صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - حضارة - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية
المؤلف: محمد صالح ناصر
الناشر: مكتبة الاستقامة
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1413ه/ 1992م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 2
الإيداع القانوني: 92/115م
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3717&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/47
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 09 شوال 1446ه/ 08 - شهر 04 - 2025م. مكانة الأباضية في الحضارة الإسلامية
الحلقة الأولى
اعداد
د. محمد صالح ناصر
الطبعة الأولى
1413 ه - 1992 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
مكانة الأباضية في الحضارة الإسلامية
الحلقة الاولى
اعداد د. محمد صالح ناصر
الطبعة الاولى 1413 هـ - 1992 م (1/3)
صفحة 4
المصادر والمراجع
الدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي، دور المدرسة الإباضية في
الفقه
والحضارة الإسلامية. ندوة الفقه الإسلامي
إبرايل، 1988.
، عمان
،
الدكتور أبو القاسم سعد
الله
، حقل في ميزاب، جريدة
الشعب، ع (1990/ 6/7)
الشيخ
أحمد توفيق المدني مدخل لدراسة الدولة الرستمية،
1977
ملتقى الفكر الإسلامي وراجلان الشهيد سيد قطب، أدب الخوارج وفلسفة الخروج،
الشهاب المصرية ع، 15 (1948).
(1869)
الدكتور شكري فيصل، هموم المسلمين، رسالة إلى الشيخ بيوض، مخطوطة من مكتبة محمد ناصر الشيخ عزالدين التنوخي، مسند الإمام الربيع بن حبيب، (مقدمة) عمان، (د. ت)
الشيخ سيد عبد الحافظ عبد ربه، الاباضية مذهب
1985
وسلوك، القاهرة
? (1/4)
صفحة 5
الشيخ علي يحي معمر، الاباضية بين الفرق الإسلامية
غرداية، 1987.
الاستاذ عبد العزيز المجذوب، الصراع المذهبي بافريقيا،
تونس
1975
،
الدكتور عوض محمد خليفات، الأصول التاريخية للفرقة
الإباضية،، (عمان) دت
•
الدكتور عمربا، دراسة في الفكر الإباضي. عمان،
1986
الأستاذ مالك بن بني، في ضيافة ميزاب الثورة الافريقية،
الجزائر
، 1968. ترجمة، محمد ناصر،
الدكتور فهمي هويدي، أزمة الوعي الديني
1989
'
اليمن،
الدكتور محمد ناصر، خطاب مفتوح إلى وزير الشؤون الدينية أضواء، ع، 1989/ 6/1 الاباضية، المذهب، والتصور والواقع، السلام، ع، (19 - 1990/ 12/26) احمد بن حمد الخليلي، الحق الدامغ.
الشيخ (1/5)
صفحة 6
7
23
53
67
103
117
135
145
155
171
مقدمة
فهرس الكتاب
1 الحق الدامغ، الشيخ احمد بن حمد الخليلي
2 الفرق بين الإباضة والخوارج بقلم: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش
3 دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية
بقلم: الدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي ... ه حفل في ميزاب بقلم: الدكتور أبوالقاسم سعد الله مدخل لدراسة الدولة الرستمية بقلم: الشيخ أحمد
توفيق المدني
6 أدب الخوارج وفلسفة الخروج، بقلم: الشهيد الإمام سيد قطب
د رسالة إلى الشيخ بيوض عن هموم المسلمين بقلم: الدكتور شكري فيصل
8 مسند الإمام الربيع بن حبيب بقلم: الشيخ عزالدين
التنوخي
و الإباضية مذهب وسلوك بقلم: الشيخ عبد الحافظ
عبد ربه (1/6)
صفحة 7
يملأ
علي.
بسم
الله الرّحمن الرّح
مقدمة
وراء هذا الكتاب الذي أود أن يفتح القارئ المسلم له قلبه دوافع ذاتية وأخرى موضوعية لعل أقوالها هذا الود العميق الذي جوانحي لإخوة الإيمان أينما كانوا وحيثما وجدوا، فليس أعز من محبة خالصة الله تربطني بأخ في الله رباط تعاون وبر وتقوى وليس رباط منفعة دنيوية أو مصالح آنية. لا تسجنها الحدود الاقليمية عند حيز جهوي أو قطري، ولا يكبت جذوتها انتماء لمذهب أو قبيلة. هذه أولها أما ثانيها فهي مشاعر الألم والاحباط التي ايقظتها في أعماق نفسي تلك الحوادث الأيمة التي شهدتها منطقة وادي ميزاب في هذه السنين الأخيرة حوادث غرداية 1985، حوادث الفرارة أمسك
•
1989، حوادث بريان (1990 هذه الحوادث المفجعة التي فيها الجهل، والتعصب، والتحزب زمام الأمور فساق الإخوة المسلمين الى التصارع مما أدى بأحد الأطراف إلى استحلال الدم، والمال، والعرض وهي أغلى ما الإسلام بقدسيته يوصي
التعصب
لقد رأيت بعيني في تلك الظروف المؤلمة كيف يعمي الأبصار والبصائر وكيف يدفع الجهل إلى التعدي على الحرمات
في وضح النهار، لا لشيء إلا استجابة لنزعة عرقية أو طائفية أو (1/7)
صفحة 8
مذهبية، وما إلى ذلك من نوازع الشيطان التي نهانا ديننا الحنيف أن ننقاد لهواها، ونتصرف وفق رضاها
ولقد آلمني أشد الألم ما قرأته في بيان منسوب إلى أعيان المالكية بمدينة بريان إن صدقا وإن كذباً فقد تحسست في ذلك البيان الانحطاط والتخلف مترسبة في أعماق بعض النفوس
ادران عصور
المريضة التي لم يستطع الدين الإسلامي أن يزيل غشاوتها. فإن الذي يذهل المرء حقاً، ولا يكاد يصدقه عاقل ونحن في فورة الصحوة الاسلامية وضحاها أن ينحدر مستوى الوعي الديني والوطني إلى هذه الدركة التي تبيح لبعض النفوس حمل السلاح في وجه أخ مسلم تحت شعار «الجهاد في سبيل الله» فأي جهاد هذا الذي يرضي الله بقتل الأبرياء.، ونهب أموالهم وممتلكاتهم، وأية محنة هذه التي تطحن المسلمين حتى باتوا لا
يفرقون بين الألفاظ ومعانيها، وبين الشعارات ومقاصدها؟ أيمكن أن نساوي بين مقعد في البلدية أو في الولاية، وبين قطرة دم واحدة لنفس مسلمة؟
ومما لا شك فيه أن المتصرف على هذا النحو السافر الكافر يضاد دعوة الله في كتابه الكريم حيث يقول إنما المؤمنون اخوة
فاصلحوا بين اخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون. لقد نظرت إلى كل ذلك من خلال الدموع، وتفكرت في أبعاد تلك الفتن والحسرة تملأ القلب، لأني أدركت كما لم أدرك من قبل
(*) بنظر مجلة الوحدة الجزائرية) العددان: 476. 749. (1990) (1/8)
صفحة 9
إلى أي.
حد -
متناقضون بين
ما
قبل ذلك وبعده
نحن المسلمين. بعيدون عن تعاليم ديننا الحنيف،
نتلوه في صلواتنا صباح مساء وما نقترفه بأيدينا
وتيقنت كما لم أتيقن من قبل إلى حد أصبحت فيه الأمة الاسلامية كالريشة في مهب الريح العاصف تتطاوح بها الأهواء الداخلية والخارجية، وتستبد بها شهوات الدنيا لتبددها يميناً ويساراً.
إن الذي حدث أو يحدث في وادي ميزاب جزء لا يتجزأ مما حدث أو يحدث في لبنان وإيران أو مصر والسودان، بل هو جزء لا يتجزأ عما يحدث في العراق والخليج.
إن الناظر في تحولات العالم الاسلامي في إطار الصحوة الاسلامية الأخيرة يدرك بأن الصحوة لن تؤتي ثمارها إلا باصلاح ذات البين بين المسلمين الذين يكونون هذا المجتمع الاسلامي المتلاطم العريض وكل مشروع حضاري نهايته الخيبة والفشل ما لم يين أسسه على التسامح والود والمحبة بين أفراده، ولن يصل غايته إن لم يمهد لطريقه وخطواته بالاحترام المتبادل والتقدير الكامل بين طوائفه وأحزابه، مادام الهدف واحداً وهو بناء مجتمع إسلامي
متطور في ظل راية التوحيد ولعل الواقع المرير الذي نشهد ماسيه من حين إلى آخر هنا وهناك يعود إلى أسباب سياسية ودينية في الأغلب الأعم، لقصور نظر لدى الساسة والمتزعمين وذلك ما جعل أحد الكتاب الاسلاميين يقول وله الحق إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل به المصلحون والمخلصون هو: كيف يمكن أن توظف القيم الدينية لتكون ركائز
1 (1/9)
صفحة 10
حزبي
بهم
للتقدم، والنهضة، والتحرر، لا أن تصبح سببًا إلى تكريس التخلف، والتحجر، والتقهقر فإنه عوض أن يتصارع المسلمون بدافع مذهبي أو كان الأولى أن يوجهوا قواتهم الى عدوهم المشترك عدو دينهم وأمتهم. وقرآنهم ونبيهم. فإن المعركة الحقيقية شئنا أم أبينا، أدركنا ذلك أم لم ندركه ينبغي الا تكون بين المسلمين مذاهب واحزابا، وإنما هي صراع حضاري بين كفر وإيمان، وتنافس محموم على السيادة والسيطرة يبين حضارة الهلال وحضارة الصليب، حتى وإن حاول اعداء الإسلام داخلا وخارجاً أن يَطْبَعُوا هذا الصراع بغير هذا الطابع، وأن اتخذوا أساليب تكتيكية سياسية واقتصادية أخرى. فإن لم يدرك المسلمون هذا الواقع ولم يستبطنوا خفاياه فإنهم ما يزالون في توجيه اسلحتهم الفتاكة ضد بعضهم البعض متغافلين عن عدوهم الأساسي الذي يدس السلاح في أيديهم، ويؤلب الحكام الفجرة عليهم، ليتحكموا في منابع الثروات المادية والأدبية، ويخذلوا قواهم الاقتصادية والروحية. إنهم يبتسمون للمسلمين في ود كاذب، وتملق منافق ليوجهوا وجوهنا قبل البيت الأبيض، والساحة الحمراء وليصرفوا وجوهنا الكعبة، والقبة الخضراء، وأولى القبلتين، وليس أدل من هذه المؤامرة التي تجلت واضحة وضوح شمس الهاجرة في سماء الجزيرة العربية، فيما يطلقون عليه اليوم أزمة الخليج) وإن أخوف ما نخافه أن ننفطن إلى عدونا الحقيقي ونحن نردد في حسرة وندامة «إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض فإن نفسا مسلمة واحدة تموت في ساحة المسجد الأقصى، أو في رمال الجزيرة، أو في واحات غرداية، أو
عن
10 - (1/10)
صفحة 11
على شاطئ النيل. لهي خسارة عظمى للمسلمين جميعهم.
لقد كان هذا الواقع المرير إذا حافزاً قوياً دفعني إلى الإسراع
والجمع
بإيجاز هذا الكتاب الذي ليس لي فيه جهد سوى الاعداد والترتيب، وإني لآمل أن يُسهم في تصحيح بعض الأفكار الشاذة التي ما فتئت تطالعنا بها الصحف أو الكتب هنا وهناك. وإن أغلبها جهل فاضح بمبادئ التاريخ الاسلامي. أو هي اتهامات باطلة لغرض دنيوي أو لنزوة جاهلية.
ولكوني أحد المتمذهبين بالمذهب الإباضي فإني حريص دوما على متابعة تلك الكتابات صحيحها وفاسدها، صوابها وخطئها. وقد تبين لي أن السبب الأكبر في نشر المزاعم الباطلة في حق (الإباضية) إنما هم كتاب الفرق الاسلامية القدامى من امثال البغدادي والشهر ستاني، وابن حزم. وحتى الا شعري لم يسلم من بعض ذلك
وإلى جانب أولئك نجد بعض الفقهاء المتعصبين من غير الاباضية أو من الاباضية أنفسهم، فقد ساعد بعض الفقهاء من أصحاب النظر القاصر الذاهلين عن واقع الأمة الاسلامية وما تستدعيهم مشاكلها من تريث وبعد نظر عن الإنسياق وراء بعض الخلافات الفقهية التي ليست بذات بال لأنها فروع وليست أصولا
كما سيقف عليها القارئ الكريم بنفسه من خلال فصول هذا
الكتاب
•
وما أشبه أولئك الفقهاء بالأمس ببعض الدعاة المتطرفين اليوم الذين يتخذون المنابر منابز يدفعهم إلى ذلك غرور وسذاجة فأساؤوا (1/11)
صفحة 12
وبعد
إلى هذه الأمة من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وافتوا عن جهل وهم لما يميزوا بين أصول الدين وأصول الفقة. وحشروا أنوفهم في قضايا وجزئيات تاريخية دقيقة كحد السيف وهم في غنية عن إثارتها والتنقيب عنها، وكان الأولى بهم أن يتأسوا بالائمة المهتدين الذين قال ورعهم تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا، وكان ايلأجدر أن يستحضروا في وعظهم الآية بهم الكريمة و تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تسألون عما كانوا يعملون)، وكان من الحكمة النظر أن يسارعوا إلى ضم الشمل، وجمع الشتات بالتحاور العلمي الهادئ ورفع كل ذلك إلى مجالس الخاصة العلماء من المتخصصين، ولا ينزلوا بقضايا الخلاف إلى أوساط العامة والمبتدئين على أن هذا الواقع المؤلم لا يجعلنا نرتاب لحظة واحدة في أصالة هذه الأمة وخيريتها لأن الذي حكم في ذلك كتاب لا يأتيه الباطل من بين يدية ولا. خلفه تنزيل من حكيم حميد وأن سلوك بعض من المسلمين لا يمكن أن يشككنا في مبادئ الاسلام السامية مهما كان سلوك بعضهم قاسياً، وأن على المسلمين ألا ييأسوا من إصلاح ذات البين وتجاوز الخلافات والصراعات بكل الوسائل الممكنة المادية والأدبية، الفردية والجماعية، وأن العمل في هذا الصدد لن ينجح. ما لم يكن عملاً متواصلاً على جميع المستويات الإسلامية حكاماً ومحكومين، دعاة ومدعوّين، وإن مجالاته تتوسع إلى كل الميادين السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية.
(2) وأن لا يدفع شبابنا إلى الارتماء في أحضان الاحزاب اللادينية.
– 12 – (1/12)
صفحة 13
إن العمل الاسلامي في هذا المجال ينبغي أن يكون استراتيجية واسعة تبدأ من الناشئة الاسلامية في المدارس وتتطور معهم في الثانويات والجامعات، وتتوسع لتشمل كل مجالات الإعلام المرئية والمسموعة بكل وسائلها وبشتى طرقها .. الكاسيت الفيديو الصور .. كتاب الجيب .. وغير ذلك
ويتعاون في هذا كل المسلمين الصادقين، وإن دور علماء الإباضية لا يقل مسؤولية عن غيرهم إن لم يفقه، لأن الحقيقة يكشفها أصحابها. ورب الدار أدرى بغرفة وردهاته، فقد أثبتت التجربة التي قام بها المرحوم الشيخ علي يحي معمر الليبي ت: 1980) نجاحها، وقدمت ثمارها. إذ ما تزال كتبه القيمة مصادر أساسية للباحثين المنصفين، وقد كان لها الفضل في إعانة بعض البحوث الاكاديمية الموضوعية في جامعات الشرق والغرب. وبددت الأوهام، وأنارت الأفهام. إن الطريقة التي سلكها الشيخ علي يحي معمر منذ بداية السبعينيات بكتبه القيمة وهي: الإباضية في موكب التاريخ بأجزائه، الإباضية بين الفرق الاسلامية، سمر أسرة مسلمة، مسلم ولكنه يحلق ويدخن!! .. هذه الكتب فتحت في مجال التعارف الاسلامي بابا واسعا وقربت الشقة التي كانت متوهمة بين الإباضية وغيرهم من المذاهب الاسلامية الأخرى. وبددت كثيرا من المعلومات الخاطئة التي كانت عالقة. وقد لمسنا أثر بهم. ذلك عملياً في كثير من المؤلفات المعاصرة المعنية بالفقه،
والعقيدة، والتاريخ.
وما من شك في أن جهود الشيخ علي يحي معمر واخلاصه وإيمانه كان وراء كل هذا النجاح الذي نسأل الله أن يؤجره عليه.
– 13 -
- (1/13)
صفحة 14
فقد كان الشيخ مفتونا بحب اخوانه المسلمين أينما كانوا من أرض الاسلام، داعياً دوما إلى التضامن والتراحم. مطبقاً مبادئه الثلاثة
المعروفة وهي: المعرفة، التعارف، الاعتراف
وإذا كانت تلك
الاسلامي
هي
جهود الشيخ علي يحي معمر في المغرب، فإن جهوداً عظيمة أخرى ما فتئت تؤتي ثمارها الخيرة
في المشرق الاسلامي والخليج بفضل إخلاص الشيخ أحمد
بن
حمد
الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان فقد دأب الشيخ منذ سنوات
على العمل في هذا الاتجاه بالدروس، وبالمحاضرات، وبالمؤلفات
من
،
عن طريق الكاسيت، والفيديو، والأحاديث المذاعة. وقد كان أبرز أعماله سَعْيُه المشكور إلى عقد ندوة الفقه الاسلامي المنعقدة بمسقط في أبريل سنة 1988، فقد كانت تلك الندوة أول خطوة ميدانية ثابتة في التقريب بين المذاهب الاسلامية، والتعريف بالفقه الاباضي ودوره في الحضارة الاسلامية، بعيداً عن التهريج والأضواء، وفي منأى التعصب والتطرف، لأن الذين عن حضروا تلك الندوة علماء أعلام متخصصون يشهد لهم بالعلم والايمان والاخلاص، وفدوا من كل أنحاء العالم الاسلامي يحدوهم الشوق إلى احتضان اخوانهم المسلمين، ومد ايديهم إلى التعاون على البر والتقوى.
هامة
عن
وقد فتحت لنا تلك الندوة إلى جانب ما ألقي فيها من بحوث الفقه الاسلامي - نافذة واسعة نستنشق منها. هواء الحوار العلمي الهاديء، وبسطت فراشاً أخوياً وثيراً للتعارف والتحابب أجل رفع راية التضامن في العالم الاسلامي. وإذا ذكرت جهود علماء الإباضية في هذه السبيل، فإن الذي ينبغي جهود الرواد من العلماء من أمثال الشيخ أبي اليقظان، (ت 1973)
من
الا ننساه هو
- 18 - (1/14)
صفحة 15
والشيخ بيوض (ت) (1981) والشيخ عبدالرحمن بكلي (ت 1986، والشيخ محمد على دبوز (ت 1981) وغيرهم، وعلى رأس هؤلاء الشيخ أبو اسحاق ابراهيم اطفيش (ت 81965) الذي كان نفيه
كة
إلى القاهرة من قبل الاستعمار الفرنسي سنة 1923 خيرا وبرك للإسلام والمسلمين، فقد صمد الشيخ في هذه الواجهة صمود الأبطال، فشارك في المؤتمرات الاسلامية بالقاهرة وخارجها ونشر المؤلفات التي تعرف بالتاريخ والفقه الاباضيين، وساهم مساهمة فعالة في الجمعيات الخيرية الاسلامية، وشارك في تأسيس بعضها، ورابط مرابطة صادقة في دار الكتب المصرية مصححا لكتب التراث الإسلامي، ودار الكتب تعتبر دار إفتاء ثانية، ومنتدى راقياً يغشاه العلماء والمفكرون والأدباء من كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن هذه الدار عمل الشيخ على التعريف بالمذهب الإباضي وبدد بفضل علمه الواسع بالفرق والمذاهب الإسلامية كثيراً من الأوهام والأباطيل. يحدوه في كل ذلك إيمان صادق إلى توحيد كلمة المسلمين
ما
إن هذا الكتاب الذي نضعه بين يدي القاريء المسلم اليوم
هو
إلا جهد بسيط نسعى من خلاله إلى اغناء تجربة الحوار
•
والتعارف، ونبذ الخلاف وتكريس الائتلاف ومن ثم فقد تعمدنا ان يضم هذا الكتاب بين دفتيه مقالات وبحوثاً متعددة لكتاب مرموقين متخصصين في الدراسات الاسلامية، توينا اختيارهم من الشرق الاسلامي ومن غربه .. من المتمذهبين بالمذهب ارباضي أو المتذهبين بغيره من المذاهب الاخرى حرصا منا على أن يطلع القاريء المسلم على ما يقرره الاباضية عن
– 15 – (1/15)
صفحة 16
مذهبهم بأنفسهم من جانب، كما يستنير بالفكر الاسلامي والأوصول، للمتخصصين في التاريخ، والفقه
الموضوعي
والحضارة، من غير الاباضية من جانب آخر، وحرصنا أيضا على أن تتنوع البحوث والمقالات في مجالات المعرفة المتعددة: عقيدة، وفقها، وحضارة ومن هنا فقد وقع اختيارنا على البحوث التالية وقد رتبناها حسب اسماء أصحابها ترتيبا ألفبائياً
- 1
-2
3
الشيخ أبو اسحاق ابراهيم أطفيش (جزائري
،
ت
1965): الفرق بين الإباضية والخوارج» وهو بحث قيم يوضح فيه الشيخ أهم الفوارق العقيدية، والتاريخية، والفقهيه التي تميز الإباضية عن الخوارج، ويدحض القاطعة بعض الأخطاء التي وقعت فيها بعض
بالحجج الكتابات القديمة. وقد سبق نشر هذا البحث في بعض الكتب المعينة بتاريخ الفرق الاسلامية. وحرصنا على
نشره هنا لعلاقته الوطيدة بموضوع الكتاب الدكتور ابراهيم عبد العزيز بدوي: (مصري): «دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الاسلامية» وهو بحث قيم يتسم بالموضوعية والتحليل لعالم جليل متخصص في مادة الفقه المقارن، وكان الأستاذ الباحث قد شارك به
1988
من
سنة
في ندوة الفقه الاسلامي المنعقدة بمسقط في أبريل. وهو دراسة منصفة لفت فيها نظر العلماء إلى بعض القضايا التي تميز الفكر الإباضي عن. غيره في ميدان الفقه الإسلامي ولا بد أن نشير إلى أننا لم ننشر البحث
بكامله لطوله
الدكتور أبو القاسم سعد الله (جزائري) «حفل في ميزاب»
-17 - (1/16)
صفحة 17
ملاحظاته
عن
وهذا المقال هو في الأصل انطباعات سجل فيها الدكتور سعد الله حفل تأبيني حضره فأوضح ما لاحظه في المجتمع الميزابي من تضامن، وأصالة، وغيرة على لغة القرآن الكريم. ونظراً لعلاقة ملاحظات الدكتور وانطباعاته بالاباضية في ميزاب، رأينا نشره هنا،
خصوصا وأنه يعالج فيه قضية من أهم قضايا الساعة مكانة اللغة
-4
•
وهي
العربية في المجتمع الميزابي .. وتجدر الإشارة إلى أن المقال سبق أن نشر في جريدة الشعب الجزائرية) الشيخ أحمد توفيق المدني: جزائري ت 1984) مدخل لدراسة الدولة الرستمية دراسة قيمة شارك بها الشيخ المدني في ملتقى الفكر الاسلامي الحادي عشر المنعقد بمدينة وارجلان في سنة 1975. وقد عالج الشيخ بقلمه المتميز وأسلوبه الممتع الأخطاء التي وقع فيها المؤرخون القدامى في حق الدولة الرستمية منطلقين في ذلك من تعصب مذهبي، وأوضح أنه ليس في المذهب الإباضي ما يدعوهم إلى ذلك لأنه مذهب سني لا يختلف في أصول العقيدة أو الفقهية عن غيره من
- 5
الاسلامية
المذاهب
وشهادة الشيخ توفيق المدني شهادة مؤرخ عاشر الميزابيين
الإباضيين عن قرب وخبرهم في الشدة والرخاء.
•
الإمام الشهيد سيد قطب: (مصري ت 1966) أدب الخوارج وفلسفة الخروج يستعرض الشهيد سيد قطب المعروف بإعجابه الشديد بآراء هذه الفرقة ومواقفها الايمانية الثابتة. ويدرس هذا الجانب عندها خلال أدبها. ويوضح
من
-18 - (1/17)
صفحة 18
وجهة نظر الإباضية الذين يعرف منهم الشيخ أطفيش إبراهيم، حيث يعارضون من يصر على إلحاقهم بالخوارج
دون تمييز، ويوافقهم في وجهة نظرهم هذه. وقد نشر المقال سنة 1948 في جريدة الشهاب المصرية ونظرا لطرافته وقيمة معلوماته، أحببنا نشره في هذا الكتاب
حتى يستفيد منه الباحثون عن الحق والحقيقة الدكتور شكري فيصل (سوري ت 1987) (رسالة إلى
الشيخ بيوض عن هموم المسلمين هذا عنوان وضعناه لرسالة قيمة، تعد وثيقة تاريخية تنشر لأول مرة كنا نحتفظ بها بين أوراقنا منذ أن رافقنا الدكتور المرحوم إلى (الفرارة) ووادي ميزاب في زيارة خاصة سنة (1969)، والرسالة سجل فيها الدكتور شكري فيصل انطباعاته عما
شاهده في هذا المجتمع الاسلامي المتضامن المتماسك ويرغب في تعميم هذه القيم على البلاد الإسلامية ويعالج جانبا من هموم المسلمين في تلك المرحلة من أواخر الستينيات. الشيخ عزالدين التنوخي (سوري) (مسند الإمام الربيع بن حبيب دراسة علمية قيمة صدر بها مسند الربيع بشرح
حتى
الشيخ عبد الله بن حميد السالمي (العماني) وهي دراسة من متخصص في الحديث وعلومه وقد رغبنا أن ننشرها هنا يطلع القاريء الكريم على مكانة أحد كتب الحديث التي لا تقل أهمية عن الصحاح الست، والشيخ التنوخي عضو المجلس العلمي بدمشق سبق له أن سجل بيراعه المنصف صفحات مشرقة في التنويه بفضائل مذهب الاستقامة وأهله
1
18
-6
-7 (1/18)
صفحة 19
-8
-9
حتى قال في متهميهم بالزيغ: كل من يتهم الإباضي بالزيغ والضلال فهو ممن فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً، ومن الظالمين الجهال ..
الشيخ عبد الحافظ عبد ربه (مصري ت 1990): الإباضية مذهب وسلوك وهي صفحات نقلناها عن مؤلفه القيم بهذا العنوان نفسه، والشيخ عبد الحافظ علماء الأزهر الأجلاء المرموقين، وقد قرأنا في كتابه ذاك
انصافا
من
لم نقرأة لأحد من قبله، وقد تميز بجرأة في الطرح والتحليل قلما رأيناهما لأحد غيره، حتى إنه ليبدو في بعض أفكاره مبالغا في المدح والتزكية. كأن يقول مثلا والمذهب الإباضي ليس عجيبا في الدنيا ولا غريبا عن الحياة، وإنما هو العملة الصحيحة التي يجب تداولها، وتناولها، والتعامل بها في شتى الانحاء، وفي لاجميع المناخات والأجواء، وهي بعون الله عملة لا ينالها التزييف أو التلبيس، ولا يطولها الوضع أو التدليس ولا يجوز في منطقها العمل بين بين، ولا التنكر في وجهين، ولا المشي على الحبلين، فالحق عندها واحد لا يتجزأ،
وكل
يتوزع (4))
الشيخ علي يحي معمر (ليبي ت 1980): «مكانة
الإباضية بين الفرق الاسلامية ..
وهو عبارة عن فصل
أخذناه من الكتاب القيم الموسوم
الإباضية بين الفرق الاسلامية وهو كتاب يعد اليوم مصدرًا
(3) نقلا عن كتاب: الحق الدامغ، للشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص 230.
(4) نقلا عن كتاب، الإباضية مذهب وسلوك ص، 22.
19 - (1/19)
صفحة 20
هاما لا غناء عنه للباحث المنصف. وقد رأينا نشره هنا لأنه يلخص فيه الشيخ ـ وهو المتخصص القدير في دراسة المذهب الإباضي - كثيرا من القضايا التي يعتبرها هو مفاهيم ينبغي أن تختفي.
الأستاذ عبد العزيز المجذوب (تونسي) «الإباضية في الميدان وهو عنوان فصل قيم اتسم بالموضوعية، والانصاف، والبحث المتعمق في النظر إلى الحوادث التاريخية. نشره صاحبه ضمن كتابه الموسوم «الصراع المذهبي بإفريقية وقد طبع بتونس سنة 1975 وأصله أطروحة تقدم بها صاحبها لنيل درجة الكفاءة في البحث
العلمي من كلية الشريعة وأصول الدين بتونس. وقد نشرناه هنا لأنه يغطي فترة من تاريخ الإباضية بالمغرب عرفت بالصراع الحاد بين الفرق والمذاهب، أوضح الباحث فيها تسامحهم واعتدالهم، ونزاهة حكمهم،
وسنية آرائهم.
الدكتور عوض محمد خليفات (أردني): «الأصول التاريخية للفرقة الإباضية عنوان بحث قيم لاستاذ مبرز في التاريخ. وصاحب دراسات أكاديمية متعددة، احببنا نشره لعلاقته الوطيدة بموضوع الكتاب. ولأن صاحبه ذو مكانة مرموقة في الدراسات التاريخية. سبق له أن نشر ابحاثاً تحليلية عن الإباضية في شتى الجوانب الحضارية. ثم لأن هذا البحث لا يعرفه القاريء في الجزائر وإن سبق نشره بعمان مرتين ونظرا لأهمية هذا البحث رأينا إخراجه في شكل كتيب مستقل، أيضاً.
<-10
-11 (1/20)
صفحة 21
الدكتور عمر بن الحاج صالح با (سنغالي) «هل الإباضية خوارج» وهذا الفصل نقلناه عن كتاب عنوانه «دراسة
في الفكر الإباضي، والكتاب في الأصل عبارة عن اطروحة جامعية تقدم بها صاحبها السنغالي إلى إحدى جامعات الهند. وقد صدر الكتاب بعمان في سنة 1986 ونظرا إلى أن الكتاب لم يصلنا إلى الجزائر. وقليل هم أولئك الذين أطلعوا عليه من الباحثين المتخصصين رأينا
نقل هذا الفصل عنه تعميما للفائدة العلمية. الأستاذ مالك بن نبي الجزائري ت 1973): في ضيافة ميزاب» عنوان مقال هام صدر بجريدة «الثورة الافريقية الجزائرية في سنة 1968 سجل فيها هذا المفكر الاسلامي البارز انطباعاته عن ذلك المجتمع الميزابي الذي راه عن كتب فرآى فيه وجهًا لحضارة اسلامية صغرى والواقع أن المقال صدر أصلا باللغة الفرنسية وظل كذلك، ورغبة منا في اطلاع القاريء الكريم الذي لا يمكنه فهم الفرنسية - عربناه راجين أن نكون موفقين
في ذلكم
-
الاستاذ فهمي هويدي (مصري) براءة الإباضية و خطوتان إلى الأمام» مقالان قيمان لهذا الباحث المعروف باهتماماته الاسلامية وباطلاعه على مسيرة الصحوة الاسلامية العالم الاسلامي. وقد كانت له مشاركة فعالة في ندوة الفقه الاسلامي بعمان، وهذان المقالان سجل فيهما انطباعاته، واقتراحاته، حول ما جرى في تلك الندوة الهامة. مستشرفاً آفاق المستقبل الاسلامي بعد هذه التجربة
عبر
الناجحة
- 21
12
-13
-14 (1/21)
صفحة 22
-15
الدكتور محمد ناصر (جزائري): «رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الشؤون الدينية رسالة مفتوحة وجهها صاحبها إلى السيد وزير الشؤون الدينية الجزائري السابق بو علام باقي إثر حديث متلفز تجاهل فيه المذهب الإباضي تجاهلا تاماً، وهو يتحدث عن المذاهب في
الجزائر قديما وحديثا.
وفي الرسالة المفتوحة توضيح لمكانة الإباضية في الحضارة الاسلامية بعامة، وفي تاريخ الجزائر بخاصة. وقد نشرت الرسالة عندئذ في الصحافة الجزائرية مثل النصر والشعب، وأضواء. ونعيد نشرها هنا كوثيقة تاريخية، وإلى هنا نرجو أن يكون هذا الكتاب مساعداً على تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي سادت قروناً طويلة، ويعمل على إزالة الأحكام المسبقة والتعصب المذهبي، إيماناً منا بأنه لا عزة للمسلمين ولا دافع لهم إلى التقدم والرقي ومواجهة تحديات الغرب الصليبي إلا في إطار الوحدة الإسلامية، والتضامن الأخوة المتين، فإن الوحدة والأخاء هما الدعامتان الأساسيتان اللتان ترفعان هذا البناء الإسلامي الشامخ وتزرعان في أفراده وجماعاته القيم المحمدية الفاضلة، فإن القيم السائدة في كل مجتمع هي جزء من مشروعه الحضاري، وفي غيبة هذا المشروع المتكامل) لا بد أن نتوقع خللاً دائماً في بناء القيم على
المستوى العام والخاص نسأل الله سداداً في الرأي. وثباتاً في العقيدة
محمد صالح ناصر
1990/ 10/18
22 - (1/22)
صفحة 23
الحق الدامغ
لسماحة
الشيخ أحمد
حمد بن
الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية – أهل الحق والاستقامة ـ تمتاز عقيدتهم، وتتسم طريقتهم في فهم أصول
الدين بثلاثة أمور:
:
1 - سلامة المنزع. عدم التعصب
-
المرونة والتسامح. (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفى لعباده الدين فوحد به بين فئات المؤمنين، وألف بنظامه بين قلوب المخلصين، سبحانه هو الواحد في ذاته المتقدس في صفاته المتعالى في كبريائه، الخالق لما في أرضه وسمائه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير الصادق
(2)
وحده
في الوعد والوعيد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته، ولا إخلاف في ميعاده، أحمد حمد من آمن بجلاله واعترف بكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون) () وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وخبرته من خلقه وصفوته من رسله، أرسله بأصدق البينات وأظهر الآيات وأبهر المعجزات فأكمل به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، صلى الله وسلم تسليماً
(1) سورة الشورى (آية 11)
(2) سورة الأنعام (آية 301)
(3) سورة القصص (آية 88)
- (1/25)
صفحة 26
عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى
يوم
الدين
، أما بعد:
فإن التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة، فلذلك تجدهم متفاوتين في المدارك، مختلفين في المشارب، متعاكسين في الأحاسيس، وإلى ذلك تعدد يرجع مذاهبهم في الأمر الواحد، وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم) (4) وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوسهم فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة متسحكمة، في العقل والوجدان، مستعصبة على الحجة والبرهان، لا تتزعزع لمحرك، ولا تنقاد الداع
ولذلك كانت دعوات المرسلين عليهم السلام تستفرغ منهم
ذلك
الجهد الجخيد، وتستغرق منهم الوقت الطويل، وتظل مع أفكار أكثر الناس سادرة في غيها، غارقة في عماها، لا تصغى إلى الحجج الصادعة، ولا تتفتح على المعجزات الساطعة، بل كلما إزدادت الحجة بياناً، والمعجزة ظهوراً، كانوا أشد تصامماً وتعامياً، وأوغل في العناد والشقاق وقد ابتليت كل أمة بالافتراق فيما بينها والانشقاق على نفسها، ولم تسلم من ذلك أمة حتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي ختصت بمبعث أعظم رسول إليها، وإنزال أجل كتاب عليها،
(4) (1/26)
صفحة 27
وحذرت أيما تحذير من الافتراق ودواعيه، وبينت لها عاقبة السيئة في محكم آيات الكتاب الذي اختصت به، قال تعالى
(1)
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقواك، وقال سبحانه ولا
ذلك
تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (2) وقال ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (3) وقال لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) (4) فإنها مع كله لم تسلم من هذا الداء العضال الذي أصاب غيرها من الأمم، غير أن الله سبحانه اختصها بأن حفظ لها كتابها المنزل من تحريف العابئين وتبديل المناوئين تحقيقاً لوعده الصادق إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (5)، ومكن لها من معرفة الصحيح الثابت من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وجعل لها من الشقاق والنزاع بالاحتكام إلى الله ورسوله حيث قال فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (6)
مخلصاً
ولا يكون الاحتكام إلى الله إلا بالرجوع إلى كتابه فتستلهم
(1) سورة آل عمران (آية 103). (2) سورة آل عمران (آية (105). (3) سورة الأنفال (آية 46) (4) سورة الأنعام (آية 159). (5) سورة الحجر (آية 9).
(6) سورة النساء (آية 59).
- YY - (1/27)
صفحة 28
منه الحقيقة ويستبان به الحق، وكذلك الاحتكام إلى رسوله لا يعني إلا الرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة.
ومع وجود هذا المخلص الذي أمرنا بأن نفزع إليه من
،
كوارث الاختلاف فإن الخلاف لم يزل، والشقاق لم يستأصل فقد تُؤول الكتاب تأولات شتى لم تستمد إلا من الوهم، ولم تستلهم إلا من الهوى، كما أن للناس مواقف متعددة في معرفة الصحيح من غيره من سنته عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي معرفة نفس مقاصد السنة الثابتة باتفاق الجميع، ومن هنا نشأ ما نراه بين الأمة من خلاف ونزاع في أصول الدين وفروعه
وإن أعظمه ضرراً، وأفدحه خطراً، وأعمقه أثراً، وأسوأه
عاقبة ما كان في أصول الدين، فإنها قواعد الإسلام، بها تقوم
أركانه، وعليها يشاد بنيانه، وبقدر ما تكون قوتها تكون متانة الدين نفسه، ولأجل ذلك فإن الأمة كثيراً ما تتسامح في الخلاف
،
الذي يكون بين فئاتها في فروع الشريعة، ولكن يستد شقاقها ويتعمق نزاعها عندما تختلف في الأصول، وبقدر ما يكون من التقارب أو التباعد فيها بين طائفة وأخرى يقدر ما بينهما من التلاقي أو الافتراق، وما مصدر ما حدث ويحدث بين طوائف الأمة من التراشق بالتهم والتنابز بالألقاب، والترامي بالأحكام القاسية إلا الاختلاف في أصول دينها، والتباين في منازع في معتقداتها بين الإفراط والتفريط في التعويل على
استنادها
النقل أو العقل
وليس هذا النزاع في أصول الدين مع وحدة المصدر الذي
- YA- (1/28)
صفحة 29
تنهل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أئمة الفرق، ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً تطوع له الأدلة المخالفة له بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون) (1)
ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية - أهل الحق والاستقامة - تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة
قامور:
1 - سلامة المنزع، فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين صحيح النقل وصريح العقل، فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادى الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس، وأصح وأثبت مما جاء به النبيون عن الله عز وجل، فعولوا عليه في التحسين والتقبيح، والتعليل والحكم، كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ غير مسترشدين به في استكشاف أبعاد معانيها، والغوص على حقائق مراميها، كما هو شأن عبدة الألفاظ الذين لا يأخذون من النص إلا قشوره، لا يتجاوزون شكله إلى جوهره، ولا يتعدون ظاره إلى مضمونه، بل استمسكوا بالعرى الوثقى من النصوص، واتخذوا من العقل
(1) سورة المؤمنون (آية (53). (1/29)
صفحة 30
السليم دليلاً على فهم مقاصدهم، ومن الأساليب اللغوية شراكاً لاقتناص شواردها، ولا غرو فهم منطلقون في ذلك من مراشد القرآن نفسه، فكم تجد فيه لآيات لقوم يعلقون) و القوم يتفكرون) و لقوم يعلمون و الأولى الألباب) كما تجد فيه إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) (1)، فهو وإن سما فوق بلاغة بلغاء العرب والعجم لم يخرج عن كونه عربي والأسلوب، وقد يسره الله للذكر بتفهم آياته واستجلاء مقاصده، واستلهام مراشده
في
اللسان
2 عدم التعصب لأئمتهم تعصباً يجعلهم يتصاممون عن النقول الصحيحة، ويتعامون عن العقول الصريحة، كما نجد ذلك عند كثير من المتفقهة والمتكلمين، ومن أبشع ما وجدناه ذلك قول العلامة الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر (1).
فقد باين الاباضية هذا المسلك الضيق فقهاً وعقيدة إلى فسيح النظرة الشمولية للأمة، ولم يسوغوا لأنفسهم أن يرفعوا
(1) سورة يوسف (آية:)
(1) حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 100 ط دار إحياء
التراث بيروت لبنان.
- r. - (1/30)
صفحة 31
كلام أحد من أئمتهم إلى درجة كلام الله أو كلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وإن بلغ في العلم والورع ما بلغ، فهذا
الإمام نور الدين السالمين رحمه الله يقول في كتاب أصول الدين
من جوهر
نظامه (2)
6
أمور وهي
لا
تبتني عليها
سحة ديننا فمل إليها
دين للمرء إذا لم يعرف
واعتمدن
إلى أن قال:
ما كان منه لازماً فلتعرف
ذلك
بالدليل
في حالة الاجمال والتفصيل
ولا تناظر بكتاب الله
ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيرا
ويقول أيضاً (3)؛
ولو يكون عالماً خبيراً
نقدم الحديث
جاء
على
قياسنا
ولا
مراء
(2) جوهر النظام ج 1 ص 6 ط 100 (3) المرجع السابق ص (1/31)
صفحة 32
ونرجع
في بيان
لك
عنه إلى إجماع أهل
وستجد أخي القارئ الكريم فيما أقدمه إليك، وفيما دونه غيري من الاباضية، ما يدلك دلالة قاطعة على صحة ما ذكرته، من أن أهل الاستقامة والحمد لله بريئون من هذا الأصل الذي رضيه الصاوي بأن يكون القاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام، كما ستجد إن شاء الله أن الصاوي ليس وحيداً في هذا الميدان، فهناك من مشى على نفس هذا النهج كما يدل على ذلك مسلكه في النقاش، وستجد ذلك إن شاء الله أثناء مطالعتك لهذه الدراسة التي أقدمها إليك، ولا يعني ذلك أن جميع أتباع المذاهب الأربعة منغمسون فيما انغمس فيه الصواي وغيره من حمأة التقليد البغيض، ورفع أقوال الأئمة إلى مستوى أرفع من مسوى كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم، كلا فإن كثيراً منهم تحرروا من ربقة هذا التقليد الأعمى وأنصفوا مخالفيهم في الحكم، كماع ستجد ذلك أيضاً إن شاء الله في هذه الدراسة (1)
3 - المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة وإن بلغ
حجر
(1) إن الانصاف نيقتضي ذكر رَدّ العلامة الفاضل الشيخ / أحمد بن آل بوطامي القاضي الأول بالمحكمة الشرعية بدولة قطر الشقيقة على كلام الصاوي، فقد أفرد هذا الرد في كتاب سماه (تنزيه السنة والقرآن كونهما م صدر الضلال والكفران وقد وضع في هذا الرد المفصل على
لمفصل
- TY- (1/32)
صفحة 33
ما الخلاف بينهم وبينهم بلغ، إذ لم يتجرأوا قط على إخراج وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا
أحد
من
الملة
ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل، أما من استند إلى التأويل - وإن كان أوهى من نسج العنكبوت ـ فحسبه تأويله واقياً لَهُ من الحكم عليه عندهم بالخروج عن حظيرة عنقه، ومن هذا المنطلق صدر
الملة الأمة، وخلع ربقة عن ذلك الاعلان المنصف - الذي رسم مبدأ الاباضية في نظرتهم الأمة من أشهر قائد إباضي وهو / أبو حمزة المختار بن
إلى
عوف السليمي، في خطبته التي ألقاها على منبر رسول الله، فأصاخ لها الدهر، وسجلها الزمن، وخلدها التأريخ، إذا قال فيها رحمه الله: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً
بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل كتاب، أو إماماً جائراً (2).
وقد مشى الإباضية في هذا النهج السليم، والتزموا هذا المبدأ القويم في معاملتهم لسائر طوائف الأمة كما يشهد بذلك التأريخ، ونجد هذه النبرة المنصفة تتردد في أصوات قادة الفكر في الخلف كما كانت من قبل عند السلف، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمة الله تعالى يحدد لنا موقف الاباضية من سائر الأمة بقوله (1)
منهم
عمان
(2) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني ج 20 ص 104 ط. بولاق. (1) كشف الحقيقة مع أنوار العقول من 25. المطابع العالمية، سنضنة
33 - (1/33)
صفحة 34
نحن
لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم
فمن أتى بالجملتين قلنا
اعتقادا
إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما نقضوا المقالا
واعتقدوا في دينهم ضلال
نبين الصواب لهم
ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيته من التحرير
رد
في كتب التوحيد والتقرير
مسائل وحل
شبه
جاء بها من ضل ا
منتبه
قمنا نردها ونبدي الحقا
بجهدنا كي لا يضل الخلقا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهـ
ونكتفي منهم أن يسلموا
وعلى هذه القاعدة بنى الأباضية حكمهم على طوائف الأمة التي زاغت عن الحق وجانبت الحقيقة في معتقداتها فكانوا أشد احتياطاً من إخراج أحد منهم من الملة
بسبب
،
معتقده
ما دام مبنياً على تأول نص شرعي، وإن لم يكن لتأويله أساس
الصحة ولا حظ. من الصواب، ومن هنا اشتد إنكار الإمام الاباضي الكبير محب - رحمه الله تعالى - على (1/34)
صفحة 35
هارون اليماني الذي حكم بشرك المشبهة وخروجهم من الملة، وأنشأ محبوب في ذلك رسالتين جامعتين ضمنهما حججه الداحضة لرأي هارون، وجه إحداهما إلى إباضية عُمان، وثانيتهما إلى إباضية حضرموت (2)، وأطبق الرأي الإباضي على تصويبه وتخطئة هارون
وسئل المحقق الخليلي رضوان الله عليه عن حكم هؤلاء المشبهة هل هم مشركون؟ فكان من جوابه لسنائله:
إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك
الصاوي
من قبل معرفة باصوله، فإنه موضوع الهلاك والإهلاك (1). هذا في حين تجد أتباع الأئمة الأربعة ـ الذين جعلهم مقياساً لمعرفة الحق من الباطل دون الكتاب والسنة - يكفر بعضهم بعضاً في هذه المسألة، وناهيك بما في «السيف الصقيل في الرد على ابن زفّيل» للعلامة السبكي الشافعي و تبديد الظلام المخيم في نونية ابن القيم العلامة الكوثري الحنفي، و «البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة
(2) الرسالتان. في الجزء الثالث من كتاب سير المسلمين، ونرجو أن يظهر هذا الجزء قريباً إن شاء الله بعناية وزارة التراث القومي والثقافة التي أصدرت الجزء الأول منه، ومحبوب هذا هو أحد كبار أئمة العلم في أواخر القرن الثاني الهجري، إذ كان واصطة العقد عند الاباضية مشارقتهم
ومغاربتهم.
(1) كتاب تمهيد قواعد الإيمان ج 1 ص 224 ط وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان (1/35)
صفحة 36
للعلامة القضاعي الشافعي، وأمثالها من الحكم بإخراج هؤلاء المشبهة عن حضيرة الإسلام، كما أن أحكام المشبهة أيضاً على الآخرين لا تقل صرامة وشدة، وناهيك بقول العلامة ابن القيم
في نونيته:
إن المعطل بالعداوة معلن
والمشركون أخف في الكفران
وما مراده بالتعطيل إلا رد متشابه الآي والأحاديث إلى محكمها، حرصاً على التنزيه، وحملاً لكلام الله وكلام رسوله على ما تقتضيه أساليب البلاغة في كلام العرب، ودفعاً لما عسى أن يتوهم منه من التناقض والاختلاف.
کتاب
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجد المتفقهين على مذهب إمام واحد من هؤلاء الأئمة الأربعة يشرك بعضهمن بعضاً في هذه المسألة أو في غيرها، فهذا الفخر الرازي يسمى محمد بن إسحاق بن خزيمة - الذي أسماه كتاب التوحيد ـ كتاب الشرك (2) وهما شافعيان فقهاً، وسوف تقف إن شاء الله في المبحث الثالث من هذا الكتاب على نقول حرفية من كلام ابن
،
تيمية في اختلاف الحنابلة في ألفاظ القرآن وحروفه وأصواته وتكفير بعضهم بعضاً في ذلك، ولا أريد أن أطيل في ضرب الأمثلة وتعديد الشواهد في هذا، فإنني لم أرد بما ذكرته التشهير بأحد، وإنما هو أمر اقتضته المقارنة بين احتياط الإباضية في
(2) مفاتيح الغيب ??
2 b 150
- 36 - (1/36)
صفحة 37
الحكم وحذرهم من الاندفاع، وبين تسرع بعض علماء الأمة الآخرين في إصدار مثل هذه الأحكام التي لا تؤول إلا إلى صدع جدار الأمة وتمزيق شملها، وهو أمر يستدعي أسف اللبيب وحسرته، كيف تنزل هذه الأمة إلى ميدان الشقاق والنزاع بينها، متجاهلة ما فرض الله عليها من الوحدة والوئام، والألفة والانسجام، ألم يأمرها الله بذلك في محكم كتابه بقوله: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها (1)؟! ألم يحذرها من عاقبة التفرق بقوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب
ريحكم) (2)؟! ألم يبعث فيها نبياً كريماً، ورسولاً أميناً يدعو إلى الوحدة دعوته إلى التوحيد فضرب فيها أروع الأمثال بصهر
?
كل ما كان من قبل بين قومه من خلاف ونزاع في بوتقة الإيمان فأخي بالإيمان بين الفئات المتناحرة، وألف بالإسلام بين
القلوب المتنافرة، وبيَّن أن هذه الوحدة هي وحدة عقيدة وعمل، ومبدأ وغاية، وأمل وألم، وصور ذلك أبدع تصوير عندما قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
(1) سورة آل عمران (آية 103) (2) سورة الأنفال (آية 46)
-
37 (1/37)
صفحة 38
أليست هذه الوحدة الإيمانية التي نادى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع لواءها بين أصحابه رضي الله عنهم وهي التي رفعت من شأن هذه الأمة فأبدلها الله بذلها عزاً، وبضعفها قوة، وبضعتها رفعة، فتمكنت من فتح الدنيا قلة عددها وعدتها،
وكثرة خصومها، ووفرة العُدَدِ عندهم؟
أو ليس ما بليت به من الشقاق هو الذي عكس عليها ما نشهده من آثار سلبية في أوضاعها، فتشتتت بعد الوحدة، وذلت بعد العزة، وضعفت بعد القوة، فازدرتها الأعين التي كانت تكبرها، وطمعت فيها الأمم التي كانت لا تصطلي بنارها؟ ليت شعري! ألا صحوة بعد هذه السكرة، ويقظة بعد هذه النومة التي غرقت فيها عقول هذه الأمة وفي مقدمتها علماؤها الذين الله دينه وأخذ عليهم العهد أن يأخذوا بأيدي أمتهم إلى
ائتمنهم
سبيل الرشد
يا ساسة الدين علام وهنكم
وأنتم في
عدة
وعد؟
تختلفون الرأي فيما بينكم
والحال إخفاق ونقض عهد
وخلفكم من يستغل خلفكم
في وثبة السمع وسمع
يخالكم كالشاء في مسرحها
فإن دعاها
الخلد
رئمت لولد (1/38)
صفحة 39
سلم في صدق العزوم إنها
أمة کل سلاح
يا للضلال أن نضل قصدنا
وفرد
كسادة النادي وشيخ نج
نرتع في غيبوبة من أمل
ونرتضي من العلى بالوهد بالآلام في أنفسنا
لكنها مني عليَّ وحدي
ونغمد السيف عن الخصم ولا نقره عن دمنا
أهكذا قالت لنا عقولنا؟
أم أنها قد أخطأت عن قصد؟
أم أنها ليست لها بصيرة؟
أم أنها بصيرة لا تجدي؟
يا حالة قد أفقدتني عصبي
رميت فيمن کنته بالفقد
مولاي عبد تاه في مرامه
عن نهجه وأنت مولى العبد
فخذ بضبعه وأمة هوت
تحت الخلافات وبثق الـ
تفتحين بأياديك الغني
والعز والنصر وكل جد
- (1/39)
صفحة 40
فاجمع شتاتنا وأصلح
واقض لنا على ظلوم ند (1)
ولعله مما يفاجيء كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية قادة الفكر من الإباضية بلم شعث هذه الأمة. شتاتها بعدما
وجمع
أثخنتها الخلافات المذهبية، ومزقتها النزعات العصبية، وكم
تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم، وتؤرق ليلهم، وتقض مضجعهم، وقد كانت منهم محاولات للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها من جيوبهم وجيوب المخلصين من سائر أبناء الأمة، وأصدق مثال على ذلك
ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك، ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية، المشهور بسليمان باشا الباروني، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق، ومرجعهم في أمور الدين، الإمام عبد الله بن حميد السالمي. ونص السؤال:
6
«هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما الأمر والآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة فهل
هو
(1) من قصيدة الشاعر عمان الكبير الشيخ عبد الله بن علي الخليلي (1/40)
صفحة 41
هذا
يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوى المانع منه في نظركم، وهل لإزالته من وجه؟ على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة؟ وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟ وفي كم سنة ينتج؟ وكم يلزم له من المال تقريباً؟ وكيف يكون ترتيب العمل فلاه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة؟ مصلح أم مفسدة؟. . وكان هذا السؤال في عام 1326 هـ.
فكان من جواب ذلك الإمام له: «نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع
وللتفرق أسباب أخرى منها، التحاسد والتباغض،
والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرئاسة.
وجمع
الأمة
على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف
ممكن عقلاً مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألف بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه كم عزيز حکيم (1)
والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن
(1) سورة الأنفال (آية 63).
- El (1/41)
صفحة 42
يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمي بالإسلام إن الدين عند الله الإسلام) (2)، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين، قبيقي المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أو لا عند
آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة.
وهي دعاية الإسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً، فيصير الناس إخواناً ومن ضل فإنما يضل عليها) (3)، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبولهم، وكفيتم مؤنة المغرم، وإن تعذر هذا. من الملوك فالأمر عسير والمغبرم كثير
وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة
"
ومقصد الخاص والعام، وحرم الله الأمن، لأنه مرجع الكل وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال بالحق، فالكبير عندنا من وافقه والصغير خالفه، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً، وإنما نسبنا إليه الضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق (1)
من
(2) سورة آل عمران (آية 19).
(3) سورة يونس (آية 108)، سورة الإسراء (آية 15)، سورة الزمر
(آية 41)
الأولى.
(1) العقد الثمين من أجوبة نور الدين ج 1 ص 126: 127 الطبعة
- EY - (1/42)
صفحة 43
وهذا كلام غني عن التعليق بشيء فإنه إن لم يكن شاهداً عادلاً ومَعْلَماً واضحاً على نبل قصد السائل والمجيب وسمو
فكرهما، وحسن انشودتهما، فليس يصح في الأذهان شيء وإذا كان الأدب مرآة تعكس ما في نفس الأديب من كوامن
الأحاسيس فإن الأدب الإباضي قديمه وحديثه طافح بعصارات مشاعر الألم الذي يحسون به بسبب تشتت الأمة وانحلال عقد نظامها، وإذا كنت أخي القارئ شاهدت صورة من ذلك فيما نقلته لك قول أديب معاصر فإليك صورة أخرى تعكس من مشاعر أديب بارع وعالم جامع من أدباء هذه الطائفة وعلمائها الغابرين، وهو العلامة الكبير شاعر الإسلام والمسلمين أبو مسلم ناصر ابن سالم البهلاني الرواحي الذي طالما إنساب يراعه الموهوب ليصور لنا بعباراته الإيمانية همومه وأ. امته ودينه ودونك هذا المقطع من قصيدة له بعوان (أفيقوا
تجاه
بني القرآن):
فيا لبني القرآن أين عقولكم
وأحاسيسه
وقد عصفت هذي الرياح الزعازع؟
أمسلوبة هذي النهي من صدورنا؟
وهل فقدت أبصارنا والمسامع؟
الإسلام قرت صفاته
فما زعزعتها
الزعازع (1/43)
صفحة 44
وليتهم ساسوا بنور محمد
ممالكهم إذا باغتتها القواقع
وليتهم لم ينحروا بسلاحهم
نحورهم إذا جاش فيها التقاطع
لقد مكن الأعداء منا انخداعنا
وقد لاح آل في المهامة لامع
وسورة بعض فوق بعض وحملة
لزيد على عمرو وما ثم رادع
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب له شيع فيما ادعاه وما الدين الا واحد والذي نرى ضلالات أتباع الهوى تتقارع
وما ترك المختار ألف ديانة ولا جاء في القرآن هذا التنازع
فياليت أهل الدين لم يتفرقوا وليت نظام الدين للكل جامع
لو التزموا من عزة الدين شرطها لما اتضعت منها الرعان الفوارع
وما ذبح الإسلام إلا سيوفنا
وقد جعلت في نفسها تتقارع
ولو سلت السيفين يمنى أخوة
لدكت جبال المعتدين المصارع (1/44)
صفحة 45
وما
الإسلام من سيف خصمه
بأعظم مما بين أهليه واقع
فكم سيف باغ حز أوداج دينه
بأفظع مما سيف ذي الشرك باخع
هراشاً على الدنيا وطيشا على الهوى
وذلك سم في الحقيقة ناقع
وما حرش الأظغان في قلب مسلم
على
إلا
من
ولو نصع القلبان لم يتباغضا
ولا ضام متبوع ولا فـ
وما هذه الدنيا لها:
وازع
قيمة
الله ناف
يضاع له ذخر من
وما نال منها طائلاً غير إثمها
وأكدارها المستأشرون الأمانع
ولو بعدت في النفس منزعة التقى
لما نزعت نحو الشقاق المنازع
بيعنا الحسنى ومرضاة ربنا بها بيعة يُمنى بها الر
على أي شيء يقتبل البعض بعضنا وتذكى فظاظات النفوس المطام
* * *
-
45 (1/45)
صفحة 46
ولو أشربت منا النفوس تبصراً لما كان منها للشرارة ناقع
بلى أشربت داء دخيلاً أصارها
كما كمنت في جحرهن الأقارع (1)
وقد كان من بشائر الخبير التي لاحت للأمة مع تباشير
إشراقة الصحوة الإسلامية المعاصرة ما كان ـ بادئ ذي بدء ـ من التعاطف والتواد والتراحم بين الشباب المسلم الذي أشرقت عليه أنوار هذه الصحوة، فقد كانوا في بادئ أمرهم لا يلتفتون إلى الخلافات المذهبية، ولا يشتغلون بالنعرات الطائفية إلا قليلاً منهم، وهم الذين لم تصقل آثار تلك الصحوة ما تراكم على قلوبهم من الصدأ، وهؤلاء كانوا مغمورين بالكفرة الكاثرة التي ينصب همها في محيط الإسلام الواسع الذي يجمع ولا يفرق، ويُوحد ولا يشتت، وكادت القضايا الخلافية تلقى في زوايا الإهمال لتصبح في خبر كان، حتى إذا نضرت هذه الألفة وكادت تؤتي ثمارها الطيبة هاجت عليها أعاصير العصبية العمياء - بعدما حركتها أحقاد غصت بها نفوس ساءتها وحدة الأمة - فلفحتها بسمومها التي أذبلت نضارتها، وقضت على رونقها، فإذا بالتواد تباغض، وبالتعاطف تباعد، وبالترابط تقاطع، والبرحمة عذاب
وكان أول ضحية لهذا التآمر البغيض هو الإسلام الحنيف ثم
(1) ديوان أبي مسلم ص 262: 263، ط وزارة التراث القومي والثقافة
بسلطنة عمان (1/46)
صفحة 47
الشبيبة
حاضر
مسلمة التي كادت تقلب مجرى التاريخ، وتعيد إلى المشرقة ماضيها العريق بضربها أروع الأمثال في
الأمة
الوحدة الإسلامية والترابط الديني، فقد انتزعت انتزاعاً من حظيرة الوفاق الإسلامي ليدفع بها إلى متاهات من الخلاف والشقاق كان لها بد وأي بد من الدخول فيها والهيام في أرجائها.
وليت الأمر وقف عند حدود الجدل والمناظرات، ولم يصل إلى التكفير وإصدار الأحكام التعسفية الجائرة على كثير من المسلمين، بإخراجهم من الملة، وتعريتهم من لباس
بين
الأمة
،
الإسلام. وقد لز الإباضية فيمن لز إلى مضائق هذه الفتنة على كره منهم، فقد كانوا في مقدمة المستبشرين بطلائع الوحدة الإيمانية المرتاحين إلى روح الأخاء التي كانت تسود الشباب المسلم على اختلاف فئاته، فما شعروا إلا ويكفأ على رؤوسهم وقود هذه الفتنة وتضرم عليهم نيرانها بما صدر فيهم من أحكام التضليل والتبديع والتكفير، واعتبارهم داء عضالا في جسم الأمة يجب استئصاله ولو بيتر الأعضاء التي أصيبت به وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) (1)، إذ لم ينقموا منهم إلا تنزيههم الخالق تبارك وتعالى، وتصديقهم بما نزل في كتابه الكريم وما ثبت من سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم.
(1) سورة البروج (آية 8).
:
-
47
- (1/47)
صفحة 48
وكثيراً ما تعرض طلبتهم في بلاد الإسلام وغيرها لأنواع
المضايقات من قبل إخوانهم وزملائهم - مع ملاحظة ما يكنونه لهم من الود ويضمرونه لهم من الصفاء والخير ـ حتى بلغ الأمر ببعض سفهاء الأحلام أنهم كانوا يدعون الطلبة الإباضيين إلى إعلان الشهادتين ليكونوا في عداد المسلمين، كأنهم ـ في نظر أولئك - من الملاحدة والمشركين
وهو أمر يستدعي أسف كل ذي لب، وحسرة كل من كان له قلب، كيف ينزل الإباضية أهل الحق والإستقامة هذه المنزلة مع رسوخ قدمهم في التوحيد، وصفاء مصدرهم في العقيدة، وما عرفوا به بين الخاص والعام من الورع في الدين والخشية من بأس الله، وما الذي ارتكبه الاباضية حتى ينزل بهم هذا الحكم، ويعاملوا بهذه الطريقة؟؟
إن أهم ما تذرع به أولئك الذين أصدروا فيهم تلك الأحكام الرهيبة، وعاملوهم بهاتيك المعاملة النكراء ثلاث قضايا كان للإباضية فيها موقف لم يتفق مع رغبات أولئك الحاقدين، فعدوا كل قضية منها مبررة للحكم عليهم بالكفر وقطع حبال الصلة بينهم وبين سائر الأمة مع أن الإباضية لم ينفردوا بموقفهم دون سائر طوائف الأمة، فثم الكثير من الذين رأوا في هذه القضايا رأيهم وأيدوا موقفهم كما سيتضح ذلك من خلال هذه الدراسة إن شاء الله، على أنهم في كل قضية منها أخذوا بحجز النصوص القرآنية والسنة الثابتة عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ... والقضايا الثلاث هي: (1/48)
صفحة 49
(أ) إنكار رؤيوة الله تعالى
(ب) القول بخلق القرآن
(جـ) اعتقاد تخليد الفساق في النار
وقد إنهالت عليّ أسئلة الطلبة من هنا وهناك عن موقف
أصحابنا
،
في هذه القضايا الثلاث، وما يستندون إليه من دليل ونظرتهم إلى أدلة من يقولون بخلاف قولهم، ولم يكن لطلبتنا من قبل أي إهتمام بالقضايا الخلافية وبحثها ما عدا المتخصصين منهم في دراستها، وإنما دعاهم إلى هذا الإلحاح في طلب كشف النقاب عن وجه الحقيقة فيها ما يلقونهع من عنت ويواجهونه من إحراج من قوم لا يهمهم إلا إثارة شحناء كانت نائمة ض، وتسعير فتنة كانت خادمة، فدعاني ذلك إلى تحرير هذه العجالة التي سوف يجد فيها القاريء الكريم إن شاء الله دراسة وافية لكل قضية من هذه القضايا بتلخيص أدلة كل فريق وبحثها على ضوء قول الله عزّ وجلَّ وقول رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، مع استلهام فهم مقاصدهما بالرجوع إلى قواعد اللسان العربي المبين، الذي شرفه الله بأن جعله وعاد للقرآن الكريم وطبع عليه لسان نبيه الخاتم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وستدرك أخي القارئ - إن شاء الله. - من دراستك لما أقدمه إليك، أن الإباضية لم يستامدوا عقيدتهم من فلسفة اليونان وغيرها من أساطير الأولين كما يحلو زعم ذلك للذين يهرفون بما لا يعرفون، وإنما استمدوها من أصفى ينابيع الحق، وأنور أشعة الحقيقة، فقد احتكموا إلى الكتاب العزيز
خلال
- (1/49)
صفحة 50
والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، عملاً بقوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير) وأحسن تأويلا) (1).
وإذا خفيت عن الغبي فعاذر
أن لا تراني مقلة عمياء
وقد كنت حريصاً من قبل على عدم الخوض في مثل هذه القضايا الجانبية وعدم اتخاذ موقف من هذه المهاترات إلا الصمت، فالحق أضفى وأبين من أن تكدر الشُّبَهُ صَفْوَه أو
تحجب نوره.
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ويجهد أن يأتي لها بض
ولن يضر هجر المقال إلا قائله دون من قيل فيه، فما الذي ضر المرسلين وأتباعخم مما قيل فيهم من الإفك، ورموا به من
التهم، وهذه سنة الله
هي
في خلقه إن الذين أجرموا كانوا من
الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون
وما أرسلوا عليهم حافظين (1)
وإنا وما تلقي لنا من هجائنا
(1) سورة النساء (آية 59).
ر مهما يلق في البحر يغرق
(1) سورة المطففين (الآيات 33/ 29).
19 (1/50)
صفحة 51
ولكني رجحت جانب الرد على الصمت تبياناً للحق ودفاعاً عن الحقيقة، ووقوفاً في وجوه الذين يضرمون الفتن ويؤججون الأحقاد بهذه المحاولات، لتمزيق شمل الأمة وتفتيت وحدتها، إذ لا يعلم إلا الله عاقبة هذه الفتنة إذا اضطرمت نارها وخَمِي أوارها والعياذ بالله
ولعمر الحق إن ما تعانيه اليوم أمة الإسلام من محن وفتن
وتشتت وضياع لجدير بأن يستدر لها عطف عدوها اللدود ويعتصر لها الرحمة من قلوب خصومها القاسية، فكيف نسمح بمضاعفة بلائها وإنكاء جروحها من جديد، بأمثال هذه المهاترات من غير أن نتصدى لها بالرد المقنع بالحجة، لذلك قمت، مع اشتغال البال وتراكم الأعمال - هذه العجالة تبيناً لحجة (الحق الدامغ) واستئصالاً لشبهة
والبرهان
بتحرير
الباطل الزاهق، والله هو الذي يحق الحق ويبطل الباطل بل نقذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (2).
(2) سورة الأنبياء (آية. ظ).
01 (1/51)
صفحة 52
[صفحة فارغة] (1/52)
صفحة 53
الفرق بين الاباضية والخوارج
إن الاباضية لم يسلوا السيف على أحد من
أهل التوحيد قط ولم تقع منهم حرب
المسلمين وحتى عند اشتداد الأزمة
ضد أحد من (1/53)
صفحة 54
[صفحة فارغة] (1/54)
صفحة 55
الفرق بين الاباضية والخوارج (1)
بقلم: الشيخ أبو إسحاق
إبراهيم اطفيش (1)
كتب أبو اسحاقب هذا البحث بناء على طلب الشيخ ابراهيم محمد عبد الباقي من علماء الازهر، ونشره في كتابه «الدين والعلم والحديث» 252 - 264 في معرض حديثه عن الفرق الاسلامية، تحت عنوان ص» نبذة عن الخوارج».
وقال مؤلف كتاب الدين والعلم والحديث قبل سياقه للبحث «ولما كان الوقت شحيحا يضن لي بالبحث عنهم - أي الاباضية والخوارج - والتنقيب، اتصلت بمن له خبرة بهم، وهو زعيم طائفة منهم تسمى الاباضية، هذا الزعيم يسمى أبو اسحاق ابراهيم اطفيش، موظف بدار الكتب المصرية، فكفاني مؤنة البحث» كما نشره الشيخ محمد السالمي وناجي عساف في كتابها «عمان تاريخ يتكلم» ص 103 ـ 114، ونشره أيضا الشيخ علي يحيي معمر رحمه الله في كتابه القيم «الاباضية بين الفرق
(1) الشيخ أبو إسحاق أطفيش جزائري ت: 1965 م) من علماء الاباضية المرموقين والمحققين، عاش بمصر وتوفي بها، شغل منصب مصحح بدار الكتب
المصرية.
-
هه (1/55)
صفحة 56
الاسلامية، ص 468 - 476 - الطبعة الاولى
معني
الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين، رؤوسهم نافع بن الازرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار ومن شايعهم وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الامة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك فاستحلوا ما حرم الله. الدماء والاموال بالمعصية متأولين قوله من تعالى وان اطعتموهم انكم لمشركون فزعموا أن الآية وان اطعتموهم في أكل الميتة، فأخطأوا في تأويلهم، والحق أن معنى الآية: وان اطعتموهم في استحلال الميتة. والاستحلال لما حرم الله شرك، وحين اخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول بل تجاوزوه الى الفعل فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بالمعصية فاستعرضوا النساء والاطفال والشيوخ. وقد كان الامام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب بن عمرو البصري الفراهيدي الاباضي صاحب المسند الصحيح رحمه الله حين بلغ اليه أمرهم يقول: دعوهم حتى يتجاوزوا القول الى الفعل فان بقوا على قولهم فخطوهم محمول عليهم وان تجاوزوه الى الفعل حكمنا فيهم بحكم الله.
فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم وطاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزوا القول الى الفعل اعلنوا الحكم بكفرهم - لان الكفر في استحلال ما حرم الله نص في كتاب الله قطعي، وقد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على اهل التوحيد بفتنتهم فلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله فعظمت محنتهم، فكانت بلاء
عظيما.
وقد تولى قتالهم المهلب بن ابي صفرة الأزدي العماني القائد الأموي
- (1/56)
صفحة 57
المدى
المشهور وكان يضع الحديث في استنفار الناس الى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة: محاربة المسلمين وانتشار الاحاديث الموضوعة في قتالهم حتى بلغت من الشر فزادت الطامة، ولما كان هؤلاء الخوارج من مكفرة التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون الى المذاهب العديدة ادماج الاباضية في هؤلاء الخوارج ظلما وعدوانا والسبب في ذلك عديد المناهج:
أولا: أن اصحابنا الاباضية - يرون الملك العضوض لا تجب طاعته بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر» حديث صحيح متفق عليه، ولما روى في عمار بن ياسر رحمه الله «ستقتلك الفئة الباغية واستشهد بهذا الحديث منكروا التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر فثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان ولو اختلفا في تأويله اذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح وانما دعاه الغرض الى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى،
ثانيا: ظهور أصحاب الأهواء في واقعة النهروان اذ زعموا أنها لأجل الخروج على علي وهو امامهم والحقيقة التي لا مزية فيها ان أهل النهروان لم يخرجوا عن علي قط ولكنهم حين أبوا التحكيم وأصروا عليه جنح أبو الحسن الى فريق التحكيم فرأى منكر و التحكيم ان البيعة لم تكن في اعناقهم بل هم في حل منها حيث ان التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم والا فلم التحكيم؟ فاعتبروا التحكيم تنازلا من الامام أبي الحسن عن البيعة ـ اذا منكر و التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق ان يختاروا من يشاؤون اماما لهم فاختاروا رجلا من أفضل الناس يومئذ ومن الصحابة الكرام وهو عبد بن وهب الراسي الأزدي، فلما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الامام علي ان يدخلوا في البيعة لمن اختاروه اماما
الله
11 - (1/57)
صفحة 58
فرأى علي بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقريشي وحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم فتخرج الامامة لغير قريش، وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان.
موسى
لهذا دعاهم حين ناظرهم الى ان يحاربوا عدوهم معاوية ومن معه ولكن الأمر قد فات فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين: عمرو بن العاص وأبي الاشعري في دومة الجندل فأصبح المسلمون في حل من أمرهم، لأن بيعة عبد الله بن وهب لم يقع الا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولو البصائر من منكري التحكيم - وهو أن التحكيم تلاعب بالأمر تولى كبر الدعوة اليه الأشعث بن قيس الذي دس على أصحاب علي من قبل
معاوية.
كانت
وليس اذا ما يزعمه محرفو التاريخ ومتعفنة المذهبية ان واقعة النهروان بسبب الخروج على علي لأنهم لم يخرجوا والبيعة في أعناقهم فليتنبه المتبصر من الزلة في هذا المقام فان الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء
الثالثة: ان تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر وانما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة كما قلنا ولم تعرف هذه التسمية في اصحاب علي المنكرين للتحكيم والراضين به ولعل أول ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية والاستقرار فيه حين زاده الأحنف بن قيس التميمي وهو من أهل النهروان فقال معاوية: لماذا أحبك الناس وأنت من الخوارج فقال له الأحنف لو عاب الناس الماء ما شربته. يعني الذين لم يرتضوا بيعته والدخول في أمره .. راجع الأمالي لأبي علي
القالي.
أترى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية لأنه كان مع من (1/58)
صفحة 59
معه
حاربهم علي يوم النهروان أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية، ولو كان وصف معاوية للأحنف بالخارجية لكونه من أهل النهروان لكان معاوية ومن ه أولى بهذا الوصف لأنه هو الذي سل السيف ضد علي ومن معه يوم صفين ولأنه هو الذي جنح عن بيعة الامام علي، والحال قد بايعه أهل الحل والعقد فأصبحت بيعته حقا يجب اتباعه والدخول فيه على كل واحد من المسلمين
الرابعة: ان الاباضية لم يسلوا السيف على أحد من أهل التوحيد قط ولم تقع منهم حرب ضد أحد من المسلمين وحتى عند اشتداد الأزمة من الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه فقد اشتدوا في مطاردة المسلمين لمجرد الظنة حتى خرج عليهم التوابون وعلى رأسهم سعيد بن جبير وابراهيم النخعي وهما امامان وقد قتل الحجاج سعيد بن جبير أحد أئمة التفسير والعجب كل العجب ان هذه المجموعة الكبرى من العلماء الذين حملوا السيف أمام الجور الذي ظهر بفظاعة من الحجاج لم يطلق عليهم أحد اسم الخوارج بل اطلقوا عليهم اسم التوابين وهم كلهم من حملة لواء العلم وماتوا جميعا في القتال ما عدا ثلاثة فيما يبدو: سعيد بن جبير وابراهيم النخعي الله بن مطرف. فان العقل يقف مشدوها أمام هذه الفاجعة الكبرى
وعبد
ومع
ذلك
تمر على القراء بسلام.
ولكن الذي يمحص التاريخ بأنصاف وعلم يرى في اطلاق لفظ الخوارج على الاباضية - وهم من الخوارج براء - مغزى وهو أنهم رأوا أن الامامة لا تختص بقريش بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورياستها وهذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة اذ ليس من الحكمة ان يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأممه تابعا لقبيلة واحدة سواء أحسنت أم أساءت والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب اليه (1/59)
صفحة 60
أصحابنا وحملوا عليه حديث «الأئمة من قريش» ومن المكابرة ومجانبة الحق أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش ولم يرتضه الأنصار وهم أهل الفهم لما بعث به محمد صلوات الله وسلامه عليه حين قالوا لأبي بكر منا أمير ومنكم أمير، ولا أبو بكر حين رد على الأنصار بقوله: منا الأمراء ومنكم الوزراء أن العرب تدين لهذا الحي. يعني قريش فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش لا لشيء آخر مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية. أترى الأمم على سائر أجناسها تنقاد الى رجل من قريش لمجرد أنه قريشي؟؟ كلا والله.
خامسا: ان الاباضية يبتغون العدل وينشرون العمل بالكتاب والسنة والسير على مناهج السياسة التي سار عليها الخلفاء الراشدون سواء قام بالأمر قرشي أم حبشي. عربي أم عجمي كما ورد في أحاديث صحاح لهذا ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز حين أرسلوا اليه وفدا من البصرة يتألف من ستة علماء جهابذة: جعفر بن السماك وأبو الحر علي بن الحصين العنبري والحتات بن كاتب والحباب بن كليب وأبو سفيان قنبر البصري وسالم بن ذكوان - وربما كانوا أكثر من هؤلاء الا أن الذين وقفت على جميعا وحيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء
الله
اسمائهم هم هؤلاء رحمهم على عمر بن عبد العزيز قالوا كعادتهم في الغمز: أرسل اليه الخوارج. وفدا. ولم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر من الحديث وقبوله منهم كل ما أرادوه منه من نشر العدل وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون سنة فان الوفد قال له ان المسلمين يلعنون عليا على المنابر فلا بد من الشروع في تغيير المنكر فابدل اللعن بقوله تعالى ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ما لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت (1/60)
صفحة 61
أباض
عن
كذلك
بصيرتهم الاهواء أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت من الاباضية من نشدان الحق والوقوف في وجه الظلمة بالمساجلة كما فعل الامام عبد الله بن عبد الملك ابن مروان. وأبو بلال مرداس بن حدير مع زياد بن أبيه ولم يسلوا السيف كما فعل الخوارج، بل سلكوا سبيل البيان معرضين السنان لأنهم يرون عصمة الدم بالتوحيد لا اله الا الله وعصمة المال ولم يكن منهم ما كان أعمال من غيرهم في سبيل تأسيس السلطان أو حمل الناس على اعتناق مذهبهم بالسيف وقطع العذر بل تركوا الناس أحرارا في أرائهم وأعرضوا عن الدنيا ان كانت بغير حلها وتركوا لأرباب المذاهب مذاهبهم في حرية تامة لأنه لا اكراه في الدين فالحق مقبول من أي كان والباطل مردود على صاحبه محمول عليه فأهل القبلة عندهم كافة سواسية في الحق والحرية في الاعراب عن آرائهم الفرعية والحرية كفيلة لكل الناس بعد الاعتراف الله بالوحدانية والحرية هي الأصل في الانسان حتى ان المكاتب عندهم حر من أول وما كاتب به فدين عليه يؤديه ولم يقل يوم بهذا غير الأباضية لأنهم أدركوا من الشريعة ما فاقوا به سواهم.
فبان عنهم الخوارج بما ذكرنا من شنائعهم وكبائرهم، ولم تكن لهم صلة بالأباضية حتى يقال أنهم خوارج. ولقد كشفت للمنصفين من قومنا هذه
الفروق فأدركوا الحق واعترفوا به. والرجوع للحق فريضة وفضيلة. سادسا: الأباضية يجيزون المناكحة بينهم وبين سائر الموحدين والخوارج لا يجيزون التناكح مع غيرهم لأنهم يربون سواهم مشركين كما بينا وأوضحنا وعلى هذا لا يجوز أيضا التوارث بينهم وبين من يخالفهم بطبيعة الحال لأن الشرك الذي منع المناكحة والمصاهرة يمنع الموارثة. فهل تعامى عند هذه الفروق الذين تعفنت نفوسهم وأصيبت أبصارهم بالعشي ذلك ما يشاهده الذي يقلب أطوار التاريخ في مدونات قومنا ولم يعتبروا قوله (1/61)
صفحة 62
سبحانه (ان) الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا) وقوله تعالى (ولا يحرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى) ان المسلم ليحار من أمر أولئك المتقولين على أهل الحق والاستقامة - الأباضية - كيف استساغوا ذلك لأنفسهم لا لشيء الا للهوى والشهوة الخفية نعوذ بالله من الهوى وانكار الحق
أحد
أولا يتذكرون أنهم سيلاقون الله بذلك الافك. ام اعتقاد الخروج من النار هون كل شيء في سبيل الهوى. سابعا: الأباضية اتجهوا الى خدمة الاسلام علما وعملا منذ ابتدأت الفتنة فاشتغلوا بالتدوين فكانوا أول من دون الحديث فامامنا جابر بن زيد أول من دون الحديث وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير، ثم تلاميذه من بعده وهم حملة العلم الى المشرق والمغرب، والخوارج جنحوا الى اراقة الدماء واخافة السبل وتعطيل الاحكام ولم يذكر عن من الخوارج ألف كتابا والذين يذكرون المؤلفات للخوارج انما يذكرون الأباضية وهم دون شك يريدون بهم التشنيع والتشغيب أما الصفرية والازارقة والنجدية فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين ولو انفرد نجدة بن عامر برواية حديث ونافع بن الأزرق بأسئلة سألها ابن عباس ليس هذا محلها وأريد أنهم جنحوا الى الحروب لا الى التأليف ورواية العلم وكل من ذكره قومنا من رجال العلم ونسبوه للخوارج فليسوا الا من الاباضية، ولقد أتى أصحابنا في تدوين العلوم بالعجب العجاب وعرفوا بالصدق والامانة والورع ما لم يبلغ شأوة غيرهم فلجأ بعض الكاتبين من قومنا الى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة والبهتان حين بهرتهم تلك الانوار الساطعة وما خلطوا بين الاباضية والخوارج الا لطمس معالم الحق والصواب حسدا (1/62)
صفحة 63
من عند أنفسهم وأنى لمن اتخذ التشغيب مطية أن يعترف بالحق والصواب وقد عميت بصيرته. وانك لترى لهؤلاء من العمل على اخفاء ما يرونه من أصحابنا من الكمال الديني والعظمة العلمية ما جعلهم يذكرون فهم في موجب الذكر شيئا، واني رأيت مؤلفات دونت في التاريخ والادب والفروع لبعض قومنا يستوجب المقام ذكر أصحابنا لما لهم فيها دون من الضلع فلا يتورع أن يتجاهل ذكرهم كأنهم لم يكونوا، وذلك مبتغة وامعانا في طمس الحق. ولا تجد من أصحابنا شيئا من هذا الاسلوب تشيع والحمد لله العلي الكبير.
ثامنها: ان قومنا حين جمعوا الحوادث التاريخية واقتضت الخران يذكروا أصحابها فشلوا في قيل الصواب فخلطوا بين الأباضية والخوارج فتارة ينسبون الأباضية للخوارج وتارة ينسبون الخوارج الى الأباضية؟ يفعل الكثير من المدونين في الاصول والفروع في اضافة أقوال المعتزنة في الأباضية والعكس مما أوجب التخليط والتشويش فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على النقل الى ما هو أشبه بالتهريج ولا عذر لهم عندي مطلقا
لان الذي ينشر الحق يطلبه من ينبوعه لا أن ينتحله حسب هواه. انا نجد من يزعم ان ابا بلال مرداس بن حدير من الخوارج وقطري بن الفجاءة من الأباضية والامر على عكس من ذلك وآخر يذكر أن الامام طالب الحق عبد ا الله ابن يحيى الكندي هو الامام عبد الله بن أباض والحق
بن
خلاف ذلك اذ الامام عبد الله بن أباض توفي آخر أيام عبد الملك بن يحيى طالب الحق ظهر أيام مروان الحمار سنة، وعبد
مروان
الله
130 هـ وهكذا يخلط الكاتبون من قومنا هذه الحقائق الهامة تشويها وتشغيبا وانظر الى تاريخ الاندلس الذي يوجد بين أيدينا اليوم ولا تجيد للاباضية ذكرا والحال أن الأباضية بلغوا في الأندلس مبلغا عظيها من العلم (1/63)
صفحة 64
جزيرة اليابسة التي هي من الأندلس كانت كلها أباضية الى والمال حتى أن
القرن السادس بل الى نكبة الأندلس الكبرى.
وانك لتقرأ طبقات ابن سعد مثلا فلا تجد ذكرا لرجال الأباضية عدا الامام جابر بن زيد فانه ذكره رغم أنفه لشهرته التي اطبقت الآفاق وهكذا. والحق الذي لا ريب فيه ان رجال كل قوم قومهم أولى بهم والتاريخ أهله أولى وأعرف به من سواهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل).
ولقد استوجبت بدعة الخوارج أحكاما شرعية، قال المسلمون يجب الفرز بين الكبائر حتى لا يقع الانسان في جريمة الخوارج فالكبائر قسمان كبائر الشرك وهي كل كبيرة أخلت بالاعتقاد كاستحلال ما الله أو
حرم
تحريم ما أحل الله أو انكار ما علم من الدين بالضرورة أو جحود حكم
يسمى
عند
قطعي كالرجم الى أمثالها وكبائر النفاق، وهي كبائر الكفر بنعمة الله وهي ما يطلق عليه عند أهل الحديث كفر دون الكفر ـ وهي كبائر الفسق عند قومنا ـ وذلك كارتكاب فاحشة من الزنى والاتيان في الاعجاز أو أكل الحرام أو شهادة الزور أو عقوق الوالدين وما أشبه ذلك من كبائر عملية. وكترك فريضة من فرائض الله غير مستحل كل ذلك أصحابنا بكبائر النفاق وكبائر الكفر بالنعمة واذا أطلق أصحابنا الكفر انصرف بالقرينة الى الحكم فيه هل هو مما يخل بالعقيدة أو هو من الفعل أو الترك فيدرك نوع الكفر أهو كفر نفاق أو كفر شرك على أن أصحابنا لا يكفرون تشهيا ولا يكفرون أهل القبلة ما دانوا بكلمة الاخلاص والحق انهم انفردوا بذلك ولو ادعاه أرباب المذاهب وإذا أدركت هذا علمت أن بين الأباضية والخوارج بونا بعيدا لا يجمع بينهما جامع الا انكار التحكيم وهو الحق الذي يؤيده كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة العمرين واجماع
- (1/64)
صفحة 65
المسلمين. فشد يدك على الحق (ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط
مستقيم).
وقد قال بعض أصحابنا وبه قال قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم والذي عندي ان هذا القول غير صحيح الا اذا نظرنا الى حكمهم بأن مرتكب الكبيرة مشرك حلال الدم فان الزاني عندهم يقتل ردة لا حدا وهذا متفرع عن حكمهم قطعا لا يحتاج الى دعوى نكران الرجم ولكن الأمر عندي ليس كما يتوهم وانما زعم من يزعم من قومنا أن الخوارج ينكرون الرجم فيه مغمز، لكنه يعود على الزاعمين بطامة. وذلك ان قومنا رووا انه كان مما يتلى في كتاب الله في سورة الاحزاب الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم فأكلته العنزة. فيترتب على هذه القالة ان القرآن وقع فيه نقص والعياذ بالله وهذه الطامة تلازمهم وان فروا منها بزعم أنه مما نسخ لفظه وبقى حكمه، ولكن أصحابنا يقولون الرجم فرض لا من القرآن ولكن من الحديث فقد روى الحافظ الحجة الامام الربيع في صحيحه عن الامام جابر بن زيد: الاستنجاء والاختتان والوتر والرجم سنن واجبة، فصان الله
?
الاصحاب من الخطل والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
أبو اسحاق ابراهيم اطفيش
- (1/65)
صفحة 66
[صفحة فارغة] (1/66)
صفحة 67
دور
المدرسة الاباضية في الفقه الاسلامي
هذا المذهب ليس مستحدثاً وإنما نشأ متأصلاً على القواعد الصحيحة مدعماً بالأصول الواضحة الثابتة، فبالنظر والتتبع لا يوجد في فقهه ما يخالف الكتاب ولا السنة النبوية ولا عموم الأصول التي
اتفق عليها المسلمون جميعاً
• (1/67)
صفحة 68
[صفحة فارغة] (1/68)
صفحة 69
دور المدرسة الاباضية في الفقه الاسلامي (1)
بقلم: دكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي
المدرسة الإباضية نشأت كما نشأ غيرها من المدارس الإسلامية بأئمتها وعلمائها، طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم، والطريقة التي قامت عليها لا تختلف كثيرا عن بقية الطرق التي قامت عليها المدارس الإسلامية الأخرى، والمدرسة الإباضية من حيث نشأتها وتطورها وحركتها يظهر أنها من أحرص الناس على التقليد بما أتت به الشريعة من أحكام المسلمين، وهم يعتقدون أن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما، فلا يستحلون دماء أحد من أهل القبلة إلا بالحق الذي حددته
عليهم
الشريعة الإسلامية.
وللمذهب الإباضي أثر كبير في البحث والتدوين في شتى المجالات العلمية وما يصادف الحياة من مشكلات يومية، فدونوا الأحاديث وشرحوها واستنبطوا الأحكام وطبقوها وتعرضوا للعقائد ونزهوها: ودونت لهم مؤلفات شتى في الحديث والفقه والعقائد والتاريخ وغيرها من صنوف العلم وآدابه، حيث أصبح لهم مكان فسيح في الدراسة للمنهج الذي ساروا عليه.
(1) الدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي (مصري) (مدرّس الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر. دور المدرسة الإباضية في الفقه الإسلامي.
- 99 - (1/69)
صفحة 70
فيقول: ان الفقهاء اختلفوا في تأويل أخبار النبي التي تتعلق بأحكام الشريفة، وتنازعوا صحة الحكم بها، لأنها قواعد الفقه وأصول دين الشريعة: أراد الوقوف عند هذا والتفقه في الدين، فالواجب عليه، ومن أن يتعرف على أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة وليجعل كل حكم في موضعه، ويجري به على سنته، ويستدل على معرفة ذلك بالأدلة الصحيحة والاحتجاجات الواضحة والا يسمى العلة دليلا والدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك ليعلم افتراق حكم المتفرق، واتفاق المتفق (3)
استغرق
فهذا دليل على قدم البحث في هذا الفن، كما أن هذا المرجع المشار إليه قد بسط البحث في علم الأصول حتى أنه الجزء الأول منه وهو يقع في مائة وستين صفحة وتطالعنا مراجع الاباضية بما يتفق واتجاه أهل السنة في الأصول الأساسية التي بني عليها الفقه الاسلامي. فيقولون: أصول الدين هو ما جاء فيه حكم من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه محمد ومن اجماع المهتدين من علماء الأمة فإذا أفتى الفقيه بقول يوافق هذه الأصول الثلاثة، أو ما يسببها (القياس) وما هو مثلها، فلا يجوز لفقيه وصلته هذه الفتوى أن يقول
بخلافها، فما وجد في الأصول الثلاثة وهي: الكتاب والسنة والاجماع فهو
= واحد وأربعين مجلدا وما حصلت عليه من هذه المجلدات 22 مجلدا ينتهى آخرها بنهاية الكلام عن البيوع، وهو لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزوى
العماني المتوفي سنة 557 هـ.
(3) المصنف ج 1 ص 38.
Y. - (1/70)
صفحة 71
عنه
أصل، وما لم يوجد فهو فرع، ويقاس عليها ما لم يذكر في أحدها فالأصل ما عرف به حكم غيره والفرع ما عرف حكمه بغيره (4). ويقال لما جاء في كتاب الله فريضة، ولما روى عن النبي سنة، ولما جاء عن الأئمة في العلم أثر، وأحكام الشريعة كلها مؤخوذة من طريق واحد، وأصل واحد هو كتاب الله تعالى، قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم (5). وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم: فانتهوا (6) وقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول (7) وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ((8) فوجب اتباع السنة بكتاب الله تعالى، والاجماع أيضا علم بكتاب الله تعالى لأن الاجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا عن رسول الله وقالوا: ينقسم الشرع المسموع إلى ثلاثة أقام: الأول: أصل،
•
(9)
والثاني: معقول أصل، والثالث: استصحاب حال الأصل.
وينقسم
الأصل إلى ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والاجماع وينقسم معقول الأصل إلى ثلاثة أقسام لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى
الخطاب
وينقسم استصحاب حال الأصل إلى ثلاثة أقسام: براءة
(4) منهج الطالبين ج 1 ص 82. (5) سورة الأعراف (آية 3).
(6) سورة الحشر (آية 7).
(7) سورة النساء (آية 59).
(8) سورة النساء (آية 80).
(9) منهج الطالبين ج 1 ص 84.
- 71 - (1/71)
صفحة 72
الاتجاه العلمي للإباضية
ولبيان بعض الاتجاهات العلمية للمدرسة الإباضية أضع عدة نقاط تحدد
مكانة الإباضية في الفقه الإسلامي منها: (1) يرى الإباضية أن المصدر الأول للشريعة الإسلامية في عقائدها وعباداتها ومعاملاتها وأخلاقها وتنظيمها هو الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن من أنكر منهم حكما أو حرفا أو آية أو سورة فهو مشرك أو مرتد. (2) ينص الاباضية على أن سنة رسول الله الله المصدر الثاني،
هي
وهي درجات، المتواتر منها قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل، ومنكره كالمنكر للقرآن، والمشهور من السنة أقل درجة من المتواتر وأقوى من الأحاد، وهو يوجب العمل به ولكنهم اختلفوا في حجية المشهور هل هي قطعية أو ظنية على قولين، والأحادي من السنة ظني الدلالة والعمل به واجب، والمرسل أضعف من الأحادي الا أنه يوجب العمل أيضا بشرط إذا كان لصحابي أو تابعي.
(3) يرى الاباضية أن الاجماع هو المصدر الثالث إذا استوفى الشروط التي ذكرها علماء الأصول وحجيته قطعية، ومنكره فاسق، ويأخذون الاجماع بقسميه القولي والسكوتي وأنه جائز الوقوع في كل عصر من
العصور.
(4) ويرون أن المصدر الرابع القياس، وهو القياس على الأسس المنصوص عليها في كتب الأصوليين.
(5)
يرون
أن المصدر الخامس هو الاستنباط بجميع طرقه ويهتمون
بالمصالح اهتماما خاصا
فالفقه عند الاباضية قائم على الكتاب والسنة والاجماع، ثم القياس،
– 72 – (1/72)
صفحة 73
والاستدلال والاستحسان، والاستصحاب والالهام، وللوقوف على مدى اعتاد الفقه الاباضي على هذه الأصول أشير إليها إشارة خفيفة من خلال
مؤلفاتهم.
الأصول التي أعتمد
عليها الفقه الإباضي
بالبحث في مراجع الأباضية وجدت وفرة عظيمة في الكلام في علم أصول الفقه معتمدة في مجملها على الشرح والتوضيح، بل وجدت بعض علمائهم قد صاغ هذا الفن متنا بطريق القصائد الشعرية، وينص على أن هذا العلم هو أساس الفقه، وأنه أمر لازم لمن أراد أن يتقنه في الدين فيقول
في مطلع قصيدته: يا دائما للفقه من أسفاره لازم فصول أصوله ومداره رکن فروعه من لم يكن متجليا للأصل من أخباره حد أصول الفقه علم يقتدر به على استنباط أحكام الور اع كذلك القياس مع نزاع
لان
وسن
ـة الرسـ ول والاجمـ
أهل العلم ان
لورود النص ــح ا
ساس مثبت للحكم
4
، أو مستقص
(1)
كما يبدو لي أن الاباضية كان لهم باع طويل منذ زمن بعيد في تدوين هذا الفن والاشارة إليه، ففي كتاب المصنف الذي تم تأليفه في القرن الخامس الهجرى. يشير صاحبه إلى أهمية هذا الفن في استنباط الأحكام
الشرعية (2).
(1) شرح طلعة الشمس ج 1 ص 18
(2) المصنف كتاب عام شامل يجمع بين شتى فنون العلوم الدينية بما فيها علم الكلام وعلم الأصول وعلم الفقه ولا أدري ربما يكون شاملا لأكثر من هذا أنه يقع في =
-
73 - (1/73)
صفحة 74
الذمة وشغل الذمة والاستحسان (10) ومن هنا يظهر أن الاباضية كان لهم عظيم الأثر في تدوين منهجهم، وكيفية استنباط الأحكام الفقهية كما تشير إلى ذلك معظم مراجعهم القديمة والحديثة، كالعدل والانصاف، وقاموس الشريعة، ومنهج الطالبين:، حيث بوب أصحاب هذه المراجع لعلم أصول الفقه، وكثيرا ما يرجعون بمسائل هذا العلم إلى أئمتهم مؤسسي المذهب كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب، ومحمد بن محبوب بن الرحيل، وغيرهم كثير. الا أنهم في اعتمادهم على سنة رسول الله الا الله في أقوالهم أجود القدامى منهم يعتمدون اعتمادا كليا على مسند الربيع بن حبيب دون ما سواه من المسانيد الصحيحة، أما المحدثون منهم وخاصة في القرن العاشر الهجري فوجدتهم يتعرضون لجميع المسانيد. فالسنة في منهجهم على ضربين: أحدهما: مجمع عليه وهو الذي لا يحتاج إلى البحث عن طلب صحته لشهرته عند الرواة، وأهل التأويل وموافقته لحكم
التنزيل.
ثانيهما: سنة مختلف فيها وهي التي لم تبلغ علم الكل وكثيرا ما يقع التنازع بين الأئمة فيها، فلذلك يبحثون عن الأسانيد، والمتون وصحتها، والتنازع في تأويلها إذا صح نقلها، فإذا اختلوا في حكمها كان رجوعهم فيها إلى كتاب الله تعالى.
والمتأمل في منهج الإباضية الفقهي يجد أنهم يجمعون في فقهم
(10) العدل والانصاف ج 1 ص 14.
- Y? - (1/74)
صفحة 75
بين
أهل
ديث والرأي (11). بل هم إلى أهل الرأي أقرب، فالاستنباط عندهم يؤخذ من الكتاب والسنة والاجماع، فإذا عرضت حادثة لم يرد في شأنها نص في هذه الأدلة الثلاثة أجروها على القياس، فإن لم تتوفر العلة أجروها على الاستدلال: وهو الاستحسان والاستصحاب والالهام. وفي هذا قيل «من علم في شيء من الأمور بعينه حكم ما جاء فيه من كتاب الله والسنة واجماع المهتدين من الأمة فهو عالم في ذلك الشيء، فإذا أبصر. وجه الرأي والقول بالرأي فيه واهتدى له، كان فقيها فيه وعالما له، وكان من أهل الرأي فيه كما كان غيره من العلماء، فأي حادثة لها أصل تنبني عليه وتنتهي إليه، فمن عرف تأويلها وأحسنها وأعد لها كان عليه، ومن قال بالرأي في موقع الرأي، وهو من يجوز له
التحري لذلك وتعلم القول بالرأي باجتهاده فوافق الصواب كان مأجورا مصيبا وان خالف الصواب بالاجتهاد برأيه وهو من أهل ذلك كان معذورا بذلك، وكان من الحق قريبا، لا فرق بينه معنا وبين أصحاب الحق على
الحقيقة (12)
ومع أن الاباضية يقرون القول بالرأي إلا أنهم يقسمون موضع البحث والاستنباط إلى قسمين:
(11) أصحاب الحديث: هم أهل الحجاز، أصحاب الأئمة مالك والشافعي والثوري وأحمد وداود، وسموا بذلك لبنائهم الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس إلا إذا لم يجدوا أثرا أو خيرا، وأصحاب الرأي هم أهل العراق: أصحاب أبي حنيفة سموا بذلك لعنايتهم بتحصيل وجه القياس والمعنى والمستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليه: الملل والنحل للشهرستاني ج 2 ص 11 - 12.
(12) المصنف 1 ص 88
- (1/75)
صفحة 76
- قسم لا يدخل البحث بالرأي فيه وهو الدين.
وقسم يدخله الرأي وهو غير الدين
) وفي هذا يقولون: من قال بالرأي في الدين فقد خالف معنى الرأي مخالفا في الدين، لأن الدين لا يجوز اجراء الرأي فيه، ولا يجوز يسمى الدين في الرأي، ولأن الرأي حكمه ما عدا الدين، والدين حكمه ما عدا الرأي) (13). ولعل ما فهمته هنا يكون هو المقصد: حيث أرى أنهم يقرون أن الأمور الثابتة بالكتاب والسنة والاجماع قد ثبتت ورسخت فلا حاجة للزعم بالفتوى بغير ما ثبت فيها، ويقال: انه رأي، أما الأمور التي تجد في عصر من العصور ولم يرد فيها نص، فهي التي جعلت لمن كان عالما بالكتاب والسنة وآثار الأئمة السابقين بابا للدخول في بحثها واخراج حكمها. وقالوا: سئل (أبو الربيع سليمان بن يخلف ((14) عن الذي يجوز فيه الرأي للعلماء، قال ما لم يجدوه في الكتاب ولا في السنة ولا في الاجماع، فإذا نزلت نازلة مما لم تكن في الكتاب ولا في السنة ولا في الاجماع، ولا في آثار المسلمين الذين كانوا قبل النوازل فعليهم أن يجتهدوا فيها، لأن الاجتهاد والرأي مقصوران على الحوادث والنوازل لا غير (15). ومع أنهم يقصرون الرأي على النوازل إلا أنهم يقرون الاجتهاد في فروع الشريعة، بل يدخلونه تحت المأمورات، فيقولون الاجتهاد مأمور به،
(13) المصنف ج 1 ص 89
(14) هو سليمان بن يخلف المزاتي من تمزاوة بليبيا، من علماء القرن الخاء الهجري توفي عام 471: الطبقات للدرجيني ج 2 ص 425.
(15) العدل والانصاف ج 2 ص 20.
76 - (1/76)
صفحة 77
ومأجور عليه، وكذلك يعتمدون في تفسير القرآن الكريم على التأويل ويقولون أن التفسير والتأويل بمعنى واحد، وعليه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (16)
لهذا أجدهم في مسائل الفروع أحيانا يتفقون مع أهل الحديث وفي الكثير يقتربون من أهل الرأي. كذلك يقرون بأن أصول الدين ثلاثة: الكتاب والسنة والاجماع وهم في هذا كأهل السنة. أما أهل الرأي فيزيدون القياس على أنه من الأصول، أما الحكم على الاباضية بأنهم يجمعون في منهجهم بين أهل الحديث وأهل الرأي فيظهر من خلال موقفهم من خبر الآحاد فإذا ورد خبر أحادي صحيح في غير مسند الربيع قدموا عليه، وقالوا فيه: لا يقع العلم لنابه ومن جملة هذا القول: ان منهجهم الفقهي يعتمد على العمل بالحديث فيما ثبت لديهم، سواء أكان الحديث متواترا أم أحاديا. ومن منهجهم أن الاجماع واجب العمل به لأنه توقيف، فالقول بالاجماع واجب وهو أحد وجوه الحق لقول النبي «لا تجتمع أمتي على ضلال» إذا فهو حجة لا تجوز مخالفتها، وكل ما خالف الحجة فهو محجوج، وإلى هذا يوافقنا بعض أهل الرأي. وإذا كان الاباضية في منهجهم يعتمدون على الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والاجماع فهم أيضا يقرون العمل بجميع كالقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة والالهام، إلا أنهم يقولون أن كل ما شابه الأصل فهو أصل وما لم يكن أصلا قيس
(16) جواهر التفسير ج 1 ص 16
الأدلة
- 77 - (1/77)
صفحة 78
على الأصل. وكل هذا يؤكد أن الاباضية كان لهم منهجهم في الفروع والنوازل إلا أنهم كانوا يتقيدون بالأصول الثلاثة وهي الواجبة في البحث والفتوى ولا يخرجون من هذا التقيد إلا إذا كانت المسألة لا شبيهة لها في الأصول الثلاثة، وفي هذه الحالة يستخدمون القياس وغيره من الأدلة وفي هذا المقام أذكر كلمة
موجزة عن الالهام.
الالهام
الالهام عند الاباضية من أنواع الاستدلال.
(17)
وعرفه الاباضية بأنه ايقاع شيء في قلب الولي ينثلج له الصدر (7) وعرفه (السمرقندي (18): بأنه ما وقع في القلب من غير تفكر
واستدلال (19).
وتعريف الاباضية أدق في قيوده حيث أنه زاد شرط الولي لأن الالهام خاص ببعض أولياء الله تعالى وأصفيائه.
وهذا الالهام قسمان: الهام النبي صلى الله، والهام غيره من الناس. القسم الأول: الهام النبي ع ا ا ا. وهذا الالهام حجة اتفاقا لأنه نوع من
الوحي فهو حجة في حقه وحق غيره من المكلفين.
(17) شرح طلعة الشمس ج 2 ص 188 وفصول الأصول ص 357 هـ.
الله (18) هو عبد بن
محمد بن عبد العزيز السمرقندى الحنفي توفى سنة 701 هـ،
معجم المؤلفين ج 2
ص
121
(19) جامع الأصول في بيان القواعد الحنفية والشافعية للسمرقندي
- YA- (1/78)
صفحة 79
القسم الثاني: وهو الالهام من غير النبي لا فانه ليس بوحي وفيه ثلاثة أقوال. القول الأول: أنه ليس بحجة لعدم العصمة، إذ لا يؤمن أن يكون ذلك وسوسة شيطان وخاصة أن غير النبي الله ليس معصوما بخواطره. القول الثاني: وهو قول جماعة من الرافضة سموا بالجعفرية، وفيه أنه حجة في حق الأحكام بالنسبة للملهم وغيره، بل ذهبوا إلى أنه لا حجة سواه (20)
القول الثالث: وهو مذهب) الإمام الكدمي الأباضي ((21) وبعض
الصوفية.
وفيه أنه يكون حجة في حق من ألهم دون غيره، ويلزم الملهم العمل به (22). وزاد السالمي في توضيح هذا الرأي فقال: إن كان الملهم ضعيفا فلا يكون ذلك الالهام بنفسه حجة يطابق القوانين الشرعية والقواعد الدينية: فإذا طابقها كان حجة عليه ولزمه العمل به سواء أعلم أنه حجة أم لم يعلم إن كان ذلك الحال مما لا يسع جهله. وإن كان الملهم عالما مجتهدا فغالب أحواله لا يكون الالهام في حقه إلا في قضية لا يوجد لحكمها دليل متفق عليه، وعلى هذا فينبغي أن يكون الالهام في حقه هو الاستحسان على بعض ما قيل في تفسير الاستحسان
أما ما قيل من
"
وهو عندنا حجة عليه
أنه لا يؤمن أن يكون وسوسة شيطان فممنوع بأنه إذا
(20) التلويح على التوضيح ج 2 ص 15 وجامع الأصول. ص
340
(21) أبو سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي رضوان الله عليه من علماء القرن الرابع
المهجري - العقود الفضية.
ص
277
(22) فصول الأصول ص 357 وشرح طلعة الشمس ج 2 ص 188. (1/79)
صفحة 80
،
قامت الحجة على أحد وجب عليه الأخذ بمقتضاها علم أنه حجة أو جهل: أمن الوسوسة فيها أو لم يأمن، وغاية الأمر أن قيام الحجة من أمور القدرية فيجب الكف عن الخوض فيها (23). والله أعلم. وبعد،، فهذا ما يسره الله في الكتابة عن الأدلة الشرعية والتي ثبت من خلالها أن الاباضية لهم باع طويل في تأصيل الأحكام
الشرعية.
كما أن الاباضية لا يختلفون مع أهل السنة في العمل بالأدلة المتفق عليها، أما الأدلة المختلف فيها بين أهل السنة فإنهم دائما أبدا يوافقون بعض اتجاهات أهل السنة ولا ينفردون برأي يخالف أي اتجاه لهم، فكل الأدلة محمولة على النص أو مقتبسة منه بما قرر من قواعد وكليات وهكذا أجد أن الاباضية كغيرهم من أهل السنة يحتاطون لاقرار الحقائق الشرعية معتمدين في كل ما استندوا إليه بالبناء على النصوص فإذا تعارضت مصلحة النص فهي عندهم من قبيل الأهواء النفسية والانحرافات الفكرية، وكانوا على من ادعاها أشد نفورا وانكارا، وأقوى غلظة واحكاما، لذا شددوا الأمر في بيان الاجتهاد والمجتهد اطمئنانا على ثبات الأحكام الشرعية.
أثر مدرسة الاباضية في الفقه الإسلامي:
ومع
مع
بيان أثر الاباضية في الفقه الاسلامي أشير إلى أن الفقه الإباضي
(23) شرح طلعة الشمس ج 2 ص 188 لأبي محمد عبد ا الله بن حميد السالمي العماني
ولد سنة 1286 هـ وتوفي سنة 1322 هـ. (1/80)
صفحة 81
الأدلة يعتمد من حيث بعد القرآن الكريم في مجال السنة الشريفة على المتواتر منها والمشهور، والمستفيض وعلى الأحادي والمرسل، وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث ولو كان أحاديا أو مرسلا، ولا يرد الحديث الأحادي إلا إذا صادفه نص قطعي، ويقولون بالقياس والاستصحاب، والمصالح المرسلة على التفاصيل والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب أصول الفقه.
يتبين مما سبق أن مدرسة الاباضية كان لها أثر عظيم في الفقه الاسلامي
يتضح فيما يأتي
:
(أ) قامت هذه المدرسة في زمن تتابعت فيه المدارس الفقهية والفرق الإسلامية، ونتيجة لهذا، فقد تدرجت مباديء كل مدرسة على أيدي علمائها، وتتابع روادها، وكان أتباع كل مدرسة يحافظون على التمسك بها والعمل بخصوص المنهج الذي قامت عليه حتى تبلورت خصائص كل مدرسة في الامام الذي عاصر بدايتها حتى صار اسمه علما عليها، وكذلك تدرجت مدرسة الإباضية على يد علمائها وكان علمها عبد الله بن إباض. فالطريقة التي قامت عليها المدرسة الإباضية لا تختلف عن غيرها من الطرق التي قامت عليها بقية المدارس، والتي لا تختلف كثيرا عما نتبعه الآن في اتباع كل منا مذهبه في التحصيل والتدريس، فإمام من أئمة المسلمين يجتمع عليه عدد من طلاب العلم يلتزمون مجلسه ويأخذون عنه ثم يتفرقون بعد التحصيل في البلاد، فيتولى المتفوقون منهم الرواية عن إمامه متخذا كل منهم نفس أسلوبه في السلوك والتدريس ناقلا روايته ورأيه، ثم تنتقل الطريقة مع الأجيال وكل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظ من آثار وآراء تكتسب مع مضي الزمن شيئا من الاحترام والتقدير، وربما تبلغ أحيانا درجة التقديس.
-^- (1/81)
صفحة 82
هذه الطريقة هي الطريقة التقريبية التي نشأت عنها
جميع
المدارس
الفقهية وإن أختلفت أزمنة الأئمة، وبالنسبة للإباضية فإنهم يقرون بأن
مدرستهم
عنه
نشأت بحضور عدد من علمائها مجلس جابر بن زيد رضي الله. متبعين منهجه ورأيه محافظين على الأخذ عنه أكثر من غيره. ومن هؤلاء العلماء، أبو عبيدة مسلم، وضمام ابن السائب، وأبو نوح الدهان، والربيع الله بن إباض وهم من جملة العلماء الأوائل لهذا المذهب. بن حبيب، وعبد
(ب) قام علماء هذه المدارس الفقهية بالإحاطة بجميع مسائل الفقه الموجودة في زمنهم ووضعوا لها أصولا وقواعد واضحة، كانت أساسا ارجوع المسائل التي تجد في أي عصر من العصور عليها، والوصول إلى ما يرجى منها وبذلك حفظت الثروة الفقهية، ونمت ياضافة ما استنبطوه بجهدهم، فنا الفقه والتشريع، واتسع الاستنباط وتعددت مجالاته (جـ) ان قياس هذه المدارس كان صلة بين عصرين متميزين في التشريع
الإسلامي
عصر
العلماء
النبي محمد الله وصحابته رضوان الله عليهم، وعصر ا التابعين المجتهدين في جميع البلدان الإسلامية، فقام التشريع والفقه على الأنس الأصلية من الكتاب والسنة النبوية، فقد كان لقيام هذه المدارس بالنسبة إلى من بعدها أثر عظيم في وضع الأسس والمباديء التي اتبعت في الاستنباط والتشريع، وتأصيل القواعد القوية التي يمضي عليها المجتهدون
من بعدهم.
(د) هذا المذهب ليس مستحدثا وإنما نشأ متأصلا على القواعد الصحيحة مدعما بالأصول الواضحة الثابتة، فبالنظر والتتبع لا يوجد في فقهه ما يخالف الكتاب ولا السنة النبوية ولا عموم الأصول التي اتفق عليها المسلمون
جميعا.
فالأصول ثابتة وراسخة لا خلاف فيها، أما ما كان من خلاف في
- AY- (1/82)
صفحة 83
بعض المسائل الفرعية فإنما يرجع إلى فهم النصوص من الكتاب والسنة واستخراج الأحكام الشرعية العملية منها، وهذا لا يؤثر على نشأة الاجتهاد في شيء ولا على علم المجتهد، لأن الخلاف في فرع من فروع مسألة ما من الزاوية التي تنظر منها إلى حكمة يعلمها الله وهي الرحمة، لأنه سبحانه هو الذي أراد لدينه الخاتم التوسعة والرحمة بعباده،
بعباده
فلو كان غير ذلك لبين المجمل وفصل العام وحدد كل شيء في نصوص لا
تحتمل التأويل أو الخلاف
وعلى هذا فالاختلاف بين المدارس الإسلامية المعتدلة في الفقه الإسلامي خلاف فرعي لا يؤدي إلى التزمت والتعصب الذي تتزعمه نسب ضئيلة غير متعمقة من اتباع هذه المدارس الفقهية. والناظر في الفقه الإباضي يجد أنه قائم على قواعد خمس، وهذه القواعد
هي:
(1) قاعدة أن اليقين لا يتبدل إلا بيقين مثله، وهو نوع من أنواع الاستصحاب لأن حكم اليقين مستمر وإن ورد عليه الشك حتى يتيقن انتفاء اليقين ومن أمثلة هذه القاعدة تيقن الشك في الحدث فإن لصاحبه الأخذ باليقين وهو
الطهارة مع
الطهارة. (2) قاعدة أن الأمور بمقاصدها: فكل عمل لا يتحقق إلا إذا قصده صاحبه ومن أمثلة هذه القاعدة وجوب النية في الأعمال:
لقوله «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى». (3) قاعدة المشقة تجلب التيسير: ومن أمثلتها: القصر والجمع والفطر في السفر (4) قاعدة العادة محكمة أي ضبطها الشرع وحكمها: ومن
- Ar- (1/83)
صفحة 84
أمثلتها بيان مدة الحيض والنفاس
(5) قاعدة الضرر يزال ومن فروع هذه القاعدة وجوب رد المغصوب، وضمان المتلف. كما كان للإباضية كغيرهم من المذاهب الإسلامية أثر عظيم في شتى صنوف العلم وتدوينها، فتكلموا في جميع المسائل الفقهية والاعتقادية والأخلاقية بالدراسة
والتحليل والتصنيف.
تصنيف المسائل الفقهية:
ففي تصنيف المسائل بدأوا بالعبادات وانتهوا بالمعاملات، وأضافوا البحث في الطهارة ووظائفها، والصلاة بحدودها وفرائضها ووقتها، وبيان ما ينقصها ومعرفة أصولها ورخصها، من صلاة وسفر، وبيان فرضها وسنتها وغير ذلك مما سنه رسول الله الله، وأفصحوا عن الزكاة وصفوفها وأهلها، كما بينوا الخمس من الغنائم وأهله، وزكاة الفطر وشروطها وعلى من
تجب.
?
تحديد وقتها.
وبينوا شهر الصيام وما يحمله من معان، وأوجبوا فرضه مع الالتزام بكل ما شمله من خصائص المشقة يإمعان.
كما لم يتركوا منسكا من مناسك الحج إلا وبينوه للعامة والخاصة: فبينوا ما يجب من أعمال في حج بيت الله الحرام ومعرفة وجوب فرائضه وسنته. وتحريم الرفث والفسوق والجدال في الحج ونصوا على الاحرام من الميقات، والوقوف بعرفة، وزيارة البيت، والطواف، والسعي وما يلزم من الجزاء على من قتل الصيد وقطع شجر الحرم، وبوبوا للمعاملات فحثوا على الاشهاد في البيوع، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم مال اليتيم ورخصوا في السلم، وفرقوا بين العقود الصحيحة والفاسدة، والعيوب الظاهرة وغير الظاهرة في محل العقد، والبيوع الجائزة والنهي عنها،
- ^ E- (1/84)
صفحة 85
وبينوا الشركة، والشفعة والاجارة وأحكامها، وبينوا الرهن وشروطه وما يجوز للراهن والمرتهن، والقراض، والمساقاة، والهبة وأقسامها، والوصايا والمواريث وتكلموا في الصيد والذبائح، وتحريم ما أهل لغير الله به، وتحريم كل ما حرم من الميتة والدم ولحم الخنزير، وتحريم كل ذي مخلب من الطير وناب من السباع، وتحريم ما ذبح على النصب معللين لما أحل وما حرم، ورتبوا النكاح وشروطه الصحيح منها والفاسد، وحرموا نكاح المتعة والمطلقة ثلاثا على زوجها حتى تنكح زوجا غيره، وتحريم ما حرم الله من نكاح ذات النسب والصهر والرضاع. وكذلك بينوا العلاقة بين الأزواج وما يترتب عليها من عشرة ومعاشرة، فيحرم وطء المرأة في الدبر، واظهار الزينة من المرأة لغير زوجها، كما أفاضوا في لين الجانب وحسن المعاشرة وتحريم الوطء في الحيض والنفاس. كما بينوا الأقضية والشهادات وما يتعلق بها من أحكام، فحرموا الشهادة بغير علم وكتمان الشهادة والايمان الكاذبة وترك الارتياب والوقوف على الشبهات. وشرحوا حدود الله وصنفوها، ونصوا على الجهاد في سبيل الله ومنزلته وعلى هذا لم يتركوا مسألة من مسائل الفقه الإسلامي. إلا وأفوها حقها من الايضاح والوقوف على مصدرها حتى لا أجد خلافا يذكر بين الإباضية وغيرهم من المذاهب الفقهية في التصنيف والتدوين.
85 (1/85)
صفحة 86
أهم المسائل الفقهية التي خالف فيها الإباضية أهل السنة
تمهيد:
6
بعد بيان الأصول التي أعتمد عليها الإباضية في استخراج الأحكام الشرعية وتطبيقها، أقرر أنهم في منهجهم كغيرهم من المذاهب الأخرى، فقد جعلوا الينبوع الصافي لهذه الشريعة هو كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قضوا بأن النصوص تتناهى، ولكن الحوادث، ولم يقف الإباضية عند جدهم واجتهادهم حتى كانت له قواعد وأصول اعتمدوا عليها في استنباط الأحكام ومن هنا كان لهم أثر عظيم في الاجتهاد في الفروع الفقهية والتي هم فيها يتلاقون مع أهل السنة في أغلبها بل جميعا إلا القليل النادر، والذي لا يصل حصره إلى أكثر من عشرة مواضع. فبالرجوع إلى فقه الإباضية تجد أن المسائل التي خالفوا فيها الحنفية مثلا اتفقوا فيها مع الشافعية أو المالكية أو الظاهرية. وما خلفوا فيه مذهبا وافقوا فيه الآخر. أما المسائل النادرة التي خالفوا فيها جملة أهل السنة تجد فيها اما رأيا واحدا عندهم، أو رأيين أحدهما خاص بها والآخر يتفق مع مذهب من مذاهب أهل السنة.
-17 - (1/86)
صفحة 87
وإذا كان الإباضية لهم رأيهم المنفرد في بعض الحوادث التي يمكن حصرها فإنك تجد الاختلاف بين مذاهب أهل السنة أنفسهم في كثير من الحوادث والفروع التي لا يمكن حصرها، بل يتعسر الوصول إلى مسألة محل اتفاق بينهم، فالاختلاف بين المذاهب أمر لا بد منه لاقامة الاجتهاد واستخدام العقول وتباين الأفهام، وكثيرا ما يحدث الاختلاف في داخل المذهب الواحد حتى
وصل عدد الآراء في بعض المذاهب إلى خمسة آراء.
وإذا كان هذا الاختلاف الفقهي فيما جد من حوادث ومسائل في زمن المجتهد فإنما هو ناتج عن دراسة مستفيضة وعميقة لمعاني الكتاب والسنة، وما ثبت من اجماع وما يستنبط منها من أقيسة ولم يكن افتراقا بل اختلافا في وجهة النظر، وكان يستعين كل فقيه بأقوى ما توصل إليه من معان وأحكام.
وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يسره اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في الفروع، ويقول: «ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله علين وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق، وانهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم لكان سنة (24) أن الاختلاف في الفروع الفقهية كانت له أسباب وعوامل أشار إليها ومع الكثير، فاني أوجزها فيما يلي:
أسباب اختلاف الفقهاء في الفروع الفقهية:
ترجع كثرة الفروع الفقهية فيها بين الفقهاء والتي أدت إلى تكوين
(24) الاعتصام للشاطبي ج 3 ص 11
-
87 (1/87)
صفحة 88
المدارس الفقهية إلى عوامل كثيرة أجملها فيما يلي:
(1) كان تفرق علماء الصحابة رضوان الله عليهم في الأمصار المختلفة تفاوتهم في العلم والرواية سببا في اختلاف الفتوى، كما كان تباعد المسافات بين الأمصار عائقا للتقارب بين وجهات النظر، فتكونت المدارس المختلفة من الفقهاء التابعين، وكان على رأس كل بلد مدرسة لها فتاويها وآرائها الخاصة بها، فوجدت بذلك مدارس في مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام ومصر والمغرب وصار لكل منها أتباع مجتهدون.
(2) انقسام المجتهدين في الفقه الإسلامي إلى فريقين، فريق اعتمد في منهجه على النصوص وغلبت عليه التسمية بأهل الحديث، وفريق اعتمد
على الرأي مستضيئا بالنصوص فغلبت عليه التسمية بأهل الرأي (25). (3) تنازع المسلمين حول الخلافة ومن الأحق بها، وانقسامهم إلى خوارج وشيعة وجمهور وهذا العامل قد ساعد على قيام المدارس الفقهية بطريق غير مباشر حيث انه ترتب عليه تصدع وحدة الأمة الإسلامية بعد الفتنة الكبرى، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية متحدة سياسيا وتشريعيا ولها عاصمة واحدة وهي المدينة المنورة تصدر فيها جميع الأحكام السياسية والدينية، مما جعلها المدرسة الوحيدة التي تزخر بالصحابة والحفاظ - أصبح بعد الفتنة متفرقين في الأمصار، يتبادلون الخلاف والجدل، مما أدى إلى تكوين هذه المدارس وكان من الطبيعي أن يكون لكل مدرسة موطن نشأت فيه وطوائف تتبعها وتعتز بمنهجها.
العلماء
(4) شيوع رواية الحديث بعد أن كانوا يتحرجون منها مخافة الكذب على رسول الله الا الله، فظهر الافتراء في وضع أحاديث بسبب عدم تدوين
(25) الملل والنحل للشهرستاني ج 2 ص 11 (1/88)
صفحة 89
السنة والاعتماد على الذاكرة، وصعوبة حصر
حياته.
المذهبي
من السنة.
كل ذلك أعطى الفرصة لأعداء الله أن يلقوا بأقوال وينسبوها افتراء وكذبا إلى رسول الله الله وشجع على ذلك الخلاف السياسي، والتعصب، والتبعية للحكام والعداوة الدينية. وكان نتيجة لذلك المجتهدين في التثبت مما يرد إليهم من الأحاديث، فشرط بعضهم شروطا لقبول الحديث، وتباينت وجهات النظر في ذلك رجاء الوصول إلى الصواب (26).
(5) اختلاف أحوال الأمصار الاجتماعية والاقتصادية كان سببا في اختلاف المسائل المعروضة على المجتهدين، فاختلفت الفتوى في المسائل والمباديء وتكونت المدارس الفقهية (27)
العلماء
(6) ورود المتشابه في القرآن الكريم، وقد كان وروده سببا في اختلاف العلماء في مواضع المتشابهات وحاول كثيرون من ذوي الأفهام تأويله والوصول إلى إدراك المراد منه فاختلفوا في التأويل اختلافا مبينا، ومن من توقف خشية الخطأ في الحكم، قال تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات، هن أم الكتاب، وآخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم، يقولون أمنا به
كل من عند ربنا وما يذكر الا أولو الألباب (28).
(26) المذاهب لأبي زهرة ص 26.
(27) تاريخ الفقه الإسلامي للشيخ أنيس ج 2 ص 8 والمذاهب لأبي زهرة
ص 20.
(28) سورة آل عمران (آية 7).
89 (1/89)
صفحة 90
ويقع تحت هذا الاختلاف العارض من وجهة اشتراك الألفاظ للتأويلات الكثيرة، والخلاف العارض من جهة الحقيقة والمجاز، والأفراد
والتركيب، والعموم والخصوص، والناسخ والمنسوخ، والاباحة
(29)
والتوسيع (9)
فبهذا ثبت ورود المتشابه في القرآن الكريم ليختبر الله سبحانه وتعالى قوة الايمان في المؤمنين وليدركوا أن خاتمة الشرائع صالحة لكل زمان ومكان، ولكل ما يحدث ويجد من فكر وأعمال تخطر ببال البشر وتدور بين الحظر والاباحة.
قال (ابن رجب الحنبلي ((30): «اختلاف العلماء في المسائل التحليلية والتحريمية لأسباب: منها أنه قد يكون النص عليها خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم، ومنها أنه قد ينقل فيها نصان، أحدهما بالتحليل والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة أحد النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ، ومنها ما ليس فيه نص صريح كأن يؤخذ من أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب وفي حمل النهى على التحريم أو التنزيه وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا (31) وبعد فإذا كان هناك خلاف ثابت في كثير من الفروع بين
(29) معارج الأمال ج 1 ص 14 - 21.
(30) ابن رجب: هو أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة
795 هـ. .. القواعد لابن رجب.
(31) القواعد لابن رجب ص 15.
90 (1/90)
صفحة 91
مذاهب أهل السنة فإنه يندر ويقل بين الإباضية وبينهم، بل
المسائل التي انفرد بها الإباضية وكانت لهم فيها
المستقلة حجتهم
أحصرها فيما يأتي
:
أولا: مسألة المسح على الخفين
ثانيا: مسألة رفع الأيدي في تكبيرة الاحرام.
ثالثا: حكم من أصبح جنبا في رمضان.
رابعا: طعام أهل الكتاب (الحربيين).
خامسا: تحريم نكاح الصبي والصبية.
سادسا: تحريم الجمع بين بنات العم خوف القطيعة، وهو للشيخ أطفيش
الإباضي خلافا للثابت عندهم.
سابعا: حق أولاد الإبن في الميراث مع الأولاد بالوصية الواجبة.
ثامنا: المدير حر من تاريخ التدبير.
تاسعا: تحريم التبغ على أنه من الخبائث.
وهذه المسائل لكل مذهب فيها آراء ومنها التحريم.
وتتميما للفائدة في هذا المقام أذكر مسألة من المسائل المختلف فيها بين الإباضية وأهل السنة وهي مسألة الوصية للأقربين، وذلك لما لها من
خاصة في تقريرها.
أهمية
-91 - (1/91)
صفحة 92
تمهيد:
الوصية للأقربين
الوصية للأقربين:
من الثابت المنصوص عليه أن إبن الإبن مع الابن لا نصيب له في تركة جده وجدته باجماع الفقهاء حيث لا فرض له مع وجود أعمامه، وهذا كان له الأثر فيما يشهده المجتمع بين حين وآخر من وفاة شخص في حياة والديه وقد ترك ذرية ضعافا لا عائل لهم ولا سائل خاصة وأن الله شرع سبحانه وتعالى بين الميراث بيانا شافيا، فلم يجعل لذوى العقول التصرف فيه لما له من أهمية خاصة في العلاقات الانسانية والاجتماعية.
فبين الله سبحانه وتعالى لهم سهام مقدرة بالنص القرآني المفضل، والكثير من النصوص النبوية المطهرة التي لا تجعل مجالا للشك أو الريبة فقدر الفروض وحصرها في النصف، والربع والثمن، والثلثين، والثلث، والسدس، كما نص على أصحاب الفروض الذين لهم الحق في تركة المتوفى من الذكور والاناث وعددهم أثنا عشرة.
فالذكر أربعة: (1) الأب. (2) الجد. (3) الأخ لأم. (4) الزوج.
والاناث ثمان: (1) الأم.
(2) الجدة
(3) البنت.
(4) بنت الإبن. (5) الأخت الشقيقة (6) الأخت لأب.
(7) الأخت لأم. (8) الزوجة.
92 (1/92)
صفحة 93
وإذا تأمل القاريء آيات الكتاب أدرك أن الله سبحانه قدر علم الميراث وأوضحه وضوح النهار بشمسه، فلم يترك تقديره إلى أحد. قال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق أثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهم السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث، فإن كان له أخوة فلامه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهما أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما) .. ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من حليم (32).
الله والله عليم
ثم قال سبحانه (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة (33) ان امروء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو
(32) الآيتان 11، 12 من سورة النساء.
(33) الكلالة: مأخوذة من الاكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه، وفرها العلماء بمن يموت وليس له ولد، ولا والد، تفسير ابن كثير ج 1 ص 592.
-
93 - (1/93)
صفحة 94
يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلها الثلثان مما ترك وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (34). . ففي هذه الآيات الكريمة بيان سهام الفرائض ومستحقيها، وبينت السنة المطهرة حقيقتها وما يقي من أحكام تخصها، وانعقد الاجماع على كل ما نص عليه، وثبت باجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم بيان الصورة المختلفة في اجتماع الورثة، وكيفية التقسيم عليهم ما ثبت من بيان لأصحاب الفروض فإن الشريعة الغراء تنص ومع على أن الابن المنفرد يجوز جميع التركة، وكذا الابنان والبنون، وأولاد الابن وإن نزل إن أنفردوا، كأولاد الصلب يستغرقون جميع التركة، فلو اجتمع أولاد الصلب وأولاد الإبن، وكان من أولاد الصلب ذكر حجب أولاد الإبن بالاجماع، وكذلك إذا أحاط أصحاب الفروض بجميع التركة حرم أبناء الإبن (35). فبمقتضى توزيع التركات يحرم أولاد الإبن من مال كانوا يستحقونه لو أراد أباهم إلى ما بعد وفاة والده ولكن قدرة الله التي اشتملت على المواعظ والعبر جعلت هؤلاء لا فرض لهم مع أعمامهم، وبهذا التوزيع الذي عليه الكثير من أهل العلم حرم أبناء الإبن وجعلهم يعيشون في حياة بائسة لا.
(34) الآية الأخيرة من سورة النساء. (35) المبسوط ج 6 ص 156، وفتح القدير ج 3 ص 154، وبداية المجتهد ج 2 405، والمهذب ج 3 ص 27، والمغني لابن قدامة ج 5 ص 245، والبحر الزخار ج 6 ص 241، والمحلى لابن حزم ج 10 ص 345، ومختصر الخص سال ص والنبع الفائض في أصول الفرائض ص 39.
209
- 98 - (1/94)
صفحة 95
ذنب لهم فيها، ولكن لحقتهم مصائب الدهر بسبب موت أبيهم الذي لو أبقته يد القدر إلى ما بعد وفاة جدهم لكانوا في سعة من العيش ورغد في
الحياة.
ومع هذا الاتجاه إلى الحرمان من الكثير قيض الله سبحانه وتعالى من أهل العلم والبصيرة من يجد لهم مخرجا في كتابه العظيم الذي لم يفرط بحق في شيء، وسنة سيد المرسلين وخاتم النبيين أكدت منعتهم وعزتهم حتى نصوا على أنهم لا يقلون قدرا عن أعمامهم في ميراث جدهم، فنادوا بالوصية لهم وأوجبوها على الوالدين لأولاد أبنائها المتوفين في حياتهما وجعلوا حرمة منعها كحرمة تضييع أصحاب الفروض.
التي
ومن
هذا الفهم العميق والاتجاه الجلل الذي أزال الكثير من الخلل في توزيع التركات كانت الوصية الواجبة التي أرى أنها مفخرة الفقه الإباضي وسر ادراكه لمعنى الكتاب والسنة وقداسة هذا التشريع وما فيه من اللطف والرحمة بهؤلاء الأيتام وتدارك ما فاتهم بموت أبيهم.
أهم مؤلفات الإباضية
بعد عرض أهم الجوانب العلمية عند مدرسة الإباضية والإشارة إلى مصادرها يتحقق للقراء أن المذهب الإباضي غني بالمؤلفات الكثيرة، والتي منها ما هو كبير الحجم والتي يصل بعضها أحيانا إلى ما يزيد عن السبعين جزءا، ومنها ما هو صغير الحجم قليل الأجزاء، وليس صغر الحجم دليلا
على اختصار علومه، وإنما لاقتصاره على بحث جزئية معينة في المذهب
ولا أستطيع في هذا المقام أن أشير إلى ما دون من هذه المؤلفات لدى
- (1/95)
صفحة 96
كتاب الإباضية، بل لا أستطيع أن أشير إلى ما رأيته فقط من خزائن مملوءة بمؤلفات العلماء من إباضية سلطنة عمان، فماذا عن مؤلفات إباضية المغرب العربي بليبيا والجزائر وتونس والتي عرفت مصر عن طريقهم المذهب الإباضي. فكل من أشار لهذا المذهب من علمائنا رجال الأزهر الشريف يذكر أن مراجعهم كتاب شرح النيل وشفاء العليل، وكتاب الإيضاح للشماخي وهما العالمين من علماء المغرب العربي، بل لو سمع منى أي عالم من علمائنا الأفاضل ذكر المذهب لقال إن مراجعه نادرة، وربما لا يكون لهم مرجع
سوى شرح النيل، ومع هذا فإن للجميع عذرهم وذلك من ناحيتين:
الناجية الأولى:
ان شرح النيل مؤلفه رحمه الله كان في أوائل هذا القرن الذي نعيشه، وقد حضر إلى مصر وأقام بها حتى وفاته، وإلى الآن يعتبر أحفاده من أبنائها، فحافظوا على هذا الكتاب حتى طبع في مصر، وأخذ للدراسة في الأزهر للباحثين، فلم يكن يوجد سواه، بل أستطيع أن أقول انه قبل حضور الشيخ أطفيش إلى القاهرة كان لا يوجد لهم مرجع واحد متيسر
للاطلاع والدراسة
الناحية الثانية:
إن أهل المذهب في العصور السابقة ربما كان لهم بعض التحفظ على ما يؤلفونه فلا يطلع عليه سوى أهل المذهب، ومعظم كتب التاريخ الإباضي تشير إلى كثرة الفتن في الأقطار التي يعيشون فيها، والتي كثيرا ما كانت تؤدي إلى الحرص الشديد على اختفاء هذه المؤلفات، وقد أدى هذا
-97 - (1/96)
صفحة 97
الحرص إلى ضياع الكثير منها، وربما كانوا يحفظونها في بطون الجبال والجحور فتأكل بعضها الأرضة، لهذا نجد الكثير من المراجع ناقصا مجلدا أو أكثر من وسطه، وربما لا يبقى من المراجع الضخمة سوى مجلد واحد أو ما يشير إليه، وسواء أكان المعروف لدى علماء الأزهر مرجعا أم أكثر فإن المذهب الإباضي معلوم لدى كافة المسلمين منذ نشأته وهو مشار إليه لدى كتاب الفرق الإسلامية، ولكن على دعاة أهل العلم الوقوف على منهج أي مدرسة من المدارس وذلك من مصادرها الأصلية.
•
هذا
وإذا كان لا نعلم في وقت سابق عن حجم الثروة الضخمة التي تركها علماء الإباضية فقد حان الوقت الذي تخرج فيه هذه المؤلفات من الحصار لتطوف الدنيا من مشرقها إلى مغربها، ويرجع الفضل في هذا الانتشار إلى العصر الذهبي الذي تعيشه الآن سلطنة عمان بقيادة زعيمها المفدى السلطان قابوس بن سعيد، والذي له الفضل العظيم في النداء الدائم يجمع هذا التراث الضخم للقيام على حفظه وطبعه حتى تيسر له ما نادى
به
وقد وفى وأنشأ وزارة التراث القومي بقيادة صاحب السمو السيد فيصل بن علي وزير التراث القومي والثقافة، الذي شمر عن ساعديه، وتغمره العادة كلما حصل على مؤلف ليقوم بطبعه ونشره في كافة بلدان المعمورة، والذي يطوف بالوكالة يلمس هذا القدر العظيم لهذا الوزير والرجال الذين يعملون معه في احياء هذا التراث الضخم، فكم تأخذك هالة الفخر بسهر هؤلاء الرجال على هذا الانجاز المعجز في هذه الفترة الوجيزة، والتي تدل على معجزة حقيقية في قراءة هذه المخطوطات التي
يتعثر النظر في قراءتها ثم طبعها بهذا الشكل الحسن فجزاهم الله خير الجزاء
وإن كنت في كلامي هذا أشيد بدور هؤلاء الذين تولوا حفظ
- 9 V- (1/97)
صفحة 98
التراث، فليس من فراغ، ولكن كل هذا لمسته خلال زيارتي لسلطنة عمان في نهاية عام 1984 م من أجل الوقوف على مراجع المذهب بدعوة من سماحة مفتي عام سلطنة عمان «الشيخ أحمد بـ بن حمد الخليلي»
وقد اطلعت على مخطوطات متهالكة ذات رائحة شديدة من سوء
التخزين، وربما لا تستقر النفس بالاقتراب منها، وأخرى بخط رموز يصعب على غير المتابع لها قراءتها وفكها (36) كما سمعت من العاملين فيها أن الحصول على المخطوط من حصنه صعب للغاية، وكثيرا ما يحصلون على جزء من مخطوط في وقت ثم يحصلون على بعضه أو باقيه بعد عناء في فترة زمنية كبيرة، وربما يحصلون عليه من مكتبات عالمية في أوربا وغيرها، فمثلا علمت أن هناك كتابا اسمه (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)، ففرحت حيث أنه المصدر التاريخي الوحيد
الذي يدلني على أثر هذه المدرسة ولكن سرعان ما تبدد هذا الفرح فالوكالة لم تحصل إلا على غلاف أحد المجلدات فقط، وتشاء الظروف أثناء استغراقي في البحث أن أصل إلى أن هذا المخطوط توجد منه نسخة بمكتبة كلية الدراسات العليا بجامعة بغداد، وهذا كله يدل على أن. المدرسة الإباضية ليس بالأمر الهين. كما ذهلت لما رأيت الوكالة التي استقبلني روادها أعظم استقبال وأتاحوا لي أن أجول فيها وأحصل منها على ما شئت من مراجع منسقة جميلة
جمع مؤلفات
(36) يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي قاضي محكمة مسقط. أعلم أن أغلب علماء عمان أعظم عللهم الفقر وأكبر مؤخر لهم عن التأليف العسر، ولم تكن لهم دولة غنية بمعنى الكلمة، فلذلك ترى مؤلفاتهم في الزوايا تلعب بها حشرات الأرض. مقدمة فصول الأصول ص 7.
-94 - (1/98)
صفحة 99
حسنة الطبع مجلدة أفخم التجليد، كثيرة العدد
وبتصفح هذه المؤلفات الضخمة كثيرة المجلدات، أرى أن علماء هذه المدرسة لا يعرفون التخصص في العلوم الاسلامية، فلا يقتصرون في بحثهم على علم دون علم إلى يومنا هذا فنجد المرجع الواحد جامعا شاملا كل العلوم، فلم يترك بابا أو مسألة إلا وطاف فيها وأعطاها حقها من البحث والتحقيق
•
فالغاية العظمى من هذه المراجع متقاربة في تنظيمها وتبويبها، فنجد أنها تبدأ في أول أجزائها ببيان فضل العلم والحث عليه، ثم السيرة العطرة لسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته، ثم الجانب الأخلاقي، ثم الجانب العقائدي، ثم أصول الفقه، ثم الفقه بجميع أبوابه وفروعه،، وأحيانا أجد المؤلفات مدونا فيها علم أصول الفقه قبل علم التوحيد
بعض
هذه
كما أرى أن أصحاب هذه المؤلفات كانت لهم القدرة القائمة في استخراج الأحكام الدالة على جميع أصناف العلم، فلم يتركوا مسألة واحدة إلا ووضحوها وأصلوها.
فالناظر في هذه المراجع يدهش حينما يرى هذا الجهد الذي بذلوه في تصنيف هذه المراجع وضخامتها، فمثلا تجد المسألة الواحدة الفرعية في بحثها وكتابتها أحيانا تقع في مجلد ضخم بل في بعض المراجع تشمل أكثر من مجلد، فبالتجوال في بعض هذه المراجع أجد أنني وصلت في النظر إلى الجزء العشرين منه ولم ينته بعد من الطهارة أو الصلاة، وذلك كقاموس الشريعة
ومعارج الأمال
•
ولم يكتف علماء هذه المدرسة بالتأليف والتدوين بطريق (1/99)
صفحة 100
الكلام والبسط فيه، بل الكثرة منهم كانت لهم القدرة الفائقة على صياغة ما كتب بطريق الشعر على أحد بحوره، وكانوا في شعرهم لا يقتصرون على الجمل الاجمالية كالمتون بل كانوا ينشدون المسألة انشادا مطولا بحيث تصلح أن تكون مصدرا يعتمد عليه في استخراج المسألة بأدلتها
فمثلا علم المواريث أجد فيه أرجوزة قيمة أسماها مؤلفها (37) (كلمة صدق في تأييد الحق) وقد اقتبسها من موضوع المواريث في كتاب النيل وشفاء العليل، وهي تقع فيما يزيد على ثلاثمائة وخمسة وأربعين بيتا وكذلك أرجوزة مطولة في الاجتهاد وشروطه وهي تقع فيما يزيد على أربعة وسبعين بيتا، وسماها مؤلفها (غاية الارشاد إلى شروط الاجتهاد (38) وهذه الأرجوزة كغيرها غنية في منهجها العلمي الذي يؤدي
(37) كلمة صدق في تأييد الحق للعالم عبد الله بن غابش النوقلي المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وتسع وثلاثين هجرية، وهذه الأرجوزة مطبوعة عام 1981 م، وتقع في 46 صفحة من القطع الصغيرة. (38) أرجوزة غاية الارشاد إلى شروط الأجتهاد، تقع بآخر كتيب المنتخب من السنة لمؤلفها سفيان بن محمد بن عبد الله الراشدي رحمه الله، والتي تقع على غرار الأربعين النووية الشهيرة وتزيد على الثمانين حديثا منتخبة كلها من كتب الصحاح، وقام بطبعها ولده يحيى بن سفيان مدير معهد الدراسات الاسلامية بسلطنة عمان سنة
1396 هـ.
ملحوظة: (1) ننشر هنا بعض ما أوضحه الباحث عن وصية الأقربين لطول البحث (2) مؤلف شرح النبيل هو محمد بن يوسف أطفيش قطب الأئمة وليس
إبراهيم أطفيش نزيل مصر) كما توهم الباحث.
1111 (1/100)
صفحة 101
الغرض لمن اطلع على فنها.
وغير هذا كثير من المطولات الشعرية التي شملت جميع صنوف العلم ومن هذا الميدان الفسيح والجمع الكبير للثروة الضخمة التي تركها علماء الإباضية أرى أن بيان المزيد عنها يحتاج إلى زيارة الوكالة بوزارة التراث والسلام عليكم ورحمة الله
د: ابراهيم عبد العزيز بدوى
مدرس
الفقه المقارن بجامعة الأزهر.
كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين
11.1
بالقاهرة (1/101)
صفحة 102
[صفحة فارغة] (1/102)
صفحة 103
حفل في ميزاب
عندما تتبارى المدن والنواحي الجزائرية في ميدان العلم والأدب وحلبة العروبة والإسلام، ومضمار الوفاء لسدنة هذه الثوابت، ستقف ميزاب
في الطليعة بدون منازع
• (1/103)
صفحة 104
حفل في ميزاب (1)
بقلم: د/أبو القاسم
سعد
الله
جامعة الجزائر (1)
اذا ذاكر العلم في بلادنا فان الذهن ينصرف الى مراكز معينة هي تيهرت وتلمسان وبجاية وقسنطينة، ثم تقدمت عجلة الزمن فإذا بمراكز أخرى تظهر على الخريطة هي زواوة ومعسكر ومازونة ومدينة الجزائر، وبعد الاحتلال الفرنسي انطفأت هذه الشموع ولم يبق منها الا بصيص يخفق هنا وهناك رغم الرياح العاتية، في تلمسان وقسنطينة وبسكرة. وقد أضيف اليها وبقوة ميزاب
كان المرحوم محمد علي دبوز يهدي إلى كتبه عن النهضة الجزائرية وأعلام الاصلاح. وهي كتب تمثل بحق مجهودا فرديا ننوء به العصبة
(1) الدكتور أبو القاسم سعد الله
المعاصرين
من أبرز المثقفين الجزائريين
أستاذ جامعي واسع الثقافة، ألف في العديد من
الاهتمامات، التاريخ، الأدب، الشعر، تحقيق التراث وهو عضو المجمع
العلمي العربي بالقاهرة.
(1) نقلا عن الشعب، 1990/ 6/7. (1/104)
صفحة 105
أولو القوة وكنت أتخرج من مجاراته في الأطروحة العامة التي يبني عليها مؤلفاته وهي التاريخ للنهضة الجزائرية بتطبيق نظرية شمال وجنوب، وقد كان - رحمه الله - يكرر ذلك فيذكر نماذج قليلة
مما يسميه «الشمال، ثم يركز ويطيل التركيز على النماذج «الجنوبية»
،
وهو يعني بالشمال بعض مراكز العلم وبعض الشخصيات في المدن الساحلية وما جاورها. ويعني بالجنوب بلاد ميزاب بالذات، فهو يؤرخ لحياة هذه المنطقة العلمية ويصف رجالها ويتحدث عن تكوينهم وأسفارهم في سبيل العلم والتحصيل وجهادهم من أجل العربية والإسلام والإصلاح.
قلت كنت متحرجا من مجاراته في ذلك لأنني أؤمن بوحدة
في نفسي.
الوطن واقف ضد تناول حياة بلادنا من منطق الجهوية أو المذهبية. فلم أتناول كتب المرحوم دبوز بالمدح أو القدح، وأن كنت في نفسي أكبر فيه الجهد والتوثيق والغيرة الشديدة على تراث ميزاب، وكنت أقول لعله يبالغ في ذلك ولعله ينطلق من منطلق التي عرفتها المنطقة خلال حوالي قرن، عذرته فيما ذهب إليه وازداد مكانة جنده كان ذلك حين اتيحت لي فرصة حضور حفلة تأبين المرحوم لشيخ ابراهيم بين يحيي القرادي في مدينة العطف يوم الثاني من شهر مايو، وكان سفري إلى هناك صدفة، فلم أكن مخططا للذهاب إلى العطف ولم أسمع بالحفل إلا لمدة قصيرة قبل سفري، بالعكس كانت عندي مشاريع أخرى أحاول التوفيق فيما بينها لحضورها أو لحضور جزء منها على الأقل، وهي ندوة العمودي بوف. وندوة محمد. العيد في بسكرة، وندوة التعريب في قسنطينة وندوات خراطة
11.11 (1/105)
صفحة 106
وقالمة وسطيف وندوة السنوسي في تلمسان، ثم ندوة المستقبل الاسلامي بالعاصمة، فإذا بي أجد نفسي معتذراً عن حضور الجميع (عدا ندوة المستقبل (الاسلامي وحاملا حقيبتي في اتجاه وادي ميزاب، لقد كان ذلك من حسن الصدف طبعا، وللقدر تقديرات ما علينا إلا أن نستلم لها راضين مطمئنين
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا إذا حكم القض
اء
لم تكن هذه. هي زيارة خاطفة بعائلتي آخر عام 1970، فكنت عندئذ سائحا يلتقط المعرفة بالعين المجردة، وكان حظ العطف وبونورة ومليكة وبريان مجرد العبور،، أما
المرة الأولى التي ادخل فيها ميزاب، فقد زرتها
بني
يزفن فقد تجولت فيها وصعدت صومعتها
مررت بشوارعها الضيقة، وكان حظ غرادية المبيت في أحد فنادقها «فندق السلام»، أما القرارة فلم يسعدني الحظ بالتعرف عليها ولو بالعين المجردة، رغم انها موطن معهد الحياة ومبعث الحركة العلمية
المعاصرة.
أما زيارتي هذه المرة، فقد كانت تختلف تماما عن سابقتها. كانت زيارة علمية واخوانية لا سياحية، منذ المطار وجدنا في استقبالنا نخبة من المثقفين يتقدمهم زميلنا الدكتور محمد ناصر: وقضينا المساء في منازل بعض المثقفين أيضا، جلة هنا حول الشاي، وجلسة هناك حول العشاء، ولكن الحديث كان دائما عن حالة الجزائر الراهنة، وعن النهضة العلمية في ميزاب. وعن بعض الكتب التراثية، وكان شيوخ العلم وبعض النواب والمدرسين والطلاب حاضرين، بعضهم جاء من بعيد للمناسبة، أما الآخرون
106 (1/106)
صفحة 107
فكانوا مقيمين في صباح اليوم التالي (3) مايو) انطلقـ إلى الجامع العتيق بالعطف، كان الطريق غاصا بالضيوف الذين جاؤوا من كل حدب وصوب، وكان اللباس الأبيض واللحية والعراقية هي العلامات
الأجلاء
يتقدمهم
المميزة للجموع المتراصة، اكتظ الجامع على اتاعه وكان في مقدمته، جهة المحراب، جمع من الشيوخ الشيخ الاستاذ عدون، رئيس مجلس عمي سعيد، وهو عند الميزابيين مجلس الحل والعقد أو الهيئة العليا التي تعنى بالشؤون الدينية، بالاضافة الى الضيوف القرباء والبعداء، وقد عودنا بعض المنشطين للحياة الثقافية في الجزائر عقد مثل هذه اللقاءات في قاعات من نوع آخر، فيها المنصة وفيها الأضواء الكاشفة والخافتة وفيها الكراسي الوثيرة والممرات المستقيمة أما حفلنا هذا فقد جرى في الجامع الذي شيد في الاسلام على التقوى والجهاد والعلم، يجلس المسلم فيه متربعا إلى جانب المسلم، الركبة بالركبة والكتف إلى جانب الكتف، بدون منصة ولإكراسي ولا ممرات، هكذا الجامع إذن، فهو الموحد
للصفوف، وهو الاشعاع في العلم وهو التوجه بكل ذلك إلى الله افتتح الحفل بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تعاقب المتكلمون، فكان أولهم هو الشيخ عدون، وتنوعت الكلمات والتدخلات، فكانت الأناشيد والمدائح الدينية والوطنية «ومنها ما نظمه المرحوم الشيخ القرادي نفسه تترنم بها براعم من الفتيان وكانت المحاضرات الدسمة التي يحلل فيها المحاضر الوضع الاجتماعي والسياسي والأدبي لميزاب على عهد المرحوم القرادي.
وكانت الكلمات الحافلة بالذكريات العطرة عن الشيخ الفقيد
-1 • Y- (1/107)
صفحة 108
وغالبا ما كان يتخلل هذه الكلمات الذكرياتية الاجهاش بالبكاء، لا تتندى عيناه بالدموع وهو يستمع إلى صديق مخلص للفقيد ومن يقص موافقه الوطنية والانسانية بعبارات مليئة بالحزن المبرح والألم الدفين؟ أن الموت أقوى قاهر للإنسان وأكبر كاشف لضعفه، أننا تقبل الموت لأنه قضاء وقدر وليس عن رضى واختيار منا، ذلك أنه يسلبنا أعز الأكباد والأباء والأصدقاء.
تبارى المتكلمون طيلة الصباح والمساء، فالشعر يجعلك تتخيل أنك في سوق عكاظ والنثر يذكرك بعهد الجاحظ والمبرد وأبي علي القالي، لو بحثنا عن سوق نافقة للأدب العربي في الجزائر المعاصرة لوجدناها في ميزاب،. فالقوم لا يزالون على عهدهم بالشعر الجميل والنثر الجزيل، يحسون بوقع الكلمات وموسيقى النبرات وجلال المقاطع، لقد جعلت منهم الصحراء الصافية، والمعاهد العلمية التي تخرجوا منها وحافظوا عليها بالنواجذ، مثل معهد الحياة، والموروث الحضاري الضخم من عهد الدولة الرستمية، مرورا بمعاهد العلم في المشرق العربي والزيتونة بتونس قلت جعلت منهم بحق «بلابل» الأدب العربي في الجزائر، ينشدونه عن حب وسليقة، ويكتبونه عن رغبة وصدق، ويحفظونه عن فخر واعتزاز، لقد جعلتني الحركة البربرية - الفرنكفونية - الشيوعية التي ظهرت في زواوة أضع يدي على قلبي خوفاً على العربية القرآنية الجميلة في وطننا، ولكن ما رأيته وأحست به في ميزاب جعلني مطمئن البال متفائلا
مصير
الكلمة
108 (1/108)
صفحة 109
بالمستقبل السعيد لهذا الوطن العزيز.
ما يلفت نظرك في هذا الحفل أن عددا من المتكلمين كانو ممثلين لجمعيات ثقافية وأدبية وعلمية، وهي جمعيات تحمل عناوين في غاية الجمال والدلالة، هي جمعيات انشئت لخدمة الثقافة العربية والاسلامية ولجمع الشمل وتقريب الأذهان وإطلاق الألنة بالأدب الرفيع والأخلاق الكريمة، والتغني بالوطن والعروبة والاسلام، وإليك نماذج من هذه الجمعيات التي كانت حاضرة ممثلة في المتكلمين باسمها، أي أولئك الذين ألقوا كلمات في تكريم وتأبين المرحوم القرادي مشاركة لأخوانهم في المصاب الجلل: جمعية الحياة، جمعية النهضة، جمعية التراث، جمعية الاصلاح، جمعية الفتح، جمعية الثبات، جمعية الوفاق، جمعية النور، ثم الجمعية الجابرية، ومجموعة الفن والأدب الاسلامي، الخ ألا يدل هذا على ذوق سليم؟ إلا يدل على الالتزام بالانتماء العربي الاسلامي؟ الا يعطي برنامج عمل كامل للحياة المدنية التي سبقت بها ميزاب اخواتها الجزائريات؟ بالنسبة لي فقد فهمت أن الجزائر بخير ما دام فيها مثل هذه القلعة
الحصينة الملتزمة بثوابت التاريخ والأدب والدين والوطنية.
وهناك نقطة أخرى تجعلك متفائلا أيضًا، وهي أن ميزاب ما تزال محافظة على تقاليد اجتماعية بينما نفس هذه التقاليد قد أخذت تتلاشى في أماكن أخرى تاركة مكانها لواردات غريبة، يبدو أنها غير منسجمة مع عقلية شعبنا، فأهل ميزاب الذين هم جزء لا يتجزء من الشعب
الجزائري، مترابطون ترابطا اجتماعيا وثقافيا بحيث
-1.9_ (1/109)
صفحة 110
يصدق عليهم الحديث الشريف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا». فلكل قرية «عزابة» أو جماعة تسهر على مصالحها وتنظم شؤونها وتقرر حتى في المسائل الحساسة أو الشائكة أو الأخلاقية، ومن ثمة فمجتمع كل قرية يعرف أنه مصان ومراقب ومترابط عن طريق هذه الحلقة المتينة، ومن ثمة أيضا جاء الولاء اليها أي العزابة» سنة حميدة يلتزم بها الجميع وتمثل احترام الصغير للكبير في الحس
والمعنى.
الا
وبالاضافة الى هذه العزابة هناك أيضا مجلس أعلى يحتكم اليه الناس يسمونه «مجلس عمي سعيد»، وهو كما سبق هيئة عليا ذات سلطة معنوية كبيرة، ورئيه الحالي هو الشيخ عدون، ولا يتولاه كان يتمتع بقوة علمية وأخلاقية عالية، أن هذه المؤسات من التقليدية، بالاضافة الى روح التعاون والترابط عن طريق العشيرة، تجعل مجتمع ميزاب كخلية النحل نشاطا وتماسكا وتفاعلا، کا تحفظه من الانحلال والذوبان والاستلاب، ومثل هذه المؤسسات كانت موجودة في إشكال أخرى في أكثر من جهات القطر الجزائري، ولا سيما في بلاد القبائل حيث نظام الجماعة وسلطة الأمناء، ولكن هذه المؤسسات أخذت تتلاشى في بلاد القبائل مما جعل الجبل الجديد غير مرتبط بالجيل القديم وجعل مجتمعنا في هذه الأمكان يتطور بطريق الطفرة والارتجال والعشوائية، وهو ما جعله عرضة أيضا للفراغ والاستلاب بحثا عن بدائل قد تكون مستوردة وقد يكون ضررها أكثر من نفعها. ومن أبرز ما لاحظته في هذا الصدد ونحن بميزاب، أن
1111 (1/110)
صفحة 111
«الديمقراطية» بالمفهوم الجزائري كانت ممثلة في نظام الجلوس وفي وجبات الطعام وفي نمط اللباس، فأنت تحس بأن هناك مساواة نشيطه بالمفهوم الاسلامي الاول الكل يجلس حيث انتهى به المجلس، والكل يأكل من طعام واحد ويتقشف أيضًا، والكل يلبس لباسا متشابها في القيمة والزي، وتكاليف الضيوف، بما فيهم بنو ميزاب أنفسهم، على العشيرة، وهكذا كانت وجبة الغداء مثلا بدار «عشيرة آت الخارج وهي مبنى يتسع لعدد كبير من الزوار وله وسط واسع لم تنضد فيه الموائد بالطريقة المعروفة ولكن يجلس الناس فيه على شكل حلقات من سبعة إلى عشرة أفراد، ومن لم يجد مكانا في هذا الوسط عليه بالصعود إلى طابق أعلى يخضع لنفس النظام، والمبنى الأنشطة ثقافية أخرى أيضا، فقد رأينا فيه معلقات وصورا
مجهز
وغير ذلك
ولم تتح لي زيارة الباستين في ميزاب، ولكني أعرف أنها تمتاز باستثمار أكبر قدر ممكن من الأرض، رغم أن الأرض بخيلة وصحراوية قاسية أحيانا، وهم يستنبتون النخيل والفكاهة والبقول والخضروات، وقد صادف وصولنا بقايا المطر والسحب الحبلى الداكنة، والبرد غير الفصلي، فتساءلت في نفسي كيف يمكن أن النخيل في هذه الطبيعة؟ ولكني رأيت صباح مضيفنا يعمل على قطعة أرض مرتفعة تكاد تكون قاحلة واقعة في مثلث بين ثلاثة جبال جرداء، فكان هو ومن معه يسوون الأرض
وينظفونها من الحجارة، وقد
مد
يوم
ينمو
90.05.03
الأنابيب للسقي، ووضع الحواجز
الواقية من الانجراف عندما ينهمر السيل من أعالي الجبال، وقد (1/111)
صفحة 112
أطلعنا على كيفية تفتيت بعض الصخور عن طريق الألغام، كل ذلك لكي يغرس النخيل ويزرع بين كل نخلة وأرى الخضر والفاكهة، وقد ذكرتني صعوبة معالجة الأرض بالطريقة الأصعب منها التي يعالج بها أهل سوف غراسة النخيل بالنظام القديم، أي عندما كانوا يصارعون كثبان الرمال بحثا عن الماء لكي يضعوا النخلة على مشارفه، وكل من أهل ميزاب وأهل سوف قد عرفوا الصبر والمعاناة من أجل العيش والبقاء
وعلى ذكر المحافظة أشير إلى أن هناك تواصلا في الأفكار وفي الأجيال في ميزاب، وقلما نسمع أو نقرأ عن حركة أو شخص شد
من
عن الرأي العام، أو أثناء الملتقى الذي نحن بصدده أحسست كلام بعض الشيوخ أن هناك خوفا من طفرات الشباب نتيجة للمؤثرات التي تعرفها الجزائر في عمومها، ولذلك جاء خطاب الشيوخ مليئا بالنصح والتحذير والدعاء بأن يحافظ الجيل الجديد على تراث الأجداد ويلتزم بخط سيرهم. أما عند الحديث عن الماضي فالوصف الذي يذكره المتكلمون عن الجيل السابق وهو وصف الجمود والتطور أو المحافظة والإصلاح، وغالبا ما يشار الى معهد الحياة بالقرارة على أنه مصدر الحركة الإصلاحية في ميزاب، أي النهضة التعليمية التي جاءت بعد غفوة طويلة، وفي هذا السياق يشار إلى البعثات التعليمية التي توجهت الى تونس وغيرها للمزيد من العلم، وهكذا يوصف أعداء الاصلاح والتطور بالجامدين والمحافظين الذين حاولوا تأخير القطار بدون
جدوى.
وليس هذا مقام التعريف بالمرحوم الشيخ الحاج ابراهيم
112 (1/112)
صفحة 113
سمعناه
القرادي، فهذه الكلمة كتبناها عن حفلة تأبينه لا عن حياته وجهوده، وأنا لا أعرف المرحوم ولم أقرأ له من قبل، ولكن ما من محاضرات وخطب وذكريات عنه وما قرأنا عنه مما وزع علينا أثناء الحفل من آثاره (2)، كل ذلك يجعله في نظرنا شخصية متميزة في عالم الوطنية والأدب والدين، فقد ولد بالعطف إحدى مدن ميزاب التاريخية، في 31 مارس 1923، وتوفاه الله بالمدينة المنورة في 4 يوليو 1989 أثناء موسم الحج، وقد ربط كثير من المتكلمين والشعراء بين حياة الفقيد والمكان الذي اختاره الله لوفاته حيث دفن بالبقيع فكان هذا الربط زيادة في التأثير على الحاضرين ذلك أن الإنسان غير معلوم وما تدري نفس بأي أرض تموت وكون روح
مصير
الفقيد قد فاضت وهو يصلي في المسجد النبوي، دليلا في نظرهم على قربه من الله وعلامة رضاه عنه، وكان الشيخ القرادي قد تعلم في عاصمة الجزائر وفي تونس وفي معهد الحياة بالقرارة حيث تتلمذ علي الشيخ الشهير إبراهيم بيوض، ثم أصبح من معلمي هذا المعهد، وفي مدرسة النهضة بالعطف حيث تولى إدارتها أيضا فترة طويلة وأثناء ذلك أثر على التلاميذ الذين بقوا يدينون له بالولاء العلمي. وبالإضافة إلى هذا الدور لعب الشيخ القرادي أدوارا أخرى في الحياة العامة منها أنه كان من النشيطين في الكشافة الاسلامية، وفي إدارة دار الفكر الاسلامي بالعاصمة التي كانت تصدر مجلة بنفس الاسم، ثم في إدارة المطبعة العربية بالعاصمة، وقد أصبح عضوا في
(2) محمد ناصر، الشيخ القردني، حياته وآثاره، نشر جمعية النهضة. بالعطف 1990.
113 (1/113)
صفحة 114
جمعية القيم، وأنضَمَّ لى حلقة العزابة منذ 1961، وترأس عشيرته على طريقة أهل ميزاب، كما عمل في جبهة التحرير الوطني أيام الثورة، وتولى الكتابة في مجلس عمى سعيد. أما نشاطه العلمي فيبدو أن الفقيد كان منصرفا، مثل أغلب علماء الجزائر خلال المائة سنة الماضية، الى تكوين الرجال وأداء الأعمال العائدة بالفائدة على الحياة الثقافية، أما التأليف فلم يشتهر به وأنما ترك مقالات وكتابات وعد الغيورون على تراثه يجمعها ونشرها، وقد بادر زميلنا الدكتور محمد ناصر إلى ذلك اذ أنه نشر الحلقة الاولى من أعمال الشيخ القرادي، وقد قسم ما في هذه الحلقة إلى عناوين رئيسية هي:
1 - الدين والاجتماع، 2 - والثقافة، 3 - والسياسة
والتاريخ
- 4.
والأشعار
، 5 - والرسائل.
وتدل هذه الآثار على أن الشيخ القرادي كان يعيش واقع بلاده
الجزائر وقضايا موطنه الصغير ميزاب، وكان مهتما بشؤون المجتمع والاسلام والتعليم والاستشراق.
عندما تتبارى المدن والنواحي الجزائرية في ميدان العلم والأدب وحلبة العروبة والاسلام ومضمار الوفاء لبدنة هذه الثوابت، ستقف ميزاب في الطليعة بدون منازع، وقد قلت لأخواننا الميزابيين أن غيركم يقعقع كثيرا ولكن بدون ماء، ويجعجع كثيرا ولكن بدون طحن، أما أنتم فلكم الفيض من الماء والعزم من الطحن، ومن حقكم على الجزائر أن تعرف ماءكم وطحنكم وأن تتغذى منه كل الجهات والنواحي، ومن حق الجزائر عليكم أن تمدوها بما
1118 - (1/114)
صفحة 115
عندكم من رصيد في الأدب والعلم، والتضامن والجد، ومن روح المبادرة والوفاء، وفوق كل ذلك ما عندكم من غيرة عمرية على تراث الاسلام ولغة القرآن.
سعد الله أبو القاسم
الجزائر في 31 مايو 1990
11101 (1/115)
صفحة 116
[صفحة فارغة] (1/116)
صفحة 117
مدخل لدراسة الدولة
الرستمية واسهامها في التطور الفكري والحضاري
كان
من
فالإمام
إن هذا الحكم الإسلامي الرستمي المتين، أحسن النظم التي انتشرت ببلاد الإسلام،
هو
الذي يقود رأس الدولة وبيده مقاليد
أمور الدين والدنيا معاً، كان محاطاً بجماعة
(الشراة) وهم علماء المذهب وكبار رجال الرأي من الإباضية، وهو لا يحكم إلا بهم، ولا يسير. إلا مع رأيهم ..... (1/117)
صفحة 118
[صفحة فارغة] (1/118)
صفحة 119
مدخل لدراسة الدولة الرستمية وأسهامها في التطور الفكري والحضاري (1)
دراسة بقلم الشيخ أحمد توفيق المدني (رحمه الله)
مؤرخ - (الجزائر) (1)
سادتي الفضلاء. أبنائي البررة الكرام.
لقد أحسن الذين اختاروا لهذا الملتقى الزاهر، موضوع مساهمة الرستميين في الحضارة وفكر الاسلام، فهذه الدولة الرستمية الجزائرية الصيمة، والمسلمة الصادقة، قد نالها في التاريخ ظلم فاحش، وغمط حقها بصفة جائرة، إذ تعمد أغلب المؤرخين تناسيها، أو الدس عليها وذلك ارضاء لملوك وامراء من خصوم مذهبها، وهو في حقيقته اسلامي أصيل. وقبل أن تلجوا سادتي وابنائي هذا الموضوع، في ملتقى
(1) الشيخ أحمد توفيق المدني جزائري، يعتبر من أوائل المؤرخين الجزائريين المعاصرين، ألف العديد من الكتب في تاريخ الجزائر وكان الرائد فيها. معروف بنشاطه السياسي والثقافي المتنوع، توفي بالجزائر في
سنة 1984
(1) القيت هذه المحاضرة بالملتقى الحادي عشر لتفكر الاسلامي، المنعقد بمدينة وارجلان ما بين 15 فيفري من سنة 1977 م.
119 (1/119)
صفحة 120
اسلامي زاهر، أرى من واجبي أن أقدم لكم هذا المدخل: وفيه ملاحظات عدة لا بد منها، لكي تتبين لكم عند الدراسة التي ستقدمون عليها، معالم الطريق أول هذه الملاحظات اننا عند دراستنا لهذه الحقبة من حضارتنا الاسلامية في الأرض الجزائرية، يجب علينا قبل كل شيء أن نتجرد عن كل تعصب مذهبي لا يتفق مع الاسلام الحنيف ولا يسير من المنهاج العلمي الصحيح في دراسة الحضارات. فالإسلام دين الله الخالد واحد لا يتجزأ، ومهما تعددت فيه المذاهب الاجتهادية والفكرية فإن ذلك مجرد نظريات نابعة من صميمه، لا تزيده إلا عمقا ورسوخا، فكلام الله وسنة رسوله، وسيرة الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان، جعلت ذلك الدين الخالد دينا عالميا علميا، حضاريا، نظاميا، محترما في أصوله وفي قواعده، واحدا في فكره وفي مناهجه، فإذا ما اختلفت فيه بعض الفروع، فإنها تجتمع لا محالة حول الأصول.
(
فالتعصب لمذهب ضد مذهب، واتخاذ المذاهب الاسلامية المختلفة مطية للوصول إلى مقاعد الحكم الزائل، أو وسيلة للاستحواذ على النفوذ السياسي في بقعة من بقاع الأرض انما ذلك هو الفساد المبين. ولنأخذ على ذلك الحيف التاريخي مثلا من الزمن القديم. فهذا عبد الرحمان بن خلدون المؤرخ الاسلامي
للمغرب العربي الكبير، يؤلف موسوعته التاريخية العظيمة
وهو
بأرض المغرب يسجل تاريخ الامازيغيين، ويفصل ما
•
120 (1/120)
صفحة 121
جل وما قل من أمورهم، ومن دولهم واماراتهم، ويذكر إلى جانب ذلك تاريخ من جاورهم ومن حل بأرضهم من مختلف الأقوام حتى اننا لنراه يذكر تاريخ بني سلامة وقلعتهم، ولو لم يحل بها ويكتب بها جزءا مهما من مقدمته الخالدة لما كان التاريخ يذكرها بخير أو بشر، لكننا مقابل
ذلك لانراه يعني بدولة الرستميين الاباضية إلا قليلا، وفي
أول
صفحات متباعدة يسيرة، ويدعو مذهبها «بدعة» وهي دولة أمازيغية منظمة في الاسلام، انتشرت فوق أديم الأرض الجزائرية واستقرت ما يزيد عن الثلاثين ومائة
سنة
فهل كان يجهل تفاصيل وجودها، ونظام حكمها؟ أو كان ينكر فضلها؟ أو كان يستهين بما أحدثته أيام حكمها الزاهر من نظم أساسية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله؟ كلا. ان ذلك الفكر العبقري الذي اعتصر من سنن الحياة ومن تاريخ الحضارة الانسانية قاطبة مقدمته التي: اصبحت معلمة عالمية، لا يمكن أن ينسى دولة قامت على أرض المغرب الأوسط، ولا يمكن ان يتغافل عن وجود حضارة اسلامية صحبت تلك الدولة واستمرت معها، ثم هي لا تزال الى الناس هذا، موجودة، شامخة برأسها: يوم عن كيانها. فما كان منه ذلك الاهمال وذلك التحقير الذي يوجب علينا اتهامه بسرقة دولة مغربية زاهرة، الا لتعصب مذهبي، وارضاء الخصوم ذلك المذهب، من الملوك والأمراء.
ذائدة
121 (1/121)
صفحة 122
ثم لنأخذ على ذلك مثلا من التاريخ المعاصر: ففي
أوائل نشأة جامعة الدول العربية، نشرت مصورا جغرافيا جامعا، حشرت فيه حشرا طيبا، مفيدا، مختلف حقب تاريخ البلاد العربية الشرقية والغربية، التي اشتركت في حكم البلاد في نفس الوقت، لكنها عندما تناولت بلاد الجزائر في أوائل القرن الهجري الثاني، ذكرت «الامارات البربرية»، بدل أن تذكر دولة بني رستم. فهل كانت جامعة الدول العربية، أو الذين وضعوا لها ذلك المصور التاريخي الملون، يجهلون وجود دولة بني رستم في
التاريخ؟ إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وان كنت تدري فالمصيبة أعظم فلنترك سادتي وابنائي جانبا كل تعصب مذهبي، ولندرس تاريخنا الخاص، ولندرس تاريخ الاسلام العام، كوحدة دينية راسخة، متماسكة، ثم لندرس تاريخ المذاهب الاسلامية - كل المذاهب الاسلامية المستمدة من الكتاب والسنة - كوجهات نظر عميقة، استمدت من الاسلام، ومن أوضاع البيئة الخاصة التي ترعرعت بين
الحنيف احضانها، وكيانها، واستوحت منها سنة عملها، ثم لنجردها عند دراستنا لها من كل الأغراض السياسية التي صحبتها أو التي الصقت بها. يومئذ. ويومئذ فقط، نجد انفسنا، وفي دائرة الاسلام الحنيف، امام ثروة زاخرة من الأفكار النيرة ومن النظريات العميقة الصالحة، ومن مناهج الحياة
المثمرة.
122 (1/122)
صفحة 123
أما الملاحظة الثانية التي ابديها قبل شروعكم في دراسة الدولة الرستمية، واسهامها في تطور الفكر والحضارة في الاسلام، فهي متعلقة بذلك الخلط المعيب الذي وقع فيه مفكرينا ومن مؤرخينا، قديما وحديثا، حول قضية الخوارج، وما صحبها من مآس ومن فضائع، وحول قضية الخلط بين الصفرية وبين المذهب الاباضي النقي المعمول به في بلادنا، والذي لا يزال حيا موجودا.
الكثير من
نقول أولا ان قضية الخوارج هذه كانت في مبدأ أمرها قضية فكر ورأى واجتهاد. وان الذين قاموا بها كانوا من أكبر وأعظم انصار علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في حربه لمعاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام، عن فكرة الخلافة الحقة، وإمعانا في السير على سنة
دفاعا
من سبقه الخلفاء
من
6
لقد راجع اولئك الانصار موقفهم بعد معركة صفين ورأوا أنهم قد وقعوا في احبولة نصبها الداهية عمرو بن العاص، حين اشار على معاوية بعد انكار جيشه وتبدد شمل أنصاره من المرتزقة، رفع المصاحف على الرماح، والمناداة بالرجوع إلى كتاب الله، ثم كانت قضية التحكيم المشهورة في التاريخ، التي قبلها الخوارج لأول وهلة، ورفضها علي. ثم قبلها انصياعا لرأيهم وهو كاره. ثم تأملوا فوجدوا أنهم أحدثوا بدعة في الاسلام بقبولهم التحكيم فتابوا إلى الله وأنابوا، وأرادوا حمل علي بن أبي طالب على التوبة معهم، ونقض اتفاق التحكيم، فأبى وقال: ماعصيت الله،
123 (1/123)
صفحة 124
إنما سرت مع رأيكم وأنا كاره، وليس علي أن أتوب ولم أذنب. وهكذا استفحل أمر هذا الخلاف في الرأي فأدى إلى خروجهم عنه، ثم إلى مأساة النهروان، ثم إلى ضياع الخلافة الاسلامية الشورية، ثم إلى مصرع رابع الخلفاء الراشدين، وأكثر المسلمين علما وبيانا، علي بن أبي طالب
تفرقت بقايا الخوارج بعد ذلك في مشارق الأرض ومغاربها، كما تفرقت آراؤهم وتشعبت مذاهبهم، واختلط امرهم على الكثير من الباحثين والمؤرخين، فلم يفرقوا بين الخوارج أصحاب الفكرة الدينية السياسية، وبين الصفريين المتقدم ذركهم، وبين أصحاب المذهب الاباضي الذين قاموا
بتأسيس دولة بني رستم
فضل الاباضيون من الخوارج؟
هذا سؤال وجه، نستطيع أن نجيب عنه،، ونحن نستخرج الحقائق من بين ركام التاريخ، أن الاباضيين بعداء عن الخوارج، وبعداء جدا عن فرقة (الصفرية) التي تمثل بقايا الخوارج، والتي ثارت ثورة عارمة على الولاة العرب بالقطر المغربي الكبير، وخاصة الأوسط منه، سنة 122 هجرية، فالصفرية الخوارج كانوا مثلا يحكمون بالشرك على مرتكب الكبيرة، بينما الأباضية، كبقية المذاهب الاسلامية لا يحكمون على مرتكب الكبيرة بالشرك والخروج عن الاسلام. والصفرية، مثلا، يوجبون على الجماعة الاسلامية الانتقاض على الملوك والأمراء المسلمين، من أجل اقامة الحكم الاسلامي الصالح، حسب مذهبهم، ويحكمون بالعصيان على
124 (1/124)
صفحة 125
من تخلف عن ذلك، بينما الاباضيون يرون ان ذلك الانتقاض جائز اذا ما أنس المؤمنون الكفاءة في انفسهم من أجل القيام بذلك والصفرية غلاة في الدين إلى درجة الإفراط. فهم يفكون الدماء سفكا ذريعا، وهم يعتبرون مال خصومهم من المسلمين غنيمة، وان ابناءهم ونساءهم بعد المعارك
سي
بينما الاباضيون يتقيدون في ذلك بنصوص الشريعة. ولقد كان أول إمام للاباضيين، نادوا به بعد واقعة التحكيم، سنة 37 للهجرة، هو ((عبد الله بن وهب الراسي)). أما صاحب مذهبهم الحقيقي، فهو العلامة جابر بن زيد، إنما نسبوا بعد ذلك لعبد الله بن اباض، الذي قام بنشر المذهب وتدوينه، أن عبد الله بن إياض كان. بالنسبة لجابر بن زيد، كأبي يوسف بالنبة للإمام أبي
حنيفة
الملاحظة الثالثة، التي يجب علينا ذكرها عند دراسة تاريخ الدولة الرستمية الاباضية، هي أن الاباضيين الذين هم ليسوا من الخوارج، لا يبغضون عليا بن أبي طالب رضي الله عنه، كما يبغضه الخوارج، ولا يكفرونه، انما يشتركون في مخالفة رأيه في قضية التحكيم فقط ولم يعادوه، بل انا نرى من خلال دراستنا لتاريخ بني أمية، انهم كانوا منذ عهد معاوية، يلعنون عليا رضي الله عنه من فوق المنابر الجمعة، ودام ذلك إلى أيام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، فجاءه وفد من الاباضيين يضم علماءهم واقطابهم،
يوم
و
125 (1/125)
صفحة 126
وطلبوا اليه ان يكف عن هذه البدعة الفظيعة، وصادف ذلك هوى في نفسه. . فأصدر أمره بالعدول عن ذلك السب المقدم، واستبداله بآية ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظم لعلكم تذكرون) ولا تزال تلك السنة الحسنة جارية إلى يومنا هذا الملاحظة الرابعة، سادتي وابنائي، هي أن الرستميين ليسوا هم الذين ادخلوا المذهب الاباضي الى أقطارنا، بل ان ذلك المذهب انتشر في بلادنا قبل ذلك انتشارا كبيرا، منذ ثورة الصفريين سنة 122، على الولاة العرب في عصرهم،
فالدولة الرستمية قامت لرعاية ذلك المذهب، وصانته والمسير به في اعتدال وسماحة ويمن، كما جاء به الدين الحنيف، مهذبة وميسرة، وملطفة، حسب تعليمات الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)
هذه سادتي وابنائي، بعض ملاحظات عامة، رأيت الادلاء بها، قبل شروعكم في بحث وتمحيص التاريخ
وجوب
الرستمي، ومدى إسهامه في حضارة وفكر الاسلام. ولنطو الآن عنان البحث الى قضية اخرى اساسية، هي قضية الخلافات بين المذهب الاباضي والمذهب المالكي الذي نشأ بعده، وهو المذهب السائد ببلادنا المغربية، ذلك أن العامة والكثير من الخاصة، يعتقدون أن هذا الخلاف المذهبي كبير وعظيم، لا يمكن تلافيه أو التغلب عليه
126 (1/126)
صفحة 127
ويجهلون ان المذهبين يسيران نحو الغاي
، من
طريقين مختلفين.
الحقيقة هي هذا الخلاف، وزادته حدة وشدة حتى إذا ما جثم كابوس الاستعمار الفرنسي الفظيع على صدر أمة الاسلام بأرضنا
غير ذلك فالسياسة وحدها هي التي كونت
الجزائرية أمعن في الفصل بين المذهبين تنفيذا لسياسيته فرق تسد،، إلى أن أصبحوا دون حياء يقررون في كتبهم الدراسية التي يتناولها صغار الطلاب، ان الخلاف بله العداوة مستحكمة الحلقات إذا رجعنا إلى عقلاء الجانبين وعلمائهم، ودرسنا مشاكل هذا الخلاف، وجدنا انها تتعلق بعدد قليل من القضايا، اغلبها يتعلق بأمور الآخرة، وانها
لا توجب نفرة، ولا تستوجب فرقة، انها تكاد تنحصر في القضايا التالية:
(1) المجاز في القرآن الشريف. فالاباضيون يقولون به. ويوافقهم على ذلك أصحاب الفكر الحر من المعتزلة ومن بقية المذاهب، وذلك فرارًا من التجسيم بالنبة الجلال الحضرة الالاهية المقدسة، فيقولون ان قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم، يعني أن قوته فوق قوتهم، فاليد والعين في
القرآن، معناهما القوة والعناية.
(2) الخلافة في قريش لا يؤمن بها الاباضيون، ولا يأخذون بالحديث الوارد في شأنها ويقولون انه مفتعل، فعندهم ان الخلافة الاسلامية هي ملك لكامل أمة الاسلام قاطبة. حسب قوله تعالى. ان أكرمكم عـ عند الله أتقاكم)
127 (1/127)
صفحة 128
وتنفيذا، للآية الكريمة: (وأمرهم شورى بينهم). فعلى المسلمين أن يقلدوا الخلافة من هو أحق بها، مهما كان لونه
ومهما كان نسبه. وقد جاء في صحيح الحديث: (لا فضل
لعربي على أعجمي الا بالتقوى، كلكم لأدم، وآدم من
تراب).
(3) يقول الأشاعرة، إن المؤمنين الصـ ادقين يرون الله رأي العين القيامة. لكن الاباضين يقولون: إن الله يوم جل جلاله أعظم وأكبر من أن يستطيع البشر رؤيته، ولو يوم القيامة وكذلك يقولون في كلام الله لموسى عليه السلام، ويحكمون باستحالته. ولهم على ذلك أدلة من كتاب الله.
(4) يقول الاباضيون، إن الحق في الأصول لا يتعدد. ف المجتهد المخطيء في الأصول غير معذور. وإن إيمان المقلد غير صحيح. بينما يقول الأشاعرة بصحة إيمان المقلد. وبأن المجتهد المخطيء في الأصول معذور. (5) وهناك خلاف أيضا في تحديد معنى الكفر. ومعنى النفاق. فالأشاعرة ومنهم المالكية يرون أن الكفر لا يطلق إلا على المشرك بالله. ويرون أن النفاق إنما هو التظاهر بالايمان والتوحيد وإخفاء الشرك: أما الاباضيون فيقولون إن الكفر يطلق على معنيين، هما الشرك والنفاق. وأن النفاق يطلق على معنيين. نفاق خيانة، أي ارتكاب كبيرة من الكبائر. ونفاق تحليل وتحريم، فالاباضي يطلق كلمة الكفر على معنى النفاق أي الفسوق. ولا يعني به الشرك
•
- IYA- (1/128)
صفحة 129
(6) قضية الشفاعة. يقول الاباضيون: إن الشفاعة الورادة في القرآن بالنسبة ليوم القيامة لا تنال من مات على كبيرة. وإنما تنال من مات على الوفاء. بينما يقول الاشاعرة إن الشفاعة تنال أيضًا أصحاب الكبائر.
(7) هناك قضية القرآن الكريم، التي وقعت فيها المحنة الكبرى أيام المأمون العباسي ومن بعده. فالاباضيون، قبل المعتزلة، يقولون بان الله خلق، وأن الله وحده هو القديم. بينما يقول الأشاعرة بعد ذلك، يقولون بقدم
القرآن، بصفته كلام الله. فالله قديم بوجوده وكلامه. (8) أما قضية صفات الله، وهي قضية نظرية بحتة، فالاشاعرة يقولون إن صفات الله غير ذات الله، بينما يقول الاباضيون إن الله وصفاته أمر واحد، بمعنى أن الله جل جلاله الكمال المطلق.
(9) يقول الاباضيون إن من مات عن كبيرة وعن غير توبة، فهو خالد في النار، بينما يقول الاشاعرة إن الذي مات عن كبيرة ودون توبة، وهو مؤمن بالله وبرسوله، إنما هو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه على مقدار معصية. وإن شاء غفر له.
(10)
ومن هذه الخلافات النظرية الدقيقة، قضية تعريف الايمان، فالاباضيون يقولون ان الايمان له ركنان، هما القول والعمل. وانه لا يتم الا بهما معا، فمن أمن قولا. وشهد ان لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ثم لم يعمل بما جاء به الاسلام، فهو ليس بمؤمن. بينما يقول الاشاعرة إن
129 (1/129)
صفحة 130
الايمان بقواعده الخمسة، ولو دون عمل، يكفي للنجاة من
النار.
هذه أيها السادة والأبناء، هي أهم نقط الخلاف النظرية بين الأشاعرة وبين الاباضيين وهي كما ترون قضايا نظرية واجتهادية بحتة، ولكل من الطرفين أدلته وبراهينه من الكتاب والسنة. ثم إن النظريات الأباضية التي ذكرناها، لا نفرد بها أصحاب هذا المذهب فقط بل يشاركه في كل منها بعض المذاهب الاسلامية الاخرى. أما في الفروع وفي أحكام الاسلام، فلا تكاد توجد خلافات. وإن وجدت فهي تافهة فأنتم ترون سادتي وأبنائي أن هذه الخلافات ما كان ينبغي أن توجد نفرة أو تحدث ثقاقا بين جماعة المسلمين، لولا ماصحبها من خلافات سياسية، ومطامع في الملك والسلطان.
أما الخلافات السياسية فقد زالت وانتهت والحمد لله، وأصبحت نظريات كل مذهب تدرس بصفة فلفية، مقارنة، وأنها بهذه الصفة لتزيد العقيدة الاسلامية عمقا ورسوخا وتزيد الفكر الحر اتساعا وشمولا.
بل إن العلامة الاباضي، المجاهد سليمان باشا الباروني رحمه الله، ليقول، ونحن في ذلك معه، ما نصه: (متي يوم لا يذكر فيه المسلمون في الشرق ولا في الغرب إلا
يأتي
الله ورسوله وكتابه، ولا يذكرون الأيمة الا باسم علماء
كغيرهم من علماء الاسلام فيصبح الدين واحدا، والمذهب
واحدا، لا طرق فيه ولا مذاهب)
130 (1/130)
صفحة 131
على هذه المبادئ، وتثبيتا ودفاعا عن هذه الأسس
شكل العلامة القائد عبد الرحمن بن رستم الفارسي، دولته الأباضية الكبيرة بمغربنا العربي الأوسط، سنة 160 للهجرة. وأنشأ لها عاصمة جديدة هي تيهرت، محاذية لتيهرت القديمة، على نحو أربعة أميال. ولنا كذلك على تأسيس هذه الدولة الأباضية القيمة، ملاحظات.
أولها: إنها أول دولة منظمة في الاسلام، قامت مستقلة عن الدولة العباسية وهي في أوج قوتها، فالدولة الادريسية في المغرب الأقصى، تأسست سنة 172 للهجرة. واستقر أمر الدولة الأغلبية في القيروان والشرق بعد ذلك. وكذلك الدولة الطولونية بمصر. ودولة بني أمية بالأندلس
وثانيها: إن دولة بني رستم كانت مستقرة فوق قاعدة شعبية متينة، فالمذهب الاباضي كان منتشرا كما أسلفنا انتشارا ذائعا بالمغرب الأوسط وبطرابلس ويجنوب البلاد، وكانت له حروب طائلة ومصادمات عنيفة مع جند الخلافة. بلغ فيها عدد القتلى من الجهتين مبلغا مؤلما، وأنه على أثر نكبة فادحة حلت بالاباضيين على يد القائد ابن الاشعت، انهزم عبد الرحمان بن رستم ومن معه من علماء وكبار الإباضية الى أن حل بأواسط مغربنا الأوسط فاشتتر، وأس العاصمة الجديدة «تيهرت» وأنشأ دولته المثالية، فكانت دولة أباضية بحتة.
ثالثها: إن تأسيس هذه الدولة التي انتشرت في مغربنا الأوسط انتشارا ذائعا، قد انقذت البلاد من تلك الثورات
131 (1/131)
صفحة 132
المتعاقبة، وتلك الغارات الطاحنة، وتلك الفوضى التي ضربت أطنابها حينا من الدهر في كامل مغربنا، فأنقذ الله بهذه الدولة الفتية أمن هذه البلاد، وأعاد لها الراحة والهدوء، فأخذت بأسباب التقدم والعمران.
رابعها: إن هذه الدولة قد دامت في الحكم 130 سنة، وكانت تستطيع البقاء في الحياة أكثر من ذلك، لولا موجة عارمة نشأت بشرق الأرض الجزائرية، ثم التأمت وقوي ساعدها بالمغرب الأقصى الشقيق، ففاضت على البلاد مكتحة، موحدة، تلك هي دولة الفاطميين التي اختطت نظاما جديدا، ونشرت مذهبا دينيا آخر، هو المذهب الشيعي فدولة الرستميين ما ماتت على يد شعبها، وما انتهى حكمها لضعف مذهبها الاباضي، انما انتهى أمرها على يد قوة جاءت من الخارج. خامنها: إن هذا الحكم الاسلامي الرستمي المتين، كان من أحسن النظم التي انتشرت ببلاد الاسلام. فالإمام الذي هو رأس الدولة، وبيده مقاليد أمور الدين والدنيا معا، كان محاطاً بجماعة «الشراة» وهم علماء المذهب وكبار رجال الرأي من الاباضية، وهو لا يحكم الا بهم ولا يسير إلا مع
رأيهم. وهم يحفظون الدين ويرعون مصـ الح المسلمين أصول المذهب. وإلى جانبهم ومن بين صفوفهم يختار قضاة المسلمين الذي اشتهروا بالنزاهة والعدل وعدم التحيز الا للحق. وكانوا يجتمعون في محلات تدعى دار القضاء» للفصل بين
132 (1/132)
صفحة 133
خصومات المسلمين الا الجرائم التي كان يعقد لها مجلس خاص
يرأسه الإمام رئيس الدولة وحوله خاصة العلماء.
مع الشرطة
ثم أنهم نظموا الشرطة نظامًا بديعا، يشمل المدينة العاصمة ويشمل غيرها من البلاد فلم تكن هنالك أيد تستطيع الفساد ورتبوا جماعة الحسبة، من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترتاد الأسواق والمدن والبادية، قائمة بما أوجبه الله، حتى رعاية الحيوان والرفق به كانت تقوم به خير قيام، حسبما أكده المؤرخون المنصفون. أما بيت مال المسلمين فكان على غاية الدقة والنظام، كما كان أيام أبي بكر وعمر. سادسها: أن هذا الحكم الاسلامي الاباضي، وإن كان تأسيسه على مذهب الشورى بعيدا عن حكم العائلات لم يلم من داء الوراثة.
"
فبعد موت الامام ابن رستم ولي الامر ابنه، لانه كان الاصلح للحكم. ثم تولى بعده أبناؤه وأعمامه، وفيهم الصالح الأكرم كأفلح واليقظان، وفيهم الميـ للحضارة والاسراف كأبي بكر بن أفلح.
سابعها: ان حركة العلم والأدب انتشرت أيام هذه الدولة انتشارا ذائعا ضاهت به حركة العلم والأدب بالقيروان ونبغ بها شعراء من الطراز الأول بلغوا مكانة سامية
ثامنها: ان هذه الدولة لم تمت بحضارتها، ويعلمها، وبمذهبها، كمامات غيرها من الدول إذ ما كاد المد الشيعي
133 (1/133)
صفحة 134
يعمر الأرض الجزائرية ويضمها اليه وينهي أمر تيهرت، حتى هاجر عامة الدولة وخاصتها بأهلهم ومتاعهم: فاستقروا حينا بصدراتة، ويبني وارجلان (ورقلة) ثم حطوا رحالهم نهائيا بوادي مصاب، وما حوله، وأسوا قراهم البديعة، وبساتينهم اليانعة، وقاوموا الطبيعة فتغلبوا عليها، وأقاموا لمذهبهم الاباضي أسا جديدة صلبة، دائمة، صالحة، نراها إلى الآن زاهرة زاهية، ضمن الجامعة الجزائرية الحرة المستقلة
فالميزابيون اليوم، بمذهبهم الاباضي، وبعاداتهم، وبتقاليدهم، هم اليوم من صميم القومية الجزائرية، وانهم الامتداد الطبيعي التاريخي لدولة بني رستم، التي لا تزال حية بهم، وفي سمتهم.
والسلام عليكم سادتي وأبنائي. وشكرا لكم جزيلا
أحمد توفيق المدني
134 (1/134)
صفحة 135
فلسفة الخوارج
يقول الشهيد سيد قطب في بحثه عن فلسفة الخروج وفيه يتعرض إلى الإباضية.
ورأينا الذي نرجو من ورائه الخير لنا
سياً
وللمسلمين ألا يكون الخلاف المذهبي للخصومة والفرق بين طوائفهم، وبخاصة إذا لم
الحظ أن يؤد إلى تكفير أو قتال. ومن حسن
في
فقه الإباضية وأصول ما ذهبوا إليه من المرونة ما يسمح بالتقائهم مع غيرهم على ما يصير به المسلم مسلماً من أصول الدين وقواعده الأساسية فيما نعلم، وفي ذلك الكفاية .... (1/135)
صفحة 136
[صفحة فارغة] (1/136)
صفحة 137
فلسفة الخوارج (1)
بقلم الشهيد سيد قطب
وإنما اخترت أدب الخوارج لأنه أدب قوم ذوو عقيدة وإن خالطها الكثير من الخطأ - وما أشد حاجتنا إلى أن نكون من أهل أن طال عهد التحلل بالناس، وما أروع الإيمان على أية
العقائد
بعد
صورة برز وإن كان لا ينتج الخير إلا مع الحق. ولسنا نحاكم مذهب الخوارج ولا آراءهم بهذه الكلمات فأمرهم إلى الله، وقد أفضوا إلى ماقدموا، ولا تزال بقية كثيرة منهم تعيش في الوطن الاسلامي الفسيح وهم الإباضية في شمال إفريقية وفي شرقيها - ورأينا الذي نرجو من ورائه الخير لنا وللمسلمين ألا يكون الخلاف المذهبي سببا للخصومة والفرقة بين طوائفهم وبخاصة إذا
(1) الشهيد الإمام سيد قطب يعتبر من رواد الحركة الإسلامية الفاعلة في العصر الحديث رادها كتابة. وسلوكاً. وجهاداً أو هو امتداد للإمام الشهيد حسن البنا. أعدمته الأنظمة المصرية الظالمة في سنة 1966.
(1) بقلم الشهيد سيد قطب، الشهاب (المصرية) ع. 15. نمرة جمادي الأولى:
1367/مارس 1948.
137 (1/137)
صفحة 138
لم يؤد إلى تكفير أو قتال ومن حسن الحظ أن
فقه
الإباضية وأصول ما ذهبوا إليه من المرونة ما يسمح بالتقائهم مع غيرهم على «ما يصير به المسلم مسلما» من أصول الدين وقواعده الأساسية فيما نعلم وفي ذلك
الكفاية.
وكل الذي أردنا أن نستعرضه في هذه العجالة صور من أدب رائع رفيع كان مبعثه عمق الايمان وصلابة الارادة وقوة العقيدة ومضاء العزم وإيثار التضحية ومواصلة
الجهاد.
فرق الخوارج
وقد كان انتقاض الخوارج أول امرهم وخروجهم انتقاضا سياسيا مبعثه عدم موافقتهم على التحكيم في خلافة المسلمين، ومن ثم أنكروا ولاية الناس وقالوا: «لا حكم إلا الله» ورد عليهم أمير المؤمنين علي کرم الله وجهه بقوله: «كلمة حق يراد بها باطل» نعم إنه لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا الله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء، ويقتل به العدو وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى حتى يستريح بر ويستراح من فاجر
ثم تحولوا إلى خلافات دينية، وجدل في فروع المسائل والأحكام وصار لهم فقه خاص مصدره تحديد صلتهم بغيرهم من المسلمين وطريق معاملتهم إياهم، ورأيهم في الخلافة وفي حقيقة الإيمان. فهم كانوا يرون أن الخلافة من حق المسلمين عامة وتكون باختيار حر
138 (1/138)
صفحة 139
منهم
، ومن استخلف فليس له أن يحكم أو يتنازل وليس من الضروري أن يكون قرشيا، وكانوا يرون أن العمل جزء من الايمان فمن قصر في فريضة من فرائض الله فقد كفر – واختلفوا في أمر غيرهم من المسلمين فمنهم من رأى وجوب قتالهم ومعاملتهم كأشد الكفار كفرا لا يقبل منهم إلا الرجوع إلى الاسلام والدخول في رأيهم أو القتل بالسيف، ومنهم من يرى التكفير والقعود عن الحرب ومنهم من يرى الانكار والمخالطة وانتهى أمرهم إلى فرق أربع. «الأزارقة» أصحاب نافع بن الأزرق.
«والنجدات أو النجدية» أصحاب نجدة بن عامر. «الاباضية» أصحاب. عبد الله بن إباض التميمي «والصفرية» أتباع زياد بن الأصفر.
وقد انقرضت هذه الفرق جميعا إلا الاباضية فبقيتهم بشمال أفريقية بالجزائر وتونس وفي شرقها بجزيرة مسقط وما إليها ومن علمائهم الأجلاء صديقنا الشيخ ابراهيم إطفيش ولهم كتب متداولة وهم ينكرون على غيرهم أن يطلق عليهم اسم الخوارج، ويقولون نحن فئة من المسلمين لنا أراؤنا وما ذهبنا إليه مع إيماننا بالله ورسوله وكتابه فما بالكم تفردوننا بهذا الوصف وتخصوننا به وهو اعتراض له وجاهته، ولئن كان لهذه التمية ما يبروها في الماضي فما أحوجنا أن نتناساها اليوم والمسلم
أخو المسلم.
فلسفة الخوارج:
وليس غريبا أن يخرج على الجماعة الصالحة بعض أفرادها وليس
139 (1/139)
صفحة 140
غريبا كذلك أن يكون الكثير من هؤلاء الخارجين من خيار أبنائها وخلاصات رجالها فإن من خصائص الجماعة في كل اختلاف عصر الأمزجة وتضارب المصالح والأهواء ولا يقضي على المعنى الأول إلا الثقة التامة بالقيادة ولا يقضي على الأمر الثاني إلا الإخلاص الكامل والتجرد للغاية، ولا يعين عليها معا إلا حسن الإدراك واكتمال الوعي وتمام النضج والتوازن بين الملكات ومن هنا كان ملاك أمر
الجماعة القوية الموحدة هذه الأمور الثلاثة: الثقة بالقيادة والإخلاص للغاية، وحسن الإدراك؛ ومتى عرض الضعف لواحد
من
"
هذه الثلاثة فقد تخلخل بناء الجماعة. وكان عن هذا التخلخل ولا شك تخلف بعض الأفراد ضعف ثقة بالقائد، أو عن غلبة عن هوي عارض، أو عن سوء تقدير وفهم للظروف والمواقف ومقتضيات الأحوال. كانت الجماعة الاسلامية الأولى أقوى الجماعات التي عرفها التاريخ لأن القائد فيها رسول من عند الله - ضعف الثقة به كفران، وأن جند فيها خلاصة المؤمنين وكملة أهل الإخلاص لله ولأن أشعة الإيمان القوية أضاءت جوانب صدورهم وحنايا ضلوعهم فكانوا على نور من ربهم. وكان أحدهم إذا عرض له عارض من وسوسة أو سوء تقدير اعتصم بإيمانه. والتجأ إلى ثقته بقيادته فاطمأن باله وسكن خاطره. واعتبر هذا وتأمله في قول أبي بكر لعمر رضي الله عنه يوم الحديبية: ويحك يا عمر استمسك بغرز الرجل فإنه رسول الله أو قال لك هذا العام؟» لترى اعتصام أبي بكر رضي
رب العالمين
الله
عنه بهذا الايمان العميق والتجاءه إلى الثقة بالقائد رسول الله الله وهؤلاء الذين خرجوا على - علي كرم الله وجهه - من
"
1181 (1/140)
صفحة 141
الصنف الأخير لم تضعف ثقتهم به إلا قليلا. ولم يخالطهم هوى أو غاية لأنهم أثروا أن يحملوا عبء التضحية والجهاد وحدهم بعد أن كانوا يحملونه مع غيرهم، ولكنهم خالفوا في تقدير الظروف ومقتضيات الحوادث ووقفوا دون رأيهم مكافحين. ومن هنا عرفت عنهم الصلابة والشدة والعزيمة والقوة، وامتاز أدبهم بهذه المعاني الجميلة الرائعة التي تبدو
دائما
مع جلال الإيمان. أدباء الخوارج:
وكان معظم الخوارج عربا صرحاء جلهم من البادية. وانضم إليهم نفر من الموالي. وقد نبغ فيهم الكثير من الشعراء والخطباء عرفوا فصاحة اللسان ونصاعة البيان. وقوة الجنان، مع تخير اللفظ وجودة المعنى وقوة السبك وبراعة الأسلوب وعمق التأثير وسلامة
المنطق والبديهة الحاضرة والجواب المسكت يشترك في ذلك رجالهم ونساؤهم على السواء.
ومن أشهر خطبائهم: أبو حمزة، وقطري بن الفجاءة. ومن فحول شعرائهم: عمران بن حطان، والطرماح، ومن أجل علمائهم باللغة والأدب أبو عبيدة معمر بن المثنى مع أوسع أهل البصرة علما بالنحو واللغة والأدب وأخبار العرب وأيامها. وإن الناظر في خطبهم وأشعارهم ومناظرتهم وإجابتهم ليلمس هذه الخصائص ويدرك جليا هذه المميزات في أدب الخوارج.
أجوبة مسكته وبديهة حاضرة:
وقفت امرأة منهم بين يدي الحجاج فتوعدها بقوله: «والله
الأحصدنكم حصد السلم» فقالت أنت تحصد والله يزرع فأين قوة
-1810 (1/141)
صفحة 142
المخلوق من الخالق؟!
ووقف رجل منهم بين يدي عبد الملك بن مروان فدخل عليه بعض ولده يبكي فزجره فقال له الخارجي «دعه فإنه أرحب لشدقه وأجهر لصوته وأرق لقلبه وأجرى لعينه أن تدمع من خشية الله فلم يشغله ما هو فيه من خوف القتل عن أن يعرض لمثل هذا الشأن
بمثل هذا التقسيم البديع والعبارة الخالبة الطلية
وأتي عبد
الملك
بن مروان برجل منهم فدعاه إلى الرجوع عن مذهبه وألح عليه في ذلك فقال الخارجي لتغنك الأولى عن الثانية وقد قلت فسمعت فاسمع أقل؛ قال له قل: فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له من مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة حتى قال عبد الملك «لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة وقرر في قلبي من الحق»
وكانت أم حكيم الخارجية تلقى الأبطال وتحمل على الرجال وتقارع الفوارس في حومة الوغى وهي ترتجز.
أحمل رأساً قد سئمت حمله وقد مللت دهنه وغله ألا فتى يحمل عني ثقله
وصف:
ولقد وصف أبو حمزة الخارجي أصحابه بهذه العبارات البليغة
التي تقطر رقة وتفيض سلاسة وتغوص إلى أعماق النفوس فقال:
شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم
جميلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح. سهر، ينظر الله اليهم في جوف الليل محنيَّة أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم
6
-184 - (1/142)
صفحة 143
بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أدنيه موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام قد فوقت والرماح قد أشرعت والسيوف قد انتضيت ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله ومضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض وانحطت إليه
طير السماء فكم من عين في منقار طالما بكى صاحبها في جوف الليل كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها
من خوف الله
،
وكم من
صاحبها بالسجود الله.
143 (1/143)
صفحة 144
[صفحة فارغة] (1/144)
صفحة 145
هموم المسلمين
من رسالة إلى الشيخ بيوض يقول عن ميزاب إن صورة المجتمع الذي شهدته تقى وتماسكاً، صلاحلا وتفتحاً، رقّة وبعد نظر، من الصور التي ستعايشني ما دمت واحداً من الجماعة الإسلامية الكبرى التي تنظر إلى غد مشرق يحيى فيه المسلمون كما ولدوا إخوة يفضلون الجماعات الأخرى، ويتفاضلون فيما بينهم بمقياس واحد هو
التقوى. . . . (1/145)
صفحة 146
[صفحة فارغة] (1/146)
صفحة 147
هموم المسلمين (1)
رسالة إلى الإمام الشيخ بيوض
بقلم: الدكتور شكري فيصل (رحمه الله)
السيد الأستاذ الجليل العالم العامل الشيخ بيوض إبراهيم حفظه
الله وأفاء عليه نعمة التوفيق السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد عدت إلى الجزائر العاصمة من الجزائر الواحات ممتلئ النفس بالذي لقيت وشهدت وسمعت وأحسست أن كل شيء حولي يثيرني ويغنيني وينمي كل عاطفة خير عندي ويبعث الومضة تلو الومضة في ذهني ... ولم أكن خلال هذا الأسبوع في الحاضر وحده ولكني كنت أتراوح هذا الترواح البعيد بين الماضي والحاضر
والمستقبل
أن صورة المجتمع الذي شهدته تقي وتماسكا، صلاحا وتفتخا،
،
رقة وبعد نظر من الصور التي ستعايشني مادمت واحدا من الجماعة
(1) الدكتور شكري فيصل (رحمه الله) سوري من أعلام الفكر
الإسلامي المعاصر، أديب من أ أساتذة الجيل. مشهور بمؤلفاته النقدية
والتراثية. درّس في جامعات عربية كثيرة. توفي في خريف 1987.
،
147 (1/147)
صفحة 148
الإسلامية الكبرى التي تنظر إلى غد مشرق يحيى فيه المسلمون كما ولدوا إخوة يفضلون الجماعات الأخرى ويتفاضلون فيما بينهم بمقياس واحد هو التقوى
فقد
أن هذه الرسالة القصيرة لا تتسع للتعبير عما يملؤني عشت معكم وبينكم كما لو كنت واحدا منكم أو كنتم بعضا من دنياي العريضة الفاضلة التي أتطلع إليها وكانت الرعاية التي راعيتموني بها نموذجا للخلق الاسلامي الرفيع الذي يجد في المسلم أخاه، وكانت الأحاديث التي أسمعتمونيها نموذجا للفكر الاسلامي المتطلع الذي
يريد أن ينفتح على كل ما حوله ليستوعب كل ما حوله وكانت هموم الحياة التي وجدت أنها تستبد بكم نموذجا لهموم الحياة الإسلامية التي تريد أن يكون لها في كل المجالات: زراعة وصناعة وتجارة أوفى نصيب وكان القلق الذي يغشاكم وأنتم تنظرون حالة المجتمع الاسلامي هو القلق المنتج الخصب الذي يتخذ من فساد الواقع منطلق قوة لا منطلق بأس.
وأشهد لقد كان كل ذلك غذاء يمدني بالقوة ويسعفني بالأمل ويفتح لي على طريق المستقبل أعرض النوافذ وإذا كان لمثل هذه من فائدة فذلك حين تجاوز اللقاء إلى الصلة، والأستماع إلى الوعي، والفكرة الواحدة إلى الفكرة المتكاملة، والأفق المنفرد إلى
اللقاءات
الأفق المشترك
وذلك هو الذي كان عندي من أثر. من أكبر الأثر. وفي هذه الأيام التي سعدت فيها بالاجتماع اليكم ... وذلك هو الذي يدفع
لي، وقد عدت، أن أجلس فأكتب إليكم.
وكان من الحق أن أكتب إليكم من قبل شاكرًا ... ولكني أحس
11811 (1/148)
صفحة 149
أن كلمات الشكر دون أن تستطيع الوفاء بالذي أحب أن أقول فلأدع ذلك ليكون حديث القلب إلى القلب هما من غير جهر ومناجاة من غير تقييد ويبدو لي أني أستطيع أن أدير حديثي حول نقاط أربع. أن هذه النقاط تنبع من اعتقادنا جميعا بأن الإسلام المعاصر - أعني إسلام المعاصرين - يعاني أزمات حادة منشؤها هذا التطور الضخم الذي تعانيه الجماعة الاسلامية: وهذه الأفكار الكثيرة الجديدة تداخلها حينا وتغزوها حينا وتفرض عليها في حين وأن الإسلام والمسلمين مناهم في كثير من الممرات هدف حاد لا يمكن أن ينال بعضهم وأن يعف عن بعض آخر ...
ثالث
هجوم
وأن الجماعات الصغرى لا تملك مهما تؤت من براعة الذهن وشدة التماسك وقوة المحافظة أن تبقى وحدها وبخاصة في هذه الفترات من تاريخ العالم التي يطال فيها كل شيء كل شيء والتي تتخلل فيها التأثيرات كل طبقة وتنفذ من كل المسامات وتركب الهواء والرياح والأثير والفضاء إلى أعمق أعماق الدنيا والمسلمون جميعا أمة واحدة من دون الناس ولأنهم كذلك فان أبرز ما يميزهم أن تكون حركتهم واحدة وأن تكون وجهتهم واحدة على نحو ما هي قبلتهم واحدة كذلك ولذا يبدو وضروريا أن يكون دفاعهم واحدا ضد هذه الهجمات المستشرية.
1 - نحو فكر اسلامي غني مكين
والذي يهاجمون به الآن ليس الاستكبار كما في أيام مكة ولا النفاق كما في أيام المدينة ولا الحرب كما كان شأن الصلبيين وأنما هو
1409 (1/149)
صفحة 150
إفساد العقيدة لا بالعقائد السابقة القديمة كما حدث في أيام العباسيين وإنما بالثقافة الجديدة التي تتصل بالحياة والغذاء والرفاهية وتتلبس بالانسانية والتحرر ... وأعني - بإيجاز – التي تجمع بين المثل والواقع. فكيف يستطيع المسلمون أن يثبتوا لهذا؟ أن عقيدتنا لا تتزلزل في أننا نستطيع ذلك ولكننا من أجل أن نواجه هذه الأخطار الفكرية لا بد لنا من تفهمها أولا لتكون مواجتها بفكر مماثل أو بفكر أغنى ... لا بد من أن تكون أو يكون جماعة منا على صلة بكل التيارات المعاصرة وأن تكون في ذات الوقت على صلة بكل ما في الاسلام من حقائق حتى تستطيع أن
تنهض بهذه المهمة
وأكثر المسلمين اليوم - والأسف يحزنا – لا يجمعون بين هذين:
بين من يعرف الاسلام معرفة دقيقة وبين من يعرف الفكر المعاصر معرفة دقيقة وندرة نادرة أولئك الذين يستطيعون أن يكونوا القوى الأمين الذي أشار إليه القرآن الكريم.
أفليس من الضروري إذن أن تتفرغ جماعة من مفكرين لهذا؟ اليس ذلك فرض عين نأثم جميعا في أهماله إلا أن ينقذنا من ينهض
به ليرفع هذا الإثم؟
هنالك محاولات فكرية كثيرة خلال نصف القرن الأخير ....
ولكنها موزعة مشتتة
هذا أولا ... والسلاح الفكري متجدد دائما
وهذا ثانيا ثم ليس هو سلاح الأفكار المادية ولكن سلاح لكنيسة التي تحاول بناء فكر جديد فلا بد أذن من أن ينفرد
بعض المسلمين لهذا ما دام هذا الفكر لا يتسرب إلى مجتمعاتنا تربا
11011 (1/150)
صفحة 151
وأنما يهاجمها هجومًا.
هل نوفق اذن إلى: اافراد جماعة من الشبان النابهين إلى الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية يعدون اعدادا سلاميا متميزا في الدراسة الثانوية وفي سنة بعدها أو سنتين يحملون على اتقان لغتين أجنبيتين من ثلاث الانجليزية، الفرنسية، الروسية) ويبدأون مرحلة الليسانس في بلد عربي ثم مرحلة الدكتوراة في واحد من هذه البلاد ثم ينتظر ما يكون منهم من خير بأذن الله؟
الفكر المعاصر ياسيدي ذلك هو الذي يجابه بفكر مثله. ولعل ذلك أن يكون من ثمرات حركة الاصلاح التي تقومون عليها ومعهد الحياة الذي تريدون أن يكون أبناؤه للحياة
2 - المشاركة في أعمال الفداء
المسلمون اليوم في فلسطين على أبواب كارثة أن هم تخاذلوا وعلى عتبة النصر أن هم اتحدوا وقد انتهى الرأي إلى عمل الجماعات لا إلى عمل الحكومات بعد سلسلة من التجارب المرة ومعنى ذلك أن الأمر نتهى إلى الجهاد المنظم ولا بد لنا من أن نعطي هذا الجهاد لونه لإسلامي. وإذا كانت الحكومات لأسباب واضحة أو خفية لا نستطيع أن تعمل باسم الاسلام - تقية أو الحاد – فأن من واجب لمسلمين أن يعملوا باسم الاسلام وجده.
أن أثر ذلك في مستقبل حياتنا أثر شديد ... أن الأجيال المقبلة ستقول أن تحرير فلسطين تم باسم الدين وحينئذ يكون لهذا الدين مكانه في المجتمع الجديد أما إذا كان التحرير بهذه الأسماء الجديدة فأن
11011 (1/151)
صفحة 152
ذلك
سيد ظله على المستقبل وقد يؤدي إلى طمس الهوية الحقيقية
لهذا الجهاد
من هنا أتمنى أن يفتح باب التطوع لهذا الغذاء في الجماعة في صفوف حركة التحرير حتى يكون للمتطوعين أثرهم فيما قبل المعركة وفي المعركة وفيما بعدها
3 - التبشير الاسلامي في افريقية
موضوع الإسلام في افريقية يوشك أن يكون أحد الأهداف الأساسية في السياسة العالمية ولست أفيض في ذلك وحسبي أن أشير إلى أن الاسلام الأسود هو الذي يخيف الدوائر الأجنبية كلها علمانية ومدنية شرقية وغربية أوربية وأمريكية، كاثلوكية وبروتستانتية ولذلك تبذل لا حصر لها لمحاربته في أفريقية والسياسات جهود الأخيرة في القارة - السودان الجنوبي وحركة الانفصال والتبشير
الحبشة
مع مسلميها ومع إرتيريا والصومال - السينغال وسنغور - بيافرا ونيجريا - مقتل الزعيم النجيري أحمد ـ وجه من وجوه الحرب مع الاسلام وأهله ومحاولة لحصر الاسلام في شمال الصحراء الكبرى مع محاربته في هذا الشمال ولذلك يذهب كثيرون إلى أن وجه المستقبل العالمي سيكون في أفريقية ومما يكون من صراع المسيحية والاسلام فيها أذ لا تزال هناك ملايين عشرة أو خمسة عشرة في وثنية لابد أن تنتهي بعدها
إلى دين
وحسبكم في تصوير قوة هذا الصراع أن تضطر الكنيسة لأول مرة في تاريخها الى اباحة تعدد الزوجات في أفريقيا تيسيراً لمهماتها
152 (1/152)
صفحة 153
الأساسية
فهل من الممكن أن تتخذ بعض الجهود في ذلك: نعد جماعة من الطلبة المؤمنين لهذا اعداداً (يمكن تفصيل الحديث فيه وننذر أو تنذر نفسها لهذه المهمة التي لا يقدر أثرها وخطرها.
4 - التراث المحفوظ في وادي ميزاب
يكثر الحديث عن هذا التراث ويتوزع هنا وهناك وبعضه قيم كبير القيمة وبعضه لا قيمة كبيرة له .. ولا بد من الالتفات إليه: جمعا ثم دراسة ثم فهرسة ثم اختيارًا لنشر ما ينشر منه. وقد يكون ترك ذلك للصدف مؤثراً في تأجيل الاستفادة منه
هذه
وأعني كذلك أن يتفرغ له بعض من هم أهل له، وهم كثر هذا يا سيدي بعض ملاحظات .. أنا جد واثق من أنكم قبل كل انسان آخر على ذكر منها ومعاناة لها ... انكم ما كنتم بحال في حاجة إلى من يتحد إليكم عنها. . وإنما استجزت ذلك تعبيرا عن المشاركة التي يحس بها المرء، وعرفانا لرعايتكم واستجابة إلى الآية الكريمة التي تجعل من الذكرى فرضاً في قوله تعالى: فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. ولكن أكنتم من ذلك دائما الا على ذكر
ويقظة وتنبيه!؟ ..
أني أعرف أن سعة افقكم وامتداد نظرتكم تجعل هذا الحديث وكأنه لغو أو نافلة ... ولكني أحست مع ذلك أني مدفوع اليه على أنه تحية ومشاركة وحين لا يجد الانسان الخيل والمال يهديها ولا يجد مجال
القول الذي استطاعه المتنبي في قوله
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق أن لم تسعد الحال (1/153)
صفحة 154
فماذا يفعل الا أن
يدعو
لنفسه أن
يهديه الله.
وأرجو
بعد أن تتقبلوا مرة أخرى خالص شكري لكم وللأخوان
جميعا: للذين احتفوا وللذين أطرفوا وللذين تعبوا وللذين استضافوا وللذين عرفوا وعلموا ولا أشك في أني سأحتفظ بأطيب الذكريات لكل الوجوه التي عرفت والأمكنة التي زرت. وأول دعوانا أن يجمع الله كلمة المسلمين على الحق والخير والعمل
المشترك وآخر دعوانا أن الحمد
الله
رب
العالمين.
الجزائر: الخميس 1389/ 1/23 هـ
شكري فيصل
1969/ 4/10
م
11011 (1/154)
صفحة 155
مسند الامام الربيع بن حبيب
وما أثرت تخريج أحاديث المسند والشرح، ولا سيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مما جاء في الصحيحين، وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الأباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم (1/155)
صفحة 156
[صفحة فارغة] (1/156)
صفحة 157
مسند الامام الربيع بن حبيب (1)
بقلم: الشيخ عز الدين التنوخي
الحمد لله وله الفضل والمنّة، على أن هدانا للعمل بالكتاب والسنة، والصلاة والسلام على المبعوث من أنفُس العرب رحمة للعالمين ورؤوفاً رحيماً بالمؤمنين، وعلى آله وصحبه المجاهدين والغر الميامين. وبعد فما جاء في فتح الباري (1) أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر
الصحابة وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في
صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيها: لسعة حفظها وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر ا التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الروافض ومنكري الأقدار، فأوّل من جمع ذلك الربيع بن صبيح (- 160 هـ) وسعيد بن أبي عروبة) - 156 هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الامام
(1) الشيخ عز الدين التنوخي (سوري) .. عضو المجلس العلمي السوري، من علماء الحديث البارزين (1) للحافظ ابن حجر ص 4، المطبعة الأميرية بالقاهرة 1301 هـ.
11011 (1/157)
صفحة 158
سلمة
مالك (93 ـ 179 هـ) الموطأ، وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوي التابعين ومن بعدهم، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (70 - 150 هـ) بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (88 - 157 هـ) بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (97 - 161 هـ)، وأبو سَلَمة حماد: بن بن دينار (ـ 167 هـ) بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمة أن يُفرد حديث النبي خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسدد بن مسرهند - 228 هـ) مسنداً، وأسد بن موسى الأموي مسنداً (122 - 212 هـ)، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي مسنداً
وصنف
- 228 هـ).
صفاته: كان
الامامة
رحمه
الله ضريراً قوي الذاكرة والذكاء، وكان شديد
اليقظة على تطورات قومه بعمان، فقد عمل كثيراً على إعادة الامامة إلى القطر العماني الذي قلّما عرف الملكية قديماً إلا في ظروف شاذة كما وقع على عهد بني نبهان في عصر ابن بطوطة، ولم يكن يكتم ميوله وآراءه في عن السلطان فيصل بن تركي سلطان عمان، ولكنه لم يجد منه انقياداً الى إعلان الامامة بدسائس الانكليز الذين يتحينون الفرص للانقضاض على أقطار الخليج العربي، ومطامعهم في جزيرة العرب ونفطها ومعادنها لا تحتاج الى تعريف.
وما زال هذا العالم العامل يعمل على بث الدعاية للامامة لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى في اعلان الامامة سطوة غاشم حتى بدت للعلماء المساعي البريطانية الحمل سلطان مسقط على الاعتراف بالحماية البريطانية، فأسلس العلماء القياد للنور السالمي شارح هذا المسند وأعلنوا الامامة
-101 - (1/158)
صفحة 159
بمبايعة الامام التقي العلامة سالم بن راشد الخروصي، وبذلك نهض المترجم ببلاده وأقصى عنها أخطار الاستعمار، وما في عمان اليوم من علماء إلا
وهم تلاميذه، ولا فيها من روح قومية مقاومة للمستعمرين الا منه، فهو مضرم نارها و ملهب أوارها. وان الانسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين، فهو في قصر عمره وكثرة كتبه نظير شيخنا الجمال القاسمي بدمشق رحمها الله، ومن تلك الكتب:
1) (تحفة الأعيان في تاريخ عمان» جزءان طبع أولهما بمصر. 2) «الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة» طبع بهامش شرح طلعة الشمس في أصول الفقه
3) «شرح المسند الصحيح» للامام الربيع بن حبيب الفراهيدي، من أئمة القرن الثاني، في أربعة أجزاء طبع الأول والثاني منها بمطبعة
(الازهار (البارونية، والثالث بالمطبعة العمومية بدمشق في هذه السنة 4) «سواطع البرهان» رسالة في تطورات العصر في اللباس جواب لسؤال بعض أهل زنجبار.
(5) «مدارج الكمال» ارجوزة في الفروع الفقهية تنيف على ألفي
بيت، وهو نظم مختصر الخصال للامام أبي اسحق الحضرمي. مطبوعة 6) «معارج الآمال» شرح لهذه الأرجوزة، وهي تنبيء عن غزارة علمه
ورسوخه في علم الشريعة قيل أنه يبلغ ستة عشر جزءاً.
7) «غاية المراد» أحد متون أصول الكلام. 8) مشارق أنوار العقول» شرح ارجوزته في أصول الدين شرحها شرحاً وافياً عد به من أحسن كتب الأصول تحقيقاً وتحريراً وتنسيقاً طبع
بمصر. (1/159)
صفحة 160
9) أنوار العقول» ارجوزة في أصول الدين تزيد على 300 بيت. (10) «بهجة الأنوار» شرح (أنوار العقول (طبع بهامش طلعة الشمس. طلعة الشمس» الفه في أصول الفقه، من أجل متون هذا الفن
(11
وأكثرها نفعاً.
(12) شرح طلعة الشمس في أصول الفقه جدير بأن يعد من أنفس كتب
الأصول.
13) «جوهر النظام، ارجوزة في الأديان والأحكام الشرعية والحكم، وهي بضعة عشر ألف بيت. مطبوعة:
(14) «بلوغ الأمل» ارجوزة في أحكام الجمل الثلاث في الاعراب، نفيسة جداً.
15) «الفتاوي العمانية» في سبعة أجزاء منها كتاب حل المشكلات 16 رسالة تلقين الصبيان لمدارس عمان، وقد طبعت بدمشق بالمطبعة العمومية هذه السنة باشرافنا، وهي رسالة مفيدة للصبيان والرجال معاً. (17) «المنهل الصافي في العروض والقوافي» ارجوزة تزيد على 300
بيت.
D
هذا حكم (المتصل) من أخبار هذا السند، و (المنقطع) بارسال أو بلاغ في حكم الصحيح لثبوت وصله من طرق أخرى، وأما (المرسل) فقد جاء في التدريب (67) عن ابن جرير قال:
أجمع التابعون بأسرهم على قبول (المرسل) ولم يأت عنهم انکاره ولا بعدهم الى رأس المائتين، قال ابن عبد البر: كأنه يعني
عن أحد. الأئمة
من
أن الشافعي أول من ردّه، وقال السخاوي في فتح المغيث قال أبو داود في رسالته: أما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم في ذلك وتابعه
1171 (1/160)
صفحة 161
أحمد وغيره وقل من المشتغلين بالحديث في ديارنا الشامية وفي مصر والعراق وغيرها من له معرفة برجال هذا المسند الثلاثة، ولذا يحسن بنا أن نعرفهم ولو بايجاز، فأول رجال السند هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية أبي جعفر المنصور (95 - 158 هـ)، وقد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي، وقد روى جابر أيضاً عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي عنها، وروايته هذه عنهم موجود بعضها في هذا المسند الصحيح، وهي رواية تابعي عن صحابي.
الله
شيوخه: أخذ أبو عبيدة العلم عمن لقيه من الصحابة وعن الجابرين: جابر بن عبد الله وجابر بن زيد، وعن صحار العبدي وجعفر بن السماك
وغيرهم. تلاميذه: وحمل العلم عن أبي عبيدة خلق كثير منهم: الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب هذا المسند، ومنهم) حملة العلم الى المغرب) وهم أبو الخطاب المعافري وعبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراني واسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي، وكان الامام أبو الخطاب المعافري قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم الى
الله
بلادهم فنصبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة، وبأمره نصب الامام عبد بن يحيى الكندي في أرض اليمن، وجمعت إمارته اليمن والحجاز، وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلما أرادوا الوداع سأله اسماعيل ابن درار عن ثلاث مائة مسألة من مسائل الأحكام فقال له أبو عبيدة: «أتريد أن تكون
-171 - (1/161)
صفحة 162
قاضياً يا ابن درار؟» قال: «أرأيت إن ابتليت بذلك؟».
حق
ضلالته
واليك ما يقوله الشارع المعتدل المنصف في مقدمة كتابه تحفة الأعيان (3): «وندعو الى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة أهله: فمن عرف منهم الحق وأقرّ به توليناه وحرمنا دمه، ومن أنكر الله منهم واستحب العمى على الهدى وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه وقاتلناه حتى يفيء الى أمر الله أو يهلك على غير ان ننزلهم منازل عبدة الأوثان، فلا نستحل من سباياهم ولا قتل ذراريهم ولا غنيمة أموالهم ولا قطع الميراث منهم (كغلاة الخوارج)، ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في الستر، وإن كانوا ضلالاً، لأن الله لم يأمر به في كتابه، ولم يفعله أحد. من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين، فكيف نفعله نحن بأهل القبلة، ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا، ولا نرى أن نقذف أحداً ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم انه فعله خلافاً (للخوارج!) الذين يستحلون قذف من يعلمون انه بريء من الزنا من قومهم، وهم بذلك مضلون» ا هـ.
فالا باضية اليوم بعمان والمغرب من بقايا الخوارج المعتدلين والمتمسكين بالكتاب والسنة، وقال النور السالمي ايضاً: «ليس من رأينا. محمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا ولا التعدي على من فارقنا .. الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والسنة الله طريقتنا وبيت الحرام قبلتنا والاسلام ديننا!» ولذلك
(3) مقدمة " تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. .
162 (1/162)
صفحة 163
يحرم على المسلم اتهام أخيه المسلم في دينه بعد الاعتراف، فيكون من المتألّين الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ويل للمتألين من أمتي» أي
الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنة وفلان في النار.
C
واذا اطلع المنصف على هذا الشرح وجد الشارح واسع الاطلاع وألفى شرحه واضحاً مبيناً وتعابيره صحيحة فصيحة اسلوبها المساواة فلا هي مسهبة مملة ولا مفرطة الايجاز مخلة، وأما أبحاثه فيها فانها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب، فكثيرا مل ينقل عن العلماء المخالفين: كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، ويستشهد بأحاديث الشيخين وأئمة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة، مما يدل على أن الأباضية في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة، والناظر في شرح النور السالمي عالم عمان يمتليء طمأنينة بما ذكرته، وقلما رأينا من رجال المذاهب غير السنية من يستشهد برجال الحديث والفقه من أهل السنة إلا استشهاد نقد ورد، وما آثرت تخريج أحاديث المسند والشرح، ولا سيما ما رواه الشيخان إلا لتطمئن قلوب اخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الاباضي هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مما جاء في الصحيحين، وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الاباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنهم من الخوارج الغلاة كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة
163 (1/163)
صفحة 164
•
ومناكحة مخالفيهم
ومن أعلم أهل السنة بالاباضية وأعظم من كتب عن الخوارج الامام المبرد في كتابه الكامل فقد قال ما نصه: «قول ابن إباض أقرب الأقاويل الى السنة: وقال ابن حزم: «أسوأ الخوارج حالاً الغلاة وأقربهم إلى قول اهل الحق الأباضية»، وابن إباض هو عبد الله بن إباض المري التميمي الذي عاصر معاوية وعده الشماخي في السير في التابعين، وكان من اتباع الامام جابر بن زيد مؤسس المذهب الاباضي ولو نسب المذهب الى جابر بن زيد تلميذ ابن عباس لكان في رأيي أصح علماً وأصدق نسباً.
الثلاثيات: وقد ذكر أئمة الحديث أن رتب الصحيح تتفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح، وأن من المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنه أصح الأسانيد الثلاثية كند الزهري عن سالم بن عبد الله. بن عمر عن أبيه، وسند ابراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، وسند مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو قول البخاري، لأن هذه الأسانيد قصيرة السند وقريبة الاتصال بالينبوع المحمدي، واشتهر رجالها بقوة الحفظ والضبط وكمال الصدق والصيانة والأمانة، وذهب الامام أبو منصور التميمي إلى أن أجل الرواة عن الامام مالك بن أنس هو الشافعي، فأجل الرواة على ذلك ما رواه الامام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك هذا السند: سلسلة الذهب ويسمى
ويشبه هذه السلاسل الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب وثلاثياته أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم وأصدقهم لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا انقطاع وإعضال، لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال أسنادها ولم
164 (1/164)
صفحة 165
يسقط من أسانيدها الثلاثية أحد و (المعضل) هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك: قال رسول الله وقول الشافعي: قال ابن عمر، وقد يورد على قولنا هذا أن في مسند الربيع البلاغ والسماع مما يجعل الحديث مرسلاً، ويجاب على هذا القول أن رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم: بلغني أو بلغنا، أو. سمعت عن أو نحو ذلك مما يبعد بالمسند عن التدليس، فهم رحمهم الله أجل وأتقى من إن يوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أن عظمة هذا السند مقطوع باتصالها، لأن أبا عبيدة عن الصحابة مباشرة، حتى قيل: ان
أخذ
عن
جابر وجابر أخذ أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر من الصحابة.
فلان
وأما جابر بن زيد الجوفي (1) الأزدي أبو الشعثاء (- 93 هـ) أصل المذهب الاباضي في عمان والمغرب (2) وصاحب عبد الله ابن عباس فقد كان أشهر من صحبه وقرأ عليه، وذكر أبو طالب المكي في كتابه (قوت القلوب (أن ابن عباس قال: «اسألوا
، وهي من
أعمال
نزوي
(1) الجوفي نسبة الى ناحية بعمان، فان أصله من فرق بالقرب منها، وكان من اليحمد، رحل في طلب العلم وسكن البصرة فنسب اليها. (2) وهو قريب من مذاهب أهل السنة لاعتماده في عقائده وعباداته ومعاملاته على الكتاب والسنة كما يراه في هذا الشرح المنصف الذي جمع شتات المسلمين وكلمة العرب، وقد شرحت ذلك في ترجمة الامام ابن دريد في مجلة (المجمع العلمي العربي) بدمشق في الجزء الأول من المجلد الثامن والثلاثين سنة 1382 هـ
1963 م.
?1? (1/165)
صفحة 166
جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه»، وقال إياس بن معاوية: «رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد، وقال الحصين: «لما مات جابر بن زيد وبلغ موته أنس بن مالك قال: مات أعلم من على ظهر الأرض»، ولما مات جابر بن زيد ودفن قال قتادة: «أدنوني من قبره» فأدنوه فقال: «اليوم مات عالم العرب!». وعن ابن عباس قال: «عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون
الله
الينا وعندهم جابر ابن زيد: لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه». شيوخه وتلاميذه الذين حمل عنهم العلم وحملوه عنه: أولهم وأخصهم به عبد الله ابن عباس فقد أكثر من الحمل عنه،، ومعاوية وعبد بن عمر، وممن أخذ عنه قتادة وعمرو بن دينار وأيوب وخلق. واذا تأمل الانسان روايات هذا المسند وجده يروي عن كثير من الصحابة، واذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر بلغ سبعين رجلاً فما ظنك بمن لقيهم جابر بن زيد من سائر الصحابة، وأشهر أصحابه الراوين عنه أبو عبيدة، ومنهم ضمام بن السائب وأبو نوح وحيان الأعرج وكلهم من الفقهاء المجتهدين، وناهيك قوله: أدركت سبعين رجلاً من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر! (ابن عباس).
شرح المسند: أما شارح هذا المسند فمن الحق أن نلم من ترجمته بما
يصوّر حقيقته ويبين منزلته بين العلماء المحققين فهو الشيخ نور الدين الله أبو محمد عبد ابن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن حميس السالمي الضبي (1286 - 1332) انتهت اليه رئاسة العلم بعمان، وظهر ذلك في تأليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية مع التحقيق في مسائلها والاجادة في تأليف كتبها
-177 - (1/166)
صفحة 167
ورسائلها
ومن مزايا هذه الثلاثيات أو السلاسل الذهبية سهولة حفظها وحافظ المسند الثلاثي الرجال إذا روى حديثاً من أحاديثه صدره بسنده
6
الثلاثي الذي لا يختلف في جميع أبوابه، وحفظ الأحاديث الثلاثية أيسر على المستظهر من حفظ سلاسل طويلة كثيرة الحلقات والرجال، ولأنه يسهل على حافظ الثلاثيات معرفة رجالها لقلتهم والتثبت من أوصافهم بالحفظ والصدق والأمانة أكثر مما يعرفه عن رجال سلسلة عديدة الحلقات قد يوجد بينهم من لا يطمئن القلب بصدقه وديانته مما يضعف الحديث ويجعله غير مقبول. ولمزايا هذه الثلاثيات اهتم كثير من أئمة الحديث بتأليف الثلاثيات
نذكر منها: ثلاثيات الامام أحمد بن حنبل المطبوعة أخيراً بدمشق (1380) وشرحها في جزأين الامام محمد السفاريني، وعدد ثلاثياته خمسة وستون
ومائة حديث.
وثلاثيات البخاري وهي في صحيحه اثنان وعشرون حديثاً غالبها عن مكي ابن ابراهيم ممن حدَّث عن التابعين، وهم في الطبقة الاولى من شيوخه مثل محمد ابن عبد الله الأنصاري وأبي عاصم النبيل وأبي نعيم وخلاد بن يحيى وعلي بن عباس
وثلاثيات الدارمي وهي خمسة عشر حديثاً وقعت في مسنده بسنده وثلاثيات الشيخ أبي اسحق ابراهيم بن محمد بن محمود الناجي وغيرهم. ونضيف اليوم اليها: ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي، وأحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سنداً، ورجال سلسلته الثلاثية
167 (1/167)
صفحة 168
عبد
الله
الحلقات هم: أبو عبيدة التميمي وجابر بن زيد الأزدي والبحر بن عباس شيخ جابر وغيره من الصحابة، وهم بأجمعهم مشهورون بالحفظ والضبط والأمانة والصيانة، وهذا السند لا يختلف في جميع أبواب المسند كما يختلف في سائر كتب
الثلاثيات.
ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالامام أحمد بن حنبل (164 - 241) واسحق بن راهويه (161 ـ 238) وعثمان بن شيبة وغيرهم من النبلاء، ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وجدها جامعة للصحيح والحسن، أو لكثير منها يشمله التضعيف فحرك همته لذلك ما سمعه من أستاذه اسحق بن راهويه حيث قال لمن عنده، والبخاري فيهم: «لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم!. قال البخاري: «فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح». وقال السيوطي: وأما ابتداء تدوين الحديث فانه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز. ثم ذكر الحافظ ابن حجر في فتحه: أن أول من دون الحديث ابن شهاب (الزهري) بأمر عمر بن عبد العزيز كما رواه أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن عن مالك، ومرّ بنا الآن أن أول من جمع الآثار وبوب الأخبار هو الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة، ولم يذكر الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي ولا مبران العدوي البصري، والربيع بن حبيب صاحب هذا المسند من ثقات التابعين، فقد أخذ كثيراً عن أبي عبيدة كما أدرك أبا الشَّعثاء جابر بن زيد والربيع شاب، وجابر بن زيد
التميمي
من أشهر تلاميذ الحبر البحر عبد الله بن عباس، ومع أنا لم نعثر على
-174 - (1/168)
صفحة 169
تاريخ حياته فانا نقدر أنه بدأ يجمع مسنده في صدر المائة الثانية، وأنه أطلع شيخه أبا عبيدة على مسنده هذا المبارك.
ومن يمن الطالع على الحديث أن يكون الربيعان، الربيع بن صبيح
"
أن يهتم
والربيع ابن حبيب في طليعة ركب الجامعين للحديث والمصنفين فيه ومن الأسف أنا لا ندري شيئاً عن مصير مسند ابن صبيح، وعسى بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات، ومن لطف الباري أن أبقى لنا مسند الربيع بن حبيب، ثم من نعمته علي أن وفقني لاعادة نشره مع شرح
الله علامة عمان عبد علماء مصر والشام والعراق إلا قليل ويُفهم من شرح هذا المسند أن الشارح من المتمسكين بالحديث الصحيح
بن حميد السالمي، ولما يطلع على المند وشرحه من
»: «اذا
وأرباب العقل الراجح والمعظمين للرسول مع الله وأقواله والمهتدين بنته وأفعاله، فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء ويختار على أقوال أهل المذهب ما صح من حديث الرسول له، فليس هو ممن يرى) العمل على الفقه لا على الحديث (قال شارح «الصراط المستقيم وجد تابع المجتهد حديثاً صحيحاً مخالفاً لمذهبه هل له أن يعمل به ويترك مذهبه؟ فيه اختلاف، فعند المتقدمين له ذلك، قالوا: لأن المتبوع والمقتدي به هو النبي الله ومن سواه فهو تابع له، فيعد أن علم وصح قوله ف المتابعة لغيره غير معقولة،. قلت: ولذلك لا يجوز التعصب للمذاهب تعصباً يُستهتر به بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم فان ذلك من الفسق والبعد من الدين والخروج على سيرة الصحابة والتابعين، ومن هؤلاء المتعصبين الجامدين - كما يقول بعض الأئمة - من إذا مر عليهم حديث يوافق قول من قلدوه انبسطوا، واذا مرّ عليهم حديث يخالف قوله أو يوافق مذهب غيره ربما انقبضوا ولم يسمعوا قول الله تعالى: (فلا وربك
a (1/169)
صفحة 170
لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً).
هذا، وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج الى أهل السنة إلا لأن مذهبهم ما أطلعت عليه مبني على السنة وتقديم العمل على الحديث لا على الفقه والمذهب، عملاً بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر الذي روى عنه، فقد جاء في «الحجة البالغة» ان ابن عمر رضي الله عنه قال لجابر بن زيد: «إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فانك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت». ولذلك نعتقد ونقول: إن المعقول ومن القلب المقبول أن لا نهتدي إلا بقوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول).
عز الدين التنوخي
170 (1/170)
صفحة 171
الاباضية مذهب وسلوك
في الحقيقة إن الإباضية قد قصدت منذ نشأتها إلى الأرادة الإسلامية والفكر الإسلامي من
تحرير
التمزع والتفرع، والتفسخ والتشرخ في شؤون الدنيا وفي أمور الدين، وفي الوقت نفسه تكون قد قادت المسلمين إلى الهدف الجماعي الواحد ودفعت بهم إلى الطريق الصحيح الرحب. (1/171)
صفحة 172
[صفحة فارغة] (1/172)
صفحة 173
الاباضية مذهب وسلوك (1)
بقلم: الشيخ السيد عبد الحافظ عبد ربه
لو ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير).
ان دراسة الاباضية في عمومها وخصوصها ترينا النماذج الرائعة الحية من القضايا الاسلامية، والمفاهيم العقيدية، والتشريع الالهي في شتى مجالات الكون، وفوق خريطة العالم، وعلى مستوى الانسانية كلها، بما تنصلح به الدنيا ويستقيم معه الواقع، وتتضح عنده العقيدة، ويثرى فائضه رصيد البشرية ويتراءى حصاده زاهيا رابيا في أجواء العقيدة، وآفاق الدنيا، ويبدأ. من لدنه مشوار التاريخ، وتنطلق من محوره حركات الحياة في ايقاع متسق منظوم، وتوازن شيق منفوم، ضرورة ان الاباضية على الحقيقة رمز للسلوك الاسلامي المهذب الذي يصح ان يقاس عليه سلوك المسلمين، ويحتذي به أي مسلم أو عربي عبر الأمة الاسلامية والعربية، ومن خلال الالف والسبعمائة مليون ممن يقولون «لا اله إلا الله محمد رسول الله: وممن ينطقون العربية ويلهجون بلغة القرآن الكريم.
a
لقد امتد نسب الاباضية الى النبي الله، واستقى معينه من كبار
(1) الشيخ السيد عبد الحافظ عبد ربه (مصري) ت: 1990 من علماء الأزهر
المرموقين.
173 (1/173)
صفحة 174
الصحابة، وبالذات من حبر هذه الأمة وعالمها عبد الله ابن عباس الذي حمله في صدره وبشر به في أقضيته وفي فتياه، والذي أجمع عليه وتزاحم في تشريعاته وأصوله وفقهه ومنهجه علماء الاسلام واساطينه من أمثال جابر الله بن زيد، وأبي عبيدة مسلم التميمي وعبد بن اباض ومرداس بن حدير، والربيع بن حبيب الفراهيدي ومحبوب بن الرحيل، وطالب الحق أبي يحيى الله بن يحيى، وأبي حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة الازدي، عبد وضمام بن السائب العماني، وغيرهم كثير وكثير من خيار هذه الأمة، الذين قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) .. وهكذا بدأت هوية هذا المذهب وملامحه، وذاتيته وشخصيته تتكامل كائنا سويا في أعماق الدنيا، وفي اغوار الحقيقة، وفي وجدان الحياة منذ ان بدأ الاسلام أول خطواته فيها، وآنئذ وضع قدمه هناك على الطريق القاصد، وفوق هذه الأرض المباركة التي تنزل فيها وحي الله على رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه. ان اصالة المذهب الاباضي وصدارته لم تأت من فراغ ولم تنشأ هكذا اعتباطا، بل هيا القدر الطريق أمام هذا المذهب، وأطاب له المناخ، وأمشى في مسيرته النجاحات المواتية، وشده في تقنينه وفقهه الى المتاحات الواعدة المستقبلية، واعده اعدادا كاملا معنيا مرعيا كي يتمكن من قطع الشوط، واكمال المشوار وتطويق آماده، واقتحام احجامه وابعاده، واداء رسالة اصلاحية، استجنت واختبأت في ضميره ووجدانه، وظل يحملها حقبا متطاولة من عمر الحياة، حتى اذا شاء الله لها الظهور والولادة انفرجت عنها مشاعره واجتهاداته، وجاءت الى العالم
174 (1/174)
صفحة 175
في أسلوب من الوعي الجديد، وصيغة واضحة وضاءة على يد عمالقة الفقه واساتذة التشريع وعلماء الاصلاح من رجال الاباضية الشوامخ الذين نذروا نفوسهم الله وباعوها ـ في سبيل ترشيد الانسانية - بيع السماح. أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا
الله عليه
•
فهل يمكنني حينئذ أن أقول: ان المذهب الاباضي أيقظ حراس الاسلام والعروبة عبر آلاف السنين، وعلى مدى الدهور والعصور بما فعله - وما سيفعله - نهوضا بالاسلام ومن أجل قضايا المسلمين؟.
في الحقيقة إن الاباضية قد قصدت منذ نشأتها الى تحرير الارادة الاسلامية والفكر الاسلامي من التمزع والتفرع، والتفسخ والتشرخ في شئون الدنيا وفي أمور الدين، وفي الوقت نفسه تكون قد قادت المسلمين الى الهدف الجماعي الواحد ودفعت بهم الى الطريق الصحيح اللاحب، و مشت معهم في زحف مقدس، وصف منتظم راكض الى حيث تكون الوحدة الاسلامية، والفرقة الواحدة الناجية التي عناها الله في قوله لرسوله: (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) والتي ارتضاها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأخبر عنها حين قال: افترقت المجوس على سبعين فرقة، وافترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار الا واحدة»
مني
"
ان الاسلام قد مع الحياة، في عهد الخليفة الثالث - بالكثير جدا من
منذ سنواته الأولى، وخطواته الطرية، أو بدءا
من تعامله الاضطرابات والفتن والكبير الخطير من البلايا والمحن حين تفرق المسلمون مزعا وشيعا، وتنافروا اقساما وارقاما، وكادت شأفتهم ان تنقضى،
-\ VO_ (1/175)
صفحة 176
وعصاهم أن تنكسر وأمرهم أن ينتهي وينفض .. وزاد الطين بلة والقلب أوجاعا وعلة، هذا الهجوم الزاحف والطوفان الخاطف الراجف، والموج الهائل المتلاطم، الذي جاء في معية هذا الفكر الغريب الوافد على البيئة الاسلامية والمتمثل في الفلسفة اليونانية والوثنيات الاغريقية، والشطحات المجوسية الفارسية، والمتاهات الزرادشتية والترهات المانوية، والبوذية، والبراهمية.
الى غير ذلك من الديانات الشرقية الوضعية، والاباطيل والاضاليل التي نفثها الشيطان في ارواع أصحاب هذه الملل والنحل، من احلاسه واتباعه وسدنته وأشياعه والمنفذين أمره والمنتهجين نهجه، والسائرين على حداه وخطاه .. هذا الى جانب ما أثقل الأمر وقصم الظهر، من الفرق الاسلامية العديدة، والطوابير الطويلة المديدة، التي أضعفت كيان العقيدة وأثقلت كاهل الدين، بما ابتدع واتبع وبما احدثوه بينهم وتنازعوا عليه، واختصموا فيه، وتساقطوا عنده ضحايا وصرعى من مثل الاعتزال، والمغالاة، والجرأة واللامبالاة والتشيع والانحياز المتجسم المتضخم في المعتزلة وغلاة الخوارج والصفاتية والحوشية والمشبهة، والقدرية والشيعة مع ما انشطرت اليه هذه الفرق والطوابير من فروع وتشكيلات، ومذاهب ومناحى واتجاهات وأيضا مع ما اندرج ضمن هذه اللافتات وانضوى تحت لوائها من تسميات واسماء ومسميات بما تفوق العد وتتجاوز الثلاث والسبعين فرقة بكثير وكثير .. الأمر الذي يبهر العادين ويعجز الحاسبين ومن خلال كل هذه التراكمات والتناقضات. والاعداد والكميات وما يدور بينها، ويحدث في صفوفها، من نزاعات وخلافات وصدامات وانقسامات .. نرى تلك «الفرقة الناجية» وقد خرجت وحدها من وسط تلك المعركة وهي تلوح باغصان الزيتون، وفروع
هذه المعمعة
(
وجحيم
-187 (1/176)
صفحة 177
الورد، أو قد هيأتها الأباضية وادخرتها لمثل هذا اليوم، ولتقوم ـ قادرة ماهرة - بهذا الدور البطولي البارع الذي يحفظ على المسلمين وحدتهم ويبقى على كيانهم، ويصون لهم العقيدة والدين وبعد هذا كله هل يمكنني أن أواجه - أو أجابه ـ المتشككين والمتشائمين من دعاة التفرقة المذهبية، وأحلاس الهوى المغرض والمتشنجين، والمتعصبين، وغلاة العقيدة والخارجين على الجماعة، والمتسوقين في بضاعة
من
الدين والمترهلين عند بعض الفتاوى، والجامدين على بعض الآراء. سماسرة القيل والقال وعملاء التميع والتمزق وكهان التفرق والتفسق وأصحاب هذا الفكر الجامد المعاند؟
هل يمكنني أن أواجه - أو أجابه - أو أقول لكل هؤلاء وأولئك، تلك هي انظف بقاع الدنيا، وأطهرها وقد اعتنقت ذلك المذهب الاباضي الذي بعد بها - وبالعالم الاسلامي كله - عن هذه المتاهات، وتلك الشقشقات والشنشنات التي دوخت البشر واتعبت الناس، وآدت كاهل الكون، وأثقلت عاتق الايام وزلزلت أوزعزعت كيان الوجود؟.
تلك
هي
الجزائر وتونس وليبيا والمملكة المغربية وحضرموت وعمان ودول الخليج وزنجبار وشمال وشرق افريقيا .. وعموما بعض الجيوب المصرية وبعض أطراف السعودية وقد تمذهبت كلها بمذهب «أهل الاستقامة»
منهجا وطريقا، وتفاعلت معه سبيلا وسلوكا ..
تلك
هي
واعتقدته
تطلعات الأباضية في الماضي والحاضر والمستقبل اصالة
وعراقة، واملا وعملا، وبناء وطموحات، ونهضة ويقظة وامانة ونية، ووثبة وهمة، وذودا عن العروبة، ودفعا عن الاسلام وحماية لقضايا
177 (1/177)
صفحة 178
الشعوب والامم ووقوفا صادقا صامدا وانعطافا منحازا قاصدا مع كل مضطهد مغلوب أو عان مكروب أو يائس بائس، يطحنه الذل، ويمضغه الظلم وتسحقه الحاجة ويرغمه الفقر ويقهره الهوان. ولا تفتأ التناقضات تلهب ظهره وتثقل اصره وتدق فوق رأسه بمطارق المعسكرات الدولية أو الانتماءات الحزبية أو التقوقعات الشعوبية أو الملاهي الشيطانية، الصبيانية، كما نرى ونشاهد ونسمع ونقرأ، من كل ما يثير الغثيان، ويغضب الانسان. يفر به - هاربا غاربا - الى الغابات أو ادغال المارستان.
ان العالم الاسلامي - وقد كانت تحكمه قوانين الاحتمالات وتشطره اختلافات الفقهاء، وتمزقه المذاهب، وتقطع أوصاله الاجتهادات فردية كانت أو جماعية - بدأ يسترد انفاسه اللاهثة، وجهده المكدود، وخطواته الراكضة اللاغبة ـ التي طالما امشاها على رؤوس الحراب، وفي مفترق الطرق - في ظل هذه المؤسسة الوليدة الشرعية، والتي انفرج عنها، وتمخضها الفكر الاسلامي الصحيح المصفى، الخالي من التعقيد والتعصب والمنبثق أصلا من المنبع الأساسي للعقيدة، والمصدر المتفق عليه بين رجال القرآن والحديث، ورواد الفقه والشريعة وأساتذة الدين والايمان والذي اعتمده الرسول صلوات الله وسلامه عليه بين أمته وجماعته مرجعا لهم وقانونا في قوله: «لقد تركت فيكم، ما ان اتبعتموه لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي». أقول: لقد توحد العالم الاسلامي، واستراحت أمته، في ظل، وفي رحاب مؤسسة، أهل الاستقامة، أو «الفرقة الناجية» أو «الجماعة» التي نعتها الله تعالى بالخيرية في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت
- IYA- (1/178)
صفحة 179
للناس)، واعنى بها «الاباضية» مذهبا وسلوكا، وسنة وطريقا، وتعاملا
وتداولا».
هنا
وان المتتبع لسلوك هذه الطائفة، وتناولها للدين وتعاملها معه، ليدرك من أول وهلة، ويعتقد يقينا انها الفرقة الواحدة» - بين الفرق الثلاث والسبعين ـ التي ضمت جوانحها على الدين واستقبلته في صدرها، ومارسته وتعاملت معه كاسلوب صحيح، وصيغة وضيئة مضيئة، ومن عجب ان تذهبت بها الحياة وأصدرت وأوردت كل شئونها الدينية والدنيوية من ثنايا:، ومن خلال ـ ما نشير به وتدل عليه وتقف عنده، و ترشد اليه، وتثق فيه.
لا
هذا وان للمذهب فقهاءه وعلماءه الاجلاء الفضلاء، الذين توافروا على استنباط احكامه. وتوضيح مسائله من الكتاب والسنة واجماع السلف الصالح، والذين ربطوا - عن منهجه وبرنامجه - شئون الدنيا بشئون الدين وأطالوا يد الاسلام - بيضاء غراء - حتى التفت حول الأمة، وأصابت كل شيء فيها بالتهذيب والتشذيب، واحتضنتها، وأحسنت اليها، كما دفعت عنها ـ وطاردت ـ كل دخيل أو غريب أو متلصص عليها، أو متسلل الى جواهرها ومكنوناتها، اما بقصد السرقة، أو التلبيس أو التدليس فيها وغشها، أو العمل على نسفها تماما
ولست في حاجة الى الاسترسال الطويل في بيان ما افادته الحياة عن
طريق الفكر الاباضي، ولا سيما في العمل على جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفهم وانطلاقهم جميعا من مبدأ واحد، والى غاية واحدة
•
وها نحن اليوم نرى من آثار هذا التفكك المذهبي والطريقة التي نعبد الله عليها، والطريق الذي نقطعه ونمشيه الى تعاليمه واداء واجباته، ما يندى الجبين ويشيب الطفل ويذهل كل مرضعة عما ارضعت، ويسكر
179 (1/179)
صفحة 180
الناس، ويدعو الى الأسى والأسف والفجيعة والمرارة، فيما أصاب الدين وفيا أصاب المتدينين من جراء ما غرقوا فيه الى الاذقان، من هذه التشكيلات المذهبية والموديلات و «الشللية» لا شك ان هذا كله يمزق كيان الدين، ويفتت وحدته، ويقضي عليه ويمزق بالتالي كيان المسلمين المتدينين ويفتت قوتهم وتماسكهم، ويقضي
عليهم جميعا قضاءه المبرم، ويفنيهم الفناء الذي لا قيامة بعده أبدا. وهذا حتما من فعل الأبالسة الخبثاء، أو السذج البسطاء أو أعداء
العقيدة والدين.
ولن يسترجع المسلمون مجدهم الغابر، وأمسهم الدابر وقوتهم الذاهبة، وشمسهم الغاربة، الا بالاعتصام بحبل الله جميعا، وأن لا يتفرقوا، وأن يتحدوا فيما بينهم، وان يتجمعوا في كنف اله واحد ويجتمعوا على عبادته، وان لا يقلبوا وجوههم حائرين في الأرض أو في السماء، وأن يلبسوا الياقات المنشاة القابضة التي لا تسمح لهم بالالتفات يمنة ولا يسرة وان يتركوا عبادة الاشخاص
-
والهرولة الى «الايديولوجيات» التي صنعها أشرار الناس. حينئذ ـ وحينئذ فقط - يمكن للمسيرة الاسلامية أن تنطلق في ركب قوي - قوامه أكثر من ألف وسبعمائة مليون مسلم وعربي ـ الى غاياتها الضاربة في أعماق الحياة والذاهبة. تطلعاتها الى مأتيات السماء ـ (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره). أقول: كان من اثر ذلك - أو كرد الفعل، أو رجع الصدى لكل تلك الشيطانيات، «والنجاتف، لكل هذه الكرنفالات» ـ ان انعكست هذه الرؤية الكابية المعتمة ناطقة معبرة عن التمزق الشامل الخانق، والخراب
180 (1/180)
صفحة 181
الداهم الحانق، الذي أحاط بالأمة وأصابها في شتى مرافقها واجهزتها ومؤسساتها وفي حياتها السياسية بالذات، ولا سيما، وعلى الأخص المنطقة العربية - من الخليج الى المحيط - التي يعايشها ويواطنها أكثر من مائتي مليون عربي، الأمر الذي أطمع فيهم الأعداء وأغرى بهم السفهاء وجرهم دائما الى الوراء والخلف وساقهم جميعا - وأبدا - الى الهلاك والحتف .. وشد الأمة الى ما الله به عليم .. فكثرت فيها الطوائف والنحل وتهاوت في مستنقعاتها «المجموعات» و «الشلل» وتناوح بين أطلالها الخراب وتنازعتها «الهيآت» و «الاحزاب».
وهل يعقل يا قوم أن يتقاتل الاخوان، أو يتقابل الشقيقان في معركة أو يختلف أهل البيت الواحد فيما بينهم أو أن ينشغلوا جميعا عن أمرهم، حتى يتسلل اليهم العدو ويمزق كيانهم، ويقضي فيهم قضاءه، ويعمل جاهدا على محو معتقدهم وشطب دينهم، ومسحهم كلهم من فوق خريطة الوجود، وجغرافية الحياة، كما نرى اليوم ونعايش هذه الأحداث المروعة، في افغانستان وباكستان، واندونيسيا وماليزيا، وبلغاريا، والهند وفي أطراف افريقيا وفي بعض الجيوب الاسيوية، وخاصة في فلسطين ولبنان، وفي الجبل وفي الجولان؟ .. معارك في المغرب وفي الصحراء الغربية معارك في ليبيا وفي تشاد وفي جنوب السودان .. تحرشات ضارية بين سوريا والعراق .. والعراق وايران .. والاكراد والاتراك ... وكلهم مسلمون واخجلاه!!
ولا شك ان من وراء هذا كله الاستعمار الكافر اللئيم، من وراء هذا الصهيونية والشيوعية والصليبية والرأسمالية وكل من ينتمي الى هذا الطابور الغادر .. وواويلتاه وواسلاماه وواعر و بتاه من كل هذا الذي أصاب المسلمين والعرب، ومن كل
181 (1/181)
صفحة 182
خطر راصد متربص، مرتقب، يجريه العدو المستعمر هنا وهناك في كل اصقاع الأمة، وفي كل بقاع العروبة وديار
الاسلام ... واويلتاه لهذه الأمة التي فجرت الأحداث جراحها، ومزقت الاختلافات أوصالها، وتآمر عليها بعض ابنائها من محترفي السياسة وعشاق الزعامة ومدمني اللعبات الصبيانية والمكائد الشيطانية ومن كل من يساوم على عرضه، وأرضه ووطنه بالجاه أو المنصب أو المال!!
ورسم
في
ان العدو قد وضع في خطته، ورصد في مفكرته، استراتيجيته وسجل في موسوعته - منذ أن بدأ المشوار مع العرب والمسلمين - كل هذه النتؤات، والكأداءات في طريق المسيرة العربية المسلمة حتى تتعطل المسيرة ويتخلف العرب والمسلمون .. ودائما لا سلاح امضى واعمل في مثل هذه المعركة - يستعمله العدو ويبارز به ـ الا سلاح الشحناء والبغضاء والتدابر والتناكر، الذي هب على الصف العربي والاسلامي بفعل هذا العدو ـ والذي عصفت به أعاصيره، فشرخ جدرانه وحطم أركانه، ومزق بنيانه وأتى على قواعده من الأساس وحتى أصبحت الأمة العربية وبعض الدول الاسلامية أشبه بالاطلال والخرائب. التي يعيش فيها البوم. وتعايشها الوطاويط والخفافيش. والغربان والذوبان وكل ما له ظفر وناب أو مخلب. أو «فك مفترس».
وما البوم. والوطاويط والخفافيش. والغربان والذوبان ومن له الظفر، والناب والمخلب والفك المفترس الا هؤلاء الذين يتقاسمون هذه الأسف من أبنائها ويتنازعونها فيا بينهم .. وكان الاجدر
الأمة، وهم مع جميعا أن يدافعوا عنها كما يحرص كل من هذه الوحوش المتناوشة
لمان
182 (1/182)
صفحة 183
ينتزع
المتهارشة والكواسر الضواري، على أن يهبر من هذه الأمة هبرة،، أو منها بضعة أو يأخذ قطعة أو مضغة أو لقمة، يسد بها جوفه النهم ويملأ
بها كرشه الشره، ويحشى بها بطنه الضخم المترهل الذي يقول دائما بقولة جهنم، (هل من مزيد)؟ ..
يا أيها المسلمون، ويا أيها العرب ماذا بقى لكم بعد ذلك؟ يا أيها المسلمون .. لقد خدعكم العدو عن أنفسكم وعن ماضيكم وعن تاريخكم وعن اسلامكم. وعن عروبتكم.
انساكم انكم اتباع محمد، واشياع أبي بكر وعمر، وتلامذة عبد ا
الله
بن
الله عباس، وجابر بن زيد، وعبد اباض واجناد خالد بن الوليد بن وابناء هؤلاء الاصحاب: معاذ بن أنس وعمار بن ياسر، واسيد بن
6
خضير، وانس بن قتادة وأوس بن ثابت، واياس بن زيد، والحباب بن المنذر، وحوشب بن طحية وخارجة بن أبي زهير، وخراش بن الصمة، ورافع بن مالك ورفاعة بن رافع، وزيد بن أرقم، وزيد بن حارثة والطفيل بن مالك، ومحمد بن سلمة، ومعاذ بن جبل، ومعن بن عدى ونوفل بن الحارث، والنعمان بن بشير وعبد الله بن غرفطة وقبيصة بن ذؤيب:، وسعد بن عبادة، وسفيان بن بشر، وأبي عبيدة بن الجراح، وغير هؤلاء من الأفاضل الاخيار، والصحابة الابرار الذين لفتوا وجه الدهر
وغيروا مجرى المسيرة، وفجروا ينابيع الخير في ربوع هذه الحياة. يا أيها المسلمون في كل مكان .. أفيقوا من نومتكم واستيقظوا من سباتكم الذي تغطون فيه غطيط أهل الكهف وتنبهوا الى هذا العدو الشرس اللئيم الذي يزرع بين صفوفكم كل بذور الفرقة، وكل أنواع العداوة، وكل أصناف التحاسد والتحاقد، ثم أخيرا يغرى بعضكم ببعض، ويشعلها بأيديكم أنتم - حربا ضروسا، وغارات شعواء لا تبقى ولا تذر.
183 (1/183)
صفحة 184
والا .. فخبروني بربكم: ما هذه المعارك الدائرة الجائرة بين العراق
وايران؟
ما هذه المعارك والمحارب التي تتراقص عاصفة بين المسلمين بعضهم ضد
بعض؟
•
من الذي أشعل فتيلها، وأوقد نارها، وانتزع منها ذراع الامان لتنطلق على الأمة الاسلامية جبارة غدارة هكذا؟. ان اعداء الاسلام والمسلمين هم من وراء كل ذلك .. وفي مقدمتهم الشيوعية والصهيونية ومن لف لفهما، ودار في أفلاكها. ان الشيوعية والصهيونية هما المعسكران اللذان فتنا المسلمين والعرب واغريا بعضها ببعض، وحرضا، أو سلطا البعض على البعض لجملة أسباب .. ومن أهمها (1) الحقد على الاسلام والمسلمين، والعرب والعروبة فالشيوعية لا دينية والصهيونية كافرة.
:
(2) اقامة سوق للسلاح، يتاجر فيه كل من المعسكرين على حساب الأمة الاسلامية، والأمة العربية، فالشيوعية والصهيونية تكسبان المليارات والمسلمون والعرب يخسرون ملايين الأرواح وملايين المليارات من الأموال. 3) التخطيط السافر - أو الملثم المقنع - للاستيلاء على مصادر النفط في حقول الاسلام والعروبة، وصرف ـ أو طرد ـ المسلمين والعرب عنها، سواء كانوا ايرانيين أو عراقيين أو خليجيين أو عربا على العموم أو مسلمين عامة
هل كان يمكن للشيوعية أن تضرب الافغان وتقتحم عليهم
بيوتهم لولا العزلة والفرقة والغربة التي يعيشها المسلمون؟. هل كان يمكن للشيوعية أن تقيم القواعد والترسانات في الوطن
184 (1/184)
صفحة 185
الاسلامي لتتجمع فيها. وتضرب. الاسلام. لولا تخادل المسلمين
وتفرقهم
؟
لعلكم أيها المسلمون قد أصابكم الترهل والاسترخاء حتى طمع فيكم العدو، وكرهكم الصديق. على الرغم من كثرتكم وألف وخمسمائة مليونكم اضافة الى مائتي مليون عربي حتى صدقت فيكم نبوءة الرسول في قوله:
يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على القصاع قالوا: أو من قلة فينا يا رسول الله؟ قال: لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله مهابتكم من قلوب أعدائكم، من حبكم الدنيا وكراهية الموت والجهاد، وأنتم أيها العرب في كل مكان:
يا أبناء عمان ويعرب، يا أبناء ربيعة ومضر، يا أبناء الغوث بن مالك بن يزيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن
هود عليه السلام. يا أبناء الازدزينة الدنيا، وفخر الزمان، يا أبناء العباقرة العباهلة
،
والاقيال الصيد، والغر البهاليل والابطال الميامين نظرة متأنية الى تاريخ أسلافكم واجدادكم ورجعة الى الماضي لاستيعاب مفاخركم والجادكم، ووقفة مع العمالقة الشوامخ من آبائكم وأجدادكم الذين نشروا مكارم العرب، ورفعوا فضائل العروبة عالية خفاقة فوق كل الاعلام. وعلى مر الدهور والاعوام. أيها العرب، ماذا عساه يقول عنكم الآباء والاجداد؟ ما عساهم يقولون عنكم اليوم، وبأي لغة يقولون، وما عساكم تعتذرون اليهم عن تفرقكم وتمزقكم وضياعكم هكذا أوزاعا واتباعا واصغارا واصفارا؟ وهكذا تعاون الذهول العربي، مع التربص اليهودي والصليبي
11101 (1/185)
صفحة 186
بهم
هذا
مع ضغائن الدول الكبرى من مثل امريكا وروسيا، أو الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. من أجل هذا كله - وحفاظا على العروبة والاسلام - حملت الاباضية فوق كتفها قضية القوم جميعا، مسلمين وعربا وحملتهم على الالتزام بالمحبة واحترام أبعاد الجادة، وحمتهم من التردي والهاوية واجتازت الطريق المحوري الصعب والمنعطف التاريخي الهادر، الذي يشد الى دواماته ويبتلع في لهاته ومتاهاته من لم يلتزم بقواعد المرور، ومن لم يخش عاقبة الأمور .. وذلك بمخالفة الدين واتباع الشياطين ومن هنا فإن الأمم التي احتضنت الاباضية لم تزل وستظل تلح على انجاز ما خطته وانفاذ ما رسمته. واكمال ما بدأته وخططت له، وذلك عن طريق العقيدة والسلوك المنهجي المتوائم مع المذهب الصحيح الذي تتراءى بين أبعاده وتتضح في نطاقه و آماده صور الحياة الاسلامية الكريمة التي أدرك بها السابقون الشوط والشأو، وحقق بها اللاحقون، الرجاء المنشود والأمل الحلو، واعنى بهذا المذهب «مذهب الاباضية» الذين تناولوا به الدين في سهولة ويسر، وتعاملوا معه بطول نفس، ورحابة صدر، وتعاطوه برنامج عمل يقطعون به مفازات الحياة وصحراءها، في حراسة الدين ورعاية العقيدة وعناية ساهرة يقظى من تعاليم الاسلام فلم يتشددوا ولم يتعصبوا ولم يغالوا ولم يغرقوا، وكذلك لم يفرطوا في معتقدهم أو يتناولوه بضعف أو يتعاطوه بميوعة واسفاف وانما كانوا بين ذلك قواما. فلقد استنبطوا مذهبهم من القرآن الكريم، واقتبسوه من السنة المطهرة، وسلكوا في مسيرتهم الى عبادة الله نفس الطريق
-147 - (1/186)
صفحة 187
الثلاثة
التي سلكها الصحابة وارتضاها الاجماع، وحرصوا كل الحرص على أن تكون خطواتهم على ذات الدرب، وفي نفس الطريق وفوق (إفريز) الشارع ومع السبيل التي قطعها الرسول صلوات الله وسلامه عليه، في مشواره الطويل وشوطه البعيد، جيئة وذهوبا، على مدى مسيرته المباركة ورسالته الميمونة عبر والعشرين عاما، ومع تحريهم الصدق وانتهاج الحق، ومجاهدة النفس، وريادة المعاناة والرياضة والترويض على المشقة والمقاساة، حتى استبان لهم الأمر، ووضح أمامهم الطريق. وتبين للعالم أجمع - أو المخلصين المنصفين ـ أن هؤلاء هم «أهل الاستقامة» أو هم في الواقع - وعلى الحقيقة ـ «الفرقة الناجية» التي أخبر عنها الصادق المعصوم والتي أمر الله رسوله أن يختارها وينتهجها سبيلا يوصل الى عبادته ومرضاته في قوله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).
والمذهب الاباضي، ليس عجيبا في الدنيا، ولا غريبا عن الحياة وانما هو العملة الصحيحة التي يجب تداولها وتناولها والتعامل بها في شتى الأنحاء، وفي جميع المناخات والاجواء وهي بعون الله عملة لا ينالها التزييف أو التلبيس ولا يطولها الوضع أو التدليس، ولا يجوز في منطقها العمل بين بين ولا التنكر في وجهين ولا المشي على الحبلين، فالحق عندها واحد لا يتجزأ وكل لا يتوزع. وحينما أشبل المسلمون الامناء والاتقياء الاوفياء ـ بعطفهم السابع ورعايتهم اليقظى - على تعاليم هذا المذهب وأوصوا باستمراريته وحمايته، كان من شأنهم في هذا كله، أن يحيطوا هذه المؤسسة الشرعية بكل أسباب
187 (1/187)
صفحة 188
الرعاية والعناية وأن يحرسوها بكافة الضمانات والوقايات، حتى تعشوشب افرعها وتطول اذرعها وتمرع اغصانها وتشتد سوقها، ويتكاثف ظلها وتنضج خيراتها وثمارها فيستظل بها الحران، ويأكل منها الجوعان ويشرب من زلالها وسلسبيلها كل عاطش اسوان ويخلد الى تعاليمها وآدابها، ومذهبيتها، واستاذيتها كل تائه أو ضال أو حيران في بيداء هذه الحياة وفي صحرائها الشاسعة الواسعة ان الاسلام في تشريعاته، انما جاء لتنظيم حياة البشر حتى يستحقوا أن يكونوا خلفاء الله في الأرض، فنظم العلاقة بين الخالق والمخلوق. وبين المخلوقات بعضها مع بعض ونظمها علاقة أكيدة بين الانسان وربه، وبين الانسان ونفسه وراعى جانب المادة كما راعى جانب الروح وأسهم باسهاب في تنظيم حياة الناس في العبادات من صلاة وزكاة وصوم وحج ونظم حياتهم كذلك في المعاملات من بيع وشراء، وسلم وقرض وشفعة ومزارعة
واجارة وهبة ووصية ونذر ووقف، وتوريث وحدود وزواج وطلاق وعتق وتدبير، وقصاص ودية، كما أشرف على بواعث ودواعي العمل لدى
الانسان في سلوكه واخلاقه وقوى فيه جوانب الخير وزجر عنده غيلان الشر، وجعل المسلم أخا المسلم لا يخذله ولا يظلمه ولا يسلمه. وحضه على أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وأكد على حتمية ازالة أسباب العداوة والبغضاء، والشحناء بين أبناء الأمة الاسلامية، ودعا المسلمين جميعا الى كفالة الفرد، وان الفرد في ذمة الجميع وانه لبنة في كيان الأمة وان الأمة هي الفرد الدائر المتكرر. كل ذلك من أساسيات الأباضية ضرورة انها هي الدين الصحيح في اعلا أطواره. وأبهى مراحله وأدواره، وانها قامت في الحقيقة على تبني تلك الفضائل العبادية والمعاملية والسلوكية عموما والعمل على ترجمتها سلوكا
"
188 (1/188)
صفحة 189
وعملا وتطبيقا وفعلا
الاباضية تدعو الى التمسك بكل ما جاء به الاسلام من مثل واخلاق وقيم ومبادئ واخلاقيات ومناهج، تدعو الى الاسلوب الامثل، والحوار الافضل، والملاينة في الجدل والنقاش للوصول الى الحق والصواب، تدعو
الله
الى طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه بأي حال من الاحوال إلا إذا عصى بالفعل أو بالاقرار فيجب نصحه وتوجيهه فقط لا غير .. خوف الفتنة والاضطرابات.
والاباضية دائما تهييء المسلم بأن يكون مع الله في معاملاته وعباداته، في الجامع وفي الشارع، في الحقل والمصنع، في المتجر والمعمل، في المعهد والمدرسة والجامعة - وحده أو مع الناس ـ في كل حركاته وسكناته تدعو الى مجتمع نظيف شريف، نزيه
عفيف يكره الفوضى والديماجوجية، تسوده المحبة ويظله التراحم، يمقت الغش، ويثور على الرشوة، ويجرم المحتكر ويحاكم المتجر المتحكم في أقوات الناس وفي ضرورياتهم. الاباضية هي كل هذا وأكثر هذا من .. هي الفيصل والحكم الذي يبدى الرأي واضحا في معارك المسلمين ومشاكلهم، هي الترجمة الأمينة الصادقة لسلوك النبي الا الله وخلفائه الراشدين وأصحابه الأئمة الهداة المهديين .. هي عودة بالمسلمين من جديد الى عهد النبوة الأول في صدر الاسلام ونضارته .. هي اذابة الفرد المسلم في ألف وسبعمائة مليون مسلم، وهي بالتالي اذابة هذه الملايين الحاشدة الهائلة في الفرد الواحد المسلم، بحضانته ورعايته وكفايته
وكفالته.
هي
الحقيقة سافرة، والعقيدة ناهية آمرة، لا تجامل على حساب
-119 - (1/189)
صفحة 190
الدين، ولا تداهن أو تمالئ، بل تجاهر بالحق صادعا وبالشرع وفقهه ناصحا وازعا، وتخاطب الناس جميعا على حد سواء لا فرق بين حاكم
ومكان
الا
ومحكوم، وتابع ومتبوع، وسيد ومسود لا فضل لعربي على اعجمي بالتقوى، والعمل الصالح، ومن هنا عاداها أراذل القوم والسفهاء من الناس تماما كما عادى الكفار أصحاب الرسالات والنبوات في كل زمان .. ذلك لانها كشفت عن سؤاتهم وسيئاتهم وفضحت عورتهم وسحبت البساط من تحت أقدامهم لا سيما الحكام والقائمين على الأمور، حين أرتهم للرائين المشاهدين حكاما من «كرتون» وقائمين على الابتزاز والاكتناز وخطف اللقيمات من أفواه المحكومين، ولقد عانت الاباضية من كل هؤلاء ما عانت عبر مسيرتها الأميدة البعيدة. وعلى مدى الأشواط الطويلة الضاربة في أعماق السنين وفي أغوار الماضي والتاريخ حتى يومنا
هذا!!
عادوها لأنها تجهر بكلمة الحق وتنطق بالصواب ولا تحب الجهر بالسوء
من القول ..
عادوها لانها تريد أن تطبق شرع الله وتحقق المفاهيم الاسلامية
الصحيحة.
عادوها لانها تعالج كل الأمور بموضوعية صادقة بعيدا عن التهريج والهوى والاسفاف
عادوها لأنها تعمل جاهدة على تأكيد العدل والتبشير به بقدر ما تحارب الظلم والظالمين .. وسامح الله أصحاب بعض المذاهب الأخرى الذين انضووا تحت الوية الحكام الباطشين فقالوا بمقولاتهم، واتهموا الاباضية كما اتهمها هؤلاء وشنعوا على أتباعها وأنصارها بأنهم من الخوارج المغالين والصقوا كل النقائص بهم
-19.- (1/190)
صفحة 191
والمثالب، تقربا الى اسيادهم وارباب نعمتهم الذين سلطوهم - جبارين ظالمين - على هؤلاء الاخيار الابرار وعلى مذهبهم الاباضي الذي أعاد للاذهان عهد النبوة والصحابة، وأرانا صوراً صادقة للاسلام في مرحلته الاولى على يد محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلى ايدى رجاله الملتفين حوله، المناصرين له والذين قال الله فيه وفيهم: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود). لقد شرق هذا المذهب وغرب، وشمال وجنب، وكان من السابقين الاوائل الذين نشروا الدعوة الاباضية وبشروا بها في الشمال الافريقي - في كل من الجزائر وتونس وليبيا والمملكة المغربية - الامام سلمة بن سعد الحضرمي الذي شوق بربر المغرب الى شد الرحال، والتوجه الى المشرق لتلقى علوم المذهب من الامام ابي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وتبعه كذلك كل من الائمة عاصم السدراتي، واسماعيل بن درار الغدامسي، وابي داود القبلي النفزاوي وعبد الرحمن بن رستم الذي أسس الخلافة الاباضية - فيما بعد - بتيهرت، ومن قبل هؤلاء العمالقة حملة العلم ورواد المذهب ظهر في عهد مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، الحارث وعبد الجبار زعيما الاباضية في عهدهما واللذان حاربا عامل طرابلس الاموي واستوليا على المدينة بعد هزيمته. وفي سنة 140 هـ. وبعد استشهاد الامامين السابقين بايع الاباضيون أبا الخطاب عبد الأعلى ابن السمح الذي حارب العباسيين وانتصر عليهم في بعض معاركه معهم، وفي سنة 154 هـ بزيع الامام أبو حاتم يعقوب بن حبيب والتف حوله أتباع المذهب الاباضي من جميع أنحاء شمال افريقيا وبالاخص أهل الجزائر وامتد سلطانه شرقا الى برقة، وغربا
191 (1/191)
صفحة 192
الى القيروان، وجنوبا الى فزان وحارب العباسيين وهزمهم في معارك كثيرة، الا انهم أحاطوا به أخيرا في جبال نفوسه وقتلوه مع ما تبقى من جيشه قريبا من ظاهر القلعة وككلة، وذهب الى رضوان الله شهيد الحق والواجب!!
ان اباضية اليوم في المغرب العربي يسكنون جبل نفوسة وزوارة من طرابلس، وجزيرة جربة من تونس ووادي ميزاب بالجزائر كما ان للاباضية كذلك ثقلا كبيرا في جمهورية مستقلة ببلاد القوقاز، هذا الى جانب الأعداد الضخمة من اتباع المذهب بجزائر افريقيا الشرقية. وأيضا في جزر زنجبار وفي الخليج العربي وحضرموت، هذا خلاف الملايين الاباضية في عمان، اما في مصر وفي السعودية وفي العراق، وفي بعض البلاد الاوربية فللاباضية فيها كذلك رحلات واقامات ووصايا وتعاليم وانصار واشياع .. أو ليست الاباضية هي مذهب الفطرة النقية البيضاء، والجبلة الصافية البهاء؟ (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).
واني لأعجب لعلماء المسلمين - ولا سيما علماء الازهر والزيتونة والقيروان، والجامعة الاسلامية والجامعات والمعاهد المتخصصة في دراسات الاسلام، من تجاهل هؤلاء جميعا هذا المذهب النقي التقي الذكي؟ كيف طاوعتهم قلوبهم وعقولهم في أن يحجموا أو يتلكأوا عن الاسراع هرولة الى رحاب الاباضية، والاستمتاع بما فيها من فقه وتشريع وأصول واستنباط، وتبصرة حقيقية بالدين، وتوعية مستوعبة لكل أفراد المسلمين؟ كيف بهم لم يسهموا في نشر روائع هذا المذهب ولم يشاركوا في التبشير به، والالتزام بمنهجه ومشربه؟ انهم ان
192 (1/192)
صفحة 193
استوعبوه وادركوا بركاته وخيراته ثم تقاعسوا عن نصرته، يكونون مقصرين في أمر الدعوة، وتسقط عنهم حصانة العلم وأهلية العلماء وان لم يستوعبوا المذهب بالمرة، ولم يقدروا على الاحاطة به واستقطابه وتغشى عيونهم عن أبصاره والتطلع اليه، يكونون قد خيبوا أمل الناس فيهم ولم يعودوا العلماء بل يصبحون الجهلاء وسيكون جهلهم حتما وحينئذ «جهلا مركبا» ويصدق فيهم ـ أو عليهم - قول القائل: «إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، أو كنت تدري فالمصيبة أعظم».
ونقائه، وهي
ان الاباضية على الوجه الصحيح هي الرؤية الواضحة لصفاء الاسلام كذلك الجدية الدين، والمدخل الى العقيدة وبالتالي فهي العقل المطلق الكلي الذي يستشار في أصعب المشكلات دينية كانت أو، لأنه أقوى من المشكلات، ولأنه يطوق المشكلات ثم يقتحمها ويفض اشتباكها ويحلها حلا سليما متكاملا ترضى عنه جميع الأطراف بقناعة وايمان ويقين
دنيوية
ولقد كانت الامامة في المذهب - على مستوى العالم الاباضي كله من مشرقه الى مغربه ومن شماله الى جنوبه - تقوم مقام الخلافة في صدر الاسلام والعصور التالية في الاجراءات والمضمون وفي جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، وتقوية جبهاتهم الداخلية والخارجية، يصدرون عنها، ويقيسون عليها، ويعيشون في رحابها، ويمارسون من خلالها شئون الدنيا والدين .. وكان الامام على الحقيقة هو الخليفة الراشد .. وما زالت هذه الخلافة أو الامامة تنتقل من عصر الى عصر بدءا من الامام جابر بن زيد حتى القت بمقاليدها اليوم طائعة مختارة - عن طريق العلماء الأفاضل
193 (1/193)
صفحة 194
والزعماء المصلحين والأمراء النابهين من أهل الحل والربط ـ الى الامام الجليل والعالم الفذ، والعبقري النابغة ورجل المواقف والمكرمات غالب بن علي بن هلال الهنائي، الذي حورب واضطهد، وضيق عليه، وامتحن، إلا أنه صبر وصابر، ورابط وثابر في سبيل عقيدته، ومن
وامامته
أجل
دعوته
، شد الله أزره وقوى ظهره، وأظهر أمره (ليحق الحق ويبطل
الباطل ولو كره الكافرون). وأما أنتم أيها الاباضيون - في كل زمان ومكان في المغرب العربي وفي مشرقه، وفي افريقيا، وفي آسيا، وفي كل بلد يذكر فيه اسم الله، ويتهادى الآذان من فوق مآذنه ومنابره - أيها الاباضيون .. (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) .. (ولا تهنوا ولا
تحزنوا وأنتم الاعلون). وسلام الله عليكم يوم ولدتم وعشتم، ويوم، ويوم تبعثون احياء شهداء في جنة عرضها الأرض والسماء، وفي مقاعد الصدق والحق عند مليك مقتدر ...
تموتون
السيد عبد الحافظ عبد ربه
من علماء الأزهر
-1980 (1/194)
صفحة 195
رقم الإيداع
92/ 115 م ج 1
مطبعة الألوان المدينة: 562276 (1/195)
صفحة 196
إقرأ في هذا الكتاب للمشايخ والأساتذة رأيهم في الاباضية
الشيخ إبراهيم ابو اسحاق أطفيش
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
الدكتور ابراهيم عبد العزيز بدوي
الدكتور ابو القاسم سعد الله
الشيخ أحمد توفيق المدني
الشهيد الإمام سيد قطب
الدكتور شكري فيصل
الشيخ عزالدين التنوخي
الشيخ عبدا. الحافظ عبد ربه
الشيخ علي يحيى معمر
(الجزائر)
(عُمان)
(مصر)
(الجزائر)
(مصر)
(سوريا)
(سوريا)
(ليبيا
الدكتور عبد العزيز المجذوب الدكتور عوض محمد خليفات
(تونس)
(الاردن)
الدكتور عمر الحاج صالح با
(السنغال)
(الجزائر)
الاستاذ مالك بن نبيء
الاستاذ فهمي هويدي الدكتور محمد صالح ناصر
الناشر
مكتبة الاستقامة
(مصر) (الجزائر) (1/196)
صفحة 197
مكانة الأباضية في الحضارة الإسلامية
الحلقة الثانية
اعداد
د. محمد صالح ناصر
الطبعة الأولى
1413 ه - 1992 م (2/1)
صفحة 198
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 199
مكانة الأباضية
في الحضارة الإسلامية
الحلقة الثانية
اعداد د. محمد صالح ناصر
الطبعة الاولى 1413 هـ - 1992 م (2/3)
صفحة 200
مكانة الاباضية بين
المذاهب الاسلامية
الآن وقد عرف القارئ الكريم الأسس التي بني عليها المذهب الإباضي والاتجاهات التي ينتهجها والسلوك الذي يسير به يستطيع أن يقرر له حيزاً ضيقاً بين المذاهب الإسلامية. وأن يبعد عن نفسه تلك الصورة القائمة البشعة الشرسة التي تعاون على وضعها ظروف مختلفة من السياسة والتعصب وسوء الفهم. (2/4)
صفحة 201
مكانة الاباضية
بين
المذاهب الاسلامية (1)
بقلم: الشيخ علي يحيى معمر
سبق إلى أذهان كثير من الناس - بسبب أخطاء المؤرخين وكتاب المقالات - أن الإباضية فرقة من الخوارج وأنها ـ في عقائدها وآرائها - معتدلة بالقياس إلى الخوارج ومتطرفة بالقياس إلى أهل السنة.
وهذا مفهوم خاطئ ويجب أن يختفي فالإباضية ليسوا من الخوارج وإنما نشأوا عندما غدا الخوارج لمجابهة الخوارج وليسوا متطرفين بالنسبة إلى أهل السنة لا في السياسة ولا في العقائد ولا في الفقه وإنما يتفقون مع كل مذهب في مواضيع اعتداله وإن شئت مزيدا من التفصيل فاقرأ المقال الآتي: نشأ المذهب الإباضي في فترة متقدمة بالنسبة إلى غيره من المذاهب الإسلامية، هذا من حيث التاريخ، أما الطريقة التي نشأ بها فهي لا تختلف عن غيرها من طرق نشأة بقية المذاهب، إمام من أئمة المسلمين) وبالنسبة إلى الإباضية هو أحد كبار التابعين (يجتمع عليه عدد من طلاب
:
(1) الـ
علي
معمر
(ليبي (ت - (1981) صاحب المؤلفات التاريخية
القيمة. (2/5)
صفحة 202
العلم. يلتزمون مجلسه ويأخذون عنه ثم يتفرقون بعد التحصيل في البلاد فيقف المتفقون منهم موقف أستاذه، يتخذ نفس أسلوبه في السلوك
(
والتدريس وينقل عنه لطلابه روايته ورأيه. ثم تنتقل العملية مع الأجيال وكل جيل ينقل عن الجيل السابق ما حفظه من آثار لآراء تكتسب مع مضي الزمن شيئا من الاحترام يبلغ درجة التقديس أحيانا وتزداد هذه الصورة وتكبر مع الأيام. هذه الصورة هي الصورة التقريبية التي. اختلفت أزمنة الأئمة فمنهم من كان من الرعيل الأول من التابعين ومنهم من
نشأت عنها جميع
المذاهب وإن
كان من تابعي التابعين ومنهم من كان في الدرجة الثالثة ومنهم من ذلك بكثير كابن تيمية وكمحمد بن عبد الوهاب.
كان
أبعد. من وبالنسبة إلى الإباضية فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب الأذكياء منهم من يأخذ عنه وعن غيره، كقتادة، وأيوب، وابن دينار، وحيان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجله، كأبي عبيدة مسلم، وضمام، وأبي نوح الدهان، والربيع بن حبيب، وعبد الله بن إباض ومن هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشؤون العامة ومنهم من اشتغل بالمسائل السياسية ومطارحاتها مع حكام الدولة لأموية في ميدان الكلمة دون استعمال السيف كعبد الله بن إباض (1) ومنهم
(1) كثير من المؤرخين وأصحاب المقالات يحسبون أن.
عبد الله
خرج
في أيام مروان بن محمد وأنه قتل في معركة ثبالة. وهو خطأ تاريخي لأن. الله عبد بن إباض لذي تنسب إليه الإباضية توفي في أواخر أيام عبد الملك وهو أكبر من جابر في السن وتابع له في المذهب والرأي، ونسب المذهب إليه لأنه كان أكثر ظهورا في الميدان السياسي عند الدولة الأموية والتسمية منها. (2/6)
صفحة 203
من جلس للتدريس وأخذ مكان الإمام كأبي عبيدة وأبي نوح صالح الدهان وقام بنفس الدور وتخصص فيه ولما كانت هذه الحركة في عنفوان بناء الدولة الأموية وكانت سيوفها مسلطة على جميع الأئمة والعلماء خوفا منهم أن يجهروا بالإنكار عليها، أو يدعوا الناس إلى الخروج عنها، وكان جابر ابن زيد في مجالسه كزملائه الحسن وسعيد وغيرهم من كبار
"
التابعين غير راضين عن الوضع وكثيرا ما يتناولونه بالنقد فكانت السلطات بدورها تراقبهم هم وتلاميذهم في يقظة وحذر وشدة. وتضيق عليهم الخناق، وتحاول بكل وسيلة أن لا تسمح لنقدهم أن يتسرب إلى الناس وقد احتاطت لذلك من بداية الأمر فنسبتهم إلى التطرف واعتبرتهم ضمن الخوارج، وكانت تهمة الخارجية ـ تشبه ما يسمى اليوم بالعمالة أو بالخيانة - عملية ليس لها ضوابط توجه بسهولة إلى كل من يراد التخلص منه أو الانتقام منه أو إيقاف نشاطه وتستغل عند اللزوم. ولذلك فلم يسلم منها الإمام جابر بن زيد كما لم يسلم منها الإمام مالك بن أنس (2) وكان الغرض من إشاعة هذه التهمة هو إشعارهم بأنهم
(2) جاء في الكامل لأبي العباس المبرد الجزء الثاني صفحة 159 ما يلي: «يروى أن المنذر بن الجارود كان يرى رأي الخوارج وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف يراه، وكان صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق يراه، وكان عدد من الفقهاء ينسبون إليه، منهم عكرمة مولى ابن عباس. وكان يقال ذلك في مالك بن أنس المديني، كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر، فأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم. وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الجزء الخامس صفحة 76 ما يلي:
- Y- (2/7)
صفحة 204
تحت المراقبة وأن تبرير أي موقف عنف يتخذ معهم من السلطات هو موجود في أذهان الناس ولا يحتاج إلا إلى تأكيد عملي من أجهزة الحكم.
فإذا تركنا هذا الجانب خارجا عن البحث واتجهنا إلى الجانب الفكري والسلوكي فإننا سوف نجد المذهب الإباضي مذهبا إسلاميا نشأ كما نشأ غيره من المذاهب الإسلامية بأئمته وعلمائه، طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى اليوم وقد بدأ جهوده العلمية في خدمة الثقافة بالاتجاه الذي أختاره قبل أن تبدأ أكثر المذاهب الأخرى ودونت له مؤلفات في الحديث والفقه قبل أن تبدأ بعض المذاهب التي وجدت لها مكانا فسيحا في الدراسة على المنهج الذي سارت عليه. وفي النقاط الآتية أستطيع أن أضع جملة من الخطوط العريضة التي يمكن أن يحدد القارئ الكريم بعد دراستها والتحقق منها موضع الإباضية بين المذاهب الإسلامية. 1 - يرى الإباضية أن المصدر الأساسي للدين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه إنما هو القرآن الكريم وأن من أنكر شيئا منه: سورة أو آية أو حرفا فهو مشرك أو مرتد.
ه ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنهم قطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، عكرمة مولى ابن عباس، ومالك بن أنس الأصبحي الفقيه، يروى عنه أنه كان يذكر عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير فيقول والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر:
ويقول في نفس المصدر بعد أسطر ما يلي: وممن ينسب إلى هذا الرأى من السلف جابر بن يزيد، وعمرو بن دينار ومجاهد، راجع إن شئت كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب الأغاني لأبي الفرج وغيرهما.
1^1 (2/8)
صفحة 205
من
2 - ويرى أن المصدر الثاني للدين الاسلامي إنما هو السنة الصحيحة وهي على درجات منها المتواتر قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل ومنكره كالمنكر للقرآن والمشهور من السنة أو المستفيض هوا أضعف المتواتر وأقوى من الأحادي وهو يوجب العمل واختلفوا هل حجته قطعية أم ظنية على قولين. والأحادي من الدلالة السنة ظني يوجب العمل والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إلا أنه يوجب العمل إذا كان
لصحابي أو تابعي 3 - ويرون أن المصدر الثالث هو الإجماع إذا استوفى الشروط المعروفة عنه الأصوليين والخروج منه فسق وحجيته قطعية أنه ويرون وقع إجماع بقسميه القولي والسكوتي وأنه من الممكن أن يقع في كل عصر وينقل إلى الناس بالشروط المعتبرة. 4 - ويرون أن المصدر الرابع هو القياس على الأسس المعروفة في كتب
الأصول. 5 - ويرون أن المصدر الخامس هو الاستدلال بأنواعه المختلفة ويهتمون بالمصالح المرسلة اهتماما خاصا وربما يكون الإباضية - بالنسبة إلى اعتبار المصالح المرسلة - في الدرجة الثانية بعد المالكية.
ب - العقائد: ويرى الإباضية أن الإنسان لا يكون مسلما إلا إذا أقر بالجمل الثلاث فشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله وما تدل عليه هذه الجمل الثلاث من التفصيلات. 1 - وأساس عقيدتهم في الخالق تبارك وتعالى هو التنزيه المطلق فلا يشبه شيئا من الخلق ولا يشبهه شيء من الخلق وما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة مما يوهم التشبيه فإنه يؤول بما يفيد المعنى ولا
191 (2/9)
صفحة 206
يؤدي إلى التشبيه ويبتعدون كل البعد عن وصفه تعالى بما يوهم التشبيه ويثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا كما أثبتها لنفسه
2 - القدر: يقولون إن الإيمان لا يتم حتى يؤمن المسلم بالقدر خيره وشره أنه من الله تبارك وتعالى وأن أفعال الإنسان خلق من الله تعالى واكتساب من الإنسان ويبتعدون عن رأي المجبرة كما يبتعدون عن رأي من يقول بأن
الإنسان يخلق أفعاله.
3 - مرتكب الكبيرة:
يرون في مرتكب الكبيرة رأي الحسن البصري وجابر بن زيد وغيرهما لا يحكمون عليه بالشرك كما يقال عن الخوارج وإنما يقولون هو منافق ولا يمكن لمرتكب الكبيرة في حال معصيته وإصراره عليها أن يدخل الجنة إذا لم يتب ولعل أعنف الخصومات إنما قامت بين الإباضية والخوارج في هذا
الموضوع منذ أثارها نافع بن الأزرق حسبما تقوله مصادر التاريخ.
ج
الفقه:
مكان الإباضية في هذا الباب ربما كان في الشريحة التي تقع بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة والحنفية من جهة أخرى ورغم أن المذهب الإباضي نشأ في العراق إلا أنه لم يذهب مع الرازي إلى المذهب الذي بلغه الحنفية والمعتزلة ويكفي لإيضاح هذه النقطة أن يعرف القارئ الكريم أن الفقه الإباضي يعتمد من حيث الأدلة بعد القرآن الكريم في مجال السنة على المتواتر والمشهور أو المستفيض وعلى الأحادي وعلى مرسل الصحابة والتابعين، وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث ولو كان أحاديا أو مرسلا للطبقة السابقة ولا يرد الحديث الأحادي إلا إذا صادمه دليل قطعي، ويقولون بالقياس والاستصحاب والمصلحة المرسلة على
- 1 - (2/10)
صفحة 207
التفاصيل والمناقشات الطويلة المعروفة في كتب أصول الفقه
د - السلوك:
يتمسك الإباضية بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها الإسلام، ومن مظاهر ذلك:
1 - يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في الحدود التي بينها الحديث الشريف. 2 ـ يرون أن محبة المسلمين في الله من أجل طاعتهم وبغض العصاة والكافرين في الله من أجل معصيتهم واجب على كل مسلم، وأن هذه المحبة يجب أن تتوجه إلى جميع أولياء الله في جميع الأزمنة والأماكن على الإجمال، وأن يقصد إلى من ثبتت ولا يتهم الله بالاسم أو بالصفة ممن مضى، وأن يتعامل مع الحاضرين ممن يعرفهم على هذا الأساس، كما يجب أن يبرأ من الكافرين والعصاة في جميع الأزمنة والأمكنة هكذا على الإجمال وأن يقصد ببراءته من عرف بالاسم أو بالصفة وأن يتعامل مع الحاضرين ممن يعرفهم على هذا الأساس، أما من عرفهم في زمانه ولم يعرف أحوالهم الطاعة والمعصية فيجب عليه أن يقف فيهم لا يتولاهم ولا يبرأ منهم حتى يعرفهم بيقين لأن الولاية والبراءة عند الإباضية لا تلزم إلا باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إلا بيقين
من
3 - يرون أن جميع المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات ما عدا
شيئا واحدا وهو الدعاء بخير الجنة وما يتعلق به فإنه حق خاص للمتولي إي للمسلم الموفّي بدينه الذي يستحق الولاية بسبب طاعته أما الدعاء بخير الدنيا، وكذلك بما يحول الإنسان من أهل الدنيا إلى أهل الآخرة كقولك لإنسان تعرف أنه منحرف عن الإستقامة رزقك الله توبة نصوحا، أو هداك الله أو رزقك الصحة والعافية أو رقاك في مراتب الوظيفة فإن هذا (2/11)
صفحة 208
كله حق جائز لكل أحد من المسلمين تقاة وعصاة
4 ـ عندما تكون الأجهزة الحاكمة جائرة غير متمسكة بأحكام الشريعة يجوز للمسلمين البقاء تحت حكمها والخروج عنها وإذا بقوا تحت حكمها فإنه تجب عليهم الطاعة في غير معصية الله وإذا كانت تنفذ أحكامها على مقتضى مذهب مخالف لهم، فإن أحكامها نافذة عليهم بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ما دامت تلك الأحكام مطابقة لمذهب إسلامي. وأقرب مثال لذلك أن الإباضية يغلبون جانب الأب في الحضانة على جانب الأم فيرون أن الجدة للأب أولى بالحضانة من الجدة للأم وأكثر المذاهب الأخرى ترى العكس فإن كانت الدولة تحكم وفق مذهب يرجح جانب الأم فإن على أتباع المذهب الإباضي الخاضعين لتلك الدولة أن ينفذوا هذا الحكم بما يترتب عليه ولا حرج عليهم وكذلك يرى الإباضية أن الجد يمنع الإخوة من الميراث وبعض المذاهب الأخرى ترى أن يقتسموا معه فإن كانت الدولة تحكم على مذهب الرأي الأخير فإن على الإباضية أن يقبلوا بهذا الحكم وأن ينفذوه ولا حرج عليهم .. أحسب أن هذه الخطوط العريضة كافية لمعرفة مكان الإباضية بين المذاهب الإسلامية، فهو على كل حال لم يتطرف في موضوع الأدلة الشرعية فيعتبر كل أثر مهما ضعف حجة ولم يتطرف إلى الجانب الآخر فيرد السنة بالقياس. وهو لم يتطرف في موضوع الإجماع فيعتبر الاتفاق الضيق في حدود المذهب أو حدود المكان - كوطن معين أو الحرمين أو المدينة - حجة ولم يتطرف إلى الجانب الثاني فينفي حجية الإجماع أو إمكانه، أو إثباته أو وقوعه وسلم بوقوعه بكلا قميه القولي والسكوتي في عهد الصحابة مع احتمال وقوعه في كل عصر إلى قيام الساعة. ورأى أن الإجماع المحدود في
– 12 – (2/12)
صفحة 209
نطاق مذهب أو بلد هو حجة ظنية على المجمعين وليس له قوة الإجماع وينبغي أن يحمل اسم اتفاق لا اسم الإجماع.
وهو لم يتطرف في موضوع القياس فيمنع اعتباره دليلا شرعيا إذا استوفى شروطه ولم يتطرف إلى الجانب الثاني فيرد به النص.
وقبل الاستدلال بالاستصحاب والمصالح المرسلة، ولم يتطرف في موضوع العقيدة إلى جانب فيقع في التشبيه ولا إلى الجانب الثاني فيقع في نفي ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أو أثبته له رسوله الله.
ولم يتطرف في موضوع القدر فيميل إلى جانب السلبية حتى يقول أن الإنسان مجبر على أعماله وهو كالميت بين يدي الغاسل إو يميل إلى جانب الإيجاب حتى يزعم أن الإنسان يخلق أفعاله ولم يتطرف في موضوع مرتكب الكبيرة فيوافق من يحكم عليه بالشرك ولم يقف موقف المرجئة الذين يفتحون أبواب الجنة للعصاة كأنها فنادق يملكون هم مفاتحه على مبدإ «لا تضر مع الإيمان معصية»
الآن وقد عرف القاريء الكريم الأسس التي بني عليها المذهب الإباضي والاتجاهات التي ينتهجها والسلوك الذي يسير به يستطيع أن يقرر له حيزا ضيقا بين المذاهب الإسلامية. وأن يبعد عن نفسه تلك الصورة القائمة البشعة الشرسة التي تعاون على وضعها ظروف مختلفة من والتعصب وسوء، الفهم
مفاهيم يجب أن تختفي
السياسة
سبق إلى أذهان الناس - بسبب ما أثاره وادعاه المتعصبون من كل مذهب ـ أن الخلاف بين المذاهب الإسلامية خلاف جذري لا يمكن اللقاء فيه، وهو مفهوم خاطيء لأن الخلاف بين المذاهب الإسلامية خلاف سطحي لفظي يمكن اللقاء فيه بيسير
– 13 - (2/13)
صفحة 210
من الجهد لو ترك المتعمقون إثارة الخلاف وتجنب الإلزامات
الجدل في اللوازم (3) وليس في أصول العقائد نستطيع أن نقول أن الخلاف بين جميع المذاهب الإسلامية لا يخرج عن
الدوائر الثلاث الكبرى الآتية:
:
1 ـ العقائد المتعلقة بالخالق سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله.
2 - نظام الحكم وشروط رئيس الدولة
3 ـ الأحكام المتعلقة بالمسائل الفقهية أصولا وفروعا. ولقد اتفق المسلمون عموما على أصول هذه الدوائر عموما وإن اختلفوا في التفصيلات والتفريعات، فنحن لو استطعنا أن نجري مقارنة بين عدد المسلمين الذين يثيرون الجدل ويحدثون الخلاف ويدعون إلى تتبع فرقة دون فرقة أو مذهب دون مذهب ويحكمون على هذا أو ذاك بالضلال أو بالكفر ويأمرونهم باتباع مذهب أو الاستمساك به دون غيره - وبين عدد من يتبع تلك المذاهب في بساطة ويستمسك بها في تعلق مع عدم تعمق، ولا استطاعة لإقامة حجج وبراهين، لوجدنا أن نسبة ضئيلة جدا قد لا تصل الواحد في الألف، هي التي تفهم بعض تلك المشاكل وهي التي تتزعم إثارة الخلاف والشغب، وتحاول أن تكتل المسلمين إلى كتل في مذاهب معينة، وأن هذه النسبة فقط أو بعضها في
(3) استعملت كلمة اللوازم في هذا الفصل للدلالة على المحذورات التي ينسبها كل واحد من المتجادلين إلى الآخر من قولهم إذا قلت كذا يلزمك كذا كقول الأشعري للمعتزني في موضوع الصفات إذا قلت أنها ذاتية يلزمك التعطيل وقول المعتزلي للأشعري إذا قلت إنها غيره يلزمك التعدد
— 18 - (2/14)
صفحة 211
الحقيقة، هي التي تعرف مواضيع الخلاف والجدل أما باقي أتباع المذاهب الذين يساقون في مجموعات كبرى وراء اسم إمام من الائمة فيتحمسون له في عصبية ويتمسكون بمذهبه في حرص وتشدد، فهم في الغالب لا يعرفون ولا يفهمون شيئا من تلك المشاكل المعقدة من علم الكلام أو أصول الفقه أو قواعد السياسة. وإنما يعرفون بعض المسائل الفقهية العلمية في العبادات، أو لو أردنا أن نعرض نموذجا لذلك في الجمهورية العربية الليبية بين أتباع المذهبين الإباضي والمالكي لوجدنا أن مظهر الخلاف لا يزيد عند الأغلبية الغالبة من السكان عن قراءة البسملة في الفاتحة، أو رفع الأيدي عند التكبير، وتحريك السبابة عند التشهد، والإصباح بالجنابة في رمضان وما أشبهها جميع المصادمات والخصومات التي تقع بين العوام من أتباع المذهبين لا تخرج عن مستوى هذه المسائل.
وأن
فإذا انتقلت من مستوى العوام إلى مستوى المثقفين دينيا أو المتفقهين ارتفع مستوى المسائل قليلا فوجدت النقاش ربما يدور على مستوى ميراث الإخوة مع الجد وحق الحضانة ونفقة الأقارب وبعض مسائل التعامل وأحكام الصلاة في السفر ووجوب التتابع في قضاء رمضان وما في هذا المستوى من الفقه العملي.
أما مسائل علم الكلام وقواعد التشريع وأسس بناء الحكم الإسلامي: هذه الدوائر التي كانت محور تكون المذاهب في الحقيقة فلا يعرفون عنها شيئا أو يعرفون عنها أشياء سطحية تلقفوها بطريق التلقين. فالعوام وأشباه العوام جميعا يؤمنون بأن الله تبارك وتعالى حي قدير مريد سميع عليم بصير متكلم خالق مصور إلى آخر الصفات التي وصف بها نفه، ولكنك لو سألتهم عن صفة ما، هل هي صفة ذاتية أو صفة فعل، أو (2/15)
صفحة 212
قلت لهم هل صفات الله تبارك وتعالى عينية أم غيرية؟ ما فهموا منك ولأعرضوا عنك، وربما ظنوا أنك تستهزيء هذا أن جمهرة ومعنى بهم المسلمين متفقون - واقعيا - في العقائد وكذلك في الدائرتين الأخيرتين ويبقى النظر إلى خواصهم، وبقليل من التأمل يبدو لنا واضحا أنهم متفقون هم أيضا في أصول جميع تلك الدوائر وإنما يختلفون عند التفاصيل بسبب ما يلزمه كل واحد منهم للآخر ويرتبه على نقاشه أعني أن المذاهب الإسلامية جميعا متفقة في الأصول وأن الخلاف وقع من بعضهم في اللوازم أو بسبب اللوازم فقط، وبيان ذلك فيما يلي: إذا جئنا إلى مسائل علم الكلام لكانت هي أهم المحاور لتكون المذاهب وتمزيق شمل المجتمع، وتضليل وتفسيق جوانب كاملة من الأمة الإسلامية، والتي أضاع فيها علماء أجلاء أوقاتا ثمينة في إعداد البراهين وما تستلزمه، نجد الأمة الإسلامية بمذاهبها المختلفة متفقة على أصول العقائد وأن أولئك العلماء الأجلاء المتضاربين بالبراهين والإلزامات هم الآخرون متفقون على جميع الأصول وإن ظن الناس انهم مختلفون وانما اختلافهم فيما يلزمه بعضهم للآخرين أثناء النقاش أو عند إعداد السؤال والجواب حين يزعم أحدهم أن كلام الآخر يستلزم محذورا ويترتب عليه باطل ويجيب الثاني بنفس الأسلوب وإلى القارئ الكريم أمثلة
من ذلك:
1 - المسلمون جميعا باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى يجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص لا يشبه شيئا
متصف
من
خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه
هذه عقيدة عامة يتفق عليها جميع المسلمين خواصهم وعوامهم فإذا (2/16)
صفحة 213
جاءوا إلى التفاصيل بدأت المحاولات العنيفة والجدل الحاد وإلزام الخصم ما
يلزمه وما لا يلزمه حين يتحدثون عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله 2 - المسلمون جميعا باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى عادل في ملكه لا يجور ولا يظلم الناس شيئا فإذا جاءوا إلى التفاصيل وناقشوا موضوع الثواب والعقاب والعمل والجزاء بدأت المصاولات العنيفة والجدل الحاد ومحاولة كل طرف أن يجعل براهين الطرف الثاني تستلزم
محذورا.
3 - المسلمون كلهم باختلاف مذاهبهم متفقون أن الله تبارك وتعالى أعد الجنة لمن أطاعه وأعد النار لمن عصاه فإذا جاءوا إلى التفاصيل اشتد الخلاف
وادعى كل واحد أن كلام خصمه يستلزم محذورا ويؤدي إلى باطل. وهكذا ينفتح باب الخلاف ويترك الأصل المتفق عليه إلى فرعيات ومن الفرعيات إلى جزئيات للفرعيات حتى تطغى تلك الجزئيات على الأصل الهام للعقيدة وأصبحت لا تجد من حلبة الجدال أو حتى فيما ينسب إلى المذاهب إلا تلك اللوازم التي ينسبها كل طرف إلى الطرف الآخر كقولهم معطلة، مشبهة وما إلى ذلك
فإذا انتقلنا إلى الدائرة الثانية التي هي نظام الحكم وشروط رئاسة الدولة نجد أن المسلمين جميعا بمذاهبهم المختلفة أيضا متفقون على الأصول فيها فلو سألت أي عالم من أي مذهب كان، عن الشروط التي يجب توافرها فيمن يتولى حكم المسلمين لأجابك بشروط تتفق أو تتقارب مما يقوله لك أي عالم من مذهب آخر، فهو في حالات الكمال يجب أن يكون (4) عالما مجتهدا ذكيا شجاعا نزيها عادلا حريصا على مصلحة المسلمين
(4) يقتصر بعضهم على العدالة الشورى ويضيف إليها بعضهم البيعة ويضيف =
-
17 (2/17)
صفحة 214
تقيا ورعا إلى آخر الشروط المعروفة المحددة في كتب الفقه. هذه الصورة لمن يتولى الحكم على المسلمين أوما يقارب منها ما يتفق عليه جميع المسلمين من جميع المذاهب تجدها عند الشيعة وتجدها عند الخوارج وتجدها عند المعتزلة وتجدها عند الأشاعرة وتجدها عند الإباضية وتجدها عند الماتريدية وتجدها عند الظاهرية وغيرهم إلا أفرادا شواذا من بعض المذاهب فارقوا مذاهبهم. وهذا هو القدر المشترك بين جميع المسلمين بعد هذا الاتفاق على هذا الأصل يأتي الاختلاف عند التفصيل وذلك عندما جاءت الاتجاهات السياسية فأثارت عدة نقط جانبية تمسك بها بعض الناس ليستغلوها فاستغلتهم منها: قضية اشتراط آل البيت، أو فرع من فروع آل البيت، ومنها اشتراط القرشية، ومنها اشتراط العروبة، ومنها قضية الفاضل
والأفضل والعالم والأعلم، ومنها جواز الخروج عليه إذا جار وعدم جوازه، ومنها كونه معصوما أو غير معصوم، ومنها إذا لم يكن عادلا هل تجب طاعته أو لا تجب، ومنها طريقة اختياره وتنصيبه، ومنها الحكم في الواثب العادل والمختار الجائر إلى غير ذلك وهذه الأبحاث كلها وليدة اتجاهات سياسية أثرت على المسلمين فكان منهم شيعة وعثمانية ثم خوارج ومعتزلة ثم إباضية وأشاعرة الخ.
ومع
وتحت هذا الخلاف شدة تعصب كل لما يري أو يريده لم يستطع أي مذهب من هذه المذاهب أن يحقق الشروط في الحاكم الذي يختاره في تطبيق عملي مع أن كل مذهب من هذه المذاهب تمكن من الوصول إلى احكم وتكوين دولة على أساس مذهبي، فقد بايعت بعض فرق الخوارج
اليها بعضهم الطاعة ويضيف إليها بعضهم القرشية ويكتفي بعضهم بالوصية لأن الوصي لا بد أن تتم فيه جميع الشروط لأنه. معصوم.
- 14 - (2/18)
صفحة 215
- كالأزارقة والصفرية - أئمة منهم فاستبد ذلك البعض حتى حكموا عليه بالكفر وعزلوه وقتلوه، وبايع الشيعة أئمة فخرجوا عن الدين حتى ادعى بعضهم الألوهية. وانضوى العثمانيون تحت الحكم الأموي فجردتهم الدولة الأموية سيوفا تضرب بها رقاب المسلمين وتجاسر بعض أولئك الحكام حتى ضربوا الكعبة المشرفة، وحتى استباح بعضهم حرمة المدينة المنورة، ووصل المعتزلة إلى الحكم في ولاية مروان بن محمد وبعض ملوك الدولة العباسية فكان الحاكم آلة لتعذيب من يخالف المعتزلة، وسخط الإباضية في عمان عن بعض الأئمة الذين انتخبوهم فعزلوهم، والمهم في الموضوع أن جميع الدول التي قامت بعد الخلافة الرشيدة والتي أوحت إلى مؤسسيها أو أتباعها بشروط زائدة عن الشروط الأساسية المتفق عليها كانت سببا للنكبة، ذلك أن كل شرط جديد يولد رد فعل جديد ويترتب على ذلك الجدل والنقاش، وتأتي بعده مرحلة إعداد البراهين واللوازم ثم تقاذف المحاذير فكان الساسة يتطاولون على المناصب وكان العلماء يتقاذفون التهم لمخالفة الدين، أما بقية الناس فيزجون إما في جيوش لنصرة حاكم أو إسقاط حاكم، وأما في مذاهب لاتباع إمام أو لعن إمام، والآن قد ألغت الحياة بعض تلك الاعتبارات التي أدخلتها السياسة على الموضوع واتضح للناس جميعا أن الصراع الذي وقع بسبب اشتراط الوصية أو الهاشمية أو القرشية أو العروبة أو اعتبار الإمام معصوما أو لا يجوز إسقاطه ولو كان منحرفا، كل هذه الجوانب التي كان الخلاف بسببها بين فرق الأمة ثبت اليوم أنه صراع على تفصيلات لا تدخل في أصل الموضوع. وأثبتت التجربة أن أغلب أولئك الذين وصلوا إلى الحكم من أي جانب من الجوانب اعتمد على النظرة الجانبية في إثبات حكمه وامتداده، وتخلى عن الأصول التي تتفق عليها جميع
الأمة
-19 - (2/19)
صفحة 216
ولذلك فهو ينظر إلى الأمة المسلمة على أساس أنها تتكون من قسمين: أنصار له في حكمه وخصوم له وهو بهذا الاعتبار يفتح ميادين الحياة وحقوقها على مصاريعها لأنصاره ويغلقها أو يضيقها ما أمكنه التضييق
على خصومه
أن
فإذا انتقلنا هذه الدائرة إلى الدائرة الثالثة دائرة الأحكام
تنتهي
من
وهي
المتعلقة بالمسائل الفقهية أصولا وفروعا نجد أن المسلمين جميعا بمذاهبهم المختلفة متفقون على الأصول فلو سألت أي عالم من أي مذهب عن مصادر التشريع لأجابك بسرعة هي: الكتاب والسنة. فإذا جئت إلى التفاصيل تثير الجدل والصخب وتوجيه الاتهامات وإلصاق اللوازم. والذي ينبغي إليه بعد هذا العرض المجمل أن نعتبر جميع المذاهب الإسلامية على مستوى واحد في المعاملة أن اتفقوا كما رأينا على الأصول، وأن نبعد بعد التحكم في إصدار الأحكام فليس من حقك أن تحمل الآخرين على أن ينظروا إلى فروع مسألة ما من الزاوية التي تنظر منها وإلا اعتبرتهم مبتدعة أو أصحاب أهواء وليس من حقك أن تفرض فهمك على الناس ثم تتحكم في إفهامهم فمن وافقك ضممته إليك ومن خالفك حكمت بفسقه أو كفره، إن الله تبارك وتعالى هو إله للجميع والجميع يتساوون في عبوديتهم له ويتنافسون في التقرب إليه عبر يد الطاعة وامتثال الأوامر والحرص على العمل الصالح، وليس درجات القرب منه تعالى مبنية على المذاهب وإنما هي مبنية على العمل الصالح من الأفراد - دون ارتباطهم بالمذاهب ـ وعلى
صحة العقيدة.
وقد رأينا أن المسلمين متفقون على أصول العقيدة، أما ما جاء بعد الخلاف في فهم النصوص من الكتاب والسنة واستخراج الأحكام العملية منها فإن الله تبارك وتعالى هو الذي أراد ذلك رحمة بهذه الأمة
ذلك
من
20 (2/20)
صفحة 217
وتوسعة عليها ولو شاء لحدد كل شيء في نصوص لا تحتمل التأويل أو
الخلاف
ولعل علماء الأمة المسلمة المعاصرة بناء على النظرة المنصفة وتسوية في الحقوق بين جميع المسلمين ودفعا للاحتكار الديني أو العلمي بين مجموعات محدودة، فهم يسقطون من حسابهم تلك الأحكام المتعصبة الجائرة التي كانت تصدر على مجموعات من الناس، أو بعض العلماء الأجلاء بأنهم أصحاب أهواء أو مبتدعة أو فسقة أو يحكم عليهم بالكفر، وأن ينظروا إلى عمل الرجل مجردا من المذاهب أو الفرقة أو الكتلة في عمله الفردي وسلوكه الشخصي، بقطع النظر عن الجهة التي ينتمي إليها فليس مهما أن يكون معتزليا أو شيعيا أو سنيا أو إباضيا أو خارجيا، وإنما المهم أن يقوم بالعمل الصالح حسب الأسس التي يعمل بها في الفرقة التي ينتمي إليها ويجب أن تعتبر جميع الفرق التي تتكون منها الأمة الإسلامية على مستوى واحد من الاعتبار. والأمة الإسلامية تتكون من جميع من ينتسب إلى الشيعة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الخوارج أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى المعتزلة أو ينسب إليها، وجميع من ينسب إلى أهل السنة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الإباضية أو ينسب إليها، ولا يخرج منها إلا من أخل من أصول الإسلام فأنكر معلوما منه بالضرورة بطريقة التصريح لا بطريقة الإلزام. ولعل الإلتفات إلى الماضي في هذه الأحكام غير مهم لا سيما بالنسبة إلى تلك المذاهب التي انقرض أتباعها كالظاهرية والمعتزلة والخوارج ولكنه بالنسبة إلى المذاهب الإسلامية الموجودة أمر شديد الأهمية، فما داموا كلهم متفقين على الأصول فلا ينبغي الالتفات إلى
بأصل
- 21 (2/21)
صفحة 218
اختلافاتهم في التفاصيل، ويحق عليهم أن يلغوا فكرة اللوازم والاستلزام وأن يعلم كل فريق منهم أن من حق الآخر أن يستعمل عقله وفهمه وذكاءه، وأن يتبع ما اتضح له بناء على جهده واجتهاده، والأخوة الإسلامية اليوم رابطة بين الشيعة وأهل السنة والإباضية فينبغي أن يستمسكوا جميعا بهذه الرابطة التي شرعها الله تبارك وتعالى. وأن يتعاملوا على هذا الأساس أساس اشتراكهم في أصول العقائد والسياسة والشريعة وإن اختلفت بينهم التفاصيل ولا عبرة بالخلاف في التفاصيل ما داموا متفقين على الأصول وما كان يلزم به كل فريق غيره في الماضي لا يلزم أحدا في الواقع ونفس الأمر. وعند الله تبارك وتعالى يتلاقى الجميع.
- 22 (2/22)
صفحة 219
الاباضية في الميدان
.
بعد نشوء هذه الفرقة وتركز قواعدها على يد صاحبها الأول ظهر منها أئمة برزوا في العلم والدين حتى بلغوا درجة الاجتهاد. فسنوا لحزبهم مباديء وقواعد خاصة، وشرعوا له فقهفا وأصولاً في العبادات والمعتقدات تحولت به من مجرد فرقة دينية إلى مذهب سني. وذلك لأن اتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم
سلوكهم
،
ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلّم، وصحابته البررة في وأمور معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إثماً، ولا مارسوا في قيادتهم ظلماً، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها القليل من الولاة سواهم. (2/23)
صفحة 220
[صفحة فارغة] (2/24)
صفحة 221
الاباضية في الميدان (1) (2)
بقلم
: عبد العزيز المجذوب (تونسي)
الإباضية إحدى فرق الخوارج كما هو معروف. تنسب إلى صاحبها عبد الله بن إباض، وهي أكثر هذه الفرق اعتدالا، وأخفها أحكاما على مخالفيها، وَالْيَنها مبادئ، فلا غرابة أن نراها باقية إلى اليوم ولها أتباعها ومريدوها في المشرق والمغرب من العالم العربي الإسلامي، ونرى سواها من فرق الخوارج قد بادت، حيث إنه لم تضمن لنفسها أسباب البقاء
وأبرز ما يتصف به الإباضيون تمسكهم الشديد بالدين، بأداء فروضه، وتجنب نواهيه إلى حد الغلو، وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد. وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينيا ومجدا سياسيا، خلد ذكرهما التاريخ. وسنحاول الكشف عن ذلك قاصرين الحديث على الدور الذي لعبته هذه الفرقة في بلاد المغرب عموما وبإفريقية على وجه أخص
(1) الاستاذ عبد العزيز المجذوب (تونسي) أستاذ جامعي من خريجي كلية
الشريعة وأصول الدين بتونس.
(2) نقلا عن كتاب: الصراع المذهبي بافريقيا. ط تونس. 1975 (2/25)
صفحة 222
بعد نشوء هذه الفرقة وتركز قواعدها على يد صاحبها الأول في مطلع القرن الثاني ظهر منها أئمة أفذاذ برزوا في العلم والدين حتى
بلغوا دَرَجَة الإجتهاد، فسنوا لحزبهم مبادئ وقواعد خاصة، وَشَرَعُوا لَهُ فقها وأصولا في العبادات والمعتقدات تحوّلت به من حزب سياسي ومن مجرد فرقة دينية إلى مذهب سني. وذلك لأن أتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته البَرَرَةُ في سلوكهم وأمور معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إنما، ولا مارسوا في قيادتهم ظلما، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلا، لا لكونهم معصومين بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه. وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم، التي
سار عليها الخلفاء الراشدون، وعليها حافظوا، ودونها نافحوا. فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يُقبل على اتباعه أناس يبلاد المغرب ليَجِدُوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم مَنْ سَبَّمُوا حياة الاضطراب والظلم على أيدي الكثير من عمال بني أمية وبني العباس.
كان ظهورهم بإفريقية أوائل القرن الثاني في عهد هشام بن عبد الملك (2) الذي جدد عهد أبيه وأسلافه الأولين بالتزامه سياسة الشدة
(2) مدة خلافة هشام بن عبد الملك: 105 - 724/ 125 - 743.
- 26 - (2/26)
صفحة 223
هو
سَلَمَةُ
من
في مطاردة الخوارج والشيعة وملاحقتهم بالتقتيل والإبادة. ولعل أوَّلَ دَاعية إباضي قدمَ هذه البلاد فَارًا من قبضة ملاحقيه، الذي عرف كيف يتنقل بالبلاد، وأي الشعاب بن سعد، يسلك حتّى يأمن ظلم الظالمين، ويضمن لعمله التوفيق ولرسالته الانتشار، فاختار الطرق الجبلية البعيدة عن الصحراء القاحلة وأهوالها، وعن المناطق الساحلية الخاضعة لسلطة الولاة. وبجبال نفوسة ودمر ونفزاوة وما والاها من المرتفعات والجبال، وكلها مناطق آهلة بالسكان، كثيرة العمران (3) ... أمكن له أن يستقر ويقوم في صفوف البربر بالدعوة، موضحا للأذهان الصورة الصحيحة للإسلام في الاعتقاد وأتباعهم في ذلك الوقت، فالتف حوله النَّاسِ مُسْتَجيبين لدعوته، وراح يتنقل من مكان إلى آخر. وما ارتحل من موضع إلا خلف فيه أتباعا ... تكاثروا مع مرور الأيام والأعوام حتى صار لهم شأن، وأضحوا يمثلون قوة يُقرأ لَهَا ألفُ حِسَاب ومن إفريقية انطلق شابان إباضيان ـ بعد أن تلقيا المباديء الأولى للدين والمذهب على يد سلمة بن سعد - انطلقا إلى العراق ضمن بعثة تضم عددا من الإباضيين سواهما، فقضيا سنين في طلب العلم على يد إمام المذهب في ذلك الوقت أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. فالطالب الأوّل من القيروان، وهو عبد الرحمان بن رستم، أما الثاني فهو أبو داود من الجنوب. ولما أنها الطلب، واكتمل عندهما
(3) يقول التيجاني في رحلته: 185 واصفا جبال الاطلس التي تمتد من برقة الى المحيط الأطلبي:: وهو من بدئه الى منتهاه مخصوص بكني البربر وبه كل طريفة من الثمار وغرائب الاشجار والماء ينبع منه في مواضع معروفة
.
—
27 (2/27)
صفحة 224
عائدين
العلم، واطمأن النباهتها إمامهما أوْصَاهُمَا خيرا، ثم سَرحة إلى موطنها. فكان لأبي داود شأن في عالم الإصلاح، إِذْ تَفَرّغ للجهاد الديني والعلمي، فأنشأ بجهة نفزاوة وسواها من جهات الجنوب جيلا إسلاميا فاضلا في خُلقه ودينه، كان البذرة الصالحة لما تبعته من أجيال تمسكت بالسنة والفضيلة، وقاومت البدع والرذيلة.
أما عبد الرحمان بن رستم فقد نَبغ في العلم والاجتهاد درجة بهرت أبا عبيدة أستاذه حتى أجازَ لَهُ حق الفتوى بما سمع منه وما لم
يمع. وبذلك كان قد اختاره لإمامة المذهب وريثا وَحَافِظا. لكن شاءت الأقدار والأحداث السياسية أن يَجْمَعَ عبد الرحمان ابن رستم إلى جانب ذلك مُهمَّة الاضطلاع بأعباء الحكم والسياسة، ذلك أنَّ ظلم الولاة قد اشتد بإفريقية بعد ابن أبي المهاجر المولى من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأكثر رجالهم من السلب والنهب، واستباحوا الحرمات، حتّى ثارت القبائل البربرية في وجوههم ثورات عديدة، اشتد ساعدها بنزوح الخوارج من الصفرية إليهم، فانقلبت إلى حروب حقيقيَّة طاحنة، خاضها العُمَّال أنفسهم، وقادوا جيوشها ضدّ الخوارج بأقصى المغرب وأوسطه دون
جدوى، إذ كانت الهزائم تلاحقهم حيثما هَجَمُوا وأينما حلوا. وقد كان المسؤول الأوّل عَنْ هذه الفتن، ومُوقد نيرانها العامل عبيد الله بن الحبحاب المولى من قبل هشام بن عبد الملك. يقول ابن عذاري: وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة (المدغري) أنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا، وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب، ويبْعَثُون فيها إلى عامل
- YA- (2/28)
صفحة 225
إفريقية، فيبعثون لهم البربريات السنيات، فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهُمْ بالكثير، وتكلّف لَهم أو كَلَّفُوه أكثر مما كان فاضطر إلى التقشف وسوء السيرة ... (4). وإذا أضفنا إلى هذا ما قام به عامله بطنجة من تخمه للبربر، زاعما أنَّهم فيء للمسلمين (5)، عَرَفنا السَّبَبَ الَّذي مِنْ أجله ثار البربر يقدمها الصفري ميسرة المدغري (6).
وتتابعت الحروب بين البربر وولاة القيروان عنيفة شديدة، أزهقت فيها أرواح مئات الآلاف من المسلمين، وانتهكت فيها الحرمات، واستبيحت النساء من الطرفين المتقابلين حتى كأن القوم ما عرفوا الإسلام، ولا طرقت أسماعهم مبادئ الإخاء والتناصح، والأمر بالتناصر والتسامح في كتاب الله وسنة نبيه المادية
وتأتي السنة 749/ 132 فتنهار الدولة الأموية لتقوم على أنقاضها دولة بني العباس، ولئن تغيرت أوضاع الحكم والسياسة
أن
بالقيروان، فأصبح الولاة يفدون إلى إفريقية من العراق بعد كانوا يُعينون من قبل السلطة بالشام فإن الأغراض السياسية بقيت على ماهي عليه والنوايا نحو مسلمي المغرب باتت على حالها لم يتغير منها شيء. ونتيجة لذلك تواصلت المقاومة البربرية، وتتابعت الثورات أشد ضراوة. وما كان لها أن تتوقف، وقد أَضْحَتْ حُروبا
(4) ابن عذارى، البيان المغرب 1: 52.
(5) نفس المصدر ونفس الصفحة. (6) كانت ثورته سنة: 740/ 122. (2/29)
صفحة 226
لأ ضد الظلم المسلط وكفى بل حروبا عنصرية يرمي الجنس البربري من ورائها إلى القضاء على الجنس العربي، وعلى حكم القريشيين خصوصا. وننتقل بالأحداث سريعا إلى سنة 755/ 138 لتربطها بالأحداث التي تعنينا والتي لها علاقة بأصل موضوعنا. زحفت في هذه السنة بعض القبائل الصفرية على إفريقية، فتغلبوا عليها، واستولوا على مدينة القيروان، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وقتلوا كل من كان من قريش (7)، وعذبوا أهلها وأسَاءَتْ ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب ... (8)
والغريب في الأمر أن أهل القيروان أنفسهم الذين بعثوا إلى الورفجومية يَسْتَعُدُونهم على الوالي حبيب بن عبد الرحمان بن حبيب الفهري الذي طغى، وأطلق يد أعوانه وجنده يسلبون وينهبون ويسومون الناس سوء العذاب. ولا حصل لهم على يد الورفجومية ما جعلهم يندمون اسْتَنْجَدُوا بأبي جعفر المنصور حسب بعض الروايات، وبأبي الخطاب المعافري إمام الإباضية بطرابلس استنادا إلى رواية أخرى. والظاهر أن أهل القيروان، وقد ضاع عنهم رشدهم وانحرمت صفوفهم بفقدهم لقيادة شعبية يقوم بها شخص منهم فيوجههم إلى أقوم السبل، ويجنبهم الارتحال والتصرفات الطائشة التي تعود عليهم بالوبال، الظاهر أنهم قد وجدوا في شخص عبد الرحمان بن
(7) وقتلوا كل من كان من قريش. يلاحظ هذا!
(3) ابن عذاري، البيان المغرب 1: 71.
- r. - (2/30)
صفحة 227
رستم
قائداً رشيدا وزعيما بصيرا في هذا الظرف الخطير من حياتهم. كان عبد الرحمان متباعدا عن السياسة منكبا على التعليم والتبصير بالدين، فحركته هذه الأحداث، وهزته النكبة التي حلت بالقيروان هزا عنيفا فنهض لمحق الظلم وتطهير الأرض من إثم الحاكمين وعبث المفسدين فبادر يستنجد بزميل له في حلقات
الدروس بالبصرة سابقا، قاوم ظلم الولاة من بني العباس بطرابلس،
هو
فدانت له البلاد، واختارته إماما عليها لعدله واستقامته. هذا أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، فهب لأداء الواجب الذي يفرضه عليه التّعاطف الأخوي ويُحتمه مبدأ من أهم المبادئ، ألا وهو مقاومة أولي الأمر بالسيف، واستباحة دمائهم إذا الخطاب في جيش عظيم تطوع لإقامة العدل ومحق الفساد والظلم
لمذهبه
الذي اقترفه عاصم الورفجومي (9) وأتباعه ... فكان له النصر. ثم بعد أنْ أمَّنَ النَّاسَ حافظا أرزاقهم وأعراضهم ولى على القيروان عبد الرحمان بن رستم ورجع إلى طرابلس. ودامت ولاية ابن رستم سنتين اثنتين (10)، ذاق المسلمون فيها بالقيروان وبإفريقية كلها طعم الأمن وعرفوا معنى العدل، وأدركوا لأول مرة تقريبا طعم العيش الكريم في ظل الحكم الإسلامي النظيف. لكن لم تمض مدة طويلة بطرابلس، ثم تغلبت على ابن رستم وأخرجته من القيراون، واستعادت إفريقية لسلطة العباس كما كانت. وارتحل
بني
(9) يذكر صاحب البيان المغرب 1: 317 ان من جملة من ولي القيروان الصفريان - عاصم الورفموجي وعبد الملك بن الجعد وكانت مدتها سنة واحدة وشهرين. . (10) نفس المصدر والصفحة. (2/31)
صفحة 228
ابن رستم إلى المغرب الأوسط حيث هيا الأسباب وأعد العدة لإقامة دولة. وما عَتُمَ أن أنشأ دولة إباضية بتاهرت (11)، أخذت على عاتقها تركيز الدين في نفوس الناس على قواعد راسخة، وتطهيره مما علق به عن طريق أصحاب البدع من الصفرية وأرباب الحكم من الولاة والعمال الانتهازيين. وشاءت الأحداث أن تنقرض الإمامة الإباضية من طرابلس (12) فأصبحت تاهرت مركز الإمامة. و كانت أغلبية بلاد إفريقية في الجنوب والوسط تابعة لهذه الإمامة، وكان عمال الدولة الرستمية يقيمون أحكام الله في تلك البلاد نيابة عن الدولة الرستمية ... وقد استمرت هذه الجهات تحت حكم الدولة الرستمية االى أن تغلبت عليها
الدولة الشيعية فخربت تاهرت، وانقرضت من هنالك سلطتها». من هذا نفهم أن كثيرا من أهل إفريقية من سكان المناطق المذكورة كانوا يدينون بالولاء إلى السلطة الإباضية بتاهرت، أما ولاء سياسيا، أو ولاء مذهبيا، منذ الزحف الورفجومي على القيروان إلى أن قامت الدولة الفاطمية ... ثم استمر ولاؤهم بصفته المذهبية الدينية، إذ أن سكان الجنوب من إفريقية وإن لم تقم لهم دولة، فقد كانوا تحت نفوذ مشائخ العلم والعزابة من الإباضية، لذلك كانوا كأنهم يمثلون دولة لها سيادتها ولها تنظيمها الإداري والديني
(11) كان ذلك سنة 761/ 144.
(12) كان ذلك على يد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب سنة 772/ 155. وقد زحف ي افريقية من قبل أبي جعفر المنصور في جيش من جيوش الشام والعراق وخراسان فنزل بطرابلس واستعمل عليها سعيد بن شداد بعد تغلبه على أبي حاتم الأباضي، وكان وصوله لى القيروان يوم الأثنين 10 جمادي الثانية للسنة: 772/ 155.
- (2/32)
صفحة 229
واستقلالها الذاتي طوال الدولة الأغلبية وما قبلها بقليل وما بعدها ويكفي دليلا على ذلك ما أشار إليه بعضهم (13) من أنه كان للمذهب الإباضي مُفتيان اثنان في القيروان في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي (منتصف القرن الثالث الهجري. وقد قاومهم بنو الأغلب وحاربوهم محاربة لا هوادة فيها، وإن كان لا يعنينا ذكر ما دار بين الدولة الأغلبية والدولة الرستمية بتاهرت بينهما إنما هو دافع مذهبي يرى فيه الإباضية أنهم حماة الدين والسنة، ويراهم أمراء بني الأغلب خوارج متنطعين أصحاب بدع، والواقع أن الإباضية قد تمكنت من فرض وجودها التاريخي، فحققت عزا دينيا ذا بال بقيت آثاره إلى اليوم في أتباعه الذين
يعيشون بيننا، التزموا خدمة الدين ومقاومة البدع والرذيلة حازمين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما حققت مجدا سياسيا كان له شأنه في تاريخ الإسلام بالمغرب العربي. وتنبه إلى أمر له أهميته بالنسبة لمن يريد أن يقف على دور
الإباضية بإفريقية وموقف الناس منها، ذلك أن كتب التاريخ في سردها للأحداث التي جدّت بين ولاة الأمر بإفريقية وبين أتباع المذهب الإباضي تعتبر هؤلاء ثائرين خارجين عن الطاعة بل عن الدين، ينعتون بما ينعت به كلّ متمرد. وكان أصحاب تلك
(13) المصدر نفسه ص: 37. اقول: ربما كان لهذين المفتيين وجود قبل استلام سحنون مقاليد القضاء. اما في مدة قضائه فلا يصح ذلك، لأن الأمام سحنون قد اقصى من المسجد الجامع مشائخ كل الفرق الذين كانوا به. وقد تولى سحنون القضاء س: 848/ 234. وعلى هذا يكون للاباضية وجود بالقيروان قبل هذا التاريخ. اما في أواخر القرن 9 م. (أواسط 3 هـ) فغير ممكن وجودهم اللهم الا اذا كان ذلك في الخفاء وفي نطاق البرية.
- (2/33)
صفحة 230
الكتب - وهم سنيون مالكيون غالبا - يعدون الإباضية فرقة كسواها من فرق الخوارج المغالية في المعتقد، ولا يعنيهم أن يفرّقوا بينها وبين غيرها استنادا إلى ما بدا منها ومن أتباعها من تصرف باعد بينها وبين الفرق المبتدعة
أما الكتب التي ألفت في تراجم علماء إفريقية وإن لم ترد فيها إشارة ولو طفيفة إلى تسنّن المذهب الإباضي، فإنها لم تتعرض كذلك إلى شتم أتباعه أو الغض من شأنهم ... إلا ما جاء فيه عن موقف الإمام سحنون من كافة أصحاب الفرق. وعلى عكس ذلك الصفرية، فإنَّنا نجد في تراجم بعض العلماء بهذه الكتب أن فلانا اتهم بالصفرية، فأعرض طلاب العلم عن السماع منه والأخذ عنه ... أليس في هذا ما يدفع إلى القول بأن العلماء بإفريقية كانوا يعتبرون علماء الإباضيَّة سُنَّيين مثلهم، وأنّ جوّا من الوئام والتعاون كان ربما يسود علاقات بعضهم ببعض. أظنّ ذلك أمرا ثابتا خصوصا أن الإباضية كانوا يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة، ويملون تعاليمهم بكامل الحرية إلى جانب المالكية في كثير من
الجهات بإفريقية. (2/34)
صفحة 231
هل الاباضية خوارج؟
والسؤال هنا، هو: لماذا يرفض باقي المسلمين الاصغاء إلى حجج الفرق أمثال: الإباضية، الجعفرية، الزيدية الخ ... على الجمهور السني بدون أن يضع علماء السنة. تحول دون فهم العوام، وإنصاف المتعلمين حقيقة الفرق الأخرى؟.
عراقيل (2/35)
صفحة 232
[صفحة فارغة] (2/36)
صفحة 233
هل الاباضية خوارج (1)
بقلم: دكتور عمربا
كل المصادر للتاريخ الإسلامي أجمعت بأن عبد الله بن أباض، زعيم المذهب الأباضي، كان من الخوارج وانشق عنهم. ولذا فإن المؤرخين ـ غير الأباضيين - يربطون أتباعه «الأباضيين» بالخوارج ويعتبرونهم مجرد فرقة من الخوارج.
قالت دائرة المعارف الإسلامية عن الأباضية: يطلق هذا الاسم (الأباضية (في شمال إفريقية على فرقة من الخوارج
الذين انفصلوا عن علي عندما قبل التحكيم مع معاوية» وفي فلسفة الأباضية حول الخلافة والخليفة تقول دائرة المعارف
الإسلامية:
رأى الأباضية في الإمامة، ليس من الضروري أن يكون الإمام قرشيا بل يكفي أن يكون فاضلا ورعا، وأن يحكم طبقا لأوامر القرآن
والسنة، فإذا ابتعد عنها، وجب خلعه (1)
•
(1) الدكتور عمر بن الحاج صالح با (سنغالي) أستاذ جامعي، مهتم بالفكر
الإباضي.
(1) ج 1، ص: 114.
37 (2/37)
صفحة 234
وقال أحمد أمين في «ضحى الإسلام» عن الأباضية في معرض حديثه عن الخوارج من أجل هذا لم يرد لنا عن الخوارج مذهب مفلسف. ولا فقه
بن
واسع منظم ولا نحو ذلك، إلا ما كان من الأباضية، أتباع عبد الله أباض الخارجي، الذي مات في عهد عبد الملك بن مروان، فإن هذه
الفرقة عاشت وانتشرت في شمالي إفريقية، وفي عمان، وفي حضرموت، وزنجبار.
واستمرت إلى يومنا هذا. فكان من الطبيعي أن يكون لهم أصول اعتقادية وتعاليم فقهية الخ .. «إلى أن يقول «فما استقر السفاح في خلافته حتى تحرك خوارج عمان، وعلى رأسهم الجلندي، وكان هو وأصحابه من الخوارج الأباضية، فأرسل إليهم السفاح جيشاً على رأسه أحد القواد العظام، خازم بن خزيمة. فار في البحر حتى أرسى على ساحل عمان الخ ... ويقول أيضا «وثار الخوارج أيضاً في الغرب (تونس وما حولها) من صفرية وأباضية، فأرسل إليهم المنصور عمر بن حفص من ولد قبيصة بن أبي صفرة اخى المهلب، فدامت المعارك بينهم طويلا، وانضم كثير من البربر إلى الخوارج وكان على رأس الخوارج أبو حاتم الأباضي الخ (2) والأستاذة الدكتورة / سيدة اسماعيل كاشف، قد لاحظت وذكرت تلازم اسمى الخوارج والأباضية في كتب التاريخ وأقلام الكتاب فقالت: لكننا نلاحظ أن جل المؤرخين وكتاب الفرق والعقائد والنحل القدماء والحديثين، فضلا عن سائر الكتاب، يعتبرون الأباضية إحدى فرق الخوارج، وهذا واضح مثلا في كتابات الأشعري والمالطي الشافعي، وعبد
(2) ضحى الإسلام، ج 2 ص: 336 - 337 - 338 ط دار الكتاب العربي
بيروت.
- (2/38)
صفحة 235
القاهر البغدادي، والخطيب الرازي، وابن حزم الأندلسي، والشهرستاني، والشاطبي الغرناطي، فضلا عن سائر الكتاب المعاصرين، المستشرقين منهم، وغير المستشرقين». وتضيف قائلة: «وأدخلهم البعض عن جهل أو تعصب ضمن فرق الغلاة الذين غلوا بدينهم وخرجوا عن أصول الإسلام». سوى أنها سرعان ما تضع ملاحظة أخرى مهمة لها قيمتها. فتقول وفي اعتقادنا أن إطلاق صفة الخوارج على الأباضية يرجع إلى الجهل بالمصادر الأباضية والفقه الأباضي (3) الخ. الأستاذ الكبير محمد أحمد أبو زهرة «الأباضية هم
وقال عنهم الله أتباع عبد إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية، والبعض الآخر في بلاد الزنجبار، ولهم آراء فقهية، وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم الخ (4) ..
ابن أباض، وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم
غير أن الأباضية لم يدعوا فرصة سانحة بدون ان ينتهزوها معلنين براءتهم من الخوارج ورفضهم لمباديء الخوارج وأفكارها ومعتقداتها المغالية المتطرفة عقائدياً. فما من عالم أباضي كتب إلا وأبدى تبرأ المذهب الأباضي من الخوارج وأبعده منذ تاريخ نشأة المذهب إلى اليوم، والحق أن الأباضية
(3) عمان في فجر الإسلام.، ص: 12 - 43 - 44.
(4) المذاهب الإسلامية، ص:
39 (2/39)
صفحة 236
قدمت نفسها إلى المسلمين بصفتها أحد المذاهب الإسلامية لا كإحدى الفرق
المتطرفة المغالية. غير أنه
من الواضح أن المسلمين السنيين - وهم الغالبية العظمى في الجماعة الإسلامية - ظلت نافرة أو متحفظة عن اعتراف الفرق كإخوان على قدم المساواة، كما تعترف المذاهب الأربعة السنية ببعضها بعضا، معتبرة خلافاتها، بأنها خلافات في الفروع، لا تمس جوهر العقيدة، وأن عقيدتها واحدة في الأمور الأساسية الرئيسية) روح العقيدة).
والسؤال هنا، هو: لماذا يرفض باقي المسلمين الإصغاء إلى حجة الفرق أمثال: الأباضية، الجعفرية، الزيدية الخ .. بروح رياضي؟ ولماذا لا يفتحون لها مجالا في عرض آرائها على الجمهور السني بدون أن يضع علماء السنّة عراقيل تحول دون فهم العوام، وأنصاف المتعلمين حقيقة الفرق الأخرى؟ ولم يصطنعون التشويش في الجو الذي يسود العلاقة السنية الفرقية؟ وما هي المصلحة في إبقاء تلك العلاقة متوترة دوما: وكأن العلاقة من طبيعتها أن تتوتر؟ بيد أني أعتقد ـ مع وضع الفرق الأخرى غير الأباضية جانباً، لأن الأباضية هي موضوع دراستنا ـ أن كل المسلمين الذين أتاح لهم الحظ الاتصال بالأباضية يجدون أن ما يقال عنهم غير صحيح، بل إنهم مسلمون كباقي المسلمين، قد يخطئون في اجتهاداتهم حينا، ويصيبون في أكثرها كغيرهم تماما، لأن المصدر واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله بلا أدنى تمييز بين هذا المذهب أو ذاك، غير أن المسلمين السنيين في الحقيقة ما زالوا يتقبلون في خطأين. وأما الأول: فخطأ
تاريخي، والثاني: خطأ منهجي.
- E- (2/40)
صفحة 237
من
هذا
والخطأ الراجع إلى التاريخ، هو في رأينا، الاستمرار في خلط الأمور التي تداخلت يوما ثم انفصم بعضها من بعض فيما بعد عمليا، إلا أن المؤرخين بقوا يضعونها في خانة واحدة. أقصد عدم التمييز بين الأباضية والخوارج، رغم انفصال زعيم الأباضية عن الخوارج، ومحاربته إياهم، ورغم شهادة التاريخ بأن أحد أكبر قادة الجيوش الإسلامية التي حاربت الخوارج حروبا متواصلة ضارية، كان أباضيا عمانيا وهو مهلب بن أبي صفرة. ورغم اعتراف باقي المسلمين بأن الأباضية شديدو الغيرة على الإسلام والتمسك به، والتفاني بالإخلاص له، وعدم الاتصاف بالتعصب المذهبي، ومع كل هذا فالمسلمون الآخرون ظلوا ينظرون إلى الأباضية - من خلال صورتهم المرسومة في كتب التاريخ - على أنهم مجرد فرقة من الخوارج. وهو ما جعل الناس تنظر إليهم نظرتها إلى الخوارج في إطار ما قيل عنهم تاريخيا، سواء أكانوا مظلومين في الأحكام التي أنزلت عليهم أم كانوا حقا كما وصفتهم كتب التاريخ التي نقرأها ونستقي منها معلوماتنا عنهم والحق أن الخوارج كانوا مرفوضين من الجماعة الإسلامية ليس فقط لأنهم كانوا من بين أتباع الإمام عليّ، ثم تمردوا عليه، وانفصلوا عنه وحاربهم، وحاربوه، رغم اتفاق كافة المسلمين بأن إمامته كانت سائغة شرعياً. فلو كان الأمر متوقفا على مخالفة الإمام، لهان، لأن وجهة نظر الخوارج في تخطئتهم الإمام في قبوله التحكيم، وجهة نظر لها حججها، إلا أن من دقق النظر في الملابسات التي أدت إلى قبول الإمام للتحكيم يدرك بأن الإمام كان في وضع وظروف من الدقة والحساسية والخطورة بحيث لم تدع (2/41)
صفحة 238
له حرية للتصرف أو مجالا للمناورة سياسيا ليخرج من أكبر وخسارة أقل.
تلك الدوامة بربح
ولكن أمر الخوارج هؤلاء، تمادى واستفحل حتى كان اغتيال الإمام في يد أحدهم لا في يد خصمه المتمرد العائق لرأي الجماعة «معاوية بن هند» فعندما تم اغتيال الإمام على يد الخوارج أصبحوا يحملون وصمة يلازمهم عارها أبد الدهر، ومع فداحة الخطب فإننا لا نجدهم قد ندموا، أو يحملون الفاعل وحده، «وزر إزهاق تلك النفس الزكيّة، حيث لا تزر وازرة وزر أخرى، بل إننا نراهم حبارى مسرورين بفعلة زميلهم هذه الشنعاء، عبد الرحمن بن ملجم» هذا الذي يتشاءم البشر من ذكر اسمه، ويقول قائلهم مشيدا بحادثة الاغتيال:
يا ضربة من (تقي) ما أراد بها إلا يبلغ ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
ناهيك عن استمرارهم في تكفير باقي المسلمين واستحلالهم دماءهم وأموالهم مما جعلهم منهوكين إسلاميا، إذا، فكل ما يرتبط يلحقه ما يلحقهم بهم وبما أن كتب التاريخ - وإن بطريقة النسب ـ تربط الأباضية بصلة أو بهم بأخرى، لذا ظل الناس ينظرون إلى الأباضية بشيء من «الخوارجية» فكل. من تحدث عن الخوارج، تسمعه يقول «لقد انقرضوا، فلم تبق لهم. باقية إلا قليلا في جبال عمان» يقوله بشيء من الاستخفاف
وأما الخطأ المنهجي الذي وقع عليه المسلمون السنيون، فهو إصرارهم على اعتبار الكتب التي كتبوها عن «الفرق» هي المصادر والمراجع الصحيحة لكل شيء متعلق بالفرق وشؤونها، وتاريخها، ووجودها، وعقائدها، ومبادئها
- EY - (2/42)
صفحة 239
وهنا في معرض استمرار الأباضية نفي الزعم القائل إنهم «خوارج» والإصرار على ذلك، يقول أحمد بن سعود السيابي في مقدمة له لكتيب
صغير الحجم (5) لمؤلفه «أبو إسحاق إبراهيم أطفيش» واسمه «الفرق بين الأباضية والخوارج» يقول «على أنه ليست ثمة علاقة تربط الأباضية بالخوارج الأزارقة والصفرية والنجدية وغيرها من فرق الخوارج، وانما هي دعاية استغلتها الدولة الأموية لتنفير النّاس من الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي كما أن جعل المحكمة «أهل النهروان» الذين هم سلف الأباضية، وليسوا سلفا للأزارقة والصفرية والنجدية من الخوارج، هو من وضع الواضعين، ومن صنع أرباب الأقلام المغرضة. مع أن الخوارج يسيرون في خط معاكس مع الأباضية. يتضح ذلك من خلال المباديء والأسس التي يقوم عليها مذهب كل من الفريقين، وللأباضية العديد من المواقف ضد الخوارج.
إذاً، فالأباضية يرفضون أن يكونوا من الخوارج فيرون أن تصنيفهم
من جملة الخوارج هو من صناعة الدولة الأموية. إلا أني مع تفهمي لموقفهم أرى أنه ليس من المستقيم جمع قولين متناقضين، فكون الأباضية يعترفون أن المحكمة هم سلف الأباضية معناه. أنهم تاريخيا يربطون أنفسهم بأس أساس الخوارج، فأهل «النهروان» كما هو معلوم، بذور الخوارج ونواتها. وأنا لا أعلم كيف يتبرؤون من الخوارج في حين أنهم ينسبون أنفسهم إلى أصل أصول الخوارج. وإذا كانت الأزارقة والصفرية والنجدية «كفروع» لا تنتمي إلى المحكمة كأصول، فإلى أين ينتسبون؟ فهل كان هناك خوارج قبل خروج المحكمة من صف الإمام
(5) ولكنه جدير بالقراءة لمن يريد الوقوف على الفرق بين الأباضية والخوارج. (2/43)
صفحة 240
علي؟ والحق أنه لمن الصعب على الأباضية أن ينفوا أنهم ليسوا بخوارج في حين أنهم يثبتون أن المحكمة هم أصل الأباضية، فالمرء يكاد يفهم من قولهم ذاك، أنهم أكثر خارجية من الأزارقة. والنجدية. والصفرية أنفسهم، اللهم إلا إذا كان شافعهم هو أن قصدهم هو ا أن المحكمة ما كانوا خوارج بالمفهوم المتطرف الذي عرف به الخوارج الغلاة فيما بعد، وهو قصد مقبول إن كان هو المقصود (6). ()
غير أني ارجع وأقول من جديد بما أن الأباضية ينفون عنهم التعصب والغلو فإنه ليس هناك داع يدعو إلى الإصرار أنهم خوارج وأنهم يقولون كذا، وكذا، لقد قابلت شيعيا وتحدثنا منفردين عن الأباضية، فوصفهم بأنهم شديدو التمسك بالكتاب والسنة، وأنهم ليسوا بمتعصبين. وقابلت بعد ذلك شافعيا فحدثني نفس الكلام. مما يثبت عندي - مع تجاربي الشخصية. أنهم بعيدون عن التعصب والغلو، وهي شهادة أدليها لوجه الله، والحق أني لا أجد وجها يبرر إقناع إنسان في اعتناق أو اعتقاد ما لا يعتنقه ولا يعتقد به. فأنا أتصور بأن مبتغانا كأمة محمد (ص) هو إحسان الظن في بعضنا بعضا ما وسعنا السعي إلى ذلك بغية توحيد صفوفنا وغض الطرف عن زلات أولئك الذين نعتبرهم محدثين في أمرنا شيئا، طالما قد غيروا من مواقفهم أو أبدوا استعدادا لتغييرها، ومعايير الحق تكمن في الاعتقادات والسلوك والعمل، وليس في تقييم الأطراف المتنازعة بعضها
بعضا.
مسقط
(6) الفرق بين الأباضية والخوارج، ص: 4، مطبعة الاستقامة. روي
-
44 (2/44)
صفحة 241
غير أن بعض الوعاظ والكتاب يظنون انهم كلما وفقوا في بيان فساد عقيدة المذاهب الأخرى، نالوا عند الله حظوة، مما ولد كثيرا من تبادل التهم والتهم المضادة، كأنما المسألة غدت وأصبحت مسألة «تنافس وغيرة» واحتكار منازل، وجمع الفضائل في اليد والاستئثار بها (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست، تبتغون عرض الحياة الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا، ان الله كان بما تعملون خبيرا». صدق الله العظيم). النساء آية: 94
مؤمنا
فتعليمات القرآن إلينا واضحة، إذاً، وهي: ألا نقول لمسلم إنك لست مسلما، وإنك تعتقد كذا، في حين أنه ينفي عن نفسه الأعتقاد بما نريده ان يعتقد فقط لنجد فرصة التعليق عليه والنيل منه
ويستمر الشيخ القطب أبو اسحاق إبراهيم أطفيش في تنديده لأولئك الذين ظلوا يسيئون إلى الأباضية لإرجاع نسبهم إلى الخوارج، فيقول «وما خلطوا بين الأباضية والخوارج إلا لطمس معالم الحق والصواب حسدا من أنفسهم، وأنى لمن اتخذ التشغيب مطية، أن يعترف بالحق والصواب وقد عميت بصيرته (7)
عند
ولا شك أننا نلمس أسلوبا متصفا بالرفض العنيف من الأباضية لتهمة نسبهم إلى الخوارج. ويقول عالمهم، أطفيش، الذي تحدثنا عنه، في نفس السياق «فشلوا في قول الصواب، فخلطوا بين الأباضية والخوارج. فتارة ينسبون الأباضية إلى الخوارج وتارة ينسبون الخوارج إلى الأباضية، كما يفعل الكثير من المدوّنين في الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى
(7) الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص: 36 (2/45)
صفحة 242
الأباضية والعكس، مما أوجب التخليط والتشويش، فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على «النقل» إلى ما هو أشبه بالتهريج، ولا عذر لهم عن من يحتك لا مطلقا لأن الذي ينشر الحق، يطلبه من ينبوعه عندي
حسب هواه.
"
وأما السبكي فيقول في طبقاته «إن المؤرخين على شفا جرف هار، لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما وضعوا في الناس تعصبا أو جهلا أو اعتمادا على نقل من لا يوثق به» ...
لقد دأب الشيخ الأباضي على يحيي معمر على تقصي تلك الكتب التي تصدر وتعني بدراسة الفرق، فذكر بأن الكتاب يصنعون رجالا وهميين، ويختلقون أقوالا زائفة وغير صحيحة، وينسبونها إلى هؤلاء الرجال الصناعين، وبالتالي ينسبونهم بأقوالهم الزائفة تلك إلى الأباضية فيقول: الأشخاص الذين اعتبرهم (8) أبو الحسن إما رؤساء لفرق من
إن جميع الأباضية، أو من مؤلفيهم ومتكلميهم لا وجود لهم عند الأباضية.
مع
الأباضية لا يعرفون شيئا عن هؤلاء الرجال وعن فرقهم فبعد أن ناقش أقوال القدامى من الكتاب الإسلاميين كان له لقاء الكتاب الإسلاميين المعاصرين الذين تبنوا نهج القدامى في الكتابة حول الفرق بدون أن يزيدوا في الموضوع شيئا ذا بال. فتحدث عن كتابة الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة: فقال مستنكرا تحامل «الأستاذ عبد القادر» على الأباضية، ومقتدا آراءه ومنتقدا أسلوبه «وهكذا يستمر الأستاذ شيبة الحمد يحاضر لأبناء المسلمين من سبعين بلدا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - فلسفة
(8) الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص: 36. (2/46)
صفحة 243
تنسب إلى الفرق الإسلامية لا وجود لتلك الفلسفة عند تلك الفرق ويتخذ لها أئمة وعلماء لا تعرفهم تلك الفرق، وتعرف عنهم شيئا. بل قد تبرأ من تلك المقالات ومن يقول بها (9).
النية، هي
(
ويضيف: «فكيف تسمح إدارة الجامعة العامرة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدرس أباطيل عن فرقة من فرق المسلمين على طلاب سبعين بلدا من مختلف بقاع العالم. ويضيف «إذا كان التقليد الأعمى أو حب الراحة، أو عدم العناية بالبحث والتنقيب، أو حتى سوء حملت «شيبة الحمد» على تلك المواقف، فكيف الأسباب التي للجامعة العامرة أن تغفل عن مراقبة ما يجري فيها في أهم ركن من أركان رسالتها، وهي القوامة على كلمة الحق، المسئولة عن العمل لجمع كلمة الأمة، المطالبة بالتحقيق والتثبت والصدق في جميع ما تقدمه لأبناء الأمة في مجال العلوم الشرعية. ويردف قائلا: كنا نأمل أن تعمل الجامعة الإسلامية على التحقيق فيما يقال عن فرق المسلمين وأن تأخذ آراءهم ومقالاتهم من كتبهم وعلمائهم، وبذلك يمكن للجامعة أن تعلن كلمة الحق، وتجمع الشمل، وتوحد الصف، وتكون مركز القيادة الوحيدة لهذه الأمة بجميع مذاهبها لأنها مهدت اللقاء بينهم على نور العلم وجعلت كل واحد منهم يعرف ما عند الآخر. أ هـ.
قلت: لو توفرت النية الصالحة لدى السعوديين لتبنوا هذه الخطة في م المناهج الدراسية في جامعتهم تلك، فأهل من يعرفون بالفرق رسم لا الإسلامية مجاورون لهم، فالأباضية في عمان، فعمان جارة لهم،
(9) نفس المصدر السابق ص: 98.
ـ 47 ـ (2/47)
صفحة 244
والشيعة الاثنا عشريون في العراق، فالعراق جارة لهم، والزيدية في اليمن، فالين جارة لهم. بل فلا يستبعد أن يوجد أتباع لكل هذه المذاهب
علماء
في البلاد السعودية نفسها كمواطنين مما يسهل عليهم مهمة البحث من مؤهلين لتدريس هذه المذاهب تدريسا سليما جادا نقيا بعيدا عن التحامل، بدلا عن إناطة ذلك إلى علماء خارج تلك المذاهب، فيكون في الأمر شيء من الاجتهاد. أو الافتراضات فالأخطاء
ويواصل الشيخ علي يحيى معمر عرض آرائه وتمنياته إلى الجامعة الإسلامية، فيقول «بل إننا نطمع في الجامعة في أكثر من ذلك، وذلك بأن تكون لجانا للتأليف يشترك فيها علماء الأمة من مختلف مذاهبهم ويصدرون كتبا حسب المناهج المقررة في الجامعة لتدرس فيها - مشتملة على المقالات الحقيقية للفرق والمذاهب المعاصرة فعلا ـ وبذلك تقضي على النظرات الضيقة، وتوقف زحف العصبية المقيتة. وتحول دون التأثير الفردي في توجيه الطلاب المسلمين.
إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة يجب ألا تصطبغ بمذهب معين فهي للمسلمين جميعا، تقدّم لهم الثقافة الإسلامية من منابعها الصافية کتاب الله وسنة رسول الله.
ونراه يتقدم باقتراح إلى الجامعة، وهو في رأينا اقتراح بناء، بغية تفاهم المسلمين بعضهم بعضا. وهو اقتراح لو نفذته الدولة السعودية - وهي على ذلك قادرة - لاستحقت الشكر والثناء من كافة المسلمين، لأنه عمل لو نقذ لكان شأنه من رفع سوء التفاهم وبذر روح التآخي في الأمة». وقال «وفي إمكانها أن تعقد مؤتمرا سنويا لعلماء جميع المذاهب الإسلامية سواء كان ذلك أيام الحج أو في غيرها، تطرح فيها القضايا الهامة وتوضح الآراء والعقائد بحججها وبراهينها. وتزود الجامعة بالمراجع المعتمدة لكل مذهب،
48 (2/48)
صفحة 245
.
وإيضاح الأقوال المعمول بها. على أن يكون هذا المؤتمر مؤتمر عرض وايضاح، لا مؤتمر جدال يزيد فيه كل أصحاب مذهب أن يبرهنوا على صحة مذهبهم وبطلان غيره الخ فأنا أعتبر هذا الكلام كلاما رائعا وحكيما. بل هو في غاية الروعة والحكمة والصواب. إذا أريد للمسلمين التفاهم وتخلي التنابز بالألقاب. ولو قدر للفئات الصغيرة «عدديا» طرح آرائها وتصحيح معتقدات الناس بها لظهرت تفاهة ما يكتبه الآخرون عنها. والحق أن هذا الرأي لجدير بالاهتمام. غير أني أعتقد بأن تنفيذه ليس بالسهولة التي تصورها صاحب الاقتراح، فبعض الناس من العلماء والحكام يفضلون بقاء هذه الخلافات وسوء التفاهم، لأن من مصلحة «علماء السوء» اختلاف الناس ليجدوا مادة خصبة كمبرر للافتراء على الغير بحجة الدفاع عن المحجة البيضاء، وفلسفة الأمور، وتأويلها على نحو يزيد الأمور سوءا والأوضاع توترا، وأما الحكام فمن المعلوم البديهي أنه كلما تطور سوء التفاهم بين طبقات الشعوب، ازداد انشغالهم عن السياسة ومراقبة لعب الحكام. وهذا من شأنه أن يجعل الناس مشغولين دوما بأمور تتعلق بعلاقات بعضهم بعضا منصرفين انصرافا نهائيا عن مراقبة أعمال الحكام. وهكذا.
«وهل أفسد الدين إلا الملوك ـ وعلماء سوء وأحبارها». ولا شك أننا أطلنا الإنصات إلى الأباضية وهم ينفون عن أنفسهم تها نسبت إليهم. فالغاية الوحيدة التي توخيناها هي إتاحة الفرصة لهم ليقدموا أنفسهم إلينا كما يحلو لهم، ونفهمهم كما يريدوننا أن نفهم،، وليس أن نفهمهم كما نريدهم أن يكونوا (فرضا عليهم).
والحق أن ما ورثناه من تعدد المذاهب واختلاف الفرق والنحل يجب
- (2/49)
صفحة 246
ألا نعتز به. بل علينا أن نعتبره ظاهرة سلبية تستحق المحاربة لا الاعتناء بها، علنا نوحد صفوفنا. نعم .. ومما لا شك فيه أن هذه الفرق أصبحت ذات أصالة تاريخية ومن الصعوبة استئصالها من شأفتها. غير أن (الإسلام
بلا مذاهب زعيم بالقضاء على ظاهرة التشرذم هذه، لو اعتنى بهذه الفكرة، فلم الاستمرار في تدريس التلاميذ مشاكل الفرق. بل لأسماء فرق لم توجد، ولم تكن يوما إلا في أسعار الكتب من وحي كاتبها، دفعتهم إلى إيجادها دوافع لا تعنينا نحن اليوم، والتمسك بتلك الأقوال، وكأنها ماء ذهب أو ذائب ماس. اليست هذه أساليب تحجير لعقول الشباب المسلم؟ فوالله إنها لهي الرجعية بتفاصيلها. فالأباضية - على ضوء ما تقدم ـ ليسوا بخوارج، بل هم مذهب كأي مذهب إسلامي آخر، وان كان هناك قاسم مشترك بين الأباضية والخوارج فهو ظهورهما إلى حيز الوجود في وقت واحد تقريبا، وظهورهما إلى النور انبثاقا من قضية واحدة، وقاسم مشترك. ألا وهو رفض التحكيم، وعدم إقرار شرعية الحكم الأموي المتمخض عن تمرد معاوية على الإمام الشرعي المنتخب بالشورى نصا (أي الإمام علي غير أنهما مختلفان باختلاف آرائها ومبادئها. بل لقد حارب بعضهم بعضا. والحق أن علاقة الأباضية بالخوارج كالعلاقة بين الاشتراكية، والشيوعية، مثلا، ولا اعتقدها مقارنة بعيدة الاحتمال سينكرها القارئ علي، فبينما نرى في المفهوم الرأسمالي أن الاشتراكية والشيوعية موضوعتان في طابور واحد ـ رأسماليا - لتشابه المباديء والبرامج، نتيجة تشابه الظروف الممهدة لولادة هذه المباديء. فإننا نعلم ونعترف أن الشيوعية غير (2/50)
صفحة 247
الاشتراكية، ولا يغرنا تشابه النزعة بينهما - نسبيا - والقاسم المشترك الوحيد بينهما هو رفض الفكر الرأسمالي ذي النزعة الاحتكارية.
فلا أحد منا ينكر اشتراكية جمال عبد الناصر - مثلا - غير أنه لا أحد في الوقت نفسه يتهمه بالشيوعية. لقد رأيناه عنيفا ضد مناوئ البرنامج الاشتراكي في بلاده، ولقد رأيناه - أيضا - حربا على الشيوعيين في مصر وزجهم في السجون وأودعهم غياهبها. وعامل المعسكر الاشتراكي معاملة صديق وزميل في درب الكفاح، لقاسم مشترك بينهما وهو «اليسارية» ورفض الفكر الرأسمالي ذي الجذور الإمبريالية، ولم نتهمه بالتناقض في السلوك، أو الشيوعية البحتة لاستعداد نفسي وثقافي فينا لتفهم موقفه وتفهم الفرق بين الاشتراكية والشيوعية فلم، إذاً، لا يكون لدينا نفس الاستعداد الثقافي والنفسي لتفهم دوافع المواقف لمختلف الفرق تاريخيا؟ ثم تفهم سبب اختلاف آرائها في الاعتقادات الأيديولوجية؟ والحق أننا لو ألقينا نظرة على العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، واستعرضنا الأنظمة الحاكمة فيها، لألفينا معظمها اشتراكية الاتجاه والنزعة، في حين أنها ترفض الشيوعية، بل تحاربها بصدق وإخلاص، ولا على تسميتها «أنظمة شيوعية» لإدراك الناس الفرق بين الشيوعية
أحد
يصر
والاشتراكية إدراكا واضحا. وهكذا فقس العلاقة ـ أيامنذ ـ في التاريخ السحيق بين الفرق «الخوارج» و «الأباضية» و «التشيع» و «السفيانية» (الولاء لبني أمية) لأن كل هذه الفرق ولدت من أب واحد، وهو ا اختلاف الناس بعد مقتل ذي النورين أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ثم مبايعة الناس أبا السبطين علي بن أبي طالب وتمرد أبي يزيد معاوية، وما واكبها من
أحداث
وحروب وفتن الخ ..
فبادئ الأمر كان كل من الأباضية والخوارج والشيعة في صف الإمام (2/51)
صفحة 248
علي، تحارب الفئة الباغية «معاوية وعمرو ومن معهما». وعندما نجحت الحيل السياسية التي نسجها عمرو لمعاوية كخداع»، لعلي، تزعزع معسكر الإمام علي - وكان ذلك هو قصد عمرو وراء فكرة التحكيم هذه ـ فانقسم أتباعه إلى قسمين: قابلة للتحكيم ورافضة له، قابلة للتحكيم باعتباره احتكاما إلى قاضي القضاة «القرآن الكريم فالظاهر أن هذه الفرقة لم تتصور في أن أحدا يجرؤ على اتخاذ القرآن محل مناورة سياسية قصد إحراز نصر دنيوي خالص ومكاسب سياسية بحتة، إلا أن الفرقة الأخرى الرافضة، لم تنطل عليها هذه الحبكة، فأدركت أن وراء الأكمة ما وراءها، واستيقنت أن الدعوة إلى الاحتكام إلى القرآن مجرد حيلة لم يقصد بها الإذعان لحكم الله، فرفض معاوية - قبل - الدخول فيما اتفق عليه المسلمون - مبايعة علي - رفض سافر وواضح لحكم القرآن، فلا داعي - إذا إلى الاحتكام. والظاهر في النصوص التاريخية، أن الإمام عليا كان يميل إلى رأي الفرقة الثانية - الرافضة للتحكيم - لأنه كان يقول عنه إنه «كلمة حق أريد بها باطل، وهو يشير إلى مسألة التحكيم إلى القرآن. ولا شك أن الأباضية والخوارج، كانوا من أشد رافضي قبول فكرة التحكيم، بيد أن ظروفا أجبرت الإمام علي على قبول فكرة التحكيم أخيرا، وأخيرا ظهرت نتائج التحكيم برسوب الإمام ونجاح «ابن هند» بالتفوق. وشرع صف الإمام يتضعضع تضعضعا دكه فيما بعد،، فأضحى
رمادا.
وأنقسم عليه أتباعه، وانفلت من يديه زمام السيطرة على الأمور وتوجيهها طبق مصلحته وكما يحلو له، كما كانت الأمور طيعة في يد خصمه، غير أن فصول المآسي لم تنته هنا، إذ عاين معاوية بشائر النصر (2/52)
صفحة 249
تلوح له في الأفق، وأصبح لا يرضى عن الانتصار الحاسم بديلا، وذلك بالتوفيق الذي كللت به مهمة مندوبه - عمرو ـ في بلبلة أفكار مندوب الإمام - أبي موسى الأشعري - وبالتالي بلبلة أفكار أتباع الإمام وإحداث شرخ واسع في صفوف أنصاره. وبهذا كان الإمام علي قد انهزم في المحكمة عن طريق مندوبه الضعيف، ورأت مجموعة كبيرة ـ من أصحابه ـ بما فيهم الأباضية والخوارج «كانوا طائفة واحدة يومئذ أن الإمام لم يعد إماما رسميا وشرعيا للمسلمين، ذلك لأن مجرد قبوله لمبدأ التحكيم ـ تحت أي ظرف من الظروف ـ يوحي بأنه لم يعترف بنفسه (الإمام الشرعي) للمسلمين
،
وأخرى، وهي بما أنه قد قبل التحكيم رسميا، فإنه مرغم ـ أدبا وقانونا ـ على قبول النتائج التي سوف تسفر عن ذلك التحكيم وتترتب عليه. وعلى مستوى القيادة - قيادة الأمة - فان منصب «الخلافة» أو الزعامة الاسلامية بقي شاغرا مدة أيام الاحتكام حيث أوقف الطرفان الاقتتال وقف اطلاق النار للمفاوضة. وهنا قامت المجموعة الرافضة للتحكيم بسده، إلى تقليد أحدهم منصب «الخلافة»، وهو عبد بن وهب الراسي بدون أن ينتظروا نتائج التحكيم، لأنهم - مبدئيا - رافضون لخلافة معاوية، وزعامته على المسلمين. فلم يكن هناك، بالنسبة إليهم، ضرورة تدعو إلى التريث لحين معرفة المنتصر، وثبت في مفهوم المحكمة، أن الإمام الشرعي قد تنازل عن حقه قبل اجراء انتخاب جديد ـ بدون شروط مسبقة ـ وعليه فلم تعد بيعته على عواتقهم
الله
ويبدو أن قوما آخرين قد تخلوا عن الإمام اثر قبوله التحكيم وانهزامه
في نتيجة الاحتكام فضلا عن الخوارج والأباضية. غير أن قوما كانوا يتعاطفون مع الإمام مائة في المائة، ويناصرونه سرا (2/53)
صفحة 250
وجهرة، مناصرة مطلقة، فهم قد ظلوا واقفين معه، مدافعين عنه، لا يتأثرون بأى مؤثر خارجي طارئ، فهم معه معية صادقة وكاملة، لا يراجعونه فيما يقبل أو يرفض، لأنه - في نظرهم - لا يقبل شيئا إلا بحكمة ولا يرفض آخر إلا لسبب. فهؤلاء هم الذين بقوا له شيعة وأتباعا مخلصين له ولذريته من بعده وما زالوا له شيعة، وما زال لهم إماما حيا في قلوبهم لا مغمز في الإمام». غير أن حادثة الانشقاق عنه لم تتوقف، بل لقد استمرت حوادث الانشقاق بين أتباع القدامى - سواء الموالين له، أو الخارجيين عليه - فأصبحت ظاهرة مألوفة فيهم، وكأن الله ابتلاهم به. فالخوارج أنشق عنهم الأباضية فأصبحوا يشكلون فرقة خاصة. بهم، بعيدة عن الفكر الخارجي. والخوارج الغلاة أنفسهم مضوا ينشق بعضهم عن بعض إلى أن بلغوا فرقا متناوئة ومتقاتلة، ولا أعتقد أن الأباضية نفسها قد سلمت من طاعون الانشقاق هذا، وان كان بصورة غير حادة، فأصبح لها فرق - وفي الواقع
(10)
فرق أباضية لا ينكرها الأباضيون لعدم وجود خلاف جوهري بينهم وشيعة الإمام علي أنفسهم لم يسلموا من وباء الانقسام هذا فانموا إلى زيدية واسماعيلية واثنا عشرية الخ .. على أن التشيع للإمام والولاء له حيا وميتا هو القاسم المشترك بينهم كشيعة. أما الأباضية على ما يظهر فإنها سلكت سلوكا وسطا بين الأمرين، فهي ما ناصرت عليا وشايعته بمجرد أنه علي لما له من مزايا ومناقب ومركز عظيم في الإسلام، بل هي - أي الأباضية ـ كانت معه لاعتقادها أنه على حق، ويمثل الحق. ولما تغير رأيها تركته بدون أن تكون له أو عليه.
(10) الأباضية بين الفرق الإسلامية،.، ص: 253 (2/54)
صفحة 251
وهم
وأما الغلاة من الخوارج فإنهم وقفوا منه موقفا لا يقل عنفا عن موقفهم معه ـ ضد خصهم المشترك «معاوية» أيام الصداقة والصفاء، بل وعلى سائر المسلمين الآخرين، مما يدل على أنهم ما كانوا يتبعونه لاجل شخصه، بل لاجل ما كانوا يعتقدونه به ممثلا لرأيه الحق، فلما تغير،
تغيروا، لأن تغير الظروف يؤدي إلى تغيير المواقف
•
55 (2/55)
صفحة 252
[صفحة فارغة] (2/56)
صفحة 253
الأصول التاريخية للفرقة الاباضية
قام الإباضيون بجهود مشكورة في نشر الإسلام في أماكن كثيرة، وكان لهم فضل كبير في هذا الشأن في كل من إفريقية وأفريقية السوداء
جنوب الصحراء، وبعض مناطق الشرق الأقصى
إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين اتباعاً للسنة الشريفة والاقتداء بها، إما ما تلصقه أحد
بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أمرين: الجهل أو التعصب (2/57)
صفحة 254
[صفحة فارغة] (2/58)
صفحة 255
الأصول التاريخية للفرقة الاباضية (1)
بقلم: الدكتور عوض محمد خليفات
الجامعة الأردنية
عمان - الأردن
كانت مشكلة الخلافة أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين بعد وفاة الرسول الا الله، وخاصة أنه لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يتم بموجبه اختيار رئيس الدولة، كما أن الرسول عليه السلام لم يعين الشخص الذي سيتولى زعامة المسلمين بعده. وهكذا فقد وضعت وفاة الرسول معه الا الله الأمة الاسلامية أمام مشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة خلافة الرسول معه الا الله وقيادة الأمة والاشراف على شؤونها من الناحيتين الدينية والدنيوية. أما الناحية الدينية فقد اكتملت قواعدها ورسخت جذورها، وقد أكد ذلك قول الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت
(1) الدكتور عوض محمد خليفات، (أردني) الدكتور عوض محمد خليفات صاحب دراسات أكاديمية عن الإباضية تتميز بالتحليل العميق. وهو أستاذ بارز بجامعة عمّان. ورئيس قسم التاريخ، ووزير للشباب، سابقاً.
09
— (2/59)
صفحة 256
لكم الاسلام ديناً). الا أن هذا الدين لا له بد من يحميه ويعمل على إنتشاره في مناطق جديدة لم تصل إليها الدعوة من قبل، وخاصة أن الدين الاسلامي دين عالمي ليس مقصوراً على
العرب وحدهم ولا محدوداً بالجزيرة العربية. ومن الناحية الدنيوية لا بد للأمة. من قائد وزعيم يحافظ على المكتسبات التي أحرزتها الأمة في ظل الاسلام. وبعد مناقشات – وأحيانا مجادلات عنيفة – وقى الله الأمة شر الفرقة والنزاع واجتمعت كلمتهم على انتخاب أبي بكر الصديق أول خليفة للمسلمين. وقبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى عهد - بعد إستشارة كبار الصحابة الموجودين في المدينة - إلى عمر بن الخطاب. وبينما كان عمر بن الخطاب يصارع الموت، أن تلقى طعنات خنجر أبي لؤلؤة الفارسي المسمومة، فكر في
بعد
أمر الأمة من من بعده وأستقر رأيه على أن يجعل أمر الخلافة شورى
وقد حددها في ستة من الصحابة هم علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وقد بين عمر أسباب اختياره لهؤلاء النفر من الصحابة حينما قال مخاطباً إياهم «إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله الا الله وهو عنكم راض ... إني لا أخاف اختلاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيختلف الناس». وبعد مناقشات واستشارات دامت ثلاثة أيام بويع عثمان بالخلافة في ذي الحجة من عام 23 هـ وفي عهده واجهت الأمة الاسلامية أخطر محنة مرت بها بعد حروب الردة، وهو ما عرف في التاريخ
باسم الفتنة.
6 (2/60)
صفحة 257
كانت الفتنة في عهد الخليفة عثمان حدثاً خطيراً ساعد في ازدياد
شقة الخلاف بين المسلمين حول منصب الخلافة. وقد أدت التطورات التي حدثت فيما بعد، وخاصة النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، إلى بروز فرقة المحكمة أو الخوارج كما سماها أعداؤها والحرورية أو الشراة كما سموا أنفسهم. انشقت هذه الجماعة على علي بن أبي طالب عندما أصر على إنفاذ
التحكيم، ونادت بانتخاب خليفة للمسلمين عن طريق الشورى دون إعتبار للنسب القبلي أو الاصل العرقي. وكان المحكمة أول من تحدى سلطة قريش عملياً عندما انتخبوا عبدالله بن وهب الراسبي اماماً لهم ونادوا بقية المسلمين للانضمام إليهم. وبعد معركة النهروان، واعتزال أفراد منهم. أصحابهم توجهوا صوب البصرة حيث أخذوا يدعون لمذهبهم سراً خوفاً من بطش الولاة الأمويين. وقد تزعم هذا الفريق أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، وكونت هذه الجماعة البذرة التي أنتجت الفرقة الأباضية أو أهل الدعوة كما كانوا يسمون
أنفسهم. شهد أبو بلال، زعيم هذه الجماعة المعلن، معركة صفين مع علي ابن أبي طالب، وأنكر التحكيم، واشترك في معركة النهروان مع المحكمة ضد علي بن أبي طالب. ويبدو أنه لم يكن مرتاحا لما حدث من خلاف وفتنة بين المسلمين، وصعق لما حل بأقاربه وأقرانه من قتل وتشريد على يد إخوانهم في الدين، ورأى أن القتال بين أتباع العقيدة الاسلامية السمحة بهذه الطريقة الشرسة أمر لا يصح. فانسحب مع نفر من أصحابه، وأقام مع أبناء عمومته من قبيلة تميم. الذين كانوا يشكلون جزءا هاما من سكان البصرة آنذاك. وكان (2/61)
صفحة 258
يتزعم
ذه القبيلة الأحنف بن قيس السعدى التميمي (ت 87 هـ / 686 م وينتمي إليها عدد وافر من أبرز الشخصيات
السياسية والفكرية.
وفي ظل الحماية والترحاب اللذين لقيها أبو بلال وأصحابه من الأحنف وقبيلته، أخذ مرداس ينشر آراءه وأفكاره مؤثراً طريق الاقناع والمناقشة على الحرب والعنف. وأنكر قتل المخالفين واستعراض الناس على طريقة متطرفي الخوارج. ودعا أتباعه بأن لا يجردوا سلاحاً ولا يقاتلوا أحداً إلا إذا تعرضوا للعدوان وأجبروا على القتال. وبلغ من حسن سيرته أن عدداً من الفرق والجماعات الاسلامية فيما بعد، كالشيعة والمعتزلة، ادعت نسبته إليها واعتبرته واحداً من أبرز أتباعها. وقد نشط مرداس في البصرة لنشر دعوته وأفكاره. وكان يعقد المجالس والمناظرات لاقناع الناس بأرائه فانضم إليه عدد كبير من الناس وأخذ عدد أنصاره يزداد ويتعاظم حتى أنهم ابتنوا لهم مسجداً خاصاً في البصرة. ويبدو أن دعوته لاقت استجابة كبيرة جعلت عبيد الله بن زياد، والي العراق، يقول: لكلام هؤلاء (مرداس وأتباعه أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع». وانضم إلى هذه المجموعة الفقيه المعروف جابر بن زيد الأزدي الذي لم يلبث أن أصبح رئيس الجماعة والمؤسس الحقيقي للحركة وانضوى الجميع تحت امرته بما فيهم أبو بلال نفسه ولكن جماعته أثروا أن لا يبيحوا باسمه ولا يعلنوا علاقته بالحركة حتى لا يبطش به الولاة.
نتيجة لهذا النجاح الذي أحرزه المحكمة القعدة اتبع والي العراق
عبيد الله بن زياد، سياسة قاسية تجاههم مما اضطرهم للجوء إلى
6
-
62 - (2/62)
صفحة 259
السرية في نشر دعوتهم. وكانوا يقصدون إجتماعاتهم سراً للدعوة لمذهبهم والنظر فيما يعنيهم ويساعد على تحقيق أهدافهم. ولكن عبيد الله لم يغض الطرف عنهم، وأخضعهم لمراقبة شديدة، وكان يبث العيون والجواسيس لتعقبهم والقبض عليهم وزجهم في السجون. وكانت هذه الاجراءات الشديدة تقض مضاجعهم وتلقي الرعب في قلوبهم، ولذلك فقد كانوا يأتون مجالسهم متنكرين متشبهين بالنساء لدفع الريبة عنهم وهم في طريقهم إلى أماكن اجتماعاتهم، وكانوا أحياناً ينتحلون صفة التجار والباعة المتجولين حتى يصلوا مقصدهم. ولم يكتف ابن زياد بمطاردتهم والتنكيل بهم بل لجأ إلى أسلوب آخر يرمي إلى زرع الخلاف وزعزعة الثقة فيما، أملاً في القضاء عليهم من الداخل نتيجة الانقسام والنزاع.
بينهم
الجماعة
منهم
فقد كان يحبس زميلاً له عفا عنه وأخرجه من السجن. وحاول بأساليب مماثلة أن الفتنة بين العرب والموالي من القعدة وخاصة أن دعوة أبي بلال قد استهوت عدداً من الموالي الذين كانوا يقطنون البصرة فتبعوه واعتنقوا مبادئه.
ثم يأمرهم بقتل بعضهم بعضا، ومن قتل
يزرع
نتيجة للاضطهاد الذي تعرض له القعدة في البصرة أثر أبو بلال الشراء وترك المدينة مرتحلاً إلى مكان آخر أملاً في أن يأمن شر ابن زياد وينشر أراءه ومذهبه بحرية أكثر، وفي مناطق لم تصل إليها دعوته من قبل. فسار معه نحو أربعين رجلا من أتباعه حتى نزلوا أسك، وقد أعلن مرداس بأنه وأصحابه لن يخيفوا أحداً أو يجردوا سيفاً ولا يقاتلوا إلا من بدأهم بالعدوان. وعلى الرغم من ذلك فقد خشي ابن زياد نشاطه وانتشار دعوته فندب إليه الجيوش وأباده (2/63)
صفحة 260
وأصحابه في عام 61 هـ. و بعد استشهاد أبي بلال بثلاثة أعوام (64 هـ) حدث إنقسام نهائي بين المحكمة فمال فريق منهم إلى التطرف بينما حبذ فريق آخر الاعتدال وانتهى هذا الخلاف الى انشقاق أيدي برز على أثره جماعة القعدة المعتدلة التي أثرت الهدوء والسير على نهج أبي بلال في عدم استعرض الناس ومهاجمتهم إلا دفعا لعدوان. وفي بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري إنقسم القع دة إلى فرقتين: الصفرية
والاباضية.
سميت الأباضية بهذا الاسم نسبة إلى عبد الله بن أباض الذي تعتبره المصادر غير الأباضية مؤسس المذهب الأباضي. أما العلماء الأباضيون فينسبون إلى عبد الله بن أباض دوراً ثانوياً بالمقارنة مع جابر بن زيد الأزدي العماني الذي يعتبر ونه إمام أهل الدعوة ومؤسس فقههم ومذهبهم. ويجمع المؤرخون والمفكرون الأباضيون على أن بن أباض كان يصدر في كل أقواله وأفعاله. عن جابر
الله عبد
ابن زيد.
ويبدو لي أن جابراً كان الامام الروحي وفقيه الاباضية ومفتيهم وكان بالفعل هو الشخص الذي بلور الفكر الأباضي بحيث أصبح متميزاً عن غيره من المذاهب، بينما كان ابن أباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الاقطار ولذلك سمته المصادر رئيس القعدة في البصرة وغيرها من الامصار. وتاريخ الدعوة الاباضية يشير إلى اشتراك بعض الأشخاص البارزين والمجتهدين في المسؤولية إلى جانب الامام
1981 (2/64)
صفحة 261
عبيدة
الأكبر لهم. وقد حدث مثل ذلك زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي أناط المهام المالية والعسكرية والاشراف على سير الدعوة خارج البصرة إلى أبي مودود حاجب الطائي. ولما كان أبو آنذاك معروفاً لدى الناس بأنه شيخ الأباضية وزعيمها في البصرة فإن المصادر لم تخلط بينه وبين حاجب الطائي كما فعلت مع جابر وابن أباض، وذلك لأن جابرا كان قد أخفى معتقده واستعمل التقية الدينية فلم يخطر على بال أحد انه زعيم الأباضية ومؤسس مذهبها، وخاصة أنه لم يكن معروفاً لدى البصريين إلا بكونه أحد التابعين المحدثين الثقات ومن أشهر فقهاء البصرة وعلمائها. والواقع أن جابراً كان ذا علاقة وثيقة بحركة المحكمة الأباضية منذ وقت مبكر وأصبح أحد مفكريها البارزين منذ بداية النصف الثاني المقرن الأول الهجري وقبل مقتل أبي بلال مرداس عام 61 هـ. وقد اكتسب ثقة أقرانه لعلمه ودينه فكانوا لا يصدرون في شيء يء الا بعد مشورته. ولكن ذلك قد خفي على مخالفيهم ولم يعرفوا له هذا الدور. ولذا نبوا الفرقة الى ابن أباض وهو الشخص الذي قدموه ليناظر أعداءهم ويتكلم باسمهم علنا .. وكان بذلك هو المعروف لدى عامة الناس فغلب أسمه على من اتفق معه في الرأى. كما أن مراسلاته الخليفة الأموي عبد الملك
مع
بن مروان
قد أقنعت كثيرا من معاصريه بأنه هو إمام الأباضية ومؤسسها. ومن حق السامع أن يسأل لماذا لم يقم الامام الحقيقي، جابر ابن زيد، بالمراسلة مع الخليفة بدلاً من ابن أباض؟ والجواب يكمن في تصميم أتباع الفرقة بأن تبقى الحركة سرية بقدر الامكان وأن يبقى اسم مؤسسها ومنظم دعوتها مستورا حتى لا يبطش به الأعداء
- (2/65)
صفحة 262
ال ..
والولاة. وبذلك يقول الرقيشي بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير وغيره من أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم في دينهم جابر بن زيد العماني رحمه الله، ويحبون ستره عن الحرب، لئلا تموت دعوتهم، وليكون رداً لهم ويقول قاسم بن سعيد الشماخي: «كان ابن أباض المجاهد علناً، المناضل علناً في سبيل تحقيق الحقائق، وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا، وكان شديداً في الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التلطس. والتفلسف. كان الحجة
الدامغة التي يخنس أمامها كل ثرثار، وله كلام الملك
مع عبد
بن
6
مروان يهضم نفس كل حائر جبار، تغلب على المسلمين، أصحابه. الذين يقولون بقولة الأباضية، وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى، وإنما كان الامام القائد، والوسيلة الراشد، أس المذهب وحاميه، مرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه، إنما كان جابر ابن زيد رضي الله عنه. أما المؤرخ الأباضي المعاصر محمد علي دبوز، فيرى أن الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم، نسبة إلى عبد الله بن أباض لأن الأخير كان من علمائهم وشجعانهم والمناظر باسمهم. كما أن الأمويين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى
لا يجذبوا إليهم الانظار ولا يبدون في هالة جابر المشرقة، فتميل اليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبدالله بن أباض، وهو أقل منزلة من جابر في العلم وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع والصلاح». والديل على صحة هذه الأقوال التي يوردها مؤرخو الأباضية، أن أتباع الفرقة لم يطلقوا على أنفسهم هذا الاسم في تلك المرحلة. وكانوا يصفون أنفسهم باسم المسلمين أو جماعة المسلمين أو أهل
-
77 - (2/66)
صفحة 263
الدعوة». وإذا تفحص الباحث المصادر الأباضية الأولى فإنه لا يجد فيها هذا الاسم، أي الأباضية، بل غالباً ما يجد لفظ جماعة المسلمين أو أهل الدعوة للتدليل على اتباع الفرقة. وإذا رجعنا إلى هذه المؤلفات التي كتبها مشايخ الأباضية مثل مدونة أبي غانم الخراساني، وكتاب الزكاة لأبي عبيدة والآثار الأخرى الباقية المنسوبة إلى جابر ابن زيد فإننا لا نعثر فيها على كلمة أباضية. ولكن يبدو أنهم مع مرور الزمن وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوا به وخاصة أنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أويسيء إلى سمعتهم. وقد ظهر لأول مرة في المؤلفات الأباضية المغربية في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن هو: لماذا قدم الأباضية ابن أباض ليجادل باسمهم علناً ويناظر مناوئيهم ويكشف عن بعض مبادئهم في الوقت الذي كانت فيه الحركة تمر فيما عرف بطور الكتمان أو السرية التامة؟ يبدو أن الأباضية في تلك المرحلة رأوا أنه لا بد لهم من الافصاح عن بعض آرائهم ومعتقداتهم وخاصة ما يتعلق منها بوجهة نظرهم نحو متطرفي الخوارج حتى لا يتعرضوا للسخط من بقية المسلمين الذين اعتبروا الخوارج المتطرفين، مثل الأزارقة، مارقين تجب محاربتهم والقضاء عليهم. ولذا كان لابد المقعدة الأباضية ممن يفصح عن رأيهم حتى لا توجه إليهم تلك الاتهامات التي وسم بها متطرفو الخوارج. وكان ابن أباض هو المؤهل للقيام بهذه المهمة الدعائية لأنه، بالاضافة إلى قدرته في المناظرة والمجادلة، ينتمي إلى قبيلة تميم، إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك ومن الصعب على الولاة أن يتعرضوا له بأذى خوفا من إغضاب قبيلته
- TV- (2/67)
صفحة 264
وصف خلفاء ومن
بني
أمية بالظلم والفساد ومخالفة المبادئ
الملك
الاسلامية في مراسلاته الملك نفسه بلقب أمير المؤمنين أو خليفة المسلمين بل خاطبه باسمه مجرداً من أي لقب. ورغم ذلك فإن عبد الملك لم يتخذ بحقه أية إجراءات. ولا تخبرنا المصادر عن توتر بين الطرفين وهذا دليل على أن ابن أباض الذي ينتمي إلى قبيلة تميم كان آنذاك يتمتع بحماية قبيلته مما جعل اضطهاده أمراً صعباً وخاصة أنه لم يحمل السيف ولم
مع عبد بن مروان. ولم يخاطب عبد
يجرد السلاح ضد الحكام الأمويين. نشاط ابن أباض. بعد مراسلاته
أما
عن
عبد
الملك
بن مروان
فلا تذكر المصادر معلومات موثوقة يمكن الاطمئنان إليها. ويبدو أنه لاقى حتفه بعد ذلك في وقت لا تحدده المصادر المتوافرة وإن كان من المؤكد أنه توفي قبل عام 100 هـ. بعد إختفاء ابن أباض أقلع الأباضية عن المناقشة العلنية والجدل الكلامي مع مناوئيهم ومخالفيهم ولجأوا إلى السرية المطلقة في تنظيم دعوتهم وكان الجابر دور تنظيمي كبير في هذه المرحلة التي تعرف في التاريخ الأباضي بطور الكتمان. فمن هو جابر بن زيد؟ وما هو دوره الحقيقي في نشأة الدعوة الاباضية؟ هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري من قبيلة اليحمد الأزدية في عمان. وقد عرف بالجوفي نسبة إلى درب الجوف في البصرة حيث استقر مع أسرته فيما بعد.
ولد جابر في بلدة فرق بالقرب من مدينة نزوى في عمان. أما السنة التي ولد فيها فلا تعرف على وجه التحديد، وتعطي المصادر تواريخ مختلفة إلا أنها كلها محصورة بين عامي 18 و 22 هـ (2/68)
صفحة 265
أخذ
ولا تذكر المصادر المتوافرة أيضاً تاريخاً لقدومه إلى البصرة. ويبدو أنه جاء في وقت مبكر من حياته طلباً للعلم حيث كانت البصرة آنذاك أهم مركز فكري في العالم الاسلامي. واستقر بين أقاربه من الأزد الذي سكنوا أحد أحياء البصرة. وفي البصرة أخذ جابر يتزود بالعلم والمعرفة وخاصة ما يتعلق بعلوم القرآن والحديث وما يتصل بها. وقد تتلمذ جابر على أيدي كثير من الصحابة والتابعين وأخذ عنهم الحديث والتفسير وعلوم اللغة والأدب. ويروى عن جابر أنه كان يقول: «أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم إلا البحر أي عبد الله بن عباس على أن الأخير لم يكن من أهل بدر. وفي القول دلالة على أن جابراً قد عن مجموعة من الصحابة الذين رافقوا رسول الله ونقلوا عنه علمه وسنته الشريفة. ومن أهم العلماء الذين أخذ عنهم جابر: عبد عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وغيرهم. إلا أنه كان أكثر ملازمة لعبد الله بن عباس من غيره وكان من أنجب تلاميذه. وكان عبد الله بن عباس يقول عنه: «لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد الأوسعهم علماً في كتاب الله». وفي رواية أخرى أنه كان يحيل سائليه إلى تلميذه جابر ويقول: «اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وعندما كان يسأله أناس من أهل البصرة كان يبادرهم بقوله: «كيف تسألوني وقيكم جابر بن زيد (أو أبو الشعثاء). وقد وصفه عبد الله بن عمر بن الخطاب بأنه من فقهاء أهل البصرة البارزين. بينما قال عنه قتادة بن دعامة السدوسي بأنه عالم العرب وأعلم أهل الأرض.
الله
بن (2/69)
صفحة 266
لم يكتف جابر بن زيد بعلم من التقى بهم في البصرة بل كان يرحل إلى أماكن أخرى طلباً لمزيد من العلم ولا يترك فرصة يتزود فيها بالعلم إلا واغتنمها وكان يتردد على الحجاز ويلتقي بعائشة، أم المؤمنين، رضي الله عنها. ويأخذ عنها العلم. يسألها عن سنة الرسول الكريم ع ويناقشها في كثير من المسائل مما يتعلق بحياة الرسول الخاصة أملا منه في أن يجعل من تلك السيرة قدوة لأصحابه ولمن طلب فتواه مدللاً على رأيه بأمثلة من سيرة النبي العظيم
محمد
ما مريتبين لنا بوضوح أن جابر بن زيد قد اكتسب علماً واسعاً بعد إقامته في البصرة وأنه أصبح من أبرز التابعين الأوائل في علم حديث والتفسير والعلوم الدينية بشكل عام. وقد أهلته معرفته العميقة لأن يصبح أبرزمفت في البصرة. ومما بدل على طول باعه في ميدان الفتوى والاجتهاد أن عمرو بن دينار. أحد العلماء، وهو اللامعين في البصرة أنذاك وأحد التابعين من رواة الحديث، كان يذكر جابرا بن زيد ويقول: «ما رأيت أحداً أعلم بالفتيا من جابر ابن زيده ما اياس بن معاوية. قاضي البصرة في عهد الخليفة عمر ابن عبد العزيز. فكان يقول: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر ابن زيد من أهل عمان. أما الحسن البصري فيثني على جابر وعلمه الغزير ويصفه بالفقيه العالم.
يكتف جابر بالرواية الشفوية عن أساتذته ومعاصريه، بل كان بجل الأحاديث التي جمعها من شيوخه كما سمح لتلاميذه بتسوين الأحاديث التي رووها عنه. وقد ألف كتابا سماء الديوان صمه الأحاديث لتي روها وأودع في صفحاته آراءه وفتاويه في (2/70)
صفحة 267
كثير من أمور العقيدة. ويقال أن ديوانه كان من الضخامة بحيث يعجز عن حمله البعير، ويقع في عشرة أجزاء كبيرة. وكانت نسخة منه موجودة في إحدى مكتبات بغداد الكبرى في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد. ويذكر المؤلف الأباضي، الوسياني، أن نسخة من الديوان قد بقيت، بعد موت جابر في حوزة خليفته أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ثم توارثها أئمة الأباضية في البصرة حتى انتهت إلى محمد بن محبوب بن الرحيل، ولد آخر الأئمة الأباضية في البصرة. وفي عهده استنسخت المخطوطة في مكة. ولكن المؤلف لم يذكر اسم الناسخ ولا الهدف من نسخها. وربما قام بهذا العمل جماعة من أباضية شمال افريقية وخاصة أن هناك معلومات تشير إلى وجود نسخة من الديوان في شمال افريقية في وقت مبكر. ويروى أن أحد علماء الأباضية من جبل نفوسة في ليبيا ويدعى النفاث فرج بن نصير - وهو مؤسس الفرقة النفاثية الأباضية - استطاع أن يحصل على نسخة كاملة من ديوان جابر بن زيد وأتى به إلى جبل نفوسة. ولما كان نفث عدواً للامام الرستمي في تاهرت ولعامله في جبل نفوسه فقد دمر المخطوطة حتى لا يستطيع مناونوه الحصول عليها أو ستنخي. ويبدو أن جابر بن زيد قد اتبع أسويا خاصا في البصرة من ساعده على اكتساب المعارف والاحاطة بالعلوم السائدة في عصره وخاصة العلوم الدينية، فقد عاش حياة زهد وتقشف وانصرف عن لمو الدنيا وترفها، وكان يقول: سألت فأعطاليهن. سالت عن زوجة مؤمنة. ورحية صالحة ورزق كثافا يوما فيوم. وكان يخاطب أصحابه ويقون: ليس منكم رجل تق
وبي عن ثلاث
- Y) - (2/71)
صفحة 268
مني. ليس عندى درهم وليس على دين. ويذكر ابن سيرين أن با الشعثاء جابر كان مسلماً عند الدينار والدرهم. أي أنه كان ورعاً تقيأ لا يهتم بجمع المادة واكتنازها. والواقع أن المصادر السنية ولأباضية تسهب في الحديث عن زهد جابر وانصرافه إلى الدرس ولتحصيل حتى أصبح، بعلمه، مرجعاً لكل سائل في أمور الفتيا الفقه الإسلامي. وكان بعض الناس ممن يسكنون خارج البصرة يكتبون إليه متفرين عن مسائل ومشاكل فقهية فيجيبهم عليها.
وتبعاً لذلك فقد وصفه معاصروه بأنه .. «بحر العلم وسراج الدين» مما تقدم، يظهر لنا بوضوح أن جابراً قد اكتسب علماً
غزيراً بعد هجرته إلى البصرة. وأصبح من الفقهاء البارزين الذين أسدوا خدمات جليلة للعقيدة والفكر الإسلاميين. ولا شك أنه وظف علمه ومواهبه في خدمة مبادئه التي آمن بها واقتنع بصحتها. ولكي نفهم دوره في نشأة الفرقة الأباضية وتطورها لا بد لنا من التعرف على بدء علاقته بجماعة القعدة ثم جهوده المتواصلة في سبيل إنجاح الدعوة الأباضية بعد أن أصبح رئيسها وزعيمها لسنا نعرف على وجه التحديد متى بدأت علاقة جابر بن زيد بالقعدة على الرغم من! أن المعلومات التي توردها المصادر الأباضية تشير إلى قدم هذه العلاقة وإلى أن جابراً قد انضم إلى الحركة في
وقت مبكر.
أما ما يورد: بعض مؤرخي الأباضية المحدثين من أن جابر بن زيد كان زعيم الحركة بعد وفاة عبد الله بن وهب الراسي مباشرة. فيتعب تصديقه، لأن جابراً أنذاك كان لا يزال شاباً صغيرا يتراوح
72 - (2/72)
صفحة 269
عمره بين السادسة عشرة والعشرين سنة فقط
ومن غير المحتمل أن
56)
بن
يكون في هذا الن قد اكتسب العلم اللازم والخبرة الضرورية ليقدمه أصحابه زعياً ومرشداً لهم. أضف إلى ذلك أننا لا نملك أي دليل على أن جابر بن زيد كان ذا علاقة مباشرة مع عبد ا الله هب الراسبي أو أنه اشترك في معركة النهروان التي استشهد فيها الراسي. ولا تشير المصادر الى أي نشاط لجابر بن زيد بالاباضية قد بدأ بعد النهروان وبعد لجوء مرداس بن ادية التميمي وأصحابه للبصرة في أواخر العقد الثالث من القرن الأول الهجرى. ويستنتج من المعلومات الواردة في المصادر الأباضية المتوافرة أن جابر بن زيد قد انضم إلى القعدة إبان ولاية عبيد الله بن زياد للعراق - 64 هـ)، أي في بداية النصف الثاني من القرن بالاضافة إلى ما سبق فإن الروايات الأباضية تشير إلى علاقات متينة وودية بين جابر بن زيد وأبي بلال مرداس بن أدية التميمي. شيخ القعدة في البصرة بعد معركة النهروان. وكان الرجلان يخرجان إلى مكة سوياً ويلتقيان بابن عباس وعائشة أم المؤمنين. ويذكر أبو سفيان محبوب بن الرحيل، أن جابر بن زيد وأبا بلال مرداس دخلا مرة على عائشة رضي الله عنها فعاتباها على ما كان يوم الجمل. قال: فاستغفرت الله تعالى وثابت مما كانت قد دخلت فيه. ويبدو أن العلاقات بين الرجلين كانت تزداد وتتوثق بسرعة. وأخذ مرداس يدرك مدى علم جابر وذكائه فكان يتردد عليه أناء الليل وأطراف النهار ليعرف من معرفته الواسعة وعلمه الغزير. وذكر مؤلف كتاب بيان الشرع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي أنه قال: لقد كان أبو بلال رحمه الله يبكي في جوف
منها (2/73)
صفحة 270
الليل حتى ما يطيق أن يقوم. ولقد كان من تشوقه إلى إخوانه أنه يخرج من عند أبي الشعثاء جابر بن زيد بعد العتمة، ثم يأتيه قبل الصبح فيصلي معه. ما مريتبين لنا أن جابر بن زيد كان قد انضم إلى القعدة منذ أيام عبيد الله بن زياد ولكن الباحث لا يستطيع أن يقرر سنة بعينها لتاريخ ذلك الانضمام. ويبدو من الروايات أن نجم جابر أخذ يتألق في سماء تلك الحركة قبل عام 61 هـ وهو العام الذي قتل فيه أبو بلال مرداس بن أديمة التميمي، حتى أن بعض الروايات تجزم على أن أبا بلال لم يقم بعمله إلا بعد مشورة من جابر بن زيد وقبول منه. وإذا صحت هذه الروايات فإن القعدة قد اتفقوا على أن يتولى جابر بن زيد أمرهم وتنظيم دعوتهم منذ المراحل الأولى لتطور الدورة في البصرة إيماناً بذكائه واعتماداً منهم على اطلاعه الواسع وتحصيله العميق في العلوم الدينية وخاصة ما يتعلق بالتفسير وعلم الحديث. ولعل ذلك كان السبب في اعتراف أبي بلال له
بالزعامة قبل وفاته حتى
منهم
أنه
لم
يصدر في عمله إلا بأمر جابر
ومشورته. وكان الجابر بن زيد دور كبير في تنظيم الحركة وتطورها وقد ارتكزت سياسته إبان زعامته للفرقة الأباضية على
:
قوعد أساسية يمكن إجمالها بما يلي: 1 – أن جابر لم يشأ الانسحاب من المجتمع الاسلامي الذي يعيش فيه مع بقية أتباع حركته. ولذا فإنهم لم يعزلوا أنفسهم عن لناس ولم يدعوا للخروج والهجرة كما فعل الأزارقة وغيرهم من متضر في الخوارج. وكان جابر ينشر آراءه ويبث أفكاره بين الناس من خلال أحاديثه الدينية وفتاويه وأجوبته على المستفسرين عن
— V? — (2/74)
صفحة 271
بعض الأمور الدينية من داخل البصرة وخارجها. وكان يتفحص تلاميذه فمن وجد فيه استعداداً قوياً لآرائه وحماساً لمبادئه دعاه إلى
مذهبه. ولكن ذلك يحدث بسرية تامة مستعملاً في سبيل الوصول إلى هدفه التقية الدينية. وإمعاناً في كتمان أمر دعوته فقد كان يأمر أتباعه بقتل كل من يكشف أسرار الجماعة أو يبوح بأسمائهم فإن حدث أن ترك أحد أتباع الفرقة مذهبه وتخلي عن مبادئه دون أن يطعن في أصحابه القدامى أو يفشي أسرارهم فكان الأباضية يتبرأون منه ولكن دون أن يتعرضوا له بأذى معتبرينه واحداً من المخالفين الموحدين الذين لا تحل دماؤهم إلا إذا بدأوهم بالعدوان. ولكن إذا خرج من مذهب المسلمين (الأباضية) أحد وعاب عليهم وطعن في معتقدهم وأفشى أسرارهم فقد قتله وأحل وجب دمه. وقد اعتبرت سياسة جابر في هذا الشأن قدوة لمن جاء من الأئمة، واعتبروا الإغتيال لمن يسيء إليهم أحد دعامات نشاطهم «وأحلوا الدماء بالظلم
والابتداء به 2 – تجنب جابر أي احتكاك معاد مع السلطة. ولم يؤثر عنه أنه تعرض لأذى قبل تولي الحجاج للسلطة في العراق على الرغم من أن بعض أصحابه قد لقي عنتاً كبيراً على يد الولاة منذ أيام ابن زياد. وتشير المصادر الأباضية إلى أن العلاقة بين جابر بن زين والحجاج كانت في البداية ودية. وكان جابر يزور الحجاج ويتردد عليه حتى بعد أن نقل الحجاج مقره إلى مدينة واسط. وكان ليزيد ابن أبي مسلم، كاتب الحجاج، دور ملموس في هذه العلاقة لأنه كان صديقاً حمياً لجابر. وقد أراد الحجاج أن يوليه القضاء فرفض متذرعاً بعدم مقدرته
Yo - (2/75)
صفحة 272
على حمل أعباء هذا المنصب وقال: «اني أضعف من ذلك، قال (الحجاج) وما بلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما. قال ان هذا لهو الضعف». وفي هذه الرواية دلالة على أن جابراً كان يريد اخفاء مقدرته وابداء ضعفه للوالي حتى يبعد الشبهات عنه، وحتى لا يخطر ببال الوالي أن رجلاً بلغ هذه الدرجة من الضعف يمكنه أن يقوم بتأسيس حركة سرية مناوئة للحكم.
من
3 - لما كان جابر بن زيد ينتمي إلى قبيلة الأزد، فقد وجه قسماً كبيراً من جهوده نحو إقناع بعض أفراد هذه القبيلة للانضمام إلى حركته. وقد نجح إلى حد بعيد في هذا الشأن وتبعه عدد كبير من الأزد وعلى رأسهم بعض أفراد الأسرة المهلبية – زعيمة أزد العراق - وأصبح بعضهم من دعاة الفرقة وحماتها البارزين. ولم يقتصر ذلك. على الرجال بل تعداه أيضاً إلى النساء. وتورد المصادر الأباضية النساء المهلبيات اللاتي انضممن إلى جماعة المسلمين (الأباضية) وبذلن جهوداً في سبيل نصرتها واعطين بسخاء من أموالهن لبيت مال الدعوة ولمساعدة المحتاجين من أتباعها. ليس هذا فحسب بل أن المصادر تشير إلى أعداد كبيرة من عمان، موطن الأزد الأصلي، وحضرموت واليمن إنضمت إلى الأباضية. ولم تعد الحركة مقصورة في معظم أفرادها على العنصر القبلي التميمي كما حدث بعد معركة النهروان. ولا عجب أن نجد أول إمامه أسها الأباضية كانت في حضرموت واليمن وعمان. ونتيجة للمجهود التي بذلها جابر بين أقاربه من الأزد بوجه خص وعرب الجنوب عامة فقد أصبحت الحركة تضم عناصر من
- 76 - (2/76)
صفحة 273
حركة اسلامية
قبائل عربية مختلفة كما انضم إليها كثير من الموالي. ولم يمت جابر ابن زيد إلا وقد غدت الدعوة الأباضية عبارة عن حرك شاملة اجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس متعددة. وأخذت القناعات المذهبية لدى كثير من أتباع الدعوة تحل محل الولاءات القبلية والعرقية. ولم تقتصر دعوة جابر على من كان موجوداً في البصرة بل تعدتها إلى الأمصار الاسلامية الأخرى حيث كان يبعث بالدعاة لمختلف المناطق وكان عمله هذا إرهاصاً لما تم في عهد خلفه أبي عبيدة من تدريب للدعاة الذين عرفوا باسم حملة العلم إلى الأمصار. وكان جابر على صلة وثيقة مع أتباع دعوته في الولايات المختلفة ومن بينهم أناس من الأزد والمهالبة. وتشير المصادر إلى مراسلات متبادلة بينه وبين عبد الملك بن المهلب في خراسان. وكان جابر يطلب منه أن يكتب له في أمر الدعوة ويسأله أن يرسل خطاباته في سرية تامة مع أشخاص موثوقين. والواقع أن جابر كان يكرر الطلب في وجوب السرية في جميع مراسلاته مع أعوانه وأتباعه، ويطلب أحياناً تمزيق رسائله إليهم وحرقها حتى لا تصل إلى أيدى أعدائهم فتؤدي بالتالي إلى كشف تنظيمهم وإجهاض حركتهم. وقد استطاع جابر بهذه السياسة أن يتجنب تنكيل الولاة به وباصحابه لفترة طويلة واستطاع أيضاً أن يكسب عدداً من الأتباع ممن تولوا فيها بعد مركز المسؤولية (بالطبع دون علم السلطات بمعتقدهم وكانوا يستعينون بآراء إمامهم جابر في تسيير الادارة والاعمال في المناطق الخاضعة لنفوذهم. ومن بين هؤلاء الأشخاص النعمان بن مسلمة الذي أرسل إلى جابر يسأل عن كيفية جمع الجزية في منطقته. ولا تذكر المصادر المتوافرة أين كان النعمان
- YY - (2/77)
صفحة 274
حميمة.
واليا (أو عاملا) ولكن ورود كلمة دهقان في الرسائل المتبادلة بينه وبين الامام جابر تدل على أنه كان والياً في المناطق الشرقية وربماً في خراسان. ومن الشخصيات الأخرى التي كانت على صلة وثيقة بجابر بن زيد، يزيد بن يسار الذي كان يقطن عمان ويدين بالمذهب الاباضي، وقد عين عاملاً في إحدى مناطق عمان فأرسل إلى جابر يستشيره في ذلك ويطلب نصائحه وإرشاداته. وتبعاً لذلك فقد وجد كثيرون خارج البصرة كانوا على علاقات جابر يدينون بمذهبه ويصدرون عن أمره، وكانوا عيوناً له وممثلين في المناطق التي يسكنونها. ونظراً للدقة في التنظيم والحذر الشديد فلم يستطيع الولاة القبض على هؤلاء الدعاة والأشخاص. وكان وجود بعضهم في مركز المسؤولية دليلاً واضحاً على عدم معرفة الولاة بمعتقداتهم، وكان أيضاً دليلاً على أن جابراً لم يمانع في أن يستلم بعض أتباعه عدداً من المراكز والمهام الرسمية في جهاز الدولة - التي يعمل ضدها في النهاية - حيث كان يرى أن هؤلاء يسهمون في توفير مناخ مناسب لنشر دعوته في تلك الأمصار والولايات ويشكلون دعامة لها. ويبدو أن هذه العلاقات الواسعة والاتصالات الدائمة ? أتباع الحركة في البصرة وخارجها قد وصلت إلى أسماع الحجاج، فأخذ يرتاب من جابر بن زيد وجعله تحت مراقبة دائمة ولكن علاقات جابر مع كاتب الحجاج، وعدم وجود قناعة واضحة لدى الحجاج بنشاط جابر أدى إلى عدم اتخاذ إجراءات شديدة ضد الإمام جابر في البداية. ولكن التطورات السياسية التي حدثت في بلاد المشرق في العقد الثامن من القرن الأول الهجري قد أدت إلى تغيير جذري في موقف الحجاج من جابر بن زيد
- YA- (2/78)
صفحة 275
وأتباعه، فقد ثار أزد عمان بزعامة سعيد وسليمان أولاد عباد بن الجلندى، وأرسل الحجاج حملات عدة لقمع الثورة وباءت جميعها بالفشل. وفي تلك الأثناء قامت ثورة ابن الأشعث عام 81 هـ / 700 م فأجل الحجاج معالجة الموقف في عمان ليتفرغ لقتال ابن الأشعث. وبعد القضاء على ثورة ابن الأشعث وجه الحجاج جيشاً كبيراً إلى عمان بقيادة القاسم المزني ولكن الأزد بقيادة
الأخوين، سعيد وسليمان، تمكنوا من دحر هذه الحملة وقتل قائدها. وعندما وصلت أنباء فشل الحملة إلى الحجاج غضب كثيرا، وقرر الانتقام من الازد ليس في عمان فحسب بل في العراق أيضا. فوضع زعماء الأزد في العراق ومن بينهم جابر بن زيد،،
تحت
'
مراقبة شديدة، وحذرهم من أي اتصال مع إخوانهم في عمان، وكتب إلى عبد الملك بن مروان في الشام يخبره بتضييقه على أزد العراق وأنه أقعد وجوه الأزد الذين كانوا في البصرة عن النصرة لسليمان بن عباد. ثم بعث جيشاً بقيادة مجاعة المزني، أخي القاسم على رأس أربعين ألفاً من النزاريين لاخماد ثورة الأزد. وقد سلك نصف هذا الجيش طريق البحر بينما سلك النصف الآخر طريق البر. وقد تمكن سليمان بن الجلندى من هزيمة الجيش البرى الذي أنه وصل مبكراً ولم ينتظر وصول القوة البحرية لتشترك
يبدو
الفرقتان في مهاجمة الثوار في آن واحد وطبقاً لخطة عسكرية واحدة. وأثناء ذلك وصل الجيش البحرى وعلى رأسه مجاعة نفسه، وتمكن من هزيمة سعيد بن الجلندي الذي بقي في جزء صغير من الأزد يراقب السواحل بينما كان معظم الجيش العماني الأزدى يرافق أخاه سليمان الذي هزم الجيش البرى الذي أرسله الحجاج. اضطر (2/79)
صفحة 276
جاءت
فيهم
سعيد بن الجلندى للانسحاب إلى الداخل والالتجاء إلى الجبال، ولما علم أخوه سليمان سار إليه محاولاً فك الحصار عنه ومحاربة مجاعة ومن معه من الجند. وقبل أن يشتبك مع مجاعة أحرق السفن التي من العراق. ثم سار إلى مجاعة وتمكن من هزيمته وارتد بهم مجاعة هارباً والتجأ إلى جلفار، وكتب إلى الحجاج يستمده فأرسل له خمسة الاف جندى من أهل الشام بقيادة عبد الرحمن بن سليمان. وتمكن مجاعة بمساعدة القوة الشامية من هزيمة الأخوين سعيد وسليمان ومن معهما من الأزد. ودخل مجاعة ونكل بالأزد وأوقع الذل والهوان، مما كان له أبعد الأثر في موقف أزد العراق، حلفاء الأباضية الذين يتزعمهم جابر الأزدي، تجاه الحجاج والسلطة الأموية. فغضبوا لما حل بابناء قبيلتهم في عمان واعتبروا الحجاج مؤولاً عما حدث فخطوا عليه وتمنوا زوال حكمه. وفي الوقت الذي كانت تجرى فيه هذه الحوادث التي أدت إلى توتر العلاقات بين الأزد والحجاج قام الأخير باشعال النار في الهشيم فتنكر لآل المهلب، زعماء أزد العراق وخراسان، وطلق الحجاج زوجته التي كانت اختاً ليزيد بن المهلب والي خراسان آنذاك. وأخذ يكيد له ويحرض عبد الملك بن مروان ضده، ونجح في إقناعه بعزل يزيد من ولاية خراسان وبالسماح له في معاقبته وتعذيبه. فزج الحجاج بيزيد وبعض أفراد أسرته في السجن وأساء إليهم ممازاد في إغضاب أزد العراق والبصرة. وكان لموقف الحجاج هذا أثره على الدعوة الأباضية التي يتزعمها الامام جابر بن زيد ازدي البصري فقد استغل جابر فرصة الكراهية بين الأزد والحجاج لاقناع كثير من الأزد بالانضمام إلى أهل الدعوة. وبالفعل تبعه قسم كبير منهم وعلى (2/80)
صفحة 277
رأسهم أفراد من آل المهلب، رجالاً ونساء، منهم عاتكة بنت المهلب، أخت يزيد، التي كانت من أشد الناس حماساً للمذهب ولم تبخل بمالها لمساعدة المحتاجين من أهل دعوتها. وكان لهذه
التطورات أثرها الكبير في موقف الحجاج من جابر وأتباعه. وقد بعض أصحابه البارزين مثل ضمام بن السائب وأبي
حبس
جابراً
عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وصحار العبدى وغيرهم. ولم يلبث الحجاج أن أطلق سراح جابر ونفاه مع رجل من مشايخ الدعوة يدعى هبيرة وهو جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل المؤرخ الأباضي وآخر الأئمة الأباضيين في البصرة. ومن المحتمل إن الافراج عن جابر كان بشفاعة من صديقه الحميم، يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج. ولا شك أن نفي جابر إلى عمان كان ذا نتيجتين:: الأولى أنه أتباع الحركة في البصرة من إمامهم وزعيمهم فخلدوا إلى الدعة والهدوء. بينما بقي زعماؤهم ومشايخهم في سجن الحجاج حتى مات
حرم
الأخير عام 95 هـ. والثانية أن الفرصة كانت مؤاتية لأن يقوم جابر بالدعوة إلى مذهبه في موطنه الأصلي، عمان،، أي أهله بين وعشيرته الأقربين الذين يعرف عاداتهم وتقاليدهم وكيفية التعامل، مستغلاً في ذلك كرههم للحجاج وحقدهم عليه لما حل بهم خلال ثورة أولاد الجلندى التي أخمدها الحجاج. ولا يراودنا شك في وجود جابر مع بعض رفاقه في عمان قد أفاد الدعوة الأباضية
معهم،
أن.
وساعد على سرعة انتشارها في هذا القطر. وكانت جهوده مقدمة
لنشاط حملة العلم الذين بعث بهم، فيا بعد، خليفته أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمه التميمي. ولا تشير الروايات الى تاريخ محدد لنفي جابر إلى عمان كما أنها لا تذكر المدة التي قضاها في منفاه، ولكنها
- 81 – (2/81)
صفحة 278
تجمع على أنه عاد إلى البصرة ومات فيها. وتختلف المصادر حول تاريخ وفاته، إذ يذكر بعض الرواة أنه توفي نفس الأسبوع الذي
م.
توفي فيه أنس بن مالك. وقد توفي الأخير في عام 93 هـ/711 ويرى البعض الآخر أنه توفي عام 103 هـ /721 م. أما الديثم بن
عدى فيضع تاريخ وفاته عام 104 هـ / 722 م. بينما يضعه الشماخي عام 96 هـ / 714 م. ويبدو أن الرأى الأول هو الأصح لأنه جاء على السنة رواة الحديث الذين يهتمون إلى حد كبير بحياة كل محدث وتاريخ وفاته. وكان جابر أحد هؤلاء المحدثين. أضف إلى ذلك فإن المصادر تشير إلى أن جابراً استدعى الحسن البصري إليه وهو على فراش الموت وكان آنذاك مستخفياً من الحجاج الذي مات عام 95 هـ. ومعنى هذا أن جابراً توفي قبل هذا التاريخ. والأرجح أن تاريخ وفاته عام 93 هـ / 711 م كما أشرنا قبل قليل. وخلفه في زعامة الدعوة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي تبوأ أبو عبيدة زعامة أهل الدعوة بعد موت الحجاج عام 95 هـ وخروجه من السجن، واتفق ذلك بداية حكم الخليفة سليمان بن عبد الملك (96 هـ / 715 م - 99 هـ / 717 م). وكان الخليفة على علاقة وثيقة مع المهالبة، زعماء الأزد، الذين انضموا إلى الحركة الأباضية بأعداد وفيرة إيَّان إمامة جابر بن زيد الأزدى. ومن لمحتمل أن الأباضية لم يلاقوا عنتاً خلال فترة سليمان بن عبد الملك الذي عين زعيم الأزد. . يزيد بن المهلب والياً على العراق وخراسان. ولا تذكر المصادر الأباضية المتوافره أية علاقات عدائية بين الخلافة وتباع الأباضية خلال هذه الفترة. ولعل السبب في ذلك يعود إلى حماية يزيد بن المهلب لهم نتيجة العلاقات التي تربط الأزد وآل
- AY- (2/82)
صفحة 279
المهلب بهذه الحركة، وخاصة إذا تذكرنا أن كثيراً من زعماء المهالبة ومن بينهم عاتكة أخت يزيد وأخيه الملك كانوا من بين أتباع
الحادثة
عبد
تلك الدعوة. وعندما توفي سليمان بن عبد الملك وارتقى عمر بن عبد العزيز عرش الخلافة (99 هـ / 717 - 101 هـ / 720 م)، سجن الأخير يزيد ابن المهلب لاتهامه إياه بعدم تسليم خمس الغنائم التي حصل عليها أثناء حملته في جرجان وطبرستان زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك. وقد بقي يزيد في السجن طيلة حكم عمر بن عبد العزيز كما قام والي العراق بسجن أخوته وبعض أقاربه في البصرة. ولكن هذه لم تؤد إلى توتر في العلاقات بين أتباع الدعوة الأباضية والخليفة عمر بن عبد العزيز. والحقيقة أن هذا الخليفة حاول أن يحل مشاكله مع أحزاب المعارضة ومن بينهم الاباضية بالطرق السلمية مفضلاً الحوار والمناقشة على النزاع والحروب ويبدو أن أبا عبيدة ومشايخ الأباضية في البصرة كانوا يأملون خيراً من عمر بن عبد العزيز وحاولوا التوصل إلى تفاهم معه حول قاعدة مشتركة بين الطرفين، فأرسلوا إليه وفداً على رأسه جعفر بن السماك أحد أبرز مشايخ الأباضية في البصرة آنذاك محاولين استمالته إلى جانبهم وإقناعه بصحة معتقدهم. وعلى الرغم من عدم وصولهم إلى نتيجة حاسمة معه في هذا الشأن إلا أن الوفد قد راضياً عن سياسته رجع وسلوكه. وتذكر بعض المصادر الأباضية أن الوفد استطاع أن يستميل ابن الخليفة عبد الملك. واعتنق المذهب الأباضي.
أثناء هذه الفترة من العلاقات السلمية، وأحيانا الودية، بين الأباضية والسلطة الحكمة والتي امتدت خلال حكم الخليفتين سليمان (2/83)
صفحة 280
الأسمى
ابن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، استغل أبو عبيدة ومشايخ الدعوة في البصرة هذه الفرصة لالتقاط أنفاسهم وتنظيم حركتهم على أسس متينة من أجل الوصول إلى هدفهم وهو تأسيس إمامة الظهور وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباع الدعوة. وقام أبو عبيدة بتطوير تنظيمات المجالس السرية وأعمالها التي كانت تقام في البصرة وتضم مشايخ الدعوة وأتباعها حيث يتداولون فيها خططهم ويتعلمون فيها مبادئ عقيدتهم وما يمت إلى دعوتهم بصلة سواء في النواحي الدينية أو الدنيوية. والحقيقة أن هذه المجالس الرية كانت موجودة منذ زمن مرداس ابن أدية التميمي الذي تزعم حركة القعدة بعد النهروان، أي في أيام زياد بن أبيه وابنه عبيد الله وتذكر الروايات أن عروة بن أدية، أخا مرداس، قد قبض عليه
•
وهو مختبئ في سرداب سري تحت الأرض حيث كان يتعبد مع أصحابه. ويذكر المؤرخ الأباضي، أبو سفيان، أمثلة أخرى تدل على وجود مثل هذه المجالس السرية في زمن مبكر من عمر الدعوة. منها ما يقوله: «حدثني يسار وهو من خيار من أدركت عن والدته، وهي بنت ثمانين سنة. قال: أدركت أخوين من بني راسب يقال لأحدهما تبرح والآخر مازن ابنا كنان. وكانا من خيار من مضى من أهل هذه الدعوة. وكانا نظيرى أبي بلال وأخيه عروة الله، وكانا في زمانها. فأما تبرح فكان عابداً مصلياً لا يفتر من العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدبر البعير.
جمنهم
وكان قد اتخذ سرباً في الأرض يعبد الله فيه مع أصحابه». وعلى الرغم من وجود هذه المجالس الرية منذ الأيام الأولى تقيم حركة القعدة فإن الفضل يعود للامام أبي عبيدة في توضيح (2/84)
صفحة 281
معالم هذه المجالس وتصنيف وظائفها وترتيب طبقاتها. ويمكن أن نميز بين ثلاثة أنواع من المجالس السرية كانت موجودة زمن أبي عبيدة التميمي النوع الأول: المجالس العامة وهي التي لم تكن مقصورة على جماعة معينة بل أن دخولها مباح لأي شخص من أهل الدعوة. . وكان الأعضاء يرتادون هذه المجالس التي تعقد سراً في بيت أحد المشايخ وفي سراديب أرضية خاصة أعدت لهذا الغرض. وفي بعض الأحيان كانوا يعقدون هذه المجالس في بيوت النساء العجائز أو في بيوت الكرائين تجنباً للشبهات وإمعاناً في الحيطة والحذر. ولم يكن لهذه المجالس العامة برنامج معين أو خطة واحدة. بل كان الأعضاء يجتمعون في المجلس ويتلقون دروساً في العقيدة وإرشادات من كبار المشايخ الذين كانوا يقومون بالقاء الخطب الواحد تلو الآخر حول موضوع معين أو مواضيع مختلفة. وتشبه خطبهم ما هو معروف عن خطب صلاة الجمعة في المساجد ولكنها من جهة أخرى تختلف عنها في أن المجتمعين قد يتلقون أوامر يجب التقيد بها ولم تقتصر على الخطب الوعظية والدروس الدينية كما الحال في خطب الجمعة أو هو الأعياد الدينية. وكان المتحدثون يتكلمون بصوت منخفض حتى لا يسمعهم الجيران أو المارة.
وكانوا يعينون
أشخاصاً منهم لمراقبة الأحياء والطرق المؤدية إلى مكان الاجتماع. حتى لا تداهمهم الشرطة على غفلة أو يعلم باجتماعهم أحد من المخالفين المناوئين للحركة. وبينما كانوا مجتمعين ذات مرة جاءتهم العيون تخبرهم بأن الشرطة في طريقها إلى الحي الذي اجتمعوا فيه، ففضوا الاجتماع وتفرقوا. وكانوا آنذاك مجتمعين في بيت
1101 (2/85)
صفحة 282
متواضع تملكه امرأة مسنة. يقول أبو سفيان: «وما بلغنا أنه ظفر
بهم
في مجلس قط إلا أنهم كانوا ذات مرة أتاهم الخبر بأن الخيل تريدهم. فخرجوا مسرعين، وتركوا نعالهم على باب البيت الذي كانوا فيه. فجاء الشرط فنظروا إلى النعال، فقالوا للعجوز صاحبة البيت: ما هذه النعال؟ فقالت: مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها، قالوا بالله ما ذلك كما ذكرته، فإن هذا موضع ريبة. قال: فقال بعضهم: قد ذكرت العجوز ما ذكرت، فلا تعرضوها للبلاء، فلعلها أن تكون صادقة، قال: فعافاها الله منهم، وعلى أي حال فإن الأباضية لم يتركوا وسيلة لاخفاء تنظيهم إلا واتبعوها وكانوا يتخذون كل الاجراءات الممكنة لمنع تسرب أية. معلومات عن مجالسهم أو أماكن انعقادها. كما كانوا يذهبون لحضور هذه المجالس متنكرين على هيئة النساء أو الباعة المتجولين. يقول أبو سفيان: «كانوا يأتون المجالس في هيئة النساء في النهار، وغير ذلك يتشبهون بالنساء ... وإن كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة ماء، أو يحمل حملة متاع كأنه بياع حتى يدخل المجلس. ليس هذا فحسب بل أن مشايخ الأباضية كانوا يحذرون أتباعهم من العيون والجواسيس ويوصونهم بطرد أي شخص يشكون في أمره». ويؤثر عن أبي مودود حاجب الطائي أنه كان يخاطب أتباعه ويقول: «إذا يعيب عليه المسلمون (الأباضية) في خلافهم في الدين وأراد أن يشغب عليهم ويفتق بينهم فاهجروه ولا تحضروه مجالسكم وأعْلِمُوا الناس به ليكونوا منه على حذر. ونتيجة لهذه الوسائل والاجراءات الحذرة التي اتبعها الأباضية في البصرة لم يؤثر عنهم «أنهم ظفر بهم في
كان أحد
مجلس قطه (2/86)
صفحة 283
وكان مشايخ الأباضية البارزين يشرفون على هذه المجالس العامة. ولذلك فقد سمي كل مجلس باسم الشيخ المشرف عليه مثل مجلس عبد الملك الطويل، ومجلس أبي سفيان قنبر ومجلس أبي الحر
علي بن الحصين ومجلس أبي مودود حاجب الطائي وغيرها. النوع الثاني: مجالس المشايخ ويحضرها زعماء الإباضية فقط. وفي هذه المجالس تقرر السياسة التي يجب على أهل الدعوة اتباعها. وكان مجلس المشايخ عبارة عن مجلس تخطيط وتنظيم لحركة ثورية سرية. ولا يجوز لأحد غير الإمام وكبار المشايخ حضور هذه المجالس. وتورد المصادر الأباضية أمثلة كثيرة منع فيها بعض أتباع الدعوة من الدخول إلى هذه المجالس منها ما يذكره أبو سفيان من أن شعيب بن عمر، وهو من أفاضل شباب أهل الدعوة، قد حاول دخول أحد مجالس المشايخ وكان منعقدا في الليل في بيت زوج أخته حاجب الطائي. ولما علم الأخير به رفض السماح له وطلب منه العودة إلى بيته الذي كان أكثر ثلاثة أميال
الذي
يبعد
من
النوع الثالث: هو ما يمكن أن نسميه باسم مجالس أو مدارس حملة العلم، حيث كان الدعاة من مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها مباشرة عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التيمي أقام مدرسة لهذه الغاية في سرداب أرضي لا يعرفه إلا الدعاة (حملة العلم شيوخ الأباضية البارزين الموثوقين. وكان أبو عبيدة يتظاهر بصنع القفاف لذلك دعي بالقفاف. وبينما كان الإمام يلقي دروسه على تلاميذه كان هناك حارس يجلس عند للسرداب فإذا مر أحد حرك الحارس سلسلة جديدة
الباب الخارجي فيتوقف أبو عبيدة عن إلقاء دروسه ومحاضراته، ويشتغل وتلاميذه
- AY - (2/87)
صفحة 284
بصنع
القفاف. وإذا أمن الحارس وأيقن عدم وجود خطر حرك السلسلة مرة أخرى فيعود أبو عبيدة وتلاميذه للدرس والتحصيل. هذه المدرسة تخرج دعاة الأباضية في الأمصار الذين عرفوا باسم ومن
حملة العلم
كان حملة العلم يختارون عادة من بين أهل الولايات التي يرسلون إليها، أو من المناطق القريبة منها لمعرفتهم بأحوال الناس وعاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم ومقدار تطورهم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة، وبالتالي يسهل عليهم مخاطبة الناس واختيار الظروف الملائمة والأماكن المناسبة لاقامة مراكز الدعوة ونشر أفكارهم ومعتقداتهم في تلك البلاد. وإذا تفحص الباحث المصادر الأباضية المتوافرة فإنه يجد أن معظم حملة العلم كانوا من بين السكان الأصليين للبلاد التي يبشرون فيها، على أن دعاة من أماكن أخرى كان واردا ولكن بصورة محدودة جدا، وطبقا لمقتضيات الظروف، كما حدث عندما رافق أبو الخطاب المعافري وهو عربي يمني حملة العلم المغاربة الذي جاؤوا إلى البصرة في نحو عام 135 هـ،، وبقوا خمس سنوات يأخذون العلم وأصول المذهب الأباضي عن إمام الإباضية الأكبر أبي عبيدة التميمي. ومهما يكن من أمر، فإن الروايات الأباضية تشير إلى أن أبا عبيدة كان يحبذ اختيار الدعاة من السكان المحليين.
وجود
وقد نظم أبو عبيدة العلاقة بين مركز الدعوة في البصرة وحملة العلم. وإذا حدث خلاف بين أفراد حملة العلم في أي من الأمصار فكان عليهم العودة لمشايخ البصرة للنظر فيه والعمل على حله. (2/88)
صفحة 285
حضرموت
الله
وكثيرا ما كان أبو عبيدة يرسل أحد أصحابه المعروفين بالحصافة والعلم للنظر في مثل هذه الطوارئ. وكان رسوله في معظم الأحيان حاجب الطائي الذي كان ساعده الأيمن ومستشاره الأول وكان المسؤول عن الشؤون العسكرية والمالية وشؤون الدعوة خارج البصرة. . ومن أمثلة ذلك ما حدث بين أتباع الدعوة من أهل. فقد وقع الخلاف بينهم وقبض فريق على رئيسهم عبد بن سعيد وشدوه في الحديد وبايعوا رجلا آخر يقال له حسن بينما خالفتهم طائفة أخرى. واتفق الفريقان على تحكيم مشايخ البصرة في الأمر وأرسلوا إلى البصرة يعرضون مشكلتهم على الامام ويطلبون منه النصح والارشاد فأرسل لهم أبو عبيدة حاجب الطائي في موسم الحج، وبعث لهم يخبرهم بذلك ويأمرهم بموافاة حاجب في الموسم. وصدع الجميع لأمر شيخهم أبي عبيدة، ووافي الحضارمة حاجبا في مكة وتشاوروا معه في أمرهم وتوصلوا إلى حل مناسب يخدم دعوتهم ويجمع شملهم. استطاع الأباضية نتيجة للتنظيم الدقيق والدعاية النشطة والحذرة أن يكسبوا أعوانا كثيرين في مناطق
من
متعددة من الدولة الاسلامية خلال الربع الأخير القرن الأول الهجري. وفي بداية القرن الثاني الهجري وبعد أن اعتلى يزيد بن عبد الملك عرش الخلافة (101 هـ 105 هـ) حدثت بعض التطورات السياسية التي أدت إلى بروز جماعة متطرفة من بين الأباضية تنادي بوجوب الثورة. فقد ثار يزيد بن المهلب الذي كان قد هرب من السجن إثر وفاة الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد هزم واليها وحرر اخوته وأقاربه من سجنه
واحتل البصرة.
أن
- 19 - (2/89)
صفحة 286
ثم قام بدعاية واسعة انضم إليه على أثرها عدد كبير من أهل العراق وامتد نشاطه فشمل الأهواز وكرمان وفارس حتى السند. ولما علم الخليفة بهذه الانتصارات التي أحرزها يزيد بن المهلب أرسل إليه جينًا كبيرًا بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد واستطاع الجيش الشامي أن يهزم الثوار في معركة العقر سنة 102 هـ وقتل فيها يزيد بن المهلب نفسه وهرب بقية أقاربه واخوته إلى قندابيل في السند. ولحق هلال بن أحوز التميمي على
بهم
بهم
رأس قوة كبيرة فحاصرهم وألحق هزيمة منكرة وقتل معظم أفراد الأسرة المهلبية بينما أسر الباقون مع نسائهم وأطفالهم وعوملوا معاملة سيئة حتى أنهم تعرضوا للبيع في السوق كالرقيق.
كان لهذه المعاملة السيئة التي لقيها المهالبة، قادة الأزد وزعماؤهم - أثرها الكبير في إثارة غضب الأزد وسخطهم على الحكم الأموي. ولم يقتصر ذلك على أزد العراق وخراسان بل تعداه إلى أزد عمان. وأدى ذلك بالتالي إلى حنق الأباضية في البصرة وخاصة أن عددا كبيرا منهم كان ينتمي إلى قبيلة الأزد ومنهم عدد من المهالبة أنفسهم. والحقيقة أن قضية المهالبة قد ربطت منذ أيام جابر بن زيد بالقضية الأباضية حيث كان أي خير أو شر هذه الأسرة يمس ينعكس على الحركة الأباضية وعلى علاقتها بالسلطة الحاكمة. ومن المؤكد أن عددا من المهالبة وأزد البصرة الذين لقوا مصرعهم على أيدي الأمويين وأعوانهم كانوا من الأباضية ومن بينهم عبد الملك بن المهلب. ولذلك فقد نقم الأباضية في البصرة على الحكم الأموي بعد قمع ثورة يزيد بن المهلب وضاقوا ذرعاً بسياسة ولاة البصرة تجاه أنصارهم من الأزد. وارتفعت أصوات بعض مشايخهم بوجوب
90 (2/90)
صفحة 287
الانتقام وإعلان الثورة ومن بين هؤلاء: الشيخ الأباضي أبو نوح
صالح الدهان وبعض أفراد الأزد الذين نجوا من الموت والهلاك يزيد بن المهلب المعروفة بحماسها الشديد
حتى
-
<
عاتكة أخت ومن بينهم للمذهب الأباضي وتفانيها في خدمته. ولكن الإمام أبا عبيدة كان يرى أن الوقت لم يحن بعد لإعلان الثورة المسلحة، ورفض بشدة آراء المنادين بها. وحبّذ أبو عبيدة أن يقوم أتباعه بثوراتهم في أماكن نائية بعيدة عن متناول السلطة المركزية. وكان في تنظيمه، يخطط لمثل هذا العمل ولكنه كان يتحين الفرص المناسبة والملائمة لكل قطر يأمر أتباعه فيه بالخروج. ولذا فقد قاوم آراء أتباعه المنادين بالثورة وبقي الأباضية طيلة فترة يزيد بن عبد الملك محافظين على سرية حركتهم متجنبين كل ما يثير السلطات حتى لا يواجهوا نفس مصير الأزد والمهالبة. وقد كان موت يزيد بن عبد الملك واعتلاء أخيه هشام الخلافة (105 هـ / 724 م 125 هـ / 743 م) وتعيين خالد القسري واليا على العراق فرصة مناسبة ساعدت أبا عبيدة على إقناع أصحابه بالتحلي بالصبر. فقد أتسمت فترة ولاية خالد القرى باللين والتسامح ليس مع الأباضية فحسب بل مع معظم المعارضين للحكم شريطة أن لا يرفعوا السيف في وجهه. وبلغ به التسامح أن بعض مشايخ الأباضية كانوا يشتمونه من على منابر المساجد كما كانوا يؤلبون الناس ضد عامله على البصرة، القاضي المعروف بلال بن أبي بردة، ولم يسهم بضر. وقد تزعم هذه الحملة الدعائية ضده أحد شيوخ الأباضية البارزين وهو أبو محمد المهدي. وعندما عزل خالد القسري وعين بدلا منه يوسف بن عمر الثقفي أتبع الأخير سياسة قاسية مخالفة لسياسة سلفه واستعمل العنف والشدة ضد المناوئين
91 - (2/91)
صفحة 288
للسلطة
حتى لو لم يرفعوا السيف في وجهها في ظل هذه السياسة التي أخذ يمارسها الوالي الجديد تعرض أبو عبيدة لضغط جديد من بعض أتباعه في وجوب التحرك والخروج. ويبدو أن أبا عبيدة قد أدرك أنه ليس بوسعه الاستمرار في مقاومة رغبات بعض أصحابه ومشايخ دعوته لوقت أطول ولكنه رأى في الوقت نفسه أن الخروج على طريقة متطرفي الخوارج أو على منوال الثورات الأخرى التي قامت في العراق لن تؤدي إلى نتيجة طيبة وستقمع بعنف وشدة وقد تضيع بعدها الدعوة ويصعب تنظيم أصحابها من جديد. لذا قرر السير في الانتقال من طور الكتمان إلى طور الظهور بحذر شديد متخذا خطوات تنظيمية جديدة في هذا الشأن كان لها أثر كبير في انتصار الدعوة وإعلان إمامة الظهور، ليس في البصرة، ولكن في الأمصار الأخرى البعيدة عن مركز السلطة المركزية والتي كان أبو عبيدة يرى، من قبل، أن أي نجاح لدعوته سيكون في هذه الأمصار النائية ولذا فقد ركز جهوده دعاته على سكان تلك الولايات الواقعة على أطراف وجهود الامبراطورية الإسلامية. كانت خطة أبي عبيدة مختلفة عن خطط كل ما سبق من ثورات
التأكد
من أن
وحركات وكانت ترمي إلى إقناع المتطرفين من أصحابه بأنه ليس أقل حماسًا منهم للوصول إلى الهدف الأسمى ولكن بعد الأمر قد أعد له الاعداد الكافي الضروري. وتبعا لذلك قرر أبو عبيدة أن يعزل نفسه وأصحابه بقدر الأمكان عن بقية المسلمين (النخالفين) ويكون ما يمكن أن نسميه تجوزا «المجتمع المغلق» والذي أطلق عليه جماعة المسلمين. وحذر أصحابه وأتباع دعوته من
– 92 – (2/92)
صفحة 289
التعامل
مع الولاة والحكام وطلب منهم عدم قبول أي منصب وتناول أي مال منهم. وعلى الرغم من أن هذه الأمور كان مسموحا بها في زمن سلفه جابر بن زيد فإن أبا عبيدة وجد من الضروري في هذه المرحلة إتخاذ مثل هذه الاجراءات حتى يحافظ على سرية الحركة ويمنع الاغراءات لبعض أتباع الدعوة. ليس هذا فحسب بل أن أبا عبيدة لم يحبذ التزاوج بين أتباع الدعوة وبقية المسلمين. ومع أن هذا الأمر مشروع في العقيدة الأباضية إلا أن الإمام فعل ذلك من قبيل المحافظة على عدم اختلاط أهل الدعوة مع غيرهم ومنع تسرب أية معلومات عن نشاطاتهم وتحركاتهم بل وسلوكهم وتعاملهم فيما بينهم. وتشير الرواية الأباضية إلى أن أبا عبيدة هجراً أتباعه لأنه زوج ابنته لرجل غير أباضي بينما سمح جابر بن زيد من قبل بمثل ذلك. على أنه يجب أن لا يغيب عن البال أن هذا الإجراء كان مؤقتا قبل إعلان إمامة الظهور ولم يكن قاعدة فقهية يجب اتباعها والأخذ بها في كل الظروف. وجدير بالذكر أن الاباضية في مرحلة الكتمان يجيزون بعض الأمور مثل تعطيل الأحكام وعدم إقامة الحدود لأنهم - طبقا لوجهة نظرهم – ليسوا في. وضع يسمح لهم بتنفيذ هذه الأمور.
أحد
بالاضافة إلى هذه التنظيمات فقد خلق أبو عبيدة من أتباعه بجتمعا تسوده المودة والمحبة والإخاء في العقيدة وتسيطر عليه روح الجماعة. وكان يحثهم على التآلف والتعاون فيما بينهم. كما طلب من الأغنياء أن يكونوا عونا للفقراء وسندا لهم حتى لا يضطر الفقير من لاحتياج أحد من المخالفين. وقد لبى الأثرياء منهم هذا
جماعته (2/93)
صفحة 290
الطلب بحماس منقطع النظير. وتورد المصادر الأباضية أمثلة كثيرة تشير فيها إلى تنافس الأغنياء منهم في سد
حاجة الفقراء وإعطائهم
يقول أبو سفيان مدللاً على ذلك: «سمعت بعض مشايخ من أدركت يقولون: أنا لنذكر إذا دخل شعبان أن كان الفقراء من المسلمين (الأباضية) لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها. يأتي الرجل بالجمال حتى يقف به
على باب الدار فيقول: أدل، فيكتب في خرقة كلوا واطعموا. أن شخصا الأباضية يدعى ديال بن يزيد كان يستأجر من
ويروي
الأكسية في البرد الشديد. بألف درهم أو أقل أو أكثر وليس عنده منها شيء وانما يتكل على الله وعلى المسلمين (الأباضية). ثم يفرقها بين الفقراء ويجمع ثمنها أغنياء الأباضية وكرمائهم.
بعد ذلك
من
وكان الداعية الأباضي، أبو الحر، موسرًا جدا وتأتيه غلته سنويا فيقمها نصفين، فيفرق نصفها في فقراء المسلمين (الأباضية) وفي معاونتهم. ليس هذا فحسب بل أن أغنياء الأباضية كانوا يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم. يقول أبو سفيان: «مات حاجب وعليه دين من المسلمين ليغسلوه فقال لهم قرة: ياقوم. ما تقولون في دين هذا الرجل؟ فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه. قال: ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين (الأباضية) وكان موسرًا فأخبروه. فقال لهم الفضل: دينه علي دونكم حتى أعجزه عنه ولا يبقى لي مال»
..
ولم يغفل أبو عبيدة ومشايخ الأباضية في البصرة عن أتباعهم في الأمصار الأخرى وخاصة أنهم يحتاجون بشكل دائم إلى المساعدات
94 (2/94)
صفحة 291
وتطورها
المالية المعنوية حتى يستطيعوا الصمود، ولكي يستعدوا بشكل فعال للوقوف في وجه أي خطر يتهددهم، أضف الى ذلك فإن جماعات الأباضيه خارج البصرة كانت في بعض الأحيان تواجه بعض المشاكل الطارئة ولا بد لحل هذه المشاكل من الرجوع إلى أئمة البصرة ومشايخها. ومن هنا فقد برزت الحاجة لا يجاد نوع من التنظيم يتولى الاشراف على كل هذه الأمور ويضمن للدعوة استمرارها ويهي لها بالتالي سبل النجاح والنصر. ولتحقيق ذلك أنشأ أبو عبيدة في البصرة ما يمكن أن نسميه بالحكومة الثورية السرية. وكان هو زعيمها وله الكلمة العليا في الشؤون الدينية من فتوى وقضاء والاشراف على الدعاة وحملة العلم الذين يرسلون للأمصار. وأنشأ بيت مال خاص بجماعة المسلمين (الأباضية) في البصرة وكل لحاجب الطائي مهمة الاشراف على الشؤون المالية والعسكرية وشؤون الدعوة. وقد كان أبو عبيدة ذكيا في الربط بين الناحيتين المالية والعسكرية ووضعها في يد رجل واحد قدير، وذلك لأن موارد بيت مال الفرقة كانت تستخدم لماعدة الدعاة والثوار الأباضية في المناطق البعيدة. وكان موارد بيت المال تأتي من مصدرين: الأول عبارة عن ضريبة فرضها الامام على أتباعه في البصرة. ولا تذكر المصادر متى كانت تدفع ولا مقدارها. ولكن من الثابت أنها لم تكن تفرض بالتساوي بل تتفاوت حسب ثراء المكلف ودخله. ولا تذكر المصادر أن أحدًا من الاباضية قد تخلف عن دفعها لأنها تعتبر جزءا من واجباتهم الدينية التي تاعد على انتصار دعوتهم التي تمثل الاسلام الحق كما كان موجودا زمن الرسول الله وفي عهد الخليفتين أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ويبدو أن (2/95)
صفحة 292
هذه الضريبة كانت تجمع عند الحاجة. أما المورد الثاني لبيت المال فكان يأتي من التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الأباضية. أن التجار الأباضية كانوا من الأغنياء المعدودين. وكانت ويبدو تجارتهم تتجاوز البصرة وما جاورها وتصل إلى الصين والشرق الأقصى. ولم تقتصر هذه التبرعات على الأغنياء من الأباضية بل تعدتهم إلى بقية الناس من أهل الدعوة، رجالاً ونساء – وتخبرنا الروايات أن حاجبا دعا أحد أصحابه ويسمى أبو طاهر وطلب منه النساء وأوساط الناس لأنه لا يريد أن يكتب من عليهم ضريبة. فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلاً إلا وجدوه مسرعا فيما سألوه. وكان رجل من المسلمين لم يكن يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم. فلم تمض الليلة حتى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم». نتيجة لهذه التنظيمات الدقيقة الذكية، وانطلاقا من روح
أن: يجمع الصدقات.
الأخوة والتسامح والمودة والتعاون التي سيطرت على جميع أتباع المذهب في طوره الأول، وتتويجا لنشاط حملة العلم المتحمسين فقد استطاعت الدعوة الأباضية أن تنتصر وتمكن أتباعها من إحراز نجاح باهر في أماكن مختلفة من أصقاع الدولة الاسلامية. وفي العقد الثالث من القرن الثاني الهجري استغل مشايخ الأباضية في البصرة الظروف التي كانت تمر بها الدولة الأموية وأوعزوا إلى دعاتهم وحملة العلم منهم إلى إعلان الامامة في كل من حضرموت واليمن وعمان وبلاد المغرب. واستطاعوا تأسيس إمامة إباضية في كل من الأقطار المذكورة. ولكن هذه النجاحات لم تعمر طويلا، فقد قضى الأمويون على
-97 - (2/96)
صفحة 293
إمامة عمان الأولى سنة 134 هـ. ومنذ ذلك التاريخ أصبح تاريخ عمان مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمذهب الأباضي بحيث لا يمكن فهم
تاريخ هذا القطر بمعزل عن تاريخ المذهب الأباضي وتطوره. أما في الجزء الغربي من بلاد الخلافة الاسلامية منذ قام الاباضية
بجهود مضنية في سبيل انتصار دعوتهم: واستطاعوا بعد كفاح مرير تأسيس الدولة الرستمية الأباضية في بداية العقد السابع من القرن الثاني الهجري. وقد عمرت هذه الدولة أكثر من قرن وثلث وقضى عليها الفاطميون نحو عام 297 هـ. وعلى الرغم من ذلك فقد بقي المذهب الأباضي قائما في مناطق متعددة من بلاد المغرب حيث كون أتباعه مجتمعات خاصة في مناطق نائية بعيدة عن متناول بهم السلطات المعادية. ولا تزال بقاياهم موجودة إلى يومنا هذا في جبل نفوسة في ليبيا وفي جزيرة جربه في تونس وفي وادي ميزاب في
الجزائر
وهكذا فإن جهود مشايخ الأباضية وحملة العلم وتنظيماتهم السرية الدقيقة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين قد أثمرت تأسيس دول إباضية مستلقة في الجزر العربية وبلاد المغرب، كان لها دور هام ومجيد في التاريخ
الاسلامي وفي ظل هذه الدول قام الاباضيون بجهود مشكورة في نشر الاسلام في أماكن كثيرة، وكان لهم فضل كبير في هذا الشأن في كل من أفريقية الشرقية وأفريقية السوداء جنوب الصحراء وبعض مناطق الشرق الأقصى كما قام الاباضيون بجهود كبيرة في سبيل إثراء المكتبة
97 (2/97)
صفحة 294
الاسلامية بالمؤلفات الكثيرة المتنوعة التي تتناول مختلف جوانب الفكر الاسلامي. ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمفكرين. 1 - أن الأباضيين ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب
المقالات والملل والنحل وكما يدعى بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص. والواقع أن الاباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم. 2 - أن الإباضية حرموا قتل الموحدين وإستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية.
3 - ان الاباضيين ينظرون إلى الدين نظرة واحدة متكاملة لافصل فيها بين المظاهر الروحية والمادية ولا طغيان لاحداهما على الأخرى. وتبعا لذلك فقد أنكروا التصوف ورفضوه.
4 - إن المدقق في المصادر الفقهية الاباضية يجد أن أصحاب المذهب الاباضي من أكثر المسلمين إتباعا للسنة الشريفة والاقتداء بها. أما ما تلصقه
بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب
5 - أنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد
الخليفتين أبي بكر وعمر.
98 - (2/98)
صفحة 295
أيها الاخوة: في ختام حديثي لابد لي من القول: إن الوحدة العربية والتضامن الاسلامي يستدعيان منا أن نحكم العقل والعدل في علاقاتنا جماعات وأفراداً. وإن زوال الفرقة بين أتباع المذاهب الاسلامية أمرهام وضروري لتحقيق حريتنا ووحدتنا ومستقبل أجيالنا. إن الدين واحد والمصدر واحد ولا مبرر للفرقة والاختلاف بين المسلمين إن هم حكموا قول رسول الله تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنة رسوله الكريم الله
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته (2/99)
صفحة 296
[صفحة فارغة] (2/100)
صفحة 297
في ضيافة ميزاب
على الجزائري الذي يزور ميزاب، ألا يذهب إليه بهدف التصوير وأخذ المناظر الفتوغرافية كما يفعل السياح بحثاً عن المناظر التقليدية ذات الألوان المحلية، وإنما ينبغي الذهاب إلى هناك بضمير الباحث الذي يرغب في تمزيق الاغلفة، فإنه بعد تمزيقها يكتشف في ميزاب شيئاً جديداً، هذا الجديد الذي هو ملكنا
جميعاً. (2/101)
صفحة 298
[صفحة فارغة] (2/102)
صفحة 299
في ضيافة ميزاب
مالك بن نبي
(1)
تعريب الدكتور محمد ناصر
بقلم المفكر الاسلامي الجزائري
إن الطريق الذي اتخذته ما بين الجزائر العاصمة إلى غرداية في الأسبوع الماضي، يقطع المناطق الجزائرية الثلاث، فالمسافر يستطيع أن يشاهد في ساعات قليلة تلك المناظر النموذجية من التل ومن النجود، ومن الصحراء السياحية المختلفة، ولا سيما في هذا الفصل من السنة حين يمد الربيع زربية خضراء تغطي كل المناطق السهلية منها والجبلية، أنه يقدم للمسافر طيلة الطريق، موكبا من الزهور الرائعة المختلفة التي تحيي المسافر وتستقبله، وكأنها فرقة
شرفية.
وتبدأ المناظر الطبيعية في التغير شيئا فشيئا من أخضر فاتح إلى أخضر داكن وتبدو المسافات في التباعد ما بين الأشجار شيئا
(1) الأستاذ مالك بن نبي (رحمه الله مفكر إسلامي متخصص في دراسة الحضارة الإسلامية، يمتاز في أبحاثه بالتحليل العميق، والنظرة الشمولية، ترك مؤلفات قيمة عديدة من أشهرا الظاهرة القرآنية، توفي بالجزائر في سنة 1973 (2/103)
صفحة 300
فشيئا، وتختفي الأنظار نهائيا كلما عن وغلنا نحو الجنوب، وتظهر فجأة القوافل الأولى للجمال وهي ترعى بمحاذاة خط سكة الحديد غير بعيدة عن مدينة (عين وسارة) وغير بعيد عن هذه المنطقة، وقبل الوصول إلى (الجلفة) يظهر الكثيب الأول من الرمال
الذهبية،
لماذا يجد الاجانب الذين يصلون إلى (ميزاب) انفسهم فجأة أمام مملكة سحرية رائعة خلابة؟! ذلك هو السؤال الذي ألقي علي - أو هو على نحو من ذلك - وأنا أستقبل بكل حفاوة من طرف المسؤولين في مركز الحزب بغرداية. هل هو الابتهاج؟ ولكن هذا الشعور أظنه احساسا عاما، يشعر به كل أحد، حتى المسافر الجزائري القادم من الشمال يحس به، إني أعتقد أن هذا الشعور يعود أولا إلى الإحساس بالاغتراب، والابتعاد عن العمران.
هذا الاحساس الذي يحس به المرء وهو يقطع المسافة الطويلة الخالية العارية ما بين (الجلفة) و (ميزاب) إن الشعور بالاغتراب يحس به ابن ميزاب) أيضا حين يقف في المستجاب) حيث خصصت التقاليد المحلية هذا المكان المطلي باللون الأبيض الضارب إلى الزرقة ليقف فيه المسافر المغادر داعيا الله بالحفظ والسلامة حين يودع أهله وبيته متجها إلى مقر عمله بالتل. إن السائح القادم من التل يشعر بمثل هذا الشعور، وهو يغادر الجلفة ليقطع الصحراء الشاسعة، إن الشعور بالابتعاد والعمران شعور متشابه.
عن
الأهل
إن ابن البلد يعبر عن ابتهاجه بالوصول وهو يؤدي صلاة شكر
11.?1 (2/104)
صفحة 301
الله في (المستجاب)، أما السائح فيشعر بالابتهاج والسرور حين يحس بالنجاة وهو يكشف فجأة أسطح المنازل الممتدة تحت عينيه وهو يصل إلى غرداية من أعالي جبالها المطلة عليها وعلى قرى ميزاب
المجاورة.
السكان
-
شخص
وهكذا يجد السائح الغربي - المتعود على الأشجار وتزاحم نفسه فجأة في موطن آخر مغاير يتمثل في النخيل ووجوه الميزابيين أنفسهم أن السائح لا يبحث عن التغيير أو الجديد في الأوطان متمثلا في أي تغيير يحدث في الأمن الذي يراه، أنه هارب مما تعود على رؤيته والعيش فيه، هارب من مكتبه، من مصنعه، من (المترو) من مدينته المضطربة الخائفة، إن ابتهاج السائح الذي يصل ميزاب لأول مرة يفسره هذا الاحساس المزدوج، مثلنا من هذه المساحة الشاسعة الحالية التي تهيمن على المشاعر على حساب الأخلاق والقيم إنه يجد في ميزاب وجها لحضارة جديدة، إنه هذا الوجه الذي همني بصفة خاصة، ولا بد من العودة دونما شك في التاريخ الجزائري إلى الوراء .. إلى آخر عهد الدولة الرستمية لنجد الجذور لهذه الحضارة الموجودة هنا بعد انقراض الدولة الرستمية على يد الفاطميين في (تاهرت).
يفر
إن أصول هذه الحضارة إنما حملتها أمواج الأحداث إلى هذه المنطقة حملتها العواصف التاريخية الهوجاء بذرة واحدة وزرعتها حيث تنمو اليوم مدينة (العطف) التي هي جدة (ميزاب)، ومنذ ذلك الحين فإن البذرة تضاعفت وتكاثرت، واليوم فإن (ميزاب) يتكون من: (العطف)، و (مليكة)، و (غرداية)، و (بني يزفن)
11.01 (2/105)
صفحة 302
وأنا هنا لا أورد هذه القرى حسب أولوية نشأتها التاريخية حتى لا أخطئ، غير أني أحدد بأن المدينتين (بريان) و (القرارة) اللتين
يعود عمرهما إلى ثلاثة قرون هما آخر حلقة في شجرة هذا النسب. إن هذه القوى تكون مجتمعا متماسكا، وهذا التكوّن لا يعود إلى الخصائص الدينية فحسب، وإنما يعود إلى الإجماع الذي يقعد كل
علاقات الأفراد. مع المجموعة والعكس، ومن ثم فإن الميزابيين يكونون مجتمعا روحيا بأتم معنى الكلمة أنهم (مورمون) الجزائر.
ان القاعدة الاخلاقية هنا تتطلب من كل واحد احترام
المجموع، هذه القاعدة التي تجبر كل فرد على احترام المجتمع وتفرض عليه السلوك السوي، هذه القاعدة الاجبارية تذهب إلى حد البراءة والنفي للأفراد في بعض الحالات التي ذلك تستدعي، ففي حالة إعلان البراءة من الشخص يصبح غير مستطيع الاندماج في المجتمع من جديد الا أن يعلن التوبة من ذنبه صراحة أمام الملأ في المسجد، إنه
بعد
ما نسميه اليوم (النقد الذاتي وإننا نلمس آثار المحافظة على هذه القاعدة الهامة في المجتمع هنا إذ أننا لا نرى في (ميزاب) أية علامة للإنحراف أو التشرد كما نراها في غير (ميزاب). لم أر شخصا واحدا أخذ بجريرة الشكر في أزقة (غرداية) – على هذه المدينة الأكثر تفتحا باعتبارها تستقبل مختلف الأجناس ولم أر أية علامة للانحطاط الأخلاقي الاجتماعي، كأن يكون المرء في رحمة السؤال وطلب الصدقة، أني لم أر مسولاً واحداً طيلة إقامتي، وبتعبير آخر نقول: إن الوسط الميزابي: يحقق بقوة الشروط النفسية والاجتماعية لبناء حضارة صغرى ان الموضوع
سبيل المثال
-
6
11.1 (2/106)
صفحة 303
يستحق دراسة اجتماعية مفصلة غنية بالمعلومات، إن ابناء ميزاب الذين يزاولون بكثرة اليوم التعليم العالي ينبغي عليهم أن يخصصوا بعض الأطروحات الاكاديمية لهذا الموضوع.
إن الذي أريد تسجيله هنا هو تعجبي من سؤال أحد المتعاونين - الذين تفضلوا باستضافتي إلى ناديهم بغرداية – حينما وجه إلى السؤال التالي:
«هل تعتقدون ان الموانع الدينية الموجودة هنا تسمح بتطور المجتمع، يبدو لي أن هذا السؤال يحرق مراحل تاريخية هامة. فإنه قبل أن يفكر أي مجتمع في تبني اشكال حضارية جديدة للتطور لا عليه أن يفكر أولا في المحافظة على جوهره وماهيته، ويحافظ على وجوده، هذا الذي له الأولوية، فإذا حدث له انقلاب أو طفرة، فإن التطور عندئذ يصبح بالنسبة اليه أشبه ما يكون بممر خطير فوق هوة سحيقة دوق حواجز فإنه بعثرة قدم واحدة يتدحرج ساقطا في الهوة، وهو السقوط في هوة التسول والسكر، والعهر،
والتشرد. وعندما أسأل هل الموانع الدينية تسمح للمجتمع بالتطور، فإن هذا السؤال يكون عندئذ كمن يقول لماذا لا يحطم المجتمع الحواجز لينتحر، إنني أعلم بالطبع أن السائل قد لا يقصد هذا ولكني أنا الذي ترجمته واستشففته من خلال نظرتي إلى التاريخ والحضارة، وهي ليست نظرة السائل طبعا. ومهما يكن من أمر، فإن المجتمع الميزابي قد حافظ بحكمة وتبصر على الحواجز حتى يستطيع المرور من العصر الوسيط إلى العصر الحديث في أمن.
107 (2/107)
صفحة 304
والواقع إنه توجد في هذا الجزء من الجزائر امكانات للتطور غير
مقدرة وغير معروفة في باقي نواحي القطر. إنهم قلة قليلة اولئك الذين يعرفون أن أول مدرسة عصرية انشأت بمدينة (تبسة) منذ ما يقرب من نصف قرن، وأقل من القليل من يعرف أن هذه المدرسة إنما انشأها الشيخ عباس بن حمانة بمعونة تاجرين من ميزاب، اننا نرى هنا الوطنية الفتية والتقاليد الأصيلة (سموها إن شئتم موانع دينية تلعب دوراً هاماً في الحفاظ
على الشخصية الجزائرية في وقت كانت فيه مهددة تهديداً شديداً إن بداية هذا التطور الثقافي تعود إلى أواخر القرن الماضي زرت في بني يزفن المكتبة التي تحتوي على التراث القيم الذي تركه الشيخ اطفيش. هذا العلامة الشهير الذي جاوزت شهرته حدود ميزاب، بل وحدود القطر الجزائري، وأنا لا أتحدث هنا عن شهرته ونفوذه في المجتمعات الاباضية الأخرى من عمان الى جبل نفوسه باعتباره فقيها ضليعا، وانما تحدث عن تأثيره وشهرته باعتباره عالما مسلما لا أكثر ولا أقل، تفاعل مع الأحداث الكبرى التي كانت تشغل العالم الاسلامي في بداية القرن العشرين عندما كان العالم الاسلامي يواجه أخطر اللحظات التي مر بها في تاريخه. إن سليمان الباروني الذي جسد أهم الفترات الدراماتيكية للمقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي لم يكن سوى تلميذ من تلامذة الشيخ اطفيش، وهذا له دلالته العميقة.
أراني القيم على مكتبة الشيخ أطفيش وهو من عائلته – أراني الأوسمة العلمية التي حصل عليها قبل 1908 التي هي سنة الثورة التركية،، حين حصل الشيخ على وسام الباب العالي)، وحصل على
11^1 (2/108)
صفحة 305
وسام من سلطان زنجبار، ووسام من الأكاديمية الفرنسية لمقدرته
العلمية
مات الشيخ في سنة 1910 في دويرة تفضل عليه بزيارتها من باب يؤدي إليها من المكتبة نفسها، وهناك تحت السقف المتواضع
المسقف. بخشب النخل كانت الحلقة التي يجتمع فيها بتلامذته ولم ينقطع هذا التيار الثقافي الذي تركه الشيخ بموته، فقد كان له من تلامذته من واصل مسيرته التي تعتبر ارهاصا للحركة
الاصلاحية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى في الجزائر. وكان الشيخ أبو اليقظان - الذي زرته وهو على فراش المرض - من ألمع هؤلاء التلامذة.
واليوم قام المعهد الاسلامي بمدينة القرارة معهد الحياة تحت الادارة الحركية الحازمة للشيخ بيوض بمد هذا التيار إلى مرحلة ما بعد الثورة حيث نجد التعريب من أهم المشاغل والاهتمامات
الوطنية
لقد اتصلت بتلامذة المعهد في عدة لقاءات، هذه الشبيبة المجتهدة التي تواصل حمل هذه الرسالة، وتحمي التقاليد الأصيلة دون أن تغفل مشاكل العصر، إنها تعالج مشاكل العصر ولكن دون أن تكون سببا لإزاحة الحواجز الواقية المشار إليها. وبالنسبة للاحتياجات المادية التسيير المعهد فان المجتمع هو الذي يقوم بها، هذا المجتمع الذي من خصائصه أن يكون كل فرد فيه من أجل المجموع
وكل المجموع من أجل الفرد، انها القاعدة السحرية التي
تنظم الحياة والعلاقات في المجتمع الميزابي.
-1.9 - (2/109)
صفحة 306
ففي
(العطف) حين تضررت الطريق المؤدية إلى غرداية بفعل فياضانات السيل، فإن الشبيبة قامت على الفور باصلاح ما فسد، وفي (القرارة) حين تقرر بناء مسجد جديد قام الشباب على الفور بالعمل التطوعي، ان التطور هنا من أهم قواعد العمل الاجتماعي. كان لا بد من إقامة أطول من أجل تفاصيل أكثر، فان ما كتبته هنا عبارة عن خواطر ملخصة كنت أسجلها صدفة
في (القرارة) قدموا لي ونحن في الواحة تحت النخيل امام المسجد الذي عاد ولا شك لتوه من فلاحة نخلة، كان يلبس لباس الفلاحين بقامة معتدلة متمنطق بحزام غليظ ذي مسامير نحاسية، ويداه القويتان مخددتان من كثرة العمل.
وفي (العطف) قمت بزيارة المسجد بين المغرب والعشاء فكان أن سلمت على المؤذن الذي استقبلني في هيأة العزابة (الرداء) كما كان متوقعا، ولكني دهشت حين التقيت به صباح غد بلباس الفلاحين في إحدى أزقة العطف وهو عائد من حقله. من هنا عرفت ان القاعدة التي تحكم هذا المجتمع.
هو
العمل وهنا لا بد أن أسجل هذه الملاحظة الهامة، على الجزائري الذي يزور (ميزاب) ان لا يذهب اليه بهدف التصوير وأخذ المناظر الفتوغرافية كما يفعل السياح بحثا عن المناظر التقليدية ذات الألوان المحلية، وإنما ينبغي الذهاب الى هناك بضمير الباحث الذي يرغب في تمزيق الاغلفة، فانه بعد تمزيقها يجد في ميزاب شيئا جديداً، هذا الجديد الذي هو ملكنا جميعا.
-11 -
(م. ب) (2/110)
صفحة 307
براءة الاباضية
قلت إن أهم ما في توصيات مؤتمر عمان هو المبدأ التوحيدي الذي انطلقت منه، والمنهج العملي الذي دعت إليه في تجاوز الخلاف والإرتفاع فوق ما هو عقيم من أسبابه (2/111)
صفحة 308
[صفحة فارغة] (2/112)
صفحة 309
براءة الاباضية)
بقلم: الأستاذ فهمي هويدي
استطاع مؤتمر الفقه الإسلامي الذي انعقد في سلطنة عمان (1)، أن يطفيء أحدث حريق مذهبي شب في المنطقة، منجزاً بذلك عملاً توحيدياً جليلا، له أن يتواصل على مختلف الجبهات المهددة بالاستغلال يرجى فقد حدث أن توجه بعض الشباب السعودي إلى الشيخ عبد العزيز بن
باز - رئيس الإفتاء بالمملكة ـ وسألوه قائلين: وفد علينا بعض أتباع المذهب الإباضي، فهل تجوز الصلاة وراءهم؟ - رد الشيخ ابن باز بالسلب، وأفتى بأن الإباضية فرقة ضالة، ولا تجوز الصلاة وراء أتباعها ... قالها الشيخ في كلمات معدودة، كان لها وقع الصاعقة على رؤوس تجمعات الإباضية في زماننا، الذين يتوزعون بين بعض دول شمال إفريقيا وسلطنة عمان. إذ نكأت الفتوى جراحاً قديمة، وأثارت لغطاً عفا عليه الزمن، وفتحت ملفاً حسبنا أنه انغلق. وإزاء ذلك، فقد تعين على الإباضية أن يجددوا سعيهم التاريخي، ويرفعوا أصواتهم التي بحت، وهم يحاولون إثبات براءتهم من تهمة الغلو والتكفير ومن وصمة الضلال، التي تلاحقهم منذ أكثر من ألف عام. والتي
(1) الأستاذ فهمي هو يدي مصري كاتب، صحفي، شهير باهتماماته الإسلامية. (1) المؤتمر عقد في شهر أبريل 1988
م
113 (2/113)
صفحة 310
كلما ردوها، وظنوا أنهم دحضوها، ظهر بين المسلمين من يعود للترويج
لها، وتجريح سمعتهم بها، الأمر الذي يعود بالمشكلة إلى نقطة الصفر. وحسب الروايات التي تتردد في الكواليس، فقد سافر مفتي السلطنة - الشيخ أحمد الخليلي - إلى السعودية لتدارك الموقف، في مهمة يبدو أنها لم تنجح. وبالمقابل فإن مبعوثاً سعودياً رسمياً زار السلطنة في محاولة لتطويق المشكلة، وللإيحاء بأن الخلاف المذهبي، إن تفجر بين رموزه، فينبغي ألا تكون له تأثيرات سلبية على العلاقات السياسية بين البلدين، وإن رأي بعض أهل المذهب ليس هو بالضرورة ولا هو دائماً رأي السلطة في المملكة
في ظل تلك الظروف برزت فكرة الدعوة إلى عقد مؤتمر فقهي في مسقط، لحسم المشكلة، وإعلان براءة الإباضية مما ترمى به. وفضل أهل النظر أن يكون عنوان المؤتمر هو الفقه الإسلامي على إطلاقه. وأن يكون لفقه الإباضي أحد محاوره الأساسية. بحيث تتم مناقشة الموضوع، وتعلن البراءة من جانب فقهاء الأمة، بصورة طبيعية وغير مباشرة، فيطفاً الحريق في هدوء، ويرد الاعتبار، وتهدأ النفوس الغاضبة والقلوب الجريحة، بين عامة الإباضية وخاصتهم. أكثر الذين دعوا للمشاركة في المؤتمر لم يكونوا على علم بتلك الخلفية، ولكن قائمة المدعوين كانت توحي بأن هناك نوعاً من (الاستنفار) الفقهي، لمواجهة أمر طاريء له أهميته، فقد كان في المقدمة كل رموز الأزهر، شيخه ووكيله ورئيس جامعته، وأمين مجمع البحوث الإسلامية، ومفتي مصر، واثنان من وزراء الأوقاف السابقين، غير نفر من أساتذة الشريعة والأصول. من ناحية أخرى، فقد شارك من السعودية رئيس مجمع الفقه الإسلامي، ومن الأردن وزيرا الأوقاف والشباب (وله مؤلف
-118 - (2/114)
صفحة 311
عن الإباضية (إضافة إلى المفتي وعميد كلية الشريعة، وشيخ فقهاء الشام المعاصرين، الشيخ مصطفى الزرقا. كان بين المشاركين أيضاً مفتي سورية وممثلو كليات الشريعة في مختلف الجامعات الخليجية، وعدد من فقهاء
الإباضية في تونس والجزائر، غير فقهاء المذهب في عمان بطبيعة الحال ورغم أن البحوث المتعلقة مباشرة بالمذهب الإباضي لم تتجاوز خمسة من بين 14 بحثاً عرضت على المؤتمر، إلا أن محاور البحث الأخرى كانت متصلة بالموضوع بصورة غير مباشرة، إذ أنها ركزت على وحدة الأمة الإسلامية، ومرونة الفقه الإسلامي، ومجالات الاجتهاد عند فقهاء
المسلمين
هي
وكأن الرسالة التي أريد لهذه الأبحاث أن تبلغها للكافة أن وحدة الأمة الإسلامية أمر لا ينبغي التفريط فيه، وأن الإسلام يحتمل كل اجتهاد لا يخل بأصوله، فارفعوا أيديكم عن
:
الإباضية، ودعوا مذاهب المسلمين تتعايش ولا تتنازع. ورغم أن موضوع المؤتمر هو الفقه الإسلامي، إلا أن الشعارات التي رفعت والآيات التي قرئت، واللافتات التي وزعت في العاصمة كانت تركز
على أمر واحد هو: وحدة المسلمين والدعوة إلى نبذ الفرقة بين أهل الملة وهذه المعاني ذاتها، سجلها منظمو المؤتمر، في الكراس الذي وزع على الجميع، وتضمن عناوين البحوث وبرنامج العمل، ففي المقدمة أشير إلى أن للندوة أهدافاً ستة بينها: تعارف علماء المسلمين، والسعي لتحقيق الوحدة الإسلامية، والالتقاء تحت مظلة الإسلام التي تحمي سائر
الاجتهادات، ورأب الصدع ومحاولة القضاء على ما يدعو إلى الفرقة ويوم افتتاح المؤتمر ـ التاسع من أبريل - خرجت صحيفة عمان اليومية الرئيسية بمقال افتتاحي لأحد مشاهير الكتاب العمانيين - حمود بن سالم
11101 (2/115)
صفحة 312
السيابي - تحت عنوان (متى يكون في اختلاف العلماء رحمة)؟ - وفيه دعا
إلى (ضرورة تنقية الفقه الإسلامي من الشوائب التي أفرزتها بعض التأويلات الخاطئة) - وفهم أنه يعني بهذه الإشارة مختلف الاتهامات التي رددتها كتب التراث حول سلامة عقائد الإباضية. وفي موضع آخر من المقال، أخذ الكاتب على بعض الفقهاء تورطهم في التسابق والتنافس لاستعراض مناقب مذهبهم، وتكفير مخالفيهم، مهما كانت شمس الحق هي سيماهم التي على وجوههم» .. ولم يكن هؤلاء الأخيرون سوى أتباع المذهب الإباضي، الذين لاحقتهم الاتهامات، وأفتى الشيخ ابن باز ببطلان الصلاة وراءهم ..
وأياً كان الأسلوب الذي اتبع في إخراج الموضوع، فإن مختلف الشواهد كانت تدل على أن أساس المؤتمر ومرماه هو: تبرئة ساحة الإباضية ورد الاعتبار لهم. وهو هدف مشروع، وبلوغه مطلوب من قبل كل الداعين إلى وحدة المسلمين، ولم شمل شراذمهم المبعثرة، خصوصاً في زماننا الذي يخطط فيه المستقبل العالم الإسلامي على أساس تفتيته وتقطيع أوصاله، وتفجير الصراعات المذهبية بين أهله وما مثل لبنان منا
بعيد!
وحتى لا نظلم الشيخ ابن باز، فإن الإنصاف يقتضينا أن نقر بأن الرجل لم يبتدع ما قاله ولم يختلقه، وإنما كان في حكمه مستنداً إلى ما ذكرته كتب السلف حسبما ذكرنا تواً. وفي مقدمة تلك الكتب (مقالات الإسلاميين)، للأشعري - و (الفرق بين الفرق (، للبغدادي ـ و (الفصل في الملل والنحل) لابن حزم - و (الملل والنحل) للشهرستاني. وكتاب الأشعري صدر في الربع الأول من القرن الرابع الهجري. أي أن عمره يتجاوز ألف عام. وفيه عديد من الإشارات إلى ضلال الإباضية، وانتابهم إلى الخوارج واتهامهم لمخالفيهم بالكفر دون الشرك. وعنه نقل أكثر
-117 - (2/116)
صفحة 313
لاحقيه ممن كتبوا عن الإباضية، ولم يتح لهم أن يطلعوا على مؤلفات
أصحاب المذهب، ليتحققوا من مدى صحة تلك «المقالات: ومنذ اثني عشر عاماً ـ في سنة 1976 - صدر في مصر كتاب لأحد
فقهاء الإباضية، هو الشيخ علي يحيي معمر - عنوانه (الإباضية بين الفرق الإسلامية) - وفيه جمع كل مقولات السلف والخلف، وكافة الاتهامات التي وجهت إلى المذهب ودعاته، وفندها جميعاً. وهو يتولى الرد عليها. وقد هدم مقولات الأشعري، مثبتاً أن فرق الإباضية التي أشار إليها وأسماء الفقهاء الذين ذكرهم، لا وجود لهم على الإطلاق، لا في تاريخ الإباضية أو مصنفاتهم - وانتهى إلى أن الأشعري «لا يعرف عن الإباضية شيئاً، وأن أكثر ما كتبه لا علاقة لهم به، ولا علاقة له
بهم
وذهب المؤلف إلى أن الإباضية ليسوا من الخوارج، غلاتهم أو معتدليهم. وكونهم رفضوا أن يظل الحكم حكراً على قريش، واعتبروا التحكيم بين علي ومعاوية خطأ ما كان له أن يقع، فإن ذلك لا يصنفهم ضمن الخوارج. فالإباضية - بنص عبارته - لا يريدون أن ينتسبوا إلى الخوارج، ولا يحسبون أنفسهم كذلك، ولا يعتزون بالخارجية، لسبب بسيط هو: أنهم لا يحكمون على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين، ولا ينفذون فيهم تلك الأحكام) - (ص 417).
استشهد الشيخ معمر بما كتبه الدكتور مصطفى الشكعة - صاحب کتاب) إسلام بلا مذاهب (عندما قال إن الإباضية رموا بتهمة الخوارج لأنهم رفضوا القرشية، أي التزام كون الإمام من القرشيين. وأضاف إن التقاءهم مع الخوارج في هذا الموقف، إضافة إلى تخطئتهم للتحكيم بين علي ومعاوية
، هو الذي فتح عليهم باب الاتهامات التي لاحقتهم منذ العصر
الأموي، وحتى العصر الحديث.
117 (2/117)
صفحة 314
لقد اتهمهم الأمويون بأنهم خوارج بسبب موقفهم من الإمامة القرشية، ولا حقوهم بتلك التهمة، ثم جاء أعوانها فاخترعوا للإباضية عقائد وشنائع بثوها عنها، فانتشرت بين الناس، وقامت حائلاً. دون أن يفهم بعضهم البعض. واختفى في زحمة النقاش السبب الرئيسي للموضوع، وطغت تلك وراجت، حتى تناولتها الأقلام بالإثبات والترسيخ (ص 159). ومما استشهد به الشيخ معمر أيضاً، وهو يبريء الإباضية من الانتساب إلى الخوارج، ما كتبه الأديب عز الدين التنوخي، عضو المجمع العربي بدمشق، أن من دلائل «جهالتنا بعمان وأهلها، أن السواد الأعظم من العرب والمسلمين يظنونهم من غلاة الخوارج» .... مع أن إطلاق لفظة الخوارج على الإباضية عند واحد من فقهائهم ـ هو أبو إسحاق طفيش - يعد من قبيل الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولاً، ثم التعصب المذهبي ثانياً،، لما ظهر غلاة الخوارج (ص 133). لقد أصر الشيخ معمر على أن الإباضية من أهل السنة وليسوا من الخوارج، وإلى هذا يذهب أكثر فقهاء الإباضية المحدثين، إلا أن الاتجاه الغالب بين الباحثين المعاصرين يصنفهم باعتبارهم من معتدلي الخوارج. بهذا يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن المذاهب الإسلامية، والدكتور عوض خليفات أستاذ التاريخ بالجامعة الأردنية ووزير الشباب الحالي، في مؤلفه (نشأة الحركة الإباضية). ومن الطريف هنا أني وجدت أحد الباحثين يضع الإباضية في تصنيف ثالث، بعيداً عن السنة وعن الخوارج، فيعتبرهم من فرق الشيعة، رغم إشارته (!) إلى أنهم ينتسبون إلى عبد الله بن إباض، الذي وصفه بأنه من زعماء الخوارج والباحث هو الدكتور السيد المطري، الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز. وعنوان كتابه، الذي حمل اسم لجنة البحث العلمي بالجامعة
عن
-114 - (2/118)
صفحة 315
هو: (دراسات في سكان العالم الإسلامي. وقد أحالنا الباحث في صدد
هذه المعلومة إلى كتاب (البلدان الإسلامية)، الذي صدر في السعودية
أيضاً (سنة 1979
في العالم الإسلامي.
م)
لثلاثة من كبار الأساتذة المهتمين بالدراسات السكانية
هذا التفاوت في تصنيف الإباضية يعكس جانباً من الالتباس الذي أحاط بمذهبهم وأهله طوال القرون التي انقضت من التاريخ الإسلامي، وكان سبباً في حيرة بعض الباحثين وتخبطهم. فهم خرجوا فعلاً على الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان، لكنهم يبرؤون من الخوارج. والتقاؤهم مع الخوارج في الموقف السياسي، لم يؤثر على التقائهم مع أهل السنة في الله الموقف الفكري أو الفقهي. وهم ينسبون إلى عبد بن إباض، بينما المؤسس الحقيقي لمذهبهم هو الإمام جابر بن زيد. وهم دائماً كانوا جزءاً من جغرافية الواقع الإسلامي، لكنهم أسقطوا من الحسبان عندما كتب التاريخ الإسلامي!. وعلى كثرة وفخامة مصنفاتهم الفقهية، فإنها لم تر النور إلا منذ سنوات قليلة، عندما أنشأت سلطنة عمان وزارة للتراث القومي، نهضت بتلك المهمة
لقد لاحقهم الأمويون عملياً وأدبياً، منذ وقفوا في وصف المعارضة لهم، كما ذكر الدكتور الشكعة بحق. وعندما برز عبد الله بن إباض متحدثاً
بأسمهم ومناظراً لمخالفيهم، فإنهم أرادوا به ستر قيادتهم الفكرية الحقيقية المتمثلة في الإمام جابر بن زيد (ولد حوالي سنة 20 هجرية وعاش حتى نهاية القرن الأول). وهو يعد من التابعين المرموقين، العارفين بكتاب الله، وباعه لا ينكر في رواية الحديث، وفي الفتوى، التي كان يباشرها مع الحسن البصري، في البصرة وفي غيرها. وبسبب من تلك الملاحقة، فإن الإباضية اتجهوا إلى مناطق الأطراف،
119 (2/119)
صفحة 316
ليأمنوا من بطش الحكام والولاة. فنزح بعضهم إلى ما وراء جبل عمان، في ركن قصي من الجزيرة العربية.
وهناك أقاموا دولتهم (سنة 132 هـ) التي ما زالت قائمة إلى الآن وانطلق آخرون منهم إلى الشمال الإفريقي والأندلس. فأقاموا دولة في ليبيا (سنة 140 هـ) استمرت ثلاثة أشهر، انسحبوا بعدها إلى منطقة جبل نفوسة في أقصى الجنوب. وكذلك فعلوا في الجزائر، أقاموا دولة استمرت ثلاثين عاماً (160 - 190 هـ) ثم نزحوا إلى وادي ميزاب. واستقروا هناك ولا يزالون. وفي تونس تمركزوا في جزيرة) جربة). حتى الآن. وفي الأندلس اعتصموا بجزيرتي (ميورقة ومينورقة)، ثم غادروها إلى الشمال الإفريقي، بعدما سقطت دولة المسلمين. ومن الإباضية جماعة استقرت في واحة سيوه، بصحراء مصر. وتعد دار الكتب المصرية مصدراً هاماً لمخطوطاتهم. وفقيههم أبو إسحاق طفيش، الذي أشرنا إليه، كان أحد موظفي الدار، وإن صرف كل جهده لتحقيق تلك المخطوطات
ودراستها. بهذا الاحتماء بالمناطق النائية، غدت تجمعات الإباضية بعيدة عن الأنظار، وغائبة عن المعترك السياسي والفكري الذي ارتبط بمقر الخلافة في المشرق العربي. مما ساهم في التجهيل بهم، فضلاً عن الترويج لمختلف الاتهامات التي ألصقت بهم، وفي مقدمتها نسبتهم إلى الخوارج وإضافتهم إلى من ضل في فرق المسلمين ورغم أن عدد الإباضية الآن قد لا يتجاوز مليونين من الأشخاص، إلا أن الحركة الإباضية كان لها حضورها في التاريخ الإسلامي، الذي لم يظهر
* في الهامش: الصحيح ان الدولة الرستمية دامت من (160 هـ الى 296 هـ)
120 (2/120)
صفحة 317
بحجمه في مختلف كتب التراث، وما ظهر منها إما جاء مشوهاً، أو مبتسراً للغاية. والشكوى من ندرة المعلومات في هذا الصدد، سجلها أساتذة التاريخ الذين تناولوا الحركة الإباضية، وفي مقدمتهم الدكتور سعيد عاشور، والدكتور عوض خليفات
فموسوعات التاريخ الإسلامي لا تمر على عمان وأهلها الإباضية إلا مروراً سريعاً وخاطفاً. ودورهم في الأندلس غير مذكور على الإطلاق. وعلماء الإباضية لا يشار إليهم في كتب الطبقات. وأشهر تلك الكتب - طبقات ابن سعد - لم يذكر سوى الإمام جابر بن زيد في عرض مقتضب. ولفت ذلك نظر بعض الباحثين العمانيين، فقرر مؤلف كتاب (عمان ـ تاريخ يتكلم)، أن ابن سعد أشار إلى الإمام ابن زيد (رغم
أنفه)!
حسناً فعل مؤتمر مسقط، عندما ركز على فقه الإباضية، ولم يحتف بأمر تصنيفهم أو ما نسب اليهم من اتهامات في الموقف أو في العقيدة، فتحديد طبيعة الفقه ومصادره وركائزه كفيل بجسم كل ما ينبني بعد ذلك
من استنتاجات أو تأويلات. إذ الخوض في التاريخ لا طائل من ورائه
والجدل حول رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، الذي يقول الإباضية باستحالته، بينما يقرر آخرون وقوعه، ويرون المخالفة فيه من قبيل الاجتهاد في شأن العقيدة الذي يستدل به على الضلال .. هذا الجدل يظل من قبيل الثرثرة في شأن عالم الغيب، التي تضر ولا تفيد. بالتالي، فقد أصبح الحوار حول منابع أصول الفقه الإباضي هو الاختيار ـ أو الاختبار ـ
الصحيح. من هذه الزاوية، تلفت أنظارنا في الأبحاث المقدمة، العناصر
والإشارات التالية:
121 (2/121)
صفحة 318
في بحث الدكتور يحيى محمد بكوش) الجزائر (حول مدرسة جابر بن
(
زيد وأثرها في الفقه الإسلامي مسح للظروف التي نشأ فيها ذلك الفقه من حيث الزمان والمكان. ذلك أن بيئة العراق، التي ظهر فيها الفكر
الإباضي، تعرف تاريخياً بأنها مدرسة الرأي والاجتهاد والاستنباط في الفقه
عبد
الإسلامي، التي أفرزت عديداً من الأئمة الذين كانوا من كبار التابعين جابر بن زيد في المقدمة من هؤلاء، ومعه الحسن البصري وعلقمة بن قيس، وإبراهيم النخعي. في الوقت ذاته، فقد كان لأعلام هذه المدرسة نصيبهم الوافر من علوم الحديث. وثبت أن جابر بن زيد كان كثير الترحال إلى الحجاز، ولزم الله بن عباس، حتى عرف أحدهما بالآخر. وقد اعتبر جابر بن زيد أحد أئمة السنة في البصرة، حتى وثقه جميع تقاد الحديث، وأجمعوا على عدالته وضبطه. بل إنه اعتبر من رجال أصح الأسانيد. وقد استفتي عبد الله بن عباس مرة في أمر فقال: عجباً لأهل العراق، كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم الخلاصة أن ابن زيد - مؤسس المذهب - نشأ في عصر كبار التابعين. الذين تحرروا من التقاليد ومن التعصب، ولم يكن يلزمهم سوى القيود الشرعية المتفق عليها بين أهل الثقة والورع. وكان هذا العصر هو الوصل بين عصر النبوة والصحابة، وعصر تكوين المذاهب الفقهية التي
علمه
حلقة
ظهرت فيما بعد فمدرسة جابر بن زيد هي التي أفرزت الفقه الإباضي، الذي انتشر مبكراً في عمان والمغرب وحضرموت. ومدرسة إبراهيم النخعي هي التي خرجت الإمام أبو حنيفة ومذهبه الذي انتشر من الكوفة إلى أرجاء العالم الإسلامي. وفكر سعيد المسيب هو الذي تطور وتأصل من بعد على يد
122 (2/122)
صفحة 319
الإمام مالك ومذهبه المعروف .. وهكذا.
في البحث الذي قدمه الفقيه التونسي الدكتور فرحات بن علي الجعبيري، حول دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية، خلص إلى أن هذه المدرسة سلكت منذ يومها الأول المسلك المتفق عليه في
أن
الفقه والاجتهاد، فاعتبرت مصادر الشريعة الاساسية، متمثلة في الكتاب والسنة والرأي. وفي ذلك رد على من يدعون الإباضية فرقة مبتدعة ـ وبعدما تغيرت هذه النظرة في الدراسات الحديثة، إلا أن الباحث سجل اعتراضه على إشارات الكتاب المعاصرين إلى أن الإباضية أقرب المذاهب إلى أهل السنة. وتساءل في هذا الصدد: لماذا هذا التصنيف، بعد أن أثبت أن المذهب الإباضي أسبق المذاهب اعتماداً على السنة اعتماداً كلياً في تأصيل
الشريعة؟
النص
أضاف الباحث إن: أثر العقيدة الإباضية واضح في الفقه، ويتمثل في اعتبار العمل لا يتجزأ من الإيمان. وفي اعتقاد الخلود لمن يموت مصراً على الكبائر، ويتجلى هذا في كثرة التحري، مما جعل الناس يتهمونهم بالتشدد والمغالاة. والفرق واضح بين الذي يجتهد في تحري الحقيقة داخل إطار، وبين الذي يخرج عن النص فيحمله ما لا يتحمل. انطلق بحث الدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي (جامعة الأزهر) من ذات المنطلق، في بحثه حول دور المدرسة الإباضية ـ فذكر أن المذهب (الإباضي) ليس مستحدثاً. وإنما نشأ متأصلاً على القواعد الصحيحة. مدعماً بالأصول الواضحة الثابتة. فبالنظر والتتبع، لا يوجد في فقهه ما يخالف الكتاب ولا السنة النبوية، ولا عموم الأصول التي اتفق عليها المسلمون جميعاً
وأضاف إن الأصول ثابتة وراسخة لا خلاف فيها. أما ما كان من
123 (2/123)
صفحة 320
خلاف في بعض المسائل الفرعية، فإنما يرجع إلى فهم النصوص من الكتاب والسنة، واستخراج الأحكام الشرعية العملية منها. وهذا لا يؤثر على نشأة الاجتهاد في شيء ولا في علم المجتهد. في موضع آخر من بحثه قال: بالرجوع إلى فقه الإباضية، تجد أن المسائل التي خالفوا فيها الحنفية مثلاً، اتفقوا فيها مع الشافعية أو المالكية أو الظاهرية. وما خالفوا فيه مذهباً وافقوا فيه الآخر. أما المسائل النادرة التي خالفوا فيها جملة أهل السنة، تجد فيها إما رأياً واحداً عندهم، أو رأيين أحدهما خاص بها، والآخر يتفق مع مذهب من مذاهب أهل السنة. وإذا كان للإباضية رأيهم المنفرد في بعض الحوادث التي يمكن حصرها، فإنك تجد الاختلاف بين مذاهب أهل السنة أنفسهم في كثير من الحوادث والفروع التي لا يمكن حصرها. لقد تابعت مناقشات مؤتمر مسقط، الذي عقد في رحاب جامعة قابوس. وكان أهم ما لا حظته أن جل الجدل ثار حول مختلف الموضوعات الأخرى التي تناولتها البحوث، بينما كان الاتفاق عاماً حول المحاور الأساسية لما تعلق منها بالفقه الإباضي، حيث لم يجادل فيها أحد، ولم يختلف وهو ما يعني أننا كسبنا جولة مهمة في معركة وحدة الصف
الإسلامي الحمد لله
•
خطوتان إلى الأمام
هذه عناوين هامة، أرشحها لصدارة أحداث العالم الإسلامي في سنة 1988: دعا مؤتمر الفقه في عمان إلى فض الاشتباك بين
124 (2/124)
صفحة 321
مختلف المذاهب الإسلامية - طالب ممثلوا فقهاء الأمة بتجميد صراعات القرن الهجري الأول وإغلاق ملفات الفتن والأحزان التي شهدتها تلك المرحلة - أوصوا بمداومة اللقاء بين فقهاء المذاهب الإسلامية بعيداً عن المنافسات المذهبية والعصبية - حثوا أهل العلم على دراسة المسائل المختلف عليها في فقه المذاهب الثمانية وتحقيق أدلتها والترجيح بينها، دون التزام بمذهب معين. بعدما بدد المؤتمر مختلف الفيوم والشبهات المثارة حول الفقه الإباضي، وبرأهم من تهمة تكفير مخالفيهم، وقرر في إحدى التوصيات أنهم يستمدون فقههم من الأصول الشرعية المعتمدة، ويجلون كل الصحابة ويحترمون مقامهم، وطالب في توصية أخرى بإخراج كنوز الفقه الإباضي وإتاحتها للباحثين ... بعدما حقق المؤتمر هذا الإنجاز، تعرض للمحيط الإسلامي العام، وسجل تلك التوصيات التي مررنا بها، والتي تشكل منعطفاً مهماً
على صعيد وحدة الصف الإسلامي، إذا أخذت مأخذ الجد. لا يستطيع المرء أن يذهب بعيداً في التفاؤل، ليحسب أن عهداً جديداً بدأ في العلاقة بين المذاهب الإسلامية، أو أننا بصدد بروتوكولات لفقهاء المسلمين، تحدد خطى المستقبل وترسم معالمه. فعهدنا بتوصيات المؤتمرات العربية أن القول فيها منفصل عن الفعل، وأن الضجيج فيها أكثر من
الطحن.
ولئن شككت تلك الخلفية في مدى فاعلية توصيات مؤتمر عمان، لكنها لا تقلل من أهميتها الفكرية والنظرية على أية حال. والأهمية منصبة على الموقف الذي سجله المؤتمر، والذي أحسب أن أجل ما فيه هو المبدأ والمنهج. أعني مبدأ فتح الأبواب بين مختلف المذاهب، ومد الجسور
125 (2/125)
صفحة 322
من المسلمين، من أجل تحقيق التقارب والتفاهم، لا التنابذ بين أتباعها والتخاصم. كما أعني بالمنهج تجميد صراعات الأمة التي خلت، وإغلاق ملفات الخلافات التي لم يعد لإحيائها معنى أو جدوى، سواء تلك التي تتعلق بقرشية الحاكم أو بإمكانية رؤية وجها الله القيامة، أو بطبيعة يوم دور الإمامين جابر بن زيد وعبد الله بن إباض في رفض التحكيم بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أو معاوية بن أبي سفيان، أو حتى تلك التي تتعلق بأحقية الخلافة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل تكون لعلي أم لأبي بكر ومن بعده عمر بن الخطاب؟!
لقد هيمنت على بحوث المؤتمر ومناقشاته وتوصياته روح التوحد والرغبة في التلاقي والانطلاق نحو المستقبل لا الاستغراق في حسابات الماضي. وتلك أمور كانت كفيلة بتوفير أسباب النجاح للمؤتمر. ولعلها تنبهنا في الوقت ذاته إلى حقيقة هامة في شأن العلاقة بين مختلف المذاهب الإسلامية، أشرت إليها في معالجات سابقة لهذا الموضوع الدقيق. وهي أن بين مذاهب المسلمين المعتبرة عديداً من مواضع الاختلاف، كما أن بينها عديداً من نقاط الاتفاق، والتعامل القضية من مدخل الاختلاف أو من باب الاتفاق وثيق الصلة بالموقف الأساسي للباحث، وما إذا كان ساعياً إلى وحدة الأمة وتأليف قلوب أبنائها أياً كانت مللهم ونحلهم، أم أنه مشغول بهدف آخر مذهبي أو عنصري أو سياسي، يتقدم في الأولوية على وحدة الأمة والتئام صفها. وقد كان واضحاً منذ بداية مؤتمر مسقط أن المشاركين فيه دخلوا إلى قاعة المؤتمر من باب الاتفاق وليس من باب الاختلاف، وبدا هذا الموقف أكثر ما بدا في الجلسات التي عرضت خلالها الأبحاث المتعلقة بالمذهب الإباضي، رغم أن الموضوع يحتمل
126 (2/126)
صفحة 323
جدلاً طويلاً لمن أراد أن يجادل أو ينازع فالتاريخ - كالفقه حمال أوجه
حقاً، كان موقف الفقهاء المشاركين يتسم بقدر كبير من الإحساس بالمسؤولية والرغبة في التلاقي. كما ذكرت. لكن المرء لا يستطيع أن يسقط من الحسبان الدور الذي لعبه المناخ السياسي في صياغة ذلك الموقف. فالدول التي شاركت في المؤتمر بحضور مكثف، تربطها بسلطنة عمان علاقات حميمة في الأساس. فتمثيل الأزهر وجامعته بأربعة عشر عضواً يتقدمهم الإمام الأكبر، إن عبر عن عناية الأزهر المعهودة بالقضية وبوحدة الأمة، إلا أنه يعكس أيضاً مدى الحرارة التي تتسم بها العلاقات بين مصر والسلطنة. وهو ما ينطبق أيضاً على الوفد الأردني، الذي ضم اثنين من الوزراء علاوة على المفتي وعميد كلية الشريعة. والذي كان حجم التمثيل فيه معبراً عن خصوصية العلاقة بين الأردن والسلطنة.
ولا غضاضة في ذلك بأي حال. فاستثمار المناخ السياسي لتحقيق التقارب بين مذاهب المسلمين، أسلوب مشروع لبلوغ هدف مشروع. وهو أمر نقبله ونحبذه، كما أننا قبلنا وحبذنا فكرة التقارب بين السنة والشيعة الاثني عشرية، التي ولدت في مصر إبان الأربعينيات، وقيل إنها ولدت في ظل التقارب السياسي بين البلدين، الذي نشأ في أعقاب المصاهرة التي قامت بين شاه إيران وملك مصر السابق، حيث عقد الأول قرانه على شقيقة الثاني! .. وقدر لمسيرة التقريب أن تستمر حوالي ربع قرن بعد ذلك، بينما فشلت الزيجة بعد سنوات قليلة! وما يهمنا في هذا الشق أن الخلافات المذهبية بين فرق المسلمين
127 (2/127)
صفحة 324
تتأثر سلباً وإيجابياً بالظروف السياسية، ناهيك عن أن الخلاف السياسي حول قضية الإمامة، كان الشرارة الأولى التي أدت إلى تقسيم المسلمين في القرن الهجري الأول إلى سنة وشيعة وخوارج، بالتالي، فليس صحيحاً دائماً أن الخلاف المذهبي هو كله شأن عقيدي، لأن للخلاف السياسي دوره الذي لا ينكر، في الماضي وفي الحاضر أيضاً. وليست بعيدة عنا تلك المحاولات التي تبذل الآن لتفجير عناصر الصراع المذهبي بين السنة والشيعة،
مستثمرة المناخ السلبي الذي أفرزته الحرب العراقية الإيرانية قلت إن أهم ما في توصيات مؤتمر عمان هو المبدأ التوحيدي الذي انطلقت منه، والمنهج العملي الذي دعت إليه في تجاوز الخلاف والارتفاع
أسبابه.
فوق ما هو عقيم من وتحت كل من العنوانين هناك الكثير مما ينبغي أن يقال، سواء لإثراء لغة الخطاب الإسلامي المعاصر، أو لتصحيح صيغة الأداء من جانب المشتغلين بالعمل الإسلامي. ذلك أن المرء يكاد يفتقد المنطق التوحيدي في الخطاب الإسلامي الذي تتعدد منابره وأصواته في زماننا. فضلاً عن أن الأداء الإسلامي، ممثلاً في بعض فصائله الكبيرة، لم يستوعب بعد فكرة) تجاوز المراحل)، سواء تمثلت في عملية تجميد الصراعات العقيمة أو إغلاق الملفات القديمة
وقد أزعم أني أحد الذين شغلوا أنفسهم بالأمرين معاً منذ سنوات. فلي في قضية وحدة الصف الإسلامي أبحاث وكتابات متواضعة، قدمت لبعض الندوات، أو نشرت في عدد من المجلات الثقافية. كان آخرها ما نشرته لي مجلة (العربي) التي تصدر في الكويت، في حلقات استمرت سبعة أشهر تحت عنوان: (إشكالية الآخر في التفكير الإسلامي). وقد عالجت فيه
128 (2/128)
صفحة 325
علاقة المسلمين بالعالم الخارجي، وبغير المسلمين في داخل ديارهم، وبالآخر السياسي (نظام الأحزاب والمعارضة)، أو بالآخر المذهبي، الذي يعنينا أمره الآن. بالتالي، فما قيل حول العلاقة بين مذاهب المسلمين، إذا كان قد حقق مصلحة أكيدة ـ على الصعيد الفكري - فإنه أيضاً صادف هوى في نفسي. من حيث إنه أحد مداخل المشروع الحضاري الإسلامي، الذي ندعو إليه ونحلم به. وهو المشروع الذي يتجاوز الحركة والمذهب والعرق، ويطرح نفسه كصيغة للمستقبل، تظلل الجميع، بمختلف مذاهبهم ودياناتهم، ومدارسهم الفكرية والسياسية. وإن كان في التطبيق يخضع لسنن النمو الطبيعية، مبتدئاً بالوطن، ومنتهياً بالناس كافة، وماراً بالأمة العربية، ثم الأمة الإسلامية. في ظل هذا المنطق فإنه قد لا يكون مفهوماً أن نبادر إلى مناقشة الأمة الإسلامية بينما قضية الوحدة الوطنية لم تستقر بعد في صيغة متفق عليها بين مختلف الأطراف. وفي إحدى الندوات التي شهدتها وطرح فيها هذا الموضوع، قال أحد الباحثين اللبنانيين مستدركاً: إن هناك يقفز إلى الحديث عن الوحدة الإسلامية، بينما نحن في بيروت نواجه
وحدة
من
مشكلة حادة في تحقيق الوحدة بين شارعين اثنين في المدينة الواحدة! وحتى لا يحدث مثل هذا الالتباس، فمن المهم أن يكون واضحاً أن قضية الوحدة الوطنية في كل قطر هي ما ينبغي أن يحتل المقام الأول - بلا منازع - في أولويات الخطاب الإسلامي، لأسباب بديهية أحسب أنها ليست بحاجة إلى شرح. بالقدر نفسه، فإننا ننبه إلى أن حديثنا - فيما نحن بصدده الآن. ينصب على وحدة الصف الإسلامي وليس عن دولة إسلامية
129 (2/129)
صفحة 326
واحدة. أي أننا نستخدم كلمة الوحدة بمفهومها الاصطلاحي وليس الدستوري. ذلك لا ينبغي أن تتداخل وحدة الصف الإسلامي مع مفهوم وحدة الوطن، عندما تتعدد الانتماءات المذهبية في الوطن الواحد، وهو الحاصل في العديد من دول الخليج وشبه الجزيرة العربية والعديد من مجتمعات المسلمين في آسيا، وشبه القارة الهندية في مقدمتها.
وإذا انصرف حديثنا هنا إلى وحدة الصف الإسلامي، فذلك لا يمثل دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإنما هو يعكس ـ فقط ـ تسليط المزيد من الأضواء على قضية طرحت نفسها على الساحة، وبحثت في مؤتمر فقهي كبير، وعولجت بقدر ملحوظ من التوفيق والتسديد. وفضلاً عن ذلك، فهي فرصة للحوار حول مشروع التصور الذي عرضته للمناقشة في أكثر من منتدى فكري، حول تلك القضية الدقيقة التي يلوح بها بين الحين والآخر، لتكون سبيلاً إضافياً إلى المزيد من الشرذمة
والتفتت
•
في صدد الموضوع ننبه إلى أمرين:
أولها أن هذا الذي ندعو إليه ليس ابتكاراً ولا ابتداعاً. ولكنه حلقة في مسيرة بدأها آخرون، ممن التقوا على دعوة التقريب بين المذاهب، وعملوا لها، منذ نصف قرن من الزمان، وفي مقدمتهم بعض علماء الأزهر ونفر من أعلام العمل الإسلامي في مصر. وبعضهم لا يزال حياً إلى الآن، في مقدمتهم الشيخ عبد العزيز عيسى، مقرر لجنة التقريب سابقاً ووزير الأوقاف لاحقاً. . ومن السابقين في هذا الحقل أيضاً، الشيخ محمد الغزالي، الذي سجل موقفه ذاك في كتابه (دستور الوحدة الثقافية
-441 - (2/130)
صفحة 327
الإسلامية)، وفيه قدم مشروعاً من أربع نقاط محددة ليكون أساساً لما أسماه بالتصالح والإخاء بين السنة والشيعة. الأمر الثاني أن الدعوة إلى وحدة الصف، لا يراد بها دمج مذاهب المسلمين في فرقة واحدة، ولا حتى إلغاء المذهبية. وإنما هي تستهدف بالدرجة الأولى توفير سبيل للتعايش الكريم بين أتباع المذاهب في غير خصومة أو تعصب، والتعامل مع هذه المذاهب بحسبانها مدارس فكرية، وليست «ميليشيات»
متناحرة. وهي تستهدف أيضاً فتح الأبواب أمام أهل العلم من كافة الأطراف، للتلاقي ومواصلة الحوار، لتصحيح المعارف
والمعتقدات.
ودون الدخول في التفاصيل، فإنني أحسب أن السعي إلى وحدة الصف الإسلامي ينبغي أن يميز بين فرق تتفق في أصول الاعتقاد وتختلف في الفروع، وهي التي يتعين علينا أن نركز جهود التوفيق والتقريب في نطاقها. وفرق أخرى تدعي انتماء للإسلام وقد يمتد اختلافها في الأصول، وهذه ينبغي ألا يفرط فيها حتى لا توظف لصالح الغير، وإنما يتم التعامل معها على أساس سياسي وحضاري. وفي كل الحالات فإن فض الاشتباك بين هذه المذاهب ينبغي أن يسبق أي دعوة للحوار أو التقارب. إذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فقد نتدرج بالدعوة إلى وحدة الصف على النحو التالي:
- مستوى يوحد عنده الصف السني، بالأخص في الجنوب
المتعلق بالحرب المستمرة التي يشنها السلفيون على المتصوفة. - مستوى يتحقق في ظله التعايش والحوار وحسن الجوار بين المذاهب التي قلنا إنها لا تختلف مع أهل السنة في الأصول،
131 (2/131)
صفحة 328
أو
من يسمون بأهل القبلة، وهم الشيعة الاثني عشرية أو الجعفرية، والزيدية في اليمن، والإباضية في عمان والشمال الإفريقي، وقاديانية لاهور بباكستان، الذين لا يؤمنون بنبوة غلام أحمد القادياني.
- أما الجماعات التي تنسب نفسها إلى الإسلام، وتختلف مع أهل القبلة في بعض الأصول، فصياغة العلاقة معها تحتاج إلى مناقشة وبحث جادين. فلا يقر ما فسد من معتقداتهم، مع التفرقة بين ما يمكن أن تحاسبهم عليه الأمة الإسلامية، وما ينبغي أن يوكل حسابه إلى الله سبحانه يوم الدين. ثم يقبلون ذلك كأطراف في الواقع الإسلامي. ويدخل في نطاق هذه الجماعات: البهرة والإسماعيلية والقاديانية الآخرون، والنصيرية والدروز. وهي طوائف وفرق تتركز في شبه القارة الهندية، وفي سوريا ولبنان، وفي بعض الدول الإفريقية (جنوب إفريقيا في المقدمة).
بعد
وفي ترتيب الأولويات، فأحسب أن المستويين الأول والثاني يحتلان أولوية خاصة، وإن وحدة صف أهل السنة، ثم وحدة أهل القبلة، من أكثر الأمور حيوية في زماننا. فضلاً عن أن المشروع الإسلامي لا يستطيع أن يسقط أو يلفظ أولئك المنسوبين إلى الإسلام - وعددهم بين سبعة وعشرة ملايين - وإنما يتعين على أهل النظر أن يتوصلوا إلى صيغة مناسبة للتعامل
تلك الملايين، بحيث تحتوي تحت مظلة الإسلام في نهاية الأمر.
من يعلق الجرس في رقبة القط؟ الأمر ميسور - من الناحية النظرية - فيما يتعلق بوحدة صف أهل القبلة، أهل السنة وأضرابهم. وتوصيات مؤتمر عمان تفتح الباب واسعاً
132 (2/132)
صفحة 329
للتقدم في ذلك الاتجاه. وكما حسم الأمر بالنسبة للإباضية، فما الذي يمنع من حسمه بالنسبة للزيدية، أو الشيعة الاثني عشرية، طالما أن دعوة التصالح والتفاهم قد وجهت وأعلنت على الملأ.
وإذا عقد مؤتمر الفقه بعمان ندوات دورية، فليته يواصل مسيرته ويخصص بنداً في جدول أعماله في كل مرة لتحقيق المصالحة والإخاء المنشودين مع بقية أهل القبلة، جماعة تلو الأخرى. وسلطنة عمان مؤهلة للقيام بهذا الدور الجليل، لأسباب موضوعية مفهومة، سواء فيما يتعلق بالزيدية أو بالشيعة الاثني عشرية.
والمؤكد أن الأزهر يستطيع أن يؤدي رسالته التقليدية في هذا المجال. وإن ألقى مجمع الفقه الإسلامي بجدة بثقله في هذه العملية، فخير وبركة وإن بادرت إليها أي منظمة أخرى معنية من بين منظمات المؤتمر الإسلامي الستة عشر، فإنها - بهذه المهمة فقط - ستدخل التاريخ.
ولسنا مطالبين بأن نستكمل مختلف الحلقات والتفاصيل في سيناريو المشروع. إنما يعنينا أن ينتبه الجميع إلى أن تبرئة الإباضية هي بداية الرحلة وليست منتهاها، وإن قضية وحدة الصف الإسلامي مسؤولية تنتظر من ينهض بها. وهي معلقة في رقاب كل العاملين في الحقل الإسلامي. وإنجازها يعد خطوة
مهمة باتجاه إنجاز المشروع الإسلامي.
لقد علا صوت العقل وتجلى التسديد في دعوة المؤتمر للمسلمين جميعاً لأن يواجهوا المستقبل على أساس من دعم الأصول المشتركة، وعلى مرونة وتسامح في شتى الفروع، معتبرين ما وقع في القرن الهجري الأول حدثاً تاريخياً فحسب، ولا يسمح
133 (2/133)
صفحة 330
بامتداده إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم، بل تجمد تجميداً كلياً
من الناحية العملية.
تلك
هي
الدعوة إلى تجاوز المراحل، التي أشرت إليها قبل قليل، بحسبانها من أهم ما صدر عن المؤتمر. فهي ليست فقط دعوة إلى التخلص من المرارات والأحزان القديمة، ولكنها أيضاً دعوة إلى صرف الجهد من أجل الانعتاق من أسار الماضي، والتوجه بكل الجهد إلى صياغة الحاضر والمستقبل. وفي ظل ظروف كالتي نمر بها - والحال فيها معلوم ويغني عن كل سؤال ـ فإن الانشغال بالماضي وإحياء صراعاته، يعد جريمة لا تغتفر. وهو تعبير عن خلل منكور في الرؤية، وإشهار علني للعجز عن التعامل الحاضر والمستقبل. لتبق دروس التاريخ، ولتغلق ملفات وقائعه وأحداثه، خصوصاً تلك التي تثير جدلاً عقيماً، لا يقدم ولا يؤخر. وهو مما يدل في نطاق (العلم
الذي لا ينفع)، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله منه وداء الاشتغال بمعارك. الماضي أصيب به بعض أهل المذاهب، بقدر ما أصيبت به أشهر الحركات الإسلامية المعاصرة، فكما أن الأولين لم يتوقف جدلهم حول أحقية الإمام علي في الخلافة بعد وفاة النبي، وعدم شرعية خلافة أبي بكر، رغم أن الفصل في استحقاق أحدهما دون الآخر لن يغير من شيء ولن يضيف شيئاً. كذلك الحركات الإسلامية، التي ما زالت مشغولة بتصفية الحساب مع الحقبة الناصرية، والخوض في تفصيلات ما جرى في الخمسينيات والستينيات. هذا التطلع إلى الخلف لا يبدد الطاقات في غير طائل فقط، ولا يحجب الرؤية الصحيحة للحاضر والمستقبل فقط، ولكنه يعوق النمو
أيضاً!
134 (2/134)
صفحة 331
وكما أفسدت ملفات الماضي العلاقة بين أهل المذاهب
•
الأمة
الإسلامية، وخسر الجميع الكثير بسبب ذلك الإفساد، ودفعت أمتنا ثمناً باهظاً لذلك كله. كذلك الحال مع الحركة الإسلامية، التي أدى تركيزها على ملفات الماضي وتجديدها الحديث عن التي خلت، إلى خسارتها لقطاع عريض من المثقفين والشبان، الذين تعلقوا بمرحلة المد القومي واعتزوا بها، في حين لم تتأثر هويتهم ولا أرضيتهم الإسلامية. وهي بهذا التركيز، ألحقت بمسيرتها ضرراً آخر، من حيث أنها شغلت عن الإبداع الفكري الذي يخدم المستقبل، بتصفية حسابات الماضي وبسبب من عقد الماضي ورواسبه، فإن بعض الإسلاميين اشتبكوا في معارك غير مبررة مع القوميين، حتى تصور بعض غلاة الإسلاميين في الأرض المحتلة أن معركتهم ضد القوميين أهم من معركتهم ضد الإسرائليين. وفي العام الذي سبق الانتفاضة، فإن جامعتي بير زيت وغزة، شهدتا معارك محزنة بين الطرفين، لابد أنها أثلجت صدور الإسرائليين كثيراً! ولم يقف الأمر عند حدود خسارة الإسلاميين لقطاع عريض من العروبيين، وإنما ترتب على تلك الخصومة أن أصبح العروبيون أقرب إلى معسكر اليسار الماركسي، في حين أن مكانهم الطبيعي هو قلب معسكر
الوسطية الإسلامية.
ومن يطالع كتاب الدكتور عصمت سيف الدولة، الذي صدر في عام 1986 م، بعنوان (عن العروبة والإسلام)، يكتشف حجم وعمق الحضور الإسلامي في صلب التيار العروبي، الذي يعد الدكتور سيف الدولة أحد رموزه البارزة. ذلك أن الكتاب من أوله إلى آخره، يقف بالكامل على أرضية الإسلام، ويوجه نقداً مفحماً ومريراً لكافة أطروحات المعسكر
135 (2/135)
صفحة 332
العلماني الذي ما انفك يحاول الاستيلاء على التيار العروبي، ساعياً إلى توهين صلته بالإسلام، خصوصاً من خلال الترويج لمقولة فصل الدين عن الدولة، التي يصف الدكتور سيف الدولة دعاتها بأنهم (منافقون). وقد فند مقولتهم، وهدمها، في فصل مطول من الكتاب، استغرق أكثر من 150 صفحة، عنوانه: (المنافقون)! (إن بين العروبيين والإسلاميين في بعض دول الخليج صراعاً وحشياً مكتوماً، تستخدم فيه أساليب الإبادة المعنوية والتشريد وقطع الأرزاق، وتدور رحاه في عدد من الوزارات التي تناوب المسؤولية فيها هذا الطرف أو ذاك. وتلعب الحسابات والمرارات القديمة دوراً مهماً في تفجير ذلك الصراع، الذي يصيب غرمه الجميع بدون استثناء، وهو أمر محزن بكل
المقاييس إن الدعوة إلى تجاوز الصراعات القديمة وإغلاق ملفاتها، والانصراف بعقول وقلوب مفتوحة إلى الحاضر والمستقبل، هي مطلب لازم تقاس به إيجابية وصحة مناخ العمل العام. وهي ألزم بالنسبة للإسلاميين الذين لحقت ببعضهم مظالم فادحة،، لم يستطيعوا ابتلاع مرارتها ولا إغلاق ملفاتها. حتى بدا أن هناك من شغلته جراح «الحركة» عن آفاق المشروع الإسلامي، الذي هو الأصل والأساس
إننا بصدد دعوتين مهمتين، تمثلان خطوتين إلى الأمان، في زمن عنوانه (التقهقر)!
136 (2/136)
صفحة 333
خطاب مفتو
إلى السيد وزير الشؤون الدينية (1)
بقلم: دكتور محمد ناصر.
اسمحوا لي سيادة الوزير أن أرفع إلى مقامكم العالي هذه الملاحظات التي أود الا يمنعكم مقامكم المسؤول من قبولها ان اقتنعتم بها، كما ارجو ان لا
يمنعني مقامي مواطنا بسيطا من ابدائها. ولم يجرأني على ذلك الا حسن
الظن فيكم بأنكم سترحبون بهذه الملاحظات لانها دليل اصغائنا لتوجيهاتكم واهتمامنا بنصائحكم
فقد تتبعت مثل غيري بكل اهتمام ما جاء في حديثكم الصحفي المتلفز يوم (89/ 5/12) الذي قصدتم فيه ولا شك الى التوجيه أكثر مما قصدتم فيه إلى الاعلام. والذي دفعني الى كتابة هذه الاسطر امران: أولا: ان الحديث صادر عن شخص جزائري مسؤول يتولى مهمة
الشؤون
من أغلى وأحرص ما يعتز به كل مسلم غيور ولا شك، الا وهي الدينية، اذ لو صدرت عن شخص آخر ما كنا لنلتفت اليها بهذا الانتباه.
6
بل وما كنا لنعلق عليها، وما أكثر ما سمعنا وما قرأنا هذه الأيام من
الآراء المتجاهلة للتاريخ والواقع.
•
ثانيا: ان موضوع الحديث أو بالأحرى جزء منه يمس قضية من
أخطر القضايا التي تحل من قلوب المسلمين ـ ولا سيما في عصر الصحوة
(1) وزير الشؤون الدينية الجزائري سابقا.
137 (2/137)
صفحة 334
والرجوع إلى الذات، شفافها، وتتبوأ من مهجهم سويداءها. كيف لا
وهي تتعلق بموضوع المذاهب الفقهية الاسلامية.
إذا فأهمية الحديث والمتحدث هما اللذان دفعاني إلى تتبعه والتعقيب عليه انطلاقا من أحساسي الاسلامي عاملا بقول الرسول الكريم الله (كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته يوم القيامة). ومسؤولية المواطن لا تقل خطرا عن مسؤولية الراعي، وابداء النصح من الرعية لا يقل وجوبا عن ابدائها من الراعي، فلا خير فينا ان لم نقلها، كما انه لا خير فيكم ان لم تقبلوها
ويعلم الله ويشهد على اني لا انطلق في ملاحظاتي هذه من تعصب عاطفة آنية، عابرة سياسية كانت أم دينية
6
لمذهب معين،، ولا أفصح عن ولو انه يؤلمني حقا أن تطغى السياسة في عالمنا الاسلامي على ديننا بمثل هذا الأسلوب ونحن نشيد صرح وحدتنا الوطنية على أسس قوية سليمة ان
شاء الله.
والواقع أقول اني فوجئت للأسف الشديد كما فوجيء
الكثيرون من المواطنين مثلي ببعض ما جاء في حديثكم ذاك والمفاجأة أحيانا تهز النفس ثم ما تلبث ان تنساها ان كان أمرا تافها عابرا وأحيانا تهزها ولكنها تبقى راسخة في الاعماق ان تعلقت بأمر خطير كهذا. ومرد المفاجأة أو الاحساس بالدهشة
هو رؤيتكم الى المذاهب الاسلامية لبعضها دون بعضها الآخر وتجاهلكم الواضح لبعض الأئمة المجتهدين الذين تلقوا علمهم عن عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهم لم
يقلوا ورعا ولا اجتهادا عن غيرهم من أئمة الاسلام الاعلام. ولا أحسب ان ذاك من فلتات اللسان أو من غفلات الجنان يغض
- ITA (2/138)
صفحة 335
الطرف عنها، فان الحديث في أمثال هذه المواقف يكون مهياً مكتوبا كله أو بعضه، معدا له متدبرا في أبعاده وعواقبه. والحق أقول يا سيادة الوزير ان هجومكم على التذهب بغير مذهب الامام مالك، هجوم عنيف لا مبرر له في اعتقادي، قد يكون إحساسي هذا صدر عن عاطفة أو قصور فهم مني وما أبريء نفسي من القصور والتقصير ولكن الذي لمسته من مواطنين مثقفين كثيرين غيري أو بعض ما قرأته من تعقيبات على حديثكم اكدت لي اني لست وحدي في هذا الاحساس ولا ذاك الفهم
فقد خيل الي انكم تعالجون قضية التطرف الديني والانتماء المتحمس الى
مذهب معين بتحمس مثله، فقد يتسامح مع هذا التحمس البين وهو صادر من مواطن بسيط، ولكن لا أظن بأنه قد يتسامح معه وهو يصدر عن شخص مسؤول في مثل مقامكم الخطير. وأنا أقدر ان الذي دفعكم الى هذا حرصكم الشديد على الوحدة الوطنية فذلك أمر يعز على نفوسنا عزة ديننا عليها، ولكن ليسمح لي السيد الوزير أن أعبر عن احساسي مسلما قبل أي اعتبار آخر عاملا بقول الرسول الكريم (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). أو كما قال صلوات الله عليه. هذه ملاحظة
أولى.
ثانيا: يخيل الي أن السيد الوزير وهو يعالج هذه القضية الخطيرة لم تنطلق من الواقع المعيش في الجزائر. أو الواقع التاريخي والحضاري والسياسي بكل أبعاده وحدوده وآفاقه، فهو قد تجاهل تماما أحد المذاهب المعروفة والمشهورة في الجزائر وهو المذهب الأباضي الذي يعد أول مذهب اسلامي يؤسس أول دولة جمهورية جزائرية تطبق بحق العمل بكتاب الله (2/139)
صفحة 336
وسنة رسوله وهذا بشهادة المؤرخين وغير المؤرخين مسلمين وأجانب قديما وحديثا، وقد شهد لهذه الدولة المسماة الدولة الرستمية بهذه الميزة الممتازة كل الذين كانوا يعيشون تحت لوائها، ويتفيئون ظلال أمنها وازدهارها، ولا أدل على ذلك من أن يكون المؤرخ الذي شهد لها بذلك يتمذهب بغير مذهب الدولة الرسمي ان صح التعبير ذلكم هو المؤرخ ابن الصغير (المالكي) على قول أو (الشيعي) على قول آخر. فهل من الانصاف أن يتناسى السيد الوزير جزءا من حضارتنا نعتز به جميعا، أو يتجاهل أحاسيس فئة عريضة من الجمهور الذي يستمع اليه، له كامل حقوق المواطنة. مع ان مذهبهم لا يختلف عن المذاهب الاسلامية الأخرى عقيدة وفقها،
قولا وعملا.
من
والعجيب في الأمر ان مثل هذا الموقف يجيء بعد شهور فقط انعقاد ملتقى الفكر الاسلامي حول وحدة المسلمين، هذا الملتقى الذي استمعنا فيه الى محاضرات قيمة نسأل الله أن يؤجر أصحابها الذين كانوا يسعون صادقين الى لم شعث المسلمين المبدد، واذكاء القوة في ريحهم الذاهبة يمينا ويسارا، وكان للسيد الوزير فضل الاشراف عليه وتوجيهه وحسن قيادته. فما الذي جعل السيد الوزير يتجاهل في الحديث المتلفز للجزائريين اليوم، ما كان ملتقى اسلاميا عالميا بالأمس؟! ثالثا: أنا لا أنكر على السيد الوزير تحمسه الشديد لمذهب الامام مالك امام دار الهجرة (رضوان الله عليه (فذلك من حقه ولا أظن أن أي مسلم واع بحدوده ومسؤوليته ينكر عليه ذلك. ولكن الذي لم أفهمه هو تعليله - وهو يلح على التمسك بمذهب الامام مالك وعدم الركون الى
11811 (2/140)
صفحة 337
هو
المذاهب الوافدة الأخرى - احقية التمذهب بمذهب الامام مالك. لأنه. المذهب (الذي اعتنقه أجدادنا). ان هذا التعليل - وليسمح لي السيد الوزير بذلك. بأن أعتناق يوحي المسلم لمذهب فقهي ما، يلزمه التشبث به وحده دون النظر إلى غيره من المذاهب الاسلامية الأخرى، مما يوهم بأن التمذهب بمذهب فقهي ما، يصبح عندئذ في حكم العقيدة يحاسب المسلم عليها افراطا أو تفريطا. أو لا يرقى التمذهب عندئذ الى درجة القول انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون .. ). أليست المذاهب الفقهية كلها دون استثناء مذاهب اجتهادية تلتقي في الاصول وتختلف في الفروع؟ هذا الاختلاف نفسه دليل واضح على سماحة الاسلام وسعة أفقه ويسره وهو اختلاف رحمة لا اختلاف نقمة؟ حتى المذاهب الأربعة - التي قصر السيد الوزير نظره على ذكر أئمتها بأسمائهم دون غيرهم ـ أ - ألا يوجد أختلاف واضح في الفروع بينها مما يجعلنا أحيانا نتساءل لم احتكرت وحدها اذا تسمية أهل السنة والجماعة؟
أليست هذه التسميات من وضع عصور التشتت والتحزب والتفرق؟ أليست انعكاسا لمراحل تاريخية كان السلاطين فيها يتخذون من التشيع لهذا المذهب أو ذاك وسيلة قهر وتسلط. وليست محنة الأئمة أبي حنيفة أو ابن حنبل أو مالك أو الشافعي أو جابر بن زيد بخافية لمن يقرأ تاريخ الاسلام. ان المطلع على الحضارة الاسلامية في تطورها الايجابي والسلبي معا يدرك كيف ساعدت العوامل السياسية على انتشار المذاهب الفقهية فالعوامل التي أدت الى انتشار المذهب الاباضي تحت ظل الدولة الرستمية هي العوامل نفسها التي أدت الى انتشار المذهب المالكي تحت حكم المرابطين وهي نفها التي أدت الى
11?10 (2/141)
صفحة 338
•
انتشار المذهب الشافعي في مصر أو الحنبلي في الحجاز ان انتشار المذاهب الفقهية واعتناق المسلمين لهذا المذهب دون ذاك لا يعود الى افضلية أو صحة هذا عن ذلك بقدر ما يعود الى الظروف السياسية وانحراف الحكام وتجبرهم وتحيزهم الى هذا دون ذاك. وما كان محمد الله ولا الصحابة الراشدون يتمذهبون بمذهب له اسم معين، وارجو أن لا يفهم من كلامي هذا اني ضد التمذهب ولكني ضد اعتقاد أفضلية هذا على ذاك أو أولويته عليه، أو الاعتقاد بنية هذا ذاك وخروج وحتى اذا سلمنا جد لا للوزير أو لغيره بانحراف من يراهم منحرفين أو خارجين أو متطرفين أو متعصبين - والقائمة طويلة - اليس من الخير لنا نحن المسلمين في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها امتنا أن نعمل بقوله تعالى: {ولا يجر منكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى).
اليس من الحزم والعزم ان نوجه الجهود الى ما يتهددنا جميعا بصفتنا مسلمين في عقر دارنا، عرقية تستهدف قرآننا، وتغريبا عن اصالتنا، والحادا في ديننا واباحية في سلوكنا، وشيوعية تقوض اركاننا، اليست هذه الاخطار – ونحن نتقياً نعيم الاستقلال - مما يذهل العاقل ويشيب الولدان؟ لا احسب السيد الوزير الا مقتنعا وموافقا، ولا احسبني ان طرحت هذه التساؤلات فيها إلا مذكرا وإن الذكرى تنفع
المؤمنين.
142 (2/142)
صفحة 339
الاباضية المذهب والتصور والواقع
حوار صحفي أجرته جريدة (السلام) الجزائرية مع محمد صالح ناصر
السلام: من هم الإباضية؟ وهل هم فرقة إسلامية لها مميزات في تصورها العقيدي أم مذهب فقهي بتميز باجتهادات في الأمور التشريعية؟. (2/143)
صفحة 340
[صفحة فارغة] (2/144)
صفحة 341
?
الاباضية
المذهب والتصور والواقع (1)
الدكتور محمد ناصر: اود ان اشير قبل ان اجيب على اسئلتكم الهامة ان اشكر جريدة «اللام» الفتية التي فتحت صدرها واسعا امام القارئ الجزائري واخذت بيده الى ابواب من الحوار الهادئ المتفتح على الرأي الآخر دون احكام مسبقة أو انحياز لمعسكر في وقت نرى فيه بعض صحفنا العريقة ما تزال حتى اليوم سادرة في غيها باستخدام مقص الرقابة فارضة وصاية تعسفية على الرأي الذي بعجب مدير تحريرها وأوضح منذ البداية بأني أعبر عن رأيي الخاص فيا طرح علي من اسئلة لأني لست متخصصا في هذه القضايا وكما اني لا امثل رمزا لطائفة او شيخا الجماعة حتى لاتحمل اجاباتي إلى أبعاد لست أهلا لا يصاها اليها او يفهم منها مفاهيم تني عن الطرح العلمي النزيه إلى مقاصد سياسية انا ابعد ما اكون عنها واسارع إلى قبول الإجابة على سؤالكم الذي تفضلتم بطرحه استجابة لماجس يسكن قلبي وفكري وهو ايماني العميق بأنه لا صلاح ولا فلاح ولا تقدم ولا ازدهار لأمتنا الا في ظل وحدة وطنية راسخة الجذور على
(1) جريدة السلام العددان: 12/ 19 و 1990/ 12/26.
1180_ (2/145)
صفحة 342
اس زكاها ونماها فينا هدي القرآن وتربية محمد الله وهي الاسلام عقيدة وسلوكا ولغة القرآن لسان دين ومعرفة والوحدة الوطنية وسيلة رقي وحضارة، فأنا اعبر اذا عن احساسي الاسلامي قبل اي
يسمح
الا
اعتبار آخر مهما يكن هذا الاعتبار طائفيا او مذهبيا او سياسيا. واجابة عن سؤالكم من هم الاباضية؟ اود ان اقول بان هذا السؤال في حده واسع الاطراف متعدد الجوانب فيه التاريخ والسياسة والفقه والعقيدة، والثقافة والاجتماع الى غير هذه العوامل التي تتضافر في بناء كل حضارة عريقة لها جذور أصيلة في التاريخ الاسلامي وهذا ليس مجاله هذا الحيز الضيق الذي لا بالاجابة المركزة والفات النظر الى مصادر التوسع والاستيعاب ومع ذلك فاني سأحاول الاقتصار على الخطوط العريضة كما يقال. ان الاباضية فرقة اسلامية عرفتها الساحة الاسلامية قبل ان تعرف بهذا الاسم لأنها فرقة اسلامية نشأت في ظل الكتاب والسنة ثر ظهور بعض التطورات السياسية التي عرفها التاريخ الاسلامي في عهد الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. والا باضية نبة الى عبد الله بن اباض التميمي أحد الزعماء السياسيين البارزين الذين انشقوا عن الخوارج عندما رأى منهم ما لا يتماشى مع سماحة الإسلام وقد ظهرت هذه التسمية لأول مرة في لعصر الأموي ولعل هذا كان في عهد عبد الملك بن مروان الذي كانت له مراسلات تاريخية معروفة مع عبد الله ابن اباض أما التسمية التي أطلقها الأباضية على أنفسهم فهي «أهل الدعوة» ايمانا منهم بأن الإسلام رسالة ودعوة لا تتوقف وقد اشتهر ابن اباض بمعارضته الشديدة المسياسة الجائرة التي كان الامويون يتسلطون بها
11871 (2/146)
صفحة 343
على رقاب المسلمين كما عرف أيضا بمواقفه الحازمة ضد الخوارج حيث كان يجادلهم ويبين تطرفهم ويتبرأ من أعمالهم كما تشهد بذلك النصوص التاريخية مما يوضح لكل منصف نزيه انقطاع كل صلة بين مبادئ الخوارج المتطرفين وبين مبادئ الاباضية أما الامام الحقيقي للاباضية فهو جابر بن زيد الأزدي المولود سنة (22 هـ) والمتوفي سنة (93 هـ) على ارجح الأقوال وبهذا يكون الذين ينتسبون اليه ويأخذون علمهم ودينهم عن طريقة أول المذاهب الاسلامية نشوء والإمام جابر تابعي من أفاضل التابعين ومشاهيرهم أخذ العلم عن كبار صحابة رسول الله ويكفي
تتلمذه المباشر لام المؤمنين عائشة
رضي
بحر الامة وفقينها بشهادة رسول الله
الله عنها
وعبد الله بن عباس
السلام: وعن الشق الثاني من السؤال: اللإباضية تصورات
مميزة في العقيدة ام هم مذهب فقهي يتميز باجتهادات في الامور التشريعية؟
الدكتور محمد ناصر: لا تختلف الاباضية عن الفرق الاسلامية المعتدلة الأخرى إذ هم يستقون كل تصوراتهم العقيدية واجتهاداتهم التشريعية من الأصول التي تعتمد في التشريع الاسلامي الكتاب السنة والإجماع والقياس والاستدلال ويدخل تحت الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وقد يطلقون على الاجماع والقياس والاستدلال كلمة (الرأي) فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر التشريع هي الكتاب والسنة والرأي اختصارا وبسبب ذلك اخط بعض من كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع. ولأصل العام في العقيدة الاسمية عند الاباضية هو التنزيه
147 (2/147)
صفحة 344
المطلق للباري جلا وعلا، وكل ما أوهم بالتشبيه من الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية الثابتة يجب تأويله بما يناسب قوله
تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم).
(1) الايمان: عقيدة وقول وعمل
(2) صفات البارى جل وعلا ذاتية ليست زائدة على الذات ولا قائمة
بها ولا حالة فيها.
(3
الله تبارك وتعالى صادق في وعده ووعيده
الخلود في الجنة أو النار أبدي.
5) انكار رأي قسم من أقام كلمة التوحيد الثلاث شرك.
(6) انكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة شرك (7) القرآن كلام الله تعالى وانكار شيء منه شرك
8) الميزان والصراط ليسا حسبيين وانما يؤولان بما يليق بها من ترغيب أو ترهيب.
9) الانسان حر في اختياره مكتسب لعمله ليس مجبراً ولا خالقاً
لفعله
10 ولاية المطيع والبراءة من العاصي واجبتان. (11) الناس قسمان مؤمن وكافر ولا منزلة بين المنزلتين
الشرك
(12) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان. 13) إذا أطلقت كلمة الكفر على الموحد فالمراد بها كفر النعمة لا كفر استناداً إلى الآية الكريمة فمن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وفي آية أولئك هم الفاسقون .. ) وفي آية أولئك هم الظالمون، فالتعبير بالفاسق أو الكافر أو الظالم حكم واحد، والاختلاف لفظي
-1 {^- (2/148)
صفحة 345
وهناك أصول أخرى هامة ليس هنا محل ذكرها يمكن مراجعتها
في مصادر الاباضية وهي كلها أصول لها أدلتها النقلية والعقلية من القرآن والسنة واحسبها لا تختلف عن عقيدة المذاهب الاسلامية المعتدلة الأخرى الا في بعض الأمور مثل الحكم على مرتكب الكبيرة الميت مصرا على المعصية بالخلود في النار أو اعتقادهم بعدم رؤية
الباري جل وعلا تنزيها وخوفا من ان يجر الاعتقاد الى التجسيد والتشبيه تعالى الله ذلك كما نلحظ أن على الاعتقاد بأن
به
عن
حرصهم
الميت بغير توبة مخلد في النار له أثار إيجابية عملية في سلوكهم اليومي إذ يجعل المسلم حذرا محاسبا نفسه على كل صغيرة وكبيرة مسارعا الى التوبة والانابة والاستغفار والرجوع الى الجادة كلما زلت قدمه، وحبذا لو ندرس هذه الأصول العقيدية من خلال السلوك الحضاري للمجتمعات ولا يقتصر ذلك على التنظير الفلسفي العقلي المجرد نضرب مثلا بدراسة المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي في مقالة القيم الذي درس فيه أثر عقيدة الإباضية بالولاية والبراءة وانعكاسات ذلك على المجتمع الاباضي الميزابي من خلال زيارة قام بها الى وادي ميزاب سنة 968، فقد تكون مثل هذه الدراسات الميدانية من عوامل الاعتراف بالحق وأخذ الحكمة حيثما وجدت دون تعصب لرأي متزمت، أو انسياق وراء احكام مسبقة، أو استيراد نظريات هذه الدولة أو تلك، واعتقد أن من أهم الأصول العقيدية للإباضية التي يتشددون في تطبيقها وتتجلى في حياتهم التطبيقية إيمانهم بأن الإسلام عقيدة وقول وعمل. ولا يمكن الفصل بين هذه العناصر الثلاثة فلا عقيدة بدون سلوك ولا سلوك بدون عقيدة ومن
هنا تقيم حرصهم الشديد إلى يومنا هذا على تطبيق مبدأ الأمر (2/149)
صفحة 346
بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقوم به رجال الدين أو حلقة العزابة كما يطلق عليهم في وادي ميزاب وهم الساهرون على تطبيق مبدأ الولاية والبراة في الحقيقة تجسيداً لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرق عملية رادعة فالولاية للمطيع والبراءة من العاصي المجاهر للمعصية. فالفرد في المجتمع الميزابي الإباضي عندما يقوم بأمر يوجب براءة المسلمين يعلن عنه أمام الملأ في المسجد الجامع حتى يعرفه الناس فلا يتعاملون معه وهو ما يضطره إلى الاعتراف بالخطأ والتوبة من الذنب والرجوع إلى جادة الحق في ظل الشريعة الإسلامية واعتقد أن هذه المبادئ المستمدة من القرآن والسنة اليها فيما يلحظ من تماسك وتضامن واتحاد بين أفراد المجتمع الاباضي على قاعدة الفرد من أجل المجموع، والمجموع من أجل
يرجع
الفرد
هي
التي
كما يكون الاباضية أيضا في مجال التشريع مدرسة راسخة الجذور تتمثل في اجتهادات علمائهم القدامى والمحدثين في مواكبة الحضارة الإسلامية في تطورها مع الواقع المعيش يكفي أن نذكر ديوان جابر بن زيد في الفقه وقد تحدثت الكتب القديمة عن أهميته وضخامته ولكنه ضاع في العهد العباسي، ومسند الإمام الربيع بن حبيب في الحديث وهو يعد أول كتب الحديث قربا من الرسول في اسناده الثلاثي عن جابر عن عائشة عن الرسول مني ومدونة أبي غانم بن بشر في الحديث والآثار وهي تعود الى القرن الثاني الهجري وتفسير شود بن محكم الهواري الأوراسي في القرن الثالث، وقد عرف المذهب الإباضي في ميدان الفقه بالمطولات التي قد يقل نظيرها عند الأخرى نضرب مثلاً بقموس الشريعة للعلامة جميل بن
150 (2/150)
صفحة 347
عبد
خميس السعدي في تسعين جزءا وبيان الشرع الذي يبلغ سبعين جزءا للعلامة محمد بن ابراهيم الكندي والمصنف لابي بكر احمد بن الله الكندي وجواهر الاثار لمحمد بن عبد الله بن عبيدان ومعارج الآمال للعلامة نور الدين عبد الله السالمي وهؤلاء كلهم من اباضية عمان كما اشتهرت عند اباضية المغرب آثار فقهية أخرى مثل إيضاح الشماخي ومؤلفات أحمد بن عبد الله ابن بكر ومن أهمها أصول الأراضين الذي ما زيال مخطوطاً ومؤلفات الشيخ اسماعيل الجيطالي ومن المحدثين نذكر النيل للشيخ عبد العزيز التميني وشرح النيل لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وهذا الكتاب موسوعة فقهية هامة تعتبر المرجع الاساسي للفقه عند الإباضية، ناهيك عن مؤلفاته الاخرى التي تجاوزت في ميدان الفقه وحده المائة ومن المعاصرين اعلام ضربوا في ميدان الاجتهاد الفقهي بسهم وافر يأتي على رأسهم العلامة الامام الشيخ بيوض والشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان وهما امتداد لعلماء الإباضية الذين عرفوا بالاجتهاد في كل عصر ومصر لإيجاد اخلول التي تشغل بال المسلمين يوميا وقد كانت اجتهادات علماء الإباضية محل اعجاب وتقدير العلماء المسلمين من المذاهب الأخرى وهذا مكانتها في الموسوعات الفقية المعاصرة مثل موسوعة الفقه الإسلامي الصادرة بالقاهرة، ولم تتوقف حركة التأليف عند الإباضية رغم ما يتعرضون له من الملاحقة والاضطهاد في مرحلهم التاريخية ولو قام باحث كما يقول الشيخ على يحي معمر باحصاء جميع الكتب التي انتها الإباضية واستخرج منها نبتها الماثوية إلى عددهم ثم فعد ذلك في بقية المذاهب ثم قارن بين نسب جميع انوجد نسبة الإباضية من أعلى النسب. هذا على الرغم من أن
11011 (2/151)
صفحة 348
معجم
كتبهم عرفت المطاردة والمصادرة والاحراق والاتلاف، مثلما وقع عند استيلاء الفاطميين على مدينة تاهرت، وفي أحيان كثيرة تكون أصابع الفقهاء المتعصبين وراء أجهزة السلطة الجائزة تحركها لإلحاق الأذي بمخالفيهم السلام: من هم أئمة الاباضية واشهر علمائهم؟ يصعب على المرء أن يحدد او يعدد ائمة مذهب ما في حيز ضيق كهذا وانما هذا مجاله الموسوعات والمعاجم المتخصصة ولعل الله يوفق (جمعية التراث) الى انجاز عمل قيم شرعت في جمع مادته تحت عنوان اغلام الاباضية على غرار المعاجم الاسلامية المعروفة وبذلك تد فراغا هائلا في هذا المجال، ومع ذلك فاني سأورد هنا بعض الاعلام على سبيل المثال لا الحصر وقد سبقت الاشارة الى بعضهم الامام جابر بن زيد (تـ 93 هـ) وهو التابعي الذي شهد له شيخه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بالعلم واعتزت ام المؤمنين ببنوته العلمية، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة شيخ حملة العلم الى المشرق والمغرب، الإمام الربيع بن حبيب صاحب المسند ومرجع الأباضية في الحديث الى جانب الصحاح بطبيعة الحال، الإمام عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية أول جمهورية اسلامية تطبق نظام الشورى الاسلامية تطبيقاً عملياً، الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، الإمام أفلح بن عبد الوهاب أبو يعقوب يوسف الورجلاني صاحب المؤلفات الفلسفية القيمة وخريج جوامع الاندلسن أبو عمار عبد الكافي، أبو عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام الحلقة في الخامس الهجري هذا النظام الذي ما يزال في وادي ميزاب نموذجاً فريداً في العالم الإسلامي لرسالة المسجد في حياة
152 (2/152)
صفحة 349
المسلمين اليويمة نظرياً وتطبيقاً، ونذكر من بين المعاصرين الشيخ عبد العزيز التميني وقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش صاحب المؤلفات الكثيرة والذي طبقت شهرته العالم الإسلامي.
ومن
كله المعروف بمواقفه الوطنية من الاحتلال الفرنسي، نور الدين عبد الله السالمي أشهر علماء عمان وهو صاحب المؤلفات القيمة والمواقف المشرفة، الشيخ أبو اليقظان أحد رواد الصحافة الوطنية الجزائرية أشهر المجاهدين بالكلمة ضد الغزو الصليبي، الشيخ ابراهيم بيوض رائد الحركة الاصلاحية ومجدد الفكر الاباضي في القرن العشرين الشيخ ابراهيم اطفيش صوت الجزائر في المنافي". تونس والقاهرة ورجل الوطنية الإسلامية التي لا تعرف الحدود الاقليمية، الشيخ عبد الرحمن بكلي صاحب المؤلفات في التاريخ والفقه، الشيخ محمد علي ديوز مؤرخ المغرب الكبير، وهؤلاء انتقلوا جميعاً إلى رحمة الله ورجال ما زالوا يؤدون واجبهم الإسلامي اليومي هنا وهناك آمد الله في أنفاسهم وفي انفاس كل مسلم يسعى إلى تحقيق الوحدة والأخاء بين المسلمين أينما كانوا
لماذا انحسر المذهب الاباضي في اماكن محدودة جدا من
؟
العالم الاسلامي انتشر المذهب الاباضي في اماكن عديدة من العالم الاسلامي المترامي الأطراف، وقد كان الاباضية رجال دعوة وجهاد لاعلاء كلمة الحق اينما كانوا، فكانوا في الحجاز، وفي حضر موت، وفي اليمن. وفي عمان وفي خراسان كما وجدوا في جنوب مصر وليبيا وتونس والجزائر وجنوب المغرب الأقصى. ووصلوا الى حدود نهر النيجر وهم أول من وصل الإسلام إلى القارة السوداء وقد تعرفن
153 (2/153)
صفحة 350
في السنوات الاخيرة من خلال بعض الطلاب الغينيين في الاردن على وجود جماعة كبيرة تعد بالآلاف ممن ينتمون إلى المذهب الإباضي في غينيا وامتد الى زنجبار وهو موجود فيها إلى اليوم وتدل بعض الاثار المكتشفة والمخطوطات الى وصول المذهب بواسطة التجار الى ابعد ذلك شرقا بكثير.
ولكن ما تعرضت له الاباضية من ملاحقة واضطهاد عبر تاريخهم الطويل عرضهم للابادة والتشتت من طرف الحكام الجورة الذين كانوا يرون في مبادئ هذا المذهب ما لا يسمح لهم بالسيطرة والتسلط والنفوذ نذكر على سبيل المثال المذبحة الفظيعة التي تعرض لها المسلمون من السفاح الشيوعي (نيريري) في زنجبار مؤخرا.
كما يعود انحسارهم في اماكن عديدة من العالم الاسلامي الى ان المذاهب المنافسة كانت تعتمد على السلطة السياسية الغالبة في بسط نفوذها كما وقع ذلك في تاريخ المغرب الكبير وما الفتن التي نسمع عنها من حين إلى آخر هنا وهناك الا صورة مصغرة لتلك المعاناة وذلك الاضطهاد وهناك سبب آخر ذكره الشيخ علي يحي معمر في كتابه: الاباضية بين الفرق الاسلامية يعود الى كراهة الاباضية لاراقة الدماء وهروبهم من الفتن مما جرأ عليهم مخالفيهم فشددوا عليهم الهجوم ولا حقوهم باستمرار، واستحلوا منهم ما لم يستحلوا من غيرهم، فكان ذلك كله سببا في تناقص عددهم وانحارهم الى أماكن محدودة، فمن المعروف ان الاباضية يعتمدون على الدعوة والاقناع ولا يلجأون إلى استعمال العنف الا في حالات الدفاع.
11081 (2/154)
صفحة 351
ولذلك لم يشتركوا في أي عمل من أعمال العنف التي قام بها الخوارج، والشيعة، والتوابون، وابن الزبير، والاشعت، ضد الامويين رغم مخالفتهم ومعارضتهم الشديدة للحكم الاموي وعدم رضائهم به وقد حاول الخوارج استدراج عبد الله بن اباض للخروج معهم فامتنع واخبرهم أنه لا يخرج على قوم يرتفع الآذان من صوامعهم، والقرآن من مساجدهم. ولهم في هذا المجال اصولهم السياسية التي تنظر الى الحكم والحكام من خلال نظرة
القرآن اليها وهي مطروحة بالتفصيل والتعليل والتمثيل في المتخصصة لمن شاء العودة اليها
مصادرهم والواقع اننا نرى كثيرا من الجماعات الاسلامية بدءا من الاخوان المسلمين والشهيد سيد قطب تتبنى مبادئهم تلك وتتدارسها وان لم يصرحوا بذلك علانية، ولا جناح في ذلك ما دام المصدر والحمد لله واحدا وهو القرآن والسنة. السلام: كيف ينظر الاباضية الى المذاهب الأربعة؟ هم ينظرون اليها كما تنظر المذاهب الأربعة الى بعضها البعض، نظرة اخاء وود واحترام وتقدير. انطلاقا مبدأ من إنما المؤمنون إخوة). وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ومثل المسلمين في تواددهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وغير من احكام الله واقوال رسول الله
هذا
ولا احسبني مبالغا ان قلت من سمات المذهب الاباضي ومميزاته التسامح مع المذاهب الاربعة، فنحن عندما نعود الى مؤلفات الإباضية قديما وحديثا، نجدهم يوردون عند مناقشة
11001 (2/155)
صفحة 352
المسائل الفقهية - اقوال مخالفيهم في المذهب والرأي دون تعصب او تزمت ولن تذهب للتدليل على ذلك بعيدا في التاريخ، وانما نعود الى ما يعتبر اليوم أهم معتمد للاباضية ولا سيما المغاربة في الفقه وهو (شرح النيل) الذي ألف متنه الشيخ عبد العزيز الثميني على غرار مختصر خليل، وشرحه الشيخ اطفيش محمد بن يوسف، ففي هذا الشرح تتجلى الروح الإسلامية المتسامحة في انصع صورها. فهو يورد اقوال العلماء المسلمين دون تحيز او انغلاق عند مناقشة اية مسألة ثم يورد رأيه الذي يراه راجحا. وهذه طريقة الشيخ اطفيش في اغلب مؤلفاته الفقهية. وللاخ المسلم ان يدخل أية مكتبة اباضية شاء عامة أو خاصة. فانه قد يجد فيها من مصادر المذاهب المخالفة اكثر مما يجده من مصادر المذهب الاباضي. ويمكننا ان نلمس هذه النظرة الافقية الواسعة في كل ما يكتبه الاباضية ولا أدل على ذلك من صحافة ابي اليقظان، ومؤلفات ابراهيم اطفيش ومحمد علي دبوز وعلي يحي معمر، وعبد الرحمن ملكي، وفتاوى الشيخ بيوض وتفسيره الكامل للقرآن الكريم. وفي ادب مفدي زكريا، وصالح خرفي، وغيرهم. بينما لا نجد العكس فقلما نجد في مؤلفات غير الاباضية اهتماما بعلمائهم او ذكرا لأدبائهم ومفكريهم وزعمائهم، وهذه ظاهرة غير حضارية ينبغي ان تزول من بعض الرؤوس ولا سيما اذا كانت اكاديمية يفترض فيها الموضوعية والإخلاص للعلم وحده. السلام: في نظركم، ما هو الطرح الفكري الذي يعمل على تخفيف حدة التعصب للمذهب، وعدم تقبل الاجتهاد المخالف؟
?? (2/156)
صفحة 353
الجواب: ان الطرح المبني على اساس التمذهب والانعلاق في حيزه دون فتح نوافذ التهوية طرح يبدأ بالقضاء على صاحبه نفسه وان الانتماء للمذهب الى حد اباحة العداء والاعتداء انتماء غير متحضر بل هو غير اسلامي على الاطلاق، لانه مضاد لنص قطعي وهو قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين اخويكم). وقوله: انا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقال الرسول الكريم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه هذه الدعوات النيرة المشعة بنور الحب
والتوادد
هي
أول ما
يساعد على تخفيف حدة الخلاف والتعصب
المذهبي او الحزبي او العرقي او الطائفي وما أشبهه، كيف يبيح المسلمون لانفسهم ان يتقاتلوا ويتصارعوا واحيانا يكون ذلك في من أجل اغراض دنيوية او خلافات فرعية هي في
الله بيوت
-
اصلها ان احسنا النظر اليها دليل ثراء وغنى الفكر الاسلامي المعروف بالتسامح والرحابة والاحترام.
ان المرء عندما يعود بذاكرته الى المراحل التي مر بها التاريخ
-
بعد عملية استقراء بسيطة - أن الفتن الاسلامي يلحظ
المتأججة بين المسلمين كان من ورائها دوما أسباب دنيوية مثل الصراع من اجل الحكم والتسلط والزعامة، والرئاسة، وما أشبهه من نزعات الشيطان ونزغاته، وحتى لا ادخل في متاهات الفتن والاحداث القريبة او البعيدة اقول ان السياسة التي قيل عنها: ما دخلت شيئا الا وأفدته لم تفسد على المسلمين دنياهم فقط،
وانما افدت عليهم دينهم أيضا، نسأل الله العصمة والنجاة ولن نخفف من هذه المواقف غير الاسلامية الا بالعلم
_101_ (2/157)
صفحة 354
والاعتصام باخلاق القرآن، فلو اعتصمنا بالهدى الرباني طبقناه في حياتنا اليومية لابتعادنا عن هذه الفتن العمياء التي علمنا القرآن أن نقول عنها تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) وأحسب أن دور العلماء والمفكرين يأتي في قمة هذا الهرم من العمل الرسالي الاسلامي، يتجسد عمليا بعقد الندوات الفكرية للمتخصصين هنا وهناك من وطننا وتتوسع لتشمل كل الجماعات الاسلامية في بقايا العالم الاسلامي بعيدا عن هرطقات السياسة، والا عيب الزعامة والسياسة ولنترفع عن حشد البسطاء والعامة من الناس في مثل هذه القضايا الحساسة التي لا يعرف اسرارها وطرق معالجتها الا الراسخون في العلم وهم يصلون الى حلها بالمدارسة والحوار العلمي ان تجد هذه الدعوة آذانا صاغية فتعيد الينا امجاد
الهادئ وعسى
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وللمسجد دور بارز وهام في هذا العمل الاسلامي، يقوم به الائمة والدعاة والوعاظ والمرشدون بالتركيز على القضايا التي تجمع المسلمين دون التطرق الى اثارة الاحن التاريخية أو القضايا الخلافية التي قد تستعصي على فهم العامة من الناس، لأن الذي يحضر الى المسجد ليس هو الذي يحضر الى ندوة علمية أو محاضرة في ناد ومعهد وجامعة، وقد رأينا في المدة الأخيرة ان كثيرا من الفتن والصراعات كان المتسبيون في ايقاد نارها وعاظ اتخذوا من المنابر منابز ومن المساجد مواقد نذكر على سبيل المثال احداث بريان، واحداث الجلفة واحداث المدية. وتلمسان وغيرها مما
يعصر القلب الما والفكر حيرة وتشتتا.
11011 (2/158)
صفحة 355
وللجامعة دور لا يقل عن الجامع، فان الاستاذ الذي
يتطرق الى هذه القضايا ينبغي ان يكون شاعرا بالمسؤولية الخطيرة الملقاة على عاتقه وتقديره لأمانة انشاء جيل مسلم يوحد
عائما
ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يتطلع الى المستقبل ولا ينغلق على الماضي، ولتتسع نظرتنا لتشمل الفكر الاسلامي في كل مراحله دون خوف او تعصب فان المناهج الدراسية عندنا ما تزال تعاني من نظرة متخلفة متعصبة، ولا سيما في بعض المعاهد والجامعات المتخصصة في الدراسات الاسلامية وحتى لا يكون كلامي اقول لماذا لا يدرس المذهب الاباضي الى جانب المذاهب الاسلامية الاخرى وقد مضى على الاستقلال قرابة ثلاثين سنة؟ الى متى تبقى الاسئلة التي توجه الى الطلاب في الامتحانات الكتابية او الشفوية ضحية انتماء الاساتذة لهذا المذهب او ذاك او هذا التيار او ذاك. الا يستدعي هذا اعادة النظر في برامج الجامعة ورسالتها واهدافها؟
ودور الاعلام في هذه الرسالة أشد خطراً من كل ما أسلفت لأن الاعلام المرئي والمقروء، ولا سيما التلفزيون سلاح ذو حدين ينفع ويضر حسب الاستعمال، ولا بد من القول ان عهد الديمقراطية والحمد لله قد فتح مجال الصحافة على مصراعيه ليعبر اصحاب الافكار عن افكارهم دون خوف من او رقابة، فما ينبغي القول ان عهد الصحوة الاسلامية
ضغط
المباركة سمح لظهور العديد من المؤلفات التي اخذت
تسعى الى تقريب شقة الخلافات بين المسلمين ومادمنا في صدد الحديث عن الاباضية فلا بأس من ان اشير الى
• (2/159)
صفحة 356
ان المذهب الاباضي أخذ يعرف اهتماما ملحوظا من طرف كتاب اعلام جامعيين في كل من مصر وسوريا، والعراق، والأردن، وتونس، وقد ساعد على ذلك التسامح الذي تعرفه بعض الجامعات العربية فنوقشت رسائل هامة في نواحي الفكر الاباضي، اضافة الى ما يناقش من أطروحات في الجامعات الغربية وهي كثيرة ومتنوعة، لعلنا سنعود الى هذا الجانب من
الموضوع في فرصة أخرى إن شاء الله
واتماما للفائدة اورد هنا بعض المصادر المتخصصة لدراسة هذا
الفكر اذكر منها:
- الاباضية في كوكب التاريخ علي يحي معمر.
- الاباضية بين الفرق الاسلامية
- نشأة الحركة الاباضية د/ عوض خليفات الاردني. - النظم الادارية والتربوية عند الاباضية
-فتاوي الامام الشيخ بيوض (جزآن)
فتاوي للشيخ عبد الرحمن باكلي البكري. - دراسة في الفكر الاباضي للدكتور السينغالي عمر با. - الحق الدامع للشيخ احمد بن حمد الخليلي. - فقه الامام جابر للاستاذ يحي بكوش. والإشارة هنا الى بعض الكتب الموجودة بالمكتبات الجزائرية وهي كلها معاصرة لان المصادر القديمة كثيرة ومتنوعة وليس هنا مجال الحديث
عنها.
السلام: هل لكم كلمة اخيرة توجهونها للضمير
الاسلامي
؟
160 (2/160)
صفحة 357
ج
: كلمة أخيرة أقولها: ما أحوجنا اليوم إلى أن ينصب اهتمامنا على ما يهمنا كأمة اسلامية تجاه اعداء الاسلام فهم يجتمعون على الباطل ونحن نفترق على الحق.
وعلى المسلمين في كل اطراف العالم الاسلامي ان يدركوا بعمق ان المسلمين معرضون اليوم اكثر من أي وقت مضى لحملة صليبية مسعورة تستهدف كل قيمهم، وتستخدم في سبيل ذلك كل الوسائل الخصبة والعلنية، المشروعة والمحرمة، وليس لهم والله من ملجأ الا الاعتصام بالقرآن الكريم وسنة الرسول، والتعاون على البر والتقوى فان هم تشتتوا احزابا، وضاعوا تمذهبا، وانقسموا حكماً وحكاماً فإنهم مايزالون في تخلف وتققعر، واستلاب، وستضيع منهم الأرض كما أهين منهم العرض، وسيساقون سياسياً، كما يستعمرون اقتصادياً. ولله الأمر من قبل
ومن بعد
11710 (2/161)
صفحة 358
[صفحة فارغة] (2/162)
صفحة 359
3
23
35
57
101
111
137
143
فهرس الكتاب
10 مكانة الإباضية بين الفرق الإسلامية بقلم: الشيخ
علي يحي معمر
الإباضية في الميدان بقلم: الأستاذ عبدالعزيز المجذوب 12 هل الإباضية خوارج؟ بقلم الأستاذ عمر بن الحاج
13
صالح با
الأصول التاريخية للفرقة الإباضية بقلم: الدكتور
عوض خليفات
الأستاذ مالك بن نبي ..
14 في ضيافة ميزاب بقلم: 15 براءة الإباضية بقلم: الأستاذ فهمي هويدي
16 رسالة مفتوحة إلى وزير الشؤون الدينية السابق بقلم: الدكتور محمد صالح ناصر
17 الإباضية: المذهب والواقع، والتصور، بقلم: الدكتور محمد صالح ناصر (2/163)
صفحة 360
رقم الإيداع. 92/ 115 م
مطبعة الألوان الحديثة: 562276 (2/164)
صفحة 361
[صفحة فارغة] (2/165)