صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: المدخل إلى المذهب الإباضي
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة الضامري
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1440ه/ 2019م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/391
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 شعبان 1446ه/ 10 - شهر 02 - 2025م. المدخل إلى المذهب الإباضي
تأليف
الشيخ أحمد بن سعود السيابي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع (1/1)
صفحة 2
2
جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَحْفُوظَةُ للناشر
المدخل إلى المذهب الإباضي
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر
الطبعة الأولى
1440 هـ / 2019 م
مَكْتَبَةُ الصَّامِرِيِّ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ ص. ب 2 الرَّمْزُ الْبَرِيدِيُّ 121
الهاتف: 0096896444669
t.k.ldhamri@gmail.com
السَّيِّب – سَلْطَنَةُ عُمَانَ (1/2)
صفحة 3
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
المدخل
إلى المذهب الإباضي
تأليف
الشيخ أحمد بن سعود السيابي أمين عام مكتب الإفتاء/ سلطنة عمان
نشر وتوزيع
مكْتَبَةُ الصَّامِرِي لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيع ص. ب 2 الرَّمْزُ الْبَرِيَدِيُّ 121
الهاتف: 0096896444669
t.k.ldhamri@gmail.com
السَّيِّب – سَلْطَنَةُ عُمَانَ (1/3)
صفحة 4
المدخل إلى المذهب الإباضي
3 (1/4)
صفحة 5
التأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
الله الرحمن الرحيم
الْمُقَدِّمَةُ
الحَمْدُ لِلهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
وَمَنْ وَالَاهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا كِتَابُ بِعُنْوَانِ الْمَدْخَلُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ، وَالْمَدْخَلُ جَمْعُهُ: مَدَاخِلُ، وَهُوَ مَوْضِعُ الدُّخُولِ إِلَى الشَّيْء أَوِ الْمَكَانِ، وَهو بَوَّابَةُ الدُّخُولِ إِلَى الشَّيْءِ أَوِ الْمَكَانِ. عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْبَوَّابَةِ هُوَ التَّعْبِيرُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ كَأَن يَكُونَ مثلا الْعُنْوَانُ بَوَّابَةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيّ"، أَمَّا الْمَدْخَلُ فَهُوَ تَعْبِيرُ تُرَائِيٌّ شَاعَ وَذَاعَ مُنْذُ الْقَدِيمِ. وَلَقَدْ كُنْتُ أَخذتُ فِي التَّرَدُّدِ فِي اسْتِعْمَالِ أَيِّ التَّعْبِيرَيْنِ يكون أنسب عُنْوَانًا لِلْكِتَابِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الرَّأْيُ عِنْدِي بِاسْتِعْمَالِ التَّعْبِيرِ التَّرَائِيُّ الْمَدْخَلُ"
لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مَضْمُونِ الْكِتَابِ لِلدُّخُولِ مِنْ خِلَالِهِ هذا الكتاب. عَلَى أَنَّ كِتَابَ الْمَدْخَلُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ" هُوَ أَوَّلُ كِتَابٍ يَعْرِضُ الْمَذْهَبَ الْإِبَاضِيَّ كَمَنْظُومَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَكَامِلَةٍ عَقِيدَةً وَفِكْرًا وَفِقْهَا وَتَارِيخا وَمَصَادِرَ وَأَعْلَامًا؛ لِكَيْ يَجِدَ الْقَارِئُ كُلَّ مَعَالِمِ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي بَيْنَ دَفَتَيْ
كِتَابٍ وَاحِدٍ
وَالْهَدَفُ مِنْ هَذَا تَقْرِيبُ مُكَوِّنَاتِ الْمَذْهَبِ الْمَعْرِفِيَّةِ إِلَى الْقَارِيُّ إِبَاضِيًّا كانَ أَوْ غَيْرَ إِبَاضِيَّ، وَتَقْدِيمُ مَوَادِّهِ الْعِلْمِيَّةِ فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ بِأَسْبُوبِ فِيهِ (1/5)
صفحة 6
6
المدخل إلى المذهب الإباضي
مِنَ التَّوْضِيح وَالتَّبْسِيطِ الشَّيْءُ الْمُلَاحَظ وُضُوحًا وَسُهولة. كما أنه يأتي استجابة لرغبة عدد من الناس من خارج المذهب بل وحتى
من داخله في وجود كتاب يعرف بالمذهب من جميع جوانبه ومعالمه. عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يُمَيَّزُ الْمَذْهَبَ الْإِبَاضِيَّ أَنَّهُ وَحْدَةٌ مُتَكَامِلَةً عَقِيدَةً وَفِقْهَا وسياقًا تَارِيخيا؛ حَيْثُ إِنَّ سِلْسِلَة نَسَبِ الدِّينِ عِنْدَ الْإِبَاضِيَّةِ تَبْدَأُ مُنْحَدِرَةً مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْرَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَتَمُرُّ عَلَى الْإِمَامِ التَّابِعِيِّ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فَالْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيِّ فَالْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِي؛ لِيَنْبَنِيَ الْمَذْهَبُ خِلَالَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الذَّهَبِيَّةِ أَوِ الْمَاسِيَّةِ فِكْرًا وَعَقِيدَةٌ وَفِقْهَا فِي سِيَاقٍ زَمَانِيِّ تَارِيخِيَّ اتَّضَحَتْ فِيهِ مَعَالِمُهُ، وَبَرَزَتْ فِيهِ أَعْلَامُهُ، وَتَطَوَّرَتْ فِيهِ مَفَاهِيمُهُ، وَوَقَعَتْ فِيهِ أَحْدَاتُهُ، وَعَسَى أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْعَمَلُ الْمَهْدُوفُ مِنْهُ، وَأَنْ يُتَقَبَّلَ الْقَبُولَ الحَسَنَ، رَاجِيًا مِنَ اللهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ ذُخْرًا لِي عِنْدَهُ يَوْمَ أَلْقَاهُ، إِنَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَحْمَدُ بْنُ سَعُودِ السّيابِيُّ
مَسْقَط الْعَامِرَةُ فِي الْجُمُعَةِ الزَّهْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ
1 ربيع الأول 1440 هـ
9 نوفمبر 2018 م (1/6)
صفحة 7
//////////
Y
التأصيل التاريخي
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
////////// (1/7)
صفحة 8
المدخل إلى المذهب الإباضي
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضِ
الْإِبَاضِيَّةُ: تَعْنِي الانْتِسَابَ إِلَى الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبَاضِ الْمُرِّيِّ الْمُقَاعِسِيَّ التَّمِيمِي، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَمِنْهُمْ؛ أَي مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ صُرَيْمِ بْنِ مُقَاعِسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ - عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبَاضِ صَاحِبُ الْإِبَاضِيَّةِ (1). وَقَبِيلَةُ تَمِيمٍ مِنَ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، وَكَانَتْ مُنْتَشِرَةٌ بَيْنَ نَجْدٍ وَالْبَصْرَةِ. وَقَدْ سُمِّيَ الْإِبَاضِيَّةُ بِاسْمِ أَبِيهِ إِبَاضِ بْنِ عَمْرٍو لِسُهُولَةِ الْانْتِسَابِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِشُهْرَةِ لَفْظِهِ، وَهُوَ أُمَّ مَعْرُوفُ فِي عِلْمِ الْأَنْسَابِ عِنْدَ الْعَرَبِ، كَمَا أَنَّهُ أَمْرُ مَعْرُوفُ وَمَأْلُوفُ فِي اللُّغَةِ.
وَيَرَى الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَظْفَيش أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبَاضٍ مِنْ نَجْدٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ (2).
وَفِي رَأْبِي: أَنَّهُ مِنَ الْبَصْرَةِ أَوْ مِنْ بَادِيَتِهَا.
عَلَى أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ عَلَى وَجْهِ الدَّقَةِ وَالتَّحْدِيدِ تَارِيخَ مَوْلِدِهِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ إِيَّانَ الْعِشْرِينَاتِ مِنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لِلْهِجْرَةِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْمَصَادِرِ تُثْبِتُ صَحَابِيَّتَهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ تَابِعِيَّتُهُ (3).
(1) الاشتقاق: ص 249.
(1) النامي، عمر بن خليفة، دراسات عن الإباضية، ص 44.
(2) نفس المصدر، ص 44. (1/8)
صفحة 9
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضِ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ أَبِي الشَّعْتَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ الْأَزْدِيِّ وَمُلَازِمِيهِ، وَمِنْ خَاصَّتِهِ، وَكَانَ لَا يَصْدُرُ فِي أُمُورِهِ إِلَّا عَنْ رَأْي شَيْخِهِ جَابِرٍ
وَنَظَرًا إِلَى كَوْنِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبَاضِ مِنْ زُعَمَاءِ قَبِيلَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ بِالْبَصْرَةِ، فَقَدْ كَانَ فِي حِمَايَةِ قَبِيلَتِهِ، الْأَمْرُ الَّذِي مَكَّنَهُ مِنَ الدَّفَاعِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ كَانُوا يُعْرَفُونَ بِاسْمِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ" أَوْ أهْلِ الدَّعْوَةِ" آنَذَاكَ، وَلِذَلِكَ اسْتَطَاعَ التَّحَدُّثَ بِاسْمِهِمْ أَمَامَ الْأُمَوِيِّينَ وَأَمَامَ الْآخَرِينَ مِنْ مُخَالِفِي أَصْحَابِهِ.
وَقَدْ كَانَتْ لَهُ مُخَاطَبَاتُ مَعَ الْخَلِيفَةِ الْأُمَوِيِّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَوْضَحَ فِيهَا الْمَبَادِئَ وَالْأَفْكَارَ الَّتِي كَانَ يَسِيرُ عَلَيْهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ طَارَتْ شُهْرَتُهُ آفَاقًا عِنْدَمَا ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى لِلدَّفَاعِ عَنْهَا بِجَانِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِصَدٌ هُجُومٍ وَمُحَاصَرَةِ الْجُيْشِ الْأُمَوِيِّ لَهَا، الَّذِي كَانَ بِقِيَادَةِ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرِ السَّكُونِي الْكِنْدِي، وَهُوَ الَّذِي خَلَفَ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ، وَذَلِكَ عَامَ 64 هـ - 682 م فِي عَهْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِوَقْعَةِ الْحَرَّةِ (()، إِلَّا إِنَّهُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحِصَارِ عَلَى مَكَّةَ عَقِبَ وَفَاةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ؛ اخْتَلَفَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَوْلَ بَعْضِ الرُّؤى الْفِكْرِيَّةِ وَالْعَقدِيَّةِ، وَأَهَمُّهَا الْمَوْقِفُ مِنَ الْخَارِجِينَ فِي مَعْرَكَةِ الْجُمَلِ الَّتِي كَانَ بَطَلَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوامِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَطَلْحَةُ
(1) محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 111. (1/9)
صفحة 10
10
المدخل إلى المذهب الإباضي
بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبَاضٍ يَرَى صِحَةَ وَصَوَابَ مَوْقِفِ الْخَلِيفَةِ الرابع على بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَتَخْطِئَةَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، بَيْنَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَرَى صِحَّةَ وَصَوَابَ رَأْيِ وَالِدِهِ الزُّبَيْرِ وَالْخَارِجِينَ عَلَى الْخَلِيفَةِ الرَّابِعِ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طالب، وَعَلَى أَثَرِ ذَلِكَ الْخِلَافِ عَادَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبَاضٍ إِلَى الْبَصْرَةِ قَائِدًا سِيَاسِيًّا لِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ دَعْوَتِهِ (1).
وَهُنَاكَ فِي الْبَصْرَةِ أَخَذَ يُنَاظِرُ أَصْحَابَ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْأُخْرَى دِفَاعًا عَنْ مَبَادِئَ فِرْقَتِهِ وَمَذْهَبِهِ، يَقُولُ فِي ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَرْجِينِيُّ فِي كِتَابِهِ طَبَقَاتِ الْمَشَايِخ: "كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبَاضٍ إِمَامَ أَهْلِ الطَّرِيقِ، وَجَامِعَ الْكَلِمَةِ لَمَّا وَقَعَ التَّفْرِيقُ، فَهُوَ الْعُمْدَةُ فِي الاعْتِقَادَاتِ، وَالْمُبَيَّنُ لِطْرُقِ الاستدلالات والاعْتِمَادَاتِ إِلَى أَنْ قَالَ: "وَكَانَ رَئِيسَ الْعَقْدِ وَرَئِيسَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَالْمُتَقَدِّمَ فِي حَلَبَةِ الْعَقْدِ بَيْنَ أُولَئِكَ
الأخيار" ().
وَنَظَرًا إِلَى تِلْكَ الصَّفَاتِ وَالْمُؤَهّلَاتِ، إِضَافَةٌ إِلَى مُنَاظَرَاتِهِ وَمُخَاطَبَاتِهِ مَعَ الخليفَةِ الْأُمَوِيِّ الْقَوِيِّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ اشْتُهِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضِ شخصًا مُدَافِعًا عَنْ جَمَاعَةٍ عُرِفَتْ فِيمَا بَعْدُ بِالْإِبَاضِيَّةِ، وَلِذَلِكَ نُسِبَ الْمَذْهَبُ
إلَيْهِ.
(1) النامي، عمرو بن خليفة، المصدر السابق، ص 45.
(1) ج 2، ص 214. (1/10)
صفحة 11
التأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
11
عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكانٍ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ لَمْ يُسَمُّوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمْ غَيْرُهُمْ بِهَا، لِاشْتِهَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ مَعَ الْأُمَوِيِّينَ وَمَعَ الْفِرَقِ الْأُخْرَى بِمَوَاقِفِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنْ يَبْقَى الاسْتِفْهَامُ! مَنْ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطْلَقَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ الْإِبَاضِيَّةَ؟ هَلْ هُمُ الْأُمَوِيُّونَ أَمِ الْفِرَقُ الْأُخْرَى؟ وَفِي رَأْيِنَا أَنَّ الْأُمَوِيِّينَ هُمُ الَّذِينَ أَظْلَقُوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَعُودُ لِاشْتِهَارٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبَاضٍ لَدَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هُوَ الَّذِي أَطْلَقَ عَلَيْهِ وَجَمَاعَتِهِ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ، وَبَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الْوَقْتِ غَيْرِ قَصِيرَةٍ قَبِلَ الْإِبَاضِيَّةُ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا ظَهَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي كِتَابَاتِهِمْ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ، حَيْثُ ظَهَرَتْ عِنْدَ الْعَالِمِ الْإِبَاضِيّ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْفَزَارِي فِي كِتَابِهِ "التَّوْحِيدِ" حَيْثُ قَالَ: "وَمِمَّا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْإِبَاضِيَّةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَارَفَ كَبِيرَةً يَجْهَلُهَا الْعُلَمَاءُ؛
فَهُوَ كَافِرُ (1) كَمَا أَنَّهُ عَلَى ما يَظْهَرُ أَنَّ تَقَبَّلَ الْإِبَاضِيَّةِ التَّسْمِيَةَ بِالْإِبَاضِيَّةِ كَانَ بَطِيئًا، فَهِيَ لَمْ تَظْهَرْ مَرَّةٌ أُخْرَى فِي كِتَابَاتِهِمْ إِلَّا فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ فِي الْمَغْرِبِ عِنْدَ الْعَالِمِ الْإِبَاضِي عَمْرُوسِ بْنِ فَتْحِ المَسَاكِنِي النَّفُوسِي فِي كِتَابِهِ
(1) الفزاري، سعيد بن محمد، عبد الله بن يزيد، حياته وآثاره، بحث تخرج من معهد العلوم الشرعية، أو يجدر أن ننوه أن الكفر المذكور هو كفر النعمة، وهو الفسوق والعصيان. (1/11)
صفحة 12
12
المدخل إلى المذهب الإباضي
أُصُولِ الدَّيْنُونَةِ الصَّافِيَةِ حَيْثُ قَالَ فِي مَعْرِضِ رَبِّهِ عَلَى الْمُرْجِئَةِ: "وَإِنَّهُمْ
يَسْتَحِلُّونَ شَتْمَ الْإِبَاضِيَّةِ (1).
كَمَا كَانَ ظُهُورُهَا بِالشَّرْقِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، أَيْ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ عِنْدَ الْعَالِمِ الْعُمَانِيِّ الْإِبَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّزْوِيِّ، فَقَدْ وَصَفَ شَيْخَهُ
مُحَمَّدَ بْنَ رَوْحِ بْنِ عَرَبِيَّ الْكِنْدِيَّ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ إِبَاضِيُّ حَقًّا" (2).
وَهَكَذَا قَبِلَ الْإِبَاضِيَّةُ التَّسْمِيَةَ أَوِ اللَّقَبَ الْإِبَاضِيَّةَ" مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبَاضٍ لَمْ تُنْقَلْ عَنْهُ فِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ فَقِهِيَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَقِيها مُتَعَمِّقًا، وَإِنَّمَا كَانَ دَوْرُهُ سِيَاسِيَّا، بِجَانِبِ بَعْضِ الْمَوَاقِفِ الْعَقدِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُناظِرُ بِهَا أَصْحَابَ الْفِرَقِ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوَاقِفَ ذَاتَ صِبْغَةٍ عَقدِيَّةٍ إِلَّا أَنَّهَا في الظَّاهِرِ كَانَتْ فِي الْإِطَارِ السَّيَاسِيِّ أَيْضًا، لِذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ الشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ: "وَلَمْ يُشَرِّعِ ابْنُ إِبَاضِ لَنَا مَذْهَبًا، وَإِنَّمَا نُسِبْنَا إِلَيْهِ لِضَرُورَةِ التَّمْيِيزِ عِنْدَمَا ذَهَبَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى طَرِيقٍ" (3).
أَمَّا تَارِيخُ وَفَاتِهِ فَلَمْ نَعْتُرْ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَعَلَّهُ فِي مُنْتَصَفِ الثَّمَانِينَاتِ مِنَ
الْقَرْنِ الْأَوَّلِ الْهِجْرِيِّ.
(1) أصول الدينونة الصافية، ص 68
(1) الكندي، محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، ج 4، ص 388.
(3) الجوابات. (1/12)
صفحة 13
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ
13
وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَقِيقِيُّ لِلْمَذْهَبِ، وَهُوَ شَيْخُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ، وَكَانَ مِنَ الْمُنَاسِبِ تَقْدِيمُ ذِكْرِهِ عَنْهُ فِي السَّيَاقِ لِكَوْنِهِ شَيْخَهُ، إِلَّا أَنَّنَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبَاضٍ تَمَشَّيًا مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالنَّسْبَةِ لِتَوْضِيحٍ سَبَبِهِمَا وَارْتِبَاطِهِمَا بِهِ. وَالْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مِنْ عُمَانَ مِنَ الْأَزْدِ الْقَبِيلَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ الْيَحْمَدِ، يَقُولُ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَمِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ الْيَحْمَدِ؛ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الْفَقِيهُ (1). وُلِدَ الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَرْيَةِ فَرَق" مِنْ مَدِينَةِ نَزْوَى" ()، الْمَدِينَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي عُمَانَ، سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَشَأَ وَشَبَّ عَنِ الطَّوْقِ فِيهَا، وَعَلَيْهِ فَلَا شَكٌّ أَنَّهُ تَعَلَّمَ فِيهَا الْقُرْآنَ وَشَيْئًا مِنْ عُلُومِ الدِّينِ الْإِسْلَامِي وَفْقَ الْمَنْهَجِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ السَّائِدَةِ آنَذَاكَ الْقَائِمَةِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَحِفْظِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَدِرَاسَتِهَا، وَكَذَلِكَ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِوَالِدِهِ الدَّوْرَ الْأَكْبَرَ فِي تَرْبِيَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ وَالِدَهُ كَانَ صَحَابِيًّا، فَقَدْ وُجِدَتْ لَهُ رِوَايَةٌ رَوَاهَا عَنْهُ جَابِرُ، جَاءَ فِيهَا: رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ ابْنِ
(1) الاشتقاق، ص 506.
(1) كانت قرية مزق تقع قريباً من مدينة نزوى في السابق ومنعزلة عنها، أما الآن فهي داخلة ضمنها، نظرا إلى التوسع العمراني الذي شهدته نزوى في هذا العصر. (1/13)
صفحة 14
14
المدخل إلى المذهب الإباضي
جُرَيْجٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُحْرِمٍ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ يَأْكُلُ مِنْهُ فَقَالَ: احْسِبُوا لَهُ (1).
وَلَعَلَّهُ كَانَتْ رِحْلَتُهُ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي رَيْعَانِ شَبَابِهِ، وَيُفُوعَةِ رُجُولَتِهِ، وَالْبَصْرَةُ كَانَتْ آنَذَاكَ بِهَا الْكَثِيرُ مِنْ قَوْمِهِ الْأَزْدِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُمَانِيِّينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْبَصْرَةَ وَطَنَّا لَهُمْ مُنْذُ عَهْدِ الخَلِيفَةِ الثَّانِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ، وَذَلِكَ إِثْرَ مُشَارَكَاتِهِمْ فِي الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ ()، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْنِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَقَارِبُ وَخَوَاصُ لِلْإِمَامِ جَابِرٍ وَيَبْدُو أَنَّهُ مِنَ الْبَصْرَةِ كَانَ ذَهَابُهُ إِلَى الْحِجَازِ، حَيْثُ أَخَذَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ وَحَفِظَهَا مِنْ كُلِّ كَيْدٍ وَمَكْرُوهِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَتَاحَ لَهُ وُجُودُهُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الاتِّصَالَ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَاسِيَّمَا عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَحَفْصَةَ، وَبِالصَّحَابَةِ لَا سِيَّمَا أَكَابِرِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ كَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُتِيَ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدِ
اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
وَلِكَثْرَةِ مَنْ لَقِيَ جَابِرُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا فَحَوَيْتُ مَا عِنْدَهُمْ إِلَّا الْبَحْرَ وَيَعْنِي بِالْبَحْرِ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، فَالاسْتِثْنَاءُ هُنَا مُنْقَطِعُ، فَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَإِذَا كَانَ
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 2، ص 481.
(2) وأنا أسميها التحريرات الإسلامية. (1/14)
صفحة 15
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
??
الْبَدْرِيُّونَ الَّذِينَ الْتَقَى بِهِمْ جَابِرُ يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِنَّهُمْ وَلَا شَكَ كَثِيرُ، لِذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَمَا تَزْدَحِمُ عِنْدَهُ الرِّوَايَةُ بِكَثْرَةِ الْأَشْخَاصِ يُرْسِلُهَا إِرْسَالًا مُبَاشِرًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَذَا
وَأَحْيَانًا يَقُولُ: "سَمِعْتُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ كَذَا ... ). وَمِنْ هُنَالِكَ قَرَّرَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ أَنَّ مَرَاسِيلَ جَابِرٍ مَقْطُوعُ بِصِحَتِهَا (2)، كَمَا أَنَّ عَنْعَنَتَهُ مَقْطُوعُ بِاتِّصَالِهَا (3).
إِذَنْ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ جَابِرًا أَخَذَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ مُلَازَمَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ هُنَا نَجِدُ تَأَثَّرَ الْفِقْهِ الْإِبَاضِيِّ بِفِقْهِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى
حَدٌ كَبِيرٍ. وَكَانَ كَثِيرَ الْإِجْلَالِ لِشَيْخِهِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَدَعُ الرَّأْيَ الَّذِي كَانَ يَرَاهُ لِرَأْيِ شَيْخِهِ، فَهُوَ يَقُولُ فِي امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي مَرَضِهِ: "وَلَوْلَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ لَسَرَّنِي، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ إِذَا عُرِفَ الضَّرَرُ أَنْ تَسْتَوْجِبَ الْأَمْرَ كُلَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ مِيرَاثُهَا". وَأَيْضًا فَهُوَ كَثِيرُ الْإِجْلَالِ لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، حَيْثُ نَجِدُهُ يَقُولُ: "وَرَأْيُ مَنْ قَبْلَنَا أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِنَا الَّذِي نَرَى، لَمْ يَزَلِ الْآخِرُ يَعْرِفُ لِلْأَوَّلِ فَضْلَهُ، وَكَانُوا
(1) انظر مسند! د الإمام الربيع بن حبيب الذي رواه عن شيخه أبي عبيدة عن شيخه جابر بن زيد عن
الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) الجامع الصحيح، المقدمة. (2) شرح المسند، ج 1، ص 8. (1/15)
صفحة 16
المدخل إلى المذهب الإباضي
فَقَدْ
أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَهِدُوا وَعَلِمُوا، فَالْحَقُّ عَلَيْنَا وَطْءُ أَقْدَامِهِمْ وَاتَّبَاعُ آثَارِهِمْ. وَمِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّائِعَةِ قَوْلُهُ: "إِنَّ الله نَصَبَ الْإِسْلامَ لِلنَّاسِ، وَأَمَرَهُمْ بِطَلَبِهِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ
مُصِيبٍ لَهُ وَمُخْطِءٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْهُدَى إِلَى الصَّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (2). وَقَدْ أَثْنَى عَلَى الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الْعَدِيدُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَشَهِدُوا لَهُ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَتُعْتَبَرُ تِلْكَ الشَّهَادَاتُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي حَقِّ أَبِي الشَّعْتَاءِ أَعْلَى شَهَادَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُعْتَمَدَةٍ عَبْرَ التَّارِيخ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّهُ
عَلَى تَوْثِيقِهِ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى تَوْثِيقِ أَحَدٍ غَيْرِهِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ. وَقَدِ اعْتَنَى الْإِمَامُ جَابِرُ بِالتَّدْرِيسِ حَتَّى انْتَشَرَ تَلَامِيذُهُ فِي الْآفَاقِ، أَمَّا الْفُتْيَا فَقَدْ كَانَ فِيهَا مجليَّا، فَقَدْ أَصْبَحَتْ أَقْوَالُهُ مُعْتَمَدَةً وَمُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ فِيهِ: أُفٍّ لإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ فِيهِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ (3). أَمَّا التَّأْلِيفُ فَقَدْ ضَرَبَ فِيهِ بِأَوَّلِ سَهْمٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَامَ بِالتَّأْلِيفِ وَتَدْوِينِ الْعِلْمِ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ أَلَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ الدِّيوَانَ يَقَعُ فِي عَشَرَةِ أَجْزَاءِ، وَسَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْهُ لَاحِقًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَمِنْ أَعْمَالِهِ وَنَشَاطَاتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحُجُ كُلَّ سَنَةٍ، حَتَّى أَنَّ وَالِيَ الْبَصْرَةِ فِي عَامٍ مِنَ الْأَعْوَامِ مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ، وَعِنْدَمَا لَمْ يَسْتَجِبِ الْإِمَامُ لِهَذَا الْمَنْعِ سَجَنَهُ وَلَمْ
(1) رسائل الإمام جابر بن زيد دراسة وتحقيق فرحات الجعبيري، ص 152، مكتبة الضامري،
سلطنة عمان.
(1) المدونة الكبرى، لأبي غانم الخراساني، تحقيق مصطفى باجو، ج 1، ص 126. (3) يحيى بكوش، فقه الإمام جابر، المقدمة. (1/16)
صفحة 17
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
17
يُطْلِقْهُ مَعَ رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَكِنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْتَكِنْ لِذَلِكَ، بَلْ رَمَى بِصَدْرِ نَاقَتِهِ إِلَى الْحِجَازِ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُنيك لها} [فَاطِرَ:2]. حَتَّى بَلَغَتْ بِهِ الْمَوْسِمَ نَهَارَ عَرَفَاتٍ، وَهُنَاكَ ضَرَبَتْ يجرَانِهَا الْأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ أَمَرُوهُ بِذَكاتِهَا تَدَارُقًا لِحَيَاتِهَا لِلانْتِفَاعِ بِلَحْمِهَا ظَنَّا مِنْهُمْ أَنَّ مَصِيرَهَا الْمَوْتُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ كَانَ وَفِيًّا لَهَا كَمَا كَانَتْ وَفِيَّةٌ لَهُ، فَقَالَ قَوْلَتَهُ الْمَشْهُورَةَ فِيهَا: "حَقِيقُ لِنَاقَةٍ رَأَتْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ بِالْبَصْرَةِ أَلَّا يُفْعَلَ بِهَا هَذَا" (1).
فَعَلَ هَذَا جَابِرُ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: الْآنَ أَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ عَلَى يَتِيمِ أَوْ مِسْكِينٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (2)؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَى مَوْسِمِ الْحَجّ كُلَّ عَامٍ لأَدَاءِ شَعِيرَةِ الْحَجّ فَقَط وَإِنَّمَا كَانَ يَذْهَبُ لِلالْتِقَاءِ بِأَهْلِ دَعْوَتِهِ وَأَصْحَابِ مَذْهَبِهِ لِيُفْتِيَهُمْ أَوَّلًا، وَلِيُنَاقِشَ مَعَهُمْ أُمُورَ الدَّعْوَةِ، تَخْطِيطًا وَعَمَلًا
ثانيًا؛ لِيُقَيِّمُوا خُطَةَ سَنَةٍ مَضَتْ، وَلِيَرْسُمُوا خُطَّةَ سَنَةٍ أَقْبَلَتْ.
وَمِنْ هُنَالِكَ صَارَ وُجُودُ مُفْةٍ إِبَاضِي لِلْحُجَّاجِ الْإِبَاضِيَّةِ فِي مَوْسِمِ الْحَجّ مَنْهَجًا تَقْلِيدِيَّا سَارَ عَلَيْهِ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْإِمَامِ جَابِرٍ، كَأَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَة، وَبَعْدَهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِيُّ، وَبَعْدَهُ وَائِلُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيُّ،
وبَعْدَهُ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيلِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.
(1) الشماخي، أحمد بن سعيد، السير، ج 1، ص 68، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. (1) يحي بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، ص 64، على أن هذا القول هو الذي ينبغي للناس الأخذ به بدلاً من تكرار الحج والعمرات. (1/17)
صفحة 18
18
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَانْتَقَلَ الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ بَعْدَ حَيَاةٍ مِلْؤُهَا الْإِنْجَازَاتُ الْعَظِيمَةُ فِي الْعِلْمِ وَالْفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ وَالتَّخْطِيطِ السَّيَاسِي، وَقَدِ اخْتُلِفَ حَوْلَ وَفَاتِهِ، وَعَلَى الرَّاجِحِ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَوَصَفَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّمَّاخِيُّ بِقَوْلِهِ: "وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ، وَأَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَعْبَدِ النَّاسِ، اسْتَضَاءَ بِنُورِهِ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَخَذَ عَنْهُ نَاسٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مُجَابَ
الدُّعَاءِ " (1).
(1) السير، ج 1، ص 72. (1/18)
صفحة 19
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
الإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ
19
تَصَدَّرَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ الْمَدْرَسَةَ الْإِبَاضِيَّةَ بَعْدَ وَفَاةِ
الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَدْ وُلِدَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْبَصْرَةِ فِي حِمَى وَرِعَايَةِ وَلِيَّ نِعْمَتِهِ عُرْوَةَ بْنِ حُدَيْرٍ التَّمِيمِيِّ الَّذِي عُرِفَ عَنْهُ تَمَسُّكُهُ بِالدِّينِ عِبَادَةٌ وَسُلُوكًا وَمُعَامَلَةٌ، وَيُقَدِّرُ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ تَارِيخَ مَوْلِدِهِ بِأَنَّهُ فِي حُدُودِ سَنَةِ 545 (1)، حَيْثُ لَا يُوجَدُ تَارِيخُ مُحَدَّدُ لِوِلَادَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بَدَأَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لَدَى عُرْوَةَ بْنِ حُدَيْرٍ، ثُمَّ الْتَحَقَ بِأَشْيَاخِ الْعِلْمِ وَفِي مُقَدَّمَتِهِمُ الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي لَا زَمَهُ طَوِيلًا، وَصَارَ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِي حَقٌّ إِمَامِهِ جَابِرٍ مُعَبَّرًا عَنْ إِعْجَابِهِ بِهِ: كلُّ صَاحِبِ حَدِيثٍ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ فِي الْفِقْهِ فَهُوَ فِي ضَلَالٍ، وَلَوْلَا أَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ لَضَلَلْنَا" (2).
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِنْدَ وَفَاةِ شَيْخِهِ جَابِرٍ فِي سِجْنِ الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ هَذَا الْأَخِيرِ، وَقَدْ أَدَرَكَ بَعْضَ مَنْ أَدْرَكَهُ جَابِرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
(1) محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 117. (1) النامي، مصدر سابق، ص 97. (1/19)
صفحة 20
20
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَقَدْ عُرِفَ عَنْهُ نَشَاطُهُ فِي نَشْرِ الْعُلُومِ وَبَثَّ الدَّعْوَةِ، وَقُدْرَتُهُ الْفَائِقَةُ عَلَى التَّنْظِيمِ الْعِلْمِي وَالتَّخْطِيطِ الدَّعْوِيِّ، فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْفَضْلُ فِي تَكْوِينِ مَجَالِسَ عِلْمِيَّةٍ عَلَى مُسْتَوَيَاتٍ ثَلَاثَةٍ هَرَمِيَّةِ الشَّكْلِ، تَتَّسِعُ قَاعِدَتُهَا وَيَضِيقُ أَعْلَاهَا، وَتِلْكَ الْمَجَالِسُ عِبَارَةُ عَنْ حَلَقَاتٍ عِلْمِيَّةٍ، كُلُّ حَلْقَةٍ تَضُمُّ عَدَدًا مِنَ الطَّلَبَةِ وَالدُّعَاةِ، حَسَبَ مُسْتَوَيَاتِهِمُ التَّحْصِيلِيَّةِ، يَرْتَفِعُ فِيهَا الطَّالِبُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى حَتَّى يَكْتَمِلَ نُضْجُهُ الْعِلْمِيُّ، وَيَرْتَقِيَ أُسْلُوبُهُ الدَّعْوِيُّ، عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمَجَالِسَ الْعِلْمِيَّةَ وَفْقَ التَّرْتِيبِ الْآتي:
1 - تَجْلِسُ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ: يَأْتِي إِلَيْهِ النَّاسُ لِاسْتِمَاعِ الْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ الدِّينِيَّةِ وَالْمَوْضُوعَاتِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تَفَرَّعَتْ عَنْ مَجْلِسِ أَبِي عُبَيْدَةَ تجَالِسُ أُخْرَى، كَمَجْلِسِ أَبِي سُفْيَانَ قُنْبُرٍ، وَتَجْلِسِ أَبِي الْحُرِّ عَلِيِّ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَمَجْلِسِ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّوِيلِ، وَغَيْرِهَا، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَجَالِسِ أَقْسَامُ مُخَصَّصَةٌ
لِلنِّسَاءِ.
2 مَجْلِسُ الطَّلَبَةِ: وَهُوَ يَغْشَاهُ الطَّلَبَةُ الْعَادِيُّونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ دِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ عَقِيدَةً وَفِقْهَا، وَلَا شَكَ أَنَّهُ كَانَتْ هُنَالِكَ أُخْرَى كَمُسَاعِدَةٍ لِمَجْلِسِ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَجْلِسِ حَاجِبِ الطَّائِي، وَمَجْلِسِ ضِمَامِ بْنِ السَّائِبِ النَّدبِي، وتجلس أبي نُوحٍ صَالِحِ بْنِ نُوحٍ الدَّهَانِ وَغَيْرِهَا. (1/20)
صفحة 21
التأْصِيل التاريخي
21
تَجْلِسُ الْمَشَايِخ: وَهُوَ مُخَصَّصُ لِقَادَةِ الْمَذْهَبِ، وَهُنَاكَ كَانَ يَلْتَقِي أُولَيْكُمُ الْمَشَايِخُ لِيَبْحَثُوا أُمُورَ الدَّعْوَةِ وَمَا تَتَطَلَّبُهُ مِنْ تَنْظِيمٍ وَتَخْطِيطٍ، وَهَذَا
الْمَجْلِسُ يَقْتَصِرُ الْحُضُورُ فِيهِ عَلَى أَهْلِ النَّقَةِ مِنْ أَشْيَاحَ الْمَذْهَبِ (1). وَبَلَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ فِي الْعِلْمِ حَتَّى تَمَتَّلَتْ فِيهِ الْمَرْجِعِيَّةُ الْعُلْيَا لِلْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ، يَقْصِدُهُ طَلَبَةُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْفَاعٍ شَتَّى مِنَ الْمَعْمُورَةِ، حَيْثُ قَدِمَ طُلَّابُهُ مِنْ خُرَاسَانَ شَرْقًا إِلَى تَلْمَسَانَ غَرْبًا، وَمِنْ عُمَانَ وَالْيَمَنِ جَنُوبًا إِلَى الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ شَمَالًا، وَعَلَى أَيْدِي أُولَئِكُمُ الظُّلَّابِ الْمَيَامِينِ انْتَشَرَ الْمَذْهَبُ في تِلْكَ الْأَصْفَاعِ، حَتَّى تُوّجَ ذَلِكَ الانْتِشَارُ بِقِيَامِ ثَلَاثِ دُوَلٍ كَانَتْ مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي إِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ بَعْدَ أَنِ الْحَرَفَتْ بِهِ السَّيَاسَةُ الظَّالِمَةُ وَغَيَّرَتْ مَلَائِحَهُ الْجَمِيلَةَ الْمُفْعَمَةَ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، إِلَى مَلَامِحَ أُخْرَى مَلَأَهَا الظُّلْمُ
وَالْجَوْرُ.
وَقَدْ لُقَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْقَفَّافِ؛ لأَنَّهُ كَانَ يَتَظَاهَرُ هُوَ وَتَلَامِيذُهُ بِصُنْعِ الْقِفَافِ وَهِيَ السَّلَالُ، وَذَلِكَ لِكَيْ يُحَوِّلَ أَنْظَارَ السُّلْطَةَ الْحَاكِمَةَ آنَذَاكَ عَنْ نَشَاطِهِ الْعِلْمِيَّ وَالدَّعْوِيِّ الْأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ يُمَارَسُ ضِدَّهُ مِنْ تَضْبِيقٍ
مِنْ قِبَلِ السُّلْطَةِ الْأُمَوِيَّةِ.
(1) النامي، مصدر سابق، ص 101. (1/21)
صفحة 22
22
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَعْهَدَهُ الْمُبَارَكَ الْمَيْمُونَ اسْتَطَاعَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُخَرِّج عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ.
وَبَعْدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِالْعَطَاءِ الْعِلْمِي وَالسَّيَاسِيَّ؛ انْتَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى رَبِّهِ حَوَالَيْ سَنَةَ 145 هـ، فِي زَمَنِ خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرِ الْمَنْصُورِ الَّذِي قَالَ فِيهِ عِنْدَمَا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ: هَلَكَتِ الْإِبَاضِيَّةُ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَكَانَتِهِ وَشُهْرَتِهِ، فَهُوَ كَمَا وَصَفَهُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ بِقَوْلِهِ: "وَلَقَدْ تَفَجَّرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِ أَبِي عُبَيْدَةً وَطَلَعَتْ مِنْ لِسَانِهِ شُمُوسُ الْعِلْمِ (1).
(1) شرح المسند، ج 1، ص 6، وانظر على سبيل المثال: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 45، الشماخي، السير، ج 1، ص 78، علي يحيي معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص 153، النامي، عمرو بن خليفة، دراسات عن الإباضية، ص 95، عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 103، محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 117. (1/22)
صفحة 23
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
23
حَمَلَةُ الْعِلْمِ
تَمَيَّزَ عَهْدُ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِتَكْوِينِ الْبَعَثَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ تِلْكَ البعثات إلى الْبَصْرَةِ حَيْثُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمَعْهَدُهُ الْمَيْمُونُ لِتَلَقَّى الْعِلْمِ، وَمَعَ ذَلِكُمُ الْإِمَامِ وَفِي ذَلِكَ الْمَعْهَدِ وَلِكَوْنِ تِلْكَ الْبَعَثَاتِ يَتَكَوَّنُ كُلُّ مِنْهَا مِنْ عَدَدٍ مِنَ الطَّلَبَةِ، فَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَوْدَتِهِمْ إِلَى بُلْدَانِهِمُ اسْمُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ"، فَهُنَاكَ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَهُنَاكَ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ.
أَوَّلًا: حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ:
كَانَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرَاقِبُ الْأَوْضَاعَ الْعَالَمِيَّةَ، وَكَانَ يَبْلُغُهُ تَصَرُّفَاتُ السُّلْطَةِ الْأُمَوِيَّةِ الجَائِرَةِ، وَبِالتّالي كَانَ يَبْلُغُهُ أَيْضًا تَذَمُّرُ الْأَمَازِيغِ مِنْ تِلْكَ السُّلْطَةِ وَمِنْ جَوْرِهَا حَتَّى هَمُّوا بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ، وَهُنَا رَأَى إِرْسَالَ وَاحِدٍ مِنْ طَلَبَتِهِ النُّجَبَاءِ، أَلَا وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ، فَخَرَجَ سَلَمَهُ مُسْتَخْفِيًا عَنْ أَنْظَارٍ السُّلْطَةِ يَفْتَحِمُ الْوَهَادَ وَالْجِبَالَ حَتَّى وَصَلَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، فَأَخَذَ يَنْتَقِلُ فِيهَا مِنْ مِنْطَقَةٍ إِلَى أُخْرَى مُبَيِّنًا لِلْأَمَازِيغِ عَدْلَ الْإِسْلَامِ، وَرَحْمَةَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْمُمَارَسَاتِ الَّتِي تُمَارَسُ ضِدَّهُمْ مِنَ الْمُتَسَمِّينَ بِالْإِسْلَامِ لَيْسَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَوَجَدَتْ دَعْوَتُهُ صَدَاهَا لَدَيْهِمْ. وَبَعْدَ أَنِ اطْمَأَنُوا إِلَيْهِ عَمَلًا، وَصَدَّقُوهُ قَوْلًا، رَأَى تَكْوِينَ بِعْثَةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَإِرْسَالَهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ بِالْعِرَاقِ لِلِالْتِحَاقِ بِأَبِي عُبَيْدَةَ وَمَعْهَدِهِ لِلتَّزَوُّدِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالدَّافِعِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاخْتَارَ أَفْرَادَهَا مِنْ مَنَاطِقَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْبِلَادِ (1/23)
صفحة 24
24
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْمَغَارِبِيَّةِ لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ نُورَ هِدَايَةٍ فِي مِنْطَقَتِهِ، فَتَكَوَّنَتِ الْبَعْتَةُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَفْرَادٍ، جَاءُوا إِلَى الْبَصْرَةِ طَلَبَةَ عِلْمٍ، وَعَادُوا أَئِمَّةَ عِلْمٍ، وَهُمْ:
-1
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ الْفَارِسِيُّ: وَأَصْلُهُ مِنْ بِلَادِ فَارِسٍ، جَاءَ بِهِ أَبُوهُ وَأُمُّهُ إِلَى الْحَجِّ، تُوُفِّيَ الْأَبُ، وَتَزَوَّجَتِ الْأُمُّ مِنْ رَجُلٍ قَيْرَوَانِيَّ، وَشَاءَ اللَّهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ يَرْحَلَ مَعَ وَالِدَتِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ لِيَنْشَأَ بِهَا وَيَشِبَّ فِي
أَحْضَانِهَا.
وَعِنْدَمَا الْتَقَى بِهِ الدَّاعِيَةُ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَرَأَى مَا عَلَيْهِ مِنْ عَخَايِلِ النَّجَابَةِ وَقُوَّةِ الْفِطْنَةِ؛ كَانَ اخْتِيَارُهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ أَفْرَادِ الْبَعْتَةِ الْعِلْمِيَّةِ، فَصَدَقَ فِيهِ ظَنُّهُ، فَقَدْ كَانَ فِي مُقَدِّمَةِ زُمَلَائِهِ تَحْصِيلًا عِلْمِيًّا وَقُوَّةَ إِدْرَاكِيَّةً، وَمَلَكَةٌ اسْتِنْبَاطِيَّةُ، الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَهُ يَحْصُلُ عَلَى إِعْجَابِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِهِ، وَإِجَازَتِهِ لَهُ بِالْإِفْتَاءِ مُطلَقًا، حَيْثُ قَالَ لَهُ وَهُوَ يُوَدِّعُهُ وَزُمَلَاءَهُ: "أَفْتِ مِمَّا سَمِعْتَ مِنِّي وَبِمَا لَمْ تَسْمَعْ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ إِمَامَةِ الْعِلْمِ وَإِمَامَةِ الْحُكْمِ، فَقَدْ بُويعَ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ. 2 - إِسْمَاعِيلُ بْنُ دِرَارِ الْغَدَامِسِيُّ: نِسْبَةٌ إِلَى مِنْطَقَةِ عَدَامِسَ الْوَاقِعَةِ إِلَى الْجُنُوبِ مِنْ طَرَابُلُسِ الْغَرْبِ مِنْ دَوْلَةِ لِيبْيَا، وَقَدْ أَظْهَرَ حِرْصَهُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِهِ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْهُ تَمَكُنَّا جَعَلَهُ فِي مَصَافُ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ، وَكَانَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى التَّحْصِيلِ الْعِلْمِي أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ الْإِمَامَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَثْنَاءَ تَوْدِيعِهِ لَهُ وَزُ مَلَائِهِ بَعْدَ تَخَرُّجِهِمْ وَعَوْدَتِهِمْ إِلَى بُلْدَانِهِمْ، حَتَّى أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ غَالِبُهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَهُنَاكَ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ قَاضِبًا يَا ابْنَ دِرَارٍ؟ (1/24)
صفحة 25
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
25
فَأَجَابَهُ أَرَأَيْتَ لَوِ ابْتُلِيتُ بِذَلِكَ. وَهَذَا إِذْنٌ ضِمْنِي مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ لَهُ بِتَوَلَّي الْقَضَاءِ، وَاعْتِرَافُ بِأَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ، وَشَاءَ اللهُ لِإِسْمَاعِيلَ مِنْ دِرَارٍ أَنْ يَكُونَ
قَاضِبًا فِي دَوْلَةِ الْإِمَامِ أَبِي الْخَطَابِ الْمَعَافِرِي.
أَبُو دَاوُدَ الْقبْلِيُّ التَّقْرَاوِيُّ: وَهُوَ مِنْ مِنْطَقَةِ قِبْلِي بِأَرْضِ الْجَرِيدِ مِنَ الجُنُوبِ النُّونُسِي، وَكَانَ أَحَدَ أَعْضَاءِ الْبَعْتَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ يُوَدِّعُهُ وَزُمَلَاءَهُ: لَا تُفْتِ بِمَا سَمِعْتَ وَلَا مَا لَمْ تَسْمَعْ. وَلَا نَدْرِي لِمَاذَا كَانَ هَذَا الْمَنْعَ مِنَ الْإِمَامِ لِتِلْمِيذِهِ، لَا شَكٌّ أَنَّهُ لَاحَظَ فِيهِ أَمْرًا مَا كَانَ سَبَبًا لِمَنْعِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ أَنَّهُ تَقَلَّدَ مَنَاصِبَ فِي الدَّوْلَةِ الإباضِيَّةِ الَّتِي قَامَتْ مُتَعَاقِبَةٌ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الْعِلْمِ كَمَا تَذْكُرُ الْمَصَادِرُ، حَتَّى أَنَّ الْإِمَامَ عَبْدَ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيَّ الْمَعْرُوفَ بِغَزَارَةِ عِلْمِهِ كَانَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَكُونُ كَالصَّبِيَّ أَمَامَ مُعَلِّمِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ عَمِلَ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ تَدْرِيسًا، حَيْثُ أَقْبَلَ إِلَيْهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْبِلَادِ الْمَغْرِبِيَّةِ، حَتَّى أَنَّهُ الْتَحَقَ بِهِ طَلَبَةُ زَمِيلِهِ
عاصم السّدْرَاتِي بَعْدَ اسْتِشْهَادِهِ.
-2
عَاصِمُ السِّدْرَاتِيُّ: نِسْبَةٌ إِلَى مَدِينَةِ سَدْرَاتَةَ الْوَاقِعَةِ فِي جَنُوبِ الْجَزَائِرِ، وَكَانَ أَحَدَ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ اخْتِيَارُ الدَّاعِيَةِ الْكَبِيرِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدٍ لِعُضْوِيَّةِ الْبَعْثَةِ الْعِلْمِيَّةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَبَعْدَمَا عَادَ مَعَ زُمَلَائِهِ مِنْ رِحْلَتِهِمُ
الْعِلْمِيَّةِ قَامَ بِأَعْمَالٍ وَنَشَاطَاتٍ وَاسِعَةٍ، كَالدَّعْوَةِ وَالتَّدْرِيسِ. (1/25)
صفحة 26
26
المدخل إلى المذهب الإباضي
كَمَا أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ جُهُودُ مُخْلِصَةٌ فِي دَوْلَتَيْ أَبِي الْخَطَابِ الْمَعَافِرِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ الْمَلْزُوزِي، حَتَّى اسْتُشْهِدَ في دَوْلَةِ أَبِي حَاتِمٍ أَثْنَاءَ مُحَاصَرَتِهِمْ لِمَدِينَةِ
الْقَيْرَوَانِ، حَيْثُ اسْتَطَاعَ أَعْدَاؤُهُمُ اغْتِيَالَهُ مَسْمُومًا.
0 -
أَبُو الْخَطَّابِ الْمَعَافِرِيُّ: وَهُوَ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ السَّمْحِ الْمَعَافِرِيُّ
الحِمْيَرِيُّ، وَتَقُولُ الْمَصَادِرُ أَنَّهُ مِنَ الْيَمَنِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ عَلِي يَحْيَى مُعَمَرٍ يَرَى أَنَّهُ مِنْ عُمَانَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَعُمَانُ وَالْيَمَنُ قُطْرَانِ مُتَجَاوِرَانِ، وَيَتَشَارَكَانِ الْقَبَائِلَ الْقَحْطَانِيَّةَ انْتِشَارًا عَلَى أَرْضِهِمَا. وَكَانَ أَحَدَ طَلَبَةِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي مَعْهَدِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَعِنْدَمَا أَرَادَ أَفْرَادَ الْبَعْثَةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَغَارِبِيَّةِ الْعَوْدَةَ إِلَى بُلْدَانِهِمْ بَعْدَ تَخَرُّجِهِمُ اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ لِمُرَافَقَتِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ لَهُ: أَفْتِ بِمَا سَمِعْتَ مِنِّي. كَمَا أَمَرَهُمْ إِذَا أُتِيحَتْ لَهُمُ الْفُرْصَةُ بِإِقَامَةِ دَوْلَةٍ أَنْ يُقَدِّمُوهُ إِمَامًا، وَإِذَا رَفَضَ الْعَرْضَ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَرَّقَ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ، وَفِعْلًا شَاءَ اللَّهُ لَهُمْ أَنْ تُتَاحَ لَهُمُ الْفُرْصَةُ لإِقَامَةِ الدَّوْلَةِ، فَأَقَامُوهَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَكَانَ أبو الخَطَابِ إِمَامًا عَلَيْهَا مُؤَيَّدًا مِنَ اللهِ وَمِنْ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ 140 هـ وَكَانَتْ فِي طَرَابُلْسَ، ثُمَّ امْتَدَّ نُفُوذُهَا إِلَى مَنَاطِقَ مِنَ الْمَغْرِبِ الْأَدْنَى. -6 - عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مَغْطِيرِ الجنَّاوِنِيُّ: نِسْبَةٌ إِلَى قَرْيَةِ جَنَاوِن بِجَبَلِ نُفُوسَة في ليبيا، وَتَذْكُرُ الْمَصَادِرُ أَنَّهُ كَانَ ذَهَابُهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَعَوْدَتُهُ مِنْهَا قَبْلَ ذَهَابِ الْبَعْثَةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي كَوَّنَهَا سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ. (1/26)
صفحة 27
التأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
27
وَفِي رَأْبِي أَنَّهُ كَانَ أَحَدَ أَفْرَادِ الْبَعْتَةِ، وَلَكِنَّهُ عَادَ قَبْلَهَا، لَعَلَّهُ لِظُرُوفٍ طَرَأَتْ لَهُ فَسَبَّبَتْ لَهُ الْعَوْدَةَ الْمُبَكَّرَةَ قَبْلَ زُمَلَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ لَا يَخْتَارَ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدًا مِنْ جَبَل نُفُوسَةَ لِهَذِهِ الْغَايَةِ السَّامِيَةِ وَالرِّسَالَةِ النَّبِيلَةِ، وَذَهَابُ عَبْدِ الْحَمِيدِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِالْبَصْرَةِ مُنْفَرِدًا فِيهِ مِنَ الصُّعُوبَةِ والخُطُورَةِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَكُنْ قَدِ اشْتُهِرَ أَمْرُهُ لَدَى الْأَمَازِيعَ قَبْلَ وُصُولِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدٍ إِلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْرُوفًا لَدَى عَبْدِ الْحَمِيدِ قَبْلَ ذَلِكَ؟ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ الْجَنَّاوِنِيَّ إِثْرَ عَوْدَتِهِ الْمُبَكِّرَةِ قَبْلَ زُمَلَائِهِ أَخَذَ فِي الدَّعْوَةِ وَنَشْرِ الْعِلْمِ الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَهُ يُهَيِّئُ أَرْضًا مُنَاسِبَةٌ لِنَشَاطِ زُمَلَائِهِ بَعْدَ
عَوْدَتِهِمْ
أَمَّا زُمَلَاؤُهُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورُونَ فَقَدْ أَقَامُوا فِي الْبَصْرَةِ خَمْسَ سِنِينَ كَمَا تَقُولُ الْمَصَادِرُ. هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عُرِفُوا بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَتَذْكُرُ الْمَصَادِرُ شَخْصًا آخَرَ لَعَلَّهُ كَانَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِالْبَصْرَةِ، أَلَا وَهُوَ عَبْدُ الْقَهَّارِ بْنُ خَلَفِ الْفَزَانِيُّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ كُتُبُ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ (1).
(1) النامي، مصدر سابق، ص 114، وانظر كذلك طبقات الدرجيني، وسير الشماخي، والإباضية في موكب التاريخ لعلي يحيى معمر، وغيرها من الكتب المتعلقة بتاريخ المذهب الإباضي، ومما يجدر التنويه به أن أخانا الدكتور سيف بن أحمد البوسعيدي له كتاب بعنوان: حملة العلم إلى المغرب، وهو كتاب جيد أفدت منه في هذا المبحث. (1/27)
صفحة 28
28
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَبَعْدَهُمْ ظَهَرَتْ طَبَقَةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عُرِفُوا بِتَلَامِيذِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ وَاصَلَ أُولَئِكُمُ التَّلَامِيذُ الْعُلَمَاءُ الْمَسِيرَةَ الْعِلْمِيَّةَ الَّتِي أَرْسَاهَا أَشْيَاخُهُمْ حَمَلَهُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَتَسَلْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ نَسَبُ الْعُلَمَاءِ وَنَسَبُ الدِّينِ طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُمْ وَجَزَاهُمْ خَيْرًا.
ثَانِيَّا: حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ:
يُطْلَقُ لَقَبُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ عَلَى كُلِّ مِنْ:
-1
مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرِ السَّامِيُّ الْإِزْكَوِيُّ: وَهُوَ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ مِنْ سَامَةَ بْنِ لُوَيَّ، وَهُوَ مِنْ مَدِينَةِ إِزْكَى، وَرَحَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، حَيْثُ تَلَقَّى الْعِلْمَ مِنَ الْإِمَامَيْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِي، فَأَصْبَحَ عَلَامَةٌ كَبِيرَةٌ، بَلْ مَرْجِعًا عِلْمِيًّا وَدِينِيًّا، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْمُسَلَّمَاتِ، وَتَفَرَّدَ بِآرَاءِ اجْتِهَادِيَّةٍ فِي الْمَذْهَبِ، لَهُ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ كَثِيرَةٌ مَبْثُونَهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَكَانَ الْمُوَجِّة الْأَعْلَى لِدَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ فِي بِدَايَةِ عَهْدِهَا؛ لأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْأَمْرِ فِي إِقَامَتِهَا، وَالْمُجْتَهِدَ فِي إِحْيَائِهَا،
وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 181 هـ في عَهْدِ الْإِمَامِ الْوَارِثِ بْنِ كَعْبِ الْخَرُّوصِي.
- S
بَشِيرِ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّافِعِيُّ السَّامِيِّ النّزوِيّ: نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي نَافِعٍ، وَهُمْ
مِنْ سَامَةَ بْنِ لَوَّيَّ، وَهُوَ مِنْ مَدِينَةِ نزْوَى، وَيُعْتَبَرُ زَمِيلَ مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرٍ وَرَفِيقَ دَرْبِهِ عِلْمًا وَاجْتِهَادًا.
(1) الراجح عندي أن ضبة عمان هم من سامة بن لؤي، وليسوا من ضبة طابخة. (1/28)
صفحة 29
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
29
رَحَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِلاغْتِرَافِ مِنْ مَعِينِ عِلْمٍ الْإِمَامَيْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالرَّبِيعِ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْبَارِزِينَ حَتَّى لُقَبَ بِالشَّيْخِ، فَصَارَ هَذَا اللَّقَبُ عَلَمَّا لَهُ،
فَإِذَا قِيلَ بَشِيرُ الشَّيْخُ فَذَلِكَ هُوَ بَشِيرُ بْنُ الْمُنْذِرِ السَّامِيُّ النَّزوي. وَكَانَ أَحَدَ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ دَوْلَهُ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَهُ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ مبْثُونَةٌ فِي كُتُبِ الْأَثَرِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 178 هـ فِي زَمَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَفَّانَ. 3 - مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَلَّى الْكِنْدِيّ: نِسْبَةً إِلى قَبِيلَةَ كِنْدَةَ الْمَشْهُورَةِ، وَهُوَ مِنْ قَرْيَةِ فَتْ مِنْ جِبَالِ عِنْدَةَ، وَجِبَالُ عِنْدَةَ يَتَخَلَّلُهَا وَادِي الْجُزْيِ، ارْتَحَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ حَيْثُ الْتَحَقَ بِالْإِمَامَيْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ الرَّبِيعِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى عُمَانَ بِصُحْبَةِ زُمَلَائِهِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، وَكَانَ لَهُ دَوْرُ فَاعِلُ فِي إِحْيَاءِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ، حَتَّى أَنَّ شَيْخَ الْمُسْلِمِينَ مُوسَى بْنَ أَبِي جَابِرٍ أَرَادَهُ لِتَوَلِّي الْإِمَامَةِ، وَلَكِنَّهُ
- {
امْتَنَعَ عَنْ قَبُولِ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ الْعَالِي، وَلَمْ نَعْتُرْ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهِ. مُنِيرِ بْنِ النَّيّرِ الرِّيَامِيُّ: وَهُوَ مِنْ بَنِي رِيَامِ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَهُوَ مِنْ مِنْطَقَةِ جَعْلانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ أَصْغَرَ زُمَلَائِهِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ سِنًّا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْإِمَامَ أَبَا عُبَيْدَةَ عِنْدَمَا رَحَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَإِنَّمَا الْتَحَقَ بِالْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ
حبيب.
وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْبَارِزِينَ، يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَالرَّأْيُّ، لَهُ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ وَجَهَهَا إِلَى الْإِمَامِ غَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بَيَّنَ لَهُ فِيهَا مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَنْ عَمِلَ إمام، وَمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدَّوْلَةُ وَالنَّاسُ مِنْ تَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ (1/29)
صفحة 30
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْبَاطِلِ، وَبَسْطِ الْعَدْلِ، مُذَكَّرًا فِيهَا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُ وَأَصْحَابِهِ مِنْ عَدْلٍ وَعِلْمٍ وَعَمَلٍ وَفَضْلٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ عَلَى زَمَنِ الْإِمَامِ غَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُنِيرِ بْنِ النَّيّرِ الَّذِي اسْتُشْهِدَ فِي حُرُوبِ الجُيْشِ الْعَبَّاسِيِّ الَّذِي كَانَ بِقِيَادَةِ
مُحَمَّدِ بْنِ بُورٍ سَنَةَ 280 هـ
0 -
تَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ الْمَخْرُومِيَّ الْقُرَشِيّ: وَهُوَ لَيْسَ مِنْ عُمَانَ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ إِلَيْهَا مِنَ الْبَصْرَةِ بِمَعِيَّةِ شَيْخِهِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبِ الْفَرَاهِيدِيِّ الَّذِي كَانَ زَوْجَ أُمِّهِ، وَبِمَعِيَّةِ زُمَلَائِهِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، فَاعْتُبِرَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَمْ يَسْتَقِرَّ بِعُمَانَ طَوِيلًا، فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ وَفَاةِ شَيْخِهِ الرَّبِيعِ، كَمَا أَنَّهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ مَوْطِنِ أَجْدَادِهِ لِيَسْتَقِرَّ فِيهَا، حَيْثُ كَانَتْ أَخْبَارُهُ تَأْتِي مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَنْشَأَ فِيهَا مَضَارِبَهُ الْمَعْرُوفَةَ بِمَضَارِبِ تَحْبُوبِ الَّتِي كَانَتْ بِمَسْنَى وَقَدْ أَعَدَّهَا لِلْحُجَّاجِ الْإِبَاضِيَّةِ الَّذِينَ أَخَذُوا يَؤُمُونَهَا مِنْ جَمِيعِ مَوَاطِنِهِمْ أَثْنَاءَ مَوْسِمِ الْحَجِّ). عَلَى أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَحْبُوبَ بْنَ الرَّحِيلِ هُوَ مَنِ اهْتَمَّ بِتَسْجِيلِ تَارِيخ الْمَذْهَبِ رِجَالًا وَأَحْدَانَا مُنْذُ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَوْلَاهُ لَمَا وَصَلَتْنَا أَخْبَارُهُمْ وَلَا نُطَمَسَتْ عَلَيْنَا جُلُّ آثَارِهِمْ.
أَهْلِ
(1) العوتبي، سلمة بن مسلم، الأنساب، ص 446، 784، تحقيق إحسان النص، وسيرة عبد ا
مداد، ص 10.
الله.
بن (1/30)
صفحة 31
التأصيل التاريخي
وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَفَاتَهُ رُبَّمَا كَانَتْ زَمَنَ الْإِمَامِ الْمُهَنَّا بْنِ جَيْفَرٍ (226 - 237 هـ)؛ لأَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْإِمَامِ الْمُهَنَّا بِشَأْنِ خِلَافِهِ مَعَ هَارُونَ بْنِ الْيَمَانِ، وَبَعْدَهَا انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ.
هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ هُمُ الَّذِينَ عُرِفُوا بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ يَبْقَى؛ لِمَاذَا أُطْلِقَ لَقَبُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ الْخَمْسَةِ، مَعَ أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصًا آخَرِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْبَصْرَةِ لِحَمْلِ الْعِلْمِ عَنِ الْإِمَامِ الْكَبِيرِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، مُرُورًا بِأَبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ الرَّبِيعِ، فَلَمْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمُ اللَّقَبُ الْمَذْكُورُ؟ فِي رأي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ رَجَعُوا إِلَى عُمَانَ صُحْبَةٌ وَاحِدَةً مَعَ شَيْخِهِمُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ فِي مُنْتَصَفِ السَّبْعِينَاتِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اللَّقَبُ، كَمَا أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّقَبِ عَلَى الطَّلَبَةِ الْمَغَارِبَةِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ كَانَ قَدْ
عُرِفَ وَانْتَشَرَ.
عَلَى أَنَّ حَمَلَةَ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ كَانَ أَكْثَرُ مَا حَمَلُوا مِنْ عِلْمٍ عَنِ الرَّبِيعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ أَدْرَكَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَحَمَلَ عَنْهُ، فَإِنَّ التَّتَلْمُدُ عَلَى الرَّبِيعِ كَانَ هُوَ
الْغَالِب. (1/31)
صفحة 32
32
المدخل إلى المذهب الإباضي
بِنَاءُ الْكِيَانَاتِ السَّيَاسِيَّةِ
انْتَشَرَ طُلَّابُ الْإِمَامَيْنِ جَابِرٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْآفَاقِ، مِنَ الْيَمَنِ وَعُمَانَ جَنُوبًا إِلَى مِصْرَ وَالْحِجَازِ شَمَالًا، وَمِنْ خُرَاسَانَ شَرْقًا إِلَى جِبَالِ تِلْمَسَانَ بِالْمَغْرِبِ الْأَوْسَطِ غَرْبًا، فَكَوَّنُوا وُجُودًا قَوِيًّا لِلْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ فِي تِلْكَ الرُّبُوعِ
وَالْأَصْفَاعِ. ونتيجةً لِذَلِكَ كَانَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرَاقِبُ الْأَوْضَاعَ، وَكَانَ يُوصِي تَلَامِيذَهُ بِإِقَامَةِ الدَّوْلَةِ عِنْدَمَا يَجِدُونَ الْفُرْصَةَ سَائِحَةٌ، وَتَمَّ بِالْفِعْلِ وَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْشَاءُ أَوْ إِقَامَهُ ثَلَاثِ دُولٍ، وَأَظْلَفُوا عَلَى رَئِيسِ الدَّوْلَةِ لَقَبَ إِمَامٍ، وَلَعَلَّهُمْ أَوَّلَ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ آنَذَاكَ لَقَبُ الْخَلِيفَةِ أَوْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ"، وَلَكِنْ يَا تُرَى؟ كَيْفَ تَوَصَّلُوا إِلَى ذَلِكَ؟ وَمَا هِيَ الْأَدَوَاتُ الَّتِي تَوَصَّلُوا بِهَا إِلَى
ذلك؟
لَا شَكٌّ أَنَّهُمْ نَاقَشُوا الْمَوْضُوعَ وَقَلَّبُوهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُمْ صِحَّةُ هَذَا اللَّقَبِ عَلَى رَئيسِ الدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ، وَفِي رَأْبِي أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ اللهِ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [الْبَقَرَة: 124]. وَمِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الْفُرْقَانِ: 74].
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ رَأَوْا فِيهِ لَفْظًا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَسْئُولِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالْمَسْئُولِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ، وَمِنْ هُنَالِكَ جَاءَ إِطْلَاقُ لَقَبِ " إِمَامٍ عَلَى الْحَاكِمِ الْعَدْلِ الَّذِي يَحْكُمُ (1/32)
صفحة 33
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
33
بِشَرْعِ اللهِ، وَعَلَى هَذَا سَارَ التَّارِيخُ الْإِبَاضِيُّ، وَكَانَتِ الدُّوَلُ الَّتِي أَقَامُوهَا: دَوْلَهُ
الْيَمَنِ، وَدَوْلَهُ عُمَانَ، وَدَوْلَهُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ.
أَوَّلًا: دَوْلَهُ الْيَمَنِ:
كَانَ عَدَدُ مِنَ الطَّلَبَةِ الْيَمَنِيِّينَ جَاءُوا إِلَى الْبَصْرَةِ لِلِالْتِحَاقِ بِأَبِي عُبَيْدَةَ وَمَعْهَدِهِ الْمَيْمُونِ، وَلَعَلَّهُ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْكِنْدِيُّ، وَكَانَتِ الْيَمَنُ خَاضِعَةٌ وَتَابِعَةً لِلدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بِوَاسِطَةِ الْوَالِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِي، وَعِنْدَمَا عَادَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى الْكِنْدِيُّ وَزُمَلَاؤُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى حَضْرَمَوْتَ مِنْهَا بِالتَّحْدِيدِ؛ وَجَدُوا بِهَا جَوْرًا ظَاهِرًا وَعَسَفًا شَدِيدًا وَسِيرَةٌ فِي النَّاسِ قَبِيحَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَحِلُّ لَنَا الْمُقَامُ عَلَى مَا نَرَى، وَلَا يَسَعُنَا احْتِمَالُهُ وَالصَّبْرُ
عَلَيْهِ.
وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ رَأْيِ الْمَرْجِعِيَّةِ الْعُلْيَا لِلْمَذْهَبِ فِي الْبَصْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْحِسَامِ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ مُوَافَقَةِ الْقِيَادَةِ الْعُلْيَا، وَتِلْكَ الْقِيَادَةُ مَقَرُهَا الْبَصْرَةُ بِالْعِرَاقِ آنَذَاكَ، وَالْمَرْجِعُ الْأَعْلَى لَهَا الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ. فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْتِي إِلَيْهِمْ يَسْتَأْذِنُهُمْ فِي الْقِيَامِ بِالتَّوْرَةِ عَلَى الْحُكْمِ الْقَائِمِ لِكَيْ تُتَاحَ لَهُ إِقَامَةُ الدَّوْلَةِ، فَكَانَ رَأْيُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَشَايِخِ الْمُوَافَقَةَ عَلَى هَذَا الْمَطْلَبِ الجَلَلِ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ بِتَجْنِيدِهِمْ لِمَشْرُوعِهِ السَّامِي
قَائِلِينَ: (1/33)
صفحة 34
34
المدخل إلى المذهب الإباضي
"إنِ اسْتَطَعْتَ أَلا تُقِيمَ يَوْمًا وَاحِدًا، فَافْعَلْ، فَإِنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَفْضَلُ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَبْلُغُ أَجَلُكَ، وَلِلَّهِ خِيرَةٌ مِنْ عِبَادِهِ يَبْتَعِثُهُمْ إِذَا شَاءَ لِنَصْرِ دِينِهِ وَيَخُصُّهُمْ بِالشَّهَادَةِ إِكْرَامًا لَهُمْ بِهَا".
ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ وَفَدًا لِمُنَاصَرَتِهِ عَلَى رَأْسِهِ أَبُو حَمْزَةَ الشَّارِي الْمُخْتَارُ بْنُ عَوْفٍ السَّلِيمِيُّ الْعُمَانِيُّ الَّذِي يُقَالُ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَجُلُ إِنْجِيلُهُ فِي صَدْرِهِ؛ كِنَايَةً عَنْ حِفْظِهِ لِكِتابِ اللَّهِ، وَفِي الْوَفْدِ بَلْجُ بْنُ عُقْبَةَ الْفَرَاهِيدِيُّ الْعُمَانِيُّ الَّذِي يُعَدُّ عَنْ أَلْفِ رَجُلٍ، وَحَمَلُوا الْوَقْدَ خِطَابًا يَتَضَمَّنُ قَانُونَ الْخَرْبِ وَالسِّلْمِ، جَاءَ فِيهِ: إِذَا خَرَجْتُمْ فَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَاقْتَدُوا بِسَلَفِكُمُ الصَّالِحِينَ، وَسِيرُوا سِيرَتَهُمْ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ عَلَى السُّلْطَانِ الْعَيْبُ لِأَعْمَالِهِمْ. وَوَصَلَ حَضْرَمَوْتَ وُفُودُّ إِبَاضِيَّةٌ أُخْرَى لِلْمُشَارَكَةِ فِي تَأْسِيسِ أَوَّلِ دَوْلَةٍ لَهُمْ، وَكَانَ الجُلَنَدَى بْنُ مَسْعُودٍ الَّذِي بُويعَ كَأَوَّلِ إِمَامٍ لِعُمَانَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ بَيْنِ
الحاضرين.
وَبَعْدَ اكْتِمَالِ وُصُولِ الْوُفُودِ الْإِبَاضِيَّةِ، كَانَتِ الخُطَةُ الَّتِي تَمَّ رَسْمُهَا نُفِّذَتْ
وَفْقَ مَا يَلِي: 1 - الْبَيْعَةُ: فَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى الْكِنْدِيَّ إِمَامًا بَيْعَةَ شُورَى بَعْدَ أَنِ اخْتَارُوهُ لِلْإِمَامَةِ سَنَةَ 129 هـ وَسَمَّوْهُ طَالِبَ الْحَقِّ، وَهِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي افْتَقَدَتْهَا الْأُمَّهُ بَعْدَ عَهْدِ الْخِلَافَةِ الرَّاشِدِي بَعْدَ أَنْ حَوَّلَهَا الْأُمَوِيُّونَ إِلَى بَيْعَةِ
طَاعَة. (1/34)
صفحة 35
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
J-
35
الاسْتِيلَاءُ عَلَى مَقَرَّ الْحُكْمِ فِي حَضْرَمَوْتَ وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ جَبَلَةَ الْكِنْدِيَ الَّذِي أُخِذَ أَسِيرًا، ثُمَّ أُطْلِقَ سَرَاحُهُ بَعْدَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ مِنْ أَسْرِهِ وَحَبْسِهِ، فَتَوَجَّهَ إِلَى صَنْعَاءَ لِيَلْتَحِقَ بِأَمِيرِ الْيَمَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ
الثَّقَفِي.
-3
التَّوَجُهُ إِلَى صَنْعَاءَ: فَقَدْ تَوَجَّهَ الْإِمَامُ إِلَى صَنْعَاءَ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ إِلَى الْإِبَاضِيَّةِ فِيهَا أَنِّي قَادِمُ عَلَيْكُمْ مُسْتَخْلِفًا عَلَى حَضْرَمَوْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الخَضْرَيَّ، وَفِي طَرِيقِهِ إِلَى صَنْعَاءَ خَرَجَ إِلَيْهِ وَالِيهَا الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ فِي جَيْشِ كَبِيرٍ مُكَوَّنٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الشَّامِ، بَيْدَ أَنَّ الْجُيْشَ الْإِبَاضِيَّ تَمَكَّنَ مِنْ هَزِيمَةِ الْجُيْشِ الْأُمَوِيِّ، فَدَخَلُوا صَنْعَاءَ، وَهَرَبَ أَمِيرُهَا الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ، وَتَمَّ أَسْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَبَلَةَ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَمَا أُسِرَ مَعَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ زُمَلَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ عَلَى صَنْعَاءَ.
ثُمَّ أَطْلَقَ الْإِمَامُ طَالِبُ الْحَقِّ سَرَاحَهُمَا بَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّمَا حَبَسْتُكُمَا خَوْفًا عَلَيْكُمَا مِنَ الْعَامَّةِ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمَا مَكْرُوهُ، فَأَقِيمَا
أَشْخِصَا. فَاخْتَارَرًا الْخُرُوجَ).
-2
الْعَمَلُ فِي صَنْعَاءَ: عَمَدَ الْإِمَامُ طَالِبُ الْحَقِّ فِي صَنْعَاءَ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِأَنْ خَطَبَ النَّاسَ أَوَلا لِرَسْمِ الخُطوطِ الْعَرِيضَةِ لِدَوْلَتِهِ، فَبَيَّنَ فِيهَا مَا يَجِبُ عَلَى الدَّوْلَةِ تُجَاهَ النَّاسِ، وَمَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ تُجَاءَ الدَّوْلَةِ، فَكَانَتِ الْخُطْبَةُ
(1) إن المرء ليعجب من الصفات التي اتصف بها الإباضية في حروبهم على الدوام، فأين هي في وحشية الأمويين والعباسيين في حروبهم مع الإباضية وغيرهم؟! إن الفرق لعظيم. (1/35)
صفحة 36
36
المدخل إلى المذهب الإباضي
دُسْتُورًا؛ لأَنَّ فِيهَا تَنْظِيمَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالْمُوَاطِنِ، كَمَا بَيَّنَ فِيهَا
أَهْدَافَ ثَوْرَتِهِ وَدَوْلَتِهِ.
فَقَالَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلُ، وَثَنَّى بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ وَحَذَرَ وَأَنْذَرَ: إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَإِجَابَةِ مَنْ دَعَا إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ دِينُنَا، وَمُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا، وَالْكَعْبَةُ قِبْلَتُنَا، وَالْقُرْآنُ إِمَامُنَا، رَضِينَا بِالْحَلَالِ حَلَالًا لَا يَنْبَغِي بِهِ بَدِيلًا، وَلَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَحَرَّمْنَا الْحَرَامَ وَنَبَذْنَاهُ وَرَاءَ ظُهُورِنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى وَعَلَيْهِ الْمُعَوّلُ مَنْ زَنَى فَهُوَ كَافِرُ، وَمَنْ سَرَقَ فَهُوَ كَافِرُ، وَمَنْ
شَرِبَ الْخَمْرَ فَهُوَ كَافِرُ، وَمَنْ شَكٍّ فِي أَنَّهُ كَافِرُ فَهُوَ كَافِرُ)، إِلَخْ. كَمَا عَمَدَ إِلَى الْخَزَائِنِ فَقَسَّمَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَمْ يَأْخُذْ هُوَ وَلَا
أَصْحَابُهُ مِنْهَا شَيْئًا مَعَ حَاجَتِهِمُ الشَّدِيدَةِ إِلَيْهَا.
11
تَوْجِيهُ حَمْلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ: بِقِيَادَةِ أَبِي حَمْزَةَ الشَّارِي لِلاسْتِيلَاءِ عَلَى الْحِجَازِ ثُمَّ الشَّامِ؛ لِلْقَضَاءِ عَلَى الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ، وَقَدْ وَصَلَ أَبُو حَمْزَةَ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ 129 هـ حِينَ كَانَ الْحُجَّاجُ وَاقِفِينَ بِهَا، فَاتَّفَقَ وَالِيهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سَلْمَانَ الْأُمَوِيُّ وَأَبُو حَمْزَةَ عَلَى الْمُوَادَعَةِ حَتَّى انْتِهَاءِ أَعْمَالِ مَوْسِمِ الحج، عَلَى أَنْ يَتْرُكَ الْوَالِي الْأُمَوِيُّ مَكَّةَ لأَبي حَمْزَةَ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْدَ ذَلِكَ نَقْضَ الْهُدْنَةِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمَوْسِمِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ تَمَسَّكَ بِهَا، فَتَمَسَّكَ بِهَا الْوَالِي،
(1) الكفر هنا بمعنى الفسوق والفجور والعصيان، وليس الكفر المخرج من الملة الذي هو
الشرك. (1/36)
صفحة 37
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
37
وَلَعَلَّ قَوْمَهُ نَصَحُوهُ بِذَلِكَ، وَبَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الْمَوْسِمِ غَادَرَ الْوَالِي مَكَّةَ، وَدَخَلَهَا أَبُو حَمْزَةَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَكَانَ يُوجَدُ بِمَكَّةَ عَدَدُ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ يَقْرُبُ عَدَدُهُمْ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ أَوْ يَزِيدُ، يَتَقَدَّمُهُمْ عِلْمًا وَفَضْلًا أَبُو الْحَرَّ عَلِيُّ بْنُ الْحُصَيْنِ الْعَنْبَرِيُّ التَّمِيمِيُّ، فَانْضَمُّوا إِلَى حَمْلَةِ أَبِي حَمْزَةَ، وَكَانَ أَبُو حَمْزَةَ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ بِسَبْعِمِائَةِ شَخْصٍ، وَبِانْضِمَامِ إِبَاضِيَّةِ مَكَّةَ إِلَيْهِ أَصْبَحَ جَيْشُهُ مُكَوَّنًا مِنْ أَلْفٍ وَمِائَةِ
مُقَاتِل
6 - وَفِي مَكَّةَ نَادَى مُنَادِي أَبِي حَمْزَةَ: إِنَّ النَّاسَ آمِنُونَ إِلَّا مَنْ حَارَبَهُمْ، وَسَيَّرَ إِلَى الطَّائِفِ رِجَالًا، فَوَجَدُوهَا خَالِيَةٌ مِنْ رِجَالِهَا لِهُرُوبِهِمْ مِنْهَا بَعْدَ
سَمَاعِهِمْ بِمَسِيرٍ أَصْحَابِ أَبِي حَمْزَةَ إِلَيْهِمْ، فَأَمَّنُوهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَيْهَا. وَأَلْقَى بِهَا أُولَى خُطَبِهِ الْبَلِيغَةِ الْفَصِيحَةِ الرَّئَانَةِ الَّتِي أَوْضَحَ فِيهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ أَهْدَافَ ثَوْرَتِهِمْ وَدَوْلَتِهِمْ؛ لِيَكُونُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ.
التَّوَجُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ: وَذَلِكَ لَمَّا سَمِعَ أَبُو حَمْزَةَ بِأَنَّ وَالِيَهَا عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ سُلَيْمَانَ الَّذِي كَانَ قَدْ تَرَكَ مَكَّةَ؛ أَخَذَ فِي إِعْدَادِ جَيْشِ لِيَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ لِمُقَاتَلَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَمْرِ الْخَلِيفَةِ الْأُمَوِيِّ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، تَهَيَّا، وَهَيَّأَ أَصْحَابَهُ لِلتَّوَجُهِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمُلَاقَاةِ الْجُيْشِ الْأُمَوِيِّ، مُسْتَخْلِفًا أَبْرَهَةَ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ الصَّبَاحِ الْحِمْيَرِيَّ عَلَى مَكَّةَ.
وَفِي مِنْطَقَةِ قدِيدٍ الْتَقَى الْجُيْشَانِ: الْأُمَوِيُّ الَّذِي كَانَ مُكَوَّنًا مِنْ ثَمَانِيَةِ آلافٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْإِبَاضِيِّ الَّذِي لَا يَزِيدُ عَدَدُ أَفْرَادِهِ عَنْ سَبْعِمِائَةِ فَرْدٍ. (1/37)
صفحة 38
38
المدخل إلى المذهب الإباضي mm
وَبَعْدَ دَعْوَةٍ مِنْ أَبِي حَمْزَةَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِتَرْكِ الْقِتَالِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْإِبَاضِيَّةِ
بِتَقْدِيمِ الدَّعْوَةِ إِلَى السَّلْمِ وَالسَّلَامِ عَنِ الْحَرْبِ عَلَى لِسَانِ قَائِدِهِ بَلْجِ بْنِ عُقْبَةَ، مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا الاِسْتِفْزَازُ وَالسَّبُّ وَالشَّتْمُ لِلْجَيْشِ الْإِبَاضِيَّ، ثُمَّ رَيُّ بِالسَّهَامِ. فَهُنَالِكَ أَمَرَ أَبُو حَمْزَةَ بِالْقِتَالِ، وَدَارَتْ مَعْرَكَةً حَامِيَةُ الْوَطِيسِ، وَانْتَهَتْ بِهَزِيمَةِ الْجُيْشِ الْأُمَوِيِّ هَزِيمَةٌ مُنْكَرَةً، فَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَمِائَتَانِ وَثَلَاثُونَ شَخْصًا، وَعَقِبَ ذَلِكَ دَخَلَ أَبُو حَمْزَةَ الْمَدِينَةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فِي
- A
شَهْرٍ صَفَر 130 ه، وَهَرَبَ وَالِيهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَى الشَّامِ. وَفِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ: أَخَذَ أَبُو حَمْزَةَ يُلْقِي خُطَبَهُ الْبَلِيغَةَ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ وَصَحِبَتِ التَّارِيخَ عَبْرَ الْأَزْمَانِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضًا مِنْهَا أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَغَانِي".
بَلَغَ أَبَا حَمْزَةَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ شَكَلَ حَمْلَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ: بِقِيَادَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ السَّعْدِي فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ، وَزَوَّدَهُمْ بِكُلِّ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ مُغْدِقًا عَلَيْهِمُ الْعَطَاءَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوَجُهِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ، وَهُنَاكَ أَمَرَ أَبُو حَمْزَةَ قَائِدَهُ بَلْجَ بْنَ عُقْبَةَ بِالتَّوَجُهِ إِلَى مُلَاقَاةِ الْحَمْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ، فَالْتَقَى الْفَرِيقَانِ فِي وَادِي الْقُرَى في طَرِيقِ الشَّامِ، وَبَعْدَ تَوْجِيهِ الدَّعْوَةِ مِنْ بَلْجٍ إِلَى ابْنِ عَطِيَّةَ وَقَوْمِهِ بِالسَّلْمِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ، وَكَيْلِ الشَّتَائِمِ مِنْهُمْ لِبَلْجِ وَأَصْحَابِهِ، أَمَرَ بِالْهُجُومِ
عَلَيْهِمْ، فَدَارَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ، فَقُتِلَ بَلْجُ وَكَثِيرٌ مِنْ قَوْمِ (1/38)
صفحة 39
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
39
وَفِي رَأْبِي أَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي حُدُوثِ مَعْرَكَةِ وَادِي الْقُرَى، وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ الْمَصَادِرُ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ كَانَ قَدْ وَجَهَ بَلْجًا وَأَصْحَابَهُ إِلَى الشَّامِ لِلْقَضَاءِ عَلَى الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ فِي عُقْرِ دَارِهَا، فَإِنَّ السِّنِّمِائَةِ رَجُلٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا بِوُسْعِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ بَلْجِ وَأُولَيْكُمُ السِّنِّمِائَةِ لِمُلَاقَاةِ الْجَيْشِ الْأُمَوِيِّ بَعِيدًا عَنِ الْمَدِينَةِ كَانَ اخْتِيَارًا اسْتِرَاتِيجِيَّا لَمْ يَكُنْ آنَذَاكَ خِيَارُ أَنْسَبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا مُحِيطًا مُعَادِيًا، فَلَوْ هَجَمَ عَلَيْهِمُ الْجَيْشُ الْأُمَوِيُّ فِيهَا لَا نُضَمَّ إِلَيْهِمْ
أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَكَانُوا جَمِيعًا عَلَى أَبِي حَمْزَةَ وَأَصْحَابِهِ.
-9
تَلَاحَقَّتْ هَزَائِمُ الْإِبَاضِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ: فَبَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ فِي وَادِي
الْقُرَى، ثُمَّ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي الْحَازَ إِلَيْهَا أَبْرَهَةُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثُمَّ فِي مَكَّةَ حَيْثُ كَانَ فِيهَا أَبُو حَمْزَةَ، وَكَانَ أَبُو حَمْزَةَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لِلِالْتِقَاءِ بِالْإِمَامِ طَالِبِ الحقِّ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ بِقُدُومِهِ إِلَى الْحِجَازِ لَمَّا سَمِعَ بِقُدُومِ الْجُيْشِ الْأُمَوِيِّ، غَيْرَ أَنَّ الْقَائِدَ الْأُمَوِيَّ لَمَّا سَمِعَ بِتَحَرُّكِهِ، بَادَرَ بِالْمَسِيرِ إِلَى مَكَّةَ، فَدَارَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِبَاضِيَّةِ، فَقُتِلَ أَبُو حَمْزَةَ وَقَادَتُهُ وَكَثِيرٌ جِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ فِي بِدَايَةِ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ 130 هـ قَبْلَ وُصُولِ الْإِمَامِ طَالِبِ الْحَقِّ، وَقَدْ أُسِرَ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ، وَقَدْ تَمَّ إِعْدَامُهُمْ حَالًا مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عَطِيَّة.
-10 - تَوَجَّهَ الْقَائِدُ الْأُمَوِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْيَمَنِ، فَالْتَقَى بِالْإِمَامِ طَالِبِ
الحَقِّ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْحِجَازِ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ، وَدَخَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ (1/39)
صفحة 40
40
المدخل إلى المذهب الإباضي
صَنْعَاءَ، فَقَتَلَ وَدَمَّرَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مُتَتَبَّعًا الْإِبَاضِيَّةَ قَتْلًا وَإِبَادَةٌ، وَقَدْ تَمَكَّنَ بَعْضُ شَبَابِ الْإِبَاضِيَّةِ مِنْ قَتْلِهِ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى الْحِجَازِ، الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ أَخِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَطِيَّةَ عَامِلَهُ عَلَى صَنْعَاءَ عَلَى شَنَّ حَمْلَةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ بِقِيَادَةِ شُعَيْبِ الْبَارِقِيَّ، فَقَتَلَ الرِّجَالَ وَالصَّبْيَانَ، وَبَقَرَ بُطُونَ النِّسَاءِ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَخَرَّبَ الْقُرَى، وَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ الْبَرِيءَ وَالنُّطْفَ (1).
وَهَكَذَا انْتَهَتِ الدَّوْلَةُ الْإِبَاضِيَّةُ الْأُولَى فِي الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى دَوْلَةِ
إِمَامَةٍ إِقْلِيمِيَّةِ الْحَصَرَتْ فِي حَضْرَمَوْتَ بِجَنُوبِ الْيَمَنِ (2).
وَأَقُولُ: لَيْتَهُمْ لَمْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى الْحِجَازِ، وَاكْتَفَوْا بِوُجُودِهِمْ فِي الْيَمَنِ؛ لِكَيْ يُحافِظُوا فِيهَا عَلَى دَوْلَتِهِمْ، وَيُحَصِّنُوا بِهَا وُجُودَهُمْ، حَتَّى يَقْوَى أَمْرُهُمْ وَتَتَرَسَّخَ دَوْلَتُهُمْ وَيَأْلَفَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ؛ لِلْأَسْبَابِ الثَّالِيَةِ:
1 - اليَمَن بَلَدٌ وَاسِعُ، وَأَهْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْإِبَاضِيَّةِ أَقَلُّ عَدَاءً مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ تَحَصَّنُوا
فِيهِ مُدَّةٌ مِنَ السِّنِينَ لَصَعُبَ غَرُوهُمْ فِيهِ.
(1) على المرء أن ينظر بإنصاف إلى الفرق بين الحرب النظيفة التي مارسها الإباضية وبين الحرب القذرة التي مارسها غيرهم ضدهم فلعمري شتان ما بين الحربين وما بين الفريقين. (1) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 9، ص 285، دار الفكر، بيروت. الأصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 162، دار إحياء التراث، بيروت. الدرجيني، طبقات المشايخ، ص. مهدي طالب هاشم، الحركة الإباضية في المشرق العربي، ص 97، دار الحكمة لندن، عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 116، الجامعة
الأردنية. (1/40)
صفحة 41
www.
J-
التأصيل التاريخي
41
الحِجارُ وَلَاؤُهُ لِقُرَيْشٍ، وَمَنَ الصَّعْب أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لِغَيْرِهِمْ، إِضَافَةً إِلَى
حَيَاةِ التَّرَفِ الَّتِي كَانَ يَعِيشُهَا الْحِجَازِيُّونَ الْمُغَايِرَةِ لِمَبَادِي وَسُلُوكِ الْإِبَاضِيَّةِ. الْخُرُوجُ مِنَ الْيَمَنِ كَانَ فِيهِ تَبْدِيدُ لِلْقُوَّةِ الَّتِي فِي أَصْلِهَا ضَعِيفَةٌ، وَتَشْتِيتُ
لِلْجُنُودِ الَّذِينَ هُمْ فِي أَصِلِهِمْ قَلِيلُونَ.
ثَانِيَا: دَوْلَةُ عُمَانَ:
دَخَلَتْ عُمَانُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ، وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى وَلَائِهَا لِدَوْلَةِ الخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ، وَعِنْدَمَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ انْسَحَبَتْ مِنَ الْوَلَاءِ لِلدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بِفَرْعَيْهَا السُّفْيَانِيِّ وَالْمَرْوَانِي، بَيْدَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ اسْتَطَاعَ إِخْضَاعَهَا لِلدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ عَلَى يَدِ وَالِيهِ عَلَى الْعِرَاقِ الحَجاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِي الَّذِي خَاضَ حُرُوبًا مَعَ الْعُمَانِيِّينَ تَغَلَّبَ فِيهَا جَيْشُهُ عَلَى الْمَلِكَيْنِ سُلَيْمَانَ وَسَعِيدٍ الْجُلَنْدَانِيَيْنِ، وَاسْتَمَرَّتْ عُمَانُ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ خَاضِعَةً بِوَلَائِهَا لِلدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ، إِلَى أَنِ انْتَهَتِ الدَّوْلَةُ الْأُمَوِيَّةُ، وَعِنْدَمَا جَاءَتْ بَعْدَهَا الدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ وَاصَلَتْ وَلَاءَهَا لَهَا، فَقَدْ عَيَّنَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَاحُ وَبَعْدَهُ أَبُو جَعْفَرِ الْمَنْصُورُ وَلَاةً لَهُمَا عَلَيْهَا، حَيْثُ كَانَ أَوَّلَ وَالٍ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ عَلَى عُمَانَ هُوَ جِنَاحُ بْنُ عُبَادَةَ الهنائي وَبَعْدَهُ صَارَ الْوَالِي عَلَيْهَا ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ
جناح.
وَلَا شَكٍّ أَنَّ التَّجْرِبَةَ الْإِبَاضِيَّةَ فِي الْيَمَنِ الَّتِي تَمَثَّلَتْ فِي إِقَامَةِ أَوَّلِ دَوْلَةٍ إبَاضِيَّةٍ سَنَةَ 129 هـ؛ كَانَتْ حَافِرًا لِلْإِبَاضِيَّةِ فِي عُمَانَ أَنْ يَقُومُوا بِنَفْسِ التَّجْرِبَةِ؛ أَلَا وَهِيَ إِقَامَةُ الدَّوْلَةِ، وَفِعْلًا سَارَتِ الْأُمُورُ وَفْقَ مَا يَلِي: (1/41)
صفحة 42
42
المدخل إلى المذهب الإباضي
1 - اخْتَارُ الْعُمَانِيُّونَ الْجُلَنْدَى بْنَ مَسْعُودٍ إِمَامًا سَنَةَ 132 هـ، وَهُوَ مِنْ أُسْرَةِ آلِ الْجُلَنْدَى الْمَلَكِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ طَلَبَةِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، وَلَا أَسْتَبْعِدُ أَنْ يَكُونَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ الَّذِي رَشَحَهُ لِلْإِمَامَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَتِمَّ الْأَمْرُ مِنْ غَيْرِ رَأْيِهِ وَمَشُورَتِهِ، سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ إِقَامَةُ الدَّوْلَةِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ اخْتِيَارُ الْجُلَنْدَى لِلْإِمَامَةِ، لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ: أ - أَنَّ الْجُلَنْدَى مِنْ تَلَامِيذِهِ.
ب - أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْمُحِيطِينَ بِالْإِمَامِ الْجُلَنْدَى مِنْ تَلَامِيذِهِ كَذَلِكَ. ج - مَجِيءُ يَحْيَى بْنِ نَجِيحٍ وَهِلَالِ بْنِ عَطِيَّةَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى عُمَانَ لِمُؤَازَرَةِ وَمُنَاصَرَةِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ، وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَكُونَ يَجِينُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِ
أبي عُبَيْدَة. - كَانَ التَّأْبِيدُ الشَّعْيُّ لِدَوْلَةِ الْإِمَامَةِ قَوِيًّا، فَقَدْ سَيْطَرَتْ عَلَى كُلِّ أَغْحَاءِ عُمَانَ جَنُوبًا وَحَتَّى شَمَالًا، وَهِيَ الْمِسَاحَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ لِعُمَانَ مُنْذُ عَهْدِ مُلُوكِ آلِ الجُلَنْدَى عَدَا بَعْضِ الجُيُوبِ الْأُسَرِيَّةِ وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ بَعْضُ أَفْرَادِ أُسْرَةِ آلِ الجلندى الَّذِينَ لَمْ يُعْجِبْهُمْ قِيَامُ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ، فَكَانُوا مُعَارِضِينَ عَلَنَا حِينًا وَخُفْيَةً حِينًا آخَرَ، حَتَّى أَنَّ الْإِمَامَ الْجُلَنْدَى أَعْدَمَ جَعْفَرَ بْنَ سَعِيدٍ وَابْنَيْهِ النَّظْرَ وَزَائِدَةَ آلِ الْجُلَنْدَى، وَهُمْ مِنْ أَقَارِبِ الْإِمَامِ.
طَالَبَ الْمَجْلِسُ الْأَعْلَى لِلْقِيَادَةِ الْإِمَامَ بِالاعْتِزَالِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا دَمَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى إِعْدَامٍ أَقَارِبِهِ رَحْمَةٌ بِهِمْ عَلَى مَصِيرِهِمُ الْأُخْرَوِيَّ، فَاعْتَزَلَ أَمْرَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَالَبُوهُ بِالْعَوْدَةِ فَعَادَ إِمَامًا، وَلَعَلَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى مُطَالَبَتِهِمْ لَهُ بِالاعْتِزَالِ. (1/42)
صفحة 43
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
43
-4 رَتَّبَ الْإِمَامُ الْجُلَنْدَى قُوَّاتِهِ الْمُسَلَّحَةَ تَرْتِيبًا جَيِّدًا، فَقَدْ عَيَّنَ عَلَى كُلِّ كَتِيبَةٍ قَائِدًا يَتَمَتَّعُ بِالْأَهْلِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عِلْمًا وَفَضْلًا وَوَرَعًا، كَمَا عَيَّنَ لِكُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَادٍ مِنْهُمْ مُرْشِدًا دِينِيًّا، يَقُومُ بِتَعْلِيمِهِمْ أُمُورَ الدِّينِ كَالْفِقْهِ وَالْعَقِيدَةِ وَفَنَّ
الْمُعَامَلَةِ.
ه تَعَرَّضَتْ عُمَانُ عَلَى عَهْدِهِ إِلَى هُجُومٍ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ يَقُودُهُمْ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِيُّ، فَالْتَقَاهُمُ الْإِمَامُ بِمِنْطَقَةِ جِلْفَارَ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالُ، قُتِلَ فِيهِ الْقَائِدُ الصُّفْرِيُّ، وَاسْتَوْلَى الْإِمَامُ عَلَى مُقْتَنَيَاتِهِ بِغَرَضِ حِفْظِهَا لِوَرَثَةِ شَيْبَانَ، وَلَيْسَتْ كَوْنَهَا غَنِيمَةً، فَإِنَّ الْإِبَاضِيَّةَ لَا يَسْتَحِلُّونَ غَنِيمَةَ أَمْوَالِ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا.
6 - بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى الْحَمْلَةِ الصُّفْرِيَّةِ جَاءَ إِلَى عُمَانَ الْقَائِدُ الْعَبَّاسِيُّ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقَدَّمَ قَائِمَةَ مُطَالَبَاتٍ، مِنْهَا تَسْلِيمُ مُقْتَنَيَاتِ شَيْبَانَ، وَمِنْهَا الخُضُوعُ وَالطَّاعَةُ وَالْوَلَاءُ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَعِنْدَ عَرْضِ هَذِهِ الْمُطَالَبَاتِ عَلَى مجلس الشُّورَى أَوْ أَهْلِ الحَل وَالْعَقْدِ؛ تَمَّتِ الْمُوَافَقَةُ عَلَى تَسْلِيمٍ مُقْتَنَيَاتِ شَيْبَانَ مَعَ ضَمَانِهَا لِوَرَثَتِهِ، أَمَّا الْوَلَاءُ فَقَدْ تَمَّ رَفْضُهُ، الْأَمْرُ الَّذِي أَشْعَلَ الْحَرْبَ في مِنْطَقَةٌ جلْفَارَ، فَقُتِلَ الْإِمَامُ الْجُلَنْدَى وَقَادَتُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ جَيْشِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ
134 هـ
وَبِذَلِكَ انْتَهَتْ دَوْلَةُ الْإِمَامَةِ الْأُولَى بِعُمَانَ، وَعَادَتْ عُمَانُ إِلَى وَلَائِهَا لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْأَحْدَاثِ وَلَاءٌ اسْمِيًّا، فَقَدْ أَسْنَدَ (1/43)
صفحة 44
44
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْعَبَّاسِيُّونَ الْمَسْئُولِيَّةَ عَلَيْهَا إِلَى أَبْنَائِهَا مِنْ أُسْرَةِ آلِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ،
وَمِنْ أُسْرَةِ آلِ الْجُلَنْدَى إِلَى أَنْ قَامَتْ دَوْلَهُ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةُ سَنَةَ 177 هـ غَيْرَ أَنَّ فِكْرَةَ الدَّوْلَةِ بَعْدَ دَوْلَةِ الْإِمَامِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ ظَلَّتْ مَرْكُوزَةٌ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ فِي الْوِجْدَانِ الْإِبَاضِيَ الْعُمَانِيِّ، فَقَدْ تَمَسَّكَ الْإِبَاضِيَّةُ فِي عُمَانَ بِالدَّوْلَةِ، سَوَاءٌ بِصِيغَتِهَا الْإِمَامِيَّةِ أَوِ الْمَلَكِيَّةِ أَوِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَاعْتَبَرُوهَا خِيَارَهُمُ الاسْتِرَاتِيجِيَّ بَلْ خِيَارَهُمُ الضَّرُورِيَّ).
ثَالِنَّا: دَوْلَهُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ: صَادَفَتْ عَوْدَهُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ مِنَ الْبَصْرَةِ صِرَاعًا شَدِيدًا بَيْنَ الْأُسْرَةِ الْفِهْرِيَّةِ الَّتِي كَانَ آخِرَهَا حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ، وَتُحَدِّدُ الْمَصَادِرُ عَوْدَةَ حَمَلَةِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ 140 هـ، وَهِيَ نَفْسُ السَّنَةِ الَّتِي أُعْلِنَتْ فِيهَا دَوْلَةُ الْإِمَامَةِ
الْإِبَاضِيَّة.
وَفِي رَأْبِي أَنَّ عَوْدَتَهُمْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وَكَانَ شَيْخُهُمُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ بِإِقَامَةِ الدَّوْلَةِ إِذَا وَجَدُوا الطَّرْفَ مُنَاسِبًا وَأَنسُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قُوَّةً بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنُوهُ فِي ذَلِكَ قَائِلِينَ: إِذَا وَجَدْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا طَاقَةً أَفَنُوَلِّي عَلَى أَنْفُسِنَا رَجُلًا مِنَّا أَوْ مَا تَرَى؟ فَقَالَ لَهُمْ: تَوَجَّهُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ مَا
(1) السالمي: نور الدين، تحفة الأعيان، ج 1، ص 88، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. السيابي، أحمد بن سعود، الوسيط في التاريخ العماني، مكتبة الضامري، سلطنة عمان. (1/44)
صفحة 45
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
45
يَجِبُ بِهِ عَلَيْكُمُ التَّوْلِيَةُ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ مِنَ الرِّجَالِ؛ فَوَلُّوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ
رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِنْ أَبَى فَاقْتُلُوهُ، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي الْخَطَابِ الْمَعَافِرِي. وَلِكَيْ يَتِمَّ هَذَا الْأَمْرُ أَلَا وَهُوَ إِقَامَهُ الدَّوْلَةِ؛ كَانَ الْمَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ، وَفِي مُقَدَّمَتِهِمْ حَمَلَةُ الْعِلْمِ، يَخْرُجُونَ إِلَى مِنْطَقَةِ "صَيَّادٍ" قَرِيبًا مِنْ طَرَابُلْسَ لِلتَّشَاوُرِ فِي كَيْفِيَّةِ إِقَامَةِ الدَّوْلَةِ وَإِعْلَانِهَا وَنَصْبٍ إِمَامِهَا، مُتَظَاهِرِينَ بِالنَّهَابِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِلنَّظَرِ فِي قَضَايَا بُغْيَةً حَلَّهَا، فِي حِينِ كَانُوا يُكْثِرُونَ مِنْ زِيَارَةِ وَالِي طَرَابُلْسَ، وَيَجْتَمِعُونَ بِهِ دَفْعًا لِلشُّبْهَةِ، وَكَانُوا قَدْ أَخْفَوْا هَذَا الْأَمْرَ عَنْ زَمِيلِهِمْ أَبِي الخَطَابِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ السَّمْحِ الْمَعَافِرِيِّ الحِمْيَرِيَّ الْيَمَنِيِّ، حَتَّى أَخْبَرُوهُ فِي نِهَايَةِ الْمُحَادَنَاتِ وَالْمُشَاوَرَاتِ بِمَا اسْتَقَرَّ
عَلَيْهِ رَأَيْهُمْ، وَبِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ إِمَامُهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ اخْتِيَارِهِ إِمَامًا لِلدَّوْلَةِ. وَهُنَاكَ أَبْدَى رَفْضَهُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الخَطِيرِ الَّذِي لَمْ يَحْسَبُ لَهُ حِسَابًا، غَيْرَ أَنَّهُ وُجّهَ بِحُكْمٍ شَرْعِيَّ صَارِمٍ مِنْ قِبَلِ شَيْخِهِمْ أَبِي عُبَيْدَةَ إِنْ هُوَ اسْتَمَرَّ عَلَى رَفْضِهِ؛ أَلَا وَهُوَ الْحُكْمُ بِقَتْلِهِ. عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَهُ تَبعَاتُ كَبِيرَةٌ، أَشَدُّهَا الْبَرَاءَةُ الدِّينِيَّةُ مِنْهُ، الْأَمْرُ الَّذِي
سَيَجْعَلُهُ مَنْبُوذًا تَارِيخيا. حِينَذَاكَ لَمْ يَجِدْ أَبُو الخَطَابِ بُدًّا مِنْ قَبُولِ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، بَعْدَ أَنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ ذِكْرِ مَسْأَلَةِ الْحَارِثِ بْنِ تَلِيدٍ الْخُضْرَي وَقَاضِيهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ قَيْسِ الْمُرَادِيِّ خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ وَالْخِلَافِ، فَأَعْطُوهُ ذَلِكَ الشَّرْطَ، وَهُنَاكَ تَمَّتْ لَهُ الْبَيْعَةُ بِالْإِمَامَةِ، وَذَلِكَ سَنَةَ 140 هـ (1/45)
صفحة 46
46
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَبَعْدَ ذَلِكَ جَرَتِ الْأُمُورُ وَفْقَ التَّالِي:
1 - الاستيلاءُ عَلَى طَرَابُلْسَ بَعْدَ أَنْ زَحَفَ إِلَيْهَا بِأَصْحَابِهِ مُسْتَعْمِلِينَ خَدِيعَةٌ حَرْبِيَّةٌ، فَلَمْ يَشْعُرُ سُكَانُ طَرَابُلْسَ وَوَالِيهَا إِلَّا بِأَبِي الْخَطَابِ وَرِجَالِهِ مُسْتَوْلِينَ عَلَى الْمَكَانِ، فَاتَّجَهُوا أَوَّلًا إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ حَيْثُ الْوَالِي مَوْجُودُ، وَقَدْ مَنَعَ الْإِمَامُ أَصْحَابَهُ مِنْ قَتْلِ الْوَالِي وَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ آمِنًا أَوِ الْخُرُونَ سَالِمًا، فَاخْتَارَ
- S
الْخُرُوجَ، وَكَانَ الْوَالِي كَمَا ذَكَرَتِ الْمَصَادِرُ تَابِعًا لِدَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَفِي رَأْيِي: إِنَّهُ كَانَ بَقِيَّةٌ مِنْ وَلَاةِ حَبِيبٍ الْفِهْرِيِّ الَّذِي قُتِلَ فِي نَفْسِ تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ النَّفْزِيِّ الْوَرِفجُويَ الصُّفْرِي؛ لِأَنَّ الأُسْرَةَ الْفِهْرِيَّةَ مُنْذُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبِ الْفِهْرِيِّ قَدِ اسْتَقَلَّتْ عَنِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِحُكْمِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ دَوْرُ لِلْعَبَّاسِيِّينَ إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْعَثَ الْخُزَاعِيِّ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ.
الاسْتِيلَاءُ عَلَى الْقَيْرِوَانَ حَاضِرَةِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ بَعْدَ اشْتِهَارِ عَدْلِ أَبِي الخطاب، وَإِحْسَانِهِ السِّيرَةَ بَيْنَ النَّاسِ، وَكَانَتِ الْقَيْرِوَانُ تَحْتَ سَيْطَرَةِ قَبِيلَةِ ورفجُومَةَ الصُّفْرِيَّةِ الْمَذْهَبِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتْ وَرَفجُومَةُ فِي أَهْلِهَا الْقَسْوَةَ وَالْعُنْفَ جَوْرًا وَإِفْسَادًا وَظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَنَتِيجَةٌ لِذَلِكَ بَعَثَتِ امْرَأَةٌ قَبْرِ وَانِيَّةُ رِسَالَةً إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْخَطَابِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ لَى نِدَاءَهَا، وَأَمَرَ بِالزَّحْفِ عَلَى الْقَيْروَانِ لِتَخْلِيصِهَا مِنْ وَرَفجُومَةً، (1/46)
صفحة 47
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
47
-2
بَعْدَ أَنْ خَيَّرَ أَصْحَابَهُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ الْمُخْلِصَةِ فِي الْجِهَادِ أَوِ الانْسِحَابِ الشَّرِيفِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ، حَيْثُ فَضَّلَ الْكَثِيرُ مِنْهُمُ الانْسِحَابَ، فَبَقِيَ فِي سِتَّةِ آلَافٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ زَحَفَ إِلَى
الْقَيْروَانِ.
غَيْرَ أَنَّهُ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهَا عَرَّجَ إِلَى قَابِسٍ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، ثُمَّ زَحَفَ عَلَى
الْقَيْروَانِ.
اسْتَعْمَلَ أَبُو الْخَطَابِ الخُدْعَةَ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ الَّتِي ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِصَارَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنْ أَمَرَ جُنُودَهُ بِالانْسِحَابِ لَيْلًا فِي صُورَةٍ هرُوبٍ مِنْ ضَرْبِ الْحِصَارِ، وَاتَّخَذُوا مَكَانًا خَارِجَ الْقَيْرِوَانِ فَكَمِنُوا هُنَالِكَ، فَطَمِعَ أَهْلُ الْقَيْروَانِ فِي اللَّحَاقِ بِهِمْ لِهَزِيمَتِهِمْ وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُمْ مَا أَنْ وَصَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ حَتَّى نَهَضَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْخَطَابِ وَأَصْحَابُهُ، فَانْهَزَمَ الْقَيْرِ وَانِيُّونَ وَوَلُّوا هَارِبِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَتَبَّعَهُمْ أَبُو الْخَطَابِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ
وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَجَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رُسْتُم وَالِيَّا عَلَيْهَا. ضَرَبَ أَبُو الْخَطَابِ صُوَرًا رَائِعَةٌ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الانْتِقَامِ
فِي حَرْبِهِ لِلْقَيْروَانِ، مِنْهَا:
أ- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيجٍ. ب - قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَتَأْكُلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَمَا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَنَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ فَعَلْنَا كَمَا فَعَلُوا فَحَقُّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرْفُضَنَا
وَيُدْخِلَنَا مَعَهُمْ جَهَنَّمَ فَنَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قَالَ إِدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي إِلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ (1/47)
صفحة 48
??
/////////
المدخل إلى المذهب الإباضي
أُمَّةً لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا إِدَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَاؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَناتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفَ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ 38} الْأَعْرَاف: 38).
ج - أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَتَفَقَّدَ الْقَتْلَ، فَوَجَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَحَدَ الْقَتْلَ مَسْلُوبًا، هُنَالِكَ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِرَةٌ مَا سُلِبَ مِنَ الْقَتِيلِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ شَيْئًا، فَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّ فِي الْجُيْشِ رَجُلًا غَيْرَ صَالِحٍ، فَاسْتَعْمَلَ الحِيلَةَ لِمَعْرِفَةِ السَّالِبِ، حَيْثُ أَمَرَ بِتَنْظِيمِ سِبَاقٍ لِلْفُرْسَانِ، وَصَارَ أَحَدَ الْفُرْسَانِ ذَلِكَ الرَّجُلُ السَّالِبُ، فَمَا أَنْ جَرَتِ الْفَرَسُ بِهِ حَتَّى انْقَطَعَ حِزَامُهُ، فَسَقَطَتِ الْكِسَاءُ الْمَسْلُوبَةُ، وَهُنَاكَ أَمَرَ الْإِمَامُ بِعِقَابِهِ تَعْزِيرًا.
ونتيجةً لِتِلْكَ السَّيَاسَةِ الْعَدْلِيَّةِ فَقَدْ مَرَّتِ امْرَأَتَانِ عَلَى الْقَتْلَى الْقَيْرِ وَانِيِّينَ وَهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَلَمْ يُنْزَعْ عَنْهُمْ لِبَاسُ وَلَا سِلَاعُ فَعَجِبَنَا مِمَّا رَأَتَا، فَقَالَتْ إحْدَاهُمَا لِصَاحِبَتِهَا: انْظُرِي كَأَنَّهُمْ رُقُودُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ "رُقَادَةٌ مُنْذُ ذَلِكَ
الحين.
كَمَا أَنَّ أَبَا الْخَطَابِ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَلَا مِنْ زُرُوعِهِمْ، وَلَمْ يُخَرِّبُوا أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ مُمْتَلَكَاتِ النَّاسِ، وَهَذَا كَانَ غَيْرَ مَأْلُوفٍ لِلنَّاسِ، إِنَّمَا الْمَأْلُوفُ - وَهُوَ مِنْ غَيْرِ الْإِبَاضِيَّةِ طَبْعًا - الانْتِقَامُ وَقَتْلُ النَّاسِ وَالتَّدْمِيرُ وَتَخْرِيبُ الْمُمْتَلَكَاتِ وَإِهْلَاكُ الْخَرْثِ وَالنَّسْلِ. بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِي الْمَشْرِقِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الْخَلِيفَةِ أَبِي جَعْفَرِ الْمَنْصُورٍ؛ وَلَّى وِجْهَتَهُ نَحْوَ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، مُبْتَدِئًا بِمِصْرَ الَّتِي عَيَّنَ عَلَيْهَا (1/48)
صفحة 49
التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ
49
مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ الْخُزَاعِي وَالِيَّا عَلَيْهَا، وَأَمَرَهُ بِتَسِييرِ الْجُيُوشِ إِلَى بِلَادِ
الْمَغْرِبِ أَيْ إِلَى الدَّوْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّوْلَةِ الْخَطَابِيَّةِ.
فَأَرْسَلَ جَيْشًا بِقِيَادَةِ الْعَوَّامِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَجَلِي لِمُقَاتَلَةِ الْإِبَاضِيَّةِ، بَيْدَ أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ بِقِيَادَةِ إمَامِهِمْ أَبِي الْخَطَابِ تَمَكَّنُوا مِنْ هَزِيمَةِ الْجُيْشِ الْعَبَّاسِيِّ، ثُمَّ أَرْسَلَ وَالِي مِصْرَ فِي نَفْسِ السَّنَةِ جَيْشًا آخَرَ بِقِيَادَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْعَجلِي، فَهَزَمَهُ الْإِبَاضِيَّةُ أَيْضًا، الْأَمْرُ الَّذِي أَزْعَجَ الخليفَةَ الْمَنْصُورَ، فَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَنْ يَسِيرَ عَلَى رَأْسِ قُوَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشِ كَبِيرٍ قُوَامُهُ مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى خَمْسِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَاسْتَعَدَّ لَهُ الْإِبَاضِيَّةُ اسْتِعْدَادًا جَيْدًا.
وَلَمَّا عَلِمَ بِقُوَّةِ الْإِبَاضِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ جَوَاسِيسِهِ هَالَهُ الْأَمْرُ، وَهُنَاكَ دَبَّرَ حِيلَةٌ كَانَتْ نَاجِحَةً لِهَزِيمَةِ الْإِبَاضِيَّةِ، حَيْثُ تَظَاهَرَ بِالانْسِحَابِ، وَأَشَاعَ بَيْنَ جَيْشِهِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَبَا جَعْفَرٍ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَمَا أَنِ انْسَحَبَ مِنْ مَوْقِعِهِ إِلَّا وَأَخَذَ الْإِبَاضِيَّةُ فِي التَّفَرُّقِ عَنْ إِمَامِهِمْ مَعَ تَحْذِيرِ الْإِمَامِ لَهُمْ مِنْ مَغَبَّةِ ذَلِكَ، فَبَقِيَ الْإِمَامُ فِي عَدَدٍ لَا يَتَجَاوَزُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، فَكَرَّ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، فَجَرَتِ الْمَعْرَكَةُ فِي مِنْطَقَةِ تَاوِرْغَا بِالْقُرْبِ مِنْ سِرْتَ، فَقُتِلَ اللْإِمَامُ وَأَكْثَرُ جَيْشِهِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ 144 هـ أَيْ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ مِنْ تَوَلَّيهِ مَقَالِيدِ الْإِمَامَةِ. (1/49)
صفحة 50
50
المدخل إلى المذهب الإباضي mm
عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ كَانَ فِي غَيْرِ صَالِحِ الْإِبَاضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ حَصَادِ الثَّمَارِ، فَلِذَلِكَ لَمَّا انْطَلَتْ عَلَيْهِمْ حِيلَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَسَمِعُوا بِرُجُوعِهِ؛ تَفَرَّقُوا عَنْ إِمَامِهِمْ لِحَصَادِ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ مَعَ عَوَامِلَ أُخْرَى، وَهُنَاكَ وَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ.
وَبِذَلِكَ انْتَهَتْ دَوْلَهُ الْإِمَامَةِ الْإِبَاضِيَّةِ الْأُولَى فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ.
عَلَى أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ بَعْدَ مُرُورٍ عَشْرِ سَنَوَاتٍ قَامُوا بِنَصْبِ أَبِي حَاتِمٍ يَعْقُوبَ بْنِ حَبِيبِ الْمَلْرُوزِيِّ إِمَامًا سَنَةَ 154 هـ، وَانْتَهَتْ بِمَقْتَلِهِ سَنَةَ 158 ه؛ لِتَقُومَ بَعْدَهَا دَوْلَةُ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ سَنَةَ 160 هـ وَهَكَذَا انْبَنَى الْكِيَانُ السَّيَاسِيُّ لِلْإِبَاضِيَّةِ فِي كُلِّ مِنَ الْيَمَنِ وَعُمَانَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ. (1/50)
صفحة 51
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
51 (1/51)
صفحة 52
52
المدخل إلى المذهب الإباضي
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
تُعْتَبَرُ الْعَقِيدَةُ الرَّكِيزَةَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي الْبِنَاءِ الْإِسْلَامِي قَوْلًا وَعَمَلًا، وَمَدَارُهَا شَهَادَةُ أَلا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ عِبَارَةَ: وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ
مِنْ عِنْدِ اللهِ حَقٌّ.
الْجُمْلَةُ
عَبَّرَ الْإِبَاضِيَّةُ عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ بِالجُمْلَةِ، وَهِيَ مُصْطَلَعُ إِبَاضِيُّ، وَهِيَ بَوَّابَةُ الدُّخُولِ إِلَى الْإِسْلَامِ حَيْثُ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ مِنَ الْإِنْيَانِ بِهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا؛ لِأَنَّهَا الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلانْتِمَاءِ الْإِسْلَامِي وَلِلْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَلَهَا تَفْسِيرَانِ: اعْتِقَادِيٌّ وَعَمَلِيُّ. فَالتَّفْسِيرُ الاعْتِقَادِيُّ: هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ (1).
أَمَّا التَّفْسِيرُ الْعَمَلِيُّ: فَهُوَ الْعَمَلُ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عِبَادَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ: "الْإِيمَانُ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ. وَهُوَ مَوْضُوعُ عِلْمِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ.
(1) الخليلي، أحمد بن حمد، مشارق أنوار العقول، ص 130 هامش. (1/52)
صفحة 53
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
الْإِيمَانُ بِاللَّهِ
يَقُومُ الْإِيمَانُ بِاللهِ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّوْحِيدُ هُوَ عِلْمُ يُقْتَدَرُ بِهِ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ مُكْتَسَبًا مِنْ أَدِلَّتِهَا الْيَقِينِيَّةِ.
كَمَا أَنَّهُ شَرْعًا: إِفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ. وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، فَمَنْ لَا يَعْرِفُ تَوْحِيدَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ جَابِرُ
بْنُ زَيْدٍ (1).
وَأَصْلُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ وَخَلْقُهُ، وَأَنَّ صَانِعَهُ وَخَالِقَهُ لَا
يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ: وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].
وَهُوَ وَاحِدُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ الْإِخْلَاص:1)، وَيَقُول: لَوْ كَانَ فيهماء الهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا الْأَنْبِيَاء (22)، وَقَوْلَهُ: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدِهِ وَمَا كَانَ مَعَهُ من إله إِذا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهِم بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ الله بَعْضٍ
[الْمُؤْمِنُونَ: 91]
(1) مسند الربيع، باب العلم وطلبه وفضله. (1/53)
صفحة 54
ww or
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَيَتَّصِفُ اللهُ بِصِفَاتٍ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْحَيَاةِ وَالْقِدَمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْبَقَاءِ كَصِفَاتِ ذَاتٍ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ هِيَ عَيْنُ الذَّاتِ لَا غَيْرُهَا؛ فِرَارًا مِنَ الْقَوْلِ بِتَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ.
كَمَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْخَلْقِ وَالْإِمَانَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَبَعْثِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَالرِّزْقِ
كَصِفَاتِ فِعْلٍ. وَإِزَاءَ ذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالْفَنَاءِ وَالْعَمَى وَالصَّمَمِ، وَالخُلُولِ فِي الْأَمْكِنَةِ، وَالْخُدُوثِ فِي الْأَزْمِنَةِ، وَالْجِسْمِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ. (1/54)
صفحة 55
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
اسْتِحَالَةُ الرُّؤْيَةِ
هه
وَتَمْتَدُّ الاسْتِحَالَةُ عَلَى اللهِ تَعَالَى إِلَى رُؤْيَتِهِ، فَهُوَ لَا يُرَى لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الله [الْأَنْعَام: 103]. وَلِقَوْلِهِ فِي جَوَابِهِ لِنَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَمَا سَأَلَهُ عَنْ رَغْبَةِ قَوْمِهِ، حَيْثُ حَكَى اللهُ عَنْهُ ذَلِكَ قَائِلًا: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَينِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَيْنِي فَلَمَّا تَجَلَّى ربه الجبل جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَعْرَاف:143]، وَلِقَوْلِهِ: أَمَ تُرِيدُونَ أَن تَسْتَلُوا
رَسُولَكُمْ كَمَا سُبِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَبِيلِ} [الْبَقَرَة: 108].
وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَرْتِيبُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ عَلَى سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ، وَلِذَلِكَ
تَابَ النَّبِيُّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رَبِّهِ مِنْ سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ: {وَقَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إليك} [الْأَعْرَاف: 143]، أَمَّا قَوْلُهُ: وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَهُ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ له [الْقِيَامَة: 22 - 23] فَإِنَّ مَعْنَاهَا الاِنْتِظَارُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (1)، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ هُوَ أَنَّ الْعَقِيدَةَ الْإِبَاضِيَّةَ حَرَصَتْ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ لِلَّهِ تَعَالَى بَعِيدًا عَنِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ.
(1) المزيد من الاطلاع على وجود الله وصفاته يُنظر: مشارق الأنوار للسالمي، والبعد الحضاري للعقيدة الإباضية، الجعبيري. وحول موضوع الرؤية: الحق الدامغ للخليلي. (1/55)
صفحة 56
56
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ
وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ} [الْبَقَرَة: 177)، وَقَوْلِهِ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَكَيْهِ} (الْبَقَرَة 285)، وَقَوْلِهِ: وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَيكَتِهِ
وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا} [النِّسَاء: 136]. وَالْمَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ لَطِيفَةُ، خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ نُورٍ، وَهُمْ لَيْسُوا لَحْمًا وَلَا دَمًا وَلَا عَظمًا، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى التَّشَكُلِ بِإِقْدَارِ اللهِ لَهُمْ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ إِنَّاتٌ، فَقَدْ نَعَى اللَّهُ عَلَى مَنْ وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَجَعَلُوا الْمَلَكِبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِننَّا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتَكَتَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ الزُّخْرُف 19) كَمَا أَنَّهُمْ لَا يُوصَفُونَ بِالنُّكُورَةِ.
وَقَدْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَأَمْرِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التَّحْرِيمِ: 1]، وَهُمْ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِمْ عَلَى الدَّوَامِ، حَيْثُ يَقُولُ اللهُ عَنْهُمْ وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ الْأَنْبِيَ وَأَفْضَلُهُمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ
عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ.
اء: 19، 20] (1/56)
صفحة 57
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
57
الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ
وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {كُلُ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَيكَيْهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [الْبَقَرَة: 285]. وَيَكْفِي الْمُؤْمِنَ أَنْ يُؤْمِنَ بِهَا جُمْلَةٌ أَنَّ هُنَاكَ كُتُبًا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ أَنَّ هُنَاكَ تَوْرَاةً أَوْ إِنْجِيلًا أَوْ غَيْرَهُمَا، إِلَّا إِذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عَلَى أَحَدٍ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْكُتُبِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْإِيمَانُ بِذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ القطعية ما دَلَّ عَلَيْهِ نَضٌ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ، عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ. وَقَدْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ التَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يُنَزِّلُ مُفَرَّقًا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ بَعْتَتِهِ وَحَتَّى مَمَاتِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إِلَى إِنْزَالِهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا أَنْزَلَ مِنْهُ حَتَّى جَمعَهُ (1).
(1) رواه الربيع في باب: ذكر القرآن. (1/57)
صفحة 58
58 wwwwww
المدخل إلى المذهب الإباضي
خَلْقُ الْقُرْآنِ
وَالْقُرْآنُ مَخْلُونُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِقَوْلِهِ: وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ الْأَنْبِيَاء))، وَقَوْلِهِ: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرِ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحدَثٍ إلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ اللهِ الشُّعَرَاء:5)، وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ شَيْءٍ كَالْأَشْيَاءِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: (پ پ پ) [الْأَنْعَام: 102]، وَهُوَ يُتْلَى وَيُكْتَبُ وَيُنْسَخُ وَتَتَدَاوَلُهُ الْأَيَادِي وَيَتْلَفُ، وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. عَلَى أَنَّ هُنَاكَ خَلْطًا فِي مَفْهُومٍ كَلَامِ اللَّهِ بَيْنَ كَوْنِهِ صِفَةَ ذَاتٍ بِمَعْنَى نَفْيِ الْخَرَسِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَوْنِهِ صِفَةً فِعْلٍ مُتَجَلِّيَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَمِنْهَا الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ حَادِثَةُ بِكَوْنِهَا آثَارَ الصَّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ (1)، وَيَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ إِذَا كَانَ هُوَ عِلْمَ اللهِ فَهُوَ قَدِيمٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ هُوَ الْمَتْلُو عَلَى الْأَلْسِنَةِ
وَالْمَحْفُوظ فِي الصُّدُورِ وَالْمَخْطُوطَ فِي الْمَصَاحِفِ فَهُوَ حَادِثُ مَخْلُوقُ. وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ نَظَرَ إِلَى عِلْمِ اللهِ وَلَمْ يَنْظُرُ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَتْلُو الْمَحْفُوظ الْمَخْطُوطِ، وَمَنْ قَالَ حَادِثُ مَخْلُوقُ نَظَرَ إِلَى الْمَتْلُو الْمَحْفُوظِ الْمَخْطُوطِ
وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَإِنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيُّ (2). وَالْقُرْآنُ مِنْهُ الْمُحْكَمُ وَمِنْهُ الْمُتَشَابِهُ، فَيَجِبُ رَدُّ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَى الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ؛ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايَتُ
(1) السالمي، المشارق، ص، ص 242 الخليلي، شرح غاية المراد، ص 72 الجعبيري، البعد الحضاري، ص 342. (1) أطفيش، أبو إسحاق إبراهيم، مقدمة التوحيد وشروحها، ص 155. هامش. (1/58)
صفحة 59
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
59
تحكمتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهُ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِحُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَا
بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَبِ) (آل عِمْرَان:).
وَأُمُّ الْكِتَابِ هِيَ أَصْلُ الْكِتَابِ، أَمَّا الْمُتَشَابِهَاتُ فَهِيَ مَا تَفَرَّعَ عَنْهَا، فَلِذَلِكَ يَجِبُ رَدُّ الْفَرْعِ إِلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ. (1/59)
صفحة 60
المدخل إلى المذهب الإباضي mm
الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ
وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ جَمِيعِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَيكَيْهِ وكنهِ، وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ الْبَقَرَة:285)، وَلِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْلَبِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ الله
[النِّسَاء: 152].
وَيَكْفِي الْمُسْلِمَ أَنْ يُؤْمِنَ بِجُمْلَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ، إِلَّا مَنْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِمَعْرِفَتِهِ بِعَيْنِهِ مِنْهُمْ مِنَ الْكِتَابِ أَوْ مِنَ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ وَصْفُهُمْ بِالصَّفَاتِ الْكَامِلَةِ، كَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالضَّبْطِ لِمَا أُمِرُوا بِضَبْطِهِ،
وَالتَّبْلِيغِ عَنْ رَبِّهِمْ وَالْفَطَانَةِ وَالنَّبَاهَةِ وَالسُّلُوكِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ. وَيَجُوزُ وَصْفُهُمْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ وَالْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَاتَّخَاذِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَصْحَابِ وَتَحْصِيلِ الدُّرِّيَّةِ.
وَأَيْضًا يَجِبُ نَفْيِ الصَّفَاتِ النَّمِيمَةِ عَنْهُمْ؛ لأَنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّهِمْ، كَالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْأَوَامِرِ الْإِلَهِيَّةِ وَالتَّفَاهَةِ وَالْبَلَادَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ
النَّمِيمَةِ وَالْقَبِيحَةِ حَاشَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّه يَتَعَيَّنُ الْإِيمَانُ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَمَعْرِفَتُهُ، وَأَنْ نَخُصَّهُ بِذَلِكَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؛ لِأَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ. (1/60)
صفحة 61
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
61
وَمِنْ غَيْرِ اللَّائِقِ أَنْ يَتَّبِعَ الْمَرْءُ شَخْصًا لَا يَعْرِفُهُ اسْمًا وَصِفَاتٍ وَأَحْوَالًا، فَكَيْفَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي يَكُونُ اتَّبَاعُهُمْ دِينًا، فَلِذَلِكَ تَجِبُ مَعْرِفَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ. عَلَى أَنَّ الحِكْمَةَ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ هِيَ لأَجْلِ هِدَايَةِ النَّاسِ وَلِإِقَامَةِ الحُجَّةِ
عَلَيْهِمْ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165]. (1/61)
صفحة 62
62
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَالْيَوْمُ الْآخِرُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامِ بِدَايَةٌ مِنَ الْمَوْتِ، وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ هُوَ الدُّنْيَا.
وَفِيهِ، أَيْ: فِي الْيَوْمِ الْآخَرِ:
الْمَوْتُ:
وَالْمَوْتُ حَقٌّ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَاقِعَةٌ وَمُشَاهَدَةٌ لا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَهُوَ وَاقِعُ عَلَى
الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْعُقَلَاءِ هُمُ الْبَشَرُ، وَغَيْرِ الْعُقَلَاءِ الْبَهَائِمُ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّ كُلَّ حَيَّ يَمُوتُ مِنْ عُقَلَاءَ وَبَهَائِمَ، وَالْبَقَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ
تعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (الْأَنْبِيَاء (35)، وَقَوْلِهِ: وَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ
إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88].
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ عَدِيُّ بْنُ يَزِيدَ:
لَيْسَ حَيٌّ عَلَى الْمَنُونِ بِبَاقِ غَيْرَ وَجْهِ الْمُسَبِّحِ الْخَلاقِ (1)
عَذَابُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ:
عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ، وَنَعِيمُهُ حَقٌّ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواءَ الَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غَافِرُ، وَقَوْلِهِ:
(1) ابن النديم، الفهرست، ص 134. (1/62)
صفحة 63
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
63
ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [ال
عمران: 169].
وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنَّ هُنَاكَ عَذَابًا وَنَعِيمًا فِي الْقَبْرِ.
أَمَّا الْأَحَادِيثُ الدَّالَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَكَثِيرَةُ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ مَعْنًى (1).
الْبَعْثُ: وَهُوَ رَدُّ الرُّوحِ إِلَى الْجِسْمِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الْكَافِرِينَ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّ لَنَبعَ ثُمَّ لَنُونَ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ ال (التَّغَابُن:) وَيَقُولُ: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27]، وَقَالَ: أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتَرَكَ سُدى الميك نُطْفَةٌ مِّن مَنِي يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى اليس ذلك بقندِرٍ عَلَى أَن يُحْتى الموتى ال [الْقِيَامَة:36 - 40]، وَقَوْلَهُ: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمُ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78 - 79].
وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ النَّاطِقَةِ بِالْبَعْثِ مِنَ الْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الْحِسَابُ:
وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مُحَاسَبُ عَلَى مَا قَدَّمَ وَأَخَرَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرِّ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَوْمَيذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِبُرُوا أَعْمَلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ
(1) السالمي، المشارق، ص 72، مكتبة الاستقامة. (1/63)
صفحة 64
64
المدخل إلى المذهب الإباضي
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ال [الزلزلة: 1 - ، وَقَوْلِهِ: بنوا الإِنسَنُ يَومَيمٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ الْقِيَامَة: 19)، وَقَوْلِهِ: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثم إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} [الْعَاشِيَةِ: 25 - 26]، وَقَوْلِهِ: يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خافِيَةٌ} (الخافة 18]، وَالْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الْحِسَابِ بَعْدَ الْبَعْثِ كَثِيرَةٌ.
الْمِيزَانُ: لَيْسَ الْمِيزَانُ هُوَ الْمُكَوَّنُ مِنْ قَصَبَةِ عَمُودٍ وَكِفَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمِيزَانُ هُوَ عِبَارَةٌ
عَنْ نُبُوتِ السَّعَادَةِ وَالشَّفَاوَةِ السَّعَادَةِ لِلْمُتَّقِينَ وَالشَّقَاوَةِ لِلْعَاصِينَ. وَالْإِيمَانُ بِهِ حَقٌّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نفسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ) الْأَنْبِيَاء 47)، وَقَوْلِهِ: وَالْوَزْنُ يَوْمَيذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَتِبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُولَبِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِتَايَتِنَا يَظْلِمُونَ) الأعراف: 8 - 9)، وَقَالَ: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأْتُهُ هَاوِيَةٌ) وَمَا أَدْرَنَكَ مَا هِيَةٌ نَارُ
حَامِيَة [الْقَارِعَة: 6 - 11].
الصراط:
الصِّرَاط هُوَ دِينُ اللهِ الْحَقُّ الْقَوِيمُ، وَلَيْسَ هُوَ جِسْرًا مُعَلَّقًا يَعْبُرُهُ السَّالِكُونَ، وَيَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي عُبُورِهِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الرِّوَايَاتُ الَّتِي هِيَ إِمَّا أَحَادِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ قَبُولُهَا عَقِيدَةٌ، وَإِمَّا ضَعِيفَةٌ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ عَقِيدَةً وَعَمَلًا. (1/64)
صفحة 65
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ دِينُ اللهِ الْحَقِّ الْقَوِيمِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَقُلْ إِنَّنِي هدتني ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأَنْعَام: 161]، وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ
بكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَالِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
الشَّفَاعَةُ:
وَالشَّفَاعَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَطَلَبُ التَّعْجِيلِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَةِ مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ.
وَلَا يَنَالُهَا إِلَّا التَّقِيُّ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {مَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18]، وَقَوْلِهِ فِي وَصْفِ مَلَائِكَتِهِ: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)
الأَنْبِيَاء: 28]، فَاللَّهُ لَا يَرْتَضِي الْفَاسِقَ الْفَاجِرَ فَضْلًا عَنِ الْكَافِرِ الْمُشْرِكِ. وَلَعَلَّ شَفَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ
[V:
وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا غَافِ)} ـولُ اللهُ: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ)
ويف
[الْبَقَرَة: 48].
الْجَنَّةُ وَالنَّارُ:
الجنَّةُ هِيَ ثَوَابُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ، وَهُوَ ثَوَابُ لَا يُشْبِهُهُ ثَوَابُ. وَالنَّارُ هِيَ عِقَابُ اللهِ تَعَالَى لِلْعَاصِينَ، وَهُوَ عِقَابُ لَا يُشْبِهُهُ عِقَابٌ. (1/65)
صفحة 66
66
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُخَلَّدُونَ فِيهَا، كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ مُخَلَّدُونَ فِيهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نعيم) وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَمِيمِ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَابِيبِينَ)
[الانفطار: 13 - 17].
وَيَقُولُ اللهُ فِي تَخْلِيدِ الْعُصَاةِ فِي النَّارِ: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خلِدِينَ فِيهَا أبدا) (الحن:23). فَمَنْ عَصَى الله بِكَبِيرَةٍ وَمَاتَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَهُوَ مُخَلَّدُ فِي النَّارِ.
وَالآيَاتُ النَّاطِقَةُ بِذَلِكَ كَثِيرَةُ، وَالْأَحَادِيثُ عَدِيدَةُ، وَعَقِيدَةُ الْخُلُودِ فِي النَّارِ لأهْلِ النَّارِ هِيَ الَّتِي تَعْصِمُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شِرْكِ الْمَعَاصِي، وَبِاعْتِقَادِ الْجَزَاءِ بِالخُلُودِ تَكُونُ الاسْتِقَامَةُ فِي الدِّينِ. وَقَدْ رَدَّ اللهُ عَلَى الْيَهُودِ ادَّعَاءَهُمُ الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ فِي آيَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَهَا مَا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) بلى من كسب سيْنَةٌ وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ) [البقرة: 80 - 81]. وَقَوْلِهِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَتَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَا مَا مَعْدُودَاتٍ وَغَيَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ الله [آل عمران: 24]. أَمَّا الْوُرُودُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا} [مَزمَ: 71]، فَهُوَ خِطَاب لِلْمُشْرِكِينَ الْمَوْصُوفِينَ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي ذَلِكَ الْتِفَاتُ أَوِ انْتِقَالُ مِنْ خِطَابِ الْغَيْبَةِ إِلَى خِطَابِ الْمُخَاطَبِ. (1/66)
صفحة 67
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ
الْقَضَاءُ هُوَ إِيجَادُ اللهِ الْأَشْيَاءَ فِي التَّوْحِ الْمَحْفُوظ إِجْمَالًا. وَالْقَدَرُ إِيجَادُهَا فِي الْوُجُودِ تَفْصِيلًا.
وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُتَلَازِمَانِ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِي لَا يَفْتَرِقُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. بَيْدَ أَنَّ الْجَدَلَ الْكَلَامِي دَارَ حَوْلَ الْقَدَرِ بِاعْتِبَارِهِ مُتَعَلَّقًا بِالْمَوَادِّ التَّفْصِيلِيَّةِ فِي
الْوُجُودِ.
وَبِمَا أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ مِنْهَا مَا يَسْنِدُ الْفِعْلَ إِلَى اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يَسْيَدُ الْفِعْلَ إِلَى الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْجُمْعَ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي الْقَوْلَ عَقِيدَةٌ أَنَّ خَلْقَ الْفِعْلِ مِنَ اللَّهِ وَاكْتِسَابَهُ مِنَ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَدَّدَ لِلْعَبْدِ مِسَاحَةً يَسْتَطِيعُ التَّحَرُّكَ فِيهَا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّحْدِيدُ الْإِلَهِيُّ هُوَ خَلْقَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ التَّحَرُّكُ مِنَ الْعَبْدِ فِي الْمِسَاحَةِ الْمَحْدُودَةِ هُوَ كَسْبُ الْفِعْلِ.
وَلَعَلَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنَهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا} [الشَّمْسِ: 7 - 10]. وَقَدْ تَمَيَّزَتِ الْمَدْرَسَةُ الْإِبَاضِيَّةُ بِتَحْدِيدِ تَارِيخِ مَبْدَأَ الْخَوْضِ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَذَلِكَ بِاحْتِرَاقِ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، فَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زيْدٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ بَيْتُ الْمَالِ الحَرَامُ مِنْ أَجْلِ شَرَارَةٍ طَارَتْ بِهَا الرِّيحُ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَدَّرَ اللهُ هَذَا. وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ أَنْ يَحْتَرِقَ بَيْتُهُ. فَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الاِخْتِلَافُ الْأَوَّلُ فِي الْقَدَرِ، وَيُحَدِّدُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ مُؤَرِّخًا حَادِثَ الاحْتِرَاقِ (1/67)
صفحة 68
68
المدخل إلى المذهب الإباضي
بِقَوْلِهِ: وَكَانَ احْتِرَاقُهُ يَوْمَ السَّبْتِ لِسِتٌ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعِ
وَسِتِّينَ (1).
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ الاحْتِرَاقَ كَانَ أَثْنَاءَ حِصَارِ الْجُيْشِ الْأُمَوِيِّ لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى
اخْتِلَافِ حَوْلَ مَصْدَرِ الشَّرَارَةِ.
(1) مسند الربيع، كتاب الحج. (1/68)
صفحة 69
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
الاستواء
69
وَهُوَ الاِسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ال [طه]، وَقَوْلِهِ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَيرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ. ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُون [يونس:3]، جَاءَ ذَلِكَ فِي كَثِيرُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ. عَلَى أَنَّ الإِسْتِوَاءَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ هُوَ جُلُوسَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ
عَلَى كُرْسِيَّ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةُ عَنِ الاسْتِيلَاءِ وَالْمُلْكِ. وفي رأي: إِنَّ الْعَرْشِ الْمَذْكُورَ هُوَ الْوُجُودُ كُلُّهُ، فَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ الْوُجُودَ صَارَ مَالِكَهُ وَسَيَّدَهُ وَقَاهِرَهُ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [مُود: 7]؛ أَيْ: هَذَا الْوُجُودُ كَانَ مَاءٌ، فَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
عَلَى أَنَّ الإِسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الاسْتِيلَاءِ وَالْمُلْكِ مَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَذَلِكُمُ الشَّاعِرُ يَقُولُ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرُ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفِ وَدَمٍ مُهْرَاقِ (1/69)
صفحة 70
70
////////
المدخل إلى المذهب الإباضي
الفاظ تحتاج إلى تأويل
هُنَاكَ أَلْفَاظُ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِلَّا لاخْتَلَ الْمَعْنَى وَأَدَّتْ إِلَى تَجْسِيمِ اللهِ تَعَالَى وَإِلَى تَشْبِيهِهِ بِخَلْقِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:
ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ [الشورى: 11].
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ هِيَ: الْوَجْهُ:
في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وَقَوْلِهِ: وَبَقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرامِ} [الرحمن: 27]، فَوَجْهُهُ تَعَالَى ذَاتُهُ، وَلَيْسَ الْعُضْوَ الْمَعْرُوفَ الْوَاقِعَ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّأْسِ.
- الْعَيْنُ:
في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [ه: 39]، وَقَوْلِهِ: تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاهُ لِمَن كان كفر} [الْقَمَر: 14]، فَالْعَيْنُ هُنَا بِمَعْنَى الْحِفْظِ، وَلَيْسَتِ الْعُضْوَ الْبَاصِرَ. - الْيَدُ:
في قَوْلِهِ تَعَالَى: {يدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، وَقَوْلِهِ: وَمِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعمان [يس:71]، وَقَوْلِهِ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [الْمَائِدَة: 64]، فَالْيَدُ فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَفِي الْآيَةِ الثَّالِئَةِ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. (1/70)
صفحة 71
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِي - الْقَبْضَةُ:
71
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ} [الزمر: 67]، الْقَبْضَةُ هُنَا الْمُلْكُ وَالسَّيْطَرَةُ، وَلَيْسَتْ مَا تَحْوِيهِ كَفُ الْإِنْسَانِ.
- الجد:
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنِ الْجِنَّ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا [الجن:3]، فَالْجُدُ هُنَا هُوَ النَّاتُ؛ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَتَعَالَى عَنِ اتَّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. - الجنْبُ:
في قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَن تَقُولَ نَفْسُ بِحَسْرَتَكَ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ
السخرينَ} [الزمر: 56]، أَيْ فِي أَمْرِ اللهِ.
وَذَلِكُمْ هُوَ الشَّاعِرُ يَقُولُ:
أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِق لَهُ كَبِدٌ حَرَّى وَعَيْنُ تَرَقْرِق
- الْمَكْرُ:
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] وَقَوْلِهِ: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ الله الأغزاف: 99]، فَمَكْرُ اللهِ هُنَا عُقُوبَتُهُ.
- السَّاقُ:
في قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [الْقَلَم: 42]، وقَوْلِهِ: وَالْتَفَّتِ السَاقُ بِالسَّاقِ} [الْقِيَامَة: 29]، فَالسَّاقُ هُنَا بِمَعْنَى شِدَّةِ الْأَمْرِ يَوْمَ
الْمَحْشَرِ، قَالَ الْعَرَبُ: شَمَّرَتِ الْحَرْبُ عَنْ سَاقِهَا؛ أَي: اشْتَدَّتْ. (1/71)
صفحة 72
المدخل إلى المذهب الإباضي
قَالَ جَرِيرٌ:
أَلَا رُبَّ سَاهِي الطَّرْفِ مِنْ آلِ مَازِن إِذَا شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الْحَرْبُ شَمَّرَا وَهَذَا مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي يَحْتَلُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ هُوَ نِصْفُ الْكَلَامِ كَمَا يُقَالُ، وَبِهِ يَكُونُ رَدُّ الْمُتَشَابِهِ إِلَى الْمُحْكَمِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ومِنْهُ وَايْتُ تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ} [آل عمران: 7]
فَالْأُمُومَةُ هِيَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْمُحْكَمُ الَّذِي يُرَدُّ إِلَيْهِ الْفَرْعُ وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ. وَالْعَرَبُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ اللَّفْظَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَفِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، فَإِنْ أَرَادُوا
اسْتِعْمَالَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ نَصَبُوا لَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّهُمْ عَلَى مَعْنَاهُ الْمُرَادِ مِنْهُ. (1/72)
صفحة 73
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
الْوَلَايَةُ وَالْبَرَاءَةُ
الْوَلَايَةُ هِيَ الْحُبُّ في اللهِ، أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَهِيَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ، لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ".
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَيْكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ امَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 72]، وَقَوْلُهُ: وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التَّوْبَة: 71]. وَيَنْقَسِمُ كُلَّ مِنَ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
- وَلَايَةُ الْجُمْلَةِ، وَبَرَاءَةُ الْجُمْلَةِ.
- وَلَايَةُ الْأَشْخَاصِ، وَبَرَاءَةُ الْأَشْخَاصِ.
فَوَلَايَةُ الْجُمْلَةِ هِيَ أَنْ تَتَوَلَّى جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَرَاءَةُ الْجُمْلَةِ هِيَ أَنْ تَتَبَرَّأَ مِنْ
جَمِيعِ الْكَافِرِينَ. وَوَلَايَةُ الْأَشْخَاصِ وَبَرَاءَةُ الْأَشْخَاصِ يَنْقَسِمُ كُلُّ مِنْهُمَا إِلَى قِسْمَيْنِ:
- وَلَايَةِ الْحَقِيقَةِ، وَوَلَايَةِ الظَّاهِرِ.
- بَرَاءَةُ الْحَقِيقَةِ، وَبَرَاءَةُ الظَّاهِرِ.
وَقَدْ ثَبَتَتْ وَلَايَةُ الْأَشْخَاصِ وَبَرَاءَةُ الْأَشْخَاصِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ (1/73)
صفحة 74
74
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرحيم)) [التوبة: 118]، وَالثَّلَاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَتَبَرَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ، فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا جُمْلَةٌ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُمْ بِأَشْخَاصِهِمْ جَعَلَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ بَرَاءَةَ
الْأَشْخَاصِ.
وَتَثْبُتُ وَلَايَةُ الظَّاهِرِ وَبَرَاءَةُ الظَّاهِرِ بِالطُّرُقِ التَّالِيَةِ:
- الْمُعَايِّنَةِ.
- الشَّهَادَةِ بِعَدْلَيْنِ.
- الشهرة
هَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثُ هِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْوَلَايَةُ وَالْبَرَاءَةُ، غَيْرَ أَنَّ ثُبُوتَ الْبَرَاءَةِ يَحْتَاجُ إِلَى طَرِيقٍ رَابِعَةٍ وَهِيَ الْإِقْرَارُ، أَيْ أَنْ يَعْتَرِفَ الشَّخْصُ بِنَفْسِهِ بِارْتِكَابِ موجبِ الْبَرَاءَةِ.
مَعْنَى هَذَا تَكُونُ لِلْوَلَايَةِ ثَلَاثُ طُرُقٍ وَلِلْبَرَاءَةِ أَرْبَعُ طُرُقٍ، أَمَّا وَلَايَةُ الْحَقِيقَةِ وَبَرَاءَةُ الحَقِيقَةِ فَتُبُوتُهَا يَحْتاجُ إِلَى دَلِيلِ قَطْعِي مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهُنَاكَ مِنْطَقَةٌ أُخْرَى بَيْنَ مِنْطَقَيِ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ هِيَ مِنْطَقَةُ الْوُقُوفِ.
وَيَنْقَسِمُ الْوُقُوفُ إِلَى:
- وُقُوفِ دِينٍ
- وَوُقُوفِ رَأي. (1/74)
صفحة 75
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
Vo
عَلَى أَنَّنَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَجَرَّأَ فَنَقُولَ: إِنَّ الْوَلَايَةَ وَالْبَرَاءَةَ اسْتُعْمِلَنَا فِي بَعْضِ ا الْأَحْيَانِ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا، فَنَصَبُوا الرَّأْيَ دِينًا، وَقَطَعُوا عُذْرَ
مَنْ خَالَفَهُمْ، وَتَدَخَلَتِ الْعَاطِفَةُ فِي ذَلِكَ.
مَعَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ أَنْ تَكُونَ كَمَا قِيلَ: الْبَرَاءَةُ وَحَدُّ السَّيْفِ سَوَاءُ.
وَلَا أَبْرَأُ مِنْهُ حَتَّى يَحِلَّ لِي دَمُهُ.
لَا أَنْ تَكُونَ عَلَى مَسَائِلَ خِلَافِيَّةٍ فَرْعِيَّةٍ، لِذَلِكَ فَإِنِّي أَدْعُو إِلَى تَحْرِيرٍ جَدِيدٍ
لِلْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَطُرُقِ تُبُوتِهِمَا. (1/75)
صفحة 76
76
قَضَايَا عَقَدِيَّةٌ أُخْرَى
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ:
الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ لَهُمَا اسْتِعْمَالَانِ: لُغَوِيٌّ، وَشَرْعِيُّ.
1 - الْإِيمَانُ اللُّغَوِيُّ: مَعْنَاهُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصْفِ الْأَعْرَابِ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ} [الحجرات: 14].
-2 - الْإِسْلَامُ اللُّغَوِيُّ: مَعْنَاهُ الْإِنْعَانُ وَالِانْقِيَادُ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14].
وَأَمَّا الاِسْتِعْمَالُ الشَّرْعِيُّ لَهُمَا، فَهُوَ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْوَاجِبِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ تَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ أَوْ عَمَلًا بِالْجُوَارِحِ، فَالْكُلُّ إِيمَانُ وَالْكُلُّ إِسْلَامُ، فَالْإِيمَانُ وَالْإِسْلامُ كِلَاهُمَا اعْتِقَادُ بِالْجَنَانِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ، وَقَوْلُ بِاللَّسَانِ، وَعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ. أَي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلُ وَعَمَلُ، كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَوْلُ وَعَمَلُ.
وَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فِي مَفْهُومِ الشَّرْعِ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ال البينة]، وَقَوْلِهِ: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36]. (1/76)
صفحة 77
التأطيرُ الْعَقدِى
/////////////
77
- زِيَادَةُ الْإِيمَانِ:
الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَبَيَانُ زِيَادَتِهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَزْدَادُ مَعْرِفَتُهُ فَيَزْدَادُ إِيمَانُهُ بِمَا يَعْرِفُ، أَمَّا بَيَانُ عَدَمِ نُقْصَانِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا تَعَرَّفَ عَلَى شَيْءٍ تَظُلُّ مَعْرِفَتُهُ ثَابِتَةٌ وَلَا تَنْقُصُ، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا وَصَلَ إِلَى مُسْتَوَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُصُ، وَأَمَّا إِذَا تَوَسَّعَتْ مَعْرِفَتُهُ ازْدَادَ إِيمَانُهُ.
وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيٌّ فَإِنَّهُ إِذَا تَعَرَّضَ حَامِلُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمُحْيِطَاتِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ هُنَالِكَ يَتَهَدَّمُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ)
[الحجرات: 2].
وَقَالَ فِي مَعْرِضِ تَحْذِيرِهِ مِنَ ارْتِكَابِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمُحَرَّمَةِ: وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [الْمَائِدَة: 5]، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيمَانِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، أَمَّا الْأَشْخَاصُ فَهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي إِيمَانِهِمْ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانًا، عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَعَدَمِ نُقْصَانِهِ يَتَطَابَقُ مَعَ الْقَوْلِ: الْإِيمَانُ قَوْلُ وَعَمَلُ. (1/77)
صفحة 78
w VA
المدخل إلى المذهب الإباضي
التَّقِيَّةُ
والتَّقِيَّةُ هِيَ اسْمُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يُتَّقَى بِهِ مَكْرُوهُ عَنِ النَّفْسِ، وَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ هُوَ أَنْ يُهَدِّدَ قَادِرُ إِنْسَانًا بِعَاجِلٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ.
وَحُكْمُهَا أَنَّهَا جَائِزَةُ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا غَيْرَ جَائِزَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ} [النحل: 106]، وَقَوْلِهِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَةُ} [آل عمران:28]. عَلَى أَنَّ جَوَازَهَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ، كَالتَّلَفُظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ
عِنْدَ الْإِكْرَاءِ كَمَا يَقُولُ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ كَلِمَةٍ تَدْفَعُ عَنِّي ضَرْبَ سَوْطَيْنِ إِلَّا تَكَلَّمْتُ بِهَا، وَلَيْسَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَمِينِ إِذَا ضُرِبَ أَوْ
عُذِّبَ أَوْ حُبِسَ أَوْ قُيِّدَ (1).
وَحُكْمُهَا فِعْلًا عَلَى نَوْعَيْنِ:
نَوْعٌ يَحْرُمُ فِعْلُهُ كَقَتْلِ إِنْسَانٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوِ مِنْهُ.
- نَوْعُ يُبَاحُ فِعْلُهُ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ
لَيْسَ فِيهِ ضَرَرُ عَلَى الْغَيْرِ.
(1) رواه الربيع، الجزء الثالث، باب التقية. (1/78)
صفحة 79
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ - أَقْسَامُ الْكُفْرِ:
يَنْقَسِمُ الْكُفْرُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
/////////////
79
1 - كُفْرُ شِرْكٍ: هُوَ أَنْ يُشْرِكَ الْإِنْسَانُ بِالْخَالِقِ شَيْئًا، وَهُوَ قِسْمَانِ: شرْكُ جُحُودٍ: وَهُوَ أَنْ يُنْكِرَ الْإِنْسَانُ وُجُودَ الْخَالِقِ أَوْ يُنْكِرَ رَسُولًا
أ-
مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِهِ أَوْ حَرْفًا مِنْهَا.
ب شِرْكُ مُسَاوَاة: وَهُوَ أَنْ يُسَوِّي الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقَ بِالخَالِقِ أَوِ الخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ، كَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّ عَبَدَةَ الْأَصْنَامِ كَانُوا يُسَرُّونَ بَيْنَهَا
وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى.
وَهَذَا يَسْرِي عَلَى كُلِّ مَنْ عَظَمَ مَخْلُوفًا وَوَصَفَهُ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ، أَوْ وَصَفَ الخَالِقَ بصِفَاتِ الْمَخْلُوقِ.
- كُفْرُ نِعْمَةٍ: وَهُوَ تَغْطِيَةُ نِعْمَةِ اللَّهِ بِسَتْرِهَا الَّذِي يَقْضِي عَدَمَ شُكْرِهَا،
وَهُوَ غَيْرُ مُخْرِج عَنِ الْمِلَّةِ؛ لأنَّهُ رَدِيفُ الْفُجُورِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. وَهُوَ الَّذِي يَعْنِيهِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَبِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إِبْرَاهِيم:]، وَقَوْلُهُ حِكَايَةً عَنِ النَّبِيَّ سُلَيْمَانَ وَلِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُامْ أَكْفُرُ} [النَّمْل:40]، وَقَوْلُهُ: وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:17]، وَقَدْ أَثَارَ هَذَا الْمُصْطَلَحُ سُوءَ فَهُم مُخَالِفِي الْإِبَاضِيَّةِ، فَاتَّهَمُوا الْإِبَاضِيَّةَ بِتَكْفِيرِ مُخَالِفِيهِمْ. (1/79)
صفحة 80
A.
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّ الْإِبَاضِيَّةَ لَمْ يُكَفِّرُوا مُخَالِفِيهِمْ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُونَ بِهَذَا الحُكْمِ غَيْرِ الْمُخْرِج مِنَ الْمِلَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يُوَفِّ فِي دِينِ اللَّهِ إِبَاضِيًّا كَانَ أَوْ
غَيْرَ إِبَاضِي.
قَالَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِي:
وَنَحْنُ لَا نُطَالِبُ الْعِبَادَا
فَوْقَ شَهَادَتَيْهِمُ اعْتِقَادًا
فَمَنْ أَنَّى بِالْجُمْلَتَيْنِ قُلْنَا إِخْوَانُنَا وَبِالْحَقُوقِ قُمْنَا إِلَّا إِذَا مَا نَقَضُوا الْمَقَالًا وَاعْتَقَدُوا فِي دِينِهِمْ ضَلَالًا
قُمْنَا نُبَيِّنُ الصَّوَابَ لَهُمْ
وَقَالَ قَبْلَهُ الْمُحَقِّقُ الْخَلِيلِيُّ:
وَتَحْسَبَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِمْ (1)
إِنَّ كَافِرَ النَّعْمَةِ لَا يُسَمَّى كَافِرًا بِاللهِ، وَقَالَ لَوْ كَانَ كَافِرًا بِاللهِ لَمَا قَيَّدُوهُ
بِكُفْرِ النَّعْمَةِ (؟).
وَحَذَرَ فِي مَوْضِع آخَرَ مِنْ نَشْرِيكِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ قَائِلًا: وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَعْجَلَ بِالْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالْإِشْرَاكِ مِنْ قَبْلِ مَعْرِفَةٍ بِأُصُولِهِ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الْهَلَاكِ وَالْإِهْلَاكِ (3). وَفِي رَأْيِي: إِنَّ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَى الْإِبَاضِيَّةِ بِإِصْرَارٍ تَكْفِيرَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَانَ قَصْدُهُمْ تَشْوِية صُورَةِ الْإِبَاضِيَّةِ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَالتَّنْفِيرَ مِنْهُمْ.
(1) كشف الحقيقة (أرجوزة).
(1) تمهيد قواعد الإيمان، ج 1، ص 244، طبعة الجيل الواعد، سلطنة عمان.
(2) المصدر نفسه، ص 133. (1/80)
صفحة 81
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
- الْمَعَاصِي:
تَنْقَسِمُ الْمَعَاصِي إِلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ:
- الكَبِيرَةُ: هِيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْوَعِيدُ، كَمَا أَنَّهَا تُوجِبُ
الْبَرَاءَةَ مِنْ مُرْتَكِبِهَا.
- الصَّغَائِرُ: فَهِيَ مَعْفُوٌّ عَنْهَا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ مَا لَمْ يَكُنْ إِصْرَارُ عَلَيْهَا، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلَا كَرِيمًا} [النساء: 31]، وَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبير الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّهُمَّ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32]، وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كبير الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا عَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: 37]، وَالدَّمَمُ فِي الْآيَةِ هِيَ مَا دُونَ الْكَبَائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ مِثْلِ الْغَمْرَةِ وَالدَّمْزَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَمَا كَانَ أَهْلُهُ يَدِينُونَ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ وَبِالِاسْتِغْفَارِ فَذَلِكَ هُوَ الدَّمَمُ، وَكُلُّ مَا لَمَّ بِالْقَلْبِ مِنْ ذِكْرِ الْمَعْصِيَةِ أَوْ هَمَّ بِهَا الْعَبْدُ أَوْ نَوَى فِعْلَهَا مِنْ غَيْرِ شَتْمِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا وُقُوعِ فِي أَعْرَاضِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغَائِرِ يَجْعَلُ مِنْهَا كَبَائِرَ، فَاللهُ يَقُولُ: {وَلَمْ يُصِرُ وا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عِمْرَان: 135]، وَالْمَعْصِيَةُ رَدِيفَةُ الذَّنْبِ أَوْ هِيَ الذَّنْبُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِعْلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَاعِلُهُ، وَمَا نُهِيَ عَنْ فِعْلِهِ. (1/81)
صفحة 82
82
المدخل إلى المذهب الإباضي
التَّوْبَةُ
التَّوْبَةُ مَعْنَاهَا الْعَوْدَةُ وَالرُّجُوعُ، فَتَابَ بِمَعْنَى، آبَ، وَهِيَ قِسْمَانِ وَاجِبٌ
وَغَيْرُ وَاجِبٍ.
فَالْوَاجِبُ مِنْهَا هُوَ مَا إِذَا عَصَى الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ عِصْيَانِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، وَقَوْلِهِ: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التَّحْرِيم: 8].
وَأَمَّا غَيْرُ الْوَاجِبِ فَهُوَ تَكْرَارُ التَّوْبَةِ مِمَّنْ عَصَى وَتَابَ إِذَا تَذَكَّرَ ذَنْبَهُ الَّذِي
تَابَ مِنْهُ.
وَأَزَكَانُهَا أَوْ شُرُوطُهَا أَرْبَعَةٌ هِيَ: 1 - النَّدَمُ بِالْقَلْبِ.
J-
2 - الاسْتِغْفَارُ بِاللَّسَانِ.
3 - الْإِقْلَاعُ بِالْبَدَنِ.
الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَى الذَّنْبِ.
وَالتَّوْبَةُ شَرَفُ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ خُضُوعُ وَتَذَلُّلٌ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاعْتِرَافُ بِذَنْبِهِ. إِنَّ الإِسْتِغْفَارَ وَسِيلَةُ لِلتَّوْبَةِ، فَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا إِسْنَادُهُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَقْبُولُ لَدَى الْأُمَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُ والذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا
اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عِمْرَانَ: 135]. (1/82)
صفحة 83
83
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْعَذَابَ عَنِ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، وَالْآيَاتُ الْآمِرَةُ بِالاسْتِغْفَارِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ رَتَّبَ اللهُ عَلَى الاسْتِغْفَارِ خَيْرَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَسَعَادَتَهُمَا، عَلَى أَنَّنَا نَخْتِمُ هَذَا الْمِحْوَرَ - أَلَا وَهُوَ الْإِطَارُ الْعَقَدِيُّ- بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ؛ نَسْأَلُ الله تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ التَّوَّابِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ، وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِصَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ، إِنَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
/////// (1/83)
صفحة 84
المدخل إلى المذهب الإباضي
?? (1/84)
صفحة 85
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
www (1/85)
صفحة 86
86
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
يَتَكونُ الْبِنَاءُ الْفِقْعِيُّ مِنْ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ هِيَ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أُصُولُ الْفِقْهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْفِقْهُ الْعَامُّ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْفِقْهُ السَّيَاسِيُّ. (1/86)
صفحة 87
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أُصُولُ الْفِقْهِ
وَتَنْبَنِي أُصُولُ الْفِقْهِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ
الشَّرْعِيَّة، وهي:
أَوَّلا: الْأَدِلَّةُ:
1 - الْقُرْآنُ:
وَهُوَ كَلَامُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ نُقِلَ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ.
وَهُوَ الْمَصْدَرُ الْأَصْلِيُّ وَالْأَصِيلُ لِلتَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ، فَلَا يَتَقَدَّمُهُ مَصْدَرُ، وَلَا يَعْلُوهُ أَمْرُ.
وَقَدْ تَعَبَّدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ تِلَاوَةٌ وَصَلَاةٌ، وَهُوَ مُعْجِزْ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، بَلْ هُوَ الْمُعْجِرَةُ الْخَالِدَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَرَّ الزَّمَنِ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. (1/87)
صفحة 88
88
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَقَدْ تَحَدَّى اللَّهُ بِهِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَلَا بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، مَعَ بُلُوغِهِمُ الشَّأْوَ الْعَالِيَ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ إِمَامُ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْصِيلِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرَكَةَ حَيْثُ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِهِ قَوْمًا كَانُوا هُمُ الْغَايَةَ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَجْنَاسِ الْكَلَامِ جَيْدِهِ وَرَدِينِهِ، فَشَتَمَ آبَاءَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ، وَقَبَّحَ أَدْيَانَهُمْ وَضَعَفَ أَخْبَارَهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنْفَةِ، وَالْخَيَلَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ، فَقَرَعَهُمْ بِالْعَجْزِ لِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَمَكَنَهُمْ مِنَ الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ وَالِاحْتِيَالِ، وَأَمْهَلَهُمُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ فِي إِثْيَانِهِمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَتَى بِهِ فِي جِنْسِهِ وَنَظْمِهِ مَا يُوجِبُ إِحْقَاقَهُمْ وَإِبْطَالَهُ - حَاشَا لَهُ مِنَ الْبَاطِلِ – فَبَدِّلُوا فِي إِطْفَاءِ نُورِهِ وَدَحْضِ حُجَّتِهِ أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، وَلَمْ يُعَارِضُوا مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ كِتَابِ رَبِّهِ بِأَرْجُوزَةٍ وَلَا قَصِيدَةٍ وَلَا خُطْبَةٍ وَلَا رِسَالَةٍ، فَصَحٌ بِهَذَا أَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ مَا ترَكُوهُ إِلَى بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ).
وَصَدَقَ اللهُ حَيْثُ قَالَ: {قُل لَبِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيرًا} [الْإِسْرَاء:88].
(1) الجامع، ج 1، ص 52. (1/88)
صفحة 89
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
وَالْقُرْآنُ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ التَّوْحِ الْمَحْفُوظ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَرَّقًا؛ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا أَنْزَلَ مِنْهُ حَتَّى جَمَعَهُ)، وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَالْقُرْآنُ مَجْمُوعُ مَتْلُو، وَكَانَتْ سُورُهُ مُتَفَرِّقَةٌ فَجَمَعَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَمْرِ مِنَ الخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَبِحَسَبِ مَكَانِ نُزُولِهِ، فَهُوَ مَكَّيَّ وَمَدَنِيُّ، فَالمَكِّيُّ مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَالْمَدَنِيُّ مَا نَزَلَ بَعْدَهَا.
وَعَدَدُ سُوَرِهِ مِائَهُ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةَ، وَالْبَسْمَلَهُ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ
كُتِبَتْ فِي أَوَّلِهَا.
وَلَا يَجُوزُ الزَّيَادَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظ بِحِفْظِ اللهِ لَهُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ)
[الحجر:9].
وَمَا أَوْرَعَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَالَ: "وَالْقُرْآنُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُزَدْ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهُ، وَإِنَّ اللَّهَ أَحَاطَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَإِنَّهُ لَكِتَبُ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ
(1) صحيح الربيع.
www. (1/89)
صفحة 90
90
المدخل إلى المذهب الإباضي
حَكِيمٍ حَمِيدِ، وَالْعَزِيزُ: الَّذِي عَزَّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِشَبَهِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِي مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ، وَهُوَ كلامهُ وَحُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَإِمَامُ عِبَادِهِ الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا، لَوْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ زِيدَ فِيهِ لَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي تَأْلِيفِهِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ تَأْلِيفِهِ وَوَصْفِهِ وَوَضْعِهِ
أبدا (1)
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا زَادَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ كَانَ عِنْدَ
الْأُمَّةِ كَافِرًا).
(1) الجامع الصحيح، ج 3، الحديث رقم (71). (2) المصدر السابق. (1/90)
صفحة 91
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
91
2 - السنة
السُّنَّةُ هِيَ مَصْدَرُ أَصِيلُ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِي، وَهِيَ الْمَصْدَرُ
الثَّانِي بَعْدَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَالسُّنَّةُ هِيَ أَقْوَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْعَالُهُ وَتَقْرِيرَاتُهُ.
فَالسُّنَّةُ الْقَوْلِيَّةُ هِيَ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَقْوَالٍ.
وَالسُّنَّةُ الْفِعْلِيَّةُ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالٍ.
وَالسُّنَّةُ التَّقْرِيرِيَّةُ هِيَ مَا صَدَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُعْلَمِ الْمُتَأَخَّرُ مِنْهُمَا؛ قُدَّمَ الْأَخْذُ بِالْقَوْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَتَنْقَسِمُ السُّنَّةُ مِنْ حَيْثُ السَّنَدِ إِلَى مُتَوَاتِرَةٍ وَخَبَرِ آحَادٍ.
فَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ هِيَ مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَمَا عَدَا الْمُتَوَاتِرَةِ كَخَبَرِ الْأَحَادِ (1/91)
صفحة 92
92
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْقَنَاعَةَ
وَالْمُسْتَفِيضَةِ وَالْمَشْهُورَةِ فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُتَوَاتِرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِي الْقَطْعِيِّ، أَيْ يُعْطِي الْيَقِينِيَّةَ، أَمَّا خَبَرُ الْآحَادِ فَيُعْطِي الْقَنَاعَةَ الظَّنِّيَّةِ الَّتِي يَصْلُحُ الْعَمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ جَعَلَ خَبَرِ الْآحَادِ مُفِيدًا بِالْعِلْمِ الْيَقِينِيُّ الصَّالِحِ لِلِاعْتِقَادِ كَالْمُتَوَاتِرِ؛ يَكُونُ فِيهِ تَنَاقُضُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ الْعَمَلَ بِالظَّنَّ كَالِاعْتِقَادِ
بِالْقَطْعِي.
وَالسُّنَّةُ هِيَ الْوَحْيُ الْخَفِيُّ بِالنَّظَرِ إِلَى تَقْسِيمِ الْوَحْيِ إِلَى جَلِي وَخَفِيَّ، فَالْجَلِيُّ هُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ الْوَحْيُ الْخَفِيُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَهُوَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْوَحْيُ الْخَفِيُّ بِدَوْرِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَالظَّاهِرُ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْيا خَفِيًّا، وَالْبَاطِلُ مَا كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَنْزِلُ فِيهَا وَحْيُّ.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى السُّنَّةِ:
فَهُنَاكَ الْمُتَصِلُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمَوْقُوفُ، وَالْمَقْطُوعُ.
فَالْمُتَّصِلُ هُوَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
غَيْرِ انْقِطَاع في السَّنَدِ. (1/92)
صفحة 93
الْبِنَاءُ ا --------
وَالْمُرْسَلُ هُوَ مَا سَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ.
وَالْمَوْقُوفُ مَا وَقَفَ سَنَدُهُ إِلَى الصَّحَابِيِّ.
وَالْمَقْطُوعُ مَا وَقَفَ سَنَدُهُ عَلَى التَّابِعِيِّ
وَالْمُتَّصِلُ وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ إِذَا ثَبَتَتْ صِحَتُهُمَا سَنَدًا وَمَتْنا.
أَمَّا الْمَوْقُوفُ وَالْمَقْطُوعُ فَلَيْسَا بِحُجَّةٍ.
93
عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ الْبَرِيصَ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مِنَ الْحَدِيثِ الضَّعِيف، هُوَ مَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ بِسَنَدِهِ الرَّفِيعِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَمِنّي، وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ مِنّي
(1) n
وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي عَلَى أَلَا عِيبِ الْوَضَّاعِينَ وَالزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ وَضَعُوا آلافَ الْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمِنْ هُنَالِكَ تَجِدُهُمْ يُهَاجِمُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَيُسَلِّطُونَ سِهَامَ نَقْدِهِمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَضَحَهُمْ
وَيَفْضَحُهُمْ.
(1) صحيح الربيع، ج 1، الحديث رقم (41). (1/93)
صفحة 94
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
94
فَأَنَّى خَيْرُ فِي حَدِيثٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟! فَكُلُّ حَدِيثٍ يُخَالِفُ كِتابَ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ يُرْمَى بِهِ فِي الْمَزَابِلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النَّحْل:44].
وَنَظَرًا لِمَا أَحْدَثَهُ الْوَضَّاعُونَ مِنْ جَرَائِمَ فِي إِسْنَادِ الْأَحَادِيثِ امْتَنَعَ أَهْلُ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ، فَقَدِ امْتَنَعَ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْحُجَّةُ الْفَقِيهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبِ الْفَرَاهِيدِيُّ مِنَ التَّحْدِيثِ إِلَّا لِلْقِلَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَهْلِ ثِقَتِهِ خَوْفًا مِنْ إِسْنَادِ أَحَادِيثَ تُرْوَى مِنْ طَرِيقِهِ.
وَهَذَا هُوَ مَنْهَجُ الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلِ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَدْ قَالَ: كُنَّا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذُّلُولَ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنِّي أَرَى أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرِّوَايَةِ.
فَالرَّوَايَةُ تَبْقَى رِوَايَةٌ حَتَّى تَثْبُتَ صِحَتُهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُصْبِحَ سُنَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا.
وَالسُّنَّةُ لَدَيْهَا اسْتِقْلَالُ بِالتَّشْرِيعِ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُفَضِّلَةٌ فَذَلِكَ التَّنْيِينُ وَالتَّفْصِيلُ تَشْرِيعُ فِي حَدٌ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرُ أَصِيلُ لِلتَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ وَحُجَّةٌ فِيهِ، وَتِلْكَ الْمَصْدَرِيَّةُ تُعْطِيهَا صِفَةَ الِاسْتِقْلَالِ فِي التَّشْرِيعِ (1/94)
صفحة 95
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
والحُجَّيَّةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا آنَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الْحَشْرُ: 7]
وقَوْله: وفَإِن تَتَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النَّسَاءُ:59]
عَلَى أَنَّ التَّعَامُلَ مَعَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَفْقَ الْمَنْهَجِ الَّذِي ذكَرَهُ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَلَامَةُ فِي الدِّينِ خَمِيسُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّقصِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَالسُّنَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُجْتَمَعِ عَلَيْهِا، وَمُخْتَلَفٍ فِيهِنَا، فَالْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا هِيَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ طَلَبِ صِحَتِهَا لِإِشَاعَتِهَا عِنْدَ الرُّوَاةِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ وَمُوَافَقَتِهَا لِحُكْمِ التَّنْزِيلِ.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهِيَ الَّتِي لَمْ يَبْلُغَ الْكُلَّ عِلْمُهَا، وَيَقَعُ التَّنَازُعُ بَيْنَ النَّاسِ فِي صِحَتِهَا، فَلِذَلِكَ تَجِبُ الْأَسَانِيدُ وَالْبَحْثُ عَنْ صِحَتِهَا، ثُمَّ يَقَعُ التَّنَازُعُ فِي تَأْوِيلِهَا إِذَا صَحَّ نَقْلُهَا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا كَانَ رُجُوعُهُمْ
فِيهَا إِلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى (1).
(1) منهج الطالبين، ج 1، ص 84، وزارة التراث والثقافة.
www. (1/95)
صفحة 96
96
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَفِي رَأْيِي: إِنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ الْيَوْمَ مَدْعُوَّةً إِلَى وَضْعِ مَنْهَجٍ جَدِيدٍ لِقَبُولِ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْهَجَ الْمَوْجُودَ الْمُتَمَثَّلَ فِي مُصْطَلَحٍ عُلُومِ الْحَدِيثِ وُضِعَ عَلَى أَسَاسِ طَائِفِي مَذْهَيِّ مِنْ تَجُمُوعَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يُلَبِّي حَاجَةَ الْأُمَّةِ حَاضِرًا وَمُسْتَقْبَلًا، لِذَلِكَ وَضْعُ مَنْهَجٍ أَوْ مُصْطَلَحٍ جَدِيدٍ أَمْرُ ضَرُورِيٌّ لِتَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ عَلَى مُخْتَلِفِ فِرَقِهَا وَمَذَاهِبِهَا، وَلَكِنْ مَتَى؟ وَأَيْنَ؟ وَكَيْفَ؟
فَعَسَى وَلَعَلَّ. (1/96)
صفحة 97
الْبَنَاءُ الْفِقْهِيُّ
- الإجماع:
هُوَ اتَّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
زَمَنِ مَا، عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٌّ فِي وَاقِعَةٍ مَا، وَلَهُ أَرْكَانُ أَرْبَعَةُ هِيَ:
1 - أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَدَدُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَادِثَةِ. 2 - أَنْ يَتَّفِقَ جَمِيعُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيَّ أَثْنَاءَ
الْوَاقِعة.
3 - أَنْ يُبْدِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكُمُ الْمُجْتَهِدِينَ رَأْيَهُ صَرِيحًا فِي الْوَاقِعَةِ. 4 - أَنْ يَتَحَقَّقَ الإنْفَاقُ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِي فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ.
وَأَنْوَاعُهُ اثْنَانِ هُمَا:
الْإِجْمَاعُ الْقَوْلِيُّ: وَهُوَ مَا فِيهِ اتَّفَاقُ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ، أَوْ تَوَاطُؤُ أَفْعَالِهِمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. (1/97)
صفحة 98
J'
98
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْإِجْمَاعُ السُّكُونِيُّ: وَهُوَ مَا فِيهِ قَوْلُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ عَمَلُهُ، مَعَ سُكُوتِ
الْبَاقِينَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَهُوَ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا يُفِيدُ
الْعِلْمَ الْقَطْعِيُّ الْيَقِينِيَّ.
وَلَكِنْ هَلِ انْعَقَدَ إِجْمَاعٌ فِي تَارِيخِ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ
الْمَذْكُورَةِ؟
يَرَى الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ خَلَاف أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ إِجْمَاعٌ، وَمَا حَدَثَ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ كَانَ اتَّفَاقًا مِنَ الْحَاضِرِينَ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ عَلَى حُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ الْمَعْرُوضَةِ.
وَيَرَى أَنَّهُ يُمْكِنُ انْعِقَادُهُ إِذَا تَوَلَّتْ أَمْرَهُ الْحُكُومَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى
اخْتِلَافِهَا وَفْقَ ضَوَابِطَ وَشُرُوطٍ حَدَّدَهَا (1).
وَأَقُولُ: حَتَّى مَعَ تِلْكَ الضَّوَابِطِ وَالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ خَلَّافُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ إِجْمَاعٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَوْجُودُونَ فِي كُلِّ أَغْحَاءِ الْعَالَمِ، فَهُمْ فِي الْحُكُومَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَغَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهِمْ أَهْلُ عِلْمٍ يُؤَمِّلُهُمْ عِلْمُهُمْ لِلاجْتِهَادِ، وَلَكِنْ أَنَّى جَمْعُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ وَإِجْمَاعُهُمْ.
(1) علم أصول الفقه، ص 44، 45، مؤسسة الرسالة. (1/98)
صفحة 99
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَا هُوَ مُلْحَقُّ بِالْإِجْمَاعِ: وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا مِنْ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالٍ، وَنَظَرًا إِلَى كَوْنِ ذَلِكَ التَّمَسُّكِ حَتَّى أُلْحِقَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلَّهُمْ قَالُوا بِذَلِكَ الْأَقَلَّ ثُمَّ
زَادَ مَنْ زَادَ فِيهِ (1).
4 - الْقِيَاسُ:
هُوَ حَمْلُ مَجْهُولِ الْحُكْمِ عَلَى مَعْلُومِ الْحُكْمِ بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا، لِتَسَاوِي
الحُكْمِ فِيهَا، وَالْجَامِعُ هُوَ الْعِلَّهُ.
وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةُ هِيَ:
1 - الْأَصْلُ، وَهُوَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ.
2 - الْفَرْعُ، وَهُوَ الْمَقِيسُ.
الْحُكْمُ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَلَى الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى حُكْمَ الْأَصْلِ، مَعَ إِمْكَانِيَّةِ نَقْلِهِ إِلَى الْفَرْعِ مِنْ خِلَالِ الْعِلَّةِ.
(1) السيابي، خلفان بن جميل، فصول الأصول، ص 426، دراسة وتحقيق د. سليم أولاد ثاني. (1/99)
صفحة 100
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْعِلَّةُ، وَهِيَ الْجَامِعُ الْمُشْتَركُ بَيْنَ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ) وَالْفَرْعِ (الْمَقيس)، كَمَا أَنَّهَا الْعَلَامَةُ الدَّالَّهُ عَلَى وُجُودِ الحُكْمِ، وَهِيَ وَصْفُ ظَاهِرُ مُنضَبط مُتَعَد.
عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَهَا مَسَالِكُ تُوَصِّلُ إِلَيْهَا، وَهِيَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالسَّبُرُ
وَالتَّقْسِيمُ.
كَمَا أَنَّ لَهَا طُرُقًا مِنْهَا مَا هُوَ مَنْصُوصُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَنْبَطُ، وَلَهَا
شُرُوطٌ وَقَوَادِحُ.
عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ لُبُّ الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ هُوَ لُبُّ عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَكُونُ تَعْلِيلُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ لِتَحْقِيقِ
الْمَصَالِحِ لِلْعِبَادِ وَالْبِلَادِ.
وَلِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ بَابَ الْقِيَاسِ هُوَ أَوْسَعُ أَبْوَابٍ عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلِذَلِكَ فَهُوَ يَأْخُذُ مِسَاحَةٌ وَاسِعَةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
وَالْقِيَاسُ حُجَّةً شَرْعِيَّةُ دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ:
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النِّسَاء: 59].
-2 (1/100)
صفحة 101
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
وَقَوْلُهُ: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر:2].
وقَوْلُهُ: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمُ (قُلْ
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]. وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنُ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ، أَلَسْتِ قَاضِيَةٌ عَنْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَاكَ ذَاكَ.
وَمِنْهَا سُؤَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةُ، وَالْأَحَادِيثُ أَكْثَرُ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، فَهُمْ قَاسُوا الْوَقَائِعَ وَالنَّوَازِلَ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِيهَا حُكْمُ عَلَى مَا وَرَدَ
فِيهَا حُكْم.
www (1/101)
صفحة 102
#
المدخل إلى المذهب الإباضي
ه- الاسْتِحْسَانُ:
وَلَهُ تَعَارِيفُ عِدَّةٌ، وَقَدْ حَسَمَ الْخِلَافَ حَوْلَهَا نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ بِقَوْلِهِ: "وَلَا يَلْزَمُ الْقَائِلَ بِالاِسْتِحْسَانِ إثْبَاتُ مَعْنَى مُختلف فِيهِ، فَإِنَّ الاِسْتِحْسَانَ عِنْدَ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هُوَ مَا فَسَّرُوهُ بِهِ، فَإِنْ وَافَقَ الْخَصْمُ عَلَى تُبُوتِ الاسْتِحْسَانِ الَّذِي أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فِي تُبُوتِهِ (1).
وَقَالَ الشَّيْخُ خَلْفَانُ بْنُ جَمِيلِ السَّيَابِيُّ: " وَفِي فَتَاوَى الْمَذْهَبِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِالاسْتِحْسَانِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَصْحَابِ (2).
(1) طلعة الشمس، ج 2، ص 283.، تحقيق عمر حسن القيام. (2) فصول الأصول، ص 529، تحقيق سليم أولاد ثاني. (1/102)
صفحة 103
الْبَنَاءُ الْفِقْهِيُّ
103
6 - الاسْتِصْحَابُ:
وَهُوَ إِبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى أُصُولِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ وُجُودٍ أَوْ عَدَمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَإِبْقَاءِ الْعُمُومِ عَلَى عُمُومِهِ، وَإِبْقَاءِ النَّصِّ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يُرَدَّ
الْمُخَصَّصُ لِلْعُمُومِ أَوِ النَّاسِحُ لِلْمَنْصُوص.
أَيْ إِبْقَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّيْءِ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى تَغَيرِ
تحل الحكم.
7 - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ:
وَهِيَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ النَّاسِ وَتَنْدَفِعُ عَنْهُمُ الْمَفْسَدَةُ، وَحَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ الْوَصْفَ وَلَمْ يُلْعِهِ سُمِّي مُرْسَلًا أَي مُطْلَقًا، وَهِيَ حُجَّةً شَرْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مَصَالِحَ النَّاسِ مُتَجَدِّدَةٌ غَيْرُ
مُنْتَهِيَةٍ غَيْرَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا:
- أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةٌ حَقِيقِيَّةٌ غَيْرَ وَهْمِيَّةٍ.
- أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ وَلَيْسَتْ مَصْلَحَةٌ شَخْصِيَّةٌ. (1/103)
صفحة 104
104
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَفِي رَأْبِي أَنَّهَا مُرْتَبِطَةُ بِالْحَاكِمِ بِاعْتِبَارِهِ وَلِيَّ الْأَمْرِ، فَهُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ مَا فِيهِ
الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لِلنَّاسِ كَحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ بَيْنَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْمُسْتَقْرِئُ لِتَارِيخِ النَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَمَا بَعْدُ يَجِدُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ هُوَ مَنْ قَرَّرَ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ الَّتِي لَمْ تُعَارِضْ حُكْمًا ثَبَتَ بِنَضٌ أَوْ إِجْمَاعٍ.
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُؤَكِّرِ الصَّلْتُ بْنُ خَمِيسِ الْخَروصِيُّ حِينَ أَمَرَ بِحَرْقٍ بُيُوتِ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا لِئَلَّا يَعُودُوا إِلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَانَ الْقَوْمُ مُسْلِمِينَ فَلَا يَحِلُّ حَرْقُ بُيُوتِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَبُيُوتُهُمْ غَنِيمَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ عَلَى مَوْقِفِهِ. قَالَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ مُعَقِّبًا عَلَى ذلك: وَلَا مُسْتَنَدَ لِأَبِي الْمُؤَكِّرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا الْقِيَاسُ الْمُرْسَلُ، وَهُوَ النَّظَرُ فِي صَلَاحِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْقَرَامِطَةِ مَلْجَأَ يَلْجَنُونَ
إِلَيْهِ).
- الاستقراء:
وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَتَبُّعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى
قِسْمَيْنِ: (1/104)
صفحة 105
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
1 - اسْتِقْرَاءِ كَامِلٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ قَطْعِيُّ.
2 - اسْتِقْرَاء نَاقِصُ، وَهُوَ دَلِيلُ ظَنّي.
هَذِهِ هِيَ الْأَدِلَّهُ الْأُصُولِيَّةُ، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفُ فِيهِ كَحُجَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَتُورِدُ
الْمَصَادِرُ الْإِبَاضِيَّةُ دَلِيلَيْنِ آخَرَيْنِ هُمَا:
- قَوْلُ الصَّحَابِيِّ.
- الْإِلْهَامُ.
وَلَكِنَّهَا تُقَرِّرُ عَدَمَ حُجَّتَيْهِمَا.
أَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِي فَيَقُولُ فِيهِ الشَّيْخُ خَلْفَانُ بْنُ جَمِيلِ السَّيَابِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ، لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ صَحَابِيٌّ وَلَا غَيْرِهِ لِجَوَازِ الْخَطَا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ
مَعْصُومِينَ مِنْهُ (2).
(1) طلعة الشمس، ج 2، ص 221.
(1) فصول الأصول، ص 531. (1/105)
صفحة 106
1.7
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَأَمَّا الْإِلْهَامُ، فَيَقُولُ الشَّيْخُ السَّيَابِيُّ فِيهِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ
حُجَّةً إِلَّا فِيمَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ مِمَّا تَقُومُ حُجَّتُهُ بِالْعَقْلِ دُونَ مَا كَانَتِ الْحُجَّةُ
فِيهِ بِطَرِيقِ السَّمْعِ).
ثَانِيَّا: الْقَوَاعِدُ:
1 - مَنْهُومُ الْخِطَابِ:
وَهُوَ قِسْمَانِ:
- مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ.
- مَنْهُومُ مُخَالَفَة.
وَمَنْهُومُ الْمُوَافَقَةِ هُوَ الْمَنْظُوقُ، وَهُوَ مَا وَافَقَ حُكْمُ السُّكُوتِ عَنْهُ حُكْمَ
الْمَنْظُوقِ بِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
- فَحْوَى الْخِطَابِ.
- لَحْنُ الْخِطَابِ.
(1) نفس المصدر، ص 533، (1/106)
صفحة 107
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
وَدَلَالَهُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ بِنَوْعَيْهِ قَطْعِيَّةٌ، وَأَمَّا مَنْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَهُوَ مَا خَالَفَ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمَ الْمَنْظُوقِ بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ دَلِيلُ
الخطاب.
وَهُوَ حُجَّةٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ.
وَأَنْوَاعُهُ سَبْعَةُ، هِيَ:
ا مَفْهُومُ الْغَايَةِ
وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ
وَمَنْهُومُ الشَّرْطِ
{
ا وَمَنْهُومُ الحَصْرِ
0
ه. وَمَنْهُومُ الْوَصْفِ
6. وَمَنْهُومُ الاسْتِثْنَاءِ
وَمَنْهُومُ اللَّقَبِ. (1/107)
صفحة 108
المدخل إلى المذهب الإباضي
2 - الْأَمْرُ وَالنَّهْي:
الْأَمْرُ هُوَ طَلَبُ فِعْلٍ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الدُّعَاءِ، وَيُفْهَمُ بِالصِّيغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ نَحْوَ (افْعَلْ)، وَبِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعَ الْقَرِينَةِ.
وَهُوَ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ تَصْرِفْهُ قَرِينَةٌ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا النَّهْيُ وَهُوَ طَلَبُ كَفَّ عَنْ فِعْلٍ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُوَجَّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا تَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ فَهُوَ دُعَاءُ لَا نَعْى.
وَيُعْرَفُ النَّعْيُ مِنَ الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ الَّتِي هِيَ حَقِيقِيَّةٌ وَعَجَازِيَّةٌ.
وَالْحَقِيقِيَّةُ هِيَ صِيغَةُ (لَا تَفْعَلْ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّيغَةَ مَوْضُوعَةُ لَهُ.
وَمَا عَدَاهَا فَهِيَ مَجَازِيَّةٌ.
وَحُكْمُ النَّفْيِ التَّحْرِيمُ مَا لَمْ تَصْرِفْهُ قَرِينَةٌ إِلَى إِرَادَةِ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْخِلَافُ فِيهِ هُوَ: هَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِفَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ،
وَبَعْضُهُمْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ.
وَبَعْضُهُمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، فَيَرَى فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي
الْعِبَادَاتِ وَلَيْسَ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
وَفِي رَأْيِي: أَنَّ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ هُوَ الْمُنَاسِبُ. (1/108)
صفحة 109
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
3 - الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ:
وَالْمُظْلَقُ هُوَ مَا دَلَّ عَلَى شَائِعِ فِي جِنْسِهِ.
وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَهُوَ مَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الشُّيُوعِ بِوَصْفِ أَوْ بِحَسَبٍ وَضْعِ أَصْلِيَّ.
وَلَهُمَا أَرْبَعُ صُوَرٍ:
اتَّحَادُهُمَا سَبَبًا وَحُكْمًا.
اخْتِلَافُهُمَا سَبَبًا وَحُكْمًا.
اخْتِلَافُهُمَا سَبَبًا وَاتَّحَادُهُمَا حُكْمًا.
اتَّفَاقُهُمَا سَبَبًا وَاخْتِلَافُهُمَا حُكْمًا.
فَفِى الصُّورَةِ الْأُولَى: يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِلَا خِلَافٍ.
وفي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِلَا خِلَافٍ.
wwwww (1/109)
صفحة 110
110
المدخل إلى المذهب الإباضي
وفي الصُّورَتَيْنِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ: هُنَاكَ اخْتِلَافُ قِيلَ: يُحْمَلُ الْمُظْلَقُ عَلَى
الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ ابْنِ بَرَكَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَا يُحْمَلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ تَحْبُوبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (1/110)
صفحة 111
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
4 - الْعَامُ وَالْخَاصُّ:
الْعَامُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَدَلَالَتُهُ قَطْعِيَّةُ عَلَى أَقَلَّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، أَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ ظَنِّيَّةُ لِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ هُنَا.
وَلَهُ صِيَعٌ عَدِيدَةً يُعْرَفُ بِهَا، وَهِيَ مَنْ وَمَا الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ وَالشَّرْطِيَّتَيْنِ، وَجَمِيعُ، وَكُلُّ، وَأَيِّنْ، وَحَيْثُ، وَمَتَى، وَمَهْمَا، وَأَيُّ لِمَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ، وَالنَّكِرَةُ
وَالْجُمْعُ الْمُعَرَّفُ.
وَأَمَّا الْخَاصُ فَهُوَ قَصْرُ الْعَامَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادٍ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى فَرْدٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ كَمَا لَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ.
وَدَلَالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ عَلَى مَدْلُولِهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ اللَّفْظُ الْخَاصُّ. .
وَإِذَا تَعَارَضَ الْعَامُ وَالْخَاصُ كَانَ الْحُكْمُ لِلْخَاصَّ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْعَامَّ، سَوَاءٌ كَانَا مُتَزَامِنَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْآخَرِ. (1/111)
صفحة 112
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
112
أَمَّا إِذَا كَانَ اللَّفْظُ عَامًا وَالسَّبَبُ خَاصَّا، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا
بخصوص السبب.
وَلِلتَّخْصِيصِ أَدَوَاتُهُ، وَهِيَ الْمُخَصَّصَاتُ الْمُتَّصِلَةُ وَالْمُخَصَّصَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ.
وَالعَامُ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الْمَتْنِ، فَهُوَ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ، وَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرٍ أَحَادِيٌّ
أَوْ بِقِيَاسِ جَلِي
فَالْمُخَصَّصَاتُ الْمُتَّصِلَةُ هي: الاسْتِثْنَاءُ، وَالشَّرْطُ، وَالصَّفَةُ، وَالْغَايَةُ، وَبَدَلُ
الْبَعْضِ.
وَأَمَّا الْمُخَصَّصَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ: لَفْظِيَّةٌ وَغَيْرُ لَفْظِيَّةٍ.
فَغَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ الحِسُ وَالْعَقْلُ.
وَاللَّفْظِيَّةُ: الْكِتَابُ السُّنَّةُ الْقِيَاسُ، وَفَحْوَى الْخِطَابِ، وَعَطْفُ الْعَام عَلَى الخاص، أَوِ الْعَكْسُ، وَرُجُوعُ الضَّمَائِرِ، عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِهَا.
وَعَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ الْعَامَ وَالْخَاصَّ بَيْنَهَا تَرَابُطُ قَوِيٌّ يَكَادُ لَا يُعْرَفُ أَحَدُهُمَا
إِلَّا بِعَلَاقَتِهِ بِالْآخَرِ. (1/112)
صفحة 113
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ ه النَّسْخُ:
113
وَهُوَ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيَّ بَعْدَ نُبُوتِهِ بِحُكْمِ شَرْعِيَّ آخَرَ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَقْلًا وَنَقْلًا، وَتَحَلُّهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الشَّرْعِيَّانِ، سَوَاءُ وَرَدًا بِصِيغَتِهِمَا الْمَعْرُوفَتَيْنِ (افْعَلْ) و (لَا تَفْعَلْ) أَوْ وَرَدَا بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، كَأَمَرْتُكُمْ بِكَذَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ كَذَا، وَالنَّسْخُ وَاقِعُ فِي الْكِتَابِ كَنَسْخِ الحُكْمِ وَالتَّلَاوَةِ مَعًا، وَنَسْخِ التَّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَيْمَةِ عُمَانَ نَسْخَ التَّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ).
وَمِمَّا يُضْرَبُ مِثَالًا مِنْ نَسْخِ التَّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ بِالْقَوْلِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجِمُوهُمَا الْبَتَّةَ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِلِاعْتِبَارَاتِ التَّالِيَةِ:
- التَّعْبِيرُ لَا يَنْسَجِمُ مَعَ نَظْمِ الْقُرْآنِ فَصَاحَةٌ وَبَلَاغَةٌ.
- التَّعْبِيرُ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ لِلزَّانِيَيْنِ مُشْعِرُ بِتَكْرِيمِهِمَا، وَهُوَ لَا يَتَنَاسَبُ
مَوْقِفًا وَمَوْضُوعًا.
- لَوْ كَانَتْ آيَةٌ مَنْسُوخَةَ التَّلَاوَةِ مَا بَقِيَتْ مَعْرُوفَةٌ تُكْتَبُ وَتُقْرَأُ.
وَكَمَا أَنَّ النَّسْخَ وَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ وَاقِعُ كَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ.
(1) طلعة الشمس، ج 1، ص 548، نقلاً عن البدر الشماخي. (1/113)
صفحة 114
114
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَقَدْ تَقَرَّرَ:
- نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ.
- نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ.
- نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمَشْهُورَةِ.
- نَسْخُ السُّنَّةِ، الْآحَادِيِّ بِالْأَحَادِيِّ.
- لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ قُرْآنًا وَسُنَّةً بِالْأَحَادِيِّ.
وَأَرَى أَنَّهُ يَنْبَغِي عَدَمُ التَّوَسُّعِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ.
وَفِي رَأْبِي أَنَّ الْفُقَهَاءَ تَوَسَّعُوا فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ الَّتِي قِيلَ عَنْهَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةُ الْأَحْكَامِ - إِنْ لَمْ يَكُنِ الْكَثِيرُ مِنْهَا - يُمْكِنُ تَطْبِيقُ
أَحْكامِهَا وَاقِعا حَيَاتِيا.
عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (1/114)
صفحة 115
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
ثَالِثًا: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ:
تَدُورُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ، هِيَ:
- الْحُكْمُ.
- الحاكم
- الْمَحْكُومُ فِيهِ.
- الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ.
الحكم
وَهُوَ أَثَرُ خِطَابِ اللَّهِ الْمُتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ افْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا.
وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ هُمَا:
- الْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ.
- الْخِطَابُ الْوَضْعِيُّ. (1/115)
صفحة 116
المدخل إلى المذهب الإباضي
فَالْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ هُوَ الَّذِي يَدُورُ عَلَى الْإِيجَابِ وَالتَّخْيِيرِ، وَهُوَ مَا اقْتَضَى
طَلَبَ فِعْلٍ مِنَ الْمُكَلِّفِ، أَوْ نَهْيَهُ عَنْ فِعْلٍ، أَوْ تَكْبِيرَهُ بَيْنَ فِعْلٍ وَالْكَفَّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْخِطَابُ الْوَضْعِيُّ هُوَ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ أَوْ شَرْطًا لَهُ، أَوْ مَانِعًا مِنْهُ.
وَيَنْقَسِمُ الحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ هِيَ:
- الْوُجُوبُ، وَهُوَ الَّذِي يُتَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. - النَّدْبُ، وَهُوَ الَّذِي يُتَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
- التَّحْرِيمُ، وَهُوَ الَّذِي يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُقَابُ عَلَى تَرْكِهِ.
- الْمَكْرُوهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي تَرْكِهِ ثَوَابُ وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ عِقَابٌ.
الْمُبَاحُ، وَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى النَّيَّةِ، فَيَكُونُ تَارَةٌ طَاعَةٌ وَتَارَةً مَعْصِيَةٌ؛ لِمَا يَعْرِضُ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاحِ النَّيَّةِ وَفَسَادِهَا.
عَلَى أَنَّ دَائِرَةَ الْمُبَاحِ أَوْسَعُ دَوَائِرِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ الْوَضْعِيَّ
لَهُ أَقْسَامُ خَمْسَةٌ هِيَ:
- السَّبَبُ، وَهُوَ مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ عَلَامَةٌ عَلَى الْمُسَبِّبِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ السَّبَبِ
وُجُودِ الْمُسَبِّبِ، وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ. (1/116)
صفحة 117
www.
الْبِنَاءُ الْفِقْه
- الشَّرْطُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْحُكْمِ.
- الرُّكْنِيَّةُ، وَالرُّكْنُ مَا يَقُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ وَيَنْهَدِمُ بِانْتِفَائِهِ.
الْعِلَّةُ، وَهِيَ الْوَصْفُ الْمُؤَكِّرُ بِنَفْسِهِ في الحُكْمِ، وَهِيَ تَشْمَلُ الْعَلَامَةَ أَيْضًا.
- الْعَلَامَةُ، وَهِيَ الْوَصْفُ الْكَاشِفُ عَنِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى تَعَلُّقِ وُجُودٍ
ووُجُوب
عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ: التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيَّ هُوَ:
- الحكْمُ التَّكْلِيفِيُّ مَوْرُودُهُ مَظْلُوبِيَّةُ الْعَمَلِ مِنَ الْمُكَلِّفِ فِعْلًا أَوْ كَنَّا عَنْ فِعْلٍ أَوْ تَكْبِيرًا بَيْنَ فِعْلٍ وَكَفَّ، وَهُوَ يَأْتِي فِي مَقْدُورِ الْمُكَلَّفِ، إِذْ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِمَقْدُورٍ وَلَا تَكْبِيرَ إِلَّا بَيْنَ مَقْدُورٍ وَمَقْدُورٍ
- الحُكْمُ الْوَضْعِيُّ: مَوْرُودُهُ بَيَانُ كَوْنِهِ سَبَبًا لِمُسَبِّبِهِ، أَوْ كَوْنِهِ شَرْطًا لِمَشْرُوطِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ حُكْمِ مَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَقْدُورِ الْمُكَلِّفِ، وَقَدْ يَكُونُ
لَيْسَ فِي مَقْدُورِهِ. (1/117)
صفحة 118
118
المدخل إلى المذهب الإباضي
2 - الْحَاكِمُ
وَهُوَ الَّذِي أَثْبَتَ عَلَى الْمُكَلِّفِ الْأَحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي يُتَابُ عَلَى فِعْلِهَا
وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا.
وَبِمَا أَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ أَثَرُ خِطَابِ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ مَصْدَرُ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِتَبْيِينِ تِلْكَ الأحكام: هو إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ} [الْأَنْعَامِ: 57]
فَإِنَّ الْحَاكِمُ الشَّرْعُ.
وَقَدِ احْتَدَمَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِحَاكِمِيَّةِ الشَّرْعِ وَالْقَائِلِينَ بِحَاكِمِيَّةِ
العقل.
وفِي رَأْيِي: أَنَّ الشَّرْعَ (النَّصَّ) يَحْكُمُ، وَالْعَقْلَ يَفْهَمُ، فَمَنَاطُ فَهُم النَّصَّ أَوِ الشرع هُوَ الْعَقْلُ.
وَيَأْتِي الْحُكُمُ لِلْعَقْلِ فِي نِطَاقٍ مَحْدُودِ، كَعِنْدَ عَدَمٍ وُرُودِ الشَّرْعِ، أَمَّا عِنْدَ
وُرُودِ الشَّرْعِ فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ.
وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الْكَلَامِ، غَيْرَ أَنَّهَا تُورَدُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِتَوْضِيح أَثَرِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَفْعَالِ الْمُكَلِّفِينَ. (1/118)
صفحة 119
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
3 - الْمَحْكُومُ بِهِ:
وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ الشَّارِعِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعِ:
- مَا فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ، كَالِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ.
119
مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ فَقَط كَحُرْمَةِ أَمْوَالِهِمْ وَعَدَمِ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا. - مَا فِيهِ حَقٌّ مُشْتَرَكُ لِلَّهِ وَلِلْعِبَادِ، وَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ الْمُوَقَّعَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَفْعَالِ الْمُؤْذِيَةِ لِلْغَيْرِ كَحَدَّ الْقَذْفِ، وَالْقَصَاصِ فِي الْجِنَايَاتِ مِنَ
الجناة.
4 - الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ:
وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ صِفَةُ التَّكْلِيفِ مِنْ حَيْثُ كَمَالِ قُوَّتِهِ فِي بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْأَهْلِيَّةِ، وَتَتَفَرَّعُ عَنْ صِفَةِ التَّكْلِيفِ الْأَهْلِيَّةُ بِنَوْعَيْهَا الْوُجُوبِيَّ وَالْأَدَائِيَّ.
فَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ عِبَارَةٌ عَنْ صَلَاحِيَةِ الْعَبْدِ لِيَكُونَ تَحَلَّا لِحُكْمِ الْخِطَابِ.
أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ، فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ صَلَاحِيَةِ الْعَبْدِ لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ. (1/119)
صفحة 120
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُنَالِكَ عَوَارِضُ تَعْتَرِضُ هَذِهِ الْأَهْلِيَّةَ، وَهَذِهِ الْعَوَارِضُ مِنْهَا سَمَاوِيَّةٌ (1) مِنَ الله، وَمِنْهَا مُكْتَسَبَةٌ أَيْ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَالْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ هِيَ الْجُنُونُ، وَالْعَتَهُ، وَالصَّغَرُ، وَالرَّقُ، وَالنِّسْيانُ، وَالنَّوْمُ، وَالْخَيْضُ، وَالنَّفَاسُ، وَالْمَوْتُ، وَالْمَرَضُ، وَالْإِغْمَاءُ أَمَّا الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ فَهِيَ الْجَهْلُ، وَالْخَطَأُ، وَالْهَزْلُ، وَالسَّفَهُ، وَالسَّفَرُ، وَالسُّكْرُ، وَالْإِكْرَاهُ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ لَهُ حُكْمُهُ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ وَمَشْرُوحَةُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
(1) هكذا جاء في كتب الأصول، فلو عبر عنها بالربانية لكان أفضل فرارا من التجسيم والحلول. (1/120)
صفحة 121
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
121
رابعًا: قَوَاعِدُ الْفِقْهِ:
بَنَى الْأَقْدَمُونَ الْفِقْهَ عَلَى قَوَاعِدَ خَمْسٍ هِيَ:
الْأُولَى: أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا يَقِينُ مِثْلُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ، مَنْ تَيَقَّنَ بِالطَّهَارَةِ، وَشَكٍّ
فِي الْحَدَثِ، يَأْخُذُ بِالطَّهَارَةِ.
الثَّانِيَةُ: الضَّرَرُ يُزَالُ، وَمِنْهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ، وَضَمَانُ الْمَتْلُوفِ.
الثَّالِثَةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وَمِنْهَا جَوَازُ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ.
الرَّابِعَةُ: الْعَادَةُ مُحَكَمَةُ، وَمِنْهَا أَقَلُّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُهُ.
الْخامِسَةُ: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا، وَمِنْهَا وُجُوبُ النَّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ.
هَذَا مَا حَرَّرْنَاهُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَدِلَّةٌ وَقَوَاعِدَ وَأَحْكَامًا الَّتِي انْبَنَى عَلَيْهَا الْفِقْهُ الْإِبَاضِيُّ، حَرَّرْنَاهَا مُخْتَصَرَةٌ (1) كَأَحَدِ الْمَدَاخِلِ إِلَى الْمَذْهَبِ.
(1) ومن أراد المزيد من هذا العلم فعليه الرجوع إلى كتاب (طلعة الشمس) للشيخ نور الدين السالمي، وكتاب (فصول الأصول) للشيخ خلفان بن جميل السيابي. (1/121)
صفحة 122
المدخل إلى المذهب الإباضي
122 (1/122)
صفحة 123
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
أَوَّلاً: الطَّهَارَاتُ:
الْقِسْمُ الثَّانِي الفقه العام
الطَّهَارَاتُ وَالنَّجَاسَاتُ
123
الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فَرْضٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهِيَ إِزَالَهُ خَبَثٍ أَوْ حَدَثٍ ظَاهِرٍ مُطَهَّرٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ صَعِيدٍ أَوْ نَارٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ أَيْ مُؤَفِّرٍ، وَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ زَوَالُ النَّجَسِ أَوِ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ.
وَتَتَحَقَّقُ بِالْوُضُوءِ وَبِالاغْتِسَالِ وَبِالاسْتِنْجَاءِ، وَبِإِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ وَبِالتَّيَمُّمِ.
وَهِيَ صِفَةً حُكْمِيَّةً تُوجِبُ لِلْمُتَّصِفِ بِهَا أَدَاءَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ، وَمَعْنَى
حُكْمِيَّةٍ أَي مَحْكُومُ بِهَا عَلَى ذَلِكُمُ الْمُتَّصِفِ.
وَهِيَ نَوْعَانِ: حِرِّيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَيُعَبَّرُ عَنِ الْحِسَّيَّةِ بِمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى كَمَا يُعَبَّرُ عَنِ الْمَعْنَوِيَّةِ
بِغَيْرِ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى.
ثانيا: النَّجَاسَاتُ:
وَهِيَ قِسْمَانِ: حَدَثُ وَخَبَتُ. (1/123)
صفحة 124
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَالحَدَتُ هُوَ مَعْنًى قَائِمُ بِالْبَدَنِ كَالْجُنَابَةِ وَالْخَيْضِ مَانِعُ مِنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ لَهَا
الطَّهَارَة
وَالْخَبَتُ هُوَ النَّجَسُ.
وَالْحَدَتُ هُوَ نَجَاسَةُ مَعْنَوِيَّةٌ، وَرَفْعُهُ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، أَمَّا الْخَبَتُ فَهُوَ نَجَاسَةُ حِرِّيَّةٌ وَلَا يَحْتَاجُ إزَالَتْهُ إِلَى نِيَّةٍ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ إِزَالَهُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ مَعْقُولُ
الْمَعْنَى.
وَوَاجِبُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ هِيَ:
- مِنَ الْأَبْدَانِ.
- مِنَ الْمَلَابِسِ.
- مِنَ الْبِقَاعِ.
وَالنَّجَاسَةُ أَنْوَاعٌ مِنْهَا:
الْبَوْلُ، وَهُوَ أَشَدُّهَا نَجَاسَةً وَتَنَجَّيّا، وَالْغَائِطُ، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وَأَبْوَالُ الْبَهَائِمِ، وَذَرَقُ الطَّيْرِ الْأَهْلِي، وَالْمَيْتَةُ، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الرَّجُلِ الْمَنِيُّ وَالْمَدْيُ وَالْوَدْي، وَالدَّمَاءُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ الخَيْضُ والنَّفَاسُ وَالِاسْتِحَاضَةُ، وَوُلُوغُ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ، وَهُنَاكَ أَنْوَاعُ (1/124)
صفحة 125
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
أُخْرَى مِنَ النَّجَاسَاتِ تُطْلَبُ مِنْ فَطَانِهَا، وَتَزُولُ نَجَاسَةُ الْحَدَثِ وَنَجَاسَةُ الْخَبَثِ بِالمَاءِ
الْمُطْلَقِ، وَهُوَ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ.
وَتَجَاسَةُ الْحَدَثِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، إِذْ هُوَ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ.
أَمَّا نَجَاسَةُ الخَبثِ فَتَزُولُ بِهِ، وَبِالْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي نَفْسِهِ كَمِيَاهِ الْأَشْجَارِ وَالْعُرُوقِ.
تظهرُ الْأَرْضُ بِالشَّمْسِ وَبِالرِّيحِ وَبِالزَّمَانِ.
وتظهرُ النَّعَالُ بالوطء.
وَيَظْهرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِالدَّبَاغ.
عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ وَثُبُوتِ الطَّهَارَةِ زَوَالُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ.
ثَالِثًا: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ:
وَهُوَ فَرْضٌ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا} [الْمَائِدَة: 6]
وَصِفَتُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ مَوْضِعِ النَّجَسِ، فَغَسْلِ الْيَدَيْنِ ثَانِيَةً، ثُمَّ الْمَضْمَضَةِ، فَالِاسْتِنْشَاقِ، ثُمَّ يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَى جَسَدِهِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمُصِ قَدَمَيْهِ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ، كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ. (1/125)
صفحة 126
رَابِعًا: غُسْلُ الْمَيِّتِ:
المدخل إلى المذهب الإباضي
غُسْلُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْتُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ حَقُّ الْمَوْتَى عَلَى الْأَحْيَاءِ.
وَصِفَةُ الْغُسْلِ: أَنْ يَقُومَ الْمُغَسِّلُ بِغَسْلِ يَدِهِ وَيَدِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَلْفُ يَدَهُ فِي حَرْقَةٍ لِيُنَظَّفَهُ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، لِإِزَالَةِ النَّجَسِ، ثُمَّ يَخْلَعُهَا.
ثُمَّ يَقُومُ بِتَوْضِئَتِهِ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْمَخْلُوطَ بِمَطْحُونِ السَّدْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُنظَّفَاتِ إِنْ تَوَفَّرَ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ مَرَّتَيْنِ لِيَكُونَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَ غَسَلَاتِ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنِ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ مُتَجَنَّبًا مَوْضِعَ الْعَوْرَةِ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَإِنْ حَدَثَ شَيْءٌ مِنَ الْإِخْلَالِ فِي التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُضَيَّقُ الْأَمْرُ، ثُمَّ يُكَفَّنُ، ثُمَّ يُصَلَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُدْفَنُ
وَإِذَا عُدِمَ الْمَاءُ أَوْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ بِالتُّرَابِ كَالتَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ.
وَمَنْ أَرَادَ الْمَزِيدَ تَفْصِيلاً فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء فَلْيَرْجِعْ إِلَى كُتُبِ الْفِقْهِ مُتَوَسَطَاتِهَا وَمُطَوَلَاتِهَا.
أَحْكَامُ الْمِيَاهِ:
وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
www (1/126)
صفحة 127
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
127
الْأَوَّلُ: الْمَاءُ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ، وَيُسَمَّى الْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ طَاهِرُ فِي نَفْسِهِ
مُطَهَّرُ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيحَ بُشْرَا بَيْنَ يَدَى
رَحْمَتِهِ، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الْفُرْقَان 48]
وَهُوَ مَاءُ الْغَيْثِ وَمَاءُ الْعُيُونِ وَالْأَفْلَاجِ وَالْأَنْهَارِ، وَمَاءُ الْبَحْرِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَهُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ (1)
الثاني: الْمَاءُ الظَّاهِرُ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ، وَهُوَ مَاءُ الْأَشْجَارِ وَالْعُرُوقِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْمُضَافُ، وَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، لَكِنَّهُ يُزِيلُ النَّجَسَ.
الثَّالِثُ الْمَاءُ النَّجِسُ، وَهُوَ نَجِسٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا يُزِيلُ النَّجَسَ، بَلْ
هُوَ مُنَجِّسُ لِلْأَشْيَاءِ.
وَالْمَاءُ مِنْهُ الْكَثِيرُ وَمِنْهُ الْقَلِيلُ.
فَالْكَثِيرُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَا يَنْجُسُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنًا، أَوْ طَعْمًا أَوْ ريحا، لِلْحَدَثِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا تُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ (1). وَأَمَّا الْقَلِيلُ وَهُوَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، سَوَاءٌ غَيَّرَتُهُ أَمْ لَمْ تُغَيَّرُهُ، لِلْحَدِيثِ: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْتَمِلُ خَبَيًّا.
(1) رواه الربيع بن حبيب الحديث رقم 158. (1/127)
صفحة 128
128
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ:
أَوَّلاً: الْوُضُوءُ:
وَهُوَ فَرْضُ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بره وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [الْمَائِدَة: 6]
وَأَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ هِيَ:
النَّيَّةُ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرَّجُلَيْنِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ.
وَفِيهِ سُنَنٌ، وَهِيَ:
الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، وَتَخلِيلُ اللَّحْيَةِ، وَتَرْتِيبُ
الْأَعْضَاءِ، وَالْمُوَالاَةُ غَسْلاً وَمَسْحًا.
وَفِيهِ إِجْمَال وَتَفْصِيلُ، فَمِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ هُوَ فَرْضٌ لِصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَسُنَّةٌ لِصَلاةِ السُّنَّةِ، وَمِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، فَفِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ لِصَلَوَاتِ
الْفَرِيضَةِ وَلِصَلَوَاتِ السُّنَنِ.
(1) رواه الربيع بن حبيب الحديث رقم 159 (1/128)
صفحة 129
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
129
وَلِلْوُضُوءِ نَوَاقِضُ مِنْهَا الْخَارِجُ مِنَ الْقُبُلِ أَوْ مِنَ الدُّبُرِ، وَالْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، وَالدَّمُ، وَوُقُوعُ النَّجَاسَةِ، وَمَسُّ الْعَوْرَةِ، وَالنَّوْمُ الاضْطِجَاعِيُّ،
وَغَيْرُهَا.
ثانيا: التَّيَمُّمُ:
وَهُوَ فَرْضٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ حَيْثُ قَالَ: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [الْمَائِدَة: 6]
وَصِفَتُهُ أَنْ يُضْرَبَ مِنْهُ ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، وَيُشْتَرَط لَهُ النَّيَّةُ وَطَلَبُ الْمَاءِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
الصَّلاة
أولا: الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ، وَهِيَ:
1 صَلَاةُ الظُّهْرِ، وتسمى الْأُولَى، وَوَقْتُهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ.
صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُهَا إِذَا زَادَ الظُّلُّ قَلِيلًا عَنْ آخِرِ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ
صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، وَوَقْتُهَا إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ كُلُّهَا. (1/129)
صفحة 130
130
المدخل إلى المذهب الإباضي
صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ، وَآخَرُ وَقْتِهَا مُنْتَصَفُ
اللَّيْلِ.
ه. صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَوَقْتُهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَهُوَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ، وَآخِرُهَا
طُلُوعُ قَرْنٍ مِنَ الشَّمْسِ.
صَلَاةُ الْوَتْرِ، قِيلَ: وَاجِبَهُ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَوَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ
الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
ثانيا: الْأَوْقَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا:
الْأَوْقَاتُ الَّتِي تَحْرُمُ الصَّلَاةُ فِيهَا: وَقْتُ طُلُوعِ قَرْنٍ مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى يَكْتَمِل طُلُوعُهَا، وَوَقْتُ غُرُوبٍ قَرْنٍ مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى يَكْتَمِل
غُرُوبُهَا.
الْأَوْقَاتُ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَّا لِسَبَبٍ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا لِسَبَبٍ،
وَوُقُوفُ الشَّمْسِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَّا فِي الشَّتَاءِ. (1/130)
صفحة 131
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
ثَالِثًا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ:
131
وَهُمَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ غَيْرَ أَنَّ الْإِقَامَةَ أَكْثَرُ تَأْكِيدًا، وَهُمَا مَثْنَى مَثْنَى،
وَإِنَّمَا يُزَادُ فِي الْإِقَامَةِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ".
وَالْأَذَانُ إِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ لِلْوَقْتِ وَلِلصَّلَاةِ، وَالْإِقَامَةُ لِلصَّلاةِ فَقَط.
وَيُكْرَهُ فِي الْأَذَانِ التَّرْجِيعُ وَالتَّنْوِيبُ.
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَالِالْتِفَاتُ يَمِينًا وَشِمَالًا في الْأَذَانِ عِنْدَ الْقَوْلِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ يَمِينًا، وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ شِمَالًا، وَلَيْسَ
عَلَى الْمَرْأَةِ أَذَانُ وَلَا إِقَامَةُ.
رَابعًا: شُرُوطُ الصَّلَاةِ:
النَّيَّةُ، وَهِيَ أَسَاسُ الْأَعْمَالِ.
الطَّهَارَةُ، كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ.
اللَّبَاسُ الطَّاهِرُ السَّاتِرُ الَّذِي يَسْتُرُ عَوْرَةَ الرَّجُلِ، وَيُغَلِّي جَسَدَ الْمَرْأَةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَمَيْنِ. (1/131)
صفحة 132
132
المدخل إلى المذهب الإباضي
0
الْبُقْعَةُ الطَّاهِرَةُ، وَتَجَنُّبُ الْمَرْبَلَةِ وَالْمَنْحَرَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمَقْبَرَة وَمَوْضِعِ الْحَمَّامِ وَوَسَطِ الطَّرِيقِ.
اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ، كَاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ عَيْنِهَا لِمَنْ هُوَ في الْمَسْجِدِ، وَاسْتِقْبَالُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ هُوَ فِي مَكَّةَ، وَاسْتِقْبَالُ مَكَةَ لِمَنْ
هُوَ فِي الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ.
خَامِسًا: أَرْكَانُ الصَّلَاةِ:
1. تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَهِيَ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ بَوَّابَةُ الدُّخُولِ إلَى الصَّلاةِ، وَفِيهَا مِنَ التَّشْدِيدِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَكُلُّ حَرَكَةٍ قَبْلَهَا
جَائِزَةٌ وَبَعْدَهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ.
الْقِيَامُ.
الْقِرَاءَةُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ مَعَ الْبَسْمَلَةِ إِنْ سِرًّا فَسِّرُ وَإِنْ جَهْرًا فَجَهْرُ. وَتَكُونُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا سِرًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ
الْعِشَاءِ. (1/132)
صفحة 133
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
133
وَيَقْرَأُ مَعَهَا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ
الْمَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَفِي رَكْعَتَيْ صَلَاةِ
الْفَجْرِ.
الركُوعُ، وَهُوَ الاِنْحِنَاءُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مَعَ مُجَانَبَةِ التَّذَتُحِ، وَهُوَ الِانْحِنَاءُ
الشَّدِيدُ
ه السُّجُودُ، وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ.
الْقُعُودُ لِلتَّشَهُدِ أَوْ لِلتَّحِيَّاتِ.
التَّسْلِيمُ، وَبِهِ يَكُونُ الخُرُوجُ مِنَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (1).
سَادِسًا: سُنَنُ الصَّلَاةِ
التَّوْحِيهُ، وَالسُّنَّهُ هُوَ تَوْجِيهُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ تَوْجِيهُ أَبَيْنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالتَّوْجِيهُ الْمُحَمَّدِيُّ هُوَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. وَالتَّوْجِيهُ الْإِبْرَاهِيبِيُّ هُوَ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
(1) رواه الربيع، الحديث رقم (223). (1/133)
صفحة 134
المدخل إلى المذهب الإباضي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا
عَنِ الْآخَرِ.
الإِسْتِعَاذَةُ: وَصِفَتُهَا تَحْرِيكُ النِّسَانِ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْمَعَهَا الْأُذُنُ.
التَّكْبِيرُ: لِلرُّكُوعِ وَلِلسُّجُودِ.
4 التَّسْبِيحُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى أَوْسَطِ الْأَحْوَالِ أَنْ تَقُولَ فِي الرُّكُوعِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ.
ه. قِرَاءَةُ التَّحِيَّاتِ: وَهِيَ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
سَابِعًا: مُسْتَحَيَّاتُ الصَّلَاةِ:
1 ثَلَاثُ سَكَتَاتٍ خَفِيفَةٍ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَبَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَبَعْدَ قِرَاءَةِ الْآيَاتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَوَاتِ الجَهْرِيَّةِ.
النَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَطْ.
الْمُبَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَطْنِ وَالْيَدَيْنِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَالَغَ فِيهِ. (1/134)
صفحة 135
13
الْمُبَاعَدَةُ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ فِي السُّجُودِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَالَغَ فِيهِ.
الاعْتِدَالُ الْمُسْتَوي في الركوع والسُّجُودِ وَالْقُعُودِ.
1
وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الْقُعُودِ.
تَقْدِيمُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ عِنْدَ السُّجُودِ، وَتَأْخِيرُهُمَا عِنْدَ النُّهُوضِ مِنَ السُّجُودِ، أَوْ تَقْدِيمُ الرُّكْبَتَيْنِ عِنْدَ السُّجُودِ، وَتَأْخِيرُهُمَا عِنْدَ
النُّهُوضِ مِنْهُ.
ثَانِيا: نَوَاقِضُ الصَّلَاةِ:
-1 - الْكَلَامُ بِمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ أَمْرُ، إِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ. الْغَفْلَهُ عَنْهَا، وَالاشْتِغَالُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا كَاسْتِحْضَارِ الْحِسَابِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ
الَّذِي يَكْثُرُ فِي زَمَانِنَا، نَظَرًا لِلْوَضْعِ التَّجَارِيِّ وَالِاقْتِصَادِيَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا عَقَلَ مِنْ صَلَاتِهِ.
-3 - البُكَاءُ الْمُتَعَمَّدُ.
-0
تَحْوِيلُ النَّيَّةِ فِيهَا مِنْ فَرْضٍ إِلَى سُنَّةٍ مَثَلًا.
- النَّفْخُ. (1/135)
صفحة 136
136
المدخل إلى المذهب الإباضي
6 - الجهرُ الزَّائِدُ
-7 - الْمُخَافَتَةُ الشَّدِيدَةُ.
- اللَّحْنُ فِي الْقِرَاءَةِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى تَغْيِيرِ الْمَعْنَى.
9 - الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُهَا وَالْوُضُوءَ، وَالابْتِسَامَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْهَا الْأَسْنَانُ
-9
تَنْقُضُهَا وَحْدَهَا.
10 - نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَلِّي: أَنْ يُمْعِيَ فِي صَلَاتِهِ إِقْعَاءَ الكلب، وَأَنْ يَنْقُرَ فِيهَا نَقْرَ الدّيكِ، أَوْ يَلْتَفِتَ فِيهَا الْتِفَاتَةَ التَّعْلَبِ، أَوْ يَقْعُدَ فِيهَا قُعُودَ الْقِرْدِ).
تَاسِعًا في الصَّلَاةِ أَوَامِرُ كَثِيرَةٌ مُوجَبَةٌ وَنَادِبَةٌ، كَمَا أَنَّ فِيهَا نَوَاهِيَ كَثِيرَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَكَارِهَةٌ.
عاشِرًا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، أَمَّا السُّنَنُ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْهَا نِسْيَانًا، غَيْرَ أَنَّهَا تَفْسُدُ إِذَا كَانَ
التَّرْكُ عَمْدًا.
(1) اخرجه الربيع، الحديث رقم (241). (1/136)
صفحة 137
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
حَادِيَ عَشَرَ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ.
قِيلَ عَنْهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
137
وَهيَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ: أَنْ يَقْدُمَهُمْ رَجُلٌ يَكُونُ إِمَامَهُمْ وَأَمَامَهُمْ وَفْقَ التَّرْتِيبِ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ يَؤُمُ الْقَوْمَ أَقْرَأُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ. وَبِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ: فَإِذَا أَرَدْنَ الصَّلَاةَ جَمَاعَةٌ مَعَ الرِّجَالِ فَإِنَّهُنَّ يَكُونَنَّ
خَلْفَهُمْ
وَيَجُوزُ أَنْ تَؤُمَهُنَّ امْرَأَةٌ، وَلْتَكُنْ فِي الصَّفِّ وَلَا تَؤُمُ امْرَأَةٌ رَجُلًا.
ثَانِي عَشَرَ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ:
وَهِيَ تَلْزَمُ مُسْلِمًا حُرًّا بَالِغَا ذَكَرًا، وَلَا تَلْزَمُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْعَبِيدَ وَالْمُسَافِرَ وَالْعَاجِرَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا.
وَتُقَامُ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا فَصَاعِدًا، وَإِذَا أُقِيمَتْ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ مَا بَقِي ثَلَاثَةٌ. وَهِيَ بِأَذَانِ وَخُطْبَتَيْنِ وَإِقَامَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَجُوزُ لَهَا أَذَانَانِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ مُتَقَدِّمًا عَنِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْبَنِي عَلَيْهِ (1/137)
صفحة 138
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
138
أَحْكَامُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا تَنْبَنِي عَلَى الْأَذَانِ الثَّانِي الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ
مَضْبُوطًا مَعَ دُخُولِ الْوَقْتِ.
وَيُشْتَرَطُ لَهَا وُجُودُ الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهَا شَخْصِيًّا أَوْ عَنْ طَرِيقِ
مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ حَسَبَ الاِخْتِصَاصِ.
وَفِي رَأْيِي: إِنَّ وُجُودَ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي الْبِلَادِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَقُومُ مَقَامَ
الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ.
عَلَى أَنَّ الْمَرَاكِزَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي الْبُلْدَانِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ هِيَ بِمَثَابَةِ الْجَمَاعَاتِ
الْمُسْلِمَةِ.
ثَالِثَ عَشَرَ: صَلَاةُ السَّفَرِ:
وَهِيَ عَزِيمَةٌ، أَيْ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَهِيَ قَصْرُ الصَّلَاةِ الرَّبَاعِيَةِ (الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ الْحَوْزَةَ (الْوَطَنَ) وَيَتَجَاوَزَ الْأَمْيَالَ اثْنَيْ عَشَرَ كِيلُو مِتْرًا) عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَدِّدَ الْمُسْلِمُ لَهُ
وَطَنَّا ذَا حَوْزَةِ وَاحِدَةٍ. (1/138)
صفحة 139
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
139
وَأَنْ يَعْرِفَ الْأَمْيَالَ أَوِ الْكِيلُو مِثْرَاتٍ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ سَفَرًا، وَيَجُوزُ الْجُمْعُ بَيْنَ صَلَالَّيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ، أَمَّا
الْقَصْرُ فَعَزِيمَةٌ.
رَابِعَ عَشَرَ: صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ:
وَهِيَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مُرَغَبُ فِيهَا، وَتُصَلَّى جَمَاعَةٌ، وَإِذَا مَا كَانَتْ خَارِجَ الْبُلْدَانِ فَذَلِكَ الْأَفْصَلُ، وَهِيَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مَجْهُورَتَيْنِ بَعْدَهُمَا خُطْبَةً.
وَيُسَنُّ فِيهَا وَفِي خُطْبَتِهَا التَّكْبِيرُ.
فَيُكَبِّرُ فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ يَسْعُ أَوْ سَبْعُ. وَمِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ التَّكْبِيرِ فِيهَا وَفِي الْخُطْبَةِ ثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً فَالَّذِي يَبْقَى مِنَ الصَّلَاةِ يَكُونُ فِي الْخُطْبَةِ.
عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِيهَا بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْفَرَاغَ مِنَ
الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
كَسَبْعِ وَسِةٌ، أَوْ سِتٌ وَخَمْسٍ، أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِ، أَوْ أَرْبَعِ وَثَلَاثٍ (1/139)
صفحة 140
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي الثَّلَاثِ عَشْرَةَ، هِيَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ خَمْسُ، وَبَعْدَ قُرَّاءِ
الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسُ، وَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ثَلَاثُ.
غَيْرَ أَنَّهَا أَصْبَحَتْ يُحْدَثُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الِارْتِبَاكِ لَدَى الْمُصَلِّينَ.
خَامِسَ عَشَرَ: صَلَاةُ الْمَرِيضِ:
الْمَرِيضُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّي كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا أَوْ مُضْطَجِعًا مَعَ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ وَالْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لَا الْقِرَاءَةَ وَلَا الْإِيمَاءَ كَبَّرَ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُسَلَّمُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّكْبِيرَ كَانَ
مَعْدُورًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
سَادِسَ عَشَرَ: صَلَاةُ الْجَنَازَةِ:
وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ، وَصِفَتُهَا أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ أَمَامَ الْمُصَلَّى مُسْتَقْبلًا بِهِ الْقِبْلَة فَإِذَا كَانَ رَجُلًا وَقَفَ الْمُصَلِّي إِزَاءَ صَدْرِهِ، وَإِذَا كَانَ امْرَأَةٌ وَقَفَ إِزَاءَ رَأْسِهَا.
وَتَكُونُ وَفْقَ التَّرْتِيبِ النَّالِي:
- التوجيه. (1/140)
صفحة 141
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
- تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ.
- الاسْتِعَاذَةُ.
- قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ سِرا.
- التَّكْبِيرَةُ الناهية.
- الفاتحة.
ما التكبيرة الثالثة
الدرعا
- التَّكْبِيرَةُ الرابعة.
- الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- التسليم.
سَابعَ عَشَرَ: الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ:
1 - الرواتب
141
وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ
بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ. (1/141)
صفحة 142
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهَذِهِ السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ بَعْضُهَا أَوْكَدُ مِنْ بَعْضٍ، حَسَبَ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وسُمِّيَتْ رَوَاتِبَ لِتَرَتُبِهَا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَارْتِبَاطِهَا بِهَا.
2 - غَيْرُ الرَّوَاتِبِ:
وَهِيَ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّرَاوِيحُ فِي رَمَضَانَ، وَصَلَاةُ الضُّحَى، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَصَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَصَلَاةُ الاِسْتِسْقَاءِ، وَصَلَاةُ زَوَالِ
الشَّمْسِ.
وَهُنَاكَ صَلَوَاتٌ أُخْرَى بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ.
وَأَخِيرًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعِ، مَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْلِلْ. عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ رُوحًا وَجَوْهَرًا وَعَرَضًا كَمَا أَرَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [الْعَنْكَبوت: 45]، وَكَمَا بَيَّنَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: لِكُلِّ
شَيْءٍ عَمُودُ، وَعَمُودُ الدِّينِ الصَّلَاةُ، وَعَمُودُ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ (1).
(1) رواه الربيع. (1/142)
صفحة 143
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
هَذَا مَا اخْتَصَرْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَابَ الصَّلَاةِ أَوْسَعُ الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَصْدِنَا التَّطْوِيلُ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ مَا يُمَتِّلُ مَدْخَلًا فَقَط إِلَى الْبَابِ، وَالصَّلَاةُ قِيلَ إِنَّ بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ
مَسْأَلَة. (1/143)
صفحة 144
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
الزَّكَاة
الزَّكَاةُ رُكْنُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، قَرَنَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِالصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوَةَ.
فَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةُ خَالِصَةُ، وَالزَّكَاةُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةُ خَالِصَةٌ.
وَتَتَرَتِّبُ الزَّكَاةَ عَلَى الْأَشْيَاءِ التَّالِيَةِ جَمْعًا وَتَوْزِيعًا:
الْأَوَّلُ: أَوْعِيَةُ الزَّكَاةِ:
وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالنُّقُودُ الْوَرَقِيَّةُ وَبَضَائِعُ التَّجَارَةِ، وَالْبَهَائِمُ وَالثَّمَارُ
والحبوب.
الثَّانِي: أَزْمِنَةُ الزَّكَاةِ:
الْقَمَرِيَّةُ بِشُهُورِهَا الْقَمَرِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهِيَ بِاسْتِكْمَالِ السُّنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ الأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ عَدَا الثَّمَارِ وَالْحُبُوبِ، فَإِنَّ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْهَا عِنْدَ
حَصَادِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ الله
الثَّالِثُ: الْأَنْصِبَةُ وَالْمَقَادِيرُ:
وَهِيَ كَمَا يَلِي: (1/144)
صفحة 145
الْبَنَاءُ الْفِقْه
(الذَّهَبُ، وَنِصَابُهُ يَبْدَأُ مِنْ (85) جرامًا، وَمِقْدَارُ الزَّكَاةِ مِنْهُ = 2،5? وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِرُبْعِ الْعُشْرِ.
2. الْفِضَّةُ، وَنِصَابُهَا يَبْدَأُ مِنْ (595) جِرَامًا، وَمِقْدَارُ الزَّكَاةِ = 2،5 ?، وَيُحْمَلُ كُلِّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَعْضُهُمَا عَلَى بَعْضٍ إِنْ لَمْ يَكْتَمِلِ النَّصَابُ إِلَّا
بذلك.
التَّقفُودُ الْوَرَقِيَّةُ، نِصَابُهَا يَبْدَأُ مِنْ تُمْنِ (85) جِرَامًا ذَهَبِيًّا، وَمِقْدَارُ الزَّكَاةِ مِنْهَا = 2،5 أَيْ كَزَكَاةِ الذَّهَبِ، وَتُحْمَلُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنْ لَمْ يَكْتَمِلِ
النَّصَابُ إِلَّا بِذَلِكَ.
بَضَائِعُ التَّجَارَةِ، وَنِصَابُهَا كَيْصَابِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، بَعْدَ أَنْ تَقَوَّمَ ثَمَنًا،
وَمِقْدَارُ الزَّكَاةِ فِيهَا = 2،5 ?.
ه الْبَهَائِمُ:
أ- الإبل، وَيَبْدَأُ النَّصَابُ فِيهَا فِي خَمْسٍ مِنْهَا.
ب- الْبَقَرُ، وَهِيَ مِثْلُ الْإِبِلِ. (1/145)
صفحة 146
المدخل إلى المذهب الإباضي
ج الْأَغْنَامُ، يَبْدَأُ النَّصَابُ فِيهَا فِي أَرْبَعِينَ، عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي زَكَاتِهَا أَنْ تَكُونَ سَائِمَةٌ غَيْرَ مَطْعُومَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْبَهَائِمَ الَّتِي تُجْعَلَ فِي
الخَطَائِرِ وَالْمَزَارِع، وَيُقَدِّمُ لَهَا الطَّعَامُ، لَيْسَتْ فِيهَا زَكَاةً.
الأُصُولُ الْعَقَارِيَّةُ لَا زَكَاةَ فِيهَا إِلَّا إِذَا جُعِلَتْ لِلتَّجَارَةِ، وَالْبِنَايَاتُ الْمُؤَجَّرَةُ
زكاتها في ربعها.
الْأَسْهُمُ، إِذَا كَانَتْ طَوِيلَةَ الْأَجَلِ لِلِاسْتِثْمَارِ فَزَكَّاتُهَا فِي عَائِدِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قَصِيرَةَ الْأَجَلِ وَهِيَ الَّتِي تُعَدُّ لِلْمُتَاجَرَةِ فَزَكَاتُهَا زَكَاةُ الْبَضَائِعِ
الرَّابِعُ: مَصَارِفُ الزَّكَاةِ:
وَهِيَ ثَمَانِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْآيَةُ الْقُرْآنِيَّةُ الْكَرِيمَةُ {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وفي سبيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ الله
[التَّوْبَة: 60].
وَإِذَا صُرِفَتْ فِي مَصْرَفٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ فَذَلِكَ يُجْزِئُ
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَصَارِفِ أَحْكَامُهُ الْفِقْهِيَّةُ.
وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَصَارِفِ قَابِلُ لِلتَّغَتُرِ فِي التَّطْبِيقِ حَسَبَ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ. (1/146)
صفحة 147
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
كَمَصْرَفِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، قَدْ تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا، فَيَكُونُ قَابِلًا للتطبيق، وَقَدْ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، فَتَكُونُ هُنَالِكَ ضَرُورَةٌ إِلَى تَطْبيقِهِ، وَكَذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي رَأْيِي يَنْبَغِي تَوْسِيعُ مَنْهُومِهِ إِلَى غَيْرِ مَنْهُومِ الْجِهَادِ الْقِتَالِيَّ، لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى تَقْوِيَةِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ عِلْمٍ وَتَقَانَةٍ
وَغَيْرِهِمَا.
وَعَلَى الْعُمُومِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّدَ أَنْصِبَةَ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرَهَا، وَهُوَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خمس ذُودٍ صَدَقَةٌ يَعْنِي خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةٌ صَدَقَةٌ،
وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ (1).
(1) رواه الربيع (1/147)
صفحة 148
زَكَاةُ الْفِطْرِ
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَتُسَمَّى فِطْرَةَ الْأَبْدَانِ، وَهِيَ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ بُرَّ أَوْ
شَعِيرٍ أَوْ مِنْ أَقط".
وَيُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَعَلَى أَنْ تُعْطَى مِنَ الطَّعَامِ الْأَسَاسِي لِلْغِذَاءِ حَسَبَ غَالِبٍ قُوتِ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ.
وَمِقْدَارُهَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (2) كيلو جرام + 50 جرامًا.
وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا نَقْدًا؛ لأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ.
وَوَقْتُ وُجُوبِهَا رُؤْيَةُ هِلَالِ شَوَّالَ، وَأَفْضَلُ وَقْتٍ لِإِخْرَاجِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
وَحَتَّى الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ.
وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ. (1/148)
صفحة 149
149
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
الصَّوْمُ
وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَهُوَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ خَالِصَةٌ.
وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: الصَّوْمُ الْمَفْرُوضُ، وَيَتَمَثَلُ في:
صَوْمِ شَهْرٍ رَمَضَانَ، وَتَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ الْبَصَرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ، وَكَذَلِكَ
خُرُوجه
صِيَامُ بَدَلِ رَمَضَانَ، وَيَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُبْدِلِ كَالْمُبْدَلِ عَنْهُ.
صَوْمُ النَّذْرِ لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.
صَوْمُ الْكَفَّارَاتِ.
ه. صَوْمُ التَّمَتُّعِ فِي الحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ؛ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي
الحج، وَسَبْعَةُ بَعْدَ الْعَوْدَةِ. (1/149)
صفحة 150
المدخل إلى المذهب الإباضي
الثاني: الصَّوْمُ الْمُسْتَحَبُّ، وَيَتَمَثَلُ فِي:
1. صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالَ.
2 صِيَامِ الْأَيَّامِ الْمُنْتَصَفِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَهِيَ الثَّالِثُ عَشَرَ وَالرَّابِعُ عَشَرَ
وَالْخَامِسُ عَشَرَ.
3. صِيَامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ.
صِيَامُ غَالِبٍ أَيَّامٍ شَهْرٍ شَعْبَانَ.
ه. صِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرٍ مُحَرَّم
6 صِيَامُ الْإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوع.
صِيَامُ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَرِدِ النَّفْيُ عَنْ صِيَامِهَا، وَفِي ذَلِكَ فَضْلَّ عَظِيمٌ، وَكُلُّ
حَسَبَ طَاقَتِهِ وَإِيمَانِهِ طَالَمَا تَجَنَّبَ الصِّيَامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: الصَّوْمُ الْمُحَرَّمُ: وَيَتَمَثَّلُ فِي:
1. يَوْمِ عِيدِ الْفِطْر.
2. يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى. (1/150)
صفحة 151
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
الرَّابِعُ: الصَّوْمُ الْمَكْرُوهُ، وَيَتَمَثَّلُ فِي:
أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرٍ ذِي الْحِجَّةِ.
يَوْمِ الشَّكَ، وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مِنْ شَعْبَانَ.
تنبيهات:
الْأَوَّلُ: كُلُّ الصَّوْمِ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَدْبًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وُجُودِ النَّيَّةِ قَبْلَ طُلُوعِ
الْفَجْرِ.
الثَّانِي: مِنْ نَوَاقِضِ الصَّيَامِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ نَهَارًا، وَالْخَيْضُ وَالنَّفَاسُ،
وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَسَائِرُ الْمَعَاصِي. (1/151)
صفحة 152
152
فِي اللُّغَةِ: الاغْحِبَاسُ.
الِاعْتِكَافُ
في الشرع: الْمُكْتُ فِي مَسْجِدٍ تَقَرُّبا إِلَى اللهِ
وَهُوَ أَقْسَامُ ثَلَاثَةُ:
1 - وَاجِبٌ، وَهُوَ الْمَنْذُورُ.
2 - سُنَّةٌ، وَهُوَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
3 - مُسْتَحَبُّ، وَهُوَ مَا كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ.
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَلَى أَنْ يَكُونَ الاعْتِكَافُ فِي مَسْجِدٍ عَامِرٍ بِصَلَوَاتِ الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ جَامِعًا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَاتُ فَهُوَ أَفْضَلُ.
وَوَقْتُهُ: مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى بَعْدِ غُرُوبِهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي أَوِ الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ، إِذَا كَانَ الاعْتِكَافُ لِلْأَيَّامِ وَلَيَالِيهِنَّ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْأَيَّامِ فَقَطْ فَيَبْدَأُ قَبْلَ طُلُوعِ
الْفَجْرِ.
وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَلَا حَدَّ لأَكْثَرِه. (1/152)
صفحة 153
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
وَشُروطه:
153
- النَّيَّةُ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ بِدُونِهَا لِلْحَدِيثِ "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنَّيَّاتِ".
- الصَّوْمُ، لِذلِكَ لَا يَصِحُ الِاعْتِكَافُ بِاللَّيْلِ.
عَدَمُ الْخُرُوجِ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا كَالْأَكْلِ وَالقُرْبِ، وَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَحُضُورٍ جَنَازَةٍ يَلِي تَجْهِيزَهَا أَوِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ.
وَلَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَرَخَّصَ لَهُ بَعْضُ
بِالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ.
وَيُفْسِدُهُ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الصِّيَامَ غَيْرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. (1/153)
صفحة 154
154
المدخل إلى المذهب الإباضي
المحج
وَالحَج فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَرُكْنُ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَهُوَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ
وَمَالِيَّةٌ.
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل
عمران: 97]
وَقَوْلِهِ: وَأَنمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [الْبَقَرَة: 196]
شروطه:
1 -
البلوغ.
2 - العقل
- الحرية
- الإسلام.
ه - أَمْنُ الطَّرِيقِ.
6 - إِمْكَانُ الْمَسِيرِ.
الزَّادُ الكافي. (1/154)
صفحة 155
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ - الرَّاحِلَةُ الْمُبَلِّغَةُ.
-9
9 - الْقُوَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ.
-1.
1 - عَدَمُ الْعَوَائِقِ.
أَرْكَانُهُ
الإحْرَامُ مِنَ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي وَقَتَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَالْجُحفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنُ، وَذَاتُ عِرْقٍ (1).
وَلِلْإِحْرَامِ مَحْظُورَاتُ، عَلَى الْمُحْرِمِ الِابْتِعَادُ عَنْهَا، وَهِيَ:
1 - الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ.
2 - الطَّيبُ وَمُشْتَقَاتُهُ.
3 - تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ.
4 - لِبَاسُ الْمَخِيط
ه عَدَمُ الإِصْطِيَادِ مِنَ الْبَرِّ.
(1) أخرجه الربيع، حديث رقم (299). (1/155)
صفحة 156
1??
المدخل إلى المذهب الإباضي
1 - عَدَمُ لِبَاسِ الزِّينَةِ، وَعَدَمُ التَّحَلِّي بِالزِّينَةِ لِلْمَرْأَةِ.
- الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ وَالْأَعْظَمُ، وَعَلَى الْوَاقِفِ أَنْ يَعْمَلَ أَرْبَعَةَ
أَشْيَاء:
أ- الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ.
ب - جَمْعُ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَصْرًا سَفَرًا.
ج الْوُقُوفُ لِلْخُطْبَةِ وَالدُّعَاءِ، مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ، وَحَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
د الإفاضَةُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
- طَوَافُ الْإِفَاضَةُ وَالسَّعْيُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتِ بِالْمُرْدَلِفَةِ، وَرَيِ الْجُمْرَةِ الْكُبْرَى، وَالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ؛ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى
الحج، وَالْخَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ، وَالْقَاءِ التَّفَثِ.
أَقْسَامُهُ:
1 - الْإِفْرَادُ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجَ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْي.
2 - الْقِرَانُ، وَهُوَ أَنْ يَفْرنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ
هَدْي. (1/156)
صفحة 157
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
157
التَّمَتُعُ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا أَوَّلًا وَيَحلَّ مِنْهَا بَعْدَ أَدَائِهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ
بِالحَج يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا فِيهِ هَدْيٌّ لِتَمَتُّعِهِ
بالحَلَالِ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْ عُمْرَتِهِ.
و بوو
سننه
وَلِلْحَجَّ أَعْمَالُ مَسْنُونَةٌ، وَهِيَ:
الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَالْإِحْرَامُ ذَاتُهُ رُكْنُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّ الْإِحْرَامَ
مِنَ الْمِيقَاتِ سُنَّةٌ.
2 - التَّلْبِيةُ، وَهُوَ تَوْحِيدُ خَالِصُ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَنْتَهِي عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَمِرِ، وَعِنْدَ الْوُصُولِ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى لِلْحَاجَّ يَوْمَ النَّحْرِ
-3 - طَوَافُ الْقُدُومِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
4 - الْمَبِيتُ بِمِنِّي لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَلَيَالِي التَّشْرِيقِ.
0 -
ه - الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ).
-6 - رَيُ الْحِمَارِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَيَّامَ النَّشْرِيقِ.
- الذَّبْحُ أَوِ النَّحْرُ بِالنَّسْبَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى الحج. (1/157)
صفحة 158
المدخل إلى المذهب الإباضي
- الخلق أو التَّقْصِيرُ
- طَوَافُ الْوَدَاعِ لِيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِالْبَيْتِ لَا يَنْفِرُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ
آخِر عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ.
مُسْتَحَيَّاتُه
1 - الاِغْتِسَالُ لِلْإِحْرَامِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَإِلَّا فَالِاجْتِزَاءُ بِالْوُضُوءِ.
2 - رَفْعُ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَة.
اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ شَرِيطَةَ عَدَمِ الْإِيذَاءِ.
- الشرْبُ مِنْ زَمْزَمَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ.
ه - الانْتِقَالُ إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ.
6 - إِلْقَاءُ التَّفَثِ، كَفَصَّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظافِرِ، وَتَنْظِيفِ الْعَانَةِ.
7 - الذِّكْرُ عِنْدَ المَشْعَرِ الْحَرَامِ.
- الدُّعَاءُ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ.
- وَهُنَاكَ أَعْمَالُ مُسْتَحَبَّةٌ أُخْرَى. (1/158)
صفحة 159
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
اشتراك الْعُمْرَةُ وَالحج
وَتَشْتَرِكُ الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، وَهِيَ كَمَا يَلِي:
1 - الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ.
2 - التَّلْبِيَّةُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ.
3 - الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ.
السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
ه - الْخَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ بَعْدَ السَّعْيِ.
تَنْبِيهَاتُ
الْأَوَّلُ: إِذَا فَسَدَ رُكْنُّ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَسَدَ الْحَجُ كُلُّهُ، وَتَجِبُ إِعَادَتُهُ فِيمَا
يُسْتَقْبَلُ مِنَ الْأَعْوَامِ مَعَ وُجُوبِ دَمٍ.
الثاني: ا ـي الْأَعْمَالُ الْمَسْنُونَةُ إِذَا فَسَدَ عَمَلُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
الثَّالِثُ: حَجُّ التَّطَوُّعِ يَنْقَلِبُ وَاجِبًا بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ عَمْرَةُ التَّطَوُّعِ،
فَيَجِبُ إِثْمَامُهَا. (1/159)
صفحة 160
mw 7.
المدخل إلى المذهب الإباضي
الحقوق
- حَقُّ الْوَالِدَيْنِ: وَهُوَ أَعْظَمُهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَبْنَاءِ عَظِيمٌ جِدًّا، وَقَدْ شَدَّدَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَدَائِهِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَحَذَرَا مِنَ النَّقْصِيرِ فِي حَفْهِمَا. - حَقُّ الْأَوْلَادِ: وَالْأَوْلَادُ لَهُمْ حُقُوقُ عَلَى وَالِدَيْهِمَا أُمَّا وَأَبًا، وَفِي مُقَدِّمَةِ ذَلِكَ
حُسْنُ التَّرْبِيَةِ، الْقِيَامُ بِتَأْدِيبِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ.
- حَقُّ الرَّحِمِ وَالْأَرْحَامُ هُمُ الْأَقَارِبُ فِي النَّسَبِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدُّ مَحْدُودُ، وَلَكِنْ عَلَى الْمَرْءِ أَلَّا يَنْوِي قَطِيعَتَهُمْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَصِلَهُمْ حَسَبَ اسْتِطَاعَتِهِ.
- حَقُّ الْجَارِ: وَهُوَ حَقٌّ عَظِيمٌ شَدَّدَ الْإِسْلَامُ عَلَى إِعْطَائِهِ لِلْجَارِ قَرِيبًا فِي النَّسَبِ أَمْ بَعِيدًا وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ (1).
- حَقُ الصَّاحِبِ فِي السَّفَرِ: وَهُوَ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ، وَيَحِقُ لَهُ الْمُرَاعَاةُ وَالْمُوَاسَاءُ وَالتَّعَارُفُ مَعَهُ، وَالْقِيَامُ بِشُئُونِهِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ الْقُرْآنُ والصاحب بالجنب (2).
- حَقُّ الصَّدِيقِ وَالصَّدِيقُ لَهُ حَقُّ النُّصْحِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَعَدَمُ خِيَانَتِهِ
وَالْغَدْرِ بِهِ
- حَقُّ الضَّيْفِ وَهُوَ إكْرَامُهُ بِالسُّكْنَى وَالْمَأْكُلِ وَالْمَشْرَبِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ:
"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرمْ ضَيْفَهُ (1).
(1) سورة النساء: الآية 36.
(2) سورة النساء: الآية 36 (1/160)
صفحة 161
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
أَوَّلًا: الْأَيْمَانُ:
الْإِيمَانُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ
161
وَالْيَمِينُ مَعْنَاهَا الْخَلِفُ، وَلَا يَجُوزُ الخَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفُ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ (2).
أَمَّا الخَلِفُ بِاللهِ صِدْقًا فَجَائِزٌ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ حَقٌّ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَحْلِفُ بِاللَّهِ لِتَأْكِيدِ صِدْقِهِ.
فَكَانَ يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يخلِف بِاللهِ لِيَمْتَنِعَ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيمنكُمْ أَن تَبَرُوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ) (3)
ثانيا: الْكَفَّارَاتُ
وَهِيَ قِسْمَانِ:
1 مُغَلَّظَةُ: وَهِيَ عَلَى قَاتِل النَّفْسِ خَطَأً، وَالْمُظَاهِرِ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَالْمُفْسِدِ
لصيامه.
(1) اخرجه الربيع. (1) أخرجه الربيع بن حبيب. (2) سورة البقرة: الآية 223. (1/161)
صفحة 162
المدخل إلى المذهب الإباضي
2 - مُخَفَّفَةً: وَهِيَ عَلَى الْحَانِثِ فِي يَمِينِهِ، وَالحِنْتُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الذَّنْبُ، وَهُوَ أَيْضًا مُخَالَفَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الخَالِفُ، فَكَانَ الحَانِتُ ارْتَكَبَ ذَنْبًا بِتِلْكَ الْمُخَالَفَةِ، مِمَّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مُرْسَلَةٌ مُخَفَّفَةٌ) وَهِيَ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "مَنْ حَلَفَ يَمِينًا، فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَفْعَلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (1). وَفِي رِوَايَةٍ: تَأْخِيرُ الْكَفَّارَةِ عَنِ الحِنْثِ، وَمِنْ هُنَالِكَ جَاءَ الاِخْتِلَافُ فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَنِ
الْحِنْثِ أَوْ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ.
ثالثًا: النُّذُورُ:
وَالنَّذْرُ وَاجِبُ الْوَفَاءِ بِهِ وَهُوَ نَذْرُ الطَّاعَةِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ،
فَإِنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ".
وَصِيغَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ لِلَّهِ
وَهُوَ نُوَعَانٍ:
-1
ر
مُطْلَقُ: أَنْ يَنْذَرَ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ.
- مُقَيَّدُ: أَنْ يَنْذَرَ بِشَيْءٍ حَدَّدٍ
(1) رواه الربيع. (1/162)
صفحة 163
الْبِنَاءُ الْفِقْهى
163
وَالذَّبْحُ.
التَّذْكِيَةُ
وَالتَّذْكِيَةُ هِيَ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ لِلْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ الْحَلَالِ أَكْلُهَا.
فَالنَّحْرُ لِلْإِبِلِ، وَالذَّبْحُ لِلْغَنَمِ وَالطُّيُورِ، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَيَجُوزُ فِيهَا النَّحْرُ
وَالذَّبْحُ يَعْتَمِدُ عَلَى قَطْعِ الْوَدجَيْنِ وَالْمَرِيءِ وَالْخَلْقُومِ.
أَمَّا النَّحْرُ فَيَكُونُ فِي الْمَنْحَرِ وَاللَّيَّةِ.
وَذِكْرُ اسْمِ اللهِ تَعَالَى مَشْرُوطٌ فِي التَّذْكِيَةِ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي التَّذْكِيَةِ أَنْ تَكُونَ بِآلَةٍ حَادَّةٍ، وَهُنَالِكَ الاِصْطِيَادُ بِالْكِلابِ الْمُعَلَّمَةِ وَالطُّيُورِ الْجَارِحَةِ، وَكَذَلِكَ بِالسَّهَامِ وَالرَّمَاجِ وَالْبَنَادِقِ إِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عِنْدَ إِرْسَالِهَا، وَلَكِنْ إِذَا وُجِدَ الصَّيْدُ حَيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَذْكِيَتِهِ، أَمَّا إِذَا وُجِدَ مَيْتًا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ الْكَلْبُ الْمُعلَّمُ أَوِ الْخارِحُ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، أَمَّا إِذَا تَهَشَّمَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، أَمَّا السَّمَكُ فَذَكَاتُهُ اصْطِيَادُهُ، وَكُلُّ دَوَابِّ الْبَحْرِ لِلْحَدِيثِ الْقَائِلِ:
"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالحِل مَيْتَتُهُ (1).
وذَكَاهُ جَنِينِ الْبَهِيمَةِ ذَكَاةُ أُمِّهِ.
(1) اخرجه الربيع. (1/163)
صفحة 164
المدخل إلى المذهب الإباضي
164
الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ
أَولا: الطَّعَامُ
وَالطَّعَامُ مِنْهُ مَا هُوَ حَلَالُ وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ.
فالخلالُ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بَعْدَ ذَكَاتِهَا الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَكَذَلِكَ طَعَامُ الْبَحْرِ وَصَيْدُ الْبَرِّ إِذَا اصْطِيدَ بِإِحْدَى وَسَائِلِ الإِصْطِيَادِ الْمَشْرُوعَةِ فِقْهَا.
وهناك حَيَوَانَاتٌ أُخْرَى تَدُورُ بَيْنَ الحِل وَالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَكَذَلِكَ البقولات والحبوبُ وَالْحَضَارُ وَالْفَوَاكِهُ، فَهِيَ حَلَالُ طَيِّبٌ إِذَا سَلَمَتْ هَذِهِ الْمَأْكُولَاتُ مِنَ النَّجَسِ وَالضُّرَّ بِالْجِسْمِ.
أَمَّا الْحَرَامُ مِنَ الطَّعَامِ: فَفِي مُقَدِّمَتِهِ الْمَيْتَةُ وَالْخِنْزِيرُ وَالدَّمُ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ
لِغَيْرِ اللهِ، وَكُلُّ نَجَسٍ وَكُلُّ مَا يَضُرُّ بِالْجِسْمِ.
ثانيا: الشَّرَابُ:
والشَّرَابُ مِنْهُ الْحَلَالُ وَمِنْهُ الحَرَامُ.
فَالْحَلَالُ كَالْمَاءِ وَالْعَصَائِرِ وَالنَّبِيذِ الْخَالِي مِنَ الْكُحُول وَالْمَشْرُوبَاتِ الْغَازِيَّةِ الخَالِيَةِ مِنَ الْكُحُول وَالْأَلْبَانِ إِذَا سَلَمَتْ هَذِهِ الْمَشْرُوبَاتُ مِنَ الْكُحُول وَالتَّعَفُّنِ وَالتَّلَوُّثِ. (1/164)
صفحة 165
165
أَمَّا الْحَرَامُ مِنَ الْمَشْرُوبَاتِ فَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْخَمْرُ، فَهِيَ أُمُّ الْخَبَائِثِ وَكُلُّ مُسْكِرٍ لِلْحَدِيثِ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ لِضَرَرِهِ بِالْعَقْلِ، وَكُلُّ الْمُؤَنّرَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالسُّمْ، لِضَرَرِهِ بِالْجِسْمِ، وَكُلُّ شَيْءٍ نَجِي.
وَالدُّخَانُ التَّدْخِينُ) وَقَدْ أَثْبَتَتِ الْمُؤَسَّسَاتُ الصّحيَّةُ كَمُنَظَمَةِ الصّحة الْعَالَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا ضَرَرَهُ.
وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ فِي هَذَا ذِكْرُ اللهِ مِنْ مُهِمَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ (1)، "وَمَا أَضَرَّ بِالْحِسْمِ فَهُوَ حَرَامٌ".
(1) الأعراف: 157. (1/165)
صفحة 166
166
أَوَّلًا: الزَّوَاجُ:
النكاح
يَقُومُ الزَّوَاجُ عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ، هِيَ:
1 - الْوَلِيُّ.
المدخل إلى المذهب الإباضي
2 - رِضَى الْمَرْأَةِ.
الشُّهُودُ.
4 - الصَّدَاقُ.
وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَبَيِّنَةٍ). كَمَا جَاءَ فِي رِضَى الْمَرْأَةِ: "الْأَيْمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيَّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ،
وَإِذْنُهَا ضَمَانُهَا (2).
وَالْمُحَرَّمَاتُ مِنَ النِّسَاءِ فِي الزَّوَاجٍ هُنَّ ثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَهِيَ:
(1) رواه الربيع.
(1) رواه الربيع. (1/166)
صفحة 167
167
الْأُم - الْبِنْتُ - الْأُخْتُ - الْعَمَّةُ وَالْخَالَهُ - بِنْتُ الْأَخِ - بِنْتُ الْأُخْتِ - الْأُمُّ بِالرَّضَاعَةِ - الْأُخْتُ مِنَ الرَّضَاعَةِ - أُمُّ الزَّوْجَةِ - الرَّبِيبَةُ الْمَدْخُولُ بِأُمِّهَا - زَوْجَةُ الابْنِ – زَوْجَةُ الْأَبِ - أُخْتُ الزَّوْجَةِ – عَمَّةُ الزَّوْجَةِ – خَالَةُ الزَّوْجَةِ ابْنَةُ أَخِ الزَّوْجَةِ - ابْنَةُ أُخْتِ الزَّوْجَةِ) ().
وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ زَوَاجِ الشَّغَارِ، وَالشَّغَارُ هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ مُوَلِّيَتَهُ
لِرَجُلٍ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ مُوَلَّيْتَهُ مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ كَانَ هَذَا الزَّوَاجُ مُسْتَعْمَلًا فِي عُمَانَ، وَلَكِنْ مَعَ وُجُودِ صَدَاقٍ
مُتَكَافِيَّ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا أَيْضًا زَوَاجٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَفِيهِ إِهَانَةٌ لِلْمَرْأَةِ، وَعَدَمُ جَوَازِهِ أَوْلَى.
ثانيا: الطَّلَاقُ
وَهُوَ نَوْعَانِ:
1 - رجعي.
- بَاتٌ.
(1) المقصود الزوجة التي على عصمة الزوجية. (1/167)
صفحة 168
168
المدخل إلى المذهب الإباضي
فَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ هُوَ مَا كَانَتْ فِيهِ الرَّجْعَةُ لِلزَّوْجِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ، وَهُوَ النَّاشِنُ عَنِ التَّطْلِيقِ مِنْ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُؤْمَرَانِ بِالْبَقَاءِ مَعَ بَعْضِهِمَا الْبَعْضُ، وَإِنَّمَا تُجْتَنَبُ الْمُمَارَسَةُ الْجُنْسِيَّةُ فَقَطْ.
أَمَّا الطَّلَاقُ الْبَاتُ فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فِيهِ الرَّجْعَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا
آخَرَ نِكَاحًا غَيْرَ مُخَطَّطٍ لَهُ لِتَحْلِيلِهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ.
والطَّلَاقُ الْبَاتُ نَاشِيُّ عَنْ ثَلَاثِ تَظْلِيقَاتٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الطَّلَقُ مرتان فإمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنُ، وَقَوْلِهِ: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ الْبَقَرَة: 229، 230).
فَقَوْلُهُ: فَإِنْ طَلَّقَهَا، أَيْ: لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ.
وَالطَّلَاقُ مِنْهُ: طَلَاقُ السُّنَّةِ، وَمِنْهُ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ.
وَطَلَاقُ السُّنَّةِ هُوَ أَنْ يُطَلَّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُوَاقِعُهَا فِيهِ، أَمَّا الطَّلَاقُ البِدْعِي فَهُوَ أَنْ يُطَلَّقَ فِي الْخَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ وَاقَعَهَا فِيهِ، وَكِلَاهُمَا يَقَعُ.
وَالخُلْعُ: هُوَ أَنْ تَطْلُبَ الزَّوْجَةُ الطَّلَاقَ بِفِدْيَةٍ. (1/168)
صفحة 169
الْبِنَاءُ الْفِقْهى
169
العددُ
الْعِدَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَدَّ وَالْحِسَابِ، وَيُرَادُ بِهَا عِدَّةُ الانْتِظَارِ الْوَاحِبَةُ عَلَيْهَا
مِنْ وَفَاةِ زَوْجٍ أَوْ طَلَاقٍ.
وهي:
- عِدَّةُ الْوَفَاةِ: وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِيهَا.
- عِدَّةُ الطَّلَاقِ رَجْعِيًا كَانَ أَوْ بَاتًا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تحِيضُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يَأْتِيهَا الخَيْضُ لِكِبَرِ أَوْ لِصِغَرِ، فَتَكُونُ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةَ
أَشْهُرٍ
وَعَلَى الْمُعْتَدَّةِ عِدَّةَ الْوَفَاءِ تَجَنُّبُ الزِّينَةِ، فَلَا تَتَزَيَّنُ بِلِبَاسِ الزِّينَةِ، أَوْ بِعِطْرٍ
أَوْ بِجلي (1/169)
صفحة 170
170
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْبُيُوعُ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبوا وَالْبَيْعُ شَرْعًا: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الْمِلْكِ عَلَى بَدَلٍ لَهُ قِيمَةُ يُتَعَوَّضُ عَلَيْهِ الْمَبِيعُ.
وَلَهُ أَرْكَانُ خَمْسَةُ هِيَ:
1 - الْبَائِعُ
-1
2 - الْمُشْتَرِي.
-3
الْمَبِيعُ.
4 - الثَّمَنُ.
ه - الْعَقْدُ.
وَشَرْطَهُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي حُرِّيْنِ بَالِغَيْنِ عَنْ رِزْى مِنْهُمَا.
1 - أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ وَالْمَبِيعُ حَاضِرَيْنِ (بَيْعُ حَاضِرٍ بِحَاضِرٍ). 2 - أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا وَالثَّمَنُ عَلَى التَّأْخِيرِ (حَاضِرُ بِتَأْخِيرٍ). أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ حَاضِرًا، وَالْمَبِيعُ غَيْرَ حَاضِرٍ، وَهَذَا هُوَ بَيْعُ السَّلَمِ السَّلَفِ) عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومَ الصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَالْوَكِيلِ، وَزَادَ بَعْضُهُمُ الْعِلْمَ بِالْمَكَانِ الَّذِي يُسَلَّمُ فِيهِ الْمَبِيعُ. 4 بَيْعُ الْمُرَائِحَةِ: وَهُوَ أَنْ يَقُومَ الْبَائِعُ بِشِرَاءِ الْبِضَاعَةِ لِلْمُشْتَرِي وَإِخْبَارِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي تَمَّ الشَّرَاءُ بِهِ وَمَكَانِ الشَّرَاءِ وَنَفَقَاتِ نَقْلِ الْبِضَاعَةِ
والربح.
ه - بيع الخيَارِ: وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ عِنْدَ الْعُمَانِيِّينَ بِبَيْعِ الْأَمَالَةِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ بَيْعُ (1/170)
صفحة 171
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
171
هُنَاكَ مُدَّةٌ زَمَنِيَّةٌ يَحِقُ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا عَنِ الْبَيْعِ وَإِرْجَاعُ الثَّمَنِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَجُوِّزَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْبُيُوعِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَصْدُهُ أَصْلُ الْمَبِيعِ لَا غَلَّتْهُ.
1 - الْبَيْعُ لِلْآمِرِ بِالشَّرَاءِ: وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بُضَاعَةٌ بِأَوْصَافٍ مَعْلُومَةٍ، مَعَ الْتِزَامِ الْمُشْتَرِي بِوَعْدِهِ بِالشَّرَاءِ الْتِزَامَ مُرُوءَةٍ لَا لُزُومَ
فَضَاءٍ، فَقَدِ اعْتُبِرَ الْوَعْدُ هُنَا غَيْرَ مُلْزِمٍ إِلَّا مِنْ بَابِ الْمُرُوءَةِ. - بَيْعُ الصَّرْفِ: وَهُوَ بَيْعُ النُّقُودِ بِالنُّفُودِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ وَفِي نَفْسِ الْمَكَانِ.
مَنْهِيَّاتُ الْبُيُوعِ
1 بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضُ، لِكَوْنِ الْمَبِيعِ لَيْسَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ. 2 رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ ضَمَانِ الْمَبِيعِ. - الْغَرَرُ فِي الْبَيْعِ لِلْجَهَالَةِ فِي الْمَبِيعِ.
- الدَّرَائِعُ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الشَّيْءَ عَلَى التَّأْخِيرِ، ثُمَّ يَسْتَرِدَّهُ مِنَ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ
- E
حَاضِرٍ أَقَلَّ.
ه - بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، لِكَوْنِ الدَّيْنَيْنِ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ.
-0
وَمَسَائِلُ الْبُيُوعِ الْجَائِزَةِ وَالْمَنْهِيَّةِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَا يُنَاسِبُ هَذَا
الْمَدْخَلَ. (1/171)
صفحة 172
172
المدخل إلى المذهب الإباضي
الربا
الربا حرامٌ، حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا،
وَحَرَّمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أَحَادِيثَ عِدَّةٍ
والرِّبَا هُوَ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
1 - اتحاد الجنس.
2 - الزيَادَة.
- الْأَجَلُ.
وَإِذَا تَخَلَّفَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَرَجَ الْبَيْعُ مِنْ إِطَارِ الرِّبَا.
الْمُضَارَبَةُ
الْمُضَارَبَةُ هِيَ عَقْدُ بَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ (الْعَامِلِ) عَلَى أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الْمَالِ التَّقُودَ، وَعَلَى أَنْ يَقُومَ الْمُضَارِبُ بِالاغْجَارِ بِهَا عَلَى رِبْحٍ عَامَّ
مُشْتَرَكٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ غَيْرِ مُحَدَّدِ النِّسْبَةِ، وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ. وَلَا تَكُونُ الْمُضَارَبَةُ إِلَّا بِالنُّقُودِ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ، وَالْقِيَامِ بِالْعَمَلِ مِنَ الْعَامِلِ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمُضَارِبُ، وَالْمُضَارِبُ أَمِينُ عَلَى الْمَالِ، وَغَيْرُ ضَامِنٍ لِمَا يَلْحَقُ الْمَالَ مِنْ تَلَفٍ أَوْ خَسَارَةٍ.
وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ الرِّبْحَ عَلَى النَّصْفِ أَوِ الرُّبْعِ مَثَلًا بَعْدَ تَحَملِ الْمُضَارِبِ تَكَالِيفَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْبِضَاعَةِ.
الْإِجَارَاتُ
الْإِجَارَاتُ شَبِيهَهُ بِالْبُيُوعِ، لأَنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ كَالْبُيُوعِ. (1/172)
صفحة 173
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
173
وَإِنَّمَا الاِخْتِلَافُ بَيْنَ الْإِجَارَاتِ وَالْبُيُوعِ هُوَ أَنَّ الْبُيُوعَ قَائِمَةٌ عَلَى اسْتِبْدَالِ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْإِجَارَاتُ بَدَلُ عَنَاءٍ بِمَالٍ.
وَالْإِجَارَاتُ جَائِزَةٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَنْ تَكُونَ فِي
الْأَعْمَالِ الْمَرْثِيَّةِ، وَأَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةٌ فِي الذَّمَّةِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: 1 - جَائِزَةُ: وَهِيَ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ الشَّرْعُ، كَإِيجَارِ مَكَانٍ أَوِ اسْتِنْجَارِ إِنْسَانٍ، أَوْ آلَةٍ أَوْ مَرْكَبَةٍ أَوْ حَيَوَانٍ، شَرِيطَةَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً وَالْإِجَارَةُ مَعْلُومَةً.
2 - غَيْرُ جَائِزَةٍ: وَهِيَ عَنْ كُلِّ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، أَيْ عَدَمُ جَوَازِ الْأَجْرَةِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ كُلِّهَا.
- مُخْتَلَفُ فِيهَا: لاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، أَوِ اخْتِلَافِ تَأْوِيلِهَا بِحَسَبِ
الْمَفاهيم.
عَلَى أَنَّ الْإِجَارَاتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْلَمَ مِنَ الْجَهَالَةِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا هُوَ مُتَعَارَفُ عَلَيْهِ فِي تَجَاوُزِ الْجَهَالَةِ.
الشُّفْعَةُ
والشُّفْعَةُ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ؛ أَيْ: ضَمُّ نَصِيبٍ شَرِيكِهِ إِلَى نَصِيبِهِ، وَقِيلَ:
الزَّيَادَةِ؛ أَيْ: تَزيدُ نَصِيبٌ شَرِيكِهِ إِلَى نَصِيبِهِ.
وفِي الاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيَّ هِيَ اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخَذَ مَبِيعَ شَرِيكِهِ بِثَمَنٍ. وَتَنْبُتُ الشُّفْعَةُ بِالشَّرَاكَةِ، وَهَذِهِ الشَّرَاكَةُ تَتَجَلَّى فِي الْمَشَاعِ؛ أَيْ الِاشْتِرَاكِ في الشَّيْءِ الَّذِي بِيعَ، وَفِي الْقِيَاسِ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ، وَفِي الطَّرِيقِ إِذَا كَانَ (1/173)
صفحة 174
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْمَدْخَلُ وَاحِدًا، وَفي السَّاقِيَةِ إِذَا كَانَ الْمَسْقِي وَاحِدًا. وَالشُّفْعَةُ تُجْرَى فِي الْأُصُولِ وَالْمِيَاهِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّخْلِ وَالْأَشْجَارِ، وَالْهَدَفُ مِنْهَا رَفْعُ الْمَضَرَةِ عَنِ الشَّرِيكِ حَتَّى لَا يَتَضَرَّرَ الشَّرِيكُ بِوُجُودِ الْمُشْتَرِي. وَعَلَى الشَّفِيعِ أَنْ يُبَادِرَ بِطَلَبِ شُفْعَتِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ حَالًا، وَإِذَا تَأَخَّرَ
بطلتِ الشُّفْعَةُ
وَإِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي سَقَطَتِ التَّفْعَةُ.
وَالشُّفْعَةُ تُحْسَبُ بِالْجِوَارِ أَيْضًا عَلَى قَوْلٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِالشُّفْعَةِ بِالشَّرَاكَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
الرَّهْنُ
وَالرَّهْنُ جَائِزُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَرِهَنٌ مَقْبُوضَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ شَخْصَيْنِ حُرِّيْنِ بِالِغَيْنِ جَائِزِي التَّصَرُّف.
وَإِذَا تَلَفَ الرَّهْنُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ تَعَدَّ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا
يَضْمَنُ، فَهُوَ كَالْأَمِينِ فِيهِ.
وَإِذَا تَلَفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنَ الدَّيْنِ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ. الْوَكَالَةُ (التَّوْكِيلُ)
وَالْوَكَالَهُ جَائِزَةُ بَيْنَ الْمُوَكَّلِ وَالْوَكِيلِ عَلَى أَنْ يَقُومَ الْوَكِيلُ مَقَامَ الْمُوَكَّلِ إِلَّا
في ثَلَاثٍ: الْقِصَاصِ الْحَدِّ الْأَيْمَانِ.
وَأَعْمَالُ الْوَكِيلِ سَارِيَةٌ عَلَى الْمُوَكَّلِ حَتَّى يَعْلَمَ بِإِنْهَاءِ الْوَكَالَةِ أَوِ انْتِهَائِهَا. وَتَبْطُلُ الْوَكَالَهُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ أَوِ الْمُوَكَّلِ، أَوْ بِمَوْتِهِمَا مَعًا. (1/174)
صفحة 175
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
وَتَبْطُلُ كَذَلِكَ بِحُصُولِ عَارِضِ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ، كَالْجُنُونِ وَالْمَرَضِ
الْفَاقِدِ لِلْأَهْلِيَّةِ مِنْهُمَا. وَتَبْطُلُ أَيْضًا بِالْإِفْلَاسِ.
الْأَمَانَةُ
حَتَّ اللهُ عَلَى حِفْظِ الْأَمَانَةِ: وَالَّذِينَ هُمْ لاَ مَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ. . وَمَنِ اؤْتُمِنَ أَمَانَةٌ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا وَرَدُّهَا، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَيْهَا إِذَا حَفِظَهَا مِنَ الضَّيَاعِ، أَمَّا إِذَا قَصَّرَ فِي حِفْظِهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا.
الْوَدِيعَةُ
وَهِيَ مِثْلُ الْأَمَانَةِ فِي الْحِفْظِ وَعَدَمِ التَّضْيِيعِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمَانَةِ.
الْعَارِيَةُ
وَهِيَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ لا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ إِعَارَةَ شَيْءٍ مِنَ السَّلَاحِ: "عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ".
فَمَنِ اسْتَعَارَ عَارِيَةٌ لِلانْتِفَاعِ بِهَا، فَانْتَفَعَ بِهَا وَرَدَّهَا بَعْدَ الانْتِفَاعِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا، أَمَّا إِذَا انْتَفَعَ بِهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَلِفَتْ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا. وَإِنِ اسْتَعَارَهَا لِيَسْتَعْمِلَهَا فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَاسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ضَمِنَهَا
إِنْ تَلِفَتْ. (1/175)
صفحة 176
176
المدخل إلى المذهب الإباضي
اللُّقَطَةُ
وَهِيَ اسْمُ الشَّيْءِ الْمُلْقَى الَّذِي يُلْتَقَظُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ
حِفْظِ الْمُسْلِمِ لِمَالِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.
وَبَعْدَ أَخْذِهَا وَالْتِقَطَاهَا يَنْبَغِي تَعْرِيفُهَا سَنَةٌ، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، كَمَا جَاءَتْ بذلك الرَّوَايَاتُ بِالسَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَارِقَ الزَّمَنِيَّ الْمَذْكُورَ، يَقُومُ عَلَى حَجْمِ اللُّقَطَةِ، وَقَدْ أَجَازَ
بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَعْرِيفَهَا بِأَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ.
وَفِي رَأْيِي: أَنَّ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ يَنْبَغِي أَنْ تُخْتَصَرَ حَالِيًّا نَظَرًا لِتَوَفُرِ وَتَطَوُّرٍ وَسَائِلِ الاتِّصَالِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ التَّعْرِيفُ مِنْ خِلَالِهَا إِلَّا حَطَاتٍ قَلِيلَةٌ
فَيَعْرِفُهَا الْعَالَمُ.
وَهِيَ نَوْعَانِ
أَخْذُ الضَّالَّةِ مِنَ الْحَيَوَانِ
1 - ضَالَّهُ الْإِبِلِ، وَهِيَ لَا يَجُوزُ أَخْدُهَا، لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ يَأْتِيهَا صَاحِبُهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ أَيَّامًا، وَجَوَّزَ بَعْضُ أَخْذَهَا. وَلِذَلِكَ غَضِبَ النَّبِيُّ الله عَلَى السَّائِلِ عِنْدَمَا سَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، وَقَالَ لَهُ مَا لَكَ وَلَهَا، وَمَعَهَا حِدَاؤُهَا (أَخْفَافُهَا) وَسِقَاؤُهَا (كُرُوشُهَا)، تَرِدُ الْمَاءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا". (1)
2 - ضَالَّهُ الْغَنَمِ: وَيَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَخْذُهَا؛ لأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ الاسْتِغْنَاءَ بِنَفْسِهَا،
(1) رواه الربيع. (1/176)
صفحة 177
الْبِنَاءُ الْفِقْهِ
177
وَلَا تَصْبِرُ عَنِ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ.
وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السَّائِلَ أَنْ يَأْخُذَهَا، قَائِلًا: خُذْهَا، فَهِيَ لَكَ أَوْ
لأَخِيكَ أَوْ لِلذَّتب (1).
الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
وَالْعُمْرَى وَالرُّقْتِى بِمَعْنَى وَاحِدٍ، حَيْثُ إِنَّ الْعُمْرَى مَنْحُ الشَّيْءِ طَوَالَ الْعُمُرِ لِلْمُعْطِي وَالْمُعْطَى وَالرُّقْبَي مُرَاقَبَةُ حَيَاةِ كُلِّ مِنْهُمَا. وَاخْتُلِفَ فِيهَا، فَقِيلَ: هِيَ لِلَّذِي يُعْطَاهَا أَبَدًا، لَا رُجُوعَ فِيهَا لِلْمُعْطَى،
تُوَرَثُ عَنْهُ ضِمْنَ مِيرَاثِهِ.
وَقِيلَ: تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي بَعْدَ وَفَاةِ الْمُعْطَى، أَوْ تَرْجِعُ إِلَى وَرَئَةِ الْمُعْطِي
بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَقِيلَ: لَا تَرْجِعُ إِذَا قَالَ الْمُعْطِي لِلْمُعْطَى: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُنَاسِبُ لِلْحَدِيثِ: أَيُّمَا رَجُلٍ عَمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لِلَّذِي يُعْطَاهَا أَبَدًا (2).
حِيَازَةُ الْأَرْضِ
الحيَازَةُ لِلْأَرْضِ مِنْ قِبَلِ شَخْصٍ مَا هِيَ ضَمُّهَا إِلَيْهِ بِدَعْوَى أَنَّهَا لَهُ
خاصة.
فَإِذَا حَازَ شَخْصُ أَرْضًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ حَتَّى مَضَى عَلَيْهَا مُدَّةٌ وَهُوَ
(1) الربيع بن حبيب.
(1) الربيع بن حبيب. (1/177)
صفحة 178
178
المدخل إلى المذهب الإباضي
يُعَمِّرُهَا فَفِي الْحُكْمِ أَنَّهَا لَهُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: عَشْرُ سِنِينَ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةٌ. وَالْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ حَازَ أَرْضًا وَعَمَّرَهَا عَشْرَ سِنِينَ، والخضمُ حَاضِرُ لَا يُغَيِّرُ وَلَا يُنْكِرُ فَهِيَ لِلَّذِي حَازَهَا وَعَمَّرَهَا، وَلَا حُجَّةَ لِلْخَصْمِ فِيهَا (1).
الْهَبَةُ
وَالْهِبةُ هِيَ الْعَطِيَّةُ، وَتَقُومُ عَلَى أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَهْلِيَّةُ الْوَاهِبِ؛ أَيْ: يَكُونُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ.
الثَّانِي: قَبْضُ الْمَوْهُوب.
وَالقَبْضُ وَالْإِحْرَازُ شَرْطُ لِتَمَامِ الْهِبَةِ، إِلَّا مَا يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ وَالْإِحْرَازُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ، إِلَّا لِلْوَالِدِ مِنَ ابْنِهِ، عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْوَلَدَ هُوَ وَمَالُهُ لِأَبِيهِ، فَكَأَنَّ الْوَالِدَ هُنَا نَزَعَ مَالَهُ.
وَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةٌ أَوْ يَهَبَ هِبَةٌ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ (2).
(1) رواه الربيع.
(1) رواه أحمد والترمذي وابن حبان. (1/178)
صفحة 179
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
الحدُودُ
179
الحد في اللُّغَةِ المَنْعُ، وَفِي الاصْطِلاحِ الشَّرْعِيَّ هُوَ اسْمٌ لِعُقُوبَاتٍ تَخْصُوصَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلَى أَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَمْنَعُ الْعَاصِيَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي حُدَّ عَلَيْهَا، وَتُطْلَقُ الْخُدُودُ عَلَى مُطْلَقِ الْأَحْكَامِ الَّتِي حَدَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ وَمَنَعَهُمْ مِنْ مُجَاوَزَتِهَا، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يتعد حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1).
والخُدُودُ أَنْوَاعُ بِاخْتِلَافِ الْمَعَاصِي الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تِلْكَ الْخُدُودُ، وَهِيَ: 1 - حَدُّ الزَّنَى، رَجْمُ لِلْمُحْصَنِ وَجَلْدُ لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
2 - حَدُّ الْقَذْفِ.
3 - حَدُّ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ. 4 - حَدُّ السُّكْرِ.
ه - حَدُ الْحَرَابَةِ.
1 - حَدُّ الرَّدَّةِ.
وَالخُدُودُ تَثْبُتُ بِأَحَدٍ أَمْرَيْنِ: الْإِقْرَارِ أَوِ الشُّهُودِ.
وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ لِإِقَامَتِهَا وُجُودَ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَبَعْضُ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ. وَفِي رَأْبي أَنَّ الْحُدُودَ يَجِبُ أَنْ يُنْظُرَ فِي تَطْبِيقِهَا وَفْقَ ظُرُوفِ الْحَيَاةِ، حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تَتَوَفَّرَ لِتَطْبِيقِهَا الْبَيِّنَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهَا. فَمَثَلًا حَدُّ السَّرِقَةِ يَجِبُ أَنْ لَا يُطَبقَ إِلَّا مَعَ وُجُودِ عَدَالَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ.
(1) نور الدين السالمي شرح المسند، ج 3، ص 279. (1/179)
صفحة 180
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَذَلِكُمْ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، جَمَّدَ تَطْبِيقَ حَدَّ السَّرِقَةِ عَامَ الرَّمَادَةِ نَظَرًا لِلْجُوعِ الَّذِي أَلَمَّ بِالنَّاسِ. وكذلِكَ حَدُّ الزَّنَى يَجِبُ أَنْ لَا يُطَبّقَ إِلَّا مَعَ وُجُودِ حَيَاةِ السَّتْرِ وَالْعَفَافِ. وَحَدُّ السُّكْرِ يَجِبُ أَنْ لَا يُطَبَقَ إِذَا كَانَتِ الْخُمُورُ مَعْرُوضَةٌ جِهَارًا نَهَارًا. وَهَكَذَا بِالنَّسْبَةِ إِلَى الْحُدُودِ الْأُخْرَى.
لِلْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "ادْرَدُّوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (1). وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ تَعْزِيرِيَّةً وَلَا تَتَجَاوَزُ الْعُقُوبَةَ الحَدِّيَّةَ. وَأَرَى مِنَ الْمُنَاسِبِ أَنْ أَذْكُرَ هُنَا الْقَصَاصَ، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةٌ حَدِّيَّةٌ، لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهَا، فَهُوَ عُقُوبَةٌ جِنَائِيَّةٌ، تَجِبُ بِارْتِكَابِ جَرِيمَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا.
(1) أخرجه الترمذي والحاكم. (1/180)
صفحة 181
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
الْوَصِيَّةُ
181
الْوَصِيَّةُ هِيَ عَهْدُ خَاصٌ مُضَافُ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِلُ بِهَا
ما كَانَ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ (1).
وَلَهَا أَرْكَانُ أَرْبَعَةُ:
1 - الصيغَةُ.
2 - الْمُومِي.
- الْمُوصَى لَهُ.
4 - الْمُوصَى بِهِ.
وَتَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
1 - وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مَا كَانَتْ لِلْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ. 2 غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَهِيَ مَا كَانَتْ لِغَيْرِ الْأَقْرَبِينَ.
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالْوَصِيَّةِ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. كَمَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُه: "لَا يَحِلُّ لِامْرِيَّ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ (2).
فَفِي الْآيَةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ مَالًا نَصِحُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ.
(1) السالمي نور الدين شرح المسند، ج 3، ص 458
(1) رواه الربيع. (1/181)
صفحة 182
182
المدخل إلى المذهب الإباضي
ويرى الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بَرَكَةَ أَنَّ الْآيَةَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (1)، فِيهِ تَخْصِيصُ الْوَارِثِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْوَصِيَّةِ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى حُكْمِهِ، وَكُلُّ قَرِيبٍ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَلَهُمَا بِحَقِّ الْقَرَابَةِ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا وَارِثِينَ (2).
وَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةُ فِي الثُّلُثِ مِنَ الْمَالِ، حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ عِنْدَمَا أَجَازَ لَهُ النَّبِيُّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ قَائِلًا لَهُ: "وَالثُّلُثُ كَثِيرُ، إِنَّكَ إِنْ تَزَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (3) وَالْوَصِيَّةُ لَا تَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُ إِذَا قَتَلَ الْمُوصِيَ أَوْ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِهِ عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَمْ خَطَأً
(1) رواه الربيع.
(1) كتاب الجامع، ج 2، ص 562. (2) رواه الربيع. (1/182)
صفحة 183
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
الْمِيرَاثُ يَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ:
- الوارث
- التركة.
الْمِيرَاتُ
- 183
وَالْوَارِثُ عَلَى أَصْنَافٍ ثَلَاثَةٍ:
1 - ذَوُو السَّهَامِ (الْفَرَائِضِ).
وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ: أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، وَثَمَانِ نِسَاءٍ، وَهُمْ:
الْأَبُ) - الجُدُ - الزَّوْجُ - الْأَحُ لِلْأُمّ - الْأُم - الْجَدَّةُ - الابْنَةُ - ابْنَةُ الابْنِ الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ - الْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ - الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ الزَّوْجَةُ).
2 - الْعَصَبَاتُ، وَهُمْ:
- الْأَوْلَادُ وَبَنُوهُمْ وَإِنْ سَفلُوا.
- الْأَجْدَادُ وَإِنْ عَلَوْا عِنْدَ عَدَمِ الْأَوْلَادِ.
- الْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمُ الذُّكُورُ عِنْدَ عَدَمِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ. - الْأَعْمَامُ وَبَنُوهُمْ، وَأَعْمَامُ الْأَبِ وَبَنُوهُمْ وَإِنْ عَلَوا. وَالْعَصَبَاتُ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ إِلَى الْمَيِّتِ كَانَ أَوْلَى بِالْمِيرَاتِ. 3 - ذَوُو الْأَرْحَامِ وَهُمْ: الْأَقَارِبُ الْإِنَاثُ، وَمَنْ يُنَاسِبُ الْمَيِّتَ بِالْإِنَاثِ مِنْ قِبَلِ بَنَاتِهِ وَأُمَّهَاتِهِ، وَأَخَوَاتِهِ، وَأُمَّهَاتِ آبَائِهِ، وَخُلَاصَةُ الْأَمْرِ: إِنَّ الرَّحِمَ مَنْ
يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِأُنْثَى. (1/183)
صفحة 184
184
المدخل إلى المذهب الإباضي
السَّهَامُ (الْفَرَائِضُ):
1 - النِّصْفُ:
- لِلزَّوْجِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ.
- لِلابْنَةِ إِذَا انْفَرَدَتْ
- لابْنَةِ الابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنَةِ.
- لِلْأُخْتِ الْخالِصَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْأَجْدَادِ وَالْأَوْلَادِ. لِلْأُخْتِ لِلْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأُخْتِ الْخَالِصَةِ.
2 - الثُّلُثَانِ:
- لِلبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا.
لابنتي الابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْبِنْتَيْنِ.
- لِلْأُخْتَيْنِ الْخَالِصَتَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَوْلَادِ وَالْأَبِ وَالْأَجْدَادِ. لِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأُخْتَيْنِ الْخَالِصَتَيْنِ.
- الثلث:
- لِلْأُمّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَوْلَادِ، وَعَدَمِ الْأَخَوَيْنِ فَصَاعِدًا. - لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأُمَّ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْأَبِ وَالْجَدَّ.
- الربع
- لِلزَّوْجَاتِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَوْلَادِ.
- لِلْأَزْوَاجِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَوْلَادِ. (1/184)
صفحة 185
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي ه السُّدُسُ
لِلْأَبِ عِنْدَ الْوَلَدِ وَابْنِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفلُوا. - لِلْجَدِّ عِنْدَ الْوَلَدِ وَعَدَمِ الْأَبِ.
لِلْأُمّ عِنْدَ الْوَلَدِ وَعِنْدَ الْأَخَوَيْنِ فَصَاعِدًا.
- بِنْتُ الابْنِ.
- بَنَاتُ الابْنِ مَعَ الابْنَةِ.
- لِلْأُخْتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ عِنْدَ الْأُخْتِ الْخَالِصَةِ.
- لِلْأُخْتِ وَالْأَخِ مِنَ الْأُمّ.
6 - الثُّمُنُ:
-1
لِلزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَاتِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ.
الْحَجْبُ:
وَهُوَ بَابٌ مُهِمَّ فِي عِلْمِ الْمِيرَاثِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ
يُفْتِي فِي الْمِيرَاتِ.
وَهُوَ قِسْمَانِ:
1 - حَجْبُ حِرْمَانٍ وَيُسَمَّى مُسْقِطا؛ لأَنَّ حَجْبَهُ يُسْقِطَ الْمَحْجُوبُ كُلَّنَا مِنَ
النَّصِيبِ فِي الْمِيرَاثِ.
- حَجْبُ نُقْصَانٍ: وَيُسَمَّى مُنْقِلا، أَيْ: أَنَّهُ يَنْقُلُ الْمَحْجُوبَ مِنْ فَرْضِ إِلَى فَرْضِ أَوْ إِلَى تَعْصِيبٍ؛ أَيْ أَنَّهُ يَحْجُبُهُ جُزْيْبًا لَا كُليًّا. (1/185)
صفحة 186
186
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْعَوْلُ:
وَهُوَ زِيَادَةُ السَّهَامِ عَلَى أَصْلِ الْفَرِيضَةِ، وَهُوَ كَمَا يَلِي:
1 - عَوْلُ الْفَرِيضَةِ ذَاتِ السَّتَّةِ الْأَسْهُم إِلَى السَّبْعَةِ أَوِ الثَّمَانِيَةِ أَوِ التَّسْعَةِ أَوِ
الْعَشَرَةِ.
2 - عَوْلُ الْفَرِيضَةِ ذَاتِ الاثْنَيْ عَشَرَ سَهْما، إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ
سَهما.
عَوْلُ الْفَرِيضَةِ ذَاتِ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا.
الرد:
وَيُقَابِلُ الْعَوْلَ الرَّدُّ، وَهُوَ أَنْ تَبْقَى مِنْ أَصْلِ الْفَرِيضَةِ سِهَامُ، وَلَا يَكُونُ لِلْمَيِّتِ عَصَبَةٌ يَسْتَحِقُونَ بَاقِي الْمِيرَاثِ، فَالْبَاقِي بَعْدَ سِهَامِ ذَوِي الْفَرَائِضِ مَرْدُودُ عَلَى ذَوِي الْفَرَائِضِ أَنْفُسِهِمْ مَا عَدَا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ. (1/186)
صفحة 187
البناء ا -
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْفِقْهُ السَّيَاسِيُّ
187
الْإِسْلامُ فَوَّضَ إِلَى النَّاسِ تَنْظِيمَ الدَّوْلَةِ وَهَيْكَلتَهَا وَلَمْ يَتَدَخَلْ فِي تَرْتِيبٍ الْمَسْئُولِيَّةِ وَالْمَسْئُولِينَ، وَإِنَّمَا شَدَّدَ عَلَى ضَرُورَةِ تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ وَالْمُسَاوَاةِ، والحكم بالحقِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَاى فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ
وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ.
عَلَى أَنَّ الدَّوْلَةَ نِظَامَ الْحُكْمِ فِي الْإِسْلَامِ تَقُومُ عَلَى ثلاثة أمور هي: وِلايَةِ الْأَمْرِ وَالْقَضَاءِ وَأَهْلِ الحَل وَالْعَقْدِ.
أَوَّلًا: وِلَايَةُ الْأَمْرِ (الدَّوْلَةُ): - وَلِيُّ الْأَمْرِ: هُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الدَّوْلَةِ أَوْ عَلَى رَأْسِ هَرَمِ لنظامِ الْحُكْمِ، وَوُجُودُهُ وَاجِبٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالاسْتِدْلَالِ:
1 - مِنَ الْقُرْآنِ: وَيَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ. 2 - مِنَ السُّنَّةِ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ بَلَدًا أَقَرَّ عَلَيْهَا أَمِيرًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا لِمُهِمَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ عَسْكَرِيَّةٍ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يُؤَمِّرُ عَلَيْهَا
أَمِيرًا يَنُوبُ عَنْهُ، وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى طَاعَةِ الْأَئِمَّةِ الْعُدُولِ. - مِنَ الْإِجْمَاعِ: فِعْلُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ وَقَوْلُهُمْ بِتُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَمْرِ، فَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَقُومُ بِهَا، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وُجُوبِهَا. 4 - مِنَ الاسْتِدْلَالِ: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ فُرُوضًا أَمَرَ بِهَا وَحُدُودًا أَوْجَبَهَا، لَا يُقِيمُها مَنْ باشَرَهَا مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِعَامَّةِ النَّاسِ أَنْ يُقِيمُوهَا عَلَيْهِ، (1/187)
صفحة 188
188
المدخل إلى المذهب الإباضي
فَتَوَفَّفَ الْأَمْرُ عَلَى ضَرُورَةِ وُجُودٍ قَائِمٍ يَقُومُ بِذَلِكَ.
- لَقَبُ الْإِمَامِ
وَقَدْ تَمَيَّزَ الْمَذْهَبُ الْإِبَاضِيُّ بِإِعْطَاءِ لَقَبِ الْإِمَامِ لِمَنْ يَصِلُ إِلَى ولَايَةِ الْأَمْرِ بِطَرِيقِ الاِخْتِيَارِ وَالشُّورَى.
عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّقَبَ جَائِزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى أَيَّ لَقَبٍ آخَرَ يُعَبِّرُ عَنْ وَلِيٍّ الْأَمْرِ كَالْمَلِكِ أَوِ السُّلْطَانِ أَوِ الرَّئيسِ أَوِ الْأَمِيرِ، حَسَبَ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ وَاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُهِمُ فِي الْأَمْرِ هُوَ تَحْقِيقُ الْعَدَالَةِ وَالْحُكْمُ
بِالْحَقِّ بَيْنَ النَّاسِ وَفْقَ مَا شَرَعَ اللَّهُ.
- شَرْعِيَّةُ وَلِي الْأَمْرِ: تُعْطَى الشَّرْعِيَّةُ السَّيَاسِيَّةُ لِوَلِي الْأَمْرِ (الْحَاكِمِ) بِإِحْدَى طَرِيقَتَيْنِ:
1 - الْبَيْعَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ أَنْ يَجْتَمِعَ أَهْلُ الْحَل وَالْعَقْدِ مِنْ عُلَمَاءِ وَزُعَمَاءِ الْقَبَائِلِ وَأَعْيَانِ الْبَلَدِ، وَكُلِّ مَنْ لَهُ تَأْثِيهِ اجْتِمَاعِيُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَهْلِ الْحَلَّ وَالْعَقْدِ هُمْ أَصْحَابُ النُّفُوذِ وَالتَّأْثِيرِ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَجْتَمِعُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا إِذَا اجْتَمَعُوا غَالِبُهُمْ أَوِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَعَلَى الْبَاقِينَ الْمُوَافَقَةُ، وَعَدَمُ الْمُخَالَفَةِ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمْ أَمْرُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الجميعِ الاِخْتِلَافَ، وَهَذَا عَيْنُ مَا قَالَهُ مَسْعِدَةُ بْنُ تَمِيمٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ بَعْدَ وَفَاةِ الْإِمَامِ الْوَارِثِ بْنِ كَعْبٍ غَرَفًا، وَقَدْ أَرَادُوا تَقْدِيمَ غَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ إِمَامًا، فَكَانَ رَأْيُ سُلَيْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَنْ لَا يَقُومُوا بِالْبَيْعَةِ لِلْإِمَامِ (1/188)
صفحة 189
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
189
غَسَّانَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَجْتَمِعَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَائِلًا: نَكْتُبُ إِلَى أَهْلِ السِّرِّ يَأْتُونَ، فَقَالَ مَسْعَدَهُ: يُرِيدُ ابْنُ عُثْمَانَ أَنْ نُؤَخِّرَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيْنَا النَّاسُ فَتَخْتَلِفُوا عَلَيْنَا (1).
وَإِذَا مَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَلَ وَالْعَقْدِ عَلَى تَنْصِيبٍ وَلِيِّ الْأَمْرِ (الْإِمَامِ) بَعْدَ أَنِ اخْتَارُوا الشَّخْصَ الْمُرَشَحَ، فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَرْجِعُ الْعُلَمَاءِ وَكَبِيرُهُمْ فَيُبَايِعُ الْإِمَامَ جَاعِلًا يَدَهُ الْيُمْنَى فِي يَدِ الْإِمَامِ الْيُمْنَى، مُمْلِيًا عَلَيْهِ صِيغَةَ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي
تشْتَمِلُ عَلَى الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ:
- التزامُ الْإِمَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
2 - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
J-
3 - أَنْ لَا يُقْدِمَ الْإِمَامُ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْكَبِيرَةِ إِلَّا بِرَأْيِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْعَقْدِ. الْقِيَامُ بِتَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتَتَابَعُ أَهْلُ الْحَل وَالْعَقْدِ فِي إِعْطَاءِ الْبَيْعَةِ لِلْإِمَامِ. وَقَدْ حَفِلَتِ الْمَصَادِرُ الْعُمَانِيَّةُ بِإِيرَادِ صِيَغِ عَقْدِ الْبَيْعَةِ بِالْإِمَامَةِ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا، وَلَكِنَّهَا كُلَّهَا تَحْمِلُ الْعَنَاصِرَ الْمَذْكُورَةَ، وَنُورِدُ هُنَا
عَقْدَ الْبَيْعَةِ الَّتِي بُويعَ بِهَا الْإِمَامُ عَزَّانُ بْنُ قَيْسِ الْبُوسَعِيدِيُّ، وَهِيَ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَدْ بَايَعْنَاكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَنَصَّبْنَاكَ إِمَامًا عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ الدفاع، وَعَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَعْقِدَ رَايَةٌ، وَلَا تُنفذ حُكْمًا، وَلَا تَقْضِيَ أَمْرًا إِلَّا
(1) السالمي نور الدين تحفة الأعيان، ج 1، ص 122. (1/189)
صفحة 190
mm 19.
المدخل إلى المذهب الإباضي
بِرَأْيِ الْمُسْلِمِينَ وَمَشُورَتِهِمْ، وَقَدْ بَايَعْنَاكَ عَلَى إِنْفَاذِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ وَقَبْضِ الْجِبَايَاتِ وَإِقَامَةِ الْجُمُعَاتِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَأَنْ لَا تَأْخُذَكَ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَأَنْ تَجْعَلَ الْقَوِيَّ ضَعِيفًا حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّ اللهِ، وَالْعَزيزَ ذَلِيلًا حَتَّى تُنَفِّذَ فِيهِ حُكْمَ اللهِ، وَأَنْ تَمْضِيَ عَلَى سَبِيلِ الحقِّ أَوْ تَفْتَى رُوحُكَ فِيهِ، وَأَنْ تُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَا وَلِجَمِيعِ
(1) ?
الْمُسْلِمِينَ (1).
عَلَى أَنَّ هُنَاكَ بَيْعَتَيْنِ: بَيْعَةً لِلشّرَاء، وَبَيْعَةً لِلدَّفَاعِ. وَإِمَامُ الدَّفَاعِ أَقَلُ
الْتِزَامًا مِنْ إِمَامِ الشَّرَاء حَيْثُ إِنَّ إِمَامَ الدَّفَاعِ تَسَعُهُ التَّقيةُ إِذَا خَذَلَتْهُ الرَّعِيَّةُ، فَيَجُوزُ لَهُ الانْسِحَابُ مِنَ الْقِتَالِ إِذَا خَذَلَهُ أَتْبَاعُهُ، أَمَّا الْإِمَامُ الشَّارِي فَأَكْثَرُ الْتِزامًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ تَتَضَمَّنُ عِبَارَةَ وَعَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الانْسِحَابُ مِنَ الْقِتَالِ وَلَوْ بَقِيَ وَحِيدًا.
2 - الرّضَى وَالتَّسْلِيمُ: وَهُمَا لِمَنْ يَصِلُ إِلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ طَرِيقَةِ الْبَيْعَةِ وَالِاخْتِيَارِ، فَإِنَّ شَرْعِيَّتَهُ
السَّيَاسَيَةَ يَكْتَسِبُهَا مِنْ رِضَى النَّاسِ بِهِ حَاكِمًا وَتَسْلِيمِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ. وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِصِحَّةِ خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ فَإِنَّهُ صَارَ خَلِيفَةً خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِعَهْدٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَرَضِيَ بِهِ الصَّحَابَةُ مِنْ مُهَاجِرِينَ وَأَنْصَارٍ وَغَيْرِهِمْ، وَبِصِحَّةِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُمَوِيِّ، فَإِنَّهُ صَارَ خَلِيفَةً وَأَمِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِعَهْدٍ
(1) تحفة الأعيان، ج 2، ص 247. (1/190)
صفحة 191
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
191
مِنْ سَلَفِهِ الْخَلِيفَةِ الْأُمَوِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَرَضِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
- صِفَةُ الْإِمَامِ: قَالَ الْعَلَّامَةُ خَمِيسُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّقصِيُّ: "وَقِيلَ: لَا يَكُونُ الْإِمَامُ إِلَّا رَجُلًا بَالِغَا عَاقِلًا مُمَيّزًا، لا أَصَمَّ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا أَخْرَسَ، وَلَا نَاقِصَ شَيْءٍ مِنَ الجَوَارِحِ مِمَّا يُسْقِطْ عَنْهُ فَرْضَ الْجِهَادِ، وَلَا مَجْنُونًا وَلَا مَعْتُوهًا وَلَا خَصِيًّا وَلَا تجبُوبًا وَلَا حَسُودًا وَلَا كَنُودًا وَلَا كَذَابًا وَلَا مُخْلِفًا لِلْوَعْدِ وَلَا نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَلَا سَئَ الخُلُقِ وَلَا بَخِيلًا وَلَا كَفُورًا وَلَا جَاهِلًا وَلَا أَبْلَهَ، وَلَا جَسُورًا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ، وَلَا مِمَّنْ تَلْحَقُهُ السُّهْمَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ قَوْلِهِ أَوْ أَمَانَتِهِ الَّتِي قُلَّدَ إِيَّاهَا). - أَعْضَاءُ الْحُكُومَةِ: كَانَ فِي السَّابِقِ يُمَتِّلُ الْوُلَاةُ صَلَاحِيَةَ وَلِيَّ الْأَمْرِ (الْإِمَامِ) إِلَّا إِقَامَةَ الْخُدُودِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ وَلِي الْأَمْرِ نَفْسِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ، وَكَانَ الْوُلَاهُ عَلَى صِنْفَيْنِ الْوَالِي الْأَكْبَرِ وَوَالِي الْبَلَدِ، فَالْوَالِي الْأَكْبَرُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ عَدَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ، وَهُوَ شَبِيهُ بِالْمُحَافِظ فِي وَقْتِنَا الْحَاضِرِ حَسَبَ التَّقْسِيمِ
الْإِدَارِيِّ، أَمَّا وَالِي الْبَلَدِ أَوِ الْوِلَايَةِ فَهُوَ مَسْئُولُ عَلَى تِلْكَ الْوِلَايَةِ فَقَطْ. وَعَلَى الْعُمُومِ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَالٍ تَخْتَلِفٌ صَلَاحِيتُهُ حَسَبَ الْبَلَدِ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ، وَحَسَبَ مَا يُفَوِّضُهُ فِيهِ الْحَاكِمُ فِي قَرَارِ التَّعْيِينِ الَّذِي كَانَ يُظْلَقُ عَلَيْهِ فِي السَّابِقِ "الْعَهْد".
عَلَى أَنَّ هَيْكَلَةَ الدَّوْلَةِ تَطَوَّرَتْ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ، فَأَصْبَحَ هُنَالِكَ الْوُزَرَاءُ
(1) منهج الطالبين، ج 5، ص 133، مكتبة مسقط. (1/191)
صفحة 192
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَالْمُسْتَشَارُونَ وَرُؤَسَاءُ الْهَيْئَاتِ، فَهُمْ يُنَفّذُونَ صَلَاحِيَاتِ الْحَاكِمِ بِنَاءً عَلَى أَوَامِرِهِ حَسَبَ الدُّسْتُورِ وَالْقَوَانِينِ، حَيْثُ أَصْبَحَتِ الدَّوْلَةُ الْمُعَاصِرَةُ دَوْلَةَ مُؤَسَّسَاتٍ تَحْكُمُهَا الدَّسَاتِيرُ وَالْقَوَانِينُ؛ لأنَّ الحَيَاةَ تَضَخَّمَتْ وَتَطَوَّرَتْ، وَصَارَتِ الدُّوَلُ الْمُعَاصِرَةُ مُمْسِكَةً بِشُئُونِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَوْجِيهِهَا، وَمِنْ هُنَا حَصَلَ الاسْتِقْرَارُ الْأَمْنِيُّ وَالاجْتِمَاعِيُّ وَالسَّيَاسِيُّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
- عَزْلُ الْحُكَامِ أَكْثَرُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَزْلُ الْحُكَامِ الْعَادِلِينَ إِلَّا إِذَا حَدَثَتْ مِنْهُمْ أَحْدَاتُ تُوجِبُ الْعَزلَ بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْعَزْلُ لِمَصْلَحَةِ الدَّوْلَةِ
فَجَائِز
وَأَمَّا الْحَكَامُ الْجَاثِرُونَ فَلَا اخْتِلَافَ فِي جَوَازِ عَزْلِهِمْ. وَبِمَا أَنَّ أُمُورَ الْحُكْمِ وَالسَّيَاسَةِ لَمْ تَأْتِ فِيهَا نُصُوصٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْكَلَهَا الْإِسْلَامُ إِلَى النَّاسِ لِتَنْظِيمٍ شُئُونِهِمْ، فَإِنِّي أَرَى مَا يَلِي:
- إِمَامُ التَّفَاعِ لَهُ حَالَتَانِ:
الْحَالَةُ الْأُولَى الْعَزْلُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الاعْتِزَالُ.
وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى يَجُوزُ عَزْلُهُ بِاعْتِبَارِهِ وَكِيلًا عَنِ الْأُمَّةِ وَنَائِبًا عَنْهَا فِي
تطْبِيقِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَجَائِزُ لِلْمُوَكَّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ، وَلِلْمُنِيبِ أَنْ يَعْزِلَ
نَائِبَهُ، وَلَكِنْ وَفْقَ الضَّوَابِطِ التَّالِيَةِ:
1 - أَنْ تَكُونَ هُنَالِكَ مَصْلَحَةٌ لِلدَّوْلَةِ. (1/192)
صفحة 193
الْبِنَاءُ الْفِقْهى
2 - أَنْ يَتِمَّ الْعَزْلُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَلَّ وَالْعَقْدِ أَوْ بِالْأَغْلَبِيَّةِ.
3 - أَنْ يَخْلُوَ الْأَمْرُ مِنْ بَوَاعِثَ شَخْصِيَّةٍ.
193
وَقَدْ تَمَّ عَزْلُ الْإِمَامِ بلعَربِ بْنِ سُلْطَانَ الْيَعْرِبِي (1091 - 1104 هـ)، فَقَدْ
عَزَلَهُ غَالِبِيَّةُ أَهْلِ الحَل وَالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِمَامَ دِفَاعِ).
وَفِي الحَالَةِ الثَّانِيَةِ؛ كَمَا يَجُوزُ عَزّلُهُ يَجُوزُ اعْتِزَالُهُ بِاعْتِبَارِهِ نَائِبًا وَوَكِيلًا عَن الْأُمَّةِ، وَالنَّائِبُ وَالْوَكِيلُ يَجُوزُ لَهُمَا تَرْكُ الْوَكَالَةِ وَالنِّيَابَةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَلَّا تُؤَدِّيَ الاسْتِقَالَهُ إِلَى فِتْنَةٍ تُؤَدِّي إِلَى سُقُوطِ الدَّوْلَةِ وَالْإِخْلَالِ بِالْأَمْنِ.
- الْإِمَامُ الشَّارِي، وَلَهُ حَالَتَانِ:
الْحَالَةُ الْأُولَى الْعَزْلُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الاعْتِزَالُ.
وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى: يَجُوزُ عَزْلُهُ بِاعْتِبَارِهِ أَيْضًا وَكِيلًا وَنَائِبًا عَنِ الْأُمَّةِ فِي تطبِيقِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَكِنْ أَيْضًا وَفْقَ الضَّوَابِطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي إِمَامٍ
الدفاع.
وَقَدْ تَمَّ عَزْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَفَّانَ الْيَحْمِدِيٌّ (177 – 179 هـ) مِنْ قبْلِ أَهْلِ الْحَل وَالْعَقْدِ بِرِئَاسَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرِ الْأَزْكَوِيِّ، وَكَانَ إِمَامًا
شَارِيًا، حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ قَدْ بُويعَ عَلَى الشِّرَى (2). وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الاعْتِزَالُ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ بُويعَ وَبَايَعَ
(1) البطاسيني، سيف بن حمود إتحاف الأعيان، ج 3، ص 440.
(1) السالمي نور الدين تحفة الأعيان، ج 1، ص 111. (1/193)
صفحة 194
194
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى الْمَوْتِ، وَمِنْ هُنَا لَا تَجُوزُ لَهُ الاسْتِقَالَةُ مِنَ الْحُكْمِ إِلَّا إِذَا حَدَثَتْ بِهِ عَاهَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ مُزَاوَلَةِ الْمَسْئُولِيَّةِ كَالصَّمَمِ؛ حَتَّى لَا يَسْمَعَ بِهِ النَّدَاءَ وَدَعَاوِيَ الْخُصُومِ، وَكَذَهَابِ الْعَقْلِ حَتَّى لَا يَفْهَمَ وَلَا يَعْقِلَ، وَكَذَهَابِ النُّطْقِ حَتَّى لَا يُفْصِحَ بِالْكَلَامِ، وَكَذَهَابِ الْبَصَرِ حَتَّى لَا يَنْظُرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ الْعَجْزِ وَأَنْوَاعِ الضَّعْفِ.
ثَانِيَّا: الْقَضَاءُ:
- تَارِيخُ الْقَضَاءِ:
الْقَضَاءُ هُوَ الْفَضْلُ بَيْنَ النَّاسِ فِي دَعْوَاهُمْ، وَالْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ اللَّازِمَةِ، وَشَرِيعَةً مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} (النِّسَاء:
(135
وَقَالَ: {وَأَن أَحْكُمُ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (الْمَائِدَة، (49).
وَهُوَ الدَعَامَةُ الْأَسَاسِيَّةُ فِي نِظَامِ الْحُكْمِ (الدَّوْلَةِ). وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَحْكُمُونَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَقَدِ اشْتُهِرَ نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ وَابْنُهُ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ} (الْأَنْبِيَاء: 78).
وَكَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ اللهِ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاضِبًا عَلَى الْيَمَنِ. وَقَدْ عَيَّنَ الْخَلِيفَةُ الْأَوَّلُ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ قَاضِيًا فِي
الْمَدِينَةِ. (1/194)
صفحة 195
الْبِنَاءُ الْفِقْه --------
وَتَوَسَّعَ
الْقَضَاءُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ، فَقَدْ تَمَّ تَعْيِينُ أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا.
كَمَا عُيِّنَ كَعْبُ بْنُ سَعْدِ الْأَزْدِيُّ الْعُمَانِيُّ قَاضِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ أَنْ فَهِمَ شَكْوَى الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى عَيَّنَهُ
قَاضِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ.
- تَعْيِينُ الْقَاضِي:
يُتِمُّ تَعْيِينُ الْقَاضِي بِإِحْدَى طُرُقٍ ثَلَاثٍ:
1 - مِنْ وَلِي الْأَمْرِ.
2 - مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ عَدَمِ وَلِيِّ الْأَمْرِ.
تَرَافُعُ الْخُصُومِ إِلَيْهِ مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ.
وَفِي الْخَالَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ مُلْزِمًا لِلْخَصْمَيْنِ، أَمَّا فِي الخالةِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ إِلَّا إِذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِالْحُكْمِ، وَقَبِلَا
تَنْفِيذَهُ وَتَطْبِيقَهُ. - صِفَةُ الْقَاضِي:
يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا عَالِمًا حَلِيمًا وَرِعًا تَقِيًّا عَادِلًا فَاهِمَا، حَافِظًا لِكِتَابِ اللهِ، عَالِمًا بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَعَالِمًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، وَعَالِمًا بِاخْتِلَافِ أَهْلِ دَهْرِهِ، وَعَالِمًا بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَبِتَأْوِيلِ الْقِيَاسِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَثَبِّنَا رَحِيمًا مُتَعَفِّفًا، يُسَوِّي بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيف وَالْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ، وَالرَّفِيعِ وَالْخَفِيضِ. (1/195)
صفحة 196
196
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ مَا دَامَ فِي الْقَضَاءِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَ
غَيْرَهُ حَتَّى لَا يُحَابَى فِي الْبَيْعِ وَالشَّرَاءِ.
- آدابُ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ
يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إِذَا جَلَسَ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْخُصُومِ:
1 - أَنْ يَكُونَ شَبْعَانَ؛ حَتَّى لَا يُؤَكِّرَ عَلَيْهِ الجُوعُ فِي حُكْمِهِ. 2 - أَنْ يَكُونَ رَيَّانَ؛ حَتَّى لَا يُؤَشِّرَ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فِي حُكْمِهِ.
3 - أَلَّا يَكُونَ غَضْبَانَ.
- أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ.
ه أَنْ يُجْلِسَ الْخَصْمَيْنِ أَمَامَهُ وَيُسَوَّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا
يُقَرِّبَ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ.
6 - أَنْ يُقَدِّمَ الْحَاضِرِينَ أَوَّلًا فِي الْحُكْمِ.
- Y
-^
أَلَّا يُمَازِحَ أَحَدًا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
- أَلَّا يُسَارَّ أَحَدًا مِنَ الْخُصُومِ.
9 - أَلَّا يُضَيِّفَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
10 - أَلَّا يُرْهِقَ نَفْسَهُ بِكَثْرَةِ الْأَحْكَامِ وَبِطُولِ الْجُلُوسِ لَهَا. 11 - عَدَمُ سَمَاعِ شَكِيَّةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ.
- تَوْثِيقُ الْحُكْمِ
يَنْبَغِي تَوْثِيقُ الْحُكْمِ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَأَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ (1/196)
صفحة 197
الْبِنَاءُ الْفِقْهى
197
فِيهَا تَفْصِيلُ الْحُكْمِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَمُرَافَعَةٌ وَنُطْقًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ التَّوْثِيقِ؛ حَتَّى لَا تَتَجَدَّدَ الشَّكَايَةُ مِنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَحْلَفَ أَحَدَ الخصْمَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُوَفَّقَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَرْجِعَ الْقَاضِي فَيَسْتَحْلِفَهُ مَرَّةٌ
أُخْرَى.
وَكَانَ الْوَالِي وَالْقَاضِي الْأَكْبَرُ أَبُو مَرْوَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَلَى صُحَارٍ عَلَى عَهْدِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكٍ، عُرِفَ عَنْهُ التَّوْثِيقُ الدَّقِيقُ لأَحْكامِهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا، حَتَّى أَنَّهُ حَكَمَ أَحْكَامًا قَبْلَ نَقْلِهِ مِنْ صُحَارٍ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تُنَفَّذُ فِي وَقْتِهِ، حَتَّى نَفَذَهَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ لِوُضُوحِهَا وَتَوْثِيقِهَا بِمَا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ بِالْحَقِّ لَيْسَ لِحَاكِمٍ غَيْرِهِ أَنْ يَنْقُضَهُ إِلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ الْحُكْمَ جَوْرًا أَوْ تُجْمِعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خَطَأَ ذَلِكَ
الحكم. - الصُّلْحُ:
الصُّلْحُ فِيهِ مُتَسَعُ لِلْقَاضِي وَلِلْخُصُومِ، فَالْقَاضِي أَحْرَزُ وَأَحْوَطُ لَهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ وَالْخَرَج، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَخَاصِمَيْنِ فَإِنَّهُ لِعَدَمِ الْقَطْعِيَّةِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ يُقَرِّبُ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا بِالرِّضَى مِنْ كِلَيْهِمَا عَلَى الصُّلْحِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الصُّلْحُ خَيْرُ الْأَحْكامِ أَوْ سَيِّدُ الْأَحْكامِ، إِلَّا صُدْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا".
(1) رواه الربيع. (1/197)
صفحة 198
198
المدخل إلى المذهب الإباضي
- الْخُطُوطُ الْعَامَّةُ لِلْقَضَاءِ
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَائِلًا لَهُ: فَإِنِّي وَجَّهْتُ إِلَيْكَ كِتَابًا لَمْ آلِكَ وَنَفْسِي فِيهِ خَيْرًا، الْزَمْ خَمْسَ خِصَالٍ يَسْلَمْ لَكَ دِينُكَ وَتَأْخُذْ بِأَفْضَلِ حَقَّكَ: إِذَا تَقَدَّمَ إِلَيْكِ الْخَصْمَانِ، فَعَلَيْكَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ وَالْيَمِينِ الْقَاطِعَةِ، وَأَدْنِ الضَّعِيفَ حَتَّى يَشْتَدَّ قَلْبُهُ، وَتَعَهَّدِ الْغَرِيبَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَتَعَهَّدْهُ تَرَكَ حَقَّهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، أَسِ بَيْنَهُمَا فِي لحظكَ وَطَرْفِكَ، وَعَلَيْكَ بِالصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ لَكَ فَضْلُ
الْقَضَاءِ (1).
وَيَعْتَبِرُ الْإِبَاضِيَّةُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ (2) وَثِيقَةً دُسْتُورِيَّةٌ لِلْقَضَاءِ، وَهُوَ خِطَابٌ مَذْكُورٍ فِي الْمَصَادِرِ وَمَشْهُورٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ رَسَمَ الخطوط الْعَامَّةَ لِلْقُضَاةِ، وَأَوْضَحَ الطَّرِيقَ لِلْقَضَاءِ، وَلَوْلَا مَا فِيهِ مِنْ طُولٍ لَأَوْرَدْنَاهُ هُنَا، لَكِنْ أَخَذْنَا بِالاخْتِصَارِ فِي كِتَابِنَا هَذَا، وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ الشَّرِيفَةُ الْعَظِيمَةُ لِلْقَضَاءِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (3).
(1) منهج الطالبين، ج 5، ص 312.
(1) نفس المصدر والصفحة.
(2) رواه الربيع. (1/198)
صفحة 199
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
199
- التَّحْذِيرُ مِنَ الْقَضَاءِ
نَظَرًا لِخُطُورَةِ الْقَضَاءِ وَعَظِيمِ قَدْرِهِ، فَقَدْ حَذَرَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ حِينَ يَكُونُ الْقَاضِي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَكُونَ حَرِيصًا عَلَى إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَإِعْطَاءِ الْإِنْصَافِ.
وَجَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
بِمَا أَرَنكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا} (النِّسَاء: 105).
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا تَحْذِيرُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الانْحِيَازِ إِلَى الْخَائِنِينَ مِنَ الْخُصَمَاءِ، وَخِطَابُ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ هُوَ خِطَاب لِلْأُمَّةِ.
وَالرَّسُولُ اللهِ قَالَ: "يَأْتِي الْقَاضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَفُكَ عَنْهُ عَدْلُهُ، أَوْ يَهْوِي بِهِ جَوْرُهُ فِي النَّارِ. وَقَالَ: "مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَأَنَّمَا ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ (1).
عَلَى أَنَّهُ كَمَا حَذَرَ الْإِسْلَامُ الْقُضَاةَ، حَذَرَ أَيْضًا الْمُتَخَاصِمِينَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي ظُلْمٍ أَحَدِهِمَا أَخَاهُ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَخْنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَاقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقٌّ أَخِيهِ فَلَا
(1) رواهما الربيع. (1/199)
صفحة 200
200
المدخل إلى المذهب الإباضي
يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ).
وَفِي رَأْيِي: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمَا مَوْعِظَةٌ تُحَذِّرُ مِنَ الظُّلْمِ وَعَوَاقِبِهِ الْوَخِيمَةِ عَلَى الظَّالِمِ، عَسَى أَنْ يَتَّعِظُ بِهَا الْمُتَعَمِّدُ لِظُلْمٍ أَخِيهِ، فَيَكُفَّ عَنِ الْمُخَاصَمَةِ.
- اسْتِقَالَةُ الْقَاضِي: قَالَ الشَّيْخُ الشَّمْصِيُّ: وَأَمَّا الْقَاضِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْفِيَ مِمَّنْ أَقَامَهُ مِنْ إِمَامٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَلَا لَهُ وَلَا لَهُمْ ذَلِكَ إِذَا الْتَزَمَ الْأَمْرَ مُجْمَلًا، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ شَرِيطَةُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ لِلْقَضَاءِ مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُضَيَّعَ أَمْرَ اللهِ مَا دَامَ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِمَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ، (2) وَيَسْتَعِينَ بِاللهِ، فَإِنَّ اللهَ يُعِينُهُ وَيَنْصُرُهُ ().
وَطَبْعًا هَذَا عِنْدَ عَدَمِ تَوَفُرِ الْقُضَاةِ؛ لِأَنَّ تَعْطِيلَ الْأَحْكَامِ لَا يَجُوزُ. وَقَدْ تَغَيَّرَ الْوَضْعُ فِي الْوَقْتِ الْحَالِي، فَأَصْبَحَتْ هُنَالِكَ قَوَانِينُ وَأَنْظِمَةٌ تَحْكُمُ أُمُورَ الْقُضَاةِ تَعَيُّنًا وَإِقْعَادًا وَتَقَاعُدًا وَاسْتِقَالَةٌ، وَأَصْبَحَ الْقَضَاءُ سُلْطَةً حُكْمِيَّةٌ تَتَمَتَّعُ بِالاسْتِقْلَالِ عَنِ الْحُكُومَةِ، وَتُمَثَّلُ إِحْدَى السُّلْطَاتِ الثَّلَاثِ بِجَانِبِ التَّشْرِيعِيَّةِ وَالتَّنْفِيذِيَّةِ.
(1) رواه الربيع.
(1) منهج الطالبين، ج 5، ص 326.
//////// (1/200)
صفحة 201
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
- ثَالِنَا: أَهْلُ الْحَلَّ وَالْعَقْدِ:
- أَهْلُ الْحَلّ وَالْعَقْدِ:
هُمْ أَهْلُ التَّأْثِيرِ عَلَى الرَّأْيِ الْعَامَّ أَوِ التَّأْثِيرِ عَلَى النَّاسِ، وَبِالتَّالِي التَّأْثِيرِ
في الْمُجْتَمَعِ.
أَي أَنَّهُمْ يَحُلُّونَ الْأُمُورَ وَيَعْقِدُونَهَا لِتَأْثِيرِهِمْ فِي النَّاسِ لِمَكَانَتِهِمُ
الاجتماعية.
وَهَذَا الْمَفْهُومُ فِي رَأْيِي يَضِيقُ وَيَتَّسِعُ حَسَبَ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّة.
وَكَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ سَابِقًا مَقْصُورًا عَلَى عُلَمَاءِ الدِّينِ، وَأَحْيَانًا يَتَّسِعُ
لِيَشْمَلَ عُلَمَاءَ الدِّينِ وَزُعَمَاءَ الْقَبَائِلِ وَرُؤَسَاءَهَا.
أَمَّا فِي هَذَا الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْكَثِيرَ مِنْ أَصْحَابِ التَّأْثِيرِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالسَّيَاسِي كَرُؤَسَاءِ النَّقَابَاتِ وَالْمُنَظَمَاتِ الْأَهْلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشَّرَائِحِ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَلَّ وَالْعَقْدِ هُمْ أَهْلُ السُّورَى.
- الشورى:
السُّورَى فِي اللُّغَةِ: مَأْخُودَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ شُرْتُ الْعَسَلَ، أَشُورُهُ شَوْرًا وَمَشَارَةٌ، وَالْمَشُورَةُ مَفْعَلَةٌ، أَشَرْتُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ (1).
وفي الاصْطِلَاحِ السُّورَى طَلَبُ الشَّيْءِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ:
(1) الفراهيدي، كتاب العين مادة شور. (1/201)
صفحة 202
202
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْمَشُورَةُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ بِمُرَاجَعَةِ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ، وَالشُّورَى الْأَمْرُ الَّذِي
يُتَشَاوَرُ فِيهِ.
- أَهَمِّيَّةُ السُّورَى
لِلسُّورَى أَهَمِّيَّةٌ كَبِيرَةُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ السَّيَاسِيَّةِ
أَوْ فِي الْأُمُورِ الْعَسْكَرِيَّةِ أَوْ فِي النَّوَاحِي الاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا:
1 - سَمَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سُورَةٌ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ بِاسْمِهَا (سُورَةُ السُّورَى)
وَهِيَ السُّورَةُ رَقْمُ (42) حَسَبَ تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ.
2 - أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي ثَلَاثَةِ شُؤُونٍ: أ- الشَّأْنُ الْعَسْكَرِيُّ: جَاءَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَا نَفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عِمْرَانَ: 159). ب - في الشَّأْنِ الاجْتِمَاعِي: جَاءَ قَولُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضِ منهما وَتَشاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا الْبَقَرَة: 233). ج- في الشَّأْنِ السَّيَاسِيّ: جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ} (السُّورَى: 38).
وَكَمَا أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى، حَيْثُ قَالَ: "أَشِيرُوا
عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ".
وَقَدْ أَخَذَ بِمَشُورَةِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْحُبَابِ حَوْلَ مَوْقِعِ الْمَعْرَكَةِ، وَشَاوَرَ (1/202)
صفحة 203
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
203
أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ، وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْخُرُوجِ إِلَّا أَنَّهُ أَخَذَ
بِرَأْيِ الْأَغْلَبِيَّةِ الدَّاعِي إِلَى الْخُرُوج. وَمُشَاوَرَتُهُ لِأَصْحَابِهِ كَثِيرَةُ.
وَفِي رَأْيِي: إِنَّهُ مَا كَانَ يَقُومُ بِأَمْرِ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا بِمَشُورَةِ أَصْحَابِهِ، مِنْهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الرَّوَايَاتُ، وَمِنْهَا لَمْ تَذْكُرْهُ، أَمَّا عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَقَدْ كَانَتِ الشُورَى حَاضِرَةً، وَأَوَّلُ اجْتِمَاعِ شُورَى بَيْنَهُمْ كَانَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ الله لاخْتِيَارِ خَلِيفَةٍ لَهُ، وَقَدْ ثُمَّ اخْتِبَارُ أَبِي
بَكْرِ الصِّدِّيقِ. - حُكْمُ الشُّورَى:
هُنَاكَ اخْتِلَافُ حَوْلَ إِلْزَامِيَّةِ السُّورَى لِلْحَاكِمِ، هَلْ هِيَ مُلْزِمَةٌ أَمْ غَيْرُ
مُلْزِمَةٍ أَمْ أَنَّهَا مُلْزِمَةً فِي مَوْضِعٍ وَغَيْرُ مُلْزِمَةٍ فِي مَوَاضِعَ؟ يَقُولُ الْعَلَامَةُ الشَّقصِيُّ: وَالْمَشُورَةُ فَرْضٌ عَلَى الْإِمَامِ فِي بَعْضِ الْقَوْلِ، كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا أَوْ ضَعِيفًا، وَشَدَّدَ الْمُسْلِمُونَ فِي تَرْكِ الْمَشُورَةِ كَثِيرًا، وَقَالَ بَعْضُ:
إِنَّهَا نَدْبُ، فَإِذَا اشْتَرَطَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْإِمَامِ كَانَتْ فَرْضًا وَاجِبًا، فَإِنْ تَرَكَهَا زَالَتْ إِمَامَتُهُ وَسَقَطَتْ عَنِ الرَّعِيَّةِ طَاعَتُهُ (1).
إِذَنْ هُنَالِكَ أَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَاجِبَةٌ.
(1) منهج الطالبين، ج 5، ص 142 (1/203)
صفحة 204
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْقَوْلُ الثَّانِي: مُسْتَحَبَّةُ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: عَلَى التَّفْصِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَهَا أَهْلُ الْخَلَ وَالْعَقْدِ
عَلَى الْإِمَامِ كَانَتْ وَاجِبَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطُوهَا كَانَتْ مُسْتَحَبَّةٌ. بَيْدَ أَنَّ الْمُتَتَبَّعَ لِلْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي فِي فِقْهِهِ وَتَارِيخِهِ يَجِدُ أَنَّ الْإِلْزَامَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عَبْرَ تَارِيخِهِمْ.
وَهُنَاكَ أَقْوَالُ رَائِعَةً جِدًّا لِعُلَمَائِنَا فِي إِلْزَامِيَّةِ الشُورَى لِنِظَامِ الْحُكْمِ. - تَطَوُّرُ الشُّورى:
تَطَوَّرَتِ السُّورَى فِي الْعَصْرِ الحَدِيثِ وَأَخَذَتْ بِهَا الدُّوَلُ الْمُعَاصِرَةُ، فَقَدِ
انْبَنَى الحُكْمُ عَلَى سُلُطَاتٍ ثَلَاثٍ: تَشْرِيعِيَّةٍ وَقَضَائِيَّةٍ وَتَنْفِيذِيَّةٍ. وأُقِيمَتْ لِلسُّلْطَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ عَجَالِسُ لِلنُّورَى (بَرْلَمَانَاتٌ) لِمُنَاقَشَةِ الْأَوْضَاعِ الْمُهِمَّةِ، وَلِمُرَاقَبَةِ أَدَاءِ الْحُكُومَاتِ، وَعِنْدَنَا فِي سَلْطَنَةِ عُمَانَ يُوجَدُ يَجْلِسُ لِلشُّورَى قَائِمُ عَلَى انْتِخَابِ أَعْضَائِهِ مِنْ قِبَلِ الْمُوَاطِنِينَ، وَقَدْ تَطَوَّرَ هَذَا الْمَجْلِسُ عَن الْمَجْلِسِ الاسْتِشَارِيِّ الَّذِي كَانَ قَائِمًا عَلَى التَّعْيِينِ مِنْ قِبَلِ الحكومَةِ، ثُمَّ قَامَ عَلَى التَّرْشِيحِ مِنْ قِبَلِ الْمُوَاطِنِينَ، ثُمَّ عَلَى الانْتِخَابِ الْكَامِلِ الْحُرِّ مِنْ قِبَلِ الْمُوَاطِنِينَ حَالِيًّا. وَهَذَا التَّدَرُّجُ فِي تَكْوِينِ الْأُطْرِ التَّشْرِيعِيَّةِ نَتَجَ عَنْهُ حَالِيًّا تَجْلِسُ عُمَانَ الْمُكَوَّنُ مِنْ تَجْلِسِ الدَّوْلَةِ الْقَائِمِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَمَجْلِسِ الشُورَى الْقَائِمِ عَلَى
الانتخاب. (1/204)
صفحة 205
الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
وهي:
أَقْسَامُ الْإِمَامَةِ
قَسَّمَ الْإِبَاضِيَّةُ الْإِمَامَةَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: وَعَبَّرُوا عَنْهَا بِمَسَالِكِ الدِّينِ،
1 - إِمَامَةُ الْكِتْمَانِ:
وَتَكُونُ في وَقْتِ الْجُوْرِ، وَعَدَمِ اسْتِطَاعَةِ إِظْهَارِ الْحَقِّ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَحَدَّدُوا لِذَلِكَ مَرْحَلَةٌ تَارِيخِيَّةٌ هِيَ زَمَنُ قِيَادَةِ الْإِمَامَيْنِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ مَسْلَم بن أبي كَرِيمَةَ إِلَى أَنْ قَامَتْ دُوَلُ الْإِبَاضِيَّةِ فِي الْيَمَنِ وَعُمَانَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَصَارَ الْمَذْهَبُ الْإِبَاضِيُّ ظَاهِرًا حُكْمًا وَعِلْمًا وَأَشْخَاصًا، وَهَذِهِ الْإِمَامَةُ لَا يُمَثْلُ الْإِمَامُ فِيهَا دَوْرَ الْحَاكِمِ، وَلَكِنَّهُ يُمَثْلُ الْمَرْجِعِيَّةَ الدِّينِيَّةَ أَوِ الْقِيَادَةَ الدِّينِيَّةَ لِأَصْحَابِهِ.
وَفِي رَأْيِي: إِنَّهَا مَرْحَلَةً تَارِيخِيَّةٌ ارْتَبَطَتْ بِالْإِمَامَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَانْتَهَتْ
بِقِيَامِ الدُّوَلِ الْآئِفَةِ الذِّكْرِ، وَظُهُورِ الْمَذْهَبِ بِقِيَامِهَا. وَمَا قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نُظمٍ وَتَنْظِيمَاتٍ لَا يَعْدُو كَوْنَهَا نُظُمًا أَوْ تَنْظِيمَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٌ كَنِظَامِ الْعرابَةِ لَدَى إِبَاضِيَّةِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَثَلًا.
2 - إمامة الشورى: وَهِيَ تَنْظِيمٌ عَسْكَرِيٌّ يَقُومُ عَلَى الْفِدَائِيَّةِ وَالتَّضْحِيَةِ بِالْأَنْفُسِ فِي سَبِيل حِمَايَةِ فِكْرِ الجَمَاعَةِ وَعَقِيدَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، وَتَقُومُ عَلَى شُرُوطٍ: أ- وُجُودُ أَرْبَعِينَ شَخْصًا فَصَاعِدًا، أَخَذَا مِنْ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ الَّذِيكَانَ
إِسْلَامُهُ تَمَامَ أَرْبَعِينَ شَخْصًا، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ مُتَحَدِّيَّا الشَّرْكَ. (1/205)
صفحة 206
206
المدخل إلى المذهب الإباضي
ب اعْتِزَالُ النَّاسِ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْأَوْطَانِ، وَالْخَادُ الْأَمَاكِنِ النَّائِيَةِ مَقَرَّاتٍ وَأَوْطَانًا، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ النَّائِيَةُ أَوْطَانًا يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَيَقْصُرُونَهَا سَفَرًا فِي أَوْطَانِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا. ج- لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنِ الشَّرَى، فَإِمَّا النَّصْرُ أَوِ الْمَوْتُ، وَالْهَدَفُ مِنَ الشَّرَى إشْغَالُ الْحَاكِمِ الْجَائِرِ، وَإِثَارَةُ عَدَمِ الاسْتِقْرَارِ لِحُكْمِهِ حَتَّى لَا يَهْنَأُ بالسُّلْطَةِ وَالتَّسَلُّطِ حَتَّى يَسْتَجِيبَ لِمَطَالِبِ الْأُمَّةِ بِتَطْبِيقِ الْعَدْلِ
والشورى.
وَأَوَّلُ مَنْ خَرَجَ لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْقَائِدُ أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسُ بْنُ حُدَيْرٍ
التَّمِيمِيُّ.
الَّذِينَ
وَقَدْ تَطَوَّرَ الشَّرَى فِيمَا بَعْدُ، فَأَصْبَحَ يَسْمَلُ أَئِمَّةَ الْحُكْمِ، فَيُبَايَعُونَ عَلَى الشَّرَى، كَمَا أَنَّهُ أَصْبَحَ يَشْمَلُ الْحَرَسَ الْخَاصَّ لِلْإِمَامِ وَوُلَاتَهُ، فَهُمُ يَسْتَمِيتُونَ فِي الدَّفَاعِ عَنْهُمْ وَعَنْ نِظَامِ الْحُكْمِ.
وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ الْبَطَلُ الْمِغْوَارُ وَالْخَطِيبُ الْمُصَقَعُ أَبُو حَمْزَةَ الشَّارِي
الْمُخْتَارُ بْنُ عَوْفٍ السليمِيُّ.
3 - إِمَامَةُ الدَّفَاعِ:
وَهِيَ تَكُونُ لِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ:
الْأَوَّلُ: عِنْدَمَا يُدَاهِمُ الْبِلَادَ عَدُوٌّ، فَهُنَاكَ يَجْتَمِعُ أَهْلُ الْحَل وَالْعَقْدِ لِاخْتِيَارِ
إِمَامٍ لَهُمْ يُقَاتِلُونَ تَحْتَ رَايَتِهِ وَقِيَادَتِهِ.
الثاني: عِنْدَمَا يَكُونُ هُنَالِكَ جَوْرٌ فِي الحُكْمِ وَظُلْمُ عَلَى الْعِبَادِ، فَإِنَّ أَهْلَ (1/206)
صفحة 207
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
207
الحل وَالْعَقْدِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى اخْتِيَارِ إِمَامِهِمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ عَلَى ذَلِكَمُ الْحَاكِمِ الْجَائِرِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى الْحَاكِمِ الْجَائِرِ جَائِزُ عِنْدَ الْإِبَاضِيَّةِ،
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْجَائِزَ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَعَدَمُ فِعْلِهِ.
وَبَعْدَ أَنْ يَنْتَصِرَ إِمَامُ الدَّفَاعِ فَإِنَّ الْإِبَاضِيَّةَ الْمَغَارِبَةَ يُجَدِّدُونَ لَهُ الْبَيْعَةَ، أَمَّا الْإِبَاضِيَّةُ الْمَشَارِقَةُ فَلَا يَحْتَاجُ عِنْدَهُمْ إِلَى تَجْدِيدِ بَيْعَةٍ.
- إِمَامَةُ الظُّهُورِ:
وَهِيَ حَالَةٌ تَتَوَلَّدُ عَنْ إِمَامَةِ الدَّفَاعِ وَعَنْ إِمَامَةِ الشَّرَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ انْتِصَارِ إِمَامِ الدَّفَاعِ وَإمَامِ الشِّرَى وَتَقُومُ لَهُمَا الدَّوْلَهُ وَيَسْتَفِرُ لَهُمَا الْأَمْرُ وَيَظْهَرُ أَمْرُهُمَا وَيَشْتَهِرُ، تُصْبِحُ إِمَامَهُ كُلَّ مِنْهُمَا إِمَامَةَ ظُهُورٍ عَلَى أَنَّ إِمَامَةَ الدَّفَاعِ وَإِمَامَةَ الشَّرَى تُحَدِّدُهَا الْبَيْعَةُ.
أَمَّا إِمَامَةُ الظُّهُورِ فَلَا بَيْعَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا كَمَا قُلْتُ هِيَ حَالَةٌ تَتَوَلَّهُ عَنْ إِمَامَتَي الدَّفَاعِ وَالشَّرَى.
هذِهِ هِيَ أَقْسَامُ الْإِمَامَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ لَا يُجَوِّزُونَ حَرْبَ الْعِصَابَاتِ، فَهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي تَارِيخِهِمْ، وَإِنَّمَا إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ عَلَى الحاكمِ الْجَائِرِ، يَعْمِدُونَ إِلَى تَنْصِيب إِمَامٍ لَهُمْ، ثُمَّ يُقَاتِلُونَ تَحْتَ رَايَتِهِ. قَالَ الْعَلَامَةُ مُوسَى بْنُ عَلِي: "لَا يُجَهَزُ جَيْشُ، وَلَا تُعْقَدُ رَايَةٌ، وَلَا يُؤَمِّنُ خَائِفُ، وَلَا يُقَامُ حَدٌ، وَلَا يُحْكَمُ حُكْمٌ غَيْرُ مُجْتَمَعِ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِمَامٍ).
(1) البسيوي، أبو الحسن الجامع، ج 2، ص 481، طبعة وزارة الأوقاف بالسلطنة والأزهر
الشريف بالقاهرة. (1/207)
صفحة 208
208
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
- حُكْمُهُمَا عَلَى الْإِجْمَالِ:
الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَتَانِ عَلَى الْإِجْمَالِ، أَمَرَ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ الْمُكَلَّفِينَ الْقَادِرِينَ عَلَيْهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ:
أَوَّلا: مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُو (آل عِمْرَانَ: 104). وَقَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
ورَسُولَهُ أَوْلَكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ (التَّوْبَة: 71). وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لِلَّهِ (آل عِمْرَانَ: 111).
ثانيا: مِنَ السُّنَّةِ:
جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُغَيَّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ (1).
وَجَاءَ عَنْهُ قَوْلُهُ: لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا
شَاهَدَهُ وَيُنْكِرَ الْبَاطِلَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ (2).
وَقَالَ: " قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًا، وَلَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ عُذِّبْتَ أَوْ
(1) رواه مسلم.
(1) رواه الربيع. (1/208)
صفحة 209
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
أُخرقت).
وَيَعْنِي بِذَلِكَ الشِّرْكَ بِالْقَلْبِ.
209
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَلِمَةُ حَقٌّ يُقْتَلُ عَلَيْهَا
صَاحِبُهَا عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ".
كَمَا فَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنُ النَّظَرِ مَعَ الْجَبَّارِ خَرْدَلَةَ بْنِ سَمَاعَةَ أَمِيرِ سَمَائِلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي وَجْهِهِ، فَقُتِلَ، وَأَلْقَاهُ مِنْ فَوْقِ
الْحِصْنِ، ثُمَّ أَحْرَقَ كُتُبَهُ وَمَكْتَبَتَهُ.
ثَالِثًا: مِنَ الْإِجْمَاعِ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةَ أَمَرُوا بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَنَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ، وَحَارَبُوا عَلَى ذَلِكَ الرَّادِّينَ لَهُ، وَالْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ. كَمَا أَمَرُوا بِالصَّلَاحِ وَنَهَوْا عَنِ الْفَسَادِ.
رَابِعًا: عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ:
عَرَفَ التَّارِيخُ الْعُمَانِيُّ مَوَاقِفَ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِيهَا أَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَّ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَفِي رَأْبِي أَنَّ نَصَائِحَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ الْحَكَامِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَدْخُلُ
فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
حُكْمُهُمَا عَلَى التَّفْصِيل:
(1) رواه الربيع. (1/209)
صفحة 210
المدخل إلى المذهب الإباضي
1 - فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى وَلَاةِ الْأَمْرِ مِنَ الْحُكَامِ وَوُلَا تِهِمْ؛ لِأَنَّ لَدَيْهِمُ الْقُدْرَةَ عَلَى ذلِكَ مِنْ وَاقِعِ السُّلْطَةِ وَالْمَسْئُولِيَّةِ حَسَبَ الْمَقُولَةِ الْمَعْرُوفَةِ: "إِنَّ اللَّهَ يزعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ. -2 - فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْقَادِرِينَ مِنَ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ، وَفِي رَأْيِي: إِنَّ هَذَا يَكُونُ فِي حَالِ غِيَابِ السُّلْطَةِ، أَمَّا فِي حَالِ وُجُودِ السُّلْطَةِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى ذَلِكَ بالحُسْنَى؛ حَتَّى لَا يَكُونَ هُنَالِكَ افْتِتَاتُ عَلَى السُّلْطَةِ، وَإِذَا اسْتَغَاثَ مُسْتَغِيثُ قَائِلًا: يَا لَلهِ، وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ. فَهُنَاكَ يَكُونُ نَصْرُهُ وَاجِبًا عَلَى الْقَادِرِ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ.
- مُسْتَحَبُّ عَلَى غَيْرِ الْقَادِرِ مِنَ النَّاسِ، وَإِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِرْضِهِ فَالتَّرْكُ أَوْلَى لَهُ.
- مُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ؛ لأَنَّهَا فِي حُكْمِ غَيْرِ الْقَادِرِينَ، بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ اخْتِلَافًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَهَا. قَالَ الْمُحَقَّقُ الْخَلِيلِيُّ: "وَفِيمَا يُرْوَى عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَلَعَلَّهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْبُوبِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُنْكِرَ بِقَلْبِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُنْكِرَ بِلِسَانِهَا، وَفِي قَوْلِ الشَّيْخِ إِسْمَاعِيلَ الجِيطَالِي الْمَغْرِبِي أَنَّ عَلَيْهَا الْإِنْكَارَ إِذَا قَدَرَتْ بِالْيَدِ، وَإِلَّا فَبِاللَّسَانِ، وَإِلَّا فَبِالْقَلْبِ، نَعَمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ (1/210)
صفحة 211
ل الْبِنَاءُ الْفِقْهِيُّ
عَنِ الْمُنكَرِ فَقَدْ أَشْرَكَهُمْ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ). وَهَذَا الرَّأْيُ اسْتَحْسَنَهُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي جَوْهَرِ النَّظَامِ فِي بَابِ الا
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيْثُ قَالَ:
وَاسْتَخْرَجَ الْمُحَقِّقُ الخَلِيلِي إِنْكَارَهَا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقِيلِ
211
وَهُوَ لَعَمْرُ اللهِ تَخْرِيجُ حَسَن وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ لِمَنْ وَمَنْ - صِفَةُ الْقَائِمِ بِهِمَا: قَالَ الْعَلَامَةُ الشَّقصِيُّ: "وَيَنْبَغِي لِسَالِكِ هَذَا السَّبِيلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فِيمَا يَأْمُرُ، عَالِمًا فِيمَا يَنْهَى، رَفِيقًا فِيمَا يَأْمُرُ، رَفِيقًا فِيمَا يَنْهَى، مُخْلِصًا
نِيَّتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي طَاعَتِهِ، لَا يُرِيدُ بِهِ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى). وَمِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّفْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْمُنَاصَحَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالإِنْصَافُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِصْلَاحُ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَإِرْشَادُ ضَالَّهِمْ، وَتَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ، وَحِفْظُ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتَوْقِيرُ أَعْرَاضِهِمْ، وَالْكَفُ عَنِ التَّجَسُّسِ وَإِظْهَارِ عَوْرَاتِهِمْ وَسَتْرِ تَحَاسِنِهِمْ (3).
(1) تمهيد قواعد الإيمان، ج 12، تحقيق حارث البطاشي.
(1) منهج الطالبين ج 5، ص 98
(2) نفس المصدر، ص 100. (1/211)
صفحة 212
المدخل إلى المذهب الإباضي
الاحْتِسَابُ
الاحْتِسَابُ هُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الْمُحْتَسِبُ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ تَعْرِيفُ لُغَوِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُصْطَلَعُ فِي الْفِقْهِ السَّيَاسِي، وَمَعْنَاهُ الْقِيَامُ بِالْوَطَائِفِ الدِّينِيَّةِ، وَتَطْبِيقُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مُرْتَبِطُ بِالْأَمْرِ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
- مَنْ هُوَ الْمُحْتَسِبُ؟
قَالَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ: "اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ هُوَ رَجُلٌ حُرٌّ مُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ القَةِ وَالْأَمَانَةِ، قَامَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمَامِ، رَجَاءَ لِقَوَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَرَ بِمَا قَدَرَ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَمَّا قَدَرَ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ عَالِمًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، عَالِمًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ، غَيْرَ مُتَّهَم فِي دِينِهِ، وَأَلَّا يَكُونَ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَفْعَلُهُ (1).
- عَمَلُ الْمُحْتَسِبِ: هُوَ أَنْ يَقُومَ الْمُحْتَسِبُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَطْبِيقِ الْأَحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَرُدَّ الْمُعْتَدِي، وَيُنْصِفَ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَجْمِعَ الصَّفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ.
- أَمْئِلَةُ مِنَ التَّارِيخ:
شَهِدَ التَّارِيخُ الْعُمَانِيُّ ثَلَاثَةَ فَتَرَاتِ احْتِسَابِ: الْفَتْرَةُ الْأُولَى: كَانَتْ فِي الْفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ سُقُوطِ إِمَامَةِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ
(1) الحق الجلي، ضمن كتاب عين المصالح، ص 5.
www (1/212)
صفحة 213
الْبِنَاءُ الْفِقه --------------- وَإِلَى قِيَامِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ (134 هـ - 177 هـ).
وَقَدْ قَامَ فِيهَا شَبِيبُ بْنُ عَطِيَّةَ الْعُمَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ قَرْيَةِ الغبي فِي عَبْرِي بِالظَّاهِرَةِ، وَهُنَاكَ مَسْجِدُهُ وَقَبْرُهُ، فَقَدْ كَانَ يَقُومُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّفْيِ عَنِ الْمُنكَرِ، وَإِقَامَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَجِبَايَةِ الزَّكَاةِ؛ عِنْدَمَا لَا يَكُونُ عَامِلُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ مَوْجُودًا؛ لأَنَّ عُمَانَ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ كَانَتْ خَاضِعَةٌ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بِوَاسِطَةِ عُمَّالِهِمْ مِنْ آلِ الجُلْنَدَى الْمُوَالِينَ لَهُمْ بَعْدَ انْتِهَاءِ إِمَامَةِ الْإِمَامِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ شَبِيبًا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ
الجلندى).
الْفَتْرَةُ الثَّانِيَةُ: كَانَتْ سَنَةَ 1262 هـ، وَكَانَ الْمُحْتَسِبُ فِيهَا الْمُحَقِّقُ سَعِيدُ بنُ خَلْفَانَ الخَلِيلِ بَعْدَ أَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ حمودُ بْنُ عَزَّانَ الْبُوسَعِيدِيُّ الَّذِي كان حاكمًا عَلَى الرُّسْتَاقِ وَصُحَارِ الْأَمْرَ، فَقَامَ هُوَ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ ببِإِدَارَةِ الْأُمُورِ فِي الْمَدِينَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُمْ وَرَجَعَ يَسْتَوْلِي عَلَى الْأَمْرِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مُرُورِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَط (2).
الْفَتْرَةُ الثَّالِثَةُ: كَانَتْ بَعْدَ انْتِهَاءِ إِمَامَةِ الْإِمَامِ عَزَّانَ بْنِ قَيْسِ الْبُوسَعِيدِيَّ (1287 هـ - 1314 هـ)، وَالْمُحْتَسِبُ فِيهَا الْأَمِيرُ صَالِحُ بْنُ عَلِيَّ الْخَارِيُّ، فَقَدْ كَانَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَوْئِلًا وَمَلْجَأَ لِلْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَأَهْلِ
الْفَضْلِ.
(1) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 104.
(1) نفس المصدر، ج 2، ص 215. (1/213)
صفحة 214
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ مِنَ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ دَوْلَةُ الْإِمَامِ عَزَّانَ بْنِ قَيْسٍ (1285 هـ - 1287 هـ) وَأَحَدَ أَرْكَانِهَا الْمُهِمِّينَ وَالْفَاعِلِينَ (1).
- الاخْتِلَافُ حَوْلَ الاحْتِسَابِ: شَهدَتْ. مَسْأَلَهُ الْقِيَامِ بِالاحْتِسَابِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَهُنَاكَ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُحْتَسِبِينَ قِيَامَهُمْ بِالْأَمْرِ، وَهُنَاكَ مَنْ وَافَقَ.
فَقَدْ تَمَّ الاعْتِرَاضُ عَلَى شَبِيبٍ بْنِ عَطِيَّةَ، وَلَمْ يُجَوِّرُوا لَهُ ذَلِكَ حَتَّى تَبَرَّاً بَعْضُهُمْ مِنْهُ.
غَيْرَ أَنَّهُ دَافَعَ عَنْ مَوْقِفِهِ بِتَأْلِيفِ سِيرَةِ (رِسَالَةٍ) أَنْشَأَهَا لِهَذَا الْغَرَضِ، قَالَ فِيهَا: "يَدُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةً عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَقَدْ أَمْسَيْتُمْ وَأَمْسَيْنَا إِخْوَانًا عَلَى الْحَالِ الَّتِي قَدْ تَرَوْنَ، اخْتَلَفَتْ فِي أَعْلَاق الْأُمَّةِ، وَتَشَتَّتَ أَمْرُهَا، وَوَثَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَالسَّبَاعِ يَنْهَشُ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْعَشْمِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ". إِلَى أَنْ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَمْرِنَا أَنْ نُقَاتِلَ وَنَقْتُلَ مَنْ عَصَى اللَّهَ حَتَّى يَفِينُوا إِلَى أَمْرِ اللهِ، أَوْ تَفْنَى أَرْوَاحُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِنَرُدَّ مَنَارَ الْإِسْلَامِ إِلَى مَعَالِمِهَا الْأُولَى (2). أَمَّا قِيَامُ الْمُحَقِّقِ الخَلِيلِ بِالاحْتِسَابِ، فَلَعَلَّ انْسِحَابَ الشَّيْخَيْنِ جَمِيلِ بْنِ خَمِيسٍ، وَحَمدِ بنِ خَمِيسِ السَّعْدِيَّيْنِ عَنْهُ يُعْتَبَرُ اعْتِرَاضًا، كَمَا أَنَّ نَصِيحَةَ الشَّيْخِ مَاجِدِ بْنِ خَمِيس العبري لِلْمُحَقِّقِ الخَلِيلَ بِعَدَمِ الدُّخُولِ فِي هَذَا الْأَمْرِ
(1) نور الدين السالمي، المصدر السابق، ص 2. (1) نور الدين السالمي المصدر السابق، ص 104. (1/214)
صفحة 215
الْبِنَاءُ الْفِقْهِي
تعْتَبَرُ مِنْ بَابِ الاعْتِرَاضِ أَيْضًا، وَهِيَ نَصِيحَةُ طَوِيلَةُ (). أَمَّا الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَلِيَّ الْحَارِثِيَّ فَقَدْ دَافَعَ عَنْهُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي رِسَالَةٍ سَمَّاهَا: "الْحَقُّ الْخِلِيُّ مِنْ سِيرَةِ شَيْخِنَا صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: "اعْلَمْ أَنَّ شَيْخَنَا هَذَا قَدِ ابْتُلِي بِأُمُورٍ أَهْلِ عُمَانَ، وَبِكُرُوبٍ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالطَّغْيَانِ، طَلَبًا لِرِضَى الرَّحْمَنِ، وَلِإِحْيَاءِ سُنَّةِ الْمُصْطَفَى وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ عَلَى السَّمَامِ وَالْوَفَاءِ، فَقَدَحَ فِي سِيرَتِهِ قَوْمُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ فِي شَأْنِهِ بِمُوجِبَاتِ الْعَدْلِ وَالْوَلَاءِ، وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ، عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَعَزُّهُمْ حِمَايَةٌ لِلْإِسْلَامِ، وَأَوْفَاهُمْ رِعَايَةٌ لِلذَّمَامِ، وَأَنْتُهُمْ حَالًا فِي أَخْلَاقِ الْكِرَامِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُوَضْحَ مَا أُشْكِلَ عَلَى الْعَوَامَ مِنْ سِيرَةِ هَذَا الْإِمَامِ، وَأَنْ أَدْفَعَ مَا عَابَهُ الْقَادِحُ مِنْ أَمْرِ شَيْخِنَا صَالِحٍ ().
(1) نفس المصدر، ج 2، ص 218 - 222.
(1) الحق الجلي، ص 1، منشور مع كتاب عين المصالح في جوابات الشيخ صالح. (1/215)
صفحة 216
المدخل إلى المذهب الإباضي (1/216)
صفحة 217
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
من أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ (1/217)
صفحة 218
218
المدخل إلى المذهب الإباضي
مِن أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الَّذِينَ نَقْصِدُهُمْ هُنَا هُمْ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ لَا أَئِمَّةُ الْحُكْمِ، إِلَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ صِفَتَيِ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، فَنَذْكُرُهُ بِاعْتِبَارِ صِفَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ أَوِ
العالمية.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِبَاضِيَّ يَضُمُّ أَئِمَّةَ عِلْمٍ وَأَئِمَّةٍ، بَيْدَ أَنَّنَا نَقْتَصِرُ عَلَى أُولَيْكُمُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ تَأْثِيرُ فِي تَطَوُّرِ الْمَذْهَبِ مِنْ خِلَالِ مُؤَلَّفَاتِهِمْ
وَمَدَارِسِهِمْ وَفَتَاوَاهُمْ وَقِيَادَتِهِمُ الدِّينِيَّةِ، وَهُمْ:
الْأَئِمَّةُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ،
تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ هُنَا.
وَهُمُ الَّذِينَ انْبَنَى عَلَيْهِمُ الْمَذْهَبُ مِنْ تَنْظِيمِ دَعْوَى إِلَى حَرَكَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ
إِلَى مَذْهَبٍ فِقْهِي. (1/218)
صفحة 219
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
سَالِمُ بْنُ ذَكْوَانَ الْهِلَالِيُّ الْعُمَانِي
219
وَهُوَ مِنْ مِنْطَقَةِ توام (الْبِرِيمِي)، كَانَ مِنْ تَلَامِيذِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِي رَأْبِي إِنَّهُ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولى.
وَهُوَ أَحَدُ أَعْضَاءِ الْوَفْدِ الْإِبَاضِيّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْعَادِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِيُقَدِّمُوا لَهُ النَّصِيحَةَ، لِلتَّخَلُّصِ مِنْ ظُلْمِ الْأُمَوِيِّينَ لِلْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ نَهْيِهِ عَنْ لَعْنِ الْخَلِيفَةِ الرَّابِع عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْمَنَابِرِ الَّذِي سَنَّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ أَوْقَفَ عُمَرُ لَعْنَ عَلى عَلَى الْمَنَابِرِ، وَعَمِلَ عَلَى رَبِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا. لِسَالِمِ بْنِ ذَكْوَانَ سِيرَةٌ (رِسَالَةٌ) بَيَّنَ فِيهَا مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ، لَا سِيَّمَا فِي السّلْمِ
والحزب.
وَهِيَ سِيرَةٌ بَلِيغَةُ جَامِعَةً لِكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالْعَقِيدَةِ مَعَ إِسْقَاطِ شَيْءٍ مِنْ وَقَائِعِ الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى عَلَيْهَا.
كانَتْ وَفَاتُهُ فِي حُدُودِ سَنَةِ 101 أَوْ 102 ه، وَلَعَلَّهُ شَارَكَ فِي ثورةِ أَبْنَاءِ الْمُهَلَّبِ
بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ضِدَّ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ وَقُتِلَ فِيهَا. (1/219)
صفحة 220
جَعْفَرُ بْنُ السَّمَاكِ
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَكْثَرُ مَا حَمَلَ مِنْ عِلْمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ
السَّماكِ.
غَيْرَ أَنَّنَا لَا نَدْرِي نِسْبَتَهُ الْمَكَانِيَّةَ وَالْقَبَلِيَّةَ، قِيلَ: إِنَّهُ سَعْدِيٌّ، وَقِيلَ إِنَّهُ عَبْدِيٌّ، وَهَلْ هُوَ مِنَ الْبَصْرَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؟ كَمَا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ: قِيلَ: إِنَّهُ السَّماكُ، وَقِيلَ: السَّمانُ.
وَهُوَ أَحَدُ أَعْضَاءِ الْوَفْدِ إِلَى الخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُمْ في ذِكْرِ زَمِيلِهِ سَالِمِ بْنِ ذَكْوَانَ الْهِلَالِيَّ، وَقُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ السَّمَّاكِ فِي ثَوْرَةِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلبِ عَلَى الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ سَنَةَ 102 هـ (1/220)
صفحة 221
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
صُحَارٍ
221
تَخْلِطُ الْمَصَادِرُ بَيْنَ صُحَارِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْعَبْدِيِّ، أَوْ صُحَارِ بْنِ عَيَّاشٍ
الْعَبْدِي، وَصُحَارِ بْنِ الْعَبْدِ الطَّاحِي.
وَفِي رَأْيِي: أَنَّ شَيْخَ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ هُوَ صُحَارُ بْنُ الْعَبْدِ الظَّاحِيُّ. لأَنَّ صُحَارَ بْنَ الْعَبَّاسِ أَوْ صُحَارَ بْنَ عَيَّاشٍ هُوَ عَبْدِيٌّ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَهُوَ مَعْدُودُ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ عَبْدِ قَيْسِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابِ الْأَمْثَالِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، أَمَّا صُحَارُ بْنُ الْعَبْدِ الظَّاحِيُّ وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَلَامِيذِهِ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَكْثَرُ مَا حَمَلَ من علمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ السَّمَاكِ وَصُحَارٍ وَأَنَا أَشُكُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الِاعْتِزَازِ بِانْتِسَابِهِ الْعِلْمِيِّ إِلَى جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَرِوَايَاتُهُ الْحَدِيثِيَّةُ هِيَ عَنِ الْإِمَامِ جَابِرٍ، وَكَذَلِكَ أَقْوَالُهُ. (1/221)
صفحة 222
222
#
الْحَتَاتُ بْنُ كَاتِبِ الهَمِيمِيُّ
مِنْ بَنِي هَمِيمٍ، وَهُمْ مِنْ مَعِينِ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ الْأَزْدِي.
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ فَقِيهَا كَبِيرًا، وَهُوَ مِنْ مِنطَقَةِ توام (البريمي)، وَكَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَنْزِلُ فِي مِنْطَقَةِ سَمَدِ نَزْوَى، حَيْثُ جَامِعُهَا الشَّهِيرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْبَصْرَةِ بِالْعِرَاقِ وَبَيْنَ الْبِرِيمِي
وَنَزْوَى.
وَهُوَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوَفْدِ الْإِبَاضِيَّ إِلَى الْخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُبَارَك بْنُ الحتاتِ قِصَّةَ وَفَاةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُمَا اللهُ، قَالَ الحتاتُ: مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَقَالَ: آلُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: وَدَخَلْنَا لِنُغَسْلَهُ، قَالَ: وَجَاءَ عُمَرُ، وَدَخَلَ، فَوُضِعَ لَهُ كُرْسِيُّ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا أَخَذْنَا فِي غَسْلِهِ، وَنُزِعَ ثِيَابُهُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَوَقَعَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ بِمَجْلِسٍ، فَلَوْ خَرَجْتَ إِلَى النَّاسِ فَعَزَّوْكَ وَحَدَّثُوكَ كَانَ أَرْفَقَ بِكَ قَالَ: فَخَرَجَ فَغَسَلْنَاهُ وَكَفَنَّاهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُوهُ رَحِمَهُ اللهُ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ تَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيلِ رَاوِي الخَبَرِ عَنْ مُبَارَكِ بْنِ الحتات: (1/222)
صفحة 223
ائِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
223
وَهَذَا مَا كَانَ مِنْ خَبَرِهِمْ وَتَفْوِيضِ الخَلِيفَةِ إِيَّاهُمْ لِتَغْسِيلِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ لأَنَّهُ كَانَ مُوَافِقًا لَهُمْ فِي آرَائِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ التَّعْجِيلَ فِي الْإِصْلَاحِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ كَانَ كَذَلِكَ، وَقُتِلَ الحتاتُ بنُ كَاتِبِ الْهُمِيمِيُّ فِي ثَوْرَةِ آلِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى الْأُمَوِيِّينَ سَنَةً 102 هـ (1/223)
صفحة 224
المدخل إلى المذهب الإباضي
ضِمَامُ بْنُ السَّائِبِ النَّدَبِيُّ
وَهُو مِنَ النَّدْبِ بْنِ الشَّمْسِ أَخِي الحَدَّانِ بْنِ شَمْسٍ وَمِعْوَلَةَ بْنِ شَمْسٍ؛ أَيْ أَنَّهُ مِنَ الْأَزْدِ، وَنَسَبُ الْوَاحِدِ مِنْهُمُ النَّدَابِيُّ، وَالْجَمْعُ مِنْهُمُ النَّدَابِيُّونَ، وَلَعَلَّ بَلْدَةَ وَوَادِيَ ندابٍ مَنْسُوبَانِ إِلَيْهِمْ
وَضِمَامٌ مِنْ عُمَانَ، وَمَوْلِدُهُ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ للندبِ مَسْجِدٌ بِالْبَصْرَةِ يُسَمَّى مَسْجِدَ النَّدبِ، وَكَانَ ضِمَامٌ يُصَلِّي فِيهِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، بَلْ كَانَ يُظْلَقُ عَلَيْهِ رَاوِيَةُ جَابِرٍ، وَدَخَلَ هُوَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ السِّجْنَ عَلَى عَهْدِ الحَجَّاج بْنِ يُوسُفَ، فَلَمْ يَخْرُجَا مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ وَفَاةِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ مِنْ قَسْوَةِ السِّجْنِ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ رُبَّمَا ضَاقَ ضِمَامُ ذَرْعًا بِالْحَالِ الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ زَمِيلُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَيُلكَ عَلَى مَنْ تَضِيقُ؟ وَعَلَى مَنْ تَدُلُّ؟!
وَمِنْ كَثْرَةِ حِفْظِهِ عَنِ الْإِمَامِ جَابِرٍ أَنَّهُ أَقَامَ لِلنَّاسِ فِي مَوْسِمٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ،
فَكَانَتْ إِجَابَاتُهُ: سَمِعْتُ جَابِرًا، وَسَأَلْتُ جَابِرًا، وَسُئِلَ جَابِرُ، وَقَالَ جَابِرُ. وَرِوَايَاتُهُ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهَا عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَاهَا عَنِ الرَّبِيعِ أَبُو صُفْرَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صُفْرَةَ، وَسَوْفَ نَتَعَرَّضُ إِلَى هَذَا لَاحِقًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَرْءُ شَارِبًا وَلَا بَاذِلًا نَفْسَهُ، فَإِنَّ السِّتْرَ وَالْمُدَارَاةَ وَالرِّفْقَ بِالنَّاسِ أَعْجَبُ إِلَيْنَا، فَإِذَا اشْتَرَى نَفْسَهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ شَرَفًا مِنَ الشَرَاء.
www (1/224)
صفحة 225
نوج
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
صَالِحُ الدَّمَّانُ
225
أبو نُوحٍ صَالِحُ بْنُ نُوحٍ الدَّهَانُ الطَّانِيُّ، لَعَلَّهُ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ كَانَ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى لِأُولَيكُمُ التَّلَامِيذ. وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ الثَّلَاثَةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمٌ، وَضِمَامُ، وَأَبُ
وَكَانَ وَقَافًا عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ جَابِرٍ، حَيْثُ كَانَ يَقُولُ: وَلَكِنْ أَفْتَى بِهَا جَ لَكِنَّهُ مِنْ تَوَاضُعِهِ أَنَّهُ مَا كَانَ يَتَقَدَّمُ أَبَا عُبَيْدَةَ مُسْلِمَ بْنَ أَبِي كَرِيمَةَ، وَقَ
مَعْشَرَ الْفِتْيَانِ، أَلَم أَنْهَكُمْ أَنْ تَسْأَلُونِي إِذَا كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَاضِرًا.
وَكَانَتْ لَهُ آرَاءُ عُرِفَ بِهَا، فِيهَا تَسْهِيلُ عَلَى النَّاسِ، قَالَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي الْجُوْهَرِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْخَيْضِ وَبَعْضُهُمْ يَرَى بَقَاءَهَا لَهُ، وَهُو أَبُو نُوحٍ، وَنَدْرِي
حَالَهُ، وَهِيَ شَهَادَةٌ مِنْ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي عَلَى عِلْمٍ أَبِي نُوحٍ. (1/225)
صفحة 226
المدخل إلى المذهب الإباضي
حَيَّانُ الْأَعْرَجُ
مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ بَعْضُ أَهْل الحَدِيثِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ آخَرُ مِنْهُمْ. وَكَانَتْ فَتَاوَاهُ تَمْتَازُ بِالشَّيْسِيرِ عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: لَقَدْ أَشْقَانَا اللَّهُ فِي دِينِنَا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَذَلِكَ لأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَتَشَدَّدُ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ، بَيْنَمَا يَمِيلُ الْأَعْرَجُ إِلَى التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ.
وَكَانَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ.
وَهُنَاكَ حَيَّانُ الْعَامِرِيُّ، وَحَيَّانُ الْعَبْدِيُّ، وَأَبُو حَيَّانَ مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْرَجُ، وَكُلُّهُمْ حَمَلُوا عِلْمًا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَا نَدْرِي هَلْ هُمْ شَخْصُ أَوْ
أَشْخَاص؟
www (1/226)
صفحة 227
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
أَبُو يزَيْدِ الْخُوَارِزْيُّ
227
وَهُوَ مِنْ خَوَارِزْمَ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَهُوَ أَحَدُ طَلَبَةِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَحَدُ أَشْيَاحَ حَاتِمِ بْنِ مَنْصُورِ الْخُرَاسَانِي.
لَهُ كِتَابُ فِي السَّيَرِ، ضَمَّنَهُ رِوَايَاتٍ حَدِيثِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَها عَنْهُ مِنْ كِتَابِ السَّيَر" أَبُو غَانِمِ الخُرَاسَانِي صَاحِبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَدَّثَ بِهَا الْإِمَامَ أَفْلَحَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيَّ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يَعْقُوبَ الْوَارِجلَانِيُّ مُرَتِّبُ مُسْنَدِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ الْإِمَامِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا حِكَايَةٌ عَنْ كِتَابٍ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي غَانِمٍ الخراسَانِي مِنْ تَأْلِيفِ أَبِي يَزِيدَ الْخُوَارِزْيَّ، رَفَعَ فِيهِ أَبُو يَزِيدَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَدَ مَعَ رَجُلٍ سَيْفًا لِأَخِيهِ فِي السُّوقِ .. إلخ.
وَلَا نَدْرِي هَلْ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ خَوَارِزْمَ أَمْ أَنَّهُ عَاشَ فِي الْبَصْرَةِ وَمَاتَ فِيهَا؟ (1/227)
صفحة 228
سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ أَبي عبيدةَ مُسْلِمٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ مِنْ حَضْرَمَوْتَ بِالْيَمَنِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ عُمَانَ، بَيْدَ أَنَّ أَصْلَهُ حَضْرَيُّ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّحَةِ.
وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ الدُّعَاةِ الْإِبَاضِيَّةِ، فَقَدْ بَعَثَهُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ دَاعِيًا إِلَى مَنْهَجِ الْحَقِّ وَالِاسْتِقَامَةِ بَعْدَ أَنْ سَيْمَ الْأَمَازِيغُ فِي الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ مِنْ جَوْرِ الْحُكْمِ الْأُمَوِيِّ، حَتَّى هَمُّوا بِالرَّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ.
فَوَصَلَ الدَّاعِيَةُ الْكَبِيرُ سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ مُقْتَحِمَّا الْوهَاءَ وَالْجِبَالَ وَيُجَاوِزًا الْقِفَارَ، فَتَنَقَّلَ بَيْنَهَا مِنْ سِرْت في ليبيا شَرْقًا إِلَى الْقَرِيبِ مِنْ تَلْمَسَانَ غَرْبًا. وَهُنَاكَ كَوَّنَ بِعْثَةٌ طُلَّابِيَّةٌ مِنْ خَمْسَةِ أَشْخَاصٍ لِلذَّهَابِ إِلَى الْبَصْرَةِ بِالْعِرَاقِ لِلالْتِحَاقِ بِمَعْهَدِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَأَقَامَ هُوَ هُنَالِكَ دَاعِيًا أَهْلَهَا إِلَى الاسْتِقَامَةِ، مُبَيِّنًا لَهُمْ عَدَالَةَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْإِسْلَامِ، حَيْثُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَرَبِيَّ وَأَعْجَمِي، وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ هُنَالِكَ. (1/228)
صفحة 229
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
229
وَمِنْ عَظِيمِ الْقَوْلِ قَوْلُهُ: وَدِدْتُ أَنْ يَظْهَرَ هَذَا الْأَمْرُ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا، فَمَا أبالي أَنْ تُضْرَبَ عُنُقِي. وَيَعْنِي بِالْأَمْرِ ظُهُورَ الدَّعْوَةِ الْإِبَاضِيَّةِ بِعَدَالَتِهَا
وَمُسَاوَاتِهَا وَاسْتِقَامَتِهَا، وَعَمَّ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ.
عَلَى أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ قَدْ قَصَّرُوا فِي حَقِّهِ أَيَّمَا تَفْصِيرٍ، فَلَمْ يُوَقُوا وَلَا جُزْءًا مِنْ حَقَّه وهي عَادَتُهُم فِي إِهْمَالِ أَئِمَّتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَمْ يُطْلِقُوا اسْمَهُ عَلَى أَي مَعْلَمٍ مِنَ الْمَعَالِمِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الْحَضَارِيَّةِ أَوِ الْمَكَانِيَّةِ، كَمَدْرَسَةٍ أَوْ مَعْهَدٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ أَي مَوْقِع.
وَأَوَّلُ مَنْ أُطلِقَ اسْمُهُ عَلَى مَسْجِدٍ هُوَ شَيْخُنَا الْخَلِيلِ أَبْقَاهُ اللَّهُ، فَقَدْ سُمِّيَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ فِي مِنْطَقَةِ الْمَوَالِحِ قَرِيبًا مِنْ بَيْتِهِ بِاسْمِهِ: مَسْجِدُ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ الْحَضْرَي. (1/229)
صفحة 230
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
230
الْجُلَنْدَى بْنُ مَسْعُودٍ
هُوَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ الْجُلَنْدَى بْنُ مَسْعُودٍ آلُ الْجُلَنْدَى، فَهُوَ إِمَامُ عِلْمٍ وَإِمَامُ حُكْمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ إِمَامٍ بِعُمَانَ، وَأَعْتَبِرُهُ مُؤَسِّسَ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ فِي عُمَانَ. يَنْتَنِي أُسُرِيَّا إِلَى الْمُلُوكِ مِنْ آلِ الْجُلَنْدَى الَّذِينَ حَكَمُوا عُمَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، فَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِهِ، وَعِنْدَمَا بُويعَ زَمِيلُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى الْكِنْدِيُّ إِمَامًا بِالْيَمَنِ سَنَةَ 129 هـ كَانَ الْجُلَنْدَى مِنَ الحاضِرِينَ وَالْمُبَابِعِينَ وَالْمُنَاصِرِينَ لَهُ.
وَبَعْدَ اسْتِشْهَادِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى الْكِنْدِي وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ سَنَةَ 131 هـ بايع العمانيون الجلندى بن مسعود
بالإمامة سنة 132 هـ بُعَيْدَ قِيَامِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ.
وَسَارَ سِيرَةَ الْعَدْلِ، بَلْ ضَرَبَ أَرْوَعَ الْأَمْئِلَةِ فِي إِقَامَةِ الْعَدْلِ وَإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِرْسَاءِ دَعَائِمِ الْإِصْلَاحِ لِدَوْلَةِ الْإِمَامَةِ، وَمِنْ ضُرُوبِ الْإِصْلَاحِ أَنَّهُ عَيَّنَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْمُرْشِدِينَ وَالْوُعَاظِ وَالْمُدَرِّسِينَ فِي الْجِهَازِ الْعَسْكَرِيِّ، بِمَا يُشْبِهُ التَّوْجِيهَ الْمَعْنَوِيَّ لِلْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ. (1/230)
صفحة 231
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
231
وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ الْأَعْيَانِ": وَلَا أَعْدَلَ بالجُلَندَى إِمَامًا لِعُمَانَ، فَإِنَّهُ قَدْ جَمَعَ الصَّفَاتِ الثَّلَاثَ: الْعِلْمَ، وَالْعَدْلَ،
وَالشَّهَادَةَ، مَعَ مَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الصَّفَاتِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ. دَافَعَ الصُّفْرِيَّةُ بِقِيَادَةِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِيِّ الصُّفْرِيَّ الْخَارِجِي الَّذِي جَاءَ إِلَى عُمَانَ مُهَاجِمًا وَفَارًا مِنْ مُلَاحَقَةِ الْجُيْشِ الْعَبَّاسِيِّ، فَتَصَدَّى لَهُ الْعُمَانِيُّونَ بِقِيَادَةِ إمَامِهِمُ الْجُلَنْدَى حَتَّى انْهَزَمَ الصُّفْرِيَّةُ وَقُتِلَ قَائِدُهُمْ شَيْبَانُ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ وَصَلَ الْجُيْشُ الْعَبَّاسِيُّ بِقِيَادَةِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ التَّمِيمِيِّ، فَالْتَقَاهُمُ الْعُمَانِيُّونَ فِي خُلَفَار رَأْسِ الْخَيْمَةِ، فَاسْتُشْهِدَ الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ سَنَةَ 134 هـ (1/231)
صفحة 232
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
232
#
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ الْفَارِسِيُّ
جَمَعَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ بَيْنَ إِمَامَتَيِ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، وَأَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ، وَنَشَأَ بِالْقِيْروَانِ فِي تُونُسَ بِإِفْرِيقيا، حَيْثُ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ أُمُّهُ بِرَجُلٍ قيرواني، وَبَعْدَ وُصُولِ سَلَمَةَ بْن سَعْدِ إِلَى الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ، وَمِنْهَا الْقيروانُ بإفريقية "تُونُسَ رُبِّحَ لِيَكُونَ أَحَدَ أَفْرَادِ الْبَعْتَةِ الظُّلَّابِيَّةِ إِلَى مَعْهَدِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ فِي الْبَصْرَةِ بِالْعِرَاقِ.
وَقَدْ لاحظ إمَامُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَاءَهُ وَفِطْنَتَهُ بَلْ وَعَبْقَرِيَّتَهُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا وَدَّعَهُمْ عَائِدِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَضَوْا مُدَّةٌ غَيْرَ قَصِيرَةٍ مَعَهُ، قَالَ لَهُ: أَفْتِ بِمَا سَمِعْتَ مِنِّي وَبِمَا لَمْ تَسْمَعُ فِي حِينِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِرُمَلَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِذَلِكَ، عَمِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ عَامِلًا عَلَى الْقَيْروَانِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْخَطَابِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ السَّمْحِ الْمَعَافِرِي الْحِمْيَرِي الْيَمَنِيِّ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ إِمَامٍ حَكَمَ فِي الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ، سَنَةَ 140 - 144 هـ وَكَذَلِكَ عَمِلَ عَامِلًا لِلْإِمَامِ أَبي حَاتِمٍ يَعْقُوبَ بْنِ حَاتِمِ الْمَلزُوزِيِّ الْكِنْدِي سَنَةَ 154 – 158 هـ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَقْتَلِ الْإِمَامِ أَبِي الْخَطَابِ قَدْ أَفْلَتَ مِنْ جُنُودِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَتَحَصَّنَ فِي جَبَلٍ سوفجج، فَلَمْ يَسْتَطِعِ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْوُصُولَ إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ. عنده عَدَدُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ، وَأَسَّسَ هُنَالِكَ مَدْرَسَةٌ عِلْمِيَّةٌ، وَبَعْدَ مَقْتَلِ الْإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ الْمُلْزُوزِيِّ سَنَةَ 158 هَظَلَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُقِيمًا فِي الجَبَلِ الْمَذْكُورِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَبَايَعُوهُ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 160 ه، وَنَزَلَ بِتِيهِرْتَ الَّتِي كَانَتْ غَابَةٌ كَبِيرَةٌ فَأَصْلَحَهَا عُمْرَانَا بِالزَّرَاعَةِ وَالْبِنَاءِ. (1/232)
صفحة 233
الينا
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
233
وَقَامَتْ بِهِ دَوْلَهُ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّةُ ذَاتُ الشُّهْرَةِ عِلْمًا وَعَدْلًا وَفَضْلًا. وَقَدْ أَلَّفَ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَن كِتَابًا فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ
وَقَدْ تُوُفِّيَ سَنَةَ 171 هـ
وَعَلَى الْعُمُومِ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَحَدُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِجَانِبِ
زُمَلائِهِ، وَهُمْ:
- الْإِمَامُ أَبُو الْخَطَابِ الْمَعَافِرِيُّ.
- أَبُو دَاوُدَ الْقَبلُ النَّفْزَاوِيُّ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ دِرَارِ الْعَدَامِسِيُّ.
- عَاصِمُ السَدْرَاتي.
- عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ مغطير الجناونِيُّ النَّفوسِيُّ.
وَهَذَا الْأَخِيرُ رَجَعَ قَبْلَهُمْ إِلَى نفوسَةَ، وَهَيَّأَ لَهُمُ الْأَرْضِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. (1/233)
صفحة 234
فهم
الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبِ الْفَرَاهِيدِيُّ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرٍو الْفَرَاهِيدِيُّ، نِسْبَةٌ إِلَى فَرَاهِيدَ بْنِ مَالِكِ بْنِ
أَصْلُهُ مِنْ عُمَانَ، وَلَعَلَّهُ وُلِدَ فِي الْبَصْرَةِ، حَيْثُ كَانَ أَبُوهُ حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو مِنْ
تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي نُوحٍ الدَّهَانِ وَضِمَامِ بْنِ السَّائِبِ، وَأَصْبَحَ مَرْجِعَ الْفُتْيَا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَفِي رَأْيِي: إِنَّ الْمَذْهَبَ الْإِبَاضِيَّ تَطَوَّرَ مِنْ تَنْظِيمِ دَعْوَى إِلَى حَرَكَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ كَوْنُهُ مَذْهَبًا عَقَدِيًّا وَفِقْهِيا عَلَى عَهْدِ الرَّبيع.
وَأَقُولُ: كَوْنُ الْمَذْهَبِ عَقَدِيًا وَفِقْهِيًا، لأنَّهُ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ: الرَّبِيعِ عَنْ
أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَلَيْسَ لِلْمَذْهَبِ إِمَامُ فِي الْفِقْهِ وَإِمَامُ آخَرُ فِي الْعَقِيدَةِ، وَقَدْ حَمَلَ الْعِلْمَ عَن
الرَّبِيعِ عَدَدُ مِنْهُمْ حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَشْرِقِ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ شَيْخُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِقَوْلِهِ: فَقِيهُنَا وَإِمَامُنَا وَتَقِيُّنَا.
انْتَقَلَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ إِلَى عُمَانَ، وَسَكَنَ مِنْطَقَةَ عَصْفَانَ بِوَلَايَةِ لوى الَّتِي فِيهَا
مَسْجِدُهُ وَقَبْرُهُ. (1/234)
صفحة 235
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
عَمِلَ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مَعَ طُلَّابِهِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ عَلَى إِحْيَاءِ دَولَةِ الْإِمَامَةِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَتَحَقَّقْ إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَعَلَى أَيْدِي طُلَّابِهِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ، وَقَامَتْ بِحَمْدِ اللهِ دَوْلَةُ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةُ سَنَةَ 177 هـ
مِنْ أَهَمِّ آثَارِهِ الْمُسْنَدُ الْمَعْرُوفُ بِمُسْتَدِ الرَّبِيعِ، كَمَا أَنَّ رِوَايَاتِهِ عَنْ ضِمَامِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدُ الَّتِي دَوْنَهَا عَنْهُ أَبُو صُفْرَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صُفْرَةً، وَلَهُ
أَيْضًا فنيا الربيع.
كَمَا أَنَّ لَهُ حُضُورًا فِقْهِيًّا كَبِيرًا فِي الْفِقْهِ الْإِبَاضِي.
وَقَدْ تُوُفِّ فِي مِنْطَقَةِ غَضفانَ بِوِلَايَةِ لَوَى مِنْ شَمَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلَعَلَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ بَيْنَ سَنَتَيْ 173 – 175 ه، وَكَانَ قَبْرُهُ وَمَسْجِدُهُ بِهَا، وَقَدْ جَدَّدَتْ بِنَاءَهُ حُكُومَهُ السَّلْطَنَةِ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ. (1/235)
صفحة 236
ww
المدخل إلى المذهب الإباضي
236
"
وَائِلُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِي
هُوَ أَبُو أَيُّوبَ وَائِلُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيُّ، نِسْبَةٌ إِلَى إِقْلِيمِ حَضْرَمَوْتَ بِالْيَمَنِ، تَلَقَّى عِلْمَهُ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، وَكَانَ صِنْوَ الرَّبِيعِ وَزَمِيلُهُ. لِذلِكَ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ الصَّغِيرُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْقَاسِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِوَائِلٍ؛ فَإِنَّه أَقْرَبُ عَهْدًا بِالرَّبِيعِ.
تَوَلَّى رِئَاسَةَ الْمَذْهَبِ وَمَرْجِعِيَّتَهُ فِي الْبَصْرَةِ بَعْدَ الرَّبِيعِ، لَهُ سِيرَةً (رِسَالَةُ) بِعُنْوَانِ نَسَبُ الْإِسْلامِ بَيْنَ فِيهِ أُصُولَ الْإِسْلامِ، وَأَوْرَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَمِنْ قَوْلِهِ: أَدْرَكْتُ بِحَضْرَمَوْتَ رِجَالًا، إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَوْ وُفِّيَ عَلَى الدُّنْيَا لَاحْتَمَلَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ وَعِلْمِهِ وَوَرَعِهِ. (1/236)
صفحة 237
ائِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
عبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَصْرِيُّ
هُوَ أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَصْرِيُّ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ
مُسْلِمٍ، وَهُوَ صِنْوُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ.
وُلِدَ في البَصْرَةِ بِالْعِرَاقِ، وَانْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ حَيْثُ عَاشَ فِيهَا، وَكَانَ مُجْتَهِدًا جَرِيئًا، وَرُبَّمَا أَحْدَثَ شَيْئًا مِنَ الْحِرَاكِ الْفِكْرِي فِي أَوْسَاطِ الْمَذْهَبِ نَتِيجَةَ آرَائِهِ الْجَرِيئَةِ، مُسْتَعْيلًا الْعَقْلَ وَالْقِيَاسَ، وَعَدَمَ التَّقَيُّدِ بِأَقْوَالِ مَنْ سَبَقَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَبُو الْمُؤَرِّجِ بِقَوْلِهِ: أَكْثَرَ اللهُ فِينَا مِثْلَ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنَّهُ لَطَالِبُ عِلْمٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفُوتَهُ مِنْهُ
شَيْء
وَقَالَ فِيهِ حَاتِمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخُرَاسَانِيُّ: لَا نَزَالُ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِينَا أَبُو سَعِيدٍ، فَلَا نَأَتْ عَنَّا دَارُهُ، وَلَا أَوْحَشَنَا اللَّهُ بِفَقْدِهِ.
وَهُوَ الْمَصْدَرُ الْكَبِيرُ لأَبي غَائِمِ الْخُرَاسَانِي فِي مُدَوَّنَتِهِ.
انْتَحَلَهُ السُّكَّارُ الْإِبَاضِيَّةُ فِي الْبِلادِ الْمَغَارِبِيَّةِ إِمَامًا لَهُمْ رَافِعِينَ عَنْ طَرِيقِهِ نَسَبَ الدِّينِ عِنْدَهُمْ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَالْإِمَامِ جَابِرٍ؛ لِأَنَّ الرَّبِيعَ كَانَ مَوْقِفُهُ مَعَ الْإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي ضِدَّ الْمُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الَّذِينَ سُمُّوا التَّكَارَ فِيمَا بَعْدُ.
وَفي رَأْيِي: إِنَّهُ مِنْ هُنَالِكَ قَالَ فِيهِ الْإِمَامُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ: وَابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْبَرَاءَةِ أَقْرَبُ.
تُوُفِّيَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِمِصْرَ، وَلَا نَدْرِي تَارِيخَ وَفَاتِهِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قَبْلَ وَفَاةِ الرَّبِيعِ. (1/237)
صفحة 238
أَبُو الْمُؤَرّج
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ أَبُو الْمُؤَرِّجِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القديُّ الْيَمَنِيُّ، أَحَدُ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنَ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. كَانَ يَمِيلُ إِلَى حَفْظِ الْآثَارِ بَدَلًا مِنَ الْأَخْذِ بِالْقِيَاسِ إِلَّا فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ
الْقَلِيلَةِ.
خَالَفَ شَيْخَهُ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْإِبَاضِيَّةُ، حَتَّى نَاقَشَهُ عَلَيْهَا أَهْلُ عُمَانَ، وَحَاجُوهُ فِيهَا حَتَّى رَجَعَ عَنْهَا، فَأَمَرُوهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَنْ أَفْتَاهُمْ بِآرَائِهِ تِلْكَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَشَدَّ الرَّحِيلَ إِلَى هُنَالِكَ غَيْرَ أَنَّ الْمَنِيَّةَ وَافَتْهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا.
وَيُعْتَبَرُ أَبُو الْمُؤَرِّجِ الْمَصْدَرَ الثَّانِيَ لِلْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْمَصْدَرَ الْأَوَّلَ لِلْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. (1/238)
صفحة 239
مسلم
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
حَاتِمُ بْنُ مَنْصُورِ الْخُرَاسَانِي
وَهُوَ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، انْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِأَخْذِ الْعِلْمِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ
وَبَعْدَ ذَلِكَ ارْتَحَلَ إِلَى مِصْرَ لِيُلَازِمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّادٍ الْمِصْرِيَّ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ
كَثِيرًا، وَرَوَى عَنْهُ كَثِيرًا.
وَمِنْ أَشْيَاخِهِ أَبُو يَزِيدَ الْخُوَارِزْيُّ، أَحَدُ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَعَلَّهُ الْتَقَاهُ فِي خَوَارِزْمَ أَوْ فِي الْبَصْرَةِ.
وَيَظْهَرُ مِنَ السَّيَاقِ أَنَّ حَاتِمَ بْنَ مَنْصُورٍ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ أبِي عُبَيْدَةَ، أَمَّا شَيْخُهُ ابْنُ عَبَّادٍ فَهُوَ مِنَ الطَّبَقَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأُولَئِكُمُ التَّلَامِيذِ، وَيَظْهَرُ حِرْصُهُ عَلَى تَسْجِيلِ كُلَّ شَيْءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّادٍ بِقَوْلِهِ أَحْيَانًا: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّادٍ وَأَحْيَانًا أُخْرَى: حَدَّثَنِي أَهْلُ مِصْرَ عَنِ ابْنِ عَبَّادٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَاشَ فِي مِصْرَ، وَمَاتَ
فيها.
وَلَهُ حُضُورٌ فِقْهِيُّ فِي مُدَوَّنَةِ أَبِي غَانِمِ الْخُرَاسَانِي.
كَمَا أَنَّ لَهُ رِوَايَاتٍ حَدِيثِيَّةٌ رَوَاهَا عَنْهُ أَبُو غَانِمٍ مُحَدَّنَا بِهَا الْإِمَامَ أَفْلَحَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي، أَوْرَدَ أَبُو يَعْقُوبَ الْوارِجلَانِيُّ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَرْتِيبِهِ لِلْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ. (1/239)
صفحة 240
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّادٍ الْمِصْرِيُّ
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ
كَانَ مُجْتَهِداً مَيَّالًا إِلَى عَدَمِ التَّفَيدِ بِالْمَأْنُورِ مِنَ الْآرَاءِ، وَرُبَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ
أَصْحَابُهُ ذَلِكَ.
رَوَى عَنْهُ أَبُو غَانِمِ الْخُرَاسَانِيُّ كَثِيرًا مِنْ آرَائِهِ الْفِقْهِيَّةِ ضَمَّنَهَا مُدَوَّنَتَهُ عِنْدَ مُرُورِهِ عَلَيْهِ بِمِصْرَ في طَرِيقِهِ إِلَى تِيهَرْتَ عَاصِمَةِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ، لِذَلِكَ فَهُوَ مِنْ
فُقَهَاءِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَدْ عَاشَ بِمِصْرَ وَتُوُفِّيَ بِهَا. (1/240)
صفحة 241
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ
241
هُوَ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرِ الضَّيُّ السَّامِيُّ الْأَزْكَوِيُّ، وَهُوَ مِنْ إِزْكِي
الْمَدِينَةِ الْعُمَانِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ.
درس عَلَى يَدِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ وَعَلَى يَدِ الْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ. وَهُوَ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ الَّذِينَ عَادُوا إِلَيْهَا تَزَامُنًا مَعَ انْتِقَالِ إِمَامِهِمُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ إِلَيْهَا أَيْضًا.
وَكَانَ مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ بِطَبْعِهِ وَطَبِيعَتِهِ ثَائِرًا عَلَى الْحُكْمِ الْجَائِرِ حَتَّى أَنَّهُ خَرَجَ ثَائِرًا تَحْتَ قِيَادَةِ غَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى رَاشِدِ بْنِ النَّظَرِ آلِ الْجُلَنْدَى عَامِلِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ عَلَى عُمَانَ، وَالْقَائِدِ غَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِمَّنْ لَمْ تُحْمَلْ سيرتهُ، وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ ظُلْمًا مِنْ رَاشِدِ بْنِ النَّظَرِ وَالْأَمْرُ مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ بَابِ جَوَازِ الخُرُوج مَعَ الظَّالِمِ عَلَى مَنْ هُوَ أَظْلَمُ مِنْهُ.
وكَانَ لِمُوسَى الدَّوْرُ الْأَكْبَرُ وَالْقِيَادَةُ الْحَازِمَةُ فِي إِحْيَاءِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَامَتْ بِحَمْدِ اللهِ تِلْكَ الدَّوْلَةُ الْإِمَامِيَّةُ الْمُبَارَكَةُ الْعَظِيمَةُ بَدْءًا مِنْ سَنَةِ 177 هـ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى، وَبِفَضْلِ جُهُودٍ مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرٌ وَزُمَلَائِهِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى
عُمَانَ، وَهُمْ:
- بَشِيرُ بْنُ الْمُنْذِرِ النَّزْوَانِي
- مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَلَّى الْكِنْدِيُّ. (1/241)
صفحة 242
"
المدخل إلى المذهب الإباضي
242
- الْمُنِيرُ بْنُ النَّيْرِ الريائي
- تَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيلِ الْقُرَشِيُّ.
وَقَدْ تَوَفِّيَ فِي إِزْكِي سَنَةَ 181 هـ
# (1/242)
صفحة 243
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
بَشِيرُ بْنُ الْمُنْذِرِ
هُوَ أَبُو الْحَكَمِ بَشِيرُ بْنُ الْمُنْذِرِ النَّافِعِيُّ السَّامِيُّ النَّرْوِيُّ.
أَحَدُ حَمَلَةِ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ بِجَانِبِ زُمَلَائِهِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ وَالْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ.
وَكَانَ زَمِيلَ مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرٍ وَصِنْوَهُ عِلْمًا وَفَضْلًا، وَكَانَ الرَّجُلَ الثَّانِيَ بَعْدَ مُوسَى فِي قِيَادَةِ دَوْلَةِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَكَانَ لَا يُخَالِفُ مُوسَى، وَهُوَ الْقَائِلُ: رَأْيُ مُوسَى يَغْلِبُ رَأْيَ غَيْرِهِ
وَقَدْ عُرِفَ بَشِيرُ بِالشَّيْخِ أَوِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ، فَحَيْتُمَا تَرِدُ كَلِمَةُ الشَّيْخِ فَإِنَّهَا
تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ.
وَقَدِ اعْتَادَتِ الْمَصَادِرُ الْعُمَانِيَّةُ إِطْلَاقَ لَقَبِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ بَعْدَ الإِسْمِ، فَيُقَالُ:
بَشِيرُ الشَّيْخُ.
وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْبُوبٍ، حَيْثُ إِنَّ
كِلَيْهِمَا عَلَى قَدَم رَاسِخ فِي الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
لَكِنَّهُ حَيْثُمَا وَرَدَ لَقَبُ الشَّيْخِ مُجَرَّدًا عَنِ الْإِسْمِ فَيَنْصَرِفُ إِلَى بَشِيرِ بْنِ الْمُنْذِرِ
كَانَتْ جُهُودُهُ وَأَعْمَالُهُ فِي دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ وَاضِحَةٌ لَا تُنْكَرُ. (1/243)
صفحة 244
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَمِنْ أَرْوَعِ الْحِوَارَاتِ السَّيَاسِيَّةِ ذَلِكُمُ الحَوَارُ الَّذِي دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمِيلِهِ شَيْخِ الْمُسْلِمِينَ مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَمَا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي مدينة «مَنْح» لإقامةِ الدَّوْلَةِ لَاحَظَ مُوسَى أَطْمَاعَ بَعْضِ الْقَادَةِ فِي السُّلْطَةِ، فَوَزَّعَهُمْ وَلَاةً عَلَى النَّوَاحِي فِي عُمَانَ، وَهُنَاكَ قَالَ لَهُ بَشِيرٌ: قَدْ كُنَّا رَجَوْنَاكَ يَا أَبَا عَلَيَّ أَنْ تَسِيرَ بِهَذِهِ الدَّوْلَةِ، فَرَدَّدْتَهَا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخَافُونَ عَلَى الدَّوْلَةِ.
فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّمَا كَانَ نَظَرِي يَا أَبَا الْحَكَمِ لِلدَّوْلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا، وَكُلُّ يَطْلُبُ هَذَا الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَالْأَمْرُ بَعْدَهُ ضَعِيفُ، فَفَرَّقْنَاهُمْ عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى يَقْوَى
الأمر
وَقَدْ تَوَفِّيَ بَشِيرُ الشَّيْخُ سَنَةَ 178 هـ في بدايةِ إمَامَةِ الْوَارِثِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. (1/244)
صفحة 245
ائِمُةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
عَبْدُ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ
245
هو الإِمَامُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّسْتُمِيُّ، وَقَدْ جَمَعَ صِفَتَيِي الْعِلْمِ والحكم، وَهُوَ ثَانِي إِمَامٍ فِي دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ، وَقَوِيَتْ عَلَى يَدَيْهِ الدَّوْلَهُ، وَصَارَتْ مَهِيبَةَ الْجَانِبِ، وَكَانَتْ دَوْلَهُ الْإِمَامَةِ عَلَى عَهْدِهِ تَمْتَدُّ عَلَى مِسَاحَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ مَغَارِبِيَّةٍ وَاسِعَةٍ، بُويعَ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 171 هـ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ الْإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رستم، وَيُعْتَبَرُ بِجَانِبِ كَوْنِهِ إِمَامَ حُكْمِ عَالِمًا كَبِيرًا جدًا، قَامَ بِنَشْرِ الْعِلْمِ بِجَانِبِ إِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الحُكْمِ
دَرَسَ عَلَى يَدَيْهِ عَدَدُ مِنَ النَّاسِ فِي تِيهِرْتَ فِي مُقَدَّمَتِهِمُ ابْنُهُ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ، وَكَذَلِكَ فِي نفُوسَةَ، حَيْثُ أَقَامَ بِهَا سَبْعَ سِنِينَ، كَانَ فِيهَا مُدَرِّسًا وَمُفْتِيّا، وَلَعَلَّ تِلْكَ الدُّرُوسَ وَالْفَتَاوَى هِيَ الَّتِي جُمِعَتْ فِي الْكِتَابِ الْمَعْرُوفِ بـ مَسَائِل نُفُوسَة الْجِبَلِ، وَلَعَلَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْهُ وَالَّذِي طُبِعَ هُوَ جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ
الكبير
وَقَدْ أَقَامَ عَلَاقَاتٍ سِيَاسِيَّةٌ مَعَ جَمِيعِ الدُّوَلِ الْمُحِيطَةِ بِالدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ كَدَوْلَةِ الْأُمَوِيِّينَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَإِمَارَةِ الْأَغَالِبَةِ فِي تُونَسَ، وَدَوْلَةِ بَنِي مِدْرَارٍ فِي جَنُوبِ الْمَغْرِبِ
الْأَقْصَى
وَكَانَتِ العلاقاتُ السَّيَاسِيَّةُ وَالتَّجَارِيَّةُ فِي عَهْدِهِ تَسِيرُ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ 2018 هـ (1/245)
صفحة 246
246
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَقَدْ عَاصَرَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعُمَانِيِّينَ، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَفَّانَ، وَالْوَارِثُ بْنُ
كَعْبٍ، وَغَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَحِينَ بُويعَ بِالْإِمَامَةِ كَانَ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: عَبْدُ الْوَهَّابِ إِمَامُنَا وَتَقِيُّنَا وَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ. (1/246)
صفحة 247
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
هَاشِمُ بْنُ غَيْلَانَ
هُوَ هَاشِمُ بْنُ غَيْلَانَ الهَمِيمِيُّ السَّيجَانِيُّ، مِنْ تَلَامِيذِ الْعَالِمَيْنِ الْكَبِيرَ بْنِ شَيْخَيِ الْمُسْلِمِينَ مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرِ الْأَزْكَوِيِّ وَبَشِيرِ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّزْوَانِي
وَكَانَ يُكْنَى أَبَا الْوَلِيدِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْنِيهِ الْعَلَامَةُ أَحْمَدُ بْنُ النَّظَرِ بِقَوْلِهِ: وَبَعْدَ الذَّبْحِ إِنْ شُقَّتْ حَشَاهَا فَكُلْهَا ذَاكَ رَأْيُ أَبِي الْوَلِيدِ وَكَانَ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ سيجَا وَإِزْكي وسَمَائِلَ العلايةِ، حَيْثُ سَكَنَ عَحِلَّةَ الْفَروَاشِيَّةِ مِنْهَا، وَبَنَى فِيهَا مَسْجِدًا يَحْمِلُ اسْمَهُ إِلَى الْآنَ.
وَكَانَ يُحِبُّ عَدَمَ إِثَارَةِ الْقَضَايَا الْخِلَافِيَّةِ حَتَّى لَا تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي صُحَارٍ حَوْلَ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ وَالْحَسَنَاتِ، وَرَفَعُوا ذَلِكَ إِلَى هَاشِمٍ، وَكَانَ بِسمَائِلَ، فَقَالَ لَهُمْ: كُفُّوا عَنْ هَذَا، وَعِنْدَ هَذَا وَمِثْلِهِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ.
لَهُ نَصَائِحُ وَجَهَهَا إِلَى الْإِمَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ الْعَلَوِيّ (207 - 226 هـ). وَتُوفي في بلدِهِ سيجا، وَبِهَا قَبْرُهُ، وَلَعَلَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ أَثْنَاءَ إِمَامَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
حُمَيْدٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ (1/247)
صفحة 248
أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهُوَ الْإِمَامُ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ، ثَالِثُ أَئِمَّةِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ بِالْبِلادِ الْمَغَارِبِيَّةِ، وَهُوَ مِنَ الْجامِعِينَ لِصِفَتَيْ إِمَامَةِ الْعِلْمِ وَإِمَامَةِ
الحكم
وَقَدْ بُويعَ بِالْإِمَامَةِ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ سَنَةَ 208 هـ
وَهُوَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَشَايِخِ تِيهِرْتَ، كَانَتْ لَهُ فِي جَامِعِ تِيهَرْتَ أَرْبَعُ حَلَقٍ عِلْمِيَّةٍ يُدَرِّسُ فِيهَا، فِي الْفِقْهِ، وَفِي الْأُصُولِ، وَفِي اللُّغَةِ، وَفِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
تَخَرَّجَ عَلَى يَدَيْهِ عَدَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ إِلَى كَوْنِهِ عَالِمًا مُتَبَحْرًا فِي عُلُومٍ شَتَّى كَانَ أَيْضًا شَاعِرًا، وَلَهُ الْقَصِيدَةُ الرَّانِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا فَضْلَ الْعِلْمِ وَأَهَمِّيَّتَهُ، وَالَّتِي يَحُثُ عَلَيْهِ فِي مَطْلَعِهَا:
الْعِلْمُ أَبْقَى لِأَهْلِ الْعِلْمِ آثَارًا يُرِيكَ أَشْخَاصَهُمْ رُوحًا وَأَبْكَارًا
وَقَدْ شَطَرَهَا شَاعِرُ عُمَانِيٌّ يُسَمَّى نَاصِرَ بْنَ جُمُعَةٍ، وَقَالَ فِي تَشْطِيرِهِ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ:
الْعِلْمُ أَبْقَى لِأَهْلِ الْعِلْمِ آثَارًا وَلَيْلُهُمْ بِشُمُوسِ الْعِلْمِ قَدْ نَارًا يحتى بِهِ ذِكْرُهُمْ طُولَ الزَّمَانِ وَقَدْ يُرِيكَ أَشْخَاصَهُمْ رُوحًا وَأَبْكَارًا تُوُفِّيَ فِي عَاصِمَةِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ تيهَرْتَ سَنَةَ 258 هـ (1/248)
صفحة 249
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُوسَى بْنُ عَلِيّ
هُوَ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَزْرَةَ الضَّيُّ السَّابِيُّ الْإِزْكوي.
249
وُلِدَ فِي إِزْكِي سَنَةَ 177 هـ فِي بِدَايَةِ قِيَامِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ، الَّتِي كَانَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ مُوسَى بْنُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي جَابِرٍ قُطْبَ رَحَاهَا.
حَمَلَ الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهِ عَلِيَّ بْنِ عَزْرَةَ وَهَاشِمِ بْنِ غَيْلَانَ، عَاصَرَ الْأَئِمَّةَ الْوَارِثَ
ابْنَ كَعْبٍ وَغَسَّانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ حُمَيْدٍ وَالْمُهَنَّا بُنَ جيفر. كَانَ مَرْجِعًا كَبِيرًا فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ لِلدَّوْلَةِ وَلِلنَّاسِ، وَكَانَ هُوَ الْقَائِمَ بِشُؤُونِ الدَّوْلَةِ عِنْدَمَا كَبِرَ وَأَسَنَّ الْإِمَامُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُمَيْدٍ، حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَرَعَزْلَهُ الَّذِي طَالَبَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَلَعَلَّهُ رَأَى عَدَمَ الْعَزْلِ خَشْيَةَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ فِي عُمَانَ.
وَبَعْدَ وَفَاةِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ فِي مُقَدِّمَةِ الْعَاقِدِينَ الْإِمَامَةَ لِلْمَهَنَّا بْنِ جَيْفَرِ الْيَحْمِدِي سَنَةَ 226 هـ
تُوُفِّيَ بِإِزْكِي سَنَةَ 231 هـ أَثْنَاءَ إِمَامَةِ الْإِمَامِ الْمُهنَّا بْنِ جَيْفَرٍ، وَذُكِرَ أَنَّ لَهُ مُؤَلَّفًا عُرِفَ بِجَامِعِ أَبِي عَليَّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا، وَلَعَلَّ هَذَا الْجَامِعَ كَانَ جَامِعًا لِفَتَاوَاهُ وَأَجْوِبَتِهِ، جَمَعَهَا شَخْصُ مَا.
وَأُسْرَةُ بَنِي عَزْرَةً أُسْرَةُ عِلْمٍ، خَرَجَ مِنْهَا عَدَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ كَإِخْوَةِ مُوسَى مُحَمَّدٍ وَالْأَزْهَرِ وَأَوْلَادِهِمْ وَأَحْفَادِهِمْ. (1/249)
صفحة 250
ww
مُحَمَّدُ بْنُ أَفْلَحَ الرُّسْتُمِي
المدخل إلى المذهب الإباضي
هَذَا الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّسْتُمِيُّ، وَكَانَ يُكْنَى بِابْنِهِ الْيَقظَانِ.
كَانَ عَالِمًا فَحْلًا، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ إِمَامَتَيِ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، فَقَدْ دَرَسَ عَلَى يَدِ وَالِدِهِ الْإِمَامِ أَفْلَحَ، وَعَلَى يَدِ جَدِّهِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
وَقَدْ بُويعَ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 261 هـ) بَعْدَ إِطْلَاقِ سَرَاحِهِ مِنْ سِجْنِ الْعَبَّاسِيِّينَ بِبَغْدَادَ، حَيْثُ كَانَ قَدْ قُبِضَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ مَوْسِمٍ حَجَّ وَنُقِلَ إِلَى بَغْدَادَ، حَيْثُ سُجِنَ مَعَ أَحَدِ بَنِي الْعَبَّاسِ الَّذِي صَارَ خَلِيفَةً فِيمَا بَعْدُ، وَلَعَلَّهُ الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ الَّذِي عَمَدَ إِلَى إِطْلَاقِ سَرَاحِهِ لِمَا عَرَفَهُ فِيهِ مِنْ عِلْمٍ وَفَضْلٍ وَاسْتِقَامَةٍ أَثْنَاءَ وُجُودِهِ مَعَهُ فِي السِّجْنِ.
وَبَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى تِيهِرْتَ وَجَدَ النَّاسَ غَيْرَ مُتَّفِقِينَ عَلَى إِمَامَةِ أَخِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاعْتَزَلَ أَبُو بَكْرِ الْإِمَامَةَ، فَبَايَعُوا مُحَمَّدَ بْنَ أَفْلَحَ بِالْإِمَامَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لِلْخِلافِ وَقَاطعًا لِلشَّقَاقِ، فَاسْتَقَامَ لَهُ الْأَمْرُ.
وَازْدَهَرَتِ الْحَيَاةُ فِي عَهْدِهِ عِلْمًا وَاقْتِصَادًا وَسِيَاسَةٌ، وَعُمِّرَتْ تيهرتُ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْمَذَاهِبٍ، وَكَثُرَتْ فِيهَا الْمُنَاظَرَاتُ الْفِقْهِيَّةُ وَالْكَلَامِيَّةُ. (1/250)
صفحة 251
W
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي -----------
وَفِي رَأْيِي: إِنَّ ذَلِكَ أَمْرُ غَيْرُ مَحْمُودٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤَرِّجُ الْحِقْدَ وَالْكَرَاهِيَةَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ الَّتِي ضَرَبَتْ أَرْوَعَ الْأَمْئِلَةِ فِي الْعَدَالَةِ وَتَحْقِيقِ الْمُسَاوَاةِ وَالتَّسَامُحِ.
وَلِذلِكَ عِنْدَ وُصُولِ الْفَاطِمِيِّينَ إِلَى تِيهَرْتَ كَانَ هُنَالِكَ مَنِ انْضَمَّ مَعَ الْغُزَاةِ لِلْقَضَاءِ عَلَى دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ، وَتُوُفِّيَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ أَفْلَحَ الرُّسْتُمِيُّ سَنَةَ
281 هـ
وَلَهُ رَسَائِلُ وَأَجْوِبَةٌ، لَكِنَّهَا لَمْ تَصِلُ إِلَيْنَا، وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا رِسَالَتُهُ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كِتَابِ الْجَوَاهِرِ الْمُنْتَقَاةَ لِلْبَرَادِيِّ. (1/251)
صفحة 252
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبُوب
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الْعَلامَةُ الْمُحكَمُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ الرَّحِيلِيُّ الْقُرَشِيُّ، وُلِدَ فِي الْبَصْرَةِ فِي الْعِرَاقِ حَيْثُ كَانَ يُقِيمُ وَالِدُهُ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيلِ، وَقَدْ تَنَقَّلَ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ الْمَقَامُ فِي عُمَانَ.
كَانَ يُكْنى أَبَا عَبْدِ اللهِ، فَإِذَا مَا وَرَدَتْ هَذِهِ الْكُنْيَةُ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الإِسْمِ فَإِنَّهَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِهَا.
اسْتَفَادَ الْعِلْمَ مِنْ وَالِدِهِ مَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ، وَأَبِي صُفْرَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
صُفْرَةَ، وَمُوسَى بْنِ عَلِيٍّ.
لَهُ حُضُورُ قَوِيٌّ جِدًّا فِي الْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّ، لَا سِيَّمَا فِي أَحْكَامِ الْقَضَاءِ، حَيْثُ إِنَّ قَوْلَهُ فِيهَا لَا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ، وَلَعَلَّهُ وَصَلَ عُمَانَ آخِرَ عَهْدِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ (207 - 226 هـ) أَوْ فِي بِدَايَةِ عَهْدِ الْإِمَامِ المُهنَّا بْنِ جَيْفَرٍ (226 - 237 هـ) الَّذِي وَصَلَّتْ فِي عَهْدِهِ إِلَى عُمَانَ مَسْأَلَةُ خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ نُوقِشَتْ مِنْ قِبَلِ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَمِعِينَ رِبَاطًا في حضن "دما" السِّيبِ حَاليًّا.
وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ: إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ
عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ. (1/252)
صفحة 253
ائِمُةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
253
وَطَلَبُوا مِنَ الْإِمَامِ الْمُهَنَّا أَنْ يَشُدَّ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْقَوْلَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ
حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فِي عُمَانَ، كَمَا كَانَتْ مَوْجُودَةٌ فِي أَقْطَارٍ أُخْرَى. وَاحْتَلَّ ابْنُ مَحْبُوبٍ مَكَانَةٌ كَبِيرَةً فِي الْمَشْهَدِ الدِّينِيِّ وَالْمَشْهَدِ السَّيَاسِي، حَيْثُ أَصْبَحَ يُمَثَّلُ الْمَرْجَعِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ لِلْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ شَرْفًا وَغَرْبًا.
وَلِهَذِهِ الْمَكَانَةِ الْعُلْيَا كَانَ فِي مُقَدِّمَةِ عَاقِدِي الْإِمَامَةِ لِلصَّلْتِ بْنِ مَالِكٍ
سنة 237 هـ
امْتَلَاتِ الْمَصَادِرُ الْإِبَاضِيَّةُ بِأَقْوَالِهِ وَآرَائِهِ.
كَانَ رَئِيسَ الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ بِجَانِبِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ فِي نَزْوَى، ثُمَّ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ قَاضِبًا عَلَى صُحَارٍ سَنَةَ 249 ه، وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ 260 هـ
مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ:
- كِتَابٌ يُقَالُ إِنَّهُ فِي سَبْعِينَ جُزْءًا وهو مفقود وَهُوَ مَفْقُود.
- مُختَصَرُ السُّنَّةِ.
- رَسَائِلُ إِلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَإِلَى حَضْرَمَوْتَ وَغَيْرِهِمَا.
- عُهُودُ بِاسْمِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ. (1/253)
صفحة 254
هُودُ بْنُ مُحَكَمِ الْهَوَارِيُّ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الْعَلامَةُ الْجَلِيلُ هُودُ بْنُ مُحَكَمِ الْهَوَارِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةِ هَوَارَةَ الْأَمَازِيغِيَّةِ مِنْ جِبَالِ الْأُورَاسِ فِي شَرْقِ الْجَزَائِرِ.
كَانَ أَبُوهُ مُحَكَمُ قَاضِبًا لِلْإِمَامِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي. عَاشَ هُودُ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ، وَتَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهِ مُحَكَم الْهَوَارِي، وَعَنْ مَشَايِخِ الْقَيْرَوَانِ بِتُونَسَ، وَلَعَلَّهُ دَرَسَ عَلَى الْعَالِمِ الْمُفَسِّرِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ التَّمِيمِيِّ بِالْوَلَاءِ الَّذِي هُوَ ابْنُ الْمُفَسِّرِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ صَاحِبِ كِتَابِ "تَفْسِير كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ".
وَلَعَلَّهُ مِنْ هُنَالِكَ تَأَثَرَ هُودُ بْنُ مُحَكَم فِي تَفْسِيرِهِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِتَفْسِيرِ يَحْيَى بْنِ سَلام. (1/254)
صفحة 255
ائِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
عَمْرُوسُ بْنُ فَتْحِ الْمَسَاكِنِيُّ
هُوَ الْعَلامَةُ الْأُصُولِيُّ الْمُتَكَلِّمُ أَبُو حَفْصٍ عَمْرُوسُ بْنُ فَتْحِ الْمَسَاكِينِيُّ النفوسِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيَّ.
عَمِلَ قَاضِبًا عَلَى جَبَلِ نَفُوسَةَ، حَيْثُ كَانَ الْوَالِي عَلَيْهَا عَلَى عَهْدِ الْإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ يُوسُفَ بْنِ أَفْلَحَ الرُّسْتُمِيَّ، حَيْثُ كَانَ أَبُو مَنْصُورٍ إِلْيَاسُ وَالِيَّا عَلَى الْجَبَلِ. ذَهَبَ إِلَى الْحَجِّ ذَاتَ سَنَةٍ، فَالْتَقَى بِالْعَلَامَةِ الْمُحَكَمِ مُحَمَّدِ بْنِ تَحْبُوبٍ، وَكَانَ الْأَخِيرُ لَا يَعْرِفُ الْأَوَّلَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ خِلَالِ طَرْحِ الْأَسْئِلَةِ عَلَيْهِ عَرَفَ أَنَّ تِلْكَ لَا تَصْدُرُ إِلَّا مِنْ عَمْرُوسٍ، وَكَانَتْ سُمْعَةُ عَمْرُوسٍ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى سَمْعِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ مَحْبُوبِ، وَهُنَاكَ قَالَ: إِنْ كَانَ أَبُو حَفْصٍ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ، فَهَذَا السُّؤَالُ مِنْهُ، فَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ تَجْلِسًا مِنْهُ.
وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ الْفَضْلُ فِي بَقَاءِ الْمُدَوَّنَةِ لِأَبِي غَانِمِ الْخُرَاسَانِيَّ، فَإِنَّ أَبَا غَانِمٍ وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى عَاصِمَةِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ تِيهِرْتَ، تَرَكَ نُسْخَةٌ مِنْ كِتَابِهِ "المُدَوَّنَة فَانْتَهَزَ عَمْرُوسٌ فُرْصَةً غِيَابٍ أَبِي غَانِمٍ، فَقَامَ بِنَسْخِ الْكِتَابِ مُسْتَعِينًا بِأُخْتِهِ الْعَالِمَةِ الْفَاضِلَةِ، وَعِنْدَمَا رَجَعَ أَبُو غَانِمٍ لَاحَظَ بَعْضَ نِقَاطِ الْمِدَادِ عَلَى نُسْخَتِهِ، فَهُنَاكَ قَالَ لِعَمْرُوسٍ مِمَّا رَخَا لَهُ: أَسَرَقْتَهَا؟ فَرَدَّ عَلَيْهِ: لَا بأس، سَمِّنِي سَارِقَ الْعِلْمِ، وَالنُّسْخَةُ الْعَمْرُوسِيَّةُ لِلْمُدَوَّنَةِ هِيَ الَّتِي بَقِيَتْ، (1/255)
صفحة 256
256
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَكَانَتْ بَرَكَةً لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْهَا اسْتَقَوْا جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الْفِقْهِ، وَهِيَ الَّتِي
تُوجَدُ فِي دَارِ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ.
أَمَّا نُسْخَةُ مَكْتَبَةِ الْمَعْصُومَةِ الرُّسُتُمِيَّةِ فَقَدْ أَتْلَفَهَا الْعُبَيْدِيُّونَ مَعَ مَا
أَتْلَفُوهُ مِنْ كُتُبِ تِلْكَ الْمَكْتَبَةِ، وَالْأَمْرُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
تُوُفِّيَ قَتِيلًا شَهِيدًا فِي مَعْرَكَةِ "مانو" سَنَةَ 283 ه بَيْنَ النَّفوسِيِّينَ وَالْأَغَالِبَةِ.
وَمِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ: الدَّيْنُونَةُ الصَّافِيَةُ، طَبَعَتْهُ وزَارَةُ التُّرَاثِ وَالثَّقَافَةِ بِالسَّلْطَنَةِ، وَقَدْ عَمِلْتُ أَنَا لَهُ مُقَدِّمَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (1/256)
صفحة 257
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ الْأَزْكَوِيُّ
هُوَ الْعَلَّامَةُ الْكَبِيرُ أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ السَّابِيُّ الْأَزْكَوِيُّ، مِنْ عُلَمَاءِ
الْقَرْنِ الثَّالِثِ الهجري.
عاصَرَ فَضِيَّةَ عَزْلِ أَوِ اعْتِزَالِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكِ الخروصي وَمُوسَى بنِ مُوسَى وَرَاشِدِ بْنِ النَّظرِ، وَكَانَ مَوْقِفُهُ مَعَ مُوسَى وَرَاشِدٍ، وَلِذَلِكَ رَأَيْتُ أَنَّ مَوْقِفَهُ هَذَا يُمَثَّلُ مَدْرَسَةً فِكْرِيَّةٌ وَسِيَاسِيَّةٌ سَمَّيْتُهَا الْمَدْرَسَةَ الْأَزْكَوِيَّةَ بِجَانِبِ الْمَدْرَسَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ النَّزْوَانِيَّةِ وَالرُّسْتَاقِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ الْأَزْكَوِيَّةَ انْتَهَتْ
بِانْتِهَاءِ أَصْحَابِهَا وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ أَبُو جَابِرٍ نَفْسُهُ وَابْنُهُ الْأَزْهَرُ.
تَلَقَّى أَبُو جَابِرٍ الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهِ جَعْفَرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الْمَشَايِخِ مِنْ آلِ عَزْرَةً وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ تَحْبُوبِ.
جرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الْمُؤَكِّرِ الصَّلْتِ بْنِ خَمِيسِ الْخُرُوصِيَّ مُنَاقَشَاتُ فِي القضيَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ مُؤَيَّدًا لِمُوسَى وَرَاشِدٍ، بَيْنَمَا أَبُو
الْمُؤَكِّرِ مُؤَيَّدًا لِلْإِمَامِ الصَّلْتِ وَنَاقِمًا عَلَى مُوسَى وَرَاشِدٍ.
مِنْ أَهَمٌ مُؤَلَّفَاتِهِ، بَلْ أَهَمُّ مُؤَلَّفَ فِي الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ كِتَابُهُ جَامِعُ ابْنِ
جَعْفَرٍ، وَقَدْ وَصَفَهُ الْعُمَانِيُّونَ بِأَنَّهُ قُرْآنُ الْأَثَرِ. (1/257)
صفحة 258
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَكَانَ أَصَمَّ، وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَمْرَ عُمَانَ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَصَمَّ وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ، فَالْأَصَمُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَالْأَعْمَى هُوَ أَبُو الْمُؤَكِّرِ الصَّلْتُ بْنُ
خَمِيسِ الْخَروصِيُّ، وَالْأَعْرَجُ هُوَ نَبْهَانُ بْنُ عُثْمَانَ جَدُّ بَنِي الْمُعَمَرِ.
وَمَعْنَى رُجُوعِ أَمْرِ عُمَانَ إِلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُمَتِّلُونَ الْمَرْجِعِيَّاتِ الدِّينِيَّةَ فِي عُمَانَ.
وَلَا نَدْرِي تَارِيخَ مَوْلِدِهِ، كَمَا أَنَّنَا لا نَدْرِي تَارِيخَ وَفَاتِهِ، وَلَعَلَّهُ فِي آخِرِ السَّبْعِينِيَّاتِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِي، أَيْ أَنَّ وَفَاتَهُ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي الْمُؤَفِّرِ بدليلِ اسْتِمْرَارِ النَّقَّاشِ حَوْلَ نَفْسِ الْقَضِيَّةِ بَيْنَ ابْنِهِ الْأَزْهَرِ وَبَيْنَ أَبِي الْمُؤَكِّرِ. (1/258)
صفحة 259
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
الصَّلْتُ بْنُ خَمِيسِ الخروصِيُّ
هُوَ الْعَلامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو الْمُؤَكِّرِ الصَّلْتُ بْنُ خَمِيسِ الحروصِيُّ الْبَهْلَوِيُّ.
259
وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ حِينَ تَنْصِيبِ وَمُبَايَعَةِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكِ.
قَالَ أَبُو الْمُؤَكِّرِ: كُنَّا فِي الْمَشُورَةِ لَمَّا مَاتَ الْمُهَنَّا، فَوَقَعَ فِي تَوْلِي دَمُ، فَذَهَبْتُ أَغْسِلُهُ، فَرَجَعْتُ وَقَدْ بَايَعُوا الصَّلْتَ، وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ حبوب: أَيْنَ كُنْتَ؟ أَوْ مَا أَخْرَجَكَ مِنَ النَّاسِ؟ فَقُلْتُ: وَقَعَ فِي تَوْبِي دَمُ فَذَهَبْتُ
أَغْسِلُهُ. فَاسْتَتَابَني.
مِنْ أَهَمَّ شُيُوخِهِ الْعَلَامَةُ الْكَبِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبُوبٍ، وَكَانَ أَبُو الْمُؤَثْرِ يَمْتَازُ بِجُرْأَتِهِ فِي إِبْدَاءِ رَأْيِهِ وَاعْتِرَاضَاتِهِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَعَلَّ أَهَنَّهَا ذَلِكُمُ الاعْتِرَاضُ عَلَى إِعْلَانِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُهَنَّا بْنِ جَيْفَرٍ، مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَفِي مُقَدَّمَتِهِمْ شَيْخُهُ الْعَلَامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبُوبِ، فَقَدْ أَقَامَ الْحَجَّةَ عَلَيْهِمْ، وَأَمْسَكُوا عَنْ إِعْلَانِ الْبَرَاءَةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَبْعَثَ إِعْلَانِ الْبَرَاءَةِ الشَّدَّةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْإِمَامُ الْمُهَنَّا بُنُ جيفر فِي إِدَارَةِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ وَمُعَالَجَةِ الْأُمُورِ، وَكَذَلِكَ إِفْتَاؤُهُ بِحَرْقِ بُيُوتِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ غَزَوْا عُمَانَ آخِرَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهَجْرِي وَبِدَايَةَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ
الهجري. (1/259)
صفحة 260
260
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَكَانَ أَبُو الْمُؤَفِّرِ أَعْمَى، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَرْجِعُ إِلَيْهِمُ الْأَمْرُ فِي عُمَانَ كَمَا قَالَتِ الْعِبَارَةُ الْمَشْهُورَةُ: رَجَعَتْ عُمَانُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ إِلَى أَصَمَّ وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ، فَالْأَعْمَى هُوَ أَبُو الْمُؤَكِّرِ.
لَا نَدْرِي تَارِيخَ مَوْلِدِهِ، كَمَا أَنَّنَا أَيْضًا لَا نَدْرِي تَارِيخَ وَفَاتِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ، فَهُنَاكَ مَنْ يُحَدِّدُ تَارِيخَ وَفَاتِهِ بِأَنَّهُ سَنَةَ 278 ه، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّدُهُ بِأَنَّهُ سَنَةَ
288 هـ
وَفِي رَأْيِي: إِنَّ الْحَيَاةَ امْتَدَّتْ بِأَبِي الْمُؤَفِّرِ إِلَى بِدَايَةِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ أَوْ عَلَى الْأَقَلَّ إِلَى نِهَايَةِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيَّ، بِدَلِيلِ إِفْتَائِهِ بِحَرْقٍ بُيُوتِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ وَصَلُوا عُمَانَ غُزَاةٌ مُحْتَلّينَ، وَبَنَوْا لَهُمْ بُيُوتًا فِيهَا، وَلَعَلَّهَا مُعَسْكَرُهُمْ.
وَمِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ:
- الْأَحْدَاثُ وَالصَّفَاتُ.
- الْبَيَانُ وَالْبُرْهَانُ.
- قَصِيدَةُ لَامِيَّةُ طَوِيلَةُ فِي الْعَقِيدَةِ، أَوْرَدَ أَبْيَاتًا عَدِيدَةٌ مِنْهَا صَاحِبُ كِتَابِ
"بيان الشرع".
- لَهُ أَقْوَالُ وَآرَاءُ فِقْهِيَّةٌ كَثِيرَةٌ مَثْبُوتَةُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ. (1/260)
صفحة 261
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَوَارِي الْقُرِّيُّ
261
هُوَ الْعَالِمُ الْمُبَرَزُ أَبُو الْحَوَارِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَوَارِيِّ الْقُرِّيُّ نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةِ قُرَّةَ
مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ
وُلِدَ فِي بَلْدَةِ تَنُوفَ عَلَى سَفْحِ الْجَبَلِ الْأَخْضَرِ، الْقَرِيبَةِ مِنْ نَزْوَى، وَكَانَ أَبُو الخوَارِيِّ أَعْمَى، وَرُبَّمَا أَنَّ عَمَاهُ كَانَ تَدْرِيحِيًّا، بِدَليلٍ أَنَّ أَبَا جَابِرٍ مُحَمَّدَ بْن جَعْفَرِ الْأَزْكَرِيَّ أَرَادَ تَحْلِيفَهُ، وَعِنْدَمَا تَحَقَّقَ مِنْ عَلَى عَيْنَيْهِ أَسْقَطَ عَنْهُ
اليمين.
سَكَنَ نَزْوَى، وَعَاشَ فِيهَا حَيْثُ تَلَقَّى الْعِلْمَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، وهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْمُؤَفِّرِ الصَّلْتُ بْنُ خَمِيسِ وَنَبْهَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَكْثَرَ مُلَازَمَةٌ لِأَبِي الْمُؤَثَرِ، وَأَكْثَرَ مَا حَمَلَ عَنْهُ مِنْ
عِلْمٍ.
أَدْرَكَ أَحْدَاثَ عَزْلِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ أَوِ اعْتِزَالِهِ، وَعَلِمَ الْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي
جَرَتْ بَيْنَ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، وَكَانَ رَأْيُهُ الْوُقُوفَ.
وَشَهِدَ انْتِهَاءَ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى عَهْدِ الْإِمَامِ عَزَّانَ بْنِ تَمِيمِ الْخُرُوصِيَّ
سنة 280 ه، نَتِيجَةَ غَزْوِ الْجُيْشِ الْعَبَّاسِي لِعُمَانَ بِقِيَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بُورٍ
5280 (1/261)
صفحة 262
262
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَلِكَوْنِ أَبِي الْحَوَارِيّ مُعَارِضًا لِلاحْتِلَالِ الْعَبَّاسِيِّ لِعُمَانَ، فَقَدْ أَرْسَلَ «بَيْحَرَةُ الْعَامِلَ الْعَبَّاسِيَّ عَلَى نَزْوَى جُنْدِيًّا لِقَتْلِهِ، بَيْنَمَا كَانَ أَبُو الْحَوَارِيِّ
جَالِسًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الشَّجِيَّ فِي نَزْوَى. لكِنَّ بَجَرَةَ دَاخَلَهُ الرُّعْبُ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ الْجَنَدِي، فَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْجَنَدِي يَأْمُرُهُ بِالْكَفَّ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْحَوَارِيِّ.
قَالَ فِيهِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّزْوِيُّ: صَحِبْتُهُ سَنَتَيْنِ لَمْ أَعْلَمْ مِنْهُ
هَفْوَةٌ.
وَقَدْ تَرَكَ أَبُو الْحَوَارِيَّ ثَرْوَةٌ فِقْهِيَّةٌ كَبِيرَةُ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كِتَابُ جَامِعِ أَبِي الحَوَارِي، كَمَا أَنَّ أَقْوَالَهُ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْفِقْهِ مَبْثُوثَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّةِ.
وَلَهُ كِتَابُ الدَّرَايَة وَكَنْزِ الْعِنَايَةِ عَلَى تَفْسِيرِ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، وَكِتَابُ "تَفْسِير خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ لِمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيِّ، وَلَهُ أَيْضًا الزَّيَادَةُ عَلَى جَامِعِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَلَهُ رَسَائِلُ وَمُنَاقَشَاتٌ.
أَمَّا وَفَاتُهُ فَلَمْ نَدْرِهَا، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ فِي بِدَايَةِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ. (1/262)
صفحة 263
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّحِيلِيُّ
263
هُوَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ
الْقُرَشِيُّ.
ولد في صُحَارٍ حَيْثُ كَانَ يَعِيشُ آبَاؤُهُ مُنْذُ جَدِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوب. تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَمِّهِ بَشِيرٍ وَأَبِي مَالِكٍ غَسَّانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الخضرِ الصلاتي الصُّحَارِي.
جَمَعَ بَيْنَ إِمَامَتَيِ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، فَقَدْ كَانَ عَالِمًا بَارِعًا، نَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ وَزَمِيلُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بَرَكَةَ مَسَائِلَ فِقْهِيَّةٌ فِي كِتَابِهِ التَّعَارُف"، بَلْ كَانَ أَعْلَمَ معاصِرِيهِ، بُويعَ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 320 هـ
وَكَانَ مِنَ الْعَاقِدِينَ عَلَيْهِ الْحَوَارِيُّ بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
الْمُؤَكِّرِ
قَاتَلَ عَامِلَ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ عَلَى عُمَانَ يُوسُفَ بْنِ وَجِيهِ، حَتَّى اسْتَوْلَى مِنْهُ عَلَى مَنَاطِقَ مِنْ عُمَانَ الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ نُفُوذَ يُوسُفَ بْنِ وَجِيهِ مُنْحَصِرًا عَلَى مَنَاطِقَ أُخْرَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْطَقَةَ الْبَاطِنَةِ وَقَصَبَتَهَا صُحَارٍ بَقِيَتْ تَحْتَ نُفُوذِ يُوسُفَ بْنِ وَجِيهِ بِاسْمِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ. (1/263)
صفحة 264
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
264
وَجَّهَ خِطَابًا إِلَى يُوسُفَ بْنِ وَجِيهِ جَاءَ فِيهِ: وَحَارَبْنَاكَ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِ الْبَغْيِ، حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا، أَوْ تَفْنَى أَرْوَاحُنَا أَوْ رُوحُكَ عَلَى إِحْيَاءِ الْحَقِّ وَإِمَاتَةِ الْبَاطِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلَا نَسْتَحِلُّ مِنْكَ مَالًا، وَلَا نَسْي لَكَ عِيَالًا، وَلَا نَنْسِفُ لَكَ دَارًا، وَلَا نَعْقِرُ لَكَ نَخْلًا، وَلَا نَعْصُدُ لَكَ شَجَرًا، وَلَا نَسْتَحِلُّ مِنْكَ حَرَامًا.
نَعِمَتْ عُمَانُ فِي عَهْدِهِ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَقَالَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُؤَكِّرِ: لَا نَعْلَمُ فِي أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ بِعُمَانَ أَفْضَلَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُلَنْدَى بْنَ مَسْعُودٍ.
اسْتُشْهِدَ في مَعْرَكَةٍ بِبَلْدَةٍ "منافي" الْقَرِيبَةِ مِنْ مَدِينَةِ الرُّسْتَاقِ سَنَةَ
328 ه، وَهُنَاكَ قَبْرُهُ. (1/264)
صفحة 265
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
أَبُو سَعِيدٍ الْكدمي
هُوَ الْعَلَامَةُ الْأَنْخَمُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ النَّاعِيُّ الْكَدْبِيُّ، نِسْبَةٌ إِلَى قبيلة النعبِ مِنْ قُضَاعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرَ، وَالْكَدِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى مِنْطَقَةِ كدم، حيْثُ وُلِدَ فِي قَرْيَةِ الْعَارِضِ مِنْهَا.
تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ عَدَدٍ مِنْ مَشَايِخِ عَصْرِهِ، مِنْهُمْ أَبُو الْحَوَارِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ
الْخَوَارِيِّ الْقُرَّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَوْحِ بْنِ عَرَبِيَّ الْكِنْدِيُّ النَّزْوِيُّ.
عَيَّنَهُ الْإِمَامُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسْئُولًا عَلَى السِّجْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مِنَ الشَّبَابِ، كَمَا أَنَّهُ عَاصَرَ الْإِمَامَ رَاشِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي انْتَهَتْ دَوْلَتُهُ
سنة 342 هـ
صَارَ أَبُو سَعِيدٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، وَمَلَأَ الدُّنْيَا عِلْمًا، وَصَارَ هُوَ الْمَرْجِعَ وَالْمُوَجِّهَ فِي دَوْلَةِ الْإِمَامِ حَفْصِ بْنِ رَاشِدِ الْيَحْمِدِيِّ الَّذِي كَانَتْ إِمَامَتُهُ فِي خَمْسِينَاتِ وَسِتِّينَاتِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَهُوَ مَيَّالُ إِلَى التَّوْسِعَةِ
في فَتَاوَاهُ.
وَنَظَرًا إِلَى الْمُنَاقَشَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي جَرَتْ فِي عَهْدِهِ حَوْلَ قَضِيَّةِ عَزْلِ أَوِ اعْتِزالِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَ رَأْيُهُ الْوُقُوفَ وَإِبْقَاءَ مَنْ كَانَتْ لَهُ
وَلَايَةُ عَلَى وَلَايَتِهِ، مُعْتَبِرًا الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَة دَعَاوَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. (1/265)
صفحة 266
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَمِنْ تِلْكَ الْمُنَاقَشَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ وَالْمَوَاقِفِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا نَشْأَتِ الْفِرْقَتَانِ النَّزْوَانِيَّةُ وَالرُّسْتَاقِيَّةُ اللَّتَانِ سَمَّيْتُهُمَا الْمَدْرَسَتَيْنِ: النَّزْوَانِيَّةَ وَالرُّسْتَاقِيَّة.
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ هُوَ عَمِيدَ الْفِرْقَةِ (الْمَدْرَسَةِ النَّزْوَانِيَّةِ، لَقَبَهُ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي أُرْجُوزَتِهِ أَنْوَارِ الْعُقُولِ بِإِمَامِ الْمَذْهَبِ. حيث قال: حَمَلَتهُ عَلَى سَبِيلِ الْأَدَبِ كَمَثَلِ مَا اخْتَارَ إِمَامُ الْمَذْهَبِ
لَمْ يُعْرَفُ تَارِيخُ وَفَاتِهِ، وَلَعَلَّهُ مُنْتَصَفُ السِّنِّينِيَّاتِ مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ
الْهِجْرِي.
مُؤَلَّفَاتُهُ:
- الاسْتِقَامَةُ، ناقش فِيهِ الْوَلَايَةَ وَالْبَرَاءَةَ مُسْقِطًا إِيَّاهُمَا عَلَى أَحْدَاثِ اعْتِزَالِ أَوْ عَزْلِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكٍ، وَيُعْتَبَرُ بِهَذَا الْعَمَلِ أَوَّلَ مَنْ وَسَّعَ: تأْصِيلًا وَتَفْرِيعًا عِلْمَيِ الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ
- الْمُعْتَبَرُ، وَقَدِ اعْتَبَرَ فِيهِ جَامِعَ ابْنِ جَعْفَرٍ، أَيْ نَهَجَ فِيهِ نَهْجَ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ مُتَّخِذَا مِنَ الْجِسَامِعِ كَالْأَصْلِ لَهُ، وَكَانَ فِي سَبْعَةِ مُجَلَّدَاتٍ لَمْ يَبْقَ
مِنْهُ إِلَّا مُجَلَّدَانِ. (1/266)
صفحة 267
م أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
- زِيَادَاتُ الْأَشْرَافِ، وَهِيَ تَعْلِيقَاتُ وَتَخْرِيجَاتٌ عَلَى كِتَابِ الْأَشْرَافِ لِابْنِ الْمُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيِّ الشَّافِعِيِّ.
- التاريخيَّاتُ كِتَابٌ فِي التَّارِيخ لَمْ يَصِلُ إِلَيْنَا، وَلَعَلَّ تَارِيخَ إِمَامَةِ رَاشِدِ بْنِ
الْوَلِيدِ شَيْءٌ مِنْهُ.
- تَرَكَ ثَرْوَةٌ فِقْهِيَّةٌ هَائِلَةٌ، جَمَعَهَا الشَّيْخُ سَرْحَانُ الْأَزْكَوِيُّ فِي كِتَابٍ جَامِعِ سَمَّاهُ "الجامِعُ الْمُفِيدُ مِنْ أَجْوِبَةِ أَبِي سَعِيدٍ". (1/267)
صفحة 268
أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بَرَكَةَ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ إِمَامُ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْصِيلِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن بَرَكَةَ السَّلِيمِيُّ الْبَهْلَوِيُّ، نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي سَلِيمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ فهم ا الْأَزْدِيَّةِ. في بَحْيِي عَنْهُ لِلْمُنتَدَى الْأَدَبِيَّ تَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ مِنْ صُحَارٍ، حَيْثُ كَانَتْ قَبِيلَتُهُ بَنُو سَلِيمَةً مِنْ سُكَانِ صُحَارٍ وَمَا حَوْلَهَا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَعَلَّهُ انْتَقَلَ إِلَى بَهْلَا فِي عَهْدِ إِمَامَةِ شَيْخِهِ الْإِمَامِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّحِيلِي، وَاتَّخَذَ بَهْلًا سَكَنَا لَهُ فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
حَمَلَ عِلْمَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ غَسَّانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّظِرِ الصَّلَاتِيِّ الصُّحَارِيِّ، وَعَنِ الْإِمَامِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّحِيلِي، وَلَعَلَّهُ أَدْرَكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ تَحْبُوبِ الرَّحِيلِي وَالِدَ الْإِمَامِ سَعِيدٍ، أَيْ أَنَّه دَرَسَ فِي صُحار.
كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى دَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْغِنَى، وَقَدْ سَخَّرَ غِنَاهُ لِخِدْمَةِ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ إِيوَاءِ الطَّلَبَةِ إِسْكَانًا وَإِعَاشَةً وَتَعْلِيمًا، وَقَدْ وَقَدَ إِلَيْهِ طُلَّابُ الْعِلْمِ مِنَ الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ، ذَكَرَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ أَنَّهُمْ ثَمَانُونَ مَغَارِبِيَّا، وَلِذَلِكَ يَعْتَبِرُهُ الْمَغَارِبَةُ إِمَامَهُمْ. (1/268)
صفحة 269
PA
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
تَطَوَّرَ فِي زَمَانِهِ وَأَبِي سَعِيدٍ النَّقَاشُ حَوْلَ عَزْلِ وَاعْتِزَالِ الْإِمَامِ الصَّلْتِ بْنِ مَالِكٍ، فَكَانَ مَوْقِفُهُ مُؤَيَّدًا لِلْإِمَامِ الصَّلْتِ وَمُعْتَرِضًا عَلَى مُوسَى وَرَاشِدٍ، مُظْهِرًا وِلَايَةَ الْإِمَامِ الصَّلْتِ، وَالْبَرَاءَةَ مِنْ مُوسَى وَرَاشِدٍ.
وَقَدِ اعْتُبِرَ بِذَلِكَ الْمَوْقِفِ عَمِيدًا لِلْفِرْقَةِ (الْمَدْرَسَةِ) الرُّسْتَاقِيَّةِ، مَلَأَ الدُّنْيَا عِلْمًا بِأَقْوَالِهِ وَتَأْصِيلَاتِهِ وَاسْتِدْلَالَاتِهِ.
مُؤلَّفَاتُهُ:
- كِتَابُ "الجامِعِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ يُعْتَبَرُ أَوَّلَ مَنْ أَلَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ، وَكِتَابُ الْجَامِعِ، هُوَ مُعْجِزَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْكُبْرَى، وَاعْتَبَرَهُ سَفِيرَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى، حَيْثُ إِنَّهُ فِي مُقَدِّمَةِ إِهْدَاآتِنَا الْفِقْهِيَّةِ إِلَى غَيْرِ الْإِبَاضِيَّةِ، وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُمْ إِلَّا الثَّنَاءَ وَالْإِشَادَةَ بِالْكِتَابِ.
- كِتَابُ التَّعَارُفِ، وَهُوَ فِي الْإِدْلَالِ وَالتَّعَارُفِ.
- شَرْحُ جَامِعِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الطَّهَارَاتِ.
- لَهُ كُتُبُ أُخْرَى.
وَعَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّهُ فَلَا يُوجَدُ كِتَابٌ مِنْ كُتب الْمَذْهَبِ شَرْقًا وَغَرْبًا يَخْلُو مِنَ
النَّقْلِ عَنْهُ. (1/269)
صفحة 270
#
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَفِي رَأْيِي إِنَّ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هُمَا بِمَثَابَةِ الْمُذَكَّرَةِ التَّوْضِيحِيَّةِ لِلْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّ.
لَّمْ نَعْتُرْ عَلَى تَارِيخ وَفَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا يَبْدُو كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ مُعَاصِرِهِ أَبِي سَعِيدٍ، عَلَى عَكْسِ الرَّوَايَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ شَفَاهَا الْقَائِلَةِ بِوَفَاةِ أَبِي سَعِيدٍ قَبْلَهُ، وَذَهَابِ ابْنِ بَرَكَةَ لِلتَّعْزِيَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَثْنَاءَ إِمَامَةِ حَفْصِ بْنِ رَاشِدٍ بَعْدَ تَوْرَتِهِ عَلَى الْمُطَهِّرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبُوَيْهِيَ سَنَةَ 363ھ، كَانَ النَّقَاشُ حَوْلَ بَعْضِ الْقَضَايَا مِنْ تِلْمِيذِهِ أَبِي الْحَسَنِ البسيوي وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي مُحَمَّدٍ ذِكْرُ هُنَالِكَ. (1/270)
صفحة 271
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
يغُلَا بْنُ زِلْتَافَ
هُوَ الْعَلامَةُ الْمُتَكَلِّمُ الْبَارِعُ أَبُو خَيْرٍ يغُلَا بْنُ زِلْتَافَ الْوِسَيَانِيُّ.
وَهُوَ مِنْ بَلْدَةِ الْحَامةِ بقسْطِيلِيَّةَ بِالحَرِيدِ التونسي.
271
تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ رَرْقُونَ، وَسَحْنُونِ بْنِ أَيُّوبَ. تَصَدَّرَ لِلتَّدْرِيسِ هُوَ وَزَمِيلُهُ أَبُو الْقَاسِمِ يَزِيدُ بْنُ مخلدٍ الْيَهرَاسي. بَرَعَ أَبُو خَرْرٍ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بَرَاعَةٌ بَالِغَةٌ حَتَّى كَادَ أَنْ قَلَّ مَنْ يُنَاظِرُهُ. كَانَ عَلَى عَلَاقَةٍ طَيِّبَةٍ هُوَ وَزَمِيلُهُ أَبُو الْقَاسِمِ مَعَ الْمُعِزّ الْفَاطِمِيِّ، حَتَّى غَدَرَ الْمُعِزُّ بِأَبِي الْقَاسِمِ وَدَبَّرَ قَتْلَهُ، وَهُنَاكَ ثَارَ أَبُو خَيْرٍ عَلَى الْمُعِزُ الْفَاطِيِّ سَنَةَ 358 هـ وائجة إِلَى حِصَارٍ مَدِينَةِ بِاغَاي، لَكِنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْهَزِيمَةِ، فَقُتِلَ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا سيما ظلبَةَ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَسْبَابَ هَزِيمَتِهِ فِي بَحْثٍ لِي قَدَّمْتُهُ فِي مُؤْتَمَرِ السَّيَرِ
الْإِبَاضِيَّةِ فِي تُونسَ الَّذِي كَانَ عَنْ كِتَابِ السِّيرِ لِلسَّمَاخِي.
عَلَى أَنَّ ثَوْرَةَ أَبِي خَرْزِ تِلْكَ هِيَ التَّوْرَةُ الْوَحِيدَةُ وَالْأَخِيرَةُ لِلْإِبَاضِيَّةِ بَعْدَ سُقُوطِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الرُّسْتُمِيَّة.
وَبَعْدَهَا لَمْ يُحَاوِلِ الْإِبَاضِيَّةُ الْقِيَامَ بِأَيِّ ثَوْرَةٍ، وَاسْتَكَانُوا لِوَاقِعِهِمْ، وَصَارُوا
يُتَخَطَّفُونَ مِنْ قِبَلِ مُخَالِفِيهِمْ قَتْلًا وَسَجْنًا وَتَضْيِيقًا مَذْهَبِيًّا. (1/271)
صفحة 272
www
272
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَقَدِ اخْتَفَى أَبُو خَيْرٍ عَنْ أَنْظَارِ الْمُعِزّ الْفَاطِي بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ عَفَى عَنْهُ الْمُعِزُ، وَعَادَتْ لَهُ مَكَانَتُهُ عِنْدَهُ، لَكِنَّهَا مَعَ حَذَرٍ وَتَرَقُبٍ، وَعِنْدَمَا انْتَقَلَ الْمُعِزُّ إِلَى الْقَاهِرَةِ سَنَةَ 362 هـ أَخَذَ مَعَهُ أَبَا خَيْرٍ، وَأَحَلَّهُ الْمَكَانَةَ اللَّائِقَةَ بِهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُهُ
الخليفَةُ نِزار
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الْقَاهِرَةِ سَنَةً 380 هـ
وَمِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ:
كِتَابُ الرَّدَّ عَلَى جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ. (1/272)
صفحة 273
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الْفرسطائي
273
هُوَ الْعَالِمُ الْوَرِعُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ السَّخِيُّ الشُّجَاعُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بَكْرِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الْفرسطَائِيُّ، مِنْ فُرسطَاءَ بِجَبَلِ نفُوسَةً، وُلِدَ سَنَةَ
345 هـ.
كَانَ مُصْلِحًا دِينِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا كَبِيرًا، إِلَى كَوْنِهِ بَحْرًا مِنْ بِجُورِ الْعِلْمِ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبي صالح سَعِيدِ بْنِ زَنْغِيلَ فِي بَلْدَةِ الحامةِ بِالحريدِ
التونسِي، وَعَنْ أَبِي زَكَرِيَّا فُضَيْلِ بْنِ مِسْوَرٍ بِحِرْبَةَ.
قَامَ بِتَأْسِيسِ نِظَامِ (حَلْقَةِ) الْعِرَابَةِ، وَهُوَ نِظَامُ دِينِيُّ اجْتِمَاعِيُّ، وَلَا يَزَالُ هَذَا النَّظَامُ مَوْجُودًا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي وِلَايَةِ عَرْدَايَةَ بِالْجَزَائِرِ، وَقَدِ اخْتَفَى مِنْ بَقِيَّةِ الْمَوَاطِنِ الْإِبَاضِيَّةِ فِي الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ.
اعْتَمَدَ فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْإِصْلَاحِ عَلَى التَّنْقُلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ مَعَ طَلَبَتِهِ لِيَخْلُقَ فِيهِمُ الاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ مَعَ السُّلُوكِ الْقَوِيمِ. وَيُقَالُ: إِنَّ تَأْسِيسَهُ لِنِظَامِ الْعَرَابَةِ كَانَ مِنْ تَوْجِيهِ شَيْخِهِ أَبِي زَكَرِيَّا فُضَيْلِ
بْنِ أَبِي مِسْوَرٍ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَبْقَرِيَّةٍ تَخْطِيطِيَّةٍ إِدَارِيَّةٍ رَاقِيَةٍ (1/273)
صفحة 274
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَنَظَرًا إِلَى إِثْقَانِهِ لِلْعَمَلِ الدَّعَوِيِّ الْقَائِمِ عَلَى الْعِلْمِ الْوَاسِعِ، تَمَكَّنَ بِفَضْلِ اللَّهِ مِنْ تَحْوِيلِ أَهَالِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ إِلَى الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ. انْتَقَلَ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ سَنَةَ 440 ه، وَدُفِنَ فِي مِنْطَقَةِ أَجْلُو بِالْجَزَائِرِ. (1/274)
صفحة 275
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَيْسِ الْحَضْرَمِيُّ
هُوَ الْإِمَامُ الْعَلَامَةُ رَبُّ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ الْمُجَاهِدُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَيْسِ بنِ سُلَيْمَانَ الْهَمْدَانِيُّ الْحَضْرَيُّ الْيَمَنِيُّ.
كَانَ ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ فِي الْإِصْلَاحِ وَالْجِهَادِ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
عَلَقَ الْفُؤَادُ بِأَنْ أَكُونَ أَنَا الَّذِي نَشَرَ الْهُدَى بِأَسِنَّةٍ وَرِمَاجٍ
جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَإِمَامَةِ الْحُكْمِ، فَهُوَ إِمَامُ فِي الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهِ الْعَالِمِ الْجَلِيلِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمَانَ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ أَقْوَالًا فِقْهِيَّةٌ كَثِيرَةً فِي كِتَابِهِ "مُختَصَرُ الْخِصَالِ".
كَانَ يَزُورُ عُمَانَ كَثِيرًا لِلْجُلُوسِ عِنْدَ عُلَمَائِهَا، وَلِطَلَبِ النَّجْدَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ مِنْ أَيْمَتِهَا، بِهَدَفِ تَوْطِيدِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى نَوَاحِي حَضْرَمَوْتَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَقَالِيمِ الْيَمَنِ.
وَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامَانِ الْعُمَانِيَّانِ رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْخَلِيلُ بْنُ شَاذَانَ اللَّذَانِ أَثْنَى عَلَيْهِمَا فِي شِعْرِهِ. (1/275)
صفحة 276
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَاسْتَطَاعَ بِفَضْلِ الدَّعْمِ الْمَالِيّ وَالدَّعْمِ الْعَسْكَرِيَّ تَوْطِيدَ حُكْمِهِ هُنَالِكَ، مُتَغَلِّبًا عَلَى أَحْمَدَ بْن مُحَمَّدٍ الصليحي دَاعِيَةِ الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ بِمِصْرَ وَحَامِلِ الدَّعْوَةِ
الْفَاطِمِيَّة.
وَلَمْ يَبْقَ لِي إِلَّا الصليحي قَائِمًا هَا هُوَ هَذَا أَمْرُهُ غَيْرُ قَائِمٍ
عَاشَ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِيّ، مُعَاصِرًا لِلإِمَامَيْنِ الْعُمَانِيَّيْنِ رَاشِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَالخَلِيلِ بْنِ شَاذَانَ.
وَقَدْ بَدَأَتْ إِمَامَةُ الْإِمَامِ رَاشِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى الصَّحِيحِ سَنَةَ 442 ه، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ لِتَبْدَأَ بَعْدَهَا إِمَامَةُ الْإِمَامِ الْخَلِيلِ بْنِ شَاذَانَ، وَهَذَا التَّارِيخُ هُوَ الصَّحِيحُ
445ھ،
كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِنَا الْوَسِيطُ فِي التَّارِيخِ الْعُمَانِيِّ".
وَقَالَ الْحَضْرَيُّ مُؤَرِّخًا ظُهُورَ أَمْرِهِ فِي حَضْرَمَوْتَ:
بِحَوْلٍ إِلهِي لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي وَتَوْفِيقِهِ أَظْهَرْتُ بِالْعَيْنِ دَعْوَتِي فَفِي شَهْرٍ شَوَّالٍ وَفِي عَامٍ أَرْبَعِ وَخَمْسِينَ تَقْفُو أَرْبَعًا مِنْ هُنَيْدَةِ
أَي في سَنَةِ 454 ه، وَالْهُنَيْدَةُ مِنَ الْمِائَةِ.
مُؤَلَّفَاتُهُ:
- كِتَابُ مُخْتَصَرِ الخِصَالِ، مِنْ أَرْوَعِ مَا أُلْفَ فِي الْفِقْهِ بِأُسْلُوبٍ مُبْتَكَرٍ (1/276)
صفحة 277
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
- دِيوَانُ شِعْر " السَّيْفُ النَّقَادِ" في شِعْرِ الْحَمَاسَةِ، وَالْأَبْيَاتُ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا
نَقَلْنَاهَا مِنْهُ.
يُقَالُ إِنَّه تُوُفِّيَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، حَيْثُ ذَهَبَ غَازِيًا رَحِمَهُ اللَّهُ. (1/277)
صفحة 278
سَلَمَةُ بْنُ مُسْلِمِ الْعَوْتَيُّ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الْعَلامَةُ الْمَوْسُوعِيُّ أَبُو الْمُنْذِرِ سَلَمَةُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَوْتَيُّ الصُّحَارِيُّ، وَيُكْنَى أَيْضًا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، مِنْ مِنْطَقَةِ عَوْتَبٍ بِصُحَارٍ.
دَرَسَ فِي نَزْوَى عَلَى يَدِ أَبِي عَلِيَّ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قُرَيْشٍ، عَاشَ الْعَوْتَبِيُّ فِي
الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِي، وَلَعَلَّهُ أَدْرَكَ شَيْئًا مِنَ الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِيَّ. كَانَ عَلَّامَةً مَوْسُوعِيًّا جَامِعًا لِعَدَدٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَأَلَّفَ فِي فُنُونٍ عِدَّةٍ، في الْعَقِيدَةِ وَالْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَفِي اللُّغَةِ وَفِي الْأَنْسَابِ وَالتَّارِيخِ وَفِي الْأَدَبِ وَالْخَطَابَةِ.
مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ
- الضّياءُ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَهُوَ مَوْسُوعَةُ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْفِقْهِ وَأُصُولِهِ. - الْإِبَانَةُ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ.
الْأَنْسَابُ، وَرُبَّمَا شَكَكَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ فِي نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ مُعْتَبِرًا أَنَّ الْكِتَابَ أُلّفَ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالْكِتَابُ تَمَّ تَأْلِيفُهُ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ إِسْحَاقَ السُّلَبِيِّ المنقالِيَّ، وَهُوَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
عَلَى تَوْبَةِ الْإِمَامِ رَاشِدِ بْنِ عَلى سَنَةَ 472 هـ
وَلَهُ مُؤَلَّفَاتٌ أُخْرَى وَرَسَائِلُ، رَحِمَهُ اللهُ. (1/278)
صفحة 279
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ
279
هُوَ الْعَالِمُ الْكَبِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِنْدِيُّ النزوِيُّ، مِنْ أَشْهَرِ الْعُلَمَاءِ الْعُمَانِيِّينَ، وَمِنْ أَشْهَرِ الْمُؤَلِّفِينَ الْعُمَانِيِّينَ.
عَاشَ في نَزْوَى فِي الْقَرْنِ الحَامِسِ وَشَيْءٍ مِنَ الْقَرْنِ السَّادِسِ لِلْهَجْرَةِ.
حَمَلَ الْعِلْمَ عَنِ الْقَاضِي أَبِي عَلِيَّ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْعَقرِيِّ النَّزْوِيِّ، وَأَبِي عَلِيّ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قُرَيْشِ النَّرْوِي.
اجْتَهَدَ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ بِالتَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ، وَمِنْ أَشْهَرِ تَلَامِيذِهِ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْكِنْدِي صَاحِبُ كِتَابِ الْمُصَنَّف، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْكِنْدِي صَاحِبُ كِتَابِ الْكِفَايَةِ".
مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ:
- بَيَانُ الشَّرْع في أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ
الْعُمَانِيَّةِ.
- النَّعْمَةُ أُرْجُورَةٌ فِي الْفِقْهِ.
- قَصِيدَةُ الْعَبِيرِيَّة فِي الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ بِالْآخِرَةِ.
توُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 508 هـ (1/279)
صفحة 280
280
المدخل إلى المذهب الإباضي
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ
هُوَ الْعَلَامَةُ وَاسِعُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى
الْكِنْدِيُّ النزوي.
دَرَسَ عَلَى يَدَّ ابْنِ عَمِّهِ الْعَلَامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيَّ وَعَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ
بن صالح النزوي.
قَامَ بِإِحْيَاءِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ، كَانَ فِي مُقَدِّمَةِ الَّذِينَ نَصَبُوا وَبَايَعُوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي
غَسَّانَ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 557 هـ
تَرَكَ أَبُو بَكْرِ الْكِنْدِيُّ مُؤَلَّفَاتٍ عَدِيدَةٌ:
الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ مُصَنَّفَاتِهِ، بَلْ مِنْ أَهَمِّ مُصَنَّفَاتِ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ
الْفِقْهِيَّةِ، وَهُوَ فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا.
- الاهْتِدَاءُ فِي افْتِرَاقِ أَهْلِ عُمَانَ إِلَى نَزْوَانِيَّةٍ وَرُسْتَاقِيَّةٍ.
- التَّخْصِيصُ فِي الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ.
- التَّسْهِيلُ فِي عِلْمِ الْمِيرَاثِ.
الْجَوْهَرُ الْمُقْتَصِرُ فِي الْفَلْسَفَةِ.
- التَّيْسِيرُ في النَّحْو. (1/280)
صفحة 281
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
- التَّقْرِيبُ فِي اللُّغَةِ.
- سِيرَةُ الْبَرَرَةِ
- الأخيرة.
281
- سِيرَةُ (رِسَالَةُ) فِي الرَّدَّ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
- تَرْتِيبُهُ لِكِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الَّذِي أَطْلَقَ عَلَيْهِ هَذَا الاسْمَ. تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 557 ه بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ نَصْبِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
غَسَّانَ. (1/281)
صفحة 282
#
المدخل إلى المذهب الإباضي
يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَارِجِلَانِيُّ
هُوَ الْعَلامَةُ الْمَوْسُوعَةُ الْكَبِيرُ عَلَامَةُ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ
إبْرَاهِيمَ بْنِ هنادٍ الوَارَجُلَانِيُّ.
وُلِدَ في سدراته بوارجلَانَ سَنَةً 500 هـ
تَلَقَّى الْعِلْمَ عَلَى عُلَمَاءِ بَلَدِهِ، مِنْهُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ أَيُّوبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الَّذِي رَئَاهُ فِي قَصِيدَةٍ شِعْرِيَّةٍ، وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا.
ثُمَّ شَدَّ الرِّحَالَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَنَزَلَ قُرْطُبَةَ، وَأَقَامَ سِنِينَ عِدَّةً، اسْتَزَادَ مِنْ عِلْمٍ عُلَمَائِهَا فِي مُخْتَلِفِ الْفُنُونِ، عَادَ بَعْدَهَا إِلَى سَدْرَاتَه بِوَارْجِلَانَ.
ثُمَّ ذَهَبَ فِي رِحْلَةٍ تِجَارِيَّةٍ اسْتِكْشَافِيَّةٍ إِلَى جَنُوبِ الْقَارَةِ الْأَفْرِيقِيَّةِ حَتَّى وَصَلَ قرِيبًا مِنْ خَطَّ الِاسْتِوَاءِ، فَتَبَيَّنَ لَهُ هُنَالِكَ اعْتِدَالُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَبَعْدَ عَوْدَتِهِ بِزَمَانٍ رَحَلَ إِلَى الْحِجَازِ حَاجًا، وَمُطَلِعًا عَلَى حَضَارَةِ الشَّرْقِ فِي الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ.
عُرِفَ بِعِلْمِهِ الْعَزِيرِ وَثَقَافَتِهِ الْوَاسِعَةِ حَتَّى قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ عَلَّامَةُ الْمَنْقُولِ
وَالْمَعْقُولِ.
تَرَكَ مُؤَلَّفَاتٍ عَدِيدَةٌ وَأَجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا مَوْجُودُ وَبَعْضُهَا مَفْقُودٌ، وَأَهَمُّهَا: (1/282)
صفحة 283
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
283
- تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ، وَقَدِ اطَّلَعَ الْبَرَادِيُّ عَلَى مُجَلَّدٍ مِنْهُ فِي سَبْعِمِائَةِ صَفْحَةٍ، يَشْتَمِلُ عَلَى تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ وَالْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ.
- الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ، فِي الْعَقِيدَةِ وَالْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ.
- الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
تُوُفِّيَ له سَنَةَ
DOV. (1/283)
صفحة 284
أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنُ النَّظَرِ"
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الْعَالِمُ الْبَلِيعُ الْمُبْدِعُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَضِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ مِنْ بَنِي النَّظرِ، عَالِمُ الْقُرَّاءِ، وَشَاعِرُ الْعُلَمَاءِ، وَبَنُو النَّظَرِ هُمْ مِنَ التعبِ مِنْ قُضَاعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرٍ، وَهَذَا هُوَ شَهِيرُ النَّسَبِ فِي حَقٌّ بَنِي النَّظِرِ. وَبَنُو النَّظرِ هُمْ عَائِلَةٌ عِلْمِيَّةٌ تَسَلْسَلَ فِيهِمُ الْعِلْمُ وَالدِّينُ، فَجَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ كَانَ قَاضِيَّا، وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَلَهُ مُؤَلَّفَاتٌ، وَجَدُّ جَدِّهِ الْخَضِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ كَانَ أَيْضًا قَاضِيّا، بَلْ عُرِفَ بِالْقَاضِي الْكَبِيرِ.
كَانَ يُكْنَى أَبَا بَكْرٍ، وَقَالَ هُوَ نَفْسُهُ عَنْ كُنْيَتِهِ فِي قَوْلِهِ:
كَذَلِكَ الْخَائِضُ أَيْضًا فَمَا فِي سُؤْرِهَا بَأْسُ أَبَا بَكْر
تَلَقَّى الْعِلْمَ عَنِ الشَّيْخِ مُبَارَكِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ ذُهْلٍ، وَالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ النَّخْلِي الَّذِي رَئَاهُ فِي قَصِيدَتِهِ الْحَائِيَّةِ فِي النَّكَاحِ بِقَوْلِهِ:
أَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ لَمَّا تَغَيَّبَتْ تَحَاسِنُهُ فِي الْأَرْضِ وَالْعَيْنُ تَسْفَحُ أَبَا عُمَرٍ مَنْ لِلْمَكَارِمِ وَالْعُلَى وَمَنْ لِذَوِي الْإِسْلَامِ يَأْوِي وَيَنْصَحُ؟ أَلَا قُدَّسَتْ أَرْضُ أَبُو عُمَرِ بِهَا وَقُدِّسَ أَهْلُوهَا جَمِيعًا وَأَفْلَحُوا عَاشَ الْعَلَامَةُ أَحْمَدُ ابْنُ النَّظرِ فِي عَصْرِ مَلَأَهُ الظُّلْمُ وَالْجُوْرُ مِنْ قِبَلِ أُمَرَاءَ كَانُوا قَدْ تَسَلَّطُوا فِي الْبِلادِ، وَتَحَكَمُوا بِجَوْرِهِمْ فِي الْعِبَادِ، كَخَرْدَلَةَ بْنِ سَمَاعَةَ بْنِ (1/284)
صفحة 285
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
تحسِنٍ أَمِيرِ سَمَائِلَ، وَأَخِيهِ جَبْرِ بْنِ سَمَاعَةَ أَمِيرِ إِزْكي، وَالْمُرْشِدِ بْنِ الْمُرْشِدِ أَمِيرِ
صُحَارٍ وَغَيْرِهِمْ.
عِلْمًا بِأَنَّ عُمَانَ آنَذَاكَ بِهَا عَدَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَفَاضِلِ، وَلَكِنْ مَعَ الْأَسَفِ كُلُّ فِي بَلَدِهِ، وَأَلْسِنَةُ الْجُوْرِ أَخْرَسَتْ أَلْسِنَةَ الْحَقِّ.
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ عَاصَرُوهُ: فَاضِلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَلْهَانِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ مَانِعِ الضَّيُّ الَّذِي كَانَ قَاضِبًا مُكْرَهَا مِنْ قِبَلِ أَمِيرِ سَمَائِلَ خَرْدَلَةَ بْنِ سَمَاعَةَ الْجَبَّارِ وَقَدِ اخْتَلِفُ فِي تَحْدِيدِ الظَّرْفِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي عَاشَ فِيهِ أَحْمَدُ ابْنُ النَّظَرِ، وَفِي رَأْيِي: إِنَّهُ عَاشَ فِي النَّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ؛ لِأَنَّ جَدَّ جَدِّهِ الْخُضِرَ بنَ سُلَيْمَانَ، ذُكِرَ أَنَّ تَارِيخَ وَفَاتِهِ كَانَ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ وَثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ هِجْرِيَّةٌ، أَوْ أَنَّهُ عَاشَ فِي آخِرِ الْقَرْنِ السَّادِسِ وَأَوَّلِ الْقَرْنِ السَّابِعِ لِلْهِجْرَةِ.
مُؤلَّفَاتُهُ:
- سلك الْجُمَانِ فِي سِيرَةِ أَهْلِ عُمَانَ.
- الْوَصِيدُ فِي ذَمِّ التَّقْلِيدِ.
- مِرْآةُ الْبَصَرِ فِي مجمعِ الْمُخْتَلِفِ مِنَ الْأَثَرِ.
- الدَّعَائِمُ، وَهُوَ الَّذِي بَقِيَ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ؛ لِأَنَّ مُؤَلَّفَاتِهِ الْأُخْرَى أُخْرِقَتْ مَعَ
مَكْتَبَتِهِ مِنْ قِبَلِ الْجَبَّارِ خَرْدَلَةَ. (1/285)
صفحة 286
m
المدخل إلى المذهب الإباضي
تُوُفِّيَ قَتِيلًا شَهِيدًا فِي سَبِيلِ مَوْقِفِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْحَقِّ عَلَى يَدِ الْجَبَّارِ خَرْدَلَةَ أَمِيرِ سمَائِلَ، حَيْثُ أَمَرَ بِالْقَائِهِ مِنْ نَافِذَةِ الْقَصْرِ أَوِ الْحِصْنِ الَّذِي كَانَ عَالِيَ الْارْتِفَاعِ لِوُجُودِهِ عَلَى مُرْتَفَعٍ جَبَلِي مِنَ الْأَرْضِ، فَسَقَطَ مَيْتًا رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. (1/286)
صفحة 287
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
عُثْمَانُ الْأَصَمُّ
هُوَ الْعَلامَةُ الْجَلِيلُ أَبُو عَبْدِ اللهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمُ العَزْرِيُّ النزويُّ، مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنَيْنِ السَّادِسِ وَالسَّابِعِ لِلْهِجْرَةِ.
وَلُقب بِالْأَصَمَّ لَيْسَ لِعَاهَةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا جَاءَتِ امْرَأَةٌ تَشْكُو عِنْدَهُ فَأَحْدَثَتْ ضُرَاطًا، فَتَصَامَمَ عَنْهَا حَتَّى لَا تَخْجَلَ مِمَّا أَحْدَثَتْ، فَلُقَّبَ بِالْأَصَمَ، وَهُوَ لَقَبُ مَدْجٍ، وَهَذِهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي دَائِمًا يَتَحَلَّى بِهَا الْعُلَمَاءُ وَالْأَيْمَةُ جَزَاهُمُ اللَّهُ
خيرا
دَرَسَ الْأَصَمُّ عَلَى يَدِ الْعَلَامَةِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ الْمُصَنَّفِ، وَعَلَى يَدِ الْعَالِمِ أَبِي الْقَاسِمِ سَعِيدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْقَرِّيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ الَّذِينَ كَانَتْ تَعجُّ بِهِمْ مَدِينَةُ نَزْوَى حَاضِرَةُ الْعِلْمِ والدين.
كَانَ يَتَوَلَّى الْأَحْكامَ الْقَضَائِيَّةَ فِي نَزْوَى، وَدَرَسَ عَلَى يَدَيْهِ عَدَدُ مِنَ التَّلَامِيذِ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ السعالي، وَوَلَدُهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّعَالِيُّ الَّذِي أَلَّفَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِمَا كِتَابَ "النور" في عِلْمِ الْعَقِيدَةِ. (1/287)
صفحة 288
لَهُ عَدَدُ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ، هِيَ:
المدخل إلى المذهب الإباضي
- كِتَابُ التَّاج، في خَمْسِينَ جُزْءًا، لَمْ يَبْقَ منه سِوَى جُزْتَيْنِ، وَهُوَ مَوْسُوعَةٌ عَقَدِيَّةٌ
وَفِقْهِيَّةٌ.
الْبَصِيرَةُ فِي جُرْتَيْنِ، يُقَالُ لِلْأَوَّلِ بَصِيرَةُ الْأَدْيَانِ، وَلِلثَّانِي بَصِيرَةُ الْأَحْكَامِ.
- النُّورُ، فِي عِلْمِ الْعَقِيدَةِ.
- كِتَابُ الْأَنْوَارِ، فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
- الْإِبَانَةُ، فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ.
تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 631 هـ (1/288)
صفحة 289
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَرْجِينِيُّ
هُوَ الْعَالِمُ الْفَقِيهُ الْمُؤَرِّخُ الشَّاعِرُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ
عَلَى بْنِ يَخْلُفَ التَّرْجِينِي.
مِنْ مِنْطَقَةِ دَرْجِين في نفظةً بِأَرْضِ الْجَرِيدِ مِنْ تُونُس، وَيَنْتَنِي إِلَى أُسْرَةِ عِلْمِيَّةٍ تَسَلْسَلَ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْفَضْلُ.
لَمْ يُحَدَّدْ تَارِيخُ مَوْلِدِهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، دَرَسَ أَوَّلًا فِي بَلَدِهِ عَلَى وَالِدِهِ، ثُمَّ شَدَّ الرَّحَالَ إِلَى وَارْجِلَانَ الزَّاخِرَةِ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَكَانَ ذَلِكَ سنة 616 ه، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي بِدَايَةِ شَبَابِهِ، وَقَدْ جَلَسَ فِي حَلْقَةِ الْعَالِمِ أَبِي سَهْلٍ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَدْ قَضَى هُنَالِكَ أَعْوَامًا عَدِيدَةٌ.
وَبَعْدَ أَنْ تَزَوَّدَ بِالْعِلْمِ عَادَ إِلَى وَطَنِهِ نفطَةَ (درْجِينَ).
وَنَظَرًا لِأَدَبِيَّتِهِ وَعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْمَذْهَبِ طَلَبَ مِنْهُ الْمَشَايِخُ أَنْ يُؤَلِّفَ كِتَابًا في تَرَاجِمِ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي بِنَاءً عَلَى طَلَبِ إِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ الْمُتَشَوِّقِينَ إِلَى مَعْرِفَةِ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْمَغَارِبِيِّينَ، فَقَامَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِتَأْلِيفِ كِتَابِهِ طَبَقَاتُ الْمَشَايِخِ بِالْمَغْرِبِ وَهُوَ مِنْ أَجَلَّ الْكُتُبِ وَأَكْثَرِهَا فَائِدَةً لِلتَّعْرِيفِ
بِعُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ.
تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 670 هـ (1/289)
صفحة 290
المدخل إلى المذهب الإباضي
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْجِيطَانِي
هُوَ الْعَلَامَةُ الْمُحَقِّقُ وَاسِعُ الاطلاعِ أَبُو طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْحِيطَالِيُّ
النفوسي.
أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي مُوسَى عِيسَى الطرمِيسي، وَكَانَ زَمِيلَهُ وَرَفِيقَ دَرْبِهِ فِي الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ أَبُو سَاكِنٍ عَامِرُ بْنُ عَليَّ السَّمَانِيُّ، كَانَ نَابِغَةٌ مِنْ نَوَابِعِ الدَّهْرِ،
وَفَلْتَةٌ مِنْ فَلَتَاتِ الزَّمَانِ، وَعُرِفَ بِنُبُوغِهِ فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ.
حَسَدَهُ الْكَثِيرُ عَلَى مَنْزِلَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، وَضَادُّوهُ فِي حَيَاتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَتْرُكُوهَا هَادِئَةٌ لَهُ، حَتَّى وَصَلَ بِهِمُ الْأَمْرُ أَنْ أَعْزَوْا بِهِ وَالِي طرابلس الْغَرْبِ، فَسَجَنَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَلَمْ يُطْلِقْهُ إِلَّا بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ.
وَبَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ الظَّالِمِ قَصَدَ جَزِيرَةَ جِرْبَةَ بِتُونَسَ، فَاتَّخَذَهَا وَطَنَّا،
وَاتَّخَذَ مِنْهَا سَكَنًا، وَصَارَتْ لَهُ مَدْفَنًا.
عَمِلَ فِي التَّجَارَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَكَانَ يُسَافِرُ إِلَى إِفْرِيقْيَا الْغَرْبِيَّةِ لِلتَّجَارَةِ،
فَلَمْ يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنِ التَّأْلِيف.
لَهُ الْعَدِيدُ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ الرَّحِينَةِ الْقَدِيمَةِ جِدًّا مِنْهَا: (1/290)
صفحة 291
291
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
- قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَاتِ.
- شَرْحُ النُّونِيَّةِ فِي الْعَقِيدَةِ.
- قَنَاطِرُ الْخَيْرَاتِ فِي تَهْذِيبِ النَّفْسِ.
- مَنَاسِك الحج.
تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 750 هـ (1/291)
صفحة 292
292
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَامِرُ بْنُ عَلَيَّ السَّمَاخِيُّ
هُوَ الْعَلامَةُ الْمُحَقِّقُ وَالْمُؤَصِّلُ أَبُو سَاكِنٍ عَامِرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ يَسَفَاوِ
الشماخي النفوسي.
مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ وَمَشَايِخِهِ، وَشُهْرَتُهُ فِي الْمَذْهَبِ غَيْرُ خَافِيَةٍ. دَرَسَ عَلَى يَدِ أَبِي مُوسَى عِيسَى الطرمِيسي في جَبَلِ نفوسةَ، وَنَظَرًا لِنُبُوغِهِ فَقَدْ
أَوْكَلَ إِلَيْهِ شَيْخُهُ أَبُو مُوسَى الطرميسيُّ الْقِيَامَ بِالتَّدْرِيسِ.
انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَلَدِهِ "يفرنَ فِي جَبَلٍ نَفُوسَةً، فَأَنْشَأَ بِهَا مَدْرَسَةٌ. وَكَانَ يَنْتَقِلُ بِعِلْمِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَكُلَّ مَكَانٍ يَنْزِلُ فِيهِ يُؤَسِّسُ بِهِ مَدْرَسَةٌ، وَهَكَذَا دَوَاليكَ حَتَّى أَنْشَأَ عَدَدًا مِنَ الْمَدَارِسِ فِي ذَلِكُمُ الْجَبَلِ الْعَامِرِ الْأَشَمِّ. وَاشْتُهِرَ بِالتَدْرِيسِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ
لَهُ عَدَدُ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ، أَشْهَرُهَا ذِكْرًا وَأَعْظَمُهَا أَثَرًا كِتَابُ "الْإِيضَاحِ". تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 792 ه في بَلَدِهِ "يفرن" بِجَبَلِ نفوسَةَ الْمَعْرُوفِ بِالْجَبَلِ الْغَرْبي في ليبيا. (1/292)
صفحة 293
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ السَّمَانِيُّ
هو الْعَلَامَةُ الْأُصُولِ الْمُؤَرِّخُ بَدْرُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ
الْوَاحِدِ الشماخي النفوسِيُّ.
وُلِدَ فِي بَلْدَةِ "يفرن مِنْ جَبَلِ نفوسَةَ، وَانْتَقَلَ إِلَى جَبَلِ دمّر في تونسَ الَّتِي تعْرَفُ حَالِيًّا أَوْلَادُ عَلِيَّ، وَدَرَسَ فِيهَا عَلَى أَبِي عَفِيفٍ صَالِحِ بْنِ نُوحِ التَندَ مِيزتي.
الْتَقَى فِي يفرنَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّمَائِلِيَ الْعُمَانِيُّ الَّذِي كَانَ لَدَيْهِ إِلْمَامُ فِي عِلْمِ الطَّبّ.
اشْتُهِرَ بِالتَّأْلِيفِ، حَيْثُ كَانَتْ لَهُ الْمُؤَلَّفَاتُ التَّالِيَةُ: - مُخْتَصَرُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
- شَرْحُ مُخْتَصَرِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
- - كِتَابُ السَّيَرِ، وَهُوَ فِي تَرَاجِمِ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَّ.
شَرْحُ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ.
- إعْرَابُ الْقُرْآنِ.
- شَرْحُ مَثْنِ الدِّيَانَاتِ.
- شَرْحُ مَرَجِ الْبَحْرَيْنِ فِي الْمَنْطِقِ. (1/293)
صفحة 294
294
#
المدخل إلى المذهب الإباضي
- مُشْكِل إِعْرَابِ الدَّعَائِمِ، وَكِتَابُ الدَّعَائِمِ هُوَ لا بْنِ النَّظرِ السَّمائِ الْعُمَاني.
- الرَّدُّ عَلَى صَوْلَةِ الْعَدَامِسِيَّ.
أَجْرِبَةٌ فِقْهِيَّةٌ.
تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ فِي جَزِيرَةِ حِرْبَةَ بِتُونَسَ سَنَةَ 928 هـ (1/294)
صفحة 295
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ المفرجي
هُوَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْمُجَاهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّج بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجِ الْبَهْلَوِيُّ.
عَاشَ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ الْهِجْرِيِّ.
وَكَانَ الْمَرْجِعَ الدِّينِيَّ وَالسَّيَاسِيَّ فِي عَهْدِ الْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ الْخروصِيَّ
وَهُوَ مِمَّنْ عَقَدَ لَهُ بِالْإِمَامَةِ، وَصَارَ رَئِيسَ الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ فِي عَهْدِهِ.
ثُمَّ عَقَدَ الْإِمَامَةَ أَيْضًا لِلْإِمَامِ عُمَرَ الشَّرِيفِ، وَكَانَ مِنْ حَامِدِ أَفْعَالِهِ وَمَحَاسِنِ شَمَائِلِهِ أَنَّه عِنْدَمَا يَكُونُ مَنْصِبُ الْإِمَامَةِ شَاغِرًا يَخْتَارُهُ عُلَمَاءُ زَمَانِهِ لِلْإِمَامَةِ، وَعِنْدَمَا يُوجَدُ الْمُؤَهَّلُ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ يَعْتَزِلُهَا وَيُقَدِّمُ غَيْرَهُ، وَلِذَلِكَ صَارَ هُوَ إِمَامًا فِي فَتْرَتَيْنِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ عَزْلِ الْأَئِمَّةِ وَاعْتِرَالِهِمْ، بِاعْتِبَارِهِمْ وَكَلَاءَ عَنِ الْأُمَّةِ
وَنُوَّابًا لَهُمْ.
أَفْتَى بِإِقَامَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ الْعُمَانِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَا تُقَامُ إِلَّا فِي صُحَارٍ بِصُورَةٍ دَائِمَةٍ، وَفِي نَزْوَى بِوُجُودِ الْأَئِمَّةِ فَقَدْ.
عَمِلَ عَلَى تَغْرِيقِ "تَأْمِيمِ أَمْلاكِ السَّلاطِينِ النَّبَاهِنَةِ فِي عَهْدِ الْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ الخطاب الخروصي، وَقَدْ شَكَلَ الْإِمَامُ فَرِيقَ الْمَحْكَمَةِ تَشْكِيلًا رَائِعًا جِدًّا، حَيْثُ كَانَ هُنَالِكَ الْمُدَّعِي الْعَامُّ عَنِ الدَّوْلَةِ الْمُتَوَلِّي لِلْمُرَافَعَةِ، وَهُنَاكَ الْوَكِيلُ الْمُحَامِي) (1/295)
صفحة 296
/////////
المدخل إلى المذهب الإباضي
296
/////
عَنِ الْمَظْلُومِينَ، وَهُنَاكَ الْقُضَاةُ الَّذِينَ نَظَرُوا فِي الْقَضَايَا الْمَرْفُوعَةِ، وَأَصْدَرُوا فِيهَا الحُكْمَ بِالتَّأْمِيمِ، وَكَانَتِ الْمُحَاكَمَةُ مُسْتَوْفِيَةٌ لِطْرُقِ الْمُرَافَعَةِ وَالْإِثْبَاتِ، لِذَلِكَ جَاءَ الْحُكْمُ صَحِيحًا.
وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ فِي كِتَابِي أُصُولُ بَيْتِ الْمَالِ فِي عُمَانَ، وَعَلَى الْعُمُومِ فَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ الْمُفَرَجِيُّ وهو كَمَا أُطلِقَ عَلَيْهِ لَقَبُ سَيْفَ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ
الله. (1/296)
صفحة 297
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
خَمِيسُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّقصِيُّ
297
هُوَ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ وَالْقُدْوَةُ فِي الدِّينِ الْعَلَّامَةُ الشَّامِخُ خَمِيسُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ
عَليَّ الشَّمْصِيُّ الرُّسْتَاقِ
لَا نَعْلَمُ تَارِيخَ مَوْلِدِهِ، وَلَعَلَّهُ فِي ثَمَانِينَاتِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ الْهِجْرِي، تَزَوَّجَ أُمَّ الْإِمَامِ الْعَادِلِ الْعَظِيمِ نَاصِرِ بْنِ مُرْشِدٍ الْيَعربيَّ، وَلِذَلِكَ تَوَلَّى تَرْبِيَةَ الْإِمَامِ نَاصِرٍ وَتَعْلِيمَهُ، ثُمَّ قَدَّمَهُ إِمَامًا.
فَادَ الشَّمْصِيُّ الْجُيُوشَ لِلْإِمَامِ نَاصِرٍ فِي مُوَاجَهَةِ الْبُغَاةِ وَالطَّغَاةِ أَوَّلًا، ثُمَّ قَادَهَا الحزبِ الْبُرْتُغَالِيِّينَ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ مَسْقَط ومطرح، إِلَّا أَنَّ الْبُرْتُغَالِيِّينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ، وَعَقَدُوا مَعَهُ هُدْنَةٌ كَانَتْ شُرُوطُهَا لِصَالِحِ الْعُمَانِيِّينَ، وَجَمَعًا لِصَلَفِ وَغُرُورِ الْبُرْتُغَالِيِّينَ.
لَمْ يَكَدْ يُفَارِقُ الْإِمَامُ فِي حُرُوبِهِ الْعَادِلَةُ التي تَوَجَّدَ بِهَا أَهْلُ عُمَانَ وَالْحَمْد للهِ، وَصَارُوا وَحْدَةً وَاحِدَةٌ، تَمَكَّنُوا فِيمَا بَعْدُ مِنْ طَرْحِ الْبُرْتُغَالِيِّينَ. (1/297)
صفحة 298
298
المدخل إلى المذهب الإباضي
مَلَأُ الدُّنْيَا عِلْمًا وَعَمَلًا، فَأَصْبَحَ كِتَابُهُ الْبَدِيعُ الرَّائِعُ "مَنْهَجُ الظَّالِبِينَ" الَّذِي يَقَعُ فِي عِشْرِينَ جُزْءًا، مَرْجِعًا لِلْإِبَاضِيَّةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَثُرَتْ نُسَخُهُ، حَتَّى شَكَّلَ دُسْتُورًا لِدَوْلَةِ الْإِمَامَةِ عَلَى عَهْدِ الْيَعَارِبَةِ، وَمِنْ هُنَالِكَ كَثُرَ النُّسَاخُ لَهُ، وَكَثُرَتْ نُسَخُهُ، فَكَانَ لَا يَكَادُ حِصْنُ أَوْ مَعْقِلُ لِلدَّوْلَةِ يَخْلُو مِنْ نُسْخَةٍ مِنْهُ.
لَمْ يُحَدَّدْ تَارِيخُ وَفَاتِهِ، وَلَعَلَّهَا بَعْدَ سَنَةِ 1060 ه بِقَلِيلٍ، حَيْثُ إِنَّهُ فِي عَهْدِ
الْإِمَامِ سُلْطَانِ بْنِ سَيْفِ الْيَعرِبِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ دَوْرُ فِي شُؤُونِ الدَّوْلَةِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ قَدْ أَسَنَّ وَضَعُفَ عَنِ الْحَرَكَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. (1/298)
صفحة 299
الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
نَاصِرُ بْنُ مُرْشِدِ الْيَعربي
299
هُوَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ نَاصِرُ بْنُ مُرْشِدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي الْعَرَبِ الْيَعرِبِيُّ النَّبْهَانِيُّ، حفيد أُمَرَاءِ الرُّسْتَاقِ مِنَ النَّبَاهِنَةِ.
وُلِدَ فِي الرُّسَتَاقِ سَنَةَ 1014 هـ وَعَاشَ مَعَ أُمِّهِ فِي كَنَفِ الْعَلَّامَةِ الْكَبِيرٍ خَمِيسِ بنِ سَعِيدٍ الشَّعْصِيَّ، حَيْثُ تَزَوَّجَتْهُ أُمُّهُ.
وَهُنَاكَ نَشَأَ وَشَبَّ وَدَرَسَ وَرَضِعَ لِبَانَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ الشَّمْصِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِلْإِمَامَةِ فِي تِلْكَ الظُّرُوفِ الْحَالِكَةِ الصَّعْبَةِ، فَكَانَ نِعْمَ
الاختيار.
بويع بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 1034 هـ - 1624 م، وَعُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَاسْتَطَاعَ بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ تَوْحِيدَ الْبِلَادِ التي كانت مُمَزَّقَةِ إِلَى إِمَارَاتٍ صَغِيرَةٍ مُتَنَاحِرَةٍ متحاربة، فوحدَهَا وَخَلَقَ مِنَ الْعُمَانِيِّينَ جَبْهَةٌ وَاحِدَةً، ثُمَّ دَفَعَ بِهِمْ لِمُحَارَبَةِ الْبُرْتُغَالِيِّينَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْمَنَاطِقِ الْعُمَانِيَّةِ السَّاحِلِيَّةِ الَّتِي احْتَلُوهَا عَدَا
مَسْقَطَ وَصُحَارٍ لِهُدْنَةٍ عَقَدَهَا مَعَهُمْ كَانَتْ لِصَالِحِ الْعُمَانِيِّينَ. (1/299)
صفحة 300
المدخل إلى المذهب الإباضي
أَحْيَا سِيرَةَ الْعَدْلِ بَعْدَ طُمُوسِهَا، وَأَقَامَ الْحَقَّ بَعْدَ سَنَوَاتِ الظُّلْمِ وَالْجُورِ، وَأَرْسَى
الْأَمْنَ بَعْدَ الْحُرُوبِ الظَّاحِنَةِ.
قَالَ فِيهِ أَحَدُ الْمُفَكِّرِينَ: هُوَ صُورَةٌ مُصَغَرَةٌ مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَقِيلَ عَنْهُ أَيْضًا لِحُسْنِ سِيرَتِهِ: كَادَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا أَوْ رَسُولًا، تُوُفِّيَ سَنَةَ
1059 هـ (1/300)
صفحة 301
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمُعَةَ بْنِ عَبيدَانَ
301
هُوَ الْعَلامَةُ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُمُعَةَ بْنِ عَبيدَانِ النِّزْوِيُّ، كَانَ عَلَّامَةٌ كَبِيرًا مُتَضَلَّعًا فِي الْعُلُومِ، وَمِنْ أَبْرَزِ عُلَمَاءِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ الْيَعرِبِيَّةِ، فَقَدْ عَمِلَ قَاضِبًا لِلْإِمَامِ سُلْطَانِ بْنِ سَيْف (الْأَوَّلِ) الْيَعرِبِي، وَصَارَ مَرْجِعَ الدَّوْلَةِ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ عَلَى عَهْدِ الْإِمَامِ بلعربِ بْنِ سُلْطَانٍ.
وَالْقَوْلُ: إِنَّهُ أَحَدُ خِرِّيجِي مَدْرَسَةِ حِصْنِ جِبْرِينَ؛ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ كَانَ مُدَرِّسًا فِيهَا، لِأَنَّهُ كَانَ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْأَمْرُ الَّذِي لَا يَتَنَاسَبُ مَعَهُ
كَوْنُهُ طَالِبًا.
وَفِي رَأْيِي: إِنَّه دَرَسَ عَلَى أَيْدِي الْمَشَايِخِ: مَسْعُودِ بْنِ رَمَضَانَ النَّبْهَانِي، وَصَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ الزَّامِلِي وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَيَّدٍ لِعَزْلِ الْإِمَامِ بلعرب
وَتَقْدِيمٍ أَخِيهِ سَيْفِ بْنِ سُلْطَانٍ (قيد الْأَرْضِ).
لَهُ حُضُورٌ فِقْهِيُّ وَعَقدِيٌّ وَاسِعٌ فِي التُّرَاثِ الْعُمَانِيِّ، حَيْثُ أَقْوَالُهُ مَبْثُوثَةٌ فِي
الْمَصَادِرِ الْعُمَانِيَّةِ. (1/301)
صفحة 302
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
كَانَ أَعْمَى الْبَصَرِ، لَكِنَّهُ فَاتِحَ الْبَصِيرَةِ مُتَوَقِّدُ الزَّكَاءِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تِلْكَ الْإِجَابَاتُ عَلَى فَكَ أَلْغَازِ فِقْهِيَّةٍ مِنْ أَحَدٍ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى الْإِمَامِ بلعربَ، وَأَحَالَهَا الْإِمَامُ إِلَيْهِ، وَفِعْلًا فَكَهَا وَحَلَّلَهَا تَحْلِيلًا رَائِعًا. لَهُ أَجْوِبَةٌ وَفَتَاوَى كَثِيرَةٌ، مَجْمُوعَةٌ فِي كِتَابِ سُمَيَّ "جَوَاهِرُ الْآثَارِ". الظَّاهِرُ أَنَّ وَفَاتَهُ رَحِمَهُ اللهُ فِي عَهْدِ إِمَامَةِ سَيْفِ بْنِ سُلْطَانٍ "قيد الْأَرْضِ". (1/302)
صفحة 303
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ
عَائِشَةُ بِنْتُ رَاشِدِ الرَّيَامِيَّةُ
هِيَ الْعَالِمَةُ الْفَاضِلَةُ الْعَامِلَةُ عَائِشَةُ بِنْتُ رَاشِدِ بْنِ حَصِيبِ الرِّيَامِيَّةُ الْبَهْلَوِيَّةُ. عَاشَتْ حَيَاتَهَا فِي النَّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ، وَلَعَلَّها كانت قد عَاشَتْ جُزْءًا مِنَ الْقَرْنِ الْحَادِيَ عَشَرَ
أَخَذَتِ الْعِلْمَ عَنْ وَالِدِهَا رَاشِدِ بن خصيبِ بْنِ أَبِي الخَفِيرِ الرِّبَابِي، وَعَنِ الشَّيْخِ الْعَالِم مُرْشِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدِ الْأَغْبَرِي.
كَانَتْ مَرْجِعًا فِي الْفَتْوَى فِي زَمَانِهَا، حَيْثُ يُوجَدُ لَهَا عَدَدُ مِنَ الْفَتَاوَى. كَانَتْ مُؤَيَّدَةَ لِلْإِمَامِ بلعرب بنِ سُلْطَانٍ اليعربيَّ، وَضِدَّ عَزْلِهِ عَنِ الْإِمَامَةِ، مُتَّفِقَةٌ فِي هَذَا مَعَ الْعَلامَةِ الْكَبِيرِ ابْنِ، عبيدَانَ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ خِطَابِ الْإِمَامِ سَيْفِ بْنِ سُلْطَانٍ (قيد الأرْض) لِأَخِيهِ بلعربَ، حَيْثُ كَتَبَ إِلَيْهِ "وَلَا يَغُرُّكَ خَطُ ابْنِ عَبِيدَانَ، وَلَا فَتْوَى الْعَمْيَاءِ، وَدَيْدَنُ بَارَاشِد.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ كَانُوا مُعَارِضِينَ لِعَزْلِ بلعربَ وَتَقْدِيمِ أَخِيهِ سَيْفِ إِمَامًا.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مُشَارِكَة فِي الْأُمُورِ السَّيَاسِيَّةِ.
لا نَعْرِفُ تَارِيخَ وَفَاتِهَا، وَلَعَلَّهَا فِي آخِرِ الْأَرْبَعِينَاتِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ وَفِي رَأْي أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكِ الْغَزْوَ الْفَارِسِيَّ لِعُمَانَ سَنَةَ 1150 هـ (1/303)
صفحة 304
سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ الصُّبحِيُّ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الْعَلَامَةُ الْكَبِيرُ الْمُجْتَهِدُ الْقَدِيرُ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصُّبَحِي، وَهُوَ مِنْ قَرْيَةِ بَنِي صُبْحِ الْقَرِيبَةِ مِنْ حَمْرَاءِ الْعِبْرِيِّينَ وَانْتَقَلَ إِلَى نَزْوَى حَيْثُ سَكَنَ مِنْطَقَةَ "خَبّ الْقَشّ".
وَلَعَلَّهُ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنَ الْمَشَايِخِ ابْنِ، عبيدَانَ، وَخَلَفِ بْنِ سِنَانٍ الْغَافِرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أُوْلَيْكُمُ الْعُظَمَاءِ.
كَانَ مُجْتَهِدًا جَرِيئًا فِي طَرْحِ آرَائِهِ مُنْذُ صِغَرِهِ وَشَبَابِهِ، حَتَّى تَعَرَّضَ لِلسَّجْنِ عِنْدَمَا قَالَ بِحِلَّيَّةِ شَرَابِ قَهْوَةِ الْبُنَّ الَّتِي كَانَتْ حَدِيثَةَ الْوُصُولِ إِلَى عُمَانَ، بَيْنَمَا أَفْتَى الْمُعَاصِرُونَ آنَذَاكَ بِحُرْمَتِهَا، حَيْثُ رَأَوْا فِيهَا تَشْبِيهَا بِالْخَمْرِ شَرَابًا وَاجْتِمَاعًا.
وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ فِيمَا بَعْدُ بِرَأْيِ الْعَلَامَةِ الصُّبَحِيَّ، وَصَدَقَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ فِي وَصْفِهِ لَهُ فِي جَوْهَرِهِ: وَحَيْثُ أَنَّ الصُّبْحِيَّ بِنَبَتْنَا بَيْعَ الْخِيَارِ الشَّارِي يَلْزَمُنَا
لِأَنَّمَا الْحَرَاجُ بِالضَّمَانِ
وَإِنَّهُ الدَّرَّاكُ لِلْمَعَانِي
وَقَالَ فِيهِ الْعَلامَةُ الرَّئيسُ جَاعِدُ بْنُ خَمِيسِ الحُروصِيُّ: وَهُوَ الْعَلَمُ الْمَشْهُورُ
فِي زَمَانِهِ وَالْمُقْتَدَى بِهِ فِي أَوَانِهِ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَظَاهَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مَنْ فِي عَصْرِهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ هُمْ فِي عَصْرِهِ. (1/304)
صفحة 305
ائِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ الْإِمَامُ سَيْفُ بْنُ سُلْطَانٍ الثَّانِي) الْيَعرِبِيُّ زِيَادَةَ رَاتِبِهِ عَلَى مَا كانَ يَأْخُذُهُ آبَاؤُهُ الْعِظَامُ؛ لأنَّ الزَّمَانَ قَدْ تَغَيَّرَ مُنْذُ ذَلِكُمُ الْإِمَامِ الْعَظِيمِ نَاصِرِ بْنِ
مُرْشِدٍ، وَلَكِنَّ الْعَلَّامَةَ لَمْ يَرَ لَهُ الزَّيَادَةَ عَلَى مَا كَانَ يَأْخُذُ أَسْلَافُهُ.
وَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى كَوْنِ الصُّبَحِيَّ أَنَّهُ هُوَ الْمَرْجِعَ لِلدَّوْلَةِ وَعَلَى رَأْسِهَا الْإِمَامُ كَمَا أَنَّهُ الْمَرْجِعُ لِلْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى.
كانَ لَهُ حُضُورٌ عِلْمِي كَبِيرٌ فِي عُمَانَ، وَقَدْ جُمِعَتْ فَتَاوَاهُ وَهِيَ مَطْبُوعَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاء بِاسْمِ الْجَامِعُ الْكَبِيرُ مِنْ جَوَابَاتِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ
تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ سَنَةَ 1150 ه، بَعْدَ وُصُولِ الْفُرْسِ إِلَى عَبْرِي وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ نزوى حَتَّى لَا يَرَى شُرُورَهُمْ عِيَانًا. (1/305)
صفحة 306
7
المدخل إلى المذهب الإباضي
جَاعِدُ بْنُ خَمِيسِ الْخَروصِيُّ
هُوَ الْعَلامَةُ الرَّئِيسُ أَبُو نَبْهَانَ جَاعِدُ بْنُ خَمِيسِ بْنِ مُبَارَكِ الخروصِيُّ الخَلِيلي.
وُلِدَ فِي بَلْدَةِ الْعُلْيَا بِوَادِي بَنِي خروص سَنَةَ 1147 هـ، أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ عَدَدٍ مِنْ
عُلَمَاءِ زَمَانِهِ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ الْعَالِمُ سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكِنْدِي.
صَارَ مَرْجِعًا كَبِيرًا فِي عُمَانَ بَلْ مَرْجِعَ الْعُلَمَاءِ، اشْتُهِرَ بِالْعِلْمِ وَالْكَرَمِ. كَانَتْ لَهُ مُحَاوَلَهُ فِي تَصْحِيحِ نِظَامِ الْحُكْمِ، لَكِنَّهَا لَمْ يُكْتَبْ لَهَا النَّجَاحُ، وَلِذَلِكَ عَالَى بَعْدَهَا بَعْضَ الْمُعَانَاةِ مِنْ بَعْضِ الْأَطْرَافِ السَّيَاسِيَّةِ وَقَاسَى بَعْضَ
الْأَحْوَالِ. اهْتَمَّ بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّأْلِيفِ، وَكَانَ لَهُ تَلَامِيذُ مَشَارِقَةً وَمَغَارِبَةً، وَمِنْ أَبْرَزِ تَلَامِيذِهِ وَلَدَاهُ نَاصِرُ وَخَمِيسٌ وَحَفِيدُ أَخِيهِ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن نَاصِرِ بْنِ خَمِيسِ وَمِنَ الْمَغَارِبَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ اطْفَيش أَخُو الْعَلَامَةِ الْكَبِيرِ قُطْبِ الْأَئِمَّةِ
مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ اطفيش، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ أزبار.
أَمَّا التَّأْلِيفُ فَقَدْ ضَرَبَ فِيهِ بِسَهْمٍ، وَمِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ: - إيضاحُ الْبَيَانِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْحَيَوَانِ. - التَّقاقُ فِي دَةٌ أَعْنَاقِ أَهْلِ النَّفَاقِ. (1/306)
صفحة 307
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
- الْمُسْتَطَابُ فِي الْفِقْهِ.
- مَقَالِيدُ التَنْزِيلِ.
307
أَجْوِبَةٌ فِقْهِيَّةٌ مِنْ تَرْتِيبِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَمِيسِ السَّيْفِي النّزْوِي فِي سَبْعَةِ
مُجَلَّدَاتٍ.
- قَلائِدُ الْعَقْيَانِ دِيوَانُ شِعْرِ).
- قَصِيدَةُ الْمُهَجِ وَشَرْحُهَا.
تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ سَنَةَ 1237 هـ (1/307)
صفحة 308
سَعِيدُ بْنُ خَلْفَانَ الْخَلِيلِيُّ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ سَعِيدُ بْنُ خَلْفَانَ الخَلِيلِيُّ، نِسْبَةٌ إِلَى الْإِمَامِ الْخَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ نَسْلِ الْإِمَامِ الْخَلِيلِ بْنِ شَاذَانَ الخروصِيَّ، يَلْتَقِي هُوَ وَالْعَلَّامَةُ الرَّئِيسُ جَاعِدُ بْنُ خَمِيسٍ فِي نَسَبٍ وَاحِدٍ، فَكِلَاهُمَا خَلِيلِيُّ خروصِيُّ.
أهْلِهَا.
وُلِدَ الْمُحَقِّقُ الخَلِيلِيُّ فِي بُوشر سَنَةَ 1226 ه، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى سَمَائِلَ بِطَلَبٍ مِنْ
وَأَسَّسَ بِهَا مَدْرَسَتَهُ الَّتِي أَقْبَلَ إِلَيْهَا طَلَبَةُ الْعِلْمِ مِنْ سَمَائِلَ وَبَعْضِ أَرْجَاءِ
عُمان.
لَقَبَهُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ بِالْمُحَقِّقِ، سَرَى عَلَيْهِ هَذَا اللَّقَبُ الْمُبَارَكُ لِلْقَائِلِ
وَالْمَقُولِ فِيهِ.
قَامَ كَإِمَامٍ مُحْتَسِب فِي الرُّسْتَاقِ وَصُحَارَ سَنَةَ 1263 ه، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ بتفويض مِنْ حَاكمهما السَّيِّدِ حمود بن عزانَ الْبُوسَعِيدِي.
مُؤَلَّفَاتُهُ:
- مَقَالِيدُ التَّصْرِيفِ فِي عِلْمٍ الصَّرْفِ، وَهُوَ شَرْحُ لِأُرْجُوزَةٍ أَلْفِيَّةٍ لَهُ.
- النَّوَامِيسُ الرَّحْمَانِيَّةُ فِي عِلْمِ التَّصَوُّفِ. (1/308)
صفحة 309
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
- الْمَظْهَرُ الخَافِي فِي الْعَرُوضِ وَالْقَوَافِي.
- لَطَائِفُ الْحَكَمِ فِي زَكَاةِ النَّعَمِ.
كُرْسِيُّ الْأُصُولِ فِي الْوَلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ.
- السِّمْطُ الرَّفِيعُ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ.
- جَوَابَاتُهُ، وَقَدْ جَمَعَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَمِيسِ السَّيْفِيُّ النَّرْوِيُّ فِي أَرْبَعَةِ جلدَاتٍ كَبِيرَةٍ بِعُنْوَانِ تَمْهِيدُ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ" وَهُوَ مِنَ الْمَرَاجِعِ الْمُهِمَّةِ جِدًّا فِي
الْفِقْهِ الْإِبَاضِي وَمُعْتَمَدُ الْإِبَاضِيَّةِ فِي فَتَاوَاهُمْ.
قامَ بِنَصْبِ الْإِمَامِ عَزَّانَ بْنِ قَيْسٍ الْبُوسَعِيدِي سَنَةَ 1285 ه، وَكَانَ فِي مُقَدِّمَةِ الْعَاقِدِينَ بِالْإِمَامَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَعْيِهِ وَاخْتِيَارِهِ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ 1287 ه، رَحِمَهُ اللهُ. (1/309)
صفحة 310
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ اطفيش
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ قُطبُ الْأَئِمَّةِ الْعَلامَةُ الْمَوْسُوعِيُّ الْكَبِيرُ الْمُرَبِّي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى
اطفيش.
وُلِدَ في غرْدَايَةً سَنَةَ 1237 هـ وَتُوُفِّيَ عَنْهُ أَبُوهُ وَهُوَ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ، وَسَكَنَ فِي عِدَّةِ بُلْدَانٍ مِنْ وَادِي مِيزَابَ بِوِلَايَةِ عَرْدَايَةَ بِالْجَزَائِرِ، إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ فِي "بني يسجن".
دَرَسَ عَلَى عَدَدٍ مِنْ مَشَايِخِ عَصْرِهِ وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ
اطفيش.
كَانَ إِمَامَ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَرْجِعًا كَبِيرًا فِي الدِّينِ شَرْفًا وَغَرْبًا، لَقَبَهُ الْإِبَاضِيَّةُ الْمَشَارِقَةُ بـ"قطب الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ لَقَبٌ أَظْلَقَهُ عَلَيْهِ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ وَابْنُ عَمِّهِ شَيْخُ الْبَيَانِ مُحَمَّدُ بْنُ شَيْخَانِ السَّالِمِيُّ.
أَنْشَأَ في "بني يسجن" مَدْرَسَةً، كَانَتْ تَعُدُّ مِنْ كِبَارِ الْمَدَارِسِ، كَمَا أَنْشَأَ مَكْتَبَةٌ ضَخْمَةٌ لَا تَزَالُ مَقْصدًا لِلْبَاحِثِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَتَخَرَّجَ فِيهَا عُلَمَاءُ كَثِيرُونَ فِي الشَّرِيعَةِ وَاللُّغَةِ وَالْآدَابِ وَالْفَلَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (1/310)
صفحة 311
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
تَفَرَّدَ بِمَنْهَج تَدْرِيسِي وَتَرْبَوِيَّ الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ طَلَبَةَ الْعِلْمِ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ مِنْ
أَمَاكِنَ شَقَّى.
أَمَّا فَتَاوَاهُ فَسَارَتْ مَسَارَ الرِّيحِ شَرْفًا وَغَرْبًا، وَكَانَ الْعُمَانِيُّونَ يُولُونَهَا كَبِيرَ الاهْتِمَامِ عِلْمًا بِهَا وَعَمَلًا بِمُقْتَضَاهَا، وَأَمَّا التَّأْلِيفُ فَقَدْ غَرَزَ فِيهِ سَهْمَهُ، وَأَنَّى فِيهِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، حَيْثُ أَلَّفَ فِي مُخْتَلِفِ الْفُنُونِ.
وَيَكْفِي إِشَارَةٌ وَدِلَالَةٌ عَلَى رُسُوخِ قَدَمِهِ وَعُلُو كَعْبِهِ فِيهِ أَنَّهُ أَلَّفَ فِي تَفْسِيرٍ
الْقُرْآنِ مُؤَلَّفَاتِ ثَلَاثَةٌ هِيَ:
- هيميَانُ الزَّادِ.
- دَاعِي الْعَمَلِ لِيَوْمِ الْأَمَلِ.
- تَيْسِيرُ التَّفْسِيرِ.
وَبَلَغَتْ مُؤلَّفَاتُهُ الثَّلَاثَمِائَةِ مُؤَلَّف في فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُعْتَبَرُ كِتَابُ شَرْحِ النيل" سَفِيرَهُ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ إِبَاضِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ فِي عَصْرِنَا الْحَالِيُّ الْمَرْجِعَ الْفِقْهِيَ الْإِبَاضِيَّ الْمُنْتَشِرَ عَالَمِيًّا وَإِسْلَامِيًا، حَيْثُ يَكَادُ لَا تَخْلُو مِنْهُ مَكْتَبَةٌ
جَامِعِيَّةُ أَوْ عَامَةً.
توفِّيَ الله بَعْدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِالْعَطَاءِ الْعِلْمِي تَدْرِيسًا وَتَأْلِيفًا وَإِفْتَاءً سَنَةَ 1332 هـ (1/311)
صفحة 312
312
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَقَدِ اسْتَعَارَ مِنَ الْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَضْرَي بَيْتَهُ الْقَائِلَ: عَلَقَ الْفُؤَادُ بِأَنْ أَكُونَ أَنَا الَّذِي نَشَرَ الْهُدَى بِأَسِنَّةٍ وَرِمَاحِ
فَغَيَّرَ الْقُطْبُ الْكَلِمَةَ الْأَخِيرَةَ مِنَ الْبَيْتِ لِيَقُولَ:
عَلَقَ الْفُؤَادُ بِأَنْ أَكُونَ أَنَا الَّذِي نَشَرَ الْهُدَى بِأَسِنَّةِ الْأَقْلَامِ (1/312)
صفحة 313
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ السَّالِمِيُّ
313
هُوَ الْعَلامَةُ الْعَلَمُ، عَلامَةُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ نُورُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمِيدِ بْنِ سلوم
السالمي.
وُلِدَ فِي بَلْدَةِ الحوقين الْقَرِيبَةِ مِنَ الرُّسْتَاقِ، وَأَصَابَهُ الْعَمَى وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ فَاتِحَ الْبَصِيرَةِ، وَقَادَ الذَّكَاءِ، سَرِيعَ الْفِطْنَةِ، أَلْمَعِيَّ الْقَلْبِ، كَانَ يَعْنِيهِ الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:
الْأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظِنُّ بِكَ الظَّنُّ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمَعا
دَرَسَ الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ عَنْ وَالِدِهِ حُمَيْدِ بْنِ سلومٍ فِي بَلَدِهِ الْحوقين، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حَلْقَةِ الشَّيْخِ الْعَالِمِ رَاشِدِ بْنِ سَيْف اللمكي، وَالشَّيْخِ الْعَالِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِي فِي مَسْجِدِ مَحلَّةَ قصرى بِالرُّسْتَاقِ.
ثُمَّ يَمَّمَ وِجْهَتَهُ شَطْرَ الشَّيْخِ الْأَمِيرِ الْمُصْلِحِ صَالِحِ بْنِ عَلِيَّ الْخَارِيُّ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ فَيْضِ عِلْمِهِ، وَطَابَ لَهُ الْمُقَامُ فِي حِمَى الْأَمِيرِ الْحَارِثِيَ فِي بَلْدَةِ الْقَابِلِ مِنْ شَرْقِيَّةِ
عُمان.
وَفِيهَا أَنْشَأَ مَدْرَسَتَهُ الَّتِي اسْتَقْطَبَتْ طَلَبَةٌ لِلْعِلْمٍ كَثِيرِينَ كَانُوا فِيمَا بَعْدُ
سَادَةٌ وَقَادَةٌ (1/313)
صفحة 314
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَمِنْهُمُ الْإِمَامَانِ الرَّضِيَّانِ سَالِمُ بْنُ رَاشِدٍ الخروصِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
الخليلي.
طَارَ ذِكْرُهُ وَانْتَشَرَ عِلْمُهُ، وَكَانَتْ لَهُ صَدَاقَاتُ مَعَ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ فِي مِصْرَ وَالْجَزَائِرِ وَشَرْقِ أَفْرِيقْيَا وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَقْطَارِ، كَانَ نَهَارُهُ لِلتَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ وَلَيْلُهُ
لِلْعِبَادَةِ. وَقَدْ تَرَكَ مَكْتَبَةٌ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ تَتَمَيَّزُ بِحُسْنِ التَّأْلِيفِ سَبْعًا وَمَادَّةٌ.
عَمِلَ عَلَى إِحْيَاءِ دَوْلَةِ الْإِمَامَةِ، فَوَفَّقَهُ اللهُ إِلَى إِقَامَتِهَا بِتَنْصِيبِ سَالِمِ بْنِ رَاشِدٍ
الخروصي إِمَامًا سَنَةَ 1331 هـ
وَقَدْ تُوُفِّيَ، سَنَةَ 1332 هـ
وَكَانَ كَمَا قَالَ شَاعِرُ الْعَرَبِ أَبُو مُسْلِمٍ الْبهلانِيُّ الرَّوَاحِيُّ فِي رِئَائِهِ لَهُ:
جَمَعَ الْمَعَالِمَ فِي حَيْزُومِه أَتَرَى الْعَالِمَ فِي الْقَبْرِ نَزَل
وَلَعَلَّ أَجْمَعَ وَصْفِ وَأَبْلَغَهُ مَا وَصَفَهُ بِهِ ابْنُهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّالِمِيُّ بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ "نَهْضَةُ الْأَعْيَانِ" حَيْثُ قَالَ:
- كانَ ضَرِيرًا يَحْتَاجُ إِلَى قَائِدٍ يَهْدِيهِ السَّبِيلَ، فَأَصْبَحَ يَهْدِي الشَّعْبَ السَّبِيلَ. - كَانَ لَا حَبَّدَ لَهُ إِلَّا التَّقْوَى وَكَفَى بِهَا، فَأَصْبَحَ يُؤَلِّفُ مِنَ الشَّعْبِ حَبَّذَا. (1/314)
صفحة 315
أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
- كَانَ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ، فَأَصْبَحَ يَجُرُّ الْجُيُوشَ الضَّخْمَةَ، وَيَبْتَزُ الْمَعَاقِلَ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَالظَّلَمَةِ.
وَعَلَى الْعُمُومِ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي ذُو شُجُونٍ، وَيَتَفَرَّعُ إِلَى غُصُونِ، فَهُوَ أُسْتَاذُ الْعُمَانِيِّينَ وَشَيْخُهُمْ بِوَاسِطَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ الْكَثِيرَةِ، وَمِنْهَا:
- تَلْقِينُ الصِّبْيَانِ، كِتَابُ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَاتِ صَغِيرُ الْحَجْمِ.
- جَوْهَرُ النظامِ، وَهُوَ مِنْ مَحْفُوظَاتِ الْعُمَانِيِّينَ فِي حِلِّهِمْ وَتَرْحَالِهِمْ.
- مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ، فِي عِلْمِ الْعَقِيدَةِ.
- شَرحُ مُسْنَدِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ.
- تُحْفَةُ الْأَعْيَانِ الْمَصْدَرُ الشَّامِلُ فِي تَارِيخِ عُمَانَ.
وَغَيْرُهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُفِيدَةِ الْعَدِيدَةِ. (1/315)
صفحة 316
المدخل إلى المذهب الإباضي
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخَلِيلُ
هُوَ الْإِمَامُ الْعَلامَةُ الْمُجْتَهِدُ الْقُدْوَةُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ خَلْفَانَ
الخَلِيلِيُّ حَفِيدُ الْمُحَقِّقِ الخَلِيلِي.
وُلِدَ فِي سَمَائِل سَنَةَ 1299 هـ
دَرَسَ في سَمَائِل عَلَى عَدَدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ الشَّيْخِ الْعَلَامَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْخَلِيلِي وَهُوَ عَمُّهُ، وَعُبَيْدُ بْنُ فَرَحَانِ الْمُلَقَبُ بِـ الْبَحْرِ الْأَسْوَدِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الطيوَانِيُّ، ثُمَّ شَدَّ الرَّحَالَ إِلَى بَلْدَةِ الْقَابِلِ مِنْ شَرْقِيَّةِ عُمَانَ، حَيْثُ بَحْرُ نُورِ الدِّينِ
السَّالِمِي يَقْذِفُ دُورَ الْعِلْمِ لِطالِبِيهِ.
وَهُنَاكَ تَكَوَّنَ عِلْمًا وَاتَّسَعَ أُفُقًا.
بويعَ بِالْإِمَامَةِ سَنَةَ 1338 هـ بَعْدَ مَقْتَلِ الْإِمَامِ سَالِمِ بْنِ رَاشِدِ الخروصِيَّ، وَكَانَ وَاسِعَ الصَّدْرِ حَلِيمًا رَؤُوفًا بِالنَّاسِ، وَفِي صِغَرِهِ كَانَ مُنَعَمَ الْمَأْكُلِ وَالْمَلْبَسِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَوَلَّى الْإِمَامَةَ صَارَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عُرُوفًا عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ مُتَقَشَّفًا فِي مَأْكَلِهِ وَمَلْبَسِهِ، قُدْوَةً لِلْآخَرِينَ. (1/316)
صفحة 317
أئِمَّةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي
317
وَكَانَ أَعْلَمَ مُعَاصِرِيهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّاسُ يَهْرَعُونَ إِلَيْهِ طَالِبِينَ فَتْوَاهُ فِي فَضَايَاهُمْ وَفِي حَلَّ مَشَاكِلِهِمْ، حَتَّى تَرَكَ لَنَا ثَرْوَةٌ فِقْهِيَّةٌ ضَمَّهَا كِتَابُ الْفَتْحِ الْجَلِيلِ
مِنْ أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ أَبِي خَلِيلٍ" جَمْعُ وَتَرْتِيبُ الشَّيْخِ سَالِمِ بْنِ حَمَدٍ الْحَارِثِي.
أهتم بالتعليم فأنشأ مدرسة في نزوى تخرج منها عدد من العلماء، ولا أبالغ إذا قلت إن القضاة والعلماء على عهده، وعهد السلطان سعيد بن تيمور وفي هذا العهد إلى وقت قريب كانوا من تلاميذ مدرسته.
وَقَدْ تُوُفِّيَ له سَنَةَ 1373 ه، بَعْدَ حَيَاةٍ مِلْؤُهَا الْعَدْلُ وَالْعِلْمُ وَالْحِلْمُ وَالْكَرَمُ. (1/317)
صفحة 318
318
الْمَصَادِرُ:
1 - طَبَقَاتُ الْمَشَايخ، للدرجيني.
1 - السير، للشماخي.
- Y
3 - إِتْحَافُ الْأَعْيَانِ، لِلْبطَاشِيِّ.
4 - دَلِيلُ أَعْلَامِ عُمَانَ، مَوْسُوعَةُ السُّلْطَانِ قَابُوس. -5 - مُعْجَمُ أَعْلَامِ الْإِبَاضِيَّةِ، قِسْمُ الْمَشْرِقِ.
-6 - مُعْجَمُ أَعْلَامِ الْإِبَاضِيَّةِ، قِسْمُ الْمَغْرِبِ. وَمَصَادِرُ أُخْرَى لِبَعْضِ الْمَعْلُومَاتِ.
المدخل إلى المذهب الإباضي (1/318)
صفحة 319
تمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
نَمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ (1/319)
صفحة 320
////////
المدخل إلى المذهب الإباضي
////
الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ:
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَتَفَاسِيرُهُ
هُوَ الْمَصْدَرُ الْأَوَّلُ وَالْأَسَاسُ لِكُلِّ مَعَالِمِ الْمَذْهَبِ وَمَفَاصِلِهِ، وَلَقَدْ تَمَسَّكَ الْإِبَاضِيَّةُ بِالْقُرْآنِ تَمَسُّكًا شَدِيدًا، كَانَ لَهُ أَثَرُهُ فِي سُلُوكِهِمْ، فَهُمْ كَمَا قَالَ شَاعِرُ الْعُرُوبَةِ وَالْإِسْلَامِ أَبُو مُسْلِمٍ نَاصِرُ بْنُ سَالِمِ الْبهلانيُّ الرَّوَاحِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
أَكَبُوا عَلَى الْقُرْآنِ نَهْلًا بِمَائِهِ وَأَصْدَرَهُمْ وَالْكُلُ رَيَّانُ هَائِمُ
وَقَالَ:
كَأَنَّهُمْ فِي ضَمِيرِ اللَّيْلِ صَيَّرَهُمْ مِثْلَ الْخِيالَاتِ تَسْبِيحُ وَقُرْآنُ
وَهُمْ أَيْضًا كَمَا وَصَفَهُمْ أَبُو حَمْزَةَ الشَّارِي رَحِمَهُ اللهُ:
أَنْضَاءُ عِبَادَةٍ وَأَطْلَاحُ سَهَرٍ، نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مُنْحَنِيَةٌ أَصْلَابُهُمْ عَلَى أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ، إِذَا مَرَّ أَحَدُهُمْ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ بَكَى شَوْقًا إِلَيْهَا، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ شَهِقَ شَهْقَةٌ كَأَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ فِي أُذُنَيْهِ. وَالْكَلَامُ حَوْلَ كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ الْخَالِدِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُصُولِيَّةِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
فِي الْبِنَاءِ الْفِقْهِيَّ" الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: أُصُولُ الْفِقْهِ، فَيُرْجَعِ إِلَيْهِ هُنَاكَ. (1/320)
صفحة 321
تَمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
نَمَاذِجُ مِنْ مَصَادِرِ التَّفْسِيرِ
تَفْسِيرُ كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ:
321
هَذَا التَّفْسِيرُ مُؤَلَّفَهُ الشَّيْخُ هُودُ بْنُ مُحْكَمِ الْهَوَارِيُّ الْأَمَازِيغِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِي.
وَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى تَفْسِيرٍ يَحْيَى بْنِ سَلامِ الْبَصْرِيِّ الْقَيْروَانِي، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمَأْثُورِ بِالْمَأْثُورِ.
وَجَاءَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: عَنْ أَبِي رَجَاءَ الْعُطَارِدِيُّ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وَقَالَ: تَعَلَّمْتُ هَذِهِ السُّورَةَ مِنْ أَبِي مُوسَى. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى.
أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ الْقُرْآنِ نَزَلَ أَوَّلَ؟ قَالَ: وناتها الْمُدَّيْرُ} قُلْتُ: أَو وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ؟ قَالَ: أحدثكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِنَّهُ قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ - يعْنِي جَبَلًا بِمَكَّةَ - وَكَانَ جِوَارَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي (1/321)
صفحة 322
322
المدخل إلى المذهب الإباضي
اسْتَبْطَنْتُ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ خَلْفِي وَأَمَامِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي جِبْرِيلُ ال - قَاعِدُ عَلَى الْعَرْشِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَحَممْتُ مِنْهُ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَنَّرُونِي، وَصَبَّتْ عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فَأَنْزَلَ اللهُ: تَأَيُّهَا المدير. قَالَ: وَالْعَامَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الرَّوَايَاتِ حَوْلَ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَشَرَعَ فِي التَّفْسِيرِ مُبْتَدِئًا بِتَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. (1/322)
صفحة 323
نماذجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ -
هِيمْيَانُ الزَّادِ إِلَى دَارِ الْمَعَادِ
323
هَذَا التَّفْسِيرُ لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَطْفَيَشَ، وَهُوَ أَوَّلُ تَفْسِيرِ لَهُ، حَيْثُ إِنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ تَفَاسِيرَ لِلْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَهَذَا أَوَّلُهَا، وَقَدْ أَلَّفَهُ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَطُبِعَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْمَطْبَعَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الْبَرْعُشِيَّةِ بزنجبَارَ، حَيْثُ ابْتُدِئَ فِي طَبْعِهِ سَنَةَ 1305 هـ - 1884 م، وَانْتُهِيَ مِنْ طَبْعِهِ سَنَةَ 1312 هـ – 1891 م.
وَهُوَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، وَيُعْتَبَرُ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْوَاسِعَةِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُقَدَّمَةِ: وَبَعْدُ، فَهَذَا تَفْسِيرُ رَجُلٍ يَسْجِنِي إِبَاضِيَّ وَهِيَّ، وَيَعْتَمِدُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثُمَّ عَلَى مَا يَظْهَرُ لِفِكْرِهِ بَعْدَ إِفْرَاغِ وُسْعِهِ، وَلَا يُقَلِّدُ فِيهِ أَحَدًا إِلَّا إِذَا حَكَى قَوْلًا أَوْ قِرَاءَةً أَوْ حَدِيثًا أَوْ قِصَّةً أَوْ أَثَرًا لِسَلَفٍ، وَأَمَّا نَفْسُ تَفَاسِيرِ الْآيِ وَالرَّدُّ عَلَى بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْجَوَابُ فَمِنْهُ إِلَّا مَا تَرَاهُ مَنْسُوبًا، وَكَانَ يَنْظُرُ بِفِكْرِهِ فِي الْآيَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ تَارَةً يُوَافِقُ نَظَرَ جَارِ اللَّهِ وَالْقَاضِي، وَهُوَ الْغَالِبُ وَالحَمْدُ لِلهِ، وَتَارَةٌ يُخَالِفُهَا، وَيُوَافِقُ وَجْهَا أَحْسَنَ مِمَّا أَثْبَتَاهُ أَوْ مِثْلَهُ،
وَذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ وَسَمَّاهُ هِيمْيَانُ الزَّادِ إِلَى دَارِ الْمَعَادِ". وَقَالَ فِي آخِرِ التَّفْسِيرِ: يَقُولُ الْمُفَسِّرُ كَمَلَ الرُّبْعُ الرَّابِعُ وَقْتَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ لِتِسْع مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ عَامِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ (1/323)
صفحة 324
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَسَبْعِينَ، بِخَطَ الْعَجَلَةِ وَقَلَمِهَا، وَهَذِهِ مُسْوَدَّةٌ لَمْ أُطَالِعُهَا لِلتَّصْحِيحِ، وَسَأُطَالِعُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَقَامَتْ وزَارَةُ التُّرَاتِ وَالثَّقَافَةِ بِطَبْعِهِ لِلْمَرَةِ الثَّانِيَةِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، حَيْثُ انْتَهَتْ طَبْعَةُ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ سَنَةَ 1401 هـ - 1980 م، وَانْتَهَتْ مِنْ طَبْعِ
آخِرِ جُزْءٍ وَهُوَ الْجُزْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ سَنَةَ 1411 هـ - 1991 م.
وَقَدَّمَ لَهُ صَاحِبُ السُّمُو السَّيِّدُ فَيْصَلُ بْنُ عَلى آل سَعِيدٍ وَزِيرُ التُّرَاثِ
الْقَوْمِيَّ وَالثَّقَافَةِ.
وَقَالَ شَاعِرُ الْعُرُوبَةِ وَالْإِسْلَامِ أَبُو مُسْلِمٍ الرَّوَاحِيُّ مُقَرِّظًا إِيَّاهُ فِي مَعْرِضِ ثَنَائِهِ وَمَدِيحِهِ لِلْمُؤَلّفِ قُطب الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْن يُوسُفَ اطْفَيشَ الله: جَاءَ تَفْسِيرُهُ بِمُعْجِزَةٍ قَدْ بَهَرَتْ أَهْلَ الْابْتِدَاعِ سَطَاهَا يَبْرُقُ الْحَقُّ مِنْ مَصَادِرِهِ الْعُلْيَا وَيَنْهَلُ الْعِلْمِ مِنْ مَجَلاهَا قُلْتُ أَرْحَ دَوَامٍ جَدَ وَبِشر إِنَّ هِيمْيَانَ الزَّادِ طَبعا ثَنَاهَا (1/324)
صفحة 325
نماذج مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيْةِ
تَيْسِيرُ التَّفْسِيرِ
325
هُوَ لِقُطْبِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَطْفَيْشَ اللَّهِ، أَلَّفَهُ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ هِيمُيَانِ الزَّادِ وَتَفْسِيرِهِ دَاعِي الْعَمَلِ إِلَى يَوْمِ الْأَمَلِ".
وَهُوَ أَقَلُّ طَوْلًا وَأَقَلُّ تَوَسُّعًا مِنْ هِيمُيَانِ الزَّادِ".
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْمُقَدِّمَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَقَاصَرَتِ الْهِمَمُ عَنْ أَنْ تَهِيمَ بـ "هِيمُيَانِ الزَّادِ إِلَى دَارِ الْمَعَادِ" الَّذِي أَلَّفْتُهُ فِي صِغَرِ السِّنِّ، وَتَكَاسَلُوا عَنْ تَفْسِيرِي دَاعِي الْعَمَلِ لِيَوْمِ الْأَمَلِ أَنْشَطْتُ هِمَّتِي إِلَى تَفْسِيرٍ يُغْتَبَط وَلَا يُمَلُّ، فَإِنْ شَاءَ اللهُ قَبِلَهُ بِفَضْلِهِ، وَأَتمَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَأَنَا مُقْتَصِرُ عَلَى حَرْفِ نَافِعٍ، وَلِمُصْحَفِ عُثْمَانَ تَابِعُ.
وَخَتَمَ تَفْسِيرَهُ هَذَا بِالدُّعَاءِ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا رَبِّ، اكْفِ عَنَّا شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَغْنِنَا بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الْجُلَالِ وَالْإِكْرَامِ، تَقَبَّلْ مِنَّا عَمَلَنَا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ، وَأَبْعِدْ عَنَّا مُحْبِطَاتِ الْأَعْمَالِ، اللهُمَّ عَافِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا أَحْيَيْتَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا إِذَا تَوَفَّيْتَنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. (1/325)
صفحة 326
326
المدخل إلى المذهب الإباضي
مُسْنَدُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ:
مَصَادِرُ السُّنَّةِ وَشُرُوحُهَا
هُوَ أَوَّلُ مُصَنَّفٍ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ مُجَرَّدُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَفَتَاوَاهُمْ وَأَقْوَالِ التَّابِعِينَ.
صَنَّفَهُ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِيُّ بِطَرِيقَةِ التَّأْلِيفِ عَلَى أَسَانِيدِ الصَّحَابَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الْأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ مِنْ طَرِيقِ كُلَّ صَحَابِيٌّ عَلَى حِدَةٍ،
وَلِذَلِكَ عُرِفَ بِمُسْنَدِ الرَّبِيعِ.
وَقَدْ صَنَّفَهُ فِي النَّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ كتب الحَدِيثِ قَدْ صُنَّفَتْ بَعْدُ.
وَقَدْ رَتَّبَهُ الْعَلامَةُ الجَلِيلُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوارِجلَانِيُّ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَوَامِعِ الَّتِي تَجْمَعُ أَحَادِيثَ كُلَّ بَابٍ فِي موضع وَاحِدٍ عَلَى اخْتِلَافِ رُوَاتِهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بـ "الجامِعُ الصَّحِيحُ وَهِيَ طَرِيقَةُ كُتُبِ الْحَدِيثِ مُنْذُ الْقَرْنِ الثَّالِثِ لِلْهِجْرَةِ، أَيِ الترتيبُ عَلَى الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْمُدَونَاتِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَقَدْ تَمَيَّزَ مُسْنَدُ الرَّبِيعِ نَظَرًا لِسَبْقِهِ التَّأْلِيفِي بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: (1/326)
صفحة 327
تمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
الْأَوَّلُ: عُلُو السَّنَدِ، فهو عَنْ أَبِي عبيدةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
زَيْدِ الْأَزْدِيِّ، عَنِ الصَّحَابَةِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
الثاني: الرُّوَاةُ الْفُقَهَاءُ، فَالْإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ وَكَذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ، أَمَّا أَبُو الشَّعْنَاءِ جَابِرُ بْنُ زيْدٍ الْأَزْدِيُّ فَحَدِّثْ عَنِ الْبَحْرِ عِلْمًا وَلَا حَرَجَ، وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَفِي مُقَدِّمَتِهِمْ تجرُ الْعِلْمِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فَهُمُ الشُّمُوسُ الطَّالِعَاتُ وَالْأَنجُمُ الزَّاهِرَاتُ فِي نَقْلِ الدِّينِ وَعُلُومِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ.
وَكَذلِكَ زَوْجَاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَاسِيَّمَا عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، فَإِنَّهُنَّ كُنَّ الْمَدَارِسَ، لَاسِيَّمَا فِي فِقْهِ الْأَسْرَةِ وَالحَيَاةِ الزَوْجِيَّةِ.
بَيْدَ أَنَّ الْجَامِعَ الصَّحِيحَ (مُسْنَدَ الرَّبِيعِ) نَتِيجَةُ لِتَدَاوُلِ النُّسَّاخِ لَهُ نَسْخًا فَقَدْ أُصِيبَ بِالتَّصْحِيفِ، وَقَدْ عَمَدَ الْإِمَامَانِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَطْفَيَشُ وَنُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ إِلَى تَصْحِيحِهِ، حَيْثُ صَحَّحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُسْخَةُ اسْتَخْرَجَهَا مِنَ الْعَدِيدِ مِنَ النُّسَخِ الْمَخْطُوطَةِ.
بَيْدَ أَنَّ النُّسْخَةَ السَّالِمِيَّةَ هِيَ الَّتِي كُتِبَ لَهَا الانْتِشَارُ نَظَرًا لِلتَّبْكِيرِ فِي طبعِهَا، حَيْثُ ظَهَرَتِ الطَّبْعَةُ الأُولَى سَنَةَ 1315 هـ مِنَ الْمَطْبَعَةِ الْبَارُونِيَّةِ بيضر، وَكَانَتْ طَبْعَةً حَجَرِيَّةً، ثُمَّ قَامَ بِطَبْعِهَا قَاسِمُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّمَانِي (1/327)
صفحة 328
المدخل إلى المذهب الإباضي
مُصَحَّحَةٌ فِي أَرْبَعَةِ أَجْزَاء مِنْ مَطَبَعَةِ النَّجَاحِ بِمِصْرَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الطَّبْعَةُ
بحرُوفِ الصَّفِّ الْمَعْرُوفَةِ، وَهِيَ الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ سَنَة 1328 هـ
إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ طَبَعِهِ - أَيِ الْمُسْنَدِ – بِعِنَايَةِ الشَّيْخِ الْمُحَقِّقِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ أطْفَيشَ فِي الْمَطْبَعَةِ السَّلَفِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ سَنَة 1349 هـ فِي مُجَلد وَاحِدٍ، مَعَ تَعْلِيقَاتٍ وَتَصْوِيبَاتٍ، وَسَارَتِ الطَّبَعَاتُ الَّتِي تَوَالَتْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ عَلَى هَذِهِ الطَّبْعَةِ الْأَبِي إِسْحَاقِيَّةِ، وَبِهَا أَلْقَى الْمُسْنَدُ عَصَاهُ وَاسْتَقَرَّ بِهِ النَّوَى طِبَاعَةً وَإِخْرَاجًا.
وَالْجَامِعُ الصَّحِيحُ (مُسْنَدُ الرَّبِيعِ) يَتَكَوَّنُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَجْزَاءِ، الْأَوَّلُ وَالثَّانِي بِالسَّنَدِ الْعَالِي الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ، وَالثَّالِثُ أَحَادِيثُ مُعَلَّقَةٌ، عَلَّقَهَا الْإِمَامُ الربيع إلى النيل، صَنَّفَهَا فِي صُورَةِ احْتِجَاج ضِدَّ مُخَالِفِيهِ لِلاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّةِ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ عَقِيدَةً وَأَحْكَامًا، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى رِوَايَاتِ أَبِي سُفْيَانَ تَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ الْقُرَشِي، وَعَلَى رِوَايَاتِ الْإِمَامِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِي عَنْ أَبِي غَانِمِ الْخُرَاسَانِيّ وَعَلَى مَرَاسِيلِ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وَمِنْ هُنَالِكَ جَاءَتْ تَسْمِيَتُهُ بـ "الْجامِعِ الصَّحِيحِ، وَمَجْمُوعُ أَحَادِيثِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ (1005) أَلْفُ وَخَمْسَةُ أَحَادِيثَ، وَفِي رَأْيِي: إِنَّهُ لَوْ أُعْطِيَتْ كُلُّ رِوَايَةٍ أَوْ حَدِيثٍ رَقْمًا مُتَسَلْسَلًا لَكَانَتِ الْأَحَادِيثُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ (1/328)
صفحة 329
نعَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
الْأَرْقَامِ يَحْتَوِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ مِثْلَ الْحَدِيثِ رَقْمِ (1): عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ، قَالَ: "نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرُ مِنْ عَمَلِهِ".
وَبِهَذَا السَّنَدِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ
بِالنَّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ جُعِلَتَا تَحْتَ رَقْمِ وَاحِدٍ، وَسِرْ عَلَى ذَلِكَ. (1/329)
صفحة 330
الْمُدَوَّنَةُ
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْمُدَوَّنَةُ لِأَبِي غَانِمِ الْخُرَاسَانِي هِي فِي الْفِقْهِ، وَسَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْهَا فِي الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهَا تَحْتَوِي عَلَى أَحَادِيثَ مُسَنَّدَةٍ مَرْفُوعَةٍ إِلَى النَّبِيِّ وَهِيَ أَحَادِيثُ عِدَّةٌ رَوَاهَا أَبُو غَانِمٍ عَنْ أَبِي الْمُوْرِّجِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ
مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ.
فَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّصِلَةِ الْمَرْفُوعَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو غَانِمٍ عَنْ أَبِي الْمُؤَرِّجِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: "أَلَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلْيُعِدُ ذَبْعًا أَخَرَ (بَابُ الدَّبَائِحِ وَالْأَضَاحِيَّ).
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الْمُرْسَلَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو غَانِمٍ عَنْ أَبِي الْمُؤَرِّجِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُصَلَّى ... إِلَخْ. (بَابُ
النَّبَائِحِ وَالْأَضَاحِي).
وَفِيهَا أَحَادِيثُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الصَّحَابَةِ، كَمَا أَنَّ فِيهَا أَحَادِيثَ مَقْطُوعَةٌ عَلَى التَّابِعِيِّ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. (1/330)
صفحة 331
المَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ -
وَلِذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْمُدَوَّنَةُ لِأَبِي غَانِمِ الْخُرَاسَانِيَّ مَصْدَرًا حَدِيثِيًّا بِجَانِبِ
گونِهَا مَصْدَرًا فِقْهِيًّا إِبَاضِيًّا. (1/331)
صفحة 332
حَاشِيَةُ التَّرْتِيبِ
المدخل إلى المذهب الإباضي
حَاشِيَةُ التَّرْتِيبِ مُؤَلَّفَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سِتَّةَ الْمَعْرُوفُ بِالْمُحَنِّي، وَعُرِفَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ حَوَاشِيهِ عَلَى كُتُبِ عَدِيدَةٍ، حَيْثُ بَلَغَتْ حَوَاشِيهِ عِشْرِينَ حَاشِيَةٌ.
وَمِنْهَا حَاشِيَةُ التَّرْتِيبِ، وَهِيَ الْحَاشِيَةُ عَلَى الْجَامِعِ الصَّحِيحِ مُسْنَدِ الْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، وَسَمَّاهَا حَاشِيَةَ التَّرْتِيبِ أَيْ: لِتَرْتِيبِ الْإِمَامِ الْوَارْجَلَانِي لِمُسْنِدِ الْإِمَامِ الرَّبِيعِ.
وَقَدْ طُبعَ كِتَابُ حَاشِيَةِ التَّرْتِيبِ" لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْمَطْبَعَةِ الْبُرْغُشِيَّةِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي زِنجِبَارَ فِي ثَلَاثَةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَقَدْ وَقَفَهُ السُّلْطَانُ بِرعْشُ بْنُ سَعِيدٍ سُلْطَانُ زِنْجِبَارَ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالرَّاغِبِينَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَتْ صِيغَةُ الْوَقْفِ مِنْ إِنْشَاءِ الشَّيْخ العَالِمِ يَحْيَى بْنِ خَلْفَانَ الحُروصِيَّ، وَجَاءَ فِيهَا: قَدْ أَوْقَفَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا الْأَجَلُ الْأَكْرَمُ الْمُحْتَرَمُ الْمُعَظَمُ الْهُمَامُ بِرْعْشُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُلْطَانِ بْنِ الْإِمَامِ هَذَا الْكِتَابَ الْمُسَمَّى بِحَاشِيَةِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْمَعْزِيَّةِ لِلشَّيْخِ الْعَالِمِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَارِجِلَانِيُّ الْمَغْرِبِيَّ الْإِبَاضِيَّ، مُحَتَّى بِحاشِيَةِ لِلشَّيْخِ الْعَالِمِ الْفَقِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَغْرِبِيَّ الْإِبَاضِي عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلّمِينَ وَالرَّاغِبِينَ فِيهِ، ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الثَّوَابِ، وَهَرَبَا مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ عَلَى مَنْ (1/332)
صفحة 333
نْعَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإباضية -------------
333
صَارَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهْبَهُ وَلَا يَرْهَنَهُ وَلَا يَتَمَلَّكَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًا الْقِرَاءَةَ مِنْهُ، وَأَنْ لَا يُعْطِيَهُ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهِ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى إِصْلَاحِ فَلْيُصْلِحْهُ مَنْ صَارَ فِي يَدِهِ، وَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَقْفًا مُؤَبَّدًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا لَا يُحَالُ وَلَا يُزَالُ وَلَا يُبَاعُ هَذَا الْكِتَابُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُرْهَنُ وَلَا يُمَلَّكُ حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ.
وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ: فَلَمَّا كَانَ عِلْمُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ أَنْفَسِ مَا يُقْتَنَى وَأَعَزَّ مَا يُشْتَغَلُ بِتَوْصِيلِهِ وَيُعْتَنَى، صَنَّفَ فِيهَا الْحَفَاظُ الْمُبرِزُونَ مُصَنِّفَاتٍ كَثِيرَةٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ أَصَحْهَا رِوَايَةٌ وَأَخَفَّهَا رِعَايَةً تَصْنِيفُ أَبي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَارِجَلَاتِي الْمُسَمَّى بِكِتَابِ التَّرْتِيبِ، أَجْزَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ أَوَّلًا لِكَوْنِ أَحَادِيثِهِ غَيْرَ مُرْسَلَةٍ، بَلْ هُوَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ
عَبَّاس وَغَيْرِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَلَعَلَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ عَنِ الشَّيْخِ يَحْيَى بْنِ خَلْفَانَ الْخُرُوصِيَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ طِبَاعَتَهُ كَانَتْ كَمَا يلي: (1/333)
صفحة 334
المدخل إلى المذهب الإباضي
- الجزء الْأَوَّلُ فِي عَهْدِ السُّلْطَانِ برْعْشَ بْنِ سَعِيدٍ سَنَة 1304 ه، وَلَعَلَّ الْمُقَدِّمَةَ كَانَتْ عَنِ الشَّيْخِ يَحْيَى بْنِ خَلْفَانَ الْخُروصِيَّ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الَّذِي أَشْرَفَ عَلَى طَبْعِهِ وَتَصْحِيحِهِ وَإِخْرَاجِهِ.
- الجزآنِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ عَلَى عَهْدِ السُّلْطَانِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُلْطَانٍ
فَالثَّانِي فِي سَنَةِ 1307 ه، وَالثَّالِثُ فِي سَنَةِ 1308 هـ
وَكَانَ آخِرَ الْكِتَابِ تَقْرِيظٌ لِشَاعِرِ الْعُرُوبَةِ وَالْإِسْلَامِ أَبِي مُسْلِمٍ نَاصِرِ بْنِ سالِمِ بْنِ عَدِيم البهلاني الرَّوَاحِيَّ، فَقَدْ قَرَّظَهُ نَقُرًا وَشِعْرًا، وَمِنَ الشَّعْرِ قَصِيدَتُهُ
الَّتِي مَطْلَعُهَا:
إِنَّ الْمَعَارِفَ لِلْقُلُوبِ مَصَائِدُ وَسَنَا الْعُقُولِ بِغَيْرِ وَهْبٍ خَامِدُ إِلَى أَنْ قَالَ:
أَمُحَمَّد مَهَّدْتَ شَرْعَ مُحَمَّدٍ نِعْمَ الْمِهَادُ لَنَا وَنِعْمَ الْمَاهِدُ وَبَسَطْتَ حَاشِيَةً مَلَأْتَ وَصَابَهَا درا وَذَاكَ الدُّرُّ كَنْزُ خَالِدُ وَقَدْ أَعَادَتْ وِزَارَةُ التُّرَاثِ وَالثَّقَافَةِ طَبْعَهُ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بَدْءًا مِنْ عَامِ
1402 هـ - 1982 م، وَجَعَلَتْهُ فِي ثَمَانِيَةِ أَجْزَاء.
وَقَدْ حَقَّقَهُ مُؤَخَّرًا الْأَسْتَاذُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ طلاي مِنَ الْجَزَائِرِ، وَطُبِعَ فِي خَمْسَةِ مُجَلَّدَاتٍ. (1/334)
صفحة 335
نَمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيْةِ
شَرْحُ الجَامِعِ الصَّحِيح
شَرْحُ الجَامِعِ الصَّحِيحِ مُسْنَدِ الْإِمَامِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ لِمُؤَلِّفِهِ الْإِمَامِ الْعَلامَةِ نُورِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّالِمِي.
شَرَحَ فِيهِ صَحِيحَ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، فَقَدْ شَرَحَ الْجُزْتَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ذَوَا السَّنَدِ الْعَالِي اتَّصَالًا وَرَفْعًا، وَجَعَلَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ، وَقَالَ فِي بِدَايَةِ الْكِتَابِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ الْجَامِعَ الصَّحِيحَ مُسْنَدَ الْإِمَامِ الْكَامِلِ، وَالْهُمَامِ الْفَاضِلِ الشَّهِيرِ بَيْنَ الْأَوَاخِرِ وَالْأَوَائِلِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُسْتَقَرَّهُ وَمَثْوَاهُ، مِنْ أَصَعٌ كُتُبِ الْحَدِيثِ سَنَدًا، وَأَعْلَاهَا مُسْنَدًا، فَمَا أَحَقَّ مَتْنَهُ أَنْ يُوصَفَ بالعَزِيزِ، وَمَا أَجْدَرَ سَنَدَهُ أَنْ يُدْعَى بِسَلَاسِلِ الْإِبْرِيرِ، لِشُهْرَةِ رِجَالِهِ بِالْفِقْهِ الواسع وَالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْوَرَعِ الْكَامِلِ وَالْفَضْلِ الشَّامِلِ وَالْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ وَالضَّبْطِ وَالصَّيَانَةِ، لَكِنَّ طُولَ الْعَهْدِ وَسُوءَ الْجِدٌ وَقَعَ فِيهِ التَّحْرِيفُ مِنَ النِّسَاخِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَأَجْمَعْتُ عَلَى تَصْحِيحِهِ عَزْي عَلَى قَدْرِ مَبْلَغَ عِلْمِي وَفَهْمِي، فَجَمَعْتُ مِنْ نُسَخِهِ مَا أَمْكَنَ، وَاخْتَرْتُ مِنْ مَجْمُوعِهَا مَا هُوَ أَلْيَقُ وَأَحْسَنُ، فَخَرَجَتْ مِنَ الْجَمِيعِ نُسْخَةُ أَرَى أَنَّهَا أَصَحُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا أَدَّعِي سَلَامَتَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ فَوْقَهَا مِنْ مَطَافٍ، وَبَعْدَ أَنْ يَتِمَّ تَصْحِيحُ الْكِتَابِ شَرَعْتُ فِي تَعْلِيقِ تَفْرِيرَاتٍ تُبَيِّنُ مَعْنَاهُ اللَّطِيفَ، وَتَحَلُّ مَبْنَاهُ الْمَنِيفَ يَنْتَفِعُ بِهَا الْعَالِمُ والضَّعِيفُ، عَلَى وَتِيرَةٍ مُخْتَصَرَةٍ، وَطَرِيقَةٍ مُعْتَبَرَةٍ، (1/335)
صفحة 336
////////
المدخل إلى المذهب الإباضي
اقْتَصَرْتُ فِيهَا عَلَى أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ الاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مِنْ بَيَانِ الْمَتْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَزَّ لِي فِي أَثْنَاءِ التَّأْلِيفِ أَنْ أَجْعَلَ الشَّرْحَ مُتَوَسِّطًا لَا طَوِيلًا مُمِلًّا وَلَا قَصِيرًا خِلًا، فَمِنْ ثَمَّ تَجِدُ الاخْتِصَارَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَشَدَّ مِنْهُ فِي مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ثُمَّ أَخَذَ يُتَرْجِمُ لِلْمُرَتِّبِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَارْجَلانِيِّ، وللْمُصَنِّف الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِي، وَلأَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، وَلِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ للصَّحَابَةِ الَّذِينَ جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ طَرِيقِهِمْ.
وَابْتَدَأَ شَرْحَهُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي النِّيَّةِ.
وَخَتَمَ الجُزْءَ الثَّانِي مِنَ الشَّرْحِ الْقَيِّمِ بِالْقَوْلِ: ثَمَّ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ التَّرْتِيبِ، يَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللهُ الْجُزْءُ الثَّالِثُ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِمَنَّهِ.
وَخَتَمَ الْجُزْء الثَّالِثَ بِالْقَوْلِ: هَذَا آخِرُ مَا تَسَنَّى لَنَا كِتَابَتُهُ عَلَى الْجَامِعِ الصَّحِيح مُسْنَدِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَحَادِيثِ الحَبِيبِ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْجُزْءُ الثَّالِثُ مِنَ الشَّرْحِ، وَيَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْجُزْءُ الرَّابِعُ فِي شَرْحِ تَوَابِعِ الْمُسْنَدِ، وَهِيَ أَحَادِيثُ احْتَجَّ بِهَا الرَّبِيعُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَأَحْقَهَا الْمُرَتِّبُ بِالْكِتَابِ، وَجَعَلَهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَالْحَمْدُ لِلهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ. (1/336)
صفحة 337
تَمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ:
نَمَاذِجُ مِنْ مَصَارِدِ الْعَقِيدَةِ
الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ مُؤَلَّفَهُ الْعَلَّامَةُ الْمَوْسُوعِيُّ الْكَبِيرُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ
إبْرَاهِيمَ الْوَارجلاني وهو في علم العقيدة والمنطق والكلام.
وَجَاءَ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُؤَلّفِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَطَرَ هَذَا الجِنْسَ الْعَاقِلَ، فَجَعَلَهُ أَفْضَلَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ خَيْرًا فَجَعَلَهُ أَفْضَلَ الْعَالَمِينَ، وَخَلَقَ الْأُمَمَ أُمَّةٌ بَعْدَ أُمَّةٍ، فَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَفْضَلَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، بِشَهَادَتِهِمْ يَوْمَ الدِّينِ عَلَى رُؤُوسِ الْعَالَمِينَ، فَقَصَرَ الْحَقَّ عَلَى الْفِرْقَةِ الثَّالِثَةِ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا سِوَاهَا فِي الْهَلَاكِ وَالرَّدَى أَبَدَ الْآبِدِينَ، وَجَاءَ الشَّرْعُ بيصْدَاقِ مَا قُلْنَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُهُنَّ إِلَى النَّارِ مَا خَلَا وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةٌ. وَبَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ يَبْدَأُ بِبَابِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأُمَّةِ.
وَخَتَمَ كِتَابَهُ قَائِلًا: وَالْخَبَرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ، خَبَرٍ عَنِ الدُّنْيَا وَزَوَالِهَا، وَخَبَرٍ
عَنِ الْآخِرَةِ وَدَوَامِهَا، وَخَبَرٍ عَنِ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ.
وَهَذَا آخِرُ مَا تَيَسَّرَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (1/337)
صفحة 338
338
المدخل إلى المذهب الإباضي
كِتَابُ النُّورِ
كِتَابُ النُّورِ لِلْعَلَّامَةِ أَبِي أَحْمَدَ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمِّ الْعَزْرِيِّ. وَسَبَبُ تَأْلِيفِهِ: أَنَّ صَاحِبَهُ وَأَخَاهُ فِي الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّعَالِيَّ النَّزْوِي سَأَلَهُ أَنْ يُؤَلِّفَ كِتَابًا فِي الْعَقِيدَةِ لِوَلَدِهِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّعَالِي، لَمَّا نَشَأَ مُتَعَلِّما مُحِبًا لِلْعِلْمِ، فَأَجَابَهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى طَلَبِهِ وَسُؤَالِهِ وَفَاءًا بِحَقِّ الْأُخُوَّةِ
وَالصُّحْبَةِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُؤَلّفِ لِلْكِتَابِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْآخِرُ الَّذِي لَا يَزَالُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْعَالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْخَالِقِ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمَالِكِ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْمُحْصِي لِعَدَدِ كُلِّ شَيْءٍ لَا تحدُودَ كَالْمَعْدُودَاتِ، وَلَا كَيْفِيَّةً كَالْمُكَيْفِيَّاتِ، فَنَفْسُهُ ذَاتُهُ، وَذَاتُهُ إِنْبَاتُهُ، لَا أَدَاةَ كَالأَدَوَاتِ، وَلَا نَفْسَ كَأَنْفُسِ الْمَنْفُوسَاتِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاوَاتِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وَانْتَقَلَ بَعْدَ الْمُقَدَّمَةِ إِلَى الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي التَّوْحِيدِ، وَهَكَذَا رَتَّبَ الْكِتَابَ
عَلَى أَبْوَابٍ. (1/338)
صفحة 339
نماذج مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ -
مَعَالِمُ الدِّينِ
مَعَالِمُ الدِّينِ هُوَ مِنْ تَأْلِيفِ الْعَلَامَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَاجُ إِبْرَاهِيمَ
النَّمِينِي الْمُصْعَبِيِّ الْيَسْجِنِي.
وَهُوَ كِتَابٌ يَحْتَلُّ الْمَصْدَرِيَّةَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْعَقِيدَةِ، وَمَعْرِفَةِ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالدَّيَانَاتِ.
وَقَدْ رَتَّبَهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى مَعَالِمَ، وَقَسَّمَ الْمَعَالِمَ إِلَى مَرَاصِدَ، وَقَسَّمَ الْمَرَاصِدَ إِلَى مَقَاصِدَ.
وَجَاءَ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُؤَلّفِ لِلْكِتَابِ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَلَى نَبِيِّهِ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ وَذِكْرِ أَهَمِّيَّةِ الْإِنْسَانِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا يَمْتَازُ بِمَا أُعْطِيَ مِنَ الْقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، وَبِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الْعَقْلِ وَالْعُلُومِ
الضَّرُورِيَّةِ، فَإِذَنْ كَمَالُهُ بِتَعَقُلِ الْمَعْقُولَاتِ، وَاكْتِسَابِ الْمَجْهُولَاتِ". ثُمَّ عَرَّجَ إِلَى مَدْحِ عِلْمِ الْكَلَامِ قَائِلًا: "هَذَا وَإِنَّ أَرْفَعَ الْعُلُومِ وَأَعْلَاهَا مَنَارًا وَأَنْفَعَهَا وَأَجْدَاهَا ثِمَارًا، وَأَجْدَاهَا بِعَقْدِ الْهِمَّةِ لَهَا، وَإِلْقَاءِ الشَّرَاشِرِ عَلَيْهَا وَإِنْعَابِ النَّفْسِ فِيهَا، وَصَرْفِ الزَّمَانِ إِلَيْهَا، عِلْمُ الْكَلَامِ الْمُتَكَفَّلُ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَجْسَامِ". (1/339)
صفحة 340
340
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ طَوِيلَةُ، لِأَنَّ الْمُؤَلَّفَ الثَّمِينِيَّ لَدَيْهِ قُوَّةُ أُسْلُوبٍ وَجَوْدَةُ سَبْكٍ لِلْكَلامِ وَاشْتُهِرَ بِتَأْلِيفِ الْمُتُونِ ذَاتِ الْعِبَارَاتِ الْقَوِيَّةِ الْمُخْتَصَرَةِ الْجَامِعَةِ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ.
وَخَتَمَ كِتَابَهُ الْمُهم بِالْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفِرَقَ الْإِسْلَامِيَّةَ: وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرَ مَا قَصَدْنَا جَمْعَهُ مِنْ مَعَالِمِ الدِّين فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَاللهُ الْمُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ. (1/340)
صفحة 341
نمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْعُقُولِ
كِتَابُ مَشَارِقِ أَنْوَارِ الْعُقُولِ أَلَّفَهُ الْإِمَامُ الْعَلَامَةُ نُورُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حميْدٍ السَّالِمِيُّ، وَهُوَ شَرْحُ لِمَنْظُومَةِ أَنْوَارِ الْعُقُولِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَيْتًا رَجْزًا، وَشَرَحَهَا شَرْحًا مُخْتَصَرًا سَمَّاهُ بَهْجَةُ أَنْوَارِ الْعُقُولِ" ثُمَّ شَرَحَهَا شَرْحًا وَاسِعًا سَمَّاهُ مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْعُقُولِ، وَقَدْ فَرَغَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ تأْلِيفِهِ سَنَةَ 1313 هـ وَطُبِعَ عَلَى نَفَقَةِ السُّلْطَانِ حمودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ سُلْطَانِ
زنجبار
وَالطَبْعُهُ الثَّانِيَة بِتَصْحِيحِ وَتَعْلِيقِ مِنْ سَمَاحَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَدٍ
الخَلِيلِ الْمُفْتِي الْعَامَّ لِلسَّلْطَنَةِ سَنَةَ 1398 هـ - 1978 م.
وَمِنْ عَمَلِ الشَّيْخِ الْخَلِيلِي فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ حَذَفَ مَسْأَلَةَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الَّتِي أَوْصَى الْمُؤَلِّفُ بِحَذْفِهَا، وَهِيَ فِي وِلَايَةِ الْحَقِيقَةِ وَبَرَاءَةِ الْحَقِيقَةِ، بَعْدَ أَنْ أَثَارَتْ عَلَيْهِ عَاصِفَةٌ مِنَ الانْتِقَادِ، وَالْكَلَامُ الْمَحْذُوفُ هُوَ أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ شَقِيًّا فَاكْتُبْنِي سَعِيدًا، فَمَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتُ كَتَبْتَنِي فِي جُمْلَةِ الْأَشْقِيَاءِ فِي التَّوْحِ الْمَحْفُوظُ فَامْحُ اسْمِي مِنْ هُنَالِكَ وَاكْتُبْنِي فِي جُمْلَةِ السُّعَدَاءِ". (1/341)
صفحة 342
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَهَذَا لَا يُنَافِي مَعْلُومَهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُثْبِتُ فِي التَّوْحِ أَشْيَاءَ إِطْلَاقًا، وَهِيَ فِي عِلْمِهِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَثْبُتَ أَنَّ فُلَانًا شَقِيٌّ، وَفِي عِلْمِهِ أَنَّ شَفَاوَتَهُ ثَابِتَةٌ إِذَا لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ السَّعَادَةَ مَثَلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَطْلُبُهَا مِنْهُ، فَهَذَا وَلِيُّ فِي الحقيقَةِ لِعِلْمِ اللهِ مِنْهُ ذَلِكَ، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ، وَعِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي إِثْبَاتِهِ مُطْلَقًا فِي اللَّوْحِ وَهُوَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى مُقَيَّدُ؟ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ فِي ابْتِلَاءِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا وَجَدُوا فِي التَّوْحِ مَثَلًا مَكْتُوبًا إِنَّ فُلَانًا سَعِيدُ أَوْ شَقِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ رَأَوْا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ سَعِيدُ؛ فَفِيهِ مِنَ الابْتِلَاءِ مَا يَخْفَى، وَيُحْتَمَلُ بَيَانُ الْحِكْمَةِ أَنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُنَا الْإِحَاطَةُ بِحُكْمِهِ تَعَالَى، بَلْ وَلَا الاطَلَاعُ عَلَى
بَعْضِهَا".
وَكَانَ الْمُؤَلِّفُ قَدْ سُئِلَ عَنْهَا، فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَهِيَ الَّتِي أَوْقَعَتْ مُحِبَّكَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْحِ الْمَحْفُوظ مِنَ الْمَشَارِقِ، لَا أَبْقَى اللَّهُ لَهَا ذكرًا (ا) ".
وَجَاءَ فِي مُقَدَّمَةِ الْمُؤَلّفِ لِلْكِتَابِ مَا يَلِي: أَمَّا بَعْدُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِفُ بالتفصيرِ الرَّاحِي مِنَ اللهِ الْعَوْنَ وَالتَّيْسِيرَ، عَبْدُهُ الضَّرِيرُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ أُصُولُ
(1) الجوابات، ج 9، ص 181 (1/342)
صفحة 343
نماذج مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ
الدِّيَانَاتِ أَعْلَى الْعُلُومِ قِدْرًا، وَأَسْنَاهَا فَخَرًا، وَأَشَدَّهَا احْتِيَاجًا، وَأَصْعَبَهَا مِنْهَاجًا وَجَبَ صَرْفُ عَنَانِ الْهِمَّةِ إِلَيْهَا، وَإِلْقَاءُ الشَّرَاشِرِ عَلَيْهَا، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ أَجْرَى الْمَنَّانُ عَلَى لِسَانِي مَنْظُومَةٌ مُنْطَوِيَةٌ فِي ذَلِكَ الْفَنَّ عَلَى أَجَلَّ الْمَعَانِي، سَالِكَةٌ طَرِيقَةَ الْوَسَطِ، وَقَدْ كُنْتُ أَلَّفْتُ عَلَيْهَا شَرْحًا مُطَابِقًا لِمُقْتَضَى حالِهَا، مُوَضّحًا لِمُشْكِلِيهَا وَمُفَسِّرًا لإجْمَالِهَا، فَسَنَحَ فِي الْخَاطِرِ أَنْ أُعَلِّقَ عَلَيْهَا شَرْحًا آخَرَ، يُخْرِجُ مِنْ بِحَارِهَا الدُّرَّ الْمَكْنُونَ، وَيَنْشُرُ بَعْضَ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ الْفُنُونِ، وَسَمَّيْتُهُ بِمَشَارِقِ أَنْوَارِ الْعُقُولِ، وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يَتَلَقَّاهُ
بِالْقَبُولِ، وَأَنْ يُيَسِّرَ لَنَا السَّبِيلَ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. (1/343)
صفحة 344
المدخل إلى المذهب الإباضي
344 (1/344)
صفحة 345
مِنْ مَصَادِرِ أُصُولِ الْفِقْهِ
مِنْ مَصَادِرِ أُصُولِ الْفِقْهِ
345 (1/345)
صفحة 346
346
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْجَامِعُ لِابْنِ بَرَكَةَ
كِتَابُ الْجَامِعِ لِلْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ السُّلَيْمِيِّ الْبَهْلوي، هُوَ فِي مُجْمَلِهِ كِتَابٌ فِقْهِيُّ اسْتِدْلَالِيُّ، وَلَكِنَّ مُؤَلَّفَهُ جَعَلَ أَوَّلَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْه.
وَصَارَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ مَرْجِعًا مُهِمَّا فِي عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَصْدَرًا مُهِمَّا مِنْ مَصَادِرِ الْمَذْهَبِ فِي هَذَا الْفَنَّ، وَصَارَ عَلَيْهِ اعْتِمَادُ الْأُصُولِيِّينَ بِاعْتِبَارِهِ أَوَّلَ مَا كُتِبَ فِي هَذَا الْعِلْمِ، قَالَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: ثُمَّ نَبْدَأُ بِذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا، وَتَنَازَعُوا فِي صِحَّةِ الحُكْمِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا قَوَاعِدُ الْفِقْهِ وَأُصُولُ دِينِ الشَّرِيعَةِ، لِحَاجَةِ الْمُتَفَقِّهِ إِلَى ذَلِكَ وَقِلَّةِ اسْتِغْنَائِهِ عَنِ النَّظَرِ فِيهِ وَالاعْتِبَارِ فِي مَعَانِيهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ عِلْمَ الْفِقْهِ أَنْ يَتَعَرَّفَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَأُمَّهَاتِهِ، لِيَكُونَ بِنَاؤُهُ عَلَى أُصُولٍ صَحِيحَةٍ، لِيَجْعَل كُلَّ حُكْم فِي مَوْضِعِهِ، وَيُجْرِيَهُ عَلَ سُنَنِهِ، وَيَسْتَدِلَّ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِالدَّلالةِ الصَّحِيحَةِ، وَالاحْتِيَاجَاتِ الْوَاضِحَةِ، وَأَنْ لَا يُسَمِّيَ الْعِلَّةَ دَلِيلًا، وَالدَّلِيلَ عِلَّةٌ، وَالْحُجَّةَ عِلَّةٌ، وَلِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَعَانِي ذَلِكَ، لِيَعْلَمَ افْتِرَاقَ حُكْمِ الْمُتَفَرِّقِ، وَاتَّفَاقِ الْمُتَّفِقِ، لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَوَامَ مِنْ مُتَفَقِّهِي أَصْحَابِنَا رُبَّمَا ذَهَبَ (1/346)
صفحة 347
مِنْ مَصَادِرِ أُصُولِ الْفِقْهِ
347
عَلَيْهِمْ كَثِيرُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرْنَا، وَتَكَلَّمَ عِنْدَ النَّظَرِ وَمُحَاجَّةِ الْخُصُومِ بمَا يُنْكِرُهُ الْخَوَاصُّ مِنْهُمْ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهُمْ رُبَّمَا وَصَفُوا اللَّفْظَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَنَقَلُوا الْحُجَّةَ عَلَى غَيْرِ حُجَّتِهَا، وَاسْتَعْمَلُوهَا فِي غَيْرِ أَمَاكِنِهَا. عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ التَّأْلِيفُ فِي عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ يُعْتَبَرُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرَكَةَ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِي هُوَ أَوَّلَ مَنْ أَلَّفَ فِيهِ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ، اصطلاحاتٍ وَقَوَاعِدَ، أَمَّا الْعِلْمُ نَفْسُهُ فَقَدْ كَانَ مَعْلُومًا لِلصَّحَابَةِ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ كَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ: نَعَمْ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَدْ جَرَى جُلُّ سَلَفِنَا مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، فَتَرَاهُمْ يَحْكُمُونَ بِالْخَاصٌ فِي مَوْضِعِ الْخُصُوصِ، وَبِالْعَامَّ فِي مَوْضِعِ الْعُمُومِ، وَبِالْمُطْلَقِ فِي مَوْضِعِ الْإِطْلَاقِ وَبِالْمُقَيَّدِ فِي مَوْضِعِ التَّفْيِيدِ، وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرُوا نَفْسَ العِبَارَاتِ الَّتِي اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْفَنِّ، وَرُبَّمَا ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ كَابْنِ بَرَكَةَ. (1/347)
صفحة 348
www
المدخل إلى المذهب الإباضي
348
الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ
لإِمَامِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَارْجِلَانِيَّ فِي
الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِي.
وَيَتَكَوَّنُ كِتَابُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ فِقْهِ الْاخْتِلَافِ مِنْ
وَهُوَ إِلَى جَانِبِ كَوْنِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، بَلْ مِنْ أَهَمِّ مَرَاجِعِهِ فِي الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي فَإِنَّهُ يَجْمَعُ عُلُومًا كَثِيرَةً، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ إِطْلَاقُ اسْمِ "فِكْرِ أُصُولِ
الْفِقْهِ عَلَى مُحْتَوَاهُ.
يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ تَتَبَّعَهُ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى عُلُومٍ لُغَوِيَّةٍ وَكَلَامِيَّةٍ وَفِقْهِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ أُصُولِيَّةٍ وَفِقْهِيَّةٍ.
وَجَاءَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ لِكَثْرَةِ الاخْتِلَافِ فِي فُصُولِهَا، وَقِلَّةِ الاتِّفَاقِ عَلَى أُصُولِهَا، وَكَثْرَةِ التَّنَازُعِ فِي تَحْصُولِهَا؛ لأَنَّهَا بُنيَتْ عَلَى أَمَارَاتٍ وَإِشَارَاتٍ وَعَلَامَاتٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّلِيلِ أَنَّهَا يُسْتَدَلُّ عِنْدَهَا وَتَسْتَدِلُّ بِهِ، وَبَرَاهِينُهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى تَلْوِيحَاتٍ وَتَنْبِيهَاتٍ، وَلَمْ تَكُنْ بَرَاهِينُهَا عَقْلِيَّاتٍ مُطَرِدَاتٍ مُنْعَكِسَاتٍ، غَيْرَ مَقْطُوع بِهَا وَلَا مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، فَلِذَلِكَ أَرَدْنَا أَنْ نُشِيرَ إِلَى الطَّرِيقَةِ الْوُسْطَى مِنْهَا، (1/348)
صفحة 349
مِنْ مَصَادِرٍ أَصُولِ الْفِقْهِ
349
وَنَسْتَعْمِلَ الْجَوَازَ وَنَطْرَحَ الشَّوَادَّ، وَنَسْلُكَ مَسْلَكًا قَصْدًا بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، لِيَقْرَبَ الْمَأْخَذُ عَلَى الْمُقْتَصِدِ، وَتَهُونَ الْمَشَقَّةُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ. (1/349)
صفحة 350
/////
شَرْحُ مُخْتَصِرِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ
المدخل إلى المذهب الإباضي
كِتَابُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ قَامَ بَدْرُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّمَانِيُّ بِاخْتِصَارِهِ، مُبَيَّنَا السَّبَبَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الاخْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: فَلَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى سَبَبَ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي الْحُسْنَى، وَمُحْتَاجًا إِلَيْهَا دِينًا وَدُنْيَا، مَعَ أَنَّهَا لَا تَكَادُ فُرُوعُهَا تَتَنَاهَى، نِيطَتْ بِأَدِلَّةٍ كَافِيَةٍ وَعِلَلٍ تَفْصِيلِيَّةٍ ظَنِّيَّةٍ لِتُسْتَنْبَطَ مِنْهَا الْحَاجَةُ مَوْصُولًا بِمُقَدِّمَاتٍ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا عِنْدَ الاخْتِلَافِ، فَسَمَّوْهَا أُصُولَ الْفِقْهِ.
وَكَانَ كِتَابُ الْعَدْلِ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَارْجِلَانِيَ أَكْمَلَ مَا صَنَّفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، لَكِنَّهُ صَعْبُ الْمَرَامِ لِكَثْرَةِ
الْكَلَامِ اسْتَعَنْتُ بِاللهِ فِي اخْتِصَارِهِ مَعَ فَوَائِدَ مِنْ غَيْرِهِ.
ثُمَّ قَامَ بِشَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ شَرْحُ مُخْتَصَرِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ"، وَصَارَ هَذَا الشَّرْحُ مَرْجِعًا مُهِما مِنْ مَرَاجِعِ عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الرَّئيسةِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ في كِتَابِهِ طَلْعَةُ الشَّمْسِ حَيْثُ قَالَ فِي خِتَامِهِ: وَقَدْ أَخَذْتُ غَالِبَهُ مِنْ ... وَمِنْ شَرْحِ الْبَدْرِ السَّمَاخِي. (1/350)
صفحة 351
مِنْ مَصَادِرِ أُصُولِ الْفِقْهِ
طَلْعَةُ الشَّمْسِ
هُوَ لِلْإِمَامِ نُورِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّالِمِي، وَهُوَ مِنْ أَجَلَّ كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْوَحِيدُ فِي عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّذِي يَطْرَحُ هَذَا الْعِلْمَ الشَّرِيفَ مِنْ خِلَالِ رُؤْيَةِ سِتَّةِ مَذَاهِبَ، هِيَ: الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ، وَالْمَذْهَبُ الْإِبَاضِيُّ، وَالْمَذْهَبُ الزَّيْدِيُّ.
وَهُوَ شَرْحُ لِأُرْجُوزَةِ شَمْسِ الْأُصُولِ لِلْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ، وَتَقَعُ فِي أَلْفِ بَيْتٍ مِنْ
شِعْرِ الرَّجَز.
وَسَمَّى شَرْحَهُ عَلَيْهَا طَلْعَةَ الشَّمْسِ وَيَتَكَوَّنُ مِنْ جُزْءَيْنِ فِي مُجَلَّدَيْنِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ: فَهَذِهِ مَنْظُومَةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ، عَظِيمَةُ الْحَظْرِ، فِي عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ، مَنَّ بِهَا عَلَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، سَمَّيْتُهَا شَمْسَ الْأُصُولِ، وَقَدْ أَخَذْتُ فِي شَرْحِهَا عَلَى وَجْهِ يَرُوقُ لِلنَّاظِرِ، وَيُبْهِجُ الْخَاطِرَ، مُوَضّحًا لِمَعَانِي أَبْيَاتِهَا، وَمُبَيَّنَا لِغَالِبِ نِكَاتِهَا، آخِذًا مِنْ طُرُقِ الشُّرُوحِ أَوْسَطَهَا، وَمِنَ الْعِبَارَاتِ أَحْسَنَهَا وَأَضْبَطَهَا، وَلَئِنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِإِثْمَامِهِ عَلَى هَذَا الْجِنْسِ لَأَسْمَيْتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِطَلْعَةِ الشَّمْسِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَأْمُولُ أَنْ يَتَلَقَّاهُ وَسَائِرَ أَعْمَالِي الصَّالِحِةِ
بِالْقَبُولِ.
قَدْ أَوْضَحَ الْغَايَةَ مِنْ تَأْلِيفِهِ بِقَوْلِهِ: لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الذَّكَاءُ الْقَوِيُّ، والْفِطْنَةُ الْوَاقِدَةُ اللَّذَانِ تَوَصَّلُوا - يَعْنِي الْأَقْدَمِينَ - بِهِمَا إِلَى وَضْعِ الْأَشْيَاءِ فِي (1/351)
صفحة 352
المدخل إلى المذهب الإباضي
مَوَاضِعِهَا مَعْدُومَيْنِ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا، تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الْوُصُولُ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اصْطِلَاحَاتِ الْفَنَّ وَمُمَارَسَةِ قَوَاعِدِهِ، وَضَبْطِ عِلَلِهِ وَقَوَاعِدِهِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَقَدْ رَغِبَ عَنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا لِجَهْلِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنَ التَّحْقِيقِ، وَصُعُوبَةِ مَا فِيهِ مِنَ التَّدْقِيقِ، فَقُصَارَى مُتَّفقِهِمْ حِفْظُ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ، وَغَايَةُ نَبَاهَةِ أَحَدِهِمْ رِوَايَةُ مَا قَالَهُ النُّبَهَاءُ، لَا يَدْرُونَ غَنَّ الْأَقْوَالِ مِنْ سَمِينِهَا، وَلَا خَفِيفَهَا مِنْ رَزِينِهَا، قَدْ حُبِسُوا فِي التَّقْلِيدِ الْمَضِيقِ عَنْ فَضَاءِ التَّحْقِيقِ، وَلَيْتَهُمْ لَمَّا وَقَعُوا هُنَالِكَ عَرَفُوا مَنْزِلَتَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدُهُمْ مَنْزِلَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَقُولُ: هَلُمُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَ الْعِلْمُ وَأَهْلُوهُ، وَبَقِيَ الْجَهْلُ وَبَنُوهُ.
عَلَى أَنَّ الْمُؤَلَّفَ اعْتَبَرَ مُؤَلَّفَهُ هَذَا مِنَ الشُّرُوحِ الْمُتَوَسَطَةِ لِعِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَكَانَ يَأْمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقَةٍ أَعْلَى وَأَكْمَلَ، فَقَدْ قَالَ فِي خَاتِمَةِ الْكِتَابِ: وَلَقَدْ كُنْتُ أَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّرْحُ عَلَى طَرِيقَةٍ أَعْلَى وَأَكْمَلَ وَأَوْفَى وَأَشْمَلَ، لَكِنْ يَدُ الْأَيَّامِ حَالَت بَيْنِي وَبَيْنَ مَا أُرِيدُ، فَجِئْتُ بِهِ مَعَ تَرَادُفِ الْمَصَائِبِ، وَتَكَاتُفِ الْأَشْغَالِ، وَإِلَى اللهِ أُفَوِّضُ أَمْرِي، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْعَلِيمُ بِسِرِّي وَجَهْرِي. (1/352)
صفحة 353
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
الْمُدَوَّنَةُ
وَهِيَ مِنْ تَأْلِيفِ الْعَلَامَةِ أَبِي غَانِمٍ بِشْرِ بْنِ غَانِمِ الْخُرَاسَانِيَّ، وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ عَدَد مِنْ تَلَامِذَةِ الْإِمَامِ الْكَبِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ. وَكِتَابُ الْمُدَوَّنَةِ يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ الْأُولَى فِي الْمَذْهَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِجَانِبِ كَوْنِهِ كِتَابًا فِقْهِيًّا فَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى رِوَايَاتٍ حَدِيثِيَّةٍ مَرْفُوعَةٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ رَوَى مَسَائِلَهُ الْفِقْهِيَّةَ عَنْ سَبْعَةٍ مِنْ تَلَامِيذِ أَبِي عُبَيْدَةَ إِضَافَةً إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادٍ الْمِصْرِي وَشُعَيْبِ بْنِ الْمَعْرُوفِ الْأَزْدِيِّ وَأَبِي سُفْيَانَ يَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ الْقُرَشِيَّ، مَجْمُوعُ مِنْ رَوَى عَنْهُمْ عَشَرَةٌ
بَيْدَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ سَبْعَةٌ بِقَوْلِهِ: سَأَلْتُ الرَّبِيعَ وَأَبَا الْمُهَاجِرِ وَأَبَا الْمُؤَرِّجِ وَأَبَا سَعِيدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَا غَسَّانَ مَخْلَدَ بْنَ الْعُمَرَدِ وَأَبَا أَيُّوبَ وَحَاتِمَ بْنَ مَنْصُورٍ، مِنْهُمْ مَنْ سَأَلْتُ مُشَافَهَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْبَرَنِي مَنْ سَأَلَهُمْ مُشَافَهَةٌ. (1/353)
صفحة 354
354
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَلَى أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ تُشْبِهُ فِي تَأْلِيفِهَا الْمَوْسُوعَاتِ الْفِقْهِيَّةَ، فَهِيَ وَإِنْ لَمْ يَكْتُبُهَا أُولَيْكُمُ الْمَذْكُورُونَ إِلَّا أَنَّ أَبَا غَانِمٍ رَوَاهَا عَنْهُمْ، فَهِيَ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ التَّأْلِيفِيِّ تُشْبِهُ الْمَوْسُوعَاتِ.
وَكَانَتْ قَدِ انْتَشَرَتْ لَدَى إِبَاضِيَّةِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَلِذَلِكَ كَانَ اعْتِمَادُ الْفِقْهِ الْإِبَاضِي الْمَغْرِبِي عَلَيْهَا، نَظَرًا لانْتِشَارِ نُسَخِهَا هُنَالِكَ مُنْذُ نُسْخَةِ مَكْتَبَةٍ الْمَعْصُومَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ بِتِيهِرْتَ، وَالنُّسْخَةِ الْعَمْرُوسِيَّةِ الَّتِي نَسَخَهَا الْإِمَامُ الْقَدِيرُ عَمْرُوسُ بْنُ فَتْحِ المُسَاكِنِيُّ، وَقَدْ سَمَّاهَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ خَلْفُونَ الْوَارِجلَانِيُّ بِـ "الْغَانِمِي وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا بِـ "الْغَانِمِيَّةِ".
وَقَدِ انْتَقَلَتِ النُّسْخَةُ الْعَمْرُوسِيَّةُ إِلَى الْقَاهِرَةِ، حَيْثُ كَانَتْ مِنْ مُكَوِّنَاتِ مكْتَبَةِ الْوَقْفِ الْإِبَاضِي بِحَيّ الجَامُوسَةِ بمنطقة السيدة زينب، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا هي الَّتِي صَارَتْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ مُقْتَنَيَاتِ دَارِ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ الْمَعْمُورَةِ
بِالْقَاهِرَةِ. وَقَدْ كَانَ عَلَيْهَا بَعْضُ التَّعْلِيقَاتِ أَوِ الزَّيَادَاتِ مِنْ جَانِبِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ نَاجِدٍ أَوْ نَاصِرٍ كَمَا قَالَ الدُّكْتُورُ عَمْرُو النَّامِيُّ (1)، كَمَا عَلَّقَ عَلَيْهَا وَأَعَادَ تَرْتِيبَهَا قُطْبُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَظفيشَ، وَسَمَّاهَا "الْمُدَوَّنَةَ الكُبْرَى".
(1) دراسات عن الإباضية، ص 136. (1/354)
صفحة 355
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
الْجَامِعُ لِابْنِ جَعْفَرٍ
كِتَابُ الْجَامِعِ لِلْإِمَامِ الْعَلَامَةِ الْكَبِيرِ أَبِي جَابِرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ السَّائِيِّ
الْإِزْكوي.
وَصَارَتْ لِكِتَابِ الْجَامِعِ" شُهْرَةٌ عِلْمِيَّةُ فِي الْأَوْسَاطِ الْعِلْمِيَّةِ الْإِبَاضِيَّةِ
حَتَّى عَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ قُرْآنُ الْأَثَرِ" لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَهُمْ.
وَهُوَ أَوَّلُ كِتَابٍ فِقْهِي مُتَكَامِلِ فِي الْفِقْهِ مَوْجُودٍ، حَيْثُ إِنَّ الْمُؤَلَّفَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ عَبَتَتْ بِهَا عَوَادِي الدَّهْرِ، فَأَصْبَحَتْ أَثَرًا بِعْدَ عَيْنٍ.
وَكَانَتْ يَخْطُوطَاتُهُ تَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلَاثِ قِطَعِ، الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ مِنَ الْحَجْمِ الكَبِيرِ، أَمَّا الثَّالِثَةُ فَحَجْمُهَا أَصغر.
وَقَدْ قَامَ عَدَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِزِيَادَاتٍ عَلَيْهِ كَالشَّرْحِ لَهُ، كَزِيَادَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ روحِ الْكِنْدِي، وَأَبِي الْحَوَارِي مُحَمَّدِ بْنِ الْحَوَارِيِّ الْقُرِّيِّ النَّزِوِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكَةَ الْبَهْلَوِيِّ، وَأَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ النَّامِي الكدي الَّذِي أَلَّفَ كِتَابًا وَاسِعًا سَمَّاهُ الْمُعْتَبَرَ فِي سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ، حَيْثُ جَعَلَ جَامِعَ ابْنِ جَعْفَرٍ كَالْأَصْلِ لَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ مِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ الْأَجْزَاءَ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ فُقِدَتْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْجُرْآنِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَهُمَا اللَّذَانِ طُبِعَا مِنْ قِبَلِ وِزَارَةِ التُّرَاثِ وَالثَّقَافَةِ، كَمَا أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْبَلِيغَ أَحْمَدَ بْنَ النَّظَرِ فِي دِيوَانِهِ (1/355)
صفحة 356
356
المدخل إلى المذهب الإباضي
الشَّعْرِي الْفِقْهِي وَالْعَقَدِي جَعَلَ كِتَابَ الْجَامِعِ لِابْنِ جَعْفَرٍ كَالْأَصْلِ لَهُ، فَمُعْظَمُ مَسَائِلِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا مَأْخُوذَةً مِنْهُ.
وَقَدْ قَامَ السَّيِّدُ الْعَلَامَةُ الْمُهَنَّا بْنُ خَلْفَانَ الْبُوسَعِيدِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وَلَا نَدْرِي إِلَى أَيْنَ وَصَلَ فِي تَهْذِيبِهِ إِيَّاهُ، هَلْ هُوَ هَذَا الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا أَمْ غَيْرُهُ لأَنَّهُ قَالَ: وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بَعْدَ تَوْفِيَتِهِ لَنَا بِتَمَامِهِ وَتَيْسِيرِ أَحْكَامِهِ، فَجَاءَ بِحَمْدِ اللهِ حَسَنَ التَّرْتِيبِ، مُهَذَّبًا غَايَةَ التَّهْذِيبِ، وَسَمَّيْتُهُ "تَهْذِيبَ الْأَثَرِ فِي تَلْخِيصِ جَامِعِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. جَاءَ ذَلِكَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ جَامِعِ ابْنِ
جَعْفَرٍ.
وَعَلَى الْعُمُومِ؛ فِكِتَابُ الْجَامِعِ" لابْنِ جَعْفَرٍ يُعْتَبَرُ مَصْدَرًا مُهِمَّا جِدًّا فِي الْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّ، حَيْثُ كَانَ الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِقْهَا عَبْرَ الْعُصُورِ مُنْذُ تَأْلِيفِهِ وَحَتَّى الْآنَ وَإِلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ مِنَ الْأَزْمَانِ. (1/356)
صفحة 357
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
جَامِعُ ابْنِ بَرَكَةَ
تَطَرَّقْنَا فِي ذِكْرِهِ فِي مِحْوَرٍ مَصَادِرٍ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، بِاعْتِبَارِ مُؤَلِّفِهِ أَوَّلَ مَنْ أَلَّفَ فِي عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَجَاءَ تَأْلِيفُهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ "الجامع" مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى صَفْحَةِ (199).
وَلَمَّا كَانَ الْكِتَابُ وَضَعَ فِقْهَا فَنَذْكُرُهُ هُنَا فِي الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ، وَلَقَدِ اعْتَمَدَ الْإِبَاضِيَّةُ شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَيْهِ، فَيَكَادُ لَا يَخْلُو كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فِي الْمَذْهَبِ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُ وَالاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.
وَلِشُهْرَتِهِ إِبَاضِيًّا يُعْرَفُ بـ "الْكِتَابِ" فَإِذَا قِيلَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّةِ: وَمِنَ الْكِتَابِ؛ فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ كِتَابُ جَامِعِ ابْنِ بَرَكَةَ، فَكَأَنَّهُ صَارَ لَقَبًا لَهُ، أَوْ عَلَمّا لَهُ كَحَقِيقَةٍ عُرْفِيَّةٍ إِبَاضِيَّةٍ عُمَانِيَّةٍ.
وَيَقَعُ فِي جُزْعَيْنِ فِي مُجَلَّدَيْنِ، وَهُوَ اسْتِدْلَا لِيُّ فِي الْفِقْهِ، حَيْثُ يَقْرِنُ الْمَسْأَلَةَ بالدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوِ الْاِتِّفَاقِ، وَيَرْبطُ الْفُرُوعَ
بِالْأُصُولِ.
وَهُوَ بِحَقِّ مَفْخَرَةُ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِي فِي الْفِقْهِ، بَلْ هُوَ سَفِيرُ الْمَذْهَبِ فِقْهَا إِلَى أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى، فَلَا يَكُونُ مِنْهُمْ إِلَّا الثَّنَاءُ وَالْإِطْرَاءُ عَلَيْهِ، لحُسْنِ عِبَارَتِهِ وَجَمَالِ أُسْلُوبِهِ، وَبَلَاغَةِ كَلَامِهِ. (1/357)
صفحة 358
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَمِنْ كَلَامِهِ الرَّائِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الرَّائِعِ الْبَدِيعِ قَوْلُهُ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِهِ قَوْمًا كَانُوا هُمُ الْغَايَةَ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْعِلْمِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَجْنَاسِ الْكَلَامِ جَيْدِهِ وَرَدِيئِهِ، فَشَتَمَ آبَاءَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ، وَقَبَّحَ أَدْيَانَهُمْ، وَضَعَفَ أَخْبَارَهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنْفَةِ والخيَلَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ، فَقَرعَهُمْ بِالْعَجْزِ لِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَمَكَنَهُمْ مِنَ الْفَحْصِ والبحث والاحْتِيَالِ، وَأَمْهَلَهُمُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ فِي إِثْيَانِهِمْ بِمِثْلِ الَّذِي أَنَّى بِهِ فِي جِنْسِهِ وَنَظْمِهِ مَا يُوجِبُ إِحْقَاقَهُمْ وَإِبْطَالَهُ، حَاشَا لَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، فَبَدَّلُوا فِي إِطْفَاءِ نُورِهِ وَدَحْضِ حُجَّتِهِ أَمْوَالَهُمْ وَآبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، وَلَمْ يُعَارِضُوا مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ رَبِّهِ بِأُرْجُوزَةٍ وَلَا قَصِيدَةٍ وَلَا خُطْبَةٍ وَلَا رِسَالَةٍ، فَصَحَ بِهَذَا أَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ مَا تَرَكُوهُ إِلَى بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ. (1/358)
صفحة 359
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
جَوَابَاتُ أَبِي سَعِيدٍ وَتَخْرِيجَاتُهُ
امْتَلَأَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ الْإِبَاضِي بِأَفْوَالِ الْإِمَامِ الْعَلَمِ الْعَلَّامَةِ أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ النَّاعِبِيِّ الْكَدِمِي.
وَيَكَادُ لَا يَخْلُو بَابُ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْإِبَاضِي مِنْ قَوْلِ لَهُ أَوْ جَوَابٍ، وَيَدُلُّنَا ذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ السَّائِلِينَ لَهُ، وَالْمُقَيِّدِينَ عِلْمَهُ مِنْ تَلَامِيذِهِ.
وَقَدْ تَفَرَّقَتْ إِجَابَاتُهُ وَأَقْوَالُهُ وَفَتَاوَاهُ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، وَتَنَاقَلَهَا الْعُلَمَاءُ. وَقَدْ قَامَ الْعَلَامَةُ الْمُؤَرِّخُ سَرْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَرْكَوِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ "كَشْفِ الْغُمَّةِ" بِجَمْعِ تِلْكَ الْجَوَابَاتِ وَالْفَتَاوَى وَالْأَقْوَالِ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الجامِعُ الْمُفِيدُ مِنْ أَحْكَامِ أَبِي سَعِيدٍ.
أَمَّا تَخْرِيجَاتُهُ فَكَانَتْ عَلَى كِتَابِ الْإِشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِابْنِ
الْمُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيِّ الشَّافِعِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 317 هـ
فَقَدْ قَامَ الْإِمَامُ أَبُو سَعِيدٍ بِتَخْرِيجِ أَقْوَالٍ عَلَى مَسَائِلِ كِتَابِ الْإِشْرَافِ" وَصَارَتْ تِلْكَ التَّخْرِيجَاتُ أَقْوَالًا فِي الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ، غَيْرَ أَنَّ كِتَابَ الزَّيَادَاتِ" فُقِدَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْبَعْضُ، وَقَدْ كَانَ كَمَا يُقَالُ فِي
أَرْبَعَةِ أَجْزَاء. (1/359)
صفحة 360
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَلَى أَنَّ فِقْهَ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ الْكدي يَمْتَازُ بِالْمُرُونَةِ وَالتَّوْسِيعِ عَلَى النَّاسِ،
وَعَدَمِ التَّطْبِيقِ عَلَيْهِمْ.
وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَنْ تَشَجَّعَ بِعِلْمٍ كَمَنْ تَوَرَّعَ بِعِلْمٍ.
وَصَارَتْ عِبَارَتُهُ هَذِهِ مِنَ الضَّوَابِطِ الْفِقْهِيَّةِ. (1/360)
صفحة 361
م مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
مُخْتَصَرُ الْخِصَالِ
هُوَ لِلْإِمَامِ رَبِّ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ الْعَلَّامَةِ الْأَدِيبِ الشَّاعِرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَمْدَانِي الْحَضْرَيِّ الْيَمَنِي.
وَكِتَابُ "مُخْتَصَرِ الْخِصَالِ" حَازَ عَلَى شُهْرَةٍ كَبِيرَةِ وَوَاسِعَةٍ فِي الْمُحِيطِ الْعِلْمِيِّ الإباضي، وَاعْتَى بِهِ الْعُلَمَاءُ نَظمًا وَتَعْلِيفًا، وَكَثُرَتْ نُسَخُهُ وَكَثُرَ نَاسِحُوهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَازُ بِأَسْلُوبٍ بَدِيعِ لَمْ يُسْبَقْهُ إِلَيْهِ سَابِقُ مَنْ قَبْلِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَمْتَازُ بِتَخْرِيجَاتٍ لِلْمُؤَلِّفِ عَلَى أَقْوَالِ سَابِقِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَرَفْنَا كَذَلِكَ عَالَمِيَّةَ وَالِدِهِ الشَّيْخِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَدْ ذَكَرَ لَهُ أَقْوَالًا عِدَّةٌ فِي كِتَابِهِ هَذَا.
وَقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ مِنْ تَأْلِيفِهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ حَيْثُ قَالَ: فَقَدْ دَعَانِي إِلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ خَشْيَةُ انْطِمَاسِ أُصُولِ الْإِبَاضِيَّةِ لِقِلَّةِ انْتِشَارِهَا فِي الْأَمْصَارِ وَتَقْيِيدِهَا فِي الْأَسْطَارِ.
وَقَالَ فِي مَنْهَجِهِ لِكِتَابِهِ: وَقَدْ نَظَرْتُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِ أَهْلِ مَذْهَبِنَا، فَإِذَا هُوَ عِلْمُ مَنْشُورٌ، وَلَا تُؤدّي الْمَسْأَلَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، غَيْرُ شَامِل لِأُصُولِ الْعِلْمِ، مُفْتَقِرُ إِلَى النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ، فَجَعَلْتُ كِتَابِي هَذَا مُخْتَصَرًا مُوجَزًا، وَفَضَّلْتُهُ (1/361)
صفحة 362
المدخل إلى المذهب الإباضي
أَبْوَابًا، وَجَعَلْتُ كُلَّ بَابٍ مِنْهُ خِصَالًا لِيَسْهُلَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ حِفْظُهُ وَيَقْرِبَ إِلَيْهِ
فَهُمُهُ وَيَزِيدَ الْعَالِمَ نَبَاهَةٌ فِي قَلْبِهِ، وَتَقْوِيَةٌ فِي عِلْمِهِ، وَبَصِيرَةٌ فِي دِينِهِ. عَلَى أَنَّهُ صَدَّرَ كِتَابَهُ بِدِيبَاجَةٍ قَبْلَ الْمُقَدَّمَةِ قَالَ فِيهَا: أَمَّا بَعْدُ، فَلْنُبَيِّنَ لِمَنْ قَصُرَتْ هِمَّتُهُ عَنْ تَأْلِيفِ الشَّرِيعَةِ فِي الدِّينِ، وَعَجَزَ فَهْمُهُ عَنْ إِيضَاحِ مَنْهَجٍ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَسُلَتْ جَوَارِحُهُ عَنْ تَقْيِيدِ آثَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ بِمُلْحِقِ اسْمِ الْمُبْتَدِعِ لِمَنْ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ بِالْحِكْمَةِ فَأَوْضَحَ الْمِنْهَاجَ، وَقَوَّى فِي طَلَبِ الْفَضْلِ عَزْمَهُ فَأَقَامَ الاعْوِجَاجَ، وَبَسَطَ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ جَوَارِحَهُ فَأَوْقَدَ السَّرَاجَ، وَحَقِيقُ عَلَى مَنْ مَنَّ الله عَلَيْهِ بِالنَّعَمِ مِنْ إِثْيَانِ الحِكْمَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ حَقٌّ اللَّهِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ بِالرهوا، وَلَيْسَ الْمَجْدُ يُدْرَكُ بِالْمُنَى وَلَا طَلَبُ الْآخِرَةِ بِالْهُوَيْنَا، وَلَنْ يَبْرَأَ مِنَ الْعُيُوبِ إِلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ وَاصَلَ الْمُؤَلِّفُ هَذِهِ الدِّيبَاجَةَ بِنَصَائِحَ تُعْتَبَرُ مِنْهَاجًا فِي الْأَخْلَاقِ
الْإِسْلَامِيَّة.
وَقَامَتْ عَلَى كِتَابِ مُخْتَصَرِ الْخِصَالِ" أَعْمَالُ عِلْمِيَّةُ تَمَثَّلَتْ فِيمَا يَلِي: - نَظْمُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ رَاشِدِ بْنِ وَردِ الْبَهْلَوِيِّ مِنْ بَحْرِ الرَّجَزِ. - تَعْلِيقَاتُ مِنَ الشَّيْخِ حَبِيبِ بْنِ سَالِمِ الْأَمْبُو سَعِيدِي النَّرْوِي.
- نَظْمُ الْإِمَامِ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي مَدَارِجُ الْكَمَالِ نَظْمُ مُخْتَصَرِ الْخِصَالِ) مِنْ بحر الرجز (1/362)
صفحة 363
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
الضّياءُ
كتَابُ الضَّيَاءِ هُوَ لِلْعَلَامَةِ الْمَوْسُوعِيَّ أَبِي الْمُنْذِرِ سَلَمَةَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَوْنَيِّ الصّحَارِي الْأَزْدِي.
وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابِ الْأَنْسَابِ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّارِيخِ وَكِتَابِ الْإِبَانَةِ فِي
اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَكِتَابُ الضَّيَاءِ مَوْسُوعَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَابْتَدَأَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَبْوَابٍ وَمَسَائِلَ فِي عِلْمٍ الْعَقِيدَةِ وَعِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ بِالاسْتِدْلَالِ اللُّغَوِيِّ عَلَى الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ، حَتَّى لتَكَادُ تَحْسَبُهُ كِتَابًا لُغَوِيًّا مِنْ كَثْرَةِ إِبْرَادِهِ لِلْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَاشْتِفَاقَاتِهَا وَالاسْتِشْهَادِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ شِعْرًا وَنَثْرًا، لِذَلِكَ فَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى ثَرْوَةِ لُغَوِيَّةٍ، بجانِبِ الثَّرْوَةِ الْفِقْهِيَّةِ الكَبِيرَةِ.
وَهُوَ مِنَ الْمَرَاجِعِ الْمُهِمَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ سَبَبَ تَأْلِيفِهِ إِيَّاهُ حَيْثُ قَالَ: فَهَذَا كِتَابُ دَعَانِي إِلَى تَأْلِيفِهِ وَهَدَانِي إِلَى تَصْنِيفِهِ مَا وَجَدْتُهُ مِنْ دَوْسِ آثَارِ الْمُسْلِمِينَ وَطُمُوسِ إِيثَارِ الدِّينِ، وَذَهَابِ الْمَذْهَبِ وَمُتَحَمِّلِيهِ، وَقِلَّةِ طَالِبِيهِ وَمُنْتَحِلِيهِ، فَرَأَيْتُ الْإِمْسَاكَ عَنْ إِحْيَائِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَوُجُودِ السَّبِيلِ إِلَيْهِ ذَنْبًا وَشُؤْمًا، وَذَمَّا وَلُؤْمًا، فَأَلَّفْتُهُ (1/363)
صفحة 364
364
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَلَى ضَعْفِ مَعْرِفَتِي، وَنَقْصِ بَصِيرَتي، وَكلَّةٍ لِسَانِي، وَقِلَّةِ بَيَانِي، طالبًا لِلْأَجْرِلَا لِلْفَخْرِ، وَالتَّعَلُّمِ لَا لِلتَّقَدُّم، وَلِلدّرَاسَةِ لَا لِلرِّيَاسَةِ، غَيْرَ مُدَّعِ لِلْعُلُومِ تَصْنِيفًا، وَلَا مُبْتَدِعِ لِلْفُنُونِ تَأْلِيفًا، لَكِنْ لِأُحْيِيَ بِهِ نَفْسًا، وَأُفْزِعَ إِلَيْهِ أَنسًا، وَأَرْجِعَ إِلَيْهِ فِيمَا أَنْسَى وَلِأَسْتَصْبِحَ بِضِيَائِهِ مُهْتَدِيًا، وَأُصْبِحَ بِمَا فِيهِ مُقْتَدِيًا، إِذِ التَّشَكُكُ مُعْتَرضُ، وَالنِّسْيَانُ ذُو عُنُونٍ، وَالْحِفْظُ خَؤُونُ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ، وَآفَهُ الْعِلْمِ النِّسْيانُ.
وَقَالَ أَيْضًا مُقَرِّظًا كِتَابَهُ شِعرًا:
هَذَا كِتَابُ ضِيَاءٍ فِي الْقُلُوبِ أَخِي أَكْرِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ أَدَبِ سَمَّيْتُهُ بِالضّياءِ إِذْ كَانَ فِيهِ هُدًى مِنَ الْعَمَى وَضِيَا مِنْ ظُلْمَةِ الْعَطَبِ خَصَّصْتُ نَفْسِي بِهِ حُبًّا وَمَعْرِفَةٌ لَهُ وَصَنَّفْتُهُ مِنْ أَصْدَقِ الْكُتُبِ خَصَّصْتُ نَفْسِي بِهِ حُبًّا وَمَعْرِفَةٌ مِنِّي الْهَوَى فَهْوَ مِنْ هَنِّي وَمِنْ أَرَبِي لا أَعْدِلَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا بِفَائِدَةٍ مِنْهُ صَدَقْتُ وَكَفَرَ الْمَرْهُ فِي الْكَذِبِ (1/364)
صفحة 365
م مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
كِتَابُ بَيَانِ الشَّرْعِ
لِلْعَلَّامَةِ الْكَبِيرِ الشَّهِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِنْدِي
النزوي.
وَيَقَعُ الْكِتَابُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ جُزْءًا، وَهُوَ بِحَقِّ مَوْسُوعَةٌ عِلْمِيَّةٌ فِقْهَا وَعَقِيدَةً وَأُصُولًا فِقْهِيَّةٌ، وَهُوَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ
مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، وَكَانَ مَحَلَّ الثَّنَاءِ وَالتَّقْدِيرِ مِنَ الْجَمِيعِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي رَتَّبَهُ وَسَمَّاهُ بَيَانَ الشَّرْعِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْكِنْدِي صَاحِبُ كِتَابِ الْمُصَنَّفِ"، وَإِنَّمَا كَتَبَهَا صَاحِبُهَا وَعَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَجَاءَ ابْنُ عَمِّهِ صَاحِبُ كِتَابِ الْمُصَنِّفِ فَرَتَّبَهُ وَنَسْقَهُ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الاسْمَ الْمَذْكُورَ.
عَلَى أَنَّ مُقَدِّمَةَ كِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَقَدْ جَاءَ فِيهَا: فَهَذَا كِتَابُ صَنَّفَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِنْدِيُّ
السَّمدِيُّ النّزوِيُّ، كَرَّمَ اللَّهُ مَثْوَاهُ وَجَعَلَ جَنَّةَ النَّعِيمِ مَأْوَاهُ.
حَسُنَ فِي الْعِلْمِ تَصْنِيفُهُ، وَازْدَهَرَ فِي الْأَعْيُنِ تَأْلِيفُهُ، وَفَاقَ فِي الْكُتُبِ وَصْفَهُ، وَجَاوَزَ كَثْرَتَهُ جَمْعُهُ بِوُفُورَةِ مَسَائِلِهِ وَسُهُولَةِ مَدَاخِلِهِ، وَاتَّضَاحِ (1/365)
صفحة 366
366
المدخل إلى المذهب الإباضي
مناهِجِهِ، وَبَيَانِ تَخَارِجِهِ، وَوَثِيقِ أُصُولِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَكَثْرَةِ فُرُوعِهِ وَأَبْوَابِهِ، حَوَى جَوَاهِرَ الْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ، وَالْجَوَامِعَ الْمَأْثُورَةَ، وَالسِّيَرَ الْمُؤَلَّفَةَ، وَالْكُتُبَ الْمُصَنِّفَةَ، فَجَاءَ بِحَمْدِ اللهِ سَالِمًا مِنَ الدَّخَلِ، صَحِيحًا مِنَ السَّقَمِ وَالزَّلَلِ، فَرَأَيْنَا مِنَ الْأَلْيَقِ بِهِ تَحْلِيَةٌ، وَالْأَحْسَنَ بِمَا يُشَاكِلُهُ لَقَبًا وَتَسْمِيَةً، أَنْ سَمَّيْنَاهُ كِتَابَ بَيَانِ الشَّرْعِ لِتَضَمُّنِهِ مَعَانِيَ مِنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
ثُمَّ قَرَّظَهُ شِعْرًا قَائِلًا:
هَذَا كِتَابُ بَيَانِ الشَّرْعِ صَنَّفَهُ شَيْخُ سَمَا بِعُلُو دَرْوَةَ الْأَدَبِ خبْرُ تَفِيُّ الحَبِيبِ مُحْتَرِسٌ مِنَ الْمَكَارِهِ وَالزَّلَّاتِ وَالعتبِ بَر جَوَادٌ حَلِيمٌ مُصَقَعُ عَلَم ذَاكَ الصَّنِيعِ لَبِيبُ كَامِلُ الْأَدَبِ محمدُ نَجْلُ إِبْرَاهِيمَ قُدْوَتُنَا مُؤَيَّدُ الدِّينِ بِالْبُرْهَانِ وَالسَّبَبِ سَقَى الْإِلَهُ ضَرِيحًا حَلَّهُ دِيَمٌ وَرَحْمَةٌ تَمْنَحُ الْقُصْوَى مِنَ الرُّتَبِ أَبَانَ فِيهِ فُنُونَ الْعِلْمِ فَاتَّضَحَتْ أَحْسَنَ بِتَصْنِيفِهِ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ إلخ .... القَصِيدَةِ. (1/366)
صفحة 367
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
وَعَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ كِتَابَ بَيَانِ الشَّرْعِ بِجَانِبِ كَوْنِهِ مَوْسُوعَةٌ فِقْهِيَّةٌ فَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى مَادَّةٍ جَيِّدَةٍ فِي عِلْمٍ أُصُولِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْعَقِيدَةِ وَفِي الْأَدَبِ وَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَعُلُومٍ أُخْرَى. (1/367)
صفحة 368
www
كِتَابُ الْمُصَنَّف
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ لِلْعَلَامَةِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِنْدِيِّ النزوي، وَهُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِي صَاحِبٍ كِتَابِ
"بَيَانِ الشَّرْع".
وَيَقَعُ الْكِتَابُ فِي وَاحِدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَهُوَ يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَوْسُوعَاتِ الْفِقْهِيَّةِ، وَمِنَ الْمُطَوَّلاتِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَرَتَّبَهُ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُؤَلَّفَهُ اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى كِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ الَّذِي نَسَّقَهُ
وَأَوْرَدَ فِيهِ فِي أَوَّلِهِ مُقَدِّمَةً لِكِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ وَقَصِيدَتَهُ التَّفْرِيظِيَّةَ لَهُ.
وَإِنَّمَا زَادَ بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: فَهَذِهِ فُصُولٌ وَجَدْتُهَا مُضَافَةٌ إِلَى هَذِهِ الْقِطْعَةِ مِنْ كِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ تَأْلِيفُ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ اخْتِلَالُ وَنَقْصُ فِي بَعْضِ أَبْوَابِهِ وَاعْتِلَالُ؛ لأَنَّهُ وُجِدَ غَيْرَ مُؤَلَّفِ الْأَوْرَاقِ، وَلَا تَجْمُوعِ الْأَجْزَاءِ وَالْأَطْبَاقِ، فَجَمَعَ أَجْزَاءَهُ، (1/368)
صفحة 369
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
وَأَلَّفَ أَبْوَابَهُ، وَأَوْصَلَ بِالتَّأْلِيفِ أَسْبَابَهُ، وَأَنْشَأَ فِيهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، وَرَثَاهُ فِي
كِتَابِهِ شِعرًا.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْقَصِيدَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِنَا لِكِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ". (1/369)
صفحة 370
370
الدَّعَائِمُ
المدخل إلى المذهب الإباضي
هُوَ لِلْعَلَّامَةِ الْمُبْدِعِ الْبَلِيغِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ابْنِ النَّظَرِ، وَهُوَ دِيوَانُ شِعْرِيٌّ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْفِقْهِ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَمَ أَبْوَابَ الْفِقْهِ وَمَسَائِلَهُ شِعْرًا عَلَى الرَّوِيِّ وَالْقَوَافِي، حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى ذَلِكَ سَابِقُ، وَلَعَلَّ هُنَاكَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَى نَظْمِ بَعْضٍ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، لَكِنْ إِلَى نَظْمِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِهِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ
أَبُو نَصْرٍ فَتْحُ بْنُ نُوحٍ الملوشَانِيُّ النفوسِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الرَّائِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ:
لَقَدْ أَسْهَبُوا شَرْحَ الصَّلَاةِ وَأَطْنَبُوا فَمَا بَغَلُوا مِقْدَارَ عِشْرٍ وَلَا عُشْرِ وَنَظَمْتُ فِيهَا الْقَافِيَاتِ لِأَنَّهَا قَدْ أَهْمَلَهَا الشَّيْخُ الْعُمَانِيُّ أَبُو بَكْرِ عَلَى أَنَّ شَمْسَ الْعَصْرِ شَيْخ مُبَرَّزَ أَتَى بِبَدِيعِ الصُّنْعِ بِالنَّظْمِ لِلنَّفْرِ وَلَمْ يَحْدُ مِنْوَالَّا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ بِنْظَمٍ عُلُومِ الْفِقْهِ وَالدِّينِ بِالشَّعْرِ فَأَعْجَزَ أَهْلَ الْعَصْرِ كُلًّا وَبَعْدَهُ كَمَا أَعْجَزَ الْأُمِي مِنْ فَاهِ بِالسِّحْرِ
وَأَرَى أَنَّ الْعَلَامَةَ ابْنَ النَّظَرِ لَمْ يُهْمِلُ نَظْمَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ تُوجَدُ فِي دِيوَانِ الدَّعَائِمِ قَصِيدَةُ فِي أَحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ، كَمَا تُوجَدُ قَصِيدَةٌ أُخْرَى لَهُ فِي أَحْكَامِ صَلَاةِ السَّفَرِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْمَيِّتِ، فَلَا أَظُنُّ أَنَّهُ يُنَظَّمُ (1/370)
صفحة 371
ع مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ الْمُتَعَلَّقَةَ بِالصَّلَاةِ وَيَتْرُكُ الْمَوْضُوعَاتِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ فِي عَادَةِ التَّأْلِيفِ وَالْمُؤَلِّفِينَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ وَالْغُسْلَ قَبْلَ الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلصَّلَاةِ مِنْ فَرَائِضَ وَشُرُوطٍ وَسُنَنِ وَنَوَاقِضَ، وَأَنْ يَكُونَ ذَكَرَ صَلَوَاتِ السَّفَرِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَنَازَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ عَلَى مَا يَبْدُو أَنَّ نَظْمَهُ للأَحْكامِ الْعَامَّةِ للصَّلَاةِ فُقِدَتْ ضِمْنَ مَا فُقِدَ مِنْ قَصَائِدِهِ وَمُؤَلَّفَاتِهِ، لَاسِيَّمَا وَأَنَّ قَصَائِدَهُ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ بَعْدَ إِحْرَاقِ مَكْتَبَتِهِ وَمُؤَلَّفَاتِهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْقَصَائِدُ الَّتِي وَجَدَهَا الْعَالِمُ مُحَمَّدُ بْنُ وَصَّافِ النَّزْوِيُّ الَّذِي قَامَ - جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عَلَى تَتَبُّعِ قَصَائِدِهِ، وَجَمَعَهَا فِي ديوَانٍ وَاحِدٍ وَسَمَّاهُ "الدَّعَائِم".
عَلَى أَنَّ دِيوَانَ "الدَّعَائِمِ أَوْ كِتَابَ الدَّعَائِمِ نَالَ عِنَايَةً كَبِيرَةً جِدًّا مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ شَرْقًا وَغَرْبًا، فَقَدْ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مَحْفُوظًا، وَفِي ذَاكِرَتِهِمْ تَخْزُونًا، وَفِي عُقُولِهِمْ مَفهومًا.
وَالدَّعَائِمُ فِيهِ ثَرْوَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَلُغَوِيَّةٌ، وَقُوَّةٌ شَاعِرِيَّةٌ، فَهُوَ إِبْدَاعُ شِعْرِيٌّ بامتياز، وَاتَّجَهَتْ إِلَيْهِ عِنَايَةُ الْعُلَمَاءِ، فَقَامَ عَدَدُ مِنْهُمْ بِوَضْعِ شُرُوجٍ عَلَيْهِ،
وهي: (1/371)
صفحة 372
المدخل إلى المذهب الإباضي
1 - شَرْحُ مُحَمَّدِ بْنِ وَصَّافٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ شَرَحَهُ، وَسَمَّاهُ الْحَلُّ وَالْإِصَابَةُ".
-2 - شَرْحُ الْبَرَّادِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ النَّامِنِ الْهِجْرِيِّ، وَسَمَّاهُ شِفَاءُ الْحَائِمِ فِي
شَرْح بَعْضِ الدُّعَائِم.
- شَرْحُ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّقِيشِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْحَادِيَ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ، وَسَمَّاهُ مِصْبَاحُ الظَّلَامِ فِي شَرْحِ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ".
4 - شَرْحُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ الخروصِيُّ عَلَى لَامِيَّةِ الْحَجَ الَّتِي مَطْلَعُهَا: عَزَمَ الْحَجَّ فَاسْتَعَدَّ الْجُمَالَى ثُمَّ عَالَى عَلَى الْحِمَالِ الرَّحَالَا ه - شَرْحُ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي، وَسَمَّاهُ الشَّرَفُ النَّامُ بِشَرْحِ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَفْقُود.
وَلِبَلاغَةِ الدَّعَائِمِ وَقُوَّةِ لُغَتِهِ وَجَوْدَةِ شَاعِرِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ كَانُوا يَتَهَيَّبُونَ
شَرْحَهُ وَخَوْضَ غِمَارِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ عَامِرُ بْنُ خَمِيسِ الْمَالِكِيُّ: إِنَّ الدَّعَائِمَ بَحْرُ لَيْسَ يُدْرَى مَا فِيهِ وَجَوْهَرُهُ الْمَكْنُونُ مَا نُقِبَا وَمَا أَصَابَ ابْنُ وَصَّافٍ مَقَاصِدَهُ وَلَا الرَّقِيشِيُّ جَلَّاهُ وَلَا كَرَبَا (1/372)
صفحة 373
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ
هُوَ لِلْعَلَامَةِ الْجَلِيلِ الرَّبَّانِي فَيْلَسُوفِ الْإِسْلَامِ أَبِي طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
مُوسَى الجيطالي.
وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَصْدَرِيَّةِ وَالْكُتُبِ الْمَرْجِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَيَقَعُ فِي جُزْءَيْنِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةَ: الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ،
وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، وَزَادَ عَلَيْهَا الْمَظَالِمَ وَحُقُوقَ الْعِبَادِ وَالْآدَابَ.
وَلِذَلِكَ فَهُوَ كِتَابٌ عَقَدِيٌّ فِقْهِيٌّ سُلُوكِيُّ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ: فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ مَنُوطَةٌ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَاتِ، وَجَبَ عَلَى الْمُكَلِّفِ إِثْقَانُ الْأَوَامِرِ الْمَحْتُومَةِ، وَالالْتِبَاسُ بِهَا فِعْلًا وَامْتِثَالًا، وَالْمَعْرِفَةُ بِمُوجِبٍ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ وَتَطْهِيرِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ نُطْقًا وَاعْتِقَادًا وَتُقْيا وَارْتِدَاعًا، وَلَمَّا كَانَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ مُتَضَمِّنًا قَوَاعِدَ الْإِسْلامِ، وَكَانَتِ السُّؤَالَاتُ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ فِي الْمَعَادِ، رَأَيْنَا أَنْ نَقْصُرَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَلَى سَبْعَةِ أَرْكَانٍ تَحْتَوِي عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْمَظَالِمِ الَّتِي يُلْزَمُ بِهَا الْإِنْسَانُ، وَكُلُّ رُكْنٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَبْوَابٍ مُرَتَّبَةٍ مَبَانِيهَا، وَفُصُولٍ مَشْرُوحَةٍ مَعَانِيهَا، تَكُونُ لِسَالِكِي هَذَا الْمَنْهَجِ مِنَ الْتُحَفِ (1/373)
صفحة 374
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْمَخْرُونَةِ، وَالدُّرَرِ الْمَكْنُونَةِ، يَقِلُّ عَلَى النَّاظِرِ لَفْظُهَا، وَيَسْهُلُ عَلَى الْقَارِيَّ حِفْظُهَا، وَتَكُونُ لِلْمُسْتَرْشِدِينَ مَلْجَأَ يَلْجَأُونَ إِلَيْهِ، وَعِصْمَةٌ يَعْتَصِمُونَ بِهَا. وَفِي الْمُلَاحَظِ أَنَّ الْجِيطَالِي فِي كِتَابِهِ هَذَا مُتَأَثَرُ بِمَنْهَجِ الْعَلَامَةِ يُوسُفَ بْنِ خَلْفُونَ الْوَارِجِلَانِيَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ، وَهَذَا التَّأْثُرُ يَظْهَرُ فِي الْجَانِبِ الْفِقْهِيِّ مِنَ الْكِتَابِ. (1/374)
صفحة 375
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
الإيضاح
كِتَابُ "الإيضاح" لِلشَّيْخِ الْمُحَقِّقِ الْأُصُولِيِّ أَبِي سَاكِنِ عَامِرِ بْنِ عَلِقٍ السَّمَاخِيَّ النفوسِي، وَهُوَ مِنْ أَجَلَّ الْكُتُبِ فِي الْمَذْهَبِ لِجَمَالِ أُسْلُوبِهِ وَوُضُوحِ منْهَجِهِ، وَتَأْصِيلِ مَسَائِلِهِ بِرَبْطِ فُرُوعِهَا بِأُصُولِهَا، وَصَارَ مُعْتَمَدًا فِي فِقْهِ الْمَذْهَبِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ الْاعْتِمَادِ، فَمَا قَرَّرَهُ فِيهِ مِنْ أَحْكَامٍ فَهُوَ الْحُكْمُ الْفَضْلُ، غَيْرَ أَنَّ مُؤَلَّفَهُ لَمْ يُكْمِلُهُ، فَقَدْ وَقَفَ فِيهِ عِنْدَ الْوَصَايَا، وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَى أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَالْجِنَايَاتِ وَالْمِيرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمَعْرُوفَةِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ كَانَ فِيمَا أَلَّفَهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، وَالْعِلْمُ الْغَزِيرُ، وَهُوَ مُتَأَثَرُ فِي تَأْلِيفِهِ بِأَسْلُوبِ إِمَامِ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْصِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ ابْنِ بَرَكَةً رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُمَا صَاحِبًا عِبَارَةِ وَالنَّظَرُ يُوجِبُ عِنْدِي كَذَا، وَعِبَارَةِ وَالنَّظَرُ كَذَا وَإِذَا وَجَدَ الْقَارِئُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَهُمَا، قَالَ النَّاظِرُ: فَالْمَقْصُودُ بِهِ ابْنُ بَرَكَةَ أَوِ السَّمَانِيُّ.
وَقَدْ وَضَعَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ السَدويكْشِيُّ حَاشِيَةٌ عَلَى الْجُزْءِ
الْأَوَّلِ مِنْهُ.
كَمَا وَضَعَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ أَبُو سِتَّةَ الْمَعْرُوفُ بِالْمُحَشَّي حَاشِيَةٌ عَلَى الجزءين الثَّالِثِ وَالرَّابع. (1/375)
صفحة 376
مَنْهَجُ الطَّالِبِينَ
المدخل إلى المذهب الإباضي
كِتَابُ مَنْهَجِ الظَّالِبِينَ وَبَلَاغُ الرَّاغِبِينَ" لِلْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ الْمُجَاهِدِ الْعَظِيمِ خميس بنِ سَعِيدٍ الشَّفَصِيِّ الرُّسْتَاقِ.
وَقَدْ جَعَلَهُ فِي عِشْرِينَ جُزْءًا، وَنَظَرًا لِمَكَانَةِ مُؤَلِّفِهِ الْعِلْمِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، وَجَوْدَةِ كِتَابِهِ تَأْلِيفًا وَتَحْرِيرًا صَارَ الْمَرْجِعَ فِي عَهْدِ دَوْلَةِ الْيَعَارِبَةِ، بَلْ صَارَ كَالدُّسْتُورِ لَهَا، وَكَثُرَتْ نُسَخُهُ، فَمَا مِنْ حِصْنٍ أَوْ مَعْقِلٍ فِي عُمَانَ إِلَّا وَفِيهِ
كِتَابُ مَنْهَجِ الظَّالِبِينَ أَوْ أَجْزَاءُ مِنْهُ، وَكَانَتْ حَرَكَةُ النَّسْخِ نَشِيطَةٌ لِأَجْلِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِي عَنْهُ السَّبَبَ مِنْ وَرَاءِ تَأْلِيفِهِ إِيَّاهُ، حَيْثُ قَالَ: فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الْعِلْمَ قَدْ قَلَّ طَالِبُهُ، وَتَقَاصَرَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وَكَلَّتِ الْهِمَمُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَقَامَاتِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ، وَعَجَزَتْ عَنْ دَرْكِ مَقَاصِدِ السَّابِقِينَ، اسْتَعْمَلْتُ خَاطِرِي فِي تَصْنِيفٍ مُخْتَصَرٍ أَجْمَعُ فِيهِ مَعَالِمَ الشَّرِيعَةِ وَأَنْظُمُ فِيهِ شَتَاتَ الْفِقْهِ وَأُبَيِّنُ أَصْلَهُ وَفُرُوعَهُ، وَأَجْعَلُ مَسَائِلَهُ مَشْرُوحَةٌ مَجْمُوعَةٌ مُتَجَاوِرَةٌ مُتَتَابِعَةٌ مَشْرُوعَةٌ، فَجَمَعْتُ فِيهِ بِغَايَةِ الْإِيجَازِ، الَّذِي لَا يَكُونُ مَعَهُ مَلَالُ، وَاخْتِصَارٍ لَا يَزْرِي بِهِ إِقْلَالُ وَلَا إِخْلَالٌ، وَسَمَّيْتُهُ منْهَجَ الطَّالِبِينَ وَبَلاغَ الرَّاغِبِينَ)، وَجَعَلْتُهُ مُجَزَّءًا عِشْرِينَ جُزْءًا، يَحْتَوِي عَلَى ضُرُوبٍ مِنْ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَفُنُونِ الْعِلْمِ مَجْمُوعَةٍ، وَجَعَلْتُهُ مُعَلَّمًا بِالْأَقْوَالِ
وَمُفَصَّلًا بِالْفُصُولِ لِمُطَالَعَةِ الْمَسَائِلِ، تَقْرِيبًا مِنَ الْإِطَالَةِ وَالْمَلَالَةِ. (1/376)
صفحة 377
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
وَقَدِ ابْتَدَأَهُ مُؤَلَّفَهُ بِبَابِ الْعِلْمِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَخَتَمَهُ بِعِلْمِ الْمِيرَاثِ فِي
الْجُزْءِ الْعِشْرِينَ.
وَيَمْتَارُ كِتَابُ مَنْهَجِ الظَّالِبِينَ بِأَنَّهُ كِتَابٌ تَحْرِيرِيٌّ حَرَّرَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ تَحْرِيرًا بَعْدَ أَنْ جَمَعَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ مِنَ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، لاسِيَّمَا الْمُطَوَّلَةَ مِنْهَا، كَالضَّيَاءِ وَبَيَانِ الشَّرْعِ وَالْمُصَنَّفِ وَالتَّاجِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ حَتَّى أَنَّ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلِيلِيَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ مُعْجَبًا بِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمِ اللَّمْكِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ الْإِمَامَ يَقُولُ: لَيْتَ كِتَابَ مَنْهَجِ الطَّالِبِينَ يُطْبَعُ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِعْجَابِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي حَقَّ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ هَذَا الْقَوْلَ وَقَدِ اخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ أَنْ يُسَبِّيَ الْأَبْوَابَ أَقْوَالًا، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَجَعَلْتُهُ مُعَلَّمًا بِالْأَقْوَالِ.
وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ مُقَرَّظُهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَلْهَاتِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَوَسَمَهُ فِي الْقَوْلِ فِي تَرْجُمَانِهِ فَجَاءَ بِآيَاتٍ لِمَنْ يَتَوَسَّمُ (1/377)
صفحة 378
المدخل إلى المذهب الإباضي
وَفِي كَوْنِهِ مَرْجِعًا وَدُسْتُورًا فِي عَهْدِ دَوْلَةِ الْيَعَارِبَةِ قَالَ: خَمِيسٌ سَعِيدٌ أَسْعَدَ اللَّهُ جَدَّهُ أَتَانَا بِمَا يُغْنِي الْخَمِيسُ الْعَرَمْرَمُ أَغَاثَ قُضَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْهَج إِلَى غُرَفِ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ سُلَّمُ تَحْكُمُ فِي الْأَحْكامِ وَالْحِكَمِ الَّتِي بِهَا فِي دَوَاوِينُ الشَّرِيعَةِ يَحْكُمُ
وَقَدِ اخْتَصَرَهُ الشَّيْخُ الْعَلَامَةُ الْبَلِيغُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الثَّمِينِيُّ الْمُصْعَبِيُّ الْجَزَائِرِيُّ، وَسَمَّاهُ التَّاجَ الْمَنْظُومَ مِنْ دُرَرِ الْمِنْهَاجِ الْمَعْلُومِ". (1/378)
صفحة 379
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
جَوَابَاتُ أَبِي نَبْهَانَ
جوَابَاتُ الْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ الرَّئِيسِ أَبِي نَبْهَانَ جَاعِدِ بْنِ خَمِيسِ الْخَروصِيَّ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمُهِمَّةِ عَقِيدَةٌ وَفِقْهَا وَأُصُولَ فِقْهِ.
وَقَدْ جَمَعَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ سَيْفِ النَّزْوِيُّ فِي سَبْعَةِ مُجَلَّدَاتٍ وَسَمَّاهَا
"الْعِقْدَ الثَّمِينَ".
لَكِنَّهَا لَمْ تُطْبَعْ حَتَّى الْآنَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّ مُؤَلَّفَاتِ أَبِي نَبْهَانَ لَمْ تَلْقَ الْعِنَايَةَ فِي النَّشْرِ، مَعَ عَلَّامِيَّةِ صَاحِبِهَا، وَالاعْتِرَافِ بِإِمَامَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، وَقَدِ اعْتَبَرْتُهُ صَاحِبَ مَدْرَسَةٍ فِكْرِيَّةٍ هِيَ الْمَدْرَسَةُ الْبُونَبُهَانِيَّةُ، غَيْرَ أَنَّنَا لَا نَدْرِي مَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِآثَارِهِ وَهِيَ مَا هِيَ تَأْلِيفًا وَتَحْقِيفًا وَتَحْرِيرًا.
وَيَزْخَرُ كِتَابُ قَامُوسِ الشَّرِيعَةِ لِلشَّيْخِ جَمِيلِ بْنِ خَمِيسِ السَّعْدِيِّ بِأَقْوَالِ
الْإِمَامِ أَبِي نَبْهَانَ، وَأَقْوَالٍ ابْنِهِ الشَّيْخِ نَاصِرِ بْنِ أَبِي نَبْهَانَ. (1/379)
صفحة 380
"
المدخل إلى المذهب الإباضي
قَامُوسُ الشَّرِيعَةِ
كتاب "قَامُوس الشَّرِيعَةِ الْحَاوِي طُرُقَهَا الْوَسِيعَةَ" هُوَ مِنْ تَأْلِيفِ الْعَلَامَةِ الْمَوْسُوعِيِّ الشَّيْخِ جَمِيلِ بْنِ خَمِيسِ السَّعْدِيِّ، وَهُوَ أَطْوَلُ كِتَابٍ فِي الْمَذْهَبِ، حَيْثُ إِنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِنْ تِسْعِينَ جُزْءًا.
وَقَدْ أَوْدَعَهُ مُؤَلَّفَهُ مُؤَلَّفَاتِ الْأَوَّلِينَ وَالْمُعَاصِرِينَ لَهُ، وَهُوَ كَمَا ذَكَرْتُ سَابِفًا يَزْخَرُ بِأَقْوَالِ الْإِمَامِ أَبِي نَبْهَانَ جَاعِدِ بْنِ خَمِيسِ الْخُروصِيَّ، وَأَقْوَالِ ابْنِهِ الشَّيْخِ نَاصِرِ بْنِ أَبِي نَبْهَانَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّ حِبَّهُ وَتَحْبُوبَهُ كِتَابُ بَيَانِ الشَّرْعِ، حَيْثُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ مُبَيِّنًا مَنْهَجَهُ: فَاعْتَمَدْتُ إِلَى رَبِّي، وَتَنَاوَلْتُ قُصَارَى حُبِّي كِتَابِ بَيَانِ الشَّرْعِ الجامع لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَحَذَفْتُ مِنْهُ التَّكْرَارَ، وَخَالَفْتُ بَيْنَ بَعْضِ مَسَائِلِهِ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِلاسْتِقْرَارِ، أَعْنِي مَا تَكَرَّرَ لَفْظًا لَا مَعْنِّي، فَمَا رَأَيْتُ عَنْهُ الْكِفَايَةَ وَالْغِنَى فَوَافَقْتُ بَيْنَ أَنْدَادِهَا، وَفَارَقْتُ بَيْنَ أَضْدَادِهَا، وَيَمَّمْتُ كُلَّ مَسْأَلَةٍ فِي مَسْلَكِهَا، وَنَظَمْتُ كُلَّ جَوْهَرَةٍ فِي سِلْكِهَا، لِيَجْمُلَ التَّنَاسُبُ، وَيَكْمُلَ التَقَارُبُ، وَوَصَفْتُ فِيهِ أَيْضًا كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخَّرِينَ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ مِنْ آثَارِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
وَزِدْتُ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ مَا اخْتَرْتُهُ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْمِلَّلِ الْمُخَالِفِينَ. (1/380)
صفحة 381
ل مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهية
وَهُوَ بِحَقِّ يُعْتَبَرُ مَكْتَبَةً إِبَاضِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وَصَفَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَطْفَيَشُ بِقَوْلِهِ فِي تَعْلِيقِ لَهُ عَلَى كِتَابِ تُحْفَةِ الْأَعْيَانِ" لِنُورِ الدِّينِ السَّالِمِي (ج 2، ص 218): قَامُوسُ الشَّرِيعَةِ هُوَ أَكْبَرُ كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ ظَهَرَ لِلْآنَ، إِذْ يَبْلُغُ تِسْعِينَ جُزْءًا مُسْتَقِلًا كُلُّ مِنْهَا، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ كُلِّهِ مِنْ خِزَانَةِ قُطْبٍ الْأَئِمَّةِ، فَقَدِ اسْتَطَاعَ مُؤَلِّفُهُ أَنْ يَحْشُرَ فِيهِ كُلَّ أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالْآدَابِ
الشَّرْعِيَّةِ وَمَا إِلَيْهَا.
وَأَوَّلُ أَجْزَائِهِ التَّسْعِينَ فِي الْعِلْمِ، وَآخِرُهَا الْجُزْءُ التَّسْعُونُ فِي الْخُدُودِ. (1/381)
صفحة 382
شَرْحُ النِّيل
المدخل إلى المذهب الإباضي
كتاب "شَرْحُ النَّيلِ وَشِفَاءُ الْعَلِيلِ" لِقُطْبِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أطْفَيشَ صَاحِبِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَهَذَا الْكِتَابُ أَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُعَرَّفَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُشَهَّرَ، فَقَدْ طُبِعَ مُنْذُ فَتْرَةٍ وَانْتَشَرَ، فَلَا تَكَادُ تُوجَدُ مَكْتَبَةً فِي جَامِعَةٍ مِنَ الْجَامِعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَّا وَفِيهَا كِتَابُ شَرْحِ النَّيل".
11
وَهُوَ مَوْسُوعَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَيَحْمِلُ آرَاءَ قُطب الْأَئِمَّةِ وَتَحْقِيفَاتِهِ وَتَرْجِيحَاتِهِ، وَهُوَ مَنْ هُوَ عِلْمًا وَفَضْلًا وَدِقَةً وَتَثَتُنا.
وَهَذَا الْكِتَابُ هُوَ الْآنَ الْمُعَبِّرُ عَنِ الْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّ فِي خَارِجِ الْمُحِيطِ الإباضِيَّ، حَيْثُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ فِي الْجَامِعَاتِ، وَيَسْتَقُونَ مِنْهُ فِي بُحُوثِهِمْ وَدِرَاسَاتِهِمْ عَنِ الْفِقْهِ الْإِبَاضِيَّ، وَهُوَ شَرْحُ مَتْنِ كِتَابِ "النِّيلُ وَشِفَاءُ الْعَلِيلِ" وَمَاتِنُهُ هُوَ الْعَلَامَةُ الْبَلِيعُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ التمينِيُّ الْمُصْعَبِيُّ الْمَشْهُورُ بِرَوْعَةِ أُسْلُوبِ الْمَاتِنِ لِلْعُلُومِ.
وَمِنْ لَطِيفِ قَوْلِ الْإِمَامِ الْقُطْبِ: وَلَا أُبِيحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصِرَهُ، أَوْ يَنْتَحِلَ مِنْهُ حَاشِيَةٌ عَلَى النِّيلِ، أَوْ يَشْرَحَ النَّيْلَ بِهِ، أَوْ يُدْخِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ رجع" وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَرْبَحْ وَأَخَافُ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ الْعِقَابِ، وَإِنَّمَا أَلَّفْتُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ وَيَشْتَغِلُوا بِهِ فِي الْعِبَادَةِ. (1/382)
صفحة 383
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
قَالَ هَذَا لَمَّا رَأَى مَا فَعَلَهُ النُّسَاخُ بِكُتُبِ الْفِقْهِ الْعُمَانِيَّةِ مِنَ الزَّيَادَاتِ دَاخِلَ الْعِبَارَاتِ حَتَّى أَصْبَحَ الْقَارِئُ لَا يَسْتَطِيعُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْأَصْلِي وَبَيْنَ كَلَامِ أَصْحَابِ الزَّيَادَاتِ مِنْ نُسَّاحَ وَغَيْرِهِمْ. (1/383)
صفحة 384
384
المدخل إلى المذهب الإباضي
جَوْهَرُ النَّظَامِ
كِتَابُ جَوْهَرِ النَّظامِ فِي عِلْمَيِ الْأَدْيَانِ وَالْأَحْكَامِ" هُوَ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ نُورِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّالِمِي.
وَهُوَ رَجَزْ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ تَقْرِيبًا، اتَّكَأُ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ وَنَاظِمُهُ عَلَى
أُرْجُوزَةِ الشَّيْخِ سَالِمِ بْنِ سَعِيدٍ الصَّائِغِيِّ الْمَعْرُوفَةِ بِـ "دَلَالَةِ الْخَيْرَانِ". وَلَعَلَّ مِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ كُلًّا مِنَ النَّاظِمَيْنِ الصَّائِغِيِّ وَالسَّالِمِي أَنْشَأَ أُرْجُوزَتَهُ وَشَرَعَ فِيهَا فِي مَوْسِمِ الْحَجَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ شَرَعَ فِي إِنْشَائِهَا فِي طَرِيقِهِ إِلَى الحج، فَقَدْ قَالَ:
وَلَمْ أُطَالِعُ يَا أُخَيَّ لِلْأَثَرِ لِعَدَمِ الْكُتبِ لِأَنِّي فِي سَفَر مُسَافِرُ لِحَجِّ بَيْتِ اللهِ لا طَالِبًا فَخْرًا وَلَا مُبَاهِي
وَقَالَ:
تَمَامُهَا فِي رَقْمِهَا وَنَظْمِهَا يَوْمَ الثَّلَانَا فَاسْتَفِدْ مِنْ عِلْمِهَا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرُ الصَّوْمِ صِيَامُهُ فَرْضُ بِكُلِّ يَوْمٍ فِي يَوْمِ ثَانِي مِنْهُ تَمَّ رَقْمُهَا مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ تَمَّ فِيهِ نَظْمُهَا فِي سَابِعِ الْعِشْرِينَ مِنَ الْأَعْوَامِ وَمِائَتَيْ مِنْ هِجْرَةِ الْإِسْلَامِ (1/384)
صفحة 385
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ
وَأَلْفِ عَامٍ قِيلَ هِ قَدْ مَضَى مِنْ هِجْرَةِ الْمُخْتَارِ وَالْعَدُّ انْقَضَى أَيْ أَنَّ الصَّائِغِيَّ نَظَمَ أُرْجُوزَتَهُ دَلَالَةَ الْخَيْرَانِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْحَجِّ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ 1217 هـ، أَمَّا النُّورُ السَّالِمِيُّ فَقَدْ شَرَعَ فِي نَظْمِهِ جَوْهَرَ النظامِ" في مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ ذَهَبَ لِلْحَجِّ سَنَةَ 1323 هـ وَقَالَ فِي بِدَايَةِ نَظْمِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أُرْجُوزَةَ الصَّائِغِيِّ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا أَوْ
على بنائها:
وَبَعْدُ إِنَّ خَيْرَ نَظْمِ بَالِغِ فِي الْفَهْمِ مَبْلَغًا نِظَامُ الصَّائِغِي فَإِنَّهُ حَوَى بَيَانَ الشَّرْعِ مِنْ وَاجِبٍ وَجَائِرٍ وَمَنْعِ وَانْصَبَّ فِي سُهُولَةِ الْأَلْفَاظِ وَطَابَ حِفْظُهُ لَدَى الْحُفَاظِ لَكِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَشْيَاء مَعِيبَةٍ عِنْدَ أُولي الذكاء
وذكر تِلْكَ الْأَشْيَاء المعيبة، إِلَى أَنْ قَالَ:
وَقَدْ حَذَفْتُ بَعْضَ أَشْيَاءٍ مِنْهُ وَزِدْتُهُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْهُ بِهَا يُضِينُ جَوْهَر النظام كَالْبَدْرِ إِذْ يُسْفِرُ فِي الظُّلام شَرَعْتُ فِيهِ بِلادِ الله فَكَانَ هَذَا مِنْ عَظِيمِ الجاه (1/385)
صفحة 386
المدخل إلى المذهب الإباضي
عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ جَوْهَرُ النظامِ تَرَكَ النَّاسُ أُرْجُوزَةَ الضَّائِغِيِّ الَّتِي
كَانَتْ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِمْ، وَأَقْبَلُوا عَلَى جَوْهَرِ السَّالِمِي حِفْظًا وَقِرَاءَةٌ. وَالحَقُّ إِنَّ الْإِمَامَ السَّالِمِي أَوْدَعَهُ اجْتِهَادَاتِهِ الْمُوَفَّقَةَ وَآرَاءَهُ الصَّائِبَةَ مَعَ شَاعِرِيَّةٍ جَيِّدَةٍ فِي نَظْمِهِ تَجْذِبُ الْقَارِئَ، وَصَارَ جَوْهَرُ النَّظامِ" مَرْجِعًا فِقْهِيَّا فِي الْعَقِيدَةِ وَالْفِقْهِ وَالسُّلُوكِ أَوِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَانْتَشَرَ بَيْنَ الْعُمَانِيِّينَ انْتِشَارًا وَاسِعًا، فَالْكُلُّ يَسْتَشْهِدُ مِنْهُ فِي كِتَابَاتِهِ وَأَحَادِيثِهِ.
وَقَدْ قَامَ بِنَثْرِهِ أَوْ شَرْحِهِ شَاعِرُ الْعُلَمَاءِ وَعَالِمُ الشُّعَرَاءِ أَبُو مُسْلِمٍ نَاصِرُ بْنُ سَالِمِ الْبَهِلانِيُّ الرَّوَاحِيُّ، وَسَمَّاهُ "نشَارُ الْجُوْهَرِ فِي عِلْمِ الشَّرْعِ الْأَزْهَرِ، وَلَكِنَّهُ
وَصَلَ إِلَى بَابِ الْجَنَائِزِ مِنْهُ، فَحُمِلَتْ جَنَازَتُهُ رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعًا.
وَكَانَ شَرْحُهُ بَدِيعًا وَنَتْرُهُ عَجِيبًا لِقُوَّةِ عَلَامِيَّتِهِ وَأَدَبِيَّتِهِ وَلُغَوِيتِهِ. وَأَخِيرًا أَخْتمُ هَذَا الْمِحْوَرَ بِدُعَاءِ النُّورِ السَّالِمِي فِي خَاتِمَةِ جَوْهَرِهِ:
وَيَرْحَمُ اللَّهُ فَتَّى دَعَا لِي مِنْ قَلْبِهِ فِي ظُلْمِ اللَّيَالِي (1/386)
صفحة 387
مِن مَصَادِرِ السَّيْرِ الْإِبَاضِيةِ
مِن مَصَادِرِ السِّيرِ الْإِبَاضِيَّةِ (1/387)
صفحة 388
388
المدخل إلى المذهب الإباضي
مَجْمُوعُ سِيَرِ الْمُسْلِمِينَ
وَهُوَ مَجْمُوعُ يَضُمُّ عَدَدًا مِنَ السِّيَرِ، عَالَجَتْ مَوْضُوعَاتٍ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّارِيخ وَالسَّيَاسَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ وَقَضَايَا الْحُكْمِ
وَيَجْمَعُهَا مَوْضُوعُ قَضَايَا الْحُكْمِ فِي ضَوْءِ الْمُعْطَيَاتِ النَّارِيخِيَّةِ وَالْعَقَدِيَّةِ
وَالْفِقْهِيَّةِ.
وَلَمْ يُعْرَفُ وَاضِعُه أَوْ مُصَنِّفُه أَوْ مُرَتِّبُه، وَالظَّاهِرُ أَنَّه وُضِعَ عَلَى مَسَافَةٍ زَمَنِيَّةٍ، وَلَعَلَّ الْبِدَايَةَ فِي ترتيبه كَانَ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ، ثُمَّ امْتَدَّ بِالزَّيَادَةِ إِلَى الْقَرْنِ الْعَاشِرِ الْهِجْرِي، وَهَذَا الْمَجْمُوعُ تُوجَدُ مِنْهُ نُسَخُ عَدِيدَةٌ بَعْضُهَا أَوْسَعُ مِنْ بَعْضٍ.
وَفِي رَأْيِي: إِنَّ نُسْخَةُ مَخطُوطَ الْإِمَامِ السَّالِمِي هِيَ أَوْسَعُ هَذِهِ النُّسَخِ، وَهِيَ
الْآنَ مِنْ مُكَوِّنَاتِ مَكْتَبَةِ نُورِ الدِّينِ السَّالِمِي في بدية.
وَكَذَلِكَ مَخطُوط نُسْخَةُ مَكْتَبَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبُوسَعِيدِي بِالسيبِ
هِيَ أَيْضًا مِنَ النُّسَخِ الْوَاسِعَةِ. (1/388)
صفحة 389
مِن مَصَادِرِ السَّيَرِ الْإِبَاضِيَّةِ
طَبَقَاتُ الْمَشَايِخِ
389
طَبَقَاتُ الْمَشَايِخِ بِالْمَغْرِبِ هُوَ مِنْ تَأْلِيفِ الْعَلَّامَةِ الْمُؤَرِّخِ أَبِي الْعَبَّاسِ
أَحْمَدَ بْن سَعِيدٍ الدرجيني.
وَهُوَ فِي جُزْعَيْنِ:
الْأَوَّلُ: فِي تَارِيخِ الْوُجُودِ الْإِبَاضِيَّ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَتَارِيخِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ. الثَّانِي: فِي تَرَاجِمِ أَعْلَامِ الْإِبَاضِيَّةِ مُنْذُ الْإِمَامِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الْأَزْدِيِّ وَمُنْذُ الْقَرْنِ الثَّالِثِ فَمَا بَعْدُ الْحَصَرَ فِي ذِكْرِ عُلَمَاءِ الْإِبَاضِيَّةِ فِي الْبِلَادِ الْمَغَارِبِيَّةِ. وَقَدْ أَلَّفَهُ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ إِخْوَانِهِ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، فَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ البرادِيُّ فِي كِتَابِ الْجَوَاهِرُ الْمُنْتَقَاةُ فِيمَا أَخَلَّ بِهِ كِتَابُ الطَّبَقَاتِ الَّذِي هُوَ كَتَكْمِلَةٍ لِكِتَابِ طَبَقَاتِ الْمَشَايِخِ لِلدّرجِينِي: ذَكَرَ لِي بَعْضُ الْعَرَابَةِ أَنَّ سَبَبَ تأليف أَبِي الْعَبَّاسِ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَصَلَ الْحَاجُ عِيسَى بْنُ زَكَرِيَّا مِنْ بِلَادِ عُمَانَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا أَرْضَ الْمَغْرِبِ، كَحِلَّ ابْنِ وَصَّافٍ وَجَامِعِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَجَامِعِ ابْنِ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ مِمَّا رَغَبَ إِلَيْهِ فِيهِ إِخْوَانُهُ أَنْ قَالُوا: وَجَّهُوا إِلَيْنَا كِتَابًا يَتَضَمَّنُ سِيَرَ أَوَائِلِنَا، وَمَنَاقِبَ أَسْلَافِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ لَدُنْ وَقَعَ فِيهِ مَذْهَبْنَا إِلَى هَلُمَّ جَرَّا، فَإِنَّهُ قَدْ عَمِيَتْ عَلَيْنَا أَبْنَاؤُهُمْ، وَغَابَتْ عَنَّا آثَارُهُمْ مِنْ بُعْدِ السُّنَّةِ، وَعِظَمِ الْمَشَقَّةِ، فَتَشَاوَرَ مَنْ (1/389)
صفحة 390
390
المدخل إلى المذهب الإباضي
جرْبَةَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعَرَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ، وَمَنْ يُشَارُ بِالْبَنَانِ إِلَيْهِ مِنَ الْحُذَاقِ وَالنُّبَهَاءِ، وَقَرَّرَ طَلَبَةُ إِخْوَانِهِمْ إِلَيْهِمْ وَوَصَفَ لَهُمُ الْكِتَابَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِمْ، فَنَظَرُوا فِي كِتَابِ الشَّيْخِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَدُوهُ مُحِلًّا بِبَعْضٍ التَّفْصِيلِ، قَاصِرًا دُونَ أَمَدَ التَّحْصِيلِ، مَعَ لِسَانِ الْبَرْبَرِيَّةِ أَوْرَدَ أَلْفَاظَهُ مَوَارِدَ التكليف، وَقِلَّةِ تَحَفُظِهِ عَلَى قَوَانِينِ الْعَرَبِيَّةِ أَدْخَلَ بِبَعْضٍ مَعَانِيهِ عَجَاهِلَ التَّعَسُّفِ، فَاهْتَمُّوا بِتَصْنِيفِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى سِيرَةِ الدَّوْلَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ، وَمَنَاقِبِ الْأَسْلَافِ كَمَا طُلِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجِدُوا أَهْلًا لِهَذَا التَّصْنِيفِ غَيْرَ أَبِي الْعَبَّاسِ).
وَقَدْ جَعَلَ الدرجِينِيُّ كِتَابَهُ عَلَى طَبَقَاتٍ، كُلُّ خَمْسِينَ عَامًا لِطَبَقَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَبَقَةٌ مُنْذُ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْقَرْنِ السَّادِسِ الهِجْرِي عِلْمًا بِأَنَّ الدرجِينِي نَفْسَهُ قَدْ عَاشَ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِي.
(1) الجواهر المنتقاة، ص 19، دار الحكمة لبنان.
# (1/390)
صفحة 391
در السير الإباضية من مصادر
سِيرُ السَّمَانِي
391
كِتَابُ "سِيرِ السَّمَانِي هُوَ لِلْعَالِمِ الْمَوْسُوعِيَّ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ
السَّمَاخِيَّ (بَدْرِ الدِّينِ).
وَحَيْثُ إِنَّهُ مِنْ عَلَمَاءِ الْقَرْنِ التَّاسِعَ الْهَجْرِي وَالرُّبْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ الْهِجْرِيِّ، فَإِنَّ كِتَابَهُ السِّيَرَ أَوْسَعُ مِنْ كِتَابِ طَبَقَاتِ الدَرجِينِي الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْآخَرُ أَلَّفَ كِتَابَهُ السَّيَرَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ عُمَانَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ، حَيْثُ قَالَ: فَقَدْ وَرَدَتْ رِسَالَهُ مِمَّنْ أَهَمَّهُ أَمْرُنَا، وَابْتِغَاءِ الْمُطَالَعَةِ عَلَى أَحْوَالِنَا، وَمَعْرِفَةِ أَخْبَارِ بِلَادِنَا الْمُصَانِ مِنْهَا بِإِخْوَانِنَا، وَالَّذِي ضَرَبَ بِجَرَانِهِ عَدُونَا، وَمَعْرِفَةِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ التَّبَرُّج والاكْتِنَانِ، وَالظُهُورِ وَالْكِتْمَانِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى مَنَاقِبِ الْإِخْوَانِ، وَنَسَبِ مَنْ سَلَفَ بِهِ مِنَ الزَّمَانِ مِنَ الْأَيْمَةِ أُولِي التَقيَةِ وَالْإِحْسَانِ، أَمْ مِنْ سَنَامِ الْمَجْدِ قَحْطَانَ أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاحِ وَالصَّبَاحِ وَالرَّمَاحِ رَأْسِ الشَّرَفِ عَدْنَانَ، وَتَضَمَّنَتِ الرَّسَالَةُ أَنَّهُمْ أَحْيَوْا نَفْسَ الشَّرِيعَةِ السَّاطِعَةِ الْغَرَّاءِ، وَطَلْعَ شَمْسِ النَّحْلَةِ النَقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَأَنَّهُمْ رَعَوُا الْعَفْوَ وَشَرِبُوا الصَّفْوَ، وَسَاسُوا بِالْعَدْلِ الْعِبَادَ، وَتَمَكَّنُوا فِي الْبِلادِ، وَسَامُوا الْخَسْفَ أَهْلَ الْجُوْرِ وَالْفَسَادِ بِالْإِمَامِ الْجَوَادِ الْوَارِي الزَّنَادَ الْمَاجِدِ الْأَجْدَادَ الْهُمَامِ الْفَاضِلِ الْأَشَمِّ الْبَاذِلِ اللُّبَابَ، الخلَاحِلِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ الْعَادِلِ الْمُنْتَهِي فِي الشَّرَفِ إِلَى قَحْطَانَ، (1/391)
صفحة 392
المدخل إلى المذهب الإباضي
سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حِمْيَرَ أَوْ أَزْدٍ أَوْ هَمْدَانَ، فَانْشَرَحَتْ لِسُطُوحٍ نُورٍ هِدَايَتِهِمْ صُدُورُنَا، وَسُلُوكِهِمْ حُجَّةَ مَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِنَا، وَإِظْهَارِ مَنْهَجٍ مَذْهَبِ الْحَقِّ مشرقا، بِشَهَادَةِ عَزَابِيلِ الصِّدْقِ.
وَلَعَلَّ الْأَمِيرَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (906 - 942) أَوْ
لَعَلَّهُ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ النَّبَاهِنَةِ. (1/392)
صفحة 393
مِن مَصَادِرِ السَّيَرِ الْإِبَاضِيَّةِ
سِيرَةُ ابْنِ مَدَّادٍ
393
وَهِيَ لِلشَّيْخِ الْعَالِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَدَّادٍ النَّاعِبِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ
الْعَاشِرِ الْهِجْرِي.
وَتَقَعُ السِّيرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كُتَيِّبٍ صَغِيرٍ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ جِدًّا لِمَا تَحْتَوِبِهِ مِنْ مَعْلُومَاتٍ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ وَأَئِمَّتِهِ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ.
وَيَبْدُولِي أَنَّهُ أَلَّفَهَا عَلَى مَرَاحِلَ زَمَنِيَّةٍ بِحَسَبِ مَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْلُومَاتٍ مِنْ خِلَالٍ بَحْثِهِ وَمُطَالَعَتِهِ لِلْكُتُبِ، وَلِذَلِكَ جَاءَتْ غَيْرَ مُتَنَاسِقَةٍ فِي سِيَاقِ مَعْلُومَاتِهَا
وَتَرْتِيبِهَا.
وَقَدْ أَلَّفَهَا بِنَاءٌ عَلَى طَلَبٍ أَحَدٍ إِخْوَانِهِ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِي لَمْ يُصَرِّحُ بِاسْمِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ قَائِلًا: وَرَدَ مَا شَرَّفَنِي بِهِ الْأَخُ الْأَعَزُّ الْهُمَامُ الْمُؤَتِدُ الْفَاضُل الأمجد التقي الحبيب الذكي الأريبُ الصَّغِيُّ الْأَدِيبُ، إِلَى أَنْ قَالَ: قُدْرَةُ الْإِخْوَانِ وَعَلَّامَةُ الزَّمَانِ.
ثُمَّ وَصَفَ الْخِطَابَ الَّذِي تَلَقَّاهُ مِنْ ذَلِكُمُ الْأَخِ الصَّاحِبِ الْعَالِمِ: فَفَضَضْتُ
خِتَامَهُ، وَنَقَضْتُ لِقَامَهُ، فَفَاحَ عِنْدَ ذَلِكَ مِسْكًا ذَكِيًّا.
ثُمَّ قَالَ: وَوَقَفْتُ عَلَى مَا سَطَرَهُ، وَأَبَانَ بِهِ عَمَّا فِيهِ وَفَسَّرَهُ مِنْ طَلَبِ مَعْرِفَةِ
أَسْمَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكُنَاهُمْ وَبُلْدَانِهِمْ وَقُرَاهُمْ. (1/393)
صفحة 394
"
المدخل إلى المذهب الإباضي
إلَى أَنْ قَالَ: وَكَتَبْتُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الضَّعِيفَةَ، وَالْمَعَانِيَ الْعَنِيفَةَ، ثِقَةٌ مِنِّي بِهِ لَا يُظْهِرُهَا، وَأَنْ يَكْتُمَهَا وَيَسْتُرَهَا، وَجَمَعْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَجَدْتُهُ مُتَفَرِّقًا فِي الْكُتُبِ؛ لأَنِّي لَمْ أَجِدْ لَهُ بَابًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَجْمُوعًا فِي كِتَابٍ، وَلَا تَلَقَّفْتُهُ عَنْ أُولِي الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ.
وَقَدْ نُسِبَتِ السِّيرَةُ الْمَذْكُورَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَدَّادٍ فِي الْكُتَيِّبِ الْمَطْبُوعِ، وَهِيَ لابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَدَّادٍ، فَقَدْ جَاءَ فِي مَا قَبْلَ آخِرِهَا (ص 55) تَمَّ هَذَا الْمَجْمُوعُ مِمَّا جَمَعَهُ وَأَلَّفَهُ الشَّيْخُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ التَّقِيُّ الْوَرِعُ الْخَلَاحِلُ التَّقَةُ الرَّضِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَدَّادٍ، بَعْدَ مَا طَلَبَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْإِخْوَانِ أَنْ يُعَرِّفَهُ الْعُلَمَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَسْمَاءَهُمْ وَبُلْدَانَهُمْ، وَشَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْأَبْدَانِ، وَمَوْتِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَمَوْلِدِهِمْ وَمَوْتِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَوْتِ الْمُصْطَفَيَاتِ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَعَلَّ ذَلِكُمُ الطَّالِبَ الَّذِي طَلَبَ مِنَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَدَّادٍ أَنْ يَكْتُبَ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى مَا كَتَبَهُ عُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ تَرَاجِمَ لِعُلَمَائِهِمْ هُنَالِكَ، فَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ هُنَا أَيْضًا ذِكْرٌ وَتَرَاجِمُ لِعُلَمَاءِ
عُمان.
فَجَزَى الله الجميعَ خَيْرًا عَلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عِلْمٍ وَخَيْرٍ.
وَأَطْلَقَ الدُّكْتُورُ عَمْرُو النَّامِي فِي تَحْقِيقِهِ لِكِتَابِ أَجْوِبَةُ ابْنِ خَلَفُونَ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ عُنْوَانَ صِفَةُ نَسَبِ الْعُلَمَاءِ وَمَوْتِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ". (1/394)
صفحة 395
المحتويات
الْمُقَدِّمَةُ.
التَأْصِيلُ التَّارِيخِيُّ. الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
المحتويات
الإمامُ أَبُو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ. - مَجْلِسُ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ.
2 - تَجْلِسُ الطَّلَبَةِ وَهُوَ يَغْشَاهُ الطَّلَبَةُ الْعَادِيُّونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ دِرَاسَة ......
- مَجْلِسُ الْمَشَايِخ:. حَمَلَةُ الْعِلْمِ.
أَوَّلًا: حَمَلَهُ الْعِلْمِ إِلَى الْمَغْرِبِ:.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ الْفَارِسِيُّ. - إِسْمَاعِيلُ بْنُ دِرَارِ الْغَدَامِسِيُّ. 3 - أَبُو دَاوُدَ الْقَبْلي النَّفْزَاوِيُّ.
عَاصِمُ السَدْرَاتي
أَبُو الْخَطَابِ الْمَعَافِرِيُّ ...
- عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مَعْطِيرِ الجَنَّاوِنِيُّ:. ثَانِيَا: حَمَلَةُ الْعِلْمِ إِلَى عُمَانَ:.
-1
مُوسَى بْنِ أَبِي جَابِرِ السَّابِيُّ الْإِرْكَوِيُّ. (1/395)
صفحة 396
396
2 بَشِيرِ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّافِعِيِّ السَّامِيِّ النّزوِيّ. 3 - مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعَلَّى الْكِنْدِي.
4 - مُنير بن النَّيْرِ الرِّيَانِي.
-0
محبوبِ بْنِ الرَّحِيلِ الْمَخْزُويِّ الْقُرَشِئ.
بِنَاءُ الْكِيَانَاتِ السَّيَاسِيَّةِ.
أَوَّلا: دَوْلَهُ الْيَمَنِ:. 1 - الْبَيْعَةُ.
- الاستيلاء عَلَى مَقَرَّ الْحُكْمِ فِي حَضْرَمَوْتَ:.
3 - التَّوَجُهُ إِلَى صَنْعَاءَ:.
- {
-0
-7
الْعَمَلُ فِي صَنْعَاءَ.
تَوْجِيهُ حَمْلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ:.
وَفِي مَكَّةَ نَادَى مُنَادِي أَبِي حَمْزَةَ:. 7 - التَّوَجُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَفِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ:.
- تَلَاحَقَتْ هَزَائِمُ الْإِبَاضِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ:. تَوَجَّهَ الْقَائِدُ الْأُمَوِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْيَمَنِ.
-) •
ثَانِيَا: دَوْلَهُ عُمَانَ:.
1 - اخْتَارُ الْعُمَانِيُّونَ الْجُلَنْدَى بْنَ مَسْعُودٍ إِمَامًا سَنَةَ 132 هـ،
ثَالِثًا: دَوْلَهُ بِلادِ الْمَغْرب.
التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ.
المدخل إلى المذهب الإباضي
الجُمْلَةُ. (1/396)
صفحة 397
المحتويات
فَالتَفْسِيرُ الاعْتِقَادِيُّ:. الْإِيمَانُ بالله ..
اسْتِحَالَةُ الرُّؤْيَةِ.
الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ.
الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ.
خَلْقُ الْقُرْآنِ.
الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ .. الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمَوْتُ:.
عَذَابُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ:.
الْبَعْثُ.
الحساب:
الْمِيزَانُ:.
الصراط:
الشَّفَاعَةُ.
الجنَّةُ وَالنَّارُ:
الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ..
الاستواء.
أَلْفَاظُ تَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيل.
- الوجه.
- الْعَيْنُ:. (1/397)
صفحة 398
المدخل إلى المذهب الإباضي
اليد:
الْقَبْضَةُ.
- الجد:.
الجنب
- المَكْرُ: - الساق. الْوَلَايَةُ وَالْبَرَاءَةُ .. قَضَايَا عَقَدِيَّةٌ أُخْرَى. الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ. - زِيَادَةُ الْإِيمَانِ:.
التَّقِيَّةُ.
أَقْسَامُ الْكُفْرِ.
الْمَعَاصِي ..
التَّوْبَةُ.
الْبِنَاء الْفِقْهِيُّ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أُصول الْفِقْهِ.
الْقُرْآنُ.
2 - السُّنَّة.
- الإجماع: (1/398)
صفحة 399
المحتويات
4 - الْقِيَاسُ:
ه - الاسْتِحْسَانُ.
6 - الاسْتِصْحَابُ.
الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ:.
- الاستقراء.
ثَانِيا: الْقَوَاعِدُ:.
1 - مَفهُومُ الْخِطَابِ:
الْأَمْرُ وَالنَّفْيُ:.
-3 - الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ:.
4 - الْعَام والخاص.
ه - النَّسْخُ:.
ثَالِثًا: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ:.
ا - الحكم.
- الْحَاكِمُ: (1/399)
صفحة 400
المدخل إلى المذهب الإباضي
- الْمَحْكُومُ بِهِ:.
4 - الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ:.
رَابِعًا: قَوَاعِدُ الْفِقْهِ:.
القِسْمُ الثاني الفقه العام ..
الطَّهَارَاتُ وَالنَّجَاسَاتُ.
أَوَّلاً: الطَّهَارَاتُ.
ثانيا: النَّجَاسَاتُ.
وَالْخَبَتُ هُوَ النَّجَسُ ..
وَوَاجِبُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ هِيَ:.
وَالنَّجَاسَةُ أَنْوَاعُ مِنْهَا:.
ثَالِثًا: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ:.
رابعًا: غُسْلُ الْمَيِّتِ.
أَحْكَامُ الْمِيَاءِ.
الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ. (1/400)
صفحة 401
المحتويات
أَوَّلاً: الْوُضُوءُ:
ثانيا: التَّيَمُّمُ.
الصَّلاة.
أَولا: الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ، وَهِيَ.
ثانيًا: الْأَوْقَاتُ الْمَنْعِيُّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا:
ثَالِثًا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ:.
رابعًا: شُروط الصَّلَاةِ.
خَامِسًا: أَرْكَانُ الصَّلَاةِ.
سَادِسًا: سُنَنُ الصَّلَاةِ.
سابعًا: مُسْتَحَيَّاتُ الصَّلَاةِ.
ثَانِيَا: نَوَاقِضُ الصَّلَاةِ.
صَلَاةُ الجَمَاعَةِ ..
صَلاة الجمعة.
صَلَاةُ السَّفَرِ:. (1/401)
صفحة 402
صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ:.
المدخل إلى المذهب الإباضي
صَلَاةُ الْمَرِيضِ.
صَلاة الجنازة.
الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ.
الزَّكاةُ.
زَكَاةُ الْفِطْرِ ..
الصوم.
الْأَوَّلُ: الصَّوْمُ الْمَفْرُوضُ.
الثاني: الصَّوْمُ الْمُسْتَحَبُّ.
الثَّالِثُ: الصَّوْمُ الْمُحَرَّمُ ..
الرابع: الصَّوْمُ الْمَكْرُوهُ ..
الاعتكاف.
الحج.
اشتراك الْعُمْرَةُ وَالحج. (1/402)
صفحة 403
المحتويات
الحقوق.
الْأَيْمَانُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ.
أَوَّلا: الْأَيْمَانُ:
ثانيا: الْكَفَّارَاتُ.
ثالثًا: النُّذُورُ.
التذكية.
الطعام والشراب.
أولا: الطَّعَامُ
ثانيا: الشَّرَابُ:.
النَّكَاحُ ..
أَوَّلا: الزَّوَاجُ.
ثانيا: الطلاق.
الْعِدَدُ.
البيوع.
مَنْهِيَّاتُ الْبُيُوعِ.
الربا. (1/403)
صفحة 404
المدخل إلى المذهب الإباضي
الْمُضَارَبَةُ.
الْإِجَارَاتُ.
الشُّفْعَةُ.
الرَّهْنُ.
الْوَكَالَةُ (التَّوْكِيلُ).
الْأَمَانَةُ.
الْوَدِيعَةُ.
الْعَارِيَة.
اللُّقطة.
أَخْذُ الضَّالَّةِ مِنَ الْحَيَوَانِ.
الْعُمْرَى وَالرُّقْى.
حِيَازَةُ الْأَرْضِ.
الهبة.
الحدود.
الْوَصِيَّةُ.
السَّهَامُ (الْفَرَائِضُ):.
الحجب
القِسْمُ الثَّالِثُ الْفِقْهُ السَّيَاسِيُّ ..
أَوَّلا: وِلَايَةُ الْأَمْرِ الدَّوْلَة). - لَقَبُ الْإِمَامِ (1/404)
صفحة 405
المحتويات
- شَرْعِيَّةُ وَلِي الْأَمْرِ:
1 - الْبَيْعَةِ وَالاخْتِيَارِ. -2 الرّضَى وَالتَّسْلِيمُ.
- صِفَةُ الْإِمَامِ. - أَعْضَاءُ الحكومة: - عَزَلُ الْحَامِ. ثَانِيا: الْقَضَاءُ:.
- تَعْيِينُ الْقَاضِي.
- صِفَةُ الْقَاضِي:
آدَابُ الْقَاضِي فِي تَجْلِسِ الحُكْمِ. - تَوْثِيقُ الحُكْمِ. - الصُّلْحُ.
- الخطوط الْعَامَّةُ لِلْقَضَاءِ:
- التَّحْذِيرُ مِنَ الْقَضَاءِ.
- اسْتِقَالَةُ الْقَاضِي:
- ثَالِثًا: أَهْلُ الحَل وَالْعَقْدِ.
- الشورى:. - أَهَمِّيَّةُ الشُّورَى.
- حُكْمُ الشُّورَى.
- تَطَوُّرُ الشُّورَى.
أَقْسَامُ الْإِمَامَةِ. (1/405)
صفحة 406
المدخل إلى المذهب الإباضي
-1 - إمَامَةُ الْكِتْمَانِ:
2 - إمَامَةُ الشَرَاء.
- إِمَامَةُ الدَّفاع:. 4 - إمامة الظهور.
الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.
الاحْتِسَابُ.
من أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ وعلمائه. سَالِمُ بْنُ ذَكْوَانَ الْهِلَالِيُّ الْعُمَانِيُّ.
جَعْفَرُ بْنُ السَّمَاكِ.
صُحار.
الحتَاتُ بنُ كَاتِبِ الهُمِيمِيُّ.
ضِمَامُ بْنُ السَّائِبِ النَّدَبِيُّ.
صَالِحُ الدَّهَّانُ.
حَيَّانُ الْأَعْرَجُ. أَبُو يزَيْدٍ الْخُوَارِزْيُّ.
سَلَمَةُ بْنُ سَعْدٍ.
الْجُلَنْدَى بْنُ مَسْعُودٍ.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمَ الْفَارِسِيُّ .. الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ الْفَرَاهِيدِيُّ.
وَائِلُ بْنُ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيُّ.
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَصْرِيُّ. (1/406)
صفحة 407
المحتويات
أَبُو الْمُؤَرّج.
حَاتِمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخُرَاسَانِيُّ.
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّادٍ الْمِصْرِيُّ. مُوسَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ. بَشِيرُ بْنُ الْمُنْذِرِ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ الرُّسْتُمِيُّ. هَاشِمُ بْنُ غَيْلَانَ.
أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
مُوسَى بْنُ عَلى.
مُحَمَّدُ بْنُ أَفْلَحَ الرُّسْتُمِيُّ. مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبِ.
هُودُ بْنُ مُحَطَّمِ الْهَوَارِيُّ.
عَمْرُوسُ بْنُ فَتْحِ الْمَسَاكِنِيُّ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ الْأَزْكَوِيُّ. الصَّلْتُ بْنُ خَمِيسِ الخروصِيُّ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَوَارِي الْقُرِّيُّ. سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّحِيلِيُّ. أَبُو سَعِيدٍ الكدي.
أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بَرَكَةَ.
يغْلَا بْنُ زِلْتَافَ.
مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الفرسطائي. (1/407)
صفحة 408
إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَيْسِ الْحَضْرَمِيُّ. سَلَمَةُ بْنُ مسلم الْعَوْنِيُّ. مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِي.
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِي.
يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَارِجِلَانِيُّ.
أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ابْنُ النَّظَرِ. عُثْمَانُ الْأَصَمُّ.
أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَرْجِيني. إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الحيطالي.
عَامِرُ بْنُ عَليَّ السَّماخِيُّ. أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّماخِيُّ.
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ المفرجي.
خَمِيسُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّقصِيُّ. نَاصِرُ بْنُ مُرْشِدٍ الْيَعربي.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُمُعَةَ بنِ عبيدَانَ.
عَائِشَةُ بِنْتُ رَاشِدٍ الرِّيَامِيَّةُ.
سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ الصُّبَحي.
جَاعِدُ بْنُ خَمِيسِ الخروصِيُّ. سَعِيدُ بْنُ خَلْفَانَ الخليلي.
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ اطفيش. عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمَيْدٍ السَّالِمِيُّ.
المدخل إلى المذهب الإباضي (1/408)
صفحة 409
المحتويات
محمد بنُ عَبْدِ الله الخليل
نَمَاذِجُ مِنَ الْمَصَادِرِ الْإِبَاضِيَّةِ.
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَتَفَاسِيرُهُ.
الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ.
نَمَاذِجُ مِنْ مَصَادِرِ التَّفْسِير.
تَفْسِيرُ كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ:.
هِيميَانُ الزَّادِ إِلَى دَارِ الْمَعَادِ.
تَيْسِيرُ التَّفْسِير ..
مَصَادِرُ السُّنَّةِ وَشُرُوحُهَا ..
مُسْنَدُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ.
الْمُدَوَّنَةُ.
حَاشِيَةُ التَّرْتِيبِ.
شَرْحُ الجَامِعِ الصَّحِيح ..
مِنْ مَصَارِدِ الْعَقِيدَةِ. (1/409)
صفحة 410
الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ:.
المدخل إلى المذهب الإباضي
كِتَابُ النُّورِ ..
معَالِمُ الدِّينِ.
مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْعُقُولِ.
مِنْ مَصَادِرِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
الْجَامِعُ لِابْنِ بَرَكَةَ.
الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ.
شَرْحُ مُخْتَصِرِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ.
طلْعَةُ الشَّمْسِ.
مِنَ الْمَصَادِرِ الْفِقْهِيَّةِ.
الْمُدَوَّنَةُ.
الجامِعُ لا بْنِ جَعْفَرٍ.
جَامِعُ ابْنِ بَرَكَة:.
جَوَابَاتُ أَبِي سَعِيدٍ وَتَخْرِيجَاتُهُ:. (1/410)
صفحة 411
المحتويات
مُختَصَرُ الخِصَالِ
الضّياءُ:
كِتَابُ بَيَانِ الشَّرْع.
كِتَابُ الْمُصَنَّف.
الدَّعَائِمُ:
قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ.
الإيضاح.
مَنْهَجُ الظَّالِبِينَ.
جَوَابَاتُ أَبِي نَبْهَانَ:
قَامُوسُ الشَّرِيعَةِ.
شرح النيل:
جَوْهَرُ النظام.
مِن مَصَادِرِ السَّيَرِ الْإِبَاضِيَّةِ.
مَجْمُوعُ سِيَرِ الْمُسْلِمِينَ. (1/411)
صفحة 412
412
طَبَقَاتُ الْمَشَايِخِ.
سِيرُ السَّمَاخِي:.
سِيرَةُ ابْنِ مَدَّادٍ.
المدخل إلى المذهب الإباضي (1/412)
صفحة 413
المدخل الى
المذهب الاباضة
الْمَدْخَلُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيَ هُوَ أَوَّلُ كِتَابِ يَعْرِضُ الْمَذْهَبَ الْإِبَاضِيَّ كَمَنْظُومَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَكَامِلَةٍ عَقِيدَةً وفكرًا وفقها وَتَارِيحًا وَمَصَادِرَ وَأَعْلَامًا، لِكَيْ يَجدَ الْقَارِئُ كُل مَعَالِمِ الْمَذْهَب الإباضي بَيْنَ دَفَى كِتَابِ وَاحِدٍ. وَالْهَدَفُ مِنْ هَذَا تَقْرِبُ مُكَوِّنَاتِ الْمَذْهَبِ المعرفية إلى الْقَارِئ بَاضِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ إِبَاضِيَّ، وَتَقْدِيمُ موَادَهُ الْعِلْمِيَّةِ في طبق وَاحِدٍ بِأسلوب فيهِ مِنَ التوضيح
وَالتَبْسِيطِ الشَّيْءُ الْمُلَاحَظ وُضُوحًا وَسُهُولَةً.
كَمَا أَنَّهُ يَأْتِي اسْتِجَابَةٌ لِرَغْبَةِ عَدَدِ مِنَ النَّاسِ مِنْ خَارِجِ الْمَذْهَبِ، بَلْ وَحَقَّ مِنْ دَاخِلِهِ في وُجُود كتاب يُعَرِّفُ بِالْمَذْهَبِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِهِ وَمَعَالِمِهِ.
المدخل إلى
المذهب الاباضة
نشر وتوزيع
مَكْتَبَةُ الظَّامِرِينَ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ
السيب سَلْطَنَةُ عُمَانَ - ص. ب 2 الرَّمْزُ الْبَرِيدِيُّ 121 الهاتف: 0096896444669 - t.k.aldhamri@gmail.com
مكْتَبَةُ الضامري
للنشر والتوزيع (1/414)