالنسبة للعالم الإسلامي آنذاك، وإلى اليمن في جنوب العالم الإسلامي آنذاك فضلاً عن عمان، فعمان كانت كلها إباضية، وفي البصرة إلى مصر إلى بلاد المغرب
العربي، هذا الانتشار استمر حتى القرن الرابع الهجري.
وفي خراسان وفيهم علما والآن من غالبها قد عدما تقول المقولة الأدبية عند الإباضية: إن العلم باض في المدينة أي (وُجد) و فرح في البصرة يعني (بدأ) وطار إلى عمان أي انتقل، فقد شبهوه بطائر باض في المدينة، وفرغ في البصرة، وانتقل وطار إلى عُمان ثم انتقل إلى اليمن، وإلى المغرب، وإلى
(1) عبدالرحمن بن عمر بكلي الملقب بالبكري ولد عام 1319 هـ بالعطف، من آثاره تحقيق كتابي النيل، وقواعد الإسلام وله فتاوى البكري (1/67)
صفحة 68
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
خراسان، وهذا الذي يقوله الإمام نور الدين السالمي في جوهر
النظام:
بطائر فرخ في العراق
ولعمان طار بانطلاق
كذاك أيضاً طار نحو المغرب
فامتلأت بالعلماء النجب
كذاك أيضاً نحو اليمن المبارك
فاتضحت أرجاؤه للسالك
ولخراسان وفيهم علما
والآن من غالبها قد عدما
بدا غريبا و سيرجع
کمابدا والله يخلفنا
هذه المقولة هي أدبية إباضية وجدت في أديباتنا الإباضية وهي ترسم خريطة المذهب الإباضي من مكان إلى مكان وهو ينمو، وينتشر وما ذلك إلا لنشاط أصحابه الدعوي. (1/68)
صفحة 69
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الإباضية، أهل الدعوة، أهل الاستقامة
لقد أسلفنا ذكر السبب في تسمية الإباضية بأهل الدعوة وذلك لنشاطهم الدعوي، فقد كان كل واحد منهم يعتبر نفسه صاحب رسالة لابد أن يبلغها للآخر، لابد أن يعطيها للآخر، لابد أن يُعرف الآخر عنها فسمّوا أهل الدعوة لأن لابد من التسمية أن تكون معبرة عن المسمى، والصفة ملاصقة للموصوف، فاتصفوا بأهل الدعوة لأنهم كانوا فعلاً أهل دعوة، نشروا هذا الفكر في حين أن هناك كانت ملاحقات، ومضايقات، ودول تمنع هذا الفكر، وتمنع هذا المذهب وتكافحه وتحاربه، ولكن مع هذا تمسكوا بمبدأ الإسلام الصحيح فضحوا من أجله إلى أن انتشر هذا الفكر. وأما تسميتهم بأهل الاستقامة فمن المعروف أنهم ضربوا أروع الأمثلة في الاستقامة فتاريخهم من أنصع التاريخ في العدل والاستقامة كما يقول شاعرهم: (1/69)
صفحة 70
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاف
لا يعرفُ العدلُ إلا في استقامتهم
لم يوف إلا لهم في العدل ميزان
بالذب عن حرمات الله شأنهم
وقال نور الدين السالمي: وللعمانيين والمغارية
لا شان دنياهم نيل وحرمان
و حضرموت أمراء غالبة
يشابهون العمرين عدلا
وورعاً وثقة وفضلا
مضوا على نهج الصواب فلهم
حسن
الثنا
، مع الرضى من ربهم قلت في كتابي (الوسيط في التاريخ العماني)) إن التجربة السياسية الإباضية أفضل التجارب السياسية في الدنيا على الاطلاق بعد الخلافة الراشدة وقبل ظهور الديمقراطيات الغربية.
لم يعرفوا الجور والظلم، وسفك الدماء في غير ما أحل الله ما كانوا يحكمون بغير شرع الله، هذه هي الاستقامة التي تمسكوا بها، واتصفوا بها. إن التاريخ الإباضي من أنصع صفحات التاريخ والحمد لله اقرأوا تاريخ إمامة أبي الخطاب المعافري وكيف أنه كان يمنع (1/70)
صفحة 71
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
جنده من أخذ أي شيء من المخالفين لهم الذين حاربوهم يقول له أحدهم: " نأخذ من أموالهم كما يأخذون من أموالنا" قال: " إذن حقيق على الله أن يكبنا معهم في النار فيصدق علينا قول الله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَتَهُمْ لِأُولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَنَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ
النَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ) الأعراف: 38 تقول المصادر الإباضية وغير الإباضية: لما استنجدت امرأة بالإمام أبي الخطاب المعافري من أهل القيروان وهو في طرابلس من جور ورفجومة القبيلة الصفرية قال لها: " لبيك، لم ينصرني الله أن لم أنصرك، و توجه الزحف الإسلامي بقيادة أبي الخطاب المعافري وخلصوا القيروان من ورفجومة ومروا على القتلى من المخالفين بأسلابهم، وقد منع الإمام أبو الخطاب أصحابه أن يأخذوا أي شيء من القتلى حتى مرّت (1/71)
صفحة 72
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
امرأة فقالت: كأنهم رقود فسمي المكان "رقادة " حتى ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان نص على هذا).
ومن أروع ضروب الاستقامة عند الإباضية، ما فعله الإمام أبو حاتم الملزوزي (154 - 158 هـ) عندما حاصر القيروان، فإنه سمح للمحاصرين التابعين للدولة العباسية بالخروج وزوّدهم بزاد غذائي مكوّن من رغيف خبز وقربة ماء، إن هذا العمل لم يقم به أحد في خصمه منذ عهد آدم عليه السلام وإلى يومنا هذا، ويحفر التاريخ قصة الإمام الوارث ابن كعب الخروصي (179 - 192 هـ) عندما رأى الوادي أنه سوف يحمل المساجين فانطلق لتخليصهم قائلا إنهم
(1) وقيل تسميتها برقادة أن أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري القائم بدعوة الإباضية بطرابلس لما نهض إلى القيروان لقتال ورفجومة وكانوا قد تغلبوا على القيروان مع عاصم بن جميل التقى بهم بموضع رقادة وهي إذ ذاك منية، فقتلهم هناك قتلاً ذريعاً فسميت رقادة لرقاد قتلاهم بعضهم فوق بعض. (الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله - معجم البلدان -بيروت-دار صادر الطبعة الثانية 1995 م ج 3 ص 155 (1/72)
صفحة 73
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
أمانتي، وأنا المسئول عنهم يوم القيامة، فحمله الوادي فمات
شهيداً غريقاً.
ويساور القلق الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي (192 - 207 هـ) لأنه وافق العبيد في الباطنة على اختيارهم القيام بالزجر (استخراج المياه من الآبار بواسطة الدواب) في الليل بدل النهار نظراً لحر الباطنة الشديد لأن هناك حديثا نبوياً جاء ناهياً عن استعمال العبيد بالليل، ولكن ماذا يفعل الإمام غسان، والعبيد أنفسهم اتفقوا مع سادتهم واختاروا العمل بالليل، ولكن شعور الإمام بالخوف من التقصير في إقامة العدل على الجميع كان يساوره حتى أطلق قولته الخالدة عدلنا إلا في عبيد الباطنة)).
وهناك الكثير من مثل هذه المواقف الخالدة والأعمال الرائعة فأي عدل هذا؟ وأي استقامة هذه؟ إنه العدل حقا، وإنها الاستقامة حقاً وحقيقة، وصدق أبو مسلم حيث يقول:
لا يعرف العدل إلا في استقامتهم
لم يوف إلا لهم في العدل ميزان (1/73)
صفحة 74
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
أما كلمة الإباضية فقد أطلقها عليهم غيرهم ووجدت في
مصادرنا منذ النصف الثاني من القرن الهجري، حيث وجدت في مصدر لعبدالله بن يزيد الإباضي الذي هو من تلامذة عبدالله بن عبدالعزيز (1) الذي هو من تلاميذ أبي عبيدة فقد وصف أصحابه بأنهم إباضية، ثم بدأت تنتشر هذه التسمية، وقد ذكرها الشيخ عمروس بن فتح المساكني في كتابه أصول الدينونة الصافية (2) ثم انتشرت كلمة الإباضية فقبلوا بها ثم تزامن ظهورها في المصادر المغربية والمصادر
(1) عبدالله بن يزيد أبو محمد الفزاري (ق 2 - 3 هـ)، متكلم عاش في القرن الثاني الهجري وأول القرن الثالث الهجري، تلقى علومه الأولية في الكوفة ثم هاجر إلى البصرة ليتتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... انظر المعجم ج 2 ص 322.
(2) المساكني النفوسي، ويكنى بأبي حفص، ولقب بالمساكني لأنه. من أهل " مساكن " الواقعة بجبل نفوسة، ولد سنة 190 هـ تقريباً وهو إمام جليل من أئمة الدين، وعلم عظيم من أعلام الإسلام، قتله ابن الأغلب بعدما أسر في معركة مانو الشهيرة سنة 283 هـ. أما كتابه أصول الدينونة الصافية، فهو كتاب فقهي مختصر لروؤس مسائل الأصول والفروع تحقيق حاج أحمد بن حمو كروم،
ومن منشورات وزارة التراث والثقافة: مسقط، 1999 م. (1/74)
صفحة 75
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
المشرقية في نفس الفترة أيضاً، ذكرها علماؤنا في المشرق عندما قال أحد العلماء في القرن الثالث الهجري يصف أحد المشائخ قال: ذلك إباضي حقاً.
إذن هذا هو النشاط الدعوي الذي كان عليه أسلافنا وانتشر به المذهب وأقيمت من أجله الدول الإسلامية في اليمن وفي عُمان وفي المغرب، فقد قامت تلك الدول المباركة التي أحقت الحق و وضعت الحق في نصابه، وأعادت للإسلام عدالته و مساواته، ورؤاه كل ذلك بجهود أولئكم الأئمة العلماء العظام، ثم انتشر المذهب إلى خارج هذه البقعة
الجغرافية.
نماذج مشرفة من النشاط الدعوي عن الإباضية دخل الإسلام إلى مملكة غانا في غرب القارة الإفريقية عن طريق الشيخ أبي يحيى الفرسطائي (1) من نفوسة، ذهب في تجارة في
(1) أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي، من يتامى معركة مانو 283 هـ، إذ توفي أبوه فيها، ذكر له القطب أطفيش مسائل و روايات ... انظر كتاب السير للعلامة البدر الشماخي. (1/75)
صفحة 76
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
آخر القرن الثالث الهجري أو في بداية القرن الرابع الهجري وهنالك استطاع أن يقنع ملكها أو سلطانها بالدخول في الإسلام
وأسلم وأسلم الناس معه، ثم بدأ الإسلام ينتشر.
لنا-فقد
وفي القرن السادس الهجري ذهب الشيخ علي بن يخلف الدرجيني (1) من تونس في تجارة إلى مالي وهنالك استطاع أن يقنع ملك مالي بالدخول في الإسلام وذلك بعد أن أصاب مالي جفاف فقيل لملكها: إنّ هنا شيخاً من المسلمين لعله يدعو كانوا على الوثنية فطلب من الشيخ علي بن يخلف أن يقوم بهذا الأمر فقال: كيف أدعو الله لكم وأنتم تشركون به؟ فطلب منه أن يوضح لهم الإسلام فدخل في الإسلام، وذهبوا لكي يصلي بهم الشيخ ويدعو لهم فإذا بالسماء تنهمر وإذا بالملك والشيخ علي بن يخلف ومن معهم يرجعون بالقوارب إلى
(1) علي بن يخلف بن يخلف الدرجيني (أبو الحسن) من أعلام درجين ببلاد الجريد جنوب تونس وهو جد أبي العباس أحمد الدرجيني صاحب كتاب طبقات المشايخ بالمغرب كان من كبار التجار إلى بلاد السودان الغربي .. انظر طبقات المشايخ لأبي العباس الدرجيني ج 2 ص 517 وما بعدها، والإباضية في موكب التاريخ للشيخ علي يحيى معمر ج 3 ص 128 و 129 (1/76)
صفحة 77
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
مساكنهم فأخصبت البلاد والعباد ودخلوا في الإسلام وجلس الشيخ علي بن يخلف يعلمهم أمور دينهم. وأخذ الإسلام ينتشر
في الغرب الأفريقي.
وكان هناك أحد أعلام المذهب الإباضي في غانا في القرن السادس الهجري هو الإمام عبد الوهاب بن غالب بن نمير الأنصاري (1) الذي وجّه أسئلة إلى أبي عمار عبد الكافي (2) طالباً توضيح مسائل في المذهب فأجابه عليها الإمام أبو يعقوب الوارجلاني (3)، الأمر الذي يدل على انتشار المذهب هنالك.
(1) من رجالات المذهب الإباضي في غانا في القرن السادس الهجري، والأسئلة التي وجهها لأبي عمار عبد الكافي وأجاب عنها الإمام الوارجلاني، قد أثبتها
الإمام الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان فليرجع إليها من شاء.
(2) عبد الكافي بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن محمد الوارجلاني (أبو عمار) علم من اعلام وارجلان، صنفه الدرجيني في الطبقة الثالثة عشرة (550 هـ - 600 هـ). من مؤلفاته: كتاب الموجز، کتاب الاستطاعة، كتاب الفرائض، كتاب شرح الجهالات للملشوطي .. انظر طبقات المشايخ ج 2 ص 485 وما بعدها.
(3) يوسف بن إبراهيم بن مياد السدراتي الوارجلاني (أبو يعقوب) بحر العلم الزاخر، المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر من أشهر علماء الإباضية بالمغرب ترك آثاراً علمية في مختلف العلوم، منها: تفسير القرآن الكريم، (1/77)
صفحة 78
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
إذن في الغرب الأفريقي، انتشر المذهب هنالك عن طريق إباضية المغرب، وفي الشرق الأفريقي انتشر المذهب عن طريق إباضية المشرق، ولا يزال المذهب موجوداً في شرق أفريقيا وهو في وضع جيد ومناسب.
وكذلك في غرب أفريقيا بدأ المذهب يستعيد وجوده هناك بفضل جهود الدعاة المخلصين الذين أسسوا جمعيات الاستقامة في بعض دول غرب أفريقيا.
في جنوب شرق أسيا حتى الصين أيضاً، سجل التاريخ لنا رحلة الداعية العالم أبي عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم، وسمي بأبي عبيدة الصغير تفرقة بينه وبين الإمام أبي عبيدة الكبير وهو من تلامذة أبي عبيدة الكبير مسلم بن أبي كريمة، وأبو عبيدة الصغير هو أحد علماء عُمان وعاش في البصرة ودرس على الإمام
أبي عبيدة.
الدليل والبرهان العدل والإنصاف، ترتيب مسند الإمام الربيع ... انظر طبيقات المشايخ للدرجيني ج 2 ص 491 وما بعدها. (1/78)
صفحة 79
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
وصل الامتداد الإباضي إلى خراسان، وإلى أصفهان في فارس، وظل الوجود الإباضي في أصفهان حتى القرن العاشر الهجري، وعندما جاء إسماعيل الصفوي (1) الشيعي الإيراني المتعصب الذي حمل إيران كلها على التشيع من إباضية وسنة- قال لهم: إما التشيع وإما السيف فتشيع الإباضية كما تشيع غيرهم من المذاهب الأخرى (2).
(1) أبو المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي (892 هـ - 930 هـ) مؤسس الدولة
الصفوية ...
انظر تاريخ الصفويين وحضارتهم لبديع جمهة الخولي من
منشورات دار الرائد العربي – القاهرة.
(2) جاء في كتب التاريخ أنه كان في أصفهان عدد كبير من الخوارج، ولكن يبدو
أن المقصود بكلمة الخوارج هم الإباضية، وإلا فالخوارج قد انتهوا من القرن
الثاني الهجري. (1/79)
صفحة 80
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الانتكاسة، والانهزام النفسي عند الإباضية
لقد استمر وهج هذا النشاط الدعوي حتى القرن الخامس الهجري، ثم بدأ الإباضية في الانكماش، وبدأوا في التراجع، فصاروا في التقلص، فقد قلَّ نشاطهم الدعوي وقل نشاطهم العلمي، فأخذ المذهب الإباضي إما أن يختفي من بعض المناطق، وإما أن يتقلص في غيرها، وفي بعض البلدان اختفى منها تماماً. إن تخلف أتباع المذهب الإباضي عن مهمة الدعوة جعل هذا المذهب يتراجع شيئاً فشيئاً إلى أن صرنا الآن نحن المذهب الأقل
بالنسبة إلى المذاهب الأربعة السنية والمذهب الشيعي. لماذا؟ لأننا لم نقم بتوضيح هذا الفكر لغيرنا، لم نقم بهذه الرسالة، بل لم ندعُ أنفسنا، وأبناءنا، وأهلنا، لم نوضح لهم المذهب فأصبح حال الإباضية في المشرق من العادي أن يكون الأب إباضياً والا بن سنياً أو شيعياً أو الأخ إباضياً والأخوة الآخرين بين
6.
الشيعي والسني الغيرة المذهبية اختفت من نفوسنا. لن يسمح الشيعي أو السني بذلك، لو حدث أن ابناً من أبنائهم صار إباضياً وهو من أسرة سنية سوف يضايق و سوف يضرب و (1/80)
صفحة 81
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
سوف يعامل بعنف و بقسوة، وكذلك لو كان ابناً من أبناء أسرة
شيعية، لكن نحن الإباضية أصبحنا مع
الأسف – لا غيرة
لدينا على المذهب انتهت منا النخوة والغيرة المذهبية، والدعوة نفوسنا، نحن لا نريد أن نقول هذا بتعصب، نقوله
غابت من
بواقع، لا يمكن أن غيرك يضربك وأنت تقابله بالزهور، دائماً
المعاملة بالمثل هي التي أقرها الشرع.
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
(194
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) البقرة: 194 فما هو الخلل في هذا؟
لماذا انكسر الحاجز النفسي مذهبيا عند الإباضي تجاه المذاهب الأخرى، وأصبح من العادي أن يجد الإباضي ابنه على غير مذهبه، ويجد أخاه على غير مذهبه ويتعايشون في مكان واحد، وفي منزل واحد وكأن شيئاً لم يحدث. إن أمراً كهذا لا يمكن أن يكون مع أصحاب المذاهب الأخرى، لماذا هم يتعصبون ذلك التعصب، ونحن نتسامح هذا
التسامح؟ إن المتصلب دائماً هو الذي يأخذ من المتسامح، والمتسامح لا المتصلب، أما لو كان كلاهما متصلبين فإنه يبقى كل من
يأخذ (1/81)
صفحة 82
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
طرف بالمقابل، اعتداء يقابله اعتداء بالمثل. فالاعتداء يكون بالمثل في كل شيء حتى في الدعوة.
هنالك مؤلف لباحث أجنبي ذكر قضية المذاهب وانتشارها فقال: إنك تجد السني يدعو الإباضي إلى مذهبه والشيعي يدعو الإباضي إلى مذهبه ولكنك لا تجد إباضياً يدعو سنياً أو يدعو
شيعياً، هذا القول لمفكر غربي أجنبي رصد الناحية المذهبية. في أي مكان حيث يوجد الإباضية هذا هو واقعهم، تخلّوا عن الدعوة وانكسر الحاجز النفسي المذهبي عندهم. الأمر بحاجة إلى بحث، لمعرفة الخلل؟ ما الأمر الذي أدى بالشخصية الإباضية إلى هذا الوضع الانهزامي؟ رجالاً ونساء. لماذا؟ الغريب في الأمر من هذا أيضاً أنك تجد الإباضي إن تزوج شيعية أو سنيّة ينقلب إلى مذهبها، والإباضية إن تزوجت شيعياً او سنيّاً انقلبت إلى مذهبه المعادلة غير موجودة، الخاسر فيها هو المذهب الإباضي في كلا الحالين في أمور التزويج لماذا؟ الأمر بحاجة إلى بحث ما هو الخلل؟ لماذا الغيرة المذهبية راحت من نفوسنا، والحاجز النفسي انكسر من نفوسنا لكنه وجد عند الغير، ويعاملنا ذلك الغير به، أنا عندما أقول هذا الكلام أعمم على (1/82)
صفحة 83
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
مستوى العالم الإسلامي لا أحصره في مكان، ربما على مستوى بعض الناس أو بعض الأشخاص يوجد تسامح متبادل تفاهم متبادل، لكن المقصود في الإطار العام وعلى مستوى الوجود الإباضي في جميع البلاد الإسلامية من المشرق وإلى المغرب، أين
هذا الخلل؟
صور كبيرة من صور هذا التراجع، لو ذكرتها لطال المقال، لقد
أصبحنا الآن نخجل من أن نقول أننا إباضية!
نخجل - والله - من أن نقول إننا إباضية. هذا مآل خطير. ومن صور ذلك الخجل ما أخبرني به أحد الأخوة من أهل السنة، قال إنه عندما كان يدرس في القاهرة سكن مع بعض الطلبة الإباضية العمانين، وكانوا لا يذهبون إلى المسجد للصلاة، فلما سألهم عن السبب أجابوه بأنهم يخافون أن يلتفت إليهم الناس فيسألوهم عن مذهبهم فكان يقول لهم: إنها فرصة لكم للتعريف بمذهبكم. وهناك الكثير من الصور التي تدل على الخجل المذهبي عند
الإباضية. (1/83)
صفحة 84
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
وللإنصاف نقول: إن الكثير من أهل السنة يطالبوننا بالتعريف بالمذهب، وكذلك الكثير من الشيعة أيضا يطالبوننا
بذلك، ولكننا كما يقول أبو العلاء المعري:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
قضية التخلي عن الدعوة المذهبية من جانب واحد لا يمكن أن تنجح وإلا انتهى هذا المذهب.
التخلي عن الدعوة المذهبية يجب أن تكون متبادلة، وعلى
مستوى جميع
المذاهب. (1/84)
صفحة 85
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
مبادرة إباضية للتقريب بين المذاهب
إن هذه المؤتمرات التي عُنيت بالتقريب بالمذاهب الإسلامية بدأت في عام 1410 هـ / 1990 م، فقد تلقينا دعوة من المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، الذي يطلق عليها اختصاراً (الإسيسكو)، لعقد ندوة تعني بالتقريب بين المذاهب فجاءتنا الدعوة إلى سلطنة عمان تطلب منا مشاركة إباضية، فرشحت للحضور ممثلاً عن السلطنة كحكومة، وممثلاً المذهب الإباضي على المستوى المذهبي، فأعددت في هذه الموضوع بحثاً، وكان الحضور شيعة وسنة ومن كبار علماء الشيعة وعلماء أهل السنة، فطرحت لهم في بحثي رأي الإمام السالمي (1) في مسألة الوحدة الإسلامية، أو الجامعة الإسلامية، وقد ذكر الإمام السالمي رأيه في ذلك و تصوّره للجامعة
عن
(1) عبد الله بن حميد بن سلوم، أبو محمد السالمي الشهير ب " نور الدين"، فقيه مدقق، وإمام محقق ومرجع عمان في عصره انظر المعجم ج 2 صـ
246 وما بعدها. (1/85)
صفحة 86
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الإسلامية التي هي الوحدة الإسلامية، رداً على سؤال الشيخ الباروني (1) الذي أوكلت إليه مهمة مخاطبة علماء الإباضية، فأرسل الشيخ الباروني رسالة إلى الامامين السالمي وقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (2) جاء في رسالته للإمام السالمي: هل توافقون على الوحدة الإسلامية أو الجامعة
الإسلامية وأين يكون مقرها؟ وما تصوركم؟
فأجابه الإمام السالمي بقوله: نعم، هذا ممكن عقلاً ومستحيل عادة، ولكن مع هذا نحن نؤيد الفكرة و نؤيد هذه الوحدة وإقامة هذه الجامعة الإسلامية، وأقترح أن يكون مقرها في مكة المكرمة - انظروا كيف الإنصاف - لأنها مهبط
(1) سليمان بن عبد الله بن يحي الباروني، ولد سنة 1290 هـ على الأرجح، مؤرخ وأديب ومجاهد بالسيف والقلم ... انظر سليمان الباروني في أطوار حياته، لأبي اليقظان إبراهيم المطبعة العربية، الجزائر 1379 هـ
(2) أمحمد بن يوسف بن عيسى أطفيش الشهير بقطب الأئمة، من أشهر علماء إباضية المغرب في العصر الحديث، ولد بغرداية في عام 1237 هـ ترك القطب آثاراً عظيمة أثرى بها المكتبة الإسلامية من مؤلفاته: تيسير التفسير، وشرح كتاب النيل وشفاء العليل وغيرها .... انظر الإباضية في موكب التاريخ للشيخ علي يحيى معمر-مكتبة الضامري. (1/86)
صفحة 87
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الوحي وأقنع للناس، وأرى أن الحكومات هي التي تقوم بتمويلها لأن هذا الأمر يحتاج إلى مال، وأرى أن يتخلى المسلمون عن ألقابهم المذهبية، بحيث يصبح كل مسلم مسلماً يلتمس الحق لنفسه.
فأثبت هذا في بحثي وطالبت به المجتمعين وكلهم تملصوا وتعللوا بصعوبة الأمر، قلت لهم: لأن الشارع المسلم تسعون في المئة 90? منه جاهل بالأمور الدينية والمذهبية، وهذه الألقاب المذهبية إنما هي طارئة على الأمة، والأصل هو ما ذكره الله تعالى في قوله: وَجَهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَنَكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّنكُمُ المُسلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ
مَؤلَنَكُر فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ال الحج: 078 (1/87)
صفحة 88
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
وأصحاب المذاهب كلهم إنما يحملهم الانتماء إلى مذاهبهم
على التعصب بغير علم.
لماذا لا نتخلى عن الألقاب المذهبية؟ هذه المبادرة جاءت
من الإباضية، إلا أن الجميع تملص من هذا الأمر).
إن التسامح من طرف واحد مقابل التصلب والتعصب من الأطراف الأخرى يعتبر ذوبانا، فلا بد أن يكون هنالك تماثل، وتفاهم، وتناسق في المستويات. ما الذي أصابنا نحن معشر الإباضية أن نتخلى عن الدعوة ونتخلى عن المذهب ونتخلى عن الإهتمام بالمذهب وأن نتساقط كما تتساقط أوراق الشجر في الخريف حتى هنا على غيرنا من أصحاب
المذاهب فأصبحنا كما يقول الشاعر أبو الطيب المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
(1) إن كان الإسلام هو صاحب بدعة التسامح الديني كما يحب أن يسميها الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، فإننا نقول إن المذهب الإباضي هو من ابتدع مبدأ التسامح المذهبي. (1/88)
صفحة 89
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
التحديات التي تواجه المذهب الإباضي
هنالك تحديات كبيرة جداً للمذهب الإباضي، تتمثل في تخلى أتباعه عن الدعوة إليه، وعدم الاعتزاز به وعدم الانتماء
إليه.
لماذا تخلينا عن الاعتزاز بالمذهب؟ لماذا تخلينا عن الانتماء القوي للمذهب؟ لماذا تخلينا عن قراءة كتب المذهب؟ لماذا تخلينا عن قراءة مصادر المذهب؟ وذهبنا نقرأ مصادر غيرنا وكتب غيرنا ومؤلفات غيرنا؟ الإنسان عندما يريد أن ينفق شيئاً ينظر إلى رصيده، فإذا نفد رصيده يذهب ليستدين من الآخرين هذه قاعدة اجتماعية اقتصادية تاريخية، وأنا كإباضي الأولى بي أن أقرأ كتب مذهبي أولاً ثم بعد ذلك اذهب وأقرأ ما عند غيري، الفرد الإباضي في المشرق يكاد لم يقرأ كتاب تلقين الصبيان (1) للإمام
(1) كتاب صغير مختصر فيما يجب على الإنسان من الإعتقاد بالجنان والعمل (1/89)
صفحة 90
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
السالمي، وإذا به يقرأ كتب الآخرين، ومصادر الآخرين، عندما يذهب إلى العمرة يأتي مزوداً بالكتب من هناك وعندما يسافر يأتي بالكتب والأشرطة، وهو لم يقرأ كتب
المذهب.
ما الذي يصدنا عن قراءة كتب الإمام السالمي، أو كتب الإمام محمد بن يوسف أطفيش، أو كتب الجيطالي)، أو كتب الشماخي (2) أو كتب الجناوني (3)؟ أو كتب أبي الحسن
البسيوي، وكتب درويش بن جمعه المحروقي وغيرهم مثلاً؟
بالأركان، وضعه الإمام السالمي للطلبة من منشورات مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، و وزارة الأوقاف والشؤون الدينية) (1) إسماعيل بن موسى الجيطالي (أبو طاهر)، عالم جليل، ولد بجبل نفوسة ونشأ بجيطال من مؤلفاته: قواعد الإسلام، وقناطر الخيرات، وغيرها، توفي عام 750 هـ انظر قواعد الإسلام، مقدمة المحقق بكلي عبدالرحمن، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
(2) سبق التعريف به
(3) يحي بن الخير الجناوني (أبو زكريا) من العلماء الأعلام بجبل نفوسة، أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون من آثاره العلمية: عقيدة نفوسة، (1/90)
صفحة 91
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
ما الذي يصدنا عن أن نقرأ تلقين الصبيان؟ وكتاب الوضع (1)) ومسند ومسند الإمام الربيع (2) وأن نقرأ المدونة الكبرى (3)؟
الإمام جابر بن زيد هو أول من ألف في الإسلام، وأول من ألف التأليف الموسوعي هم الإباضية، المدونة لأبي غانم الخراساني (4) هي تأليف موسوعي، لأن أبا غانم الخراساني جمع
كتاب الوضع ... انظر طبقات المشايخ للدريجيني ج 2 ص 470 (1) كتب مختصر في الأصول والفقه، حققه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش.
مطبعة الفجالة الجديدة.
(2) المسند الرفيع، مسند الإمام الربيع بن حبيب الأزدي وهو من أوائل ما دون من كتب السنة، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله، رتبه الإمام أبي يعقوب الوارجلاني، شرحه الإمام السالمي. (3) المدونة أو الغانمي أو الغانمية أو الغنيمية، وهو كتاب رواية في الفقه، قيد فيه أبو غانم الخراساني ما وصل إليه من أقوال المذهب الإباضي الذين لقيهم وشافههم أو سمع منهم أو سمع من شافههم ... انظر المعجم ج 1. (4) بشر بن غانم أبو غانم الخراساني، إمام حافظ،، وعالم فقيه، عاش في النصف الثاني من القرن الثاني، وأول القرن الثالث الهجري، ولد في خراسان، ورحل إلى البصرة، أخذ العلم على يد الربيع بن حبيب وغيره ... انظر المعجم ج 1 ص 66
ص 66 (1/91)
صفحة 92
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
تلك الأقوال عن تسعة من تلاميذ أبي عبيدة وأحد تلاميذ
الربيع (1).
أما التأليف الموسوعي بشكله الموسوعي الآن ففي المشرق هناك كتاب الأشياخ الذي ألفه عدد من العلماء الذين كانوا مرابطين في حصن دماء (2)، كانوا هنالك مرابطين لصد الغزاة من القراصنة فألفوا كتاباً فقهياً بشكل موسوعي، وذلك في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة، وفي المغرب هناك ديوان الأشياخ وديوان العزابة (3) هذه كلها تأليف
(1) الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي، ولد بغضفان حوالي سنة 75 هـ، انتقل إلى البصرة لطلب العلم فتتلمذ على يد التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد، أهم مؤلفاته: الجامع الصحيح ... انظر طبقات المشايخ ج 2 ص 273
وما بعدها.
(2) ولاية السيب حالياً
(3) أعمال موسوعية فقهية، ألّفها عدة علماء، وقد ألفت في القرن الخامس
الهجري.
-ديوان الاشياخ ألف في غار مجماج بجزيرة جربة بتونس. - ديوان العزابة ألف في وادي أريغ بالجزائر. (1/92)
صفحة 93
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
موسوعية. هناك مقولة تقول: " لماذا تخلف المسلمون و تقدم غيرهم؟ " نحن نقول " لماذا تأخر الإباضية وتقدم غيرهم؟ " في
النواحي الدينية والمذهبية والدعوية.
هناك خلل لابد من مناقشته، لماذا انكسر الحاجز النفسي المذهبي عند الإباضية وازداد عند الشخص الغير الإباضي؟ لماذا وجد مركب النقص عند الشخص الإباضي في حين ازداد الاعتزاز عند الغير الإباضي بمذهبه؟ هناك ضعف عند
الإباضية يقابله قوة عند غير الإباضية. (1/93)
صفحة 94
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
الفرق بين التمسك المحمود والتعصب المذموم
يجب أن نفرق بين التمسك والتعصب، فالتمسك محمود وهو أن يتمسك كل بما عنده أما التعصب فهو مذموم وهو أن
يخطئ غيره وأن يكفّر غيره، فالإباضية لا يدعون إلى التخطئة ولا إلى التكفير أبداً، نحن يجب علينا أن نتمسك بما عندنا ونعرضه من غير أن نجرّح الآخر، أو نكفر ه، فنحن
ندعو إلى التمسك ولا ندعو إلى التعصب.
إن المتتبع لأحوالنا يجد - وللأسف – أن هناك انهزاماً نفسياً، وتقهقراً واضحاً عند أتباع المذهب الإباضي، وفي المقابل هناك تعصب مقيت عند باقي أصحاب المذاهب، وهذا
المتعصب لن يكتفي بالتمسك بما عنده. ذكر الباحث الأجنبي في كتابه الذي ذكرته سالفاً أنه: قد تجد السني والشيعي يدعوان الإباضي إلى مذهبيهما ولكن لن تجد هناك إباضياً يدعو سنياً أو شيعياً إلى مذهبه. (1/94)
صفحة 95
لا
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
إذن هناك تعصب واضح من الطرف الآخر، وعند الإباضية
يوجد
التمسك بالمذهب، فلو وجد التمسك
المحمود لما تأثر هذا الإباضي بغيره.
وهو
الأمر
نحن الآن مطالبون بأن نتمسك بمذهبنا وذلك أن نقرأ كتبنا وأن نرجع إلى علمائنا وأن نهتم برموزنا، أن نتعرف على علمائنا وعلى رموزنا وعلى تاريخنا ثم بعد التوسع في ذلك ننتقل إلى ما عند غيرنا، لكن لا يمكنني أن أترك كتاب الإيضاح وأذهب اقرأ في بداية المجتهد مثلاً أو اقرأ في المغني لابن قدامه وأترك شرح النيل لا يمكن أن أترك كتب المذهب وأذهب واقرأ كتب الغير لا يمكنني أن أترك شرح المسند وأذهب واقرأ فقه السنة لسيد سابق وهو كتاب – نجله ونحترمه كما نجل ونحترم الكتب الأخرى - ولكن يجب أن نقرأ ما عندنا أولاً ثم نقرأ ما عند الآخرين ... الأولويات لا بد منها في الحياة
هنالك أولويات حتى في الفقه يسمى فقه الأولويات. نحن لا بد أن نحاسب أنفسنا ونراجع أنفسنا مذهبياً يجب أن نعرف الخلل، لماذا حدثت هذه الانتكاسة المذهبية للإباضية (1/95)
صفحة 96
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
في حين تصاعد المد المذهبي عند غيرهم، تقلص الإباضية وتوسع غيرهم، ضعف الإباضية و قوي غيرهم، جهل الإباضية
وتعلّم غيرهم؟ يجب أن نتدارس هذا الأمر وأن نتداركه وما قصر فيه من
سبقنا يجب أن نتداركه أو نوفيه حقه إن شاء الله تعالى. (1/96)
صفحة 97
مقلمة.
المحور الأول "سلمة بن سعد وجهوده الدعوية .........
معهد أبي عبيدة والتكوين العلمي عند الإباضية ............. الإمام أبو عبيدة يرسل سلمة بن سعد للمغرب ............ 16 عكرمة مولى ابن عباس لم يرافق سلمة بن سعد في رحلته ... 23
عدم اهتمام الإباضية برموزهم
المحور الثاني" نماذج من الجهود الدعوية
عند الإباضية الأوائل
الإسلام والدعوة.
الانقسامات السياسية في صدر الإسلام.
بعض العوامل التي أدت إلى تقلص المذهب .................
نماذج من الرحلات الدعوية عند الإباضية الأوائل (1/97)
صفحة 98
الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر
سلمة بن سعد الحضرمي العماني
النموذج الثاني: أبو عبيدة عبدالله بن القاسم
النموذج الثالث: محمد بن عمر البشري
النموذج الرابع: الإمام أبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي ...... 57
المحور الثالث "واقع الدعوة عند الإباضية ................ 59
تعريف الدعوة.
الدعوة عند الإباضية الأوائل.
الإباضية، أهل الدعوة، أهل الاستقامة
نماذج مشرفة من النشاط الدعوي عن الإباضية ........... 75
الانتكاسة، والانهزام المذهبي عند الإباضية.
مبادرة إباضية للتقريب بين المذاهب.
التحديات التي تواجه المذهب الإباضي
الفرق بين التمسك المحمود والتعصب المذموم. (1/98)