صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي
المؤلف: سالم بن حمود بن شامس السيابي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1400ه/ 1980م
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 4882/1980
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/82
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 شعبان 1446ه/ 04 - شهر 02 - 2025م. سلطنة عمان وزارة التراث القومي والثقافة
تراثنا
طلقات المعهد الرياضي
في حلقات المذهب الأباضي
تأليف
الفقيه الفاضل الشيخ
سالم بن حمود بن شامس السيابي
قاضي المحكمة الشرعية بمسقط
1400 هـ / 1980 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومى والثقافة
طلقات المعهد الرياضي
في
حلقات المذهب الأباضي
تأليفه
الفقيه الفاضل الشيخ
سالم بن حمود بن شاہس السيابي
قاضي المحكمة الشرعية بمسقط
1400 هـ / 1980 م (1/3)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي دعم المذهب الأباضى بالكتاب والسنة والإجماع، ورفع عن أتباعه المخلصين له تبارك وتعالى حكم الابتداع، وجعل طلقات معهده الرياضي ترفع الشقاق والنزاع، أحمده عز وجل حمداً يدوم له بلا انقطاع، وأشكره سبحانه وتعالى شكراً يكون لنا فى رحمته اتساع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله عمدة الحق وحجة الله على عباده ورحمته المهداة لهم من عنده، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد فهذا كتاب فى المذهب الأباضي يشتمل على ذكر رجاله في الصدر الأصل له والدعامة التي قامت عليها أركانه، والحجة التي ثبتت معالمه وقام عليها بنيانه، والمبدأ الذي هو المركز المهم، فهم مصدره الذي يعرف به مورده وكل مالا أصل له لا يعتمد عليه وما لا مبدأ له فليس بحجة عند أهل العلم، وصدر المذهب هم النهر الذي يمد غراس المذهب بماء الحياة فيورق ويثمر.
الأول،
مهم هم
و الكتاب قسمان كما سوف نبين ذلك إن شاء الله في حلقات متتابعة متماسكة أولاهن وثانيتهن وثالثهن ورابعتهن إلى ست حلقات، فع قيدته وهو القسم الثاني وكل واحدة منهن لشئون مقامها جامعة، ولنا أمام المقصود مقدمة لابد منها تكون كالأساس لما بعدها، والله نستعينه ونستهديه وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1/4)
صفحة 4
مقدمة
لا يخفى أن النبي صلى الله عليه وآله
هو
وسلم. البحر الذي أفاض على أرجاء المعمورة ما عاشت به،
النهر الذي وردت الأمة منه، بل هو وأن أصحابه رضى الله عنهم هم الخلجان المتفرعة عنه، وأن التابعين لهم هما الجداول والسواقى التى أمدت أرواح البلاد بمائها العذب، وأنبتت الأرض ريفها وضواحيها ما عاشت الأمة به عليها، ومازال ذلك الغيث المحمدى ملء خزانات العالم الروحي فياضاً محفوظ التراث، مصوناً من الأحداث،
غير ممنوع عن أى متعطش إليه، ولا مقطوع عن أى راغب فيه.
ولا يخفى أن أهل عمان كما أسلموا طوعاً واعتنقوا الإسلام وتقلدوا الدين الحنيف راغبين، وخضعوا لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام غير مجبورين ولا مقهورين، وقد شاركوا الصحابة المرضيين بخمسة من
(1)
رجالهم معروفين، أشبه بالجوارى السيارة في السماء، وإن غطى عليهم
حاسدهم فلا يؤثر على حقائقهم ومقامهم في بيئة الصحابة غير مخفى.
و مما يسجل لأهل عمان الفخر، ويعرب عن طاعتهم للحق خروج أحدهم إلى الرسول بحادث وقع له مع معبوده من دون الله، فكسر معبوده المشار إليه مع ره يقاتل عليه، وتوجه الرسول عليه الصلاة. أن غيره والسلام في أقصى الجزيرة العربية فى الشرق، حتى وافى المدينة المنورة وتلقى من
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كل خير، واستدعاه لأهل عمان عامة
دعوات متكررة لها قيمتها، كما استدعاه بعد ذلك لنفسه خاصة، (1/5)
صفحة 5
فحقق الله ذلك كله، وأجاب الله دعوة نبيه عليه الصلاة والسلام لأهل
عمان عامة، ودعوة السائل خاصة بما لا يخفى، وها نحن
•
إن شاء الله نقص القضية عند الكلام على صاحبها نقلا عن رجال هم في الإسلام أعلام، وهم في الأمة من لا يخفى مكانهم، بين الأنام ولكل درجات مما عملوا والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم
الوكيل: (1/6)
صفحة 6
القسم الأول
المشتمل على أربع حلقات
الحلقة الأولى: حلقة الصحابة الذين أخذ عنهم الأباضية دينهم
ونقلوا عنهم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضوان الله عليهم
"
،
يعرف
وفي مقدمتهم البحر ابن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أهل المذهب أكثر نقلهم عنه كما. ذلك من تتبع أقوالهم وأمعن النظر في أعمالهم، ودرس محرراتهم، فهو الإمام لهم في نقل السنة النبوية، وعليه معول أكثرهم ومعتمد رواتهم، فقد أخذ عنه جابر بن زيد أبو الشعشاء رضي الله عنه، أكثر علماء الأباضية وهو وأجل حملة العلم لديهم، وقد أجمعت الأمة على سعة علمه ولذلك لقب
بالبحر
قال جابر بن زيد، رحمه الله ورضى عنه، لقيت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر ابن عباس رضى الله عنهما فكدت أن أغرق، ولقب أيضاً حبر الأمة لسعة علمه، أي عالمها، وأنه لكذلك وهو أعرف من أن يعرف به فلا نطيل المقال فيه وهو أشهر من نار على علم.
والثاني: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوى أحد علماء الصحابة وأحد
مشاهير هم، وهو أحد شيوخ أبو الشعثاء رحمه الله، وقد أخذ عنه جابر
ابن زيد الكثير، وحمل عنه رواة الصحيحين وأرباب المساند كلهم
6
وهو العلم السامى بين أعلام الصحابة رضى الله عنهم، وقد أطال المترجمون عنه كالاستيعاب والإصابة وأسد الغابة وغيرهم من العلماء الذين دونوا تراجم الصحابة في الصدر الأول، وهو من الشكاك لزهده، فإن زهده (1/7)
صفحة 7
1
وخوفه من الله حيره، والخوف من الله له على أنفس المؤمنين أثر أثير والله المستعان نسأله تعالى العون على رضاه والتوفيق لما يحبه ويرضاه إنه ولى
G
كل شيء، وإلى هذين الشيخين أشار الإمام السالمي رحمه الله في جوهره حيث يقول: ثلاثة في مكة عبادلة ثالهم عبد الله بن الزبير (3) قال فيه ولم يكن لا بن الزبير أثر في كتبنا إلخ
والثالث في علماء الصحابة الذين أكثر الأباضية النقل عنه: السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، لقوله عليه الصلاة والسلام فيها: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء، رضى الله عنها فقد أخذ عنها الصدر الأول من المسلمين رضي الله عنهم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحتكمون إليها. فيما يختلفون فيه، فيرضون بحكمها ويسلمون لها لضبطها وعدالتها وقوة فهمها، ولها في كتب الأباضية فى المنقول عنها شيء غير يسير رحمها الله ورضى عنها.
الرابع من رواة السنة عند الأباضية أى الذين نقل عنهم الكثير: أبو سعيد الخدري رحمه الله ورضى عنه، ولا يخفى أنه من أجلة علماء أحد حفاظ الحديث وأحد
،
الصحابة، فهو علامة شهير وهمام تحرير و أحد نقلة السنة، رضي الله عنه، لقد كان كنزاً جمع جواهر
أئمة العلم
السنة وجوي المهم منها وترجمته مع أهل الفن نيرة جلية.
الخامس: أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأحد الخصيصين بالرسول عليه الصلاة والسلام، المعروفين في مجمع الصحابة
Li (1/8)
صفحة 8
المقربين لدى إمام الأمة وسيدها المصطفى المأمون " دينه، الأمين في
أمته المرضى بينهم رضي الله عنه:
، الثقة المعتمد الذي لا يعرف بعاب ولا يلم به ارتياب
السادس: جابر بن عبد الله رضى الله عنه، الأنصاري السلمي من خيرة الأنصار، ومن أعيان المسلمين الأخيار الذين عرفت منازلهم في الدين
وحمدت أعمالهم بين المسلمين، وأصبحوا حجة صالحة في الدين.
السابع: أبو هريرة الراوية المعروف الذى لا يخفى حاله بين رجال السنة، إذ كان من أو عاهم وأحفظهم في نقل السنة، حتى استنكر بعضهم كثرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتذر إليهم بذلك العذر
نقله عن رم الذي له في صدده معناه المعقول، وقل باب من أبواب السنة إلا وله فيه رواية، وإن لم ترضه الشيعة فله فى سند الربيع" مثل ما في غيره من
مساند السنة:
ويكفينا أن ننوه بالبعض من هؤلاء الرجال كرمز لباقيهم، فإنهم - كما قلنا عنهم الجداول المتفرعة من النهر، وكلهم كما يقول فيهم صلى الله عليه وآله وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وحسبنا من النساء
عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها ابنة الصديق أبي بكر رضي الله عنه وزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
"
ولا يحفى أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كلهن روين عنه أحاديث نقلها عنهن رواة السنة وحملة العلماء إلى الأمة، وإن كان لعائشة رضى الله عنها فضيلة عليهن، فإنها تروى الكثير وهي معدودة من العلماء في السنة، ليست ناقلة فقط، فإن بعض الرجال ناقل فقط فضلا
عن
النساء (1/9)
صفحة 9
1 -
نقلة أمناء، وبعضهم نقلة علماء، يفهمون مقاصد الرسول، ويدركون الغاية في الرواية بمحض الدراية لا بنفس الرواية كما أشار إلى ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «رب مبلغ أوعى من سامع، صلى الله عليه وآله وسلم: (رب حامل فقه وليس بفقيه، وبهذه الأحوال تمتاز الرجال فإن الله عز وجل خص من شاء ما شاء، وكذلك
اع)
وقوله
الصحابة رضوان الله عليهم، أخبر عنهم الرسول عليه الصلاة والسلام:
بما يمتاز به بعضهم من بعض، وتلك حكمة الله تبارك وتعالى في بريته
"
ولا يخفى أن معشر أهل عمان في الصحابة خمسة رجال نذكر هم للتعريف بهم، وليعلم أنا ممن اتبع الحق راغبين، وهؤلاء الخمسة، وإن كانون ليسوا من حملة السنة ولا من علماء الصحابة الذين حملوا الشريعة ولكنهم من الصحابة بكل معنى الكلمة، وتفتخر بهم عمان، ولا يحتمى شأن الصحابة وقدرهم، لاسيما الذين لم تعرف لهم هفوة في الدين أو زلة في أمور المسلمين أو انحراف عن منهج المؤمنين، وكذلك أيضاً لم يكن الصحابة كلهم رواة للسنة، بل بعضهم يروى الكثير وبعضهم عنده القليل، وقد فازوا باسم الصحبة، فلو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه، والحمد لله
•
و من هؤلاء الصحابة الخمسة الذين أشرنا إليهم: (1/10)
صفحة 10
-11 -
الشيخ الطائى مازن بن غضوبة السعدي
-
كان مازن بن غضوبة المذكور من أهل سمايل، وكان زعيم قومه. آل طى في سمايل والمقدم عليهم، وكان كما قال عنه في: إنسان العيون، في الجزء الأول، وفى غيره من كتب التاريخ، كان له صنم يقال له باحر - بالموحدة والحاء المهملة بينهما ألف وآخره راء مهملة وقيل في بعض الكتب: يقال له ناجر – بالنون والجيم وآخره راء مهملة ولعل ذلك لتصحيف وقع فيه، فإن الأحرف متشابهة والكلمة متقاربة الشكل: قال في إنسان العيون بسيرة الأمين المأمون، وهو المعروف بصاحب السيرة الحلبية!!
قال مازن بن غضوبة: كنت أسدن، أي أخدم صنما بقرية عمان
يوم
بالتخفيف تدعى سمايل قلت هي بلدنا الحالي، قال فعترنا ذات عنده عتيرة أي ذبيحة، وهى إذا أطلقت وقيل تختص بهذا الاسم إذا كانت في شهر رجب، قال فسمعنا صوتاً من جوف الصنم يقول: يا مازن اسمع تسر، أي يسرك ما تسمعه قال: ظهر خير وبطن شر، والمراد بالخير: بالنبوة التى أرادها الله عز وجل لهذا الجيل الكريم على الله جل شأنه، والمراد بالشر: الكفر الذي عليه الأمة:
إليه
•
قال: بعث نبي من مضر، أى ابن معد بن عدنان يتصل نسبه إلى إسماعيل بن الخليل عليهم الصلاة والسلام، قلت هذا تفسير للخير المشار، وقوله بدين الله الأكبر أى بالدين الذي هو أكبر الأديان، لأن الله تعالى وعد أن يظهره على الأديان كلها، فيكون بهذا الاعتبار أكبرها، أو أن أكبر صفة الله عز وعلا بمعنى العظيم في ذاته وصفاته وأفعاله، فيكون صفة الاسم الجلال.
قال: فدع نحيتاً من حجر أى اترك المنحوت من الحجر، فإنه لا ينفع (1/11)
صفحة 11
- 12 -
ولا يضر، ومن اتخذه رباً فقد كفر بالله شركاً ا فالنحيت فعيل بمعنى مفعول، أي منحوت من الحجارة، وهي لا تملك ضراً ولا نفعاً؛ قال: تسلم من حر سقر، والمراد بها النار والعياذ بالله، وسقر علم عليها، والمعنى: بتركك ذلك تسلم من عذاب الله جل جلاله.
قال مازن: ففزعت لذلك، أى راغى ذلك الصوت وأفزعني ذلك الكلام، قال مازن: وقلت إن هذا لعجب أى من الأمور التي يتعجب منها الإنسان ويستغربها، حيث يخرج مثل هذا الكلام من الصم المعبود، فينعى لعابديه عبادته ويزعزع الذين اتخذوه إلها، وهذا من عناية الله لعبده مازن ومن رحمته التي يسوقها إليه رحمة من الله عز وجل.
،
فيستقبلها باعتبارها
قال مازن: ثم عترت بعد أيام عتيرة، أى ذبحت ذبيحة أخرى لذلك الصم، أي كانوا يتقربون إلى أصنامهم بذلك. قال فسمعت صوتاً من الصنم، أى كالأول يقول: أقبل إلى أقبل تسمع مالا تجهل، هذا نبي مرسل جاء بحق منزل آمن به کي تعدل عن حر نار تشعل وفودها بالجندل، فكان هذا الكلام كالشعر لكنه ليس بشعر، بل هو أشبه بسجع الكهان.
قال مازن: فقلت إن هذا لعجب وإنه الخير يراد بي، قال ابن برهان الدين: أقول: ورأيت فى بعض السير تقديم هذه الأبيات أي التي مرت عليك آنفاً على ما قبلها، وأن ما زنا قال ثم سمعت صوتاً أبين من الأول و هو يقول يامازن اسمع إلى آخره والله أعلم.
قال مازن: فبينا تحن كذلك أى على هذا الحال الذي وقع لنا من الصنم، إذ قدم رجل من أهل الحجاز، قلنا له ما الخبر؟ قال: قد ظهر رجل (1/12)
صفحة 12
– 13 -
يقال له أحمد يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله، فقلت هذا نبأ ما سمعته من الصنم، قال فنزلت إلى الصنم فكسرته جذاذاً أي قطعاً، وركبت راحلتي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشرح لى الإسلام وأسلمت، وأنت خبير أن مثل ما زن وهو زعيم قومه لايخرج من عمان إلى أرض الحجاز حتى يأتى المدينة المنورة إلا بركب يطمئن به، وإذا كان أسلم مازن مع ركبه كانوا جملة يعدون في صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إلا أنا لم نجد من يذكر أسماء الرجال الذين كانوا معه، ولا يخفى عليك أبها القارئ الكريم ونحن نأخذ القضية من رواية الشيخ، وكان ينبغى أن يأخذها هو وأمثاله منا نحن، لكنا أهملنا حقوقنا، وبعد ما ضاعت، عدنا نسأل عنها غيرنا، قال وقلت أي بعد
الحلبي
ما أسلم:
کسرت ناجر أجذاذا وكان لنا
ربا نظيف به ضلا بتضلال
بالهاشمي
هدانا
ضلالتنا من
ولم يكن
دينه مني على بال
أي لم أكن محتسباً لدينه، وأراد بالهاشمي النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، أى لم يسبق لى علم بدينه ثم قال:
يا راكبا بلغن عمراً وإخوتها
أنى لمن قال ربي با در قالي
قال: وعنى بعمرو وإخوتها بني خطامة وبنى الصامت، من طى وهى أي بنو خطامة، وقد أوردنا نسب مازن وبني خطامة وإخوتها طي، من في كتابنا (إسعاف الأعيان بأنساب أهل عمان المطبوع في قطر، وفى كتابنا الثاني في الأنساب أيضاً المسمى (رعاية الأحساب بحماية الأنساب)) (1/13)
صفحة 13
18 -
قال ابن برهان الدين الحلبي: وهذه الأبيات أي اللامية ساقطة في أسد الغابة، قال مازن فقلت يا رسول الله إنى مولع بالطرب، أى مغرم به وبشرب الخمر، والهلوك أى الفاجرة، والمراد بها الزانية من النساء التي تمايل وتننى عند جماعها، وقيل الساقطة على الرجال أي لشدة شبقها، ا وألحت أي دامت علينا سنون القحط، أى أصيبوا بمحل قحط، وسمى قحطاً لأنه يقحط الأمة أى يطردها من بلادها، يعنى، أن أعوام قحط مرت عليهم:
قال مازن: فذهبن بالأموال وهزلن الذراري والعيال، أى جاعوا حتى أصيبوا بالهزال من الجوع، قال وليس لي ولد فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينا بالحيا و الخصب؛ ويهب لى ولدا: وفي رواية زيادة تقر به عينى: فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، و الحرام والحلال وبالخمر، رياً لا إثم فيه، وبالعهر - أي الزنى – عفة الفرج وأته بالحيا - أي المطر وهب له ولدا تقر به عينه الها.
قال مازن: فأذهب الله عنى ما كنت أجده، وتعلمت شطر القرآن وحججت حججا وأخصبت عمان يعنى قريته وما حولها من قرى عمان} قال وتزوجت أربع حرائر! ووهب الله لى ولداً سميته حيان أي تفاؤلا بالحياة لاسيما أن اسم اثنين من أجداده أيضا كل واحد منهما حيان:
وهما الرابع والسادس، فأحيا به ذكرهما قال وأنشأت أقول:
إليك رسول الله خبت مطيتي
تجوب الفيافي من عمان إلى العرج (1/14)
صفحة 14
- 10
-
والعرج موضع على طريق المدينة لو أراد بذلك المدينة:
لتشفع لى يا خير من وطئ الحصى
فيغفر لي ذنبي فأرجع بالفلج "
أى بالفرج والفوز بالمطلوب. قال مازن:
إلى معشر خالفت في الله
دينهم
فلا دينهم دبى ولا شرجهم شرجي
(1)
أى يعنى بذلك قوله حين نفروا منه بعد إسلامه وأنبوه كما حكى ذلك عنهم، لا شكلهم شكلى ولا مذهبهم مذهبى ولا طريقهم طريقى، أنا
مباين لهم: قال مازن:
وكنت امرءاً باللهو والخمر مولعا
شبابي حتى آذن الجسم بالنهج
بالبلا والتغير: قال مازن:
فبدلني بالخمر خوفاً وخشية وبالعهر إحصاناً فحصن لى فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي فلله ما صومى والله ما حجى
وهذا تحدث بالنعمة
قال مازن: فلما رجعت إلى قومى أى بعد - إسلامي أنبونى، أى عنفونى ولامونى وشتمونى وأمروا شاعر هم فهجانى، فقلت إن هجونهم فإنما أهجوا نفسى، أى لأنهم منى وأنا منهم، فآثر الإعراض عن مشاكلهم والإغضاء عن مباراتهم، قال وتنحيت عنهم، قلت ليس هذا بمستغرب، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان (1/15)
صفحة 15
-17 -
مقرونا بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة، وقد وقع عليه من قومه وقع مما يعرفه كل الناس حتى تآمروا على قتله ومن مال إليه ورغب
ما
شأن
دينه، فله حظه مما ابتلي به عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الأمور في أول وقوعها حتى يستقر قرارها، كان وكأنهم لهم شاعر معروف ولم نقف على اسمه، وليتنا عرفناه، فنضيفه إلى أضرابه في كتابنا: (زهر الخمايل في ذكر شعراء سمايل).
قال مازن: وابتنيت مسجداً أتعبد فيه، قلت هو المعروف في سمايل باسم مسجد المضمار قريباً من محلتنا، وهو الذي جدد بناءه الآن سلطان
عمان الحالي قابوس بن سعيد، وقد أحسن في بنائه كل الإحسان.
قال ابن برهان: لا يأتى هذا المسجد مظلوم فيتعبد فيه ثلاثاً ويدعو على من ظلمه إلا استجيب له، ولا دعا ذو عاهة من برص أو غيره إلا عوفى. قال ثم إن القوم ندموا، أى قوم مازن ندموا على ما فعلوا في حق هذا الشيخ الصحابي المؤمن المخلص، وأى إخلاص أكبر من إخلاص مازن الذى کسر معبوده وركب راحلته يقطع بها الفيافي والقفار، قاصداً النبي عليه الصلاة والسلام. قال مازن بعد أن قال وندموا على ما فعلوا وطلبوا منى الرجوع إليهم، فأسلموا كلهم، وبهذا يكون الإسلام في سمايل بواسطة هذا الشيخ الصالح الذي طهر نفسه. من أو ضار الفساد والضلال، ورجع إلى الله مخلصاً له حتى رأى أثر إخلاصه في حياته ومسجد المضمار معروف بإجابة الدعاء في سمايل، ولازال أهل الفضل يسيرون إليه في الظلم فيتعبدون
فيه ويدعون الله عز وجل في مهماتهم، فيجيب دعاءهم والحمد الله:
(ع)
قال الإمام السالمي رحمه الله في صدر الجزء الأول من تحفة الأعيان: (1/16)
صفحة 16
17 -
وفي حديث مازن بن غضوبة ذكر أن أول من أسلم من عمان بن غضوبة
خطامة
بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن المر بن حيان بن أبي بشر بن ابن سعد بن نهان بن عمرو بن الغوث بن طى، وكان من أهل سمايل، قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند أول ظهور الإسلام بعمان، قلت المعروف أن مازنا أتى النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، فلعله أتاه فى أول نزوله بها كما يدل عليه قوله رحمه الله عند أول ظهور الإسلام، فإن ظهوره فى مكة كان كتماناً لا ظهوراً بحسب الاصطلاح، قال وأسلم ودعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأهل عمان بخير، ثم ذكر بعد هذا السبب الواقع على مازن من الصنم إلى أن قال له القادم من الحجاز ما قال كما ذكرنا سابقا، قال وفي العتبي أن القادم قال ظهر رجل يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف يقول لمن أتاه: أجيبوا داعى الله فلست بمتكبر ولا جبار ولا مختال، أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السموات والأرض، واستنقذكم من نار تلظى لا يطفأ لهيبها ولا ينعم من سكنها
قال مازن: فقلت هذا والله نبأ ما سمعته من الصم"، أى فكان مصداقاً لذلك الكلام الذي سمعه من صنمه. قال فوثبت إليه وكسرته جذاذا وركبت راحلى حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت والله إنها لمرحلة ميمونة أبشريا مازن بعدها بخير. قال فسألته عما بعث له فشرح لى الإسلام. وهذا يدل أن رسول الله عليه الصلاة والسلام بمقدم مازن ورأى إقباله قابلا لأن يشرح له الإسلام:
سر
(م 2 - طلقات) (1/17)
صفحة 17
18 -
فكأنه أفاض عليه التعاليم اللازمة، وألقى إليه قواعد الإسلام التي لابد منها إذ جاء من شقة بعيدة، ولابد أنه يلزم أن يزود بما يقتضيه المقام، لأن مازناً جاء متهيئاً لهذا الصدد مستعداً له راغبا فيه، ولذلك
قال على أثر التعاليم الملقاة إليه، ونور الله قلبى للهدى، ثم سرد الإمام
CUJ
،
نور الدين رحمه الله القضية نقلا عن العتبى، ولم نعرف العتبى هذا ويظن بعضن الناس أنه العوتبي وليس كذلك، ولعل العتبى المؤرخ القديم
ولم يكن عمانياً ولهذا حاج الحال إلى أن ننقل القضايا العمانية عن رواة
(9)
(F)
(4)
(01
عمان
أجانب عن عمان، كالطبرى و ابن خلدون وصاحب الكامل وصاحب المروج وأضرابهم، الذين هم فى غير عمان، فتأتيهم الأخبار عن مقلوبة ومحرفة ومزايدا فيها ومنقصا منها، وساقطة الأهمية ومبهمة. وقد تكلمنا عن هذه الأحوال في كتابنا عمان عبر التاريخ، فلعل غافلا يتنبه أو ناسيا يتذكر أو جاهلا فيتعلم، فإن الإنسان خلق قابلا للتعلم في كل أن
وقول مازن: وحججت حججا فدل ذلك على أنه عاش في الإسلام عهداً، لكنا لا نعلم ذلك فى حياة النبي أو بعده، وقد علمنا أنه جاء عمان بعد إسلامه وصار بينه وبين قومه ما صار، ثم تراجع قومه عما كانوا عليه، وراجعهم مازن وكأنه عاد إلى النبي عليه الصلاة والسلام في العام القابل، ولعله عاد إليه حاجا كما هو المفهوم:
قال مازن: وأخصبت عمان أى ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، قلت وكان السبب في ذلك مازن، حيث طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الخصب في تلك السنة وما بعدها
-
كما صرج
به مازن نفسه، قال وأقبل عليهم، أى أهل عمان ـ أقبل عليهم الخف والظلف وذلك كناية عن نماء المواشى إبلا وبقراً وغنما ونحوها. قال: (1/18)
صفحة 18
19 -
وكثر صيد البحر وظهرت الأرباح فى التجارات، وآمن عدد من أهل عمان، يعنى أسلموا على يديه إذ كان رحمه الله داعية لهم إلى الإسلام.
قال مازن: فلما كان فى العام القابل الذى وفدت فيه على النبي صلى
6
الله عليه وآله وسلم؛ فقلت يا المبارك ابن المباركين الطيب ابن الطيبين قد هدى الله قوما من أهل عمان ومن عليهم بدينك، وهذا يصحح ما فهمناه، فإنه دال بمفهومه ومنطوقه أن كثيرا من أهل عمان قد أسلموا على يد مازن المذكور، فقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مازن المذكور: دينى دين الإسلام سيزيد الله أهل عمان خصباً وصيدا العلم قال عليه الصلاة والسلام لا فطوبى لمن آمن بي و رآنى، ثم طوبى لمن أمن بى ولم يرنى، ثم طوبى ثم طوبي لمن آمن بي ولم يرنى ولم ير من رآني وأن الله سيزيد أهل عمان إسلاماً
هذه رواية مازن في إسلام أهل عمان، وعليه فهو صحابي صحيح الصحابية من غير شلك رحمه الله ورضى عنه، ومن حيث إن مازناً كان أهل سمايل، ولم يكن كرسى الملك إذ ذاك بها ولا بنزوى ولا مسقط، وإنما كان بصحار وبين صحار وسمايل مسافة نائية والطريق غير آمن، حيث إن
(
??
(1)
الناس في جاهلية، كتب النبي عليه الصلاة والسلام إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكى عمان إذ ذاك في إسلامهما، ولا شك أن إسلامهما يعم قومهما في عمان، ولعل النبي عليه الصلاة والسلام سأل مازناً عن زعماء عمان إذ ذاك، فأخبره عنهما وأن بينه وبينهما مسافة نائية لا يعلم مازن في سمايل عنهما شيئاً، وربما هما لا يعلمان عن ناحية سمايل وما إليها شيئاً، لأن الملوك جل أنظارهم إلى العواصم غالبا. ولا ينظرون إلى ناحية الديانة إلا ما شاء الله، فإن أيام الملوك تضم أرهاطا متباينة وأمماً مختلفة في الديانات، وجل همهم ما يصلح الملك كيف كان وأياً كان، وهذا شأنهم في كل الأجيال فلذلك كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جيفر وعبد وليس ذلك الآن من صددنا. وإنما بيناه كما يلزم في التاريخ العماني العام، وهنا إنما نحرر معنى الصحابية لأهل عمان: (1/19)
صفحة 19
21
-
الصحابي الثاني عبد الله بن وهب الراسبي
، وكان
كان عبد الله بن وهب الراسبي من أهل عمان، وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جملة من وفد عليه من أهل عمان، وكان معروفاً بالزهد والعبادة حتى لقب بذى الثفنات كما وصفه بذلك الكثير إمام أهل النهروان إذ اختاروه لفضله وكرمه وشجاعته، وكان أباها ونفر منها أولا ولم يقبلها، ولما رآهم يتدافعونها من واحد إلى آخر قال هاتوها والله لا رغبة فيها ولكن للقيام بحقوق الله كما يلزم، قال بعضهم: الله بن وهب الراسي من الأزد و من أئمة الأباضية، عرف بالعلم والرأى والفصاحة والشجاعة، وله فى العبادة الأعاجيب، أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشهد فتوح العراق مع ابن أبي وقاص، وكان مع على بن أبى طالب في حروبه، وكان من جملة من أنكر التحكيم،
عبد
قتل في النهروان
منهم
قال
غيره وإمام المسلمين يعنى أهل النهروان عبد الله بن وهب الراسبي المعروف بالعبادة والزهادة والرشد والشجاعة وعزيمة الصبر على الحق، ينظر الجنة من صفحة سيفه يرى الموت في طاعة الله أشهى من الأرى، كان عبد الله بن وهب الراسي أزدياً بايعه المسلمون عن رضاً ورغبة، فيه لما يعلمون من صلاحه للدين والدنيا، ولما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم مسرورين ببيعتهم مبتهجين برضاه وقبوله على يقين واطمئنان أن على بن أبي طالب لا يعود يطالبهم بإمامة أو يدعيها، لأن المسلمين لما بايعوه لم يكونوا مجبورين ولا مقهورين على إمارته، لأن الإمامة لم تكن لأحد بغير رضاً من المسلمين، وإذا رضى المسلمون أحداً لإمامهم ثم (1/21)
صفحة 20
- YY -
رأوا منه ما يخالف الحق فلهم خلعه وعزله عن الأمر، لأن الإمامة لم تكن ميراثا لأحد ولا ملكاً لإنسان أو طائفة، ولذلك لما خالف عثمان قاموا عليه ليعتزل أو يتوب مما اقترف، ولما لم يفعل شيئا من ذلك قتلوه في بيته انتقاما للحق، وكان على بن أبي طالب من جملة القاتلين، إذ كان على الأقل راضياً بقتل عثمان، ولو كان عثمان غير مستحق للقتل لكان القاتلون له ظالمين، ولكان على شريكاً لهم في ظلمهم حيث لم يدفع عنه، وكيف يمكن قتل عثمان لو لم يكن مستحقا للقتل، وفى المدينة مائة ألف سيف، فمن ذا الذي يستطيع قتل الإمام فى مأمنه والحال هذا، ولذلك لما رأى النهروانيون انخلاع على راضياً بسبب العهد الذي أعطاه وهو الرجل الدين يعود يطالب بالإمامة فتسارع القوم إلى إقامة إمام لهم خوف أن تفترق للكلمة فبايعوا عبد الله بن وهب)
لا (1/22)
صفحة 21
I
23
الثالث أبو العباس صحار بن العباس
لا يخفى أن أبا العباس صحار المذكور من أجلة رجال المذهب، إذ أخذ عنه المسلمون أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فروى عنه ثلاثة أحاديث وهو شيخ أبي عبيدة مسلم؛ وهو أول من ألف في الأدب وله
u)
تأليف في أمثال العرب، حكى ذلك عنه أبو النديم وكان من خاصة أبى الشعثاء، بل من أخص أصحابه رضى الله عنهم، وهو من عبد القيس عماني الأصل، كان رجلا ثبتا فى الحق عمدة في الدين، لا يقل عن إخوانه رضى الله عنه، وقد فاز بحكم الصحبة إذ رأى النبي عليه الصلاة والسلام وروى عنه، وقد نوه به العلماء في مقامات لها أهميتها، ولا يزال يعد في طليعة الركب المسلم وفى موكب العلماء الذين هم الحجة، وكان. في شهير النقل أنه تابعى كأبي الشعثاء، وجعفر بن السماك وأبي عبيدة والربيع بن حبيب، ثم ظهر بتتبع التاريخ أنه صحابي،
فما ورد في بعض الآثار أنه تابعى فذلك أصل هذا القول
•
وإليه أشار الإمام السالمي رحمه الله كذا صحار، وكذاك
جعفر هم تابعون أخذوا عن صحب محمد، صلى عليه ربي، أنه صحابي جليل، وهو عمانى مرضى وله في الأثر العماني
والصحيح
عليهم
C
لأنه عرف بالفضل وشهر بالعدل
أقوال وهو من المعتمد وتولاه حملة العلم الذين هم الحجة بعد الشيخين أبى الشعثاء وأبي عبيدة رضى الله عنهما، وهو كما قلنا أحد شيوخ أبي عبيدة وعنه أخذ الكثير وهو من أجلة رجال المسلمين في الصدر الأول رحمه الله ورضى عنه. (1/23)
صفحة 22
- Y? -
(1)
وفي حاشية القواعد صحار العبدى من أعلام الإسلام في القرن الأول، كان في العلم غاية وممن يدعو إلى الله على بصيرة، ويده
عن جابر بن زيد وكان شيخاً لأبي عبيدة
في العقائد طويلة، أخذ العلم مسلم الإمام الثاني للمذهب الأباضي:
(ع)
قال أبو سفيان وأكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك
وصحار العبدي وكانا من أئمة المسلمين وقادتهم: " (1/24)
صفحة 23
25 -
الرابع كعب بن برشة الطاحي
كان كعب بن برشة العماني رحمه الله ممن يحسن اللغات الفارسية، ولما
بو
اسطة
شاع خبر النبي بعمان وأسلم أهل عمان بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام: مندوبه عمرو بن العاص السهمى إلى جيفر وعبد، وأنهما لما أسلما أرسلا إلى الفرس الباقين في صحار بمدينة دستجرد إما أن يدخلوا في هذا الدين وإما أن بيرتحلوا من البلاد، وإما أن يستعدوا للحرب، فأراد رئيسهم مشافهة الملك في فارس لهذا الصدد. فقال لهم الملك: انظر رجلا عربيا فارسيا، أي يحسن الفارسية كما يحسن العربية فيما يتحمله من الطرفين، أمينا في نفسه على ما يتحمل فيؤديه بأمانة، فوقعت خيرتهم على كعب المذكور فأرسلوه إلى الملك بفارس، فأرسله الملك إلى المدينة ليتعرف خبر هذا النبي. فجاء المدينة فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلم الصفات التي تذكر في النبي الذي يبعث آخر الزمان، فأسلم كعب المذكور على يديه، صلى الله عليه وآله وسلم، مسلماً مأخر الفرس بصحيح خبرا النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه نبي من غير شلث في نبوته، وقد أسلم على يديه وبنو طاحية من الأزد من بن سود أو أسود بن الحجر بن عمران بن عمرو بن عامر ماء السماء، وقد وضعت نسبهم في رعاية الأحساب فهو أزدى عماني، كان عمدة ثقة في الدين من الرجال المعدودين والأبطال الذين لا تقتحمهم العيون، ورجال عمان هذا غالهم لاسيما في ذلك العهد
ورجع
طاحية (1/25)
صفحة 24
27 -
الخامس أبو شداد الذماري
كان أبو شداد رجلا عمانيا يأتى ذماراً من أرض اليمن، إذ كان
الاتصال
عمان بين واليمن مفتوح الأبواب، وبطبيعة الحال كانت عمان يمانية حسا ومعنى منذ عهد التاريخ، وكان أبو شداد. من رجال الإسلام، أسلم على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحسن إسلامه: ذكر في الاستيعاب في عداد الأصحاب وهو عمانى وإن رام بعضهم يدفعه عن عمان، فكم راموا دفع رجال أجلاء عن عمان أنهم من عمان حسداً
مع
من
عند
قال
أنفسهم، وتشبثوا بمثل ما هو أو هن من بيت العنكبوت، وهو قول صاحب الاستيعاب حيث قال أبو شداد الذماري العماني سكن عمان. . الذي ساءه أن يكون الرجل من عمان لعله من اليمن فسكن عمان، قلت ما الذي كلف هذا المتنطع أن يرد ما لا يعلم بل عليه أولا أن يعلم، ثم يقول بعد ذلك ما شاء عن علم:
ولقد رد كثير من حسدة عمان كل شرف لعمان وهموا بما لم ينالوا، ولكن القضايا أصبحت تلقمهم الحجر الخشن، وظلوا ينادون بأهل عمان الذين كانوا بالأمس ينادون أنهم ليسوا من عمان، وأصبح التاريخ العماني يفد إلى عمان من عدة أمم، وذكروا لعمان لم يعلم به العمانيون أنه من عمان
والحمد الله اس (1/27)
صفحة 25
- 29
الحلقة الثانية
حلقة التابعين رحمهم الله
لا يخفى أن حلقة التابعين من رجال الدين العمانيين يدخل فيها الكثيرون وفي مقدمتهم الإمام الأكبر والحبر الأنور أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله ورضى عنه، كان إمام التابعين وسيد العلماء العمانيين الذي عرفه والمخالف، واعتمد عليه كل من عرف فه من أهل العلم، وقد وضعنا
الموافق
(0)
ترجمته في ما مضى من كتبنا: كالعرى الوثيقة، وإزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، وأصدق المناهج وغيرها.
(
وقد عرفه الخاص والعام فلا نعيد فيه الكلام بأكثر مما مضى، وفيه الغنية إن شاء الله، وهو شيخ أبي عبيدة مسلم الإمام الثاني من أئمة الأباضية، الذي أخلف أبا الشعثاء في درجته،
(4)
فكان مرجع المسلمين وشيخ الربيع بن حبيب رحمه الله، راوى المسند الصحيح الذي شهد بصحته
اي
أهل الخبرة بعلم الحديث، وشيخ ضمام بن السائب الأزدي العماني، و من التابعين ملك عمان عبد بن الجلندى، والركب الذي قدم معه على أبي بكر الصديق خليفة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا شك أن أهل عمان تتابعوا على حضيرة الخلافة وكثر واردهم
على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
()
و من مشاهير التابعين من أهل عمان: كعب بن سوار الكندى العماني الذي ولاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه قضاء البصرة في خبر طريف من طرف الأدب
، لا،
لا يسع المقام لإيراده، وقد عرفه أهل (1/29)
صفحة 26
الأدب كان له معه من بدائع الاستخراج الوعى، وكان أول من قدم البصرة من أهل عمان بعد تمصيرها:
ومن التابعين من أهل عمان: جعفر بن جشم العتكى، وأبو صفرة سارف ابن ظالم الأزدى، و من التابعين من أهل عمان بيرح بن أسد الذي أدخله عمر على خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر رضى الله عنه، وقال هذا من أهل الأرض التى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيها إنى لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح البحر بناحيتها، (ع) لو أتاهم رسولي مارموه بسهم ولا حجر
ومن التابعين، إمام أهل الحديث والمقدم عليهم بالسبق: أبي عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو، وقد وضعنا ترجمته في عدة كتبنا وهو من تلامذة ألى عبيدة رضى الله عنه، كما أنه من تلامذة جابر بن زيد، وكذلك
أبوه
(0)
ه حبيب بن عمرو من تلامذة أبى الشعثاء، إلا أن الربيع اشتهر بالمسند
(1)
و من التابعين: ضمام بن السائب رضى الله عنه، وكان من ندب الأكبر من
الازد من أهل عمان، كان أحد رواة جابر بن زيد رحمه الله
13
6
أخذ
عنه وقد أخذ الربيع أكثر ما أخذ عن ضمام، ولكن روايته عن ضمام تولاها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، فلم فلم يوفق الله لتدوينها ونشرها لينتفع بها الناس، وبقيت مبعثرة فى آثار المسلمين، ومن الممكن تتبعها وجمعها في كتاب مستقل، وقد اخبرنا الجماعة إخواننا من أهل المغرب أنها ا موجودة عند أحد شيوخ العلم هناك، فحرضناهم على نشرها بالطبع ليعم نفعها، فعسى أن يقدر الله وخدمة العلم من الجهاد الأكبر في نظر العلماء، وضمام هذا من فحول العلماء الميامين الذين يعول الناس على منقولهم ويثقون أيضاً بمعقولهم، إذ كانوا السلف الذى لم تشبه شائبة سوء، (1/30)
صفحة 27
-~-
العالم
-
ولم يؤثر عنهم غير المرضى منهم في الدين، فليس ضمام بأقل من الربيع، إلا أن الربيع كتب له التوفيق فيما جمع عن مشايخه، ولم يكن ذلك لضمام الههام، وكذلك جعفر بن السماك رحمه الله من التابعين المرضيين من أهل عمان، وممن يعتمد في العلم ويؤخذ عنه في المذاهب وأشار إليه الإمام السالمي رحمه الله في مقدمة شرح المسند، و في الحوار أيضاً حيث يقول كذا الله صحار وكذاك جعفر إلخ رحمهم ورضى عنهم.
وإنما ذكرنا مشاهير هم الذين لهم اليد الطولى في العلم والعمل، وتركنا
في المنزلة و هم
كثيرون يحتاجون إلى كتاب خاص
غيرهم ممن هم دونهم يحوى ذكرهم ويجمع أخبارهم وعسى أن يوفق الله لذلك في آونة أخرى
وهو الموفق للخير. حده:
ه. (1/31)
صفحة 28
- 33 -
الحلقة الثالثة
في مشاهير أهل عمان في الصدر الأول
اعلم أن مشاهير أهل عمان في الصدر الأول كثيرون، لكنا نذكر في هذا
الكتاب أشهر مشاهير هم طلباً للاختصار، فإن لكل وقت هواية، وهواية وقتنا الكتب المختصرة، والتي يسمونها كتاب جيب، ومجاراة الوقت أمر مطلوب، لأن المؤلف لا يؤلف لنفسه، وإنما يؤلف لأهل وقته فيراعى رغبتهم ويتطلب محبتهم فيما يرغبهم، حتى لا يسأم القارئ ولا يضجر المطالع، ولذلك راجت فى وقتنا المحلات لصغر حجمها ويسر مؤو مؤونتها، وعليه فنقول:
عر
من أشهر مشاهير أهل عمان في الصدر الأول: الخليل بن أحمد الفراهيدي
الذي عرف في الأمة بشهرة عالمية فى علاميته وزهده وأمانته، وهو الذى فه أهل الأدب بأنواعه، وسلموا له ورضوا به حكماً عند اختلافهم ونزلوا إلى قوله فيما يقول، وإلى فعله فيما يفعل، وقد وضع ابن خلكان له ترجمة حافلة ذكر فيها خصاله وأعماله وزهده وورعه، وقال فيه الإمام السالمي رحمه الله: ومن أهل عمان الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان من
أهل ودأم من الباطنة.
صاحب كتاب العين
ايج ارزي
خرج إلى البصرة وأقام بها فنسب إليها، وهو
هو
إمام الكتب في اللغة، وما سبقه إلى تأليفه أحد،
وإليه يتحاكم أهل العلم والأدب فيما يختلفون فيه من اللغة فيرضون بحكمه. ويسلمون، وهو صاحب النحو وإليه ينسب، وهو أول من بوبه وأوضحه ورتبه وشرحه، وهو شيخ سيبوا بها في النحو
وكان قد أخذ النحو عن أبي الأسود الدولى واضع هذا الفن، وهو فإنه استخرجه ابتداءاً، ولم يكن له قبل
صاحب العروض والقوافى
101
(م 3 – طلقات) (1/33)
صفحة 29
الخليل بن
أحمد وجود، وقال ابن خلكان: لم تخرج دولة الإسلام أعجب من الخليل بن أحمد الذي أخرج علم العروض من وقع مطرقة
6
على طست، وهو واضع النقط في الأحرف ولم تكن قبل منقوطة وهو واضع الشكل، أى حركات الإعراب، قال الإمام: والناس تبع له وله فضيلة السبق في هذا المضمار والتقدم إليه، قلت ولو لم يكن
للعمانيين غيره لكان كافى فى الافتخار، ومن أراد استقصاء ترجمته فعليه بابن خلكان وهو شيخ أبي الليث السمر قندى.
?
،
ومن أشهر مشاهير أهل عمان في العلم والأدب: أبو بكر أحمد بن محمد ابن أبي الحسن بن دريد الأزدى العمالي، من أهل قدفع من شمال عمان، وهو صاحب كتاب الجمهرة وشهرته تغنى عن ذكره، وقد وصفه من عرفه بأنه من أبدع ما ألف في الأدب، ومن أروع ماعرف في الفن، فهو الكتاب المعتبر فى فنه والمعول عليه عند أهله، وله مصنفات عدة ذكرها مؤرخو حياته وواضعو ترجمته لانطيل بذكرها فإن الرجل أشهر من نار على علم، ولا نلتفت إلى ما يرميه به حاسدوه، وما يقوله فيه أعداؤه الذين لم يدركوا شأوه، قال الإمام: وهو الخطيب المذكور والشاعر المشهور والفصيح الذى يقف عند كلامه البلغاء، و يعجز عن آدابه الأدباء، ويستعير منه الفصحاء، ويستعين بكلامه الخطباء وهو خطيب في شعره ومصقع في خطبه، وقدوة في أدبه، وحكيم في نثره ومجيد في شعره لازيادة عليه في فنون العلم والأدب
و من أشهر مشاهير علماء أهل عمان: أبو الحر على بن الحصين العنبرى (1)
(1) أبو الحر على بن الحسين المنبرى رحمه الله كان من أهل مكة وكان من علماء الإباضية
المخلصين ولم يكن عمانيا وأن القول بأنه عمانى وقع سهواً، من الناسخ أو من المناقل (1/34)
صفحة 30
-
أحد العلماء الأعلام الذين لهم الشرف والشأن بين أهل عمان، وكان
رحمه الله
من الشراة من أصحاب عبد الله بن يحيى الكندي، وقتل في مكة،
تحت راية أبي حمزة الشارى الذى (1) ... التاريخ رحمهم الله
ومن مشاهير أهل عمان فى الصدر الأول: أبو عبيدة الصغير عبد الله ابن القاسم من علماء القرن الثاني ومن تلاميذ الربيع، لقب بأبي عبيدة الصغير تمييزا بينه وبين أبي عبيدة مسلم، كان ممن حاز قصب السبق في حلبة الرهان علما وعملا، وخاض في بحور الزهد والتقوى شاباً وكهلا، وكانت إقامته بمكة، كان عزباً ثم تزوج غنية موسرة، وكان بمكة حين
•
مات أبو جعفر المنصور فأغلقت الأبواب أى أبواب المسجد لأخذ البيعة
الله
ان)
فلطف
وكان أبو عبيدة والفضل بن حندب ووائل وعلى الحضرمى معهم فنجوا، فقيل لأبي عبيدة: ماذا ترى لو أخذت عليلت البيعة؟ فقال: تذهب والله نفسى قبل أن تؤخذ. ذلك لشدة ورعه وزهده وعدم
بهم
هوادته في الحق.
M)
مينا،
ومنهم: حيان الأعرج من علماء القرن الأول، وكان كما قال الشماخي فيه: من العلماء الراسخين ومن أهل التقوى والدين، ومن أكبر من صحب جابر بن زيد و أخذ عنه، فهو أكبر من أبي عبيدة مسل مسلم و كان داعيا إلى الله أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ممن يميل في فتواه إلى التسهيل والتيسير، وينكر على أبي عبيدة، تشدده، وكثيراً ما يقول: واقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة، يقول ذلك
(0) (71
??
(1) هنا بياض في الأصل 210) (1/35)
صفحة 31
- 36 -
تبرماً من تشدد أبي عبيدة ولكل واحد من الشيخين نظره فيما اتجه له رحمهم الله:
21
ومنهم: ابن عبد العزيز هو عبد الله بن عبد العزيز من الثاني من الذين تخرجوا على أبي عبيدة، وجمعته والربيع
علماء القرن
حلقة درسه،
وتلاميذ أبي عبيدة على رأسهم الربيع، وهو من أكبر رجال العلم ومن
أجلهم
شأناً
فيه:
اي
ومنهم أبو نوح صالح الدهان أحد علماء القرن الأول، كان شديد
،
عن
جابر
الورع غزير العلم ممن أدرك أهل العلم وأخذ عنهم أخذ ابن زيد وغيره وكان أحد شيوخ أبي عبيدة مسلم، أخذ عنه أكثر مما
أخذ
عن جاب،، ومع ذلك فهو يحترم أبا عبيدة ويفتى هذا بمحضره، وإن ظل ينكر عليه تشدده، كما كان ينكر عليه رفيقه حيان الأعرج، كان أبو نوح كثيراً ما يقول، إذا بلغه عن أبي عبيدة تشدداً: ألم أنهكم يا معشر الفتيان أن تسألونى إذا كان أبو عبيدة حاضراً، وهكذا نجد من بين من تلقى عن جابر من يميل إلى التيسير كأبى نوح وضمام وحيان ومن يحتج إلى التحرى وحمل الناس على الأحوط كأبي عبيدة والربيع، وقد أخرج هذا أدمغة عامرة بعلماء مجتهدين، حملوا الشريعة وأرسلوا أنوارها
إلى أبعاد سحيقة، فأضاءوا شرقا وغربا رحمهم الله ورضى عنهم
ومنهم: أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي من خريجي مدرسة الربيع ابن حبيب عالم حضرموت، في حين تزخر حضرموت بعلماء الأباضية، قال وائل المذكور متحدثاً عنهم: أدركت بحضرموت رجالا أن كان الرجل منهم لو ولى على الدنيا كلها لاحتملها في عمله وحلمه وعلمه وورعه، كأن أبو عبيدة الصغير الحلالة قدره وعلو كعبه في العلم إذا سئل ربما أجاب: عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع. (1/36)
صفحة 32
- 37 -
علماء المسلمين في الصدر الأول: المثنى بن معروف من علماء و من الأباضية، كان تقياً فاضلا داعيا إلى الله، أخذ العلم عن أبي عبيدة وصاحب الربيع، وكان ذا منزلة سامية عند أبي عبيدة، لذلك ارتضاه أن يصحب الرابيع في موسم الحج، وإن راجعه المثنى في ذلك قائلا: ما كنت لأفعل أخرج مع الربيع، والربيع غاية فى فضله وسنه وعلمه، فما أشير عليكم غلاماً حدثا مثلى، وفى الربيع كفاية. فازداد في نفس أبي عبيدة محبة بقوله هذا وازداد عندهم رم رضاً، فخرج الربيع وحده
و من
IN
علماء المسلمين: شعيب بن معروف أخو المثنى المذكور، من العلماء الذين أخذوا العلم عن أبي عبيدة وخالفوا الربيع فى مسائل معينة كأبي المؤرج" وابن عبد العزيز وحاتم بن منصور وسهيل بن صالح، فرأى أبو عبيدة أن الحق مع الربيع، ثم رجعوا عن خلافهم ثم عادوا إلى أقوالهم بعدموت الربيع، والحقيقة أن الأمور الاجتهادية كل يرى فيها رأيه وليس له أن يقلد غيره ولا يستنكر ذلك في الذين، وليس لأحد أن يتبرم من أحد يخالفه في الأمور الاجتهادية، فضلا عن أن يتبرأ أو يتأثر إن كان القصد الله، وعلى هذا إجماع الأمة وليس لأحد أن ينقض اجتهاد مجتهد مثله في الأمور الاجتهادية هو مذهب السلف رحمهم الله
كما
ومن أشهر مشاهير أهل عمان فى الصدر الأول: مصقلة بن الرقبة الذي اعترف به أهل العلم والأدب ورواة الآثار والأخبار معاً في العالم الإسلامي، وكانت شهرة مصقلة المذكور بلغت مسامع أبعد العلماء الأجلاء والقادة الزعماء، كما تحدث عنه أحد علماء الإسلام، وهو الحاحظ أكبر من ألف في الأدب وذكر أخبار علماء العرب، وروى أخبار أهل العلم بمالا مزيد (1/37)
صفحة 33
- 38 -
عليه، كان مصقلة هذا يخطب الناس قائماً وقاعداً ومجيبا وراداً ومنافسا و مبتدئا، فهو العلم الذى يراه أهل العقول من بعيد
وولده كرب بن مصقلة الذى يصح أن يجرى فيه المثل الذي يقول: الثمر دليل على الشجر، أو المثل الذى يقول: لا تلد الحية إلا حية، وهما نزاريان ولهما خطبتا العجوز في الجاهلية والعذراء في الإسلام، وشهرتهما تغنى عن ذكرهما، قال أبو عبيدة الصغير: ما سمعنا مثلهما
في الإسلام.
ومن
(1
أشهر مشاهير أهل عمان: صعصعة بن صوحان بن زيد الذي
تحدث التاريخ عنه بمالا مزيد عليه أيضا، وكذلك أخوه فهما فرسا رهان
•
في هذا الميدان عند أهل العلم والبيان ولله درهما:
(ع)
ومن أشهر مشاهير أهل عمان في الصدر الأول: مرة بن البليد، وهو من أزد عمان كان خطيباً يسيل سيل الغيث وينطلق انطلاق الجواد، لا يتعقد ولا يتردد، قال الإمام عنه لم يكن أجود في الأرض منه ارتجالا وبديهة، ولا أعجب فكراً وتحبيراً منه اهـ. يتناول المواضيع فيشفيها، وينصب على القضايا فيقدح النار ويوريها، ويثير العاطفة ويطفيها، وكان
رسول المهلب إلى الحجاج وهو عين المرسل، فلما نزل بالحجاج ألقى إليه ما عجب منه وأجله ووقره
1
ومن أشهر مشاهير أهل عمان: عرفجة بن هزيمة البارقي الذي كان أكبر
(8)
قائد في الإسلام، أرسله أبو بكر رضى الله عنه إلى مهرة وأمره بعد نهاية عمله من مهرة أن يعطف على جيفر بعمان ليكون قوة له على من خالفه فيها، وكان عرفجة من مقاديم الرجال فى أحوال شتى ذكرها التاريخ، (1/38)
صفحة 34
1491
ومن أشهر مشاهير أهل عمان: سيحان بن صوحان الذي ذكر أخباره أهل العلم في السير
کندي
ومن اشهر مشاهير أهل عمان في الصدر الأول: أبو صفرة ظالم بن سارف الذي حدث الرواة عنه أحاديث لها أهميتها ابن صبيح بن ابن عمرو بن عدى من صميم الأزد، وهو الذي كان للدولة الأموية من أعظم قوادها ومن أكبر دهاتها وأعظم أركانها
ومن أشهر مشاهير أهل عمان: المهلب بن أبي صفرة المذكور المعروف بحزمه وشجاعته، وهو الذى استنقذ البصرة من أنيب الأزارقة وحطمهم تحطيما قد عرفه الخاص والعام، وقد رد الأزارقة على أعقابهم راغمين لم ينالوا خيراً، وكانت له ذرية أكثر من ثلاثين رجلا يحملون السلاح ثم صاروا بعده سادة وقادة وهم الأزد يعرفهم كل أحد، وتاريخهم
معه،
مملوء ببطولاتهم، وهم من أنجاب الرجال، و من أشهر مشاهير أهل عمان في الصدر الأول: أبو العباس صاحب الكامل، إمام في الأدب وقدوة فى العلم، وكتابه الكامل معروف مشهور مقدم على غيره من كتب الأدب، وفيه جواهر ثمينة من العلم لا ينبغي أن وشهرة أبي العباس العلمية غير خافية وكيف يخفى البدر
يجهلها أحد
(
في الظلام وهذا كامله الذى أكمله يكفي دليلا عليه (1/39)
صفحة 35
- {1 -
الحلقة الرابعة
في حملة العلم إلى الأمة
لا يخفى أن حماة العلم إلى الأمة هم الذين هدى الله الأمة وأبان لها
بهم
غياهب الجهل،
بهم معالم الرشد، وأوضح بهم مناهج العدال، وكشف وأوضح بهم مناهج الإسلام، وجعلهم الله حجته على عباده وأرشد بهم من كتب الله له الخير في الدنيا والسعادة في الآخرة، ولقد قاموا بواجبهم الذى احتضنوه لأمتهم وحملوه إلى قومهم، حتى أفرغوه في قوالب الصفا، ووضعوه في معادن الوفا، فجزاهم الله على ذلك خير ما جزى عبداً صالحاً في أمته، وسنفرد ذكر كل واحد منهم في محل للتعريف
هم
بكلمات
وجيزة تحمل الاختصار في طياتها، فإنا طالما ذكرناهم في المناسبات اللائقة بهم فنقول و خبر الكلام ماقل ودل (1/41)
صفحة 36
اولهم: الإمام بشير بن المنذر النزوانى)
من أهل عقر نزوى كان يسمى الشيخ الكبير، وهو المراد عند الإطلاق في الأثر العماني، كان من بنى نافع يتصل نسبه إلى سامة بن لؤي بن غالب القرشى كما ذكرناه في الإسعاف والعنوان، وفى رعاية الأحساب، وهو جد بني زياد، الموجودين بعمان، وقد ضربت إليه أكباد الإبل في أيامه، كان لطالب العلم يروي فتاويه عن الربيع عن أشياخه أبي عبيدة وجابر ابن زيد وأبى نوح، عاش على ذلك حتى توفاه الله إلى رحمته ولم نجد تاريخ وفاته تحقيقاً كزملائه أيضاً (1/43)
صفحة 37
الثاني: منير بن النير الجعلاني
الثاني هو منير بن النير الجعلاني المعروف بالريامي الذي ينتحاب
في جعلان المسارير، يقولون هو منا، والرواجح يقولون هو منا ولم يكن
الصمة
من الفئتين، بل هو من بنى حضر مي بن ريام، عمر زمنا طويلا حتى سقط حاجباه وضاعت رجلاه وبقى لا ينتفع إلا برأيه فأشبه دريد بن إلا أن ذلك جاهلى وهذا مسلم، كان غاية في العلم ونهاية في معرفة الحلال والحرام، علامة جليل فهامة نبيل، أنار الله به للأمة السبيل، وأوضح به للسالكين الدليل رحمه الله، توفى شهيداً في وقعة دماً من الباطنة تحت رايه الإمام عزان بن تميم في حروب ابن بور لعمان رحمه الله:
(c)
(ع)
611 (1/45)
صفحة 38
- {V -
الثالث: موسى بن أبي جابر الأذ كالى
كان الإمام موسى بن أبى جابر أحد فحول العلم وأساطير الشريعة، عرف بأعماله الزكية وفضائله العلية، أصبح في الطرف الأزكوى مرجع المسلمين وعمدة المؤمنين، أحيا الله به قلوباً وأمات به بدعا وأقام به للحق أعمدة مكينة فى عمان، فهو العلم المفرد والإمام الأوحد في أقوامه، رحمه
الله. كان من بني ضبة يتصل نسبه إلى سامة بن لؤي بن غالب، كان أحد أركان دولة الإمام وارث بن كعب و هو جد موسي بن على الأمة. (1/47)
صفحة 39
- 29 -
الرابع: الإمام محبوب بن الرحيل"
كان محبوب بن الرحيل المخزومي القرشي ابن سيف بن هبيرة أحد أقطاب العلم، ولم يكن عمانيا ولكنه جاء مع زملائه بصفة زائر فنزل صحار أيام رقيها، وفى عهد زهرتها، فاستوطنها وألقى رحله بها، إذ سره حال أهلها إذ كانوا أهل أخلاق وأصحاب أرزاق، وهي كرمى عمان إذ ذاك، فشاءت الأقدار أن يعيش بها وذريته وما بلد الإنسان غير الموافق، جاء هو والربيع ولعله بترغيب الربيع له في عمان، والله تلك الأيام التي يكون من أهلها أمثال الربيع و محبوب بن الرحيل رحمهما الله ورضى عنهما، إنها لأيام عزيزة يتمناها أهل الله، ولكن قدر الله وقضاؤه لهما السبق على كل شيء
(م 1 - طلقات) (1/49)
صفحة 40
"
الخامس: محمد بن المعلى الكندي بن المعلى الكندى"
(1)
كان الشيخ محمد بن المعلى من رجال عمان الأبطال ومن أهل العلم، إذ كان أحد حملته والله ما حمل والله الحامل، فإن الله في خلقه ظنا لن) يختصهم برحمته ويمدهم بعنايته وفضله، ويصطفيهم من خلقه، كان ابن المعلى يصلح لأن يكون إماماً، ولكنه خاف القصور فأبى وامتنع من القبول، هؤلاء الخمسة الذين حملوا العلم إلى عمان كانوا مصابيحها النيرة وأعمدتها المعتبرة، وهداتها للحق ودعاتها إلى الله، وقوام أمرها بلا اشتباه، كانوا غراس أبي عبيدة رضى الله عنه البطل الذي له الميزان الراجح والسبيل الواضح، بهم انتشر العلم في عمان وبنورهم اهتدى الناس للحق.
:
أما حملة العلم إلى المغرب فإليك البيان عنهم أيها القارئ الكريم الله
رحمهم
فإنهم كإخوانهم العمانيين إذ الكل وردوا موردا واحداً، وكرعوا حياض الشريعة من الأعلام الفطاحل، فقاموا بواجبهم وأدوا حقوق الله التي كلفهم بها، وصارعوا الباطل بالحق وأقاموا معالم الدين واضحة الله ورضى عنهم. وكانوا أيضا خمسة وهم: الإمام أبو الخطاب، والإمام عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، و إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلى النفزاوى، هؤلاء الخمسة الذين حملوا العلم عن أبي عبيدة رضي الله عنهم إلى المغرب كما حمل عنه أولئك الخمسة العمانيون إلى المشرق، فانتشر بهم العلم وظهرهم الحق، وعلت بهم راية المسلمين وانتهى بهم دور الجورث (1/51)
صفحة 41
-
وظهر
الحق: وعلت هم بهم راية المسلمين وانتهى بهم دور الجور * وقامت بهم أعلام الهدى في هذه الأصقاع، وأمد الله بهم المسلمين مدداً صالحا لا يزال جارياً متواصل الفضائل. وسنفرد لكل واحد منهم
محلا غير متسع المجال ولكن بما يناسب في الحال من المقال، والله المسئول التوفيق وله الحمد على كل حال فنقول: (1/52)
صفحة 42
الذي
الأول: أبو الخطاب المعافري (1)
كان أبو الخطاب رضى الله عنه من تلامذة أبي عبيدة العلم.
پر
أعلام
اه الناس من بعيد كما يراه الناس من قريب، علم من الدين وسيد من سادات المسلمين، لم تكن همته مقصورة على تلقين الطلبة دينهم أو مبادئه أو أصوله وفروعه فحسب، لكنه كان داعية. قوياً لإقامة موازين الحق في الأمة، والاهتمام بأمرها في المكره. و المنشط، وأن العلم لم يطلب لذاته وإنما يطلب ليعمل به، وأن من. يقوم رجال الدين بالذب عنه ولرد أهل الباطل عن والانتصاف من أهل الفساد في بلاد الله، ولإقامة حدود
العمل به أن
باطلهم
(
الله عز وجل، وإن ذلك لا يتم إلا إمام يتجرد الله مع إخوانه الذين
يناصرونه
،
فإذا وقع هذا تقدم الإمام رغم أعدائه، وإلا كان ضعيفاً مستضعفاً تحت وطأة الظلم والفساد. فلما قرت هذه المعاني في قلوب أولئك التلامذة الكرام الذين ساقتهم الأقدار إلى حيطة البطل الضرير، ولما خرجوا عنه خرجوا بنشاط ضخم، ولما قروا في أرضهم. قاموا بما في وسعهم ونظروا إلى أبى الخطاب السيد الهمام الصالح لهذا الأمر، فاعتمدوه من غير أن يعلم عن قصدهم شيئاً، ولما تم اجتماعهم. قاموا إلى أبي الخطاب قائلين له مد يدك لنبايعك بالإمامة، فلم يشعر إلا و القوم محيطون به لهذا الأمر، فلم ير أحداً إلا وهو يقول مد يدك.
(1) كان الإمام أبو الخطاب المعافرى من أهل اليمن جاء لطلب العلم من أبي عبيدة
رضي الله عنهما.
(D (1/53)
صفحة 43
54
لنبايعك، فلم ير بدأ من الامتثال، فبايعوه على أن يقيم فيهم كتاب الله ويحكم فيهم بشريعة الله عز وجل، ويأخذ بأيديهم إلى طاعة الله، ليس لشيء آخر أبداً إلا أن يسير بهم سيرة الخلفاء الراشدين، ويسلك وأعلموه
لية
ويحيى بهم ما أميت من أمر الدين، مسالك المسلمين،
بوصية الإمام أبي عبيدة رضى الله عنه، وهي إما الإمامة وإما القتل، فقبل الرجل إذ لم ير بدأ من الأمر المطلوب، فسار فيهم مسير الشمس في السماء، وقام بواجبه الذي تحمله لله وفى الله، والله الهادى للحق بإذنه حتى لقى الله عز وجل (1/54)
صفحة 44
55
الثاني: الإمام عبد الرحمن بن "رسم
كان عبد الرحمن بن رستم أحد الرجال الخمسة الذين تلمذوا للسيد أبي عبيدة البطل العليم؛ والولى الكريم الذي جعله الله العهدة في الحق والحجة في الدين، وعبد الرحمن الذى أمس تيهرت الن التي سميت عراق المغرب، كان علامة فحلا في مقدمة رجال العلم بطلا بين أبطال الإسلام، تنورت نفسه الطاهرة بأنوار الهدى، ولا يخفى عليك أنا لا نريد هنا أن نذكر واحداً من حملة العلم، وإنما نريد أن نعرف وأما التأريخ لحوادث هؤلاء يستدعى فراغاً واسعاً فنكل ذلك
،
إلى المؤرخين المعنيين بشئون التاريخ عنهم والله ولى كل شيء. (1/55)
صفحة 45
الذى
الثالث من حملة العلم للمغرب: عاصم السدراتي
كان عاصم السدراتي أحد حملة العلم عن أبي عبيدة الهمام اليقظ بهمه أمر الدين، ويدعو إلى نصر الإسلام والمسلمين، الذي يعلم
سر
ه.
عاصم
بقيناً أن حياة الدين لا تكون إلا بالقائد المؤمن الذي يخاف الله في وعلانيته، الذى لا تستعبده الشهوة ولا تتولاه الإمارة بالسوء مهما كان، كل همته إعلاء منار العدل وإقامة موازين العدالة بين الناس، وإجراء أحكام الله فى مجراها الطبيعي على الكبير والصغير والشريف والوضيع، هان الخطب أو اشتد، وكان رحمه الله أقوى رجال من أبي الخطاب رحمه الله، ولما حاصر الإمام المذكور القيروان المكان معه، فمرض أثناء الحصار مرضاً شديداً، وكان جبهة العسكر وأنجدهم وأشدهم شوكة على أهل القيروان، وكان اشتهى القشاء لا نفش فشاع عنه اشتهاؤه القثاء، فبلغ أهل القيروان فبعثوا إليه ببائع قثاء، وسموا له واحدة وأمر وه أن يبيعها له، فمضى الخبيث إلى نحو عاصم ينادى ودخل العسكر، وإذا بتلك الحبة هي خير ما عنده من القثاء، فباعها من عاصم بواسطة أصحابه، فأكلها فثار به السم حتى قتله، وكان البائع قد هرب من القيروان فمات عاصم رحمه الله شهيداً، واستر العدو بموت عاصم وقاموا ينادون ساخرين أين عاصم يا بربر؟! وكان ذلك نهاية أمر هذا البطل العالم الذى لا يخاف في الله لومة لائم، فلله ذلك العلم الذي عاش بالمشرق خمس سنين، طالب علم مهاجرا، ثم كان. من و آخر عمره يموت بالسم بين يدى إمام المسلمين رحمه الله ورضى عنه.
طنه
بديع
القثاء (1/57)
صفحة 46
الرابع: إسماعيل بن درار الغدامسو
إسماعيل بن دوار الغدامسي العلامة الواعي الذي لم يزل مشغوفا بحب العلم باقتنائه و اقتناص شوارده، فإنه قضى مع الإمام أبي عبيدة رضي الله عنه خمس سنين جاداً مجدا في طلبه، لا يهمه شيء من حياته إلا إدراك ما طلبه ليلا ونهاراً ليكون القدوة في قومه، والإمام فى أمته. واستمر به الحال على ذلك حتى الوقت الذي هم فيه بالرحيل إلى وطنه، وشيعه شيخه رحمه الله ورضى عنه، فلما حانت ساعة الوداع سأله فيها عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام ليحملها في عيبة عقله المتسع كزاد الطريق، وشيخه مغرم به لما يراه من نشاطه في طلب العلم، فأفتاه رحمه الله بحب وإخلاص ومودة واختصاص، ثم قال له كالمداعب له: أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ فأجابه بقوله: أرأيت إن ابتليت بذلك وذلك آخر شيء افترقا عليه، وقيل آخر ما قال له بماذا تأمرنى يرحمك الله؟ ثم توجهوا إلى المغرب فلما وصلوا عرف ضوا الإمامة على عبد الرحمن فاعتذر متعللا بأمانات كانت عنده للناس، فقبلوا عذره وأرادوا تولية أبى الخطاب رحمه الله فاعتذر بأعذار لم يقبلوها منه، وكان شيخهم أبو عبيدة. رحمه الله أوصاهم بأن يبايعوه فامتثلوا وصية الشيخ وعملوا برأيه السديد، وإنه لبصير بأحوال الرجال وخبير بمواقع ومن يصلح لها في تلك الأحوال فإن لكل وقت سياسة ولكل زمان أعمال ولكل أعمال رجال، وماكل الرجال يحسن إدارة شئون الناس والقيام بها وهذا مما اتفقت عليه أهل العقول.
الأعمال،
والعلامة الغدامسي من فحول الرجال الذين قل أن تسمح الأيام بأمثالهم أو يجود الدهر بأشكالهم، وحملة العلم هم خلفاء الله في أرضه وهم حجته
(1) (1/59)
صفحة 47
7.-
على عباده، فهم أشبه بالأنبياء لولا أن النبوة أمر خصيص من الله عز وجل و شرف يضعه في أكمل محل، والكمال لله وحده، فلله در الغدامسي البطل الذي أقبل على قومه بنور العلم يضئ به حوالك الجهل، ويهدى به كل من حاد أو ضل، وشهرته فى بلاده شهرة البدر في سمائه، و هو جبل من جبال العلم والفهم والذكاء، ومثل سام من أمثال الإخلاص والنزاهة والصفا والاهتمام بأمر الدين، والاعتناء بأحوال الأمة وحجة في الدين وعمدة للمسلمين، يدعو إلى الحق لا يبالى بسخط زعيم أو حنق أمة أو تبرم أعيان، فإن الحق وإن كان غير مرضى في أنفس أهل السوء من الناس.
وابن درار البطل المغربي من أفذاذ الرجال الذين يشار إليهم بالبنان كان} بطلا بارزاً لايهاب ولا يخشى إلا الله، فإن الله عز وجل كلف أهل العلم بإقامة أعمدة الدين وقطع علائق الفساد، أكبره أستاذه الجليل أبو عبيدة النبيل وأدنى مكانه حسا وعقلا، والتفت إليه بكل ما لديه ما لديه من وسع حتى أنضج عقليته وقوى عزيمته وملأ ذهنه ووعيه من جواهر العلم الإسلامي الذي تعيش به حياة أمته، ومن توفيق الله عز وجل لعبده أبي عبيدة السيد المجيد الذى ساق إليه من الرجال أفذاذا كابن درار الذى أطال ترجمته صاحب موكب التاريخ و نحن نكتفى بذلك. (1/60)
صفحة 48
((1
11 -
الخامس: ابو داود النفزاوي القبلى
كان أبو داود النفزاوى القبلى أحد الأعلام الذين تلمذوا للإمام أبي عبيدة بالبصرة، وكان مع زملائه طيلة تلك المدة التي أقاموها مع أبي عبيدة ذلك العيلم الذي جعله الله أكبر هاد إلى الحق وأصدق داع إليه فى ذلك العهد العصيب، عهد ذلك الطاغية الذي ابتلى الله به الأمة، وكان أبو داود في الوعى والحفظ دون زملائه الذلك قال له شيخه أبو عبيدة عند خروجهم عنه
و مغادرتهم، للبصرة إلى المغرب: لا تفت بما سمعت منى ولا ما لم تسمع، بعدما قال لعبد الرحمن افت بما سمعت وما لم تسمع وقال لأبي الخطاب: افت بما سمعت، وكان ذلك منه رحمه الله لأحوال
،
يلاحظها في تلامذته المذكورين، فكان يحب للضعيف منهم السلامة ويحب لقوى الذاكرة التقدم في الإرشاد ونشر الثقافة الإسلامية، و استعمال الموهبة التي من الله على من شاء أن يستعملها فيما
خلقت له
ورأى أبا داود دون أصحابه وللشيخ في تلامذته فراسة ناجحة كفراسة الوالد في أولاده، وناهيك بفراسة على بن أبى طالب في أولاده وقد صدقت فراسته، وما زال أبو داود بعد ذلك بمنزلة
جليلة كما قال الإمام السالمي رحمه الله، كان الإمام عبد الوهاب جلالة قدره وعلو منزلته وكثرة علمه إذا جلس بين
- مع
- (1/61)
صفحة 49
TY -
يدى أبي داود كالصبي أمام المعلم
6
ويكفى ذلك مقياساً لمنزلة
أبي داود، فإن عبد الوهاب من أجلة العلماء عند المسلمين، وهو إذا جلس بين يدى أبى داود يمثل جلوس الصبى بين يدى
معلمه:
رحم
الله أولئك الرجال ورضى عنهم فهم جمال تلك الأيام
وزينها بين ليالى الدهر طيلة الأعوام. (1/62)
صفحة 50
- 63 -
حملة العلم إلى اليمن
الاسكان
لا يخفى أن عبد الله بن يحيى الكندي كان من أهل اليمن كما كان
أبو الخطاب أيضاً من اليمن، خرج كل منهما إلى البصرة لتلقى العلم من البطل الحر المخلص لله ولرسوله، المجاهد فى الله والمجتهد في دين الله،
الذي هو
به
قطب دائرة العلماء أبو عبيدة مسلم الذي خوّله الله هدى أحيا أرواح الحق في أقطار شتى، وأبان به معالم الدين في نواح عديدة، وكساه من لدنه وقاراً وأضفى عليه من ملابس الإيمان أوفاها، وجعل توقيره في قلوب أتباعه من نوع توقير الصحابة لرسول الله عليه الصلاة. والسلام، لاسيما أن هذا كان في وقت اضطهاد الجبابرة لأهل الحق، فإن طعام بني أمية جعلوا نصب أعينهم الضغط على أهل العلم الذين يحسون منهم النفور وعدم الرضا بأعمالهم، وكان البادئ بذلك معاوية الذي أرغم المسلمين على بيعة بزيد ولده وهو المعروف الذي لا يحتاج أن نتحدث عنه، وقد أرغم معاوية أخيار الصحابة على بيعة المذكور بالسيف المصلت على رءوسهم.
ثم جاء بنو العباس على أثر بني أمية فسلكوا الخطة التي رسمها الأمويون قبلهم، ثم زادوا وتشددوا على الناس وأذلوا عباد الله الذين ينكرون المنكر ولا يرضون بغير الحق، فكان أبو عبيدة ذلك السيد البطل العظيم في ملكوت الله عز وجل يلقى دروسه إلى تلامذته الخصيصين به الذين لا يشك في إخلاصهم ولا يرتاب في طاعتهم الله، ولا يرتاب في استجابتهم يلقهم قواعد الدين وروحه الصحيحة وجوهره النقى وخلاصته المقصودة بالذات، ويفتح لهم سبل الأخذ على أيدى الفساق
لة
6 (1/63)
صفحة 51
- 78 -
ويرشدهم إلى وجهة السير إلى الله، ويضع لهم الخطط التي يراها تلائم الوقت، وبير من لهم على ذلك بالدليل الذى تعشقه نفوسهم الحرة، وكان كما قلنا إن عبد الله بن يحيى كان من تلامذته، وعندما خرج الخمسة المغاربة كإخوتهم الخمسة المشارقة، وقد زودهم بوجهة خروجهم إلى أوطانهم وبما يعملون به عند استقرار هم ببلادهم، وحرض عليهم الثبات على تعاليمه الصالحة، وأفادهم أن الحق لا يقوم بغير قائد صالح، وعليهم أن يختاروا للدين فإنه أكبر من أمر الدنيا، وإذا كان الاختيار لأمور الدنيا مما يلزم فكيف بأمر الدين!
قال الإمام السالمي رحمه الله في ترجمة أبي عبيدة عند ذكر حملة العلم: وعن أمره أيضاً نصب الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي في أرض اليمن، وجمعت إمارته اليمن والحجاز.
هم
وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف من كتبنا إشارة خاطفة، و من حيث إن هذا الإمام كان له تاريخ مجيد ولرجاله الأوفياء الذين قاموا بدولته، وصارعوا البغى حتى أقام الله حجته، و أبان الطريق الذي ينبغي هم للمسلم أن يسلكه، وإن كرت عليهم الدنيا بجنودها؛ وأقبلت عليهم الأيام بحشودها، فإن الموت لابد منه وأفضله ما كان في الله، لا سيما إذا رسم للمسلمين الخطة التي ينبغى المضى عليها، فإن طالب الحق قام على بغاة اليمن فقضى عليهم وأوضح للناس الطريق التى يلزم أن ينتهجوها في حياتهم، أ وأرسل عامله البطل الشارى أبا حمزة المختار بن عوف السليمي من أهل من خصوص قرية مجز - بكسر الميم وفتح الجيم بعده زاء
الباطنة من
عمان
معجمة - من أعمال، صحاري، كان ممن عملأ العيون روعة ويدهش القلوب
= (1/64)
صفحة 52
هيبة، الذي إذا تكلم خلت الجبال تتصدع أمامه، والبحار تموج حوله، والسيوف تسل بين يديه، والباطل يذوب لديه كما يذوب الجليد من حر الشمس، وهيبة الحق تهتز لها الرواسي.
قال صاحب معالم الجزيرة: وكل ما نعرفه حتى الآن أن ظهور الأباضية في حضرموت كقوة سياسية ذات شأن بدأ سنة 129 هـ عندما أعلن عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق ثورته على آخر خليفة أموى، كما سبق واستقل بالأمر في حضرموت، واحتل
اليمن والحجاز.
قال وتتلخص دعوته فى خطبته التي ألقاها فى صنعاء عقب احتلالها أى بعد ما احتل صنعاء خطب أهلها خطبة أبان لهم فيها مقصده فقال أن بعد حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه:
إلنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإجابة من دعا إليهما، الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبتغي به بديلا ولا نشترى به ثمناً قليلا، وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا، ندعوكم إلى فرائض بينات، وآيات محكمات، وآثار نقتدى بها،. نشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الرب واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله والعداوة لأعداء الله.
هذه
هي مهمة هذا البطل الكندى فمتى نسمع خطيباً يقول لنا ندعوكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وإلى فرائض وآيات
(1
(م ه - طلقات) (1/65)
صفحة 53
- 77 -
محكمات، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأين نسمعه وفى أى خطبة قالها خطيب غير أباضي؟! فما بال من يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، يقاتل ويقام له في وجهه، ولا تقوم له الأمة مناصرة له على أعداء الله، ولقد تحقق أن الأباضية في حضرموت واليمن هم الأكثرية، ولهم اليد التي تعمل جاهدة لنشر دعوة الحق في ربوع الأرض، وأن طالب الحق أحد رجال الأباضية وعليه المعول في إقامة أعمدة الدين وبناء الكيان الصحيح، وأن اتصالهم بأباضية البصرة غير مخفى، وأن أبا عبيدة العلامة البطل لا يزال يراعى الحركات والسكنات في الأمة، وأن رجال العمل لا يصدرون إلا عن رأيه.
أن
قال الدكتور عوض في كتابه) نشأة الحركة الأباضية): ويبدو عددهم، أي الأباضية، غير قليل، فالمدائي يذكر أن أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة قد قدما في رجال من الأباضية لنصرة إخوانهم في العقيدة، والمعنى أن الأباضية موجودون في بلاد اليمن، والذين جاءوا إنما جاءوا لمناصرة إخوانهم المذكورين، لأن الحكومة في اليمن إذ ذاك أموية وهؤلاء يحاولون التملص منها أو الانقلاب بها والحلول مكانها
،
لأنها ظالمة
قال الدكتور: أما رواية الأزدى فتعتبر أكثر وضوحاً في إشارتها إلى كثرة عدد أباضية البصرة الذين اشتركوا في حركة طالب الحق، وجاء إليه خلق من أهل البصرة، وقد بالغ خليفة بن خياط عندما أورد رواية ذكر فيها أن عامة جيش طالب الحق كان من أهل البصرة. قال وأياً كان فإن الصحيح في هذه الروايات أنها كلها تؤكد على أن مجموعة من أباضية البصرة
(4) (1/66)
صفحة 54
- TV -
يقودهم أبو حمزة المختار بن عوف الأزدى، وقد هبوا لمناصرة إخوانهم
في حضرموت.
فهذه الروايات توضح قوة الأباضية في البصرة وكثرتهم حتى جاءوا مؤيدين لإخوانهم في حضرموت واليمن، ومما يدل على كثرة الأباضية في اليمن قوله وهو يذكر طالب الحق: قرر السير
-
J
إلى صنعاء أى من حضرموت أى بعد ما احتلها وكتب إلى من كان بها، أي بصنعاء من الأباضيين يستنهض هممهم ويطلب منهم الاستعداد واليقظة التامة، وهذا يبرهن على كونهم بصنعاء جماعة لها أهميتها وعدداً صالحاً الاعتماد عليه في المهم الذي يحاوله قال ويخبرهم أنه
•
قادم إليهم، ثم استخلف عبد الله بن سعيد الحضرمي على حضر موت وسار على رأس ألفين من من أصحابه متوجهاً إلى صنعاء اه نقلا. عن
البلاذري
?
قال ولما علم الوالى أى على صنعاء وهو القاسم بن عمر الثقفي، قال
ولما علم الوالى الثقفى المذكور قرر ملاقاة الجيش الأباضي خارج صنعاء، أنه كان مستعداً ومعتداً بقوته وعسكره الكثير، ولم يتخذ الإجراءات
ويبدو
والخطط الكفيلة بنجاح حملته، وكان جيشاً جمع عظيما لما علم بأنباء سير الأباضية إليه، وقد وصف البلاذرى جيشه بأنه كان ضخماً ذا عدد كثير وعدة ظاهرة، قيل يبلغ جيشه ثلاثين ألف مقاتل، وعلى كل حال إن قيل إن هذا العدد مبالغ فيه، ولكنه من المفهوم الصحيح أنه كان أعظم من جيش الأباضية، وأكثر عدة هكذا يقول البلاذري في الأنساب، ولكنه هزم المذكور وتقهقر إلى صنعاء حيث لحق به طالب الحق وهزمه مرة
())
() (1/67)
صفحة 55
--
أخرى فهرب إلى بلاد الشام مع بعض جنده، واستولى الأباضية على
المدينة
قال الدكتور: وتشير المصادر سنية وأباضية وشيعية إلى أن طالب الحق وأعوانه الأباضية قد عاملوا السكان معاملة حسنة، ولم يتعرضوا لأحد بأذى، قلت وهذا شأن الأباضية مع كل الأمم، وفي كل حركة ومع خصم لم يعرف لهم ظلم أو عسف أو بغى على أي أمة كانت،
أي
تاريخهم شاهد لهم:
و هذا
قال الدكتور: وتورد بعض المصادر الخطبة التي ألقاها طالب الحق في أهل صنعاء، والتى تبين بوضوح بعض آراء الأباضية في تلك الفترة
المبكرة. قال وقد خير الناس فيها بثلاث خصال أيها شاءوا فليأخذوا بها
الأولى: أن يتبنوا الأفكار الأباضية وآراءها ويجاهدوا مع أتباعاها
،
وفي هذه الحالة يتساوون في الحقوق والواجبات مع إخوانهم الذين سبقوقهم إلى هذا الأمر، ويكون لهم من الأجر ما لأفضلهم، ومن قسمة الفيء
ما لبعضهم.
الثانية: من قال بقولهم ولم يجاهد معهم فعليه أن يدعو إلى هذا الرأي بقلبه ولسانه، قال ولم تذكر الخطبة حقوقاً معينة لمثل هؤلاء
الأتباع
6
الثالثة: أن يلزم من لا يقبل هذين الشرطين الحياد على الرغم من معارضته للمبادئ الأباضية، وفى هذه الحالة لن تعرض له أحد بأذى، قال وهذا ما عبر عنه طالب الحق بقوله: ومن كره هذا فليخرج بأمان (1/68)
صفحة 56
- 79 -
إلى ماله وأهله ويكف عنا يده ولسانه: فإن ظفرنا لم يكن عرض لنا نفسه ولم يحملنا على سفك دمه. قال ولم تذكر الخطبة حقوق معينة لمثل هؤلاء
الأتباع:
فانظر أنها الفطن اللبيب في هذه الخصال الثلاث التي خطها طالب الحق وتصور معانيها، تجد المطيع للأباضية يكون أخاً لهم شريكا في الرأي والعقيدة وشريكا في المال والحال، مقبولا مأموناً محترما شريكاً في المصالح الحيوية، و من كان مقتصراً على السكون والدعة غير متصد لداع في
يفعل.
بر
أن
الدين و غير قائم بدعوة المسلمين قيام المجاهدين في الدين، ومن لم شيئاً من ذلك فهو حر في دينه وماله، محترم في أهله وبيئته لاخوف ولا حرج إلا إذا ظاهر على المسلمين أو واطأ عليهم أو دس عليهم، فحينئذ: عدواً بهذا الفعل الذى ارتكبه.
يصير
قال: وقد قام طالب الحق بتوزيع ما استولى عليه من خزائن وأموال بين الناس في صنعاء وخاصة الفقراء منهم، قلت رأى طالب الحق وأصحابه رحمهم الله أن تلك الأموال جبيت من الناس على غير الوجه المشروع، ولا يعرف ربها لاختلاطها كثرة وقلة وحلا وحرمة، وأن مثل هذا فمرجعه فقراء المسلمين حيث يصير مجهول الأرباب، ونزه عن أن يتولى شيئاً من محصول الظلم والجبروت، ولا زال أئمة
نفسه
الأباضية على وتيرة النزاهة فى الحال والمآل، وفي كل الأعمال
•
والحمد لله الذي جعل النزاهة للأباضية شعاراً يعترف به عباد الله،
و يشهدون به يوم لا يعني مال ولا بنون إلا من رحم
الله (1/69)
صفحة 57
-
ونحن هنا لا نريد ذكر تاريخ الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى وحزبه، ولا ذكر أعماله وحروبه وتاريخ دولته، وما كان منه وما كان عليه، فإن ذلك شيء يطول وله تاريخ حافل كفيل بكل ما له به تعلق، وإنما أردنا أن نذكر وجود الأباضية في هذا الطرف ليعلم أن الطرف اليماني كان في عهده الحديد القريب من عهد النبوة أباضياً، وأن معنى الأباضية هو الشائع فيه عهد الحق وإن طرأ عليه بعد ذلك ما طرأ، فإن العهد الأباضي هو الذي عليه المعول. وإن من حقنا ذكر ما كان الآباء والأجداد و أهل ملتنا من شأن وإن أمر الدين من أهم الأمور
• (1/70)
صفحة 58
- 71 -
مشاهير الأباضية في اليمن
كان الأباضية كما قلنا في اليمن وحضرموت هم الأكثرية التي هي الحجة في الدين، ومنهم أبرهة بن الصباح الحمير لي كان من قادة الأباضية، ولما هزم الأمام طالب الحق بين مكة وصنعاء، وكان توجه لحرب الشاميين الذين تعرضوا لأبي حمزة، فالتقى بعدوه فى هذا المكان فكانت الدائرة عليه، وقتل معه من أباضية اليمن عدد كثير. ومن الأباضية يحيى بن عبد الله بن عمرو بن السياق الحميرى من القادة أيضا الذى بايعه الأباضية إمام دفاع، وقتل أيضا في عدن إذ التجأ إليها وهاجمه العدو فيها، وتغلب الحيش الأموى على اليمن وفتر بقية الأباضية إلى حضرموت وارتفعوا في داخليتها، وقتل الأباضية في مكة مع عالم مكة أبى الحر على بن الحصين وأربعمائة من الأباضية،
واستعد الأباضية في حضرموت للقاء الجيش الأموى المنتصر عليهم.
مختلفة
قال الدكتور: واستعد الأباضية لهذا اللقاء المرتقب وتجمعوا من أنحاء من حضرموت، والتف معهم كندة ونهد وعقيل وهمدان، واجتمعوا عند عبد الله بن سعيد الحضر مى الذي اتخذ شبام قاعدة له، وملأ الأباضية حصونهم بالمؤن والطعام والعتاد، ثم ساروا للقاء الجيش الأموى خارج حصن شبام حيث دارت بين الطرفين معركة طيلة النهار دون نتيجة حاسمة،
(2)
وضايق القائد الأموى المسمى عبد الملك الأباضية واحتل حصن شبام، واستولى على الذخيرة التي فيه.
ولكن كل ذلك لم يقض على حركة الأباضية، بل استرسلوا لقتال عنيف،
بل استطاع الأباضية إرجاع قواهم بعد ذلك كله، فحصروا القائد المذكور
(1)
152 (1/71)
صفحة 59
- VY -
أربعة عشر يوماً استطاع مصالحتهم، أى أباضية حضرموت ورد عليهم ما عرف من متاعهم المنتهب عليهم، وولى على حضرموت رجلا باختيارهم ورضى منهم بطاعة اسمية، ثم خرج إلى مكة ليتر أس موسم الحج فلحق
به الأباضية فقتلوه فى الطريق دون مكة وقتلوا صحبه انتقاماً
قتل منهم
:
يمن
والمستفاد
من هذا أن الأباضية فى اليمن لها حركة هامة جداً ما زالت مع الغزاة في صراع، وما زالت حضرموت وتوابعها وصنعاء وتوابعها إباضية زعامة وشعباً، ولم تؤثر الغزوات والحروب الحائرة على أياضيتهم إلى منتصف القرن الرابع الهجرى، ولما أراد الله أن يرفع يده عن الأصقاع سلط عليها الجبابرة والجورة الظالمين، فقضوا على الأباضية
هذه
بأعمال لا يرضاها الله ولا رسوله، وما كانت للأباضية زعامة جائرة في أى وقت من الأوقات، بل كانوا إذا أمكنهم الفرصة عمدوا إلى أفضل! رجالهم وأكمل علمائهم وأخيارهم فبايعوه على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقاموا به منار الحق وأعانوا الضعيف وأضعفوا القوى، واحتقروا ما عظمت الجبابرة وعظموا ما حقرته، وأعادوا الشريعة السمحاء فى مجراها الطبيعي وبنوا المساجد وأقاموا الجماعات والجمعات، وأصلحوا الأمة وذلك دأيهم في كل أوقاتهم وكل؛ أز منهم وفي كل مكان ينزلونه:
وهذا الدكتور عوض يقول: وفى أواخر العقد الثالث من القرن الثاني للهجرة استغل مشايخ الأباضية المشاكل التى واجهتها الدولة الأموية (1/72)
صفحة 60
73 -
وأو عزوا إلى أتباعهم لإعلان الإمامة في بعض المناطق، واستطاع الأباضية تأسيس إمامة أباضية فى كل من حضرموت واليمن وعمان اهـ.
ولكن أعداء الحق يسوءهم قيامه وأكثرهم للحق كارهون، ومازالت بلاد اليمن وحضرموت يشملها اسم الإمامة طيلة العهود الخالية تبعاً لعمل الصحابة رضوان الله عليهم، فإنه لما مات النبي عليه الصلاة والسلام لم يقولوا انتهت النبوة وانتهى الأمر، بل أقاموا أبا بكر رضى عاملا بما جاءت به النبوة تابعاً لأوامرها قائماً بما قامت
بهم
•
الله عنه إماماً. به الأمة، محافظاً لسيرتها، وبذلك لم يفقد من النبي عليه الصلاة والسلام إلا شخصه الكريم ونزول الوحى بعده، ثم لمادنت وفاته رحمه الله أقاموا عمر بن الخطاب رضى الله عنه فسار مسيرة صاحبه وأعطى القوس باريها، وأجرى الأمور في مجاريها.
ولما حضر أجله بايع المسلمون عثمان بن عفان على ما بويع عليه من قبله، وهنا بدأ انتقاض صرح الإمامة حين وقع الخلل في حائطها، و تصدع ذلك البناء وانهار، ثم بايعوا على بن أبي طالب وقام حد طاقته حتى عصفت به رياح زعازع زعزعت الإمامة وقلبتها رأساً على عقب، وتأخر ذلك المسير الراشد ولكل شيء نهاية:
وبايع فريق من المسلمين الحسن بن على فألقاها في بلعوم معاوية يلعب بها كيف شاء، ثم بايع المسلمون أغنى الأباضية فقط إماماً لهم ثم استمروا في عهودهم على ذلك منذ ذلك العهد، وإنه لم يعرف في أمة من أمم الإسلام بعد ذلك إلا الملك العضوض والسلطان المتغلب على الأمة، الأباضية فإنهم بايعوا أئمة بعمان وبحضرموت واليمن والمغرب،
ولم (1/73)
صفحة 61
VE -
يعرف هذا الحال فى غيرهم من أمم الإسلام، بل الموجود فيهم الرضوخ لطاعة الظالم جار أم عدل، وأصبح عمل الصحابة ملقى في الحضيض وأمر
محمد عليه الصلاة والسلام يتلاعب به السفهاء والأوغاد، وأى سفه أكبر من إباحة حرم رسول الله بمرأى. ومسمع ثلاثة أيام تهتك
منه
،
فيها الحرم وتداس فيها كرامة النفوس الكريمة، وتطأ أقدام الفساق على هامات أهل الحق، ويقاتل المحق حتى يقتل والحق معه، ويؤيد الظالم وهو على ظلمه
•
الحال
وهكذا وما زالت إمامة حضرموت تابعة الإمامة عمان وما زالت أباضية عمان تؤيدها على أعدائها إلى آخر عهد من حياتها، وقد كتب الله على الدنيا الزوال وعلى أيامها التداول، ومن المحال دوام والأباضية أصبحت في نواحي اليمن بعد ذلك العهد الزاهر لا تعرف، وانمحت رسومها وبادت رجالها وتقلص ظلها، بل من أغلب بلاد بعد ما كان للأباضية عدة أئمة في حضرموت وفى اليمن فإنهم جملة
الله
Cul
،
آخرهم الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس رحمه الله وهو صاحب الديون الموسوم بالسيف النقاد، وهو عنوان حماسة ذلك الإمام الهمام البطل المقدام، فرحم الله أولئك الأئمة ورضى عنهم، فإنهم بذلوا أرواحهم قرابين لله عز وجل ومضوا تحت ظلال السيوف في طلب مرضاة
شأنه الله جل
لقد منى الإسلام بمصائب هامة وهى الخضوع للظالم على ظلمه، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، وبدل حكم الله عز وجل الذي شرعه لعباده بالقوانين الوضعية والسلطان
(1 (1/74)
صفحة 62
- 75 -
الحقيقي هو الواحد القهار، و بذلك رفع الله عونه ونصره ه عن المسلمين بعد ما كان ناصرهم وهم قلة، وكان ناصرهم وهم على خلو ذات اليد. ولما رفع الله عنهم يده انهارت صروحهم وتفرق جمعهم وتمزق شملهم ونزلوا إلى الحضيض، وكانوا سادة العالم وكانت الدنيا من أجلهم مملوءة سروراً و تمرح بهم مرحا وهم على شظف من العيش، والله في خلقه أسرار، ولا شك أن إعانة الظالم على المحق فساد عظيم، والله لا يرضى من عبادة الفساد في ملكه: (1/75)
صفحة 63
VV -
بني
الإمام عبد الله بن اباض التميمي
لا يخفى أن الإمام عبد الله بن أباض بن تيم اللات بن ثعلبة من مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس آل مقاعس التميمي، كان من أهل العراق جاء إلى الإمام جابر بن زيد لأخذ
العلم
عنه
6
من عبد الله
وكان يناظره في أموره وفى مهماته الدينية وفيما يأتى منها وما يذر، وكان من أتباع أبي الشعثاء، وهو تابعى أيضاً فإنه أدرك كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يخفى أن عبد الله بن أباض الذي انتسب إليه هذا الجيل من أمم الإسلام، وشاع بينهم شيوعاً سريعاً باسم الأباضية نسبة له إلى أباض والد عبد الله، وكان أباض المذكور أفقه وأعلم. منه، إلا أن عبد الله كان أثقل على زعماء الباطل من الصخرة، وكان لا يبالي برد الباطل على صاحبه ولا يحاني في الدين ولا يأتي أبواب الأمراء الذين تسلطوا على الأمة بالجبروت، وكان له من عشيرته حمى. منيع وركن رفيع لم بجسر أحد على الحط من قدره، فإنه كان مقداها لا يراع ومنهما ما لا يرتاع يقوم فى وجه البغى غير خائف ولا وجل: (ولولا رهطك لرجمناك) الآية،
وأعوانه
C
117
والأحنف بن قيس مع رهطه كان يدارى معاوية ويتقيه نظراً إلى دنياه التي يطمع الأمراء فيها، بخلاف عبد الله بن أباض مع عبد الملك مع أن سطوة عبد الملك على الناس أجرأ من معاوية، إذ كان معاوية جديد عهد بسيرة الخلفاء الأربعة، أما عبد الملك فقد تجددت به أهة ة الملك وسطوة السلطان ومع ذلك يراعى عبد الله
> (1/77)
صفحة 64
78 -
ابن أباض وهو لا يداريه ولا يجاريه، بل يرد عليه أعماله ويتباعد منه، فلذلك شاع له صيت انضوي تحت جناحيه هذا الجيل فأطاق الاسم عليه فصار علماً على هذه الأمة المسماة الآن بالأباضية، بخلاف بقية المذاهب فإنها انتسبت إلى علماء أخذت بأقوالهم وتركت ما سواه، وبذلك عرفت، وابن أباض من أبطال العلم الذين شهد لهم التاريخ بما لم يشهد به لغيرهم. (1/78)
صفحة 65
- 79 -
مركز المذهب الأباضي
لا يخفى أن مركز المذهب الأباضي كان بالبصرة حيث نبت بها وانتشأ فيها وتفرع منها وامتد إلى أرجاء العالم الإسلامي؛ فاتصل بعمان القريبة من البصرة بغاية السرعة، وهوت إليه من عمان أنجم نيرة وأعلام خيّرة وأبطال تحب الإيمان، وتهافت إليه أهل الخير من كل جهة، وقامت له دعاة تدعو المسلمين إلى اتباعه والعمل بمقتضاه، تريد بذلك وجه الله عز وجل لا تخاف لومة لائم حتى رسخ في نفوس المؤمنين، وقرّ على دعائم الحق المبين كما امتدت له أركان إلى المغرب السامي بواسطة حملته الخمسة زملاء العمانيين الخمسة، فقامت له بالمغرب دول لها أهميتها ولها عظمتها برجال أبطال وأئمة أقبال، عرفوا الحق فاتبعوه وعلموا الواجب فامتثلوه، فكانوا في جبهة الدهر
الأمة فقاوموهم
6
ورأوا جور الظلمة وعتاة غرة مشرقة، وفى سماء الإيمان الأنجم الساطعة، صارعوا الباطل
كلما ظهر، وناصروا الحق من أين أتى، لا يرجون على ذلك ثواباً
إلا
من الله، باعوا نفوسهم بأغلى الأثمان عند الله فوفقهم
،
الله
ومضوا
إليه تحت ظلال السيوف الله و الحور العين تصفق لها فرحاً بها، إذ كان أهلها رجال
وعلى حصى الأرض تسيل دماؤهم وهى
بعين
الله، وكذلك امتد المذهب إلى اليمن ونواحيها بحملة العلم من القدوة
الصالح أبي عبيدة الرضى، وإلى خراسان فكان لوجالها الشأن بين تلك الأصقاع، وإلى مصر كنانة الله في أرضه، وإلى الجزيرة العربية (1/79)
صفحة 66
-^-
والحرمين الشريفين برجال الأباضية الذين هم رحمة الله في أرضه وحجته على عباده:
بهم
وتعتمر
6
ولا ضير فهم الأئمة المؤمنون وهم الهداة المخلصون الذين تحيا الأرض وينبت. بهم الزرع ويحفل بهم الضرع وتسعد لهم الحياة البلاد، وتبتهج بهم العباد وتسكن إليهم النفوس. ولما رأت هم الدول التي تميل إلى الملك العضوض والسلطة القاهرة التي لا تزال أهميتها في الاستيلاء على الناس بالقهر والغلبة، عادت هذا المذهب وتألبت عليه وحاربته فى كل أنحاء العالم الإسلامي، لأنه يخالف مبادئها ويصر على أن يكون عمرياً خالصاً وهى ترى أن تكون أموية أو هاشمية أو قيصرية أو كسروية، فكان ذلك هو الفارق بينها وبينه ولا شك أن النفوس غالباً تحب الترفه والرياش الحسن.
والذهب الأباضي يحب أن يكون على نهج الخليفتين لا قرابة عنده إلا بالحق ولا بعد لديه إلا بالباطل كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، يحب أحدهم قتل أبيه على الإسلام ويفرض لأحدهم في بيت مال المسلمين الشيء الضئيل مما نقوم به الحياة وما عداه، فلبيت المال لقوة الدولة وليس للأمير أكثر مما للمأمور، فإن ذلك على الأقل
يثير الخرج في نفوس الأمة، وإذا تحرجت الأمة وتأثرت و بقى ذلك في نفوسها أورثها داء عقيما قد لا يكون له علاج، أما المساواة فهى ثورث الأمن والاطمئنان لأنه إنصاف ومع الإنصاف تسكن النفوس وترتاح وتطول قناتها. (1/80)
صفحة 67
- 81
والمذاهب المعادية للمذهب الأباضي تناصرها الدول التي تتمذهب تمذهبها، وتلك الدول هى التى ترفع من خسيسة مذهبها على الرغم من أن تكون ضداً له في حال من الحال، والحكومات التي تؤيد مذهبها ترغم الناس على اتباعه حقاً كان أو باطلا، فيقوى بذلك و تخضع له الناس حتى يألفه السواد الأعظم، وبذلك يقضى على المذهب الأباضى المهان المستضعف، ومن تأييدها لمذهب نشر مؤلفاتها وإرغام الناس على العمل بما فيها، فكم جلد العلماء ونكل بهم وقتلوا على
عد القبول لما جاء فيها فهذا أحمد بن حنبل جلد مرات على مسألة خلق القرآن، وهذا أبو الشعثاء وأبو عبيدة كم عاشا في المغارات على غير جرم أو ذنب إلا كونهما مخالفين لغيرهما، وكذلك بقية العلماء الذين عرفوا في التاريخ الإسلامي لم ينج منهم من الهوان والعذاب إلا من شاء الله، وإرغام أهل الحق و تأييد أهل الباطل من أكبر الدواهي في اعتبار أهل العقول، ولم يكن للمذهب الأباضي مناصر إلا الحق الذي يشع من خلال ثناياه حين يرفع عقيرته إلى الله فيقيم له الله قواماً من رجال الدين من يؤيده وينصره ويجدد معالمه، فلا ناصر له إلا الله ولا مؤيد له سواه، فذلك تقلص ظله من العالم الإسلامى إلا ما شاء الله، وارتفع من الأراضي التي كان انتشر فيها، ولله أمر هو بالغه، وحكم نافذه، وقد تمت به حجة الله على عبادة، فإن الله أو حى بدينه إلى عباده ليناصروه و يؤيدوه ويفدوه بالأرواج، ويقوموا بواجباته رغم أعدائه ضيعوه فقد وقعوا في سخط الله عز وجل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى
(2)
هو
فإذا
يغيروا ما بأنفسهم) ولما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، ولم يتركها (م 6 - طلقات) (1/81)
صفحة 68
82 -
كسروية وقيصرية إنما ذلك من رحمته تعالى على عباده (وإذا أراد الله يقوم سوءاً فلا مرد له من الله!!
وبقاء هذا المذهب على النهج الصحيح رحمة من الله لعباده، فإنه مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث الافتراق يؤيد فإنه ما جاء مذهباً مستحدثاً وإنما جاء مذهباً متأصلا على القواعد الصحيحة، مدعماً بالأصول الواضحة الرجيحة إذا تتبعه، ونظر إليه بعين الإنصاف لم يجد فيه ما يخالف الهدى النبوى، وسوف ننقل لك ما يقوله أهل الحق فيه وما لدى أهل المذاهب الأخرى فيه أيضاً. (1/82)
صفحة 69
- Ar -
ما يقوله علماء الإسلام في المذهب الأباضي
اعلم أن ما يقوله علماء الإسلام في المذهب الأباضي من الحق ومن القرب منه، ومن أصح ما قيل: إن الأباضية من أصدق فرق الإسلام يوجب عليهم اعتناقه واتباعه إن لم يغلب عليهم الهوى، أو يكون الحرمان مانعاً لهم أو التوفيق نائباً عنهم، وما قيل قديماً ربما قيل فيه من تغيير أو تبديل، أولا يعرف حال القائل وما كان من أهل العصر فيكون كالمحدث الحالى.
(1)
هذا العلامة الجليل عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمى يقول قولا صريحاً صحيحاً لا يبالي بأهل مذهب للمسلمين أياً كان، بل يقول المذهب الأباضي هو الحق، وإذا كان هو الحق فالحق يجب قبوله ويجب اتباعه وطاعته، قال ذلك إجمالا وتفصيلا على رءوس الملأ، وقد حقق المقال عن الأباضية في عدة مواقف، واعترف بصحة مسنده وأنه الصحيح، وإذ كان مسندهم صحيحاً كان عملهم صحيحاً، لأنهم بنوه على صحيح، وما انبنى على صحيح فهو صحيح من غير شك، أى حق والحق هو الذي يجب قبوله واتباعه،، ومن لم يقبل
ومعنى صحيح الحق فهو كافر، فإن الله أمر بالحق ودعا إليه.
اي
قال العلامة حسن السندوبي محقق البيان والتبيين للجاحظ: المذهب الأباضي وأهل هذا المذهب من أفاضل أهل القبلة وممن ينفرون من البدع التي ليست من الدين في شيء، قلت هذا نص صريح في تصحيح مذهب الأباضية. قال ومن هنا يتهمهم بعض المسلمين بالتشدد وبعدم (1/83)
صفحة 70
- 84 -
يعلم
مسايرتهم للتقدم، بل يرمونهم بما هم براء منه. قلت إن الله خاينة الأعين وما تخفي الصدور، إنما يرمونهم حسداً عند من أنفسهم.
كأنما يشير إليهم قول القائل:
حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء لهم وخصوم قال: وقد كنت خدعت بقولهم أى قول خصوم الأباضية فيهم فرددت مجمل ما يتهمونهم به، ثم تبين لى اليقين فيهم فعلمت أنهم من خيار المسلمين، وممن يرجعون في كل أمورهم من عبادة ومعاملة إلى الكتاب والسنة، والمعنى أنهم لا يعملون بما يخالف الكتاب والسنة، وهذا تصحيح لمذهبهم وإثبات للحق فيه اه ببعض تصرف
(1)
أما السيد مصطفى بن إسماعيل المصرى الذي وفقه الله لاعتناق. المذهب عملا بالحقائق التي تلقاها بباعث سماوي، فصار ينافح عن المذهب ويكافح - عنه، وأنشأ مجلة ضمنها النصائح للملوك والأمراء باتباع لمذهب الأباضي، واعتزل قومه وتباعد منهم ورد عليهم كل ما يرمون به المذهب الأباضي من سوء، وحاولوا رده عنه، فقال: هيهات الرجوع عن الحق فالتحق به كثير من أقاربه وأخصائه، وقامت له كتلة. ضربت معسكرها خارج مصر.
ومن حيث إن رجالا من فرنسا جاوروا الأباضيين أيام احتلالهم للمغرب وبحثوا الأديان بحثاً دقيقاً ودرسوها درساً معنوياً قرروا أن نقاوة الدين الإسلامي لا تنحصر إلا فى مذهب أتباع ابن أباض، وأنت (1/84)
صفحة 71
85
(1)
خبير أن حديث الافتراق الذى رواه أئمة الحديث ينص نصاً صريحاً أن الناجية من الفرق واحدة فقط، ونحن لا نحتج على غيرنا بمقال علمائنا، إذ ربما يقول قائل إنهم متعصبون لمذهبهم ولكنا نحتج بما يقوله علماء المذاهب الأخرى. قال الزبير بن على الأصغر من أهل عظيم أباد من أرض الهند: الأصلح والأسلم ما عليه الأباضية. وقال عبد الرازق البغدادي من أهل العلم في أول هذا القرن: إن الأباضية أقرب الفرق إلى الحق. وهكذا غالب أقوال المطلعين على أصول المذهب وفروعه والعارفين بمقاصد علمائه لاتزال عباراتهم كما أشرنا إليها سابقاً، منهم من ينسب الأباضية إلى أهل الحق، ومنهم من وهكذا ذلك لأنهم لم يجدوا بدأ من قول
يضيفهم إلى القرب منه
C
الحق فيسترون بمثل هذه العبارات.
(س)
وقال صاحب كتاب المذاهب الإسلامية المصرى:: الأباضية أتباع عبد الله بن أباض، وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وجعل الأباضية من الخوارج كالشيء المتقرر لقصورهم في تحقيق الحقائق التاريخية والعقائدية؛ ولا يضر الأباضية ذلك فإن الجهل فضحية المتحدث به، وقوله أكثر هم اعتدالا شهادة منه لهم رغم ما يقول القلم الطاغي الذي قال. وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو. وهذه الحملة تنير الطريق لمن ألقى السمع وهو شهيد فالأباضية أكثر اعتدالا وأقرب إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً وأبعدهم عن الشطط والغلو، إلى.
لا يقف عند الحقائق بأصل
أن قال:
، (1/85)
صفحة 72
-19 -
وقد اقتبست القوانين المصرية فى المواريث بعض آرائهم، ثم قال عنهم: وجملة آراء الأباضية تنص أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا بمشركين. قلت نعم لأنهم يقولون لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال ولا مؤمنين أى الأباضية يقولون لمخالفيهم مسلمين لا مشركين. قلت لقد خرجوا من الشرك بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرجواعن المؤمنين بفعل المعاصي، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث، وذلك فرع على قوله عز وعلا: (وقالت الأعراب آمنا قل) لهم
يا محمد (لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم و معنى قولوا إنا مسلمون بقولكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما الإيمان فلا لأنكم تفعلون ما لا يرضاه، فأنتم باعترافكم بوحدانية الله حين قلم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذا أسلمتم فحرمت دماؤكم وأموالكم إلا بحقها. وحسابكم على الله، إما عفو وإما عقاب.
وهذا المبدأ هو الذي حير الكثير من أهل المذاهب وتركهم لا يهتدون طريقهم، لأن الكفر معهم الشرك وجهلوا كفر النعمة أصله وفرعه، فأصبحوا في هوة لانجاة لهم منها، ولم يفهموا أن الله خلق لهم عقولا وخاطبهم بتكاليفه بها وأنها نعمة عظيمة كفروها حين تعدوا حدود الله بارتكاب ما حرم عليهم، وكان من واجب من أنعم الله عليه بنعمة العقل وجعله الفارق بينه وبين غيره من الحيوان أن يكون واعياً أو امر الله واقفاً عند حدوده لا يتعداها
قيد شعرة:
قال الشيخ المصرى حاكيا عن الأباضية: إنهم يسمون مرتكب الكبيرة كافر نعمة لا كافراً في الاعتقاد، وقد بينا لك تحقيق المقام. قال الشيخ وذلك لأنهم لم يكفروا بالله، قلت: لوكفروا بالله أو برسله أو بكتبه أو بشيء من (1/86)
صفحة 73
87 -
ذلك لكانوا مشركين، والمشرك حلال الدم والمال لا يزاوج ولا يناكح ولا يمنح حقوق المسلمين العامة كالصلاة عليه إذا مات ودفنه في مقابر المسلمين، وكالولاية له ونحو ذلك من الحقوق مما هو بعيد منه في حكم المسلمين بعد
الثريا من الثرى.
قال الشيخ صاحب المذاهب الإسلامية حاكيا عن الأباضية: يقولون إن مخالفيهم لم يكفروا بالله لكنهم قصروا فى جنب الله، ويقولون دماء مخالفيهم حرام و دار هم دار توحيد وإسلام، ثم قال ولكنهم لا يعلنون ذلك فهم يسرون في أنفسهم أن دار مخالفهم ودماءهم حرام. قلت لا أصل لهذا الزعم فإن الأباضية ما يرونه حراماً لا يخفونه ولا يكتمونه، بل يصرحون به صراحا
قات
لا هوادة فيه، وقوله إلا معسكر السلطان وكلهم يتداولون هذا التعبير. فلعلهم يرونه أقيم ببيت مال المسلمين كالحصون والقلاع ونحوها، فإنما تبنيها الملوك والسلاطين ببيت مال المسلمين، وإذا كان الأمر كذلك فلا جرم على الآخذ من بيت مال المسلمين، هذا على فرض صحة ما يقولون.
وقوله عنهم أى الأباضية لا يحلون من غنائم المسلمين الذين يحاربون إلا
الخيل، وكل ما فيه من قوة فى الحروب هذا خطأ فاحش لايليق بمن يتسم بالعلم أن يقول إن الأباضية يحلون ذلك: نعم إن كان السلاح أو الخيل من بيت المال سبيلهما سبيل بيت المال، وأما خيل أهل القبلة وسلاحهم فا فلا يحل من ذلك شيء أبداً لا قليلا ولا كثيراً، وإما يجيزن الاستعانة بذلك على حربهم أ، إذا كانت في المسلمين حاجة إلى ذلك، وجاز إتلاف خيلهم بالقتل وسلاحهم بالكسر والحرق، وبأى نوع من أنواع الإتلاف، لأن ذلك من نوع كسر قوتهم كقطع نخل بني النضير وقطع شجرهم وتدمير منازلهم، قال ويردون الذهب والفضة، قلت ذلك دليل على نزاهتهم فإن الذهب والفضة هما المطموع (1/87)
صفحة 74
- 88 -
فيهما طبعاً، قال وتجوز أي عند الأباضية شهادة المخالفين ومناكحتهم والتوارث
معهم
، قال
هذا كله
و من يتبين اعتدالهم وإنصافهم لمخالفتهم اهـ. قلت وبهذا
وأمثاله يقول علماء الإسلام الذين يقاربون الحق ويظهرون وميضا من ضيائه،
الأكثرون لا يرون إلا كتمان حقائقه و محورسومه،
W
وفي الغالب أعداء الحق وهم وللناس أهواء تتحكم عليهم، ألا ترى ابن الصغير المؤرخ المغربي يذكر بعضاً من الحق عن أئمة الأباضية، ويشهد لهم بأنهم على الحق في أعمالهم ويعترف لهم بالعدل والإنصاف، ومع ذلك يعان عداوتهم كما أعلن أناس عداوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم يعلمون أنه نبي الله عليه الصلاة
والسلام. ويكفينا في مثل هذه المقامات أن نشير إلى الأحوال ولو من بعيد، ونتحدث عن المذهب وأصوله وفروعه، وعن (رجاله وعقائده، فإذا وقف على ذلك عاقل يلتمس الخيرة لنفسه فهو أملك لأمره، والله كلف عباده اتباع الحق، لانقول فى أى مذهب من مذاهب المسلمين شيئاً يجرح حاشية أو يؤثر على نفس ما، ونكل أمور الحق إلى ربهم، فإن الله عز وعلا يقول ايا لنبيه عليه الصلاة والسلام: (قل لست عليكم بوكيل) ويقول له: (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) (1) وفى الحديث: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع قدرته و هو الحفى بعباده والرءوف بهم.
(1) سورة القصص آية 56. (1/88)
صفحة 75
- 19 -
القسم الثاني من الكتاب في الاعتقاد
لا يخفى أن التوحيد ومعرفة الله ومعرفة صفاته الواجبة له والجائزة عليه والمستحيلة في حقه من الدين، ومن لم يعرف ربه فقد وقع في هوة شائكة والعياذ بالله، وقد حرر علماء الإسلام حقائق التوحيد وجعلوها علماً مستقلا أطلقوا عليه علم الكلام، وأطلقوا على أهله المتكلمين وها نحن نقتطف في في هذا الكتاب الصغير الحجم أزهاراً من التوحيد نضعها في عقده حلقات، راجين من الله بها توفيقه وعونه، وأن يجعل ذلك كله ذخيرة لنا عنده تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1/89)
صفحة 76
91
الحلقة الأولى
في معرفة الله عز وجل
اعلم أن معرف فة الله تبارك وتعالى واجبة بالعقل قبل ورود الشرع، فلما ورد الشرع زادها إيضاحاً وأعلن إيجابها الكائنات كلها عن معرفة الله تعالى ونادت بلسان الحال عنها،
، وقد أعلنت
وقد أشرنا إليها في (سلم الاستقامة المطبوع في دبي طبعا والآن نقول هنا إن الإنسان إذا بلغ
6
غير مستوفى الشروط
حد التكليف وجب
أن
أن له خالقاً خلقه ورازقاً رزقه،
يعلم ومصوّراً صوره ومقدراً قدره، ذلك لأنه
شيء ما
يعلم
أنه
لم يخلق نفسه
ولم يصبغها بصبغة قدرته وعليه، فلا بد لها من خالق خلقها له الحول والقوة على الخلق، وأن ذلك الخالق مباين للمخلوقات كلها وغير مماثل لشيء منها في حال من الحال، وأنه الكامل عن كل نقص، فإنه إن لم يكن كذلك لم يصلح أن يكون رباً أبداً، لأنه إذا كان عاجزاً عن لم يصح أن يكون إلهاً قطعاً، ونفس الإنسان مدرسة تشتمل على معرفة الله عز وعلا، ولهذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام إن صح عنه: (من عرف نفسه عرف ربه». فإذا أمعن العاقل النظر إلى نفسه تلقى عنها دروساً تخبره عن معرفة ربه كما ينبغى وفوق ما ينبغي إن كان ذا عقل وقد أشار الله عز وعلا إلى ذلك بقوله: (سنريهم آياتنا في الآفاق
وفى أنفسهم ... )
(2)
فالآيات التي في الإنسان وفى غيره من الحيوان، وفي الآفاق بكل مكان أعظم الدلائل على الخالق الديان، فإن السمع والبصر واللسان والذوق والشم واللمس والحركات والسكنات دلائل يهتدى العقل بها إلى معرف فة الله عز وجل، وفى الألوان والسحنات وفى الدم واللحم والعظام والشعر والأظافر والأسنان، وغير ذلك مما خفى من الوعى والإدراك، وكون
و الجلد (1/91)
صفحة 77
92 -
الإنسان ذكراً أو أنثى، وذو النسل والعقم وذو البخل والكرم، وذو العفة والشره ونحوها من الأحوال، فإنها كلها دلائل على معرف فة الله عز وعلا،
ذلك
وعلى وحدانيته أيضاً، فإنه إذا كان لا يستطيع أحد إيجاد شيء من وصح العجز عنه ثبتت القدرة الكاملة لله تبارك وتعالى، وإلى هذا أشار
الإمام السالمي رحمه الله حيث قال: (معرفة البارى من العقول)
صفاته
ولو فتحنا باب الاستدلال على مصراعيه في هذا المقام لنا بنا المسير إلى أبعد مقام وأدهى مرام، هذا من ناحية العقل، أما من ناحية النقل فقد جاءت الدلائل السمعية والنصوص الشرعية تخبر عن الله وعن نصاً صريحاً: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة قائماً بالقسط امر الله لا إله إلا هو الحي القيوم في أمثالها وهى
1 Q
وأولو العلم كثيرة، بل جاء القرآن يقرر الوحدانية قبل كل شيء، ويثبت الألوهية و أن الكمال المطلق له تعالى لا يشاركه فيه غيره قطعاً،
بحسب أصولها
(
وله الحلال المحقق عقلا ونقلا لا يدانيه فيه شيء من مخلوقاته مهما كانت صفتها، و اختص جل شأنه بالحمال فى مصنوعاته فهو الجميل يمنح الجمال، وهو المتصف بالصفات التى تختص بالربوبية وحده تعالى. (1/92)
صفحة 78
93
-
الحلقة الثانية
بيان الصفات الواجبة له تعالى
لا يخفى أن الله صفات واجبة لا يمكن القول بوجوده دونها وهى
ده تعالى وجوداً لا يحد بزمن، بل له الوجود المطلق، وله تعالى
وجوده
والقوى
البقاء المطلق، فلا نهاية لبقائه عز وجل، ولا بد من هذا وإلا لم يكن جل شأنه إلهاً وهو العليم بذاته والبصير بذاته والقدير بذاته وا كذلك، والسميع أيضاً والحكيم في صنعه، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يلم به ما يؤثر عليه، فهو فوق كل شيء وعلى كل شيء ومع كل شيء لا يخلو منه مكان ولا تحيط به الأكوان ولا تفنيه الأزمان، يعلم ما يكون كما ما كان علماً لم يتقدمه شيء كالجهل والغفلة والنسيان.
يعلم
فهذه الصنمات الواجبة له قطعاً يرى ويسمع لا بآلة سمع أو بصر جل جلاله وعظم سلطانه له ملك السموات والأرض. (1/93)
صفحة 79
95
الصفات الجائزة عليه تعالى
6
لا يخفى أن صفاته تعالى الحائزة عليه هى الدالة على فعله كالإحياء والإماتة، وكالإيجاد والإعدام، وكالقبض والبسط ونحوها. فإن الله عز وعلا اتصف بها في الأزل، فهو المحيى وهو المميت والمعين والمنتقم والقاهر أو هما صفتا ذات، وعلى كل حال إن اتصافه بمقتضاهما ثبوتهما له في الأزل، لأنه تعالى لا تبدو له البدوات ولا تحدث له الإرادات،
يوجب
فله
أوجد الشئون كلها فهى كما يقولون شئون يبديها لا شئون يبتديها، كل شيء وجد أو يوجد، فإن القضاء والقدر حكمان أزليان أثبتهما تعالى سبحانه من فاعل ما يشاء وقاض بما يشاء، تنزه ه عن أن الفحشاء وحكم يقع في ملكه إلا ما يشاء لا يظلم الناس مثقال ذرة حاشاه، ولا يهمل شيئاً أمره تعالى اقتضاه واحد في ذاته وواحد فى صفاته و لم يلد ولم يولد اولم يكن له كنمواً أحد اليس كمثله شيء وهو السميع البصير يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور الله الكبرياء في السموات وفى الأرض
لا
(1)
Ei (1/95)
صفحة 80
97 -
الصفات المستحيلة في حقه عز وجل
لا يحتمى أن الصفات المستحيلة عليه دخلت ضمنا في الصفات الواجبة له، فكل صفة وجبت له امتنع عليه ضدها، وهذا ضابط جامع، فإنه نو لم يكن كذلك لم يكن إلهاً، أى لم يصح أن يكون إلهاً قطعاً، فإن العلم والقدرة ونحوها وجبت له فامتنع عليه ضدها، فإن ضد العلم الجهل ومن كان جاهلا أو جاز عليه الجهل لم يجز أن يكون إلها قطعاً
وهكذا السمع والبصر والقدرة والإحاطة، وما يكون دالا على نقص أو نحوه، فإنه ممتنع على الله إجماعا إلا عند غير المسلمين من سائر الأديان الأخرى، ومن الجائز عليه سبحانه وتعالى إرسال الرسل وإنزال للكتب والبعث والحساب والعقاب ونحو ذلك مما لا يدل على عجز أو نقص، و من حيث إنا لا نرى الإطالة لأن الوقت يقتضى الاختصار، وإن رغبة الناس في هذه الآونة فى المختصرات ولكل قوم رغبة نمر على المباحث مرور البدر في المنازل لا مرور الشمس في البروج والله المعين.
(م 7 - طالقات) (1/97)
صفحة 81
19 -
الألفاظ المشتبهة التي يدل ظاهرها على التجسيم
لا يخفى على أهل العلم أن الله عز وجل خاطبهم بلسانهم وحاورهم بما يجرى بمعقولهم، فهم يفهمون الخطاب من نفس القرائن قبل التحقق لفحوى الخطاب، ولما تقرر فى الشريعة أن الله عز وعلا مباين لمخلوقاته في الذات والصفات والأفعال، لم يعد لهم وهم أو جهل في شيء من شأنه، فإن صفات المخلوق تخالف صفات الخالق تبارك:
الله وحي
عز
وتعالى، فلا يرتبلك الفهم العربى مهما كان فى معرفة اللسان، فلذا لما كان الأخذ في اللغة باليد ومراقبة الأشياء المبصرة بالعين، وهكذا
ر عبر الله تبارك وتعالى عن معانيها بمثل ما عبر به عن نفس ما في الإنسان فقال: (ولتصنع على عينى، فالعين في حق الله عز وعلا معروفة بأنها حفظه واليد مفهومة في حقه قدرته لما قدمنا من استقرار الفهم باستحالة صفة الإنسان أن تكون صفة للرحمن.
وهكذا بقية الصفات كالقبضة والاستواء والمجيء والجد والمكر والجنب، فإن هذه عبارات يتخاطب بها البشر فيما بينهم فخاطبهم الله عز وجل فيما بينهم وإياه لاستقرار معانيها عندهم في حق الله، فلا يذهبون بها إلى غيرها، وقد علموا أن الله جلت قدرته مباين لهم في الأحوال
كلها كما وضع لهم ذلك في قوله: (ليس كمثله شيء).
النقصان في حق الملك الديان
فاستقر في الأذهان انتفاء ما يوهم تارك وتعالى مع علمهم أيضا بوجود المجازات والاستعارات في لغتهم
\1)
(3) (1/99)
صفحة 82
-
أبداً
6
الفصحى، وهي أكثر من أن تحصى، بل القرآن مشحون منها بحيث يسلم لها العربي راغما أو يخضع لمعانيها طائعاً ولا يستنكر شيئاً من مبانيها ووجودها في السنة، كوجودها في القرآن، والأصل واحد ولا خلاف لديهم فيها. أبداً، فمن حاد عن نهجهم فقد رمى بنفسه في لجة لا يرى خلاصه منها، ومعنى جد الله عظمته وجنبه أمره كما صرح به العلماء، والمكر عقوبته واستوى على العرش معناه القهر والغلبة. وهذا أمر تداولته العرب في تعبيراتها، وجرى على ألسنها لا يسعنا المقام أن نورد ما جاء فيه عن العرب، ووجهه تعالى ذاته، وقد أشار العزيز الحكيم إلى المتشابه كهذه الألفاظ التي ذكرناها يقول تبارك وتعالى: (منه آيات محكمات من أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ) انحراف (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة؟ أي لقصر الفتنة أي ليفتنوا
:
WY
رمنه
Gill
الناس بأن الله عز وجل له صورة كصو هم، حيث يصف نفسه يما يتصف به المخلوق من اليد والعين و الاستواء على الكرس، وأنه يسعى فيصعد وينزل كما فى حديث: «ينزل ربنا آخر كل ليلة إلى سماء
سي
(il
الدنيا إلخ فبهذه الأشياء وبحديث: (خلق الله آدم على صورته» وأمثال
ذلك مما يوهم التجسيم.
وتستروا بأن الله وصف نفسه بذلك فنحن نصفه بما وصف به نفسه، لا نأوله ولا نبدله، وهذا لا يتفق لهم فإنهم ينكرون المجاز وإنكار المجاز محض مكابرة لا يقوم لها مناصر من عقل أو نقل، بل يجب تنزيه الله عز وجل. عن كل ما يوهم النقص أو يشير إليه.
(0)
قال في القواعد: يجب على العبد معرفة ربه والإيمان به، أى (1/100)
صفحة 83
بوجوده وأنه موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية، أوجد منها نفسه دائم بلا نهاية، حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، عالم بما كان وما يكون
لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا فى الأرض، ولا يخفى عليه
شيء في الظلمات، قادر بلا تكلف متكلم بلا لسان، سميع بلا آذان بصير بلا حدقة ولا أجفان
، إله كل شيء وخالقه وإليه منتهاه
،
،
اخترع
الخلق من غير مثال سبحانه من قادر حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (1/101)
صفحة 84
الحلقة الثالثة
في إثبات الكمال الله
اعلم أيها القارئ الكريم أن الكمال المطلق هو الله جل شأنه لا يشاركه قيه أحد وإن اتصف بالصفات السامية وتظاهر بالخصال العالية، فإنها إلى النقص تثول وإلى العدم تنهى، أما كمال الله فهو هو لا غير وبذلك يعلم ثباته، وفى الصفات المارة ما يدل على الكمال الإلهي، فإنه إذا امتنع في حقه النقص ثبت له الكمال، وتأويل المتشابه بما قلناه موجب لكمال الله: وإبقاؤه على حاله الظاهر معرب عن النقص ولا يرضي به عاقل مهما كان
ولا يصح أن يضاف إليه تعالى شيء يوهم النقص فضلا عما يوجبه؟
فالكمال لله وحده لا شريك له والحلال لله، فهو المستحق له عقلا
و نقلا، وقد وردت السنة النبوية باختصاصه تعالى به، وفى الحديث القدسي كذلك يقول الله عز وجل فيما يرويه عنه سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: (الكبرياء ردائ والعظمة إزارى، والحقيقة لا رداء ولا إزار بالمعنى المعروف، ولكن معنى ذلك أن الكبرياء صفة من صفاتى، وكذلك العظمة. وكذلك قوله تعالى: (من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائى
cel
فليفر من تحت أرضى وسمائى، والحقيقة أن الفرار يستحيل وفيه عظيم التعجيز، فأين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر وإذا ثبت العجز من البشر
ثبتت القدرة للمليك المقتدر، وإذا ثبتت قدرة الله ثبت عجز المخلوق وإذا ثبت عجز المخلوق برز كمال الله وأشرق جلاله، وتحقق اتصافه بالأوصاف التي لا تليق بغيره، فهو الكامل في ذاته وصفاته، المحيط
(41
بكل شيء: ولا يخفى أن الله عز وعلا هو الأول والآخر والباطن والظاهر»، وهو بكل شيء عليم، و على كل شيء قدير والفعال لما يشاء، تساوى معه خلق الذرة والجبل والبحر والهياكل العظمية، لا فرق عنده بين خلق (1/103)
صفحة 85
-1·8 -
السموات وما فيها والأراضين وما عليها، يعلم ما دق كما يعلم ما جل، وهو ولى كل شيء له الحكم وإليه ترجعون، فكل ما يتصور في الأفهام، أو يتخيل في الأوهام، أو تختلج به النفوس، أو تتحرك له الرءوس فالله خالقه والله مالكه ومدبره ومقدره ومصوره كل شيء بيده، فهو الذي قضى الأمور إجمالا وأنفذها في الخارج تفصيلا، ولم يخرج منها شيء عن سلطانه غير محتاج إلى شيء ولا مفتقر إلى خلق من خاتمه، ربي الجنين في بطن أمه، وأطعم الحوت في لحج البحر، ويسر له ما يعيش به، ولم يكل خلقا إلى خلق، ولم يستحقر ضعيفاً ولم يتعاظم بشيء مهما كانت صفته، سبحانه من بديع في ملكوته (1/104)
صفحة 86
110–
إيضاح لمعنى التوحيد
لا يخفى أن التوحيد بالمعنى المصطلح عليه عند العلماء، فهو عند المتكلمين علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية، فهو مكتسب من أدلتها اليقينية، وعند الفقهاء هو إفراد المعبود بالعبادة، وإلى هذا يشهر القرآن حيث يقول: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ويقال هو إثبات ذات لا تشبه الذوات ولا معطلة عن الصفات، والحكم بالشيء الحقيقى أنه واحد هو مفاد التوحيد، والتوحيد هو الاعتراف بأن ما في الوجود كله من الله، وكل شيء منه ويعود إليه
فالتوحيد عقيدة وعمل. وعلى هذين الأصلين يقوم الدين ومن اعترف بوجود الله وأثبت له الصفات المارة فقد وحده، ومن اعتقد أن الدين الله ليس لغيره مهما كان فى الدين، فقد اعترف بتوحيده، ومن عمل الله عملا لم ير لغيره فيه حقا فقد وحده، ومن سلم أمره إلى الله وفوض إليه الأشياء، وتوكل عليه وخافه دينا فقد وحده، ومن عمل عملا رجا فيه الجزاء من غير الله فقد أخطأ فيما صنع وارتكب مركباً وعراً.
فالله مع القريب والبعيد والصغير والكبير، لم يخلق الخلق عبثا، ولم يترك أحداً منهم سدى، ولم ينس مخلوقاً مهما كان في لحج البحار أو أطباق الأرض، أو بين السماء والأرض، فهو المطعم وهو الساقى، وهو الكاسي والمصح والممرض، و هو الذى وضع الأسباب وهيا المسببات، وكل ذلك من التوحيد والحمد لله (1/105)
صفحة 87
الحلقة الرابعة
في الرؤية وما جاء فيها
لا يخفى ان القول بالرؤية بهدم التوحيد من أساسه، ويقضى عليه من
أصله، فإن الرؤية توجب الحلول والله منزه عنه، وتثبت التحيز، وتقرر الظرفية وتحقق التلون، وتقضى بالجهة ونحو ذلك، فهذه كلها قوادح في صحة الألوهية يتعالى الله عز وجل عنها، ولم تبق صفة من الصفات الإلهية ثابتة على أساسها ولا قائمة على قواعدها، فالذي يرى لا يصلح أن يكون، فإن الرؤية للمخلوقات، ورب الأرض والسموات منزه عنها، والتكييف
ربا
لا يليق بجلال الله وعظمته وهو من لوازمها، والتمييز للذات العلية غير ممكن، والقائل بالرؤية مخطئ خطأ لا يغتفر أو يتوب إلى الله ويستغفره، وما ورد مثبتا لها فقد أنكره المسلمون وحكموا بوضعه، فإن أصله من
دسائس اليهود لعنهم الله
ولقد كنت كتبت في الرؤية كتاباً جمعت فيه ما يقوله الذين يقولون بالرؤية، وما يستدلون به وما يقوله النافون لها وما لهم من أدلة، وأضفت ليه القصائد البلكفيات السبع، وكنت حملته معى فاطلع عليه الإمام الخليلي رحمه الله، فأخذه لينظر فيه فاختلس منه ولم يعلم من اختلسه منه، فضاع مع ما ضاع من مخطوطاتنا، وعسى أن لا يضيع أجر عملنا مع الله
الكتاب
عر وجل. ثم فى هذه الآونة أراد منى الولد النجيب أفلح بن حمد بن سالم الرواحي، أن أجمع له من هذا المقام ما يحضر، لما تلقاه من بعض الناس الذين يقولون بالرؤية ويتبجحون بها، ولو تحققوا لعلموا أن الأمر جلل
ان والإقدام عليه عظيم، لأن الكلام فى صفات العلى العظيم. (1/107)
صفحة 88
108 -
-
وها نحن نسوق من ذلك هنا جملا يتجمل بها المقام ويتضح بها المرام، إذ تعبر عن صفات ذى الحلال والإكرام، ونستعرض الأدلة التي فيها النزاع، يقول نبي الله موسى فى مناجاته لربه: (رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ولكن انظر إلى الحبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرَّ موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت.
-
(ci
إليك وأنا أول المؤمنين) و (واختار موسي قومه سبعين رجلا لميقاتنا)،
وهذا الميقات الذي ذكره موسى عليه السلام هو الذي ذكره عز وجل
بقوله: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) إلخ وآخره فأخذتهم الرجفة،
،
أى هو وقومه الذين اختارهم موسى ليكونوا مستعدين لحضور الميقات تنطعا عليه وعناداً، فإنهم هم القائلون: (لن نؤمن
إذ سألوه رؤية
ربهم
(ع)
لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) واختباره بار هم موسى عليه السلام
الله
لحضور الميقات ليسمعهم منعها في حقه، فكيف بهم وموسى نبي عليه السلام وكليمه، فإذا امتنعت في حقه فمن باب أولى تمتنع في
غيره:
وقوله: وكلمه ربه أي أسمعه كلاماً مضافاً إليه، ولن يقدر مخلوق مهما كان مقامه أن يتكلم على لسان الله عز وجل، وإن كبح الكبر والبطر بأحد فيحاول ذلك أن يفاح، فإن الله عز وعلا يعجل نه نقمته وهذه الآيات تهدد سائل الرؤية وترميه بالصواعق التي تنزهق لها الأرواح، فقوله عز وجل: (لن ترانى) هو نفى أبدى لا يمكن وجوده في حال من فإنه لو جاز أن يرى في الآخرة لحاز أن يرى في الدنيا، لأنه هو الذي في الدنيا هو أيضاً نفسه في الآخرة، فهو رب الدنيا والآخرة. وقوله
الحال (1/108)
صفحة 89
1.9
عز شأنه: (ولكن انظر إلى الجبل (هل يقدر أن يستقر إذا تجلى الله له أنه أعظم من موسى ولا عقل له يتصور به عظمة ربه؟ فلما تجلى له مع جعله دكا و خر موسى صعقاً لاندكاك الجبل مغشياً عليه من خوف ما رأى من الواقع على الجبل، وصعق عليه السلام من هول الحادث، ولذلك لما أفاق قال: تبت إليك وأنا أول المؤمنين (أى المصدقين بأنك لاترى، وكذلك أرجف بالقوم كما قال الله جلت قدرته: (فأخذتهم الرجفة) أى الكل تزعزعوا لتلك الرجفة التي أرسلها الله عز وجل.
وقال
موسي
عليه السلام متضرعاً إلى ربه: (رب لو شئت أهلكتهم من
i
قبل وإياى، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء) وقوله: (أهلكتهم من قبل) أى من قبل الميقات،
وقام عليه السلام ييُعاتب ربه حين قال: (تهلكنا بما فعل السفهاء منا) فسفههم حيث طلبوا من ربهم ما منع منه عباده، وأضاف موسى عليه السلام الفعل إليهم إذ قال: (بما فعل السفهاء منا) لأنهم هم الطالبون للرؤية وهو طامع في إسلامهم كطمع ببينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إسلام أولئك العتاة من العرب، فالتفت إليهم ولم يلتفت إلى ابن أم مكتوم فعاتبه فيه ربه في سورة (عبس)، ولذلك أيضا سماها موسى عليه السلام فتنة حين قال: (إن هي إلا فتنتك) وما هى فى الحقيقة إلا عقوبة لهم لأجل عنادهم، ثم سماها ضلالا أيضاً، والضلال موجب للعقاب. ولذلك خرموسى عليه السلام مبهوتاً مرتاعاً من سطوة الله جلت قدرته، لأنه يعلم أن سؤال مثل هذا عظيم:
ولذلك أيضاً لما أفاق من دهشته قال: (سبحانك) أى تنزيها لك من (1/109)
صفحة 90
-110
-
الرؤية، قال: (تبت إليك (أى من سؤالي هذا: والتوبة لا تكون إلا من ذنب في مثل هذا المقام الهائل الحرج الذى لا ينبغي لأحد أن يتجاسر عليه مهما كان، وكل ذلك في غاية الوضوح والظهور إلا عد من لا عقل له
وهم
و من أدلة القائلين بالرؤية من الكتاب قوله تعالى: (وجوه يومئذ قاضرة إلى ربها ناظرة الا وهؤلاء أخطأوا في التأويل من نواحي: أولا قوله: (يومئذ ناضرة) إشار إلى يوم القيامة يقولون: إن الرؤية تكون إذا دخل أهل الجنة الجنة وتلقوا النعيم المقيم والفضل العظيم، دعاهم الله إلى زيارته وتجلى لهم عياناً، فقال لهم: ألم أنعم عليكم الحديث فيتجلى لهم، فما كان شيء أحب إليهم من رؤية الله، وهذا يرده العقل الصحيح والذهن الرجيح، حيث فيه الإحاطة والتمييز والتلون، ووجود الجهة التي تكون رؤيته فيها إلى أشياء عديدة من كون الوجه هو الرائى، وغفلوا عن أن الآية تخبر أن الناس يوم القيامة يكونون صنفين:
صنف أشرق السرور عليه بتلقى بشارات الرضا من أول يوم، فهو مسرور مشرق الوجه طبعاً، فإن ذلك الرضا الذي يرى العبد البشرى به وه من الغبطة والفرح مالا يوصف، لأنه سيصير إلى نعيم مقيم وملك
يکسوه
لا يبلى، وعز لا يتغير، فهو مسرور بذلك ويبقى ينتظر الأمر بالمصير إليه، وهذا أمر طبيعي محسوس ومعقول أن من وعده السلطان بالمنزلة العالية والكرامة الوافية يبقى مبتهجا ينتظر ذلك الموعود بنشاط.
والصنف الثاني من الناس الذى تلقى بشرى السخط والغضب يبقى (1/110)
صفحة 91
- 111 -
كثيباً متغير الوجه ينتظر ذلك الوعيد في روعة ورعب يكاد تنشق مرارته من الخوف، ومعنى ناظرة بالظاء منتظرة حلول تلك الكرامة التي جاءت بها لهم البشرى من الله عز وجل، فهم يتشوفون لها ويتطلعون إليها، فهي من خصوصيات الصنف الأول الموعود بالخير من الله
وأما الصنف الثانى الذى قال الله عنه: (ووجوه يومئذ باسرة) أي كالحة (تظن) أى حين رأت بشرى السوء (أن يفعل بها) الفعل الشنيع الذي دلت البشرى عليه (فاقرة) أي هالكه، لأن أهل الآخرة فريقان هما من سرته البشرى ومن ساءته، فريق في الجنه وفريق
في السعير
(1)
وقولهم: إن الرؤية التي بمعنى الانتظار لا تعدى بإلى ليس بشيء، بلى جاءت معداة بإلى في الكتاب والسنة، وإشعار العرب الذين
هم
حجة
العربية.
و من أدلة القائلين بالروية بل مما تكلفوه في قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار أى لا تيحيط به، ففسروا الإدراك بالإحاطة والمعنى لا تحيط به، بل تراه ولايتم لهم ذلك لرده بالمعقول والمنقول، فلا نطيل به المقال، واستدلوا أيضاً بلفظ الزيادة في قوله عز وجل: (لهم الحسنى وزيادة)، قالوا الحسنى الجنة، والزياده رؤية الله عز وجل، وهذا مردود أيضاً بالعقل والنقل ولا يخفى بعده من
D
الحق، ولقد أشبعنا القول في الرؤية عن أهل العلم في كتابنا و إيضاح المنارة
في عدم رؤية الجبار:
?? (1/111)
صفحة 92
i
11200
نسأل الله أن يجعله حجة واضحة ترد الباطل، ومعولا حاداً يكسر ضلال كل جاهل، والله يجب تنزيهه عما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى، فإن القول بالرؤية من نوع القول بالمتشابه على ظاهره، فإن هذا كله يقدح في ذات الله وما يقدح فى ذات الله فهو كفر وضلال، نعوذ بالله
من سوابق الشقاء، ونسأله العون على طاعته، وأ وأن يمنحنا الهدى فإنه من يهدى الله لا
مضل
له، ومن يضلل فلا هادى له والله حسبنا ونعم الوكيل. (1/112)
صفحة 93
- 113 -
أعداء المذهب الأباضي في الإسلام
لا يخفى أن أعداء الحق في العالم هم الأكثرون، والطاعنون في المسلمين هم السواد الأعظم، ألا
تري قريشاً و هم العدد الوفير
ومحمد عليه الصلاة والسلام ومن معه
هم العدد اليسير، وكان
مع قريش الضلال وعند محمد عليه الصلاة السلام الهدى والتقوى فكان محمد الممقوت تضاف إليه الصفات المستقبحة كالكذب والجنون
و السحر ونحوها لقصد التنفير منه والابتعاد عنه،
حتى لا تقوم له قائمة في العالم
فتنفر منه الطباع وتبتعد عنه الأخبار، ومضى
على ذلك عهد غير يسير فناله في ذلك العهد الأذى والشتم والتتمبيح
وسوء الأحدوثة حتى أظهره الله على أعدائه، وسلطه على كبح
جماح البغي والفساد في الأرض، ليظهر الله به حجته على عباده، ويقيم به دعوته في بلاده، حتى تمت حجة الله على الخلق، وأقام به على ذلك أعمدة الحق، حتى لا يقولوا يوم القيامة:11 ما جاءنا
الله
من بشير ولا نذير، لقد جاءكم بشير ونذير فكذبتم، وجاءكم الهدى فأعرضتم، وجاءكم الحق فلم تقبلوه. وكذلك المذهب الأباضي أعدائه ما لا تحمد عقاه، ولا يرضي به ولن يرضي
لقى من
ما ينسبه إليه أعداؤه، ولكنه يحتمل في جنب الله كل ما يسمع، ويرى و يمر على ذاك بسلام لأنه أن الحق له أعداء لا يقلون ولا يضعفون مدداً، وقد كتب أعداء هذا المذهب كل منهم
عدداً
يعلم
ما يحب ويهوى، ولا يلتفت المذهب إلى هؤلاء القائلين أو الكاتبين،
(م 8 - طاقمات) (1/113)
صفحة 94
- 118 -
بل يقول كما قال الأول من أهل الصدور الواسعة والعقول الرزينة:
فمن صد عنا حسبه الصد والحفا
و من فاتنها يكفيه أنا نفوته
ولا شك أن الإعراض عن أهل الأهواء وأهل الزيغ يكفى أن يكون جواباً، لأن الجواب القولى لا يقنع أحدا ولا يقتنع به
أحد،
، بل يزيد شقة الخلاف، ولا يزال يوسع مسيرة التباعد ويشنع على] النفوس بما يثير نعرتها، ولذلك ترى المذهب الأباضي لا يطعن في أحد ولا يلعن أحداً، ولا يقدح في أعراض الناس ولا يرى إلا الحق أن يعتنى به، فالذين يقدحون في المذهب أكثرهم غلب
شيئاً يجب
عليهم سوء الطوايا، وأغلبهم طغى بهم الحسد وحرك بعضهم التبجح:
وهجم يبعضهم سوء النوايا حتى نسبوا إلى الأباضية ما هم أبرياء منه، وأضافوا إليهم ما ليس هم منه في قبيل ولا دبير، وأضاف إليهم بعضهم ما لا يرضى من القول
،
وما كان بالأباضية قصور ولا
تقصير، ولكنهم يفضلون التمسك بقول القائل:
ولقد أمر على اللثيم يسبنى
فعرضت ثمت قلت لا يعنيني
وهكذا شأن رجال الأباضية في أغلب أحوالهم، ولا يوجد عنهم طعن أو قدح في مذهب من المذاهب، لأن الطعن أو السب لم يرد عن.
الشارع ولا أمر به في حال من الحال، وكان رسول الله عليه الصلاة (1/114)
صفحة 95
والسلام يسمع من قومه الكثير وكأنه لم يسمع، وبذلك امتاز على غيره حتى قال الله له: (وإنك لعلى خلق عظيم!!!
فإذا أردنا أن ننقل عن الطاعنين فى المذهب ضاق بنا المقام وبعدت
الخريت
،
شقة سفرنا في هذه الناحية الشاسعة السوداء المظلمة التي يتلون فيها ولا شك أنا نفضل المرور بسلام فنسكت عن كل قائل ونعرض عن كل ناقل، ونكل الناس إلى الله، وعلينا أن نكشف النقاب عن وجه الحق ونبرزه مجلوا يضيء حوالك الجهل، فمن وفقه الله للهدى ورأى الحق فاتبعه وعرف الباطل فاجتنبه، فضل من الله وتوفيق منه للصالحات والله على لسان كل ناطق والله
فذلك
CU
المستعان (1/115)
صفحة 96
117 -
الحلقة الخامسة
في الولاية والبراءة الشخصيتين
اعلم أن الولاية والبراءة نوعان، وكل نوع منهما ينقسم قسمين: هما ولاية الأشخاص وولاية الحملة، وبراءة الأشخاص وبراءة الحملة، ولا يخفى أن الولاية والبراءة تجبان للأفراد كما تحبان للجماعة، ومن خصهما بالجماعة دون الأفراد وقع في قصور وتقصير، فإن الله سائل يوم القيامة كل نفس عن أعمالها ومجازيها على أفعالها، ولاوجه لاختصاص الجماعة بحكم هذه صفته، وقد أوضح الله الكريم فى كتابه الذى هو الصراط المستقيم الولاية لشخصية والبراءة الشخصية، كما أوضحها في الجماعة.
يقول الله عز وجل حاكيا عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، إذ يقول في أبيه: (فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه، ثم أثنى الله على إبراهيم
(1
على أثر ذلك فقال: (إن إبراهيم لأواه حليم)، وكذلك قال الله عز وجل في البراءة الشخصية حيث قال: (تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ما له وماكسب. سيصلي ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل
(31
من مسد)، لأن أصل الولاية الموافقة في الدين، وأصل البراءة المخالفة فيه، فكل موافق فى الدين فهو ولى وكل مخالف فيه فهو عدو، سواء علمت بالموافق في الدين أو جهلته، وهكذا المخالف فيشمل ذلك من علمت ومن جهلت، ومن حضر ومن غاب.
ولهذين الأصلين ثمرة: فثمرة الموافق محبته وإعانته ومناصرته وتأييده عدوه والركون إليه، وبضد ذلك المخالف، ولا يستقيم الدين بغير ذلك، وقد صرح بهذا القرآن العظيم والنبي الكريم حتى الولاية اللغوية. قال الله عز وجل: (1/117)
صفحة 97
- 114 -
(وإن استنصر وكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، وإن كان هذا من قبيل الولاية اللغوية كما أفدتك، إلا أنه يوجب المناصرة النسبة الإسلام للمستنصر بالمسلمين.
ومن ولاية الأشخاص ولاية أم موسى وامرأة فرعون، وكذلك مؤمن آل فرعون والرجل الذى جاء من أقصى المدينة يسعى، وفى البراءة ما يقابل هؤلاء كالذي حاج إبراهيم فى ربه، وكالذى جاء في قوله تعالى: (والذى آتيناه آياتنا مفانسلخ منها؟ فهذه أدلة واضحة كالشمس ولا توجد هذه الأحوال إلا مع الأباضية، والولاية من الأمور المفروضة في الدين كالبراءة لمن اتصف بصفتها، توجه إليه حكمهما، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: (إن الدين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا و نصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) إلى أن قال: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وفى ولاية الجملة أيضا قوله عز وجل: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر الذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)، فأوجب الله جل شأنه - معرفة وحدانيته عز وعلا، ثم أمر بعد ذلك بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات.
13
ولا يخفى أن وجوب الاستغفار للمؤمنين و المؤمنات، موجب لو لا يتهم إذلا عني للأمر بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في مثل هذا المقام إلا الوجوب،. ولا يصح الاستغفار لغير الولى، ألا تسمع ذا الجلال والإكرام يرسل العذر لنبيه إبراهيم عليه السلام: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة أما عدها إياه، إذ قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: سوف أستغفر لك ربى) فالولاية واجبة على جميع المكلفين كوجوب سائر التكاليف من غير فرق (1/118)
صفحة 98
-
119 -
لاقترانها بالأمر بمعرفة وحدانية الربوبية، وقال الله عز وعلا في النساء:-) فبايعهن واستغفر لهن الله (أى اسأل لهن المغفرة من الله.
البازي
فمنع
فالاستغفار لهن موجب اولايتهن قطعاً، لا يقال إن هذا أمر خاص. للنبي عليه الصلاة والسلام، فإن قرائن الحال دالة على دخول الأمة معه- في هذا الحكم، وفى الآية الأخرى يقول الله تبارك وتعالى: (والذين. آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، الله من ولايتهم حيث بقوا على العصيان بعدم الهجرة المفروضة عليهم، وقال الله عز وجل: (والكافرون بعضهم أولياء بعض، فنفى أن يكون المسلمون لهم أولياء ثم قال: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) أى إذا لم يوال المؤمنون للمؤمنين ولم يعاد المؤمنون للكافرين تكن. فتنة وهي القتل، وتطاول أيدى الباطل على أهل الحق، ويظهر الكفر على الإيمان وفى هذا غاية الفساد والله المستعان
ولا يخفى أن البراءة تجب من أهل المعاصى مطلقا سواء كانت كبائر ... كفر نعمة أو كبائر شرل، كما نص على ذلك القرآن وإجماع المسلمين مطلق على ذلك.
والبراءة الشرعية توجب البغض، أى أن البغض ثمرة البراءة من أهل. المعاصى مطلقاً، وكذلك الشتم، أى شتم العاصى لعصيانه ولعن الكافر ه. قال الله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم وا والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) (1) فقد.
لكفره
(1) سورة الممتحنة آية رقم 4. (1/119)
صفحة 99
120 -
صرحت هذه الآية كل التصريح بالانتساء بإبراهيم ومن معه من المؤمنين، إذ قالوا أى حين قالوا في حال قولهم إنا برآء منكم، أى متبرثون منكم. و من معبودكم الذي تعبدونه بغير حق حتى تؤمنوا، فجعل الإيمان غاية لهذه البراءة.
فالآية
فالإيمان بالله وحده يتضمن توحيده وعدم الشريك معه، بمفهومها تنعى على الذين لم يأتسوا بإبراهيم كل الانتساء به وبمن معه من المؤمنين، وهذا هو المؤمن الصحيح الإيمان، وهو أن يحب في الله ويعادي في الله، ولا يلتفت إلى نسب أو قرابة أو نحو ذلك من رياش الدنيا، فإن مصير الكفر إلى النار، وعلى المسلم أن يتباعد منه ومما
يصير إليه باجتنابه، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
وفي الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وفي آخر – حديث قدسي أيضاً - يقول الله لعبده: «هل واليت لي ولياً أو عاديت لى عدواً فإن معاداة الولى عظيمة عند الله عز وجل، وكذلك
ام)
موالاة العدو فإنها بنص القرآن، فهي كبيرة من كبائر الذنوب تجب البراءة من فاعلها، ومن يتولى البغاة والفساق وأهل الكبائر فهو منهم، وحكمه حكم لقوله تعالى: (ومن يتولهم منكم) أي معشر المسلمين، (فإنه سياري حكمه حكمهم، والمعنى من تولاهم وجبت البراءة هم في البراءة ووجوب البراءة من أعداء الله ثابت إجماعا، وإنما
منهم
خلافهم في الأشخاص.
منه،
وقد بينا دايل الأباضية فى ذلك ولهم فى موارد "ولاية والبراءة ثلاثة أحوال هي الحقيقة والحكم بالظاهر من الأحوال، والحقيقة في الجهتين، والثالث الوقوف فى من أشكل أمره لقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس (1/120)
صفحة 100
- 121
-
لك به علم الا والحديث: «الأمور الثلاثة أمر بان لك حقه فاتبعه
اي
،
وأمر بان لك غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فقف عنه، ونريد بالحكم.
بالظاهر ولاية الجملة وبراءتها وولاية الحقيقة موجبة وكذلك البراءة بالحقيقة، وأحوال الوقوف أقواها وقوف الدين وهو فيمن لم يعرف منه حق أو باطل، والرأى فى الولى إذا ركب محجوراً ووقوف الرأى فيمن. أتى بأمر لم يعرف حكمه من الحق أو من الباطل والله أعلم. (1/121)
صفحة 101
-
123
إلا من رحم
موسي
الحلقة السادسة
في حديث الافتراق
لا يخفى أن الله عز وجل قضى على الأمة بالافتراق بعد نبيها، كما أخبر الله عز وجل بذلك فى كتابه الكريم إذ قال: (ولايزالون مختلفين وبك ولذلك خلقهم اقتضت حكمته تعالى بافتراقهم ليتميز المحق من المبطل، ويتبين أهل الإيمان من سواهم، فتكون بذلك منازل السعادة عنده للمؤمنين وينزل إلى مدارك الشقاوة أهل الباطل من القوم الكافرين، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن افتراق أمته بعده، كما افترقت الأمم قبلها. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي فافترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجية وهى التي في قوله عز وجل: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، و بلوت النصارى فوجدتهم قد كذبوا على أخي عيسى فافترقوا على اثنتيز وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجية وهي التي في قوله جل شأنه:) ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجيتي قالوا يارسول الله صف لنا من هى. قال: (ما عليه أنا وأصحابي) أى الذين يثبتون على ما أنا عليه وأصحابى ويسيرون بسيرتى، ويستنون بسنى ويتبعون أثرى. لا ينحرفون عنه قيد شعره، ولا يبدولون أمر من أمره عليه الصلاة والسلام هان الخطب أم عظم، فلا قيصرية ولاكسروية ولا جبروت إلا عند ما يكون الباطل جباراً عنيداً. (1/123)
صفحة 102
124
والحديث رواه أئمة الحديث كأبي داود والترمذي وصححه إذ قال حسن صحيح، ورواه ابن ماجه عن أبى هريرة مرفوعاً وهذا نصه عنده: ه افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى كذلك، وتفترق أمنى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة ناجية قالوا من هي يارسول الله: «قال ما أنا عليه وأصحابي» اهـ وما عليه هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام ورضى الله عن أصحابه معروف و هو على الإجمال الاستقامة في الدين والخضوع لأوامر رب العالمين في الدقيق والجليل، فلا ظلم ولا جور ولا بغى ولا انحراف عن المشروع مهما كان، وروى الحديث أيضاً ابن حبان والحاكم في صحيحيهما بنحو مامر، وقال الحاكم إنه حديث كبير في الأصول، وجاء أيضاً من طرق متعددة فقد جاء من طريق سعد بن أبي وقاص و ابن عمر وعبد الرحمن بن عوف،
وعن أبي الدرداء معاوية بن أبي سفيان ووائلة بن الأسقع وعن
،
ورواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، فثبت سنده العالى و صحت طرقه، فلا مقال فيه
رضي
الله
إلا الصحة.
عنهم
??
وأشار بقوله عليه الصلاة والسلام: «كلهم إلى النار» في رواية الإمام الربيع، أى يصيرون إليها والعياذ بالله، وذلك لخلافهم للحق الذي أوجب الله عليهم اتباعه، ومن ترك الواجب القطعي فهو هالك قطعاً لأن الله عز وجل تو عد على خلاف الحق، وواجب على
ذلك النار
وفي بعض طرق الحديث: «وكلكم يدعى تلك الواحدة، وتحديث
البقيع ما يؤيد ما نقول وهو واضح. (1/124)
صفحة 103
:
- 120
وأول باب فتح لافتراق الأمة فتنة عثمان ثم تلتها فتنة صفين (1) إذ نكث طلحة والزبير بيعة على بن أبي طالب، وفر النهروانيون بعد خلع على وتسلط على الأمر غير أهله، فكانت وقعة النهروان ومنذ ذلك العهد وبذر الافتراق ملأ فضاء الإسلام، وإذ ذاك قام الملك العضوض الذي يعرفه كل أحد ومن هنا قام منادى الافتراق يدعو للشقاق والنفاق، ودخل العلماء بيوتهم وأغلقوا أبوابهم على أنفسهم؛ إذ ساءهم الحال ولم يروا إلا من يعض على الملك بأنياب الافتراس، ومن يستبيح حرم رسول الله عليه الصلاه والسلام ولا يبالى، وفضت الأبكار وهتكت الأستار و و هم أن يفعل نفس الفعل بمكة المكرمة، ومن يلقى القرآن في الجوالق، ومن يقول له هذا فراق بينى وبينك، وحينئذ لم يبق لأهل العلم حق، ولا لأهل الإيمان عون، وإذ ذاك قامت دواعي الاعتزال ووضعت الألقاب وحصل التباعد وشاع نيز البعض للبعض، وقام التمذهب وحصل التأييد لأناس والتنديد بناس، وكل القوم على حنق يثيره ذوو السياسة المفرقة وأهل الرئاسة الممزقة تصديقاً لقول الرسول عليه الصلا والسلام، حيث يقول: وكلكم يدعى تلك الواحدة، والدعاوى منها ما كان على حق، ومنها ما كان على غير ذلك
وإذا أراد الإنسان أو الفريق أو أهل مذهب أن يعلم هل هو ما عليه
النبي صلى الله عليه وآله
وسلم
،
وأصحابه رضوان الله عليهم فلينظر في
القرآن، وليعلم هل هو
سالك طريق الحق فيه عاملا بما جاء به متبعاً
لسنته، قائماً بواجباته آخذاً بما يدعو إليه داعياً إلى الله بحسب مقتضى
! أوامره غير مصر على باطل ولا سالك سبيلا، نائية عن أوامره غير
(1) فتنة الجمل اه. (1/125)
صفحة 104
Cu
-197 -
متعصب لباطل ولا مقلد لهوى مواليا لأهل الحق، معادياً لأهل الظلم صابراً محتسبا الله آمراً بمعروف دعا الله إليه، ناهيا عن منكر أمر الله بالبعد منه قائماً محدود الله، ثابتاً على منهاج العدالة غير محاب ولا مداهن ولا راض بما لا يصح به الرضا مع الله، سانكا مسالك أهل الإيمان، سامعا مطيعا لدعوة الله عز وجل، لا يخاف في الله لومة لائم، يقول ويفعل فيما يرضى عز وجل، لا يداهن في الدين ولا يقتنع بالألقاب الفارغة، ولا يفارق القرآن في حله وترحاله، ولا يتبع لهوى الألفس، فإن عائشة أم المؤمنين خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قالت:
الله
عن
رضي الله عنها لما سئلت و كان خلقه القرآن،، أى كان متخلقاً بالأوامر التي فرضها القرآن لم يحد.
عنها قيد شعرة.
وهذا الوصف من هذه السيدة المصونة ينزل على أعلى ذروة في البلاغة
فلله درها من سيدة عربية تتكلم بأجزل الكلام وأبلغه
•
6
ولا يخفى أن من كان على الصفات التى كان عليها السيد المصطفي وأصحابه من أي الأجناس، فهو المسلم الحقيقى الصحيح الإسلام الثابت على الأركان الإسلامية، سواء كان أباضياً أو حنفياً أو شافعياً أو مالكياً أو حنبلياً أو أو أو. فإن الحق هو اتباع القرآن وامتثال أوامر السنة النبوية و آثار السلف الصالح المعتمد على الكتاب والسنة، فايس للألقاب عند الله معتمد صحيح أيا كان
ولكن لما كان الأباضية لا يعتمدون إلا على الكتاب والسنة الأمة المحقة، ولا يبالون بما عدا ذلك كانوا أولى بأن يوصفوا
وإجماع (1/126)
صفحة 105
127 - -
بالحق وباتباع الحق وبالقرب من الحق، كما يقول بعضهم فإن الأباضية يفرون من الباطل ولا يعدون المبطل إلا جارماً على الحق، ولا يعتمدون أنمة الفسق، ولا يخضعون لدعاة الفساد إلا إذا كانوا مجبودين، ومن يقرأ تاريخهم يعترف لهم بما قلنا إن لم يغط على قلبه داء الحسد، وإذا حسدونا في الدنيا ونحن على حق فلن يقدروا أن يحسدوننا يوم وإذا جئنا إلى الله والحق معنا فلن يضرنا شي د أبداً مما عليه
القيامة غيرن
(
الحارث
وملوك الأباضية معروفون بإتباع الحق في الأزمات التي تواجههم: انظر إلى جيفر وعبد إذ أسلما على يدى عمرو بن العاص صحار تخليا لديه من كل شيء ولم يعترضا عليه في شيء ما، بل قالا له إليك الأمر والنهى ونحن من ورائك لرد معارضيك، وسلما إليه قبض الصدقة. وكذلك لما تغالط جابي الزكاة وامرأة من آل لقيط بن ابن مالك بن فهم وظنهم الحابي مرتدين فصال عليهم فقبض الكثير منهم وخرج بهم إلى المدينة، ولم يعترض عليه أحد من قومهم، بل سار زعماؤهم خلفهم حتى تلاحقوا بالمدينة لدى الخليفة أبي بكر، وشكو إليه أمر عامله وما صنع، وأنهم لم ينزعوا يداً من طاعة وصح ما قالوه، فهدد عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل أبي بكر على فعله، ورد القوم إلى بلادهم محترمين موفرين من بيت مال المسلمين، إذ أعطى عمر بن الخطاب كل فرد منهم ثلاثمائة ثلاثمائة، ولو كان أهل عمان رتدين لم يقدر المصدق أن يفعل فيهم شيئاً، وهم في بلدهم أكثر من عشرة آلاف مقاتل، وعلى الأقل لكانت بينهم مقتلة عظيمة، لكنه لم يكن
مر (1/127)
صفحة 106
-
128 -
ذلك شيء ما، وهكذا كانت أحوالهم، فإن قيل إن الأباضية هم أهل
الحق فغير كثير
فهذا الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي يواقع السلطان يوسف بن وجيه
(el
في نزوى فيفقد يوسف رزة باب لا تساوى ربع دينار طلبها الإمام بغاية الجد حتى ردت على صاحبها، فأين هذه الأعمال أعمال من من يستبيح حرم رسول الله بين يديه في المدينة المنورة، ويبيحها لجيشه الظالم ثلاثة أيام بلياليها، فتفتض الأبكار في بيوتها قهراً، وتهتك الحرم جهارا. إنها قضية لا تمر على قلب مؤمن إلا احترق بنار الإيمان، وإذا وازنت بين عمل هذا الخليع الفاسق وبين أعمال المختار بن عوف الشارى الأباضي في نفس المدينة، كم ترى الفرق بين الرجلين وكم ترى بين جنده الذين يبيتون على المحاريب لهم دوى كدوى النحل بالقرآن، وبين من يلقيه في الجوالق: ومن يقول له هذا فراق بيني وبينك، إنه والله لبون بعيد.
وهكذا حال هذا الجيل الموسوم بالأباضية أينما حل و أينما نزل، تجدهم يقفون على حدود ما أنزل الله فيرضون بقضاء الله وقدره وبحكم شريعته، لا تطبيهم الدنيا بزخرفها عندما يناشدهم الدين، ولا يميلون إلى ممالأة المجرمين وإن رأوا في ذلك الموت، فإن أراحهم خلقت لفداء دينهم فيبذلونها لله تحت الأسنة قرابين، لم يأت الدهر بمثلهم فيما علمنا ولن يبقى الدين بعدد ذهابهم أبداً إلا أن يكون أسماء لا حقيقة لها. . إذ كان ذلك فعلى الدنيا العفا: والله الهادى للحق بإذنه. (1/128)
صفحة 107
129
أخلاق الأباضية
لا يحمى أن أخلاق الأباضية أخلاق الأنبياء والرسل، أخلاق أهل العلمي و العمل، أخلاق أهل الصفا والوفا، أخلاق أهل الحق والعدل"، أخلاق أهل الزهد والورع، أخلاق أهل الجود والكرم، أخلاق أهل الدين من المؤمنين لاطيش ولانزق ولا غلظة ولا توحش ولا تمرد ولا سخريا ولا غدر ولاغش ولا ظلم ولاجور ولا جبروت:
من تلق منهم تقل لافيت سيدهم
مثل النجوم التى يسرى بها السارى
إذا عاهدوا وفوا، وإذا وعدوا كذلك، وإذا قالوا صدقوا، وإذا
قاموا بحق أعطوه من أنفسهم كل ما يتطلبه، لا يحابون الظالم ولا يهشون للمظالم، ولا يتبعون كل ناعق ولا يؤيدون أهل الضلال، ولا يسعون في مناصرة: الجبابرة ولا يرضون بغير ما يرضى الله، ولا يحكمون الأهواء المضلة ولا يقلدون. دينهم الرجال، ولا يعرفون الحق بالرجال، بل يعرفون الرجال بالحق، ولا يقبلون إلا الدين الخالص ولا يطمئنون بغيره، يبيعون النفس و النفيس في رضا الله عز وجل، وإن كلفهم الحال حمل الأثقال
•
لهم أخلاق لا توجد في غير هم من الأمم مطلقا للوافد إليهم حسن الرعاية، فقير هم يسبق غنيهم فى الكرم، وصغيرهم لا يرضى دون كبيرهم، فيه يبيع أحدهم مخنق امراته ليكرم ضيفه، يسير السائر فيهم ما سار لا يهمه أمر إلا أهله نفسه حيث تتقدم على الزعيم فى مطلق المجالات، ينسى النازل
معهم
ووطنه إذا جلسوا كأن على رءوسهم الطير، وإذا تكلموا لم ينسوا الواجب.
(م 9 - طاقمات) (1/129)
صفحة 108
130
والأباضية يحاسبون أنفسهم قبل يوم الحساب، فمن كان على مثل هذا الحال في أي أمة من الأمم وفى أى قطر من الأقطار و على أي حال كان فهو على الحق، ومن عاش عبدا الله مستقيما كما أمر الله فهو العبد الصالح، ولا تغنى التسميات الفارغة أو الألقاب الصاخبة فتيلا ولا نقيرا ولا حسب ولا نسب إلا بالدين (ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ولفظ الإنس يشمل هذا الجنس بقطع النظر عن الادعاءات و الانتسابات مع الباطل، يقول الله
ام
عز وجل لنبيه: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، أى حتى لا تقول لهم أنفسهم إنكم أقارب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه لا أثر للقرابة إلا مع الدين والإيمان، وما من نفس منفوسة إلاهي مسئولة عن عملها، (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ابي
إن الأباضية أنقى الناس وأصدقهم في الأقوال والأفعال، وأثبتهم على طاعة ذى الحلال. يقولون الحق وإن كان مرا، ويعملون به. ويرى الأباضية بقية أهل المذاهب مسلمين لا يتعرضون لعقائدهم بشيء، ولا يقدحون في أعمالهم مما لا يخالف دليلا قطعيا، ولا يخرج عن أقوال أهل العلم وله احتمال للصحة، فإن الله لم يأمر بنقض ما جاء عن الله في كتابه الكريم، أو جاء على لسان نبيه العظيم، أو أجمع عليه المسلمون.
عصمة
وتعتبر زعماء المذاهب الإسلامية علماء الإسلام، ولا يرون لهم من الأخطاء والأغلاط البشرية، كما لا يدعون ذلك لأنفسهم ولا عصمة إلا لنبي أورسول، كما أجمع على ذلك أهل الحق والعلماء الذين وصفهم الله بأنهم يخشونه، فهم الحجة على عباده وإن نسب إليهم ما يخالف المعمول أو يباين المنتمول، فيجب أن يحاشى مقامهم وتنزه أنفسهم من غير أن يقبل (1/130)
صفحة 109
!
131 -
فيهم غير الحق، فإن النفوس الخبيثة لها أغراض خاصة تحملها على الدس والغدر والخيانة، ووضع أشياء تأمل منها البلبلة واختلاف الآراء لاسيما أعداء الإسلام الذين يسوءهم ازدهاره. ولا يوجد للأباضية خاصة طعن في مذهب أو قدح في عقيدة مهما كانت خصوصاً التي يكون من شأنها إثارة حقد أو ضغن، و من كان علم شيئاً من ذلك فليقل، وكم قيل فيهم وكم حررت الصحف والمقالات التي من شأنها التباعد وإثارة الشقاق، وإذا؟ سألهم سائل عن الواجب أفادوه عن صحة وبيان بالدليل والبرهان اللذين يسلم لهما العمل الصحيح والفكر الرجيح و يخضع لهما النهى المستنير، وإذا لم يتمتنه السائل تركوه وشأنه، فإن له ربا يمهل ولا يهمل يحاسب على
النتيل والنقير
6
ونقول الأباضية إنهم على الحق الذى جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنهم لم يجيدوا عنه قيد شعرة، وإنهم هم الفرقة الصالحة من ثلاث وسبعين فرقة التي ورد بها الحديث الصحيح، ولهم على ذلك أدلة معقولة ومنقولة، كما أن سائر الفرق تدعى كذلك ولديها من الأدلة في نظرها
ما يبرر مدعاها، ومن حيث إن الأمر في ضمير الغيب الذي لا يدركه إدراكاً مقطوعاً بصحته إلا الأفذاذ من علماء الأمة، وغير مستحيل أن رضاه أمة من الأمم التى بها الله فى هذا الكون، وإذا كان
الله يمنح المسلمون كلهم إلى الجنة فلا يضر الأباضية ذلك وهم على أصلهم ثباتاً لا يتزعزعون عنه في وقار يبهر الرائى، ورزانة تعجب الكريم، ودمائة
يحيا معها السقيم فيصدق فيهم قول من قال:
سمت الملوك وهدى الأنبياء على
هاماتهم فكأن المقر تيجان (1/131)
صفحة 110
132 -
هذا غالب أخلاقهم إلا ما كان من خليط بغيرهم، يتأثرون بأخلاقه تأثير العدوى فى الأمراض، وقد شهد ويشهد لهم من خالطهم، وهذه هي صفات المؤمنين، فإنك إذا عرضت صفاتهم على المختبر الشرعي رأيتها مستمدة من أصول الدين نابعة من مراشد سيد المرسلين، آخذه منهم باليسار وباليمين إلا في الشاذ من الأحوال والشاذ لا حكم مهما كان
والله المستعان: (1/132)
صفحة 111
133
-
W
وظن المذهب الأباضي
لا تخفى أن المذهب الأباضى كان وطنه الأصلى البصرة إذا كانت جديدة العهد بالعمران الدينى كما هى جديدة بالعمران الحسى، إذ كان قيامها بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله، وكان العمانيون بها كثيرين، بل كانت ذلك العهد عمانية أباضية فهى عمانية برجال عمان الهداة، وهى أباضية بأعلامها التقاة: مثل أبى الشعثاء والخليل بن أحمد الفراهيدي، والربيع بن حبيب ووالده حبيب بن عمرو الفراهيدي أيضاً، وكعب بن سوار قاضيها، وابن دريد المشهور فيها، وصمام بن السائب أحد رواة، الربيع، وأبي عبيدة وأبى الشعثاء أيضا أعلام السنة، والمهلب بن أبي صفرة وأولاده.
معهم
والكثير. من أهل عمان أباضية إذ فها نشأ المذهب الأباضي حيث ولد بها وقام فيها وطار منها إلى عمان بحملة العلم الخمسة المعروفين، ومنها خرج إلى المغرب بحملته الخمسة أيضاً، وكذلك إلى خراسان بأمثال بشير
مع
ابن غانم العلامة الأباضي صاحب المدونة، وهلال بن عطية المقتول الإمام الجلندى بن مسعود رحمهما الله وكان قاضيه ووزيره ومحل ثقته وسيف دولته، وإلى مصر بابن عباد وأبي المؤرج وأضرابهم وإلى مكة بأبى الحر العلامة الحليل وإخوانه وإلى حضرموت واليمن بطالب الحق الله بن يحي الكندى وأنصاره الميامين، وأبي حمزة الشارى المعروف في الصدر الأول.
عبد
بأمثال هؤلاء الرجال وهم كثيرون لا يمكن تعدادهم في مختصر بسير
كهذا، وزعيم الجماعة هو عبد الله
بن أباض رحمه الله
هذه هي أوطان المذهب الأباضى في الأصل، ثم استوطن أوطانا
?? (1/133)
صفحة 112
- ITE -
من
أخرى بعد ذلك، وإن كان تخلى عن، أوطان عديدة لسوء أحاط به وبمعادات الأعداء له، إذ أن الحق تكرهه النفوس الطاغية غالباً وفي بلاد أختها بدل، ومن المحال دوام الحال، ثم ضرب المذهب أطنابه بعمان والمغرب، وأرسى دعائمه منذ ذلك العهد الأول حتى الآن، لم تزل راياته خفاقة ومعالمه واضحة ومراكزه معروفة بأئمة علماء وملوك عظماء طار صيتهم في العالم، وقامت دولهم في العوالم، ورفعت راياتهم على الرءوس، ومخرت أساطيلهم البحار، وصارعت جيوشهم عدة أقطار، وخضعت لهم زعماء لا يزال التاريخ يحدث عنهم، وما زالت علماء التاريخ تتحدث فيهم، فكان لهم بعمان أكثر من خمسة وثمانين إماماً، وملكا لهم أهميتهم ولهم ذكرهم العطر، وفخرهم المستمر، وقد خاضوا البحار فاتحين وجابوا الأقطار مصلحين، ولهم في أرض الله أحاديث قد كتبت بأحرف من النور خالدة خلود الجبال، ثابتة بنصوصها لا تزال
الآن
•
وحتى الآن وسلطاننا الحال صاحب الحلالة قابوس بن سعيد الذي تسلسل من ملوك معروفين، وانتمى إلى أقيال غير منكورين؛ وها هو وبيده السلاح والمصباح، وإليه منتهى أمر البلاد التي لا يزال علمه عليها خفاقا، وسيفه على رءوسها براقا، واسمه على تاجها يتلألأ إشراقا، رفع معنويتها الدولية، ورسم شرفها على الآفاق بعزيمته يمته القوية، وأطار لها صيتا في العالم الدولى حتى منتهى الخف والحافر، وأصبحت معروفة رغم الدهر، وإليها تنظر أعين الدول النظر الشرز، فأكرم به سلطانا على كرسي عريق مجدا وسؤددا، وأعزز به هماما مهماما تقدره الأعداء
6
و من يمن الطالع لعمان وجوده بها، ومن حسن الحظ اهتمامه بحقوقها أيده
الله
وحمى به الوطن والدين على رغم القوم الكافرين
وهنا نريد أن نستعرض شيئاً من خطب أبي حمزة الشاري المختار ابن عوف رحمه الله ورضى عنه التي خطب بها في مكة لما دخلها فاتحا لها، و دخل المدينة المنورة كذلك، ونعلق عليها ما يوضح معانيها ويبرهن عن (1/134)
صفحة 113
- 150 -
مقاصدها، ليعلم الناس مقاصد الأباضية ونوايا زعمائها على نزاهتهم وحسن نواياهم، ويقابل بها العاقل بين أعمال الآخرين الذين تولوا هذه البلاد
قبلهم وبعدهم
، ولينظر الفارق بين
الأفعال
بجد
،
أعمال الأباضية ناصعة في النزاهة ملازمة لمقتضى الكتاب والسنة، تابعة لآثار السلف الصالح: غير راضية عن أعمال الذين فعلوا ما شاءوا تبعاً لهواهم، متغطرسة في أوجه الأمة، وهناك يعلم المفسد من المصلح وبضده تتبين الأشياء. وبالحق تقوم حجة المحق وبها يكون له مقام عند الله عز وجل، وبها أيضاً يؤاخذ
الله عباده
الباطنة
وقبل إيراد المقصود نذكر كلمة وجيزة عن صاحب الخطب المشار إلها فنقول: إن المختار بن عوف رضي الله عنه، كان من أهل عمان من من خصوص قرية مجز يكسر الميم وفتح الجيم بعدها زنى معجمة من أعمال صحار، وكنيته أبو حمزة فأكرم بهذه الكنية التي يتبادر منها معنى حمزة أسد الله، و عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سيد الشهداء؛ ولقب أبي حمزة المعروف به عند الخاص والعام الشائع شيوعاً عاماً، الشارى. وأكرم بهذا اللقب الذى يعرب عن معنى لا يليق إلا بخيرة الرجال والسادة الأبطال من أمثاله. (1/135)
صفحة 114
هو
ر المختار بن عوف:
كان المذكور من
نسب أبي حمزة رضى الله عنه
أهل قرية مجز كما قدمنا، وانتقل إلى البصرة لطلب
رحمه
العلم من السيد الضرير أبي عبيدة العلامة التحرير، وعاش فيها عهداً حتى إذا أن أوان إمامة طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندى الله، أرسله أبو عبيدة مدداً لطالب الحق في ثلاثمائة رجل من أباضية البصرة أيام كانت البصرة أباضية مذهباً وعمانية سياسة، وإلى هذا العهد يشير الإمام السالمي رحمه الله تعالى حيث يقول:
كان لنا
وبأفوله بدا من
فسقا
العلوم مشرقاً عصر فخرج المختار بن عوف المذكور إلى أرض اليمن في الجماعة الذين صحبوه، فبويع الإمام طالب الحق فى سنة 128 في بعض النقل، وكان أبو حمزة الشارى أحد أركان دولة هذا الإمام، ولذلك أرسله لفتح الحرمين الشريفين إذ أفسد فيهما البغاة وعاث فيهما العتاة من الأمويين: وولاتهم وجنودهم الذين مشوا على جسر من البغي وصراط من الظلم، وعلم العالم الإسلامي عنهم، فأخذت غيرة الإيمان من قلب هذه العصابة مأخذها، فخرج أبو حمزة إلى مكة فى كتيبته التي لا تجاوز أربعمائة رجل
من خيار المسلمين، وجاء مكة فهرب منها وإليها فتولى أمرها أبو حمزة
وأصحابه
الله
6
رحمهم وأحسنوا السيرة وحملوا الناس؟ على الجادة
الواضحة التي خلفها الرسول عليه الصلاة والسلام، وأقام منار الدين
على نهج سيد المرسلين، وأحسن معاملة أهلها ولم يحلك عنه التاريخ (1/137)
صفحة 115
138 -
سوءة واحدة مما يحكيه عن غيره ممن عاثوا في بلاد الله، ولم يسلكوا
سبيل الحق
•
وهنا خطب أبو سمزة رحمه الله خطبته التي أعرب بها عن مناصده
وأشار فيها إلى السيرة الصالحة، وحرض الناس إلى الحق فقال:
بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فصلي عليه، ثم قال كما روى ابن عبد رابه في العقد الفريد في الجزء الرابع منه طبعة القاهرة المعروفة بالاستقامة سنة 1359 صحيفة 227، خطب أبو حمزة الشارى بمكة، صعد المنبر متوكئاً على قوس عربية فخطب خطبة طويلة، ترك ابن عبدربه أكثرها بل مهمها وذكر منها آخرها، وفيما ذكر منها غنية عما ترك، لأن من لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها.
ولم يذكر ابن عبد ربه من خطب أبي حمزة إلا ما أقام الله به الحجة عليه، وعلى أمثاله الذين من شأنهم كتمان الحق والميل إلى الباطل الذي يقوله غير الأباضية، فإن الحق إذا قاله الأباضية لم يدخل في الأذهان ولذلك تراه يلعن أبا حمزة حين نزل على أهل الباطل وأنب أهل الفساد وأعرب عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يخلد الحق خلود الجبال، و يمحق الباطل والفساد على كل حال،
قال أبو حمزة، رضى الله عنه رداً على أهل مكة واحتجاجاً عليهم: يا أهل مكة تعيروني بأصحابي تزعمون أسهم شباب والله مكتهلون في شبابهم، أي أعمالهم أعمال المكتهلين نظراً إلى حديث خير شبابكم المتشبهون. (1/138)
صفحة 116
- 139 -
بشيوخكم وشركم شيوخكم المتشبهون بشبابكم، وكان أصحاب رسول!
الله عليه الصلاة والسلام أكثرهم شباباً
قال: عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، أى لا يرفعون أعينهم إلى ما حرم الله رؤيته من سائر الحرم، مقهورة أرجلهم عن المشى إلى الباطل، أى لا يميلون ولا يرضونه. قال: نظر الله إليهم في آناء الليل متثنية أصلابهم بمثانى القرآن، يصفهم بالعبادة وهكذا كانوا رحمهم الله.
قال: إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مربآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، أي أنهم تجردو العبادة الله طلباً لما عنده، ورغبة في الجنة ونعم الرغبة ونعم الراغب ونعم المرغوب فيه، وإذا ذكروا النار اهتزت مشاعرهم وأشفقوا هما يسوق إليها أو يقرب منها، ويوقع فيها ومن خاف أشفق ومن أشفق احترق، وإنما بخشى الله من عباده العلماء وأن الأمر جلل فوق الطاقة
الناحيتين.
من
قال: وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، وصفهم بأنهم قوام الليل
صوام النهار
،
وطوبى لقوم يعيشون على هذه الحال
،
أن غيرهم
يعيش بالليل مع المغنيات والراقصات، وفى النهار مع أهل الباطل، وإذا جاء يوم القيامة جاء مفلساً من الخير، مالنا عيبته من السوء.
قال: أنضاء عبادة قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وأرجلهم يصفهم بكثرة الركوع والسجود حتى أثر ذلك على الجوارح التي من (1/139)
صفحة 117
- 18 -
شأنها هذا العمل، يصفهم بكثرة العبادة كما وصفوا عبد الله بن وهب بكثرة العبادة، فقالوا ذو الثفنات، وهى للبعير إذ يتأثر فيها بالبروك
والقيام، رحمهم الله ورضى عنهم.
قال: مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام، أى لا يزالون صواماً قواما حتى أثر ذلك على أبدانهم، فلم ينعموا بحياتهم كغيرهم، لأن قلوبهم تغلى بحرارة فتحترق من خوف الله عز وجل، وليس هذا بمديح مجتلب، بل هي حكاية الواقع، فكان لهم
دوى بالقرآن کدو ى النحل على المحاريب.
قال: مستقلون لذلك فى جنب الله، أى يرون ذلك قليلا في حق الله عز و جل على ما وعدهم به جل شأنه. قال: موفون بعهد الله، أى ثابتون عليه والمراد بالعهد هنا الإسلام أو العهد الذى أخذه الله على عباده في عالم الذر. قال منجزون لوعد الله أى موفون بما وعد الله أهل ساعته لم يغترها برياش الدنيا. قال: حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحتهم قد أشرعت وسيوفهم قد انتضيت وأبرقت الكتيبة و أرعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتتيبة اوعيد الله، أى القائم على بغيه في الأمة الذي لا يبالي بقتال
6
لما رأوا العدو المناوئ لهم المؤمنين ولا بقتلهم، و تجهز للزحف عليهم، ورأوا لوائح الموت تلوح، ومصائبه تحل قريباً من دارهم، طالبة لهم ومعادية، وأرعدت
لهم
الكتيبة أى زمجرت كما هي العادة، وغمغمة الحرب وهمهمة رجالها، وذلك كناية عن تقدمها للقتال وسحبها للميدان أبطال الرجال، لم يروا إلا ملاقاتها ولم يرضوا إلا مصادمتها امتثالاً لأمر الله وطلباً لمرضاته، لا لحظ دنيوى برومونه أو لملك يحاولونه، وإنما جل مرادهم بذل (1/140)
صفحة 118
181
-
النفوس
رخيصة في طاعة الله، فإن الجهاد في سبيله من أعظم
القرب عنده
ولذلك لم يروا إلا التهاوى للميدان كما تهوى النجوم من السماء، ولما سمعوا رعد الكتيبة ورأوا برقها وعاينوا مصارع الأبطال وترجل الموت، وهي صرخات الأبطال لقاتل أو متمتول، استهانوا بما سمعوا وهشى لما رأوا واستقبلوا الكتيبة غير مبالين بما يلاقون، ورأوا وعيد الكتيبة بالقتال أهون من وحيد الله على من فر إلا متحرفاً لتمتال أو متحيزاً إلى فئة، فإن وعيد الله له بغضه أعظم من وعيد الكتيبة، ووعيد العدو أو القاعد على فراشه غير راغب في نصرة الحق على الباطل.
قال: فمضى الشاب منهم قدماً حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه، أي مضى متجرداً بعزم غير راهب ولا مرتاع حتى يسقط عن فرسه قتيلا في سبيل الله قال: قد ز ملت محاسن وجهه بالدماء وعفر
جبينه بالثرى، وأسرع إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير السماء، والمعنى غشى الدم وجهه وعفره التراب عند اقتحام فرسه أو عند سقوطه قتيلا، وترك في التراب حتى لا دافن له، فأضحى فريسة للسباع وطعمة لطير السماء من العتمبان والنسور والرخم بعد ما كان عزيزاً مصونا تتحاماه الرجال، ولا ريب فإن الجود بالنفس أقصى غاية الجود.
قال: فكم من مقلة فى منقار طائر طال ما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف بانت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده، خد عتيق وخبين رقيق قد فاق بعمد الحديد.
ركم من
قلت في هذه الحمل من الأسى على المؤمنين الصالحين الذين يقتلهم الظلمة والفسقة بغير حق ولا موجب إلا البغي والعدوان، وبالعين تبكي على محرابها من خشية الله، ثم يأخذها الطائر بعد قتل صاحبها في سبيل (1/141)
صفحة 119
142
الله، إنها لغاية مع الله ولا ترى النار عنده، و بالرجل طالما بات صاحبها معتمداً عليها، قائماً يصلى فى جوف الله، ثم يبذلها صاحبها فترضخ بالكسر والقطع من أعداء الله، وبالحبين نير يتلألأ نوراً، وخد يلمع بالبشر سرورا، تنحط عليه سباع الطير تأكله لا تعرف له قيمة ولا تدرى له ثمناً، ولو علمت لبكت عليه دما
قال: رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل أرواحها في الحنان، هذا مصباح ولايته رحمه الله لها، وبرهان حبه لأهلها، ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن أو كفرة أهل الكتاب أو إماما جائراً أو شاداً على عضده، أى كلنا لآدم وهو الجامعة الكلية"، وكلنا أولياء لبعضنا بعضا، لأن أصل الفطرة جامع بيننا لم تختلف في هذا، وإنما اختلفنا في العمل، فعابد وثن والكافر من أهل الكتاب، والإمام الجائر والشاد المعضده بالمناصرة له، فهؤلاء أعداؤنا في الدين نبرأ إلى الله منهم، وندعو الله أن ينصرنا عليهم، وهو خير الناصرين. اهـ آخر خطبة البطل الشارى: رحمه الله ورضى عنه وهذه هي وجهة أهل الله، والله الموفق لما يحبه
ويرضاه
ولما فرغ من مكه المكرمة توجه للمدينة المنورة فاحتلها، ولا نريد أن نتكلم هنا عن صفة احتلاله و ما لاقاه من مصائب، وما كان له من عمل، فإن ذلك إلى التاريخ ونحن هنا نريد أن نذكر خطب أبي حمزة البطل المشارى رحمه الله ليسمع كل ذى قلب ألقى السمع وهو شهيد، فإن لسان المرء ترجمان عقله، وإن ما انطوى عليه تعبر عنه
اللسان (1/142)
صفحة 120
143
(1)
قال الإمام مالك: خطبنا أبو حمزة خطبة حيرت المبصر وردت المرتاب، وأراد بالبصير نفسه والمرتاب هو الشاك في دين أبي حمزة ونواياه وعقيدته، كما أن اعتقاد الناس فيه أنه خارجي عملا بما رموا به هذه الفرقة النزيهة الطاهرة (1) ولما سمع مالك المذكور كلام أبي حمزة وما يدعو إليه وما يشير عليه فى مسلكه هذا، وسمع الحجج التي يلقيها أبو حمزة يقرع بها الباطل ويؤيد بها الحق بقى حائراً مرتاباً فيما هو عليه، ولذلك قال: حيرت المبصر أى بقى المبصر في نفسه الذي يرى أنه على بصيرة من الأمر حائراً، فإن الحجج التي جاء بها أبو حمزة كشفت النقاب، وأوضحت الارتياب ونفت عن الحق الغيم الذي غطى على قلوب كثير من الناس
وقوله: وردت المرتاب أى رجع الذي في قلبه ويب إلى الحقائق التي جاء بها أبو حمزة رضى الله عنه، وعلى أثر ما قال مالك بن أنس، قال الإمام السالمي رحمه الله: ليته ترك الحيرة وأخذ بالبصيرة، ولكن. من يهدى الله فلا مضل، ومن يضلل فلا هادي له
أما صاحب العقد خطبنا أبو حمزة خطبة شلك فيها المبصر وردت المرتاب، ومعنى شلك فيها المبصر، أي أن المبصر في نفسه لم يدر ما هو عليه عند سماع ما جاء به أبو حمزة بدليل قوله: وردت المرتاب، أي أن المرتاب في مذهب أبي حمزة هل هو الحق أم الحق في غيره رجع إلى مذهب أبي حمزة
وهو مالكي قال: قال مالك بن أنس رحمه الله:
(1) وقيل إن المرتاب في دينه الشاك في مذهبه رجع إلى مذهب أبي حمزة حين اتضح
له الحق. (1/143)
صفحة 121
144
-
بعد ما زال عنه الريب، وعرف أن الحق معه
،
ولا يخفى ان للحق
نوراً يوضح الطريق ويرشد الرفيق، ويبين المضيق ويهدى الصديق إلى
أقوم طريق:
قال صاحب العقد وهو من أعداء أبي حمزة بدليل لعنه له، ولكن لا يضر أبا حمزة وأصحابه ذلك، أما هؤلاء فقد لعنوا على بن أبي طالب على المنابر لما أمرهم معاوية بن أبي سفيان، فكيف لا يلعنون أبا حمزة وأصحابه، وبهذا يتميز الأباضية عن غيرهم فإنهم لا يرضون عن المبطل أيا كان ولا ينأون عن المحق من كان وأين كان. قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وصلة الرحم وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظمت من الباطل وإماتة: ما أحيوا من الحور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، و أن يطاع الله ويعصى العباد في طاعة الله. هذه جمل تسع أوصى بها مقدمة في خطبته كل واحدة منهن تشتمل على أنواع يستدعى ذكرها مقاما واسعاً و فراغاً طويلا، فإن تقوى الله جامعة كلية تشتمل على أصول الدين وفروعه، ويدخل فيها كل أوامر الله عز وجل ما دق منها وما جل مما حرم الله وما أحل، ومن التقوى جهاد البغاة وإقامة منار العدل، وحمل الناس على العمل بأركان الدين، والقيام بحقوق الأمة على اختلاف أوضاعها وتباين طباعها، والعمل بالكتاب والسنة من جملة التقوى.
ولا شك أن العمل بكتاب الله يتناول أمور الدنيا والآخرة ومن عمل بكتاب الله فقد جمع كل فرض الله
6
وكان عند الله منزلة تلحقه (1/144)
صفحة 122
-
140
بالشهداء والصالحين، وترفعه درجة مع النبيين ولا مقام أعلى من العمل بكتاب الله، وأين من يعمل بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. ولا شك أن خير ما وصى به المسلم أخاه تقوى الله والعمل بكتابه
وما بعد هذا وصية مهما كانت، وصلة الرحم طال ما حض الله عليها ودعا عباده إليها، وفيها من الفضائل ما لا يخفى، ومن الحكم الإلهية ما يطول ذكره، وفى تعظيم ما صغرت الجبابرة وتصغير ما عظمت إحياء للحق وإماتة للظلم، فإن الجبابرة تعظم وتصغر بهوى أنفسها، والشرع عنها في معزل إذ تدعى الشطارة والدراية وحسن الرأى وصادق الخبرة فيما يناسب الأوضاع العقلية، وأين العقل من بواهر الشرع الذي أنزله الله عز وجل على أنبيائه دستوراً سماوياً وقانوناً إلهياً، وأن مدارك البشر من واضع القضاء و القدر، ولا يخفى أن طاعة الله تتجلى في طاعة أنبيائه وفى اتباع ما جاء في كتابه، فما أمر الله به وجب وما نهى عنه من المفروض أن يجتنب، وما سكت عنه فلأهل العالم فيه النظر المرتقب، فإن حكمة الله تكون على أحوال فتكون حيناً نصاً مفروضاً، وحيناً نصاً اختيارياً، وأنا يسع تركها والأخذ بها، وكل ذلك. ومنته، وأن يعصى العباد لأجل طاعة الله، فطاعته تعالى فضله مقدمة على طاعة العباد، وإذا جاء نهر الله بطل نهر العبد
من
•
وقال: فالطاعة لله ولأهل طاعة الله، فإن من أطاع الله أطاع أهل طاعته وعصى أهل معصيته، فالمؤمنون هم أهل طاعة الله، والكافرون والظالمون والفاسقون هم أهل معصية الله عز وعلا قال: ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والمعنى إذا أمر المخلوق بأمر هو مخالف لطاعة الله عز وجل، مخالف لما أمر الله به قولا كان أو فعلا، فلا يصح أن يطاع فيه
•
(م 10 – طلقات) (1/145)
صفحة 123
187 -
الأمر
به، إذ ليس للمخلوق فى الأصل طاعة، وإن الطاعة لأهل طاعته: طاعة له. فالمطيعون للنبيين أو لأئمة المسلمين مطيعون الله الذي أوجب طاعتهم من حيث كونهم على طاعته جل شأنه. قال: يدعو إلى كتاب الله نعم المدعو إليه فإنه الحجة بل هو الرحمة التي أنزلها الله محفورة بملائكته
قلت
الكرام، وكذلك الدعوة إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ هما وسداة، أو قل هما جسد وروح، ولا يقوم أحدهما بدون الآخر،
لحمة
فإن الكتاب جاء بالإجمال، وجاءت السنة بالتفصيل.
وقوله والقسم بالسوية، المراد به المساوات بين المسلمين في الأمور غير الاختصاصية، «فإن المسلمين يد واحدة تتكافأ دماؤهم الحديث. وقوله: والعدل في الرعيه لا ريب أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وقوله: ووضع الأخماس في مواضعها، أى اللرسول ولذى القربي الآية. وهذه هي مواضعها التى أمر الله أن توضع فيها.
وأبو حمزة رحمه الله هكذا لا يريد أن يكون فى المسلمين في يد الفسقة،
وبيت ما لهم في أيدى الظلمة، ومصالحهم الدينية والدنيوية في يد بغاة الأمة وطواغيتها للقينات والمغنيات والراقصات. قال: إنا والله ما خرجنا أشراً ولا بطراً، ولا لهوا ولا اعبا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها، يقسم أبو حمزة رحمه الله على ما خرجوا له قسما عظيماً أن خروجهم إنما كان الله، و في الله وفى طاعة الله، والأشر و البطر أمران حرمهما الله في الدين، وأوجب
عليهما عقابه لمن جاء بشيء منهما، لأنهما من صفات الفساق في الدين. قال: ولا لثأر قد نيل منا أى لنا ثأر عند أحد من الناس، نريد أن نؤاخذ به ولم ينل أجد منا ما ليس لإله فإنا أكفاء لقومنا نقبل الحق ونأمر به، و نرد الباطل و تنفر منه، ثم قال ولكنا لما رأينا الأرض قد أظلمت ومعالم الحور (1/146)
صفحة 124
-184
قد ظهرت وكثر الادعاء في الدين، وعميل بالهوى، وعطلت الأحكام. وقتل التمائم بالقسط، وعنى القائل بالحق سمعنا منادياً ينادى إلى الحق: و إلى طريق مستقيم، فأجبنا داعى الله فأقبلنا من قبائل شتى قليين مستضعفين في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا، وعلى الدين أعوانا
،
يقول أبو حمزة رحمه الله: إن الأرض أظلمت، يعنى بالحور والظلم الذي انتشر بها والفوضى التي عمت أرجاءها، وعدم الرادع لأهل الفساد فيها، ورأينا معالم الجور فد ظهرت، وعدم الإنصاف من الباغي، وعدم القائم بالحق، وانطمست معالم الهدى، و فتحت أبواب الفساد في الأرض، وكثر الادعاء للزعامات والمنافسات كبراً وبطرا ورثاء الناس كل يقول أنا أحق بالأمر، وأنا ابن الخليفة الفلاني، وحفيد الأمير الفلاني، وابن العالم الفلانى، وكل تلك الادعاءات لا يراد منها شيء الله وإنما يراد منها التسلط على عباد الله، ولأكل الدنيا بالدين، وعمل بغير الحق الذي أنزله الله واتبع الهوى، وترك الحق وخذل أهله، وعطلت أحكام الله التي أنزلها في كتابه والتي أعلنها في خطابه والتي قام بها النبي عليه الصلاة و السلام في عهده، ودعا للعمل بها من بعده، وعند ذلك من تكلم بحق زجر، ومن دعا إلى حق قتل، ومن ناصر الحق أهين، ومن أظهر الحق فقد وقع في الخطر، وعند ذلك سمعنا داعى الله ينادينا، وزواجر الكتاب والسنة تنعى ذلك إلينا، والقرآن بين أيدينا يقول: (فاستجيبوا لربكم من قبل أن يأنى يوم لا مرد له من الله، (فاستقم كما أمرت، رادع إلى سبيل وبك بالحكمة والموعظة الحسنة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى الا ونحوها من الآيات البينات، فأقبلنا من قبائل شتى؛ (1/147)
صفحة 125
148
و من شعوب تخاف الله أن ينتقم منها، قليلين مستضعفين تقتحمنا العيون، و تنبو عنا الظنون، فآوانا الله في كنفه، وأعزنا في أرضه، وأيدنا بنصره، لا يحول منا ولا بقوة، فأصبحنا والحال أنا مؤمنون بالله، مطيعون لأوامره خاضعون لحكمه، لا نرى غير ما يرى لنا ربنا، وأعاننا على
أمر ديننا ودنيانا، و هذا من أكبر نعم الله علينا وهذا من شكره عز
وجل،
كما
يعلم
أن الاعتراف بفضل الله شكر له عز و علا.
نم قال: يا أهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر
يعنى أولكم. من
وآله
وسلم
،
آوى الدين و احتضن سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه
، وجاهد بالمال والحال، وشارك في جميع الأعمال الخيرية،
ونجرد النصرة الحق حتى أتى مدحهم في كتاب الله نصاً يتلى طيلة الدهر: وآخركم أنتم الذين ركبكم البغى، وانتشر بينكم فساد بني أمية، ولا تنكرونه ولا تتبرمون منه، وتطيعون الفستمه أهل الخمور والزمور والملاهي،
،
و هذا مما يحط من قدركم ويغض من شرفكم، فإن الشرف في الإسلام بالطاعة والعزة بالتقوى، لا باتباع الأهواء.
قال: إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذى! عوج بتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، فأصبحتم عن الحق ناكبين أمواتاً غير أحياء، ولكن لا تشعرون، أراد رحمه الله بهذا الكلام تحميسهم، ولكن لا حياة لمن تنادى، والمعنى ظهر فيكم قوم تبعوا أهواءهم وركبوا عشواءهم، فأصبحوا ينقادون لأهل الباطل جاروا أم عدلوا، وقد رأى منهم ما لا يرضى فى الدين، وعلم من أحوالهم سوءاً لا يليق حتى في المروءة، فإنه سيذكر ما رأى وسمع من النوم تصريحاً وتلويحا، ومن (1/148)
صفحة 126
-
149
-
حيث إن القوم هم ذرارى أو لئلك السادة الأفاضل الذين هم أشهر على علم في الإسلام.
من
نار
أسف أبو حمزة على ما رأى منهم من سوء قال: يا أهل المدينة. يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ما أصبح أصلكم وأستم فرعكم، كان آباؤكم أهل اليتمين وأهل المعرفة بالدين والبصائر النافذة والقلوب الواعية، عاتبهم بهذا العتاب اللاهب حماساً، وأنهم على ما رأى منهم من العداء السافر، ورضوخهم تحت أقدام الباطل ورضاهم بما لا يحل به الرضا في الدين، فشكر آباءهم وثنى عليهم وأتب الخلف على مخالفتهم لسيرة السلف الصالح الذين وصفهم بأنهم خير أول. وأنهم أبناء المهاجرين والأنصار الذين كانوا معالم الهدى وأركان الشريعة وأعمدة التقوى، وأنكم ترضون بما لم يرض ببعضه سلفكم الصالح،
هم
عليه
وأشار إلى ما وقع من هؤلاء الذين يتهافتون تحت أقدامهم على ما الضلال والفساد، فقد استباحوا الحرم وفعلوا كل محرم وأهانوا أهل
من
العلم وفعلوا ما لم يقبله أهل الإيمان، ولا يرضاه أهل الذم الحر، فضلا عن أهل الإيمان والتقوى.
النفوس عن
قال: وأنتم أهل الضلالة والجهالة استعبدتكم الدنيا فأذلتكم، أى أصبحتم لا تنظرون إلا إلى الدنيا ورياشها وزخارفها والنظر إلى الدنيا يصرف الآخرة، ويعمى القلوب عنها، وبقدر اشتغاله بالدنيا يكون: انحرافه عن الآخرة إذ هما ضرتان، قال: والأمانى فأضلتكم، أى استعبدتكم الأماني المبهرجة. قال: الله عز وجل (ويلههم الأمل): إن الأمانى حبائل الشيطان ومصايده، بها يصطاد من أراد فيزخرفها لهم
ويرينها في نفوسهم، وحب الدنيا والالتفات إليها ينسى الآخرة وأعمالها وفى ذلك الضلال المردى و الوبال المهلك والعياذ بالله.
6 (1/149)
صفحة 127
11011
قال: فتح الله لكم باب الدين فسدد نموه، وأغلق باب الدنيا ففتحتموه. والمعنى أن الله جعل المدينة باب الدين منها يدخل عليه لكون رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها حيا وميتا وهي مدينة العلم، وبموته كانت طيبة دار هجرته، فيها رجال العلم قد ضربوا سرادقهم، المهاجرون والأنصار رضى الله عنهم، وهم أعمدة باب العلم، وبأيديهم مفاتيحه؛ ولما جاء الخلف في مسرح اللهو بهذه الدنيا انسد باب العلم مغلقا على رجاله الأوفياء وأئمته الأتقياء.
قال: سراع إلى الفتنة، بطاء عن السنة، عمى عن البرهان، صم عن العرفان، عبيد الطمع خلفاء الجزع، ومعنى سرعتهم إلى الفتنة انقيادهم لمن جاء مضاداً للحق، وكان واجبهم وهم أبناء الأنصار والمهاجرين مناصرة الحق وتأييد المحق، كان من أقاربهم أو من أباعدهم، وإذا بهم على خلاف ذلك، فإن أبا حمزة جاء للحق وهو يعض على أصابعه ندما الأفعال أهل الباطل، لا يريد ملكا ولا يريد التسلط على عباد الله، إنما
يوم
خرج ردءاً للحق ونصرة للمظلوم، وقد علم حال الأباضية من أول أيامهم، وإذا بأهل المدينة يتقدمون لقتالهم خلف أهل الزيغ عن الحق وراء أهل الضلال والفساد الذين كانوا على أيديهم انتهاك حرمهم
من
وفض أبكارهم وأخذ أموالهم ولكن لقد صح القائل:
من يهن يسهل الهوان عليه ما الجرح بميت إيلام وقد ألف القوم الخنوع والخضوع، وانقادت نعرتهم للزعامة الجائزة عملا بأنهم منهم وإليهم. أما حمزة وهو العماني اليماني لا يحق إلا قتاله. وطرده والقضاء عليه، وقد سمعوا عنه في فتح مكة وتبينوا حقيقة أعماله الزاكية وخصائه الحميدة، وشاع عدله وعرف فضله، والملحق (1/150)
صفحة 128
101
أحق أن يتبع، والمسلم لا يكون مسلما بمعنى الكلمة إلا إذا كان على منهج الشارع الكريم، وليس يخفى الحق على أحد أبداً وكونهم (1)
عن
السنة
هي
أن السنة فى الإسلام قتال الباغي وردع (2). . . والتميام في.
وجه المجرم الذي لا يبالى بما يأتى ويذر، وقوله: عمى عن البرهان ذلك أن الله يقول: (فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله)، (قاتلوهم
ام
حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)، (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار
وليجدوا فيكم غلظة، (لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ولعنهم وأعد. لهم جهنم وساءت مصبرا؟)
هم
الكافرون شركاً وبغاة الأمة كفار نعمة، والكل.
و من هم الكفار عصاة الله خارجون على أحكامه، فإن الكفار استحقوا العذاب بعصيانهم. اربهم وتمردهم على أوامره، وإن كان النملرق بين الكفر شركا والكافر معروف، وإذا لم يتب العاصى من عصيانه كالكافر إذا لم يتب.
عصيانا
من كفره فإن تاب الصنفان قبل الله منهما، وإن أصرا على عصيانهما
1101
هلكا بإصرارهما، (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وقوله: صم عن
العرفان أي لا يصفون للحق ولا يقبلونه، أصم. الشيء الذي لا أريده عن وأسمع خلق الله لما أريد، قال عبيد الطمع حلفاء الجزع، أي إنكم
،
تتهافتون إلى الطمع وتتنافسون فيه، وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع ومن استهواه الطمع ذل لأنه لا يطمع إلا ليجمع ولا يجمع إلا إذا خضع]: لما جمع، ولا شك أن من جمع رغب أن يكون مع ما جمع، فلذلك يذل. ويخضع، وبذلك أيضا يكونون عبيد الطمع حلفاء الجزع، فجعل
(201) هنا بياض في الأصلى. (1/151)
صفحة 129
- 152 -
ما
عندهم جمع الرياش وزخرفة القماش، وفى الحكمة المأثورة: من طمع
ذل، وهو واضح.
قال: نعم ما ورثكم آباؤكم أى أن آباءكم اكتسبوا التقوى ورفضوا الأهواء، وثبتوا على الحق وناصروا أهله ورفضوا الباطل، ومن جاء به
حتى قاتلوا آباءهم عن الحق وتباعدوا عن إخوانهم حين لم يستقيموا. قال وبئس ما تورثون أبناءكم، أى الأبناء الكرام يتبعون آباءهم عادة
لا سيما في الخصال السامية والمعارف العالية والمقاصد الحميدة:
•
بأبه اقتدى عدى في الكرم: ومن يشابه أبه فما ظلم وإذا كان الأمر كذلك وأنتم على هذا الحال فستورثون أبناكم أسوأ الخصال، إذا تبعوكم على ما أنتم عليه، وياللأسف إذا تبع الأبناء الأحوال المستر ذلة التي لا تسوق إلا إلى أدنى الأمور، فإن الله يحب معالى الأمور ويكره سفسافها، وأعمال المسلمين الأولين لا مزيد عليها، وقد أعجزت من جاء بعدهم وأتعبت من رام اللحاق بركبهم، وأين الثريا من يد المتناول. قال: إن تمسكوا به أى إن التمسك بما ذكر قبيح مستقبح
،
وبئس الصنيع، قال: نصر الله آباءكم على الحق وخذلكم على الباطل، أى أن الحق أحق أن يتبع، وما بعد الحق إلا الضلال، كان السلف على الحق الصريح والدين الصحيح، ثم صار الخلف على خلاف ذلك، ولذلك ركنوا إلى الظلمة الذين جعلوا الخلافة قيصرية أو كسروية بعد ما كانت محمدية صديقية، ولا ريب أن الإسلام دين الله، والظلم والجبروت
دين الشيطان
قال: نصر
الله آباءكم على الحق وخذلكم على الباطل، كان عدد
آبائكم قليلا طيبا، وعددكم كثير خبيث، قلت لقد مدح الله القليل في عدة (1/152)
صفحة 130
153 -
أحوال ومناسبات كثيرة ولا يزال القليل بطبيعة الحال ممدوحاً (إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فكواكم وأيدكم بنصره)
(إلا الذين آمنوا وقليل ما هم)، (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، و إن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً)، (فإن يكن منكم
مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله وهذا شأن الله عز وجل في تأييد القليل، ولاشك أن الخبيث ولو كتر إنم هو كالزيد يذهب جفاء، ولو أعجبتك كثرة الخبيث.
قال: فاتبعم الهوى فأرداكم واللهو فأسهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تنزجرون، وتعبركم فلا تعتبرون، لا شك أن من اتبع اللهو أفلس عند الله ولو كان أغنى الأغنياء، فإن اللهو فساد في الدين، وقد ذم الله تعالى اللهو في كتبه المنزلة، وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة في عدة مقامات، ونهى النفس عن الهوى، وقد أكثر العلماء والشعراء من ذم
اللهو لما فيه من فساد، وما يترتب عليه من سقوط الدين وانهيار صروحه، ولقد وعظ الله عباده بمواعظ تتصدع لها الصخور،
نعوذ بالله منه
(
وتذوب لها الشعور، وتنفطر لها الأكباد والصدور، وما يعتملها إلا العالمون بهذه الأحوال يؤنب أبو حمزة أبناء المهاجرين والأنصار، ويلهب.
ضمائرهم ويحمى حفائظهم بحرارة الإيمان، ويحرك هواجسهم بنفئات
الكلام، فإنه يثير العواطف الحية، ولكن لا حياة لمن تنادى، وكما يقال: لمن تقرأ زبورك ياداود. ثم احتج عليهم بقوله: سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم والله ما فيهم الذى يعلم؛ والمعنى هذا مقالكم فيهم وماذا عسى. أن يفعل الجاهل و الذي لا يعلم يجب أن يهتدى بمن يعلم: وذلك أمر مفروض من الله (قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) في آيات. (1/153)
صفحة 131
154 -
المال
و من جملة مقالهم فيهم ما حكاه البطل الشارى عنهم بقوله: أخذوا من غير حداه فوضعوه في غير حقه، قلت هذا من أكبر الكبائر في الدين، قال: وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله؛ قلت هذا أكبر من الأولى لأن من حكم بغير ما أنزل الله سماه الله في الآية الأولى
كافراً، وفي الآية الثانية سماه الله ظالماً، وفى الآية الثالثة سماه فاستماً صفة الكفر والظلم والفسق، وإنها لكبائر يهلك بها راكبها
فتراه جمع
والعياذ بالله. قال حاكياً عنهم مما قالوه عنهم: واستأثروا بفيئنا فجعلوه
دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في
مهور النساء
وفروج الإماء، أي ظلمونا حقوقنا التي شرعها الله لنا ومقاسمنا من الفيء. الذي ذكره الله فى كتابه العزيز، فكانوا ينفقونها في صدقات النساء فيهن، ويتنافسون فى شراء الإماء الغاليات الأثمان، ويبذلون فيهن ما عن وما هان تبعاً لشهواتهم، ولا يرون لنا حقاً، بل الحق لهم والفيء اليهم، وهذا كله حرام بنص القرآن الكريم وإجماع الأمة، ولا يحتاج إلى ذكر ما دل على ذلك من النص، فإنه واضح.
قال أبو حمزة رحمه الله رداً عليهم في هذا المقام الحرج الذي ظلوا يتبرمون منه، ومن أعمال السادة الأمويين: وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا حقوقنا، وظلموكم حقوقكم، وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله، فقلتم لا نتموى على ذلك ووددنا لو أصبنا من يكفينا، فقلنا نحن نكفيكم، ثم الله راع - علينا وعليكم؛ إن ظفر نا لنعطين كل ذي حق حقه، فجئنا فاتقينا الرماح بصدورنا والسيوف بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم فقاتلتمونا؛ فأبعدكم الله: والمعنى قمنا الله عز و جل، وطلبنا منكم أن نكون نحن وإياكم على هؤلاء الذين بدلوا أحكام الله (1/154)
صفحة 132
-
- col
بأحكامهم، وظلمونا نحن وإياكم حقوقنا، فنكون يداً واحدة ولسانا واحداً ندعو إلى الله وإلى نصرة دينه الذى أضاعه هؤلاء الناس جهاراً وداسوا كرامته، فقلتم لانستطيع ولا نقدر على ذلك نخشى صولة هؤلاء علينا، ووددنا أو أصبنا من يكفينا، فقلنا لكم نحن نكفيكم شر هؤلاء العتاة إن. ظفر نا. لنمطين أهل الحقوق حقوقهم، ولننصفن مظلومكم من ظالمه، هذا الذي جئنا له لا نريد أن نكون ملوكا، بل نريد أن نكون رعاة حق. ردعاة رشد وسعاة هدى، والله يعلم حقائق مرادنا، بل هو أعلم بنا منا، فاتقينا الرماح بصدورنا جهاداً في سبيل الله واعتمادا على الله، واستقبلنا السيوف بوجوهنا فى رضا الله وكنا فى غنى عما لقينا وفى بلدناء عن هذه البلاد.
بام
إلا أنها لما كانت مهبط وحى الله وموطن رسول الله و بلغنا ما ينفعل فيها أعداء الله، أخذتنا الغيرة لدين الله، فجئنا من قبائل شتى متفرقين أنسابا، مجتمعين أصحاباً ملتفين أحبابا، تجمعنا رابطة الدين وتلفنا على بعضنا بعضا و تجردنا الله تبارك وتعالى أنصاراً لدينه حماة الوطن لا لثأر نيل منا، ولا لحاجة فدعونا للمجيء سوى مناصرة الحق، والله ينصر من ينصر دينه، فعرضتم لنا تقاتلونا بدلا من أن
شمائل الإيمان
الإسلام
،
،
،
تقاتلوا معنا عدوكم وعدونا وهنا نزل عليهم ووبخهم واحتج عليهم بما لم يقدروا على إنكاره، ولم يستطيعوا رده، ولذلك استولت عليهم الحيرة التي أشار إليها إمامهم مالك بن أنس راوى الخطبة، ثم قال: فوالله. لو قلتم لا نعرف ما نقول ولا نعلمه لكان أعذر مع أنه لا عذر للجاهل، و لكن أبى الله إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم ويأحذكم به في الآخرة. والمعنى لو قلتم من أول وهلة لا نعرف ما تقول ولا نعلمه لكان لكم في ظاهر الحال عذر بيني وبينكم، لأن الجاهل إذا انقاد مع اعترافه بجهله لكان له عذر (1/155)
صفحة 133
- 156 -
في ظاهر الحال، لأنه لا يساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فإن قتال الباغي على الأمة قد لا يدركه ضعفاء العقول، ولقد عارض عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبا بكر فى إرادة قتال مانعى الزكاة حتى أرشده الله وأبان له وجه الحق الذي اعتمد عليه أبو بكر رضوان الله عليه، وشرح الله صدر عمر
لمذلك
ولكن الحقيقة يعلمون بغى الباغي وحكم الله فيه، ولكن القوم أهل أولياء
تقليد مذهبي، فإن التقليد معهم مفروض إذ يعتقدون أن القوم هم الله وأو لو الأمر والخروج على أولياء الأمر لا يجوز جار وا أم عدلوا، ويعتبرون
أبا حمزة جار ما عليهم فيجعلون المجرم محقا و المحق مجرما على قاعدة مذهبهم، و لذلك لما ثار أولئك على أبي حمزة رحمه الله ثار هؤلاء معهم وقاتلوا أمامهم و ناصروا على أبي حمزة الشارى الذي باع نفسه وتجرد لرد أهل الظلم ظلمهم، وردع أهل الفساد عن فسادهم، ويعتقدون ذلك دينا.
عن
ولاشك أن الله يعاقب من أعان الظالم على ظلمه، بل يعاقب على خذلان أهل الحق.
قال ابن عبد ربه: لما وصل الكلام إلى هذا المقام حاكيا عن أبي حمزة الشارى بقوله: ثم قال الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: حاكما "
جاء بغير ما أنزل الله، أو متبعا له أو راضيا بعمله، ومعنى ذلك أن العنصر البشرى في الأصل واحد قال الله عز وجل: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ال، ومن الناحية الدينية فالمسلمون أولياء لبعضهم إلا من جار فى الحكم إماماً كان أو ملكا أو حكم بغير ما أنزل الله أو كان متبعا لمن هذه صفته أو متابعا له فى أعماله أو راضيا بها، وهى ضلال فإن الله حكم على أهل الضلال بالوبال. (1/156)
صفحة 134
ev
قال ابن عبد ربه: أسقطنا في هذه الخطبة ما كان. من طعنه على الخلفاء فإنه طعن فيها على عثمان وعلى بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز. قلت إذا كان أبو حمزة طعن على المذكورين فغير أبي حمزة قتالهم، فإذا كان قتلهم ظلما فينبغي أن يلام التماثل أكثر من لوم القائل، فما بالكم تترضون عن القاتل وتبرثونه وتلومون القائل وتنعنونه، أهكذا يقول الحق؟ أبهذا يقضى الإيمان؟ أهذا من الإنصاف نهم والله بهذا ذهب الدين وما بقى إلا اسمه إنا لله وإنا إليه راجعون، قوم يقتلون عثمان، وقوم يلعنون عليا على المنابر، و قوم يسمون الحسن، وقوم يقتاون عليا، وقوم يقولون لهؤلاء رضى الله عنهم، أبمثل هذا الحال يقوم الدين؟! إنها مصائب تتحكم على أهواء الناس. قال ابن عبد ربه: ولم يترك أى أبو حمزة من جميع الخلفاء إلا أبا بكر وعمر، وكفر من بعدهما قلت لا تلومه، فإن أحدهما أبوه والآخر أخوه، أما من عداهما فليس بينه وبينهم قرابة، أو أنهم قتلوا أياه أو قتلوا قومه. قال ابن عبد ربه: فلعنة الله عليه. قلت لقد بليت نفسك يا ابن عبد و به بلعن من لا تعلم هل استحق اللعن أم لا؟ فإن كان استحق اللعن عند الله فأنت لعنته بغير علم، لأن ما يعلمه الله لا تعلمه أنت، والمسلم لا يكون طعانا ولا لعانا. وإن كان عند الله لا يستحق اللعن فقد اقترفت بلية لا تقف بك إلا على جسر جهنم، وكنت غنيا عن ذلك وفى سلامة منه، ويكفيك أن تحكى عنه ما قال، والله يعلم المفسد من المصلح.
<
قال ابن عبد ربه: إلا أنه ذكر من الخلفاء رجلا أصغى إلى الملاهي والمعازف، وأضاع أمر الرعية فقال: كان فلان بن فلان من عدد الخلفاء عندكم و هو مضيع للدين والدنيا، اشترى له بردان بألف دينار التزر بأحدهما وارتدى بالآخر، أو قال والتحف بالآخر، وأقعد حبابة عن يمينه وسلامة (1/157)
صفحة 135
158
عن يساره، وقال باحبابة غنيني وياسلامة استمينى، فإذا امتلأ سكرا شق ثوبيه وقال ألا أطير فطر إلى النارو بئس المصير، فهذه صفة خلفاء الله تعالى: وقولك
إنه ذكر من الحلفاء رجلا أصغى إلخ ما بالك لا تذكره باسمه والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (اذكروا الفاسق بما فيه متى يعرفه الناس وقال عليه الصلاة والسلام: (أترعون عن ذكر الفاسق بما فيه منى يعرفه الناس وابن عبد ربه يتمول: هو من الخلفاء ويكم حتى اسمه ويصفه بأنه أضاع أمر الرعية وأمر الدين والدنيا، وأنه اشترى له بردان بألف دينار من بيت مال المسلمين، أفنى مثل هذا ينفق بيت مال المسلمين، ثم شقهما حين غنته حبابة وستمتة سلامة حتى أراد أن يطير، فكم لعنة لعنته يا ابن عبد ربه على هذا الحال. هذه خطبنا أبي حمزة فى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وذلك كلام الإمام. مالك في خطبة أبي حمزة برواية ابن عبد ربه، وهذا كلامه هو في أبي حمزة
لا جرم ما يافظ من قول إلا لديه رقيب عتيد والله المستعان.
يام العيد الفقير إلى مولا 0 0 م) من اوراق الرمضاني بيده ت ريخ يوم 19 محرم سنة 1400 هـ الموافق 9 – 12 – 1979 م (1/158)
صفحة 136
رقم الصف.
مقدمة
محتويات الكتاب
الموضوع
القسم الأول: المشتمل على أربع حلقات - الحلقة الأولى الشيخ الطائى مازن بن غضوبة السعدى الصحابي الأول
الصحابي الثاني: عبد الله بن وهب الراسبي
الصحابي الثالث: أبو العباس صحار بن العباس الصحابي الرابع: كعب بن بريشة الطاحي الصحابى الخامس: أبو شداد الذماري
الحلقة الثانية: حلقة التابعين الحلقة الثالثة: في مشاهير أهل عمان في الصدر الأول الحلقة الرابعة: في حملة العلم إلى الأمة أولهم: الإمام بشير بن المنذر النزواني منير بن النير الجعلاني - الثاني
الثالث: موسى بن أبى جابر الأزكاني الرابع: الإمام محبوب بن الرحيل الخامس: محمد بن المعلى الكندي
حملة العلم إلى المغرب
الأول: أبو الخطاب المعافري الثاني: الإمام عبد الرحمن بن رستم الثالث عاصم السدراني
الرابع: إسماعيل بن دوار الغدامسي الخامس: أبو داود النفزاوى القبنى حملة العلم إلى اليمن (1/159)
صفحة 137
رقم الصفحة
الأباضية في اليمن مشاهير عبد الله بن أباض التميمي مركز المذهب الأباضي
الموضوع
ما يتقموله علماء الإسلام في المذهب الأباضي القسم الثاني: من الكتاب في الاعتقاد الحلقة الألى: في معرفة الله عز وجل الحلقة الثانية: بيان الصفات الواجبة له تعالى
الصفات الحائز عليه تعالى
الصفات المستحيلة في حقه عز وجل
الألفاظ المشتبهة التي يدل ظاهرها على التجسيم
الحلقة الثالثة: في إثبات الكمال لله
إيضاح لمعنى التوحيد
الحلقة الرابعة: في الرؤية وما جاء فيها
أعداء المذهب الأباضي في الإسلام
الحلقة الخامسة: في الولاية والبراءة الشخصيتين
الحلقة السادسة: في حديث الافتراق
أخلاق الأباضية
وطن المذهب الأباضي
مطابع سجل العرب
رقم الايداع 4882 لسنة 1980
نسب أبي حمزة (1/160)