صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: منهج الدعوة عند الإباضية
المؤلف: محمد صالح ناصر
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: دار ناصر للنشر والتوزيع
مكان النشر: الدار البيضاء - الجزائر
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: 5 (منقحة)
ردمك: 9-26-811-9947-978
الإيداع القانوني: 1968/2008
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/102
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 ربيع الأول 1447ه/ 07 - شهر 09 - 2025م. د محمد صالح ناصر
من الدعوة عند الإباضية
تمييز الإباضية عن الخوارج
نشأة الإباضية • الإباضية في الميدان الإباضية العمانيون ونشر الإسلام - إباضية الغرب ونشر الإسلام
مفتي سلطنة عمان.
طبعة خامسة
للنشر والتوزيع (1/1)
صفحة 2
عنوان الكتاب
منهج الدعوة عبد الأباضية
تأليف الدكتور
محمد مشالح ناصر
تقديم
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
الطبعة الخامسة (منقحة) 1434 هـ/2013 م
الناشر:
للنشر والتوزيع
العنوان 104 حي النخيل الدار البيضاء الجزائر
الإبداع القانوني 1968 - 2008
ر دمك 9 - 26 - 811 - 9947 - 978 (1/2)
صفحة 3
من الدعوة
تقديم
تقلال
بقلم سماحة الشيخ أحمد بن حمد ا
الخليلي
مفتي سلطنة عُمان
الحمد الله الذي يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على نبيه الأمين داعي الخلق إلى الحق، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن الدعوة إلى الله أجلّ ما يتسابق أرباب الهمم في مضماره، وأنفس ما يحرص أولو النهى على بذل كل نفيس من أجله، فإنّها وظيفة المرسلين وديدن الصالحين، وبها يحيا موات النفوس، وتنجلي الغياهب عن البصائر، وتنبعث العزائم الخاملة وتستيقظ الهمم النائمة، وقد كان لسلفنا والاستقامة في ذلك القدح المعلى والشأو الذي لا يبارى، فقد
الصالح من
الحق
ركبوا في سبيل دعوة الحق جياد الحمام وخاضوا لجج الأخطار، وشقوا طريقهم إليها بين حراب الإرهاب، وضحوا من أجلها براحة الحياة الدنيا ونعيمها، وبذلوا المهج والأموال ثمنا رخيصا في سوقها، فحقق الله على أيديهم المعجزات، إذ استوسقت دوحة الحق التي غرسوها، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، فذاق الناس على أيديهم لذة العدل بعد طول تجرعهم لغصص
3 (1/3)
صفحة 4
تقديم |
منهج الدعوة
الجور، وأحسوا بلطف الحق بعد مكابدتهم شدة الباطل.
ولعمر الحق إن هذه المآثر حَرية بأن تُرقم بزرياب الفخر على صفحات
المجد، وأن يتنافس المتنافسون في إبرازها على مرآة التاريخ بفنية ملكات البيان، وهي مسؤولية أصحاب الأقلام الموهوبة والقدرات الفائقة من أشبال أولئك الضراغم، فإن المحافظة على هذه المآثر في دواوين التاريخ من حق السلف على الخلف، بل هي من دعائم بناء نهضة الحاضر على قواعد الماضي، فإن من ليس له ماض ليس له حاضر، ومن لم يعن بتليده لم يكن له
طارف.
وقد وفق الله سبحانه أخانا الكاتب الأديب الدكتور محمد صالح ناصر، فأطلق العنان لأشقره السبوح المجلى في هذا الميدان الفسيح فأحرز قصبة الفخار في سبقه إلى إبراز هاتيك المفاخر بأسلوبه الأدبي الراقي الذي يأسر قراءه، وذلك من خلال كتابه القيم منهج الإباضية في الدعوة)، الذي أتيحت لي فرصة الإطلاع على جانب منه، فوجدته حريا بأن يكون موردا لكل ظاميء إلى هذا السلسبيل ومنارا يهتدي به كل سالك لهذا السبيل، فقد كشف ما. معمى من مآثر أهل الحق، وأزاح الستار عن تراث مجدهم التليد الفاخر في معرض البيان الرصين.
كان
فإلى طلاب الحق وعشاق الحقيقة، ورواد الفكر والأدب، هذا الكتر الثمين
الذي لا يقدر بثمن ولا يعادل بقيمة.
والله يجزي كاتبنا الأديب خيرا، ويوفقه لما فيه خير أمته.
أحمد بن حمد الخليلي مسقط 24 جمادى الثانية 1419 هـ
4 (1/4)
صفحة 5
من الدعوة عنا
الدعوة عند الأباضية
تقديم
مقدمة الطبعة الثالثة
الله بتوفيق من وتيسير منه نفدت الطبعة الثانية من هذا الكتاب، وتحت إلحاح طلاب العلم وأساتذته على الكتاب رأينا إعادة طبعه بعد الأخذ بالاعتبار الملاحظات التي تفضل بها الذين يهمهم موضوع الكتاب مشكورين مأجورين إن شاء الله
وهكذا ضمت هذه الطبعة تصحيحات وتنقيحات وإضافات وحذف، أما التنقيح والتصحيح فشمل الكتاب كله بعد أن عانينا من الأخطاء المطبعية في الطبعتين السابقتين، أما الإضافات فتخص ما يلي:
فصلا يتعلق بالإباضية في اليمن وحضرموت وهو لم تشتمل عليه الطبعتان
السابقتان.
كما أضفنا لهذه الطبعة مُلحقا بالإباضية في خوارزم، وخراسان والجزيرة وبلاد السند والهند قام بتحريره أخونا وتلميذنا الذي نعتز بتتلمذه ونتشرف بجهده الشيخ مبارك بن سلطان الشيباني العُماني بعد أن وافق
على ذلك مشكورا لتعم الفائدة من ذلك الفصل.
4) (1/5)
صفحة 6
تقديم
مج الدعوة عند الأباضية
-- وأضفنا أيضا خرائط توضيحية ساعدنا في إعدادها الدكتور عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة وهو متخصص في هذا الفن بارك الله في أنفاسه
وأعماله.
أما الحذف فطال نصوصا كنا نشرناها بالملحق في الطبعتين السابقتين لم نر ضرورة لإعادة طبعها لاعتبارات لا تخفى عن القارئ اللبيب، وأعزها على القلب جمع كلمة المسلمين وضم شملهم وتناسي كل ما يسيء إلى هذه القيم، وهو الهدف الأسمى الذي نطمح من ورائه في تأليف الكتاب، فنسأل الله سبحانه أن يغفر لنا خطايانا، ويجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، كما نأمل من القارئ الكريم ألا يحرمنا من دعائه وملاحظاته، والله من وراء القصد وهو وحده ولي التوفيق.
الجزائر في 2007/ 07/20 م.
محمد صالح ناصر
6 (1/6)
صفحة 7
تقديم
منهج الدعوية
مَ اللغةمعبد الأناض
مقدمة
من بين المواد التي كنت أدرسها في معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد بسلطنة عمان مادة عنوانها «منهج الإباضية في الدعوة». تدريس هذه المادة دفع بي إلى الاطلاع على الكثير مما كتب حول الإباضية تاريخاً وفكراً، قديماً وحديثاً. وكنت أثناء قراءاتي لهذه المراجع كثيرا ما تستوقفني أسئلة محيرة، ولعل أبرزها:
1 - لماذا يغلب على تلك المراجع طابع التكرار، والنقل الحرفي للمعلومات حتَّى إن اللاحق لينقل عن السابق دون تمحيص أو مقارنة بين هذه المراجع وبين المراجع التي كتبها الإباضية أنفسهم. وكأن ما في تلك المراجع ولاسيما القديمة منها، هو العلم النهائي، والحقيقة المطلقة؟ 2 - لماذا تكتفي أغلب تلك المراجع بسرد الحوادث والوقائع التاريخية دون تحليل أو تعليل، فهي لا تحاول النفاذ إلى أبعاد ما ترويه بعرض الحيثيات المختلفة، وبالتالي الوصول إلى النتائج التي قد لا يصل إليها القارئ العادي من تلقاء نفسه، وهو ما يضفي على تلك المراجع السطحية والسذاجة الفكرية
أحياناً.
على أني أقول وبكل موضوعية إن بعض الدراسات التاريخية الصادرة
7 (1/7)
صفحة 8
تقديم
من الدعوة عند الان
في هذه السنين الأخيرة تجاوزت تلك النظرة الأحادية، تعمقت الأحداث بالنفاذ إلى بواطنها، وقارنت بين وجهات نظر الفرق الإسلامية رجوعاً إلى مصادرها، وهو ما أدى إلى نتائج حضارية إسلامية هامة، بتقريب وجهات نظر فرقاء الأمة الإسلامية، والتقائهم على حلقات الحوار والتشاور، ولو على صفحات الكتب والدوريات. فيم ظلّت فيه بعض الجهات التي تعرف نفسها على التعصب المقيت، والإصرار على أن الحق في جانب واحد وحده. ورغبة منا في أن يزداد أنصار الحوار الهادئ، والاعتراف والتعارف والمعرفة على حد تعبير الشيخ علي يحي معمر، فإني أضع اليوم بين يدي القارئ المسلم هذا الكتاب الذي حاولت مخلصاً أن يصب في هذا الرافد، تتجمع هذه الروافد لتسقي الشجرة الطيبة التي يستظل كل
عسى
أن
المسلمين بظلها الوارف.
وأحب أن أذكر أن هذا الكتاب يدخل ضمن اهتماماتي العقدية والفكرية والعلمية إيماناً مني بأن واقع المسلمين لن ينصلح ما لم يصلحوا ما بأنفسهم، مصداقاً لقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ النحل: 97. وقد سبق لي أن أصدرت كتابين في هذا الاتجاه، أولهما مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية حلقتان، منذ
خمس سنوات. وثانيهما تراثنا الإسلامي والعصر، منذ ثلاث سنوات. وقد نهجت في الكتاب الأوَّل نهجاً يعتمد الجمع والرصد لكتابات بعض الكتاب المسلمين المعاصرين الذين يهمهم وحدة الأمة الإسلامية من دعاة
8 (1/8)
صفحة 9
حدة
تقديم
من الدعوة عند الأباضية
التحاور والتشاور ونبذ الخلاف المتجاوزين ما في بعض الكتب التراثية من وصراعات، وبما أن الكتاب لم يكتب له النشر الذي تمنيته له، فإني أحب أن أنقل هنا بعض ما جاء في مقدمته، يقينا مني أن الواقع الإسلامي اليوم لم يتحسن عما كان عليه قبل خمس سنوات عند صدور ذلك الكتاب، بل أستطيع القول. مطمئناً إن الواقع تدهور تدهوراً فظيعاً ويكفي دليلاً هذه الدماء التي تسيل أنهاراً في كل الأوطان الإسلامية، وهي لا تسيل دفاعاً عن أرض مقدسة أو وطن سليب، بقدر ما تسيلها أياد تدعي تصفح القرآن ومدارسته. إن الناظر في تحولات العالم الإسلامي في إطار الصحوة الإسلامية الأخيرة، يدرك بأن الصحوة لن تؤتي ثمارها إلا يإصلاح ذات البين بين المسلمين الذين يكونون هذا المجتمع الإسلامي العريض، وكل مشروع حضاري نهايته الخيبة والفشل ما لم يبن أسسه على التسامح والود والمحبة بين أفراده، ولن يصل غايته إن لم يمهد لطريقه وخطواته بالاحترام المتبادل والتقدير الكامل بين طوائفه وأحزابه مادام الهدف واحداً وهو بناء مجتمع إسلامي متطور في ظل راية التوحيد. ولعل الواقع المرير الذي نشهد مآسيه من حين إلى آخر هنا وهناك يعود إلى أسباب سياسية ودينية في الأغلب الأعم، لقصور نظر لدى الساسة والمتزعمين. فإن السؤال الذي ينبغي أن ينشغل به المصلحون والمخلصون هو: كيف يمكن أن توظف القيم الدينية لتكون ركائز للتقدم، والنهضة، والتحرر، لا أن تصبح سبباً إلى تكريس التخلف، والتحجر، والتقهقر؟ فإنه عوض أن يتصارع المسلمون بدافع مذهبي أو حزبي، كان الأولى بهم أن يوجهوا قواتهم
9 (1/9)
صفحة 10
منح الدعوة عند الاباضة
تقديم
إلى عدوهم المشترك عدوّ دينهم وأمتهم وقرآنهم ونبيهم، فإن المعركة الحقيقية شئنا أم أبينا، أدركنا ذلك أم لم ندركه ينبغي ألا تكون بين المسلمين مذاهب وأحزاباً، وإنما هي صراع حضاري بين كفر وإيمان، وتنافس محموم على السيادة والسيطرة بين حضارة الهلال ومدنية الصليب، حتى وإن حاول أعداء الإسلام داخلاً وخارجاً أن يَطبَعُوا هذا الصراع بغير هذا الطابع، وإن اتخذوا أساليب تكتيكية سياسية واقتصادية أخرى فإن لم يدرك المسلمون هذا الواقع ولم يستبطنوا خفاياه فإنهم لا يزالون في توجيه أسلحتهم الفتاكة ضدَّ بعضهم البعض، متغافلين عن عدوهم الأساسي الذي يدس السلاح في أيديهم، ويؤلب الحكام الفجرة عليهم، ليتحكموا في منابع الثروات المادية والأدبية، ويخذلوا قواهم الاقتصادية والروحية. إنهم يبتسمون للمسلمين في ودّ كاذب، وتملق منافق، ليوجهوا وجوهنا قبل البيت الأبيض، والساحة الحمراء وليصرفوا وجوهنا عن الكعبة، والقبة الخضراء وأولى القبلتين وليس أدل على ذلك من هذه المؤامرة التي تجلت واضحة وضوح شمس الهاجرة في سماء الجزيرة العربية، فيما يطلقون عليه اليوم (أزمة الخليج)، وإن أخوف ما نخافه أن نتفطن إلى عدونا الحقيقي ونحن نردّد في حسرة وندامة: «إنما أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض»، فإنّ نفسا مسلمة واحدة تموت في ساحة المسجد الأقصى، أو في رمال الجزيرة، أو في واحات غرداية، أو على ضفة النيل، لهي خسارة عظمى للمسلمين، ومن هنا فإن الواقع الذي دفع إلى تأليف كتاب: «مكانة الإباضية»
جميعهم
1 - مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، ص 109.
10 (1/10)
صفحة 11
تقديم
من الدعوة عند الاناضة
قبل خمس سنوات هو الدافع نفسه الذي دفع بي إلى تأليف كتاب: «منهج الدعوة عند الإباضية» اليوم.
وتحقيقا لهذا المنظور الساعي إلى تقريب شقة الخلاف، وإيجاد وسائل الحوار والتفاهم بين المسلمين، رأيت تقسيم الكتاب إلى قسمين كبيرين: قسم يهتم بالجانب التاريخي، وقسم يهتم بالجانب الحضاري، وأحسب أن القسم الأخير هو الذي يهدف إلى تبيان بعض ما قد يخفى على غير المتمذهبين بالمذهب الإباضي، لأنه محاولة للكشف عن بعض مميزات الإباضية فكراً وسلوكاً، رجوعا إلى النصوص وتحليلا للمواقف. فالوقوف عند هذا الجانب أهم من الاكتفاء بالجانب التاريخي فيما أقدر.
ودون أن أثقل على القارئ الكريم، بعرض محتويات الكتاب عليه، فإنّي أفضل أن أترك ذلك له، يدركه من تصفح الكتاب وقراءته عن كثب، داعياً الله أن يجمع شمل المسلمين تحت راية القرآن وسنة المصطفى على الخير،
ويوحد صفوفهم ضد قوى الشر، ويجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، ومنطلقاتهم رفعة لدينه القويم، والله ولي التوفيق.
محمد صالح ناصر
11 (1/11)
صفحة 12
/ (1/12)
صفحة 13
تمهيد
1 - ما المنهج وما الدعوة؟
2 - نشأة الإباضية.
3 - التمييز بين الإباضية والخوارج (1/13)
صفحة 14
تمهيد
«ليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحقِّ ممن جاء به، وإن كان بغيضاً، ونرد الباطل على
من جاء به، وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال بالحق. فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن إياض مذهباً، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز، حين ذهب كل فريق إلى طريق، وأما الدين فهو عندنا لم يتغير والحمد لله» (1)
الشيخ السالمي
1 - إن هذه الكلمات الخالدة وردت في رد الشيخ السالمي على رسالة وجهها إليه الشيخ سليمان الباروني باشا يسأله عن أسباب افتراق المسلمين، وهل في الإمكان توحيد هذاهبهم؟ نقلا عن إيضاح التوحيد لنور التوحيد، لسعيد بن ناصر الغيثي تحقيق محمد بن موسى بابا عمي، ومصطفى بن محمد شريفي، ط 1 1417 هـ / 1996 م. ج 1/ص 194.
14 (1/14)
صفحة 15
تمهيد
ب الدعوة عند الانا
سم الله الرحمن
مهيد
يجدر بنا قبل الدخول في تفاصيل منهج الدعوة عند الإباضية أن نوضح بعض المفاهيم الضرورية، مثل كلمة منهج ودعوة كما يجدر بنا الوقوف عند الظروف السياسية والاجتماعية التي نشأت الإباضية في ظلها باعتبارها مذهباً
من المذاهب الإسلامية الأصيلة.
تعريف المنهج والمنهاج:
1 - المنهج لغة الطريق، يقول ابن منظور في لسان العرب: «طريق نهج بين واضح وطرق نهجة، وسبيل منهج، ومنهج الطريق وضحه،
والمنهاج كالمنهج»)، وجاء في القرآن الكريم:
لِكُل جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا} [المائدة: 48]
2 - المنهج اصطلاحاً: هو الخطة أو التخطيط لإعداد شيء ما، أساسه التفكير، أكان هذا الشيء مادياً أم معنوياً، لذا نستطيع القول: إنه علم التفكير أو طريقة كسب المعرفة. فثمة تخطيط لبحث أو كتاب وهو ما يطلق عليه خطة البحث.
والشريعة الإسلامية أساسها منهج رباني واحد، عمدته القرآن الكريم، وسئة الرسول الكريم قولاً وفعلاً، وتقريراً، إلى جانب القياس،
1 - يراجع لسان العرب مادة نهج.
15 (1/15)
صفحة 16
تمهيد |
منهم الدعوة عن
والإجماع، واجتهاد علماء الأمة ولابد أن نوضح منذ البداية أن المنهج الإسلامي واحد مهما اختلفت آراء علماء الأمة، لأن كلمة التوحيد وحدت خطاهم، وتشريع القرآن حدد طريقهم، لذا نلحظ في القرآن الكريم مفردات لغوية أخرى مثل السبيل، والصراط، ولكنها تدل كلها على معنى واحد هو الطريق، وهي التي عبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمحجة
حيث يقول: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها».
وفي القرآن الكريم:
و قل هذهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين) [يوسف: 108]
•
فالمنهاج إذاً في الاصطلاح - كما تدل عليه مصادر التشريع
الطريق الذلول الموصل إلى رضى الله رب العالمين.
تعريف الدعوة:
لغة: الدعوة يراد بها عدة معان: فمنها الرغبة إلى الله،
والفعل دعا
والمصدر هو الدعاء والدعوى والاسم الدعوة والدعاوة. ومن معاني الدعوة
الاستغاثة، قال تعالى:
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
[يونس:38]
والدعوة لغة مأخوذة من الدعاء، وهو النداء لجميع الناس، وحثهم على
العمل له كما يتضح من قوله عزّ وجلّ و وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ
ويَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
16
[يونس:25] (1/16)
صفحة 17
تمهيد
غيره.
ودعاه صاح به، والمصدر دعوة وداعية اللبن ما يترك في الضرع ليدعو
ومثلما سبق أن رأينا فإن كلمة دعوة تفيد لغوياً المحاولات القولية والفعلية من أجل تحقيق هدف أو عمل، ومن المعلوم أن الأقوال لها ثقلها وصعوبتها لأن فيها المناداة والطلب، والإلحاح، وفيها الجهد والعمل.
كما أننا نطلق على المحاولات المذكورة اسم «الدعوة»، نطلق على الدين الإسلامي الاسم نفسه، وهذا ما يجعلنا نذكر أن كلمة «الدعوة» من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الإسلام وعلى عملية نشره بين الناس،
هذا
وسياق إيرادها هو الذي يحدد المعنى المراد) وقد أصبحت الدعوة من المفهوم مصطلحاً يعني الرسالة الإسلامية، وأصبح الرسول الكريم يسمى داعي الله أي صاحب الدعوة إلى توحيد الله، لهذا اعتبر دين الله دين الرسالة أو دين الدعوة، أي أنه
دين الله الداعي الإنسانية لاعتناق المبادئ التي ينادي بها
القرآن وسنة نبيه الكريم (2).
من
وقد أدرك الإباضية أبعاد هذه المعاني التي جاءت في كتاب الله، فكان التسميات التي أطلقوها على أهل مذهبهم وقد شاعت في مصادرهم: أهلُ الدعوة والاستقامة (3) إيماناً منهم بأن الدعوة إلى الله واجب كل مسلم يؤمن
1 - د/ أحمد غلوش: الدعوة الإسلامية؛ دار الكتاب المصري، ط: 1987، ص 10. 2 للتوسع انظر حسني محمد ابراهيم غيطاس: الدعوة الإسلامية، المكتب الإسلامي،
بيروت 1985، ص 17، 18.
3 - فقد استخدموا هذا المصطلح أكثر من استخدامهم لمصطلح الإباضية.
17 (1/17)
صفحة 18
الدعوة عند الأباض
بالله ويستشعر مسؤولية تبليغ الرسالة المحمدية في كل مكان وزمان، وإنهم لا يدعون إلا إلى ما دعا إليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقد تجسد هذا المفهوم عملياً في سيرة السلف الصالح في مراحل الظهور والكتمان على السواء عند العلماء والتجار، وفي تاريخهم مواقف سياسية استطاعوا من خلالها أن يبلغوا الرسالة المحمدية إلى آفاق بعيدة عن أوطانهم، وأمكنة تجمعاتهم، يكفي أن نذكر هنا جهود العمانيين في نشر الإسلام بشرق إفريقيا والهند والصين وما جاور هذه البلاد البعيدة، وجهود المغاربة الذين قطعوا الصحارى والقفار حاملين الدعوة الإسلامية إلى مجاهل وأدغال إفريقيا السوداء، كما سنوضح ذلك بالتفصيل في مكانه من هذا البحث.
ومفهوم الدعوة من مدلولها اللغوي، أنها نداء وصيحة وطلب للاجتماع على كل شيء أو الاشتراك فيه والاصطلاح هو الذي يحدد ويعين المعنى المراد من النداء أو الطلب وبغير بيان المقصود يبقى المعنى. عاماً شاملاً.
الجعية اصطلاحاً: أما الدعوة اصطلاحاً فهي الدعوة إلى الله، والإيمان به إلها واحداً لا شريك له، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وصرف الناس وعقولهم إلى عقيدة صحيحة ومصلحة نافعة والدعوة اسم جامع لرسالة الإسلام وتعاليمه من عقيدة وعبادة ومعاملات وشرائع وأحكام، وهي أيضاً اسم جامع لسائر وسائل حمل الناس على هذه الرسالة المحمدية، وسائر أساليب التبليغ عن الله ورسوله على اختلاف مراحلها. ولئن وردت كلمة الدعوة في القرآن في عدة.
حدد مراد الدعوة في الإسلام في آيات كثيرة منها:
مواضع
فقد
18 (1/18)
صفحة 19
تمهيد
قوله تعالى: ولتكن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] و قوله: عمران:104]
أدعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... [النحل: 125]. و قوله مخاطباً رسوله الكريم: ... وَادْعُ إلى ربك إنك تملى هدى [الحج:67].و من هنا يتبين أن الدعوة إلى الإسلام هي
منهج السلامة والطريق المستقيم الذي انتهجه الله لعباده المؤمنين كما جاء ذلك في قول الرسول الكريم مخاطباً «هر قل» ملك الروم في رسالته حيث يقول: «أدعوك برسالة الإسلام أسلم تسلم ... ». ومن هنا نستطيع القول إذا كان المنهاج واحداً، ومفهوم الدعوة إسلامياً واحداً، فلم أطلق على هذا الكتاب اسم: منهج الدعوة عند الإباضية. أكان
للإباضية منهج دعوي خاص بهم غير ذلك المنهج الإسلامي الوحيد؟ وهذا تساؤل وجيه ينبغي الإجابة عنه، لأنه يوضح بعض الجوانب المتعلقة بموضوعنا، بل يوضح المنطلق لفهم توجهاته. لا نعتقد أن المذاهب الإسلامية الصحيحة تختلف في المنهج مادام هو المنهج الرباني الذي خطه القرآن العظيم، وأوضح معالمه الرسول الكريم. ولكن بما أن المذاهب الإسلامية تنشأ عن منهج تفكير بشري، والناس يختلفون في طريقة التفكير، كان لا بدَّ أن يختلفوا في تصور المشاكل كما قال تعالى:
وَلَا يَزَالُونَ مُختلفين الله إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ....
[هود: 118، 119].
19 (1/19)
صفحة 20
تمهيد |
منهم الدعوة عند الا
الاختلاف عصبية، ثم
والاختلاف في طريقة التفكير يؤدي إلى أن يصبح يتحول إلى عقيدة راسخة مستحكمة في العقل والوجدان، مستعصـ عصية على الحجة والبرهان، لا تتزعزع لمحرك، ولا تنقاد لداع. في حين أن القرآن يوصينا على عدم التفرق والاختلاف {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ
مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأَوَلَيْكَ لَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]. فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذالك خير وأحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59].
وأعظم الفراق ضرراً كما يقول الشيخ أحمد الخليلي ما كان متعلقاً بأصول الدين، لأنه يكون أدعى للتنابز والشقاق من الفروع.
وليس هذا التراع في أصول الدين مع وحدة المصدر الذي تنهل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أيمة الفرق، ثم يوصله تعصب الجماهير لأقوال أيمتهم بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً، تطوع له الأدلة المخالفة له بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً).
ومن هنا يتبين لنا أن السبب في الاختلاف يعود إلى منهج التفكير عند البشر، وهو بعبارة أوضح وأدق يعود إلى الوسائل والأساليب التي يستخدمونها للوصول إلى الغاية. فإذا كان المنهج - كما رأينا – هو الخطة، فإن الأسلوب الفن أو الطريقة، فإذا قلنا مثلاً أساليب الدعوة، فإننا نعني بها فنونها التي
هو
1 - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ؛ مكتبة الاستقامة، ص 7.
20
20 (1/20)
صفحة 21
تمهيد
نهج الدعوة عند الأباضية
مثلاً: الحكمة والموعظة، والقدوة، والقوة، والترغيب، والترهيب، وما
هي إلى ذلك ....
كما أن الوسائل يراد بها قنوات التوصيل كما نعبر اليوم، فثمة داعية يستخدم المنبر أداة توصيل، وثمة آخر يستخدم المذياع، وآخر يستخدم الشريط، وآخر يستخدم الصحيفة، وهكذا. وما من شك في أن قنوات التوصيل مع تعددها تختلف من زمن إلى آخر، فإن قنوات التوصيل أو أدواتها في زمن الرسول والصحابة الكرام هي غيرها اليوم، إذاً فإنّ الدعوة هدف من أجلها كان المنهج الذي يستخدم من أجله الأساليب والوسائل). ولا بد من القول أن الأساليب والوسائل المستخدمة إنما تخضع للظروف الزمانية والمكانية، وعادة ما تكون وليدة اتجاهات سياسية أو عقدية أو اجتماعية أو اقتصادية، وسنرى عند التعرض لنشأة المذهب الإباضي – موضوع البحث – كيف خضعت وسائله وأساليبه الدعوية - شأنه في ذلك شأن المذاهب الأخرى – إلى هذه الظروف، وبالترتيب التصاعدي تقف الوسائل في القاعدة، لأنها مجرد أدوات للوصول إلى هدف ما، وتأتي بعدها الأساليب وهي الشكل الذي يتم به الأداء موعظة، وجدلاً، وإيحاء ... الخ
وهذه الوسائل والأساليب تتشابك تشابكاً لا انفصام ولا انفصال فيها، تبعاً للمرحلة التي تمر بها الدعوة فمرحلة التبليغ والنشر، غير مرحلة التربية والتكوين، وهما غير مرحلة المواجهة والتنفيذ. فالأسلوب الصالح للمرحلة الأولى قد لا يصلح للمرحلة الثانية، وهو لا يصلح للثالثة، والوسيلة التي
1 - علي جريشة: مناهج الدعوة وأساليبها بتصرف، المنصورة ج. م. ع، 1987. ص 16
21 (1/21)
صفحة 22
تمهيد |
الدعوة عند الأباضية
تصلح. لهذه المرحلة قد لا تصلح إطلاقاً لمرحلة أخرى، ومن هنا نفهم الخلاف الحاصل بين الفرق والمذاهب والأحزاب في طرق دعوتها وجهادها من أجل
بقائها.
ونحن حين النظر إلى واقع الدعوة الإسلامية أو ما يعرف اليوم بالصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم الإسلامي في دياره وبين حدود دوله، وفي ديار غربته في المشرق والمغرب في أوربا وأمريكا، وغيرهما، نستطيع أن نقول القول نفسه، أي إن الاختلاف هو اختلاف في الوسائل والأساليب.
يقول علي الطنطاوي وهو من رواد الحركة الإسلامية): «لقد ظهر كثير من هؤلاء المجددين في كثير من بلاد الإسلام، وكثير من الدعاة إلى الله، ولقد اطلعت على سيرهم جميعاً، ووقفت على دعواتهم، فوجدتها تلتقي كلها في المبدأ والغاية، مبدؤها جميعاً من الكتاب والسنة، وغايتها ردُّ هذه الأمة إلى دينها، ولكن طرقها مختلفات كل داع يختار لدعوته طريقاً يصل مبدأها
بغايتها».
يقول: «وقد عرضت هذه الطرق في ذهني فوجدتها تجتمع على اختلافها في شوارع ستة كبرى تتفرع عنها جواد (جمع جادة) وسبل، وهذه الشوارع
الستة هي:
1 - طريق الدعوة إلى الله بإصلاح الملك أو الحاكم كما فعل السرهندي في
الهند) (2).
1 علي الطنطاوي: طرق الدعوة إلى الإسلام؛ دار المنار، جدة، 1991 م. 2 - أحمد بن عبد الأحد السرهندي المعروف بمجدد الألف الثاني. توفي 1034 هـ
22 (1/22)
صفحة 23
تمهيد
منه الدعوة عند الأباضية
2 طريق الدعوة الشعبية التي يحميها الحاكم ويؤيدها بسلطانه (محمد عبد الوهاب في نجد).
3 طريق الدعوة الشعبية التي تحميها الثورة المسلحة (أحمد بن عرفان في
الهند، الأمير عبد القادر في الجزائر، وعز الدين القسام في فلسطين). 4 طريق الدعوة ببث الأفكار ونشر الحقائق على أفراد الناس في المجالس والمجامع والطرق وفي كل مكان وبالأسلوب المناسب دون دخول في جدل أو اشتباك مع مخالف جمال الدين الأفغاني وشعاره: قل كلمتك وامض، طاهر الجزائري كيف كان يقدم الكتب الصحيحة بأسلوب لين حيث يكتب أو يقول: إني وجدت هذا الكتاب في مكتبتي ولم أدر ما فيه، وأنا أحب أن تنظر فيه ثم تخبرني هل هو نافع لي فأقرأه أم هو من الكتب
الضارة). 5 - الدعوة إلى الله عن طريق التعليم والإقراء والتأليف، ويدخل في هذا الإطار عدد غفير من الدعاة في القرن العشرين ولاسيما الذين نزعوا نزعاً إصلاحياً (الدهلوي، عبده، رضا، ابن باديس، الكواكبي، نور الدين السالمي، اطفيش قطب الأيمة، الشيخ بيوض، وغيرهم.
6 - الدعوة عن طريق الإعلام المكتوب الصحف، المجلات، المقالات المباحث: محب الدين الخطيب أبو الحركة الإسلامية في مصر)، أبو
إسحاق، أبو اليقظان، شكيب أرسلان كاتب الإسلام الأول في المهجر)، أبو مسلم البهلاني العماني. وإذا سمى الأستاذ علي الطنطاوي هذه الطرق شوارع أو جواد، فإنّ الذي
23 (1/23)
صفحة 24
تمهيد |
منهم الدعوة عند الاباضة
ان نفهمه منها هي منهجها واحد، لأنها توصل لغاية واحدة وإن اختلفت الوسائل والأساليب.
وفي هذا الإطار ينبغي أن نضع مفهوم منهج الدعوة عند الإباضية، فقد كانوا باعتبارهم فرقة نشأت في ظروف سياسية متميزة سباقين إلى وضع أساليب ووسائل خاصة تلخص نظريتهم ومواقفهم من الحكم والحكام، ووضعوا القواعد الثابتة للتعامل مع غيرهم من أتباع مذهبهم أو مخالفيهم، سواء كانوا حاكمين ظاهرين أو محكومين مضطهدين، وقد عرفت هذه السياسة الشرعية عندهم بمسالك الدين، وهي: الظهور، والشراء، والدفاع، والكتمان (1). وسوف نرى حين التحدث عنها بالتفصيل أنها وسائل وأساليب مستقاة من المنهج الواحد الوحيد وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، استعملوا فيها توجيهات القرآن الكريم أو استمدوها من سيرة الرسول
في جهاده الطويل ضد الكفر والطغيان.
1 - تراجع كتب التوحيد والعقيدة عند الإباضية مثل الجيطالي، قواعد الإسلام. الشيخ
اطفيش شرح عقيدة التوحيد ...
22424 (1/24)
صفحة 25
نشأة الإباضية
نشأة الإباضية
منح الدعوة عند الأباضية
حول نشأة الإباضية يدور جدل كبير يطرح عدة تساؤلات أهمها:
• متى نشأ الإباضية وكيف؟
هل يعتبرون فرقة من فرق الخوارج؟
أتعد الأسباب التي ساعدت على نشأة الإباضية سياسية أم دينية؟ الواقع أن الدارس الموضوعي يجد عنتا كبيراً في الوصول إلى حقيقة تاريخية يطمئن إليها كل الاطمئنان، ليقول في النهاية هذا هو الخبر الصحيح أو هو التأويل الصائب، لسبب بسيط وهو أننا في معالجتنا لهذا الموضوع تواجهنا مشكلة المرجعية فثمة مصادر إباضية وثمة مصادر غير إباضية، وبين هذه وتلك من الاختلاف في التعليل والتقييم والحكم ما يصل أحياناً إلى حد التضاد، وقد يعود هذا أساساً إلى أن المؤرخين عادة ما يعتمدون في مرجعية أخبارهم إلى مصادر غير إباضية وأغلب تلك المصادر كانت تتخذ موقفاً مسبقاً من الإباضية، زعما من تلك المصادر أنها فرقة من فرق الخوارج، ففي غياب المصادر الإباضية - لأسباب سياسية معروفة – اعتمد المؤرخون والكتاب إلى عهد قريب على ما في هذه المصادر على أنها مسلّمات ووثائق صحيحة، على الرغم من أنهم يعرفون جيداً أن بعض هذه المصادر كانت تستجيب لهوى الحاكم، وتنظر إلى الأحداث من زاوية تعصبية منحازة. ولم خافياً عن أهل الاختصاص أن أغلب تلك المصادر القديمة تفتقد
يعد
25
25 (1/25)
صفحة 26
نشأة الإباضية
منهج الدعوة عند الانا
الموضوعية، ليس في موضوع الإباضية وحدهم، بل في كثير من الموضوعات التاريخية ذات الحساسية القبلية أو المذهبية، فالمصادر الصادرة في العهد الأموي كانت تسعى إلى تلبية هوى الحكام الأمويين فتظلم بذلك خصومهم، والمصادر العباسية كانت تنحاز إلى العباسيين فلا تبين من العهد الأموي إلا الجانب المظلم فيه، وهكذا دواليك، هذا إضافة إلى أن أغلب المؤرخين كانوا يكتبون تحت تأثير نزعاتهم التعصبية وانتماءاتهم المذهبية.
ومن هنا وقف المؤرخون من هذه القضية موقفاً متعنتاً، بعضهم أغفل الحديث عن تاريخهم إغفالاً تاماً فكتموا بذلك صفحات تاريخية هامة، وبعضهم كتب عنهم ولكن بطريقة منحازة ضدهم منذ البداية، وإلى هذا أشار بعض الكتاب المحدثين بقوله: «والحقيقة أن ما تركه لنا قدامى الكتاب والمؤرخين في هذا المجال مجرد إشارات عابرة خلال الحديث عن علماء المذهب في هذه البلدان» (1).
والحق إن المتأمل فيما كتب حول الخوارج بعامة و الإباضية بخاصة، يخرج بانطباع عام هو أن أغلب الكتاب عندما يكتبون عن الحركة الخارجية اليوم إنما يكتبون عن (حكم مسبق) و (موقف تقليدي)، وهو إدانة هذه الحركة، ومن ثم فهم يقفون منها موقف الشانئ الرافض، اعتقاداً
منهم
أن
1 - يتعلق الحديث هنا عن الإباضية في مصر، ينظر: رجب محمد عبد الحليم الإباضية.
في مصر والمغرب، ص 8.
* شاعت هذه النظرة بعد شيوع ما يعرف "بالإرهاب" إتباعا وتقليدا لما يُروجه الغرب
الصليبي الحاقد.
26
26 (1/26)
صفحة 27
نشأة الإباضية
الخارجية وصمة عار، ودليل إدانة، ومروق من الدين، دون أدنى محاولة منهم التحليل أو التفهم للظروف السياسية والاجتماعية أو عرض ما في هذه الحركة من جوانب إيجابية. وهذا الموقف المتطرف هو الذي يبعدهم عادة عن الرجوع إلى مصادر أصحاب هذا الفكر، ومن ثم فهم – أي الكتاب المحدثون لا يختلفون عن الكتاب القدامى ولا يأتون بشيء جديد، لأن المصادر القديمة التي ينقلون عنها ويعتبرونها موثقة دون نقاش أو نقد أو تمحيص قلما تقدم على الكتابة عودة إلى المصادر الأساسية لأصحاب هذه الحركة أو تستنطق واقعهم المعاصر، وقد تفطّن بعض الكتاب الأكاديميين المحدثين إلى هذه الظاهرة فتفادوها وهم قلة، ومن أجل ذلك جاءت أحكامهم مغايرة
لأحكام بعض الكتاب السابقين فيها كثير من الإنصاف والموضوعية. يقول الدكتور فاروق عمر: ولكي نكتب عن الإباضية يجب العودة إلى كتب الفقه الإسلامية، وكتب الشعر والآداب وأما الكتب العامة مثل الطبري، وابن الأثير والمسعودي فلا وجود لمادة خبرية هامة فيها، لذلك ينبغي العودة إلى نوع آخر من المصادر وهي: كتب التاريخ الحولي المحلي، كتب التاريخ الإباضي الذي كتبه الإباضية أنفسهم» (1).
عل أن الإخلاص للعقيدة والثبات على المبدأ من أهم سمات الدعوة عند الشراة وقد ظهرت هذه السمات بارزة في مراحل جهادهم ضد الباطل،
+- لم نر من كتب عن الجانب الحضاري عند الإباضية إلا نادرا.
1 - د. فاروق عمر: مجلة البيان جامعة قسنطينة، ع 3 (1994) ص 50.
27
127 (1/27)
صفحة 28
نشأة الإباضية
وتجلت بعمق في أدبياتهم، فإنّ كل الذين كتبوا عن تلك الأدبيات منبهرون بهذه السمة التي غدت ميزة لأدبهم لا ينافسهم فيها أحد من الفرق الأقوى سنية كانت أم غير سنية.
وقد دفع الإعجاب بهذه الميزة لأدبهم ومواقفهم بعض الكتاب فاتهموا
بالانحياز إليهم. فمن المعروف أن المبرد صاحب الكامل في اللغة والأدب يعد المصدر الأول لأخبار الشراة، اهتم بهم ونقل بأمانة ما يعرفه عنهم، دون تحيز أو ممالاة، ولكنه لم يسلم رغم ذلك فاتهم بالانحياز إليهم. كما نجد ذلك عند ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، فقد ذهب ابن أبي الحديد إلى أن المبرد يرى رأي الخوارج لإطنابه في سيرتهم، واعتداله في الحكم عليهم. وقد رد الدكتور طاهر أحمد مكي هذا الادعاء بقوله: «والحق أن ميل المبرد إليهم كان إنسانياً وأدبياً، أكثر منه سياسياً، فللخوارج من ألوان البطولة الخارقة، والمقاومة المؤمنة والعقيدة ما يهز الناس جميعاً في عصرهم وبعد عصرهم، وفي أدبهم من الصدق والقوة والجمال ما يثير إعجاب المبرد وغير المبرد، وكان أبو العباس في حديثه عنهم مستجلياً لكلا العاملين، فأورد من تاريخهم ما يجعل من (الكامل) أصح مرجع لكتابته وسجل من نصوصهم الشيء الكثير ... » (1).
وعلى الرغم من أن أغلب الذين كتبوا عنهم (أي الخوارج) كما يسمونهم متفقون على تدينهم واستقامة أخلاقهم، إلا أن ذلك لم يكن كافيا
1 - د/ طاهر أحمد مكي: دراسة في مصادر الأدب؛ ط 1944، دار المعارف ص 163.
28
28 (1/28)
صفحة 29
نشأة الإباضية
منهم الدعوة عن
ليقفوا موقفاً موضوعياً من حركاتهم، حتى أن كاتباً عقلانياً مثل الجاحظ حينما تحدث عن الخوارج وحركتهم في البصرة لم يفرق بينهم وبين اللصوص والسفاحين، ويكاد الجاحظ يعنيهم وقد قرنهم إلى اللصوص في قوله: «لأنك لا تعرف فقيها من أهل الجماعة لا يستحل قتال الخوارج، كما أنا لا نعرف أحدهم لا يستحل قتال اللصوص ... ).
(1) «
والعجيب في الأمر أن المؤرخين لم يكلّفوا أنفسهم عناء التمييز بين فرقهم المعتدلة والغالية، بين من استحل استعراض الناس بالسيف، ومن احتفظ برأيه وعقيدته لنفسه، لا يقاتل أحداً، ولا يدعو إلى مفارقة أو خروج مثل الشراة
الإباضية.
ولعل عدم التفريق هو الذي جعل الكثيرين يظلمون الشراة، حيث راحوا يعاملون المعتدلين القعدة وعلى رأسهم أبو بلال مرداس معاملتهم للأزارقة والنجدات والصفرية، بل إن الوجود الإباضي تعرض إلى النكران والجحود في بعض الأمصار الإسلامية، فأهمل ذكرهم عمداً، فقد غفل التاريخ الحديث عن الإباضية في مصر وعن علاقتهم ياباضية عمان والبصرة، رغم أنه كان للإباضية في مصر نشاط كبير، وكان لهم فيها العلماء البارزون الذين وصلوا إلى درجة الفتيا، وكان لهم وجود قوي، حتى أنهم تدخلوا في مجرى الأحداث السياسية منها ... » (2)
1 - البيان والتبيين، ج 2 ص 87. وانظر د/نعمان القاضي: الفرق الإسلامية في العصر الأموي،
دار المعارف، مصر، ص 166.
2 - دارجب محمد عبد الحليم: الإباضية في مصر والمغرب؛ ص 8.
29
29 (1/29)
صفحة 30
نشأة الإباضية
وبعد
هذا التمهيد الضروري نعود إلى السؤال الأول:
متى نشأ الإباضية وكيف؟
لا يمكن للدارس الموضوعي أن يفصل نشأة الإباضية عن الظروف السياسية التي عرفها المسلمون حكاماً ومحكومين، وهم يتنازعون حول السلطة، ولاسيما بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان في سنة 36 هـ، فقد أفرزت تلك الظروف انقسامات خطيرة في صفوف المسلمين لم تكن معروفة من قبل، انحرفت بها عن مفهوم الأمة الإسلامية الواحدة الخيرة، التي أخرجت للناس، لتصبح فرقاً وطوائف وأحزاباً تتعصب للعشيرة والقبيلة، وتركن إلى الدنيا وشهواتها وتلك أمور معروفة مشهورة في كتب التاريخ لا نحب ولا نرغب في بسط القول فيها إلا بقدر ما نمهد به لموضوع وهو نشأة الإباضية، ولا خلاف بين الباحثين في أن النشأة تعود بالدرجة
بحثنا
الأولى إلى التزاع حول إمامة المسلمين ومن يستحقها وما هي شروطها، وفي ظل نشأة الطوائف الحزبية المتطلعة إلى الحكم والسيادة راحت كل طائفة تبرر رأيها وموقفها بالجدال أحياناً، وبالسيف أحياناً، وكل طائفة ترى أن الحق إلى جانبها وأن غيرها على باطل، وهكذا تفاقم الوضع بين المسلمين إلى صراع مسلّح مات فيه خلق كثير، وعرف تاريخ المسلمين معارك دموية مثل معركة الجمل بين علي وأنصاره من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى سنة 36 هـ، تلتها معركة صفين بين علي وأنصاره من جهة، ومعاوية وعمرو
30 (1/30)
صفحة 31
نشأة الإباضية
منهم الدعوة
بن العاص ومن معهما من جهة أخرى سنة 37 هـ،، ثم معركة النهروان (1) بين علي وأنصاره الذين بقوا إلى جانبه بعد التحكيم في صفين، وبين الذين انشقوا عنه من أنصار الأمس بعد أن اختلفوا معه في قبوله التحكيم، ورأوه انسلاخاً عن الخلافة وإمامة المسلمين لصالح معاوية وفئته الباغية، فانحازوا إلى مكان يدعى «حروراء» قرب البصرة، وانتخبوا إماماً لهم من الصحابة يدعى عبد
الله
المحكمة
بن وهب الراسبي (2) ودامت المفاوضات بين علي من جهة والحروريين أو من جهة شهوراً باءت إلى الفشل الذريع، وتتابعت الحوادث بصورة متدهورة لتنتهي إلى مأساة مروعة تعرف بمعركة النهروان في صفر من
38 هـ
سنة
ويمكننا القول نظراً إلى النتائج التي تمخضت عنها معركة النهروان، إنها من أهم المعارك دموية وفظاعة، فقد قتل في هذه المعركة من المحكمة خلق كثير من أفاضل الصحابة وقراء القرآن على رأسهم عبد الله بن وهب
1 - موضع عند سامراء في العراق شمالي بغداد عند قناة تتفرع عند دجلة يسمى مجرى النهروان، وهو المكان الذي وقعت فيه المعركة، وتختلف المصادر في عدد القتلى،
فيقال إنهم عشرة آلاف، ويقال أربعة آلاف، ويقال ألفان، ولكن المصادر متفقة.
على
هزيمة المحكمة كانت منكرة، إذ لم ينج حسب تلك المصادر سوى عدد قليل جداً.
2 - عبد الله بن وهب الراسبي: صحابي جليل، يطلق عليه ذو الثفنات لكثرة عبلاته، وقد انتخبه أصحابه في حروراء بالإجماع خليفة للإمام علي بعد أن قبل مهزلة التحكيم
لرأي رآه.
31 (1/31)
صفحة 32
نشأة الإباضية
من الغريب عند الاباحية
الراسبي، وحرقوص بن زهير السعدي، وزيد بن حصن، وغيرهم كثير)، ولم تمض فترة حتى تأثرت المحكمة بمقتل الكثير منهم في النخيلة (2) حيث قتل معاوية بتأييد الحسن بن علي كثيرين منهم، وهكذا تتابعت الانهزامات والمآسي المروعة مِمَّا كان له شأن كبير في توجيه الفكر الإسلامي بعد ذلك، كما أدَّت هذه المآسي إلى أن يفقد المحكمة الزعيم القائد الذي يجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم.
وبتولي زياد بن أبيه السلطة على العراق، شدد الملاحقة والاضطهاد لكلّ مناوئي السلطات الأموية، فكان زياد ثم من بعده إبنه عبيد الله يقمعان كل ركة تقف ضد الأمويين، ويزجان في السجون كل من يظن فيه الخروج عن
السلطة الحاكمة.
وهكذا أدت هذه الوقائع المتتالية إلى أن ينقسم المحكمة إلى قسمين: قسم فضل مراجعة النفس والرجوع إلى السلم، والتفكير في استخدام أساليب أخرى، ومن هؤلاء زرعت بذرة الاتجاه المعتدل الذين منهم الإباضية. وقسم آخر فضلوا الاستمرار على المنهج نفسه منهج مواجهة السلطات بالعنف، واحتكموا إلى السيف انتقاماً لقتلاهم، بل ازدادوا تطرفاً حين اعتبروا كل من خالفهم عدواً لهم، بل هو مشرك يستحل دمه وماله، وعن هذا المنهج
تبلورت الأزارقة والنجدات، والصفرية.
1 - تنظر تراجمهم في كتب الرجال وكتب التاريخ، مثل: ابن حجر العسقلاني، الطبري، كامل ابن الأثير، سير الشماخي وطبقات المشايخ للدرجيني.
2 - موقع قرب الكوفة على سمت الشام، ينظر السير والجوابات) ج 1 ص 116.
32
32 (1/32)
صفحة 33
نشأة الإباضية
من الدعوة عند الأباضية
وكان على رأس الذين اختاروا العمل في الكتمان وتحول الحركة من
العلنية إلى السرية أبو بلال مرداس بن حدير التميمي (1) هذا التابعي الجليل
جور
الذي اشتهر بورعه وتقواه كما عرف بصلابته في الحق والجهاد ضد الأمويين وظلمهم، واتخذ هو وجماعته مدينة البصرة مقراً لهم، مؤثرين العمل في
سرية تامة داعين إلى انتهاج الحوار و الدعوة إلى الله بالحسنى، وما لبثت هذه الجماعة أن تعززت بانضمام الإمام جابر بن زيد إليهم، وهكذا نشأ تيار فكري وعقدي جديد، سيعرف فيما بعد بالإباضية، وعرفوا عند القسم الذي آثر استعراض الناس بالسيف (بالقَعَدَة) لأنهم في تصورهم قعدوا عن الجهاد ضد الحكام الأمويين كما سنوضح ذلك في مكانه.
- العصبية القبلية في ظل الدولة الأموية:
ولكي تكتمل الصورة بكل جوانبها وزواياها وتتضح بخفاياها وظلالها، نحاول أن نقدم الجانب الآخر وهو الجانب الأموي، وسوف نعتمد على مصادر غير إباضية احتراباً من أن تكون هذه مدفوعة إلى القدح في الأمويين بحكم عاطفتها العدائية لهم.
وَأَوَّل ما نلاحظ في أحداث هذا العصر الأموي) أن العراق احتل مكانة خطيرة في التاريخ الأموي، بالرغم من أن الشام كانت مركز الخلافة لأنّ العراق يمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي في الدولة الأموية .. ومن ثم كان الأمويون يولون العراق جل اهتمامهم ويرسلون إليه أقدر ولاتهم مثل:
1 - ينظر الفصل الثاني من الباب الأول.
33 (1/33)
صفحة 34
نشأة الإباضية
من الدعوة عند الأباضية
المغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف الثقفي، وخالد القسري، وغيرهم من الولاة الجبابرة الأشداء. نظراً إلى أن العراق أصبح مركزاً لتجمع المعارضة ومستقر جماعة كبيرة من التابعين والقراء، فكان لا بدَّ إذاً من ابتداع كل الوسائل لإخضاع هذا الجانب من الدولة لمطامعهم. وكان من وسائل الأمويين استغلال العصبية القبلية فإن زمراً من القيسية نقلوا ديارهم إبان الفتوح كما لم يفعل من قبل ـ ناحية
-
الشمال وبخاصة إلى الشام وقويت شوكتهم حتى أصبحوا عاملاً سياسياً وحربياً له خطره، وجعلتهم قوميتهم الشمالية وهم المضرية الترارية خصوماً
الداء لجماعة كلب الجنوبية اليمانية.
وقد كان الخلفاء من بني أمية يعتمدون على الكلبية حيناً، وعلى القيسية حيناً آخر، تبعاً لروابط الصهر والزواج بين البيت الأموي من ناحية، وبين
هاتين الجماعتين المتنازعتين من ناحية أخرى (1).
ولم تقض هذه الجهود على العصبية القبلية قضاء تاماً، بل لم تذهب الفتوح المستمرة شرقاً وغرباً بريحها، ولم تنقلب عليها الترعة العالمية التي اتجهت إليها الدولة بعد أن دخلت فيها عناصر جديدة ليست عربية کالفرس، والترك، والبربر.
ذلك أن يزيد بن عبد الملك كان مرغماً أن يلقي بنفسه إلى هذه العصبية
1 - د/ عبد الحميد يونس الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي، دار المعرفة، مصر، 1968 م؛ ض 5948 (بتصرف). نقلا عن ابن الأثير: الكامل ج 5، ص 59
34 (1/34)
صفحة 35
نشأة الإباضية
التي لم تبرأ منها الدولة الأموية في يوم من أيامها.
بل إن من أسباب ثورة البربر في المغرب الإسلامي على الأمويين
سياستهم الرعناء التي كانت تعامل البربر أهل البلاد معاملة الأسياد للعبيد،
قط
وما علموا أن أنفسهم، وتذلهم في أعز ما يملكون وهي العزة النفسية، والتوق إلى الحرية. كما سنرى ذلك في مكانه.
البربر لا يسوءهم شيء مثل هذه المعاملة التي تهمينهم في
وقد طبق يزيد بن عبد الملك التروع العصبي تطبيقاً عملياً، حين ولى وجهه شطر القيسية طلباً لنصرتهم في محاربة بني المهلب الأزدي.
ونتج عن هذا أن جنحت الحكومة التي ارتفعت أيام عبد الملك فوق الأحزاب حتى أصبحت حزبية قيسية صارخة.
(1)
وامتد شرر هذه العصبية القومية بين القيسية واليمانية في كل اتجاه، ولم يقتصر على الشام والعراق، بل شمل خراسان وسائر الولايات الإسلامية وبخاصة في شمال إفريقيا والأندلس.
ولا نبالغ إذا قلنا إن تاريخ الدولة الأموية كله لا يفهم على وجهه إلاّ في ظل هذه العصبية القبلية أو القومية. (2)
وإضافة إلى روح العصبية المتسلطة، فإنّ الحكم الأموي قام على الظلم والجور باستثناء بعض الحكام مثل الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد
1 - المصدر نفسه.
2 المصدر نفسه.
335 (1/35)
صفحة 36
نشأة الإباضية
العزيز، وفترة سليمان بن عبد الملك التي عرفت هدنة نسبية، ومن هنا كان تعامل الحكام الأمويين على جميع المستويات مع الرعية تعامل من لا يرى إلا إلى السلطة الدنيوية، ولو أدى ذلك إلى إخضاع رقاب العباد بالسيف، كما وقع في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي.
بن
والحق أن سنة 53 هـ. تعد معلماً بارزاً في هذا الصدد، إذ أصبح زياد أبيه والياً على الكوفة، فأخذ أهلها بما أخذ به أهل البصرة من الغلظة، وأعمل في أهل السجن التنكيل، وقطع أيدي ثلاثين رجلا حصبوه في المسجد، وأوقع بحجر بن عدي وصحبه من الشيعة، وكان يقيم ستة أشهر في الكوفة وستة أشهر في البصرة، فاستخدم ضدَّ كل الخارجين عليه أقسى وسائل التقتيل، وكان من أشد من لاقوا منه العنت بطبيعة الحال أبو بلال وجماعته، مما دفع حركتهم إلى العمل في الخفاء والدخول إلى مرحلة الكتمان، وكان حكم إبنه عبيد الله أقسى وأفظع).
وقد استمر الحكم الأموي في أغلب فتراته على هذا النحو، بل كانت هذه السياسة سبباً للإطاحة بالدولة الأموية.
فقد اشتعلت العصبية في البوادي والحواضر وتفاقم خطرها، فلم يقتصر بعض الولاة على التقريب والإيثار، أو الإبعاد والحرمان، بل تجاوز ذلك إلى
1 - يمكن مراجعة هذه الأخبار في المصادر التالية:
الطبري، ج 6 ص 108 - 118 البيان والتبيين ج 2، ص 243 * الكامل لابن الأثير ج 7
ص 208. ومن المراجع الحديثة: الحياة الأدبية في البصرة، ص 239 * د/نعمان القاضي: الفرق الإسلامية في العصر الأموي، دار المعارف، ص 166.
36 (1/36)
صفحة 37
نشأة الإباضية
منهم الدعوة عند الأباضية
سفك الدماء، فكان معن بن زايدة والي اليمن يقتل اليمنية تعصباً لقومه من ربيعة وغيرها من نزار وكان عقبة بن سائم يرد على هذا بعمان والبحرين فيقتل عبد القيس وغيرهم من ربيعة مكايدة وعصبية لمعن، وعصبية لليمنيين من قومه (1)
-
وجعل الكثير من الولاة يفعل مثل ذلك، فكانت نيران العصبية لا يخبو أوارها في كل صقع، وإذا خبا فإنه لا يلبث أن يشتعل. وعلى هذا الأساس خططت الكوفة والبصرة قسم لليمنيين، وقسم للتراريين، وتعدى ذلك إلى مواليهم وأرقائهم. والأمويون بهذه السياسة الرعناء التي حسبوها خيراً لهم في أول الأمر - جرُّوا على أنفسهم شراً كثيراً، فإن العصبية لم تختصر في إقليم واحد، بل انتشر شررها في الدولة كلها، ففي كل بلد حزبان حضري ويمني يتداولان النفوذ حسبما كان الولاة من شدة ولين وتعصب وسماحة، وبهذا صارت العصبية مرضاً في المجتمع، ونجمت عنه فتن وثورات، ومنازعات في كل الأمصار الإسلامية بخراسان وفارس والعراق والشام، ومصر، وإفريقية، والأندلس (2).
وقد لخص الإمام أبو حمزة الشاري الحكم الأموي في خطبته في المدينة حيث يقول: «أصابوا إمرة ضائعة وقوماً طغاة جهلاء لا يقومون الله
بعهد،
1 - د/أحمد الحوفي أدب السياسة، ص 462 نقلا عن مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 197. 2 - يراجع د/ أحمد الحوفي، مرجع سابق، ص 462 وما بعدها نقلا عن الأغاني 14
ص 156.
37 (1/37)
صفحة 38
نشأة الإباضية
ولا يفرقون بين الضلالة والهدى ويرون أن بني أمية أرباب لهم، فملكوا الأمر، وتسلطوا فيه تسلط ربوبية بطشهم بطش الجبابرة، يملكون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظن، ويعطلون الحدود بالشفاعات، ويؤمنون الخونة، ويقصون ذوي الأمانة، ويأخذون الصدقة في غير وقتها على غير فرضها، ويضعونها في غير موضعها فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله ... (1)
علاقة الإباضية بالإمام عبد الله بن إباض والإمام جابر بن زيد: الواقع بما أن الإباضية قد تزامن ظهورهم بظهور الخوارج، ويلتقون معهم مبدأ الحكم الله، ورفض مبدأ القرشية في الحكم، فإنه من الصعب البت في هذه القضية بتحديد تاريخ معين أو واقعة معينة لظهورهم، لأن الجماعات والأحزاب تتكون مع مرور الزمن بالتفاف الناس حولها شيئاً فشيئاً، ولا نتخيل تكونها في ذلك العصر مثلما تتكون الأحزاب اليوم في مؤتمرات تأسيسية لها تاريخ معين. ولكن مع ذلك فإنه من المؤكد أن الإباضية أخذوا يظهرون على الأحداث بمبادئهم المتميزة عندما انفصلوا عن الخوارج معارضين
مسرح
نهجهم العنيف في قتال المسلمين وإن لم يتَسَمَّوا بهذا الاسم منذ البداية.
وهو ما جعل أغلب المصادر غير الإباضية تنسب هذه الفرقة إلى الإمام عبد الله بن إباض المولى التميمي الذي ظهر في الساحة السياسية سنة 64 هـ
1 - الأغاني، تحقيق، سمير ط. دار الفكر، 1986. 23، ص 255
38 (1/38)
صفحة 39
نشأة الإباضية
الله
منح الدعوة
، عندما تجمع المحكمة في البصرة قاصدين مكة للدفاع عن الكعبة من حصار القائد الأموي حسين بن نصير السكوني الذي تولى القيادة بعد مسلم بن عقبة سنة 63 هـ، والوقوف إلى جانب عبد بن الزبير. والواقع إن أغلب الذين كتبوا عن شخصية الإمام عبد الله بن إباض لا يسعفوننا بالكم المقنع من الأخبار حول هذه الشخصية مقارنة بدوره العظيم الذي قام به في إعلان المواجهة بينه وبين عبد الملك بن مروان الحاكم الأموي، فإن الدارس عندما يعود إلى رسالته التي توجه بها إلى عبد الملك يلحظ علماً واسعاً ودهاء بعيداً، وورعاً بالله شديداً، يجعلنا نتساءل مرة أخرى:
كيف يغفل التاريخ ترجمة شخصية بهذا الحجم؟ أيعود هذا إلى إغفال متعمد؟ وإذا كان هذا صحيحاً فلم لم تقم المصادر الإباضية بهذه المهمة حين أغفلتها المصادر الأخرى؟
من
أمام هذه الإشكالية سنكتفي بما جمعناه من هنا وهناك من ملامح نحاول خلالها أن نجمع أطراف الصورة التقريبية لهذه الشخصية التاريخية العظيمة. وبعيداً عن الخلاف الذي وقعت فيه بعض المصادر القديمة حيث خلطت خلطاً كبيراً في اسمه وتاريخ وفاته فإننا سنكتفي بما صار حوله شبه إجماع من المؤرخين الإباضيين وغير الإباضيين.
أصل الإمام عبد الله بن إباض من بني صريم بن الحارث بن مقاعس من بني تميم وهي إحدى القبائل الرئيسة المتفرعة عن مضر، ويرى الشيخ محمد بن يوسف اطفيش الإباضي الجزائري أن ابن إباض هاجر من موطن قبيلته في نجد إلى البصرة، ويذكر أيضاً أن هنالك روايات تفيد بأنه كان صحابياً
39
39 (1/39)
صفحة 40
نشأة الإباضية
لفترة قصيرة من حياته (1) في حين نجد أغلب المصادر الإباضية مشرقاً ومغرباً متفقة على أن ابن إباض تابعي عاش في النصف الثاني من القرن الهجري
الله
الأول، وظهر لأول مرة في البصرة حين تجمع المحكمة متوجهين للدفاع عن الكعبة كما ذكرنا سابقاً، وكان لهم لقاء مع عبد بن الزبير الخصم اللدود للأمويين. ويبدو أنهم حاولوا استمالة ابن الزبير إلى صفهم والاقتناع بوجهة نظرهم من الفتنة السابقة في عهد عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، لكن عبد الله رفض موافقتهم على آرائهم فتركوه وشأنه، ورجع بعضهم إلى البصرة، وكان عبد الله بن إباض من بين أولئك النفر (2).
وفي غضون التطورات السريعة للأحداث واستتباب الأمر للأمويين واجهت المحكمة - وهي الخصم اللدود للأمويين المتسلطين فقدان القيادة الموحدة الراشدة، وتفاقم الأمر وازداد خطورة عندما رأى أبو راشد نافع بن الأزرق سلوك طريق العنف واستعراض المسلمين المخالفين له في الرأي بالسيف، مصدرا فيهم حكماً قاسياً، وهو أنهم مشركون، هذا الحكم الذي ابتني عليه استحلال أموال المسلمين وأعراضهم ودمائهم.
في هذا المنعطف التاريخي الخطير برز عبد الله بن إباض قائدا محنكاً رافضاً شعار الحرب والقتال الذي تبناه نافع بن الأزرق ومن معه من أنصار عرفوا بعد ذلك بالأزارقة، وراح ابن إباض يجادلهم ويحاججهم ويعلن البراءة منهم،
1 - د/ عمرو النامي، دراسات ... (مخ) ص 27. وقد اعتمدنا النسخة الخطية قبل طبعها
سنة 2001 م.
2 - د/ عمرو النامي: مرجع سابق، صورة
40 (1/40)
صفحة 41
نشأة الإباضية
وصار هذا الموقف الذي اتخذه عبد الله بن إباض هو الموقف الواضح في
السياسة الشرعية عند الإباضية كما سنوضح ذلك في مكانه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المصادر غير الإباضية ترى أن ذلك الموقف قد جسد حقيقة بداية ظهور مذهب الإباضية، وأن الفضل في ذلك يرجع لعبد بن إباض الذي تعتبره معظم المصادر التاريخية المشار إليها بأنه الرمز القيادي الذي قام بتأسيس هذا المذهب (1).
الله
سس
هذا الرأي الغالب هو الذي نجده في أغلب المصادر غير الإباضية قديماً وحديثاً، أما المصادر الإباضية فلها وجهة نظر أخرى مغايرة لذلك الرأي، حيث تذهب كلُّها إلى أن المؤس الحقيقي لمذهب الإباضية هو الإمام جابر بن زيد قبل أن يظهر عبد الله بن إباض على الساحة السياسية، على أنها تعترف بذلك الدور السياسي الذي قام به عبد الله بن إباض في بلورة الفكر الإباضي وتحديد موقفهم من الأمويين من جهة ومن الخوارج من جهة أخرى، بل إنّ هذه المصادر تذكر أن النشاط السياسي الذي قام به عبد الله بن إباض إنما كان بتوجيه من الإمام جابر بن زيد الذي سبق له وجود نشط في البصرة مع الشراة الأوائل من أمثال الإمام أبي بلال مرداس بن حدير وأخيه عروة، هذان القائدان اللذان كان لهما دور نشط فعّال في بلورة الحركة الإباضية قبل أن تعرف بهذا الاسم (2)، ولكن المصادر الإباضية عندما تذكر أيمتها أو ما تطلق عليه نسب الدين، تضع الإمام أبا بلال مرداس مَعْلَماً تاريخياً بارزاً في سير
1 - د/ عمرو النامي: مرجع سابق، ص 69.
2 - يراجع الرقيشي: مصباح الظلام، (مخ) ورقة 38.
41 (1/41)
صفحة 42
نشأة الإباضية
الحركة، والواقع أن الدارس لسيرة هذا الإمام يلحظ الدور القوي الذي قام
به في فترة ما بين وقعة النهروان 38 هـ. وتاريخ وفاته سنة 61 هـ على يد جيش عبيد الله بن زياد كما ستفصل ذلك في مكانه.
شهيداً
بعد وفاة أبي بلال انتقلت زعامة الفرقة إلى عبد الله بن إباض، الذي أعلن انفصاله عن الخوارج، كما أشرنا إلى ذلك لخلاف منهجي وعقدي، ومكث أصحابه بالبصرة بعد خروج المتشددين منها، وهكذا بدأت المرحلة الأولى من تاريخ نشأة هذه الفرقة في ظل مرحلة الكتمان. فيكون إذا مكوث عبد الله ابن إباض بالبصرة ومن معه مؤشراً حقيقيا لتبلور آراء الإباضية.
مع
غير
ان الذي ينبغي التأكيد عليه – بناء عل الفقه والحضارة والتاريخ الإباضي - هو: أن التأسيس الإيدلوجي أو الفكري إنما تم على يد التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني (1) الذي عاش بالبصرة وانضم إلى جماعة أبي، بلال، وكانت بين الإمامين علاقة حميمة كما. فكان لانضمام الإمام أثر بالغ في نشأة الإباضية وتحديد معالم أفكارها
وآرائها.
سنبين ذلك.
والحق إن الإمام جابر بن زيد بانضمامه إلى هذه الجماعة مكنها من
1 - هنالك من الكتاب المحدثين من يحاول إلغاء هذه العلاقة مع أن المصادر الإباضية كلها تؤكدها. يراجع إبراهيم بن علي بولرواح، الإمام جابر بن زيد. مسقط،2006 م.
42 (1/42)
صفحة 43
نشأة الإباضية
من الدعوة عند
القاعدة الدينية والعقدية التي ترتكز عليها، فآثرت المسالمة على المواجهة حرصاً منها على حفظ دماء المسلمين أن تسفك من أجل السلطة الدنيوية، وحتى لا يقدم العذر لخصومها الذين يودون القضاء عليها، ولاسيما تحت حكم طاغية جبار مثل الحجاج بن يوسف الثقفي؛ ولذلك فضلت الدخول في مرحلة الكتمان والسرية، وعليه أخذ الإمام ينشر دعوته سراً.
وما لبث الإمام أن حظي بالمكانة الرفيعة لعلمه وتقواه وورعه، واكتسب ثقة من أدركهم من صحابة رسول الله، ويكفي أن يكون تلميذاً لحبر الأمة. عبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. لقد استطاع الإمام لعلمه الواسع أن يجمع حوله الطلاب والمؤيدين والمعجبين، وأصبحت له مجالس العلم والفتوى يجلس حولها طلاب أذكياء منهم من يأخذ عنه وعن غيره: كقتادة، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، وحيان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص؛ ومنهم من يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه كأبي بلال مرداس و أبي عبيدة مسلم، وضمام بن السائب، وأبي نوح صالح الدهان والربيع بن حبيب، وعبد الله بن
إباض.
ومن هؤلاء الطلاب من كان يهتم أثناء التحصيل وبعد التحصيل بالشؤون العامة، ويشتغل بالمسائل السياسية ومطارحتها مع حكام الدولة الأموية في ميدان الكلمة، دون استعمال السيف، كعبد الله ابن إباض، أو يجلس إلى الإمام، لأخذ مكان الإمامة كأبي عبيدة، وأبي نوح صالح الدهان، إذا دعت
43 (1/43)
صفحة 44
نشأة الإباضية
الظروف السياسية إلى ذلك، لأن إعداد الدعاة لا يقل أهمية عن إعداد القادة. من هنا كان المنطلق إذاً، وفي مدرسة جابر بالبصرة تكونت هذه المدرسة، وتخرج فيها حملة العلم الذين اشتهروا في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فركزوا آراءهم ومنهجهم المعتدل الثابت في اليمن، وحضرموت، والحجاز، وعمان، وخراسان، والسند، وفي المغرب الإسلامي، حيث كونوا دولة قوية قفزت بهم من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور، كما سنبين ذلك في مكانه
البحث.
من
هذا
وتعبيراً عن تعلق الإباضية يامامهم جابر فيما يبدو، لا نجد في المصادر الإباضية استخداماً لهذه التسمية، ولعلّ الذين عمموها في المصادر غير الإباضية هم بنو أمية لعلاقتهم الظاهرة بابن إباض، فإن المتتبع للمصادر المشرقية بخاصة يلحظ غياب هذه التسمية عند الحديث عن المذهب وإنما يستخدم بدلا عنها مصطلح الشراة أو المسلمين أو أهل الدعوة والاستقامة. هذا على الأقل إلى القرن الثالث عشر الهجري، ويبدو أن إباضية المغرب كانوا أسبق إلى استخدام هذا المصطلح، ولعلّ أول من استخدمه من المغاربة كما يذهب إلى ذلك الدكتور عمرو النامي هو العالم الشيخ عمروس بن فتح في أواخر القرن الثالث الهجري) في كتابة الدينونة الصافية. وقد عبر الشيخ نور الدين السالمي في القرن الرابع عشر الهجري عن هذه الإشكالية بقوله:
فما الإباضيون إلا عُلَما لخلفاء الحق منا فاعلم
1 - د/ عمر النامي: مرجع سابق، ص 316
44 (1/44)
صفحة 45
نشأة الإباضية
من الدعوة
ونحن الأولون لم يشرع لنا نجل إباض مذهبا يحمل ونحن في الأصل وفي الفروع على طريق السلف الرفيع ونأخذ الحق متى نراه لو كان مبغض لنا أتاه ...
ونسبوا من كان في طريقته إليه لاشتهار حسن، ذاك لا تلقى له في المذهب مسئلة نرسمهـ ـــا في الكتـ إن المخالفين قد سمون
من
هذه
بذاك غير أننا رضين وأصله أن فتى أباض كان محامياً لنا وماضي مدافعاً أعداءنا بالحجة وحامياً إخواننا بالشوكة (1) هي العلاقة الوطيدة بين الإمام جابر ومذهب أهل الدعوة والاستقامة، كما تؤكدها المصادر الإباضية في الوقت الذي نجد فيه بعض المصادر غير الإباضية تحاول جاهدة نفي هذه العلاقة، قاصدة في ذلك إلى قص جذور هذا المذهب عن مصادره الأساسية التي هي القرآن والسنة والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وربط الإباضية بالخوارج تشويهاً وتعتيماً.
1 - سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية، ص 122.
45 (1/45)
صفحة 46
تمييز الإباضية عن الخوارج
الدعوة عند الأباضية
?
فهل كان للإباضية حقاً علاقة بالخوارج؟
للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نوضح ما يلي:
أولاً: وردت كلمة (الخوارج) لأوّل مرة في المراسلات والخطب المتحدثة عما وقع بين الإمام علي وبين الجماعة الذين انشقوا عنه بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين سنة 37 هـ، وعرفوا بعدها أيضاً بالمحكمة، والحروريين (1) والمارقة، وأهل النهروان، غير أن كلمة (خوارج) كانت أظهر وأسير، ولاسيما في العصر الأموي الذي كثر فيه خروج الجماعات الغاضبة الثائرة على الأمويين وسياستهم الجائرة، وعلى الرغم من أن استخدامها في السنوات الأولى (37 - 40) كان يراد بها الخروج السياسي أو الخروج عن طاعة الإمام، فإن هذا الاستخدام ما لبث أن تطور عند كتاب المقالات بعامة ومؤرّخي السلطة الأموية بخاصة ليصبح له مدلول ديني وهو الخروج عن السنة والجماعة، كما استخدمت كلمة (خوارج) أو (الخوارج المسلمون) عند الإباضية أو الشراة وهم يعنون بها الخروج في سبيل الله جهاداً وثورة على
1 - نسبة إلى حروراء وهو المكان الذي تجمع فيه المحكمة بعد خروجهم عن الإمام علي وانتخبوا لهم إماماً وهو الصحابي الجليل الإمام عبد الله
بن
وهب الراسبي.
46 (1/46)
صفحة 47
تمييز الإباضية عن الخوارج
الظلم، مصداقاً لما جاء في القرآن: وَلَوْ أَرَادُوا الخروج لأعدوا له عدة [التوبة:46]، فنجد الإمام أبا بلال مرداس بن حدير إمام الشراة يقول لأتباعه: «إنك تخرج جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا تريد شيئاً من أعراض الدنيا، ولا لك في الدنيا حاجة، ولا لك إليها رجعة ... » (1) وهو ما أوضحه الشيخ أبو إسحاق – وهو من الكتاب الإباضية المعاصرين – حيث يقول:
«إن لفظ الخوارج الذي طنطن به الكاتبون ولاكه المنتقدون، جمع خارجة أي طائفة خارجة، يطلق على الطوائف الخارجة إلى الجهاد والخارجة عن الإمام الجائر، فتكون مدحاً وثناء، وعلى الخارجة عن الحق أو الإمام المقسط فتكون ذماً وضلالاً» (2)
وهكذا كل فئة تفسر هذه الكلمة حسب رأيها وموقفها ونظرتها إلى الفتنة.
?
, ثانياً:
: إذا كانت كلمة (الخوارج) تقصد لمدلول سياسي كما نشأت،
وكما ذهب إليها الإمام علي نفسه بل وكما استخدمها الخوارج أنفسهم، فإننا نقول إن الإباضية يعودون في أصولهم إلى الفئة التي خرجت عن الإمام علي بعد أن قبل التحكيم وإطلاق الكلمة بهذا المفهوم على جماعة الخوارج وحدهم محل نقاش كما سنوضح.
1 - السير والجوابات ت السيدة اسماعيل كاشفه نشر وزارة التراث القومي، عمان ج 1، ص 240.
2 - النقد الجليل، ص 29.
47 (1/47)
صفحة 48
تمييز الإباضية عن الخوارج
أما إذا كان يقصد بها مدلولاً دينياً وهو الخروج عن السنة والجماعة كما يفعل ذلك أغلب كتاب المقالات ومن تبعهم من كتاب محدثين، فيخلطون بين الإباضية وبين غيرهم من الفرق الخارجية الأخرى كالأزارقة، حيث يعتبرونهم فرقة واحدة ويصنفونهم في خانة واحدة، فالرد على هذا الزعم يكون كالآتي:
إن الذين يكفرون الإباضية باعتبارهم فرقة كافرة سواء أكانوا من القدامى أو المحدثين (1)، يجنون جناية فاضحة على أنفسهم أولاً، وعلى الحقيقة التاريخية ثانياً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم شدَّد النكير على المسلم الذي يتهم أخاه بالكفر حيث يقول: «من قال لأخيه يا كافر فقال له أنت كافر، فقد باء أحدهما بالكفر والبادئ أظلم» (2).
هذا ولم نر إجماعاً على قوم مثل إجماع المؤرخين على تدين الخوارج وشدة إيمانهم بالله، وحدبهم على كتاب الله حفظاً وفهماً وتلاوة، وقد شهد بذلك صديقهم وعدوهم، ويكفينا هنا أن نستشهد بشهادة حبر الأمة عبد الله بن عباس حيث يقول: «عشرة آلاف منهم البدري والعقبي، وذو البيعتين، وذو الشهادتين، وذو القبلتين، وأكثرهم صحب الرسول، وفقه عنه ... أصحاب البرانيس، وحملة الكتاب، وأخيار الإسلام ورهبان الليل ليوث النهار ... » (3).
1 - هو ما يعبر عنه بعض المتعصبين اليوم المبتدعة الضالة. 2 - الحديث رواه الربيع 64/ 1 رقم.65. ورواه أحمد بلفظ مختلف قليلاً 112/ 2. 3 - يراجع: المبرد: الكامل في اللغة، ج 2 في صفحات متعددة.
48 (1/48)
صفحة 49
تمييز الإباضية عن الخوارج
أما جنايتهم على الحقيقة التاريخية فتعود إلى انسياق اللاحق من أولئك الكتاب إلى السابق، دون نقد أو تمحيص، ظناً فيهم أن ما جاء في تلك الكتب
هو الحق، فكيف خفي عنهم أن أغلب ما أُلف في عصور الفتنة أو عنها ولاسيما في العصرين الأموي والعباسي إنما يخضع لدواعي وأسباب غير موضوعية أملتها العواطف الملتهبة مذهبية تارة وطائفية أخرى، فالعصبية كانت الظاهرة الاجتماعية المتحكمة في تلك الكتابات وبعض تلك الكتب كانت تؤلّف لتُهدَى لهذا الحاكم أو ذاك، فهل يعقل في تلك الظروف أن يكتب الكاتبون شيئاً يخالف. هوى الحكام ومذاهبهم، علماً بأن السلطة الأموية لم تكن تتورع في وضع الأحاديث الكاذبة، ودس العيون والجواسيس لتنفر الناس عن هؤلاء الذين صمدوا أمام جبروتهم مطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم، وذلك حتى لا تتحد بهم القوى الساخطة الأخرى مثل: الشيعة والتوابين، وقد عبر زياد بن أبيه في خطبته البتراء المشهورة عن هذا المنهج العنيف قائلا: إنه سيأخذ البريء بالمذنب والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، إلى آخر ما جاء في خطبته التي لم يقف أمامها سوى الشاري الإمام بلال بن مرداس، وهو ما جعل زياداً يتوعده هو وأصحابه قائلاً: «والله لن نبلغ منك ومن أصحابك حتى لخوض اليكم الباطل خوضا» (1).
وسلك بعده ابنه عبيد الله مسلكاً أشد وأقسى، وأفظع، فاستخدم الإبادة الفردية والجماعية وزج في السجون كل من يشتم منه رائحة الخروج والسخط على السلطة، وكان يقتل بالظن، وكان إذا قتل صلب ومثل وعرى
-1 الجاحظ: البيان والتبيين ت هارون، ط 3 القاهرة، ج 2، ص 6562. وانظر المبحث
الخاص بأبي بلال من هذا الكتاب.
49
19 (1/49)
صفحة 50
تمييز الإباضية عن الخوارج
النساء (1)
وهكذا تأثر الإعلام الأموي تأثراً بالغاً، وسار في النهج الذي رسمه له الجبابرة، فأصبح الكتاب ينظرون في الأغلب الأعم من عين الحاكم ويصدرون عن أوامره.
وإلى جانب هذه النظرة المنحازة إلى الحكم الأموي، كانت هناك التزاعات المذهبية والطائفية، فلم تتقيد بالمواقف السياسية وحدها بل تجاوزتها إلى الجانب الأدبي والديني، فأهملت آثار الخوارج تاريخية وأدبية ولاسيما فيما جمعه الشيعة من أمثال أبي الفرج الأصفهاني، والمسعودي، فبدت شخصية الشراة من خلال ذلك الأدب مبتورة لا تتناسب مع شهرتهم الأدبية والفكرية التي اكتسبوها، ويكفي لنعلم مدى ما انصب عليهم من اضطهاد أن ابن قتيبة لم يشر إلى أحد منهم في كتابه «الشعر والشعراء»، إلا ماكان من ذكر الطرماح، بصدد سرق رقاته عن غيره، بينما لا يشير ابن سلام في طبقاته إليهم من قريب أو بعيد ... » (2).
ثالثا - إن الناظر في تطورات الأحداث التي فرقت بين أتباع أبى بلال مرداس بن حدير وجابر بن زيد باعتبارهما أصل الفرقة الإباضية، وبين الأزارقة ومن معهم من غلاة الخوارج، يجد أن سبب الافتراق أمر جوهري يتعلق بالعقيدة الدينية أساساً، وهو تكفير مرتكب الكبيرة التي يعتبر الأزارقة
1 - يراجع المبرد: الكامل في اللغة والأدب، ففيه تفاصيل كثيرة عن فظاعة الحكم الأموي في
البصرة خصوصاً.
2 - د/ النعمان القاضي: الفرق الإسلامية في العصر الأموي، ص 406.
50
50 (1/50)
صفحة 51
تمييز الإباضية عن الخوارج
مل الدعوة عبد الابات
صاحبها كافراً كفر شرك، فيما ذهب الإباضية أو أتباع أبي بلال وجابر ثم ابن إباض إلى أنه كافر كفر نعمة، وهذا الموقف من الإباضية انبنى عليه أحكام هامة، فهم لم يستحلوا دماء إخوانهم المسلمين، ولا استباحوا أموالهم أو سبي ذراريهم ونسائهم ولا استعرضوا الناس بالسيف، فكيف تسنى للكتاب أن يصنفوا الإباضية ضمن الخوارج مع وجود هذا الفارق العقدي الأساسي.
* رابعا: الواقع أن المصادر الإباضية قديماً وحديثاً تؤكد أن الخلاف بين
الإباضية والخوارج بعد الافتراق الحاصل سنة 64 هـ خلاف جوهري، لأنه خلاف عقدي كما ذكرنا، ومن ثم فإن كل ما يقال من تقارب بين الإباضية والخوارج - إذا ما نظرنا إليه من هذه الزاوية الأساسية – يغدو باطلاً، وإذا حصل في بعض المسائل الأخرى تقارب، فإنه يغدو تقارباً سياسياً أملته ظروف زمانية أو مكانية ولا علاقة له بالعقيدة أو المذهب، وليس أدلّ على ذلك من موقف أئمة الإباضية وعلمائهم وفتاواهم ضد الخوارج عبر العصور، من ذلك موقف الإمام عبد الله بن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان، حيث حدد موقف أتباعه من الأزارقة قائلاً: «إنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر، ولكنهم ارتدوا عنه وكفر ما بعد إيمانهم فنبرأ إلى الله منهم». وسبق الإمام ابن إباض موقف أبي بلال الذي حرم على أتباعه الخروج واستعراض الناس بالسيف، واعتبر ذلك ظلماً وعدواناً، ودعا إلى التقية،
1 سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية؛ ص 25.
51 (1/51)
صفحة 52
تمييز الإباضية عن الخوارج
وحرم خروج النساء، وتبرأ من قريب وزحاف وحركتهما عندما خرجا في
البصرة (1).
يكفي دليلا موقف الإمام جابر الذي كان يجادلهم بالحجة والبرهان في مناسبات عديدة، وبالعودة إلى سيرة سالم بن ذكوان (2) المعاصر للإمام جابر، وأحد أعلام الإباضية الأوائل نلحظ من خلال المسائل التي ناقشها وجادل الخوارج فيها رفضاً صريحاً وحاسماً لكلّ آرائهم ومواقفهم، وردوده فيما
نحسب من أقوى ما كتبه المخاصمون للأزارقة والنجدات وغيرهم.
وجعفر بن السماك الذي قاتلهم مع الحبيب بن المهلب وحتات بن كاتب، فقتلا في حربهم فتكلم الناس فيهما، لكن أبا عبيدة أظهر ولايتهما واعتبر جهاد الخوارج طاعة لاستحلالهم ما الله حرم من دماء المسلمين وأموالهم (3)
ونذكر أيضا موقف الإمام الربيع بن حبيب فحين تحدث الناس إليه عنهم وعن معتقداتهم قال: «دعوهم حتى يتجاوزوا القول إلى الفعل، فإن بقوا على قولهم فخطأهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا فيهم بحكم
1 - كان قريب الأزدي وزحاف الطائي أيام زياد يتعرضان الناس بالسيف ويشيعان الفزع والهلع فقال أبو بلال: «قريب لا قربه الله من الخير، وزحاف لا عنا الله عنه، ركباها
عشواء مظلمة». الكامل، ص 185.
2 سالم بن ذكوان كان من ضمن الوفد الذي أوفده الإباضية إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، وسيرة سالم بن ذكوان ضمن مخطوط سير الإباضية (مخطوط) بمكتبة السيد محمد بن أحمد برقم 158 بالسيب سلطنة عمان.
3 - د/ عمرو النامي: دراسات، ص 62 وانظر مدونة ابن غانم الخرساني ج 2، ص 69
52 (1/52)
صفحة 53
تمييز الإباضية عن الخوارج
الله» (1)
منهج الدعوية
وبناء على ما سبق يتضح لنا بصورة جلية أن ما احتوت عليه المؤلفات والمقالات الإباضية القديمة هو نفي قوي لكلِّ نقطة اتفاق بين الإباضية والخوارج، ولاسيما في القضايا ذات الطابع العقدي، ونقطة الاتفاق الوحيدة بين الطرفين هي توافق رأي الطرفين حول التحكيم، وعدم اشتراط القرشية في الإمام وهي قضايا سياسية.
وبالتالي نرى المؤرخين الإباضية – إلا من شد – يصرون على تأكيد هذه الحقيقة التاريخية الهامة التي قد يغفل عنها المؤرخون من غير الإباضية، أو هم لا يولونها ما تستحق من الدراسة والاهتمام على أننا نجد في بعض كتب التاريخ القديمة من المواقف والأحداث التاريخية ما يدل دلالة قطعية على اختلاف منهج الإباضية عن الخوارج (2) بل عن حروب ووقائع بعضها في عمان، وبعضها الآخر في المغرب الأوسط، تؤكّد العداء المستحكم بين الإباضية والخوارج، وهو ما يلخصه الشيخ أبو إسحاق من مفكري الإباضية المعاصرين - حيث يقول: «فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم، وطاردوهم في كلّ صوب، معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم، لأن الكفر في استحلال ما حرم الله
1 - أبو إسحاق اطفيش: الفرق بين الإباضية و الخوارج، الضامري للنشر والتوزيع عمان. د. ت
ص 112.
2 - يراجع الكامل للمبرد، وتاريخ الأمم والملوك، للطبري، وأنساب الأشراف للبلاذري، والكامل لابن الأثير.
33
53 (1/53)
صفحة 54
تمييز الإباضية عن الخوارج
نص في كتاب الله قطعي، وقد استشرى فعلهم يومئذ فاشتدوا على أهل التوحيد بفتنتهم، فسلوا السيوف على الرقاب بغير ما أنزل الله، فعظمت محتهم، فكانت بلاء عظيما» (1).
يقول الشيخ علي يحي معمر وهو إباضي معاصر حريص على إظهار هذه الحقيقة في كتاباته: «إنّ الإباضية لا يريدون أن ينتسبوا إلى الخوارج، ولا يحسبون أنفسهم كذلك، ولا يعتزون بالخارجية لسبب بسيط، لأنهم لا يحكمون على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين ولا ينفّذون فيهم تلك
الأحكام» (2).
خامسا: إذا اعتبر الخروج خروجاً سياسياً، أي يطلق على كل من خرج عن الإمام أكان الإمام على حق أم على باطل، فلا غضاضة في النتيجة لأن الموقف السياسي اجتهاد بشري لا نعلم وجه الصواب أو الخطأ فيه، وهو ما عبر عنه الخليفة عمر بن عبد العزيز: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها السنتنا».
على أننا نقول: لماذا يخص بها الخارجون عن الإمام علي بالذات في وقعة صفين؟ أليس الأولى أن تطلق الكلمة على أولئك الذين ابتدعوا الخروج عن الإمام، بل على الإمام منذ وقعة الجمل إلى وقعة صفين؟
1 - ابو اسحاق الفرق بين الإباضية والخوارج، ص 12. ويراجع عن اعتدال الإباضية، كتاب د/رجب محمد عبد الحليم، الإباضية في مصر؛ فهو مهم في هذا الموضوع.
2 - علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 474.
54 (1/54)
صفحة 55
تمييز الإباضية عن الخوارج
?
منح الدعوية
والعجيب في الأمر أن التسمية هنا لم تطلق على معاوية وفئته التي اتفق الباغية بدليل قوله للعمار بن ياسر: ستقتلك الفئة
المؤرخون أنها
الباغية» (1).
هي
وانقلبت الأمور رأساً على عقب فأطلقت الكلمة على الذين ناصروا
منذ
الإمام علي ووقفوا إلى جانبه، بل هم وقفوا ضد الانحراف في الحكم البداية، ولا ذنب لهم سوى أنهم خرجوا على أيمة الجور، علماً أن الإمام علي نفسه كان يستخدم الكلمة ويعني بها الخروج السياسي، فإن المصادر كلها حتى تلك التي تشيعت للإمام علي تؤكد على تعاطف الإمام علي مع الخوارج، وندمه على قتالهم قائلاً: «إنهم إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم» (2)، وما استباح لهم مالاً ولا حكم بكفرهم، فقد ذكر ابن تيمية أنه كثيراً وبكى طويلاً، وقد أجملت ذلك الموقف الكلمة التي أوثرت عنه وأكدتها المصادر الشيعية نفسها وهي: لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الخطأ فأصابه»، وسماهم خيار الأمة، وقد غضب حين قال له رجل: «هؤلاء الذين لا يحسنون صنعاً». قال: «ويحك أولئك أهل التوراة والإنجيل» (3).
تندم
سادساً: الملاحظ أنّ الإباضية أنفسهم قد استخدموا هذا المصطلح،
1 - هذا الموقف نجده في رد عبد الله بن عباس على الإمام علي في شأن أهل النهروان.
ينظر سير الإباضية مخ ص 34
2 - يراجع نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد. والنقد الجليل، ص 19.
3 أبو إسحاق ابراهيم: النقد الجليل، ص 24.
55 (1/55)
صفحة 56
تمييز الإباضية عن الخوارج
من الدعوة عند الاباد
وهم يعنون به أنفسهم عندما يتعلق الأمر بالخروج السياسي، مدركين أبعاده ودلالاته، لأن الخروج على الحاكم الجائر جائز في بعض الحالات، ويغدو واجباً وفرضاً في بعض الحالات الأخرى، فصلت الحديث عنها كتب الفقه والأصول عندهم.
ورد هذا الاستخدام في النصوص القديمة، وكان يقرن أحياناً بكلمة (المسلمين) فيقال: (الخوارج المسلمون وهم يعنون بالمسلمين كما هو معروف أهل الدعوة والاستقامة. ولأنهم يعنون بها الخروج في سبيل الله مصداقاً لقوله تعالى: ومَن يخرج من بيته مهاجرا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ... [النساء: 100] وقد استخدم الإمام عبد الله بن إباض هذا المصطلح ورضيه في رسالته إلى عبد بن مروان، حيث يقول بعد أن أوضح لعبد الملك سيرة الخوارج: «فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء، وأنا لمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا، وقلوبنا، وعلى ذلك نعيش ما عشنا، ونموت على ذلك إذا متنا، غير أنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا
الملك
خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا
بعد إيمانهم فنبرأ إلى الله منهم» (1).
سابعا: إن الإباضية بناء على موقفهم الثابت في كون الحكم ينبني
على الكفاءة لا على العصبية، وأن الإمام العادل الذي تختاره الأمة ليس من
حقه التخلّي. عن
هذه المسؤولية الشرعية انتهجوا الخروج عن الإمام إذا أخل
1 ينظر السير والجوابات ج 2، ص 346
56 (1/56)
صفحة 57
تمييز الإباضية عن الخوارج
بشرط من شروط ذلك العقد.
منح الدعوة عند الأباضية
فإذا ظهرت المعاصي، وانتهكت الحرمات في الأموال والأبدان أو الدين، ولم تقم الحدود وترفع المظالم، وجب على أهل العلم وهم العين الحارسة للدين والأمة والناقدة لكل حيف المؤيدة لكل منقبة، أن ينكروا المنكر فإن أبي الإمام خلعوه، وإن ناصبهم قاتلوه ما وجدوا لذلك قوة، وعلى هذا مضى الصحابة وما وقعتا الجمل وصفين إلا نتيجة الخروج، وقد خرج سعيد بن جبير على بني أمية وهو من كبار التابعين (1). وقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة منها ما ورد بالتواتر في وجوب الخروج عن الأيمة لأن الإسلام دين الله الذي لا يدان إلا به، فلا يقام بالظلم والعصيان، ومن ذلك قول الرسول: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم
على عواتقهم ثم أبيدوا خضراءهم ... » (2) وأمثال هذه كثيرة. وللإباضية عقيدة واضحة في جواز الخروج عن الإمام الجائر ووجوبه بشروط مبثوتة بدقة متناهية في كتب الفقه والعقيدة عندهم (3) وهم بهذا يختلفون عن المذاهب التي ترى عدم الخروج عن الإمام ولو كان جائراً بدعوى .. وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ .. [البقرة:217] وهو موقف
"
1 أبو إسحاق النقد الجليل، ص 29 بتصرف.
2 - يراجع النقد الجليل ص 29 - 31. الحديث في الجامع الصغير، ومسند أحمد عن توبان
عن الطبراني عن النعمان بن بشير.
3 - ينظر فصل نظرية الحكم، من هذا البحث.
57 (1/57)
صفحة 58
تمييز الإباضية عن الخوارج
أنكره كثيرون من أتباع تلك المذاهب اليوم. بعد أن تأكد خطر هذا الموقف ولاسيما على ضوء الواقع التاريخي للمسلمين، الذي أباح للظالمين الجور والظلم والبغي، فأهلكوا الحرث والنسل، ووضعوا السيوف في رقاب المحكومين، وحكموا الشعوب بغير ما أنزل الله، وقادوها بقوانين غربية
مسيحية أو علمانية أو ملحدة، ويحميهم في هذا الاتجاه بعض علماء السلطة الذين تحجرت أفكارهم أو أغرتهم المصالح الدنيوية فكانوا بذلك أسباب الظلم والاضطهاد.
من
ثامناً: وعلى الرغم من اختلاف منهج الإباضية الدعوي عن الخوارج المتشددين اختلافاً بينا لا شك فيه، وعلى الرغم من عقيدتهم المتميزة، فإنّ مؤرخي الفرق الإسلامية قديماً وحديثاً ينسبونهم إلى (الخوارج) أحياناً تعمداً، وأحياناً عن جهل وعدم تمييز، وأعدلهم طريقة هم الذين يقولون: «الإباضية أقرب فرق الخوارج إلى السنة». ولسنا هنا في صدد البحث عن الأسباب، فذلك أمر يطول شرحه، ولكن نشير فقط إلى سبب قديم نراه جوهرياً وهو العصبية المذهبية القبلية، والصراع من أجل الحكم، وقد صاحب هذا الاتجاه كل مراحل الفتنة عبر العصور، وهذا الذي يعنيه الشيخ أبو إسحاق حيث يقول: «إن الذي يمحص التاريخ يانصاف وعلم يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية – وهم من الخوارج براء - مغزى، وهو أنهم رأوا أن الإمامة لا تختص بقريش، بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورياستها، وهذا هو الحق الذي دل عليه كمال البصيرة، إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأممه تابعاً لقبيلة واحدة، سواء
58 (1/58)
صفحة 59
تمييز الإباضية عن الخوارج
أحسنت أم أساءت، والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ماذهب إليه أصحابنا وحملوا عليه حديث: «الأيمة من قريش»)، ومن المكابرة ومجانبة الحق يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم، بقريش، ولم يرتضه الأنصار وهم أفهم لما بعث به حيث قالوا لأبي بكر: «منا أمير ومنكم أمير» (2)، ولا أبو بكر حين رد على الأنصار: من الأمراء ومنكم الوزراء، إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي» يعني قريشاً، فعلل الحكم بانقياد العرب لقريش لا لشيء آخر مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية (3).
وما يزال من الكتاب المعاصرين من يعد هذه القضية من أهم القضايا التي من أجلها يدرج الإباضية ضمن الخوارج وتجعلهم في «عداد الفرق والأهواء»، يقول الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل الذي يحمل ضد الإباضية نظرة عدائية شوفينية ما يلي:
من أصول أهل السنة طاعة الأيمة والولاة وهم الحكام أبراراً كانوا
1 - الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده. باقي مسند المكثرين، رقم 11859. قال: «حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سهل أبي الأسد قال حدثني بكير بن وهب الجزري
الله
قال قال لى أنس بن مالك أحدثك حديثا ما أحدثه كل أحد، إن رسول الله صلي عليه وسلم قام على باب البيت ونحن فيه، فقال: «الأئمة من قريش إن لهم عليكم حقا ولكم عليهم حقا مثل ذلك ما إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا وفوا وإن حكموا عدلوا
فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»
2 - الحديث رواه البخاري في المناقب، رقم 3394 كاملا. 3 - أبو إسحاق: الفرق بين الإباضية والخوارج، ص 19.
59 (1/59)
صفحة 60
تمييز الإباضية عن الخوارج
الدعوة عن
أو فجاراً، والصلاة خلفهم والجهاد معهم وإن جاروا، وإن ظلموا أو فسقوا، وإنه لا يجوز الخروج عليهم ولا قتالهم إلا أن ترى الأمة منهم كفراً برهان ... أما الإباضية فإنهم خالفوا السنة في ذلك وفارقوا
بواحا عليه من
الله
جماعة المسلمين كغيرهم من الخوارج في أمور كثيرة من مسائل الإمامة والجماعة والخروج، بل إن هذه القضية تعد من الأصول الكبرى التي فارقوا بها أهل السنة» (1).
وهكذا فإن كل ما كتبه الكاتبون وزعموه من الأقوال مخالفة لهذا، فباطل يتحملون إثمه يوم تكون كل نفس بما كسبت رهينة، ولم يستحل أهل الاستقامة في يوم من التاريخ، ولا في كتاب من كتبهم قطرة من الدم لموحد، بل الدماء من أصعب الصعب عندهم إلا بحقها.
« ... هم
أشد الناس ورعاً وأبعدهم عن الفحشاء ولو تعامى عن ذلك المتعصبون ... » (2) هذا في الوقت الذي نجد فيه بعض العلماء والمفتين المعاصرين من غير الإباضية. بناء على ذلك التصور الخاطئ ـ يصدرون فتاوى في حق الإباضية تهدف إلى إشعال فتنة عمياء بين المسلمين (3) بل كثيراً ماكانت سبباً دافعاً إلى حوادث دموية فظيعة يروح ضحيتها أناس أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم من معتنقي المذهب الإباضي، وعند الله تجتمع الخصوم.
1 - د/ ناصر بن عبد الكريم العقل: الخوارج، دار الوطنية الرياض، ط 1: 1416 هـ ص.99 2 أبو إسحاق: مصدر سابق، ص 14.
3 - يراجع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجلد الثاني، دار عالم الكتب
الرياض 1991.
60
90 (1/60)
صفحة 61
تمييز الإباضية عن الخوارج
سل الدعوة عبد الا با
تاسعاً: إنّ الدراسات الأكاديمية الحديثة بصفة خاصة بدأت تتفهم هذه الوضعية المجحفة في حق هذه الفرقة الإسلامية، بفضل ما ينشر من مصادر الإباضية، وبفضل مؤرخيهم وعلمائهم الذين ما فتئوا يبينون وجهة نظر مذهبهم عقيدة وفقهاً، وتاريخاً، وهذا ماجعل أغلب الدارسين المحدثين (1) يتفطنون إلى اختلاف المنهج الفكري والسلوكي والعقدي بين الإباضية والخوارج، وتوضح لديهم ما يتميز به الإباضية من اعتدال ووسطية لا تختلف في شيء عن المذاهب الإسلامية الأخرى.
يقول الدكتور فاروق عمر: «إن الحركة الإباضية مثلت منعطفاً نوعياً
بارزاً في تاريخ الحركة الخارجية لثلاثة أمور جوهرية هي:
أولاً: الاعتدال الذي ميز موقف الإباضية عن غيرها من الفرق الأخرى، والواقعية التي أبعدتها عن المثالية والحماس الديني.
ثانياً: مثلت الإباضية تحولاً واضحاً في ثورات الخوارج من حركات هوجاء
1 - ينظر على سبيل المثال: مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق العربي؛ دار الاتحاد العربي للطباعة، مصر، 1991. أيضاً د/عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب عمان 1978. د/ نايف عبد جابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي، دار الوطن، الكويت، 1994 م. عبد الرحمان جعفر بن عقيل، صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت دار حضرموت للدراسات والنشر، المكلا اليمن. 1426 هـ / 2006 م. د/جب محمد عبد الحليم، الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، مكتبة دا العلوم، مسقط، 1990 م.
61 (1/61)
صفحة 62
تمييز الإباضية عن الخوارج
غير مخطط لها، إلى دعوة سرية منظمة مخطط لها، تتميز بتنظيماتها الدقيقة التي تشبه تنظيمات الأحزاب السرية المعاصرة، وبذلك تكون إمكانات نجاحها أكثر بكثير من إمكانات نجاح الفرق الأخرى، وهذا ما أثبتته الوقائع التاريخية.
ثالثاً: إنها حركة حاولت التغيير والتبديل نحو الأفضل، وعارضت النظام القائم ضمن مفاهيم ومبادئ وأهداف داخل إطار الإسلام، وقيم العروبة، وهي بذلك تختلف عن العديد من حركات المعارضة الأخرى التي تبرقعت بالاسلام، وأضفت عقائد بعيدة عنه وعن الإرث العربي
المعروف». (1)
ومن هنا نستطيع القول إن الفضل في بقاء الإباضية إلى يومنا هذا. يعود إلى أنهم يملكون فكراً منهجياً واضحاً مستخدمين القرآن والسنة، يخطط للمستقبل ويستمد من الماضي، ويتكيف مع الحاضر.
ومن الدراسات الأكاديمية التي ينبغي التنويه بها الدراسة القيمة التي كتبها الدكتور نايف عيد جابر السهيل تحت عنوان «الإباضية في الخليج العربي»، فإن هذه الدراسة تعد من أبرز الدراسات التي لم تتأثر بالموقف العدائي الذي عرفته بعض الدراسات الصادرة في الخليج ولاسيما في المملكة العربية السعودية، لأن المؤلف حاول ـ اعتماداً على المصادر الإباضية ــ أن يدرس فكرهم ومواقفهم بكل موضوعية وأبرز من خلال ذلك الفروق الجوهرية التي تتميز بها الإباضية عن الخوارج. وقد انتهى في كتابه هذا إلى نتائج
1 - د/ فاروق عمر: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، دار اقرأ، بيروت، 1985. ص 40.
62 (1/62)
صفحة 63
تمييز الإباضية عن الخوارج
هامة، مثل قوله:
منهج الدعوة
«إن الفكر الإباضي يختلف اختلافاً بيناً في وسائله وأهدافه عن فكر الخوارج الآخرين من أزارقة ونجدات وصفرية وغيرهم. لاتسام الفكر الإباضي بالاعتدال، وعدم اللجوء إلى العنف، ويصفهم بالتعقل والرصانة حيث يقول: «إنّ الإباضية في كلّ مؤلفاتهم تقريباً كانوا أكثر هذه الفرق تعقلاً في إبداء آرائهم، فعلى الرغم من شدَّة هجومهم على الدولة الأموية، وهذا ليس بمستغرب على نشأة الفرقة ودواعي مقاصدهم، وشدة هجوم الأمويين عليهم، إلا أنهم كانوا شديدي التعقل في آرائهم في ولاة الأمر، وبخاصة مسألة خلافة عثمان رضي الله عنه، فلم يجرحوا هذا الخليفة كما جرحته فرق كثيرة، ولم يشككوا في خلافته كما فعلت أيضاً فرق كثيرة، وهذه نقطة تحسب للإباضية وتزيد من رصيدهم باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية الأصيلة ... ويظهر موقف الإباضية الصريح من رفض غلاة الخوارج حيث قال ابن إباض في جلاء: «أما زعيم الخوارج ابن الأزرق فنحن نتبرأ منه لغلوه، وتشدده، وإفراطه في الأحكام، حين حكم في المسلمين المذنبين بالكفر»، وهذه الجملة تحدد التطور الفكري لفرقة الإباضية من جماعة الخوارج وأفكارها، ولاسيما من حيث حكمها على المسلمين بالكفر واستحلالهم دماء المسلمين، ومن ثم يعلن ابن إباض انضمامهم – أي الإباضية إلى الركب الإسلامي في نفوره من الغلو في فكر الخوارج والالتزام بالاعتدال، أي الفكر الذي شهده التاريخ الحضاري للإسلام منذ نشأته». (1)
1 - د/ نايف عيد جابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي، ص 190
63 (1/63)
صفحة 64
تمييز الإباضية عن الخوارج
64
لح الدعوة عند الأباضية (1/64)
صفحة 65
الباب الأول
(المهاد التاريخي
الفصل الأول
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
1 خلافة عثمان بن عفان (ذو النورين)
خلافة الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)
-3 أحداث صفين، والنهروان (1/65)
صفحة 66
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
من الدعوة عند الاباضة
66
59 (1/66)
صفحة 67
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
المهاد التاريني
إنتقال الخلافة إلى أبي بكر وعمر -
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم: (11 - 13 هـ)
من الدعوة عند الانا
وضعت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية أمام مشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة الخلافة وقيادة الأمة، والإشراف على شؤونها الدينية والدنيوية
أما الناحية الدينية فقد اكتملت نواحيها ورسخت جذورها، مصداقاً لقوله تعالى ... اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُم الإِسْلَامَ دِينًا ... [المائدة:3].
ولكن هذا الدين الذي جاء إلى البشرية جميعاً كان وما يزال في حاجة إلى من يبلغه إلى أقاصي الأرض وأطراف العالم، ولن يقوم بذلك إلا أمة قوية بزعامة رشيدة، وقيادة قدوة، على أن هذه الأمة الفتية كانت في تلك الآونة في حاجة إلى أن تحافظ على مكتسباتها المعنوية والروحية التي جاءت بها، وهي تعلم أن أعداءها وخصومها من الداخل والخارج من العرب وغيرهم يتربصون بها الدوائر ويكيدون لها. هذه الأسباب كلها كانت دافعاً قوياً إلى إيجاد البديل الذي يخلف مكانة
الرسول في قيادة شؤون الأمة.
67
7 (1/67)
صفحة 68
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
الدعوة عند الأباضية
وقد رأى الأنصار أنهم أحقُّ من غيرهم في هذه الزعامة، نظراً
لما لهم من فضل إيواء الدين الإسلامي ونصرته، ووقوفهم إلى جانب الرسول الكريم حين تخلّى عنه بل طرده وجفاه أبناء عشيرته. فرشحوا سعد بن عبادة الخزرجي لمنصب الخلافة، وعندما سمع المهاجرون بذلك سارع عدد منهم إلى سقيفة بني ساعدة حيث يجتمعون عادة وطالبوا بأحقيتهم في الخلافة، لأنهم أسبق الناس إسلاماً، ولأنهم أهل الرسول وعشيرته، ولأنهم ما هاجروا إلى المدينة إلا من أجل نصرة هذا الدين، ثم «لأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب داراً ونسباً».
ودار نقاش حاد بين الصحابة مهاجرين وأنصاراً، انتهى فيه الرأي إلى إسناد الخلافة إلى المهاجرين، وأشار أبو بكر على المجتمعين أن ينتخبوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة عامر بن الجراح، إلا أنَّ الاثنين رفضا الأمر وناديا بمبايعة أبي بكر لأنه أفضل المهاجرين، وثاني اثنين
إذهما في الغار، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهام عديدة أثناء حياته. تمت بيعة أبي بكر، واستطاع المسلمون أن يتجاوزوا هذا الامتحان العسير بسلام وأن يتغلبوا على هذه المشكلة التي واجهتهم وهم في أمس الحاجة إلى تدعيم أسس الدولة ونشر رسالة الإسلام خارج الجزيرة العربية.
ظل الخليفة نموذجاً حيا للاستقامة والعدل والاهتمام بشؤون الأمة، فكان من أبرز أعماله محاربة المرتدين، وإكمال بعض
68 (1/68)
صفحة 69
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
الفتوحات التي بدأ بعضها في حياة الرسول الكريم.
منهج الدعوة
وفاة أبي بكر ومبايعة عمر بن الخطاب. (13 - 23 هـ)
عندما شعر أبو بكر بدنو أجله أحس بضرورة إسناد خلافة الأمة لمن يراه كفؤاً لذلك، حتّى يجنب الأمة الفتن والاختلاف، ولعله اتعظ بما وقع في السقيفة، وبعد تفكير عميق وجد أن الشخص الصالح الكفؤ لخلافة المسلمين من بين الصحابة الموجودين هو عمر بن الخطاب قلبه أفضل الموجودين حقاً.
وذلك لمكانته العظيمة من رسول الله، ثم لخدماته الجليلة ومواقفه العظيمة في الإسلام، إضافة إلى أنه لم يكن فرعاً بارزاً من قريش، فيخاف من استبداد عشيرته وأقاربه في الحكم، ومع كلّ هذه المواصفات المؤهلة لم يشأ أبو بكر أن يستبد برأيه، بل شاور كبار الصحابة الموجودين في المدينة ولقي تجاوباً وموافقة من معظمهم. وقد أملى أبو بكر على عثمان بن عفان وثيقة عهده لعمر بن الخطاب التي جاء فيها:
الله الرحمن الرحيية
هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده في الدنيا، خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة، داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن المرتاب الفاجر، ويصدق الشاك المكذب. إني استخلفت
69 (1/69)
صفحة 70
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
منح الدعوة عندالابا
عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذاك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا يعلم الغيب
إلا الله ... »
والذي نستنتجه من هذه الوثيقة جملة أمور وهي:
أولاً: أن أبابكر قام باستشارة الصحابة.
ثانياً: أنه اختار ولياً للعهد من غير أقاربه.
ثالثاً: اتخذ مقياساً للخلافة، وهو الكفاءة حسب اجتهاده ومعرفته.
رابعاً: أنه جعل المسؤولية بعاتق عمر لتنفيذ هذه الوصية.
خامساً: جعل الأمة مراقباً له ومتابعاً.
سار عمر بن الخطاب في تسيير شؤون المسلمين سيرة حسنة، حتّى أصبح مضرب المثل في العدل والاستقامة والتراهة، واستطاع بسيرته تلك أن يفرض هيبة الأمة الإسلامية داخلاً وخارجاً. فاتسعت رقعة الفتوحات، وانتشر الإسلام في أصقاع بعيدة. ولكن الخنجر المجوسي المسموم الذي طعنه به أبو لؤلؤة المجوسي أفنى حياته. هذا الخليفة الذي ظلّ اسمه مرتبطا أبداً بالعدل والنزاهة والحزم، وحق أن يطلق عليه الفاروق، لأنه فرق بين الحق والباطل. ويبدو أن الخليفة عمر بن الخطاب فكر قبل مماته فيمن يتحمل المسؤلية من بعده، وكانت تراوده فکرتان الأولى: أن يستخلف من الصحابة واحداً، ولكنه لم يكن مطمئناً لأحد
70
70 (1/70)
صفحة 71
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
بعينة.
والثانية: أن يترك الأمر للمسلمين لاختيار من يريدونه.
وبعد أن طعن عمر في المسجد، وحُمِل إلى بيته، استقر رأيه ـ بعد
إلحاح من الصحابة بضرورة الاستخلاف ـ على أن يجعل الأمر شورى،
طلحة
عفان
وقد حددها في ستة من الصحابة علي بن أبي طالب، عثمان بن بن عبيد الله عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، الزبير بن العوام. (رضي الله عنهم جميعا). وقد بين عمر أسباب اختياره لهؤلاء النفر من الصحابة، بقوله: «إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس، وقادتهم، ولا يكون الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض»، ثم أردف قائلاً: لا أخاف اختلاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيختلف الناس» (1). اجتمع مجلس الشورى وطالت المناقشات وعهدوا إلى عبد الرحمن بن عوف ليقوم باستطلاع رأي المسلمين ممثلين بوجهاتهم وقياداتهم في المدينة ... واستقر رأيه على أن أقوى المرشحين المفضلين لدى الناس هما علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وفي أن أكثريتهم كانت تفضّل
إني
عثمان.
جعل عبد الرحمن بن عوف العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وسنة الخليفتين أساساً للترشيح، وفي اليوم الرابع من انعقاد مجلس الشورى، وبعد أخذ ورد بين علي وعثمان وافق عثمان على الشروط التي
1 - راجع الماوردي: الأحكام السلطانية، القاهرة 1346. وانظر أيضاً: عوض خليفات: نشأة
الحركة الإباضية، ص 48.
71 (1/71)
صفحة 72
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
منح الدعوة عند الاباد
وضعها عبد الرحمن بن عوف، وأعلن موافقته على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وأن يسير على سنة الخليفتين من قبله، وهو مالم يقبله علي، لأنه رفض التقيد بالخليفتين من قبله، وإنما سيعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وبمبلغ علمه وجهده، وطاقته).
وتمت بيعة عثمان في ذي الحجة من سنة 23 هجرية.
1 - خلافة عثمان
ين
عفان: (23 - 35)
بن عفان على النحو الذي مرَّ معنا سنة
تمت البيعة للخليفة عثمان
23 هـ.
وقد سار الخليفة في بداية أمره على النحو الذي سار عليه الخليفتان من قبله ويحدّد المؤرخون ذلك بست سنوات، ولكن ما لبث حتى ظهرت اختلافات بين المسلمين حول سيرته في الحكم، فأخذوا عليه ميله إلى أقاربه وانتقدوا عليه مواقف وتصرفات لا مجال لذكرها هنا، فهي مبثوثة في المصادر التاريخية لمن يريد العودة إليها (2)، والذي يعنينا هنا أن هذه الانتقادات ما فتئت أن تجمعت وتفاقمت فتحولت إلى غضب ثم إلى ثورة ضد الخليفة، انتهت بمقتله بصورة مُروّعة ما تزال محنة أليمة في تاريخ المسلمين.
لقد كان مقتل الخليفة عثمان بن عفان سابقة خطيرة في مسيرة الحضارة الإسلامية، إذ نتج عن هذا الحادث الأليم المفجع حرب أهلية
1 - يراجع د. أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج 1، مكتبة النهضة المصرية، ط 2، مصر، 1987، أيضا، عوض خليفات، مصدر سابق. ص،48.
2 - يراجع: د/ أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي، م 1، ص 601
72 (1/72)
صفحة 73
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
الدعوة عند الاباضة
ذهب ضحيتها آلاف المسلمين. وكانت هذه الحادثة البذرة الأولى التي تفتقت عنها الأحزاب والفرق الإسلامية التي نشأت مختلفة حول منصب الخلافة، ومنذ ذلك الحين أصبح للسيف وزن في تقرير أمر الخلافة وقيادة الأمة الإسلامية، أضف إلى ذلك أن حادث اغتيال عثمان كان عاملاً رئيساً في انقسام قريش على نفسها ... ذلك الانقسام الذي استمر زمناً طويلاً بعد ذلك ... وكانت هذه الفتنة الحادثة هي الأولى التي عبرت فيها القبائل عن وجهة نظرها في سياسة الخليفة وأحقيته في البقاء في الحكم، ومنذ ذلك التاريخ أصبح للقبائل دور كبير في اختيار الخليفة وتثبيته في منصبه بعد أن كان هذا الدور مقصوراً
على أهل المدينة ممثلين بكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار). لقد استغلت الأحزاب والعصبيات بمختلف ألوانها وأشكالها هذه الحادثة بعد ذلك أسوأ استغلال مِمَّا أدَّى إلى فتن وحروب سوداء، سال فيها من دم المسلمين الكثير، وحفرت بينهم أخاديد من الكراهية والعنف والتمزق، ورفع بعضهم الدعوة للثأر لعثمان وسيلة للوصول إلى الحكم والسلطة، فجرت الحادثة مجرى المثل، فقيل لكل عمل يتخذ وسيلة لغرض مخفي: «كقميص عثمان»، ولا بُدَّ من القول إن الأحداث الدامية التي شهدتها الساحة الإسلامية بعد ذلك لها صلة وثيقة، من
قريب أو من بعيد بهذه الفتنة العمياء، كما سنرى.
1 - عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 50 بتصرف.
73 (1/73)
صفحة 74
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
من الدعوة عند الاباضة
2 - خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه»: (35 - 40 م)
بعد مقتل الخليفة عثمان على النحو الذي ذكرناه سابقاً، اختير علي بن أبي طالب لتولي منصب الخلافة وقيادة الأمة الإسلامية المضطربة، ولا بد من القول إن علياً لم يحز على الإجماع، فقد كان غرة بني هاشم، وكان يطلب بالخلافة باسم القرابة من الرسول، وكان له أعداء كثيرون يكتمون العداوة أو يظهرونها وحكم علي معناه العودة إلى حكم الصرامة والحزم، وقد وجد كثير من الناس الراحة في سهولة عثمان وتسامحه، وكان هناك كثيرون أثروا بالباطل، وحصلوا ظلماً على نفوذ كبير، ومعنى حكم علي ضياع: تلك المكاسب. وقد تم اختياره بضغط من القبائل العراقية والمصرية التي اقتحمت المدينة، وبتأييد من أهل العاصمة، وخاصة الأنصار والهاشميين، وقد أدرك على نفسه أن اختياره كان وليد فتنة قادها رجال القبائل من الأمصار خارج الحجاز، مما جعله يتردد بادئ الأمر في قبول منصب الخلافة، وقد واجهته فعلاً مشكلتان أساسيتان:
1) إعادة الاستقرار والأمن للدولة التي مزقتها الفتن والعصبيات،
وتصحيح بعض ما ورثه عن خلافة عثمان.
(2) القصاص من
قتلة عثمان الخليفة السابق.
وقد بادر عقب توليه إلى إصدار أمرين في منتهى الصرامة، وهذان
الأمران هما:
أ ـ عزل ولاة عثمان، وقد أرسل علي ولاة بدهم، ولكن أكثر ولاته
عادوا ولم يستطيعوا الدخول إلى الولايات التي حددها لهم. استرداد القطائع التي أقطعها عثمان لأقاربه، واسترداد الهبات
74 (1/74)
صفحة 75
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
التي منحها عثمان من بيت المال.
ونجح علي في بعض ما أراد ولكن الشام ـ حيث كان معاوية بن أبي سفيان. عصت أمر علي وتمردت عليه.
وقد تمخض التمرد الذي عاناه من الشام ومن غيرها عن موقعتين حربيتين كبيرتين، تركتا آثاراً عميقة في نفوس المسلمين، والموقعتان هما:
موقعة الجمل، وموقعة صفين.
(1) موقعة الجمل: (35 هـ)
بينما علي بن أبي طالب يجهز الجيش للسير إلى بلاد الشام، وإخضاع معاوية ومن معه حدث مالم يكن في الحسبان، إذ ثار عليه طلحة والزبير وانضمت إليهما عائشة أم المؤمنين ها، وجاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، وانضم إليهم خلق كثير، كان فيهم مروان بن الحكم وبعض بني أمية وأيدها بعض أهل البصرة وعارضها آخرون، ووقعت معركة عنيفة بين الطرفين بعد أن لم تنجح السفارات بينهما، وكانت هذه أوّل معركة تدور رحاها بين جيشين مسلمين، وقد سقط فيها عدد من المسلمين يقدره بعض المؤرخين بعشرة آلاف، ويقدره آخرون بأكثر من ولا نحب أن نخوض في تفاصيل هذه الموقعة للبحث عن أسبابها.
ذلك.
عن
الحقيقية أو عن المسؤول الأوَّل في حدوثها). فذلك كله يبعدنا موضوعنا، إضافة إلى أن الحقيقة تبقى نسبية على كل حال، لأن الحقيقة
1 - يراجع د/ أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي، ج 1 ص 622 وخليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 51.
75 (1/75)
صفحة 76
من الفتنة ر الشراة المعتدلين
يعلمها الله وحده.
ولكن نتيجة هذه المعركة تركت أخاديد أليمة عميقة في نفوس المسلمين أثرت في أحداث بارزة أخرى، أو تسببت فيها.
وإذا كان من نتائجها انتصار علي بن أبي طالب فإن ذلك كان على حساب من قُتِل من المسلمين يقدرهم المؤرخون بخمسة آلاف أو أكثر). فضعف بذلك جيش علي وخسر من أهل مكة والمدينة والبصرة عدد ذلك، وخلف هؤلاء القتلى أحقاداً على علي، وليس معه مال يغدق على الأبطال وينعم على الشجعان، وعلى هذا كان مع علي من الناس أكلت منهم الحروب، وليس هناك ما يكلم جراحهم.
أكبر من
أشتات
معاوية في الميدان
وفي الجانب الآخر من العالم الإسلامي بسط معاوية يده على الشام، وهو الداهية الذي علمته الأيام كيف يملك القلوب عن طريق الدهاء أو العطاء، والشام بلاد غنية لم يعرف سكانها منذ دخول الإسلام حكماً أزهى ولا أطول من حكم معاوية.
وبينما كان علي يخوض معرك ركة الجمل، ويفقد من جيشه عناصر صالحة، كان معاوية يقوي جيشه ويدعمه ويفرق على أتباعه المال، ويثير هممهم ضد قتلة عثمان.
في هذا الجو المشحون بالثورات النفسية والعصبية القبلية،
-1 ينظر موسوعة التاريخ ... ص 626.
76
16 (1/76)
صفحة 77
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
-
من اللغوا عند
واضطراب الأمر سياسياً وعسكرياً، زحف علي صوب الشام لإجبار مغاوية على الخضوع، وحاول علي كما فعل مع ثوار البصرة – أنصار طلحة والزبير أن يحل المشكلة سلمياً ودون إراقة دماء، وأرسل وفوداً إلى معاوية محاولاً إقناعه بالعدول عن رأيه، والرجوع إلى الجماعة، ولكن معاوية أصر على موقفه معتمداً على تأييد أهل الشام له، وتقابل الطرفان في صفين في ذي الحجة من عام 37 (هجري).
(2) موقعة صفين: (37 هـ)
التقى الجيشان ووقعت المعارك عدة أيام، وكانت على شكل مناوشات حتى محرم من 37 هجري، حيث توقف القتال، وأعاد علي محاولته لإقناع معاوية ولكن دون جدوى، وفي صفر من العام نفسه تجدد القتال عنيفاً بين الطرفين، وقتل عدد هائل من الطرفين، واستطاع علي أن يكون قوة غالبة كادت أن تكسب له النصر، غير أن معاوية عندما أدرك هزيمة جيشه لجأ إلى الحيلة وهو أمر كان يفتقده علي في جميع مواقفه، فنجده قد انتصر في المعارك التي خاضها كلها ولكنه كان
يهزم في مواقف الدهاء، لأنه فيما اعتقد لا يؤثر الدنيا على الدين. لما أدرك معاوية أن هزيمة جيشه وشيكة الوقوع صاح بعمرو بن العاص: «هلم مخبأتك يا ابن العاص فقد هلكنا»، فهتف عمرو بجنده: «من
كان معه مصحف فليرفعه على رمحه»، فرفعوا المصاحف منادين: «كتاب الله بيننا وبينكم». وقد أدت هذه المكيدة من جانب الشاميين إلى نشوب الجدل والتراع بين أتباع علي بن أبي طالب، إذ أن فريقاً.
منهم
77 (1/77)
صفحة 78
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
منة الله عند الأناضة
كان يرى وجوب الاستجابة لطلب أهل الشام، واللجوء إلى تحكيم كتاب الله، وفريق آخر على رأسه علي بن أبي طالب رأى في رفع المصاحف خدعة من قبل الشاميين ولكنَّه تحت ضغط الأكثرية من جيشه لجأ إلى قبول فكرة التحكيم
(1)
وقيل إن الاختلاف في جيش علي لم يكن حول فكرة التحكيم، وإنما تعداه إلى تعيين الشخصية التي تمثلهم في أمر التحكيم، وبعد اختير أبو ظهر التنافس القبلي بين اليمنيين والقيسيين
نقاش حاد
-
موسى الأشعري ليمثلهم في التحكيم على غير رغبة علي الذي كان يفضل عبد الله بن عباس، أما الشاميون فقد اختاروا عمرو بن
العاص، ولم يختلفوا حوله.
اجتمع تكافؤ في هذا التحكيم، فعمرو بن العاص معروف بدهائه وحيلته، وكان في أبي موسى الأشعري طيبة ويسر، وكتب كتاب التحكيم بين الطرفين حيث ذكر اسم علي بن أبي طالب مجرداً من لقبه (أمير المؤمنين)، وتقول بعض المصادر (2) إن النقاش بين الحكمين تحول إلى اقتراح عزل علي و معاوية وترك الأمر للمسلمين ليولوا أمرهم من
الحكمان في شهر رمضان من عام 37 هجري. ولم يكن
1 - تجدر الملاحظة والتنبيه هنا إلى أن المصادر التاريخية تختلف في إيراد تفاصيل هذه الموقعة، تنطلق في ذلك من منطلقات عصبية أو مذهبية، ينبغي على المسلمين اليوم تجاوزها لأنَّ الله وحده هو أعلم بحقيقتها، ومهما اجتهد الباحث في الموضوع فلا بد أن يكون منحازاً إلى وجهة نظر معينة، والله نسأل اللطف والسداد.
2 - يراجع د/ أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي. ج 1، ص 630، وج 2 ص 640.
78 (1/78)
صفحة 79
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
من الدعوة عند الانا
يشاؤون، وقدم أبو موسى الاقتراح فوافق عليه عمرو، وتقدم موسى فأعلن الاقتراح، وتبعه عمرو فأعلن موافقته على عزل علي ومُعلناً
تثبيته لمعاوية، وهكذا استعمل الحيلة والدهاء مرة أخرى.
نتيجة التحكيم:
بعد قراءة كتاب التحكيم ظهر نزاع جديد بين العراقيين حول
بشدة مبررين
ذلك أنه
فكرة التحكيم، وعارضه بعضهم لا حكم إلا الله، وأنه لا يجوز تحكيم الرجال في أمرٍ وضح فيه أمر الله، وانتقدوا على علي رضوخه لمهزلة التحكيم، لأنه اعترف ضمنياً بأحقية خصومه بمجرد الشك في أحقيته هو في خلافة المسلمين، واستمر الجدل والنقاش في صفوف العراقيين وهم في طريق العودة إلى الكوفة، وقد عبر المؤرخون عن هذا الخلاف الحاد بقولهم: «خرج الناس إلى صفين وهم أحباء متوادون، ورجعوا وهم أعداء متباغضون يضطربون بالسياط». (1) وقبل وصولهم إلى الكوفة انشق جماعة من علي ممن رفضوا التحكيم، ونزلوا بمكان قرب الكوفة يدعى (حَرَوْرَاء)، فعرفوا بعد ذلك عند المؤرخين بالحرورية نسبة لهذا المكان. وتقول المصادر إن الاتصال بين علي ومنتقديه ظل مستمراً، ومحاولة الوصول إلى حل سلمي عن طريق النقاش هو بغية الطرفين، وظلت جماعة منهم كانوا يُصلُّونَ خلفه في الكوفة ينادون لا حكم إلا الله، وكانوا يطالبون علياً برفض فكرة التحكيم، وعدم إنفاذها، ولكن علياً ظلّ هو الآخر رافضاً طلبهم مصراً على موقفه وعدم النكث بما وعد به أو رضيه، وعندما يئس أصحابه
1 - عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 53.
79 (1/79)
صفحة 80
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
منه لم يجدوا بداً من الانشقاق عنه والتفكير في انتخاب إمام جديد لهم يؤمن بفكرتهم، ويحقق هدفهم واتفقوا على عبد الله بن وهب الراسبي إماماً لهم، وكاتبوا مؤيديهم في البصرة لينضموا إليهم وكان هذا الإجراء بداية لسلسلة من المواجهات العنيفة بين علي وأنصاره بالأمس جرى فيها دم كثير، وأزهقت نفوس مسلمة أغلبهم من الصحابة
والقراء حملة كتاب الله (1)
موقعة النهروان:
>
تدل الوقائع التاريخية أن موقعة النهروان سبقت بمفاوضات طويلة بين علي من جهة والذين انشقوا عنه عندما أصر على إنفاذ التحكيم من جهة أخرى. وكان من بين الذين شاركوا في هذه المفاوضات الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس، الذي أوفده علي لمناظرة الخارجين عنه، آملاً منه في أن يقنعهم للعدول عن موقفهم، وجرت بين الله بن عباس وبينهم مناقشات طويلة كانت نتيجتها عكس ما توخاه علي بن أبي طالب، وتذكر المصادر الإباضية أن ابن عباس اقتنع
عبد
بوجهة نظر المحكمة، واعتزل ابن عباس معسكر علي وفارقه. (2)
بعد فشل المفاوضات اضطر علي بن أبي طالب أن يُسير إلى الخوارج جيشاً، وخطب فيهم يحثهم على الطاعة والعودة إلى رحابه،
1 - تختلف المصادر السنية والشيعية والإباضية في إيراد التفاصيل والجزئيات، والله أعلم بالحقيقة.
2 حسب رواية المصادر الإباضية.
80 (1/80)
صفحة 81
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
من الدعوة عند الا
واشترطوا عليه أن يتوب عما بدر منه، وينضوي تحت لواء إمامهم
الجديد عبد الله بن وهب الراسبي، وذلك ما رفضه علي بصرامة. ومن هنا يُفهم من المصادر الإباضية أن الخروج الحقيقي للمحكمة قد بدأ بالمسير إلى النهروان وليس قبل ذلك، وأن المحكمة الأوائل لم يفارقوا علياً وهو في طريق العودة من صفين إلى الكوفة، بل بعدما تأكدوا من إصراره على إنفاذ ما وعد به معاوية، ففارقوه، ونزلوا حروراء حيث انتخبوا عبد الله بن وهب الراسبي إماماً، وبقيت الاتصالات جارية بين علي وأتباع عبد الله إلى حين يأسهم من تقريب الطرفين في مكان يطلق عليه النهروان، وقتل فيها علي من المحكمة أربعة آلاف رجل، وكان على رأسهم إمام أهل النهروان عبد الله بن وهب الراسبي. وتشير المصادر الإباضية إلى أن أغلب القتلى كانوا من القراء والفقهاء، وأهل الشرف في الدين والرأي، منهم أويس القرني، وحرقوص بن زهير السعدي، وغيرهما من أفاضل الصحابة (رضوان الله
عليهم). أن ويبدو
نتيجة هذه المعركة كانت حداً فاصلاً بين علي وأنصاره، إذ تخلى عنه خيار أصحابه، وقيل خرج عنه في يوم واحد اثنى عشر وما زالت أيامه في الإدبار من يومهم، إذ نزع منه معاوية اليمن والحجاز ومصر، وغارت خيله على الأنبار، وقتلوا عماله، فلم يعد له كلام أو يمتثل له أمر، وقد تركت آثاراً كبيرة في نفوس
ألفاً،
يسمع
المسلمين بعد ذلك.
81 (1/81)
صفحة 82
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
منهم الدعوة عن
بل تذكر المصادر الإباضية أن عليا ندم ندماً شديداً على قتله أهل النهروان) لأنهم أنصاره بالأمس وكان يبكي بكاء مراً لتذكرهم
واعترف علي نفسه أنهم ليسوا مشركين ولا منافقين، بل كانوا من شاهداً خيار المسلمين في الدين والرأي، وهذا يكون خصمهم
على
صدق نواياهم، وصلاح عقيدتهم، وهو ما يؤكد أن المؤرخين الذين جاؤوا بعد هذه الأحداث المؤلمة، اجتهدوا في تشويه صورة الخارجين عن الإمام على تشويهاً كبيراً.
فموقعة النهروان ذات نتائج خطيرة أهمها أنه لم يعد هناك أمل في عودة الخوارج إلى صفوف علي أو إلى صفوف الجماعة، وكان الخوارج يتذكرون ما حل بإخوانهم في النهروان فتشتد حماستهم، وتتأجج ثاراتهم، إذ لم يبق من الذين خاضوا النهروان في صفوف الخوارج إلا عدد قليل، في نفوسهم جميعاً الثبات على المبدأ، والوفاء لمن قتل في النهروان، وقد انضم إليهم في تلك البلاد جمهور من الساخطين الناقمين، الذين جمعهم هدف واحد، وهو تحكيم كتاب الله في أمور الدين والدنيا، والوقوف أمام جبروت الأمويين وتسلطهم وهو هدف واضح بعكس ما تدعيه
1
1 - إن المصادر تختلف حول العدد الحقيقي للذين ماتوا من اهل النهروان، ولكنها متفقة على ارتفاع هذا العدد، ولكننا نلحظ مبالغة في بعض المصادرة المنحازة ضد الخوارج. يقول ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج 1، ص 144، والله ما لبثوا إلا فواقا حتى صرعهم الله كأنهم قيل لهم موتوا فماتوا، ويقولون إنه لم ينج منهم إلا عدد لم يبلغ العشرة،
وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة والنص لا يحتاج إلى تعليق
82 (1/82)
صفحة 83
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
بعض الكتابات المعاصرة، حيث تزعم أن الخوارج ثاروا ثم حاولوا أن يجدوا سبباً لثورتهم، بدعوى أنهم كانوا إلى البداوة أقرب، وكانوا قليلي الصلة بالثقافات الخارجية، وأن أفكارهم كانت قليلة العمق). و «أن الطبيعة البدوية خلقت من جموعهم نفوساً مؤمنة متعصبة، ولكنها ضيّقة العقول، ومتهورة مندفعة لأنها نابعة من الصحراء، وزاهدة في
(2)
الحياة» (2)
وتصف إحدى مصادر الشيعة معركة النهروان كالتالي:
»
وقتلت الخوارج كلها وأمر علي بمن كان منهم ذا رمق أن يدفعوا إلى عشائرهم، وكانوا 400 رجلاً، وأمر بأخذ ما كان في عسكرهم من سلاح ودواب، فقسمه في أصحابه، وأمر بما سوى ذلك فدفع إلى وراثهم وقيل لم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة، أولهم زيد
بن نويرة».
ويضيف المصدر وهو يتحدث عن الصحابي عبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان: « ... فلم يقع اختيارهم إلا على عبد الله بن وهب الراسبي. أعرابي بوال على عقبيه، لا سابقة له ولا صحبة، ولا فقه، ولا شهد الله له بخير، فمن أضل ممن هذه سيرته، واختياره ... » (3)
1 - د/ أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي، ط 5 1978 مكتبة النهضة المصرية القاهرة،
ص 239.
2 - داعيد جابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي، 1994، ص 45 ومابعدها. طلفاح علي بن أبي طالب المسلم الأول ... ج 15، بغداد 1983، ص 193.
الله 3 - خير
83 (1/83)
صفحة 84
من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
يصف الكاتب بهذه الكلمات صحابياً جليلاً اشتهر بذي الثفنات لكثرة عبادته، معروف بعلمه وتقواه.
وهذا نموذج مختصر لاختلاف المذاهب حول نتائج موقعة النهروان وأسبابها، مِمَّا يؤكد مرَّة أخرى واجب التحري والتثبت من أخبار هذه
المصادر المتضاربة.
84 (1/84)
صفحة 85
الفصل الثاني
نشأة الإباضية (مرحلة الكتمان)
1 ـ أبو بلال مرداس بن حدير، إمام الشراة المعتدلين.
2 - الإمام جابر بن زيد، العالم المؤسس.
3
- عبد الله ابن باض، الزعيم السياسي. ال
4 - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، المخطّط المحنّك. (1/85)
صفحة 86
86
مرحلة الكتمان (1/86)
صفحة 87
مرحلة الكتمان |
منح الدعوة عند الأباضية
أهل الدعوة في البصرة (الشراة المعتدلون)
بعد معركة النهروان بين علي وأنصاره السابقين تشتت أمر المسلمين المواجهين لسلطة معاوية، وضعف جيش علي ضعفاً كبيراً.
أما تأثير النهروان على حركة المحكمة فقد كان عظيماً، إذ أصاب
وحدهم بالتمزق، وصفوفهم بالتشتت وهذا يعود إلى عوامل متعددة منها: 1 - فقدان القيادة الموجهة، والإمامة الموحدة بعد مقتل إمامهم عبد الله بن وهب الراسبي، إذ لم يتفقوا على الشخص الذي يخلفه، وقد قتل أغلب أفاضلهم وقرائهم في معرة كة النهروان.
2 - إن هذه الجماعة شاعت فيها الفرقة، وساد الاضطراب حين افتقدوا
:
وحدة المنهج، فتطرف من تطرف، وغالى من غالى، إذ تنكبوا الطريق السوي، باستعراض المسلمين بالسيف واستباحة قتل الصبية والنساء في طيش
ورعونة.
3 - اشتداد أمر الأمويين وتقوية صفوفهم، ورسوخ دولتهم، بعد أن أطاحوا بالإمام علي وهزموه معنوياً وميدانياً، فلم يبق للأمويين عدو يحاربونه سوى الخوارج والشيعة، فشددوا قبضتهم على الخوارج بصفة خاصة فشتتوهم في البلاد، وأصابوا حركتهم بالضعف والوهن والتمزق.
حاولت بعض فرق الخوارج القيام بثورات متعددة ضد السلطة القائمة في الكوفة والبصرة، إلا أن نشاطهم العسكري في الكوفة لم يستمر طويلاً، ولم يأت عام 59 هـ، إلا وقد قضي عليهم، وباءت حركاتهم هناك بالفشل،
87 (1/87)
صفحة 88
مرحلة الكتمان
ولاسيما بعد تولي زياد بن أبيه (45 - 53 هـ) الذي اتخذ إجراءات صارمة، واستخدم طرقاً إبادية فظيعة، وكان مركزهم الأساسي البصرة، التي فرض زياد على أهلها التهديد والوعيد، حتى لا يتهاونوا في محاربة الخوارج أو قبولهم بين ظهرانيهم ويروى عنه أنه كان يخطب في أهل البصرة قائلاً: «يا أهل البصرة، والله لتكفنني هؤلاء الخوارج أو لأبدأنكم، والله لئن أفلت منهم رجلا لا تأخذون من عطائكم در هما».
وهدد أيضاً القبائل العربية في البصرة ياجلائها وقطع عطائها، إن لم تسهم في قتال الخوارج، وكان يتبع سياسة القمع والتقتيل الفظيع حتى ضد النساء، فإذا ظفر بامرأة من الخوارج، قتلها وعراها وصلبها، وقد وضع هذا الأسلوب
(1)
الوحشي حداً لخروج النساء اللاتي يخفن من الفضيحة والعري أمام الخلق. بينما كان الخوارج المتطرفون من الأزارقة والنجدات يقومون باستعراض المسلمين بالسيف، ويستحلون ما حرَّم الله من دماء المسلمين وأموالهم، قامت جماعة من أتباع الإمام عبد الله بن وهب الراسبي يستنكرون هذا السلوك المضاد للدين ويخاصمون المتطرفين بالمراسلات والمناظرات محاولة منهم لإرجاعهم إلى الطريق السوي الذي نشأت من أجله حركتهم. ولكن المساعي آلت إلى الفشل الذريع، بل إن الخوارج المتطرفين زادوا
في ثوراتهم واستعراضهم بشاعة وغلوا.
1 - يراجع الكامل في اللغة والأدب للمبرد، فهو من المصادر القديمة التي ساقت تفاصيل
ووقائع هامة في هذا الصدد.
888 (1/88)
صفحة 89
مر
رحلة الكتمان
منهم الدعوة عند الأباضي
في هذا المناخ السياسي الصعب، ونظراً للعوامل السابقة، نشأت جماعة معتدلة انشقت عن الخوارج بعد معركة النهروان، واتخذت مدينة البصرة مقراً لها، ومركزاً أساسياً لحركتها، ومنهجها
-
كما سنوضحه. إيثارا للسلم،
-
وعدم اللجوء إلى السيف دفاعاً عن النفس، وكان زعيم هذه الحركة التي تعد
نواة أولى للإباضية هو أبو بلال مرداس بن حدير التميمي.
فمن هو أبو بلال مرداس بن حدير؟ وماهي الحركة التي وضع بذرتها الأولى؟ وكيف اشتدت هذه الحركة وصار لها في التاريخ شأن وأي شأن؟ وما المنهج الدعوي الذي سلكه؟
ذلك ما سنتعرض له في المباحث اللاحقة إن شاء الله.
- أبو بلال مرداس بن حدير وجهاده:
-1
- من هو أبو بلال؟
هو مرداس بن حدير، وقد يقال: ابن أدية، وأدية أمه، وقيل جدته. وهو من
قبيلة تميم، نشأ بالبصرة وعاش بها.
يعتبر أبو بلال من زعماء الإباضية ومؤسسي مذهبهم، لما عرف عنه من جهاد في سبيل عقيدة أهل الدعوة والاستقامة، ولما اتصف به من
التقوى والعلم والشجاعة والاعتدال.
وبلغ من حسن سيرته أن عدداً من الفرق والجماعات الإسلامية فيما بعد
89
89 (1/89)
صفحة 90
مرحلة الكتمان
كالشيعة والمعتزلة - ادعت نسبته إليها واعتبرته من أتباعها.
وأبو بلال ممن شهدوا مع علي بن أبي طالب «كرم
الله
وجهه» واقعة صفين، وحارب في صفوفه وأبلى بلاء حسناً، غير أنه وقف ضد التحكيم بحزم، وأنكر على الإمام قبوله له.
وقد خرج أبو بلال مع من خرج إلى النهروان، ولكنه بعد أن شاهد ما وقع بها من سفك دماء المسلمين، ورأى القتلى من أهله وعشيرته بالآلاف (1) ازداد يقيناً بأن الغلو في فهم الأمور يؤدي بالأطراف المتقاتلة إلى ما لا تحمد
عقباه.
وعلى الرغم من قناعته بموقف الرافضين للتحكيم إلا أنه لم يرض بحال أن تؤول حال المسلمين إلى ما آلت إليه من تقاتل وتدابر واستحلال ما حرم الله من نفس ومال.
ركة النهروان عائداً إلى البصرة، حيث
لذا فإنه مضى بعد انتهاء معر كانت قبيلته تميم، وكان بها الأحنف بن قيس أحد الوجهاء والزعماء وأحد القادة المجاهدين" (2)، إذ يقال إنه هو القائد الذي فتح جمهوريات الاتحاد
السوفياتي الوسطى (طاجكستان حالياً).
وكان يميل إلى رأي المحكمة موافقاً على مسلكهم وخطتهم، فأوى إليه أبو بلال وأتباعه، فأسبغ عليهم حمايته، وقد أتاحت لهم هذه الحماية الفرصة لنشر
1 - يقدرهم بعض المؤرخين بعشرين ألفاً ولكن العدد الصحيح يبقى مجهولاً.
2 - قيل عنه: إذا غضب الأحنف غضب له ألف سيف.
90 (1/90)
صفحة 91
مرحلة الكتمان
منهم الدعوة عند الا
دعوتهم المتميزة بالاعتدال والدعوة بالحسنى، مما جذب إليه الأنصار والأتباع، وكانت لأبي بلال علاقة حميمة بجابر بن زيد، ويقال: إنه كان يستشيره في
خططه، وكانا يخرجان معاً من البصرة إلى مكة لطلب العلم من الصحابة (1). وقد تزايد عدد أتباعه حتى لقد ابتنوا لهم مسجداً خاصاً بهم في البصرة، ولم يكن أمرهم بطبيعة الحال خافياً على زياد الطاغية والي البصرة، ولكنه هادنهم لرأي رآه ولخطة محكمة ينسجها، ثم إن ميلهم إلى الاعتدال وتركهم مواجهة السلطة كلُّ ذلك جعل زياداً ينصرف عنهم، حتى يتفرغ لقتال الخوارج، وحتى لا تتعدد جبهات القتال أمامه.
2
-
دعوة أبي بلال:
كل المصادر التي كتبت عن أبي بلال قديمة كانت أم حديثة تنظر إلى هذه الشخصية الفذة ياعجاب شديد باعتباره رمزاً من رموز الثورة على الظلم دون تمور، وطلباً للحق دون تجبر.
يقول الرقيشي في مصباح الظلام وأبو بلال المرداس بن عمرو بن حدير التميمي «رحمه الله»، وحُدَير بضم الحاء المهملة، وأخوه عروة بن عمرو بن حدير، ويعرفان بابني أدية، وهي جدة لهما ... وكان من حديثه وخبره أنه خرج «رحمة الله عليه» عهد الفاسق عبيد الله بن زياد، حين رأى ما انتهك من المسلمين، فلم يحمله ذلك وإن أخيف وانتهك من أوليائه من القتل والبغي
1 - ينظر في هذا الشأن: الرقيشي: مصباح الظلام (مخطوط)، ورقة 19. والدرجيني: طبقات، ج 2 ص 88. الحارثي: العقود الفضية، ص 157.
91 (1/91)
صفحة 92
رحلة الكتمان
وقطع الأيدي والأرجل وسمل الأعين بغير الحق، أن يستحل من قومه أمرا لم يحله الله، وأن يسير فيهم سيرة لم يسرها أحد ممن كان قبله من المسلمين. فسار أبو بلال رحمه الله حتى نزل فارس لا يدَّعي هجرة ولا ينتحلها، ولا يخيف آمناً ولا يستحل استعراضا، ولا يحل حرمة ولا يغنم أموالاً، ولا يسبي ذرية، ولا ينزل قومه منزلة أهل الأوثان، ولا يخرج مع النساء ولا العبيد، إلا أن امرأة من أهل البصرة كانت مشهورة بالجمال، وكان طلبها عدو الله عبيد الله زياد، فخافت على نفسها أن يبطش بها، فانطلقت معهم هاربة بدينها من غير
أن ترى الخروج عليها، فلما بلغوا الأهواز توفيت بها» (1)
رغم هذا الواقع الأليم الذي اتفقت المصادر كلها.
-
-
بن
حتى تلك المناوئة
للشراة يحاسب نفسه على كلّ كلمة يتفوه بها، وعلى كل عمل يقوم به، استشعاراً منه بالمسؤولية العظيمة أمام الله، وإدراكاً بمنزلته القيادية عند قومه، والرائد لا يكذب أهله.
على فظاعته، فإن أبا بلال واجهه بقلب المؤمن الصابر الذي
ونحسب أن أبا بلال هو أول من سن في القعدة سياسة حربية إنسانية
رائعة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور نعمان القاضي مستنداً في قوله إلى المصادر القديمة: «وكان أبرز الخوارج في البصرة أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، وهو شخصية نبيلة وفدة حتى لتكاد تكون شخصية أسطورية في تاريخ
1 - الرقيشي: مصباح الظلام، مخطوط. ورقة 39 ظ
2202
92 (1/92)
صفحة 93
مر
رحلة الكتمان |
منح الدعوة عبدالا
الخوارج السياسي والعقدي، لأنه خالف عن كثير من معتقداتهم، فكان لا يرى اشتراك النساء في الحروب، وكانت حماستهن في القتال أمراً مشهوراً» (1).
إن ما تميزت به دعوة أبي بلال هي إنكاره العنف طريقة ومنهاجاً، بناء على شخصيته المؤمنة التقية، واستناداً إلى تجربته الجهادية، واقتناعاً
من
منه بأن
المصير
ذلك ليس من طبيعة الدين الإسلامي السمح، ثم لأنه اتعظ الدامي الخطير الذي آلت إليه معركة النهروان، فكان يأمر أتباعه بعدم استعراض المسلمين بالسيف، وألا يقاتلوا أحداً من مخالفيهم إلا إذا تعرضوا لعدوان أو واجهوا قتالاً، فالسلاح لا يستخدم إلا في حالة الدفاع عن النفس، وكان يقول: «إن تجريد السيف، وإخافة السبيل لأمر عظيم، ولكنا نشد عنهم، ولا نجود سيفاً ولا نقاتل إلا من قاتلنا» (2)
حتى إن ابن زياد كان يقول عن مرداس وأتباعه: «لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار في اليراع».
إن دعوة أبي بلال حين اختارت الاعتدال والمخاطبة بالحسنى، لم تختر هذا المنهج إيثاراً للسلامة وقعوداً عن الجهاد، كما ظن ذلك بعض أعداء الاعتدال، بل إنه كان يقف أمام الباطل بكل جرأة، ولعله كان يفعل ذلك في وقت يلجأ فيه الجميع إلى الصمت وإيثار السلامة، ومواقفه في هذا الصدد أكثر من أن تحصى، وهي مشهورة معدودة في كتب التاريخ مثل الكامل للمبرد وغيره. ويكفي أن نذكر هنا أن أبا بلال وقف متحدياً الطاغية زياد
1 - د/ نعمان القاضي: مرجع سابق ص 169 نقلا عن الأغاني ج 6، ص 6.
2 - الدرجيني: طبقات؛ ج 2 ص 218
335
93 (1/93)
صفحة 94
مرحلة الكتمان
منهم الدعوة عند الأباض
حين وقف وقفته المستبدة المشهورة في البصرة يتهدد الشراة (أو الخوارج) كما سماهم، يتوعدهم بالسجن والإبادة والمحق، وكان سلاح أبي بلال أمام الطاغية بسيطاً عفوياً، ولكنه قوي مزلزل، إنه حكم الله كما ورد في كتابه
الكريم، وتذكر المصادر التاريخية هذا الموقف على النحو التالي:
ومما جاء في خطبة زياد المدعوة (البتراء) – لأنه لم يحمد الله فيها، ولم
يصل على النبي صلى الله عليه وسلم -
ضعف
:-
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير وشدة في غير عنف وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يحذر الرجل منكم أخاه فيقول: انج سَعْداً فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي
قناتكم.
وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل منكم أن يكون من
صرعاي ...
فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية، وهو يهمس ويقول: أنبأنا [الله] بغير ما قلت، فقال: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:37 - 39]، وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر.
فسمعه زياد فقال: إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك، حتى نخوض
94 (1/94)
صفحة 95
مر
حلة الكتمان
مع الدعوة عند الأباضية
إليكم الباطل خوضاً» (1)
من الواضح الفرق البين بين الموقفين موقف الاعتدال الذي وقفه أبو بلال، وموقف العنف والتطرف الذي وقفه الطاغية زياد، ممّا. ينبئ منذ البداية أن أسلوب الدعوة بالحسنى سيصطدم بصرخة العُنجهية الأموية، وقد أدَّى ذلك فعلاً إلى أن يغيّر أبو بلال منهجه في الوسيلة لا في الهدف.
استشهاده
ما لبثت دعوته هذه أن تأصلت وكثر حولها المريدون و الأتباع، ولكنَّ الأمر لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما تغيرت الأوضاع السياسية من قبل السلطة الأموية، فحين تولى عبيد الله بن زياد مكان أبيه (سنة 55 هـ) استعمل الشدة والقسوة المتناهيتين وأعمل السيف في الرقاب دون رحمة أو لين، وطارد الفرق المعارضة لحكمه وعلى رأسها المحكمة، وفتح السجون على مصراعيها، فعذب، وقتل، ومثل، وصلب، ولم تنج منه حتى النساء اللاتي كان يمتهن كرامتهن بشكل تتقزز له الأبدان هولاً وفظاعة.
فسر محمد قرقش هذه الجملة الأخيرة على أنها إعلان من زياد لمهادنة أبي بلال وجماعته، وهو خطأ واضح، وتفسير غريب، لأن المعطيات التاريخية كلها تضاده. (ينظر محمد قرقش عمان والحركة الإباضية، ص
(.147
1 - وردت الحادثة بنصوص مختلفة قليلاً: ينظر الجاحظ: البيان والتبين، ج 2 ت: هارون،
2 القاهرة 1388 ص 62 - 65 أيضاً الطبري: تاريخ الأمم، ت: أبو الفضل القاهرة،
1971 ج 5، ص 217 - 221. الكامل للمبرد.
95 (1/95)
صفحة 96
مر
رحلة الكتمان
ولما رأى أبو بلال ما حلّ بمعارضي ابن زياد، وعلم أنه يجد في طلبه، وأنه ظافر به لا محالة، عزم على الخروج من البصرة في ثلاثين رجلاً، وقيل أربعين، وقال لأصحابه: «إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانفين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم» وكان ذلك سنة 61 هـ.
فاجتمع إليه أصحابه، فكان يقول لمن يلقاه موضحاً أصول دعوته: «إني لا أجرد سيفاً، ولا أخيف أحداً، ولا أقاتل إلا من قاتلني»، ويقول: «إننا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروع أحداً، ولكن هرباً من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا».
ونزل أبو بلال ببلد (آسك) من نواحي الأهواز في موضع بين رام هرمز وأرجان، غير أن ابن زياد ما لبث أن أرسل جيشاً قوامه ألف رجل، ودار بين أبي بلال وقائد الجيش ابن زرعة حوار ولما حمل أصحاب أبي بلال عليهم حملة صادقة إيمانية، انهزم ابن زرعة هو وأصحابه بغير قتال خوفاً وهلعاً، فلما بلغ ذلك ابن زياد غضب من هزيمة جيشه غضباً شديداً، فاختار قائداً آخر هو (عباد بن أخضر ووجه معه هذه المرة أربعة آلاف، فأتبع أبا بلال وأصحابه حتى لحقهم، وجرى بين أبي بلال وعباد الحوار التالي:
قال أبو بلال ماتريد؟
قال: أردكم.
قال: أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدماء، ويأخذ المال الحرام، ويعطل الحدود، ويرتشي في الحكم، ويتسلط بالجبرية، ويقتل بالظنة، ويأخذ على
96 (1/96)
صفحة 97
مر
رحلة الكتمان
منح الدعوة
التهمة، لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة.
قال: نعرف ما تقولون، ولكن لهم مع ذلك الطاعة.
وقيل: قال كذبتم هو خير منكم، وأنتم أولى بالضلال منه.
وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج، قال: ماهذا. قيل
له الشراة. فحمل عليهم وانتشبت الحرب في يوم جمعة، وأبو بلال يتلو
:
لا الله من كان يريد حرثَ الآخرة ترد كمر في جريده کليک کريں
[الشورى: 20].
فأسروا القعقاع، فقال: لست من أعدائك، وإنما غُدرت ولم أعلم. وأطلقه، فرجع يقاتل، فحمل عليه (حريث وكهمس) فأسراه فقتلاه، فلما جاء وقت صلاة الجمعة ناداهم أبو بلال: «إنكم في يوم عظيم، فدعونا حتى نصلي وتصلوا». فأجابوهم.
فلما دخلوا الصلاة حملوا عليهم فقتلوهم بين راكع وساجد، وقائم
وقاعد (1)
و
وهكذا استشهد أبو بلال ومن معه من أصحابه، ولم ينج منهم أحد ثباتاً صموداً، وإيماناً، وهكذا طويت صفحة هذا الداعية الورع الذي آثر الاعتدال والدعوة إلى الله بالحسنى، فلم ينج من الظالمين الجورة، كما غدا قاتلوه مثالاً للجبن والجور وحب الدنيا.
1 - الشماخي: السير؛ ص 62. أيضاً الكامل، ج 2، ص 158.
97
16 (1/97)
صفحة 98
مرحلة الكتمان
?
أثر استشهاد أبي جلال في الدعوة من بعده:
كان لمقتل أبي بلال على أيدي الأمويين الجورة صدى عميق في نفوس أتباعه وأثار الأحقاد والترات في نفوس الشراة، وعزموا على الانتقام له، قاتليه، كما انبرى شعراء الخوارج يمدحونه ويعدونه من أبطالهم
والثأر
من
ورموزهم، وأصبح مرداس مثالاً للثبات والإيمان والصمود أمام الباطل، فلم يكن من السهل أن يترك الشراة دمه يذهب هدراً، ولذلك صمموا على الانتقام من عباد بن علقمة المازني قائد الجيش الذي أباد أبا بلال وأصحابه، ومنذ ذلك أصبح الاغتيال السري وسيلة من وسائل الدفاع والشراء معاً، ولم يكن منه بد أمام ازدياد ملاحقة ابن زياد وتنكيله الشديد بالشراة، فقد ازدادت نقمته عليهم، فزج قسماً منهم في السجون، وقتل عدداً آخر بطرق أخو أبي بلال عروة بن أدية التميمي.
فظيعة منهم
وتورد المصادر الإباضية وغير الإباضية ما جرى من تمثيل وصلب وتعذيب للشراة في سجون ابن زياد مما جعلهم يدخلون مرحلة جديدة من مراحل الكفاح، وهي مرحلة الكتمان حفاظاً
منهم على مسيرة الدعوة،
ووحدة الصف، واستمرار الجهاد، إلى أن يأذن الله بالنصر والظهور. وقد ذكرت كتب غير إباضية واعترفت أن أبا بلال كان ينتقد الاستعراض، ويتبرأ من أصحابه، ولم يتفطن إلى هذا التفريق والتمييز سوى بعض الكتاب المحدثين المتصفين، بالنظرة الموضوعية. وقد أشار الدكتور نعمان القاضي إلى موقف أبي بلال بهذه النظرة الفاحصة، حيث تكلم عن حركات الخوارج في البصرة فقال عمن تميز منهم بالاعتدال قائلاً: «وكان الشرفاء من
98 (1/98)
صفحة 99
مر
رحلة الكتمان
الخوارج أمثال أبي بلال يتبرؤون منهم ويسخطون عليهم ... » (1).
والحق إن كتب التاريخ قد تذكر أعمال الخوارج باستنكار شديد، وتحامل ظاهر، ولكن بعضها لا يمر على بعض المواقف الإنسانية مرور الكرام لأن ما ما في هذه المواقف من أخلاق سامية وعظات بالغة، تنتزع الإعجاب انتزاعاً، وتملك على المسلم حنايا نفسه وتملؤها حدباً وعطفا.
يذكر الطبري أنَّ عبيد الله بن زياد قبض على مرداس أبي بلال، وأودعه السجن، ولكن السجان رأى عبادته وصلاحه فكان يأذن له في مطلع الليل فينصرف إلى داره ويعود إلى السجن في مطلع الفجر دون أن يعلم ذلك أحد، وكان لعبيد الله بن زياد جليس على صلة صداقة بمرداس، فسمع هذا الجليس من ابن زياد ذات ليلة أنه ينوي قتل من بالسجن من الخوارج إذا أصبح، وصدرت الأوامر للسجان بتقديمهم صباحاً إلى السياف، فعرف مرداس وهو في بيته ذلك الخبر من جليس ابن زياد وقيل لمرداس: انج بدينك ولا تعد إلى السجن، قال مرداس: إني أكره أن أواجه ربي غادراً. وعزم على أن
في مطلع الفجر كعادته. أما السجان فأمضى ليلة سوداء إشفاقا من مرداس الخبر فلا يرجع.
أن
يعود
يعلم
فلما كان الوقت الذي يرجع فيه، إذا به يعود، فقال له السجان بعد أن شمله السجن هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم. قال: ثم غدوت؟ قال: نعم، ولم يكن لي أن أخون ولا أن أقابل إحسانك لي بفرار تعاقب أنت
1 - الفرق الإسلامية في العصر الأموي؛ ص 407.
99
69 (1/99)
صفحة 100
مرحلة الكتمان
بسببه.
وفي الصباح جلس ابن زياد، وقدم الخوارج للموت، حتى جاء دور مرداس فوثب السجان، وكان ظئراً لابن زياد، وأخذ بقدمه وقال: هب لي هذا، وقص عليه قصته. فوهبه له وأطلقه (1).
إن المرء عند ما يحلل هذه المواقف لا يسعه إلا أن يطأطئ الرأس إكباراً وإعجاباً بهذه النفوس المؤمنة العظيمة، التي تحمل أرواحها في أكفها حباً في الشهادة واستهانة بالدنيا ليس في نظرتها أو تحليلها للأمور سوى أمر واحد
الله
الإخلاص للعقيدة والانقطاع هذه الخصائص النفسية العالية والسلوك الإسلامي العظيم يجعل أقسى القلوب، وأعتاها تجبراً تلين وتصفح.
وممن غدا عند الشراة مثلاً في الجرأة على قول الحق في هذه المرحلة، ومواجهة الطغاة دون خوف أو وجل عروة بن حدير أخو بلال، هو في أشهر الروايات أول من رفض التحكيم في صفين، وكان له أتباع وأصحاب وشيعة، ولسنا ندري أي الأخوين أكبر أعروة أم بلال؟.
يروي الطبري (2) أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له، فلما جلس ينظر الخيل اجتمع الناس، وحسبها عروة مناسبة ليقول كلمة الحق صادعة، وابن زياد في أوج جبروته وأبهته فيذكره بجرائمه وتعديه على حرمات الله،
1 - الطبري: تاريخ ... ج 5، ص 322.
2 - يراجع الطبري ج 6، ص 175. أيضاً د/ نعمان القاضي: الفرق الإسلامية، ص 169.
100 (1/100)
صفحة 101
مر
رحلة الكتمان |
منح الدعوة عند الأباضية
فانطلق يقول له: «خمس كنَّ في الأمم قبلنا قد صرن فينا، قال تعالى:
لله أَتَبْنُونَ بِكُل ربع وَايَةً تَعْنُونَ [الشعراء: 128]، ففهم ابن زياد من كلامه أنه بداية فتنة تقام، وترك رهانه، وأضمر الشر
لعروة الذي أدرك - بنصيحة إخوانه - خطورة ما قام به، فتواري.
غير أن ابن زياد طلبه حتى قبض عليه ومثل به أمامه، فقطعت يداه ورجلاه، وقال له: كيف ترى؟ قال: أفسدت علي دنياي، وأفسدت عليك آخرتك».
وفي رواية أخرى: « ... وكان عروة آية في التجلد والصبر، فعندما ظفر به ابن زياد قال له لأمثلن بك، فقال عروة: اختر لنفسك من القصاص ماشت. فلما أمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلبه على باب داره، التفت إن بعض أهله فقال لهم، وهو مصلوب: انظروا إلى هؤلاء الموكلين، فأحسنوا إليهم فانهم أضيافكم.
وأرسل ابن زياد إلى ابنة عروة فقتلها، ولقيت المصير نفسه امرأة أخرى شديدة الحماسة تدعى البلجاء، كانت تخطب خطباً نارية، مثيرة ضد ابن زياد، فقبض عليها وقتلها في سوق البصرة. وقد كان لكل هذا أثره البالغ في نفس أبي بلال ... (1)
1 - ينظر لسان الميزان، ج 4، ص 162 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 380، المعارف ص 141، العقد الفريد، ج 1 ص 271 د / نعمان القاضي مرجع سابق، ص 170.
101 (1/101)
صفحة 102
مرح
رحلة الكتمان
من الدعوة وقد عرف عروة إضافة إلى خصائصه الجهادية المشار إليها آنفاً، بعلمه وتواضعه وأخلاقه الإسلامية العالية، وكان أبو عبيدة مسلم الذي سيصبح زعيماً محنكاً، وخليفة لجابر بن زيد مولى لعروة بن حدير هذا، مما كان له أبلغ الأثر في مسيرة حركة أهل الدعوة، ولعله أثر لا يقل نجاعة من أثر أخيه أبي بلال مرداس. لذا يعده الإباضية من أيمتهم الأوائل المعدودين، ولكن كتب التاريخ لا تحله محله اللائق به وقلما قرأنا من يحاول إبداء دور عروة في مسيرة حركة الإباضية؛ اللهم إلا إشارات خاطفة هنا وهناك من كتب السير. والناظر في بعض الوقائع التاريخية التي حدثت في هذه المرحلة، يدرك أبعاد هذا النظام العجيب الذي لم يكن كتمانا عن خوف أو سرية عن جبن، بل هو كتمان من أجل الوصول إلى مر- حلة الظهور، وسرية حفاظاً الجماعة، وتماسكهم أمام خصومهم حتى لا يأخذهم على غرة أو فرقة. وقد
عرف
منهم
على وحدة
شخصيات مرموقة، بلغت أعلى المناصب لأداء رسالة الشراة
وإبلاغهم بما عساه يقع من أخطار محتملة. فقد عرف منهم صالح بن عبد الرحمان كاتب الحجاج وصاحب دواوين العراق، والذي قلب الدواوين إلى العربية، ثم كان على خراج العراق أيام ولي يزيد بن المهلب، وقد كان يزيد بن أبي مسلم المقرب من الحجاج أيضا يرى رأيهم ويتظاهر بغيره (1)
ومن هذه النظم الدالة على حس سياسي وتنظيمي دقيق، أنهم كانوا يبثون العيون والأعوان حتى في أشد مواقع الحكم والسلطان عداء وخطراً.
1 - المبرد: الكامل، ج 1 مكتبة المعارف بيروت (و. ج) ص 355.
102 (1/102)
صفحة 103
رحلة الكتمان
مر
منهج الدعوة عند الأباضي
فإن أبا بلال مؤسس هذا النظام كان من قواعده بث العيون في مجالس زياد وابنه عبيد الله، فكان هؤلاء الأعوان يخبرونه بما يعزم الحاكم عليه من إجراءات ضد الشراة قبل أن يباغتوا بها. حتّى كان يتخذ الحيطة والحذر، من ذلك مثلاً أن غيلان بن خرشة الضبي، سمر ليلة عند زياد ومعه جماعة، فذكر أمر الخوارج، فأنحى عليهم غيلان، ثم انصرف بعد ليل إلى منزله، فلقيه مرداس بن أدية فقال له: «ياغيلان، قد بلغني ما كان منك الليلة عند هذا الفاسق من ذكر هؤلاء القوم الذين شروا أنفسهم وابتاعوا آخرتهم بدنياهم، مايُؤمِنَنَّك أن يلقاك رجل منهم أحرص ـ والله ـ على الموت منك على الحياة، فينفذ
-
حضنيك برمحه» فقال غيلان: «لن يبلغك أبي ذكرتهم بعد الليلة» (1). فإذا صحت هذه الرواية التي رواها المبرد دلتنا على النظام الدقيق والسرعة العجيبة التي بلغ بها الخبر أبا بلال.
ويروي المبرد أن غيلان هذا هو الذي حدث أبا بلال عن عزم عبيد الله بن زياد بقتل البلجاء، إحدى البطلات اللائي بعن أنفسهن الله، وعدم التطأطئ حتى للجور والمذلة. فهل كانت الحادثة الأولى التي وقعت في عهد زياد فرصة لتوبة هذا الرجل وانضمامه إلى الشراة، حتى أصبح عيناً لهم وعونا في مجالس الله بن زياد، بعد أن جاء إلى الحكم بعد أبيه زياد؟.
عبيد
هكذا
يورد المبرد الرواية متحدثاً
عن
أبي بلال وسيرته ومكانته عند الشراة: أحد « ... وهو بني ربيعة بن حنظلة، تعظمه الخوارج، وكان مجتهداً كثير
الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خرشة الضبي، فقال: يا أبا بلال إني سمعت
1 الكامل في اللغة والأدب، ج 2، ص 158.
103 (1/103)
صفحة 104
مرحلة الكتمان
بي،
من الدعوة عند الأباضية
بن
الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء، وأحسبها ستؤخذ. فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إنّ الله قد وسَّع على المؤمنين في التقيد فاستتري، فإن هذا المسرف على نفسه، والجبار العنيد قد ذكرك قالت: إن يأحذبني فهو أشقى فاما أن ما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي، فوجه إليها عبد الله زياد، فأتي بها، فقطع يديها ورجليها، ورمى بها في السوق. فمر ابو بلال. والناس مجتمعون فقال: ما هذا؟ فقالوا: البلجاء، فعرج إليها فنظر، ثم عص على لحيته، وقال لنفسه: لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا مرداس» (1). ثم إن عبيد الله تتبع الخوارج فحبسهم وحبس مرداساً، فرأى صاحب السجن شدة اجتهاده، وحلاوة منطقه فقال له: إني أرى لك مذهباً حسناً، وإني لأحب أن أوليك معروفاً، أفرأيت إن تركتك تنصرف ليلاً إلى بيتك أَتَدْلَجُ إلي؟ قال: فكان يفعل ذلك به، ولج عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلّم في بعض الخوارج فلج وأبي وقال: «أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار في اليراع
نعم.
فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلاً من الشرط، فقال ابن زياد: «ما أدري ما أصنع، كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم، فتكوا بقاتله، لأقتلن من في الحبس منهم ... » (2)
وهكذا نرى التقية عند الشراة لم تكن استسلاما للظلم، أو رضوخاً للذلّ، ولكنها أسلوب يصاحب مرحلة الكتمان ولا يتجاوزها من القول إلى الفعل.
1 المبرد الكامل، ج 1 ص 182
2 المصدر نفسه.
104 (1/104)
صفحة 105
مر
رحلة الكتمان |
منح الدعوة عند الاباضة
هذه نظرة الشراة إلى التقية عملياً كما دلتنا على ذلك هذه الحوادث، ورؤيتهم إليها مبدأ وعقيدة، كما تفصح عن مدلولها كتب العقيدة عندهم. وشتان بين التقية عند الشيعة والتقية عند الشراة تلك تقية القول والفعل يقف وراءها الخوف، والجبن، وهذه تقية الإيمان بالمبدأ والإصرار عليه. وتروي كتب التاريخ مشاهد بطولية في مواقف الشراة من الظلمة، بالصلابة أمام الحق، والجرأة ضد الباطل، والصدع بالحق أمام السلطان الجائر.
المذهب
تشهد لهم
2 - الإمام جابر بن نزيد، العالم المؤسس: (18 - 193)
إن المطلع على الفكر الإباضي قديماً وحديثاً يلحظ مدى اهتمام المؤرخين والكتاب يارجاع التكوين المذهبي للإباضية إلى الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني، هذا التابعي الجليل الذي تشهد المصادر كلها على فضله وعلمه، وورعه وتقواه، وذلك ما جعل بعض الكتابات المناوئة للإباضية تنفي علاقة جابر بن زيد بالإباضية وتنكر أخذه بمبادئ المحكمة، وذلك حتى يجردوا هذا من أحد عناصرها ره القوية، بل أن يقوضوا أساسه ومعتمده. ويدل تعلق الإباضية بهذا الإمام، وإرجاع أصولهم إليه على الاهتمام الذي يولونه إلى الجانب العقدي والديني والفكري في نشأة المذهب وواضع أسسه، وهم لا ينكرون في الوقت نفسه أن تسمية الإباضية بهذا الاسم إنما تعود بن إباض التميمي المري، اعترافاً بفضل ابن إباض وما قام به من دور في ترسيخ قواعد المذهب سياسياً ولاسيما في بداية أمره، ولكنهم لا
إلى عبد الله
105 (1/105)
صفحة 106
مر
حلة الكتمان
الدعوة عند الأباضية
يولون عند التأصيل الجانب السياسي ما يولون الجانب العقدي، مما يؤكد نظرتهم إلى أن الفارق بينهم وبين مخالفيهم ليس سياسياً بقدر ما هو عقدي ديني، ولو بدأ الخلاف حول قضية تبدو سياسية وهي نظرية الحكم. وهناك أسباب أخرى يعود إليها حرصهم على الانتساب إلى الإمام جابر سنذكرها في مكانها من البحث. ومن هنا فإن معرفة المنهج الدعوي الذي سلكه هذا الإمام باعتباره المؤسس الرئيس، والمخطط الأساس لأصول المذهب ومبادئه ضروري للوقوف على
الله
أن
مدى موافقة الأصول التي اعتنقها أتباع المذهب للكتاب والسنة، باعتبار الإمام جابر بن زيد يعد من أوّل التابعين تتلمذا على كبار الصحابة رضوان عليهم، وأقرب أ رب أيمة المذاهب وأسبقهم أخذاً. عنهم. من هنا يعد الإمام جابر بن زيد المؤسس الحقيقي للمذهب الإباضي، فهو الذي أرسى أسسه العقدية ودون فقهه، ونظم حركته. وتلامذته هم واصلوا المسيرة من بعده، ونشروا المذهب في كل أصقاع المعمورة.
فمن هو جابر بن مزيد؟
الذين
هو أبو الشعتاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري من قبيلة اليحمد العمانية، وقد اختلف في معنى نسبته إلى الجوف)، أهي (درب الجوف) في البصرة حيث استقر مع أسرته أم هي جوف الجميلة) وهي المنطقة التي تقع
106 (1/106)
صفحة 107
مرحلة الكتمان
فيها (الفَرْق) حيث ولد).
وقد اختلف في سنة ميلاده مابين 18 و 22 هجري (2)، ويبدو أنه نشأ بعمان ثم انتقل إلى البصرة في وقت مبكر من حياته، حيث راح يطلب العلم، وكانت البصرة قبلة طلاب العلم لما اشتهرت به من حركة علمية وثقافية واسعة، إضافة إلى اعتبار البصرة بلداً ثانياً للعمانيين لما كانت تعج به من قبائلهم التي استقرت بها منذ عهد بعيد.
عنهم
وقد تتلمذ جابر بن زيد على أيدي كثير من الصحابة والتابعين، وأخذ مختلف العلوم التأسيسية، وكان جابر يقول: «أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر» ويعني به عبد الله بن عباس بحر الأمة وترجمان القرآن، فقد كان هذا الإمام يستمد علمه بالشريعة الإسلامية من مصادرها، ويعب سلسالها من منابعها ويكفي أنه تتلمذ في ذلك على عائشة أم المؤمنين زوج الرسول صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن عمر، وعبد مسعود، وأنس بن مالك، وهم يعدون من كبار الصحابة، ومن أقرب المقربين إلى رسول الله، وهذا الاقتراب من الرسول يجعلنا على ثقة كاملة المعلومات التي وصلتنا عن طريق الإمام جابر بن زيد، سواء أتعلق ذلك بالأصول أم بالفروع.
الله
بن
من
وقد أجمعت الأمة على ورعه وتقواه وسعة تبحره في العلم، ويكفيه
-1 - تقع الفرق على يمين الذاهب إليها من نزوى على بعد 130 كلم من مسقط. 2 - يراجع إبراهيم بن علي بولرواح، مرجع سابق، ففيه تفاصيل مهمة.
107 (1/107)
صفحة 108
مرحلة الكتمان
فخراً شهادة بحر الأمة عبد الله بن عباس فيه. وقد كان جابر من أنجب تلامذته، حتى قال فيه ابن عباس: «لو أنّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن
زيد لوسعهم علماً عما في كتاب الله»، وكان يحيل سائليه على تلميذه جابر ويقول: «اسألوا جابر بن زيد، لو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه»، وعندما يسأله أناس من أهل البصرة كان يرد عليهم بقوله: «كيف تسألونني وفيكم جابر»، وقد وصفه عبد الله بن عمر بأنه من فقهاء أهل البصرة البارزين، وشهادات الصحابة في جابر بالحفظ والعلم والتثبت والورع كثيرة، يمكن الرجوع إليها في مصادرها (1).
إن أبرز سمة اشتهر بها إمام الإباضية جابر بن زيد هو سعة علمه، وتبحره في الفقه، ودرايته بالسنة، وقد اشتهر بصفة العالم الذي أعطى حياته للعلم، وليس أدل على ذلك من أن كل الذين تحدثوا عن شخصية جابر وقفوا مبهورين أمام تفقهه في الدين، وتبحره فيه، والذي يعطي القيمة العلمية لهذه الشهادات كونها صادرة عن فقهاء أجلاء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن
كرام التابعين الذين كانت لهم مكانة معتبرة في العلم والدين. ولعلّ حرص. حرص جابر بن زيد على العلم والتعلم طوال حياته رغم مسؤولياته
السياسية العظيمة كان امتثالاً لقوله تعالى:
1 - ينظر مثلاً: البخاري: التاريخ الكبير، ج 1 ق 6، ص 204. حلية الأولياء، ج 2، ص 85. ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 2 ص 61. الذهبي: تذكرة الحفاظ؛ ج 1، ص 68، 72. وغيرها من المصادر الإباضية مثل: الدرجيني طبقات، والشماخي: سير ... وقد
جمع أغلب هذه المصادر إبراهيم بولرواح، في كتابه القيم (مرجع سابق).
108 (1/108)
صفحة 109
مر
رحلة الكتمان
منح الدعوة عندال
الله .. فلولا نفر مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122]. هذا الامتثال هو الذي كان سببا في عدم ظهوره للناس زعيماً سياسياً للفرقة الإباضية بالبصرة مما جعل كل الذين كتبوا عن هذه القضية يتساءلون عن الأسباب التي جعلت شخصية مثل جابر، مشهودا له بالعلم، مشهوراً في الأوساط العلمية آنئذ، لا يُتفطن لدوره القيادي ذاك.
إن انشغال جابر بالتكوين العلمي، وإرساء قواعد المذهب على أسس علمية دينية ثابتة، هو الذي منعه من الانشغال بالسياسة، فلو كلف بها أحد تلامذته مثل عبد الله بن إباض أو أحد زملائه وأصحابه مثل مرداس بن حدير. فقد ارتبط بجابر في البصرة جماعة كبيرة لأخذ العلم عنه سواء من التابعين
أي من طبقته أو من تابعي التابعين، ومن أشهر هؤلاء قتادة شيخ الإمام البخاري، وعمرو بن دينار، و عبد الله بن إباض، وأبو عبيدة مسلم، وضمام بن السائب، وأبو نوح صالح الدهان، وسلمة بن سعد الحضرمي حامل المذهب الإباضي إلى المغرب، وواضع الحركة بها، كما تخرج على يد جابر من عمان و خراسان وحضرموت واليمن وغيرها، وهكذا أصبح مؤسساً لمدرسة فكرية مستقلة في عصره، وظل متفرغاً للعلم والدراسة طول حياته، رافضاً تولي المناصب الإدارية في ولاية البصرة رغم إغراءات الحجاج
تلامذة
وأمثاله (1)
1 - الدرجيني: طبقات ج 2 ص 61، وانظر قرقش: الحركة الإباضية في عمان. ص 130 - 131.
109 (1/109)
صفحة 110
مر
رحلة الكتمان
والمصادر غير الإباضية تعتبره من أهم علماء المسلمين في البصرة، فكان
في نظرتها حجة في أقواله وتفسيراته واحتج بأقواله مجموعة من المفسرين والفقهاء، فقد وردت إشارات بمكانته العلمية عند السيوطي وابن حجر، وقال عنه ابن تيمية بأنه أعلم الناس في زمانه وروى علماء السنة في البصرة عنه الحديث، وأجمعوا على عدالته وحفظه، بل إنه يعتبر من رجال أصح الأسانيد. (1)
الإسلامية،
بھا
(1)
وكان
من الشهادات المتقدمة يتبين لنا بوضوح أن جابراً قد اكتسب علماً واسعاً، وأنه أصبح من أكابر العلماء في عصره، ولاسيما في علوم الشريعة يعتبر لمكانته تلك من أبرز المفتين في البصرة، ولعله ثاني اثنين مع الحسن البصري، فقد كان الحسن من أعز أصدقائه، وكان ينيبه في الفتيا عندما يتغيب عن البصرة، وقد ساعد جابراً على الوصول إلى هذه المكانة المرموقة انصرافه الكلي إلى العلم وازوراره عن مباهج الدنيا وزخارفها، وقد أثرت عنه في سلوكه هذا آثار تدعو إلى الإكبار والتقدير، فقد كان يقول: «سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن، سألت زوجة مؤمنة، ومراحلة صالحة، ومهنرقاً كفافاً يوماً بيوم.» وكان يخاطب أصحابه ويقول: «ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي درهم وليس علي دين».
والواقع أن المصادر السنية و الإباضية تسهب في الحديث عن زهد جابر وانصرافه إلى الدرس والتحصيل، حتّى أصبح بعلمه مرجعاً لكل سائل في أمور الفتيا والفقه الإسلامي، وكان بعض الناس ممن يسكنون خارج البصرة يكتبون إليه مستفسرين عن مسائل ومشاكل فقهية، فيجيبهم عليها، وتبعاً لذلك فقد
1 - أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج 3، ص 12.
110 (1/110)
صفحة 111
مرح
رحلة الكتمان
وصفه أتباعه بأنه بحر العلم وسراج الدين.
(1)
منح الدعوة
الصنف
إن دور جابر لم يقتصر على ميدان العلم والفتوى، وإنما كان نموذجاً لهذا من العلماء الذين يسخرون علمهم لإسعاد الأمة الإسلامية، ومحاولة تغيير الواقع السيء إلى واقع أفضل، فجاهد لإحياء سنة رسول الله بالقول والعمل، ودعا إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله سراً وعلناً، وحارب الظلم والجور، وواجه الانحراف والانحلال، فكان يبارك الدعوة التي تسعى إلى الإطاحة بالظلم بالثورة عليه وتسعى إلى نزع الحكم من أيدي الجبابرة إلى أيدي العدول من أمة محمد.
كان لابد عندئذ أن تكون له صلة قوية بأهل الدعوة، بل كان لابد أن يكون هو قائدها ومنظمها ورائدها، ولوسلك في ذلك سبيل السرية والتقية
كما سنوضح.
فكيف بدأت علاقة جابر بأهل الدعوة. ومتى؟
الإمام جابر وصلته بالقعدة.
حسب المعطيات التاريخية والاستنتاجات المعتمدة على بعض الأحداث التي وقعت في حياة جابر يحتمل أن يكون اتصاله بالقعدة بدأ بعد لجوء مرداس بن حدير التميمي وأصحابه إلى البصرة في أواخر العقد الرابع من القرن الأول الهجري، وبالتحديد ما بين (56 - 64 هـ، وكان عمره إذ ذاك
1 - ينظر رسائل الإمام جابر (مرقون) بالمكتبة الإسلامية روي. سلطنة عمان. ويراجع، الأستاذ يحي بكوش فقه الإمام جابر، دار الغرب الإسلامي بيروت 1987.كذا ابراهيم بن علي بولرواح، مرجع سابق.
111 (1/111)
صفحة 112
مرحلة الكتمان
حوالي ثلاثا وثلاثين سنة، فقد ذكر أن جابراً كان يصلي الجمعة في المسجد الجامع في البصرة خلف ابن زياد، ربما إمعاناً في التقية والسرية، حتى لا يلفت أنظار الأمويين إليه، وهم يتتبعون أهل الدعوة بالسجن والقتل والتعذيب، وثمة رواية تؤيد صلته الوثيقة بالحركة وقيادته لها، يقول أبو سفيان محبوب بن الرحيل: «إنّ شيخاً من الإباضية يدعى أبو سفيان قنبر قد أخذه عبيد الله زياد وجلده ليدل على أحد من المسلمين [الإباضية فلم يفعل، قال جابر بن زيد: وكنت قريباً منه وماكنت أنتظر إلا أن يقول هذا هو، فعصمه
الله (1)
بن
القعدة
ويذكر أبو سفيان أن جابراً كانت له علاقة وطيدة حميمة بزعيم أبي بلال، وكانا يخرجان معا إلى مكة أداءً للعبادة وطلباً للعلم عن ابن عباس
وعائشة.
وقد أدرك أبو بلال مكانة جابر العلمية والسياسية ـ ولاشك ـ مما، جعله لا يفارقه آناء الليل وأطراف النهار، وقد ذكر صاحب بيان الشرع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنه قال: «لقد كان أبو بلال رحمه الله يبكي في رف الليل حتى ما يطيق أن يقوم، ولقد كان من تشوقه إلى إخوانه أنه يخرج من عند أبي الشعثاء جابر بن زيد بعد العتمة، ثم يأتيه قبل الصبح فيصلي معه، فيقول له جابر: يا أخي شققت على نفسك، فيقول: والله، لقد طال ما
جو
هبت نفسي بلقائك شوقاً إليك حتى أتيتك». (2)
1 - الشماخي: سير ص 96. 2 - الحارثي: العقود الفضية، ص 107.
1.12 (1/112)
صفحة 113
مر
رحلة الكتمان
منهج الدعوة عند الاب
يتضح مما تؤكده المصادر الإباضية أن جابراً كان وثيق الصلة بالحركة منذ
البداية، وأصبح زعيمها وإمامها)، وقد ارتكزت زعامته على مايلي:
منهج
معاً،
فهو ينهج
1 سلك الإمام جابر طريقة الكتمان والعمل المفتوح الكتمان في إطار العمل السياسي، وهو يعمل بطريقة مفتوحة أمام الجميع في المساجد في الإطار الديني، والأمور العامة التي تنأى عن السياسة، حتّى لا يلفت أنظار الأمويين إليه، فكان ينشر آراءه، ويبث أفكاره بين الناس من خلال أحاديثه الدينية، وفتاويه، وأجوبته.
2 ـ الحذر الشديد في اختيار المنضمين إلى أهل الدعوة، إمعاناً في كتم أمر دعوته، فقد كان يأمر أتباعه بالقضاء على كل من يدل على عورات أهل الدعوة أو يكشف أسرارهم، أو يبوح بأسمائهم، فإن حدث أن ترك أحد أتباع الفرقة مذهبه، وتخلى عن مبادئه دون طعن أو إفشاء سر تركوه، ولكن إذا ثبتت خيانته وعمله مع السلطة الأموية بإفشاء أسرار الجماعة، والجوسسة عليهم، أحلوا دمه وتخلصوا منه.
فقد جاء شاب إباضي إلى جابر يسأله عن أفضل الجهاد، فقال: «قتل خردلة» وكان خردلة هذا عيناً للسلطة الأموية، نال المسلمين بوشايته ظلم كبير وكان الشاب لا يعرفه فأراه إياه رجل من المسلمين [الإباضية] في
1 - يقول الرقيشي: «وقد بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير رحمه الله، وغيره من أيمة المسلمين، لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم في دينهم جابر بن زيد العماني رحمه الله ومشورته، ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت دعوتهم، وليكون لهم ردوا». الرقيشي: مصباح الظلام، مخ ورقة 39.
113 (1/113)
صفحة 114
مر
حلة الكتمان |
المسجد بأن وضع يده على كتفه حتى لا يخطئه، فضربه الشاب بين
بخنجر مسموم فمات.».
كتفيه
وبعض العلماء يتخذ من هذه الحادثة. إن صحت ـ دليلاً على جواز
--
الاغتيال السري، وسيلة لمقاومة السلطة الغاشمة عندما تقوم الأدلة على ثبوت
خيانة الشخص"
(1)
3 ـ تجنب الاحتكاك المعادي للسلطة اعتباراً بما وقع.
-
من
عبيد
الله
بن
أن جابراً
زياد من ملاحقة أهل الدعوة وتعذيبهم وسجنهم، وعلى الرغم من كان ينشط تحت حكم الحجاج إلا أن الحجاج لم يستطع أن يتفطن إلى حقيقة أمره في البداية، فكان جابر يتستر بالصلاة خلف الحجاج، وقبول أعطياته، وكان يزور الحجاج ويتردد عليه، ويقال إن هذه السياسة نجحت بفضل فطنة جابر، وتوسط كاتب الحجاج يزيد بن أبي مسلم الذي كانت له علاقة حميمة بجابر وكان يرى رأيه، ويذهب مذهبه، ولكن هذه العلاقة لم تصل حد التعاون مع السلطات الجائرة، إذ عرض الحجاج القضاء على جابر فرفضه متعللاً بضعف شخصيته، ولعله فعل ذلك تمويهاً على الحجاج حتى يطمئن إلى أن رجلاً بلغ من الضعف درجة كبيرة لا يمكنه أن يقوم بتأسيس حركة سرية منظمة، لأن جابراً كان مستهدفاً من قبل السلطات الأموية. ويدل على ذلك ما جاء في رسائله وفتاويه، حيث ينهي رسائله غالباً بالطلب من مستفتيه ياحراق الرسالة حتى لا تتفطن السلطات وأمراء الجور إليه. (2)
-1 - العقود الفضية، ص 101.
2 - يراجع رسائل الإمام جابر.
114 (1/114)
صفحة 115
مرحلة الكتمان
4
-
مُ الدَعْوَة
نشر الدعوة بالحوار والإقناع ومذاكرة دروس العقيدة والفقه حيثما حلّ، ومن هنا يفسر حرص جابر على الحج كل سنة لأن الحج كان ملتقى خيرا يجمع الأصحاب للمذاكرة والمراجعة، والتخطيط، وظل حريصاً
ووجه
تغطية
من
يتعرضوا
بأذى.
على موسم الحج الذي يربطه بأهل المذهب مدة عشرين سنة أو تزيد. وكان جابر يستخدم طرق الإقناع للتأثير في الناس حتى يتقبلوا دعوته، قسماً كبيراً من نشاطه إلى إقناع بعض آل المهلب حتى ينضموا إلى حركته، لأن مكانة هذه القبيلة معروفة ومرموقة في العراق، فقد كانت زعيمة الأزد بها، حيث استطاعوا بدهائهم ونفوذهم أن يتسللوا إلى أجهزة الحكم الأموي. وقد نجح جابر فعلاً في خطته إلى أبعد الحدود، ولعل ذلك أكسبه آل المهلب لدى الحكام، وستراً يقيه من أن وبفضله انضم كثير من النساء المهلبيات إلى حركة ركة الشراة وقدمن جهوداً كبيرة لنصرة المذهب الإباضي ببذل أموالهن ومساعدة المحتاجين من المذهب. ظل هذا هو أسلوب جابر إلى أن تفطن الحجاج، وانقلب على آل المهلب، فانكشف أمرجابر وزج به الحجاج إلى السجن، ثم نفاه إلى (عمان) وما علم الحجاج أن نفي جابر إلى عمان سيكون كله خيراً وبركة لأنه أعاد البذرة إلى تربتها الصالحة، حيث المناخ الملائم لترعرعها بين ذويها وأهلها. عمان امتدت مخططات جابر لتشمل كل الأمصار الإسلامية (1).
ومن
1 - يراجع، العقود الفضية، ص 102 وما بعدها. كذا طبقات المشايخ للدرجيني. وسير
الشماخي ...
115 (1/115)
صفحة 116
مر
جلة الكتمان |
منح الدعوة
وهكذا وبفضل حنكة جابر، وبعد نظره لم تعد الدعوة معتمدة على العنصر القبلي التميمي كما كانت إبان معركـ ركة النهروان، فقد استطاع أن يؤثر على قبائل أخرى، وامتد إشعاع دعوته إلى اليمن، وحضرموت، وعمان، والحجاز، وخراسان، والمغرب الإسلامي.
ولم يمت جابر بن زيد إلا وقد غدت الدعوة الإباضية حركة إسلامية شاملة اجتذبت عناصر مختلفة، وأخذت القناعات المذهبية لدى كثير من أتباع الدعوة تحل محل الولاءات القبلية والعرقية. (1)
ومن هنا فإن خليفة جابر في زعامة الحركة كان من الموالي وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم وكان عمله هذا إرهاصا لما تم على يد تلميذه الداعية العظيم أبي عبيدة الذي درَّب الدعاة وأرسل بهم إلى مشارق الأرض ومغاربها، وحققت الدعوة على يده نجاحاً باهراً لم يسبق له مثيل، وعلى النحو الذي سنوضحه بحول الله.
وهكذا فقد تمخضت مرحلة الكتمان عن قائدين عظيمين هما الإمام جابر بن زيد وأبي بلال مرداس بن حدير وقد ظهرت حنكة هذين القائدين في تغيير أسلوب الدعوة ووسيلتها، استفادة من المرحلة السابقة، وعملا للمرحلة اللاحقة، فقد رأيا أن أسلوب العنف والمواجهة ولا سيما مع الأمويين الجبابرة يؤدي إلى سفك دماء أبناء الأمة الإسلامية دون أن يحقق أهل الدعوة نتيجة تذكر، وهكذا عاش الإباضيون في أكثر الأحوال مسالمين للدولة
1 - خليفات: نشأة الحركة الإباضية؛ ص 98
116 (1/116)
صفحة 117
مر
رحلة الكتمان
في البصرة (1)، وتتفق المصادر الإباضية وغير الإباضية على أن مرحلة الكتمان والعمل في سرية تامة بدأ التخطيط لها منذ بداية النصف الثاني من القرن الأول، ولئن ظهرت بعض الثورات والخروج هنا وهناك من حين لآخر فإنها أعمال أفراد لم يلتزموا بالمنهج الإباضي الذي خطط له القائدان جابر بن زيد وأبو بلال. وتذكر تلك المصادر براءة أبي بلال من (قُرَيْب) و (زحاف) اللذين قاما بثورة في البصرة في عهد عبيد الله بن زياد أدت إلى
كانت
من
سفك دماء الأبرياء، ونهاية هذه الحركة بالفشل (2). ومن أبرز الوسائل التي لجأ إليها القائدان في هذه المرحلة العمل في السرية التامة، وبث الدعوة عن طريق الحلقات السرية التي يُختار المنضوون تحتها بدراسة دقيقة، والاتصال بالأنصار في سائر الأقطار لإعداد الدعاة وبث المتحمسين بالدعوة الإباضية داخل أجهزة الحكم الأموي ذراً للرماد في أعين السلطة الأموية، اطلاعاً ومتابعة لمجريات الأحداث عن قرب حتى لا يؤخذ الإباضية على غرة.
وكان من الوسائل التي استخدمت للاتصال بالدعاة والعلماء والأنصار الإباضيين موسم الحج الذي استغلوه أحسن استغلال، فمما لا شك فيه أن موسم الحج كان الفرصة السانحة لتجمّع الدعاة والأنصار من كل مصر وقطر، على أن الموسم يوفر في حد ذاته ملاذا آمناً وحماية شبه مؤكدة من
1 - ينظر إبراهيم بحاز الدولة الرستمية، ط الجزائر 1985 ص 85.
2 - ينظر الطبري، ج 5، ص 238،والبلاذري، ج 4، ص 151.
117 (1/117)
صفحة 118
مرحلة الكتمان
ملاحقة السلطة الحاكمة)، وبهذه الوسيلة الفعالة التي دلت على حنكة سياسية وبعد نظر أصبح الحج موسماً لبذر بذور المذهب من خلال الالتقاء بالأنصار في مكة والمدينة، للدعوة وجمع التبرعات والمساعدات المادية ما لبثت هذه البذور أن نبتت في كلّ الأمصار الإسلامية في الجزيرة العربية، والمغرب، وعمان، وخراسان وغيرها من الأقطار القاصية والدانية.
ومن هنا نفهم حرص الإمام جابر بن زيد على أداء فريضة الحج كل سنة مهما تكن الظروف، حتى قيل عنه إنه حج في حياته عشرين حجة، وتذكر
المصادر أنه كان من رفقائه في بعض هذه الرحلات أبو بلال مرداس.
والحق كان الحج من الوسائل الهامة في نشر المذهب الإباضي، ساعد على ذلك أن الإباضية اشتهروا بكثرة حجهم فكانت القوافل الطويلة تفد إلى الحج من المغرب والمشرق ولهم في هذا المجال قصص غريبة ترويها كتب السير
والطبقات.
وكان لكثير منهم في البصرة نجائب من الإبل يحملون عليها غير القادرين من إخوانهم إلى مكة لأداء هذه الفريضة، وبتكرار الحج ازداد اللقاء بين علماء المذهب من مختلف الأقطار والأمصار في موسم الحج من جهة، وفي نشر المذهب في البلدان التي يمر بها هؤلاء الحجاج سواء في رحلة الذهاب أم في زحلة العودة من جهة ثانية أم في أثناء لقائهم بالحجاج الآخرين من غير
الإباضية في مكة من جهة ثالثة»
1 - د/ نعمان القاضي: مرجع سابق، ص 200.
118 (1/118)
صفحة 119
مرحلة الكتمان
منهج الدعوة عند الأباضية
وقد كانت مصر بحكم موقعها الجغرافي محطة للحجاج الإباضية القادمين من شمال إفريقيا وبلاد السودان، وكان لابد لهؤلاء الحجاج أن يتركوا أثراً فيها، ذلك أنهم كانوا يقيمون عادة عاماً أو بعض عام لمن يريد الحج مرة واحدة، وعدة أعوام لمن يفضل أداء هذه الفريضة مرات متتالية.
وكان للقاء حجاج الإباضية من عمان والبصرة في مكة بالحجاج المصريين والمغاربة لا شك تأثيره الكبير في تدعيم المذهب ونشره بين غيرهم (1)
من الناس.
(2)
-3 الإمام عبد الله بن إباض: الزعيم السياسي:
من هو عبد الله بن إباض؟
يتفق أغلب المؤرخين على انتمائه إلى قبيلة تميم القاطنة بالبصرة، التي كان لها شأن عظيم بين القبائل العربية جاهاً ونفوذاً.
وهو عبد الله بن إباض على اختلاف بين المشارقة والمغاربة بين فتح الهمزة وكسرها) من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس التميمي.
ذكر الأزكوي في كتاب «كشف الغمة» أنه نشأ في زمان معاوية بن
1 - يراجع د/رجب محمد عبد الحليم، الإباضية في مصر وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، (مرجع سابق مهم).
2 - محمد زينهم محمد عزب، وأحمد عبد التواب عوض: دراسة في تاريخ الإباضية ... ص 35.
119 (1/119)
صفحة 120
مرحلة الكتمان
أبي سفيان، وأنه عاش إلى زمن عبد الملك بن مروان، ويذهب الشيخ علي يحي معمر إلى أنه عاش بعد وفاة جابر بن زيد أي أنه توفي ما بعد
ومن
(1)
93 هجري." المؤكد حسب الوثائق التاريخية أن ابن إباض شارك في الدفاع عن مكة والمدينة مع المحكمة سنة 64 هـ، ويتضح من الرسالة التي بعث بها إلى عبد الملك بن مروان سنة 65 هـ أنه كان مدركاً مميزاً، وعلى جانب كبير من الرصانة والفكر، مما يدل على أنه كان حصيفاً قد جاوز مرحلة اليفاعة، ويقدر بعض الباحثين المحدثين أنه كان آنذاك فوق العشرين. (2)
والواقع يصعب على المرء أن يحدد سنة بعينها لوفاته، غير أننا نجزم أنه عاش بعد سنة 67 هـ لما ذكرناه من مشاركته في أحداث تاريخية
شهيرة حدثت في هذه الفترة.
شخصيته
يتمتع
عبد الله بن إباض بشخصية قوية ذات دهاء وحنكة سياسية، إلى
جانب اتصافه بالورع والتقوى والتمسك الشديد بأهداب الشريعة الإسلامية من مصادرها القرآن والسنة، كما تدل على ذلك رسالته إلى عبد الملك بن مروان (3). هذه الصفات أهلته لأن يحمل راية أهل الدعوة في ظرف سياسي
1 - لم يقدم الشيخ وثيقة تاريخية لرأيه هذا، انظر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى
: 1994، ص 151.
2 مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية. ص 49.
3 - ينظر ملحق النصوص.
120 (1/120)
صفحة 121
مر
رحلة الكتمان |
من الدعوة عند الان
صعب. بما ينبئ عن الخصائص العظيمة التي أهلته لهذه المكانة السامية، وقد جمع الدرجيني صفات ابن إباض في كتابه طبقات المشايخ حيث يقول: «عُرف الله بن إباض بأنه إمام أهل الطريق، وجامع الكلمة بعد التفريق، فهو العمدة في الاعتقادات والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات والمؤسس
عبد
للأبنية وهي
مستندات.»
?
دوره في الدعوة ومنهجه،
إن استقراء الحوادث التاريخية تدل على أن ابن إباض كان في مطلع شبابه فترة حكم معاوية، فقد جاء في رسالته إلى عبد الملك ما يشير إلى أنه أدرك معاوية وهو في سن تسمح له بالتمييز وإبداء الرأي في الحوادث والأشخاص، والنفاذ إلى حكم شخصي من خلال دراستها، وتعمقها.
وقد برز عبد الله بن إباض على مسرح الأحداث السياسية والعسكرية بعد ظهور المحكمة، وصراعهم مع. السلطة الأموية إبان خلافة يزيد بن معاوية سنة 64 هـ. وقد كانت الأحداث الأليمة في المدينة المنورة على يد القائد الأموي مسلم بن عقبة في وقعة الحرة عام 63 هـ، واستباحتها حافزاً إسلامياً قوياً دفعت المحكمة مجتمعين إلى المشاركة في الدفاع عن مكة المكرمة، حتى لا يحل بها ما حل بالمدينة من قتل وتدمير، فاشترك عبد الله بن إباض إلى جانب شخصيات أخرى مثل نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، مناصرة منهم لعبد الله بن الزبير، رغم اختلاف وجهات نظر كل فريق ولاسيما في قضية الخلافة.
121 (1/121)
صفحة 122
رحلة الكتمان مر
الدَعْرَةَ عِندَ الأناضة
وفي عام 64 هـ نجد ابن إباض مع مجموعة من أبرز قيادي المحكمة، وقد زج به في السجن، ولم يغادره إلا بعد وفاة يزيد بن معاوية في العام نفسه. وقد اختلف عبد الله ابن إباض مع نافع بن الأزرق الذي دعاه إلى الخروج معتبراً المخالفين مشركين يجوز استعراضهم بالسيف، وعدم جواز مناكحتهم وموارثتهم. وقد تأثر ابن إباض لما جاء في رسالة نافع بن الأزرق من تطرف، وغلو، فردَّ على ابن الأزرق برسالة تعتبر من أهم الوثائق التاريخية تدليلاً على تميز الإباضية عن الخوارج في نظرتهم العقدية والحكم على المخالفين. وقد جاء فيها:
(1)
«قاتله الله، أي رأي رأى صدق نافع بن الأزرق لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبي. في المشركين ... إن القوم كفار بالنعم والأحكام، وهم براء من الشرك، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام» 1 لابد من الإشارة إلى أن القعود بدأ مع أبي بلال مرداس (الذي توفي سنة 61 هـ)، وهذا السلوك يعود إلى طبيعة الظروف السياسية التي جُوبه بها الخوارج ولاسيما بعد تولي عبيد الله بن زياد، مما اضطر الإباضية معه إلى تعميق هذه السياسة التي كان على رأسها الإمام جابر و عبد الله بن إباض،
وقد استمرت حتى خلافة مروان الثاني عام 129 هـ. كما مر بنا سابقا. وقد صرح عبد الله بن إباض عن اختلاف منهجه مع الخوارج المتطرفين، حيث رفض الخروج على مسلمين يسمع الأذان والقرآن من مساجدهم.
1 - الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 568/ 5.
122 (1/122)
صفحة 123
مرحلة الكتمان
فقال لأصحابه: «أعَنْ هؤلاء أخرج؟».
فرجع واختفى مؤثراً البقاء وعدم مفارقة الجماعة. (1)
منهم الدعوة عند الأباضية
وقد كانت نتائج هذه السياسة إيجابية استطاعت حركة أهل الدعوة معها
أن تحافظ على وجودها فيما تعرضت الحركات الخارجية الأخرى إلى الإبادة
الساحقة، والزوال.
علاقة عبد الله بن إباض بيا برين زيد.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هو مدى العلاقة بين الإباضية مذهباً
عبد الله بن إباض.
الله
تتفق المصادر التاريخية إباضية أو غير إباضية على نسبة الإباضية إلى عبد بن إباض، ولكنها تختلف في أهمية هذه النسبة علمياً وعملياً، ونظرياً
وتطبيقياً.
ونجد هذا الاختلاف بين المؤرخين الإباضية أنفسهم، فالدرجيني يعتبره إمام أهل الطريق المؤسس لأبنية هي مستندات الأسلاف، والشماخي يقول يامامة جابر بن زيد، ويعطي دوراً ثانوياً لعبد الله بن إباض، بل إنه يذهب إلى أن ابن إباض كان يصدر في تحركاته عن شيخه جابر.
والذي يبدو أن هناك اشكاليات تتعلق بهذه القضية نجملها فيما يلي: أولاً: لقد برز عبد الله بن إباض زعيماً سياسياً، وبطلاً ميدانياً محنكاً،
1 - الحارثي: العقود الفضية، ص 122.
123 (1/123)
صفحة 124
مر
حلة الكتمان |
الرَّعْةُ
ومناظراً صلباً، مِمَّا لفت إليه أنظار السلطة الأموية، فنسبوا الفرقة إليه، وقد يكون هذا أيضاً من عمل الخوارج المتطرفين الذين اختلف معهم، ولاسيما بعد استعراضهم المسلمين بالسيف، والحكم عليهم بالشرك، فقد تميزت الفرق في تلك المرحلة بأسماء زعمائها، فكانت الأزارقة نسبة إلى نافع بن الأزرق، و النجدات نسبة إلى نجدة بن عامر النجفي، والصفرية إلى عبد الله بن الصفار، و الإباضية إلى عبد الله بن إباض لاسيما وأنه كان إلى جانبهم في الدفاع عن مكة سنة 64 هـ.
ثانياً: إن إهل الدعوة لم ينكروا هذه التسمية ولم يردوها، نظراً للمكانة التي يتبوؤها من الحركة تقوى وصلاحاً، علماً وحزماً، وبذلك ارتضوها فصارت اسماً للجماعة، وعلماً عليها بعد أن صار لكل طائفة أو فرقة اسم تعرف به، وفي هذا يقول الشيخ نور الدين السالمي:
ونسبوا من كان في طريقته إليه لاشتهار حسن سيرة
إن المخالفين قد سمون
بذاك غير أننا رضين
ونحن في الأصل وفي الفروع على طريق السلف الرفيع (1)
ثالثاً: إن أهل الدعوة كانوا ضنينين بشخصية إمامهم وعالمهم جابر بن تصل إليه يد الجبابرة من الأمويين، وقد كانوا يلاحقون العلماء
زيد من
أن
والمعارضين بالتعذيب والتقتيل. وحتى يصرفوا الأنظار عنه، دفعوا إلى الواجهة أحد تلامذته ومريديه القادرين على التحرك لاسيما وأن ابن إباض ينتمي إلى
1 - الحارثي: مرجع سابق، ص 122.
124 (1/124)
صفحة 125
رحلة الكتمان
مرح
منهج الدعوة عندالا
تميم إحدى أهم قبائل البصرة جاهاً، ونفوذاً، مما يضمن له الحماية من قبيلته، والدفاع عنه إذا تعرض لمكروه، على أن العلاقة بين ابن إباض وجابر أكدتها المصادر التاريخية.
وفي هذا يقول الشماخي في السير: «إنّ ابن إباض يصدر في أمره عن
(1)
رأي جابر بن زيد») وفي هذا يقول الرقيشي في مصباح الظلام: «فقد بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير وغيره من أيمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد العماني ومشورته ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت دعوتهم وليكون ردءاً لهم ... » (2).
لنا وهكذا يتضح من خلال هذه النصوص أن ابن أباض لم يكن إلا شخصية مشهورة عبرت عن وجهة نظر الإباضية، فنسب المذهب إليه، لأن السلطة الأموية لم تعرف غيره من قادة المحكمة المعتدلين (3).
ومن المحتمل أن جابراً كان الإمام الروحي وفقيه الإباضية ومفتيهم، وكان بالفعل هو الشخص الذي بلور الفكر الإباضي بحيث أصبح متميزاً عن غيره من المذاهب الإسلامية، وكان ابن إباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الأقطار، ولذلك سمته المصادر: رئيس القعدة في البصرة وغيرها من الأمصار، وتاريخ الدعوة الإباضية يشير إلى اشتراك بعض الأشخاص البارزين والمجتهدين.
1 - الشماخي: السير؛ ص.77
2 مصباح الظلام، مخطوط ورقة 39.
3 - مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية، ص 55.
125 (1/125)
صفحة 126
مرحلة الكتمان
اللغة عبد الأناضة
في المسؤولية إلى جانب الإمام الأكبر لهم.
(1)
وفاة ابن أباض والمرحلة الموالية.
لا تذكر المصادر الإباضية وغير الإباضية شيئاً عن وفاة ابن إباض ومتى
كانت، ويبدو فيه، بعد مراسلاته إلى عبد الملك بن مروان، إذ لا تذكر عنه المصادر شيئاً. أما ما أورده بعض المؤرخين من أمثال الشهرستاني والقزويني عن اشتراكه في ثورة طالب الحق التي بدأت سنة 129 هـ ضد مروان بن محمد فيبدو أنه غير صحيح، فقد عرف مثل هذا الخلط عن الشهرستاني بصفة خاصة، ومعلوماته لا يوثق فيها.
أن نشاطه الدعوي قد توقف لسبب أو لآخر لا نستطيع البث
والمصادر الإباضية لا تذكر هذا على الإطلاق، إذ لو شارك في هذه الثورة لورد اسمه مع المشاركين فيها، وهو ليس شخصية مغمورة حتى يغفل بمثل هذه الكيفية.
على أن المصادر التاريخية الأخرى مثل الطبري، والبلاذري، وصاحب الأغاني، لم تورد هذه الأخبار عن ابن إباض، زد على ذلك أن كتب الطبقات عند أهل الدعوة تصنفه ضمن رجال الطبقة الثانية، أي الذين عاشوا خلال من القرن الأول، وعليه فإنه يكون قد توفي قبل سنة
النصف الثاني
100 هـ إلا أن يكون قد عمر طويلا، والله أعلم.
1 - خليفات: نشأة الحركة، ص 80.
126 (1/126)
صفحة 127
مرحلة الكتمان |
من الدعوة عند الا
2 - الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
المخطط المحنك (45 هـ - 145 هـ)
من هو الأمام أبو عبيدة؟
أبو عبيدة مسلم بن أبي، كريمة هو مولى بني تميم، ويقال إنه كان مولى لعروة بن أدية التميمي أخ مرداس
ولد بالبصرة وعاش بها، ويقال إنه كان زنجياً أسود اللون، أعور، وقد عمي آخر عمره، عاش فقيراً يقتات من عمل السعف، يصنع منها القفاف ولذلك لقب بالقفاف، يمكن القول أن ولادته كانت حوالي سنة 45 هـ/665 م حسب بعض القرائن التاريخية. وكُني الإمام أبو عبيدة بابنته عبيدة
التي أخذت العلم عن والدها فرويت عنها آثار في كتب الفقه الإباضي. أخذ الإمام أبو عبيدة العلم عن شيوخ أجلاء مثل الصحابي صحار العبدي، وجابر بن زيد، وجعفر بن السماك، وضمام بن السائب، وهم أشهر علماء الإباضية في مرحلة الكتمان.
وقد اشتهر بالتقوى والورع والزهد والانقطاع للدعوة إلى الله، فكان مضرب المثل في كل ذلك، حتى قيل إنه تعلم أربعين سنة، وانقطع للتعليم أربعين أخرى، وترك تلامذة أعلاماً حملوا الدعوة من بعده، ونشروها في أصقاع الأرض من المشرق والمغرب.
127 (1/127)
صفحة 128
مرحلة الكتمان
نهج الدعوة
توفي حوالي سنة 145 هـ / 762 م، ورُوي أنه أدرك من أدرك جابر من الصحابة، وقد روي عنه قوله: من لم يكن له أستاذ من الصحابة فليس هو
الله
بن
على شيء من الدين، وقد من الله علينا بعبد الله بن عباس وعبد مسعود، وعبد الله بن سلام، وهم الراسخون في العلم، وعلى آثارهم اقتفينا،
وبقولهم اهتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا، وعلى منهاجهم سلكنا.» (1). تبوأ أبو عبيدة مكانة في الدعوة الإباضية عملياً بعد وفاة الإمام جابر سنة 93 هـ/711 م وبعد خروجه من سجن الحجاج بعد وفاة هذا الأخير سنة
95 هـ/713 م.
وما من شك في أن التجربة التي مر بها شيخه من قبله، وما تعرضت له الحركة من ظلم الأمويين والمدة التي قضاها في السجن إلى جانب إخوانه من الدعاة، هذه العوامل كلها إلى جانب الخصائص القيادية التي امتاز بها، أهلته ليكون القائد العظيم في هذه المرحلة العصيبة.
وعلى الرغم مما تورده المصادر حول العلاقة الحسنة التي كانت بين أهل الدعوة وبين سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد العزيز إلا أن مدتها لم تطل إذ سرعان ماتطورت الأحداث لغير صالح أهل الدعوة، ولكن هذه الفترة كانت كافية لتسترد الحركة فيها أنفاسها، وتراجع تنظيماتها وتوسع خططها، وتخرج من إطارها الضيق إلى إطار أوسع، وهذا ما تحمل عباه الداعية المحنك أبو عبيدة، فكيف كانت مؤهلاته في هذا المجال؟
1 - د/ عمرو النامي دراسات عن الإباضية، ص 97 نقلا عن مسائل أبي عبيدة (مخ).
128 (1/128)
صفحة 129
مر
رحلة الكتمان
الدعوة عبد الآباد
أبو عبيدة الداعية:
اتصف الإمام أبو عبيدة بأخلاق عالية أهلته لأن يكون من أكبر دعاة الإباضية، وأيمتهم فقد كان إلى جانب ما عرف عنه من ورع وتقوى، سديد الرأي نير البصيرة، تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه، وتطلع من لسانه شموس العلم، وبهذا استطاع أن يتولى زعامة أهل الدعوة بالبصرة بعد وفاة الإمام
جابر بن زيد، ويلم شعثها، وينظم شؤونها، وعلى يده تبلورت وبعثت.
وقد اتصف باليقين وقوة الصبر، تلك كانت عدته في مواجهة جبابرة الأمويين، وملاحقتهم له، فعندما سجنه الحجاج مع غيره من فقهاء المسلمين وخيارهم كان ضمام بن السائب يضيق مما يلاقونه من عناء وضيق في سجن الحجاج، فكان أبو عبيدة يقول له: «على من تضيق ياضمام؟» وكان شديداً في ذات الله عزوفاً عن الدنيا لا يحب التقرب إلى الأمراء ولا أخذ أعطياتهم، وقد صقلته المحن التي مرت به وما رآه من استشهاد أغلب الأيمة من مثل أبي بلال وأخيه عروة الذي كان مولاه، وهذه العلاقة التربوية في حد ذاتها لا بد أن تترك آثاراً في سلوك أبي عبيدة واتجاهه، إذ أهلته لأن يكون المشعل الذي قبس منه حملة العلم أنوار الدعوة إلى المشرق والمغرب.
* طرق الدعوة ووسائلها.
اهتم الإمام أبو عبيدة بأمر الدعوة إلى الله وبث الروح الإسلامية بين المسلمين اهتماماً بالغاً، وأعطاها جهده المتواصل، ولم يزده الضغط السياسي في البصرة يومئذ إلا تمسكاً بأهداب الشريعة، ولم تؤثر فيه التناقضات الاجتماعية
129 (1/129)
صفحة 130
مرحلة الكتمان
من اللغة عند الآيات
والثقافية الموجودة في مجتمعه، بل جعلته صامداً أمام الأحداث والمؤثرات حتى
لقي الله.
يدل تاريخ الإمام أبي عبيدة عن مخطط سياسي محنك، ولا أدل على ذلك من الوسائل المنهجية التي كان يتبعها فاستطاع أن ينشر دعوته، ويبلغها إلى الآفاق البعيدة تحت سمع الحكومة الأموية الجائرة وعينها. وقد سلك في سبيل ذلك وسائل تنظيمية في غاية الدقة).
أولا- تكوين الدعاة: ركز أبو عبيدة في منهجه الدعوي على الأسلوب الذي استخدمه إمامه وشيخه جابر بن زيد وهو الاعتماد على تكوين الرجال وإعدادهم إعداداً علمياً وسياسياً ممتازاً، فالرجال المختارون بعناية هم الذين
سيتوزعون على الأمصار الإسلامية لتبليغ الدعوة، وبثها بين المسلمين هناك.
وما من شك في إن إعداد الرجال في تلك الظروف الصعبة يحتاج إلى خبرة وتجربة واسعتين وعناية فائقة في تعليمهم وتكوينهم مع فقدان الوسائل وضعف الإمكانات ولكن أبا عبيدة بعلمه الغزير ويقينه الثابت، وحنكته السياسية استطاع أن ينجح في خطته إلى حد بعيد. وكانت خطوته العملية تتكون مما يلي:
1 - يراجع، د/ عمرو النامي: مرجع سابق، 95 وما بعدها، ففيه تفاصيل هامة وقد سبق الدكتور النامي إلى التوصل إلى هذا النظام العجيب، ونقلته عنه بعض المصادر المطبوعة دون الإشارة إلى أنها نقلت ذلك عنه، وليس هذا من الأمانة العلمية في شيء.
130 (1/130)
صفحة 131
مرحلة الكتمان
من الدعوة عند الاباضة
أ المجالس المنظمة:
أ ـ المجالس العامة وهي تضم كل الذين دخلوا المذهب وشايعوه، وكانت هذه المجالس تعقد سراً في أحد بيوت المشايخ التي بها سراديب أعدت لذلك، وفيها كان يجرى شرح أصول المذهب، ودراسة أمور الدين، وكان شديداً على التخفي والتستر أمام أعين السلطة المتربصة بهم، حتى أنهم كما روى ذلك أبو سفيان: «كانوا يأتون المجالس ويغيرون ملابسهم العادية، ويحملون قرب الماء والمتاع ليظهروا أمام الناس وكأنهم فقراء وبياعون، وأحياناً يتخفون في ثياب النساء.» (1).
حرصهم
ب
مجالس المشايخ وهذه يقصر حضورها على كبار أيمة المذهب وحدهم، وكانت تُعتمد في هذه المجالس الخطط والطرق التي ينبغي انتهاجها مع الأتباع والخصوم، وإيجاد الحلول لكل ما يواجه الدعوة من مشاكل في البصرة، أو في غيرها من الأمصار وكانت شروط الالتحاق بها شديدة قاسية حيطة وحذراً.
جـ ــ مراكز تدريب الدعاة ويتخرج في هذه المراكز من يُغرفون في تاريخ الإباضية بحملة العلم، وكان هؤلاء يأتون من مختلف الأمصار لتلقي العلم عن إمام المذهب، وفيها يتم تدريبهم السياسي والديني، وكان أبو عبيدة هو الذي يتولى هذه الأمور بنفسه، وقد اتخذ لذلك سرداباً تحت الأرض لا رفه غير أتباعه وشيوخه، وفيه يتظاهر الإمام والطلاب بصنع ويضعون على مدخل السرداب سلسلة من الحديد يحركها أحد الحراس
يعرف
القفاف
1 - المصدر السابق
131 (1/131)
صفحة 132
مرحلة الكتمان
عندما يستدعي الأمر ذلك ليتظاهر من بداخل السرداب بصنع
القفاف
أبناء الأمصار التي يرسلون إليها
وعادة ما يختار الدعاة من حملة العلم من ضماناً للتبليغ والقبول، وأهل الأمصار أدرى بمعرفة أحوالها وطباع أهلها (1).
ثانيا - الحج والتجارة: اهتم الإمام أبو عبيدة بموسم الحج اهتماماً بالغاً، فقد كان ـــ أسوة بإمامه جابر - لايفوته الحج إلا نادراً، وإذا فاته أناب عنه
-
-
زميله وتلميذه ضمام بن السائب (2). وذلك للاستفادة من اجتماع الأمة الإسلامية، وتبليغ الرسالة على أوسع مجال، وكان يرمي من حرصه الشديد هذا إلى تحقيق فوائد جليلة يمكن حصرها فيما يلي:
الأجر والثواب من جراء تأديته الحج ولو نافلة. الاجتماع بفقهاء وعلماء ودعاة الأمصار وخاصة بمن بقي من الصحابة وكبار التابعين، وقد يتعذر مثل هذا الاجتماع في غير الحج للظروف السياسية والاجتماعية المعروفة.
التعرف بالحجاج الإباضيين القادمين من الأمصار: كعمان، و خراسان، واليمن، وحضرموت ومصر والمغرب وغيرها، بالإضافة إلى
بالحجاز.
كان من
فرصة سانحة لحل المشاكل التي قد تطرأ في طريق الدعوة أو التوسط لحل
1 دبوز تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثالث ص 150 وما بعدها.
2 - د/ مبارك الراشدي أبو عبيدة مسلم وفقهه، ص 211 أيضاً د/محمد رجب عبد الحليم:
الإباضية في مصر والمغرب، ص 9
132 (1/132)
صفحة 133
مر
الكتمان
من الدعوة المشاكل التي قد تحدث بين الجماعة الإباضية في الأقطار النائية، فيقوم هو أو أحد المشايخ بفض الخلاف وحل النزاع. كما حدث من قبل لأهل حضرموت إذ وقع بينهم خلاف كبير بعد مقتل الإمام طالب الحق، كاد يؤدي إلى الفرقة لولا أنهم كتبوا إلى الإمام أبي عبيدة بالبصرة، فأرسل إليهم حاجب الطائي في موسم الحج يحل المشكلة. (1)
الرد على استفسارات الحجاج فيما يخص حجهم أو أمورهم الدينية أو الدنيوية الأخرى، وإرسال الردود مع الحجاج العائدين، وتبليغ الدعوة إليهم عن طريق وفودهم.
من
ثالثا - المراسلات وكانت رسائل الإمام أبي عبيدة تحمل في مطاويها العلم، والفتوى والتنظيم السياسي للحركة آية ذلك تلك العلاقة التنظيمية، والصلة الوثيقة التي كانت بينه وبين الدعاة الإباضية في المشرق والمغرب، ذلك رسالته الشهيرة في الزكاة إلى أهل الدعوة بالمغرب، ورسالته إلى الإمام طالب الحق في حضرموت واليمن ومحتوياتها تدل على الاتصالات السرية الصادرة عن البصرة التي كانت مركز الدعوة الأم للتنظيم، وهي تقيم الدليل على استمرار التنظيم الإباضي حتى مطلع العقد الرابع من القرن الثاني الهجري إبان قيادة أبي عبيدة الدعوة الإباضية، وقد بلغ التنظيم الإباضي أوج نشاطه حين تبلورت تنظيماته على يد أبي عبيدة على النحو الذي أوضحناه سابقاً.
وقد أفرزت هذه الحقبة مجموعة من المشايخ الإباضية يتحلون بقدر كبير من
1 - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 252.
133 (1/133)
صفحة 134
مر
حلة الكتمان
الدَّعَوَةَ عَبْدَ الأباضية
الدهاء السياسي، والتجربة العسكرية والتعمق في العلم، ومن أهم هذه الشخصيات التي كانت إلى جانب أبي عبيدة حاجب أبو مودود الطائي، الذي ظهرت كفاءته في حل المشاكل التي كانت تحدث للدعوة، وتوفير الجانب المالي لها، ومراقبة مجالس الدعاة والحفاظ عليها بشكل لا يسترعي انتباه السلطة الأموية.
(1)
ولعل من أبرز أعمال أبي عبيدة في المجال الدعوي أولئك الطلاب الذين رباهم وعلمهم ودربهم، ثم أرسلهم رسلاً لتبليغ دعوة أهل الاستقامة إلى المغرب
والمشرق على النحو الذي سنفصله إن شاء الله.
1 - ينظر تفاصيل ذلك في الدرجيني: طبقات، والشماخي: سير، وسير أبي زكريا الورجلاني.
134 (1/134)
صفحة 135
الفصل الثالث
الإباضية في الميدان (مرحلة الظهور)
1 ـ الإباضية في حضرموت، واليمن، والحجاز. (129 هـ - 131 هـ)
2 - الإباضية في عمان (الإمامة الأولى)
133 - 130)
750 - 7471
3 ـ الإباضية في المغرب الإسلامي
(908 - 7761 - 296–160) (1/135)
صفحة 136
رحلة الظهور
مر
الدَّعْوَةُ
136 (1/136)
صفحة 137
مرحلة الظهور
1
مرحلة الظهور
منهم الدعوة عند الايات
- أهل الدعوة في حضرموت، واليمن، والحجاز
من أهم النتائج الدعوية التي حققتها سياسة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وصول الدعوة إلى اليمن وحضرموت وانتشارها فيها، حتى إذا سنحت الفرصة لاقتلاع جذور الحكم الأموي الجائر اهتبلها وأرسل من وأتباعه من يقوم بذلك في الميدان.
ويبدو
تلامذته
أن مركز الدعوة في البصرة كان يخطط منذ أمد لإقامة إمامة الظهور
في اليمن وحضرموت عند توفر الوسائل اللازمة لذلك، ولم تكن الثورة في اليمن نتيجة لقاء مفاجئ تم سنة 128 هـ / 745 م بين طالب الحق عبد الله بن يحي الكندي، وأبي حمزة المختار، كما تذهب إلى ذلك بعض المصادر السنية (1) فإن الوقائع التاريخية، والوثائق المساندة كلها تثبت على أن ذلك كان عن تخطيط واستعداد محكم من زعامة إباضية.
فإن أبا عبيدة كان قد أوكل إلى أحد تلامذته وهو أبو مودود حاجب الطائي مسؤولية جمع المال والإعداد العسكري، فلقي هذا العمل رغم مرحلة الكتمان إقبالا عظيماً أهل الدعوة رجالاً ونساء، حتى إن بعض المصادر تذكر بأنهم جمعوا في يوم واحد عشرة آلاف درهم خصصت لأغراض الحركة في
من
1 - تاريخ الطبري، ج 4، ص 302 أيضا؛ مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية، ص 99.
137 (1/137)
صفحة 138
مر
رحلة الظهور
الدعوة عند الأباضية
حضرموت (1). ولذا نستطيع القول إن تسرب الدعوة الإباضية إلى اليمن وحضرموت يعود إلى تاريخ سبق الحركة التي قامت في سنة 129 هـ / 746 م بسنين طويلة.
فقد كانت صلات (الخوارج) بحضر موت منذ وقت مبكر لظهور هذه الحركات بكل فرقها وتياراتها السياسية والعقدية، وكان أول اتصال (الخوارج) بحضر موت عبر الفرقة النجدية أتباع نجدة بن عامر الحنفي سنة 68 هـ، ومن ثم ظلت نواة هذه الفرق مغروسة في المجتمع الحضرمي الذي كان ينتظر بتلهف من ينقذه من جور الأمويين وولاتهم (2) وقبل أن نتابع تطورات حركة أهل الدعوة في هذه المناطق، لا بدَّ من ذكر العوامل السياسية والاجتماعية والعسكرية التي أحاطت بها وساعدت على نجاحها:
1 الظروف السياسية المتدهورة التي عاشتها الدولة الأموية في أخريات أيامها، فقد كانت تعاني من الثورات الداخلية والخارجية من كل جانب، وكانت خاتمة هذه الثورات الثورة العباسية التي عاصرت الحركة الإباضية في حضرموت سنة 129 هـ/746 م.
من
2 بلغت الأوضاع الاجتماعية في حضرموت واليمن حداً متدنياً التدهور السياسي، والأخلاقي والاقتصادي، إذ عُرف الحكام والولاة بالجور والعسف، وإثقال الناس بالضرائب. ففي ظل الخضوع للحكام الأمويين كل
1 - الطبري: الرسل والملوك، 248/ 7.
2 - يراجع، عبد الرحمن جعفر بن عقيل، صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت، دار حضرموت للدراسات والنشر، المكلا اليمن 1426 هـ - 2006. ص 193 194.
138 (1/138)
صفحة 139
مرحلة الظهور
منهم الدعوة عند الاب
هذه الحقبة الطويلة عرف أهاليها الظلم والتعسف وروح الاستعلاء البغيض المبني على التعصب القبلي المخالف لروح الشريعة الإسلامية، التي جعلت الإخاء أساساً للروابط الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، والتقوى أساس التفاضل فيه، وهكذا تمكنت الدعوة الإباضية من قيادة الحركة السياسية في اليمن لتصحيح الانحرافات العديدة التي مارسها الخلفاء الأمويون وولاتهم في اليمن.» (1) وهذا ما تتفق عليه المصادر السنية والشيعية والإباضية.
(2)
الإمام عبد الله يبي الكندى (طالب الحق) وثورته: (129 هـ - 131 هـ)
من هو الإمام طالب الحق؟ وما هي أبعاد ثورته وانتصاراتها؟
هو أبو يحي عبد الله بن يحي بن عمر بن الأسود بن عبد الله بن الحارث الكندي، أحد أفراد قبيلة كندة الحضرمية ذات النفوذ والجاه العريضين بهذه
المنطقة.
وعلى الرغم من أن المصادر التاريخية لا تسعفنا عن شخصيته بمعلومات وافية، إلا أن ما ذكر عنه يشير إلى أنه كان ذا همة عالية، وحزم شديد، وورع وتقوى، ولعل شهرته بـ (طالب الحق) تدل على مجمل صفاته تلك، حيث كان قاضياً على حضرموت من قبل إبراهيم بن جبلة الوالي على حضرموت من قبل القاسم بن عمر الثقفي في عصر مروان بن محمد.
1 - ينظر مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية، ص 103. 2 - ينظر خليفات، نشأة حركة الإباضية. ص 117.
139 (1/139)
صفحة 140
مر
رحلة الظهور
مكانة
ونستدل على صحة هذا اللقب وجدارته به من خلال مواقفه أثناء انتصاره على أعدائه وما جاء في رسائله وخطبه من الدعوة إلى الحسنى، ومعاملة المنهزمين في الحرب معاملة إنسانية إسلامية. و على الرغم من طالب الحق فإننا لا نجد في المصادر التاريخية إباضية أو غيرها ذكراً يفيدنا عن أخبار هذه الداعية قبل سنة 124 هـ / 741 م، ولعل هذا يعود أساساً إلى السرية المطلقة التي عرفت بها تلك المرحلة، إذ كان أهل الدعوة يعيشون مرحلة الكتمان، ولكن المصادر تورد أن منطلق الحركة ميدانياً بدأ باتصال بين الإمام أبي عبيدة وبين اثنين من تلامذته وهما طالب الحق، ووائل بن أيوب
الحضرمي، وهما من حملة العلم الخمسة إلى اليمن (1).
ونزعم أن الصلات بين طالب الحق وأبي عبيدة كانت قوية، وإلا لما وثق أحدهما بالآخر في ظل الحكم الأموي الجائر، لاسيما أن طالب الحق كان قاضياً في ظل هذا الحكم، وأبو عبيدة كان مُراقباً مُطارداً من الأمويين في
البصرة.
ونتيجة للأوضاع السيئة وجد طالب الحق الفرصة سانحة للقيام بالثورة، فكتب إلى أبي عبيدة مسلم يستشيره ويستأذنه في الخروج، مما يؤكد مرة أخرى أن الدافع إلى الثورة هو تغيير المنكر، وإزالة الحكم الأموي الجائر (2). وقد رأى طالب الحق، بحكم منصبه ما يرتكب من مناكر ومظالم، مما دفعه إلى
1 - الشماخي: سير، ص 91.
2 - البلاذري: أنساب 9 ص 273. الأغاني، ج 3، ص 111.
140 (1/140)
صفحة 141
رحلة الظهور
مرح
من الدعوة عبد الا
تغيير المنكر بيده بعد أن لم يستطع تغييره بأحكامه القضائية، وسرعان ما جاء ردُّ الإمام برسالة تحبذ الإسراع والمبادرة حسبما جاء فيها: «إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولا تدري متى يأتي أجلك، والله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه، ويخصهم بالشهادة إكراماً لهم بها. ولم يكتف أهل الدعوة بهذه الرسالة التحريضية وحسب، وإنما أرسلوا إليه النجدة المالية والعسكرية، فقد أوفدوا القائد الشهير أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة الأزدي مع مجموعة من الجند، وحملوا معهم توصيات مشددة من أبي عبيدة يوصيهم فيها بالسيرة الحسنة، والسلوك الطيب مع أعدائهم حتى إن انتصروا عليهم. وهكذا غدا تركيب الجيش الذي قاده طالب الحق مؤلفاً من إباضية حضرموت واليمن والبصرة، وكان عددهم معتبراً، ولو أن المصادر لا تحدد هذا العدد بالضبط.
جيش طالب الحق في حضرموت:
ما إن وصل إذن أبي عبيدة من البصرة ومدده المعنوي والمادي والعسكري حتى اجتمع طالب الحق بأصحابه وأهل الرأي من الإباضية فأطلعهم على الأمر، وبعد التشاور بايعوه إماماً لهم، وبذلك يكون طالب الحق أول إمام ظهور لجماعة من الإباضية.
من المرجح أن ذلك تم سنة 129 هـ، حيث استطاع أن يدخل حضرموت ويفتحها دون قتال يذكر، وقبض على واليها إبراهيم بن جبلة، وحبسه يوما واحدا، ثم ما لبث أن أطلق سراحه وتركه يلحق بسيده القاسم
141 (1/141)
صفحة 142
مرحلة الظهور
منهج الدعوة عند الا با
الأباضية
بن عمر الثقفي بصنعاء، وهو بذلك قد عمل بوصايا الإمام أبي عبيدة وبسيرة السلف الصالح من الإباضية الذين ما فتئوا يعاملون مخالفيهم بالتسامح ولو انتصروا عليهم.
وقد استطاع طالب الحق بسيرته الحسنة التي أعجب بها الأهالي أن يجمع الأنصار والأتباع حوله، وبخاصة أن هذا النوع من الحكم لم يشاهدوه، ولم
يتمتعوا به في ظل ولاة الجور من الأمويين (1).
الإنتصار في صنعاء:
بعد أن وطد الحكم في حضرموت بسيرته الحسنة، سبقته سمعته الطيبة إلى صنعاء التي ما فتئت تشكو من ظلم الولاة الأمويين واضطهادهم، وكان طالب الحق على صلة بأنصار أهل الدعوة في صنعاء، فلما أحس أن الوقت قد حان لدخولها استخلف عبد الله بن سعيد الحضرمي بحضرموت، وسار طالب الحق على رأس ألفين من جنده إلى صنعاء.
وقد خرج إليه الوالي الثقفي ليلقاه خارج صنعاء، وأعد للقاء طالب الحق وأهل الدعوة جيشاً ضخماً يصفه البلاذري بأنه: «كان ذا عدد كبير وعدة ظاهرة»، وتقول بعض المصادر إنه بلغ ثلاثين ألفاً)، وأخرى آلاف، ومهما يكن من أمر فإن ذلك يدل على أن الثقفي استعد الاستعداد
1 - يراجع البلاذري، أنساب ج 9 ص 272 أيضاً الأصفهاني: الأغاني، ج 23، ص 111.
2 - المرجع السابق، والشماخي، سير ص 66.وابن خياط، ص 251.
ثلاثة من
142 (1/142)
صفحة 143
مرحلة الظهور
منهم الدعوة عند الاباضة
كله للقضاء على جيش طالب الحق، وهذا بأمر من السلطة المركزية ولا
شك.
ولكن إيمان أهل الدعوة وشدة شكيمتهم في الحرب، وثباتهم في الميدان هزم الثقفي وجنده شر هزيمة وفر إلى صنعاء واحتمى بها، وكانت له بها هزيمة أشد، وما برح أن فر إلى الشام مع ما بقي له من جنده، وهكذا استولى الإباضية على المدينة. والجدير بالذكر أن المصادر سنية وإباضية وشيعية (1) متفقة كلها على أن طالب الحق وأعوانه وجيشه كانوا مثالاً للمعاملة الحسنة، فلم يتعرضوا لأحد بأذى، وذلك إيماناً منهم بالأخوة الإسلامية، وعملاً بوصايا إمامهم أبي عبيدة الذي أوصاهم بقوله: «إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم، فقد علمتم أنه إنما أخرجكم على السلطان العيب لأعمالهم .. » (2)، وتورد بعض المصادر خطبة طالب الحق التي ألقاها غداة دخوله إلى صنعاء، وهي تعد دليلاً قوياً للمنهج الدعوي المثالي الذي سار عليه الأيمة الإباضيون حرباً وسلماً.
سرة طالب الحق باليمن:
دخل عبد الله بن يحيى صنعاء، فأخذ الضحاك بن زمل، وابراهيم بن جبلة عاملي الأمويين عليها فحبسهما مخافة عليهما من فتك العامة بهما وجمع الخزائن والأموال فردها على أهلها ووزعها على من هم أحق بها من أهل
1 - يراجع خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 121، ففيه تفاصيل هذه المصادر. 2 - البلاذري، أنساب، ج 9، ص 286. والأصفهاني الأغاني، ج 23، ص 234.
143 (1/143)
صفحة 144
رحلة الظهور
مع الدعوة عن
اليمن. وقد فتح قلوب اليمن بخطبته الشهيرة التي دلت على نهجه ونهج الإباضية في الحكم حيث يقول:
«الحمد لله المتحمد بالآلاء، المنان بالنعماء، ذي الأمر الغالب، والدين الواصب، أحمده في الضراء، وأشكره في السراء، وأستعينه على احتجاجه علينا وأستهديه لما يرضيه، وأومن به إسلاما وإيمانا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ونبيه المرتضى، أرسله بالحق على فترة من الرسل، وكفر من الملل، واختلاف من الدول، والتباس من الحق، وانسحاق من الصدق، وظهور من الأعداء، وبعد من الألفة، وأنزل عليه الكتاب، وشرع له الشرائع وفرض له الفرائض .. »
}
ثم وعظ الناس في أمر دينهم وسلوكهم وحذرهم من معصية الله وعقابه.
وما لبث أن وضح منهج حكمه مخيرا الناس بين ثلاثة اختيارات وهي:
الإختيار الأول:
:
أن يقبلوا المذهب الإباضي ويدينوا بما يدين به الإباضية شريعة وحكما وينضموا إليهم بنية الجهاد معهم ضد الجور والظلم فأولئك لهم ما للإباضية
وعليهم ما عليهم حقا كان أو واجبا، فضلا ومساواة.
الإختيار الثاني:
أن يقبلوا بالمذهب الإباضي ولكنّهم لن يشاركوا في الثورة والخروج على الظلمة، وهؤلاء يكفيهم العمل بدعوة الناس إلى المذهب بقلوبهم وألسنتهم
ولهم ذلك الاختيار ولا تثريب عليهم.
144 (1/144)
صفحة 145
مرح
رحلة الظهور
الإختيار الثالث:
سم الدعوة عند الاباد
أن يرفضوا الإنضواء تحت مذهبهم ويكرهوا أن يكونوا مع الإباضية فهؤلاء لهم الأمان والوعود بحماية أرواحهم وأموالهم بشرط أن يكفوا أيديهم وألسنتهم و أن لا يعرضوا أنفسهم على سفك دمهم.
ثم ما لبث أيضا أن وضح خصائص المذهب الإباضي في الدعوة إلى الله حيث
قال:
ندعو إلى الله وإلى كتابه، وسنة نبيه، ونجيب من دعا إليها، الإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بدلا، ولا نشتري به ثمنا، ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى وعليه
المعول.
ندعو إلى فرائض بينات محكمات، وآثار مقتدى بها ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم.
ندعو إلى توحيد الرب، واليقين، بالوعيد وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، وإن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الألم الله في حب، يقتلون في سالف الدهر فما نسيهم ربهم " وما كان ربك نسيا" أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم بالقيام به، فابلوا الله حسنا
145 (1/145)
صفحة 146
مرحلة الظهور
الدعوة عند الأباضية
في أمره وزجره .. » (1).
وبهذه الخطبة يوضح طالب الحق منهج الدعوة عند الإباضية منذ البداية توضيحا بينا، وهو ما جعل بعض الكتاب يعلق عليها بقوله: «تعد خطبة طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي أول وثيقة فكرية تبين بجلاء ملامح الفكر الإباضي ودعوته وآراءه في مجمل المسائل العقدية والسياسية، وتزيحُ كانت عنده ريبة أو شك عن هذا المذهب ومعتقدات وآراء أتباعه في كثير من المسائل» (2).
من
من
وظل على سيرته الحسنة تلك فجمع قلوب الناس من حوله بما رأوه منه عدالة اجتماعية إسلامية افتقدوها وحنُّوا إليها في ظل الحكم الأموي، ومن ذلك أن طالب الحق بعد أن استولى على ما في الخزائن من أموال، وزعها بين الناس في صنعاء، وبخاصة الفقراء منهم وبقي في صنعاء عدة أشهر يسوس الناس بالعدل، ويدعو إلى آرائه ومبادئه بالمعروف والموعظة الحسنة حتى كثر جمعه، وأتاه الناس من كل وجه (3).
وأقام حكمه هناك مبقياً على العمال في وظائفهم، مظهرا لين الجانب، فاستطاع أن يمتلك قلوب أهل اليمن مؤكدا ألا خلاف جوهرياً هناك بين مذهبه ومذهب أهل السنة والجماعة، ولكنه اشتد على أهل الكبائر التي
1 - أنساب الأشراف، ج 9، ص 289، الأغاني ج 23، ص 237.
2 عبد الرحمن بن جعفر بن عقيل، صفحات
ص 204.
3 - يراجع الشماخي: سير ص 99. والبلاذري: أنساب ج 9 ص 375. خليفات: نشأة
الحركة ص 121
146 (1/146)
صفحة 147
مرح
حلة الظهور
منح الدعوة عند الأباضية
نص القرآن عليها، إذ اتخذ القرآن إماماً، ودعا إليه وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم فمن زنى فهو كافر، ومن شرب الخمر فهو كافر، ومن شك في أنه كافر فهو
کافر (1)
أهل الدعوة في الحجاز
لم يكن هدف أهل الدعوة من الوصول إلى اليمن وحضرموت أن تبقى دعوتهم إقليمية، وإنما كانت حركة إسلامية شاملة تهدف إلى إقامة الإمامة
الكبرى، والإطاحة بالفساد الذي استشرى في ظل الحكم الأموي المتسلط. وهكذا ما إن استتب الأمر لطالب الحق في اليمن وحضرموت حتى وجه قائده العظيم أبا حمزة المختار الشاري الأزدي يرافقه بلج بن عقبة الأزدي وأبرهة بن الصباح الحميري على رأس قوة عسكرية إلى مكة، وكانت أوامر طالب الحق أن يستولي أبو حمزة المختار على الحجاز، ويقيم بها ثم يوجه بلج بن عقبة إلى الشام لمحاربة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
كيف دخل الشراة مكة؟
وصل الشراة الإباضية مكة المكرمة في الثامن من ذي الحجة سنة 129 هـ / 746 م في جيش يقوده أبو حمزة قوامه ما بين سبعمائة إلى ألف
1 - د/ نعمان القاضي: مرجع سابق ص 201. من الواضح هنا أنه يعني كفر
النعمة (م. ن).
147 (1/147)
صفحة 148
الظهور
الدعوة عند الا با
ومائة، وقد دخلها في موسم الحج. وانضم إليه إباضية الحجاز بزعامة الفقيه والداعية الإباضي أبي الحر علي بن الحصين الذي كان يدعو للإباضية سراً، وكانت له صلات بالإمام أبي عبيدة مسلم ويقدر أتباعه بأربعمائة رجل، فقد كان لهذا الداعية المجاهد أثر كبير في دخول الحركة الإباضية وانتشارها في الحجاز، وكان أبو الحر مثالاً للداعية المؤمن الذي سخر أمواله في خدمة
ركزاً
الدعوة، وكانت هذه الأموال تأتيه من أملاكه في البصرة، واتخذ بيته مر تجتمع فيه الإباضية في موسم الحج، وما يدرينا فلعله كان حلقة الوصل التي
تربط بين مركز الدعوة في البصرة والأقاليم الأخرى في الجزيرة العربية، وبسبب نشاطه المتزايد في الحجاز أثار غضب السلطة الأموية، وقد حمله مروان بن محمد مسؤولية هذا النشاط فاعتُقِل وقيد بجامعة من حديد، وقصدوا الشام، وقد تبعتهم مجموعة من الفدائيين الإباضيين عددهم في نحو الأربعة عشر رجلا، فاستطاعوا انقاذه من الجند الأموي ورجعوا به إلى مكة في شهر ذي الحجة سنة 129 هـ / 746 م.
به
وكان أبو الحر على اتصال وثيق مع الإباضية في اليمن، كما كان على علم بقدوم أبي حمزة المختار للإستيلاء على الحجاز، وهذا إن دل على شيء
فإنما يدل على التنسيق المنظم بين الخلايا السرية في الحركة الإباضية. (2) فوجئ والي الحجاز عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بظهور الإباضية على جبل عرفات، ولم يجد بدأ من التفاوض معهم، خاصة وأنه
لم يكن مستعداً. من الناحية العسكرية، وتدخل بعض تابعي التابعين من كبار القوم تجنباً للصدام على أساس أن يتخلى الوالي الأموي عن مكة بعد الحج
1 - الأغاني، ج 23، ص 115. أيضا، البلاذري، أنساب، ج 9، ص 289.
2 - يراجع، مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية ص 121 - 122
148 (1/148)
صفحة 149
مرحلة الظهور
من الدعوة عند الأباضية
مباشرة. وفعلاً غادرها في ذي الحجة من سنة 129 هـ/746 م، ودخل الإباضية مكة دون قتال. وكان تقدير القائد أبي حمزة الدخول في هذا الموسم عن تخطيط ودهاء سياسي بعيد فهي فرصة للدعاية السياسية لأهل الدعوة، بقدرما هي ورطة للوالي الأموي الذي لا يستطيع استجارة بعدد يأتيه من الشام وهي بعيدة.
خطبة
ولا يخفى الطابع السلمي للدعوة أينما حلت وقد سبق لها مثل هذه المواقف في دخولها إلى حضرموت واليمن، ولا أدل على ذلك من القائد أبي حمزة في هذه المناسبة التي بين فيها خطة أهل الدعوة ومنهجهم، وما تزال هذه الخطبة تستوقف النقاد والمؤرخين والدارسين على أنها الأدب الإسلامي الرفيع. فضلا عن كونها نصا مهما يوضح منهج الإباضية في
من عيون
الدعوة. وعلى الرغم من الموقف العدائي لأهل مكة لاعتبارات قبلية إذ أن أغلبهم قرشيون، فإن السياسة الإباضية اتخذت موقفاً ودياً من أجل التقرب إليهم، فقد نادى مناد لأبي حمزة لمدة أربعة أيام معلناً الأمان لكل الناس باستثناء المحاربين، وهو موقف يُذكرنا بموقف طالب الحق من أهل صنعاء، وتسامحه
معهم.
(1)
: أبو حمزة ومنهجه في الدعوة: ?
دخل أبو حمزة مكة دون قتال يذكر، ولما أخذها صعد المنبر متوكنا على قوس، فحمد الله وأثنى عليه، وخطب في الناس خطبة كانت من صميم سياسة الحركة الإباضية توضح منهج دعوته عقيدة وفكرا. وقد استعرض
1 - ينظر، مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية، ص 132.
149 (1/149)
صفحة 150
مرحلة الظهور
الرَّعْرَةَ
في خطبته تلك مراحل الخلافة الإسلامية، وتناول سيرة الخلفاء الأربعة فأثنى
على أبي بكر وعمر وتعرض بالنقد لعثمان وعلي (رضي الله عنهم جميعا). ومن أهم ما جاء في خطبته تلك تناوله لسياسة الدولة الأموية وجور حكامها، وفساد سيرة أمرائها فأبرز مساوئهم، وأظهرعُيوبهم، ولعن بعضهم، وفسق بعضا منهم وسفههم، إلا أنه لم يصل إلى حد تكفيرهم، واستثنى
منهم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز
«الذي هم فلم يفعل» (1).
ومما جاء في خطبته إلى أهل مكة:
وقد حضرت كتابا كتبه إليكم هشام في حطمة (سنة شديدة) كان، أرضاكم به وأسخط ربه فذكر فيه أنه قد ترك لكم صدقاتكم فزادت الغني غنى والفقير فقرا، فقلتم جزاه الله خيرا، بل لا جزاه الله إلا شرا، فلقد كان بخيلا بماله سخيا بدينه، فهؤلاء بنو أمية فرق الضلالة، بطشهم بطش جبرية يأخذون بالظن، ويحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويقضون بالشفاعة، ويأخذون الصدقة من غير موضعها ويجعلونها في غير أهلها، وقد
بين
الله أصنافها الثمانية، فجاء صنف تاسع ليس له فيها شيء فأخذها كلها، فهي الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله (2).
تدل الوقائع التاريخية على أن أبا حمزة المختار رغم فصاحته وصدقه وبيانه
1 - يراجع النص في البلاذري، انساب الاشراف، مصدر سابق، ص 291، وانظر أيضا: عبد
- 2
الرحمن بن عقيل، صفحات من تاريخ إباضية عمان .. ص 206
البلاذري، أنساب. ص 292.
******
150 (1/150)
صفحة 151
مرحلة الظهور
لم يستطع أن يتغلغل إلى قلوب أهل الحجاز الذين كان هواهم مع الأمويين، رغم الظلم الذي كان يقع أحيانا على بعض الفئات المهمشة كالموالي والعبيد والطبقات الفقيرة في المجتمع الحجازي المترف، ثم لأن الثورة الإباضية جاءت والصراع بين العدنانية والقحطانية لم تهدأ فورته فقد رأى هؤلاء القرشيون في شباب القائد حمزة ومن معه زعزعة لنفوذهم الدنيوي وتهديدا لانصراف الحكم عنهم إلى غيرهم من القبائل الأخرى (1).
الاستيلاء على الطائف:
بعد أن استقر أبو حمزة في مكة، وجه مجموعة من جيشه للاستيلاء على الطائف، ولما علم أهل الطائف بقدومه تركوها وأخرجوا النساء لاستقبال الشراة الإباضية، وبعد أن أعطى القائد الأمان لأهلها رجعوا إليها، ولم يغفر القرشيون الذين تجمعوا في المدينة لمقاومة أبي حمزة موقف أهل الطائف، واعتبروا هذا الموقف خيانة منهم، وهددوهم إن هم ظفروا بهم ليسبين نساءهم. ومن هنا يتضح لنا موقف آخر يتجلى فيه تسامح أهل الدعوة، وموقفهم من إخوانهم المسلمين وموقف القرشيين الذين يهددون. إخوانهم، وبني قومهم وهم لما يحرروا أنفسهم.
معركة قديد والاستيلاء على المدينة:
بسي
نساء
استعد الوالي الأموي الهارب متحصناً بالمدينة بعد أن حرض أهاليها على مواجهة الإباضية، وجهز لهذا حملة عسكرية عدد أفرادها حوالي ثمانية آلاف
1 - ينظر، عبد الرحمن جعفر بن عقيل، صفحات من تاريخ إباضية عمان
ص 207.
151 (1/151)
صفحة 152
مرحلة الظهور
نهج الدعوة عند الانا
عفان
مقاتل وأعطى قيادتها لعبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن وهو اختيار له دلالته وأبعاده التاريخية كما لا يخفى. وحالما علم أبو حمزة
المختار بمسيرتهم إلى مكة فضل أن يلاقيهم خارج مكة لكي لا يعطي أهلها مجالاً للتحرك والوقوف إلى جانب القوات القادمة. من المدينة.
وكان جيش أهل الدعوة يتألف من طوائف متعددة: إباضية من اليمن والحجاز من قبيلة خزاعة ومجموعة من إباضية الموصل، ومجموعة من
بن
الله
بن
كان
القرشيين المتحمسين للمذهب الإباضي بقيادة أبي بكر محمد عبد عمر القرشي، وهكذا أضفت وحدة العقيدة الإباضية وحدة من الترابط والانسجام على الجيش الإباضي الذي اجتمع من عدة قبائل، في حين جيش المدينة يتألف من عناصر متنافرة من القرشيين والأنصار ومجموعات أخرى من عدة قبائل (1). التقى الجيشان في قرية (قدند) بين المدينة ومكة، وكعادة الإباضية كانوا لا يبدأون عدوهم بالقتال إلا بعد أن يوضحوا رأيهم، ويدعوا إلى السلم وترك الحرب، وقد أوضح بلج بن عقبة لجيش المدينة الغاية من حملتهم العسكرية بأنها «لا تستهدف الحرب معهم بقدر ما تؤكد على إزالة السلطة الأموية
في الشام (2).
ويبدو
ان
المفاوضات السلمية لم تفلح أمام تعنت القائد الأموي الجديد
1 - مهدي طالب هاشم: مرجع سابق، ص 135.
2 - المصدر السابق ص 136 نقلاً عن البلاذري أنساب والطبري الرسل والملوك، والأغاني
للأصفهاني، والدرجيني، طبقات.
152 (1/152)
صفحة 153
مرحلة الظهور
منهج الدعوة عند الأباضية
عبد العزيز بن عبد الله، الذي كان هواه مع الأمويين.
توجه القائد أبو حمزة المختار إلى المدينة في سبعمائة مقاتل، فواجهته الجموع الموالية لبني أمية في حنين، ونشبت بينهم معركة كة حامية، بعد أن أقام الحجة عليهم مبيناً لهم بأن الهدف من مجيئهم إلى الحجاز هو القضاء على ظلم الأمويين، وأن هدفهم الحقيقي هو التوجه إلى الشام حيث سدة الحكم الأموي، وأن لارغبة لهم في مقاتلة أهل المدينة إن هم تركوهم يتجهون إلى الشام، ولكن أهل المدينة أبوا إلا الحرب، وأعلنوا الوقوف مع الأمويين ضد الإباضية. فكان لابد إذاً من المعركة التي انتصر فيها جيش أبي حمزة انتصاراً
ساحقاً.
وعندما دخل المدينة المنورة كان أهلها يتهكمون به وبأصحابه، ويقولون: هؤلاء شباب غمر سفيهة أحلامهم».
جاء أبو حمزة إلى منبر النبي لا لا لا فوضع وجهه حيث ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع قدميه، وبكى طويلاً حتى خضب لحيته بالدموع قائلاً: «آه كم من قدم عاصية لله، منتهكة لحرماته، واطئة على أحكامه وطئت موضع قدم النبي، بأبي هو وأمي»، ثم ارتقى درجة واحدة في المنبر تواضعاً لمقام النبوة، ومقام الخلافة الرشيدة، وألقى خطبته التاريخية المعروفة. (1)
وعلى الرغم من إحساس أهل المدينة بعدالة حكم المختار وطالب الحق، فإنهم لم يتجاوبوا معه وبخاصة في مجتمع المدينة اللاهي المترف، فقد
1 - يراجع قسم الملاحق من هذا الكتاب.
153 (1/153)
صفحة 154
الظهور مر
الدَّعْوَة
رأوا في موقف أبي حمزة وطالب الحق في رعاية القيم الأخلاقية والدينية تشدداً
بن عبد
الله
أمثال
بن
لم يألفوه، إضافة إلى العصبية القبلية التي سكنت نفوسهم منذ البداية. واستطاع الإباضية مع ذلك أن يكسبوا بعض الأنصار المؤمنين من عبد العزيز بن بشكست القارئ المعروف، وابن بكر بن محمد عمر بن الخطاب. وفي مستهل جمادى الأولى من سنة 130 هـ / 747 م زحف جيش شامي مكون من أربعة آلاف مقاتل من القيسيين بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية بن سعد هوازن بأمر من مروان بن محمد الحاكم الأموي متوجهاً إلى المدينة ... وكما حدث في عهد يزيد الأول دفع لهم أجر مناسب بمثابة كفارة عما ينتظرهم من انتهاك الحرمات المقدسة إذ أعطى كل واحد منهم إضافة إلى مرتباتهم مائة دينار ذهبي، وفرساً، وبغلاً (1) وكان معظم الجيش من القبائل القيسية وبذلك أراد مروان أن يضرب الإباضية - ومعظمهم من القبائل
اليمنية ــ برجال من القبائل القيسية بدافع العصبية، والحمية الجاهلية. وهكذا التقى الجيشان في قديد في صفر سنة 130 هـ/747 م. وانتهت المعركة بهزيمة الجيش الأموي وأهل المدينة بعد أن فقدوا العديد من رجالهم، وعلى الرغم من تسامح أبي حمزة مع أهل المدينة، إلا أن هذا التسامح شجعهم على الرجوع لمقاتلة الإباضية، فأوقع بهم أبو حمزة هزيمة منكرة قتلاً وأسراً، وتركوا قائدهم صريعاً في الميدان، وفي رواية الطبري أن عدد القتلى في هذه
1 - د/ نعمان القاضي: مرجع سابق، ص 203.
154 (1/154)
صفحة 155
مرحلة الظهور
منح الدعوة عند الأباضية
المعركة سبعمائة قتيل. (1)
و
ونستطيع القول إن طبيعة الصراع في هذه المعركة كان بالدرجة الأولى بين السلطة الأموية في الحجاز ومن يواليها من القرشيين والرافضين لسيطرة الإباضية على الحجاز، جمعتهم المصلحة السياسية والخوف من انتشار تعاليم
و مبادئ الخوارج التي تهدد نفوذهم بصورة عامة.» (2)
?
آثار معركة قديد:
كانت خسائر أهل المدينة فادحة في الأرواح، فقد قتل من الأنصار ثمانون ومن قريش ثلاثمائة ويقال أربعمائة وخمسون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة ويقال كان القتلى أربعة آلاف وعرض على أبي حمزة من أسر في
المعركة فمن كان قرشيا قتله، ومن كان أنصاريا خلى سبيله (3).
ونجد المصادر التاريخية تختلف في وصف موقف أبي حمزة من الأسرى إذ تقول إن موقفه كان متسامحا مع الأسرى وإنما جاء ذلك نتيجة لتعنت القُرشيين الذين أبوا إلا القتال ولرأي رآه أحد قواده وهو علي بن الحصين العنبري الذي قال لأبي حمزة اتبع هؤلاء القوم وأجهز على جريحهم فإن لكل زمان حكما والاثخان في هؤلاء أمثل وإن هؤلاء أشر علينا من أهل الشام، فلو جاؤوك غدا لرأيت من هؤلاء ما تكره، فقال ما أرى ذلك، وما أرى
1 - الطبري: الرسل والملوك، 394/ 7، أيضاً الأغاني، ج 2 ص 109 - 112.
2 مهدي طالب هاشم مرجع سابق، ص 139. 3 - البلاذري. أنساب الأشراف .. . ج 9، ص 296.
155 (1/155)
صفحة 156
مرحلة الظهور
د الأناضة
أن أخالف سيرة من مضى قبلي، وقيل أصيب من قريش ثلاثمائة رجل (1). إذا فقد كانت هذه الهزيمة موجهة بالدرجة الأولى إلى قريش، وبدا واضحا أن آثار هذه الهزيمة ستكون عاملا آخر في تأريث الأحقاد القبلية والعشائرية الموجودة أصلا بين العدنانية والقحطانية من طرف وبين قبيلة
خزاعة التي منها علي بن الحصين العنبري وبين قريش من طرف آخر. ومما جاء في خطبة أبي حمزة قوله: «يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فاساتم - لعمر الله - فيهم القول، وسألناكم هل يقتلون بالظن فقلتم لنا نعم، وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم نعم: فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم، فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقلتم لا نقوى، فقلنا خلوا بيننا وبينهم فإن نظفر نعدل في أحكامنا ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم فيئكم، فأبيتم وقاتلتمونا دونهم، فأبعدكم الله، وأسحقكم.
(2) "
ويوضح أبو حمزة " منهجه الدعوي في إحدى خطبه بالمدينة قائلا: تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم منا، ولكن لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعُنف القائل بالحق، وقُتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت وسمعنا داعيا إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا
1 - الأصفهاني ج 23 ص 244 أيضا، ابن خياط، تاريخ خليفة بن خياط ص 255.
2 الطبري، تاريخ الطبري، ج 4 ص 328.
156 (1/156)
صفحة 157
مرحلة الظهور
داعي الله،
ومن
من الدعوة
لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، فآوانا وأيدنا
بنصره، فأصبحنا والله بنعمته إخوانا .. "
ثم أوضح أبو حمزة سياسته الفكرية والعقدية ليكون الناس على علم بمنهجه ذاك منذ البداية. حيث يقول:
"يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن، أو مشركا من أهل الكتاب، أو إماما جائرا يا أهل المدينة من زعم أن الله كلف نفسه فوق طاقتها أو سألها ما لم يؤتها فهو الله عز وجل عدو ولنا محارب ". وزاد من سمع أبا حمزة يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شك في أنه كافر، فهو كافر" ..
(1).
وعلى الرغم من إحساس أهل المدينة بعدالة حكم المختار، فإنهم لم يتجاوبوا معه، إذ أن مجتمع المدينة الذي بدأ يألف الحياة المنعمة المترفة، وأخذ ينغمس في نعيم اللهو والغناء ويبتعد شيئا فشيئا عن القيم العربية الإسلامية، هذا المجتمع رأى في موقف أبي حمزة ومنهجه المتشدد عقيدة وسلوكا ما لا يتماشى مع حياته اللاهية تلك، إضافة إلى العصبية القبلية التي تتحكم في نفسية الناس.
وعلى الرغم من ذلك الواقع المر فإن الإباضية استطاعوا أن يكسبوا بعض الأنصار المؤمنين بعدالة قضيتهم ونقاء منهجهم الدعوي من
أمثال
- الجملة نفسها وردت في خطبة طالب الحق باليمن.
1 - الطبري. المصدر السابق، ص 330.
157 (1/157)
صفحة 158
مرحلة الظهور
منهج الدعوية
القارئ المعروف عبد العزيز بن بشكست، وابن بكر بن محمد
عمر بن الخطاب وغيرهم من تابعي ا
التابعين.
خروج الإباضية من الحجاز
بن عبد
الله
ين
ما من شك في أن الحكام الأمويين في الشام كانوا يفكرون في لحظة الانتقام ورد الثأر، وكانوا يستعدون للفرصة المواتية، فعندما بلغ مروان بن محمد خبر قديد وما صنعه الإباضية بمكة والمدينة والخسائر الجسيمة في الأرواح انتخب من عسكره أربعة آلاف وبعث عليهم عبد الملك بن عطية أحد بني سعد بن بكر، وفيهم فرسان من أهل الشام، ومنهم رومي
بن
محمد
بن ماعز القيسي ومنهم من أهل الجزيرة ألف مقاتل، وأمرهم بالجد في السير، وتشجيعا لهم على أداء مهمتهم أعطى كل واحد منهم مائة دينار ذهبيا وفرسا عربية، وبغلا لحمل ثقله، وأمره أن يمضي فيقاتلهم (أي الإباضية) فإن هو ظفر مضى حتى يبلغ اليمن، ويقاتل عبد الله بن يحيى ومن معه (1).
من
وهكذا كان معظم الجيش من القبائل القيسية لما يعلمه في هذا الاختيار
ضمان الحمية والعصبية الجاهلية
(2)
سار ابن عطية بجيشه بعد أن تعمد إشاعة الذعر والخوف بين الناس كلما مر على المواقع التي بين الشام والمدينة وكان يشيع أنه قادم بجيش جرار يبلغ
1 - الطبري، ج 4، ص 331
2 - د/ نعمان القاضي.، مرجع سابق، ص 203.
158 (1/158)
صفحة 159
مرحلة الظهور
منع اللعبة عند الأباضية
أفراده عشرين ألف مقاتل " فهابه الناس وتفرقوا في المياه (1).
معركة وادي القرية
عندما علم أبو حمزة بمسيرة الجيش الشامي العرمرم أرسل قائده بلج بن عقبة الأزدي في ستمائة مقاتل فالتقى الجيشان بوادي القرى في جمادى الأولى من سنة 130.
واقلوا قالا شديدا، ونظرا إلى أن القوتين لم تكونا متكافتين فقد حسمت المعركة لصالح جيش الشام وقتل من جيش بلج بن عقبة خلق كثير، القائد يلج الذي نصب عبد الملك رأسه على رمح، واعتصم رجل من همذان يقال له الصباح الحميري في مائة من الإباضية فجعل يقاتلهم.
ومتهم
الملك ثلاثة أيام فقتل متهم سيعين ورجع إلى المدينة ثلاثون.
كان من نتائج هذه المعركة الحاسمة أن التسحب أبو حمزة من الملليجة متجها اللى مكنة للاحتماء فيما يعد أمن المستخلف عليها رجلا من أتباعه يقال الله اللفصل " قاتلهم البرير والترتيج والحل السوق والعد قتل وعلامة أصحاليه
وقر الياقوت قلم يبق في الليجة من الإيلاضية أل
القلد كلان من السيلاب هزيمة الحركة الإسلامية في الكسيحة ضعفها
عدة وعدداا ثم خذلان العلل المدينة لهم وتصير
فقد يطلق
الثقاتي 23،
3:00
22599 (1/159)
صفحة 160
مرحلة الظهور
المذهبي بأهل المدينة أن كانوا " يعيدون صلاتهم بعد الصلاة خلف أبي حمزة (1). وكانت ثورة العامة من الناس والعبيد والطبقات الدنيا في المدينة على المفضل وأصحابه من الإباضية دليلا على أن ثورة طالب الحق لم تلق وسط تلك الفئات والشرائح الاجتماعية التأييد الذي تلقاه الثورات عادة وسط تلك الفئات، في حين وقفت هذه الفئات والشرائح في اليمن وحضر موت إلى جانب ثورة طالب الحق وحركته (2).
أمام هذا التغير الاستراتيجي في موازين القوى أخذ أبو حمزة المختار يستعد لملاقاة الجيش الأموي القادم من الشام، وقد وضع المختار خطته العسكرية ووزع أصحابه إلى فرقتين فصير طائفة بالأبطح وجعل عليها
لأصحابه
شُرَحْبيل بن الصباح. وصار هو وطائفة أخرى بأسفل مكة، وقال أبو حمزة تقاتلوهم حتى تخبروهم فصاحوا بهم ما تقولون في القرآن والعمل به؟ فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجواليق فقالوا: ما تقولون في مال اليتيم؟ قال نأكل ماله ونفجر بأمه (3). وغير ذلك من الشتائم والتحدي لكتاب الله وسنة رسوله كما تورد ذلك المصادر. وإذا صحت رواية الطبري فإن رد ابن عطية المشين في مناظرته للإباضية يُعَدُّ سابقة خطيرة في تاريخ الإسلام، تعطي المسوغ المطلق لقادة الحركة الإباضية في أن ثورتهم و
1 - اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 340
2 - عبد الرحمن بن عقبل، صفحات
ص
214
لعل الصواب أبرهة بن الصباح كما نجد في أغلب المصادر.
3 - الطبري، مرجع سابق، ص 331.
160 (1/160)
صفحة 161
مرحلة الظهور
خروجهم كانت له مبرراته العقدية والسياسية. (1)
أعطى أبو حمزة الأمر لجيشه وبدأت المعركة بأسفل مكة فاقتتلوا وهزم أهل الشام حتى انتهوا إلى عَقَبَةِ مِنّى، ثم كرُّوا فقاتلوهم، وصبروا فقتل قائدهم (الصباح)، وتفرق الإباضية ثم لقي أبو حمزة عبد الملك. بن محمد بأسفل مكة فاقتتلا قتالا شديدا وجرت بين الجيشين معركة ضارية لم تكن القوتان فيها متكافئتين، فالجيش الشامي كان أكثر عددا وأحسن عدة مما أدى إلى استشهاد القائد العظيم أبي حمزة المختار في المعركة على الشعب وقتلت معه امرأته، وقيل أنه قاتل وهو عليل وقد غسل رأسه وأغتم وهو يقول:
أحمل رأسا قد مللت حمله
وقد مللت دهنه وغسله
الا متى يطرح عنه ثقله
وبعد أن قتل وصلب هو وأبرهة على فم شعب الخيف، أسر من الإباضية
(2)
حوالي أربعمائة، ومضى من بقي منهم إلى اليمن 2
ويبدو أن توالي المعارك واتساع رقعة المقاومة مع ضعف جيش أبي حمزة عددا وتفرق الناس من حوله داخليا، وقوة الجيش الشامي، وتشتت الحركة الإباضية بين اليمن والحجاز وهي رقعة واسعة كانت كلها عوامل موضوعية
1 - عبد الرحمن بن عقيل، صفحات، ص 215
2 - البلاذري، ص 301، الأصفهاني ص 260. ابن خياط، ص 257.
161 (1/161)
صفحة 162
مرحلة الظهور
حَ الدَّعَةُ عُندَلان
لهزيمة جيش أبي حمزة وانحسار الحركة الإباضية، وهكذا أصيبت الحركة الإباضية بضعف شديد بعد فشلها في الحجاز على هذا النحو السريع.
استشهاد القاحة وأثره في تضعضع الحركة الإباضية في اليمن وحضرموت.
إن استشهاد أبي حمزة وبلج بن عقبة وعلي بن الحصين، وأبرهة بن الصباح الحميري وغيرهم من أبطال الإباضية ودعاها أثر تأثيرا سلبيا واضحا على انحسار الحركة وتقهقرها من حيث بدأت وكان ذلك عاملا مشجعا للقائد الأموي عبد ين عطية للتفرغ لعبد الله بن يحيى طالب الحق
وملاحقته.
في اليمن:
توقف الين عطية في الطائف، وبلغ عبد الله بن يحيى هزيمة جيشه في مكة ستعلاء في جيش كبير وسلار إليه البن عطية قول يالله) ونزل عيد يحي (معلق) شمال صعلى وجرت بين الجيشين معارك ضارية حديقة فيها الإباضية يسالة تلدرة كلنت الولها بالجرش اللتي دارت يا معركة حال الليل بين المحيشين وأصبح الين عطية مكانه وننزل عيد الله بين
يحى في تحو ألف رجل من الحلل حضرموت فقتل وبعد يومين من القطال قتل وسقط شهيدا في هذه اللحركة اللتي قيها المحليه ويحت
1162 (1/162)
صفحة 163
مرحلة الظهور
برأسه إلى مروان (1)
مل الدعوة عند الاباض
وهكذا استسلمت مدينة صنعاء بدون معركة ونظم ما بقي من جيش الإباضية أنفسهم في المناطق الجنوبية من اليمن وتزعمهم رجل من حمير ذكر ابن خياط أن اسمه يحيى بن عبد الله بن عمير بن السياق الحميري، فأخذ الجند وتحصن بها، فبعث إليه ابن عطية إبن أخيه عبد الرحمن بن يزيد، فانهزم يحيى بن
عبد الله وأصيب ناس من أصحابه. ولحقا بن عبد الله بعدن واجتمع إليه ألفان، فسار إليه ابن عطية فقتله وقتل عامة أصحابه وتفرق الباقون (2).
في حضر موت:
علم عبد الله
بن سعيد الحضرمي عامل عبد الله بن يحيى طالب الحق باستشهاد إمامه وبمسيرة ابن عطية إليهم، فاستعد مسبقا لملاقاتهم، فجمع الطعام وما يحتاجون إليه وتركوها في مدينة (شبام) الحصينة، واستشار أصحابه فأجمعوا على ملاقاة جيش ابن عطية، فخرجوا ونزلوا على أربع مراحل من حضرموت في فلاة العبر غرب شبام في عدد كثير.
1 - البلاذري: ج 9 ص 303، ابن خياط، ص 257، والطبري، ج 4، ص 33 وابن الأثير الكامل، ج 5 ص 51، والأصفهاني ج 23، ص 263، واليعقوبي، تاريخ
اليعقوبي ج 2. ص 340
•
2 البلاذري، أنساب ج 9، ص 304.
163 (1/163)
صفحة 164
مرحلة الظهور
الدعوة عند الأباض
كيف انتهت الحركة الإباضية واليمن وحضرموت؟
من المعروف أن حضرموت تعتبر حصناً منيعاً للحركة، فكما كانت المنطلق لإمامة الظهور كذلك ظلت السند والقلعة التي آوى إليها الإباضية بعد اندحارهم في اليمن، وتحت راية عبد الله بن سعيد الحضرمي إمام الدفاع تكتل الإباضية للدفاع عن آخر حصونهم، فكان على القوات الأموية أن تقضي على هذا الحصن المنيع الذي أذهل الأمويين بسالة وصموداً.
وقد سارع عبد الملك بن عطية إلى حضرموت للقضاء على الحركة قبل أن تعود إلى قوتها من جديد، ودارت معارك حامية استمرت أياماً وليالي، استبسل فيها الإباضية، وهزم فيها الجيش الأموي عدة مرات بين كر وفر،
ولعل أعنف المعارك هي التي دارت حول حصن شبام (1)
وبعد أن سيطر عبد الملك على مدينة شبام مارس عمليات السلب والنهب والسبي، وقطع المياه والمؤونة، ووضع الحراسات على الطرق ليمنع
الإباضية من التزود بالمؤونة بعد أن سيطر على أهم مراكزهم المهمة» (2) وعلى الرغم من أن الحركة استطاعت أن تقتل القائد الأموي عبد الملك إلا أن قائداً جديداً هو الوليد بن عروة استطاع أن يقود حملات إبادة مروعة، انتقاماً لمقتل عمه. ويرجح أن القضاء على آخر كيان سياسي للحركة في حضرموت تم في مطلع عام 132 هـ / 749 م.
1 - شبلم حصن حضرموت، وأبرز مدينة فيها، تقع قرب البحر إلى الشرق من عدن. 2 مهدي طالب هاشم مرجع سابق، ص 159 نقلا عن الشماخي، سير ص 105.
164 (1/164)
صفحة 165
مرحلة الظهور
منهج الدعوة عند الأباضية
نفسم لثورة طالب الدو
حققت ثورة طالب الحق نجاحا عسكريا محدودا، واستطاعت في مدة قصيرة فتح اليمن والحجاز وإنهاء الحكم الأموي فيهما، ولكن الانتكاسة التي منيت بها كسلطة لا يعني أنها انتكاسة للفكر الإباضي في حضر موت، فبالعكس من ذلك لقد تم القضاء في عام 132 على الإباضية دولة ونظاما سياسيا في حضر موت واليمن والحجاز ولكن لم يُقْضَ عليها فكرا ومعتقدا بين الناس بالسهولة نفسها والسرعة والزمن نفسيهما.
يقول أحد الدارسين المعاصرين المنصفين مقيما هذه الثورة:
لم تكن ثورة طالب الحق ثورة متطرفة بمفهوم التطرف والتعصب الديني الذي لازم دعاة الثورات المسلحة في التاريخ، أو حتى من أعلنوا الثورات الفكرية أو عبروا عن آرائهم وأفكارهم المذهبية والعقدية والسياسية، والمصادر التاريخية التي روت قصة ثورة طالب الحق أجمعت على سرد نماذج إيجابية فيها من التعقل والحكمة والانضباط الشديد والسلوك الإسلامي الذي رافق الإباضية في كل معاركهم بحضر موت واليمن، ومكة، والمدينة، فهم لم يتعرضوا لحرمات الناس ولا لأموالهم، ولم يقتلوا طفلا ولا امرأة، ولا أعزل، ولم يسلكوا ما سلكه ابن عطية وشعيب البارقي، ومعن بن زائدة الشيباني وغيرهم من مسلك يندى له الجبين (1)، ويضع تصرف بعض قادة جيوش الدولة الإسلامية في وضع مواز لجيوش المغول و عصور الوحشية والبربرية
1 - يراجع عن هذه الفظائع الدموية: البلاذري، انساب، ص 306 والأغاني، ج 23،
ص 269
165 (1/165)
صفحة 166
مرحلة الظهور
منهم الدعوة عند الانا
والتعطش لسفك الدماء من أجل سفك الدماء.». (1)
ولعل من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى انحسار الحركة الإباضية بعد
انتصاراتها الواسعة ما يلي:
- 1
ضعف الطاقات البشرية والاقتصادية فلم تكن الجيوش المرسلة إلى
الحجاز تتجاوز الألفين.
2 ـ تفوق القوة الأموية في العدة والعدد، إذ يقول عنها الطبري إنها بلغت الأربعة آلاف فارساً.
3
عدم تجاوب أهل الحجاز مع الحركة بحكم الصراعات القبلية، والتناقض الواسع بين جيش ملتزم بتعاليم الدين والمجتمع القرشي اللاهي المنغمس في الملذات والترف، وبعبارة أدق بين مجتمع حضاري مترف، وجيش مقبل على الآخرة ذي طابع بدوي. وقد يتساءل الدارس آخر الأمر عن العوامل والأسباب التي ساعدت الإباضية على هذا الانتشار السريع، والانتصار الواسع، فاستطاعوا أن يفتحوا في هذا الظرف الوجيز هذه الرقعة الكبيرة الممتدة ما بين عمان وحضرموت وصنعاء والحجاز، على ضعف الوسائل وقلة الإمكانات عدة)
وعتاداً؟
1 - عبد الرحمان جعفر بن عقيل (مرجع سابق) ص 222.
166 (1/166)
صفحة 167
مرح
الظهور
الدعوة عبد الآباد
-
1
أهم العوامل هي:
فساد السياسة الأموية، وجور حكامها مما جعل الناس يكرهون هذا الحكم ويتمنون زواله.
2 ـ قوة عقيدة الجيش الإباضي وقادته واستماتتهم في القتال، وإيمانهم الثابت بالمبدأ الذي يقاتلون من أجله وهو إقامة حكم إلاهي يستمد شريعته من القرآن الكريم وسنة النبي. وما تسمية أنفسهم بالشراة إلا دليلا واضحا عن هذا المعتقد الذي خرجوا من أجله وقد شهد لهم بهذه الخصيصة الإيمانية كل من الإمام علي كرم الله وجهه والثقة العادل عمر بن عبد
العزيز. فقوة العقيدة أضفت طابع الوحدة والانسجام لدى الشراة، في حين كان. الجيش الأموي مؤلفاً من أهل الشام وبعض أهل اليمن، يقاتلون من أجل القوت والمطالب الدنيوية، ولذلك كان الشراة يعيرونهم بأنهم (جعائل) أي مرتزقة، ومن ثم فإن روح التضامن في هذا الجيش كانت منعدمة. فشتان بين مقاتل تدفعه عقيدته، فهو يرجو الآخرة، ومقاتل تدفعه دنياه، فهو يخاف الموت ويفر منها كلما سنحت له الفرصة، وذلك ماصدقته الوقائع الحربية بين جيش الشراة وجيش الأمويين في أكثر من واقعة.
ولكن رغم هذا الانتصار السريع فإن القادة الإباضيين ارتكبوا أخطاء تكتيكية، وأخرى حربية كانت السبب أن ينتصر عليهم الأمويون، ويهزموهم، ويفتكوا منهم ثمرة الانتصار قبل أن يستفيدوا منها.
قلة
ومن أبرز هذه الأخطاء - والله أعلم - توسعهم في رقعة الحرب مع إمكاناتهم، فقد صرّح زعماؤهم أنفسهم بأنهم فقراء لا يملكون الوسائل
167 (1/167)
صفحة 168
مرحلة الظهور
المدينة
من الدعوة عن
الحربية التي يملكها عدوهم، فكانوا كما يقول أبو حمزة في خطبته عندما فتح - يغتورُون راحلة واحدة، ولحافاً واحداً، إضافة إلى عدد جنودهم الذين كانوا قليلين جداً بالقياس إلى جنود الأمويين الذين بلغوا الآلاف في بعض المعارك، ولاسيما في المعارك التي استردوا فيها الحجاز وحضرموت واليمن.
ولا نشك في أن الأجواء السياسية في الحجاز لم تكن لصالحهم لا شعبياً ولا رسمياً، فقد عرف القرشيون بعدائهم للشراة، معتبرين اياهم منافسين لهم في الحكم، علماً أن أغلب الشراة كانوا يمنيين من الأزد، أو من بني تميم، وكانت العصبية القبلية على أشدها في هذه المرحلة التاريخية، والصراع من أجل الحكم كثيراً ما وقفت وراءه نوازع قبلية وعصبيات عشائرية كما تتفق على ذلك أغلب المصادر.
168 (1/168)
صفحة 169
مرحلة الظهور
2 - حركة أهل الدعوة في عُمان: (132 هـ).
تعاطف أهل عمان مع حركة أهل الدعوة منذ فجرها:
على الرغم مما تتفق عليه المصادر الحديثة من عدم توفر المعلومات الموثوقة عن تاريخ تسرب أفكار أهل الدعوة إلى عمان، فإنه مما لا شك فيه أن صلة أهل عمان بهذه الحركة كانت منذ نشأتها، والدلائل التاريخية كلُّها تؤيد هذا الزعم وتقويه.
أولاً: تشير المعلومات التاريخية إلى أن أهل عمان رفضوا الأفكار الخارجية المتطرفة التي دعا إليها نجدة بن عامر النجفي عام 67 هـ/686 م، بواسطة قائده عطية بن الأسود النجفي، فقد استطاع هذا القائد أن يحتل عمان، ويضطر حكامها. إلى الانسحاب إلى المناطق الداخلية، ولكن العمانيين استطاعوا أن يدحروا
-
عباد بن
الله
بن الجلندي ووالده سعيد وسليمان ـ عبد
قوات النجدات المتوالية. وتشير هذه المعلومات بوضوح
تقبل العمانيين لأفكار الخوارج المتطرفين.»
(1)
كما قلنا إلى عدم
عام
ثانياً: عندما أطلق الحجاج الثقفي سراح البطل عمران بن حطان 75 هـ/694 م انتهى به المطاف في عمان حيث نزل في قبائل الأزد، ووجدهم يعظمون أبا بلال مرداس بن حدير ويعتنقون أفكاره التي نادى بها، ومن المعلوم أن أبا بلال مرداس يعد من أوائل أيمة الإباضية منهجاً وسلوكاً،
-1 خليفات نشأة الحركة. ص 127.
169 (1/169)
صفحة 170
مر
حلة الظهور
الدَّعَوَةَ عُندَ لابا
واعتزالاً للتطرف والخروج.
ثالثا: كل المصادر القديمة تشير إلى العلاقات الحميمة التي كانت بين أزد البصرة وأزد عمان فهما من أصل واحد مما وطد الصلات بينهم، وساعد على اعتناق مذهب واحد، والتجمع حول إمام واحد، وليس أدل على ذلك أن القادة الذين اعتمدت عليهم الحركة في نشر دعوتها في اليمن وحضرموت والحجاز كلهم أو جلهم من أزد عمان، نذكر منهم على سبيل المثال: المختار بن عوف الشاري، وبلج بن عقبة الأزدي، وصحار العبدي، وهلال بن عطية العماني، والربيع بن حبيب، وغيرهم كثير.
من
رابعاً: إن إمام الحركة هو جابر بن زيد دون منازع كان يعتمد في نشر دعوته السرية على الأزد أكثر من اعتماده على غيرهم ثقة وولاء، على الرغم من أن الحركة اعتنقها الموالي إلى جانب العرب الأقحاح. ومن أجل ذلك وجه طلابه وتلامذته وكونهم سواء في فترة العمل السري في البصرة أم في مرحلة
النفي إلى عمان، حتى قيل: «إنّ القضية الإباضية هي قضية الأزد» (1). كل هذه العوامل تجعلنا على يقين بأن الحركة سبقت نشأة إمامة الجلندى
التي قامت سنة 132 هـ/749 م.
1 - المصدر السابق، ص 128.
170 (1/170)
صفحة 171
مرحلة الظهور
من الدعوة عند الاباحية
قيام الإمامة الإباضية الأولى عمان.
لا نكاد نصل سنة 132 هـ / 749 م حتى تكون الظروف السياسية والاجتماعية قد ساعدت على قيام أول إمامة إياضية بعمان، وثاني إمامة ظهور في العالم الإسلامي. ويبدو أن الأزد - الذين شاركوا مشاركة فعالة في ظهور الإمامة الأولى
—
في اليمن وحضرموت قد التحقوا بعمان موطن قبلتهم حيث تجمعوا، وكانت الظروف التي تتمتع بما عمان سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً كلها
تؤهلها لهذا الدور العظيم بعد فشل تجربة اليمن وحضرموت والحجاز.
وقد أوعز مشايخ الحركة في البصرة إلى أتباعهم في عمان للقيام بإعلان الإمامة مستقلين الظروف التي سلات بلاد الخلافة الإسلامية إثر سقوط الدولة الأموية وقيام الخلافة العباسية سنة 132 - فين شيخوخة الأولى وطفولة الثانية كانت الفرصة مواتية للإعلان هذه الإمامة النفسية.
وقد التحير لها الإعلام الخالدى بن مسعود الذي يقال إنه كلا من ضمن من يلليع الإعلام طلالي الحلق» «مصرين هذا العمل الخطوة الشرعية الإسلامية الصحيحة للخروج من مطلعات الصراعات التقيالية والأسرية عللى الحكم ووجهوا العداء لليقية اللسللمين لمالية الإعلام الجدي بين
خليقة
1 خليظلت نشأة اللحركة الإيلانية من
117711
11311 (1/171)
صفحة 172
مر
الظهور
مرد فعل السلطة العباسية:
الدعوة عند الأباضية
إن قيام مثل هذه الإمامة الشرعية ذات الطابع الإسلامي القائم على الشورى والانتخاب كان لابد أن يزعج السلطات العباسية في العراق، فقد رأتها منافساً خطيراً قد يستقطب المضطهدين المتعطشين إلى حكم قائم على العدالة والتشريع الإسلامي، مما جعل السلطات العباسية تسارع إلى القيام برد فعل قوي سنة 134 هـ. فعاملت الإمامة الإباضية كما عاملتها السلطات الأموية قبلها، ولذلك جندت حملة عسكرية بقيادة خازم بن خزيمة التميمي الذي كلفوه بالقضاء على الصفرية المتجمعين في جزيرة ابن كاوان ثم السير إلى عمان للقضاء على الإمامة الفتية قبل استفحال أمرها وثباتها. استطاع خازم أن يهزم الصفرية ويدحرهم من الجزيرة، فهربوا إلى منطقة جلفار في الشمال الشرقي من عمان ولكن الجلندي بترعته الوطنية، وكرهه لمبادئ الخوارج أرسل إليهم قوة عسكرية لطردهم من البلاد مالم يقبلوا الانضواء تحت حركة أهل الدعوة، ولما رفض الصفرية هذا الشرط قاتلهم، وقضى على قائدهم وبذلك استفاد القائد العباسي بهذه العملية من جهتين القضاء على الصفرية قضاء تاماً، وإضعاف الإباضية.
سار القائد العباسي لمحاربة الإباضية وعرض عليهم الدخول تحت الحكم العباسي فرفضوا ودارت بين الجيشين معارك قاسية عنيفة، رجحت فيها كفة العمانيين في البداية، ولكن خازماً اتبع طريقة جديدة فأحرق بيوت الإباضية وشغل أذهانهم بأولادهم وأهلهم وممتلكاتهم مما ساعد على الانتصار عليهم، وقد هيا لذلك نفسياً وعسكرياً. وبعد سبعة أيام من القتال الشديد استطاع
172 (1/172)
صفحة 173
مرح
رحلة الظهور
خازم أن يهزم جيش الجلندي، ويعتبر عمان داخلة تحت الحكم العباسي)) وهكذا تمكن العباسيون من الانتصار عليهم فقتل الجلندى بن مسعود،
وهلال
كما
بن عطية الخراساني الذي أرسله أبو عبيدة مسلم لمعاونة الإباضية في عمان، وقد قتل من الإباضية في هذه المعارك زهاء العشرة آلاف إباضي ورد في رواية الطبري، إلا أن هذه الرواية فيها الشيء الكثير من المبالغة، إذ لو
اجتمع هذا العدد للحركة الإباضية لما استطاعت الحملة العباسية المحمولة بالبحر من القضاء عليهم، وقد تُصَدَّقُ هذه الرواية إذا أضفنا إليها عدد القتلى الذين أحرقت عليهم بيوتهم بطريقة وحشية بما في ذلك الأطفال والنساء. (2) على الرغم من هذه النهاية المؤسفة لأوَّل إمام وإمامة إباضية في عمان، إلا أن العمانيين لم يستكينوا للدولة العباسية التي كانوا يعتبرونها حكومة ظالمة لا ينبغي الركون إليها، والخضوع لسلطانها، فاتخذ الإباضية من معركة جلفار الأولى والثانية، دافعاً لهم للثأر لإخوانهم وباتت ذكرى تحفزهم للتجمع من جديد وطرد السلطات العباسية من وطنهم.
وهكذا استطاع الإباضية أن يعلنوا الثورة من جديد ويعيدوا تأسيس
الإمامة الثانية عام 177 هـ/793 م.
ومنذ ذلك التاريخ استمرت الإمامة في عُمان أو في مناطقها بدون
1 - ينظر الرقيشي: مصباح الظلام، والأزكوي: كشف الغمة، كذا خليفات: نشأة الحركة
ص 132.
2 - ينظر مهدي طالب هاشم مرجع سابق، ص 188.
173 (1/173)
صفحة 174
مرحلة الظهور
انقطاع قروناً عديدة، وأصبح المذهب الإباضي هو المذهب السائد في عُمان، واعتنقه معظم سكانه، ومنه انتشر في أصقاع أخرى مثل إفريقيا والهند وآسيا، وامتد حتى الصين كما ستوضح ذلك في مكانه.
3 - انتشار مذهب أهل الدعوة في المغرب
لم تستطع السلطات الأموية أن تقضي على مذهب أهل الدعوة في للشرق قضاء كلياً مع أنها استخدمت كل وسائل التقتيل والإبادة الجماعية ندهم لما دفع أعل الدعوة إلى التفكير في مصير حركتهم وإيجاد طرق بديلة تضمن لهم الاستمرارية وهكذا فكروا أن يتجهوا إلى أماكن بعيدة عن المراكز الأموية في المشرق، فاتجهوا صوب مصر والمغرب.
وكانت السياسة المتحفة الجائرة التي يطبقها الأمويون ضد سكان المغرب عاملاً قوياً لتقبيل أفكار أهل الدعوة وميادتهم الداعية إلى المساواة والعدالة وتطبيق. الإسلام السمحة وما زال البرير سكان هذه اليلاد صابرين على ذلك حتى جالعقم الوقود الأولى من اللقطهسين الفاريين من العراق حيث التطور والتكيل قاعقوا مبادئ العلل الدعوة مع حقلات المطارية وطباعهم وعقليتهم الراقصة لللجور والظلالم دوم للإعلان الثورة والتمرد كلما وحدات اللى قالك سبيلاً
تحقق
ومن بين الفرق الكثيرة على اللسللطلات الأموية الظلالة قرقطات التحيط اللى اللتريب وهما الصقرية والإيلاضية وكلان ذلك في السنوات الأخيرة من القرن
174 (1/174)
صفحة 175
مرحلة الظهور
الأول الهجري، وبداية القرن الثاني.
وتروي المصادر الإباضية أن أول داع لمذهبها ببلاد المغرب هو سلمة بن سعد – أو سعيد – الحضرمي، جاء من البصرة مع عكرمة مولى عبد الله بن عباس الداعية إلى مذهب الصفرية، ويبدو أن سلمة كان يتحرق شوقاً ويتطلع إلى اليوم الذي يرى فيه حر ركة أهل الدعوة وقد امتدت على كل أجزاء المغرب. فكان يقول: «وددت أن يظهر هذا المذهب بأرض المغرب يوماً واحداً من غدوة إلى الزوال فما أبالي إن ضربت عنقي.» (1)
أما عكرمة فقد توجه إلى المغرب الأقصى، ويبدو أن مذهبه انتشر بين قبائل بربر بني يفرن وتحمسوا له وقاتلوا من أجله وأدى هذا فيما بعد إلى ظهور دولة سجلماسة التي جاورت الدولة الرستمية الإباضية وتعاونت معها. ولعل بقاء سلمة الحضرمي داعية في ناحية طرابلس، وتوجه عكرمة إلى المغرب الأقصى كان عن تخطيط وتعمد لإرباك قوى السلطات الأموية وتشتيت صفوفها، وإضعاف قوتها. ونتيجة لجهود سلمة فقد ارتحل بعض من اعتنق المذهب من أهل جبل نفوسة إلى البصرة ليأخذوا أصول الدعوة وتعاليمها عن إمامها الأكبر أبي عبيدة. وتذكر المصادر الإباضية من مشاهير هؤلاء: أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجناوني الذي كانت له جهود كبيرة في إقناع كثير من بني قومه من نفوسة لاعتناق مذهب أهل الدعوة، مما جعل جبل نفوسة معقلاً رئيساً وسنداً حقيقياً لإباضية المغرب
98
1 - الدرجيني: طبقات ص 10. والشماخي سير ص
175 (1/175)
صفحة 176
مرح
رحلة الظهور
من الدعوة عند الأباضية
خلال الثلث الأول من القرن الثاني الهجري. وقد انتشر المذهب بين القبائل
البربرية القاطنة في تلك البقعة.
-
ورأت هذه الجماعات ـ نتيجة لجهود الدعاة الإباضية ـ في المذهب
الإباضي المثل الصحيح للإسلام الحق، واتخذت من شعار المساواة الذي نادى به الإباضية مبرراً دينياً وشرعياً للثورة ضد الولاة.» (1) ويكفي دليلاً على ذلك أن زعيم الحركة من الموالي، وكذا حامل الدعوة وناشرها في المغرب أيضاً.
حملة العلم المخمسة:
ولكي تستند الدعوة إلى أسس صحيحة كان لابد أن يقوم بها أبناء المنطقة نفسها، ولا يستطيع ذلك إلا علماء مبرزون يتعمقون في الأصول الإسلامية ومبادئ أهل الدعوة، ينهلون من منابعها الأساسية، ومن أجل هذا الغرض توجهت أول بعثة علمية إلى البصرة متألفة من أربعة أشخاص اختيروا من مناطق مختلفة من المغرب وهم أبو درار إسماعيل بن درار الغدامسي من غدامس جنوب طرابلس، وعبد الرحمن بن رستم (فارسي الأصل) عربي المولد والنشأة والمربى من القيروان وعاصم السدراتي من سدراتة غربي أوراس، وأبو داود القبلي النفزاوي من نفزاوة جنوبي تونس وانضم إليهم في البصرة أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني الأصل (2).
1 - خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 136. 2 - من أجل تفاصيل أكثر، يراجع، محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثالث. مصر،
1963. أيضا: إبراهيم بحاز الدولة الرستمية الجزائر، 1988 م.
176 (1/176)
صفحة 177
مرحلة الظهور
منهج الدعوة
ولا نعرف تاريخ توجههم بالتحديد إلا أن المصادر تذكر تاريخ رجوعهم وهو عام 140 هـ / 757 م، وتذكر أيضاً أنهم قضوا في البصرة خمس سنوات مما يجعلنا نرجح سنة 135 هـ / 752 م سنة توجههم إلى المشرق. قضى حملة العلم خمس سنوات بين يدي أبي عبيدة مسلم في سرداب سري بالبصرة ينهلون من علمه و يتعلمون مبادئ الدعوة وأصولها حتى إذا عادوا إلى قبائلهم عادوا بزادٍ، وفير، وعلم غزير يبثونه بين أهلهم وذويهم، وكان أوّل ماقاموا به إنشاء مجالس سرية للدعوة على غرار مدرسة البصرة، ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت آثارهم في مناطق المغرب، فكونوا تلامذة نجباء اشتهروا بعلمهم وتقواهم وورعهم وإخلاصهم للدعوة الإسلامية ومن أشهر هؤلاء: أبو خليل الدركلي، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ومحمد بن يانس، وعمر بن يمكتن وغيرهم كثيرون.
الثورات ضد السلطة الأموية.
لا نكاد نصل إلى سنة 122 هـ / 739 م حتى تقوم ثورة بربرية صفرية يقودها ميسرة المطغري في المغرب الأقصى، وقد استفحل أمرها حتى كادت تعم كل ربوع المغرب، فسميت لذلك بثورة البربر، وقد شهدت السنوات المتوالية -122 160 هـ / 776739 م عدة ثورات أخرى كانت تهدف جميعها إلى إقامة نظام منفصل عن الدولة الأموية، ثم العباسية، وبما أن المجال هنا
لا يسمح لنا بذكر تفاصيل هذه المراحل فإننا سنكتفي بالثورات المهمة.
177 (1/177)
صفحة 178
مرحلة الظهور
من اللغة
: ثورة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح
في عام 140 هـ / 757 م وهو العام الذي رجع فيه حملة العلم من المشرق بادر أهل الدعوة إلى مبايعة أبي الخطاب إماماً عليهم طبقاً لأوامر إمام المذهب أبي عبيدة، وكانوا قد وضعوا الخطط السياسية المحكمة، وأعدوا القبائل البربرية مثل نفوسة وهوارة لتستعد للثورة وتعلن الإمامة، وهيأوا العدة العسكرية والبشرية لإنجاح هذه الثورة.
وتمت البيعة لأبي الخطاب، وبعد أن تمت مراسيم البيعة توجهوا إلى مدينة طرابلس للاستيلاء عليها طبقاً لخطة كانوا قد وضعوها من قبل، وقد
الاستعداد
استطاعوا بفضل السرية التامة والتخطيط المحكم أن يدخلوا طرابلس ويفتحوها دون قطرة دم واحدة ولم يتمكن الوالي العباسي من للدفاع عن المدينة، فاضطر إلى الاستسلام. وهكذا استولى أبو الخطاب على طرابلس فأحسن السيرة بها وأظهر العدل والمساواة اللذين طالما تشوق أهالي
المنطقة لهما.
وبعد هذا الإنجاز العظيم جاءت رسالة أبي عبيدة رداً على رسالة كانوا توجهوا بها إليه يهنيهم، ويعظهم ويوجههم. مما يدل على العناية الفائقة التي يوليها الإمام أبو عبيدة لأهل الدعوة، وعلى مدى الاتصال الحميم الذي كان بين المشارقة والمغاربة الذين كانوا حريصين على استشارة إمامهم والسير على نهج دعوته ولو كان. منهم بعيداً، ضماناً للتواصل والتضامن ووحدة الصف. وعندما قامت قبيلة (ورفجومة) الصفرية بأعمالها الشنيعة تقتيلا وإبادة في القيروان رأى أهل الدعوة ضرورة الوقوف أمام المعتدي على حرمات الله،
178 (1/178)
صفحة 179
مرحلة الظهور
منهج الدعوة عند الأباضية
فتوجهوا بقيادة أبي الخطاب نحو القيروان واستطاعوا أن يستولوا على (قابس) في طريقهم، واستطاع أن يدخل القيروان بعد حصار لها سنة 141 هـ/758 م ويستخلصها من مناكر ورفجومة.
محمد
ولكن ما لبثت جيوش أبي جعفر المنصور أن وصلت إلى إفريقية بقيادة بن الأشعت الخزاعي، وهو ما اضطر معه أبو الخطاب إلى التوجه إلى طرابلس للدفاع عنها، وترك عبد الرحمن بن رستم والياً على القيروان. ولم يجد أبو الخطاب عناء في صد هذا الجيش العباسي ورده مهزوماً. ولكن مالبث أن أعاد الكرة بجيش قوامه أربعون ألفاً، واستطاع أبو الخطاب التغلب عليه مرة ثانية، وهنا لجأ ابن الأشعت إلى الحيلة فتظاهر بالانسحاب إلى المشرق، وتفرق جيش أبي الخطاب الذي كان من الأهالي والفلاحين الذين عادوا إلى مزارعهم في موسم الحصاد، مما سهل على ابن الأشعث القضاء على من بقي مع أبي الخطاب فقتلهم جميعاً، وكان ذلك سنة 144 هـ/761 م. وتذكر بعض المصادر أن الانهزام يعود إلى تصدع قبلي أصاب جيش أبي الخطاب استغله ابن الأشعث أحسن استغلال، وعاد بالوبال على أهل الدعوة.
ولما وقعت هذه الهزيمة بالإباضية تشتوا في البلاد والتجأوا إلى الجبال يتحصنون بها، لأن ابن الأشعث لم يكتف بمعركة (تاورغا) التي انتصر فيها، وإنما تمادى في ملاحقة من بقي منهم تقتيلاً خلقاً وإبادة حتى أفنى منهم
كثيراً.
بعد هزيمة أبي الخطاب اضطر عبد الرحمن بن رستم إلى الهروب والتخفي، ورأى أهل الدعوة أن يلجأوا إلى الكتمان إلى حين اشتداد ساعدهم واجتماع
179 (1/179)
صفحة 180
حلة الظهور
من اللغة
كلمتهم. وقد استطاعوا ذلك سنة 145 هـ / 762 م حيث اجتمعت القبائل على مبايعة إمام للدفاع وقع عليه اختيارهم وهو أبو حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي، وقد استطاع بمساعدة نفوسة أن ينتصر على جيوش العباسيين ويدخل طرابلس، ويحاصر القيروان ويحقق انتصارات باهرة، ولكن نجدات أخرى جاءت من المشرق بقيادة يزيد بن حاتم، وقد استطاعت في الأخير أن
تقتل أبا حاتم الملزوزي وتهزم جيشه، وكان ذلك سنة 155 هـ / 771 م. ولم يكتف القائد العباسي بذلك بل راح يلاحق أهل الدعوة في كل سهل وجبل مما اضطرهم إلى الدخول في مرحلة الكتمان مرة أخرى إلى أن يأذن الله يإمامة الظهور على يد قائد شجاع محنك ودولة ثابتة قوية هي الدولة الرستمية بقيادة الإمام عبد الرحمن بن رستم كما سنرى في العنوان اللاحق بحول الله.
الدولة الرستمية
علم عبد الرحمن بن رستم باستشهاد الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح وهو في طريقه إليه من القيروان إلى طرابلس، وكما وجد (قابس) قد قامت على عامل أبي الخطاب وثارت عليه فأسرع الخطى عائداً إلى القيروان التي تنكرت هي أيضاً للإباضية، فلم يجد بداً من التوجه فراراً إلى المغرب الأوسط بصحبة خادمه وابنه عبد الوهاب. وظل سائراً بين القبائل الإباضية متخفياً سالكاً طريقاً وعرة من جنوب الجزائر، وقطعها من شرقها إلى غربها في مغامرة إلى حين وصوله إلى جبل يدعى (سُوفَجَّج). وقد وجد عبد الرحمن أنصاراً له في الطريق ساروا معه إلى الموقع المذكور، ولحق به ابن الأشعث وظل
180 (1/180)
صفحة 181
مرحلة الظهور
بعد
يحاصر هذا الجبل المنيع حتى أيس ورجع إلى القيروان، ويبدو أن عبد الرحمن أن خرج من الحصار منت منتصراً بقي. هنالك بين أنصاره من القبائل البربرية حتى إذا اجتمع حوله من أهل العلم والصلاح من يثق فيهم، ووجد نفسه قادراً على الشروع في بناء دولته اتجه نحو موقع (تاهرت)، ولا تسعفنا الأخبار بالتفصيل عن عبد الرحمن سوى ما تذكر بعض المصادر عن مشاركته في حصار مدينة طبنة سنة 152 هـ 769 م. ولا نعرف بالضبط متى انتقل إلى موضع تاهرت، ولكن بعض المصادر ترجح أن ذلك وقع ما بين 155 - 160 هـ / 771 - 776 م ففي هذه الفترة بالذات كثر الإباضية من المغربين الأدنى والأوسط، وتمركزوا في نقطة واحدة والتقوا حول شخصية عبد الرحمن بن رستم الذي تؤهله شخصيته العلمية والدعوية لذلك، ورأوا ضرورة بناء مدينة يأوون إليها ويتحصنون بها، ويبدو أن الانطلاقة الفعلية لبناء هذه المدينة كانت في نهاية 155 هـ / 771 م وبداية 156 هـ/772 م).
بناء العاصمة تاهرت.
اجتهد الإمام عبد الرحمن ومن معه من أهل الدعوة على إيجاد مكان مناسب لبناء مدينة مثالية تحصيناً ومنعة وهواء وجمالاً، وكان الموقع المختار أشجاراً وأحراشاً ومرتعاً لأنواع السباع، وتفصل بعض المصادر (2) الخطوات العملية في بناء المدينة بداية من المسجد الجامع ونهاية بالدور والقصور، والبيوت والأسوار الحصينة. وقد ازدهرت المدينة واشتهرت بحسن جمالها
1 - ينظر إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية طـ الجزائر 1985 ص 85. 2 - ينظر الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، والشماخي: سير، وإبراهيم بحاز: الدولة الرستمية، 886 ودبوز، تاريخ المغرب الكبير الجزء 3 (كله).
181 (1/181)
صفحة 182
حلة الظهور
منهج الدعوية
وامتياز، موقعها مما جعل الكتاب والرحالة يشيدون بوصفها، من ذلك وصف المقدسي حيث يقول: « ... هي بلخ، المغرب، قد أحدقت بها الأنهار والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها الأعين وجل بها الأقليم، وانتعش فيها الغريب، واستطابها اللبيب، يفضلونها على دمشق، وأخطأوا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف ... » (1)
وقد دلت بعد ذلك الأيام على حسن اختيار عبد الرحمن وشيعته على هذا المكان المناسب فازدهر اقتصادياً وارتقى اجتماعياً، واشتهر ثقافياً،
حتى
فسارت بذكر مناقب تاهرت الركبان، وأصبح اسمها على كل لسان (2). وقد استمرت في التطور والعمران وقصدها الإباضية من المغرب كله كان عام 160 هـ / 776 م، وقد استأنس الإباضية من أنفسهم قوة، ووجدوا أنهم يملكون كل المقومات المادية والأدبية لإعلان إمامة الظهور، فنظروا لمن يتولى الأمر، فلم يجدوا أبرز ولا أليق من عبد الرحمن بن رستم لسابقته ودينه، وعلمه إضافة إلى أن عبد الرحمن بن رستم لا إلى قبيلة
ينتمي
من قبائل المنطقة فيؤدي ذلك إلى الشقاق والافتراق، إذ قد ينحاز الإمام إلى قبيلته، وقد يتصرف وفق نفوذها وجاهها. ومن هنا كانت المبايعة للإمام عبد
1 - المقدسي: أحسن التقاسيم، ص 228.
2 - ينظر ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986 م، ص 36
وما بعدها.
182 (1/182)
صفحة 183
مرحلة الظهور
من الدعوة عند الاباد
الرحمن إجماعاً متوقعاً.
وهكذا يكون الإمام عبد الرحمن بن رستم بعد هذه المبايعة أوَّل إمام لأوَّل دولة إسلامية في المغرب الأوسط (الجزائر) عرفت في التاريخ بالدولة الرستمية، وكانت دولة إباضية تستظل بها جميع القبائل المعتنقة لهذا المذهب من المغربين الأوسط والأدنى، إضافة إلى غيرها من المذاهب الداخلة ضمن حدودها.
وقد اشتهرت هذه الدولة بنظامها الشوري، وعدالتها وأمنها، وازدهارها، إذ كانت رغم مذهبها الإباضي الرسمي الغالب، يعيش تحت سلطانها كل المذاهب الأخرى، وعرفت مساجدها وأسواقها مناظرات مفتوحة بين العلماء وأهل الكلام، وازدهر فيها الشعر والأدب، واستمرت على هذا النحو من التطور والعمران انطلاقاً من عاصمتها تاهرت التي كانت مركزاً إقتصادياً ممتازاً سهل لها الاتصال بالدول شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، فكانت تمر بها القوافل التجارية متجهة إلى الصحراء حتى وصلت علاقتها يافريقية السوداء، واتجهت شمالاً لتمتين الروابط مع الأندلس.
واشتهرت بالرخاء والأمن فقصدها الوافدون من كل الأقطار والأمصار، وظلت مرتبطة بعلاقات وثيقة بإباضية المشرق، الذين كانوا يرون فيها دولتهم، وقوتها من قوتهم، لأنها ثمرة جهود علماء المذهب الإباضي في المشرق والمغرب، وتتويج لثورات الإباضية ضد الولاة الأمويين والعباسيين في المغرب العربي ومشرقه (1).
-1 يراجع ابن الصغير: مرجع سابق، ص 36، 37.
183 (1/183)
صفحة 184
حلة الظهور
من اللغة عند الاباضة
وهكذا راحت تشق الدولة الرستمية طريقها الحضاري، فكانت لها المهابة داخلاً وخارجاً، وشهدت أزهى عهودها تحت تحكم الأيمة العدول
الأقوياء، أمثال: عبد الرحمن بن رستم وابنه عبد الوهاب، ثم حفيده أفلح. إن الرستميين استطاعوا أن ينهضوا بهذه الدولة التي بلغت أوجاً من الرقي والحضارة، رغم ما كان تحت حكمها من: مختلف الأجناس والقبائل والأديان والمذاهب والطبقات ورغم ما كانت تقاومه من حين إلى آخر من فتن داخلية لا يخلو منها أي زمان أو مكان واستطاعت أن تعيش ـ رغم
-
تنافس دولتين جارتين قويتين لها هما دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى والأغالبة من الشرق ــ قرناً وأكثر من ثلث قرن.
وثمة عوامل مختلفة تذكرها المصادر (1)، وتفيض فيها القول عن أسباب سقوط الدولة الرستمية على يد أبي عبد الله الشيعي داعية الفاطميين، لا مجال لذكرها هنا، وأغلبها يعود إلى الشيخوخة والوهن الذي أصاب الحكم والحكام من الداخل مما جعل الدولة الرستمية تسقط بكل سهولة في يد هذا الغازي الذي أتلف حضارة وأحرق ثراتاً ضخماً، ساهمت في بناء الحضارة الإسلامية مائة وستة وثلاثين سنة (160 - 296 هـ/776 - 908 م) والله الأمر من قبل ومن بعد.
صحف
وتشتت أهل الدعوة في البلاد مُلاحقين مُضطهدين، وعادوا إلى مرحلة الكتمان مرة أخرى مما سيفتح صفحة جديدة ناصعة أخرى التاريخ الإسلامي في منطقة المغرب، ما لبثت أن ازدهرت في واحات
من
1 - يراجع محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، دمشق 1965 م.
184 (1/184)
صفحة 185
مرحلة الظهور
وراجلان ووادي ميزاب وجربة، ونفوسة.
185
منح الدعوة عند الاباضة (1/185)
صفحة 186
مرحلة الظهور
بيضاء
186
منح الدعوة عند الأباضية (1/186)
صفحة 187
الباب الثاني
السمات والخصائص الحضارية
الفصل الأول
من الأصول العقدية
-1 - الإيمان عقيدة، وقول، وعمل.
-2 - معنى الحاكمية الله».
3 - مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-4 - نظرية الحكم عند الإباضية. (1/187)
صفحة 188
188
من الأصول العقدية (1/188)
صفحة 189
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الا
الفصل الأول
من الأصول العقدية والمبادئ العامة
من أهم أسباب نجاح منهج الدعوة عند الإباضية أنه منهج مبني على أصول ثابتة أصول عقدية مستمدة من القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث غدت هذه الأصول عبر تاريخ الشراة المورد والمصدر، المنطلق والهدف، لا تقبل المساومة أو الركون إلى الزخارف الدنيوية، فالشراة في صراعهم الطويل ضد الباطل أصحاب منهج واضح وضوح الشريعة الإسلامية، بسيط كبساطة السلوك الإسلامي، ثابت كثبات الوحي المنزل على محمد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه.
ولعل هذه الرؤية المتسمة بهذه الصفات: الوضوح، والبساطة، والثبات، هي التي دفعت الكثير من الأقلام المناوئة للشراة قديماً، إلى نعت بالتشدد والتطرف والخروج دون العناية منهم في محاولة دراسة
منهجهم هذه المواقف والأفكار، بغية معرفة ما فيها من صواب أو خطأ. بل لم يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع إلى مصادرهم للإحتكام إليها، حتى تمتبين صحة ما ينسب إليهم من أقوال، وجاء الكتاب المحدثون فأخذوا تلك الأحكام المجحفة من بعض المصادر المناوئة للشراة منذ القدم، على أنها مصادر موثوق بعلمها، وأحكامها، وأخبارها.
ومن هنا كان لزاماً ـ إن أردنا الإنصاف
-
-
أن نعود إلى الأصول
189 (1/189)
صفحة 190
من الأصول العقدية
العقدية، نمحصها ونستنطقها، ونعرضها على كتاب الله، فإن وافقت ما فيه أخذنا بها، وإن عارضته ضربنا بها عرض الحائط دون أن نعلق الصواب أو الخطأ بالكثرة الكاثرة، أو بالتسميات المشتهرة التي أطلقت عبر التاريخ فأصبحت مسلّمات لا تقبل النقاش، فإنّ الأولى أن نعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال كما يقال.
وبما
أن هذه الدراسة ليست خاصة بهذا الجانب وحده، أي الجانب العقدي، فإننا سنقتصر على الأصول التي لها علاقة بمنهج الدعوة الإباضية، محاولين تحليل ما في هذه الأصول من انعكاس على سيرة الإباضية عبر تاريخهم
الطويل، وصراعهم المرير من أجل البقاء.
1 - الإيمان عقيدة، وقول، وعمل
تعد هذه المسألة العقدية مسألة خلافية بين الفرق الإسلامية، دار حولها جدل كبير منذ ظهور الجدل الكلامي إلى يوم الناس هذا، ولعل حرص المسلمين على مناقشتها واحتدام جدالهم حولها راجع لكونها تتعلق بقضية الإيمان في الإسلام أهو عقيدة في الجنان وقول باللسان وعمل بالأركان كما تذهب إلى ذلك بعض الفرق؟ أم هو عقيدة بالجنان وإقرار باللسان وكفى؟ ولا علاقة للعمل بعد ذلك بالعقيدة، فمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق كما يفهمون.
والإباضية يولون هذه المسألة اهتماماً عظيماً ولا نعد مبالغين إن قلنا: إن مدار مسائل العقيدة عندهم تدور في الأغلب الأعم حول هذه المسألة لسبب
190 (1/190)
صفحة 191
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضية
بسيط، وهو أنها تتعلق بماهية المسلم وأحقيته في هذه التسمية أو عدمها، وتتعلق بالجزاء الأخروي، فمرتكب الكبيرة الميت من غير توبة مخلد في النار أم لا؟ وتتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى هل يُنجز وعيده كما يُنجز وعده؟ وتتعلق بالولاية والبراءة والوقوف اعتباراً بأن الحكم على المسلم ووضعه في إحدى هذه الخانات يتبع. تطبيقه للشريعة الإسلامية، ويتعلق بها أيضاً تعريف الكبيرة والصغيرة، ويتعلق بها الأسماء والأحكام التي تطلق على المؤمن والكافر من جهة، والمؤمن والمنافق والمشرك من جهة ثانية.
كل هذه المسائل كما لا يخفى تعود إلى محور واحد هو العقيدة: أهي إيمان في القلب ونطق باللسان وكفى أم هو اعتقاد وإقرار وعمل؟
وموقف الإباضية واضح وصريح بأن الإسلام لا يتم إلا بالاعتقاد والإقرار والعمل، أي أن الإيمان لا تكفي فيه النية مالم يُصَدِّقه العمل، ولعلّ الإباضية من أشد الفرق الإسلامية تشدداً في تطبيق هذا المبدأ في علاقاتهم مع رهم، وفي علاقاتهم مع الناس. والدليل الذي يستندون إليه لا يمكن أن يخطأه نظر المسلم البسيط الناظر في كتاب الله، حيث نجد صفة الإيمان ترتبط دوماً بالعمل الصالح الله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ ... [فصلت:8]،
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:30]. الله وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ... [التوبة: 105]. إلى غيرها من الآيات الكريمة التي يكتظ بها كتاب الله، إلى جانب أحاديث
191 (1/191)
صفحة 192
من الأصول العقدية
من الدعوة عند الأباضية
الرسول صلى الله عليه وسلم التي
طالما
صرح فيها بأن الإيمان بالقلب وحده لا يكفي مالم
يصدقه العمل والسلوك والأخلاق والأحاديث في هذا كثير (1).
وقد جاء في عقيدة التوحيد عند الإباضية:
«إن سأل سائل فقال: ما أصل الدين؟ فقل: الدين هو التوحيد، لقوله تعالى: إن الذين عند الله الإسلام ال [آل عمران: 19] والإسلام لا يتم إلا بقول وعمل، أما القول: فشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند، ولا ضد، ولا، قرين ولا شبيه ولا مثيل، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ماجاء به حق من عند ربه. وأما العمل فالإتيان بجميع «الفرائض» (2)
(2)
جاء في متن الديانات للشيخ عامر بن علي الشماخي موضحاً هذه المسألة باعتبارها جزءاً من عقيدة المسلم: «المنزلة بين المنزلتين، ندين بأن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك، وندين أن المنافقين ليسوا بمؤمنين ولا بمشركين، وندين بأن المشركين ليسوا بمؤمنين ولا منافقين، وندين بأن المؤمنين ليسوا بمنافقين ولا بمشركين ومن سمى كل واحد منهم باسم صاحبه فقد كفر. وأن لا منزلة بين المنزلتين ندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر، وندين بتكفير من زعم أن طاعة الله كلها توحيد ومعصيته كلها شرك،
1 - يراجع الإمام أبي زكريا النووي، رياض الصالحين، دار الثقافة العربية، دمشق،1998 م. 2 - المجموعة القيمة، تقديم الشيخ إبراهيم اطفيش ص 9.
192 (1/192)
صفحة 193
من الأصول العقدية
منهم الدعوة عند الاباض
وندين بتكفير من زعم أن الإيمان كله توحيد والكفر كله شرك» (1) والإباضية حين يفسرون الجملة أي الشهادة - يفسرونها تفسيراً
-
-
عقدياً وتفسيراً عملياً، وهم يركزون على الجانب العملي، الذي هو الواجبات الدينية، لأن هذه العقيدة هي القاعدة للحياة الإسلامية العملية، وجميع الواجبات العملية هي تفسير لهذه العقيدة. لأن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي تحق له الألوهية، أي تحق له العبادة.
والعبادة هي مطلق الخضوع والانقياد بحيث يشعر الإنسان من أعماق نفسه بهيبة المعبود وعظمته وجلاله.
الله وما أمروا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... [البينة:5]. والله سبحانه وتعالى يقول: ... فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. [الكهف: 110].
فالزنا ينافي شهادة أن لا إله إلا الله، رغم أنه لا يُخْرِجُ مُرتكبه من الملة ـ إن لم يكن مستحلاً له ـ ولكن مع ذلك فهو نكث لهذه الشهادة،
—
الله
نكث لهذا العهد الذي بين الرب، والعبد، وكذلك قتل النفس التي حرم الله ... وجميع الكبائر الأخرى إنما هي نكث للعهد، العهد الذي بين العبد والرب، فالوقوف عند حدود الله تعالى وامتثال أوامر الله، والازدجار عن نواهي تفسير عملي لهذه الجملة التي طولبنا بها.» (2) هكذا يعتقد الإباضية أن العبادة لن تكتمل إلا بأعمال تؤكدها أو تنفيها،
1 - كتب مختارة. المطبعة العربية غرداية دت ص 49.
2 - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي الجملة وتفسيراتها، الاستقامة سلطنة عمان 1414 هـ
ص 14 - 15 (بتصرف).
193 (1/193)
صفحة 194
من الأصول العقدية
منح الدعوة عبد الآباد
إذ لو كانت النية القلبية كافية لما كان هناك معنى لثواب أو عقاب، فالتلفظ
بالشهادة شطر الإيمان لا شرط في كماله.
هذا
والله سبحانه وتعالى فرق بين الإنسان الخاسر، والإنسان الرابح من المنظور، منظور الإيمان والعمل الصالح، ولا منظور غير هذا كما تدل على
إِنَّ
ذلك الآية الكريمة بوضوح يؤكده القسم الإلهي العظيم: وَالْعَصْرِ الإنسان لفي خسر إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّيْرِ. [العصر: 1 - 3]
والإباضية بنوا دعوتهم إلى دينا الله على هذا الأساس المتين الذي لا يفرق بين قول وعمل، وصنفوا فهمهم للشريعة على ضوء هذا الاعتقاد، فالنطق بالشهادة وحدها يدخل المسلم في الإطار الجغرافي للمسلمين فيحرم دمه وماله
وعرضه، وتحفظ كرامته وكرامة أهله، بناء على قول الرسول الكريم:. أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد حقنوا عني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.»، قيل وماحقها يارسول الله؟ قال: «كفر بعد ايمان، ونرنى بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
وهم حين طبقوا هذا المفهوم اختلفوا مع الخوارج الأزارقة الذين استعرضوا الناس بالسيف، واعتبروا المذنب مشركاً لا كافرا كفر نعمة،
1 - الحديث رواه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح عن ابن عباس، ح 464 باب 17 جامع الغزو في سبيل الله، بدون الشطر الثاني. وانظر في أحاديث كثيرة في الكتب
التسعة قريبة منه لفظا ومعنى منها حديث رواه الدارمي في كتاب الحدود 2195
194 (1/194)
صفحة 195
من الأصول العقدية
وهم
من الدعوة عند الابا
ولذلك أحلوا دماءهم وأموالهم. وهي نقطة خلاف جوهرية افترق الإباضية بها عن الفرق الأخرى في جدال معروف بين عبد الله بن إباض وبين نافع بن الأزرق، وفي فتاوى معروفة عن جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع بن حبيب. عندما رفعوا السيف في وجه الجبابرة من الحكام الأمويين والعباسيين إنما بنوا هذا الخروج على الظلمة، بناء على هذه العقيدة حين رأوهم يعيثون في الأرض فساداً، ويقيمون أحكامهم على الجور والظلم، كما جاء ذلك في خطبة أبي حمزة الشاري الشهيرة حين دخل المدينة، وفي خطبة الإمام طالب الحق حين دخل صنعاء.
(1)
فقد رأوا ضرورة الوقوف أمامهم لأنهم فرقوا بين شهادة أن لا إله إلا الله، والعمل الصالح. فإن الله حين أرسل محمداً بشريعة الإسلام أراد أن يكون المسلم كله الله، وأن لا يكون الله في المؤمن شريك مادي أو معنوي، لا جاه، ولا سلطان، ولا نفوذ، فإن الله أغنى الشركاء، فإن لم يتوجه إلى الله بقلبه، ولسانه، وجوارحه، فإن الله غني عنه.
وإن موقف الإباضية الحازم في هذه القضية العقدية انبثق عنه تصنيف العباد إلى مؤمن موف لدين الله، أو مؤمن موحد غير موف لدين الله، مصر على الذنب، فهو كافر (كفر نعمة ولا منزلة بين المتزلتين. مؤمن موف يقابله
كافر (كفر نعمة).
1 - يراجع قسم النصوص (ملحق).
195 (1/195)
صفحة 196
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضية
والكفر فسمار: كفر نعمة، وكفر شرك. مما يستلزم معه انقسام عباد الله إلى ثلاثة أقسام: مؤمن موف لدين الله، وكافر مشرك اتخذ الله شريكاً فهو مارق من الدين كلية ومنافق بين المتزلتين يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والمنافق عندنا يُصرح بكلمة التوحيد ولكنه يعمل أعمال الكافرين فنفاقه عملي، ونفاق الأول عقدي، وفي هذه القضية توجد منزلة بين المتزلتين. وهذا بناء على ما استخدمه القرآن من أسماء لهذه الفئات الثلاث حيث يقول: ليُعَذِّبَ اللَّهُ المُنفِقِينَ وَالْمُنفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رحيما الله الله [الأحزاب:73] فهم فقاط ثلاث: منافق، ومشرك، ومؤمن. ولكل طائفة حكمها الذي يترتب على مستوى إيمانها. لذا فإن الإباضية عندما يستخدمون مصطلح الكفر بالنسبة للموحد العاصي فإنهم يقصدون كفر النعمة لا كفر الشرك. وهو تفريق دقيق لم يتفطن إليه كثير من الكتاب قديماً وحديثاً، فظلموا الإباضية بأن وضعوهم في خانة واحدة مع الخوارج الذين يحكمون على مرتكب الذنب بالشرك كالأزارقة، مثلاً.
وهم حين يصرون على تسمية العاصي الموحد بالكفر فإنهم يأتسون في ذلك بالقرآن الكريم، كما بينا.
إن الإيمان والكفر ضدان لا يجتمعان كالحركة والسكون، والحياة والموت، فلا يعقل أن يكون العبد مؤمناً وكافراً في الوقت نفسه.
هذا ما أجمع عليه الإباضية على غير المعتزلة الذين يجعلون الفسق منزلة
196 (1/196)
صفحة 197
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الأباضية
بين الكفر والإيمان فقالوا: إنه كالأبلق) لا يسمى أبيض لما به من سواد، ولا أسود رد لما به من بياض والأشاعرة الذين يعتبرون العاصي في منزلة بين الكفر والإيمان باعتباره موحد ره موحداً عاصياً.
يسمى
وبهذا تنفرد الإباضية بالقول: بأن لا منزلة بين الكفر والإيمان خلافاً للمعتزلة والأشاعرة التي تفرق في الإيمان بين العقيدة والعمل، الذين يعتبرون المسلم مرتكب الكبيرة مؤمنا بتوحيده، فاسقا بكبيرته، وبما أنه مؤمن فثوابه
الجنة ولو عصى.
والإباضية حريصون على إطلاق الأسماء والأحكام التي جاءت في القرآن
الكريم. لأن المعني بها هو المسلم قبل كل أحد. فقد استخدم القرآن الكريم لفظة الكفر وهو يعني المؤمن العاصي، حيث يقول: الله وله على النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليه سبيلا ومن كَفَرَ فَإِنَّ الله عنى عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] كما استخدمها في المسلم الذي لا يطبق أحكام الله في حياته، حيث يقول: ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44] واستخدم الحكم نفسه على الظالم فقال في آية أخرى لا فَأَوْلَتَكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [المائدة: 45] و استخدم الحكم: نفسه على الفاسق، فقال في آية أخرى: ... فَأُولَبِكَ هُمُ [المائدة:47] فالكافر، والفاسق، والظالم إذاً في منزلة
الْفَسِقُونَ
واحدة عند الله الكفر ما داموا جميعاً لا يطبقون أحكام الله. فلا عبرة
مي
بالأسماء مادام المسمى واحداً.
197 (1/197)
صفحة 198
من الأصول العقدية
مسيح الدعوة عن الأباضية
فإن يقل المعتزلة إنه فاسق، أو يقول الأشاعرة إنه موحد عاص،
لا محالة
هذا
أويقول الإباضية: إنه كافر كفر نعمة. هو في الحقيقة أمر واحد من الجانب، ولكن عندما يتعلق هذا بالأحكام المترتبة عليها، نجد البون شاسعاً. لأن الإباضية يعتبرون المسلم العاصي الميت بغير توبة خالدا مخلداً في النار، على خلاف الأشاعرة الذين يذهبون إلى أنه سيعاقب في النار بقدر ذنوبه ثم ينتقل بعدها إلى الجنة، وهنا مكمن الخطورة إذ أن الاعتقاد بأن المسلم آيل ـ. إلى الجنة مهما يعص قد يدفع الكثير من المسلمين إلى الجرأة على الله، وارتكاب المعصية ما داموا يعتقدون بأن النهاية هي الجنة، والاعتقاد بأن المسلم العاصي لا يشفع فيه كونه موحداً بأن يسلم من حر جهنم الأبدي جعل الإباضية يأخذون بمبدأ الحيطة والحذر والوقوف عند حدود الله أمراً ونهيا. وقد كان لهذا المعتقد أثر على منهجهم الدعوي سواء في علاقة الفرد منهم بربه، أو علاقة الفرد منهم بالمجموع.
-
ولعل الواقع المتردي الذي يعيش فيه المسلمون اليوم مردّه إلى هذه العقيدة المرتبكة التي تفرق بين القول والعمل، إذ لا تعطي للعمل المنزلة العظيمة التي اعطاها الله له، فالعالم الإسلامي اليوم يموج بملايين البشر الذين يشهدون «أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ويفخرون لذلك بأنهم مسلمون، اختارهم الله لهذه الأمة الوسط التي تكون شاهدة على الناس، ولكننا حين النظر إلى أعمالهم نجد هذه الأعمال تكذب ما شرفهم الله به، فهم الله إياها، وانتدبهم من أجلها، وما يصدق على
التي حملهم
قد خانوا الأمانة الأفراد يصدق على الجماعات، ويصدق أيضاً على الدول.
198 (1/198)
صفحة 199
من الأصول العقدية
(is;
إن الإباضية حين شددوا في بناء دينهم على هذه العقيدة الثابتة، وضعوا خطوة ثابتة في المنهج الدعوي الرباني الذي يدعو لأن يكون المسلم رقيباً على نفسه في كل أعماله سراً وجهراً أخذاً وتر وإن المسلمين حينما يستجيبون لهذا النداء الرباني، سيكونون من مجموعهم الدول الإسلامية العظيمة، التي وعدها الله بالتمكين في الأرض، كما جاء ذلك في قوله تعالى: الله وعد الله الذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ الأرض كما استخلَفَ الذين من قبلهم وليمكِّنَنَّ هُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارتضى لهم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لَا يُشْرِكُونَ فِي شَيْئًا
ومن كَفَرَ بَعد ذلِك فَأُولَبكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 55]. إن الله سبحانه وتعالى وعد بالتمكين في الأرض لمن ينسجم قوله مع فعله، وهذا مبدأ حضاري هام طالما ظهر عند الشراة الإباضية الذين أسسوا دولاً ضربت المثال في تطبيق شرعا الله «وفي سيرتهم وتاريخهم أمثلة وشواهد كثيرة على ربط القول بالعمل، والشعار بالتطبيق، وقد سمعنا أعداءهم قبل أصدقائهم
يجمعون على أنهم يحاولون تقويم المنكر بأيديهم، لا بألسنتهم وقلوبهم» (2). هذا الانبعاث الذاتي لو كان حياً في ضمير كل مسلم لكانت المجتمعات الإسلامية كلها مجتمعات خيرة، ولحققوا المدينة الفاضلة التي تتطلع إليها
1 - وقد فصل ذلك الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب إذ جاءهم جبريل وهم جلوس عند رسول الله، يراجع الحديث في رياض الصالحين. ص.47، باب المراقبة.
2 - أحمد سليمان معروف: قراءة جديدة ... ص 105.
199 (1/199)
صفحة 200
من الأصول العقدية
الإنسانية.
للأباضية
«لأن هذا الشعور يدفع النفس الإنسانية إلى أن تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها غيرها، وهذا من شأنه أن يقوي الإرادة الذاتية لدى الفرد المؤمن، فلا يكون أسيراً لشهواته ولا عبداً لأطماعه وأهوائه، بل ينضبط بحساسية التقوى، ووازع الإيمان، ويندفع إلى إتقان العمل وتحسينه، محتسباً الأجر والثواب عند الله وحده. (1)
وبما أننا سنحاول في هذا البحث إبراز هذه الجوانب العملية في الميدان عند الإباضية، من خلال الأساليب والوسائل الدعوية عندهم، ومن خلال المواقف والرؤى، كما تجلت عند أيمتهم وقادتهم وزعمائهم، فلا حاجة إلى ذكرها هنا، تاركين ذلك للقارئ الكريم، الذي سيقف على آثار هذه العقيدة بنفسه من خلال فصول هذا البحث.
2 - معنى مبدأ «لا حكم إلا الله»:
هذا الشعار هو الذي رفعه أنصار الإمام علي حين اختلفوا معه في قضية تحكيم الحكمين، أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، بعد أن دفعه إلى قبول هذه المكيدة دهاء معاوية بن أبي سفيان، ومن دس من طابور خامس في صفوف علي من أمثال: الأشعث بن قيس الكندي.
وكان رفع هذا الشعار بمثابة الإعلان الصارخ لرفض كلّ منهج دنيوي
1 - عبد الله ناصح علوان: تكوين الشخصية الإنسانية في نظر الإسلام، ص 14.
200 (1/200)
صفحة 201
من الأصول العقدية
منهج الدعوية
يحتكم إلى الرجال ويترك كتاب الله هكذا فهمه أولئك المعارضون للإمام علي، أكانوا على حق أم كانوا على باطل في موقفهم السياسي، فذلك أمر لا يعنينا، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن هذا الشعار لم يرفعوه نفاقاً أو خذلاناً، وإنما رفعوه تعبيراً عن معتقدهم الديني الثابت الذي رسموه من أول خطوة، وساروا على هداه في تعاملهم مع كل الدول المتعاقبة حيثما وجدوا، فقد قال إمام الله المحكمة وشهيد النهروان عبد بن وهب الراسبي «لا حكم إلا الله، ولو
حكم الحاكمون بغير ما أنزل الله، والله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين». يقول منير بن النير الجعلاني أحد حملة العلم إلى عمان تعليقاً على هذا الموقف: «وفيما كانت لهم الحجة على من حكم في دين الله بغير ما أنزل
(1)
فأوضح الله عذرهم، وأفلج حجتهم، وأعلى كلمتهم، وجعلها كلمة باقية في أعقابهم، موروثة عنهم، يتبع فيها من أبصر الحق سبيلهم». والعجيب في الأمر أن أغلب الذين حللوا موقف (الخوارج) كما يسمونهم لا ينظرون إلى هذا الشعار إلا من جانبه السياسي، وهو جانب دنيوي محض أما جانبه الأخروي باعتباره منهجاً نابعاً عن عقيدتهم الإسلامية فإنهم تجاوزوه.
إن الشراة حينما خرجوا مع الإمام علي كانوا مؤمنين أشدَّ الإيمان على أن الإمام على حق، وأن معاوية على باطل، ومن أجل هذه القناعة المتجذرة في أعماقهم قاتلوا، وقدموا أنفسهم لأنون الحرب، ولم يبالوا بالموت قط،
-1 السير والجوابات ت الكاشف ج 1 ص 239
201 (1/201)
صفحة 202
الأصول العقدية
الدعوة عند الأباضية
وتلك إحدى ميزاتهم.
ولا أدل على هذه العقيدة من تاريخهم الطويل، ومواقفهم الثابتة تجاه الخصوم في كل المعارك التي خاضوها من بعد، ولاسيما حينما كانوا يصارعون دول الباطل، وحكومات الجور قديما وحديثا وقد أشار أحد الكتاب المحدثين المنصفين إلى هذه المواقف حيث يقول:
«واللافت للنظر في دين الخوارج وتدينهم هو ذلك الإخلاص للدين والتفاني في سبيله، وغني عن البيان أن الفرق بين معتنقي المذاهب يتجلى في مواقفهم منها، فمهما كان التمسك بالعقيدة والإيمان بها، والتعصب لها، والتعمق في فهمها، والدفاع عنها باللسان وبالقلب، مهما كانت هذه الأمور قوية، فإنها لا تساوي ركوب المخاطر والتعرض للموت، والاستهانة بكل شيء في سبيلها ... إن كان المطلوب لصحة العقيدة الدينية ممارسة الشعائر، وإقامة الواجبات، وتنفيذ التعاليم السماوية، فالخوارج عُبَّاد زهاد، أنضاء عبادة، أكلت الأرض جباههم، وأفنوا أعمارهم ورعاً وتقوى وزهداً، وإن كان المطلوب الدفاع عن العقيدة، فهم الذين أفنوا رجالهم على تتابع أجيالهم عن الدين وانتصاراً للحق. ولا مجال لمقارنتهم بأشد الفرق الإسلامية تطرفاً، فليس في هذه الفرق من شهر سيفه في وجه حاكم ظالم انتصاراً لرأيه، ودفاعاً عن دينه، وفرق كبير بين من يقوم المنكر بسيفه ويده، وبين من يقومه بقلبه، وهو أضعف الإيمان» (1).
دفاعاً
1 - أحمد سليمان معروف مرجع سابق، ص 132 - 134.
202 (1/202)
صفحة 203
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الابا
ونحن حين نتعمق موقف الإمام علي نفسه من الخوارج نجده موقف إعجاب ورضى فيما يتعلق بجانبه الديني فقد أثنى على حسن نيتهم في كل ما يفعلون، وإن كان من خطأ في سلوكهم فإنهم يريدون غير ذلك، وقد اتفقت المصادر على أنه قال عنهم: «لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه» (1). ومادام الحق الذي يشير إليه الإمام علي هنا أمراً يتعلق بالسياسة والحكم والصراع من أجل السلطة فإن الحق عندئذ. فه الله يعر وحده، وقد علق الإمام أبو عبيدة على قولة
الإمام علي المشهورة: «كلمة حق أريد بها باطل» الإرادة هنا تتعلق بالنية فما يدري الإمام بنوايا الناس. ومن الثابت أنَّ الإمام قد امتدح سيرتهم، ووصفهم بالتقوى والورع، والفقه في الدين، فقد قال للذين كانوا مندسين في صفوفه (2). وهم يوجهونه نحو الخوارج لمحاربتهم، ويصرفونه عن حرب معاوية ومن معه: «اتقوا الله وقاتلوا من حاد الله ورسوله، وحاول أن يطفئ نور الله، قاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين الذين ليسوا بقراء القرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأويل، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهر قل ... (د)
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل من هذه صفاته ياجماع المسلمين يكفر،
1 - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 593.
2 - مثل الأشعث بن قيس الذي يتفق المؤرخون على أنه كان مدسوساً على الإمام
علي من معاوية.
3 ابن الأثير الكامل، ج 3، ص 339.
203 (1/203)
صفحة 204
من الأصول العقدية
ويعتبر
منهج الدعوة عند الأباضية
مارقاً من الدين؟ وإذا كان منطلق الخلاف أو مرتكز التكفير هو الخروج عن الإمام علي، فلماذا لا نحتكم إلى شهادة الإمام نفسه، وهو أدرى الناس بأمر هؤلاء الشراة الذين كانوا جنده وحماته الذين شهد لهم بحر الأمة ابن عباس بالتقوى والورع).
-
وواضح من شهادات الإمام علي في هؤلاء القوم الذين ــ فيهم صحابة
-
رسول الله، والقراء، والعباد والزهاد - إعجابه الكامل بتدينهم وتقواهم، وحرصهم على أن تكون أعمالهم خالصة لله وحده. وكفاهم ذلك تزكية
وتعديلاً. إن الإباضية عندما اعتنقوا مبدأ الحاكمية الله، واتخذوه أساساً لِكُلِّ مناحي حياتهم سياسة، واجتماعاً، وحكماً، ونظاماً. فإنما فعلوا ذلك إدراكاً منهم لسر كلمة التوحيد «لا إله إلا الله. . . محمد مرسول الله». والتوحيد هو جماع العقيدة، ولب جوهرها ومحور الدين الإسلامي، بل هو محور الأديان السماوية كلها، ومن أجل ذلك كانت كلمة التوحيد مفتتح رسالات الأنبياء والرسل جميعاً. جاهدوا من أجل إعلانها في قومهم وتوثيقها في ضمائرهم، وجعلها مناط حياتهم، وقد قال الرسول الكريم: الايمان بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا
الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (2)
1 - تراجع رسالة ابن عباس إلى الإمام علي في السير الإباضية (مخطوط).
2 - الحديث رواه بهذا اللفظ مسلم في كتاب الإيمان، رقم 51 عن أبي هريرة. وروي «الإيمان مائة جزء ... » في الجامع الصحيح، باب 2 الحجة على من قال الإيمان قول وعمل، رقم
773
وروي كذلك: «بضع وسبعون ... » في كتب الحديث.
204 (1/204)
صفحة 205
من الأصول العقدية
منهم الدعوة عند الأباضية
وقال تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقِّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].
ومعنى ألزمهم أي اختار لهم وهو إلزام تكريم وتشريف، وكلمة التقوى كما أجمع المفسرون هي قول لا إله إلا الله وهذا قول الجمهور (1). فإن عقيدة الإنسان هي تدينه، بدونها تكون أعماله كلها هباءً منثوراً، ومن أجل ذلك بدأ بها الله تعالى وهو يخاطب رسوله الكريم: الله فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إلا الله واسْتَغْفِرْ لذنبك [محمد: 19] فقد بدأ بالتوحيد ثم بالاستغفار، ويقول الإمام الرازي، معللاً ذلك: «إن معرفة التوحيد إشارة إلى علم الأصول، والاشتغال بالاستغفار إشارة إلى علم الفروع والأصل يجب تقديمه على الفرع، فإنه مالم يُعلم وجود الصانع امتنع القيام بطاعته وخدمته، وهذه الدقيقة معتبرة في آيات كثيرة (2). ولا يكفي النطق بالشهادة دون أن تظهر آثارها في سلوك المؤمن، دقيقها وجليلها عسيرها ويسيرها، لأن إدراك ذلك معناه تفويض الأمر كله الله سراً وعلناً دنيا وأخرى، لا فرق في ذلك بين شؤون العباد، ونظام الحكم.
والواقع أن المسلمين لم ينحرفوا عن جادة الإسلام إلا عندما أساؤوا فهم سر كلمة التوحيد، فظنوا أن مجرد النطق بها يدخلهم الجنة (3). ولم يضعفوا أمام
1 - السيد الجميلي: عجائب القرآن - دار ومكتبة الهلال، بيروت 1990 ص 11. 2 - المرجع السابق، ص 23.
3 - يردد بعض الكتاب الظاهريين هذه المقولة ويسندونها بأحاديث الله أعلم بصحتها وهي
تصادم النص القرآني القطعي.
205 (1/205)
صفحة 206
من الأصول العقدية
أعدائهم إلا بعد أن فصلوا بين مدلول هذه الكلمة العظيمة باعتبارها فيصلاً
بين الكفر والإيمان، وليس باعتبارها منهج حياة، ومقوم سلوك وتعامل. لقد فصلوا بين الكلمة وأبعادها حين فصلوا بين الدين والدنيا، بتأثير ما داخلهم من فلسفات أجنبية، ونظريات مادية فرددوا ما قال لهم الغرب: الدين الله والوطن للجميع. ونشروا مبدأ لا علاقة بين الدين والسياسة، الدين عبادة، والحكم سياسة وتحمسوا لمبدأ العلمانيين بفصل الدين عن الدولة، في حين نجد القرآن الكريم صريحاً في ربط العقيدة بالحياة اليومية. والاستقامة
الدائمة وسر الإسلام هو أنه منهج حياة لا يؤخذ بعضه ويترك بعضه. والإباضية حين يربطون بين أمورهم كلها يارجاعها إلى حكم الله وشريعته إنما هم ينطلقون من هذا المنطلق الإيماني الثابت، الذي يفوض الأمر كله لله فلا سلطان، ولا حكم، ولا جاه، ولا قوة إلا الله وحده لا شريك له وَمَا أمروا إلا يعبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ} البينة: 5.
وفي الفكر الإباضي نلحظ كيف يدور هذا الفكر حول أصول الإسلام الرئيسة وهي: التوحيد، والنبوة، والمعاد.
فمرد الأمر إلى الله كله هو قمة التوحيد إيماناً وقولاً وعملاً.
واتخاذ الرسول العظيم قدوة لا يدانيه في ذلك أي شخص مهما يعلُ ويسم والحنين الدائم عندهم للرجوع إلى زمن النبوة الأول في أمورهم الدنيوية والأخروية هو تقديس للرسول العظيم، وتطلع إلى الاقتداء به لأنه يمثل الجانب العملي في الإسلام ويجسد بسلوكه ما جاء به القرآن. وهذا بناء على
206 (1/206)
صفحة 207
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الانا
الآيات الكثيرة التي تدعو إلى طاعة الرسول والاحتكام إلى سنته. وَمَا ءَانَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا الحشرة.
والمعاد تحل من فكرهم وعقيدتهم المحل الأوَّل، فإليها الزوال والمآل، وللدارس أن يلحظ ذلك في كل أعمالهم وأقوالهم خلال مسيرة سيرتهم التاريخية، وما اختلافهم مع من اختلفوا معهم من الصحابة من أجل السلطة الدنيوية، وإنما كان من أجل الجزاء الأخروي وهو ما ميز أدبياتهم بالصدق والصراحة والقوة، باتفاق كل الدارسين (1).
وما يلحظ في فقههم من الأخذ بالأحوط، وسد الذرائع إلا ترجمة عملية لهذا المنحى الغالب في فكرهم وهو الخوف من العقاب والرجاء في الثواب. وقد يفسر بعض المتعجلين ذلك بأنه تشدّد، وتعصب، وضيق أفق، والواقع أن المجتمعات الإباضية ما بقيت متمسكة بالدين على تفاوت بين مجتمع وآخر بطبيعة الحال، إلا لتشددهم في اعتبار المصير والجزاء الأخرويين، واعتقادهم الراسخ أن مرتكب الكبيرة إن مات بغير توبة مخلد في النار.
وقد لاحظنا ذلك في مواقفهم التاريخية من الظلم والظالمين، وفي اختلافهم مع حكام بني أمية وبني العباس، وكدليل على ذلك نعود إلى رسائل الإمام جابر وأبي عبيدة وعبد الله بن إباض إلى عبد الملك، حيث نلحظ التركيز على التذكير بالآخرة في كل جملة من جملها وخطبة الإمام أبي حمزة الشاري حين
1 - يراجع، د/ إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، ط 1974،2.
207 (1/207)
صفحة 208
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الاباضة
دخوله المدينة، وخطبة الإمام طالب الحق حين دخوله صنعاء. وكل أدبيات
أهل الدعوة تتجه إلى هذا الاتجاه وتصب في هذا المنحى (1).
إن هذا التمثل العميق لروح الإسلام لا يمكن أن يتصف به إلا من شرح الله صدره للإسلام، وكلمة الشرح التي اختارها القرآن الكريم تجمع كل الصفات الإيمانية التي تتجلى بعد ذلك في السلوك ثمرة لهذا التصور الرائع المفهوم الحاكمية الله، وليس هناك ما يوازي نعمة شرح الصدر، أولم يسأل الرسول: ما شرح الصدر؟ فقال: «نور يقذف في القلب»، ثم سألوه عن أمارة ذلك. فقال: «التجافي عن دار الغرور، والإثابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله ... (2) وهذه الصفات الثلاث التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزوف عن زخارف الدنيا وملذاتها، والشوق إلى جنة الله ورضوانه، والاستعداد للموت بإخلاص العبادة الله وحده، هي صفات طالما حرص الشراة على التحلي بها، وهم بذلك يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
والعجيب في الأمر أننا نرى كثيراً من المؤرخين المعاصرين يفسرون هذا الموقف تفسيراً سياسياً محضاً، فهم يذهبون إلى أن معارضي الإمام علي حين
رفعوا هذا الشعار إنما رفعوه لغرض سياسي لا ديني، وهو التخلص
من
زعامة قريش حين أعلنوا أن الخلافة يجب ألا تكون وقفاً على جماعة معينة،
1 - يراجع قسم النصوص (ملحق).
2 - لم نقف على تخريجه في الجامع الصحيح ولا في الكتب التسعة. غير أن الأحاديث في هذا
الموضوع كثيرة، يراجع رياض الصالحين، باب الزهد.
208 (1/208)
صفحة 209
من الأصول العقدية
وهم يعلمون جيداً أن هذا هو
منهج الدعوة عند الا
المبدأ الذي جاء به القرآن دستور المسلمين
حيث يعترفون بهذا، ولكن ... يقول عوض خليفات: «لا شك أن مبدأ الشورى قد أكده الإسلام، وحض على اتباعه في القرآن الكريم، ورغم ذلك فمن المعتقد أن مناداة الخوارج بهذا المبدأ في تلك المرحلة لم يكن إلا مبرراً دينياً تبنوه للثورة على الخليفة الشرعي، وبالتالي كان مبرراً للثورة على سلطة قريش وزعامة المسلمين الأوائل المتمثلة بالمهاجرين والأنصار، والدليل على ذلك أنهم لم يتقيدوا بهذا المبدأ عندما نجحوا في تأسيس دول خاصة بهم (دولة الرستميين الإباضية، ودولة بني مدرار الصفرية مثلاً، ولعل المناداة بهذا المبدأ كان سبباً رئيسياً في انضمام عدد من الموالي إلى الحركة الخارجية منذ بدايتها، وقد قاموا بدور بارز في بعض ثورات الخوارج الأولى ... » (1).
إن التناقض والمغالطة في هذا التأويل واضحة، إذ كيف نستصوب موقف من لا يتوافق موقفه مع القرآن مع الاعتراف بأنه الحق، ونؤول موقف من اعتنق مبدأ القرآن ونقلل من أهميته بتفسيرات خاطئة؟
على أن الدليل الذي ساقه خليفات في استشهاده بالدولة الرستمية لا يتماشى مع الواقع التاريخي، لأن الأئمة الرستميين كانوا يطبقون مبدأ الشورى تطبيقاً دقيقاً، وإذا توفرت شروط الحكم والصلاح في عائلة الحكم وخضع تولي الحكم للديمقراطية طريقة، فإنه لا يقدح فيها كونها ظلت منحصرة في عائلة واحدة، إذ المهم أن ننظر في الطريقة التي وصل بها هذا الحاكم أو ذاك إلى الحكم، ثم النظر في سيرته وعدله واستقامة أمره، وعدالة الأئمة
1 - عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 55.
209 (1/209)
صفحة 210
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضي
الرستميين في القرن الأول من حكمهم - على الأقل – يشهد به كل الذين كتبوا عن الدولة الرستمية حتى من اعدائهم وخصومهم ولاسيما في فترة حكم عبد الرحمن وعبد الوهاب وأفلح. أي: الجد والأب والحفيد. على أن خليفات يُقر أن الموالي التحقوا بالحركة الخارجية لأنها رفعت
هذا الشعار.
أوليس في التحاق الموالي والبربر وكل من أحس بالاضطهاد وعدم تطبيق شريعة الله دليل قاطع على صواب المنهج الإباضي في الحكم الذي هو المنهج الرباني، والنظام الذي حرص على تطبيقه الرسول والخلفاء الراشدون من بعده، ولاسيما في عهدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
أيكون التعصب لسلطة قريش أهم من شريعة المساواة والاحتكام إلى كتاب الله؟
وهو نفسه يعترف بأن موقف المحكمة إنما صدر عن حكم الله الواضح الصريح حيث يقول: «وقد فسر مخالفوهم هذه العبارة (أي لا حكم إلا الله) على أنها دعوة لعدم تنصيب إمام أو رئيس للدولة، ووافق الكتاب المحدثون أسلافهم القدامى في هذا التفسير، ولكنهم جميعاً جانبوا الصواب، فالمحكمة الذين رفعوا هذا الشعار لم يجعلوه شعاراً مطلقاً في كل الأحوال، بل قصدوا منه تبيان رأيهم في حدث معين في زمن معين، وهو إنكار التحكيم بين علي ومعاوية مادام حكم الله فيه واضحاً صريحاً طبقاً للآية التي تقول:
210 (1/210)
صفحة 211
من الأصول العقدية
من الدعوة عند الأباض
اللون طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى
(1)
«
الأذى فسينُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله ... [الحجرات: 9]) ونجد كاتباً معاصراً آخر يقدح في هذا الشعار الذي رفعه المنشقون عن
الإمام علي، يقول علي الزاوي في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» (ص 120) (2): «وهذه الكلمة ـ أي لاحكم إلا الله ـ التي اتخذها الخوارج ذريعة للخروج على سيدنا علي، وأصبحت شعاراً لهم، ولا ندري كيف يقولها الإباضية وهم ينكرون أنهم من الخوارج.»
الواقع لقد كفاني الشيخ علي معمر مؤونة الرد على ماذهب إليه الزاوي، وإنما أكتفي بالرد على مغالطة واحدة، وردت هنا: وهي ربطه بين الخوارج والإباضية، وإنكاره كيف يعتقد الإباضية هذا المبدأ ـ أي الحاكمية الله وهم ينكرون انتسابهم إلى الخوارج؟
أولاً: لا يخفى أنَّ السؤال المطروح هنا فيه مكر وخديعة، وكأنه يريد أن
يقول: مادمتم تقولون بهذا المبدأ الخارجي، فأنتم مع الخوارج ولو أنكرتم. ثانياً: يبدو أن الكاتب لم ينظر إلى المبدأ كمبدأ إسلامي، بقدر ما نظر إليه من كونه موقفاً خرج فيه من خرج عن علي، وكأنه يعيد إلى أذهاننا قول
1 د/عوض خليفات التنظيمات السياسية والإدراية عند الإباضية، نشر وزارة العدل والأوقاف، سلطنة عمان (د. ت) ص 2.
:
2 - ينظر: معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، وج 2 ص. 281 وما بعدها.
211 (1/211)
صفحة 212
من الأصول العقدية
القائلين: يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق.
على أن الإمام عليا كرم الله وجهه اعترف مقتنعاً بأنها كلمة حق وإن أريد بها باطل. فليس العيب إذاً في مبدأ الحاكمية الله، وإنما العيب في الهدف الذي يستخدم من أجله، علماً بأن الهدف نية حكم الإمام ببطلانها قبل ظهورها.
قال الإمام علي يرد على أولئك الذين رفعوا كلمة لا حكم إلا الله شعاراً: كلمة حق يراد بها باطل. غم لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا الله، وإنه
لا بد للناس من أمير بر أو فاجر معمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر» (1).
الواقع أن تأويل الإمام وتفسيره يحتاج إلى نقاش على ضوء الواقع التاريخي، لأن الخوارج ماطبقوا مفهوم (لاإمرة إلا ش) فهم في كل تاريخهم ساروا تحت حكم أمير يسيرهم وأكبر دليل تشبثهم بالإمام علي نفسه إماماً، ثم نصبهم عبد الله بن وهب الراسبي بعد خروجهم عن علي أميراً للمؤمنين، ولا نجد في تاريخهم كله ما يعني المفهوم الذي ذهب إليه الإمام علي من عدم الانقياد للرجال، بل إن موقفهم ديني واضح، وهو عدم تحكيم الرجال فيما حكم الله فيه، وفيه قضى.
فهم عندما قارنوا بين أحقية الإمام علي للحكم وبين أحقية معاوية له وعرضوا ذلك على القرآن والسنة، لم يخالجهم الشك قط في أحقية الإمام
-1 المصدر السابق ص 285
212 (1/212)
صفحة 213
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الانا
علي بها. فتحكيم الحكمين وهما من البشر أمر مرفوض بعد أن حددت الآيات الكريمة والسنة النبوية وسيرة الخليفتين مقاييس الإمام الذي ينبغي أن يحكم المسلمين.
فهل يظنُّ الأستاذ الزاوي أن أمير المؤمنين كان من الخوارج لأنه ينطق بكلمة لا حكم إلا الله ويعترف بأنها حق، ويتخذها شعاراً وهو يحارب خدع المحتالين؟.
إن الدارس عندما يتعمق أصل التوحيد عند الإباضية يتبين له بوضوح ـ إن كان منصفاً ـ حرصهم على التنزيه المطلق للذات الإلهية، وفهمهم العميق لدلالات التوحيد على الحياة العملية، فليست كلمة لا إله إلا الله كلمة تسبيح، وذكر ودعاء وحسب كما يظن البعض، وإنما هي كلمة ذات مدلولات عملية عميقة أساسية لها ارتباط بالحياة اليومية لكل مسلم.
ولعل ما يؤيد هذا الزعم أن الإباضية مشرقاً ومغرباً لم تسمح بظهور الفرق الصوفية (1) وطرقها في أوطانها، بل إنها حاربت كل العقائد التي تشتم فيها رائحة التجسيد أو التقديس أو الخضوع لغير خالق السماوات والأرض، هذا وحرصهم. هو الذي دفعهم إلى تأويل الآيات القرآنية المتشابهة بما يتماشى مع جلال الله ووحدانيته وتتزيهه عن الشبيه والمثيل، لأنهم كانوا بسطاء
1 - من أشهر من حارب هذه النزعة في عصرنا الحاضر الإمام الشيخ القطب محمد بن يوسف اطفيش (ت: 1914) في كل مؤلفاته، وكذا الشيخ ابراهيم بيوض (ت: 1981) في دروسه ولاسيما الاجتماعية.
213 (1/213)
صفحة 214
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضية
عن
فطريين في فهمهم ذاك، كما يقول عنهم أن أحد الدارسين المنصفين حيث يقول: «إنهم لم يخرجوا مطلقاً الله في أمر توحيدهم وتتزيهه عن مذهب السلف الصالح، إذ هم يمثلون الإسلام الأوَّل على فطرته قبل أن تدخل فيه ثقافات الأمم الأخرى، ونزعات أهل الملل التي دخلت الإسلام، ولم تتخل تماماً بعض نزاعاتها الدينية القديمة، فكان إيمان (الخوارج) إيمان قلب وفطرة، لا إيمان علم وجدل كما كانت حياتهم الاجتماعية .... ... وما هذا المنهج إلا نهج السلف الصالح في أوج محافظته، وارتباطه بظاهر الكتاب والسنة.» (1)
والجدير بالذكر أننا عندما نراجع اليوم فكر الحركات الإسلامية ومنهجها ولاسيما المتنورة منها نجدها تضع من أهم أسسها هذا المبدأ: الحاكمية الله. وإلى هذا يشير أحد المفكرين المعاصرين (جارودي) حيث يقول: إن المسلمين لن تعود لهم عزتهم القديمة لتصدر بناء الحضارة الإنسانية البئيسة إلا إذا أعادوا أمجاد الإسلام مبنية على المنهج الذي سلكه رسول الله
وصحابته في مجتمع المدينة وهي:
1 - الله وحده الحاكم
2 - الله
وحده المالك
-3
الله
وحده العالم (2).
الله 1 - عبد
علي علام الدعوة الموحدية بالمغرب، دار المعرفة ط 1 القاهرة بمصر
سنة 1964، ص 150 - 151
2 - يراجع د/روجيه جارودي: مجلة جمعية آل البيت، الأردن (آب) ع، ص 287.
214 (1/214)
صفحة 215
من الأصول العقدية
مع
-3 - الولاية والبراعة والوقوف
أو مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إذا كان الأصل الأول: الإيمان عقيدة وقول وعمل، يحدد علاقة الإنسان
الله
وعلاقة الإنسان في التعامل مع عباد الله، وإذا كان الأصل الثاني (الحاكمية الله يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فإن هذا الأصل: الولاية والبراءة والوقوف يحدد العلاقة بين أفراد المجتمع الواحد كيف يتعاملون، وعلى أي أساس.
وقد اعتبره الإباضية أصلاً من أصولهم العقدية، وقاعدة من قواعد الإسلام، فوضعوا له شروطاً وحدوداً، ومواصفات، وشددوا في تطبيقه في
مجتمعاتهم، حتى قيل: إن من لم يدن بها لا دين
ولن ندخل هنا في تعريفات الولاية والبراءة والوقوف، إلا بالقدر الذي نفهم به المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمات ومستنداتها من الكتاب والسنة
والإجماع.
فالولاية في اللغة: «القُرْب، وهو مأخوذ من ولاية أمر اليتيم وهو القيام بأمره، والاهتمام بمصالحه، وهو معنى ولاية الله لأوليائه، وذلك معنى قوله تعالى: اللهم الله ولي الَّذِينَ ءَامَنُوا ... [البقرة:257] أي: ناصرهم ومتولي أمورهم وحافظهم والولاية في الشريعة إيجاب الترحم والاستغفار
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1 ص 45.
215 (1/215)
صفحة 216
من الأصول العقدية
للمسلمين.» (1)
الاباضة
ويقول القطب ولاية الجملة (أي جملة (المسلمين وبراءتها فريضتان بالكتاب والسنة والإجماع على كل مكلف عند بلوغه إن قامت عليه الحجة.» ويقول عن ولاية الأشخاص: «وأما ولاية الأشخاص وبراءتها فواجبتان قياساً عليهما لورود أحاديث في حب الإخوان في الله ومدح حبهم في القرآن ... » وبعد مناقشة لهذه المسألة يقول: «وقال غيرنا لا تجبان. ودليل مشروعية هذا
الأصل من القرآن قوله تعالى: الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَت [محمد:19]. وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: «يا ابن مسعود، أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: الولاية في الله والبغض في
الله.
وكما أن الولاية واجبة بالنسبة للفرد والمجموع كذلك فإن البراءة ممن يستحق البراءة واجبة أيضاً.
فالبراعة لغة: هي البعد عن الشخص والتخلص منه، وهي واجبة على
المؤمنين شرعاً، فعليهم أن يظهروا البغض وعدم الرضى من الكفار.
أما براءة الأشخاص فتشمل كل شخص مُصرّ على الكبيرة بأي معصية كانت، ولو كان موحداً اعتماداً على قوله تعالى: ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
1 - المصدر السابق.
2 - ولاية الأشخاص محل خلاف بين إباضية المشرق والمغرب.
216 (1/216)
صفحة 217
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الأباضية
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ من حاد الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ
أوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم ... [المجادلة: 22]. ومن امتثل بهذا الموقف فقد استكمل الإيمان وأصبح من حزب الله بشهادة القرآن، مصداقاً لهذه الآية نفسها:
أولَيكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تحتها الأنهر خلدين فيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه أُولَيكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22]. أليس في هذه الآية بشارة واضحة إلى أن الأفراد حين يرتفعون إلى هذا السمو الإيماني، فيضعون حب الله فوق حب الآباء والأبناء، والإخوان، والعشيرة يكونون المجتمع الصالح الذي عبر عنه بحزب الله، وحزب الفلاح دنيا وأخرى؟.
منهم
الله عاقبته
ووجوب ولاية الجملة وبراءة الجملة لا يعني ولاية كل الناس أو البراءة جميعاً، لأن أصل الولاية الموافقة في الحق، فالمتوافقان فيه متواليان، ولو
على ظهر الغيب، دون أن يعلم أحدهما بالآخر.
حاله،
على أن هناك الموقف الثالث الذي يكون بين الولاية والبراءة فيمن نجهل وهو الوقوف، وهي حالة واجب على المسلم أن يكون عليها فيمن لا حاله شيئاً، ولم يظهر له منه موجب للولاية أو البراءة، لقوله تعالى:
يعلم عن
ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء:36]. وقد اجتهد علماء الإباضية فخصصوا فصولاً كاملة في كتب الفقه والعقيدة عندهم، لشرح هذا
217 (1/217)
صفحة 218
من الأصول العقدية
الأصل العقدي الهام.
الدعوة عند الأباضية
- فحددوا الجهات التي تتم بها الولاية والبراءة.
ووضعوا شروط وجوب الولاية.
- ومن تجب فيه الولاية، ومن تجب فيه البراءة.
(1)
- وغير ذلك مما هو مبسوط مفصل في كتبهم (1)
وهذا الأصل له تأثير مباشر في منهج الدعوة عند الإباضية، لأنه وسيلة عملية ناجعة لبناء مجتمع فاضل تسوده المحبة في الله، ويربطه التعاون في سبيل المصلحة العامة ابتغاء ما عند الله.
مجتمع لا تربط بينه المصالح المادية الدنيوية، والمنافع المتبادلة، فتركن به إلى أن يرى الشر فيصمت ... أو الانحراف فيشيح بوجهه ... أو الرذيلة فيتجاهل، لأن الراضي بالشيء كفاعله ولأنّ الشرَّ إذا بدأ بفرد واحد استشرى منه إلى المجتمع كله، والرذيلة جرثومة إذا أصابت بتعفنها الثمرة الواحدة تسلل منها الداء إلى كل الثمرات الأخرى.
وهم في منهجهم الدعوي هذا يضعون نصب أعينهم المجتمع الفاضل الإسلامي الطاهر زمن النبوة والخلفاء الراشدين حين كان المجتمع يستمد نظمه وعلاقاته وتعاليمه من القرآن الكريم، وسيرة المصطفى عليه السلام، وكان كل فرد فيه قرآن في حد ذاته. هذا المجتمع الذي عبر عنه الفاروق بقوله: «من رأينا منه خيراً، وظننا فيه خيراً، قلنا فيه خيراً وتوليناه، ومن رأينا
1 - ينظر: قواعد الإسلام للجيطالي ج 1، ص 10045.
218 (1/218)
صفحة 219
من الأصول العقدية
منه
ه شراً، وظننا فيه شراً، قلنا فيه شراً، وتبرأنا منه» (1).
وقد بدأ تطبيق حكم الولاية والبراءة عند الإباضية منذ تأسيس وتبلور الجماعة، باعتبار هذا الأصل مبدأ يحفظ كيانهم ويوحد صفوفهم، ولا يسمح لأعدائهم بالاختراق والدس، وكان الإمام جابر بن زيد يطبق هذا المبدأ بصرامة على أفراد المجتمع الإباضي، فكان التبري سلاحاً مشهوراً في وجه من يحاول خيانة الجماعة بنقل أخبارها أو الكشف عن أسرارها لدى السلطات الحاكمة الأموية، ومن ذلك قصة خردلة (2) الذي تبرأ منه، ورأى قتله من
أفضل الجهاد، لأنه أضر بالمسلمين، وأصبح خطراً على جماعتهم.
وتبلور تطبيق هذا المبدأ في عهد الإمام أبي عبيدة، لأن الحاجة إلى تطبيقه كانت أشد باعتبار ما كانت الحركة تتعرض له من متابعة السلطة الأموية، وأخذها الناس بالظنة، وذلك ما تقتضيه مرح رحلة الكتمان التي كان عليها أهل الدعوة آنئذ، فكانت الولاية والبراءة سلاحاً يحميهم من الداخل والخارج معاً. وعن أبي عبيدة نقل حملة العلم الخمسة هذا المبدأ فطبقوه في مجتمعاتهم في المغرب، وطبق في زمن الإمامة الأولى في ليبيا أيام حكم أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح.
إن أبا الخطاب بعد أن انتصر على ورفجومة في القيروان، واستسلمت له المدينة تفقد القتلى فوجد واحداً منهم مسلوباً، وسأل عن السالب فلم يُعْرَف،
1 - مقدمة التوحيد، ص 48 ومعمر: الإباضية، ج 1، ص 96.
2 - يراجع المبحث الخاص عن الإمام جابر بن زيد من هذا الكتاب
219 (1/219)
صفحة 220
من الأصول العقدية
فأصدر أمره إلى الجيش أن يَردَّ السَّلَب الذي أخذ من القتيل، ولكن أحداً لم يبادر إلى رد السلب، وفي الطريق جرى سباق بين الفرسان واشترك فيه جميل السدراتي، فشاء له سوء. حظه أن يسقط عن فرسه وينكشف سرجه عن المتاع المسلوب، فأخذه الإمام وأجرى عليه الأدب، وغضب جميل وفر إلى العراق، وبقي سنة كاملة في بغداد يحرض الخليفة أبا جعفر المنصور على أبي الخطاب لينتقم لنفسه (1)
وطبق هذا المبدأ كأدق ما يكون التطبيق إبان حكم الدولة الرستمية، وكان رجال الحسبة أو الشرطة قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خالف رفع أمره إلى الحاكم فأعلن منه البراءة. وقد اعتمد الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي، واضع نظام حلقة
ومن
العزابة، هذا الأصل مرتكزاً هاماً في نظام الحلقة.
وهكذا نرى أن تطبيق هذا المبدأ ليس خاصاً بالجماعة في حال الظهور أو الكتمان، وإنما هو أصل عقدي، ومبدأ أساسي تعتمده الجماعة في كل حالاتها، باعتباره مقوماً من مقومات المجتمع الفاضل.
وقد بدأ هذا النظام الديني الهام يختفي من المجتمعات الإباضية للأسف الشديد، بعد أن دخلت المدنية والنظم الدخيلة مجتمعاتهم، إذ لم يبق له تطبيق إلا في وادي ميزاب، على تفاوت بين قراه (2).
1 معمر الإباضية ج 2، ص 286
2 سنفصل الحديث عن الجانب التطبيقي في فصل خاص عن حلقة العزابة ودورها في بناء
220 (1/220)
صفحة 221
من الأصول العقدية
الدعوة عند الأباضية
ذلك لأن السلطة الفعلية لهذه الهيئات الدينية ضَعُفَت، فضعف معها التوجيه الديني والروحي، أو بعبارة أدق فقدت الوازع الرادع الذي لابد منه للسلطة الروحية. وأحسب أن المجتمعات الإباضية في العالم الإسلامي اليوم عندما أجبرت على التخلي عن هذا المبدأ لعامل أو لآخر، وزهدت في تطبيق هذا الأصل العقدي الهام لضعف الأخذ بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – الذي لم يتهاون في الأخذ به أجدادهم فقدت أهم مقوم من مقوماتها، وهذه
<-
خسارة عظيمة للمجتمع الإسلامي ككل، لأن هذا نذير الذوبان والانحلال، وتخل عن أصل من أصول القرآن.
ولا تخفى عن اللبيب الصلة الوثيقة التي تربط بين تطبيق هذا المبدأ عملياً وبين مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الولاية والبراءة والوقوف هي الجانب العملي في هذا المبدأ الاجتماعي الهام.
ومهما يكن من أمر، فإن هذا المبدأ كان أصلاً ثابتاً في منهج الدعوة عند الإباضية القائم على روح الشريعة الإسلامية في كل العلاقات الاجتماعية، سواء منها ما كان متعلقاً بالأفراد فيما بينهم، أم متعلقاً بالأفراد. أم بالحاكم مع المحكوم.
الجماعة،
والواقع لو أن المسلمين بملايينهم - التي لا تخيف أحداً – طبقوا هذا الأصل القرآني تطبيقاً عملياً في تعاملهم مع أعداء الإسلام: صليبيين،
المجتمع المسجدي.
221 (1/221)
صفحة 222
من الأصول العقدية
نهج الدعوة عند الأباض
وعلمانيين، وصهاينة، لأعادوا إلى المجتمع الإسلامي عزته وسطوته وتضامنه، ولاحترمهم أعداؤهم أنفسهم، لأن تطبيق هذا الأصل يعبر عن الاعتزاز بالنفس، والثقة بها، هذا الاعتزاز وهذه الثقة التي ينبغي أن تبنى على شريعة الله وحدها الله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. ولكن (المسلمين) اليوم عكسوا الآية فاعتزوا بأعدائهم، وَوالوا مَنْ أَمَرَ اللَّهُ أَن يعادوه، حين اتخذوا اليهود والنصارى أولياء والله سبحانه وتعالى يخاطبهم قائلا: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
ومن يتوهم منكم فإنهم منهم إن الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الله
[المائدة: 51].
ولا حاجة لنا إلى التدليل بمآسي المسلمين في كل أنحاء العالم حتى أصبحوا ـ وقد علم الغرب الصليبي نقطة الضعف فيهم - يُداسون بالأقدام، ويذبحون ذبح النعاج، وتهتك حرمهم ومقدساتهم جهاراً نهاراً، بمبار كة الأمم المتحدة. وائى للمجتمعات الإسلامية أن تنظر إلى أعداء الإسلام بعين الحقيقة والواقع وهم في حد ذاتهم لا يطبقون تعاليم دينهم في علاقاتهم بعضهم ببعض أفراداً وجماعات وحكومات ... وغدا المسلم مسلماً بقوله لا بفعله، وبلسانه لا ياحساسه، فأي صلاح في مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، ويدعي الانتماء إلى الإسلام وكل أعماله تكذبه؟
كيف يساوى بين هذا المسلم الذي لا يجاوز إسلامه قلبه، وبين مسلم كل جوارحه تنطق بمدلول كلمة الشهادة؟
222 (1/222)
صفحة 223
من الأصول العقدية |
منهج الدعوة عند الأباضية
محللاً يقول الشيخ علي يحي معمر، موقف الإباضية من هذا المسلم: «يرى الإباضية أن هذا المسلم الذي وصفناه بالإسلام، وأدخلناه بين أهل التوحيد، لا يحق أن يُكرم بالتساوي مع الصادقين ولا يمكن أن تشمله المحبة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين، وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن يُطلب الابتعاد عنه، وأن تعلن البراءة منه، ويُقلل التعامل معه، حتى تضيق عليه
صدره
الأرض بما رحبت، ولا يجد ملجأ الله إلا إليه، فإما أن من الله يشرح للإسلام، وأن يفتح قلبه للإيمان، وأن يسخر للعبادة، وأن يباعد بينه وبين المعصية، فيتوب مما ارتكب، ويعود إلى حظيرة الإسلام، بالعمل الصالح، والجهاد المتواصل جهاد النفس والهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، ويصبح بعد الهداية والتوفيق أخاً في الله. وإما أن يرتكس إلى الشيطان، ويصر على العصيان، ويستكبر عن التوبة ويبتعد عن محاسبة النفس، ويستمر في الغواية والضلال، وحينئذ لا يمكن لأولياء الله أن يحبوا عدو الله ولا أن يرضوا عمن جاهره بالمعصية، وإن القلوب المؤمنة لتستحيي أن تتجه إلى المليك الديان لتطلب منه الرحمة والغفران.» (1).
مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
والواقع أن تطبيق الولاية والبراءة في المجتمعات الإباضية هو نتيجة طبيعية لرؤيتهم الحضارية في أن الأصل في قيام المجتمع الفاضل هو تأسيسه على الأمر
1 - علي يحي معمر: الإباضية، ج 1، ص 85.
223 (1/223)
صفحة 224
من الأصول العقدية
من الاعرة عند الأباضية
بالمعروف والنهي عن المنكر، هاتان الصفتان المتلازمتان في مجتمع النبوة الكريمة، والخلافة الراشدة، باعتبارهما على حد تعبير الرسول صلى الله عليه وسلم: «جندان من
جند الله من نصرهما نصره الله ومن خذلهما خذله الله (1)
ومن ثم كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الدعائم التي أقام عليها أهل الدعوة دعوتهم في جميع الحالات التي مروا بها، لأنهم كانوا يرون ذلك واجباً عليهم من الدين للنصوص القطعية الكثيرة في ذلك، ثم لأنّ التماسك الاجتماعي بينهم لا يبقى على قوته مالم يعتمد على تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين جميع الطبقات والفئات، بين الحاكم والمحكوم. والناظر في السير الإباضية عند المشارقة والمغاربة يلحظ بجلاء كيف تأتي الوصية ياقامة هذه الشعيرة في مقدمة ما يتواصون، به لارتباطها المتلازم بأصل الولاية والبراءة، إذ لا يمكن تطبيق الولاية والبراءة في مجتمع ما إلا إذا نهض بين أفراده وجماعاته مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد سئل الشيخ أبو الحسن البسيوي: أيكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أمر الولاية والبراءة؟ فأجاب: نعم. ألا ترى أن الولاية لأهل الطاعة العاملين بالمعروف، والبراءة على أهل المنكر العاملين بالمعصية، ألا ترى أنه أوجب العذاب على
من يتولى الكافرين وقال: ... وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ
[المائدة: 51].
(2)
1 - يراجع، رياض الصالحين، باب في الأمر بالمعروف .. ص،50.
2 السير والجوابات ت السيد الكاشف، ج 2 ص 147.
224 (1/224)
صفحة 225
من الأصول العقدية
من الدعوة عند الا
ويغدو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وسائل الدعوة عند الإباضية داخلاً في إطار التكوين الروحي الذي يعتمد على التربية العملية الاجتماعية بقراءة القرآن والحرص على تلاوته وكثرة الصلاة والمداومة على إقامتها. وهذه في حد ذاتها كلها وسائل هامة لتزكية النفس والسمو بها إلى أن تصبح ربانية لا هدف لها سوى تبليغ دعوة الله ونشر رسالة الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحرى بهما أن يدخلا في وسائل تزكية نفوس أفراد المجتمع، لأنّ الشخص المؤهل لتولي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي له أن يتصف بصفات خاصة تؤهله ليكون جديراً بهذه المسؤولية الخطيرة، ومعنى ذلك أن يكون كل فرد من أفراد المجتمع في حد ذاته مؤتمراً بأمر الله، منتهياً عن نواهيه ليصلح للقيادة، والاقتداء، فإذا وضع كل مسلم في المجتمع الواحد هذا المقياس أساساً لصلاح نفسه أصبح المجتمع كله مصلحاً صالحاً تقل فيه الفاحشة، ويذل فيه المنكر، ويغدو كل فرد غير محتاج إلى رقيب أوحسيب لأن له رقيباً وحسيباً من نفسه، ومراقبة النفس معناها أخذها لتسير على الطريق السوي، وإذا سار كل فرد على الصراط المستقيم استقلم المجتمع كله.
والدارس عندما يعود إلى الحكايات التي ترويها كتب التاريخ والسيرة والتراجم عن الشراة، يقرأ عجباً، مما جعل المؤرخين متفقين على وصف الشراة بأنهم: «رهبان الليل وأسود النهار»، وذلك الوصف البليغ الذي وصفهم به أحد قادتهم المشاهير أبو حمزة الشاري حيث يقول عنهم: «شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل
225 (1/225)
صفحة 226
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضية
أرجلهم، أنضاء عبادة، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما هو أحدهم على آية من ذكر الجنة بكي شوقاً، وكلما مر بآية من ذكر النار شهق خوفاً كان زفير جهنّم بين أذنيه، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم، وصلوا كلال الليل بكلال النهار، مصفرة ألوانهم ناحلة
أجسامهم من طول القيام، وكثرة الصيام أنضاء عبادة.» (1).
من
هذا المنطلق الإيماني العميق كانت التعبئة الروحية ضرورة لازمة قبل التعبئة العسكرية، وكأنهم واثقون أنهم الفئة القليلة التي تواجه الفئة الكثيرة، فليس ثمة قوة توازن القوة العددية إلا القوة النوعية، ولن يُواجه سلاح العدد والعدة الكثيرة إلا بالتعبئة الإيمانية الروحية التي لا تنفد.
من هنا كان لا بد من إعداد الأفراد والجماعات إعداداً روحياً أولاً وقبل كل شيء، بحيث تغدو تصرفاتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وفقاً وانعكاساً لعقيدتهم الإسلامية الثابتة، وأصولهم العقدية الراسخة.
كيف تجسد هذا الأصل في نظمهم؟
إن الشراة عندما اختاروا هذا المنهج الرباني في مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اعتمدوا الطريقة العملية، والمجاهدة الميدانية، فوضعوا لحياتهم اليومية حيثما كانوا وأينما وجدوا برنامجاً صارماً يقوم على العبادة المستمرة ومراقبة الله في كل صغيرة وكبيرة.
ومن أبرز هذه النظم المحافظة على الصلاة محافظة دقيقة، ولا أعني هنا
1 - سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية، ص 215
226 (1/226)
صفحة 227
من الأصول العقدية
الصلوات المفروضة فذلك أمر مفروغ منه، إنما أعني بها ما عُرف عنهم من اجتهاد بقيام الليل وصيام النهار والمداومة على تلاوة القرآن وحفظه، حتى كثر في جماعتهم القراء والعباد والزهاد.
وما حرص الشراة على هذه السيرة والالتزام بهذا المنهج إلا لمقصد أسمى وهو أن تصبح العبادات وسائل تربوية هامة لتزكية النفس، والسمو بها إلى أن تصبح ربانية لا هدف لها سوى تبليغ دعوة الله، ونشر رسالة الإسلام، وامتثال
قوله تعالى:
[الذاريات: 56].
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إن من أهم الصفات التي تميز بها الشراة التزامهم الشديد بتطبيق شريعة الله، وتمسكهم القوي بسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، حتى رموا بالتشدد والتزمت، والتعصب، وغير ذلك، ولم يكن يعنيهم ما يقال عنهم بقدر يعنيهم أن يكون ذلك إرضاء الله ولرسوله في كل ما يأتون وما يذرون، وهذه العقيدة الراسخة أضفت عليهم ميزات تميزوا بها، انترعت الإعجاب من العدو والصديق معاً (1).
ما
وكل الدراسات القديمة والحديثة مفقة على أنهم ذوو ايمان ثابت، وعقيدة راسخة، وأنهم أصحاب مبادئ وأخلاق عالية، ولكن قلة قليلة عنتها الأسباب والعوامل التي جعلت الشراة يكونون كذلك، إذ كان الأولى أن نرجع هذه المميزات إلى عقيدة الشراة الثابتة التي ترى أن الإيمان عقيدة وقول
1 - أحمد سليمان معروف: مصدر سابق، ص 103.
227 (1/227)
صفحة 228
من الأصول العقدية
وعمل، وهذا ما ينفي عن الشراة ما يذهب إليه بعض الدارسين من أن غرضهم من التمرد على الحكام والسلطات هو الوصول إلى السلطة منافسة
وتمرداً.
على أن كل الوقائع الحربية التي خاضوها تدل دلالة قاطعة على أنهم لم يخرجوا طلباً لدنيا كما كان ذلك هدف خصومهم الذين حولوا الحكم ملكاً عضوداً وزينة ولهواً، وهذا ما يفسر خروجهم في الأغلب
الإسلامي الأعم بالفئة القليلة المواجهة للفئة الكثيرة، كانوا كذلك وهم يدركون أن أغلبية الناس مع الحاكمين رغم كرههم لهم، ولكن حب الدنيا وايثار السلامة جعلت الناس إما حياديين لا يهمهم من أمر الخروج شيئاً، وإما دنيويين حريصين على المرتب والجاه والنفوذ، ولم يتورط في هذا الاتجاه العامة من الناس وحدهم، فلعلهم معذورون في ذلك وإنما الذين تورطوا علماء وفقهاء وقفوا إلى جانب الجورة والظلمة من الحكام فزينوا لهم ظلمهم، وحللوا لهم جورهم وفسقهم.
-
وبناء على هذا التصور للواقع الإسلامي المؤسف سموا أنفسهم شراة، وخططوا في مراحل الحفاظ على مجتمعاتهم مرحلة الشراء تعبيراً عن تصورهم
هذا المستمد من قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مرضات الله والله رءوف بالعباد عالم الان [البقرة: 207]. ومن يخرج ابتغاء رضوان الله تجلى ذلك في سلوكه العملي مع إخوانه المسلمين، وكذلك كان الشراة يأخذون أنفسهم بتربية إسلامية صارمة في مجتمع غالبيته مع الهوى والجري وراء الشهوات الدنيوية.
228 (1/228)
صفحة 229
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الأباضية
وقد ظهر حرص الشراة على الالتزام بالتربية الإسلامية حتى في التنظيمات العسكرية، فإن الجيش الإسلامي ينبغي له أن يكون مبنياً على التقوى والصلاح، وانتظار جزاء الجهاد من عند الله.
وقد تجلى هذا الحرص في جيوش الشراة تحت قيادة طالب الحق، وأبي حمزة الشاري، في اليمن والحجاز، والجلندى بن مسعود في عمان، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح في المغرب الإسلامي، والصلت بن مالك في فتوحات شرق إفريقية.
كان جيش الجلندى مثلاً يقسم إلى مجموعات كل مجموعة تتكون من مائتين إلى أربعمائة جندي على رأسهم، قائد يشترط أن يكون من أهل العلم والمعرفة والفقه والحزم، كما يعين على رأس كل عشرة جنود مؤدب يعلمهم أمر دينهم، ويقيم فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يمنح لهم
عطاء شهريا ريا (1).
إن السمة التي يتميز بها الشراة هي إخلاصهم الله رب العالمين سلماً وحرباً، فهم لا يقاتلون من أجل دنيا وإنما من أجل إحقاق الحق، والثورة على الظلم والطغيان.
وقد اعترف بذلك خصومهم، فالشهرستاني المعروف بترعته العدائية اللخوارج) يقول عنهم: «إنهم أهل صلاة وصوم»، وإن سلوكهم الإسلامي يتجلى في صراحتهم وصدقهم والتزامهم الشديد بطاعة الله واستحضار
1 - ينظر الشيخ السالمي: تحفة الأعيان، ج 1، ص 910. ومهدي طالب هاشم: مرجع سابق، ص 181.
229 (1/229)
صفحة 230
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضية
الجزاء الأخروي في كل حالاتهم).
وكيف لا يكونون كذلك وأغلب أئمتهم من أفاضل الصحابة وقرائهم وفقهائهم، حتى أن إمامهم الأوَّل عبد الله بن وهب الراسبي يعرف بـ (ذي
الثفنات)، وذلك للثفنات التي كانت بيديه وركبتيه من كثرة الصلاة.
ومن أبرز الأئمة حرصاً على بث الروح الدينية في صفوف جيشه وولاته ورعيته الإمام العماني الإمام الصلت بن مالك (2)، وقد تجلى ذلك من خلال كتبه إلى من يعهد إليهم القيام بالمهام الكبرى، ونأخذ لسيرته هذه كمثال ذلك العهد الذي توجه به إلى جيشه الموجه لانقاذ سُقَطْرَى (3) من النصارى الذين هاجموها من الحبشة حيث يقول: «فالزموا تقوى الله في الغيوب، وداووا بها داء العيوب، تجهزوا للقاء الله بالطهارة من العيوب، إن الله يغفر لمن يحوب ثم ينصح أو يتوب ... فتوبوا إلى الله من سيئ ما مضى، وأصلحوا فيما بقي لما عنكم به يرضى، وصونوا دينكم ولا تبيعوا دينكم بدنياكم ولا بدنيا غيركم، وقفوا عند الشبهات، واحرصوا عن محارم الشهوات، وغضوا أبصاركم عن مواقعة الخيانة، واحفظوا فروجكم عن الحرام، وكفوا أيديكم وألسنتكم عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم بغير الحق، واجتنبوا قول الزور، وأكل الحرام ومشارب الحرام، وجماعة السوء، ومداهنة العدو، وأدوا الأمانات إلى
1 - يراجع، الشهرستاني: الفصل بين الملل والنحل، الفصل المتعلق بالخوارج.
2 - الإمام الصلت بن مالك الخروصي تولى الإمامة بعمان من 237 هـ إلى 272 هـ وكان من أشهر الأيمة عدلا وصلاحاً وحزماً، ينظر التحفة، ج 1 ص 620.
3 - سقطرى: جزيرة في البحر تقع بين عمان والحبشة.
230 (1/230)
صفحة 231
من الأصول العقدية |
أهلها ... » (1).
الدعوة
إلى آخر ما جاء في هذا العهد من التزام الصدق في الحديث، وعدم إخلاف الوعد، وإقامة الصلاة بأركانها، وخشوعها، مستشهداً في كل ذلك بالقرآن الكريم، إلى أن يقول: «فافهموا عن الله، واقبلوا ما جاء. من الله، ولا ترخصوا لأنفسكم في شيء الله طاعته الواجبة دَخَلاً ولا كسلاً، ولا تبيتوا شيئاً من معاصيه عبلاً ولا خبلاً، ولا تركنوا إلى من حاده تعصباً ولا ميلاً، فأخاف عن ذلك أن يخذلكم ... » (2).
ومن خلال تلك النصوص ـ وهي كثيرة. يتبين لنا أن الشراة عندما
-
نظروا إلى القوة باعتبارها عنصراً من عناصر الغلبة في ميادين القتال، نظروا إليها من زاوية إيمانية، فالقوة لا تعتمد العدد الوفير، ولا تهتم بالكم الغفير إلا بقدر اهتمامها بالنوع والكيف، ومن هنا كان الاهتمام بالتكوين الروحي والإيماني للفرد المقاتل من أهم الشروط، إنهم أدركوا بحسهم الإسلامي العميق أن الإنسان بعقيدته لا بجثمانه، وبقوة قلبه ورباطة جأشه، لا بصلابة عضلاته، وضخامة جسمه، إذ هم حين النظر إليهم من خلال وصف كتب التاريخ لهم نجدهم ضعاف الأجسام، مصفري الوجوه من كثرة العبادة، ومداومة السهر في جنب الله، ولذا كانوا في الحروب مقاتلين أشداء ولم تلن لهم قناة: «ولم يذكر التاريخ هارباً واحداً من مقاتليهم، كما لم يذكر أسيراً منهم ساوم على رأيه أو حاول أن يبيع قضيته، أو غير قوله طمعاً أمام
،
1 - الشيخ السالمي: تحفة الأعيان، ج 1، ص 171.
2 المصدر نفسه.
231 (1/231)
صفحة 232
من الأصول العقدية
عدوه، أميراً كان، أم خليفة
أو كائناً من يكون ... » (1).
4 - نظرية الحكم عند الإباضية.
إن الظروف التاريخية التي نشأ الإباضية في ظلها أوجدت عندهم فقهاً
سياسياً عميقاً، بعضه يتعلق بالسياسة الداخلية، وبعضه الآخر بالسياسة الخارجية، أو بعبارة أدق سياسة تتعلق بعلاقاتهم بعضهم ببعض داخل دولهم أفراداً أو جماعات، وأخرى تتعلق بعلاقاتهم مع جيرانهم، أو خصومهم من مخالفيهم، وبما أن هذا البحث لا يختص بالتحدث عن هذا الجانب الهام، فإننا نكتفي بالوقوف عند السياسة الشرعية العامة عند الإباضية أو ما يطلق عليها في مصادرهم الإمامة وشروطها. فإنّ الحديث عن هذا الجانب يوضح مدى تميز الإباضية بفكر سياسي عميق هو وليد تجارب ميدانية عاشتها جماعاتهم طوال صراعهم الطويل من أجل البقاء، وأهم ما فيه أنه مستقى من كتاب الله وسنة رسوله الكريم، ومن تم يغدو جانباً حضارياً هاماً.
والواقع حين يتأمل المتأمل في البذرة الفكرية الأولى التي تميز بها الإباضية عن غيرهم حتى قبل ظهور هذه التسمية، نجدها تتعلق بالحكم والحكام، وقد وضحنا في فصول سابقة معنى (الحاكمية الله التي اعتنقها أسلاف الإباضية
مبدأ ساروا على نهجه، واتخذوه أصلاً من أصولهم.
1 - أحمد سليمان معروف مرجع سابق، ص 106.
232 (1/232)
صفحة 233
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الابا
وتبعاً لذلك فإن أسلاف الإباضية المحكمة) أوجبوا نصب إمام، واعتبروا إنكار الإمامة تعطيلاً لحدود الله، وتضييعاً لحقوق المسلمين، وقد أثبت المحكمة - وأسلافهم - صدق هذا القول، وحرصوا على انتخاب إمام لهم في كل الظروف، ولم يكادوا يعلمون بنتيجة التحكيم حتى انتخبوا واحداً إماماً عليهم، وهو عبد الله بن وهب الراسبي، ودعوا بقية المسلمين للانضمام إليهم. «وهذه أوّل مرة في التاريخ الإسلامي ينتخب جماعة المسلمين إماماً لهم من غير قريش» (1).
منهم
روى الطبري في تاريخه هذا الحوار الذي جرى بين زعامات المحكمة
تجمعهم في حروراء:
من
بعد
قال حمزة بن سفيان الأسدي: يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم، والحق ما قد ذكرتم، فولوا أموركم رجلاً منكم، فإنه لا بد من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوها على بعض منهم فقبلها عبد الله الراسبي، وقال: أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدفعها فرقاً من الموت.
فبايعوه.» (2)
بن وهب
إن هذا النص الذي أورده الطبري يعدُّ رداً قوياً على الدعوى القائلة إن مفهوم الحاكمية هو عدم تنصيب الرجال حكاماً على الناس، وقد اختصر الإمام المنتخب عبد الله الراسبي في كلمتين منهجهم في الحكم والسياسة حيث قال: «أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا، ولا أدفعها فرقاً من الموت.» فالرغبة
1 د/ عوض خليفات التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية، ص 3.
2 - الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 53.
233 (1/233)
صفحة 234
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الأباضية
في الدنيا والخوف من الموت صفتان تلازمان كل من كان همه الحكم من أجل التحكم، والسلطة من أجل التسلط وما أبعد أولئك الذين باعوا أنفسهم الله عن هذا المرمى الدنيوي.
واختيار الإمام عن طريق الانتخاب الحر هو المبدأ الإسلامي الأصيل، ورفض مبدأ القرشية في الحكم توافق كامل مع منهج القرآن العظيم، وسنة نبيه الكريم، فإن الإسلام لم يضع للحاكم مقياساً سوى التقوى:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] والرسول صلى الله عليه وسلم أوصى أمته وهو يودعهم بأن أساس التفاضل أن لا فضل لعربي على أعجمي أو لأعجمي على عربي إلا بالتقوى)، وبهذا أكد الإسلام على
ضرورة وضع التقوى على قمة الشروط عند انتخاب الحاكم المسلم. وقد طبق الشراة هذه الديمقراطية الإسلامية على أنفسهم، فكانوا يختارون لخلافتهم أتقاهم وأشجعهم وأكفأهم، وبلغوا في تلك الديمقراطية حدا لم تبلغه أكثر الأمم المعاصرة رقياً، وذلك أنهم كانوا إذا أحسوا أنهم أساؤوا الاختيار سحبوا الثقة من الخليفة القائم واختاروا بديلا عنه (2). إن الناظر في الصفات التي يشترطها الإباضية في الشخص المرشح للإمامة، يلحظ تأكيد الإباضية على الكفاءة واللياقة من منظور إسلامي رباني صرف مثل اشتراط العلم والورع أساساً أولياً، كما سنوضح ذلك. وقد يقال إن هذا
1 - رواه الإمام أحمد في باقي مسند الأنصار، حديث 22391.
2 - أحمد سليمان معروف: مرجع سابق، ص 122
234 (1/234)
صفحة 235
من الأصول العقدية
الاعتبار نقطة اتفاق وتلاق بين الفرق الإسلامية جميعاً، هذا حق، ولكن الإباضية يتمايزون عن المذاهب الأخرى في نفي كلّ شرط يوحي بالتعصب للقبيلة، أو الجماعة أو الفرقة، أو الجنس وهو الذي أوجزه أحد شعرائهم حيث يقول:
ونحن بنو الإسلام والله واحد وأولى عباد الله بالله من شكر (1) فالأمويون، والعلويون والزبيريون ناضلوا لتكون الخلافة في بني أمية أو في آل علي أو في آل الزبير والمذاهب الإسلامية تشترط بعد ذلك القرشية، كما سبق أن ذكرنا، ومن الطريف أن تكون أقوى حجة يتسلح بها طلاب الخلافة بعد مقتل عثمان عفان هي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من
بن
،
قريش»، يقدمونه بين يدي دعواهم وكلهم من قريش، فمن للخلافة؟ ومن منهم على صواب؟، «ليس لديهم أهداف محددة يطرحونها في مطالبتهم
أجل
بالخلافة، ولا منهاج عمل يقدمونه للناس، ولا مبادئ يدافعون عنها من تحقيقها، يطلبون الوصول إلى الحكم، وكل ما لديهم ... أنهم من قريش» (2). أما الإباضية الذين تبنوا نظرية أسلافهم في هذا الصدد، فلم تكن الخلافة قضية ذات بال في مسيرتهم، ولم تكن في يوم من الأيام هدفاً يسعون إلى تحقيقه، أو مطلباً يتذرعون الذرائع للوصول إليه، وإنما هي من أجل تطبيق برنامج إسلامي متكامل، أو لإعطاء صبغة مقبولة لشكل الحكم، كان
1 - هذا البيت لعمران بن حطان وقد كان من أتباع أبي بلال مرداس بن حديد أحد أئمة الإباضية. ينظر البيت في د/أحسان عباس: شعر الخوارج، ص 120.
2 - أحمد سليمان معروف مرجع سابق، ص 120، بتصرف.
235 (1/235)
صفحة 236
من الأصول العقدية
منهم الدعوة عند الأباضية
المسلمون قد تعارفوا عليها من قبل أيام الخلافة الراشدة واعتبروها الصيغة
المثلى للنظام الإسلامي ...
(1)
وأحسب أن هذه الرؤية الإسلامية الصحيحة من أهم نقاط الخلاف بين الإباضية و (أهل السنة)، الذين يشترطون القرشية في الحكم، وللإباضية رأي في المتشبثين بهذه النظرية حيث يقولون: إن المسلمين الذين تسلحوا «بالأئمة من قريش» إنما يريدون تكريس قيم جاهلية قائمة كانوا هم المستفيدين منها، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام فبنو هاشم، وبنو أمية هم سادة قريش وسادة العرب في الجاهلية، كذلك كانوا يريدون أن يظلوا في ظل الإسلام كما كانوا في الجاهلية سادة على العرب، يحنون دوماً إلى الزعامة والتسلط والحكم. وموقفهم المتعنت هذا هو الذي كان وراء ثورتهم على حكم أبي حمزة المختار حين دخل الحجاز رغم سيرته العادلة، ومبادئه الإسلامية التي كانت ترمي إلى محاربة الظلم والطغيان الأمويين. ولا بدَّ من الإشارة إلى أن أهل السنة يتشبتون بهذه النظرية بناء على ذلك الحديث: «الأئمة من قريش»، والإباضية يرون عدم القطع بصحة هذا الحديث، ثم إن الذي يضعفه كونه يعارض نصوصاً كثيرة أخرى في القرآن الكريم، ومن السنة النبوية نفسها.
وهناك كتاب إسلاميون معاصرون كثيرون (2)
من أهل الفقه والعلم
1 - المصدر نفسه
2 من هؤلاء عفيف عبد الفتاح طبارة: روح الدين الإسلامي، ص 214. الشيخ محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 81. أحمد حجازي السقا: الخوارج الحروريون، ص 23. أحمد سليمان معروف قراءة في مواقف الخوارج ... ص، 125 وما بعدها.
236 (1/236)
صفحة 237
من الأصول العقدية
م الدَّعَو
والرأي من جميع المذاهب الإسلامية يؤيدون المحكمة ورؤيتهم الإسلامية الأصيلة هذه، لأنها هي الرؤية السليمة التي توافق روح الشريعة الإسلامية ونظرتها إلى الحكم.
يقول الدكتور محمد عمارة بعد أن نوّه بالفكر الإباضي: «ونحن إذا شئنا أن نغرس في حياتنا السياسية، وفي صفوف جماهيرنا قيم الديمقراطية، وأفكار المساواة والحرية السياسية للمواطن، فلا بد أن نقدّم لهذه الجماهير صفحات تراثنا التي تمجد الشورى وتجعل صلاحيات الحاكم نابعة من توافر الشروط فيه، وذلك دونما التفات إلى النسب، والعرق والدم، والمال، أو العصبية أو مركز القوة غير المشروع. ففي هذه الصفحات زاد فكري يستطيع أن يؤصل في أمتنا روح الديمقراطية كخلق وممارسة وسلوك، لا مجرد شعارات ... » (1).
الجماعة مخلط الحكم:
إن المنهج التنظيمي لدى الإباضية يقوم أساساً على (الجماعية)، أي إعطاء الوزن الحقيقي للجماعة في كلّ شأن من شؤون المجتمع في السلم والحرب، في حال الغلبة والظهور، أو في حال السرية والكتمان، وهذا التوجه اختارته من فهم عميق للشريعة الإسلامية الحاضة على
الجماعات الإباضية انطلاقاً
الشورى، القائمة على التعاون والتضامن وكل ما من شأنه تقوية المجتمع
الإسلامي الذي لا مكان فيه للأنانية وحب الذات.
د/حسين مؤنس، دستور أمة الإسلام، دار الرشاد، القاهرة، ط 2، 1997 م، ص،41. 1 - د/محمد عمارة: نظرة جديدة إلى التراث، دار قتيبة، ط 2 1988، (د. م. د) ص، 19.
237 (1/237)
صفحة 238
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الاباضة
وحرص الإباضية على تطبيق هذا المنهج الجماعي قد يكون وليد الظروف السياسية التي نشأوا في ظلّها تلك الظروف التي. وسمت تاريخهم المعرض دوما للملاحقة والمطاردة والاضطهاد فكان لا بد من إيجاد منهج يقوي أواصر الالتحام بين عناصر المجتمع، لأن الالتحام والالتئام بين أفراد الجماعة من شأنه أن يقوي الصفوف أمام العدو الذي كان يتفوق دائماً بقوته العددية، كما. يستجيب هذا المنهج لرؤية الإباضية في اختيار الإمام أو الحاكم، ومن المعروف أن التزام الإباضية بالتقوى والكفاءة مقياساً للحكم ظل أصلاً من أصول تكوين جماعاتهم ودولهم طوال تاريخهم، لقد حاولوا أن ينظموا مجتمعاتهم وفق هذا المنظور الذي يضع الجماعة فوق كل اعتبار، وحرصوا على تطبيقه في مجتمعاتهم الحضرية والبدوية في مراحل التشتت والاستبداد، وفي مراحل الظهور وتكوين الدول، مشرقاً ومغرباً.
هذه الجماعية إذا أكسبتهم مجموعة من الصفات الأخلاقية التي يتجلى فيها الشعور الجمعي بارزاً ناهضاً كما يقرر ذلك أحد الدارسين المحدثين حيث
يقول:
«إنهم ينطوون على مجموعة من الصفات الفذة التي لا يحملها إلا أفذاذ الرجال، وأعظم ما في الأمر أنهم يتحلون بها بشكل جماعي، ويلزمون بعضهم بعضاً على حملها والتحلي بها، فهم مجموعات متجانسة الأخلاق والصفات، كأنهم صبوا في قالب واحد، وكأنهم تخرجوا في مدرسة واحدة صارمة النظام، يقوم عليها أساتذة أولي بأس وشدة يلقنون فيها مناهج
238 (1/238)
صفحة 239
من الأصول العقدية
واحدة» (1).
إن التربية الاجتماعية غرست فيهم محبة الجميع وكأنهم إخوة، ولعلّ الفقر
-
كانت
و الاضطهاد والحاجة إلى التكتل والتضامن – وهم الفئة القليلة الهاجس أبداً وراء تنمية هذه الروح فيهم، وقد أشار أبو حمزة المختار في
خطبته في المدينة إلى هذه الميزة التي يتحلى بها جيشه حيث يقول:
فأقبلنا من قبائل شتى النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافاً واحداً قليلون مستضعفون في الأرض، فإوانا الله وأيدنا بنصره، وأصبحنا والله بنعمته إخوانا (2)
هذه الجماعية تتمثل كأجلى ما تكون في أن نظام الدولة عند الإباضية إنما يعود إلى الجماعة التي ترشح وتنتخب الإمام وفق شروط ومواصفات دقيقة صارمة.
إن الحرص على الروح الجماعية ثمرة هذا المنهج الرباني الذي اختاره للمسلمين نظام حكم، فكانت القرارات لا تتخذ بطريقة فردية، وذلك ما أضفى على الحكومات الإباضية سواء في عمان أم في المغرب الإسلامي، أم في حضرموت، أم في اليمن، أم في الحجاز ما يمكن أن نسميه الديمقراطية
الإسلامية.
إن الإمام عند الإباضية يجب أن يختار من قبل الأمة اختياراً حراً، ليس
1 - أحمد سليمان معروف مرجع سابق، ص 101
2 سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية، ص 206.
239 (1/239)
صفحة 240
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضية
لاعتبارات الأصل والقبيلة أو الجنس وزن فيه كما أن الأمة تحتفظ لنفسها بحق عزل الإمام إذا أخل بشروط العقد بينه وبين الجماعة، وقد تعلق الأمة أو تؤجل اختيار الإمام في ظروف معينة، أو بسبب عدم وجود مرشح كفؤ لهذا المنصب» (1).
والواقع إن كل الذين كتبوا عن دول الإباضية ينوهون بهذا النظام الإسلامي الأصيل، فقد استوقف الكتاب قديماً وحديثاً وهم يتحدثون عن النظام الشوري الذي تميزت به الدولة الرستمية وهو الذي أثمر لها العدالة والازدهار والاستقرار، فلقد كان الإمام المؤسس عبد الرحمن بن رستم معروفاً باستشارته أهل الحل والعقد من حوله، لا يقطع أمراً دونهم، ولا يبث في قضية دون الاستئناس برأيهم، وقد شهد على ذلك مؤرخ هذه الدولة ابن الصغير على الرغم من أنه كان من القالين للمذهب الإباضي كما صرح بذلك (2). ويمكن متابعة هذه المشاهد الإسلامية في الإمامات التي تعاقبت على عمان ولاسيما في الإمامتين الأولى والثانية (3)، ولم يقتصر الأمر في اتباع هذا المنهج الجماعي الشوري على حالات الظهور، بل ظل منهجاً مختاراً، وأصلاً متبعاً حتى في حالات الكتمان.
فالناظر في التنظيمات التي بنيت عليها المجتمعات الإباضية في هذه
1 - د/فاروق عمر: التاريخ الإسلامي ... ص، 46.
2 - يراجع، ابن الصغير: تاريخ الأئمة الرستمية، ص 37، 38.
3 - يراجع د/عبد جابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي، ص 70 - 92
240 (1/240)
صفحة 241
من الأصول العقدية
لَمُ الدَّعَوم
المراحل، يلحظ أن النظام الاجتماعي قائم على الجماعية، أولاً وقبل كل شيء، فالزعامة الفردية لا وجود لها، ولا يمكن لها أن تعيش إلا في ظروف استثنائية، فحلقة العزابة أو علماء الدين هي قمة هذا الهرم الاجتماعي). ومجلس (الأعيان) يتكون من رؤساء العشائر وشيوخ القبائل، ومجلس (إمَصوردان) و (ايروان) يضم حفظة كتاب الله، ومجلس (المكاريس) يضم حراس البلدة والقائمين على شؤون الدفاع، وهكذا فإن النظام الاجتماعي يتسع على شكل دوائر متداخلة كل دائرة تحتوي على جماعة أو مجموعة تعمل بانسجام كامل، وتناسق دقيق فيما بينها.
: الإمامة وشروطها:
لعل من أهم الوسائل التي يعتمدها الإباضية في تطبيق منهجهم الدعوي
ما يعرف عندهم بنظرية الإمامة، والذي يعود إلى كتب الفقه عندهم يلحظ اهتماماً بارزاً. بهذا الجانب، يدلُّ على تخطيط فكري عميق، وفهم لسياسة
الحكم مما ينفي عنهم ما يلصقه بهم بعض الكتاب المعاصرين من أنهم بدو لا يفهمون أصول الحكم، ولا قوانين تسيير الدول، وقد كذب التاريخ هذه الدعاوى، لأنهم استطاعوا عبر تاريخهم الطويل أن يطبقوا نظرياتهم في الحكم تطبيقاً دقيقاً، سواء في الإمامات المتعاقبة في عمان أم في التجربة
الإسلامية الرائدة تحت ظل حكم الدولة الرستمية في المغرب الأوسط. والذي يهمنا هنا هو الجانب الذي له علاقة بالمنهج الدعوي، لأنّ
1 - أفردنا فصلاً خاصاً لهذا النظام نظراً لأهميته في تجسيد الفكر الإباضي في هذا الصدد.
241 (1/241)
صفحة 242
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباضي
الإباضية عندما اهتموا بهذا الجانب في مجتمعاتهم، كان ذلك استجابة لمبدإهم الرافض للملك العضوص، والحكم المفروض، فما الذي تقوله كتب الفقه عن وجوب الإمامة وفرضيتها؟
الإمامة، وهي. حق
يقول الفقيه أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي من فقهاء القرن الثالث الله الهجري: «وإن من دين الله، واجب على عباده لإقامة الحدود، وإنصاف المظلوم، والحكم بين الناس عامة، وقد قال الله عزّ وجلّ: وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]، وقال تعالى:
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَهَمَّةً يَهْدُون يأمرنا .... [السجدة: 24] فإذا ظهر المسلمون اجتمع في الأرض فقهاؤهم ذوو الرأي وأهل الفضل منهم، واجتهدوا الله لا لطاعتهم لا يريدون أن يملكوه، ويعملون ما شاء الله ولكن أرادوه أن يملك الأمور بالعدل واتباعاً لمرضاة الله لا لمرضاة أنفسهم (1).
يقول الشيخ خميس بن سعيد الشقصي: «والإمامة فرض من فرائض الله، وواجب من واجباته وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن
الباقين» (2).
1 - كتاب الأحداث والصفات، تحقيق د/ جاسم الدرويش، نشر وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان، ط 1، 1986، ص 60.
2 منهج الطالبين، ج 8، ص 308
242 (1/242)
صفحة 243
من الأصول العقدية
ويقول الشيخ أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي في المصنف: «والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال فمن الكتاب قوله تعالى: أَطِيعُوا الله واطيعوا الرسول وأولى الآتي من تو کيا کيا [النساء:59]، فطاعة أولي الأمر منا معشر المؤمنين واجبة علينا طاعة الله ورسوله بشرط أن يسير هؤلاء الأئمة على نهج كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وأما إذا انصرفوا عن الحق وضلوا عن سواء السبيل هنا نقول: لا طاعة لهم علينا».
هذا عند المشارقة، وعند المغاربة يقول الشيخ تبغورين بن عيسى (ق: 5 هـ): «وعقد الإمامة فريضة عندنا لفرض الله الأمر والنهي، والقيام بالعدل، وإقامة الحدود، على ما بينه في كتابه، فاجتمعت الأمة على أن هذه الحدود مع وجوبها لا تقام إلا بالأئمة وولاتهم، فثبت أن عقد الإمامة على المسلمين واجب وحق لازم».
أما الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (ت: 1914 م) فيرى أنها من الأصول، لما صح عن عمر وغيره من الأمر بقتل من تعين نصبه إماماً فأبى قبولها، وفي شرح النيل يقول: «إنّ الأمر والنهي لا يتمان إلا يامام عدل، فنصبه واجب إذا كان المسلمون على نصف عدد عدوهم الذي يتقون شوكته» (1).
وتعتبر هذه القضية من أهم القضايا التي تميز بها الإباضية عن الخوارج
-1 - يراجع شرح النيل، ج 14، ص 308. المصنف، ج 1، ص 53. كذا شرح عقيدة التوحيد ص.44. أيضاً عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية، ص 137.
243 (1/243)
صفحة 244
من الأصول العقدية
قبل الدعوة عند الأباضي
تنصيبه يثير الفتنة منهم
الذين يرون عدم وجوب تنصيب الإمام زعماً أن لاختلاف أهواء الناس عند الاختيار، مما يتعين معه عدم الاتفاق على
تنصيب إمام واحد يتفق حوله الإجماع. وقد رد عليهم الشيخ اطفيش بقوله: إن هذا الاختلاف] نفسه أدل على الوجوب، وإنما يقدم الأعلم فإن تساويا يقدم الأورع، وإن تساويا يقدم الأسن، وقد يقدم الأليق مع وجود الأعلم، وهكذا تتجنب الفتنة بهذا التفضيل، ومن أبى ففاتن وفئته
باغية، ولا تخلو الدنيا من إنكار حق، وقبول باطل ... (1).
هنا ومن
يتبين لنا أن الإمامة عند الإباضية من هذا المنظور الديني الأصيل هي في حقيقة الأمر عقد شرعي بين الإمام والرعية التي اختارته، وبموجب العقد يكون للإمام على الرعية الولاية، والطاعة أما إذا أخل بواجباته فالرعية عندئذ تكون في حل من الإمام بعزله والبراءة منه.
وقد توسع الإباضية في هذا الموضوع بما أوردوه من أدلة عقلية ونقلية مبثوتة في كتب الفقه عندهم، ليس هنا محل ذكرها. ورغم ما تقدم من اقتناع الإباضية بضرورة وجوب الإمامة، إلا أنهم يقيدون هذا الوجوب بشروط عامة وأخرى خاصة تخضع للعوامل والظروف السياسية والأمنية التي يكونون عليها، لذا فإنهم يضعون جملة من الشروط التي ينبغي توفرها حسب الحالة التي يكونون عليها وهي حالات أربع الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان.
1 - شرح عقيدة التوحيد، ص 44، بتصرف
244 (1/244)
صفحة 245
من الأصول العقدية
منهم الدعوة
فالمقومات الأساسية لقيام الدولة أو لقيام الإمامة في حالة الظهور يحددها الشيخ اطفيش بقوله: «ما يكفي من سلاح، وكراع، وعلم، ومال.» وعند النظر في هذه الشروط يتبين لنا أنها شروط موضوعية، إذ بدونها لا يمكن قيام دولة قوية متوفرة على وسائل القوة والتمكين.
فالسلاح رمز القوة، والحصانة الأمنية، داخلاً وخارجاً. وهذا يستتبع
بطبيعة الحال جيشاً مدرباً، كفؤاً، قادراً على حماية الدولة.
الكراع ويرمز إلى الوسائل والتجهيزات السلمية والحربية، وهي غير محددة، فإذا كانت كلمة (الكراع) يراد بها الخيل والبغال والحمير، التي منها اللباس والأكل والشراب، والتنقل، فإن هذا التفسير يتطور ولا شك حسب تطور الأزمنة والأمكنة.
العلم: رمز للمعرفة الضرورية، فبدون العلم لا يمكن ضمان الجوانب الأخرى، بل إن العلم مطلوب قبل السلاح والكراع ولاسيما إذا فسرناه بالمفهوم الحديث الذي هو التكنولوجيا والصناعة، فهل يعقل أن تقوم أمة دون علم حتى مع وجود السلاح عندها، فإن الصاروخ والطائرة لا تقاد ولاتدار بجهل. وسوف نرى كيف يشترط الإباضية هذه الصفة اللازمة في الإمام
نفسه.
المال وهو قوام الأعمال، وبدونه لايقوم نظام ولا كيان.
245 (1/245)
صفحة 246
من الأصول العقدية
منح الله
صفات الإمام:
جاء تحديد هذه الصفات في سيرة أبي المؤثر على النحو التالي: «ثم يختارون الله أفقههم، وأعلمهم وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الحكم بالعدل، وعلى محاربة العدو، والذب عن الحريم، وعلى جباية مال الله من حله، وإنفاقه في أهله، وإن لم يجدوا عالما فقيهاً فلا بد من هذه الخصال، وأقل ما يكون من علم الإمام والوالي أن ينظر في الولاية والبراءة، ثم مع ذلك لا يدع التعليم ولا يدع مشاورة أهل الفقه من
المسلمين ... » (1)
وبعض النصوص تؤكد على شروط تتعلق بالجانب الخلقى والخُلُقي معاً، من ذلك ما جاء في هذا النص أن يكون رجلاً مسلماً، إباضياً، حراً، عاقلاً، لا أصم، ولا أخرس ولا أعمى ولا مجنوناً ولا خصياً، ولا حسوداً، ولا كنوداً، ولا كذاباً، ولا مخلف وعد أو عهد، ولا سيء الخلق، ولا بخيلاً، ولا أبله، ولا عاجزاً، وأن يكون متواضعاً الله من غير ضعف، والخشوع في غير ذل، ومزايلة الكبر والفخر».
وزاد بعض العلماء ومنهم الشيخ الحضرمي، والشيخ اطفيش أن يكون
فصيحاً باللغة العربية، وأن يكون ممن لم يقم عليه حد من قطع أو جلد. وإذا نظرنا في هذه الصفات وجدناها تركز على الصفات الخلقية والخلقية معاً، بما له صلة مباشرة في توجيه الرعية وزعامتها، ورياستها في
1 - أبو المؤثر: مرجع سابق، ص 61.
246 (1/246)
صفحة 247
من الأصول العقدية
السلم والحرب.
وقد يقال وما علاقة الشرط المتعلق بكمال اليدين والرجلين والحواس الأخرى، وعلة هذا الشرط واضحة لأن لها علاقة مباشرة بالجانب النفسي، فالمسؤول والقائد ينبغي له ألا يكون ضحية عقدة من العقد النفسية، إضافة إلى كون هذه العاهات قد تعيق الإمام عن أداء مهامه القيادية الإدارية منها والعسكرية، والتوجيهية.
كما يدل استثناء الإباضية للمرأة، والعبد والطفل، لعلل النقص الموجودة في هذه الأصناف، فالمرأة ناقصة عقل ودين، وقد جاء الحديث: «لن يفلح قوم أمروا امرأة)، والعبد المملوك لا يستطيع التصرف في نفسه فكيف في غيره، والطفل ناقص عقلاً، ولا تجوز إمامة من رفع عنه القلم إذ من لم يكن عليه حساب ولا عقاب لا يمكن أن يحاسب الناس أو يعاقبهم (2). ونلحظ أيضاً في تلك الشروط التأكيد الإجماعي على صفة العلم المقدمة على الصفات الأخرى لخطورة العلم وأهميته فإذا تقدم للإمامة شخصان متكافئان، فإن المميز الذي يرجح أحدهما على الآخر هو العلم فإن تساويا
فالأورع. بل إن علماء الإباضية وفقهاءهم يعلقون إعلان الإمامة وقيامها أساساً
-1 حديث صحيح تراجع الصحاح.
2 - يراجع، مالك بن سلطان الحارثي: نظرية الإمامة عند الإباضية، مطبعة مسقط، سلطنة
عمان، 1411 هـ / 1991 م. ص.
39
247 (1/247)
صفحة 248
من الأصول العقدية
بوجود
منح الدعوة عند الأباضية
العلماء بأصول الدين وفقه الشريعة الإسلامية، لأن المفروض في الإمام أن يكون قائد أمة في جميع مجالات حياتها وليس أهم في المجتمع الإسلامي من الدين، فيقول الإمام أبو إسحاق ابراهيم بن قيس الحضرمي في كتابه مختصر الخصال (1): «والذي يوجب الإمامة ثلاث خصال أحدها قوة أهل الدعوة: وذلك أن يغلب على ظنهم أن يغلبوا أهل الباطل، والثانية: أن يكون أهل الدعوة أربعين رجلاً أحراراً بالغين أصحاء ليس فيهم أعمى، الثالثة: أن يكون فيهم ستة رجال فصاعداً أهل علم بأصول الدين، والفقه، ذوي ورع وصلاح في الدين. فإذا اجتمع لأهل الدعوة هذا الوصف، وجب أن يعقدوا الإمامة لأفضلهم في الدين والعلم والورع».
ومما أكد على اعتبار هذا العنصر أساسياً في اختيار القيادة الراشدة ما طبقه خليفة الإمام جابر بن زيد القائد المحنك أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي أقام نشاطه السياسي السري على التكوين العلمي الصحيح لمن يطلق عليهم «حملة العلم» الذين أوفدهم بعد تكوينهم العميق إلى المشرق والمغرب، وكانوا فعلاً أعلاماً في العلم، وقادة في الحكم في كل من عمان، وخراسان، والمغرب، والحجاز، واليمن، وحضرموت. يكفي أن نستحضر هنا للتذكير لا الحصر طالب الحق في اليمن وحضرموت وأبا حمزة الشاري في الحجاز، وأبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح، وعبد الرحمن بن رستم في المغرب، إلى جانب ضمام بن السائب، وأبي صالح نوح بن الدهان، ومحبوب بن الرحيل، وغيرهم
كثير.
1 - مختصر الخصال، ورقة 70 ب.
248 (1/248)
صفحة 249
من الأصول العقدية
اللغة غَة
وماكان ترشيح الإمام أبي عبيدة لأبي الخطاب إماماً يقوم على إنشاء أوَّل دولة إباضية بالمغرب إلا على هذا الأساس، فقد اختاره من بين إخوانه الأربعة الآخرين وهو طالب بالبصرة، لأنه رأى فيه من الصفات العلمية والخلقية ما يرشحه لهذا المنصب الخطير.
وإذا تتبعنا تعاقب الإمامات في عمان وجدناها في الأغلب الأعم قائمة على أئمة عدول علماء، وإذا كان في الإمامة شخص غير بارز علمياً فإنه يستعين بطائفة من الفقهاء والعلماء الذين يساعدونه في الحكم، وإدارة شؤون البلاد، ولعل هذا الاعتبار هو الذي جعل أولئك الحكام يولون أهمية كبرى لمن يتولى القضاء لأنه يمثل قمة العلم والفقه عادة في عصره.
والناظر في الزعامات الروحية الإباضية بدءاً من الإمام جابر بن زيد إلى يوم الناس هذا، يجدها مبنية على هذا الأساس، قائمة على العلم أولاً وقبل كل شيء، والعلم المقصود هنا هو العلم بالشريعة الإسلامية والتعمق في معرفة
الحلال والحرام، والتمرس على فهم كتاب الله وسنة نبيه الكريم. وقد أشار إلى هذه الخصيصة الإمام طالب الحق في خطبته التي ألقاها عندما دخل صنعاء حيث يقول: «أيها الناس من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الألم في الله تعالى، يُقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، فما نسيهم ربهم، وما كان ربك نسياً» (1).
جنب
وما كان هذا الموقف من طالب الحقِّ إلا تذكير وتأكيد على عقيدة
1 - الأغاني ج 20، ص 99.
249 (1/249)
صفحة 250
من الأصول العقدية
الأباضية
اعتقدها الشراة وأقاموها ركيزة متينة للحكم، فساروا عليها أولهم وآخرهم. ويقول مهدي طالب هاشم، معلقاً على هذه الميزة عند الإباضية: «وهذه الخصلة التي ذكرها أبو إسحاق (الحضرمي) إنما تعبر عن واقع عاشته الدعوة الإباضية فعلاً في حروبها، فكان للواقع السياسي أثر في التشريع
الإباضي ولا نغالي إذا قلنا إن الفقه الإباضي عملي، ويمثل انعكاساً للظروف التي مرت بها الدعوة فقد لاحظنا اشتراك علماء الإباضية في معارك اليمن، والحجاز، كما لاحظنا دور (حملة) (العلم العمانيين في تأسيس الإمامة الإباضية والثانية بعمان ... » ويضيف قائلاً:
الأولى
ولا شك أن هذه الخصلة من ألمع الأفكار من الناحية الشرعية، لتضمن الجانب الشرعي في هذه الحروب، ولتجنب الدعوة إلى الانشقاق، وقد لاحظنا ثناء المؤرخين على الإمام الإباضي عبد الله بن يحي الكندي في اليمن، وحسن سيرته، نتيجة للتطبيق العملي والنظرة المعتدلة التي حملها قادة
الجيوش الإباضية بفعل وجود أمثال هؤلاء العلماء.» (1)
واجبات الإمام وسلطاته:
لا يتمتع الإمام الإباضي بمنزلة خاصة ترفعه عن المسلمين محاباة وتملقاً، وليس له امتيازات معينة مقابل مسؤوليته التي تحملها، لأن المسؤولية عندهم
تكليف لا تشريف. يقول شبيب بن عطية العماني:
-1
- مهدي.
طالب هاشم مرجع سابق، ص 302.
250 (1/250)
صفحة 251
من الأصول العقدية |
من الدعوة عندالة
«إن الإمام رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، ليس له أن يستحل ماحرمه الله، وقد ولاه أمر عباده لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، بل تزيده الولاية لحق الله تعظيماً، كما قال خليفة الله أبو بكر للمسلمين: إبي وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني،
أطيعوني ما أطعت الله فيكم، وإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.» (1) ويؤكد العقد بينه وبين المسلمين على أن يكون الأمين على بيت مال المسلمين وعلى، دولتهم وعليه ألا يحتجب عن الرعية إلا في وقت لا بد له، لقوله عليه السلام: «من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم،
حجبه الله عن حاجته يوم القيامة» (2).
وعلى الإمام أن يتعاهد رعيته ولا يغفل عنهم، فإن عمر ه كان يولي الأمناء، ويجعل عليهم عيونا، وعلى العيون عيوناً، فإن لم يفعل ذلك فهو مقصر خسيس المنزلة ... وعلى الإمام مراعاة، رعيته والحدب عليهم، والاجتهاد في مصالحهم، وتفقد أحوالهم بلا حيف على أحد ... وعليه أن يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويفتح لهم، بابه ويباشر أمرهم بنفسه، وعليه أن يستشير صحابته، ويطلب النصح منهم ... والمشورة على الإمام فرض وقيل إنها ندب، فإذا اشترطها المسلمون عليه صارت فرضاً واجباً، فإذا تركها زالت إمامته
1 - يراجع السير الإباضية (مخ) ورقة 120.
2 - د/ فاروق عمر: التاريخ الإسلامي، ص 49 نقلا عن الصائقي: كنز الأديب وسلافة اللبيب، مخ جامعة كمبردج ورقة 182
251 (1/251)
صفحة 252
من الأصول العقدية
وسقطت عن الرعية طاعته.
الدعوة عند الأباضية
عبر
وعندما نعرض هذه الشروط الإسلامية الرائعة على الواقع الإباضي. تاريخ جماعاتهم يتبين لنا بكل موضوعية أن هذه الشروط لم تكن مطبقة في كل الحالات، على أن بعض دولهم تميزت حقاً بتطبيقها الميداني فغدت مثالاً للشورى والديمقراطية، ونضرب لهذا مثلاً بالدولة الرستمية التي أشاد بحضارتها الإنسانية الإسلامية القدامى والمحدثون، العرب والأجانب.
وقد توفرت في إمامها الأوَّل عبد الرحمن بن رستم الصفات التي لخصها الشماخي بقوله: «لفضله، ولكونه من حملة العلم، وكونه والياً لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح على إفريقية ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل.» (1) فقد توفرت في الإمام الأوَّل شروط أربعة ذوات طبيعة مختلفة: أولها أخلاقي، وثانيها علمي، وكل من ثالثها ورابعها سياسي، أما البرنامج الذي على أساسه تمت البيعة فالعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وآثار الراشدين، وعلى هذا الشرط قبل عبد الرحمن إمامتهم، واشترط عليهم هو الآخر الطاعة في الحق ... ) وهذه المقارنة الواقعية التي أكدها ابن الصغير (عاش في القرن الثالث الهجري تنفي ادعاء من يقول إن الإباضية عندما عارضوا علياً، أو عندما ثاروا ضد الأمويين كانوا مثاليين عاطفيين، لأنهم عندما أتيحت لهم فرصة تكوين كيان خاص بهم لم يطبقوا تلك المبادئ في ديمقراطية الحكم، وإنما لجؤوا إلى الملك العضود والنظام الوراثي، وهذه مغالطة لأن
-1
الشماخي: السير، ص 5.
2 - د زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي، ص، 299.
252 (1/252)
صفحة 253
من الأصول العقدية
من الدعوة عند الاباض
كتب التاريخ تشهد أن الرستميين كانوا يطبقون الشورى والانتخاب عند تولية كل إمام وما ذنب الرستميين أن كانت الكفاءة والنزاهة والتقوى ترشحهم كل مرة للفوز برضى الأمة التي ارتضتهم.
ومهما يكن من أمر فإن العبرة بالاستقرار والازدهار، والأمن، والرخاء، والعدالة التي استطاعت الدولة الرستمية أن توفرها لرعاياها على الأقل في سبعين سنة الأولى من وجودها.
فقد ازدهرت عاصمتها حتى صارت مجمعاً للتجار والعلماء والطلبة من جميع أنحاء العالم الإسلامي، واكتسبت شهرة عالمية لدرجة أنها سميت عراق المغرب تشبيهاً لها ببلاد العراق في المشرق، وهي المعروفة بازدهارها واصطخابها بمختلف ألوان الثقافات والملل والنحل ... (1)
مسالك الدين:
مسالك الدين مصطلح حضاري يستخدمه الشراة ويريدون به الحالات الأربع التي يمكن أن تكون عليها الأمة، وهي الغلبة والانتصار (الظهور)، والاستهداف للعدو الخارجي والداخلي (الدفاع)، وفي حالة العمليات الفدائية واللجوء إلى الخروج ضد الجورة وهي (الشراء)، وفي حالة الهزيمة والضعف وهي (الكتمان).
وسوف نرى أن هذا النظام السياسي الدقيق هو الذي ميز الشراة
1 - يراجع، د/أحمد مختار العبادي: في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية، بيروت
1971، ص 175.
253 (1/253)
صفحة 254
من الأصول العقدية
الدَّعَوَةُ
الإباضية عن الخوارج، فاستطاعوا لمرونتهم ووعيهم التكيف مع الواقع وبالتالي المحافظة على جماعاتهم عبر التاريخ.
-
وبما أننا لسنا معنيين في هذه الدراسة بالوقوف عند تفاصيل هذا الموضوع ـ لأن مكانها كتب السياسة الشرعية والأصول وعلم الكلام وما أشبه. فإننا نكتفي بالوقوف عند الجانب الدعوي التزاماً بالموضوع الذي اخترناه لهذا الكتاب منذ البداية.
1. امامة الظهور
وهذه المرحلة هي التي ينبغي أن تكون عليها الأمة، متطلعة دائماً إليها في حال عدم الوصول إليها، لأنها هي الأصل الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وعليها توفي، فإن الحدود لاتتم إلا معها، وقد استطاع الإباضية تحقيق هذه المرحلة في عمان، والمغرب، بظهور دول لهم كان لها في التاريخ الإسلامي شأن
عظيم.
ومعنى الظهور في نفسه هو ظهور العدل والحق وأهلهما وحكمه وهو الغالب، فيكون الباطل عندئذ مستخفياً. ويقول الشيخ اطفيش عن شروط هذه المرحلة: «إذا كان المسلمون ذوي عدة وقوة في المال والعلم بدين الله وإقامة أمره وحدوده مكتفين بما معهم من المال والعلم لما يأتي عليهم من حوادث الأمور ويغشاهم من متشابه النوازل، كان الواجب أن يختاروا من
أفاضلهم إماماً يقيم شأن دينهم ...
1 - أطفيش: شرح النيل، ج 14، ص 308.
(1)
254 (1/254)
صفحة 255
من الأصول العقدية
ويقول الشيخ ابن محبوب: «إن كانت لهم قوة جاز لهم عقد الإمامة لرجل منهم أمين ثقة. (1)
وإذا توفرت هذه الحالات المذكورة تصبح الإمامة فرضاً واجباً وعلى أتباع المذهب في هذه الحالة أن ينتخبوا واحداً كفؤاً من بينهم، وتتم مبايعته
بالإمامة يسمى إمام الظهور أو إمام البيعة (2).
2 - إمامة الدفاع:
تعد إمامة الدفاع عند الإباضية مرحلة من مراحل الإمامة، تكون أقل درجة وشأنا من إمامة الظهور، لأنّ الأمة لا تلجأ إليها إلا إذا ضعفت، ويكون المسلمون عندها أقل شأناً. من أن يستطيعوا إقامة دولة لهم قوية تجمعهم، وتحميهم. ويمكن تلخيص موجبات الدفاع فيما يلي:
أ ـ مداهمة العدو للأمة وسيطرته على الوضع وقد يكون هذا العدو من
الداخل أو من الخارج.
ب -
تفشي الفساد وكثرة الظلم بسبب انحراف الإمام عن الجادة، وتخليه عن الأمانة، وفي هذه الحال يجتمع المسلمون على إمام ينصبونه وتجري عليه الأحكام التي تجري على الإمام الشرعي في الحالات الأخرى. ومن حقوقه على الأمة الطاعة الكاملة ومن واجباته الثبات في ساحة المعركة،
1 - المصدر السابق، ص 313
2 - د/ خليفات: النظم الاجتماعية .... ص 110. يراجع، مالك بن سلطان الحارثي: مرجع
سابق، ص 8 - 32
255 (1/255)
صفحة 256
من الأصول العقدية
والصبر عند مواجهة الأعداء، ويغدو الدفاع فرض عين على كل قادر حتى يأتي النصر من عند الله، فإذا هدأت الأوضاع، واستقرت أصبح واحداً من أفراد الأمة فتزول إمامته بزوال، موجباتها وقيل يجوز نصبه على استمرار بلا
قيد.
وكمثال على ذلك دفاع الإمام أبي حاتم الملزوزي جيوش الأمويين في
المغرب الأدنى حتى استشهد.
ومن
الأمثلة التاريخية عن هذه المرحلة ما شهده عمان ما بين مرحلة الإمامة الأولى 133 هـ والإمامة الثانية 177 هـ، ففي هذه المرحلة ظل الأئمة يقاومون العباسيين دفاعاً مستميتاً إلى أن نجح الإمام محمد بن عبد الله بن أبي عفان من هزيمة آل الجلندى أعوان العباسيين وإعلان الإمامة الثانية
سنة 177 هـ.
3 - إمامة الشراء:
وهو في اصطلاح الشراة لفظ يقصد به جماعة تتركب من أربعين رجلاً فما فوق، اشتروا آخرتهم بدنياهم، بمعنى أنهم تخلوا عن الدنيا، وعاهدوا الله على إنكار المنكر والأمر بالمعروف بدون مبالاة ولا خوف من الموت، ولو أدى بهم ذلك إلى الفناء الكلي. وقد أخذ المصطلح من قوله تعالى: لال ومن الناس من يشرِى نَفْسَهُ ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد [البقرة: 207]. وهم يسمون أنفسهم شراة لأنهم باعوا
أنفسهم من الله، بالجنة ويجب على البائع تسليم المبيع للمشتري.
256 (1/256)
صفحة 257
من الأصول العقدية
مَعَ اللغوي
وإذا حزموا أنفسهم على الشراء فإنهم يختارون إماماً يسمى الشاري، ويبايعونه على القتال، وجهاد الأعداء حتى النهاية، أو لا يبقى منهم سوى ثلاثة رجال
في بعض الأقوال، وعلى الإمام حينئذ أن يقوم بتنفيذ الأحكام الشرعية، من جباية الأموال، وإقامة الحدود، كما فعل الإمام. أبو الشراة – أبو بلال
مرداس بن حدير وأخوه عروة وغيرهما.
—
والشراة لا يستقرون في مكان معين أوطانهم سيوفهم، وليس لهم أن يرجعوا عن ذلك حتى تفنى أرواحهم، ولا يجوز لهم استعمال التقية لأنهم وهبوا أرواحهم الله.
ولعل أهم مثال في تاريخ الشراة عن هذه المرحلة هو النهاية الإستشهادية التي انتهت بها حياة أبي بلال ومن معه وهو يحارب حكام الجور من بني أمية، كما مر ذلك معنا مفصلا في هذا الكتاب.
4 - إمامة الكتمان
إذا ضعفت الأمة حتى عن هذه المرتبة (الشراء)، انتقلت إلى التنظيم الأخير في المراحل أو المسالك وهو الكتمان، وعندئذ يجب أن يعوضوا الجهاد الميداني بجهاد سري يعتمد على المؤسسات الخيرية والجماعات الدينية والحلقات التوجيهية وما أشبه تبث فيهم الهداية وتملأ قلوبهم بالصبر والثبات، وتنشر
فيهم المعرفة والثقافة الإسلامية التي تبصرهم بدين الله حقوقاً، وواجبات. والواقع إن المتأمل في هذا التنظيم السياسي الدقيق يلحظ الفوارق الهامة بين الفكر والمنهج عند الإباضية وبين غيرهم من الخوارج)، إذ دلّ هذا التنظيم على وعي سياسي عميق، وتفهم للأوضاع الصعبة التي مرت بها دعوتهم عبر
257 (1/257)
صفحة 258
من الأصول العقدية
الدعوة عند الأباضية
صراعهم الطويل من أجل البقاء، وفيم كتب الانقراض على الفرق الخارجية لعدم مرونتها، فإن قادة الإباضية كانوا أكثر فهماً وموضوعية في إدراكهم لطبيعة الكيانات السياسية التي تعاملوا معها عبر الأزمنة والأمكنة ... فاتبعوا الأساليب المناسبة بما يعزز استمرار وجودهم، وانتشار دعوتهم، وأخيراً قيام دولتهم في المشرق والمغرب ونتيجة لهذا الإدراك السياسي كانت هذه الحالات الأربع الكتمان الدفاع الشراء، الظهور) نموذجاً للمراحل التي
مرت بها الدعوة مستعملة لكل منطقة سلوكاً يلائم الأحوال السياسية فيها
موقف الإباضية من حكام الجور
(1)
من أهم نقاط الخلاف بين الإباضية وغيرهم الموقف من حكام الجور، ففيما يرى أهل السنة عدم جواز الخروج على الحاكم ولو كان فاسقاً فاجراً، ظالما. يرى الإباضية جواز ذلك بل وجوبه في بعض الحالات التي فصلت كتبهم الفقهية الحديث فيها تفصيلاً.
والواقع إن هذا الموقف يعود إلى نظرتهم إلى الحاكم وصفة الحاكم المسلم التي من أهمها اتصافه بالعدل والنزاهة والوفاء بما عاهد الله عليه، وقد تجلى هذا من موقفهم الذي يدينون به من فتنة الخليفة عثمان بن عفان، فإن بعض أسلافهم لا يرون الحياد في هذه الفتنة بحجة أن ذلك ترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما واجب كل مسلم وقد جاء ذلك في سيرة شبيب بن عطية
1 مهدي طالب هاشم: مرجع سابق، ص 300
258 (1/258)
صفحة 259
من الأصول العقدية
منح الدعوة عند الأباض
العماني (1) حيث يهاجم الذين وقفوا على الحياد أثناء الفتنة بعد مقتل عثمان وما أعقبها من حروب بين علي وخصومه ويؤكد أنه لا بد من اتخاذ موقف، وأن الموقف الذي تبناه (الخوارج) هو الموقف الصحيح، ويسند ذلك بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية ترى بأنه يجب على المسلمين أن يثوروا على المنكر، ويردعوا الظالم (2).
ويرى شبيب بأن الفرقة الناجية هم جماعة المسلمين الذين اجتمعوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأطاعوا الله ورسوله، واتبعوا ما فارقوا عليه نبيهم، ليس كما قالت العماة الضلال إن النجاة باتباع الكثرة والجماعة.» ويرد شبيب على الحديث الذي يدعو إلى القتال تحت لواء أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، ويعتبرها أحاديث موضوعة لخدمة الملوك والجبابرة، ويستطرد شارحاً بأن الطاعة كانت لله في الجماعة الإسلامية الأولى، ولكن طاعة الجبابرة غير لازمة لأنهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن
المنكر ... (3)
ويؤكد شبيب أن صفة المروق من الدين المدعاة ضد الخوارج من حقها
1 - أهمية هذه السيرة أنها تعود إلى صاحبها الذي عاش في القرن الثاني الهجري، وهي فترة تبلور الدعوة الإباضية ونجاحها في تأسيس الإمامة الإباضية الأولى في عمان، وكان صلباً في دينه شديدا على الجبابرة، داعياً إلى مخالفتهم، لم يكن إماماً منصوباً وإن كان محتسباً جابياً. ينظر البطاشي: إتحاف الأعيان، ج 1، ص 137. 2 - يراجع سيرة شبيب بن عطية ضمن سير الإباضية (مخ) مكتبة السيد محمد بن أحمد، السيب. (سلطنة عمان).
3 - يراجع، د/ فاروق عمر: مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني، بغداد 1979، ص 57.
259 (1/259)
صفحة 260
من الأصول العقدية
منهج الدعوة عند الأباضية
أن تكون من نصيب هؤلاء الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وادعوا الحجة والعذر لأنفسهم مالم يأذن الله به فهم حين وقعت الفتنة واختلطت الأمور زعموا أنهم لا يعرفون المخرج منها، ولا يعرفون المحق من المبطل، ولا يعرفون الظالمين، ولا يعرفون المهتدين (1).
الله
ويؤكد هذا النهج أبو المؤثر الصلت بن خميس الذي عاش في القرن الثالث الهجري حيث يقول: «قد بين المسلمون الإباضية) أن الجبابرة وأتباعهم وكل من بغى على المسلمين فامتنع بحق من حقوق الله، وحد من حدوده، أو حكم بغير ما أنزل الله فكل هؤلاء ضالون كافرون، منافقون، فاسقون يدعون إلى ترك ما كفروا، والدخول فيما منه خرجوا من دين فإن أجابوا إلى ذلك وفاؤوا إلى أمر الله أخذ منهم ما وجب عليهم من الحقوق، وأجريت عليهم أحكام الكتاب والسنة، وإن امتنعوا صاروا بغاة فاسقين حلال دماؤهم، يقتلون حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحهم. لا غاية لقتالهم في ذلك إلا إلى هذه الغاية من فناء أرواحهم ونزولهم على حكم كتاب الله القائ ل اللهِ فَقَتِلُوا الَّتي تبغي حتى تفية إلى أمر الله الله [الحجرات:9].» (2).
والإباضية بقدر ما شددوا في عدم التهاون في مقاتلة الباغي والجائر على النحو الذي رأيناه، فإنهم شددوا في وجوب طاعة الإمام العدل. «فإذا
1 - المصدر السابق.
2 - يراجع السير والجوابات، ج 2، تحقيق اسماعيل الكاشف وزارة التراث القومي، عمان،
ص 298.
260 (1/260)
صفحة 261
من الأصول العقدية
ثبتت بيعته وجبت طاعته، فمن بغى عليه وامتنع من طاعته، دعي إلى ذلك، فإن امتنع قوتل حتى تفنى روحه، أو يفيء إلى أمر الله، ويدخل فيما خرج منه
من
طاعة الإمام
العدل.» (1).
والحق لقد أكدت الأيام وتجارب الأمم مع الحكام صواب نظرة الإباضية الحازمة في التعامل مع الجبابرة والطغاة من الحكام، وفيم عدها بعض الكتاب المعاصرين خروجاً عن السنة إلى الابتداع عدها كتاب مستنيرون آخرون بعد نظر، وعملاً بالشريعة الإسلامية التي تفترض أن يكون الحاكم عادلاً، وإلا قومته الأمة كما كان ذلك ديدن الأسلاف الصالحين، وفي هذا المنحى التنويري المعاصر يقول د/محمد عمارة:
«إذا شئنا أن نغرس في عقولنا وقلوبنا وضمائرنا القيم الثورية التي تدعو
من
أن
للخروج على الظلم والطغيان والإحاطة بالظلمة والطغاة، فلا بد لنا نشيع في حياتنا الفكرية المعاصرة ذلك الجانب من تراثنا الذي دعا أصحابه للثورة على الظلم، وقرروا مشروعية استخدام القوة بما فيها القوة المسلحة لتغيير الأوضاع الجائرة المفروضة على الناس وهو الفكر الذي يناقض ويعادي ذلك الذي يدعو أصحابه إلى الاستكانة وتبريرها، وحبذوا طاعة أئمة الجور والظلم والفسق من المتغلبين على السلطة بالقوة دون اختيار من الجماهير، فعطلوا بذلك التبرير والتحبيذ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، تحت مختلف الحجج والمعاذير» (2).
1 - المصدر السابق.
22 محمد عمارة: مرجع سابق ص 18.
261 (1/261)
صفحة 262
من الأصول العقدية
منهج اللغوية
ويقول الدكتور حسين مؤنس في كتابه القيم دستور أمة الإسلام: والخوارج في النهاية هم الذين تمسكوا بالخط الإسلامي القديم، وأنكروا الخلافة الملك) وقالوا إنها ليست إسلامية، وإن الحكم بالقوة والغصب ردة بالإسلام إلى نظم الجاهلية، وتمسكوا بالشورى واحترموا قيمة الإنسان، وقالوا لا حكم إلا لله واختاروا واحدا من عامتهم وهو عبد الله بن وهب الراسبي، وبايعوه بالإمامة على الشورى ... ولكن الخلفاء الملوك حاربوهم باسم الدين وسموهم الخوارج وهم في الحقيقة الدواخل (1).
1 - د/حسين مؤنس مرجع سابق، ص 41.
262 (1/262)
صفحة 263
-
الفصل الثاني
الدور الحضاري
-1 الإعتدال والتسامح
2 نشر الإسلام بشرق إفريقيا وما جاورها
من المشرق الأقصى.
- نشر الإسلام بغرب إفريقيا.
4 حلقة العزابة وبناء المجتمع المسجدي (1/263)
صفحة 264
من الدعوة عند الاباضة
264
|
الدور الحضاري (1/264)
صفحة 265
الدور الحضاري
i
الإعتدال والتسامح:
من اللغة عبد الناصية
دأب المؤرخون القدامى والمحدثون على النظر إلى (الخوارج) من زاوية أحادية تفترض الحق في جانب دون آخر، وتفترض الباطل في جانب دون أخر، ومن هنا كان الحيف وكان الإجحاف، وقد بلغ هذا التحيز أحياناً حد التزوير والتشهير، ولنأخذ كمثال على ذلك ما تصوره بهم المصادر القديمة على أنهم معتدون، متطرفون يحملون السيف لسفك الدماء، أجلاف بداة، لا يرضخون لحاكم، ولا ينقادون لقائد، مع أن هذه المصادر نفسها تعترف بجبروت الأمويين وطغيانهم، فلم لا تكون هذه الشهادة كافية ــ كما هو المفروض - للبحث في الموضوع من الزاوية المقابلة.
حقا كان في الخوارج بعض الفرق التي تطرفت في استعراض الناس نظراً لأسباب تاريخية ليس هنا محل ذكرها، ولكن لا يعني ذلك إطلاقاً أن (الخوارج) كانوا كلهم كذلك، بل إن افتراقهم إلى طوائف كان سببه في غالب الأحيان اختلاف أساسي في منهج الدعوة إلى الله، كما حدث ذلك حين دعاهم الأزارقة إلى الخروج سنة 64 هـ.
(1)
وقد تيبن للدارسين المنصفين أن من أسباب بقاء الإباضية إلى يوم الناس
هذا ـ فيم انقرضت الفرق الأخرى ـ اعتدالهم، وتسامحهم، ومرونتهم
-
1 - يراجع، دارجب عبد الحليم الإباضية، ص 8. أيضاً د/ فاروق عمر: التاريخ
الإسلامي، ص، 64.
265 (1/265)
صفحة 266
الدور الحضاري
من اللغة اعلة الأناضبة
الفكرية والدعوية مع الخصم والمخالف. وكل مواقفهم التاريخية ورؤاهم الفكرية، وأصولهم العقدية تشهد لهم بذلك. وقد جاء هذا الاتجاه مؤكداً في سيرة أحد أئمتهم الأوائل.
يقول الإمام سالم بن ذكوان وهو معاصر للإمام جابر: « ... ثم تتابعت على ذلك خوارج المسلمين يحكمون الله وحده، ويرضون سبيل من مضى قبلهم من المسلمين لا يقتلون ذرية، قومهم ولا يستحلون فروج نسائهم، ولا يتعرضونهم، ولا يخمسون أموالهم، ولا يقطعون الميراث منهم، ويؤدون الأمانة إليهم وإلى غيرهم، ويوفون بعهودهم ومن غيرهم، ويأمن عندهم الكاف والمعتزل من قومهم، من غير أن يكونوا يشكون في ضلالتهم، ولا اتخاذهم بين الحق والباطل، منزلة وليس بعد الحق إلا الضلال ويصلون الرحم، ويعرفون حق الجار والصاحب واليتيم وابن السبيل وما ملكت أيمانهم ... »
(1)
وقد أثر عن أحد أبطالهم المشهورين وهو أبو حمزة المختار بن
عوف السالمي، قولته المشهورة: «الناس منا ونحن منهم إلا مشركاً عابد وثن،
أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً فاجراً.
انطلاقا
(2)
من هذا المبدأ الإسلامي العظيم مبدإ التسامح، وعدم التعصب، ومحبة المسلمين باعتبارهم إخواناً في الدين كان للإباضية سياسة حربية واضحة لا تزال صفحات ناصحة تبهر العدو والصديق، لما تحمله من قيم إسلامية عالية، ومثل إنسانية راقية مستقاة كلها من كتاب الله وسنة رسوله
الكريم.
1 - سير الإباضية (مخ) مكتبة السيد محمد بن أحمد السيب (سلطنة عمان). ورقة 95.
2 - الأغاني ج 23، ص، 249
266 (1/266)
صفحة 267
الدور الحضاري
من الدعوة عند الأباضية
ملح
إن الإباضية لم يستخدموا وسائل العنف كما استخدمها خصومهم ضدهم، وإنما عرف عنهم المسالمة، والمهادنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، حتى في أشد المواقع تعرضاً للخطر والموت. وهم من أجل هذه الخصيصة أطلق عليهم الأزارقة (القعدة) تعبيراً لهم لقعودهم عن الخروج. وما من شك في أن التجربة والاحتكاك بالواقع السياسي علم الإباضية هذه المنهجية في الدعوة إلى الله، فبرزت سمة واضحة في سلوكهم، ومواقفهم، ورؤاهم طوال تاريخهم ابتداء من تزعم أبي بلال مرداس لجماعتهم بالبصرة ما بين سنتي (55 - 61 هـ).
وقد تجسدت هذه الروح في مشاهد مؤثرة ترويها الكتب التراثية عن معركة (آسك) التي دافع فيها أبو بلال وأصحابه الأربعون جيش ابن زياد العرمرم، وكان النصر إلى جانبهم رغم عدم التكافؤ بين الجيشين عدداً وعدة، وأحسب أن ماتركه أبو بلال من العبر والمواقف ظلت خالدة في أذهان الشراة، حيث يبين لهم بطريقة عملية كيف يكون التعامل الإسلامي مع الأعداء في كل الحالات انتصاراً والهزاماً.
يقول الإمام أبو قحطان الهجاري في سيرته:
«فلما كثر القتل في المسلمين والأذى خرج المرداس بن حدير وأصحابه (رحمهم الله) بائعين أنفسهم الله، غضباً واحتساباً لرجاء الثواب يوم القيامة، ولم يكن خروجهم لفريضة لزمتهم، لأنهم كانوا قليلاً في خلق كثير، وإنما فرض الجهاد على المسلمين إذا كانوا نصف عدد عدوهم وحينئذ لا يسعهم المقام ويجب عليهم الخروج في سبيل الله، ولكن المرداس (رحمه الله) طلب
267 (1/267)
صفحة 268
الدور الحضاري
من اللغة عند الأناضة
الشهادة هو وأصحابه، وإنما كان قتالهم وسيلة توسلوا بها إلى الله ... » (1). وعندما عزم هو وأصحابه على الخروج من البصرة فراراً من جور ابن زياد وظلمه، تشاوروا في تأمير إمام لهم يسيرون في إمرته فاختاروا أبا بلال، وكان عددهم أربعين رجلاً، ولقد سلك في خروجه هذا مسلكاً واضحاً يتسم بالاعتدال ونبذ العنف، فقد كان لا يدين بالاستعراض قائلاً:
«لا تقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نجي إلا ما حمينا».
وللشراء شروط قاسية لا يستطيعها إلا النفوس القوية المؤمنة لأنها قائمة على الفدائية المطلقة، وعلى الأبطال الذين خلصوا أنفسهم من حظوظ - الدنيا، وتعلقت قلوبهم بالآخرة، ونظروا إلى الجنة. من صفحات سيوفهم، ومن ثم كان ينتقي أصحابه قائلاً لكل واحد منهم توعية له على خطورة ما هو مقبل عليه: «إنك تخرج جهاداً في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، لا تريد شيئاً من أغراض الدنيا، ولا لك في الدنيا حاجة ولا لك إليها رجعة، أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها، الراغب في الآخرة المجاهد في طلبها، الخارج إلى القتل لا غيره، فاعلم أنك مقتول، وأنك لا رجعة لك إلى الدنيا، وأنك ماض أمامك لا شيء إلا الحق، حتى تلقى الله، فإن كنت على هذه الحالة، فارجع إلى ماوراءك، فاقض من الدنيا حاجتك ولبانتك، واقض دينك، واستر نفسك، وجد في أمرك، وودع أهلك، وأعلمهم أن لا رجعة لك إليهم، فإذا فرغت
بايعتك» (2)
1 - أبو قحطان من علماء وأئمة عمان في القرن الثاني الهجري وله سيرة معروفة، ينظر
السير والجوابات، ج 1.
2 السير والجوابات، ج 1، ص 236.
268 (1/268)
صفحة 269
الدور الحضاري |
ملح الدعوة عند الأباضية
ويعضد (المبرد) هذه الرواية حيث يؤكد على مسلك الشراء الذي سنه أبو بلال لأصحابه فصار من مسالك الدين عند الإباضية بعده، فإن أبا بلال لقي صديقا له وهو عبد الله بن رباح الأنصاري فقال له: «أين تريد؟» فقال أبو بلال: «أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة». فقال له: «أعلم بكُم أحد؟ قال: «لا». قال: «ارجع». قال: «أوتخاف علي مكروهاً». قال: «نعم، وأن يُؤتى بك». قال: «لا تخف، فإني لا أجرد سيفاً، ولا أخيف أحداً، ولا أقاتل إلا من قاتلني ثم مضى».
(1)
وعندما وصل (آسك) التقى برجل من أصحاب ابن زياد مع جيش يريد
خراسان فصاح بهم أبو بلال: «أقاصدون لقتالنا أنتم؟»، فقالوا: «إنما نريد خراسان» فقال: «أبلغوا من لقيتم إنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروع أحداً، ولكن هرباً من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء
إلا أعطياتنا.» (2
هذا
(2)
هو المسلك الذي سنّه أبو بلال مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم مهتديا بكتاب الله، مخالفاً في ذلك سيرة المتطرفين من الخوارج، ليصبح بعده منهجاً مستقيماً،
وطريقاً لاحباً لمن اقتنع بسيرته من الإباضية.
وهكذا أصبح الشراة حريصين على عدم استعمال السيف إلا عند الضرورة القصوى وانتهاج سياسة حربية ربطوها بالدين فسموها مسالك الدين، وهي الحالات التي يكونون عليها منتصرين أو منهزمين. ولذا أوجدوا مسالك أربعة وهي الظهور، والدفاع والشراء والكتمان. وضعت كتبهم
1 - المبرد: الكامل، ج 2، ص 183.
2 - المصدر السابق، ص 185.
269 (1/269)
صفحة 270
الدور الحضاري
العقدية لها شروطاً ونظماً دقيقة تدل على نظر بعيد ووعي سديد. وأبرز ما نلحظ في هذه المسالك حرصهم وورعهم في دماء المسلمين وأموالهم، فإن الإباضية لا تستحل دماء مخالفيهم من المسلمين إلا في حالة حرب، وبعد إلقاء الحجة على المخالف. يقول الشيخ اسماعيل الجيطالي في قواعد الإسلام: «وتحل الدماء بالظلم والابتداء به» (1). وقد طبق هذا المبدأ عملياً في كل الوقائع الحربية التي خاضوها ضد الأمويين أو غيرهم مشرقاً ومغرباً، فقد تواترت كتب التاريخ عن حرصهم بدأهم خصومهم بالحوار وإقامة الحجة قبل البدء بالقتال بل هم لا يبدأون بالقتال إلا دفاعاً. عن النفس، فقد كانوا من أحرص الفرق الإسلامية على استخدام الحوار، ومحاولة الوصول إلى التفاهم والصلح بعيداً عن استخدام السيف وإراقة دماء
المسلمين.
فلا يجوز عندهم قتال إلا بعد الدعوة وإقامة الحجة، وإعلان القتال، ولا تحل غنائم المخالفين في الحرب إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه قوة في الحروب، ويردون الذهب والفضة إلى أصحابها على الرغم من أن الذهب والفضة قد يكونان مساعدين هامين لمواصلة الحرب، ولكن طابع التعفف الذي جبلوا عليه يمنعهم من ذلك.
وقد لخص الرقيشي سيرة الإباضية المتسمة بالتسامح والاعتدال في قوله: والمسلمون لا يعترضون الناس ولا يقتلونهم بغير حق، ولا يلعنونهم، ولا يبرؤون منهم، وهم يقرون بالحكم ويرضون به، ولا يقاتلون قوماً حتى
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2، ص
270 (1/270)
صفحة 271
الدور الحضاري
من اللغة العامة
يدعوهم إلى الإسلام، ولايأخذون بشبهة وميلولة في هوى، ولا حد في شبهة، ولا يخيفون آمناً، ولا يقطعون سبيلا، ولا يقاتلون الناس إلا بعد البغي والامتناع ... ولا نغنم مال أهل القبلة ولا نسبي عيالهم، ولا نرد التوبة على أهلها، ولا نخيف الناس بعد الأمان، ولا نتبع مديراً فنقتله إن لم يقتل لنا قتيلاً، ولا ينصب لنا حرباً، فهذه سيرتنا التي مضى عليها العلماء بالله وأسلافنا.» (1).
من
أمتنا
كان هذا الموقف الإسلامي منهم في الوقت الذي كان فيه خصومهم من الأمويين بخاصة يستخدمون معهم كل طرق الإبادة والخداع، والقتل الجماعي. يقول مهدي طالب هاشم في هذا الصدد: «ولو قارنا بينهم وبين الأمويين لوجدنا بوناً شاسعاً في هذه الناحية، فقد ظهرت في حروب الأمويين الوحشية والطابع البدوي والخروج على القيم الإسلامية في حروبهم للإباضية ... » (2).
والمتتبع للنصوص التاريخية يلحظ حرص الشراة على اتباع منهج إن إسلامي معين في الحرب، ولم يكن يفوت زعماءهم أن يرسموا لهم آداب القتال، والحق أننا نجد نصوصا تاريخية كثيرة تدل على أن الخوارج بصفة عامة رغم اتهام الكتاب لهم بالعنف، كانوا دائماً حريصين على انتهاج مسلك الحوار قبل إعلان الحرب، وكانوا كثيراً ما يذكرون أتباعهم على أنهم إنما خرجوا طلباً للآخرة لا طلبا للدنيا، ولا عبرة ببعض الحوادث التي يركز عليها بعض الكتاب مثل مقتل عبد الله بن خباب بن الأرت، مع ذلك يقول صالح بن
1 - الرقيشي: مصباح الظلام، (مخ) ورقة ظ 76.
2 مهدي طالب هاشم مرجع سابق، ص 112.وانظر المقارنة نفسها عن الإباضية في اليمن وحضرموت من هذا الكتاب.
271 (1/271)
صفحة 272
الدور الحضاري
من اللغة عند الاناضة
مُشرح لأصحابه ليلة خرج:
«اتقوا الله عباد الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلا أن يكون قوماً يريدونكم، وينصبون لكم، فإنكم إنما خرجتم غضباً الله حيث انتهكت محارمه، وعصي في الأرض، فسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حقها، فلا تعيبوا على قوم أعمالاً ثم تعملوا بها، فإن كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤولون .. ».
(1)
لكن كل ما يقال في حياة الجهاد عند الشراة لن يغني عن الصورة التي رسمها أبو حمزة الشاري ولن يعدل بها شيئاً، صورة تلك الروح الفدائية التي دفعت هؤلاء الشباب يحملون أرواحهم على أيديهم يبذلونها في سبيل الله، لا يعرفون شراً، ولا يتكالبون على باطل، فكيف يكون هذا والقرآن في أيديهم، وعبادة الله نصب أعينهم .... والمتتبع للنصوص القديمة والحديثة وهي تعالج جهاد الخوارج للباطل، يلقاها متفقة جميعها على الإعجاب بروح الاستبسال الذي ميزهم عن غيرهم، وإجماعهم على أن الهدف الذي من أجله رفعوا السيف وقاوموا الظلم لم يكن إلا هدفاً أخروياً.
لقد جاء هذا الملحظ عند الإمام علي كرم الله وجهه حين قال: «لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه». وفي قولة عمر بن عبد العزيز حيث قابل وفدهم بعد توليه: «إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا ومتاعها، ولكنكم أردتم
1 - د/ سعيد حسين منصور: القيم الأخلاقية في الخطابة العربية، ص 210، نقلا عن الطبري
ج 6، ص 22
272 (1/272)
صفحة 273
الدور الحضاري |
الآخرة فأخطأتم سبيلها.»
(1)
من الدعوة عند الاباضة
ونحن نقول إنّ الإجماع واقع على أن نوايا الشراة سليمة، وهدفهم ديني أخروي لا نقاش فيه. يبقى الاختلاف حول الوسيلة المستخدمة والطرق المنتهجة، وقد حكم خصومهم على ضلالها، وهذا الحكم في حد ذاته لا يعلم مقدار الصواب والخطأ فيه إلا الله سبحانه وتعالى.
يقول أحد الدارسين المحدثين في هذا الصدد:
«لقد كانوا هم أنفسهم مؤمنون باستقامتهم، وصحة طريقهم الذي يسيرون فيه، ويعتقدون شرعية الجهاد الذي استرخصوا فيه المهج والأرواح، وهم وإن كانوا قد ضلوا الهدف، وانحرفوا عن الغاية، فقد تمسكوا بنصوص القرآن والعبادة، وإقامة شعائر الدين، والعمل بتعاليمه، وتجنب الذنوب الصغيرة، والبراءة من الكذب، اعتقاداً ان منهم الإيمان لا يمكن أن يكون
تصديقاً بالقلب أو إقراراً باللسان، دون أن
السلوك ... » (2)
تترجمه الأعمال،
عنه ويعبر
ولعل السر الأكبر في الانتصارات التي حققها الشراة وهم فئة قليلة على خصومهم الأمويين وهم فئة كثيرة لها كل الإمكانات المادية والأدبية، هي أنهم كانوا مندفعين إلى الجهاد بهذه العقيدة، وهذا السلوك. وذلك هو السر الذي انتصر به المسلمون الأوائل وهم يجاهدون الكفار.
يقول أحد الدارسين المحدثين. محللاً الأسباب:
ولعل أهم ما يميز حروبهم أنهم كانوا يقاتلون بالفئة القليلة،
1 - أحمد زكي صفوت: جمهرة خطب العرب، ج 2، ص 202.
2 - د/ سعيد حسين منصور: مرجع سابق، ص 201.
273 (1/273)
صفحة 274
الدور الحضاري
منة اللغة عند الأناضة
(1)
ويستطيعون أن يحرزوا النصر على من هم أكثر عدداً وعدة. ... ولم يكن يدفع الخوارج إلى هذا غير استهانتهم بالموت، وزهدهم في الحياة، وحرصهم على الشهادة، وكثيراً ما كانوا يؤمنون وهم قلة لا تملك ما يملك الخصوم، أنهم لن يسيروا بخروجهم هذا إلا إلى الموت، ولكن روح الجهاد حببت إليهم صرعة الموت، وقدمتها لهم في أعذب صورة ... » ومن هنا غدت الاستهانة بالموت محوراً من المحاور التي دارت عليه قصائد شعرائهم وخطبائهم وقد حققوا تحت هذه المشاعر الفياضة، والحماسة الملتهبة انتصارات مذهلة يراها بعض الكتاب نتائج طبيعية لهذه الروح الجهادية المؤمنة، ويراها بعض آخر مبالغات وأساطير لا أساس للصحة فيها. وهي من قبيل الدعاية، رغم تواترها في المصادر القديمة).
والحق إن هذه الروح الاستشهادية إذا لم تعززها القوة المادية قد تكون سبباً أيضاً في الهزيمة الحربية عندما تختل الموازين العسكرية، مثل كثرة عدد العدو، وتفوق عدته العسكرية، واتساع رقعة الحكم، تماماً كما وقع لهم إبان المعارك الواقعة في الحجاز، وصنعاء، وعمان والمغرب الأدنى في بداية تأسيس دولتهم هناك. إذ لا تكفي الشجاعة وحدها في بداية الحروب، وذلك مصداقاً للآية الكريمة: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَة [الأنفال:60] والقوة هنا تعني ولا شك القوة المادية أيضاً.
وكثيراً ما كانت نقطة الضعف في صفوف الإباضية سذاجتهم العسكرية إن صح التعبير، فهم لا يستخدمون المكر والخديعة، والتحايل، يعصمهم عن
1 - المصدر السابق، ص 207.
2 ينظر عوض خليفات، مرجع سابق.
274 (1/274)
صفحة 275
الدور الحضاري
ذلك ورعهم الشديد، وتصور الخيرية، والثقة، وعدم المكر في خصومهم. وفي التاريخ مشاهد كثيرة متنوعة، نكتفي بذكر نموذج لها ما وقع لأبي بلال بن مرداس من جيش عبيد الله بعد أن طلبوا منهم هدنة للصلاة، فقتلوا
بين راكع وساجد وكانت الغلبة من قبل ... إلى صفوفهم. ولعل من أبرز الوقائع التاريخية التي تجلى فيها هذا السلوك الإسلامي النبيل سلوك الإمام القائد عبد الله بن يحي الكندي عندما فتح حضرموت واليمن، ودخوله منتصراً، طالب الحق الذي أجمع المؤرخون كافة إباضية وغير
إباضية على حسن سيرته وسياسته ولم نجد فيهم من يطعن في عدالته ... )
(1)
كانت سياسته الالتزام الشديد والحرص الأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة في معاملته المخالفين له مذهباً من المسلمين، وقد استطاع بورعه وحزمه أن يوفق بين المبدأ والتطبيق، دون أن يسمح للعواطف أن تسيره في اللحظات الحرجة التي تطغى فيها هذه العاطفة مثل لحظات الانتصار ومواقف الغلبة التي قد تثور فيها العواطف الدافقة إلى الانتقام من أو إشفاء غليل الصدر منه. فعندما طلب قائده أبرهة بن الصباح
الخصم
،
الحميري الإجهاز على الهاربين وقتلهم مَنَعه، مع أن طالب الحق كان قد تمكن منهم كما يبدو من رواية البلاذري، ذلك عملاً بمبدأ الإباضية الذين لا يجيزون الإجهاز على المستسلم، ولحوق المدبر في الحرب، كما جاء ذلك في شرح قواعد الإسلام للجيطالي، وقد رأينا الموقف ذاته مع أبي حمزة المختار مع خصومه في قديد، وهذا يدل على الطابع الإسلامي لسلوك الشراة في كل الحالات منتصرين كانوا أم منهزمين. ونستطيع أن نلمس مثل هذا السلوك
1 - مهدي طالب هاشم: مرجع سابق، ص 118
275 (1/275)
صفحة 276
الدور الحضاري
من الليل عبد الناصية
الإنساني الإسلامي الرفيع في موقف طالب الحق من العمال الأمويين الذين
بعد
حبس
الضحاك
استطاع التغلب عليهم، والظفر بهم فهو عندما دخل صنعاء بن زمل الذي تركه العامل الأموي القاسم بن عمرو والياً على صنعاء، وإحسانه وشهامته مع إبراهيم بن جبلة الكندي الذي وقع في الأسر مرة ثانية أن سمح له في المرة الأولى مغادرة حضرموت لم ينتقم منهما طالب الحق جزاء موقفهما المعادي هذا، بل كل ما فعله معهما أنه حبسهما مدة قصيرة ثم أطلق سراحهما، وقال لهما: «إنما حبستكما مخافة العامة عليكما، وليس عليكما مكروه، فأقيما أو اشخصا، فطلبا الخروج من اليمن.» (1)
وشمل طالب الحق بسيرته الإسلامية كل الناس مقاتلين وغير مقاتلين، فقد كانت أولى الإجراءات التي قام بها بعد أن استولى على الخزائن والأموال التي حباها القاسم بن عمرو الثقفي عامل بني أمية في حضرموت، وممثل
•
الحجاج بن يوسف الثقفي – القريب منه نسبا ـ يمثله في جوره وظلمه، لما وجد الإمام طالب الحق تلك الأموال رغم فقره وفقر جيوشه وحاجتهم لم يستحل أن يأخذ من تلك الأموال فلساً واحداً، ولا استحل أن يعطي أصحابه منها قليلاً أو كثيراً، بل إنه أمر بتوزيعها بين الناس بالسوية، ليؤكد لأهل اليمن أن حكمه قائم على شريعة الله عدلاً ومساواة، دون مراعاة للاختلافات المذهبية أو القبلية.
يذكر الشماخي أن عبد الله بن مسعود وابن خيران وهما من الإباضية قد أتيا بالأموال التي استولى عليها طالب الحق إلى المسجد، فقسماها على فقراء
1 - الأغاني 114/ 23. وانظر مهدي طالب هاشم، مرجع سابق ص 114.
276 (1/276)
صفحة 277
الدور الحضاري
مية الدعوة عند الأباضية
صنعاء، ولم يسمح للإباضية أن يأخذوا منها شيئاً (1). لأن الإباضية لا ترى مال المسلم المخالف غنيمة إلا ما كان تجهيزاً أو عتاداً حربياً مثل الخيل والسلاح، ويَرُدُّون الذهب والفضة وغيرهما، بل ويسمحون لبقية المسلمين في هذه الحالة بالانتماء إلى حركتهم لمجاهدة السلطة الحاكمة الفاسقة، بغض النظر عن اتجاهاتهم المذهبية (2).
وقد كان البلاذري (3) شاهد عيان لهذا التحول العميق حيث يصف الحالة قبل مجيء طالب الحق، فيقول إنه رأى باليمن جوراً وعسفاً شديدين وسيرة في الناس قبيحة، ولكن مجيء طالب الحقِّ إلى الحكم غير الأمور من سيء إلى حسن، ومن ظلم إلى عدل، ومن فتنة إلى استقرار، ويقول إنه أقام أشهراً وهو يحسن السيرة، لين الجانب، كاف عن الناس، فكثرت جموعه في اليمن وأحب الناس سيرته، فساد الاستقرار والأمن، ولم يحدث ما يعكر صفو الأمن في كل أنحاء اليمن، وهذا يظهر مساندة عامة المسلمين في اليمن لهذه الحركة.» (4)
ومن خطبة طالب الحق التي ألقاها على الناس غداة دخوله اليمن (4) يتبين لنا المنهج السياسي المتسامح الذي ارتضاه الإباضية مع خصومهم، وليس أدل على صحة المبادئ وسلامة المنهج من أن يمتحن بلحظة قوة أو ضعف.
1 - الشماخي، السير ط. الحجرية ص 99.
2 - ينظر مهدي
طالب هاشم مرجع سابق، ص 116
3 - البلاذري: مرجع سابق.
4 طالب مهدي: مرجع سابق، ص 118.
5 - ينظر الرقيشي: مصباح الظلام، (مخ) ورقة 34 ظ
277. (1/277)
صفحة 278
الدور الحضاري
من اللغة عن الأناضة
لقد كان الإباضية منتصرين لا شك في ذلك ولاريب، ولكن طالب الحق لم يجبر الناس على اتخاذ موقف معين إلا أن يكون اختياراً من تلقاء أنفسهم
كما قال:
«أيها الناس إنا نخيركم من ثلاث خصال أيها شئتم فخذوا لأنفسكم، رحم الله أمرؤاً اتخذ الخيار لنفسه».
الإعتبار الأول: أن يوافق في الخط السياسي الذي عليه الإباضية، وفي هذه الحالة يكون واحداً منهم له ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات على أن يجاهد معنا بنفسه، فيكون له من الأمر ما لأفضلنا، ومن
قسم الفيء ما لبعضنا».
الإعتبار الثاني: أن يلزم الحياد ويكف عن الإباضية لسانه، ويلزم منزله. الإعتبار الثالث: أن يرفض السياسة الإباضية، ويتخذ موقف العداء السافر، فعليه في هذه الحالة أن يخرج إلى أهله وماله بأمان، وليكف يده ولسانه عن الإباضية. فإن ظفر نا لم يكن عرض نفسه، ولم يُعنا على سفك دمه، وإن
قتلنا يكون قد كفي مؤتنا عسى ألا يعمر بعدنا إلا قليلا».
إن هذا الموقف من طالب الحق يدل على سماحة إسلامية، ومسؤولية إيمانية تقف عند حدود الله لا تتعداها، وتُحاسب النفس قبل أن تحاسب، لا تضع للدنيا اعتباراً، ولا تتخذ الانتصار وسيلة للقهر والانتقام.
ونحسب أن طالب الحق في سيرته وعمق نظرته كان يستمد كل ذلك من
278 (1/278)
صفحة 279
الدور الحضاري
الكتاب والسنة الشريفة، ومن نصائح شيوخ المذهب مثل أبي بلال، وأبي عبيدة مسلم شيخه وأستاذه وموجهه وقائده الذي كان يبعث التعليمات من البصرة، فقد روي عن أبي عبيدة أنه كتب إلى عبد الله بن يحي قائلاً: «إذا فلا تغلوا ولا تغدروا، واقتدوا بأسلافكم الصالحين واستنوا بسنتهم،
خرجتم
فقد علمتم أنما أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم ... » (1)
وقد كان طالب الحق شديداً في إقامة الحدود التي كثيراً ما تتجاوز في مثل هذه الحالات، فهدد كل من تسوله نفسه شرب الخمر، أو الزنى، أو التعدي على أموال الناس، وحكم الإباضية في أن مرتكب الكبيرة حال ارتكابه لها كافر كفر نعمة، ومن شك في أنه كافر فهو كافر.
ونتيجة لهذه السياسة فقد أعطى البديل المناقض للأوضاع السيئة التي
كانت عليها اليمن قبل الحركة الإباضية، كما يقول مهدي طالب هاشم (2). أما الجيش الأموي وهو يواجه الشراة في الحجاز واليمن فقد كان يقاتل مدفوعاً بدافعين، الدافع القبلي المتعصب على النحو الذي أوضحناه سابقاً، ودافع الارتزاق حين لا يجد الحكام من يقوم بمهمة القتال أو حين تقوى شوكة الشراة في وجوههم فيلجأون إلى دفع الجنود يستأجرونهم بالمال، كما وقع ذلك أيام ملاحقة أبي بلال من طرف ابن زياد فقد كان جيش ابن زياد يقوم على المرتزقة، ولذلك كان الوهن والخوف والفرار يرافقهم لأن مسعاهم إلى المعارك مسعى دنيوي يقوم على ما يقدمه الأمير للجند من مال وأعطيات، وما
1 - الرقيشي: مصباح الظلام (مخ) ورقة (97)، وينظر المصدر نفسه عن سياسة أبي حمزة
في الحرب ورقة 60.
2 - ينظر مهدي طالب هاشم مرجع سابق، ص 118.
279 (1/279)
صفحة 280
الدور الحضاري
يمنون به أنفسهم من غنائم ولذلك كان مما يُغيّر به الشراة هذا الجيش أنه (ذوو الجعائل) وهي مذمة عظيمة، ومثلبة وعار في تصور العربي الحر الذي يأبى أن يرفع السيف من أجل المال.
ولنتابع أبا الفرج وابن الأثير وهما يصفان هذا الجيش الأموي، حيث راح يقاتل جيش أبا حمزة المختار الشاري، وكان مروان بن محمد قد أرسل جيشاً لمقاتلتهم بقيادة عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، وقد اختاروه قصداً لعلمهم بموقف الشراة من الخليفة عثمان
بن عفان في سنوات
حكمه الأخيرة. ... وكان هذا الجيش يتألف من ثمانية آلاف رجل، كانوا كالدهماء، وليس عليهم سمة المقاتلين، فقد كان فيهم كثير من القرشيين في ثيابهم الفاخرة، وقد ظنوا أن الأمر لن يعدو أن يكون مجرد نزهة وبخاصة فتيان الأمويين منهم، وكان منهم بالمدينة عدد كبير يُظهرون العجرفة في حديثهم عن الخوارج ويصورونهم خشارة من الرعاع.
ولما بلغ عبد العزيز (العقيق) جاءته رسل أبي حمزة يقولون: «إننا والله مالنا بقتالكم حاجة، دعونا نمضي إلى عدونا.» فأبى ذلك عليهم وأصر على
الحرب، وسار حتى نزل قديد ... في التاسع من صفر سنة 130 هـ .... (1)
1 - ينظر تفاصيل هذه الموقعة في الأغاني، ج 20، ص 101. وابن الأثير، ج 5، ص 141. كذا د / النعمان القاضي: مرجع سابق، ص 202. وقد تركت قديد في الشعر آثاراً كثيرة وحزنا شديداً في نفوس أهل المدينة، وكانت النائحات يتحن في المدينة بمثل هذا الشعر:
ما للزمان وماليه أفنت قديد رجالية
فلأبكين سري
رة
ولأبكين علاني
ــة
ولأبكين إذا خل وت مع الكلاب العلوية
280 (1/280)
صفحة 281
الدور الحضاري
من الاغنية القاضية
وكانت نتيجة المعركة انهزام الجيش الأموي على كثرة عدده التزاماً فظيعاً، يقول عنه الدكتور النعمان القاضي: كانت وقعة قديد بمثابة مذبحة للغطرسة القرشية والأموية بالذات .. » (1)
ولم يرض أبو حمزة عملاً بمبادئ الشراة في الحرب أن يطارد الفارين، ولكنه لم يرحم القرشيين الذين أصروا على مقاتلته إذ عدهم ممثلي الحكومة
الظالمة،
حتى امتلأ الميدان بجثتهم. وإذا كان موقف أبي حمزة من أهل قديد عدم ملاحقة الفارين منهم، ومعاملة أهل المدينة ومكة بالحسنى، فإنه عندما لجأ إلى مكة لم يحتط من غدر أهلها، فكانت مقاومته عبثاً، فانتصر عليه ابن عطية وقتل الأسرى، وصلب زعماء الإباضية ومنهم أبو حمزة، وأرسل برؤوسهم إلى مروان بن محمد
(2)
بدمشق. (2)
وتاريخ الإباضية في حروبهم مع المخالفين جرى على نسق واحد يستمد أسسه وقواعده من الشريعة الإسلامية، فلا غلو ولا تطرف، ولا استحلال لعرض ولا غنيمة لمال (3). كان ذلك دأبهم في المشرق في حروبهم الطويلة مع الأمويين على النحو الذي ذكرناه، وكان ذلك دأبهم أيضاً في المغرب
ولأبكين على قديد بسوء ما أبلانية. الأغاني، ج 20، ص 102 وللشاعر الإباضي عمرو بن الحصين قصيدة رائعة في وصف قديد. الأغاني ج 20، ص 100. 1 - ينظر د / النعمان: القاضي: مرجع سابق، ص 202
2 - توجد مادة هذه المعارك في الأغاني، ج 20، ص 109 - 112 تاريخ ... الطبري، ج 9،
ص 115. الكامل لابن الأثير، ج 5، ص 158، البداية والنهاية لابن الأثير ج 10، ص 36.
3 معمر الإباضية ج 2، ص 287 ..
281 (1/281)
صفحة 282
الدور الحضاري
من الدعوة عند الابات من الاعادة العالمية
الإسلامي حين قادوا الجيوش لمواجهة الجيوش الأموية والعباسية الزاحفة من المشرق للقضاء على حركاتهم.
ولعل أروع الأمثلة عن الشهامة الإسلامية، والرجولة الكاملة تتمثل في مواقف القائد أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح، وما عرف به من تطبيق سياسة صارمة مع جنوده، لا يقبل التعدي ولا الظلم ولا التهاون في استحلال أقل قليل مما حرمه ا الله سبحانه وتعالى.
ذلك من موقفه الصارم من جميل السدراتي الذي سلب أحد الجنود المقتولين فعاقبه القائد أبو الخطاب عقاباً صارماً أدى به إلى الانفصال عن جيش
أبي الخطاب والفرار إلى المشرق، وتأليب جعفر المنصور عليه انتقاماً لنفسه. وبما أننا لسنا هنا بصدد كتابة تاريخية تعتمد الوقائع المفصلة بقدر ما تعتمد على استخلاص النتائج واستلهام العبر من هذه المواقف، فإننا نحيل القارئ الكريم إلى الكتب المتخصصة)، ولكن لا بأس أن نشير إلى بعض الأسماء اللامعة التي عرفت بمواقفها الشهمة في الحرب مع الموحدين ومن هؤلاء: الحارث بن تليد، وأبي حاتم الملزوزي وابن منصور إلياس، وأبي عبيدة عبد الحميد الجناوبي، وأبي الحسن أيوب بن العباس وأبي زكرياء التندميرتي، وأبي زكرياء الباروني، وأبي يحي الأرجاني ... وعشرات غيرهم.
فسوف نجد أن هؤلاء جميعاً يحرصون كل الحرص عندما ينتصرون على محاربيهم من الموحدين أن لا يتعدوا فيهم حكم الله، فلا يقطعون رأساً، ولا يمثلون بقتيل، ولا يجهزون على جريح، ولا يتبعون مدبراً، ولا يغنمون مالاً، ولا يهتكون ستراً. وقد شهد التاريخ أن أبا الخطاب عاقب الجندي الذي مد
1 - راجع محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3؛ أيضا معمر الإباضية في موكب التاريخ، 2.
,282 (1/282)
صفحة 283
الدور الحضاري
من الدعوة عند الاباضة
يده ليسلب قتيلاً، وأن أبا حاتم هدد بترك القيادة إن لم يرد ما أخذ من المعركة، وأن أبا منصور ترك أحمال الذهب تتناثر في ميدان المعركة دون أن يلتفت إليها، وأن أبا زكرياء جمع ما تركه العدو الهارب من مال وسلاح فأوقد
فيه النار ...
وترسم
(1)
المصادر الإباضية صورة مثالية للمعاملة الحسنة التي لقيها أهل القيروان
من أبي الخطاب، الذي أمر أصحابه بأن لا يتبعوا مدبراً، ولا يجهزوا على جريح، وقد قرع أحد أصحابه عندما أشار عليه بأخذ أموال المهزومين جرياً على المعاملة بالمثل، ولكن أبا الخطاب ذكره أن مبادئهم لا تجيز ذلك وأن دماء مخالفيهم وأموالهم حرام عليهم وخاطبه قائلاً: «إن فعلنا ما فعلوا حقيق
على الله أن يرفضنا، ويدخلنا معهم جهنم، فنكون كما قال الله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا اذَا رَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَتَهُمْ لأُولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَشَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ ولكن لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38]»
يقول عوض خليفات تعليقاً على هذا الموقف، بعد أن وصفه بالمثالية: والواقع إن الإباضية كانوا يعاملون أعداءهم المهزومين ياحسان وعدل، ولا تذكر المصادر غير الإباضية شيئاً معاكساً لذلك، وإن كانت لا تسرف في المديح، ولا تطنب في الحديث عن مثالية الإمام الإباضي كما تفعل المصادر الإباضية». (2)
1 - معمر الإباضية في موكب التاريخ، ج 2، ص 287. 2 - د/ عوض خليفات: نشأة الحركة ... ص 151 ..
283 (1/283)
صفحة 284
الدور الحضاري
من اللغة عند الأناضة
وعندما تولى أبو حاتم الملزوزي الخلافة بعد استشهاد أبي الخطاب سنة 144 هـ وكان مما قام به في عهد ولايته وكان إمام دفاع- مواجهة جيش أبي جعفر المنصور، والتغلب عليه، وملاحقته حتى طرابلس، وقد قام بعض العوام من جيشه ممن لم تتمكن العقيدة في قلوبهم ـــ مدفوعين فيما يبدو بمعاملة أعدائهم بالمثل ـ بسلب القتلى، فغضب أبو حاتم غضباً شديداً، وهددهم باعتزال الإمامة إن لم يردوا الأسلاب إلى أصحابها. (1)
-
يقول خليفات تعليقاً على هذا الحدث وأغلب الظن أن ما ذهبت إليه هذه المصادر صحيح لأن ما حدث كان بالفعل مخالفاً لسيرة الأيمة الإباضية في كل معاركهم التي خاضوها سواء في المشرق أو المغرب، والدليل على ذلك أن أبا حاتم نفسه قد استنكر بشدة ما فعله عوام البربر من جيشه» (2).
وقد تجسد التسامح الإسلامي في تاهرت عاصمة الدولة الرستمية، حيث غدت بشهادة ابن الصغير مركزاً للتسامح الديني، والازدهار الحضاري، تحوي من كل الأجناس، والمذاهب، والأديان. وهو ما عناه (الفرد بل) بقوله: «كانت تاهرت مركزاً مهما للدراسات الإسلامية ... وبفضل تسامح الأيمة، استطاع علماء السنة القدوم لجدال علماء الإباضية في كل مسائل العقيدة والشريعة.» (3)
وإلى خاصية التسامح والاعتدال يرجع الدكتور فاروق عمر بقاء الإباضية واستمرار حضارتهم وعطائهم المعرفي، حيث يقول عن الإباضية في
1 - أبو زكرياء، سير ص 74، 75.
2 - خليفات: نشأة الحركة، ص 159 ..
3 - الفردبل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ص 139.
284 (1/284)
صفحة 285
الدور الحضاري
من الدعوة عند الاباضة
عمان: «وهنا لا بدَّ من القول بأن المذهب الإباضي أظهر مرونة واعتدالاً، ونظرة توفيقية بحيث يتلاءم مع الظروف السياسية والاجتماعية في عمان، وفي ذلك يكمن سر نجاح الإباضية واستمرارها لأكثر من اثني عشر قرناً من الزمان ... (1)
2 - الإباضية العمانيون، ونشر الإسلام.
تمهيد:
إن مساهمة العمانيين في نشر الإسلام يعود إلى ما قبل ظهور المذهب الإباضي، أي قبل أن يفترق المسلمون إلى طوائف بعد الفتنة، وإذا قلنا الإباضية فإننا نعني العمانيين الذين ارتبط انتشار المذهب الإباضي بهم، حتّى قيل إن الإباضية قضية أزدية. وقد عرف الأزد منذ القديم بمقدرتهم الحربية براً وبحراً، وعندما جاء الإسلام كانوا من جند الفتوحات في الصفوف الأولى، إذ تذكر الروايات التاريخية أن الملك عبد بن الجلندى العماني حين كان بالمدينة طلب من أبي بكر الصديق أن يقوم بحرب الغساسنة وآل جفنة على حدود الشام، واستجاب له أبو بكر، وأمره على سرية كان فيها حسان بن ثابت الأنصاري، وقد قال عنه حسان «لم أو رجلاً أحزم، ولا أحسن رأياً وتدبيراً من عبد، وهو والله ممن وهب نفسه في يوم غارت صباحه وأظلم صباحه ... فسر ذلك أبابكر فقال: هو يا أبا الوليد كما ذكرت، والقول يقصر
1 - د/فاروق عمر: التاريخ الإسلامي، ص 64.
285 (1/285)
صفحة 286
الدور الحضاري
عن وصفه، والوصف يقصر عن فضله.» (1)
فبلغ ذلك (عبد) فبعث بمال عظيم وأرسل إليه: «إن مالي يعجز عن مكافأتك فاعذر فيما قصر واقبل ماتيسر» ثم إن أبا بكر كتب كتاباً إلى أهل عمان يشكرهم ويثني عليهم، ومن ثم لم يكن عجباً أن يكون العمانيون الذين دخلوا الإسلام دون حرب على هذا النحو من الحماسة للإسلام، والتضحية في سبيله بأموالهم وأنفسهم ابتغاء رضوان الله فكانوا في الصفوف الأولى في الفتوحات الإسلامية، فكان دورهم في فتح العراق وفارس، وخاصة من ناحية
البحر عظيماً.
ومن الروايات التاريخية نعرف أن الخليفة عمر بن الخطاب طلب من والي عمان عثمان بن أبي العاص الثقفي بعد وقعة (جلولاء) 16 هـ أن يقطع البحر لمحاربة كسرى، فارس، فخرج معه ثلاثة آلاف محارب أو ألفان وستمائة من الأزد، وراسب، وناجية، وعبد القيس، وأكثرهم من الأزد، فعبر بهم عثمان بن أبي العاص من جلفار رأس الخيمة إلى جزيرة كاوان (البحرين) وفيها قائد العجم، فسالم القائد الفارسي. عثمان بن أبي العاص ولم يقاتله. ولكن الدور البارز الذي قام به العمانيون كان في عهد الإمام عمر بن الخطاب، ومن جاء بعده في فتوح الشام وفارس والمغرب، ومصر وغيرها، ومن ثم فإننا نجد لهم آثاراً باقية في كل هذه البلاد، وكان منهم قواد عظام وعلماء كبار، رفعوا راية الإسلام خفاقة في كل مصر، وقطر (2).
وبما أن متابعة هذا الانتشار ليس هو موضوع بحثنا، فإننا سنقتصر على ما
1 - الشيخ السالمي: تحفة الأعيان، ج 1، ص 50. 2 - يراجع، السالمي مرجع سابق، ج 1، ص 52.
286 (1/286)
صفحة 287
الدور الحضاري
من الدعوة عند الأباضية
كان للعمانيين الإباضية فيه دور خاص أو مباشر مثل فتوحاتهم في شرق إفريقيا، والصين والهند وأندنوسيا، وجزر الملايو، وسيلان، وجزر المالديف
والكاديف.
نشر الإسلام بشرق إفريقيا
لا نستطيع أن نحدد تاريخاً معيناً لبداية الاتصالات العمانية الإفريقية، فمنذ أقدم العصور جاء العمانيون إلى الساحل الشرقي لإفريقيا المواجه لشبه الجزيرة العربية، وكان لهم تبادل تجاري مع السكان الأفارقة (1). ولكن الذي لا شك فيه هو أن هذه العلاقات بدأت قبل ظهور الإسلام، فقد اشتهر العمانيون بركوب البحر، وعرفوا الانتقال من البحر الأحمر الشرقي إلى الساحل الغربي منه، وتسجل كل المصادر التاريخية نبوغهم في هذا المجال، وارتباط حضارتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية به.
وقد كان الوجود العماني في شرق إفريقيا بكل المقاييس، أكبر كثافة وأكثر عمقاً منها في آسيا، أو بالتحديد جنوب شرقي آسيا، ولذلك كان تأثيرهم في هذه المنطقة أشد وأقوى (2). فقد اعتمد – بجانب الروابط الملاحية والتجارية - على الهجرة العمانية الدائمة فردية وجماعية، حيث تعود الشعب العماني على رحلات منظمة إلى شرق إفريقيا.
ولا شك أن احتكاك الأفارقة بالعرب المسلمين أدى إلى نتائج عميقة
1 - يراجع حصاد ندوة العلاقات العمانية المصرية، وزارة التراث القومي والثقافة، ع (2)
يناير 1994.
2 د/ نايف عيد جابر السهيل مرجع سابق، ص.185.
287 (1/287)
صفحة 288
الدور الحضاري
لم تقتصر على التجارة أو المعاملات المادية، بل لقد كان لأسلوب التعامل، وما حمله العرب المسلمون معهم من مبادئ يدعو إليها الإسلام، أعمق الأثر في
الأفارقة.
والحق إن المصادر كلها تشير إلى دور التجار في هذا الصدد، لأن العلاقات الاقتصادية كانت من الدوافع التي ساعدت على أن يتجه العمانيون إلى هذه المناطق النائية، ويستقروا فيها، ويكونوا بها إمارات عربية نمت وازدهرت بالتدريج، وشهد بعظمتها وازدهارها وتحضرها كل من زار المنطقة من العرب والأجانب على السواء، وكانت هذه المهاجر العمانية على الساحل
الإفريقي الشرقي مصدر إشعاع حضاري أثر في المناطق الإفريقية المجاورة (1). ونستطيع القول بوضوح إن كافة المصادر التاريخية تؤكد على الصلة بين عمان في كل العصور وبين الشرق والجنوب الإفريقي، حتى إنهم وصلوا إلى تترانيا، ومدغشقر وجنوب الصومال وجزر القمر، ومنطقة نورديفان وكلوة، ومِمْبا، وزنجبار كما توضح ذلك مصادر كثيرة.
أما في شرق إفريقيا نفسها فقد توغلوا في الأحراش والغابات غير هيابين ولا وجلين، وكان ركوب المخاطر في البحر ساعدهم على ركوبها في البر أيضاً. وهكذا وصل الإباضية العمانيون إلى الجنوب وحول البحيرات الاستوائية وإلى بحيرة نيانسا ومنابع نهر الزمبيزى، وموزمبيق، وبحيرة تنجينقا، وفيكتوريا والبرت وكيوجا المعروفة الآن باسم بورندي، ورواندا، وغربي كينيا، وغربي وجنوب أوغندا، ومملكة كارنجا زيمبابوي). وقد استطاعوا بمهارتهم وقوة عزيمتهم أن يصلوا عن طريق ممتد بين الساحل والداخل،
1 حصاد ندوة العلاقات، يناير 1994 م.
288 (1/288)
صفحة 289
الدور الحضاري
وتدفقوا عبر هذا الطريق مستخدمين الإبل في رحلات تستغرق شهوراً. وكانت هذه الطرق بالتحديد هي السبيل الوحيد إلى وصول الإسلام إلى
هذه المناطق الداخلية النائية في إفريقيا (1).
ومع مرور الأيام تحولت هذه العلاقات التي بدأت بالتجارة إلى علاقات حضارية عميقة في كل مجالات الحياة، فتزاوج رجال عمان بنساء من إفريقيا، فجاء الجيل الجديد تعبيراً عن هذا المزج الحضاري الذي ترجم نفسه سريعاً في تزاوج آخر بين اللغة العربية التي حملها الإباضية إلى إفريقيا وأخلصوا في نشر تعاليم الإسلام بها، وبين لغة الأفارقة أنفسهم، فنشأت في زنجبار وما حولها اللغة السواحيلية التي جاءت وليدة التزواج العربي الإفريقي، والتي يتكلم بها أهل الشرق والجنوب الإفريقي حتى اليوم (2).
وقد برزت بعض المدن الساحلية زاهية بحضارتها العربية الإسلامية الجديدة، مثل لامو الواقعة شمال ممباسا ويرجع تأسيسها إلى مستهل القرن
كما
الثامن الهجري، وقامت بها حكومة ديموقراطية معتنقة المذهب الإباضي، برزت في هذا المجال شخصيات عمانية اشتهرت بالجرأة في اقتحام المخاطر، ولا يكاد يصل القرن العاشر الهجري حتى استطاع الأيمة الإباضية العمانيون أن يمدوا سلطانهم على الشمال الشرقي من أرض الصومال حتى نهر رفوما، وأن يقيموا فيها إمارات تابعة لهم وضعوا على رأسها رؤساء من العائلات العربية في ممباسا وزنجبار، وغيرهما. المناطق الهامة (3) واستمرت قروناً إلى أن
من
1 د / السهيل، مرجع سابق ص، 190.
2 المصدر السابق.
3 - د/حسني أحمد محمود الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا، دار الفكر العربي
289 (1/289)
صفحة 290
الدور الحضاري
جاء السقوط الأخير على يد الأفارقة الشيوعيين في أوائل الستينيات. ولم يبق من تلك الآثار إلا ما كتبه العلماء الإباضية أو غيرهم عن تلك
العهود الزاهرة. وقد يتساءل المرء عن انحسار المذهب الإباضي في هذه المناطق، وأحسب أن هذا يعود أساساً إلى أن الإباضية كانوا متسامحين مع أهالي تلك المناطق، فقد كانوا يهدفون إلى نشر الإسلام متجاوزين العصبيات المذهبية حيث حرصوا أشد الحرص على نشر الإسلام أولاً ولم يفكروا في أي شيء آخر بعد ذلك.
وهكذا نستطيع القول: إنّ الإباضية في القرنين الثالث والرابع الهجريين قد أثروا في سكان تلك المناطق تأثيراً بعيداً، وهم الذين يرد ذكرهم في المصادر أحياناً: البربر، أو السودان، أو الزنج، أو البانتو، وكان الفضل لأولئك الرواد في تحويل تلك القارة من الوثنية إلى الديانة الإسلامية، كما شهدت له بذلك الوثائق والدراسات.
نشر الإسلام فالهند
كانت هناك عدة عوامل ساعدت كلها على الاتصال المباشر بين عمان والهند منها:
أولاً: الجوار: فبحكم وجود عمان قبالة الهند بحيث لا يفصل بينهما سوى المحيط الهندي، تعتبر عمان بالنسبة للهند بوابة إلى الخليج، والجزيرة العربية بأجمعها، وقد وطد هذا الجوار العلاقات بين القطرين منذ زمن بعيد. ثانياً: الحركة التجارية: كانت الحركة التجارية نشيطة دائبة بين عمان
القاهرة 1987 م. ص، 140 و 141 و 439
290 (1/290)
صفحة 291
الدور الحضاري
منح الدعوة عند الاباضة
والهند، وكانت السفن تمخر عباب المحيط الهندي جيئة وذهاباً ما بين القطرين، فقد كانت الهند في حاجة ماسة إلى توطيد علاقتها ببلاد العرب عامة، وبعمان خاصة، إذ أن الهند كانت في حاجة شديدة إلى (اللبان) الذي يستخدم في صناعة البخور، والذي تشتهر به منطقة ظفار عالمياً، كما أن حاجتها إلى العاج الإفريقي ظلت شديدة أيضاً، وكان يصل إليها عن طريق عمان ينقله العمانيون من شرق إفريقيا، وكانت الهند في حاجة أيضاً إلى
الخيول العربية التي كانت تأتيها من عمان بعامة، ومن منطقة ظفار بخاصة. وكانت الهند من جهتها تبيع لعمان الأقمشة، والأقطان والتوابل، والعطور، وخشب النارجيل اللازم للصناعة وغير ذلك من المواد الزراعية
والصناعية.
ثالثاً: المنافسة البحرية: كان لا بدَّ أن تكون هناك منافسة شديدة في السيطرة على الطريق البحري التجاري بين الهند وعمان، ويبدو أن المراكب العمانية كانت تتعرض من حين إلى آخر لهجمات القراصنة الهنود. (1) مما دفع بالأيمة العمانيين لحماية نشاطهم التجاري ياحداث أسطول حربي قوي يقف في وجه هجمات أولئك القراصنة، وقد أنشأ الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192 هـ) أسطولاً بحرياً مسلحاً لحماية الشواطئ العمانية، ولتأمين الطريق البحري من القراصنة، وقد قوي هذا الأسطول في عهد الإمام مهنا بن جيفر اليحمدي ما بين (226 - 237) إذ استطاع أن يكون أسطولاً ضخماً على درجة رفيعة من العدة والعتاد، قيل أنه يتكون من ثلاثمائة بارجة حربية
1 - د/ نايف السهيل، مرجع سابق، ص.169. نقلا عن مايلز، صب الخليج، مسقط، ص 82
291 (1/291)
صفحة 292
الدور الحضاري
مسلحة (1).
هذه العوامل جميعها عززت العلاقات بين البلدين ودفعت العمانيين إلى الهجرة والاستقرار بالساحل الغربي لبلاد الهند فعمروا بعض البلاد وبنوا بها منازل لهم مثل ميناء تامه وقندرينا وكبايه وجرفتن وكلها موجود بالساحل الغربي المعروف عند القدامى بساحل ملبار (2).
ومن
هنا كان استقرار كثير من التجار العمانيين في هذه الأرض مدعاة إلى الدعاية إلى الإسلام بين أهلها، إضافة إلى أولئك الدعاة الذين كانوا يتوافدون من حين إلى آخر لغرض التجارة، أو لغرض الدعوة نفسها، وكان بعضهم يستقر فيها نهائياً حيث يتزوجون من أهالي الهند، ويتخدون لغتهم وكثيراً من عاداتهم وتقاليدهم التي لاتتنافى مع الإسلام، وبذلك كانوا مؤهلين تماماً كدعاة إباضية لنشر الإسلام في هذه البلاد وخصوصاً بين الهنديات اللاتي تزوجن من هؤلاء الوافدين، وأيضاً بين الهنود الذين ارتبطوا معهم بعلاقات
تجارية (3)
ومما لا شك فيه أن الذي ساعد على الحركة الإسلامية الواسعة في هذه البلاد داخلاً وساحلاً هو ما رآه أهل تلك البلاد من أخلاق العمانيين المسلمين العالية ومعاملتهم الحسنة عندما بلوهم بالمصاهرة، والمتاجرة والمعاشرة، مقارنين بين حالتهم الاجتماعية السيئة التي كانوا عليها في ظل حكم نظام طبقي يسيطر فيه رجال الدين على الناس بالاستغلال والاحتقار
1 - المصدر السابق.
2 المصدر السابق.
3 - المصدر السابق.
292 (1/292)
صفحة 293
الدور الحضاري
منه الأغنية الأراضية
مج
والقهر ... فرحبوا بالدين الإسلامي الذي لا يعترف بالطبقية في كل شيء. والإباضية هم أصفى المسلمين تمثيلاً لهذا الفكر الذي لا يؤمن إلا بالتقوى ميزاناً، ومقياساً ... و. أ ... ومن ثَمَّ انتشر الإسلام في كل مكان وصله تاجر، أو داعية، أو فقيه مسلم، وخاصة في سواحل الهند وهضبة الدكن وغيرهما أنحاء من الهند، وأقاليمها العديدة مثل البنغال، وغيرها ... (1).
وقد حظي الذين دخلوا في الإسلام من أهالي هذه البلاد بالاحترام والتقدير اللذين حظي التجار الغرباء بهما أيضاً، الأمر الذي دفع بالحركة الإسلامية دفعات كبيرة بين الهنود ملوكاً ورعية.
ويحرص المسلمون من الهنود على تأكيد الروابط التي تجمعهم بالتجار العمانيين الذين كانوا سبب إسلامهم، فيقولون إنهم ينحدرون من أنجال هؤلاء التجار المسلمين الذين أقاموا في بلادهم منذ أزمنة بعيدة، وهم يمدحون ذلك حتى الوقت الحاضر.
وهكذا نرى نتجية لجهود إباضية عمان، وغير العمانيين انتشر الإسلام في الهند، والتزم الهنود بتعاليم الإسلام وتقاليده، وحافظوا على دينهم رغم ما يتعرضون له من هجوم شبه مستمر من ملوك الهند ومهراجاتهم (2).
1 - يراجع أرنولد ويلسون: تاريخ الخليج قو: محمد أمين عبد الله مسقط، ط، 1985، ص:
403 - 323 - 314
2 - د/ نايف السهيل، مرجع سابق، (بتصرف). ص 172
293 (1/293)
صفحة 294
الدور الحضاري
نشر الإسلام في الصور
من الدعوة عند الأباضية
عرف إباضية عمان بلاد الصين منذ القرن الثاني الهجري، وذلك عن طريق التجار العمانيين الذين أبحروا في اتجاه الصين فبلغوا منها أقصاها كما تدل على ذلك الوثائق التاريخية. ويرتبط نشر الإسلام في هذه البلاد بداعية إباضي مشهور هو أبو عبيدة عبد الله بن القاسم العماني الملقب بأبي عبيدة الصغير تشريفاً وتكريماً، وقد وصل إلى ميناء كانتون حوالي 133 هـ، وتعتبر رحلته من أقدم رحلات العرب إلى بلاد الصين إن لم تكن أولها. ورد في كتاب بعنوان «موجز تسجيل الأمور الهامة المختلفة في عهد أسرة سون» (1). وبصورة صريحة إن المبعوث لدولة ووشيون (صحار) التابعة لتاشي (العرب)، قد جاء لتقديم الهدايا إلى الإمبراطور الصيني، وذلك يدل بصورة قوية على أنه عماني بلا شك. إن هذا المبعوث الذي يشير إليه الباحث الصيني لم يكن سوى الداعية الإباضي المعروف عبد الله بن القاسم، وقد كان يدعى عندهم الشيخ عبد الله وكان رئيساً لمنطقة سكنى العرب والأجانب الآخرين في مدينة (قوانتشو)، وقد لقبه الإمبراطور الصيني سون سين (زون بصورة خاصة جنرال الأخلاقية
الطيبة.
وهذا اللقب له أكثر من دلالة دعوية فإنّ الشيخ عبد الله لم يصل إلى هذه المرتبة العالية بحيث تصبح أخلاقه الطيبة دلالة عليه وعلى شيء يمتاز به، إلا لما كان يتحلى به من صفات عالية وسلوك متميز، هي الصفات الإسلامية
-1 - تشان زون يان أستاذ التاريخ بجامعة بكين): الاتصالات الودية بين الصين وعمان عبر التاريخ (تراتنا) ع، 21، ط، 2 (د. ت)، ص 8.
294 (1/294)
صفحة 295
الدور الحضاري
الرائعة، والسلوك المحمدي المتميز، ومن المهم في الأمر أن هذا التلقيب قد تم تدوينه على يد سوشي الأديب الصيني السياسي المشهور ذائع الصيت ولايزال المرسوم الأصلي الذي أصدره الإمبراطور الصيني (سون سين زون) محفوظاً ضمن مجموعة الشؤون الخارجية لدون باي (الاسم الثاني لسوشي)،
أن
وقد عرفنا من الكتاب السجل المختصر .... الذي كتبه سوزاي (أديب مشهور آخر من عهد أسرة سون، وهو الأخ الأصغر للأديب سوشي، بأن الشيخ عبد الله قضى في مدينة (قوانتشو) عشرات السنين و كانت له ممتلكات وافرة حتى لقد بلغ قيمتها عدة ملايين (مين)، ولكي نقدر قيمتها نقوم بمقارنة في الفترة التي بلغت فيها التجارة الخارجية لحكومة أسرة (سون) قمة إزدهارها، فإن الدخل السنوي للحكومة كان لا يتجاوز مليونين (مين)، وهذا يعني ممتلكات الشيخ عبد الله الشخصية قد تجاوزت دخل التجارة الخارجية السنوي لحكومة أسرة (سون). والذي يهمنا هنا هو أن هذا النجاح المادي وراءه نجاح آخر معنوي أخلاقي ديني من علاماته الأمانة والصدق والسلوك الحسن، وإلا كيف يحصل هذا التاجر العربي على تلك الرتبة العسكرية العظيمة (جنرال) لولا أخلاقه الإسلامية المتميزة تلك التي جعلت الإمبراطور الصيني يقدم للشيخ. عبد الله عند عودته إلى وطنه الهدايا القيمة بصورة خاصة، وهو في الحقيقة اعتبار رفيع خاص للشيخ عبد الله، ومن خلال ذلك بإمكاننا ـ يقول الباحث أن ندرك بأن الشيخ عبد الله قد ساهم بشكل بين وبارز في مجال تطوير الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعمان.
الصيني.
-
وهذه شهادة باحث أكاديمي معاصر استند إلى الوثائق التاريخية التي ما تزال موجودة في الصين إلى الآن. وقد أكدت السجلات العمانية هذه الحقائق
295 (1/295)
صفحة 296
الدور الحضاري
من اللغة عند الأناضة
التاريخية، حيث نقرأ أن رجلاً عمانياً يدعى أبو عبيدة عبد الله بن القاسم قام بأول رحلة بحرية إلى قوانتشو في الصين، وربما كانت هذه الرحلة إلى الصين أقدم وأبكر سجل موجود من جانب العرب (1).
هكذا استطاع الداعية أبو عبيدة من خلال تجاربه وتجارته وأخلاقه الإسلامية العالية أن ينشر الإسلام سواء على يديه أو على يدي زملائه من التجار العمانيين الآخرين الذين قصدوا الصين معه أو بعده، إذ نجد الشماخي يذكر في (سيره) عالماً إباضياً آخر وصل هذه الديار وهو النظر بن ميمون، ويقول عنه إنه كان من خيار التجار المسلمين (2). وقد وصل العمانيون بمتاجر تهم إلى أقصى شمال الصين، إلى مدينة قانصوا وبلاد الشيلا التي يعتقد أنها بلاد كوريا الآن واليابان وتوغلوا داخل البلاد حيث كانت بعض الموانئ الصينية لا تقع على الساحل الذي يطل على بحر الصين أو المحيط الهندي
مباشرة.
(3)
واستمرت رحلات العمانيين إلى ميناء كانتون الصيني، حيث كان لهم وكلاء عديدون في هذه المدينة وغيرها من مدن الصين التي فتحت أبوابها لتجارتهم، فكانوا هم الذين قاموا بمعظم النشاط التجاري مع بلاد الصين في القرن الثالث الهجري بصفة خاصة (4).
وبما أن التجارة هي المحك الدقيق لواقعية الإسلام، وبروزه اليوم من
1 - المصدر السابق، ص 80.
2 - السير ج 1، ص 90
3 - د/ نايف السهيل مرجع سابق، ص 166
4 المرجع السابق، ص 166.
296 (1/296)
صفحة 297
الدور الحضاري
خلال التعامل المالي والتجاري، فإن الإباضية العمانيين كانوا يمثلون بأخلاقهم الإسلامية العالية رسالة دعوية عملية إلى جانب دعوتهم إلى الإسلام وتطبيق تعاليمه في تلك البلاد، ومن هنا فقد كان لتجار عمان الرياسة للعرب والمسلمين في (كانتون) على النحو الذي رأيناه مع أبي عبيدة الصغير حتى لقبه الإمبراطور الصيني (جنرال الأخلاقية الطيبة) ... وهذا كان نتيجة طبيعية لما اشتهر به هؤلاء التجار بسبب تمسكهم بدينهم من حميد الصفات، وجميل السجايا، ولم يكن تجار عمان ممن يتصفون بالأنانية، والجشع أو الحرص أو الشح، كما أنهم كانوا يندمجون مع أهالي البلاد التي يتاجرون معها، ويحاولون بشتى الطرق كسب ودهم ومعاملتهم معاملة طيبة، مما كان يؤدي بلا شك إلى إعجاب الصينيين بهم وبأخلاقهم التي كانت تتمثل في الأمانة والصدق بدرجة كبيرة (1).
أندنوسيا وما جاورها:
سبق أن أشرنا إلى الوجود العماني في الهند والصين، وسبق أيضاً أن أشرنا إلى أن وجود الإباضية العمانيين في الصين كان منذ عهد مبكر، أي منذ رحلة الداعية أبي عبيدة الصغير سنة 133 هـ. وهذا يقود حتماً إلى عدم الشك في وجود العمانيين في الجزر والبلاد الواقعة في المسالك البحرية ما بين عمان والصين مثل سيلان (سريلانكا ومالديف، وجزر الملايو، وأندنوسيا، وغيرها البلاد الموجودة في هذه الأنحاء. وقد أكدت الوثائق ذلك.
من
وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الوجود المكثف إلى انتشار الإسلام في هذه البلاد مثل سومطرة وجاوة حتى بورنيو وجزيرة سليبس.
1 - المرجع السابق، ص 167
297 (1/297)
صفحة 298
الدور الحضاري
من اللغة عند الاباضة
وهناك إشارات تدل على تأثر (جاوه) بالتجار الإباضية العمانيين، حيث عثر على مساجد أثرية قديمة كثيرة العدد بغير زخارف، مما يدل على أنها من بناء التجار العمانيين، أو على الأقل متأثرة بالطابع العماني (1) في بناء المساجد وهو طابع معروف ببساطته.
وكان العمانيون قد قدموا تجاراً رحالين أو مستقرين إلى سومطرة حيث بنو المستوطنات والمراكز التجارية، وقد يكون التجار المقيمون من قبل في سواحل الهند هما الذين أقبلوا إلى سومطرة.
وقد استجاب أهل أندنوسيا للإسلام وحافظوا على تقاليده، وقد ظهرت هذه الاستجابة في الثقافة العربية التي أصبحت مستخدمة عندهم «فقد انتشرت مفردات وكلمات عربية كثيرة في لغاتهم مثل اللغة الاتشهينيزية، وهي إحدى لغات سومطرة التي استعملت الأبجدية العربية أثناء تحولها من لغة شفوية إلى لغة مكتوبة.» (2) وكان طبيعياً أن تكون هذه المفردات تتعلق بالدين الإسلامي الذي حرص العمانيون على نشره في تلك البقاع. ويقال إن إسلام مملكة (سوكدنه) كان على أيدي العرب وإن هؤلاء العرب أتوا من سومطرة، ولما كان العمانيون يشكلون أغلبية العرب الذين كانوا يعملون بالملاحة والتجارة في هذه الجهات، فإن المرجح أن التجار العمانيين هم الذين كان لهم فضل تحويل مملكة سو کكدنه إلى الإسلام، كما أدخلوه إلى جزيرة ملوكس التي كانوا يجلبون منها الفلفل الذي يوجد في أراضيها، وخصوصاً في جزيرة (ترنات) التي اعتنق أهلها الإسلام، وكان
1 تأليف السهيل، مرجع سابق، ص.174. 2 - يراجع أرنولد: الخليج العربي، ص 426 - 427.
298 (1/298)
صفحة 299
الدور الحضاري
من الدعوة عندال
سلطان هذه الجزيرة كما يحكي البرتغاليون أول زعماء ملكوس دخولاً في الإسلام على يد أحد التجار المسلمين (1).
وقد عمت الدعوة الإسلامية بفضل نشاط العمانيين حتى بلغت جزر الفلبين، وهذا يدل على أن العمانيين لم يكونوا تجاراً وحسب، وإنما جاؤوا دعاة للدين الإسلامي قولاً وفعلاً.
3 - دور إباضية المغرب في نشر الإسلام غرب إفريقيا).
ارتبط نشر الإسلام في إفريقيا السوداء بالتجار والتجارة ارتباطاً عضوياً، وكان أكبر الفضل في ذلك يعود إلى الدولة الرستمية التي نشطت هذه التجارة، ويصعب الحديث عن نشر الإسلام دون الحديث عن التجارة بين مراكز الحضارة في المغرب الإسلامي وبلاد السودان، وطرق القوافل ومسالكها عبر الصحراء لمعرفة أهم المراكز التي كانت همزة الوصل بين تاهرت وورجلان وبلاد الجريد وجبل نفوسة من جهة، وبلاد السودان الغربي والأوسط من جهة أخرى. فقد كان التجار يقومون إلى جانب أعمالهم التجارية بالدعوة إلى الإسلام وقد ارتبط انتشار الإسلام في القرن الثاني والثالث والرابع للهجرة في غرب إفريقيا بالتجار إلى الحد الذي أصبح من
1 - يراجع: د/ نايف السهيل مرجع سابق، ص 176.
2 - يراجع، د/محمد صالح ناصر دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، نشر معهد القضاء، سلطنة عمان، 1413 - 1992.
299 (1/299)
صفحة 300
الدور الحضاري
من اللغة عند الاناضة
العسير معه الفصل بين الحركتين مما لا يسمح أبداً بوضع فاصل بين الدور الذي قام به التجار من جهة، وبين العلماء ودعاة الإسلام من جهة أخرى، فإنه غالباً ما يجتمع الدوران في الرجل نفسه، ويتضح ذلك كما يقول الباحث أحمد إلياس حسين «من تتبع سير الإباضية الذين كانوا يمارسون التجارة على نطاق واسع في غرب إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي» (1). وبما أن أغلب المعلومات المتعلقة بهؤلاء الدعاة إنما نجدها في كتب السير. عند الإباضية في المقام الأول حين تتعرض لتراجم الرجال وذكر أخبارهم وهم في الأغلب الأعم رجال اشتهروا بالصلاح والتدين والتقوى إلى جانب اشتهارهم بالحركية والحزم والنشاط، فإن تاذيوش لفيتسكي) يجزم بأن هؤلاء الإباضية الذين كانوا يسافرون إلى بلاد السودان لم يكونوا يتحملون مشقة هذا السفر المضني من أجل الدوافع الاقتصادية وحسب، وإنما كانوا يفعلون ذلك لدوافع دينية تبليغية تتصل بالدعوة إلى الإسلام ونشر رسالته في هذه البلاد النائية، التي لم يصلها الإسلام في هذه العهود المبكرة وهذا ما نستنتجه من مكانتهم المرموقة التي نجدها في هذا المجال على النحو الذي ترويه
لنا كتب السير عندهم. والواقع إن ظاهرة ارتباط نشر الإسلام بالتجارة ليست خاصة بالإباضية أو ببلاد السودان، فإن الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها «لم ينتشر بالفتح وحده بل أدى التجار ومنهم علماء دوراً كبيراً في نشر الإسلام في كثير من أقطار الأرض، وكان العلماء في ذلك الزمان يعملون بالتجارة والصناعة
1 - أحمد إلياس حسين دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي، ندوة العلماء الأفارقة،
ص 93.
300 (1/300)
صفحة 301
الدور الحضاري
منهم اللغة عبد الناصية
والزراعة وغيرها من الحرف ليكسبوا من كد أيديهم ويؤدوا دورهم في نشر تعاليم دينهم ومبادئه في الوقت نفسه.» (1).
وقد عرف الإباضية منذ القديم بميلهم الشديد إلى الأعمال الحرة التي لا يرتبطون فيها بحاكم أو وال يدفعهم إلى ذلك حرصهم على الكسب الحلال،
وتكونهم الأصيل الذي يعتمد على النفس تربية وتكويناً في الأغلب الأعم. وقد أدى استقرار الإباضية على أطراف الصحراء في واحات فزان وجبل نفوسة وغدامس وواحات الجزائر ووارجلان وسدراته ثم وادي ميزاب منذ القرن الثامن الميلادي إلى ارتباطهم القوي بتجارة الصحراء، وعزز ذلك الارتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة وزناته للمذهب الإباضي وتخصص كثير منهم بالتجارة عبر الصحراء. (2)
فسرعان ما انتظمت تجارة الإباضية في زويلة تحت إمارة بني الخطاب منذ تأسيسها عام 145 هـ / 762 م، وتوسعت تجارة الصحراء بقيام الدولة الرستمية في تاهرت عام 160 هجرية (766 م) فقد أشرفت هذه الدولة على المنطقة الصحراوية ما بين سجلماسة جنوب) المغرب الأقصى) وزويلة التي دخلت ضمن دائرة نفوذها واهتم الرستميون بالتجارة وطرقها فحفروا الآبار للقوافل في المناطق الداخلية في الصحراء وأرسلوا الجنود بصحبة التجار لتأمينهم من الأماكن التي يخشى فيها من غارات البدو.
وارتباط الدعوة إلى الإسلام بالتجارة على هذا النحو المتداخل المتكامل يعد في حد ذاته من أهم العوامل المساعدة على انتشاره بين الأفارقة في تلك
1 - عبد الرحمن الشرقاوي: أئمة الفقه التسعة، ص 10
2 - ابن خلدون: تاريخ، ج 2، ص 286، محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 349.
301 (1/301)
صفحة 302
الدور الحضاري
من اللغة عند الأراضية
البلاد الواسعة، إذ إن التجارة ميدان عملي تمتحن فيه العقيدة والأخلاق والسلوك اليومي، فإن المرء في صراعه مع الإغراءات المادية لا ينتصر على هوى النفس ونوازعها نحو الربح الوفير السريع من أيسر الطرق وأدناها، إلا إذا كان يملك قوة إيمانية تعصمه من الوقوع في المزالق، والتجارة هي الميدان العملي الذي توضع فيه تلك القيم للامتحان مع الآخرين. وما من شك في أن أهل تلك البلاد عندما كانوا يتعاملون مع التجار المسلمين كانوا يلحظون ما يمتازون أو يتميزون به عن غيرهم مما يجعلهم يتساءلون عن القوى الروحية الخفية التي تقف وراء هذا السلوك وذلك ما يدفعهم إلى التعرف على الدين الإسلامي مقارنين بينه وبين. ما عليه من بدائية ووثنية. وأقوى دليل على هذا التعليل ما نجده في قصة علي بن يخلف وإسلام أحد ملوك مالي على يديه حيث نلحظ أن الشيخ علي بن يخلف لفت نظر الملك باستقامته فكان الملك قلما جلس مجلساً إلا أجلسه معه إكراماً له،
هم
وكان يتعجب من. خَلْقه وخُلُقه وكثرة عبادته ومحافظته على دينه» (1). وهذا يجعلنا نبحث عن هذه العلاقات التجارية التي كانت بين الإباضية وبلاد السودان الغربي والأوسط إما إبان الحكم الرستمي في تاهرت أو بعد زوال الحكم في سدراته وورجلان أو من خلال المواطن التي انتشرت فيها الجماعات الإباضية مثل بلاد الجريد، وأسوف ووادي أريغ، وغيرها، ونتتبع المراكز التجارية الصحراوية الهامة التي كانوا يمرون بها أو يقيمون مثل أو دغست، وتادمكت، وغانة، ومالي، وكوكو، وكانم. محللين الآثار الثقافية والفكرية التي تركتها هذه العلاقات في كل هذه المراكز.
1 - الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج 2، ص 517
302 (1/302)
صفحة 303
الدور الحضاري
وهكذا استخدم الإباضية التجارة وسيلة دعوية مقصودة عن وعي واقتدار، إيماناً منهم بأنها الوسيلة الأنجع لبت الدعوة إلى الإسلام ولاسيما في المناطق النائية التي لم يصلها الإسلام ومن ثم نلحظ كيف ازدهرت هذه الوسيلة في كل الأماكن التي قصدتها جماعات الإباضية ولعل أبرز مثال على ذلك لمرحلة الظهور فترة حكم الرستميين في المغرب الأوسط الذين استطاعوا بفضل سياستهم الحكيمة الاتصال بغيرهم وبث الدعوة الإسلامية في أوساطهم كما سنوضح ذلك.
ولم يختلف الإباضية العمانيون عبر مراحلهم التاريخية عن إخوانهم المغاربة، بل لعل نشاط العمانيين في هذا الصدد كان أظهر وأقوى بحكم مهارتهم البحرية وامتداد حدود مملكتهم إلى شواطئ شرق إفريقيا والهند والسند. إضافة إلى هذين المثالين تذكر المصادر كيف اعتمد انتشار المذهب الإباضي نفسه على يد التجار الإباضيين القادمين من المشرق والمغرب ولاسيما في مصر والمغرب وقد اعتبر بعض المؤرخين التجارة وسيلة فاقت في ذلك غيرها من الوسائل الأخرى كالحج مثلاً «لأن الحج له مواسمه المحددة بزمن معين أما
التجارة فهي عمل لا ينقطع.»
(1)
وكان من نتائج هذا الانتشار أن ظهر بمصر إباضيون مشهورون مثل الشيخ الطاهر عيسى بن علقمة المصري، الذي كان من متكلمي الإباضية في مصر ومن حذاق علمائها.
- ابن اليسع وهو عالم إباضي مشهور بسخائه وفضله.
1 - د/محمد زينهم محمد عزب وأحمد عبد التواب عوض دراسة في تاريخ الإباضية، دار
الفضيلة القاهرة 1994، ص 26
303 (1/303)
صفحة 304
الدور الحضاري
منح الدعوة عند الأباضي
شعيب بن المعروف المصري الذي وصل إلى درجة الفتيا وله في التاريخ الإباضي دور معروف.
وهكذا بفضل تلك الدعوة النشيطة أصبح للإباضية بمصر جماعة وأتباع كثيرون وقد ظل الوجود الإباضي في مصر حتى بعد انقضاء الخلافة الفاطمية في عام 576 هـ/1180 م ومما يذكر أن صلاح الدين الأيوبي اعتنى بطلبة العلم من الإباضية حتى أنه أسكنهم جامع ابن طولون، وأجرى عليهم الأرزاق كل شهر، وكانت لهم مدرسة تُدعى مدرسة يحي بن طولون في القرن الحادي عشر للهجرة. (1) بل ظلت هذه المدرسة من أوقاف الإباضية بمصر إلى عهد قريب جداً وكانت بها مكتبة غنية بالمخطوطات آل معظمها إلى دار الكتب
المصرية.
الأثر الديني والثقافي
إن التجار الإباضية لم يكونوا يحملون في قوافلهم الطويلة السلع المجتلبة من المشرق أو من المغرب وحسب، بل كانوا يحملون معهم ولا شك أفكارهم ومبادئهم، ونظرتهم إلى الدين والدنيا معاً، كانوا يحملونها عبر مراكزها المختلفة وحيث يتزلون للراحة والاستجمام وعلف الراحلات لاستئناف المسير، ومن المعروف أن هذا الاستجمام كان يطول بحيث يترك أثراً ولا شك في الأهالي الذين يتصل بهم التجار، ولا يختلف هذا الأثر عن ذاك الذي يتركونه في المحطات الأخيرة على حافة نهر النيجر، وقد تكون الرحلة إلى أبعد من ذلك حتى تصل إلى حدود ما يسميه ابن بطوطة في القرن
1 - د/رجب محمد رجب عبد الحليم الإباضية في مصر والمغرب، ص 105100
304 (1/304)
صفحة 305
الدور الحضاري
الثامن بلاد الكفار. وأصدق شاهد على تغلغل الفكر الإباضي في هذه المناطق في البلاد والعباد مابقى حتى يومنا هذا قائماً في الفنون المعمارية المتأثرة بفنون
العمارة عند الإباضية ولا سيما إباضية ورجلان وسدراته ووادي ميزاب. فقد لاحظ الباحث الألماني (شاخت) ذلك وخصص له دراسة قيمة قائمة على البحث العلمي الميداني (1) مستندة إلى المقارنة والتحليل النظري، قام بها في
بعض بلاد السودان الغربي والأوسط، كما قام في قرى وادي ميزاب ووارجلان وجربة. وتوصل من خلال كل ذلك إلى التأكيد من أن الحضارة الإسلامية ذات الطراز الإباضي ولاسيما في بناء المساجد والمصليات في السودان الغربي والأوسط ضاربة بجذورها في تاريخ هذه المنطقة، واستنتج من التشابه النمطي بين مساجد وادي ميزاب ومساجد شعب peuls أو (الفولبي) الموجود في السودان الغربي والأوسط بصفة خاصة. وأثبت هذا التشابه من خلال دلائل ثلاثة وهي:
ذلك
أولاً: غياب المنبر في مساجد شعب البال peuls) هو الأثر الأكثر لفتاً للنظر، فعلى الرغم من أن هذا الشعب أصبح اليوم يعتنق المذهب المالكي في الأغلب الأعم، وهو مذهب يتمسك بوجود المنبر في المساجد، فإن غياب المنير في مساجد (peuls) لا يُفسر إلا بتأثير خارجي عن هذا المذهب، وعندما سأل (شاخت) عن أسباب غياب المنبر أشار إليه أكثر من عالم ديني إلى المحراب وأوضحوا له أن المنبر لا علاقة له بقيام صلاة الجمعة، ولكن شاخت
1 - يراجع Schacht; J: Sur la diffusion des formes d architecture religieuse
musulmane à travers le sahara, in travaux de l institut de recherches
sahariennes, Tome XI, 1954.
305 (1/305)
صفحة 306
الدور الحضاري
من اللي عند الأناضة
فسر هذا الغياب تفسيراً علمياً مقبولاً، فما دامت هذه الظاهرة تخص شعوب (peuls) دون (الكانوري) أو (الهوسا). فإن شاخت يعلل هذا بتأثر شعب (peuls بطراز بناء المساجد عند الإباضية الذين كانوا من الرواد في نشر الإسلام في هذه المناطق، فإن ظاهرة غياب المنبر موجودة في مساجد وادي ميزاب وورجلان وهذا له علاقة أساسية بنظرة المذهب الإباضي لأداء صلاة الجمعة وشروطها، فإن الإباضية بعد سقوط إمامتهم بتاهرت سنة 296 هجرية 908 م فقدوا أهم شرط من شروط صلاة الجمعة حسب فقههم وهو الإمام العادل، ففي غياب هذا الإمام الذي يعتبرونه الرئيس الديني والسياسي لجماعتهم فقدت صلاة الجمعة أهم شرط من شروطها، والواقع كما يقول شاخت: «إن صلاة الجمعة لم تكن شعيرة دينية وح كانت أيضاً تجمعاً سياسياً ولاسيما في العصور الإسلامية الأولى ... ووجود الإمام العادل قد تختلف النظرة إليه بين المذاهب ولاسيما عند المذهب المالكي والمذاهب السنية الأخرى».
وإنما
يقول شاخت ومن هنا ننتهي إلى القول إلى أن وجود المسجد بدون منبر عند شعب (peuls) في السودان الغربي إنما جاء إلى هذه المناطق عن طريق الإباضية بعد سقوط الدولة الرستمية والممر الذي انتقلت منه هذه الخصيصة في بناء المساجد طريقان أولهما انطلق من الجنوب التونسي عن طريق سوف والجريد، وورجلان ثانيهما انطلق من ميزاب إلى ورجلان وواصلت نفس الممر الأول. ويقول (شاخت) بعد ذلك وعلى الرغم من أنني لا أستطيع أو أؤكد أي الطريقين سلكه غياب المنبر ليصل مساجد شعب البال فإني أؤكد بأن هذه الخصائص المذكورة لم تنتشر أبداً عن طريق جنوب المغرب
306 (1/306)
صفحة 307
الدور الحضاري
من اللغة عبد الناصية
الأقصى، فقد لاحظت وعاينت غياب هذه الخصائص المعمارية غياباً كلياً في
تلك المناطق.
ثانياً: الخصيصة الثانية التي لاحظها شاخت هي المحراب ذو الشكل المستطيل، فبعد مقارنات و دراسات دقيقة في العديد من المساجد الإسلامية انتهى إلى مايلي: «إن ميزاب بدون شك هو نقطة الانطلاق لهندسة المحراب المستطيل، فعلى الرغم من أننا قد نلحظ وجود المحراب المستطيل في بقاع أخرى من العالم الإسلامي هنا وهناك، إذ نلحظ هذا في محراب سيدي سفيان في بجاية وفي غيرها من الأماكن التي ذكرها شاخت ... ولكن وجوده في بعض مساجد ميزاب وعند مساجد شعب (البال) يصبح من المميزات اللافتة للنظر، وقد لاحظ شاخت وجود هذه الظاهرة في المصليات بوادي ميزاب أكثر من وجودها في القاعات المسقفة أي المساجد وهو مالاحظه أيضاً (جان لوتيلو) في حفريات سدراته والمسجد القديم بقرية نفوسة الذي هو من أصل
إباضي) ويضيف (شاخت): أن علماء الإباضية بوادي ميزاب أكدوا لي أنه لا علاقة للشكل المستطيل أو نصف الدائري في المحراب بالدين أو المذهب وإنما هي قضية تعود إلى ذوق الباني لا أكثر ولا أقل. وهم على حق في ذلك. ومع ذلك فإن هذا يؤكد مرة أخرى تأثر مساجد السودان الغربي بهذا الطراز من البناء وهو خاص بميزاب وليس خاصاً بالإباضية لأنه شكل لا وجود له في مساجد إباضية جربة مثلاً.
ثالثاً: وأهم خصيصة فيما نرى من بين ملاحظات شاخت
المئذنة هي
1 - ينظر Le thielleux J.Ouargla Cité Saharienne, P 68
307 (1/307)
صفحة 308
الدور الحضاري
من الاية عنة الأناضة
ذات الشكل الهرمي التي تعد طابعاً يميز مساجد الإباضية بوادي ميزاب وورجلان عن غيرها من مساجد العالم الإسلامي بل إن وجودها ما يزال قائماً شامخاً في أحد مساجد واحة سيوه حيث كان الإباضية أيضاً. هذه المئذنة التي تلفت النظر بهندستها الجميلة المتميزة هي موجودة بكثرة في مساجد السودان الغربي وليست خصيصة خاصة بمساجد شعب البال هذه المرة، فقد لاحظ باحث آخر وجودها في مساجد شعوب إفريقية أخرى مثل الهوسا والكانوري إلى جانب شعب البال، كما يؤكد ذلك مارسيل مارسية وهو يرى رأي شاخت نفسه بأنه طراز معماري انتقل إلى هذه الشعوب مع الحضارة الإسلامية التي نقلها الإباضية إلى هذه المناطق. ويقول دولافوس معلقاً على هذا التأثر الواضح الذي ما يزال باقياً في كثير من نواحي الصحراء حتى اليوم مثل جانت وايزلواز، وأغاديس أنه لا يعقل أن نقول إن الميزابيين بنوا هذا الشكل أخذاً عن السودان ولكن نقول إن السودانيين بنوا هذا الشكل تأثراً بالميزابيين.
وبعد:
(1)
فإن هذه الآثار الملموسة الباقية شامخة حتى اليوم تشهد بما لا يقبل الشك أبداً على أن الإباضية لم ينقلوا هذا الفن المعماري المتميز الأصيل إلى غرب إفريقيا وحسب، بل إنهم نقلوا إلى جانبه حضارتهم وثقافتهم وفكرهم وكل مميزاتهم العقدية والأخلاقية وكانوا الرواد الذين نشروا الإسلام في صورته النقية الصافية بين الشعوب الإفريقية التي اختلطوا بها فأحيوها اقتصادياً ودينياً ووصلوها روحياً ومادياً، وعلى الرغم من الصراع المذهبي الذي كان وليد
1 - ينظر: Schacht, sur la diffusion des Formes
308 (1/308)
صفحة 309
الدور الحضاري
من اللغة عبد العاصمة
العصر الوسيط وعلى الرغم من حملات التشكيك والاستنقاص من قيمة المذهب الإباضي التي تطالعنا به بعض الأقلام المتخلفة من حين إلى آخر فإن حقيقة إنسانية خالدة لن يستطيع الزمن تغييرها وهي الحقائق التاريخية الباقية في البلاد والعباد (1). إن هذه الحقيقة الباقية تدعونا مرة أخرى إلى التأمل في المفارقة المؤسفة التي يحياها العالم الإسلامي اليوم وهي كيف دخل الإسلام وانتشر مع التجاز الإباضية وعلمائهم فكان الإحياء المادي والروحي، وكيف يخرج الإسلام اليوم من تلك المناطق على يد المنصرين المسيحيين مستخدمين سلاح الاقتصاد فصار الإماتة المادية والروحية معاً.
1 - لا بدَّ من الإشارة هنا بأنه يوجد في (غانا) و (مالي) اليوم من سكانها من يعتنق المذهب ومنهم طلاب كانوا يدرسون بالأردن وعمان، تعرفنا عليهم. (م. ن)
الإباضي، ومنهم
309 (1/309)
صفحة 310
الدور الحضاري
4 - حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي:
: نشأة الحلقة
إن الدارس عندما يعود إلى كتب الإباضية التي تحدثت عن نشأة الحلقة قبل انتقالها إلى وادي ميزاب يلحظ مدى التطور الكبير الذي أصابه هذا النظام بدءاً من مؤسسيه الأوائل مثل أبي عبد الله محمد بن بكر الذي يعتبر النظام الذي وضعه هو الآخر تطويراً لما وجده عند سابقيه أبي القاسم يزيد بن مخلد وأبي خزر يغلى بن زلتاف اللذين عاشا ما بين 300 - 350 961 - 912 م))، ويلحظ الدارس من جهة أخرى أن النظام كان علمياً ودينياً بحاً ثم تطور ولاسيما في المجتمع الميزابي ليصبح نظاماً متكاملاً يهتم بكل نواحي الحياة الفردية والجماعية. ديناً واجتماعاً واقتصاداً وسياسة.
يقول البرادي في الجواهر المنتقاة وهو من مؤرخي القرن التاسع الهجري
حيث يصف الشروط التي ينبغي أن تتوفر في العزابي الذي يلتحق بالحلقة. «أول ذلك من سيماء من أراد الدخول في طريق المبتدئين العزابي، وذلك إذا اعتزل العوائق الدنيوية وأول ما يتخلى عنه حلق الشعر ولا يتركه يطول، والعزابة من شعارهم عدم الشعور، ومنها ألا يلبس ثوباً مصبوغاً إلا البياض ولا بأس بعلم الطرفين والطراز مالم يتفاحشا.» (2)
ثم يستطرد في وصف دقيق لما يجب أن يكون عليه لباسه الذي ينبغي أن
1 - عن نظام هذين الرائدين ينظر، عبد الرحمن أيوب: سير أبي زكريا، ص 195.
2 - البرادي: الجواهر، ص 207.
310 (1/310)
صفحة 311
الدور الحضاري
يختلف عن لباس العامة من حب الفخفخة وتزويق المظهر، والتعبير عن الزهد في الحياة الدنيا والانصراف عن زخارفها. ثم يحدد الفئات التي تكون الحلقة حيث يقول: «وأهل الحلقة صنفان آمر ومأمور، فالآمر اثنان شيخ الحلقة والعريف، والعريف صنفان منفرد وغير منفرد فالمنفرد اثنان عريف أوقات الختمات والنوم وعريف الطعام وغير المنفرد العرفاء من حملة القرآن منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم، ويصححونها عليه، ويحفظونها، وعريف على أوقات الدراسة يكون واحداً ويكون أكثر إنما هو على قدر الاحتياج إليه. والمأمور ثلاثة طلبة القرآن وطلبة فنون العلم والأداب، والعاجزون ولجميعهم أوقات يختص بها. (1)
ويستطرد البرادي في ذكر التفاصيل المتعلقة بنظام التعليم، والأكل، والعبادة، وما يتطلب في طالب الحلقة من آداب وأخلاق، وصفات، ويصف طرق التأديب والإجازة، ويتتبع نظام الحلقة في أدق الجزئيات وكأنه يضع، بين أيدينا لائحة داخلية مفصلة لداخلية من الداخليات، والذي يستطيع المرء استنتاجه من هذا النظام هو أنه الجذور الأولى لما أصبح عليه نظام العزابة المتطور بوادي ميزاب، فاشتراط الأخلاق الكريمة، والصفات العالية، والالتزام الدقيق بمبادئ الشريعة الإسلامية، والعناية بحفظ القرآن ومذاكرته، والانقطاع إلى العبادة واستحضار محاسبة الله في كل أمر. وحلق شعر الرأس، ولباس الثياب البيضاء وغيرها كل هذه الشروط التي كان أبو عبد الله يشترطها في تلاميذ الحلقة هي نفسها التي تلقى على مسامع العزابي الجديد الذي يلتحق بالحلقة حتى يومنا هذا. اختلاف بسيط في بعض الشكليات والجزئيات.
1 - المصدر السابق، ص 208
311 (1/311)
صفحة 312
الدور الحضاري
أخذ
اسم
وهكذا نلحظ أن نظام العزابة بدأ لغايات تعليمية توجيهية، الهدف منه تكوين التلاميذ الذين كانوا يجلسون إلى شيوخهم في شكل حلقة دائرية ومنها الحلقة، ولكن هذه الحلقة تطورت مع تطور الظروف الزمانية والمكانية، والعوامل الداخلية والخارجية تطوراً كبيراً فتوسعت رعاية الفرد في المجتمع الإباضي في جميع مناحي حياته الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وقد تجلى هذا التطور على أتم صورة وأكملها بعد نشأة وادي ميزاب وتبلور بصفة أخص بعد بداية الحركة الإصلاحية في العصر الحديث كما سنوضحه بحول الله.
بعد تكون مدن ميزاب السبع العطف بنورة، بني يسجن، غرداية، مليكة، ثم بريان والقرارة اقتضى التنظيم الاجتماعي لهذه القرى التي تكون مجتمعاً واحداً أن تكون هناك هيأة تشرف على تسيير هذا المجتمع بطريقة تكفل له الاستمرارية في ظل دينه الإسلامي وعوائده وأخلاقه ونظمه؛ وبما أن كل قرية من هذه القرى تتكون من عشائر فإن العشائر كانت تختار الهيئات ذات النفوذ لتسهر على سير المجتمع الإباضي في كل قرية وبالتالي في قرى الوادي كله.
وترجع هذه الهيئات من حيث الأمور الدينية والدنيوية إلى قسمين
أصليين، قسم الطلبة، وقسم العوام.
أما قسم الطلبة فيتكون من:
1 ـ هيأة العزابة.
-
2
هيأة التلاميذ من غير حفظة القرآن (إمَصُّوردان). والذي يعنينا
بالدراسة هنا هم هيأة العزابة.
والعزابة جمع (عزاب) بفتح العين مأخوذ من عزب عن أهله انفرد عنهم،
312 (1/312)
صفحة 313
الدور الحضاري
من الليل عبد الناصية
سموا بذلك لانقطاعهم إلى الله بالاشتغال بأمر دينه ويذهب روبانيكسي وهو أب مسيحي إيطالي إلى أن الكلمة جاءت من كلمة العزوبة أي ترك الزواج وحاول أن ينبش في سير الإباضية ليستخرج مايؤيد مذهبه مستدلاً بأخبار أبي القاسم مخلد أحد أئمة الإباضية في النصف الأول من القرن الرابع حين سأل عن رجل من التلاميذ فقيل له «تزوج» فقال لأن يبلغني موت واحد من التلاميذ أحب إلي من أن يبلغني تزويجه. فقالت له زوجته: فلم تزوجت أنت إذا؟. فقال لها لو علمت مكان مسألة ليست عندي لما ردني باب النوى إلى «سجلماسة» لشددت إليها رحلي، ولا أخاف أن يعذبني الله إلا على
الجهل (1)
فاستدلال «روبانيكسي» بهذا الخبر ليؤيد به تفسيره للكلمة ليس في محله ومحاولته الربط بين نظام الحلقة وبين الرهبانية المسيحية أمر مفضوح، لأن الرواية تدل دلالة قاطعة على أن أبا قاسم إنما كان يقصد إلى توجيه تلامذته للاشتغال بالعلم وهم في مرحلة الطلب ولو كانت نيته عدم التزوج
(2)
لبدأ بنفسه. وهيأة العزابة هي الهيأة العليا في البلد على الإطلاق، لها النفوذ الروحي على المجتمع الإباضي والسلطة المطلقة في كل ماله علاقة بالدين. أو هي في عبارة موجزة: الهيأة الشرعية الحاكمة القائمة مقام الإمامة العظمى في مرحلة الكتمان.
وهي تتركب من اثني عشر عضواً، يكونون المجلس الديني غالباً ولا
1 - عبد الرحمن أيوب: سير أبي زكرياء، ص 195
2 - نجد التفسير نفسه عند البولوني ليفتسكي، ينظر دائرة المعارف، مادة الحلقة.
313 (1/313)
صفحة 314
الدور الحضاري
منهج الدعوة عند الأباضية
يتجاوزونه إلا إذا اقتضت الضرورة العملية ذلك، مثل التوسع الديمغرافي وتنوع مصالح الناس مما يتطلب التفرغ لكل هذه المهام، ففي مدينة القرارة مثلاً تكاثر عدد أعضاء المجلس نظراً لما ذكرناه ولإحداث مساجد عديدة بنواحي البلدة يتوزع العزابة للإشراف عليها، وتسييرها، ولكنهم يتصرفون جميعهم وفق مجلس واحد يضمهم جميعاً، ولهم جلسة أسبوعية معينة يلتقون فيها للتدارس والتشاور واتخاذ القرارات والتوصيات.
-
كانت بيد ثلاث.
والواقع أن سلطات الاستعمار الفرنسي قد قلصت من نفوذ العزابة بعد احتلالها لميزاب سنة 1300 هـ / 1882 م، والكتابات المتحدثة عن تاريخ ميزاب إبان الاحتلال تشهد كلها على النفوذ الواسع الذي كان بيد العزابة (1)، وطبقاً لها فإن الإدارة في القرارة – مثلا سلطات العزابة والجماعة والمكاريس. فالأولى هي السلطة العليا وهم رجال الدين، والثانية هم مجلس يتكون من العوام غير الطلبة من أعيان البلد يساعدون العزابة على السلطات التنفيذية، والثالثة هم المكاريس أو الحراس الذين يوكل إليهم حفظ الأمن والنظام. أما العزابة الذين يتكون مجلسهم من اثني عشر عضواً منهم رجال يحفظون القرآن ويتولون إدارة المسجد والسهر على المحافظة عليه نظافة وأوقافاً وتسييراً، يعلمون الأطفال بالمحاض) (2) التابعة للمسجد ويدرسون العلوم للكبار، ويعاقبون المنحرفين ويحمون الضعفاء والأرامل والأيتام، يسطرون الأعمال ويصدرونها حسب الشريعة الإسلامية، ويضعون حدود المنازل والبساتين والطرق، وتتطور أعمالهم ومهامهم حسب تطور الحياة في
1 - يراجع الشيخ أبو اليقظان: الحضارة في تاريخ القرارة، (مخطوط).
2 - المحاضر: جمع محضرة: كتاب القرآن
314 (1/314)
صفحة 315
الدور الحضاري
جميع مناحيها.
منه اللعبة الأناضة
وبناء على تلك النصوص نخلص إلى أن نظام الحلقة نظام شامل لجميع
مناحي الحياة ينتظم ويتناسق بين الجماعات التي يشرف عليها العزابة. فالجماعة المكونة من اثني عشر عضواً مكلفة بتسيير شؤون البلدة في الداخل والخارج أي تمثل السلطة التنفيذية، كما أن المكاريس يمثلون السلطة الدفاعية أو الأمنية إذ يكلفون بالأمن العام والمحافظة على النظام والقبض على المنحرفين والمشوشين. وليس لهاتين الجماعتين من الصلاحيات إلا تلك التي تكلفهم بها سلطة العزابة (1).
وعلى رأس العزابة أو الطلبة يوجد شيخ بمثابة الرئيس الفعلي للمجلس يمثل السلطة العليا لكل مدينة من مدن ميزاب، وهكذا تكونت نتيجة لما قلناه سابقاً جمهورية فعلية من رجال الدين هؤلاء الشيوخ رؤساء الحكومة توقف نفوذهم بهذه الصفة بعد دخول الفرنسيين (2).
وللمجلس الديني حق اختيار أعضائه بدون أدنى مداخلة في ذلك لمن عداه، فيختار من كل عشيرة من ينوبها من الرجال الأكفاء الصالحين، ويتحرى في اختيارهم أعلم وأصلح وأورع من في العشيرة بشرط أن يكون متخرجاً في دار التلاميذ حافظاً لكتاب الله أي من هيأة (إيروان) إلا إذا لم يوجد مثله في العشيرة فإنه يختار من هيأة التلاميذ غير المستظهرين للقرآن الهيأة الثانية (امصوردان) وهذا نادر (3).
Motylinsky: Guerrara depuis sa fondation, Alger, 1908, p 20.-1
2 ليفتسكي: دائرة المعارف الإسلامية.
3 - ينظر أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، ص 105. وهذه المعلومات الموجودة بالكتاب
315 (1/315)
صفحة 316
الدور الحضاري
منهج الدعوة عند الأباضية
ومن شروط العضوية أن يكون عمل العزابي الله وحده ولا يجوز له أن يأخذ أية أجرة على وظيفته أو مهمته بالمجلس والمجتمع الإباضي في كل قرى الوادي يتمسك بهذا الشرط أيما تمسك حتى لا يتقدم إلى وظائف المسجد إلا كفء لا يرغب في هذه الوظائف السامية لأمر دنيوي أو
كل نزيه ورع كسب مادي أو سمعة أو جاه أو نفوذ (1).
کد
ودفعاً للحاجة المادية فإن الذي ينضم إلى المجلس الديني يتطلب فيه أن يكون صاحب عمل أو حرفة حرة، فأعضاء العزابة كلهم يكسبون قوتهم من يمينهم فترى فيهم الفلاح، والتاجر والعامل والمعلم. واعتمادهم على أنفسهم في كسب القوت يضفي على مهمتهم الدينية صفة التراهة والقناعة والتعفف وإخلاص العمل الله وحده كما أن اشتغالهم بهذه الأعمال يجعلهم أدخل في الحياة الاجتماعية وأكثر احتكاكاً بفئات الشعب في حياته اليومية، وهذا ما يساعدهم على معايشة واقع الناس وإدراك مشاكلهم، وتحليل قضاياهم، والحكم على آرائهم ومواقفهم ثم إن هذا الشرط يقدم من العزابي الدليل العملي الواضح لتراهة المقصد وقدسية الرسالة، ويضع أمام الناس المثال الحي لما يجب أن يكون عليه المرء من الاعتماد على النفس، وأخذ الحياة من جانبها العملي وفهم الإسلام من رؤية حركية ديناميكية كما تأمر بذلك الشريعة السمحاء، وقد وقف المفكر الإسلامي مالك بن نبي حين زار وادي ميزاب سنة 1968 أمام هذه الظاهرة وقفة المتأمل الذي يتعمق الأشياء
من تحرير الشيخ أبي اليقظان كما حدثني بذلك. (م. ن).
1 - ينظر للتوسع: محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 195.
316 (1/316)
صفحة 317
الدور الحضاري
ويرجع بها إلى أصولها الإسلامية وأرضيتها الأصيلة الصلبة، فربط بين التكافل الاجتماعي الذي يسود المجتمع الميزابي وبين ظاهرة العمل التي يقول عنها أنها القاعدة الأساسية التي تحكم هذا المجتمع الإسلامي، وذلك حيث يقول: «في هذا المجتمع كل فرد يعمل من أجل المجموع، وكل المجموع يعمل من أجل الفرد، إنها القاعدة السحرية التي تحكم هذا المجتمع وتسموبه.
إن العمل هو القاعدة التي تحكم الجميع، فالخدمات التطوعية تكاد تكون حياة يومية، فما أن يُنادى في المسجد إلى عمل تطوعي حتى يتسارع الناس ملبين بطواعية وعفوية كل الفئات تحكمها هذه القاعدة.
البلدة
عندما زرت مسجد العطف استقبلني إمام المسجد بلباسه الديني كما كنت أتوقع، وبعد غد صادفته في إحدى طرق وهو بلباس الفلاح عائداً من حقله ... وتحت نخيل واحة القرارة قُدّم إلي شخص قوي البنية
وصافحني بيد شئنة خددها العمل اليومي المتواصل، وقد تمنطق بحزام عريض فوق لباس العمل البسيط، فقيل لي إنه إمام المسجد (1)».
1 - ترجمة بتصرف عن الفرنسية ينظر، الثورة الإفريقية عدد 274، ص 26، 20 مايو 1968. ويراجع د/ محمد ناصر مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، نشر مكتبة الاستقامة،
سلطنة عمان، 1992 م.
317 (1/317)
صفحة 318
الدور الحضاري
م الله عبد الناصية
مهمات العزابة
1 - المهمات الدينية:
يصعب على المرء في الواقع عندما يتحدث عن مهام العزابة أن يفصل بين ماهو مهام دينية، وبين ماهو مهام اقتصادية مثلاً لأن الدين الإسلامي دين يتغلغل كل مناحي الحياة في المجتمع الإسلامي الحق، وبما أن الحلقة إنما أنشئت لتكون الإمامة الصغرى التي تنظم حياة المجتمع الإباضي فإنه بات طبيعياً أن يكون من مهامها وصلاحياتها التشريع والتنفيذ والحكم.
فمجلس العزابة من هذا المنظور هو أعلى سلطة في المكان الذي يوجد فيه، وهو يمثل سلطة الإمام ويقوم مقامه في جميع مهامه وواجباته باستثناء إقامة الحدود التي يعطلها الإباضية في طور الكتمان حتى لا يستغدُوا السلطات الحاكمة أو مخالفيهم ضدهم، ويقتفي مجلس العزابة في هذا الصدد بالسنن الذي سار فيه رواد الحركة الإباضية الأوائل في البصرة إبان المرحلة السرية خلال القرنين الأول والثاني الهجريين) ويقتسم أعضاء المجلس المهام التي تتطلبها الحياة في المجتمع الإسلامي ديناً وثقافة واجتماعاً وسياسة واقتصاداً وغيرها فيتكفل كل عضو بما يليق له كل حسب موهبته واستعداده العقلي والجسدي والنفسي، يترأس مجلسهم غالباً أقدمهم في الحلقة وأكبرهم سناً، وقد تسند الرئاسة في بعض الأحيان للأعلم
(1)
1 - د/عوض محمد خليفات النظم الإجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية، عمان 1982، ص 43.
318 (1/318)
صفحة 319
الدور الحضاري
من الأغدية العالمية
والأفقه في الحلقة. فقد حدث أن ترأس الشيخ بيوض حلقة العزابة في
العشرينيات، وهو أصغر عضو بالقرارة في الحلقة، نظرا لعلمه وكفاءته. وأول هذه المهام الوظائف الدينية للمسجد، مثل المفتي، والإمام
والمؤذن، وناظر الأوقاف، ومؤدب الصبيان، وغسلة الأموات.
أما الإمام فيراعى فيه التقوى والصلاح، والحزم والتفقه في الدين، والصوت الجوهري، الحسن والسلامة من العيوب الخلقية كفقدان البصر وغيرها مما يعوقه عن أداء عمله بالكيفية المطلوبة، ويعين المجلس له خليفة يخلفه
حين تقتضي الضرورة غيابه. 1
(1)
وتعد وظيفة الأذان من أهم الوظائف لأنها تتطلب من القائم بها دقة
كان
وانضباطاً وحضوراً مستمراً، ولا يستطيع الاتصاف بهذه الصفات إلا من أولى صفاته الحزم والنشاط والسلامة الجسدية، وقد كانت مهمة المؤذن قبل الإنارة الكهربائية بمدن ميزاب شاقة وعسيرة، لايستطيعها إلا الصلب القوي لأن المهمة تتطلب منه الصعود إلى أعلى الصومعة خمس مرات في اليوم حتى يُسْمَعَ صوته من كل مكان.
كما تتطلب منه. صبراً واحتمالاً على السير في الشوارع المظلمة في غلس الشتاء، أو وهج الشمس في حر الهاجرة. وليس يسيراً على المرء أن يلتزم التزاماً دائماً بالنهوض قبل الفجر بساعتين لاسيما في ليالي الصيف القصيرة، وعلى المؤذن قبل هذا وذاك أن يكون مثالاً لحسن السلوك لأنه.
يعتبر
أولاً
1 - ينظر محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 107
319 (1/319)
صفحة 320
الدور الحضاري
منهج الدعوة
وقبل كل شيء من أعضاء الحلقة البارزين (1).
ومن أهم مهام الحلقة مهمة الوعظ والإرشاد التي تناط في الأغلب الأعم برئيس المجلس ويوليها المجلس عنايته ومتابعته وحضوره.
فالمساجد في ميزاب لا ينتهي دورها عند أداء الصلوات المكتوبة، وإنما يتعدى ذلك إلى ماهو أهم من ريادة المجتمع، وقيادة الناس في حياتهم اليومية كلها، وبذلك يكون المسجد في المجتمع هو الموجّه، والمربي، والواعظ، والمعلم. وتجسيداً لهذه الريادة، يحرص المجلس الديني على وظيفة الوعظ والإرشاد بالمواظبة المستمرة في كل وقت وفصل وينتقى له أكفأ أعضاء الحلقة تجربة وأقواهم شخصية، وأغزرهم علماً ومعرفة، وأفصحهم لساناً.
وتترك هذه الدروس التي يلقيها المشايخ في المساجد أثراً بعيداً في سلوك الناس، وتعاملهم مع بعضهم بعض، وتوجه دفة حياتهم اليومية للصالح العام، وتعمق نظرتهم إلى الحياة في جميع مناحيها.
وإذا كان هذا التأثير يتفاوت من مدينة إلى أخرى بحسب تأثير الشيخ الذي تناط بعهدته هذه المهمة طبعاً، فإن الاجماع عام على الأثر البليغ الذي استطاع أن يتركه بعضهم في النهضة الإصلاحية من أمثال الشيخ اطفيش (2)،
1 - يقال عن مؤذن القرارة حاليا الشيخ أحمد حاج عشور، أضبط ساعتك على ميعاد
أذانه ولا تبال.
2 - الشيخ محمد بن يوسف اطفيش مجدد الفكر في ميزاب، ت:1914 م
320 (1/320)
صفحة 321
الدور الحضاري
والشيخ بيوض"
(1)
من الليل عبد الناصية
فقد ترك هذان الشيخان الفاضلان بصمات واضحة في حياة وادي ميزاب ودفعوا النهضة الإسلامية الحديثة به دفعة قوية إلى الأمام، وكان لهما الفضل الأكبر في تطوير الواقع الإجتماعي في جميع مجالاته، والخروج به من
عصور
الانحطاط والتخلف.
إن منبر الوعظ والإرشاد الذي هو من أهم مهام المجلس الديني قد أدى دوراً عظيماً في تطوير المجتمع الميزابي، وإخراجه من الظلمات إلى النور، بدأ ذلك في عهد الشيوخ الذين ظهروا على الساحة الاجتماعية والدينية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ولكن التطور الحقيقي إنما ظهر على يد
الإمام الشيخ بيوض مع بداية النهضة الإصلاحية بعد الحرب العالمية الأولى.
لقد حول الشيخ بيوض بنظره الثاقب ومواهبه الفذة المسجد في القرارة إلى مركز إشعاع علمي بأتم معنى الكلمة وأصبح المسجد في عهده جامعة مفتوحة يؤمها كل الناس.
إن هذا الانقلاب العظيم الذي تزعمه الشيخ بيوض يعود إلى نهجه التربوي الرشيد الذي يتبعه في دروس تفسير القرآن الكريم. فقد كان ينتهج نهج محمد عبده في التفسير، ويتبع أسلوب عرض المجتمع على القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة عارضاً مشاكله الاجتماعية اليومية. منطلقاً من واقعه المعيش بحصافة وبعد نظر بعيدين عميقين، وقد انطلق هذا الإشعاع من مسجد القرارة ليعم سائر مدن ميزاب وهذا يعود أساساً إلى اتخاذه المسجد مدرسة
1 - الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض رائد الحركة الإصلاحية، ومعلم الأجيال. ت: 1981 م
321 (1/321)
صفحة 322
الدور الحضاري
اجتماعية بأتم معنى الكلمة وعيا منه بما للمنبر المسجدي من دور ريادي، فإلى جانب المدارس الحرة النظامية التي أسستها الجمعيات الخيرية تحت رعاية المساجد والتي كانت لتعليم الناشئة وتربيتها تربية إسلامية، كان هناك المسجد هذه المدرسة الاجتماعية التي ينتسب إليها كل أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الفكرية ذكراناً وإناثاً، شيباً وشباناً، أساتذة متضلعين وتلامذة مبتدئين وكل منهم يغرف من دروسه سب موهبته
واستعداده العقلي"
(1)
وفي بعض المواسم الدينية مثل شهر رمضان والعيدين تتحول المدينة كلها إلى المسجد، وتعيش جواً مسجدياً رائعاً يكاد يكون اعتكافاً جماعياً إن صح
هذا التعبير. ونترك وصف هذه الظاهرة لقلم الشيخ محمد علي دبوز حيث يقول: «إن المدينة كلها في رمضان، سيما في القرارة رجالها ونسائها، يسارعون بعد الفطور إلى المسجد ليظفروا بالأماكن قبل اكتظاظه، على سعة المسجد وكبره.
إن رئيس كل أسرة والرئيسة في كل دار حريصون على حضور كل أبنائهم وبناتهم لدروس الشيخ بيوض سيما في المواسم الدينية التي تكون دروسها ممتازة ... فالعائلة كلها تسرع إلى المسجد فتمتلئ أركان المسجد كلها
بالمدينة» (2)
1 - الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض، رائد الحركة الإصلاحية، ومعلم الأجيال. ت: 1981 م 2 - نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 202
322 (1/322)
صفحة 323
الدور الحضاري
وترى الدرس يستمر في بعض المواسم والأعياد ثلاث ساعات وأكثر،
والناس خاشعون أمامه يصغون إلى الدرس بقلوبهم وعقولهم.
وترى آلات التسجيل الكثيرة أمامه بلغت في بعض المناسبات أكثر من عشرين آلة تسجيل يسجل بها الناس دروسه النفيسة لنقلها إلى مقرات عملهم أو يُسمعونها لأصدقائهم وإخوانهم خارج وادي ميزاب ليعم النفع، وتتحد وتتآلف القلوب (1).
وكان الشباب بصفة خاصة لا يفوتون فرصة العيد في القرارة حرصاً منهم على حضور هذه الدروس التي كان الشيخ يحتفل بها احتفالاً يليق بجلال وقدسية الرسالة، وكانت تفعل فيهم فعل السحر فإليها يرجع الفضل في توحيد صفوف الأمة وتحسيسها بقيمة دينها الإسلامي ولغتها العربية لغة
المناسبة
القرآن الكريم.
وإليها يرجع الفضل في القضاء على البدع والخرافات التي ترسبت في أذهان الناس من عهود الانحطاط الفكري، والمقاومة لكل مظاهر الانحراف والانحلال الخلقي التي تفشت مع طغيان المدنية الغربية، ومامن شك في أن من اهم عوامل نجاح هذه الخطة المحكمة موهبة الشيخ بيوض التي قل لها نظير في وادي ميزاب فقد كان الشيخ يتمتع بميزات عديدة قلما تجتمع في شخص واحد، وعلى رأسها الفصاحة والبيان، وحدة الذكاء، وسعة المعرفة، والمرونة
1 - المصدر السابق، ص 199 بتصرف.
- مما يعتمد الآن في نشر الدروس الشبكة العنكبوتية (انترنت)، والوسائل الإعلامية المتطورة
الأخرى.
323 (1/323)
صفحة 324
الدور الحضاري
من اللغة عنة الأناضة
في مسايرة الأحداث، والمواكبة المستمرة للتطورات المحلية والدولية من حوله، والتمسك الأصيل بالمقومات الإسلامية، هذه كلها تتوجها شخصية دينية مهيبة قوية تفعل في الناس فعل السحر، وتتغلغل في أعماقهم حباً وتقديراً وإعجاباً وولاء. وإلى الشيخ بيوض يعود الفضل الأكبر في بناء هذا المجتمع المسجدي، لا بدروسه العظيمة القيمة فحسب، بل بتروله إلى الميدان بخطة عملية متكاملة، فقد استطاع أن يزرع في قلوب الناس ووعيهم هيبة جليلة للمسجد، وحباً وتأييداً لنظمه، واستعداداً قوياً للاستجابة السريعة إلى كل ما يمليه المسجد أو يدعو إليه فعلاً وتركاً، وإيراداً وإصداراً.
وبهذا أعطى لحلقة العزابة، التي
تقريباً، هيبتها وجلالها.
أعضاء
كان شيخها ورئيسها مدة نصف قرن
ولا تقتصر مهمة الوعظ والإرشاد على مساجد ميزاب فقد يوفد المجلس
من حلقته يقومون بدورات وعظية في مدن الشمال حيث يوجد أبناء
المنطقة تجاراً وموظفين.
هنا ومن
أن يتبين «الإمام والمؤذن وشيخ المسجد هم رؤساء العزابة وعمدتهم، يواظبون على أعمالهم ولا يتخلف أحدهم إلا نادراً لعذر قاهر،
وإذا تخلف أعلم نائبه ليقوم بعمله» (1).
1 - المصدر السابق، ص 197، وانظر أيضاً عوض محمد خليفات، النظم الاجتماعية، ص 43. أيضا، صالح بن عمر أسماوي، نظام العزابة، (د. د. م) جامعة الجزائر،1986 م.
324 (1/324)
صفحة 325
الدور الحضاري
2 - المهمات الإجتماعية:
ولا تقتصر العزابة على المهام الدينية فتحصرهم بين جدران المسجد لا يبرحونه، أو يكتفون بما يعرضه عليهم الناس من مشاكلهم استفتاء وإنابة، بل إن المهام تبدأ من هنا لتذهب إلى أبعد حيث تتغلغل في أعماق المجتمع فتفقده في نواحي حياته كلها في السوق، والمتجر، والحقل، والمصنع، توليه الرعاية والتوجيه المستحقين.
فالعزابة يحرصون كل الحرص على تنظيم العلاقات الاجتماعية التي تربط بين أفراد المجتمع بما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله ولا يتأتى هذا إلا بالتدخل المنظم والمواكبة المستمرة لحركة التطور داخل المجتمع، وهو ما يجعل المجلس يتابع عن كثب ما يحدث من تغيرات ويرعى خطوات الجماعات والأفراد في الأفراح والأتراح، حتى لا تجرفهم تيارات المدنية الوافدة، وحتى لا ينحرفوا عن أصالتهم، وقيمهم، ونظمهم.
فأعضاء المجلس الديني هم العمود الفقري لكل التظاهرات الاجتماعية يشاركون فيها بحضورهم اليومي ويشرفون عليها فترى الصدر في الحفلات مخصصاً لأعضاء الحلقة لا يمكن أن يجلس فيه غيرهم مهما كانت
والمناسبات
منزلته المادية أو المعنوية، تقديراً من المجتمع لهذه السيرة التي توارثها عن أجداده، ومحافظة عليها ليبلغها إلى أحفاده لأنه مقتنع بأن التماسك والتضامن
الاجتماعيين إنما يعودان إلى هذا النظام الذي يوحد الأمة في المشاعر والمآثر.
إن أهل المدينة يطلبون من العزابة أن يرأسوا حفلات أعراسهم، وترى العزابة هم الذين يشيعون الميت، ويحضرون دفنه، فيختلطون بالعامة في
325 (1/325)
صفحة 326
الدور الحضاري
منح الدعوة عند الأباضية
أتراحها، فيستغلون تلك الأحوال - التي يكون الوجدان فيها هو أقوى شيء في الإنسان - للتوجيه والإرشاد والناس مستعدون للتأثر والامتثال، ولا يقتصر دور العزابة على المشاركة المظهرية في هذه المناسبات إشرافاً وتسييراً بل هم يؤدون دوراً اساسياً في وضع نظامها المحكم، ويسطرون لوائحها الداخلية - مستعينين بأعيان البلدة حتى لا ينحرف المجتمع وراء مظاهر الإسراف والانحلال ولا ينساق تحت تأثير عواطف الغلو والجيشان العاطفي، فإن النظم الاجتماعية إذا تركت للعواطف الشخصية، والتصرفات الفردية طغت عليها الأنانية ففقد المجتمع أهم مقوم له وهو التوازن الاجتماعي بين أفراده، وبالتالي يفقد التماسك والتضامن بين جماعاته وعشائره.
لذا تجد الحلقة حريصة كل الحرص على متابعة ومراقبة مايجري في هذه المناسبات الاجتماعية، فتحدد المهر والصداق بكيفية ترضى الله ورسوله، لأنها إن لم تفعل ذلك طغت الترعات الفردية وظهرت المادية والمنافسات المظهرية بين العائلات بطريقة تؤثر حتماً على المستوى المادي للفقير الذي لا يستطيع مسايرة ركب الأغنياء والأثرياء، ولذا كان الفقير في هذا المجال هو إمام الركب أتعلق الأمر بالمهر والصداق، أم بالحفلات والولائم التي تصحب هذه المناسبات عادة، وتطبيقاً لهذا النظام البديع، نجد جماعة كل مدينة ــ عزابتها ومصلحيها – يتفقون على تحديد المهر للبكر والثيب، مهما تكن أسرتها وجمالها أو غنى الزوج أو فقره، فإذا جرت الخطبة، ووقع القبول، لايبقى أمام الأصهار الجدد شيء يتفقون عليه إلا تعيين يوم الزفاف، فكل شيء معين من الحلي الذي يعطى للعروس إلى أقل شيء كجورب تلبسه، أو وشاح تتزين به، وهكذا لا تترك الأمور لمن لا يحسن التصرف فيبدد المال في غير محله، ويبقى
326 (1/326)
صفحة 327
الدور الحضاري
من الاحمد العافية
الفقير أعزب لا يستطيع إحصان نفسه.
ويراعى في تحديد المهر وما يتبعه طاقة غالبية السكان وحالة معاشهم، وإن شاء الغني أن يزيد ويفضل فإلى ما بعد الأشهر الأولى من الزفاف، حتى لا يفسد على الناس هناءهم.
إن المسجد ينبغي أن يكون حاضراً في وقائع حفلات الزفاف كلها من ألفها إلى يائها في مجملها وتفاصيلها، من لحظة إعلان الخطوبة وعقد الزواج إلى آخر محفل ينفض فيه المحتفلون كل إلى حال سبيله.
وحماية لأخلاق الشباب من التدهور وصوناً للعفاف والشرف وضعت الحلقة بمساعدة جماعة المدينة ورؤساء العشائر لوائح تنظيمية تساعد بها من يرغب في الزواج من الفقراء، فكان الحض على التكافل الاجتماعي الرائع الذي يكون بين الطبقات حتى أصبح الآن من النادر أن تجد عرساً ولا سيما في القرارة وبريان لصاحب العرس وحده، وإنما ينضم إلى الغني القادر كل من يرغب في صيانة وإحصان نفسه إن كان ممن لا يملكون الوسائل المادية الكافية التي تؤهله لذلك.
فأصبحت الأعراس الجماعية ظاهرة اجتماعية عادية فمع كل أسرة غنية خمس أو عشر أسر أخرى تنضوي تحت جناحها، ويقوم صاحب العرس الذي فضل الله عليه بكل المصاريف الضرورية بطريقة طبيعية عفوية لا يشعر فيها الفقير بإحساس اليد الدنيا. لأن المسجد أو العشيرة هي التي تحمي الجميع تحت ظلها الإسلامي الوارف، وقد تطورت هذه الأعراس الجماعية في بعض مدن ميزاب فأصبحت الظاهرة عرساً تشترك فيه المدينة كلها لأن المسجد هو
327 (1/327)
صفحة 328
الدور الحضاري
الذي يقوم بتنظيمه ورعايته والإشراف على كل جزئياته، فترى العرس أحياناً يضم قرابة خمسين أسرة متزوجة في انسجام رائع وابتهاج جماعي مؤثر. وبهذه السنة الحميدة استطاع المجتمع أن يتغلب على ظاهرة العزوبة والعنوسة، ويقضي على الأزمات النفسية والانحراف الخلقي أو يخفف منها، فحمى بذلك الأعراس ووفر الاقتصاد، من هذا المنطلق يحرص المجلس الديني على مراقبة سير الأعراس والأفراح مثل الزواج والختان والميلاد، وتدشين الدور الجديدة وغيرها من المناسبات حماية للفقراء وذوي الدخل المحدود، ومحافظة على التوازن الاجتماعي بين فئات المجتمع وطبقاته.
كما يشرفون على مناسبات الأتراح فيجهزون الأموات غسلاً وصلاة ودفناً ومواساة لذويهم، كما يشرفون على تنفيذ وصاياهم، وتقسيم تركاتهم بين مستحقيها، ويقومون على شؤون الأيتام والأرامل، وضمان كفالتهم وتسهيل سبل الحياة ـــ بعد أن يفقدوا عائلهم ــ لهم.
وتكون هذه المناسبات ذات الطابع الاجتماعي فرصة للعزابة للتأكيد على المحافظة على الوحدة والتضامن والتعاون بين أفراد المجتمع، فلا تنقضي هذه المناسبات أكلاً وشرباً أو تجمعاً وانفضاضاً، وإنما تغتنم في الأغلب الأعم للتذكير بالقيم الإسلامية الأصيلة والحث على التشبث بها، ومقاومة كل مظاهر الانحلال والتهتك والانحراف.
كما يقوم أعضاء العزابة مستعينين بمجالس العشائر على جمع الزكاة من الأغنياء، وتوزيعها. توزيعاً عادلاً على مستحقيها بطريقة تكفل لهم الحياة الاجتماعية المتوازنة، وقد يتدخل العزابي في البحث عن عمل شريف لمحتاج
328 (1/328)
صفحة 329
الدور الحضاري
أو
يتيم
أو عاطل، كما يسعى لحفظ كرامة ذوي العاهات والأرامل والمرضى والمحتاجين إلى مساعدة إخوانهم الموسرين دون أن يشعروا بالذلة والهوان. كما يكون متصدرا في الأغلب الأعم لمجالس إصلاح ذات البين بين الناس. وأعضاء مجلس العزابة في هذا الشأن يقتفون أثر أسلافهم القدامى في طور الكتمان مثل جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وحاجب الطائي، وغيرهم من مشايخ الإباضية وزعمائهم في تلك الفترة حيث كانوا يقومون بأنفسهم بجمع الصدقات وتوزيعها على الفقراء من أتباعهم (1). ومن أهم النظم الاجتماعية التي ضمنت التماسك والتآزر للمجتمع
(2)
الإباضي في إطار الشريعة الإسلامية ما يطلق عليه نظام الولاية والبراءة. من أصول العقيدة عند الإباضية ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص أي الولاية للموفي بدين الله أياً كان والبراءة من مرتكب الكبيرة أياً كان كذلك، وقد استمدوا هذا النظام من القرآن والسنة الشريفة مثل قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... [التوبة: 71].
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...
[الممتحنة: 13]
1 - عوض خليفات مرجع سابق، ص 45، وانظر للتوسع في هذه المهمات محمد علي دبوز، نهضة الجزائر، ج 1، ص 199، وما بعدها. وأحمد توفيق المدني كتاب الجزائر
ص 109. وما بعدها.
2 سبق تناول هذا الأصل نظرياً في هذا الكتاب.
329 (1/329)
صفحة 330
الدور الحضاري
KAN DEVE
إن العاصي في المجتمع الميزابي عندما يثبت قطعياً – بواسطة العدول لدى هيأة العزابة – أنه ارتكب كبيرة كمنع حق أو تمرد على جماعة أو طعن في الدين، أو ارتكاب فاحشة مثل ترك الصلاة، أو شرب الخمر، والقمار والتدخين، والتعدي على حقوق الغير، أو نحو ذلك مما حرمه الله، تناديه عشيرته فتنهاه، فإن تاب فذاك وإلا رفع أمره إلى العزابة، وبعد الصلاة الجامعة يقف الشيخ ليعلن البراءة من المذنب ويسميه ويبين جريمته، فتقاطعه المدينة كلها حتى من أقرب الناس إليه.
والمحكوم عليه بهذا يحرم من حقوقه المدنية مالم يعف عنه ... وكل من عامله في شيء وثبت لدى المجلس ذلك بالعدول فإنه يلحق به، وهذا الحكم ينطبق على كل مرتكب لشيء مما ذكر لا فرق في ذلك بين الفقير والغني، ولا تقبل توبته إلا في المسجد، وعند اكتظاظه بأفواج المصلين (1)، وإذا مات المحكوم عليه
قبل التوبة فإن العزابة لا تتولى غسله وتجهيزه وإنما تحيل ذلك إلى العوام. إن هذا العقاب الصارم يجرى على كل الطبقات، وقد تبرأ العزابة من موظفين كبار أقامتهم فرنسا وجرأتهم على المسلمين، كبعض القضاة، وبعض رؤساء البلديات، فلم يسعهم إلا التوبة، ولقد ثبت جدوى هذا الردع النفسي الاجتماعي إلى حد بعيد، وإن بدأ يتقلص تطبيقه بعد تطفل بعض النظم المعاصرة وتدخلها في المجتمع الميزابي. وهو أجدى نفعاً من العقوبات الجسدية الأخرى كالجلد، والسجن، فإن السجن والجلد وكل أنواع العقاب أهون من احتقار المدينة، ومقتها وكذلك غريزة الاجتماع التي تحرم بالبراءة وبالوحدة
1 - توفيق المدني، كتاب الجزائر، ص 106. (بتصرف)
330 (1/330)
صفحة 331
الدور الحضاري
التي يصير فيها المتبرأ منه، وبذلك يجد المذنب الدوافع الذاتية التي تدفعه إلى
التوبة والإنابة والرجوع إلى صفوف الجماعة. (1)
إن هذه القسوة في العقاب والتوبيخ التي استخدمها العزابة، والتطبيق الصارم لمبدأ البراءة من الذنب، هما اللذان حفظا وحدة الإباضية وتماسكهم بل وبقاءهم، كما يشهد بذلك العديد من الدارسين الاجتماعيين عربا وأجانب.
3 - المهمات التربوية
كانت المسؤولية التربوية هي أهم ما تقوم به الحلقة في عهود نشأتها الأولى، بل إن تربية النشء والعناية بتحفيظهم القرآن الكريم وتعليمهم اللغة العربية والشريعة الإسلامية كانت المهمة الوحيدة التي كانت الحلقة قد أنشأت من أجلها، وهذا إدراك من علماء المذهب، وشيوخه أن التربية هي أهم الوسائل التي تنشئ الأجيال المسلمة عقيدة، وعملاً وهي من الطرق التبليغية التي تضمن الاستمرارية للمجتمع المحمدي مذهباً وسلوكاً فإن الدارس عندما يعود إلى طبقات الدرجيني (القرن السابع أو الجواهر المنتقاة للبرادي (القرن التاسع) يعجب. حقاً لهذا النظام الدقيق الذي وضعه مؤسس الحلقة أبو عبد الله أبي بكر في القرن الخامس الهجري في هذا المجال. وذلك ما حدا
محمد بن
1 - لمزيد من التفاصيل حول هذا النظام المهم ينظر محمد علي دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 209 وما بعدها. أحمد توفيق المدني كتاب الجزائر ص 106.
331 (1/331)
صفحة 332
الدور الحضاري
منح الدعوة عند الاناضبة
ببعض الأساتذة الأكاديميين بأن يفرد له فصلاً خاصاً، نوه فيه بالتربية الإسلامية عند الإباضية (1)
غير أن الملاحظ أن هذه النظم التربوية قد تطورت مع تطور العصر ومتطلباته تطوراً كبيراً فلم تعد في عصرنا الحديث بهذا الشكل الذي وضعه المؤسس الأول أو حتى على النحو الذي طوره إليها أبو عمار عبد الكافي في القرن السادس.
فإن النهضة الإصلاحية ولاسيما بعد الحرب العالمية الأولى أبدلت بالكتاتيب العتيقة المدارس الحرة المنظمة تنظيماً عصرياً مبنى، ومعنى، ومناهج. وأصبحت هذه المدارس تابعة للجمعيات الخيرية المنبثة في كل مدن الوادي تحت إشراف العزابة توجيهاً وتسييراً في الأغلب الأعم. بل إن المعاهد الثانوية في وادي ميزاب ترتبط بالمساجد ارتباطاً وثيقاً، لتظل هذه الصلة الروحية والمادية قائمة بين المدرسة والمسجد ولينشأ التلميذ في حضن بيت الله
وتعليماً.
تربية،
وقد أسست هذه الجمعيات الخيرية تحت رعاية المسجد كل مؤسساتها التربوية الأخرى مدارس ابتدائية وثانوية مكتبات وداخليات وجمعيات ثقافية ونوادي، وضمنت للتلاميذ والطلاب الاستفادة منها مجاناً دون أي مقابل مادي لأن ذلك يتكفل به المتبرعون المحسنون، وقد تستمد نفقاتها. الأوقاف التي ترصد لذلك.
من
1 - يراجع محمود قمبر: دراسة تراثية في التربية الإسلامية، المجلد الثالث، قطر، 1996 م.
332 (1/332)
صفحة 333
الدور الحضاري
وقد أدى اهتمام الحلقة بالنظام التربوي دوراً عظيماً (1)، يقول عنه الباحث الأردني د عوض خليفات: ساهم نظام التربية والتعليم الذي ابتدعه العزابة في فتح فرص التعليم الديني أمام أتباع المذهب الإباضي، وأتاح هذا النظام ـ كما رأينا ــــ الفرصة لأبناء الفقراء من أتباع المذهب للالتحاق بمدارس العزابة وتلقي العلم والمأوى والأكل دون أجر وبذلك حققوا مجانية التعليم في مناطقهم منذ أمد يعود إلى القرن الخامس الهجري، وربما قبل ذلك. (2)
4 - المهمات الإقتصادية
وتشرف الحلقة على الجانب الاقتصادي من حياة المجتمع الإباضي ترعاه بالتوجيه والتسيير ليبقى في حدود الشريعة الإسلامية لا يتعداها، فيعتني الوعاظ والمرشدون في دروسهم بهذا الجانب عناية فائقة عملاً بقول الرسول الدين المعاملة.
كما تتدخل الحلقة في تنظيم بعض الشؤون ذات الطابع الاقتصادي مثل مراقبة البيع والشراء في الأسواق، ومحاربة الانحراف في التعامل التجاري مثل الربا والغش والتطفيف، والاستغلال والاحتكار، وكل الظواهر التي نمت الشريعة الإسلامية عنها.
1 - خصصنا بحثاً مستقلاً بهذا الجانب تحت عنوان «القيم الإسلامية في النظم التربوية بوادي
ميزاب» نشر عدة مرات.
2 عوض خليفات النظم الاجتماعية، ص 62.
333 (1/333)
صفحة 334
الدور الحضاري
من الدعوة عبد الأباضية
وأصبح من ظواهر الحياة اليومية في مدن الوادي أن يجلس أحد أعضاء الحلقة في السوق بين البائعين والمشترين يراقب السير الرشيد للحركة الاقتصادية، وقد يتدخل العضو لفض الخصومات التي قد تطرأ بين المتعاملين والشركاء في الدكان والمصنع، وقد يتوسط به عامل هضم حقه، أو أهينت
معاملته.
ومن العزابة من يقوم بمهمة المحاسب والخبير التجاري يلجأ إليه التجار ليقوم بعملية الجود للتقويم السنوي ثقة منهم في ورعه، وخبرته، ولا تكتفي العزابة بهذه المتابعة في مدن الوادي بل يتجاوزونها إلى كل المواطن التي يوجد بها الإباضية الميزابيون، ومن أهم اعمال العزابة في هذا الصدد إشرافهم الفعلي على تصريف مياه السيول حسب ما تقتضيه مصلحة الواحات بوادي ميزاب نظراً إلى أن مياه الغدران، والسيول هي عصب الحياة للواحة ولاسيما قبل أن تنفجر بهما الآبار الارتوازية في العصر الحديث، فإن العملية تتطلب قراراً جماعياً يصدره المسجد الذي يذعن له الجميع، ولذا يستعين العزابة بأعضاء (العرش) أو (البلدية) لتنظيم هذه العملية تنظيماً حكيماً يرضاه الجميع. وتوجد في كل مدن الوادي عقود و اتفاقات يحررها الجماعة والعزابة لضمان التصريف المناسب لمياه السيول. ويلحظ الدارس اهتماماً خاصاً باقتصاد البساتين وواحة النخيل لدى الإباضية وقد ألفت في هذا المجال كتب فريدة من نوعها تخطط وتنظم حسب الشريعة الإسلامية ولعل من أبرزها كتاب (أصول الأرضين)
(1)
1 - القسمة وأصول الأرضين ت: د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير. ط 1 1991.
الذي
ألفه
334 (1/334)
صفحة 335
الدور الحضاري
ابن مؤسس حلقة العزابة أبو العباس أحمد محمد
بن
بن بكر في النصف الثاني
من القرن الخامس الهجري، وقد اختصره الشيخ اطفيش في كتاب أسماه
«مختصر العمارة» (1).
وتقوم هيئة العزابة على مراقبة التخطيط المعماري للمدينة بمراعاة الحقوق الفردية والجماعية، وقد وضعت في هذا الشأن قواعد وقوانين ونظم دقيقة عجيبة هي محل إعجاب الدارسين المتخصصين في الهندسة المعمارية مما جعل من أهم مآثر وادي ميزاب هذه الهندسة المعمارية المحكمة التي تجمع بين المتطلبات المناخية للمنطقة صيفاً وشتاء سلماً وجرباً، وبين الجمال الهندسي الرائع الذي لا يوجد له مثيل في العالم كله مما حدا بالمهندس العالمي المشهور لوكور بيزيه بنقل تصاميمه إلى بقاع كثيرة في العالم الغربي المتقدم. وتوكل إلى أعضاء العزابة مهمة الإشراف على المصالح فيعينون من بينهم من يحضر عملية الذبح والسلخ حضوراً يومياً ليضمنوا سلامة الشياه صحياً، وأن الذكاة تمت بطريقة شرعية إسلامية حفاظاً على اللقمة السائغة الحلال، ويبدو أن هذا النظام لم يعد متبعاً في كل مدن ميزاب إذ ترك الأمر فيه إلى ضمائر الناس أو إلى أعوان الحكومة من شرطة أو غيرها (2).
ولا يخفى ما في هذا النظام من مراعاة جادة حكيمة للحياة الاقتصادية للمجتمع الإسلامي وهو في بعض صوره امتداد للحسبة المعروفة عند الدول الإسلامية قديماً، وقد انقرض هذا النظام الإسلامي الهام أمام زحف المدنية الغريبة بنظمها اللادينية. ولم تبق آثار نظام الحسبة موجودة إلا في واحة ميزاب
1 - طبع طبعة حجرية في أواخر القرن 19 م. 2 - إبراهيم طلاي، ميزاب بلد كفاح ص 80.
335 (1/335)
صفحة 336
الدور الحضاري
منهج الدعوة عند الأبات اللعبة الأناضة
بين سكانها الإباضية، وتتمثل فيما يعرف بين أهل المذهب بنظام الطلبة أو (حلقات العزابة) (1).
وليس هذا من قبيل التشدد كما يذهب إلى ذلك موسى لقبال حيث يقول دون تأمل واع فيما ذهب إليه «وكان التشدد والمحافظة طابع الحياة في مدن الإباضية وعلى ذلك لا يجد الإباضية متنفساً وحرية نسبية إلا عندما يهاجرون من بيئتهم الصارمة إلى مناطق التل الأخرى للتجارة والارتزاق وهنا تكون عين الرقابة كليلة وسلطة العزابة ضعيفة وتبقى ضمائر الإباضية وحدها أهم ما يراقبهم في تصرفاتهم الخاصة وفي معاملاتهم الاقتصادية مع غيرهم» (2).
5 ـ المهمات السياسية:
وبما أن العزابة يمثلون نخبة المجتمع الميزابي وقادته فإنهم كانوا بحكم هذه المسؤولية الروحية يتحملون تبعات الدفاع عن المجتمع ضد التدخلات الأجنبية مهما يكن مصدرها أو نوعها وقد قاموا بهذا الدور الخطير في كل المراحل التاريخية التي مرت بها منطقة وادي ميزاب فكانوا حارس المجتمع في حالات السلم والحرب، والأمن والفتن والاستقرار والاضطراب، وقد لاحقهم الاستعمار الفرنسي من أجل هذه السلطة الروحية كما لاحق رجال الدين في كل شبر من القطر الجزائري، ومارس ضدهم كل أنواع العسف والإرهاب، حتى أصبحت كلمة (الطلبة) في تقارير الحكام العسكريين إبان فترة الاحتلال تعني الخارجين عن القانون أو المشاغبين ضد السلطات المحلية
1 - ينظر د/موسى لقبال، الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي، ص 86.
2 المصدر السابق، ص 88.
336 (1/336)
صفحة 337
الدور الحضاري
الحاكمة التي يمثلها (القياد) (1).
يقول (ليفتسكي) الباحث البولوني المتخصص في المذهب الإباضي بدائرة المعارف الإسلامية: « ... بعد احتلال الفرنسيين لميزاب سنة 1882 م استمر شيوخ العزابة في التمتع الدائم بالسلطة الروحية الكبيرة على المدن الميزابية، ولكن لم تبق لهم أية سلطة سياسية، واقتصرت سلطتهم على السهر لتطبيق تعاليم المذهب الإباضي، باستعمال البراءة في الحالات الخطيرة، وفي هذا المجال فإن سلطة العزابة وشيخ الحلقة لا تزال دائماً جد كبيرة، يملكون الوصاية على كل المواطنين الإباضيين بميزاب، وتبقى الحلقة دائماً هي الهيأة الدينية والروحية العليا للميزابيين ... » (2).
والواقع أن العزابة عند الاحتلال قاوموا هذه الوضعية بالتحدي حيناً، وبالدبلوماسية حيناً آخر، وكانوا بدافع من عقيدتهم الإسلامية الثابتة يقفون كل مرة في الصفوف الأولى مما جعل العسكريين يصوبون إليهم بنادقهم، وقد أورد الشيخ علي يحي معمر رسالة بعث بها الجنرال مارغريت إلى القائد الأعلى بالجزائر يذكر فيها الأسباب التي دعته إلى غزو ميزاب في نوفمبر من سنة 1882 م، يقول فيها: «لقد قررت الزحف على غرداية لأن جميع المقاومة التي تعرضنا لمهاجمتها في الصحراء تستمد سلاحها من ميزاب، ولقد رأيت هؤلاء يمسكوننا باليد اليمنى ويمدون الثوار باليد اليسرى، ولعل الأشد عداء الطلبة الذين يسمون العزابة، وقد كان أول عمل قمت به هو سجن
لنا
هم
1 للإطلاع على بعض تلك التقارير البوليسية، يراجع، محمد ناصر الشيخ بيوض، مصلحا
وزعيما، مكتبة الريام الجزائر، 2005 م.
2 - ترجمة بتصرف عن دائرة المعارف الإسلامية مجلد 3، ص 97 - 101
337 (1/337)
صفحة 338
الدور الحضاري
من اللغة الأناضة
شيخهم (أطفيش) الذي أعلن الجهاد ضدنا.» (1).
وعلى الرغم من الاحتلال لميزاب فإن المقاومة الرافضة للاحتلال وثقافته ظلت مستمرة طيلة عهد الاحتلال، وقد تمثلت في التشبث بالقيم الأصيلة ديناً ولغة، ولعل دور المساجد في نشر اللغة العربية بالحماسة الشديدة التي عرفت بها لكونها لغة القرآن الكريم، ولكونها أيضاً البديل الطبيعي الفطري الذي سيقف في وجه ثقافة المحتل الذي ينظر إليه أولاً وقبل كل شيء كافراً جاء ليحتل أرضاً إسلامية، مما أعطى للصراع بين العزابة والمحتل طبيعة سياسية ولو اتخذت لبوساً دينياً أو ثقافياً، وبالتالي ظلت العلاقة بين الاثنين مشوبة بالحذر والشك حيناً، وبالكراهية والتوتر أحياناً أخرى. ولعل أروع مثال لهذا التحدي الذي قام به العزابة يؤيدهم في ذلك أفراد المجتمع طبعاً ما يعرف في تاريخ المنطقة بالتجنيد العسكري الإجباري، حين عزمت سلطات الاحتلال تطبيقه على سكان وادي ميزاب قسراً، رغم معهادتي 1853 م و 1882 م اللتين تعتبران ميزاب حماية لا مستعمرة.
وقد دام هذا الصراع مريراً طويلاً دام من سنة 1912 م حتى 1943 م، وفضل الميزابيون أداء الضرائب الباهظة مقابل الحفاظ على دين أبنائهم وأخلاقهم (2).
ففي تاريخ حلقة عزابة القرارة مثلاً صور بطولية لمقاومتهم الحكام
1 - علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ 4 ص 596،ويراجع، يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني ميزاب، غرداية ط 1،1991 م.
2 - ينظر مجلة المنهاج للشيخ أطفيش أبي إسحاق ج 7 من 1، ص 1344، ص 389 وانظر
أيضاً د/ محمد ناستو المقالة الصحفية الجزائرية، ج 1، ص 329.
338 (1/338)
صفحة 339
الدور الحضاري
منه الاعرة عبة الأناضة
العسكريين الفرنسيين الذين حاولوا تجنيد الشبان إبان الحرب العالمية الأولى بوسائل قمعية وحشية، فما كان من الحلقة إلا أن دعت جميع السكان إلى تحدي هذه الإجراءات ورفضها بقوة، وقد أدى هذا التحدي إلى نفي وسجن بعض أعضاء الحلقة إلى سجن (تعظميت) (1) وهو سجن المجرمين والأوباش حيث يعاملون معاملة القهر والإذلال بحلق لحاهم وتسليط الخدمات الشاقة عليهم في قلب الصحراء في زمهرير الشتاء، وفي قيظ الصيف.
بين
كما عرف تاريخ المنطقة في فترة الاحتلال الفرنسي صراعاً دائماً العزابة والسلطات الإدارية المحلية، إذ كانت الصحراء الجزائرية بما فيها وادي ميزاب تخضع لحاكم عسكري جائر يسيطر على المنطقة بأحكام تعسفية وقوانين استثنائية، ويستخدم لقهر الشعب (قياداً) خونة نصبهم على كراسي الحكم ليكونوا عينه، ويده ولسانه، وكان هؤلاء (القياد) نماذج للفساد والظلم، مما جعل حلقة العزابة تقف في صف المقاومة والصراع ضدهم دوماً. والمتتبع لتاريخ حلقة القرارة ولاسيما في بداية النهضة الإصلاحية يقرأ فصولاً رائعة رهيبة يحكيها صاحب رسالة انكشاف الحالة لذوي الألباب والعيون» (2) عن الصراع الذي كان دائراً بين الحلقة والجماعة ممثلة لصوت المسجد والشعب من جهة، والقياد والحكام العسكريين الذين يمثلون الاستعمار الفرنسي من جهة، ولم يقف الصراع بينهما عند دعوة الناس إلى مقاومة الظلم والفساد بالوعظ والإرشاد في المساجد والعشائر بل كثيراً ما
1 - يقع هذا السجن التاريخي قريباً من مدينة الأغواط جنوب الجزائر. 2 - عمر بن الحاج محمد: انكشاف الحالة لذوي الألباب والعيون. (1919).
339 (1/339)
صفحة 340
الدور الحضاري
من اللغة عنة الأناضة
تحول الصراع إلى المواجهة الميدانية إن جاز التعبير، يتزل فيها العزابة تحت قيادة شيخهم يتقدمون الصفوف لمواجهة (القائد) أو (الباش آغة) فيعلنون البراءة منهم في المسجد أمام الملأ، ويفضحون أعمالهم، ويكشفون ألاعيبهم ودسهم، فإن رجعوا إلى الحق وتابوا فذاك وإلا تحدوهم بالمقاطعة والتمرد وعدم الامتثال لأوامرهم.
ومن تاريخ هذا الصراع نتذكر موقف عزابة القرارة ضد القائد كاسي الذي فتح دوراً للعهر والقمار متحدياً بذلك مشاعر المجتمع المسلم باغواء
الشباب وإفساده وابتزاز، ماله فما كان من جماعة البلد والعزابة
جبروت القائد
-
-
أمام
إلا أن اهتدوا إلى حيلة بارعة، فاشتروا من القائد تلك
الدور بتبرعات المحسنين بأموال باهظة ثم أغلقوها وحولوها إلى أهداف
اجتماعية نبيلة.))
(1)
وفي تاريخ الإمام الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان وهما من العزابة صور
1 - ومما جاء في كتاب انكشاف الحالة لذوي الألباب والعيون، أنه في سنة 1906 أقام القائدان كاسي والناصر وليمة فخمة ضخمة بمناسبة زواج أبنائهم فانتهكوا فيها الحرمات وتجاوزوا حدود الله ولما رأى العزابة ذلك أرشدوا الناس وتبرؤوا ممن اشترك في تلك المنكرات ونددوا بأفعال القائدين في المسجد جهاراً أمام الملأ. فاستشاط القائدان غضباً وامتلأوا حقداً ضد العزابة، فكتبا تقريراً محشواً بالأكاذيب واتهما فيه سبعة من كبار الحلقة، وهم مابين الستين والسبعين فما كان من السلطة العسكرية إلا أن أنزلت عقابها على أولئك بالسجن المحلي، ثم اقتيدوا إلى سجن (تعظميت) مدة ثلاثة أشهر، ولولا قيام القرارة كلها بالاحتجاج والسعي لدى السلطات العليا لما أفرج عن العزابة. انظر المصدر السابق، ص 140
340 (1/340)
صفحة 341
الدور الحضاري
رائعة من البطولة، ومواقف مشرفة ضد الظلم والجبروت (1)، كان صوت المسجد يعلو فيها كل مرة، وعلى الرغم مما يربط بين عائلة الحكم والإمام الشيخ بيوض من روابط الخؤولة فإنه كان من مهماته الإصلاحية التي رفع لواءها إعلان الحرب والمقاومة ضد فساد (القياد) وأتباعهم، وقد بلغ الصراع ذروته في الثلاثينيات، حين دست السلطة من يغتال الشيخ بيوض لتجعل بذلك حداً لنشاطه الإصلاحي الواسع الذي تجاوز حدود القرارة ليشمل ميزاب كله، وذلك ما أدى بالسلطات العسكرية بأن تفرض عليه الإقامة الجبرية بالقرارة إبان الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945).
ونلمس آثار هذا الصراع واضحاً في أدبيات طلبة معهد الحياة في تلك الفترة ولاسيما فيما كانوا ينشرونه من مقالات أو قصائد، وماكانوا ينشدونه من اناشيد وطنية حماسية ملتهبة، وماتزال تلك الكتابات شاهدة على ذلك الجهاد الإسلامي الوطني حتى يومنا هذا متميزة بمضامينها السامية، وبأساليبها العربية الراقية.
والحق أن الدارس اليوم عندما يقرأ تلك الصفحات البطولية البيضاء لا يملك إلا أن ينحني أمام جهاد هؤلاء المؤمنين الذين تحدوا بإيمانهم الذي لا يتزعزع، جبروت الحكام، على الرغم من أن الحكام المحليين استخدموا في كثير من الأحيان وسائل قمعية رهيبة مثل الغرائم الباهظة، التي لا تخضع لقانون معين لأنها تدخل جيب القائد أو الحاكم ولا تذهب إلى كيس الدولة، بل إن الإجرام وصل في كثير من الأحيان حدود التصفية الجسدية كما وقع ذلك مع قاضي القرارة الإصلاحي، الذي لم يأتمر بأوامر القائد ورفض أن
1 - يراجع، د/محمد ناصر الشيخ بيوض أيضا، أبواليقظان وجهاد الكلمة ط 3،الجزائر 2006 م.
341 (1/341)
صفحة 342
الدور الحضاري
يسير في خطته الإجرامية، فما كان القائد إلا أن من وجبن (1)
من
مل الدعوة عند الأباضية
له دس من اغتاله بدناءة
إن هذا التحدي لا يفسره إلا شيء واحد وهو أن الرسالة كانت أسمى أن تقف عند حدود ماهو دين أو عبادة، وإنما كان فهمهم للرسالة أنها يقظة وريادة ومواكبة للمجتمع في كل مناحي حياته، لا فرق بين الدين والاقتصاد، ولا بين الاجتماع والثقافة مادام الهدف هو بناء مجتمع مسجدي إسلامي عقيدة وسلوكاً.
ولكي يؤدي المجلس الديني دوره داخل شرائح المجتمع وهيآته كان لابد من إيجاد نظام يساعد عملياً على أداء هذا الدور، وعند التأمل في هذا النظام وشروطه وهيكلته نجده نظاماً محكماً ينزل في شكل هرمي من القمة التي تمثل العزابة والحلقة ثم هيأة حفظة القرآن أو التلاميذ إيروان) والذين لم يستظهروا القرآن من التلاميذ (امصوردان) هذا داخل المسجد أما خارج المسجد فيوجد مجلس الجماعة الذي يترأسه العزابة وهو يتكون من شيوخ العشائر في البلد، وهم يمثلون ون الهيأة التنفيذية ويكونون في الأغلب الأعم من أهل الرأي والتدبير والحكمة غير متفرغين لطلب العلم والقيام بشؤون الدين مثل العزابة. كما يساعد الجماعة على أداء مهماته المتعددة في البلد مجلس (المكاريس) الذي يتكون من العوام ممن يتصف بالشجاعة والقوة، واليقظة، وهم رجال الأمن كما نعبر اليوم وتكون مهمتهم الرئيسية المحافظة على أمن البلد والحراسة على ممتلكات الناس وحرمتهم. ولكل هيئة من هذه الهيآت المذكورة شروط معلومة ومواصفات دقيقة، ولوائح داخلية خاصة بها.
1 - هو القاضي الحاج محمد بن الحاج قاسم سنة 1903
342 (1/342)
صفحة 343
الدور الحضاري
ومن أهم المجالس المساعدة ما يعرف بمجلس تمسردين) أو الغاسلات (1). فكما اقتضى النظام الاجتماعي وضع مجالس خاصة بالرجال، فكذلك يوجد مجلس خاص بالنساء يتولى شؤون المرأة ويرعاها ويبدو أن تنظيم الأوائل لأوضاع المرأة كان مبلغ اهتمامهم الشديد فكتب التاريخ القديمة والحديثة تشير إلى هذا كما تشير إلى مستواهن العلمي والثقافي، ومساهمتهن في
مجالات الحياة المختلفة.
إن تنظيم مجالس النساء في قرى وادي ميزاب ظهر مع تأسيس نظام حلقات العزابة حسبما يبدو، ولا يعرف تاريخ محدود مضبوط لذلك، ولكن المؤكد أنه كان موجوداً في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ويطلق عليه (تمسردين) أي الغاسلات لأنهن يقمن بغسل الأموات من النساء والأطفال فغلبت عليهن هذه الصفة فأطلقت عليهن وعرفن بها. فمنهن يتكون المجلس الديني للنساء ويكون عددهن في الأغلب الأعم اثنتي عشرة امرأة إلا أنه يزيد وينقص حسب المهمات المنوطة بهذا المجلس. أما عضواتها فتختارها هيأة العزابة من مختلف عشائر البلدة من صالحات الأسر فيها، بشروط معينة، أولاها تقوى الله، والعفة والحياء، وحسن السلوك، والورع، والحنكة في معالجة الشؤون العائلية، وحسن التدبير والشجاعة الكافية لتطبيق أوامر الحلقة في المجتمع النسوي، دون تحيز أو تردد. وغالبا ما يكن أرامل ليست لهنَّ ارتباطات عائلية.
ولا يشترط فيهن حفظ القرآن الكريم بل المهم أن يكن طاهرات
1 - أي اللائي يغسلن الأموات من الإناث.
343 (1/343)
صفحة 344
الدور الحضاري
عفيفات من عمار المسجد ويعين على رئاسة هذا المجلس النسوي مسؤولة تسمى في بعض القرى (ماما شيخة ومن أشهر شيخات حلقة النساء مجاهدة مشهورة في ميزاب بمواقفها البطولية إبان الاحتلال الفرنسي (1882) وتدعى ماما بنت سليمان، فقد تزعمت هذه البطلة مؤتمراً نسوياً. فقرر إصدار أمر بمقاطعة كل ما هو فرنسي سواء كان غذاء أو لباساً وقادت مقاومة سلمية
ناجعة ضد المحتل الغاصب هي محل إعجاب الكتاب والدارسين اليوم (1).
الخلاصة
وهكذا يمكننا القول إن حلقة العزابة هي الوجه الحضاري الإسلامي الباقي حتى اليوم بوادي ميزاب وقد تطورت في عدة مراحل واضحة تستمد كل مرحلة من مراحلها السابقة التجربة والأسس ثم تبني وتطور مع مراعاة وحدة الهدف، ووحدة المنطلق.
المرحلة الأولى:
وهي التي سبقت نظام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر أي ماقبل القرن
الخامس الهجري حيث كانت الحلقة عبارة عن مجلس علم يجتمع حول عالم فقيه يُعلم التلاميذ شؤون دينهم، ويحفظهم القرآن ويمثل هذه المرحلة أبو القاسم يزيد بن مُخلَّد وأبو خَزر يغلى بن زَلْتاف في النصف الأول من القرن الرابع الهجري.
1 - ينظر لزيادة التفاصيل عن هذا الفصل المهم صالح بن عمر اسماوي، نظام العزابة
1986 ... ص 94 وما بعدها.
344 (1/344)
صفحة 345
الدور الحضاري
المرحلة الثانية:
وهي التي جاءت بعد النظام المحكم الذي وضعه الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر في بداية القرن الخامس الهجري بوادي أريغ) إذا أصبحت الحلقة ذات نظام علمي وديني محكم له شروط وتقاليد صارمة لا يلتحق بها إلا من عرفت فيه الاستقامة والامتثال لتلك الشروط وأخذت تتوسع لتشمل الحياة الاجتماعية ولا تقتصر على حلقة العلم وحدها وبداية من النصف الأول من القرن السادس الهجري أصبح المسجد مقراً لهذا النظام.
المرحلة الثالثة:
وهي المرحلة التي نشأت فيها قرى وادي ميزاب إذ أصبحت الحلقة أكثر اهتماماً بشؤون البلدة، ونظام الجماعة لا تقتصر على العبادة والفقه وحدهما وإنما تجاوزتهما إلى مناحي الحياة كلها. وقد تطور نظام الحلقة في ميزاب على يد بعض العلماء الأفذاذ مثل الشيخ عبد الرحمن الكرثي (القرن السادس الهجري) والشيخين أبي مهدي عيسى بن اسماعيل، وأبي القاسم بن يحي الداوي (القرن التاسع) وقد ترك الشيخ أبو القاسم بن يحي وثيقة مهمة جدد فيها تنظيم حلقة غرداية، ثم جاء عهد الشيخ عمي سعيد الجربي الذي أمد النظام بنفس جديد وأعطاه بعلمه وتجربته صلاحيات واسعة مما جعل العزابة بوادي ميزاب حت اليوم يسمون مجلسهم الأعلى الذي يجمع مجالس المدن باسمه تشريفاً وتكريماً واعترافاً بفضله وعلمه (1)
1 - لمزيد من التفاصيل ينظر اسماوي صالح بن عمر، نظام العزابة ص 170.
345 (1/345)
صفحة 346
الدور الحضاري
من اللغة عند الأناضة منح مبللة
وقد استمرت هذه المرحلة تتسع أو تتقلص حسب الظروف السياسية التي تمر بها قرى الوادي، فوضعية الحلقة قبل الاحتلال الفرنسي كانت أكثر نفوذاً من بعد دخول الفرنسيين ولاسيما في المجال السياسي.
المرحلة الرابعة:
وهي المرحلة التي جاءت بعد الحركة الإصلاحية في بداية العشرينيات من هذا القرن، فقد أثرت حركة النهضة في العالم الإسلامي والجزائر بصفة خاصة على طبع هذا النظام بطابع أكثر تفتحاً على الحياة المعاصرة فلم يعد مقتصراً على القيام بشؤون المسجد أذاناً، وإمامة وأوقافاً، بل أصبح بفضل جهود الزعيم الإمام الشيخ بيوض. حامل لواء التطور ومن معه من المشايخ أكثر وعياً بالحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والسياسية، من منظور إسلامي واع لا يفرق بين مناحي الحياة، ويرى التدخل في كل هذه الشؤون من واجبات المسجد، وبدونها لا تكتمل رسالته الحقيقية التي أناطها
-
به الإسلام. فكان من أهم نتائج هذه المرحلة تمسك المجتمع الميزابي بالدين الإسلامي وباللغة العربية لغة القرآن رغم مكائد الاستعمار العسكري الفرنسي الصليبي هذه الذي تسلط عليه، واستخدم كل وسائله الخفية والعلنية ليجرده من القيم، ففشل في مخططاته بفضل هذا النظام الديني المحكم.
وأعتقد أن السر في نجاح هذا النظام الاجتماعي الرائع يعود أساساً إلى ارتباطه بالمسجد قلباً، وقالباً، نظرية وتطبيقاً، إيراداً وإصداراً. فالذين يقومون على هذا النظام هم عُبَّاد المسجد وعُمَّاره والقائمون عليه فهم يستوحون برامجهم وخططهم وتفكيرهم من أجواء المسجد ونفحاته العطرة. ويزنون أعمالهم ويقيمونها بقدسية المسجد، وما يتطلبه من عمارة من صلاح وتقوى
346 (1/346)
صفحة 347
الدور الحضاري
من الدعوة عند الاباضة
كما تقول الآية: الله إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقام الصلوة والى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخشَ إِلَّا اللهُ فَعَسَى أَوْلَيْكَ أَن يَكُونُوا مِنَ
[التوبة: 18].
الْمُهْتَدِينَ والواقع أن المرء عندما يعود إلى تاريخ الجماعة الإباضية بوادي ميزاب منذ نشأته حتى يومنا هذا يجد أن هذه الجماعة قد تعرضت في تاريخها الطويل إلى ألوان من التدخلات والغزو كما امتحنوا ببلاء التذويب والمسخ فلم يؤثر فيهم لا هذا ولا ذاك إلا بنسبة ضئيلة هي تكيف ومران مع الحياة وتطوراتها، واستيعاب للنظم السياسية وتعامل معها حفاظاً على هذه المقومات الأساسية، وحرصاً على المميزات الشخصية.
لذا نلحظ في تاريخ وادي ميزاب عدم الوقوع في براثن أي حكم دخيل أكان عُثمانيا أم فرنسيا، وحتى المحاولات التي حاولها بعض الديماغوجيين المنتسبين إلى السياسة بعد الاستقلال لم تؤثر فيهم، رغم محاولة بعض المتزعمين القضاء على هذه النظم الاجتماعية لأنهم رأوها - حسب نظرهم القصير وانطلاقاً من رغباتهم الأنانية للسيطرة والتسلط ـــ منافساً خطيراً لا يترك لهم مجال العمل الفوضوي حراً ولا ميدان التجربة الارتجالية للأيديولوجيات المستوردة فارغاً، فراحوا يسوِّدون التقارير، ويخيطون الشباك ... ولكن باءت كل هذه المحاولات بالفشل الذريع، وبقي هذا النظام الاجتماعي خالداً شامخاً خلود بيوت الله وشموخ مآذنها. وأصبح محط تقدير السلطات الوطنية الرسمية
وتعاونها.
347 (1/347)
صفحة 348
/ (1/348)
صفحة 349
الملاحق (1/349)
صفحة 350
ملاحق
الإباضية
منهج الدعوة عبد
في خراسان وخوارنهم والجزيرة
وبلاد الهند والسند
إعداد:
الشيخ سلطان بن مبارك بن حمد بن عامر الشيباني
2002/ 1423
350 (1/350)
صفحة 351
ملاحق
منهم الدعوة عند الأباضية
لسر المسلم الرهن الكيما
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير البرية وأشرف الخلق أجمعين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى من اقتفى أثرهم وسلك مسلكهم وترسم خطاهم إلى يوم الدين.
مهيد
أما بعد: فلا يخفى ما كان للسلف من قدم راسخة في نشر الدعوة الإسلامية وبثها في أصقاع المعمورة، كانوا أرباب سنان ولسان وقلم، تمثلوا الإسلام قلبا وقالبا، وما فارقت ألسنتهم الدعوة إلى الله على بصيرة، ولم يفتأ يراعهم ينصر كلمة الحق، فإن لم تغن الكلمة لم يقصر الحسام حتى سادوا البحار، وجابوا القفار، وملكوا الأقطار، وسجل التاريخ أن أذانهم بمعابد الإفرنج فتح الأمصار قبل الكتائب.
وإذا كنا لا ندرك شأوهم ولا نبلغ مبلغهم فلا أقل من أن نبذل المداد لنسطر
الأمجاد.
هذه الأوراق تهدف إلى نفض الغبار عن أعلام الإباضية في خراسان وخوارزم والجزيرة وبلاد الهند والسند، اخترت في تدوينها صنعة المعجم؛ لأنها أكثر دقة وإيضاحا، والحاجة إليها أشد إلحاحا، وكشأن أي أطروحة في التاريخ الإباضي يظل انعدام الدراسات السابقة مع جدارة الموضوع بالبحث سببا رئيسا لهذه الكتابة، كما يبقى شح المادة العلمية أكبر عائق يحول دون بلوغ الغاية المنشودة. وبين يدي المعجم أقدم لمحة تاريخية موجزة عن الانتشار الإباضي في المناطق
351 (1/351)
صفحة 352
ملاحق
المعنية بالبحث.
1 - الإباضية في خراسان
-
الدعوة عند الأباضية
خراسان – كما يصفها ياقوت. "بلاد" واسعة، أول حدودها مما يلي
العراق: ازادوار قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند: طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان ... وتشتمل على أمهات من البلاد منها: نيسابور وهراة ومرو - وهي كانت قصبتها - وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس ... "أهـ الحدود الدولية – في بلدان
(1)
وإقليم خراسان حاليا يتوزع ثلاثة: إيران، وأفغانستان، وتركمانستان.
-
وللمذهب الإباضي تاريخ عريق في هذه البلاد، وحقائق مخفية تنتظر من يُبرزها ويكتشفها، غير أن ما يكتنفها من غموض يتطلب جهدا كبيرا، ووقتا كثيرا لبحثها، لذلك أعتذر للقارئ الكريم عن عدم تقديم نبذة تاريخية في هذا الجانب، لأني – إلى الآن - لم أدرسه دراسة تفي بالغرض، وأكتفي هنا بالإشارة إلى ما يمكن أن يعطي صورة بسيطة عن الموضوع (2)، على أن في تراجم أعلام
1 - ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج 2، ج 3، ص 218.
2 - انظر: الدرجيني، طبقات المشايخ 248/ 2 الحضرمي: مختصر الخصال، ص 33. العوتبي: الضياء، 396/ 355،5/ 4، 59/ 8، 217/ 9 - 218، 221/ 10، 194/ 295،16. ابن خلفون
أجوبة ابن خلفون، 91، 94. الكندي: بيان الشرع 121/ 3، 376، 81/ 8، 109/ 24، 159/ 65. الشماخي السير 81/ 1، 96، 107 108 السالمي: معارج الآمال 93/ 2، 158/ 12. جوابات الإمام السالمي، 33/ 2.
352 (1/352)
صفحة 353
ملاحق
من اللغوي عند الاباضة
خراسان المثبتة في هذا المعجم ما يساعد على تكوين الصورة.
ترکمانستان
مرو
پياسا بود
أفغانستان
باكستان
قزوين
إيران
353
خريطة توضح موقع خراسان (1/353)
صفحة 354
ملاحق
2 - الإباضية في خوارزم
خوارزم اسم للمنطقة المطلة على بحر أورال من جهة الجنوب، ويتبع
جزء كبير منها جمهورية أوزبكستان في الوقت الحاضر، ويذكر ياقوت أن من الناس من يُدخل أعمال خوارزم في خراسان وليس الأمر كذلك (1).
طال جکستان
بحر
أورال
کازاخستان
أوزبكستان
ترکمانستان
خريطة توضح موقع خوارزم
تسجل لنا المصادر الإباضية وجودا إباضيا بخوارزم في عهد الإمامين أبي عبيدة والربيع، وهو عهد شهد انتشارا واسعا للمذهب وكان حامل العلم عن
- ياقوت الحموي معجم البلدان، مج 2 / ج 3 / ص 218، ويؤكد أيضا في تعريف بلاد وراء النهر أن "خوارزم ليست من خراسان إنما هي إقليم برأسه".
354 (1/354)
صفحة 355
ملاحق
منة اللغة عند الأناضة
أبي عبيدة إلى تلك الديار: العلامة الكبير أبو زيد الخوارزمي"، الذي اتفق الجميع على غزارة علمه، وترك أثرا واضحا تمثل في كتاب " السير" الذي نَقَلَ عنه الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب، وترد في أحد المصادر الإشارة إلى " كتاب ولعله منسوب إليه، كما تروى عنه روايات كثيرة من طريق أبي
(2) n
الخوارزمي" غانم وحاتم ابن منصور الخراسانيين، ومما يؤثر عنه مسائل في التوحيد اجتمع نفر من أصحابنا فأتوه وسألوه عنها فأجابهم فيها (3).
أضف إلى ما سبق: نقل إباضية عمان عن كتب لأصحابنا من أهل
خوارزم (م). وإذا عددنا هاشم بن عبد الله خوارزميا – كما تؤكده بعض المصادر (5) - فهو دليل على استمرار الوجود الإباضي بخوارزم إلى منتصف القرن الثالث تقريبا (6) أما بعد ذلك فلعل في شعر أبي إسحاق الحضرمي ما يستأنس به عليه، إذ
، وهو ما يثبت وجود آثار لهم مخصوصة بهم متداولة فيما بينهم.
يقول في قصيدة يرثي بها أحد القضاة:
2
_3
انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية.
- العوتبي: الضياء 327/ 6
- الكندي: بيان الشرع 360/ 3 فما بعدها، وفيه: "قال جعفر أبو عبد الرحمن: إن أصحابنا أبا سليمان منهم صالح أخو نصر أبو عبد الله وغيره جماعة منهم أتوا أبا يزيد ... وهو نص
غير واضح.
وانظر تعليقا على هذه المسائل في تمهيد قواعد الإيمان 106/ 2.
- الكندي: بيان الشرع 360/ 3.
5 - انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية.
- وانظر قصة
وردت في الضياء 49/ 4 وفي بيان الشرع 92/ 5.
355 (1/355)
صفحة 356
ملاحق
تعيت فأصميت الإمام بنة ألم تر ما جرت على كل مهتد؟! هددت خوارزما ومن حل نحوها ومن بنفوس والعراق وبدبد وأرض عمان واليمان وشـ
و يشربها والزنج أصوات عُود (1)
وأصرح منه قوله في قصيدة أخرى تمثل فيها امرأة تسأله عن أهل مذهبه
وديارهم
فقلت
في شبام ومنهـ
بميفعة قوم حولهم.
وفي هينن منهم أناس ومنهم بذي صبح حيث الرضى والصمادع ومنهم بوادي حضرموت جماعة وارض عمان سيلهم ثم دافع وفي قدم والغرب منهم وفارس نعم وخوارزم كرام أراوع (2)
وكان جوابه لها في معرض حزنها على فقد العلماء وأنصار الدين.
1
- أبو إسحاق: الديوان ص 58 (طبعة الباروني) ص 206 (النسخة المحققة). 2 - المصدر نفسه ص 98 (طبعة الباروني) ص 283 (النسخة المحققة).
356 (1/356)
صفحة 357
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
03 الإباضية في الجزيرة
الجزيرة: اسم للجزء الشمالي من المنقطة الواقعة بين نهري دجلة والفرات (1). تسمى "جزيرة أقور، ومن أمهات مدنها - كما يقول ياقوت الحموي في معجم: "حران والرّها والرقة ورأس عين وتصيبين وسنجار والخابور وماردين وآمد وميافارقين والموصل وغير ذلك (2) وهذه المدن ب التقسيم
الحديث تتوزع في دول ثلاث: العراق وسورية وتركية.
-?
أما العراق فيها: سنجار وهي قريبة من الحدود السورية، الموصل وشهرتها تغني عن وصفها – تقع على ضفاف نهر دجلة (3).
-?
وأما سورية فبها: الرقة على نهر الفرات، والخابور في وسط الجزيرة،
ورأس عين على الحدود مع تركية.
-?
(4)
وأما ما سوى ذلك ففي تركية وهي حران على الحدود السورية،
والرَّها وتعرف بأورفة حاليا، وآمد وهي ديار بكر، وقريب منها: نصيبين،
وماردين، وميافارقين (سلمان حاليا). (5)
أما الجزء الجنوبي فيسمى بـ: "السواد".
2 ياقوت: معجم البلدان ج 2/ ص 156.
_5
يحي شامي: موسوعة المدن العربية والإسلامية 88 مشهور حسن وآخرون: موسوعة العالم
الإسلامي 122.
شامي: موسوعة المدن 61.
شامي: المرجع نفسه 303 - 327.
357 (1/357)
صفحة 358
ملاح
الدعوة عند الاباضة
ويبدو أن أرض الجزيرة كانت تُعدّ من بلاد الشام، كما تدل على ذلك قصة أبرهة بن عطية مع الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى (1).
عطاء
والمصادر - إباضية وغير إباضية - تؤكد الوجود الإباضي بأرض الجزيرة في القديم، فمن ذلك ما حكاه المزيّ (ت 742 هـ) في تهذيب الكمال عن بن مسلم الخفاف (ت 190 هـ) قال: قدمت الرقة فجلست في سوق الأحد، فذكرت فضائل عليّ بن أبي طالب ثم غدوت على جعفر ابن برقان ت 154 هـ] فقال: يا عطاء بلغني أنك جلست مجلسا ذكرت رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بفضيلة لم تشرك معه غيره. فقلت: يرحمك الله، إن أخاك سفيان بن سعيد الثوري [ت 161 هـ] قال لي: إذا قدمت الرقة فاجلس في سوق الأحد واذكر فضائل علي عليه السلام فإن الإباضية بها كثير، فقال جعفر يا عطاء إذا جلست مجلسا فذكرت رجلا من أصحاب محمد صلى
(2) M
عليه وسلم بفضيلة فأشرك معه غيره وهذه القصة وقعت في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني على التقريب.
ولعل في عبارة الجاحظ (ت 255 هـ) عن استواء حال (الخوارج) ما يوحي بذلك، فقد ذكر أن منهم " السجستاني والخراساني والجزري واليمامي والمغربي والعماني" وقد سوّت الديانة بينهم مع اختلاف أنسابهم وتباين بلدانهم. (3)
- انظرها في الدرجيني: طبقات المشايخ 276/ 2 - 277، الشماخي: السير 96/ 1 وفي معجم
أعلام الإباضية ترجمة أبرهة.
2 - المزي: تهذيب الكمال ج 5 / ص 16. 3 - الجاحظ: رسائل الجاحظ مع 51/ 1/1
358 (1/358)
صفحة 359
ملاحق
به کام اسب
KANDEVY
من اللعود عبد
نصيبين
سلطان
ماردين
رأس عين
و نابود
حران
تركية
الرقة
ورتة
العراق
خرطة توضح موقع الجزيرة
أما المصادر الإباضية فيفهم منها أن الوجود الأباضي بالجزيرة عاش بين مد وجزر، ولم يكن له ركن راسخ فيها، ولعل البداية كانت قوية كغيرها من البلدان، إلا أنها لم تلبث أن تزعزعت، فقد أضحى لأبرهة بن عطية – في زمن الربيع – وأبيه من قبله - في زمن أبي عبيدة - دور بارز في بثّ عقيدة القدرية بين ضعفاء النفوس وراح أهل حران ضحية ذلك الإفساد، حتى إن أحد أصحاب الربيع استنكر أن يكون بالشام أحد من أهل الدعوة في ذلك الزمن (1) وفعل شبيه
- انظر ترجمة أبرهة بن عطية وأبيه في معجم أعلام الإباضية.
359 (1/359)
صفحة 360
ملاحق
الدعوة عند الأباضي
فَعْلَتِهم صاحبهم الذي كان على شاكلتهم حمزة الكوفي، فبعد أن هجره المشايخ وتبرأوا مـ منه "خرج من البصرة إلى الموصل يبتغي ضعفاء المسلمين، فلما بلغ أمره
(1) m
أبا محفوظ تتبع القرى يُحذر منه ويخبر أنه على خلاف المسلمين)
(2) m
على أن الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش (ت 1385 هـ) يذكر أن الموصل كان مقرّ" جمع من أصحابنا فيهم علماء من تابعي التابعين، أتقياء أخيار والباحث في تاريخ الإباضية في العهد الأول لا يستبعد ذلك، وفي سير الشماخي قائمة طويلة بأسماء مشايخ أهل الدعوة لا تكاد تجد قرين أحدهم نسبة لقبيلة أو بلد إلا القليل النادر. (3)
والذي عَثَرْتُ عليه من علماء الموصل: أبو بكر يحيى بن زكريا الموصلي، من أعلام القرن الثاني وأوائل الثالث ولد بأرض الجزيرة وسكن عمان وتوفي يازكي (4)، ويظل القرن الثالث الهجري أقصى تاريخ وَقَفْتُ عليه للوجود الإباضي
بالجزيرة.
الشماخي: السير 110/ 1.
2 - أبو إسحاق: رسائل إلى أبي اليقظان (مرقونة) 129. 3 - انظر الجزء الأول من سير الشماخي.
- انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية.
360 (1/360)
صفحة 361
ملاحق
منح الدعوة
4 - الإباضية في بلاد الهند (ء):
إن المصادر التاريخية تعزو الوجود الإباضي في الهند إلى العلاقات المتواصلة
بين عمان والهند عبر التاريخ ومن خلال تتبع كتب التاريخ نجد عدة عوامل هذا الاتصال المباشر بين البلدين، منها (2):
1 - الجوار، حيث لا يفصل بينهما سوى المحيط الهندي.
2
الحركة التجارية، فقد كانت السفن تمخر عباب المحيط الهندي جيئة وذهابا ما بين القطرين لتبادل السلع التجارية بينهما.
3
المنافسة البحرية، وهذا شيء متوقع في ظل النشاط التجاري الدائب في المحيط الهندي. (3) ومنذ وصول الفتح الإسلامي إلى تلك الديار لم تزد هذه الأواصر إلا رسوخا وثباتا، وكان العمانيون في طليعة تلك الجيوش الفاتحة، فقد شارك جمع غفير منهم – في عهد الخليفة عمر بن الخطاب – في فتح
*
"تانه"
على
أصل هذا المبحث مقال نشر بمجلة المعالم 3 ص 62 63 تمت مراجعته وتنقيحه والإضافة إليه، وتجدر الإشارة إلى أن بالمقال المنشور أخطاء مطبعية أرجو التنبه إليها.
2 - انظر: نايف السهيل: الإباضية يف الخليج العربي ص 169 فما بعدها. ولا يغفل عن البال هنا أن نشير إلى اتخاذ العمانيين الهند محطة من المحطات التي يتوقفون عندها في طريقهم إلى أرض السواحل، فقد كان المسافرون من عمان إلى زنجبار يمرون ببنادر الهند أولا، وكذا العكس مع مقابلة مع الشيخ سعيد بن سلام الرواحي، بتاريخ 23 صفر 1422 ها وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد توفي الشيخ حمد بن سيف البوسعيدي سنة 1315 هـ في بمبي بالهند عند مروره عليها متوجها إلى أرض السواحل، ودفن فيها (تحفة الأعيان 299/ 2).
361 (1/361)
صفحة 362
ملاحق
منح الدعوة عند الاباضة
الساحل الغربي من الهند بقيادة عثمان بن أبي العاص الذي قطع بجيشه البحر لما
عرف عن أزد عمان أنهم أرباب البحر.
(1)
أضف إلى ذلك أن شخصيات عربية عمانية أو من أصل عماني برزت في
صناعة أحداث ثغر الهند، وساهمت فعليا في إدارة بعض الأقاليم هناك (2)، وكان لآل المهلب النصيب الأكبر في ذلك - وهم عمانيون منشأ وكثير منهم إباضيون انتماء أو ولاء – وهذه الثقة التي أُوليها أهل عمان استمرت منذ عهد الخلافة الراشدة إلى زمن الملك العباسي، ولا شك أن خبرتهم بتلك البلاد الممتدة إلى أعماق التاريخ قد أهلتهم لذلك، مما أكسبهم معرفة بالتعامل مع الأرض والسكان (د)
وللأثر العماني في الهند أخبار مستفيضة تُراجع من مظانها (4)، والذي يعنينا هنا بالتحديد دور الإباضية في ذلك، فقد كان لعمان في ظل الإمامة
- انظر البلاذري فتوح البلدان،432، ومجموعة من الباحثين عمان في التاريخ 143 والبهلاني:
_2
بوارق الأيام 1817.
مجموعة من الباحثين عمان في التاريخ 148.
3 - المرجع السابق ص 151.
للتوسع في هذا الموضوع يراجع:
- د. مير ولي خان المسعودي: دور عمان في نشر الإسلام في شبه القارة الهندية. ب - د. سعد الحميدي: عرب عمان ودورهم في أحداث ثغر الهند في القرنين الأول والثاني
والهجريين.
ج - أ. جواد بن جعفر الخابوري اللواتي: الأدوار العمانية في القارة الهندية (دور بني سامة
بن لؤي).
د - مجموعة من الباحثين عمان في التاريخ 147 – 151.
362 (1/362)
صفحة 363
ملاحق
من الاعرة عند الأباضية
الإباضية أسطول تجاري تعزز – عبر الزمن – بقوة عسكرية، إذ يبدو أن المراكب العمانية كانت تتعرّض - من حين لآخر - لهجمات القراصنة الهنود، ما دفع بالأئمة العمانيين إلى حماية نشاطهم التجاري بإحداث أسطول حربي قوي يقف في
اتخذ
وجه هجمات أولئك القراصنة، فأنشأ الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192 - 207 هـ) أسطولا بحريا مسلحا لحماية الشواطئ العمانية، وكان أوّل من لتأمين الطريق البحري من القراصنة) وقد قوي هذا الأسطول في
(1)
الشذى عهد الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي (226 - 237 هـ) حتى قيل إنه كان يتكون من ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو (3).
- من عظيم الفائدة أن نذكر هنا جواب الشيخ السالمي لما سئل عن معنى الشذى فقال: الشذى خشيبات صغار بمنزلة المواشي في زماننا، جعلت لمطاردة الكفار، فهي آلة للجهاد، وأول من استعملها الإمام غسان بن عبد الله الخروصي خليفة الوارث بن كعب رضي الله عنهما، وسبب ذلك أن كفار الهند غزوا عمان في البوارج - و وهي خشيبات صغار أيضا - فأعد لهم غسان هذه الشنى، فخشب الكفار يقال له بوارج، وخشب المسلمين يقال له شذى، وعظمت المطاردة حتى أعدت من الفريقين المراكب، وكان الإمام الصلت - الله قد أعد للكفار منة مركب مركباً، ثم ظهر الإسلام وقويت الشوكة ودخلت الهند في الطاعة، وبلغت الدعوة (منصورة)، وهي مدينة عظيمة من أرض السند تحتوي على ثلاثمائة ألف قرية ولا زال الأمر في ظهور حتى قضى الله في أهل عمان أمره، فرجعوا القهقرى والله المستعان، والعلم عند الله تعالى والسلام. العقد الثمين 3/ 413، حوابات
رحمه
الإمام السالمي 4/ 116 - 117).
2 النور السالمي: تحفة الأعيان 1/ 123
3 - المصدر نفسه 1/ 150.
363 (1/363)
صفحة 364
ملاحق
مل الدعوة عند الأباضية
وظاهر أن هذه القضية شغلت الساحة العمانية فترة من الزمن، لذلك لا تعجب إذا رأينا فقهاء الإباضية العمانيين يوردون في كتبهم أبوابا مستقلة في " محاربة بوارج الهند "، ويذكرون فيها كثيرا من المسائل والأحداث التي عايشوها على أرض الواقع. (1) وفي عهد الإمام الصلت بن مالك (237 - 272) ضاق حاكم الهند ذرعا بقراصنة البحر، فاستنجد بالإمام فأجابه، وأرسل إليه كتيبة من كتائبه البحرية، فقضت على حركة القراصنة وأمنت السواحل الهندية من سرقاتهم، وعلى إثر ذلك أهدى حاكم الهند الإمام الصلت سيفا توارثه الأئمة من بعده (2)، وقد كتب على السيف هذان البيتان:
ومن عجيب ما قرأت ما ذكره محمد عبد القادر بامطراف في كتابه الجامع" عن الإمام المجاهد أبي إسحاق الحضرمي، حيث قال ص 32 "وكان شجاعا جلدا على احتمال المشاق، انتقل إلى الهند، وكانت له بها غزوات في إقليم كوجرات وأطراف السند، حيث حاول نشر المذهب الإباضي في تلك البلاد، وكانت وفاته بالهند على أغلب الأقوال". اهـ ولم يذكر مصدره في
ذلك.
تشير هنا إلى كل ما يتعلق بـ: "الهنود" سواء فيما يخص محاربتهم أو غير ذلك مما هو محفوظ في التراث الفقهي العماني: الكندي: المصنف /11/ 158، 163، أبو زكريا الإيضاح في الأحكام 27/ 3 المحقق الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان 401/ 9، نورالدين السالمي: تحفة الأعيان 130/ 1، معارج الأمال 9/ 3، 16/ 291289. كما تذكر في كتب التاريخ العملني - وفي كتب الفقه أيضا قضايا لشخصيات ذات أصول هندية في عمان، انظر مثلا أبا زكريا الإيضاح في الاحكام 155/ 2، العوتبي: الضياء
129/ 12، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان 154/ 1.
البهلاني: بوارق الأيام ص 65.
364 (1/364)
صفحة 365
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
إذا بدا حد هذا الصارم فقُل أعوذ برب الجنّ والبَشَرِ الصارم الباتر العضب الذي ظهرت للناس آياته في سالف العُصُرِ (1)
ويذكر شيخنا أحمد بن
حمد الخليلي – حفظه الله – أن الشاعر اللواح (ت
981 هـ) أشار إلى هذه الواقعة في قصيدته التي يقول فيها: فنحن ولاة سر الله أمست أواخرنا تورثها أولاها ملأنا برنا والبحر عدلا وكل فتى حمى بلدا جباها سرايانا لأرض الهند سارت ولليمن الفسيح وما ولاها حمى عمان من قديم فسل هل غيرنا أحد حماها (2)
- هكذا ورد البيتان في بوارق الأيام للبهلاني ص 65، بينما وردا في ديوان سليمان باشا الباروني: إذا بدا حد هذا الصارم الذكر فقل أعوذ برب الناس والبشر
الصارم الأخضر العضب الذي ظهرت للناس أسراره في سالف العصر وعلق المجاهد الباروني بعدهما بقوله: "هذان البيتان في سيف الإمام (يعني الإمام الخليلي) ويقال إنه سيف قيد الأرض" (ديوان الباروني ص 268 -
(271
وجاء في مخطوط بعنوان القصائد العمانية في الرحلة البارونية للشيخ عيسى بن صالح الطائي ما نصه ص 78: ... إمام المسلمين بعمان محمد بن عبد الله الخليلي ... متوكنا على سيف الإمامة الذي انتقل إليه من سلفه المرحوم الإمام سالم بن راشد، وهو سيف ... (بياض بقدر سطرين، وعلى الهامش ورد ما يليز) وقد نقش صفحتي السيف المذكور هذان
البيتان:
إذا بدا حد هذا الصارم الذكر فقل أعوذ برب الناس والبشر الصارم الأخضر العضب الذي ظهرت للناس أسراره في سالف العصر (انظر المخطوط المشار إليه، محفوظ بمكتبة الشيخ بن حمد الخليلي، برقم 47). 2 - اللواح الخروصي: ديوان اللواح 86/ 2 - 87.
365 (1/365)
صفحة 366
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
ولا شك أن لهذه الحادثة دورا في ترسيخ العلاقات بين البلدين. وينقل أبو المؤثر عن شيخه محمد بن محبوب (ت 260 هـ) كيف كان يدخل
المشركين - من هنود وغيرهم - في الإسلام على هذا التفصيل إذ يقول: " كان محمد بن محبوب يُدخل المشركين في الإسلام وأنا حاضر، وكان يقول لهم: قل. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن ما جاء به محمد من عند الله فهو الحق المبين كما جاء به، مما أمر ونهى عنه من محارمه، وأن ثواب أهل الطاعة الله رضاه وهو الجنة، وأن عقاب أهل معصيته وهو
النار، وقد دخلت في الإسلام بجملته، وقد خرجت من الشرك بجملته، وقد الله خلعت كل معبود من دون ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فلما تلا عليه هذا القول سماه باسم غير اسمه الذي يسمّى به في الشرك ويقول له هذا اسمك وكان مما سماهم به هندي ومنيب وصالح وسليمان، وهذا ما حفظت مما كان يسمّيهم به، ثم قال: اذهبوا فصلوا، وقولوا (سبحان الله) في قيامكم وركوعكم وسجودكم حتى تعلموا وكان يقول لهم: اتقوا الأنجاس مثل الغائط والبول، وكان يلقنهم كلمةً كلمةً. قال: وكان الذين دخلوا في الإسلام بالغين" (1)
ويورد ابن جعفر في جامعه ما نصه: "وقد يوجد في الأثر أن أبا عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله كان يدخل الهند [أي الهنود] المشركين في الإسلام، ولم نعلم
- العوتبي: الضياء 82/ 3، وانظر كذلك: 348/ 5
366 (1/366)
صفحة 367
ملاحق |
(1)
أنه أمرهم بغسل. 1
منح الدعوة عند الأباضية
على
وإذا كان كثير من الباحثين يرجّح أن تكون هذه اللقاءات بالهنود د قمت أرض عمان فإن الإمام أبا يعقوب الورجلاني يؤكد على مسير ابن محبوب إلى الهند وزيارته لها (2).
ولعل قصة السلطان النبهاني عرار بن فلاح بن محسن (ق 11 هـ) دلالة واضحة على متانة العلاقات بين عمان والهند، إذ تذكر الرواية أنه تزوج بنت ملك من ملوك الهند، و أسكنها ببلذ مقنيات في الظاهرة، فلما استقرت معه قالت له: إن هذه الدار خير، دار، لكن لا أرى فيها شجرة صفتها كذا وكذا ... فبعث عرار في الحال رجالا من أصحابه وجهز لهم مركبا إلى الهند، ولما رجعوا وافَوْه بشجر كثير من الأمبا، فأمر بغرسه في مقنيات وتتابع الناس بغرسه في عمان حتى
کثر. (
(3)
ابن جعفر: الجامع 268/ 1.
ويعلق الإمام السالمي على ذلك بقوله: "قلت: إذا لم يجد هو ذلك فقد وجده غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ والآية شاهدة لثبوت ذلك يحسب ظاهرها". (معارج الآمال
(9/ 3
2 - انظر الورجلاني: الدليل والبرهان مع 2 ص 112 - 113، وفيه ما نصه: "وقد. هذا عن محمد بن محبوب وإليه يدعو أهل الهند أيام كان بالهند".
البطاشي: إتحاف الأعيان 1/ 494–495.
روي
مذهبهم
وشبيه بهذه القصة ما يرويه ابن رزيق أن بعض الكولية الهنود أفسدوا الطريق الذي يفضي. أعمال منجرور إلى منجرور، فانقطع الأرز عن مسقط، فبعث الإمام أحمد بن سعيد رجلا
367 (1/367)
صفحة 368
ملاح
أما عن
من الدعوة عند الأباضية
الدور اليعربي فحدث ولا حرج، فقد كان قدوم اليعاربة فتحا للإسلام وأي فتح، وفتحا للهند التي تخلّصت من براثن البرتغاليين والبريطانيين واستراحت من شرهم وكان من همة الإمام سلطان بن سيف بن ملك اليعربي 1059 - 1090 هـ) أن طرد البرتغاليين من عمان وطاردهم أينما حلوا وارتحلوا، وشنّ عليهم سلسلة من الغارات في المحيط الهندي برا وبحرا، بدءاً من ممبي سنة 1072 هـ، ثم ديو سنة 1079 هـ (1)، وأعاد الكرة عليهم مرة أخرى في سنة 1081 هـ، وثالثة في سنة 1086 هـ (2)، وكان من
أبرز
من أكابر الحوث في مركبه (الرحماني) إلى منجرور، فلما وصلها سر به أهل البلد وأخبروه بصنيع الكولية، فشمّر لمحاربتهم، وأوقع بهم هزيمة منكرة، فانفتح الطريق وعادت قوافل الأرز إلى مجراها، فأهدى والي منحرور وأهل البلد إلى الحارثي هدايا كثيرة، وشحن مراكبه بالأرز، فلما وصل الخبر إلى أمير تلك المقاطعة الهندية بعث رسولا إلى الإمام أحمد بن سعيد بهدايا جمة ابن رزيق الفتح المبين (371)، ومن الجدير ذكره هنا أن لأحمد بن سعيد (1167 - 1198 هـ) زوجة من الهند: هي أم ولديه هلال وطالب، وقد سافر هلال إلى الهند لعلاج عينيه اللتين ذهب بصرهما، فمات بـ: "الديول" إحدى مقاطعات السند. (الطالع السعيد 337) وإلى ذلك أشار الشاعر القادري في قصيدة رثاه فيها بقوله:
وسماه في أفق الغبير إذا هوى في السند أسنده الغبار قتلمها
يقول النور السالمي في التحفة 45/ 2 "فاستفتح كثيرا من بلدانهم، وخرب كثيرا من مراكبهم، وغنم كثيرا من أموالهم فقيل: إنما بنى القلعة التي بنزوي من غنيمة الديو من أرض الهند،
وقد لبث في بنائها اثنتي عشرة سنة".
2 - انظر: مجموعة من الباحثين: عمان في التاريخ 384. هذه التواريخ لم ترد في المصادر العمانية القديمة، يقول النور السالمي في التحفة 45/ 2 وليتهم أرخوا وقائعه بالنصارى وفتوحاته بأرض الهند، لكن الطبع غلب عليهم، فقد جرت العادة
368 (1/368)
صفحة 369
ملاحق |
معاركه بالهند "فتح بتة (1) بقيادة واليه: الشيخ محمد بن مسعود بن سعيد الصارمي، الذي سطر أمجادها في قصيدة مطلعها:
كشفن عن تلك الوجوه الصباح إذ زُمت العيس ليوم المراح وقيل فيها أطوي الفلا واليم في فيلق يطفئ ضوء الشمس والجو صاح حتى أتينا (بتة) بالضحى ثم نزلناها بأرض براح فقلت لأصحابي لا تحزنوا عنده الله فلا يُستباح
فانهزم الأفرنج في (بتة) بالذل والخزي وبالافتضاح بعدا لهم بعدا وسُحقا لهم من قوم سوء ووجوه قباح (2)
وإذا كان البرتغاليون قد مُنوا بخسائر فادحة في هذه المعارك إلا أن خطرهم ظل باقيا، طالما أن فلوهم لم تبتعد كثيرا عن الأراضي المنتزعة من أيديهم، وقد أدرك الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض (1114 - 1122 هـ) خطورة هذا
عندهم بإهمال التاريخ اشتغالا بالأهم" اهـ ويقول في موضع آخر 64/ 2: "ولهذه الغزولت أخبار لم تدون في الدفاتر". ا ورد في "عمان في التاريخ" ص 198 ما نصه: "لا يعرف بالتحديد موضع (بنة) أو (بتة) الحالي، بالذكر البلاذري [في فتوح البلدان أنها بين كابل والملتان، ويذكر قاضي أطهر في في العقد الثمين أن بتة يمكن أن تكون مدينة تاب كوهات بباكستان.
2 - انظر: النور السالمي: تحفة الأعيان 63/ 2 فما بعدها، والبطاشي: إتحاف الأعيان 313/ 3.
-
314، 377 فما بعدها.
369 (1/369)
صفحة 370
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
الموقف، فعزز أسطوله البحري وعظم جيشه وقوي سلطانه حتى قيل إنه اجتمع له في الجيش الذي دخل به الهند ستة وتسعون ألف عنان (1)
ومما ينبغي أن يؤخذ في الحسبان أن قدوم اليعاربة إلى الهند لم يكن قدوم الجبار الطاغية الذي لا هم له إلا النهب والسلب والقهر وتوسيع ممالكه، بل كان سعيا
نبيلا لإقامة العدل وتحرير الأرض من الجور والظلم.
وانعكاسا لهذا الوضع على الساحة العمانية قضايا مستجدة، بحثت
ودرست وقيدت في المؤلفات الفقهية وغيرها. (2)
إن هذه العلاقات القوية دفعت العمانيين إلى الهجرة والاستقرار
بالساحل الغربي لبلاد الهند، فعمروا بعض البلاد وبنوا بها منازل لهم، مثل: تانه وقندرينا و كبايه وجرفتن، وكلّها موجود بالساحل الغربي المعروف عند القدامى بساحل ملبار، (ه) - وكان بعضهم يستقرون فيها نهائيا، ويصاهرون السكان المحليين، ويتخذون لغتهم وكثيرا من عاداتهم وتقاليدهم التي لا تتنافى مع الإسلام،
النور السالمي: تحفة الأعيان 98/ 2، وفيه يقول: "هذه الفرسان فما ظنك بغيرهم؟! ". انظر
كذلك: 2/ 100.
2 - يذكر الشيخ سيف بن حمود البطاشي أن للشيخ القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد أجوبة على مسائل من الإمام سلطان بن سيف بن سلطان في أهل المنصورة [وهي من أرض الهند أو السند] وكنج [وهي من أرض فارس والبحرين (إتحاف الأعيان 474/ 3، 504) وقد نقل قسما منها في كتابه الطالع السعيد ص 205 - 209، وأصل المخطوط محفوظ بمكتبة السيد محمد بن أحمد برقم (1254).
3 - انظر: تليف السهيل: الإباضية في الخليج العربي ص 169 فما بعدها.
370 (1/370)
صفحة 371
ملاحق
منهم الدعوة عند الإباضية
(1) m
وبذلك كانوا مؤهلين تماما كدعاة إباضيين لنشر الإسلام في هذه البلاد ولا أدل على استقرار العمانيين في عهد اليعاربة بأرض الهند من وجود بعض الكتب المنسوخة هناك، وناسخ الكتاب والمنسوخ له عمانيان، كما جاء في بعض الكتب المخطوطة (2) أنه نسخ في منجرور من الميبار بأرض الهند، والناسخ هو سعيد بن عبد الله المنحي المعروي, والمنسوخ له: سليمان بن صالح الصخبروي، وتاريخ النسخ: آخر يوم من شهر رمضان سنة 1090 هـ، أي في أواخر أيام الإمام اليعربي سلطان سيف الأول. (3) بن
ويذكر أن بعض سكان الهند لا يزالون ينتسبون إلى قبائل عمانية إلى
الآن، كما أن بعض القبور الموجودة هناك كتبت عليها أسماء عمانية، كما يشير
إلى أن المدفونين فيها هم من أهل عمان (4).
المصدر نفسه ص 172.
2 - اسم الكتاب الفوائد والصلة والعوائد توجد منه الأوراق الأخيرة فقط محفوظة بمكتبة السيد محمد (برقم 175 - مجموع).
انظر البطاشي "الطالع السعيد 325 - 326، وإتحاف الأعيان 3/ 286 287. لعل من مظاهر التأثير والتأثر بين عمان والهند: استعمال الأرقام الهندية في الكتابة، وهي المعروفة بـ "المترية تمهيد قواعد الإيمان 120/ 12) "هذه أشكالها على الترتيب 123456789، ثم يصير الواحد عشرة، والعشرة مئة والمئة ألفاء والألف عشرة آلاف والعشرة آلاف مائة ألف، والمئة ألف ألف ألف، والجمع على هذا الحساب". (الضياء) وقد جرى العمانيون - في مكاتباتهم ووثائقهم ووصاياهم - على كتابة الأعداد بحروف عربية، ثم شاع عندهم استعمال الترقيم الهندي، والفرق بينهما: أن الخط العربي تلم الأحرف كامل الصورة" أما الهندي فإن "الأعداد لم تكتب أسماؤها بالحروف والكلمات، إنما هي أشكال
371 (1/371)
صفحة 372
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
الهند
پاکستان
خريطة توضح موقع الهند
إن هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد بحث وعناية وتنقيب، وما ذكرته هنا مجرد إشارات عابرة وجدتها في ثنايا الكتب والتقطتها من ألسنة المشايخ، ويبقى للبحث في هذا الموضوع مجال واسع.
لمعاني مفهمات التمهيد 122/ 12 - 123) ويسمى هنديا لأنه قلم مخصوص لأهل الهند، وإنما هو نسبة إلى واضعه وهو هلرش الحكيم الهندي، وفيما يقال: إنه استخرجه من صور فلكية للوجوه المطاردية، فعبر بها عن حقائق تلك الأعداد لعقودها التسعة كما هو مشهور متداول في البلاد. (التمهيد 123/ 12).
372 (1/372)
صفحة 373
ملاحق
5 - الإباضية في بلاد السند
السند: إقليم من أقاليم شبه القارة الهندية بمفهومها الواسع، يشقه النهر الكبير المعروف بنهر السند الممتد مسافة 2900 كيلومتر لينتهي في بحر العرب، وكان من الماضي - مع ما جاوره من أقاليم - يشكل مملكة واحدة لا تعرف الحدود، حتى قدم ما يسمى بالاستعمار فلعب لعبته فيها، وتم تقسيم الهند إلى دول، وصار إقليم السند تابعا لما يعرف حاضرا بجمهورية باكستان التي تأسست عام 1367 هـ / 1947 م، إلى جانب جزء يسير يقع في إمارة كشمير التي ما زالت مشكلتها قائمة إلى الساعة. (1)
وصل الفتح الإسلامي بلاد السند في وقت مبكر، وكان للدور العماني البارز في فتوحات الهند أثر ملموس سبقت الإشارة إليه، ولا داعي لتكراره، غير أن الجدير ذكره هنا وما أثبتته المصادر من وجود للإباضية ببلاد السند عهد الإمام جابر بن زيد (ت 93 هـ)، ومن فقهائها في ذلك العصر: أبو المضاء الذي أدرك أهل النخيلة الناجين من معركة النهروان سنة 38 هـ، وامتد به العمر
(2)
حتى عهد الإمام أبي عبيدة الكبير (ت 150 هـ أو بعدها بقليل). (2)
انظر: شوقي أبو خليل: أطلس دول العالم الإسلامي 26، 27، 184 – 189. 2 - انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية.
373 (1/373)
صفحة 374
ملاحق
الصين
جامو
کشمير
ملتان
کابل
منح الدعوة عند الأباضي
افغانستان
باکستان
لمنصورة
إيران
بحر العرب
خريطة توضح موقع السند
ولئن انحسر المذهب عن مناطق كثيرة فليس بغريب أن يبقى صامدا في بلاد السند زمنا ليس بالقصير، طالما أن التواصل ظل مستمرًا بين عمان وشبه القارة الهندية، ومن نفيس ما حفظه لنا التاريخ السيرة المضيئة للإمام العماني راشد بن سعيد اليحمدي (ت 445 هـ) التي تشكل صفحة مشرقة التواصل بين أعضاء الجسد الإباضي الواحد (1) بعثها إلى إخوانه
من
صفحات
- انظرها في ملحق النصوص.
374 (1/374)
صفحة 375
ملاحق
بالمنصورة من بلاد السند، وإذا كان المبعوث إليهم أشخاصا غير معروفين إلا من خلال هذه السيرة فإنها تكفي شاهدا على رسوخ المذهب الإباضي هناك (2) وتبرهن على أن ما انطوى من صفحات التاريخ شيء كثير.
(3)
-
بلد بالسند الإسلامية" ثم قال
- كما يصفها الفيروز آبادي في القاموس - المنصورة بعد أن ذكر سمياتها في البلدان: "ومن العجيب أن كلاً منها بناها ملك عظيم في جلاله وسلطانه وعلو شأنه، وسماها المنصورة تفاؤلا بالنصر والدوام، فخربت جميعها واندرست وتفضت رسومها واندحضت. (القاموس (622) وتسميها بعض المصادر: برهمناباذ، ولا أدري هل ما زالت تعرف باسمها في الوقت الحاضر أو لا، غير أن بالهند الآن جامعة تعرف بجامعة المنصورة نسبة إلى هذه البلدية، سعى في تشييدها العلامة الراحل أبو الحسن الندوي. (انظر ما سبق من إشارات عن المنصورة في الحديث عن الهند).
2 - يذكر المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم" أن: جامع المنصورة – وهي من إقليم السند مثل جامع عمان، وفي ذلك إشارة لطيفة يلمح منها مدى التوافق والتواصل بين البلدين، وليس هذا التماثل بعجيب في أي بلد وصله العمانيون وأقاموا فيه. (انظر: أحسن التقاسيم ص 360 وقد صنفه المقدسي بين عامي 375 – 380 هـ).
3 - يقول د. مير ولي خان المسعودي في بحث له عن "دور عمان في نشر الإسلام في شبه القارة الهندية ص 316315: "وقد استوطن البعض منهم في بلاد السند، حتى أني سمعت أن هناك قرية من قرى السند يتحدث أهلها على أن عمان لعبت دورا هاما في
نشر الحضارة العربية هناك" اهـ
375 (1/375)
صفحة 376
ملاحق
من الدعوة عند الان
شكر وطلب اعتذار
ختاما، أشكر كل من أعانني في إعداد هذا البحث، وأطلب من كل من اطلع عليه أن لا يبخل بملاحظاته، وأن يسعفني بكل ما هو جديد ومفيد، وأعتذر عن كل تقصير بدر مني، والنقص سمة البشر، والكمال الله وحده، وإنِّي آمل أن تكون هذه الأوراق المتواضعة فاتحة خير للاعتناء بهذا الموضوع، وأن يوجه الباحثون بعض جهودهم إلى الكشف عن هذه الكنوز وإحيائها ونشر محاسنها، " ليعلم العالم كله أن كل حفنة من تراب في أرض الإسلام قد تشبعت منذ ارتفع في الأفق نداء لا إله إلا الله محمد رسول الله بدماء الشهداء جنبا إلى جنب مع مداد العلماء، وأن هذه الأمة التي أضاءت المشعل أمام الإنسانية في الماضي تستعد للقيام بذلك الدور من جديد وما ذلك على الله بعزيز. أسأل الله التوفيق لكل خير، وهو حسبي وعليه اتكالي.
(1) n
سلطان بن مبارك حمد الشيباني
الجمعة 8 محرم الحرام 1463
22 مارس 2002 م
من كلمة للدكتور النامي ألقاها سنة 1397 هـ في الملتقى العلمي بوارجلان - الجزائر.
376 (1/376)
صفحة 377
ملاحق |
ملحق
بالنصوص، والخرائط
377 (1/377)
صفحة 378
ملاحق
كتاب عبد الله بن إباض
إلى عبد الملك بن مروان
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان أما بعد: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك بتقوى الله، فإن العاقبة للتقوى والمراد إلى الله، واعلم أنه إنما يتقبل الله من
المتقين. وقد جاءني كتابك. سنان بن عاصم، وإنك كتبت إلي أن أكتب إليك بكتاب فكتبته إليك فمنه ما تعرف ومنه ما تنكر ولكن الذي تنكره ليس عند
الله بمنكر. وأما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأمة فإن الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزل على نبيه: وَمَن لَّمْ
(1)
يحكم بما أنزلَ اللهُ فَأَوْلَيكَ هُمُ الظَّلِمُونَ الْقَسِقُونَ) و الكَفِرُونَ (3) ثم إني لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئاً إلا
كتاب الله ذلك البينة من
- والله - تعلم أنه حق، وسأنزع لك وسأخبرك خبر عثمان الذي طعنا عليه فيه، وأبين شأنه وأمره.
من
1 - سورة المائدة.
2 - نص الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} سورة المائدة: 47. - نص الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} سورة المائدة: 44.
-3
378 (1/378)
صفحة 379
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
لقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه في الإسلام، ولكن الله لم يجز العباد من الفتنة، وذلك أن الله بعث محمدا، وأنزل عليه الكتاب وبين فيه كل أمر، وفصل فيه كل حكم، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وجعله هدى ورحمة لقوم يؤمنون (1) فأحل فيه حلالاً وحرَّم فيه حراماً، وحكم أحكاماً وفرض فرائض وحدوداً. فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا الله (2) وقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَيكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ال (3)
ثم أمر نبيه باتباع كتابه وقال: وَاتَّبِع مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (م)
وقال: لا فَإذَا قَرَأْتَهُ فَاتَّبَعَ قُرْهَانَهُ (3) فعمل محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، ومعه
عثمان
ومن
شاء الله
من
أصحابه، لا يرونه يتعمد أحداً ولا يبدل حكماً ولا
يستحل حراماً ولا يحرم حلالاً ولا يبدل فريضة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قل إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
فعمر ما شياء الله تابعاً لما جاء به من عند الله، مبلغاً لما ائتمنه الله عليه معلماً للمؤمنين، مبصراً لهم حتى توفاه الله. ثم أورث الله عز وجل
1 - نص الآية {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون سورة
الأعراف.
2 - سورة البقرة.
3 - سورة البقرة
4 - سورة الأحزاب.
5 - سورة القيامة.
6 - سورة الأنعام.
379 (1/379)
صفحة 380
ملاحق
ميع اللعنة عند الاباحية
المسلمين الذي جاء به، وهو كتابه الذي يهتدي من اهتدى باتباعه ولا يضل من ضل إلا بتركه.
ثم قام من بعده أبو بكر على الناس، فأخذ كتاب الله وعمل بسنة نبيه، فلم يفارقه أحد من المسلمين ولم يعيبوا عليه في حكم حكمه، ولا قسم قسمه، حتّى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون وله مجامعون.
وشهادة
ثم قام من بعده عمر فكان قوياً على الأمر، شديداً على أهل النفاق، يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين ويعمل بكتاب الله، وابتلاه الله بفتوح من الدنيا بما لم يتل به صاحبيه، وفارق الدنيا والدين ظاهر وكلمة الإسلام جامعة، المؤمنين له بالوفاء قائمة والمؤمنون شهداء الله في الأرض، قال الله عز وجل: وكذلك جعلتكم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاس ويكون الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (1) ثم استشار المؤمنين فتركها فيهم، فولوا عثمان ففعل ما شاء الله بما يعرف الإسلام، حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض، وأحدث أموراً لم يعمل بها صاحباه قبله، وعهد الناس يومئذ قريب منهم، فلما رأوا ما أحدث أتوه وكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة من قبله، فشق عليه أن ذكروه بآيات الله، وأخذ بالجبرية، وضرب من شاء منهم وسجن، ونفاهم في أطراف الأرض أجل أن ذكروه بكتاب الله وسنة نبيه وآثار من كان قبله من المؤمنين،
من
و ومن أظلم ممن ذُكِرَ بِثَانَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَى مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ (2) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذَكَرَ بِايَتِ رَبِّهِ وَ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
-1 - سورة البقرة: 143
2 - سورة الكهف: 57.
380 (1/380)
صفحة 381
ملاحق
(1)
الدعوة
فلا يغرنك يا عبد الملك بن مروان عز نفسك، ولا تسند دينك إلى الرجال فإنهم يستدرجون من حيث لا يعلمون، فإن أملك الأعمال خواتمها، وكتاب جديد أبداً لا ينطق إلا بالحقِّ أجارنا الله باتباعه أن نبغي أو نضل، فاعتصم الله يا عبد الملك واعتصم بالله يهدك إلى صراط مستقيم. قال الله عز وجل:
الله
بحبل
ومَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (2). وكتاب الله هو حبل الله المتين الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به فقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (د) فأنشدك الله أن تدبر معاني القرآن وتكون مهتدياً به مخاصماً به، قال الله عزَّ وجل: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْهَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا) وأما قولك في معاوية إن الله قام معه وعجل نصره وبلج حجته وأظهره على عدوه بالطلب لدم عثمان، فإن كنت تعتبر الدين من قبل الدولة والغلبة في الدنيا فإنا لا نعتبره من قبل ذلك، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون، وظهر المشركون على المؤمنين ليبلي المؤمنين ويملي الكافرين وقال: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ
(s)
شهد اه والله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ له وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ وانظر ما أصاب المؤمنين من المشركين يوم أحد، وانظر كيف ظهر قتلة ابن عفان
1 - سورة السجدة.
2 - سورة آل عمران
3 - سورة آل عمران.
-4 - سورة محمد. 5 - سورة آل عمران.
381 (1/381)
صفحة 382
ملاحق
الدعوة عبد الأباضية
عليه وعلى شيعته يوم الدار، وظهر علي على أهل البصرة وهم شيعة عثمان، وظهر المختار على زيد وأصحابه وهم شيعتهم وظهر مصعب على المختار،
وظهر أهل الشام على أهل المدينة، وظهر الزبير على أهل الشام بمكة.
فلا تعتبر
الدين من
قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض، فقد وظهر في الأرض، وأعطى الذي حاج إبراهيم في ربه
أعطى الله فرعون ملكاً ملكاً. ثم إن معاوية إنما اشترى الإمارة من الحسن بن علي، ولم يف له بما اشترطه عليه، وعاهد الله العظيم ليوفين له. وقد قال الله عزَّ وجلَّ وَلَا تَنقُضُوا الأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا الآية).
ولا تسأل عن معاوية وعن صناعته غيري، لأني قد أدركته ورأيت عمله وسيرته، ولا أعلم من الناس أحداً أترك للقسمة التي قسمها الله ولا لحكم حكمه الله ولا أسفك لدم حرَّمه الله منه، فلو لم يصب من البلاء إلا دم ابن سمية لكان فيه ما يكفره، ثم استخلف ابنه يزيدًا، فاسقاً لعيناً كافراً شارباً للخمر فيكفيه من الشر، فلا يخفى عمل معاوية ويزيد على كلّ عاقل.
فاتق الله يا عبد الملك ولا تخادع نفسك في معاوية، فقد أدركنا أهل بيتكم يطعنون في معاوية ويزيد ويعيبون عليهما كثيراً فيما يصنعون .... وكتب [ت] إلي تحذرني الغلو في الدين، أعوذ بالله من الغلو، وسأبين لك ما الغلو في الدين إذا جهلته، والغلو في الدين أن يقال على الله غير الحق ويعمل بغير كتاب الله الذي بين، وسنة نبيه التي سن، وقال الله: {يَاهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (2) وقال: {قُلْ يَنأَهْلَ الْكِتَبِ لَا
1 - سورة النحل: 91.
-2 سورة النساء: 171.
382 (1/382)
صفحة 383
ملاحق
تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ (1)
وكتبت إلي تعرّض بالخوارج وتزعم أنهم يغلون في دين الله ويتبعون
غير سبيل المؤمنين ويفارقون أهل الإسلام وأنا أبين لك سبيلهم، هم أصحاب
وهم
عثمان الذين أنكروا عليه ما أحدث من بدعة وفارقوه حين ترك حكم الله، أصحاب الزبير وطلحة حين نكثا، وأصحاب معاوية حين بغي، وأصحاب علي حين بدل كتاب الله، وحكم عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص فهم فارقوا هؤلاء كلهم وأبوا أن يفارقوا بحكم البشر دون حكم الله أشدُّ فهم لمن بعدهم عداوة وأشد مفارقة، كانوا يتولون في دينهم سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، ويدعون إلى سبيلهم ويرضون على ذلك، كانوا يخرجون وإليه يدعون وعليه يفارقون. وقد علم من عرفهم وعرف حالهم أنهم كانوا أحسن عملاً وأشدَّ قتالاً في سبيل الخوارج، شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم الله. هذا خبر ولمن ولاهم أولياء بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا.
أعداء
إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه، وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه، فنبرأ إلى الله
وأنت كتبت إلي أن أكتب إليك بجواب كتابك وأجتهد لك في النصيحة، وذكرتني بالله وأفضل ما ذكرتني به أن قلت: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَتِ وَاهْدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَب الآية (2)، وَإِذْ أَخَذَ
1 - سورة المائدة: 77.
-2 سورة البقرة: 159.
383 (1/383)
صفحة 384
ملاحق
مج اللدعوة عند الأباضية
الله مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لتبيتُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (1)، فقد بينت لك وأخبرتك خبر الأئمة، وكان حقا علي أن أنصح لك، فإن الله لم يتخذني
عبداً لأكفر به ولا أخادع الناس بشيء ليس في نفسي وأخالف إلى ما أنهى عنه. أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه لتحل الحلال وتحرم الحرام، ولا تظلموا الناس شيئاً، وأن يكون كتاب الله حكماً بيني وبينكم فيما اختلفنا فيه، وأن نتولى من تولى الله، وأن نبرأ ممن تبرأ الله منه، وأن نطيع من أمر الله بطاعته، ونعصي من أمر الله بمعصيته في كتابه. فهذا الذي أدركنا عليه نبينا، وإن هذه الأمة لم تسفك دماً إلا حين تُرك كتاب الله وسنة نبيه، وقد قال الله عزَّ وجلّ: وَمَا أَخْتَلَفَتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أنيب (2) والقرآن هو السبيل الواضح الذي هدى الله به من كان قبلنا محمدا وأصحابه الخليفتين الصالحين، ولا يضل من اتبعه ولا يهتدي من تركه
وقال:
وأن هذا صراطى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِ ذَلِكُمْ وَضَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (). فاحذر أن تتفرق بك السبل وتتبع هواك، فإن الناس إنما يتبعون في الدُّنيا والآخرة إمامين: إمام هدى وإمام ضلالة، فإمام الهدى الذي يتبع كلام الله ويقسم بقسمة الله ويحكم بحكم الله وهو الذي قال فيه عزَّ وجلّ: {وَجَعَلْتَهُمْ أَيْنَةَ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (م)
1 - سورة آل عمران: 187.
2 - سورة الشورى: 10.
3 - سورة الأنعام: 153.
4 - سورة الأنبياء.
384 (1/384)
صفحة 385
ملاحق
منهج الدعوة عند الأباضية
وهؤلاء هم الأئمة الذين أمر الله بطاعتهم ونهى عن معصيتهم.
وأما أئمة الضلالة فهم يحكمون بغير ما أنزل الله، ويقسمون
سنة
من الله، فهؤلاء الذين قال الله عزَّ
بغير قسمة الله، ويتبعون أهواءهم بغير وجل فيهم وَجَعَلْتَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلى النار ويوم القيمة لا يُصَرُونَ (1) وفيهم قال: {فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَعَهِدْهُم بده
لم
جهَادًا كبيرا (2) وقال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ
هونه وكان أمره فرصا و داوا له هذا كتبنا ينطق عليكم بالحي ها أَمْرُهُ) الالوان فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (5) فلا تضرين عنك الذكر صفحاً، ولا تشكن في كتاب الله.
وقد كتبت إلي بمرجوع كتابك فأنشدك الله لما قرأته وأنت مشغول حتى تتفرغ له وتدبر معانيه وتنظر فيه بعين البصيرة، واكتب إلي جواب كتابي إن استطعت، وانزع إلي الشواهد من كتاب الله والبينة منه، فأصدق بذلك قولك، ولا تتعرض لي بالدنيا فإنه لا رغبة لي في الدُّنيا، وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصيحتك لي في الدين ولما بعد الموت، فإن ذلك أفضل النصيحة. والله قدير أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة، فإنه لا خير فيمن لم يكن على
1 سورة القصص
2 - سورة الفرقان.
3 سورة الكهف.
4 - سورة الجاثية.
5 - سورة يونس.
385 (1/385)
صفحة 386
ملاحق
طاعة الله وبالله التوفيق وفيه الرضا، والسلام عليك.
386
من الدعوة عبد الآباة (1/386)
صفحة 387
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
رسالة أبي عبيدة إلى إخوانه في المغرب الإسلامي
الرسالة التي بعث بها أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، إلى الدعاة الإباضية في المغرب وهي تقيم الدليل على الصلة الوثيقة بين إباضية المغرب وارتباطهم بمركز الدعوة الأمر في مدينة البصرة، وتظهر هذه الرسالة الدقة في التنظيم الإباضي، ومراقبة أبو عبيدة
لدعاته دون أن يفطنوا لذلك (1) وفيما يلي نصوص من هذه الرسالة التي بدأت:
«بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أتانا كتابكم تذكرون فيه ما من الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما أكثرتهم وإن كثروا بأكثر مِمَّا كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم يهن عليكم كثرتهم على أخلافهم، نسأل الله العون والتوفيق في جميع أموركم، وأن يكفنا وإياكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين عليهم الدائرة، ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم.
فلعمري لقد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم وإن كان ذلك لم يخف عنا، غير أنا لم نكتف [ب] الذي كتبتم به إلي، والله يستتم لكم الخير كله بعونه
1 - وردت هذه الرسالة بمدونة أبي غانم الخراساني، تحت عنوان «رسالة في أحكام الزكاة لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 21582 ب.
387 (1/387)
صفحة 388
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
وتوفيقه.
أتانا كتابكم بمسائل، فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألاً نجيبكم فيها من غير هوان ولا تقصير، إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم، وأرفق لضعيفكم، وأعطف القلوبكم، وأجمع لأموركم، وما توفيقي إلا بالله وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه (1).
« ...
أما تاريخ هذه الرسالة فظهر من محتوياتها أنها كتبت بعد سنة 132 هـ للهجرة، وفيها إشارة إلى رفض أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والرد على بعض أسئلة الدعاة المغاربة، ويحتمل أنه رفض الإجابة على مسألة البراءة والولاية من الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبار بن قيس المرادي التي اختلف فيها الدعاة الإباضية بشكل كاد يؤدي إلى انقسامهم، فبلغت مسألتهما أهل المشرق فاختلفوا كما اختلف أهل المغرب، فكتب أبو عبيدة وحاجب بالكف عن
ذكرهما ... » (3).
1 - مدونة أبي غانم الخراساني ورقة 114113. 2 أبو زكرياء السيرة وأخبار الأيمة، ورقة: 7،17 ب.
3 - الشماخي: السير، ص 125. وكان الحارث بن تليد وعبد الجبار بن قيس المرادي قد ثكرا على السلطة الأموية بناحية طرابلس في المغرب عام 131 هـ أو في 132 هـ على رواية
الشماخي، ص 25. ينظر:
المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي، (القاهرة،
250/ 3 (1388
388 (1/388)
صفحة 389
ملاحق |
من الدعم عندالاباحية
خطبة عبد الله بن يحي الإباضي
الله
لما استولى عبد بن يحي الكندي على بلاد اليمن سنة 129 هـ، خطب الناس، فحمد الله جل وعزَّ، وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ووعظ وذكر وحذر، ثم قال:
«إنا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه، وإجابة من دعا إليهما. الإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا؛ رضينا بالحلال حلالاً، لا نبغي به بديلاً، ولا نشتري به ثمناً قليلاً، وحرَّمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا. ولا حول ولا قوة إلا بالله وإلى الله المشتكى وعليه المعول؛ من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شرب الخمر فهو كافر، ومن شك في أنه كافر فهو كافر. ندعوكم إلى الله فرائض بينات وآيات محكمات وآثار مقتدى بها؛ ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل في ما حكم، وندعو إلى توحيد الرب، واليقين بالوعيد، والوعد وأداء الفرائض و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأعداء الله.
من أهل العلم،
أيها الناس، إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا يدعون من ضل عن الهدى، ويصبرون على الألم في جنب الله تعالى، يُقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، فما نسيهم ربهم، وما كان ربك نسياً.
389 (1/389)
صفحة 390
ملاحق
منح الدعوة عند الاباضة
أوصيكم بتقوى الله، وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به، فأبلوا الله بلاء حسناً في أمره، وذكره أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم (؟).
1 - الأغاني، ج 20/ص 98. شرح ابن أبي الحديد، م 1/ص 455.
390 (1/390)
صفحة 391
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
خطب أبي حمزة الشاعري في المدينة
الخطبة الأولى (1)
دخل أبو حمزة الشاري المدينة سنة ثلاثين ومائة ومضى عبد الواحد بن سليمان إلى الشام فرقي أبو حمزة المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فأسأتم - لعمر الله – فيهم القول. وسألناكم هل يقتلون بالظن؟ فقلتم: نعم. وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم: نعم. فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم فتناشدهم الله أن يتنحوا عن عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم، فقلتم: لا تفعلون فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نلقاهم فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه، وإن نظفر نعمل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم فينكم بينكم، فإن أبيتم وقاتلتمونا دونهم فقاتلناكم فأبعدكم الله وأسحقكم.
يا أهل المدينة مررت بكم في زمان الأحول هشام بن عبد الملك وقد أصابتكم عاهة في ثماركم، فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعها عنكم، فزاد الغني غنى وزاد الفقير فقرا، فقلتم جزاه الله خيراً، فلا جزاه الله خيراً ولا جزاكم».
1 - الأغاني، ج 23 ص 248. وانظر - سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية، ص: 206
209
391 (1/391)
صفحة 392
ملاحق
الخطبة الثانية، أبو حمزة يخطب بأهل المدينة (1)
إن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أتعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشراً ولا بطراً، ولا عبثاً ولا لهواً، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا ثأر قديم نيل منا.
ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ... (2) فاقبلنا من قبائل شتّى، النفر منا على بعير واحد، عليه زادهم وأنفسهم، لحافاً واحداً. قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره وأصبحنا والله بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن
يتعاورن
وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم مروان وآل مروان.
شتان لعمر الله ما بين الغي والرشد، ثم أقبلوا يهرعون ويزفون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم، مراجله وصدق عليهم ظنه. وأقبل أنصار الله عصايب وكتايب بكُلِّ مَهند ذي رونق فدارت رحانا، واستدارت رحاهم،
بضرب يرتاب منه المبطلون.
وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من
عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين.
1 - الأغاني، ج 23/ص 248.
2 - سورة الأحقاف: 32
392 (1/392)
صفحة 393
ملاحق
من الدعوة
يا أهل المدينة، إن أولكم خير أول وآخركم شر آخر.
يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم، إلا مشركاً عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً.
يا أهل المدينة، من زعم أن الله تعالى كلّف نفساً فوق طاقتها أو سألها عما لم يؤتها فهو الله عدو، لنا حرب.
يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى في كتابه على القوي للضعيف، فجاء التاسع وليس له منها ولا سهم واحد، فأخذ جميعها لنفسه مكابراً محارباً لربه، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله؟
يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: هم شباب، أحداث وأعراب جفاة. ويحكم يا أهل المدينة، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً أحداثاً!، شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أنفساً تموت غداً بأنفس لا تموت أبداً، قد خلطوا کلالهم بكلالهم وقيام ليلهم بصيام، نهارهم منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفاً من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقاً
إلى الجنة.
فلما نظروا إلى السيوف قد أنضيت، وإلى الرماح قد أشرعت، وإلى السهام قد فُوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة عند
وعيد
الله ولم يستخفوا وعيد الله عند وعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب.
فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية الله، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعاً وساجداً، أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب».
393 (1/393)
صفحة 394
ملاحق
من الدعوة عند
الخطبة الثالثة: لأبي حمزة على أهل المدينة (1)
قام أبو حمزة يخطب بالمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أهل المدينة، مالي رأيت رسم الدين فيكم عافياً، وآثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة، ولا أهله حجة. قد بليت فيكم جدته، وانطمست عنكم سنته. ترون معروفه منكراً والمنكر من غيره معروفاً، إذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر وعميت عنها أبصاركم وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في
تفقهون من
غفلة.
العلم،
ر، مستوحشة
من
تنبسط قلوبكم للباطل إذا تشير، وتنقبض عن الحقِّ إذا ذُكِر. مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفوراً، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، أولم تلن لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
يا أهل المدينة، ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، إن الله قد جعل لِكُلِّ شيء غالباً يقاد له ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلاً كانت الأبدان لها تبعا، وإن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله وقوَّة النية ونفاذ البصيرة، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت بطاعة الله أبدانكم.
يا أهل المدينة داركم دار الهجرة ومثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نبت به داره وضاق به قراره، وآذاه الأعداء وتجهمت له، فنقله إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم متوازرين مع الحقِّ على الباطل، ومختارين للآجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 - الأغاني، ج 23/ص 251.
394 (1/394)
صفحة 395
ملاحق
و نصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وآثروا الله على أنفسهم ولو كانت بهم
خصاصة.
قال الله تعالى لهم ولأمثالهم ولمن اهتدى بهداهم: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1). وأنتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم، تتركون أن تقتدوا بهم أو تأخذوا بسنتهم عمي القلوب صم الآذان، اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى وأسهاكم، فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا، ولا تعظكم فتعتبروا، ولا توقظكم فتستيقظوا.
لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ما سرتم بسيرتهم، ولا حفظتم وصيتهم، ولا احتذيتم مثالهم. لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف الله العذاب عنكم».
-1 - سورة التغابن: 16
395 (1/395)
صفحة 396
ملاحق
من الدعوة عند الاباحية
قصيدة عمرو بن الحصين
في رثاء طالب الحق
وقال عمرو بن الحصين - ويقال الحسن العنبزي - مولى لهم يرثي. بن يحي وأبا حمزة وبلج بن عقبة، وأبرهة وابطالا آخرين.
هبت قبيل تبلج الفجر
الله
هند تقول ودمعها يجري
(1)
أن أبصرت عيني مدامعها ينهل واكفها على النحر)
صبر
أني اعتراك وكنت عهدي لا سَرِبَ الدموع وكنت ذاه أقذى بعينك ما يفارقها أم عائر أم مالها تذري؟ (2)
أم ذكر أخوان بهم فجعت سلكوا سيلهم على خبر
فأجبتها بل ذكر مصرعهم
لاغيره عبراتا تمري
يا رب أسلكني سبيلهم ذا العرش واشدد بالتقى أزري
في فتية صبروا نفوس
للمشرفية والقنا السمر
ألقى الدهر مثلهم
حتى أكون رهي نة القبر
أوفي بذمتهم إذا عقدوا
وأعف عند العُسر واليسر
متأهلين لكل صالحة ناهين مَن لاقوا عن النكر
-1 وكف الدمع سال.
2 - العائر: العوار وكل ما يعل فيسبب دمعها.
396 (1/396)
صفحة 397
ملاحق
صمت إذا احتضروا مجالسهم
من الدعوة عند الأباضية
وزن لقول خطيبهم وقر) (1)
إلا تجيبهم
رجف القلوب بحضرة الذكـ
متأوهون كان جمر
ـضا
للخوف بين ضلوعهم يسـ
تلقاهم إلا كان
لخشوعهم صدروا عن الحر
فهم كان هم جوي
أو متهم طَرْف من السحر
لا ليلهم ليل فيلبسهم فيه غواشي النوم بالسكر إلا كذا خلساً وآونة حذر العقاب وهم على ذغـ كم من أخ لك قد فُجعت به قوام ليلته إلى الف
متأوه يتلو قوارع مـ
نصب تجيش بنات مُهجته
آي القران مفزع الصدر
بالموت جيش مُشاشة القدر)
ظمآن وقدة كل هاجرة تراك لذته على قدر
تراك ما تهوى النفوس إذا
ومبرا مـ
رغب النفوس دعت إلى النذره
عف الهوى ذو مِرَةٍ شَزر)
1 - الوقر: جمع وقور وهو الرزين. وفي البيت «إقواء».
2 - الغضى والفضاء شجر من الأثل خشبه أصلب الخشب، وجمره يبقى زماناً طويلاً لا
ينطفئ واحدته غضاة. ويسمّى أهل نجد أهل الفضي، لكثرته هنالك. 3 - نصب: تعب. ـ المشاشة رأس العظم اللين الذي يمكن مضغه. - وجيش جيشان
واضطراب وغليان
4 - النذر: ما يقدمه المرء لربه. وهنا الأجل.
5 - المرة: القوة والشدة. وفي التنزيل العزيز: {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى. (1/397)
صفحة 398
ملاحق
والمصطلي بالح
يجتاحها بأقل ذي شـ
لا شيء يلقاه أسـ
نجلاء منهرَة تَجيش بـ
كخليلك المختار أذكِ
خواض غمرة كل متل
الرَّعُوة
عرها
بغيارها وبفتيةٍ سُعْـ
طب
عضب المضارب قاطع البتر) من طعنة في تغرة النحر
كانت عواصي جوفه تجري
من مقتد في الله أو مُشـ
في الله تحت العبير الكدر
تراك ذي النَّخوات مختضباً بنجيعه بالطعنة الشـ (2)
زر) وابن الحصين وهل له شه في العرف أنى كان والنكر
بسامة لم تحنَ أضلعه لذوي أخوته على غمر
طلق اللسان بكل محكمة
لم ينفك ك في جوفه حزن
والشؤر: الغضب. (7)
ر آب صدع العظم ذي الوقر)
ي حرارته وتستش
1 عضب قاطع. ومضارب: جمع مضرب وهو حد السيف.
2 منهرة واسعة
3 - المقصود به أبا حمزة الشاري.
4 - العثيو: الغبار.
5 - النجيع: الدم.
6 - علي بن الحصين.
7 - الوقرة الصدع في الساق أو النقرة في العين والعظم. (1/398)
صفحة 399
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
ترقي وآونة يُخفض
بتنفس الصعـ
ــداء
ومخالطي بلج وخالصة سم العدو وجابر الكـ
نكل الخصوم إذا
ــوا
وسداد تلمة عورة الثغر (2)
والخائ
رات يخط
في
وسط الأعادي أي
بمشط
ـب أو غير ذي شط
وأخيك أبرهة الهجان أخى الـ
هام العدا بذبابه يَف
ثجَّ الغويّ سُلافَةَ الخَ بمرشة فرع تفج دم
حرب العوانِ مُلْ
(s)
والضارب الأخدود ليس لها
وولي حكمهم فجت به
عمرو
هها عـ فواكبدي على
السخره)
(6)
قوَّالُ مُحكَمةٍ وذي فهـ
مروا عف الهوى مثبتِ الأمر
ومسيب فاذكر وصي
ته
لا تنس إما كنت ذا ذِكْ
فكلاهما قد كان مُختباً الله ذات ــقوى وذا
في مخبتين ولم أسمـ
;
كانوا يدي وهم أولو نصري
1 - بلج بن عقبة البطل المعروف.
2 شغبوا ثاروا وهيجوا الشر.
3 - ذباب السيف: حد طرفيه. ويفري: يشق.
4 - أبرهة بن الصباح الحميري.
5 - تتج: تسيل
6 - الأخدود: الشق المستطيل في الأرض. وأخاديد السياط: آثارها.
399 (1/399)
صفحة 400
(1)
ستر
(2)
(3)
(4)
ملاحق
وهم مساعرُ في الوغى رُجح وخيار من يمشي على
حتى وفوا الله حيث لقوا بعهود لا كذب ولا
فتخال
سوا مُهجاتِ أنفس
وحداتهم بقوا
وأسنة أنن في لـ
دن
خطية بأكفهـ
رق
يخفقن من سود و
تحت العجاج وفوق
نفرجت عنهم
فشعارهم نيرا
لم يُغمضوا عيناً علـ
حربهم ما بين أعلى الشخر
صرعى فحاجة توش فحاجلة تنوشهم وخوامع وخوامع لحماتهم تف
1 - العفو التراب.
2 العجاج: الغبار والخرق هنا: الرايات.
3 - الكماة: جمع كمي وهو المحارب الشجاع. والوتر الثأر.
4 - الشحر: هو صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. قال: الأصمعي: هو بين
عدن وعمان.
(معجم البلدان 3 327 - الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام.
وهي قرية صغيرة قليلة السكان (معجم البلدان 2: 221).
5 - الفحاجلة جمع فحجل وهو الذي تتدانى صدور قدميه وتتباعد عقباه. تنوشهم تتناولهم. والخوامع جمع جامعة الضبعة. (1/400)
صفحة 401
ملاحق |
السيرة المضيئة للإمام العماني
مراشد بن سعيد اليحمدي (ت 445 هـ)
إلى إخوانه الإباضية بالمنصورة من بلاد السند (1)
من الأمام راشد بن سعيد
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أبي العباس بن مربح والمهند بن سدها وأبي عبد الله محمد بن بروزان
سلام عليكم
[مقدمة]
فإني أحمد الله إليكم، وآمركم بطاعته وأوصيكم وأنهاكم عن معصية القادر عليكم، فاتقوا الله فيما ساءكم أو سركم أو نفعكم أو ضركم، وكونوا الله شاكرين، ولدينه ناصرين ولأهل طاعنه، مؤازرين وبالمعروف عاملين و آمرين، وعن المنكر ناهين وزاجرين، ولطاعة الله مبادرين وعلى ما أصابكم فيها صابرين،
1 - مصدر السيرة: مخطوطة للسير الإباضية نسخت سنة 1175 هـ (الصفحات (193 - 204) عند الباحث صورة منها واكتفيت هنا بإثبات نصها مع وضع عناوين فرعية المحتوياتها وكل زيادة مني وضعت بين معقوفين [].
401 (1/401)
صفحة 402
ملاحق
تحمدوا عاقبة ذلكم يوم تفتقرون إلى صلاح أعمالكم، وتستغنون عن أهلكم وأموالكم وتنقطعون من حبلكم وآمالكم وما التوفيق إلا بالله، وعلى الله
فليتوكل المؤمنون.
ثم إني أحذركم من مكائد الشيطان، وممن يؤازره على ذلك من الأعوان، منهم أنفسكم وهواكم وشهواتكم ودنياكم، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةٌ بالسوء إلا مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ. يوسف: 53، وقال أَفَرَهَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ على بصيرو غشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ الجاثية: 23، وقال وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن يَميلُوا مَيْلًا عَظِيمًا النساء: 27، وقال اَعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَهَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بينكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فتركه مصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانُ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد: 20
[نصيحة وموعظة]
وبعد هذا؛ فتقربوا إلى الله بمحبة أوليائه تباعدوا عن سخطه ببغض أعدائه، فأن الله يقول في محكم كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ
402 (1/402)
صفحة 403
ملاحق |
من الدعوة عند الاباحية
أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ: هود: 113. ألا فافهموا عن الرحيم الرحمن، وتدبروا في آيات القرآن، فإن الله قد أمر بذلك إذ يقول: {كَتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكَ لِيَدَّبَّرُوا وَايَتِهِ، وَلِسَنَذَكَرَ أُولُوا الأَلْبَبِ ص: 29، وإنما هلك في الناس رجلان: رجل أشرك بالرحمن، ورجل تجاهل على الله بعد الفرقان، وأخذ بفتنة الشيطان، وهو مع ذلك يري نفسه من أهل الإحسان وقد قال الله تعالى في ذلك أَفَمَن زُيْنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَهَاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى من يَشَاءُ فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) فاطر: 8، وقال: أَفَرَوَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِو، غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) الجاثية: 23، وقال تعالى في الشرك: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
النساء: 116.
العمل الصالح شرط لصحة الإيمان]
وإنما يغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعني: يغفر ما دون ذلك من الذنوب مع التوبة منها والإقلاع عنها، لأنه قد بين ذلك وأخبر به في محكم كتابه حيث يقول: وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى طه: 82 ودليل ذلك قوله للمشركين من أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى – إذ قالوا نَحْنُ أَبْتَوُا اللَّهِ وَاحِبَؤُهُ، قال الله تعالى: (قُلْ) يا محمد {فَلِمَ يُعَدِّ يُعَذِّبُكُم
403 (1/403)
صفحة 404
ملاحق |
منهم الدعوة عند الاباضة
بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ? وَلِلَّهِ مُلكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ الله المائدة: 18 وقد علم أولو الألباب أن الله تعالى إنما يغفر لليهود والنصارى مع تركهم لليهودية والنصرانية ودخولهم في الإسلام وتوبتهم مما كانوا عليه من الشرك الحرام لأن الله قد بين ذلك بقوله: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ) آل عمران: 85 وكذلك إنما يغفر لأهل المعاصي والكبائر من أهل الإقرار مع تركهم لذلك ورجوعهم عنه مع التوبة والندم والاستغفار ولن يغفر الله لهم ذلك مع الإصرار، لأنه تعالى يقول: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: 135 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " هلك المصرون قدما إلى النار". وقد اخبر الله عن ولد آدم عليه السلام حيث يقول لأخيه - وقد قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر فقال له عن ذلك: (لأقتلنك) فقال له أخوه مجيبا له: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) المائدة: 27، ففي هذا بيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن الله لا يقبل الطاعة من العاصين، وإنما يتقبلها من المتقين، لأنه لم يتقبل من ولد آدم وهو عاص له قربانه الذي تقرب به إليه، وتقبل مع ذلك قربان أخيه، فمن زعم أن الله تعالى يتقبل الطاعة من العاصين ويغفر الذنوب للمصرين كذبه القرآن وأعجزه البرهان، لأن الله يقول: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَيكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكيما النساء: 17 ثم قال: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ
404 (1/404)
صفحة 405
ملاحق
من الدعوة عند الاباضة
أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَاقُ أُوْلَيكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} النساء: 18. أفما تراه تعالى ذكر الذين يعملون السيئات ثم نفى التوبة عنهم إذ أقاموا في سيئاتهم حتى يحضرهم الموت عليها، كما قال الله تعالى: الله حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ يعني إذا عاين ملك الموت له قَالَ إِنِّي تُبْتُ التَنَ قال له وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ) يعني مشركين، فجمع بينهم وقال: أُوْلَتيك أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا له يعني موجعا. وقال أيضا في سورة أخرى: {هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَيْكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ وَايَتِ رَبِّكَ يَوْمَ
الله
(158
يأتي بعضُ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ الأنعام: 158 يعني لم تكن صدقت من قبل الآيات بالإيمان وهي النفس المشركة، ثم قال في النفس المصدقة بالإيمان: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَنِها خيرا الله يعني في تصديقها عملا صالحا، وقد روي أن الحسن بن أبي الحسن البصري دخل على جابر بن زيد رحمه ا وهو يجود بنفسه للموت فقال يا أبا الشعثاء؛ قل لا إله إلا الله. فسكت جابر فأعاد عليه القول فقال: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله. فلم يجبه فقال الحسن: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ رجل مثل جابر بن زيد لم يرزق عند موت شهادة أن لا إله إلا الله! ثم أعاد عليه القول ثالثة فقال له: يا أبا الشعثاء قل لا اله إلا الله. فقال جابر: قد طالما قلناها إن تقبلت، ثم تلا هذه الآية: {هَل يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَيكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ وَايَتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ وَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَا لَوْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي
405 (1/405)
صفحة 406
ملاحق
ة الرَّغَرَة
إيميها خيراً قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ الله الأنعام: 158 فقال الحسن: عالم
ورب الكعبة.
حجج النافين خلود أهل الكبائر والرد عليها]
[الحجة الأولى]
الحكمة
فإن زعم أن أحدا لا يخلد في النار من أهل الإقرار، وتأول في ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ له هود: 106 - 107 فقال: إن الله قد استثنى، فإنه أخبر بخلودهم في النار ولا بد للاستثناء أن يقع على شيء أو يهدم شيئا في الإخبار والإقرار، ولا يجوز ذلك الاستثناء من كلام الله فارغا لا معنى فيه ولا فائدة لديه؛ قلنا: إن الله تعالى لا يكون كلامه فارغا من والفائدة والحكمة البالغة غير أنك جهلت عدل التنزيل، وأخطأت في التأويل، لأن الاستثناء هاهنا لم يقع على ما توهمته واعتمدت عليه، وذهبت في تأويلك إليه، وإنما وقع على ما مضى من ساعات يوم الفصل التي لم يدخل النار فيها أهل العذاب، لما علم الله تعالى من اشتغالهم في تلك الساعات من أول يومهم مما لا بد منه من السؤال والجواب ومناقشة الحساب وبيان ذلك قوله تعالى في أول الخطاب: لو ذَلِكَ يَوْمٌ تَجَمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا
تُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُورٍ يه هود: 103 - 104 ثم قال: يَوْمَ يعني ذلك الأجل ولَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
406 (1/406)
صفحة 407
ملاحق
هود: 105 ثم أخبر فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» هود:
(106
106 - 107 يعني:: ما شاء ذلك
من اليوم على ما فسره أهل العلم، لاشتغالهم المساءلة والمحاسبة، لأنه تعالى لو لم يستثن ذلك
القيامة من
في أول يومهم بشأن. يوم بعد أن أخبرهم بدخولهم في النار وخلودهم فيها إذا جاء اليوم الذي ذكره – لوجب أن يدخلهم في النار ويخلدهم في العذاب من أول يوم الحساب، ودليل الحق المبين في هذا التفسير قوله لا إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ يعني من ذلك اليوم العظيم. ولم يقل: من شاء ربك، فيخص بعض أصحاب الجحيم، فافهموا ذلك، واعلموا أن الله تعالى لم يقل في كلامه: خالدين فيها إلا ما شاء ربك من أهل الإقرار. فبأي دليل زعم صاحب ذلك التأويل أنهم مخصصون بالخروج دون الكفار؟، فإن قال: لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ النساء: 48 فدل ذلك أنه لا يغفر للكفار وإنما يغفر لأهل الإقرار قلنا له: وقد قال الله للمشركين - وهم اليهود والنصارى – مثل ذلك حيث يقول: لا بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن
يساء المائدة: 18 فقد بطلت حجتك في ذلك عليك، وصح ما بيناه من فساد دعاويك.
407 (1/407)
صفحة 408
ملاحق
من الدعوة عند الأباضي
[الحجة الثانية
فإن احتج بقول الله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْما مقضيا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا حيثيا الله مريم 71 - 72: قلنا: ليس في هذه الآية حجة لك على ما تدعيه، لأن الورود إليها ليس بدخول فيها، ألا ترى إلى قول الله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدينَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِّنَ النَّاسِ يَسْقُون القصص: 23 وإنما وروده بوصوله إليه، ليس بدخوله فيه، وقد يقول القائل لغيره: لقد ورد إلي كتابك، وورد علي أمرك
وخطابك، وليس يعني أن كتابه قد دخل فيه، بل يعني أنه أتاه) ووقف عليه. ولعمري لقد كذب على الله وخالف ما نطق به كتاب الله من زعم أن الله يخرج قوما من الجحيم ويدخلهم جنات النعيم، وقد كذبه الله بقوله في بينات آياته بكى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِيته البقرة: 81 يعني: أصر على السيئة التي اكتسبها حتى مات عليها فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: 81 وقال أيضا في المنافق من أهل الإقرار والمشرك من الكفار: وَعَدَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ الا والْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ التوبة: 68 فما بعد هذا من الإيضاح والبيان لمن شفاه الله بآيات
مُّقِيمٌ
القرآن.
408 (1/408)
صفحة 409
ملاحق
[الحجة الثالثة
فإن قال: إن القرآن ناسخ ومنسوخ، وقد يجوز أن يكون قول الله تعالى: ل بلى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة 81 منسوخا بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ) هود: 106 - 107 لأنه قد استثنى هذه الآية؛ فقلنا له: قد مضى جوابنا لك واحتجاجنا عليك في تفسير هذه الآية، وقد قال بعض أهل العلم أيضا: إن الله يعزم على الشيء ثم يستثني فيه، كقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ عَامِنِينَ لقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ الله الفتح: 27 فلم يرد بهذا الاستثناء هدم ما أراده من دخولهم المسجد الحرام، بل قد دخلوا آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين كما وعدهم رب العالمين.
ومع ذلك؛ فإن النسخ لا يكون في الخبر ولا في الوعد والوعيد وإنما يكون في الأمر والنهي، لأن صادق الخبر لا يخبر بشيء ثم ينقض خبره، ذلك ضده، لأن أخبر عن شيء ثم نقض خبره بخلافه كان كاذبا في بعض خبره، وكذلك لا يخلو من أوعد عد شرا أو أوعد خيرا ثم لم يفعل ذلك أن يكون كاذبا في بعض قوله، ويبدو له بدوان يمنعه فعله لما يرى بعد ذلك من الصلاح في تركه، فهذه صفة من
من
تعالى
الله عنها وهو بريء منها، لأنها قاضية على صاحبها بالكذب والبدوان والجهل، فلما كان هذا هكذا أن صح جميع ما أخبر به مع ما ذكره من وعيد
ووعده لا ينسخه شيء من بعده، وقد قال الله تعالى: له بكى من كسب
409 (1/409)
صفحة 410
ملاحق
اللحمة عبد الاباضة
سيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلِدُونَ) البقرة: 81 وأخبر أيضا بخلودهم في النار، وأخبار الله تعالى لا تكون إلا صحيحة، ولا يجوز أن تكون منسوخة، وقال أيضا: {وَعَدَ اللَّهُ المُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) التوبة: 68 فلم يقل: زائل. وقد قلنا إن وعيد الله ووعده لا يجوز أن ينسخه شيء بعده.
(8)
استغراب واستنكار]
والعجب من قوم يسمعون الله يقول: {فَأُولَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ثم يقولون هم - مع قوم - ذلك أن أصحاب النار هم منها خارجون!! ويقول الله تعالى: الله وَعَدَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ والكفار نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا له ويقولون هم: إن المنافقين يخرجون منها؟؟؟ ويقول الله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ فلم يقل زائل!! أليست هذه مناقضة لكتاب الله ومضادة لأخباره!؟ وقد قال الله تعالى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النكارُ إِلَّا أَيَامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 80 فدم الله قوما
قالوا بهذه المقالة، لأن أحدا لا يقتدي بهم من هذه الأمة، فلم ينفعهم ذلك لما سبق في علم الله من الفتنة، وأعجب من هؤلاء قوم يسمعون منهم هذه الأقاويل الفاحشة والأماني الكاذبة التي يخالفون بها كتاب الله ويفترون الكذب بها على
410 (1/410)
صفحة 411
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
الله، ثم يقبلون ذلك من إفكهم ويتركون ما نطق به كتاب ربهم، ويجعلونهم في كذبهم قدوة، ويتخذون بدعتهم نحلة، فهم كما قال الله: الله وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (3) البقرة: 170 البقرة: 170، فَنَلَهُمُ الله أَنَّ يُؤْفَكُون (التوبة: 30 و وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ الله التوبة: 107 نعوذ بالله. من فتنة الشيطان، ومن
الكفر وأنواعه
الضلالة والبيان.
فافهموا ما ذكرته لكم من ذلك، وتفكروا فيه وتفحصوا معانيه، واعلموا أن الناس ثلاثة: مؤمن صادق، ومشرك، ومنافق؛ فالمؤمن: من آمن بالله ورسوله الله وجميع ما جاء به عن به، وعمل بطاعة ربه ولم يبطل بمعصية صالح عمله، والمنافق من دخل في الإيمان بلسانه وخرج منه بفسقه وعصيانه، وقد يسمى المنافق كافرا، لأن الكفر: كفران كفر نعمة وكفر شرك، والنفاق نفاقان نفاق قلب ونفاق عمل، وليس كل كافر مشركا لأن الكفر بالشيء جحود له، وقد يكون مخالفة له بالعصيان دون الجحود والنكران، وبيان ذلك ما أخبر الله به من قول إبراهيم عليه السلام والذين معه – إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله (کفرنا بكم فلم يكفر إبراهيم ومن معه بقومهم جحودا لهم أنهم ليسوا بقومهم، بل كان ذلك على وجه المخالفة لهم في فعلهم، وكذلك قول الله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى البقرة: 256 فلم يرد الله تعالى الكفر بالطاغوت جحودا لها أنها ليست بطاغوت، إذ محال أن يكون الطاغوت ليست بطاغوت، بل هي طاغوت
:-
411 (1/411)
صفحة 412
أقروا
ملاحق |
ذلك
ولكن أراد الله أن يكون الكفر بها هو مخالفة لعملها، وكذلك كفر أهل الإقرار من أهل القبلة إنما يخرج معناه على مثل هذه الصفة، وليس كفرهم جحودا لما من الجملة، بل هو مخالفة لما دعوا فيه من الإيمان بالطاعة، فلذلك جمعناهم وأهل الشرك جميعا في هذا الاسم وفرقنا بينهم في الحكم، لأنا نحكم على المشركين إذا حاربناهم بغنيمة أموالهم وسبا حريمهم وأطفالهم، ونستحل مع قتل مدبرهم وجريحهم مع زوال الخوف من مهاودتهم وحربهم، ولا نوارثهم كانوا حربا أم سلما، ولا نستحل نساء المشركين من أهل الكتاب بالتزويج إذا كانوا حربا مالا يحل تزوج امرأة لواحد بكتاب الله ويحل سباها لآخر بكتاب الله، فيجتمع في امرأة واحد حكمان مختلفان: تزويج وغنيمة في حال واحد، كلاهم بكتاب الله، فبذلك حرمنا تزويجهن في الحال التي أحللنا فيها سباهن، ثم إنا لم نحكم بشيء من ذلك في أهل القبلة ما تمسكوا في الإقرار بالجملة، لأنا لا نجمعهم وأهل الشرك في حكم يفترقون لديه، كما لا نفرقهم في اسم يجتمعون فيه، ولما جمعهم أهل الكفر على ما فسرناه في أول الذكر دخلوا جميعا
-
-
من أشرك ونافق في قول الله تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عذابها كذلك نجري كُل كَفُورٍ) فاطر 36 فكلا الفريقين كفور؛ من أشرك بانكاره ونافق في أقراره
[الولاية والبراءة]
فافهموا ذلك، واعلموا أن المؤمن هو ولي الله وأن الله] لا يرضى بعداوة
أوليائه، وأن المشرك والمنافق هما عدوا الله، وأن الله لا يرضى بولاية أعدائه والمنافق أخ للمشرك والمشرك أخ للمنافق، وتصديق ذلك في كتاب الله حيث يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
412 (1/412)
صفحة 413
ملاحق
منهج الدعوة عندالا
أَهْلِ الْكِتَبِ لَينْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ) الحشر: 11 وقد نهى الله تعالى عن ولاية أعدائه بقوله في محكم كتابه يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ الممتحنة: 13 ألا فاعقلوا عن الله في خطابه واذكروا حججه عليكم في
كتابه، واحذروا من أليم عقابه أن تولوا أهل عداوته وتعادوا أهل ولايته، أو تحلوا حرامه وتحرموا، حلاله فإنكم تركبون من ذلك المعصية التي نهاكم عن ركوبها، وتتركون في ذلك طاعته التي أمركم بفعلها، والله الحجة البالغة على من فعل ذلك، فإنه من مضلات الجهالة وموبقات الضلالة.
الا عذر في التجاهل في الدين]
ثم إني أعلمكم أن الله شرع دينا قيما، فمن سلكه كان حنيفا مسلما، ومن تركه كان كافرا مجرما، ثم لم يعذر المكلف من عباده في ترك ما أمرهم أو فعل ما أمرهم بتركه فمن خالف أمره بترك طاعته أو ركوب معصيته متعمدا أو جاهلا في مخالفته لم يعذره الله تعالى بجهله من بعد ما بينه من الأحكام، وميزه من الحلال والحرام، ولم يكفر من كفر من أهل الإسلام ألا بعدولهم عن العدل، وركوبهم الله في العمد والجهل، فلا تجاهلوا على الله بعد أن أرسل إليكم رسولا
لمعصية
•
مبينا، وأنزل عليكم كتابا مستبينا، وقال: {وَلَقَدْ جِيْنَهُم بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف: 52 وقال تعالى: كما أرْسَلْنَا فيكم رسولا منكم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ
413 (1/413)
صفحة 414
ملاحق
الدَغَرة عند الا
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَب وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة: 151 فأنى لكم العذر في التجاهل بعد التبيين وكمال الدين.
التنازع والخلاف بين أهل القبلة
فاستقيموا الله على السبيل الذي دعاكم إليه وحثكم عليه، ولا تتفرقوا فيه فإن الدين واحد والحق واحد، وقد قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أن أقيموا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} الشورى: 13 وقال أيضا: {إِنَّ هَذِهِ أمتكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ مع الأنبياء: 92، فلما وقع بين أهل القبلة من التراع والاختلاف الواسع، وصاروا أعداء يتحاربون، أحزابا يتلاعنون، كل حزب بما لديهم فرحون؛ فعلمنا عند ذلك أنهم يفترقون، ولا يصيبون العدل جميعا وهم مختلفون متباينون يتلاعنون في ذلك ويتحاربون ولا يجوز أن يصيب الحق إلا حزبا واحدا منهم، لأن الحق فرد واحد، إلا في الفروع التي يجوز الاختلاف فيها ولا تقع الفرقة عليها، وقال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) يونس: 32 ففي واجب الحق وبرهان الصدق أن يرجع ويرجعون فيما هم فيه يختلفون إلى كتاب الله المنزل وسنة نبيه المرسل صلى الله عليه وسلم فيهتدي بعدلهما ويقتدي بمن اقتدى بهما، امتثالا في ذلك لما أمر الله في عدل ما أنزل من كتابه حيث يقول: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا لا
النساء: 59 فلا تتبعوا سبيل مضلات الغلط، وتأويلات
414 (1/414)
صفحة 415
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
الخطأ والسقط، فإن الله تعالى يقول: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَضَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ (الأنعام: 135
الصراط المستقيم]
وسبيل الله الذي شرعه لعباده وارتضاه لنفسه وأمر باتباعه: هو الإيمان بالله ورسله وما جاؤوا عن الله، به والتصديق بكتابه المبين الذي أرسله على رسوله الأمين، ونفي الأشباه والأضداد عن الله بجملتها، وإقام الصلاة بطهورها وركوعها وسجودها وما لا تتم إلا به من فرائضها وسننها وحدودها، واستقبال القبلة بها، وإيتاء الزكاة على واجب فرضها ودفعها إلى أهلها، وحج البيت الحرام مع وجود الزاد والراحلة وزوال الموانع الحائلة، واجتناب ما نهى الله عن الرفث والفسوق والمجادلة، وصيام شهر رمضان بالعفاف والسترة حتى يكمل طرفا الشهر، والجهاد في سبيل الله مع وجود ذلك بكمال عدد الرجال وإمكان العدد للقتال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله على القوي والضعيف والعدو والولي وولاية من وافق الحق في القول والعمل واجتنب ركوب الكبائر ولم يصر على الصغائر، وعدا ة من خالف دين المسلمين وعصى رب العالمين، حتى يرجع إلى ربه ويتوب من مخالفته وذنبه ويدين الله بما وجب عليه من حق في ماله ونفسه، وقسم المواريث على عدل الكتاب والسنة والتسمية الله على الذبيحة، والختان وستر العورة وحلق العانة وغسل النجاسة والاغتسال من الجنابة والحيض، وتقليم الأظفار وفرق الشعور، وغسل الأموات وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم، وأداء الشهادة والأمانة وترك الكذب والخيانة، والخروج من حق كانا بارين أم فاجرين من غير ولاية لهما في معصية ربهما، وصلة الرحم
الوالدين
415 (1/415)
صفحة 416
ملاحق
الدَّعْوَةُ
وبر الجار وحسن الصحبة للصاحب، وغض الأبصار عن العورات، وحفظ الفروج عن المحرمات والاستئذان في البيوت المسكونات، وما أمر الله به المؤمنات من غض أبصارهن وحفظ فروجهن، وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَا بِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ النور: 31، ولا ينحن في مصائبهن، وتحريم الدماء كلها والأموال إلا ما أبيح في ذلك من الحلال، وتحريم البخس في الميزان والمكيال والغش في سائر الأموال، وتحريم الربا وأكل أموال اليتامى بالظلم، وأكل أموال الناس بالباطل والإثم وتحريم غلول الغنيمة وقذف المحصن والمحصنة، وتزويج المتعة والنكاح في العدة، والطلاق لغير السنة المراجعة من غير إشهاد على الرجعة، والوطء في الدبر والنفاس والحيض، ووطء نساء المشركين، وما يشترى من إماء المسلمين حتى يحضن إن كن حوائلا أو يضعن إن كن حواملا، وتحريم نساء الآباء على أبنائهم والأبناء على آبائهم، وما حرم الله من أمهاتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم به، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف في النكاح، مع ما حرم الله تعالى من السفاح، وما حرم الرسول صلى الله عليه وسلم من تزويج المرأة على عمتها وخالتها، لأنها بمنزلة والدتها، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ورفع أبويه علَى الْعَرْشِ يوسف: 100 فسمى الخالة أما، وقال الرسول
416 (1/416)
صفحة 417
ملاحق
الأكرم: "ردوا علي العباس أبي فسماه أبا وكان عما، وتحريم الميتة والدم ولحم الخترير، وذوات المخالب من السباع والطير، وشرب ما الله حرم من المسكر والخمور، وما حرم الرسول صلى الله عليه وسلم من المزامير وضرب المعازف والطنابير، وتحريم ما أُهل لغير الله من الذبيحة، والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، وتحريم الحرام كله وتحليل الحلال من أحله، ثم العدل على الناس عامة قويهم وضعيفهم ووضيعهم وشريفهم وبغيضهم وحبيبهم وبعيدهم وقريبهم، لأن الله تعالى يقول: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا فَوَامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُدا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا الا النساء: 135 فليس في دين المسلمين حيف لمسلم من أجل حبه، وولايته ولا ظلم لفاجر من أجل بغضه وعداوته، حاشا للمسلمين من ذلك فإنهم أهل العدل وأصحاب الفضل.
سبيل المؤمنين وموقفهم ممن خالفهم]
فهذا دين نار جهنم وبيس مثوى الظالمين، فقال تعالى في ذلك: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ النساء: 115 فليتق الله من رغب عن سبيلهم، أو قال بخلاف أقاويلهم، فإنهم أبلغ علما وأغزر فهما، وأكثر فقها وأحفظ بعدل السنة، وأصدق حبا الله وأحرص على، رضائه وأعرف بأهل ولايته وأعدائه، فلا يرغبن عن سبيلهم من رغب عنهم، ولا يفسقهم من هو أولى بالفسوق منهم، فإنهم الحجة
الله وسبيل المسلمين الذي أوعد الله من اتبع غيره من الفاسقين
مصيرا
417 (1/417)
صفحة 418
ملاحق |
منح الدعوة عند الأباضية
أهله،
على عباده، والقوام بالحق في بلاده وهم الذين أبعدوا المنكر حين ظهر من ففارقوهم عليه وحاربوهم لديه، وعرفوا المعروف حين استتر عن غيرهم، فتبينوا
فيه ودعوا من تركه إليه، ولم يفارق المسلمون أحدا إلا على مكفرة، ولم يعيبوه إلا بمعصية، لأنهم لا ينقمون على أحد شيئا من أفعاله، إلا أن يعرفوا في ذلك صحة ضلاله، ثم يأمرونه بعد ذلك بأعدل مما أتى به، وكذلك في الحق الواجب: أن لا يقضوا على أحد شيئا عرفوه إلا بما هو من الطاعة أعدل منه، وإنما نقم المسلمون على الناس ما خالفوا في كتاب ربهم وسنة نبيهم في اتباع الشهوات وتزيين
الضلالات.
ثم إنا نذكركم - مع ما قد ذكرنا - أنا من الناس والناس منا؛ إلا مشركا جاحدا، أو جبارا الله معاندا، أو شاكا فيه قد عرف كفره بعصيانه، أو معينا لم في ظلمه وعدوانه أو مخالفة لدين الله الذي نحن عليه وشاكا فيه، أو مصرا على
معاصيه.
طاعة الجبابرة والظلمة
قاتل الله قوما دانوا بطاعة الجبابرة من أجل أنسابهم وسلطانهم، ولم ينظروا مع ذلك إلى فساد أديانهم، في تعمدهم للحق وتركهم للمنكور، وتعطيلهم للحدود عمن يحبون وتعديهم فيها على من يبغضون، وأخذهم الأموال من غير أهلها، ووضعهم لها في غير أهلها، وسفكهم الدماء الحرام، وإقامتهم على الفواحش العظماء، واستعمالهم لمن يعرفونهم بالفساد وظلم العباد، وهم على ذلك ينسبونهم أمراء المؤمنين، ويجعلونهم خلفاء على المسلمين لا يمنعونهم عن ظلمهم، ولا يمتنعون عن طاعتهم، ويشدون أعضادهم في باطلهم، ويتولونهم ويتولون لهم، ويمتثلون في معصية الله أمرهم، حتى إذا خرج عليهم ظالم فاغتصب منهم ملكهم،
418 (1/418)
صفحة 419
ملاحق
منهج الدعوة عند
رجعوا إليه وعولوا في أمورهم عليه واتخذوه إماما فيهم، وجعلوه أميرا عليهم، فهم عبيد لمن غلبهم، أتباعا لمن، قهرهم لا يميزون صلاحا من فساد، ولا يعرفون ضلالا من رشاد، شب على ذلك صغيرهم ومات عليه كبيرهم، وأعرب فيهم أعجمهم، يوطنون أنفسهم على طاعة من ملكهم يقتدون في ذلك بقرائهم، ويفتنون فيه آثار علمائهم؛ علماء السوء أعداء القرآن الجهلة بحق التنزيل، العماة عن عدل التأويل، يلبسون على غواة الناس وطغامهم وضعفائهم وعوامهم، ممن لا بصر لهم في حسن ولا قبيح، ولا تميز له بين فاسد وصحيح، فيضلونهم بما يحتجون به لهم من الروايات الكاذبات ومتشابهات الآيات، لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأول الأمر منكم من النساء: 59
مناقشة حجج القائلين بوجوب طاعة الجبابرة]
قلنا لهم: إن كان ذلك في فولهم عموما - وليس هو بعموم – فقد خص الله أهل الظلم من جملة من أمر بطاعته من ولاة الأمر، بقوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ هود: 113 فهذا من قول الله، خصوص، والأول من قوله عموم، والخصوص يعترض على العموم، ولا يعترض على العموم الخصوص، في قول أئمة الدين وأصحاب الحق المبين في هذا.
113
شواهد من القرآن على مجيء اللفظ عموما ويراد به الخصوص] ثم إن اللفظ قد يكون خاصا ويرد في الظاهر عاما، كقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَة الفتح: 18 فظاهر هذا الكلام يقع على جملتهم، وهو خاص للبعض من جملتهم، وهم الذين علم ما في
419 (1/419)
صفحة 420
ملاحق |
من الدعوة عند الاباحية
الذين
قلوبهم مما هو رضا له، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا، وليس هم علم الله ما في قلوبهم مما هو سخط له، ورضي عنهم به، لأن الله لا يرضى بمعصية، فإذا كان أهل الشجرة منهم من قد خطا صاحبه وضلله وسفك. ذلك مع دمه، قاصدا لذلك متعمدا عليه مختارا لقصده فيه، فلا يجوز أن يكون القاتل على
حق والذي قتله على حق والمضلل لغيره على حق والذي ضلله على حق، ذلك ما لا يجوز أبدا وما لا يكون القول به رشدا، لأن هؤلاء أضداد، والأضداد متنافية لا يجمعها حال واحد، وقد قال الله تعالى: أَفَتَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ له القلم: 35 - 36. فأن قال هؤلاء: إن هؤلاء جميعا مسلمون قلنا أن أردت به الاسم دون غيره فهو كذلك وليس كل من سمي مسلما كان عند الله مؤمنا، ألا ترى قول الله
مضى
تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ امَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي الحجرات: 14 فأما من أردت به إسلاما يكون عند الله إيمانا فقد الجواب في ذلك ما فيه كفاية، لمن كان له عقل وهداية، وقد قال الله تعالى: وَمَا يَسْتَوَى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَلَا الْمُى: قَلِيلًا مَا نَتَذَكَّرُونَ) غافر: 58.
ومما يدل أيضا أن الكلام قد يكون معناه خاصا ويرد ظاهرا عاما: قول الله تعالى في ريح عاد: تدمرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبها الأحقاف: 25 ومعلوم أنها لم تدمر الشمس والقمر والأرض والسماء والجبال والبحر، وقد قال تعالى: تدمر كل شي وهذه أشياء كلها لم تدمرها ريح عاد، وإنما المعنى أنها تدمر كل شيء أتت عليه ووقع تدميرها فيه، وقوله تعالى في قصة بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِن
420 (1/420)
صفحة 421
ملاحق
منح الدعوة عند الأباضية
كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ الله النمل: 23 ولم تؤت بلقيس ملك سليمان عليه السلام، ولا غير ذلك من أشياء كثيرة مثل النجوم الهاوية والرياح الجارية والسحاب السارية، فظاهر هذا الكلام عام وهو في الحقيقة خاص.
شواهد من شعر العرب]
واللغة تنطق بهذا كله من ذلك قول عنترة بن شداد العبسي:
جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل قرارة كالدرهم
ولم تكن [كل] سحابة بكر - وهي التي لم يفتها المطر قبل ذلك تجود على ذلك البيت الذي وصفه وهذا مثل قول طرفة البكري:
يقولون إني بالغ كل مأرب وإني وإن غم النجوم لمهتد
ومعلوم أنه لا يبلغ كل مآربه كما وصفه أصحابه، وكيف يكون ذلك وهو
يقول:
لخولة أطلال ببرقة ثهـ
مد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
فروضة دمعي فأكناف حائل ظللت بها أبكي وأبكي إلى الغد
فدل
ذلك قوله أن كان مراده أن تكون أطلال خولة بها عامرة فأمست من
منها خالية، حتى أبكاه ذلك، ولا يحزنه ويبكيه إلا ما لا يرغب فيه، وقوله أيضا:
فمالي أراني وابن عمي مالكا متى أدن منه ينأ عني ويبعد
فكان
من
رأيه أن يكون من ابن عمه دانيا فأصبح عنه بعيدا نائيا، وقول
عنترة أيضا:
421 (1/421)
صفحة 422
ملاحق
الدعوة
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي ومعلوم أنه لا يعلم جميع ما في اليوم والأمس، وإنما أراد أنه يعلم ما قد علمه دون ما قد خفي عليه وجهله، ومثل هذا كثير في لغة العرب وأشعارهم وإنما أنزل القرآن على لغاتهم.
الأدلة الناطقة بعدم طاعة الجبابرة]
فقوله تعالى: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيمُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأُمِّي مِنكُم الله النساء: 59 إنما هو خاص لأهل طاعته دون الفساق من أهل معصيته، لأن الله تعالى لا يأمر بفعل ثم يعذب على فعله، وقد قال جل من قائل: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ: هود: 113 ولو أمرهم بطاعتهم لم يعذب على الركون إليهم وقال أيضا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا الكهف: 28 وقال أيضا: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ايما أو كفورا ما الإنسان: 24 ونحن داخلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمره الله به إلا ما صح أنه مخصوص بفعله فإذا كان ذلك فليس لنا ولا لكم أن نطيع آثما ولا كفورا، والجبار كفور وآثم، وكلا الاسمين له لازم، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تطيعوا من أمركم بمعصية الله خالقكم". وقد قال الله الخليله إبراهيم عليه السلام:
الله التي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماما قال الا ان البقرة: 124 إبراهيم: له ومن ذري له إماما للناس قال له الله الله لا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ) فنهى أن يكون الظالم إماما، فأعلمه بذلك إعلاما. فليتق الله
من يخالف عدل الكتاب ويقول بغير الحق والصواب، ويحرف
422 (1/422)
صفحة 423
ملاحق
من الدعوة عند الأباضية
الكلم عن مواضعه إتباعا لمتشابهه إنه كما أخبر الله في كتابه إذ يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايَتٌ تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله ثم قال له وَالرَّسِحُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبَبِ آل عمران: 7.
نصيحة وموعظة]
فاطلبوا السلامة لأنفسكم، واحذروا من الزلل في دينكم، فإن الزلل في الدين يفضي إلى العذاب المهين، ولا يفتننكم من يتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، فإن الدنيا غدارة لذويها فتانة لمن يركن إليها، غرارة بطلابها، قاتلة لأصحابها، ظاهرها سرور وباطنها، غرور وحلالها حساب وحرامها عقاب، وكثيرها قليل وعزيزها ذليل وجامعها سليب وساكنها غريب وأولها آمال وظنون، وآخرها آجال وفنون.
أجل أيها السامع؛ لقد عرفت ذلك منها حق العرفان، وبان لك عنها كل البيان، وكيف لا تعرف ذلك بعد أن نظرته بعينيك، وسمعته بأذنيك، ووعيته بجنانك، وشكوته بلسانك، إذ تمسي مفجوعا بأبيك، وتصبح معزى في أخيك، وتغدو مفارقا لجدك، وترجع على ابنك، وتظل محزونا على مالك، وتبيت مدفوعا إلى بلبالك مشتغلا بسقمك وأوجاعك ثم تفيق من سكرة ذلك، فتصبح في ضلالك غاديا، وبمالك لاهيا، ولما قد أصابك ناسيا، فقد غلك. يومك عن غدك، ومالك عن نفسك ودنياك عن دينك، فأغفلك حرصك عن شغلك، ودارك عن قبرك، وكأن لم تعظك نوائب الزمان بمن رزيت بفقده من الإخوان، وكأن لم تكن عالما بأنك عن نعمتك منقول، وعلى نعشك محمول، وفي لحد ضريحك
423 (1/423)
صفحة 424
ملاحق |
منح الدعوة عبد الأباضية
عن
وزرك
مدخول، وعن عملك مسؤول، فلم تزل لاهيا بنهيك وأمرك، غافلا وذنبك، ذاهلا عن موتك ونشرك حتى إذا انقضت أيامك ونزل بك حمامك، ورشح بالعرق جبينك وهذي من الشدة أنينك وأعجز الخلاص، وأعوزك المناص، ظلت متحيرا في نفسك وأمورك، نادما على تفريطك وتقصيرك، لا تقدر فتنتصر، ولا تقال فتعتذر، فعند ذلك حلت حزتك وعظمت حسرتك، واشتد بلاؤك، وانقطع رجاؤك، فحصلت أسيرا في جهلك رهينا بسوء فعلك، صائرا إلى عذاب الجحيم، خاسرا لجنان النعيم، فتوبوا إلى الله، توبوا إليه من ذنوبكم، وجدوا في خلاص نفوسكم قبل نزول الأجل وفوت العمل، وانقطاع الحيلة والأمل ...
خاتمة]
وفقنا الله وإياكم لطاعته، ومن علينا وعليكم برحمته، إنه غفور رحيم، وعلى ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، وعلى جميع المرسلين، وعلى الملائكة المقربين وعلى عباده الصالحين من أهل السموات والأرضين، وسلم عليهم أجمعين، وسلم تسليما، ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم.
424 (1/424)
صفحة 425
ملاحق
ملحق الخرائط
425 (1/425)
صفحة 426
ملاحق
منهم الله الرَّعْمة
بخير
إفريقيا
']
خريطة للأمصار الإسلامية مشرقا ومغرباً حيث كان الوجود الإباضي، وقد أشرنا إليها بعلامة (×)
426 (1/426)
صفحة 427
ملاحق |
زغاوة
(وادي)
خريطة تبين موقع العاصمة الإباضية “ تاهرت ” بالمغرب الإسلامي، وعلاقاتها الخارجية
427
منح الدعوة عند الاباضة (1/427)
صفحة 428
ملاحق
الخليج
سري
كبر العربية
خليج عدن
الأحناف
الرمنا،
الات.
حمد فكرة
دمشق
الحجاز
بون
خريطة تبين مواقع دولة الظهور فيما بين 129 و 132 هـ)
428
السودان
البحر الحرية (1/428)
صفحة 429
قائمة المراجع
واع الدعوة عند الأباضية
قائمة المراجع
1 - أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: الفرق بين الاباضية والخوارج؛ ط: مكتبة الضامري، سلطنة عمان 1991 م.
2 - أبو اسحاق إبراهيم اطفيش النقد الجليل على العتب الجميل؛ ط: المكتبة السلفية، القاهرة 1924 م.
3 أبو اسحاق الحضرمي: مختصر الخصال؛ ط وزارة التراب العومي والثقافة، سلطنة عمان 1404 هـ / 1984 م.
-4
أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني تح: سمير جابر، جث، ط: دار الفكر 1986 م.
5 - أبو اليقظان إبراهيم بن الحاج عيسى العزابة (مخطوط) 1968. 6 - أبو زكرياء يحي بن أبي زكرياء: سير الأئمة وأخبارهم؛ ت:: عبد الرحمن
أيوب، تونس 1986. 7 - أحمد أحمد غلوش (الدكتور): الدعوة الإسلامية ط: دار الكتاب المصري، ط. الأولى 1987 م.
8 - أحمد الحوفي (الدكتور أدب السياسة في العصر الأموي؛ ط: دار العلم
-9
بيروت، لبنان
أحمد
حمد الخليلي (الشيخ) الجملة وتفسيراتها؛ ط: مكتبة الاستدامة بن
سلطنة عمان. 1414 هـ.
429 (1/429)
صفحة 430
قائمة المراجع
منح الدعوة عند الأباضية
10 - أحمد بن سعيد الشماخي: كتاب السير؛ وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1407 هـ/1987 م.
11 - أحمد زكي صفوت جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة؛ ط: المكتبة العلمية، بيروت. لبنان.
12 - أحمد سليمان معروف: قراءة جديدة في مواقف الخوارج وأدبهم؛ ط: دار طلاس دمشق 1988 م.
13 - أحمد شلبي (الدكتور) موسوعة الحضارة الإسلامية؛ ج 1،2. 14 - أحمد شلبي (الدكتور) موسوعة التاريخ الإسلامي؛ ط: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة. الطبعة السادسة 1974.
15 - أحمد عبد الله الكندي: المصنف؛ ج 2 - 1: وزارة التراث، سلطنة عمان 16 - أحمد كمال زكي (الدكتور): الحياة الأدبية في البصرة؛ ط: دار المعارف،
مصر (د. ت)
17 - أحمد مختار العبادي (الدكتور): تاريخ المغرب والأندلس؛ ط: دار النهضة العربية، بيروت. لبنان 1978 م.
18 - إبراهيم بحاز الدولة الرستمية؛ نشر جمعية التراث، الجزائر 1988 م. 19 - إحسان النص (الدكتور): الخطابة العربية في عهدها الذهبي؛ ط: دار المعارف، مصر 1962 م.
20 - إلياس حسين (الدكتور) دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي؛ ندوة العلماء الأفارقة، ط: مكتبة الضامري، سلطنة عمان (د. ت)
21 - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة.
430 (1/430)
صفحة 431
قائمة المراجع
ط:
22 - ابن الأثير: الكامل في التاريخ تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، ج 7، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 1407 هـ / 1987 م. 23 - ابن الصغير: تاريخ الأئمة الرستميين؛ ت: محمد ناصر وابراهيم بجاز، ط: دار الغرب الإسلامي، بيروت 1986 م.
24 - ابن القيم الجوزية: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء؛ ج 2، ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
25 - ابن حجر العسقلاني تهذيب التهذيب؛ ج 2، ط: دار إحياء التراث العربي، ط. الأولى 1412 هـ / 1991 م.
26 - ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد؛ ج 4، ط: دار الكتاب العربي، بيروت. لبنان 1403 هـ/1983 م.
27 - اسماوي صالح بن عمر: نظام العزابة؛ دبلوم دراسات معمقة. جامعة
الجزائر، 1986.
28 - اطفيش أبو اسحاق: مجلة المنهاج؛ ج 1 م 1، 1344 هـ.
29 - البرادي إبراهيم: الجواهر المنتقاة؛ طبعة حجرية، القاهرة 1302 هـ 30 - الذهبي: تذكرة الحفاظ ط: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى
1991/-1412
31 - الرقيشي: مصباح الظلام؛ (مخطوط) مكتبة خاصة.
32 - السيد الجميلي: عجائب القرآن؛ ط: دار ومكتبة الهلال، بيروت. لبنان
1990 م.
33 - الشيخ أحمد الخليلي: الحق الدامغ الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان
431 (1/431)
صفحة 432
قائمة المراجع
1991
منهج الدعوة عند الا
34 - الشيخ إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام ط الاستقامة عمان، 1992 م. 35 - الطاهر أحمد مكي (الدكتور): دراسة في مصادر الأدب؛ ط: دار المعارف، الطبعة الرابعة 1977 م.
36 - المارودي: الأحكام السلطانية؛ ط: دار الكتب العلمية، بيروت. لبنان ط. الأولى 1405 هـ/1985 م.
37 - الجاحظ: البيان والتبيين؛ تح: المحامي فوزي عطوي، ط: دار صعب (د. ت) 38 - المدني أحمد توفيق: كتاب الجزائر؛ 1931 م.
39 - المسعودي: مروج الذهب ت محمد محي الدين عبد الحميد، ج 2، ط: دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1393 هـ/1973 م.
>
40 - تاريخ الخليج، أرنولد ويلسون، مسقط 1985 م. 41 - جواد بن محمد الخابوري: الأدوار العمانية في القارة الهندية؛ (مرقون)، مكتبة السيد محمد بن أحمد السيب رقم 996 (د. ت) سلطنة عمان
42 - حسني
أحمد
محمود (الدكتور): الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا؛ ط: دار
الفكر العربي، القاهرة، 1986 م.
43 - حسين محمد ابراهيم غيطاش الدعوة الإسلامية؛ ط: المكتب الإسلامي،
بيروت 1985 م.
44 - خميس بن سعيد الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين؛ ج 2، ط: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
45 - خير الله طلفاح علي بن أبي طالب المسلم الأول؛ ج 15، بغداد 1986 م.
432 (1/432)
صفحة 433
قائمة المراجع
46 - دبوز محمد علي: نهضة الجزائر الحديثة؛ الجزء الأول، دمشق 1965 م. 47 - رجب محمد عبد الحليم (الدكتور) الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ط: مكتبة العلوم بمسقط 1410 هـ/ 1990 م.
48 - سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية؛ سلطنة عمان، (د. ت) 49 - سرحان بن سعيد الأزكوي: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة؛ ت: أحمد عبيدلي، نيقوسيا، 1986 م.
50 - سعد زغلول عبد الحميد (الدكتور) تاريخ المغرب العربي؛ ط: نشأة المعارف، الإسكندرية مصر 1993 م.
51 - سعيد بن ناصر الغيثي (الشيخ): إيضاح التوحيد بنور التوحيد؛ تح: محمد ابن موسى باباعمي ومصطفى بن محمد شريفي؛ نشر معهد القضاء الشرعي،
سلطنة عمان، ط 1: 1417 هـ / 1996 م.
52 - سعيد حسين منصور الدكتور): القيم الأخلاقية في الخطابة العربية؛ ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية 1979 م.
53 - سليمان الباروني: الأزهار الرياضية ج 2، ط: حجرية (د. ت)
54 - طلاي إبراهيم محمد ميزاب بلد كفاح؛ قسنطينة، 1970 م. 55 - عبد الحميد يونس (الدكتور): الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي؛ ط: دار المعرفة، مصر 1968
56 - عبد الله السالمي (الشيخ): تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان؛ ط: مكتبة
الاستقامة 1417 هـ
57 - عبد الله علي علام (الدكتور): الدعوة الموحدية في المغرب؛ ط: دار المعرفة،
433 (1/433)
صفحة 434
قائمة المراجع
القاهرة، 1994 م.
منهج الدعوة عند الا
58 - عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية ط: المطبعة العربية، غرداية،
1990
59 - علماء السعودية: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء؛ المجلد الثاني، ط: دار عالم الكتب، الرياض 1991 م.
60 - علي الطنطاوي طبقات المشايخ بالمغرب ت إبراهيم طلاي، ج 1، ط: الضامري للنشر والتوزيع، عمان (د. ت)
61 علي الطنطاوي: طرق الدعوة إلى الإسلام ط دار المنارة، جدة 1991 ء
1986
62 - علي جريشة: مناهج الدعوة وأساليبها؛ المنصورة، مصر. 63 - علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية؛ ط: مكتبة أبي الشعثاء
(د. ت)
64 - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى)، ط: مكتبة وهبة، القاهرة، 1964 م.
65 - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ؛ (الحلقة الرابعة)، غرداية،
1986
66 - عمر بن الحاج محمد كشف الحالة لذوي الألباب والعيون، (رسالة) الجزائر،
1906
67 - عمرو خليفة النامي (الدكتور) دراسات عن الإباضية؛ (مخ) مترجم من الإنجليزية (مكتبة خاصة).
68 - عوض محمد خليفات (الدكتور النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية؛ عمان، 1982.
434 (1/434)
صفحة 435
قائمة المراجع
منح الدعوة عند الأباضية
69 - عوض محمد خليفات الدكتور) نشأة الحركة الإباضية؛ ط: مطابع دار الشعب. عمان الأردن 1988 م.
70 - فاروق عمر (الدكتور) التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين؛ ط: دار إقرأ، بيروت 1985 م.
71 - فاروق عمر: (الدكتور) تاريخ الرسل والملوك ط: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط. الثانية 1408 هـ / 1988 م.
72 - فاروق عمر (الدكتور): مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني؛ بغداد
1979
ام
73 - لقبال موسى الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي؛ الجزائر، 1971. 74 - ليفتسكي تادوز (بولوني معاصر دائرة المعارف الإسلامية (بالفرنسية)، المجلد الثالث مادة (الحلقة).
75 - مالك بن نبي: مجلة الثورة الإفريقية؛ (مقال)، ع:274 20 - 22 ماي
(1968
76 - مبارك الراشدي (الدكتور: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه؛ ط الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان 1995 م.
77 - مجموعة من المشايخ كتب مختارة؛ المطبعة العربية، غرداية (د. ت)
78 - مجهول: السيو الإباضية مخطوط رقم (158) مكتبة السيد محمد البوسعيدي، السيب، سلطنة عمان.
أحمد
بن
79 - مجهول: السير والجوابات؛ ت: سيدة اسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان 1986، ج 1،2
435 (1/435)
صفحة 436
قائمة المراجع
من الدعوة عند
80 - محمد أبوراس الجربي: مؤنس الأحبة في أخبار جربة؛ ت: محمد المرزوقي، ط: المطبعة التونسية 1960.
81 - محمد بن يزيد المبرد: الكامل في اللغة والأدب؛ ج 1،2، ط: دار المعارف
(د. ت)
82 - محمد بن يوسف اطفيش (الشيخ) شرح النيل وشفاء العليل؛ ج 4، دار الفتح، بيروت لبنان (د. ت)
83 - محمد بن يوسف اطفيش (الشيخ) شرح عقيدة التوحيد؛ ط: حجرية (مكتبة خاصة) 84 - محمد زينهم وأحمد عوض (الدكتور): دراسة في تاريخ الإباضية؛ ط: دار. الفضيلة، القاهرة 1994 م
85 - محمد طاهر درويش (الدكتور): الخطابة في صدر الإسلام؛ ج 1، ط: دار المعارف (د. ت)
86 - محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير؛ ج 1،2،3، ط: القاهرة 1994 م. 87 - محمد عمارة (الدكتور): نظرة جديدة إلى التراث ط: دار قتيبة، الطبعة الثانية 1988 (د. م. ط)
88 - محمد قرقش عمان والحركة الإباضية، ط: مؤسسة علوم القرآن بعمان،
مكتبة مسقط، الطبعة الأولى، 1411 هـ/ 1990 م.
89 - محمد ناصر: المقالة الصحفية؛ الجزائر 1978 م.
90 - مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق العربي؛ ط: دار الاتحاد
العربي، مصر 1981 م.
436 (1/436)
صفحة 437
قائمة المراجع
من الدعوة عند الأباضية
91 - موتلانسكي (بولوني معاصر: القرارة منذ التأسيس (بالفرنسية) Guerrara depuis sa fondation الجزائر 1908 م.
92 - ناصر عبد الكريم العقل الخوارج ط: دار الوطن، الرياض ط. الأولى
1416 هـ
93 - نايف عيد جابر السهيلي الدكتور) الإباضية في الخليج العربي في القرنين
الثالث والرابع الهجريين؛ ط مطابع دار الوطن، الكويت 1994 م.
94 - نعمان القاضي (الدكتور: الفرق الإسلامية في العهد الأموي؛ ط: دار
المعارف مصر.
437 (1/437)
صفحة 438
قائمة المراجع
438
منح الدعوة عند (1/438)
صفحة 439
محتويات الكتاك
محتويات الكتاب
تقد
مقدمة الطبعة الثالثة.
تعريف المنهج
تعريف الدعوة.
نشأة الإباضية.
تمييز الإباضية عن الخوارج.
الباب الأول (المهاد التاريخي)
الفصل الأول: من الفتنة إلى ظهور الشراة المعتدلين
المهاد التاريخي.
وفاة أبي بكر ومبايعة عمر بن الخطاب.
خلافة عثمان بن عفان.
خلافة علي بن أبي طالب.
موقعة الجمل.
موقعة صفين.
439 (1/439)
صفحة 440
منح الدعوة عند الأباضية
محتويات الكتاب
موقعة النهروان.
الفصل الثاني: نشأة الإباضية (مرحلة الكتمان)
أهل الدعوة في البصرة (الشراة المعتدلون).
أبو بلال مرداس بن حديد، وجهاده.
الإمام جابر بن زيد، العالم المؤسس. الإمام عبد الله بن إباض، الزعيم السياسي.
الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، المخطط المحنك.
الفصل الثالث: الإباضية في الميدان (مرحلة الظهور)
أهل الدعوة في حضرموت، واليمن، والحجاز.
حركة أهل الدعوة في عمان.
انتشار مذهب أهل الدعوة في المغرب الإسلامي.
الباب الثاني: السمات والخصائص الحضارية
الفصل الأول: من الأصول العقدية
الإيمان عقيدة، وقول، وعمل.
معنى مبدأ لا حكم إلا لله».
الولاية والبراءة والوقوف.
440 (1/440)
صفحة 441
محتويات الكتاب
أو مجتمع الأمر بالعروف والنهي عن المنكر.
نظرية الحكم عند الإباضية.
الفصل الثاني: الدور الحضاري
الاعتدال والتسامح.
الإباضية العمانيون ونشر الإسلام
نشر الإسلام بشرق إفريقيا.
نشر الإسلام في الهند.
نشر الإسلام في الصين
أندونيسيا وما جاورها.
=
من الدعوة عند الاباضة
دور إباضية المغرب في نشر الإسلام في غرب إفريقيا ..
حلقة العزابة.
ملحق النصوص والخرائط
الإباضية في خراسان وخوارزم والجزيرة وبلاد الهند والسند. كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان.
رسالة أبي عبيدة مسلم إلى إخوانه في المغرب الإسلامي.
يحي الإباضي (طالب الحق). خطبة عبد الله خُطب أبي حمزة الشاري في المدينة ..
441 (1/441)
صفحة 442
محتويات الكتاب
قصيدة عمرو بن الحصين في رثاء طالب الحق.
من الدعوة عند الاباضة
السيرة المضيئة للإمام العماني راشد بن سعيد اليحمدي (ت 445 هـ) إلى إخوانه الإباضية بالمنصورة من بلاد السند
ملحق الخرائط
قائمة المراجع.
محتويات الكتاب. (1/442)
صفحة 443
/ (1/443)
صفحة 444
1
هذا الكتاب ...
- محاولة أكاد لية مولّقه للإجابة على الأسئلة التالية: - ما الفروق الجوهرية بين الخروج الديني والخروج السياسية؟ ما الذي ميز الإباضبة عن الخوارج، عقيدة وسياسة؟ - كيف تميز الإباضية المنهج دعوي سلابي أصيل؟ - ما الوقائع والأحداث التاريخية الدالة على منهجهم ذاك؟ كيف استطاعوا أن يجدوا في دولهم المحكم الاسلا في العادل؟ ما مدى مساهماتهم في بناء الحضارة الاسلامية مشرق و مغربا؟ كيف استطاعوا ان يبلغوا رسالة الإسلام الى بلا والهند، والسند و خوارزم و اندنوسيا، وخراسان، والصين، وبلاد شرق افريقيا وغيرهما ... ؟
1
- بأي منهج دعوي استطاعوا ان يربطوا علاقات الود مع الدول المجاورة لهم؟
كيف ارتبطت التجارة عندهم بتبليغ رسالة الإسلام فبلغوا بها أقاصي الصحراء حتى وصلوا الى نهر النيجر؟ انطلاقا
من عا ممتحلم عروس المغرب الإسلامي (تاهرت)؟. ألمف أيها القارئ الكريم أن تجد في هذا الكتاب الإجابة الموفق والموثقه بحول الله بأسلوب مبسط، وتحليل مسترسل ودعوة يترة لجمع كلمة المسلمين على الحق والتقرى.
محمد صالح ناصر
: (1/444)