صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
المؤلف: علي بن محمد بن عامر الحجري
الناشر: مكتبة خزائن الآثار
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1443ه/ 2022م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/630
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 شعبان 1446ه/ 10 - شهر 02 - 2025م. المذهب الإباضي
وَسَيكُولُوجِيَّةُ كُتَابِ التَّارِيخ
علي بن محمد بن عامر الحجري (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1443 هـ / 2022 م
نشر وتوزيع:
مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عُمان - بركاء
نقال: 0096895510025
net
جيرة
baseera
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
لسماحة
الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان للتواصل: www.baseera.net (1/2)
صفحة 3
للمرهب الخاضى
وَسَيَكُولُوجِيَةُ كُتَابِ التاريخ
تأليف
علي بن محمد بن عامر الى قبري (1/3)
صفحة 4
مقدمة
O
مال الحر الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم
الدين.
أما بعد:
(1)
فقد جاء في مقدمة كتاب تحفة (الأعيان للإمام نور الدين السالمي التالى ما نصه: «أما بعد: فإنه لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين، ويرشد إلى طريقة المتقين، لأن فيه ذكر أخبار من مضى من صالح وطالح، فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه إلى اقتفاء آثارهم، وإذا سمع أخبار الطالحين أشفقت نفسه أن يكون من جملتهم فتراه بذلك يقتفي آثار من صلح، ويتجنب أحوال من طلح، فيجاهد نفسه حق الجهاد، فيستحق بذلك من الله العون والتوفيق لقوله عز من قائل {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وحيث كان العدل وسيرة الفضل في عُمان أكثر وجوداً بعد الصحابة من سائر الأمصار، تشوقت نفسي إلى كتابة ما أمكنني الوقوف عليه من آثار أئمة الهدى ليعرف (1/5)
صفحة 5
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
سيرتهم الجاهل بهم وليقتدي بها الطالب لأثرهم، مع قلة المادة في هذا الباب إذ لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدينية، وبيان ما لا بد من بيانه للناس ....
وجاء في مقدمة كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير ما نصه: «ومنها: أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبيح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها واطَّرحوها. وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها، وما يتبعها من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالها درّت، استحسنوا ذلك ورغبوا فيه وثابروا عليه وتركوا ما ينافيه» (2).
ولأجل أخذ العظات والعبر من أحداث السابقين، وحتى يستفيد منها أبناء الحاضر والآتون من بعدهم من البشر، كان النظر في تاريخ الناس الغابرين مجالاً تصرف فيه الأوقات، ويسهر على تبويبه والكتابة فيه أهل الهمم الذين يسعون دائماً لربط حلقات تاريخ الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد توارثت أمم سطح هذه الأرض، وشقت طريقها صوب دار الجزاء لتأتي من بعدها أمم من البشر بأخلاق ومبادئ وقيم تكون هي الموجهة لها عند عمارة هذا الكوكب، فصلاح الإنسانية مرهون بصلاح مبادئها التي تهيمن على حياة الناس والمبادئ الصالحة ليست مما تنتجه عقول عظماء الأمم
(1)
تحفة الأعيان، ج 1 ص 4، ومما قاله الشيخ السالمي حمدالله: «وأهل عمان لا يعتنون بالتاريخ فلذلك غابت عنا أكثر أخبار الأئمة فكيف بأخبار غيرهم (تحفة الأعيان، ج 1/ ص 353). (2) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 7. (1/6)
صفحة 6
مقدمة
V
وقادتها، ولكنها مما يدركه الناس من تعاليم النبوات التي مَنَّ الله بها على البشر لأخذهم صوب الصلاح والإصلاح.
ومن هنا ظهر للجميع مقاييس الأخلاق وموازين الأعمال الصالحة التي هذه ينبغي للبشر التسابق في تطبيقها لنيل الدرجات العالية في سعيهم في الحياة الدنيا.
ولأجل الرغبة في تقصي أخبار العاملين السابقين، تتبع أصحاب الرؤية الثاقبة أطوار التاريخ فوجدوا البشر بين سائر على منهاج الله، وبين مخالف الله ورسله في أفهامه وأعماله.
وحقيقة منهجية لا بد لكل قارئ أن يدركها وهي أن سلوكيات الأفراد والجماعات في واقع الحياة تعد من مصادر التاريخ وقد فضلها كثير من المسلمين على التدوين وإن كان كلاهما ـ أقصد تطبيق المبادئ في واقع الحياة وتدوين الأحداث ـ ذا أهمية في الكتابة التاريخية.
وقول الشيخ السالمي: «لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب بل كان اشتغالهم بإقامة «العدل» قد فسره الدكتور فاروق عمر فوزي بقوله: «لأن المسلمين كما ذكرنا سابقاً عبروا عن فكرهم السياسي من خلال الممارسات والأحداث التي قاموا بها، فالحدث التاريخي فيه خزين من الأفكار السياسية ... وعلى الباحث معرفة دلالات هذه الأحداث بالنسبة للفكر السياسي وما تعنيه من مغازي سياسية (3). فالشيخ السالمي الله يُذَكِّر الجميع ممن يريد أن يكتب أو يقرأ في كتب التاريخ أن يضع نصب عينيه المقياس الحق عند تتبع الأحداث التاريخية قبل الوثوق بها والاعتماد عليها عند الحكم على الناس.
(3) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين،
15 (1/7)
صفحة 7
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فالتاريخ في ذاته يرسم للأمم والأفراد منهاج حياة؛ لهذا قال الإمام السالمي: « ... وإن للتاريخ فضلاً عظيماً لا يقدر قدره ... » (4). فكم من أناس اعتبروا بغيرهم حينما تتبعوا أحوال السابقين فأخذوا من سيرهم ما فيه سلامتهم، وتجنبوا ما كانوا عليه من مفاسد في العقيدة والأخلاق. وهذا هو الهدف الأساس الذي ركز عليه القرآن الكريم في آياته البينات حينما أرشد الناس قاطبة إلى السير في الأرض والوقوف على آثار الماضين وقصص
الغابرين. ولست في هذا المقام مضيفاً على ما سطرته أنامل علماء الإسلام عن أهمية دراسة التاريخ، فقد كانت كتاباتهم عبر القرون الماضية دعوة إلى ترسم خطى الصالحين، ونجد تأسفهم على فقدان حلقات من سلسلة أحداث الماضين، والتي بفقدانها فقدت أجيال المسلمين المتلاحقة صوراً زكية لتاريخ رجال كانوا في أوساط قرونهم مصاحف تمشي على وجه الأرض. فقدان التاريخ لبعض حلقاته فإن فيما تبقى من سلسلته العبر والعظات امتثالاً لقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ, قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ
ومع
شهيد) [ق: 37].
يضع
والأخبار التي وصلت إلينا لا بد أن تُعرض على المنهج العلمي الذي الأمور في نصابها ويُقَيّم الأشخاص والأحداث بميزان شرع الله تعالى. قال الإمام السالمي عند تقييمه لبعض الروايات التاريخية: «هذا من كلام ابن رزيق إلا ما كان من إصلاح في لفظه وحذف لبعضه لأجل إصلاح التركيب ولم نجده مأثوراً في غيره فالله أعلم بصحته، ولا يرضون الكذب وإنما نخاف التساهل في النقل فقد رأينا بعض الناس يأخذون الأخبار من لسان العامة ثقة بهم ولسنا ممن يثق بالعامة فإن غالبهم ليس ضابطاً أو
(4) تحفة الأعيان، ج 1 ص 280. (1/8)
صفحة 8
مقدمة
أكثرهم لا يحسن النقل. والله أعلم بحقيقة الأمر» (5). وقال أيضاً: « ... كذا وجدته في سيرة متقطعة من أولها ولا تخلوا من تخليط ... ).
وقال الإمام السالمي الله تعالى إثر مناقشته لرواية جاءت في كامل ابن الأثير: ... هذا حاصل قضية دبا من الكتب العمانية وهم أعرف بحالهم وبما عليه أوائلهم. ولا يصح ما ذكره ابن الأثير في كامله (7) حيث قال: وأما عمان فإنه نبغ بها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وكان يسمى في الجاهلية الجلندى. قال وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ وغلب على عمان مرتدا (8).
وقال الإمام السالمي أيضاً: « ... انتهى كلام ابن الأثير وكله باطل لا أصل له. والله أعلم» (9).
وعلق الإمام السالمي على الرواية التي ذكرها ابن الأثير والتي تحدثت عن الحروب بين الإمام حفص بن راشد وعمال بني العباس، حيث قال: «فما ذكره ابن الأثير تخليط في الرواية» (1).
وقال الشيخ أبو إسحاق تعليقاً على ما ذكره ابن الأثير من روايات: «كمل لك اليقين في الحكم على هذا التشويه التاريخي وعلى أهله» (1). وبعد أن ذكر الإمام السالمي الرواية التي نقلها ابن الأثير (12) عن اجتماع الزنج في
(0)
(6)
تحفة الأعيان، ج 2 ص 158 - 159.
تحفة الأعيان، ج 2/ ص 168 - 169.
(7) انظر الكامل في التاريخ، ج 2/ ص 372 - 373).
(^)
72
تحفة الأعيان، ج 1 ص 2 (9) تحفة الأعيان، ج 1 ص 73
(10) تحفة الأعيان، ج 1 ص 319.
(11) تحفة الأعيان، ج 1/ هامش ص 320.
(12) انظر (الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 646 ـ 647).
(12) (1/9)
صفحة 9
(13)
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
عمان وحروب عضد الدولة للشراة، قال الإمام السالمي: «هذا كلامه والله أعلم بصحته» (13). وفي هذا البحث أقوال لعلماء ومفكرين كلها تدعو إلى تتبع الأخبار المنسوبة إلى الناس، ووزنها بميزان النقد العلمي قبل الاحتجاج بها. والذي لفت انتباهي إلى كتاب الكامل في التاريخ) ـ وجعلني أستخلص المنهج القيم، وأتعرف على المسلك المتناقض الذي سلكه ابن الأثير - هو ما وجدته في كتاب (تحفة الأعيان) (14) من إشارات وتعليقات للإمام السالمي (المؤلف) وللشيخ أبي إسحاق اطفيش (المحقق).
منه
فوقفاتنا المنهجية عند أقوال ابن الأثير وغيره من كتاب التاريخ فيها إثبات وبيان صدق العبارات التي سجلها الإمام السالمي والشيخ اطفيش - رحمهما الله تعالى - في تعليقاتهما على روايات ابن الأثير عن عمان وأهلها، كذلك وهي توصيف للواقع المعيش في هذا العصر والذي قال عنه الدكتور فاروق عمر فوزي: «وقد أخطأ قسم من مؤرخي الفرق المحدثين حين قبلوا الروايات دون تمييز بين مصدرها ورواتها ووقتها ولذلك وقعوا في تناقضات كثيرة فيما كتبوه عن الفرق (15).
هذا؛ وقد رأيتُ أن أضع كتاب (الكامل في التاريخ) لابن الأثير هو المرجع في رسم محاور هذا البحث لما يحويه الكتاب من مختصرات للكتب السابقة عليه، ولكونه مرجعاً تاريخياً لمن أتى من بعده من الكتاب، وكذلك لما يحويه هذا الكتاب من مناهج ينبغي الأخذ بها، وما يجعله شعاراً لمسلك كثير من الكتاب الذين تناقضت أقوالهم وأفعالهم على صفحات مؤلفاتهم. وعلى أية
(13) تحفة الأعيان، ج 1 ص 286. (14) تحفة الأعيان، ج 1 ص 65، فقد قال الإمام السالمي الى: «وفي كامل ابن الأثير ... ». وتحفة الأعيان، ج 1 ص 66، حيث قال أيضاً: وذكر ابن الأثير في كامله أيضاً ... ».
(15) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص
422 (1/10)
صفحة 10
مقدمة
حال فقد كسب الرجل احترام القارئ وتقديره حينما أعلن في ختام مقدمته: أنه مقر بالتقصير، وأن ما يجهله أكثر مما يعلم!! رغم أنه قدم للمكتبة التاريخية
(16)
مؤلفاً ليس ثمة ما هو أشمل منه في مصادرنا التاريخية على الإطلاق وعلينا جميعاً أن نعلم أن المبادئ والقيم التي ينبغي التحلي بها عند القراءة والكتابة ليست موجهة لفرد أو مجموعة أو جيل بعينه، بل هي دعوة خالدة أتى بها الإسلام ودعا إليها المسلمون من كل المذاهب وعبر القرون المتطاولة فكما أنني - ولله الحمد والمنة - استفدت منها فأحسب أن كل من أراد الحق لنفسه ولأمته لا بد أن يأخذ من كتب المسلمين قاطبة ـ إذا أحسن اتباع المنهج وخلصت عنده النوايا ـ نصيبه الأوفى.
فالدعوة الصادقة إلى تحري الصدق عند كتابة تاريخ الجماعات والأفراد تعد من الأمور التي لا يختلف حولها المسلمون، ونحن حينما ننظر إلى المنهج الإسلامي السليم نجده مُشَيَّد على أسس وثيقة وركائز مستقيمة،
والتي منها:
1 - فإذا كان الخبر متعلقاً بأحكام شرعية أو زمن الفتن بين الصدر الأول، أو مسائل عقدية، فلا بد أن يكون هذا الخبر التاريخي موثقاً صحيحاً على موازين أهل الحديث في تصحيحهـ الأخبار، ولا يقبل فيه الخبر الضعيف» (17)
- إنما يدرس التاريخ في ميزان العقل والمنطق، وذلك لا يكون إلا بالرجوع إلى المصادر، والسماع من كل الأطراف، حتى إذا صدر الحكم، يكون عادلاً أو قريباً من العدل (18).
(VA)
(16) حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ص 52.
(17) إعداد المؤرخ الثقة، ص 36.
(18) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، ص 283 ومما قاله الدكتور إبراهيم شعوط أيضاً: (1/11)
صفحة 11
12
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
3 - أن معظم مؤرخينا القدماء كانوا يوردون كل خبر منسوباً إلى راويه ـ ليعرف القارئ قوة الخبر عن طريق معرفة رواته الثقات، أو ضعف الخبر الذي ينقله رواة لا يوثق بهم، وبذلك يرى أولئك المؤرخون أنهم أدوا الأمانة ووضعوا بين أيدي القراء كل ما وصلت إليه أيديهم ... أما الأحفاد، والحال هذه، فإن الطريق أمامهم أكثر اتساعاً وهم يسعون لعرض وقائع تاريخنا
الإسلامي، وإعادة تركيبها وفق منهج يمكنهم أكثر من الاقتراب من الحقيقة التاريخية» (19).
? (19)
وأخيراً، فإن هذا البحث جاء استجابة لدعوة الشيخ سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني الذي ساهم في تعريف العالم بأمجاد الإباضية في مجال التأليف، حيث قال: «بَيْد أنّ صنائعهم لَمْ تُسَطّرها الدفاتر، ولم تشتغل بتقييدها المحابر، فغاب عنا من أخبارهم شيء نحسبه كثيرا، وبقي غيض يدل على أن وراءه فيضاً غزيراً. على أنا إن تلمسنا العذر لمن تقدم فليس لأبناء هذا الجيل عذر يتشبثون به ولا تنهض لهم حجة تبرر لهم تخاذلهم عن تدوين سيرة أسلافهم، ولا يفسر هذا الموقف منهم سوى أنه إقرار بضعفهم أمام خصمهم، وتشجيع لأصحاب الأقلام الزائفة والمغرضة أن تطغى كتاباتهم على الساحة، وتعشش أفكارهم في عقول الناس» (20). واستجابة كذلك لدعوة
«ولعل الدكتور طه حسين راعه أسلوب تلك الخطابات المتبادلة فبنى عليها أحكامه ورتب نتائجه، دون أن يكلف نفسه ما يتكلفه أي قاض نزيه من تحري العدالة، وفحص الأسانيد، ومناقشة الشهود، حتى إذا حكم كان حكمه قد أصاب الواقع أو قريباً منه» (أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، ص 241). وقوله أيضاً: «ومع ذلك، فإن المؤرخين المحدثين، لم يمحصوا هذه الروايات، بل يذكرونها على علاتها، دون أن يظهروا للناس فسادها» (أباطيل يجب
، أن تمحى من التاريخ، ص 172).
(19) حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ص 28 - 29.
19
(20) في موكب الإصلاح، ص 89 (1/12)
صفحة 12
مقدمة
13
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام الذي قال: «ينتظر الكُتَابَ الإباضية عمل كبير، وجهد أكبر، لتغيير نظرة الناس إلى مذهبهم، وتصحيح بعض المفاهيم. فيجب أن تتظافر في سبيل تحقيق ذلك جهات متعددة، وتتساند جوانب كثيرة»
(21)
(2)
لقد استبدت أقوال الضعفاء - شئنا ذلك أم أبينا - بأفهام الخاصة والعامة أبناء الأمة الإسلامية، حتى أصبحت بقوة جبروتها لا تنالها عدالة المنهج الحق، وصارت باستبدادها بعقول الناس فوق الميزان الثابت.
من
لقد ترجم بعض الكتاب قولة هارون الرشيد المشهورة: (إنما العاجز من لا يستبد) (32) وقولة حفيده الواثق (صدق والله جدي، إنما العاجز من لا يستبد في واقع كتاباتهم ونقلهم لأقوال بعضهم لبعض، وتكاثفت تلك الأقوال الضعيفة بحيث أصبح الناس لا يرون إلا تلك الروايات التي لا قيمة لها في موازين الإسلام.
ولقد أجاد عالم النفس الفرنسي، غستاف لوبون، في وصفه لآثار استبداد الكُتّاب والحكام على الجماهير حين قال: إن الاستبداد والتعصب يشكلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جداً، وهي تحتملها بنفس السهولة التي
(21) ملاحظات حول تاريخنا القديم ـ كيف ندرسه وكيف نحققه، ص 34 ـ 35. (22) الكامل في التاريخ، ج 7 ص 11، أصل هذه العبارة من بيت شعر قاله عمر بن أبي ربيعة: لَيْتَ هِنْدًا أَنْجَزَتْنَا مَا تَعِدْ وَشَفَتْ أَنْفُسَنَا مِمَّا تَجِدْ وَاسْتَبَدَّتْ مَرَّةً وَاحِدَةً إِنَّمَا الْعَاجِرُ مِنْ لا يَسْتَبِدُ
(ديوان عمر بن أبي ربيعة، ص 101). (1/13)
صفحة 13
14
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
من
تمارسها. فهي تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلاً أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة أبداً نحو الزعماء الرحيمين
والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس ... إن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها وسيفه يرهبها
(23)
ويقول الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار في كلام بليغ: «والدعاية عبارة عن محاولة للتأثير في عقول الجماهير ونفوسهم والسيطرة على سلوكهم. وبما أن التفكير نوع من تردد العقل في ظاهرة ما، فإن مهمة الدعاية هي أمد ذلك التردد، وتضييق دوائر إعمال العقل. والدعاية تتكامل مع الاستبداد في أكثر الأحيان حيث يغلق المستبد كل مصادر المعلومات من الخارج ويخنقها في الداخل، ليفسح المجال أمام ما يريد بثه من أفكار عن طريق الدعاية» (24)
تقصير
أداة
ولقد درج الناس في فهم الاستبداد على أنه وسيلة أصحاب السلطات الجائرة لاضعاف الشعوب الكادحة، بيد أن الواقع يؤيد أن الاستبداد هو يفرضها كل من يرى لنفسه النرجسية قدم سبق وعلو منزلة على الأحرار؛ فيسعى إلى التنمر عليهم وإملاء ما تشرب به عقله من أفكار بكل وسائل التزيين والاحتيال واختلاب العقول، ولو كلف ذلك النيل من هيبة العلم والعدالة والإنصاف.
فالقارئ يتساءل: كيف تسربت الأفكار الضعيفة إلى بطون الكتب من غير رادع لها؟ وكيف تمكن الكذابون والضعفاء من فرض استبدادهم على
،
(23) سيكولوجية الجماهير، ص 77. (24) فصول في التفكير الموضوعي، ص)
225 (1/14)
صفحة 14
مقدمة
15
العقول المسلمة، حتى أصبحت الأفهام لا تتداول إلا ما أملته أفواه الواقدي وسيف بن عمر التميمي وأضرابهما؟
نعم لقد تسربت أقوال الضعفاء إلى أفهام الناس واستبدت بعقولهم، ولن تتخلص العقول من هذا الاستبداد الموروث إلا بتطبيق مناهج البحث على كل رواية، وعندها ستتحرر الأقلام من هيمنة الأقوال الباطلة التي فرقت الأمة شيعاً وأحزاباً. وأصحاب الأقوال التي ضعفها المنهج الإسلامي قد تتاح لهم الفرصة ليستبدوا ويستأسدوا إذا وجدوا من القراء من يأخذ عنهم ويعينهم على تكبيل عقولهم؛ فبقاء الكذابين مرهون بوجود من يصدق أباطيلهم ويسعى للاحتجاج بها في ساحات العلم والمعرفة.
ولقد علم الكذابون أن هناك من يصدقهم، فلهذا كذبوا وكثر من سار بأكاذيبهم!!، ولا أرى لقوافلهم نهاية لأنه صراع دائم بين الحق والباطل
والصدق والكذب.
إن الكذابين وكل الذين وضعوا الأباطيل في التاريخ لفي عجب من أمر مصدقيهم والناشرين لأكاذيبهم، وعجبهم أشد من عجب الذين عرفوا الحق واتبعوه. فالذين عرفوا الحق من مصادره يسعون لنشره ويسعون إلى بيان مواقع الباطل ويحذرون الناس منه، فعجبهم لا يتجاوز الحسرة على حال أناس يُراد لهم الحق والصدق ولكنهم لا يلتفتون إليه.
وأما الكذابون فيعجبون من تلك العقول التي تصاغرت لأكاذيبهم التي تضع حامليها ومعتقديها في دركات الجهل بالحقيقة فهم - أقصد الكذابين - في نشوة من أمرهم حينما يرون باطلهم وقد تحكم في العقول وطم في الأوساط المثقفة عبر القرون. (1/15)
صفحة 15
16
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ويجترئ الكذابون في أقوالهم لأجل معاداة الحق، فهم حينما تخلوا أيديهم من البراهين فإنهم يسعون لنشر روايات لا قيمة لها ويبثون فيها أخباراً باطلة، ويقومون على طمس معالم الحقيقة بتجاهل الحق وأهله، لأن في عالم الكذب «تعمد فاضح ومكشوف لتجاوز الضوابط والقيود والتعدي عليها في سبيل الإضرار بالآخر» (25).
وكثير من الناس الصادقين قد تعرض لهم بالسوء من حاول طمس أنوار
(26)
وجودهم، وخير دليل على ذلك ما قاله الناس في سعد بن أبي وقاص لله الرواية التي نقلها ابن الأثير في كامله (3). وكذلك الإمام محمد بن جرير الطبري، على جلالة منزلته العلمية، فإنه لم يسلم من الأذى؛ فقد ادعوا عليه بالإلحاد (27).
ونقل الدكتور محمد بن موسى الشريف عن تاج الدين عبد الوهاب السبكي قوله: «فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس ورفعوا أناساً لتعصب، أو لجهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصب، وقل أن رأيت تاريخاً خالياً من ذلك» (28). ونقل عنه أيضاً: «المؤرخون، وهم على شفا جرف هار؛ لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما نقلوا مجرد
(25) الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر، ص 93. (26) نقل ابن الأثير: وقال سعد: إني لأول رجل أهراق دما من المشركين، ولقد جمع لي رسول الله،،، أبويه وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتني خُمس الإسلام، وبنو تزعم أنّي لا أُحسن أصلي وأن الصيد يلهيني الكامل في التاريخ، ج 3/ص 6).
أسد
(27) ذكر ابن الأثير ما نصه: «دفن ليلًا بداره، لأن العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد؛ وكان علي بن عيسى يقول: والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه، هكذا ذكره ابن مسکويه صاحب تجارب الأمم، وحُوشي ذلك الإمام عن مثل هذه الأشياء الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 134). (28) إعداد المؤرخ الثقة، ص 10 ـ 11 نقلا عن (خمس فتاوى لم تنشر ـ مجلة معهد المخطوطات
(2/ 163 (1/16)
صفحة 16
مقدمة
17
ما يبلغهم من صادق أو كاذب، فلا بد أن يكون المؤرخ عادلاً عدلاً، عارفاً بحال من يترجمه ... وربما كان الباعث له في الضعة من أقوام مخالفة العقيدة،
فلا تنتهي
(30)
واعتقاد أنهم على ضلال فيقع فيهم، أو يقصر في الثناء عليهم لذلك» (29). تبعات الكذابين عند فراغهم من وضع الأكاذيب ودفنها في الكتب، ولا تنتهي مسؤولية الناقلين للكذب والمحتجين به بمجرد الإشارة إلى مواضع ما نقلوه من قذف بالباطل وتحريض على عباد الله فلا يرى الإنسان «فرقاً بين العدوان على أموال الناس وحقوقهم، وبين العدوان على عقائدهم وآدابهم، بل إن العدوان أشد ضرراً، وأسوأ نتيجة؛ فالإنسان قد يتساهل في ماله وحقه، ولكنه لا يتساهل في عقيدته وأدبه وذوقه ... » ومن يتتبع أقوال الضعفاء على أهل النهروان والإباضية يدرك أن الإشاعات ضدهم في اتساع دائم والأعجب من اطراد اتساعها أنها ـ أي الإشاعات - وجدت في أوساط ناشريها من نسبها زوراً وكذباً إلى العلم، ووجدت من الكتاب من اعتمد عليها في مجادلاتهم من غير دراسة لأسانيدها ومتونها. والقارئ لما سطرته أقلام الذين عطلوا مناهج التلقي واعتمدوا على الروايات الضعيفة يدرك أن ما نسبوه إلى الإباضية من آراء لا واقع لها، وأن كتاباتهم ما هي إلا محاولة لتجريد الإباضية من كل فضيلة يعتزون بها وإظهارهم على غير ما هم عليه من الاستقامة.
فكُتّاب المسلمين عليهم رفض الأقوال الضعيفة، وضبط أقلامهم بمناهج الإسلام الرافضة للإشاعات المغرضة؛ إذ المهمة هي حق يُظهر وباطل يُدمغ،
(29) إعداد المؤرخ الثقة، 11 نقلًا.
(164
ص
:
عن (خمس فتاوى لم تنشر - مجلة معهد المخطوطات 2/
(30) الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر، لمصطفى الرفاعي).
ص
94 نقلًا
عن كتاب (أخلاقنا الاجتماعية (1/17)
صفحة 17
18
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(32)
ولا مكان في أروقة العلم للمقولة (3): «لا تدمر الأفكار المنتشرة بالعدوى إلا بواسطة آراء منتشرة بالطريقة ذاتها والتي يعدها بعضهم إحدى قواعد علم النفس ويلجأ إليها الساسة عند مقارعة العدوى بالعدوى.
سير
ومما أعجبني، وأفتخر بقراءته ونقله، ويشرفني إضافته في هذا البحث هو ما قاله الدكتور محمد بن موسى الشريف، حيث قال: «يطالب بعض المستشرقين ومن لف لفهم بالكتابة بدون العواطف، وتركها جانباً حين التصنيف، وهذا أمر غير ممكن، فالمرء لا يمكن أن يكون حيادياً في الكتابة في أهله وأبطاله وعظمائه بل قلبه يحن إليهم، وعواطفه وأشواقه يبثها في كتابته، لكن الحياد الممكن المطلوب هو الحياد العلمي، فلا يلوي عنق الحقائق، ولا يرجح بدون مرجح ظاهر واضح، ولا يظلم أحداً لحساب صاحب الترجمة، ولا يبالغ، ولا يهول في موضع التهوين، ولا يهون في موضع التهويل، وهكذا ... ومن المهم الإشارة إلى وجوب الإنصاف في الترجمة؛ فإن جماعات من الناس ظلموا بسبب الهوى أو عدم فهم بعض أقوالهم أو أعمالهم ... »
(31) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 248.
(33)
(32) جاء في كتاب (الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها ما نصه: «بصورة عامة ودون أن يكون على المرء طرح الكثير من الاستثناءات، فإن المعتقدات الدينية والسياسية تنتشر على الأخص عن طريق العدوى، وخاصة بين الجماهير. وهي تحدث بقوة أكبر كلما كان الجمهور أكثر عدداً. والاعتقاد الضعيف سيعزز اجتماع الأشخاص الذين يتشاركونه من قوته بسرعة كبيرة جداً. بفضل قدرة العدوى تغدو القيمة العقلانية للمعتقد المنتشر دون أهمية. ولأن العدوى تمارس تأثيرها على اللاوعي فإن العقل لا يلعب فيها أي دور ... ».
(الآراء
والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 246 ـ 247).
(33) التراجم وأثرها في السلوك الإنساني، ص 161، ومما قاله الدكتور محمد موسى الشريف في كتاب آخر: « ... لكن في ظني أن أي مؤرخ في الدنيا لا يمكن له أن يتخلى عن عاطفته تماماً وهو يكتب، وهذا الذي يطلق عليه أحياناً فلسفة المؤرخ للتاريخ» (كيفية قراءة التاريخ وفهمه، ص 86). (1/18)
صفحة 18
مقدمة
19
وقال الدكتور عبد الله زيد صلاح: «لا يستطيع الباحث التجرد عن أحاسيسه وانفعالاته على غرار التعاطي مع المسائل العلمية البحتة ... لكن مع ضرورة عدم إلغاء العاطفة لقوانين المنهج واعتباراته المحورية. بحيث لا تكون العاطفة أو النزعة الفردية هي الدافع والأداة والرؤية في القراءة
والنقد (34)
وكَتَبَ غستاف لوبون حول «الحيادية في التاريخ» ما نصه: «طالما نظر إلى الحيادية على أنها المزية الأكثر جوهرية لمؤرخ ما. فالجميع منذ تاسيت يؤكدون أنهم حياديون. وفي الواقع فإن الكاتب يرى الأحداث كما يرى الرسام منظراً ما، أي عبر مزاجه، وطبعه، وروح عرقه ... من المستحيل إذن ... إنتاج كتاب تاريخي غير متحيز فعلاً. إذ لن يسع أي كاتب أن يكون كذلك ولا يصح أن نأسف لأن أي كاتب لم يكن كذلك. إن ادعاء الحيادية، المنتشر جداً هذه الأيام يقود إلى إنتاج هذه المؤلفات التافهة، الرمادية والمضجرة التي تجعل فهم العصر أمراً مستحيلاً تماماً ... إن الباحث في علم
جداً التي الأخلاق ينبغي أن يناقش حصراً الأهمية الاجتماعية وعدم الحكم على الأشخاص إلا وفقاً لهذه الأهمية ... وتبعاً لمثل هذه الأنماط والقواعد المشتقة من الضرورات الاجتماعية ينبغي على الباحث في علم الأخلاق الحكم على أشخاص الماضي، مادحاً أولئك الذين كانوا مفيدين، لائماً الآخرين، فيسهم في تثبيت أنماط أخلاقية لا غنى عنها لمسيرة الحضارة وتفيد كنماذج يُقتدى بها ...
أما وجهة نظر عالم النفس فستكون مغايرة تماماً ... فإن عالم النفس ينبغي أن يظل غير متحيز. فلا ينشغل، وهو يتأمل الأشياء بعين العالم، كثيراً بقيمتها النفعية، ويسعى فقط لتفسيرها. إن حالته حالة المراقب أمام ظاهرة ما ... إن
(34) التيه العربي (تأملات في الواقع الصعب)، ص 32. (1/19)
صفحة 19
20
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
دور المؤرخ ودور عالم النفس ليسا متماثلين كما يظن البعض، لكن يمكن أن نتطلب من الأول كما من الثاني أن يحاول عبر تفسير حكيم للوقائع الكشف
تحت البديهيات المرئية عن القوى غير المرئية الكامنة التي تحددها (35). فالحيادية التي ندعو إليها هي التي أقرها المنهج الإسلامي في تقييم الأفكار والأفراد والجماعات، إذ لا مكان في ساحاته للعواطف الرعناء وطمس الحقائق الظاهرة البينة.
أفئدة بعض
وحينما سهل لي أعناق الحقائق، وغلب الهوى (36) على الكتاب، واستشري الكذب والظلم في أوساط من تجرأ على الإباضية في هذا العصر، ما كان منا إلا أن نسترشد بما حوته آية الشعراء من معان، فقد أذن الله لنا بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]. ففي هذه الآية الكريمة تتراءى لكل بصير المناهج والمبادئ، وصور الظالمين، وجهود المظلومين. فرد كيد الكائدين، وظلم الظالمين بسهام الحق واجب يمليه الإيمان، فعلى من أراد الانتصار أن يأخذ بالأسباب؛ فيكثر من الذكر ويعمل صالحاً.
(35) الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 159 - 161. (36) قال العالم الفرنسي غستاف لوبون في كتابه الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها) عند تعريفه للأهواء ما نصه: «تشكل العواطف الثابتة وذات الشكل المستحوذ الموصوفة بالأهواء كذلك عوامل قوية في الآراء والمعتقدات، وبالتالي في السلوك. وبعض الأهواء المعدية تصبح، لهذا السبب، جماعية لة. بسهو ويصبح عندئذ تأثيرها لا يقاوم. وقد دفعت الكثير من الشعوب لمهاجمة بعضها بعضاً في مختلف مراحل التاريخ. الأهواء يمكنها أن تحرض نشاطنا، لكنها يمكن أن تحرف الآراء عن الصواب أغلب الأحيان، وتمنع من رؤية الأشياء على حقيقتها ومن فهم نشأتها. وإذا كانت كتب التاريخ تطفح بالأخطاء فذلك لأن الأهواء في أغلب الأحيان هي التي أملت الحكاية. ولن يُذكر على الإطلاق، كما أعتقد، مؤرخ روى أحداث الثورة دون تحيز. إن دور الأهواء، كما نرى، عظيم الأهمية في تكون آرائنا وفي أصل الوقائع ... » (الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص
(167 (1/20)
صفحة 20
مقدمة
21
فأي ظلم أعظم من اتهام أسلاف الإباضية بأنهم خرجوا من «رحم
اليهودية» (37)؟.
ولقد أخذنا ـ ولله الحمد والمنة - بالأسباب في الرد العلمي على من قال هذه الأقوال الباطلة، وأنا على يقين تام أن
جميع
المسلمين من كل مذاهب الإسلام لا يرضون بهذه الأقوال أبداً، وأن الذي كتب هذه الأباطيل إنما هو ممن ابتليت بوجودهم الأمة الإسلامية.
«إن الوعي بطبيعة أية قضية، يظل هو الخطوة الأولى على طريق التعامل معها، وإن القارئ في التاريخ وفي غيره بحاجة إلى امتلاك رؤية شاملة لوضعية العلم الذي يقرأ فيه، حتى يجني من قراءاته ما يعود عليه بأكبر نفع، وحتى يتقي الأعراض الجانبية الضارة التي تصاحب كل معرفة» (38).
فقضيتنا في هذا البحث هي إثبات تعدد الموازين عند من أساء إلى الإباضية من كُتّاب التاريخ، وإظهار أساليبهم التي اعتمدوها في الكيل بمكاييل لا ضابط لها ولا مُقَيّم ولا مُقَوّم، وبيان ازدواجية أحكامهم على الناس من غير مراعاة لضوابط الإسلام في قول الحق.
والذي أرنو إليه هو أن يسعى الإباضية لبيان ما الإباضية لبيان ما هم عليه من عقيدة وسلوك، وأن تتسابق أقلام المسلمين كافة إلى تطبيق مناهج الأمة عند الحكم على الناس.
وحسبي في هذا المقام نقل ما قاله الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار: فالكلمة الأخيرة ليست كلمة المؤلف، وإنما هي كلمة القارئ؛ فهو الذي
(37) الخوارج تاريخهم، فرقهم، عقائدهم، ص 4.
(38) القراءة المثمرة (مفاهيم وآليات)، ص 120. (1/21)
صفحة 21
22
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
سيقرأ، وهو الذي سيتفاعل ويقتنع وينقل قناعاته إلى غيره .. إن الكتاب لا يحيا، ولا يبلغ أهدافه إلا به؛ ولذا فإن موقفه حيوي للغاية» (39). وحسبي في هذا المقام أيضاً جعل كتابات بعض ممن لم ينصف أهل النهروان والإباضية كعينة لما أملته أقلام كثير من الناس وأفواههم عبر القرون الماضية، وعرض تلك الكتابات على قواعد المنهج العلمي وأصوله الذي أمر به ديننا الحنيف، وأملي أن تقرع أصواتنا الداعية إلى تطبيق مناهج الإسلام أذاناً سليمة من كل وقر فتقوم بالتصحيح والتصويب ورد الأباطيل.
وأنت أيها القارئ الكريم عند تفاعلك مع هذا المؤلف ستجد إشارة للضوابط التي يحتكم إليها عند تقييم الأخبار. وستجد مناهج الأمة الإسلامية ناطقة بحكمها على الروايات والأفكار التي نُسبت إلى أهل النهروان والإباضية، وستجد النفسية ذات الطابع الجماهيري، التي لا يقودها العلم ولا العقل، هي
المؤثرة على الكتاب الذين نسبوا الإباضية وأهل النهروان إلى الخوارج. وأدعو الله تعالى أن يعيننا جميعاً ويلهمنا رشدنا كي نطبق مناهج الإسلام
مناشط حياتنا.
المنصفة في جميع وهذا جُهْدُ المُقلّ، وأدعو الله تعالى أن يتقبله مني، وأن يجعل أجره أضعافاً مضاعفة في ميزان حسناتي ...
وصلى الله وسلم على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أخوكم
/ علي بن محمد بن عامر الحجري
ولاية بدية - سلطنة عمان
1443 هـ ـ 2022 م
(39) القراءة المثمرة (مفاهيم وآليات)، ص 77 ـ 78. (1/22)
صفحة 22
23
قراءة منهجية في كتاب
(الكامل في التاريخ)
لا يخلو كتاب (الكامل في التاريخ من ذكر للمنهج الصائب، وكذلك من لمسات صادقة في تطبيقه على كثير من الأخبار التي وصلت إلى علم ابن الأثير، وفي مواضع كثيرة وعلى طول موسوعته التاريخية وعرضها، عَبْرَ ابنُ الأثير عن رده لكثير من الأحداث لعدم تطابقها مع الأسس العلمية التي تُقيم الأخبار. وهذه ميزة طيبة تضاف إلى مميزات تاريخ ابن الأثير، ولكن القارئ المدقق لا يجد لهذه المميزات أي أثر في كتابات ابن الأثير عندما تكلم عن أهل النهروان والإباضية؛ فقد سار في نقل الأحداث المنسوبة إليهم ضد التيار الذي نادى به واتخذه شعاره ووسيلته في نقد الأحداث التاريخية الأخرى التي رآها هو أهلاً للنقد والرد. ومهما يكن من توجه وشعار، فلا يكفينا ذلك للحكم على توازن الكاتب حتى نرى تصديق أقواله في واقع الكتابة على كل ما حوته أجزاء موسوعته التاريخية.
وابن الأثير جعل نفسه رمزا تصدق عليه - كما تصدق على غيره من كُتاب التاريخ - الازدواجية في المنهج، وكيل الأمور بمكيالين، وهذا الواقع قد أدركه غيري حينما تفحصوا ما في الكامل) في التاريخ) من مواقف تنسب
إلى ابن الأثير (40).
(40) انظر
ص
247 - 248
من
هذا البحث. (1/23)
صفحة 23
24
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ومهما يكن من موقف أمام أي مؤلف فـ «المهم في كل نقد يوجه لأي كتاب أو كاتب أن يوضح ما الذي كان على الكاتب أن يفعله، وأن يتم تدعيم وجهات النظر التي نرى أنها بديل صالح للصورة التي قدمها، وكلما تمكنا من فعل ذلك أثبتنا أننا لم نقرأ الكتاب فحسب، وإنما أعدنا إنتاجه
من جديد
(41)
فليس من الميسور على أي كاتب أن يعيد إنتاج أي كتاب بحجم ومنهجية الكامل) في التاريخ)، فالكتاب نفسه له رمزيته ومكانته بين الكتب، فقد أراده كاتبه أن يكون رمزاً لشخصه، وعنواناً لمواقفه، ودليلاً على فكره الذي ينسب إليه. فحسبنا نحن أن نتعرف على الكتاب، ونستنتج منه رأي ابن الأثير، ونعرض ما طرحه من أقوال على القيم المنهجية التي عرفها المسلمون ونادى بها علماء المسلمين عبر التاريخ في صفحات كتبهم، وحسبنا أيضاً أن نعرف مدى تطبيق ابن الأثير لتلك القواعد عند نقله لأحداث التاريخ التي وردت إليه.
وفي كل الأحوال، ينبغي لنا أن نسمع قولة المهتدي إلى الإسلام ـ محمد أسد ـ ونطبقها، حيث قال: «وليس ثمة من مبرر مطلقاً من الناحية العلمية أن يجرح أحد صحة مصدر تاريخي ما، ما لم يكن باستطاعته أن يبرهن على أنّ هذا المصدر منقوص. فإذا لم تقم حجة معقولة، أي علمية، على الشك في المصدر نفسه أو في أحد رواته المتأخرين، وإذا لم يكن ثمة
من الناحية الثانية خبر آخر يناقضه، كان حتماً علينا حينئذ أن نقبل الحديث
على أنه صحيح» (42)
(41) القراءة المثمرة (مفاهيم وآليات)، ص 85.
(42) الإسلام على مفترق الطرق، ص 94.
** (1/24)
صفحة 24
1 - مصادر كتاب (الكامل في التاريخ بين القبول والرفض
مصادر كتاب (الكامل في التاريخ)
بين القبول والرفض
?
25
فابن الأثير، كغيره من المؤرخين الذين سبقوه أو الذين أتوا من بعده، ذكر مصادر معلوماته التي سطرها في موسوعته التاريخية.
فقد نقل ابن الأثير عن ابن الكلبي (43)، وعن ابن إسحاق (44).، وعن
(45)
(46)
، ومن
وهب بن منبه، وعن الواقدي (4)، وعن عمر بن ميمون الأودي (47). کتاب تجارب الأمم لابن مسكويه (48)، ونقل كذلك من تاريخ ثابت بن سنان (49)، ونقل عن أبي زكريا يزيد بن إياس الأزدي صاحب كتاب تاريخ
الموصل (50).
ونقل ابن الأثير أحداثاً كثيرة من تاريخ أبي جعفر الطبري وقد صرح بذلك بقوله: «وإلى أخر هذه السنة انتهى تاريخ أبي جعفر
،439
(43) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 410، 4، ج 1 ص. (44) الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 416، ج 2 ص 111. (45) الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 426.
، ج 2/ ص 16.
(46) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 40، ج 2 ص 111، ج 3 ص 466، ج 4 / ص 341، ج 4 / ص 372،
ج 3 ص 425.
(47) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 65.
(48) الكامل في التاريخ، ج 7 ص 118، ج 8 ص 708
(49) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 647.
(50) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 430. (1/25)
صفحة 25
26
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الطبري حمدالله ... » (1)، ونقل مشافهة عن رجال لا يعرفون قد شاركوا في بعض الأحداث (52).
فكما ترى أخي القارئ الكريم، فإن تاريخ ابن الأثير قد جمع ما تفرق في كتب كثيرة ومصادر متعددة، وعلى فرضية عدالة جميع المؤرخين الذين نقل عنهم ابن الأثير ـ وهذا لا يتأتى لأن من الذين ذكرهم ابن الأثير هنا يعد من الكذابين عند علماء الجرح والتعديل، فإن الأخبار والروايات التي سطرت
في تلك المصادر جاءت من طرق لا تقبل كما هو الحال في تاريخ الطبري. فليس كون صاحب الكتاب صادقا ثقة يكون ما نقله صحيحا ثابتا؛ وفي ردود ابن الأثير لكثير من الأحداث تصديق لهذه القاعدة المنهجية، وترد على ما ادعاه في مقدمة تاريخه حيث قال هناك: « ... فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه ... وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقاً، الجامع علماً وصحة اعتقاد وصدقاً. على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يُعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء واللآلى
(53)
فنحن نرى هنا ميزانين وقف ابن الأثير أمامهما ليقيس بهما ما ورد إليه
من أحداث:
(51) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 91.
(52) قال ابن الأثير: (ثم دخلت سنة إحدى عشر وستمائة ... هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أي
عاد
سنة كانت ... لأن الذي أخبر بها كان من أجناد الموصل، وسافر إلى تلك البلاد ... ثم. فأخبرني بها على شك من وقتها، وقد حضرها ... » (الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 303).
(53) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 3 - 4. (1/26)
صفحة 26
1 - مصادر كتاب (الكامل) في التاريخ) بين القبول والرفض
الميزان الأول:
27
فكل رواية صادفت ميول ابن الأثير، وجاءت في كتب التاريخ عن المجهولين والضعفاء والكذابين والمتروكين فإن ابن الأثير يعول عليها لأنها، في نظره، تنال درجة الصحة لكون من سطرها ونقلها إلينا هو «الإمام المتقن» و «الجامع علماً وصحة اعتقاد وصدقاً».
وبهذا الميزان قبل ابن الأثير الروايات الضعيفة التي ذكرها الإمام الطبري عند حديثه عن معركة الجمل لكونها وردت في تاريخ «الإمام المتقن»، ولم يكلف نفسه البحث عن المصادر التي نقل عنها الإمام الطبري. فقد قال ابن الأثير: «لم أذكر في وقعة الجمل إلا ما ذكره أبو جعفر إذ كان أوثق من نقل، فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضى أهوائهم» (55).
التاريخ
(00)
وتكرر استخدام ابن الأثير لهذا الميزان عند ذكره لمعركة النهروان، وعند تقييمه لما كان قبلها وما كان بعدها من أحداث؛ وهذا الأسلوب في النقل والنقد الذي سار عليه ابن الأثير وغيره يجعل القارئ يقظاً وعلى بصيرة من كل ما سطر في كتب الأولين.
الميزان الثاني:
وكل قول شطر في كتب الماضين ولم يصادف عين الرضى عند ابن الأثير، فإن سهام النقد تسابقت لرده ولو جاء في كتاب من وصفه ابن الأثير بـ «الإمام المتقن» و «الجامع علماً وصحة اعتقاد وصدقاً».
(54) قال الدكتور محمد بن موسى الشريف: وكلامه هذا فيه مبالغة واضحة» (تعريف مؤجز بأشهر كتب التاريخ، ص (26) عند نقده للعبارة التي نقلها عن ابن خلكان (وفيات الأعيان
4/ 191) والتي وصف فيها تاريخ الطبري بأنه «أصح التواريخ وأثبتها».
(55) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 263. (1/27)
صفحة 27
28
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فها هو ابن الأثير يرسل سهام نقده صوب الإمام أبي جعفر الطبري، حيث قال: «ولو فكر أبو جعفر في ذلك لاستحيا من نقله» (56).
6
وقال في موضع آخر: «قلت: هذا الذي ذكره أبو جعفر ... من النقل القبيح والغلط الفاحش، وفساده أشهر من أن يُذكر فلولا أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء لكان الإعراض عنه
أولى
(ov)
فهذا التناقض في أقوال ابن الأثير في حق الإمام الطبري نشأ عن عدم تقيد ابن الأثير بنصيحة الإمام الطبري التي سطرها في مقدمة كتابه، ونشأ عن ازدواجية في التطبيق التي اتبعها ابن الأثير في كتابة تاريخه.
فأبو جعفر الطبري قد وجه القراء إلى المصادر التي نقل منها روايات تاريخه، وطلب من القراء النظر في تلك الروايات من جانب السند والمتن. فموسوعة الأمام الطبري التاريخية حوت ما تناهى إليه من روايات وأقوال، ولم يكن له فيها سوى جمعها وترتيبها حسب التسلسل الزمني للأحداث، ورمى بعهدتها إلى ناقليها إليه، فمن الضيم للإمام الطبري وصفه بعدم الحيا وقبح النقل والفحش في الرواية.
من
والكتاب وفي مقدمتهم ابن الأثير «لم ينتبهوا إلى تحذيره ـ أي الطبري - الأخذ بكل ما جاء في تأريخه ... ولكن أخذوا بعين الاعتبار أنه محدث ثقة حافظ فصدقوا كل ما في تأريخه، وتلك مصيبة تركت أثرها في كتابة التأريخ الإسلامي إلى يوم الناس هذا (58). والله المستعان.
(56) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 423. (57) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 421
(58) تعريف موجز بأشهر كتب التاريخ، ص 22، نقلا عن صحيح وضعيف تاريخ الطبري،
ج 1 ص 36). (1/28)
صفحة 28
1 - مصادر كتاب (الكامل) في التاريخ) بين القبول والرفض
29
ونجد الحس النقدي عند ابن الأثير - كمؤرخ ـ حاضراً بقوة في طوايا موسوعته التاريخية، وقد أجاد ابن الأثير ـ والحق يقال ـ عند تطبيقه لمنهج التلقي على كثير من الأخبار التي لم يرتضها، وبين في كثير من الحالات دعته إلى رد تلك الأحداث والأقوال المنسوبة للناس، فقد رد
(09)
الأسباب التي ابن الأثير أخباراً حينما صادمت تصاريف اللغة (59)، وأخباراً حينما لم تتساوق مع التسلسل الزمني للأحداث (6)، وأقوالا حينما نالت من علماء الإسلام)،
(59) قال ابن الأثير: وفتحت سَلَمية أيضا، وقيل: إنما سُميت سلمية لأنه كان بقربها مدينة تدعى المؤتفكة انقلبت بأهلها، ولم يسلم منهم غير مائة نفس فبنوا لهم مائة منزل وسميت سلم مائة، ثم حرف الناس فقالوا: سلمية، وهذا يتمشى لقائله لو كان أهلها عربا، ولسانهم عربيا، وأما إذا كان لسانهم أعجميا فلا يسوغ هذا القول ... ». (الكامل في التاريخ،
ج 2 ص 493).
(60) قال ابن الأثير:
).
وهذا القول ليس بشيء لأن عليا استعمل قيساً على مصر أول ما بويع له، ولو أن ابن أبي حذيفة قتله معاوية وعمرو قبل وصول قيس إلى مصر لاستوليا عليها لأنه لم يكن بها أمير يمنعهما عنها، ولا خلاف أن استيلاء معاوية وعمرو عليها كان بعد صفين والله أعلم». الكامل في التاريخ، ج 3 ص 266). . وقال أيضاً من موضع آخر: «هكذا في هذه الرواية ذُكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وليس بصحيح؛ فإن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية» (الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 6). وقال أيضاً: «قلت: ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر لا يستقيم على قول مَنْ يجعل وفاته سنة ثلاث وخمسين، وإنما يصح على قول مَنْ يجعلها بعد ذلك الوقت». (الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 511).
•
ومما قاله: «كذا قيل إنه آخر الحوادث أيام ملوك الطوائف، ولا وجه له، فإن من أدركت ابنته النبي، صلى الله عليه وسلم، يكون بعد اجتماع المُلك الأردشير بن بابك بدهر طويل» (الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 376).
ومما قاله: «وقد تقدم ذكر وقعة أجنادين على قول من يجعلها قبل اليرموك، وسياقها على غير هذه السياقة فلهذا ذكرناها هنالك وها هنا الكامل في التاريخ، ج 2 ص 499). (61) وقال ابن الأثير في رده على ابن الجوزي الذي تكلم في حق حماد بن مسلم الدباس: (1/29)
صفحة 29
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وأخباراً تأباها العقول وتمجها الأسماع (6) حسب
حسب ما قاله. وعرض أخباراً على
فيها (63)
الأحكام الشرعية وبين الحكم الشرعي فيها
•
. ورأيتُ الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قد ذمه وثلبه، ولهذا الشيخ أسوة بغيره من الصالحين، فإنّ ابن الجوزي قد صنّف كتاباً سماه تلبيس إبليس لم يبق فيه على أحدٍ من سادة المسلمين وصالحيهم الكامل في التاريخ، ج 10 ص 671). ومما قاله ابن الأثير
أيضاً:
"
«وفي هذه السنة، في شهر رمضان، توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد، وتصانيفه مشهورة، وكان كثير الوقيعة في الناس لا سيما في
محمد
وهو
العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له ... » (الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 171). وقال ابن الأثير أيضاً: «وفي هذه السنة [سنة 563 للهجرة] توفي عبد الكريم بن بن منصورا أبو سعد بن أبي بكر بن أبي المظفر السمعاني المروزي، الفقيه الشافعي ... وإنما ذنبه عند ابن الجوزي أنه شافعي، وله أسوة بغيره، فإن ابن الجوزي لم يُبق على أحد إلا مكسري الحنابلة (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 333). وقال ابن الأثير: «وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن محمد الغزالي، الواعظ، أخو الإمام أبي حامد محمد، وقد ذمّه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء كثيرة منها: روايته في وعظه الأحاديث التي ليست له بصحيحة، والعجب أنه يقدح فيه بهذا، وتصانيفه هو ووعظه محشو به، مَمْلُوء منه، نسأل الله أن يعيذنا من الوقيعة في الناس، ثم يا ليت شعري أما كان للغزالي حسنة تُذكر مع ما ذكر من المساوئ التي نسبها إليه لئلا يُنسب إلى الهوى والغرض؟ (الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 640). (62) فبعد أن ذكر ابن الأثير الأخبار التي تحدثت عن الجيوش التي خرجت من اليمن صوب الصين وبلاد فارس وأرض سمرقند وبلاد الروم، قال معلقاً على تلك الأخبار بقوله: «هذا مما تأباه العقول، وتمجه الأسماع الكامل في التاريخ، ج 1 ص 422).
(63) من ذلك: علق ابن الأثير على الأخبار التي ذكرت استلحاق معاوية بن أبي سفيان لزياد بن أبيه بقوله: «وكان استلحاقه أول ما رُدّتْ أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر ... فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والإسلام، وهذا مردود لاتفاق المسلمين على إنكاره ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة الكامل) في التاريخ، ج 3 ص 444 ـ 445).
، ومن أقوال ابن الأثير أيضاً: «وقد قيل: إنّ الفرزدق إنما قال هذا الشعر لأن الحتات لما
= (1/30)
صفحة 30
1 - مصادر كتاب (الكامل) في التاريخ بين القبول والرفض
31
وهذه النظرة من ابن الأثير ينبغي أن تكون إحدى أدوات كتاب التاريخ عند دراساتهم لحياة الأفراد ومبادئ الأمم وقيم الشعوب. فكل رواية لا بد لها أن تعرض على الثابت الصحيح من أخبار الناس وعلى ما يتفق عليه حالهم من خير أو غير ذلك. فليس لأي كاتب أن ينتقي الأخبار التي توافق هواه ليجعلها حجة على من يناوئهم أو حجة لمن يناصرهم.
وابن خلدون قد أكد على المعاني التي أشار إليها ابن الأثير هنا، حيث قال في مقدمته: « ... حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة ومعارف متنوّعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربّما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غنّا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط)
(64)
ومن هذه الوقفات التي سجلها ابن الأثير وأشار إليها ابن خلدون ندرك أن أي كاتب لا يتناول أي فرع من فروع العلم والمعرفة بمعزل عن العلوم
أسلم أخى النبي صلى الله عليه وسلم، بينه وبين معاوية، فلما مات الحتات بالشام ورثه معاوية بتلك الأخوة فقال الفرزدق هذا الشعر. وهذا القول الذي ليس بشيء لأن معاوية لم يكن يجهل
أن هذه الأخوة لا يرث بها أحد الكامل في التاريخ، ج 3 ص 470).
(64) مقدمة تاريخ ابن خلدون، ص
13 (1/31)
صفحة 31
32
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الأخرى التي تعين إلى الوصول إلى الحقيقة فقراءة التاريخ لا تكون بمعزل عن علم اللغات، وعلم الجغرافيا، وعلم الأنساب وغيرها من العلوم وإلا لجاءت النتيجة خداجاً ومشوهة الملامح. وقد ذكر الدكتور الشريف عدة علوم ذات علاقة وثيقة بعلم التاريخ منها: علم التربية، وعلم السياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم الجغرافيا، وعلم النفس
(70)
وقد دعا الدكتور عماد الدين خليل إلى اعتماد مصادر ذات تخصصات أحداث التاريخ، حيث قال: «سيكون من فضول القول التأكيد
شتى عند تتبع على ضرورة التنويع في اعتماد المصادر القديمة ما بين كتب التاريخ العام، والحوليات، وتواريخ الدويلات والأقاليم والمدن، وكتب الخطط، والجغرافيا والرحلات، والتراجم والسير والطبقات، والفقه ... الخ، لأن إغناء الجانب الحضاري ـ بخاصة ـ في التاريخ الإسلامي لا يتحقق إلا بهذا التنويع؛ ولأن مقابلة الروايات والنصوص ومناقشتها وصولاً إلى الحقيقة التاريخية، لا يتأتى إلا بالانفتاح على هذا الحشد الزاخر من أنماط المصادر التي ترفد العمل التاريخي من مناح شتى»
وبعد
أن بين الدكتور محمد بن موسى الشريف الصفات (67) التي ينبغي أن يتحلى بها مريد التاريخ وكاتبه، قال: «تلك كانت صفات خمساً لا يمكن لمريد التخصص أن يُبدع أو يكون له نتاج حسن إلا إن كان متصفاً بها، ولو فاتته واحدة منهن ظهر النقص فى عمله، والعُوارُ فى تقريراته وتعليقاته
(65) إعداد المؤرخ الثقة، ص 49 - 51. (66) في التأصيل الإسلامي للتاريخ، ص 25. (67) الصفات التي أرادها الدكتور الشريف للمؤرخ هي: 1 - حسن الصلة بالله، 2 ـ القدرة على النقد الحسن، 3 ـ الرغبة الدافعة له إلى الصبر، 4 ـ الذكاء وحسن الاستنباط والتعليل، 5 ـ اتباع الحق لا التجرد والحياد (انظر كتاب إعداد المؤرخ الثقة، ص 9 - 17). (1/32)
صفحة 32
1 - مصادر كتاب (الكامل) في التاريخ) بين القبول والرفض
33
?
وليس شرطاً أن يبلغ الكمال في كل صفة منها بل حسبه أن يكون فيه قدر من كل صفة يؤهله للمضي في بحثه سليماً من الضعف، آمناً من الزلل، وهو أمر لا ينضبط لكن يُقدّر تقديراً مرده إلى عرف الزمان والمكان، والله أعلم
(68)
ويؤكد الدكتور محمد بن موسى الشريف على هذا المعنى بقوله: «وليس النقد فقط هو المراد، إنما المراد هو النقد القائم على أسس شرعية صحيحة، وهذا لا يقوى عليه إلا مؤرخ له حظ وافر من العلوم الشرعية. وقد كان أكثر المؤرخين القدامى علماء شرعيين؛ فلذلك كانت كتاباتهم موثقة ومعتدلة إلى حد كبير، فالإمام الطبري صاحب (تاريخ الأمم والرسل والملوك) كان إماماً مجتهداً عارفاً بالفقه والحديث والتفسير واللغة بل كان إماماً في كل ذلك» (69).
(79)
وقال أيضاً: « ... لا بد لمن يريد التصدي لنقد الحوادث التاريخية أن يحوز قدراً جيداً من الثقافة الشرعية يستطيع به أن يميز الصالح من الطالح، ويحسن به الانتقاء والاختيار. والحد الأدنى أن يكون عارفاً لطرائق تمييز الأخبار الصحيحة من السقيمة بموازين أهل الحديث، وأن يكون عارفاً بالحلال والحرام على وجه الإجمال وليس التفصيل فوزن الأخبار بالمعايير، التي أشار إليها ابن الأثير والدكتور الشريف والدكتور عماد الدين هنا قبل نشرها والاحتجاج بها على الناس، واجب فرضه الإسلام على كل قائل وناقل إن كانت هناك فوائد شرعية من وراء
القول والنقل.
(70)
(68) إعداد المؤرخ الثقة، ص 17 ـ 18. (69) كيفية قراءة التاريخ وفهمه، ص 94.
(70) كيفية قراءة التاريخ وفهمه، ص
96 (1/33)
صفحة 33
34
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وليس أمام الكتاب أي خيار سوى اتباع ما أسسه شرع الله من ضوابط والتي حددها قول الله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ} [الحجرات: 6]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) ().
(71)
فأي قول لا يتفق مع ضوابط الشرع، ولا يرتكز على الأسس المنهجية التي أقرها القرآن الكريم وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحها علماء الإسلام، فهو إشاعة مغرضة تضر المجتمع، ولا يخفى شرها على قائلها وناقلها. ومما عرف يقيناً أن «اعتبار نشر الإشاعات وترديدها سلوكاً منافياً للفضائل والآداب الإسلامية والاجتماعية وعمل غير أخلاقي
(72)
حظ
في
ومن الواضح جلياً أن ابن الأثير ومن سار على دربه لم يكن لهم تطبيق الأسس المنهجية التي عرفوها حينما كتبوا عن أهل النهروان والإباضية، لهذا فقد كثرت في كتبهم الإشاعات وتزاحمت في سطورها أقوال الكذابين والضعفاء.
فكان حرياً بابن الأثير أن يتخير المصادر الصادقة في كل مواطن أجزاء موسوعته التاريخية، وأن يطبق مبادئ البحث العلمي على كل الروايات والأقوال التي وصلت إليه قبل أن يسطرها في كتابه، وألا يكون منحازاً للموروثات الفكرية التي صادمتها الأدلة القاطعة، وأن يبتعد ـ كمؤرخ ـ عن الكيل بمكيالين، بل كان ينبغي له أن يكون سباقاً لترسم خطوات لسان ميزان العدل والإنصاف الذي أقره الإسلام ودعا إليه علماء
الإسلام قاطبة.
(71)
صحيح مسلم، الرواية: 5، ص 49.
(72) محددات الإشاعة في السلم والحرب، ص 25. (1/34)
صفحة 34
1 - مصادر كتاب (الكامل) في التاريخ بين القبول والرفض
35
ينبغي
ومما قاله الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار: «ولعل من أهم الأدوات التي أن نقبض عليها القدرة على رؤية موضوعية بعيدة عن الهوى والذاتية والقراءات الناقصة ... ولن يحصل من ذلك شيء إلا إذا امتلكنا فضيلة الصبر والجلد على إعمال الفكر، وتقليب النظر، والكف عن التكديس الذري) للمعلومات دون الوقوف على النواميس العليا التي تنتظمها في مسارات محددة، وتوزعها على مفاهيم واضحة تخرجنا من التيه، وتعصمنا من العيش في الأوهام وردود الأفعال ... (73).»
وأخيراً، وبما أن واقع كتاب الكامل في التاريخ) ليس على ما روج له صاحبه، فهو وإن كان غنياً بالفوائد، يبقى علينا نحن القراء أن نقوم بمهمة التثبت من كل المصادر التي أشار إليها ابن الأثير ونقول فيها قولة الحق، ونعمل بما سجله الدكتور عماد الدين خليل والدكتور محمد بن موسى الشريف من توصيات لأننا على يقين أن هذا هو مطلب ابن الأثير وغيره من
علماء الإسلام.
(73) فصول في التفكير الموضوعي، ص 6 (1/35)
صفحة 35
36
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ابن الأثير يزكي كتابه
(الكامل في التاريخ)
وأما مقولة ابن الأثير: على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة، ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء والآلي» فلا واقع لها،
والكتاب لا يصدقها.
وقد نقد الدكتور عماد الدين خليل هذه العبارة التي سجلها ابن الأثير في مقدمة تاريخه: «أما قوله ... في أنه لم ينقل إلا ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دونوه .. وأنه لم يكن كالخابط في ظلماء الليالي .. إلى آخره .. فيه نظر .. ذلك أنه في الأقسام الأولى من مؤلفه منذ حديثه عن بدء الخليقة وحتى القرون الهجرية الثلاثة الأولى، نقل الكثير الكثير عن مصادر لم تكن كلها موثوقة صحيحة، واعتمد روايات وأخباراً فيها الغث والسمين .. لا بل أنه نقل مساحات واسعة جداً من الطبري - في كتابه تاريخ الرسل والملوك) ـ بكل ما تتضمنه هذه المساحات من خطأ وصواب، فيما حذر منه الطبري نفسه، دون أن يمارس إلا في حالات قليلة، النقد والعزل والموازنة والشك والتمحيص» (74). فتاريخ ابن الأثير يصدق عليه قول ابن خلدون: «كثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها
(74) حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ص 51 ـ 52. (1/36)
صفحة 36
2 ـ ابن الأثير يزكي كتابه الكامل في التاريخ)
37
على مجرد النقل غثاً أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ... » (75).
(vo)
فالنظرة العامة لتاريخ ابن الأثير تدلنا على أن حال تاريخه هو كحال الكتب الأخرى؛ لا بد أن تعرض رواياته ومواقفه على منهج الأمة الإسلامية خاصة عندما يكون الحديث عن جماعات المسلمين وأفرادهم، وألا يُكتفى
بتزكية ابن الأثير لتاريخه.
(75) مقدمة ابن خلدون، ص "
13 (1/37)
صفحة 37
38
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ابن الأثير ينقل أخباراً
بصيغ التمريض
لم
ومما يؤكد أيضاً عدم تقيد ابن الأثير بشرطه الذي قال فيه: «على أني! أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يُعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء والآلي»، هو أنه كثيراً ما يأتي بصيغ التمريض، وبعبارات تدل على عدم تيقنه عند نقله لأخبار وردت إليه، حيث قال:
(VT)
وقيل في إسلامه غير هذا ... (6)، و (وقيل: إن المختار بن أبي عبيد،
وزياد بن أبيه ولدا فيها (77)، و (وقيل: إنه عُمل سنة ثمان وهو الثبت» (78)، و «وقد قيل: إن وقعة أجنادين كانت سنة خمس عشرة وسيرد ذكرها إن شاء
الله (79)
وغيرها (80)، و
من الأخبار التي صدرها بصيغ التمريض.
(76) الكامل في التاريخ، ج 2/ ص 87.
6
(77) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 111.
(78) الكامل في التاريخ، ج 2/ ص 226.
(79) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 418. (80) ومن أمثلة ذلك قول ابن الأثير:
وقيل: إن عياضاً أرسل عمير بن سعد إلى رأس عين ففتحها بعد أن اشتد قتاله عليها. وقيل:
بن
الوليد
إن عمر أرسل أبا موسى الأشعري إلى رأس عين بعد وفاة عياض. وقيل: إن خالد حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل حماماً بآمد فأطلى بشيء فيه خمر فعزله عمر. وقيل: إن خالداً لم يسر تحت لواء أحد غير أبي عبيدة والله أعلم الكامل في التاريخ، ج 2/ 535). (1/38)
صفحة 38
- ابن الأثير ينقل أخباراً بصيغ التمريض
39
ونجده يصرح عن بعض مصادر معلوماته بقوله: حكى لي بعض
التجار ... »
(81)
وبقوله: «حدثني بهذا رجل من عقلاء النصارى ممن دخل تلك البلاد وعرف حالها، وسألت غيره، فعرف البعض وأنكر (البعض) (82).
وينقل أحياناً الخبر ويرد عهدته إلى ناقله حيث قال في موضع: « ... هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه، والعهدة عليه» (83).
وقال في موضع آخر: « ... حتى مات ابن شيركوه ليلة عيد الأضحى فإنه شرب الخمر وأكثر منها، فأصبح ميتاً، فذكروا، والعهدة
(84)
عليهم .... وقال أيضاً: «ذكر أصحاب التواريخ في هذه الحادثة أقاويل نحن نذكرها
(10)
جميعها للخروج من عهدتها (85).
وقال أيضاً: «كذا قال أبو جعفر وغيره من العلماء: إنه ركب إبليس وطاف
عليه والعهدة عليهم، وإنما نحن نقلنا ما قالوه
ص
ه)
(86)
و «وقيل: إن عبد الملك اعتمر هذه السنة ولا بـ (الكامل في التاريخ، ج 4/
(373
وقيل: إن أهل سمرقند خرجوا على المسلمين وهم يقاتلونهم يوم فتحها ... » (الكامل
في التاريخ، ج 4/ 574). وغيرها من المواضع.
(81) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 499.
(82) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 466.
(83) الكامل في التاريخ، ج 11 ص 410. (84) الكامل في التاريخ، ج 11 ص 518. (85) الكامل في التاريخ، ج 11 ص 81 (86) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 61. (1/39)
صفحة 39
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
واعتماد ابن الأثير على أسلوب التمريض في نقل الأخبار، إنما يحمل تبرئة ذمته من تبعات النقل، ولكنه يتناقض مع ما سطره في مقدمة كتابه حين قال: «على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يُعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه ... »، لهذا وجب عدم الالتفات إلى ما قاله في مقدمة كتابه من تزكية وإطراء. (1/40)
صفحة 40
4 - ابن الأثير ينقل أخباراً ويعرضها على مصادر أخرى لها صلة بفحواها
يه
ابن الأثير ينقل أخباراً ويعرضها
على مصادر أخرى لها صلة بفحواها
ويورد ابن الأثير روايات مختلفة لحدث واحد وينقلها في كتابه كما وردته، فقد قال: « ... وقد ذكر غيره من العلماء بالتواريخ هذه الحوادث مخالفة لهذا في بعض الأمور مع تقديم وتأخير، ونحن نوردها» (87).
(AV)
وقال أيضاً: «هذا الذي ذكره في هذه الرواية مخالف لما تقدم، ولو أمكن
الجمع بين الروايتين لفعلت ...
قال ابن الأثير:
):
(88)
ولا نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين أم هما غزاتان،
ويكون أهلها قد غدروا بعد هذه الدفعة والله أعلم (89).
وقال أيضاً: «وإنما ذكرتُ اختلافهم والحادثة واحدة لأن كل سبب منها قد ذكره بعض العلماء، فمتى تركنا أحدهما ظن من ليس له معرفة أن كل سبب منها حادث مستقل وقد أهملناه فاتينا بهما جميعا لذلك ونبهنا عليه» (90)
(87) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 380. (88) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 385. (89) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 106. (90) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 547. (1/41)
صفحة 41
42
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ونجد ابن الأثير يرد أخباراً بعد عرضها على روايات هي أثبت منها جاءت في كتب أخرى، فقد قال عند ترجيحه لبعض الأخبار: «وهذه الرواية أصح، فإن البخاري ومسلماً أخرجاها في صحيحيهما» (4). وقال أيضاً في مناسبة أخرى: « ... والأول أصح، لأن البخاري قد ذكر في صحيحه ... » وقال أيضاً: « ... إلا أن النفس أكثر ثقة بنقل ابن ماكولا لأنه الإمام العالم بهذه
الأمور ... » (93).
(92)
فهذه الأقوال التي قالها ابن الأثير في كتابه إرشاد لكل قارئ أن يقوم بالتثبت من الروايات من خلال عرضها ومقارنة ما تحويه من أخبار على روايات أخرى ذات صلة علمية بالموضوع، وهذه الخطوة جزء من المنهج الداعي إلى التبين قبل إطلاق الأحكام.
وهذه الجزئية من المنهج التي طبقها ابن الأثير هنا لم يطبقها عندما تحدث عن أهل النهروان، فقد ذكر الروايات التي فيها التحامل على أهل النهروان ولم يعرضها على الروايات الأخرى التي عرضت مبادئ أهل النهروان والإباضية.
حين
وقد أشار الدكتور الشيخ ناصر السابعي إلى هذا المبدأ قال: «كما أن من الإشكاليات الاقتصار على بعض الروايات دون اللجوء إلى روايات أخرى متوارية لعلها تحدث بعد ذلك أمراً. وأيضاً فإن غياب مصادر الإباضية عن ساحة عدد من الدراسات أفقدتها التوازن المنهجي في دراسة كثير من هذه القضايا، لأن كتب الإباضية تمثل وجهة نظر أهل النهروان تمام التمثيل، وإن
(91) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 560. (92) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 124. (93) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 265. (1/42)
صفحة 42
4 ـ ابن الأثير ينقل أخباراً ويعرضها على مصادر أخرى لها صلة بفحواها
43
كانت لا تعكس وجهة نظر الفرق الأخرى المنسوبة إلى الخوارج كالأزارقة والنجدات والصفرية (94).
فكان ينبغي لابن الأثير أن يدرس جميع الروايات الواردة حول أهل النهروان ويأخذ منها ما وافق الحق والصواب لا أن يقف عند روايات من ناوءهم وافترى عليهم.
(94) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 61. (1/43)
صفحة 43
44
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ابن الأثير يستعين بالمنهج في رد كثير من الأخبار
ومما يؤكد يقينا عدم اقتناع ابن الأثير بصحة مقولته التي صدر بها تاريخه هو وقفته وقفة المدقق لأقوال الماضين، ووزنها بالميزان الحق الذي لم يطبقه
عته.
في كثير من مواضع موسوم وما سننقله هنا فيه اعتراف ابن الأثير بأن في الكتب التي نقل منها
تاريخه روايات ضعيفة تستحق الرد وعدم القبول.
فقد قال ابن الأثير: «ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم أن المستعين أخو المتوكل لأبيه، وليس هو كذلك، إنما هو ولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم» (95) وقال أيضاً: «وقال الزهري: لم يكن معهم، ولو كان معهم لم ينهزموا، وهذه العلة ليست بشيء لأنه قد كان بعد الوحي والرسالة ينهزم أصحابه ويقتلون، وإذا كان في جمع قبل الرسالة وانهزموا فغير بعيد»
في
(96)
وقال أيضاً: «ومن العجائب أن الشهرستاني مصنف كتاب: نهاية الاقدام الأصول، ومصنف كتاب الملل والنحل في ذكر المذاهب والآراء
(95) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 118. (96) الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 592 ـ 593. (1/44)
صفحة 44
ه ـ ابن الأثير يستعين بالمنهج في رد كثير من الأخبار
45
00
القديمة والجديدة ذكر فيه أن نسطور كان أيام المأمون، وهذا تفرد به،
ولا أعلم له في ذلك موافقا» (97).
وقال أيضاً: «وسبب هذا أن أخبار العرب لم تكن مضبوطة على الحقيقة، فقال كل واحد ما نُقل إليه من غير تحقيق
(98)
وقال أيضاً: «والجميع حديث خرافة لا أصل له ولا حقيقة
(99)
وقال أيضاً: «وبالغ آخرون مبالغة تدل على سخف عقولهم وجهلهم ... وما أظن الساعة راوي هذا الكذب الفاحش عرف الحساب حتى يعلم مقدار
جهله ... » (100).
وقال أيضاً: «إقدامه على هذا القول السخيف ... وقد تواطأوا على الكذب والتلاعب بعقول الجهال واستهانوا بما يلحقهم من استجهال العقلاء لهم، وإنما ذكرنا هذا على قبحه ليقف بعض من كان يصدق به عليه فينتهي إلى الحق (101). وقال أيضاً: «قلت: وهذا الفصل من حديث جم قد أتينا به تاما بعد أن كنا عازمين على تركه لما فيه من الأشياء التي تمجها الأسماع وتأباها العقول والطباع، فإنها من خرافات الفرس ... »
(102)
وقال ابن الأثير تعليقاً على أقوال بعض العلماء حول أسماء بعض من
(103)
جدات الرسول صلى الله عليه وسلم: وقد غلط هنا بعض العلماء الكبار ... (103).
(97) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 332. (98) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 411.
(99) الكامل في التاريخ، ج 1/ 232. (100) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 233. (101) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 234.
(102) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 66. (103) الكامل في التاريخ، ج 2/ ص 254. (1/45)
صفحة 45
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال أيضاً: وذكر يأجوج ومأجوج ومنسك وثاريس، إلى أشياء أُخر لا حاجة إلى ذكرها، فأعرضتُ عنها لمنافاتها العقول. ولو صح أسنادها لذكرناها وقلنا به، ولكن الحديث غير صحيح، ومثل هذا الأمر العظيم
(1.2)
لا يجوز أن يسطر في الكتب بمثل هذا الإسناد الضعيف (104).
وغيرها من الترجيحات التي قام بها ابن الأثير حينما طبق المنهج العلمي
على الأخبار المتناقضة.
من هذه الأمثلة (105)
التي
نقلناها من تاريخ ابن الأثير ندرك أن الرجل على
علم بما ينبغي له فعله عند قراءة أي خبر من أخبار الماضين، فتحقيق المنهج في تقييم الأخبار مطلب لا مواربة فيه، وتطبيقه ينبغي أن يكون على كل خبر.
(104) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 22.
(105) وانظر أيضاً تعليقات ابن الأثير على بعض الأخبار. امل في التاريخ، ج 3 ص 351، ج 4 / ص 90، ج 2 ص 255، ج 2 ص 325، ج 6 / ص 351، ج 1 ص 328، ج 1/ ص 510، ج 2/ ص 33، ج 8 ص 358، ج 3 ص 53، ج 2 ص 33، ج 1 ص 257، ج 2 ص ص 355، ج 4 / ص 6، ج 1 ص 451.
427، ج 1/ (1/46)
صفحة 46
1 ـ «أهل كل بلد أعلم بأحوالهم»
«أهل كل بلد أعلم بأحوالهم»
47
ومن الأسس المنهجية المنصفة التي ذكرها ابن الأثير ودعا إليها، وطبقها على بعض الأخبار، هي الرجوع إلى مؤلفات أهل البلدان لمعرفة أحوالهم ومعتقداتهم وسجلات أحداثهم.
فقد قال ابن الأثير: «هذا الذي ذكره أصحاب التواريخ من الخراسانيين، وقد ذكر العراقيون هذه الحوادث على غير هذه السياقة، وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم، ونحن نذكر ما ذكره العراقيون مختصراً (106).
وقال أيضاً: « ... والذي ذكره أهل التاريخ من المغاربة ... وهم ببلادهم، وأنا أذكر ما أثبتوه في كتبهم
(107)
(108)
أخبر
وقال أيضاً: «والذي ذكره هشام بن الكلبي لا وجه له، لأن اوشهنج مشهور عند الفرس، وكل قوم أعلم بأنسابهم وأيامهم من غيرهم وقال أيضاً: «قلت: والحق ما قاله الفرس، فإن أسماء ملوكهم قبل
الإسكندر معروفة ...
(109)
(106) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 463 - 464. (107) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 465. (108) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 49 (109) الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 165. (1/47)
صفحة 47
48
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال أيضاً: «هذا جميعه ذكره أبو جعفر في فتح الأندلس، وبمثل ذلك الإقليم العظيم والفتح المبين لا يقتصر فيه على هذا القدر، وأنا أذكر فتحها على وجه أتم من هذا إن شاء الله تعالى من تصانيف أهلها إذ هم
أعلم ببلادهم
ذكره»
(11+)
وقال أيضاً: والذي ذكره أهل الأندلس في تواريخهـ ما
(111)
))
تقدم
فليس من حق أي إنسان مهما علت منزلته العلمية أن يتحدث عن أي مجتمع من غير الرجوع إلى أحوال ذلك المجتمع؛ وبعد دراسة كتب علمائهم ومعايشة أحوالهم ومعرفة قربهم أو بعدهم من تعاليم الإسلام هناك سيظهر له الواقع الذي ينقله بكل صدق وأمانة.
وأما النقل من هنا وهناك بلا قيد فلا قيمة له في ميزان البحث العلمي ولو ادعى أهل الأرض جميعاً صدق مصادرهم و مراجعهم وأمانتها. وما نال ابن الأثير وغيره من الإباضية الكرام إلا بعد أن تخلى هو ومن سار على نهجه عن هذه القاعدة المنصفة التي عرفها وطبقها على بعض الأخبار المنسوبة إلى أهل الأندلس والمغاربة والفرس.
وماذا كان يضير ابن الأثير لو أنه قال: «وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم» وكل قوم أعلم بأنسابهم وأيامهم من غيرهم عندما تحدث عن الإباضية؟. ولماذا ضرب صفحاً عن هذا المبدأ الذي نادى به؟
فبسبب إعراض ابن الأثير عن هذا المبدأ جاءت كتاباته عن الإباضية هذه مضطربة ومتناقضة كما وصفها الإمام السالمي بقوله: «وفي تاريخ
(110) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 556.
(111) الكامل في التاريخ، ج 4/ 576 (1/48)
صفحة 48
1 ـ «أهل كل بلد أعلم بأحوالهم»
49
الحوادث اضطراب لا ينبغي أن يعول عليه، وفيه مناقضة لما أرخ أصحابنا
وهم أعرف بحال «بلادهم
(112)
فعبارة ابن الأثير التي قال فيها: «على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه» لم تكن مطردة، وكثير من الأخبار التي أوردها ابن الأثير لا واقع لها في التاريخ؛ فقد نقل كثيراً من الأقوال الضعيفة والروايات الباطلة التي أبطلتها مناهج الأمة الإسلامية. وهو بنفسه أراد بديلاً عن تلك المعلومات التي وصلت إليه من الكتب التي ادعى صدقها وصحتها، وفضل عليها ما خطته أنامل أصحاب الشأن من الأمم والشعوب.
فلا تهولنك أخي القارئ العبارات الرنانة التي يتعود الكتاب على رصها في مقدمات كتبهم، ولكن عليك أن تعطي كل ذي حق حقه، وأن تزن الأخبار بميزان الإسلام الصادق الذي يعد الصدق أمانة لا بد من أدائها على من تحب وعلى من تكره.
وقراءة كتب الماضين لا حرج فيها إذا عرف القارئ الغث من السمين وتجنب الخبط في متاهات الأفكار، فليس كل ما سطر في كتب الماضين ولو علت منازلهم العلمية ـ يعد صحيحا ثابتا.
واعلم أيها القارئ الكريم أن الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم (113)، ولن يكون الكلام عدلا وصواباً إلا إذا صدقه الواقع، وشهد له الثقاة.
(112) تحفة الأعيان، ج 1 ص 294.
(113) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، ج 3 ص 48. (1/49)
صفحة 49
=
50
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
والدكتور علي محمد الصلابي قاده صواب رأيه إلى قول الحق في مسألة مصادر التلقي عن الإباضية (4) حيث قال حفظه الله تعالى: «إن تقصي المنهج
الحسنات»
(114)
(114) يحسن بنا هنا أن نذكر أن الدكتور علي بن محمد الصلابي قد ألف كتابه (الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج واعتمد في تأليفه على مؤلفات الإباضية، وقارن بين مبادئ الإباضية وما سجله كُتّاب التاريخ عن الخوارج. حيث قال في مقدمة كتابه: «ولذلك التزمت في بحثي هذا بسياج الأدب والموضوعية والحيادية ما أمكن، بعيداً عن القيل والقال والانفعالات والمهاترات والتشهير وتصعيد العثرات، وتتبع السقطات والتغافل عن، (الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، ص 7 ـ 8). ويبقى لنا طلب ونرجو من الدكتور الصلابي ـ حفظه الله تعالى ـ أن يسعى لتحقيقه، ألا وهو مراجعة كتابه (الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم)، وكتابه (فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة وكتبه الأخرى التي تحدث فيها عن أهل النهروان. فإن تلك الكتب التي نشرها بعناوين متعددة تعتمد على روايات ضعيفة وأقوال باطلة ونقولات عن كُتّاب آخرين اعتمدوا على المتساقط من الأخبار. وما نقله الدكتور الصلابي في تلك الكتب يناقض ما قاله في مقدمة كتابه (الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم)، حيث قال: «فقد قمت في هذا الكتاب بدراسة موضوعية علمية عن الخوارج» (الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم، ص 6)، والذي عرضه الدكتور في كتبه عن الخوارج (ويقصد بهم أهل النهروان بعيد كل البعد عن الدراسة
العلمية والموضوعية كما يظهر ذلك جلياً لكل من تتبع صفحات تلك الكتب.
والنقل من غير تحقيق ولا دراسة هي الصبغة التي صبغت بها كتب الدكتور ـ حفظه الله تعالى ـ عندما تكلم عن أهل النهروان؛ فنجده ينقل من هنا وهناك بلا ضابط منهجي، وهذا المسلك جعله يردد أقوالاً، تمجها قواعد العلم، ويسطرها في كتبه لا لشيء إلا لأنها وجدت في كتب من سبقه. وكل الأقوال والروايات التي ساقها الدكتور الصلابي في كتبه عن أهل النهروان ذكرناها في كتابنا هذا وكتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، وبينا تهافتها وضعفها في ميزان الإسلام. فأرجو من الدكتور - حفظه الله تعالى - مراجعة ما سطره في كتبه عن أهل النهروان ووزنها بالميزان القسط، والله المعين إلى كل خير.
وأما ما يخص نشر كتاب الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم) فإن الدكتور - حفظه الله تعالى ـ لم يكتف بنشره منفرداً، بل أعاد نشره ضمن كتابه (الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، في مسلك لا يجد القارئ له مسوغاً سوى محاولة الدكتور (1/50)
صفحة 50
1 ـ «أهل كل بلد أعلم بأحوالهم»
منهم.
(110)
51
العلمي للوصول إلى الحقيقة في مسألة كون الإباضية من الخوارج أو ليسوا هذا الأمر يقتضي الوقوف على أقوال الإباضية أنفسهم في مصادرهم الأصلية (15)، وكتبهم المرضية عندهم، وكلام المعاصرين من علمائهم، إذ أنها لا تزال مدرسة فكرية قائمة ومذهباً فقهياً متنوعاً، فالأخذ عنهم أولى من الأخذ عن غيرهم؛ لأنهم أدرى بموقف مدرستهم الفكرية على قاعدة أن أهل مكة أدرى بشعابها (116).
الصلابي عزل الإباضية عن أهل النهروان، وهذا مسلك فاشل، وقد رأينا آخرين من الكتاب يسعون إلى الترويج لهذا المسلك في أوساط الإباضية.
ومع شكرنا المتجدد للدكتور الصلابي على كتابه الذي بَيَّن فيه بعد المدرسة الإباضية عن الخوارج، فإننا نرجو مرة أخرى من الدكتور أن يتسع صدره لملاحظاتنا حول منهجه الذي سلكه في تأليف كتبه؛ فالمنهج الذي اتبعه الدكتور في تأليف كتابه عن الإباضية يخالف المنهج الذي سلكه في كتابة كتبه الأخرى التي تكلم فيها عن أهل النهروان، فالجمع بين هذين المنهجين في مجلد واحد كالجمع بين متناقضين ومسلكين متضادين وكيانين متنافرين، وهذا مما لا نرضاه للدكتور أن يقع فيه؛ فالأدلة التي ساقها الدكتور لعرض مبادئ الإباضية هي الصدق وقول الحق، ولكن الشواهد التي سطرها عند حديثه عن أهل النهروان الذين عدهم من الخوارج، ما هي إلا أباطيل وترهات الكذابين والضعفاء. وأما القضايا الخلافية الأخرى، كقضية الشفاعة وقضية نفي أو إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، والتي تعرض لها الدكتور في كتابه الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج) فقد ناقشناهما في كتابنا (معالم الحق) وكتابنا (الميزان القسط)، فنرجو من الدكتور الصلابي النظر في هذين الكتابين بعين الإنصاف، ونسأل الله تعالى التوفيق للجميع. (115) ومما قاله الدكتور الصلابي أيضاً: «وقد عقدت العزم على التحلي بقيمة العلم والإنصاف في إعداد هذه الدراسة، وما شجعني أكثر، وحسب اطلاعي، لم يمر أحد من علماء أهل السنة من رجع إلى كتب ومصادر المدرسة الإباضية وعلمائها الأولين، ولم أجد دراسة تاريخية وفقهية موسوعية تتعلق بالمدرسة الإباضية من حيث الفقه والأصول والسلوك والعقائد والتنظيم والسياسة الخاصة بهم ... » (الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، ص 6).
(116) الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، ص 21.
بي (1/51)
صفحة 51
52
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال أيضاً: «إذا، فإن هذه الدراسة محاولة جادة للإنصاف والاقتداء بقيمة العلم في البحث الموضوعي. ولقد طالعت ودرست المذهب الإباضي من أصوله ومصادره وتعرفت على علماء راسخين وفقهاء ربانيين وسياسيين محنكين وباحثين جادين أثروا الحضارة الإسلامية في اجتهاداتهم السياسية والأصولية والفقهية والفكرية والاجتماعية قديما وحديثاً» (117).
وقال أيضاً: «لقد أنتج هؤلاء الفقهاء والمفكرين والساسة نتاجاً حضارياً في مجال التاريخ والسياسة والتشريع والفقه والأصول والاجتهاد كتباً ومؤلفات كثيرة. وإنني وصلت من خلال دراستي ومطالعتي إلى قناعة راسخة مبنية على قيمة العلم والإنصاف بأن المذهب الإباضي مدرسة إسلامية بعيدة
عن الخوارج، وقد أُلصِقَتْ بهم تهم وادعاءات باطلة بعيدة عن الإنصاف
والطريق العلمي، حيث وقع بعض الكتاب في مغالطات تاريخية، ونسبوا للإباضية من الأقوال والمعتقدات والأفكار ما نفاه المحققون والعلماء الراسخين من شيوخ وعلماء المذهب (118).
- حفظه
فمن هذه الأقوال التي قالها الدكتور علي بن محمد الصلابي الله تعالى ـ ندرك أن الإنصاف مرهون بالوثوق بالأخبار المروية عن الناس؛ ولن تكون هناك ثقة بما روي من أخبار إلا إذا أقر بها المكتوب أو صدقه علم الرواية والدراية الذي شَيَّده المسلمون على القواعد الشرعية التي جاء بها كتاب الله تعالى، وأمر بها المصطفى عليه صلوات وسلامه. ربي
عنهم،
(117) الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، ص 12. (118) الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، ص 13. (1/52)
صفحة 52
1 ـ «أهل كل بلد أعلم بأحوالهم»
53
ونحن مع شكرنا للدكتور الصلابي على جهده المبارك في ربط نتائج بحثه عن الإباضية بمصادر البحث التي ينبغي الركون إليها، فإننا نطلب منه إعادة النظر في أقواله التي بثها في كتبه الأخرى عن أهل النهروان الذين أسهب الدكتور في نعتهم بأقوال هم بريئون منها حينما اعتمد على روايات ضعيفة وأقوال لا قيمة لها في الأوساط العلمية. (1/53)
صفحة 53
54
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
كتب التاريخ بين المنهج والواقع
وحال ابن الأثير مع روايات التاريخ يتكرر مع غيره ممن كانوا قبله أو ممن أتوا إلى الوجود من بعده، لأن الجميع مع مادة التاريخ لم يكونوا في كل الأحوال مطبقين لما طلب منهم التزامه عند الكتابة عن غيرهم من الناس؛ فها هو ابن خلدون يعرض موسوعته التاريخية بأسلوب لا يتماشى مع القواعد المنهجية التي ذكرها في مقدمته، وقد أدرك هذه الحقيقة كل الذين قارنوا بين تاريخ ابن خلدون ومقدمته، فقد قال الدكتور عماد الدين خليل: «ويتساءل المرء: لما لم ينفذ ابن خلدون منهجه النقدي هذا في معظم مساحات مؤلفه الضخم (العبر، وديوان المبتدأ والخبر ... ) الذي يعرض فيه لوقائع التاريخ
البشري عامة والإسلامي خاصة من بداياتهما الأولى وحتى عصره؟. ويجد المرء نفسه مضطراً إلى موافقة المؤرخ الإنجليزي (روبرت فلينت) بقوله: (إذا نظرنا إلى ابن خلدون كمؤرخ وجدنا من يتفوق عليه من كتاب العرب أنفسهم، وأما كواضع نظريات في التاريخ، فإنه منقطع النظير في كل
زمان ومكان ..
(119)
« ...
(119) حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ص 46، وقد اعتذر الدكتور عماد الدين خليل في نفس الصفحة عن التناقض بين ما في مقدمة ابن خلدون وما سطره ابن خلدون في موسوعته التاريخية بقوله: « ... و والسبب ربما يكون واضحاً لدرجة قد تقوده إلى الخفاء .. أن أحداث التاريخ التي دونها ابن خلدون في مؤلفه التاريخي غزيرة جداً تتضمن كميات
هائلة
من الوقائع، وأن محاولة تنفيذ المعيار النقدي عليها جميعاً أمر فوق طاقة الإنسان:
= (1/54)
صفحة 54
- كتب التاريخ بين المنهج والواقع
55
وقال الدكتور عماد الدين خليل في موضع آخر: «أما ابن الأثير فإننا نقرأ في مقدمته ملامح موقف منهجي، نقاد، غير مستسلم، لكنه - أغلب الظن - لم يستطع ـ كابن خلدون ـ أن يحقق تماماً الوفاق المنشود بين الواقع والمطلوب ... » (120).
وقالت الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف حينما تحدثت عن تاريخ ابن خلدون: ولكن مما يؤسف له أنه لم يطبق هذا المنهج حين عرض هو نفسه لكتابة تاريخه المشهور: العبر وديوان المبتدأ والخبر (13).
وقال الدكتور محمد بن موسى الشريف وخرجنا من ذلك بنتيجة مؤداها أنه يتعين على من أراد أن يقرأ ما دونه المسعودي أو غيره من ذوي الميول والأهواء عن التاريخ الإسلامي وخاصة الفترات الغامضة فيه أو التي حدث فيها اجتهاد واختلاف بين المسلمين أن يكون على حذر وانتباه وأن لا ينساق إلى تصديق ما يقرؤه إلا بعد قيام الدلائل وثبوت الروايات من الأوجه الصحيحة المعتبرة)) (122).
وحينما تناول كتاب البداية والنهاية للإمام ابن كثير، قال الدكتور الشريف: «أورد بعض الأخبار الواهية، والروايات الضعيفة، وبعض الأخبار التي تناقض المنهج الصحيح والعقل الصريح، واعتذر عن بعض ذلك بقوله: (لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس
حتى لو كان هذا متفرغاً لمهمة مستحيلة كهذه، فكيف بابن خلدون الذي استنزفته مشاغل الحياة، وزحمة الأعمال الوظيفية، والانغمار الذي عهد عنه في سياسات العصر وتقلباته، فضلاً عن كثرة تجواله في حقول المعرفة المختلفة .. ؟ من أين له الوقت الذي يمكنه من تحقيق هذه المهمة العسيرة؟».
(120) حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ص 49.
(121) مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه، ص 60.
(122) تعريف مؤجز بأشهر كتب التاريخ، ص
2. (1/55)
صفحة 55
10
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(123) 1
لما تعرضنا لها لسقاطتها وركاكتها و مخلافتها للمعقول والمنقول)، وليته لم يوردها (124).
ونصح الدكتور محمد الشريف كاتب التاريخ بقوله: «وليستشعر المسئولية الكبيرة الملقاة على عاتقه وهو يكتب تاريخ الأمة العظيمة التي أخرجها الله للناس، فهو أشبه بالقاضي والحاكم وليكون أميناً في النقل من المصادر والمراجع، فلا يجتزئ من النصوص أو يتلاعب بها ليخرج بنتائج تخدم مذهبه أو وجهته الفكرية والعقدية (125).
وأوضح الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار المسئولية الملقاة على عاتق كاتب التاريخ بقوله: «إذا كان القاضي في محكمة اليوم لا يستطيع أن يتأكد دائماً من أنه أصدر أحكامه بناءً على معطيات الحقيقة اليقينية التي توصل إليها، على الرغم من وجود الشهود بين يديه، وعلى الرغم من إمكانية فحص أشياء مرئية كثيرة، تتعلق بالقضية موضع الحكم؛ فكيف يعرف المؤرخ التفاصيل المطلوبة لمعرفة حقيقة تفصله عنها مئات السنين؛ كما أن التفاصيل التي سيعتمد عليها في بناء الحدث التاريخي ليست من اختياره دائماً؛ فكثيراً ما تكون قد اختيرت له من قبل أناس صدقوها وأرادوا من الآخرين تصديقها! (36).
وقدم الدكتور محمد الشريف نصيحة لقراء التاريخ بقوله: «وينبغي على ع (27) أن يتخير كتب التراجم التي امتاز كاتبوها بالإنصاف والعدل
القارئ
(123) هكذا في النقل، وفي الأصل: «لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها السقاطتها وركاكتها. ثم إنها مخالفة للمعقول
والمنقول» (البداية والنهاية، م 1، ج 1 ص 107).
(124) تعريف مؤجز بأشهر كتب التاريخ، ص 161 - 162.
(125) إعداد المؤرخ الثقة، ص 9.
(126) القراءة المثمرة (مفاهيم وآليات)، ص 100 - 101. (127) هكذا في الأصل والصواب (ينبغي للقارئ). (1/56)
صفحة 56
OV
- كتب التاريخ بين المنهج والواقع
وحسن تقويم الأشخاص ... وإياه والكتب التي تحط من قدر الناس، وتتجنّى عليهم، وتكثر من ذكر مثالبهم وعوراتهم وأخطائهم ... ) (138).
وقال الدكتور عماد الدين خليل وليس غير أبناء الإسلام أنفسهم من يقدر على أداء المهمة ويحمل على عاتقه مسؤولية إعادة عرض وتحليل التاريخ الإسلامي وفق منهج يقدم من الأدوات والإمكانات ما يساعد المؤرخ
على عرض وقائع هذا التاريخ بأكبر قدر من الأمانة (والموضوعية (129).
واستشهد الدكتور محمد بن موسى الشريف بقول تاج الدين عبد الوهاب السبكي الذي وصف حال كُتّاب التاريخ بقوله: «فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس ورفعوا أناساً لتعصب، أو لجهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب، والجهل في المؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصب، وقلّ أن رأيت تاريخاً خالياً من ذلك» (130).
وقال أيضاً: «المؤرخون وهم على شفا جرف هار؛ لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما نقلوا مجرد ما يبلغهم من صادق أو كاذب، فلا بد أن يكون المؤرخ عادلاً عدلاً، عارفاً بحال من يترجمه ... وربما كان الباعث له الصعة من أقوام مخالفة العقيدة واعتقاد أنهم على ضلال فيقع فيهم، أو
في
يقصر في الثناء عليهم لذلك (131).
(128) التراجم وأثرها في السلوك الإنساني، ص
(129) في التأصيل الإسلامي للتاريخ، ص
(130) إعداد المؤرخ
(2/ 163
(131) إعداد المؤرخ
الثقة،
ص
الثقة،
،، ص
33
117
10 ـ 11 نقلا عن (خمس) فتاوى لم تنشر - مجلة معهد المخطوطات
11، نقلًا (عن خمس فتاوى لم تنشر ـ مجلة معهد المخطوطات
(2/ 164 (1/57)
صفحة 57
58
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فهذا القول الذي نقله الدكتور محمد بن موسى الشريف عن السبكي رد بليغ على دعوى ابن الأثير التي قال فيها: «على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يُعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء والآلي».
من كل ما سبق ندرك أن ابن الأثير قد أجاد في تذكير الناس بمبادئ المنهج التاريخي وأسسه، وهو يُشكر على ذلك، ولكنه ـ يا للأسف ـ حينما أحداث التاريخ المنسوبة إلى أهل النهروان والإباضية لم يطبق ما سجله من أفكار نقدية للأخبار التي أوردها في موسوعته التاريخية، وسلك مسلك من تنمر على مقامات الناس العالية الرفيعة.
عرض
ولعل ابن الأثير يشير إلى تلك الثغرات التي يدركها القارئ لكتابه حيث قال في مقدمة موسوعته التاريخية ما نصه: ونصبتُ نفسي غَرَضاً للسهام، وجعلتها مظنّة لأقوال اللوّام، لأن المآخذ إذا كانت تتطرق إلى التصنيف المهذب، والاستدراكات تتعلق بالمجموع المرتب، الذي تكررت مطالعته وتنقيحه، وأجيد تأليفه وتصحيحه، فهي بغيره أولى، وبه أحرى، على أني مقر بالتقصير، فلا أقول إن الغلط سهو جرى به القلم، بل أعترف بان ما أجهل
أكثر مما أعلم»
(132)
فمهما يكن من سبب، ومهما يكن من دافع للذين لم ينصفوا الإباضية في كتاباتهم، فإننا جميعاً - الكُتاب منا والقراء - مطالبون بالإنصاف الذي أوجبه علينا شرع الله في تحري الصدق والتثبت ... فلا نقبل من الأخبار إلا
(132) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 6. (1/58)
صفحة 58
- كتب التاريخ بين المنهج والواقع
59
ما ثبت لدينا بمنهج المحدثين لا بمنهج المؤرخين ... » (133)، «والمنهج العلمي يقتضي الرجوع إلى الأمهات وأصول العلوم والكتب، وأصول البحث تقتضي الدقة والتحقيق والتمحيص والمراجعة والصدق في النقل والبرهنة الصحيحة على الموضوع المتكلم فيه، والذي يدور الحوار حوله (134).
إن الأسس «النقدية التي تمس صلب الخبر» (135) والتي نادى بها علماء الإسلام ومنهم ابن الأثير تجعل المسلم في حصن حصين من الوقوع في أسر الدعايات المنظمة المضللة التي ينشغل بها الناس اليوم، ويبنون عليها الكثير من عواطفهم لا سيما حين تنعدم دراسات الإسناد وموازين الجرح والتعديل كما هو الشأن في هذه الأيام!!. وحين تساهلنا في كل ما نسمعه، ولم نملك الفاعلية لتمحيصه صار مركبنا العقلي مؤلفاً من المعقول واللامعقول، ومن الجائز والمستحيل، وكانت الثمرة اضطراباً في كل شيء!! ... وحين نمعن النظر في حال الناس تجاه هذه المسألة نجد الحيف فيها أكثر من الإنصاف، كما نجد التبعية للأهواء والأمزجة الخاصة على أشدها، ولكن يبقى في هذه الأمة على اتساع أمداء الزمان والمكان من يتقرب إلى الله - تعالى - بإنزال الحقائق منازلها، وإنصاف المخالفين ومغالبة
الأهواء والظنون
(136)
ويقول الدكتور الشريف: لا غنى لمريد التخصص في علم التاريخ من معرفة طرائق الجرح والتعديل عند المحدثين، ـ بدون تفصيل إنما ذلك للمختصين - وفهم أقسام الأحاديث والآثار من حيث الصحة والضعف
(133) الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر، ص 143. (134) الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر، ص 144. (135) فصول في التفكير الموضوعي، ص 162.
(136) فصول في التفكير الموضوعي، ص 162 - 163. (1/59)
صفحة 59
60
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
والوضع، وفهم قواعد التخريج والتحقيق، لأن ذلك كله يحتاجه المؤرخ الذي ينقب في بطون الكتب القديمة ويستخرج منها ما يريد، والمطلوب هو الفهم
(137)
العام لتلك القواعد على وجه يضبط بها المؤرخ قراءته وبحثه ... . ويقول
في موضع آخر: «ما كان فيها من أخبار تتعلق بالعقائد، أو الفتن، أو الحكم على الأشخاص بالنفاق أو الكفر، أو الإخبار بالمغيبات فهذا لا بد من أن يثبت بسند صحيح أو حسن لذاته أو لغيره، على حسب التفصيل الوارد في كتب دراسة الأسانيد الحديثية، ولا يُقبل في هذا القسم الأخبار الضعيفة» (138). وينبغي لنا جميعاً أن نعلم أن التاريخ يكتبه أصحاب الشأن، ولا يقبل أن تدونه أيدي من أسقطت عدالتهم، وأن الأقوال الضعيفة على أي فئة من الناس لا قيمة لها في ميزان العلم، والصدق، وأن دائرة المعرفة لا تكتمل إلا إذا صَدَقْنا في القول والنقل وعرفنا كيف نقرأ التاريخ من مصادره. وأساس كل ما سبق ذكره هي القاعدة القائلة: (إذا كنت ناقلاً فالصحة، وإذا كنت مدعياً فالدليل والتي بينها علماء المسلمين عند حديثهم عن المنهج الاستردادي في
البحث العلمي
(139)
(137) إعداد المؤرخ
الثقة
(138) إعداد المؤرخ
ص
الثقة، ص
26
7?
(139) انظر (فصول في التفكير الموضوعي،
(118 (1/60)
صفحة 60
- ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
))
فمن نصائح سماحة شيخنا أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى - للأمة الإسلامية حول «طي صفحة الماضي في تاريخ الأمة»، هو قوله: ... لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتي ذلك، فإن الماضي لا يدرك، وقد مضى بحلوه، ومره، فلا معنى لاجترار أحداثه، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك في الماضي فإنه يجب أن يكون بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية، وإنما يحكم فيها القرآن والسنة الثابتة عن النبي ال باتفاق الجميع، فلا يجرم برئ ولا يبرأ مجرم اتباعاً للهوى وركوناً
إلى العصبية.
(140)
وقال الدكتور محمد بن موسى الشريف تحت عنوان: ضبط ما يروى وما يطوى) (141) ما نصه: «ينبغي أن يكون لدى المؤرخ موازين شرعية وعقلية صحيحة تضبط ما ينبغي له أن يخرج إلى الناس وما ينبغي أن يكون حبيس الدفاتر وبطون الكتب، وذكر منها: «أخبار الفتن التي جرت بين
(140) أمة الإسلام إلى أين ص 90
(141) إعداد المؤرخ الثقة، ص 28 - 29.
تر (1/61)
صفحة 61
62
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الصحابة والخلافات التي نشأت بينهم، وما صدر عنهم من وأقوال مرجوحة ... ».
أفعال
فالفوائد لهذه الأمة لا تعد ولا تحصى إذا ساهم الكتاب في طي ما يمزق
روح
كيانها، وإظهار ما يوحد الصفوف ويبعث في كيان أمة محمد صلى الله عليه وسلم التعارف والتكاتف والوحدة والتناصر، فلا بد لكل كاتب أن يدرك الأمور من هذا المبدأ ويسعى جاهداً في اختيار ما يطوى من أحداث فلا يذكره إلا لأخذ العبر، وأن يتعرف على ما يشد من عضد هذه الأمة فيرويه ويعرضه على أجيال الأمة المتلاحقة لتزداد قوة إلى قوتها.
وقال الدكتور محمد بن موسى الشريف: «في التاريخ العديد من المزالق التي ينبغي عدم التركيز عليها، وعلى رأس ذلك الفتن التي وقعت بين جميعاً - فقد كان السلف يتجنبون الخوض فيها
الله عنهم
-
الصحابة - رضي ويقولون هي فتنة جنب الكتب التي يكتبونها لبيان العقيدة الصحيحة بقولهم فيها: (ونكف ألسنتنا عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبار الفتن هذه ينبغي الإعراض عنها تماماً ... والأجمل بطالب التاريخ أن يبتعد تماماً عن هذا الموضوع المثير أمور هو في غنى عنها (142). فحينما يأتي الحدث لا ليضيف فائدة فمن الأولى أن يطوى ولا يروى، فكيف إذا كان مما تكرهه النفوس ويؤجج نار الفتن ويمزق أواصر الأخوة في الدين؟!.
الله أيدينا منها فنكف ألسنتنا عنها، وكانوا يوصون في
(143)
وابن الأثير أشار إلى هذا المبدأ في مواضع وإن لم يتخذه الصبغة
(142) كيفية قراءة التاريخ وفهمه، ص 96. (143) فمما قاله ابن الأثير: «فدخل ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له، فجرى بينهما كلام كرهنا ذكره» (الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 253). وقوله: «وقد قيل: إنه جري بين محمد ومعاوية مكاتبات كرهت ذكرها فإنها مما لا يحتمل سماعها العامة» (الكامل في التاريخ، (1/62)
صفحة 62
- ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
63
الغالبة على ما نقله
من
أحداث
في موسوعته وهو وإن توقف عن ذكر بعض الأحداث ـ وهو يشكر على ذلك، فإنه لم يتقيد بهذا المبدأ في كل أجزاء موسوعته؛ فقد نقل من الأحداث التي لا يفخر بها مسلم لما فيها من قتال ونهب واعتداء على محارم الدين. ونرجو أن يكون اعتذارنا مقبولاً عند القراء عن ابن الأثير وغيره من المؤرخين في نقلهم لأحداث مؤلمة تمجها الأسماع، فإننا نرى ذكرهم لتلك الأحداث لأجل أن تتنبه أجيال المسلمين إلى أن الفرقة والتقاتل بين أبناء الملة الواحدة تسبب تداعي الأمم الكافرة على حمى الإسلام، كما حدث ذلك قبل هجوم التتار والصليبيين وما نشاهده اليوم من تكالب الأمم على كيانات الشعوب المسلمة.
وهذا ملمح أدركناه من خلال اطلاعنا على ما كتبه ابن الأثير نفسه ومن خلال ما صرح به رجال أحسوا بما تفعله الروايات التاريخية من أفاعيل حسنة في أوساط الأمة إن أحسن قراءتها واستلهمت منها العبر والدروس، وما تفعله تلك الروايات التاريخية من مساوئ في أوساط الأمة إن اتخذ منها سيوف لتقطيع هذه الأمة إلى أشلاء لا حراك لها أمام هجمات أعدائها. وقد أشار الدكتور محمد بن موسى الشريف إلى فاعلية الأخبار في أوساط الناس بقوله: « ... فلعل سوق تلك الأحداث يوقظ الضمائر، ويهز المشاعر، ويلهب النفوس، ويشد العزائم حتى نخرج من هذا التيه، ونفارق
هذا الطريق المعوج»
(144)
ج 3 ص 273). وقوله: « ... وكان ابتداؤه أولاً ببناء المدينة، فلما فرغ منها ابتدأ بعمارة المسجد، وقد أكثر الناس في صفة البناء مما يُستبعد ولا حاجة إلى ذكره» (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 228). ومما قاله أيضاً: «وقد اختلفوا في ولاة اليمن للأكاسرة اختلافا كثيراً لم أرَ لذكره (فائدة الكامل في التاريخ، ج 1 ص 451). (144) من مآسي الافتراق، ص 7. (1/63)
صفحة 63
?
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
نعم؛ الأمة الإسلامية قادرة على الخروج من هذا التيه الذي هي فيه إذا أحسنت قراءة تاريخ من سبق ووزنت أعمال القرون الماضية بالميزان الحق الذي حدده الإسلام. وما تجرأ أعداء الإسلام عبر التاريخ على النيل من هذه الأمة إلا حينما ترك المسلمون النظر في كتاب الله الداعي لهم إلى استلهام العبر ممن غبر من البشر، والداعي لهم كذلك إلى الاقتداء بسنة الرسول الذي جمع الله به صفوف القبائل المتناحرة تحت راية واحدة حينما حدد لهم - صلوات ربي وسلامه عليه - ما يأخذون وما يذرون مما وصل إلى أسماعهم من روايات الماضين.
ففي الوقت الذي تتبختر في مشيتها أقلام عوامل الفرقة بين دويلات الأمة المسلمة الواحدة ـ كما سجلها ابن الأثير وغيره من الكتاب ـ نجد الجهد الجهيد الذي بذله أقوام متناحرون ومتنافرون في توحيد صفوفهم لأجل النيل من الإسلام والمسلمين؛ إذ حضت البابوية على نبذ الحروب الداخلية بين أمراء الإقطاع، وتوجيهها ضد غير المسيحيين. وأكثر ما امتاز به أوربان أنه دعا إلى تحويل القتال إلى الشرق الإسلامي وانتزاع الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين» (145). وفي ذلك اليوم (27) نوفمبر من عام 1095 م)، استصرخ البابا الملة المسيحية لتجريد السلاح لتحرير القبر المقدس ... » ومما يعرفه المسلمون وغيرهم أن نجاح الصليبين في أول الأمر، لم فحسب إلى كثرة أعدادهم وإلى ما تلقوه من مساعدات من الغرب المسيحي ومن الدولة البيزنطية، بل يرجع أساساً إلى تفرق كلمة المسلمين، ونشوب الفتن الداخلية واضطراب الأمن ...
يرجع
(145) موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص 6.
(147)
(146)
(146) موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص 32 اقرأ ما قاله المترجم عن حقيقة حال المسيحيين في المجتمع الإسلامي وما آل إليه حالهم بعد الحروب الصليبية.
(147) موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص (1/64)
صفحة 64
- ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
فقد أتيح للحركة الصليبية الاستفادة من الصراعات الناشبة بين المسلمين ... وهكذا تم سقوط القدس بأيدي الصليبيين في 15 يوليو 1099 م، إثر اقتحام مروع بذل فيه غود فروا دي بويون كل قواه وعرض نفسه للموت بجسارة، ولكن أعقب ذلك - مع الأسف - مذبحة بشعة لسكان المدينة من المسلمين» (148). وتكشف السهولة النسبية التي تمكن بها الصليبيون وحلفاؤهم البيزنطيون من الاستلاء على نيقية عاصمة المملكة السلجوقية آسيا الصغرى، عن مدى تردي أوضاع العالم الإسلامي في ذلك الوقت» (48). وقد ... ... تم الحفاظ على المنشأة الفرنجية الجديدة بسبب تفكك أجنحة العالم الإسلامي» (150).
في
(149)
فخسائر المسلمين المتكررة عبر التاريخ أمام أعداءهم كان من أهم أسبابها تفرق كلمتهم وتمزق صفوفهم، وما تفرقت كلمتهم ولا تمزقت صفوفهم إلا حينما جعلوا من أقلامهم مدى تفري وشائجهم وتقطع أوصالهم.
لقد ظهر في المسلمين ـ كما ظهر في غيرهم ـ من عرف ما للكلمة الباطلة من قوة في أوساط الجماهير لهذا افتروها وسخروها فيما يهدم
6
(148) موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص 43. (149) موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص 40، ومما جاء في هذه الصفحة أيضاً: « ... كان كل من سلاجقة آسيا الصغرى وسوريا وإيران على حالة الخلاف مع بعضهم، وبذلك
من
استطاعت الحركة الصليبية أن تهزم على حدة سلاجقة أسيا الصغرى، دون أن يحاول سلاجقة سوريا وإيران التدخل وحتى في سوريا، كان ملكا حلب ودمشق الشقيقان متخاصمين، وقد حارب كل منهما الصليبيين على حدة، ومنيا بالهزيمة فرادى». (150) موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص 44، ومما جاء في نفس الكتاب: « ... ولهذا السبب ما برح استيطان الفرنجة في الساحل السوري مهدداً دوماً بالخطر، بيد أن هذا الخطر مع ذلك كان يبدو غير ماحق طوال استمرار التشتت الإسلامي على حاله» (موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص 54).
6
100 (1/65)
صفحة 65
66
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولا يبني وما يفرق ولا يوحد فجاءت الروايات والأقوال الباطلة، والأحكام الجائرة، وشنت الحروب وتمزقت الأمة، فغدت بسبب هوانها طعمة تجذب إلى جسدها المنهك كل جائع.
والمشاهد المؤلمة والوقائع المحزنة التي نقلها ابن الأثير في موسوعته هي خير بيان على أن ما أصاب الأمة الإسلامية في الماضي عليه في الحاضر من مآسي ما هي إلا نتيجة ما خطته أقلام
وما
هي
ضعيفة ودبرته عقول حاقدة.
وما من جدال عقيم إلا ووراءه رواية باطلة وما من حروب اصطلى المسلمون بحممها إلا وسببها الافتراء والكذب في القول. وما من تشتت عبر تاريخ المسلمين إلا وأجج سعارها أناس غلبت عليهم أهواؤهم الطائفية الضيقة من غير أن ينظروا إلى أمر الأمة وكيانها ووحدتها وقوتها أمام المتربصين بها من الداخل والخارج.
قال الدكتور فاروق عمر فوزي: « ... إن بعض الخلفاء والوزراء كانوا يتقربون لمذهب دون غيره ويوقفون له المدارس والمساجد (الطائفية) لأنها لطائفة محددة بعينها. كل ذلك كان يحدث والمغول التتار يزحفون من الشرق باتجاه بغداد عاصمة الدولة وأقليمها المركزي العراق. فكان سقوطها والحالة هذه حتمياً» (151).
فكل غيور من أبناء هذه الأمة يعرف أن ما أصابنا من مصائب هو بسبب ما جنته أيدينا لهذا كانت دعوتهم لأجل إعادة صياغة الأمة) (152)، بحيث يكون للمناهج الإسلامية في الأخذ والعطاء هيمنتها على أفكار
447
(151) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص (152) هذا اسم لكتاب ألفه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى.
6 (1/66)
صفحة 66
- ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
67
الناس وأعمالهم، وبحيث يتعالى المسلم بإيمانه عن أن يكون قنطرة عبور للأخبار الضعيفة.
قال الدكتور محمد بن موسى الشريف في إحدى توصياته: « ... ه ـ إعادة كتابة الأحداث المؤرقة والفتن التي حدثت في التاريخ الإسلامي كتابة تربوية تقف على مواطن الزلل وتنتقدها، وتقومها، وتظهر العيب ليتجنبه الناس، وتبين زلل الأوائل ليتحاشاه الأواخر، وقد قالت العرب قديماً: السعيد من اتعظ بغيره لا من وعظ به غيره وهذا يستلزم إعداد أساتذة يحسنون قراءة التاريخ وفي الوقت نفسه يكونون مسلحين بالعلم الشرعي العاصم عن الزلل أو الميل عن قصد»
(153)
والذين يقرأون التاريخ من غير ضوابط منهجية شرعية فإنهم لا محالة سيرون كتاب (الكامل في التاريخ وغيره من الكتب على أنها صناديق حوت في جنباتها تاريخ أمة مشكلة بالجراح، وأشلاء ممزقة، ودماء بلغت من غزارتها الحد. فها هو أحدهم يقول: «إنه ليس من المنطق مجاوزة ذاكرة الأمة، أو الدعوة إلى طي صفحاتها؛ فحيثيات الواقع المعاصر ومفاهيمه وأفكاره تأسست على عتبة تلك الذاكرة وما نلحظه اليوم من سعة تفكيك، وعمق مفارقة بين منطلقات الجماعات أو المذاهب أو الأحزاب المشكلة لبنية المجتمع خير شاهد على جمود كل دائرة وانغلاقها على ذاتها، وعدم قبولها التصالح أو الحوار مع مقاصد أو مصادر ما دونها من اتجاهات، بل إن العكس هو السائد فكل تيار حريص على إهدار فكر الآخر وتقليصه بكل ما أعطي من قوة، وفي مقدمة ذلك إضفاء المنظور الديني على كل صنيع يتناغم مع تفكيرهم أو هواهم
(153) من مآسي الافتراق، 70.
(102)
(154) التيه العربي (تأملات في الواقع الصعب)، ص 63. (1/67)
صفحة 67
68
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ف منطلقات الجماعات أو المذاهب أو الأحزاب المشكلة لبنية المجتمع الإسلامي لم تكن في يوم من الأيام عنصر تفكك وجمود وانغلاق، بل الذي أحدث ذلك الشقاق بين الأخوة في الدين هو الركون إلى تصورات وأقوال لم ترکن هي نفسها إلى ركن العلم واليقين. ومن الخطأ أن أن الناس يستنتج ما صار بين المسلمين من نزاعات كان أساسها ومبدأها تعاليم ما أسست عليه المذاهب من قواعد
والذي أحال الناس من جميع المذاهب، أو حتى من داخل كل مذهب بعينه عن اللقاء والتعارف هو هيمنة الأقوال الباطلة المسطرة في كتب الأوائل، والتي صادفت ضيقا في الأفق لدى حكام الدويلات الإسلامية الذين جعلوا من التمذهب أداة للتسلط والتوسع على حساب من ناوئهم وحاربهم. فلا بد للمسلمين أن يعرفوا أن وحدتهم هى الأصل، وما تحدث عنه الناس من فرقة إنما هو عرض زائل، ووباء مندثر إذا ما استشفوا بمنهاج الإسلام الداعي إلى الصدق في القول والعمل. لهذا فمن «الطبيعي جداً أن المسلمون بتوحيد صفهم وجمع شتات كلمتهم، وذلك لأنهم أول من جربوا أن الفرقة هي آفة الضعف، كما أن الاجتماع. هو آلة القوة في كثرت فيه الحروب بين الناس لأسباب واهية (155)
يهتم
عصر
تؤسفنا تلك الأحداث التي خالفت منهاج الإسلام وعدالته، ولا نقبلها بأن تكون هي «ذاكرة الأمة الإسلامية فأولى بها أن تطوى ولا تقرأ على أجيال المسلمين إلا من باب العبرة والعظة.
فانظر أخي القارئ - يا رعاك الله - إلى أوضاع المسلمين في أرضهم قبل
قدوم التتار من الشرق وقبل انقضاض الصلبيين من الغرب، وقبل المذابح
(155) دعوة القرآن الكريم إلى توحيد الصف واجتماع الكلمة،
ص
151 (1/68)
صفحة 68
- ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
69
المروعة للمسلمين في بلاد الأندلس، وقارن بين تلك المشاهد وما تلقطه أحاسيسك هذه الأيام من جرائم تصب على رؤوس المسلمين صباً في مشارق الأرض ومغاربها.
أليس من الأولى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تلتف حول الصدق وتنبذ ما خالف أمر الله تعالى وهدي رسوله الكريم؟. (1/69)
صفحة 69
70
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
دعوة إلى تحري الصدق قبل
اعتماد الروايات
ومع وضوح مبادئ المنهج التاريخي إلا أننا نجد عدم التطبيق عند الكتاب أنفسهم، وعند من نقل عنهم ممن كتب عن أهل النهروان والإباضية خاصة. فالمنهج الإسلامي حري لو طبق في ميدان المعرفة على الأحداث التاريخية المنسوبة إلى أهل النهروان والإباضية أن يرشد الكتاب والقراء إلى الصدق وعدم الافتراء على الأبرياء.
فعلى مدى القرون الماضية لازم الكتابة عن الإباضية زجهم في صفوف الخوارج، وسارت على هذه الفكرة جماهير الكتاب بحيث نجد عدواها قد عمت وسكنت في كتب التفسير والحديث والأدب واللغة والمعاجم المعرفية. وكل ما في الأمر أن حفنة من الكذابين والضعفاء والمتروكين والمجهولين ممن لا يأبه بأقوالهم منهج الأمة الإسلامية تقولوا على أهل النهروان والإباضية الأباطيل، ونسبوا إليهم الأكاذيب، وجاء من بعدهم من نشر تلك الأكاذيب، وهكذا سارت الأقوال الباطلة من جيل إلى جيل إلى يوم الناس هذا، فغدت في أذهان الكثير من الناس - إلا من وفقه الله إلى تحري
الصدق - واقعا لا جدال فيه!!.
وذكر الدكتور محمد بن موسى الشريف هذا الواقع بقوله: «الإمام ابن جرير محدث كبير الشأن، وقد ساق أخبار كتابه بالسند، لكنه ساق (1/70)
صفحة 70
9 ـ دعوة إلى تحري الصدق قبل اعتماد الروايات
71
أخباراً مستشنعة، ظاهراً بطلانها، لائحاً كذبها، خاصة ما تعلق من الأخبار بزمن الفتن بين الصحابة للهو وزمن صدر الإسلام، وفي تلك الأخبار شبهات طاعنة في أصول الإسلام، وحجته في سوقها أنه أوردها بالسند فبرئت عهدته منها ...
(107)
(157)
وقالت الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف: «وقد مر بنا الكلام عن مؤلفات كتبت في فجر الإسلام وكان أصحابها يحذون حذو رجال الحديث في الرواية ... وطبيعي أن الاعتماد عليها لا يكون إلا بعد النقد العلمي الصحيح للروايات وخير مثال لهذا النوع تاريخ الرسل والملوك للطبري ولو أن كل كاتب وزن ما ساقه الإمام الطبري من أقوال مستشنعة لما رأينا الكذب يتبختر في مشيته العرجاء في أوساط أبناء الأمة الواحدة الذين يجمعهم الصدق والإخلاص في العمل، ويفرقهم الافتراء والبهتان. ولكن يا للأسف - صارت عادة الكُتّاب عبر القرون الماضية التباهي بسلامة المنهج الإسلامي فقط، وعدم تطبيقه على الأخبار الباطلة التي نُسبت ظلماً وزوراً إلى الإباضية وأسلافهم أهل النهروان الكرام.
وقد صور سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ هذه العادة التي استحكمت في نفوس الناس بقوله: «ومن تتبع أحوال البشر في تأريخهم الطويل وأطوارهم البعيدة؛ استيقن أن للعادة أثراً كبيراً في أفكار الناس وسلوكهم، فهي إن استحكمت في طباعهم أصبحت جزءاً منها، إذ كثيراً ما تغدو ملكة في النفس تتعامى معها النفس عن كل ما تراءى لها من حجج الحق وبراهينه، وذلك بدافع من التعصب الأعمى المقيت
(156) تعريف بأشهر كتب التاريخ، ص 20.
(157) مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه، ص 55.
(158) نداء الحق، ص 385.
(101) (1/71)
صفحة 71
72
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فيا أخي القارئ، كن على يقين أن ما تقرأه في كتب الذين أساؤوا إلى أهل النهروان والإباضية إنما هو مما لم يُعرض على ميزان الأمة الحق، وعدم الوفاء بشروط المنهج الصحيح منذ عهد الإمام الطبري إلى هذا الوقت ساق على هذه الأمة الويلات العظام وأصبحت الأقوال الباطلة تقود أفراد هذه الأمة إلى الجهل بالحقيقة التي عليها كثير من المسلمين.
أن
من
وأقول للأخوة القراء، وأخص منهم كل من أتبع مطالعاته تسطير الكتب، واجبنا السعي إلى لم شمل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي ذلك الحدث المرجو إذا رمينا الأقوال الباطلة المنسوبة إلى المسلمين بسهام النقد، وقسنا كل ما ورد إلينا من أخبار بالميزان الحق.
في
فالمآخذ
التي
نأخذها على بعض العلماء الذي كتبوا في التاريخ ـ وهم
على جلالة منازلهم العلمية - أنهم حشوا كتبهم بالأقوال الباطلة التي وجدوها كتب الذين سبقوهم، وكان الواجب عليهم - وهم أهل لذلك ـ أن يوقفوا كل كذاب وضعيف من الرواة عند منزلته ويحذروا الأمة من الأقوال الباطلة التي تتربع صفحات كتبهم التاريخية. (1/72)
صفحة 72
73
كُتَّاب التاريخ بين المنهج والتطبيق
ففي كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات دراسة للروايات المنسوبة إلى أهل النهروان والإباضية، لهذا أدعوك أخي القارئ إلى مراجعة ذلك الكتاب ففيه الدليل، المستقى من مناهج الأمة، على سلامة الفكر الإباضي من كل شائنة سعى أصحاب الأهواء للصقها به. وفي هذا البحث، الذي بين يديك، وقفات مع كُتاب ضعفت هممهم عن ربط علوم الأمة بعضها ببعض في مسألة كتابة التاريخ، وإثبات أن أولئك الكتاب لم يتبعوا المنهج العلمي في كتاباتهم عن أهل
النهروان والإباضية. (1/73)
صفحة 73
74
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
العوامل التي تؤثر على توجهات الكتّاب
مما سبق نعلم يقيناً أنه لا يجدي مجرد النقل من كتب السابقين من غير تمحيص لما نقل، بل يجب على كل ناقل أن يثبت صحة ما يحتج به، أو يثبت بطلان ما لا يرضيه من خلال وزن الأقوال بالميزان الذي تعرفنا على ملامحه في الصفحات الماضية من هذا البحث.
فكل كاتب تتنازعه عوامل كثيرة، وهذه العوامل تمثل طاقات جذب قوية عندما يهم بالكتابة عن أي موضوع له شأن وأثر على حياة الناس والمجتمعات. فالمنهج يطالب بالعدالة والميول النفسي يملي على صاحبه إظهار ما تختلجه الأحاسيس من توجهات والجماهير تنادي بأعلى صوتها لكي تلبى مطالبها من غير التفات إلى علم أو عقل أو حق أو أداء أمانة. هذه العوامل كلها في صراع، ونتيجة ذلك الصراع هو الانتصار لعامل واحد فقط من هذه المؤثرات التي قيلت هنا، ولا مجال لتقاسم الحظوظ بين هذه القوى في عالم الكتابة.
فالعدالة تنتصر حينما يُطبق المنهج من غير مواربة على كل الأقوال
المنسوبة إلى الناس.
والميول النفسي ينتصر حينما يُفَضّل صاحبه لي أعناق الأقوال، ويتستر بأقوال
الذين سبقوه ولو اعترف ببطلانها، ويجعل منها تروساً تحميه من سهام النقد. (1/74)
صفحة 74
1 - العوامل التي تؤثر على توجهات الكتاب
Vo
والجماهير، وما أدراك ما الجماهير قد يفقد العلماء - إلا من رحم الله -
6
توازنهم في مسيرهم، إذا غلبتهم أصوات الجماهير الهادرة ورأوا سلامة وجودهم حيث سار الناس وقعدوا.
لقد وقف الكتاب - نظرياً - أمام المؤثر الأول وكتبوا فيه أحسن العبارات، وأروق، الألفاظ، وأبين الجمل. واستشهدوا بآيات من كتاب الله تعالى وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءت القواعد التي أسسوها في مجال البحث العلمي قوية تقود إلى الحق لو أسلس لها القياد وهذا المؤثر، على أهميته وعدالته، قل من طبقه في عالم البحوث التاريخية، ولم يُحتفل به من قبل الكتاب الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية عندما تحدثوا عن تاريخهم.
فـ «حين نتأمل في واقعنا المعيش، نجده ـ في أغلبه ـ إفرازات لتوجيهات معينة، واجتهادات بعض المؤرخين الذين يفتقدون كثيراً من الشروط المطلوبة في كتابة التاريخ، لذلك نجدهم يقولون ويتقولون، ويتأولون، مرتكزين على منطلقات فكرية معينة، وربما ضيقة، فيقيمون بعض المواقف، ويقررون بعض الأحكام الخاطئة، فتتناقلها الأجيال كقضايا مسلمة، ويسير في ركابها من يأتي بعدهم من المؤرخين، فيتأصل الخطأ، فتنتج عنه هذه المظاهر المزرية التي نلحظها بين أبناء الأمة الواحدة. (109).
(109)
(159) ملاحظات حول تاريخنا القديم كيف ندرسه وكيف نحققه)، ص 3 - 4. (1/75)
صفحة 75
76
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
مصادر كتب المقالات
فالناظر في الكتب التي تكلمت على أهل النهروان والإباضية يجدها تعتمد كثيراً على ما نُقل في كتب الفرق المتقدمة، ولم يتعد الكتاب النقل الحرفي إلى التحقيق ومعرفة قرب أو بعد تلك الأقوال المنسوبة إلى أهل النهروان والإباضية من الحق والصواب.
ولو توقف هؤلاء الكُتاب قليلاً مع الأقوال التي نقلوها من كتب البغدادي والأشعري وابن حزم والشهرستاني لعلموا عدم صلاحية تلك
الأقوال في عالم العلم والمعرفة، إذ كلها جاءت من طرق ضعيفة.
فأبو الحسن الأشعري صاحب كتاب (مقالات الإسلاميين) صدر أقواله عن أهل النهروان ومن انتسب إليهم بقوله: « ... ويقال إن أول ... ويقال إن المبتدع ...
(160)
قالوا وقد كان نافع ... ، و « ... وقال بعض الناس ... وقال قوم إن ... »
(162)
(163)
6
(171)
ووحكي لنا عنهم ما لم نتحققه ... » (1)، و «وحكي عنهم ا، أنهم ... »، و «وحكى
(164)
حاك ... ، و «وحكى حالٍ عن الخوارج ...
(160) مقالات الإسلاميين، ص 86.
(161) مقالات الإسلاميين، ص
(162) مقالات الإسلاميين، ص 96.
(163) مقالات الإسلاميين، ص 105.
(164) مقالات الإسلاميين ص (165) مقالات الإسلاميين، ص
126
127
(170) (1/76)
صفحة 76
2 - مصادر كتب المقالات
وأما عبد القاهر البغدادي صاحب كتاب (الفرق بين الفرق) فقد قام بتلخيص ما تناقلته كتب المقالات وكتب التاريخ من أحداث من دون الإشارة إلى المصادر الأولى التي جاءت بتلك الأخبار. فهو عندما تكلم عن المحكمة الأولى، أهل النهروان، ذكر ما نسب إليهم من أفعال وأقوال من دون تحقيق ولا بيان لصحتها أو فسادها (166)، وذكر أنه أخذ بعض معلوماته عن شيخه أبي الحسن الأشعري حيث قال: «وقال شيخنا أبو الحسن ... »، و «ما حكاه
شيخنا أبو الحسن ... »
6
(168)
(177)
(167)
وقال عبد القاهر أيضاً: « ... فمنهم من زعم أن أول من أحدث ذلك منهم عبد ربه الكبير ومنهم من قال: عبد ربه الصغير ... وقال: « ... وذكر أصحاب التواريخ ... »
(170)
(179)
6
وابن حزم الظاهري اعتمد على كتب المقالات في تأليفه لكتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل من دون تحقيق ولا محاولة للرجوع إلى علماء الإباضية الذين عايشهم في الأندلس (1). فقد قال في مطلع حديثه عن الإباضية:
6
(IVF),
ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إلى الإسلام أن فرقة من الإباضية ... » (172)،
(166) لقد بينا ضعف الروايات، التي نسبت إلى أهل النهروان أقوالا وأفعالا هم بريئون منها، في فصول كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، فليراجعه
من يشاء من طلاب الحق.
(167) الفرق بين الفرق، ص 73.
(168) الفرق بين الفرق، ص 74.
(169) الفرق بين الفرق، ص 84.
(170) الفرق بين الفرق، ص 111.
(171) قال ابن حزم: «وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس ... » (الفصل ... ج 4 / ص 144) ثم ذكر أقوالاً باطلة مكذوبة على الإباضية قام الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله بدحضها والرد عليها. انظر (الإباضية بين الفرق الإسلامية ج 1 ص 52 ـ 60 وكذلك ج 2/
ص 97 - 107.
(172) الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، ج 4 / ص 144. (1/77)
صفحة 77
78
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وبعد ذلك أخذ بتكرار ما قاله كُتّاب المقالات الذين سبقوه من دون تتبع للمصادر الأولى التي جاءت بتلك الأخبار
(173)
والشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل) لم يسند الأخبار التي ذكرها إلى مصدر قوي متصل، بل جاءت أقواله نقلاً عن كتاب (مقالات الإسلاميين) (174). وكذلك من مصادر لا يعرف أصحابها حيث قال: « ... ويقال إن
للأشعري
أول سيف سل من الخوارج ...
(176)
(175)
وقيل كان نجدة بن عامر ونافع بن
) 6
(177)
) 6
الأزرق ... » (1)، « ... ويحكى عنهم ... »
أنهم قالوا ... »
(178)
ويحكى عن جماعة منهم
تلكم هي مصادر كتاب المقالات التي بنوا عليها كتاباتهم، وهي كما
لا يخفى على أحد أنها ضعيفة لا يؤسس عليها فكر أو مبدأ.
لقد ارتكب الكُتّاب الذين تحاملوا على الإباضية في هذا العصر خطأ منهجياً في عزوهم لما نقلوه إلى الأشعري، والبغدادي، وابن حزم، والشهرستاني. فهؤلاء العلماء قد أكدوا أن تلك المعلومات المنسوبة إلى أهل
(173) انظر كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، القسم الثاني من الفصل الثاني، ص 64 ـ 67).
(174) الملل والنحل، المطبوع في هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج 1/ ص.138 - 137
(175) الملل والنحل، المطبوع في هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج 1/ ص 126.
(176) الملل والنحل، المطبوع في هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج 1/ ص.132
(177) الملل والنحل، المطبوع في هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج 1/ ص 136.
(178) الملل والنحل، المطبوع في هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج 1/ ص.136 (1/78)
صفحة 78
79
2 - مصادر كتب المقالات
النهروان والإباضية والمبثوثة في كتبهم إنما سيقت إليهم، ونقلوها للقراء بصيغ التمريض التي تدل على عدم التثبت والتيقن.
). (
وكأن لسان حال أولئك العلماء يأمر كل من قرأ في كتبهم أن يتحقق من صدق تلك الأقوال التي نُسبت إلى أهل النهروان ومن انتسب إليهم، وإلا فلا معنى لقولهم: « ... ويقال إن ... » و « ... قال بعض الناس ... » وقال قوم إن ... »، «وحكي لنا ... »، و «وحكي عنهم ... »، و «حكى حا ... ». و « ... فمنهم من زعم ... ». . ويقال إن أول»، و « ... وقيل كان»، « ... ويحكى عنهم ... »، و « ... ويحكى عن جماعة منهم»، وغيرها من العبارات التي لا ترشد إلى يقين. فما للدكتور هاني سليمان الطعيمات والدكتور محمد حسن مهدي والدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل وغيرهم ينسبون إلى هؤلاء العلماء أقوالاً لم يجزموا بصحتها وثبوتها؟، وما لهم لا يلتفتون إلى ما تحمله هذه العبارات من معان؟
وقس على ما قيل هنا حول عبارات الأشعري وغيره من
ما ذكره ابن خلدون في مقدمته (179).، وما قاله العلامة ابن تيمية
العلماء
(180) 0
في
(179) قال ابن خلدون: « ... و. وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح. فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم». (تاريخ ابن خلدون، المقدمة، ص 564). المتتبع لأقوال ابن خلدون في تاريخه يجده ينسب الإباضية إلى الخوارج، وهذا القول الذي ذكره ابن خلدون هنا ينسف كل ما سجله في صفحات تاريخه عنهم، إذ كيف يحكم على قوم وهو لا يعرف شيئاً عنهم؟. (180) قال ابن تيمية: « ... وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة، والزيدية، والكرامية والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة والصوفية، ونحو هؤلاء» (مجموع الفتاوى الكبرى، ج 13 ص 49). فالناس الذين نقل
عنهم ابن تيمية أقوال من سماهم خوارج هم كذابون و مدلسون وضعفاء متروكون قد
= (1/79)
صفحة 79
80
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(الفتاوى الكبرى من أقوال حول مصادرهما عن الناس الذين قالا عنهم
بأنهم خوارج. ومما قلته في كتاب الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات) ما نصه (181): وأما كتب الحديث وشروحها فهي ذات قدر عظيم عند كافة المسلمين وعظمتها تكمن في أن أصحابها أوردوا الأقوال وأسندوا الروايات إلى مصادرها وطلبوا من القراء التحقق من صدق الأقوال قبل اتخاذها حججاً يخاصم بها، وإلا فلا جدوى من ذكر المصادر التي اعتمدوا عليها في نقل الأحاديث (182) والأخبار.
وقد اعتمد ابن حجر في شرحه لأحاديث جاءت في صحيح البخاري على روايات مكذوبة جاءت من طريق أبي مخنف والهيثم بن عدي فقد قال: «وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف ... واسمه لوط بن يحيى كتاباً لخصه الطبري في تاريخه، وصنف في أخبارهم الهيثم بن عدي كتاباً، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتاباً كبيراً، وجمع أبو العباس المبرد في كتابه (الكامل) لكن بغير أسانيد بخلاف
أخبارهم المذكورين قبله ... » (183).
جرح عدالتهم علماء الأمة. فعلى الذين ينقلون تلك الأقوال من كتب ابن تيمية أن يثبتوا صحتها قبل الاحتجاج بها.
(181) انظر كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، 68). (182) لقد اعتذر ابن حجر عن وجود بعض من الروايات الضعيفة والموضوعة في كتب الطبراني، فقال: «وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالإفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم، وهذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده اليوم، بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جراً، إذا ساقوا الحديث
بإسناده، اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته والله أعلم (لسان الميزان ج 3/ ص 90). (183) فتح الباري، ج 14 / ص 288 - 289. (1/80)
صفحة 80
2 - مصادر كتب المقالات
81
واعتمد ابن كثير اعتمادا كبيرا على كتابات الهيثم بن عدي وأبي مخنف
حيث قال في البداية والنهاية ما نصه: قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي
(110)
جمعه في الخوارج وهو من أحسن (184) ما صنف في ذلك ... » و « ... ذكر
ابن جرير عن أبي مخنف لوط بن يحيى ـ وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال علي للخوارج يوم النهروان ... » (186). واعتمد أيضاً على أقوال سيف بن عمر (186) التميمي ومحمد بن عمر الواقدي في ذكر الأحداث التي سبقت وأعقبت مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. فقد قال: «وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي
(187)
(188)
وأبي
فهؤلاء المؤرخون أصحاب السير كأمثال الهيثم بن عدي مخنف ومحمد بن قدامة الجوهري وسيف بن عمر التميمي ومحمد بن عمر الواقدي المعتمد على أقوالهم في شأن أهل النهروان كذبة
(189)
(184) متى صار قول الكذابين يوصف بالحسن؟!!
(185) البداية والنهاية، م 4 ج 7 / ص 318.
(186) البداية والنهاية، م 4 ج 7 / ص 321.
(187) البداية والنهاية، م 4 ج 7 / ص 199.
(188) قال الإمام ابن كثير في الهيثم بن عدي الذي نقل عنه أخبار أهل النهروان ما نصه: «فإن الهيثم بن عدي أخباري ضعيف (مسند الفاروق لابن كثير، ج 3/ ص 134).
)
(189) قال الإمام ابن كثير عند تعليقه على رواية جاءت من طريق الواقدي: (وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: قد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رفع الخاتم من بين كتفيه. فكان هذا الذي قد عرف به موته. هكذا رواه الحافظ البيهقي في كتابه (دلائل النبوة) من طريق الواقدي، وهو ضعيف ... وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا؛ لضعف أسانيدها ونكارة متونها، ولا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين وغيرهم، فكثير منه موضوع لا محالة، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة والمروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده. والله أعلم (البداية والنهاية، م 3، ج 5/
ص 214). (1/81)
صفحة 81
82
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وضعفاء بشهادة علماء الجرح والتعديل، فلا يصح لي أعناق الأحاديث (190) لموافقة أقوالهم الضعيفة. ولا يجوز لنا الأخذ بأحكام من اعتمد على أقوال الضعفاء في شأن أهل النهروان وغيرهم بل علينا أخذ الأقوال التي يقبلها المنهج المستقيم، وترك ما أبطلته مناهج الأمة ولو نقله إلينا من
نجله ونحترمه. وكتب التفسير أصبحت مكاناً للضعفاء من الرواة لحمل آيات الله تعالى على معان باطلة لا يقرها إيمان ولا علم ولا عقل.
فقد جاء في تفسير الطبري (191) ما نصه: حدثنا عباس بن محمد، قال:
(192)
حدثنا مسلم، قال: ثني يحيى بن عمرو بن مالك البكري، قال: حدثنا أبي، قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119]، قال: هم الإباضية». 119]،
هذا التفسير لا يصح نسبته إلى أبي الجوزاء وذلك بسبب يحيى بن
:
(193)
عمرو بن مالك النكري الذي قال عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب «قال ابن معين وأبو زرعة وأبو داود والنسائي والدولابي ضعيف، وقال الدارقطني: صويلح يعتبر به وقال غيره: كان حماد بن زيد يرميه بالكذب ...
(190) في الفصل السادس من كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات) عرضنا الروايات الحديثية، التي سُخّرت في الطعن في أهل النهروان، على منهج الجرح والتعديل، وتبين لنا بعد العرض أن ليس فيها حجة على أهل النهروان، فأرجو مراجعة تلك الروايات في الكتاب المشار إليه.
(191) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 4/ ص 66. وتفسير ابن أبي حاتم المسمى (التفسير بالمأثور)، الرواية: 4105، ج 2 / ص
233
(192) كذا في نسخة مكتبة الفيصلية التي اعتمدنا عليها، والصحيح «النُّكْري» كما جاء في تفسير ابن أبي حاتم، وتهذيب التهذيب.
(193) تهذيب التهذيب، ت: 7936، ج 11/ ص 226. (1/82)
صفحة 82
2 - مصادر كتب المقالات
83
وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال أحمد بن حنبل: ليس هذا بشيء، وقال الساجي منكر الحديث».
فالإباضية ليس وحدهم ممن تأذى من مثل هذه التفاسير الضعيفة، التي استقرت في الكتب، وتأججت بسببها عوامل الفرقة بين المسلمين، فأين علم التحقيق من رد هذه الترهات التي حشيت بها كتب التفسير وغيرها؟ فأصحاب الكتب الذين ذكرنا أقوالهم أعلاه صرحوا لنا بأن مصادرهم عن أهل النهروان ومن انتسب إليهم إنما جاءت من مصادر مجهولة لا تعرف، أو قالها أناس حكم عليهم علماء الجرح والتعديل بالكذب والضعف، لهذا وجب علينا التحقق من الأقوال قبل نشرها والاحتجاج بها. (1/83)
صفحة 83
??
بداية الحكاية
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
من هنا بدأت الحكاية التي ملأت بصخيخها أرجاء كتب التاريخ المزور، وكتب الفرق التي جمع فيها أصحابها ما ضعف وهزل من أقوال لا قيمة لها في منهج الإسلام.
فحكاية أن «أهل النهروان هم أصل الخوارج، وأن «الإباضية هم من (194)، بدأت في انتشارها من هنا حيث تجمعت أصوات المجاهيل
الخوارج
هي
الدكتور
(194) هذه الحكاية هي المدخل الذي ولج منه الكتاب للحديث عن أهل النهروان والإباضية، وكل كتاباتهم عبر القرون الماضية لأجل تبرير هذه الأقوال وبث هذه الحكاية في أوساط الناس، واستعانوا لأجل ذلك بكل باطل من الروايات وساقط من الأدلة. وها هو محمد حسن مهدي، يعبر عن جهله بحقيقة الإباضية، ويعبر عن خياناته للمنهج العلمي، حين قال: «وقد نشأت الأباضية تاريخياً وسياسياً وعقدياً على أصول الخوارج، وتفرعت عنهم كسائر فرقهم الكبرى، وهي لم تخرج عن سمات بقية الخوارج من قتالهم للمسلمين في المشرق والمغرب، ومن حيث خروجهم على الجماعة والأئمة طيلة التاريخ الإسلامي، ومن حيث أخذهم بأصول الخوارج العقدية على وجه العموم (الأباضية نشأتها وعقائدها، ص 60). ثم أحال الكاتب إلى تاريخ الأمم والملوك للإمام الطبري ـ 5/ 566 طبعة القاهرة). أولاً: تاريخ الإمام الطبري بني على روايات لا يُحتج بها إلا بعد إثبات أسانيدها ومتونها، ولكن الدكتور الذي أخذته العزة بالباطل، ولأجل تمرير حكايته المتهافتة التي تخيلها في ذهنه أشار إلى رواية باطلة ضعيفة ساقطة متهافتة جاءت من قبل أبي مخنف الضعيف كما هو بين في سند تلك الرواية التي أشار إليها الدكتور في كتابه فكان ينبغي للدكتور أن يحقق تلك الرواية ويثبتها أولاً، ثم ينطق بأحكامه ولكنه لم يفعل، ولن يفعل، وإذا فعل فستكون عليه حسرة وندامة لأنها ستفضحه أمام الناس. (1/84)
صفحة 84
3 ـ بداية الحكاية
85
وأصوات الكذابين وأصوات الضعفاء الذين أشار إليهم الأشعري والحافظ ابن حجر والإمام ابن كثير وغيرهم.
ذلكم هو الطور الأول الذي تخلقت فيه هذه الحكاية، حيث سَلَّمَ المجاهيل والكذابون ما نسجته أيديهم إلى أصحاب الكتب لتعيش تلك الحكاية طورها الثاني، ولتصبح بعد ذلك مورداً تردها أفهام الخابطين في ظلماء «الليالي ممن لا يميز بين «الحصباء واللآلي ولا بين التراب والتبر والجمر والتمر.
والقائل الذي يقول: بأن أخبار أهل النهروان ذكرها الإمام الذهبي في كتابه (تاريخ الإسلام) وكتابه (سير أعلام النبلاء)، عليه أن يعلم أن الإمام الذهبي هو من أخبرنا في كتبه بأن رواة تلك الأخبار هم من الضعف بمكان بحيث يجب علينا ركل رواياتهم بعيداً عن موائد العلم.
والقائل الذي يقول: بأن الحافظ ابن حجر ذكر تاريخ أهل النهروان في كتبه عليه أن يعلم أن الحافظ ابن حجر هو نفسه من كتب لنا ضعف الرواة الذين نقلوا الأخبار المنسوبة إلى أهل النهروان.
ثانياً: على الدكتور محمد حسن مهدي وغيره من المفترين على المذهب الإباضي أن يعلموا أن عقائد الإباضية قد أخذت بحقها من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة، فمن الكذب عليهم نسبت عقائدهم إلى الخوارج. فالحديث عن القضايا العقدية ينبغي أن يكون مع ذكر الأدلة، لا أن يشار إليها من بعيد في الجو المشحون بالتنطع، والكذب، وذكر الأباطيل كما جاء في حكاية هذا الدكتور. ثالثاً: فبسبب تصديق الدكتور محمد حسن للروايات الباطلة تَقَوَّل على الإباضية بما هم أبرياء منه، فالذين قاتلوا المسلمين في الشرق والغرب والشمال والجنوب وهتكوا أعراضهم وقتلوهم ونهبوا أموالهم هم غير الإباضية كما سيتبين ذلك جلياً واضحاً في هذا
البحث، والله المستعان. (1/85)
صفحة 85
86
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فقد قال الإمام الذهبي في سيف بن عمر التميمي الأسدي: «متروك باتفاق، وقال ابن حبان اتهم بالزندقة قلت أدرك التابعين وقد اتهم،
حبان: يروي الموضوعات
(190)
قال ابن
وقال الإمام الذهبي في محمد بن عمر الواقدي: «مجمع على تركه، وقال
ابن عدي: يروي أحاديث غير محفوظة، والبلاء منه. وقال النسائي: كان يضع الحديث (196)
وقال الإمام الذهبي في أبي مخنف لوط بن يحيى: «هالك (197)، وقال في آخر: «ساقط تركه أبو حاتم، وقال الدارقطني: ضعيف (198).
موضع
وقال الإمام الذهبي في الهيثم بن عدي الطائي: «تركوه، وقال: أبو داود السجستاني كذاب» (199)
وقال الإمام الذهبي في محمد بن قدامة الجوهري: «روى أحمد بن محرز، عن ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو داود ضعيف لم أكتب عنه شيئا (قط) (200).
(195) المغني في الضعفاء، ت: 2716، ج 1 ص 292. وانظر كذلك ما قاله الإمام الذهبي في كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ت: 3637، ج 2 ص 255 - 256).
(196) المغني في الضعفاء، ت: 5861، ج 2 ص 619. ونقل الإمام الذهبي تضعيف علماء الجرح للواقدي في كتاب (ميزان) الاعتدال في نقد الرجال، ت: 7993، ج 3 ص 662). (197) المغني في الضعفاء، ت: 7719، ج 2 ص 807 وذكر الإمام الذهبي تضعيف علماء الجرح لأبي مخنف في كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ت: 6992، ج 3 ص 419 - 420).
(198) المغني في الضعفاء، ت: ت: 5121، ج 2/ ص 535. (199) المغني في الضعفاء، ت: 6807، ج 2 ص 717. ومما قاله الإمام الذهبي في الهيثم بن عدي الطائي «قال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ت: 9311،
ج 4 / ص 324).
(200) ميزان الاعتدال، ت: 8083، ج 4 / ص 15. (1/86)
صفحة 86
87
3 ـ بداية الحكاية
هي
لقد تعلمنا من علماء الإسلام أن الأقوال المقبولة التي تعبر قنطرة المناهج، وأن الروايات التي يسقطها علم الجرح والتعديل فلا مكان لها في أذهان المسلمين لهذا وجب علينا أن نكون منصفين عند نسبة الأقوال إلى غيرنا. ووجب علينا أن نحترم جهود علماء الإسلام بتطبيق ما قالوه في علم الرواية والدراية؛ فليس من الإنصاف احتجاجنا بالروايات التي نقلوها في كتبهم دون عرضها على الموازين التي أرادوا منا تطبيقها وتحكيمها في واقع كتاباتنا وأقوالنا. فالإمام الذهبي والحافظ ابن حجر وغيرهما من أئمة العلم الشريف هدفهم الأسمى هو تطبيق مناهجهم العلمية على كل الروايات التي سطروها في كتبهم أو التي سطرت في كتب غيرهم. والقراء والكتاب لن ينالوا السبق في مضمار العلوم إلا إذا حَكَموا المناهج العلمية التي جادت بها قرائح علماء الإسلام عبر القرون الماضية.
والناظر في الكتب التي حاول أصحابها التطاول على قامات أهل النهروان والإباضية السامقة يجدها كلها تفتقر إلى تطبيقات علم الجرح والتعديل، وكأن هذا العلم لا وجود له في أذهان أولئك الكتاب، لهذا وجدنا المفارقات بين الدعوة والتطبيق عند الكُتَّاب الذين أسهموا في نشر أقوال الكذابين والضعفاء على أهل النهروان والإباضية الكرام.
*** (1/87)
صفحة 87
88
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين
المسيرة التاريخية التي اصطنعها الكتاب لأهل النهروان منذ بداياتها إلى وقت الناس هذا اصطبغت في كل مراحلها بألوان من البلابل والاضطرابات والمشاكل وحسب أوصاف الكُتَّاب والمؤرخين فإنك ترى صورة أهل النهروان وكأنهم طائفة من المهرجين لا هم لهم إلا إثارة الفتن، والاختلاف،
(201)
والتمزق، والانقسام (20)
•
والمتتبع للمراحل التي سلكتها الأخبار التي كتبها الضعفاء والكذابون ونسبوها إلى أهل النهروان فإنه يرى تلك المراحل شاخصة أمام ناظريه:
فالمرحلة الأولى التي كونها الضعفاء من الرواة لتكون بداية حديثهم على أهل النهروان هي ذكرهم لشخص أطلقوا عليه وصف (ذي الخويصرة) (202)، وجاءوا بأقوال باطلة تثير الغضب في نفوس المسلمين على قائلها الذي تطاول، بعد غزوة حنين على مقام النبوة على صاحبها أفضل
الصلاة والسلام
6
273
(201) الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص (202) انظر (الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 208، وكذلك انظر (الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة، ص 39 - 41). في الصفحات الآتية نقاش للروايات التي تحدثت عن
شخصية (ذي الخويصرة). (1/88)
صفحة 88
4 - حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين
89
والمشهد الثاني الذي جاء به الكذابون والضعفاء على مسرحهم ليمثل في نظرهم أهل النهروان (203)، هو مشهد شخصية خرافية أطلقوا عليها اسم (ابن سبأ ا، اليهودي، ونسبوا إليه أسباب مقتل الإمام عثمان بن عفان (204)، ونسبوا إليه
(203) ومما قاله الدكتور أحمد عوض وهو يسجل تصوراته حول هذه المسرحية البلهاء: «وهكذا بدا لنا أن رؤوس الخوارج ـ في بدء أمرهم - كانوا من المتمردين على عثمان ومن أنصار ابن سبأ (الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص (28). وقال أيضاً: «وانتهى الدكتور معروف إلى القول إن العلائق الوثيقة الخطيرة بين قادة الخوارج الأوائل وبين ابن سبأ وأنصاره، تجعلنا نميل إلى أن حركة الخوارج قد نمت وترعرعت في أحضان السبئية، وأنها إحدى
ولائدها التي كانت تعمل في الظلام ... » (الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 29). (204) من مميزات الكتاب الذين سعوا إلى تزييف الحقائق عن أهل النهروان والإباضية هو نقل بعضهم عن بعض من غير دراسة ولا معرفة لما ينقلونه في كتبهم فها وهو الدكتور محمد حسن مهدي ينقل عن كاتب آخر وهو محمد الأنور السنهوتي. ما نصه: «وتبرم بها المسلمون ووجد أعداء الإسلام الفرصة سانحة لإحداث فتنة بين المسلمين، فجدوا في تحريض الناس على عثمان، وتولى كبر هذا العمل عبد الله بن سبأ الذي أشعل نيران الثورة على عثمان (الأباضية نشأتها وعقائدها، ص 30، كان ينبغي لهذين الكاتبين أن يقفا وقفة علمية أمام تلك الروايات التي جاءت فيها هذه الأخبار قبل التفوه بهذه الأباطيل التي نسبوها إلى خرافة ابن سبأ.
ص
(00
وبعد أن تشبع ناصر السعوي بما أفرزته أقلام الضعفاء جاء ليجادل بقوله المتهافت: «لكن أعداء الإسلام هالهم هذا الأمر فسعوا في إشعال الفتن متظاهرين بالذود عن الدين والغيرة عليه فاغتر بهم من اغتر من المسلمين، فحصلت تلك الفتنة العظيمة التي راح ضحيتها أمير المؤمنين عثمان الله ثم إن من زعماء هذه الفتنة من أسسوا مذهب الخوارج فنراهم زعماء الخوارج فيما بعد الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص 48، وانظر نحو هذا القول ومما يؤسف له أن نجد الدكتور عامر النجار في صفوف هؤلاء الذين روجوا لخرافة (ابن سبأ اليهودي). وقد زاد على أقوالهم بقوله: وكان الطاغوت الأكبر لهؤلاء (عبد الله بن سبأ) (الخوارج عقيدة وفكراً وفـ اً وفلسفة. ص 23). وبقوله أيضاً: «من ذلك يتضح لنا خطر بن وهب بن سبأ على الإسلام الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة، ص 24)، كان على الدكتور عامر النجار إثبات وجود خرافة (عبد الله بن سبأ) من خلال دراسة الروايات دراسة علمية قبل أن يصفه بـ «الطاغوت وقبل أن يُعَرِّفه بـ «عبد الله بن وهب بن سبأ»، ولكن
عبد الله
بسبب سيره وراء الضعفاء ما كان منه إلا نقل أباطيلهم إلى المسلمين، والله المستعان. (1/89)
صفحة 89
90
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
كذلك تأجيج حرب الجمل (205)، وختموا مسرحيتهم بمشهد مقزز فيه مطالبات أتباع (ابن سبأ اليهودي) للإمام علي لكي يقسم بينهم الغنائم والنساء (20). والحلقة الثالثة التي تضافرت أيدي الكذابين والضعفاء والمجهولين في سبكها أتت بمشاهد فيها مجادلات بين أهل النهروان والإمام علي،
(207)
فقد
صورت تلك الحلقة الإمام علي شخصية لا إرادة لهـ، وصورت أهل
ص
(205) كل الروايات التي ذكرت هذه الأحداث باطلة ضعيفة وقد ذكرنا أسباب ضعفها في الفصل الثالث من كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، فأدعوك يا أخي القارئ الكريم إلى قراءة ما كتب لتدرك مدى تساقط الكتاب في وهاد التخريص ودركات التجاهل لعلوم الأمة. وستدرك أن الدكتور أحمد عوض ليس لديه إلا الأباطيل عندما نسب تأجيج حرب يوم الجمل إلى خرافة ابن سبأ (الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، 83 ـ 84). وهناك كاتب آخر منضم في سلك المتهوكين وهو الدكتور محمد حسن مهدي الذي هرف بما لا يعرف حين قال: «ويقف على رأس الراغبين في استمرار وقوع الفتنة حزب (السبئيين) ومن مالأهم من قتلة عثمان الله» (الأباضية نشأتها وعقائدها، ص 33)، وفي هامش الصفحة عَرَّف الدكتور محمد حسن مهدي السبئيين بقوله: «تنسب هذه الفرقة إلى زعيمها عبد الله بن وهب بن سبأ وهو يهودي من أهل صنعاء ... » وأشار في نهاية التعليق إلى مقالات الإسلاميين 1/ 11 - 12) و (تاريخ المذاهب الإسلامية ص 31) وعند رجوعنا لهذين الكتابين وجدنا اسم (عبد الله بن سبأ) وليس (عبد الله بن وهب بن سبأ)، ولم نجد أي تحقيق يثبت صدق هذه الأقوال، والله المستعان. هذا الدكتور اتهام «السبئيين» بإشعال حرب الجمل (الأباضية نشأتها وعقائدها، ص 34)، كان ينبغي لهذا الدكتور إثبات الأخبار من مصادرها بعد عرضها على منهاج
وكرر
الجرح والتعديل، وألا يقنع بما تناقلته الكتب السابقة من أقوال، ولكنه لم يفعل. (206) انظر تاريخ الطبري (ج 3 ص 59 حيث جاءت الرواية من طريق «شعيب، عن سيف» الضعيفين. هذا وقد اعتمد الدكتور أحمد عوض على تلك الرواية الباطلة، حيث قال: «ووبخ السبئية الذين طعنوا في قراره واعترضوا عليه بقولهم: كيف يحل لنا دماءهم علينا أموالهم؟!؟! فقال: أيحب أحدكم أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟» (الخوارج
ويحرم
تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 85). (207) ومما قاله الدكتور أحمد عوض: ويبدو أن علياً له، قد حاول جاهداً إقناعهم بوجهة نظره، وحذرهم من المعصية، فأبوا إلا أبا موسي بحجة أنه كان حذرهم الفتنة، ولما لم (1/90)
صفحة 90
4 - حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين
91
النهروان بطائفة مهرجة؛ لا ضابط لتصرفاتها، فقد نسب إليها كُتاب هذه الحلقة إجبارهم للإمام علي على قبول التحكيم بينه وبين معاوية، ثم نسبوا إلى تلك الطائفة إرغامهم للإمام علي على قبول أبي موسى الأشعري ليكون ممثلاً عنه في قضية التحكيم، ثم نطقت رواياتهم، التي نسبوها لأهل النهروان، برفض قضية التحكيم من أساسها (208) ومطالبتهم للإمام علي بالتراجع عن تلك القضية والتوبة منها. واختتم كُتاب هذه الحلقة تلك الأحداث بمشهد فيه سجال ومراجعات لفظية بين الإمام على والطائفة التي نسبت إليها تلك المواقف (209).
يجد
علي وسيلة لإقناعهم، رضخ لرغبتهم، وسلم الأمر إليهم، وشكا حاله أمسه بين ويومه فقال: ألا إني كنت أمس أمير المؤمنين، فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت ناهياً، فأصبحت منهياً، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون الخوارج تاريخهم، فرقهم وعقائدهم، ص 94). (208) ومما قاله أحد الممثلين لهذه المسرحية الهزلية، وهو الدكتور أحمد عوض: «ثم نراهم يتدخلون في اختيار ممثل علي في الحكومة، ويفرضون عليه أبا موسى الأشعري. وبعد ذلك يأتيه فريق منهم في طليعتهم عبد الله بن وهب الراسبي، فيعترضون على قبوله بمبدأ التحكيم، ويطلبون إليه استئناف القتال ضد معاوية الخوارج) تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 34)، وانظر كذلك نحو هذا القول في الخوارج) دراسة ونقد لمذهبهم، ص 186، 191). (209) ففي كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، القسم الثاني من الفصل الخامس، ص 194) ذكرتُ الروايات التي اعتمد عليها كثير من الكتاب في طعنهم لأهل النهروان، وبينت أن هذه المواقف التي نسبت إليهم باطلة لا قيمة لها. ومما قلته هناك: «هذه الروايات التي نقلها الطبري في كتابه واعتمد عليها الكُتّاب الذين لم ينصفوا أهل النهروان ضعيفة باطلة ساقطة لورودها من قبل أبي مخنف الراوي التالف المتروك (لسان الميزان ت: 6776/ 8، ج 4 / ص 584 وكذلك كتاب الجرح والتعديل: ت: 1030، ج 7/ ص 182). ويعجب الإنسان من أناس حملوا من الإجازات العلمية ما تؤهلهم للوصول إلى معرفة الغث من السمين من الروايات ومع هذا نجدهم لا يبالون من أي مورد يستقون، ولا من أي نبع يشربون، كل همهم الكيد لأهل النهروان وأتباعهم الإباضية الذين وقفوا أمام غطرسة بني أمية وظلم بني العباس وضحوا بأنفسهم لأجل الخلافة الراشدة. (1/91)
صفحة 91
=
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
92
وجاء بنا قطار هذه الأحداث التي اخترعها الضعفاء من الرواة، ليقف بنا أمام مشاهد أخرى لتمثيل دور أهل النهروان المزعوم في التاريخ. فقد صور لنا الكُتّاب أهلَ النهروان فئة من الناس تعترض عبد الله بن خباب فتقتله وتشق بطن
(211)
امرأته (20)، وتتأسف على قتل خنزير وتعوض مالكه الذمي قيمة خنزيره. ويعرض علينا أولئك الكتاب في مسرحيتهم مشهداً فيه وقوف أهل النهروان في صف واحد، ويرفعون صوتهم ليقولوا للإمام علي أنهم كلهم
(212)
مشتركون في قتل رسله وقتل عبد الله بن خباب.
فكل الذين نالوا من أهل النهروان نجدهم يعتمدون على روايات ضعيفة أبطالها أناس لم تحفل الأمة بأخبارهم بل أطلقت عليها وابلاً من قذائف الحق فأصبحت في أنظار أهل الحق والاستقامة ركاماً تحبط مقتنيها وتردي به في مضائق الجهل» انتهى ... (210) الخوارج تاريخهم، فرقهم وعقائدهم، ص 209، وقال الدكتور أحمد عوض: «فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فساداً، وسفكوا الدماء وقطعوا السبل، واستحلوا المحارم» (الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 106). ومما قاله ناصر السعوي: «وبناء على مبدئهم هذا استحلوا دماء مخالفيهم وأموالهم» (الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص (41)، وأضاف ناصر السعوي إلى أباطيله هنا: «فيشير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمةالله إلى حقيقة هذا المذهب الباطل الذي خرجت به هذه الشرذمة المارقة التي شذت عن جماعة المسلمين ... ولم تنته عند هذا الحد أيضاً؛ بل تعدته إلى ما هو أعظم منه وأخطر، وهو استباحتهم دماء من لم ير رأيهم ويسير على نهجهم، ليس الرجال فقط؛ بل تعدوا ذلك إلى النساء والأطفال والشيوخ» (الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص 42)، وانظر نحو هذه الأقوال المتهافتة التي قالها ناصر السعوي (الخوارج ص 183، ص 191، ص 194، ص 206).
،140
دراسة ونقد لمذهبهم، ص. انظر كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، القسم الثالث من الفصل الخامس، ص 206 ـ 217) لتعلم أن الروايات التي اعتمد عليها الكتاب في تمرير هذه الأباطيل عن أهل النهروان، لا قيمة لها في الساحة العلمية لدى المسلمين. (211) انظر کتاب الخوارج) دراسة ونقد لمذهبهم. (212) ومما قاله ناصر السعوي: «وروى عن علي (أنه لما قاتل أهل النهروان قال لأصحابه
ص
(187
لا تبدءوهم بالقتال وبعث إليهم أقيدونا بعبد الله بن خباب قالوا كلنا قتله). فحينئذ (1/92)
صفحة 92
4 ـ حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين
93
وقبل أن يسدل الستار على مشاهد هذه الحلقة يعرض علينا الكتاب
(213)
مشهد استخراج جثة (ذي الثدية) لتكون دليلا على فساد رأي أهل النهروان وصواب من حاربهم.
وهكذا انتهى الجزء الأول من هذه الملحمة!!!! بالعثور على (ذي الثدية) الذي كان في يوم من الأيام (ذو الخويصرة)، ولتدور أحداث هذه المسرحية من بدايتها إلى نهايتها حول خرافات وقصص ساذجة جعل أبطالها (ذو الخويصرة) و (ابن سبأ اليهودي) و (ذو الثدية).
لقد تُرك العلم وأهمل العقل، واتبعت الأباطيل التي بنيت على أقوال الضعفاء من الرواة لأجل إثارة عواطف الجماهير خاصة حينما يسمعون أن (ذا الخويصرة) قد نُسب إليه قوله للرسول صلى الله عليه وسلم: «اعدل»، وأن (ذا الثدية الذي نُسب إلى أهل النهروان قد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آيتهم رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه، مثل ثدي المرأة أو قال: مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس، وأن ابن سبأ اليهودي) قد أجج الناس على ذي النورين وثالث الخلفاء الراشدين.
لقد أجاد الكتاب في استنهاض عواطف الناس ضد أهل النهروان ومن اعترف بعدالة موقفهم من تلك الأحداث التي شهدتها الساحة الإسلامية أيام الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الكريم.
ولقد استنهضت النفوس على أهل النهروان حينما تكاتف الكذابون والضعفاء، وقَلَّبوا الأمور، ونسجوا من خيوط أباطيلهم صورة ساذجة
استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص 208)، وانظر كذلك (الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة، ص 42).
(213) انظر كتاب الخوارج) تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 108، وص 212)، وانظر كذلك (الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة، ص 40). (1/93)
صفحة 93
94
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
يرفضها العلم الذي أسس بنيانه الإسلام، ولا يقرها العقل المسلم النظيف من الخرافات والأباطيل التي ظهرت في هذه المسرحية الهزلية التي روج لها أصحابها.
وأما الجزء الثاني من مسرحية الكذابين والضعفاء فتناولت الأحداث التي أعقبت معركة النهروان حيث جاء الكتاب بمشاهد فيها تتبع من زعموا أنهم أتباع أهل النهروان للإمام علي، لينتهي المشهد بمقتله كرم الله وجهه الكريم على يد رجل تعلق قلبه بحسناء، فأمهرها ضربة سيف مسموم على كاهل
الإمام الكريم
(214)
الكتاب
وبعد استراحة ليست بقصيرة خرج الضعفاء وأذنابهم من للجماهير على منصة المسرح ليمثلوا الحوار الذي دار بين عبد الله بن الزبير والذين جاءوا لنصرته ضد الجيش الأموي الذي هجم على المدينة المنورة
ومكة المكرمة
الله
(910) +
(214) انظر كتاب الخوارج) تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 120)، فنسبة قتل الإمام علي كرم وجهه الكريم إلى أتباع أهل النهروان باطلة وذلك ببطلان جميع الروايات التي نسبت جريمة القتل إليهم، فالرجاء مراجعة كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين
وأصحاب المقالات، ص
(228 - 223
، (132 - 131
(215) انظر الخوارج) تاريخهم، فرقهم وعقائدهم، ص وص 204)، وانظر كذلك الإباضية نشأتها وعقائدها ص 54، وانظر كذلك: الخوارج) دراسة ونقد لمذهبهم، ص لقد استعان الكُتاب في طعونهم لأهل النهروان والإباضية بالروايات التي تحدثت عن الحوار الذي دار بين عبد الله بن الزبير والرجال الذين جاءوا لنصرته عندما هجمت جحافل بني أمية على المدينة المنورة ومكة المكرمة. وأخذ الكتاب من تلك الروايات تصوراتهم الباطلة عن منهج أتباع أهل النهروان الذين بقوا على مبادئهم إلى يوم الناس هذا. ولقد كان لنا نقاش لتلك الروايات في كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات القسم الخامس من الفصل الخامس، ص 229 ـ 235)، وعرفنا من خلال مناقشة تلك الروايات أن ما نسب من أقوال إلى الذين جاءوا لنصرة =
6 (1/94)
صفحة 94
4 - حكايات على مسرح
الضعفاء والكذابين
واختتم الجزء الثاني من هذه المسرحية بعرض مشهد فيه القتل والسبي ونهب الأموال، ليكون هذا المشهد دائماً وأبداً حياً في ذاكرة من افترى وعلى لسان من ارتمى في أحضان الكذابين.
فكل المشاهد التي شملها الجزء الأول والجزء الثاني من هذه المسرحية الهزلية المضحكة إنما أملتها روايات ضعيفة أبطلتها علوم الأمة الإسلامية كما بينا ذلك بالحجج العلمية التي أخذناها من كتب علماء الإسلام من كل المذاهب في بحثنا الذي خرج باسم (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات). ولقد وقف خلف تلك الروايات سدنة أنفقوا أموالهم وأعمارهم في إنشائها وتزييفها وحملها والترويج لها عبر التاريخ، وبرهنوا من خلال كتاباتهم أنهم يحتطبون الأخبار بأهوائهم»، وأن عملهم «عمل غير علمي ولا دقيق، بل عمل حاطب ليل». وأن سيرهم «كالخابط في
ظلماء الليالي».
وبعد أن عُرضت علينا تلك المشاهد، فلا بد أن يكون للمُشاهِد رأياً يُسَجَل له أو عليه. وهنا ينقسم المشاهدون إلى فئات، وكل فئة تأتي بمواقفها حسب ما استقر في أذهان أفرادها من تصورات وحسب الانتماءات الفكرية الموروثة التي تتناقلها الأجيال عبر القرون.
وهنا يحدث الصخب بين أفراد تلك الفئات؛ فتسمع أصوات من لا يعجبهم ما سمعوا ورأوا وترى آخرين يرقصون فرحاً بما شاهدوه من أحداث، وبهذا ينتقل الصخب من مسرح التاريخ الذي مثل عليه إلى مسرح الحياة التي يعيشها الناس. ولكن إذا نطقت مناهج الأمة الإسلامية بالحكم
ابن الزبير باطل لا يصح، ولا ينبغي لأي أحد أن يطعن في أهل النهروان والإباضية بما جاء في تلك الروايات الباطلة.
10 (1/95)
صفحة 95
96
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
العادل فلا بد للجميع أن يضعوا أيديهم على رؤوسهم استسلاماً للحكم الذي لا يزيغ عنه إلا معاند ومكابر للحق.
في
فالذين رأوا سلامة مواقف أهل النهروان لم يعجبهم ما سمعوا، وحَكَّموا
ذلك مناهج الأمة.
والذين توارثوا أحكامهم الجائرة على أهل النهروان ما كان منهم إلا تقبل ما شاهدوه وسمعوه، وسعوا بعد ذلك في نشر أحكامهم الباطلة أجيال بين المسلمين بلا خجل ولا خوف من أن تظهر أباطيلهم في يوم من الأيام. لقد أسهمت كتب كثيرة في بث ما حوته هذه المسرحية الهزلية من أباطيل في أوساط الجماهير معتمدة في ذلك أساليب (التكرار) وطرق (التأكيد). فمن تلك الكتب
كتاب (الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام - مناهجهم وأصولهم وسماتهم قديماً وحديثاً وموقف السلف منهم للدكتور ناصر بن عبد الكريم
العقل.
وكتاب الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم لناصر بن عبد الله السعوي. . وكتاب الخوارج) تاريخهم، فرقهم وعقائدهم) للدكتور أحمد عوض أبو الشباب.
وكتاب (الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم) للدكتور
علي بن محمد الصلابي.
وكتاب (الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة للدكتور عامر النجار (216).
(216) هذا الكتاب الذي ظهر باسم (الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة) ونشرته (عالم الكتب)، والكتاب الآخر الذي ظهر باسم (الأباضية ومدى صلتها بالخوارج ونشرته = (1/96)
صفحة 96
4 - حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين
وكتاب الإباضية نشأتها وعقائدها) للدكتور محمد حسن مهدي.
97
وغيرها من الكتب التي لم تختلف عنها إلا في العنوان واسم المؤلف والناشر. وكل الذي حوته هذه الكتب ما هو إلا تكرار وإعادة تدوير لأباطيل التاريخ التي نطق بها الضعفاء والكذابون في مشاهد مسرحيتهم الخرقاء عن أهل النهروان الكرام، ولم نجد من أصحاب هذه الكتب من حقق تلك الروايات والأقوال ووزنها بميزان علم الجرح والتعديل، وكتبهم هذه خير دليل على ما نقول.
وعلى مدى القرون الماضية أخذ الكتاب عن سابقيهم الأخبار المنسوبة إلى أهل النهروان، وكلما جاء جيل من هؤلاء حمل على ظهره تلك الأخبار حتى وصلت إلى الدكتور ناصر العقل الذي لم يكن له إلا أن يقول: «يتفق العلماء والباحثون قديماً وحديثاً على أن (الأباضية) في أصولها العقدية فرع عن الخوارج وتلتقي معهم في أغلب الأصول التي خرجت بها الخوارج عن
(دار المعارف)، تشابها كثيراً في طرح مادتهما، ومهما تكن من دوافع للكاتب أو الناشر وراء إصدارهما بعنوانين وإن اتفقا في المضمون، تبقى المادة العلمية التي عرضها المؤلف هي التي تُطرح للنقاش، وهي التي تُثبت قرب أو بعد الكاتب عن المنهج الإسلامي في تحقيق الأخبار.
فالقارئ يجد الدكتور عامر النجار قد سار في ركب الضعفاء والكذابين من الرواة حين تحدث عن أهل النهروان ولكنه صرح ببراءة الإباضية من فكر الأزارقة والنجدات حينما رجع إلى كتب الإباضية، وهو يشكر على ذلك؛ حيث قال: «وإنني أميل بشدة إلى رأي الدكتور عوض خليفات الذي أكد من خلاله على أن الإباضية ليسوا من الخوارج» (الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ص 85، وقال أيضاً: «هذه الفروق المختلفة تجبرنا على الفصل بين الإباضية والخوارج ولا نعتبرهم من فرق الخوارج» (الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ص. (88). وسيتبين في هذا البحث أين أخطأ الدكتور عامر النجار وأين أصاب؟ والله الموفق إلى كل خير. (1/97)
صفحة 97
98
الأمة ... (217)
ثم
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
أشار الكاتب في هامش الصفحة إلى الكتب التي توارثت
الأباطيل عن أهل النهروان والإباضية.
وجاء نحو عبارة الدكتور ناصر العقل على لسان الدكتور محمد حسن مهدي الذي قال: «وقد استنكر الأباضيون المعاصرون بشدة انتماءهم إلى الخوارج رغم اتفاق كُتّاب الفرق والمقالات الإسلامية على أن الأباضية إحدى فرق الخوارج» (218). ثم أحال القارئ إلى كتب أخرى سبقته في ركم الأباطيل. ليت الدكتور العقل والدكتور محمد عرفا صلة تلك الكتب التي ذكراها بالمنهج العلمي، وليتهما وزنا ما في تلك الكتب بميزان الحق قبل أن يتفوها بهذه العبارة.
ليعلم الدكتور ناصر العقل ومعه الدكتور محمد حسن أن علماء الإسلام لا يتفقون على قول الأباطيل، وما سُجل على أهل النهروان والإباضية باطل بشهادة علماء الجرح والتعديل. فَلِم لا يستفيدان من علومهم قبل أن يتفوها بهذه الأباطيل؟
(217) الخوارج أول الفرق في الإسلام، ص 89. ثم أحال الدكتور القارئ إلى الكتب الآتية: (مقالات الإسلاميين للأشعري 1831، والفرق بين الفرق للبغدادي 103، والملل والنحل للشهرستاني 1 133، والمعارف لابن قتيبة 622، ومروج الذهب للمسعودي 3/ 258، والكامل لابن الأثير / 335 - 337، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص (49، 57)، ودراسات عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور/ أحمد جلي 74 ـ 97، وتأملات في التراث العقدي للفرق الكلامية (الخوارج) للدكتور / عبد السلام محمد عبده، ص 285 وما بعدها. والخوارج في العصر الأموي للدكتور نايف معروف ص 238. وتاريخ الفرق الإسلامية لعلي الغرابي ص.281. والإباضية عقيدة ومذهباً للدكتور صابر
طعيمة 17 - 19 وغيرها».
(218) الأباضية نشأتها
وعقائدها، ص
55. ثم أحال الدكتور القارئ إلى كتاب الفصل لابن حزم، وكتاب الملل للشهرستاني والتبصرة في الدين للإسفراييني، وكتاب مقالات الإسلاميين للأشعري، والفرق بين الفرق للبعدادي، وتاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة.
6 (1/98)
صفحة 98
4 - حكايات على مسرح
الضعفاء والكذابين
99
وليعلم الدكتور العقل أن الذين وصفهم بـ «الباحثين» قديماً وحديثاً لم يكن لهم حظ في تطبيق علوم الأمة على الأخبار التي أساءت إلى مقام أهل النهروان والإباضية الكرام. وكل ما قاموا به ما هو إلا نقل لأباطيل لو عرفوا أصولها وما في بطونها لجفت مآقيهم من شدة الخجل إن كان فيهم عرق
حياة وحياء.
فالدكتور العقل والدكتور محمد مهدي خلطا بين المصادر الأصلية والثانوية، وهذا خرق لمبادئ المنهج العلمي في الكتابة. وبما أن الكاتبين لم يفيا بقواعد المنهج الإسلامي الصادق، فهما ليسا بأهل لأن يكتبا حرفاً واحداً عن أهل النهروان والإباضية الكرام.
يا ناصر العقل لو تعقلت قليلاً، وطبقت علم الجرح والتعديل على الأخبار التي في كتب من تعدهم باحثين لعرفت أنها من إبداعات الضعفاء والكذابين والوضاعين، فكان من الواجب عليك القيام بهذه المهمة قبل أن تفضح نفسك أمام المسلمين.
يا ناصر العقل لو كنت منصفاً في القول لتبين لك أن المصادر الثانوية التي تراكمت عبر التاريخ ما هي إلا استنساخ لكل الأباطيل التي تفوهت بها المصادر الأصلية لحججكم النابعة من أذهان سيف بن عمر الوضاع والواقدي الكذاب وأبي مخنف الضعيف وغيرهم من ضعفاء الرواة، فلم لا تُعمل عقلك وضميرك ولسانك وقلمك لإظهار الحقيقة التي يعرفها صغار الطلاب؟، ولِمَ لا تقر بحقيقة أن الأقوال الضعيفة والأخبار المتساقطة تبقى على حالها ضعيفة متساقطة كريهة نتنة حتى ولو حملها عبر التاريخ أجيال وأجيال؟
فليس من الإنصاف لعلماء الإسلام أن نقول عنهم بأنهم اتفقوا على قبول الأباطيل والأكاذيب وإن وجدت تلك الأقوال في كتبهم. إذ ليست العبرة فيما (1/99)
صفحة 99
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
سطر في الكتب، بل العبرة في الاستشهاد والاحتجاج بما في الكتب بعد وزنها بمناهج الحق، وهذا أمر بديهي يعرفه طلاب العلم قبل حملة الشهادات العليا، ولكن إذا غلب الهوى على الدكتور ناصر العقل والدكتور محمد حسن مهدي فإنك لن ترى عقلاً يُسدد ولا هدى يُرشد.
يا فضيلة الدكتور ناصر العقل ستعرف في هذا البحث أن كل أقوالك التي قلتها في كتابك عن الإباضية ما هي إلا ركام من الأباطيل.
فتلك الكتب وإن تعددت عناوينها، فهي تمثل لدى العارفين للحق، لعبة (الجري بالتناوب) أو لعبة سباق التتابع التي يتلهى بها الأطفال في وقت فراغهم. فالخطوة الأولى لهذه اللعبة كانت منذ عصر سيف بن عمر التميمي الوضاع للحديث، ووقت الواقدي الكذاب وزمن أبي مخنف الضعيف وما زال حاملوها يركضون بها إلى وقت الناس هذا لعلهم يجدون من لا يميز بين الجمر والتمر فيستلمها منهم ويركض بها، وهكذا ... ، ولم نر عبر من هؤلاء العدائين من وقف عند نفسه وتساءل عن ماهية
أحداً
التاريخ ما يحمله.
قطعاً إن تلك المشاهد التي روج لها الكُتاب في أوساط الجماهير عن أهل النهروان والإباضية إنما بنيت على أسس ضعيفة، وحملها عبر التاريخ أناس لم يحفلوا بمناهج الأمة الإسلامية عند كتاباتهم وأقوالهم.
قال الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار: «يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم الموضوعية حين يشنع على أولئك الذين يحدثون الناس بكل ما سمعوه دون نظر شخصي في ذلك المسموع؛ ولا ريب أن كثرة نقل الأخبار والأقوال مظنة للوهم والنسيان، كما أنها مظنة للتزيد وشوب الهوى؛ ومن ثم قال الله: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ). كما ذم أيضاً أولئك الذين يروون أخباراً لا سند لها، (1/100)
صفحة 100
4 - حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين
101
ولا يعرف من هو قائلها؛ وذلك توسلاً بها إلى مآرب شخصية، حين قال: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا). ولفظة (زعموا) إنما تستخدم عند عدم وثوق
الناقل من صحة ما ينقل»
(219)
فكما عمد الكتاب الذين تحاملوا على الإباضية إلى أساليب التكرار لتأكيد الأكاذيب والأباطيل فإن الكثير منهم عمد إلى الخداع والتضليل
الآخرين من معرفة الحقيقة بكاملها» (22)، والمتتبع
6
(222)
الإعلامي (220) لأجل «منع لكتابات الذين تحاملوا على الإباضية يجد أساليب التضليل الإعلامي حاضراً بكثافة في كتبهم، فقد عمدوا إلى تشكيك الناس في تاريخ الإباضية والتستر وراء شعارات زائفة لا تربطها بمناهج البحث عند المسلمين أي رابطة وعمدوا إلى الكذب وإثارة عواطف الجماهير وتخويفهم بروايات باطلة وتزييف المصطلحات وهذه كلها محاولات «متعمدة لإخفاء المعلومات والأخبار أو تشويهها أو الانتقاص منها أو الزيادة عليها، بطريقة لا تلتزم بمعايير وضوابط وأخلاق مهنة الإعلام، لإيهام وتضليل الجمهور وجعله يتبنى وجهة نظر القائمين على تلك الوسائل، خدمة لأهدافهم القريبة والبعيدة» (223).
(219) فصول في التفكير الموضوعي، ص 66.
(220) عُرف الإعلام بأنه: مشاركة الآراء والأفكار والأخبار والمعلومات مع الجماهير بأساليب مؤثرة ووسائل اتصال مختلفة بهدف الإعلام أو الإخبار أو الإقناع أو التأثير على السلوك بما يخدم أهداف القائمين على العملية الإعلامية». (التضليل الإعلامي وسبل مواجهته،
ص 18).
(221) لماذا يكذب القادة حقيقة الكذب في السياسة الدولية)، ص 36. (222) للمزيد من التفصيل حول التضليل الإعلامي انظر التضليل الإعلامي وسبل مواجهته،
ص 55 - 69).
(223) التضليل الإعلامي وسبل مواجهته، ص 24 ـ 25. (1/101)
صفحة 101
102
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وهم ـ أي الكتاب الذين تحاملوا على الإباضية ـ باعتمادهم على الخداع والتضليل الإعلامي قد اقتبسوا من أبي لهب أسلوبه في تنفير الناس عن
(224)
السماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يعرض نفسه على قبائل العرب (4). وهؤلاء الكُتّاب بسلوكهم لمسلك أبي لهب عرضوا الأباطيل المنسوبة ظلماً وزوراً إلى أهل النهروان والإباضية على جماهير الناس؛ فمن الناس: من صدقهم وأخذ بتكرار أقاويلهم، تماماً كالذين غلبت عليهم شائعات قريش، ومنهم من أراد أخذ الحقيقة من مصادرها الصادقة، اقتداءً بالطفيل بن عمرو الدوسي وضماد الأزدي (26) اللذين تحديا شائعات قريش وسعيا إلى سماع القول الصادق من المصطفى الهلال.
(225)
والوقفات الآتية فيها البيان لما قلناه ونقد علمي للروايات التي بنيت عليها تلك المسرحية الهزلية المنسوبة إلى أهل النهروان الكرام.
(224) حول جهود أبي لهب لصد الناس عن السماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم انظر (الكامل في التاريخ، ج 2 ص 94)، وغيره من الكتب التي تحدثت عن السيرة النبوية على صاحبها أفضل
الصلاة والتسليم. (225) راجع (أسد الغابة في معرفة الصحابة، ت: 2611، ج 3 ص 78 - 81) لمعرفة موقف الطفيل بن عمرو الدوسي له حينما خوفته قريش من الاستماع إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم. (226) راجع (أسد الغابة في معرفة الصحابة، ت: 2567، ج 3 ص 56) لمعرفة موقف ضماد الأزدي عندما حذرته قريش من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم. (1/102)
صفحة 102
ه - وقفة مع الدكتور أحمد عوض أبي الشباب
103
وقفة مع الدكتور
أحمد عوض أبي الشباب
حوارنا هنا سيكون مع الدكتور أحمد عوض أبي الشباب صاحب كتاب (الخوارج تاريخهم، فرقهم، عقائدهم).
فمن خلال ما سطره الدكتور أحمد عوض فى كتابه ندرك بعد التجاهل لما يدعو إليه الإسلام من قول الصدق والبحث في مظان الكتب عن الحق، خاصة إذا تحدث الكاتب عن أفراد أو جماعات من الناس.
ولقد هيأ الدكتور أحمد عوض قُراءه بقوله: «واطلعت على ما صنفه الباحثون في هذا الصدد من أبحاث، فوجدت أنها لا تفي بالغرض، إلا القليل منها، وخاصة أنها تتناول الجانب التاريخي والعقدي، بينما تناول بعضها هذين الجانبين بالإضافة إلى الجانب الأدبي، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ تفتقر إلى المنهجية العلمية، وتغفل كثيراً من الفرق الخارجية التي ظهرت خلال حقب تاريخية مختلفة» (227)
فعبارة الدكتور أحمد عوض هذه تعبر بصدق عن كتابات الذين سبقوه من الكتاب، فكتابات الذين سبقوا هذا الدكتور «تفتقر إلى المنهجية العلمية» وهذا هو الواقع الذي تنطق به كتب الذين سبقوا هذا الدكتور في الميدان. ويا ليت الدكتور، حينما أنكر على من سبقه من الكتاب، سلك مسلكاً مغايراً
(227) الخوارج تاريخهم، فرقهم، عقائدهم، ص 3. (1/103)
صفحة 103
104
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
لمسلكهم في الكتابة عن أهل النهروان والإباضية، ولكنه آثر تلقف أخبار الكذابين والضعفاء وأخذ ينافسهم في التقول بالأباطيل.
والحقيقة أن العارفين والمطبقين لمناهج الأمة الإسلامية في الأخذ والعطاء يعرفون معرفة لا يشوبها أدنى شك، أن كل الذين افتروا على أهل النهروان من الذين كانوا قبل الدكتور أحمد عوض أو من الذين جاءوا معه في هذا العصر قد افتقرت كتاباتهم إلى المنهجية العلمية».
وليس للدكتور أحمد عوض أي ميزة على غيره بهذا القول إلا رميه بالحجارة، وهو في بيته المصنوع من زجاج محطم، صوب سكان بيوت العنكبوت. وليس للدكتور أحمد عوض أي فضل على من سبقه من الكتاب إلا كفضل اليهود على النصارى أو كفضل النصارى على اليهود حينما قالوا: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَب كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113]، فهم جميعاً في وديان الافتراء هائمون
بلا دليل.
ومصطلح «المنهجية العلمية ليس ادعاء، بل هو قواعد وأسس ومعالم ينبغي لكل كاتب معرفتها حق المعرفة، ويبني عليها كتاباته بعد أن يصطفي اللبنات السليمة القوية ليُشَيّد بها بحوثه التاريخية والمعرفية. فلو التزم الدكتور أحمد عوض بـ «المنهجية العلمية التي عَرَّفَها ابن خلدون (28) وغيره من الكتاب لما تجرأ على الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري له بقوله وكان من قنائص عبد الله بن سبأ» (329)، ولما تجرأ على أهل النهروان الكرام
(228) انظر ص 31 من هذا البحث. (229) قال الدكتور أحمد عوض هذا القول البذيء في حق الصحابي الجليل عند مناقشته لعلي جفال صاحب كتاب الخوارج تاريخهم وأدبهم، ونص العبارة هي: «أما ما ذكره من (1/104)
صفحة 104
ه - وقفة مع الدكتور أحمد عوض أبي الشباب
1.0
بقوله: «لذلك كان لا بد من تسليط الضوء في الفصل الأول، على أصل الخوارج (33) ونشأتهم، ليدرك القارئ الكريم أن مختلف الحركات الخارجية القديمة منها والمعاصرة (23)، غريبة المنشأ، وأنها نشأت في رحم
اليهودية
(232)
فما مسارعة الدكتور وتقوله على المسلمين بهذه الأكاذيب، إلا تعبيراً عن إفلاسه وتخبطه وسوء أدبه وانحطاط أخلاقه، فأي ضمير هذا الذي طاوع هذا الدكتور على وصف الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري له أنه «من قنائص عبد الله بن سبأ»؟
ومن أين أتى هذا الدكتور بقوله البذيء أن منشأ أهل النهروان وأتباعهم كان من رحم اليهودية»؟، فهل قام هذا الدكتور بالمقارنة بين دعوة اليهود وعقائدهم وبين مبادئ أهل النهروان حتى يصل إلى هذه النتيجة في السطور
اعتراض أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر لهذه السياسة، فلعله رمى إلى ما فعله أبو ذر من دعوته مشاركة الأغنياء للفقراء في أموالهم، وكان من قنائص عبد الله بن سبأ» (الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 52). (230) لقد عنون الكاتب الفصل الأول من كتابه بـ (أصل الخوارج ونشأتهم)، وقسمه إلى مباحث: وذكر من أسماءهم الخوارج أهل النهروان، والحرورية، والنواصب، والشراة، والمارقة، والمحكمة.
(231) ولقد أصر هذا الدكتور على ربط الإباضية بالخوارج الذين قال عنهم بأن نشأتهم كانت من «رحم اليهودية»، حيث قال هذا الدكتور: «إن ما زعمته الإباضية من دعوى البراءة من مذهب الخوارج، لا يجدي في دفع هذه الشبهة عنهم، كما أن المواقف التي وقفتها الإباضية ضد الخوارج لا تدل على ذلك ... » (الخوارج) تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 273)، فأنتم أيها الإباضية في نظر هذا الدكتور قد خرجتم من «رحم اليهودية»، والعياذ بالله. لقد تجمعت أحقاد الدنيا في قلب هذا الدكتور فلم يجد من يخاصمه إلا الإباضية أهل الحق والاستقامة.
(232) الخوارج تاريخهم، فرقهم، عقائدهم، ص 4. (1/105)
صفحة 105
1.7
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الأولى من كتابه المتهافت؟، فهذا القول الذي ابتدأ به كتابه المهزوم دليل واضح أنه لم يتبع أخلاق المسلمين ولا مناهجهم في تتبع الحق وقول الصدق، فقد سار هذا الدكتور مع الكذابين وأتى من الأقوال ما نهى عنها الإسلام الحنيف.
وأنت يا أبا الشباب بهذا الافتراء والكذب على الصحابي الجليل وأهل النهروان الكرام تسقط عدالتك عند المسلمين، فليس لك أي مزية على من سبقك من الكتاب الذين وصفت كتاباتهم بأنها تفتقر إلى المنهجية العلمية». فبكذبك المشؤوم يا دكتور يحكم عليك المسلمون برد شهادتك وأقوالك وكل كتاباتك، عقوبة لك على سوء أدبك، فقد قال الإمام الشافعي: «المعروفون بالكذب من المسلمين لا تجوز شهادتهم (233)، وهذا الكذب الذي خطته أناملك أصبح شاهداً عليك، فهنيئاً لك يا دكتور هذه الدركة التي
تدحرجت إليها وسكنت فيها.
(234)
لقد جنيت يا أبا الشباب على نفسك بتقولك على الأبرياء، فعليك التوبة من هذا الزور، وأن تعلن للملأ قول الحق كما نشرت بينهم الأباطيل. وعلى دار الكتب العلمية التي عهدت إليك كتابة افتراءاتك على المسلمين وقامت بنشرها في أوساط المسلمين الوزر العظيم لأنها تعد مشاركة لك في هذا الكذب والدجل.
فهل يا ترى ستقوم دار الكتب العلمية بشيء ضد الكاتب والمكتوب؟ أم ستبقى تنشر هذا الافتراء الممقوت؟
(233) شرح السنة للبغوي، ج 10 ص 124.
(234) قال الدكتور أحمد عوض: «عهدت إليَّ دار الكتب العلمية - مشكورة ـ بتصنيف هذا البحث ... » (الخوارج تاريخهم، فرقهم، عقائدهم، ص 3). (1/106)
صفحة 106
ه ـ وقفة مع الدكتور أحمد عوض أبي الشباب
107
ولم يكن للدكتور في كل صفحات كتابه أي جهد في تحقيق الروايات التي اعتمدها، فحاله هو نفس حال من سبقه من الكتاب، إذ كلهم مشارك في لعبة (الجري (بالتناوب القائمة على الهرولة والنقل للأثقال دون معرفة لما تقله أيديهم من أوزار.
فأول ما نقله الدكتور أحمد عوض في كتابه هو تعريف «الخوارج» من كتاب القاموس المحيط للفيروزبادي حيث نقل عنه قوله: «الخوارج: من أهل الأهواء سموا به لخروجهم على الناس» (235).
انتهى
أخذ
فكتاب الفيروزبادي هو كتاب لغة وليس كتاب أحكام على الناس، فكان ينبغي للدكتور أحمد عوض، وهو يسعى جاهداً لإثبات أحكامه الباطلة، أن يبرهن صحة أقوال الفيروزبادي لا أن يعتمد عليها بلا أدنى تحقيق. وأسلوب النقل من غير تحقيق هو الديدن الذي سار عليه الدكتور أحمد عوض في كل صفحات كتابه عن أهل النهروان الكرام، وهذا فيه الكفاية لإثبات عدم اتباع الدكتور أحمد عوض للمنهج الإسلامي العلمي في كتابة التاريخ، ثم الدكتور في إحالة القارئ إلى الكتب التي نقل منها الأقوال التي سطرها في صفحات كتابه، حيث نقل كثيراً عن الشهرستاني، والأشعري، والحنفي (صاحب كتاب موسوعة الفرق وابن تيمية والبغدادي، والمبرد، والملطي (صاحب كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع)، ونايف معروف، والطبري، والبلاذري وغيرهم، من غير أن تكون له وقفة علمية يستنتج منها ثبوت تلك الأقوال أو بطلانها.
فلو كان نقل الدكتور عن هؤلاء العلماء للتدليل على ما يقولونه عن أنفسهم، وما يعتقدونه من مبادئ وما يسجلونه من تاريخهم، لقلنا: إن
(235) الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، هامش 1 ص 7. (1/107)
صفحة 107
108
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الدكتور قد أحسن في نسبة الأقوال إلى أصحابها من خلال كتبهم وما سجلته أقلامهم.
التي
ولكن الدكتور أحمد عوض في حديثه عن أهل النهروان والإباضية اتخذ الأقوال الباطلة التي وجدها في الكتب حجة يبرر بها مقولته الساقطة نسبت أهل النهروان إلى رحم اليهودية والعياذ بالله. وهذا الذي أقدم عليه الدكتور أحمد عند النقل من الكتب الماضية من غير إثبات هو عين الافتراء الممقوت، والاعتداء على المسلمين، والخرق الواضح لأخلاق الإسلام ومبادئه.
وقد نبهنا علماء الإسلام إلى التثبت مما في كتبهم قبل أن ننسبها إليهم ونحتج بها فها هو العلامة ابن تيمية يقول: « ... وأقوال الخوارج إنما عرفناها
من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب مصنف (236).
أما
يكفي قول العلامة ابن تيمية هنا لكي يقوم الدكتور أحمد عوض
(237)
(238)
والدكتور ناصر العقل وناصر السعوي وغيرهم لتتبع كل الأقوال والأحكام التي سطرها ابن تيمية في كتبه عن أهل النهروان ومن أطلق عليهم خوارج قبل إعادة تدويرها وتكرارها ونشر عدواها في أوساط المسلمين؟ فقول ابن تيمية هنا دعوة للجميع لتتبع ما نقله الناس عن أهل النهروان، ولكن الدكتور أحمد عوض والدكتور ناصر العقل ومعهم ناصر السعوي قد
(236) مجموع الفتاوى الكبرى، ج 13/ ص 49. (237) لقد أسهب الدكتور العقل في النقل من كتب ابن تيمية من غير محاولة لإثبات ما نقله، انظر (الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، ص 23، 24، 25، 26، 31 ... ).
(238) وكذلك ناصر السعوي لم يحفل بما نبه عليه العلامة ابن تيمية هنا، فقد وجدناه ينقل كثيراً من أقواله عن الخوارج من غير محاولة لإثباتها من مصادرها انظر (الخوارج دراسة ونقد
لمذهبهم،
ص
( ... 53، 27،12،8 (1/108)
صفحة 108
ه - وقفة مع الدكتور أحمد عوض أبي الشباب
1.9
تقاصرت هممهم ونسبوا إلى ابن تيمية ما لم يؤكده من مصادره الصادقة فأين مبادئ المنهج الإسلامي من هؤلاء الكتاب؟
ولله الحمد والمنة فقد طبقنا دعوة العلامة ابن تيمية في بحوثنا عن أهل النهروان من خلال تتبع روايات الناس وأقوالهم عنهم، ووزنا تلك الأقوال بميزان الإسلام. فكانت النتيجة أن عرفنا أن ما نسبه الناس إلى أهل النهروان من مخالفات شرعية كلها باطلة، وكذب روج له الكذابون ومن سار على
شاكلتهم.
فهل سيقوم أتباع ابن تيمية بإنصاف مناهج الأمة وتطبيق ما سجله العلامة ابن تيمية من دعوات في واقع الكتابة؟
وكذلك ما قاله الإمام الطبري في مقدمة تاريخه: « ... فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا؛ وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا
(239)
وهذه دعوة الإمام الطبري للقراء أن يسعوا إلى إثبات الأقوال المسطرة في تاريخه، فما للذين افتروا على أهل النهروان لا يحملون لهذه العبارة أي
قيمة؟، وما لهم ينسبون إلى الإمام الطبري الأقوال التي لم يؤكدها بنفسه؟
فواجب علينا تتبع الأقوال التي ذكرها الإمام الطبري في تاريخه قبل أن ننسبها إليه وقبل أن نحتج بها في مجادلاتنا، فهل يعي الدكتور أحمد عوض
ومن سار على شاكلته، ممن ينقل من تاريخ الإمام الطبري، هذا الواجب
الأخلاقي والمنهجي؟
(239) تاريخ الطبري، ج 1 ص 13. (1/109)
صفحة 109
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
والمتتبع للكتب والدراسات التي روج فيها أصحابها للأباطيل على أهل النهروان والإباضية يجدها تخلوا من التطبيق لأسس منهج كتابة التاريخ. ففي الوقت الذي يجد فيه القارئ اهتمام الكُتّاب بالنقل للروايات من كتب التاريخ، فإنه ـ أي القارئ - لا يجد أدنى محاولة لإثبات تلك الروايات من قبل الكتاب.
والسبب في عدم تحقيق الكتاب المتطاولين على أهل النهروان والإباضية للروايات التي ينقلونها أو يشيرون إليها هو خوفهم من افتضاح أمرهم أمام القراء العارفين؛ ولأنهم على علم أن النتائج ستكون دامغة لترهاتهم التي توارثوها وسعوا لنشر عدواها في أوساط المسلمين، ولأن النتائج ستكون قطعاً، وبلا أدنى شك، لصالح أهل النهروان والإباضية وهذا الذي سيفوت عليهم مقاصدهم المذمومة في تشويه سمعة أهل النهروان والإباضية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وفي الصفحات الآتية من هذا البحث سنبين بالأدلة الدامغة بطلان الروايات التي اعتمد عليها الدكتور أحمد عوض والدكتور ناصر العقل وناصر السعوي والدكتور هانئ سليمان الطعيمات وغيرهم في نسبة الأباطيل إلى أهل النهروان، وسيدرك القارئ السبب الذي لأجله أهمل هؤلاء الكتاب مناهج الإسلام عند افتراءاتهم على الإباضية. (1/110)
صفحة 110
1 - حكاية ذي الخويصرة
حكاية ذي الخويصرة
فأدعوك أخي القارئ الكريم إلى قراءة الفصل السادس من كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، ففيه أقوال علماء الإسلام الذين لم ترتضهم أحوال الرجال الذين نقلوا لنا أخبار ذي الخويصرة.
فيا عجباً ممن جعل أحكامه على الناس مبنية على روايات ضعيفة، وفوق ذلك يأتي ليتشدق ويقول بلا استحياء إن الإباضية خوارج!!!. فليعلم الدكتور أحمد عوض، والدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل وناصر بن عبد الله السعوي والدكتور هانئ سليمان الطعيمات أن التنطع في العلم لا يورث إلا خفة في العقل واضطراباً في السعي، وتيها في بيداء مظلمة لا معالم لها. فهل سنرى هؤلاء الكُتّاب ومن شايعهم في مصاف العاملين بصدق وأمانة أم سيبقون في تيار الضعفاء والكذابين؟
فأول مشهد في مسرحية الضعفاء التي مثلوها لتعبر عن أرائهم حول أهل النهروان هو مشهد شخص وصفوه بـ ذي الخويصرة ونسبوا إليه أقوالاً فيها سوء أدب أمام مقام النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام. وجاؤوا نقلتها كتب الحديث، وقد كان لنا نقاش لتلك الروايات الحديثية
بروايات
(240)
جميع
(240) الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص 29 - 45. كان ينبغي لناصر السعوي مناقشة الروايات التي سطرها في كتابه إن كان بحق يريد أن يقدم للأمة الإسلامية الطاهرة = (1/111)
صفحة 111
112
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
التي احتج بها الكتاب على أهل النهروان في كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، فأدعو القراء إلى مراجعة الفصل السادس من الكتاب المذكور.
وقلتُ في بداية الفصل السادس ما نصه: ليس هناك من متعلق لأحد في الروايات الصحيحة التي لم تذكر أهل النهروان بالنص أو بالإشارة.
-
والروايات التي سأذكرها هنا ـ الصحيح منها والضعيف ـ لم تذكر أحداً ولكن بعضها حددت الخصال والأعمال التي بها يكون الإنسان مارقاً وخارجاً عن دين الله تعالى.
والذين يحملون هذه الروايات على أهل النهروان عليهم أن يأتوا لنا بالدليل الصحيح القاطع الذي يخصص هذه الروايات ويجعل معناها في أهل النهروان.
وأنت يا أخي القارئ الكريم إذا أمعنت النظر في هذه الروايات ستجد أن الذين حملوا معناها في أهل النهروان لم يكن لهم من دليل على ذلك إلا روايات تاريخية باطلة أو روايات ضعيفة من كتب الحديث». انتهى
والروايات التي صرحت باسم ذي الخويصرة)، وسخرها الكتاب في طعنهم لأهل النهروان هي:
«دراسة»، ونقداً بالمعنى الذي يفهمه المسلمون. والحق يقال إن المسلك الذي سلكه ناصر السعوي ومن شاكله هو نفس المسلك الذي اتبعه المستشرقون من اليهود والنصارى عند كتاباتهم عن الإسلام، فالمستشرقون يَدَّعون أنهم أتوا بدراسات على قواعد علمية ولكنهم بعدوا كل البعد عن الدراسات العلمية وأخذوا في الترويج للضعيف والباطل من الأقوال تماماً كما يفعل ناصر السعوي ومن شاكله، والعياذ بالله. (1/112)
صفحة 112
1 - حكاية ذي الخويصرة
113
(أ)
صلاته، وصيامه مع صيامه،
قال الإمام البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله، فقال: (ويلك، من يعدل إذا لم أعدل). قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: دعه فإن له أصحابا، يحقر أحدكم صلاته مع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه، مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن عليا قتلهم، وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فنزلت فيه {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِرُكَ فِي الصَّدَقَتِ} [التوبة: 58]».
نعته
يوجد فيه
هذه الرواية التي جاءت من طريق عنعنة الزهري أخرجها الإمام البخاري (24)، (242) عاصم (243)،، وابن أبي عاصم (43)، وابن أبي شيبة (244)، والإمام أحمد (245).
والنسائي
قال ابن حجر في (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس): «محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ... وصفه الشافعي
(241) صحيح البخاري، الرواية: 6933، ص 1225 - 1226، والرواية: 6163، ص 1104. (242) السنن الكبرى للنسائي، الرواية: 8561، ج 5/ ص 159 ـ 160. وجاءت هذه الرواية أيضاً في (السنن الكبرى للنسائي الرواية 11220، ج 6 / ص 355).
،11220
(243) السنة لابن أبي عاصم الرواية: 956، ج 2 ص 640، والرواية: 957، ج 2 ص 641.
(244) مصنف ابن أبي شيبة الرواية 37932، ج 7 / ص 562.
(245) مسند الإمام أحمد، الرواية: 11558، ص
815 - 816 (1/113)
صفحة 113
114
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(246)
والدارقطني وغير واحد بالتدليس، وقد عد ابن حجر الزهري ضمن أفراد المرتبة الثالثة من المدلسين، الذين عَرَّفهم بقوله: «من أكثر من التدليس فلم الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي
يحتج
(247)
وبهذا السبب فلا ترقى هذه الرواية لدرجة القبول عند من طبق مناهج الأمة في تقييم روايات المدلسين.
وهناك تطبيقات وجدناها عند المحققين لكتاب المطالب العالية فيها التصريح بعدم قبول عنعنة الزهري، حيث قال المحققون في تعليقهم على روايات أوردها ابن حجر في كتاب المطالب العالية: «وإسناده ضعيف من أجل عنعنة الزهري» (248).
وقولهم: وفيه عنعنة، الزهري، وهو معدود ضمن أصحاب المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين الذين لا يقبل حديثهم إلَّا إذا صرحوا بالسماع
وقولهم: «وفي إسناده الزهري وقد عنعن، فالإسناد (ضعيف)
(250)
(249)
فإن قيل: إن رواية (ذي الخويصرة جاءت أيضاً من طريق أخرى فيها تصريح الزهري بالسماع من شيخه أبي سلمة، قلنا: إن تلك الرواية جاءت وفي سندها أبو اليمان، ولعلماء الجرح مقال في روايته عن شيخه شعيب بن أبي حمزة.
(246) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 102، ص 45. (247) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص 13.
(248) المطالب العالية، ج 11/ هامش ص
237
(249) المطالب العالية، ج 11/ هامش ص 249.
(250) المطالب العالية، ج 11/ هامش ص 662. وانظر أيضاً المطالب العالية، ج 11/ هامش
ص 294، ج 11/ هامش ص 232، ج 11 هامش ص 299، ج 11 هامش ص 535، ج 11/
هامش ص 668، ج 11/ هامش ص 872، ج 16 هامش ص،
،229
2، ج 11/ هامش ص 141). (1/114)
صفحة 114
1 - حكاية ذي الخويصرة
115
قال الإمام البخاري: «حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري له قال بينما نحن
أخبرني
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة ... » ثم ذكر نحو
الرواية السابقة.
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري
طريق أبي اليمان.
(251) 6
والبيهقي في سننه الكبرى (252)
من
فأبو اليمان هو الحكم بن نافع البهراني مولاهم.
(253)
قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن أبي اليمان فقال: أما حديثه عن صفوان وحريز فصحيح، قال وهو يقول: أخبرنا شعيب، واستحل ذلك بشيء. قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عسراً جداً، وكان علي بن عياش سمع منه، وذكر قصة لأهل حمص أراها أنهم سألوه أن يأْذَنَ لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا. ثم كلموه، حضر ذلك أبو اليمان فقال لهم: تلك الأحاديث. فقلت لأبي عبد الله: مناولة؟ قال لو كان مناولةً كان لم يعطهم كتباً ولا شيئاً، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إنَّ أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُب شعيب مني بَعْدُ، وهو يقول: أخبرنا. وقال المفضل بن غسان، عن يحيى بن معين سألت أبا اليمان عن حديث شعيب ابن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة المناولة لم أخرجها لأحد ... وقال
ارووا عني
(251) صحيح البخاري الحديث: 3610، ص 641.
(252) السنن الكبرى للبيهقي، الحديث: 16702، ج 8/ ص 296.
(253) أنت ترى أن أبا اليمان في هذه الرواية يقول «أخبرنا شعيب ... ».
قال أحمد محمد شاكر: «وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله (حدثنا فلان) أو (أخبرنا فلان)! وأنكر ذلك العلماء، ولم يجزه ه أحد يعتمد عليه، بل هو من الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين وترد روايته الباعث الحثيث شرح اختصار
علوم الحديث، هامش ص
(97
6 (1/115)
صفحة 115
116
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
شعيب بن عمرو البردعي عن أبي زرعة الرازي: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً والباقي إجازة ...
قلت [ابن حجر] وقال الآجري، عن أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من
شعيب إلا كلمة)
(254)
وكذلك جاءت رواية أخرى وفيها تصريح الزهري بالسماع من شيخه سلمة، ولكن هذه الرواية كسابقتها لم يسلم سندها من التضعيف، فقد جاءت من طريق يونس بن يزيد بن أبي النجاد عن ابن شهاب وكذلك من طريق حرملة بن يحيى بن عبد الله وأحمد بن عبد الرحمن الفهري.
قال الإمام مسلم: «حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، ح وحدثني حرملة بن يحيى، وأحمد بن عبد الرحمن الفهري، قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك الهمداني، أن أبا سعيد الخدري، قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة ... » ثم ذكر نحو الرواية السابقة.
(255) أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (255)، وابن حبان (256)، والنسائي) فيونس: هو ابن يزيد بن أبي النجاد.
(257)
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله فإبراهيم بن سعد فقال: وأي شيء قلة روايته أقل خطأ من يونس. قال
روى إبراهيم عن الزهري إلا أنه
في
(254) تهذيب التهذيب ت: 1539، ج 2 ص 395 - 397.
(255) صحيح مسلم، الرواية: 148،
ص
0449
(256) صحيح ابن حبان، 6741، ج 15 ص 140.
،
(257) السنن الكبرى للنسائي الرواية: 8560، ج 5/ ص 159. (1/116)
صفحة 116
1 - حكاية ذي الخويصرة
117
ورأيته يحمل على يونس ... وقال لم يكن يعرف الحديث وكان يكتب أرى أول الكلام فينقطع الكلام فيكون أوله عن سعيد وبعضه عن الزهري
فيشتبه عليه ...
وقال أبو زرعه الدمشقي سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث يونس عن الزهري منكرات ...
وقال الميموني سئل أحمد من أثبت في الزهري قال: معمر. قيل فيونس قال: روى أحاديث منكرة ... وقال ابن سعد كان حلو الحديث كثيره وليس بحجة ربما جاء بالشيء المنكر ...
(258)
حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة التجيبي، أبو حفص.
عبد الله
قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن عدي: سألت الفرهاداني أن يملي عليّ شيئاً عن حرملة، فقال: هو ضعيف ... » (259).
أحمد بن عبد الرحمن الفهري ... ابن أخي عبد الله
بن
«أكثر عن عمه، وروى عن الشافعي ... وعنه: مسلم، وابن خزيمة ...
محمد
وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أدركناه ولم نكتب عنه ... وقال ابن عدي: رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه، ومن كتب عنه
من الغرباء لا يمتنعون من الرواية عنه ....
):
(258) تهذيب التهذيب ت: 8244، ج 11/ ص 393 - 394. (259) ميزان الاعتدال ت: 1783، ج 1 ص 472 - 473، ومما قاله الإمام الذهبي: يكفيه أن ابن معين قد أثنى عليه، وهو أصغر من ابن معين. قال عياش عن ابن معين، قال: شيخ حرملة أعلم الناس بابن وهب». هذا، حتى ولو اعتبر هذا القول الذي ذكره الإمام الذهبي فتبقى الرواية لا يحتج بها لورودها من رواية يونس بن يزيد بن أبي النجاد
بمصر يقال له
عن الزهري. (1/117)
صفحة 117
118
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال ابن عدي: ومَنْ ضعفه أنكر عليه أحاديث وكثرة روايته عن عمه ... وقال أبو سعيد بن يونس توفي في شهر ربيع الآخر سنة (264)، ولا تقوم بحديثه حجة ... وقال أحمد بن صالح: بلغني أن حرملة يحدث بكتاب الفتن عن ابن وهب، فقلت له في ذلك، وقلت: لم يسمعه من ابن وهب أحد، ولم يقرأه على أحد، قال: فرجع من عندي على أنه لا يفعل، ثم بلغني أنه حدث به بعد. وقال: فقيل للبوشنجي إن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدّث به عن ابن وهب قال: فهذا كذَّاب إذاً (360). وقد عده النسائي من الكذابين (26).)
(ب)
وجاءت رواية أخرى في موضع آخر من صحيح مسلم، من طريق أبي الزبير محمد بن مسلم الأزدي.
قال الإمام مسلم: «حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس فقال يا محمد اعدل ... ثم ذكر الرواية السابقة من غير ذكر لاسم الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم ما سجل هنا.
(262)
أخرج الإمام مسلم (32) وابن ماجة) (263) هذه الرواية من طريق أبي الزبير
«عن جابر.»
(260) تهذيب التهذيب: ت: 75، ج 1/ ص 49 - 51.
(261) الضعفاء والمتروكين للنسائي: ت: 71 المجموع في الضعفاء والمتروكين ص 62.
(262) صحيح مسلم، الرواية: 142، ص،
0448
(263) سنن ابن ماجة الحديث: 172، ص 41. (1/118)
صفحة 118
1 - حكاية ذي الخويصرة
119
))
أبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير قلت لأبي يضعفه؟ قال نعم. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير أي كأنه يضعفه. وقال هشام بن عمار عن سويد بن عبد العزيز قال لي شعبة تأخذ عن أبي الزبير وهو لا يحسن أن يصلي؟ وقال نعيم بن حماد سمعت هشيماً يقول سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزقه ... وقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء قلت لشعبة ما لك تركت حديث أبي الزبير قال رأيته يزن ويسترجح في الميزان وقال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول أبو الزبير يحتاج إلى دعامة ... وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق وإلى الضعف ما هو وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير فقال: يكتب حديثه ولا يحتج به وهو أحب إلي من سفيان ...
عن
قال شعبة لم يكن في الدنيا أحب إلي من رجل يقدم فاسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله مسألة فرد عليه فافترى عليه فقال له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم، قال: إنه أغضبني قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويت عنك شيئاً ... » (264).
«وأما أبو محمد بن حزم فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه: «عن» جابر ونحوه، لأنه عندهم ممن يدلس؛ فإذا قال: سمعت وأخبرنا احتج به ويحتج به ابن حزم إذا قال: «عن مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة ...
(264) تهذيب التهذيب ت: 6580، ج 9/ ص 380 - 382.
(265) ميزان الاعتدال، ت: 8169، ج 4 / ص 37.
(265) (1/119)
صفحة 119
120
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال الذهبي: «وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، وهي عن غير طريق الليث عنه، ففي القلب
منها شيء»
(266)
وأنت ترى أيها القارئ أن أبا الزبير لم يصرح في هذه الرواية بالسماع من جابر بل عنعن فيها عنه وهذا يكفي لإسقاط الاحتجاج بها، كذلك كون هذه الرواية لم تحدد قوماً بذاتهم فمن القول بلا دليل حمل مدلولها على أهل النهروان.
(267)
(ج)
وجاءت هذه الرواية التي ذُكر فيها (ذو الخويصرة) بسند ضعيف عند الإمام الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي. قال الإمام الذهبي: محمد بن حميد الرازي ... ضعيف ... وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو زرعة: يكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن ابن الشاذكوني
(266) ميزان الاعتدال، ت: 8169، ج 4 / ص 39.
(268)
(267) قال الإمام الطبري: حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبو عبيدة بن محمد، عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعليه بيده فقلنا: له هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين؟، قال: نعم، أقبل رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم! فقال رسول الله: أجل، فكيف رأيت؟ قال: لم ارك عدلت فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ». وقال الإمام الطبري أيضاً: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي مثل ذلك، وسماه ذا الخويصرة التميمي». (تاريخ الطبري، ج 2 ص 176). (268) المغني في الضعفاء، ت: 5449،
ج 2/ 0
0573 (1/120)
صفحة 120
1 - حكاية ذي الخويصرة
121
فإن قيل: إن هذه الرواية التي جاءت في تاريخ الإمام الطبري هنا قد جاءت أيضاً عند ابن أبي عاصم في كتاب (السنة) من طريق محمد بن إسحاق بن يسار، قلنا: إن تلك الرواية لا حجة فيها لأحد لكون محمد بن إسحاق قد
اضطرب في روايتها؛ فمرة يرويها بالعنعنة ومرة يرويها بصيغة التحديث.
1 ـ قال ابن أبي عاصم: «حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، ثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم أبي القاسم، عن عبد الله بن عمرو، وعن محمد بن علي بن حسين، وعن عبد الله بن أبي نجيح، أنه قال: تكلم يومئذ رجل لم يسمه إلا محمد بن علي، قال: هو ذو الخويصرة رجل من بني تميم، فقال: يا محمد فقد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل فكيف رأيت؟» فقال: لم أرك عدلت. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من؟ فقال: المسلمون يا رسول الله أفلا نقتله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه، فإنه سيكون له شيعة يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يجد شيئا، ثم ينظر في القدح فلا يوجد شيء، ثم ينظر في الفوق فلا يوجد شيء، سبق الفرث والدم
(269)
2 ـ قال ابن أبي عاصم: حدثنا محمد بن منصور، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: ... (270).، ثم ذكر الرواية.
أبي
(269) السنة لابن أبي عاصم الرواية: 962، ج 2 ص 644.
(270) السنة لابن أبي عاصم الرواية: 963، ج 2 ص 645. وجاءت هذه الرواية بهذا السند أيضاً في مسند الإمام أحمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبو عبيدة بن بن عمار بن ياسر ر، عن مقسم أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل،
محمد
قال: ... » (مسند الإمام أحمد، الرواية: 7038، ص 534). (1/121)
صفحة 121
122
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقد عد أحمد عمر بازمول في كتاب (المقترب في بيان المضطرب) محمد بن إسحاق بن يسار ضمن الموصوفين بالاضطراب بقيد
(271)
(27) الذين وصفهم
وعده ابن حجر ضمن المرتبة الرابعة من المدلسين بقوله: «من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل» (273).
فكما نرى من هاتين، الطريقين فإن محمد بن إسحاق بن دينار ينقلهما بالعنعنة عن شيخه كما في الطريق الأولى، وبالتحديث عن نفس الشيخ كما في الطريق الثانية. وبما أن الرواة الذين نقلوا كلتا الطريقين عن ابن إسحاق تقبل رواياتهم، فإنه يصعب الترجيح بين هاتين الطريقين، فهنا يحكم على سند هذه الرواية الذي يدور حول ابن إسحاق بالاضطراب (274)، لكون ابن إسحاق المدلس، الذي لا تقبل عنعنته، قد اضطرب في أدائها؛ فتارة يرويها بالعنعنة، وتارة يرويها بالتحديث
(271) المقترب في بيان المضطرب، ت: 203/ 38،
ص
414
(272) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 125، ص 51، قال ابن حجر: «محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني صاحب المغازي صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم، وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما». (273) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص 14.
(274) قال ابن الصلاح المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان. إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه. ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث. وقد يقع في الإسناد وقد يقع ذلك من راو واحد. وقد يقع من رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط والله أعلم) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، ص 124). (1/122)
صفحة 122
1 - حكاية ذي الخويصرة
123
من كل ما سبق أعلاه، يتبين لنا أن كل الروايات التي جاء فيها ذكر (ذي الخويصرة لا أساس لها من الصحة، ولا قيمة لها في ميزان الأمة، وهذا حكم نطق به منهج الإسلام الذي ينبغي للجميع الإذعان له. فهل سيستفيد الدكتور أحمد عوض من علم علماء الأمة أم أنه سيواصل الافتراء على أهل الحق والاستقامة؟
ولقد سبق لنا أن تحدثنا عن شخصية (ذي الثدية) في كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، فأدعو القارئ الكريم مراجعة القسم الأول من الفصل الخامس من الكتاب الذكور.
فحينما ندرس أي رواية فلا بد لنا أن نعرض متنها على الأسس والمبادئ التي نادى بها الإسلام، ومما تعارف عليه علماء الحديث هو أن صحة الإسناد ليس وحده المرجح للرواية والداعي لقبولها، بل لا بد من النظر في المتن، وعرض الرواية على ما ثبت من الأدلة.
قال العلامة ابن تيمية: كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان فرب زيادة لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك، ومن مارس هذا الفن لم يكن يخفى عليه مواقع ذلك، ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل وطرق تسلك ومسالك تطرق
(275)
وقال الإمام ابن كثير: (والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن إذ قد يكون شاذاً أو معللاً. (276).
هو
ومما رسخ في عقول المسلمين أن ميزان التقرب إلى الله تعالى الإيمان الصادق والعمل الصالح. وجاءت العقيدة الإسلامية لتعمق في قلوب
(275) علم الحديث لابن تيمية، ص 39.
(276) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص
37 (1/123)
صفحة 123
124
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(277)
الناس أن كل خلق الله حسن، وأن الله تعالى لا ينظر إلى الأشكال والألوان ولكنه ينظر إلى الأعمال الصالحة والقلوب الطاهرة.
وجاء عند أبي داود الطيالسي رواية صحيحة تعمق هذا الفكر في
عقول المسلمين وتستأصل الشعور بالفوارق الجسدية التي تظهر على أفراد
جنس البشر.
قال الطيالسي
(278): حدثنا شعبة
الصامت (281)
(279)
عن أبي عمران.
(280)
سمع عبد الله بن
عن أبي ذر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسمع وأطيع ولو لعبد
حبشي مخدج الأطراف».
فالرسول الكريم حسب رواية الطيالسي لم يحذر أبا ذر له من مخدج الأطراف بل أمره بالسمع والطاعة له في حدود شرع الله، وهذه النصيحة النبوية كان لها الأثر العميق في حياة ذلك الجيل الطاهر الزكي الذي شرفه الله تعالى بأن جعله قدوة حسنة لأجيال المسلمين المتعاقبة إلى يوم الدين. فوجود مخدج الأطراف من بين بعض الناس ليس فيه دليل على فساد
(277) هذا جزء من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (الرواية: 7240 و 7241، ج 7/ ص 315 ـ 316) والحميدي في المسند (الرواية: 810، ج 2 ص 354).
،
(278) مسند أبي داود الطيالسي الرواية: 453، ج 1 ص 361. (279) «شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة، حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابداً، من السابعة». (تقريب التهذيب، ت: 2798، ج 1/
ص 418).
(280) «عبد الملك بن حبيب أبو عمران الجوني ... عن يحيى بن معين أنه قال: أبو عمران الجوني ثقة نا عبد الرحمن قال سألت أبى عن أبي عمران الجوني فقال: صالح». (كتاب
الجرح والتعديل، ت: 1636، ج 5/ ص 346). (281) «عبد الله بن الصامت الغفاري البصري ثقة
من الثالثة». (تقريب التهذيب، ت: 3402، ج 1/
(502 (1/124)
صفحة 124
1 - حكاية ذي الخويصرة
125
مسلكهم، لأن هذا مخالف تمام المخالفة لروح الإسلام ومعارض لما أرشدت إليه رواية الطيالسي الصحيحة السابقة.
كل ما سبق حول روايات (ذي الخويصرة) و (ذي الثدية) يُلخص في
الآتي:
أولاً: كل الروايات التي حملتها جعبة الدكتور أحمد عوض وغيره لا تربطها بالإسلام أي رابطة؛ فهي باطلة سنداً ومتناً بشهادة علم الجرح والتعديل، كما تبين أعلاه.
ثانياً: التفاضل بين الناس في الإسلام مبني على التقوى والعمل الصالح، وليس على صور الأجساد وهيئة الخلقة، فكل خلق الله حسن)، وما عرضته هذه الروايات من أقوال حول ذي (الثدية لا يربطها بمبادئ الإسلام أي
رابطة (282)
والذي نريد أن نؤكده هنا هو أن الكتاب، الذين تحاملوا على أهل النهروان، حينما عجزوا عن إثبات المخالفات الشرعية المنسوبة ظلماً وزوراً إلى ساحة أهل النهروان الكرام أخذوا بسبك أفكار لا صلة لها بالإسلام، وجعلوها دليلهم وحجتهم في النيل من أهل النهروان. ونريد أن نؤكد أيضاً أنه من الواجب على كل مسلم أن يضع مبادئ الإسلام هي الدليل والحجة عند تقييم العاملين في هذه الدنيا، لا أن تُتخذ صور مخلوقات الله تعالى الدليل عند الحكم على البشر. فوجود شخص له أطراف غير مكتملة النمو في أوساط البشر، في الماضي والحاضر والمستقبل، ليس بمقياس عادل في الحكم على معتقدات الشعوب والأمم
(282) فليس من محاور هذا البحث ذكر رحمة الإسلام بأصحاب العاهات الذين خلقهم الله تعالى مشيئته، فهذا مجال واسع، وقد أسهب كثير من الكتاب في الحديث عنه. (1/125)
صفحة 125
126
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وسلوكها، وليست صور مخلوقات الله تعالى مقياساً يحدد للبشرية قواعد اشتباكهم وأسباب شجارهم.
وبهذا يتبين لكل من طبق علوم الأمة الإسلامية التي سطرها علماء الإسلام في كتبهم أن روايات ذي الخويصرة وروايات (ذي الثدية)، الضعيفة سنداً ومتناً، لا قيمة لها في ساحات الفكر الإسلامي ووقائع التاريخ، وذلك لمخالفتها للمقاييس التي أتى بها شرع الله في تقييم الناس ومعرفة قربهم وبعدهم من تعاليم الإسلام.
وحينما غاب التطبيق العملي لعلم الجرح والتعديل، تسابق الكتاب في نسبة (ذي الخويصرة إلى أهل النهروان واستخرجوا من تلك الروايات الضعيفة أوصافاً باطلة ولمزوا بها الأبرياء، فها هو الدكتور أحمد معيطة ينقل لنا ما استخرجه الكُتّاب من روايات ذي الخويصرة) الضعيفة، حيث قال: «نسوق هذه الروايات لأن بعض الباحثين المحدثين اعتبر أن هذا الرجل الذي اعترض على النبي (قد مثل باعتراضه التشدد والتعصب اللذين كانا من أهم مميزات الخوارج أول ظهورهم، وهذا الخروج على الإمام اعتراضاً على سياسته يشابه في كثير خروج الخوارج على علي لسخطهم على سياسته) وعلى الرغم من هذا التشابه بين شخصية هذا الرجل وشخصية الخوارج فيما بعد، فإن سهير القلماوي لا تعتبره خارجياً وكل ما يمكن قوله إنه (كان متشبعاً بذلك الروح الذي دفع إلى تكوين الحزب الخارجي)
(283)
ونحن المتبعون لمناهج الأمة نقول لهؤلاء الكتاب الذين أشار إليهم الكاتب: أن ما بني على باطل فهو باطل، وما شيد على أسس ضعيفة ينهار فوق بانيه والحمد لله رب العالمين.
(283) الإسلام الخوارجي قراءة في الفكر والفن ونصوص مختارة، ص 14. (1/126)
صفحة 126
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
الدكتور هاني سليمان الطعيمات
وخرافة ابن سبأ اليهودي
127
وفي نهاية كلامه الذي وجهه للإباضية قال الدكتور هاني سليمان الطعيمات ما نصه: «إن من الواجب على كل الكتاب الإسلاميين وعلى اختلاف مذاهبهم التحرر من عقدة الشعور بالأفضلية، وإعطاء كل ذي حق حقه وفق موازين منطقية علمية بعيدة عن تكرار أقوال المتعصبين من القدامى
الذين عاشوا أجواء مشحونة بصراعات مذهبية وخلافات فلسفية (284).
فالذي وجدناه في كتاب الدكتور هاني سليمان الطعيمات من أقوال وأحكام يناقض هذا القول الذي سطره هنا؛ فهو لم يتحرر من عقدة الشعور بالأفضلية، إذ عزز شعوره بأقوال باطلة متهافتة نطقت بها أفواه الكذابين والضعفاء من المؤرخين والرواة.
وقد استنتج الدكتور هاني سليمان الطعيمات استنتاجات باطلة من خلال قراءات سطحية في بعض الكتب الإباضية من غير ربط لها بالأسس الثابتة التي عليها الفكر الإباضي، والتي سجلها علماء الإباضية في واقع التاريخ قولاً وعملاً، لهذا فهو قد ابتعد كل البعد عن الموازين العلمية، وكرر «أقوال المتعصبين من القدامى وجاء بنظريات فلسفية تمجها قواعد العلم عند المسلمين.
(284) الإباضية مذهب لا دين ص
186 (1/127)
صفحة 127
128
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولقد برر الدكتور هاني سليمان الطعيمات استنتاجاته وأقواله عن الإباضية، بذكر تصوراته حول المنهج الذي اتبعه عند الكتابة، فمما قاله حول منهجه وتصوراته: «ودعوى نفي صلته بالخوارج، تحمل في طياتها التشكيك في هذه الكتب والتشكيك فيها يعنى هدم علم الجرح والتعديل أساسه) (285). من
أن
فهذا الكاتب يحاول قلب الأمور رأساً على عقب؛ فهو بفلسفته يرى هدم علم الجرح والتعديل يتحقق بالشك في ما كُتب في كتب التاريخ، فلهذا يعلن للجميع وكأنه يقول لهم: إن الشك في ما كتب على أهل النهروان والإباضية يعني هدم علم الجرح والتعديل من أساسه»!!!. وبهذا المنطق التخويفي ينطلق المغرضون وأصحاب الأهواء في مخاطبة الجماهير التي تنقاد بكل سهولة بمثل هذه العواطف الجوفاء الخالية من أدلة علمية
هو
أدلة علمية وحجج
عقلية.
فعلى الدكتور هاني سليمان الطعيمات أن يعلم أن علم الجرح والتعديل أحد تلك العلوم التي قضت على الدعوى الجائرة التي نسبت أهل النهروان والإباضية إلى الخوارج، فهو السلاح الذي أجهد علماء الإسلام أنفسهم في شحذه، واستلمه المخلصون من أبناء الإسلام للدفاع عن قيم الإسلام ومبادئه وإظهار الحق ولو كره الكذابون وأذنابهم.
فعلم الجرح والتعديل، هو القاضي على كل الشكوك، إذا استلمته أيد أمينة قوية تعرف كيف تضع المقصل على المفصل، لا أن تهدم أسسه بشكوك يثيرها المبطلون كما يدعي هذا الدكتور
فعلى الدكتور هاني سليمان الطعيمات أن يدرك أن أقواله لا وزن لها مع حضور علم الجرح والتعديل لأنهما ضدان وما نادى به هنا لا يقره
(285) الإباضية مذهب لا دين ص
119 (1/128)
صفحة 128
- الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
129
منصف يُجِّلُ علوم الأمة ويقدر شأنها وهيمنتها على مناهج الكتابة في
ميادين المعرفة.
«هذا
الأمة،
ومما قاله الدكتور هاني سليمان الطعيمات للذين طبقوا علوم وخاصة علم الحديث، عند دراستهم لما نسب إلى أهل النهروان والإباضية: وإنني أشفق على هؤلاء الباحثين وأمثالهم لإضاعتهم جهدهم العلمي في محاولة قلب الحقائق التاريخية بالتشكيك في رواياتها تارة، وبتفسيرها بما يتفق وأهدافهم تارة أخرى، وفي محاولة إخفاء بعض الأمور التي تنقض ما يريدون إثباته» (286).
هنا يظهر الدكتور شفقته على الإباضية لأنهم حسب فهمه الفاسد يقلبون الحقائق التاريخية، ويشكون في رواة تلك الروايات التي نسبتهم إلى الخوارج، وأن أهداف الإباضية هي التي تقودهم إلى التفسير، وإخفاء الأمور التي تناقض ما يريدون إثباته ...
نقول لهذا الدكتور بل أشفق على نفسك؛ فقد جنيت عليها بالافتراء على المسلمين وبلمزهم بما هم منه براء.
ونقول لهذا الدكتور: لقد تجنيت على مناهج البحث عند المسلمين كافة، فنجدك تجعل أقوال الكذابين والضعفاء والمجهولين هي الأصل، وأن محاولة ردها بعلم الجرح والتعديل تعده تشكيكاً ويراد منها قلب الحقائق العلمية!!!. وهذا القول الذي قاله الدكتور هاني سليمان الطعيمات لا يربطه بمناهج البحث عند المسلمين أي رابط فكان ينبغي له أن يحث المسلمين على دراسة الروايات دراسة علمية، وأن يظهر لهم الاحترام والتقدير على جهودهم، لا أن يتهمهم بقلب الحقائق والتشكيك في
الروايات.
(286) الإباضية مذهب لا دين ص
119 (1/129)
صفحة 129
130
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولقد ركز الدكتور هاني سليمان الطعيمات كثيراً على الأحداث التاريخية التي شهدتها الساحة الإسلامية في عهد الصحابة الكرام من غير دراسة لتلك الروايات التي حدثته بما تفوه به.
ومما قاله الدكتور هاني سليمان الطعيمات: «أغفل الإباضية القدامى منهم والمحدثون على حد سواء، ذكر الرواية التاريخية التي تثبت دور ابن سباً اليهودي في الفتنة التي حصلت بتنقله في بلدان المسلمين وتأليبه الناس على عثمان (رضي الله عنه، فقد جاء في تاريخ الطبري في عنه) أحداث سنة خمس وثلاثين ... فيما كتب به إليّ السّري عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء ... » (287).
لو فكر هذا الدكتور قليلاً في هذا السند الذي عرضه هنا لما تفوه بما تفوه به، ولما تجرأ على إثبات «دور ابن سبأ» بتلك الروايات الباطلة التي أوردها الإمام الطبري في تاريخه. فها هو الدكتور هاني سليمان الطعيمات يقول لنا أنه استقى معلوماته عن (ابن سبأ) من الرواية التي ذكرها «السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي»، ويا ليته علم منزلة سيف بن عمر وشعيب بن إبراهيم، ويزيد الفقعسي عند علماء الجرح والتعديل قبل أن يخط قلمه هذا الكلام الذي لا وزن له في علوم الأمة.
فسيف بن عمر التميمي السدي يروي عن هشام بن عروة ... وخلق كثير من المجهولين ... قال عباس، عن يحيى: ضعيف. قال أبو داود: ليس بشي. قال أبو حاتم: متروك. قال ابن حبان اتهم بالزندقة. قال ابن عدي: عامة حديثه منکر». وهو يروي الموضوعات عن الأثبات ... وكان سيف
(288)
(287) الإباضية مذهب لا دين، ص 38.
(288) ميزان الاعتدال ت: 3637
ج 2 ص 255. (1/130)
صفحة 130
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
(289)
131
يضع الحديث ... . وقال ابن أبي حاتم الرازي « ... حدثنا عبد الرحمن
قال سئل أبي عن سيف بن عمر الضبي فقال: متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي»
(290)
وقال ابن حجر: «قال ابن معين: ضعيف الحديث ... وقال النسائي والدارقطني: ضعيف ... وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك. وقال الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط» (291).
من أقوال علماء الجرح والتعديل يتبين لنا أن سيف بن عمر يعد من الكذابين والوضاعين للحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكفى بهذا سبباً لرفض كل مروياته التي تناقلتها كتب الحديث والتاريخ. فمن لم يخف من نار التي جعل الله لا الله فيها مقاعد لكل من كذب على رسوله الكريم فلن يمتنع عن الافتراء والكذب على من دون النبي الله من البشر.
فهل يفهم الدكتور هاني سليمان الطعيمات هذا الكلام الذي قاله جهابذة علماء الجرح والتعديل؟، أم أنه سيبقى سادراً في غيه، وشامخاً بغلوائه في عالم الكبر؟
وأما الراوي الذي نقل عن سيف بن عمر فهو شعيب بن إبراهيم الكوفي الذي لا قيمة لما يرويه، فقد قال علماء الجرح والتعديل ما نصه: «راويةً كُتُبِ سيف عنه فيه جهالة، ذكره ابن عدي وقال ليس بالمعروف، وله أحاديث وأخبار، وفيه بعض النكرة، وفيها ما فيه تحامل على السلف (292).
((
(289) كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ج 1/ ص 345 - 346.
(290) كتاب الجرح والتعديل ت: 1198 ج 4 / ص 278.
(291) تهذيب التهذيب: ت: 2819، ج 4 / ص 268. (292 لسان الميزان، ت: 4100/ 46، ج 3/ ص 176. (1/131)
صفحة 131
132
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وأما يزيد الفقعسي فلم أجد له ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي، فهو مجهول، وقد ذكر جهالته أيضاً ناصر بن علي عائض، حيث قال: «لم أعثر ا، الفالوجي، حيث له على ترجمة» (293)، وذكر جهالته أيضاً أكرم بن محمد زيادة الفالو قال: «لم أعرفه، ولم أجد له ترجمة» (294).
هو
فنقول للدكتور هاني سليمان الطعيمات: إن علم الجرح والتعديل الذي أبطل الروايات (295) التي استندت عليها في إثبات شخصية (ابن سبأ) ودوره المزعوم في أحداث الدار وما تلاها من أحداث إلى نهاية يوم يوم الجمل. فكفاك تجاهلاً يا دكتور لهذا الواقع الذي يصدقه العلم الشريف، وكفاك صلفاً وتبجحاً وظلماً وعدواناً حينما اتهمت الإباضية الكرام بقلب الحقائق التي أخذوها بقوة وصدق من كتب علماء الإسلام قاطبة.
ولقد كانت لنا دراسة لتلك الروايات التي أشار إليها الدكتور هاني سليمان الطعيمات في كتابه، وأخرجنا تلك الدراسة في كتاب لنا أسميناه الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، وعندما عرضنا كل الروايات التي نسبت الفتنة أيام الإمام عثمان إلى (ابن سبأ) وجدنا تلك الروايات باطلة لا تقرها مناهج الإسلام البتة، ومن التعدي على علوم الأمة نسبة الأباطيل إلى تاريخها، فليراجع الجميع ذلك الكتاب، وأرجو من كل قارئ أن يجعل غيرته على مناهج الأمة فوق الزعازع النفسية.
(293) عقيدة أهل السنة في الصحابة لناصر بن علي، ج 3/ ص 1077، هامش 4.
(294) المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري، ت: 5159، ج 2 / ص 658. (295) لقد ذكرنا في كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات) أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال الروايات التي روجت لخرافة ابن سبأ اليهودي، انظر
الفصل الثالث، ص 90 وما بعدها من الكتاب المذكور. (1/132)
صفحة 132
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
133
وبعد عرضنا للروايات التي نسبت الفتنة إلى الصحابة أنفسهم، على ذُكر
علم الجرح والتعديل وجدنا تلك الروايات أرقى سنداً من الروايات التي فيها (ابن سبأ). فلهذا نادينا، وبأعلى صوت وما زلنا نكرر نفس النداء، أن علينا جميعاً طي صفحات تلك الفتنة لأنه لا فائدة لنا من ذكرها، فعلى القارئ أن يراجع كتابنا المذكور وخاصة الفصل الثالث منه.
وأستسمح القارئ هنا في نقل عبارات مما قلته في كتابي (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات): «بعد عرضنا لتلك الروايات الفاسدة التي اعتمد عليها كثير من الكُتَّاب في التشنيع على بعض الصحابة رضوان الله عليهم، أضع بين يديك أخي القارئ هذه الروايات بأسانيدها وستعجب من انجراف كثير من الكُتَّاب خلف روايات سيف بن عمر الوضاع والواقدي الكذاب وتركهم لروايات أخرى أرقى منها سنداً. فقد نقل الطبري وغيره روايات - من غير طريق سيف بن عمر والواقدي ـ تذكر من جوانب الفتنة التي حدثت في السنوات الأخيرة من خلافة الإمام عثمان وما تلتها من أحداث.
جانباً
فقصدي من ذكر هذه الروايات هو إثبات أن تلك الفتنة كانت بين الصحابة - رضوان الله عليهم، وأنه من الأسلم لنا عدم ذكر أي منهم بسوء.
وكذلك إقامة الحجة على الذين يحتجون بروايات الكذابين والوضاعين. فأقول لهم: إن كان ولا بد لكم من الخوض في ذكر تلك الفتن فعليكم ترك الأخبار الموضوعة والمكذوبة والأخذ بما هو أفضل حالاً (296).
(296)
ثم ذكرت في ذلك الكتاب خمسة عشرة رواية من مصادر مختلفة، ولم يذكر فيها ابن سبأ اليهودي الذي روجت له روايات الكذابين والوضاعين. ومن الروايات التي ذكرتها:
(296) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، ص 106 ـ 107. (1/133)
صفحة 133
134
(298)
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(297)
6
أورد الإمام الطبري في تاريخه ما نصه: «يعقوب بن إبراهيم حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، قال: حدثنا أبي (299)، قال حدثنا أبو نضرة (300)، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري (30). قال: أن وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، وكان في قرية له خارجة من
سمع
عثمان
المدينة ... فقالوا له افتح التاسعة ـ وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة ـ قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية {قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مّر مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] (302). قال: قالوا له: قف، فقالوا له أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لك أم على الله تفتري! قال: فقال امضه نزلت في كذا وكذا. قال: وأما الحِمَى فإن عمر حَمَى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في
(297) يعقوب بن إبراهيم بن كثير ... أبو يوسف الدورقي الحافظ البغدادي «قال أبو حاتم صدوق. وقال النسائي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الخطيب كان ثقة متقناً، صنف المسند ... قلت [ابن حجر] قال مسلمة: كان كثير الحديث ثقة» (تهذيب التهذيب، ت: 8133، ج 11 ص 332).
سنة مائة
وسبع
(298) معتمر بن سليمان التيمي أبو محمد البصري يلقب بالطفيل، ثقة، من كبار التاسعة، مات وثمانين وقد جاوز الثمانين (تقريب التهذيب، ت: 6809، ج 2 ص 199). (299) سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري نزل في التيم فنسب إليهم ثقة عابد من الرابعة مات سنة مائة وثلاث وأربعين وهو ابن سبع وتسعين (تقريب التهذيب، ت: 2583،
ج 1 ص 387).
بن
(300) المنذر مالك قطعة بن العبدي العوقي البصري أبو نضرة مشهور بكنيته ثقة مات سنة ثمان أو تسع ومائة (تقريب التهذيب، ت: 6915، ج 2 ص 213).
الثالثة من
(301) أبو سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري ... ذكره ابن منده في الصحابة ولم يذكر ما يدل على صحبته، لكن ثبت أنه أدرك أبا بكر الصديق الى فيكون من أهل هذا القسم، قال ابن منده روى عنه أبو نضرة العبدي قصة مقتل عثمان بطولها وهو كما قال وقد رويناها من هذا الوجه وليس فيها ما يدل على صحبته». (الإصابة في تمييز الصحابة، ت: 588، م 4 ج 7 / ص 95) وكذلك انظر (أسد الغابة، ت: 5951، ج 6/ ص 141).
(302) سورة يونس: 59. (1/134)
صفحة 134
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
135
إبل الصدقة امضه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول امضه، نزلت في كذا وكذا ... ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج. قال: فعرفها، فقال أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قال: فأخذوا ميثاقه ... وأخذ عليهم ألا يشقوا عصاً، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم ... فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين. قال: فقام فخطب فقال: إني ما رأيت والله وفداً في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ ... » (304).
(303)
أورد ابن شبة في تاريخ المدينة (305): حدثنا محمد بن سنان (30) قال، حدثنا أبو عوانة (307) قال، قال حصين (308): قلت لعمرو بن جاوان (309): لم اعتزل الأحنف؟ قال قال الأحنف: انطلقنا حجاجاً فمررنا بالمدينة، فبينما نحن بمنزلنا إذ جاءنا آت فقال: إن الناس قد فزعوا إلى المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا
(303) لم يصف الإمام عثمان أولئك الناس الذين قدموا عليه من مصر بما وصفهم به الكذابون
وأذنابهم.
(304) تاريخ الطبري ج 2 ص 655.
(305) تاريخ المدينة المنورة، ج 3 ص 1112 - 1113.
(306) محمد بن سنان الباهلي أبو بكر البصري العوقي ثقة ثبت من كبار العاشرة مات سنة مائتين وثلاث وعشرين (تقريب التهذيب، ت: 5954 ج 2 ص 83). (307) الوضاح بن عبد الله اليشكري مولى يزيد بن عطاء أبو عوانة الواسطي البزاز ... مشهور بكنيته ثقة ثبت من السابعة مات سنة مائة وخمس أو ست و (تقريب التهذيب، ت: 7434، ج 2 ص 282 - 283). (308) حصين بن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة تغير حفظه في الآخر من مات سنة مائة وست وثلاثين وله ثلاث وتسعون (تقريب التهذيب، ت: 5
ص (222).
الخامسة
،1375
ج 1/
(309) عمرو بن جاوان التميمي البصري ويقال عمر مقبول من السادسة (تقريب التهذيب، ت: 5014، ه، ج 1 ص 730). (1/135)
صفحة 135
136
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
قد
الناس مجتمعون على نفر وسط المسجد، فتخللتهم حتى قمت عليهم فإذا علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص قعود، فلم يك ذاك بأسرع أن جاء عثمان الله يمشي في المسجد عليه مُلَاءَةٌ له صفراء قد رفعها على رأسه، قال: فقلت لصاحبي: كما أنت حتى ننظر ما جاء به. فلما دنا منهم قالوا: هذا ابن عفان. قال: أهاهنا علي؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا الزبير؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا سعد؟ قالوا نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له. قال فابتعته بعشرين ـ أو بخمسة وعشرين - ألفاً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: إني ابتعت مربد بني فلان. قال: اجعله في المسجد وأجره لك؟ قالوا: نعم، ولكنك بدلت. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يبتاع بئر رومة غفر الله له فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعت بئر رومة. فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك؟ قالوا: نعم، ولكنك بدلت. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له. فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً؟ قالوا: نعم، ولكنك بدلت. قال: اللهم اشهد - ثلاث مرات ثلاث مرات - ثم انصرف.
وأورد البلاذري: حدثني أحمد بن إبرا بن إبراهيم الدورقي
(311)
(312)
(310)، حدثنا
أبو النضر حدثنا إسحاق بن سعيد، عن عمرو بن
(310) أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدورقي النكري ثقة حافظ، من العاشرة (تقريب التهذيب، ت: 3، ج 1 ص 29).
(311) هاشم بن القاسم بن مسلم، الليثي مولاهم، البغدادي، أبو النضر، «مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت، من التاسعة (تقريب التهذيب، ت: 7282، ج 2/ ص 261). (312) إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، السعيدي الكوفي، ثقة من السابعة (تقريب التهذيب، ت: (356، ج 1 ص 81 و تهذيب التهذيب، ت: 389 2، ج 1 ص 211 ـ 212). (1/136)
صفحة 136
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
سعيد
(313)
(315)
137
حدثني سعيد بن عمرو (314): عن ابن حاطب) قال: أقبلت
مع علي يوم الجمل إلى الهودج وكأنه شوك قنفذ من النبل، فضرب الهودج، ثم قال: إن حميراء إرم هذه أرادت أن تقتلني كما قتلت عثمان بن عفان فقال لها أخوها محمد هل أصابك شيء؟ فقالت: مشقص في عضدي. فأدخل رأسه ثم جرها إليه فأخرجه
وكيع
(318)
(316)
(320)
قال:
ونقل البلاذري: «عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر (317)، ثنا عن إسماعيل بن أبي خالد (319) عن قيس بن أبي حازم قال مروان بن الحكم يوم الجمل: لا أطلب أحداً بثأري في عثمان بعد فأصاب ركبته فكان الدم يسيل، فإذا أمسكوا
اليوم، فرمى طلحة
بسهم
(313) عمرو بن سعيد القرشي، أو الثقفي، مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة من الخامسة (تقريب التهذيب، ت: 5051، ج 1 ص 735).
(314) سعيد بن عمرو بن سعيد بن أبي العاص الأموي المدني ثم الدمشقي، ثم الكوفي، ثقة، من صغار الثالثة (تقريب التهذيب، ت: 2377، ج 1 ص 361).
(315) محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، الكوفي، مختلف في كنيته، صحابي صغير، مات سنة أربع وسبعين (تقريب التهذيب، ت: 5818، ج 2/ ص 65).
(316) أنساب الأشراف، ج 3/ ص 46.
(317) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة تصانيف من العاشرة (تقريب التهذيب، ت: 3586، ج 1/
ثقة حافظ الكوفي
ص 528).
(318) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة» (تقريب التهذيب، ت: 7441، ج 2 ص 283 - 284).
(319) إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي ثقة ثبت من الرابعة (تقريب التهذيب، ت: 439 ج 1 ص 93). (320) قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الثانية مخضرم ويقال له رؤية وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة مات بعد التسعين أو قبلها وقد جاوز المائة وتغير (تقريب التهذيب، ت: 5583، ج 2 ص 32). (1/137)
صفحة 137
138
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ركبته انتفخت فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله، اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى (321)
أورد خليفة خياط في تاريخه وحدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن الجارود بن أبي سبرة قال: نظر مروان بن الحكم إلى يوم الجمل فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه
طلحة بن عبيد الله فقتله» (322)
بسهم
أورد خليفة خياط في تاريخه قال وحدثني جويرية بن أسماء عن
يحيى بن سعيد عن عمه قال: رمى مروان طلحةَ بن عبيد إلى أبان بن عثمان فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك) (323).
الله
(324)
بسهم، ثم التفت
أورد الإمام الطبري في تاريخه: «أحمد بن زهير، قال: حدثنا
(326)
أبو خيثمة ـة (325)، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم ا، قال: سمعت
(321) أنساب الأشراف، ج 10/ ص 126.
135
(322) تاريخ خليفة خياط، ص (323) تاريخ خليفة خياط، ص 139.
أبي
(327)
(324) أحمد بن زهير بن حرب بن شداد النسائي الأصل البغدادي أبو بكر بن أبي خيثمة الحافظ الكبير ابن الحافظ ... أباه وأبا نعيم ... قال الخطيب: كان ثقة عالما متقنا حافظا سمع بصيرا بأيام الناس ... » (لسان الميزان، ت: 577، ج 1/ ص 184). (325) زُهَيْر بن حَرْب بن شَدَّاد الحرشي، أبو خَيْثَمة النسائي ... عن يحيى بن معين: ثقة ... وقال أبو حاتم: صدوق ... وقال النسائي: ثقة مأمون. (تهذيب الكمال أسماء الرجال، ت: 1995، ج 3 ص 34 - 35). (326) وهب بن جرير بن حازم ابن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري «ثقة التهذيب، ت: 7499، ج 2 ص 291).
في
من التاسعة» (تقريب
(327) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري «ثقة لكن في حديثه عن
من حفظه ... اختلط لكن لم يحدث في حال اختلاطه»
قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث (تقريب التهذيب، ت: 913،، ج 1 ص 158). (1/138)
صفحة 138
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
قال: سمعت يونس بن يزيد
الأيلي
(328)
:
139
، عن الزهري ... فلما تواقفوا خرج عليّ على فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال علي للزبير ما جاء بك؟ قال: أنت ولا أراك لهذا الأمر أهلا، ولا أولى به منا؛ فقال علي: لست له أهلا بعد عثمان! ... وعظم عليه أشياء، فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ عليهما فقال لعلي: (ما يقول ابن عمتك؟ ليقاتلنك وهو لك ظالم). فانصرف عنه الزبير، وقال: فإني لا أقاتلك. فرجع إلى ابنه عبد الله فقال: مالي في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه: إنك قد خرجت على بصيرة، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب، وعرفت أن تحتها الموت فجبنت فأحفظه. عد وغضب، وقال ويحك! إني قد حلفت له ألا أقاتله، فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك
حتى
أُرعد
، فأعتقه، سرجس، وقام في الصف معهم، وكان علي قال للزبير أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته ... فقال علي لأصحابه: أيكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإذا أخذه بيده الأخرى، وإن قطعت أخذه بأسنانه؟ قال فتى شاب: أنا ...
قطعت يده
فقال علي: اعرض عليهم هذا، وقل: هو بيننا وبينكم من أوله إلى آخره، والله في دمائنا ودمائكم فحمل على الفتى وفي يده المصحف، فقطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قتل، فقال علي: قد طاب لكم الضراب فقاتلوهم ... »
(329)
هذه الرواية - وإن كانت من مراسيل الزهري - فهي أفضل حالا من الروايات التي يتراقص حولها الدكتور هاني سليمان الطعيمات
مجموع
(328) يونس بن يزيد ابن أبي النجاد الأيلي، قال فيه علماء الجرح أقوالًا متضاربة وقد اختصرها الحافظ ابن حجر بقوله: «ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا وفي غير الزهري خطأ» (تقريب التهذيب، ت: 7948، ج 2/ 350 - 351).
يحيى
(329) تاريخ الطبري، ج 3 ص 40 - 41. (330) ... قال صاحب التنقيح: مراسيل الزهري ضعيفة، كان القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا ويقال هي بمنزلة الريح ... » (نصب الراية تخريج أحاديث الهداية،
ج 3 ص 639). (1/139)
صفحة 139
140
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وغيره من أذناب الكذابين الذين عششت في أدمغتهم خرافة «ابن سبأ». وعلى الذين يرضون بذكر تلك الفتن أن يأخذوا بالأفضل حالاً من الروايات، وإلا فمن الأفضل لنا جميعاً عدم الخوض في ذكر تلك الأحداث التي سلم الله منها أسنتنا.
دين مح
عبد الله
سعد بن
وأورد الإمام الطبري: حدثني جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو، عن محمد بن إسحاق ابن يسار المدني عن عمه عبد الرحمن ابن يسار، أنه قال: لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مَن بالآفاق منهم ـ وكانوا قد تفرقوا في الثغور: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله، تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وتُرك، فهلموا فأقيموا فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه. وكتب عثمان إلى بن أبى سرح عامله على مصر ـ حين تراجع الناس عنه، أنه تائب ـ بكتاب في الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشد أهل الأمصار عليه أما بعد فانظر فلاناً وفلاناً فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك، فانظر فلاناً وفلاناً فعاقبهم بكذا وكذا ـ منهم نفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم قوم من التابعين - فكان رسوله في أبو الأعور بن سفيان السلمي، حمله عثمان على جمل له ... فسألوه أين يريد؟ ... فوجدوا معه كتاباً في إداوة يابسة ... فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناس رجوعُهم، والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها، وثار أهل المدينة» (331)
وزعم
أصحاب
(331) تاريخ الطبري، ج 2 ص 662، وجاءت رواية أخرى عند الطبري من طريق جعفر بن عبد الله المحمدي المجهول ومتنها قريب من متن هذه الرواية (تاريخ الطبري، ج 2/
ص
(663 (1/140)
صفحة 140
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
141
فكما أن الدكتور هاني سليمان الطعيمات «أثبت» شخصية ابن سباً برواية «يزيد الفقعسي المجهول وبروايات غيره من الضعفاء والمتروكين، فلا أخاله يرفض هذه الرواية التي جاء بها «جعفر بن عبد الله المحمدي» المجهول (332).
ومما قلته في كتاب (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات: «نحن لسنا هنا في محضر تحقيق لأجل إثبات من قتل من، وكل غايتي من ذكر هذه الروايات هو إبطال خرافة «ابن سبأ» ولفت أنظار الكتاب الذين تستهويهم أقوال الكذابين إلى ما هو أحسن حالاً.
لهذا أقول لجميع أفراد هذه الأمة أنه لن تكون لنا يقظة إلا إذا أخذنا بما اتفق عليه ذلك الجيل الطاهر من الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - من إخلاص في العقيدة وصدق في القول والعمل، ولن تكون لنا وحدة إلا إذا تركنا ما شجر بينهم وربينا أبناءنا على ما رباهم عليه الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه () (333).
ومن تلفيقات الدكتور هاني سليمان الطعيمات حول كتابة التاريخ هو قوله: « ... ولكن نحن المعاصرين، ولم نكن في قلب الأحداث، إنما نحكم عليها من خلال رواياتها التاريخية، وأنتم معشر أنصار القوم والمدافعين عنهم لم تذكروا في مصادركم التاريخية هذه الحوادث لا بنفي أو إثبات، وقد جاء في مصادرنا ما يثبتها، ولم يأت ما ينفيها. فيغلب على الظن صدقها. ثم
(332) لم أجد له ترجمة في كتب الرجال التي بين يدي، وقد صرح بجهالته أيضاً محمد بن طاهر البرزنجي حيث قال في تعليقه على إحدى روايات تاريخ الطبري: «في إسناده جعفر بن عبد الله المحمدي مجهول الحال إن لم يكن مجهول العين» (صحيح وضعيف تاريخ الطبري، ج 18 ص 540).
(333) الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، ص.
118 (1/141)
صفحة 141
142
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ما بالكم تثقون بمصادرنا التاريخية فيما يوافق ما عندكم من روايات وتشككون فيها فيما عدا ذلك؟ (334).
((
فالروايات التاريخية، عند الدكتور هاني سليمان الطعيمات أهل للحكم على الناس وأنه يغلب عليها الصدق لمجرد ذكرها في المصادر!!!
ألا
يعلم
هذا الدكتور أن الروايات المبثوثة في مصادرها لا قيمة لها في موازين الأمة إلا إذا أثبتها المنهج العادل؟
ألا يعلم هذا الدكتور أنه ليس في أصول المنهج العادل، الذي يُرجع إليه في دراسة الروايات صبغة طائفية ضيقة؟؛ فهو لكل المسلمين، وصاحب الحجة هو من استفاد من المنهج لا من ادعاه.
قال الدكتور محمد بن موسى الشريف وهو يبين جانباً من جوانب المنهج المتبع في دراسة أحداث التاريخ: لا غنى لمريد التخصص في علم التاريخ من معرفة طرائق الجرح والتعديل عند المحدثين، - بدون تفصيل إنما ذلك للمختصين - وفهم أقسام الأحاديث والآثار من حيث الصحة والضعف والوضع، وفهم قواعد التخريج والتحقيق، لأن ذلك كله يحتاجه المؤرخ الذي ينقب في بطون الكتب القديمة ويستخرج منها ما يريد، والمطلوب هو الفهم العام لتلك القواعد على وجه يضبط بها المؤرخ قراءته وبحثه ... »
(335)
وقال أيضاً: «ما كان فيها من أخبار تتعلق بالعقائد، أو الفتن، أو الحكم على الأشخاص بالنفاق أو الكفر، أو الإخبار بالمغيبات فهذا لا بد من أن يثبت بسند صحيح أو حسن لذاته أو لغيره، على حسب
(334) الإباضية مذهب لا دين، ص 43.
(335) إعداد المؤرخ الثقة،
ص
26 (1/142)
صفحة 142
- الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
143
التفصيل الوارد في كتب دراسة الأسانيد الحديثية، ولا يُقبل في هذا القسم الأخبار الضعيفة (336).
فهذا الكلام الموزون، الدقيق، الصائب الذي قاله الدكتور الشريف، لا أثر له في كتابات الدكتور هاني سليمان الطعيمات لهذا جاءت كتاباته عن أهل النهروان والإباضية متهافتة ومنحرفة عن خط الاستقامة والعدل.
(336) إعداد المؤرخ الثقة،
ص،
7? (1/143)
صفحة 143
144
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله بن خباب
قلتُ في كتابي (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات) ما نصه: «لقد طفحت كتب التاريخ والمقالات وبعض كتب الحديث بروايات ضعيفة تنسب لأهل النهروان استحلالهم لدماء الأبرياء وأموال المسلمين. وبسبب تلك الروايات الضعيفة ومع عدم وجود التحقيق ترسبت في أذهان الناس صورة شائنة عن أهل النهروان مما جعل التاريخ يظلمهم وينال من حقوقهم وفي المقابل نجد روايات أحسن منها حالاً تنسب قتل الأبرياء إلى غير أهل النهروان ولكن لعدم تكررها على ألسنة الناس وعدم تناقل الكتاب لها جعل التاريخ من أولئك القتلة عظماء وأبطالاً».
ثم ذكرت الروايات التي اعتد بها الكتاب الذين تحاملوا على أهل النهروان وبينت بقواعد علوم الأمة ضعف تلك الروايات، فأدعوك أخي القارئ الكريم لقراءة القسم الثالت من الفصل الخامس من الكتاب
المذكور.
وتلك الروايات التي ذكر فيها الحوار بين عبد الله بن خباب والذين نُسب إليهم قتله قد ذكرها ابن الأثير أيضاً في كامله حيث قال: « ... قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال إنه كان محقا في أولها (1/144)
صفحة 144
- الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله بن خباب
145
وفي آخرها قالوا فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها
أحداً ... » (337).
ونقل ابن الأثير أيضاً: « ... فأرسل علي إلى أهل النهر: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب فلعل الله يُقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من
أمركم
(338)
فهذه الرواية التي نقلها ابن الأثير واعتمد عليها الجم الغفير من الكتاب الذين تخبطوا (في ظلماء الليالي) وجمعوا (الحصباء) والأفاعي ضعيفة باطلة لا قيمة لها في ميزان الحق، ولا تُثبت حجة على أحد أبداً.
فإن كان عذر الإمام الطبري في تسطيرها في تاريخه مقبولاً، لأنه ألقى بعهدة الروايات إلى ناقليها إليه ونبه القراء إلى اعتماد منهج التثبت قبل تصديقها والأخذ بها، فلا عذر لابن الأثير في تسطيرها في تاريخه وهو القائل: « ... على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب المشهورة، ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه، وصحة ما دوّنوه، ولم أكن كالخابط في
الليالي، ولا كمن يجمع الحصباء واللآلي
(339)
؟
وقد جاءت هذه الرواية من طرق عدة وكلها ضعيفة:
ظلماء
(337) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 341 - 342.
(338) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 343 (339) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 3 - 4. (1/145)
صفحة 145
=
146
(340)
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فقد جاءت عند الإمام الطبري، والإمام أحمد (341).والطبراني وأبي يعلى، وابن سعد، وابن أبي عاصم الشيباني (345)، وابن أبي
(347)
شيبة (346)، والبلاذري من طريق حميد بن هلال عن رجل مجهول من عبد القيس، وهي ضعيفة لوجود هذه الجهالة بسندها.
وجاءت هذه الرواية التي ذكر فيها قتل عبد الله بن خباب وقتل امرأته عند الطبري من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى الضعيف.
(348)
بن
(340) تاريخ الطبري ج 3 ص 118 - 119. وانظر كذلك مقالات الإسلاميين) ص. 129. قال الإمام الطبري: حدثني يعقوب، قال حدثني إسماعيل، قال: أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله خباب صاحب رسول الله ذَعِراً يجرّ رداءه، فقالوا: لَمْ تُرَعْ؟ فقال: والله لقد ذعرتموني! قالوا: عبد الله خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بن نعم، قالوا: فهل سمعت أبيك من حديثاً يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنةً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: ولا) تكن يا عبد الله القاتل) - قال: نعم، قال: فقدموه على
أأنت
،
ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها». (341) مسند الإمام أحمد، الرواية: 21378،
ص
1543
(342) المعجم الكبير، الرواية: 3629 و 3630، ج 4 / ص 59 - 60. (343) مسند أبي يعلى، الرواية: 7215، ج 9/ ص 601.
(344) الطبقات الكبري، ت: 783، ج 5/ ص
(345) الآحاد والمثاني، ص 49.
190
(346) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 37896، ج 7 / ص 555.
(347) أنساب الأشراف، ج 3/ ص 143.
(348) نقل الإمام الطبري: «قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبي حرة: ... وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج بأصحابه، وأقبل يعترض الناس وعلى مقدّمته الأشرس بن عوف مسعر
الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر ... وكتبوا يقصد أهل النهروان] إليه: (1/146)
صفحة 146
147
- الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله بن خباب
يحب
عن
أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، إنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا. الخائنين. فلما قرأ كتابهم آيس منهم، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام حتى يلقاهم فيناجزهم (تاريخ الطبري ج 3/ ص 115 ـ 117). «قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حميد بن هلال إن الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر فخرجت عصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهددوه وأفزعوه، وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض ـ وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له أفز عناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا رَوْع عليك فحدثنا أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لعل الله ينفعنا به قال: حدثني أبي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن فتنة تكون، يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح فيها كافراً، ويصبح فيها كافراً. فيها مؤمناً)، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول ويمسي في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيراً، قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقاً في أولها وفي آخرها؛ قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقياً على دينه، وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً، فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى مُتِمٌ حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلّها، وبغير ثمن! فلفظها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ بيمينه، فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فأتى صاحب الخنزير فأرضاه في خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس، إني لمسلم؛ ما أحدثتُ في الإسلام حدثاً، ولقد أمنتموني، قلتم: لا روع عليك فجاؤوا به فأضجعوه فذبحوه، وسال في الماء، وأقبلوا إلى المرأة، فقالت إني إنما أنا امرأة ألا تتقون الله! فبقروا بطنها،! وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ، وقتلوا أم سنان الصيداوية، فبلغ ذلك علياً ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتب به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم، فخرج القوم اليه فقتلوه، وأتى الخبرُ أمير المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام ...
وألقاها
دمه
= (1/147)
صفحة 147
148
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وجاءت رواية أخرى مرسلة من طريق أبي مجلز أخرجها ابن أبي شيبة (349)، والدارقطني والبيهقي، والبلاذري (352). فتلك الرواية من
راسيل أبي، مجلز فليس فيها حجة لأحد على أهل النهروان؛ وقد صحح
))
[أن]
يسير
من
فيه، ثم
سر
((
، وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة ... فلقيه في مسيره ذلك منجم، أشار عليه وقت من النهار، وقال له: إن رت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضراً شديداً. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجم (فظفر (تاريخ الطبري، ج 3 ص 119 - 120). (349) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 37893، ج 7 ص 554 - 555. قال ابن أبي شيبة: «حدثنا يزيد بن هارون الواسطي قال حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز قال: نهى علي أصحابه أن يسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثاً، فمروا بعبد الله بن خباب فأخذوه، فمر بعضهم على تمرة ساقطة من نخلة فاخذها فألقاها في فيه؛ فقال بعضهم: تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها مروا على خنزير فنفحه بعضهم بسيفه فقال بعضهم: خنزير معاهد فبم استحللته؟ فقال عبد الله: ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا؟ قالوا: نعم، قال أنا، فقدموه فضربوا عنقه، فأرسل إليهم علي أن أقيدونا بعبد الله بن خباب، فأرسلوا إليه: وكيف نقيدك وكلنا قتله، قال أو كلكم قتله؟ قالوا نعم، فقال الله أكبر ثم أمر أصحابه أن يسطوا عليهم، قال: والله لا يقتل منكم عشرة ولا يفلت منهم عشرة، قال: فقتلوهم فقال: اطلبوا فيهم ذا الثدية فطلبوه فأتي به، فقال من يعرفه، فلم يجدوا أحدا يعرفه إلا رجلاً، قال: أنا رأيته بالحيوة، فقلت له أين تريد؟ قال هذه، وأشار إلى الكوفة، ومالي بها معرفة قال: فقال علي صدق هو من الجان». وقد أورد ابن أبي شيبة رواية أخرى شبيهة بهذه الرواية: «ابن علية عن التيمي عن أبي ثم نقل الرواية السابقة إلى قوله. قالوا: كيف نقيدك به وكلنا قد شرك في دمه، فاستحل قتالهم انظر (مصنف ابن أبي شيبة، الرواية: 37923، ج 7/ ص 560). وجاء في تاريخ الطبري من طريق أبي مخنف التالف: « ... وبعث [يقصد الإمام علياً] إلى أهل النهر: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافّ عنكم ... فبعثوا إليه، فقالوا: كلنا قتلتهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم. انظر (تاريخ الطبري ج 3 ص 120). (350) سنن الدارقطني الرواية: 3250، ج 4 / ص 151.
مجلز.
(( ...
6
:
)
(351) سنن الكبرى للبيهقي، الرواية: 16767، ج 8/ ص 320.
(352) أنساب الأشراف، ج 3 ص 141. (1/148)
صفحة 148
- الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله بن خباب
149
الدارقطني الحكم عليها بالإرسال حيث قال: وسئل عن حديث قيس بن عباد عن علي في قصة أهل النهروان وقتلهم لعبد الله بن خباب فقال: حدث به عمر بن شبة عن يحيى القطان عن التيمي عن أبي مجلز مرسلا وهو أصح»
(353)
وقال ابن الصلاح في مقدمته: «ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه في نوع الحسن ... وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم
(354)
(355)
(356)
وذكر الدارقطني، والخطيب البغدادي نحو هذه الرواية التي ذكر
فيها قتل عبد الله بن خباب بسند آخر ضعيف.
(353) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، ج 4/ ص 102.
(354) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، ص 73.
أحمد
(355) سنن الدارقطني، الرواية: (3251، ج 4 / ص 153. «نا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي نا أحمد بن محمد بن رشدين نا زكريا ابن يحيى الحميري نا الحكم بن عبدة عن أيوب السختياني عن حميد بن هلال العدوى عن أبي الأحوص قال ... ». في سند هذه الرواية بن محمد بن الحجاج بن رشدين قال بن عدي كذبوه وأنكرت عليه أشياء» (الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، ص 58. . والكامل في ضعفاء الرجال، ت: 42، ج 1 ص 326. ولسان الميزان ت: (805، ج 1 ص 280. وكذلك الحكم بن عبدة الشيباني البصري فقد قال ابن حجر عنه في التهذيب: « ... قال الآجري عن أبي داود ... عندي من علمه شيء وقال أبو فتح الأزدي ضعيف (تهذيب التهذيب، ت: 1527، ج 2/
ما
ص 388).
10
(356) تاريخ بغداد، الرواية: 4168، ج 14 / ص 231 وكذلك انظر الرواية: 129، ج 1 ص 571 حيث جاءت رواية أخرى من طريق الحكم بن عبدة. (1/149)
صفحة 149
150
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
، وجاء في مصنف عبد الرزاق (357) «عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي قال: لم يستحل علي قتال الحروراء حتى قتلوا ابن خباب». هذه الرواية منقطعة الإسناد حيث أن حميد بن هلال لم يشهد تلك الأحداث، ومع هذا فإن معمراً لم يسلم من التجريح
(359)
(358)
ونقل الطبري من طريق أبي مخنف التالف: «قال أبو مخنف فحدثني أبو الصلت الأعور التيمي، عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل التيمي قال: ... وإن رجلاً من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له، زاذان فروخ، أقبل من قبل أخواله بناحية نفّر، فعرضوا له، فقالوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا فما قولك في علي؟ قال أقول فيه خيراً،
(357) مصنف عبد الرزاق، الرواية: 18577، ج 10/ ص 53. وجاء نحو هذه الرواية عند عبد الرزاق في عدة مواضع وهي واهية ضعيفة:
«عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني غير واحد من عبد القيس عن حميد بن هلال عن أبيه ... ». (مصنف عبد الرزاق الرواية: 18578، ج 10/ ص 53) ..
«عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: سأله رجل أحسبه من أهل اليمامة قال: أتينا الحرورية زمان كذا وكذا، لا يسألونا عن شيء، غير أنهم يقتلون من لقوا ... ».
(مصنف عبد الرزاق، الرواية: 18579، ج 10 ص 53). (358) قال ابن حجر: « ... قال ابن سعد ... كان معمر رجلًا له قدر ونبل في نفسه ولما خرج إلى اليمن شيعه أيوب ... وقال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى ابن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. قال يحيى وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام» (تهذيب التهذيب ت: 7126، ج 10/ ص 221).
وشيخ معمر في هذه الرواية هو أيوب بن أبي تميمة من أهل البصرة (تهذيب التهذيب ت: 654 ج 1 ص 361)، فعلى قول ابن معين فلا يؤخذ بهذه الرواية ويجب مخالفتها. (359) تاريخ الطبري ج 3 ص 139. (1/150)
صفحة 150
- الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله بن خباب
151
أقول: إنه أمير المؤمنين، وسيد البشر، فقالوا له كفرت يا عدو الله! ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه ووجدوا معه رجلاً من أهل الذمة، فقالوا ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذمة قالوا أما هذا فلا سبيل عليه، فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر ... ».
كم وكم تناقل هذه الرواية من الكتاب وياليتهم علموا مصدرها قبل
أن يثيروها حرباً عاصفة على الأبرياء البررة. فأنت ترى يا القارئ الكريم أن هذه الرواية أخبر بها ذمي ما آمن برسالة المصطفى ونقلها ذلك الراوي التالف. فهل يقبل من هذين الشخصين طالب حق ومتبع هدى؟
(360)
:
، وجاء في التاريخ الصغير للإمام البخاري «حدثني إسحاق الواسطي ثنا خالد عن داود عن عامر أتى الخوارج عبد الله بن خباب في قرية له فضربوا عنقه».
فعامر الشعبي راوي هذه الحادثة لم يشاهد وقائع جريمة القتل التي تحدثت عنها هذه الرواية. ومع هذا فإن كلمة الخوارج كان لها في عهد الصحابة و معنى يختلف كل الاختلاف عن المعنى الذي تعارف عليه الناس في هذا العصر. فقد روى الحاكـ (361) ما نصه: «حدثنا أبو أحمد الحسين بن علي التميمي، حدثنا أبو القاسم عبد الله
(362)
(360) التاريخ الصغير (الأوسط)، ج 1 ص 49. (361) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 2653، ج 2 ص 162 - 163.
بن
محمد
(362) الحافظ الإمام النبيل أبو أحمد الحسين بن علي بن محمد بن يحيى التميمي النيسابوري ... من كبار أهل خراسان ... قال الخطيب كان ثقة حجة وقال الحاكم الغالب على سماعه الصدق ... فما رأيته ترك قيام الليل من نحو ثلاثين سنة ... ». (تذكرة الحفاظ، ت: 909، ج 3 ص 968). (1/151)
صفحة 151
152
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(363)
البغوي المختار (365)،
، حدثنا أبو كامل الجحدري
(366)
حدثنا عبد العزيز بن
(364)
6
(367)
، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس الى:
أنه قال له ولابنه علي انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا منه حديثه في شأن الخوارج فانطلقا فإذا هو في حائط له يصلح فلما رأنا أخذ رداءه ثم احتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى علا ذكره في المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عن رأسه ويقول: (يا عمار ألا تحمل لبنة لبنة كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد الأجر عند الله. قال: فجعل ينفض ويقول: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) قال ويقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه بهذه السياقة».
(363) «البغوي الحافظ الثقة الكبير مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي ... قال ابن أبي حاتم: أبو القاسم البغوي يدخل في الصحيح ... قلت [الذهبي]: وقد احتج به عامة من خرج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبرقاني ... قال الخطيب أبو بكر: كان ثقة ثبتا فهما عارفا. وقال السلمي سألت الدارقطني عن البغوي فقال: ثقة جبل إمام أقل المشايخ خطأ وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي ... حافظ عارف صنف مسند عمه ... ». (تذکرة الحفاظ، ت: 738، ج 2 ص 737 - 740). (364) «فضيل بن حسين بن طلحة الجحدري أبو كامل ثقة حافظ من العاشرة ... » (تقريب التهذيب، ت: 5443، ج 2 ص 14).
من السابعة» (تقريب
(365) «عبد العزيز بن المختار الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين ثقة التهذيب، ت: 4134، ج 1 ص 607). (366) «خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل البصري ... قال الأثرم عن أحمد: ثبت. وقال
كان
إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة وكذا قال النسائي ... وقال فهد بن حيان: خالد ثقة مهيبا كثير الحديث ... وذكره ابن حبان في الثقات ... وقال العجلي بصري
ثقة ... ». (تهذيب التهذيب، ت: 1756، ج 3 / ص 110 - 111).
(367) عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ... ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة من الثالثة ... ». (تقريب التهذيب، ت: 4689، ج 1/
ص 685). (1/152)
صفحة 152
- الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله بن خباب
153
من هذه الرواية تدرك أيها القارئ أن أبا سعيد الخدري ه فسر (بالفئة الباغية صاحبة الفتنة والتي قتلت الصحابي الجليل عمار بن
«الخوارج» ياسر. ومن المعلوم أن عمار بن ياسر ما قتل في حرب صفين. فلسنا هنا نشير بأصبع الاتهام على أحد في قتل عبد الله بن خباب لأن ذلك ليس من وظائفنا وخارج عن مجال بحثنا، والذي نريد أن نبينه هنا هو أنه ليس في رواية الإمام البخاري هذه ولا في غيرها دليل على أن قتلة عبد الله بن خباب هم أهل النهروان
ومن الروايات التي أوجدها الضعفاء لترسيخ تهمهم الباطلة لأهل
النهروان باستعراض الناس هي هذه التي جاءت في تاريخ الإمام الطبري. قال الإمام الطبري (368): «ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح بن حبيب، عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، عن أبي بن عمارة العبسي، أن حيان بن ظبيان السلمي كان يرى رأي الخوارج، وكان ممن ارتث يوم النهروان فعفا عنه علي لي في الأربعمائة الذين كان عفا عنهم من المرتثين يوم النهر ... وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن في الإقامة الغبن والوكف، وأن في جهاد أهل القبلة الفضل والأجر
"
أن وكان سبب خروجهم
ومما نقله ابن الأثير من هذه الرواية هو: « ... حيان بن ظبيان السلمي كان خارجيا وكان قد ارتث يوم النهر، فلما برأ لحق بالري في رجال معه، فأقاموا بها حتى بلغهم مقتل علي، فدعا أصحابه، وكانوا بضعة عشر أحدهم سالم بن ربيعة العبسي فأعلمهم بقتل علي، فقال سالم: لا شلت يمين علت قذاله بالسيف! وحمدوا الله على قتله،
(368) تاريخ الطبري، ج 3/ ص 173 - 174.
رضي
الله (1/153)
صفحة 153
154
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
عنه ولا رضي عنهم. ثم أن سالما رجع عن رأي الخوارج بعد ذلك وصلح، ودعاهم حيان إلى الخروج ومقاتلة أهل القبلة» (369).
فهذه الرواية من صنع الضعفاء والمجهولين وهي كسابقاتها باطلة لا تمت إلى أهل النهروان بصلة، والحمد لله رب العالمين.
فقد جاءت هذه الرواية الباطلة من طريق هشام بن محمد بن السائب
بن
الكلبي الذي ليس له وزن عند أئمة الجرح والتعديل، فقد «قال أحمد حنبل: ... ما ظننت أن أحداً يحدث عنه. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة» (370).
6
وقد مر بك أعلاه قول علماء الجرح والتعديل في أبي مخنف التالف.
وأما النضر بن صالح بن حبيب العبسي فهو مجهول (37).
وأما
جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسي لم أجد له ترجمة في
كتب الرجال التي بين يدي.
فيتبين لكل بصير بعد دراسة سند هذه الرواية أن نسبة «الخروج ومقاتلة أهل القبلة إلى حيان بن ظبيان السلمي باطل.
تلكم هي الروايات التي تراقص حولها وتغنى بها كثير من الكتاب، ولو عملوا بقوله تعالى {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَهَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ} [الحجرات: 6]، لَمَا حكموا بتلك الأحكام الجائرة في حق أهل النهروان والإباضية فحسبنا الله ونعم الوكيل.
(369) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 420 - 421. (370 ميزان الاعتدال ت: 9237، ج 4 / ص 304.
(371) قال ابن أبي حاتم الرازي يروي عن سنان بن مالك، روى عنه أبو مخنف، قال أبو حاتم: النضر وسنان مجهول ولان». (كتاب الجرح والتعديل، ت: 2186، 2، ج 18 ص 477). (1/154)
صفحة 154
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
155
ولد
وقفات مع كتاب التاريخ
حول تهمة «الاستعراض»
(372)
«الاستعراض؛ أي القتل بلا وجه شرعي يبيحه لم يثبت عن أهل النهروان الكرام أبداً وكل الروايات التي نسبت إليهم هذه الفعلة الشنعاء باطلة، ومن الحمق بمكان جعلها حجة على الأبرياء، ومن الاعتداء الصارخ على مناهج الأمة الإسلامية الطاهرة جعل أقاويل الضعفاء فوق أصوات الصادقين الثقاة، ومن الإفساد للعقول المسلمة حشوها بأباطيل الأقوال وترهات الأفكار وخزعبلات الروايات.
فأي خير يجره الدكتور هاني سليمان الطعيمات، والدكتور أحمد عوض، والدكتور محمد حسن مهدي، والدكتور ناصر العقل وغيرهم من الكتاب لهذه الأمة وهم يغرسون كل متساقط من الأقوال في أذهان المسلمين؟، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا سنت) (373). فهؤلاء القوم فقدوا الحياء الذي يوجبه العلم، لهذا نراهم يرقصون على أحابيل الأهواء ولا يعقل عقولهم علم ولا مبدأ، فلله الأمر من قبل ومن بعد. فالروايات التي ذكرت هنا فاضحة لمخترعيها وللمحتجين بها، ولا تضر أهل النهروان الكرام بشيء وذلك بسبب ضعف أسانيدها وبطلان متونها (374).
(372) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 124. (373) سنن ابن ماجة الرواية: 4183، ص 679.
(374) لقد ناقش الدكتور الشيخ ناصر السابعي ما حوته هذه الروايات من أقوال في كتابه الفذ (الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 124 ـ 135). (1/155)
صفحة 155
156
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولكي يدرك الكتاب الذين اعتمدوا على هذه الروايات في نسبة الاستعراض إلى أهل النهروان، فإننا سنقف معهم ونبين لهم، ومن خلال قراءات ما في سطور هذه الروايات، أن المعاني التي جاءت بها هذه الروايات أشد التصاقاً بالجانب الذي قاومه الإباضية عبر التاريخ، وأن الذين تداعوا إلى مقاتلة أهل القبلة ليسوا أتباعاً لأهل النهروان (375) البتة.
فهذه الروايات تدور حول المعاني التالية:
- مطالبة الإمام علي أهل النهروان بتسليم قتلة عبد الله بن خباب.
نسبة أفعال حرمها الإسلام إلى أشخاص مجهولين ولا تربطهم بأهل النهروان أي رابطة.
ذكر جانب من أفعال الخوارج.
- قضية الاستجواب وسؤال الناس عن آرائهم وقتل الأبرياء على الهوية
التي ينتسبون إليها.
(375) قد يقول قائل: إن الأزارقة والنجدات يدعون إتباع أهل النهروان. ولكن نحن نقول: إن الأزارقة خالفوا المبدأ الذي عليه أهل النهروان وسار عليه الإباضية عبر التاريخ. قال الشيخ أحمد بن سعود السيابي - حفظه الله تعالى - في إحدى تعليقاته على كتاب (دراسة في الفكر الإباضي) للدكتور عمر با: يرى الإباضية أن الخوارج هم الأزارقة والنجدية والصفرية الذين انشقوا عن المحكمة وخرجوا بآراء تخالف مبادئ المحكمة. فالخوارج (الأزارقة والنجدات والصفرية قالوا بتشريك مخالفيهم من المسلمين وأحلوا سفك دمائهم وغنيمة أموالهم وسبي ذريتهم إلى غير ذلك من مبادئهم وهذه الآراء تتنافى مع مبادئ وآراء المحكمة التي لم تشذ قيد شعرة عن تعاليم الإسلام الحنيف» (دراسة في الفكر الإباضي، هامش 55، ص 103 ـ 104). (1/156)
صفحة 156
157
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
(i)
الروايات تدعي مطالبة الإمام علي أهل النهروان بتسليم قتلة ابن خباب
جاء في إحدى تلك الروايات الباطلة: «فأرسل إليهم علي أن أقيدونا الله بن خباب، فأرسلوا إليه وكيف نقيدك وكلنا قتله، قال أوكلكم قتله؟ قالوا نعم، فقال الله أكبر ثم أمر أصحابه أن يسطوا عليهم».
بعبد
في
فهذه الرواية التي اخترعها المخترعون، وروج لها المروجون، تحمل طياتها الطعن في الإمام علي كرم الله وجهه من حيث يدرون أو لا يدرون؛ حيث صورت الإمام علي في أذهان الناس رجلاً متناقضاً في أفكاره، إذ كيف له أن يطالب أهل النهروان بتسليم قتلة عبد الله بن خباب، وهو في نفس الوقت يمتنع عن تسليم قتلة الإمام عثمان بن عفان إلى معاوية بن أبي سفيان؟!
(376)
وهذه الروايات الضعيفة ما نطق بها المؤرخون إلا للتقليل من شأن الإمام علي ومن كان يناصره في جميع المواطن والمواقع التي نزلها إلى أن قبل كرم الله وجهه ـ بمبدأ التحكيم (37). فالإمام علي ومن كان معه قبل التحكيم بقوا جميعاً، وإن لم تجمعهم راية واحدة بعد التحكيم، هدفاً لسهام بني أمية وبني العباس ودعاياتهم، لهذا كثرت الدعايات الباطلة عليهم؛ فأنتجت الروايات وسيرت الجيوش، وما زال الكتاب يتوارثون تلك الأقلام من غير
وعي ولا دراية.
(376) انظر كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، القسم الأول
من الفصل الخامس، ص 1
171 - 194 (1/157)
صفحة 157
158
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(ب)
استجواب الناس حسب الانتماءات
ومن الأفكار التي أخذها الكُتاب من هذه الروايات هي فكرة «استجواب الناس والحكم عليهم حسب انتماءاتهم السياسية والتي تطورت فيما بعد لتشمل الانتماءات إلى المذاهب.
وقد جاء في إحدى الروايات السابقة ما نصه: « ... قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال إنه كان محقا في أولها وفي آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً ... ».
هذه الرواية كما رأينا أعلاه قالها أناس لا منزلة لهم عند علماء الأمة، فهي باطلة قد صنعتها أقلام أرادت الشر لأهل النهروان فرد الله كيدهم في نحورهم. فليس هناك أي دليل على أن تلك الفئة من الناس التي نُسب إليها القتل بعد الاستجواب منطلقة من فكر أهل النهروان. ففكر أهل النهروان والإباضية هو فكر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جميع مناشط الحياة؛ من عقيدة وفقه وأخلاق وكان خلافهم مع الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ فقط حول التحكيم الذي نزع من أصبعه الكريم خاتم الخلافة العامة (377).
له
فقصة عبد الله بن خباب مع الذين اعترضوا طريقه، وقصة استجوابهم حول رأيه في الإمامين والخليفتين عثمان وعلي هي التي لا يتناساها الكتاب
(377) أرجو مراجعة هذه الحيثية في كتابنا الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، ص 179 - 180. (1/158)
صفحة 158
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
159
الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية عبر القرون الماضية، ويا ليتهم تخلقوا بآداب الإسلام وتأدبوا بأوامر القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهروا عداءهم الفاضح لأهل الحق والاستقامة.
وبما أن الإنصاف ليس من سجايا الذين نسبوا أهل النهروان والإباضية إلى الخوارج، فقد أظهروا لكل بصير حيف موازينهم التي يُقيمون بها البشر، وأبانوا لكل سميع تناقض أفكارهم، وأكدوا بلا خجل أنهم سدنة للهوى الذي يصم ويعمي؛ فما صادف أهواهم أتوا به وتواصوا بحمله جيلا بعد جيل، وما كان سائراً على غير هواهم لا يلتفتون إليه وإن وجد في نفس المصادر التي ينقلون منها. فكل الأفكار التي سجلت في قصة عبد الله بن خباب ونسبت إلى أهل النهروان لم تثبت عنهم، ولم تكن في يوم من الأيام مجال اهتمام) أتباعهم الإباضية عبر التاريخ، والذي وجدناه أن تلك المحاجة التي سجلتها الرواية التي ذكر فيها عبد الله بن خباب تتكرر على ألسنة أناس وقف الفكر الإباضي أمام سياساتهم الجائرة عبر بالتاريخ. قال الدكتور الشيخ ناصر السابعي: حصر فكرة الاستعراض والتقتيل ـ على فرض ثبوتها ـ في التيار المعارض للتحكيم أمر مناف للوقائع التاريخية، فإن نسبة مثل هذا الفعل إلى غيرهم تردده المصادر بكثرة. وإذا كانت حادثة مقتل عبد الله بن خباب مرآة لمنطق
(378)
(378) قال ابن الوزير: « ... فوجب أن يعدل إلى أمر عدل بين الجميع فنترك كل عبارة مبتدعة من عبارات فرق الإسلام كلها سواء علمنا بالعقل أنها حق أو باطل لأنه لا يجب الاشتغال بكل حق فقد نعلم من أمور الدنيا ما لا يحصى ولا تجب علينا معرفته وتعريفه مثل ما اشتملت عليه التواريخ من حوادث الزمان وعجائب أخبار البلدان بل ما تضمن المفاسد من الحق حرم فلذلك قد يكون من الحق ما هو حرام بالإجماع والنص كالغيبة والنميمة أردنا بالحق مجرد الصدق والمطابقة فلذلك لا ينبغي الاشتغال ببعض العلوم وغيرها لمجرد كونها حقاً حتى يرد الشرع بالأمر بذلك ... » (إيثار الحق، ص 136).
متي (1/159)
صفحة 159
17.
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
السيف الذي نسب إلى أهل النهروان فإن ثمة من الحوادث المروعة المنسوبة إلى غيرهم ما تتضاءل أمام شناعتها حادثة مقتل ابن خباب ... » (379). ونحن إذ ننقل هنا روايات نسبت استجواب الناس وقتلهم إلى أناس آخرين لا نريد من هذا الصنيع التشنيع على أحد، فذلك ليس من اهتماماتنا، ولا فائدة لنا من ذكرها والحديث عنها، وإنما نريد أن نقول لأمة الإسلام أن الكتاب الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية ليسوا بأمناء على تاريخ الإسلام إذ أثبتوا من خلال كتاباتهم أنهم تبعة لكل ناعق وأنهم يحتطبون الأخبار بأهوائهم»، وأنهم كالخابط في ظلماء الليالي وأن ما سجلوه على أهل النهروان والإباضية إنما هو «عمل غير علمي ولا دقيق، بل عمل حاطب ليل وسائس خيل لا عمل أساتذة التاريخ المحققين» (380).
فما الذي صرف أعين الكتاب الذين تلقفوا الأخبار الضعيفة ونسبوها إلى أهل النهروان، عن هذه الروايات المنسوبة إلى الحجاج وغيره وقد جاءت هذه الروايات في نفس المصادر التي أساءت إلى أهل النهروان والإباضية؟
125
طائفة
(379) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص (380) جاءت هذه العبارة على لسان الدكتور محمد بن موسى الشريف الذي قال: «ولقد عني المستشرقون بالكتاب [يقصد تاريخ الطبري] فخدموه وطبعوه مبكراً لينالوا بغيتهم من الطعن في دين الإسلام، فإذا خافوا ملامة أو عتاباً أحالوا على تاريخ الطبري وظنوا أنهم بهذا قد برئت ذمتهم من التشويه المتعمد - في أكثر الأحيان ـ لتاريخنا، ولقد تبعهم الأساتذة من بني جلدتنا فأوردوا المستشنع المستغرب من الأخبار ثم أحالوها على تاريخ الطبري، وهذا عمل غير علمي ولا دقيق، بل هو عمل حاطب ليل وسائس خيل عمل أساتذة التاريخ المحققين» (تعريف موجز بأشهر كتب التاريخ، ص 21). هذا القول الذي قاله الدكتور الشريف في وصف حال المستشرقين ومن سار على نهجهم من بني جلدتنا، ينطبق تمام الانطباق على الكتاب الذين تجرأوا على الإباضية وأسلافهم أهل النهروان
من
لا (1/160)
صفحة 160
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
فقد أورد ابن الأثير ما نصه:
171
وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحداً إلا قال له: اشهد أنك كفرتَ فإن قال نعم بايعه، وإلا قتله» (381).
«فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجاج: انصرفوا إلى
بلادكم فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد (382).
«ثم إنه خطب يوماً فقال: إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة مخسرة باطلة [من] ملحد فاسق منافق ولسنا نجيزها! وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة مائة» (383).
وقام روح بن زنباع الجذامي فقال: أيها الناس إنكم تذكرون ... ابن
الزبير ... ولكنه منافق قد خلع خليفتين يزيد وابنه معاوية وسفك الدماء وشق عصا المسلمين، وليس المنافق بصاحب أمة محمد (4)
)) -
(384)
فخرج أبو مسلم لبعض حاجته، فعمد بعض المُجان فقطع ذنب حماره فلما عاد قال لصاحب الخان من فعل هذا بحماري؟ قال: لا أدري! قال: ما اسم هذه المحلة؟ قال بوناباذ قال: إن لم أصيرها كنداباذ فلست بأبي مسلم فلما. ولي خراسان أخربها» (1385). فأين أحكام ابن الأثير على هذا الإفساد
(381) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 481. (382) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 350 - 351، ونقل ابن الأثير الحوار الذي دار بين الحجاج الثقفي وأسماء بنت أبي بكر لها: «قال لها: كيف رأيتني صنعتُ بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت على ابني دنياه وأفسد عليك آخرتك، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فقد رأيناه، تعني المختار، وأما المبير فأنت هو. وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه». الكامل في التاريخ، ج 4/ ص 361).
(383) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 381.
(384) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 148.
(385) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 258. (1/161)
صفحة 161
162
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
في الأرض الذي نقله لنا هنا؟ ألأجل ذنب حمار تخرب أملاك الناس؟، فما دامت الأمة لا تقول لظلمة التاريخ يا ظلمة، وما دامت تتمادى في وصف الصالحين بالخارجية فلن تقوم لها قائمة، وستهلك أمام كل الفتن التي تموج بها من كل صوب. نسأل الله تعالى السلامة.
وخاطب الحجاج أهل الكوفة: «وقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإنّي أُقسم بالله لا أجد أحداً من عسكره بعد
(386)
ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهبتُ داره (386).
وخاطب عبد الملك بن مروان أهل المدينة وقال لهم: «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربتُ عنقه (387). فما هو عذر ابن الأثير ومن سار على نهجه في عدم ذكر عبد الملك بن مروان في قائمة الخوارج؟. ونقل ابن الأثير: وكان يقصد مروان بن الحكم] قد جعل لابن زياد
ما غلب عليه وأمره أن ينهب الكوفة ثلاثا (388).
وقال ابن الأثير وسبب ذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل
:
عمرو بن سعيد بن العاص، كما تقدم ذكره، وضع السيف فقتل من خالفه، فصفا له الشام» (389).
ونحن لا نريد أن يكون لنا رأي في هذه الروايات وأشباهها ولو جاءت من مصادر موثوقة صادقة. وكل الذي نسعى إليه بنقلها ونقل غيرها من الأخبار، في هذا البحث، هو لأجل إقامة الحجة على الكتاب الذين يحلبون
(386) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 376. (387) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 392. (388) الكامل في التاريخ، ج 4 ص 228 (389) الكامل في التاريخ، ج 4 ص 323. (1/162)
صفحة 162
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
163
الروايات الباطلة، ونلزمهم أن يقروا بها من باب إلزام الخصم ما يلتزمه»، لأنهم أقدموا على أمثالها عند حكمهم الجائر على أهل النهروان والإباضية. ومما جاء عند ابن الأثير:
«وكان أول قتيل قتله زياد بالكوفة أوفى بن الحصن، وكان بلغه عنه شيء، فطلبه فهرب فعرض الناسَ [زياد]، فمر به فقال: من هذا؟ قال: أوفى بن حصن. فقال زياد: أتتك بحائن رجلاه. وقال له: ما رأيك في عثمان؟ قال: ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ابنتيه. قال: فما تقول في معاوية؟ قال: جواد حليم. قال: فما تقول في؟ قال: بلغني أنك قلتَ بالبصرة والله لأخذن البريء بالسقيم، والمُقبل بالمدبر. قال: قد قلتُ ذاك. قال: خبطتها خبط عشواء! فقال زياد: ليس النفاخ بشرّ الزَّمَرَة! فقتله» (
(390)
فهذا هو زياد بن أبيه، أحد سدنة الإرهاب الأموي، تنسب إليه هذه الرواية القتل للأبرياء بعد استجوابهم، فلماذا صرفت أبصار الكتاب الذين تحاملوا ظلماً وعدواناً على الإباضية عن هذه الرواية؟.
وذكر ابن الأثير أيضاً، حواراً بين زياد بن أبيه وصيفي أحد رجالات
حجر بن عدي:
فقال له زياد ... عليّ بالعصا، فأتي بها، فقال: ما تقول في عليّ؟ قال: أحسن قول قال، اضربوه، حتى لصق بالأرض، ثم قال: أقلعوا عنه ما قولك في عليّ؟ قال: والله لو شرَّحتني بالمواسي ما قلتُ فيه إلا ما سمعت مني. قال لتلعنته أو لأضر بن عنقك! قال: لا أفعل. فأوثقوه
حديداً وحبسوه»
(391)
(390) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 462.
(391) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 477 - 478. (1/163)
صفحة 163
164
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وها هو عبيد الله بن زياد يمشي على خطى أبيه، فيستجوب الناس ويقتلهم إذا ذكروا السبطين الكريمين وأباهما بخير، فقد قال ابن الأثير: «فلما بلغ الحسين الحاجر كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر
الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم، فلما انتهي قيس إلى القادسية أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد فقال له ابن زياد اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي. فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه؛ ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي. فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطع فمات (392).
6
وذكر ابن الأثير الحوار التي دار بين ابن زياد ومسلم بن عقيل:
«فقال له ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يُقتلها أحد في الإسلام! قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك. فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعلياً، وعقيلاً، فلم يكلمه مسلم، ثم أمر فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده
به
(393)
وهذه حادثة أخرى ينقلها ابن الأثير في تاريخه، حيث قال: « ... فصعد المنبر [يقصد عبيد الله بن زياد فخطبهم وقال الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب
الحسين بن علي وشيعته.
(392) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 41. (393) الكامل في التاريخ، ج 4 ص 35 (1/164)
صفحة 164
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
165
مقالة ابن
فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الوالبي ... فلما سمع زياد قال يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين؟ فقال: عليّ به ... فأرسل إليه من أتاه به فقتله وأمر بصلبه في المسجد،
فصلب، رحمه الله.
وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في الكوفة، وكان رأسه أول رأس حمل في الإسلام على خشبة في قول، والصحيح أن أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق» (394).
له
فزياد بن أبيه، وابنه عبيد الله، والحجاج تحوطهم الحصانة الأموية لهذا تعامت أبصار الكتاب عن أفعالهم الشنعاء، ولم يحكموا عليهم بما هم أهل من جور وظلم وتعسف في القول والفعل. فأين الإنصاف؟، وأين أداء
الواجب الذي يتحمل أمانته كل كاتب؟
وقال ابن الأثير أيضاً:
ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم من شاء، فمن امتنع من ذلك قتله ... فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله فضرب أعناقهما ... وأتى بيزيد بن وهب، فقال له: بايع. قال: أبايعك على الكتاب والسنة. قال اقتلوه
(395)
هذا الذي نُسب إلى قائد الجحافل الأموية مع سكان مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
لم يهز للكتاب شعرة.
(394) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 82 ـ 83. (395) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 118 - 119. (1/165)
صفحة 165
166
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فنقول للكتاب: هذه رواية جاءت حسب موازينكم، فما لكم تعاميتم عنها؟، ولم لا تبنون عليها أحكامكم كما فعلتم عند حديثكم عن أهل النهروان والإباضية؟.
صحيح أنكم أيها الكُتّاب أتباع هوى، وحطاب ليل، فلا منهج للحق
اتبعتم، ولا لعقولكم ومناهجكم المعوجة احترمتم.
وقال ابن الأثير أيضاً:
فقام إليه حجر بن عدي في قيوده فقال له: أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه وصالحنا، وأنا لم نقتل أحداً من أهل القبلة فيحل له دماؤنا ...
فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحصين بن عبد الله الكلابي،
وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم ... وقالوا لهم قبل القتل: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وأن أبيتم قتلناكم. فقالوا: لسنا فاعلي ذلك. فأمر فحفرت القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر وأصحابه يصلون عامة الليل ...
قال الخثعمي: الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤول عما أردت بسفك دماءنا! فقال له: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك. قال أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به؟ فسكت ... ثم قال لعبد الرحمن بن حسان يا أخا ربيعة ما تقول في علي؟ قال: دعني ولا تسألني فهو خير لك. قال: والله لا أدعك. قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالى كثيراً من الأمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وأغلق (1/166)
صفحة 166
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
167
أبواب الحق قال: قتلت نفسك! قال: بل إياك قتلتُ ولا ربيعة بالوادي، يعني ليشفعوا فيه فرده معاوية إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فدفنه حيا (396). القارئ لهذه الرواية يرى وكأن أحداث محاكم التفتيش التي تعرض لها المسلمون في الأندلس نسخة مطورة من محاكم التفتيش الأموية، ومع هذا لا تهز للكتاب أي شعرة.
فهي
ومما ذكره ابن الأثير:
وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، ولأهل بيته،
(397)
وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم وعند ذكره ليعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، قال ابن وكان سبب موته أنه اتصل بالمتوكل، فقال له: أيما أحب إليك المعتز والمؤيد، أو الحسن والحسين؟ فتنقصص ابنيه، وذكر الحسن والحسين ع، بما هما أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى
الأثير:
):
داره فمات.
6
(398)
ومما نقله ابن الأثير أيضاً:
وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، وهو كتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه قد استدل فيه بأحاديث كثيرة على وجوب لعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا تصح ... فقال عبيد الله للقاضي يوسف بن يعقوب ليحتال في منعه عن ذلك، فكلم يوسف المعتضد، وحذره اضطراب العامة، فلم يلتفت، فقال: يا أمير المؤمنين! فما
(396) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 484 - 486. (397) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 55 (398) الكامل في التاريخ، ج 7 ص 91. (1/167)
صفحة 167
168
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
نصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية ويميل إليهم خلق كثير من الناس لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب من إطرائهم كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط السنةً وأظهر حجة فيهم اليوم. فأمسك المعتضد ولم يأمر في الكتاب بعد ذلك بشيء، وكان عبيد الله من المنحرفة عن علي
(399)
هم
فهؤلاء الذين يلعنون الناس، ويتخذون المنابر وسيلتهم في ذلك لا لهم سوى تفكيك المجتمع المسلم، وجعله شيعاً ولا يلتفتون إلى ما تحدثه قراراتهم المتهورة من مساوئ في المجتمع المسلم.
ولم يكن الدين الحنيف هو المانع للمعتضد عن تطبيق ما عزم عليه من لعن، ولكن حينما أشير إليه بأن الآخرين قد يركبون الموج «ويميل إليهم
خلق كثير من الناس» مما يعرضه للخسارة، توقف عن إتمام ما أمر به.
فاستعراض الناس واستجوابهم في الطرقات وفي مجالس الحكام وسؤالهم عن علي، وعثمان، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، وعن أناس آخرين، إنما هو ديدن أمراء بني أمية وبني العباس ومن سار على نهجهم عبر التاريخ الذي وجدناه في تاريخ ابن الأثير (400) وغيره من الكتب.
هذه الروايات، التي نقلناها أعلاه، لا يهمنا منها شيء لأن كل ما فيها من أحداث لا علاقة له بمهمتنا في هذا الوجود فالله تعالى حسيب كل فرد، ولن يسأل الله أحداً عما اقترفته أيدي، الآخرين فمن التضييع للأوقات البحث عن
(399) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 485 - 486. (400) انظر روايات أخرى ذكرها ابن الأثير وفيها أخبار عن استجواب الناس منسوبة إلى أقوام وقف الإباضية ضد أفكارهم. الكامل) في التاريخ، ج 4 ص 193، ج 8 ص 273، ج 6/
INE 6081 - 08+
ص 406، ج 5 ص 224، ج 5 ص 229 - 230، ج 3 ص 472، ج 5/ ص 540 ـ 541، ج 18 3
ص 542 - 543، ج 3 ص 414، ج 3 ص 333، ج 3 ص 413 - 414، ج 3 ص 405). (1/168)
صفحة 168
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
169
صدق هذه الروايات أو كذبها إن كان القصد هو إثبات ما لا فائدة من إثباته، أو نفي ما لا جدوى من نفيه.
ونقول للكتاب: إن كانت قد استهوتكم تلك الروايات الباطلة التي ذكر فيها عبد الله بن خباب، لحاجة في نفوسكم، فإنه من الأولى أن تستهويكم هذه الروايات إذا رأيتم في ذلك منفعة لكم، لأن فيها من الوقائع ما هو شبيه تلك الروايات الضعيفة التي تراقصتم حولها.
بما في
(402)، قال حدثني
(404)
قال
فقد جاء عند الإمام الطبري: «حدثني عمر موسى بن إسماعيل (40)، قال حدثني سليمان بن مسلم العجلي أبي (405) يقول: مررت بالمسجد، فجاء رجل إلى سمرة (406) فأدى زكاة
سمعت
(401) تاريخ الطبري، ج 3 ص 240. (402) عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد بن رائطة النميري قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق ... قال الدارقطني ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث ... وقال الخطيب: كان ثقة عالما بالسير وأيام الناس وله تصانيف كثيرة ...
:
قلت [ابن حجر]: وقال المرزباني في معجم الشعراء عمر بن شبة أديب فقيه واسع الرواية صدوق ثقة. وقال مسلمة: ثقة أنبأ عنه المهرواني، وقال محمد بن سهل راويته: كان أكثر الناس حديثا وخبرا وكان صدوقا ذكيا نزل بغداد عند خراب البصرة ... ». (تهذيب
التهذيب، ت: 5103، ج 7 / ص 389 - 390).
(403) «موسى بن إسماعيل المنقري ... أبو سلمة التبوذكي ... ثقة ثبت ... ». (تقريب التهذيب، ت: 6969، ج 2 ص 220).
(404) سليمان بن مسلم أبو المعلى العجلي ذكره البخاري في التاريخ الكبير (ت: 1884، ج 4/ ص 37) وابن حبان في الثقات (ج 6 / ص 393) يروى عن الشعبي وأبيه روى عنه
التبوذكي. (405) مسلم العجلي ذكره البخاري في التاريخ الكبير (ت: 1138، ج 7 ص 269) وابن حبان في الثقات (ج 15 ص (398 يروى عن سمرة بن جندب روى عنه ابنه سليمان بن مسلم. (406) سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين بن لأي بن عصيم ابن شمخ بن فزارة صحب النبي صلى الله عليه وسلم وغزا معه وله حلف في الأنصار، = (1/169)
صفحة 169
170
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
)
ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقه، فإذا رأسه في المسجد، وبدنه ناحية فمر أبو بكرة، فقال: يقول الله سبحانه قد أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) قال أبي: فشهدت ذاك، فما مات سمرة أخذه الزمهرير، فمات شر ميتة، قال: وشهدته وأتي بناس كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأني بريء من الحرورية، فيقدم
حتى
فيضرب عنقه حتى مرّ بضعة وعشرون».
ونقل الطبري أيضاً (407): حدثني عمر قال: حدثني موسى بن إسماعيل،
(408)
(409)
قال: حدثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحداني، عن أبي سوار
وكانت أمه عند مري بن سنان عم أبي سعيد الخدري فيرون أن سمرة فيمن شهد أحدا ونزل البصرة بعد ذلك فاختط بها ثم أتى الكوفة فأشترى بها دورا في بني أسد بالكناسة فبناها فنزلها ومات بها، وله بقية، وعقب وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة وكان زياد يستعمله على البصرة إذا خرج إلى الكوفة. ... لما مرض سمرة بن جندب مرضه الذي مات فيه أصابه برد شديد فأوقدت له نار فجعل كانونا بين يديه وكانونا خلفه وكانونا عن يمينه وكانونا عن يساره ... فجعل لا ينتفع بذلك ويقول كيف أصنع بما في جوفي فلم يزل كذلك حتى مات» (الطبقات الكبرى،
ت: 2887، ج 7 ص 35). (407) تاريخ الطبري، ج 3 ص 208.
(408) نوح بن قيس الحداني الطاحى وهو ابن قيس بن رباح روى عن تميم بن حويص وأشعث
الحداني ... نا عبد الر أنا الله عبد
حمن
بن
أحمد
بن محمد بن حنبل فيما كتب إلي قال قال أبي: نوح بن قيس ثقة ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين انه قال نوح بن قيس صالح نا عبد الرحمن أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتب إلي قال نا عثمان بن سعيد قال سألت يحيى بن معين عن نوح بن قيس فقال: ثقة (كتاب الجرح والتعديل، ت: 2209، ج 8/ ص 483). (409) «أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني ... أنا بن أبي خيثمة فيما كتب إلي قال سمعت يحيى بن معين يقول: أشعث بن جابر الحداني: ثقة بصير. حدثنا عبد الرحمن أنا عبد الله أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال أبي: أشعث بن جابر الحداني لا بأس به. بن
= (1/170)
صفحة 170
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
العدوي
171
(10)، قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلًا قد
جمع القرآن».
أبي
وقال ابن سعد
(414)
(411): «أخبرنا وهب بن جرير بن حازم (412) قال حدثني (413) قال سمعت الفضل بن سويد يحدث وكان في حجر الحجاج وكان أبوه أوصى إلى الحجاج قال بعثني الحجاج في حاجة فقيل قد جيء بسعيد بن جبير فرجعت لأنظر ما يصنع به فقمت على رأس الحجاج فقال له الحجاج يا سعيد ألم أستعملك ألم أشركك في أمانتي؟ قال بلى قال حتى
=
سألت أبي عن أشعث الحداني فقال شيخ». (كتاب الجرح والتعديل، ت: 984، ج 2/ 273 - 274). وقال ابن حجر: «صدوق» (تقريب التهذيب، ت: 528، ج 1/
ص
ص 105 ـ 106).
(410) «أبو السوار العدوي البصري قيل اسمه حسان بن حريث وقيل حريث بن حسان ... قال محمد بن سعد أبو السوار العدوي من بني عدي بن زيد مناة بن طابخة بن إلياس بن مضر وكان ثقة وقال أبو عبيد الآجري سئل أبو داود عن أبي السوار العدوي فقال من ثقات الناس روى له البخاري ومسلم والنسائي (تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ت: 8014، ج 8/ ص 330).
(411) الطبقات الكبرى، ج 6 / ص 274 - 275. وأيضاً تاريخ الطبري ج 4/ ص 24. (412) وهب بن جرير بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري ثقة من التاسعة مات سنة ست ومائتين (تقريب التهذيب، ت: 7499، ج 2 ص 291).
من
حفظه
(413) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري والد وهب ثقة لكن في قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث حديثه عن وهو من السادسة مات سنة سبعين بعد ما اختلط لكن لم يحدث في حال اختلاطه تقريب التهذيب، ت: 913، ج 1/ ص 158). ونقل ابن حجر في التهذيب: « ... عن ابن مهدي: جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما أحشُوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه
شيئاً». (تهذيب التهذيب، ت: 965، ج 2 ص 64).
(414) «الفضل بن سويد روى عن سعيد بن جبير ... قال أبو حاتم ليس بالمشهور ولا أرى بحديثه بأسا وذكره ابن حبان في كتاب الثقات روى له أبو داود في كتاب القدر حديثا
واحدا». (تهذيب الكمال في أسماء الرجال ت: 5324، ج 6/ ص 37). (1/171)
صفحة 171
172
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
قال
قال عزم علي
ظننا أنه سيخلي سبيله قال فما حملك على أن خرجت علي فطار الحجاج شقتين غضبا قال هيه أفرأيت لعزيمة عدو الرحمن عليك حقا
ولم تر الله ولا لأمير المؤمنين عليك حقا اضربا عنقه فضربت عنقه». فأين الدكتور أحمد عوض عن هذه الروايات المنسوبة إلى سمرة بن جندب والحجاج الثقفي وهي أرقى من تلك الروايات الباطلة المتهافتة المنسوبة إلى أهل النهروان الكرام، والتي اعتمد عليها ليقول: «لا يكاد الباحث يجد سبباً حقيقياً جديراً بأن يدفع الخوارج إلى إراقة الدماء التي
(210)
أراقوها، وإزهاق الأرواح التي أزهقوها، وإلى سلب أموال المسلمين وقتل نسائهم وأطفالهم ...
(416)
فنقول للدكتور كان ينبغي لك أن تثبت التهمة أولاً ثم بعد ذلك أقبل بكلامك هذا، فهذا الكلام أحق به جنود بني أمية وليس أهل النهروان الكرام. وكان ينبغي لك أن تقول: «لا يكاد الباحث يجد سبباً حقيقياً جديراً بأن يدفع» جنود بني أمية «إلى إراقة الدماء التي أراقوها، وإزهاق الأرواح التي أزهقوها، وإلى سلب أموال المسلمين وقتل نسائهم وأطفالهم ... ».
أما كان من
الأجدر بالدكتور أحمد عوض أن يسأل عن الأسباب التي دعت جنود بني أمية إلى سفك الدماء وسلب الأموال؟
من الروايات التي ذكرت أعلاه يتبين لكل منصف أن الذين اتهموا باستجواب عبد الله بن خباب وقتله هم أناس ليس لهم صلة بفكر أهل
النهروان، بل هم قوم قد طردهم (47) أهل النهروان من صفوفهم
(415) كما هو واضح من سياق الكلام في كتاب الدكتور أحمد عوض فإنه يقصد بـ (الخوارج) هنا أهل النهروان الكرام.
(416) الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 45.
(417) أثبتنا طرد أهل النهروان للقوم الذي استعرضوا الناس في الطرقات في كتابنا (الإباضية (1/172)
صفحة 172
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
173
أعمالهم الشنيعة المنكرة، وبهذا فلا حجة للكتاب في اتهامهم لأهل النهروان باستجواب الناس على الهوية وقتلهم في الطرقات.
ويتبين لنا جميعاً، من خلال الروايات السابقة، أن الذين لهم القدح المعلى، والسهم الفائز، والحظ الأوفر في استجواب الناس وقتلهم على
انتماءاتهم
السياسية هم بني أمية وبني العباس.
قادة وساسة وكبار المسؤولين من الجبابرة في دولة
وقد سجل الكتاب دور أصحاب السياسة في تأليب العامة على من عاداهم ووقف ضد سياساتهم، خدمة لمآربهم الذاتية وتعزيزاً لصولات جحافلهم، فقد جاء في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) ما نصه: «بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوي علي، فأخذ القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمّل عليه بإخوانه، فقالوا: يا أبا محمد خلّصه من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب: الله الرحمن الرحيم أما بعد يا أمير المؤمنين فلو كانت لعثمان مناقب سم أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي مساوي أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك (418).
ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، انظر القسم الأول من الفصل الخامس من الكتاب المذكور.
وقال الدكتور الشيخ السابعي: «وبهذا يتبين أنه حتى الجماعة التي أقبلت من البصرة لم يرتض أكثرها عمل مسعر، وعليه فإن الاستعراض الذي نتج عنه مقتل ابن خباب وزوجته وبعض النسوة ورسول علي كان من عمل مسعر ولا علاقة لأهل النهروان به، خاصة بعد أن طردوه وبعد أن استأمن إلى علي فأمنه لأنه كان يقطع الطريق وسيتحل الفروج)» (الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 132). (418) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ج 15 ص 648، وانظر كذلك (وفيات الأعيان، ج 2 ص 402). (1/173)
صفحة 173
174
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
من هذا النص، وغيره من النصوص التي ذكرناها أعلاه، يتبين دور الساسة في تأليب الجماهير على الأبرياء، ومحاولتهم الدؤوبة لتجنيد الأقلام والأفواه في بث الدعايات الباطلة في أوساط المجتمعات
المسلمة.
فهل سينتبه الدكتور هاني سليمان الطعيمات وغيره لهذه الحقائق، أم أنه سيبقى عالة على الضعفاء من الرواة ولسان دعاية لأهل الجور والجبروت؟
(ج)
كُتَّاب التاريخ ينسبون مجاهيل من الناس إلى أهل النهروان
والمتصفح لكتب التاريخ يجدها محشوة بأسماء رجال لا تعرف أصولهم الفكرية، ولم ينسب الكتاب لكثير منهم أية حادثة تبرر وسمهم بالخروج على
تعاليم الإسلام.
والروايات المنسوبة إلى الخوارج جاء فيها أسماء رجال مجهولين؛ لا ذكر لهم إلا في تلك الروايات. والكتاب على مدى القرون الماضية وإلى هذا الوقت، جعلوا أولئك المجاهيل ممن وصفوهم بالخوارج خلفاً لأهل
النهروان!!
وما محاولة إلصاق المجهولين بأهل النهروان ونسبة المخالفات الشرعية إليهم، إلا إشاعة أريد منها بث الوهن والتشكيك في مواقفهم، والتقليل من شأنهم في أوساط من رأى سلامة مواقفهم. ولقد ثبت لدى كل عاقل أن الإشاعة لا تثبت أي شيء، بل تؤدي عملها فقط إذا استطاعت أن تخلق جواً (1/174)
صفحة 174
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
(419).
من عدم الثقة» (19). والمتتبع لما نسب إلى أهل النهروان من أباطيل يجدها
ضمن حرب هجومية يخوضها جيش بأسلحة فكرية وعاطفية (420). فها هو ابن الأثير يذكر في موسوعته التاريخية أسماء رجال وعدهم من الخوارج ولم ينسب لكثير منهم أي عمل استحقوا به صفة الخارجية.
فممن ذكرهم ابن الأثير في كامله بلال الغساني (42)، وحمزة بن مالك الخزاعي
(422)
، وعمرو اليشكري
(425)،
(423)
، والبختري صاحب الأشهب
وأبان بن قحطبة الخارجي ا، وأبو عمرو الشاري
وعبد السلام الخارجي
، ويوسف البرم
، ومحمد بن عمرو، ومساور بن عبد الحميد الموصلي الخارجي وحلي ين يحيى الخارجي ا، وهارون الخارجي، وابن مطر ومحمد بن صالح، وشوذب الخارجي
(419) محددات الإشاعة في السلم والحرب، ص 136، نقلا عن معتز سيد عبد الله: الحرب النفسية والشائعات دار، غريب القاهرة، 1997 م، 192).
(420) محددات الإشاعة في السلم والحرب، ص 115 نقلا عن أحمد بدر، الإعلام الدولي دراسات في الاتصال والدعاية الدولية مكتبة غريب، القاهرة، ص 292).
(421) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 415.
(422) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 95.
(423) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 212.
(424) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 212. (425) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 168. (426) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 166.
(427) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 43. (428) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 48. (429) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 120. (430) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 179. (431) الكامل في التاريخ، ج 298/ 7. (432) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 419. (433) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 214. (434) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 68. (1/175)
صفحة 175
176
(435)
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(436)
وزياد بن خراش العجلي ا، وشبيب الخارجي، ومعين الخارجي
(439)
وأبا مريم (438)، وأشرس بن عوف الشيباني، وهلال بن
والأشهب بن بشر
التميمي
بكير
علقمة (440)
، وسعيد بن قفل التيمي، وأبا مريم السعدي
، وياسين من بني تميم، وثروان بن سيف، وسيف بن
، والصحصح الخارجي
الخارجي (46)، وصالح بن مسرح والفضل بن سعيد الحروري، وحصين الخارج (450)، وحمزة بن اترك السجستاني (45)، والموفق (الخارجي) (452)، وأبا النداء (453).، وخارجي من بجيلة
اسمه صالح بن محمود وإنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني
(435) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 491 (436) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 396.
(437) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 412. (438) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 412. (439) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 372. (440) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 372. (441) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 372. (442) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 373. (443) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 516. (444) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 78. (445) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 205. (446) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 197. (447) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 78.
(448) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 112.
(449) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 115. (450) الكامل في التاريخ، ج 6 ص 124.
(451) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 147. (452) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 163. (453) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 205. (454) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 220. (1/176)
صفحة 176
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
(200)
177
العمروي (45). وغيرهم الكثير الكثير من الذين لا يعرفون، ولم تعرف مبادئهم، هذا إن كان لهم وجود في هذه الدنيا.
ولم يقف الكتاب عند ذكر أسماء مجهولة، بل تعدى بهم الحال إلى أن ذكروا أناساً ووصفوهم بالخوارج، ولم يذكروا لهم اسماً ولا نسباً، فقد قال ابن الأثير: وفيها ظهر بسجستان خارجي، وسار في جمع إلى بلاد فارس يريد التغلب
(207)
عليها، فقتله أصحابه قبل الوصول إليها، وتفرقوا» (45). فمن هو هذا الخارجي؟ ـ «وفيها حَم رجل من الخوارج بمنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهم فقُتل ذلك الرجل عند الجمرة (457). . ومن هو هذا الخارجي الذي سل سيفه بمنى؟
وفيها ورد الخبر إلى بغداد، ورسول من عامل برقة ... بخبر خارجي خرج عليهم، وأنهم ظفروا به، وبعسكره، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ... » (458). وأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا
(459)
))
فيهم القتل». فمن هم هؤلاء الخوارج؟.
فتعاقد سبعة عشر رجلاً من بني عوف على الطلب بدم بكير، فخرج
فتى منهم يُقال له شمردل من البادية حتى قدم خراسان فرأى بحيراً واقفا فحمل عليه، فطعنه فصرعه وظن أنه قد قتله فقال الناس خارجي، ورا وراكضهم، فعثر به فرشه فسقط عنه فقتل» (460)، حتى المجاهيل نسبوهم إلى الخوارج!!.
(455) الكامل في التاريخ، ج 7/ 226. (456) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 198 (457) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 304 - 305. (458) الكامل في التاريخ، ج 18 ص 074 (459) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 414. (460) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 458. (1/177)
صفحة 177
178
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وفي هذه السنة خرج خارجي من البربر بناحية مورور، من الأندلس،
ومعه جماعة» (4). من هو. من هو هذا الخارجي؟.
ولم يقتصر الكتاب على ذكر رجال مجهولين في المحيط الإسلامي، بل أضافوا إلى قائمة الخوارج رجالاً ظهرت جرائمهم في ساحات الملل الكافرة، فقد نقل ابن الأثير:
ـ «ثم إن كيكاووس بعد هذه الحادثة تمزق ملكه وكثرت الخوارج عليه فصاروا يغزونه، فيظفر مرة ويظفرون أخرى (462).
) -
فخرج اسم قسطنطين، فملكوه ... فخرج عليه فيها خارجي من الروم اسمه أرميناس ... فأهم قسطنطين، أمره، وسيره إليه جيشاً كثيفاً، فظفروا بالخارجي وقتلوه، وحملوا رأسه إلى القسطنطينية ...
(463)
- «ظهر ببلاد الصين إنسان لا يُعرف فجمع جمعاً كثيراً من أهل الفساد والعامة ... فأغار على البلاد وأخربها، ونزل على مدينة خانقوا ... وبذل السيف، فقتل منهم ما لا يحصى كثرة ... ثم انهزم الملك، وتبعه الخارجي ... واستولى الخارجي على أكثر البلاد والخزائن، ... فأخرب البلاد، ونهب الأموال، وسفك الدماء ... » (464).
فهؤلاء الذين وصفوا بالخوارج هنا - سواء من ذكر اسمه أو لم يذكر اسمه - لا علاقة لهم بفكر أهل النهروان الكرام البتة؛ فأهل النهروان ومن سار على نهجهم عبر التاريخ لم تزايل أقدامهم خطى الرسول صلى الله عليه وسلم وخطى
الصحابة الكرام.
(461) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 318. (462) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 247.
(463) الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 500.
(464) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 319. (1/178)
صفحة 178
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
179
ولقد ناقش كثير من الكتاب المدلول الاصطلاحي لكلمة (الخوارج) حسب ورودها في كتب التاريخ والحديث وأشعار الناس، وبين كل كاتب ما يراه المعنى المناسب لهذا الاصطلاح، ولمزيد من الإيضاح حول دلالة كلمة (الخوارج) عليك أيها القارئ الكريم بكتاب (الخوارج والحقيقة الغائبة) (465) للدكتور الشيخ ناصر السابعي.
ومهما يكن من تعدد في مدلولات هذه الكلمة، فإن مدلول (الخوارج) الذي يسعى به جميع الكُتّاب، الذين تطاولوا على أهل النهروان والإباضية، (466) فساداً، ومن يحرق وينهب ويقتل
6
(468)
ينطبق على من يعيث في الأرض الأطفال ويأخذ النساء (467)، ومن يقتل ويمثل وينهب ليرعب قلوب الناس ومن يقتل الرجال ويسبي النساء ويشق فروج النساء ويبقر بطونهن (469).، ومن
(465) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 144 - 161، حيث ناقش الدكتور الشيخ ناصر السابعي مصطلح (الخوارج) من ناحية النشأة التاريخية، ومن جانب النواحي الصرفية، واللغوية،
والاصطلاحية. (466) قال ابن الأثير: «خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة ... ثم سار إلى أذربيجان، ثم إلى حلوان وأرض السواد، ثم عبر إلى غرب دجلة، وقصد مدينة بلد، فافتدوا منه بمائة ألف وعاث في أرض الجزيرة الكامل) في التاريخ، ج 6/ ص 141). (467) قال ابن الأثير: « ... ودخل أبو يزيد باجة فأحرقها ونهبها وقتلوا الأطفال، وأخذوا النساء ... » (الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 423). (468) قال ابن الأثير: « ... وبلغ الخبر إلى أبي يزيد، فسير إليهم طائفة من عسكره، وأمر مقدمهم أن يقتل، ويمثل وينهب، ليرعب قلوب الناس، ففعل ذلك ... » (الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 424)، وقال أيضاً: « ... وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية، وينهبون، ويقتلون، ويرجعون إلى منازلهم ... » (الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 429). (469) قال ابن الأثير: « ... وأرسل سرية إلى سوسة ففتحوها بالسيف، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء، وأحرقوها، وشقوا فروج النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق في أفريقية موضع معمور ولا سقف مرفوع، ومضى جميع من بقي إلى القيروان حفاة عراة، ومن تخلص من السبي مات جوعاً وعطشاً. وفي آخر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة أمر (1/179)
صفحة 179
180
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
يقطع الطرق ويفسد في الأرض (47)، ومن يقتل ويجمع يأخذ الأبكار ويفتضهن في المساجد (47).
الأموال (471).، ومن
ويلخص الدكتور محمد بن موسى الشريف صنائع الخوارج بقوله: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة
القائم بحفر الخنادق حول أرباض المهدية، وكتب زيري بن مناد، سيد صنهاجة، وإلى سادات كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية وقتال النكار فتأهبوا للمسير إلى القائم» (الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 426). وقال أيضاً: « ... فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد أرسل الجيوش ... إلى تونس، فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا الرجال، وهدموا المساجد، ونجا كثير من الناس إلى البحر فغرق الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 431). ونقل ابن كثير أيضاً ما نصه: «وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية ... فقاتلوا نائب إفريقية فهزموا جيشه وقتلوه .... وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد، وقتلوا والأولاد» (البداية والنهاية، م 5، ج 10/ ص 113).
الحريم
):
(470) قال ابن الأثير: (، وخرج أيضا فضل بن أبي يزيد، وأفسد وقطع الطريق، فغدر به بعض أصحابه وقتله ... » (الكامل في التاريخ، ج 18 ص 441) ونقل ابن الأثير أيضاً: «فشنوا الغارة على أهل المدائن يقتلون الرجال والنساء والولدان ويشقون أجواف الحبالي ... وأفسد الخوارج في الأرض. الكامل في التاريخ، ج 4 ص 283)، وقال أيضاً: «وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهو من أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه قتله، وأمر أصحابه بالإفساد في البلاد الكامل) في التاريخ، ج 7 / ص 470). (471) قال ابن الأثير: وخلت خراسان لحمزة الخارجي، حتى دخلها، وصار يقتل، ويجمع الأموال، ويحملها إليها عُمّال هراة وسجستان» الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 209). وقال أيضاً: «خرج بأرض الموصل خارجي اسمه الأغر بن مطر التغلبي ... وقصد كفرتوثا وقد اجتمع معه نحو ألفي رجل، فدخلها ونهبها وقتل فيها» (الكامل في التاريخ، ج 221/ 8). (472) قال ابن الأثير: وفيها خرج علي بن مساور الخارجي ... فسار إلى أذرمة، فحاربه أهلها، فظفر بهم، فدخلها بالسيف، وأخذ جارية بكراً فجعلها فيئاً واقتضها في المسجد ... » الكامل في التاريخ، ج 7 ص 249. (1/180)
صفحة 180
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
181
سابقة لأحد، ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء ... (473).
هذه
هي جملة مما نُعت به (الخوارج)، وهي صفات برئت منها ساحة أهل النهروان ولم يقم دليل صادق واحد يرتضيه منهج الإسلام ويثبت نسبة هذه القضايا إلى أهل النهروان أصحاب عبد الله بن وهب الراسبي. وما نسب إلى أصحاب عبد الله بن وهب الراسبي من أفعال تستنكرها الشرائع السماوية، وترفضها الفطر السليمة من قتل ومثلة إنما هي أكاذيب لا أصل لها، وكل الروايات التي جاءت بها ضعيفة في ميزان الإسلام، والذين نشروها واحتجوا بها إنما هم يحتطبون الأخبار بأهوائهم»، وما قاموا به إنما هو عمل غير علمي ولا دقيق بل عمل حاطب ليل وسائس خيل لا عمل أساتذة التاريخ المحققين». وما سطرته أيديهم يبرهن بأصدق لسان أنهم «کالخابط في ظلماء الليالي».
فالعار يلحق من عرف منهج الإسلام في تقييم الأخبار، ثم هو لا يلتفت إلى المنهج السليم ويقبل بكل كيانه على روايات باطلة، ويتخذها وسيلته السهلة لكي يلصق مجرمي التاريخ وأعمالهم بأهل النهروان الطهر الميامين.
فأقول لهؤلاء الكُتّاب: لقد تجاهلتم مناهج الإسلام في دراسة الأخبار فكانت نتيجة كتاباتكم نسبة الباطل إلى أهل النهروان والإباضية، ولو قَدَّرْتُم ما ينبغي لكم فعله حق قدره لما تلطخت ألسنتكم بذكر الأباطيل، ولأرحتم أنفسكم من تبعات الكذب في الدنيا والآخرة.
(473) من مآسي الافتراق، ص 29. (1/181)
صفحة 181
182
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(د)
كُتاب التاريخ والجرائم التي ارتكبها
الذين حاربهم الفكر الإباضي
تلك الجرائم التي نسبها كُتّاب التاريخ لمن قالوا عنهم خوارج، هم أنفسهم ـ أي الكُتاب ـ من سطر أشنع منها ونسبوها إلى أناس آخرين ولكنهم لم يحشر وهم في زمرة الخوارج.
الكتاب.
وأستسمحك أخي القارئ الكريم في عرض هذه الأحداث المؤلمة التي نقلها ابن الأثير، وغيره لأن من محاور هذا البحث هو بيان أن هناك خرقاً واضحاً للعدالة التي ينشدها الإسلام من قِبَل كُتّاب التاريخ، وبيان أن هناك اعتداء على مناهج الإسلام في كتابة التاريخ من قبل كثير من ومن محاور هذا البحث أيضاً مطالبة كل فرد تعرض للحديث عن تاريخ أمة الإسلام العدالة في الحكم وعدم بخس الناس أشياءهم، وأن يضع الرجال في المنازل التي وضعهم الإسلام فيها.
وأنا حينما أضع هذه الأحداث أمام ناظريك فإني أرجو منك أخذ الملاحظات الآتية بعين الاعتبار
1 - لن تنفع من غبر من البشر مدائح الحاضرين إذا كانت سيرهم لا تقربهم إلى الله، ولن يضر من مضى من الناس شتائم الحاضرين إن كانوا أقدموا على الله بقلوب طاهرة وأعمال زاكية.
2 ـ قضيتنا في هذا البحث ليس لها علاقة بالرجال الذين نُسبت إليهم أو تلك الأحداث، فذكر أسمائهم جاء عرضاً في وسط سطور الأخبار، أمامه وألا يحمل تبعات
عليهم
لهذا فإني أدعو القارئ إلى النظر في
الأحداث التي (1/182)
صفحة 182
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
183
تلك الأحداث إلى من نُسبت إليهم؛ فلا تهمنا تفاصيل أحداث وقعت قبلنا بقرون، ولن نسأل نحن عنها ولو عرفنا تفاصيلها.
3 ـ حسبي من هذه النقولات إقامة الحجة على الكتاب الذين ينقلون الأخبار الباطلة وينسبونها إلى الأبرياء، في وقت لا نسمع لهؤلاء الكتاب همسا حينما تُنسب نفس الأعمال، أو أفظع منها، إلى جنود بني أمية
العباس وغيرهم.
وبني
وإليكم هذه الأحداث وفيها الدلالة الواضحة أن الذين وقفوا موقف العداء للإباضية لم يتبعوا منهاج الإسلام في تقييم الرجال.
1 - جرائم الجيش الأموي في مدينة رسول الله: قال ابن الأثير:
O
وأباح مسلم المدينة ثلاثا (474) يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال، فأفزع ذلك من بها من الصحابة ... ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم من شاء، فمن امتنع من
ذلك قتله ... »
(475)
«فلما قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من الصحابة
(474) وذكر ابن الأثير وصية يزيد بن معاوية لقائده مسلم بن عقبة المري حينما وجهه لحرب أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وسار الجيش وعليهم مسلم، فقال له يزيد: إن حدث بك حدث فاستخلف الحصين بن نمير السكوني، وقال له: ادع القوم ثلاثا، فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثا، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس». الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 112 - 113). (475) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 117 ـ 118. (1/183)
صفحة 183
184
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
بالرصاص استخفافا بهم كما يُفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله
وأنس بن مالك وسهل بن سعد ... »
أخي القارئ الكريم:
(476)
أتدري أي جيش هذا الذي استباح مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل الناس ونهب الأموال وأفزع الصحابة؟
أتدري أي جيش هذا الذي أساء إلى أهل المدينة وختم على أيدي
الصحابة بالرصاص؟
إنه جيش بني
أمية - حسـ
ما تناقلته كتب التاريخ ـ الذي كان عليه
مسلم بن عقبة المري.
هذه الجرائم وغيرها التي سجلها الكُتاب لذلك الجيش العربيد لم تصل بمرتكبيها في أنظار كُتَّاب التاريخ إلى حضيض الخوارج وإن أتوا بأعمال التتار التي ارتكبوها في ديار الإسلام.
فسؤالنا للكتاب: لماذا لا نجد أفراد هذا الجيش في قائمتكم التي سجلتم فيها أسماء من قلتم إنهم خوارج؟ أليس استحلال مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرة من كبائر جرائم الحروب؟ إنها الأهواء حينما تخالط قلوب الناس، فتنقلب الموازين وتتعطل الأحكام في حق من يستحقها.
لقد عُرّفت جرائم الحرب بأنها: «مخالفة الشرع وما يتفق معه من قوانين وأعراف الحرب وتقاليدها التي تشمل كل الأفعال المحرمة من القتل والتعذيب والإكراه وسوء المعاملة والاعتقال في المعسكرات والأعمال الشاقة التي تنال من السكان المدنيين التابعين لدولة الأعداء أو المقيمين
(476) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 358 - 359. (1/184)
صفحة 184
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
185
فيها، وأفعال القتل أو الإساءة والتعذيب لأسرى الحرب وقتل الرهائن وسلب الممتلكات الخاصة أو العامة، وتدمير المدن والقرى وتخريبها أو كل أفعال التدمير والتخريب الذي لا تبرره الضرورة العسكرية
(477)
فكل جرائم الحرب التي تحاربها الشرائع السماوية قد فعلها جيش يزيد بن معاوية في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا لم يجرؤ ابن الأثير ومن سار على نهجه من الكتاب على وصف يزيد وجنوده بالخوارج!!!.
(EVA)
وتلك المشاهد المؤلمة من قتل ونهب وهتك أعراض والتي كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلمساحتها، لم نشاهد مثلها ولا نصيفها إلا حينما استحل الكفار ديار المسلمين، فقد جاء في كتاب الدين) (والدم) ما يلي: «تعرض المورسكيون (478) لأهوال كثيرة حتى قبل أن يغادروا بيوتهم، فكان النصارى يهجمون عليهم في بيوتهم لسرقة ممتلكاتهم وقتلهم في حالات كثيرة. وفي أثناء الترحيل إلى الموانئ تعرضوا إلى السرقة والاختطاف، حتى من جانب الجنود المرافقين لهم. وكانت المآسي الأكبر في انتظارهم على السفن التي تآمر عليهم بحارتها في حالات كثيرة، فسرقوا ممتلكاتهم واغتصبوا نساءهم، وألقوا بهم في البحر أو باعوهم عبيداً أو ألقوا بهم على شواطئ معزولة وحتى المورسكيون الذين هاجروا براً عن طريق فرنسا، لم تخل رحلتهم من السرقة والابتزاز والقتل في بعض الأحيان. ومن المورسكيين أيضاً من رفض
(477) المسئولية الجنائية للقادة العسكريين في الحروب شرعاً ونظاماً، ص 158. (478) قال مترجم كتاب (الدين والدم المورسكيون Moriscos كلمة إسبانية معناها (الأندلسيين الصغار) أو (أنصاف الأندلسيين)، استخدمها الأوروبيون، خاصة في شبه جزيرة أيبيريا، للإشارة إلى المسلمين الذين نُصروا قسراً في إسبانيا والبرتغال بعد سقوط ممالك المسلمين في الأندلس، ومع الوقت أصبحت الكلمة تستخدم بشكل ازدرائي للإشارة إلى الكاثوليك بالاسم فقط، الذين يُشتبه في أنهم يطبقون تعاليم الإسلام وطقوسه سراً» (الدين والدم إبادة شعب الأندلس، هامش 1، ص 43). (1/185)
صفحة 185
186
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الطرد ولجأ إلى الثورة، وهؤلاء قمعتهم الجيوش النصرانية وباعتهم لتجار العبيد واقتادت بعضهم إلى السواحل لإبعادهم. وحتى بعد الوصول إلى شمال إفريقيا، تعرض بعضهم للقتل والسرقة والاغتصاب من القبائل البدوية الخارجة على القانون. (479).
وجاء أيضاً في نفس الكتاب: « ... غاصت خيول الفرسان النصارى حتى بطونها في الوحل والماء، ما فرض عليهم بعض الخسائر قبل اقتحام البلدة، وساعتها أعملوا السيف في السكان الذكور، في حين ذهبت النساء والأطفال إلى أسواق العبيد. وقعت حوادث مماثلة في أماكن أخرى ... وبأوامر من دي ثافراء، ألقي مئتان من زعماء الثوار من فوق مئذنة أحد المساجد، واستعبدت النساء والأطفال. وفي بلدة أندرش Andarax ، ذبح ثلاثة آلاف مسلم بأوامر القائد الأسباني ... منهم ستمائة امرأة وطفل فُجروا داخل مسجد كانوا قد لجؤوا إليه ... » (480).
من
فتلك المذابح وذلك الاغتصاب الذي أوقعه الأسبان في حق المسلمين هو نفسه الذي ذكره ابن الأثير لجيش يزيد بن معاوية في المدينة المنورة الطاهرة.
هذه الجرائم التي ارتكبها جنود بني أمية يصدق على مرتكبيها قول الدكتور محمد بن موسى الشريف الذي وصف الخوارج بقوله: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة سابقة لأحد، ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء ...
(EA 1)
(479) الدين والدم إبادة شعب الأندلس، ص 29. (480) الدين والدم إبادة شعب الأندلس، ص 159.
(481) من مآسي الافتراق، ص 29. (1/186)
صفحة 186
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
187
أليس هذا الجيش الأموي قد سفك الدم الحرام، ولم يراع لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حرمة وقتل من المسلمين ما قتل؟، فإذاً لماذا لا يذكر أفراد هذا الجيش وقادته في زمرة الخوارج؟
والذي سجل في كتب التاريخ ونقله ابن الأثير والإمام ابن كثير ـ ضمن أحداث عام 384 للهجرة - عن أعمال (العيارين) الذين أفسدوا في بغداد شبيه لما اقترفته أيدي جنود بني أمية الآثمة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال ابن الأثير: ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد، وثار العيارون والشقل ينهبون. وقال الإمام ابن كثير: « ... فيها عظم الخطب بأمر العيارين، عاثوا ببغداد فساداً وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلاً ونهاراً، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات ... » (483).
الدور»
(482)
(483)
تلك المجازر التي ذكرها ابن الأثير وغيره لجنود بني أمية قد تلطخت أيدي مرتكبيها بالدم، الحرام، لأن أولئك الرعاع والحثالة من المنحطين أخلاقياً لم تكن لهم قيم سامية ولا مبادئ عالية سوى ممارسة غرائزهم في الحرق والقتل ونهب الأموال، وصدق ابن الأثير حينما وصف الذين يقدمون على النهب والقتل والتحريق بـ «السفل»، وهذا الوصف ليس حكراً للـ «عيارين» الذين أفسدوا في عاصمة بلاد الرافدين بل هو لكل من تجرأ على حدود الله فأثار
الفتن وقتل ونهب وشرد وعاث في الأرض فساداً ولو حكم الدنيا بأقطارها.
فما الذي صرف قلم ابن الأثير وغيره من الكتاب عن وصف جنود بني أمية، الذين أفسدوا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالخوارج؟، ألم يأت ذلك الجيش بما أتى به كفار النصارى من قتل ونهب؟
(482) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 16. (483) البداية والنهاية، م 6 ج 11/ ص 333. (1/187)
صفحة 187
188
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
2 - جرائم الجيش الأموي في اليمن:
ونقل ابن الأثير:
بعث معاوية بُسْرَ بن أبي أرطاة ... ثم سار إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملا لعليّ، فهرب منه إلى علي بالكوفة، واستخلف علي على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه وأخذ ابنين لعبيد الله بن عباس صغيرين هما عبد الرحمن وقتم فقتلهما ... وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة علي باليمن ...
(484)
إنها جرائم يصدق على فاعليها قول الدكتور الشريف: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة سابقة لأحد، ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء ...
(485)
وعلى كثرة تكرار جرائم هذا الجيش على صفحات كتب التاريخ فإننا لم
نجد من وصف ذلك الجيش بالخوارج.
فبأي حق تقتل الأطفال؟
وبأي مبرر تقتل الناس في الطرقات؟
فسؤالنا لأبن الأثير ومن سار على نهجه: لماذا تقاعستم عن كتابة اسم بسر بن أبي أرطأة وأفراد جيشه الذي أرسله معاوية في قائمة من
قلتم إنهم خوارج؟
(484) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 383 - 384. (485) من مآسي الافتراق، ص 29. (1/188)
صفحة 188
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
189
لماذا تسابقتم إلى كتابة أسماء أناس مجهولين في قائمتكم السوداء، وتركتم هؤلاء الأبطال!!!! يغدون ويروحون في دماء المسلمين الطاهرة الزكية؟.
ونسأل ابن الأثير عن سبب ذكره لحيان بن ظبيان السلمي، الذي دعا جماعته إلى حرب أهل القبلة حسب الرواية الضعيفة، في قائمة الخوارج؟ ولم يذكر اسم مصعب بن الزبير الذي نقل عنه أنه قتل «سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة
(486)
ألم يُعَرِّف هؤلاء الكتاب الخوارج بأنهم من «يقتل أهل القبلة»؟، فإذاً لماذا لم يسجلوا مصعب بن الزبير وبسر بن أبي أرطأة في القائمة التي أعدوها للخوارج وقد سجلوا عليهم قتل المسلمين في اليمن والعراق؟
- جرائم الجيش الأموي في العراق:
ومما نقله ابن الأثير:
فلما استخلف زياد سَمُرَةَ على البصرة أكثر القتل فيها، فقال ابن سيرين قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف فقال له زياد أتخاف أن تكون قتلت بريئا؟ فقال: لو قتلتُ معهم مثلهم ما خشيت. وقال أبو السوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع
القرآن .... »
(487)
إنها جرائم يصدق على فاعليها قول الدكتور الشريف: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة سابقة لأحد،
(486) الكامل في التاريخ، ج 4/ 278.
(487) الكامل في التاريخ، ج 462/ 3 - 463. (1/189)
صفحة 189
190
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء ... (488).
(EAA)
ما الذي زحزح اسم سمرة بن جندب عن قائمة ابن الأثير التي عدها
للخوارج، وهو قد قتل الآلاف من المسلمين وحفظة كتاب الله؟
ستلتقي الخلائق عند أحكم الحاكمين، وسيجزى كل فاعل ما اقترفت يداه، وليس من ديننا البحث لأجل معرفة من قتل من. فكل ما نسعى إليه هو تبيان منهاج الأمة في تقييم الأفراد والمجتمعات، وتبيان اضطراب الموازين عند كثير من الكتاب.
فها هم الكتاب لم ينبسوا ببنت شفة في وصف سمرة بن جنب وزياد بن أبيه بالخوارج مع أنهم قد نسبوا إليهما قتل الآلاف من المسلمين ومن حفظة كتاب الله تعالى، في وقت نجدهم - أي الكتاب - يتسابقون في وصف الأبرياء والمجاهيل بالخوارج.
فأين العدالة التي يريدها الإسلام؟ وأين الصدق في القول من هؤلاء الكتاب؟.
4 - جنود بني أمية ومقتل الحسين بن علي الله وكرم وجه أبيه الكريم: ونقل ابن الأثير:
«وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، وقال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان فت الله عضدك! ونزل إليه فذبحه واحتز رأسه فدفعه إلى
(488) من مآسي الافتراق، ص 29. (1/190)
صفحة 190
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
191
خولي، وسلب الحسين ما كان عليه فأخذ سراويله بحر بن كعب وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وهي من خز، فكان يسمي بعد قيس قطيفة، وأخذ نعليه الأسودُ الأودي، وأخذ سيفه رجل من دارم ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها ونهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء حتى إن كانت المرأة لتنزع ثوبها من ظهرها فيؤخذ منها (489).
فهذه الرواية لن تكون أضعف من تلك الروايات التي نُسبت إلى الخوارج أبداً، وإن هؤلاء الذين عملوا تلك الفعال الشنيعة في حق الحسين وأهله، ينطبق عليهم وصف الدكتور الشريف للخوارج آنف الذكر.
فلماذا لم يسجل ابن الأثير أسماء هؤلاء القتلة
في قائمته التي أعدها
للخوارج؟ إن مما ابتليت به هذه الأمة، عبر تاريخها إلى يوم الناس هذا، هو وجود طائفة من الناس ممن ازدوجت في أذهانهم المقاييس، فأصبحوا يكيلون بمكاييل الهوى ولا يُحَكِّمون علوم الإسلام عند تقييمهم لأحداث التاريخ. فلله الأمر من قبل ومن بعد.
- جرائم الحجاج بن يوسف في التاريخ
ونقل ابن الأثير:
وقتل الحجاج يوم الزاوية بعد الهزيمة أحد عشر ألفا
خدعهم
بالأمان
وأمر مناديا فنادى: لا أمان لفلان بن فلان فسمى رجالاً، فقال العامة: قد آمن
الناس، فحضروا عنده فأمر فقتلوا (490).
بهم
(489) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 78 - 79. (490) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 469. (1/191)
صفحة 191
192
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال ابن الأثير أيضاً وقيل: أحصي من قتله الحجاج صبراً فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا» (491).
ونقل ابن الأثير: «قال الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم
(492)
ألا يستحق الحجاج الثقفي أن يكون على رأس قائمة الخوارج
جرائمه البشعة في حق أهل القبلة؟
وفي رده على الذين دافعوا عن الحجاج قال الدكتور محمد بن موسى الشريف: «وهذا دفاع أعمى عن رجل ظالم ولغ في الدماء ولوغاً بلغ مبلغ التواتر، وكان جباراً عسوفاً، يأخذ الناس بأدنى شيء وأقله، بل في بعض
الأحيان بدون سبب ...
(493)
وببلوغ الحجاج هذه المنزلة من الإفساد في الأرض، فهو بحق يستحق هذا الوصف الذي قاله الدكتور محمد الشريف: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة سابقة لأحد، ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء ... » (494).
فالحجاج الذي قتل الآلاف من خيار المسلمين لم تصل به جرائمه، عند ابن الأثير ومن سار على نهجه إلى حضيض الخوارج، لا لشيء إلا لأنه جندي مطيع من جنود بني
أمية.
(491) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 587. (492) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 586
(493) كيفية قراءة التاريخ وفهمه، ص 76 - 77، ثم نقل الدكتور الشريف كلام الإمام الذهبي في حق الحجاج (انظر سير أعلام النبلاء، ج 4/ ص 343).
(494) من مآسي الافتراق، ص 29. (1/192)
صفحة 192
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
193
وأما الإباضيون المدافعون عن حمى الإسلام والمنازلون لجبروت الطواغيت في ساحات الوغى، من أمثال الحجاج الثقفي، فلا منزلة لهم عند ابن الأثير وغيره من الكتاب الذين ساروا على نهجه، إلا في صفوف الخوارج!!!!. فلله الأمر من قبل ومن بعد.
6 - جرائم أموية في اليمن
قال ابن الأثير:
وحج
بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد الذي قتل أبا حمزة، وكان هو على الحجاز. ولما بلغ الوليد قتل عمه عبد الملك مضى إلى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلة عظيمة وبقر بطون نسائهم وقتل الصبيان وحرّق بالنار مَنْ قدر عليه منهم
(495)
ذلك
وعلق الدكتور فاروق عمر فوزي على هذه الحادثة بقوله: « ... ومع فإن مجموعة إباضية تصدت له (يقصد عبد الملك بن عطية السعدي) وهو في طريقه إلى مكة وقتلته. وكان رد الفعل الأموي عنيفاً، إذ أرسل عامل صنعاء الأموي جيشاً فتك بأهل حضرموت حيث قتل الرجال والصبيان وبقر بطون النساء وأخذ الأموال وخرب القرى ... )
(496)
لقد حرم الإسلام تحريماً قاطعاً التمثيل بالقتلى وإحراق جثث الأعداء بالنار، لأن النار لا يُعَذِبُ بها إلا الله، ولأن الإنسان له حقوق بعد موته وهي
دفنه وترك الأمر لله ع) (497).
(495) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 402.
(496) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، (497) أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية الشريفة، ص 56. (1/193)
صفحة 193
194
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فأين هذه الجيش الأموي الرعديد من مبادئ الإسلام؟، وأين أولئك الكُتاب من قول الصدق في وصف هؤلاء الهمج من البشر؟.
هذا الذي فعله الجيش الأموي؛ بقر لبطون النساء، وقتل للصبيان، وتحريق للمسلمين. ومع كل هذه الجرائم فالجيش الأموي قد ألبس حصانة بحيث لا يحق للبشر أن يصفوهم بالخوارج.
فإذا لم يكن أفراد هذا الجيش العربيد من الخوارج، حسب تعريف الدكتور الشريف آنف الذكر، فمن يكن الخوارج إذن؟
قد يكون من بيننا قراء لا تحرك هذه الجرائم المنسوبة إلى جنود بني أمية فيهم نخوة الإسلام، ولكن عسى حالهم يصلح إذا عرفوا أن ما أوقعه جنود بني أمية بالمسلمين في بلاد اليمن هو نفس العمل الذي أوقعه النصارى في ساحات الأندلس. فقد قال ماثيو كار، صاحب كتاب الدين (والدم ما نصه: فبعد هجوم نصراني على موقع مورسكي محصن في قلعة واجرش أمر القائد العام بذبح الباقين على قيد الحياة من المورسكين. وفي قرية جبيل قتل العشرات من الأسرى المورسكيين بدم بارد حين حاولوا أن يمنعوا جندياً نصرانياً من اغتصاب امرأة مورسكية (498)
وقال ماثيو كار أيضاً وفضلت نساء مورسكيات كثيرات أن يلقين بأنفسهن من فوق الجبال على الأسر والعبودية ... ولم يبد جنود دي بلش أي رحمة أمام التوسلات، فأعدموا مئات الرجال والنساء والأطفال فوراً أو رموهم في الوديان المحيطة وقتلوا حتى الكلاب والقطط. يا لها من وحشية نصرانية فظيعة لم تُعرف من قبل في الأمة الإسبانية ما هذا الغضب الجهنمي
(498) الدين والدم إبادة شعب الأندلس،
ص
292 (1/194)
صفحة 194
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
195
الذي جعلكم تظهرون كل هذه الوحشية وانعدام الرحمة؟ هكذا تعجب خينيس بيريث دي هيتا الذي قاتل في جيش دي بلش»
(499)
نعم، يا لها من وحشية نصرانية ومن قبلها من فظائع أموية في حق المسلمين الآمنين.
:
ويكفي الذين بقروا بطون المسلمات ممن ادعى الإسلام أن تكون قدوتهم في ذلك هند بنت عتبة - حينما كانت على كفرها ـ التي بقرت جسم حمزة بن عبد المطلب و الله الله، فقد نقل ابن الأثير ووقعت هند وصواحباتها على القتلى يمثلن بهم، واتخذت هند من آذان الرجال وآنافهم خدماً وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها (500).
أن هند عملت ما عملت
صحيح
وهي ة، ولا عذر لها فيما عملت كافرة،
ولكن فما عذر من عمل نفس الصنيع وهو يدعي الإسلام؟
أليس من حق من نسبت إليه أمثال هذه الفعال الشنيعة أن يسجل اسمه في قائمة الخوارج؟
ويكفي جنود بني أمية - الذين نسب إليهم ابن الأثير قتل المسلمين ونهب أموالهم وبقر بطون نسائهم - أن تكون أفعالهم النكراء هي مما ارتكبته جحافل التتار يوم وثبوا على حياض الإسلام.
قال ابن الأثير وهو يسطر أحداث التتار في ديار الإسلام: «لقد بقيتُ عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً] وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام
(499) الدين والدم إبادة شعب الأندلس، ص 294.
(500) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 159. (1/195)
صفحة 195
196
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنتُ نَسياً منسيّاً ... وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...
(0+1)
وقال ابن الأثير: «في سنة سبع عشرة وستمائة وصل التتر، لعنهم الله، إلى الري ... وقد انضاف إليهم كثير من عساكر المسلمين والكفار، وكذلك أيضاً من المفسدين من يريد النهب والشر، فوصلوا إلى الرَّي على حين غفلة من أهلها، فلم يشعروا بهم إلا وقد وصلوا إليها، وملكوها، ونهبوها، وسبوا الحريم، واسترقوا الأطفال، وفعلوا الأفعال التي لم يُسمع بمثلها ... فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مرّوا عليها، وفعلوا في الجميع اضعاف ما فعلوا في الري، وأحرقوا، وخربوا ووضعوا السيف في الرجال والنساء والأطفال، فلم يُبقوا على شيء» (502).
ويكفي جنود بني أمية، أنهم بأفعالهم النكراء، كانوا قدوة لمن جاء بعدهم من الإفرنج والروم الذين أفسدوا في ديار الإسلام. فقد قال ابن الأثير: « ... وقتل الفرنج، بالمسجد الأقصى، ما يزيد على ألفاء سبعين منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف ... » (103). وقال ابن الأثير أيضاً: «فلما تمت الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فحصروها وتسلّموها، وقتلوا كثيراً من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا
(0+1)
(501) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 358 - 359. (502) الكامل في التاريخ، ج 12 ص 373. وانظر كذلك ما ذكره الإمام ابن كثير من مفاسد التتار في ديار الإسلام وخاصة ببغداد (البداية والنهاية، م 7، ج 13 ص 94 وما بعدها)، و (البداية
والنهاية، م 7، ج 13 ص 216).
(503) الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 283 - 284. (1/196)
صفحة 196
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
197
أموالهم، ولم يسلم إلا من مضى منهزما ... وفيها، في رجب، ملكوا مدينة قَيْسَاريّة بالسيف، وقتلوا أهلها، ونهبوا ما فيها
(504)
ووصف لنا ابن الأثير واقعة أخرى بقوله: «أغار ملك الروم على الرُّها
ونواحيها، وسار في ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين، فغنموا، وسبوا، وأحرقوا وخرّبوا البلاد، وفعلوا مثل ذلك بديار بكر.
بني
(0.0)
(( ...
أمية
أخي القارئ الكريم لعلك أدركت الآن بشاعة ما قام به جنود بني ا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ارتكبوه من جرائم في بلاد اليمن. وما نقلنا لجرائم التتار والأسبان في بلاد الأندلس إلا لوضع المشهدين، مشهد جنود أمية وهم يشقون البطون ومشهد التتار والأسبان وهم يبقرون أرحام المسلمات، أمام ناظريك إلا لتدرك بعقلك بعد وزنك للأحداث بميزان الإسلام أن الذين ثار عليهم الإباضية هم مفسدون في الأرض، تشابهت أعمالهم مع أعمال أعداء الإسلام في الشرق والغرب وعلى امتداد الزمن. فيا ليت ابن الأثير قال: «فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين وهو ينقل لنا جرائم القائد الأموي في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما فعل حينما أورد لنا خبر التتار في ديار الإسلام.
ويا ليت ابن الأثير قال: «فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا
وكنت نسيا منسيا حينما ذكر لنا فعائل بني أمية في بلاد اليمن.
بني
فالتتار قتلوا النساء وبقروا بطونهن عن الأجنة الآمنة، وكذلك فعل جنود أمية والتتار والصليبيون قتلوا الرجال والأطفال وكذلك وجد في كتب
التاريخ من فعل فعلتهم ممن انتسب إلى الإسلام.
(504) الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 325.
(505) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 618. (1/197)
صفحة 197
198
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ومن المشاهد التي ذكرها ابن الأثير للإجرام الأموي والعباسي حينما لم يكتفوا بالقتل المحرم، بل تعدوا ذلك إلى التمثيل بأجساد المسلمين: قتل ابن الزبير، وحز رأسه، وإرسال الرأس إلى عبد الملك مروان (506)
بن
وخرج عبد الله بن عمر بن عبد العزيز] فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية [عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب] فأمر ابن عمر مناديا فنادى من جاء برأس فله خمسمائة. فأتي برؤوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن»
(O.V)
فما كان إلا ساعة حتى انهزم حماد وأصحابه، ووضع أصحاب المعز فيهم السيف، وغنموا ما لهم من عُدَد ومال وغير ذلك، فنادى المعز: من أتى برأس فله أربعة دنانير؛ فأُتي بشيء كثير ...
—
(0+1)
« ... وقتل مروان [يقصد مروان بن محمد] جماعة من أسرائهم وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة [يقصد مدينة حمص]
(0.9)
واستعمل مروان على فلسطين الرُّماحس بن عبد العزيز الكناني، فظفر بثابت وبعثه إلى مروان موثقا بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة فقطعت أيديهم وأرجلهم وحملوا إلى دمشق فألقوا على باب المسجد، ثم صلبهم على أبواب دمشق» (510).
(506) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 356 ـ 357. (507) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 326. (508) الكامل في التاريخ، ج 9 ص 258.
(509) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 329 (510) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 330. (1/198)
صفحة 198
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
199
ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلا على الطعام ... فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين
بعضهم حتى ماتوا جميعاً، وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق ... وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضا جماعة من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة وأمر بهم فجروا بأرجلهم فأُلقوا على الطريق فأكلتهم «الكلاب» فهذه الجرائم التي ذُكرت باختصار هنا هي مشاهد مروعة شبيهة لما تعرض له المسلمون في بلاد الأندلس على أيدي أعداء الإسلام، فقد جاء في كتاب الدين والدم ما نصه: «وفي الخامس والعشرين من مايو 1611، أصدر كاراثينا أمراً همجياً وعد فيه بتقديم مكافأة عن كل مرسكي يؤتى به من مولا حياً أو ميتاً. تلت ذلك عمليات بشعة لاصطياد البشر، إذ تكالب صائدو الثروات النصارى على هذه الجبال وبدؤوا في العودة برؤوس المورسكيين للمطالبة بالمكافآت ... »، وجاء في هامش هذه الصفحة قول المترجم: «كان الواحد من صيادي البشر) الإسبان يكافأ على عدد الرؤوس أو (القضبان) التي يعود بها إلى غرناطة، فقد كان الواحد منهم يقطع رأس أو (قضيب) فريسته ليريح نفسه من حمل الجثمان كاملاً، أو حتى الرأس» (512) [انتهى قول المترجم].
و مشهد آخر من مشاهد الإجرام، شبيه بما قام به جنود بني أمية وبني العباس في ديار الإسلام، ينقله لنا الأمام ابن كثير عن جحافل الفرنج يوم هجموا على الإسكندرية الآمنة: «ووردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع
(511) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 430 - 431.
(512) الدين والدم إبادة شعب الأندلس،
، ص
484 - 0485 (1/199)
صفحة 199
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
بمدينة الإسكندرية من الفرنج لعنهم الله ... وعاثوا في أهلها فسادا، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم الله العلي الكبير المتعال ... فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين ما قطع الأكباد وذرفت له العيون وأصم الأسماع، فإنا لله وإنا إليه راجعون (513).
وينقل لنا الدكتور عماد الدين خليل شهادات المراسلين الغربيين عن ما فعلته جحافل الطليان في مدن ليبيا حيث قال: وكتب المراسل الألماني فون غوتنبرغ يقول: (إنه لم يفعل جيش مع عدوه من أنواع الغدر والخيانة ما فعله الطليان في طرابلس ... وفي ذلك يقول هرمان رنول المراسل النمساوي: وأحرق الطليان في 26 تشرين الأول سنة (1911 م) حيا بأكمله خلف بنك روما، بعد أن ذبحوا أكثر سكانه وبينهم النساء والشيوخ والأطفال ... ).
وراح الطليان يخربون المساجد ويتخذونها إسطبلاً للدواب، كما راحوا يدوسون القرآن الكريم كلما وجدوه ...
ويصف شاهد عيان معركة الكفرة التي حدثت سنة (1931 م) فيقول: ودخل الطليان الكفرة ولم يبق بها إلا الشيوخ والنساء والأطفال، فانتشر الطليان فيها وفي قرية التاج مستبيحين كل حرمة، ونهبوا الأموال وذبحوا الشيوخ والأطفال ذبح الخراف، وبقروا بطون الحوامل وهتكوا الأعراض وحرقوا المساجد وداسوا المصاحف (514).
فهؤلاء الأشرار الذين أفسدوا في ديار الإسلام أتوا بما أتت به جحافل الأمويين والعباسيين كما نقل لنا ذلك ابن الأثير نفسه في كامله.
(513) البداية والنهاية، م 7، ج 14 ص 329.
(514) في التأصيل الإسلامي للتاريخ، ص 208 (1/200)
صفحة 200
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
201
لم يقدم جنود بني
أمية
وبني العباس للمسلمين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وغيرها من ديار الإسلام الورود والرياحين، بل قدموا لهم الموت الزعاف، وبقر البطون، والنهب والسبي والسلب تماماً كما
التاريخ للمسلمين من إفساد وجور.
قدم أعداء الإسلام عبر
فلماذا تقاصرت أقلام ابن الأثير ومن سار على دربه عن وصف أولئك الرعاع من جنود بني أمية بالخوارج، وهم قد أتوا بأعمال فاقت في بشاعتها
ما نسب إلى الخوارج من جرائم؟
- جرائم جنود سعد الدولة في اليمن:
قال ابن الأثير:
فاستعمل عليهم سعد الدولة أميراً اسمه ترشك، فساروا حتى وردوا اليمن، فاستولوا عليها، وأساءوا السيرة في أهلها، ولم يتركوا فاحشة ولا سيئة إلا ارتكبوها (515).
أينتظر الكُتّاب جرائم أفحش من هذه الجرائم حتى يسجلوا اسم سعد الدولة وقائده في صفوف الخوارج؟
- جرائم زيد النار العلوي، و «الجزار» العباسي في ديار الإسلام:
قال ابن الأثير:
«وسار علي بن سعيد إلى البصرة، فأخذها من العلويين، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي وهو الذي يسمى زيد النار، وإنما سُمي بها لكثرة ما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى رجل من المُسَوَّدة أحرقه؛ وأخذ أموالاً كثيرة من
(515) الكامل في التاريخ، ج 10 ص 204. (1/201)
صفحة 201
202
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
أموال التجار ... وبعث إلى مكة والمدينة واليمن جيشاً، فأمرهم بمحاربة مَنْ بها من العلويين ... واجتمع بها إليه جماعة من أهل مكة هربوا من العلويين واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن، وسبى، وأخذ الأموال
(017)
فأين زيد النار، وأين الجزار من قائمة الخوارج؟، أم لكونهما من
العلويين والعباسيين فلا يحق لأي كاتب أن يصفهم بالخوارج؟
فعند ابن الأثير ومن سار على شاكلته فإن قائمة الخوارج تتسع لكل مجهول، وتضيق أمام من عُرف اسمه واسم أبيه واسم جده ولو نافسوا الكفار التاريخ في مفاسدهم وجرائمهم. فهذا الإجرام الذي نسبه ابن الأثير لهؤلاء الناس قد أورد لنا مثله عن الروم حيث قال: « .... وصل الروم إلى قرب حلب، ونهبوا وخربوا البلاد، وسبوا نحو خمسة عشر ألف إنسان (517). وقال أيضاً: « ... نزل الروم مع الدمشتق على عين زربة ... ونادى في البلد، أول الليل، بأن يخرج جميع أهله إلى المسجد الجامع، ومن تأخر في منزله قتل، فخرج من أمكنه الخروج، فلما أصبح فلما أصبح أنفذ رجالته في المدينة، وكانوا ستين ألفا، وأمرهم بقتل من وجدوه في منزله، فقتلوا خلقاً كثيراً من الرجال والنساء والصبيان ... وأمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث شاؤوا، يومهم ذلك، ومن أمسى قتل، فخرجوا مزدحمين، فمات بالزحمة جماعة، ومرّوا على وجوههم لا يدرون أين يتوجهون، فماتوا في الطرقات، وقتل الروم من وجدوه بالمدينة آخر الليل ...
(011)
فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(516) الكامل في التاريخ، ج 6 / ص 310 - 311.
(517) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 392. (518) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 538 - 539. (1/202)
صفحة 202
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
9 - جرائم ترتكب في حرم الله الآمن:
قال ابن الأثير:
203
وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلاً من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد، فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن، ماهان وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، فعلم العقيلي أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز قافلة من الحاج، ومعهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذ أموال التجار، وكسوة الكعبة وطيبها، وقدم
الحجاج مكة عراة منهوبين»
(019)
وقال ابن الأثير أيضاً: «ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة والبيعة لمحمد بن جعفر. وفي هذه السنة في المحرم، نزع الحسين كسوة الكعبة وكساها كسوة أخرى، أنفذها أبو السرايا من الكوفة، من القز، وتتبع ودائع بني العباس وأتباعهم، وأخذها، وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه، وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب، وهو نزر حقير، وأخذ ما في خزانة الكعبة، فقسمه كسوتها على أصحابه (520).
مع
وقال ابن الأثير أيضاً: «دخل محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدينة، وقتلا جماعة من أهلها وأخذا من قوم مالاً، ولم يصل أهل المدينة
في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أربع جمع، لا جمعة ولا جماعة ...
(519) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 313 - 314.
(520) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 311.
(521) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 413.
•
(521) (1/203)
صفحة 203
204
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال ابن الأثير أيضاً: «وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بشاشات وانتهب إسماعيل منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة وأخذ ما كان حمل لإصلاح القبر من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحواً من مائتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن نهبها، وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوماً وسار إلى المدينة، فتوارى عاملها، ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعاً وعطشاً ... ولقي أهل مكة منه كل بلاء. ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوماً، فحبس عن الناس الطعام وأخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم وافى إسماعيل عرفة ... وقتل من الحاج نحو ألف ومائة، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة ولم يقفوا بعرفة ليلاً ولا نهاراً، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها (522).
وقال ابن الأثير: « ... وفيها ظهر بصعيد مصر إنسان علوي، ذكر أنه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب. ويعرف بابن الصوفي، وملك مدينة أسنا، ونهبها، وعم شاره (البلاد)
(523)
وأيضاً نسأل ابن الأثير ومن اقتفى أثره: لماذا لا يذكر اسم هذا العلوي، والعقيلي، والأفطس، ومحمد وعلي أبناء الحسين بن جعفر، وإسماعيل بن يوسف بن إبراهيم في قائمة الخوارج؟ ألستم أنتم أيها الكتاب من ذكرتم أن أعمال الخوارج قتل الناس ونهب أموالهم؟
من
(522) الكامل في التاريخ، ج 7 / ص 165 ـ 166.
(523) الكامل في التاريخ، ج 7 ص 238. (1/204)
صفحة 204
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
205
أليس أحدكم من وصف الخوارج بقوله: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة سابقة لأحد، د، ونتج عن مقتل عشرات الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم
صنيعهم
هذا
سادة كرام نجباء ... »
(524)
فلماذا جفت أقلامكم عن وصف هؤلاء الناس بالخوارج؟، أليس هذا هو
الهوى الذي يصم ويعمي؟
فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
10 - قطاع طرق حجاج بيت الله الحرام:
وقال ابن الأثير:
وسار الحاج من دمشق ... فلما قضوا حجهم وعادوا سائرين سير أمير مكة، وهو محمد بن أبي هاشم عسكراً فلحقوهم بالقرب من مكة، ونهبوا كثيرا من أموالهم وجمالهم ... فلما أيسوا منه ساروا من مكة عائدين على أقبح صورة، فلما أبعدوا عنها ظهر عليهم جموع من العرب في عدة جهات، فصانعوهم على مال أخذوه من الحاج، بعد أن قتل منهم جماعة وافرة، وهلك
فيه [كثيرون] بالضعف والانقطاع، وعاد السالم على أقبح صورة» (525). وقال ابن الأثير: «وفيها خرج بنو هلال وجمع من العرب على الحاج، فقتلوا منهم. خلقاً كثيراً، وضاق الوقت، فبطل الحج، ولم يسلم إلا من مضى أحمد الموسوي، والد الرضي، على طريق المدينة، فتم حجهم
أبي
(524) من مآسي الافتراق، ص 29. (525) الكامل في التاريخ، ج 10 ص 225.
(526) الكامل في التاريخ، ج 647/ 8.
مع
(526)
الشريف (1/205)
صفحة 205
206
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وقال ابن الأثير: وفيها كانت فتنة عظيمة بين الأمير هاشم بن فليتة بن القاسم العلوي الحسيني، أمير مكة، والأمير نظر الخادم أمير الحاج، فنهب أصحاب هاشم الحجاج وهم في المسجد يطوفون ويصلون، ولم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة (527).
ألا تكفي هذه الجرائم في حرم الله الآمن وفي حق حجاج بيت الله تعالى أن تلقي بفاعليها في صفوف الخوارج؟
أقول لابن الأثير ومن انتهج نهجه: كفاكم حيدة عن معالم الحق وكفاكم صدوداً عن مقاييس العدل والإنصاف حينما تذكرون الإباضية الزهر الكرام ظلماً وعدواناً في قائمة من وصفتموهم بالخوارج.
فأين هؤلاء الذين ذكرتموهم هنا بجرائمهم من الإباضية الذين لا يستحلون قطرة دم مسلم، ولا يأخذون دانقاً من أموال موحد مهما خالفهم في الرأي؟
11 - إجرام على يد معز الدولة وناصر الدولة:
قال ابن الأثير:
))
فلما سمع معز الدولة الخبر سار إلى تكريت فنهبها لأنها كانت لناصر الدولة ... » (528)
وقال ابن الأثير: «فضاقت الأقوات على معز الدولة وعسكره، وبلغه أن بنصيبين من الغلات السلطانية شيئاً كثيراً ... فلما توسط الطريق بلغه أن أولاد ناصر الدولة أبا المرجّى وهبة الله بسنجار في عسكر، فسير إليهم عسكراً، فلم يشعر أولاد ناصر الدولة بالعسكر إلا وهو معهم، فعجلوا عن
(527) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 103. (528) الكامل في التاريخ، ج 8 ص 453. (1/206)
صفحة 206
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
207
أخذ أثقالهم، فركبوا دوابهم وانهزموا ونهب عسكر معز الدولة ما تركوه ... وكان أصحاب ناصر الدولة في حصونه ببلد الموصل، والجزيرة، يغيرون على أصحاب معز الدولة بالبلد، فيقتلون فيهم، ويأسرون منهم، ويقطعون
الميرة عنهم
(529)
وقال أيضاً: «واشتد الأمر على جلال الدولة لفقره، وقلّة الأموال وغيرها عنده فاستشار أصحابه فيما يفعل فأشاروا أن يقصد الأهواز وينهبها. ويأخذ ما بها من أموال أبي كاليجار وعسكره ... ومضى إلى الأهواز فنهبها، وأخذ من دار الإمارة مائتي ألف دينار، وأخذوا مالا يحصى، ودخل الأكراد والأعراب وغيرهم إلى البلد، فأهلكوا الناس بالنهب والسبي ... » (530).
ضاقت الأقوات على معز الدولة فرأى الفرج في نهب أموال ناصر الدولة، وفي المقابل يسعى ناصر الدولة بقتل جنود معز الدولة وأسرهم وقطع أرزاقهم. واشتد فقر جلال الدولة فأشار إليه بطانته بنهب الأهواز المسلمة، وأطلق أيدي من سار معه في أعراض الناس فأهلكوا الحرث والنسل.
أبهذه الجرائم تجلل الممالك وينصر الدين وتعز الدول؟!
أما علم معز الدولة وناصر الدولة أن «الإسلام» يريد بأعمال الجهاد أن تكون انتصاراً للمظلومين وحرية الدين وحماية المؤمنين والدعوة إلى توحيد رب العالمين (531)، لا أن تنتهك الأعراض وترتكب المحرمات؟
(529) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 522 ـ 523. (530) الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 375.
(531) المسئولية الجنائية للقادة العسكريين في الحروب شرعاً ونظاماً،
ص
62 (1/207)
صفحة 207
208
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فسؤالنا لابن الأثير ومن سار على نهجه ما الذي يصرفكم عن نعت
هؤلاء بالخوارج، وهم قد جاءوا بأفعال أعداء الإنسانية من غير نقصان؟ أليست أعمالهم هذه شبيهة بكل معايير الإجرام لما قام به توفيل بن مخائيل ملك الروم الذي أغار على أهل ملَطْيَّة وغيرها من حصون المسلمين، المسلمات، ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم،
وسبي
وقطع أنوفهم وآذانهم ...
عنه: ( ...
(532)
أليست أعمال ناصر الدولة وأعمال معز الدولة وجنودهما شبيهة بما اقترفته يد ملك الروم وجنوده في حمص حين قصدها؟، حيث أورد ابن الأثير فأحرقها ملك الروم ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها نهباً وتخريباً ... وأقام في الشام شهرين يقصد أي موضع شاء، ويخرب ما شاء ... وعاد ومعه من السبي نحو مائة ألف رأس، ولم يأخذ إلا الصبيان، والصبايا، والشبّان، فأما الكهول، والشيوخ والعجائز، فمنهم من قتله، ومنهم من ملك الروم سريّة كثيرة إلى الجزيرة، فبلغوا كفرتوثا، ونهبوا
أطلقه ... وسير وسبوا وأحرقوا ... » (533).
أليس أولى بقائمة الخوارج التي يلوح بها ابن الأثير ومن سار على نهجه أن تحمل في أحشائها كذلك معز الدولة!! وناصر الدولة!! وجنودهما الذين
أتوا بما أتى به الروم من جرائم في ديار الإسلام؟
فما لهؤلاء القوم يحشرون الأبرياء في قائمة الخوارج ويتركون هؤلاء
المجرمين؟ فلله الأمر من قبل ومن بعد.
(532) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 479. (533) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 596 - 597. (1/208)
صفحة 208
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
12 - جرائم جيش المنصور في الأهواز
قال ابن الأثير:
209
فقال له المنصور اعمد إلى إبراهيم ولا يروعنك جمعه، فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان فثق بما أقول وضم إليه غيره من القواد. وكتب إلى المهدي يأمره بإنفاذ خزيمة بن خازم إلى الأهواز، فسيره في أربعة آلاف فارس فوصلها وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثاً» (534).
حتى ولو استباحها لحظة من نهار أو ليل لكان ذلك حراماً في دين الله. يا معشر الكتاب هذا هو حال جيش بني العباس، فلماذا لا تلقون بهم في صفوف الخوارج؟
ولماذا عمدتم إلى الإباضية الوقافين عند حدود الله ووسمتموهم ظلماً وعدواناً؟ فحسبنا الله ونعم الوكيل.
بالخوارج
13 - مشهد إجرامي فيه دليل على اضطراب مقاييس كتاب التاريخ:
قال ابن الأثير:
فاستخلف زُفَرُ على قرقيسيا أخاه أوس بن الحرث وعزم على أن يغير على بني تغلب ويغزوهم، فوجه خيلاً إلى بني فَدَوْكَس بطن من تغلب فقتل رجالهم واستبيحت أموالهم ونساؤهم ... وبعث زفر أيضا مسلم بن ربيعة العقيلي إلى قوم تغلب مجتمعين فأكثر فيهم القتل ... وترجل أصحاب زفر أجمعون وبقي زفر على بغل له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم ...
(534) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 565 - 566.
(535) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 318.
(535) (1/209)
صفحة 209
210
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
هذه الأحداث التي سجلها ابن الأثير، من قتل وبقر لبطون النساء، لم تهز له شعرة ولم يجرؤ على وصف زفر بن الحرث وقائده مسلم بن ربيعة العقيلي بالخوارج.
فحينما تضطرب المقاييس، ولم يراع للكلمة الصادقة حقها، فإنك يا أخي القارئ الكريم ستجد المجرمين لا ينالهم من الكتاب ما يستحقونه من وصف، بل ستجد ـ ويا للعار - كيل التهم الباطلة ضد من وقف أمام أصحاب هذه الأعمال الفاحشة فلله الأمر من قبل ومن بعد.
14 - ابن الأثير واضطراب الموازين:
قال ابن الأثير:
وقد جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر، ويقال: يزيد بن هوبر التغلبي، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت قيش وقتلت تغلب ومن معها منهم مقتلة عظيمةً وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني
سليم
(536)
الحروب عند هؤلاء الناس لا تنتهي إلا بالمقتلة العظيمة وببقر بطون النساء، ومع هذا لا يصفهم ابن الأثير ومن سار على نهجه
بالخوارج.
15 - مروان الأموي واستباحته لأرواح المسلمين وأموالهم
قال ابن الأثير:
6
وانهزم) سليمان ومن معه واتبعتهم خيلُ مروان تقتل وتأسر واستباحوا
عسكرهم، ووقف مروان موقفا ووقف ابناه موقفين، ووقف كوثر صاحب
(536) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 311. (1/210)
صفحة 210
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
211
شرطته موقفا، وأمرهم أن لا يؤتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبداً مملوكاً. فأُحصي من قتلاهم يومئذ [ما] نَيَّف على ثلاثين ألف قتيل» (37).
وقال ابن الأثير أيضاً: «وقدم على سلم بعد ذلك أربعة آلاف من عند مروان فأرادوا نهب مَنْ بقي من الأزد، فقاتلهم قتالاً شديداً، وكثرت القتلى بينهم، وانهزمت الأزد، و نُهبت، دورهم وشبيت نساؤهم، وهدموا البيوت ثلاثة أيام
ثلاثين
(538)
تلكم هي أعمال آخر ملوك بني أمية، ففي يوم واحدة يقتل ما يزيد على ألفاً، ويقدم جنوده على سبي المسلمات وهدم البيوت ونهب الدور هذا كله يعده الكتاب ومع خلفاء الإسلام، فيا للعجب لأمر هؤلاء من المؤرخين والكتاب.
أما عَلِمَ مروان وجنوده أن في الإسلام عدم التعرض لمن لا يحارب حتى لو كان قادراً على الحرب» (539)؟. فبأي مبدأ يقدم مروان على فعلته النكراء هذه؟
هذا الإجرام الذي بلغ أقصى حد يمكن أن يتصوره الإنسان لم يشفع لجنود بني أمية عند ابن الأثير لكي تتبوأ أسمائهم المكان اللائق بهم في قائمة الخوارج.
وهنا نسأل ابن الأثير ومن سار على نهجه ما الذي أخرج مروان بن محمد من قائمتكم التي سجلتم فيها الخوارج؟ ألم يأت مروان وجنوده بأضعاف مضاعفة من سيء الفعال التي نُسبت إلى الخوارج؟
(537) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 332 (538) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 406 - 407.
(539) أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية الشريفة، ص 79. (1/211)
صفحة 211
212
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ونسأل الدكتور محمد الشريف: ألا ينطبق وصفك للخوارج على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، خاصة وقد أتى بشنائع الأفعال التي لم يشهدها المسلمون إلا عندما اجتاحت جحافل الكفر وجيوش التتار والنصارى بلاد المسلمين؟
فقد أورد ابن الأثير ما نصه: «اجتمعت الحرج في خلق كثير يبلغون ثلاثين ألف مقاتل، ودخلوا بلاد الإسلام، وقصدوا مدينة دوين من أذربيجان، فملكوها ونهبوها وقتلوا من أهلها وسوادها نحو عشرة آلاف قتيل، وأخذوا النساء سبايا، وأسروا كثيراً، وأعروا النساء وقادوهن حفاة عراة، وأحرقوا الجوامع والمساجد ... » (540).
وقد جاء على لسان ماثيو كار ما نصه: «وفي بعض الحالات، اضطر الجنود النصارى إلى إحراق عائلات كاملة في بيوتها، لأن المورسكيين كانوا يصدون تقدمهم بأي أسلحة تقع تحت أيديهم، كالسيوف والسكاكين والمساعر الحديدية والأحجار. وبعد معركة دامت تسع ساعات، دانت البلدة أخيراً للنصارى، وأمر دون خوان جنوده بذبح السكان جميعا عقاباً على تحديهم. فقتل نحو 400 رجل وامرأة وطفل ..
(021)
( ...
وقال في موضع آخر من كتابه: «في عيد الفصح 1588، أحرق لاتراس وأتباعه من الجبليين قرية كودو المورسكية تماماً بعد أن فر أهلها. وتلا ذلك أكثر دموية على قرية بينا النصرانية - المورسكية المختلطة، قتل فيه رجال لاتراس مئات المرسكيين في الميدان الرئيس أو ألقوا بهم من فوق
هجوم
برج الدير المحلي
(542)
(540) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 286. (541) الدين والدم إبادة شعب الأندلس، ص 311.
(542) الدين والدم إبادة شعب الأندلس،
، ص
339 (1/212)
صفحة 212
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
213
وقال ماثيو كار أيضاً: « ... وفي بعض الحالات كان البحارة النصارى يغتصبون النساء وحتى الأطفال ثم يرمونهم في البحر. في واحدة من الحوادث القليلة التي تتوافر حولها تفاصيل محددة، تأمر ربان قطلوني يدعى خوان ريبيرا مع ربان نابولي لانتظار أحدهما الآخر في منتصف الرحلة، وذبح ركاب السفينتين. وبمجرد أن ابتعدت السفينتان عن البر، قتل ريبيرا وطاقمه الركاب المورسكيين على منصة الربان ورموا جثثهم في البحر. ووعد البحارة الركاب بالطابق السفلي بأنهم لن يقتلوا إذا سلمهم الرجال أموالهم وممتلكاتهم. ثم صعد الركاب الذكور إلى السطح واحداً بعد الآخر، حيث كانوا يسرقون ويقتلون ويرمون في البحر. وحين صعدت نساؤهم إلى السطح واكتشفن ما حدث، أصيبت كثيرات منهن بالهلع، فألقين بأنسهن في البحر
ومعهن أطفالهن. في حين اغتصبت أخريات قبل أن يلقين في البحر))
أعمال
(543)
تلكم هي الجرائم التي شهدتها الأندلس على أيدي النصارى، فأين هؤلاء وهؤلاء من قائمة ابن الأثير وغيره التي أعدوها للخوارج؟
جنود بني أمية وملوكهم في حق المسلمين وهي نفس
فالعجب كل العجب من صنيع ابن الأثير ومن سار على نهجه حينما تسابقت أقلامهم بوصف الإباضية، الذين وقفوا أمام جيوش أولئك الطغاة، بالخوارج. وهذه مفارقة ليس لها ما يبررها سوى أن كُتاب التاريخ والفرق ومن سار مسيرهم لم تكن كتاباتهم لأجل الدفاع عن هذا الدين بل لأجل قذف الأبرياء بالأباطيل في خضم التنافس المذموم الذي شهدته الساحة الإسلامية في الماضي.
فأين العدالة؟ وأين الصدق في القول والأحكام؟
(543) الدين والدم إبادة شعب الأندلس،
ص
445 (1/213)
صفحة 213
214
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وأستعير هنا قولة القائل: «إلى متى سيسمى إرهاب المستبدين عدالة،
وعدالة الشعب بربرية أو تمرداً؟
(544)
16 ـ جرائم جنود بني العباس صورة لأفعال الكفار في ديار الإسلام: أخي القارئ الكريم:
عن
قد تدرك بشاعة ما قام به جنود بني العباس بعد أن تقرأ ما نقله ابن الأثير فعلة ملك الروس في مدينة بردعة المسلمة: « ... فوضع الروسية فيهم السلاح فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسروا بعد القتل بضعة عشر ألف نفس وجمعوا من بقي بالجامع ... فلما رأى الروسية أنه لا يحصل منهم شيء قتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا أموال أهلها واستعبدوا السبى واختاروا من النساء من استحسنوها
(545)
فبعد أن جمع الروم المسلمين في الجامع أحدثوا فيهم القتل والتشريد ونهب الأموال، وهذه الجرائم هي نفسها التي اقترفتها أيدي جنود بني العباس حسب ما نقله لنا ابن الأثير: «وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل ... وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل ... ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي: مَنْ دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناسُ يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع، فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً. فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل، رجالهن فسأل عن ذلك الصوت،
عشر
(544) الحرب المقدسة الاستشهاد والإرهاب أشكال العنف المسيحية في الغرب، ص 313، نقلا
عن روبسبيير.
(545) الكامل في التاريخ، ج 8 / ص 412 - 413. (1/214)
صفحة 214
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
فأخبر
215
به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً ... وفيمن قتل معروف بن أبي معروف، وكان زاهداً عابداً، وقد أدرك كثيراً من الصحابة وروى عنهم
(546)
لعلك أخي القارئ قد أدركت من هذين المشهدين، وبعد وزنك
للجريمتين، منزلة السفاح العباسي وجنوده في ميزان الإسلام.
كل ما سُجل على الخوارج عبر تاريخهم الطويل إلى نهاية تأليف كتاب (الكامل في التاريخ لابن الأثير لا يتجاوز عُشر معشار ما سجله ابن الأثير وغيره على ملوك بني أمية وملوك بني العباس.
فأين هم الكُتاب من هذه الجرائم المروعة في حق الأبرياء؟
ففي فترة الصراع الذي كان بين بني العباس وبني أمية سالت دماء مسلمة، ونهبت أموال محرمة، وقتلت نساء مسلمات وبقرت بطون المؤمنات عن أجنتهن الآمنة، الآمنة، ومع كل هذه الجرائم فإننا لا نجد لأولئك المجرمين ذكراً قائمة الخوارج التي تحفل بها كتب التاريخ.
في
وبعد أن تمكن بنو العباس من البلاد والعباد ما كان منهم إلا الاستمرار
على نهج مروان وجنوده في القتل والنهب وشق البطون.
أن
أما علم ملوك بني أمية وجنودهم «من المبادئ الأساسية في الإسلام
التمسك بالفضيلة والأخلاق الإسلامية، حتى وإن انتهكها الأعداء، فالمعاملة بالمثل لا تعني أن يتجاوز المسلم مبادئ الفضيلة والأخلاق، والمسلم عندما يدخل الحرب فإنه يدخلها بأخلاقه وليس بأخلاق أعدائه» (547)؟
(546) الكامل في التاريخ، ج 15 ص 443 - 444.
(547) أخلاقيات وسلوكيات الحرب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
6
ص
132 (1/215)
صفحة 215
216
أما
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
علم ملوك بني العباس وجنودهم أن القرآن قد أقر رد الاعتداء بمثله، غير أنه إذا انتهك العدو حرمات الفضيلة فلا تنتهك، فإذا كان العدو ينتهك حرمة النساء لا نفعل ذلك، وإذا كان يقتل النساء والذرية الضعاف لا نقتلهم .... وإذا كان العدو يمثل بالقتلى ويشوه أجسامهم بعد قتلهم ويفعل ذلك في قتلى المسلمين فلا نجاريه في ذلك (548).
قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: «إذا كان الإسلام يأمر بالتحلي بالأخلاق في أثناء المسالمة، فإنه لا يعدم هذه السمة أثناء الحرب، فالحرب في الإسلام لا تخرج عن إطار الأخلاق، ولا تشن إلا من أجل غاية إنسانية نبيلة بحيث لا ينتج عنها إلا العدل والإنصاف، وإطفاء سعير، الفتن ونشر المرحمة بين الناس
في
من
(549)
وهكذا دارت عجلة الزمن ببني أمية وببني العباس وبمن جاء من بعدهم الطغاة فـ «كل من حاول استعادة الرشد من بعد لجأ إلى الغيّ أي الأداة المروانية الجاهلية نفسها: السيف. هذا ما فعله العباسيون ومن بعدهم كثير فلم ترجع الحياة الراشدية واستمر السيف فوق القانون (550)
وهكذا عاشت الأمة الإسلامية ردحاً من الزمن لا تلد فيها الفوضى إلا فوضى أشد وأعمى منها، ولا ينجب الاستبداد إلا استبداداً أشد وأطغى، وقد تناسي جنود الطغيان أن «الاستبداد لا يزال ولا يُحارب بالاستبداد، والفوضى لا تُمحى ولا تُعالج بالفوضى
(001)
(548) أخلاقيات وسلوكيات الحرب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(549) نداء الحق، ص 314.
(550) كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد، ص 226.
133
(551) التيه العربي (تأملات في الواقع الصعب)، ص 142، نقلا عن الشاعر زيد الموشكي. (1/216)
صفحة 216
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
217
وبقي ابن الأثير ومن نهج نهجه، وهم يسطرون الأحداث، لا يتعدون ذكر الحدث إلى وصف المجرمين بما يستحقونه من أوصاف.
وفي الوقت الذي يتهم فيه ابن الأثير وغيره الإباضية بالخوارج، لا لشيء إلا لأن الإباضية حاربوا هؤلاء المجرمين من الأمويين والعباسيين، نجدهم يصمتون صمت القبور الدارسة أمام جرائم العباسيين والأمويين.
ونحن الإباضية لا نجيز تصرفات الفئات المتهورة المتطرفة المتوحشة من الخوارج وغيرهم، وقد حاربنا من أتى بأعمالهم في الغرب والشرق، وننكر الإجرام أيا كان فاعله ولن يجد أي مجرم في صفوفنا من يداهنه ويتستر عليه. فإذن، لماذا يصفنا الكُتّاب ظلماً وزوراً بالخوارج، ولا ينال الظالمين منهم ما يستحقونه من أحكام؟ فهذا المسلك المضطرب أبعد ابن الأثير ومن سار على دربه عن النهج الإسلامي السوي في تقييم الجماعات والأفراد. «والله حسيب من ينسب إلينا ما ليس من مذهبنا (552). «فليتقوا الله فينا فإن العبء ثقيل، والأمانة جسيمة، والحساب بين يدي الله عسير ... »
(553)
6
فحسبنا
الله
ونعم الوكيل.
17 - اضطراب الموازين لدى كتاب التاريخ:
قال ابن الأثير:
(554)
«وفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان ما يزيد على
ألفا (555) ثلاثين
(552) جواب العزابة رداً على البهلولي علي بن أبي الحسن، ص 27.
(553) الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر، ص 95.
(554) هذا أحد قادة الدولة العباسية الذين أسرفوا في القتل حتى استقامت الأمور لهم، والله المستعان.
(555) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 392. (1/217)
صفحة 217
218
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فقحطبة بن شبيب قتل أكثر من ثلاثين ألفاً ومع هذا لم يذكر بسوء في صفحات ابن الأثير وغيره فأين الإنصاف يا كُتاب التاريخ؟
18 - كُتاب التاريخ في عمى عن جرائم قادة بني العباس: قال ابن الأثير:
«وكان عبد الله بن علي قد خشي أن لا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحواً من سبعة عشر ألفاً ... (556).
(( ..
فعبد الله بن علي القائد العباسي يقتل من أهل خراسان هذا العدد من هذا لا نجده في قائمة الخوارج. كيف نجى هذا القائد العباسي
المسلمين ومع من قائمة ابن الأثير؟
إنها لإحدى عجائب المؤرخين حين نجد في قائمتهم السوداء، التي أعدوها أسماء مجاهيل لا يعرفون أبداً، ولا نجد فيها اسم عبد الله بن علي،
للخوارج،
القائد العباسي، المعروف نسباً وفعلاً، والذي قتل سبعة عشر ألفا
من
المسلمين.
فهل من معتبر؟
19 ـ ابن الأثير، ومن سار على دربه، أصحاب ميول وأهواء:
قال ابن الأثير:
وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبراً» (557)
فأبو مسلم من أوائل قادة بني العباس، وهو الذي وطد لهم الملك بعد أن قتل الآلاف من المسلمين الأبرياء، فما الذي كان يمنع ابن الأثير أن يقول
(556) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 465. (557) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 476. (1/218)
صفحة 218
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
219
كلمة الحق في وصف أبي مسلم، الذي نُسب إليه قتل أكثر من نصف مليون مسلم صبراً في غير معركة؟ إنها الأهواء التي أصمت وأعمت ابن الأثير ومن سار على نهجه عن قول الحق في هؤلاء المجرمين. والله مستعان
20 - الهوى يلجم الألسن عن قول الحق
قال ابن الأثير:
«قبض المقتدر على الوزير أبي الحسن بن الفرات في ذي الحجة ... ولما قبض على الوزير وكل بداره، وهتك حُرَمه ونهب ماله، ونُهبت دور أصحابه
ومن يتعلق به ...
أليست هذه
بما يستحقون؟
(001)
هي
أعمال الخوارج؟، فلماذا إذاً لا يوصف المقتدر وجنوده
إنه الهوى يلجم الألسن عن قول الحق. نسأل الله السلامة.
21 - نهب وقتل في بلاد الرافدين:
قال ابن الأثير:
«وسير أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسين إلى بغداد في جميع الجيش من الأتراك والديلم .... فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلاً ونهاراً ... وقتل أصحاب البريدي من وجدوا في دار الخليفة من الحاشية، ونهبوها، ونهبوا دور الحرم. وكثر النهب في بغداد ليلاً ونهاراً ... لما استولى على بغداد أخذ أصحابه في النهب والسلب وأخذ الدواب وجعلوا طلبها طريقا إلى غيرها من الأثاث، وكبست الدور، وأخرج أهلها منها، ونُزلت و عظم الأمر ...
(558) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 63. (559) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 380 ـ 381.
(009)
«< ... (1/219)
صفحة 219
220
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
نعم إنه لأمر عظيم حينما يُقتل المسلم ويُنهب ماله، ومثل هذا الأمر العظيم تكرر ذكره في تاريخ ابن الأثير، ولكنه لم يصف من فعله بالخوارج. نسأل الله الصدق في القول والعمل.
22 - نهب وقتل وإحراق وهتك أعراض في ديار المسلمين
وقال ابن الأثير:
ودخل الغز البلد ونهبوه وانتقلوا إلى سمنان ففعلوا فيها مثل ذلك، ودخلوا خوار الري ففعلوا مثله، ونهبوا إسحق آباد وما يجاورها من القرى، وساروا إلى مشكويه من أعمال الري فنهبوها ... فإنهم لم يتركوا الشر والفساد والقتل والنهب وساروا إلى مراغة .... وأحرقوا جامعها، وقتلوا من عوامها مقتلة كثيرة ... ونهبوا نهبا فاحشا وسبوا النساء ... ودخل الغز همذان ... فلما دخلوها نهبوها نهباً منكراً لم يفعلوه بغيرها من البلاد ... ودخل الغز البلد (يقصد الموصل) فنهبوا كثيراً منه ... وعمل الغز بأهل الموصل الأعمال الشنيعة من الفتك وهتك الحريم ونهب المال ... ووضعوا السيف في أهله، أسروا كثيراً، ونهبوا الأموال، وأقاموا على ذلك اثني عشر يوماً يقتلون وينهبون ... وبقي القتلى في الطريق، فأنتنوا لعدم من يواريهم، ثم طُرحوا بعد ذلك كل جماعة في حفيرة، وكانوا يخطبون للخليفة، ثم لطغرلبك ... هذه
أخبار الغز العراقيين
(07+)
لماذا جف قلم ابن الأثير عن وصف هؤلاء المفسدين بالخوارج؟، هل لكونهم يخطبون للخليفة منع قلمه من أن يصفهم بالخوارج المفسدين في
الأرض؟
(560) الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 379 - 391. (1/220)
صفحة 220
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
23 - ابن الأثير ووزن الأحداث بموازين الهوى
قال ابن الأثير:
221
ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان طغرلبك إلى نواحي العراق ... ونهب أصحاب سعدي البلاد حتى بلغوا النعمانية، فأسرفوا في النهب والغارة وفتكوا في البلاد، وافتضوا الأبكار، فأخذوا الأموال والأثاث فلم يتركوا شيئا ...
(071)
لقد ذكر ابن الأثير، وغيره ممن سار على نهجه في قلب الموازين، أن الخوارج من يكثر في النهب ويفتك بالبلدان ويفتض الأبكار.
فسؤالنا لكل من اضطربت عنده المقاييس لماذا لا تصفون طغرلبك
وأفراد جيشه بالخوارج وقد أتوا بأعمالهم حسب ما سجل في كتبكم؟. لماذا تزجون بالأبرياء في قائمة الخوارج وتتركون أمثال هؤلاء المفسدين الذين نقلتم لنا أخبارهم؟
24 - شقاق بين الأقارب يفضي إلى جرائم حرب
قال ابن الأثير:
معه ...
فارق سعدي بن أبي الشوك عمه مهلهلاً، ولحق بإبراهيم ينال فصار فلما رأى سعدي تحصُّنَ عمه منه خاف على مَن خلفه بحلوان فعاد عازماً على محاصرة القلعة، فمضى وحصرها، وقاتله من بها من أصحاب عمه، ونهب الغُزُّ حلوان، وفتكوا فيها وافتضوا الأبكار، وأحرقوا المساكن وتفرق الناس، وفعلوا في تلك النواحي جميعها أقبح فعل
(561) الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 589 - 590. (562) الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 532 ـ 533.
(562) (1/221)
صفحة 221
=
222
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ألا تكفي هذه الأفعال للحصول على مكان مرموق في قائمة الخوارج
السوداء؟!!!.
سؤال نوجهه إلى من سار على نهج ابن الأثير.
25 - أين العدالة يا كُتَّاب التاريخ؟
قال ابن الأثير:
فاجتمعت ربيعة والمنتفق ومن انضم إليها من العرب، وقصدوا البصرة في جمع كثير ... فدخلوها بالسيف أواخر ذي القعدة، وأحرقوا الأسواق والدور الحسان، ونهبوا ما قدروا عليه، وأقاموا ينهبون ويحرقون اثنين وثلاثين يوماً وتشرد أهله في السواد، ونُهبت خزانة كتب كانت موقوفة، وقفها القاضي أبو الفرج بن أبي البقاء» (563).
وقال ابن الأثير أيضاً: « ... ودخل العرب حينئذ البصرة، وقد قويت نفوسهم، وملكوها، ونهبوا ما فيها نهباً شنيعاً، فكانوا ينهبون نهاراً، وأصحاب العميد عضمة ينهبون ليلاً، وأحرقوا مواضع عدة، وفي جملة ما أحرقوا دارين للكتب ... وخربت وقوف البصرة التي لم يكن لها نظير ...
(564)
وقال ابن الأثير أيضاً: «فلما عبر الفرنج إلى أرض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها ونهبوا البلاد المجاورة لدمياط، وقطعوا الطريق، وأفسدوا، وبالغوا في الإفساد فكانوا أشد على المسلمين من الفرنج ...
(563) الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 411. (564) الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 184.
(070)
(565) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 326 ومما قاله ابن الأثير أيضاً: «وصار مع قراقوش عسكر كثير، فحكم على تلك البلاد بمساعدة العرب بما جبلت عليه من التخريب والنهب،
والإفساد بقطع الأشجار والثمار، وغير ذلك، فجمع بها أموالًا عظيمة ... » (الكامل في (1/222)
صفحة 222
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
223
فالعرب جنس من أجناس البشر، فهم مخاطبون كغيرهم بالوحيين. فعليهم كما على غيرهم من الشعوب القاطنة على وجه الأرض التمسك بقيم الإسلام.
وهذه الأعمال التي ذكرها ابن الأثير هنا هي جرائم يحاربها الإسلام، وأعد الله لمن قام بها عذاباً شديداً لما اقترفته أيديهم.
أعدها
فهؤلاء القطعان من العرب لم يضعهم ابن الأثير في قائمته التي للخوارج، وإن أتوا بأفعال كأفعال الإفرنج في ديار الإسلام؛ فقد قال ماثيو كار صاحب كتاب (الدين والدم وهو يصف جانباً من جوانب حروب الأسبان للمسلمين في بلاد الأندلس: « ... أمر الملكان الكاثوليكيان بحرق كل الكتب والمخطوطات الإسلامية في الإمارة السابقة تحت تهديد الموت أو مصادرة
الممتلكات ... ».
(077)
فنسأل ابن الأثير ومن سار على نهجه: لماذا ترمون بالإباضية المتمسكين بأهداب الإسلام والمتبعين لأمر الله في المنشط والمكره في صفوف الخوارج، وتتركون هؤلاء القطعان الذين سجلتم عليهم هذه الجرائم المخزية
التي
لا يأتي بها إلا أعداء الإسلام؟.
فأين العدالة يا كُتّاب التاريخ؟
التاريخ، ج 11 ص 389). وقال أيضاً: وفيها أفسد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين وقطعوا الطريق، وانتهكوا المحارم، وتركوا الصلاة، فأرسل المهدي إليهم جيشاً، فقاتلهم، واشتد القتال، وصبر العرب، فظفروا، وقتلوا عامة العسكر المنفذ إليهم، فقويت شوكتهم وزاد شرهم الكامل في التاريخ، ج 6 ص (77). وذكر ابن الأثير جانباً من مفاسد العرب الذين تجردوا من تعاليم الإسلام، انظر الكامل في التاريخ، ج 12/
ص
80، وج 12 ص 428). (566) الدين والدم إبادة شعب الأندلس،
ص
167 (1/223)
صفحة 223
224
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
26 - جرائم حرب في ديار المسلمين، فأين المنصفون؟
قال ابن الأثير:
))
وأما عسكر جلال الدين فنهب البلاد وأهلكها، وكان قد وصل هو وعسكره إلى خُوزستان في ضرّ شديد وجهد جهيد، وقلة من الدوابّ، والذي معهم فهو من الضعف إلى حد لا يُنتفع به فغنموا من البلاد جميعها، واستغنوا ... وسار من يعقوبا إلى دقوقا فحصرها، فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه، وسبوه وأكثروا من التكبير، فعظم ذلك عنده، وشق عليه، وجد في قتالهم، ففتحها عنوة وقهراً، ونهبتها عساكره، وقتلوا كثيراً من أهلها، فهرب من سلم منهم من القتل وتفرّقوا في البلاد» (567).
أداء
من فضل الله تعالى على المسلمين أن حفظ لهم كتابهم الذي يفصل بين الحق والباطل، وبين الإخلاص والرياء وبين الصدق والكذب، وبين الأمانة ودسها وسط تلافيف الدعاوى الباطلة.
فهؤلاء القوم الذين نسب إليهم القتل والنهب، فأين يذهبون من عدل الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون؟
فحسبنا الآن أن نكرر سؤالنا على ابن الأثير وعلى من سار على نهجه: لماذا تلقون بالأبرياء في صفوف الخوارج وتتركون هؤلاء المجرمين من غير وصف وأنتم تذكرون شنائعهم؟
27 - جرائم في بلاد الأندلس على يد من ادعى الإسلام
قال ابن الأثير:
أمر ابن عمه عبيد الله، فثلم في السور ثلمة، وخرج منها «ثم
ومعه قطعة
من
الجيش، وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم، ولم يعلموا بهم، فأضرموا النار
(567) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 426 - 427. (1/224)
صفحة 224
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
225
في الربض، وانهزم أهله، وقتلوا مقتلة عظيمة، وأخرجوا مَنْ وجدوا في المنازل والدور، فأسروهم، فانتقى من الأسرى ثلاثمائة من وجوههم، فقتلهم، وصلبهم منكسين، وأقام النهب والقتل والحريق والخراب في أرباض قرطبة ثلاثة أيام.
ثم استشار الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد بن عبد الغيث، ولم يكن عنده من يوازيه في قربه، فأشار عليه بالصفح عنهم، والعفو، وأشار غيره بالقتل، فقبل قوله، وأمر فنودي بالأمان، على أنه من بقي من أهل الربض بعد ثلاثة أيام قتلناه وصلبناه؛ فخرج من بقي بعد ذلك منهم مستخفياً، وتحمّلوا على الصعب والذلول خارجين من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم، وما خف من أموالهم، وقعد لهم الجند والفسقة بالمراصد ينهبون، ومن امتنع عليهم قتلوه (568).
أخي القارئ الكريم وأنت تقرأ هذه الأحداث التي فيها القتل والنهب والتمثيل بجثث المسلمين فلا تذهب بك الظنون أن الفاعلين لهذه الجرائم هم النصارى الذين أقاموا محاكم التفتيش في قرطبة وغيرها من ديار الأندلس. إن الذين قاموا بهذه الجرائم هم ممن انتسب للإسلام فكانوا أساتذة للأسبان الذين أتوا إلى قرطبة وفعلوا فيها ما فعله الحكم بن هشام الأموي في حق أهل ملته.
فأين هؤلاء القوم من الإسلام الذي يوصي أتباعه أن يعاملوا الأسرى معاملة حسنة في كل شيء ولا يساء إليه حتى تضع الحرب أوزارها ... (569).
(079)
فبأي حكم يحكم الحكم في أسرى المسلمين، والإسلام حرم كل
الجرائم التي ارتكبها؟
(568) الكامل في التاريخ، ج 6/ ص 299 - 300. (569) أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية الشريفة، ص
077 (1/225)
صفحة 225
226
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فسؤالنا لكتاب التاريخ أليس من حق الحكم بن هشام الأموي وجنوده أن يكونوا في مقدمة قائمة الخوارج؟ أم أن نسبه الأموي يعطيه حصانة لا تغالب؛ فيبقى بعيداً عن قائمة الخوارج ولو أتى بما أتى به أعداء الإسلام من فضائع؟
(ov.).
وكأنني أرى الفيلسوف الفرنسي وهو يكتب قوانين سلوك البشر الذين تركوا الدين الحق جانباً، وتعاملوا فيما بينهم حسب الأهواء ورغائب النفوس الجائرة، يشير لما فعله الحكم بن هشام في أبناء الإسلام حيث قال: «في الصراعات السياسية أو الدينية (50) لا يسع المهزوم أن يأمل الرحمة. فمنذ أيام سيلا Sylla الذي جز أعناق مئتي سيناتور وخمسة أو ستة آلاف روماني، وحتى المنتصرين على الكومونة الذين أعدموا رميا بنار البنادق والرشاشات أكثر من عشرين ألفاً من المهزومين بعد انتصارهم، فإن هذا القانون الدموي لم يتوقف على الإطلاق. لقد تأكد في الماضي وسيظل دون شك سارياً في المستقبل أيضاً) (571).
إن كان هذا القانون الدموي يمشي كالظل مع الوحوش، فإنه لا وجود له في تعاليم الإسلام، ولا وجود له في تاريخ أئمة الإباضية وغيرهم من أبناء الأمة الإسلامية القائمين على حدود الله والمتمسكين بدينه الحنيف.
فهل سترتفع همم كُتَّاب التاريخ؟ وهل سيؤدون أمانة الكتابة من غير إفراط ولا تفريط؟ وهل سيخافون الله تعالى في كلامهم عن المسلمين؟
ديني،
فالدين
(570) لا يمكن للمسلم أن يعتبر ما حدث بين المسلمين من حروب أن منشأها الإسلامي يدعو للوحدة والتحلي بالأخلاق السامية التي تحرم سفك الدماء ونهب الأموال، والكاتب هنا عن نظريات سميت دينية في أوساط مجتمعه وأذهان أبناء يعبر
جلدته.
(571) الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 98. (1/226)
صفحة 226
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
227
فالجواب «بنعم» على هذه الأسئلة منوط بابتعاد الكتاب عن تبعات
الأهواء وظلم الأبرياء.
28 ـ من جرائم إبراهيم بن أحمد الأغلبي في ديار الإسلام
قال ابن الأثير:
(572)
وفيها أوقع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بأهل بلد الزاب، وكان قد حضر وجوههم عنده، فأحسن إليهم، ووصلهم، وكساهم، وحمّلهم، ثم قتل أكثرهم، حتى الأطفال، وحملهم على العجل إلى حفرة فألقاهم فيها وهذا شخص آخر معروف بنسبه وقد عرفه ابن الأثير بجرائمه، ولكن لا نجد له ذكراً في قائمة الخوارج.
فأين موازين العدل في التاريخ؟؛ فقد حُشر في قائمة الخوارج الأبرياء والمجاهيل وضاقت تلك القائمة على من عُرف واشتهر بجرائمه في حق المسلمين.
ولد
29 - فأين العدالة يا كتاب التاريخ؟
قال ابن الأثير:
وهرب إبراهيم وبعض من معه إلى القيروان، وتبعهم أصحاب أبي عبد الله يقتلون ويأسرون، وغنموا الأموال والخيل والعُدّد، ودخل أصحابه مدينة الأربس فقتلوا بها خلقاً عظيماً، ودخل كثير من أهلها الجامع فقُتل فيه أكثر من ثلاثة آلاف ونهبوا البلد ... ودخل أهل القيروان رقادة ونهبوا ما فيها، وأخذ القوي الضعيف، ونُهبت قصور بني الأغلب، وبقي النهب ستة أيام (573).
(572) الكامل في التاريخ، ج 7 ص 370. (573) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 45. (1/227)
صفحة 227
228
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
هاتان الطائفتان المتقاتلتان هنا وعلى مدى تاريخهم الذي سجله عليهم كُتّاب التاريخ، لم يقلعوا عن النهب والقتل والاعتداء على الحرمات الآمنة في ديار الإسلام.
وقد وقف الإباضية أمام عجرفة الأغالبة وطغيان العبيديين فما كان منهم إلا نصرة الدين ورد الطغاة بكل ما آتاهم الله من قوة من غير أن تتلوث جنباتهم الطاهرة بمساوئ الحروب.
ومن عجائب كتاب التاريخ أنهم حينما يذكرون الإباضية يلمزونهم بالخارجية ولكنهم لا يرسلون نفس الوصف إلى الأغالبة والعبيديين الذين سجلوا عليهم هذه الجرائم. فأين العدالة الإسلامية يا كُتاب التاريخ؟
30 - ذبح أطفال المسلمين على يد من ادعى الإسلام:
أخي القارئ، أضع بين يديك هذه الأحداث والقلب يعتصر ألماً وحزناً، فقد نقل ابن الأثير:
)
هذه السنة [يقصد سنة 406 للهجرة] ظهر الاختلاف بين الأمير باديس، صاحب أفريقية، وعمه حماد، حتى آل الأمر بينهما إلى الحرب التي لا بقيا بعدها ... فكان بينهم حرب انهزم [فيها] ابن جعفر ولجأ إلى باجة، وغنم حماد ماله وعدده ... ووصلت كُتُب حماد وإبراهيم إلى باديس أنهما ما فارقا الجماعة، ولا خرجا عن الطاعة فكذبهما ما ظهر من أفعالهما من سفك الدماء، وقتل الأطفال، وإحراق الزروع والمساكن، وسبي ووصل حماد إلى باجة فطلب أهلها منه الأمان، فأمنهم، واطمأنوا إلى عهده، فدخلها يقتل وينهب ويحرق ويأخذ الأموال ... ووصل باديس إلى مدينة المسيلة، ولقيه أهلها، وفرحوا به، وسير جيشاً إلى المدينة التي أحدثها حماد، فخربوها إلا أنّهم لم يأخذوا مال أحد، وهرب إلى باديس جماعة كثيرة من
النساء. (1/228)
صفحة 228
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
229
جند القلعة التي له، وفيها أخوه إبراهيم، فأخذ إبراهيم أبناءهم، وذبحهم على صدور أمهاتهم، فقيل أنه ذبح بيده منهم ستين طفلاً، فلما فرغ من الأطفال قتل الأمهات ... » (574).
فهل ينتظر ابن الأثير، ومن سار على نهجه، من هؤلاء المجرمين جرائم
أشد فضاعة من هذه الأعمال حتى يضعوهم في صفوف الخوارج؟.
فهؤلاء المجرمون الذين سَلِموا من قائمة الخوارج أتوا بما أتى به أعداء الإسلام من أعمال حينما تسلطوا بجبروتهم على الآمنين.
وهذا الذي تسمى بالإسلام أخذ أبناء المسلمين «وذبحهم على صدور أمهاتهم ... »، والصليبيون في القدس الشريف كانوا يمسكون الأطفال من أقدامهم وينتزعونهم من أحضان أمهاتهم أو من مهادهم، ثم يهشمونهم على الجدران أو على أعتاب الأبواب ويكسرون أعناقهم
(575)
فنقول لابن الأثير ومن سار على نهجه إن الذين ذبحوا أطفال المسلمين على صدور أمهاتهم هم أولى بقائمتكم التي أعددتموها للخوارج وليس
الإباضية الوقافون عند حدود الله.
31 - أوصاف في غير محلها: قال ابن الأثير:
وعاد إلى إشبيلية فحصرها ... واشتد الأمر على أهل البلد، ودخله المرابطون من واديه، ونُهب جميع ما فيه، ولم يبقوا على سَبَدٍ ولا لَبَدٍ، وسلبوا الناس ثيابهم، فخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم،
(574) الكامل في التاريخ، ج 9/ 253 ـ 254. (575) الحرب المقدسة الاستشهاد والإرهاب أشكال العنف المسيحية في الغرب، ص 453. (1/229)
صفحة 229
230
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وسبيت المخدرات، وانتهكت الحُرُمات فأخذ المعتمد أسيراً، ومعه أولاده الذكور والإناث، بعد أن استأصلوا جميع مالهم، فلم يصحبهم من ملكهم بلغة زاد ... فلما سلّم إليهم إشبيلية لم يفوا له، وأخذوهم أسراء، ومالهم
أفعالاً
غنيمة، وسُيّر المعتمد وأهله إلى مدينة أغمات، فحُبسوا فيها، وفعل أمير المسلمين بهم لم يسلكها أحد ممّن، قبله ولا يفعلها أحد ممن يأتي بعده ... فأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم قُدرة (576).
أترك لك أخي القارئ الحكم على صاحب هذه الأفعال التي ذكرها ابن
الأثير.
وأترك لك التعجب من أمر ابن الأثير الذي وصف من نسبت إليه هذه الجرائم بـ (أمير المسلمين). فنسأل ابن الأثير ومن سار على نهجه بأي ميزان ألبستم من انتهك المحرمات وسبى المخدرات إمارة المسلمين؟
أما كان من حقه أن يكون أميراً على الخوارج. أوصافكم التي سجلتموها في كتبكم؟
ألم يأت هذا الذي وصفتموه بـ (أمير المسلمين) بما أتى به الفرنج في ديار الإسلام؟، حيث نقلتم لنا ما نصه: « ... فصعد الفرنج إليه [يقصد أحد حصون معرة النعمان على السلاليم، فلما علوه تحيّر المسلمون، ودخلوا دورهم، فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مائة ألف،
وسبوا السبى الكثير وملكوه ...
6
(577)
ألم يأت هذا الذي ألبستموه لباس الإمارة على المسلمين بما أتى
(576) الكامل في التاريخ، ج 10/ ص.
190
(577) الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 278.
به (1/230)
صفحة 230
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
231
أعداء الإسلام في بلاد الأندلس؟، حيث سجلتم في كتبكم ما نصه: خرجت الفرنج إلى بلاد الأندلس التي للمسلمين، فنهبوا وقتلوا
))
وسبوا ... » (578)
فكيف يكون هذا الإنسان أميراً للمسلمين وقد أتى بأفعال الكفار في ديار الإسلام حسب نقلكم؟
إنها لإحدى الكبر المفجعات في التاريخ الإسلامي أن يوصف من المخدرات وارتكب المحرمات بـ (أمير المسلمين). فلله الأمر من
قبل ومن بعد.
32 ـ «وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين»:
وذكر ابن الأثير طائفة من أعمال الغز في ديار الإسلام بعد أن عرفهم بقوله: « ... وهم طائفة من الترك مسلمون، كانوا بما وراء النهر ... لا يؤذون أحداً، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة (579).
ولكن ماذا حدث بعد وصفهم بهذا الوصف الجميل؟
نقل ابن الأثير:
ثم إن قماج عاودهم ... وشدّد عليهم في الانتزاح عن بلده، فعادوا عنه، واجتمعوا وقاتلوه، فانهزم قماج ونهبوا ماله ومال عسكره، وأكثروا القتل في العسكر والرعايا واسترقوا النساء والأطفال، وعملوا كل عظيمة، وقتلوا الفقهاء وخرّبوا المدارس ... واستولى الغز على البلاد، وظهر منهم
(578) الكامل في التاريخ، ج 8 ص 339، وانظر كذلك ما نقله الدكتور محمد بن موسى الشريف من جرائم الإفرنج في بلاد الأندلس في كتابه من مآسي الافتراق، ص 54). (579) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 176. (1/231)
صفحة 231
232
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
من الجور ما لم يُسمع بمثله ... فركب الغُزّ ودخلوا نيسابور ونهبوها نهباً مجحفاً، وجعلوها قاعاً، صفصفاً، وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها، وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها ... ويتعذر وصف ما جرى منهم على تلك البلاد جميعها، ولم يسلم من خراسان شيء لم تنهبه الغز ... واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها وأفسدوا بالنهب والقتل والسلب ... وقصدوا نيسابور، وتبعهم الغز، فمروا بطوس، وهي معدن العلماء والزهاد، فنهبوها، وسبوا نساءها، وقتلوا رجالها، وخربوا مساجدها ومساكن أهلها ... وأفنوا من بها من الشيوخ الصالحين، وساروا منها إلى نيسابور ... ولم يجدوا دونها ولا مدافعاً، فنهبوها نهبا ذريعاً، وقتلوا أهلها فأكثروا حتى ظنوا أنه لم يبقوا بها أحداً، حتى إنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان، وسبوا نساءها وأطفالها، وأخذوا أموالهم، وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض، واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنيعي تحصنوا به، فحصرهم الغز فعجز أهل نيسابور عن منعهم، فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم ... وقتلوا كثيراً من أئمة العلماء والصالحين .... » (580).
مانعاً
هذه طائفة
من
أعمال الغز في الساحة الإسلامية كما ذكرها ابن الأثير في موسوعته التاريخية، وعلى رغم فضاعة هذه الأعمال فإننا لا نجد لأحد من هؤلاء الغز أي ذكر في قائمة ابن الأثير التي عدها للخوارج.
وبسبب بشاعة أعمال الغز في الساحة الإسلامية فقد اختتم ابن الأثير ما نسب إليهم بقوله: «وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين، وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم
(580) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 176 - 181.
(581) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 182.
(011) (1/232)
صفحة 232
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
233
واختتم ابن الأثير أيضاً ما نسب إلى أحدهم من الجرائم بقوله:. وعمل بأهل البلاد ما لا يعمله الفرنج، ولم يمنعه أحد عمّا يريد؛ ولم يكن عنده من الدين ما يزعه عن ذلك ...
))
(582)
وفي موضع آخر نقل ابن الأثير ما نصه: وعاد مجاهد الدين إلى الموصل، فكان يحكي إنني ما زلتُ انتظر العقوبة من الله تعالى على سوء أفعال العجم، فإنني رأيتُ منهم ما لم أكن أظنه يفعله مسلم بمسلم، وكنتُ أنهاهم فلا يسمعون، حتى كان من الهزيمة ما كان
فمن استخف بحرمات الله فلن يأتي إلا بما شاهدته أيها القارئ الكريم من فضائع كما نقلها لنا ابن الأثير في تاريخه. والنفس الإنسانية إن لم يقيدها عقال الدين، ولم تجعل للمصير الأخروي أي اعتبار فإنها ستأتي بكل قبيح الأعمال ولو ادعت الإسلام.
من
لم يلتفت هؤلاء المجرمون والسفاحون لـ «المبادئ العامة للحرب في الشريعة الإسلامية» (584)، فلهذا فعلوا ما لم يفعله الكفار مع
المسلمين».
33 - مبادئ الإسلام وسلوك الأتباع
هم
فالمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وعبر القرون المتطاولة جميع جسد واحد يتألمون لمصاب إخوانهم، ويفرحون عندما ينال إخوانهم
الفضل العظيم.
(582) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 250.
(583) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 504.
(584) المسئولية الجنائية للقادة العسكريين في الحروب شرعاً ونظاماً،
ص
67 - 70 (1/233)
صفحة 233
234
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
والمسلمون من جميع المذاهب الإسلامية مطالبون بأن يراعوا حق الأخوة في الدين، فلا يعتدي أحد على أحد بيد أو بلسان، إذ الجميع أمام الله تعالى سواسية وليس السبق إلا لمن جاء ربه بقلب سليم.
-
وقد تهب أعاصير الفتن في المجتمعات حينما تغلب على القلوب الأهواء، وينتصر الناس للشعارات الرعناء، ويترك الدين وراء الظهور، وتركب الجماهير مراكب مخرقة تعصف بها أمواج الفتن فلا تكاد تسلم من الغرق إلا إذا أتاها المدد من الله على أيدي رجال اختارهم الله تعالى لرص الصوف ولتأليف القلوب ولجبر الخواطر ولتطهير المجتمعات المسلمة من كل الفتن. وإذا رسمنا خطاً بيانياً أمامنا لرؤية مدى قرب المسيرة التاريخية للمسلمين وبعدها من الخط المتزن الذي رسمه الإسلام لأتباعه، وطالبهم للسير عليه من غير إفراط ولا تفريط، لوجدنا خطوات المجتمعات الإسلامية سواء كانوا جماعات أو أفرادا - بين قرب أو بعد من الخط الوسط الذي منه تقاس الأفهام والسلوك، ونجد كذلك وفي فترات من الزمن تطابق خطوات السائرين على السبيل المستقيم الذي يعرفه كل مسلم.
لقد حدد الشرع لهذه الأمة ما تأتي وما تذر وبين لها مجالات التنافس بينها، وحذرها من الانزلاق، ومع ذلك جعل لأفرادها أدوات الإنابة والرجوع إلى الصراط المستقيم.
ومما ينبغي لنا قوله عندما ننقل أحداث التاريخ ألا نربط بين الانتساب للمذاهب الإسلامية وتصرفات الناس، لأن المذاهب الإسلامية في تعاليمها، القائمة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم وإجماع الأمة في أي عصر من العصور، هي الميزان الذي يوزن به مسلك الناس، وما تقترفه أيدي الأتباع مما ينكره الشرع إنما هو عمل لا تربطه بأسس تلك المذاهب أي رابطة، (1/234)
صفحة 234
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
235
ف «الإسلام يعلمنا أن من الخطأ البين إصدار حكم واحد على قبيلة أو أهل ملة أو بلدة؛ لأن ذلك التعميم سوف ينطوي على ظلم واضح؛ فلا يمكن أن تكون العدوانية أو الخيانة أو البخل صفة ملازمة لقبيل كبير من البشر
(010)
ومما ذكره ابن الأثير من أحداث يتأسف لها كل مسلم، أنه «كان أهل العيث والفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال وتخريب البيوت، وفعل ما أرادوا ... ومن جملة ما خُرّب مسجد عُقيل، وكان مجمعاً لأهل العلم، وفيه خزائن الكتب الموقوفة، وكان من أعظم منافع نيسابور؛ وخُرب أيضاً من مدارس الحنفية ثمان مدارس ومن مدارس الشافعية سبع عشرة مدرسة وأحرق خمس خزائن للكتب، ونهب سبع خزائن كتب وبيعت بأبخس الأثمان؛ هذا ما أمكن إحصاؤه سوى ما لم يُذكر
(017)
فأولئك الذي وصفهم ابن الأثير بـ «أهل العيث والفساد بنيسابور» لا بد أن يكونوا قد انتسبوا زوراً إلى مذهب من مذاهب الإسلام، ولا بد أنهم قد ركعوا وسجدوا في تلك المساجد التي خربوها، ولا بد أنهم قد استفادوا من خزائن الكتب التي أحرقوها، ولا بد أنهم قد تعلموا في تلك المدارس التي أفسدوها.
ولكن حينما هبت عليهم أعاصير، الفتن خرجوا من تعاليم تلك الصروح العلمية التي سهر على إنجازها رجال قدموا أموالهم وأنفسهم لأجل نشر العلم ورفع منارات الإسلام في تلك الديار التي أخرجت للعالم
علماء أفذاذاً.
ومما يؤسف له أشد الأسف أن نجد في كتب التاريخ أن بعض الفتن التي حلت في ديار المسلمين كانت على أيدي رجال ينظر إليهم على أنهم أهل
(585) فصول في التفكير الموضوعي، ص 89. (586) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 271 - 272. (1/235)
صفحة 235
236
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(0^^)
(019)
(OAV)
حديث وعلم ومعرفة وفقه وقضاء، وقد وجد في كتب التراجم والتاريخ أخبار فتن، وحروب وقعت بين أتباع المذاهب الإسلامية وكان من نتائجها وقوع القتلى بين المسلمين، وطرد العلماء (591)،، وهجر مجالسهم
العلمية
(592)
، وإيذائهم
(593)
(590)
(587) قال ابن الأثير: وفيها قبض عضد الدولة على القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي، وألزمه منزله، وعزله عن أعماله التي كان يتولاها، وكان حنفي المذهب، شديد التعصب على الشافعي يطلق لسانه فيه، قاتله الله!» (الكامل في التاريخ، ج 9/
ص 15).
(588) البداية والنهاية، م 7، ج 13 ص 22، و الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 614)، و (الكامل في التاريخ، ج 10 ص 124)، و (الكامل في التاريخ، ج 10 ص 514).
(589) من مآسي الافتراق، ص 14 ـ 15.
بين
بسبب
(590) قال ابن الأثير: «وفيها، [يقصد سنة 351 للهجرة في جمادى الأولى، كانت فتنة بالبصرة وبهمذان أيضاً العامة المذاهب، قُتل فيها خلق كثير». (الكامل في التاريخ، ج 18 ص 544)، وانظر (الكامل في التاريخ، ج 8 ص 517)، و (الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 104)، و (الكامل في التاريخ، ج 18 ص 213)، و (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 234 - 236)، و (الكامل في التاريخ، ج 11 ص (250)، و (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 395)، و (الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 107).
(591) (الكامل في التاريخ، ج 10 ص 33، ج 10 ص 209)، و (الكامل في التاريخ، ج 12/
(592)
ص 151 - 152).
الأفعال ومن التي يكره سماعها كل مسلم غيور على وحدة هذه الأمة هو: «ما حصل للإمام الكبير أبي نعيم الأصبهاني؛ أحمد بن عبد الله، الثقة، شيخ الإسلام المتوفى سنه 430 والذي كان من حفاظ الدنيا، فقد هجر بسبب المذهب، وقام إنسان مرة في مجلس تحديث يعلن عن مجلس أبي نعيم الأصبهاني فقام إليه أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد الرجل يقتل!!. وصدق الذهبي حين علق على الحادثة قائلاً: «ما هؤلاء بأصحاب الحديث، بل فجرة جهلة أبعد الله شرهم» وقال الذهبي: «كان بين الأشعرية والحنابلة تعصب زائد يؤدي إلى فتنة، وقيل وقال، وصداع طويل». (من مآسي الافتراق، ص 18، نقلاً عن نزهة الفضلاء، 3/ 1349).
(593) من مآسي الافتراق، ص 19، نقلا عن نزهة الفضلاء، 4/ 1495. (1/236)
صفحة 236
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
237
والذي يختصر وقائع الفتن المؤلمة لكل مسلم هو ما قاله ابن الأثير: «جرى بأصفهان بين الشافعية والحنفية من الحروب والقتل والإحراق والنهب ما يجل عن الوصف، وكان قاضي البلد رأس الحنفية، وابن الخُجَندي رأس الشافعية، وكان بمدينة الري أيضا فتنة عظيمة بين السنية والشيعة، وتفرق أهلها وقتل منهم وخربت المدينة وغيرها من البلاد (594).
أخي القارئ الكريم، إنه ليؤلمني، ويكاد قلمي لا يطاوعني على نقل هذه العبارات التي وجدتها في تاريخ ابن الأثير، ولكن ماذا نفعل ونحن نشخص الداء الذي أصاب أفراد هذه الأمة الطاهرة؟، إلا أن نقول: إن معرفة أسباب تلك الفتن والسعي لتفادي حدوثها في قادم الأيام شيء واجب، هذا فلا ينبغي لنا الوقوف عند تلك الأحداث إلا بقدر ما نأخذ منها ومع الدروس والعبر (595)، وإن أجيال المسلمين لا بد لهم أن يعرفوا أن ما أصاب المسلمين من هوان ومن تكالب الغزاة عليهم إنما كان من نتائج الفتن، التي دمرت حصون المسلمين من الداخل في وقت كانت تطرق فيه فلول التتار أبواب الديار المسلمة من الخارج، وتصول وتجول في ديار الإسلام دون رادع.
تلك
(594) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 525 - 526، ومما نقله ابن الأثير أيضاً: « ... وقع بأصفهان فتنة عظيمة بين صدر الدين عبد اللطيف بن الخجندي وبين القاضي وغيره من أصحاب المذاهب، بسبب التعصب للمذاهب، فدام القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة قُتل فيها خلق كثير، واحترق وهدم كثير من الدور والأسواق، ثم افترقوا على أقبح صورة» (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 319).
(595) ومما قاله الدكتور محمد بن موسى الشريف حول مهمة المؤرخ ما نصه: «إحسان عرض التاريخ: المقصود بهذا هو ألا يسرد المؤرخ أحداث التاريخ سرداً مجرداً من عبرها وعظاتها، ولا يكتفي بعرض تواريخ الأمم دون الوقوف على مواطن الفساد فيها، وذلك حين يكون العرض التاريخي معيناً في التقويم والتوجيه للمجتمعات ... ». (إعداد المؤرخ
الثقة،
ص 92). (1/237)
صفحة 237
238
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولا بد للجميع أن يعرفوا أن المذاهب الإسلامية مبرأة من كل ما ارتكبه أتباعها من فتن، وأن «القتل والإحراق والنهب ليس من تعاليم المذاهب الإسلامية؛ لأن أسس المذاهب الإسلامية قاطبة تأمر الناس كلهم باتباع القرآن الكريم، والصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالألفة والمحبة، ولأن من اتبع المذاهب الإسلامية بحق وطبق تعاليمها في سلوكه فلن يقدم على عمل كهذا، والذين أقدموا عليه أقدموا خدمة لوساوس الشيطان وأعداء الإسلام وإن كانوا قضاة أو رؤوساً في أوساط الناس.
والنفسية الجماهيرية التي تحملها كيانات هؤلاء الناس الذين تكررت على أيديهم أعمال القتل والإحراق والنهب عبر القرون الماضية هي نفسها النفسية الجماهيرية التي لم تراع للعلم والعلماء أي حرمة، فلا غرو أن يجد القارئ الذين تطاولوا على المذاهب الإسلامية عبر التاريخ يحملون نفوساً ضاقت عليها ساحات العلم بما رحبت بسبب التعصب المذموم، وغير مبالين بتعاليم مذاهب الإسلام التي ينتسبون إليها.
وهؤلاء القوم الذين ذكر ابن الأثير خصوماتهم لغير المذاهب التي ينتسبون إليها يحملون نفس العقلية التي حملها الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية؛ إذ داء الجميع هو ضيق الأفق وتغلغل التعصب الأعمى في نفوسهم، وقد وصف الذهبي أمثال هؤلاء المتعصبين بقوله: «ما هؤلاء بأصحاب الحديث، بل فجرة جهلة، أبعد الله شرهم
(596)
فهؤلاء الناس الذين وصفهم ابن الأثير بالفساد ونسب إليهم إثارة الفتن
والقتل لم يصفهم بـ (الخوارج) وإن أتوا بأعمال هي عين ما أقدم عليه الخوارج من أعمال كما نقل ذلك ابن الأثير
(597)
نفسه.
(596) من مآسي الافتراق، ص 18، نقلا عن نزهة الفضلاء، 3/ 1349.
(597) انظر
ص
180 - 179
هذا البحث. من (1/238)
صفحة 238
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
239
فما الذي صرف ابن الأثير وغيره من الكتاب عن وصف هؤلاء القوم بالخوارج، وعلى أيديهم سالت دماء بريئة ونهبت أموال محرمة، وهدمت مساجد، وأحرقت كتب، وأفسدت مدارس؟
فلماذا تقاصرت عبارات ابن الأثير عن وصف أولئك الناس الذين نسبهم إلى المذاهب الإسلامية بـ (الخوارج) وقد أتوا من الأعمال ما يخجل منها
أشرار الخلق؟
إن
جميع
المذاهب الإسلامية التي انتسب إليها أولئك الذين أفسدوا في
ديار المسلمين بريئة منهم ولا تقر أعمالهم، فلا يصح شرعاً تحميل المذاهب الإسلامية أوزار أتباعها إذا خالفوا مبادئها وقيمها وما تدعوا إليه من أخلاق.
ظلماً
فمن العدالة في الحكم أن يُظهر ابن الأثير، وغيره من الكتاب، براءة أهل النهروان والإباضية الكرام من تبعات أعمال الأقوام الذين انتسبوا إليهم وزوراً والذين عاثوا في الأرض فساداً، كأمثال الأزارقة (598)، تماماً كما جميعاً عند تبرئتنا للمذاهب الإسلامية كافة من تبعات هؤلاء القوم الذين
6
نفعل
جعلوا الجهل سائسهم وقائدهم نحو القتل والإحراق والنهب». فمحاولة شيطنة ابن الأثير وغيره لأهل النهروان بما ارتكبه المنتسبون إليهم من جرائم هو عين الحيف والضيم لا لأهل النهروان والإباضية فحسب، بل للعلم والعدالة والأمانة. ومن الخطأ المنهجي أن تحمل الجماعة خطأ الفرد، وأن
(598) ذكر الدكتور الشيخ ناصر السابعي - حفظه الله تعالى - سبب انتشار تهمة تكفير المسلمين إلى أهل النهروان، حيث قال: «والخلاصة أن نافعاً لما حكم على مخالفيه بأحكام المشركين انسحب هذا الحكم ليكون مستقى من السلف الذي ينسب إليه نافع بن الأزرق، فتدخلت عوامل عدة لعل السياسة من أهمها ليكون التكفير مبدأ. من المحكمة الأوائل، وربما لهذا العامل أو لغيره نسب التكفير إلى المعارضين للتحكيم ... » (الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 141).
مبادئ (1/239)
صفحة 239
240
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ينسب إليها تصرف شاذ ليكون سلوكاً لكل أفرادها، ولو استعرضنا العهود الراشدة لوجدناها لا تخلو من مثل هذه الحالات الشاذة (599).
34 - عَوْدٌ على بَدْء:
وبعد هذا التطواف السريع في كتاب الكامل) في التاريخ) والذي نقلنا منه ـ وباختصار شديد ـ أحداثاً مؤلمة أوقعها من انتسب إلى الإسلام في أبناء جلدتهم من المسلمين، لا نملك إلا أن نقول (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
أليس لأرواح المسلمين حرمة بحق (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؟ أليس لأموال المسلمين حرمة بحق (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؟ فبأي وجه تقتل الأطفال وتبقر بطون المسلمات ويقتل الشيوخ وتنهب
الأموال؟
أما علم هؤلاء الطغاة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، بَلَدِكُمْ هَذَا) (100).
فِي
فما هو عذر هؤلاء الطغاة وأهل البغي والعدوان عند ربهم يوم القيامة وقد تضافرت الروايات النبوية على أن كلمة (لا إله إلا الله) عاصمة للدم إلا بموجب شرعي، وهو قتل النفس المحرمة بغير حق أو الزنا بعد الإحصان أو
الارتداد عن الإسلام» (60)؟
(599) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 127. (600) صحيح البخاري، الرواية: 67، ص 39. (601) أمة الإسلام إلى أين، ص 36. (1/240)
صفحة 240
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
241
ونحن إذا قسنا البشر حسب مبادئهم لعرفنا أن أولئك الناس الذين يدعون الإسلام قد خالفوا ما نادى به الإسلام، وارتكبوا ما حرمه الله تعالى ونهى عن فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فلهذا جاءت أفعالهم مصادمة لما يدعو إليه القرآن الكريم، واتبعوا في إجرامهم ما دعت إليه كتب النصارى المحرفة، وطبقوا ما كانت عليه الجاهلية الأولى من قتل ونهب وسبي للأحرار.
والذين جاسوا خلال ديار الإسلام تحت اسم «الحروب الصليبية»، فإن ذلك قائدهم في هو العداء المتأصل في نفوسهم ضد أهل التوحيد، وقد برروا جرائمهم وأراحوا ضمائرهم بما وجدوه في كتبهم المحرفة. فهؤلاء القوم ارتكبوا ما ارتكبوه من أفعال لأن كتبهم المحرفة أمرتهم بذلك، فهم يعدون ما قاموا به أمراً يتنافس فيه المتنافسون.
قال فيليب بوك، صاحب كتاب الحرب المقدسة) ما نصه: «سلطة العهد
القديم (602)، التي كانت تستشهد بها جان دارك وهي تقترح على المدن الإنكليزية ـ البورغونية الاستسلام ... كانت تشرعن أيضاً المجزرة إن رفض العرض ... كان جاك زيزكا يخوض الحرب على قاعدة الكتابات الإنجيلية:
(602) يشير الكاتب إلى الفقرة الآتية والتي ذكرت في الكتاب المسمى (الكتاب المقدس): «وإذا تقدمت إلى مدينة لتقاتلها، فادعها أولاً إلى السلم، فإذا أجابتك بالسلم وفتحت لك أبوابها، فكل القوم الذي فيها يكون لك تحت السخرة ويخدمك. وإن لم تسالمك، بل حاربتك، فحاصرتها وأسلمها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب كل ذكر بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة غنيمة، فاغتنمها لنفسك، وكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك إياها. تصنع بجميع المدن البعيدة منك جداً والتي ليست من مدن تلك الأمم هنا. وأما مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إياها ميراثاً، فلا تستبق منها نسمة ... » (الكتاب المسمى الكتاب المقدس - العهد القديم سفر تثنية الاشراع، 20 ـ الحرب والمحاربون، فتح المدن، ص 388 - 389)، دار المشرق، بيروت، لبنان، ط 3، 1988 م).
هكذا (1/241)
صفحة 241
242
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
سفر التثنية، 20، كان يطلب أولاً استسلاماً سلمياً، ثم يقبل على قتل الرجال، تاركاً النساء والأطفال، إن لم تفتح له أبواب المدينة ... والحقيقة، حين هو جمت المدينة يقصد مدينة براشاتيس في عام 1420 م وتم الاستيلاء عليها، بينما حوفظ على حيوات النساء والأطفال، جرى إما قتل الرجال حيث وجدوا
أو جمعوا في حجرة الاجتماعات في الكنيسة كي يحرقوا فيها» (603). وقال الفيلسوف الفرنسي غستاف لوبون صاحب كتاب (الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها)، ما نصه: «وكان كهنة محاكم التفتيش موقنين أن الله يريد حرق الهراطقة (60)، فأفرغوا أسبانيا من سكانها بمحارقهم. شارل التاسع ولويس الرابع عشر كانا موقنين أن خالق السماوات والأرض لم يكن يقبل بوجود البروتستانت ومن أجل القضاء عليهم ارتكب الأول مذبحة سان بارتملي ولجأ الثاني إلى الدراغونية (مرحلة من الاضطهاد في عصره حيث كان جنود الدراغون - الفرسان - يحتلون بيوت البروتستانت - م. ع.). وكان أنصار الجمعية التأسيسية موقنين بأنه ينبغي قطع عدد كبير من الرؤوس، من أجل ضمان سعادة الجنس البشري، ونتيجة لذلك أثاروا الحروب وأقاموا ديكتاتورية مما أدى إلى إهلاك ثلاثة ملايين شخص في أوروبا. وفي أيامنا الراهنة ثمة آلاف من البرجوازيين المشبعين بيقين أن الاشتراكية ستعيد تجديد العالم، يدمرون بجنون آخر الدعائم التي تسند المجتمع الذي يعيشون فيه»
(7.0)
(603) الحرب المقدسة الاستشهاد والإرهاب أشكال العنف المسيحية في الغرب، ص 340، وانظر كذلك ص 341 من نفس الكتاب لترى كيف كانت تعمل جان دارك في من تحاربهم
في ديارهم.
(604) هم ينعتون المسلمين بالهراطقة خدمة لأديانهم المحرفة. (605) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 283 - 284، وانظر ما قاله غستاف لوبون في كتابه الآخر (الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 54 - 56، وص 244) لترى جانباً
-
من المجازر التي وقعت باسم الدين المحرف بين الكاثوليك والبروتستانت. (1/242)
صفحة 242
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
243
من كل ما سبق نقله من أحداث مؤلمة منسوبة إلى الناس الذين أداروا رحاها في أوساط المسلمين، لم يكن لهم حظ من التقوى التي أمر الله تعالى بها، فقد بقوا بأفعالهم السيئة يعيشون بذلك «العقل العربي ـ الذي لم يمكن، لقصر المدة وغزارة الدماء من استيعاب النقلة العقلية القرآنية الراقية - لا يزال حتى تلك اللحظة، يعيش الطور التاريخي السابق على القرآن (606). فالطور التاريخي السابق للقرآن شهد أحداثاً شبيهة بما قرأناه أعلاه، هي فقد أرخت العرب أيامها بتلك المعارك التي خاضوها فيما بينهم، وفي كل يوم من أيامهم يتفاخرون بما أوقعوه بأنفسهم من قتل ونهب وسبي.
فكل قبيلة منهم كانت تعتبر نفسها مستقلة، استقلالاً تاماً، وفي حالة حرب مع غيرها، يباح لها و لأفرادها أن تأخذ كل ما تحصل عليه من الغير. فالغزو أمر طبيعي وقانوني عندهم ودوافعه متعددة ... » (607).
فمثلاً: ففي يوم (بارق) أسفرت الحرب عن مقتلة عظيمة لم تصب تغلب بمثلها واقتسموا الأسرى والأموال، وكان من أعظم الأيام عليهم، قتل الرجال
ونُهب الأموال وسُبى الحريم
ومن
(7.1)
الأحداث التي نقلها لوبون عن مجلة المونيتور الصادرة بتاريخ 21 كانون أول 1794
ما يلي: «رأيت، يقول توما، بعد الاستيلاء على نوارموتييه رجالاً، ونساء، وعجائز يحرقون أحياء ... ونساء تغتصب وكذلك فتيات في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة ويذبحن بعد ذلك، ورأيت أطفالاً رضعاً يُرمون من حربة إلى حربة كانوا ممددين إلى جانب أمهاتهم فوق الأرض» (الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 257، وهناك أحداث أخرى نقلها لوبون عن نفس الصحيفة في ص 258 من كتابه، وانظر ما ذكره لوبون عن مجازر آراس وكامبري والتي كانت نتيجتها أن أفرغت شوارعا بأكملها من الأحياء، ص 277، وذكر لوبون ما أوصى به قانون بريريال الذي بموجبه أُعدم 1373 شخصاً في غضون تسعة وأربعين يوماً، ص 283).
(606) السلطة في الإسلام، ص 5
(607) دراسات تاريخية، ص 64.
1+7_160
(608) الكامل في التاريخ، ج 1 ص 648. (1/243)
صفحة 243
244
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فتلك النتائج التي أسفرت عنها أحداث يوم بارق في الجاهلية ـ بين تغلب وتميم من جهة وبني شيبان من جهة أخرى ـ هي شبيهة بما
(7.9)
أسفرت عنه أيام العرب الأخرى التي حدثت قبل الرسالة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والتي حدثت (61) بعد بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم
ص
ص
- 542
يوم
(609) فالأحداث التي سبقت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي قتل فيها العرب بعضهم بعضاً، ونهبوا فيها أموال بعضهم، وسبوا نساءهم هي: «يوم عنيزة ... يوم واردات ... يوم الحنو ... يوم القصيبات ... يوم النقية ... ويوم الفصيل الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 537). ويوم عين أباغ (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 540)، ويوم مرج حليمة (الكامل في التاريخ، ج 1/، ـ 543)، ويوم الكلاب الأول الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 549)، أوارة ويوم الأول (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 552، ويوم أوارة الثاني (الكامل في التاريخ، ج 1/ 553)، وأيام داحس والغبراء وهي بين عبس وذبيان الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 566)، يوم ذات نكيف (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 587. ويوم الفجار ـ الفجار سمي لما استحل الحيان كنانة وقيس فيه من المحارم وكان قبله جبلة مذكور من أيام وهو العرب والفجار أعظم منه» (الكامل في التاريخ، ج 1 ص (590 ويوم مسحلان (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 608)، ويوم جديد (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 610)، ويوم الإياد (الكامل في التاريخ، ج 1 ص (612، ويوم الشقيقة الكامل) في التاريخ، ج 1 ص 613). و «يوم الجفار ... وكان يوم الجفار يسمى (الصيلم لكثرة من قتل «به» (الكامل في التاريخ، ج 1 / ص 619)، ويوم الصفقة والكلاب الثاني الكامل في التاريخ، ج 1 ص 620)، ويوم الوقيط (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 628. ويوم المروت الكامل في التاريخ، ج 1/ ص 631)، ويوم اليحاميم الكامل في التاريخ، ج 1 ص 635، ويوم ذي طلوح (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 637)، ويوم أقرن الكامل في التاريخ، ج 1 ص 638)، ويوم السلان (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 639)، ويوم ذي علق الكامل في التاريخ، ج 1 ص 641)، ويوم فلج (الكامل في التاريخ، ج 1 ص (652، ويوم الشيطين الكامل في التاريخ، ج 1/، ويوم حاطب ويوم بعاث الكامل في التاريخ، ج 1 ص 671). (610) ومن الأيام التي ذكرها ابن الأثير ضمن أحداث عام 70 للهجرة هي: حروب يوم الجفرة، ويوم ماكسين، ويوم الثرثار الأول، ويوم الثرثار الثاني، ويوم الفدين، ويوم السكير، ويوم
ص
، (654
المعارك، ويوم الشرعية، ويوم البليخ، ويوم
الحشاك، ويوم الكحيل، ويوم البشر (الكامل
في التاريخ، ج 4 / ص 306 - 319). (1/244)
صفحة 244
9 ـ وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
245
أيضاً، حينما تركت تعاليم الإسلام جانباً وأخذ بقوانين الغالب من
وحوش البشر.
وإني لأجد نفسي، والأسى يعصر القلب مضطراً لاستعارة هذه الكلمات من كتاب (أشرار التاريخ) لِتُلخص لنا ما قرأناه هنا من جرائم: «شخصيات و شخصيات في هذا الكتاب كلها قطعان بشرية ضالة قاتلة، تجسد الشر في أفظع صورة، وتقدم أنماطاً غير تقليدية لنوع خاص من الشر، يجرد الإنسان من آدميته، ويخرج به عن فطرته، ويجعله مثلاً يقتل من أجل القتل، ... وبوحشية تخجل منها الوحوش ... إنهم أعداء الإنسانية الذين حفروا أسماءهم بما ارتكبوه من فظائع في سجل التاريخ الأسود للبشر!! فهذه الأوصاف التي ذكرها صاحب كتاب أشرار التاريخ) لصيقة بأولئك المجرمين السفاحين الذين نقل ابن الأثير شيئاً من مفاسدهم في موسوعته التاريخية كما مر بنا أعلاه.
(711)
قال الدكتور فاروق عمر فوزي وهو من الذين سبروا أغوار كتب التاريخ وعرفوا ما تحويه تلك الكتب من توجهات أصحابها: «إن مؤلفات المنظرين للفكر السياسي عند المسلمين ابتداء من عبد الله بن المقفع (ت: 146 هـ) مروراً بأبي يوسف القاضي (ت: 180 هـ) ثم الجاحظ (ت: 255 هـ) ثم الماوردي ت: 450 هـ) ثم الغزالي (ت: (505 هـ) ثم ابن أبي الربيع (ت: 650 هـ) ثم ابن الطقطقي ثم ابن تيمية (ت (728 هـ ثم ابن جماعة (ت: 733 هـ) ثم ابن خلدون (ت (808 هـ وأخيراً ابن الأزرق (ت: 869 هـ). كانوا كما قلنا يبررون الأوضاع السياسية ويلتمسون لها العذر، ويروجون لأهل الشوكة من سلاطين
وأمراء سلاجقة وبويهيين وأتراك ويضفون عليهم مزايا مرموقة ...
(611) أشرار التاريخ، ص 7.
(612) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص
17
(612) (1/245)
صفحة 245
246
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
أن
وقال الدكتور فاروق عمر فوزي في موضع آخر من كتابه: «وعندي أدبيات كتاب السياسة الشرعية والمنظرين والفلاسفة سواء بسواء لا تسمن ولا تغني من جوع فهي تبرير لتوجهات السلطة وتسويغ للأمر الواقع!! وقد قيل إن المفكر إذا لم يكن حليفاً للمظلومين فلن يكون إلا شريكاً للظالمين!! (113).
فنسأل ابن الأثير وغيره من كُتّاب التاريخ، ونقول لهم: أين واقعية كتاباتكم من المثالية التي ترفعون شعارها؟
فالمثالية العلمية توجب على ابن الأثير وغيره أن يحكموا على كل من نسبت إليهم تلك الأفعال من قتل للأنفس، ونهب للأموال، وبقر للبطون بالخوارج المارقين من الدين تماماً كما فعلوا عند حديثهم عن الأزارقة والصفرية.
فهذه الازدواجية في الأحكام عند ابن الأثير ومن سار على نهجه إنما تدل على هيمنة التبعات الفكرية التي ما فتئ كثير من الكتاب على الإصرار عليها وإن رفعوا شعارات المنهج العلمي في بحوثهم التاريخية.
ما الذي كان يمنع ابن الأثير أن يعلن حكم الإسلام على كل أحد سُجلت عليه تلك الأحداث التي حرمها الشرع؟، إذ لا فرق بين بعيد وقريب أمام المثالية التي يدعو إليها ديننا الحنيف ولكن لا عجب فإن «الإنسان نتاج أفكاره، أي أن الأفكار الصامتة التي تعتمل في ذهنه القوة الحقيقية التي تدفعه لاتخاذ القرارات والمواقف والعمل على تحقيقها.
هي
(614)
0545
(613) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص (614) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص 6، نقلا عن مفكر سياسي
صيني. (1/246)
صفحة 246
9 - وقفات مع كتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
247
وكل قارئ لكتاب (الكامل في التاريخ) يدرك مدى هيمنة الأفكار الصامتة على كتابات ابن الأثير، فقد قال الدكتور محمد بن موسى الشريف:
ولكن من خلال قراءتي لأحداث القرنين الرابع والخامس في (الكامل) تبين
النسب
(615) فقط، بل هو
متعاطف
مع
هذه الدولة
لي أن ابن الأثير لا يصحح بشكل عام، فهو يمدح ملوكهم ويبرز محاسنهم ولا يذكر عيوبهم، ويؤكد في كل مرة يترجم لأحدهم بقوله: (الخليفة (العلوي، كأنه يريد أن يرسخ هذا في ذهن القارئ. ثم تبين لي أنه يُغرق في مدح بعض ملوك الدولة البويهية وأمراء الدولة الأسدية والحمدانية ... (616).
(TIA)
وهنا يدرك القارئ المنصف السبب الذي لأجله تحامل ابن الأثير على الإباضية، الذين وقفوا أمام البويهيين (61) (617) على أرض عمان، والذين وقفوا أمام جبروت العبيديين (18) على أرض المغرب العربي. لقد حددت أفكار ابن الأثير ما ينبغي له قوله تجاه من وقف أمام البويهيين والعبيديين وكتب ما يدل دلالة واضحة على عدم تقيده بمناهج
(615) يشير الدكتور محمد الشريف إلى ما أعلنه ابن الأثير عن قناعاته حول نسب الفاطميين إلى العترة الطاهرة ولو خالفه في ذلك آخرون، انظر أقوال ابن الأثير في (الكامل في التاريخ، ج 8 / ص 24 ـ 27) و (الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 37).
(616) تعريف مؤجز بأشهر كتب التاريخ،
ص
083
(617) ونقل الدكتور محمد بن موسى الشريف عن الأستاذ محمد العبدة قوله: «ليس من العسير لمن يقرأ ما كتبه ابن الأثير في (الكامل) أن يحس بتعاطفه مع الدولة البويهية، فهو لا يذكرهم إلا مادحاً معظماً الأوائل منهم، بل يغالي في المديح أحياناً عندما يعتبر وفاة ركن الدولة الحسن بن بويه مصيبة للدين والدنيا معاً تعريف موجز بأشهر كتب التاريخ،
ص 87 - 88). (618) قال الدكتور محمد الشريف «أما ما فعله عبيد الله بالعلماء العاملين الذين كرهوا دولته وعقيدته الفاسدة فهذا لا يذكره ابن الأثير ... انظر (تعريف موجز بأشهر كتب التاريخ،
ص (86). (1/247)
صفحة 247
248
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الإسلام في كتابة التاريخ؛ إذ نسمعه يـ مدح ملوك البويهيين والعبيديين (619) الذين أراد تجميل دولهم على رغم ما سجله التاريخ عليهم من جرائم حرمها
الإسلام.
فإذن، فليس بمستغرب على ابن الأثير أن يبذل قصارى جهده لأجل الانتقاص من أقدار الإباضية الأحرار الذين حاربوا البويهيين والعبيديين في المشرق والمغرب ...
لقد اتخذ ابن الأثير ومن سار على نهجه قرارهم ومواقفهم في تصنيف الناس على أفكار موروثة مجحفة لا على أسس المثالية الإسلامية المنصفة، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
(619) تعريف موجز بأشهر كتب التاريخ،
091 (1/248)
صفحة 248
10 - مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم
249
مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم
فكل الذين درسوا تلك الأحداث التي عاشها العرب وغيرهم قبل الإسلام، ودرسوا مبادئ الإسلام، عرفوا أن الله تعالى قد أرسل رسوله «رحمة للعالمين وإماماً للمتقين وقدوة للمحسنين، فحقن به الدماء التي كانت تسفح، وصان به الحمى الذي كان يستباح وألف به بين القلوب التي اشتدت وحشتها وتنافرها، وجمع به بين الأمم التي تعاظم عداؤها وتدابرها، فانصهرت به الأمم في أمة أمة واحدة» (620).
،
فبعد عهد الرسالة وبعد عصر الخلافة الراشدة سلك الناس مسالكاً
متعددة منها:
1 - مسلك أولئك الرعاع من البشر الذين ورثوا الهمجية من أرباب الجاهلية الأولى فكانت مآثرهم القتل والنهب وسبي الذراري، وهم بأعمالهم هذه لا تربطهم بمذاهب الإسلام أي رابطة ولو ادعوا انتسابهم إليها، إذ كل مذاهب المسلمين تحرم ما كانت عليه تلك الجاهلية من أفعال يستنكرها شرع الله. وقد ذكر ابن الأثير وغيره من كُتاب التاريخ أحداثاً أقدم عليها ممن ادعى الإسلام، وأتوا بأبشع الأفعال من قتل ونهب وسبي، وساروا بأفعالهم النكراء في نفس المسير الذي عليه أهل الجاهلية والتتار والصليبيون، وقد ذكرنا
طائفة من أحداثهم أعلاه.
(620) أمة الإسلام إلى أين صه. (1/249)
صفحة 249
250
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
6
2 ـ ومسلك مستقيم سار عليه المتقون المؤمنون المتبعون لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تزينت الدنيا عبر القرون بوجودهم فيها، وهم وإن استظلوا تحت مذاهب شتى بقوا جميعاً تحت قبة الإسلام الواسعة المرتفعة لا تزايل خطاهم خطي رسول الله صلى الله عليه وسلم قيد أنملة. وسيبقى هؤلاء القوم هداة ودعاة إلى الحق ما داموا على العهد الذي أوصاهم به کتاب الله تعالى ورسول
أن
الإسلام. ونحن حينما نتكلم عن مبادئ الإسلام فإننا على يقين تام المسلمين مطالبون بالتحلي بها، فلا فرق بين فرد وفرد وبين جماعة
جميع
وجماعة. فالمبادئ، واحدة والميزان الذي يُقَيّم العاملين واحد لا يحيف ولا يحابي أحداً على حساب أحد. فمبادئ الإسلام من عقيدة، وفقه، ومكارم الأخلاق التي ينشأ عليها المسلمون هي السياج الذي يحيط بهم والرابط الذي تقوى به أرواحهم وأجسادهم.
ونحن حينما نعرض هذه المبادئ ـ في هذا القسم من هذا البحث ـ فإننا على يقين تام أنها هي هي نفسها مبادئ المسلمين كافة من غير تحديد لمذهب دون مذهب، وإنما ذكرتُ (الإباضية) هنا لأن الأقلام الجائرة أكثرت من الإساءة إليهم فكان من الواجب أن نرفع عنهم، بقدر المستطاع، جانباً من الظلم الذي ما برح العابثون في التاريخ يرسلونه إلى ساحة الفكر الإباضي من غير دليل ولا تقوى من الله.
فحينما يقرأ الفرد هذه العبارات وهي تصف أحد الأشخاص: « ... فكان عابداً مجتهداً عظيم القدر ... وكان لا يدين بالاستعراض، ويحرم خروج النساء، ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا» (62)، فإن القارئ لا محالة سَيُجّل صاحب هذه الأخلاق، الذي عرفه فقط من خلال هذه العبارات، وسيزداد إجلاله له إذا عرف أن صاحب هذه الكلمات أردف العمل
(621) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 518. (1/250)
صفحة 250
10 - مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم
251
مع القول. وسيُجّلُ أيضاً الذين رفعوا من شأن صاحب هذه الأوصاف، وطبق هذه العبارة في الإصلاح لهذه الأمة والعالم أجمع، وسيقر القارئ المنصف أن صاحب هذه العبارة بعيد كل البعد عن الخوارج وأفعالهم. وسيعلنها القارئ، وبلا تردد، مدوية في أرجاء الوجود أن هذه العبارة هي مما يدعو إليه الإسلام، ويفتخر بها وبقائلها المسلمون كافة من كل المذاهب على كل الأمم التي عاشت على وجه الأرض.
ولكن ماذا سيكون موقف المنغمسين في آثار فلسفة (سيكولوجية الجماهير من الكتاب والقراء، الذين تشربوا أقوال الكذابين والضعفاء، إذا علموا أن قائل هذه العبارة هو القائد الإباضي أبو بلال مرداس بن حدير التميمي؟. فإنك لا محالة سترى الوجوه وقد كلحت وجهمت لا لشيء إلا لأن قائلها والمنادي بها إباضي سجل له التاريخ مقارعة عبيد الله بن زياد القائد الأموي.
فهنا هو مكمن الداء الذي يعاني منه الكتاب العابثون في التاريخ، فهم لا يُقَيِّمُون الرجال حسب قربهم أو بعدهم من مبادئ الإسلام، ولكن ينظرون إلى العاملين في هذا الوجود حسب ما أملته الدعايات الأموية من أحكام، فالموروثات الفكرية الباطلة ذات الطابع الجماهيري هي التي تملي على هؤلاء الكتاب مواقفهم وأحكامهم وإن كان الشرع والعقل والعلم ينقضون تلك الأحكام الجائرة.
وبسبب الحملة الإعلامية الضروس الشعواء، والإشاعة المغرضة ضد من قاوم سياسة الأمويين الظالمة فإن الكُتَّاب أضافوا إلى ما لم يستطيعوا نفيه من أوصاف عبارات تمجها الأسماع.
فها هو ابن الأثير ينقل العبارة السابقة كالآتي: «وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابداً مجتهداً عظيم القدر في الخوارج، وشهد صفين مع علي (1/251)
صفحة 251
252
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فأنكر التحكيم، وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه ... » (122).
(622)
وهذا هو مسلك ابن الأثير مع رجال الفكر الإباضي في طول موسوعته التاريخية وعرضها فهو لا يكاد يذكر الإباضية بمحاسنهم في التاريخ إلا ويقرنهم بالخوارج، لا لشيء إلا لأنهم لم يطاوعوا بني أمية ومن جاء بعدهم من العباسيين والبويهيين والعبيديين في ظلم المسلمين وسفك دماءهم، وسنذكر بعضاً من مواقف ابن الأثير من المذهب الإباضي فيما يأتي من صفحات إن شاء الله تعالى.
فليعلم الجميع أن من لا يدين بالاستعراض ليس من الخوارج في شيء. وليعلم الجميع أن من لا يقاتل إلا من قاتله واعتدى عليه، فليس من الخوارج في شيء.
وليعلم الجميع أن من لا يأخذ من أموال الناس شيئاً، إلا بموجب شرعي، فليس من الخوارج في شيء.
وبين الشيخ الدكتور ناصر السابعي موقف أبي بلال بقوله: «ومنهج أبي بلال واضح في أنه لا يستبيح قتال أحد إلا دفاعاً عن النفس، وهذا يعكس لنا طبيعة موقف أهل النهروان بأنهم لا يستبيحون دم أحد من المسلمين، فإن أبا بلال واحد منهم، ولا شك أنه إذا كان يقف موقفاً معادياً من قريب وزحاف لما ارتكباه فإن رضاه عن عبد الله بن وهب ـ وهو رمز لفكر أهل
النهروان ـ يجلي لنا الصورة الحقيقية لمنهجهم في التعامل مع
مخالفيهم
(623)
(622) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 518.
(623) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص:
134 - 135 (1/252)
صفحة 252
10 - مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم
253
فحكم ابن الأثير وغيره من الكتاب على أبي بلال وأهل النهروان بالخوارج إنما جاء بسبب تصديقهم للروايات الباطلة التي قيلت عبر التاريخ، وكذلك بسبب تأثير فلسفة (سيكولوجية الجماهير) على نفوسهم ولو خالفت أحكامهم الجائرة العلم الثابت والمبادئ القيمة التي هي العدل والإنصاف.
شعار
فما لابن الأثير ومن سار على نهجه ينسبون إلى الخوارج من سار على نهج النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم؟
فليس بمستغرب على ابن الأثير أن ينسب أبا بلال إلى الخوارج لا شيء إلا لأنه جادل عبد الله بن زياد فكانت النتيجة أن يلاحق ابن الأثير أبا بلال وينسبه إلى الخوارج على رغم عدالة المسلك الذي سلكه أبو بلال.
ومشهد المجادلة بين التيار الأموي والقائمين على حدود الله ذكره ابن الأثير أيضاً، ولكن في هذه المرة بين معاوية ابن أبي سفيان وعبد الله بن العباس، ونتيجة تلك المجادلة بين الرجلين هي تهديد ابن عباس لمعاوية بجلب الخوارج عليه من كل مكان. فقد قال ابن الأثير: «فقال [يقصد ابن عباس]: يا معاوية إني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به ثم أنطق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك» (624). فإذن؛ سيأتي ابن عباس بالخوارج، ومن يجعل الناس كلهم خوارج على معاوية فهو منهم وقائدهم
لا محالة.
أيها القارئ: إياك ثم إياك أن تضع نفسك في مكان المجادل ضد بني أمية ومن ناصرهم، وإلا ستشرع صوبك سهام التهمة بالخارجية من كل صوب تماماً كما وجهت صوب ابن عباس وأبي بلال. حتى ولو كان لك الحظ
(624) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 511. (1/253)
صفحة 253
254
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الأوفى من الزهد والعلم والتقوى، فإن ذلك لن يشفع لك عند ابن الأثير ومن سار على دربه.
والمتتبع للأحداث التاريخية وما سايرها من حروب إعلامية يدرك أن اتهام أهل النهروان الكرام والإباضية الزهر بالخوارج هي تهمة سياسية بامتياز (625)، وقد روج لها عبر التاريخ أناس وقف الإباضية أمام سياساتهم الظالمة للأمة الإسلامية. فهذه الدعاية ضد الإباضية مصدرها نفس المصدر الذي وصف ابن عباس بالمستنصر بالخوارج والمستنهض لهم ضد معاوية، والذي وصف العباسيين في أول أمرهم بخراسان «بالكفار والرعاع والعبيد وسقاط العرب والموالي والعجم والمجوس والسفهاء» (36
(626)
والذي حدث بعد زوال دولة الأمويين أن الأمور صارت إلى بني العباس، فلهذا ارتفعت الأقلام المغرضة عن وصفهم بهذه الأوصاف، وبقي الإباضية
(625) قال الشيخ أبو إسحاق اطفيش: إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية أهل الحق والاستقامة من الدعايات الفاجرة - التي نشأت عن التعصب السياسي أولا، ثم عن المذهبي ثانيا ... » (تحفة الأعيان، ج 1/ هامش ص 6)، قال الدكتور الشيخ ناصر السابعي: « ... لأن الصفات والخصائص التي تسرد كميزات للخوارج ـ وسيأتي بيانها ـ غير محصورة فيهم، بل نجد من غيرهم من يتصف بها أو ببعضها، وهذا ما أفضى إلى عدم الانضباط فيما يصدق عليه هذا الاصطلاح» (الخوارج
والحقيقة الغائبة، ص:
301 - 001).
وقال البشير مسعي محمد: «ولفظة خوارج لفظة مطاطية مرنة، يؤولها كل حسب هواه، وحسب ما يمليه عليه الظرف والموقف والغرض، فتعني الخروج عن طاعة المسلمين وعن خليفتهم عند البعض، وتعني المروق عن الدين عند آخرين، فتلقفها المؤرخون، وأعطوها طابع الحقيقة التي لا تقبل الجدال والمناقشة، وتتعاقب الأحداث التاريخية المتلاحقة لتؤصل هذا المفهوم أو ذاك في النفوس، وتتناقلها الأجيال المتتالية، وتتكون لديها نظرة خاصة نحو هذه الطائفة تتسم بالعداء وتصفها بالزيغ والضلال ... » (شبهة نسبة الإباضية إلى الخوارج، ص 250).
(626) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص
11. (1/254)
صفحة 254
10 - مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم
255
يكافحون ظلم بني العباس كما كان صنيعهم أيام بني أمية، لهذا استمرت الأقلام المشؤومة تفرز مدادها الآسن إلى وقت الناس هذا ظناً منها أنها ستنال من الفكر الإباضي، وأنى لها ذلك؟.
وصلاح الدين الأيوبي الذي مَنَّ الله عليه بتوحيد ديار المسلمين، وتطهير
في
المسجد الأقصى من أدران أعداء الإسلام كان في بداية أمره خارجياً!!! أنظار من حاربه ووقف ضد مشروعه النبيل. فقد أورد ابن الأثير في كامله
ما نصه: «كان المصاف بين سيف الدين غازي بن مودود وبين صلاح الدين يوسف بن أيوب بتل السلطان على مرحلة من حلب، على طريق حماة، وانهزم سيف الدين ... فلما وصل صلاح [الدين] كان وصوله العصر، وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة، فأشار على سيف الدين جماعة بقتالهم وهو على هذا الحال، فقال زلفندار: ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة، غداً بكرة نأخذهم كلهم؛ فترك القتال إلى الغد (627).
فملاحقة المصلحين من قبل من ناوأهم أمر يتكرر عبر التاريخ، فلا عجب في أن نرى كُتاب هذا العصر يمشون مع تيار الكذابين والضعفاء عند حكمهم على الإباضية، وليس بمستغرب أن يأتوا بما أتى به أولئك الذين وصفوا ابن عباس بالمحرض للخوارج على معاوية، والذين وصفوا القائد الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي بـ «الخارجي».
فقد مر بنا سابقاً المعنى الاصطلاحي لكلمة (الخوارج) الذي روج له ابن الأثير في موسوعته التاريخية (28)، واختصره الدكتور محمد بن موسى
(TYA)+
(627) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 427 - 428.
(628) انظر:
ص
180 - 179
هذا البحث. من (1/255)
صفحة 255
256
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الشريف بقوله: «كان الخوارج يقدمون على سفك الدماء على وجه عجيب لا يراعون فيه حرمة سابقة لأحد، ونتج عن صنيعهم هذا مقتل عشرات
الآلاف من المسلمين على مدار تاريخهم منهم سادة كرام نجباء ... » (629). فإذا كان هذا هو المعنى المقصود لكلمة الخوارج، فإن الضمير المسلم الحي عليه أن يكون وقافاً عند حدود الله؛ فلا يرتمي في أحضان الكذابين والضعفاء، ولا يرسل أحكامه الباطلة إلى أهل النهروان والإباضية وابن عباس والقائد الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي، وغيرهم ممن برئ من هذه
الأعمال الممقوتة
وعلى كل صاحب ضمير حي أن يعرف ميول الكتاب، «فقد يكون المؤلف مشايعاً لمذهب أو لحزب أو لفئة معينة ممن يكتب عنهم فيناصرهم من غير قصد، أو يذهب في ذلك إلى تعمد الكذب في الرواية، أو إلى تحريف الحقائق وحذف بعضها ليقود القارئ إلى نتائج معينة ترفع من الذين يشايعهم أو تدفع عنهم مسئولية أو عار. وقد يندفع المؤلف إلى البعد بسبب الحرص على تملق أولياء الأمور، أو على مداراتهم والنجاة
عن
العدالة
من اضطهادهم» (630).
شأن
فكل الذين جاءوا بخيلهم ورجلهم على أهل النهروان والإباضية قد
تعمدوا الكذب وشايعهم في ذلك من داسوا على مناهج البحث في الإسلام، وهؤلاء الكتاب لم يكن لهم حظ في دراسة مبادئ الإباضية من خلال كتبهم وعرض تلك المبادئ على جوهر الإسلام الذي جاء به القرآن الكريم ونادى به الرسول صلى الله عليه وسلم.
(629) من مآسي الافتراق، ص 29.
(630) مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه، ص
053 (1/256)
صفحة 256
10 - مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم
257
وأما الذين درسوا تاريخ الرجال من خلال الأعمال التي قاموا بها، والمبادئ والقيم التي يدعو إليها الإسلام، ولم تستهوهم الروايات الضعيفة المبثوثة في كتب التاريخ فإنهم أنصفوا الحق بإنزالهم الرجال في منازلهم اللائقة بهم. فها هو الدكتور فاروق عمر فوزي يكتب في حق أبي بلال مرداس ما نصه: «يعد أبو بلال مرداس بن عمرو بن حدير التميمي من أبرز أئمة (المحكمة الأولى إلا أن الإباضية هي الفرقة الأكثر تأثراً بسيرته، فقد عرف بالزهد والتقوى وحسن السيرة ... ولم يكن (يدعي هجرة ولا ينتحلها ولا يخيف آمناً ولا يستحل استعراضاً ... ولا يغنم أموالاً ولا يسبي ذرية ولا ينزل قومه منزلة أهل الأوثان). وهذه السلوكية طبعت الإباضية في معاركهم ومعاملتهم لأهل الخلاف من المسلمين ... وقد تركت سيرته هذه أثراً عميقاً في سلوك الإباضية ... ولعلنا نستطيع القول أنه في اللحظة التي رفض فيها عبد الله بن أباض اتباع نافع بن الأزرق واختلافه مع عبد الله بن الصفار، بدأ فيها تنظيم فرقة الإباضية وتبلور مبادئها حيث لم يبق شيء يربط الإباضية بجماعات الخوارج الأخرى سوى الموقف العام من مسألة الإمامة» (631).
هذه الأقوال التي قالها الدكتور فاروق عمر فوزي تناقض ما قاله ابن الأثير عن أبي بلال، لأن الدكتور فاروق عمر فوزي وزن سير الرجال بميزان الحق، ولم يتبع أقوال الكذابين والضعفاء كما فعل ابن الأثير ومن سار على نهجه من الكتاب.
فالخلل الذي بسببه نسب ابن الأثير أهل النهروان والإباضية إلى الخوارج هو عدم تقيد ابن الأثير ومن سار على نهجه بالقواعد التي يحتكم إليها في
(631) المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين، ص
372 (1/257)
صفحة 257
258
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
تقييم الرجال، وإلا فإن القيم والمبادئ التي سجلها ابن الأثير وغيره للإباضية كفيلة بإقناعهم أن أهل النهروان والإباضية بعيدون كل البعد عن الخوارج وغيرهم من المفسدين في الأرض وفي ما يأتي من صفحات بيان أوسع لما قلناه هنا، والله الموفق إلى الصواب. (1/258)
صفحة 258
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
259
أما يكفي ابن الأثير ذلك الموقف الذي وقفه الإمام عبد الله بن إباض أمام نافع بن الأزرق، وأعلن له كما أعلن للعالم أجمع المبدأ الذي عليه الإباضية والذي استقاه من مصادره الصافية؛ القرآن والسنة وسير
الصحابة,
تخلّف
عن
فقد أورد ابن الأثير ما نصه: ونظر نافع فرأى أن ولاية من الجهاد من الذين قعدوا من الخوارج لا تحل له، وأن من تخلف عنه لا نجاة له، فقال لأصحابه ذلك ودعاهم إلى البراءة منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم، ولا يحل ميراثهم، ورأى قتل الأطفال والاستعراض، وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. ... فكتب نافع إلى ابن أباض وابن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك ... فأخذه ابن أباض فقرأه، فقال: قاتله الله أي رأي رأى! صدق نافع، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وكانت سيرته كسيرة النبي، في المشركين، ولكنه قد كذب فيما يقول، إن القوم بُرَاء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى
ذلك فهو حرام علينا
(632)
(632) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 167 ـ 168. (1/259)
صفحة 259
260
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فحينما نفك رموز هذا النص التاريخي، ونحلل ما أتى به ابن الأزرق من أفكار، ونستشعر رد عبد الله بن إباض لتلك الأفكار التي أراد ابن الأزرق من الجميع تطبيقها، سنعرف يقيناً براءة أهل النهروان من هذه الأفكار الخبيثة ورفض الإباضية لها ولقائلها ومطبقيها في واقع الحياة مدى القرون الماضية واللاحقة. 1 - لم تكن عبارة ابن إباض هذه نظرية عابرة يواجه بها خصماً عنيداً، بل قاعدة من قواعد الدين التي سار عليها المسلمون منذ وقت الرسالة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. وللإباضية مع غيرهم من إخوانهم المخلصين لهذا الدين الحظ الوافر في تطبيق تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام طوال مسيرتهم النيرة.
هي
2 ـ وعبارة «ونظر نافع فرأى ... الواردة في هذا النص تدل أن مبدأها هو يوم ساورت نافع بن الأزرق وساوسه الشيطانية، ولم تكن هذه الأفكار معروفة قبل هذا الوقت، لهذا بادرهم نافع بأقواله التي اخترعها لهم لعلها تجد الرضى منهم. والحمد الله، فالإباضية هم أول الناس في التاريخ من وقف أمام هذه الدعوة الخارجية لأنهم رأوها مخالفة للقرآن الكريم وللسنة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم وهدي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. وتدل هذه العبارة أن نافع بن الأزرق هو الذي انشق بنظريته ورأيه عن تعاليم الإسلام التي كان عليها أهل النهروان وثبت عليها ابن إباض وأتباعه. فهذه النظرة التي رآها ابن الأزرق رفضها الإباضيون رفضاً شديداً وتبناها أقوام آخرون على مدى القرون الماضية كما تبين ذلك في صفحات هذا البحث. 3 ـ قولة ابن إباض واصفاً ابن الأزرق ..... قاتله الله أي رأي رأى ... »، وقوله: « ... ولكنه قد كذب فيما يقول ... إعلان براءة (633) من ابن الأزرق
(633) ذكر الدكتور الشيخ ناصر السابعي أقوال علماء الإباضية التي أعلنوا فيها البراءة من أفكار الخوارج، انظر الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 192 - 194). (1/260)
صفحة 260
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
261
الكذاب وأفكاره إذ كل ما أتى به من أقوال هي كذب ويستحق بسببها
القتال
الله. من
أن
4 ـ وعبارة: «ورأى قتل الأطفال والاستعراض ... » دليل بين واضح استحلال دماء المسلمين جاء من رأي ابن الأزرق وأفكاره، وليس الذي
رآه ابن الأزرق يعد من موروثات العلم والعبارة التي هي منهج التعامل بين المتحاربين من المسلمين قد أراد ابن الأزرق تحريفها ولكن الإمام ابن إباض كان له بالمرصاد فرد عليه بالحق الذي سار عليه المسلمون من قبل ابن الأزرق ومن بعده إن القوم برآء من الشرك (634) ولكنهم کفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوي ذلك فهو حرام علينا». من هذا النص الذي نقلناه يتضح لنا تكون جماعة على رأسها نافع ابن الأزرق تنادي بمبادئ لم تكن متبناة من قبل أهل النهروان ومن سار على نهجهم، ويتضح لنا كذلك بقاء عبد الله بن إباض على المبادئ كان عليها أهل النهروان والتي تخالف كل المخالفة لما اقترحه ابن
التي
الأزرق من أفكار.
ه ـ ومما يلاحظه القارئ لكتاب ابن الأثير أنه حينما يذكر الأزارقة فإنه ينسبهم إلى الخوارج ويذكر المفاسد التي نادوا بها وارتكبوها. وأما حينما يذكر أعلام الإباضية فإنه ينسبهم إلى الخوارج وينسب إليهم أعمالاً سامية وأفعالاً يدعو إليها الإسلام.
(634) جاء في «أول منظومة في الاعتقاد عند الإباضية (شرح قصيدة أبي المؤثر، ص 14 ـ 15): ولا شرك في أهل القرآن لحكمنا ولا قتل. سر إن ذلك يوبق»
وجاء في شرح هذا البيت وذلك أن الخوارج شركوا أهل القبلة، وانتحلوا الهجرة، واعترضوا الناس على غير دعوة، وسبوا النساء، وحرقوا المنازل، وقتلوا الأطفال» (شرح
قصيدة أبي المؤثر، ص،
VA) (1/261)
صفحة 261
262
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
بن
وبعد تلك المحاجة والجدال التاريخي الذي صار بين الإمام عبد الله إباض ونافع بن الأزرق اتجه الإمام عبد الله بن إباض وأتباعه ومن سار على نهجه صوب العلم وتربية الأجيال المسلمة على أخلاق الإسلام ومبادئ الدين، ورد الأمور إلى نصابها من إقامة الحق ومحاربة الطغاة والظلمة ممن أفسدوا في الأرض.
وبعد أن أعلن ابن الأزرق مبادئه المخالفة للشرع، وبعد أن نابذه أئمة
وأتباعه
الإباضية وحكموا عليه بالكذب ودعوا عليه بالويل والقتل، اتجه هو وا إلى إراقة دماء المسلمين وسبي نسائهم منافساً في ذلك الذين حاربوه من جنود بني أمية، فهم ـ أقصد جنود بني أمية ـ لم يأتوا في حروبهم للخوارج إلا بما أتى به الأزارقة من فساد وظلم ونهب وسبي للمسلمات.
فها هو ابن الأثير نفسه ينقل لنا: « ... ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المهلب وأصحابه وهزم الخوارج وكثر القتلى فيهم، وكان فيمن قتل: عبد ربه الكبير، وكان عدد القتلى أربعة آلاف قتيل، ولم ينج منهم إلا قليل، وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا لأنهم كانوا يسبون نساء المسلمين
(635)
وهكذا قابل جنود الأمويين والخوارج بعضهم بعضاً؛ القتل بالقتل، ونهب الأموال بنهب الأموال، وسبي النساء النساء، ولم يكن أحدهما بسبي عند حدود الله، ولم يكن همهما الدفاع عن الدين ومبادئه.
وقافاً
وأما الإباضية فقد أعلنوها فعلاً، وقولاً أن ما أقدم عليه الأزارقة من أعمال يحاربها الإسلام لا تمتها أي صلة بأهل النهروان الكرام، والذي أقدم عليه الأزارقة من فعل سيء إنما هو ردة أفعال لما جنته أيدي جنود بني من شنائع الأفعال في ديار الإسلام.
(635) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 440.
أمية (1/262)
صفحة 262
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
263
والإباضية حينما حاربوا الخوارج وغيرهم من المفسدين في الأرض لم يتعدوا حدود الله؛ فلم ينهبوا مالاً لمسلم، ولم يسبوا امرأة ولا ذرية، لأن الأوحد رضى الله تعالى بإقامة حدوده في أرضه.
همهم
قال الدكتور الشيخ ناصر السابعي: وأما قول عبد الله بن إباض: (ولا تحل لنا إلا دماؤهم فلا يخفى أنه يعني أمر القتال، والمراد أنه إن حل قتال أحد من المسلمين بحكم شرعي كقتال البغاة الذي نصت على شرعيته آية الحجرات، فلا يحل بعده شيء من الغنيمة والسبي ونحوهما ... » (636).
وقال الشيخ أبو إسحاق اطفيش وهو يبين هذا المبدأ الذي فرق بين الإباضية والأزارقة: «فالأباضية أهل الحق لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلا إنكار الحكومة بين علي ومعاوية، وأما استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد والحكم بكفرهم كفر شرك: فقد انفرد به الأزارقة والصفرية والنجدية، وبه استباحوا حمى المسلمين، ولما كان مخالفونا لا يتورعون ولا يكلفون أنفسهم مؤنة البحث عن الحق ليقفوا عنده خلطوا بين الأباضية أهل الحق الذين لا يستبيحون قطرة من دم موحد بالتوحيد الذي معه، وبين من استحلوا الدماء بالمعصية الكبيرة، حتى قتلوا
الأطفال تبعاً لآبائهم ... »
(637)
لقد وقف أحد عظماء الإباضية أمام جبروت زياد بن أبيه الذي قال: «وإني لأقسم بالله لآخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل
بالمدبر، والصحيح منك
190
(636) الخوارج والحقيقة الغائبة، ص. (637) تحفة الأعيان، ج 1 ص 6، هامش 1. (638) الكامل في التاريخ، ج 3/ 448.
بالسقيم
(638)
، وذكره بقول الله تعالى: (1/263)
صفحة 263
264
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَ أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى) [النجم: 37 - 39]، وقال له: أنبأ الله بغير ما قلت»، «فأوعدنا الله خيرا مما أو عدتنا»، فما كان من زياد إلا أن قال: «إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى تخوض إليها الدماء». فما كان من ابن الأثير، وهو يذكر هذه القصة، إلا أن يصف من تحدى طغيان زياد بقوله: «فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية وهو من الخوارج».
فأبو بلال مرداس بن أدية الذي التزم بما نطق به القرآن، وكره أقوال الطغاة الذين لا يقيمون لتعاليم الإسلام أي، وزن لاحقه ابن الأثير وغيره من الكتاب وألقوا به ظلماً وزوراً في ساحة الخوارج لا لشيء إلا لأنه وقف وقفة حق أمام جبروت الطغاة.
وفي نفس الصفحة التي ذكر فيها ابن الأثير قصة أبي بلال مع زياد بن أبيه، نجد ابن الأثير ينسب إلى ابن أبيه قتل أعرابي برئ جاء لطلب الرزق وغشيه الليل في البصرة. ومما قاله ابن الأثير في وصفه لزياد بن أبيه: «وكان زياد أول من شدد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وجرد سيفه، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة) (139). فهذا الذي جرد السيف ووضعه في غير محله لا تناله أوصاف الخوارج، لا لشيء إلا لأنه جندي من جنود معاوية بن أبي سفيان!!.
وفي مشهد آخر يتبين فيه لكل منصف وبصير من أولى الفريقين بالخوارج، فقد ذكر ابن الأثير ما نصه: «فقال أبو بلال: هذا يوم جمعة وهو يوم عظيم وهذا وقت العصر فدعونا حتى نصلي. فأجابهم ابن الأخضر وتحاجزوا، فعجل ابن الأخضر الصلاة، وقيل قطعها، والخوارج يصلون، فشد
(639) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 450. (1/264)
صفحة 264
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
265
عليهم هو وأصحابه وهم ما بين قائم وراكع وساجد لم يتغير منهم حاله، فقتلوا من آخرهم وأخذ رأس أبي (بلال) (640).
أحد من
أهذا الذي يدعو الناس للصلاة يكون من الخوارج؟!!. أفمن يُقتل غدراً وهم بين قائم وراكع وساجد يكون من الخوارج؟!! وما هو عذر ابن الأثير في وصفه لأبي بلال ومن كان معه بالخوارج؟.
لقد انقلبت عند ابن الأثير ومن سار على نهجه الموازين فأصبح الواقف عند حدود الله من الخوارج!!. إن أولى الناس بالخوارج هم جنود أمية ـ الذين يقتلون الأبرياء ويتسابقون في قطع الرؤوس ليتزلفوا بها عند سادتهم الذين علموهم الفساد والإفساد - وليس أبو بلال الذي تربى على مبادئ الإسلام التي كان عليها أهل النهروان والصحابة الكرام رضوان
بني
الله عليهم. ومما قاله ابن الأثير واصفاً أبا بلال مرداس: «كان عابدا مجتهدا عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم وشهد النهروان مع الخوارج وكانت الخوارج كلها تتولاه ... وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا».
فأبو بلال مرداس بن حدير يجسد ما كان عليه أهل النهروان من مبادئ وقيم؛ فهو لا يدين بالاستعراض ولا يقاتل إلا من ابتدأه بالقتال، ولا يأخذ من أموال الناس شيئاً إلا بموجب شرعي سمح به الدين الحنيف. فما هو عذر ابن الأثير إذاً في وصف أبي بلال بالخارجية؟
(640) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 94 ـ 95. (1/265)
صفحة 265
266
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
لقد نقل لنا ابن الأثير في موسوعته أحداثاً لجنود بني أمية وبني العباس فيها الاستعراض والقتل ونهب الأموال ولم يصفهم ابن الأثير بالخوارج، فلم هذا الظلم في القول؟ ولم هذا التطفيف في الموازين؟
(641)
فنقول لابن الأثير ومن سار على نهجه: كفاكم ظلماً للإسلام حينما
رفعتم أقدار الجبارين من جنود بني أمية، ووصفتم أبا بلال الذي «لا يدين بالاستعراض بالخوارج
ومشهد آخر من مشاهد الظالمين ومناصريهم من الكتاب، يرسمه لنا ابن الأثير بقوله: «اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم جماعة كثيرة، منهم: عروة بن أديَّة أخو أبي بلال مرداس بن أدية ... وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان، له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة، فأقبل على ابن زياد يعظه وكان مما قال له أَتَبْنُونَ يكل ريع ايَةً تَعْبَثُونَ) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128 - 130] ... فقيل لعروة ليقتلنك! فاختفى، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة، فأُخذ وقدم به على ابن زياد، فقطع يديه ورجليه وقتله، وقتل ابنته» (642).
6
(641) وممن سار على نهج ابن الأثير الدكتور أحمد معيطة صاحب كتاب (الإسلام الخوارجي) الذي وصف عروة بن أدية، أخا أبي، بلال، بقوله: «أما أغلبية الخوارج فلم تقر هذا المبدأ (التقية) لا قولاً ولا فعلاً، وفي كتب التاريخ والسير ما يؤكد أن الخارجي ملتزم بعقيدته، مخلص لمبادئها في القول والسلوك، فعندما جيء بـ (عروة بن أدية) لم يتورع هذا الخارجي عن إبداء رأيه الحقيقي، وعن سب معاوية وفضح نسب زياد المزيف ... » (الإسلام الخوارجي، ص (56) (عروة بن أدية أعلى وأرقى من أن تصدر منه مسبة لأحد، فهو به ملتزم بأمر الله، ولكن عقدة الكتاب أن كل من أظهر رأي الإسلام، وصبر على الحق، وناقض ما عليه معاوية وبني أمية وبني العباس يسمى عندهم خارجيا). (642) الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 517 ـ 518. (1/266)
صفحة 266
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
267
كان على ابن الأثير ومن سار على نهجه أن يتذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (أَفْضَلُ الْجِهَادِ، كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرِ)
(643)
والإنسان ليشتد عجباً من ابن الأثير وغيره حينما يتهمون الذين يُذَكِّرون الجبابرة بآيات الله تعالى بالخوارج، ولا يلتفتون إلى ما يفعله الجبابرة من قتل وتقطيع أوصال. فأولئك الرجال الذين تمثلوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تأخذهم في قول الحق لومة لائم، صاروا في دواوين بني أمية ومن شايعهم من الكتاب خوارج؛ لا جزاء لهم إلا القتل والتقطيع لأبدانهم وقتل أبنائهم!! فهل هناك إجرام فوق هذا الإجرام الذي ارتكبه عبيد الله بن زياد؟، وهل هناك بخس للموازين فوق نعت الأبرياء بالخوارج؟ ومشهد آخر من مشاهد الاستقامة في الدين يترجمه سلوك أبي حمزة الشاري الذي ثار على جحافل الفساد الأموية، والمؤسف أن الذين ذكروا خطبه العصماء المستوحاة من هدي الوحيين والذين نقلوا لنا حسن سيرته أنفسهم من نسبه إلى الخوارج، في مفارقة لا يجد لها القارئ المنصف أي مبرر سوى اتهام الكتاب بالحيدة عن منهج الإسلام الداعي إلى قول الصدق في حق عباد الله تعالى. فقد نقل ابن الأثير ما نصه: «فسار ابن عطية فالتقى أبا حمزة بوادي القرى، فقال أبو حمزة لأصحابه: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ فقال ابن عطية: نضعه في جوف الجواليق. فقال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه، في أشياء سألوه عنها. فلما سمعوا كلامه قاتلوه ... »
هم
(643) سنن ابن ماجة، الرواية: 4011، ص (644) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 391.
0647
(644) (1/267)
صفحة 267
268
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ومما قاله ابن الأثير في وصف معاملة أبي حمزة لأهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأحسن السيرة مع أهل المدينة واستمال حتى سمعوه يقول:
(645)
مَنْ زنى فهو كافر (18)، ومَنْ سرق فهو كافر، ومَنْ شكّ في كفرهما فهو كافر. وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر. (646).
(727)
ومما نقله ابن الأثير عن سلوك أبي حمزة وأصحابه: « ... فبينما الناسُ بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس الرماح وهم سبعمائة، ففزع الناس حتى رأوهم وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكة والمدينة، وطلب منهم الهدنة فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه أشح. فصالحهم على أنهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير، فوقفوا بعرفة على حِدَةٍ ... »
(647)
ومما نقله ابن الأثير أيضاً: « ... ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يُخبركها. فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة: معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به لا والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم فرجعوا إلى عبد الواحد فأبلغوه. فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد فيه وخلى مكة، فدخلها أبو حمزة بغير قتال ... (648). فهذه الأفعال السامية، والأخلاق الرفيعة والمبادئ الإسلامية التي تحلى بها أبو حمزة الشاري ومن معه من الشراة لم تمنع ابن الأثير ومن حذا حذوه
(645) ذكر الدكتور الشيخ ناصر السابعي أحاديث نبوية ذكرت فيها كلمة (الكفر) ويراد بها المعصية، انظر الخوارج والحقيقة الغائبة، هامش ص 138).
(646) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 390.
(647) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 373.
(648) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 374. (1/268)
صفحة 268
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
269
عن اتهامهم ظلماً وزوراً بالخوارج. فقد وصف ابن الأثير أبا حمزة الشاري في مواضع عديدة ولم يأت بما يثبت هذه التهمة الباطلة،
بـ (الخارجي) (649)
سوى مخالفة (650)
مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية الذي قام عليه بنو
العباس فيما بعد وأذاقوه ومن معه من بني أمية أشد العذاب.
وقلم ابن الأثير ـ كغيره من الكتاب ـ دائماً وأبداً وأينما حل وارتحل، ما إن يُذكر أهل النهروان والإباضية إلا ويقرنهم بالخوارج، ولم يراع في أحكامه الجائرة تلك ما حرمه الله تعالى على المسلمين من تنابز بالألقاب ورمي بالبهتان.
ولم يرض ابن الأثير بوصف الإمام الجلندى بن مسعود ومن معه من الشراة بما ارتضوه لأنفسهم من أوصاف، بل ألحقهم بالخوارج الذين هم من ألد أعداء الإباضية عبر التاريخ. ومما ذكره ابن الأثير حول قتال الإمام الجلندى بن مسعود الشيبان الصفري قوله: « ... فركب شيبان وأصحابه السفن وساروا إلى عُمان، وهم صفرية. فلما صاروا إلى عُمان قاتلهم الجلندى وأصحابه، وهم إباضية، واشتد القتال بينهم، فقُتل شيبان ومَنْ معه» (65). ولم يقتنع ابن الأثير هنا بالحق الذي عليه الإمام الجلندى بن مسعود الإباضي الذي حارب شيبان الصفري حينما أراد أن يدخل عمان عنوة، بل أراد ابن الأثير أن يُهَوّن من شأن هذا الإمام ومن شأن أهل عمان حينما نسبهم إلى
(649) فمما قاله ابن الأثير في حق أبي حمزة الشاري: «ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقديد»، و «ذكر أبي حمزة الخارجي»، و «قدم أبو حمزة بلج بن عقبة الأزدي الخارجي»، و «فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخارجي»، و «كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي السلمي البصري، وكان أول أمره أنه كان من الخوارج الأباضية (هذه العبارات تكررت في الكامل في التاريخ، ج 15 بين صفحات 351 - 391).
(650) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 351.
(651) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 452. (1/269)
صفحة 269
270
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الخوارج عند ذكره للحملة العسكرية التي أعدها السفاح وأمر عليها خازم بن خزيمة: « ... وأشاروا يقصد الذين كلموا السفاح في تأمير خازم على حملته العسكرية] عليه بتوجيهه إلى مَنْ بعُمان من الخوارج وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري»
(652)
ومما سجله ابن الأثير على خازم بن خزيمة في نفس الصفحات التي فيها الإمام الجلندى بن مسعود: « ... ثم انصرف [يقصد خازم بن خزيمة] فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان ... فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوّه ويأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له في الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعاً وهدم دورهم ونهب ونهب أموالهم ثم انصرف)
(653)
فالإباضية عند ابن الأثير خوارج!!! ولو حاربوا الخوارج، وانتصروا لدين الله، وقاتلوا خازم بن خزيمة الذي ضرب أعناق الأبرياء وهدم دورهم ونهب أموالهم.
هنا؛ وفي هذه الصفحات التي خطتها أنامل ابن الأثير نشاهد واقعاً حياً واصفاً لثلاثة مبادئ طبقها أصحابها في سيرهم في هذه الحياة:
1 - نرى مبدأ خازم بن خزيمة وسادته من بني العباس المتمثلة في قتل الأبرياء وهدم ديارهم ونهب أموالهم.
2 - ونرى شيبان الصفري تطارده جحافل بني العباس من دار إلى دار حتى انتهت أحلامه الفاسدة في أرض عمان الطاهرة على أيدي الشراة
الأشاوس.
(652) الكامل في التاريخ، ج 5/ ص 451. (653) الكامل في التاريخ، ج 5 ص 450. (1/270)
صفحة 270
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
271
ـ ونرى الإمام الجلندى بن مسعود الإباضي ومن معه من الشراة يهبون هبة الأسود للدفاع عن عُمان الطاهرة من لوثة أفكار الصفرية، وفساد خازم بن خزيمة المتكرر في كل أرض سار إليها. ونرى الإمام الجلندى ذا بسالة رد بها كيد شيبان الصفري ونرى تقواه وخوفه من الله تعالى يعصمانه ومن معه من الأجناد من أن يتعدوا حدود الله تعالى وهم، وفي عزة النصر، لم تحدثهم نفوسهم الطاهرة بنهب ما خلفه شيبان ومن معه في أرض المعركة (654)، بل عزموا على رد ما تركه شيبان إلى أهله وذويه، ولم يفعلوا فعلة خازم الذي هدم الديار ونهب الأموال كما نقل ذلك ابن الأثير.
فنقول لابن الأثير ومن سار على نهجه ممن اضطربت عندهم الموازين إن أحق الناس بالخوارج هم خازم بن خزيمة وجنوده وسيده السفاح العباسي، الذين نقلتم في كتبكم مفاسدهم في أرض الإسلام؛ من قتل وهدم للديار ونهب للأموال.
وكل منصف من أبناء هذه الأمة الخيرة التي اختارها الله تعالى وفرض عليها قول الصدق، لا بد أن يقف مع الحق، ويعدل في القول والحكم، وينصف المظلوم ولو بمدة قلم. هذا الذي نرجوه من أبناء أمتنا ونحسب من حقنا الذي نطالب به.
ذلك
ومساندة ابن الأثير للدولة البويهية جعلته يقلب الموازين التي نادى بها في تاريخه، ويصف اعتداءات جنودهم على بلاد المسلمين فتحاً، ويصف من تغلب من المغتصبين للديار أصحاباً لها، وينعت أهل البلدان المدافعين عن
حماها خوارج.
(654) انظر ما كتبه الإمام السالمي حول حرب الإمام الجلندى لشيبان الخارجي وخازم بن خزيمة في (تحفة الأعيان، ج 1 ص 95 - 101). (1/271)
صفحة 271
272
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فقد قال ابن الأثير: وفيها [يقصد سنة 280 للهجرة] افتتح محمد بن ثور عُمان وبعث برؤوس جماعة من أهلها (655).، وقال أيضاً في موضع آخر من تاريخه: «في هذه السنة [يقصد سنة 352 للهجرة] سار الوزير أبو محمد المهلبي، وزير معز الدولة في جمادى الآخرة، في جيش كثيف إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل
(707)
وعند ذكره لحروب العبيديين للدولة الرستمية الإباضية قال ابن الأثير:
وخالف عليه أهل، تاهرت فغزاها، ففتحها، وقتل أهل الخلاف (657)
ومما قاله ابن الأثير عند ذكره لجيش آخر أرسله البويهيون إلى عمان: «وانحدر من واسط إلى الأبلة في شهر رمضان، فأقام بها يجهز الجيش والمراكب ليسيروا إلى عُمان، ففرغ منه، وساروا منتصف شوال، واستعمل عليهم أبا الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، وكانوا في مائة قطعة، فلما كانوا بسيراف انضم إليهم الجيش الذي جهزه عضد الدولة من فارس نجدةً لعمه معز الدولة، فاجتمعوا وساروا إلى عُمان، ودخلها تاسع ذي الحجة، وخطب لمعز الدولة فيها، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقت مراكبهم، وهي تسعة وثمانون مركباً (658).
فبأي حق هذه المقتلة العظيمة التي أوقعها جيش معز الدولة بالمسلمين؟ ألم يجد ابن الأثير إلا كلمة (فتح) للتعبير عن هجمات البويهيين والعبيديين المتوحشة لعمان وتيهرت عاصمة الرستميين؟
(655) الكامل في التاريخ، ج 7/ ص 464.
(656) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 546.
(657) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 53.
(658) الكامل في التاريخ، ج 8/ ص 568. (1/272)
صفحة 272
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
273
فعمان عبر تاريخها لم يدخلها الغزاة إلا حين فرقة من أهلها، وبعد أن تلتحم الصفوف يخرج منها الغزاة صاغرين.
والذي حدث مع محمد بن بور لم يكن فتحاً كما يدعي ابن الأثير، بل كان إفساداً في الأرض، وقد أدب الله به أهل عمان حينما تناسوا نعمة الله عليهم وجعلوا بأسهم بينهم شديداً، فجاءهم ابن بور ومن معه من المفسدين ليذيقوهم بأساً أشد من بأس بعضهم لبعض، وهذه سنة الله تعالى في العباد.
وأي فتح يدعيه ابن الأثير وهو بنفسه اختتم خبره بقوله: «وبعث برؤوس جماعة من أهلها»؟، وهو الذي نقل أيضاً عن جيش معز الدولة «وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقت مراكبهم وهي تسعة وثمانون مركبا».
أفمن جاء للقتل والنهب والعيث في ديار المسلمين يسمى
فاتحاً؟
لأنهم
فهوى ابن الأثير لدولة البويهيين قاده إلى هذا القول، وقاده للافتخار بفعلة ابن بور في أهل عمان فلله الأمر من قبل ومن بعد. واستمر ابن الأثير في اتهامه لأهل عمان بالخوارج لا لشيء إلا وقفوا أمام البويهيين الذين جاسوا في عُمان وأهلكوا الحرث والنسل، فقد قال في تاريخه: «ذكر استيلاء الخوارج على عُمان في هذه السنة [يقصد سنة 442 للهجرة استولى الخوارج المقيمون بجبال عُمان على مدينة تلك الولاية. ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر بن الملك أبي كاليجار كان مقيماً بها، معه خادم له قد استولى على الأمور، وحكم على البلاد، وأساء السيرة في أهلها، فأخذ أموالهم، فنفروا منه وأبغضوه.
و
وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال، فجمع من عنده منهم فقصد المدينة، فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا، فانهزمت الخوارج وعادوا إلى موضعهم. (1/273)
صفحة 273
274
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد ثم سار ثانياً، وقاتله الديلم، فأعانه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملك ابن راشد البلد وقتل الخادم وكثيراً من الديلم، وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله مستظهراً عليه، وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم، وأصحاب الأعمال، وأخرب دار الإمارة، وقال: هذه أحق دار بالخراب وأظهر العدل، وأسقط المكوس، واقتصر على رفع عُشر ما يرد إليهم، وخطب لنفسه، وتلقب بالراشد بالله ولبس الصوف وبنى موضعاً على شكل مسجد، وقد كان هذا الرجل تحرك أيضاً أيام أبي القاسم بن مكرم فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره وأزال طمعه (659).
فأي قلب للحقائق كهذا الذي أقدم عليه ابن الأثير هنا؟
فأهل عُمان الذين توارثوا عرشها، وسكنوا سهولها وجبالها، وأسسوا دولاً على أرضها حكمت بالحق والعدل وأنشؤوا أساطيلاً مخرت بهم عباب البحار صوب الشرق والغرب، أصبحوا ـ عند ابن الأثير ـ خوارج لا تقلهم إلا قمم الجبال وكهوفها حينما دافعوا عن أعراضهم وأوطانهم وحاربوا الغزاة الفاسدين من البويهيين الذين وجدوا فرصتهم - حين فرقة - للنيل من عمان وأهلها.
وأصبح في نظر ابن الأثير الغزاة الغرباء أصحاباً لعمان، وكل من حاول طردهم وتطهير الأرض منهم خوارج!!
فبأي منطق ينطق ابن الأثير؟، وبأي معيار يكتب تاريخه؟
وعلق الشيخ أبو إسحاق اطفيش على خبر ابن الأثير هنا بقوله: «لم يكن الأئمة بعمان يلقبون بهذه الألقاب ايقصد لقب الراشد بالله في وقت من
(659) الكامل في التاريخ، ج 9/ ص 565 ـ 566. (1/274)
صفحة 274
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
الأوقات وإنما هذا من أغاليط الذين يتلقفون الأمور حسب شهواتهم ولهذا
(77.)
((
قلنا لا يجوز الأخذ عنهم لما يناقض ما كتبه أصحابنا والحق أبلج (660).
وأوضح الإمام نور الدين السالمي مبادئ الإباضية التي ساروا عليها عبر القرون الماضية، حيث قال: « ...
ونؤدي الأمانة إلى من أستأمننا عليها من قومنا أو غيرهم،
ونوفي بعهود قومنا وأهل الذمة وغيرهم،
ونجير من استجارنا من قومنا وغيرهم،
ويأمن عندنا الكاف منهم
عن القتال المعتزل بنفسه من غير أن نشك
في ضلالته،
وندعو إلى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة أهله ومفارقة الباطل
ومعاداة أهله،
فمن عرف منهم الحق وأقر به وتولانا عليه توليناه وحرمنا دمه،
ومن أنكر حق الله منهم واستحب العمى على الهدى وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه وقاتلناه حتى يفى إلى أمر الله أو يهلك على ضلالته، من غير أن ننزلهم منازل عبدة الأوثان فلا نستحل سباهم ولا قتل ذراريهم ولا غنيمة أموالهم ولا قطع الميراث منهم.
لم
ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالا، لأن الله يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين، فكيف نفعله نحن بأهل القبلة؟ وقد أمر الله نبيه أن ينبذ إلى من
(660) تحفة الأعيان، ج 1 ص 293، هامش 1. (1/275)
صفحة 275
276
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
خاف منه خيانة فقال: {وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَانِينَ} [الأنفال: 58].
ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا، لأن المسلمين قد كانوا يناكحون المنافقين ويوارثونهم ويظهر من المنافقين من المعاصي أكثر مما يظهر اليوم من كثير قومنا،
ولا نرى أن نقذف أحداً ممن يستقبل قلبتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافاً للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه برئ من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون ...
الله،
ولا نرى الولاية إلا لمن علمنا منه الوفاء بما وجب عليه من دين ونبرأ من المصرين على المعاصي من أهل دعوتنا وغيرهم حتى يراجعوا التوبة ويتركوا الإصرار» (66).
ونقل الإمام نور الدين السالمي من وصايا أئمة الإباضية لجنودهم حين أرسلوهم لكسر شوكة النصارى الذين اعتدوا على حرمات الله في جزيرة سقطرى، حيث نقل العالى:
«فتوبوا إلى الله من سيئ ما مضى، وأصلحوا فيما بقي بما عنكم
به يرضي
وصونوا دينكم،
- ولا تبيعوا دينكم بدنياكم ولا بدنيا غيركم،
وقفوا عن الشبهات واحرموا عن محارم الشهوات
(661) تحفة الأعيان، ج 1 ص 81 ـ 82، وأنظر كذلك ص 83 و 84 و 85. (1/276)
صفحة 276
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
277
الحق،
وغضوا أبصاركم عن مواقعة الخيانة،
واحفظوا فروجكم عن الحرام،
وكفوا أيديكم وألسنتكم عن دما الناس وأموالهم وأعراضهم بغير
واجتنبوا قول الزور، وأكل الحرام ومشارب الحرام، وجماعة السوء،
ومداهنة العدو،
وأدوا الأمانات إلى أهلها (662).
وأما من تمرد وأراد أن يبعث بجزيته ويقيم في منزله على حدثه
فلا تقبلوا ذلك منهم ومن صار منهم إلى أمانكم وعهدكم فليكونوا في أسركم آمنين،
-
الله ...
وأحسنوا إليهم في طعامهم وشرابهم،
وامنعوهم ممن أراد ظلمهم حتى توصلوهم إليّ وإلى المسلمين إن شاء
(663)
«وإذا التحمت الحرب بينكم وبينهم فلا تقتلوا صبياً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة إلا شيخاً أو امرأة أعانوا على القتال،
ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن
المثلة ... »
(664)
(662) تحفة الأعيان، ج 1 ص 170. (663) تحفة الأعيان، ج 1 ص 175.
(664) تحفة الأعيان، ج 1 ص 179 - 180. (1/277)
صفحة 277
278
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
تلكم هي بعض من وصايا أئمة الإباضية لجنودهم الذين أرسلوهم لمقارعة النصارى، فهي كما ترى رحمة الإسلام مع أعدائه الذين لا يرقبون المسلمين إلا ولا ذمة، وهذه المبادئ ليست حكراً على الإباضية، بل هي فخر كل أتباع المذاهب الإسلامية.
في
وأما حينما يقارع جنود الحق والاستقامة فلول العصاة والمعتدين من المسلمين فإن هدي أئمة الإباضية هو هدي الإسلام الذي جاء به القرآن الكريم وأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبقه الخلفاء الراشدون ومن اهتدى
بهديهم.
فها هو الإمام ناصر بن مرشد يوصي ولاته بما أوصى به الإسلام أتباعه: أن تأمر في هذه القرى والبلدان باديهم وحاضرهم وعبدهم وحرهم وصغيرهم وكبيرهم وغنيهم وفقيرهم بالعدل والمعروف وتنهاهم عن المنكر
المخوف.
وأن تعمل فيهم بكتاب الله المستبين وتحيي فيهم سنة النبي الأمين وآثار الأئمة المهتدين وسيرة القادة المخلصين الذين جعلهم الله منار الهدى
وقادة الناس إلى التقوى ... »
(770)
على أن تظهر دين الله وعمل في هذه البلدان والقرى وتحيي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى تأخذ من الظالم للمظلوم حقه وتوفي من مال الله لكل فقير
نصيبه ورزقه.
وتأمر من بهذه القرى والبلدان حضرهم وبدوهم بالمعروف والإحسان.
وتنهاهم عن الفجور والبهتان
(665) تحفة الأعيان، ج 2 ص 27. (1/278)
صفحة 278
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
279
ـ
وتعلمهم أن من ظلم أحداً مثقال ذرة أو أقل منها أو أكثر فاقتد في عقابه
بآثار الأئمة الفضلاء ...
(666)
وخاطب إمام من أئمة الإباضية أحد البغاة ووضح له مبادئ الإباضية،
حيث قال له:
«وحاربناك محاربة المسلمين لأهل البغي ... ولا نستحل منك مالاً،
- ولا نسبي لك عيالاً،
- ولا ننسف لك داراً،
- ولا نعقر لك نخلاً،
ولا نعضد لك شجراً،
ولا نستحل منك حراماً،
ولا نجهز على جريح
- ولا نقتل موالياً تائباً،
- ولا نقتل مستأمنا إلينا،
ولا نغنم ماله،
ولا ندع أحداً يتعدى عليه بنفس ولا مال فإن فعل ذلك أحد بأحد أخذنا له الحق إذا صح معنا، ومن كان في يده مال فهو أولى بما في يده، لأنا لا نزيل مالاً إلا بحجة))
(667)
(666) تحفة الأعيان، ج 2 ص 29 - 30، وهناك رسائل كثير من الإمام ناصر بن مرشد اليعربي إلى ولاته، وكلها دعوة إلى اتباع القرآن والسنة، وحينما يقرأها المرء يلمس فيها روح جيل الصحابة الذين كانوا يتواصون بالحق في تعاملهم مع شعوب العالم، انظر (تحفة الأعيان،
ج 2 ص 32 - 35). (667) تحفة الأعيان، ج 1 ص 290. (1/279)
صفحة 279
280
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فأنا
ومما جاء من نصائح أئمة الإباضية لجنودهم:
_
فإن كان أحد من أهل هذه السرية قد ركب جوراً وفعل فعلاً منكوراً برئ منه ومن فعله معاقب له بعد الصحة على جهله منصف بما يجب في الحق عليه غير راض بجهله وتعديه،
وما بعثت هذه السرية حتى نهيتهم عن ظلم العباد
وأمرتهم بطاعة رجل من أهل الصلاح والرشاد،
- فإن كانوا تجاوزوا في ذلك إلى مالا يجوز لهم فعليهم وزر ما فعلوه وضمان ما أتلفوه على الناس وأحدثوه ...
فإن يكن أحد يدعي على أحد من أصحاب السرية حقاً فيصل إلي حتى
أوصله إلى ما يجب في الحق له ... »
)) -
(771)
وأن تسووا في الحق بين القريب والبعيد والحبيب والبغيض،
ولا تصفحوا عن أحد وتأمنوه ثم تأخذوه وتعاقبوه بعد الصفح والأمان،
ولا تخرجوا إلى النواحي والبلدان بعسكر لا تضبطونه ولا تشدونه عن
الظلم والفساد ... »
(779)
أنه
وقد أورد الإمام السالمي الى عن الإمام الجلندى بن مسعود «أظهر الحق وعمل به، وأخذ الدولة من يد أهل الجور، وبرئ من الجبابرة
وأشياعهم، ودان بقتال أهل البغي، ولم يستحل مع ذلك غنيمة، ولا.
ذرية، ولا استعراضاً بالقتل من غير دعوة
(TV.)
سبي
(668) تحفة الأعيان، ج 1 ص 312.
(669) تحفة الأعيان، ج 1/ ص 324.
(670) تحفة الأعيان، ج 1 ص 89 (1/280)
صفحة 280
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
281
وهذه السيرة العطرة لهذا الإمام كانت في وقت تتسابق فيه جنود الأمويين والعباسيين إلى القتل والنهب والاعتداء على حرمات الدين.
ومشهد أخر من مشاهد الحق والاستقامة قد نحت الإباضيون وقائعه وآثاره على جبين الدهر، فهم حينما نصبوا الإمام الوارث بن كعب، عام 179 للهجرة، بايعوه «على ما بويع عليه أئمة العدل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشرى في سبيل الله، وإظهار الحق وإخماد الباطل، والجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية، وكل فرقة امتنعت من الحق حتى تفئ إلى أمر الله لا يستحلون منهم غنيمة مال ولا سبي عيال، وانتحال هجرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسموا بالشرك أهل القبلة ما بينوا الشهادتين (6).
البويهيين
وفي فترة النزاع والحروب بين الإمام سعيد بن عبد الله وبغاة (672)، الذين هجموا على عمان وأرادوا نزعها من أهلها، لم يستحل الإمام سعيد بن عبد الله من أموال البويهيين أي شيء لأنهم مسلمون، رغم كل ما ارتكبوه من مفاسد في ديار الإسلام، ورد إليهم ما فقدوه من أموال بعد أن أخذها أحد ضعفاء النفوس ممن كان في جيش الإمام سعيد بن عبد الله الى. فقد أورد الإمام السالمي في (تحفة الأعيان) ما نصه: «ومن جملة سلاطين عمان يوسف بن، وجيه وكان قد ملك ناحية من عمان، وكان معاصراً للإمام سعيد بن عبد الله الله، وكان للإمام معه حروب .... وللإمام كتاب إلى يوسف بن وجيه، يذكر له فيه حسن سيرة المسلمين في حربه، وأنهم تبعوا في ذلك سيرة أسلافهم، ومن ذلك الكتاب قوله: (من الإمام سعيد بن عبد الله ومن قبله من المسلمين إلى يوسف بن وجيه، وإن في
(671) تحفة الأعيان، ج 1/ ص 115. (672) قال الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل لقد تعبت الأمة من سيادة البويهيين التعب ... » (في التاريخ الإسلامي فصول في المنهج والتحليل، ص.
)):
(101
أشد (1/281)
صفحة 281
282
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
شأننا وشأنك لعجب، لحلقة حديد في رز، باب اتهم بها رجل من الرعية عندنا أنه قلعها من معسكر أصحابك، بنزوى، فحبسنا الذي اتهم بها لأنا نستحل حبس أهل التهم على قدر استحقاقهم في حكم المسلمين، وقلنا للناس جهراً على رؤوس الملأ أن أموال أهل القبلة علينا حرام، كحرمة أموالنا على بعضنا البعض، وحجرنا على الناس التعرض لأشيائكم ما دق منها وجل، حتى قال: من لا علم له بأصول دين المسلمين، أنكم الآن حفظة للجند على أموالهم، ومن ذلك أن الحبوب التي جمعت من الأمصار التي استولينا عليها وجرى عليها حكمنا، لما علم الناس منا أنا لا نستحل شيئاً، ولا نقار أحداً على معصية الله كائناً ما كان من الناس منعهم التعرض لأشيائكم كلها التي كانت في جوارنا من بلداننا، ولولا خوف العقوبة منا لانتهب ذلك بأيسر مؤنة، ولم يكن ذلك تقرباً إليك، ولا ابتغاء وسيلة إليك. ولكنا اتبعنا فى ذلك كتاب الله، وآثار أسلافنا
ذلك من
الله)) (673) ويسجل الإباضيون مآثر مبادئهم على صفحات التاريخ في كل عصر، ويشاهدها المبصرون من أبناء الإسلام الذين ينصفون الحق والعاملين به، فها هو عبد الرزاق طوطاوي يقول بكل أمانة ما نصه: تعرضت الجزائر منذ استقلالها إلى هزات خطيرة وزلازل سياسية وفتن مسلحة من داخل السلطة وخارجها، شارك فيها القاصي والداني، لكن لم تجد في أي هذه الفتن إباضياً واحداً؛ لأن الإباضي لا يؤمن بالعنف في التغيير، وهو يهرب من الفتن كما يهرب من الكفر، وأغلب شباب الإباضية ملتزمون خلقاً وديناً، ولا يستطيع أن ينكر هذا إلا جاحد، كما أن للإباضية مرجعية فكرية ودينية فلا يستطيع أحد أن يقول برأيه في أي مسألة، فهم ملتزمون بالشورى، ومن يخرج عن القاعدة يتبرؤون منه ويصبح منبوذاً، إنهم أهل طهارة ونقاء لا تجدهم في أوكار البغي والفساد، ولا يردون
(673) تحفة الأعيان، ج 1 ص 289 - 290، وانظر كذلك (تحفة الأعيان، ج 1/ ص 276). (1/282)
صفحة 282
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
283
بالاستفزاز بمثله فإذا استفزهم أحد يردون بابتسامة أو يصمتون، كما أن الإباضي يكون إما في طلب العلم أو رزق شريف، فأين ما يصفهم به المرجفون، ولقد منينا بقوم لا يتدبرون فإنا لله وإنا إليه راجعون
(674)
تلكم هي سجايا الإباضية عبر التاريخ، فهنيئاً لهم هذا السمو الذي تبوؤوه بأخلاقهم التي ورثوها من هدي النبوة.
والسؤال البليغ الذي يبحث له عن جواب عند كتاب التاريخ الذين تحاملوا على الإباضية هو: فأين هذه الأخلاق فيما يشن من الحروب لشفاء الغيظ وإرضاء العواطف، ليس من ورائها هدف إلا الانتقام واستئصال المحاربين، من غير تمييز بين مسالم وغير مسالم، تلك الحروب التي لا يتقيد فيها المحاربون بعهد ولا ميثاق ولا يراعون فيها فضيلة ولا خلقاً، ولا يجري على نفوسهم عطف ولا رحمة بأحد، وإنما يأتون على كل شيء، ويبيدون كل ما امتدت إليه أيديهم لا يرقون لبكاء طفل، ولا يلتفتون إلى استرحام، امرأة، ولا يبالون بصراخ الضعفاء البراء، لأن الأمجاد في مقاييسهم مقدرة بقدر ما يسفكونه من دماء، وما يزهقونه من أرواح، وما يبيدونه من أمم، وما يخربونه من ديار، وما يشيعونه من خوف وبذلك يفاخرون؟) (675). أخي القارئ، لعلك أدركت الآن الفرق بين الإباضية الذين تساموا بأخلاق الإسلام فكانوا رحمة الله في أرضه وبين من فقد ما يدعو إليه الإسلام من أخلاق وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين» (676). وعملوا «بأهل البلاد ما لا يعمله الفرنج ... »
(677)
(674) حوار بين السنة والإباضية والشيعة، ص 74 - 75.
(675) نداء الحق، ص 319 - 320.
(676) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 182. (677) الكامل في التاريخ، ج 8 ص 250. (1/283)
صفحة 283
284
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وليعلم الجميع أن الإباضية لا يَدَّعون احتكارهم لهذه المثل العالية والأخلاق السامية لأنفسهم، بل عاشوا كما عاش إخوتهم الشرفاء من أبناء هذه الأمة الطاهرة عبر أطوار التاريخ على منهاج الإسلام، فكانت منحة الله لهم مناعة صانتهم عن الانزلاق في دركات الظلم والجور والطغيان في أرض الله تعالى وروحاً زكية رفعوا بها في سماء الإسلام الخالد. ففي الوقت الذي سَخَّر فيه بنو أمية وبنو العباس ومن لف في لفيفهم قوتهم الطاغية في القتل والنهب والسبي للمسلمين، فإن الشرفاء من أبناء هذه الأمة سعوا إلى رفع ظلم الطغاة عن كاهل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم عند مناهضتهم للظلم والطغيان لم يلتفتوا إلى نعيق الضعفاء ومرضى النفوس من الكتاب الذين وصفوهم بالخوارج ظلماً وزوراً.
فالفرق جد شاسع بين من علم وعمل بإخلاص وجد، وبين من عرف الحق ولكنه تدحرج بإفساده في دركات الظلم والجور. فهل سيدرك الكتاب، من خلال ما يقرؤونه، هذه الحقيقة ويعطوا كل ذي حق حقه؟ أم سيغلبهم الهوى فتنطق ألسنتهم بالكذب على عباد الله؟
نعم إن طبيعة الإنسان أن يكون حراً وأن يريد كونه كذلك، ولكن من طبيعته أيضاً أن يتطبع بما نشأ عليه لنقل إذن إن ما درج الإنسان عليه وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي» (678). لم يختر ابن الأثير ومن سار على دربه السير في مسالك الحرية عند كتاباتهم عن الإباضية، ولكنهم يا للأسف ـ درجوا على ما تطبعوا عليه فكانوا أسارى لاستبداد أفكار الطغاة وأقوال الضعفاء من المؤرخين، فأنى يأتي الرشد والصدق والصواب من قوم هذه طبيعتهم؟
لقد
سمع
الإباضيون، كما سمع إخوانهم المخلصون من أتباع المذاهب
الأخرى، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ،
(678) كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد، ص 69 - 70. (1/284)
صفحة 284
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
285
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّعَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) (679)، فكانوا خير تابع لأكرم وأزكى وأطهر متبوع.
أداء
ولقد وجد الإباضيون في سيرة الإمام علي - كرم الله تعالى وجهه ـ منهاج حياتهم، فلهذا تجد أراءه مبثوثة في مصنفاتهم ويستندون عليها في واجباتهم وأخذ حقوقهم.
ولقد عرف الإباضية أن الإمام علي كرم الله وجهه «كان مذهبه أن لا يقتل مدبراً ولا يُذفف على جريح ولا يكشف سترا ولا يأخذ مالاً (680). لهذا أخذوا بمبادئه ولم يفرطوا بكلمة مما قاله الإمام كرم الله وجهه في وقت نجد القتل والنهب والسبي للمسلمين يرتكبه من يدعي زوراً وكذباً اتباع الإمام كرم الله وجه.
ولقد سمع الإباضيون قولة سليمان بن صرد الخزاعي وهو ينصح التوابين حيث ذكرهم بمبادئ الإمام علي كرم الله وجهه: « ... ولا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، فإن هذه كانت سيرة علي في أهل هذه الدعوة» (68)، فكانوا خير سامع وأخلص عامل في ميدان الحياة.
(741)
وفي الوقت الذي تتنافس فيه فرسان بني أمية وبني العباس على قتل المدبرين، والإجهاز على الجرحى، وكشف العورات، والتمثيل بالقتلى، وسلب أموال المسلمين، وسبي نسائهم، فقد بقي الإباضيون يداً طائعة ومحققة لأقوال الإمام علي كرم الله وجهه في ميدان النزال، فلم تتدنس أيديهم
(679) صحيح مسلم، الرواية:
،30
ص
0752
وجهه
(680) الكامل في التاريخ، ج 3 ص 257، ونقل ابن الأثير من سيرة سيرة الإمام علي كرم الله «فلما انهزموا أمر على منادياً فنادى: ألا لا تتبعوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا
الدور» (الكامل في التاريخ، ج 3 ص 253 - 254).
(681) الكامل في التاريخ، ج 4 / ص 181. (1/285)
صفحة 285
286
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الكريمة الطاهرة بتلك القاذورات من الأعمال التي حذر منها الإمام علي كرم
الله
وجهه وانغمس فيها غيرهم
(682)
ولقد بقي الإباضيون على العهد فساروا على توجيهات الإمام علي العالية الرفيعة وطبقوها في ميادين النزال على من نازلهم واعتدى عليهم. وأصبحت هذه الأقوال المأثورة جواهر في صحائفهم النيرة تتربى عليها أجيالهم، وتزود بها الشراة الساعون في الأرض لأجل الحق.
والإباضية وإخوانهم من أبناء هذه الأمة الطاهرة يملكون هذه التوجيهات الربانية والنصائح النبوية والمثل العالية الرفيعة كعقيدة راسخة أخذوها بحقها، فعرفوها حق المعرفة من مصادرها الصافية، وعُرفوا بآثارها على أرواحهم وأجسادهم، وأيقنوا أن مثلهم الأعلى يأمرهم بتجسيدها في واقع الحياة قبل أن تحبر على الأوراق (83)، وعلموا علم اليقين أن هذا لم يكن في الإسلام تنظيراً فحسب، وإنما كان منهجاً عملياً طبق تطبيقاً دقيقاً
(682) فمن وصايا الإمام علي كرم الله وجهه لجنوده: « ... فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تُجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تُمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً ولا تأخذوا شيئا من أموالهم، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس» (الكامل في التاريخ، ج 3 ص 293)، وجاء عنه كرم الله وجهه أيضاً: « ... فكف علي يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي: لا تتمموا جريحاً ولا تقتلوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن) (الخلافة الراشدة والدولة 508، نقلاً عن مصنف ابن أبي شيبة ج 15/ ص 286).
الأموية، ص (683) وبهذا المعنى يقول الفيلسوف والكاتب الفرنسي غستاف ليبون: «المعتقدات الدينية الأخلاقية أو السياسية لا تكتسب سلطتها إلا بعد أن تكون قد تجسدت في مثال أعلى مقبول من الجميع. وحينما يتكيف هذا الأخير مع ضرورات وإمكانيات اللحظة التاريخية فإنه يحدد عظمة أمة ما. وبالعكس من المسار الطبيعي للأشياء فإنه يسبب الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 163).
انحطاطها». (1/286)
صفحة 286
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
287
(684)
حتى شمل من هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا ... . وهم قد عرفوا أن «ليس من حقهم أن يبطرهم النصر، فيتعسفوا بالمهزومين ويستذلوهم وإنما هم مقيدون بأحكام الشرع، التي يجب عليهم أن يتبعوها والأخلاقيات العليا التي يجب أن يلتزموا بها والآداب الرفيعة التي يجب أن يتحلوا بها وأن يقتدوا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرحلة ما بعد الحرب ... » (685). وأيقنوا أن « ... الآراء المُشكّلة تظل كلمات لا طائل تحتها طالما لم يكن الفعل مصادقة عليها»
(686)
ولقد أيقن الإباضيون كما أيقن إخوتهم المخلصون من أبناء المذاهب الإسلامية بالحكمة القائلة: «إن أمة دون مثال أعلى تزول من التاريخ بسرعة» (187)، لقد زال من التاريخ كل من ألقى بتعاليم الإسلام عرض الحائط وبقي من جعل رسول الإسلام والصحابة والتابعين لهم بإحسان المثال الأعلى والأسوة الحسنة.
وببقاء الفكر الإسلامي الطاهر في أذهان جميع المسلمين وجوارحهم فإنك لا بد أن ترى المظالم وقد ردت (188)، والمظلوم وقد انتصر، والدعوة وقد ظهرت، والحجة وقد قامت والسنن وقد أحييت، والمنن وقد
الحقة
عظمت بفضل من الله تعالى سنة الله تعالى في عباده.
(684) أمة الإسلام إلى أين، ص 76.
(685) أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية الشريفة، ص 57 ـ 58.
(686) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 61.
(687) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 56.
(688) قال الإمام نور الدين السالمي الى، واصفاً حياة الناس بعد أن قام العدل على أكتاف أحد أئمة الإباضية وجنوده: « ... وردت المظالم وانتصر المظلوم وظهرت الدعوة وقامت الحجة وأحييت السنن وعظمت المنن والحمد لله على ذلك كثيراً» (تحفة الأعيان ج 2/
ص
AA)* (1/287)
صفحة 287
288
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
والإنسان لا يدرك موقعه إلا حينما يعرض نفسه على ما تأصل من قيم وثوابت جاءت بها الشرائع السماوية، وصدقتها العقول الصافية، وتقبلتها الفطر السليمة.
والقوة الطاغية التي قد يمتلكها فئام من الناس، وفي وقت من عمر الزمن، لا تصنع لهم بأي حال من الأحوال اللامسوؤلية عن تصرفاتهم، وستبقى سنن الله تعالى تلاحق كل عامل في هذا الوجود، وسيعرض الجميع أمام ميزان واحد لا يفرق بين أبناء البشر إلا بقدر عقائدهم في الله وما سبق لهم من أعمال صالحة.
والحق ... أن المقاتل المسلم مسؤول مسؤولية فردية عن أفعاله وسلوكياته في ميدان المعركة فهو إن أفلت من العقاب الدنيوي فلن يفلت من حساب الله الآخرة» (189). وإذا كان المقاتل المسلم مسؤول عن أعماله وسلوكياته في المعركة، فإن القائد العسكري مسؤول كذلك عن المخالفات التي تحصل من أفراده ومن ثم عليه إصلاح الوضع وإرجاعه إلى الخط الشرعي»
في
(690)
في أداء واجباته
فالسعيد من استعان بقوته التي وهبها الله تعالى له، وأخذ حقوقه، والخاسر من استغنى بما أوتي من قوة فسخرها في بخس الناس حقوقهم، واستعلائه عليهم بكل صنوف الظلم والطغيان.
والإسلام لم يترك الناس هائمين في بيداء الحياة من غير معالم يسترشدون بها في خطواتهم ومواضع أقدامهم، فلا مجال في الإسلام للتيه، ولا يتيه إلا من استبدل بشريعة الله مزاعم البشر وقوانينهم القاصرة. فالذي يرتكب جرائم الحروب، فليست جرائمه سوى استشهادات لنزعاته الداخلية
(689) أخلاقيات وسلوكيات الحرب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، (690) أخلاقيات وسلوكيات الحرب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ص
193
193 - 194 (1/288)
صفحة 288
11 ـ مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
289
وعواطفه وانفعالاته، أو استدعاءات للتأكيد على ذائقته وتصوراته ومواقفه حيال الشخصية» (691)، أو «لنوازعه الفكرية والنفسية الذاتية» (692)، أو «بسبب ضخامة الهزيمة النفسية والعاطفية والذهنية المتلاحقة
(693)
عليه.
فكل الذين سبق أن نقلنا أفعالهم ينطبق عليهم هذا القول، فهم ألقوا بشرع الله جانباً وقادتهم نفوسهم الأمارة بالسوء، التي تتنازعها العواطف الرعناء، إلى القتل المحرم وهتك الأعراض الآمنة وأكل أموال الناس بالباطل.
ولا تنحرف كتابات الكتاب عن الجادة إلا إذا تعاموا عن جرائم الظالمين وأوسعوا لهم أبواب الأعذار، وتخلوا عن قول الحق الذي يرضاه الله تعالى ورسوله والمؤمنون.
الله
هي
(694)
ومن المبادئ العامة للحرب في الشريعة الإسلامية هي: «أن يكون الجهاد موافقاً للغاية التي شرع من أجلها وهو أن يجاهد المسلم لتكون كلمة العليا ... » و «الاقتصار في الحرب على المقاتلين الفعليين ... » و «التدمير للأموال يتم في حدود ما تتطلبه العمليات الحربية وإرهاق الخصم وإجباره على الاستسلام ... »، و «احترام جثة الآدمي وإكرامها بقدر المستطاع»، وهتك الأعرض يعتبر جريمة في شرع الإسلام ... ».
وقد جاء الإسلام الحنيف بنصائحه وتوجيهاته، وأمر المحاربين من أتباعه أن ينطلقوا باسم الله ولا يقتلوا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة ولا يغلوا ولا يغدروا، ولكن أولئك البشر (195) الذين نقلنا ما نسب إليهم من جرائم في حق الإنسانية
(691) التيه العربي تأملات في الواقع الصعب، ص 37. (692) التيه العربي تأملات في الواقع الصعب، ص 38. (693) التيه العربي تأملات في الواقع الصعب، ص 40.
(694) المسئولية الجنائية للقادة العسكريين في الحروب شرعاً ونظاماً،
ص
67 - 70
(695) انظر.
ص
183 - 242
من
هذا البحث. (1/289)
صفحة 289
290
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
قد انطلقوا باسم الطاغوت وعلى ملة، فرعون لهذا فهم خانوا الإسلام وقتلوا الشيوخ والأطفال والنساء ومثلوا بجثث الموتى وسلبوا أموال المسلمين، وفعلوا بالمسلمين ما يفعله الكفار في حروبهم الجائرة.
وأي كاتب حينما يستشهد بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام فإنه يدعو إلى تطبيقها في واقع الحياة، ويتخذ منها القول الفصل في الحكم على العاملين في ميدان الحياة. وابن الأثير حينما ذَكَّرَنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا (696). وحينما ذَكَّرنا بوصية أبي بكر الله للصحابة الذين أرسلهم إلى بلاد الروم، والتي قال فيها: «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة ... » (697). كان ينبغي له، أي ابن الأثير، أن يحكم على الناس المندفعين في هذه الحياة من خلال قربهم أو بعدهم عن هذه
الوصايا.
وسبي
النساء
فما بال ابن الأثير ينقل لنا أخبار سفك الدماء وقتل الأطفال وينسبها إلى أناس من أصحاب الأنساب المُبجلة ولا يجرؤ على ذكرهم في
قائمة الخوارج؟
فكما بَعد أولئك الذين نُسبت إليهم تلك الجرائم عن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الا الله، فقد أبعد ابن الأثير النُّجعة عن وزن أفعالهم الشائنة بميزان الإسلام فلله الأمر من قبل ومن بعد.
6
(696) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 302.
(697) الكامل في التاريخ، ج 2 ص 5 (1/290)
صفحة 290
12 - أثر الموروثات الفكرية في الحكم على الناس
12
أثر الموروثات الفكرية
في الحكم على الناس
291
ومما استقر في نفس كل فرد هو أن أهل العدل والإحسان مبجلون حتى عند أهل الظلم والبخس، وأن أهل الصدق تتواضع لهم كل القلوب. وأقوال علماء الإسلام قاطبة تشحذ همم الناس جميعاً لوضع أهل الفضل من أبناء الإسلام في مواضعهم التي وضعوا أنفسهم فيها عندما التزموا الإخلاص عند أدائهم لأمر الله تعالى.
وكثير هي الأعمال التي لا يقرها الشرع تجرأت على فعلها أيد انضمت إلى صفوف جنود الإسلام سواء كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عهود من جاء بعده من الخلفاء والأئمة والملوك عبر التاريخ والعبرة كيف تعامل القادة تلك المخالفات؟ وما هي القرارات التصحيحية التي نفذوها لأجل تدارك الأمور وإعطاء كل ذي حق حقه؟
مع
قال ابن الأثير عند حديثه عن الظاهر بأمر الله: «ولما ولي الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سُنّة العُمَرين، فلو قيل إنّه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً، فإنه أعاد من الأموال المغصوبة أيام أبيه وقبله وشيئا كثيراً، وأطلق المكوس في البلاد جميعها، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وأن يُسقط ما جدده جميع
في (1/291)
صفحة 291
292
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
(791)
أبوه ... » (198)، وقال ابن الأثير أيضاً: « ... وكان نعم الخليفة، جمع الخشوع مع الخضوع لربه، والعدل والإحسان إلى رعيته
(799)
ومن الرجال الذين يفخر المسلم بذكر مآثرهم هو غياث الدين، أبو الفتح محمد بن سام الغوري، الذي نقل لنا ابن الأثير شيئاً من عدله وإحسانه حيث قال: «وأما سيرة غياث الدين، وأخلاقه فإنه كان مظفّراً منصوراً في حروبه، لم تنهزم له رايةٌ قط، وكان قليل المباشرة للحروب، وإنما كان له دهاء ومكرّ، وكان جواداً، حسن الاعتقاد كثير الصدقات والوقوف بخراسان بنى المساجد والمدارس بخراسان لأصحاب الشافعي، وبنى الخانكاهات في الطرق، وأسقط المكوس، ولم يتعرض إلى أحد من الناس ... وكان إذا وصل إلى بلد عمّ إحسانه أهله ... وكان فيه فضل غزير، وأدب مع حسن خط وبلاغة؛ وكان رحم الله، ينسخ المصاحف بخطه ويقفها إلى المدارس التي بناها، ولم يظهر منه تعصب على مذهب، ويقول: التعصب في المذاهب من الملك قبيح، إلا أنّه كان شافعي المذهب، فهو يميل إلى الشافعية من غير أن يطمعهم في غيرهم، ولا أعطاهم ما ليس لهم ومن الحوادث التي ذكرها ابن الأثير للتدليل على عدل غياث الدين في هي: « ... ودخل الغورية البلد وملكوه عنوةً، ونهبوه ساعة من نهار، فبلغ الخبر إلى غياث الدين فأمر بالنداء: من نهب مالاً أو أذى أحداً فدمه حلال؛ فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره
حکمه
(698) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 441.
(699) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 456.
(700)
(701)
(700) الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 181 ـ 182.
(701) وأتبع ابن الأثير قصة حكاها له أحد أصدقاءه ممن شهد هذه الحادثة: «ولقد حدثني
أصدقائنا من التجار، وكان بنيسابور في هذه الحادثة نُهب من متاعي شيء من
بعض جملته سكر، فلما
العسكر النداء ردّوا سمع
جميع
ما أخذوا مني، وبقي لي بساط
= (1/292)
صفحة 292
12 ـ أثر الموروثات الفكرية في الحكم على الناس
293
ومما قاله ابن الأثير عند ذكره لسيرة نور الدين محمود زنكي ما نصه: ... ولنذكر ههنا نبذة مختصرة لعلّ يقف عليها من له حكم فيقتدي به؛ فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه، فإنه كان لا يأكل ولا يلبس [ولا يتصرف] في الذي يخصه [إلا] من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة، فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له، منها يحصل له في السنة نحو عشرين ديناراً، فلما استقلتها: قال ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه، ولا أخوض نار جهنم لأجلك» (702).
(702)
ومن الحوادث التي ذكر فيها ابن الأثير تميز الناس في أفعالهم وحسن سيرتهم في التاريخ ما نقله من سيرة أتابك زنكي حيث، قال: «لما قُتل [يقصد أتابك زنكي] تطاول صاحب ماردين وصاحب الحصن إلى ما كان قد فتحه من بلادهما فأخذاه، فلما ملك سيف الدين وتمكن سار إلى ماردين وحصرها، وفعل ببلدها الأفاعيل العظيمة، فلما رأى صاحبها، وهو حينئذ حسام الدين تمرتاش، ما يفعل في بلده قال: كنا نشكو من أتابك الشهيد، وأين أيامه؟ لقد كانت أعياداً. قد حصرنا غير مرة، فلم يأخذ هو ولا أحد من عسكره مخلاة تبن بغير ثمن،
فنسألك ألا
وشيء من السكر، فرأيتُ السكر مع جماعة، فطلبته منهم، فقالوا: أما السكر فأكلناه، يسمع أحد، وإن أردتَ ثمنه أعطيناك؛ فقلتُ: أنتم في حلّ منه؛ ولم يكن مع أولئك، قال: فمشيتُ إلى باب البلد مع النظارة، فرأيتُ البساط الذي لي قد ألقي. عند باب البلد لم يجسر أحد على أن يأخذه، فأخذته وقلت: هذا لي؛ فطلبوا منّي مَن يشهد به، فأحضرتُ مَن شهد لي وأخذته الكامل في التاريخ، ج 12/
البساط
ص
(165 - 166
(702) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 403. (1/293)
صفحة 293
294
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولا تعدى هو وعسكره حاصل السلطان وأرى هذا ينهب البلاد
ويخربها»
(703)
ووصف ابن الأثير ملك الغور بقوله: «كان عادلاً حسن السيرة، فمن عدله وخوفه عاقبة الظلم أنه حاصر أهل هراة، فلما ملكها أراد عسكره أن ينهبوها، فنزل على درب المدينة، وأحضر الأموال والثياب، فأعطى جميع منها، وقال: هذا خير لكم من أن تنهبوا أموال المسلمين وتسخطوا الله تعالى، فإن المُلك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم
وممن ذكرهم ابن الأثير بخير هم المقتفي
6
(707)
:
(704)
عسکره
(705) لأمر الله، والمستنجد (706)
بالله، وأتسز (707)، والسلطان بركيارق (708)، وألب أرسلان (709)،
(703) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 123.
(704) الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 294.
6
6
(705) مما قاله ابن الأثير في المقتفي لأمر الله ... . وكان حليماً كريماً عادلا حسن السيرة من الرجال ذوي الرأي والعقل الكثير ... » (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 256). (706) ومما قاله ابن الأثير: وكان المستنجد بالله من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية، عادلًا فيهم، كثير الرفق بهم، وأطلق كثيراً من المكوس، ولم يترك بالعراق منها شيئاً، وكان شديداً على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس ... (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 362). (707) قال ابن الأثير: وكان أتسز حسن السيرة، كافاً عن أموال رعيته، منصفاً لهم محبوباً إليهم، مؤثراً للإحسان والخير إليهم؛ وكان الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل» (الكامل في التاريخ، ج 11/ ص 209). (708) قال ابن الأثير في وصفه للسلطان بركيارق: «وكان حليماً كريماً، صبوراً، عاقلا، كثير المداراة، حسن القدرة، لا يبالغ في العقوبة، وكان عفوه أكثر من عقوبته» (الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 381). (709) ومما قاله ابن الأثير: هو ألب أرسلان محمد بن داود ... كان كريماً، عادلا، عاقلا، يسمع السعايات ... وكان رحيم القلب رفيقا بالفقراء، كثير الدعاء بدوام ما أنعم الله به عليه ... وكان يكثر الصدقة ... وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية؛ بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزاراً، فأخذ المملوك وصلبه، فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 74 ـ 75).
لا (1/294)
صفحة 294
12 - أثر الموروثات الفكرية في الحكم على الناس
(710)
وشهاب الدين الغوري، وعماد الدين زنكـ
الملك (712)
6
295
(71)، ونظام
فالمآثر التي سُجلت للخليفة العباسي، الظاهر بأمر الله، عندما أعاد الأموال المغصوبة في أيام أبيه إلى أهلها، هو عمل مبارك يثاب فاعله. وما فعله غياث الدين وأتابك زنكي وملك الغور حينما نادوا في جنودهم وتوعدوهم أشد العذاب إذا أقدموا على نهب أموال الناس، هو عمل تدعو إليه عقيدة الإسلام، ولكن - يا للأسف ـ فقد قل في التاريخ من أدى هذه الأمانة. ولتبقى دائماً في ذاكرة التاريخ قولة نور الدين زنكي وهو يخاطب زوجه التي أرادت الزيادة في النفقة: « ... لا أخوض نار جهنم لأجلك».
فهذه الأعمال، التي يدعو إليها الإسلام، والتي ذكرها ابن الأثير ونسبها إلى أولئك الرجال هي عقيدة ينبغي أن ترسخ في قلوب العاملين في هذه الدنيا، وقد سجل مسلمون من جميع مذاهب الإسلام، وعلى جبين الدهر، وبأحرف من نور مآثرهم الصادقة التي يرتضيها الله ورسوله. فالذين أحسنوا
(710) قال عنه ابن الأثير: كان عادلا في رعيّته، حسن السيرة فيهم، الشرع المطهر» (الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 216).
حاكماً
بينهم بما.
يوجبه
(711) قال عنه ابن الأثير: كان ... عادلا، حسن السيرة في رعيته، عفيفاً عن أموالهم وأملاكهم، متواضعاً، يحب أهل العلم والدين، ويحترمهم، ويجلس معهم، ويرجع إلى أقوالهم ... » (الكامل في التاريخ، ج 12/ ص 132). (712) وعند ذكره لأبي علي الحسن بن علي بن إسحاق، نظام الملك، قال ابن الأثير: « ... فإنه كان عالماً، ديناً جواداً عادلاً، حليماً كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقراء والفقهاء وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح، أمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأملى الحديث بالبلاد: ببغداد وخراسان وغيرهما ... » (الكامل في التاريخ، ج 10/ ص 208). (1/295)
صفحة 295
296
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
إلى الخلق، وأدوا واجبهم بنية خالصة، واتبعوا أمر الله في المنشط والمكره، والمغنم، والمغرم والمحبوب، والمكروه، فمن حقهم أن يرفع شأنهم وأن يجعل لهم ذكر صادق في أجيال المسلمين المتلاحقة.
والإباضية لهم الحظ الوافر في تطبيق أمر الله تعالى حين سعيهم لأجل رد الأمور إلى نصابها، فهم لم تزايل أقدامهم خطى الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مناشط حياتهم، وقد سجل لهم التاريخ مآثراً كما سجل للذين ذكرت أسماءهم أعلاه، ولكن حينما تغلب على النفوس الأفكار الخاطئة الموروثة فإنك ترى
الموازين خالية من معايير الحق التي لا تحابي أحداً على حساب أحد. وأما حروب الإباضية للطغاة والظلمة ممن انتسب إلى الإسلام فإنها لم يكن من ورائها هدف إلا وقف الظلم؛ بكف أيدي الظالمين وإنصاف المظلومين، وإعطاء كل ذي حق حقه، وحسبك شاهداً على التزامهم فيها أرقى ما يتصور من الأخلاق وأدق ما يدور على البال من معايير العدل وموازين الإنصاف ما كان في ثورة طالب الحق وقائده أبي حمزة المختار رحمهما الله تعالى على الدولة الأموية، التي عتت واستكبرت استكباراً، وسلبت الأمة حقوقها، وطمست معالم الدين، وأطلقت أيدي المفسدين للبطش بالناس، وسلبهم ما منحهم الإسلام من حرية وأمان، فقد كانت تلك الثورة مثالاً للتمسك بمبادئ الحق والسير على نهجه، لم تخرج قيد شعرة عما جاء في القرآن والتزمه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ودرج. عليه الخلفاء الراشدون» (713).
فمواقف الإباضية المشرفة التي ذكرها التاريخ ما كان لها لتقنع ابن الأثير ومن سار على نهجه من عدم حشرهم ظلماً وزوراً في زمرة الخوارج.
(713) نداء الحق، ص 320. (1/296)
صفحة 296
12 ـ أثر الموروثات الفكرية في الحكم على الناس
297
فقد كان ينبغي لابن الأثير أن يقدر موقف الإمام طالب الحق عبد الله بن
يحيى الكندي الإباضي الذي رد الأموال المغصوبة في صنعاء إلى أهلها (714). كما قدر موقف الخليفة العباسي، الظاهر بأمر الله، حين رد الأموال المغصوبة إلى أهلها، ولكنه يا للأسف لم يفعل.
وكان ينبغي لابن الأثير أن يقدر موقف أبي الخطاب المعافري الإباضي الذي طهر القيروان (715) من رجس قبيلة وزفجومة، ووقف وقفة صارمة أمام
6
(714) جاء في كتاب السير للشماخي:: « ... وقسم ما وجد من مال على فقراء صنعاء ... فأتوا به من الخزانة إلى المسجد، فقسمه عبد الله على فقراء صنعاء ولم يأخذ منه شيئاً، ولم يستحل منه لأصحابه متاعاً (كتاب السير، ج 1 ص 213). (715) ومما قاله ابن الأثير في نقله لإحدى مآثر الإباضية: «ولما قتل حبيب بن عبد الرحمن عاد عبد الملك بن أبي الجعد إلى القيروان وفعل ما كان يفعله عاصم من الفساد والظلم وقلة الدين وغير ذلك، ففارق القيروان أهلها. فاتفق أن رجلاً من الإباضية دخل القيروان لحاجة له فرأى ناساً من الورفجوميين قد أخذوا امرأةً قهراً والناس ينظرون فأدخلوها الجامع، فترك الإباضي حاجته وقصد أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري فأعلمه ذلك، فخرج أبو الخطاب وهو يقول: بيتك اللهم بيتك! فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان وقصدوا طرابلس الغرب، واجتمع عليه الناس من الإباضية والخوارج وغيرهم، وسير إليهم عبد الملك، مقدم ورفجومة جيشا فهزموه وساروا إلى القيروان، فخرجت إليهم ورفجومة واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم أهل القيروان الذين مع ورفجومة وخذلوهم، فتبعهم ورفجومة في الهزيمة وكثر القتل فيهم وقتل عبد الملك الورفجومي، وتبعهم أبو الخطاب يقتلهم حتى أسرف فيهم، وعاد إلى طرابلس واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم الفارس الكامل في التاريخ، ج 5/ 316 ـ 317) (لا مكان للخوارج في هذا السجل التاريخي النير الذي يفتخر به الإباضية عبر التاريخ، ولكن هذه عادة ابن الأثير وغيره لا ينفكون عن قرن الإباضية بالخوارج في كل موضع من كتبهم، والله المستعان. وللإنصاف فإن هناك من المؤرخين من لم يقرن الإباضية بالخوارج عند ذكرهم لهذه الحادثة التي تترجم مبادئ الإباضية في واقع الحياة، انظر ما كتبه شهاب الدين النويري في كتابه (نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 24/
ص 71 ـ 73). (1/297)
صفحة 297
298
(V 17)
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
جنوده حينما سلب أحدهم أحد القتلى (16)، كما قدر موقف أتابك زنكي وملك الغور حينما ردا الأمور إلى نصابها، ولكن ابن الأثير لم يفعل، بل لم يهدأ باله حتى قرن الإباضية بالخوارج.
لقد آثر ابن الأثير كيل الأحداث بمكيالين وعمد إلى بخس الناس أشياءهم. فمن كانت هذه وجهته فإن الإنصاف لا محالة قد جانبه.
منهم ...
(716) جاء في كتاب السير للشماخي: « ... انهزم أهل القيروان، وولوا مدبرين، فتبعهم حتى دخل القيروان. فخرج أهل المدينة إلى موضع القتلى، فإذا هم بثيابهم، لم يسلب أحد وخرجوا إلى زروعهم، فإذا هي كما كانت لم يقع فيها فساد ولا مضرة، لا بالناس ولا بالمواشي. فتعجب الناس من عدل أبي الخطاب، وطاعة أصحابه له. فتفقد رحمة الله، القتلى فوجد واحداً مسلوباً، فنادى مناديه: من أخذ من القتلى شيئاً، فليرده! فلما أيس، دعا ربه، ـ وكان مستجاب الدعاء ـ أن يفضحه على رؤوس الأشهاد. فركبوا خيلهم ليجروها، وانقطع حزام جميل السدراتي، فسقط وظهر السلب تحت سرجه. وأدبه» (كتاب السير، ج 2 ص 252 - 253).
منهم
فأخذه الإمام (1/298)
صفحة 298
299
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
كثير من الناس يظنون أن الفيلسوف الفرنسي غستاف لوبون هو من اكتشف ظاهرة ما أطلق عليها (سيكولوجية الجماهير) عند دراسته لتوجهات الناس الذين دارت حولهم الثورة الفرنسية. ولكن الواقع يظهر أن غستاف لوبون قد استفاد كثيراً من مبادئ علم النفس وقواعده التي جاء بها الإسلام؛ سواء التي أشارت إليها آيات بينات في كتاب الله تعالى، أو جاءت في أحاديث من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ما سجله التاريخ من مواقف لبعض الناس قبل الثورة الفرنسية.
6
وليس هذا البحث حول معرفة الجذور لكتاب (سيكولوجية الجماهير) ولكن ينبغي لنا أن نعرف أن الكتاب يبين بالشواهد التاريخية هيمنة الموروثات الفكرية في جرف أصحابها عكس تيارات العلم والمعرفة والبديهي من المؤكدات.
الأمة
والعارف لأهل النهروان والإباضية حق المعرفة، والعالم لعلوم الإسلامية التي تقاس بها أقوال العاملين وأفعالهم، والمطلع على ما سجلته أنامل الكُتاب من كتابات مخالفة لما يدعو إليه العلم والعقل، يدرك تمام الإدراك أن المتطاولين على الفكر الإباضي قد حازوا بكتاباتهم وأقوالهم الأوصاف التي يتحلى بها كل من خالف فعله قوله، (1/299)
صفحة 299
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
واصطبغ بها كل من صار إمعة يسير مع أفكار الناس على حساب قناعاته وما يدعو إليه العلم الثابت والمبادئ الراسخة والقيم القائمة على تعاليم شرع الله تعالى.
وكل الذين ساهموا في شيطنة أهل النهروان والإباضية، ووصفوهم بما لا يليق بهم، لم يكن لهم حظ في اتباع الثوابت المنهجية التي أشار إليها الدكتور محمد بن موسى الشريف بقوله: فلا بد لمن يريد أن يكون مؤرخاً أن يتعلم كيفية تقويم رأي المؤرخ ووجهة نظره، وهذا يكون بمحاكمة رأيه هذا إلى الثوابت الشرعية، وإلى الضوابط التي تحكم حياة الناس من كل جوانبها، فإن صنع ذلك لم يفته غالباً الحكم الجيد على المؤرخ وما يورده
من آراء» (77)
ولقد أدرك الكُتّاب المتطاولون على أهل النهروان والإباضية أن مآربهم لن تتحقق باتباع ما أرساه الإسلام من مبادئ في البحث العلمي، لهذا لجأوا إلى اعتماد ما يبطله المنهج الحق لكي يكون وسيلتهم في الكتابة، ورأوا أن قوتهم تكمن في تكثير سوادهم بتكرار أقاويلهم وتأكيدها، بكل وسائل المؤكدات، لكيلا يرى القراء غيرها من الأقوال وبهذا الأسلوب تحقق لهم السبق إلى عقول الأجيال، وأصبحت أقوالهم التي يبطلها المنهج الحق هي المنتشرة في أوساط الجماهير.
وهؤلاء الكتاب، على كثرتهم، حينما تناولوا الحديث عن صلة الإباضية بأهل النهروان لم يكن منهم إلا اجترار ما حبطت به کتب التاريخ والفرق من أقوال كان مبدأها ما أنتجته أفواه الكذابين والضعفاء
من الرواة والكتاب.
(717) إعداد المؤرخ الثقة،
ص
37 (1/300)
صفحة 300
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
(718)
301
وهؤلاء الكُتّاب يمثلون الجماهير) الهادرة التي تنساق خلف من يجيد
اختلاب العقول، وسحر النفوس ولو خالف كل المبادئ والضوابط العلمية التي ترتكز عليها المناهج التي بينها كبار علماء الإسلام في كتبهم العلمية. ولقد عرف الكتاب والخطباء أن فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني فن حكمها (19)، لهذا تخيروا من الأحداث ما يلامس أحاسيس الجماهير وما يثير في خلجات نفوسهم الحقد والبغضاء، وما يبعث من مكامنها حب الانتقام. وبما أن المسلم بفطرته السوية المستقيمة يكره كل أنواع الفساد، فقد جاء الكتاب في حملة دعائية إلى مخيلة جماهيرهم وأثاروهم على أهل النهروان، وحاولوا شيطنتهم في أعين الناس حينما نسبوا إليهم كذباً وزوراً القتل وبقر بطون النساء وتكفير الصحابة (720).
(718) عرف مترجم كتاب سيكولوجية الجماهير) مصطلح «الجماهير» ب رأي غستاف لوبون بقوله: «الميزة الأساسية للجمهور هي انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الملكات العقلية. وهو يشبه ذلك بالمركب الكيماوي الناتج عن صهر عدة عناصر مختلفة. فهي تذوب وتفقد خصائصها الأولى نتيجة التفاعل ومن أجل تركيب المركب الجديد (سيكولوجية الجماهير، ص 30).
(719) سيكولوجية الجماهير، ص 89. (720) قال الدكتور علي بن محمد الصلابي - ويا ليته لم يقل عند حديثه في مقدمة كتابه (الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم): وأشرت إلى أهم صفات الخوارج في عهد أمير المؤمنين علي، كالغلو في الدين، والجهل به، وشق عصا الطاعة، والتكفير بالذنوب، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، وسوء الظن، وتكفير المسلمين وطعنهم لبعض الصحابة وتكفيرهم لعثمان وعلي الله» (الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم، ص (6)، وكرر نفس العبارات في مقدمة كتابه الآخر (فكر الخوارج والشيعة من ميزان أهل السنة والجماعة، ص 6. لعل اعتذارنا للدكتور الكريم هو أن ثقته الزائدة بما سطره الذين نقل عنهم مادة بحثه هو الدافع له للتقول على أهل النهروان الكرام بهذه الأوصاف الباطلة التي لا تليق بهم ونناشد الدكتور الصلابي - حفظه الله تعالى ـ لمراجعة هذه الأقوال ووزنها بميزان الحق الذي دعى إلى تطبيقه الشرع الشريف. (1/301)
صفحة 301
302
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولقد أدرك الكتاب الذين تحاملوا على الإباضية الحقيقة النفسية القائلة: ... لا يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها إلا بواسطة العواطف المتطرفة، فإن الخطيب الذي يريد جذبها ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة. ينبغي عليه أن يبالغ في كلامه ويؤكد بشكل جازم ويكرر دون أن يحاول إثبات أي شيء عن طريق المحاجة العقلانية. وهذه هي الطريقة التي يستخدمها الخطباء في الملتقيات الشعبية» (721).
وأيضاً أدركوا أن « ... محركي الجماهير من الخطباء لا يتوجهون أبداً إلى عقلها وإنما إلى عاطفتها. فقوانين المنطق العقلاني ليس لها أي تأثير
عليها ... »
(722)
ولقد عرف الكُتّاب، الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية، أن دراسة الروايات التي تقول الحق ليست من صالح أغراضهم، وأنهم إذا طبقوا القواعد المنهجية في دراسة الأخبار لما كثرت جماهيرهم؛ لأن الجماهير قليلاً ما تستنهضها الأدلة العقلية (173)، وقليلا ما يستهويها التحقيق العلمي، لهذا فقد استسهلوا رص الروايات الباطلة وركمها لتظهر وكأنها شيء يؤثر، وأخذوا فى تشكيلها لبناء فكر خاطئ عن أهل النهروان والإباضية.
6
ولقد أجاد الدكتور إبراهيم الريس عند وصفه لأمثال هؤلاء الكتاب، حينما قال: « ... وكم شوه بعض المؤرخين من تواريخ الأمم، وكم لطخت سير الصالحين من بعض المؤرخين بالتشويه والدس والتهجم والتهكم، وكم أشخاص ضالين ومفسدين، وأبرزت سيرهم نماذج للمثل التي
زينت
سير
(721) سيكولوجية الجماهير، ص 75.
(722) سيكولوجية الجماهير، ص 123 - 124.
(723) من أقوال غستاف لوبون: «ليس بالحجج العقلية تستنهض الجماهير» (الآراء والمعتقدات
نشوؤها وتطورها، ص 281). (1/302)
صفحة 302
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
303
تحتذى، والقدوات التي تقتفى ... ولهذا فليس كل كلام ورد في كتب التاريخ مما تتلقاه العقول بالقبول، ولكن لا بد أن يعرف الناظر فيها مناهج أصحابها وتوجهات مؤلفيها، وأهداف تصنيفها؛ فإن كثيراً من سير العلماء والدعاة
والخلفاء قد شوهت ونسب لهم من المواقف ما هم منه براء ... » (724). ولقد أتقن الكُتّاب الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية العمل والاستفادة من القاعدة النفسية القائلة: لا داعي للقول بأن مبالغة الجماهير تخص العواطف وليس العقل بأي شكل من الأشكال. فبمجرد أن ينخرط الفرد في الجمهور، فإن مستواه الفكري ينخفض إلى حد بعيد ...
(725)
دائماً تهيجها
وهكذا هو حال الجماهير، فكما كانت في الماضي، فهي وتجيشها كل الدعوات التي يجيد أصحابها استغلال مبادئ الدين وقيم المجتمع؛ فما على المستبدين من الكتاب إلا تلقف الأباطيل ورميها في ساحة من يناوئهم، ثم يجيشون إعلامهم بعد أن ينصبوا أنفسهم حماة لمبادئ الدين وقيم المجتمع؛ تماماً كالذين وضعوا أنفسهم أبواقاً ضد ما زعموه إرهاباً في هذا العصر. وأصبح الناس أسارى لما قاله الكذابون أولاً، وما اجتره الكتاب الذين نقلوا عنهم ثانياً، وصارت الحقيقة التي ينادي بها العلم وينشدها المنهج الإسلامي المستقيم جمرة تحت ركام رماد الأباطيل تنتظر وقت خروجها لحرق ترهات المبطلين.
فالكتاب الذين أجلبوا بخيلهم ورجلهم على أهل النهروان والإباضية استقرت في نفوسهم حالات الخوف من أن تنكشف الحقيقة لكل لبيب، فحاولوا التضليل واستلاب عقول الناس بأفكارهم، وحرضوا الناس على
(724) التراجم وأثرها في السلوك الإنساني، ص 133 - 134، نقلا عن (علم التراجم: أهميته
وفائدته، ص 92 وما بعدها).
(725) سيكولوجية الجماهير، ص 76. (1/303)
صفحة 303
304
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الأبرياء بما استحدثوه من إيحاءات زائفة وإبعاد أذهان الناس عن مناهج النقد التي يحتكم إليها المسلمون، وأكثروا من النقل للأقوال الباطلة، ولم
يأتوا بالحق والصادق من الأخبار التي يقبلها منهج الإسلام الخالد العادل. والأسئلة التي لا تنفك عن طرح نفسها أمام العارفين لمناهج الكتابة التاريخية هي: كيف تغلبت أقوال الكذابين والضعفاء على الحقيقة التي عليها أهل
النهروان على مدى القرون الماضية على رغم فساد تلك الأقوال سنداً ومتناً؟ وكيف أمكن لأولئك الكذابين من السيطرة على أقلام رجال لهم الحظ الأوفى في تأصيل مبادئ التلقي عند المسلمين؟
وكيف سكنت واستقرت تلك الترهات والأباطيل المنسوبة إلى أهل
النهروان في أدمغة الجم الغفير من الناس من غير مناعة ولا مقاومة؟ أسئلة قد نجد جوابها عند الدكتور عماد الدين خليل، الذي نقل عن محب الدين الخطيب قوله: «أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري: رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، ويظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حَفِلَتْ به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار. ولو أنهم تمكنوا من علم مصطلح الحديث)، وأنسوا بكتب الجرح والتعديل، واهتموا برواة كل، خبر كاهتمامهم بذلك الخبر، لاستطاعوا أن يعيشوا في جو التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غث الأخبار
6
وسمينها، ولعرفوا للأخبار أقدارها بوقوفهم على أقدار أصحابها ... (726).
(726) في التاريخ الإسلامي فصول في المنهج والتحليل، ص 187 - 188، ونقل الكاتب هذه العبارة أيضاً في كتابه حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ص 86)، نقلاً عن (المراجع
الأولى في تاريخنا: مجلة الأزهر، مجلد 24: ج 2/ ص 210، صفر 1372 هـ). (1/304)
صفحة 304
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
305
قطعاً، والواقع يشهد بذلك، فإن الذين تستروا بما شرقت به كتب التاريخ من أقوال ضعيفة، لم يكن لهم حظ في «الأخذ بأسلوب نقدي رصين في الروايات التي قدمتها مصادرنا (القديمة) وعدم التسليم المطلق
التعامل مع
بكل ما يطرحه مؤرخنا القديم، وإحالة الرواية التاريخية، قبل التسليم النهائي بها، على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرفة هل يمكن أن تتجانس في سداها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة لحمة وسدى؟. هذا فضلاً عن ضرورة اعتماد مقاييس ومعايير النقدين الخارجي والباطني وصولاً إلى قناعة كافية بصحة الرواية» (727).
وكما رزئت هذه الأمة في الماضي بالكذابين والضعفاء والوضاعين للتاريخ، فقد عظمت الرزية في هذا العصر حينما ... جاء المؤرخون المحدثون فوسعوا الشقة وتلقوا روايات موضوعة في العصر العباسي
دونما نقد أو تمحيص ... »
(729)
(728)
فهذه الأقوال التي نقلها وقالها الدكتور عماد الدين خليل هي أبلغ عبارة وخير وصف لكل الذين تزاحموا على الروايات الضعيفة والأقوال الباطلة عندما تحدثوا عن أهل النهروان وعلاقة الإباضية بهم.
فهم يحتطبون الأخبار بأهوائهم، وما قاموا به إنما هو «عمل غير علمي ولا دقيق، بل عمل حاطب ليل وسائس خيل لا عمل أساتذة التاريخ
(727) حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، 85، ونفس العبارة جاءت في كتاب (في التأصيل الإسلامي للتاريخ، ص 20). (728) دائماً لأصحاب السلطات قوة توجه الرأي العام ضد من يناوئهم، وهذا غير مستبعد ويقع كثيراً عبر التاريخ، ولكن لا ينبغي رفض أي رواية أو قبولها لكونها سطرت في عهد الأمويين أو العباسيين أو في أي عصر آخر، فدراسة الأسانيد وما حوته المتون من معان كفيلة ببيان حال أي قول منسوب إلى أقوام من الناس.
V.
(729) في التأصيل الإسلامي للتاريخ، ص 70. (1/305)
صفحة 305
306
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
المحققين». وما سطرته أيديهم حين الحديث عن أهل النهروان الكرام يبرهن بأصدق لسان أنهم كالخابط في ظلماء الليالي، كما قال ابن الأثير في
مقدمة تاريخه.
والكُتّاب الذين لم ينصفوا، ولم يعطوا الحقوق لأهلها، وقاسوا الأحداث بمقاييس الانتقائية، فقد جاءت نتائج أعمالهم مبرهنة لثقافتهم وخيالهم وأمزجتهم العقلية، وهذا الفعل من أخطر ما يتعرض له العمل التاريخي ...
ف «الانتقاء الذي يقوم به المؤرخ يجعل البنيان التاريخي كله انتقائياً) (730). سواء الذين كتبوا الأخبار الضعيفة عن أهل النهروان، أو الذين نقلوا أخبارهم في صفحات كتبهم عبر القرون الماضية هم أدوات إشاعة مغرضة، وأبواق لأصوات جوفاء لا أصل لها، وهم عرفوا أن الإشاعة: «تعتمد تزييف الحقائق وتشويه الواقع ... وتهدف إلى التأثير على الروح المعنوية والبلبلة والقلق وزرع بذور الشك في صفوف الخصوم والمناوئين عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً» (131)، لهذا فقد أكثروا من الإشاعات ونشروها عبر القرون الماضية، وتضاعفت جهودهم في عصر الناس هذا بكل الوسائل المعروفة، لأنهم على دراية بأن «هدف الإشاعة دائماً هو عقل الإنسان وقلبه ونفسه ... وتستهدف الإشاعة الفكر والعقيدة «والروح فكل غايات الذين كذبوا على أهل النهروان والإباضية هو زرع بذور الشقاق بين المسلمين، ووضع الفواصل بين الإباضية وغيرهم من
(732)
(730) القراءة المثمرة (مفاهيم وآليات، ص 101 - 102، بتصرف في بعض العبارات ليتلاءم
ترکيبها
مع السياق.
(731) محددات الإشاعة في السلم والحرب، ص 21، نقلا عن مبارك عبد الله المفلح، الإشاعة ومخاطرها التربوية من منظور إسلامي، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك بالأردن،
1415 هـ، ص 14).
(732) محددات الإشاعة في السلم والحرب، ص 97. (1/306)
صفحة 306
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
المسلمين، وزعزعة ثقة الإباضية بتاريخ أسلافهم الكرام. وهم دائماً وأبداً يعتمدون على الكذب في نسج تلك الإشاعات والأراجيف التي يبثونها وينشرونها» (3
(733)
والكتب التي تطاول أصحابها على أهل النهروان والإباضية إنما بنيت على النقل، وفقد أصحابها كل مقومات النقد لما نقلوه، فما تجده في كتاب منها تجده في باقي الكتب، وكأن القوم على موعد فيما بينهم ـ وإن فصلت بينهم السنون ـ لأجل تكثيف شائعاتهم وتكثير سواد أباطيلهم، وهم يتحركون ككتل جماهيرية غير واعية (734) لما يتطلبه منهج البحث العلمي الرصين من مبادئ وأسس. وهذا الذي درج عليه الكتاب، سواء كان عملهم مدحاً أو ذماً، لا يعد شيئاً في ميزان الإسلام.
و «من
الأسباب التي تدعو إلى انطماس الحقائق وذيوع الأكاذيب أن الناس يتقربون لأصحاب السلطان والمراتب بالثناء والمدح، فتستفيض الأخبار بثنائهم ومدائحهم، وهي بعيدة عن الحقيقة، ثم يأتي الرواة، فيتلقفون ذلك، ويذيعونه من غير بصيرة، ولا بحث، ويأتي مَنْ بعدهم ليأخذوا صورة عن أوضاع أصحاب النفوذ والسلطان من خلال ما تناقله المؤرخون الذين يحطبون كل ما يجدونه!!» (735).
وهذه الأطوار التي تنتقل فيها أقوال المادحين هي نفسها التي تحتضن أقوال الشامتين؛ فهي تبدأ من دواوين المستبدين لتصبح على ألسنة الرواة،
(733) محددات الإشاعة في السلم والحرب، ص 160. (734) جاء في تقديم المترجم لكتاب سيكولوجية الجماهير: «الفرد يتحرك بشكل واع ومقصود أما الجمهور فيتحرك بشكل لا واع. ذلك أن الوعي فردي تحديداً، أما اللاوعي فهو
جماعي» (سيكولوجية الجماهير، ص 32).
(735) فصول في التفكير الموضوعي، ص 161. (1/307)
صفحة 307
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولتمسي فيما بعد صورة يتناقلها المؤرخون الذين يحطبون كل ما يجدونه!!»
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن «النقد لما يورده المؤرخ أمر في غاية الأهمية؛ لأنه بالنقد يطمئن قارئ التاريخ لصحة المادة التي يقرأها وترتاح نفسه لمتابعة الاطلاع، وعكس هذا صحيح؛ إذ القارئ للكتاب الخالي من النقد والذي تكثر فيه الروايات الضعيفة أو الأساطير الموضوعة سيعزف عنه وتمله نفسه (736). وأنى تكون الطمأنينة لأقوال الكذابين والضعفاء وهي بعيدة كل البعد عن الصحة والسلامة؟! فأي رشد وأي نجاح يرجوه الكتاب من إعادة تدوير الأكاذيب في أوساط المسلمين؟
ونحن نرى نفور قلوب القراء العارفين من أي كاتب حينما تنعدم عنده موازين النقد على رغم معرفته بها، وعندما تغيب عنه مقاييس تقبل الأخبار وإن كانت حاضرة أمام عينيه، وحينما يصبح جرماً تجذبه جاذبية الجماهير النفسية، فيدور في فلكها من غير حول له ولا قوة.
وقد ذكر الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار أسباب التخلف في كتابة تاريخنا الإسلامي بقوله: ولست أبعد في النجعة، ولا أخطئ الرمية إذا ما قلت: إن فقدنا للموضوعية في التعامل مع الأفكار والمواقف
(737)
93 - 92
(736) كيفية قراءة التاريخ وفهمه، ص (737) لقد عرف الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار التفكير الموضوعي بقوله: «وبإمكاننا أن نعرف التفكير الموضوعي بأنه: (مجموعة الأساليب والخطوات والأدوات التي تمكننا من الوقوف على الحقيقة، والتعامل معها على ما هي عليه بعيداً عن الذاتية والمؤثرات الخارجية). ولا يغيب عن البال أن الذين يدعون التحلي بالتفكير الموضوعي كثيرون؛ بل قلما نجد من يعترف أنه غير موضوعي؛ وهذا على مستوى الأفراد والجماعات والدول والشعوب. ولا ريب أن الموضوعية ليست امتلاك منهج يجهد الإنسان نفسه للحصول عليه، ثم يسترخي مطمئناً لما أنجزه!! إن الموضوعية علم وإخلاص، قدرة وإرادة، فهم وتقوى» فصول في التفكير الموضوعي، ص 45). (1/308)
صفحة 308
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
309
والأشخاص والأشياء كان من أكبر العوامل التي أدت بنا إلى التخلف
والتفكك والتنازع في تاريخنا المديد
(738)
ولقد أيقن الكتاب الذين فقدوا الموضوعية أنهم لن ينالوا من أهل النهروان والإباضية إذا طبقوا مناهج المسلمين في دراسة الآراء والأفكار والعقائد، فلهذا ألجأتهم نفوسهم إلى «أسلوب التأكيد، وأسلوب التكرار، وأسلوب العدوى» في نشر كل مكذوب وضعيف من الأخبار والروايات
(739)
(740)
في أوساط الناس الذين قلت، أو انعدمت، لديهم أسس تلقي الأخبار
من مظانها.
ولقد أدرك الكُتّاب المتحاملون على الإباضية أن «التأكيد والتكرار هما
6
عنصران قويان جداً في خلق ونشر الآراء. وتقوم التربية جزئياً عليهما (741). وأدركوا أيضاً أن «التأكيد لا يحتاج للاتكاء على أي برهان عقلي، ينبغي فقط أن يكون قصيراً، حماسياً ومؤثراً» (742).
فعدم وجود التحقيق العلمي المبني على البراهين العقلية والأدلة الثابتة من مظانها الصادقة جعل مهمة الكُتّاب المتحاملين على أهل النهروان والإباضية سهلة لأن كل ما قاموا به هو تكرار المكرر؛ فأتى ثانيهم وكرر
(738) فصول في التفكير الموضوعي،
(739) سيكولوجية الجماهير، ص
45
132
(740) قال الدكتور محمد موسى الشريف، حينما تكلم عن نتائج الإخلال بضوابط (النقد الجيد) الذي يقدم عليه الكتاب: «فإذا انضاف إلى ذلك قلة الحصيلة الشرعية للقارئ أو انعدامها في كثير من الأحيان فحدث ولا حرج حينئذ عن الضلال البعيد الذي تحدثه الترجمة ... » (التراجم وأثرها في السلوك الإنساني، ص 67).
(741) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص 1
(742) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها صا
231
231 (1/309)
صفحة 309
310
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ما تفوه به أولهم، وهكذا انتقلت الأفكار إلى ثالثهم ورابعهم، ثم أصبحت بعد ذلك راسخة رسوخ الجبال الراسية في أدمغة الجماهير ما دام الذين كرروها لهم منازلهم في أوساط الجماهير.
والذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية عرفوا أن «التأكيد المجرد والعاري من كل محاجة عقلانية أو برهانية يشكل الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح الجماهير. وكلما كان التأكيد قاطعاً وخالياً من كل برهان كلما فرض نفسه بهيبة أكبر)، لهذا فهم قد أكثروا من تكرار الأخبار الزائفة التي فقدت الموضوعية، ولم يعملوا على إظهار الصدق من بين ركام الروايات التي اختلط فيها الخير والشر.
،
(743)
فكل الأفكار الخاطئة التي نسبت إلى أهل النهروان والإباضية زوراً وكذباً ترفضها براهين الحق، ولكنها انتشرت في أوساط الناس حينما اعتمد الكتاب مقومات انتشار الشائعات الزائفة في تأكيد باطلها، وتكرار أحداثها المكذوبة، ونشر عدواها في أوساط الأجيال المتلاحقة.
والذين أرادوا لأفكارهم الهزيلة - التي لا يسندها علم ولا عقل ـ أن تنتشر، وتسود، وتتحكم في عقول الناس أيقنوا أن «التأكيد إذا ما كُرر بما يكفي سيؤدي في النهاية إلى خلق الرأي بدايةً وفيما بعد الاعتقاد. والتكرار هو المكمل الضروري للتأكيد. فأن تكرر كلمة أو فكرة أو عبارة يعني غالباً أن تحولها حتماً إلى معتقد ... إن التكرار يبلغ من القوة بحيث إن المرء ذاته
ينتهي إلى الإيمان بالكلمات المكررة وإلى القبول بالآراء التي يعبر عنها
بشكل اعتيادي»
(744)
(743) سيكولوجية الجماهير، ص 132. (744) الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها، ص
232 (1/310)
صفحة 310
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
311
فخذ، على سبيل المثال، «شخصية عبد الله بن سبأ» التي جاء بفكرتها أناس ضعفاء ووضاعون للأخبار، ثم كان سبيل تلك الأخبار إلى كتب التاريخ التي انتشرت في أوساط الناس، وبتكرار ذكر تلك الأخبار في المجادلات والمناظرات بين الناس صار لتك الروايات مكاناً في أذهان الأجيال، حتى جاء دورها لتتبوأ مكانها في عقول حملة الشهادات العليا في الأوساط العلمية. وبعد أن كانت شخصية ابن سبأ وهمية انتهى بها التطواف لتصبح حقيقة تستميت في نصرتها جماهير من الناس ممن صخت أسماعهم من تكرارها والتأكيد عليها عبر القرون الماضية.
وبإعادة تدوير الكتاب لخرافة (745) ابن سبأ في أوساط المجتمعات المسلمة وتأكيدهم عليها عبر القرون الماضية صارت تلك الخرافة، التي لا أساس لها في واقع التاريخ، وكأنها حقيقة لا تقبل الشك في وجودها، ولا تخالط أحداثها ريبة. لقد أدخلوها في أوساط المسلمين بتكرارهم «المجرد والعاري من كل محاجة عقلانية أو «برهانية»، ولهذا صارت تلك الخرافة تخالط أفكار الجماهير وأصبحت لها هيبة على عقولهم حتى ولو جاء البرهان بأدلته الدامغة على فسادها وبطلان وجودها من على وجه الأرض. وهكذا انتشرت شخصية «ابن سبأ الخيالية، التي أفرزتها أفكار الكذابين، تماماً كما تنتشر أحياناً الآراء والعقائد بواسطة آلية العدوى وليس بواسطة المحاجة العقلانية إلا في القليل النادر
(746)
(745) انظر كتابنا (الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات)، الفصل الثالث (746) سيكولوجية الجماهير، ص 135. ومن الأمثلة التي ساقها عالم النفس الفرنسي لتوضيح مدى تأثير تكرار الإشاعة في أوساط الناس هي قوله: «ومن كثرة ما يكررون في نفس الصحيفة أن (أ) هو وغد حقير وأن (ب) هو رجل نبيل وشريف فإن الأمر ينتهي بنا إلى تصديق ذلك ما دمنا لم نقرأ صحيفة أخرى ذات رأي مضاد تماماً للأول» (سيكولوجية
الجماهير، ص
(133 (1/311)
صفحة 311
312
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
وظاهرة الكتاب الذين تقولوا على أهل النهروان والإباضية ظاهرة مدهشة، فهم حينما يتحركون كأفراد تظهر على ألسنتهم الدعوة إلى قول الحق والعمل به، ولكنهم حينما ينضوون في جمهرة من الناس تتشكل لديهم نفسية جماهيرية واحدة ويتحولون إلى أبواق تُكَبِّرُ صدى ما رددته أفواه الذين سبقوهم من الكذابين والوضاعين والضعفاء.
فالكتلة الجماهيرية التي انضوى فيها كل الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية هي بمنزلة القبيلة، «غزية»، التي لجأ إليها دريد بن الصمة وإن كان يرى رأياً مخالفاً لسواد جمهورها.
فدريد بن الصمة كفرد قال لقومه
أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجَ اللَّوَى فلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلا ضُحَى الغَدِ ودريد بن الصمة كجرم في فلك قبيلته، قال عن نفسه:
فلمَّا عَصَوْني كنتُ منهم وقد أرَى غِوَايَتَهُمْ وأَنَّني غيرُ مُهتَدِ ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ غوَيْتُ وإنْ تَرشُدُ عَزَّيَةُ أَرْشُدِ
وهكذا هو حال الكتاب الذين توارثوا الطعن في أهل النهروان والإباضية، فهم كأفراد ينادون بالمنهجية العلمية التي لا تظلم أحداً. ولكنهم حينما ينقلبون في فلك جماهير الكتاب ينزعون عن أنفسهم لباس المنهج، ويصطبغون بما أفرزته أقلام الضعفاء والكذابين والوضاعين من أقوال باطلة.
وهذه الكتلة الجماهيرية التي حلت محل قبيلة ابن الصمة، تفانى في نصرتها كُتاب الفرق والتاريخ وإن كان الضحية هو العلم والأخلاق والآداب والأبرياء من الناس ووحدة الأمة الإسلامية. (1/312)
صفحة 312
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
6
313
وعالم النفس الفرنسي الكاتب غستاف لوبون قد استفاد من قراءاته في الفكر الإسلامي قبل أن يحذر العالم من الآثار السيئة التي تنتج عن تكرار آراء الجماهير التي تخالف قناعات الفرد المبنية على العلم وتأكيدها. حيث قال غستاف: «والظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي التالية: أياً تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه، وأياً يكن نمط حياتهم متشابهاً أو مختلفاً وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية. وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولاً. وبعض الأفكار والعواطف لا تنبثق أو لا تتحول إلى فعل إلا لدى الأفراد المنطوين في صفوف الجمهور. إن الجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصو الصفوف للحظة من الزمن
(747)
وقال أيضاً: «وهناك سبب ثالث أكثر أهمية وحسماً بكثير لأنه يوجد في الأفراد المنخرطين في الجمهور صفات خصوصية تكون أحياناً معاكسة لصفات الفرد مأخوذاً على حدة ... فنحن نعلم اليوم أنه يمكن وضع الفرد في حالة معينة يفقد فيها شخصيته الواعية، وبالتالي فهو يخضع لكل اقتراحات الجراح الذي جعله يفقدها. وعندئذٍ يقترف أكبر الأعمال مخالفة لطبعه الحقيقي وعاداته»
(748)
وقال أيضاً: «إذن إليكم الآن مجموع الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور تلاشي الشخصية الواعية هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار،
(747) سيكولوجية الجماهير، ص 56.
(748) سيكولوجية الجماهير، ص 58 - 59. (1/313)
صفحة 313
314
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الميل لتحويل الأفكار المحرّض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة. وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده. هذا يعني أنه بمجرد أن ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور فإنه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة. فهو عندما يكون فرداً معزولاً ربما يكون إنساناً مثقفاً متعقلاً ... إن الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياح على هواها على هذا النحو يمكننا أن نفهم كيف أن هيئات التحكيم الجماعية
تصدر أحكاماً كان يمكن أن يدينها كل عضو مأخوذاً على حدة (749).
وقال أيضاً: «إن الجماهير تشبه الأوراق التي يلعب بها الإعصار ويبعثرها في كل اتجاه قبل أن تتساقط على الأرض. إن دراسة بعض الجماهير الثورية تقدم لنا بعض الأمثلة عن تغير عواطفها وتنوعها وتقلبها» (750).
ومن أقوال غستاف لوبون أيضاً: إن العديد من خصائص الجماهير الخصوصية من مثل سرعة الانفعال والنزق والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر، وغيرها» (751).
وقال في موضع آخر من كتابه: «وكنا قد برهنا في هذا الكتاب على أن نفسية الناس المنخرطين في الجمهور تختلف أساساً عن نفسيتهم الفردية، وإن الذكاء الفردي لا يلعب أي دور في هذا المجال. فدوره يتعطل عندما يصبح الإنسان منخرطاً في الجماعة. وحدها العواطف اللاواعية تلعب دوراً آنذاك (752).
(749) سيكولوجية الجماهير، ص 60.
(750) سيكولوجية الجماهير، ص 64 ـ 65.
(751) سيكولوجية الجماهير، ص 63.
(752) سيكولوجية الجماهير، ص 158، ومن أقوال غستاف أيضاً فالإنسان الذي يشكل جزءاً من (1/314)
صفحة 314
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
315
وتساءل غستاف أيضاً في كتاب آخر من كتبه: كيف جرى أن قبل العلماء الأكثر تنوراً في جميع العصور دون صعوبة بعض المعتقدات التي لا يمكن لأي عقل أن يبررها؟ (753).
وقد أجاب هو بنفسه على هذا السؤال بقوله: «ببساطة لأن الأفراد وسط حشد ما لا يتصرفون كما يتصرفون لو كانوا منفردين» (754). وأجاب الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار عن هذا السؤال بقوله: « ... ... هذا التنوع يجعل الصفوة المالكين للقدرة على التفكير السليم واقعين تحت تأثير الجماهير بصورة من الصور مهما حاولوا الفكاك ذلك!» من
(755)
ونحن نقول بأن خرافة ابن سبأ اليهودي» التي أزعجت التاريخ، هي البعبع والعنقاء المُغْرِبُ، ما كان لها أن تبقى في ذاكرة التاريخ لو أن كل كاتب من الذين روجوا لها عمل بمفرده في دراستها، مستقوياً في ذلك بعلوم الأمة
حشد، يختلف كثيراً عن هذا الإنسان ذاته عندما يكون بمفرده. إذ تتلاشى فرديته الواعية في الشخصية اللاواعية للجمهور) (الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 123). وقال أيضاً: «هذه الطباع المختلفة تبين أن الإنسان وسط الجماهير ينحدر كثيراً على السلم الحضاري» (الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 124).
(753) الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 25.
(754) الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات، ص 141.
(755) فصول في التفكير الموضوعي، ص 257، ومما قاله الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار أيضاً: «ونحو من هذا المجال الاجتماعي فإن الظواهر الاجتماعية تتكون على سبيل التدرج، وإذا ما استقرت كانت قاهرة لا يسع الأسوياء إلا التكيف معها بصورة من صور التكيف. والظواهر الاجتماعية تعتمد على الكم لا على الكيف، ومن ثم جاء الحديث: (من كثر سواد قوم ... ) لأن الناس حين يتأثرون بظاهرة ما لا يملكون في العادة النفاذ إلى معرفة أسبابها، والجهات التي تروج لها، وإنما يندفعون إلى تقليدها، والتظاهر بها؛ لمجرد أن السواد الأعظم من مواطنيهم يستحسنها، بل إنهم مضطرون للرضوخ لها، ولو لم يقتنعوا بها فصول في التفكير الموضوعي، ص
(243 (1/315)
صفحة 315
316
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
الإسلامية العادلة في تحقيق الأخبار والروايات، ولكن آثر جميعهم البقاء في كتل جماهيرية استحال على أفرادها الانفلات من قوة جاذبيتها، فما وجد العقل في أوساطهم أرضاً تقله، ولم يجد البرهان في محيطهم سماء تظله. فلا غرو أن تجد الخرافات سبيلها في كتب الجماهير المتلاحقة حينما تأمن على نفسها من صولات البراهين العلمية والمحاجة العقلية القائمة على تعاليم الإسلام الحنيف.
لهذا وجب علينا ونحن ننظر في كتب هؤلاء الكتاب أن نضع كتاباتهم في كفة موازين الحق التي لا تتأثر بأعاصير الهوى ورياح النزق، وأن نبعد إملاءات الجماهير عن كل ما صدقه العلم وأرشدت إليه المناهج الإسلامية.
فالفرد في الإسلام ـ خاصة إن كان من الذين أعطاهم الله المقدرة ـ مسؤول أمام الله تعالى بمفرده عن قناعاته فلا بد أن يبنيها بالثابت القوي من الأدلة، ومسؤول كذلك عن أعماله فلا بد أن يؤديها بعلم وبصيره. وعلى كل فرد منا التزحزح، بكل ما أوتي من قوة عن مصائد التقاليد الباطلة ذات الطابع الجماهيري. وقد أرشد الله تعالى الناس إلى البحث والنظر حين يطلب منهم القيام الله مثنى وفرادى بعيدين عن التأثر بصخب الجماهير، وانفعالاتهم حتى يسلم النظر من المؤثرات الخارجية» (756).
بحق إنها ظاهرة مدهشة حينما نجد أناساً يتخيرون من طرائق الكتابة ما يخدم مآربهم وينشر ادعاءاتهم؛ فالرغائب النفسية المتقلبة هي التي تملي عليهم الأساليب التي بها يعرضون كتاباتهم، وهي التي تملي عليهم ما يستدلون به من مأثور الأقوال عند طرحهم عند طرحهم لأفكارهم. فالدليل عندهم تابع لأفكارهم وهذه هي القضية الكبرى عند المتهوكين في التاريخ الإسلامي.
(756) فصول في التفكير الموضوعي، ص 18. (1/316)
صفحة 316
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
317
وأولئك الكتاب الذين يتحركون حسب أهواءهم قد ابتليت بوجودهم الأمة الإسلامية، فهم في تذبذب؛ فتجدهم يستغلون قوة المناهج العلمية في تحقيق مآربهم، ولكن عند كتاباتهم عن أهل النهروان والإباضية فإنهم لا يلتفتون إلى موازين الحق، بل يحتجون بأقوال الكذابين وترهات الوضاعين، ويطبقون الآفات المذمومة التي يتبناها الماكرون في كتابة التاريخ من المستشرقين.
فها هو الدكتور أحمد عوض أبو الشباب صاحب كتاب (الخوارج تاريخهم، فرقهم وعقائدهم) يتقمص سيكولوجية الجماهير ـ التي تفضح كل خالف عمله علمه ومعرفته ـ ويتبنى «المنهج المعكوس أو المقلوب»
من
عند كتابة كتابه هذا.
(Vov)
فالدكتور أحمد عوض لديه من العلم ما يؤهله ليقول الآتي، حينما تكون له منفعة في ذلك: «وقاصمة الظهر ما فعله أكثر المؤرخين من دأبهم على اختلاف الروايات المكذوبة حول هذه القضية، وسار على نهجهم كثير من المستشرقين وحطاب الليل من كُتّاب المسلمين، بلا تدقيق أو. وبقوله أيضاً: «وعلى العموم فإن الروايات المكذوبة التي تتصل بخبر التحكيم قد جاءت عن طريق أبي مخنف، ونصر بن مزاحم، وفيها زيادات منكرة وجريئة وفيها سب واتهام بالعنف والغدر والخيانة وتحامل على الحكمين
تمحيص
(VOX)
(709)
(757) عرف الدكتور عبد العظيم الديب (المنهج المعكوس = المقلوب) بـ «الذي توضع فيه مقدماً، ثم يكون البحث عن الأدلة التي تؤدها المنهج في كتابات الغربيين عن
النتائج
التاريخ الإسلامي، ص 103).
(758) الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم، ص 98.
(759) الخوارج تاريخهم، فرقهم، وعقائدهم،
ص
102 (1/317)
صفحة 317
318
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
فها هو الدكتور يعيب على غيره من الكتاب ما هو فيه غارق إلى شحمة أذنه، فكل أقواله عن أهل النهروان والإباضية مبنية على روايات الكذابين والضعفاء، وسار الدكتور مع حطاب الليل، ولم يكن له تدقيق ولا تمحيص عندما نقل فى كتابه تلك الروايات الضعيفة والمكذوبة، ولم يخف الفضيحة حينما أقبل على روايات أبي مخنف وغيره من الضعفاء والكذابين واتخذها حجة له على أهل النهروان والإباضية.
الطعن
وما تفوه به من أحكام ضد الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري نه وأهل النهروان الكرام ما هو إلا سير خلف خطى المستشرقين الذين همهم في رجال الإسلام وأمجاده. فقد أخذ هذا الدكتور، في الكتابة عن أهل النهروان والإباضية، بمنهج المستشرقين الذين عُرف عنهم البحث الأدلة عن لتقوية ما رسخ في أدمغتهم من أقوال ونتائج.
فبعد أن أتى الدكتور، في السطور الأولى من مقدمة كتابه، بوصفه لأهل النهروان ومن سار على نهجهم المستقيم أن نشأتهم كانت «في رحم اليهودية» (760)، أخذ يبحث بين ركام الأباطيل، ويسطر كل متهافت من الأقوال في طول كتابه المشئوم وعرضه متبعاً في ذلك مسالك المستشرقين الذين جُل همهم الطعن في الإسلام والمسلمين. وما اتبعه الدكتور أحمد كتاباته ليس له بالإسلام أي صلة بل هو نسخ بكل أبعاده لمسالك
في
المستشرقين الذين قال عنهم الدكتور عبد العظيم محمود الديب في كتابه (المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي): «شرط المنهج الأول، وأساسه، التجرد من الأهواء، وعدم الوقوع تحت سلطانها، فلا يميل الهوى بالباحث لإثبات ما يوافق هواه، ونفي ما عداه فما بالنا بمن يحدد الغرض أولاً، والنتيجة مسبقاً، ثم يبدأ في البحث عما يؤيدها، والتنقيب عما يثبتها،
(760) الخوارج تاريخهم، فرقهم، عقائدهم، ص 4. (1/318)
صفحة 318
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير)
319
فهذا ليس علماً، وليس بحثاً مهما كانت صورته ومهما كان شكله، وهذا
هو ما يعمله المستشرقون
(761)
والذي عمله الدكتور أحمد عوض هو نفسه الذي يعمله المستشرقون، فقد حدد الدكتور أحمد عوض في مقدمة كتابه، غرضه، وبعد ذلك بدأ في التنقيب فلم يجد إلا الأباطيل والمتساقط من الأقاويل لتكون أدلته المزعومة. فهذا هو أحمد عوض ساقته الأهواء ليجد نفسه في صفوف المفترين
الدكتور
والمتهوكين على المسلمين، فهنيئاً له هذه المنزلة!!!.
والدكتور أحمد عوض وغيره ممن وصف أهل النهروان بالخوارج كل غاياتهم هي البحث عن شيء من الأقوال ولو من أفواه الكذابين لأجل تبرير وصفهم هذا، وهذا هو مسلك المستشرقين الذي أكد عليه الدكتور عبد العظيم الديب بقوله: «وما ذكرناه في هذا البحث آنفاً عن أهداف المستشرقين وغاياتهم، يشير إلى هذه الآفة فالمستشرق يبدأ بحثه وأمامه غاية حددها، ونتيجة وصل إليها مقدماً، ثم يحاول أن يثبتها بعد ذلك، ومن هنا يكون دأبه، واستقصاؤه الذي يأخذ بأبصار بعضهم، وهو في الواقع يدأب، ويشقى ويكد لينحي ما يهدم فكرته ويكذب رأيه، ويخفي ويطمس ويتجاهل كل ما يسوقه إلى نتيجة غير التي حددها سلفاً، ومن هنا تأتي أبحاثهم عليها مسحة العناء والاستقصاء، ولكنه عناء الالتواء، واستقصاء من يجمع من لا شيء شيئاً،
ويصنع من الهباء بناء ويبني من الغبار صرحاً» (762).
وهذا الحال الذي عليه المستشرقون هو نفس حال الكتاب الذين نعتوا الإباضية وأسلافهم أهل النهروان الكرام بمساوئ الأخلاق. فأولئك الكتاب
(761) المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي، (762) المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي،
ص
V.
71 - 70 (1/319)
صفحة 319
320
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
قد دأبوا وشقوا وكدوا وكذبوا وأخفوا وطمسوا وتجاهلوا ولووا وشيدوا من الهباء والغبار أوهاماً لا تلبث إلا أن تنقشع وتتلاشى أمام الحجج والبراهين الساطعة التي قامت على علوم الأمة الإسلامية.
ونقول للدكتور أحمد عوض: إنك واحد من أولئك الكثيرين الذين سار «على نهجهم كثير من المستشرقين» وساروا على نهج المستشرقين، وأنك يا دكتور أحمد عوض من حطاب الليل»، وأنك يا أبا الشباب قد افتريت على الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وأهل النهروان لأنك اعتمدت على روايات باطلة بلا تدقيق أو تمحيص»، فهل يتحمل كيانك يا دكتور «قاصمة الظهر» هذه؟. (1/320)
صفحة 320
الخاتمة
321
ففي
الخاتمة نضع النقاط الآتية لتختصر لنا المحاور التي بُني عليها
هذا البحث:
فالطرق في طرقات التاريخ هو سير بين الألغام والأشواك، والكاتب لا بد له أن يحدد أهداف مهمته قبل أن يخط بنانه حرفاً واحداً. نعم هي رحلة تحفها المخاطر؛ لأنها قد تجني على أصحابها إثماً عظيماً إذا ظلموا الأبرياء وناصروا الظالمين. وقد تكون مهمة تجر لهم أجراً مضاعفاً إذا أخلصوا في أعمالهم وكان عدتهم الصدق وكانت وجهتهم نصرة الدين وإنصاف المظلوم.
ولقد أكد هذا البحث على أن علماء الإباضية على اطلاع بما كتب عنهم في كتب التاريخ المتداولة فهم يأخذون من الأقوال ما أيده الدليل ويردون ما أبطلته مناهج التلقي عند المسلمين، وكتاب (الكامل في التاريخ) مثال واحد من بين الكتب الأخرى التي تناولها الإباضية. أقصد الإباضية - في تعاملهم مع كتب المسلمين كافة لم يستنكفوا عن تقبل الأقوال الصحيحة التي اعتمدت على كتاب الله تعالى وسنة رسوله الصحيحة والثابت من الأخبار التي توافق ما هم عليه من مبادئ.
بالدراسة،
وهم (1/321)
صفحة 321
322
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
هم
عليه
وما رأوه مخالفاً لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفاً لما من مبادئ وقيم فقد أوسعوه رداً وبينوا الحق والصواب بأدلته الثابتة، ونيتهم في ما قاموا به التناصح في الدين.
، ولقد ركز هذا البحث على العناصر الثلاثة التي تشكل في مجموعها
كيان أي كتاب تخطه أنامل البشر:
1 - المنهج المتبع في الدراسة.
2 - المادة المعرفية.
- شخصية الكاتب الذي يحمل على عاتقه ربط المعارف والسير على المنهج، ومخاطبة القراء بالنتيجة التي يصل إليها.
ولقد ناقش هذا البحث الحكاية القائلة إن أهل النهروان هم أصل الخوارج وإن الإباضية هم من الخوارج، فكانت نتيجة الدراسة أن عنصر لا يجيز هذه الحكاية لكون بنيانها لا صلة له بأسس المنهج الإسلامي
المنهج في دراسة الأخبار وتقبلها، وأن المادة المعرفية التي فَصَّلت هذه الحكاية إنما هي مما حكم عليها المنهج الإسلامي بالضعف والكذب. ولقد توصل هذا البحث إلى أن مصادر هذه الحكاية هم الكتاب الذين تركوا تطبيق علم الجرح والتعديل، وتجنبوا البراهين العقلية، ولم يتبعوا المنهج المستقيم، ولم يلتفتوا إلى المبادئ والقيم التي عليها أهل النهروان والإباضية. وأثبت هذا البحث أن أصحاب هذه الحكاية قد تحقق لهم السبق إلى عقول الأجيال باعتمادهم على تكرار الإشاعات، والتأكيد عليها بكل وسائل المؤكدات، وإعادة تدويرها من خلال إصدار كتب كثيرة بعناوين مختلفة لذات المحتوى الضعيف والمادة المعرفية التي لا يقرها منهج، ولا يثبتها دليل، ولا يقبلها عقل سليم. (1/322)
صفحة 322
الخاتمة
323
ولقد أكد هذا البحث على الدعوة القائلة: إن «الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم (763)، ولقد برهن هذا البحث على أن ما قيل عن أهل النهروان والإباضية لم يكن بعلم ولا بعدل ولكنه كان بجهل وظلم من قبل الكذابين والضعفاء ومن سار على نهجهم.
ولقد أكد هذا البحث على الأسس التي تُبنى عليها الأحكام الشرعية، حيث نادى بتطبيق القاعدة المنهجية القائلة: «فإذا كان الخبر متعلقاً بأحكام شرعية أو زمن الفتن بين الصدر الأول، أو مسائل عقدية، فلا بد أن يكون هذا الخبر التاريخي موثقاً صحيحاً على موازين أهل الحديث في تصحيحهم الأخبار، ولا يقبل فيه الخبر الضعيف» (64). و «إنما يدرس التاريخ في ميزان العقل والمنطق، وذلك لا يكون إلا بالرجوع إلى المصادر، والسماع من كل
(VTE)
الأطراف، حتى إذا صدر الحكم يكون عادلاً أو قريباً من العدل» (65). . ولقد استفاد هذا البحث من وقفات ابن الأثير المنهجية عند دراسته لبعض الأحداث التي ذكرها في موسوعته التاريخية، ففي تلك الوقفات المنهجية دعوة لكل كاتب للتقيد بأسس القواعد العلمية؛ ودعوة للقراء لأداء «عبادة التبين» التي يدعو إليها القرآن الكريم قبل التفاعل مع ما يصل إلى مسامعهم من أخبار.
وفي هذا البحث ذكر أسماء رجال قادهم صواب رأيهم إلى معرفة الحق من مصادره فما كان منهم إلا أن أدركوا أن الإباضية بعيدة عن فكر الخوارج. وفي هذا البحث أيضاً ذكر أسماء رجال بقوا يرددون ما سجلته أقلام الكذابين والضعفاء فما كان منهم إلا ربط أهل النهروان والإباضية ظلماً وعدواناً بالخوارج.
(763) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، ج 3/ ص 48.
(764) إعداد المؤرخ الثقة، ص 36.
(765) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، ص 283. (1/323)
صفحة 323
324
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
ولقد أثبت هذا البحث أن الذين تحاملوا على أهل النهروان والإباضية قد اضطربت عندهم المقاييس، ولم يراعوا للكلمة الصادقة حقها، ولم يلتفتوا إلى الجرائم التي ارتكبتها أيد منسوبة إلى التيار الأموي والعباسي، في وقت يفترون فيه على أهل النهروان والإباضية، وينسبون إليهم أحداثاً باطلة وأقوالاً زائفة.
ولقد أكد هذا البحث على أن المذاهب الإسلامية في تعاليمها، القائمة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم وإجماع الأمة في أي عصر من العصور، هي الميزان الذي توزن به مسالك الناس في هذه الحياة الدنيا وما تقترفه أيدي الأتباع مما ينكره الشرع إنما هو عمل لا تربطه بأسس تلك المذاهب أي رابطة، إذ جميع المذاهب الإسلامية التي انتسب إليها أولئك الذين أفسدوا في ديار المسلمين بريئة منهم ولا تقر أعمالهم، فلا يصح شرعاً تحميل المذاهب الإسلامية أوزار أتباعها إذا خالفوا مبادئها وقيمها وما تدعو إليه من أخلاق.
، وظاهرة الكُتّاب الذين تقولوا على أهل النهروان والإباضية ظاهرة مدهشة، فهم حينما يتحركون كأفراد تظهر على ألسنتهم الدعوة إلى قول الحق والعمل به ولكنهم حينما ينضوون في جمهرة من الناس تتشكل لديهم نفسية جماهيرية واحدة ويتحولون إلى أبواق تُكَبِّرُ صدى ما رددته أفواه الكذابين والوضاعين والضعفاء. وهذه النفسية التي أطلق عليها (سيكولوجية الجماهير) لم يكن ابن الأثير وحده من تأثر بها، فهناك من العلماء من سار في اتجاه معاكس لما تدعو إليه مناهج الأمة حينما تكلم عن أهل النهروان الكرام. فالإمام الشيخ محمد عبده قد أجاب سائله (766) عن الراوي محمد بن عمر الواقدي بقوله: «لم يرْزَأ الإسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون إليه، وما أحدثه
(766) الأعمال الكاملة للشيخ الإمام محمد عبده، ج 2 ص 413. (1/324)
صفحة 324
الخاتمة
325
الغلاة من المفتريات عليه فذلك مما جلب الفساد على عقول المسلمين وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه الدين، وقد فشت للكذب فاشية على الدين المحمدي في قرونه الأولى ... أما الشيخ الواقدي فكان من علماء الدولة العباسية ... قال ابن خلكان وضعفوه في الحديث، وتكلموا فيه. أهـ أي عدوه ضعيف الرواية، ليس من أهل الثقة. ولذا نص الإمام الرملي، من علماء الشافعية. على أنه لا يؤخذ بروايته في المغازي ... فهذا الكتاب لا تصح به، إما لأنه مكذوب النسبة على الواقدي، وهو الأظهر، وإما لضعف الواقدي نفسه في رواية المغازي، كما صرح العلماء فلا تقوم به حجة للمتحذلقين، ولا يصلح ذخراً للسياسيين ... وعلى أي حال فلا يستغني مطالع التاريخ عن قوة حاكمة يميز بها بين ما ينطبق على الواقع وما ينبو عنه
(767)
الثقة
فوقفة الشيخ الإمام محمد عبده هنا هي المنهج الذي ينبغي لكل باحث اتباعه في تقييم الرواة والأحداث التاريخية، ولكن يا للأسف لم يكن لهذا الكلام أي أثر على كتاباته حينما تكلم على أهل النهروان الكرام، حين قال: وكان الذين خرجوا على أمير المؤمنين وخطأوه في التحكيم قد نقضوا بيعته، وجهروا بعداوته وصاروا له حرباً، واجتمع معظمهم عند ذلك الموضع [النهروان]، وهؤلاء يلقبون بالحرورية نسبة إلى حروراء وكان رئيس هذه الفئة الضالة حرقوص بن زهير السعدي، ويلقب بذي الثدية تصغير ثدي).
وخرج إليهم أمير المؤمنين يعظهم في الرجوع عن مقالتهم، والعودة إلى بيعتهم، فأجابوا النصيحة برمي السهام وقتال أصحابه كرم الله
بقتالهم»
(768)
(767) الأعمال الكاملة للشيخ الإمام محمد عبده، ج 2 ص 413 - 417.
(768) الأعمال الكاملة للشيخ الإمام محمد عبده، ج 2 ص 473.
وجهه،
فأمر (1/325)
صفحة 325
326
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
لقد سار الإمام الشيخ مع المتأثرين بـ (سيكولوجية الجماهير) وأقبل على الروايات الضعيفة التي جاء بها محمد بن عمر الواقدي وغيره من الضعفاء والكذابين كأمثال سيف بن عمر التميمي وأبي مخنف، ولم يُحَكِّم القوة الحاكمة التي يميز بها بين ما ينطبق على الواقع وما ينبو عنه».
لقد غلبت (سيكولوجية الجماهير) على نفسية الإمام محمد عبده وغيره من الكتاب فكانت النتيجة أن رددوا أحكام الضعفاء والكذابين وأكدوها، ونشروا عدواها بين أجيال المسلمين، وتركوا قناعاتهم العلمية الداعية إلى رد روايات الضعفاء والمتروكين، ولم يحتكموا إلى البراهين العقلية التي تميز بنورها سلامة فكر أهل النهروان والإباضية من كل شائبة ألصقت به ظلماً وجوراً وتعسفاً.
فعلى المسلمين ترجمة ما أمرهم الله به في كل مناشط حياتهم، حيث قال لك في كتابه العزيز: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
[الأحزاب: 70 - 71].
فندعو الله تعالى أن يعيننا على قول الحق، وأن يصلح أعمالنا، ويغفر لنا ذنوبنا، وأن يرزقنا الفوز في الآخرة، والدنيا، إنه سبحانه على ذلك قدير فهو
نعم المولى ونعم النصير، وأن آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ
إِلَيْكَ.
هذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/326)
صفحة 326
المصادر والمراجع
327
1 - الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج: د. علي محمد محمد
الصلابي،
، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1، 1440 هـ ـ 2019 م.
2 - الإباضية مذهب لا دين الدكتور هاني سليمان الطعيمات، دار الشروق
للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 2003 م.
- الإباضية نشأتها وعقائدها: الدكتور محمد حسن مهدي الأهلية للنشر
والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 2011 م.
- الإباضية ومدى صلتها بالخوارج الدكتور عامر النجار، دار المعارف، القاهرة، ط 1، 1993 هـ.
الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات: علي بن محمد بن عامر الحجري، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان،
ط 2، 1427 هـ ـ 2006 م.
6 - أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ الدكتور إبراهيم شعوط، دار
الشروق، جدة، ط 7، 1409 هـ ـ 1989 م. (1/327)
صفحة 327
328
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
7 - الآحاد والمثاني: أبو بكر أحمد بن عمرو الضحاك ابن أبي عاصم الشيباني، مراجعة: باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الراية، الرياض، 1411 هـ ـ 1991 م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
-
- 11
أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية الشريفة د. إسماعيل عبد الفتاح
عبد الكافي، دار العالم العربي، القاهرة، ط 2، 1438 هـ ـ 2017 م. أخلاقيات وسلوكيات الحرب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدكتور وليد نور،
دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط 1، 1436 هـ ـ 2015 م.
الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها غستاف لوبون، ترجمة: نبيل أو صعب، دار الفرقد للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، ط 1، 2014 م. أسد الغابة في معرفة الصحابة: عز الدين بن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري، تحقيق محمد إبراهيم البنا ومحمد أحمد عاشور ومحمود عبد الوهاب فايد دار الشعب القاهرة
12 - الإسلام الخوارجي قراءة في الفكر والفن ونصوص مختارة: د. أحمد
6
معيطة، دار الحوار للطباعة والنشر والتوزيع اللاذقية، سوريا، طا،
2000 م.
13 - الإسلام على مفترق الطرق: محمد أسد، ترجمة الدكتور عمر فروخ، دار
العلم للملايين، بيروت، لبنان. (1/328)
صفحة 328
المصادر والمراجع
329
14 - أشرار التاريخ مجدي كامل دار الكتاب العربي، ط 2، 2013 م.
10 - الإصابة في تمييز الصحابة: أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن.
علي
العسقلاني المعروف بابن حجر، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
16 - إعداد المؤرخ الثقة الدكتور محمد بن موسى الشريف دار التوزيع
:
والنشر، القاهرة، ط 1، 1434 هـ ـ 2013 م.
17 - الأعمال الكاملة للشيخ الإمام محمد عبده، محمد عبده، دار الشروق، تحقيق وتقديم محمد عمارة، ط 1، 1414 هـ ـ 1996 م
18 - أمة الإسلام إلى أين سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، الكلمة الطيبة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1، 1436 هـ ـ 2015 م.
19 - أنساب الأشراف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، حققه الأستاذ الدكتور سهيل زكار والدكتور رياض زركلي، دار الفكر، ط 1، 1417 هـ ـ
-
1996 م.
إيثار الحق على الخلق محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى اليماني ابن الوزير دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1435 هـ ـ
2014 م.
21 - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، ط 3، 1408 هـ.
22 - البداية والنهاية أبو الفداء الحافظ ابن كثير، تحقيق: الدكتور أحمد (1/329)
صفحة 329
330
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
أبو ملحم والدكتور علي نجيب عطوي والأستاذ فؤاد السيد والأستاذ مهدي ناصر الدين والأستاذ علي عبد الساتر، دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان.
23 - تاريخ ابن خلدون المقدمة عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق الأستاذ
خليل شحادة وسهيل، زکار، دار الفكر ط 2، 1408 هـ ـ 1988 م
24 - التاريخ الصغير (الأوسط): أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار ترجمان السنة، لاهور، 1402 هـ ـ 1982 م.
25 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1407 هـ ـ 1987 م 26 - التاريخ الكبير: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
27 - تاريخ المدينة المنورة: أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري، تحقيق: فهيم محمد شلتوت.
28 - تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب
الإسلامي، بيروت، ط 1، 1422 هـ ـ 2002 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
29 - تاريخ خليفة خياط خليفة بن خياط العصفري البصري، تحقيق الأستاذ الدكتور سهيل زكار دار الفكر 1414 هـ ـ 3. 1993 م. (1/330)
صفحة 330
المصادر والمراجع
331
تحفة الأعيان: العلامة المحقق الشيخ نور الدين أبو محمد عبد الله بن
حميد السالمي، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
31 - تذكرة الحفاظ: أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي، دار الكتب
العلمية، بيروت - لبنان.
32 ـ التراجم وأثرها في السلوك الإنساني:
: د. مح بن موسى الشريف، دار
-
التوزيع والنشر، القاهرة، ط 1، 1434 هـ ـ 2013 م.
33 ـ التضليل الإعلامي وسبل مواجهته أ. د. هاشم نغيمش الزوبعي وأ. موسى مقدادي دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1،
2018 م.
34 ـ تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق
د.
عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار - عمان، ط 1، 1403 هـ ـ
1983 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
35 - تعريف موجز بأشهر كتب التاريخ د. محمد بن موسى الشريف، دار: الأندلس الجديدة للنشر والتوزيع، ط 1، 1435 هـ ـ 2014 م.
36 - تفسير ابن أبي حاتم المسمى (التفسير بالمأثور): عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، راجعه أحمد فتحي عبد الرحمن حجازي، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان ط 1، 1427 هـ ـ 2006 م. (1/331)
صفحة 331
332
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
37 ـ تقريب التهذيب: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 2
1415 هـ ـ 1995 م.
38 - التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح: الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان،
دار الفكر العربي.
39 - تهذيب التهذيب: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
ط 1، 1415 هـ ـ 1994 م.
40 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت -
لبنان، ط 1، 1418 هـ ـ 1998 م.
41 - التيه العربي (تأملات في الواقع الصعب الدكتور عبد الله زيد صلاح، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 2018 – 2019 م.
42 - الثقات محمد بن حبان أبو حاتم الدارمي البستي، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند ط 1، 1393 هـ ـ 1973 م. ضمن
الموسوعة الشاملة.
43 - الثورة الفرنسية وسيكولوجيا الثورات غستاف لوبون، ترجمة نبيل (1/332)
صفحة 332
المصادر والمراجع
333
أبو صعب، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، ط 1،
2016 م.
44 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن تفسير الطبري): أبو جعفر محمد بن
جرير الطبري، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة.
45 - جواب العزابة رداً على البهلولي علي بن أبي الحسن: الشيخ أبو مهدي
عيسى بن إسماعيل منشورات مكتبة المسجد العتيق بقصر غرداية،
6
الجزائر، ط 1، 1437 هـ ـ 2016 م.
46 - الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر: محمد بن سالم بن
عبد الله الحارثي، مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، مسقط، سلطنة عمان، 1436 هـ ـ 2014 م.
47 - الحرب المقدسة الاستشهاد والإرهاب أشكال العنف المسيحية في الغرب فيليب بوك، ترجمة بدر الدين عرودكي، جسور الترجمة للنشر، بيروت، لبنان، ط 1، 2020 م.
48 - حوار بين السنة والإباضية والشيعة عبد الرزاق طوطاوي، مكتبة
مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 2، 1429 هـ ـ 2008 م.
49 - حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي: أ. د. عماد الدين خليل، دار ابن
كثير، بيروت، لبنان، ط 2، 1438 هـ ـ 2017 م.
50 - الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري: د. يحيى بن إبراهيم (1/333)
صفحة 333
334
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
اليحيى، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية
السعودية، ط 1، 1417 هـ ـ 1997 م.
51 - الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام الدكتور ناصر عبد الكريم العقل، دار الوطن - الرياض - الطبعة الأولى 1416 هـ.
52 - الخوارج تاريخهم، فرقهم وعقائدهم: الدكتور أحمد عوض أبو الشباب دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط 2، 1433 هـ ـ 2012 م.
53 - الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم: ناصر بن عبد الله السعوي، دار المعراج الدولية للنشر، ط 1، 1417 هـ ـ 1996 م.
54 - الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة الدكتور عامر النجار، عالم بيروت، ط 1، 1406 هـ ـ 1986 م.
الكتب،
الخوارج نشأتهم وصفاتهم وعقائدهم وأفكارهم: د. علي محمد محمد
الصلابي، دار ابن حزم، بيروت لبنان، ط 1، 1437 هـ ـ 2016 م.
56 - الخوارج والحقيقة الغائبة: الدكتور الشيخ ناصر بن سليمان بن سعيد
السابعي، ط 1، 1434 هـ ـ 2013 م.
57 ـ دراسات تاريخية: أ. د. عماد الدين، خليل دار ابن كثير، بيروت، لبنان،
-
ط 2، 1438 هـ ـ 2017 م.
58 ـ دراسة في الفكر الإباضي: عمر بن الحاج محمد صالح با، مؤسسة
الشيخ الناصر للكتاب غرداية الجزائر، ط 2، 1436 هـ ـ 2015 م. (1/334)
صفحة 334
المصادر والمراجع
335
59 - دعوة القرآن الكريم إلى توحيد الصف واجتماع الكلمة: أ. د. عبد الظاهر عبد الباري علي عبيد، دار العالم العربي، القاهرة، ط 1، 1434 هـ ـ
2013 م. 60 - الدين والدم إبادة شعب الأندلس ماثيو كار، ترجمة د. مصطفى قاسم،
61
62
-
هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة مشروع «كلمة»، 2013 م.
ديوان عمر بن أبي ربيعة: دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت،
1404 هـ ـ 1984 م.
السلطة في الإسلام عبد الجواد ياسين المركز الثقافي العربي، طا،
1998 م.
63 - السنة لابن أبي عاصم: أبو بكر أحمد بن عمرو ابن أبي حاتم، تحقيق أ. د. باسم بن فيصل الجوابرة، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض،
المملكة العربية السعودية، ط 1، 1419 هـ ـ 1998 م.
64 - سنن ابن ماجة الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ضبط النصوص أحمد شمس الدين منشورات محمد علي بيضون، دار
الكتب العلمية، بيروت - لبنان ط 1، 1423 هـ ـ 2002 م.
65 - سنن الدارقطني علي بن عمر الدارقطني تحقيق شعيب الأرنؤوط
:
وحسن عبد المنعم شلبي وهيثم عبد الغفور، مؤسسة الرسالة، بيروت،
لبنان 1424 هـ ـ 2004 م. (1/335)
صفحة 335
336
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
66 - سنن الكبرى البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْروجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3، 1424 هـ ـ 2003 م. ضمن المكتبة الشاملة.
67 ـ السنن الكبرى للنسائي: الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي
حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1411 هـ ـ 1991 م.
68 - سيكولوجية الجماهير غستاف لوبون ترجمة هاشم صالح دار
:
الساقي، بيروت، لبنان، ط 7، 2016 م.
69 - شبهة نسبة الإباضية إلى الخوارج البشير مسعي محمد، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع السيب سلطنة عمان، ط 1، 1439 هـ ـ 2018 م.
70 - شرح السنة للبغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد زهير الشاويش،
المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، ط 2، 1403 هـ ـ 1983 م. ضمن
عة الشاملة. الموسو
71 - شرح قصيدة أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي: مؤلف
مجهول،
جمع وترتيب شمسة بنت عبد الله بن هلال الحوسنية، ذاكرة
عمان، مسقط، سلطنة عمان، ط 1، 1436 هـ ـ 2015 م. (1/336)
صفحة 336
المصادر والمراجع
337
72 - صحيح ابن حبان بترتيب ابن: بلبان علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان،
ط 3، 1418 هـ ـ 1997 م.
73 - صحيح البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 1، 1422 هـ ـ
2001 م.
74 - صحيح مسلم: الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع،
Vo
بيروت، لبنان، ط 1، 1420 هـ ـ 2000 م.
75 - صحيح وضعيف تاريخ الطبري: تحقيق محمد بن طاهر البرزنجي، دار
ابن کثير دمشق، بيروت، ط 1، 1428 هـ ـ 2007 م. ضمن الموسوعة
6
الشاملة.
76 - الضعفاء والمتروكين للنسائي: الإمام أحمد بن شعيب النسائي، دراسة وتحقيق الشيخ عبد العزيز عز الدين السيروان، ضمن المجموع في
الضعفاء والمتروكين، دار، القلم، بيروت لبنان، ط 1، 1405 هـ ـ 1985 م.
77 - الطبقات الكبرى محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، تحقيق محمد عبد القادر عطاء، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 1،
1410 هـ ـ 1990 م. (1/337)
صفحة 337
338
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
78 ـ عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام: ناصر بن علي عائض حسن الشيخ مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية
ط 3، 1421 هـ ـ 2000 م.
79 - العلل الواردة في الأحاديث النبوية: أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 1، 1405 هـ ـ 1985 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
- علم الحديث لابن تيمية ابن تيمية دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1405 هـ ـ 1985 م.
81 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: الحافظ أحمد بن علي بن العسقلاني، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر،
بيروت، لبنان، 1414 هـ ـ 1993 م.
82 - الفرق بين الفرق: الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي
الاسفرائيني التميمي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة
العصرية، 1411 هـ ـ 1990 م.
أحمد بن
83 - الفصل في الملل والأهواء والنحل أبو محمد علي بن أحمد
سعيد بن حزم. مكتبة السلام العلمية.
84 - فصول في التفكير الموضوعي: أ. د. عبد الكريم بكار، دار القلم،
دمشق ط 7، 1434 هـ ـ 2013 م.
6 (1/338)
صفحة 338
المصادر والمراجع
339
85 - فكر الخوارج والشيعة من ميزان أهل السنة والجماعة: علي بن محمد
الصلابي، دار ابن حزم القاهرة، مصر، ط 1، 1429 هـ ـ 2008 م.
86 ـ في التاريخ الإسلامي فصول في المنهج والتحليل: أ. د. عماد الدين
87
-
خليل، دار ابن كثير، بيروت، لبنان، ط 2، 1438 هـ ـ 2017 م.
في التأصيل الإسلامي للتاريخ:: د. عماد الدين خليل، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 1998 م.
:
- في موكب الإصلاح سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني، ذاكرة عمان، من مطبوعات موقع بصيرة الالكتروني، مسقط، سلطنة عمان، طا،
1436 هـ ـ 2015 م.
89 - القراءة المثمرة (مفاهيم وآليات أ. د. عبد الكريم بكار، دار القلم دمشق، ط 8، 1436 هـ ـ 2015 م.
الكرم
90 - الكامل في التاريخ: عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الشيباني المعروف بابن الأثير، دار صادر، بيروت، لبنان، 1402 هـ ـ
1982 م.
91 - الكامل في ضعفاء الرجال: الإمام الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد
معوض والأستاذ الدكتور عبد الفتاح أبو سنة، منشورات محمد
بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 1، 1418 هـ ـ 1997 م.
علي (1/339)
صفحة 339
340
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
92 - كتاب الجرح والتعديل: الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم
التميمي الحنظلي الرازي مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الهند، ط 1، 1372 هـ ـ 1952 م.
93 ـ كتاب السير: أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي، تحقيق الدكتور محمد حسن دار المدار الإسلامي، بيروت،
لبنان، ط 1، 2009 م.
94 ـ كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: الإمام الحافظ محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تحقيق محمود
إبراهيم زايد دار المعرفة بيروت - لبنان، 1412 هـ ـ 1992 م
95 - الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث برهان الدين الحلبي، تحقيق السيد صبحي البدري السامرائي عالم الكتب، بيروت، لبنان،
ط 2، 1416 هـ ـ 1996 م.
96 - كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد هشام علي حافظ، وجودت سعيد، وخالص جلبي، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، لبنان،
ط 2، 2002 م.
97 - كيفية قراءة التاريخ وفهمه الدكتور محمد بن موسى الشريف، دار التوزيع والنشر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط 1، 1434 هـ ـ
2013 م. (1/340)
صفحة 340
المصادر والمراجع
341
98 - لسان الميزان الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني، دار الفكر بيروت، لبنان، ط 1، 1408 هـ ـ 1988 م.
99 - لماذا يكذب القادة حقيقة الكذب في السياسة الدولية): جون جي. ميرشايمر، ترجمة د. عبد الفتاح عمورة، مراجعة أ. د. منذر محمود
محمد دار، الفرقد دمشق، سوريا، ط 1، 2016 م.
100 - المثالية والواقعية في تاريخ الفكر السياسي عند المسلمين: الدكتور فاروق عمر فوزي، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، ط 1، 2016 ـ 2017 م.
101 - مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: جمع وترتيب عبد الله بن محمد بن قاسم العاصمي وابنه محمد، الطبعة الأولى، 1398 هـ.
102 - محددات الإشاعة في السلم والحرب شرعاً ونظاماً: الدكتور عبد الله بن معتب بن ربيق مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع، جمهورية مصر العربية، ط 1، 1436 هـ ـ 2015 م.
103 - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، شهاب الدين المجمع الثقافي، أبو ظبي،
ط 1، 1423 هـ. ضمن الموسوعة الشاملة.
104 ـ المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم
النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان، ط 1، 1411 هـ ـ 1990 م. (1/341)
صفحة 341
342
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
106
:
مسند أبي داود الطيالسي الحافظ أبو داود سليمان بن داود الطيالسي،
تحقيق الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر، مصر،
1419 هـ ـ 1999 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
، طا،
مسند أبي يعلى: الإمام الحافظ أحمد بن على بن المثنى التميمي،
تخريج وتعليق سعيد بن محمد السناري دار الحديث، القاهرة، ط 1،
1434 هـ ـ 2013 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
107 - مسند الإمام أحمد بن حنبل الإمام أحمد بن حنبل، بيت الأفكار
الدولية، الرياض، 1419 هـ ـ 1998 م.
108 ـ مسند الحميدي: الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1،
109
1409 هـ ـ 1988 م.
مسند الفاروق لابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، تحقيق إمام بن علي بن إمام دار الفلاح، الفيوم، مصر، ط 1، 1430 هـ ـ 2009 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
110 - المسئولية الجنائية للقادة العسكريين في الحروب شرعاً ونظاماً: الدكتور عبد الله بن متعب بن ربيق، مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع،
جمهورية مصر العربية. (1/342)
صفحة 342
المصادر والمراجع
343
111 - مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه: الدكتورة سيدة إسماعيل
كاشف، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 2، 1396 هـ ـ 1976 م.
112 - مصنف ابن أبي شيبة أبو بكر بن أبي شيبة، تحقيق كمال يوسف
الحوت مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 1،
1409 هـ. ضمن الموسوعة الشاملة.
113 - مصنف عبد الرزاق أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق الأستاذ نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط 1،
1423 هـ ـ 2002 م.
114 - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق مجموعة من الباحثين، دار العاصمة للنشر والتوزيع دار الغيث للنشر والتوزيع، ط 1، 1419 هـ ـ 1998 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
115 ـ المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري: أكرم بن محمد زيادة الفالوجي الأثري، الدار الأثرية، الأردن - دار ابن عفان، القاهرة. ضمن
الموسوعة الشاملة.
116 ـ المعجم الكبير: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن
تيمية، القاهرة، ط 2. ضمن الموسوعة الشاملة. (1/343)
صفحة 343
344
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
أحمد بن
117 ـ المغني في الضعفاء شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تحقيق الدكتور نور الدين عتر. ضمن الموسوعة الشاملة.
118 - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين الإمام أبو الحسن علي بن
:
إسماعيل الأشعري، تصحيح هلموت ريتر، ط 3، 1400 هـ ـ 1980 م
119 - المقترب في بيان المضطرب: أحمد بن عمر بن سالم بن أحمد بن
عبود أبو عمر بازمول السلفي المكي الرحابي، دار ابن حزم
والنشر، ط 1، 1422 هـ ـ 2001 م. ضمن الموسوعة الشاملة.
للطباعة
120 - ملاحظات حول تاريخنا القديم - كيف ندرسه وكيف نحققه ـ: محمد بن قاسم ناصر بوحجام، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ط 2،
1417 هـ ـ 1996 م.
121 - الملل والنحل أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم الشهرستاني، مطبوع بهامش الفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام
ابن حزم، مكتبة السلام العالمية.
122 - من مآسي الافتراق د. محمد بن موسى الشريف، دار الأندلس الخضراء ودار ابن حزم، بيروت لبنان، ط 2، 1433 هـ ـ 2012 م.
123 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: ابن تيمية، تحقيق (1/344)
صفحة 344
المصادر والمراجع
345
الدكتور محمد رشاد سالم دار الفضيلة للنشر، الرياض، المملكة
العربية السعودية.
124 ـ المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي: الدكتور عبد العظيم
محمود الديب، المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، ضمن إصدارات كتاب الأمة، ط 1، 1411 هـ.
125 - موجز تاريخ الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي وشرقي حوض المتوسط رنيه غروسيه ترجمة د. أحمد إيبش، هيئة أبو ظبي
والثقافة، دار الكتب الوطنية، ط 1، 1435 هـ ـ 2014 م.
126 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: أبو عبد الله محمد بن
أحمد
بن
للسياحة
عثمان
الذهبي، تحقيق علي محمد البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
127 - نداء الحق: سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، الكلمة الطيبة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1، 1439 هـ ـ 2018 م.
128 - نصب الراية تخريج أحاديث الهداية جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي مع الهداية شرح بداية المبتدي للإمام برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي. تحقيق أحمد شمس الدين دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط 2، 1422 هـ ـ 2002 م. (1/345)
صفحة 345
346
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
129 - نهاية الأرب في فنون الأدب أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري، دار الكتب
والوثائق القومية القاهرة، ط 1، 1423 هـ. ضمن الموسوعة الشاملة. 130 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي، تحقيق
إحسان عباس دار صادر، بيروت لبنان ضمن الموسوعة الشاملة. (1/346)
صفحة 346
الفهرس
المقدمة
قراءة منهجية في كتاب الكامل في التاريخ
1 - مصادر كتاب الكامل في التاريخ بين القبول والرفض.
2 ـ ابن الأثير يزكي كتابه (الكامل في التاريخ)
ـ ابن الأثير ينقل أخباراً بصيغ التمريض.
4 ـ ابن الأثير ينقل أخباراً ويعرضها على مصادر أخرى لها صلة بفحواها.
ه ـ ابن الأثير يستعين بالمنهج في رد كثير من الأخبار.
6 ـ «أهل كل بلد أعلم بأحوالهم
7 - كتب التاريخ بين المنهج والواقع.
ـ ضبط ما يروى وما يطوى من الأخبار
9 ـ دعوة إلى تحري الصدق قبل اعتماد الروايات
كتاب التاريخ بين المنهج والتطبيق
1 - العوامل التي تؤثر على توجهات الكتاب.
2 ـ مصادر كتب المقالات. (1/347)
صفحة 347
348
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
3 ـ بداية الحكاية
ـ حكايات على مسرح الضعفاء والكذابين ه - وقفة مع الدكتور أحمد عوض أبي الشباب.
6 ـ حكاية ذي الخويصرة.
ـ الدكتور هاني سليمان الطعيمات وخرافة ابن سبأ اليهودي
ـ الروايات التي ذكر فيها استعراض الناس ومقتل عبد الله ـ وقفات مع كُتاب التاريخ حول تهمة «الاستعراض»
خباب
أ - الروايات تدعي مطالبة الإمام علي أهل النهروان بتسليم قتلة ابن خباب ....... 147
ب ـ استجواب الناس حسب الانتماءات
ج - كتاب التاريخ ينسبون مجاهيل من الناس إلى أهل النهروان.
د - كُتاب التاريخ والجرائم التي ارتكبها الذين حاربهم الفكر الإباضي
1 - جرائم الجيش الأموي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
2 ـ جرائم الجيش الأموي في اليمن.
ـ جرائم الجيش الأموي في العراق
4 ـ جنود بني أمية ومقتل الحسين بن علي الله وكرم وجه أبيه الكريم.
ه - جرائم الحجاج بن يوسف في التاريخ.
6 ـ جرائم أموية في اليمن.
- جرائم جنود سعد الدولة في اليمن
- جرائم زيد النار العلوي، و «الجزار» العباسي في ديار الإسلام ................. (1/348)
صفحة 348
الفهرس
349
9 - جرائم ترتكب في حرم الله الآمن.
10 - قطاع طرق حجاج بيت الله الحرام.
11 ـ إجرام على يد معز الدولة وناصر الدولة
12 ـ جرائم جيش المنصور في الأهواز.
13 ـ مشهد إجرامي فيه دليل على اضطراب مقاييس كُتاب التاريخ
14 - ابن الأثير واضطراب الموازين
15 - مروان الأموي واستباحته لأرواح المسلمين وأموالهم.
16 ـ جرائم جنود بني العباس صورة لأفعال الكفار في ديار الإسلام ............. 214
17 ـ اضطراب الموازين لدى كُتاب التاريخ.
18 ـ كُتاب التاريخ في عمى عن جرائم
قادة
بني
العباس.
19 - ابن الأثير، ومن سار على دربه، أصحاب ميول وأهواء
20 ـ الهوى يلجم الألسن عن قول الحق
21 ـ نهب وقتل في بلاد
الرافدين
22 ـ نهب وقتل وإحراق وهتك أعراض في ديار المسلمين
23 ـ ابن الأثير ووزن الأحداث بموازين الهوى.
24 ـ شقاق
بين الأقارب يفضي إلى جرائم حرب
25 ـ أين العدالة يا كُتّاب التاريخ؟.
26 - جرائم حرب في ديار المسلمين، فأين المنصفون؟. 27 ـ جرائم في بلاد الأندلس على يد من ادعى الإسلام. (1/349)
صفحة 349
المذهب الإباضي وسيكولوجية كتاب التاريخ
28 ـ من جرائم إبراهيم بن أحمد الأغلبي في ديار الإسلام.
29 ـ فأين العدالة يا كُتَّاب التاريخ؟.
30 ـ ذبح أطفال المسلمين على يد من ادعى الإسلام.
31 ـ أوصاف في غير محلها.
32 ـ «وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين»
33 ـ مبادئ الإسلام وسلوك الأتباع.
34 - عَوْدٌ على بدء.
10 ـ مبادئ الإباضية تاريخ يتكلم.
11 - مباينة الإباضية لأفكار الخوارج
12 - أثر الموروثات الفكرية في الحكم على الناس.
الطاعنون في أهل النهروان والإباضية وفلسفة (سيكولوجية الجماهير) ........
الخاتمة.
المصادر والمراجع
الفهرس (1/350)