صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: العقود الفضية في أصول الإباضية
المؤلف: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1438ه/ 2017م
الطبعة: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/37
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 شعبان 1446ه/ 01 - شهر 02 - 2025م. العقود الفضية
في أصول الإباضية
تأليف الشيخ العلامة
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
الطبعة الثانية
1438 هـ - 2017 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان وزارة التراث والثقافة
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان
الطبعة الثانية
1438 هـ - 2017 م
رقم الايداع المحلي: 2016/ 750
رقم الايداع الدولي: 3 - 858 - 0 - 99969 - 978
سلطنة عُمان - ص. ب: 668 مسقط، الرمز البريدي: 100 هاتف: 24641300/ 24641325، فاكس: 24641331 البريد الإلكتروني: info@mhc.gov.om
موقع الوزارة على الإنترنت: www.mhc.gov.om
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل – سواء التصويرية أو الإلكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الوزارة. (1/2)
صفحة 3
العقوة الفضة
في
أصول الإباضية
تأليف
الشيخ العلامة / سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
مراجعة
إبراهيم بن محمد العساكر
الطبعة الثانية
1438 هـ ـ 2017 م (1/3)
صفحة 4
الله الرحمن الى جحيم (1/4)
صفحة 5
مقدمة الكتاب
الحمد لله الذي منَّ علينا بالإسلام، وشرفنا بكتابه العزيز الذي أُنزل فيه إِنَّ
الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ. والصلاة والسلام على رسوله المصطفى ونبيه المجتبى، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمة، وعلى آله وأصحابه أنوار الظلام وقادة الأنام إلى الهدى،
الأمانة ونصح
وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام، أما بعد:
فإن من
حكمة الله
في خلقه أن ابتلاهم بالخير والشر والطاعة والمعصية وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ الأنبياء: 35, وجعل كتابه منه المحكم ومنه المتشابه مِنْهُ وَايَتٌ تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ آل عمران: 7 فافترقت الأمة على مذاهب، وكل مذهب يرى أنه المحق وغيره المبطل، فمنهم المقلد ومنهم المجتهد، ومنهم المبالغ في التعصب لمذهبه ومنهم المتساهل الذي يلتمس الحق حيثما وجده وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم النساء: النساء: 83 فهذا كتاب الله وسنة رسوله المجمع عليها بين أيديهم، وكان الواجب الرجوع إليهما والتماس العذر لمن يحتمل له العذر وترك القدح والتخطئة لمن يحتمل الخلاف والعذر في قوله، ولكن قدر الله سابق وحكمه نافذ ولو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ هود: 118 - 119. (1/5)
صفحة 6
ثم إن من جملة المذاهب الإسلامية مذهب الاباضية المعتمد على الكتاب
والسنة والإجماع والقياس فيما لم يرد فيه نص، وقد طلب مني كثير من المشايخ والإخوان أن أكتب نبذة من سيرتهم وطائفة من نشأتهم، وإن كنت لست أهلا لذلك، وفي المذهب رجال هم أولى مني بذلك، ولكن امتثالا لمن طلب وموافقة لمن رغب وتقربا إلى الله في تحرير العلم ودفع الظلم أقول متبركا بالرسول وأصحابه الفحول وقد تخيرت من الروايات أصحها ومن الأقوال أرجحها، وأصبح اليوم الناس وعندهم حرية في القول والتفكير، ويعطون القضايا حكمها غير منقبعين تحت رأي فلان وتفكير فلان.
شمر وكن في أمور الدين مجتهداً ولا تكن مثل عير قيد فانقادا من يعرف الرجال بالحق فلا تلقاه في الأم ور إلا بطلا
وهذا المذهب أقدم المذاهب تأسيسا، وعلماؤه أكثرهم تأليفا، فهم أول من دون تفسير القرآن، وأول من دون الحديث، وأول من دون الفقه، والله ونعم الوكيل، منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، نعم المولى
ونعم النصير.
حسبي (1/6)
صفحة 7
الباب الأول
في ذكر شيء من
حياة النبي (ص)
وخلفائه الراشدين (1/7)
صفحة 8
الباب الأول في ذكر شيء من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه
هو
محمد
الله
الراشدين
بن عبد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن
حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب فهر مالك
بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن
بن
بن
بن النضر بن
معد عدنان. نزار بن بن
کنانه
هذا ما أجمع عليه المؤرخون في نسبه الله وأنه متصل بالنبي إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وروى عنه ل ل ل ل له " أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" وأجمع المسلمون على أنه أفضل المخلوقات على الإطلاق من وجن وإنس وغيرهم. وأمّه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم، تجتمع مع أبيه في "حكيم"، توفيت وهو ابن ست سنوات، وتوفي أبوه وهو في بطن أمه.
ملائكة
ولد بمكة ليلة الاثنين عند الفجر لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وفيها يحسن الاحتفال بمولده الشريف وإكثار الصلاة والسلام عليه، وذلك بعد
مقدم الفيل بشهر عام 570 ميلادية بالعشرين من شهر أيلول) حملت به أمه يوم الاثنين، ووضعته ليلة الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ووصل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وكان من مبعثه إلى أن دخل المدينة مهاجرًا ثلاث عشرة سنة كاملة ومكث بالمدينة عشر سنين وشهرين، إلى أن مات سنة أربع وستين من عام الفيل، وسنة ستمائة وثلاثة وثلاثين للميلاد، هذا ما اختاره بعض المحققين. وروى الربيع بن حبيب في المسند الذي هو عمدة الإباضية) أبو (1/9)
صفحة 9
الباب الأول: في ذكر شيء من حياة النبي (ص) وخلفائه الراشدين
عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل الباين، ولا بالقصير المتطامن ليس بالأمهق، ولا بالآدم، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا وتوفاه الله، وهو ابن ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء" قال الربيع القصير المتطامن أقصر ما يكون، والأمهق الشديد البياض.
قلت: والآدم: شديد السمرة، والجعد القطط منقبض الشعر شديد الالتواء. وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب صُحارية، رواه ابن هشام في السيرة، من شرف عُمان أن كُفّن رسولُ الله الله في أثواب صُحارية (نسبة إلى صحار إحدى عواصم عمان المشهورة من بلدان الأباضية).
فكان
قال ياقوت في معجم البلدان صحار قصبة عمان مما يلي الجبل وتوأم (قلت هي واحة البريمي قال قصبتها مما يلي، الساحل، وصحار مدينة طيبة الهواء والخيرات والفواكه، مبنية بالآجر والساج كبيرة ليس في تلك النواحي مثلها، وقيل: إنما تلك النواحي مثلها، إنما سميت بصحار بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام، وهو أخو رباب وطسم وجديس قال اللغويون إنها تلي الجبل وقال البشاري صحار قصبة عمان ليس على بحر الصين بلد أجل منه، عامر آهل حسن طيب نزه، ذو يسار وتجار وفواكه أجل من زبيد وصنعاء وأسواق عجيبة وبلدة ظريفة ممتدة على البحر، دورهم من الآجر والساج، شاهقة نفيسة، والجامع على الساحل له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق، ولهم آبار عذبة وقناة حلوة، وهم في سعة من كل شيء، وهو (يعني صحار) دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن والمصلى وسط النخيل، (1/10)
صفحة 10
الباب الأول:
شيء من حياة (ص) وخلفائه الراشدين
هي
بن
ومن بعده من
الأئمة،
ومسجد صحار على نصف فرسخ، وثمة بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحراب الجامع بكوكب يدور فتارة تراه أصفر وتارة أحمر وأخرى أخضر. هكذا قال ياقوت، ولست أدري كيف كان بروك الناقة. قال المؤلف: قلت: لعل هذه الناقة ناقة عمرو بن العاص رَسُولُ رَسُول الله لا اله إلى عمان؛ حيث وصلها يدعوهم إلى الاسلام، وكانوا أسرع الناس إجابةً لداعي الله. وهذا الوصف لصحار ينطبق عليها في زمان الإمام غسان عبدالله وقد تم عقد بيعته في العشر الأواخر من آخر القرن الثاني من الهجرة، وقد كان له أسطول بحري مهم جدًا، وخصبت عمان في زمانه، وكثرت الخيرات فيها، وعمت البركات في نواحيها وإلى وقت غير بعيد. وعمان يصدر منها إلى الخارج السمن والثوب وأنواع كثيرة من المنتوجات العديدة، ونرجو بحياة هذا الشاب النشط المخلص لأمته ووطنه قابوس بن سعيد سلطان عمان أن يعيد إلى البلاد سعادتها الدينية ورفاهتها الدنيوية وما ذلك على الله بعزيز. وإنما وقع خراب على صحار في زمان الإمام الصلت بن مالك سنة إحدى وخمسين ومائتين بسيول مجحفه نزل عليها وادي صلان واعتمرت بعد ذلك.
(فائدة) نذكر ما نزل في القرآن مطابقا للغة أهل عمان: الصاعقة: الموتة بلغة أهل عمان خبالا: غيا بلغة أهل عمان. نفقا: سِربًا بلغة أهل عمان. أعصر خمرا عنبا بلغة أهل عمان دار البوار: الهلاك بلغة أهل عمان. قوما بورًا: هلكا بلغة أهل عمان. حيث أصاب أراد بلغة أهل عمان. إن المجرمين في ضلال وسعر: السعر الجنون بلغة أهل عمان.
11 (1/11)
صفحة 11
12
الباب الأول:
من حياة النبي (ص) وخلفائه الراشدين
كان العرب بعمان على الدين المسيحي، ولما دخل عمرو بن العاص رسول رسول الله له على جيفر بن الجلندى الأزدي ملك عمان قال له: هل تعلم أن
عيسي
كان
يعبد الله؟ قال: نعم، قال: أدعوك إلى عبادة من كان يعبد عيسى
فأسلم، وأسلم أهل عمان، وحسن إسلامهم. (1/12)
صفحة 12
فصل خلافة
أبي بكر الصديق (1/13)
صفحة 13
هو
فصل خلافة أبي بكر الصديق
أبو بكر الصديق عبدالله عثمان
بن
بن عامر بن عمرو بن
كعب بن
سعد بن تيم بن مرة، وهنا يلتقي نسبه مع رسول الله. أجمع الصحابة على أنه أحب الناس إلى رسول الله الله قال بعض المفسرين: عاتب الله أهل الأرض كلهم إلا أبا بكر في قوله تعالى ثاني اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ التوبة: 40
بعد قوله: إِلا تَنصُرُوهُ، واتفق المحققون على أنه أفضل الصحابة.
ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، وكانت وفاته يوم الاثنين لثمان بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة للهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، أجمع الصحابة على استخلافه، وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وعلي بن أبي الله عنها أن رسول الله مات وأبو
عائشة رضي
طالب، وفي البخاري عن بكر بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله. قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله الله فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلَّم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإنَّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حتي لا يموت، وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ الزمر: 30 وقال:
1) بستان له بالعالية، كان يخرج لإصلاحه خارج المدينة.
15 (1/15)
صفحة 14
16
فصل خلافة أبي بكر الصديق
وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْتَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ آل عمران: 144 قال: فنشج الناس يبكون قال واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: مِنَّا أميرٌ ومنكم أمير، فذهب اليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنّي قد هيأت كلاما قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل! منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا وأعربهم أحسابًا فبايعوا عمرًا وأبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله الا الله، فأخذه عمر بيده فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله. وقال مسلم عن عائشة: إن عليًّا بايع أبا بكر بعد موت فاطمة الله
رضي
وذلك لما فقد وجوه الصحابة الذين كانوا يزورونه في حياتهم وحسنت
ذلك وسيرته.
حاله
عنها،
بعد
وأما سعد فقد خرج إلى الشام وتوفي بها، وانتشرت الأعراب بل وجميع العرب على أبي بكر وارتدوا على أعقابهم، ولم يبق إلا البعض متمسكا بإسلامه، ولكن الصديق لبس للمرتدين جلد النمر، وتصلب في وجوههم، ولم يكن المرتدون بأشد عليه من أصحاب رسول الله الله في اعتراضهم عليه في قتالهم، وأشدّهم عمر بن الخطاب له، ولكنه ظهر جوهر الصدّيق وصلاحيته للخلافة؛ حيث (1/16)
صفحة 15
فصل خلافة أبي بكر الصديق
انتصب في مواقف، أهمها: أن وجد الصحابة محتارين بعد ما فاضت الروح الشريفة الطاهرة، فخطب الخطبة التي ذكرناها ثانيًا: اختلافهم في دفن الجثمان الشريف، فروى لهم أن الأنبياء يُدفنون في المواضع التي قبضوا فيها. ثالثا: في قتال أهل الردة؛ حتى كشر في وجه عمر الله الله بقوله: أَجَبارٌ في الجاهلية وخَوَّارٌ في الإسلام يا عمر؟! رابعًا في بعث جيش أسامة الذي كان قد بعثه رسول الله إلى الشام. خامسا: في ميراث أقارب النبي الله حيث روى «نحن معاشر الأنبياء لا نورث وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر فيما قيل. وله أخبار وأحوال وآثار مع رسول الله الله لا يطمع فيها غيره، ولا تنال إلا بفضل الله؛ فقد قال رسول الله: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر». سماه الله صديقا ومتقيا حيث قال: {وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) الزمر: 33 واستخلفه رسول الله له في الصلاة (وهي عماد الدين) وغيره مأموم، كما قال الإمام علي بن أبي طالب رضيك رسول الله لديننا ورضيناك لدنيانا» رواه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (من علماء الإباضية في القرن السادس من أهل وارجلان بالجزائر) وقال الإمام الثبت العالم الجليل محمد بن محبوب العماني (من علماء القرن الثالث للهجرة) ثبت عندي أنه نزل في أبي بكر فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّفَى وَصَدَّقَ بِالْحُسنى له الليل: 5 - 6 الآيات: قلت وفي القرآن والسنة كثير من فضائله وفواضله لا يسع حصرها، وله أقوال يقال إنها خاصة به، وهي: سَبي المرتد وإنفاذ الوصية بالرؤيا.
لما توفي رسول الله يخرج عمرو بن العاص بأعيان أهل عُمان إلى المدينة، ولما اجتمعوا بأبي بكر الصديق قام فيهم خطيبًا فقال بعد أن حَمِدَ الله وأثنى
17 (1/17)
صفحة 16
18
فصل خلافة أبي بكر الصديق
عليه -: "معاشر أهلِ عُمانَ، إِنَّكُم أَسْلَمتم طوعا لم يطأ رَسولُ الله ساحتكم يخف ولا حافر، ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب، ولم ترجعوا معها بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح، فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم، وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم وعُدتكم، فأي فضل أبر من فضلكم، وأي فعل أشرف من فعلكم، كفاكم قول رسول الله الله شرفًا إلى يوم المعاد، ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرما، ورحل عنكم إذ رَحَل مُسلَّمًا، وقد منَّ الله عليكم بإسلام عبد وَجَيفَر ابني الجلندى، وأعزكم الله به، وأعزه بكم، وكنتم على خير حال حتى أتتكم وفاة رسول الله ل له أظهرتم ما يُضاعِفُ فَضلكم، وقمتم مقامًا حَمِدناكم فيه، وتحضتم بالنصيحة، وشاركتم بالنفس والمال فيثبت الله ألسنتكم ويهدي قلوبكم، وللناس جولة فكونوا عند حسن ظني فيكم". (1/18)
صفحة 17
فصل خلافة
مر بن الخطاب (1/19)
صفحة 18
فصل خلافة عمر بن الخطاب
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العز بن قرط بن رباح بن عبدالله
بن
رزاح بن عدي بن كعب، وهنا يلتقي نسبه بالنبي، وكنيته: أبو حفص،
ولقبه الفاروق ولد بعد رسول الله الله بثلاث عشرة سنة، وأسلم قبل الهجرة
به
سننا
بأربع سنوات، فما زال الإسلام منذ أسلم في تقدم حتى مات، أحيا الله كثيرة، وأمات على يديه بدءًا كثيرة، وفتح على يديه ما يلي جزيرة العرب من
العراق والجزيرة والشام ومصر وطرابلس وفارس وكرمان استخلفه أبو بكر على الناس، وكتب الاستخلاف عثمان بن عفان، ورضي به جميع المهاجرين والأنصار، فعدل في القضية وقسم بالسوية وتصلب عند الرزية، كان أول من أمر بقيام شهر رمضان، وأول من دون الديوان، وأول من سمي بأمير المومنين، وأول من مصر الأمصار، وأول من جعل أول التاريخ بالهجرة، وأول من أعال الفريضة، وأول من جمع الناس على أربع تكبيرات في الصلاة على الميت، وأول من جعل الطلاق بثلاث فأكثر في لفظة واحدة ثلاثا، وأول من جعل جلد السكران ثمانين، وأول من قسم الفيئ بالتفصيل وكان قسمه بالسوية، وأول اتخذ المزكين في الشهادة، وأول من اتخذ بيت المال وله أقوال وآراء يقال إنها خاصة به؛ منها: إسقاط خُمس ذوى القربى الثابت في قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمْسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى الأنفال: 41، ومنها إسقاط حق المؤلفة قلوبهم الثابت في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم التوبة: 60، ومنها إسقاط القطع عن السارق عام الرمادة الثابت في قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
من
21 (1/21)
صفحة 19
22
فصل خلافة عمر بن الخـ
المائدة: 38، ومنها ترك أخذ الزكاة من الناس عام الرَّمَادة وأخذها في العام الثاني الثابت في قوله وَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادة مع الأنعام: 141 ومنها أنه أعتق أمهات الأولاد على أربابها وقد ثبت رقهن في زمان النبي وأبي بكر، ومنها: إسقاط اسم الجزيه والذلة عن نصارى تغلب الثابت في قوله تعالى قيلوا الذين لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحْرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صغرون مع التوبة: 29، ومنها رد الأملاك والأصول من الفيء إلى أربابها بعد أن حازتها جيوش المسلمين وأعتقهم على المسلمين بعد أن كانوا عبيدا لهم الثابت في قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وابن السبيل امام مع الأنفال: 41 ومنها: اجلاؤه اليهود من الحجاز والنصارى من فدك، وكانوا بها زمان النبي لولا الله وأبي بكر له على العهد، وكل هذا آراء ثاقبة وأنظار صائبة ينظر إلى مصلحة أعم وفائدة أتم.
روى العلامة الشَّمَّاخِيُ في كتاب السِّيرِ (وهو من علماء الإباضية من ليبيا) عن علي بن أبي طالب ما خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ] أَن أَلقَى اللَّهَ بِمثلِ عَمَلِهِ
الله
مِنكَ - يُخاطب عمر وهو على النعش وفي البخاري عن ابن عباس رضي عنهما: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب، وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله صاحبيك؛ لأني كثيرا ما كنت أسمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول: كنتُ وأبو بكر وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنتُ لأرجو ان يجعلك الله معهما، فالتفتُ فإذا هو علي بن أبي طالب. هذا (1/22)
صفحة 20
فصل خلافة عمر بن الخطاب
وكم من الآيات العديدة النازلة على لسان عمر موافقة لما يقوله حتى قال رسول الله الله لو نزل عذابٌ من السماء ما نجا منه إلا عمر. وتوفي لسبع بقين من ذي الحجة تمام ثلاث من طعنة أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، بعدما كبر لصلاة الصبح إماما للجماعة، ودفن مع صاحبيه رسول الله له وأبي بكر الله وهو ابن ثلاث وستين سنة، فكان سنه وسن أبي بكر وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم متفقا، ومدفنهم في حجرة عائشة زوج النبي الله فأبو بكر خلف رسول الله وعمر خلف أبي بكر، فلله ذلك المثوى، والله تلك الأجساد، والله تلك الأرواح، والله ذلك الاجتماع، والله تلك المزية، وكانت مدة خلافة عمر عشر سنين وثلاثة
أشهر فيما قيل.
استعمل عمر بن الخطاب على عُمان عثمان بن أبي العاص الثقفي سنة خمس عشرة، فكتب إليه أن يقطع البحر إلى كسرى بفارس، فندب عثمان العمانيين وانتدب إليه ثلاثة آلاف من راسب وناجية وعبد القيس وأكثر أزد شنوءة، فعبر بهم عثمان من جلفار (رأس الخيمة) إلى جزيرة كلوان (القسم) وكان فيها قائد الفرس فسالم عثمان، وكتب يزدجرد إلى أمير كرمان: أن اقطع البحر إلى جزيرة كلوان فَحُل بين العرب الذين بها وبين إخوانهم، ففعل وسار من هرمز إلى القسم، فلقيه عثمان بها فقاتله فانتصر العمانيون عليه وهزم الفرس وقتل قائدهم، وكان يدعى (شهرك) وفي ذلك يقول شاعرهم:
باب ابن ذى الحرة اردى شهركا والخيل تجتاب العباب الارمكا
ثم ساروا بعد الظفر بشهرك حتى قدموا العراق فنزلوا توج فشاركوا في تمصير مدينة البصرة، وأمرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يبنوا بها منازلهم كما أمر
23 (1/23)
صفحة 21
24
فصل خلافة عمر بن الخطاب
عمر على
غيرهم من العرب، ووفد إليه من الغزاة كعب بن سور فاستقضاه البصرة، وفي هذا ما يدل أن عمر أول خليفة قطع البحر غازيا، ولعله بدا له بعد
ذلك المنع.
14
24 (1/24)
صفحة 22
فصل خلافة
عثمان بن عفان (1/25)
صفحة 23
هو
فصل خلافة عثمان بن عفان
عثمان عفان أبي العاص بن أمية عبد شمس بن عبد مناف،
بن
بن
بن
وهنا يلتقى نسبه بالنبي الله، ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بست سنين، كان يُلقب بذي التورين؛ وهما: رقية وأم كلثوم ابنتا النبي لها الله تزوجهما واحدة بعد الأخرى.
جعل عمر بن الخطاب الأمر بعده شورى بين ستة من أصحاب النبي: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن لَمَّا تنازل عن حقه في الخلافة فاختار عثمان بعد مشاورة طويلة مع الصحابة، كان عثمان ألينهم وأطيبهم وأحبهم وأكرمهم، وتمت البيعة له في اليوم الثالث من شهر محرم عام أربعة وعشرين للهجرة، وكثر في الناس الرعاف حتى سمي هذا العام بعام الرعاف وكان فألا للمسلمين، سلك عثمان مسلك صاحبيه قدما في الجهاد وفتح الثغور، فافتتح ما وراء الدروب من الشام والماهان وأذربيجان وخراسان بعد الري وحلوان وسجستان وأفريقية، وكانت الفتوح هكذا متوالية في أطراف الأرض حتى وقع ما وقع من
الافتراق والشقاق.
قال ابن الأثير والطبري وغيرهما من المؤرخين أول ما تكلم الناس في عثمان أن أتم الصَّلاةَ بمنى وعرفة، فكان أول ما تكلم الناس به في عثمان ظاهرا، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة وقال له علي والله ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي الا الله وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين وأنت صدرا من فما أدري ما ترجع إليه؟ فقال: رأي رأيته. وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف، وأنكر عليه بأشد من ذلك، وكذلك حكوا عن ابن مسعود، واعتذر عثمان
خلافتك؛
27 (1/27)
صفحة 24
28
فصل خلافة عثمان بن عفان
بأعذار، فقال له عبد الرحمن: ما في هذا لك عذر، وذكر ابن الأثير أيضا حديث الوليد وشربه الخمر وهو عامله على الكوفة وتبديله ولاة عمر بأقاربه وبني عمه، وانتشار الصحابه وأهل الغيرة عليه نصحا وتداركا، ومنهم ابن مسعود وأبو ذر وعمار بن ياسر وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب، وذكر ابن الأثير حديث أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وسب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفي عثمان له من المدينة إلى الربذة على الوجه الشنيع، وهذه فقرة أنقلها من ابن في الطبري وغيرها من كتب التاريخ المعتذرة لعثمان
الأثير، وهي
مطابقة لما
والمخطئة له، وأكتب ما اتفقوا عليه وأترك ما اختلفوا فيه.
قال: في هذه السنة (يعني سنة أربع وثلاثين تكاتب نفر من أصحاب رسول
الصحابة ينهى
الله الله وغيرهم بعضهم إلى بعض أن اقدموا فإن الجهاد عندنا، وعظم الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وليس أحد من ولا يذب إلا نفر منهم: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان ابن ثابت، فاجتمع الناس فكلموا علي بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال له: الناس ورائي، وقد كلموني فيك وما أدري ما أقول لك، ولا أعرف شيئًا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه إنك لتعلم ما أعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء، فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وصحبت رسول الله له وسمعت منه ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بالعمل منك بالحق، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وأنت أقرب إلى رسول الله الله رحما، ولقد نلت من صهر رسول الله له ما لم (1/28)
صفحة 25
فصل خلافة عثمان بن عفان
جهنم
ينالاه, وما سبقاك إلى شيء، فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى, ولا تُعلّمُ من جَهَالَة, وإنَّ الطريق الواضح بين وإِنَّ أعلام الدينِ لقَائِمَةٌ، اعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هَدى وهُدِي، فأقامَ سُنةٌ معلومة وأمات بدعة، متروكة، فواللهِ إنَّ كُلاً لَبَيِّن وإنَّ السُّنَنَ لقائمةٌ لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإنَّ شرَّ الناس عندَ اللهِ إمام جائرٌ ضَلَّ وأَضَلَّ، أماتَ سُنَّةً معلومةً وأحيا بدعةً متروكة، وإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: يُؤتي يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معهُ نَصيرٌ ولا عاذرٌ فيُلقى في جهنم فيدور في كما تدورُ الرَّحَى ثم يرتَطِيمُ في غَمرة جهنم وإِني أُحذِّرُكَ اللَّهَ وَسَطوَاتِه ونقماته؛ فإنَّ عذابه شديدٌ أليم، وأُحذِّرُكَ أن تكون إمام هذه الأمة يُقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعا لا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موحًا ويمرجون فيها مرحًا. فقال عثمان: قد علمت والله لتقولَنَّ الذي قلتَ أَما والله لو كنتَ مَكَانِي مَا عَنَّفْتُكَ وَلا أسلمتُكَ ولا عبتُ عَليكَ، ولا جئتُ مُنكِرًا أن وصلت رحما وسددت خُلةٌ وآوايتَ ضَائِعًا ووَلَّيتَ شبيها بمن كان عمرُ يُولى، أنشدك الله يا علي، هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، فتعلم أن قال: ولاه؟ قال: نعم، عمر فَلِمَ تَلُومني أن وَلَّيتُ بنَ عَامر في رحمه وقرابته؟ قال علي: إنَّ عمر كان يطأ على صماخ من ولى إن بلغه عنه حرف، جلبه ثم بلغ به أقصى العقوبة، وأنت لا تفعل ضَعُفت ورققت على أقربائك قال عثمان وهم أقرباؤك، قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية، فقد وليته، فقال علي: أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من برفاء غلام عمر، له قال: نعم، قال علي: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك ويقول للناس: هذا أمر عثمان، وأنت تعلم ذلك
29 (1/29)
صفحة 26
فصل خلافة عثمان بن عفان
فلا تغير عليه. ثم خرج علي من عنده، وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر ثم قال: أما بعد فإن لكل شيء، آفة ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسترون عنكم ما تكرهون، يقولون أمثال النعام يتبعون أول ناعق أحب مواردهم إليهم البعيد لا يشربون إلا نغصا، ولا يردون إلا عكرا يقول لهم رايد وقد أعيتهم الأمور، ألا فقد والله عبتم عليّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطأكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، ولنت لكم وأوطأتكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددًا وأحرى إن قلت هلم أتى إلي، ولقد عددت لكم أقرانا وأفضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عني ألسنتكم وعيبكم وطعنكم علي ولقاءكم، فإني كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون
الرعايا من
من
منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم والله ما قصرت عن بلوغ ما بلغ. كان قبلي ولم تكونوا تختلفون عليه قال فاشتد قوله على الناس وعظم، وزاد تألبهم عليه إلى أن قال بعدها ذكر شكاوى العمال من الرعايا وشكاوى العمال فكتب عثمان إلى أهل الأمصار أما بعد: فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون فمن أدعى شيئًا من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو عمالي أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين، فلما قريء في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان، فاستدعى عثمان العمال في الموسم وتداولوا الحديث بينهم. إلى أن قال ابن الأثير (وذكر اجتماع أهل الأمصار مصر والبصرة والكوفة وحصارهم (1/30)
صفحة 27
فصل خلافة عثمان بن عفان
31
عنه،
لعثمان قال: ولما رأى عثمان ذلك جاء إلى علي فدخل عليه بيته فقال له: يا ابن عم إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ولك عند الناس قدر، وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم توهينا لأمري، وجراءة علي، فقال علي: على أي شيء أردهم عنك؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي، فقال على: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى، فكل ذلك نخرج ونقول، ثم ترجع وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبدالله بن سعد، فإنك أطعتهم وعصيتني, قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد بن زيد وأبو جهم العدوي وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام ومروان وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد وزيد بن ثابت وحسان بن ثابت وكعب ابن مالك، ومن العرب نيار بن مكرز، فأتوا المصريين فكلموهم، وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة فسمعوا مقالتهما ورجعوا إلى إلى أن قال: وجاء مروان بكرة الغد إلى عثمان فقال له: تكلم الناس واعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا، قبل الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لم تستطع دفعه، ففعل عثمان،
مصر.
أن
يجيء خطب الناس، قال له عمرو بن العاص: اتق الله يا عثمان فإنك قد ركبت أمورًا وركبناها معك، فتب إلى الله نتب فناداه عثمان وإنك هناك يا ابن النابغة. ومضى ابن الأثير في حكايته إلى أن قال: فقال علي: أي عباد الله يا للمسلمين، إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإن تكلمت فجاء ما تريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن (1/31)
صفحة 28
32
فصل خلافة عثمان بن عفان
وصحبة رسول الله وقام مُغضبًا حتى دخل على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الضعينة، يقاد حيث يشاء ربه والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيم الله إني لأراه يوردك ولا يصدرك، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك. قال: عنه وخرج علي وأرسل عثمان إليه فأبا من إتيانه. قال: فأتاه (يعني عثمان أتى عليا ليلا بمنزله، وقال: إني غير عائد، وإني فاعل، فقال له علي: بعد ما تكلمت على منبر رسول الله وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك، فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم! فخرج. عثمان من عنده وهو يقول: قطعت رحمي وخذلتني وجرأت الناس علي، فقال علي: والله إني لأكثر الناس ذبا عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضى، جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي. ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل، إلى أن منع عثمان الماء. فيمضي ابن الأثير في حكايته إلى أن قال: ونذكر الآن كيف قُتِلَ ومَا كان بَدَاءُ ذلك وابتداءُ الجرأة عليه قبل قتله؛ فكان من ذلك أن إبلا من إبل الصدقة قدم بها إلى عثمان فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأخذها وقسمها بين الناس، وعثمان في الدار. قال: وكان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق جبلة بن عمرو الساعدي، مرَّ به عثمان وهو في نادي قومه وبيده، جامعة فسلم فردَّ القومُ، فقال جبلة: لم تَردُّون على رجل فَعَل كَذا وكذا، ثم قال لعثمان والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك
أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة (قلت: جبلة هذا ممن شهدا أحدًا مع النبي وهو الذي منع دفن عثمان في البقيع، ودفن في حش كوكب كذا قال ابن حجر في الإصابة- وقال عمار بن ياسر أراد أن يغتال ديننا فقتلناه. وقال ابن
: (1/32)
صفحة 29
فصل خلافة عثمان بن عفان
الأثير أيضًا: وقيل كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم: إن أردتم الجهاد فهلموا إليه؛ فإن دين محمد صلى الله عليه وسلم قد أفسده خليفتكم ويمضي ابن الأثير فيقول: أقبل الناس من الآفاق كالمصريين وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عديس، وهو صحابي أُحدِيٌّ بايع تحت الشجرة وعنده ما بين خمسماية إلى ألف مقاتل، وجاء أهل الكوفه وعلى رأسهم زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي، وزيد صحابي جليل وهم في عداد المصريين، وجاء أهل البصرة وعلى رأسهم حرقوص ابن زهير، وهو صحابي جليل. واختلفوا في هؤلاء المحاصرين فالمقلل يقول: ستمائة والمكثر يقول: ثلاثة آلاف. وذكر ابن الأثير ما حصل أثناء الحصار فقال: إنه ما زال عثمان يبعث إلى علي والصحابة، ويعدهم الوفاء، ويخلفهم المرة بعد الأخرى، وأخيرًا حَذَّرهم قتله،
أعيان
33
وأجابوه وهو في الحصار، وفيهم علي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة بما نصه: أما ما ذكرتَ من قِدَمك وسَلَفِك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كنت كذلك، وكنت أهلا للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما، قابلا وأما قولك إنك لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنَّا نجد في كتاب الله قتل غيرِ الثلاثة الذين سميت؛ قتل من سَعَى في الأرضِ فَسَادًا، وقتل من بَغَى ثم قاتل عَلى بَغيه، وقتل من حال دون شيءٍ من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت، دونه، وكابرت عليه، ولم تقد نفسك من ما ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا، فإن زعمتَ أنَّك لم تكابرنا عليها فإنَّ الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك، فسكت عثمان، وهذا آخر الحديث بينه وبين الصحابة. واشتد عليه الحصار ومنع الماء والطعام أربعين ليلة، وذكر أن طلحة كان يأتي المحاصرين ويؤلبهم على عثمان وكان يقول عثمان: اللهم اكفنى (1/33)
صفحة 30
34
فصل خلافة عثمان بن عفان
طلحة؛ فإنَّه حمل عليَّ هولاء وأَلَّبَهُم، فما استحلوا قتله حتى قتل من
المحاصرين
من
دفعه،
رجل من الصحابة اسمه نيار بن عياض، وطلبوا قاتله فامتنع عثمان من جملة القاتلين لعثمان مباشرة محمد بن أبي بكر. وقتل لثماني عشرة
وكان
خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين يوم الجمعة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما. قال: وبقي عثمان ثلاثة أيام لم يدفن حتى كلم على أن يدفن فأذن في دفنه، فخرجوا به ليلا والناس يرجمونه بالحجارة، ولم يشيعه أحد من الصحابة، إنما خرج في جنازته ثلاثة من مواليه ومروان وابنته حتى دفن في حش كوكب. قال: وجاء ناس من الأنصار يمنعون من الصلاة عليه. قال: ولَمَّا ظهر معاوية ألحق البقيع بالموضع الذي دُفن فيه، وأمر بدفن الموتى، حتى اتصل بقبر عثمان. ويقال: سنه ما بين خمس وسبعين إلى تسعين على اختلاف
الروايات.
ويقال: له أقوال وأفعال خاصة به؛ منها: أول من جمع بين ابنتي نبي، وأول من هاجر بأهله، وأول من جمع الناس على قراءة، وأول من أتم في السفر، وأول اتخذ السجن، وأول خليفة قتل صبرا، وأول خليفة حوصر، وأول خليفة أحدث القعود على المنبر في الخطبة لما كبر، وأول من اتخذ صاحب شرطة، وأول من باع ضالة الإبل.
من
وهنا وقفة مهمة قد علمت ما حكاه العلامتان المحققان الثقتان ابن جرير الطبري وابن الأثير في الكامل وغيرهما من العلماء المنحازين إلى عثمان، وقد اتفق نقلهم مع الناقمين عليه على صحة الأحداث التي نقمها عليه إخوانه أصحاب رسول الله، منهم: جبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري الأحدي، (1/34)
صفحة 31
فصل خلافة عثمان بن عفان
ورؤساء الخارجين من الأمصار كعبد الرحمن بن عديس الأحدي الشجري، وزيد بن صوحان وحرقوص بن زهير وما قاله الصحابة وفيهم علي وطلحة والزبير عن وجه استحلالهم قتله وحصاره أربعين ليلة وقيل ثلاثة أشهر، وقد منعوه الطعام والشراب، وفي المدينة ما يزيد على مائة ألف من المهاجرين والأنصار، وتقتله شرذمة أقبلت من الخارج على ما قيل ولا يدافعون عنه! ويدفن في غير مقابر المسلمين وجيوش الصحابة تهزم فارس والروم، ويُقتل أميرهم صبرا! ويقال إنهم غير راضين أو مغلوبين على قتله كل من تجرأ على الصحابة وقال بغير الحقيقة وقدح في القاتلين والخارجين والمحاصرين والراضين فقد أساء الأدب في حقهم، وحاول أن يغسل الغائط بالبول فالسلامة السكوتُ لِمَن لا يستطيعُ أن يقول الحق، ويترك أصحاب رسول الله له حيث أنزلهم الله، فيلزم منه نسبتهم إلى الخور والْمُداهنة؛ فلو حَصَلَ لرئيس يقتله أجانب وسط أهله وعشيرته وهم ينظرون لاستَحَقُوا الذَّم فكيف بالصَّحابة الكرام؟! فإنَّه لا يحل أن يعتذر لشخص في سَبِّ، آخرين بعض يقول: إنهم مرتدون، وبعض يقول: خوارج، وبعض يقول: بغاة, كل هذا جراءة على الذين مدحهم الله بقوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لايم المائدة: 54, وقول بعض: إنه نهاهم عن الدفاع وأمرهم بالتفرق عنه, فيشبه قول المسيحيين لليهود إن مشيئة عيسى اختارت القتل! اللهم ثبتنا بالقول الثابت وارزقنا محبة أصحاب رسول الله الله فيا إخواني! أترون أن الإمام عليا يقبل البيعة من المرتدين ويدافع عنهم طالب الحق منهم ويدافع بهم، والله
عنه،
35 (1/35)
صفحة 32
36
فصل خلافة عثمان بن عفان
يقول: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ، سُلْطَنَا الإسراء: 33. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يأوي الضالة إلا ضال.
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عثمان بن عفان أنه جلس على المقاعد فجاء المؤذن فأذن لصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ ثم قال: "والله لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله يقول: ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصليها إلا غفر الله له ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها. وقوله: لولا" آية في كتاب الله" يشير إلى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لتبينُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا ونه آل عمران: 187.
فقال
قال العلامة الشمَّاخِيُّ النَّفُوسِيُّ الإِبَاضِيُّ: "اختلف الناس في هذه الفتنة، بعضهم: مسألة اجتهادية المصيب مأجور، والمخطئ معذور. وقيل: كلُّ مجتهد مصيب. وقال أهل الحقِّ: دينية؛ المحقُّ مأجور والمخطئ مأزور، بل هالك بدليل فَإِن بَغَتْ إِحْدَتْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أمر الله
الحجرات: 9".
وكان قتل عثمان سبب تفرق المسلمين إلى خوارج وشيعة ومرجئة إلى ثلاث وسبعين فرقة كما ورد في الحديث، وهو الذي حذره الإمام علي في خطابه وقت
الحصار، وقد سبق ذكره ليقضى اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا الأنفال: 42. روى في العقد الفريد، قيل لسعد بن أبي وقاص يا أبا إسحق من قتل عثمان؟ قال: قتلهُ سَيفٌ سَلَّتَهُ عَائِشَةُ وشَحَذَهُ طَلْحَة وسَمَّهُ عِليٌّ، قلتُ: فما (1/36)
صفحة 33
فصل خلافة عثمان بن عفان
حَالُ الزُّبير؟ قال: أَشَارَ بِيَدِهِ وَصَمَتَ بِلسَانه. وفيه قال زيد بن ثابت: رأيتُ عليا مُضطَجِعًا في المسجد، فقلت: أَبا الحسن إنَّ النَّاس يرون أنك لو شِئتَ رددتَ النَّاسَ عن عثمانَ، فَجَلَس ثم قال: والله ما أمرتهم بشيء ولا دخلتُ في شيءٍ من شأنهم. قال فأتيت عثمان فأخبرته، فقال:
وَحَرَّقَ قَيسٌ عَلَيَّ البِلادَ حَتَّى إِذا اصْطَرَمَت أَحجَمًا
قال في بعض السير العُمانية أن أبا بكر أَقَرَّ جيفرَ وَأَخاه عَبْدًا عَلَى ملكهما، وجعل لهما أخذ الصدقات من أهلها وحمله إليه، قال: ولم يزالا في عُمان متقدمين إلى أن ماتا وجاء من بعدهما عباد بن عبد بن الجلندى في زمن عثمان وعلي، فلما وقعت الفتنة وصار الملك إلى معاوية، ولم يكن لمعاوية سلطان في عُمان، حتى صار الملك لعبد الملك بن مروان واستعمل الحجاج على أرض العراق، وكان ذلك في زمن سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن فاحتل عمان، ولم تزل عليها عمال بني أمية وعمال السفاح أول ملوك بني العباس حتى إمامة الجلندى بن مسعود عام 132 هـ.
الجلندى
37 (1/37)
صفحة 34
فصل خلافة
علي بن أبي طالب (1/39)
صفحة 35
فصل خلافة علي بن ابي طالب
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، واسم طالب عبد مناف، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره على ابنته فاطمة الزهراء، وأبو الحسنين ابنيهما، ولد بعد
منذ
رسول الله له باثنتين وثلاثين سنة، عاش في حجر رسول الله، وربي عقل في أنوار النبوة وأحضان السعادة، ولم يتدنس بدنس الجاهلية وأوساخ الوثنيين، وشهد مع رسول الله الله جميع الغزوات إلا غزوة تبوك، له بالخلافة بويع لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وصارعها خمس سنوات حتى قتل لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربعين للهجرة.
قال العلامة الشماخي النفوسي الإباضي: بويع" في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وخلافته حق باجتماع أهل العقد من المسلمين، واختلفت أهل السنة فيها". قلت: ويدل على هذا الاختلاف ما حكاه ابن الأثير والطبري أن البيعة كانت ولم يحضرها طلحة والزبير وسعد وعبدالله بن عمر بن الخطاب وغيرهم من وجهاء الصحابة.
وبويع
لم يزل الإمام علي كرم الله وجهه حريصا على الخلافة منذ توفي رسول الله أبو بكر واستخلف عمر بن الخطاب وجعل الأمر شورى بين ستة هو أحدهم وبويع عثمان وأفضت إليه الخلافة في هذا الوقت العصيب الذي انتشرت فيه الفتن والفوضى يحتار فيها الحليم ويتصدع من أجلها الكريم، فبينما يعالج معاوية وأهل الشام في الدخول في الأمر إذا بالطلحتين يتسللان إلى مكة، ومنها بِأُمِّ المؤمنين إلى البصرة.
41 (1/41)
صفحة 36
42
فصل خلافة علي بن ابي طالب
ومن
قال ابن الأثير والطبري وغيرهما من المؤرخين وكان على البصرة عند قدومها (يعني أم المؤمنين) عثمان بن حنيف الصحابي، فقال لهم: ما نقمتم على صاحبكم؟ فقالوا: لم نره أولى بها منا، وقد صنع ما صنع، قال: فإن الرجل أمرني فأكتب إليه ما جئتم به على أن أصلي أنا بالناس حتى يأتينا كتابه، فوقفوا عنه. فكتب فلم يلبث إلا يومين أو ثلاثة حتى وثبوا على عثمان عند مدينة الرزق فظفروا به وأرادوا قتله، ثم خشوا غضب الأنصار فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، وضربوه وحبسوه بعد ما قتل من أصحابه سبعون رجلا، منهم خمسون قتلوا صبرا. قال المسعودي: وهؤلاء أول من قتل في الإسلام صبرا وظُلمًا. قلت: وذكر قبل ذلك رواية نسب هذا إلى الزط والسبابحة والسبائية وأمثال هؤلاء، عادة بعض من المؤرخين يتحاملون على الضعفاء ومن لا رأي له، ويتركون أهل الرأي والعقل قادة هؤلاء فلا يلقون عليهم، لومًا، كما وقع ذلك في قتل الإمام عثمان، وفي وقعة الجمل، والقولُ بإنصاف شأن أهل العدالة، وإلا فلماذا جاءَ الإمامُ عَليٌّ بجيشه من المدينة بوجوه المهاجرين والأنصار، وقتله عثمان فيه؟! وحكى ابن الأثير عن الإمام علي يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو مظلوما، وإني أذكر الله رجلا رعى حق الله إلا نفر، فإن كنت مظلومًا أعانني، وإن كنت ظالما أخذ مني والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من غدر. قال: "واجتمع معه تسعة آلاف وانضم إليهم من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقال الأحنف بن قيس ناظرت طلحة والزبير وعائشة من أبايع إن قتل عثمان؟ قالوا: بايع عليا، ولما قدموا البصرة ناشدهم قولهم هذا، فقالوا: نعم، ولكنه بدل وغير". ثم التقى الجمعان فانجلى الأمر عن قتل طلحة في المعركة على يد مروان بن الحكم فيما روى ابن الأثير؛ لأنه يعده من قتلة عثمان، وقتل الزبير (1/42)
صفحة 37
فصل خلافة علي بن ابي طالـ
خارج المعركة، وأمر عليّ بعائشة أم المؤمنين أن تذهب إلى المدينة، وتفرق
الجمعان عن مصرع عشرة آلاف من الفريقين، وتحول علي إلى الكوفة.
قال ابن الأثير: ثم أرسل علي كتابًا إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، وذكر له فيه نكث طلحة والزبير وحربه إياهما، فأجمع رأي معاوية
يزعم
-
وعمرو بن العاص أن يُلزموا عَلِيًا دمَ عُثمان ويطالبوه به، وبعد قتال وقع بينهم قام معاوية خطيبًا بين رُسل علي منهم شبث بن ربعي فقال: أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ لأن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا، وصاحبكم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد عليه ذلك، فليدفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم، ونحن إلى الطاعة والجماعة. فقال شبث أيسرك يا معاوية أن تقتل عمار بن ياسر؟ فقال: وما يمنعني من ذلك, لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان, فقال شبث والذي لا إله غيره لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك. وبعد ذلك خرج الإمام علي بمن معه، وهم سبعون ألفا, قتل منهم خمسة وعشرون ألفا، وخرج معاوية بمن معه، وهم وثمانون ألفا، قتل منهم خمسة وأربعون ألفا، بعدما أوقعوا تسعين وقعة بالموضع المعروف بصفين, منهم عدد من المهاجرين والأنصار، ومن بينهم عمار بن ياسر الذي قال رسول الله: تقتله الفئة الباغية، وبعد صراع دام أشهرا، وكادت تقع الهزيمة على معاوية وأصحابه رفعوا المصاحف على الرماح طالبين حكم القرآن, هنالك دب الخلاف في جيش علي واختلط عليهم الحق بالباطل، وافق الإمام علي وأهل الرأي من قومه على قبوله مع أنه وهن وضعف وَخَورٌ، وانشقت
خمسة
43 (1/43)
صفحة 38
عصي
السير، وخرج
فصل خلافة علي بن ابي طالب
عدد كبير من جيشه هم أهل الشوكة والفضل والزهد
والثفنات، وانفصل الحكم بخلع علي والخلاف في إبقاء معاوية بعد ما أعطى علي العهد والميثاق على قبول ما يحكم به عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري. قال ابن الأثير: وكتب الكتاب "هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم إننا ننزل عند حكم الله وكتابه، وأن لا يجمع بيننا غيره، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيى وتميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص عملا به، وما لم يجداه في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما، والأمة لها أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين الأمة لا يردانها حرب ولا فرقة حتى يعصيا وأجل القضاء وإلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام" ووقع عليه كل من الطرفين، ولكن الأشتر أبى من التوقيع قائلا: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة اسم ولست على بينة من عدوي، أولستم قد رأيتم الظفر؟ فقال له الأشعث: والله ما رأيت ظفرا، هلم الينا رغبة بك عنا، فقال: بلى والله الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة، لقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت ولا أحرم دما. قال: فكأنما قصع الله على أنف الأشعث الحمم. وخرج ا
خير
هذه
عندي منهم
الأشعث
بالكتاب يقرؤه على الناس حتى مرَّ على طائفة من بني تميم، فيهم عروة بن أدية (1/44)
صفحة 39
فصل خلافة علي بن ابي
أخو أبي بلال، فقرأه عليهم، فقال عروة: تُحَكِّمونَ في أمرِ اللَّهِ الرِّجَالَ؟! لا حُكم إلا الله .. ثم شَدَّ بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث. وكتب الكتاب يوم
الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، وهنا وقف القتال بين معاوية وعلي، وانفصلت عنه المحكمة، ما بين أربعة آلاف إلى ستة وعشرين
وهم
ألفا، وبقي في صراع أعنف وأشدَّ عليه من ذي قبل، خَذَلَه قومُه وقَاتَلُوه وقتلهم، ومعاوية وقومُه يحتلون ممالكَهُ شَيئًا فشيئًا. قال ابن الأثير: وكان علي إذا صلَّى الغداةَ يقنتُ فيقول: اللهم العن معاوية وعمرًا وأبا الأعور وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا أقنت سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر. وهكذا استمر أمراء بني أمية خليفةً بعد خليفة يلعنُون عَلِيًّا على المنابر وفي خاتمة خطبة كل جمعة، حتى استخلف الإمام العادل عمر بن العزيز فأبدل اللعن بقول الله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْنَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90] وفارق عليا أخوه عقيل وابن عمه عبد الله بن عباس وكان واليا له البصرة، وكتب إليه على ما حكاه في كتاب بيان الشرع (من الكتب العمانية القديمة، وهو يشتمل على اثنين وسبعين جزءا) قال: بعد فإني قد كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي أوثق منك في نفسي بمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان قلب بابن عمك ظهر المجن فارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين وخنته فيمن خانه من الخائنين فلا بابن عمك انتسبت، ولا أمانة الله أديت، كأنك لم تكن بجهادك تريد الله، ولم تكن على بينة من ربك،
"أما
45 (1/45)
صفحة 40
46
فصل خلافة علي بن ابي طالب
وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد صل الله عن دينهم، وتتوعد بهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانتك للأمة أسرعت الغدرة وعاجلت الوثبة فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل، فحملت أموالهم الى الحجاز رحيب الصدر، غير متأثم منها، كأنك لا أب لغيرك، إنما خرجت لأهلك برأي من أبيك وأمك، سبحان الله العظيم أوما تؤمن بالمعاد؟ أوما تخاف الحساب؟ أوما يعظم عليك أن تأكل حراما من أموال الأرامل واليتامى وتشرب حراما، فاتق الله وأد إلى القوم أموالهم التي أفاء الله عليهم، فإنك إن لم تفعل وأمكنني الله منك لا عذرن إلى الله فيك، والله لو كان الحسن والحسين فعلا الذي فعلت ما كان لهما عندي هوادة ولا طرق عندي في رخصة، إن الله لا يحب الظالمين". فكتب إليه ابن عباس: "أما بعد فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من مال البصرة، ولعمري إن نصيبي فيه لأكثر مما أخذت ولعمري لأن ألقى الله بما في الأرض من ذهب وفضة أحب إلي من القاه بدم رجل مسلم". وعن هاشم بن غيلان (وهو من علماء عمان في القرن الثالث كتب علي إلى ابن عباس يؤنبه بما من البصرة من بيت المال فكتب إليه ابن عباس: "قد عرفت وجه أخذي
أخذه
أهون
المال، إنه كان بقية دون حقي، بعدما أعطيت كل ذي حق حقه، ولقد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان ما قلت ولو كان أخذي باطلا كان من أن أشرك في دم مؤمن فكف عن القوم". وفي العقد الفريد: آخر كتاب كتبه ابن عباس لعلي: "لإن لم تدع عني أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يقاتلك به"، فكفَّ عنه عليّ. ومن جملة ما حكاه صاحب العقد الفريد مما كتبه ابن عباس لعلي: "وأيم الله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض ومخبئها، وبما على ظهرها من طلاعها ذهبا أحبّ إلي
من
عقيانها
من أن ألقى الله وقد (1/46)
صفحة 41
فصل خلافة علي بن ابي طالب
47
سفكت دماء هذه الأمة؛ لأنال بذلك الملك والإمرة ابعث إلى عمالك من
أحببت فإني ظاعن والسلام".
اكله
روي عن الإمام علي أنه قال: "إنما مثلي ومثل عثمان كمثل ثلاثة أثوار كانت في أجمة أبيض وأسود وأحمر، ومعها أسد فكان لا يقدر منها على شيء لاجتماعها عليه، فقال الأسد للثور الأسود وللثور الأحمر أن لا بدل علينا في أجمتنا إلا الثور الأبيض، فإن لونه مشهور ولوني على لونكما، فلو تركتماني خلت لكما الأجمة وصفت فقالا دونك وإياه فكله فأكله، ومضت مدة على ذلك ثم إن الأسد قال للثور الأحمر: لوني على لونك فدعني أكل الثور الأسود فقال له: شأنك به فأكله بعد أيام قال للثور الأحمر: إني أكلك لا محالة، فقال: دعني أنادي ثلاثة أصوات، فقال: افعل، فنادى إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض، قالها ثلاثا ثم قال علي: إنما هنت يوم قتل عثمان يرفع بها صوته. والحاصل أن الأمور تفاقمت على الإمام علي، فقاتل من رضي بالتحكيم؛ وهو معاوية وأصحابه، وقاتل من أبا التحكيم؛ وهم أهل النهروان، والأمر الله وحده. وسأفرد للخوارج بابًا فسيحًا ينظر فيه أهل النظرِ، ويقدر القضية بين شخصين ليسا معاوية ولا عليا بل هما من أهل زماننا وانفصلت من بينهما فاصلة، ما القول فيها وفي الأحاديث التي رويت إلى الامام على في الخوارج وهو يقاتلهم وهم يقاتلونه وهو يقول كما في البخاري: الحرب خدعة، ويقول: لا تقاتلوا الخوارج، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه.
هو
وما هو الفرق بينهم وبين طلحة والزبير وبين الخارجين على عثمان. (1/47)
صفحة 42
48
فصل خلافة علي بن ا
قال أبو الحواري (من علماء القرن الخامس عن عزان بن الصقر (من علماء
القرن الثالث
من عمان):
لما كان
يوم الجمل فظهر علي بن أبي طالب على
طلحة والزبير أخذ ما كان من جبايتهم وفرَّقه على أصحابه وكانوا اثني عشر ألفا
فصار إلى كل واحد منهم. خمسمائة درهم.
هذا
في
وكان قتله على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وعَدَّ ابْنُ حَجَر عبد الرحمن الصحابة، وذكر عن الإمام الشافعي أنه لا يرى ابن ملجم مخطئًا قتله؛ لأنه مجتهد، وكل مجتهد مصيب. وذكر ابن الأثير: لما بلغ عائشة قتله
قالت:
من
فألقت عَصَاهَا وَاسْتَقرَّ بها النَّوَى كما قرَّ عينا بالإياب المسافر
ثم قالت من قتله؟ فقيل لها رجل من مراد، فقالت:
فإن يَك نائيًا فَلَقَد نَعَاهُ نَعِيٌّ ليس في فيه التُّرابُ
فقالت زينب بنت أم سلمة: أتقولين هذا في علي؟! فقالت: إنني أَنسَى فَإِذَا نسيتُ فذَكِّرُوني. ومعنى قولها "ليس في فيه التراب" أي لا يُقَالُ للمخبر بقتله بفيك التراب، ولعلها ترى قتله حقا، لأنَّ ابن مجلم فيما يروى أنه قتله قصاصا ببعض من قتل بالنهروان. وقد اختفى الموضع الذي دفن فيه.
1) يقال: إنه حمل على بعير ليدفن بالمدينة، فندَّ به البعير حتى أدخله يجلي طيّ، فدفن هناك، والله أعلم. ويقال: إن القبر الذي يزار الآن بالعراق على أنه قبر علي إنما هو قبر المغيرة بن شعبة، والله أعلم. (1/48)
صفحة 43
فصل خلافة علي بن
كان على آية في غزارة العِلم واستنباطه للأحكام وحلّه المشكلات، وكان عمر بن الخطاب يرجع إليه في القضايا المشكلة، وفيه يقال: قضيةٌ ولا أبَا حَسَنٍ لها، وكان يتنفس الصعداء ويقول: عندي علم لم أَحد لَه حَامِلا.
كفله
كان أول من أسلم من الصبيان وأول من بارز في الإسلام، وأول من رسول الله، وأول من استنبط معضلات الأحكام، وأول خليفة ترك دار الهجرة، وأول البارزين يوم بدر وأول من قاتل أهل البغي من المسلمين. ويقال إن له أقوالاً خاصةً به، منها أنَّ كل مجتهد مصيب؛ فيعذر عثمان
ويعذر قاتله.
رويت عنه أحاديث كثيرة، وفي مسند الربيع بن حبيب من رواياته أحاديث وأبواب مفردة له خاصة.
49 (1/49)
صفحة 44
تنبيهان الأول
في انفصال الخوارج عنه
وخلاصة الاحتجاج
بينهم وبين
ابن عباس (1/51)
صفحة 45
تنبيهان الأول في انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج
بينهم وبين ابن عباس
أن قدَّمنا أن بعض المؤرخين
الخوارج يسمون المحكمة والحرورية والمارقة والشراة كل هذه الأسماء يطلقها عليهم خصومهم ومحبوهم من المؤرخين، وقد سبق يتحاملون على الضعفاء والمساكين، فإن هؤلاء لم تكن لهم دولة فيحترمون من أجلها، وكانت الدولة للأمويين والعلويين والعباسيين.
اختلف الناس في سبب تسميتهم خوارج فقيل لخروجهم عن الإمام علي، وقيل: لخروجهم عليه، وقيل: لخروجهم عن الدين في رأي مخالفيهم، وهو معنى تسميتهم بالمارقة، وقيل: لخروجهم عن ضلالة، التحكيم، وقيل لخروجهم جهادًا في سبيل الله، أخذا من قوله تعالى {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةٌ وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَيْمَانَهُمْ فَتَبَطَهُمْ وَقِيلَ أقْعُدُوا مَعَ القَعِدِين) [التوبة: 46] وهو معنى الشراة، إذ شروا أنفسهم؛ أي باعوها جهادًا في سبيل الله.
الله
وأول من فتح باب الخروج المصريون ورئيسهم جبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري، وهو ممن شهد أحدا وبايع تحت الشجرة. والبصريون، ورئيسهم حرقوص بن زهير السعدي الصحابي والكوفيون ورئيسهم زيد بن صوحان صحابي، وتبعهم طلحة والزبير وأهل النهروان، ورئيسهم عبد صحابي ذكره ابن حجر وغيره وأهل المدينة والحسين بن علي، وكلهم صحابة، وسعيد بن جبير والشعبي، وفقهاء العراق؛ إذ خرجوا على الحجاج، وكلهم تابعون صالحون.
بن وهب،
53 (1/53)
صفحة 46
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
وتسميتهم. المحكمة لقولهم "لا حكم إلا لله" وأول من قالها عروة بن أُدية أخو أبي بلال، وأبو بلال من أهل النهروان ولهما أخبار ذكرها ابن الأثير وغيره من المؤرخين. وأما الحرورية فنسبة الى حروراء الموضع الذي نزلوا به بعد انفصالهم من
بن
جيش الإمام علي قال ابن الأثير: "لما رجع علي من صفين لقيه عبدالله وديعة الأنصاري، فدنا منه وسلم عليه وسايره فقال: ما سمعت الناس يقولون
في أمرنا؟ قال: منهم المعجب به ومنهم الكاره له، قال: فما قول ذوي الرأي؟ قال: يقولون إن عَليًا كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له فهده، حصن حصين فمتى يبني ما هدم ومتى يجمع ما فرَّق، ولو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من
عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ذلك الحزم". قال الشاعر العماني:
منهم
اثنا
أبا حسن أطلقتها لطليقها فأنت بقيد الأشعري أسير
قال ابن الأثير: "ولما رجع علي من صفين فارقه الخوارج وأتوا حروراء فنزل بها عشر ألفا" قال العلامة الشماخي: "وقيل أربعة وعشرون ألفا، وهم خيار أهل الأرض يومئذ وقراؤهم وزهادهم ممن بقي من كبار الصحابة والتابعين، وفيهم من أهل بدر ومن شهد له رسول الله الله الجنة، كحرقوص بن زهير السعدي الذي قال فيه رسول الله الله في رواية عائشة: "أول من يدخل علينا أهل الجنة، فكان هو الداخل إلى ثلاث مرات" وشجرة ابن أوفا السلامي وكان بدريا، ومن أراد معرفة أسمائهم فعليه بالنهروان وغيره من الكتب". قلت: لم أقف على هذا الكتاب. وذكر العلامة البرادي في كتاب الجواهر عددًا منهم: أبو الهيثم ابن التيهان وفروة بن نوفل الأشجعي وسارية بن لجام السعدي ويزيد بن قيس الأزدي وجعفر بن مالك السعدي وبشر بن جبلة
اليوم من
54 (1/54)
صفحة 47
55
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
العامري وشريك ابن الحكم الأزدي ومرداس أبو بلال وأخوه حيان والمستورد بن علاثة والأشعث بن بشر العبدي وميسرة بن خالد الفهري وأبو الصهبا وعبدالله بن وهب الراسبي وحمزة بن سنان وزيد بن حصن الطائي وعباد بن الحرشاء الطائي والحويرث بن ودع الأسدي وعمير بن الحارث الأنصاري ويزيد بن عاصم وأربعة إخوة معه ممن بايع تحت الشجرة وشجرة بن الحارث السلامي وعبدالله بن شجرة بايع رسول الله الله تحت الشجرة أربعة إخوة له وثلاثة بني أخت له، والمسيب بن ضمرة الأسدي وعبدالله بن عفيف أخوه سفيان الخزاعيان وأبو عمر بن نوفل مولى له صحبة مع رسول الله الا الله ونافع مولى ترملة وترملة صاحب حنظلة، رسول الله له في نفر من بني وهرم بن عمرو الأنصاري من بني واقف، وأبو قدامة لبيد من بني قيس وعيينه ابن معمر الأنصاري من بني وائل، من بن الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع، وزياد بن شرحبيل العجلي، والأشهب بن
ومن
الله
بشر الكوفي، ومالك بن التيهان، وحكيم بن عبدالرحمن الكناني، وبايعوا عبد بن وهب الراسبي. قال في الموسوعة الميسرة: عبد الله بن وهب الراسبي من الأزد أئمة الإباضية من الخوارج، عرف بالعلم والرأي والفصاحة والشجاعة، وله في العبادة أعاجيب، أدرك النبي الا الله وشهد فتوح العراق مع ابن أبي وقاص، وكان مع علي في حروبه، أنكر عليه التحكيم قتل في النهروان بعد أن أقره الخوارج عليهم، هذا ما ذكروه عن ابن وهب، ورواه ابن حجر، وقبل البيعة بعد أن دفعها إلى زيد بن حصن الصحابي ذكره ابن حجر في عداد الصحابة، وحرقوص بن زهير السعدي قال في القاموس وشرحه وحرقوص بن زهير السعدي كان صحابيا أمد به عمر رضي الله عنه المسلمين الذين نازلوا الأهوز فافتتح حرقوص (1/55)
صفحة 48
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
سوق الأهواز وله أثر كبير في قتل الهرمزان، ثم كان مع علي بصفين فصار خارجيا عليه فقتل".
ولما بلغ عليا تمام بيعتهم لعبد الله بن وهب كتب إليهم -كما ذكر هذين الكتابين صاحب كتاب السير العمانية الشيخ أبو الحسن البسياني (من علماء القرن الرابع للهجرة) -: "بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى زيد بن حصن و عبدالله بن وهب الراسبي ومن معهما من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الحكمين نبذا كتاب الله وراء ظهورها وحكما بغير ما أنزل الله فبرئ الله منهما ورسوله، وأنا منهما بريء، فهلموا نعطيكم الرضى ونرجع إلى الأمر الأول، نقاتل عدونا وعدوكم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وموعد ما بيننا و بينكم عسكر نجران إن شاء الله". الجواب: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله ابن وهب وزيد بن حصن ومن معهما من المسلمين إلى علي بن أبي طالب سلام على من اتبع الهدى فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا قد وصل إلينا كتابك تذكر أن الحكمين نبذا كتاب الله وحكما بغير ما أنزل الله، فقد علمنا والحمد الله أن أمرهما كان مخالفا للحق من أوله، أنت بتحكيمك إياهما أعظم جرما منهما، وذكرت الأمر الأول فلسنا نرد عليك توبتك، فإن كنت صادقًا فادخل فيما دخل فيه المسلمون من طاعة الله و رسوله وإمام المسلمين عبدالله بن وهب الراسبي فقد بايعناه بعد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا يسعنا إلا ذلك والسلام". (1/56)
صفحة 49
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
قال القطب محمد بن يوسف الجزائري الإباضي أحد الأعلام المحققين: "فإن قلت لم لا يقبلون توبته ويردونه إماما؟ قلت: أصر على التحكيم وملاينة معاوية و الأمر الباطل وأبى من التوبة وتاب ونكث كما مر واستمر على النكث واستحق الخلع، بل خلع نفسه فساغ استخلاف غيره، وعجلوا بذلك لئلا تبقى الأمة بلا قائم مع أنهم هم الباقون على الحق بعد أن فارقته جماعة معاوية وجماعة علي وما ادعاء التوبة إلا بعد استخلافهم عبد الله بن وهب، ولا إمامين في سيرة، فصحت الخلافة للثاني؛ إذ لا تبطل عنه إلا لموجب بعد ثبوتها ولا موجب لبطلانها، وأيضًا شرطوا عليه إن ترك قتال الفئة الباغية فلا بيعة له عليهم ولفظ الشرط وذلك عند البيعة بايعناك على طاعة الله ورسوله والعمل بكتاب الله وسنة رسوله والأخذ بسيرة الخليفتين بعد النبي ما استطاع، وعلى قتال الفئة الباغية، وكل فرقة امتنعت عن الحق طاغية، وكل من نقض عهد الله وغير سنة رسوله ل و حكم بغير ما أنزل الله حتى يظهر نور الله وتطفأ كلمة الجور وتموت البدعة والفجور وتفنى على ذلك، أرواحهم، وأعطاهم على ذلك العهد والميثاق وعلى أنه إن خالف شيئًا من ذلك أو نقض فلا بيعة له عليهم فبايعوه على ذلك".
وأرسل إليهم علي ابن عباس يناظرهم، نقلا من شرح اللامية للقطب، وأصله في كتاب السير العمانية من سيرة شبيب بن عطية من علماء القرن الثاني للهجرة) هكذا طلب ابن عباس إليهم الرجوع، وقالوا له: "إن صاحبك ترك اسم أمير المؤمنين وطلب الحكومة وخلع سربالا ألبسه الله إياه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أما علمتم أن رسول الله الله لَمَّا عاهد أهل مكة ومشركي العرب
57 (1/57)
صفحة 50
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
ومشركي قريش عام الحديبية حين صده المشركون عن المسجد الحرام إلى مضي ترك فيها القتال والدماء، وأما ما ذكرتم من خلعه نفسه
سماها المدة التي لهم من من اسم أمير المؤمنين فقد فعل ذلك رسول الله الله حين كتب الكتاب لقريش وأملاها رسول الله: هذا ما قضى به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، فقال
المشركون: لو علمنا أنك رسول الله ما خالفناك، فكتب
من
محمد
عبد بن
الله
وأما ما ذكرتم من الحكومة وأنها لا تجوز فقال عز من قائل يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُمُ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ (المائدة: 95 وقال عز من قائل وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بينهما النساء: 35 فقالوا: قد سمعنا قولك والذي أرسلت به واحتجاجك فنذكرك الله لما سمعت قولنا وفهمت حجتنا ثم كنت عدلا بيننا وبين من أرسلك قال: اللهم نعم، قالوا: أخبرنا عمن قتل الصيد وهو محرم هل يسعه أن يحكم من يرى استحلال الصيد المحرم ويستحل قتل صيد الحرم؟ قال: لا، قالوا: وكيف يسع من يدين باستحلال ما حرم الله من دماء المسلمين
الله
عليا أن يحكم في دين من قتال الفئة الباغية ومن يدين بولاية من عادي الله ورسوله
ويحرم ما أحل الله وبعداوة أولياء الله ويدين بخلاف ما عليه المسلمون من الحق الذي هم عليه وفارقوهم على خلافه، فوالله لو كانت الحكومة حقا لكان علي ترك الحق بتحكيمه في دين من يدين بخلاف دين الله فيما استحل من قتل المؤمنين وسفك الدماء وما حرم الله من قتال الفئة الباغية مع ما يدين به من ولاية من
الله
عادى الله ورسوله وعداوة أولياء الله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله
58 (1/58)
صفحة 51
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
سبحانه وتعالى يقول وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمُ
وَسَاءَتْ مَصِيرًا (النساء: 115 ثم قالوا: نذكرك الله يا ابن عباس هل تعلم أن كان شاكا في قتال الفئة الباغية، يحرم ما أحل الله قتال الفئة
أبا موسى
من
الباغية، ويخذل الناس عن القتال؟ قال: اللهم نعم قالوا: إن عليا حكم فيمن قتل الصيد وهو محرم من يعتقد أنه لا يحرم قتل الصيد في الحرم، ولا يحرم قتل الصيد في الحل على المحرم، أكان بتحكيمه من كان هذا أمره وصفته على هذا الوجه ضلالا إذ حكم شاكا مرتابا فيما حكم الله به من تحريم قتل الصيد في الحرم إذ كان محرما لضل بتحكيمه من هذا أمره، وصفته، ولو كانت الحكومة عدلاً لكان بحكومة من يستحل قتل المؤمنين ويعاديهم ويكفر بدينهم ضالا، وقد أضل بحكومته من يحرم ما أحل الله للمؤمنين من قتال من بغى عليهم واتبع
حرم
59
سبيلا غير سبيلهم، وأبى أن يقر بحكم القرآن فيما خالفوا فيه، فنذكرك الله يا ابن عباس هل تعلم أن عمرو بن العاص استحل ما الله من دماء المسلمين، وحرم ما أحل الله قتال من بغى على المسلمين وتولى من عادي المسلمين، من
ومن
دان بدينهم وما هم عليه من الحق ومن قتال أهل البغي؟ فقال: اللهم نعم قد خصمتم عليا بهذا وقولكم الحق، ثم قالوا أما ما ذكرت من قول الله وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّي اللهُ بَيْنَهُمَا) فأخبرنا عن رجل من المسلمين عنده يهودية أو نصرانية، وكان بينهما اختلاف ومنازعة هل ينبغي له ولمن حضره من المسلمين أن يدعوا اليهود أو النصارى يحكمونهم بما هم به کافرون من أحكام المؤمنين؟ قال: لا، قالوا: كيف حكم على عمرو بن العاص، وهو يكفر بما حكمه فيه، (1/59)
صفحة 52
ويستحل ما الله
حرم
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
من
دماء المسلمين ويدين بغير دينهم، ويوالي من عادوا
ويعادي من والوا، فنذكرك الله هل يسع عليا هذا؟ قال: لا يجوز هذا لمن فعله ولا يسعه. وقالوا: أما ما ذكرت من أمر الموادعة والقضية التي كـ كانت بين رسول الله له وبين المشركين، فإنها كانت منازل، ونقل عنها منزلة منزلة، وكل منزلة نقل الله عنها نبيه أو أمره بغيرها حرم عليه الإقامة عليها، وحرم المسلمين أيضا أن يقيموا على ما نقل عنه؛ من ذلك القبلة التي كانت بيت المقدس نقل الله نبيه والمؤمنين عنها باستقبال البيت الحرام، ومثل الخمر كانت حلالاً ثم نهى الله عنها أولاً تأديبا وحرمها بعد ذلك من نعمه وطوله ومنته على نبيه وعلى المؤمنين، وكذا مفاداة النبي الله لأهل بدر ولا أمر ولا نهي ولا وعيد وقال تعالى {لَّوْلَا
من
الله العفو عنهم
كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الأنفال: 68. وقد كان سبق والمغفرة لهم فيما فعلوا، وقيل: سبق من الله أن لا يعذب أحدا إلا بعد بيان، أو سبق من الله جل جلاله أن يحل لهذه الأمة ما غنموا من عدوهم إذا حاربوا، وأنزل الله عز وجل على نبيه بعد ذلك تحريم معاهدة المشركين فقال بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَنْهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) فَسِيحُوا في الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهُ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَفِرِينَ وَأَذَانُ من اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تبتُم فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فَإِذَا
60 (1/60)
صفحة 53
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
به و رويه وو
انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ عفور رحيم التوبة: 1 فجاءت براءة بنقض كل عهد وتحريم أمان المشركين وقتلهم حيث ما وجدوا وحصرهم والقعود لهم بكل مرصد وتحريم الجنوح إليهم ولا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام والإقرار به ولأهل الكتاب الجزية، فما لهم إلا الإسلام أو الجزية، ولم يحل الله أمان أحد منهم إلا من استجاب ليسمع كلام الله فإن لم يؤمن أبلغه مأمنه وقال الله عز وجل: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
امَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا التوبة: 28 فلا إقامة لأحد على ما نقل الله نبيه عنه، فما حجة صاحبك علينا فيما نقل الله نبيه والمؤمنين عنه وحرم ذلك عنه، وإن جوز ذلك فليرجع إلى استقبال بيت المقدس وإلى كل ما، نسخ، ثم قالوا: نذكرك الله يا ابن عباس هل تعلم أن الذي احتج به صاحبك علينا منتقض غير جائز في الدين؟ قال: اللهم نعم، قالوا: يا ابن عباس ألست تعلم أن الله عز رجل قال في كتابه الزانية والزاني - الآية - والسارق والسارقة - الآية - قال اللهم نعم، قالوا: فهل تعلم أن قتال الفئة الباغية حد من حدود الله كالجلد والقطع؟ قال: نعم، قالوا فأخبرنا عمن زنا أو سرق فأراد إمام المسلمين أن يقيم عليه الحد، فامتنع وقامت معه طائفة تمنعه عن إقامة الحد أليس يحل قتالهم؟ قال: بلى، قالوا: فإن المسلمين قاتلوهم حتى قتلوا منهم قتلى ثم ابتغوا الحكومة، أيسع المسلمين قبولها وتحريم القتال وتعطيله؟ قال: اللهم لا، قالوا فكيف يسوغ لنا أن تُحكّم في دين الله مَن يدين بتعطيل الحدود وتحريم ما أحل الله قتال الفئة الباغية مع أنه حد من
من
61 (1/61)
صفحة 54
حدود
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
الله، وكل ما حكم الله فيه فلا تخيير فيه لعباده، قال الله عز وجل: وأن أحكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ أَفَحُكُمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 49 - 50 وقال: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا (الأنعام: 114 وقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف: 40 وما جعل الله عز وجل الحكم للرجال فليحكم فيه ذوا عدل ولا حكم في غير ذلك للرجال، قال الله جل وعلا: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا الأحزاب: 36 وقال: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
(65
بيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65، فكيف يحكم في دين الله من لم يحكمه الله ورسوله ووجد في نفسه حرجا مما قضى الله ورسوله وأبى أن يسلم تسليما واستحل قتل من حكم الله ورسوله ولم يجد في نفسه حرجًا كما قضى الله ورسوله وسلم لحكمه تسليما، فإن معاوية وعمرو بن العاص أبيا أن يسلما لحكم الله ورسوله, قال: اللهم نعم. ثم
قالوا: يا بن عباس إن كان معاوية وعمرو بن العاص سلما لحكم الله وما أنزل من القرآن ورجعا عما كان عليه وفاءاً إلى أمر الله ورجعا إلى دين المسلمين فالحق علينا أن نقبل عنهما ونتولاهما؛ لأن الله أمر بقتال الفئة الباغية حتى تفيء
إلى أمر الله، فإذا فاءوا إلى أمر الله قبل ذلك منهم ولم يسع أحدا ذلك عليهما،
62 (1/62)
صفحة 55
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
وأما أن نحكم الرجال فيما قد فرغ الله من الحكم فيه فإن كان حكموا بنقض ما
جاءنا من
الله فننتقل عما نحن عليه من البينات إلى الضلال والعمى والترك
حرم
لحكم الله والإيمان الذي نحن عليه حتى يستحل ما الله ويحرم ما أحل الله، من كنا نواليه بدين الله وبحكم كتاب
الله
صاحبه
حدثا
بأنه من
63
ونوالي من كنا نعادية بدين وفريضة وتعادي الله وما افترض علينا من ولاية من أقر بديننا فمعاذ الله أن نفعل ذلك إن شاء حتى تذهب أنفسنا أو نظهر على عدونا فقال ابن عباس: اللهم هذا هو الحق، وقالوا ألست تعلم أن في ما اشترط علي ومعاوية كل واحد منهما على أنه أيما رجل أحدث من أصحاب علي ودخل في دين معاوية وحكمه فليس لعلي إقامة الحد عليه لدخوله في دين معاوية وحكمه، وأيما رجل أحدث من أصحاب معاوية ودخل في دين علي وحكمه فليس لمعاوية إقامة الحد لدخوله في دين علي وحكمه، فكيف يدخل في دين قوم قد أقروا على أنفسهم أحدث حدثا منهم ففر من حكم الله عليه وكره إقامة الحد بأن يقول دخل في دين معاوية زال ذلك الحكم والحد عنه، وكيف يدخل في دين علي وأمره كذلك وزاد خلع نفسه من إمرة المؤمنين ولم يرجع ولم يستغفر مما قد أتى مما وصفناه وذكرناه من أمره فيما سوى ذلك قد استحق من أمر الله البراءة والخلع حتى يتوب من ذلك ويستغفر ربه ويرجع من ذنبه ألست تقول إن عليا قاتل طلحة والزبير بكتاب الله وبما افترض الله عليه من قتال الفئة الباغية، وعلى ذلك الأمر قاتل معاوية؟ قال: اللهم نعم قالوا: وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاتل عمار بن ياسر ومن معه بصفين حتى قتل عمار بن ياسر ومن معه من أصحاب النبي الله والتابعين بإحسان وبأمر الله وإذنه قاتلوا الفئة الباغية؟ قال: اللهم نعم قالوا أخبرنا عن علي حين حكم الحكمين، أليس قد حرم (1/63)
صفحة 56
64
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
القتال الذي أحل الله من معاوية وجنده حتى يحكم الحكمان ويأذنا به؟ قال: اللهم نعم, قالوا: فأخبرنا عن علي أحرم دماءهم بتوبة من معاوية وجنده ودخول منهم في الإسلام أم حرم دماءهم بغير توبة منهم ولا دخول في الإسلام؟ قال: بل حرم دماءهم بالعهد الذي أعطاهم حتى يحكم الحكمين بغير توبة ولا دخول في الإسلام قالوا أليس قد حرم علي منهم ما أحل الله
من
قتالهم من غير انتقال منهم عن الذي أحل دماءهم واستحل قتال من قتل بلا حدث، فمن أقام الآن بكتاب الله وسنة نبيه الله وبما قام به عمار ومن معه من المسلمين فقاتل من قاتله عمار واستحل من استحل عمار فهو من الكافرين عند صاحبك وكيف يكون عمار من المهتدين المؤمنين ويضل من عمل عمله واقتدى بهداه، بعده فإن كان قاتلهم عمار هدى فقد اهتدى من اقتدى بهداه وإن كان ضلالاً فقد ضل علي وأتباعه بولاية عمار ومن معه من المسلمين لقتالهم معاوية، وكيف يكون القتال لمعاوية ضلالاً ومعاوية على الدين الذي استحل منه عمار قتاله وقتال من معه ثم لم يتوبوا ولم يرجعوا عما دين المسلمين، وقولهم وكيف لم يكن القتال لطلحة والزبير على البغي ضلالاً وقد كانا أفضل من معاوية ويكون القتال لمعاوية ومن معه ضلالاً فهم على
هم
عليه من
عما
الدين الذي كان عليه طلحة والزبير، هذا ما نعرف من خطأ علي ورجعته كان عليه من الحق ورغبته عما مضى عليه خيار المسلمين، وكيف يحل الله قتال قوم ويأمر به ثم يهتدي من حرمه وهم على ذلك الدين ويضل من استحله، وكيف يحل الله قتال قوم ويأمر به ويأذن فيه ثم يكفر حتى يأذن فيه استحله من يستحل تحريمه من الحكمين، وذلك أن عليا حرم القتال الذي أحله الله من
من
معاوية وجنده حتى يأذن فيه عمرو بن العاص وأبو موسى، وزعم علي أنه من (1/64)
صفحة 57
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
الله حرم
من
فعله
قام بكتاب الله جل وعلا وسنة نبيه ويستحل ما أحل الله قتال الفئة من الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فهو من الكافرين حتى يأذن فيه من يدين بتحريم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله بغير كتاب من الله حدث يحرم ما أحل الله من قتالهم وحتى يأذن فيه من يدين بتحريمه ويستحل ما من دماء المسلمين ويحرم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية ويعادي أولياء الله, ويوالي أعداء الله فنذكرك الله يا بن عباس هل يسع هذا ويهتدي به؟ قال: اللهم لا وانصرف عنهم وهو مقر لهم ومعترف لهم أنهم قد خصموه ونقضوا عليه مما جاء به مما احتج به عليهم فرجع ابن عباس إلى علي فلما رآه قام اليه وناجاه وكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم التي احتجوا بها فقال له علي: ألا تعينني على قتالهم؟ فقال ابن عباس: لا والله لا أقاتل قوما قد خصموني في الدنيا، وإنهم يوم القيامة لي أخصم وعلي أقوى، إن لم أكن معهم لم أكن عليهم، واعتزل عنه ابن عباس رضي الله عنه، ثم فارقه وكتب إليه علي يؤنبه بمال أخذه من البصرة من بيت المال فقال له: قد عرفت وجه أخذي المال أنه كان بقية دون حقي من بعد ما أعطيت كل ذي حق حقه، قد علمت أخذي للمال من قبل قولي في أهل النهروان ولو كان أخذي المال باطلا كان
أهون من أن أشرك في دم مؤمن، فاكفف عن القوم فأبى والله أعلا وأعلم". وقال السيوطي في الإتقان إن عليًّا قال لابن عباس: لا تجادلهم بالقرآن ولكن بالسنة. وقال الشاعر العماني أبو مسلم الرواحي:
ليت الحكومة ما قامت قيامتها وليتها من أبي السبطين لم تصر ملعونة جعلتها الشام جنتها من ذي الفقار وقد أشفت على خطر
70 (1/65)
صفحة 58
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
عجت بتحكيم عمرو بعدما حكمت همدان فيها بحكم البيض والسمر تبالها رفعت كيدا مصاحفها ومقتضاهن منبوذ على العفر مهلا أبا حسن إن التي عرضت زوراء في الدين كن منها على حذر ضغائن اللات والعزا رقلن بها تحت الطليق وعثمانية الأشر لا تلبسن أبا السبطين مخزية فذلك الثوب مطوي على غر لم تنتقل عبد شمس من نكارتها دم الكبود على أنيابها القذر فما صحيفة صفين التي رقمت إلا صحيفة بين الركن والحجر نسيت بدرًا وأحدا يا أبا حسن وندوة الكفر ذات المكر والغدر ويوم جاءك بالأحزاب صخرهم فاندك بالريح صخر القوم والذعر وفتح مكة والأعياص كاسفة وأنت حيدرة الإسلام كالقمر والقوم ما أسلموا إلا مؤلفة والرأي في اللات بين السمع والبصر متى ترى هاشم صدق الطليق بها وثغرة الجرح بين النجر والفقر ما لابن هند لثار الدار من غرض له مرام وليت الدار في سقر لقد تقاعد عنها وهي محوجه حتى قضت فقضى ما شاء من وطر تربص الوغد من عثمان قتلته فقام ينهق بين الحمر والبقر ينوح في الشام ثكلى ناشرا لهم قميص عثمان نوح الورق بالشجر حتى إذا لف أولاها بأخرها بشبهة ما تغطي نقرة الظفر أتاك يقرع طنبور الشقاق له روقان في الكفر من جهل ومن طبر تعك عك نفاقا خلف خطوته كأنها ذنب في عجمة
وظر
صدر
يدير بين وزيره سياسته عمرو ابليس في ورد وفي متى جهلت أبا البسطين خطته وانت أعلم أعل الطين والوبر
حاكمته بعدما الحمه جزرا بعقر سبعين ألفاً عقرة الجزر
77 (1/66)
صفحة 59
67
التنبية الأول: انفصال الخوارج عنه وخلاصة الاحتجاج بينهم وبين ابن عباس
قلت: وكانت لمعاوية في دولته آثار محمودة، فقد تدارك الموقف وسد الثلمة
ذلك
وشرع في الجهاد وحماية البلاد وركب البحر وافتتح مناطق مشهورة، وسدد وقارب، حتى نسي المسلمون أو كادوا ينسون ما وقع بينهم، وسمي العام عام الجماعه وذلك بعد قتل علي وتسليم الحسن لمعاوية، ولما اجتمع بسعد بن أبي وقاص قال له: السلام عليك أيها الملك، فقال معاوية: ما ضرك لو قلت أمير المؤمنين؟! قال سعد أتقولها وأنت تضحك. ولما قدم المدينة تلقاه الناس إلا الأنصار فعاتبهم وقال: أين النواضح؟ فقال أبو قتادة: أفنيناها في طلبك وطلب أبيك. (1/67)
صفحة 60
التنبيه الثاني
في حكم الخوارج
وذكر شيء من
آدابهم وأخلاقهم (1/69)
صفحة 61
التنبيه الثاني في حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
سئل الإمام علي عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: من الشرك فَرُّوا. قيل: أمنافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، ولكن إخواننا بَغَوا علينا. وقال: لا تقاتلوا الخوارج، فليس من قصد الحق فأخطأه كمن قصد الباطل فأصابه. وروى عنهم البخاري أحاديث قابلة للتأويل كقوله: يخرج في آخر الزمان وزمانه حديث. وأنت تدري أن فيهم عدداً من الصحابة فيجب احترام الصحابة وقول الحق فيهم، ونحمل الأحاديث الواردة في الخوارج في الصفرية والأزارقة الذين يسحيلون دماء أهل القبلة وسبي ذراريهم ونسائهم، أما المروي من قتل عبدالله بن خباب وزوجته فلم يصح أنه باتفاق من جميعهم، بل ثبت أن الأمام عليا يطالبهم في قتله حيث انظموا اليهم كما انضم إلى جيشة قتلة عثمان على حد قولهم. قال القطب بن يوسف الإباضي في أهل النهروان من يرى رأي الصفرية والأزارقة واستدل بما يروى عن عبدالله بن خباب وزوجته وبقول عبدالله وهب ما أدري إلى الجنة أم إلى النار يقوله لرجل قتل من الخوارج فقال: حبذا الروحة إلى الجنة، إذا وقع مثل هذا في جيوش الأئمة فلا تعاب لأجله، وفي فتح مكة اغتصب عقد أخت الصديق، ولقد فعل عمرو بن العاص ومعاوية بن ما يشبه هذا، كحرق محمد بن أبي بكر الصديق في جوف حمار، وقول الإمام علي فيهم ليس بأشد مما رواه ابن الأثير أنه كان يقنت في صلاته فيلعن معاوية وعَمْرو أو غيرهما، وكان معاوية يلعن عليا والحسن والحسين ومن معهم
خديج
وفي كل جمعة ومنبر وقد علمت عذرهم من جهات:
بن
71 (1/71)
صفحة 62
72
ومن
التنبية الثاني حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
أولا: أن إمامة الإمام علي لم تثبت بإجماع الصحابة حيث لم يدخل طلحة والزبير وعبدالله بن عمر وسعد بن أبي وقاص. ثانيا: أن في خروج طلحة والزبير معهما أسوة لخروج هؤلاء، فكيف يحق لأولئك الخروج ويحرم على هؤلاء، وكذلك القول في معاوية ومن معه ثالثا أن الإمام عليا أعطى الحكمين العهد والميثاق على قبول ما يحكمان، به وقد حكما بخلعه، فلمن خرج عنه العذر تمسك بهذا. رابعا: ذكر الطبري أن الإمام عليا قبل التحكيم مكرها خوفا على نفسه، وعليه فقد سقطت إمامته لضعفه. خامسا على رأي المسلمين ومنهم الإمام علي أن كل مجتهد مصيب، وهؤلاء اجتهدوا. سادسا: أن فيهم صحابة، وللصحابة مزية ليست لغيرهم. سابعا لهم حرمة لا إله الا الله. أما ما روي أنهم يكفرون عليا أو يطلبون منه الاعتراف بالكفر، فهذا الكفر إن صح كفر النعمة، لا كفر الشرك، وهو ثابت بالكتاب والسنة. وقد ثبت عن الحسن البصري أنه كان يقول إذا ذكر عليا: لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه الله يتعرف النصر ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكم أليس الحق معك، ألا تمضي قدما لا أبا لك، رواه المبرد في الكامل. وروي عن الإمام مالك بن أنس أنه قال وكان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر، وهذا
رأي
رأي قد استهوى جماعة. من الأشراف. يروي أن المنذر بن الجارود كان يري الخوارج، وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف يراه، وكان صالح بن عبدالرحمن صاحب ديوان العراق يراه وكان عدة فقهاء ينسبون إليه منهم: عكرمة مولى ابن عباس قال وكان يقال هذا في مالك بن أنس، قال المبرد: وكان مما حاربهم به المهلب بن أبي صفرة اختلاق الأحاديث عليهم، فقد كان الحديث ليشد به أزر قومه ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد ويقول:
يصنع (1/72)
صفحة 63
التنبية الثاني الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
إن الحرب خدعة وكان حي من الأزد إذارأوا المهلب خارجا قالوا: راح يكذب،
وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى لو كنت تصدق ما تقول
قال: ولعل هذا وأمثاله هو
السر فيما ترى من أحاديث كثيرة ملأت بها كتب
التاريخ والأدب في ذم الخوارج انتهى. قلت: وقد انتشرت هذه الأحاديث الصحيحة، والمكذوبة فارتبك فيها فطاحل من أهل العلم، تورطوا بها في سب الصحابة وشتمهم عصمنا الله من الزلل وثبتنا في القول والعمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومن تلك الأحاديث الصحيحة ما رواه الربيع بن حبيب محدث الإباضية عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله الله يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقروؤن القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" إلى آخر الحديث. قال نور الدين السالمي في عنوانه "ما جاء في علماء السوء": وذكر في البخاري هذا الحديث أن أبا سعيد الخدري قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قسما، إذ أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله أعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله إيذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ... ثم ساق الحديث مع زيادة في آخره واختلاف في بعض الألفاظ، وذكر في آخره أن آيتهم رجل أسود إحدى عضدية مثل ثدي المرأة ومثل البضعه تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس،
سبب
يقسم
73 (1/73)
صفحة 64
74
التنبية الثاني حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله وأشهد أن
علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا
معه
فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى
وهو قد
منه ويسمع
نظرت إليه على نعت النبي الله الذي نعته, وهذه الزيادة لم يروها جابر بن زيد سمع الحديث من أبي سعيد أيضا, أتراه يأخذ من أبي سعيد ذلك ثم يتولى من كان هذا وصفه, كلا بل هو أورع من ذلك وقد أدرك عصر الصحابة وسمع من كثير منهم, وإني لأنزه البخاري عن الكذب، ولكنه يأخذ عن أهل الأهواء كالشيعة والمرجئة ثقة بهم، وأن لهم أهواء لا يؤمنون معها على نقل يخالف ما فيه، وكيف يصح ذلك وهذا الحسن بن علي تلقى أباه حين دخل الكوفة فقال: يا أبتي أقتلت القوم؟ قال نعم قال: لا يرى قاتلهم الجنة, قال: ليت أني أدخلها ولو حبوا ولما فقد علي تلك الأصوات بالليل كأنها دوي النحل قال: أين أسود النهار ورهبان الليل؟ قالوا له: قتلناهم يوما
النهر.
وفي السير من كتاب النهروان حدثني مسعود بن الحكم الهمداني أن ابن عباس قال للحسن: إنكم لأحق بيت في العرب أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل، قمتم بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، فجاهدتم بها ثم جعلتم حكما على كتاب ربكم ثم قتلتم خيار المسلمين وفقهاءهم وقد أفنوا المخ واللحم وأجهدوا الجلد والعظم من العبادة وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
وفي السير أيضا عن الحصين بن نوفل عن ابن عباس قال: أصاب أهل النهر السبيل أصاب أبو بلال السبيل.
وفي السير أيضًا من كتاب النهروان: وحدثني مسعود بن.
عبدالله
بن شداد أنه
قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة فقال: يا عبدالله لم قتل علي أصحابه؟ فحدثها (1/74)
صفحة 65
التنبية الثاني في - الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
بالقصة كلها، فقالت: ظلمهم قالت هل تسمى أحدا ممن قتل؟ قال: نعم حرقوص بن زهير السعدي، فاسترجعت وقالت أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في منزلي قال: يا عائشة أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة، فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماء، وقال ذلك في اليوم الثاني فدخل، وكذلك في اليوم الثالث، قالت: ومن؟ قلت: زيد بن حصن الطائي، فبكت وقالت: والله لو اجتمعت الأمة على الرمح الذي طعن به زيد لكان حقا على الله أن يكبهم جمعيا في النار.
ولما التحم القتال في النهروان من الغداة إلى الأصيل، وعلي واقف ومعه أبو العقيصة، فسمعه يقول: والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن، فقال له: نحن إذًا فضرب فرسه فلحق بهم وقتل فيها.
وعن ابن عباس قال: حدثني قمبر مولى علي قال: تحولت أنا وعلي إلى النهر بعد القتال فانكب طويلاً يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: ويحك صرعنا خيار هذه الأمة وقراءها، فقلت: أي والله فابك وبكى طويلاً، ثم قال: جذعت أنفي وشفيت نفسي، فأظهر الندامة على قتله إياهم وقال له رجل: هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قال: ويحك أولئك أهل التوراة والإنجيل. قال له آخر: والله ما بين الطريقين طريق إن كان أمر الحكمين هدى فقد ضللت
بنقضك عهدك وبراءتك منهما، وإن كان ضلالة لقد ضللت بقتلك أهل النهر
إذ نهوك عن ا
الضلالة.
Vo (1/75)
صفحة 66
76
التنبية. حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
وفي السير أيضًا من كتاب النهروان عن جابر بن زيد أن عليا أظهر الندامة للناس قيل له: قتلت قومًا وأظهرت الندامة عليهم وطفقت تمدحهم وتزين أمرهم لتخلعن أو لتقتلن، فلما أصبح قال: ابتغوا في القتلى رجلاً فوجدوا نافعا مولى ترملة صاحب رسول الله هال لوله وكان صالحا مجتهدا قطع الفحل يده فقال: هذا هو؟ فقال له الحسن: هذا نافع مولى، ترملة قال له: اسكت الحرب خدعة، وهذا الرجل هو الذي التبس به على القوم أمر دينهم وظنو أنه علامة للباطل. فهذه بعض الآثار الموجودة في أهل النهر رضوان الله عليهم، قال: والكلام في استقصائها طويل، وللقوم في ذلك أهوية حملت بعضهم على وضع أحاديث في
القضية، وبعضهم على تأويل الصحيح على غير وجهه، فالله المستعان. قال القطب: وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه، وقد يصح الحديث ويؤولونه فينا، وليس فينا، ثم ذكر تأول علي بن أبي طالب للحديث في أهل النهر، وكذا تأول أبي أمامة حديثا رواه أيضًا وتأوله فيمن أنكر التحكيم وهذا تأويل لم يقم عليه دليل, وكيف لا يحمل الحديث على عباد قومنا ما مع ترى من اجتهادهم, فإنَّ أصحابهم يؤثرون عنهم أشياء من التلاوة والعبارة نحقر صلاتنا مع صلاتهم وصيامنا مع صيامهم فلعل الحديث فيهم, فيكون لكل تأويله وهذا إلزام للخصم بنظير قوله, وأما الحديث فهو عندنا في علماء السوء وفي كل من خالف عمله كتاب الله وسنة رسول الله؛ لحديث عبادة بن الصامت الآتي في باب الإمارة، وفيه ستكون عليكم أمراء يقرأون كما تقرأون ويعملون ما تنكرون، ويمكن أن يحمل على غلاة الخوارج من الأزارقة والصفرية القائلين بشرك أهل (1/76)
صفحة 67
التنبية الثاني في. الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
VV
الكبائر، فإنهم يجتهدون في التحرر والعبادة لئلا يقعوا في الشرك، ويؤيده ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (وهوى بيده إلى العراق): يخرج منه قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، وحمله على كل من خالف الحق في عبادته أظهر، كما يدل عليه ظاهر قوله عليه السلام يخرج فيكم قوم إلى آخره، فإن لفظ في تدل على أن الخروج بمعنى الوجود بعد العدم والمعنى يوجد فيكم قوم هذا وصفهم. قال: واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحًا؛ لأنه جَمعُ خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال الله عزوجل وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَنْبِعَانَهُمْ فَتَبَطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (التوبة: 46 ثم صار ذما؛ لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها، فمن ثم ترى أصحابنا لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة؛ لاستقامتهم في الديانة وعكس هذا الاسم تسمية أهل السنة؛ فإنه كان في الزمان الأول قبيحًا؛ لكون المراد بالسنة التي سنها معاوية في سب علي وشتمه في المنابر، فصار ذلك سنة ينشؤ عليها الصغير ويموت عليها، حتى غيرها عمر بن عبد العزيز في خلافته، فأهل ذلك الحال هم السنة في ذلك الزمان، ثم هذا السبب واختفى وظنوا أن السنة سنة النبي، فتمدحوا بذلك وجمعوا بين المتضادين في الولاية وهم يعلمون أن الحق مع فريق منهم، وخالفوا سنته الأولى حين صارت الدولة لبني العباس من بني هاشم. قلت: روى هذا كله المسعودي والحاكم في تسميتهم بالسنية.
اندرس (1/77)
صفحة 68
78
التنبية الثاني في حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
قال أحمد أمين في ضحى الإسلام الجزء الثالث: لقد كان في الخوارج كل العناصر التي تكون الأدب، عقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث وتحمس شديد لها تهون بجانبه الأرواح والأموال، وصراحة في القول لا تخشى بأسا ولا ترهب أحدا، وديمقراطية حقه لا ترى الأمير إلا كأحدهم ولا العظيم إلا خادمهم، ورسموا الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه رسما مستقيما واضحا لا عوج فيه ولا أن يعدل الخليفة والأمراء وإلا يقاتلوا حتى يعزلوا أو يقتلوا، ويجب يسير المسلمون حسب نصوص الكتاب والسنة من غير أن ينحرفوا عنها قيد
غموض، يجب
أن
شعرة، وإلا يقاتلوا ليحل محلهم مسلمون مخلصون طاهرون، ويجب أن يسلك السبيل إلى ذلك من غير تقية ولا مجاملة ولا مواربة ويجب أن يقابل الواقع كما هو، ويشخص كما هو، ويعالج كما هو، على طريقة عمر بن الخطاب لا على طريقة عمرو بن العاص ووراء ذلك كله نفوس بدوية غالبة فيها كل الاستعداد للقول وفصاحة اللسان وفيها كل ما تعهده في البدوي من قدرة على البيان وسرعة في البديهة وأداء للمعنى بأوجز عبارة وأقوى لفظ، من هذا كله نرى الخارجي قد اجتمعت له العاطفة القوية والأداة الصالحة للتعبير عنها، وهذا الذي ذكرنا قد جعل لأدبهم لونا خاصا غير لون الأدب المعتزلي وغير لون الأدب الشيعي؛ أدب المعتزلة أدب فلسفي فيه عنصر المعاني أغلب وأقوى، وأدب الشيعة أدب باك أو أدب حزين على فقدان الحق أو أدب غضبان على أن الخلافة لم توضع موضعها، أما أدب الخوارج فأدب القوة أدب الاستمانة في طلب الحق ونشره وأدب التضحية، فلا تستحق الحياة البقاء بجانب العقيدة، وأدب التعبير البدوي الذي لا يتفلسف ولا يشتق المعاني ويولدها كما يفعل المعتزلة، هو في بعض الأحيان أدب غضبان ولكنه ليس غضبا من جنس (1/78)
صفحة 69
التنبية الثاني في. الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
غضب الشيعة، فالشيعة يغضبون لشخص أو أشخاص ولكن الخوارج يغضبون للعقيدة وللإسلام عامة، بقطع النظر عن الأشخاص، وإن نظروا للأشخاص ففي ضوء العقيدة لا كما يفعل غيرهم من النظر إلى العقيدة في ضوء الأشخاص، وقد يرثون ويبكون ولكنهم حتى في رثائهم وبكائهم أقوياء يذرفون الدمع ليسفكوا الدم، ويبكون الميت ليشجعوا الحي، ويندبون المفقود ليرسموا المثل الأعلى للموجود، يعرفون هزلا في الحياة؛ فلا يعرفون هزلا في الأدب ولا يعرفون خمراً ولا مجوناً، فلا نجد في أدبهم خمراً ولا مجوناً إنما يعرفون الجهاد والقتال والتربية المتزمتة القاسية التي تخرج رجالا أقوياء لا يحرصون على الحياة، فكذلك أدبهم، كالذي روى أن مروان أخا يزيد لأمه دخل وهو صغير على عبد الملك بن مروان يبكي لضرب المؤدب له فشق ذلك على عبدالملك وكان عنده أحد الخوارج، فقال له الخارجي: دعه يبكي فإنه أرحب لشدقه وأصح لدماغه وأذهب لصوته وأحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة ربه فاستدعى عبرتها، لا يحبون الكذب ولا يحبون المعاصي فكانوا كما قال المبرد: والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة فكذلك أدبهم، قال قائل:
لقد زادَ الحياةَ إليَّ حبا بناتي أنهن من الصّعافِ
فقال عمران بن حطان الخارجي:
لقد زاد الحياة إلى بغضا وحبا للخروج أبو بلال أحاذر أن أموت على فراشي وأرجو الموت تحت ذرى العوالي فمن يك همه الدنيا فإني لها والله ربِّ العرش قالي
79 (1/79)
صفحة 70
80
ويقول قائلهم:
التنبية الثاني في حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
ومن يخش أطراف المنايا فإننا لبسنا لهن السابغات من الصبر فإن كريه الموت عذب مذاقه إذا ما مزجناه بطيب من الذكر وما رزق الإنسان مثل منية أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر إلى أن قال (وروى أبيات عيسى بن فاتك):
فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرد العتاق مسومينا فلما استجمعوا حملوا فظل ذوو الجعائل يقتلونا بقية يومهم حتى أتاهم سواد الليل فيه يراوغونا
يهم
يقول بصيرهم لما
بأن القوم ولوا هاربينا
ألف مؤمن فيما زعمتم ويهـ
زمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا
الفئة القليلة غير شك
أطعتم كل جبار عنيد
الفئة الكثيرة ينصرونا
من طاعة للظالمينا
بن
ومن أجل هذا كان كلامهم كسهامهم وخطبهم كقلوبهم، يصفهم عبدالله زياد فيقول: لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع، ويروي المبرد أن عبد الملك بن مروان أتى برجل منهم فبحثه فرأي منه ما شاء فهما وعلماً ثم بحثه فرأي منه ما شاء أربا ودهياً، فرغب فيه واستدعاه للخروج عن مذهبه فرآه مستبصراً محققاً، فزاده في الاستدعاء فقال له: لتغنك الأولى عن الثانية، وقد
له
قلت فسمعت فاسمع أقل، قال له: قل، فجعل يبسط من قول الخوارج ويزين من مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة فقال عبد الملك: لقد كاد
يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم، وأني أولى بالجهاد لقد كانت ثقافة
منهم.
الخوارج بحكم غلبة البداوة عليهم ثقافة عربية خالصة لا أثر فيها لفلسفة اليونان (1/80)
صفحة 71
التنبية
كما هو
هذا
الشأن
الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
في
في ثقافة المعتزلة، ولا أثر فيها لثقافة الفرس كما الشأن هو الشيعة. الخوارج ثقافة أدبية لغوية على نمط العرب في ثقافتهم، وثقافة إسلامية على النمط المعهود في عصرهم من تفهم للكتاب والسنة في سهولة ويسر، فإن جادلوا في الدين فاحتجاج بظواهر النصوص وتمسك بحرفيتها، فكان على أدبهم الطالع، لقد كان مظهر أدبهم من جنس أدب العرب لا كتب تؤلف ولا بحوث تصنف ولا موضوع يحلل، ولكنه شعر كثير وخطب كثيرة وحكم منثورة، وقد أنتجوا في هذا نتاجاً ضاع كثيره وبقي قليله ولو لم يحفظ لنا المبرد في كتابه الكامل طائفة صالحة منه لعمى علينا، أمره، وقد دلنا هذا القليل المروي على الكثير الضائع، كما لم يبق في أيدينا على ما أعلم من دواوينهم إلا ديوان الطرماح الشاعر. انتهى المراد منه.
قلت: وفي ديوان الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي الأباضي مظاهر حية وبسالة نادرة. وقال أبو بلال المرداس بن حدير يرثي عبدالله بن وهب ومن قتل معه
بالنهروان:
81
أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ومن خاض في تلك الحروب المهالكا أحب بقاء أو أرجي سلامة وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا رب سلم نيتي وبصيرتي ألاقي أولائكا
وهبني (1/81)
صفحة 72
82
التنبية الثاني في. الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
وذلك سنة ثمان وثلاثين للهجره وقال العلامة ابن النضر العماني:
بالنهروان وقعة لم تجهل فكم هناك من فتى مجندل معفر في دمه مزمل أشعث في أثوابه لم يغسل قد كان غيثاً للعُفاة النزل ولليتامى والضعيف المُرمل يبيت في محرابه المستقبل محمد
ينحب إشفاقاً بدمع مسبل لقلبه في صره كافل مبتهل يدعو بقلب وجل حران في ليل التمام الأليل لربه مبتل يسأله جائزة التقبل
منتصـ
في جزع منه وفي تنصل لا يطعم الغمض مع التململ
بات على القرآن في تبتل
يهـ
ـده
بص وته المرتل
مثل الأساطين بصدر المجدل
Y
وسيأتي الباقي في ذكر أقوال الموافقين والمخالفين في المذهب الأباضي.
وللشاعر العماني أبي مسلم الرواحي:
بني هاشم عمداً ثللتم عروشكم وفي: س نجدة وظهور على غير ذنب إنكار قسطهم وللجور في نفس المحق نكير
1) الأفكل: الرعدة.
الأساطين جمع أسطوانة.
وهي
السارية. والمجدل: القصر. (1/82)
صفحة 73
التنبية الثاني
الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
قتلتم جنودا حكموا الله لاسوى وقالوا عَلَيَّ لا سواه أمير فيا لدماء في حروراء غودرت تمور وأطباق السماء تمور وأنفس صديقين أزهقها الردى وشقت عن التقوى لهن نحور مخردلة الأشلاء للطير في الفلا وهن بجنات النعيم طيور على جنبات النهروان عقائر كما عقرت بالمشعرين نذور أبيد خيار المسلمين بضحوة كما نحرت للميسرين جزور ون بالتحكيم الله وحده وهامهم تحت العجاج تطير فيا أمة المختار هل فيك غيرة فإن محب الله فيه غيور
يعج
ويا ظهرة الإيمان هل فيك منعة وهيهات عزت منعة وظهور
ـير
يا لرجال الله أين محمد وناصره بالنهروان عق ولو وقعة كانت بعين محمد لماقر عيناً أو يزول ثبير فمن لصدور الخيل فوق صدورهم والله في تلك الصدور بحور تطل دماء المؤمنين على الهدى وخيل ابن صخر في البلاد تغير ويعصي ابن عباس إذا لم شعثها ويسمع فيها أشعث وجرير على أن علت فوق الرماح مصاحف ونادوا إلى حكم الكتاب نصير مكيدة عمرو حين رثث حباله وكادت بحور القاسطين تفور أبا حسن ذرها حكومة فاسق جراحات بدر في حشاه تفور
83 (1/83)
صفحة 74
التنبية الثاني في. الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
أبا حسن أقدم فأنت على هدى وأنت بغايات الغوي بصير ا حسن لا تعطين دنية وأنت بسلطان القدير قدير أبا حسن لا تنس أحداً وخندقاً وماجر عير قبلها ونفير أبا حسن أين السوابق غودرت وأنت أخوه والغدير غدير
أبا حسن إن تعطها اليوم ولم تزل يحل عراها فاجر ومب أبا حسن أطلقتها لطليقها وأنت بقيد الأشعري أسير أتحبس خيل الله عن خيل خصمه وسبعون ألفا فوقهن هصور أثرها رعالاً تنسف الشام نسفة بارات عمار لهن زفير وصك ثغور الفاسقين بفيلق له مدد من، فظهير فلم يق إلا غلوة وتحسهم ويبكي ابن صخر قبة وسرير فما لك والتحكيم والحكم ظاهر وأنت علي والشام تمور أفي الدين شك أم هوادة عاجز تجوزتها أم ذو الفقار كسير يبيت قرير الجفن بالجفن لاصقاً وجفن حسام ابن اللعين سهير فلا جبرت حداه إن ظل مغمداً وهندي هند منجد ومغير
ولا جبرت حداه
يوم
سللته
له في رقاب المؤمنين صرير
أتغمده عن عبد شمس وحزبها ويلفح حزب الله منه سعير
فما لك والأبرار تنثر هامهم كأنك زراع ن بذور
84 (1/84)
صفحة 75
85
التنبية الثاني في. الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
ذروتهم عصفاً وتبكي عليهم بلى فابك خطب بالبكاء جدير فما هي إلا جذعة الأنف ما شفت غليلا وجرح لا يزال يفور ستحصد هذا الزرع مهما تقصدت عراقك لا يلوي عليك ضمير تنازعها سل السيوف فتلتوي وتخطب فيها والقلوب صخور قتلت نفير الله والريح فيهم وأصبحت فذاً والنفير نفور نشدت دوي النحل لما فقدتهم ويعسوب ذاك النحل عنه خبير أرقت دماء المؤمنين بريئة لهن بزيزاء الحراء خرير عليا أم ير المؤمنين بقية كأن دماء المؤمنين خمور سمعناك تنف شركهم ونفاقهم فأنت على أي الذنوب نكير وما الناس إلا مؤمن أو منافق ومنهم جحود بالإله كفور وقد قلت ما فيهم نفاق ولا بهم حجود وهذا الحكم منك شهير فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم وأنت بأحكام الدماء بصير تركتهم لفايف من إيمانهم وستور مصاحفهم مصبوغة بدمائهم عليهن من كتب السهام سطور وكنت حفياً يابن عم محمد بحفظ دماء ما لهن خطير وكنت حفياً أن يكونوا بقية لنصرك حيث الدايرات تدور أما والذي لا حكم من فوق حكمه على خلقه ورد به وصدور
زر السباع عليهم (1/85)
صفحة 76
التنبية الثاني م حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
لقدماً أعاروك الجماجم خشعاً عليهم من قرع الصفاح فطور فقصعتها إذ حكمت حكم ربها فما بقيت عارية ومعير فيا أسفاً من سيف آل محمد على المؤمنين الصالحين شهير نبا عن رؤوس الشام في الحق وانثنى على ثفنات العابدين يجور أحيدرة الكرار إن خياركم وقراءكم تحت السيوف شطور أحيدرة الكرار تابعت أشعثاً وأشعث شيطان ألد كفور أعشرون ألفا قلبهم قلب مؤمن بأوجههم نور اليقين ينور بهاليل أفنوا في العبادة أنفساً لهم أثر في الصالحين أثير أسود لدى الهيجا رهابين في الدجى أناجيلهم وسط الصدور سطور وفي القوم حرقوص وزيد وفيهم أويس ومن بدر هناك بدور ومن بيعة الرضوان فيهم بقية بأيديهم منها ندى وعبير ستهم في فط ــة صـ سايم فكيف أبا السبطين ساغ فطور
أكل
فيافتنة في الدين ثار دخانها وذاك إلى يوم النشور يثور
نجونا بحمد الله منها على هدى فنحن على سير النبي نسير
بصايرنا من ربنا م
مستمدة إذا اشتبهت للمارقين أمور
وثقنا بأن الدين عروة أمرنا وما شذ عنه فتنة وغرورُ
17 (1/86)
صفحة 77
التنبية الثان
الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
87
قال في كتاب بيان الشرع وهو من الكتب العمانية القديمة المعتبرة المعتمدة): قيل لما قتل علي بن أبي طالب أهل النهروان أمر بعيابهم فجمعت، فإذا مصاحف وترايس، فذكروا أنه أصيب في عسكرهم أربعة آلاف مصحف إلا مصحف، فبكى علي حتى كادت نفسه تخرج. ويقال: إنه دخل على ابنته أم كلثوم فهنأته بالظفر بهم، فقال علي: أصبح أبوك من أهل النار إن لم يرحمه
الله.
قال ابن الأثير: قيل وأخذ ما في عسكرهم من شيء، فأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه فقسمه بين المسلمين وأما المتاع والإماء والعبيد فإنه رده إلى
أهله حين قدم.
وعند فقهاء الإباضية أن عليّا مستحل في قتلهم وأنه تجزيه التوبة من غير عزم، وهذا هو حكم المستحل إن أراد التوبة بخلاف الذي يأتي الشيء وهو يعلم أنه حرام، فهذا لا توبة له إلا برد المظالم والتخلص إلى أربابها.
والحاصل أن أهل النهروان قوم قاتلوا مع علي يوم الجمل وقاتلوا معه يوم صفين وهم حريصون على بقاء إمامته وتوفير دولته وبذل النفس والنفيس في نصرته، فلما حكم أخذهم الغيظ فاعتزلوه وقتلهم وقتلوه وما أشبههم بعمر بن الخطاب إذ استنكر صلح الحديبية مع النبي الله لكن رده الوحي إلى الحق، وهنا انقطع الوحي وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينا) الأحزاب: 1 فانقرضوا وهم للصلاة قائمون وللزكاة فاعلون وللمعروف آمرون وعن المنكر ناهون وعلى الخيرات محافظون، وفيهم القراء والصحابة الأكرمون ففي النهار هم صائمون (1/87)
صفحة 78
التنبية الثاني الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
وفي الليل قائمون وللقرآن تالون، إن تسخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ
هود 38
وأكثر ما عيبوا به كثرة الصلاة وتلاوة القرآن والعبادة التي صفات الأنبياء
هي
والمرسلين والصحابة والتابعين نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا
(17)
وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) السجدة: 16.
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ
على الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (الفرقان: 63. وَالَّذِينَ
ر
يبيتون لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيمًا) الفرقان: 64. يتأَيُّهَا الْمُزَمَلُ فُرِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا يَصْعَهُ أَوِ أَنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرتِيلاً المزمل: 401 الآيات ... ولست في هذا أدافع عن الصفرية والأزارقة والنجدية الغالين، ولكن عن الصحابة الأكرمين والخلفاء الراشدين الذين لو أنفق أحدنا ملء الأرض ذهبا ما أحدهم ولا نصيفه ولا وجه أحدنا يبلغ تراب أقدامهم، إلا أني
بلغ
أستحسن أدب الخوارج، كقول الفارعة ترثي أخاها الوليد الشيباني: بتل هاگير رسم قبر ر كأنه على جبل فوق الجبال مُنيف تضمن مجداً عدلمياً وسؤدداً وهمة مقدام، ورأي حصيف فيا شجر الخابور مالك مورقاً كأنك لم تحزن على ابن طريف فتى لا يحبُّ الزاد إلا م من التقى ولا المال إلا من قني وسيوف ولا الذخر إلا كلا جرداء صلدم معاودة للكر بين صفوف كأنك لم تشهد هناك ولم تقم مقاماً على الأعداء غير خفيف
88 (1/88)
صفحة 79
التنبية الثاني الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم
ولم تس
تلم يوماً لورد كريهة من السرد في خضراء ذات رفيف
ولم تسع يوم الحرب، والحرب لاقح وسمر القنا ينكزنها بأنوف حليف الندى ماعاش يرضى به الندى فإن مات لا يرضى الندى بحليف فقدناك فقدان الشباب وليتنا فديناك من فتياننا بألوف وما زال حتى أزهق الموت نفسه شجى لعدو أو نجا لضعيف ألا يا بقومي للحمام وللبلى وللأرض همت بعده برجوف ألا يا لقومي للنوائب والردى ودهر ملح بالكرام عفيف وللبدر من بين الكواكب إذهوى وللشمس لما أزمعت بكسوف ولليث كل الليث إذ يحملونه إلى حفرة ملحودة وسقيف ألا قاتل الله الحشى حيث أضمرت فتي كان للمعروف غير عيوف فإن يك أرداه يزيد بن مزيدٍ فرُبَّ زحوف لفها بزحوف عليه سلام الله وقفا فإنني أرى الموت وقاعا بكل شريف وقالت ايضاً:
ذكرت الوليد وأيَّامَهُ إِذِ الأَرضُ مَن شَخصه بَلْقَعُ فأقبلت أطلبه في السَّماء كما يبتغي أنفه الأَخْدَعُ
أضاعك قومُك فليطلبوا إفادةَ مِثْلِ الذي ضَيَّعُوا
ولو أن السُّيوف التي حَدُّها يصِيبُك تَعلَمُ ما تصنع
نَبَتْ عنك أو جعلت هيبةً وخوفاً لصولك لا تَقْطَع
89 (1/89)
صفحة 80
خاتمة
في فضل
الصحابة ومنزلتهم رضي الله عنهم (1/91)
صفحة 81
خاتمة فى فضل الصحابة ومنزلتهم رضي الله عنهم لقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في كتابه العزيز في كثير من القرآن العظيم ولو لم يكن فيهم إلا قوله جل وعلا تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَنهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَنَةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْهُ، فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُرَاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الفتح: 29 وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فتحا قريبا الفتح: 18 وقوله تعالى وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى
تحتها الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة: 100 ... الآيات.
وفي البخاري عن عمران بن حصين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والأحاديث في فضلهم كثيرة عامة وخاصة، ولا
الله
تكاد تجد واحدا منهم إلا وله مزية حاصة به، رضي عنهم وجازاهم عن الإسلام وعن نبيه خيرا.
رجم
فإن قلت: قد ثبت أن فيهم الزاني والسارق والقاتل والفاسق والسكران، وقد
رسول
الله
زانيهم، وقطع يد سارقهم، وقتل القاتل، وحكم الله على
حديث الفاسق منهم بالتبين وجلد السكران ... قلت هذه الآيات والأحاديث عامة، واختلف العلماء في حكم العام، فقالت الحنفية: إن حكم العام إثبات
93 (1/93)
صفحة 82
94
خاتمة في فضل الصحابة ومنزلتهم رضي ا الله.
الحكم في جميع ما يتناوله من الأفراد قطعا ويقينا، وذهبت الأباضية والشافعية وجمهور المتكلمين إلى أن إثبات ذلك الحكم في الأفراد ظنا قطعا ويقينا، والدليل على القول الأخير قول الله تعالى وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا له الفتح: 29 فربط مغفرة ذنوبهم وثوابهم إذا قرنوا الإيمان بالعمل الصالح "قل آمنت بالله ثم استقم". وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
10
يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ الفتح: 10 فدلت أن
تعالى في ريح
عنهم
في المبايعين تحت الشجرة من يحتمل نكته وقوله تعالى حكاية عن الملائكة وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ الشورى: • قيدها بقوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا غافر: 7 لأن أهل الأرض فيهم المشرك ومن لا يستحق الاستغفار، وقوله عاد مَا نَذَرُ مِن شَيْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرميم الذاريات: 42 وقوله تعالى في ذكر بلقيس وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ} النمل: 23 فإن قلت: فما القول في البراءة من العاصي منهم؟ قلت: هم كغيرهم؛ بدليل أن النبي بريء من الثلاثة الذين خلّفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وقصتهم مشهورة مجمع عليها وهذا هو معنى البراءة التي هي بغض العاصي المطيع، وهذه البراءة لا تنافي سعادتهم في الآخرة، فهي نوع قطع يد
السارق ورجم الزاني المحصن، قال: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"، وقال عمار بن ياسر لعائشة رضى الله عنها: "نعلم أنك زوجة رسول الله له في الدنيا والآخرة، ولكن لا نتركك تعصين الله بين أظهرنا"، وكان الإمام علي يلعن معاوية وعَمْرًا في صلاته كما قال ابن الأثير وغيره، والصحابة أسوة وقدوة، لكن اللعن عندنا غير مستحسن وما بعبادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذكروا (1/94)
صفحة 83
خاتمة في فضـ الصحابة ومنزلتهم رضي الله عنهم
الفاسق بما فيه يحذره الناس"، وقال الله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83
رضي
الله عنها:
مطيعهم وعاصيهم وفي المبرد قال عمرو بن العاص لعائشة لوددت أنك قتلت يوم الجمل، فقالت: ولِمَ؟ لا أبالك، فقال: كنت تموتين
بأجلك وتدخلين الجنة ونجعلك أكبر التشنيع على علي.
هذا
هو المذهب الوسط الذي اعتمده الإباضية، عكس اعتقاد فرق الخوارج الذين يحكمون بشرك المرتكب الكبيرة، وعكس معتقد غيرهم الذين يعذرون العاصي منهم ويتولونهم، وهم مع هذا كلامهم متناقض؛ فتراهم يعذرون بعضا ويشتمون بعضا، وإذا أعيتهم الحجج والأدلة نسبوا اللوم والشتم إلى الضعفاء، فالزط والسبائية وابن الكواء وغيرهم إنما يقاتلون تحت قيادة السادة الصحابة، فلو أمسك أولئك واعتزلوا القتال اعتزل هؤلاء.
فإن قلت: فما القول في عدالتهم؟ قلت هم عدول، إلامن صح منه أنه يستحل الانتهاك، فقد أورث الشبهة في قوله. روى الطبري وابن الأثير وغيرهم
95
من المؤرخين حديث خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، وأنهم وردوا بالليل هذا ماء يقال له "الحوأب" عليه أناس من بني كلاب، فقالت عائشة: ما اسم
الماء؟ فقال السائق: الحوأب فاسترجعت وقالت: ردوني إلى حرم رسول الله، وذكرت أن رسول الله عليه السلام قال كلاب ماء يقال له الحوأب قد تنبح امرأة من نسائي وهي فيه راكبة معصية، فقال عبدالله بن الزبير: ليس هذا بالحوأب وقيل القائل الزبير، وكان في ساقة الناس. قال المسعودي: وهو من ولد بن مسعود فلحقاها فأقسما أنه ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون
عبدالله
ممن كان
قال: وذلك أول شهادة زور في الإسلام. معهم. (1/95)
صفحة 84
96
ابة ومنزلتهم رضي الله عنهم
وقال أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام": "وللمعتزلة بعد ذلك آراء سياسية في الإمامة وفي أحداث التاريخ الإسلامي، وإن لم يتفقوا عليها اتفاقهم
على الأصول الخمسة السابقة، وهم وإن اختلفوا فيما بينهم في آرائهم فعلى قولهم جميعاً مسحة من حرية الرأي وتسريح المسائل ووضعها موضع النقد، وفي كلامهم ما يدل دلالة واضحة على أنهم وضعوا الصحابة والتابعين موضع الناس
يخطئون ويصيبون ويصدر منهم ما يمدح وما يذم ولم يتحرجوا من ذلك كما تحرج غيرهم، فوضعوا الصحابة وكبار التابعين في دائرة لا يستباح مهاجمتها، بل قالوا: إنا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضًا، فلو كانت الصحابة عند أنفسها بالمنزلة التي لا يصح فيها نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها؛ لأنهم أعرف بمحلهم من عوام، دهرنا وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن وفي جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن علي، وهذا معاوية وعمرو بن العاص
معهم
كان
أنه
لم يقصروا دون ضربه وضرب أصحابه بالسيف وكالذي روى عن عمر من طعن في رواية أبي هريرة وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه وخوّن عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفيئ، واقتطاعه، وقل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده، إلى كثير من أمثال ذلك ما رواه التاريخ. قالوا: وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ويقولون في العصاة منهم هذا القول وإنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك والصحابة قوم من الناس لهم ما
منهم
ذممناه
ومن أحسن
حمدناه
منهم
للناس وعليهم ما عليهم، أساء من وليس لهم على غيرهم كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربما
كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم؛ لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات،
فمعاصينا أخف، لأننا أعذر"
انتهى (1/96)
صفحة 85
خاتمة في فضـ الصحابة ومنزلتهم رضي الله عنهم
قلت: بل روي عن بعض أعلام أهل البيت النبوي أنه قال: ذنوبنا أعظم من ذنوب الناس قياسًا على زوجات النبي، إذ قال الله في شأنهن يَنِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضعفين كل الأحزاب: 30، وفي مسند الربيع وغيره من كتب الإباضية أحاديث كثيرة عن الخلفاء الأربعة وعن الصحابة، حتى عن مروان ومعاوية وهي صحيحة معمول بها، وفي صحيح مسلم لما نزلت هذه الآية وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين مجھے الشعراء: 214 دعا رسول الله قريشا فاجتمعوا فعم وخصَّ فقال: "يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يابني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك الله شيئًا، إن لكم رحما سأبلها ببلالها من ولا أغني عنكم من الله شيئًا. وفي الترمذي من حديث ابن عمر: "والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة سرقت لقطعت يدها"، فقطع يد المخزوميه في البخاري "ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصيحابي وفي نسخة أصحابي - فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرقيب عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ) المائدة: 117 فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ورواه الربيع بن حبيب مطولا.
97
(1) ومعنى سابلها ببلاها أي أصلكم في الدنيا. (1/97)
صفحة 86
خاتمة في فضل الصحابة ومنزلتهم رضي الله عنهم
قال القطب: "وأفضل الناس بعد رسول الله الله أبو بكر وعمر، ويقطع لهما بالجنة". ولم يثبت مع علماء الأباضية أحاديث القطع بالجنة للعشرة المبشرين بالجنة، وهي على كل حال آحادية رضي الله عن الصحابة أجمعين وعن
وتابعي التابعين إلى يوم الدين.
التابعين
98 (1/98)
صفحة 87
الباب الثاني
في التابعين وإنشاء
المذهب الأباضي (1/99)
صفحة 88
فصل
جابر بن زيد (1/101)
صفحة 89
الباب الثاني في التابعين وإنشاء المذهب الأباضي
فصل جابر بن زيد
قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين بعدما ذكر المفتين من الصحابة ذكر التابعين وابتدأ بأهل المدينة، وفقهائها، وثنى بمكة المكرمة وفقهائها وثلث بالبصرة الغراء وذكر من فقهائها المفتين الموقعين عن رب العالمين أبا
الشعثاء جابر بن زيد.
قلت:
هو
ثقة
بإجماع المحدثين والفقهاء، وأحاديثه في البخاري ومسلم وأبي
داود، وله المدونة الكبرى ذكرها في كشف الظنون قال القطب: وقر بعير، وقيل وقر عشرة أبعرة، كانت بالمكتبة الكبرى في بغداد وأخذ منها بعض علماء نفوسة نسخة في زمان الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الفارسي، من
أئمة القرن الثاني والثالث للهجرة، ولكنها ضاعت ولم نجدها.
ولد جابر سنة واحد وعشرين وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة ثماني
عشرة في خلافة
عمر بن
الخطاب رضي
الله
عنه، وتوفي عام ثلاثة وتسعين على ما رواه الإمام أحمد، وقيل سنة ثلاث وماية على ما رواه ابن سعد، وقيل سنة ستة وتسعين، والصحيح الأول، وهو رواية أبي عبيدة مسلم أحد تلامذته الكبار، وكانت وفاته في السنة والأسبوع التي مات فيها أنس بن مالك الصحابي
الجليل.
قال العلامة الشماخي: جابر بحر العلم وسراج الدين، أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آطانه، خرج جابر في شبابه من وطنه فرق من أعمال نزوى عاصمة عُمان الثانية، فسكن البصرة طالبًا للعلم وأصله من ولد عمرو بن
103 (1/103)
صفحة 90
1.8
فصل جابر بن زيد
اليحمد الأزدي، ويكنى أبا الشعثاء بابنته الشعثاء المشهور قبرها الآن ببلدة فرق، وعاش بالبصرة مترددًا إلى المدينة المنورة، واجتمع بعدد كبير من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر: أدركت سبعين من أهل بدر من أصحاب النبي
فحويت ما عندهم إلا البحر" يعني ابن عباس، وليس ابن عباس من أهل بدر، فالاستثناء منقطع. وقال أيضا: أدركت جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألتهم عما إذا كان النبي الله يمسح على خفيه فقالوا: لا" وقال في باب العلم من المسند: أدركت ناسا من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي، وقال في صلاة الخوف: "حدثني جملة من أصحاب النبي ".
هؤلاء هم شيوخه الذين أخذ العلم عنهم فروايته في المسند عن ابن عباس وعائشة أم المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري ومعاوية وعلي بن أبي طالب ومروان بن الحكم وغيرهم، بعضهم بالمشافهة وبعضهم بالبلاغ من طريق الثقات. وقال في كتاب رحمة الأمة: "كان ابن عباس يستخلف جابر بن زيد في الفتيا. روى الإمام الكدمي العماني أحد الأعلام في القرن الرابع صاحب كتاب الاستقامة وكتاب المعتبر قال في الجامع المفيد من جواباته: "إن آمنة زوج جابر بن زيد اكتوت لعلة بها فغضب عليها جابر وهجرها، وفي حجة لهما وعمرة وزيارة اشتكت به مع شيخه ابن عباس هجرانه لها، فقال: إنها لم تتوكل على الله، والله يقول: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق: 3، فقال له ابن عباس: أفلا تكمل الآية ياجابر يعني قوله تعالى: قد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا الطلاق: 3 فرضي عنها". قال أبو طالب مكي وهو (1/104)
صفحة 91
فصل جابر بن زيد
1.0
أندلسي الأصل في كتابه "قوت القلوب": "إن ابن عباس قال اسألوا جابر بن زيد؛ فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه".
11
وقال ابن عباس رضي الله عنه: "عجبًا لأهل العراق! كيف يحتاجون إلينا ومعهم جابر بن زيد. ورأى جابر بن زيد رجلا يصلي على ظهر الكعبة فقال: من المصلي لا قبلة له فسمعه ابن عباس وكان في المسجد فقال: "إن يكون في البلاد جابر بن زيد فهذا من قوله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: "جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق".
،
كان لجابر بن زيد المكانة العليا مع ابن عباس وعائشة أم المؤمنين، وهما
أخذ
أغلب من يسألها عما دق وجل، ودخل عليها هو وأبو بلال مرداس بن حدير فذكرا لها
عنهم، وكانت عائشة تقدم له وسادة إذا دخل معها، وكان
حديث خروجها على الإمام علي فتابت من ذلك واستغفرت.
دخل جابر المسجد الحرام ورأى الناس، متحيرين، وذلك زمان هدم الحجاج الكعبة، فطاف بالناس وهو يتلو: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها النمل: 91 فتبعه الناس قال في الطبقات "قال إياس بن معاوية: رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر ابن زيد. وقال محمد بن محبوب العالم العماني علماء القرن الثالث للهجرة: جابر" أعلم من الحسن البصري، ولكن جابر من للقوم والحسن للعامة، يعني أنه يعظهم، وأما الفتوى فكانت لجابر خاصة، قال الربيع ابن حبيب عن ابنة مطرف قالت أتيت جابرًا فيما يبلى به الناس، فما أعلم أني كلمت فقيها ولا عالماً ولا أميرا أعلم ولا أعقل وسألته امرأة أخرى
منه.
عن حر يخطب جاريتها، فقال: لا تزوجيه ثم راجعته بأن قال الخاطب: إن لم (1/105)
صفحة 92
1.7
فصل جابر بن زيد
تزوجيني زنيت بها فقال الآن زوجيه فهذا هو العنت. كان غاية في الأخلاق
والجود والكرم، خرجت زوجته آمنة إلى الحج ولما رجعت شكت إليه
سوء
معاملة
الجمال، فخرج إليه وأدخله داره واشترى لإبله علفًا، وعولج له طعام، واشترى
ثوبين كساه بهما، ودفع له ما كان
آمنه مع من
قربة وأداوة وغير ذلك، فقالت:
أخبرتك بسوء العشرة ففعلت ما أرى؟! فقال افنكافيه مثل فعله فنكون مثله، بل نكافيه بالإساءة إحسانا وبالسوء خيرا. وأهدت إليه امرأة جزورًا فأمر أحد تلامذته بنحرها وتجزئتها على الجيران، فأكثر جزء أبي الشعثاء، فقال: أكل جيراننا أصاب مثل هذا؟ قال: لا، قال: واسؤتاه ساو بيننا وبين جيراننا. واطلع أبو الشعثاء فإذا برجل من الأكادين يبكي ويمسح دموعه، قال: مالك ويحك؟ قال: صبيان دربكم هذا نزعوا مني، قنوين جئت بهما إلى صاحب الأرض، فإني أخاف أن لا يصدقني، فبعث جابر إلى بعض أصحابه له نخل، فأخذ قنوين فبعث بهما إليه. وخرج يوما يريد الجمعة فتلقاه الناس منصرفين، فشق عليه ذلك وقال: اللهم لك عليّ أن لا أعود وكان يصليها خلف زياد وولده عبيد الله وخلف الحجاج، وكان من تلامذته حبيب أبو الربيع المحدث صاحب المسند، وعتب عليه حضور الصلاة خلف الحجاج، فقال جابر: إنها صلاة جامعة وسنة متبعة. وقيل إن جابرا صلى بالإيماء يوم الجمعة والحجاج يخطب إلى أن فات الوقت، وقال جابر بن زيد: اليوم ينفع كل ذي علم علمه، قيل فات وقت الظهر ودخل وقت العصر فخشي جابر فواته أيضا، وقد فهم الحجاج أن جابرا صلى بالإيمان، فقال الحجاج قد عرفنا من صلى ومن لم يصل. وكتب أهل عمان الجابر يسألونه هل يأت الجمعة من لا
يسمع
النداء،
فكتب إليهم جابر: لو لم يأت إلا من يسمع النداء، لأقل الله أهلها، تؤتى من (1/106)
صفحة 93
فصل جابر بن زيد
107
رأس فرسخين وثلاثة وفي رواية وقدر أن يأوي إلى منزله قبل الليل فعليه
الجمعة.
لقد امتلأت الكتب العمانية والمغربية بفتاوى جابر ورواياته في الحديث، لو حاولنا جمعها لما كانت دون ما يروى عن مدونته المشهورة. قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي: إن أبا الحر علي بن الحصين العنبري قال لأبي عبيدة مسلم أبي كريمة التميمي بالولاء: أقم للناس خمسة أيام بعد الموسم فأبى، فقيل له: عليك بضمام بن السائب وكان الندب من عمان، فقال: أو عنده من العلم ما يكتفي به الناس؟ قالوا: وفوق ذلك، فأتاه وقام للناس، وكثر السؤال وكان جوابه: سألت جابرًا وسئل جابر وسمعت جابرًا وقال جابر.
ومن قواعده المشهورة: ليس للعالم أن يقول للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك وليس للجاهل أن يقول للعالم ارجع إلى جهلي وضعفي وإلا قطعت عذرك، وإذا قال العالم ذلك قطع الله عذر العالم، وإذا قال الجاهل ذلك قطع الله عذر الجاهل. وقال ضمان كان جابر يأتي الخوارج الذين استحلوا أموال أهل القبلة وسبي ذراريهم ونساهم فيقول لهم: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: نعم. وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: أو ليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فيقولون: الله بلى، فيقول: وحرم ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل أحل ما بعد هذا بدين؟ فيسكتون.
من
قيل: وكتب الحجاج إلى يزيد بن أبي مسلم كاتبه: لقد وقع في نفسي شيئ ن القدر فالتمس لي عالما، فكتب يزيد إلى جابر وكان صديقا له، فأجابه: قل (1/107)
صفحة 94
108
فصل جابر بن زيد
للأمير يتدبر خطبته، فإن فيها بيان ما سئل عنه، فرددها مرارا كل ذلك لم ينتبه، ثم بعد ذلك انتبه، فقال: من يهدى الله فهو المهتدى ومن يضلل فلا هادي له، قال: ويحك يا يزيد ما أعلم صاحبك.
وروي
أنه كان في سجن الحجاج، فعرضت مسألة الخنثى فلم يوجد لها مفتيا، فقيل للحجاج: عليك بجابر، فأتي به في أصفاده، فقال: أتستفتوني وفي رجلي قيودكم؟ قالوا: نعم قال اعتبروا المبال. قيل لسعيد بن المسيب قال: صدق،
وإن بال منهما فالحكم للأغلب.
لقد
حبس
نفسه للحج، ويقال إنه حج أربعين حجة، ومنعه ذات سنة أمير
البصرة لحاجة الناس إليه، فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا: أصلحك الله قد هل هلال ذي الحجة قال فأرسله فخرج من السجن، فأتى منزله وناقته حوله في الدار قد كان هيأها للخروج، فأخذ يشد عليها الرحل ويتلو: مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَها له فاطر: 2 يا آمنة أعندك شيء؟ قالت: نعم، فهيأته في جرابين، فقال: من سألك فلا تخبريه بمسيري يومي هذا، فخرج من ليلته وانتهى إلى، عرفات والناس في الموقف، فضربت بحرانها الأرض وتجلجت فقال الناس ذكها ذكها، قال: حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة بالبصرة أن لا يفعل بها هذا، ثم سلمها الله تعالى، وقد كان سافر عليها أربعا وعشرين مرة بين حج وعمرة.
ودخل ثابت البناني على جابر حين احتضر فقال هل تشتهي شيئًا قال: إني لأشتهي أن ألق الحسن البصري قبل أن أموت، فخرج ثابت فأعلمه بقول
جابر وكان مستخفيًا من الحجاج، فركب بغل ثابت على السرج، وركب خلفه (1/108)
صفحة 95
فصل جابر بن زيد
109
ثابت بطيلسانه، فلما دخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع انكب عليه الحسن
من غدو
وهو يقول: قل لا إله إلا الله، فرفع جابر عينيه وهو يقول: أعوذ بالله أو رواح إلى النار، فقال: قل لا إله إلا الله، فقال: أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار، ثم قال: يا أبا سعيد يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَا لَمْ تَكُن ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَيْهَا خَيْرًا كليه الأنعام: (158 فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم، ثم قال: يا أبا سعيد أخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا حضرته الوفاة فقال: قال عليه السلام: "إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردًا"، فقال جابر الله أكبر اللهم إني أجد بردًا على كبدي، ثم قبض رحمة الله عليه. كان يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج صديقاً لجابر فوفد إليه مرة فأدخله على الحجاج فقال: أتقرأ؟ قال: نعم، قال: أتفرض؟ قال: نعم، فعجب به، فقال: لا ينبغي أن نؤثر عليك أحدًا، نجعلك قاضياً للمسلمين، قال جابر: أنا أضعف من ذلك، قال: وما بلغ من ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما، فقال: إن هذا لهو الضعف، قال: فهل لك من حاجة؟ قال نعم قال وما هي؟ قال: تعطيني عطائي وتدفع عني المكروه، قال الحجاج هذا لا يستقيم أن نعطيك من بيت مال المسلمين ولا نستعملك لهم، فقال يزيد هنا خصلة تخف على الشيخ وفيه عون للمسلمين تجعله في أعوان صاحب ديوان البصرة قال: كذلك، فلما خرجا قال جابر: ما صنعت شيئًا؟ أتراني أكون عونا لصاحب الديوان، فقال يزيد: أكتب لصاحب الديوان أن لا يكلفك مؤنة ويعطيك عطاءك كاملاً، وكان عطاؤه سبعمائة أو ستمائة وكان في ديوان المقابلة وكان يزيد شديد الحب (1/109)
صفحة 96
110
فصل جابر بن زيد
لجابر، فخرج إليه ذات مرة إلى واسط في يوم جمعة، فلما تغديا دعا يزيد بجارية له فجاءت بغالية فغلت بها رأس جابر ولحيته فقال: اسرج على البرذون لأبي الشعثاء، قال: اعفني من البرذون قال: فالبغلة، قال نعم، فخرج فقال للغلام: قف لي على باب المسجد بموضع سماه، وأخذ على دجلة ونزل وغسل رأسه ولحيته ودلكها دلكا شديدا يقول: اللهم لا تجعل حظي منك منزلتي عند هؤلاء القوم، ثم جاء إلى المسجد، فلما حضر خروج جابر تنافست امرأتا يزيد في زاده فصنعتا له شيئا كثيرا، وكان معه عمارة بن حيان أحد تلامذته، فلما ركبا السفينة قال لعمارة: لا أحدا تدع من أهل المركب يفتح زاده، فلما انتهى إلى البصرة قال: بقي جرابان أحملهما إلى الصبيان قال صبهما على ظهر السفينة، وأطعم ملاحيك وادفع إليهم ما بقي. وكتب يزيد يوما من الأيام لجابر أن التمس لي مملوكا قد صلى لأعتقه، فاشتراه، جابر، وأرسله إلى يزيد فأعتقه، فلما رجع التمس أحسن جدي فشواه وأهداه لجابر فرده إليه، فالتمس أحسن منه ظنا منه أن جابرًا لم يكفه فزجره وقال: من سعى في مثل هذا فلا تحل له الهدية. وفي كتاب السير من رواية أبي سفيان محبوب بن الرحيل قال: أتى شاب أبا الشعثاء فقال: أي الجهاد أفضل؟ قال: قتل، خردلة، والشاب لا يعرفه، فأراه إياه في المسجد، ووضع يده عليه لئلا يخطئه فضربه بين كتفيه ضربة بخنجر قد سمه، فأخذ القاتل، وقال له الوالي: قد علمت أنك لم تفعل هذا من نفسك وإنما أمرت فدلني على من أمرك، فقال: دع عنك هذا، فقتله. وكان خردلة سعى من المسلمين فقتلوا، وخرج ابن الجابر وهو قاعد على باب داره، فقبله ومسح على رأسه وقال لجلسائه أتروني أحبه؟ قالوا: أجل، قال: صدقتم والله
بجماعة (1/110)
صفحة 97
فصل جابر بن زيد
إني لأحبه، وما من نازل ينزل به أحب إلي من الموت ينزل به وبإخوته ثم ينزل بي ثم بآمنة، قالوا: فآمنة أعز عليك من ولدك، قال: ما هي بأعز عليَّ منهم، ولكن لا أحب أن أبقى في الدنيا يوما واحدا عازبًا، وكان كما تمنى.
قال أبو سفيان: نفى الحجاج جابرًا وهبيرة جد أبي سفيان إلى عمان، وكأنه عاد إلى البصرة؛ لأنه توفي بها. وقال جابر: سألت ربي امرأة مؤمنة وراحلة صالحة ورزقا كفافًا فأعطانيهن. وأفتى جابر بصوم الحي عن الحي، ثم رجع عن هذا الإفتاء إلى الإطعام.
111
له أقوال يعمل بغيرها في المذهب الإباضي، منها: تحريمه نكاح الصبيان؛ وهو تزويج الصبي بالصبية أو تزويج البالغ بالصبية أو تزويج الصبي بالبالغة، ويرى فعل النبي له خاصا به. ومنها جعله الخلع فسحًا للنكاح لا طلاقا، وهذا القول محكي عن ابن عباس، واحتج له نور الدين السالمي ومنها كراهته الجمع بين بنات العم خوف القطيعة، وعند أكثر العلماء أنها كراهة تنزيه لا كراهة تحريم. ومنها إيجابه الزكاة في الزيتون وهو قول لابن عباس والزهري. ومنها تكرار العمرة في السنة أكثر من مرة، فعنده أنها ممنوعة.
أخذ عنه العلم عدد كبير
ومنهم
يأخذون
عبدالله
قتادة ومنهم عمرو بن دينار التابعين؛ منهم من لكنهم منه، ومنهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وأبو نوح
اباض ومرداس بن حدير وإن كانوا في طبقته وسنه بن
صالح الدهان وحيان الأعرج وسلمة بن سعد الذي ذهب إلى المغرب يدعو إلى الله، فكان من انتشار المذهب الإباضي هنالك؛ إذ جاء عدد من طلبة العلم فانضموا إلى أبي عبيدة أكبر تلاميذه ومنهم أبو فقاس، وكان من رفقائه الذين (1/111)
صفحة 98
112
فصل جابر بن زيد
يصحبونه إلى ابن عباس وافتقده ابن عباس في يوم من الأيام فسأل ابن عباس جابراً عنه فقال أين صاحبك؟ قال: أخذه ابن زياد قال ابن عباس لجابر: وإنه لمتهم؟ قال: نعم أو ما أنت متهم؟ قال: اللهم بلي.
من
والحاصل أن مدرسته أخرجت عددا كبيرا من رجال العلم والفضل، بعضهم عمان وبعضهم من خراسان وبعضهم من حضرموت وبعضهم من نفس البصرة، أشهرهم على الإطلاق ثلاثة مرداس بن حدير وعبدالله بن اباض ومسلم بن أبي كريمة، وأما أبو بلال فخرج مجاهدا حتى قتل، وأما عبد الله اباض فقام مجادلا ومتظاهرا بالحج، وأما أبو عبيدة مسلم فحمل عنه واختفى به معلمًا.
بن
بن
العلم
وتوفي جابر سنة ثلاث وتسعين على الصحيح في البصرة، ولما بلغ موته أنس مالك الصحابي قال: مات أعلم من على ظهر الأرض، أو قال: مات خير أهل الأرض، وكان موته أعني أنسا- في ذلك الأسبوع، ولما مات أتى قتادة قبره وهو أعمى إذ ذلك، فقال: ادنوني من قبره، فوضع يده على قبره وقال: اليوم مات عالم العرب. وكان هو وصحار يفترقان بعد العشاء، ويلتقيان في السحر، فيقول كل منهما للآخر: طال شوقي إليك. وقال أبوسفيان: دخل أبو نوح على عاتكة بنت المهلب وكانت من المسلمات، فقال: كأني أرى مجلس رجل، قالت: الآن خرج من عندي الأحول تعني جابرا- قال: فهل ظفرت منه بشيء؟ قالت: سألته عن لباس الخفين قال: إن كنت تلبسينهما من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس، فلا تبالين وإن انكشفا، وإن لبستهما لغير ذلك فلا تبديهما، وعن حلي لبنات أخي يستعار مني فيقوم بمال، (1/112)
صفحة 99
فصل جابر بن زيد
113
فقال: إن أعرته فاضمني فأنت ضامنة وعن عبد كان من أنفس مال عندي وأوثقه، فأعتقته ثم استخلفته على ضيعتي، قال: لا، أخرجيه من ذلك، ولا تدخليه في شيء من منافعك. قال في الإيضاح عن ضمام بن السائب: قيل لجابر بن زيد: أرأيت رجلاً يكون وقاعا في الناس، فأقع فيه، أله غيبة؟ قال: لا، قيل له: ومن هو الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين، خفيف بطنه من أقوالهم أخرس اللسان عن أعراضهم، فهذا الذي تحرم غيبته ومن سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه. قال ضمام: قلت له: يا أبا الشعثاء، ما تقول في الرجل يعرف بالكذب أله غيبة؟ قال: لا، قلت: والغاش لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: لا غيبة له ولا حرمة قلت والصانع بيده يغش في عمله، أله غيبة؟ قال: لا قلت ولم؟ قال: من أكل الحرام فلا غيبة له ولا حرمة، وهو مهتوك الستر، ألا لا غيبة لكل مهتوك ولا حرمة له عند رب العالمين، فكيف عند الخلق. قلت: فإنه يكذب أحيانًا ويتوب أحيانًا ويغش أحيانًا ويتوب أحيانًا من أي صنف هذا من الناس؟ قال: هذا رجل مستخف بالله مستهزئ بالأمة. (1/113)
صفحة 100
فصل خلافة
مرادس بن حدير (1/115)
صفحة 101
فصل مرداس بن حدير
مرادس بن حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة
بن
مالك بن زيد مناة بن تميم،
وأدية جدته من محارب، وقيل أمه، وقيل جدير بالجيم، شهد صفين هو وأخوه
،
عروة، وأنكرا التحكيم على الإمام علي وفارقه مع أهل النهروان، وكان من جملة الذين نجوا من القتل لزم جابر بن زيد في غالب، أوقاته، ودخل هو وأبو الشعثاء
على عائشة، وذكر لها حديث خروجها على الإمام علي يوم الجمل فتابت واستغفرت، وذكر في كتاب بيان الشرع من الكتب القديمة- عن أبي عبيدة مسلم قال: لقد كان أبو بلال رحمه الله يبكي في جوف الليل حتى ما يطيق أن يقوم، ولقد كان من تشوقه إلى إخوانه أنه يخرج من عند أبي الشعثاء جابر بن زيد بعد العتمة، ثم يأتيه قبل الصبح فيصلي معه، فيقول له جابر: يا أخي أشققت على نفسك، فيقول: والله ولقد طال ما هبت نفسي بلقاك شوقا إليك
قال
له
حق
حتى أتيتك، وكان من رحمته ليتبع المملوك ويدعوه إلى الإسلام ويبين الإسلام، حتى إذا دنا المملوك من بيت أربابه رجع أبو بلال. ولا يفطر قط حتى يعزل من فطره شيئًا للسائل، يسأل مسكينا أو يتيما من قومه أو من كان، ثم يوم قتل: يا ليت لي نفسين نفس تقاتل في سبيل الله، ونفس تقوم على أمر المسلمين، ولقد كان يقول إذا أصبح: هل أجاب الله اليوم من أحد؟ فيقال له: نعم، فيقول: إيتوني بأنصار الله على حقه فيقول لهم: أنعم الله بكم عينا، إلى الله تحولتم، وملائكته وكتبه ورسله وأولياءه، أحببتم ألم تسمعوا أن الله يقول في كتابه لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيقرأ عليهم الآية كلها، ثم يقول لهم خير لكم من آبائكم وأبناكم
المجادلة: 22
117 (1/117)
صفحة 102
118
فصل مرد اس بن حدير
وإخوانكم وعشيرتكم ألا تسمعون أن الله يقول قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَنَةَ والانجيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) المائدة: 68 فيقرأ الآية ب كلها عليهم، ثم يقول لهم: ألا ترون أنهم يقولون: إنَّا على الإيمان ولا يقيمون الكتاب، والله يقول: لستم على شيء، ثم لقد ذهب اللحم والجلد إذا أقبل إليه
تكلمت
أو إن أثر السجود لفي وجه عظم وجهه وكان يقول ما أتيت على آية فيها ذكر خطيئة عملت بها إلا استغفرت الله منها، وإني لأحفظ كل شيء به مذ أصبحت، مخافة أن أخطئ. ولما سجن عبيد الله بن زياد الأحرار والموالي، وفتن بعضهم بعضا، حتى قتل الأحرار الموالي، جاء طواف بن المعلى وبعض أصحابه، وهو أحد أعمام كرزم إلى مجلس فيه أبو عبيدة مسلم ومرداس وهم يبكون أسفًا على ما وقع منهم، فطردوهم ومات شاب منهم، قال أبو عبيدة وهو يدفع رأسه أرجو أن لا يعذبك الله، وقال له مرداس: اخرج بسيفك على هذا الطاغية، فخرج طواف على ابن زياد، فلما قتلوا إلى جنب جدار قال مرداس: إني لأرجو أن يكون طواف قد سن فينا سنة حسنة باقية.
وفي ذلك يقول بعض الخوارج:
ما كان في دين طواف وصحبته أهل الجدار احتراث الحب والعنب النافذين على منهاج أولهم من الخوارج قبل الغل والشغب (1/118)
صفحة 103
فصل مرداس بن حدير
وقال آخر:
يارب هب لي الشرا والصدق في ثقة واكف الهم فأنت الرازق الكافي حتى أبيع الذي يفنى بآخرة تبقى على هدي مرداس وطواف وكهمس وأبي الشعثا إذا نفروا وابن المنيح وجواب وزحاف ما راقهم باطل الدنيا ولذتها ولا الترفل في ز وأفواف كم فيهم من غلام العلم ذي ثقة ومن خطيب لدين الله وصاف أولئك البايعون الله أنفسهم بجنة الخلد والمنقوص بالوافي
119
قال ابن الأثير في الكامل: كان مرداس عابدًا مجتهدًا عظيم القدر في الخوارج، وشهد صفين مع علي، فأنكر التحكيم وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه، ورأى علي بن عامر قباء أنكره فقال: هذا لباس الفساق، فقال أبو بكرة: لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله، قال: وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء، ويقول: لا نقاتل إلا من قاتلنا، ولا نحبي إلا من حمينا، وكانت البثجاء امرأة من بني يربوع تحرض على ابن زياد، وتذكر تجبره وسوء سيرته وكانت من المجتهدات فذكرها بن زياد، فقال لها أبو بلال: إن التقية لا بأس بها، فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك، قالت: أخشى يلقى أحد مكروها، فأخذها ابن زياد وقطع يديها ورجليها، فمر بها بسببي أبو بلال في السوق فعض على لحيته وقال هذه أطيب نفسًا بالموت منك يا مرداس، ما ميتة أموتها أحبّ إلى من ميتة البثجاء زاد العلامة الشماخي قال: فخرج أبو بلال في جنازتها وقال: لو أعلم أني أبعث على ما تبعث عليه لعلمت
أن (1/119)
صفحة 104
120
فصل مرداس بن حدير
منهم السجن
أني أبعث سويا على صراط مستقيم. قال ابن الأثير: ومرّ أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم آفاق وتلا سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ إبراهيم: 50 قال: ثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوارج فملأ وأخذ الناس بسببهم، وحبس أبا بلال قبل أن يقتل أخاه عروة، فرأى السجان عبادته، وأذن له كل ليلة في إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلاً ويعود مع الصبح، وكان صديقا لمرداس يسامر ابن زياد تذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم إذا أصبح، فانطلق صديق مرداس إليه فأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفا أن يعلم مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذي يعود فيه إذا به قد أتى، فقال له السجان أما بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: بلى، قال: ثم جئت؟ قال: نعم، لم يكن جزاءك مني مع إحسانك إلي أن تعاقب. وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج، فلما أحضر مرداس قام السجان وكان ضئيرا لعبيد الله، فشفع فيه وقص عليه، قصته فوهبه له وخلى سبيله، ثم إنه خاف ابن زياد، فخرج في أربعين رجلا إلى الأهواز، فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يرد الباقي، فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم جيشًا عليهم أسلم بن زرعة الكلابي سنة ستين، وقيل أبو الحصين التميمي، وكان الجيش ألفي رجل، فلما وصلوا إلى أبي بلال أنشدهم الله أن لا يقاتلوه، فلم يفعلوا، ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة فقالوا: أتردوننا إلى زياد الفاسق، فرمي أصحاب أسلم رجلا من أصحاب أبي بلال فقتلوه، فقال أبو بلال: قد بدأوكم بالقتال فشد الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد فهزموهم، فقدموا البصرة فلام ابن زياد أسلم فقال: هزموكم أربعون وأنت في ألفين! لا خير (1/120)
صفحة 105
فصل مرداس بن حدير
فيك، فقال: لأن تلومني وأنا حي أن خير من تثني علي وأنا ميت، فكان الصبيان إذا رأوه صاحوا به أما أبو بلال وراءك فشكا ذلك إلى ابن زياد فنهاهم فانتهوا. وقال رجل من الخوارج:
أألفا مؤمن فيما زعمتم ويقتلهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
من الخوارج مؤمنونا
الفئة القليلة قد علمتم على الفئة الكثيرة ينصرونا
ونسب المبرد الأبيات لعيسى بن فاتك من بني اللات بن ثعلبه، وزاد قبلها:
فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرد العتاق مسومينا
بقية يومهم
ساهم
121
فلما استجمعوا حملوا عليهم فظل ذوو الجعايل يقتلونا سواد الليل فيه يراوغونا يقول بصيرهم لما أتاهم بأن القوم ولوا هاربينا وكان مرداس مجتهدا كثير الصواب في لفظه فلقيه غيلان بن خرشة الضبي فقال: يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة يذكر البلجاء، وأحسبها ستوخذ، فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية فاستتري، فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك قالت: أن يأخذني فهو أشقى. وذكر ما ذكره ابن الأثير. فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي ... بي وقال بعد أن ذكر حبس أبي بلال المذكور: فلما خرج من حبس بن زياد ورأى جد ابن زياد في طلب الشراة عزم الخروج، فقال لأصحابه: إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم بجانبين للعدل، مفارقين (1/121)
صفحة 106
122
فصل مرداس بن حدير
للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكننا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا، فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلاً، منهم حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريمي،
فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثاً فأبي فولوا أمرهم مرداسًا، فلما مضى بأصحابه لقيهم عبدالله بن رباح الأنصاري، وكان صديقًا، له فقال له: أين تريد؟ قال: أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا، قال: فارجع قال أو تخاف علي مكروها؟ قال: نعم وأن يؤتى بك، قال: فلا تخف فإني لا أجرد سيفًا ولا أخيف أحدًا ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى حتى نزل آسك، وذكر أنه لما أخذ عطاءه وأعطيات أصحابه وترك الباقي قال له بعض أصحابه فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة. قال ويروى أن رجلاً من أصحاب ابن زياد قال: خرجنا في جيش نريد، خراسان فمررنا بآسك فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدون لقتالنا أنتم وكنت أنا وأخي قد دخلنا زربا، فوقف أخي ببابه فقال: السلام عليكم فقال مرداس: وعليكم السلام، فقال لأخي: أجئتم لقتالنا؟ فقال له: إنما نريد خراسان قال: فأبلغوا من لقيكم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروع أحدا، ولكن هربًا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، ثم قال: اندب الينا أحد؟ قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي قال فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا: يوم كذا وكذا، فقال أبو بلال: حسبنا الله ونعم الوكيل وجهز عبيد الله أسلم بن زرعة في أسرع وقت، ووجهه إليهم في ألفين وقد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلاً، فلما صار إليهم أسلم صاح به أبو بلال: اتق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالاً ولا (1/122)
صفحة 107
فصل مرداس بن حدير
123
نحتجن فيئا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذن يقتلنا، قال: وإن قتلكم؟ قال: تشركه في دمائنا، قال: إني أدين بأنه محق وأنكم مبطلون، فصاح به حريث بن حجل أهو محق! وهو يطيع الفجرة، وهو أحدهم، ويقتل بالظن، ويخص بالفيء، ويجور في الحكم، أما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة براء، وأنا أحد قتلته، ولقد وضعت في بطنه دراهم كانت معه، ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، وكان معبد أحد الخوارج قد كاد يأخذه، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضبًا شديدًا وقال: ويلك! أتمضي في ألفين فتنهزم في حملة أربعين؟! وذلك تمام القصة، والأبيات المذكورة، ثم قال: ندب لهم عبيد الله بن زياد الناس فاختار عباد بن أخضر، وليس هو بابن أخضر، هو عباد بن علقمة المازني، وكان أخضر زوج أمه فغلب عليه فوجهه في أربعة الآف فنهد لهم .. إلى أن قال: وكان التقاؤهم في يوم جمعة، فناداه أبو بلال اخرج إلي يا عباد فإني أريد أن أحاورك، فخرج إليه فقال: ما الذي تبغي؟ قال: أن آخذ باقفائكم فأردكم إلى الأمير عبيد الله بن زياد، قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن ترجع؛ فإنا لا نخيف سبيلا ولا نذعر مسلمًا ولا نحارب إلا من حاربنا ولا نحبي إلا من حمينا، فقال له عباد: الأمر كما قلت لك، فقال له حريث بن: حجل أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد؟ قال لهم: أنتم أولى بالضلال منه وما من ذاك بد، وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج فلما رأى الجمعين قال: ما هذا؟ قالوا: الشراة، فحمل عليهم ونشبت الحرب، فأخذ القعقاع أسيرا فأتى به أبو بلال، فقال: ما أنت؟ قال: لست من أعدائك، وإنما قدمت للحج فجهلت
وغررت، فاطلقه فرجع إلى عباد فأصلح من شأنه، ثم حمل عليهم ثانية وهو (1/123)
صفحة 108
124
فصل مرداس بن حدير
يقول:
أقاتلهم وليس علي
أكر
نشاطًا ليس ـذا بالنشاط
الحروريين مهري لأحملهم على وضح الصراط
فحمل عليه حريث بن حجل السدوسي وكهمس بن طلق الصريمي فأسراه وقتلاه، ولم يأتيا به أبا بلال، فلم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة صلاة الجمعة، فناداهم أبو بلال يا قوم هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي وتصلوا، قالوا: لك ذاك، فرمى القوم أجمعون أسلحتهم وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه والحرورية مبطئون فهم بين راكع وساجد وقائم وقاعد حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعًا، وأتى برأس أبي بلال. وتروي الشراة أن أبا بلال لما عقد أصحابه وعزم على الخروج رفع يديه وقال: اللهم إن كان ما نحن فيه حقا فأرنا آية، فرجف البيت، وقال آخرون فارتفع السقف. قلت: قد روى أبو سفيان محبوب بن الرحيل قال: أخبرني أبو العلاء بن الشهيد رجل من حجبة البيت عن بعض آبائه قال: إني لفي الطواف في ليلة صاحية قمراء فإذا ويرغب إليه فبينما هو كذلك إذا لح فقال: اللهم
الله
لرجل تحت الميزاب يدعو حاجتي، فكرر فسمعه أهل الطواف فقالوا: اللهم اقض حاجته، فقال: اللهم إن كنت رضيت ما أريد فأرني من ذلك علما، قال: فقطرت عليه من الميزاب قطرات، فلما أحس بالماء انساب في الناس فإذا هو أبو بلال، وقال أبو سفيان: لما حضر خروجه اجتمع هو وأصحابه في بيت لبني تميم، قال: فدعوا الله ورغبوا إليه أن يجعل لهم علامة إن رضى خروجهم قال فانشق سقف البيت حتى (1/124)
صفحة 109
فصل مرداس بن حدير
125
نظروا إلى السماء. وروى أبو سفيان عن قرة بن عمران أتى
بني
تميم يسأل عن
البيت فإذا هو مشهود فيهم فرأيته قال وكثيرا ما يخرج إلى ساحة الدار بليل ويتلو وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة (التوبة: 46 ويقول لأصحابه: عرضت
نفسي على الله فلم أره يقبلني، وقال عيسى بن فاتك يرثيه وأصحابه:
ألا في الله لا في الناس شالت بداود وإخوته الجذوعُ مضوا قتلاً وتمزيقاً وصلباً تحوم عليهم طير وقوعُ أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهـ ركوع أطار الخوفُ نومهم فَقامُوا وأهل الأرض في الدنيا هجوعُ
إذا م
وقال عمر بن حطان
ياعين بكي لمرداس ومصرعه يا رب مرداس الحقني بمرداس تركتني هائماً أبكي لمرزاتي في منزل موحش من بعد إيناس أنكرتُ بعدك من قد كنت أعرفه ما الناس بعدك يا مرداس بالناس أما شربت بكأس دارَ أوَّلها على القرون فذاقوا جرعة الكاس فكل من لم يذقها شارب عجلا منها بأنفاس ورد بعد أنفاس وإخوة لهم طابت نفوسهم بالموت عند التفاف الناس بالناس والله ما تركوا من منبع لهدى ولا رضوا بالهوينا يوم ميجاس (1/125)
صفحة 110
126
فصل مرداس بن حدير
وقال ايضاً:
لقد زاد الحياة إلى بعضاً وحبا للخروج أبو بلال ولو أني علمت بأن حتفي كحتف أبي بلال لم أبال
ومن شعر مرداس رضي
الله عنه:
ماذا نبالي إذا أرواحنا خرجت ماذا فعلتم بأجسادي وأوصالي نرجو الجنان إذا طارت جماجمنا تحت العجاج كمثل الحنظل البالي إني امرؤ باعني ربي الموعده إذ القلوب هوت من خوف أهوالي وأدت الأرض منا مثل ما أخذت وقربت لحساب القسط أعمالي نفسي ظنون ولست الدهر آمنها من بعد كعب وطواف وعسالي من كان من أهل هذا الدين كان له ودي وشاركته في تالد المال الله يعل أني لا أحـ إلا لوجهك دون العم والخال
بهم
ومن شعره أيضًا:
إني وزنت الذي يبقي ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا من كان يرجو بقاء لا نفاد له فلا يكن حبه الدنيا له شجنا تقوى الإله وخوف النار أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا أن غيلان بن خرشة ذكر أصحابه عند ابن زياد، فلما فقال: قد بلغني ما كان منك يا غيلان ما يؤمنك أن يلقاك رجل أحرص والله على الموت منك على الحياة فينفذك برمحه، فقال: لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة. ومر على فرسه ينادي قومه فوقف وسلم فقال شاب منهم: فرسك
ويروي
خرج
لقيه (1/126)
صفحة 111
فصل مرداس بن حدير
127
حروري، قال: وددت والله لو أوطأته بطنك في سبيل الله، فمضي، وقال الفتى لأصحابه إني، مقتول فمشوا إليه بالفتى فقالوا: اصفح عنه، وقال: إذا كنت في مجلس فأحسن حملان رأسك، وكان هو وأصحابه يبيعون حلي سيوفهم من
الحاجة.
وقال المبرد ومرداس تنتحله جماعة لقشفه وبصيرته وصحة عبادته وظهور ديانته وبيانه، تنتحله المعتزلة وتزعم أنه خرج منكرا لجور السلطان داعيا إلى الحق، وتحتج له بقوله لزياد حيث قال على المنبر: والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء، والحاضر منكم بالغائب، والصحيح بالسقيم، والمطيع بالعاصي، فقام إليه مرداس فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه السلام إذ يقول وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَ أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَاء الأوفى النجم: 37 - 41 وأنت تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي، ثم
"
خرج في عقب هذا اليوم، والشيع تنتحله وتزعم أنه كتب إلى الحسين بن علي أما إني لست أرى رأي الخوارج، وما أنا إلا على دين أبيك.
صلوات الله عليه:
قال العلامة أحمد
عبد بن
الله
بن أحمد بن أبي بكر بن عثمان الرقيشي
العماني، من علماء عمان القدامى، في شرحه على اللامية: وقد بلغنا أن أبا
الله بلال مرداس بن حدير رحمه وغيره من
أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا
بأمر إمامهم في دينهم جابر بن زيد العماني رحمه الله ومشورته، ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت، دعوتهم وليكون رداً لهم أي عونا وظهيرا رحمه الله ورحمهم جميعاً. وقال أيضا: إن أبا بلال رحمه الله لما عطف عليهم عباد قال لأصحابه: (1/127)
صفحة 112
فصل مرداس بن حدير
حتى
من كان خرج إلى الدنيا فليذهب إلى الدنيا، ومن أراد الآخرة فقد سيق لذلك وتلى هذه الآية مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيب الشورى: 20 ثم انثنى ونزل معه أصحابه، فمشوا إليهم يقدمهم كهمش الذي كانت أمه تصب عليه الدرع، وتقول: اللهم إني أتقرب اليك به فلا ترد قرباني، فقاتل حتى قتل رحمه الله، فمر عليه مرداس فانكب عليه وقبله وبكا، ثم شد يمينا وجعل يضرب يمينا وشمالاً طعنه رجل منهم، فمشى إليه في الرمح حتى ضرب طاعنه فقتله وانضجعا ميتين جميعًا، وهذه الرواية تخالف ما رواه غيره أنهم قتلوا في الصلاة بين راكع وساجد، وروي أيضا أن أبا بلال كتب إلى القعد أما بعد فقد لقينا قوما فهزم الله كثرتهم لقلتنا، وكنا نحن الفئة القليلة فغلبنا الفئة الكثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ألا وإني قاطع البحر فخارج إلى عمان فآتي مكة فأقيم بها إقامة سهم غالب فأدعوهم إلى ما دعاهم إليه، فمن أراد أن يلحق بنا فليوافنا مكة، فوجه إليه عبيد الله بن زياد عباد بن الأخضر في ثلاثة الآف فارس ويوجد في موضع أربعة آلآف فارس، فبينما أبو بلال وأصحابه بعد صلاة العصر إذا هم بالرايات قد رفعت وأعلام البيض تتلألا وكتائب عباد وأصحابه، وكان حريث بن جهم من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فنادى أصحابه فقرأ فرققوا ثم رجع صوته: هذه أبواب الجنة قد فتحت لكم من ورائكم، ثم قرأ وَلَمَّا رَمَا الْمُؤْمِنُونَ الأحزاب قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَنا وتسليما م الأحزاب: 22، وجعل لا يدع آية فيها ذكر القتال الاحرض المؤمنين.
بن
128
128 (1/128)
صفحة 113
فصل
عبد الله بن أباض (1/129)
صفحة 114
فصل عبد الله بن أباض
قال العلامة أحمد بن
عبدالله الرقيشي من قدماء علماء عمان في شرح اللامية: "الإباضيون منسوبون إلى إمامهم في الدين عبدالله بن اباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي، من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس، وهو الذي فارق جميع الفرق الضالة عن الحق، وهم المعتزلة والقدرية والصفانية والجهمية والخوارج والروافض والشيع، وهو أول من بين مذاهبهم ونقض فساد اعتقاداتهم بالحجج القاهرات والآيات المحكمات النيرات والروايات النيرات الشاهرات، نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان، وكتب إليه بالسيرة المشهورة والنصائح المعروفة المذكورة" انتهى
كلامه.
وقال العلامة الشماخي: "عبدالله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولى الفريق، سلك بأصحابه محجة العدل وفارق سبل
الضلالة والجهل، وكان رحمه الله على ما حفظت ممن خرج من. مكة لمنع حرم
الله
من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد، وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم" انتهى. وكذا قال العلامة أبو جابر، من قدماء العلماء العمانيين، ذكر نسبة أهل المذهب الإباضي إلى عبدالله بن إباض، وهذا مجمع عليه مع الأباضيه ومخالفيهم.
قال العلامة البرادي صاحب كتاب الجواهر: "عبدالله الله عنه بن إباض رضي النسبه إليه أباضي بفتح الهمزة. وقال القطب في شرح العقيدة بتثليث الهمزة. وفي القاموس بالكسر فقط. قال البرادي: "إن المسلمين بعد قتل أبي بلال
131 (1/131)
صفحة 115
132
فصل عبد الله بن أباض
اجتمعوا بجامع البصرة وعزموا على الخروج، وفيهم عبدالله بن إباض ونافع بن
الأزرق
المسلمين، فلما جنَّ الليل سمع. ووجوه
عبد
الله
دوي القراء ورنين المؤذنين
وحنين المسبحين، فقال لأصحابة أعن هولاء أخرج معهم؟! فرجع وكتم أمره
واختفى" قال: "وفي النسبة إلى أباض
يعني
الأباضيه إمامهم عبدالله، ونسبوا إلى
أبيه أباض؛ لأنه أعرف من عبد الله وأشهر منه قلت: ولم أقف على شيء من
أمره وخبره. قال العلامة نور الدين السالمي رضي
الله
عنه
فما الإباضيون إلا علما الخلفاء الحق منا فاعلما
وأصله أن فتى أباض كان محاميا لنا وماضي مدافعا أعداءنا بالحجة وحاميا إخواننا بالشوكة ونسبوا من كان في طريقته إليه لاشتهار حسن سيرته من ذاك لا تلقى له في المذهب مسألة نرسمها في الكتب فنأخذ الحق متى نراه لو كان مبغض لنا أتاه إن المخالفين قد سمونا بذاك غير أننا رضينا ونحن الأولون لم يشرع لنا نجل أباض مذهبا يحملنا ونحن في الأصل وفي الفروع على طريق السلف الرفيع
والباطل المردود عندنا ولو أتى به الخل الذي له اصطفوا
وذكر ابن الاثير والمبرد خروج الخوارج إلى مكة المكرمة لمنعها من أهل الشام وفيهم عبد الله بن أباض، وذكرا بعد ذلك افتراقهم فيما بينهم، وأنه كتب نافع (1/132)
صفحة 116
فصل عبد الله بن أباض
133
الأزرق إلى ابن الصفار وعبد الله بن أباض يدعوهما ومن معهما إلى معتقده بن الفاسد قال فقرأ ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يفترقوا ويختلفوا، فأخذه ابن أباض فقرأه فقال: قاتله الله أي رأي رأى صدق نافع لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيًا، وكانت سيرته كسيرته في المسلمين، ولكنه قد كذب فيما يقول إن القوم برآء من الشرك، ولكنهم كفار بالنعم
والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك فهو حرام علينا.
وهذه رسالته التي وجهها إلى عبدالملك بن مروان من شرح العقيدة وأصلها في كتاب السير العمانية القديمة:
11
بسم
الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد، من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله الا هو وأوصيك بتقوى الله فإن العاقبة للتقوى والمرد إلى الله، واعلم أنه إنما يتقبل الله المتقين، أما بعد: جاءني كتابك سنان بن عاصم وأنك كتبت إلى أن
من
مع
اكتب إليك بكتاب فكتبت به إليك فمنه ما تعرف ومنه ما تنكر، زعمت أنما عرفت منه ما ذكرت به من كتاب الله وحفظت عليه من طاعة الله واتباع أمره وسنة نبيه وأما الذي أنكرت منه فهو عند الله غير منكر، وأما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأئمة، فإن الله ليس ينكر على أحد شهادته في كتابه ما أنزله على رسوله أنه لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون والكافرون والفاسقون، ثم إني لم أذكر لك شيئًا من شأن عثمان والأئمة إلا والله يعلمه أنه الحق، وسأنزع لك من ذلك البينة من كتاب الله الذي أنزله على رسوله، وسأكتب لك في الذي كتبت به، وأخبرك من خبر عثمان، والذي طعنا (1/133)
صفحة 117
134
فصل عبد الله بن أباض
عليه فيه وأبين شأنه والذي أتى، عثمان لقد كان ما ذكرت من قدم في الإسلام وعمل به، ولكن الله لم يجر العباد من الفتنة والرد عن الإسلام وأن الله بعث محمد بالحق له الا الله وأنزل الكتاب فيه بينات كل شيء يحكم بين الناس فيما
حراما
اختلفوا فيه هدى ورحمة لقوم يوقنون فأحل الله في كتابه حلالاً وحرم وفرض فيه فرايض وحكم فيه حكمًا وفصل بين قضاءه وبين حدوده وقال:
تلكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأَوَلَيْكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} البقرة: 229 وأقسم ربنا قسما وليس لعباده فيه الخيرة ثم أمر نبيه باتباع كتابه، فقال فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتَّبِعْ قره انه القيامة: 18، فعمل محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه ومعه عثمان ومن شاء الله من أصحابه، لا يرون رسول الله لا يتعدى حدا ولا يبدل فريضةً ولا حكمًا ولا يستحل شيئًا حرمه الله، ولا يحرّم شيئًا أحله الله، ولا يحكم بين الناس إلا بما أنزل الله وكان يقول في قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم الأنعام: 15 فعمر الله ما شاء الله تابعا لما أمر الله، يبلغ ما جاءه من الله والمؤمنون معه، يعلمهم وينظرون إلى عمله حتى توفاه الله عليه الصلاة والسلام، وهم عنه راضون، فنسأل الله سبيله وعملا بسنته، ثم أورث الله عباده الكتاب الذي جاء به محمد وهداه، ولا يهتدي من اهتدى من الناس بتركه، ثم قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذ بكتاب الله وعمل بسنة نبيه ولم يفارقه أحد المسلمين، ولم يعب عليه أحد في حكم حكمه، ولا في قسم قسمه حتى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون وله، مجامعون ثم قام من بعده عمر بن الخطاب قويا في الأمر شديدًا على أهل النفاق، يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين، يحكم بكتاب الله، وابتلاه الله بفتوح من الدنيا ما لم يبتل بها صاحبيه،
من (1/134)
صفحة 118
فصل عبد الله بن أباض
135
وفارق الدنيا والدين ظاهر وكلمة الإسلام جامعة وشهادتهم قائمة، والمؤمنون شهداء الله في الأرض، كذلك قال الله تعالى: لم وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا في البقرة: 143 وبعد موته تشاور المؤمنون فولوا عثمان فعمل ما شاء الله بما يعرف أهل الأسلام، حتى بسطت له الدنيا، وفتح له من خزاين الأرض ما شاء الله، ثم أحدث أمورًا لم يعمل بها صاحباه، قبله وعهد الناس يومئذ بنبيهم حديث، فلما رأى المؤمنون ما أحدث أتوه فكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة من كان قبله من المؤمنين، وقال الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذَكَرَ بِشَايَاتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} السجدة: 22، فسفه عليهم أن ذكروه بآيات الله، وأخذهم بالجبروت، وظلم منهم من شاء الله، شاء الله منهم، ونفاهم في أطراف الارض نفيا، وإني سجن من
أبين لك يا عبد الملك بن مروان الذي أنكر المؤمنون على عثمان وفارقناه عليه فيما استحل من المعاصي عسى أن تكون جاهلاً عنه غافلا وأنت على دينه وهواه لا يحملنك يا عبد الملك هوى عثمان أن تجحد بآيات الله وتكذب بها، فإن عثمان لا يغني عنك من الله شيئًا، فالله يا عبد الملك بن مروان قبل التناوش من مكان بعيد، وقبل أن يكون لزامًا وأجلا مسمى، وأنه كان مما طعن المؤمنون عليه وفارقوه وفارقنا فيه أن الله قال وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَابِفِينَ لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ} البقرة: 114 فكان عثمان أول من منع مساجد الله أن يقضى فيها بكتاب الله. ومما نقمناه عليه وفارقناه عليه أن الله قال لمحمد صلى الله عليه وسلم وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا (1/135)
صفحة 119
136
فصل عبد الله بن أباض
عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين کچھ الأنعام: 52 فكان أول رجل من هذه الأمة طردهم ونفاهم، وكان ممن نفاهم من المدينة: أبو ذر الغفاري ومسلم الجهني ونافع بن الحطام، ونفى من الكوفة: كعب بن أبي الحنكة إلى الرجان، وجندب بن زهير (وجندب هو الذي قتل الساحر الذي كان يلعب به الوليد بن عقبة، ونفى عمر بن زرارة وزيد ابن صوحان وأسود بن ذريح ويزيد بن قيس الهمداني وكردوس ابن الحضرمي في أناس كثير من أهل الكوفة، ونفى من أهل البصرة عامر بن عبد الله القسري ومذعور العنبري، ولا أستطيع لك عدّ من نفاهم من المؤمنين. ومما نقمنا عليه أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة على المؤمنين، وكان يلعب بالسحرة ويصلي بالناس سكرانا، فاسق في دين الله، أمره من أجل قرابته على المؤمنين المهاجرين والأنصار، وإنما عهدهم حديث بعهد الله ورسوله والمؤمنين. ومما نقمناه عليه تأميره قرابته على عباد الله، وجعل المال دولة بين الأغنياء، وقال الله كن لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ (الحشر: 7 وبدل كلام الله وبدل القول واتبع الهوى. ومما نقمناه عليه أنه انطلق إلى الأرض يحميها لنفسه وأهله حمى حتى منع قطر السماء والرزق الذي أنزله الله لعباده لأنفسهم ولأنعامهم وقد الله قل أَرَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفتَرُونَ)) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بولس:
7.-0
1) في ابن الأثير نفاه من الكوفة إلى الشام. (1/136)
صفحة 120
فصل عبد الله بن أباض
137
ومما نقمنا عليه أنه أول من تعدى في الصدقات وقد قال الله إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم و التوبة: 60 وقال الله ل وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبينا كل الأحزاب: 36 الذي أحدثه عثمان منعه فرايض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله عليه وأنقص أصحاب بدر ألفًا من عطاياهم، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، وقال الله وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْيرُونَ (التوبة: 34 - 35 ومما نقمنا عليه أنه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها ولا يعرفها، وكان يأخذها من الإبل والغنم إذا وجدها عند أحد من الناس وإن كانوا قد أسلموا عليها، وكان لهم في حكم الله أن لهم ما أسلموا عليه، وقال وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) هود: 85 وقال يايها الذينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تجرة عن تراضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (النساء: 29 - 30 ومما نقمنا عليه أنه أخذ خمس الله لنفسه ويعطيه أقاربه ويجعل منهم عمالا على
*!
أصحابه، وكان ذلك تبديلا لفرايض الله، وقد فرض الله الخمس الله ولرسوله (1/137)
صفحة 121
138
فصل عبد الله بن أباض
ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل قال إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمَعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ الأَنفال: 41 ومما نقمنا عليه أنه منع أهل البحرين وأهل عمان أن يبيعوا شيئا من طعامهم
حتى يباع طعام الإمارة، وكان ذلك تحريماً لما أحل الله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ فلو أردنا أن نخبر بكثير من مظالم عثمان لم نحصها إلا ما شاء
275
1
الربوا مع البقرة: و الله, وكل ما عددتُ عليك من عمل عثمان يكفر الرجل أن يعمل ببعض هذا. وكان من عمل عثمان أنه كان يحكم بغير ما أنزل الله وخالف سنة نبي الله والخليفتين الصالحين أبي بكر وعمر وقد قال الله في وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مصدرا کے النساء: 115. وقال وَمَن لَّمْ يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ م المساعدة: 45. وقال (أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّلِمِينَ * مود: 18 وَمَن يَلْعَنِ م الله فلن تجد له نصيرال النساء: 52 وقال لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ} البقرة: 124 وقال وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تنصرون مود: 113. وقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَيكَ هُمُ الفسقون مع المائدة: 47 وقال كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (يونس: 33. كل هذه الآيات تشهد على عثمان، وإنما شهدنا عليه بما
1) هذا هو كفر النعمة المقرر لا كفر الشرك كي لا يخفى. (1/138)
صفحة 122
فصل عبد الله بن أباض
شهدت عليه هذه الآيات لكن اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَتَيكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (النساء: 166. وقال فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
139
من
إِنَّهُ لَحَقُّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (الذاريات: 23. فلما رأى المؤمنون الذي نزل به عثمان من معصية الله تبرأوا منه والمؤمنون شهداء الله ناظرون أعمال الناس. وكذلك قال الله وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَبْدِمِ الْغَيْبِ وَالشَهدَةِ فَيُنَتَتكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التوبة: 105. وترك خصومة الخصمين في الحق والباطل، وأوقع ما أوعده الله من الفتن وقال الله الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ العنكبوت: 1 - 3، فعلم المؤمنون أن طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض واجتمعوا في ملأ المهاجرين والأنصار وعامة أزواج النبي الا الله فأتوه فذكروه الله وأخبروه الذي أتى الله من معاصي فزعم أنه يعرف الذي يقولون وأنه يتوب إلى الله ويراجع الحق، فقبلوا منه الذي أتاهم به من اعتراف بالذنب والتوبة والرجوع إلى أمر الله، فجامعوه وقبلوا منه وكان حقا على أهل الإسلام إذا أوتوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق، فلما تفرق الناس على ما ألقاهم به من عن الذي عاهدهم عليه وعاد فيما تاب عنه، فكتب في أدبارهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فلما ظهر المؤمنون على كتابه ونكثه العهد الذي عاهدهم عليه رجعوا فقتلوه بحكم الله, وقال الله وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَتِلُوا أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ
نکت
الحق (1/139)
صفحة 123
140
فصل عبد الله بن أباض
لَعَلَّهُمْ يَنتَهُون التوبة: 12 فجامع أهل الإسلام ما شاء الله وعمل بالحق، وقد يعمل الإنسان بالإسلام زمانا ثم يرتد عنه قال الله إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى اد برهم مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * محمد: 25 فلما استحل معصية الله وترك سنة. من كان قبله من المؤمنين علم المؤمنون أن الجهاد في سبيل الله أولى، وأن الطاعة في مجاهدة عثمان على أحكامه، فهذا من خبر عثمان والذي فارقناه فيه وطعن عليه المؤمنون قبلنا.
وذكرت أنه كان مع رسول الله الا الله و ختنه، فقد كان علي بن أبي طالب أقرب إلى رسول الله وأحب إليه منه وكان ختنه ومن أهل الإسلام، وأنت تشهد عليه بذلك، وإنا بعد على ذلك، فكيف تكون قرابته من محمد الله نجاة إذا ترك الحق وتعاطى كفرًا، واعلم أنهما علامة كفر هذه الأمة كفرها بالحكم بغير ما أنزل الله ذلك بأن الله قال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ * المائدة: 44 فلا أصدق من الله قيلا وقال فَأَي حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَ آبَيْهِ يُؤْمِنُونَ الحالية: وَايَنَيْهِ: 6 فلا يغرنك يا عبد الملك بن مروان عثمان عن نفسك ولا تسند دينك إلى رجال يتمنون ويريدون ويستدرجون من حيث لا يعلمون، فإن أملك الأعمال بخواتمها، وكتاب الله جديد ينطق بالحق، أجارنا الله باتباعه أن نضل أو نبغ، فاعتصم بالله وإنه من يعتصم بالله يهده صراطًا مستقيما، وكتاب الله الله الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به ولا يتفرقوا وليس حبل الرجال من أنهم ينهبون ويطعنون، فأذكرك الله لما أن تدبرت القرآن فإنه حق وقال الله أفلا
يتدبرون القرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد: 24 فكن تابعا لما جاء
هو
من
حبل
الله
به
تهتدى و به تخاصم من خاصمك من الناس وإليه تدعو وبه تحتج، فإن من يكن (1/140)
صفحة 124
فصل عبد الله بن أباض
القرآن حجته يوم القيامة به يخاصم من خاصمه ويفلح في الدنيا والآخرة، فإن الناس قد اختصموا وهم يوم القيامة عند ربهم يختصمون، فلتعمل لما بعد الموت ولا يغرنك بالله الغرور.
141
وأما قولك في شأن معاوية بن أبي سفيان أن الله قام معه وعجل نصره وأفلج حجته وأظهره على عدوه بطلب دم عثمان، فإن يكن يعتبر الدين من جهة الدولة، أن يظهر الناس بعضهم على بعض في الدنيا فإنا لا نعتبر الدين بالدولة، فقد ظهر المسلمون على الكفار لينظر كيف يعملون، وقد ظهر الكفر على المسلمين ليبلو المسلمين بذلك ويكون عقابا على الكافرين وقال وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران: 140 فإن كان الدين إذا ظهر الناس بعضهم على بعض، فقد سمعت الذي أصاب المشركون من المسلمين يوم أحد، وقد ظهر الذين قتلوا ابن عفان عليه وعلى شيعته يوم الدار، وظهروا أيضا على أهل البصرة وهم شيعة عثمان وظهر المختار على ابن زياد وأصحابه وهم شيعتهم، وظهر مصعب الخبيث على المختار وظهر ابن السجف على أخنس بن دجلة وأصحابه، وظهر أهل الشام على أهل المدينة، وظهر ابن الزبير على أهل الشام
بمكة
يوم
استفتحوا منها ما
حرم
الله عليكم وهم شيعتكم، فإن كان هؤلاء على الدين فلا يعتبر الدين من قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض
ويعطي
الله رجلا كافرًا ملكا في الدنيا، فقد أعطى فرعون ملكا ظهر في الأرض، وقد أعطى الذي حاج إبراهيم في ربه ثم إن معاوية إنما اشترى الإمارة من الحسن بن علي، ثم لم يَفِ له بالذي عاهده عليه وقال الله وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ (1/141)
صفحة 125
142
فصل عبد الله بن أباض
إِذَا عَهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَنَا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةً هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَةً إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَختَلِفُونَ} النحل: 91 - 92 فلا تسأل عن معاوية ولا عن عمله ولا عن صنيعه، غير أنا قد أدركناه ورأينا عمله وسيرته في الناس، ولا نعلم أحدًا أترك للقسمة التي قسم الله ولا لحكم حكمه الله، ولا أسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلا دم ابن سمية لكان في ذلك ما يكفره، ثم استخلف ابنه يزيد فاسقا من الناس لعينا يشرب الخمر المكفر، فيكفيه من السوء، وكان يتبع هواه بغير هدى من الله وقال الله وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) القصص: 50 فلا يخف عمل معاوية ويزيد على كل ذي عقل من الناس، فاتق الله يا عبد الملك، ولا تخادع نفسك في معاوية فقد أدركنا أهل بيتكم يطعنون في معاوية ويزيد ويعيبون عليهما كثيرا مما يصنعون فمن يتول عثمان ومن معه فإنا نشهد الله وملائكته وكتبه ورسله بأنا منهم براء ولهم أعداء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت عليه إذا، متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله".
1) روى في صحيح مسلم عن النبي (ص) لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فهو يشير إلى الحديث وإلى الآية التي أحتج بها قبل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون". 2) قال النور السالمي: "فما مضى قبلك لو بساعة ** فدعه ليس البحث عنه طاعه ومن رأي أبي عبيدة الكف عن فتن الصحابة، وللأوائل أقوالهم وأعمالهم التي شاهدوها وحكموا فيها، إنما هم صحابة وتابعون، ونحن نسمع
ونكف، ولا نصوب باطلا ولا نبطل حقا، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. (1/142)
صفحة 126
فصل عبد الله بن أباض
وكتبت إلى تحذرني الغلو في الدين، إني أعوذ بالله من الغلو في الدين، وسأبين لك ما الغلو في الدين إذا جهلته، فإنه ما كان يقال على الله غير الحق ويعمل بغير كتابه الذي بين لنا وسنة التي سن وقال الله تعالى يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (النساء: النساء: 171 كما فعل عثمان والأئمة من بعده وأنت على طاعتهم وتجامعهم على معصية الله
وتتبعهم وقد اتبعوا أهواءهم واتبعتهم أنت عليها، وقال الله عز وجل وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السبيل (المائدة: 77 فهؤلاء
أهل الغلو في الدين وليس من دعا إلى الله وإلى كتابه، ورَضيَ وغَضِبَ الله حين عُصي أمره، وأخذ بحكمه حين ضيع وتركت سنة نبيه.
143
وكتبت إلي تعرض بالخوارج، تزعم أنهم يغلون في دينهم ويفارقون أهل الاسلام، وتزعم أنهم يتبعون غير سبيل المؤمنين وإنني أبين لك سبيلهم: إنهم أصحاب، عثمان الذين أنكروا عليه ما أحدث من تغيير السنة، وفارقوه حين أحدث وترك حكم الله وفارقوه حين عصى ربه وهم أصحاب علي بن أبي طالب حين حكم عمرو بن العاص وترك حكم الله، وأنكروه عليه وفارقوه فيه، وأبوا أن يقروا الحكم لبشر دون حكم كتاب الله، فهم لمن بعدهم أشد وأشد مفارقة، كانوا يتولون في دينهم وسنتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر بن الخطاب، ويدعون إلى سبيلهم ويرضون بسنتهم على ذلك كانوا يخرجون، وإليه يدعون، وعليه يتفارقون، وقد علم من عرفهم من الناس ورأى من علمهم أنهم
عداوة (1/143)
صفحة 127
144
فصل عبد الله بن أباض
كانوا أحسن الناس عملا وأشدّ قتالا في سبيل الله وقال الله يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة: 123 فهذا خبر الخوارج، نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء، وأنا لمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا على ذلك نعيش ما عشنا، ونموت على ذلك إذا متنا، غير أنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد
كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إيمانهم، فنبرأ إلى الله منهم.
أما
بعد فإنك كتبت إلى أن أكتب بجواب كتابك، وأجتهد لك في النصيحة، وإني أبين لك، فإني قد بينت لك بجهد نفسي، وأخبرتك خبر الأمة، وكان حقًا علي أن أنصح لك وأبين لك ما قد علمت. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُوْلَبِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأَوَلَيكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرحيم البقرة: 159 - 160، فإنَّ الله لم يتخذني عبدا لأكفر به، ولا أخادع الناس بشيء ليس في نفسي وأخالف إلى ما أنهى عنه أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه التحلوا حلاله وتُحرموا حرامه ولترضوا بحكمه، وتنيبوا إلى ربكم وتراجعوا كتاب الله، وأدعوكم إلى كتاب الله ليحكم بيني وبينكم في الذي اختلفنا فيه، ونقسم بما قسم الله، ونحكم بما حكم الله، ونبرأ ممن برأ الله
حرم
ونحرم ما الله منه ورسوله، ونتولى من تولاه الله ونطيع من أوجب لنا طاعته في كتابه، ونعصي من أمر الله بمعصيته أن نطيعه فهذا الذي أدركنا عليه نبينا، وإن هذه الأمة لم تحرم حراما ولم تسفك دماً إلا حين تركوا كتاب ربهم الذي أمرهم أن يعتصموا (1/144)
صفحة 128
فصل عبد الله بن أباض
به ويأمنوا عليه، وإنهم لا يزالون مفترقين مختلفين حتى يراجعوا كتاب الله وسنة نبيه وينصحوا كتاب الله على أنفسهم ويحكموه إلى ما اختلفوا فيه، فإن الله يقول وَمَا اخْتَلَفَتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإليه أنيب الشورى: 10 وإن هذا هو السبيل الواضح لا يشبه به شي من السبل، وهو الذي هدى الله من قبلنا محمد ا ل لله والخليفتين الصالحين من بعده، فلا
145
هي
يضل من اتبعه ولا يهتدي من تركه، وقال وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَضَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الأنعام: 153 واحذر أن تفرق بكم السبل عن سبيله ويزين لك الضلالة باتباعك هواك فيما جمعت إليه الرجال؛ فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا، إنما الأهواء، إنما يتبع الناس في الدنيا والآخرة إمامين إمام هدى وإمام ضلالة؛ أما إمام هدى فهو يحكم بما أنزل الله ويقسم بقسمته ويتبع كتاب الله، قال الله وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِنَايَتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24 وهؤلاء أولياء المؤمنين الذين أمر الله بطاعتهم ونهى عن معصيتهم.
وهم الذين
الله،
وأما إمام الضلالة فهو الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ويقسم بغير ما قسم ويتبع هواه بغير سنة الله، فذلك كفر كما سمى الله، ونهى عن طاعتهم
من
وأمر بجهادهم، وقال فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَعَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} الفرقان: 52 فإنه حق أنزله بالحق وينطق به وليس بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون. ولا تضربن الذكر عنك صفحا، ولا تشكن في كتاب الله ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنه من لم ينفعه كتاب الله لم ينفعه غيره. (1/145)
صفحة 129
146
فصل عبد الله بن أباض
وكتبت إلي أن أكتب اليك بمرجوع كتابك، فإني قد كتبت إليك وأنا أذكرك بالله العظيم لما قرأت كتابي، وتدبرته واكتب إلي إن استطعت بجواب كتابي إذا كتبت إليك بما أتنازع فيه أنا وأنت انزع عليه بينة من كتاب الله أصدق فيه قولك فلا تعرض لي بالدنيا فإني لا رغبة لي في الدنيا وليست من حاجتي ولكن لتكن نصيحتك لي في الدين ولما بعد الموت، فإن ذلك أفضل النصيحة، فإن الله قادر أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة، فإنه لا خير فيمن لم يكن على طاعة الله وبالله التوفيق وفيه الرضى والسلام عليك. انتهى كتابه.
ولم أطلع على تاريخ ولادته ولا وفاته، ويدل بعض كلامه كأنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم (فهذا الذي أدركنا عليه نبينا وهو ممكن فخلافة عبدالملك كانت سنة خمس
وستين. (1/146)
صفحة 130
فصل
أبو عبيدة مسلم
بن أبي كريمة (1/147)
صفحة 131
هذا
هو
فصل أبو عبيدة مسلم بن أبن كريمة
ثالث الأركان وحامل لواء العلم والإمامة للمذهب الإباضي للمغرب
وحضرموت وعمان، حبس نفسه في التعليم أربعين سنة، تارة يعلم في غار وتارة خارج الغار. قال العلامة الشماخي في كتاب السير: "أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي كان مولى فيهم وكان أعور وشهر بالقفاف، توفي في ولاية أبي جعفر المنصور بعد وفاة حاجب رضى الله عنهما، تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم. فقد ثبت وجوده عام ثمانية وخمسين للهجرة، وموته في خلافة أبي جعفر المنصور سنة خمس وثلاثين ومائة وروي أنه أدرك من أدركه جابر بن زيد من الصحابة، ولعله أدرك بعضا منهم أخذ العلم من جابر بن زيد وزملاء جابر وتلامذته كضمام بن السائب العبدي العماني وجعفر ابن السماك العبدي، ويقال إنه أخذ من هذين أكثر مما أخذه من جابر، وأخذ أيضا من
الله
من
صحار بن العباس وكان صحابيا، قال رضي الله عنه: "من لم يكن له أستاذ الصحابة فليس هو على شيء من الدين، وقد منّ الله علينا بعبد بن عباس بن عبد المطلب عم رسول الله، وعبد الله بن مسعود، وعبدالله بن سلام، وهم الراسخون في العلم وعلى آثارهم اقتفينا، وبقولهم اقتدينا، وعلى سيرتهم اعتمدنا، وعلى منهاجهم سلكنا وقال أيضا رضي الله عنه: "لا يؤخذ العلم من أربعة: رجل مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه يدعو إلى سفهه، ولا ممن يكذب وإن كان يصدق في فتواه ولا ممن يعزز مذهبه عن مذهب غيره". قيل
149 (1/149)
صفحة 132
10.
أيؤخذ
عنه
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
له يرحمك الله أرأيت من لا يحفظ الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ثقة، العلم؟ قال: سبحان الله! وكل الناس يحفظون الحديث، بل يؤخذ العلم عن الثقات وإن كانوا لا يعلمون حديثًا واحدًا، قيل له: يرحمك الله يا أبا عبيدة، أتعمل به إذا كان إنما رواه عن الصحابة؟ قال: إن عرفت عملت به وإلا فلا. وقال أبو عبيدة: "كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، فلولا أن الله تعالى من علينا بجابر بن زيد رضي الله عنه لضللنا". وفي كتاب المصنف (وهو من الكتب القديمة يبلغ واحدا وأربعين جزءا، توفى مؤلفه عام 558 هـ): بلغنا أن حتات بن كاتب وجعفر بن السماك سارا مع حبيب بن المهلب إلى أن قتلا معه فتكلم في ذلك فأظهر أبو عبيدة ولايتهما، وهذا في قتال الخوارج دفاعًا عن البصرة، وكثير من ولد المهلب يرجعون إلى جابر بن زيد، وكلهم من أهل عمان قال المبرد: وثبت المغيرة في جمع أكثرهم من أهل عمان وذكر في قتال الأزارقة. قال أبو سعيد الكدمي من علماء عمان القدامى): روي لنا أن الحتات ابن الكاتب المشهور بالفقه من فقهاء المسلمين وقيل إنه كان من توام وكان فيما قيل إنه كان ينزل بسمد نزوى من عمان، وتوأم هي واحة البريمي، وقبيلة حتات من بني هميم كان أبو عبيدة رضي عنه وقافا وكان يضعف أمر الشفعة ويقول لا تحبس على يتيم ولا غائب، فابتلي بها رجل أصحابه فجاءه يسأله فقال: اذهب فاسأل أشياخ البصرة، هل لجابر فيها ذكر؟ فأخبر أن جابرا يوجبها فأخذ بقول جابر قال أبو سفيان: بعث عبد الله بن الحسن إلى أبي عبيدة وإلى جماعة المسلمين حين أراد الخروج فتشاوروا، فتكلم كل برأية، فاتفق رأيهم أن يبعثوا اليه صالح بن كثير، وقد قال لهم صالح: إني على دينكم، وكان من متكلمي المسلمين إلا أنه أحدث أشياء قلاه
من
الله (1/150)
صفحة 133
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
المسلمون عليها، فقال أبو عبيدة: إن هذا ليس برأي؛ أترون رجلا يخاف على نفسه ويطلب الملك، ألا يعطيكم كل ما سألتموه، وإذا طاوعكم على ما تدعونه إليه قال: أنا مقر بدعوتكم ولكن الناس إلي أسرع أنا أحق، فما عسى تقول يا صالح وقد صدق فإن أراد الدين كما يزعم فليلحق صاحبنا بحضرموت
عبدالله
بن يحيى فليقاتل بين يديه حتى يموت، ففرق جماعتهم وأفسد رأيهم. وقال أبو سفيان: قيل لأبي عبيدة: ما يمنعك من الخروج، ولو خرجت ما تخلف عنك أحد؟ قال: ما أحب ذلك، ولو أني فعلت ما أحببت، ولا أحب أقيم ما بين الظهر والعصر مخافة الأحكام.
قدم أبو عبيدة مكة. ومعه امرأة من المهلبيات وهي جدة سعيدة أو عمتها، فلما فرغا من حجهما قالت له: أريد المقام بمكة، قال لها: الخروح أفضل، قال الراوي: فقلت وأنا أخرج معكم، قال: أنت فأقم، فقلت: تأمر هذه بالخروج وتأمرني بالإقامة؟ قال: لأنك قريب من مكة ونحن بعيد منها، أنتم قريب من خيرها يعني الطواف وبعيد من شر أهلها كأنه يكره المقام فيها للتجارة. شهد رجلان على شهادة أبي عبيدة عند قاضي البصرة، قال المشهود عليه: أصلحك الله إنما شهدا عليَّ بشهادة فلان وقال: ويحك أنا به عارف، ولو جاز لي أن أحكم بشهادة رجل واحد لحكمت بشهادته وأتى حمزة الكوفي أبا عبيدة ليذاكره في أمر القدر، فخرجا إلى منزل حاجب فتناظرا كثيرا، وآخر ما سمع من أبي عبيدة: يا حمزة على هذا فارقت غيلان، فخرج فكلمه حاجب وكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة فقال حمزة: إنما أخذت هذا القول عن المسلمين فقال له: حاجب لم تدرك أحدا إلا وقد أدركته إلا جابرا، فعن
151 (1/151)
صفحة 134
152
من
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
أخذته؟ فقال: عنك، فقال حاجب إني أرجع عنه، فارجع عنه كما رجعت عنه، فقال: ارفق بي واقبل ما أقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فالحسنة الله والسيئة من العباد، وأقول: لا يكلف الله من نفساً إلا وسعها، فقال له: أما هذه الكلمة فمقبولة من غيرك، أما منك فأنا أعرف مذهبك فيها أولا، فخرج فسأل عنه حاجب فقال: ارفقوا بحمزة، ثم بلغهم بعد مدة أنه مشى إلى النساء والضعفاء فكلمهم، قال: فأمر أبو عبيدة حاجبا فجمع له الناس، قال: فتكلم، المتكلمون ثم تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن حمزة وعطية أحدثا علينا أحداثا، فمن آواهم أو أنزلهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم، فتفرق الناس وطرد من المجلس، وهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه لقوله بشيء من القدر، فقال: يا عجبا لأبي عبيدة قد أمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقولون: أراد وشاء وأحب ورضي عنهم وهو يدنيهم ولا يقول بمثل قولهم، فقال أبو عبيدة هؤلاء أرادوا إثبات القدر فغلوا فيه، وحمزة يريد إزالته وليس مثبته كمزيله. قيل لأبي عبيدة هل يستطيع الكافر الإيمان؟ فقال: من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم يستطيع أن يصلي ركعتين ولا يقول يستطيع ذلك إلا بتوفيق الله. سأل عمن كان على دين عيسى ولم يبلغه أمر النبي عليه السلام فدعا رجلا من المجوس فأجابه فانظر فيها قال: فما تقولون؟ قال: الداعي مسلم والمجيب كافر قال فهل يدعو إلى طاعة الله ودينه؟ قالوا: نعم، قال: وكيف يكون الداعي إلى طاعة مسلما والمجيب كافرا؟ فراددوه الجواب فبرأ منهم، فخرجوا من عنده منكسرين، فأتوا حاجبا فقالوا: أغثنا قد عجل علينا بالبراءة إنما أردنا أن نستفهمه، فأخبره بتوبتهم، فقال: (1/152)
صفحة 135
153
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس فليخبراهما بتوبتهم، قال: ففعلوا وأمر بهم وأدخلوا المجالس.
قال أبو سفيان: اجتمع ابن أبي الشيخ البصري وأبو عبيدة بمنى فقال لأبي عبيدة: هل أجبر الله أحدا على طاعة أو معصية؟ فقال: لا، ولو قلت ذلك لكان تخويفه لهم وترهيبه إياهم عبثا، قال: فالعلم هو الذي أقاد العباد إلى ما عملوا؟ قال: لا، ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فكان منهم ما علم روي أن واصل بن عطاء كان يتمنى لقاء أبي عبيدة، وكانا
الله.
أعميين، فقال قايد واصل هذا أبو عبيدة، فقال واصل لأبي عبيدة: أنت الذي يقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال: لا، ولكني أقول إن الله يعذب على المقدور، أأنت الذي تزعم أن الله يعصى باستكراه؟ فانقطع واصل، ثم قيل له: سألته فتخلص وسألك فوقفت فقال: بنيت له بنيانا منذ ثلاثين سنة فهدمه وهو واقف. قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد لما احترق بيت الله الحرام من أجل شرارة طارت بها الريح قال بعض الناس قدر الله هذا، وقال آخرون: لم يقدر الله أن يحترق بيته، فمن ثم وقع الخلاف الأول في القدر، قال عبيدة: وكان احتراقه يوم السبت لست ليال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان يصف أمر القدر ويقول: والله ما من نكاح ذات بعل، وانتحال هجرة، ولا حكم بغير ما أنزل الله، وإنما هو شيء أحدثه الناس فيما بينهم، فمن أقر أن الله عالم بالأشياء قبل أن تكون فقد أقر بالقدر، قيل له: إن حمزة قال يخلق، قال: وما ذلك الخلق؟ قيل: يزعم أنه إذا حرك المروحة كان منها ريح قال ليس لذلك (1/153)
صفحة 136
154
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
الريح خالق إلا حركتي قال برأي قوله؟ قال نعم قال: فلو قاله بدين لهلك، قال: فإذا قال برأي؟ قال: إن الرأي عجز لا يكون كمن يدين به.
سئل أبو عبيدة عن نساء تهامة ونحوها اللاتي لا يتسترن ويتبرجن فقال: هن مثل الإماء، فقيل ذلك لبشير فقال: لا لعمري، الإماء مال، وأما الحراير غض ما استطعت. وسأله رجال عن شيء لم يصح السائل مسألته فقال: فرج عني فإني مغموم، فقال له أبو عبيدة: أنت أحق بذلك مني، تخلطون ثم تطلبون منا الصحيح. قيل لأبي عبيدة: إن أهل عمان يفتون بالرأي، قال: ما سلموا من
الدماء والفروج.
سجن الحجاج ضماما وأبا عبيدة وربما ضاق ضمام فيقول له أبو عبيدة: على من تضيق؟! وكانا ينفضان القليل من لحاهما ويقصان شواربهما بأسنانهما. وسأل الحجاج مجوسيا يم يعذبهم؟ قال: بإطعام الزيت والكراث، فأطعم أهل السجن بهما، قال ضمام: فسمنا بهما، فقيل للمجوسي: لم أشرت بذلك؟ فقال: لعلهم يحيون ويموت قبلهم فيخرجون ومات الحجاج وهم بالحبس. ويروى أنهم اشتهوا اللحم فاتفقوا مع السجان فاشترى لهم لحما، فبينما هم يتناولونه إذا بصوت على باب السجن، فرموا به في الكنيف، فلم يظهر لهم أحد، قال: فكان حزننا على اللحم أشد علينا من قرمنا. قال وايل الحضرمي في الخبا مشايخ من أهل حضرموت فقهاء علماء فسألتهم عن اکترى دابة إلى موضع فجاوز الموضع فتلفت الدابة قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن للدابة قال: قلت لهم ما تقولون في الكراء؟ قالوا: ما نرى عليه الكراء إذا ضمناه ثمن الدابة قال وكان أبو عبيدة غائبا أو نائما فاستيقظ قال: وقال
بن
أيوب
رجل (1/154)
صفحة 137
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
وعبد الملك
155
لي حاجب يا حضرمي سل الشيخ عن المسألة، قال: فسألته قال: يضمن عن الدابة والكراء جميعا، قال: فقال له محمد بن سلمة من أين يا أبا عبيدة يضمن الكراء؟ قال: من حيث لا تعلم. قال المليح بن حسان: دخلت أنا الطويل على أبي عبيدة فسألناه عن رجل أدخل يده تحت امرأة فأنكرت إنكارا تاما ونهضت له أن يتزوجها؟ فقال أبو عبيدة: إنها فروج يا أبا نوح، قال: صدقت، ولكن أفتى بها جابر، فقال: إنها الفروج، فقال: نعم، ثم قال أبو نوح: ألم أنهكم يا معشر الفتيان أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضرا. (وأبو نوح أهل عمان قال أبو سفيان وقع غلام كان لحاجب عند أبي جعفر المنصور فسأله: لمن كان؟ فقال: الحاجب، وكان عالما به وبأبي عبيدة، فدخل عليه يوما فرآه حزينا فسأله فقال: مولاي الذي كنت له مات، يعني حاجب، فرجع أبو جعفر فقال: الله حاجبا، ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزينا فقال: مالي أراك حزينا؟ فقال: مات صديق لمولاي يقال له أبو عبيدة الأعور،
هذا من
رحم
قال: وإنه قد مات؟! قال: نعم، فرجع وقال: ذهبت الأباضية.
والحاصل أن مناقبه وصفاته لا يحصيها كتاب فقد عاش زمانا طويلاً مختفيا في غار خوفا على نفسه وعلى الدين أن يذهب وكان طلبة العلم يتهافتون عليه في ذلك الغار كالنحل، فقد أقبل بعضهم من القيروان وبعضهم من
عُمان
وبعضهم من مصر وبعضهم من خراسان وبعضهم من المدينة كمحمد بن مسلمة ومحمد بن حبيب وبعضهم من حضرموت فهذا صادر وهذا وارد، على رأس الحضرميين وائل بن أيوب والإمام عبدالله بن يحيى بن عمر بن الأسود عبدالله بن الحارث بن معاوية بن الحارث الكندي، وعلى رأس المغاربة الإمام
بن (1/155)
صفحة 138
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
بني سليمة من
حملة عبد الرحمن بن رستم الفارسي ومن عنده من العلم، ومن عمان عدد كبير على رأسهم المحدث الشهير صاحب المسند الربيع بن حبيب الفراهيدي وأبو حمزة المختار بن عوف بن سليمان مالك بن فهر الأزدي أحد بن عجز الباطنة، وبلج بن عقبة الفراهيدي من مجز أيضا، وقد اتخذوا على الغار سلسلة، فإذا أقبل أحد يخافون منه حركت فيسكتون ويشتغلون بصناعة، وإذا أمنوا اشتغلوا بالقراءة، قال أبو سفيان في وصفهم: حدثني وايل أيوب الحضرمي قال: لقد أدركت رجالا إن كان الرجل منهم لو ولي على الدنيا لاحتمل ذلك في عقله وحمله وفهمه وورعه وقال أبو عبيدة رضي عنه: عجبت لتقصيرنا في بقية عمرنا، ألا نعمة الله علينا وعليكم
القفاف
بن
ترون أن من
الله
أنا نرجو أن تصل مودتنا إلى أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود إلى أنبياء الله الأولين القدامي، فكيف تقصر مودتنا في إخواننا وشركائنا في حب الله وأعواننا على ذكره بالبر والتقوى، ولو تعلمون ما سبق به أولكم إن كنتم صادقين لحزنتم طويلاً والجهدتم بالليل كثيرا ولبكيتم كما بكى الذين من قبلكم من المسلمين. قال في بيان الشرع: باض الدين بمكة وفرخ بالمدينة، وطار إلى البصرة، ونهض إلى عمان. وقال أبو سعيد الكدمي: كان رجل من المسلمين يقال له خيار من أهل سمايل من عمان من طي، وهو خيار بن سالم، قيل له: أوص، فقال: بماذا أوصي؟ ما علي درهم ولا لي على أحد، درهم وكان يضرب به المثل: موتة كموتة خيار، وكان رجلاً فاضلاً، وكان يقول لأبي عبيدة في بعض كلامه: إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، لو كنت نبيا ما أجابك أحد، أنت شديد على الناس، فضحك أبو عبيدة رحمهما الله تعالى كني أبو عبيدة بابنته عبيدة، ولها آثار وأخبار فيما يتعلق بالنساء، ولأبي عبيدة مسائل وأقوال العمل على (1/156)
صفحة 139
فصل أبو عبيدة بن أبي كريمة
157
غيرها في المذهب الأباضي منها: جواز الفصل بين الصلاتين لمن جمع، ومنها: أن أكثر الحيض سبعة عشر يوما، ومنها: أن حدّ الحيازة عشرون سنة، ومنها: أن الموالاة والترتيب في الوضوء غير واجبين والممنوع مخالفة السنة. روى موسى بن علي عن أبيه عن جده أن أبا عبيدة أذن فنسي أن يقول: حي علي الصلاة، فلما فرغ قيل له: يا أبا عبيدة إنك لم تقل: حي على الصلاة، فقال:
حي على الصلاة. (1/157)
صفحة 140
فصل
الربيع بن حبيب (1/159)
صفحة 141
فصل الربيع بن
أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، الطود الأشم والبحر الخضم، أصله من فراهيد من غضفان، ونزل البصرة في محلة يقال لها الحربية، لم يتحقق معنا مولده ولا موته في أي شهر وفي أي سنة إلا أن الثابت وجوده في زمان جابر بن زيد المتوفي عام ثلاثة وتسعين، هجرية، إذ أدركه والربيع شاب، وروى عنه في المسند حديثا، وصلى عليه موسى بن أبي جابر المتوفى عام واحد وثمانين بعد المائة، فهو ما بين هذين التاريخين وشيوخه كثير يبلغ عددهم وعشرين شيخًا، ومن الممكن أن يقال: إنه من التابعين؛ حيث أدرك جابرا الذي وأنس بن مالك الصحابي في جمعة واحدة وغالب رواياته عن ضمام
مات هو
خمسة
بن السائب العماني وأبي عبيدة مسلم، فقد روى عن أبي عبيدة؛ ففي المسند الذي هو عمدة المذهب الاباضي من رواية الربيع عن أبي عبيدة ثمانية وثمانون حديثا، وجملة ما في الجزأين الأولين من المسند ستماية وأربعة وخمسون حديثا، منها مائة وخمسون حديثا لابن عباس وحديث أبي سعيد الخدري ستون حديثا، وحديث أبي هريرة اثنان وسبعون حديثا، غير الذي رواه عن عائشة أم المؤمنين وهي ثمانية وستون حديثا، وروى مراسيل جابر بن زيد التي تبلغ أربعا وثمانين ومائة حديثا، وهذا كله غير ما رواه عن أبي أيوب وعبادة وأبي مسعود وعلي بن أبي طالب هذا جميع ما في المسند المتداول بأيدي رجال المذهب الاباضي، وفي المجموع روايات ضمها إلى المسند العلامة المغربي أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أحاديث وآثار احتج بها الربيع على مخالفيه في مسائل الاعتقاد وغيرها. قال نور الدين السالمي: "وهي أحاديث
بن
الصامت
171 (1/161)
صفحة 142
162
فصل الربيع بن حبيب
صحاح يعترف الخصم بصحتها" وجعلها المرتب أبو يعقوب في الجزء الثالث من الكتاب، ثم إنه ضم إلى ذلك روايات محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي عن الربيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبدالرحمن الرستمي عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، ومراسيل جابر، وجعل الجميع في الجزء الرابع من الكتاب، فكانت أجزاء الكتاب أربعة الأولان في أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها بالسند العالي ويروي الربيع أيضا عن أبي نوح صالح بن نوح الدهان البصري العماني وأصله من طي، ويروي عن ضمام بن السائب حسبما ذكرنا، لكن روايته عن ضمام قد اعتنى بجمعها الشيخ أبو صفرة عبد الملك بن صفرة. كان أبوه حبيب بن عمرو أحد تلامذة جابر بن زيد. قال العلامة الشماخي: صحب الربيع أبا عبيدة فنال، وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل
فأنجح.
قال أبو سفيان: "لما أصاب أبا عبيدة الفالج وحضر خروج الناس الى الموسم، مضى إلى أبي عبيدة حاجب بعبد الله بن عبد العزيز ليرسله مع الربيع، فقال: لا أفعل، قال له: فالمثنى؟ قال: نعم فأرسلوا إلى المثنى فحضر، فقال: أشير عليكم ألا تفعلوا، فيقال: ما وجدوا من يبعثون مع الربيع في سنه وفضله إلا هذا الغلام، فازداد محبة بقوله في نفس أبي عبيدة وازداد عندهم رضي، فخرج الربيع
وحده. قال أبو سفيان: ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال: تقينا وأميننا وثقتنا.
قال أبو سفيان: "اجتمع وايل والمعتمر بن عمارة وجماعة إلى الربيع فسألوه أن يخرج إلى الموسم، فقال: ما عندي ما أتحمل به، فمشوا إلى النظر بن ميمون، وكان من خيار المسلمين ومن تجار، الصين فأعلموه بقوله، فأتاه بأربعين دينارا، (1/162)
صفحة 143
فصل الربيع بن حبيب
163
فقال له: حج بها، قال: فلم يقبلها، وكان به خاصا فأتاه وايل والمعتمر فقالا: تعلم يا أبا عمرو حاجة الناس إليك فأبيت أن تقبل من النظر، قال لهما: قال لي: خذها على أن تحج بها، ولست أقبلها على شرط، فرجعا إلى النظر، قال: خذاها وادفعاها إليه، ولست أظن أنه يكره ذلك، ففعلا، فأبا أن يقبلها". قال أبو سفيان: استحلف" أبو جعفر رجلا من أهل الموصل بالطلاق على رجل اتهم أن عنده ماله فحلف، فرجع الرجل إلى داره فوجد نعله، فكتب بالمسألة إلى الربيع فقال: لا بد أن يحضر الحالف فلما حضر جمع العلماء والأشياخ فاتفق رأيهم على أن الملوك لا يستحلفون على النعال وما أشبهها، والربيع ساكت، فقال الرجل: ما تقول يا أبا عمرو؟ فقال: أرى فراقها، فقال شعيب: إن الملوك لا يستحلفون على النعل قال: صدقت، ولكن صاحبنا قال: ما له عندي قليل ولا كثير، ولا تخلو النعل أن تكون من القليل أو الكثير، قال أبو العباس: إن يمينه انعقدت على علمه ولا علم له بالنعل، وأيضًا فإن لفظة عندي لا تلزمه ما ألزمه؛ لأن فيه تخصيصا لا يقتضي قصر الحلف، ولعله أخذ بالأحوط". قال أبو سفيان: ويرى التغليظ على من قال عليّ عهد الله وميثاقه، أو كافر يهودي أو نصراني. جاء نصر أبو محمد الأزدي إلى أبي عبيدة يسأله مسألة عن فأجابة، ثم قال: إيت الربيع، فلما حضر سأله فأجاب بغير جواب أبي عبيدة، فراجعه أبو عبيدة فيه وقال الذي حفظت عنك كذا، قال: أوقد حفظت؟ قال: نعم، قال للرجل: انظر ما قال الربيع فخذ به؛ فإنه عني حفظ. وكان أبو عبيدة في وقته ذلك في شكاية، وكان الربيع إذا سئل عن مسئلة أجاب عنها. (1/163)
صفحة 144
164
فصل الربيع بن حبيب
ثلاثة
قيل: ويقال له إذا أجاب عنها: عمن أخذتها؟ فيقول: حفظت الفقه عن أبي عبيدة وضمام وأبي نوح، هذا قول أحدهم، ولم يخف عليه قول واحد منهم. وسئل عن رجل مشتمل من البرد فيضع كساءه تحت قدميه ويسجد ويداه على الطيلسان، قال: هذا صنيعي، إلا أن يري أبو المضا غير ذلك، وكان أبو المضا من السند قد أدرك أهل النخيلة، قال أبو المضا: القول قولك.
ودخل عليه أبرهة بن عطية فقال: يا أبا عمرو رجل من إخوانك من أهل الشام، فكان يختلف عليه ويسأله عن الفقه زمانا، فحضر بعض المسلمين مجلسه فقال: سلّم على أخينا فسلَّم عليه، فقال: من أي البلاد؟ قال: من الشام، قال: من أهل الجزيزة قال: لعلك ابن عطية؟ قال: نعم، قال: أبا عمرو هذا الذي أهلك أهل خراسان وأبوه قبله، فلا يدخلن عليك، قال الربيع: أسرعت على الرجل، فخرج الرجل فأتى وائلا والمعتمر وعبد الملك وجماعة من فأعلمهم، فأتوا الربيع فقالوا: قربت بن عطية فقال: لا يجمل بمثلي أن أرد من يأتيني، مع أن الرجل لم يسألني عن شيئ أكرهه قالوا: فلا يدخلن عليك. فأتى فأستأذن فحجبه فقال: ما ظننت الربيع في فضله وعلمه وورعه وحلمه يرد مثلي، وإنما أسأله عما ينتفع الناس به من أمر دينهم، فبكى وانصرف، وارتحل
من جواره.
أصحابنا
وفي أيامه خالف عبدالله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وشعيب وأصحابهم في الجمعة، والمرأة التي تؤتى فيما، دون، وأن أهل القبلة المتأولين في الدين الذي ورد التشبيه مشركون ورد الربيع مقالتهم وبرئ منهم، وقد كانوا تكلموا
ما
يوهم (1/164)
صفحة 145
فصل الربيع بن حبيب
بذلك في أيام أبي عبيدة، فأنكرها عليهم وطردهم من المجلس، وأتوا حاجبا
165
والربيع فتابوا وأعادهم إلى المجلس، ثم أظهروها في أيام الربيع وتمادوا عليها. مات أبو عبيدة وعلماء الإباضية في المغرب وحضرموت وعمان والبصرة وخراسان والسند ومصر وكلهم يرجعون إلى الربيع بعده في مهماتهم، جمع أبو غانم بشر بن غانم الخراساني كتاباً جليلاً سماه «المدونة» عن سبعة تلامذة من الربيع، وغالب ما فيها فتاوى الربيع رتبها القطب بن يوسف، وجعلها في جزءين
ضخمين.
وحمل عنه العلم إلى عمان عدد كبير أشهرهم على الإطلاق خمسة: محبوب بن الرحيل (وهو ربيبه) وموسى ابن أبي جابر الأزكوي (من بني ضبة المتوفى ليلة أحد عشر من محرم سنة إحدى وثمانين ومائة سنة، وعمره أربع وتسعون سنة وأشهر) والثالث بشير بن المنذر النزواني العقري (جد بني زياد، من سامة لؤي بن غالب المتوفى سنة ثمان وسبعين وماية في (الربيع والرابع محمد بن المعلى الفشحي الكندي، والخامس المنير بن النير الريامي الجعلاني من قضاعة بن بن حمير وفي وفاته اختلاف فيه بعض التناقض.
بن
مالك
ولما وقع الاختلاف بين الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي والذين أنكروا إمامته، رضي الفريقان الربيع حاكمًا بينهم، وذلك في العقد الثامن بعد المائة، فكتب إليهم ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين، أما بعد: فقد بلغنا يا إخواننا ما كان قبلكم وفهمنا ما كاتبتمونا به، أما ما كتبتم به من أمر الشرط فليس من سيرة المسلمين أن يجعلوا الشرط في الإمامة أن لا يقضي أمرًا دون جماعة، ولو صح في الإمامة شرط لما أقيم الله (1/165)
صفحة 146
177
فصل الربيع بن حبيب
حق ولا حد، ولعطلت الحدود وبطلت الأحكام وضاع الحق، على أن الإمام إذا
قدم إليه سارق فلا
أن يصيب
يقيم عليه حدا فيقطع يده حتى تحضر الجماعة التي ذكرنا، أو زنى أحد فلا يرجم ولا يجلد حتى تحضر أيضًا، ولا يجاهد الإمام عدوا ولا ينهى عن فساد إلا بحضرة الجماعة المعلومة والجماعة يتعذر اتفاقها فالإمامة صحيحة والشرط باطل. وأما ما ذكرتم من تولية رجل من المسلمين إذا كان فيهم من هو أعلم منه فذلك جائز إذا كان الثاني من القناعة والفضل بمنزلة حسنة، فقد ولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وزيد بن ثابت أفرض منه، وعلي بن أبي طالب أقضى منه، ومعاذ ابن جبل أعلم منه، وهذا ليس فيه اختلاف لقول رسول الله: "أفرضكم زيد وأقضاكم على واقرؤكم أبي وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل" وقوله: "معاذ بن جبل سيد العلماء
سيحشر
غدًا
يوم القيامة أمام العلماء". وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لقد كان في البصرة بمنزلة إمام البيعة مع الإباضية فلا يقدمون ولا يؤخرون إلا
بمشورته، وكانوا يؤدون إليه زكاة أموالهم ليضعها حيث يشاء.
قال أبو سفيان وكان ربيبه) كتب إلي الربيع أن آتيه ولا أصوم في اليوم الذي فيه، فأتيته فأعطاني حمارا وقال اركب هذا الحمار في أحياء البصرة فطف واكتب لي من كان من المسلمين قال: محبوب فركبت الحمار وجعلت استخرج من على رأي المسلمين في أحياء البصرة وكتبتهم حتى بلغوا ثمانمائة وألف، ووجدت نساء من المسلمين قد تزوجن برجال من قومنا قد ماتوا وخلفوا أيتاما معهن، ولم يكن الربيع أمرني فيهم بشيء، فكتبتهم وميزتهم ليرى رأيه فيهم، فلما
رجعت إليه وعرفته أعطى أولئك اليتامى الذين من أولاد قومنا رحمة لأمهاتهم. (1/166)
صفحة 147
فصل الربيع بن حبيب
167
هذا وأخباره وآثاره مشحونة بها الكتب العمانية والمغربية، وقد شرح المسند الشيخ أبو ستة من علماء جربة بالجمهورية التونسية ولا تزال بها إلى اليوم بقية من رجال المذهب، وشرحه أخيرا نور الدين السالمي.
صالحة
وكانت له أقوال العمل على غيرها في المذهب الأباضي منها: عدم تحريمه نكاح المتعة، والصحيح معهم نسخها، ومنها قوله إن الصلاة لا يقطعها شيء، ومنها: أنه ينزل الأم منزلة الأب عند عدمه، ومنها: أنه يرى أن المكاتب عبد ما
بقي عليه شيء مما كوتب عليه ومنها أنه لا يرى الاستنجاء بالماء واجبًا. (1/167)
صفحة 148
فصل
في أصول الخلاف
بين الناس
وافتراق الأمة (1/169)
صفحة 149
فصل فى أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة
لا يخفى أن الأصول التي يرجع إليها جميع المسلمين على أنواع الاختلافات الكتاب والسنة والإجماع، ولكن الخلاف معهم في الإجماع والقياس، وهما الثالث والرابع من الأركان عند جمهور المسلمين المعتبرة أقوالهم وأفعالهم.
بينهم هي
من
قال بعض الفقهاء: عرض الاختلاف لأهل ملتنا من ثمانية أوجه كل ضرب الخلاف متولد منها ومتفرع عنها الأول اشتراك الألفاظ والمعاني. الثاني: الحقيقة والمجاز. الثالث: الإفراد والتركيب الرابع: الخصوص والعموم. الخامس: الرواية والنقل السادس الاجتهاد فيما لا نص فيه السابع: الناسخ والمنسوخ. الثامن: الإباحة والتوسيع.
وقال غيره: الاختلافات بين أهل المذاهب والأديان على أربع مراتب الأولى: الخلاف بين أهل الأديان النبوية وبين الخارجين عنها من الثنوية والدهرية، وذلك
في حدوث العالم وفي الصانع تعالى وفي التوحيد والثانية: الخلاف بين أهل الأديان النبوية بعضهم مع بعض، وذلك في الأنبياء، كاختلاف المسلمين والنصارى واليهود والثالثة الاختلاف المختص في أهل الدين الواحد بعضهم مع بعض في الأصول التي يقع فيها التبديع والتفجير، كالاختلاف في شيء من صفات الله تعالى وفي القدور كاختلاف المجسمة الرابعة: الاختلاف المختص بأهل المقالات في فروع المسائل كاختلاف الشافعية والحنفية.
فالاختلاف الأول يجري مجرى متنافيين في مسلكيه لآخذ طريق المشرق وآخذ طريق المغرب، أو آخذ طريق ناحية الشمال وآخذ طريق ناحية الجنوب. والثاني يجري مجرى الآخذ نحو المشرق وآخذ يمنة أو يسرة، فهو وإن كان أقرب من
171 (1/171)
صفحة 150
فصل في أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة
الأول فليس يخرج أحدهما أن يكون ضلالا بعيدا والثالث يجري مجرى آخذ جهة واحدة ولكن أحدهما سالك المنهج والآخر تارك المنهج. والرابع جار محرى جماعة سلكوا منهجًا واحدًا، لكن أخذ كل واحد شعبة غير شعبة الآخر، وهذا هو الاختلاف المحمود لقوله الله الاختلاف في هذه الأمة رحمة للناس ونحوه قال: كل مجتهد في الفروع مصيب. ولأجل الفرق الثلاث أمرنا أن نستعيذ بالله ونتضرع اليه بقوله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وقال وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى
نظير من
مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ الأنعام: 153.
أما أصول فرق المسلمين فثلاث: الخوارج والشيعة والمرجئة، وأما فروعهم فكثيرة جدا لا يحصرها الثلاثة والسبعون الواردة في الحديث، ولا تكاد تجد فرقة إلا وأهلها مفترقون قولا وعملا وربما يفضي بهم الحال الى القتال بعد الجدال. قال الأستاذ أحمد أمين: "وأحيانا يحكي القول من أقوال الفرق المختلفة على أنه مذهب ديني بحت ومسألة عقيدة صرفة مع أنا لو دققنا النظر في أصلها لوجدناه سياسيا، كمسئلة مرتكب الكبيرة، أكافر أم مؤمن، فالظاهر أن بحثها لم يكن بحثا لاهوتيا بحتا، وإنما منشؤها حكم الأحزاب السياسية بعضها على بعض، فالخوارج أثاروا المسألة من ناحية من اتبع عليًّا، أكافر أم مؤمن، ومن اتبع معاوية، أكافر أم مؤمن، كما نتساءل نحن اليوم ما حكم من اتبع مذهب كذا السياسي أخائن لوطنه أم غير خائن؟ إلى أن قال: أضف إلى ذلك أنه كان في كل حزب مكرة مهرة رأوا أن الناس في ذلك العصر لا يستهويهم القول بالصالح العام في دفاعهم إنما يدافعون عن الدين ويجردون السيف باسم الدين، فغرقت الأحزاب كلها في هذا البحر، واستعملت هذا السيف، وأثارت العواطف
172 (1/172)
صفحة 151
فصل في أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة
من
هذا الباب واستغلت عقول العلماء ليمدوها بما لديهم من علم في هذه
173
السبل، وانضم إليهم من لا يخافون الله، فإذا لم يجدوا في الدين شيئًا وضعوا له الحديث والأخبار الدينية، وبذلك كله كان الخلاف السياسي سببا كبيرا من أسباب الخلاف الديني، وسببا في العقايد والفرق". قلت: ويدل على ذلك ما رواه المبرد أن المهلب بن أبي صفرة كان يضع الأحاديث ضد الخوارج، وقال الإمام علي: الحرب خدعة، كما رواه البخاري عنه، والله ولي التوفيق.
مالك
بن
وقد ابتلي كثير من الناس بالقدح في أعراض بعضهم بعض؛ فتجد الشافعي يتكلم على الحنفي، والحنفي يسب الشافعي، حتى يفضي بهم القول إلى تحريم المناكحة بينهم. وروى ابن عبد البر أن ابن أبي ذيب تكلم في الإمام أنس بكلام غاية في الشناعة، كما تكلم عليه إبراهيم بن سعد والشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة، ولا تجد مذهبًا يخلو من قادح، الله المستعان قُلِ اللَّلهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يختلفون کے الزمر: 46. ولا تكاد تجد عالِمًا أو مذهبًا إلا وله قادح وعائب، قال
الزمخشري:
فإن سألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه كتمانه لي أس فإن حنفيا قلت قالوا بأنني أبيح الطلا وهو الشراب المحرم
وإن مالكيا قلت قالوا بأنني أبيح لهم أكل الكلاب وهمه وإن شافعيا قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ثقيل حلولي بغيض مجسم وإن قلت من أهل الحديث وحزبه يقولون تيس ليس يدري ويفهم تعجبت من هذا الزمان وأهله فلا أحد من ألسن الناس يسلم (1/173)
صفحة 152
174
فصل في أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة
غيره:
الشافعي يقول وهو إمامنا اللعب بالشطرنج غير حرام وأبو حنيفة قال وهو مصدق في كل ما يأتي من الأحكام شرب المعتقة السلافة جائز فاشرب على نغم من الأنغام والشيخ أحمد قال إن إلاهنا جسم يحل كسائر الأجسام والشيخ مالك للكلاب محلل وهم دعائم قبة الإسلام فاشرب وقامر بالجد وأطعم ميتة واحتج في كل بقول إمام واختلف العلماء في أمة النبي الا الله فقيل: المسلم والكافر، وقيل: المسلم فقط. أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة" قال نور الدين السالمي رضي الله عنه: وهي التي تثبت على كتاب وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وسنة الخلفاء المهديين عملا بوصية رسول الله الله فعن أبي نجيح العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. ولا يخفى أن السيرة التي كان عليها رسول الله الله وأبو بكر وعمر اختلفت في آخر
الله (1/174)
صفحة 153
فصل في أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة
175
خلافة عثمان وأن المنكرين عليه إنما طالبوه بتلك السيرة، فما زال يماطلهم والأحكام مضيعة، ثم طلبوا منه أن يعدل أو يعتزل، فأبى عليهم، وكلهم يد واحدة عليه، إلا من كان من خاصته وخدمه، فحاصروه طويلاً ثم قتلوه ولا منكر، ثم قدموا علي بن أبي طالب إمامًا على السيرة الغراء، فخرج معاوية عن طاعته خوفًا على ولايته أن تسلب ووازره عمرو على ذلك بعد أن اشترط عليه ما اشترط، ولبسوا على الناس أنهم يطلبون بدم عثمان، ثم نكث طلحة والزبير بيعة علي، فكانت وقعة الجمل، ثم سار إلى معاوية والمسلمون له مؤازرون ومناصرون فكانت وقعة صفين، ثم خدعوه بطلب التحكيم، وأعطى على ذلك العهود والمواثيق وإمامته واضحة نيرة فطلبوا منه الثبات على تلك السيرة الواضحة والتمسك بقوله تعالى: {فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فأبي عليهم، وخاصموه في المسألة فخصموه فلم يرجع، فتركوه وقدموا عبد وهب الراسي، وكان من أمر الحكمين ما كان من اتفاقهما على عزله، واختلافهما في معاوية فلم يرض بحكومتهما، فأين ما أعطى من العهد إن كان التحكيم حقًّا، وإن كان باطلا فعلام يلام ويقاتل من لم يرض به، فإن قيل إنما قاتلهم لأجل الخروج عنه لا لإنكار الحكومة، قلنا: إنما خرجوا بعد أن
الإمامة من
عنقه وجعلها إلى الحكمين يحكمان فيها كيف شاءا،
طاعة لمن لم يطع الله عز وجل، فعن أنس أن معاذ
بن
جبل رضي
الله
بن
خلع
أنه لا
الله عنه قال:
يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك
فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله: "لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل" الحديث في مسند أحمد وفي جامع الترمذي. وفي مسند أحمد أيضا
عن
حذيفة (1/175)
صفحة 154
176
فصل في
أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة
رضي
الله عنهما،
الله عنه قال: كنا عند النبي له جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي وتمسكوا بعهد "عمار فنص رسول الله الله في آخر عمره على من يقتدي به من
بعده وعلى من يهتدي بهديه وعلى من يسمع قوله قال: والأصحاب (يعنى تعالى اقتدوا بأبي بكر واهتدوا بهدى عمار وسمعوا قول ابن
الله
من
الأباضية) رحمهم مسعود، فهم على وصية نبيهم عليه الصلاة والسلام فهذا دليل أن الصواب ما عليه الأصحاب، وقد روت القوم أحاديث تقتضي سعادة عثمان أهل الأحداث المخصوصين، ولإن صحت تلك الأحاديث فلا يضرنا ورحمة الله واسعة، والأصحاب رحمهم الله تعالى قد حكموا في ذلك بحكم الله تعالى، ولا تناقض بين سعادتهم وحكم الله فيهم في هذه الدنيا، فكم محدود على الزنا والخمر هو في علم الله تعالى يموت، تائبا ظهرت توبته للناس وانسترت، ويؤيد ذلك ما في البخاري في فضل عائشة، عن الحكم سمعت أبا وائل قال: لَمَّا بعث علي عمارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم، خطب عمار فقال: "إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها" وذلك يوم الجمل. (1/176)
صفحة 155
خاتمة
في ذكر أقوال
العلماء المخالفين
والموافقين في
المذهب الأباضي (1/177)
صفحة 156
خاتمة في ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في
المذهب الاباضي
فمن المتقدمين المبرد، قال في الكامل: "قول ابن اباض أقرب الأقاويل إلى السنة". وابن حزم حسبما حكاه عنه ابن حجر في فتح الباري قال: "أسوأ
الخوارج حالا الغلاة وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية".
ومن المتأخرين العلامة الخليل حسن السندوبي محقق البيان والتبيين للجاحظ، قال في حاشية الجزء الثاني: "المذهب الاباضي، وأهل هذا المذهب من أفاضل القبلة وممن ينفرون من البدع التي ليست من الدين في شيء، ومن هنا يتهمهم بعض المسلمين بالتشدد وبعدم مسايرتهم للتقدم، بل يرمونهم بما هم منه براء، وقد كنت خدعت بقول خصومهم فرددت مجمل ما يتهمونهم به في بعض هوامش الجزء الأول، ثم تبين لي اليقين فيهم فعلمت أنهم من خيار المسلمين، وممن يرجعون في كل أمورهم من عبادة ومعاملة إلى الكتاب والسنة، ولا يرعك تنديد الجاحظ بهم؛ فإنهم كانوا فيما سلف خصومًا للمعتزلة رضي المسلمين كافة"
الله تعالى عن
وقال في الموسوعة العربية الميسرة: "إباضية فرقة من معتدلي الخوارج في البصرة والكوفة، تنسب إلى عبدالله بن اباض الذي عرف في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وعاصر عبد الملك بن مروان قام على أمرها من بعده أئمة متلاحقون، عمرت طويلا وانتشرت في أرجاء مختلفة، وهناك إباضيون حتى اليوم في عمان والجزائر وزنجبار، والإباضية لا تقول بكفر غير الخوارج ولا بشركهم، وتبيح الزواج منهم ترى ضرورة الإمامة بناء على اختيار الشيوخ وأهل الرأي
179 (1/179)
صفحة 157
180
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
وليس بلازم ظهورها دائمًا، فقد يبقى اختيار الإمام في طي الكتمان، تسلم بأصول الفقه التي قال بها أهل السنة فيما عدا الإجماع". وقوله "فيما عدا الإجماع" غلط؛ فان الإجماع ركن من أركان الدين عند الاباضية، ورابعه القياس بعد الكتاب والسنة.
قال عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي بدمشق في مقدمته على مسند الربيع وشرح نور الدين السالمي عليه قال: "وإذا اطلع المنصف على هذا الشرح وجد الشارح واسع الاطلاع، وألفى شرحه واضحًا مبينًا، وتعابيره صحيحة فصيحه، أسلوبها المساواة؛ فلا هي مسهبة مملة ولا مفرطة مخلة الإيجاز، وأما أبحاثه فيها فإنها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرا ما ينقل عن العلماء المخالفين كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، ويستشهد بأحاديث الشيخين وأئمة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدار قطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة، مما يدل على أن الاباضية في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة، والناظر في شرح النور السالمي عالم عمان يمتلئ طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من رجال غير المذاهب السنية من يستشهد برجال الحديث والفقه من أهل السنة إلا استشهاد نقد ورد، وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح ولا سيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني. المذهب الاباضي هو صحيح الأحاديث وأكثرها مما جاء في الصحيحين،
عليه
وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري، وغيره لكيلا يقع فيما وقع خصوم (1/180)
صفحة 158
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
الاباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنهم من الخوارج كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم".
الغلاة،
وقال السيد مصطفى بن اسماعيل المصري: "إن مذهب الاباضية نسبة إلى الإمام عبد الله بن اباض هو أقدم المذاهب تاريخا وأوثقها مصدرًا، وأصحها تأويلا، وأحفظها للباب طهارة الدين الحنيف ونقاوته وسماحته وزكاوته، وعلى ذلك فليس ثمت مراء في أنه هو الطريق الحق الذي كان يمضي عليه رسول الله والصحابة معه، وتلقاه عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل في اللوح
الله
عز وجل، وأنه هو الصراط المستقيم الذي دعانا الله إلى اتباعه
181
المحفوظ عن في قوله تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام: 153 وأن أصحابه العاملين بما فيه هم المؤمنون حقا، أهل الفرقة الناجية التي عناها رسول الله له في هذا الحديث الصحيح "بلوت" اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى فافترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابة فقال عز من قائل وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وبلوت النصاري فوجدتهم قد كذبوا على أخي عيسى فافترقوا على اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة ماخلا واحدة ناجية، وهي التي ذكرها الله في كتابه بقوله تعالى ذالك بأنَّ مِنْهُمْ فِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة ماخلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة أو كما قال صلوات الله عليه. قال: ولقد شهد بهذا الحق جميع الفلاسفة الفرنساويين الباحثين في الأديان الذين
و (1/181)
صفحة 159
182
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
وقفوا بكياسة أبحاثهم وسلامة قياسهم على أن نقاوة الدين الإسلامي لا تحصر إلا في مذهب أتباع ابن اباض". قلت: وحديث الافتراق رواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما، وقال الحاكم: إنه حديث كبير في الأصول. وقالوا في تفصيل الفرق: عشرون منها في المرجئة، وأربع وعشرون في الشيعة، واثنتا عشرة في المعتزلة، وسبع عشرة في المحكمة. وهذا الشيخ مصطفى المصري كان على مذهب الأشعرية فرجع إلى مذهب الاباضية.
قال العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسياني من علماء القرن الرابع بعمان: "فحصت الأديان ظهرا وبطنا فلم أجد دينا أصفى من ديننا، ولو علمنا غيره خيرا منه لما سمحنا لجهنم بأنفسنا، فعلينا في عصرنا وبعد زماننا أن نعتصم بحبل الله القرآن وما نقلته إلينا علماؤنا رحمهم الله, فهم الصادقون, فقد صدقناهم وقبلنا منهم، وتوكلنا على الله في تصديقنا وقال النبي "لا تجتمع أمتي على ضلال" فخص بقوله أهل هذه الشريعة وهم الشهداء على كل مذهب؛ لأنا رأينا الزاني والسارق وشارب الخمر والظالم في جميع المذاهب يسمون مؤمنين ورأيت هذا المذهب لا يفعل من هذه الأفعال القذرة قليلا ولا كثيراً ورأينا مذهبنا منزها عن القاذورات فعلمنا أنه هو الدين الذي لا يرضى الله إلا به؛ لأنه مذهب منزه صريح صحيح واضح من طريق الشريعة لا من طريق اللغة، والله أعلم" وقوله: لأن الزاني والسارق وشارب الخمر والظالم في المذاهب يسمون مؤمنين يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" رواه (1/182)
صفحة 160
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب
تاب
183
البخاري، وفي الجامع عن البخاري وغيره: "من زنا خرج منه الإيمان فإن تاب الله عليه"،، وفي رواية أخرى من زنا أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلة، فإن أقلع رجع إليه" وفي رواية "نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه والمعنى على هذا كله مع الأباضية أن مرتكب الكبيرة ينتقل من الإيمان إلى كفر النعمة، كما هو ثابت مقرر، ومعنى قوله "فهم الصادقون" يشير إلى قوله تعالى (وَكُونُوا مَعَ الصديقين له التوبة: 119 فكل من
119
يتحرج من فعل الصغاير ويهرب من ارتكاب الكباير فهو المؤمن حقا والصادق الله وعند الخلق صدقًا، عند نقله والأمين على قوله وفعله، ولا
الثقة وهو
يزهد في المذهب الاباضى قلة، رجاله، فهذا مما يشرف الكرام، فقد ركب نبي الله نوح سفينته ولم ينج غيرها من أهل الأرض، وهاجر إبراهيم وما عنده إلا لوط عليه السلام، وقال الله حكاية عن الملايكة الذين جاؤا إلى لوط فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ * الذاريات: 36 وقال فرعون في موسى وأصحابه إِنَّ هَؤُلاء لشرزمة قليلُونَ الشعراء: 54 وانظر إلى حال رسول الله وقلة أصحابه بالنسبة إلى أهل زمانه، وحالة الصالحين من أصحابه والتابعين وهكذا، قال الله تعالى وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِنْ عَهْدِ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ (الأعراف: 102 وقال إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ (ص: 24 وقال وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}
سبأ: 13.
قال القطب ابن يوسف وقد أقرَّ لي علماء الحرم أن دين الاباضية الوهبية خال من "البدعة قال: "وإذا كانت الاباضية الوهبية مع عملهم بتلك الطاعات وتركهم تلك المعاصي في ضلال، فمن يكون إذن على صواب، أهؤلاء الذين (1/183)
صفحة 161
184
من
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
يبولون على أعقابهم ولا يستجمرون، وتنجس ثيابهم ويصلون بها، وبلا استنجاء ولا غسل جنابة، ويشربون الدخان والخمر وأنواع المسكرات والمفترات ويعتقدون الرؤية التي توجب أن الله لونا وحلولا في مكان وجهات، ويطففون الكيل والميزان، ويسرقون المال، ويستعملون الربا، وتنكشف نساؤهم ولا يصونونهن، ويحكمون بالجور، ويأخذون الرشا، ويقارفون تلك المعاصي كلها غير الشرك، ويتركون الفرايض والطاعات غير التوحيد، فمن فعل ذلك منا أو منهم ومات غير تايب فهو في النار" قال نور الدين السالمي على أثره: "ومعناه أنهم يتركون الواجبات غير التوحيد ويفعلون المعاصي كلها، وهم مع ذلك لا يقطعون بالخلود على ذلك الفاعل، بل يقولون إنه يدخل الجنة قطعًا؛ لحديث قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وجوابهم نحن نقول: لا إله إلا الله ولا نزني ولا نسرق فيلزمكم أن تقطعوا لنا بالجنة، وإذا قطعتم لنا بالجنة فعلى ما الطعن في مذهبنا هذا على تسليم ما قالوه من ظاهر الحديث، وهو عندنا إن صح متأوّل بأن من قالها دخل الجنة وإن زنا وإن سرق قبلها؛ لأن الإسلام جب لما قبله، وهذا فيمن قالها واتبع العمل أو مات قبل أن يجب عليه العمل؛ لقوله عز من قايل إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ـ وقوله في إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) في كثير من الآيات، وقوله تعالى وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا كي الجن: 23 ولولا القطع بتعذيب التارك للفرض أو الفاعل للكبيرة إن لم يتب لما صحت الفرايض ولا اجتنبت المحرمات؛ فإنه يلزم عليه أن يكون فعل ذلك وتركه عليه سواء، وقد قال تعالى أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ مع القلم: 35 - 36 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
فصلت: 30 (1/184)
صفحة 162
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
185
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ كم الجائية: 21 وقال السالمي أيضا: "والله الذي لا إله إلا هو إن الحق لمع هذه العصابة" وقال في الجوهر: "ومن هنا القطع بهذا المذهب بأنه الأصل الذي عن ا النبي" وعنده أن الحالف بهذا لا يحنث؛ لأنه على يقين. قال العلامة الرباني المبارك جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي: "إني لأقسم بالله قسم من بر في يمينه فلا حنث، إن من مات على الدين الأباضي الصحيح غير ناكت لما عاهد الله عليه من قبل ولا مغير حقيقته كلا ولا مبدل طريقته أنه السعداء ومن أهل الجنة من مع الأنبياء والأولياء، وإن مات على خلافه فليس
له في الآخرة إلا النار وبيس المصير؛ لأنه الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى
تصرفون، على هذا إن شاء الله أحيا وأموت عليه، وعليه ألقى الله
رب العالمين"
نعشه منحرقا عن القبلة قبل أن
الله ولما توفي هذا الشيخ رضي عنه وضع يصلى عليه، فاستدار إلى القبلة كرامة له والكلام في هذا الموضوع كثير عن
السلف والخلف.
وقال العلامة ابن النظر من علماء عمان وشعرائها في القرن الخامس يذكر بعض رجال المذهب وصفاتهم.
من الإباضيين أهل الوجل والخوف الله وصدق العمل رهط ابن وهب وابن حصن الأفضل منهم حرقوص وابن نوفل عاطاهم الانزع كأس حنضل وسهم حين للحياة مشكل
1) شريح بن نوفل (1/185)
صفحة 163
186
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
وهل كعمار ليوم فشل ذاك خذين المصطفى المنتخل وهل كمثل جابر من رجل وهل له من خطل أو زلل أو في أصيل رأيه من خلل وهل كمرادس لخطب معظل أو كقريب عند هول مهول والثالث الزحاف يوم المحفل ووقعة النخلة ذات الشكل ويوم طواف الشهيد البطل ذاك أمرؤ شار زكي العمل وهل كأصحاب الجدار النبل من مشبه تحت عجاب القصطل أو كالجلندا بن مسعود الولي وهل كغسان فحسبي بجلي " وابن حميد ذي الأناة الجدل البر الكريم المجمل أو المهنا عند هول مهول
يفتر عن ناب زبون أعصل والصلت باب فتنة لم تقفل دبوا إليه في لهام جحفل وفي لفيف من رعاع رذل وا أولى دين ولا تعقل بلا احتجاج لا ولا تأول فأجمع الصلت على التحول وهو إمام لهم يعزل لم يقترف كفراً ولم يبدل أتاه ما ليس له من معدل ن قدر الله ولا من مزحل وهل كمحبوب ليوم معضل ليوم عوصاء ويوم النضل وابنيه ما إن لهما من مثل
1) بالحاء والخاء.
(2) أول إمام بعمان عام 132.
(3) بجلي وحسم سواء في
4) أعصل: أعوج.
ه مزحل تنحى
المعنى. (1/186)
صفحة 164
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
1
واذكر ربيعا وضمامًا وارحل إلى الإمام الحضرمي العبهل
وأين في الناس كموسى بن علي وابن أبي جابر" ذي الرأي الجلي وهاشم في السهل أو في الجبل أو كالمنير" في الليالي الطفل وابك على أبرهة والمفضل وطالب الحق بن يحيي المسبل
Y
"J
إمام صدق ليس بالسبهلل ولا بدهدن ولا بفهلـ ل يهتز للعرف اهتزاز المنصل قايده المختار " ذو التبدل
ذاك أبو حمزة ذو التخيل في الحرب والساحب عقد الأذيل يوم قديد أي يوم محفل مبهج للمسلمين مجذل حين تولوا كالجهام" المجحفل ووارث ذاك الذي لم يخمل أو كالحباري نفرت عن أجدل صكهم الشاري بكل هيكل"
187
1) أحمد بن سليمان الحضرمي.
2) بن الحصين أبي الحر التميمي جده مالك بن الخشخاش صحابي توفي في ربيع الأول عام 231 وسنه ثلاثون سنة. موسى بن أبي جابر، سبق تاريخ موته: أحد حملة العلم إلى عمان.
(4) من أهل سيجاء هاشم بن غيلان من حملة العلم إلى عمان.
(°
كذلك من حملة العلم ريامي سبق ذكره.
(1) أبرهة بن الصباح الحضرمي.
السبهلل: الباطل والضلال
وكذلك الدهدن والفهلل في معنى السبهلل، وفي نسخة ثهلل.
(9) المنصل السيف.
10) وهو المختار بن عوف الخطيب المشهور العماني.
11) التنقل.
(12) الجهام السحاب، وفي النسخة كالنعام.
13) الهيكل: الفرس. (1/187)
صفحة 165
188
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
با
وكل وشواش الذراع عيطل" فلم يزل مجتهدا لا يأتلي حتى مضى على السبيل الأفضل أم: رحمن خير السبل أولائك أنواء السماك الأعزل وهم سحاب في الجناب" الممحل أقمار دجن نورها لم يأفل أحبار ليل كالحني الذبل أنضاء صوم كالشنان النحل بيض الوجوه كالنجوم النصل شم الأنوف كالسيوف الفصل ذوو ابتس ام وذوو تهل مثل ابتسام العارض المستقبل هم المنار في المنار الأطول والأفضلون في الخيار الأفضل فاسأل فما العالم من لم يسأل أنا على قصد الصراط الأعدل لسنا كما أن سيم خسفا يدلل والأفضلون في الخيار الأفضل فاسأل فما العالم من لم يسأل أنا على قصد الصراط الأعدل لسنا كما أن خسفا يدلل في دينه وإن يكاثر يقلل نأخذ عن أصل قديم عدمل ليس بمعيوب ولا مستدخل بابن أم عبد وحذيف" نعتلي وبابن صوحان رؤوس القلل وابني بديل فهما عز علي
1) الوشواش: الخفيف.
(2) العيطل: الطويل.
الجناب: الفناء والرحل والناحية.
4) الحني: القسي.
ه) الفصل: القواطع.
(6) العدمل: القديم.
ابن مسعود وحذيفة بن اليماني.
(8) زيد بن صوحان قتل يوم الجمل مع الإمام علي.
(9) محمد وعبدالله ابنا بديل الخزاعيان.
سيم (1/188)
صفحة 166
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
نحن الاباضيين أسد الغيطل أسد عرين زارت لأشبل ننازل الأبطال تحت الأسل وتحت قصطال الخميس الغيطل ننازل الأبطال تحت الأسل وتحت قصطال الخميس الغيطل أبناء كل قاتل مقتل أجداثهم أضحت بكل منزل حواصل الطير وبطن الفرعل لا يفزعون من دنو الأجل الموت أحلى عندهم من عسل شيب لعطشان بماء سلسل بيض مخابيت قصارى الأمل رضوا من الدنيا بقوت الأكل وفارقوا الغيد ذوات الكلل لم تختلبهم بالعيون النجل ولا بفضفاض نعيم دعفل ولا سماع غناء زجل عن اللهو وقول الهزل قد ألفوا كل علندى أفتل
عالي التليل أرحبي عنسل" يغشونه كل نجاد جرول
4
يصعدونه كل مرتفع خشن وكل مطموس الصوى من الفل؛ ـز دي الله بالترحل ــن
في
العلم وفي التفضل وع
م
إلى أولى البسطة والتطول بكل شحشاح خميص الأيطل
يجيش نار الحرب جيش المرجل ما هو بالنكس ولا بالهوجل
189
1) الإخبات: الخشوع
(2) العلندى الغليظ البعيد ما بين الموفقين. (3) الأرجبي نسبة إلى قبيله والعنسل الخفيف.
(4) ممحو الطريق من الفيافي
(5) الضعيف الثقيل. (1/189)
صفحة 167
190
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
ولا بناء ناء ولا بزمل ولا ابن ثأداء ولا ابن ثهلل ولا بنقاف هبيد الحنضل إلا امرؤ شار زكي العمل لم يثنه في الله عذل العل لا يدع الحجة للتعجل عند انتهاز فرصة المستعجل يسعر نار الحرب حتى تنجلي شاكي السلاح غير جبس أعزل ولا يرى قتل كبير نهبل ولا اتباع دبر مستوهل ولا استباء مرضع ومعطفل ولا اغتنام سيد مؤثل ولا اعتراض الناس بالتعلل إن كان من بعض صنوف الملل فذاك حرم غير ما محلل
قلت: ويستأنس لهذا ما رواه أبو سفيان عن الربيع عن أزور قال: إن نسوة من نساء أهل عُمان استأذن على عائشة الله عنها فأذنت لهن، فدخلن عليها وسلَّمن عليها ثم قالت: من أنتن؟ قلن: من أهل عُمان، قال: فقالت لهن: لقد
سمعت حبيبي
رضي
عليه السلام يقول ليكثر ورّاد حوضي من أهل عُمان.
وما رواه الإمام أحمد من طريق أبي لبيد: قال: خرج رجل منا يقال له بيرح بن أسد فلقيه عمر فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل عُمان، فأدخله على أبي بكر فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله الله يقول: إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر. وفي صحيح مسلم: بعث رسول الله الله رجلا إلى قوم فسبوه وضربوه فجاء إلى
رسول الله الله فقال: لو أهل عمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك.
1) العاجز الضعيف.
الأمة الحمقاء العاجر. (1/190)
صفحة 168
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأبـ
وأهل عمان منذ وقع الافتراق بين المسلمين إباضية، ولبعضهم:
191
شمر لنشر العلم يابن معمر واكشف صفات أولى المكارم واظهر تلك الفضائل كل من يحيى بها يحيى بدين راسخ متطهر ذهبت عصور أشرقت نولاً بهم وتزينت أكوانا بالجوهر وعلا بهم دين المهيمن مدة ثم انجلوا عن واضح لم يستر وإذا خفيت على الغبي فعاذر أن لا تراني عين شخص أعور فربيعنا عن مسلم عن جابر عن عائش عن طيب عن أطهر عن لوحه المحفوظ عن رب العلى فاخضع لذا الإسناد طورا واشكر هل عندهم علم كجابرنا وهل كأبي عبيدة من فتي متذمر أو كالربيع ومن أتي من بعده طبقات خير فظلهم لم ينكر لو حيزت الدنيا لتدبير امرئ لرأيت عزما فوق عزم الأشتر فهم أسود الصبح رهبان الدجى هم مصابيح الظلام المعكر أكرم بهم من فتية والله قد سلكوا سبيل المصطفى لا تمتري هل عندهم أن الخلافة أحدثت فيهم عقيب المصطفى في محضر أم هذه قد حازها أسلافنا عملا بإجماع الصحابة فاخبر فبحضرموت طار فيها صيتهم بالدين والتقوى وصدق المخبر وأعز دين الله مغربنا فل أبناء فارس عن زمان مقمر هل زلزلت هماتهم من ركة أم صادفوا وهنا لهم في مضمر لله أيام مضت في: ونفوسة كم قد محت من منكر وابحث عراقا مع خراسان ومع أرض الحجاز تفز بخير مخبر (1/191)
صفحة 169
ذكر أقوال العلماء المخالفين والموافقين في المذهب الأباضي
فيضمر الأقلام يبلغ أهلها ماليس يبلغ بالجياد الضمر واقصد عمانا تخت أرباب العلى في بيضة الإسلام عند الأخضر تجد المرابع ناطقات بالذي قد كان فيها من بناء مزهر فبحبهم إن شئت أن تحيا فمت أولا فبالخسران عش في أخسر وبحبهم ترجى شفاعة أحمد صلى عليه الله ما سقم بري
192 (1/192)
صفحة 170
الباب الثالث
في ذكر انتشار
المذهب الاباضي
إلى المغرب والمشرق (1/193)
صفحة 171
الباب الثالث في ذكر انتشار المذهب الاباضي إلى المغرب والمشرق
قد ذكرت فيما مضى الأثر المشهور في بيان الشرع وغيره من كتب الأباضية قالوا: باض العلم بالمدينة وفرخ بالبصرة، وطار الى عمان؛ فقد انضم إلى مدرسة جابر بن زيد عدد كبير من العلماء والفقهاء وتخرج منها عدد إلى الآفاق ثم خلفه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفي زمانه أينع هذا المذهب الجليل وطاب نضجه وانتفع بثمره.
فمن رجاله المدنيين: محمد بن مسلمة ومحمد بن حبيب، وكلاهما من أهل المدينة وعبد العزيز القاري، ومن رجاله المكيين أبو الحر علي بن الحصين، ومن خزاعة عدد كبير ذكرهم محبوب بن الرحيل حوالي أربعمائة مقاتل انضموا إلى المختار بن عوف.
ومن البصرة: محبوب بن الرحيل وعبدالله بن أباض ومرداس بن حدير وقريب والزحاف، وعدد كبير يطول حصرهم كالإمام المحدث أبي عبيدة مسلم وغيره. ومن المغرب: سلمة بن سعد، وهو الذي دلّ أهل الجزائر وتونس وليبيا على
أبي عبيدة فجاء منهم عدد كعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبي
داود القبلي النفزاوى.
ومن مصر: شعيب بن المعروف وأبو إسحاق إبراهيم وابن عباد وليسع
علقمة.
وعيسى بن
195 (1/195)
صفحة 172
196
في ذكر انتشار المذهب الاباضي إلى المغرب والمشرق
ومن السند أبو المضا وأبو العباس ابن المريح والمهند بن سدها وأبو عبد الله محمد ابن بروزان.
ومن اليمن: الإمام أبو الخطاب المعافري. ومن حضرموت: وايل بن أيوب والإمام طالب الحق الكندي، وخلق كثير يطول، عدهم، وقال النور السالمي: كان أهل حضرموت كلهم أباضية، ومنهم: أبرهة بن الصباح.
عمان ومن
وهم
الأصل لهذا المذهب وكفى بجابر بن زيد والربيع بن حبيب
والجلندا ابن مسعود وأبي حمزة المختار بن عوف وبلج بن عقبة.
ومن أهل الموصل: أبو بكر يحيى بن زكريا الموصلي، وهو عالم جليل له آثار حميدة، جاء يبحث عن الدين فلما التقى بأبي عبيدة مسلم وأخبره عن معتقدات الأباضية اعترف لهم بصحة ديانتهم وكان قد ناظر كثيرا من العلماء فلم يقنع بهم. ومن خوارزم أبو يزيد الخوارزمي. ومن أهل خراسان: هلال منصور وهاشم بن عبدالله. ومن البحرين: خلف بن زياد البحراني.
بن عطية وأبو
وبلغت دولة الرستميين في المغرب مسيرة ثلاثة أشهر واجتمع لبعض الأئمة ما يزيد على ثلاثمائة ألف جندي وأكثر من مائة ألف فارس وولد لهم في بعض
السنوات في طريق الحج ثلاثمائة مولود منهم العلامة الجليل عمروس بن فتح. (1/196)
صفحة 173
فصل
في أئمة الإباضية
بحضرموت ومنها
أول إمامة انبثقت
إلى اليمن ومكة
والمدينة المنورة (1/197)
صفحة 174
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت
إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
بن
قال في كتاب السير: "أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن عمر بن الأسود عبدالله بن الحارث بن معاوية بن الحارث الكندي كان قاضيا لإبراهيم بن جبلة عامل القويسم على حضرموت، وهو عامل مروان على اليمن، فأظهرا باليمن و حضر موت جورا كبيرا، ففزعت الناس إلى عبد الله بن يحيى، فكاتب أبا عبيدة فقال: إن استطعت فلا تبقى يوما واحدا وأرسل إليه بأبي حمزة المختار بن سليمان بن مالك بن فهر الأزدي، أحد سليمة، وأرسل إليه: إنا
بن
بني
عوف بعثنا إليك برجل إنجيله في صدره، وأرسل إليه ببلج بن عقبة الأزدي، وكلاهما من أهل عمان وكتب إليه: إنا بعثنا إليك إثني عشر رجلا وألفا، بلج بن عقبة" انتهى كلام صاحب السير.
بالألف ويعني
قال أبو الفرج في الأغاني: "إن عبد الله بن يحيى الكندي أحد بني عمرو بن معاوية، كان من حضرموت، وكان مجتهدا عابدا، وكان يقول قبل أن يخرج: لقيني رجل فأطال النظر إلي وقال: ممن أنت؟ فقلت: من كندة، فقال: من أيهم؟ فقلت: من بني شيطان، قال: والله لتملكن ولتبلغن خيلك وادي القرى، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك، فذهبت أتخوف ما قال وأستخير الله فرأيت باليمن جورا ظاهرًا وعسفًا شديدا وسيرة في الناس قبيحة فقال لأصحابه: ما يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا الصبر عليه. وكتب إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي يقال له كودين قلت: لم نعرف هذا اللقب له إنما المعروف بالقفاف) قال: وهو مولى بني تميم وكان ينزل في الأزد وإلى غيره من الإباضية
199 (1/199)
صفحة 175
200
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
بني
في البصرة يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل؛ فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، والله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه ويخص بالشهادة منهم من يشاء. قال: وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي أحد سليمة وبلج بن عقبة السقوري (قلت ولم نعرف السقوري، إنما هو الفرهودي) في رجال الإباضية فقدموا إليه حضرموت فحثوه على الخروج وأتوه بكتب أصحابه إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا، واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم، فقد علمتم أن الذي أخرجهم على السلطان العبث لأعمالهم، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار الإمارة، وعلى حضرموت إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فأخذوه فحبسوه يوما ثم أطلقوه، فأتى صنعاء وأقام عبدالله بن يحيى بحضرموت وكثر جمعه، وسموه طالب الحق، قلت: زاد في شرح اللامية لما بعث أبو عبيدة أبا حمزة ومن. معه أنشد من الرجز.
اذهب إلى الشارين يا بـ
قاموا الرضوان مليك العزة
ـدد للقـ
أنت وإخوانك واتل أمرهم
حتى أتوا إمامهم في
سلموا
واستبشروا بالعرف لما قدموا
وش
وقال ابن الأثير: كان اسم أبي حمزة المختار بن عوف، وكان أول أمره أنه كان من الخوارج الإباضية يوافي كل سنة يدعوا الناس إلى خلاف مروان بن محمد فلم يزل كذلك حتى وافى عبدالله بن يحيى المعروف بطالب الحق في آخر سنة ثمان وعشرين ومائة فقال له: يا رجل أسمع كلاما حسنا وأراك تدعوا إلى حق فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي فخرج حتى ورد حضرموت فبايعه أبوحمزة على (1/200)
صفحة 176
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل، مروان وكان أبو حمزة اجتاز مرة بمعدن بني
201
سليم والعامل كثير بن عبد الله فسمع كلام أبي حمزة فجلده أربعين سوطا، فلما ملك أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهما ما كان. قال أبو الفرج: فكتب طالب الحق إلى ما كان من أصحابه بصنعاء إني قادم إليكم ثم الله استخلف على حضرموت عبد بن سعيد الحضرمي، وتوجه إلى صنعاء سنة تسع وعشرين ومائة في ألفين وبلغ القاسم بن عمر أخا يوسف بن عمر وهو عامل مروان بن محمد على صنعاء مسير عبد الله بن يحيى فاستخلف على صنعاء الضحاك بن زمل وخرج يريد الإباضية في سلاح ظاهر وعدة وجمع كثير. قال شارح اللامية: عدة أصحاب عبد الله بن يحيى أربعة آلاف وأصحاب القويسم أو القاسم ثلاثون ألفا. قال أبو الفرج فعسكر على مسيرة يوم من أبين وخلف فيها الأثقال وتقدمت المقاتلة، فلقيه عبد الله بن يحيى بلحج قرية من أبين قريبا من صنعاء، وخندق فأقبل عبد الله فنزل جوين على ميلين من معسكر القاسم، فوجه القاسم يزيد بن الفيض في ثلاثة آلاف من أهل الشام وأهل اليمن فكانت بينهم مناوشة ثم تحاجزوا فرجع يزيد إلى القاسم بياتهم فأبى أن يأذن له فقال له يزيد والله إن لم تبيتهم ليغمنك، فأبى أن يأذن له وأقاموا يومين لا يلتقون، فلما كان في الليلة الثالثة أقبل عبدالله بن يحيى فوافى مع طلوع الفجر فقاتلهم الناس على الخندق فغلبتهم الخوارج عليه، ودخلوا عسكرهم والقاسم يصلي فركب وقاتلهم الصلت بن يوسف فقتل في المعركة وقام يأمر الناس يزيد بن الفيض فقاتلهم حتى ارتفع النهار ثم انهزم أهل صنعاء، وأراد أبرهة بن الصباح اتباعهم فمنعه عبدالله بن يحيى واتبع يزيد بن الفيض القاسم بن فأخبره الخبر فقال القاسم:
عمر
فاستأذنه
في (1/201)
صفحة 177
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
ألا ليت شعري هل أذودَنَّ بِالقَنَا و بالهندوانيات قبل ماتي وهل أصبحن الحارثين كليهما بطعن وضرب يقطعُ اللَّهَواتِ قال: ودخل عبدالله بن يحيى صنعاء فأخذ الضحاك بن زمل وإبراهيم بن جبلة بن مخرمة فحبسهما، وجمع الخزاين والأموال فأحرزها. قلت: وفي فقه الإباضية أنه فرقها على الفقراء باعتبارهم ظالمين في أخذها وقد جهل أربابها المأخوذة منهم، وكل مجهول ربه فمرجعه الفقراء قياسا على اللقطة والله أعلم.
قال شارح اللامية: لما ضبطوا حضرموت ساروا يريدون اليمن فأقبل إليهم القويسم من صنعاء حتى لقيهم بقرب أبين فوجد بها عمر بن السمان على السواقي فنزعوها من عنده، فأخذوها فبايعهم عمر في أربعين فارسا، ثم غدر بهم وهرب إلى القويسم فقرب بعضهم من بعض ونزل القويسم بالسرادقات يعني
الأخبية والقراميط والأدفان واللعب ونزل المسلمون يقرأون المصاحف
ويستفتحون
الله
وقد أضر
فقال:
من ضعف
بهم
الحال، فلما رأى أصحاب بن يحيى كثرة القوم
منهم أهجم عليهم بالليل فإن كانت لنا أصبحنا وإن كانت
علينا نجونا في سواد الليل فأبى ابن يحيى وأمر أن ينادى في الناس من لم يرد القتال فلينصرف في ليلته فانكشف الناس إلا ألفًا وستمائة رجل وقد أمر ابن يحيى على كل عشرة من أصحابه رجلاً، ولم يزل من المسلمين تلك الليلة قوم لم أصبحوا وصلى بعضهم ظهور الصبح وأمرهم ابن
يناموا، بل يدعون
الله
حتى
يحيى إذا رأوه أن يحملوا فاقتتلوا فهزمهم ابن يحيى وأصحابه وكان المسلمون هموا بالانهزام حتى أزيلوا عن مكانهم، فنادى ابن يحيى في أصحابه وصوت ببلج بن عقبة وبأبي عمارة وهو يومئذ ابن عشرين سنة: أينما كنتما تعدانني وأصحابكما
202 (1/202)
صفحة 178
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
أتريدون إلى الجنة أم إلى النار أم إلى الدنيا، فوالله ما تمتعون إلا قليلاً، فحمل وحمل أصحابهما فقصدوا إلى لواء القويسم فقال: ما لكم لا تحملون، وقال: إن اللقاء أهون من المصيبة، وقال: من سبق منكم إلى اللواء فليأخذه، فحملوا فهزم عدو المسلمين وانهزم القويسم بعد أن قتل أصحابه أربعمائة رجل. وقال أبو الفرج: ثم أرسل إلى الضحاك وإبراهيم فأرسلهما وقال لهما: حبستكما خوفا العامة، وليس عليكما مكره فأقيما إن شئتما أو أشخصا، فخرجا.
الله
203
عليكما من وقال أبو الفرج: فلما استولى عبد الله بن يحيى على اليمن خطب الناس فحمد الله جل وعز وأثنى عليه وصلى على نبيه ووعظ وذكر وحذر ثم قال: "إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإجابة من دعا إليهما، الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا رضينا بالحلال حلالاً، لا نبغي به بديلاً ولا نشتري به ثمنا قليلا، وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى وعليه المعول، من زنا فهو كافر ومن سرق فهو كافر ومن شرب الخمر فهو كافر ومن شك في أنه كافر فهو كافر. "قلت: ولم يثبت هذا في الخطب التي نقلها الإباضية عن طالب الحق وقائده المختار كما سيأتي ومعناها صحيح عندهم، وهذا هو كفر النعمة الوارد في الكتاب العزيز ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ آل
"
عمران: 97. وقوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ المائدة: 44. وهو عام لكل من لم يحكم بما أنزل الله وهو قادر، ولكل من ترك الحج وهو مستطيع. وفي صحيح البخاري حديث امرأة ثابت بن قيس المختلعة التي قالت: إني أخاف الكفر في الإسلام، وحديث النساء يكفرن. وفي صحيح (1/203)
صفحة 179
204
فصل في
الشاك
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
مسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". وفيه: "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت". وفيه: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم". وفي صحيح مسلم أيضا: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما"، وفي رواية أخرى "أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه، وفيه ليس من رجل ادعا لغير أبيه وبعلمه إلا كفر، ومن ادعا ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلاً بالكفر وقال عدوّ الله وليس كذلك إلا حاد عليه" والأحاديث كثيرة في الصحاح تثبت كفر مرتكبي الكبائر من هذه الأمة فلا معنى للانتقاد للقائل به، ومعنى في كفره كأقرانه راد للأحاديث المتواترة انتهى. وقال أبو الفرج: ثم قال طالب الحق في خطبته: "ندعو إلى فرايض بينات وآيات محكمات وآثار مقتدى بها، ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الرب واليقين بالوعيد والوعد وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية لأهل ولاية الله والعداوة لأهل عداوة الله، أيها الناس إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون على الألم في جنب الله تعالى يقتلون على الحق في سالف الدهور، شهداء فما نسيهم ربهم وما كان ربك نسيا، أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به، فأبلوا الله بلاء حسنا في أمره وذكره، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". (1/204)
صفحة 180
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إم
انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
205
قال: وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا يحسن السيرة فيهم ويلين جانبه لهم ويكف عن الناس، وأتته الشراة من كل جانب.
قال: فلما كان وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف وبلج ابن عقبة وأبرهة بن الصباح إلى مكة في تسعمائة وقيل بل في ألف ومائة، وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس ويوجه بلجا إلى الشام وأقبل المختار إلى مكه فقدمها يوم التروية
وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وأمه بنت عبد الله خالد
بن
بن
أسيد، فكره قتالهم. وقال في بيان الشرع: قال أبو سفيان أخبرنا عيسى ابن أبي
عمرو
قال: وأدركته وهو شيخ كبير، قال: بعث مروان بن محمد إلى أبي الحر إذ كان بمكة فأخذه فشده في الحديد وأخذ رجلاً من الرافضة يقال له أصفر فشده في الحديد، ثم ساروا بهما إلى نحو مروان قال عيسى: فخرجنا في أربعة عشر المسلمين نتبعه قال: فلما أقلنا أرسلنا إليه إنا نأتيك الليلة قال: فقال:
رجلا من لا تفعلوا مكة قريبة والطلب، سريع قال فسايرناه على طريق الساحل وغلامه يأتينا بخبره ويأتيه بخبرنا قال: فما زلنا نطلب إليه نسأله أن يدعنا حتى نخلصه من أيديهم قال: فكان يأبى علينا ذلك حتى جاوزنا المدينة بمراحل فأرسلنا إليه أن قد قربنا من الشام وقراها فدعنا نأتيهم الليلة فأبى فأرسلنا إليه أنا نأتيهم على كل حال فتباطأ في وضوئك حتى لا يعجلوا الرحيل ليقعدوا مقاعدنا قال: ففعل قال: فتقدمنا أمامهم فنزلنا عن رواحلنا وعقلناها بعيدا عن الطريق فحملنا فحتمنا عليه فلما دنونا منهم وثبنا في وجوههم بالتحكيم والسيوف مصلتة. قلت: معنى قوله بالتحكيم أي لا حكم إلا الله، وهذه هي الكلمة التي أصبحت نافذة المفعول قولاً وفعلا، وأقل ما فيها إغاظتهم بها قال: فألقوا بأيديهم وقالوا (1/205)
صفحة 181
206
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
الأمان قال: فبادر رجل منا فأعطاهم الأمان، فشق ذلك على أبي الحر فقال: أما إذا فعلتم ما فعلتم فلا تفتحوا منهم أحدا قال: فأسرناهم وخرجنا بهم عن الطريق حتى أبعدناهم إلى الساحل فأعطيناهم العهد والميثاق، ثم خلينا سبيلهم واحتملنا صاحبنا وفككنا عنه جامعته وفككنا عن الرافضي، ثم أقبلنا حتى دخلنا مكة ونحن مستخفون قال: فلما بلغنا مرّ: (قلت: بين مكة ومرّ خمسة أميال) قال: أرسلنا إلى أهلينا يأتوننا بالنفقة قال: وركب أبو الحر وكان أيام الحج قالوا: فخرجنا معه إلى منى ولم نحرم ثم انصرفنا إلى عرفة ونحن غير محرمين قال: وكنا ننتظر إذ ذاك أبا حمزة قدم علينا: قال فلما كان وقت الرواح إلى الموقف إذا نحن بنواصي خيل أبي حمزة قد طلعت قال: فلما رآهم أبو الحر أمرنا أن نغتسل ونحرم قال: ففعلنا وكشفنا الغطاء عن أبي الحر ثم خرجنا حتى دخلنا إليهم في عسكرهم، ونظر أهل مكة إلى أبي الحر فأنكروه، فأقبلوا يقولون: ما ترون وهذا أبو الحر قال: وكان على الموسم رجل من بني مخزوم يقال له عبد الواحد قال فأرسل الخطباء إلى أبي حمزة من قريش وغيرهم قالوا فأتونا في جماعة قال فخرج إليهم أبو حمزة وعليه أنت أخضر وإزار متوزر به: قلت: ولم أعرف الأنت ولعله تصحيف قال: وتنكب قوسه فتكلم أولئك الخطباء فعظموا حرمة الحج ويوم عرفة ما قدروا عليه، واطنبوا في كلامهم قال فلما فرغوا من كلامهم تكلم أبو حمزة فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما ما ذكرتم من تعظيم هذا اليوم فإنكم لم تبلغوا إلى ذلك، ثم ذكر جور بني أمية وما هم فيه من الفسق والظلم قال: فأفحم القوم وسمعوا كلاما لا يعرفونه قال: فرجعوا إلى عبد الواحد فأعلموه جميعا الرجل وما قدرنا نجيبه قال فارجعوا إليه فاسألوه الموادعة هذه الأيام على أن لا نعرض له ولا يعرض لنا قال فرجعوا لنا قال: فأعطاهم ذلك أبوحمزة قال فوقفنا (1/206)
صفحة 182
فصل في ا
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
207
مع الناس، ثم أفضنا إلى جمع ثم إلى منى، فنزلنا في مؤخر منى في عسكرنا، وكانت هليبة المهلبية إذا ذاك قد حضرت الموسم وكانت من خيار المسلمات وفضلائهن وهي أم سعيدة، فعالجت لهم طعاما فبعثت مع أبي واقد وابنه، وقد كانا فاضلين فأخذهما الحرس فقالوا: ما معكم من السلاح ففتشوا فلم يجدوا سلاحا قال: وكان طعاما كثيرا قال وحبسوهما قال: فلما أصبح أرسل إلى الوالي أنه قد كان النقض من قبلك فإن شئت ناقضناك وإن شئت فف بعهدك، قال: فأرسلهما قال: وأتم العهد حتى فرغ الناس من مناسكهما وصاروا إلى مكة، قال: فخرج عبد الواحد وخلّى مكة. قال أبو سفيان: وكان بلج بن عقبة يأتي يرمي الجمار في الخيل والسلاح قال فكان أبو حمزة يقول له: رحمك الله ما يدعوك إلى هذا لو جئت متنكرا حتى ترمي قال وكان يقول: لا والله لا أفعل لا آمن غدرهم بنا ونقضهم، فإن فعلوا كنا قد استعددنا لهم، وكان فاضلاً حبرا الله. قال: فقام أبو حمزة في ذي طوى وكان يرحل فيجمع ثم يرجع
شجاعا
رحمه
إلى ذي طوى قال: واجتمع إليه من نواحي مكة رجال من خزاعة مسلمون في نحو أربعمائة رجل قال: ثم خرج إلى المدينة فخرجوا إليه فبلغوه بقديد قال: وكان فيما يراجعهم بالكلام فيقول: إنا ندعوكم إلى الله وإلى كتابه فإلى ما تدعونا؟ قالوا: ندعوك إلى طاعة مروان فيا سبحان الله! ندعوكم إلى الله، وتدعونا إلى طاعة مروان، فاقتتلوا فقتل منهم نحو من أربعة آلاف، قال: وأصيب مع أبي مكة أبو عمرو وابنه وكانا من أفاضل المسلمين انتهى. وحفظت أن
حمزة يوم أبا حمزة جبا مكة عقالين. وقال في شرح اللامية فلقيهم أبو حمزة بقديد في ثمانية آلاف فهزمهم وقتل أميرهم مع ألفين ومائة وخمسين رجلاً، وتوجه إلى المدينة وعلى مقدمته بلج بن عقبة الفرهودي فدخلها وخطب على منبر رسول (1/207)
صفحة 183
الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا أيها الناس إنا نخيركم في ثلاث خلال أيما شئتم فخذوا لأنفسكم رحم الله امرءا أخذ الخيار لنفسه، إما قابل لقولنا وداين بالذي قلنا، وحملته نيته على أن يجاهد معنا بنفسه فيكون له من الأجر ما للمجاهد منا ومن قسم هذا الفيء ما لأفضلنا، وعارف بهذا الأمر مقيم في داره يدعو إليه بقلبه ولسانه فعسى أن يكون أحسن منزلة منا، وثالث كره قولنا آمنا على أهله وماله، ويكف عنا يده ولسانه، فإن ظفرنا ولم يعرض نفسه لم نسفك دمه وإن أن نحن قتلنا كان قد كفى مؤنتنا وعسى يعمر في كفره إلا قليلاً، ثم وجه بلج بن عقبة الأزدي وأبرهة بن الصباح الحضرمي إلى الشام في ستماية وقال بعض في سبعمائة وقال: لا ننتهي أو نربط خيلنا بالزيتون فلقيهم رسول مروان بن واسمه عبد الملك بن عطية في اثني عشر ألفًا فيهم أربعة آلاف فارس، فالتقوا بوادي القرى فهزمهم بلج بن عقبة فصاح ابن عطية بأصحابه: يا أهل الشام يا أهل الحفاظ، فعطفوا على بلج وأبرهة فقتل بلج ومن شاء الله من أصحابه، ونجا منهم قوم فلحقوا بأبي حمزة فتأخر أبوحمزة في مكة فوافى عدو عطية إلى مكة وقاتلهم أبو حمزة بعد الاحتجاج، فقتل هو وأبرهة وأبو الحر ومن الله من أصحابهم وانهزموا، وبلغنا أن أبرهة كان يرتجز ويقول:
شاء
الله
عبد الملك
أنا الغلام الحضرمي الشاري مهذب لا يصطلى بناري
قراري وجاء بي من وطني وداري
حب جلاد القوم في الصحاري
محمد
بن
ثم توجه عبد الملك بن عطية إلى اليمن يريد عبد الله بن يحيى فقاتلهم وناشدهم أصحابه أن لا يخبروا به خوفا أن يوجه به أسيرًا وأقبل يصادمهم ويقول شعرا: (1/208)
صفحة 184
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
209
أحمل رأسا قد مللت حمله وقد كرهت دهنه وغسله
هل من فتى يحمل عني ثقله إن الشقي من تولى قتله
وقاتل حتى قتل. وقال أبو الفرج في كتاب الأغاني وذكر ما حكاه ابن الأثير من جلد كثير والى المعدن لأبي حمزة عام ثمانية وعشرين قال: فلما كان في العام المقبل تمام تسعة وعشرين وماية لم يعلم الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود حرمية في رؤوس الرماح وهم سبعمائة. هذا وذكر المدايني أنهم كانوا تسعمائة أو ألفا وماية، ففزع الناس حين رأوهم وقالوا لهم: مالكم وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبري منهم فراسلهم عبد الواحد بن سليمان وهو يومئذ على المدينة ومكة والموسم ودعاهم إلى الهدنة فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جميعًا آمنون، بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النفر الأخير، وأصبحوا فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع عبد الواحد بالناس، فلما كانوا بمنى قالوا لعبد الواحد: إنك قد أخطات فيهم، ولو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس، فنزل أبو حمزة بقرن الثعالب من منى، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن حسن بن علي ومحمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عمر بن حفص العمري وربيعة بن عبد الرحمن في رجال من أمثالهم، فلما دنوا من قرن الثعالب لقيتهم مصالح أبي حمزة فأخذوهم فدخل بهم على أبي حمزة فوجدوه جالسا فقالوا: بعثنا الأمير برسالة وهذا ربيعة يخبركها، فلما ذكر ربيعة نقض العهد قال بلج وإبراهيم: وكانا قائدين له الساعة فأقبل عليهما أبو حمزة وقال معاذ الله أن ننقض العهد أو (1/209)
صفحة 185
210
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول!
إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
نخيس به، والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ولكن تنقضي هذه الهدنة بيننا وبينكم، فلما أبي عليهم خرجوا فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد وخلى مكة لأبي حمزة فدخلها بغير قتال، وأنشد لشاعر لم نحفل به: زار الحجيج عصابة قد خالفوا دين الإله فقر عبد الواحد ترك الإمارة والحلايل هارباً ومضى يخبط كالبعير الشارد
لو كان والده تخير أمه لَصَفَت خلايقه بعرق الوارد
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة فدعا بالديوان، وضرب على الناس البعث وزادهم في العطاء عشرة عشرة، قال: واستعمل عبد الواحد عبد العزيز
بن عبد الله
بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا، فلما كان بالحرة لقيتهم جزر منحورة فمضوا، فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح وتشاءم الناس بالخروج، ثم ساروا حتى نزلوا قديدا فنزلوها ليلا، وكانت قرية قديد من ناحية القصر والمنبر اليوم وكانت الحياض هناك، فنزل قوم مغترون ليسوا بأصحاب حرب فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من الفصل، فزعم بعض الناس أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم وأدخلوهم عليهم فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش، وهم كانوا أكثر الناس وبهم وكانت الشوكة، فأصيب منهم عدد كثير. قال: ثم ورد فلال الجيش المدينة، وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح، فلا تزال المرأة يأتيها الخبر بمقتل حميمها فتنصرف حتى ما يبقى عندها امرأة، فأنشدني أبو حمزة هذه الأبيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه لبعض أصحابهم:
يا لهف نفسي ولهف غير نافعة على فوارس بالبطحاء أمجاد (1/210)
صفحة 186
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
عمرو وعمرو وعبدالله بينهما وابناهما خامس والحارث الساد
211
قال: وكتب عبد الواحد إلى مروان يعتذر من إخراجه عن مكة، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامله على المدينة يأمره بتوجيه الجيش إلى مكة فوجه ثمانية آلاف رجل من قريش والأنصار والتجار أغبياء لا علم لهم بالحرب فخرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو لا يظنون ان الخوارج شوكة ولا يشكون أنهم في أيديهم وقال رجل من قريش: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء، ولكنهم داهنوا في أمر الله تعالى، والله إن ظفرنا لنسيرن إلى أهل الطائف فلنسبينهم ثم قال من يشتري مني سبى أهل الطائف، فلما انهزم الناس رجع ذلك الرجل القائل من يشتري مني سبي أهل الطائف في أول المنهزمين، فدخل منزله وأراد أن يقول الجاريته: اغلقي الباب فقال لها: غاق باق، ولم تفهم الجارية قوله حتى أومأ اليها بيده فأغلقت الباب، فلقبه أهل المدينة بعد ذلك "غاق باق" قال: ولما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكة إبراهيم بن الصباح وشخص إليهم وعلى مقدمته بلج بن عقبة، فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها وأهل المدينة نزول بقديد قال لأصحابه: إنكم لاقون قومكم غدا، وأميرهم فيما بلغني عثمان أول خالف من سيرة الخلفاء وبدل سنة رسول الله الله وقد وضح الصبح لذي عينين، فأكثروا ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن ووطنوا أنفسكم على الصبر، وصبّحهم غداة الخميس لتسع أو لسبع خلون من صفر سنة ثلاثين وماية، فقال عبد العزيز لغلامه ابغنا علفا قال: هو غال قال ويحك البواكي علينا غدا أغلى، وأرسل اليهم أبو حمزة بلج بن عقبة ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكبا، فذكرهم الله (1/211)
صفحة 187
212
ونقاتل من
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
وسالهم أن يكفوا عنهم وقالوا لهم خلوا لنا سبيلنا لنسير إلى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم، ولا تجعلوا حدنا بكم فإنا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة وقالوا: يا أعداء الله أنحن نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض، فقالت الخوارج: يا أعداء الله، أنحن نفسد في الأرض، إنما خرجنا لنكف أهل الفساد، قاتلنا واستأثر بالفيء، فانظروا لأنفسكم، واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة؛ فإنه لا طاعة لمن عصى الله، وادخلوا في السلم، وعاونوا أهل الحق، وقال له عبد العزيز: ما تقول في عثمان؟ قال: برئ المسلمون منه قبلي، وأنا متبع آثارهم ومقتد بهم، قال: فارجع إلى أصحابك، فليس بيننا وبينهم إلا السيف، فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال: كفوا عنهم ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم بالقتال، فواقفوهم ولم يقاتلوهم، فرمى رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة بسهم فجرح رجلاً، فقال أبو حمزة شأنكم الآن فقد حل قتالهم، فحملوا عليهم، وثبت بعضهم لبعض، وراية قريش مع إبراهيم بن عبدالله بن مطيع، ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، وكان على مجنبتهم ضمير بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة، فكر وكر الناس معه فقاتلوا قليلاً ثم انهزموا فلم يعدوا حتى كروا ثالثة وقاتلهم أبو حمزة فهزمهم هزيمة لم تبق منهم باقية، فقال له علي بن الحصين: اتبع القوم أو دعني أتبعهم فأقتل المدبر وأذفف على الجريح، فإن هؤلاء أشر علينا من أهل الشام، فلو قد جاءوك غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره، فقال: لا أفعل ولا أخالف سيرة أسلافنا وأخذ جماعة منهم أسرى، فأرادوا إطلاقهم فمنعه علي بن الحصين وقال له: إن لأهل كل زمان سيرة، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هراب، وإنما أسروا وهم يقاتلون ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم، وكذلك الآن قتلهم حلال، وذكر أنه قتل بعضا وأطلق بعضا. قال: وبلغت قتلى (1/212)
صفحة 188
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
قديد ألفين ومايتين وثلاثين رجلاً، أربعماية وخمسون من قريش، وثمانون من الأنصار، والباقي من القبايل والموالي، وقالت نائحة تبكيهم:
ست ق ديد رجالي
213
ما للزمان ومـ
فلأبكـ
ين
ريرة
ولا بك
ين علاني
ــة
ولأبك
ـين إذا خلـ
وت
لاب الآوية
على قدي
ـا أبلانيه
وقال عمرو بن الحصين الكوفي مولى تميم يمدح الشراة:
ما بال همك ليس عنك بعازب يمري سوابق دمعك المتساكب وتبيت تكتلئ النجوم بمقلة عبري تسر بكل نجم دائب حذر المنية أن تجيء بداهة لم أقض من تبع الشراة مآ ربي فأقود فيها للعدا شبح النسا عبر الشوى أسوان ضمر الحالب متحدرا كالسيد أخلص لونه ماء الحسيك مع الجلال اللاتب أرمى به من جمع قومي معشرا بورا إلى جبرية ومعايب في فتية صبرا لفهموا به لف القداح يد المفيض الضارب فندور نحن وهم وفيما بيننا كأس المنون تقول هل من شارب فنظل نسقيهم ونشرب من قضى سمر ومرهفة النصول قواضب بينا كذلك نحن جالت طعنة نجلاء بين رها وبين ترايب جوفاء منهرة ترى تامورها ضبتا سنان كالشهاب الثاقب اهوي لها شق الشمال كأنني خفض لقى تحت العجاج العاصب يا رب اوحيها ولا تتعلقن نفسى المنون لدى أكف قرايب (1/213)
صفحة 189
214
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
كم من أولى مقت صحبتهم شروا فخذلتهم ولبئس فعل الصاحب متأوهين كأن في أجوافهم نارا تسعرها أكف حواطب
سير
تلقاهم فتراهم من راكع أو ساجد متضرع أو نا? يتلو قوارع تمترى عبراته فيجودها مرى المرئ الحالب لجايفة الأم ــة الأمور أطبة للصدع للنبأ الجليل مدائب ومبرأين من المعايب أحرزوا خصل المكارم أتقياء أطايب عدوا صوارم للجلاد وباشروا حد الظباء بأنف وجواجب ناطوا أمورهم بأمراخ لهم فرمي بهم قحم الطريق اللاحب متسربلى حلق الحديد كأنهم أسد على لحق البطون سلاهب قيدت من أعلى حضرموت فلم تزل تنفي. عداها جانبا عن جانب تحمي أعنتها وتحوي نهبها الله أكـ رم فتية وأشايب حتى وردن حياض مكة قطنا يحكين واردة اليمام القارب ما إن أتين على أخي جبرية إلا تركنهم كأمس الذاهب في كل معترك لها من هامهم فلق وأيد علقت بمناكب سايل بيوم قديد عن وقعاتها تخبرك عن وقعاتها بعجايب
قال: ثم دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومائة ومضى عبد الواحد بن سليمان إلى الشام، فرقى أبو حمزه المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء وأسأتم لعمر الله فيهم القول، وسألناكم هل يقتلون بالظن، فقلتم نعم، وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام، (1/214)
صفحة 190
215
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت و أول إ انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة فقلتم نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم فنناشدهم الله أن يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم، فقلتم لا تفعلون فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نلقاهم، فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه، وإن نظفر نعدل في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم فيئكم بينكم، فإن أبيتم وقاتلتمونا دونهم فقاتلناكم فأبعدكم الله وأسحقكم يا أهل المدينة مررت بكم في أزمان الأحوال هشام بن عبد الملك وقد أصابكم عاهة في ثماركم، فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعها عنكم، فزاد الغني غنى وزاد الفقير فقرا، فقلتم: جزاكم الله خيرا، فلا جزاه الله خيرا ولا جزاكم. وقال أيضا في الأغاني: إن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة في المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أتعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا، ولا عبثا ولا لهوا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا ثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن
وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في
الأرض، فأقبلنا من قبائل شتى النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، وأصبحنا والله بنعمته إخوانًا، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم مروان وآل مروان، وشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد، ثم أقبلوا يهرعون ويزفون وقد ضرب الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم، مراجله وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عصايب وكتايب بكل مهند ذي، رونق فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب (1/215)
صفحة 191
زعم
الله عدو
يرتاب منه المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة إن أولكم خير أول وآخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن أو كافرًا من أهل الكتاب أو إمامًا جائرًا، يا أهل المدينة من أن الله تعالى كلف نفسًا فوق طاقتها أو سألها عما لم يؤتها فهو ولنا حرب، يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى في كتابه على القوي على حبه للضعيف فجاء التاسع وليس له منها ولا سهم واحد، فأخذ جميعها لنفسه مكابرًا محاربًا، لربه ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم هم شباب أحداث، وأعراب حفاة، ويحكم يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابًا أحداثا شبابًا، والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أنفسا تموت غدًا بأنفس لا تموت أبدا، قد خلطوا کلالهم بكلالهم وقيام ليلهم بصيام، نهارهم منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفًا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انضيت وإلى الرماح قد أشرعت وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة عند فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طاير طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا، أقول قولي هذا واستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي
وعيد
الله،
إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب. (1/216)
صفحة 192
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
217
فصل في
وقال أيضا صاحب الأغاني
عن
أبي علقمة: سمعت أبا حمزة يخطب بالمدينة
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل المدينة مالي رأيت رسم الدين فيكم عافيا، و آثاره دارسة لا تقبلون عليه عظمة ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم جدته، وانطمست عنكم سنته ترون معروفه منكرًا والمنكر من غيره معروفًا، إذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر عميت عنها أبصاركم وصمت عنها أسماعكم ساهين في غمرة لاهين في غفلة تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورًا، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، ولم تلن لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعا خشية الله يا أهل المدينة ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا من سقمت قلوبكم، إن الله قد جعل لكل شيء غالبًا يقاد له ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان له تبعا، وإن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله وقوة النية ونفاذ البصرة، ولو أستشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت بطاعة الله أبدانكم، يا أهل المدينة داركم دار الهجرة ومثوى رسول الله الله لما نبت به داره، وضاق به قراره، وآذاه الأعداء وتجهمت له فنقله إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم، متوازرين مع الحق على الباطل، ومختارين للآجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله وآوا رسول الله ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وآثروا الله على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، قال الله تعالى لأمثالهم ولمن اهتدي بهداهم "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" وأنتم أبناؤهم ومن بقى من خلفهم تتركون أن تقتدوا بهم وتأخذوا (1/217)
صفحة 193
218
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
فصعد
بسنتهم عمي القلوب صم الأذان، اتبعهم الهوى فأرداكم عن الهدى وأسهاكم، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزد جروا ولا تعظكم فتعتبروا ولا توقظكم فتستيقظوا، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ماسرتم بسيرتهم ولا حفظتم وصيتهم ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف الله العذاب عنكم قال روي أيضا أن أبا حمزة بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابة لحداثة أسنانهم وخفة أحلامهم، فبلغه ذلك المنبر وعليه كساء غليظ وهو متنكب قوسا عربية، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: يا أهل المدينة قد بلغتني مقالتكم في أصحابي، ولولا معرفتي بضعف رأيكم وقلة عقولكم لأحسنت آدابكم، ويحكم إن رسول الله الله أنزل عليه الكتاب وبيَّن له فيه السنن، وشرع له فيه الشرائع، وبيَّن له فيه مايأتي ويذر، فلم يكن يتقدم إلا بأمر الله، ولا يحجم إلا أمر الله،
فأخذ
عن
عن
عنهم.
حتى قبضه الله
ساقه،
وحسر
إليه وقد أدى الذي عليه لم يدعكم من أمركم في شبهة، ثم من بعده أبوبكر بسننه وقاتل أهل الردة وشمر في أمر الله تعالى، حتى قبضه الله إليه والأمة عنه راضون رحمة الله عليه ومغفرته، ثم ولي بعده عمر فأخذ بسنة صاحبيه وجند الأجناد ومصر الأمصار و الفيء فقسمه بين أهله، وشمر وجي عن ذراعه وضرب في الخمر ثمانين وقام في شهر رمضان، وغزا العدو في بلادهم، وفتح المداين والحصون، حتى قبضه الله إليه والأمة عنه راضون رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته ثم ولى عثمان بن عفان فعمل في ست سنين بسنة صاحبيه، ثم أحدث أحداثا أبطل آخر منها أولا واضطرب حبل الدين بعدها، فطلبها كل أمرء لنفسه، وأسر كل رجل منهم سريرة أبداها الله عنه، حتى مضوا
على ذلك. (1/218)
صفحة 194
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت و أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
قلت: فليتدبر المنصف في هذا الكلام هل.
هو
أقبح من قول جبلة بن عمرو
219
الساعدي الذي سبق ذكره عن ابن الأثير والطبري أم أشد من قول علي ومن معه من الصحابة حيث باشروه بوجوه استحلالهم قتله، وكل هذا المؤرخين، فكيف يحل لأولئك القول بالحق، ويحرم علي من بعدهم.
صحيح باجماع
قال: ثم ولي علي بن أبي طالب فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارا،
ومضى.
قلت: وكذلك ينظر المنصف في قوله هذا وقنوت علي ومعاوية في صلاتهم، كل واحد يلعن الآخر، وما أجمع عليه المؤرخون من لزوم معاوية وبني أمية لعن علي خاتمة كل خطبة جمعة.
قال: ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله وابن لعينه، وجلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤلف طليق، فسفك الدم الحرام، واتخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، وبغى دينه عوجا ودغلا، وأحل الفرج الحرام، وعمل بما
يشتهيه.
قلت: قال في العقد الفريد: ولما دخل معاوية مكة أراد أن يلعن عليا على المنبر فأنكر ذلك سعد بن أبي وقاص، ولما مات سعد لعنه على المنبر، وكتب إلى عماله أن يلعنوه، وهو الذي قتل حجر بن عدي، وروى ابن الأثير وغيره من الثقات عن الحسن البصري قال: أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة انتزاءه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا، يلبس الحرير بالطنابير وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش (1/219)
صفحة 195
220
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
وللعاهر الحجر" وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له
من حجر وأصحابه، فبالله أقولُ الحسن أقبح أم قول أبي حمزة؟ وبالله أقولُ معاوية وأتباعه أقبح أم قول أبي حمزة؟ "وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"
وثبت أنه الفئة الباغية التي قتلت عمارا كما في البخاري وغيره، وجعله النبي من المؤلفة يوم هوازن، وأنه من الذين أسلموا يوم الفتح، فصيرهم النبي صلى الله عليه وسلم من الطلقاء، وأنه جاء يقود بأبيه فلما رآهما رسول الله الهلال للعنهما، وصارحه بشيء هذا أبو قتادة الأنصاري والإمام علي كما في ابن الأثير والطبري وغيرهما،
من
فأبو حمزة متبع.
وقال صاحب الأغاني يحكي خطبة أبي حمزة ثم ولى بعده ابنه يزيد، يزيد الخمور، يزيد الصقور، يزيد الفهود يزيد الصيود يزيد القرود، فخالف القرآن واتبع الكهان، ونادم القرود وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك لعنه الله. قال: ثم ولي مروان بن الحكم طريد ولعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وابن لعينه، فاسق في بطنه، وفرجه فالعنوه والعنوا آباءه ثم تدوالها بنو مروان بعده أهل بيت اللعنة طرداء رسول الله له وآله وقوم من الطلقاء، ليسوا
الله
المهاجرين والأنصار ولا التابعين بإحسان فأكلوا مال الله أكلا، ولعبوا بدين) لعبا، واتخذوا عباد الله عبيدا، ويورث ذلك الأكبر منهم الأصغر، فيا لها أمة ما أضيعها وأضعفها والحمد لله رب العالمين، ثم مضوا على ذلك من أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله تعالى وقد نبذوه وراء ظهرهم، لعنهم الله فالعنوهم كما
يستحقون. (1/220)
صفحة 196
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
قلت: وأذكر قتل عبد الله بن الزبير، وقتل سعيد بن جبير، وقتل عدد من المهاجرين والأنصار على يد عبد الملك والحجاج واليه وما يصنعه الوليد ويزيد مما أجمع على صحته المؤرخون، وانظر أيهما أقبح قول أبي حمزة وفعله أم قول أولئك وأفعالهم، أم ترى أن قتل الحسين بن علي هين عند الله، ومعاوية هو
الذي استخلف يزيد قاتل الحسين كما أنه هو الذي قتل الحسن بالسم.
قال: وقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز فبلغ ولم يكد، وعجز عن الذي أظهره حتى مضى لسبيله (ولم يذكره بخير ولا بشر).
221
قلت: ذكر في تواريخ الأباضية أن وفدا دخل عليه منهم في زمان أبي عبيدة مسلم، فوعدهم بنشر العدل و إظهار براءتهم، ولكنه خاف المعاجلة من قومه، وأنه لما مات ابنه عبد الملك وكان على رأيهم هم الذين تولوا تجهيزه وخرجوا عنه لائمين له، لكن إمامهم أبا عبيدة قال: ليت القوم قبلوا منه. وقال نور الدين السالمي: وأقول ليت القوم قبلوا منه.
قال: ثم ولي يزيد بن عبد الملك، غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشده ولم يؤانس، رشده، وقد قال الله تعالى عز وجل: "فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فأمر أمة محمد في أحكمها وفروجها ودمائها أعظم ذلك كله، وإن كان ذلك عند الله عظيما، مأبون في من بطنه وفرجه يشرب الحرام ويأكل الحرام ويلبس الحرام يلبس بردتين قد حيكتا له وقومتا على أهلها بألف دينار وأكثر وأقل قد أخذت من غير حلها وصرفت في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الأبشار وحلقت فيها الأشعار واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح ولا لنبي مرسل يجلس حبابة عن يمينه وسلامة عن شماله (1/221)
صفحة 197
222
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
تغنيانه بمزامر الشيطان ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها، حتى إذا أخذت مأخذها فيه وخالطت روحه ولحمه ودمه وغلبت سورتها على عقله مزق حلّتيه ثم التفت إليهما فقال: أتأذنان لي أن أطير! نعم فطر إلى النار إلى لعنة الله حيث لا يردك الله.
:
الله.
ثم ذكر بني أمية وأعمالهم وسيرهم فقال: أصابوا إمرة ضائعة وقوما طغاما جهالا لا يقومون الله بحق ولا يفرقون بين الضلالة والهدى، ويرون أن بني أمية أرباب لهم فملكو الأمر وتسلطوا فيه تسلط ربوبية بطشهم بطش الجبابرة، يحكمون بالهوى ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظن، ويعطلون الحدود بالشفاعات، ويؤمنون الخونة، ويقصون ذوي الأمانة، ويأخذون الصدقة على غير فرضها، ويضعونها في غير موضعها، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله، فالعنوهم لعنهم قلت: وردت أحاديث في لعن أشخاص بأعيانهم؛ فمن ذلك ما رواه أبوداود عن أنس: "مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْر مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ومنها "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ لا اله الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي" و"لَعَنَ الْخَامِشَةَ وَجْهَهَا وَالشَّاقَّةَ جَيْبَهَا وَالدَّاعِيَةَ بِالْوَيْلِ وَالنُّبور" و"لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَلَعَنَ شَارِبَهَا وَسَاقِيهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَآكِلَ
منها".
قال: وإما إخواننا من
هذه الشيعة، فليسوا بإخواننا في الدين، لكن سمعت الله عزوجل قال في كتابه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا شيعة ظاهرت بكتاب الله وأعلنت الفرية على الله، لا
يرجعون الى نظر نافذ في القرآن ولا عقل بالغ في الفقه ولا تفتيش عن حقيقة (1/222)
صفحة 198
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
223
الصواب، قد قلدوا أمرهم أهواءهم، وجعلوا دينهم عصبية لحزب لزموه وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم، غيا كان أو رشدا أو ضلالة أو هدى، ينتظرون الدول في رجعة الموتى، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدَّعون علم الغيب لمخلوق لا يعلم أحدهم ما في داخل بيته، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه، ينقمون المعاصي على أهلها، ويعملون إذا ظهروا بها، ولا يعرفون المخرج منها، جفاة في الدين، قليلة عقولهم، قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة، {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}، فأي هؤلاء الفرق يا أهل المدينه تتبعون، أو بأي مذاهبهم تقتدون، وقد بلغني مقالتكم في أصحابي وما عبتموه من حداثة أسنانهم، ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله الا الله وآله المذكورون في الخير إلا أحداثا شبابا، والله مكتهلون في شبابهم، غضيضةٌ عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الله بكى شوقا، وكلما مر بآية من ذكر الله شهق خوفًا كأنَّ زفير جهنّم بين أذنيه، قد أكلت الأرضُ جِبَاهَهم وركبهم، وصلوا كلال الليل بكلال النهار، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصّيام، أنضاءُ عبادة، مُوفون بعهد الله، منتجزون لوعد الله، قد شروا أنفسهم، حتى إذا التقت الكتيبتان، وأبرقت سيوفها وفوقت سهامها وأشرعت، رماحها، لقوا شبا الأسنة وشائك السهام وظباء السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم فمضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه بالثرى، وانحطت عليه السماء، وتمزقته سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى
الطير من (1/223)
صفحة 199
224
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد
فلق بعمد الحديد.
ثم بكى وقال: آه آه على فراق الإخوان، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل الله أرواحهم الجنان.
وفي العقد الفريد من رواية الإمام مالك بن أنس قال: خَطَبَنا أبو حمزة بالمدينة
خُطبةٌ شَكَكَ فِيهَا المستبصر، ورَدّ بها المرتاب".
قال مالك: قال أبو حمزة: أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه وسُنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عَظَّمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يُطاع الله ويُعصى العبادُ في طاعته، فالطاعة الله ولأهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها. وإنا والله ما خرجنا أَشَرًا ولا بطرا ولا لهوا ولا لَعِبا، ولا لدولة مُلك نريد أن تخوض فيه، ولا لثأر قد نيل منا؛ ولكن لَمَّا رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر الادعاء في الدين، وعُمل بالهوى، وعُطّلت الأحكام، وقتل القائم بالقسط، وعُنّف القائل بالحق، وسمعنا مُناديًا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فَأَجَبْنا داعي الله، فأقبلنا من قبائل شَتّى، قليلين مُسْتضعفين في الأرض، فآوانا الله وأيَّدَنا بنَصْره، فأصبحنا بنعمته إخوانًا، وعلى الدين أعوانًا. يا
1) قال القطب: يعني نفسه.
2) قال القطب: من لم يتثبت في مذهبه رجع إلى مذهب أبي حمزة. (1/224)
صفحة 200
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
225
فصل في
أهل المدينة، أولكم خير أوَّل، وأخركم شرّ آخر، إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عِوَج، بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، الحق ناكبين أمواتا غير أحياء وما تشعرون. يأهل المدينة، يا أبناء
عن
السنة، عُمْي عن
فأصبحتم عن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصحَ أَصْلَكم، وأسْقمَ فَرْعَكم كان آباؤكم أهل اليقين وأهل المعرفة بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهالة استعبدتكم الدُّنيا فأذَلَّتكم، والأماني فأَضَلَّتكم، فتح الله لكم باب الدين فأفسدتموه، وأغلق عنكم باب الدُّنيا ففتحتموه، سراع إلى الفِتْنَةِ، بِطَاء البرهان، صُمٌّ عن العِرفان، عبيدُ الطَّمع، حُلفاء الجزع. نعم ما وَرَّبَّكم آباؤُكُم لو حَفِظتموه، وبئس ما تُورثون أبناءكم إِنْ تمسكوا به. نصر الله آباءكم على الحق، وخَذَلكم على الباطل. كان عدد آبائكم قليلاً طيبا، وعددكم كثير خبيث. اتبعتمُ الهوَى فَأَرْدَاكم، واللهوَ فأشهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزد جرون، وتُعبركم فلا تعتبرون. سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم: والله ما فيهم الذي يعدل، أخذوا المال فوضعوه في غير حَقَّهِ، وجَارُوا في الحكم فحكموا بغير ما أنْزَلَ الله، واستأثروا بقيئنا فجَعَلوه دُولةً بين الأغنياء منهم، وجعلوا مَقَاسِمنا وحقوقنا في مُهور النساء وفروج الإماء. وقلنا لكم: تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم وجاروا في الحكم فَحَكموا بغير ما أنزل الله؛ فقلتم: لا نقوى على ذلك، وَوَدِدْنا أَنا أَصَبنا من يكفينا؛ فقُلنا: نحنُ نَكفيكم، ثم الله راعٍ علينا وعليكم، إِن ظَفِرْنا لنُعطيَنَّ كُلَّ ذي حق حقه. فجئنا فاتقينا الرِّمَاحَ بصدورنا، والسيوف بوُجُوهنا، فعرضتم لنا دونهم، فقاتلتمونا، فأبعدكم الله! فوالله لو قلتم: لا نَعرف الذي تقول ولا نعلمه،
من
غير
جله (1/225)
صفحة 201
226
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
أنه لا عُذْرَ للجاهل؛ ولكن أبى الله إلّا أن ينطق بالحقِّ على
لكان أعذر، مع السنتكم ويأخذكم به في الآخرة.
ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة حاكما بغير ما أنزل الله أو متبعاً له، أو راضيا بعمله.
بيده
وقال أيضا: أما بعد، فإنك في ناشيء فتنة، وقائم ضلالة، قد طال حثومها، واشتدت عليك همومها وتلوّت مصايد عدوّ الله منها وما نَصَبَ من الشِّرَك لأهل الغفلة عمّا في عواقبها فلن يَهُدّ عمودها، ولن ينزع أوتادها، إلا الذي ملك الأشياء، وهو الرحمن الرحيم. ألا وإن الله بقايا من عباده لم يتحيّروا في ظلمها، ولم يُشايعوا أهلها على شبهها مصابيحُ النور في أفواههم تزهو، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق، ركبوا منهج السبيل، وقاموا على العلم الأعظم، خصماء الشيطان الرجيم، بهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد، طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم وأسأل الله أن يجعلنا منهم.
هم
قال صاحب الأغاني وبايعه ناس منهم إنسان هذلي وإنسان سراقي وشكست
الذي كان معهم معلّم النحو (يعنى مع أهل المدينة وسيأتي خبر قتله).
قال: ثم خرج أبو حمزة وخلف بالمدينة بعض أصحابه، فسار حتى نزل الوادي، وكان مروان قد بعث بن عطية وأمره بالجد في السير، وأعطى كل رجل من أصحابه مائه دينار وفرسا عربيا وبغلا لثقله، وأمره أن يمضي فيقاتلهم وعددهم أربعة الآف معه فرسان من أهل الشام ووجوههم منهم شعيب البارقي ورومي بن ماعز المري، وقيل بل هو كلابي وفيهم ألف من أهل الجزيرة. قال: وبعث أبو حمزة بلج بن عقبة في ستمائة رجل ليقاتل عبد الملك، فلقيه بوادي القرى (1/226)
صفحة 202
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
227
لأيام خلت
من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة فتواقفوا فدعاهم بلج إلى
الكتاب والسنة، وذكر بني أمية وظلمهم فشتمهم أهل الشام وقال: أنتم أعداء الله أحق بهذا ممن ذكرتم وقلتم فحمل عليهم بلج وأصحابه فانكشف طائفة من أهل الشام وثبت ابن عطية في الحفاظ وقال ناضلوا عن دينكم وأميركم، فكروا واصبروا صبرا حسنا وقاتلوا قتالا شديدا فقتل بلج وأكثر أصحابه، وانحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به، فقاتلهم عطية ثلاثة أيام فقتل منهم سبعين ونجا ثلاثون، فرجعوا إلى أبي حمزة ونصب ابن عطية رأس بلج على رمح قال: واغتم الذين رجعوا إلى أبي حمزة من وادي القرى إلى المدينة وهم الثلاثون، ورجعوا وجزعوا من أنهزامهم وقالوا فررنا من الزحف، فقال لهم: أبو حمزة: لا تجزعوا، فأنا لكم فئة وإلي انصرفتم، وخرج أبو حمزة من المدينة إلى مكة، واستخلف رجلاً يقال المفضل عليها، وخطب أبو حمزة أهل المدينة وودعهم ليخرج إلى الحرب، فقال: يا أهل المدينة، إنا خارجون لحرب مروان، فإن نظهر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم بينكم، وإن يكن ما تمنون لنا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال: ووثب الناس على أصحابه حين جائهم قتله فقتلوهم، فكان بشکست ممن قتلوا، طلبوه فرقي في درجة كانت في دار أذينة فلحقوه فأنزلوه منها وهو يصيح: يا عباد الله فيم تقتلونني؟ قال: وأنشدني بعض أصحابنا: لقد كان بشكست عبد العزيز من أهل القراءة والمسجد. وقال ابن الأثير: وفي من قتل مع أبي حمزة عبد العزيز القاري المدني من أهل المدينة قال: فدعا عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الناس إلى قتالهم فلم يجد كبير أمر؛ لأن القتل قد كان شاع في الناس، وخرج وجوه أهل البلد عنه فاجتمع إلى عمر البربر والزنج وأهل (1/227)
صفحة 203
228
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
السوق والعبيد فقاتل بهم الشراة فقتل المفضل وعامة أصحابه، وهرب الباقون، فلم يبق بالمدينة منهم أحد، فقال في ذلك سهيل أبو البيضاء مولى زينب الحكم
بن العاصي:
روان رآن
إذ غس لنا العار عن
وانتض
سينا المشـ
عشـ
رفيه
قال: وأقام ابن عطية بالمدينة شهرا، وأبو حمزة مقيم بمكة، ثم توجه إليه فقال له علي بن حصين العنبري: إني كنت أشرت عليك يوم قديد وقبله أن تقتل هؤلاء الأسراء كلهم فلم تفعل، وعرفتك أنهم سيغدرون ولم تفعل حتى قتلوا المفضل وأصحابنا المقيمين بالمدينة، وأنا أشير عليك اليوم أن تضع السيف في هؤلاء فإنهم كفرة فجرة، ولو قدم عليك ابن عطية لكانوا أشد عليك منه، فقال: لا أرى ذلك؛ لأنهم قد دخلوا الطاعة وأقروا بالحكم، ووجب لهم حق الولاية، قال:
إنهم سيغدرون فقال: أبعدهم الله {فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ}. قال: وقدم عبد الملك مكة فصير أصحابه فرقتين، ولقى الخوارج من وجهين، فصير طائفة بالأبطح وصار هو في الطائفة الأخرى بإزاء أبي حمزة، فصار أبو حمزة أسفل مكة، وصيّر أبرهة بن الصباح في الأبطح في ثمانيين فارسا، فقاتلهم أبرهة فانهزم أهل الشام إلى عقبة منى، فوقفوا عليها ثم كروا وقاتلهم فقتل، كمن له هبار القرشي وهو على جبل دمشق عند بير ميمون، وتفرق الخوارج وتبعهم أهل الشام يقتلونهم حتى دخلوا المسجد والتقى أبو حمزة وابن عطية بأسفل
مكة، فخرج أهل مكة مع ابن عطية فقتل أبو حمزة على فم الشعب وقتل امرأته وهي ترتجز وتقول:
معه (1/228)
صفحة 204
فصل في أئمة الإباضية بحضرم
أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
أنا الجعيداءُ وبنتُ الأعلم من سال عن اسمي فاسمي مريم
وهي
بعتُ سواري بسيف مخدم
229
قال: وتفرقت الخوارج فأسر أهل الشام منهم أربعمائة، فدعا بهم ابن عطية فقال: ويلكم ما دعاكم إلى الخروج مع هذا؟ قالوا ضمن لنا الكنة يريدون الجنة لغتهم فقتلهم، وصلب أبا حمزة وأبرهة بن الصباح ورجلين من أصحابهم على فم الشعب شعب الخيف، ودخل علي بن الحصين دارًا من دور قريش، فأحدق أهل الشام بالدار، فأحرقوها، فلما رأى ذلك رمى نفسه من الدار، فقاتلهم، فأسر وقتل وصلب مع أبي حمزة ولم يزالوا مصلبين حتى أفضى الأمر إلى بني العباس، وحج مهلهل الهجيمي في خلافة أبي العباس، فأنزل أبا حمزة ليلاً
فدفنه ودفن خشبته.
وروي
أنه لما التقى أبو حمزة وابن عطية قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى
تختبروهم، فصاح بهم ماتقولون في القرآن والعمل به؟ فصاح ابن عطية: نضعه جوف الجوالق قال فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل ماله ونفجر بأمه .. في أشياء بلغني أنه سأل عنها، فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا، فصاحت الشراة: ويحك يابن عطية إن الله عزوجل قد جعل الليل سكنا فاسكن ونسكن، فأبى وقاتلهم حتى قتلهم جميعًا. ولما قتل ابن عطية أبا حمزة بعث برأسه
إلى مروان.
قال: وأتى فل أبي حمزة إلى عبد الله بن يحيى بصنعاء، فأقبل ومعه أصحابه يريد قتال ابن عطية، ولقبوه طالب الحق، وبلغ ابن عطية خبره فشخص إليه فألتقوا بكست فأكثر أهل الشام القتل فيهم وأخذ أثقالهم وأموالهم وتشاغلوا (1/229)
صفحة 205
230
قائدا
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
بالنهب، فركب عبد الله بن يحيى فكشفهم فقتل منهم نحو مائة رجل، وقتل قوادهم يقال له يزيد بن حمل القشيري من أهل قنسرين، فذمرهم بن من عطية فكروا وانضم بعضهم إلى بعض وقاتلوا حتى أمسوا، فكفوا عن بعض، ثم التقوا من غد في موضع كثير الشجر والكرم والحيطان فطال القتال بينهم واستحر القتل في الشراة، فترجل عبد الله بن يحيى في ألف فارس، فقاتلوا حتى
قتلوا جميعًا عن آخرهم وانهزم الباقون فتفرقوا في كل وجه، ولحق من بصنعاء وولوا عليهم حمامة.
نجا منهم
قال: وبعث عبد الملك رأس عبد الله بن يحيى مع ابنه يزيد إلى مروان. وقال عمرو بن الحصين ويقال الحسن العنبري مولى لهم يرثي عبدالله بن يحيى
وأبا حمزة
هبت قبيل تبلج الفر هند تقول و دمعُها يَجري إن أبصرت عيني مدامعها ينهل واكفها على النحر أتى اعتراك وكنت عهدي لا سرب الدموع وكنت ذا صبر أقذى بعينك ما يفارقها أم عائر أم ما لها تذري أم ذكر إخوان فجعت بهم سلكوا سبيلهم على خُبر فَأَجبتها بل ذكر مصرعهم لا غيره عبراتا تمري يا رب أسلكني سَبيلَهُمُ ذا العرش واشدد بالتقى أزري في فتية صبروا نفوسهم للمشرفية والقنا السمر تالله الق الدهر مثلَهُمُ حتى أكون رهينة القـ ذمتهم إذا عقدوا وأَعِفُ عند عند العُسر واليس
أوفي (1/230)
صفحة 206
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
231
متأهلين لكل صَالحة
ناهين مَنْ لاقوا عن النُّكرِ
صمت إذا احتضروا مجالسهم وزن لقول خطيبهم وقر
إلا تجي سبهم فإنهم
رحف القلوب بحضرة الذكر
متأوّهون كأنَّ جمرَ غَضَى للخوف بين ضلوعهم يسري
تلقاهم إلا
الخشوعهم صَدَرُوا عَنِ الحَشرِ
فهم كان بهم جوى مرض أو مَسَّهُمْ طَرْفُ مِنَ السِّحرِ لا ليلهم ليل فيلبسهم فيه غواشي النوم بالشكر إلا كذا حُلا وآونة حذر العقاب وهُم على ذعرِ كم من أَحْ لَكَ قَد فُجعتَ بِهِ قوَّامُ ليلته إلى الفجـ مُتَأَوّه يَتْلُو قَوَارعَ مِن أي القُرانِ مُفزَّعَ الصَّـ نَصِبٍ تَجيشُ بَنَاتُ مُهجَتِهِ من خوف جَيشَ مُشَاشَةِ الصَّدرِ ظمآن وقدة كل هاجرة ـراكُ لَذَّتِهِ عَلَى قَدْرِ تَراكَ مَا تهوى النفوسُ إذا رُغَبُ النُّفوسِ دَعتْ إلى النَّذرِ وَمُبَرَّاً مِن كُلِّ سَيِّئَةٍ عف الهوَى ذُو مِرةٍ شَزْرِ
سعرها بغبارها ويفتنة شعر
والمصطلي بالحرب يسـ يجتاجها بأقلّ ذِي شُطَبٍ عضب المضارب قاطع البتر
لا شيء يلقاه أَسَر لَهُ من
طَعَنَةٍ في ترة النَّحر
نجلاء منهرَة تَجيشُ؟
کخليلك المختار أذكِ
خواض غمرة كل متلفة
تراك ذي النَّخوات مُختَضِبًا
كانت عواصي حوفه تحري
مُعْتَدٍ في الله أو من
الله تحت العشـ
بنجيع بالطعنة الشري (1/231)
صفحة 207
232
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
وابن الحصين وهل له شَبَةٌ في العرف أني كان والنكر هامة لم تُحن أضلعه لذوي أُخوته على غمْرِ
طلق اللسان بكل محكمة رآب صدع العظم ذي الوقر لم ينفكك في جوفه حزن تغلى حرارت حرارته وتستشري ترقي وآونة يُخفضها نفس الصـ عداء والزف ومخالطي بلج وخالصتي سم العدو وجابر الكسْرِ نكل الخصوم إذا هُمُ شَغِبوا وسداد تلمة عورة التغر والخايضُ الغمرات يخطر في وسط الأعادي أيَّما خطر بمشطب أو غير ذي شطب هام العدا ببابه يري وأخيك أبرهة الهجان أخي الحرب العوان مُلقَّح الجمر مرشَةٍ فَرْعٍ تَنجُ دَما تج الغوي سلاقة الحمر والضارب الأخدود ليس لها حد ينهنها عن السمر وولي حكمهم فجعت به عمرو واكيدي على عمرو قَوَّالُ مُحكمة وذي فَهَم عف الهوى متثبت الأمر ومسيبِ فاذكر وصيته لا تنس إما كنت ذا ذكر
فكلاهما قد كان مختبا اللَّهِ ذَا تَق وى وذا بـ
في محبت سين ولم أستمهـ
كانوا يدي وهم أُول نصري
وهم مساعرُ في الوغى رُجح وخيار من يمشي على العفر حتى وقوا الله حيث لفوا بعهود لا كذب ولا غذر
فتخالسوا مُهجاتِ أنفسهم وعداتهم بقواض وأَسنَّة أُثْبِتن في لدن خَطَّي
ـة بأكفّهم نُ (1/232)
صفحة 208
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
تحت العجاج وفوقهم خرق يخفقن من شود ومن حمر فتفرجت عنهم كماتهم لم يغمضوا عينا على وثر فشعارهم نيران حربهم ما بين أعلى الشخر فالحجر صرعى فحاجلة تنوشهم وخوامع لحماتهمْ تَفْري
233
قال: وتتبع ابن عطية أصحابَ ابن يحيى في كُلِّ مَوضع يقتُلُهم، وأَقَامَ بصنعاء أشهرا ثم خرج عليه رجل من أصحاب ابنِ يَحيَى في آلِ ذِي الكلاع يقال له يحيى بن عبد الله بن عمر بن السباق في جمع كثير بالجند، فبعث إليه ابنُ عَطِية ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن عطية، فلقيه بالحرب فهزمه، وقتل عامة أصحابه، وهرب منه فَنَجَا. وخرج عليه يحيى بن كرب الحميري بساحل البحر، وانضمت إليه شُدَّاذُ الإباضية، فبعث إليه أَبَا أُمَيَّة الكندي في الوضاحية، فالتقوا بالساحل، فقتل من الإباضية نحو مائة، رجل، وتحاجزوا عند المساء، فهربت الأباضية إلى حضرموت وبها عامل لعبدِ اللهِ بن يحيى يُقال له عبد الله بن
معبد
الجرمي، فصار في جيش كثير واستفحل أمره، وبلغ ابن عطية الخبر، واستخلف ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن عطية على صنعاء وشخص إلى حضرموت، وبلغ عبد الله بن معبد مسير عبد الملك إليهم فجمعوا الطعام وكل ما يحتاجون إليه في مدينة شبام وهي حصن حضرموت مخافة الحصار، ثم عزموا على لقاء ابن عطية في الفلاة، فخرجوا حتى نزلوا على أربع مراحل من حضرموت في عدد كثير في فلاة، وأتاهم ابن عطية فقاتلهم يومه كله فلما أمسى وقد بلغه ما جمعوا في شبام حدر عسكره في بطن حضرموت إلى شبام ليلا، ثم أصبح (1/233)
صفحة 209
234
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
فقاتلهم حتى انتصف النهار، ثم تحاجزوا، فلما أمسوا تبع عسكره، وأصبح الخوارج فلم يروا للقوم أثرا فاتبعوهم وقد سبقوهم إلى الحصن، فأخذوا جميع ما فيه وملكوه، ونصب عليهم المسالح، وقطع عنهم المادة والميرة، وجعل يقتل من يقدر عليه ويأخذ الأموال. ويسبي
ثم ورد عليه كتاب مروان بن محمد يأمره بالتعجل إلى مكة؛ ليحج بالناس، فصالح أهل حضرموت على أن يرد عليهم ما عرفوا من أموالهم، ويُولَّى عليهم من يختارُون، وسالموه فَرَضِيَ بذلك وسالمهم وشخص إلى مكة مُتَعجلا يُخِفَّا، وَلَمَّا نفذ كتاب مروانَ نَدِم بعد ذلك بأيام، وقال: إنا الله قتلت والله ابن عطية،. الآن يخرج مخفا متعجلا ليلحق الحج فيقتله الخوارج، فكان كما قال، تَعَجَّل
هو
من
في بضعة عشر رجلاً، فلما كان بأرض مراد تلففت عليه جماعة، فَمَن كَانَ. تلك الجماعةِ أَبَاضيًا عرفه فقال: ما ننتظر بهذا أن نُدرك ثَأْرَ إخواننا فيه، ومن لم يكن أباضيا ظنَّه من الإباضية، وأنه مُنهَزِم فَلمَّا عَلم أنهم يريدونه قال لهم: ويحكم أنا عامل أمير المؤمنين على الحجّ، فلم يلتفتوا إلى ذلك وقتلوه، ونصبت الأباضية رأسه، فلما فَتَّشُوا مَتَاعَه وَجَدُوا فيه الكتاب بولايته على الحج، فأخَذُوا من الأباضية رأسَه وَدَفَنُوه مَع جَسَدِهِ.
وقال المدايني: خرج إليه جمانة وسعيد ابنا الأخنس في جماعة من قومهما من كندة، وعرفه جمانة لما لقيه، فحمل عليه هو وأخوه ورجل آخر من همدان يقال له رمانة، وثلاثة من مراد، وخمسة من كندة، وقد توجه في طريق مع أربعة نفر من أصحابه وتوجه باقيهم في طريق آخر، فقصدوا حيث توجه ابن عطية، ووجهوا في آثار أصحابه نحو أربعين رجلا منهم فأدركوهم فقتلوهم، وأدرك سعيد (1/234)
صفحة 210
فصل في
235
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة وجمانة وأصحابهما ابن عطية، فعطف عبد الملك على سَعِيدٍ فَضرِبَه وطَعَنهُ جُمانة فصرعه عن فرسه ونزل إليه سعيد فقعد على صدره، فقال له ابن عطية: هل لكَ يا سَعِيدٌ في أن تَكُونَ أكرمَ العرب أسيرًا؟ فقال: يا عَدُوَّ اللَّه أَتَرى الله كان يُمهلك أو تطمع في الحياة، وقد قتلت طالب الحقِّ وأبَا حَمزةَ وبَلَحًا وأبرهة؟! فقتله وقتل أصحابه جميعًا، وبعثُوا برأسه إلى حضرموت. وبلغ ابن أخيه وهو بصنعاء خبره فأرسل شُعيبا البارقي في الخيل فقتل الرجال والصبيان، وبَقر بطونَ النِّساء، وأخذ الأموال، وأخربَ القُرى، وجَعَلَ يَتَتَبَّعُ البري والنطف، حتّى لم يبقَ أَحدٌ من قَتَلَةِ ابنِ عَطِية وَلا مِنَ الإباضية إلا قَتَلَه، ولم يَزِل مُقيمًا باليمن إِلى أَن أَفضَى الأمرُ إِلى بَني هاشم" انتهى من كتاب الأغاني.
ومن
أئمة الأباضية بحضرموت: أحمد بن سليمان وسليمان بن عبد العزيز.
ولم تزل بينهم وبين أئمة عمان مُراسلات ومواصلات ومساعدات، وفي أوائل ربع القرن الخامس للهجرة وفد الإمام الشاري أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمداني الحضرمي إلى إمام عمان الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي يستعين به على إظهار دولة العدل في حضرموت وأنشده قصيدة طويلة منها: لقد جاءني من بعد أرضي و أوطاني رجاء لنصر الدين من نحو إخواني وذكر إمام شاع في الناس ذكره وطاب الثنا فيه الخليل بن فقطعت غيطانا وجاوزت أبحرا إليهم أجر المحد من آل قحطان وكم بلد خلفت فيها مشايخا غطارفة غرا يرجون إتياني وكم كانت الأشياخ أشياخنا الأولي إذا طلبوا نصرا مدوا بأعوان وكم من إمام في الألى حل مكة و أعوانه في الصين أو في خراسان
شاذان (1/235)
صفحة 211
236
وقال أيضاً:
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
يا أحمد بن معبد سيرا فقد سار الرضى عبد الإله خليلي وارموا بنا نحو الإمام المرتضى المفزع المأوى لكل دخيل ذاك الذي جلَّى عمانا بعد ما واراهم غير الطغا بذبول ذاك الذي يخطو خطى من صار في وادي القرى أو آسك ونخيل
فأمدهم الإمام بالمال والرجال وسار بهم إلى حضرموت وهو يقول:
دعيني فعندي للنهوض عزائم ولما يكن لي عند ذاك قوادم وكيف وقد أضحى الجناح متمما عليه من التأييد ريش مراكم
في قصيدة طويلة، وقد نصره الله وفتح معاقل حضرموت، وكتب إلى الإمام: سل الوفد عني يا إمام ألم أكن تسربلت يوم الروع ثوب العزايم فما كان إلا جمعة بعد جمعة وأدت إلى العشر أهل الحضارم سل الخطبا لما دعوا لك جهرة على رغم أهل الجور بعد التصادم و أما نواحي حضرموت فإنها بحول إلهي طوع أمري كخاتمي وبعد ثلاثين عامًا تقريبًا أرسل قصائد غررا إلى الإمام الثاني بعمان راشد بن سعيد اليحمدي قال فيها:
إماما بنزوى قائمًا قَامَ في الوَرى يعدل فأضحَى الحَقُّ إِذْ قَامَ قَائِمَا أديبا لبيبا يحمديًا غضنفرا من الأزد لينا في حمى الحرب غانما ونحن إذا ما الحربُ جَدَّت إليكم أتتكم گراديس تمرُّ الصَّوَارِمَا يَذُودُونَ عَن أَديَاهُم كُلَّ مُعتَدٍ فويلٌ لِمَن في الحربِ يَلقَى الحَضَارِمَا أيا راشد إنَّا لعمرك نزدهي بذكراكم في حَضرَمَوتَ تَعَاظُمَا إذا مَا عُمَانِي أَلَم بَأَرضِنَ أحطنا بِه نَسأَلْهُ عَنكُم تَزَاحُما (1/236)
صفحة 212
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
237
وقال:
وبيض بأيدينا خِفَافٌ صَوَارِمٌ ثقال الطبي مَشحُوذَةٌ بالمبارد مُعَوَّدَةٌ هَتكَ الجَمَاعِم أَظْهَرَت سَبيلَ إِمَامَينَا الخَلِيلِ وَراشِدِ
وخالف إمام عمان بعض القبايل فكتب الإمام الحضرمي إليه قصيدة منها:
فَإِن عَدَلُوا عَن بَغِيهِم وَتَرَاجَعُوا إلى عسكر الإسلام والحق وارتَدُّوا فأهلا وسهلا بالعشيرة إنّهم إليكم بإخلاص لرب السَّمَا أدوا وإن هم أبوا فاستَصرَحُونَا فَإنَّنا قريب و ما للقوم من صحبهم بد وما بين وادي حضرموت وبَينَكُم إذا سَركُم إتياتُنَا نَحوكُم بُعد مَتى يَأْتِنَا مِنكُم صَرِيخٌ نَؤُمُّكُم يعسكر جَرَّارٍ يَضِيقُ بِهِ النَّجدُ وله ديوان شعر طويل يدلُّ على شجاعته وشهامته، ويذكر في بعض قصائده أنه غاب في غزوة من غزواته تسع سنين، و شهرا وديوانه مشهور بين الخواص والعوام، طبع مرتين، وله خاصية إذا قُرئ في مجلس تَشَوَّقت النُّفوسُ إلى الجهادِ
وتحرك الجبَانُ إلى الجلاد واحترق قلبُ الشُّجَاعِ، فَمن شعره: (1/237)
صفحة 213
238
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
خلقتُ عَلَى خُلِق الرجالِ فَلا أرى سوَى الحِد فِيمَا جَدَّ فِيه الأكايس قَريبٌ وَرَحَافٌ وَسَهِمُ بنِ غَالِبِ أئمتنا والأربعون الفوارِسُ أُولاك مصاليتُ أولاكَ مَسَاعِرُ أولاك محاليد أولاكَ أَشاوس أُولَئِكَ أَشْيَاخِي وَأَربابُ دَعوَتِي أُولَئِكَ أَقمَارُ الدُّجى وَالمَقَابِسُ أولاك مضوا والمرهقات ضواحك بأيمانهم و العَادِياتُ عَوابِسُ أسير لما سَارُوا وَأَدْعُو لِمَا دَعَوا حياتي أَو تُحشَى عَلَيَّ الرَّوَامِسُ إِذَا بالعتيمَاتِ اعْتَلَى الوهن فرشه علت بِي تُجودٌ أَو نَأْتِ بِي بَسَابِسُ كَذَا هِمتي أو يحضر الموت همتي بحيث الثريا لا تزال تُقَايِسُ فمن ظَنَّ أَنِّي مُهمل أو مُقيّد بروض الهوينَا هِمَّتِي فَهُو نَاعِسُ لقد علم الشيخ الذي أنَا نَحلُه بِأَنِّي لسربالِ العَزيمة لايس وإن قناتي لا تلينُ لِغَامِز وَإِنَّ سِناني في الملمات دَاعِس و إني بحيث الظن منه ورُبَّما أزيدُ عَلَى ما ظَنَّ فِيمَا أُمَارِسُ (1/238)
صفحة 214
فصل في
أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
239
ومن شعره:
الا إنَّني لا أستكينُ لِذلّة ولا أَرتَدِي فِي العِزّ ثَوبَ التَّعَاظُمِ ولستُ إلى ظلم وإن كنت معظما أميل ولو قسمت بين الصوارم أَبَت هِمَّتِي إِلا إِلَى طَلَبِ العُلَى تناط وتَأَبي عَن قبيح الجرائم وَلِي هِمَّةٌ تَستَعذِبُ الموتَ عِندَمَا يمرُّ حِياض الموتِ ضَرب الجماجم أسيرُ وَأُرضي صَاحِبي يتقدمي إِذَا مَا التَّوَى فِي الرَّوعِ كَفَى بِصَارِمِي فَإِن تَسأَلِي عَنِّي وَعَن أَهلِ مَذهَي وعن أَينَ دَارِي أَنتِ يَا أُمَّ حَازِمٍ فَإِنِّي مِن هَمدان أصلي، وقدوتي فَمِرداس، والأوطان أَرضُ الحَضَارِم أَنَا الرَّجلُ الداعي إلى الحقِّ وَالذي أبت نفسُهُ شَمَّ الطُّغَاةِ الأَشَايم أنا الرجل الشاري الذي باع نفسه وأصبح يرجو يرجو الموت عند التصادم ويروى أنَّه قتل تمزيقا في حوافر الخيل، ويبدو أنه عاش حوالي مائة سنة، فقد رَبَّى العلامة محمد بن إبراهيم الكندي العُماني مُؤَلِّف بيان الشرعِ المتوفى عام ثمان
وخمسمائة سنة. ومن شعره:
سلامتي عندي إذا لم أسلم يا نعمةً ما مثلها من أنعم إن أدرجوني في ثيابي بدمي لا شرف أعلَى مِنَ التَّقَحُم الله في خوض الحمام الأحوم أَهلا و سهلا بِالقَنَا فَليقدم أَهلًا به بين القَنَا الْمُحطم لستُ أُلاقيه توجه أَجهَم (1/239)
صفحة 215
240
وقال أيضا:
فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
فَلا تَحزَنِي إِنَّ التَّوَكلَ مِعْفَرِي وَدَرعِي يَقِينِي وَالحَقِيقَةُ حُنَّي وَفي الكَفِّ مِنِّي كَالشَّهَابِ وَضَوئِه وَيَومَ سُعودِي يَومَ أَلقَي مَنِيَّتِي ويومَ أَرَى الحَورَاءَ تَمسَحُ غُرَّتي شهيدا والسيدان تَنهَشُ جُنَّتِي ومع جهاده وخوضه المعارك المتواترة لم تمنعه من التأليف ونشر العلم؛ فقد جمع إلى السيف القلم، قال: علق الفؤاد بأن أكون أنا الذي نشر الهدى بقواضب ورماح أو بأسنة الأقلام، فلقد صنف رحمه الله كتاب "مختصر الخصال" على منوال حسن وطريقة لم يُسبق إلى مثلها في الأقدمين، ولا أتى بنظيرها المتأخرون، قال في مقدمته: أما بعد فقد دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب خشية انطماس أصول الاباضية، بقلة انتشارها في الأمصار، وتقييدها في الأسطار، وخيفة الرغبة عنها في معقل الدعوة الأصلية بأهواء الشافعية والحنفية، لشهرتها في الآفاق، وظهور أهلها الفساق؛ لأني رأيت بعض متفقهي زماننا هذا من أهل دعوتنا ونظرت في أثر الآخرين ممن ينتحل مذهبنا وشاهدت قوما ممن ينتمي لديننا زاغت بهم الأهواء عن قصد السلف الصالح في لحن القول الغفلة مع لبعضهم عن أصول دينهم واختيار مذهبهم بلا خلاف قاصدا يوجب الوقوف عنهم، فلما خشيت هؤلاء وأمثالهم أن يزيغوا بما استخفوا به من ويستميلوا به قلوب الضعاف صرفت عناني إلى تصنيفه لترسخ الأصول في أماكنها ويتعلق بها أهل دعوتها، ويرغب فيها من أكثر النظر فيها، وقد نظرت في بعض تصانيف أهل مذهبنا فإذا هو علم، منشور، ولا تؤدي المسألة إلا معنى واحدا غير شامل لأصول العلم، مفتقرا إلى النظر في جميع الكتب، فجعلت
الخلاف (1/240)
صفحة 216
فصل في
ب أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن ومكة والمدينة المنورة
كتابي هذا مختصرًا موجزا، وفصلته أبوابا، وجعلت كل كتاب منه خصالا؛ ليسهل على المتعلم، حفظه، ويقرب إليه فهمه ويزيد العالم نباهة في قلبه وتقوية في علمه وبصيرة في دينه وضمنته من جميع أصناف الفقه في الدين، وبدأت في أوله بذكر ما لا يسع جهله؛ فإنه معقل الدين ونصاب الفقه.
241
وهكذا يمضي في مقدمة كتابه، وعلى سبيل المثال أتى بباب من أبواب خصاله باب "ذکر بيان سنن "الجمعة قال أبو اسحاق: وسنن الجمعة تسعُ خصال، أحدهما: السواك والثاني: الغسل، والثالث مس الطيب، والرابع: البخور، والخامس: الخطبة الثانية والسادس الاستماع حتى يبتدي الإمام الخطبة، وقد قيل ذلك واجب والسابع السكتة بين الخطبتين، والثامن: الأذان قبل الوقت في قول بعض أصحابنا، والتاسع: اللباس الحسن.
ونظم كتابه هذا من المتأخرين العلامة نور الدين السالمي، سماه "مدارج الكمال نظم مختصر الخصال" وشرح بعضه وسماه "معارج الآمال" قال منه هذا تمام هذه المدارك فهيأ الآمال للمعارج.
ثم رأيت في بعض الكتب أنه قتل سنة 475 وعليه فالذي رثى العلامة محمد بن إبراهيم غيره، أو أنّ محمد بن إبراهيم غير صاحب بيان الشرع. (1/241)
صفحة 217
فصل
في أئمة الإباضية
بليبيا وتونس
والجزائر (1/243)
صفحة 218
فصل في أئمة الاباضية بليبيا وتونس والجزائر
قد ذكرتُ فيما سبق انتشار المذهب الاباضي في المغرب والمشرق وقيام دول لهم في كل ناحية يتمكنون من إقامة العدل فيها، فأول إمامة قامت لهم في طرابلس سنة واحد وثلاثين بعد المائة إمامة الحارث وعبد الجبار، أحدهما إمام والآخر، وزيره قاما على عامل مروان بن محمد واستتب لهم الأمر، ثم وجدا قتيلين بعد معارك دارت بينهم وبين عبد الرحمن بن ب؛ إذ جاءهم بجيش من المغرب والبربر.
وفي عام أربعين وماية كانت إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة المعافري أحد تلامذة أبي عبيدة مسلم الذي سبق ذكره أنه درس خمس سنوات هو وعبد الرحمن بن رستم ومن معهما، أرادوا الرجوع إلى المغرب والأخص القيروان من الجمهورية التونسية وكان المذهب الاباضي قد انتشر انتشارا كبيرا، أمرهم أبو عبيدة أن يبايعوه إماما.
قال الشيخ علي يحي معمر من علماء ليبيا نقلا عن الأستاذ لوفيسكي: إن
هذا المذهب قد جاء إلى تونس من طرابلس وانتشر انتشارا واسعا في الشعوب البربرية بجهات جربة وجرجيس و ورغمه ومطماطة و نفراوة و الجريد.
قال: وكان سكان نفزاوة على المذهب الصفري وتحولوا إلى الاباضية في عهد الإمام عبد الوهاب وبقي هذا المذهب هناك إلى القرن الحادي عشر للميلاد، حيث كان في بلدة فطناسة من نفراوة وحدها أحد عشر مسجدا اباضيا، وأما في الجريد فقد انتشرت الاباضية في زمن مبكر، وكان لها قوة عتيدة، خصوصا في أيام ازدهار مدينة درجين قرب نفطة، وكان سكان درجين يعدون وحدهم نحو
245 (1/245)
صفحة 219
246
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
ثمانية عشر ألف فارس, وانتشرت الوَهْبِيةُ بين تزور والحامة. قال: وكان الاباضية يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة ويملون تعاليمهم ويناقشون تلاميذهم قلت واجتمعت تحت إمارته الجمهورية التونسية ثم بعث إليه المنصور جيشا يقوده محمد بن الأشعث الخزاعي في سبعين ألفا وقتل الامام وقتل عنده
اثنا عشر ألفا وذلك في عام 144 كذا قال ياقوت في معجم البلدان.
ثم بويع بعده الامام أبي حاتم يعقوب بن حبيب مولى كنده المعروف بالمزوزي المنجيسي الهواري، بعدما قتل الإمام أبو الخطاب، وذلك في عام أربعة وخمسين بعد المائة، واستولى أيضا على ليبيا وتونس.
قال العلامة البرادي: "وقفت في بعض كتب أهل الخلاف على سيرته وأيامه، فمن أغرب ما رأيته فيها أن قال: اجتمع لأبي حاتم بأفريقية جيش لم يجتمع لخارجي قبله ولا بعده".
عدد عسكره ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا، منها خمسة وثمانون ألف عنان، والباقي رجال، ولاقوا طوالع ثلاثمائة وخمسة وسبعين لقيه ومات في الأخيرة منها،
والعسكر الذي قتل أبا حاتم مزيد بن حاتم بن قبيصة بن أبي صفرة.
وذكر بعضا من سيرته ابن الأثير في الجزء الخامس لكن قال: "كانت ولايته عام واحد وخمسين، وقتل عام خمسة وخمسين في ربيع الأول، وذلك في خلافة أبي جعفر المنصور، وكانت عاصمة هؤلاء الأئمة المذكورين طرابلس".
ثم بويع بعده للإمام عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى، وهو أحد تلامذة أبي عبيدة مسلم الذي سبق ذكره في حملة العلم إلى المغرب، وكان (1/246)
صفحة 220
فصل في
أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
247
قيامه مع
أمه بالقيروان، قدم به أبوه حاجا من فارس فتوفى بمكة، وتزوجها رجل
مغربي من أهل القيروان فحمل الولد معه ثم عاد الى البصرة مع رجال من المغاربة إلى طلب العلم فاستقر بها في رحاب أبي عبيدة خمس سنوات، ثم خرج وقام بدولة الإمام أبي الخطاب وتولى له القيروان كما ذكر ابن الأثير وابن خلدون وابن الصغير وغيرهم من المورخين، ولما قتل أبو الخطاب خرج عبد الرحمن مع رجال الأباضية إلى الجزائر وبويع له بالإمامة عام مائة وستين، وقيل اثنين وستين ومائة.
قال ابن الصغير، المؤرخ المالكي: "ثم نهضوا إليه بأجمعهم وقالوا: يا عبد الرحمن رضيك الإمام أبو الخطاب في ابتدائنا ونحن آلان نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه لا يصلح أمرنا إلا بإمام نلجأ إليه في أمورنا ونحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا، فقال لهم: إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه على الطاعة فيما وافق الحق وطابقه قبلت ذلك منكم، فأعطوه عهد الله ميثاقه على ذلك، وشرطوا عليه مثل ما شرط عليهم، وقدموه على أنفسهم، وألقوا اليه
بأيديهم".
قال ابن خلدون: "فسار فيهم سيرة جميلة حمدها أولهم وآخرهم، ولم ينقموا عليه في أحكامه حكما، ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كل البلدان، وكانت له قصص حكوها عنه، لا يمكن ذكرها إلا على وجهها، وأن أتحرى فيها الصدق ولا أحرفها عن معناها ولا أزيد فيها ولا أنقص منهم؛ إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات ولا من أخلاق ذوى
الديانات، وإن كنَّا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين". (1/247)
صفحة 221
248
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
قال: "ولما ولى عبد الرحمن وما ولى من أمور الناس، شمر مئزره، وأحسن سيرته وجلس في مسجده للأرملة والضعيف لا يخاف في الله لومة لائم، وطار صيته في أطراف الأرض شرقا وغربا حتى اتصل ذلك بإخوانه أهل البصرة وغيرها من بلد الشرق". انتهى كلام ابن خلدون.
ولبث في الأمامة حوالي أحد عشر سنة وجعل الأمر شورى بعده بين سبعة من رجال العلم والصلاح، اقتداء بعمر بن الخطاب، وهم: ولده عبد الوهاب، ومسعود الأندلسي، وأبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني، وعمران بن مروان الأندلسي، وأبو الموفق سعدوس بن عطية، وشكر بن صالح الكتامي، ومصعب بن سدمان. فاتفق رأي الجميع على تقديم ابنه عبد الوهاب.
قال ابن خلدون: "فلم تزل أموره كذلك وعلى ذلك، والكلمة واحدة، والدعوة مجتمعة، ولا خارج يخرج عنه، ولا طاعن يطعن عليه، إلى أن اخترمته منيته وانقضت أيام مدته، وكنت قد وقفت على عدد إمارته كم كانت، ولكن نسيتها مع مرور الأيام، وكان قد نشأ في أيامه ولد يعرف بعبد الوهاب، وكان محمود الأفعال، وكان قد رشحه للقيام بعده، فلما انقضت أيامه صيرت الاباضية إليه الأمر بعده".
وقال ياقوت في معجم البلدان عند ذكر تاهرت: "وملك بنو رستم تاهرت مائة وثلاثين سنة". قال: وكان عبد الرحمن خليفة لأبي الخطاب عبد الأعلى". قال: "ولما قتل هرب عبد الرحمن بأهله وما خف من ماله، وترك القيروان، فاجتمعت إليه الأباضية واتفقوا على تقديمه وبنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا موضع تاهرت اليوم، وهي غيضة أشبة، ونزل عبد الرحمن منه موضعا مربعا لا شعراء (1/248)
صفحة 222
فصل في
أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
249
فيه، فقالت البربر: نزل تاهرت ومعناه الدف لتربيعه. وأدركتهم صلاة الجمعة فصلي بهم هناك، فلما فرغ من الصلاة ثارت صيحة شديدة على أسد ظهر في الشعراء، فأخذ حيا وأتي به إلى الموضع الذي صلى وقتل فيه، فقال عبد الرحمن بن رستم هذا بلد لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبدا، وابتدأوا من تلك الساعة وبنوا في ذلك الموضع مسجدا، وقطعوا خشبة من تلك الشعرا، وهو على ذلك إلى الآن، وهو مسجد جامعها، وكان موضع تاهرت ملكا لقوم مستضعفين من مراسة وصنهاحة، فأرادهم عبد الرحمن على البيع فأبوا فوافقهم على أن يؤدوا الخراج إليهم من الأسواق، ويبيحوا لهم أن يبنوا المساكن، فاختطوا وبنوا، وسمو الموضع معسكر عبد الرحمن إلى اليوم" انتهى كلام ياقوت.
ومع
واستمر الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن في الإمامة، ولاقى حروبا داخلية، هذا لم تثنه عن قيامه بالواجبات، حتى توفي بعد أربعين سنة من إمامته. وقال المورخ المراكشي المالكي: "إن إمامته كانت عشرين سنة" قال ابن الصغير: "وكان لعبد الوهاب كتاب يعرف بمسائل نفوسة الجبل، كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسئلة مما سألت عنه، وكان هذا الكتاب في أيدي الاباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه قرنا عن قرن إلى ان لحق الفضل فأخذته مع بعض الرستمين فدرسته ووقفت عليه" انتهى.
واجتمع أهل الحل والعقد من العلماء بعد وفاة الإمام عبد الوهاب عام تسعين ومائة على تقديم ابنه أفلح بن عبد الوهاب إماما لهم، فبايعوه فملك ما بين الجزاير إلى ليبيا وبعض المناطق خارجة عن حكمهم. (1/249)
صفحة 223
250
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
قال ابن الصغير المالكي: "فلما ولي أفلح أخذ بالعزم والحزم، ونشأ له من البنين ما لم يكن لغيره ممن، قبله وصار له الصيت وأتته نفوسة يسألونه أن أحكامه
يقدم عليهم من يتولى أمرهم ولم تكن الشراة تطعن عليه في شيء من ولا في صدقاته ولا في أعشاره ... إلى أن قال: وكان قد عمّر في إمارته ما لم يعمره أحد ممكن كان قبله أقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين وشمخ في ملكه وابتنى القصور واتخذ أبوابا من الحديد، وبنى الجفان وأطعم فيها أيام المجاعة الجيعان وعمرت معه الدنيا، وكثرت الأموال والمستغلات، وأتته الوفود والرفاق من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة، وأجروا الأنهار ... إلى أن قال: وكانت نفوسه تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق والاحتساب على الفساق". وكانت مدة خلافته خمسين سنة على قول
ابن الصغير.
وقال الشيخ أبو زكريا: "مكث في إمامته ستين سنة، وتوفي سنة أربعين
ومائتين، واجتمع أهل الحل والعقد على تقديم ابنه أبي بكر بن أفلح.
قال ابن الصغير: "فلما مات أفلح بن عبد الوهاب قدم الناس أبا بكر ابنه، وأخبرني غير واحد قال: كان عبد العزيز الاوز ينادي بأعلى صوته: الله سائلكم معاشر نفوسة إذا مات واحد جعلتم مكانه، آخر ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه إليهم ليختاروا من هو أتقى وأرضى .. قلا يلتفتون إلى كلامه ولا يشتغلون بمقالاته، فلما ولي أبو بكر لم يكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان آبائه، ولكن كان سمحا جوادًا، لين العريكة، يسامح أهل المروءات
قبله من (1/250)
صفحة 224
فصل في
أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
251
ويشايعهم على مروءاتهم ويحب الأدب والأشعار وأخبار الماضين، وكان بالبلد رجل يعرف بمحمد بن عرفة وكان وسيما قسيما جميلا جوادا سمحا، وكان قد وفد على ملك السودان ملك صوصو بهدية من قبل أفلح بن عبد الوهاب، فعجب ملك السودان مما رآه من هيبته وجماله وفروسيته إذا ركب الخيل بين يديه، وقال له كلمة بالسودانية ليست تعبر بالبربرية؛ لأن مخرج كلاهما إنما هو فيما بين القاف والكاف والجيم، إلا أن معناها أنت حسن الوجه حسن والأفعال". انتهى كلام بن الصغير.
الهيئة
وضعفت حالة هذا الإمام واجتمع أهل الحل والعقد على تولية أخيه أبي اليقظان بن أفلح، وعزل أخيه عن الأمر، وذلك بعد سنتين، فاعتدلت به الأمور واستقامت بهمته الأحوال، وقد كان معتقلا في بغداد؛ إذ خرج حاجا في حياة
معه
والده وأمسكه بنو العباس وعاد بعد موت أبيه قال ابن الصغير: "وكان بعض الأموال التي جاء بها من بغداد والمدينة بها رجال هواهم وقلوبهم عند أبي اليقظان، فخرجوا إليه فصارت الدعوة والإمامة كلها لأبي اليقظان، وأتته الاباضية من كل الأقطار، وبقي بالمدينة أمم ممن هم لا يوالون أبا اليقظان ولا رأيه". قال: "وحمل أبو اليقظان الناس على الخيل ودعي له بالإمارة
يرون من
والإمامة، وألغي ذكر أبي بكر. قال: ثم أمر قومًا من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قالوا: فإن رأوا قصابا نفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرًا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه، ولا أحدًا صلاته في مساجدهم، ولا يكفونه عن حاله، ولو رأوه رافعًا من
يمنعون (1/251)
صفحة 225
252
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
يديه في صلاته، خلا المسجد الجامع، فإنهم إذا رأوا فيه رافعا يديه منعوه وزجروه". قال: "وكان أبو اليقظان عاش من السنين مائة أو نحوها، و كان عمره في إمارته نحوا من أربعين سنة، ولحقت أنا بعض إمارته وأيامه، ورأيته وحضرت مجلسه وقد جلس للناس خارج المسجد الجامع مما يلي الجدار الغربي منه، ورأيته يوما ثانيا في مصلى الجنائز وقد رميت له وسادة من أديم وجلس عليها ينتظر فراغ دفن رجل مات من وجوه الناس ربع القامة أبيض الرأس واللحية، وكان إذا جلس للناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه، زاهدا سكينا، ورعًا ناسكا، وكان إذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أديم مستقبلا الباب البحري، وله سارية تعرف به يجلس إليها، ولم يكن غيره يجلس إليها، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسه يعرف بعيسى بن فناس، وكان عندهم من الورع بمكان ويلي عيسى رجل من هوارة يقال له ابن العقير، لسانهم في الفقه، ولم يكن في ورع عيسى. وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس وكان أخص الناس به رجل من العرب يسمى بمحمود بن بكر. وكان مَدَرَتهم الذي يذب عن بيضتهم، ويدافع عن دينهم، ويرد على الفرق مقالاتهم، ويؤلف الكتب على مخالفيهم، رجل يقال له
عبدالله بن اللمطي"
انتهى
كلام ابن الصغير.
وكان في زمانهم المعتزلة، وجرت بينهم مناظرات ومقاتلات ومصاهرات، حكى ابن الصغير قال: "اجتمعت الاباضية والمعتزلة بنهر مينه لموعد جعلوه فيما بينهم للمناظرة، وكان كثير من هوارة ممن حضر المجلس يتسمى بعبد الله بكسر الدال، فأجابه رجل ثان فقال: لست أريد قال عبد الله: وقد علمت أنه إياي (1/252)
صفحة 226
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
253
يريد فكرهت أن أجيبه خوفًا من سؤاله، فقال: عبد الله اللمطي أريد، بن فقلت: لبيك، فقال لي: هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟ فقلت: لا، فقال: وهل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟ فقلت: إذا شئت فعلت فقال خرجت منها يا عبد الله. قال: وكانت نفوسة الجبل مفتونة بأبي اليقظان، وكان أكثرهم لا يحج إلا باستئذانه وكانت المرأة تبعث بابنها أو ابنتها يأخذ الإذن منه، وكان إذا ضرب سرادقه وأتته وفودهم لا ينامون الليل حول فساطيطة، شأنهم التهليل والتكبير أول الليل حتى إلى الفجر، فإذا صلوا الفجر معه ضربوا بأنفسهم الأرض فناموا .. إلى أن قال ابن الصغير فمات أبو اليقظان فكل شيء وجد من العين في تركته سبعة عشر دينارًا. قال: وكانت لأبي اليقظان في إمارته وقايع صارت تاريخا لموالد الناس".
من
سنة.
وتوفي رضي الله عنه عام واحد وثمانين بعد المائتين، وكانت إمامته أربعين
وبويع بعده لابنه أبي حاتم يوسف بن محمد بن أفلح، الابن الخامس إمامة وبنوةً من الرستميين، والثامن من الأئمة المغربيين الاباضيين.
قال ابن الصغير: "فنادوا لا طاعة لأحد إلا لأبي حاتم على مسيرة يومين من المدينة أو أكثر، فلما وصل إلى باب المدينة ازدحم الناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره فبايعوه، فما وصل المسجد الجامع إلا وقت الظهر، فاصعدوه المنبر وبايعوه وكبروا حوله وحملوه على الأيدي والأعناق حتى أوصلوه إلى داره، ثم أرسلوا إلى القبايل فبايعوه". (1/253)
صفحة 227
254
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
واستمروا على سيرة محمودة لم يتبين من أحد له خلاف حوالي سنة، ثم دبَّ داء الخلاف بينه وبين عمه يعقوب بن أفلح، وصار بينهم قتال حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه سنة أربعة وتسعين ومايتين بعد أربعة عشر عاما من يوم ولايته، وبموته انقرضت إمامة الرستميين، وبقي نسلهم إلى اليوم، فهم الآن في الجزائر، ولا يكاد تمضي فترة إلا وفيها عالم أو صالح من سلالتهم؛ ففي وارجلان اجتمعت ببعض الصالحين منهم، وكذلك في بنورة من الواحات، وكان لنفوسه اليد الطولى في أئمة الرستميين والتاريخ المجيد علمًا وعملا وشجاعة.
قال ياقوت في معجم البلدان "نَفُوسة بالفتح ثم الضم والسكون وسين مهملة، جبال في المغرب بعد افريقية عالية نحو ثلاثة أميال في أقل ذلك من وفيها منبران في مدينتين إحداهما (شروس) في وسط الجبل وفيها خبز الشعير ألذ من كل طعام، والأخرى يقال (جادو) من ناحية (نفزاوة)، وجميع أهل هذه الجبال شُراةٌ وَهْبيةٌ وأباضيةٌ، متمردون عن طاعة السلاطين، وطول هذا الجبل مسيرة ستة أيام من الشرق إلى الغرب، وبين جبل نفوسة وطرابلس ثلاثة أيام، وبينه وبين القيروان ستة أيام، وبها قبيلة يقال لهم بنو زمور) لهم حصن يقال له (تيرفت) في غاية المنعة لا يقدر عليه أحد وفيه نحو ثلاثمائة قرية وعدة مدن، ليس فيها منبر؛ لأنهم لم يتفقوا على رجل يأتمون به، وفي جبلهم نخل كثير، وزيتون وفواكه، ويجتمع مما حوله من القبايل إذا تداعوا ستة عشر ألف رجل، وافتتح عمرو بن العاص نفوسه وكانوا، نصارى ومن جبل نفوسة رجع عمرو بن العاص بكتاب ورد عليه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه". (1/254)
صفحة 228
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
قلت: وقوله "ليس فيها منبر لأنهم لم يتفقوا على رجل يأتمون به" ليس الأمر كذلك، ولكن عندهم أن الجمعة تجب بلاخلاف في الأمصار التي مصرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولم تكن نفوسة منها، ومن جهة أخرى فمن شرط الجمعة الإمام العادل، وفي وقت ياقوت لم يكن عندهم إمام ولا سلطان يقيمها، وياقوت هذا من علماء القرن السابع.
255
ولم يزل فحول العلماء يخرجون من هذا الجبل، ولم تأليفات مفيدة ومعتمد عليها في جميع أنحاء المذهب الأباضي، كتأليفات وفتاوى الشيخ عمروس بن
فتح، من. علماء القرن الثالث، وكتفسير الشيخ هود بن محكم الهواري.
ويروي
أنه قتل من
علماء نفوسة في وقعة واحدة أربعمائة عالم في خلافة
المعتضد العباسي، وأسر ثمانون عالما، وذلك عام مائتين ونيف وثمانين، وفي ذلك الوقت قتل من علماء عُمان مثل هذا العدد، وقد ذكر الشيخ أبو العباس الشماخي من علماء نفوسة في القرن العاشر في كتاب السير عددًا كبيرًا من علماء المغرب والمشرق، فمن أراد الاطلاع فعليه به.
وأجل علماء نفوسة المتأخرين على الإطلاق وأشهرهم في الآفاق، العالمان الجيلان: عامر بن علي الشماخي صاحب كتاب الإيضاح) الذي طبع مرتين، والشيخ الزاهد إسماعيل بن موسى الجيطالي صاحب كتاب (القناطر) وكتاب (القواعد) وغيرها من المؤلفات ولهما تراجم، مشهورة ولم يزل فيها علماء مجتهدون إلى زماننا هذا، كالعلامة المؤرخ علي بن يحي معمر، والشيخ عمرو النامي، وكثير من الأخيار، اجتمعت ببعضهم في زماني هذا، ومنهم الشيخ سليمان الباروني أكبر مجاهد في تحرير ليبيا، وأبوه عبد الله. (1/255)
صفحة 229
256
ومن
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
علماء الجمهورية التونسية ومن جربة خاصة الشيخ أبو خزر المؤلف والشيخ أبو نوح وهما من أجلاء العلماء القدامى، وأبو الربيع سليمان يخلف بن المؤلف، وأبوحفص عمرو بن جميع والعلامة البرادي صاحب الجواهر، وأبو سليمان الثلاثي، وأبو ستة، والسيدويكشي، وكلهم علماء مشهورون مؤلفون،
لاسيما أصحاب الديوان الكتاب المعتمد عليه في المذهب الاباضي.
وإلى زماننا هذا فيها علماء أجلة اجتمعت بعم كالشيخ سالم بن يعقوب، والشيخ الهادي وسلالة الشيخ الباروني وغيرهم من الصالحين. ولجربة تاريخ مجيد في الجهاد ودفع الإفرنج عن الجمهورية التونسية، وذلك في القرن الثامن، وقتل فيها عدد كبير من الإفرنج حتى اتخذ من رءوسهم برج معروف مكانه إلى اليوم، ورغم الافرنج وبعض المؤرخين الجاهلين بها وبأهلها أنها قرصنة، وينسى الإفرنج أعمالهم القبيحة ولا يعدونها قرصنة.
ومن علما الإباضية في الجزائر وتاهرت كانت عاصمتهم كما ذكرنا من المؤلفين الشيخ الجليل أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم صاحب المؤلفات العديدة والكرامات المشهورة ومن تأليفاته كتاب العدل والإنصاف) وكتاب (الدليل والبرهان) وترتيبه المسند الربيع بن حبيب، وهو من علماء القرن الخامس، ومقامه وارجلان، وهنالك عدد كبير من العلماء والفضلاء في كل وقت وإلى يومنا هذا، ومن علمائها الشيخ أحمد بن بكر مؤلف كتاب (أبي مسئلة) ومؤسس بلدة العطف من وادي ميزاب ثم انتقل الاباضية من شمال الجزائر وأسسوا بلدانا وقرى عديدة قريبة من العطف، ولا يزال العلماء والأخيار بها إلى يومنا هذا،
بن محمد
وفيهم المؤلفون المشهورون كالشيخ عبد العزيز الثميني صاحب كتاب (النيل) (1/256)
صفحة 230
فصل في أئمة الإباضية بليبيا وتونس والجزائر
257
والشيخ القطب فخر المتأخرين الذي ألف في كل فن من الفنون، ولا سيما (شرح النيل) و (وفاء الضمانة) و (جامع الشمل) في الحديث، وفي التفسير فسر القرآن ثلاث مرات واليوم هنالك من تفخر بوجودهم الجمهورية الجزائرية كالشيخ بيوض، والشيخ ناصر بن محمد المرموري والشيخ عدون، والشيخ المهدي، والشيخ يوسف بابانوح والشيخ عبدالرحمن بكلى المحشي على النيل، والشيخ دبوز المؤرخ، وعدد من الأخيار في غرداية وبنورة والعطف وبني يسجن وبريان والقرارة ومليكة. (1/257)
صفحة 231
فصل
في أئمة الإباضية
في عمان (1/259)
صفحة 232
فصل في أئمة الأباضية في عمان
وأول إمام بويع له في عمان الإمام الجلندي ابن مسعود بن جيفر بن جلندي
وهو أحد
بني
شمس
الجلندى المستكبر بن مسعود ابن الجرار بن عز بن معولة بن ملوك عمان بعد أولاد مالك بن فهم، وكان الجلندى في جيش الإمام طالب الحق، فلما قتل جاء إلى عمان فبايعوه فيها، وكان في زمانه حاجب والربيع بن حبيب في البصرة، وكان أبو عبيدة مسلم غير موجود في ذلك الوقت، وقد حضر البيعة حملة العلم الأربعة، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقتل سنة أربع وثلاثين ومائة كذا قال ابن الأثير، وكانت إمامته سنتين وشهرا، وتوفي في زمانه خلف بن زياد البحراني، وبقي في منزلة إمام بعده شبيب بن عطية الأباضي العماني، ومحمد بن أبي عفان، وفي زمانهما بعض جور وقتل، حتى اجتمع المسلمون على تقديم الإمام الوارث بن كعب الخروصي، وهو أول إمام من بني خروص وهم من اليحمد، وذلك في سنة تسع وسبعين بعد المائة، وكان القائم بإمامته والبيعة له موسى بن أبي جابر الأزكوي، أحد حملة العالم إلى عمان، عليه أئمة العدل، وعلى الأمر بالمعروف له: بايعوه على ما ونص بيعتهم
بويع
والنهي عن المنكر، والشراء في سبيل الله، وإظهار الحق، وإخماد الباطل، والجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية وكل فرقة امتنعت عن الحق حتى تفيء إلى أمر الله، لا يستحلون منهم غنيمة مال ولاسبي عيال ولا انتحال هجرة بعد النبي ولا يسمون بالشرك أهل القبلة ما بينوا الشهادتين.
261 (1/261)
صفحة 233
262
فصل في أئمة الإباضية في:
وبعد سنتين توفى موسى عن عمر يبلغ أربعا وتسعين سنة، وتوفي الإمام غريقًا سنة اثنتين وتسعين ومائة، وكانت إمامته ثلاث عشرة سنة رضي الله عنه
وأرضاه، وبيعته وموته بنزوى.
ثم بويع للإمام غسان بن عبد
الله
له
اليحمدي من الفحج، بويع في اليوم
الذي مات فيه الإمام الوارث من عام اثنتين وتسعين ومائه، وكان على رأس العلماء الذين تولوا بيعته العلامة سليمان بن عثمان والعلامة مسعدة بن تميم، وكانت بيعته بنزوى وبعد تسع سنوات زار، صحار وفي زمانه خصبت عمان وصارت خير دار وتوفى سنة سبع ومائتين وكانت إمامته حوالي ست عشرة
سنة.
وبويع بعده للإمام عبد الملك بن حميد، وهو من بني علي بن سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء الإزدي وكانت بيعته بعد موت الإمام غسان بيوم، وكان على رأس العلماء يومئذ موسى بن علي بن الحصين العنبري ابن ابنة موسى بن أبي جابر، وتوفي الإمام سنة ست وعشرين ومايتين، وكانت بيعته
وموته بنزوى.
ثم بويع للامام مهنا بن جيفر، وهو من اليحمد بويع له في اليوم الذي مات فيه عبد الملك بنزوى، وعلى رأس العلماء يومئذ موسى بن علي المذكور، وفي زمانه توفي موسى بن علي رضي الله عنه لثمان ليال خلون من ربيع الأول سنة
ثلاثين ومائتين.
وبويع للإمام الصلت بن مالك في اليوم الذي مات فيه المهنا، وكان على رأس العلماء بشير بن المنذر، أحد حملة العلم إلى عمان، ومحمد بن محبوب بن (1/262)
صفحة 234
263
فصل في أئمة الإباضية في عمان
الرحيل القرشي، ولم يزل محمد له قاضيًا ومعاضدا حتى توفي بصحار يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر محرم سنة ستين ومائتين وعمر الصلت إمامته طويلا. واشتهر في زمانه علماء أجلة، كهاشم بن غيلان وعزان بن الصقر الذي توفي في عصره سنة ثمان وستين ومائتين بصحار، ومسكنه في نزوى. وفي زمانه أبو الموثر الصلت بن خميس الخروصي، وأبو جابر محمد بن جعفر صاحب الجامع
المشهور.
وقام عليه موسى بن موسى بن علي يطلب عزله، وخرج من دار الإمامة إلى بيته بدون عزل وقدم موسى عليه راشد بن النظر، وذلك في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وكانت إمامة الصلت خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوما، وتوفي بعد ثلاث سنوات ودفن بنزوي، وصلى عليه عزان بن تميم قبل أن يكون عزان إمامًا، ووقع اضطراب كثير وانشقاق عريض أدى الى انقسام أهل عمان نزوانية ورستاقية.
وبويع في حياته لراشد بن النظر، وهو من اليحمد، سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وفي زمانه الشاعر المشهور أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي. وبعد مضي أربع سنوات من بيعة راشد اقتضى نظر المبايعين له عزله وتقديم عزان بن تميم الخروصي، وذلك سنة سبع وسبعين ومائتين، وكان على رأس المبايعين له العلماء موسى بن موسى وبقيت الأمور في اضطراب شديد
من
حتى خرج بعض رؤساء العمانيين إلى بغداد يستنجدون بالمعتضد العباسي، جينًا انضم إليه عدد كبير من العمانيين فاحتلوا نزوى وغيرها من
فأرسل
معهم
البلدان المهمة، واتبعوا أثر الإمام وكان بسمد الشان، فصارت وقعة أسفرت عن (1/263)
صفحة 235
264
فصل في أئمة الإباضية في عمـ
قتل الإمام وعدد كبير من العمانيين، ومن بينهم أربعمائة عالم، وكان هذا سنة ثمانين ومائتين، ومع هذا كله لم تخل عمان من علماء أخيار صالحين كالشيخ أبي الحوارى القرى الضرير، والشيخ أبي جابر صاحب الجامع. ويروى أن لهم إماما سنة اثنتين وثمانين اسمه محمد بن الحسن الخروصي، وفي رواية أنهم بايعوا في هذه الفترة ما لا يقل عن ثمانية أئمة وفي ذلك العصر الشيخ أبو مالك الخضر بن سليمان شيخ أبي محمد، والشيخ أبو روح بن عربي شيخ أبي سعيد الكدمي حتى أمدهم الله بالإمام العادل سعيد بن الله عبد ابن محبوب، وكانت بيعته سنة عشرين وثلثمائة، وكان على رأس العلماء يومئذ أبو محمد الحواري عثمان بن وأبو محمد عبد الله بن محمد ابن أبي المؤثر ومحمد بن زايده السمايلي، وكان على سجنه الإمام الكدمي أبو سعيد المؤلف المشهور وقتل شهيدا بعد ثماني سنوات من إمامته، وبويع للإمام راشد بن الوليد الكندي، وكان على رأس العلماء المبايعين له أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر الخروصي، ولبث في إمامته حوالي أربع عشرة سنة، وصارت عمان بأيدي الجبابرة فاعتزل الإمام دار الخلافة إلى منزله حتى توفاه الله والعلماء موجودون، ولم تنقطع الدعوة، وربما يقدمون إماما ويعاجل بالقتل، ومن جهة أخرى فنفس اختلاف العمانيين
يرهقهم
الشتات والتفرق حتى بويع
للإمام الخليل
شاذان
بن
صلت بن
مالك
بن
سنة
سبع
وأربعمائة، وكان في زمانه من العلماء محمد بن المفدى الكندي،
والحسن بن أحمد شيخ صاحب كتاب بيان الشرع وفي زمانه وزمان الإمام راشد ين سعيد زار عمان الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي، وله أشعار ذكرنا
بعضها في ترجمته وتوفي في أوائل سنة خمس وعشرين وأربعمائة. (1/264)
صفحة 236
أئمة الإباضية و فصل في
عمـ
ان
ثم
بويع بعده للإمام راشد بن سعيد، وهو من اليحمد، بويع
له بعد موت
الخليل، وبقي في الإمامة إلى سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وله أشعار حماسية
منها:
متى
يكسب المعروف من كان همه غداء يغدى أو كعوب تراقبه
265
وفي زمانه أبو الحسن البسياني وأبو محمد بن بركة وأبو سعيد الكدمي والحسن بن سعيد بن قريش وبويع بعده لولده حفص بن راشد، وبويع بعده للإمام راشد بن علي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وفي زمانه الحسن بن أحمد الهجاري ومحمد ابن عيسى السري وبجاد بن موسى وتوفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وبويع بعده للإمام محمد بن أبي غسان ولأبي المعالي وغيرهما من الأئمة الكثيرة مع اضطراب الأحوال وافتراق الكلمة النزوانية الرستاقية، وفي هذا الزمان الشيخ بن عبد الله صاحب كتاب (المصنف) والمشايخ أولاد محمد بن صالح وذراريهم العلماء وأبناء العلماء وآباء العلماء.
أحمد
وفي مدة قرنين تقريبًا اختفى صوت الإمامة في عمان، وتولى الأمر ملوك
النباهنة، وقتلوا كثيرا ودمروا كثيراً، ومن ضحاياهم العلامة الجليل أحمد بن النظر الشاعر العالم صاحب كتاب (الدعايم) و (سلك الجمان في سيرة أهل عمان) وهو من سلالة العالم الكبير الخضر بن سليمان. وفي هذا الزمان مرَّ الرحالة المشهور بعمان ابن بطوطة.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بويع للإمام الحواري أبي مالك، وفي زمانه العلامة سليمان بن أحمد مفرج البهلوي، ولبث في الإمامة حوالي ثلاثاً وعشرين سنة، ثم بويع بعده للإمام أبي الحسن بن خميس بن عامر سنة تسع وثلاثين (1/265)
صفحة 237
266
فصل في أئمة الإباضية في عمان
وثمانمائة، وبقي في إمامته سبع سنين وشهرين، وفي زمانه العلامة ورد بن أحمد
بن مفرج البهلوي المتوفي سنة أربع وسبعين وثمانماية.
ثم بايعوا عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد بن شاذان بن صلت بن مالك،
وذلك في سنة خمس وثمانين وثمانماية وقضى بتغريق أموال الجبابرة بني نبهان،
واستعمل فيه المحاماة، فترك وكيلا يدافع عن الظالمين، ووكيلا يدافع عن
المظلومين، وحاكما يحكم بينهم. وفي زمانه من العلماء سعيد بن زياد بن أحمد
بن راشد البهلوي، وأبو عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج بن محمد بن عمر بن أحمد
بن مفرج، وأحمد بن صالح بن محمد بن عمر، وكلهم علماء
أقطاب فحول كملة، ومنهم علي بن عبد الباقي، وكانت إمامته تسع سنين، ودفن بنزوى. ثم بايعوا لأبي الحسن بن عبد السلام.
وفي زمان هؤلاء الأئمة ملوك بني نبهان الذين صار بينهم قتال، حتى استتب الأمر للإمام محمد بن اسماعيل بن عبد الله بن محمد بن اسماعيل الحاضري، وهو رجل من قضاعة، ويتصل نسبه بالنبي هود عليه السلام وكانت بيعته سنة ست
وتسعمائة ولبث في إمامته ستا وثلاثين سنة، وتوفي رضي الله عنه سنة اثنتين
بن محمد
وأربعين، وفي زمانه من العلماء عبد الباقي بن عمر، ومحمد بن سليمان بن عمر، وأبو القاسم بن شايق بن عمر، وأبو القاسم محمد بن سليمان، وسعيد ابن زياد، ومداد بن عبد الله بن مداد، وعدد كبير من فحول العلماء. ثم بويع من بعده لولده بركات بن محمد بن إسماعيل في اليوم الذي مات فيه أبوه، وكان على رأس العلماء المبايعين عبد بن عمر بن زياد الشقصي، أحمد
ومحمد بن بن غسان.
الله (1/266)
صفحة 238
أئمة الإباضية في عمـ فصل في
ان
267
وصار بين الإمام وبعض ملوك النباهنة ورؤساء القبائل بعض التنافس، وتوفي الإمام وأهل عمان في صراع شديد حتى أدرك الله الأمة بالدولة اليعربية فجاء الإمام ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب من ولد نصر بن زهران فجمع شملها وداوى جراحها وأصلح شأنها وزالت بسببها النزوانية والرستاقية، وأصبحت مسلمة فطرية محمدية ذات أسطول عالمي هزم البرتغال وطهر الخليج من الجنوب إلى الشمال وأعادت لعمان الشرف الباذخ والمجد الشامخ، فقد بويع الإمام ناصر سنة أربع وعشرين بعد الألف، وكان على رأس العلماء الشيخ خيس بن سعيد الشقصي الرستاقي مؤلف منهج الطالبين في واحد وعشرين جزءا، وفيهم من العلماء الشيخ مسعود بن رمضان النبهاني النزوي وصالح بن سعيد الزاملي العقري وكان عدد العلماء الحاضرين أكثر من أربعين عالما، وذلك في بلد الرستاق وتوفي سنة خمسين بعد الألف. ثم بويع بعده للإمام سلطان بن سيف بن مالك ابن عمه في اليوم الذي مات فيه الإمام، فغزا الهند واستمر في نضاله ضد البرتغال وتقوية الأساطيل وتعمير البلاد وتأمينها. ولبث في إمامته حوالي إحدى وأربعين سنة، وكان في زمانه عدد العلماء، منهم الشيخ درويش بن جمعه المحروقي المؤلف، والشيخ خلف
كبير من
بن سنان الغافري.
ثم بويع بعده لابنه بلعرب بن سلطان في اليوم الذي مات فيه أبوه من عام واحد
وتسعين بعد الألف، وكان على رأس العلماء في ذلك الوقت محمد
بن عبد
الله (1/267)
صفحة 239
268
فصل في
أئمة الإباضية في عمان
بن عبيدان وفي زمانه الشاعر المشهور راشد بن خميس بن جمعه الحبسي. ومات
الإمام سنة أربع ومائة بعد الألف، ودفن بقصره الذي بناه.
ثم بويع
لأخيه سيف
بن سلطان قيد الأرض، واستمر في جهاده واحتل شرق
أفريقيا متابعة لجهاد سلفه وتوفي سنة ثلاث وعشرين بعد المائة بالرستاق، وكان في زمانه عدد كبير من العلماء كالعلامة الجليل سعيد بن بشير الصبحي وناصر بن خميس الحمراشدى وخلف بن سنان الغافري وعدي بن سليمان الذهلي
وناصر بن
سليمان بن
مداد.
ثم بويع بعده لابنه سلطان بن سيف سنة ثلاث وعشرين ومائة بعد الألف، وبنى حصن الحزم، ويقال إنه اقترض من وكيل أموال المساجد والأوقاف خسمائة فراسلة فضة والفراسلة عشرة أمنان والمن أربعة وعشرون كياسا، والكياس سبعة مثاقيل، والمثقال وزن ثلاثة قراريط، والقيراط تسعون حبة شعير متوسط) وكان في زمانه من العلماء الذين ذكرناهم سابقا وزيادة وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، وبموته انتفض الشر في عمان وكثرت الفوضى والفتن فقد بويع بعده للإمام
مهنا بن سلطان بن
ماجد بن مبارك بن بلعرب في ذلك العام ولم يبق في إمامته
أكثر من ثلاث سنوات فخذل وقتل.
وبويع بعده للإمام يعرب بن بلعرب بن
سلطان بن سيف في ذلك العام،
وقامت الحروب بين القبايل وحرقت عدة مكاتب وقتل عدد كبير من رجال (1/268)
صفحة 240
فصل في أئمة الإباضية في عمان
العلم والإصلاح، واعتزل الإمامة، وقدموا بالرغم سيف بن سلطان، وكان صغيراً إلا أن محمد بن ناصر الغافري أخذ البيعة وهنا انقسم أهل عمان إلى غافري وهناوي، فالغافرية اتباع محمد بن ناصر، والهناوية أتباع خلف بن مبارك الهنائي، وبقيت حزازات في قلوب القبائل العمانية يتقاتلون باسمها، وأدخلوا العجم في البلاد فعاثوا في الأرض الفساد، حتى أغاث الله البلاد بالإمام أحمد
أحمد
بن سعيد
له سنة سبع وستين ومائة بعد الألف،
269
بن
وبه
بن محمد البوسعيدي، بويع انقرضت دولة اليعاربة بعد صراع دام بينهم حوالي أربعين سنة، وكان في ذلك الوقت من العلماء العلامة الصبحي المذكور الذي توفي قبل دخول العجم إلى أحمد
عمان، والعلامة حبيب بن سالم امبوسعيد النزوي والشيخ سعيد بن الكندي، وكانت أيامه أيام راحة واستراحة وتوفي بعد تسع وعشرين سنة من
إمامته، وبقيت عمان حوالي تسعين سنة لم يكن بها إمام متفق عليه، ولكن العلماء الأخيار فيها كثر كالشيخ العلامة الرباني جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي صاحب التأليفات العديدة والأسرار المنيرة والكرامات الشهيرة والفتاوى النيرة، وتوفي سنة سبع وثلاثين ومائتين، وألف، وابنه العلامة ناصر بن أبي نبهان، وتوفي بزنجبار سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، وعمره سبعون سنة، وأخوه نبهان والسيد مهنا بن خلفان البوسعيدي ضرير البصر من أهل مسكد، والشيخ العلامة جميل بن خميس السعدي مؤلف القاموس في تسعين جزءا، وقد نسخه بخط يده ثلاث مرات شرع في تأليفه عام ست ومائتين بعد الألف، ولم أجد تاريخا لموته، إلا أني وجدت بخط يده سنة اثنتين وسبعين، ولم يدرك الإمام عزان، ومنهم الشيخ سلطان بن محمد البطاشي المتوفي عام واحد وسبعين (1/269)
صفحة 241
270
فصل في أئمة الإباضية في عمـ
ومائتين، والشيخ سالم بن سعيد الصايغي مؤلف الأرجوزة واللباب، والعلامة
خميس بن راشد العبري والد الشيخ ماجد بن خميس.
ثم بايعوا للإمام عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد، وذلك سنة خمس وثمانين ومائتين وألف وكان على رأس العلماء العلامة المحقق سعيد بن
خلفان بن
أحمد
بن صالح الخليلي والشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي والشيخ محمد بن سليم الغاربي السعدي الذي توفي عام واحد بعد ثلاثمائة وألف وفي زمانه سالم بن عديم الرواحي وحمد بن سليمان اليحمدي ومحمد بن خميس السيفي وجمعة بن خصيف الهنائي. وبقي في إمامته سنتين وأربعة أشهر ونصف حتى قتل رضي الله عنه وقام بعده بمنزلة إمام الشيخ صالح بن علي الحارثي أمرًا وناهيا، حتى قتل عام ألف وثلاثمائة وأربع عشرة، وعمره ينيف على الستين سنة، وبقى ابنه عيسى بن صالح العلامة الجليل مشمرًا عن ساق، وكان بجانبه العلامة الجليل المؤلف عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي أحد تلامذة الشيخ صالح، وفي زمانهما من العلماء الشيخ أحمد والشيخ عبد الله حمد بن سيف البوسعيدي والشيخ سعيد بن حمد الراشدي والشيخ راشد بن سيف اللمكي والشيخ ماجد بن خميس العبري والشيخ سيف بن ناصر الخروصي والشيخ علي بن محمد المنذري والشيخ راشد بن سليم الغيثي الحارثي والشيخ محمد بن سليمان الخروصي.
بن سعيد بن
خلفان
الخليلي
بن راشد الهاشمي والشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي والشيخ
ثم بويع للإمام سالم بن راشد الخروصي سنة واحد وثلاثين وثلاثماية وألف
وكان على رأس العلماء يومئذ العلامة الجليل المؤلف نور الدين عبد الله
بن حميد (1/270)
صفحة 242
فصل في أئمة الإباضية في عمان
السالمي، وحضر البيعة العلامة عامر بن خميس المالكي والعلامة أبو زيد عبد الله
الله
بن راشد
محمد الريامي والعلامة محمد بن سالم الرقيشي والشيخ عبد بن الهاشمي والشيخ عامر بن علي الحبسي. وبعد سنة من بيعته توفي العلامة السالمي
عن عمر يناهز الخمسين سنة، وقتل الإمام بعد سبع سنوات من إمامته في بلد
الخضراء.
وبايعوا بعده للإمام محمد بن عبد الله
بن سعيد بن خلفان الخليلي بعد أيام من قتل الامام، وكان القائم بإمامته العلامة عيسى بن صالح بن علي الحارثي المتوفي سنة خمس وستين عن عمر يبلغ خمسا وسبعين سنة، وحضر البيعة عدد من العلماء كالشيخ ماجد بن خميس العبري الذي أدرك الإمام عزان والإمام سالما. وهذا الإمام الثالث الذي توفي سنة ست وأربعين عن عمر يناهز الماية، ومنهم العلامة المالكي عامر بن خميس ابن مسعود المتوفى في هذه السنة سنة ست وأربعين عن عمر يبلغ ستا وستين سنة، ومنهم الشيخ أبو زيد الريامي المتوفى سنة ست وستين وعمره ثلاث وستون سنة، والشيخ إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري الموجود حاليا.
271
ولبث الإمام في إمامته إلى سنة ثلاث وسبعين وتوفي ليلة 29 شعبان من
هلال
السنة المذكورة، واستخلف على المسلمين الإمام غالب بن علي بن الهنائي، وبايعه كل من العلماء والزعماء، وكان على رأس العلماء العلامة محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي المتوفى سنة ثمان وسبعين عن عمر يناهز الثمانين في
سجن
السلطان سعيد بن تيمور. (1/271)
صفحة 243
272
فصل في
أئمة الإباضية في عمان
الله
عامر بن مهيل
وفي زمان الإمام الخليلي توفي العلامة الجليل عبد
بن
العزري، والعلامة الجليل سعيد بن ناصر بن عبد الله الكندي سنة خمس وخمسين
عن عمر يناهز الثمانين، أما الشيخ العزري فكانت وفاته بعد الشيخ الكندي بثلاث سنوات عن عمر يبلغ الستين.
وبقي الإمام غالب في الإمامة حوالي عشرين شهرا، واعتزل الإمامة وأعمال المسلمين إلى بيته، وذلك في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف في آخر ربيع
الثاني.
سعيد بن
ولم تزل عمان إلى اليوم معمورة بالعلماء والفضلاء والصالحين، وممن يرجع إليهم في وقتنا هذا العلامة الجليل محمد بن شامس البطاشي المؤلف، والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، والشيخ أحمد حمد بن بن سليمان الخليلي، والشيخ خلف الخروصي، والشيخ سالم بن حمود السيابي المؤلف، والشيخ المفسر الجليل سعود بن سليمان بن جمعة الكندي وكان هو والشيخ سالم من قضاة الإمام الخليلي. وتوفي منذ سبع سنوات العلامة الجليل خلفان بن جميل السيابي عن عمر يناهز الثمانين والشيخ حمد بن عبيد السليمي، وكلاهما من قضاة الإمام الخليلي. ومن علمائنا المعاصرين الشيخ النزيه المؤلف سيف بن عبد العزيز الرواحي، والشيخ سعود بن عامر بن خميس المالكي، والشيخ سالم بن محمد الحارثي من القابل، والشيخ ناصر الدين سعيد بن سالم النعماني من المضيرب، وأصله من الباطنة وكل هؤلاء كانوا قضاة للإمام الخليلي والإمام غالب. ومنهم الشيخ أبو حميد حمد بن عبد الله بن حميد السالمي المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وألف في شهر شعبان عن عمر ينيف على الستين سنة، (1/272)
صفحة 244
فصل في أئمة الإباضية في: ان
وكنت إذ ذاك بالهند في صحبة والدي حمد بن سليمان بن حميد الحارثي الذي
توفاه الله عام 89 عن عمر يبلغ أربعا وسبعين سنة، وتوفي أخوه عبد الله
بن
تلامذة
سليمان سنة إحدى وتسعين عن عمر يبلغ تسعين سنة، وكان من الشيخ السالمي، وكان عالما حافظا رئيس الجمعية العربية بزنجبار، وتوفي أبوهما سليمان بن حميد سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف، وتوفي أبوه عبد سليمان بن محمد بن عيسى بن صالح بن راشد بن سعيد (وكان راشد بن سعيد
الله
بن
قاضي الإمام سيف بن سلطان اليعربي توفي عبد الله سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، ومسكنهم بلد المضيرب من شرقية عمان.
ومن
قضاة الإمام الخليلي الجامعين بين العلم والعمل الشيخ سالم بن حمد البراشدي من بلدة سناو وتوفي سنة 1371، والشيخ عبد الله بن غابش الحبشي
من
بلدة القابل، وأصله من الباطنة.
ومن المتقدمين الشيخ جمعة سعيد المغيري كان بن من العلماء الفضلاء وتوفي سنة 1324. ومن قضاة الإمام الخليلي الشيخ سعود بن حميد آل خليفين توفي 1373 من أهل المضيرب، ومنهم الشيخ سيف بن حمد الأغبري، وكان
عالما طبيبا، والشيخ محمد بن. حمد الزاملي الرستاقي.
وللشيخ أبي مسلم ناصر بن سالم الرواحي المتوفي سنة 1339 يصف نزوى وايمتها من قصيدة طويلة
273
وافرق بها البيد حتى تستبين لها (فرق) على بيضة الإسلام عنوان فإن تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السُّحْب أكناف وأحضان فَحُطَّ رَحلَك عنها إنها بلغت (نزوى) وطافت بها للمجد أركان (1/273)
صفحة 245
274
فصل في
أئمة الإباضية في عمان
فطالم
وخدت تبغي لبانتها كأنهن مع الأنضاء عقبان انزل فديتك عنها إنَّ حاجتها عدل وفضل وإنصاف وإحسان انزل فديتك عنها إنَّ وجهتها تخت الأئمة مُذ كانت ومذ كانوا هنالك انزل وقبل تُربَةً نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان انزل على عرصاتٍ كلُّها قدس للحق فيهن أزهار وأفنان انزل على عرفات النور حيث حوت أئمة الدين قيعان وظهران حيث الملائكة احتلت مشاهدهم لها على الحل والتعريج ادمان أرض مقدسة قد بوركت وزگـــت تنصب فيها من الأنوار ما طار طائرها الله محتسبا له جناحان إيقان وعرفان
إلا وقام يمين الله
ميمونة بركات
الله
معنان
ساعده والفتح والنصر والتأييد أعوان تنفحها واليمن يثمره علم وإيمان رست بها هضبة الإسلام من حقب وإن قضت باستتار العدل أحيان قديمة الذكر عاذ الدين عائدها من يوم أصبح توحيد وقرآن قامت بها قبة الإسلام شامخة حتى تواضع بهرام وكيوان ولم تزل عرصة للعدل عاصمة للاستقامة فيها الدهر سلطان كم أشهر الله فيها من حسام هدى كانها السيوف الله أجفان كنانة لسهام الله ما فرغت مذكان للجور سلطان وشيطان بحجة الله قامت في الشقاق لها بدين ذي الثفنات الحبر إيقان ت خلفاء الله منصـ منذ (الجلندي) وختم الكل (عزان) أئمة حفظ الدين القويم بهم من يوم قيل لدين الله أديان صيد سراة أباة الضيم أسد شرى شمس العزائم أو أهوان رهبان
تعاقب
بها (1/274)
صفحة 246
فصل في أئمة الإباضية في عمـ
ان
275
وإعلان
سفن النجاة هداة الناس قادتهم طهر السرائر للإسلام حيطان تقبلوا مدح القرآن أجمعها إذا اسـ مديح الله إيمان جدوا إلى الباقيات الصالحات فلم يفتهم في التق ? على الحنيفية الزهراء سيرهم والوجه والقصد إيمان وإحسان بسيرة العمرين استلئموا وسطوا لشربة النهراون الكل عطشان صعب الشكائم في ذات الإله فإن حناهم الحق عن مكروهة لانوا مسومين لنصر الله أنفسهم أرواحهم في سبيل الله قربان سبق إلى الخير عن جد وعن كيس دانوا النفوس فعزت حيثما دانوا سيماهم النور في خلق وفي خلق وهديهم سنة بيضاء تبيان مقيدون بحكم الله حكمتهم حيثما كان الهدى كانوا
هم أسمع الناس في حق وأبصرهم وفي سواه هم
وعميان
لم تلههم زهرة الدنيا وزخرفها إذ همهم صالح يتلوه رضوان باعوا بباقية الرضوان فانيهم كأن لذة هذا العيش أوثان وقف على السنة البيضاء سعيهم وفي الجهادين إن عزوا وإن هانوا ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثني عزمهم نفس وشيطان فجاهدوا واستقاموا في طريقته عزومهم لصروح الدين أركان وسلطوا بحدود الله حكمهم حتى استقام لحكم الله سلطان أولئك القوم أنواري هديت بهم بي محبتهم عفو وغفران أئمتي عمدتي ديني محجتهم غوثي إذا ضاق بي في الكون إمكان لا يقبل الله دينا غير دينهم ولا يصح الهدى إلا بما دانوا من عهد بدر وأحد لا تزعزعهم عن موقف الحق أزمات وأزمان (1/275)
صفحة 247
276
فصل في
أئمة
عم
حقيقة الحق ما دانوا به وأتوا وما عداه أخاليط وخمان
إن يشرف الناس في الدنيا بثروتهم فثروة القوم إخلاص وإيقان الله ما جمعوا الله ما تركوا الله إن قربـ وا الله إن بانوا أزكى الصنيعين ما كان الهدى معه لديهم وله في الحق رجحان
تراهم في ضمير الليل. يرهم مثل الخيالات تسبيح وقرآن هم الأباضية الزهر الكرام لهم بعزة الله فوق الخلق سلطان لا يعرف العدل إلا في استقامتهم لم يوف إلا لهم في العدل ميزان في الذب عن حرمات الله شأنهم لا شأن دنياهم نيل وحرمان رضوا ببلغة محياهم على خطر منها كأنهم بالبلغة اختتانوا سيما التعفف تكسوهم جلال غني فالقلب في شبع والبطن خمصان سمت الملوك وهدي الأنبياء على أخلاقهم فكأن الفقر تيجان تمثلت لهم الدنيا فما جهل حقيقة الأمر إن العيش ثعبان جازوا الجسور خفاف الحاذ وقرهم زهد وخوف واصبار وشكران فاز المخفون من دار الغرور فلا خوف عليهم ولا بالقوم أحزان مضوا وآثارهم نور وذكرهم رحمى ومضجعهم روح وريحان تتابعوا دولة في إثر سابقة كما جلى الرسل أحيان فاحيان
وهي طويلة جدا، ذكر فيها عددا من القبائل العمانية والأشخاص الدينية. قال صاحب كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية: "الإمامة منشأة قديمة في عمان ترتد إلى القرن الثاني من العصر الهجري الموافق للقرن الثامن من العصر (1/276)
صفحة 248
فصل في أئمة الإباضية في عمان
فائدة:
277
قال صاحب كتاب عمان لشركة الزيت الأمريكية: "الإمامة منشأة قديمة في عمان ترتد إلى القرن الثاني من العصر الهجري الموافق للقرن الثامن من العصر المسيحي، وقد أنشأ الاباضيون من المسلمين هذه المنشأة وصانوها هناك، وهم
من
الكيان
المخلفات
فرع من الخوارج الذين قاموا بحركة عصيانية دينية محافظة، وانفصلوا عن الرئيسي لاتباع الإسلام في أيام علي بن أبي طالب وقد قصد بعضهم إلى شرق الجزيرة العربية واستقروا بجبال عمان حيث نشروا عقائدهم التي تعرضت لتغييرات يسيرة في القرون، المتتالية، ويمكن اعتبار إمامة الاباضيين في عمان الحية للخلافة الإسلامية الأولى، ولا يزال الإمام الاباضي يختار بطريقة تكاد تماثل طريقة اختيار الخلفاء الأولين في القرن الهجري الأول، وليس مما يغفل شأنه أن نعرف أن لقب الإمام نفسه كان يطلق على الخليفة أحيانا في تلك الأيام"
انتهى
كلامه. (1/277)
صفحة 249
تنبيهات الأول
في ذكر بعض
مؤلفات علماء
الاباضية (1/279)
صفحة 250
تنبيهان الأول في ذكر بعض مؤلفات علماء الاباضية
قال في كتاب السير: أرسل الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم إمام
المغرب الذي بويع له في عام مائة وواحد وسبعين للهجرة أرسل ألف دينار إلى علماء الأباضية بالبصره يطلب بها كتبا فاشتروا له بذلك الألف قرطاسا فنسخوا
له فيه وقر أربعين جملا كتبا".
وقال الشيخ أحمد محمد
بن
بكر
من علماء الأباضية في القرن الخامس
بن
بالجزائر قال: "دخلت الديوان بجبل نفوسه أطالع مسألة فبقيت ستة أشهر أقرأ وأطالع، ولا أنام إلا فيما بين أذان السحر إلى صلاة الفجر ... قال: وتأملت ما من تأليف أصحابنا المشارقة فإذا هي نحو من ثلاثمايه وثلاثين ألف
فيها
فتخيرت أكثرها فائدة فقرأته".
وكان للشيخ خلف سنان الغافري أحد قضاة الإمام سيف
بن
بن
جزء،
سلطان
اليعربي مكتبة تحتوي على سبعين وثلاثماية وتسعة آلاف كتاب، وكلها مخطوطة
وأنشد:
لنا كتب في كل فن كأنها جنان بها من كل ما تشتهي النفس جرى حبها مني ومن كل عالم ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس فلا أبتغى ما عشت خلاً مؤانسا سواها فنعم الخل لي وهي الأنس ولست أرجى أن يفوز بمثلها على غابر الأيام جن ولا إنس ثلاث مئين ثم سبعون عدها وتسعة آلاف لها ثمن بخس
281 (1/281)
صفحة 251
282
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
وقد ذكرت سابقا مدونة جابر بن زيد الذي ذكرها صاحب كشف الظنون، ومدونة أبي غانم الخراساني التي رتبها قطب الأئمة أخيرا في مجلدين متوسطين مأخوذة عن سبعة من تلامذة الربيع بن حبيب من. علماء القرن الثاني، عسى أن يتم طبعها على يدي في العام المقبل إن شاء الله. ومسند الربيع بن حبيب
منه
وملحقاته في أربعة أجزاء، شرحه العلامة أبو ستة الجربي، وشرح جزأين العلامه السالمي، وهو في الحديث وهو العمدة مع أهل المذهب. وكتاب ضمام بن السائب من رواية أبي صفرة في الحديث أيضا. وكتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل وكتاب ابنه محمد بن محبوب يقال إنه سبعون جزءا. وكتاب الخزانة لابنه بشير بن محمد بن محبوب يقال إنه سبعون جزءا. وكتاب الخزانة لابنه بشير بن محمد في سبعين سفرًا، وله كتاب البستان وكتاب الرضف في التوحيد وكتاب المحاربة. وتفسير القرآن للشيخ هود بن محكم الهواري من علماء القرن الثالث يحاول بلحاج بن الشيخ عدون بالجزائر طبعه وقد هيأه لذلك. والتفسير الكبير للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم من علماء الجزائر في القرن الخامس في ثمانية مجلدات وله كتاب العدل والإنصاف في أصول الفقه وكتاب الدليل
الله
والبرهان في أصول الدين وهو في ثلاثة أجزاء. وكتاب الإمام سعيد بن عبد بن محمد بن محبوب. وكتاب الضياء لسلمة بن مسلم الصحاري في أربعة وعشرين جزءا. وكتاب الكفاية لمحمد بن موسى الكندي في واحد وخمسين جزءا، وله كتاب جلاء البصائر، ولابن عمه كتاب بيان الشرع المتداول بين علماء العمانيين والمعتمد عليه في اثنين وسبعين جزءا، وله أي صاحب بيان الشرع - الشيخ محمد بن إبراهيم مؤلفات عديدة كقصيدة العبيرية في وصف الجنة والنعمة أرجوزة. وكتاب المصنف لابن عمهما الشيخ أحمد
بن عبد
الله (1/282)
صفحة 252
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
283
الكندي في واحد وأربعين جزءا، وهؤلاء كلهم أبناء عم، فقبلهم صاحب بيان الشرع توفي عام ثمانية بعد خمسمائة، ويليه صاحب الكفاية ويليه صاحب المصنف توفي عام سبعة وخمسين بعد خمسمائة ولصاحب المصنف مؤلفات كالتسهيل في الفرائض والتخصيص في الولاية والبراءة والجوهري في أصول الكلام وكتاب الاهتداء وكتاب سيرة البررة وكتاب التيسير في النحو وله كتاب الذخيرة. وكتاب التاج لأبي عبدالله عثمان بن عبدالله الأصم ذكر ترجمته في الموسوعة الفقهيه، وهو في واحد وخمسين جزءا، وله كتاب النور في الكلام وكتاب البصيرة وكتاب الأحكام وكتاب الأنوار في الأصول. وكتاب الاستقامة للإمام أبي سعيد الكدمي من علماء القرن الرابع، وله كتاب المعتبر في تسعة أجزاء، وكتاب الجامع المفيد من جواباته في مجلدين ضخمين، وله كتاب زيادات
متعددة
جملة
الأشراف. والجامع المشهور بجامع ابن جعفر، وعليه حواشي عن العلماء في ثلاثة مجلدات ضخمة. وكتاب جامع أبي محمد بن بركة،
من
وللمؤلف كتاب التقييد وكتاب الموازنة وكتاب المبتدأ وكتاب التعارف وكتاب الإقليد. وكتاب جامع أبي صفرة. وكتاب الأكلة وحقائق الأدلة لنجاد بن موسى المنحي في خمسة أجزاء، وله كتاب الإرشاد وكتاب الحوالة، وله كتاب السيرة. وجامع أبي علي موسى بن علي من علماء القرن الثالث، وكتاب الإيضاح للقاضي سعيد بن قريش في ثلاثة مجلدات وكتاب الإيضاح لأبي زكريا يحي بن سعيد الهجاري في أحكام القضاء في مجلدين. وكتاب الإيضاح لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي النفوسي في أربعة أجزاء طبع مرتين، وعليه حواشي مفيدة، وكتاب العقيدة، له واختصر الإيضاح العلامة عبد العزيز الثميني، وزاد عليه غيره، وشرح الجميع القطب محمد بن يوسف في عشرة مجلدات واسمه النيل. وكتاب (1/283)
صفحة 253
284
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي، وعليه حواشي، وله كتاب القناطر على طريقة الإحياء للغزالي في ثلاثة أجزاء، وله شرح قصيدة فتح
بن نوح في أصول الدين في ثلاث مجلدات، وله كتاب الفرائض وكتاب المناسك. وكتاب أبي مسألة لأحمد بن من علماء الجزائر في جزأين، وله
وشرحه
محمد بن
بكر
کتاب أصول الأرضين، وله كتاب القسمه وتبين أفعال العباد في ثلاثة أجزاء، وله كتاب الألواح وله كتاب الدماء في خمسة وعشرين جزءا. وكتاب دعائم الاسلام للعلامة أحمد بن النظر العماني من علماء القرن السادس، وعليه شروح عديدة منها لابن وصاف النزوي في مجلدين كبيرين سماه الحل والإصابة أحمد عبد الله بن الرقيشي الأزكوي سماه مصباح الظلام على دعائم الإسلام، وأبو القاسم البرادي صاحب كتاب الجواهر سماه شفاء الحائم على بعض الدعائم، شرحه القطب محمد بن يوسف ولابن النظر كتاب قرى البصر في مجمع المختلف من الأثر، في أربعة مجلدات وله كتاب سلك الجمان في سير أهل عمان في مجلدين وكتاب التضميد في التقليد في مجلدين، وكتاب البصيرة لصالح بن وضاح في مجلدين. وجامع أبي الحواري في الأديان، وله سيرة طويلة إلى علماء حضرموت وكتاب منهج الطالبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي مؤسس دولة اليعاربة في واحد وعشرين جزءا، وكتاب مراهم القلوب في مناجاة المحبوب تأليف محمد بن أحمد بن إبراهيم. وكتاب الإيجاز لأحمد بن خليل السيجاني. وجامع أبي قحطان خالد بن قحطان في جلدين. وكتاب الأشياخ جمعة العلماء في رباطهم في دما، زمان الإمام غسان وكتاب الرهاين وكتاب الرقاع في أحكام الرضاع في مجلدين لجد الشيخ ابن النظر قاضي القضاة عبدالله أحمد. وكتاب الأحداث والصفات للشيخ أبي الموثر، وله كتاب البيان
بن (1/284)
صفحة 254
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
والبرهان وكتاب الأمة لسلمة بن مسلم صاحب كتاب الضياء، وله كتاب
بن
أحمد
الأنساب، وكتاب مفتاح الشريعة تأليف محمد أحمد بن إبراهيم بن الشجبي، وكتاب الكشف والبيان تأليف محمد بن سعيد القلهاتي في جلدين، وجامع أبي الحسن البسياني في جلدين على طريقة جامع أبي محمد في الأصول والقواعد، وله كتاب المختصر، وله السيرة الكبيرة المعروفة، وله سير غيرها. وكتاب مختصر الخصال للإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي. وكتاب الصلاة والصلة لعمرو بن علي المقعدي الوبلي الرستاقي، وله زهرة الأدب. وكتاب مختصر العدل والإنصاف وشرحه للشيخ أحمد بن سعيد الشماخي، وشرح الجميع القطب بن يوسف في ثلاثة مجلدات. وكتاب السير للشيخ أحمد المذكور، وله شرح
محمد
285
مرج البحرين في علم المنطق والهندسة والحساب وكتاب الموجز لأبي عمار في أصول الدين والرد على المخالفين، وله شرح الجهالات مجلد، وله أيضا كتاب الفرايض وكتاب اختلاف الفتيا. وكتاب عمروس بن فتح في أصول الكلام في أربعة أسفار وكتاب الجناوى في سفرين. وكتاب الوضع ليحي الجناوني طبع مرتين وحشى عليه أبو ستة واختصره وزاد عليه القطب بن يوسف. وكتاب الشيخ أبي سليمان داود بن يوسف سفر. وكتاب الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في جلدين في أصول الدين وكتاب الشيخ أبي خزر في أصول الدين. وكتاب الشيخ أبي زكريا في السير مجلدان. وكتاب الأشياخ المعروف بالديوان في ستة أسفار. وكتاب السؤالات لأبي عثمان وعليه حواشي. وكتاب الشيخ تبغورين بن عيسى في الكلام وله أيضا كتاب الجهالات، وله أيضا كتاب الأدلة والبيان في أصول الفقه والكتاب المعروف بالمعلقات في أخبار أهل الدعوة وجوابات الشيخ أبي يعقوب يوسف بن خلفون. ورسالة أهل جبل (1/285)
صفحة 255
286
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
نفوسة. وكتاب الطبقات لأحمد بن سعيد الدرجيني. وكتاب المناسك لأبي زكريا يحي الأبدلاني. وكتاب دلائل الخيرات للشيخ درويش بن جمعة المحروقي طبع، وكتاب البيان له في مجلدين ضخمين وكتاب اللباب في أربع مجلدات للشيخ سالم بن سعيد الصائغي، وله الأرجوزة التي زاد عليها وهذبها نور الدين السالمي، وله كتاب الجواهر في خمسة عشر جزءا، وبيع بعض أجزائه قريبا عن ثلاثين وأربعماية ريال عماني.
وكتاب الدقاق لأعناق أهل النفاق للشيخ جاعد بن خميس الخروصي، وله مؤلفات عديدة ورسائل وقصائد مشروحة ولولده ناصر كتب متعددة تضمنها قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي الذي هو في تسعين جزءا معروف ومشهور وجامع الشيخ ابن عبيدان وجامع الشيخ سعيد بن بشير الصبيحي في مجلد ضخم قد رتبته. والتمهيد للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في ثلاثة أجزاء، رتبه الشيخ محمد بن خميس السيفي، وله كتاب كرسي الأصول في أصول الدين، وكتاب الأقاليد في علم الصرف ضخم جدا، وكتاب الخزائن في سبعة أجزاء ضخمة للشيخ موسى بن عيسى البشري، واختصره في ثلاثة مجلدات ضخمة جدا سماه مكنون الخزاين وعيون المعادن. وللشيخ القطب محمد بن يوسف مؤلفات عديدة مذكورة في ترجمته أهمها تفسير القرآن مرتين؛ الأول في ثلاث عشرة قطعه ضخمة، والثاني في ستة أجزاء، وله شرح النيل في عشرة أجزاء طبع مرتين. وللشيخ السالمي كذلك مؤلفات عديدة مذكورة في ترجمته، أهمها معارج الأمال في ثمانية أجزاء، وطلعة الشمس في أصول الفقه، والبهجة في أصول الدين، ومشارق أنوار العقول وسلك الدرر للشيخ خلفان بن جميل (1/286)
صفحة 256
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
287
السيابي، وله بهجة المجالس وسلاسل الذهب للشيخ محمد بن شامس البطاشي في عشرة أجزاء، وله إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر، وله غاية المأمول في الفروع والأصول في أربعة أجزاء. وشرح لامية الشيخ الراشدي للشيخ محمد بن سالم الرقيشي في الدماء. وغاية المرام في الأديان والأحكام للشيخ عامر بن خميس المالكي في أربعة مجلدات، وله غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق، وله غاية المطلوب في الأثر المنسوب. وللشيخ منصور بن ناصر أحد قضاة الإمام الخليلي، مؤلفات وكذلك للشيخ سالم بن حمود
الفارسي السيابي مؤلفات. وعين المصالح في جوابات الشيخ صالح بن علي الحارثي. والفتح الجليل من جوابات الإمام أبي خليل محمد الوسائل في ترتيب المسائل للشيخ عيسى بن صالح الحارثي.
عبدالله بن الخليلي. وخلاصة (1/287)
صفحة 257
288
ذكر بعض مؤلفات علماء الأباضية
وللزمخشري:
سهري لتنقيح العلوم ألذلي من وصل غانية وطيب عناق وتمايلي طربا ل عويصة أحلى وأشهى من مدامة ساق رير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكاء والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراق يت سهران الدجى وتبيته نوما وتبغ بعد ذاك لحاقي
ولغيره: إن صحبنا الملوك تاهوا علينا واستبدوا بالرأي دون الجليس أو صحبنا التجار عدنا إلى التجر وصرنا إلى حساب الفلوس فلزمنا البيوت نستعمل الحبر ونملا به وجـ وجوه الطروس
ولغيره:
شيئان أحلى من عناق الخرد وألذ من ماء القراح الأسود وأجل من رتب الملوك عليهم حلل الحرير مطرزا بالعسجد سود الدفاتر أن أكون نديمها طول الحياة وبرد ظل المسجد (1/288)
صفحة 258
التنبيه الثاني
في بعض مسائل
وقع فيها الخلاف
ورأي الاباضية فيها (1/289)
صفحة 259
التنبيه الثاني في بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي
الاباضية فيها
فمن ذلك صفات الباري سبحانه، هل مي هو،
أم مي غيره، فمذهب الاباضية أن صفاته هي
العربي الأندلسي المالكي، وقال: لا فرق بين قول القائل إن صفات الله غيره،
وبين قول اليهود: إن الله فقير، إلا تحسين العبارة.
ذاته لا بشيء زايد عليه ووافقهم على هذا العلامة ابن
ومن
السعد
ذلك خلود الفاسق الذي مات غير تائب في النار، ووافقهم على هذا
من المالكية، وقيل إنه من الشافعية، ونص كلامه في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]: "لما كانت الآية نازلة في شأن التائب دلَّ سبب النزول على أن المراد بقوله وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ لمن يكون تائبا من ذنبه، فلا يفيد جواز المغفرة بدون التوبة" انتهى. وهذا هو قول جابر بن زيد في تفسير الآية والحجة له من القرآن قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَة بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَيْنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أَوَلَتَيْكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17 - 18] وهذا هو قول المعتزلة أيضا.
وقال الله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء: 93 وقوله تعالى:
291 (1/291)
صفحة 260
292
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أبدا الجن: 23 وقوله تعالى: في سورة الفرقان في وصف المؤمنين بعد أن ذكر الزنا وقتل النفس وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا لا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَيكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا الفرقان: 68 - 70.
وفي صحيح الربيع والبخاري ومسلم أحاديث مؤيدة ومفسرة لمراد الآية؛ كالذي يقتل نفسه بسم أو حديدة فحديدته في يده إلى قوله خالدا مخلدا فيها الحديث (1) وحديث البخاري ومسلم {مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يموتُ وَهُوَ عَاشُ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ}.
ومن ذلك شفاعة النبي الله فهي لا تكون لمن مات مصرا غير تائب، إنما الشفاعة لمن مات على صغيرة أو مات وقد نسي ذنبا أن يتوب منه، أو لزيادة درجة في الجنة أو لتخفيف الموقف على المؤمنين وإراحتهم منه إلى الجنة؛ لقوله تعالى وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ کم سے غافر: 18 وقوله تعالي ولا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى الأنبياء: 28. وقوله عليه السلام لعشيرته وأهله: {يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ
1) الحديث هُوَ قَولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى مما فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَيَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا عُلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِمَا فِي بَطْنِهِ فِي
نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا}. (1/292)
صفحة 261
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الأباضية فيها
بِنتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا} {لا يَأْتِينِي النَّاسُ بِأَعْمَالِهِم وَتَأْتُوني بأنسَائِكُم}. وقال جابر بن زيد: والله ما لأهل الكبائر شفاعة؛ لأن الله أوعد لأهل الكبائر النار في كتابه وإن جاء الحديث عن أنس ملك أن الشفاعة لأهل الكبائر، فوالله ما عنى القتل والزنا والسحر وما أوعد الله عليه النار. ويلزم من هذه المسألة والتي قبلها أن الإيمان قول بلا عمل، وهو
بن
باطل، وبهذا قالت المعتزلة.
ومن
293
ذلك القول برؤية الباري سبحانه في الدار الآخرة، فالاباضية يمنعون ذلك، والمنع قول عائشة من الصحابة وقتادة والزمخشري وغيرهم من المعتزلة، والشيعة، والحجة قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَر وَهُوَ اللطيف الخبير الأنعام: 103 والإدراك يكون بالقليل كما يكون بالكثير، فنفى عن نفسه، وبقوله لموسى عليه السلام لن تركني مع الأعراف: 143 وهي تقتضي التأبيد، والأحاديث الواردة أحادية وتقبل التأويل لتنطبق مع الآيات؛
ذلك
ولأنه يلزم من يقول بالرؤية إثبات الجهة واللون الله تعالى، وهو باطل.
ومن
من
ذلك قول من قال إن القرآن غير مخلوق، فعند المحققين الاباضية أنه مخلوق؛ إذ لا تخلو الأشياء إما أن تكون خالقا أو مخلوقا، وهذا القرآن الذي بأيدينا نقرؤه مخلوق لا خالق؛ لأنه منزل ومتلو. وهو قول المعتزلة، والعلم غير
المعلوم.
ومن ذلك نفي التشبيه عن الله سبحانه وتعالى، فبهذا يقول الاباضية وكل ما ورد مما ورد يوهم التشبيه فهو مؤول بما يليق به، كقوله تعالى تجرى بأعينا: (1/293)
صفحة 262
294
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
القمر: 14 فاثبت عيونا كثيرة، وقال وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيني طه: 39 فدلت هذه الآيات أنها غير مراد. ظاهرها وقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى طه: 5،
والآيات كثيرة، فهي عندهم مردودة إلى قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى الشورى: 11، وأثبت هذا كثير من العلماء كالبيضاوي وغيره، فهو أسلم اعتقادًا
وأحوط مخافة الوقوع في الزلل.
قال صاحب الجوهرة من الأشعرية:
وكل نص أوهم التشبيها أَوله أو فَوَّض، وَرُم تنزيها
من قوله تعالى
ومن ذلك قولهم في مرتكب الكبيرة إنه كافر كفر نعمة، أخذا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَتكَ هُمُ الْكَفِرُونَ المائدة: 44 وقوله تعالى
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العلمين آل عمران: 97، فكل من لم يحكم بما أنزل الله وهو مستطيع فهو كافر، وكل تارك للحج وهو مستطيع فهو كافر نعمة الله التي أنعم بها عليه من الاستطاعة، بمعنى أنه سترها وهو معنى الكفر لغة ومنه قوله في صحيح مسلم {لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ}، وقول امرأة ثابت بن قيس في صحيح البخاري {وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ} والأحاديث الكثيرة في الصحيح.
ذلك ومن قولهم في أصحاب النبي الا الله إنهم كغيرهم في الأعمال، لا في درجات الصحبة والمنزلة الأخروية، فالعاصي منهم كغيره من بعدهم؛ لقوله تعالى باتها الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ (1/294)
صفحة 263
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الأباضية فيها
295
بعضكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ الحجرات: 2، وقوله تعالى عند بيعة الرضوان فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ الفتح: 10. وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاني منهم، وجلد الشارب، وقطع يد السارق منهم، وهجر عاصيهم وقال: {وَايم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا}. ووافقهم على هذا المعتزلة، وهو رأي الصحابة أنفسهم في بعضهم بعض وهم أسوة.
ومن ذلك براءتهم من العاصي، وهي هجرانه وبغضه على معصيته، وهي مأخوذة من فعل النبي له في الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت'، وأحاديث المحبة والبغض للمطيع والعاصي، وبهما تختلف المنازل عند
الله وعند الخلق وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ الله التوبة: 105. وفي
1) لا يرى شيخنا إبراهيم مفتي سلطنة عُمان في هجران الثلاثة دليلا على البراءة منهم، ويقول: إن الهجران يكون بغير براءة، وإنما هجرهم رسول الله لا لا لن انتظارا لأمر الله فيهم. بقي النظر في تخلفهم عن رسول الله هل هو واسع أم غير واسع والظاهر أنه غير واسع، وأنهم ارتكبوا معصية بتخلفهم، بدليل قوله تعالى الياتها الذين وَآمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُرُ أنفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ الآية [التوبة: 38] وثبت أن رسول الله الله امتنع حتى عن رد السلام عليهم، مع أنَّ ردَّه فريضة، وقال لا يحل لامرئ من أ أن أخاه يهجر فوق ثلاث}. واستدل العلامة أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي شيخ أبي سعيد الكدمي بقوله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بعض ال [التوبة: 71] واستدل المحقق الخليلي بقوله تعالى فَأَصْبَحْتُم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] وكل من انحرف عن الطاعة إلى المعصية الكبيرة فليس من الإخوة وليس من المؤمنين، بل هو من كفار النعم أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يستونَ [السجدة: 18] والاباضية يوجبون الولاية للأشخاص والبراءة من الأشخاص بالإجماع، قياسًا على ثبوتها في الجملة، ولحديث ثبت عندهم عن عمر الخطاب وعمرو بن العاص {مَن رأينا منه خيرا قلنا فيه خيرًا وظننا فيه خيرًا وتولَّيناه، ومَن رأينا
فيه شرا قلنا فيه شرا وظننا فيه شرا وتبرأنا منه). (1/295)
صفحة 264
296
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الأباضية فيها
أبي داود {مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ}.
من
ومن
ذلك أنهم يؤمنون بالقضاء والقدر أنه من الله، وأنَّ الخير والشر خلق الله وكسب من العباد، وهم متفقون مع أهل السنة في هذا، والحجة قوله تعالى وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ: الصافات: 96 اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كل شيء الزمر: 62 أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَتى الأعراف: 54 لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ الأنبياء: 23 ولو ثبت للعباد خلق لزم ثبوب شريك هَلْ مِنْ خَلِقٍ غير الله فاطر: 3 هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، لقمان: 11. وفي ترجمة أبي عبيدة مسلم أبحاث مفيدة.
ومن ذلك أنهم لا يرون لزوم الإمامة في قريش وهو قول الأنصار وعمر بن الخطاب وأبي ذر من الصحابة، واختاره العلامة الشنقيطي صاحب أضواء البيان
وغيره من! العلماء.
ومن
ذلك أنهم يوجبون الاستنجاء بالماء بعد البول والغائط، والخلاف معهم في الاستجمار، وهو مأخوذ من قول الله تعالى في وصف أهل قباء فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنطَهَرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ مع التوبة: 108 فلما سالهم النبي الله عن صفة طهارتهم قالوا نتبع الحجارة بالماء والمدح من المولى بشيء يوجب العمل به، كمدح الموفين بالنذر، ومدح النبي إسماعيل عليه السلام وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّا مريم 55 وهو من سنن الفطرة، وثبت من فعل النبي كما في البخاري ومسلم. (1/296)
صفحة 265
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
ومن
ذلك أنهم لا يقولون بالمسح على الخفين وأن الصلاة لا تجوز به، والمنع
مأخوذ من قول الله تعالي يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ المائدة: 6 وقول النبي له ويل للأعقاب ولبطون الأقدام من النار} والحديث في مسند الربيع والبخاري، ووافقهم على ذلك كثير من علماء المذاهب، والخلاف المالكية. وقول الاباضية موافق لقول عائشة وأنس وابن عباس، وقالت عائشة: {قطع الله رجلي يوم أمسح على الخفين} وروى القرطبي وغيره من العلماء عن أبي ميسرة أن المائدة من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ، وكذا قال رسول الله في حجة الوداع {احلوا حلالها وحرموا حرامها} وآية الوضوء في
مع
سورة المائدة، فيلزم العمل بها وترك المسح على الخفين.
ومن
ذلك أنهم يبطلون الصلاة بالقنوت فيها، ومنه قول آمين، مستدلين
297
بقوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ من البقرة: 238 وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ} وهو موافق لقول الإمام أحمد "من" قنت في الصلاة فقد اتبع نفسه هواها"، وفي الموطأ أن ابن عمر كان لا يقنت، وروى أنه بدعة. وقال أبو يعقوب من الاباضية: "إنَّ صلى خلف من يقنت لم تفسد صلاته ولو تعمد الصلاة من
معه".
علماء
ذلك أنهم لا يرون رفع الأيدي مع وبعد تكبيرة الإحرام، ولا ضمها إلى ومن الصدر؛ إذ لم يثبت معهم هذا من فعل النبي الله وكذلك روى اللخمي والزرقاني عن إمامهم مالك بن أنس، وكانوا كذلك في الأندلس، حتى توعد بعض ملوك (1/297)
صفحة 266
298
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
الأندلس وهو مالكي المذهب أن يقطع يد من يرفع يديه في الصلاة، ذكره في نفح الطيب، ويؤيده ما رواه الحاكم في المدخل من حديث أنس "من رفع يديه
في الصلاة فلا صلاة له" وفي مسلم وأبي داود عن جابر ابن سمرة قال: خرج علينا رسول الله الا الله فقال: {مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ
اسْكُنُوا فِي الصَّلاَةِ} وهو شامل لكل رفع، والحديث في مسند الربيع.
ومن
خَيْلٍ
شمس
ذلك أنهم يوجبون القصر في الصلاة لمن تعدى فرسخين عن وطنه مسافرا، والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة الآف ذراع، والذراع ذراع المسافر، وقيل الأوسط، والذراع من العظم الذي يكون من خلف متصلا بالعضد إلى آخر الإصبع الوسطى، وقيل أربع وعشرون إصبعا، وقيل الميل ألف باع، والباع أربعة أذرع، وهو قول أبي حنيفة وأطال الاحتجاج له صاحب زاد المعاد. وأجمعت الأمة أنه من فعل النبي الليل إذا سافر ومدة إقامته في منى وفي مكة، بل ويجمع بين الصلاتين قصرًا في منى، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه النبي ما بالنا نقصر الصلاة ونحن، آمنون والله يقول {إن خفتم} فقال له صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِمَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ} رواه الجماعة إلا البخاري. وفي البخاري ومسلم عن أنس خرجنا مع رسول الله الا الله من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. وقال مالك وحماد بن سليمان: يعيد الصلاة من أتم في السفر كما هو المذهب.
ومن
ذلك أنهم يفسدون صيام من أصبح جنبا عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم {من أَصبحَ جُنبا أصبحَ مُفطِرًا} والحديث رواه الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم (1/298)
صفحة 267
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
ومالك في الموطأ، وبهذا قال عروة والحسن البصري وإبراهيم النخعي وطاوس
وهو
أحد قولي الشافعي.
299
ومن ذلك قولهم بتحريم المزني بها لمن زنى بها، عملا بقوله تعالى الزاني لا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * النور: 3 وبأحاديث كثيرة رواها جابر بن زيد وغيره عن النبي والصحابة. والقول بالتحريم قال به عدد من الصحابة منهم ابن مسعود وعائشة والبراء بن
عازب وأبو هريرة وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبدالله.
ومن
ذلك أن الرضاع قليله وكثيره يحرم التزاوج وهو ظاهر القرآن. ولم تصح الأحاديث المروية بتحديده وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك ووكيع وكثير من الصحابة كما قال الترمذي.
معهم
ومن ذلك أنهم لا يحكمون باليمين والشاهد للمدعي، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي، عملا بالآيات {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ البقرة: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُم الطلاق: 2 والأحاديث المروية في ذلك لم تصح
282
معهم وما صح مؤول.
ومن
ذلك أنهم يحرمون حلق اللحية، وقد أجمع على توفيرها الصحابة، ونهى رسول الله عن حلقها وقال {جُزُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللَّحَى وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ} وفي رواية {وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ} وفيه تشبه بالنساء، ونهى النبي له عن التشبه بهن، وفيه أن توفيرها من الخصال العربية التي أمر رسول الله الله (1/299)
صفحة 268
300
بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
بالمحافظة عليها بقوله {إنما بُعثتُ لأُتَمَ مَكارِمَ الأخلاق واللحية عربية والحلق
أعجمي.
ومن ذلك تحريمهم شُربَ الدُّخانِ أَخذا مِن قَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ الأعراف: 157 وَهُو مِنَ الخَبَائِثِ المَبعُوثِ مُحَمَّدٍ بتحريمها، وقد اتَّفق الأطباءُ على أنَّه مَضَرَّة، وتجنب المضرة واجب شرعا
وعقلا، وفيه إِضَاعَةٌ للمال، وَقد نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَن إِضَاعَةِ المَالِ. (1/300)
صفحة 269
مساء يوم
قد استراح القلم من جولانه
الجمعة الموافق تسعة وعشرين من شهر محرم الحرام
من سنة أربع وتسعين وثلاثمائة سنة بعد الألف
من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام
نسخته لمؤلفه الشيخ العالم الجامع بين علمي المعقول والمنقول
الشيخ سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
وأنا العبد الله الفقير إبراهيم بن يعقوب بن سالم بن حمد بن سعيد البراشدي
بيده.
301 (1/301)
صفحة 270
فهرس المحتويات
مقدمة الكتاب
فهرس المحتويات
الباب الأول في ذكر شيء من حياة النبي الله وخلفائه الراشدين.
فضل خلافة أبي بكر الصديق.
فضل خلافة عمر بن الخطاب.
فصل خلافة عثمان بن عفان ..
فصل خلافة علي بن ابي طالب.
تنبيهان الأول في انفصال الخوارج عنه والاحتجاج بينهم وبين ابن عباس .. التنبيه الثاني في حكم الخوارج وذكر شيء من آدابهم وأخلاقهم. خاتمة في فضل الصحابة ومنزلتهم رضي الله
عنهم.
الباب الثاني في التابعين وإنشاء المذهب الإباضي ...
فصل جابر بن زيد
فصل مرداس بن حدير.
فصل عبد الله بن إباض
فصل أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
فصل الربيع بن حبيب.
فصل في أصول الخلاف بين الناس وافتراق الأمة ..
خاتمة في ذكر أقوال العلماء (المخالفين والموافقين) في المذهب الاباضي.
302 (1/302)
صفحة 271
303
فهرس المحتويات
الباب الثالث في ذكر انتشار المذهب الاباضي إلى المغرب والمشرق ............. 199 فصل في أئمة الإباضية بحضرموت ومنها أول إمامة انبثقت إلى اليمن
ومكة والمدينة المنورة
فصل في أئمة الاباضية بليبيا وتونس والجزائر.
فصل في أئمة الأباضية في عمان.
تنبيهان الأول في ذكر بعض مؤلفات علماء الاباضية.
203
24900
265
285
Yao ...........
308
التنبيه الثاني في بعض مسائل وقع فيها الخلاف ورأي الاباضية فيها
فهرس المحتويات
303 (1/303)
صفحة 272
م الله الرحمن الرحيم ا
الحمد لله على الدوام والشكر له على الفضل والانعام والصلاة والسلام على محمد سيد الانام وعلى اله وصحبه الكرام وعلى التابعين لهم باحسان الى يوم القيام اما بعد فان قطر عمان قد مضت له برهة من الدهر اليوم وهو فى عالم الخفاء منقطعا حتى شقيقاته من الاقطار العربية ومن اجل ذلك خفيت مساحات عمان و اسماع نواحيها وبلدانها على الكثر المجاورين لها فضلاً عن البنائين مع كونها واسعة الاطراف كثيرة النواحي شامخة الجبال تشقها الأوردية الكبيرة تشتمل على بلدان كبيرة وقرى كثيرة وقد ذكر حدودها ومساحتها الجغرافية الشيخ الاديب الكاتب محمد بن عبد الله برحميد السالى في كتابه نهضة الامرين في تاريخ عمان وكذلك كتب عنها الشيخ القاض فيه سالم برود
في كتابه العنوان وبها الكفاية في ذللت القاضو الفقية الداخلية
عمان شيئا فطلب مني حضيرة فضيلة الشيخ الولد العلامة سالم ابن محمد بر سليمان الحارث ان اكتب هنا ما عصر فى اسماء نواحيها
المعروفه وحوزاتها الموصوفه فتلبية لهذا الطلباقع آن عمان ثلاثة اقسام فما كان مرق اها محاذيا للخليج العربي يسمي الباطنة وذلك من بلد السيب الخطمة ملاحة غربا وما
ارتفع عر الباطنة جنوبا وقرب من الجبال يسمي الحجد نسب إلى حجر الجبال واكثر بلدان عمان حجرية لانها تقع في هذا القسم حتى مسقط و مطرح و وادي بوشر و وادى خطاط ووادى الطائيين و وادي دما ووادى ضيقه ووادي إسماعيه وخبة ووادي
طيري و قلها
304 (1/304)
صفحة 273
د
الى حدود صور كلها تعد جريه لانها تكتنفها الجبال والمحزوم
والكرى وما انفصل عن الجبال من الناحية الجنوبية فهو عندهم معروفة بتلجية الرمال واكثر سكان هذه الناحية الاعراب اصحاب المواشي وليس في هذا القسم الرملى شيئى من البلدان لقلة المساء فيه وهذا القسم واسع التجارى والمغازات يتصل بالربع الخالي غربا و محدود ظفار جنوبا وقد اصطلح اهل عمان فيما بينهم على قسمة تسمية نواحيها للتمييز فسموا ما كان شرقي بلدان العوامر الى آخر حدود بده
بالشرقية كما ان اهل الشرقية يسمون ناحية بلد العوالي ووادي بني خر وصر ووادى الرستاق بالغربية وكذلك يسمى اهل عمان سمائل الفيحاء واظر هذه التسمية خاصة بسمائل وحدها دون
سائر البلدان التربواديها ولعلها سميت بذلك لما يفوح فيه من روائح الثمار والازهار حينما تهب نسمات الاسحار ويمون از کي جرنان باسم صنم كان بها في الجاهلية ومرا شهر نواحي عمان ناحية الجوف بجيم معجمة لانها تضم جملة قرى وبلدان وحده من المشرق نجد السحامة و من المغرب بجد المخاريم ونجد المصلى ومن الجنوب بلد بسيا و من الشمال الجبل الاخضر وفيها من البلدان الكبيرة إمطر وازكى والبركة وفرق ومنها كان الامام ابو الشعثاء جابر بن زيد صاحب البحر ابن عبا سر و تلميذه رضوان الله عليهم وقبر ابنته الشعثاء موجود بها إلى اليوم ونزوى التحرت مي بيضة الاسلام ما وى اكثر ائمة عمان ظهرا وبطنا وبهلا بلد العلامة الشهير
دا، اولعتها كايقة المكان الواسع مكان أفتح
305 (1/305)
صفحة 274
ابى محمد عبد الله بن محماديت بركة وفيها معامل العباءات الصوفية
الغليظة وأواني الخزف وكلاوات الماء للعرب ابن الامتيها الله وأوعية التمر
الذي بناه الإمام بـ
وبالقرب منها قصر يبرين ويقال للبلد الذي برفيه في عرف العامة جبرين وعلى عشرة اميال من يبرين تقع بلدة بستيا بضم الموحدة من جهة الجنوب وهم بلد الشيخ العلامة إلى الحسن على بن محمد البسيوى اشهر تلاميذ الشيخ الى محمد السليمي البهلوي الذي مر ذكره وفي ناحية الجوف حورة كلم بضم الدال وهذه الحوزة تقع شمالى بهلاة الى سفح الجبل الاخضر تجمع القاعدة قرى منها بلادسية والحراء والقربة والقلعة والعارض وذاتخيل والعار من بلد الامام الشهير والعلامة الكبير ابي سعيد محمد بن سعيد الناعبر الكدمر وفيها قبره وهو من معاصري الى محمد وقدا درك ايام الامام سعيد بن عبد الله بن محمد محبوب وهو شاب وقد تلمذ بنزوى على الشيخ محمد بن روح بن عربي السمادي النزوى
وعلى الشيخ ابي الحسن محمد ابن الحسن السعالى النزوي ومن نلمية الجوف ايضا وادى سيغم و اعلاه البلد المسمى الوادي الأعلى والعيشي والغافات وسيفم التي ينسب اليها هذا الوادى واللجملة وهي غير بلد الجميلة التي بوادي بني جابر من اودية سمائل وحوزة الارض التي فيها بلد عبرى والسليف والعراقي والعينين والدريز قسم الظاهرة لظهورها عد الجبال التي تكتنف ارض الجوف ويقال ان بلدبات ومغنيات والعار ضرع الكهنات والهيال إلى بلد ينقل كلها من بلدان الظاهرة وخصت العينين والعراقي والغبي البائدة باسم ارضر السر ولست (1/306)
صفحة 275
4
اعرف سبب تسميتها بذلك وقد كان الكتاب السابقون الذين ادركوا عصر ائمة البعارية اذ انسخوا تا با يكتبون في آخر هكذا نسخته و انا فلان بن فلان في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ببلد كذا من ارض الشر هذا اذا كتبوه في إحدى القرى الثلاث المذكورة واما الحوزة التي يضم بلدان البريمي من جبل حفيت شمالا الى حدود بلدان بني كعب فهى تستمر في عرف القدماء ارض الجو وقد يغلط كثير من العمانيين فيسمونها تواما وتوام هي بلا صحار مما يلي البحر وكانت بلد راس الخيمة تسمى في القديم جلفار وقد ضبطها بعضهم بضم الجيم وتشديد اللام المفتوحة ويجوز تخفيفها ساكن وبعضهم يسميها الصبر باسم موضع فيها معروف بهنا الاسم إلى اليوم وكانت علاية الرستاق والعوابي تسميان سونى القديمة باسم الجبل المطل عليها ثم صرفت هذه التسمية إلى العوالي دون علاية الرستاق وقد خصوا به العوابي القديمة المنفصلة عن مجرى الوادى إلى الجهة الشمالية وهذه التسمية باقية لها الى اليوم في الصكوك التي يكتبونها في بيوعهم اذا كان الصك فى اقرار بيع او هبة او وقف او وصية فيكتبون بعد كتابة الاقرار وتعيين البائع والمشترى وذكر المبيع من بلد العوابي سوني القديمة ولست احفظ في حوزة وادى المعاول ونخل والاحالة الطوتسمية جامعة غير اسماء الاعلام
المميزة لهن البلدان بعضها من بعض مع وادى المعاول بما فيه من البلدان ونخلا من احسن بلدان عمان الداخليه
307 (1/307)
صفحة 276
O
واطيبها هواء وأدناها إلى البحر الا ان بلد نخل كانت يقال لها نخل شاذون ولست ادري هذه الاضافة لاي مناسبة
و لعل شاذونا اسم رجل مشهون بها سابقا فاضافوها اليه وكانت بلد السيب العامرة تسمى دمى بوزن جمع دمية وهذا الاسم يطلق على موضع معروف بها الآن ولعلها سميت كذلك باسمه من تسمية الكل باسم الجزء وقد اوّل بعضهم تسميتها بذلك لكثرة ما كان يراقبها من الله اء ايام كانت فارس والعراق البوارج تعدوا على همان وقد كانت يومئذ موضع رباط العمل عمان تجاه من يقابلهم من جهة البحر بالعدوان حتى قال بعض علاء ذلك العصر افضل الرباط اليوم رباط المسلمين اور باط العدوة بلعى وان تبت هذا التاويل فيكون ضبط هذا الاسم بكسر الدال مشتقا من الدم المراف بها او هو جمع دم فقصر لتأنيث الاسم وقبل ان وادي بوشر كان معدودا من اورية حطاط و خطاط بكسر الحاء المهملة في عرف الناس وليس في شيئ من اوديته بلد تسمى حطاطا الآن فما ادرى لاي شيئي سمر هذه الوادى بذلك والبلدان التي وقعت في الأودية الجبلية مما يلى الباطنة من الخابورة الى صحم يطلق
عليها اسم الجلان واكثر هذه البلدان في وادي شيافا ووادى الصرمى بفتح الصاد المهملة وتشاد الراء المفتوحه واليها الحواري بن عبد الله الحلاني الذي نصب اماما (1) البوارج مراكب العدو واتخذ الامام غسان سفنا لقتاله سمى الشنا (م) وكان في الرباط عدد من العلماء جمع لفنا واهم جامع سمى كتاب الاتباخ مصرف
308 (1/308)
صفحة 277
ايام الفتنة الواسعة النطاق في عمان بعد وفاة الامام الصلت ابن مالك الخروصي ومن البلدان التي تجمعها اسم الأودية بعمان وادى الجزى ووادى عاهن ووادي بني عمر ووادى الحواسية ووادى الجهاور ووادى الحيملي ووادي بني غافر ووادى السمتن ووادي بني عوف ووادى الرستاق ووادي بني خر و مرووادي بني خواص و واد مستل بوزن محمل و وادي بني رواحه و وادي
بني جابر وهادي الطائيين ووادى محرم ووادي عندام ووادي الدية دني والى الشرقية أودية كثيرة لم تحضر في اسماؤها و يقال ابن در
صور تعد من ناحية الشرقية ومنتهى نواحر عمان من الشرق الناحية الشهيرة ذات البلدان الخصية الكبيرة ناحية جعلان وفي صحاربها الغابات الكثيرة فهذا ما حضر في ذكره وقد فاتني كثير ان لم يكن فاتنى الاكثر لاني كتبت هذا على عجل وانا بمدينة القاهرة الزاهرة العامرة وكان الشيخ الولد العالم الجليل سالم بن حمد بن سليمان الحارثي طالب هذه العجالة معنا بالقاهرة فكان هذا من اكبر الحظ ودواعي الانسين والسرور والحمد لله الملك الغفور والصلاة والسلام على سيد محمد وعلى اله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وذلك بتاريخ ليلة 25 ربيع الأول 1394 وقل كان جمعيتي ولدتي عبد العزيز ابن ابراهيم اله
ابراهيم بن سعيد العبري
309 (1/309)
صفحة 278
بسم الله الرحمن الرحيم
الحارثي
إلى حضرة فضيلة شيخنا الوالد العلامة سالم بن حمد بو سليمان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته اما بعد فاني قد كتبت لك في
اقسام بلدان عمان ونواحيها ما حضر فى اسمه وتسنى لى رسمه اجابة لطلبك واتماما لرغبتك اذ لا يمكننا غير اسعافك فيما تريده منامر المساعدة على الخير الذى هذاك الله اليه وأعانك عليه فهذا هو يصلك الآن فانظر فيه فان راية تقصيرا فاكمله او زيادة فاحذفها او غلطا فا صلحه وارجو منك أن تعتنى به عند الطبع لتنبه على الكلمات الموضوعة بين الاسطر لاجل زيادة او بيان لئلا يشكل على القائم بامر الطبع فيقع الغلط والله يوفقك ويملك بعونه وعنايته والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
القاهرة يوم 25 ربيع الأول 1394 - الموافق 196/ 4/17 محبك ابراهيم سعيد العبدي بيك
محمدت الله عند وصولها لحمل العائلة بعد تمام طبع الكتاب وصلتني رسالة الشيخ ابراهيم
سالم (1/310)
صفحة 279
حمداللة (1/311)