صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: شريعة - فكر - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المؤلف: عبد الله نوح
تقديم: أحمد كروم - سعيد بويزري
الناشر: المطبعة العربية
مكان النشر: غرداية
تاريخ النشر: 1433ه/ 2012م
الطبعة: د.ط
أصله: رسالة ماجستير
ردمك: 978-9947-845-57-8
الإيداع القانوني: 2012/1405
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3412&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/750
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 ربيع الأول 1447ه/ 04 - شهر 09 - 2025م. د. أُوقُ وَغْلَاَنْ عَبْدِ اللهِ نُوحٌ
طرية الشورى
عِند الناصية
دراسة شرعية دستورية
مقارنة بين الفكر السياسي الإباضير والسنين
تقديم
الشيخ الحاج أحمد كروم الدكتور سعيد بويزري
2012 - 1433 (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
د. أُوقُ وَغْلَاَنْ عَبْدِ اللهِ نُوحٌ
ظرية الشورى
عند الاناضَيَّة
دراسة شرعية دستورية
مقارنة بين الفكر السياسي الإباضير والسنين
تقديم
الشيخ الحاج أحمد كرّوم الدكتور سعيد بويزري
2012 - 1433
المطبعة (1/3)
صفحة 4
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
للاتصال بالمؤلف
UBAN 47@hotmail.fr
UMZAB@homail.fr
Mob : 0778641668
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
طبع: المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد - غرداية
الهاتف / فاكس: 88.36.53 (029) المنطقة الصناعية: 34.87.34 (029)
الإيداع القانوني رقم 2012/ 1405
ردمك: 8 - 57 - 845 - 9947 - 978: I.S.B.N (1/4)
صفحة 5
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي مي والسني
الاصدار
إلى روح شيخنا الشهيد
بلحاج قشار بن علون
الذي تلقيت على يديه أصول الفقه الأباضي
إلى روح صديق العمر
محمل يا حيو بن يحي
وإلى روح الصديق الشهيد
بكير و اعلي بن بلحاج
اللذين طالما شجعاني على استكمال هذا البحث
وإخراجه، ولم يكتب لهما القدر أن يشهدا صدوره
رحمهم الله جميعا وأسكنهم جنانه
الف
ــاء، آمين
AVA AVA
1 (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
بسم
الله الرحمن الرحيم
- صلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحه وسام
تقديم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار»
وقال أيضا: «قل الحق وإن كان مرا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن الكتابة في السياسة الشرعية كتابة جد حساسة لا يقتحمها إلا أولو العزم من الباحثين المنصفين الموضوعيين الذين يجتهدون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلي ..
هذا البحث الذي بين يديك عزيزي القارئ هو واحد من هذه البحوث القيمة، وقد أحسن المؤلف صنعا عندما أطلعني عليه وكلفني جهدا جهيدا لمطالعته صفحة صفحة .. وكلفته صبرا جميلا ووقتا طويلا ..
وصديقي الباحث هو الدكتور عبد الله نوح تجمعني به زمالة الدراسة في معهد عسي سعيد بغرداية في بداية العقد التاسع من القرن الماضي .. ثم تفرق بيننا الأيام والليالي ولا تجمعنا إلا في مناسبات معدودة .. ومنها مناسبة طباعة هذا البحث النفيس في موضوع: «نظرية الشورى عند الإباضية»، مقارنا بينها وبين نظرية الشورى عند أهل السنة والجماعة.
وأروع ما استفدت من هذا البحث هو التزام الموضوعية وتحري الصدق والأمانة العلمية. وقد استعمل في ذلك الأسلوب المنطقي والحوار الهادف والدليل الواضح .. وهو يقصد إقناع من لا يوافقه في اختياراته بكل ما أوتي من قوة ومن رباط الحجة والبيان، حتى اضطره ذلك إلى استعمال كل الحجج العقلية والنقلية للرد الحاسم على خصمه العنيد من أجل اضطراره إلى الاعتراف والموافقة على وجهات نظره المرجحة لديه.
3 (1/7)
صفحة 8
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإبـ
وأنا أنصحك عزيزي القارئ أن لا تمل من قراءة هذا البحث، بل اصبر معه حتى النهاية، ففيه فوائد وآراء جد صائبة ومواقف جد حاسمة .. فمما استفدت منه وأقنعني به هو نقد نظرية القرشية في الحكم الإسلامي، وتأييد نظرية الوسطية السياسية، وهي الشورى الإسلامية في اختيار الحاكم، وفي تسيير دواليب الحكم في البلاد الإسلامية. وكم كنت أتمنى لو صدر هذا البحث وأمثاله قبل اليوم وأهدي إلى المسؤولين في مختلف القطاعات بالعالم الإسلامي لتجنبنا الاستبداد وكثيرا من الفتن التي نحن نعيشها في هذه الأيام في مختلف البلاد الإسلامية.
ولكنني لا أوافق الباحث الكريم على ما قاله عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم رحمه الله من آراء تحتمل غيرها، والمتعلقة بتثبيت تقليد التوريث في الحكم الرستمي .. وأوافق الشيخ علي يحي معمر رحمه الله في كل ما قاله في الموضوع ..
وريثما يحكم القارئ المنصف بيننا، أهنئ وأبارك صديقي المؤلف وأشكره على هذا المنهج الكريم في هذا البحث الجليل .. وأتمنى أن يوفقه الله تعالى إلى طبع بحث الماجستير كاملا لأن هذه الصفحات جزء منه، وأن يوفقه الله تعالى أيضا إلى طباعة بحث الدكتوراه حول «المؤسسات العرفية عند الأمازيغ وغيرها من البحوث الواقعية ...
فمزيدا من هذه الكتابات المتخصصة صديقي المؤلف وغيره من الباحثين، فنحن في أمس الحاجة إليها بارك الله فيكم، والله تعالى يؤيدكم قائلا: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) - آمين
الأربعاء 18 ربيع (2) 1432 هـ / 23 مارس 2011.
دار إيروان - تاجنينت العطف ولاية غرداية الجزائر محبكم الحاج أحمد بن حمو كروم
1 - علي يحي معمر: الإباضية في موكب للتاريخ، الحلقة -4 - الإباضية في الجزائر، ج 1، ص 36.
4 (1/8)
صفحة 9
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة
للعالمين، وبعد:
فيسعدني أن أقدم هذا الكتاب الموسوم بـ «الشورى عند الإباضية» للأستاذ الكريم نوح عبد الله الذي لمست فيه العزيمة الثابتة في خدمة الفقه السياسي الإسلامي.
وقد ورد النص على مبدأ الشورى في قوله تعالى: {فيما رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غليظ القلب لانقضُوا مِنْ حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِين} [آل عمران: 159].
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاة وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].
وهذا المبدأ يمثل الضمانة الكبرى لمنع الاستبداد وحفظ الحقوق. وقد اقتضت حكمة الله ألا ترد تفصيلات تطبيقه استجابة لكافة التطورات التي تحصل في حياة الناس، مما يستدعي عقول أهل العلم للنظر في هذا المبدأ، وإبراز أهميته في الحياة السياسية
والدستورية للدولة المسلمة.
5 (1/9)
صفحة 10
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وقد جاء هذا المؤلف الهام في وقت نحن احوج مانكون الى مثل هذه البحوث في فقه السياسة الشرعية ليبين و يحلل النظرية الشورية في أسسها وفروعها، وليعالج مبدأ الشورى في الفكر السياسي الإباضي والسني، مبرزا دور أهل الشورى من أهل الحل. والعقد، وشارحا لأهم المبادئ السياسية والدستورية عند الإباضية مع امثلة واقعية لتطبيقاتها في الدولة الرستمية.
وإذ أقدم هذا السفر القيم الذي سيثري المكتبة الفقهية الاسلامية لا محالة، أسأل الله لكاتبه التوفيق والسداد والقارئه حسن الثواب.
الدكتور سعيد بويزري
أستاذ بجامعة مولود معمري تيزي وزو
رئيس المجلس العلمي لمؤسسة مسجد تيزي وزو في الجمعة: 20 ربيع الثاني 1432 هـ الموافق لـ: 25 جوان 2011 م
6 (1/10)
صفحة 11
د. أوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
مقدمة المؤلف
هل يوجد نظام للشورى؟ وما هي حجيـ جية الشورى ونطاقها؟ وما مدى إلزاميتها على الحاكم؟ ثم ما هي نظرية الشورى في اختيار الحاكم وتسيير شؤون الحكم في كل من الفكر السياسي الإباضي والسني؟ وما هي التطبيقات الدستورية لنظرية الشورى الإباضية في الدولة الرستمية الإباضية الجزائرية التي سادت ما بين 160 هـ / 777 م - 296 هـ / 909 م؟.
هذه بعض الأسئلة الكبيرة التي حاولنا الإجابة عنها بأسلوب تحليلي مقارن، في هذه الدراسة المتواضعة التي سعت الى استكشاف النظرية الشورية عند الإباضية بالاعتماد في ذلك على المراجع
الأصيلة لهذا المذهب الذي يعد المذهب الثاني السائد في الجزائر.
ولعل من أهم ما جاءت به دراستنا هو أولا تقسيمها المميز للشورى إلى نوعين: شورى الاختيار وهي الطريقة الديمقراطية في اختيار الحكام وشورى التسيير وهي الأسلوب الديمقراطي الشوري في تسيير شؤون الحكم، ثم تحديد نطاق الشورى ومجالاتها بدقة، والتمييز بين مختلف أنواع أهل الشورى"، والفصل في الجدل
7 (1/11)
صفحة 12
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المتعلق بمبدأ الأغلبية في الإسلام ومدى إلزامية رأي أهل الشورى، ثم المقارنة بين الديمقراطية الغربية والشورى ورأينا في ذلك، كل ذلك اعتمادا على الحجج العقلية والأدلة النقلية من الكتاب والسنة، وفي النهاية اسكشاف اهم التطبيقات الدستورية الشورية في الدولة الرستمية الجزائرية.
-
•
وقد أنجزنا هذا البحث المتواضع وكان جزءا من أطروحة الماجستير التي ناقشناها في القانون العام قبل إثرائه وتوسيعه (1) للمساهمة في النقاش الفكري الواسع الذي ثار ولا يزال حتى اليوم في الأوساط الأكاديمية الجامعية القانونية السياسية والدينية والصحفية وغيرها حول مفهوم الشورى والديمقراطية، في وقت كانت تعيش فيه الجزائر مخاضات التحول إلى النظام الديمقراطي التعددي، في أواخر الثمانينات وبداية التسعينيات (وهي نفس المخاضات التي تعيش فيها اليوم مختلف البلاد الإسلامية بحيث ظهرت من هذا الجدل والنقاش عدة مدارس واتجاهات وآراء متباينة بين مدع من جهة بأن الديمقراطية هي من "صنع البشر" لانها "ليست" مما انزل الله"، وبالتالي فهي ليست من الإسلام في شيء، بل ذهبوا حتى الى الزعم أنها: " من "الكفر" (!؟)، وكان من بين أهدافنا الأساسية هو الرد على هؤلاء من ذوي العقول الظلامية من السلفيين؛ ومن يرى من جهة اخرى أن الديمقراطية إنما هي ذاتها الشورى في الإسلام وقد وجدت في ديننا منذ اربعة عشر قرنا وان الشورى افضل من الديمقراطية .... لكن دون أن يبدل الجهد
(1) نوح عبد الله "المؤسسات العرفية بوادي مزاب، بحث حول مبدأ الشورى والديمقراطية وتطبيقاته في هذه النظم"، رسالة ماجستير في القانون العام فرع الإدارة والمالية، تحت إشراف المرحوم الدكتور محمد إبراهيمي، 1995، كلية الحقوق بن عكنون، جامعة الجزائر.
8 (1/12)
صفحة 13
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
-
الكافي لتبيان هذا النظام الذي أراد له انطلاقا من موقف دفاعي تغلب عليه العاطفة الايمانية – أن يكون "نموذجا مستقلا" بين الأنظمة السياسية والدستورية المقارنة المعروفة؛ واخيرا من يعتقد من المتطرفين العلمانيين أن النظام السياسي في الإسلام إن وجد إنما هو نظام تسلطي استبدادي يتعارض كليا مع المبدأ الديمقراطي المعاصر ومبادئ الحرية والعدالة وحقوق الانسان، ومثاله في ذلك: الممالك والدول الاستبدادية التي سادت ولا تزال في البلاد الإسلامية.
فاجتهدنا اعتمادا على التراث الفقهي والفكري الديني المرجعي،
لبلورة نظرية الشورى وأسسها في الدولة المسلمة، ثم حاولنا تبيان تصور مفهوم الشورى أو الديمقراطية في أحد المذاهب الفقهية الأصيلة في الجزائر وهو المذهب الإباضي السائد إلى يومنا هذا لدى قبائل زناتة الأمازيغية بوادي مزاب و بجبل آنفوسن بليبيا وجزيرة جربة بتونس، مقارنة بما يسمى "مذاهب السنة والجماعة" الأربعة المعروفة. ثم حاولنا بحث تطبيقاته الدستورية في الدولة الرستمية الجزائرية التي سادت ما بين 777 و 909 م والتي تعد مصدرا تاريخيا ماديا للدولة الجزائرية المعاصرة.
وإيمانا منا بأهمية المنهج العقلي وقناعتنا الراسخة بضرورة ترجيح الدليل العقلي على الدليل النقلي لاسيما إذا كان هذا الأخير من السنة غير المؤكدة التي يكثر حولها الجدل، اعتمدنا منهجا علميا يقوم على تمحيص الأدلة النقلية في ميزان العقل بمقابلتها بالأدلة العقلية، فاعتمدنا على تقييم الأدلة ونقدها ومقارعتها ببعضها، مع عدم الخوض في تخريج الأحاديث وبحث سندها لقناعتنا بضرورة ترجيح صحة الحديث إذا كان يتطابق مع العقل،
9 (1/13)
صفحة 14
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
واستبعاد الحديث الذي يتعارض مع العقل مثل حديث "الأيمة من قريش"، لنصل في كل مرة بعد مقارعة الحجج والأدلة وتحليلها إلى النتيجة المعبرة عن رأينا في كل مسألة، وفي النهاية ختمنا عملنا بحوصلة اجتهادنا. وخلاصتنا للمسألة تستند إلى أسس وأدلة شرعية وعقلية قوية.
نأمل أن يساهم عملنا المتواضع هذا في اثراء فقه الدولة في الفكر الاسلامي ويكون أرضية لبلورة نظرية ديمقراطية صالحة للعالم الاسلامي. «فمن اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر» كما قال الرسول الكريم.
الدكتور أوق وغلان عبد الله نوح آت إزدجان - تاغرديت في 15 ديسمبر 2011
10 (1/14)
صفحة 15
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
فصل تمهيدي: المذهب الإباضي
قبل بحث نظرية الشورى في الفقه السياسي الإباضي مقارنة بالمذاهب السنية الأخرى نرى من المفيد تقديم نبذة عن نشأة هذا المذهب الغير المعروف لدى خاصة الباحثين فضلا عن عامة القراء وتطوره، وأهم مبادئه السياسية فيما يلي:
(أ) نشأة المذهب الإباضي بالمشرق:
من أوائل المذاهب التي ظهرت في الإسلام المذهب الإباضي. وقد نشأ على يد أحد كبار التابعين والعلماء المشهورين جابر بن زيد الأزدي المولود سنة 18 هـ والمتوفي سنة 93 هـ، والذي يعد من الفقهاء المشهورين بالبصرة في القرن الأول الهجري، هذا القرن الذي تميز بحركة دينية علمية نشيطة بالبصرة، كما عرف بظهور المناظرات والمناقشات السياسية حول مسألة الخلافة والسلطة كان نتيجتها نشأة عدة
مذاهب سياسية - فقهية (1).
وقد أخذ جابر بن زيد علمه الديني عن عبد الله بن العباس أحد كبار الصحابة والعلماء الثقاة الملقب بالبحر الزاخر" لكثرة علمه وفقهه، وكان
من أكبر أساتذته (2) إذ يروى عن ابن عباس قوله في جابر بن زيد
-
(1) انظر: الإمام أبو القاسم بن ابراهيم البرادي القرن 8 هـ / 14 م): الجواهر المنتقاة لما أخل به کتاب، الطبقات طبعة حجريه (دت). د. م)، ص 155. للشيخ عبد الله بن يحي الباروني النفوسي: رسالة العامة والمبتدئين إلى معرفة أيمة الدين، طبعة حجرية)، مطبعة النجاح، مصر، 1290 هـ، ص 6. ويرى الباروني أن الإمام جابر إنما ولد سنة 23 هـ وتوفي سنة 96 هـ.
(2) الإمام أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي (المتوفى سنة 928 هـ): سير المشائخ، طبعة حجرية، قسنطينة، الجزائر 1301 هـ، ص 96،70 البرادي الجواهر، ص 151. تادوز لويكي: "الإباضية"، بحث عن دائرة المعارف الإسلامية حول كلمة الإباضية، ترجمه من الفرنسية إلى العربية يحي بكوش، 1984، ص 5.
11 (1/15)
صفحة 16
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
إسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه» (1). ويعد جابر بن زيد القائد الروحي والإمام الفعلي للجماعة الإباضية بالبصرة، وعلى يديه تبلور الفكر الإباضي ليصبح متميزا عن غيره، إلا أنه فضل العمل السري والتقية الدينية، حتى يسلم من المضايقة ومن بطش السلاطين والولاة الأمويين، ويتمكن من تنظيم الحركة الإباضية الفتية. وقد نجح في تقيته أيما. نجاح، فلم يكن أهل البصرة يعرفون عنه سوى كونه «أحد التابعين المحدثين التقاة ومن أشهر فقهاء البصرة وعلمائها» (2)
وترجع علاقة جابر بن زيد بحزب المحكمة (3) إلى بداية النصف الثاني من القرن الأول الهجري (4)، فبعد أن انشقت الحركة السلمية بزعامة بلال بن مرداس التميمي عن حزب الخوارج، إنضم جابر بن زيد إليها وأصبح زعيمها السري وفقيهها ومفتيها، غير أن المذهب الإباضي لم يتبلور نهائيا كمذهب مستقل إلا في الربع الأخير من القرن الأول الهجري، حين انقسمت جماعة "القعدة (5) والتي تمثل الحركة السلمية المنشقة عن الخوارج إلى فرقتين هما: الإباضية والصفرية (6)، وتلى ذلك انفصال المذهب الإباضي نهائيا واستقلاله حوالي سنة 65 هـ (7).
(1) الشماخي: سير المشائخ، ص 70. (2) محمد عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية بالبصرة ووضعية العالم الإسلامي، نسخة مكتبة اهل الدعوة والاستقامة الجزائر العاصمة، ص 1.0. (3) يطلق اسم "المحكمة" على أصحاب الإمام علي، الذين رفضوا التحكيم الذي اقترحه عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ورفعوا شعار "لاحكم إلا الله"
واعتبروا قبول الإمام علي للتحكيم تنازلا عن واجب الجهاد ضد الفئة الباغية. (4) خليفات نفس المرجع، ص 10. (5) "القعدة" هم الذين إنشقوا عن الخوارج المتطرفين وحرموا مقاتله المسلمين للمخالفين لهم في المذهب وعدم الثورة على السلطان الجائر إذا كان في ذلك فتنة وضرر، بمعنى أنهم هم للمعارضون السلميون الذين نبذوا استخدام العنف وفضلوا الدعوة السلمية، رغم إيمانهم بعدم شرعية حكم الماوك الأمويين، وسموا بالقعدة لانهم قعدوا عن القتال ضد الملوك. (6) خليفات نفس المصدر، ص 8.9 البرادي: نفس المرجع، ص (7) تادوز لويكي: نفس المرجع، ص 2، 5.
155
12 (1/16)
صفحة 17
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الخليفة
أما نسبة الإباضية فهي لعبد الله بن إباض الذي كان بمثابة الناطق الرسمي لهذا المذهب والمدافع عن آرائه والمكلف بالمناظرات أمام الخوارج المتطرفين وغيرهم من المخالفين. كما تولى القيام بعدة مراسلات مع الأموي عبد الملك بن مروان وغيره، وقد نسب إليه هذا المذهب منذ القرن (3 هـ (1). إلا أن الاسم الحقيقي للإباضية المغاربة الذي يطلقونه على أنفسهم حتى اليوم هو " أهل الدعوة والاستقامة" (2)
وقد مرت الحركة الإباضية بالمشرق العربي بمرحلة من العلاقات السلمية مع الحكم الأموي، بلغت أوجها في فترة حكم الخليفتين سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز (3). وكان لذلك أثرا واضحا في تنظيم الدعوة وتقويتها خاصة تحت قيادة جابر بن زيد الذي كان واقعيا ومعتدلا في تعامله مع السلطة الأموية رغم عدم اعترافه بشرعيتها. أما الإمام الثاني الذي خلف جابر في زعامة الإباضية فهو أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي اتبع خطة محكمة في نشر الدعوة الإباضية في الأقطار الإسلامية البعيدة لاسيما بالبلاد الأمازيغية، ويرجع ذلك إلى أن الإباضية بالمشرق يئسوا من قيام دولة لهم لقربهم من مركز الخلافة الأموية القوية التي تبطش بأي معارضة تقف في وجهها، فوجدوا في الشعوب الإسلامية الأخرى الحديثة العهد بالإسلام خاصة الشعوب
الأمازيغية بشمال إفريقيا مجالا خصبا لنشر دعوتهم.
(ب) انتشار المذهب الإباضي في البلاد الأمازيغية:
بعد
"سلمة بن سعد" أول داعية إلى الإباضية يقبل على البلاد الأمازيغية، وقد جاء في أواسط القرن 2 هـ واستطاع بفضل جهوده
(1) عوض محمد خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، الجامعة الأردنية عمان
الأردن، (د. ت)، ص 1.
(2) على يحي معمر: أضواء على الأباضية، الطبعة الأولى، 1985، (د. م)، ص 1. (3) خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ص 24.34
13 (1/17)
صفحة 18
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
هي
أن ينشر التعاليم الإباضية بسرعة كبيرة في منطقة طرابلس بين قبائل هوارة وآنفوسة وزناتة وغيرها (1). وكان من نتيجة ذلك قيام ثورة هوارة، بقيادة الحارث وعبد الجبار ومحاولة تأسيس أول دولة إباضية أمازيغية بزعامة أبي الخطاب بن السمح المعافري الهواري الزناتي سنة 131 هـ. وبمدينة القيروان (تونس) التقى الداعية الإباضي سلمة بن سعد بعبد الرحمان بن رستم الفارسي، فتأثر عبد الرحمان بأفكاره أيما تأثر، إذ تعلقت بمسامعه كلمة قالها له وددت أن يظهر هذا الأمر أي) الحكم الإباضي) يوما واحدا، فما أبالي أن تضرب عنقي (2)، فعقد عبد الرحمان العزم على الاجتهاد لتعلم المذهب الجديد وتلقي مبادئه، فنصحه سلمة وقيل نصحته أمه بالتوجه إلى البصرة، لتلقي العلوم الدينية على يد الإمام السري للإباضية أبا عبيدة. ولما أقبل عليه، وافقه على ارتحال جماعة من المغاربة لتعلم المذهب الإباضي، فأقبل على الإمام أبا عبيدة سنة 125 هـ. أربعة من المغاربة ومكثوا مدة خمس سنوات يتعلمون الفقة الإباضي والعلوم الدينية في غار سري بالبصرة (3).
وفي سنة 140 هـ رجع هؤلاء إلى البلاد الأمازيغية للدعاية لمبادئ الإباضية بين بني قومهم الأمازيغ بعد أن تلقوا تكوينا جيدا في الدين، لذلك سموا بـ"حملة العلم"، وقد لعبوا دورا هاما في الحياة
(1) حول انتشار المذهب الإباضي بشمال إفريقيا أنظر الدرجيني (أبو العباس بن سعيد) (المتوفي حوالي 670 ه طبقات المشائخ بالمغرب، تح. إبراهيم طلاي مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، (د. (ت)، ج (1) م.12.11. الشماخي: سير المشائخ،
ص 123 124.
(2) الشماخي سير المشائخ، ص 123 الدرجيني:- طبقات المشائخ، ج (1) ص 11. الشيخ أبي الربيع سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، (دت)، (د. م)، ص 35. (3) خليفات: الأصول التاريخية، ص 41. محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، دار إحياء الكتب التربية عيسى بابي الحلبي وشركاه الطبعة الأولى, ج (3) ص 183.
14 (1/18)
صفحة 19
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
السياسية للدولة الرستمية وهم
-
-
-
(1).
عاصم السدراتي من غرب الأوراس.
إسماعيل بن درار الغدامسي من غدامس جنوب طرابلس. عبد الرحمان بن رستم الفارسي من القيروان، وأصله من فارس.
- أبو داود القبلي النفزاوي من قبيلة نفزاوة جنوب تونس. وعند رجوع "حملة العلم" الى بلادهم قاموا بجهود مكثفة لنشر المبادئ الإباضية بين القبائل الأمازيغية الثائرة على الاستبداد الأموي والعباسي توجت بإنشاء دولة إباضية أمازيغية بالمغرب الأوسط سنة 160 هـ. ويرجع سبب الانتشار السريع للأفكار السياسية الإباضية في البلاد الأمازيغية إلى الظروف التاريخية المواتية التي كان يعيش فيها شمال إفريقيا، والمتسمة بتعسفات الولاة الأمويين في حق الشعوب الأمازيغية - كما أجمع على ذلك المؤرخون بتنافسهم في جمع الأموال والسبي، وفرض الجزية على بعض الأمازيغ رغم دخولهم في الإسلام، كما يذكر المؤرخون أن الخلفاء في دمشق كانوا يطرون على الولاة الذين يسوقون إليهم بأكبر فيء (2).:
وقد حاول الخليفة عمر بن عبد العزيز إصلاح السياسية الأموية في البلاد الأمازيغية، فعيّن واليا عادلا هو إسماعيل بن عبد الله وأمره بإلغاء الجزية على الأمازيغ المسلمين وتحرير الرقيق، إلا أن هذه السياسة
(1) أبو زكرياء يحي بن ابي بكر: كتاب سير الايمة وأخبارهم تح اسماعيل العربي، الطبعة الثالثة ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر،،1984، ص 54. الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج (1) ص 19 - الشماخي: نفس المرجع، ص 124 سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص 35
- الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني: رسالة سلم العامة والمتبدئين إلى معرفة أيمة الدين، ص 5. دبوز: نفس المرجع، ج (3) ص 188. (2) عبد الرزاق محمود اسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، رسالة) (دكتوراه)، الطبعة الثانية، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، 1985. ص 38.
15
2 (1/19)
صفحة 20
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
لم تدم طويلا وانتهت بموته ومجئ يزيد بن عبد الملك سنة 102 هـ «فاستبد بالأمازيغ وأعاد فرض الجزية على المسلمين منهم وذهب بعيدا في إهانتهم» (1).
وكان نتيجة هذه السياسة التعسفية التي تخالف روح الدين وتعاليمه الذي تم باسمها غزو شمال إفريقيا، أن عم السخط والثورة على السياسة الأموية أغلب هذه البلاد، وبالتالي جعلت منها مجالا خصبا لانتشار التعاليم الإباضية الديمقراطية والمخالفة لمذهب السلطة السنية المتعسفة لأنها متوائمة مع طباع البربر الفطرية ومتمشية مع أهدافهم السياسية ونزعاتهم القومية» (2)
ذلك أن الأمازيغ بإجماع المؤرخين وعلماء الإجتماع، يتميزون بالتنظيم الاجتماعي اللامركزي الديموقراطي القائم على توزيع السلطة عموديا على مستويات وعدم الخضوع لسلطة مركزية واحدة أو ملك مطلق السلطة، كما عرفوا بحبهم الاستقلال وعشقهم للحرية واستماتتهم للدفاع عنها والتمرد على الظلم حتى أنهم سموا بالرجال الأحرار.
وعلى ذلك فقد وجدت الشعوب الأمازيغية التي جبلت على
الحرية في المبادئ الخوارجية ثم بعد ذلك المبادئ الإباضية في أوساط القرن الثامن الثاني الهجري)، ما يحقق آمالها في المساواة الكلية بين الناس وإرجاع استقلالها وهيبتها المداسة باسم الدين. كما وجدت فيها عنصرا دينيا وثقافيا هاما في إثبات هويتها وتميزها عن السلطة الأجنبية.
(1) محمود اسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، ص 34.
(2) نفس المرجع، ص 34.
16 (1/20)
صفحة 21
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(ج) أهم العقائد السياسية الإباضية:
للإباضية نظرية سياسية ودستورية هامة في الحكم تحتاج إلى الدراسة والبحث المعمق (1). ونحن هنا نكتفي باستعراض أهم مبادئهم السياسية مما يرتبط بموضوع بحثنا تجنبا للإطالة. وتتمثل أهم المبادئ السياسية الدستورية عند الإباضية، فيما يلي (2):
(1) نصب الإمام يرتبط بإقامة مبادئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحقاق الحق في حالة الظهور، أما في حالة الكتمان فتكتفي الجماعة الإباضية بإقامة العبادات والحفاظ على وجود المذهب الإباضي عن طريق التعليم وتنظيم الحياة الشخصية، وإقامة ما أمكن من أمور الإمامة.
(2) إن مصدر وجوب الإمامة ليس كونها ركنا في الوجود كما يرى ذلك الشيعة، وإنما تستمد الإمامة وجوبها عند الإباضية من كونها تقترن بقيام بعض أركان الدين الأساسية مثل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا لا تقوم هذه الأركان إلا بوجود الإمام فكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (3)
(1) لم يترك علماء الأباضية مؤلفات خاصة تتناول فكرهم وآراؤهم السياسية، إنما نجد هذه المبادئ والآراء متفرقة متناثرة في كتبهم العقائدية والفقهية والتاريخية المختلفة. كما نستكشفها من خلال نظمهم القانونية والدينية في الدولة الرستمية وفي واد مزاب. ويرجع سبب عدم اهتمام الأباضية بتدوين فكرهم السياسي خاصة الى اعتبارهم أن إقامة الدولة ليس ركنا في الدين وأن الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيله لإقامة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يرجع ذلك إلى الظروف السياسية التي كانوا يعيشون فيها في حالة الكتمان والمتسمة بالاضطهاد والملاحقة والقمع من طرف الأنظمة الاستبدادية السنية (2) علي يحي معمر الأباضية، دراسة مركزة، (د. ن)، (د. م)، (دت)، ص 52 وما بعدها. (3) أحمد بن عيسى تبغورين شرح أصول الدين (مخطوط) مكتبة القطب الحاج محمد بن يوسف آطفيش بني يزقن غرداية، ص 283 و 289. - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978/ 1398، ج (1)، ص 249، 250.
•
17 (1/21)
صفحة 22
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وعليه فالإمامة عند الإباضية إنما هي من الأمور الاجتهادية التي
تدخل في باب "الرأي" حيث جاء في عقيدة التوحيد الإباضية: «: كمال الدين ثلاثة التنزيل والسنة والرأي ( ... ) والرأي أخرجوا منه وجوها كثيرة، اختاروا منه أربعة وجوه الفقد والإمامة، والحد في الخمر و ميراث الأجداد السدس»
(1)
مع الخوراج
وبالتالي يمكن الاستغناء عن الإمامة عند الإباضية إذا أمكن القيام بتلك الأركان دون نصب إمام، وبذلك فهم يتفقون هنا في كون الخلافة ليست ضرورية في حد ذاتها وفي كل الظروف ويمكن الاستغناء عنها إذا أمكن تنظيم أمور الناس من دونها (2). كما أن الإمامة عند الإباضية في فترة ضعف الدعوة (حالة الكتمان لها طابعا دينيا تربويا محضا، وتتعلق أساسا بالقيام بالعبادات وتوجيه المعاملات وبذلك فهي تقتضي المسالمة والانعزال والاهتمام بالإصلاح الاجتماعي والتعليم الديني للفرد وتربيته وتكوينه. ونشير إلى
أن بعض علماء الإباضية يرون حتى عدم وجوب الإمامة إطلاقا (3). (3) الإباضية يسمون أنفسهم أهل الدعوة والاستقامة" لذلك فهم ينبذون استعمال العنف ويتبرؤون من الخوارج المتطرفين، وهم يعتمدون على الدعوة السلمية والإقناع ولا يلجؤون إلى القوة
- بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، قسطينة، 1982، ص 114. علي يحي معمر الإباضية دراسة مركزة، ص 65. (1) (دون مؤلف: (معروف): عقيدة التوحيد، تح عمر بن أحمد بازين، الطبعة الثالثة المطبعة العربية غرداية، 2003 ص. 13. وهي عقيدة التوحيد المعتمدة لدى الأباضية المغاربة بوادي مزاب وليبيا وتونس إلى اليوم، وقد ترجمت من اللغة الأمازيغية الى العربية في القرن 8/ 7 هـ، 14/ 13 م من طرف الشيخ أبي حفص عمرو بن جميع كما
يذكر ذلك في مقدمتها.
(2) عبد الرزاق السنهوري أصول الحكم في الإسلام، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، 2003، ص 70.
(3) عبد الكافي: الموجز، ج (1)، ص 249.
:. 18 (1/22)
صفحة 23
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
•
إلا للدفاع عن وجودهم كما تتميز آراؤهم الفقهية والسياسية بالاعتدال والواقعية، وعليه فهم يمثلون التيار المعتدل المنبثق من الحركة الخوارجية (1).
(4) إن منصب رئاسة الدولة حق لجميع أفراد الأمة الإسلامية بمختلف أجناسهم وألوانهم وليس حكرا على جنس معين أو على قريش. ولا يراعى في تولية هذا المنصب أو غيره من مناصب الدولة إلا عنصر الكفاءة العلمية والأخلاقية. وسوف نتناول دراسة هذا المبدأ في فصل لاحق.
(5) ينفرد الفكر السياسي الإباضي بنظرية هامة في شأن التعامل السلطة مع غير الأباضية، وهو ما يسمى بـ "نظرية مسالك الدين"، وبمقتضى هذه النظرية يتم تكييف العلاقة بين السلطة غير الإباضية القائمة و"أهل الدعوة والاستقامة"، وذلك وفقا لأربع حالات لكل منها أحكام وشروط وهي (2):
أ) حالة الظهور: وهي التي يكون فيها لأهل الدعوة والاستقامة من القوة والعدد بحيث يقيمون دولة لهم، وهي كفترة الدولة الرستمية. ب حالة الدفاع: عندما يكون الإباضية في حالة تعرض إلى اعتداء، وفيها يكتفي أهل الدعوة بالدفاع عن وجودهم ومذهبهم، وهي
(1) محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، ص 51. (2) حول نظرية مسالك الدين " انظر: الشيخ الحاج أمحمد بن يوسف اطفيش: شرح عقيدة التوحيد وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1983/ 1403
ص.
77.76
الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الطبعة الثانية، دار الفتح، بيروت، 1972، ج (13) ص 44 علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي، الطبعة الأولى مكتبة وهبة، القاهرة، 1964، ص 93 وما بعدها.
19 (1/23)
صفحة 24
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
كفترة ما بعد سقوط الدولة الرستمية في القرن العاشر قبل النزوح الى وادي مزاب.
ج حالة الكتمان وتكون عندما يضعف "أهل الدعوة والاستقامة" الى درجة يستحيل فيها عليهم إقامة دولة، لكن من دون تعرضهم الى أي اعتداء. وتقتضي هذه الحالة على الإباضية الاستغناء عن الإمامة الكبرى والاكتفاء بالإمامة الصغرى الدينية البحتة بالمحافظة على مذهبهم وكيانهم والانكماش والتقية والتفرغ للتعليم الديني.
وفي حالتي الدفاع والكتمان فإن رجال الدين الإباضية يتفرغون للتربية والتعليم، بينما يتولى السلطة السياسية في المجتمع زعماء القبائل والقادة السياسيون، كما هو الحال في المجتمع المزابي بالجنوب الجزائري منذ عشرة قرون.
د حالة الشراء: وهي أضعف الحالات، وتكون عندما يبلغ الإباضية من الضعف درجة لا يستطيعون معها لا الدفاع عن أنفسهم ولا حتى المحافظة على وجودهم فيجب عليهم أن يتفرقوا ويخرجوا للدعوة السلمية في سبيل الله لنشر مذهبهم بالموعظة الحسنة، كما فعل الشيخ أبو بكر النفوسي مؤسس نظام اعزابن في مناطق وادي أريغ ووإرجلان ووادي مزاب في أوائل القرن 5،11 م، حيث كرس حياته هو وتلاميذه للدعوة السلمية لمبادئ الإباضية والتعليم الديني، فاستطاع أن يحول الكثير من الزناتيين المعتزلة الى الإباضية.
(6) إن طريقة الشورى هي السبيل الشرعي الوحيد لإختيار الإمام، وأن طريقة التوريث بالوصية هي أسلوب غير شرعي، وهي بدعة ابتدعها الأمويون واتبعها أهل السنة، وأصبحت تقليدا سائدا في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا، وعليه فالإمام يجب أن يختار من طرف " أهل الاختيار" من العلماء وأهل الرأي، ولا تنعقد البيعة كاملة إلا بالبيعة العامة للجماهير.
20 (1/24)
صفحة 25
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر ال الإباضي والسني
7) الإباضية يحرمون الخروج عن طاعة الإمام العادل تحريما مطلقا، ويجيزون عزل السلطان الجائر ولا يوجبونه، ولا يكون ذلك إلا في "حالة الظهور "، طبقا لشروط وضوابط صارمة يلزم التقيد بها، ومراحل للأمر والنهي لا بد من اتباعها كما سنرى. أما في حالة الكتمان فلا يجوز ذلك مطلقا.
وبناء عليه فإن الإباضية ليسوا من الخوارج في شيء إذ توجد بينهما اختلافات فقهية وسياسية جوهرية، ذلك أن المذهب الإباضي لا يلتقي بمذاهب الخوارج إلا من حيث الظروف التاريخية لنشأة كل منهما في المشرق العربي كما رأيناه سابقا. غير أن الدعاية السياسية للأنظمة الملكية الأموية والعباسية ضد المعارضة الديمقراطية الإباضية (1) حاولت إلصاق تسمية "الخوارج" بالإباضية لعزلهم والحد من انتشار الأفكار الشورية الديمقراطية في العالم الإسلامي) (2)، كما أن كتاب المقالات والعديد من الكتاب المتعصبين قديما وحديثا لعبوا دورا هاما في الصاق هذه التسمية بالإباضية (3)، مما أجهض الاتجاه الديمقراطي المساواتي في الفكر الإسلامي، فكان ذلك من الأسباب الرئيسية لتخلف المسلمين حتى اليوم.
وقد دخل الإباضية حالة الكتمان منذ سقوط الدولة الرستمية سنة 296 هـ /909 م، وأدى الاضطهاد والملاحقة التي تعرضوا لها من طرف خصومهم المذهبيين من الفاطميين وغيرهم، إلى نزوح الإباضية إلى مناطق أكثر أمنا مثل الصحراء (وادي مزاب) والمناطق الجبلية
(1) سوف نتناول بالتحليل للنظرية الديمقراطية عند الإباضية في فصل لاحق. (2) حول تسميات "الخوارج" و"أهل السنة" وهي تسميات مغرضة من ورائها أهداف سياسية انظر: الشيخ فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الاباضية، الجزء الاول، نشر جمعية الثراث القرارة، 1987، ص 33 وما بعدها .. (3) الشيخ علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ص 187.
21 (1/25)
صفحة 26
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(جبل انفوسن بليبيا)، وفي الجزائر فضلت العديد من القبائل والجماعات الأمازيغية الإباضية الاستقرار بمنطقة مزاب الجبلية القاحلة للاحتماء بها عن الأطماع وحماية مذهبها ووجودها الديني والثقافي واللغوي، وإعادة تنظيم الجماعة الإباضية وفق لما تقتضيه حالة الكتمان (1).
(1) تنتظم الجماعة الاباضية في وادي مزاب (600) كلم جنوب الجزائر العاصمة) منذ القرن 11 م في شكل كونفدرالية قبلية امازيغية تحكمها انظمة دينية مستوحاة من الفلسفة السياسية والدينية لعقيدة الكتمان.
22 (1/26)
صفحة 27
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفصل الأول
نظرية الشورى في الإسلام
• المبحث الأول: مفهوم الشورى.
المبحث الثاني: حجية الشورى.
المبحث الثالث: نطاق الشورى وأهل الشورى.
المبحث الرابع مدى إلزامية رأي أهل الشورى
على الحاكم.
23 (1/27)
صفحة 28
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الأول
مفهوم الشـ
ـــورى
نتناول دراسة مفهوم الشورى في الفكر السياسي الإسلامي من خلال ستة عناصر، بأن نحدد معناها وأهميتها ونحاول تعريفها، ونستعرض نوعيها وشكلها وموقعها من الحكم في الدولة المسلمة، وذلك في الآتي: المطلب الأول: تعريف الشورى وأهميتها.
الفرع الأول: معنى الشورى
لكلمة الشورى: معنيين أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي
نستعرضهما فيما يلي:
(أ) المعنى اللغوي: كانت لكلمة "الشورى" عدة معاني قبل أن تأخذ مفهوم التشاور، إذ استعملت للدلالة على معاني أخرى، ويمكن إجمالها في الآتي:
(1 بمعنى استخراج العسل إذ ورد في لسان العرب:
أشار العسل يشوره شورا و شيارا وشيارة، ومشارا ومشارة استخرجه
(2)
من الوقبة واجتباه» (1)، وفي معجم متن اللغة «شار العسل يشوره ... اشتاره» وفي تهذيب اللغة شرت العسل أخذته من موضعه» (3)، وبذلك سمى المستخرج "الشور" والموضوع الذي تعسل فيه النحلة بـ"الشورة".
(1) العلامة بن منظور لسان العرب، ج (11) دار، الصحافة، بيروت، (د. ت)؛ ص 434. (2) الشيخ أحمد رضا معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة 1959، مج (3)، ص 393. (3) محمد بن أحمد الأزهري أبي منصور تهذيب اللغة تح محمد أبو الفضل إبراهيم، ج (11)، المصرية للتأليف والترجمة (د. ت)، ص 404،31.
24. (1/28)
صفحة 29
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(2) بمعنى تفحص بدن الدابة عند الشراء، بحيث ورد في معجم متن
اللغة «شور الدابة قلبها ليغبرها وينظر كيف سيرتها (1))
وفي تهذيب اللغة «شرت الدابة والأمة أشورهما، إذا قلبتهما (2)» (3) بمعنى الحسن والوجاهة وبذلك يقال شار شوار الرجل بمعنى أنه حسن وجهه والفرس سمن وجهه". (4) بمعنى استبانة الرأي واستخلاصه ومن هذا المعنى ظهر مصطلح الشورى بمعناه السياسي المتداول اليوم، وهو من مصدر أشار يشير، حيث يقال: «شور إليه بيده أو ما ولوح كأشار، ( .... ) اشتور القوم وتشاوروا، شاوره طلب منه المشورة تشاوروا تداولوا الرأي والمشورة، استشارة: طلب منه المشورة والرأي الأمر: تبين واستنار»، كما ورد في تهذيب اللغة مادة "شار" والمشورة مفعلة اشتق من الإشارة، ويقال مشورة) (4). ونلاحظ أن اسم الفعل "أشار" ورد في جميع المصادر اللغوية القديمة على وزن "المشورة والشورى"، غير أن مصطلح الشورى هو أكثر استعمالا في الوقت الحاضر. أما اسم الفاعل الذي يقوم بالمشاورة، فهو "شير"، جمعه شوراء أو مشاورون
(3)
وبناء على ما سبق ذكره فإن المعنى اللغوي لكلمة الشورى في كافة استعمالاتها هو الاستخراج والإظهار:
(ب) المعنى الاصطلاحي: ويقصد به المعنى الذي جرى عليه فقهاء السياسة الشرعية والمفسرون، واتخذوه مصطلحا للدلالة على ركن الشورى في الإسلام بمعنى استشارة الشعب في تسيير الشؤون العامة، وهو ما يترادف مع معنى الديمقراطية إلى حد ما كما سوف نرى.
(1) الشيخ أحمد رضا معجم متن اللغة، مج (3)، ص 393. (2) ابن منظور لسان العرب، ج (11)، ص 404.
(3) الشيخ أحمد رضا نفس المرجع، مج (3)، ص 393. (4) أبي منصور: تهذيب اللغة، (11)، ص 405.
25 (1/29)
صفحة 30
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الثاني: تعريف الشورى
لم يهتم فقهاء السياسة الشرعية والمفسرون القدماء بوضع تعريف دقيق لمفهوم الشورى و قد حاول ذلك بعض الكتاب والباحثين في العصر الحديث نكتفي باستعراض ثلاث نماذج منها فيما يلي:
-
- يعرف محمد لاغا الشورى أنها «هي المفاوضة في الكلام ليظهر الحق» (1)، ونلاحظ أن هذا التعريف عام وغير دقيق، إذ لم يرد فيه ذكر الجهة التي تقوم بالشورى بمعنى السلطة تجاه الشعب، ولا الأمور التي يجب فيها المشاورة. أما الأستاذ عبد الرحمان عبد الخالق فيعرفها أنها: «استطلاع الأمر من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق» (2) غير أن د. إسماعيل الأنصاري يعيب على هذا التعريف أنه ناقص إذ لم يصدق فقط على الشورى الفنية، أين يكون المستشير أهل الخبرة في مسألة من المسائل، بينما لا ينطبق على الشورى العامة وبالتالي فهو من جهته يعرف الشورى أنها: «استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بالمصالح العامة» (3).
ويعد هذا التعريف في رأينا أكثر تحديدا وشمولا لمفهوم الشورى، إذ
يتضمن عنصرين هامين يقوم عليهما المبدا الديمقراطي هما: - طلب رأي الأمة أو من ينوب عنها، بمعنى أن يكون ذلك من طرف السلطة تجاه الشعب سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة. أن تتعلق الشورى بأمر من الأمور ذات المصلحة العامة.
-
(1) علي محمد لاغا: الشورى والديمقراطية، بحث مقارن في الأسس والمنطلقات للنظرية، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، (دم)، 1983، ص 15.
(2) أنظر: د. عبد الحميد إسماعيل الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، دار القطري بن الفجاءة، قطر، 1985، ص 45.
(3) نفس المرجع، ص 45.
26 (1/30)
صفحة 31
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الثالث: أهمية الشورى
لمبدأ الشورى والديمقراطية أهمية قصوى في المجتمع المسلم إن على مستوى الفرد أو على مستوى المجموعة، نستعرضها في الآتي: أولا على مستوى الفرد.
يمكن تلخيص فوائد الشورى بالنسبة للفرد في خمس وهي:
(1) إن ممارسة الشورى ابتداء من العائلة وانتهاء إلى السلطة العليا، يتيح للفرد تكوين شخصيته وتنمية قدراته العقلية و ذلك بتهيئة المناخ الملائم الذي يسمح بإبراز طاقاته الإبداعية المعرفية والاستفادة من تجارب الأخرين، وهذا
يؤدي إلى رفع المستوى العلمي للأفراد ويعود بالفائدة الكبيرة للمجتمع. (2) إن الاعتراف بحق الفرد في إبداء آرائه هو تطبيق لمبدأ المساواة واعتراف بشخصية الفرد وحقه في التعبير والنقد، وإشراكه في تسيير شؤون الحياة العامة وفي اتخاذ القررات ذات المصلحة العامة.
(3) بالشورى تعطى للعقل مكانته اللائقة به باعتباره من المقاصد الأساسية الخمسة للشريعة الإسلامية «التي بالمحافظة عليها تستقيم الحياة و ينتظم المجتمع» (1).
(4) إن إشراك الأفراد في اتخاذ القررات الهامة بواسطة الشورى يؤدي إلى إحساسهم بالمسؤولية، وبالتالي إذعانهم لتلك القررات والتزامهم بتطبيقها باعتبارهم صانعوها
(5 إن الشورى بين الرعية والحكام تؤدي إلى بث روح. نفوس الأفراد تجاه الحاكمين، وبالنسبة للحاكمين تجاه المحكومين.
الثقة في
(1) د. محمد مصطفى شلبي: أصول الفقه الإسلامي، الطبعة الرابعة، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1983، ص 525.
27. (1/31)
صفحة 32
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي: ثانيا على مستوى الجماعة.
والسني
يمكن إجمال فوائد الشورى والديمقراطية على الأمة، أنها الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، وسير أمورها بانتظام و اطراد، وتحقيق الطمانينة والسكينة العامة، وذلك للاعتبارات التالية:
(1) إن الشورى هي السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى معرفة الرأي الأصوب واختياره من خلال استعراض الآراء المختلفة المتناقضة. ومقارنتها ومناقشتها وبحث، حجيتها، مما يؤدي غالبا إلى اكتشاف الصواب وتجنب الأخطاء، و بالتالي اتخاذ القررات المناسبة.
(2) إن في الشورى عصمة للحاكم من الاستبداد والتجبر، أو إصدار قررات طائشة أو جائرة فيها ضررا للجماعة، إذ بالمشاورة يطلع الحاكم على أمور يجهلها ولا يقدر، خطورتها، وهذا يبصره بواقع المجتمع وحياته، وقد جاء في "شرح النيل " لقطب الأيمة الشيخ الحاج امحمد أطفيش الاباضي المزابي (1) أن الشورى هي:
«لقاح المعرفة والاستبداد داعي الندامة الذي هو من طباع الإنسان» (2).
3 في الشورى تطييب للنفوس و تذكير للأمة أنها صاحبة السيادة
والسلطة وأن الحاكم ما هو إلا وكيل عنها في ممارسة هذه السيادة.
(4) إن استشارة الرعية يؤدي إلى وحدة المشاعر الجماعية، وذلك بواسطة عرض المسائل الهامة للجماعة وتبادل الآراء لإيجاد الحلول المناسبة لها.
(1) الشيخ الحاج أمحمد بن يوسف أطفيش (1818 - 1914) شيخ مدينة بني يزقن (غرداية) رائد الحركة العلمية الإباضية في القرن 19 م، ألف حوالي 200 مؤلف في مختلف العلوم الدينية والدنيوية كالفقه والتفسير والتاريخ واللغة وعلم الكلام ... الخ.
وتعتبر مؤلفاته مرجع الإباضية بشمال إفريقيا وعمان حتى اليوم. (2) الشيخ أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج (14)، ص 323.
28. (1/32)
صفحة 33
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(5) إن ممارسة الشورى كتقليد في الحكم يؤدي إلى إيجاد ثقة متبادلة بين أولي الأمر والرعية، بحيث تعتبر الشورى وسيلة هامة للرقابة على سلطات الحاكم، وذلك من خلال المراجعة المستمرة لأعماله، وهذا يؤدي إلى التقارب بين القاعدة الشعبية والحاكم.
(6) إن الشورى تعني التريث والروية في اتخاذ القررات والبث في الأمور الهامة، وبذلك فهي تنافي الارتجالية والتسرع دون استقصاء آراء أهل الاختصاص (1)، وعليه فهي تضمن إصدار القرار المناسب مكانيا
وزمنيا وموضوعيا.
المطلب الثاني: أنواع الشورى وأشكالها ومكانتها.
الفرع الأول: أنواع الشورى.
من خلال دراستنا لمبدا الشورى في الفقه السياسي الإسلامي نلاحظ وجود نوعين من الشورى، يجب التمييز بينهما في رأينا - تمييزا دقيقا وفاصلا، لما يوجد بينهما من اختلافات من حيث الطبيعة والمدة والكيفية والأهمية، كما سنرى. ففي رأينا فإن الشورى تنقسم إلى نوعين مستقلين مختلفين وهما:
أولا: شورى الاختيار.
ومعناها اتباع أسلوب الشورى عند انتخاب الحاكم واختيار ممثلي الشعب، وانتخاب القادة على كافة المستويات، ويمكن تعريف هذا النوع من الشورى أنه: انتخاب الحكام وفقا لطريقة الشورى، بإشراك الشعب في اختيارهم طبقا لمبدأ الكفاءة والمساواة المطلقة.
(1) محمود بابللي: الشورى في الإسلام، الطبعة الأولى، دار الإرشاد، بيروت، 1968، ص 29.
29 (1/33)
صفحة 34
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
:ثانيا شورى التسيير.
ومعناها الالتزام بمبدإ الشورى عند تسيير أمور الدولة وتصريف الشؤون العامة، واتخاذ القرارات الهامة والخطيرة المتعلقة بالمصلحة العامة أو المرتبطة بمصير الأمة، ويمكن تعريفها أنها:
التزام الحكام بالمنهج الشوري أثناء ممارستهم للحكم، وتسييرهم لشؤون الدولة، بواسطة الشورى العامة للشعب أو لممثلية، والشورى الخاصة لأهل الاختصاص.
وفي رأينا يوجد اختلاف واضح بين هذين النوعين من الشورى يمكن بلورته من خلال ثلاث معايير أساسية وهي:
أ - الاختلاف من حيث المدة الزمنية: إن شورى الاختيار هي شورى، ظرفية، وتمارس في مدة زمنية محدودة، هي مدة انتخاب رئيس الدولة أو ممثلي الشعب، ويمكن أن لا تتجاوز هذه المدة ثلاثة أيام، يعبر فيها الشعب بنفسه أو بوساطة نوابه عن اختياره لرئيس الدولة، حتى يكون هذا الرئيس شرعيا منتخبا وفقا لرضا الشعب واختياره الحر. أما شورى التسيير فهي مستمرة زمنيا وتلازم الحكام مدة ممارستهم للحكم، وهي تفرض نفسها كلما تعلق الأمر بمصلحة عامة أو بقرارات خطيرة وهامة تمس بمصالح الأمة وترتبط بمصيرها.
ب - الاختلاف من حيث الطبيعة والكيفية ويتمثل ذلك فيما يلي:
(1) إن شورى الاختيار هي تجسيد لحق المحكومين في اختيار الحكام الذين يمارسون السلطة السياسية في الدولة وبالتالي فإن هؤلاء الحكام ليس لهم حق اختيار من يخلفهم في تولي السلطة. أما شورى التسيير فهي واجبة على الحكام والمحكومين على السواء، فالحكام يجب عليهم التزام الشورى مع الشعب وممثليه أثناء ممارسة حكمهم، كما ينبغي أن تتجسد شورى التسيير في جميع الأطر الاجتماعية التنظيمية للأفراد.
30 (1/34)
صفحة 35
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(2) إن ممارسة شورى الاختيار تتم غالبا عن طريق الاقتراع العام المباشر أو بواسطة هيئة وسيطة نيابية تتولى هذا الاختيار نيابة عن الشعب، بينما يقتضي تجسيد نظام شورى التسيير إقامة مؤسسات ثابتة مستقرة ومنظمة لتقوم بوظيفة استشارة الحكام بصفة مستمرة والرقابة على تصرفاتهم وقراراتهم حتى لا تتعارض مع المصالح العليا للدولة ومع إرادة الأمة. ومثال هذه المؤسسات هيئة البرلمان في الأنظمة الديمقراطية
والتي يمكن أن تأخذ تسمية مجلس الشورى في الدول المسلمة المعاصرة. (3) إن شورى الاختيار هي شورى سياسية بالدرجة الأولى بمعنى أنها تتعلق باختيار ممثلي السلطة السياسية وهم الحكام، ولا تمتد إلى ممثلي السلطة القضائية، أو السلطة التنفيذية في عملها الإداري، إذ أن رجال الإدارة لا ينتخبون من طرف الشعب وإنما يعينون تعيينا من قبل السلطة التنفيذية وفقا لكفاءتهم، أما شورى التسيير فهي أوسع مجالا وتتعلق بتسيير كافة المؤسسات الدستورية في الدولة تشريعية كانت أو تنفيذية أو قضائية. ج - الاختلاف من حيث الأهمية
إذا كانت شورى الاختيار تعد أساسا جوهريا للحكم الشورى الديمقراطي، بحيث يتم وفقها اختيار الحكام والقادة من طرف الشعب بواسطة إرادته الحرة، فإن لشورى التسيير أهمية أكبر لما يترتب عنها من تحقيق العدالة والصالح العام للمجتمع، وما يترتب عن انتفائها من أضرار جسمية تلحق بالأمة. ذلك أنه لا يكفي أن ينتخب رئيس الدولة وفقا للإرادة الشعبية كما يقضي بذلك المبدأ الديمقراطي، وإنما لابد أن يلتزم هذا الرئيس في ممارستة للسلطة بالمنهج الشوري الديمقراطي، من خلال مؤسسات دستورية تسمح للشعب بممارسة الحكم عن طريق ممثلية وبتوفير كافة الشروط اللازمة التي يقتضيها ممارسة المبدإ الشورى الديمقراطي، مثل. ضمان الحقوق والحريات العامة.
31 (1/35)
صفحة 36
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي مي والسني فالحاكم حتى وإن اختير بالطريق الشوري فإنه غالبا ما يستبد بالسلطة إذا لم تكن هناك مؤسسات دستورية تمثيلية تتولى التعبير عن الإرادة الشعبية، ذلك لأن المبدأ الشوري لا يتحقق بمجرد اختيار الشعب الحكام الذين يمارسون السلطة باسمه، بل لابد أن يكون له الحق في المشاركة الفعلية في ممارسة هذه السلطة والرقابة عليها بواسطة مجلس الشورى أو البرلمان، وهذا هو الأهم، بمعنى أن شورى التسيير أكثر أهمية من شورى الاختيار، لذلك فإن الحاكم الذي يسيطر على الحكم بطريقة غير شرعية مثل استعمال القوة، أو بواسطة الأسلوب الوراثي، دون موافقة ورضا الشعب على تعيينة، ثم أنه يلتزم أثناء ممارسته للسلطة بالمنهج الشوري الديمقراطي، فإنه يلحق أضرارا أخف بالأمة مما إذا كان حاكما شرعيا انتخب بالشورى وفقا لإرادة الشعب ثم أنه استبد في حكمة وتفرد بالسلطة.
وعلى ضوء هذه المقارنة نلاحظ الفرق الواضح بين نوعي الشورى حسب تقسيمنا السالف الذكر، وبناء على ذلك نعتمد هذا التقسيم أجزاء بحثنا مساهمة منا في بلورة نظرية الشورى في الإسلام
في جميع وأحكامها الشرعية.
فما
هي
الفرع الثاني: أشكال الشورى.
إذا كان الإسلام يعتبر الشورى ركنا جوهريا في الحكم كما سنرى، الكيفيات التي يتم وفقها التشاور بين الرعية والحكام في الإسلام؟ وهل وضع الإسلام نظما وقواعد ومؤسسات تضاهي النظم الغربية لتجسيد مبدأ الشورى؟
إن الباحث في مصادر الشريعة الإسلامية من نصوص شرعية وسنة نبوية وغيرها لا يكاد يجد قواعد ونظما واضحة ومحددة تضمن ممارسة الشورى في الحكم واستمراريتها مهما تبدلت الحكومات. وقد انقسم الكتاب
والباحثون في هذا الصدد إلى رأيين وهما:
32 (1/36)
صفحة 37
د. أوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الرأي الأول: يمثله أغلب الفقهاء (1)، ويرى أن الإسلام لم يأت إلا بالمبادئ العامة الأساسية في الحكم ولم يفرض نظاما معينا جامدا يكون واجب الاتباع في كل مكان وزمان والحكمة من ذلك هو ما تقتضيه طبيعة الشريعة الإسلامية المتميزة بالخلود والبقاء، مما يستلزم مرونتها وصلاحها لكل زمان ومكان. فتركت للمسلمين حرية وضع النظم التي تتناسب وظروف عصرهم لتجسيد مبدأ الشورى لأن الزامهم بنظام معين يؤدي إلى الحرج والحرج رفعه الله عن المسلمين، لذلك فقد شهد تاريخ الحكم في الإسلام عدة تجارب سياسية سعى أهلها إلى وضع مبدأ الشورى موضع التطبيق، ثم أن الحكم في العصر الأول للإسلام رغم قصر فترته الزمنية التي لم تتجاوز 30 سنة، شهد اختلافا في تطبيق المبدأ الشوري من حيث اختلاف أساليب اختيار الخليفة وأساليب استشارة الناس. وعليه فإن للمسلمين الحرية في الاجتهاد لوضع النظم التي تكفل بتنفيذ هذا المبدأ حسب احتياجات وظروف عصرهم.
الرأي الثاني: ويمثله الدكتور محمود الخالدي ويرى أن الإسلام إنما يتضمن نظاما شاملا ومفصلا لنظام الشورى، يمكن أن نستشفه من خلال السنة النبوية والسوابق التاريخية للخلفاء الراشدين، لذلك راح يضع نظما تفصيلية لممارسة الشورى قياسا وتقليدا للمؤسسات الدستورية الحديثة، مثل كيفية تسيير مجلس الشورى وشروط العضوية فيه وتحديد صلاحياته
مستندا في ذلك كله على النصوص الشرعية والسنة النبوية العملية (2).
(1) عبد الحميد متولي مبادئ نظام الحكم في الإسلام، الطبعة الرابعة، دار المعارف، الإسكندرية، 1978، ص 239. د. محمد جلال شرف نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام، دار النهضة العربية بيروت، 1982، ص 32 د. محمد عمارة:
الإسلام وقضايا العصر، الطبعة الأولى، دار الوحدة، بيروت، 1980، ص 99. (2) د. محمود الخالدي: نظام الشورى في الإسلام، مكتبة الرسالة الحديثة، شركة الشهاب، الجزائر، 1989 م، ص 116 وما بعدها. - الديمقراطية الغربية في ضوء ص 116 الشريعة الإسلامية، مكتبة الرسالة الحديثة، شركة الشهاب، الجزائر، 1989 م، ص 155 وما بعدها.
33 (1/37)
صفحة 38
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ونحن نؤيد مطلقا الرأي الأول، فإذا كان الإسلام أكد ضرورة التشاور كمبدإ أخلاقي عام، كما رأينا، فإنه ترك مسألة تطبيق هذا المبدأ لاجتهاد المسلمين في كل عصر وبيئة وذلك يستلزم على الفقهاء الدستوريين العمل لوضع القواعد العامة وتحديد المؤسسات الضرورية لضمان تطبيق هذا المبدأ وحمايته من التشويه، بالاستفادة في ذلك من مختلف التجارب الإنسانية الناجحة التي تمتد إلى آلاف السنين.
الفرع الثالث: مكانة الشورى.
طرحت منذ القديم ومازالت تطرح إشكالية حول طبيعة الدين الإسلامي، وهل جاء لإقامة دولة أم أنه دين عبادات وأخلاق، بمعنى مدى تنظيم الدين الاسلامي لأمور الدولة والحكم. و قد تناول الفقهاء المسلمون هذا الموضوع بالمناقشة منذ القرن السابع (النصف الثاني من القرن الأول (الهجري) مع ظهور المذاهب والفرق الإسلامية، غير أن المسألة عرفت جدلا و نقاشا أوسع مع ظهور الدولة الغربية الحديثة التي أصبحت النموذج السائد في العالم منذ مطلع القرن العشرين بفعل ما يقترن بها من مفاهيم اللائكية والدولة العلمانية وتأثيراتها على الفكر السياسي الإسلامي.
وفي الحقيقة ذهب أغلبية الفقهاء المسلمون الى أن نصب الحاكم واجب يفرضه العقل والدين، غير أن السؤال الأهم والأخطر في رأينا هو: إذا كان هناك ما يمكن تسميته بـ نموذج" حكم إسلامي" فما هو طبيعته؟ وماهو موضع الشورى منه؟
إختلف الكتاب والفقهاء المحدثين حول تكييف "الحكم الإسلامي"، أي طبيعة السلطة في الدولة المسلمة، وفقا للمفاهيم الحديثة للقانون الدستوري.
وتتمثل أهم أرائهم باختصار فيما يلي:
34 (1/38)
صفحة 39
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(1) الحكم الإسلامي "ثيوقراطي" واستبدادي: وقد قال بذلك بعض المستشرقين والفقهاء المحدثين (1) اعتمادا على مقولة للخليفة العباسي "المنصور" في خطبة له «إنما أنا سلطان الله في الأرض لسوسكم بتوفيقه وتسويده وتأييده» (2) ويرون أن هذا الاعتقاد المعروف بنظرية التفويض الإلاهي الذي كان سائدا في الشعوب القديمة كان شائعا أيضا لدى الخلفاء والفقهاء المسلمين (3). وبالإضافة إلى ذلك يعتمد هؤلاء على عدة آيات قرآنية وردت في شأن ملكوت الله تعالى لما في الأرض والسماوات. وعلى ذلك يذهب الشيخ علي عبد الرزاق إلى القول أن "الحكم الإسلامي" إن وجد- كان ولا يزال حكما استبداديا وثيوقراطيا مطلقا بالمفهوم الأوروبي لهذا المصطلح (4).
وقد رد بعض كتاب القانون والشريعة المسلمون على هذا الاتجاه، استنادا الى النظريات الديمقراطية الغربية، بالقول أن الحكم في الإسلام وإن كان مصدر السيادة الشاملة فيه هو الله تعالى فإن ذلك لا يتعارض مع سيادة الأمة، الجزئية، باعتبار أن الأمة نائبة عن الرسول وأن الحاكم إنما استمد منصبه من سيادة الأمة التي وكلته للقيام بأمر الدين والدنيا.
كما ذهبت مجموعة من الفقهاء في صدد الرد على هذا الاعتقاد إلى القول أن الحاكم في الإسلام يكون مقيدا بالشرع، وأن حقه في الطاعة إنما يرتبط بواجبه في الالتزام بمحتوى الكتاب والسنة، وبالتالي فإن للمحكومين الحق في مراقبة " أولي الأمر حتى يتقيدوا بالأحكام الشرعية ولا يستبدوا بالأمر من دون المسلمين (5).
(1) عن آراء هؤلاء أنظر: د. جلال شرف: نشأة الفكر الإسلامي، ص 25 وما بعدها. (2) علي محمد لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 56.
(3) علي عبد الرزاق: الإسلام وأصول الحكم، موفم للنشر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر،1988، ص 13 (4) علي عبد الرزاق: نفس المرجع، ص 10. (5) أنظر: محمد يوسف موسى: الحكم في الإسلام، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة 1963، ص 123 124. د. الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام،
ص 122 123.
35 (1/39)
صفحة 40
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وفي الواقع فإن الطابع الثيوقراطي الاستبدادي للدولة في أغلب فترات التاريخ الإسلامي أمر لا جدال فيه، حيث كان السلطان يتصرف بإرادته المنفردة التي يعتقد أنه يستمدها من خلافته للرسول، ولم يكن للرأي العام للرعية أي اعتبار وعليه نعيب على الفقهاء المسلمين عدم اجتهادهم لوضع ضوابط ومعايير محددة لتقييد سلطة الحاكم ولتكييف الأمور التي تدخل في باب "المعروف" وبالتالي تستوجب الطاعة، والأمور التي تدخل في نطاق "المنكر" فتستوجب عدم الطاعة والمعارضة، بالإضافة الى وضع الطرق التي يتم بموجبها مشاركة الجماهير في تسيير شؤون الحكم، والأساليب التي تقوم وفقها المعارضة.
(2) الدولة في الإسلام هي "دولة" خيرة ": يذهب د. محمد العربي الى أن الدولة في الإسلام هي دولة خير "دولة" خيرة". وهو ما يحاول أن يصل إليه الفقه الدستوري الغربي بما يسميه " welfare state " طالما أنها تسعى لتحقيق «ما فيه خير وسعادة الأفراد»، وقد ساق لدعم رأيه هذا عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية (1)، غير أن هذا الرأي يبقى وصفا نظريا بحثا ومجرد أماني لا تستند إلى أية حجة أو أدلة واقعية مستمدة من واقع الدول والممالك الإسلامية التي ظهرت على أرض الإسلام.
(3 النظام الإسلامي نظام "قائم بنفسه": يرى أنصار هذا الاتجاه أنه يوجد "نموذج للحكم في الإسلام لا يمكننا تكييفه حسب المصطلحات الدستورية والسياسية الحديثة، إذ هو " ليس نظاما ملكيا ولا جمهوريا ولا رأسماليا ... " إنما هو نظام قائم بذاته" بخصائصه
أبو الأعلى المودودي نظرية الإسلام السياسية، دار الفكر، د. م)) 1388 هـ، ص 27، 46 و 53 - سيد قطب في ظلال القرآن للطبعة الخامسة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1967، مج (3)، ج (9)، ص 170. (1) د. محمد عبد الله العربي: نظام الحكم في الإسلام، تقديم محمد المبارك، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (د. ت) 62.
36 (1/40)
صفحة 41
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية. ة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ومميزاته (1). وبالطبع لا يقوم هذا الرأي على أية حجج وأسس تثبته ولم يقدم لنا هذا النموذج المزعوم، وبذلك فهو لا يعدو أن يكون مقولة دفاعية تحتاج إلى أساس فلسفي وأنظمة وتجارب ونظريات تثبته وتجعل منه حقيقة واقعية.
ونحن في الواقع نؤيد ماذهب إليه الإستاذ عبد الجواد ياسين عن سكوت النص القرءاني سكوتا تاما عن تحديد شكل السلطة ونوع الحكومة في الإسلام، وأن كل ماقيل في هذا الشان يدخل في باب التأويل للاستجابة للمواقف والظروف السياسية للفرق الاسلامية (2).
وبناء عليه يجب في رأينا بالأحرى تحديد الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الحكم في المجتمع المسلم، وهي موضع اتفاق وإجماع كتاب وفقهاء السياسة الشرعية المحدثون، ويعد مبدأ الشورى أهم هذه الأسس على الإطلاق. و يمكن إجمال أهم هذه المبادئ والأسس فيما يلي (3):
(1) مبدأ الشورى: ومعناه إشراك "أهل الحل والعقد" والمسلمين في إبداء الرأي في الأمور التي يجوز التشريع فيها والقضايا الهامة. ويتضمن هذا المبدأ مسؤولية أولي الأمر أمام الأمة وحق الجماهير في إبداء المعارضة، ومقابل الواجبات يكون للحاكم حق الطاعة بالمعروف. (2) مبدا العدالة ومعناه التزام أولى الأمر" بحسن السيرة مع الرعية
وعدم الخروج عن السلطة التي خولها لهم الشعب بواسطة الدستور.
(1) د. جلال شرف نشأة الفكر الإسلامي، ص 28 - ظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، الطبعة الأولى، النفائس، بيروت، 1974، ج (1)، ص 88 و 387. (2) عبد الجواد ياسين السلطة في الاسلام العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1998، ص 200،198 (3) أنظر الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام ص 11 وما بعدها يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 177. القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج (1) ص 65 و ما بعدها .. متولي: مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص 240.
37 (1/41)
صفحة 42
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياء لإباضي والسني
(3 مبدأ الحرية وتعني ضمان حرية الأفراد السياسة والدينية والعقائدية وعدم إلزامهم بالقوة بدين أو مذهب الحاكم. 4 مبدأ المساواة: وهي من مقتضيات العدل، وتعني مساواة الأفراد حكاما ومحكومين أمام الشرع والقانون وحق جميع الأفراد في تبوء المناصب في الدولة من دون تفضيل أو تمييز على أساس الجنس أو الحسب أو غيره، وإنما التفضيل يكون على أساس الكفاءة وحدها. وفي الحقيقة يعد هذا المبدأ روح الشورى إذ لا وجود للشورى في نظام تتحكم في السلطة والثروة فيه فئة مميزة بنسبها أو مالها أو انتمائها العرقي
التفضيلي إلى قبيلة أو عائلة.
النتيجة العامة للمبحث:
إن للشورى باعتبارها مبدءا دستوريا معنى مزدوج، فهي تعني أولا: وجوب انتخاب الحكام بواسطة استشارة الشعب وهو ما سميناه بشورى الاختيار، وهي تعني ثانيا: وجوب التزام الحكام أثناء ممارسة الحكم باستشارة الشعب أو ممثليه وأهل الاختصاص. وتعد الشورى بهذا
المفهوم ركنا جوهريا في المجتمع الديمقراطي المسلم.
388 (1/42)
صفحة 43
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الثاني
حجية الشورى
لئن كان مبدأ الشورى بهذه الأهمية في الإسلام كما رأينا، فيجدر بنا أن ندرس الأساس الشرعي الذي يقوم عليه، والمصدر الذي يستند إليه في وجوده، وذلك ببحث مدى القوة الإلزامية لمبدا الشورى بمعنى هل هو واجب على الحاكم والمحكومين بحيث يأثمون بتركه، كما يرى الفريق الأول من الفقهاء. أم أنه لا يعدو أن يكون أمرا مندوبا محمود الاتباع يجوز تركه والاستغناء عنه، كما يذهب فريق آخر من فقهاء السياسة الشرعية؟ وبحث القوة الإلزامية لركن الشورى يرتكز أساسا على النصوص الشرعية، من خلال المصدرين الجوهريين للشريعة الإسلامية، وهما القرآن والسنة، فضلا عن السوابق النبوية وسنة الخلفاء الراشدين. إذ يعد كل من القرآن الكريم والسنة النبوية من أصول الدين الأربعة عند الإباضية وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس (1).
وتستند حجية الشورى الى آيتي الشورى الأساسيتين وهما قيما رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غليظ القلب لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الأمر} [آل عمران: 159]. {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].
(1) الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش شامل الأصل والفرع طبعة سلطنة عمان، 1984،
ج (1)، الباب (5)، ص 9.
39 (1/43)
صفحة 44
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويجدر بنا التحديد أن الأمر الواجب هو «ما كان في فعله ثواب وفي تركه عقاب»، أما الأمر المندوب فهو ما كان في اكتسابه ثواب وليس في تركه عقاب» (1). وقد انقسم الفقهاء المفسرون والكتاب المسلمون في شأن القوة الإلزامية لمبدأ الشورى إلى مدرستين نتناولهما بالبحث في التالي:
المطلب الأول: الشورى مندوبة.
يرى أنصار هذا الاتجاه أن الشورى أمر مندوب غير واجب، إذ لم يرد حكمها على معنى الوجوب، وبالتالي فإذا قام بها الحكام والمحكومين استحقوا الثواب وإلا فلا عليهم أي عقاب. وقال بهذا الرأي عامة فقهاء السلف من السنة وأتبعهم في ذلك بعض الكتاب المعاصرون، ويفسر ذلك أن العديد من الفقهاء القدامى عند تناولهم لموضوع الشورى لم يعتبروها ضمن الأمور الواجبة ولم يخصصوا لها بابا معينا، وإنما تكلم عنها أغلبهم في معرض الحديث عن آداب القاضي (2). ويستند أصحاب هذا الرأي في مقولتهم إلى النصوص الشرعية، وإلى السنة النبوية العملية وسنة الخلفاء الراشدين ونستعرض حججهم مع الرد عليها فيما يلي: أولا: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى تفسير آية الشورى وشاورهم في الأمر" على معنى الندب، ويدعون أن الحكمة من أمر الله لنبيه باستشارة أصحابه إنما تطييب قلوبهم ليس إلا، لأن الرسول في غنى عن الشورى وهو إن أمر بالتشاور مع المسلمين فذلك «تطييبا منه بذلك
(1) الإمام أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: العدل والإنصاف طبعة دار نوبار للطباعة سلطنة عمان، 1984، ج (1)، ص 30. (2) د. عبد الحميد إسماعيل الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، دراسة مقارنة، الطبعة الثالثة، منشورات المكتبة العصرية، صيدا - بيروت (د. ت)، ص 98.
40 (1/44)
صفحة 45
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الم ني والسني
(1) «
لأنفسهم وتأليفا لهم على دينهم. وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم وعن قتاده «لأنه أطيب لأنفس القوم إذا تشاوروا بعضهم بعضا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشده» (2).
وعن ابن إسحاق نقلا عن ابن حميد عن سلمة: « ... أي لتريهم أنك
تسمع منهم وتستعين بهم، وإن كنت عنهم غنيا، تؤلفهم بذلك عن دينـ هم» (3) وجاء في تفسير الزمخشري لهذه الآية: «لتستظهر برأيهم ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم» (4)
ويبرر آخرون أن سبب نزول الآية هو «أن سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمور شق عليهم ذلك (5)»، وعليه أمره الله باستشارتهم لأن ذلك أعطف لهم وأذهب لإضغانهم (6)»، بينما قال الآخرون "إنما حكمة ذلك ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد منهم» (7).
أما ابن كثير في تفسيره فيقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلون» (3). وعن بن العربي
في تفسيره مدح الله المشاورة في الأمور ومدح القوم الذين يمثلون ذلك» (9).
(1) أنظر أبي جعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان عن تأويل القرآن، دار المعارف - سلسلة تراث الإسلام، مصر، (د. ت)،ج (7)، ص 343.
(2) أنظر نفس المرجع، ج (7)، ص 343. (3) نفس المرجع، ج (7) ص 343 (4) أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيوب الأقاويل في وجوه التأويل، الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1977، مج 1، ص 474. (5) علي بن إبراهيم البغدادي الصوفي الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل، محمد أمين دمج وشريكاه بيروت (د. ت)، ج (1)، ص 296.
(6) الزمخشري: الكشاف، ج (1)، ص 475. (7) الخازن نفس المرجع، ج (1)، ص 296 (8). إسماعيل القرشي الدمشقى بن كثير: تفسير القرآن العظيم، الطبعة الرابعة، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1983 ج (2) ص 142.
(9) أبوبكر عبد الله بن العربي: أحكام القرآن تح على محمد البجاري، الطبعة الأولى، دار إحياء الكتب، 1655 هـ، القسم 4، ص 1656.
41 (1/45)
صفحة 46
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر
مي والسني
ومن أبرز الكتاب المعاصرين الذين قالوا بهذا التفسير د. محمود الخالدي إذ يكيف حكم الشورى بالحكم المندوب وليس المباح، والمندوب أعلى درجة من المباح، ويعتمد في تفسيره هذا على أقوال المفسرين التي أسلفنا ذكرها، ويخلص إلى القول أن المدح قرينة على أن الشورى مندوبة (1). نقده: إن هذا التفسير لا يصمد أمام الحجج الواردة في شأن إلزامية الشورى وأهمها ما يلي:
(1 إن في هذه الآية أقوى الدلالات التي تفيد الوجوب سواء بالنظر إلى صيغتها التي وردت في شكل أمر وشاورهم"، أو بالنظر إلى الظروف التي نزلت فيها، حيث نزلت بعد أخذ النبي الله لرأي جمهور المسلمين بالخروج لغزوة أحد وهزيمتهم فيها، فجاءت الآية لتحثه على الاستمرار في المشاورة، رغم أن رأي جمهور المسلمين أدى إلى نتيجة سلبية (2).
(2 إن القول بأن حكمة الشورى هي تطييب قلوب الناس فقط، يفرغ الشورى من معناها الحقيقي باعتبارها نظاما لجمع الآراء الصائبة وتطبيقها وسبيلا للبحث عن الصواب.
(3 إن هذا التفسير يؤدي بنا إلى تناقض كبير، إذ ما معنى أن يستشار الصحابة فيجهدون في البحث وإبداء الآراء ثم لا يؤخذ بآرائهم. ويرى الفقيه "الجصاص" بحق أن عدم الأخذ بأراء المستشرين فيه إثارة لأضغانهم وليس تطييبا لقلوبهم ذلك أنه لوكان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه، ثم لم يكن معمولا به، لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم، بل إيحاشهم بأن أراءهم غير مقبولة ولا معمول بها (3).
54
(1) د. الخالدي: نظام الشورى في الاسلام، ص (2) د. عبد الحميد متولي مبدأ الشورى في الإسلام، الطبعة الثانية، مطبعة عالم الكتب، القاهرة، 1972، ص 13. (3) أنظر: محمود الدين الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت)، ج (3)، ص 106.
42 (1/46)
صفحة 47
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويخلص إلى القول أن الفائدة من الشورى: «هي الاستطهار بما عندهم، وأن يكون للنبي معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل به، وماخالفه ترك من غير لوم ... » (1).
قاله من عدم
وإن كنا نتفق مع الجصاص فيما وصل إليه إلا أننا لا نوافقه فيما الأخذ باجتهاد الصحابة إن كان مخالفا لاجتهاد الرسول لأنه بذلك أبطل فائدة الشورى وهدم ما قاله من قبل، إذ أن الرأي الذي يؤخذ به هو الذي يوافق الصواب بغض النظر عن الجهة التي صدر منها. والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قد يخطئ في أمور الدنيا ويصيب الصحابة، فكيف بالخلفاء والحكام من بعده؟
وبناء عليه وكما قال قطب الايمة الشيخ أمحمد أطفيش الإباضي في تفسيره لهذه الآية، فإن «علة الأمر بالمشاورة، الانتفاع برأيهم، فقد يكون عندهم مالم يكن عنده» (2).
ثانيا: بالإضافة إلى ما سبق فقد ساق أصحاب هذا الرأي العديد من
الأسانيد نستعرضها مع نقدها فيما يلي:
أولا ما يروى عن الإمام الشافعي قياسه حكم الشورى بحكم مشاورة الفتاة البكر عند تزويجها من طرف وليها، ويرى أنه يجوز لأبيها تزويجها دون مشاورتها، غير أنه يستحسن استشارتها تطييبا لقلبها، وكذلك شأن الشورى فهي لتطييب نفوس الأفراد وليست بالأمر الملزم (3).
نقده: يرد على هذا الادعاء أنه فضلا عما يتضمنه من حط قيمة الجماهير وحقها في الشورى تجاه الحكام فإنه يقوم على قياس خاطئ
(1) الألوسي: روح المعاني، ج (3)، ص 106. (2) الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش (المتوفي سنة (1914 م) هميان الزاد إلى دار المعاد، طبعة المطبعة السلطانية، زنجبار 1306 هـ، ج (4)، ص 325. (3) أنظر: أبي عبد الله محمد بن احمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة،1967، ج (2)، ص 1493، ج (4)، ص 249.
43 (1/47)
صفحة 48
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
لوجود الفارق، ومن القواعد الأصولية أن لا قياس مع الفارق، والفارق في هذه الحالة أمران (1):
-
- إن الشورى أمر عام يتعلق بالأمة، والمقيس عليه (الفتاة) أمر خاص. إن حكم الفتاة البكر (عدم أخذ رأيها) ليس محل اتفاق بين الفقهاء. ثانيا: يرى بعض المفسرين أن آية وأمرهم شورى بينهم" إنما نزلت في شأن الأنصار تمدحهم لما كانوا عليه قبل دخولهم في الإسلام من التشاور بينهم للبت في أمورهم، حيث يقول المفسر ابن العربي في هذا السياق يعني بهم الأنصار كانوا قبل الإسلام وقبل قدوم النبي اللة، إذا كان يهمهم أمر اجتمعوا فتشاوروا بينهم وأخذوا به، فأتى الله لهم خيرا» (2). كما يروي القرطبي عن الحسن: «إنهم لانقيادهم إلى الرأي متفقون في أمورهم لا يختلفون فمدحوا لاتفاق كلمتهم» وبموجب هذا التفسير فإن للآية دلالة إخبارية وليست تقريرية، بمعنى أنها تخبر عن حالة مضت، ولا تتضمن قاعدة دستورية في الحكم.
نق
(3)
ده يرد على هؤلاء أن سياق الآية جاء في معرض الحديث عن صفات المؤمنين الأساسية في كل مكان وزمان. وهي ثلاث: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والتشاور. ولم تكن هذه صفات خاصة بالأنصار، والأمر هنا جاء على صيغة المضارع الذي يفيد الدوام والاستقرار، وحتى إن سلمنا فرضا باقتصار حكم الآية على الأنصار فإن العبرة بعموم لا بخصوص السبب كما جاء في الأصول.
اللفظ
ثالثا: إن كثيرا من المفسرين وفقهاء السياسة الشرعية خلطوا
خلطا كبيرا بين مركزي كل من الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره حاكما لدولة ونبياً
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 62. (2) ابن العربي: أحكام القرآن، قسم (4)، ص 1656. (3) القرطبي: الجامع لاحكام القرآن، ج (16) ص 36 ..
44 (1/48)
صفحة 49
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
يوحى إليه، وأولي الأمر من بعده من الحكام، فأعطوا للخليفة نفس مكانة الرسول، وبالتالي ادعوا أنه لا تجب عليه الشورى أو أنها مندوبة واختيارية طالما أنه يحوز نفس سلطات النبي الله لأنه جاء لخلافته، حيث يدعي الماوردي أحد فقهاء السياسية الشرعية السنيين بصريح العبارة أن خليفة المسلمين جاء لخلافة النبوة وحراسة الدين والدنيا» (1).
نقـ
ده: لقد ترتب عن هذه المقولة الخطيرة في رأينا- والتي كانت سائدة في الفكر السياسي الإسلامي السني، أن أعطي للسلاطين الذين استولوا على الحكم بقوة السيف ولم ينتخبوا على اساس التفوق الروحي والعلمي كما هو في العقيدة الشيعية - صلاحيات مطلقة وسلطات واسعة قياسا على ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من سلطات، وقد تم ذلك بفضل دعم الفقهاء المقربين للسلاطين للأنظمة الاستبدادية الأموية والعباسية وغيرها. ويمكن أن نرد على هذه المغالطة من خلال عنصرين فيما يلي:
(1) الرسول و ملزم بالاستشارة رغم تمتعه بالوحي: إن المتتبع للسيرة النبوية الشريفة يلاحظ أن الله تعالى أوجب على رسوله استشارة أصحابه رغم اغتنائه. عن ذلك بالوحي. فرغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] فإن الله أمره بالشورى ليكون قدوة للحكام المسلمين من بعده إذ يقول تعالى: ولقد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين صفتي النبوة والبشرية، فإنه يجب التمييز بين حالتين في أعماله وسنته وهي
(2)
(1) أبى الحسن على بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، مصر،
1966، ص 5.
(2) محمد شلبي: أصول الفقه، ص 124، 125.
- 45 (1/49)
صفحة 50
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أ - أن ينزل وحي، ملزم فلاحق للمسلمين ولا حتى للنبي تعديله أو معارضته ومناقشته بل كان يبلغه ويأمر بتطبيقه، وفي هذه الحالة فهو نبي
معصوم، والعصمة تكون للنبي وحده لا لغيره من الحكام.
ب
-
أن لا ينزل وحي يبين الحكم الصائب، وفي هذه الحالة كان
كثيرا ما يلجأ إلى استشارة صحابته لتبيين الرأي، بل ويتنازل عن رأيه إذا تبين له خطأه، ويكون ذلك خاصة في الأمور الدنيوية التفصيلية التي تتغير حسب الأزمنة والظروف. إذ يروى عنه أنه نهى الصحابة عن تأبير النخيل دون أن يكون له وحي في ذلك، ففسدت النخيل في تلك السنة، فتراجع عن رأيه لما تبين له خطأه، وقال للصحابة: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (1).
كما أن الصحابة كثيرا ماكانوا يسألونه عن موقفه وسلوكه عن مختلف المسائل بقولهم: أوحي هو أم الرأي؟ فإن كان الأمر يتعلق برأي شخصي اجتهدوا رأيهم وقدموا استشارتهم (2)
2 - مركز الحاكم في الإسلام يختلف عن مركز الرسول: إن الحاكم يختلف عن الامام في الإسلام فهو لا يتمتع بصفة النبوة ولا بالعصمة التي تتيح له الاستبداد والاستغناء عن آراء غيره، ذلك لأن الخليفة لا يقوم مقام الرسول وإنما يقوم مقام الأمة التي انتخبته عن طريق البيعة. فإذا كان الرسول الله مبلغ رسالة ومشرع فإن الخليفة منفذ لإرادة الأمة، ذلك لأن عقد البيعة يعبر بحق عن التكييف الحقيقي للعلاقة بين الأمة والحاكم ومن خلاله يتضح «أن الأمة الأصل الدائم في هذا
العقد
وهي التي تحدد شروط هذا العقد» (3).
(1) الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 48. (2) د. عمارة: الإسلام وتحديات للعصر، ص 100. (3) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 101.
هي
46 (1/50)
صفحة 51
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباء
سني
وتعد المبايعة سابقة دستورية تاريخية من تطبيقات الخلفاء الراشدين
وبالتالي فهي دليل شرعي، وفيها تبدو سلطة الأمة واضحة، كما تتجلى فيه
فكرة "العقد" بين الحاكم الذي يستمد منه سلطته وشرعيته والشعب. رابعا: يستند أصحاب هذه المدرسة فضلا عن القرآن، إلى السنة النبوية العملية، ويدعون أن النبي لترك المشاورة في مناسبات عديدة وفي مسائل هامة وخطيرة تتعلق بالحروب وبمصير المسلمين، مثل: صلح الحديبية، قتال بني قريظة، غزوة تبوك، وقضية الإفك (1)، ويرد عليهم أن
الرسول صلى الله عليه وسلم إنما استشار في تلك الوقائع قبل نزول الوحي في شأنها.
خامسا قياس سلطات الخليفة بسلطات المجتهد والقاضي ذهب جمهور من الفقهاء السنيين إلى أن الخليفة الشرعي يفترض أن يستوفي جميع شروط الإمامة ومنها الاجتهاد، ولكونه مجتهدا فلا تجب عليه المشاورة، كما حصل اتفاقهم على أن الشورى لا تجب على القاضي والمجتهد. وبما أن مركز الخليفة أعلى من هؤلاء فإنه يسقط عليه وجوب المشاورة من باب أولى. (2).
نقده: يمكن تفنيد هذا القول في نقطتين:
(1) إن قياس مركز الخليفة بمركز المجتهد والقاضي قياس غير صحيح لوجود فارق جوهري بين الحالتين وهو الاختلاف الكبير بين طبيعة ومركز ووظائف كل من الخليفة من جهة والمجتهد والقاضي من جهة أخرى (3).
(2) إن تقرير أن الخليفة والمجتهد لا تجب عليهما المشاورة قولا خاليا من الصحة، فإذا استند هؤلاء الفقهاء إلى عمل الرسول فإن ذلك ليس
(1) د. الخالدي: نظام الشورى في الاسلام، ص 89 ومابعدها. (2) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 100. نظام الحكم في الإسلام، ص 54. (3) د. الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 54.
47 (1/51)
صفحة 52
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
بحجة لوجود الفوارق الكثيرة بين ذلك العصر والبيئة المتميزة ببساطة المجتمع البدوي، والحياة المعاصرة المتميزة بالتعقيد والتنوع والتشابك وكثرة القضايا، بحيث بات من المستحيل على القاضي أن يصدر أحكامه دون معونة المستشارين ولا على المجتهد أن يصدر رأيه إلا بعد الاستقصاء واستقراء آراء المختصين.
النتيجة:
بعد استعراضنا لأدلة وحجج أصحاب الرأي القائل بعدم إلزامية الشورى ونقدنا لها، نخلص إلى أن هذه الأدلة كلها واهية لا تستند إلى أساس صحيح وإنما تقوم على التأويل. وفضلا عن ذلك فإنه يمكن مواجهة أصحاب هذا الرأي بالدليل العقلي ومفاده أن القول بمندوبية الشورى يؤدي بالضرورة إلى إعطاء الحاكم سلطات مطلقة مما قد يترتب عنه الاستبداد في الحكم والتعسف في السلطة وفي ذلك ضرر كبير على الأمة، ويكفي ذلك لجعل الشورى واجبة. فطبقا للقاعدة الأصولية "جلب المنافع ودرء المفاسد" فإن الضرر يجب أن يزال، وعليه فحتى إن افترضنا افتراضا أن الشورى مندوبة في أصل الشرع فإن مقتضيات العصر تستلزم جعل هذا المبدأ واجبا شرعيا في الحكم تماشيا مع قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان (1).
وبالإضافة إلى ذلك فإن الفكر السياسي الإنساني قد وصل بعد تجارب مريرة من الحكم الاستبدادي إلى القول بصلاحية النظام الديمقراطي الشوري كنموذج وحيد لرقي المجتمعات وتطورها وازدهارها في ظل احترام كرامة الإنسان بإعطائه حق التعبير والمعارضة والمشاركة في تسيير شؤون الدولة، وهو ما يتوافق مع الفطرة السليمة.
(1) محمد لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 97. .
48 (1/52)
صفحة 53
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المطلب الثاني: الشورى واجبة.
يجمع أصحاب هذا الرأي من الفقهاء والمفسرين والكتاب على إلزامية الشورى باعتبارها ركنا وأساسا جوهريا لنظام الحكم في الدولة المسلمة. ويمثل هذا الاتجاه العديد من الفقهاء والمفسرين القدماء مثل قطب الايمة الشيخ أطفيش الإباضي ومن السنة الطبطبائي والخوارزمي والجصاص وابن عطية ... الخ، هذا فضلا عن أغلب فقهاء السياسة الشرعية المحدثين مثل: المراغي، محمد عبده، متولي عبد الحميد الشيخ أبو زهرة، جلال شرف ... الخ. ويستند أنصار هذا الرأي في قولهم بإلزامية الشورى إلى النصوص القرآنية، كما يؤسسون رأيهم على السنة النبوية قولية كانت أم فعلية، وسنة الخلفاء الراشدين. ونتناول بالدراسة هذه الحجج فيما يلي:
الفرع الأول: القرآن
اختلف أصحاب هذا الرأي في الاعتماد على إحدى آيتي الشورى، وحول أيهما أقوى حجة في نصها على صفة الإلزامية. ونتناول بحث تفسير هاتين الآيتين فيما يلي:
الآية الأولى: قوله تعالى: {فِيمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فظًّا غليظ القلب لانقضُوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلين} [آل عمران: 159]. وترى مجموعة من المفسرين والكتاب أن هذه الآية أقوى حجية في الدلالة على الوجوب، وقد سميت بآية الشورى، وعليه اعتمد عليها أغلب المفسرين والفقهاء في ترتيب إلزامية الشورى، وتتمثل أهم قرائن الوجوب الواردة فيها في: (1) إن الأمر في هذه الآية مطلق فهو إذن للوجوب، وكما يقرر علماء الأصول فإنه طالما لم توجد قرينة مانعة للوجوب فإن الأمر يكون للوجوب (1).
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 58.
49 (1/53)
صفحة 54
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا
كر السياسي الإباضي والسني (2) إن الله حين أمر نبيه بمشاورة أصحابه في هذه الآية، فإنه لم يكن ذلك لحاجة الرسول إلى آرائهم لما يتمتع من صفة النبوة واغتنائه بالوحي الإلهي عن التفكير البشري، وإنما كان هذا الأمر الإلهي يستهدف وضع قاعدة دستورية جوهرية في الحكم ليلتزم بها المسلمون من بعده في الحكم والحياة في كل مكان وزمان. وقد قال بهذا جملة من المفسرين نستعرض آراءهم فيما يلي:
-
يقول المرجع قطب الأيمة الشيخ أطفيش في تفسير هذه الآية:
وعلة الأمر بالمشاورة الإنتفاع برأيهم، فقد يكون عندهم ما لم يكن عنده وتطييب قلوبهم ( ... ) وإحكامهم بمشاورتهم، وأن تقتدي به أمته بالمشاورة» (1). ويرى أنه من غايات الشورى ترك رأيه إلى رأيهم إذا ظهر له الصلاح في الترك» (2).
- وعن الحسن البصري» قد علم الله أنه ما به إلى مشاورتهم
-
حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعد من أمته» (3).
ويقول الطبطباني إن هذا الأمر «إنما سيق ليكون إمضاءا
السيرته، فإنه كذلك كان يفعل» (4).
وجاء في تفسير الطبري حول الحكمة من الأمر بالشورى في هذه الآية: «ليتبعه المؤمنون من بعده، ( ...... )، ويستنوا بسنته في ذلك، و يحتنوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته ... » (5).
(1) الشيخ: آطفيش هميان الزاد الى دار المعاد، ج (4)، ص 325 (2) الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش تسيير التفسير للقرآن الكريم، طبعة وزارة التراث القومي والثقافي، سلطنة عمان 1406 هـ/1986 م، ج (1)، ص 203. (3) الشيخ أطفيش هيمان الزاد الى دار المعاد، ج (4) ص.325 الألوسي روح المعاني، ج (3)، ص 106. الخازن لباب التأويل، ج (1)، ص 296. (4) محمد حسين الطبطاني: الميزان في تسيير القرآن، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، د. ت)، ج (4)، ص 56.
(5) الطبري: جامع البيان، ج (7)، ص 343.
50 (1/54)
صفحة 55
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر ال
لسني
وعن الألوسي أن في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين «إرشاد
للاجتهاد و جوازه بحضرته وإشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل الاجتهاد» (1).
وقد قال بهذا التفسير من المفسرين المحدثين كل من المراغي ورشيد رضا وسيد قطب (2)، كما ذهب إليه أغلب الباحثين والكتاب المسلمين المعاصرين (3). وعليه نخلص إلى أن مفاد الأمر في هذه الآية وإن كان في ظاهره متوجها للرسول، فهو في الحقيقة توجيه لأولي الأمر في كل زمان ومكان بانتهاج سبيل الشورى بناء على صفة القدوة التي يتمتع بها الرسول إذ اقتضت حكمة الله تربية الأمة على التشاور والتعاون للبحث عن الصواب وتحقيق العدل و من جهة أخرى فإن صيغة الآية تدل على الأمر المطلق الذي يحمل التأويل، والراجح في علم الأصول أن «الأمر في ذاته لفظ مطلق، والمطلق لا يقيد إلا إذا قام الدليل على تقييده) (4).
(3) سبب وتوقيت نزول الآية: إن الأمر الإلهي بالشورى الوارد في هذه الآية جاء بعد التجربة الأليمة التي مر بها المسلمون في غزوة "أحد"، حيث شاور النبي الاول المسلمين حول الخروج أو البقاء، فأشاروا عليه بالخروج فأخذ برأيهم رغم عدم اقتناعه به، وانهزم المسلمون في هذه
(1) الألوسي: روح المعاني، ج (3)، ص 106. (2) أحمد مصطفى المراغي: تفسير المراغي، دار الفكر، بيروت، (د. ت)، ج (4)، مج (2)، ص 113. سيد قطب في ظلال القرآن، ج (4) مج (2)، ص 167. رشيد رضا تفسير المنار، الطبعة الرابعة، دار المنار، مصر، 1373 هـ، ج (4)، مج (2)، ص 45. (3) منهم متولي مبدا الشورى، ص 11 بابللي: الشورى في الإسلام، ص 36، 42 - د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 61. . جلال شرف: نشأة ص 61. د. الفكر الاسلامي، ص 31. محمد أبو زهرة المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، الطبعة الثانية، ديوان المطبوعات الجامعية، 1981، ص 216.
(4) محمد أبو زهرة: أصول الفقه، دار الفكر العربي، 1973، ص 178.
51 (1/55)
صفحة 56
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الغزوة ومروا بمحنة كبيرة (1). وبذلك فإن في توقيت نزول هذه الآية حكمة إلاهية مقصودة، وهي تثبيت الشورى كتقليد في الحكم في نفوس الصحابة حتى لا يتزعزع بعد أن أدت ممارسته إلى نتائج سلبية. بل أن تثبيت هذا المبدأ بعد فشل تطبيقه من شأنه أن يجعله «أقوى وأعمق في إقراره من ناحية، و في إيضاح قواعد المنهج من ناحية ... » (2).
4) قوله تعالى في هذه الآية: «فإذا عزمت فتوكل على الله». ومعناه إذا بنيت رأيك على أمر قد تبين لك رشده» (3). فتوكل على الله في تنفيذه لا على عدتك وأصحابك، لكن «التوكل لا ينفي الكسب والمشاورة، فإن الإنسان يراعي الأسباب فيما يحتاج إلى الأسباب» (4). وليس معنى التوكل الاستغناء عن المشاورة، كما قد تؤول هذه الآية لأن الله كما يؤكد الشيخ أطفيش «أمره بالمشاورة والتوكل مع» (5). الآية الثانية: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا
-
الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38]. يرى العديد من المفسرين والباحثين (6) أن هذه الآية تعد دليلا شرعيا أقوى على وجوب الشورى، ذلك أن الله تعالى قرن الشورى فيها مع أركان الإسلام الأساسية وهي الصلاة التي هي عماد الدين والزكاة. ويعد هذا أكبر
(1) د. متولي: مبدا الشورى، ص 13
(2) سيد قطب في ظلال القرآن، ج (4)، مج (2)، ص 167. (3) ابن سلام اللواتي الإباضية القرن (3 هـ): بدء الإسلام وشرائع الدين ونكث من فضائل الصحابة المهتدين ولمح من أخبار الجبابرة المعتدين تح ر. ق. شقارتز و سالم بن يعقوب، دار إقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1405/،1985، ص 87.
(4) الشيخ أطفيش تيسير التفسير، ج (2)، ص 204.
(5) الشيخ أطفيش هميان الزاد الى دار المعاد، ج (4)، ص 327. (6) د. متولي مبادئ نظام الحكم، ص 244. ومبدأ الشورى، ص 11 - د. الانصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 49. والشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 45. علال الهاشمي الخياري: الإسلام وإيديولوجيات الفكر المعاصر، الدار التونسية للنشر، تونس، 1981، ص 149.
52 (1/56)
صفحة 57
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني الأدلة على وجوبها، وقد نزلت هذه الآية في معرض الحديث عن صفات المؤمنين التي يتميزون بها والتي هي صفات دائمة فيهم، فجعل الشورى إحدى هذه الصفات الجوهرية الثلاث للمسلمين وهي:
ـ في الجانب الاعتقادي: آمنوا بربهم واستجابوا لأمره ثم
أقاموا الصلاة.
-
في معاملاتهم فيما بينهم سلكوا مسلك الشورى وجعلوا منها
منهجا لحياتهم. في أموالهم كانوا ينفقون مما رزقوا من الكسب الحلال.
وقد يعترض على هذه الحجة بالقول أن هذه الآية تخلوا من صيغة الأمر الذي يفيد الإلزام والوجوب، وبالتالي تفيد أن الشورى ليست إلا صفة محمودة من صفات المؤمنين، ويرد على هذا الادعاء أن للشريعة الإسلامية خصائص وأساليب في المخاطبة بالإضافة إلى طرق استنباط أحكامها،
ومن ذلك أن القرآن يتميز بخاصيتين هما (1)
(1) ما تتميز بت كل من السور المكية والمدنية من خصائص ناتجة عن المسار التاريخي للدعوة الإسلامية. إذ نجد أن النوع الأول. من السور يتناول غالبا الجانب العقائدي مثل وحدانية الله والبراهين الإثباتية على ذلك، بينما يستهدف النوع الثاني وضع تشريعيات تفصيلية دقيقة وشاملة.
(2) أن القرآن لا يستعمل دائما نفس المصطلحات الفقهية لبيان الأحكام الشرعية، بل أن صيغ التكليف تختلف وتتنوع، ولذلك فإن الوجوب لا يرد دائما على صيغة الأمر. بل قد تستعمل مختلف الصيغ والعبارات
(1) يعقوب محمد المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام مع المقارنة بمبادئ الديمقراطيات الغربية، (رسالة دكتوراه)، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1972، ص 116. د. عمر سليمان: الأشقر: خصائص الشريعة الإسلامية، الطبعة الثانية، مكتبة الفلاح الكويت، 1986، ص 46.
53 (1/57)
صفحة 58
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني لتبليغ المعنى المقصود مثل صيغة الوصية أو الترغيب أو الترهيب أو ذكر ما يقترن بالفعل من ثواب في الدنيا وفي الآخرة (1).
وعليه فخلو الآية من صيغة الأمر لا يمنع من القول بدلالتها الإلزامية، حيث تضمنت إعطاء الشورى مركزا مساويا لمركز الصلاة والزكاة باعتبارها من أركان الدين.
وبالإضافة إلى ذلك فإن لفظة "الشورى" الواردة في الآية هي مصدر "كالبشرى" و «الإخبار عنه (تعالى) بالشورى مبالغة» (2) كما يؤكد الشيخ آطفيش بمعنى أن مدلول الآية يفيد أن المسلمين كثيري التشاور فيما بينهم وليس معناها الإخبار عن حالة الصحابة السابقة، بل التقرير أن المسلمين يجب أن يكونوا دائمي التشاور. ثم إن هذه الآية جاءت كجملة اسمية مما يمنحها دلالة أقوى على اللزوم، أما النص عليها بالصيغة الخبرية فإنما جاء تبعا لخصائص السور المكية (3).
ومن جهة أخرى فإن مدلول هذه الآية بخصوص إلزامية الشورى يمتد إلى الحكام والمحكومين على السواء، ذلك أن الأمر فيها ورد على صيغة الجمع ليشمل كافة المؤمنين، وإذا كانت الآية الأولى تأمر الحكام باتباع سبيل الشورى مع الشعب، فإن هذه الآية تقرر أن الشورى مبدأ أساسيا في حياة الأمة «واستوى في استحقاقه والقيام به الحاكم والمحكوم» (9) وهو «طابع أساسي للجماعة كلها يقوم عليه أمرها كجامعة ثم يتسرب ( ... ) إلى الدولة بوصفها إفرازا طبيعيا للجماعة» (5).
(1) أبو زهرة: أصول الفقه، ص 174 وما بعدها. (2) الشيخ أطفيش تيسير التفسير، ج (11)، ص 498. (3) المليجي: مبدا الشورى في الاسلام، ص 98. . (4) بابللي: الشورى، ص 41. (5) سيد قطب في ظلال القرآن مج (7)، ج (23)، ص 40.
54 (1/58)
صفحة 59
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي
الفرع الثاني: السنة النبوية القولية والعملية.
أولا: السنة القولية
سني
بالإضافة إلى القرآن الكريم وردت الكثير من الأحاديث النبوية في شأن إلزامية الشورى، حيث كان الرسول يأمر الصحابة ويحثهم في كثير من المواضع والمناسبات على الالتزام بمبدأ الشورى ونبذ الاستبداد ومن أهم هذه الأحاديث نذكر مايلي (1):
-
-
قوله له ماندم من استشار ولا خاب من استخار» (2). قوله عن أبي هريرة: «المستشير معان
والمستشار مؤتمن» (3).
-
مارواه الطبري عن الحسن قوله صلى الله عليه وسلم» ماتشاور قوم قط إلا هدوا
لأرشد أمرهم» (4).
يروي الألوسي حديثا أخرجه البيهقي في شعب الإيمان" عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أمرا فشاور فيه وقضى هدي لأرشد الأمور» (5).
(1) نكتفي باستعراض هذه الأحاديث دون بحث إسنادها، لما يتطلب ذلك من التوسع والتشعب والإطالة مما قد يخرجنا عن موضوع بحثنا وعن بحث قوة أسانيد هذه
الأحاديث أنظر د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 65 وما بعدها. (2) القرطبي: الجامع، ج (4) ص 251. بابللي: الشورى في الاسلام، ص 26. -المليجي: الشورى في الاسلام، ص 109. (3) ابن كثير: تفسير، ج (2) ص 143. د. عمارة: الإسلام وقضايا العصر، ص 100. بابللي نفس المرجع، ص 26 عودة نفس المرجع، ص 145. (4) القرطبي: الجامع (16) ص 36 - الطبري: جامع البيان، ج (7) ص 344. -الزمخشري: الكشاف ج (1) ص 474 أطفيش تيسير التفسير، ج (11)، ص 498 المراغي تفسير، ج (4)، مج (2)، ص 114.
(5) الألوسي: روح المعاني، ج (25) ص 46. -آطفيش: تيسير التفسير، ج (11)، ص 498.
55 (1/59)
صفحة 60
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
- ماروى عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب سال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأمر ينزل بنا، ولم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه منك سنة؟ فقال: اجمعوا له العالمين (وفي رواية العابدين أو العابد من أمتى) من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد» (1).
-
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المشورة حصن من الندامة وأمان
من الملامة» (2).
وعن أبي هريرة أن الرسول الله قال: «استرشدوا العاقل ترشدوا،
ولا تعصوه فتندموا»
-
(3)
روي سهل بن سعد الساعدي منه أنه قال: «ماشقي قط عبد
بمشورة وماسعد باستغناء رأي» (4).
-
قوله: «استعينوا على أموركم بالشورى» (5).
ما روي عن الترمذي عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنيائكم سمحاؤكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنه، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنيائكم بخلاؤكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» قال حديث غريب (6).
(1) الألوسي نفس المرجع، ج (25)، ص 46 أطفيش نفس المرجع، ج (11)، ص 499. د. متولي: مبدأ الشورى، ص 22 - د. محمود حلمي نظام الحكم الإسلامي مقارنا بالنظم المعاصرة، الطبعة الخامسة مطبعة الأمل، 1980، ص 165. (2) أبوطاهر إسماعيل الجيطالي النفوسي من فقهاء الإباضية المغاربة للقرن الرابع عشر، متوفي 750 هـ): قناطر الخيرات، طبعة حجرية (دم)، (دت) ج (3)، ص 179.
(3) أطفيش: تيسير التفسير، ج (11)، ص 499. الألوسي: روح المعاني، ج (25)، ص 46. (4) القرطبي: الجامع، ج (4)، ص 251، ج (2)، ص 1493. - د. الأنصاري: الشورى، ص 69. (5) د. الأنصاري: نفس المرجع، ص 110.
(6) آطفيش نفس المرجع ج (11) ص 499. القرطبي: نفس المرجع ج (16)، ص 38. الألوسي: نفس المرجع ج (25)، ص 46.
56 (1/60)
صفحة 61
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
عن عبد الرحمان بن غنم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر وعمر ما: إن الناس ليزيدهم حرصا على الإسلام أن يروا عليك زيا حسنا من الدنيا. فقال: وليم الله لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا» (1). ما يروى عن بن عباس عند نزول وشاورهم في الأمر" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ومن تركها لم يعدم غيا» (2). - يورد قطب الأيمة الشيخ أطفيش جملة من الأحاديث النبوية في
شأن الزامية الشورى - نذكرها دون الخوض في اسانيدها - أهمها (3): - قوله: «إن الله تعالى يرضي لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، و أن تعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا، و أن تناصحوا من ولاه الله أموركم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة «المال». رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة.
قوله: «اثنان خير من واحد و ثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمتي إلا على هدى» رواه
أحمد عن أبي ذر.
-
قوله: «كما تكونوا يولي عليكم» رواه الديلمي عن أبي بكرة والبيهقي في شعبه عن إبن إسحاق السبيعي مرسلا.
قوله: «الرجال ثلاثة رجل ونصف، رجل، ولا شيء، فالرجل هو المشاورة في أموره ونصف الرجل المشاورة في بعض أموره، ولا شيء الذي لا يشاور» عن ابن عباس.
(1) الألوسي: روح المعاني، ج (3)، ص 106 أطفيش: تيسير التفسير، ج (2)، ص 203. د. الخالدي: مبدأ الشورى، ص 25 و 83. ابن كثير: تفسير القرآن، ج (2)، ص 143.
(2) الألوسي: نفس المرجع، ج (3)، ص 106. (3) الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش: جامع الشمل في حديث خير الرسل، طبعة حجرية، نسخة مصورة، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1984، ص 297 298.
57 (1/61)
صفحة 62
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
و نلاحظ أن مضمون هذه الأحاديث هو الحث على المشاورة في الأمور، وأن ذلك هو أساس النجاح لما فيه من معاني التضامن والتعاون وحرية التعبير أولا، ثم لما يتمثل فيه من المشاركة في السلطة والاجتهاد والبحث عن الصواب والحق، وبذلك فإن نصح ولاة الأمور من الأيمة والولاة والقادة يعد واجبا دينيا على كافة المسلمين لأن ذلك يعد ضامنا من الاستبداد والطغيان.
ونشير في الأخير إلى أن د. الأنصاري (1) قد تناول بالبحث المستفيض لأسانيد هذه الأحاديث ومدى قوتها فرأى أن أغلبها ضعيف السند أو مشوب بما يدل على عدم صحته. و في رأينا فإن الآيات القرآنية السالفة الذكر والتي تعد أقوى حجية، فضلا عن الحجج العقلية بالإضافة الى السنة العملية للرسول صلى الله عليه وسلم تغنينا عن البحث في سند هذه الأحاديث، لأن من الأحرى أن تتناسب هذه الأحاديث مع تلك الحجج.
ثانيا: السنة النبوية العملية
تتضمن السنة العملية للرسول الله حسبما وردت في كتب السير والتفسير والتاريخ الكثير من الأمثلة والروايات التي تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره حاكما لدولة كان كثير الالتجاء إلى مشاورة أصحابه كلما أشكل عليه أمر ما. وفي الحقيقة لم تنقل لنا كتب السيرة والحديث إلا أبرز المواقف التي شاور فيها، خاصة منها الحروب نظرا لأهميتها في تلك الفترة المتسمة بنشر الدعوة الاسلامية. إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم رغم ما يتمتع به من صفة النبوة كان كثير الشورى، حتى قالت فيه زوجته عائشة أو أبا هريرة): مارأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله». (2). وقد اقتضت حكمة الله أن يترك
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 65 وما بعدها (2) أطفيش هميان الزاد الى دار العاد، ج (4)، ص.326. الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش وفاء الضمانة بإداء الأمانة في فن الحديث، مطابع دار ريدة، عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان 1986، ج (5)، ص 188 وفيه برواية عن أبي هريرة (ر). د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 69، ونظام الحكم في الإسلام، ص 51. وينسبه إلى عائشة.
58 (1/62)
صفحة 63
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يوحي إليه بالرأي الصائب في كثير من المواقف والمواضيع حتى يعوده على الاستشارة ليكون قدوة لحكام المسلمين من بعده، وليربي أصحابه على هذا المبدأ، ويرسخ هذا النظام كركن أساسي في الحكم. كما كان الأنبياء من قبله يستشيرون، ومن ذلك مشاورة سيدنا إبراهيم لابنه عندما نزل عليه الوحي بذبح ابنه. ويقول الشيخ إسماعيل الجيطالي الإباضي في هذا الصدد: «ألا ترى إلى إبراهيم الله حين أمر بذبح ابنه عزيمة عليه فحمله حسن الأدب على المشاورة، فقال لابنه أنظر ماذا ترى» (1).
وقد إستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وشعبه في عدة مناسبات مشهورة ذكرتها أغلب المصادر التاريخية واعتمدها أغلب من بحث حول الشوري لعل أهمها في الحروب:
-
- غزوة بدر: حيث استشار فيها أصحابه ثلاث مرات: بعد حادثة اعتراض العير، ولما بلغ المسلمين مجيء المشركين لقتالهم استشارهم حول إعلان الحرب على قريش، وحول موقع النزول.
-
- غزوة أحد: استشار فيها النبي الله أصحابه حول مسألة الخروج عن المدينة لقتال المشركين أو البقاء فيها ومقاتلتهم عند هجومهم.
-
غزوة الخندق (5 هـ): استشار فيها حول حفر الخندق.
- حول قضية الحديبية (6 هـ): استشار فيها النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين حول إعلان الحرب على المشركين فبايعوه بيعة الرضوان، الخ.
كما نجد في سيرة الخلفاء الراشدين الكثير من التطبيقات لمبدأ الشورى، بل لقد وسعوا من تطبيقاته ووضعوا عدة سوابق دستورية هامة كانت سوف تؤدي إلى بلورة نظام الشورى وتثبيته، لولا أن أجهضت التجربة الشورية النبوية والراشدية منذ العصر الأموي باغتصاب معاوية للخلافة وتثبيت نظام الوراثة والملوكية والاستبداد والبطش بالمعارضة
(1) الجيطالي: قناطر الخيرات، ج (3)، فصل في المشورة، ص 179.
59 (1/63)
صفحة 64
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني الإباضية الديمقراطية. وقد اشتهر الخليفة عمر بن الخطاب بمنهجه الشورى الفريد في تسيير الشؤون العامة وإشراك الجماهير في اتخاذ القرارات الهامة المتعلقة بالحرب أو بالشؤون العامة.
النتيجة العامة للمبحث:
:
بعد أن رأينا بطلان الرأي الأول القائل بأن الشورى مندوبة وأن أسانيدهم لا تقوم إلا على أسس ضعيفة وواهية، أثبتنا بالبحث والتحليل للأدلة والأسانيد الشرعية صحة الرأي القائل بوجوب الشورى كمبدأ جوهري في الحكم، إذ هي أقوى حجية وأدعم سندا وأكثر تطابقا مع روح الإسلام ومبادئه وعلى مبدأ مشاركة الرعية في الحكم. وأهم النتائج التي توصلنا إليها بعد دراسة الأسانيد الشرعية بخصوص إلزامية الشورى هي (1 إن كلتا آيتى الشورى تفيدان إلزاميتها ووجوبها، وهما متكاملتين في مدلوليهما، فالآية الأولى تقرر مبدءا دستوريا جوهريا في الحكم بتوجيهها أمرا إلى الحكام المسلمين من خلال النبي - بانتهاج سبيل الشورى ونبذ الاستبداد أما الآية الثانية فجاءت لتكمل الحكم الأول ولتوجه خطابا عاما لكافة الأفراد في الأمة، بأن يتشاورا في أمورهم، لأن الشورى الصحيحة الثابتة التي لا تزول بزوال الأنظمة هي تلك التي تكون متأصلة في المجتمع، ابتداءا من الأسرة، وانتهاءا برئيس الدولة.
(2) نلاحظ من خلال السنة النبوية أن الشورى تكون على طريقتين هما: - شورى يجلية: تكون بناء على طلب رئيس الدولة لأهل الرأي أو لشعبه. - شورى سلبية: تكون على شكل اقتراح رأي معين من طرف أحد الأفراد على الحاكم.
60 (1/64)
صفحة 65
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا مي الإباضي والسني
كما كان للرسول صلى الله عليه وسلم نوعان من الشورى (1):
شورى عامة: تتعلق بالأمور الهامة والخطيرة والمصيرية وفيها يستشير جمهور المسلمين.
شورى خاصة تتعلق بشؤون التشريع والفتوى والمسائل الشائكة
وفيها يستشير كبار الصحابة وخاصة الناس من أهل الشورى.
(3) إن الأدلة الشرعية الواردة، بخصوص إلزامية الشورى تنطبق المنطق والعقل لما للشورى من فوائد على المصلحة الفردية والمصالح العالمة للأمة، وما للتسلط والاستبداد من مضار جسيمة على حريات الأفراد والمجتمع، والشريعة الإسلامية لا تصطدم مع العقل السليم، بل هي شريعة الفطرة، ومن المقرر شرعا أن الوسيلة تأخذ حكم غايتها وبالتالي فهي واجبة بوجوبها فإذا قررنا أن نظام الشورى هو وسيلة لتحقيق العدالة واتخاذ قرارات إدارية وسياسية صائبة وحكيمة فإن ذلك يعني وجوبها عقلا وشرعا.
(2)
وإنما هي
وعليه وبناء على ما سبق نستخلص أن الشورى هي ركن جوهري في حياة المسلمين وبالتالي في الدولة المسلمة وهي «ليست محمدة اختيارية كما يذهب إلى ذلك صنائع الملوك المستبدين» كما يؤكد المرجع الإباضي قطب الأيمة الشيخ أطفيش - حق ثابت للأمة الإسلامية تجاه الحكام» تأخذه بالقوة، وواجب عليها، تأثم جميعها بتركه» وعليه كما يقول قطب الايمة الشيخ أطفيش:
•
(3)
من الحزم لدي لب أن لا يبرم أمرًا إلا بمشورة ذي الرأي الناصح
ومطالعة ذي العقل الراجح» (4).
(1) د. فتحي الدريني: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، الطبعة الأولى،
مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982، ص 459.
(2) محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، الطبعة الثالثة، دار القلم (د. م)، 1966، ص 450.
(3) نفس المرجع، ص 450.
(4) الشيخ أطفيش: شرح النيل وشفاء العليل، ج (14)، ص 223.
61 (1/65)
صفحة 66
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الثالث
نطاق الشورى وأهل الشورى
لئن كان مبدأ الشورى سواء في اختيار الحكام أو في تسيير شؤون الحكم- يعد واجبا مفروضا في المجتمع المسلم، فماهو نطاق الموضوعات التي تجب فيها الشورى، ومن هم أهل الشورى الذين يلتزم الحاكم باستشارتهم، وهل هؤلاء لهم صفة نبابية أم يختارون حسب معيار الكفاءة؟ وهل يكون رأيهم ملزما على الحاكم؟ أم يكون الحاكم مخيرا بين الأخذ برأي أغلبية أهل الشورى والتمسك برأيه الشخصي؟.
ونحاول الإجابة على هذه التساؤلات الهامة من خلال المطلبين الآتيين:
المطلب الأول: نطاق الشورى
إذا كانت الهيئة التشريعية في النظم الدستورية الحديثة قد حددت المواضيع التي تختص بالتشريع فيها ونطاق عملها وسلطاتها في الدستور، فإنه لم يكن كذلك الشأن بالنسبة لمجلس الشورى أو جماعة أهل الحل والعقد على افتراض أن له نفس الصفة الدستورية للبرلمان إذ لا نجد في الفقه الإسلامي من المفسرين أو من فقهاء السياسة الشرعية من تناول بالبحث المفصل والتحديد للموضوعات التي يجب فيها على الحاكم في الإسلام أن يعرضها على "أهل الشورى" على اختلافهم لاستقصاء آرائهم (1).
(1) د. متولي: مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص 253 مبدأ الشورى في الإسلام، ص 19. المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 161.
62 (1/66)
صفحة 67
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر
فتحديد نطاق الشورى يعد من الأمور الاجتهادية، إذ لم يرد في الكتاب أو السنة القولية والفعلية تحديدا دقيقا للموضوعات التي يجب فيها على الحكام أن يستشيروا في شأنها، وتلك التي تكون من اختصاصهم وحدهم (1)، وزاد من ذلك أن أغلب الفقهاء المسلمين لم يجتهدوا في وضع الأسس التي يقوم عليها مجلس الشورى ولا حاولوا تحديد اختصاصاته بدقة ووضع ضوابط لسلطة الملك، ولم يثيروا أية إشكالية حول ما قد يستهدف من مواضيع عبر العصور في مختلف بقاع أرض الإسلام، ولا بحثوا إمكانية استبداد الحاكم باتخاذ قرارات تعسفية دون استشارة الأمة، بل اكتفوا بمقوله أن الخليفة مقيد بالكتاب والسنة، وأعطوا تفسيرات عامة لآيتي الشورى، ففتحوا بذلك الباب واسعا لتأويل النصوص الشرعية لتبرير الاستبداد وإصباغ الصفة الشرعية على أعمال الحكام التعسفية. فكان هذا النقص الخطير في تحديد السلطات في الحكم سببا في تحول الخلافة الإسلامية إلى ملك استبدادي وسيادة مقولة أن الخليفة جاء لخلافة النبوة"، فأعطي الخليفة نفس السلطات التي كان يتمتع بها النبي.
وإذا بحثنا آراء المفسرين حول الموضوعات المقصودة من كلمة "الأمر" الذي يجب فيه التشاور الواردة في آيتي الشورى، نجدهم قد انقسموا إلى ثلاث اتجاهات هي:
-
منهم من يرى حصر الشورى في أمور الحرب ونحوها فقط،
1
وهي الأمور الخطيرة والهامة مما يحتاج إلى نظر ودقة تفكير. منهم من وسع نطاقها لتشمل كافة الأمور الدنيوية التي لم يرد فيها نصا شرعيا قاطعا.
منهم من ذهب إلى توسيع نطاق الشورى ليتجاوز الأمور الدنيوية إلى بعض الأحكام الدينية التي تحتاج إلى تغيير، أو لتوضيح بعض أمور الدين.
(1) متولي: نفس المرجع، ص 253.
63 (1/67)
صفحة 68
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الأول: أمور الحرب والقضايا الاستثنائية. يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الشورى إنما تجب فقط في أمور الحرب، أوما شابهها من الموضوعات والمسائل التي تتطلب اتخاذ قرارات هامة، ومصيرية، أو تلك التي تستلزم معرفة وكفاءة فنية عالية. ويستند هؤلاء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت أغلب استشاراته في مسائل الحروب ونحوها.
ومن المفسرين القدماء الذين قالوا بهذا الرأي نجد ما يلي: الزمخشري حيث يقول: «في أمور الحروب ونحوها، مما لم
ينزل عليك فيه وحي .. » (1).
-
-
ابن كثير إذ يقول: «في مثل الحروب وما جرى مجراها» (2). الخازن في تفسيره لآية الشورى وشاورهم في الأمر" يقول:
وذلك في أمر الحرب ونحوه من أمور الدنيا ... » (3). القرطبي إذ يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب ( ... )، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند الله» (4). ويورد ابن العربي نفس الفقرة السابقة في تفسيره للآية
"وأمرهم شورى بينهم"
-
(5) ?
المراغي إذ يرى «أن النبي كان يستشير السواد الأعظم من المسلمين ويخص بها أهل الرأي والمكانة في الأمور التي يضر إفشاؤها» (6).
(1) الزمخشري: الكشاف، مج (1)، ص 744. (2) ابن كثير: تفسير القرآن، ج (4)، ص 117. (3) الخازن لباب التأويل، ج (1)، ص 296. (4) القرطبي: الجامع، ج (16)، ص 37. (5) ابن العربي: أحكام القرآن، ق (4)، ص 1656. (6) المراغي: تفسير المراغي، ج (4) مج (2)، ص 113.
64 (1/68)
صفحة 69
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين ال سي الإباضي والسني وقد أيد هذه الآراء العديد من الكتاب والباحثين المعاصرين (1)، ورأوا أن الشورى إنما تجب في بعض القضايا والمسائل ذات الطبعة الخاصة، وذات الدقة والخطر بحيث تحتاج إلى البحث وإجهاد الفكر مالم يرد نص شرعي ينظم هذه الأمور.
ويذهب الأستاذ عبد الحميد متولي بعيدا في حصر نطاق الشورى بالقول أن: «هناك أمورا لم ينزل فيها وحي، لم يكن الرسول يستشير فيها رغم أهميتها» (2). ويستدل بذلك بإيذان الرسول لبعض المنافقين أن يتخلفوا عن القتال في غزوة تبوك دون أن يستشير جمهور الصحابة رغم ما قدموه من أعذار واهية. نقده يمكن أن نوجه إلى أصحاب هذا الرأي الانتقادات التالية: (1) إن هذا الرأي يؤدي إلى تقليص صلاحيات "مجلس الشورى" وحصرها في الأمور الهامة فقط، مما يؤدي إلى ظهور سلطة فردية مستبدة، باعتبار أنه يوسع من سلطات الحاكم.
(2) إن النبي لله والخلفاء الراشدين من بعده. استشاروا في عدة
مناسبات في أمور بسيطة لم تكن هامة أو خطيرة في طبيعتها. (3) إذا كانت أكثر المشاورات التي أجراها النبي صلى الله عليه وسلم تتعلق بأمور الحرب والغزوات ضد المشركين، فإن ذلك يرجع إلى الظروف السائدة آنذاك، وقد استشار الصحابة من بعده خاصة الخليفة عمر له في مختلف الأمور الدنيوية الأخرى، وعليه فلا يصح القول أن الشورى تجب في أمور الحرب وما شاكلها فقط.
(1) منهم د. مصطفى الشكعة تفسير سورة آل عمران، دار النهضة العربية، بيروت، 1972، ص 97. - أحمد بوضياف للهيئات الاستشارية في الإدارة الجزائرية (الطروحة دكتوراه للدولة في القانون) جامعة الجزائر، معهد الحقوق والعلوم الإدارية، الجزائر، 1982، ص 40. المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 154 - متولي: مبادئ نظام الحكم الإسلام، ص 254.
(2) متولي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 20.
65 (1/69)
صفحة 70
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(4) إن أصحاب هذا الرأي لم يضعوا معيارا دقيقا جامعا شاملا لتحديد الموضوعات التي تجب فيها الشورى على الحاكم.
الفرع الثاني: كافة الأمور الدنيوية التي لم يرد فيها
نص شرعي.
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن نطاق الشورى يشمل كافة المسائل والقضايا والشؤون الدنيوية التي لم يرد نص شرعي ينظمها ويبين الحكم فيها. أما الأمور الدينية التي ورد فيها نص شرعي، فهي أمور ثابتة لا تتغير حسب الظروف والأزمنة وبالتالي فإنه لايجوز التشاور في شأنها لتغييرها أو تبديلها لأنه: «لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات
والحلال والحرام، مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من وضع البشر» (1). ويروي الطبري عن سفيان بن عيينه قوله حول نطاق الشورى للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي (2)
«هي
وعن الشيخ محمد عبده في تفسيره: «المراد بالأمر، أمر الأمة الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة، لا أمر الدين المحض الذي مداره على الوحي دون الرأي» (3).
وعن الشيخ أبي زهرة «هي أصل عام لكل شؤون المسلمين، فيما
(4)
لم يرد فيه نص» ويستدل هؤلاء على رأيهم إلى أن الصحابة كانوا لا يعرضون شوراهم على النبي له إلا بعد أن يتأكدوا أن العمل الذي بصدده أو القرار الذي اتخذه صادر عن رأيه الشخصي وليس عن وحي منزل،
(1) محمد الشيخ عبده و الشيخ محمد رشيد رضا تفسير المنار، الطبعة الرابعة، دار المنار، مصر، 1373 هـ، ج (4)، ص 200. (2) الطبري: جامع البيان، ج (7)، ص 345. (3) محمد عبده: تفسير المنار، ج (4)، ص 200.
(4) الإمام محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، مصر، (د. ت)، ص 24.
66 (1/70)
صفحة 71
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وعليه فإن الشورى حسب أصحاب هذا الرأي هي القاعدة، وبالتالي فهي واجبة على الحكام في جميع الشؤون الدنيوية والاستثناء من ذلك هي الأمور الدينية التي تجوز فيها المشاورة.
وتشعبها
نقـ
و
ده: يمكن أن نوجه إلى هذا الرأي الانتقادات التالية:
(1) إن ترك مجال الشورى بهذا الشكل ليشمل كافة الأمور الدنيوية التي لم يرد فيها نصا شرعيا يؤدي إلى عدم الوضوح والخلط، لأن تطبيق ذلك يستحيل واقعا وعملا لكثرة الأمور الدنيوية و إتساع الحياة المعاصرة تعقدها، ثم هناك بعض الأمور والمسائل التي تحتاج إلى السرعة والسرية في اتخاذ القرار بشأنها مثل المسائل التنفيذية المستعجلة، بالإضافة إلى أن هنالك أمورا أخرى بسيطة لا تستلزم استشارة في شأنها. وعليه فلا بد من تحديد الموضوعات الدنيوية التي تجب فيها الشورى بواسطة وضع معيار معين لتمييزها عن الموضوعات الأخرى.
(2) إن أصحاب هذا الرأي استبعدوا الأحكام الدينية عن أي اجتهاد واستشارة وهو ما يخالف صراحه عمل الصحابة والخلفاء الراشدين، حيث نجدهم اجتهدوا في أمور دينية محضة مثل: ميراث الجد، زيادة حد شارب الخمر، تقسيم أراضي الخراج ... الخ. ثم ان التطور السريع للحياة وتعقدها يستدعي الاجتهاد العقلي المستمر لحل المشاكل الطارئة انطلاقا من النصوص الشرعية. الفرع الثالث: كل الأمور الدنيوية وبعض الأحكام الدينية.
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الشورى تشمل حتى بعض الأحكام الدينية، فإن كان من المسلم به والمتفق عليه بين العلماء والفقهاء أن الشورى لا تكون فيما نزل فيه وحي قاطع من الله، فإن ذلك يجوز استثناء في بعض الأحكام الدينية قياسا على ما فعله الصحابة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم واستشارتهم في موضوعات تعد من صميم الدين حيث يروي القرطبي في تفسيره أن: «الصحابة بعد وفاة الرسول كانوا يتشاورون في الأحكام
67 (1/71)
صفحة 72
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويستنبطونها من الكتاب والسنة ( ... ) تشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال، و تشاوروا في الجد وميراثه وفي حد الخمر وعدده ... » (1) وعن الألوسي: «وكانت لهم أيضا في الأحكام، كقتال أهل الردة و ميراث الجد، وعدد حد الخمر وغير ذلك» (2).
نقده نتفق مع هذا الاتجاه في القول بشمول الشوري بالإضافة إلى الأمور الدنيوية لبعض الأحكام الدينية، إلا أننا نعيب على أصحاب هذا الرأي عدم تحديدهم لطبيعة الأحكام الدينية التي يجوز التشاور فيها، كما نوجه لهذا الرأي نفس الانتقاد الذي وجهناه للرأي الثاني، بخصوص ضرورة تحديد الأمور الدنيوية التي يجب فيها التشاور.
النتيجة:
بعد استعراضنا للأراء الثلاثة التي قيلت حول نطاق الشورى، نجد أن الرأي الثالث هو الذي أعطى أوسع مجالا للشورى، ويمكن ملاحظة
ذلك في الجدول التالي:
جدول (2) نطاق الشورى حسب آراء الفقهاء
الاتجاهات
الأمور الدنيوية
(1) الرأي المضيق بعض الأمور
الأمور
الأمور الدينية كل الأمور الدينية
الهامة والخطيرة البسيطة
(2) الرأي الوسط
كل الأمور الدنيوية
كل الأمور الدينية
بعض
(3) الرأي الموسع كل الأمور الدنيوية
الأمور التي تجب فيها الشورى.
الأمور التي لا تجوز / لا تجب فيها الشورى.
(1) القرطبي: الجامع لاحكام القرآن، ج (16)، ص 37. (2) الألوسي: روح المعاني، ج (25)، ص 46.
ما ورد فيه
الأحكام الدينية | نص قطعي
68 (1/72)
صفحة 73
أنه
سني
د. أوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا ونحن نؤيد الرأي الثالث لأنه يتطابق مع سنة الخلفاء الراشدين، كما يسمح بتوسيع مجال الشورى إلى بعض الأحكام الدينية التي يمكن أن تفسر حسب مقتضيات الظروف والأزمنة تحقيقا للمقاصيد العليا للشريعة غير أنه حتى نوفي بغرض بحثنا فلابد من التحديد الدقيق للمسائل والموضوعات دينية كانت أم دنيوية التي تجب فيها الشورى على الحاكم، وتلك التي لا تجب فيها، ونحاول تحديد ذلك حسب اجتهادنا- فيما يلي: أولا: الأمور التي لا تشملها الشورى: يجب أن لا تشمل
الشورى نوعين من المسائل وهي:
أ) المسائل الدينية القطعية: وهي الموضوعات التي يرد فيها حكم شرعي قطعي الدلالة والثبوت (1)، والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، مثل وجوب الصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج والشهادتين، وتحريم جرائم السرقة والزنا وشرب الخمر والقتل ... الخ، ففي هذه المسائل لا يجوز إطلاقا التغيير فيها بإجتهاد أو طلب مشورة، وليس لأفراد الأمة فيها رأي، بل عليهم طاعتها والتسليم بها.
ب المسائل البسيطة والأمور التنفيذية وهي القضايا والمسائل البسيطة القليلة الأهمية التي لا تستدعي التشاور في شأنها، أو الأمور التنفيذية التي تحتاج إلى السرعة في معالجتها واتخاذ القرارات في شأنها، لأن في إلزام الحكام بأخذ رأي "مجلس الشورى" في هذه الأمور عبئا كبيرا عليهم، وتعطيلا لسير مؤسسات الدولة بانتظام و اطراد. أما تحديد نطاق الموضوعات التنفيذية التي لا تجب فيها الشورى فيترك للمجتهدين في كل زمان ومكان وفقا لقاعدة المصالح المرسلة.
ثانيا: الأمور التي تجب فيها الشورى: وتتضمن نوعين من
المسائل وهي:
(1) قطعي الدلالة، بمعنى اتضاح إرادة الشارع سبحانه من النص، وقوة دلالة النص على المعنى المراد، أما قطعي الثبوت فمعناه صحة سند النص وثبوت ثقة روايته.
69 (1/73)
صفحة 74
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أ) المسائل الدينية غير القطعية وهي كافة الموضوعات التي وردت فيها أحكاما شرعية ظنية الدلالة والثبوت، مما يستلزم فتح مجال الاجتهاد في تفسيرها، من طرف جماعة أهل الحل والعقد من المجتهدين، وتحقيق الإجماع حول حكمها ليصدره الحاكم كتنظيم ملزم في الدولة. ويمكن التمييز بين نوعين من الأحكام الظنية لكل منها نطاق محدد للاجتهاد وهي (1):
- الأحكام الظنية الثبوت وهي الأحكام التي يكون الظن حول صحة سندها وطريقة وصولها إلينا، فيكون مجال الاجتهاد هو البحث حول ثبوت سندها ومدى ثقة الرواة الذين نقلوها.
- الأحكام الظنية الدلالة: وهي الأحكام التي يكون الظن فيها حول المراد من النص، وقوة دلالته على المعنى، فيكون مجال الاجتهاد هو البحث لمعرفة دلالة النص الحقيقية بالاعتماد على القواعد اللغوية والاستناد إلى المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.
والدليل على جواز الاجتهاد والشورى في الأمور الدينية غير القطعية هي السوابق التي تركها الصحابة والخلفاء الراشدون، حيث اجتهدوا في أمور دينية بحتة لورود أحكام شرعية ظنية بشأنها في الكتاب والسنة مثل: مقاتلة المرتدين على أبي بكر، حد جريمة شرب الخمر، تقسيم أراضي الخراج في العراق، ميراث الجد ... الخ، ويقول بن عابدين في هذا الصدد:
إن كثيرا من الأحكام بينها المجتهد على ما كان في زمانه، فتختلف لاختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرر ( ... ) بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة والضرر للناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتسيير» (2).
(1) د. وهبة الزحيلي الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة، مطبعة دار الكتاب، 78/ 1977، ص 496. د. أحمد محمود الشافعي: أصول الفقه الإسلامي، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية،1983، ص 489 490. (2) انظر: د. سليمان محمد الطماوي: السلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي، دراسة مقارنة، الطبعة الثالثة، دار الفكر العربي، (د. م)، 1974، ص 320. نقله عن رسالة" نشر "العرف" دون ذكر مؤلفها.
70 (1/74)
صفحة 75
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويتولى المشورة في الأمور الدينية غير القطعية "أهل الحل والعقد" من المجتهدين نووا الكفاءة، ويسمى عملهم "اجتهادا" لأنهم أعلم بطرق استنباط الأحكام الشرعية، ولأن هذه المسائل لا يمكن أن يستشار فيها الناس لكونها تتعلق
بأمر الدين، ومن المعلوم أن الشورى في الإسلام محدودة بحدود الشريعة. ب الأمور الهامة والخطيرة والمسائل الفنية: وتتمثل في كافة الموضوعات التي لم يرد فيها نصا شرعيا، سواءا كان قطعيا أو ظنيا، كالقضايا المستهدفة نتيجة تطور الظروف وتغيرها والمرتبطة بالمجالات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها. ونقسم هذه الأمور إلى نوعين: النوع الأول: القضايا والمسائل الهامة والخطيرة: ويستشار فيها الشعب بنفسه أو بواسطة ممثلية من أهل الحل والعقد. ويمكن أن نعتمد لتحديد هذه الموضوعات معيار المصلحة العامة والأهمية، فكل المواضيع والمسائل المتعلقة بالمصلحة العامة للأمة والتي تعتبر ذات أهمية تدخل في نطاق الشورى مثل قضايا الحكم وتسيير الأموال العامة وتحديد الاختيارات الاقتصادية والسياسية للأمة ونحوها، ويتولى مجلس الشوري بكافة فئاته كما سوف نراها - إصدار القوانين والتشريعات لتنظيم هذه الموضوعات، بالاعتماد على الدلالة العقلية كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب (1). أما الموضوعات البسيطة التي لا تستلزم الشورى فيكون
للحاكم سلطة تقديرية في تصريفها.
(1) يعرف علماء الأصول هذه الأدلة العقلية كالتالي: "القياس إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه للإشراك بينهما. في علة الحكم". - الاستحسان:" أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ماحكم به في نظائرها
إلى خلافه، لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول تعريف الكرخي الحنفي. - المصالح المرسلة: وهو حفظ المقاصد الكلية الخمسة للشريعة والتي تتفق كافة الملل والأديان على حفظها، وهي الدين النفس العقل، النسب المال. . - الاستصحاب: "بقاء الحكم نفيا أو إثباتا حتى يقوم دليل على تغير الحال". تعريف ابن القيم. انظر: د. الشافعي: أصول الفقه، ص 154،107، 187. د. الزحيلي: الوسيط في أصول الفقه، ص 284 و 300.
71 (1/75)
صفحة 76
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الـ
والدليل على شرعية الاجتهاد لتنظيم هذه المواضيع هو سنة النبي العملية وسنة الخلفاء الراشدين .. حيث كانوا يستشيرون "أهل الحل والعقد" والجماهير حول مختلف القضايا والمسائل ذات الأهمية مثل خطط الحروب وتنظيم شؤون الدولة وغيرها، وقد قال النبي: «ماكان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به» رواه أحمد (1).
النوع الثاني: المسائل الفنية ويستشار فيها "أهل الاختصاص" من العلماء والخبراء المختصين من كل المجالات وتتميز بطبيعتها التقنية والفنية، ولا يكون للدين دخل فيها إلا بصفة غير مباشرة بواسطة توجيهها لخدمة المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، وقد قال النبي: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» رواه مسلم عن عائشة وأنس (2). وفي هذه المسائل يجب على الحاكم أن يستشير أهل الاختصاص كل في مجاله، وأن لا يتصرف فيها بمفرده لأن في ذلك ضررا كبيرا على الأمة.
ويمكن أن نبين تقسيمنا هذا الذي وضعناه، في الجدول التالي:
جدول (3) و (4) نطاق الشـ ورى حسب رأينا
الأمور الدنيوية
الأمور الدينية
الموضوعات الهامة - - الأمور التنفيذية - الأمور الدينية الأمور الدينية
- المسائل البسيطة غير القطعية
القطعية
- المسائل الفنية مسائل تجب فيها الشورى مسائل لا تجب / لا تجوز فيها الشورى
وبناء على ما سبق نصل إلى التحديد النهائي لنطاق الشورى حسب
الجدول التالي:
(1) محمد رشيد رضا الخلافة، الزهراء للإعلام العربي، (دت)، 1988، ص 38.
(2) نفس المرجع، ص 38.
72 (1/76)
صفحة 77
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بينا سياسي الإباضي والسني
المسائل التي تشملها الشورى
المسائل التي لا تشملها الشورى
الموضوعات الهامة والخطيرة المتعلقة - الأمور الدينية القطعية
بالمصلحة العامة
- المسائل البسيطة
-
المسائل الفنية
- الأمور الدينية غير القطعية
- الأمور التنفيذية
وإذا كان هذا نطاق الشورى الواجبة في الإسلام، فمن هم أهل الشورى؟ وماهي الفئات التي يتكون منها مجلس الشورى واختصاصات كل منها بإحدى الموضوعات التي تشملها الشورى -حسب الجدول السابق؟ وطبيعة مركز أهل الشورى الخاصة" في الدولة المسلمة؟.
المطلب الثاني: أهل الشورى
نحاول بعد تحديدنا لنطاق -الشورى دراسة وبحث نظام أهل الشورى، أي الفئة التي يجب أن يلتزم الحاكم باستشارتها، بالإجابة على التساؤلات التالية هل يقصد بأهل الشورى في الإسلام جماعة معينة من أهل الرأي وقادة المجتمع، أم يقصد بهم جمهور المسلمين؟ أم أن الشورى تكون لهذين الصنفين معا؟ وماهو نظام وطبيعة مجلس أهل الحل والعقد و شروط اختيارهم؟ فهل هو مجلس تمثيلي نيابي، أم هو مجلس اجتهاد فقهي؟، وهل يكون رأي أهل الشورى ملزما على الحاكم، خاصة إذا صدر عن الأغلبية؟ أم يكون الحاكم مخيرا بين الأخذ به أو تركه؟
الفرع الأول: تحديد أهل الشورى
لم يرد في القرآن ولا في السنة القولية أي تحديد لأهل الشورى الذين يجب على الحاكم الاستعانة بهم في ممارسة حكمه، لذلك يكون اعتماد الباحثين على ما جرت عليه السنة السنة النبوية العملية وسنة الخلفاء الراشدين من بعده. وقد انقسم الكتاب والباحثون في هذا الصدد إلى رأيين نستعرضهما مع نقد كل منهما فيما يلي:
73 (1/77)
صفحة 78
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الرأي الأول: أهل الشورى هم نخبة المجتمع
يرى أصحابه أن الحاكم لا يكون ملزما إلا باستشارة أهل الحكمة والرأي وقادة الفكر في المجتمع، لأنهم أدرى بالأمور وأدرك بخفاياها وأحوط بدقائقها، وعليه فهم وحدهم أهل لإبداء الرأي السديد واكتشاف الصواب، أما العامة من الشعب فغالبا ما يتجنبون الصواب ويخضعون للتأثيرات المختلفة التي تبعدهم عن الحقيقة (1).
يسمي
ومن الفقهاء القدامى الذين قالوا بهذا الرأي الشيخ ابن تيمية الذي أهل الشورى من العلماء والفقهاء بالإضافة إلى الحاكم بـ"أولي الأمر" و يرى أنه على عامة الناس الطاعة المطلقة لما يقرره "أولي الأمر" أي الحاكم وجماعة الشورى لأن طاعتهم مقرونة بطاعة الله والرسول (2) طبقا للآيات الواردة في هذا الشأن، كما ذهب هذا المذهب المعتزلة والإمام الشافعي، فقالوا أن تحقيق القصد من الشورى لا يتأتى من رأي العامة والحمقى، إذ لا جدوى من مشاورة الجاهل بل أن الأمر للعلماء والحكماء أصحاب العقول الناضجة ممن يدرك خفايا الأمور (3).
ويعتمد أنصار هذا الرأي بالإضافة إلى ماسبق، على السنة النبوية
العملية، و يستندون في ذلك إلى ما يلي:
- إن النبي صلى الله عليه وسلم حين يطلب مشورة الناس إنما كان يتجه إلى خاصة قومه ممن يطلق عليهم بـ"الصحابة"، وهو عندما يقول «أشيروا علي يا أيها الناس» إنما يقصد أصحابه المقربين ممن سموا فيما بعد بـ"أهل الحل والعقد"، وليس الأفراد العاديين
(4)
•
(1) د. حلمي: نظام الحكم الإسلامي، ص 186 د جلال شرف: نشأة الفكر السياسي الاسلامي، ص 33 - المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 182، 184. (2) تقي الدين ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، الطبعة الأولى، الزهراء للنشر والتوزيع الجزائر، 1990، ص 167. (3) أنظر: د. الخالدي: نظام الشورى، ص 116 - محمد لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 61. (4) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 230.
74 (1/78)
صفحة 79
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
إن الشورى في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تنحصر في فئتي المهاجرين والأنصار دون المنافقين والمشركين، ثم أن الشورى لم تكن تمارس مع هؤلاء جميعا، بل اقتصرت على فئة معينة من المقربين للرسول من أهل العلم ومن زعماء المهاجرين والأنصار ممن كان موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم مثل: سعد بن عبادة عمر بن الخطاب، أبو بكر الصديق ... الخ (1).
نقده لاشك أن في هذا الرأي جانب معتبر من المنطقية والواقعية، إذ أنه يستحيل استشارة الجماهير في كل أمر من أمور الحياة العامة، و قد وردت في السنة العملية للرسول الله الكثير من الأمثلة أين استشار فيها جماعة خاصة من الصحابة دون الناس جميعا. غير أن هذا الرأي لا يخلو من النقائص و يمكن أن نوجه له الانتقادات التالية:
(1) إن حصر أمر الشورى على فئة النخبة الخاصة من المجتمع قد يؤدي إلى غمط حق الجماهير في المشاركة في الحكم وإبداء الرأي حول القضايا الهامة والمصيرية، وفي هذا نقض لمبدأ شمولية الشورى الذي جاء به الإسلام.
(2) إن طبيعة بعض القضايا والأمور تستلزم استشارة الأغلبية من الجماهير وعدم الإكتفاء برأي "أهل الحل والعقد".
(3 إن "أهل الحل والعقد" قد يخضعون للضغط والإغراء من طرف الحكام المستبدين، فيصدرون أراءهم بما يتطابق مع سياسة
الحكام، ويزكون أعمالهم وقراراتهم للتقرب إليهم وعدم إغضابهم. (4) إن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشار في العديد من المرات جمهور المسلمين حول مختلف القضايا، ولم يقتصر على استشارة جماعة كبار الصحابة.
(1) المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 182، 184.
75 (1/79)
صفحة 80
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الرأي الثاني: أهل الشورى هم الجمهور.
يرى أصحاب هذا الرأي وهم الكتاب المحدثين، أن الشورى إنما تكون للجمهور كافة وهي حق لجميع أفراد الأمة ولا تختص بطائفة معينة من الناس، ويستدلون على ذلك بما يلي:
(1 إن كلمة "الأمر " الواردة في آيتي الشورى أسندت إلى ضمير الجمع، وهذا يدل دلالة واضحة على أن أهل الشورى إنما هو جمهور المسلمين (1). (2) قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن المُنكَرِ} [آل عمران: 110]، و تتضمن هذه الآية دعوة صريحة للأمة بجميع أفرادها المشاركة في الحكم بواسطة الشورى (2).
11
(3) إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يطلب المشورة كان غالبا ما يستعمل عبارة أشيروا علي أيها الناس". و هذا دليل على أنه كان يستشير الجمهور. (4) إن القول أن الشورى هي حق لجميع المسلمين يترتب عنه الأخذ بالمبدأ للعام المباشر لضمان مشاركة جميع أفراد الأمة في تدبير شؤون الحكم (3). نقده رغم صحة هذا الرأي النسبية إلا أنه منتقد من عدة أوجه وهي: (1) إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستشير الخاصة من أصحابه في بعض المسائل الهامة التي تحتاج إلى السرية.
(2) هناك أمور ومسائل خاصة لا يمكن استشارة كافة أفراد المجتمع إذ تتطلب كفاءة وخبرة، وأخرى تتطلب علما وفقها وأخرى تتطلب السرية والسرعة، وعليه فلا يمكن فيها استشارة جميع أفراد الأمة.
(1) المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 182، 184. (2) العربي: نظام الحكم الإسلامي، ص 63. (3) د. متولي مبدأ الشورى في الإسلام، ص 29.
76 (1/80)
صفحة 81
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الـ الإباضي والسني
(3) يستحيل أخذ رأي الجماهير في كافة القضايا، فإذا كان ذلك ممكنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكما كان سائدا في المدن اليونانية، فإن ذلك غير متصور في عصرنا الحالي، لذلك فمن الضروري تعيين هيئة نيابية عن الشعب تتولى وظيفة الشورى.
(4) 4 إن أصحاب هذا الرأي لم يحددوا الوسائل والكيفيات التي تتم بها إشراك الشعب في تسيير شؤونه.
النتيجة:
إن كلا الرأيين قاصر إذا ما أخذناه وحده، إذ أن كلا من النوعين من الشورى واجب في الإسلام، والرسول الله كان يستشير عامة الناس أحيانا ويستشير خاصتهم أحيانا أخرى، وذلك حسب طبيعة المسائل والقضايا موضع المشاورة، وعليه نصل إلى أن هناك نوعين من الشورى كلاهما ضروري لقيام حكم شوري ديمقراطي، وهما:
شورى عامة: تتوجه إلى كافة أفراد الأمة ولا يمكن أن تتم في
الوقت الحاضر إلا بواسطة الاقتراع العام السري المباشر، ولا يطلب في الناخبين إلا أن يكونوا بالغين عاقلين مع صفة المواطنة.
-
شورى خاصة: تتوجه إلى مجموعة معينة من الأفراد ذوي الكفاءات الخاصة من أهل العلم والرأي وأصحاب الاختصاص، ويسمون "أهل الحل والعقد" أو "مجلس الشورى" أو "أولي الأمر"، و نحن نفضل تسمية "مجلس الشورى" لأنها أكثر تطابقا مع وظيفة هؤلاء وعملهم، ونسمي أعضاء هذا المجلس يـ "أهل الشورى". ذلك تثور تساؤلات لم يجد لها الباحثون جوابا شافيا حول طبيعة هذا المجلس وتركيبته وشروط العضوية فيه، نحاول الإجابة
ومع
عنها فيما يلي:
77 (1/81)
صفحة 82
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الثاني: طبيعة مجلس الشورى
تثور إشكالية أساسية حول طبيعة مجلس الشورى، لم يتفق الباحثون الفقهاء حول الإجابة عنها وهي:
فهل لمجلس الشورى طبيعة نيابية وتمثيلية لأفراد الأمة، بمعنى أن له نفس المركز الذي لهيئة البرلمان في النظام الديمقراطي؟ أم أنه هيئة تتشكل من الفقهاء والمجتهدين ولا يراعي فيها تمثيل فئات المجتمع بقدر ما يراعي فيها كفاءة أعضائها وقدرتهم على استنباط الأحكام الشرعية؟. ويترتب عن ذلك تساؤل آخر وهو: هل أهل الشورى ينتخبون أم يعينون؟.
وقد انقسم الباحثون في هذا الصدد إلى رأيين هما:
الرأي الأول: ويمثله الدكتور محمد الخالدي ويرى أن الحاكم في الإسلام هو الذي له الحق في تعيين أهل الشورى"، ويستند في ذلك إلى ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حيث انتدب "سعد بن عبادة" و"سعد بن معاد" ليستشيرهما في مسألة صلح غطفان (1) ولاشك أن هذا الرأي مردود، لأن النبي الله والخلفاء الراشدين كانوا يستشيرون غالبا ممثلي مختلف الفئات التي كان يتشكل منها المجتمع مثل المهاجرين والأنصار وزعماء القبائل.
-
الرأي الثاني: ويمثله أغلبية الباحثين والفقهاء المعاصرين، ويذهب إلى تكييف مركز "أهل الحل والعقد" بنفس مركز نواب الأمة في هيئة البرلمان على اعتبار أن الأمة أنابتهم عن نفسها ليقوموا بإصدار التشريعات واستنباط الأحكام الشرعية باسمها، وهذا مما يستلزم إشراك جميع أفراد الأمة في انتخابهم
(2)
(1) د. الخالدي: نظام الشورى في الاسلام، ص 123. محمد عبده تفسير المنار، ج (4)، ص 46 وما بعدها.
(2)
78 (1/82)
صفحة 83
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويذهب محمد عبده في تفسيره لآية 105 من سورة آل عمران التي تنص على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي {وَلتَكن مِّنكُمُ أُمَّة يَدْعُونَ إِلى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إلى تبني النظرية الإباضية في الحكم والتي تعتبر أن هدف الامامة إنما هو القيام بوظيفة الأمر والنهي، حيث يرى أن هذه الآية تقرر الأخذ بنظام الديمقراطية النيابية، باعتبار أن وظيفة الأمر والنهي لا يمكن أن تقوم بها الأمة جمعاء، وعليه فلابد من تخصيص جماعة تتولى القيام بهذا الأمر، وهذه الجماعة تنتخب من طرف أفراد الأمة الذين يكون لهم حق الرقابة عليها ومحاسبتها على تفريطها، وعدم إعادة انتخابها إذا قصرت في عملها، وهذا يعني أن العلاقة التي تربط بين "مجلس الشورى" والشعب، تكون مماثلة للعلاقة التي توجد بين هيئة البرلمان والشعب في النظام الديمقراطي (1).
وفي رأينا فإن هذا الاتجاه أقرب إلى الصحة لتطابقه مع الشرع والعقل، إذ ما الفائدة أن يستشير الحاكم حول قضايا وشؤون الدولة مجلسا يعينه بنفسه ولا يكون له طبيعة نيابية، ولا يكون للشعب أي دور في انتخاب أعضائه، بل إن في ذلك تجسيدا للاستبداد، بعينه كما أن ذلك يتعارض مع الشرع أيضا إذ نجد أن مجلس الشورى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كان يتشكل من ممثلي مختلف أقسام الشعب كما سوف نرى. ' ويجب أن يخضع انتخاب هؤلاء الممثلين في رأينا المعيارين
أساسيين هما:
-
-
التمثيل الشعبي. الكفاءة العلمية.
(1) الشيخ أبو الأعلى المودودي: الحكومة الإسلامية، ترجمة: أحمد إدريس، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1990، ص 176. بوضياف الهيئات الاستشارية، ص 68. د. العربي: نظام الحكم في الإسلام، ص 84 د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 71 د. حلمي: نظام الحكم الإسلامي، ص 167.
79 (1/83)
صفحة 84
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
والدليل على ذلك أن أهل الشورى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء
الراشدين كانت تتوفر فيهم إحدى المزايا الأربع التالية (1):
الأسبقية في الإيمان بالرسالة والجهاد في سبيل الله، مثل علي ابن أبي طالب
الكفاءة العلمية وحسن الأخلاق، مثل أبي بكر الصديق، وعمر
ابن الخطاب
المكانة في القوم، مثل سعد بن عبادة وسعد بن معاذ. التفوق العلمي، مثل عبد الله بن العباس وزيد بن ثابت وفي الواقع يمكن إجمال هذه الصفات في معيارين هما: الكفاءة العلمية والأخلاقية.
التمثيل القبلي (فكرة النيابة الشعبية).
الفرع الثالث: الشروط الواجبة في أهل الشورى.
يشترط الفقهاء في أهل الشورى نفس الشروط اللازم توافرها في المجتهدين، ويمكن إجمالها فيما يلي (2):
-
معرفة العلوم الدينية ومنها الكتاب والسنة النبوية القولية منها والفعلية، ومعرفة آراء فقهاء السلف وما أجمعوا عليه ليتبعه، وما اختلفوا فيه ليجتهد فيه برأيه، ومعرفة قياس الفروع على الأصول وكيفيته، وأن يكون مسلما مكلفا.
أما الإباضية فقد وضعوا ستة شروط يجب توافرها في "أهل
الشورى" وهي (3):
(1) المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 184.
(2) انظر: د. حلمي نظام الحكم الإسلامي، ص 226 وما بعدما. (3) الجيطالي: قناطر الخيرات، فصل في المشورة، ج (3)، ص 180 وما بعدما.
80 (1/84)
صفحة 85
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(1) أن يكون ذا عقل وتجربة لأن «كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب» (1)، واستنادا لقوله صلى الله عليه وسلم «استرشدوا العاقل
ترشدوا، ولا تقصوه فتندموا».
(2) أن يكون متدينا تقيا مأمون السريرة لقوله: «من أراد أمرا
فليشاور إمرءا مسلما، وفقه الله لأرشد أموره».
(3) أن يكون مخلصا في النصح ودودا، بمعنى أن لا يكون حسودا فلا يخلص المشورة.
(4) أن يكون فكره سليما من المشاغل والهموم حتى يحسن المشورة. (5) أن لايكون فقيرا جائعا أو صاحب حاجة، لأن ذلك يحول دون إخلاصه في النصح.
(6) أن لا يكون له في الأمر الذي يستشار فيه مصالح شخصية أو أغراض وأهواء، لأن «غير ذي الحاجة أسلم وهو إلى الصواب أقرب لخلوص الفكر وخلوه من الهوى والشهوة» (2).
بينما يميز الفقيه الماوردي جماعة أهل الشورى التي تتولى اختيار الخليفة ويسميها بـ"أهل الاختيار ": ويضع لها شروطا خاصة بها تختلف عن الشروط الواجبة في المجتهدين، بحيث لا يشترط في هؤلاء إلا قدرا معينا من الكفاءة التي تسمح لهم باختيار المرشح الأصلح لتولي الخلافة،
ويحصر الماوردي الشروط الواجبة في هؤلاء في ثلاث فقط وهي (1) العدالة بكافة شروطها.
(3)
(2) العلم الذي يسمح له ببحث مدى توافر الشروط المعتبرة في الخليفة.
(1) الجيطالي: قناطر الخيرات، فصل في المشورة، ج (3)، ص 180. (2) نفس المرجع، ص 180. (3) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 6. والماوردي لا يميز بصفة واضحة ودقيقة بين أهل الاختيار و"أهل الحل والعقد بل إنه يستعمل كلا التعبيرين للدلالة على الجماعة
التي تتولى اختيار الخليفة.
81 (1/85)
صفحة 86
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(3) الرأي والحكمة اللذان يساعدان على انتقاء من هو أصلح وأكفأ للقيام بأمر الخلافة. غير ان الدكتور الأنصاري يضيف لهذه الشروط، شرطا رابعا من الأهمية بمكان يتمثل في حيازة هؤلاء لتقة الأمة ورضاها، بمعنى أن يتم تعيينهم
بالانتخاب العام المباشر، كما يجب أن تتوفر فيهم الأخلاق الدينية الفاضلة (1). وفي رأينا فلابد من التمييز بين كل من "أهل الحل والعقد" الذين يعتبرون مجتهدين فتشترط فيهم نفس شروط المجتهد، و"أهل الاختيار" الذين يتولون اختيار الخليفة فتشترط فيهم شروطا أقل صرامة.
النتيجة
لقد حاولنا الإجابة عن الإشكالية الأولى بمعنى من هم أهل الشورى؟ فتوصلنا إلى أن هناك شورى عامة تتوجه إلى الجمهور وشورى خاصة تتوجه إلى أهل الرأي وقادة الناس، ثم حاولنا بعد ذلك بحث طبيعة مجلس الشورى بالاستناد إلى السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، فوجدنا أن هذا المجلس يتكون وفقا للتمثيل الشعبي من جهة، والكفاءة العلمية والأخلاقية من جهة أخرى. كما استعرضنا شروط أهل الحل والعقد فوجدنا أن الفقيه الماوردي وضع شروطا خاصة تتعلق بأهل الاختيار الذين يتولون اختيار الإمام، وبناء على ذلك يجب في رأينا تقسيم أهل الشورى إلى نوعين وتقسيم النوع الثاني إلى ثلاث فئات حسب اختصاصاتها، كالتالي:
أولا: أهل الشورى العامة وهم جمهور المسلمين أي كافة أفراد الأمة العاقلين البالغين الذين لهم صفة المواطنة، ويستند ذلك إلى السنة
العملية للنبي والخلفاء الراشدين.
ثانيا أهل الشورى الخاصة ونرى أنه يجب التمييز بين ثلاثة
أنواع من أهل الشورى الخاصة حسب وظيفة كل منهم وهي:
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ض 149، 150.
82 (1/86)
صفحة 87
د. أوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(1 أهل الحل والعقد وهم الذين يتولون إصدار التشريعات لتنظيم مختلف شؤون الأمة، ويجب أن تكون لهم صفة نيابية ويختارون من طرف الشعب. ومن هؤلاء ينبثق المجتهدون الذين يستنبطون الأحكام الشرعية ويجب أن تتوفر فيهم الكفاءة العلمية وشروط الاجتهاد طبقا لسنة النبي له وهو الخلفاء الراشدين الله، كما رأينا سابقا.
(2) أهل الاختيار وهم مجموعة من أهل الرأي وقادة المجتمع الذين يتولون اختيار المرشح لرئاسة الدولة من بين عدة مرشحين بعد بحث كافة الشروط الضرورية فيه، فيبايعونه البيعة الخاصة التي لا تكون لها صفة إلزامية وإنما يعود للشعب الاختيار النهائي بواسطة البيعة العامة، ويجب أن يعين أهل الاختيار من طرف الشعب بواسطة
الانتخاب العام المباشر.
"
(3) أهل الاختصاص وهم العلماء المختصين في كل مجالات الحياة، ويختارون من طرف الحكام على أساس كفاءاتهم العلمية وحدها. ولا يتطلب فيهم سوى الإلمام بالأمور الفنية التي يستشارون فيها. ويخضع "أهل الاختصاص" لرقابة "أهل الحل والعقد ويشكلون مجلسا واحدا، هو "مجلس الشورى" الذي يتولى إصدار القوانين.
النتيجة العامة للمبحث:
حاولنا في المطلب الأول تحديد نطاق الشورى، فقلنا أن الشورى يجب أن تشمل المسائل التي وردت فيها نصوصا غير قطعية، والأمور الدنيوية الهامة التي يعد استشارة الشعب فيها من المصالح المرسلة، والمسائل الفنية والتقنية، كما توصلنا في المطلب الثاني إلى تقسيم أهل الشورى إلى نوعين وهما أهل الشورى العامة وهم الجمهور وأهل الشورى الخاصة وهم نخبة المجتمع، وقسمنا هذه الفئة بدروها إلى ثلاث فئات وهي: أهل الحل والعقد، وأهل الاختيار، وأهل الاختصاص.
83 (1/87)
صفحة 88
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وبناء على هذه النتائج يمكن أن نضع تقسيما كاملا يبين اختصاص كل فئة من فئات أهل الشورى بكل موضوع من المواضيع التي يجب التشاور فيها، وذلك مساهمة منا في وضع نظرية شاملة لمفهوم الشورى في الإسلام، ويمكن توضيح هذا التقسيم في الجدول التالي:
جدول (5) أنواع اهل الشورى ونطاق الشورى حسب رأينا.
أهل الشورى
نطاق الشورى
نوعها.
أهل الحل والعقد الأحكام الدينية غير القطعية شورى خاصة فقهية
(المجتهدون) أهل الحل والعقد
(نواب الشعب)
الأمور الهامة (المصالح المرسلة)
شورى عامة
انتخاب الخليفة ... الخ
أهل الاختصاص
أهل الاختيار
المسائل الفنية والتقنية ترشيح الخليفة
شورى خاصة فنية
شورى خاصة
ويتميز هذا التقسيم بعدة مميزات حيث يسمح بتوزيع الاختصاصات والأعمال بين ثلاث فئات من أهل الشورى، وفقا لكفاءاتها وطبقا لطبيعة الموضوعات والمسائل موضوع الشورى، ونستند في تقسيمنا هذا إلى السنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ويمكن أن نلاحظ ذلك من خلال أهم الأحداث والمناسبات التي استشاروا فيها، ونبينها في الجدول التالي: (1/88)
صفحة 89
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
جدول (6) السوابق النبوية والراشدية في الشورى
(1) الرسول:
المناسبة
موضوع الشورى
أهل الشورى
(1) غزوة بدر ((أ) الخروج للقتال استشارة كبار المهاجرين والأنصار بمشهد جمهور
الناس وموافقتهم
نوعها
عامة
ب موقع النزول أشار عليه الحباب بن المنذر خاصة (تقنية)
(ج) قضية الأسرى استشارة كبار الصحابة
(أهل الشورى)
(2) غزوة أحد الخروج للقتال استشارة جمهور الناس
خاصة (فقهية)
عامة
(3) غزوة الخندق (1) حفر الخندق أشار عليه سلمان الفارسي خاصة (تقنية)
ب) مصالحة غطفان استشارة سعد بن معاذ
وسعد بن عبادة
(4) سبي هوزان حول إرجاع السبي استشارة عامة الناس (5) غزوة الحديبية حول إعلان الحرب استشارة جميع المسلمين بايعوه بيعة الرضوان)
خاصة
عامة
خاصة (تقنية)
غزوة الطائف حول خطة القتال استشارة نوفل بن معاوية
خاصة (تقنية)
خاصة
(7) قضية الإفك حول صحة الخبر استشارة عمر وعلي
(2) أبو بكر الصديق:
المناسبة
موضوع الشورى
أهل الشورى
نوعها
خاصة 8) قضية الخلافة حول ترشيح عمر (أ) كبار الصحابة (أهل الاختيار)
ب) جمهور الناس
85
عامة (1/89)
صفحة 90
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(3 عمر بن الخطاب:
المناسبة
موضوع الشورى
أهل الشورى
(9) حرب القادسية حول السير بنفسه (1) كبار الصحابة (أهل
على رأس الجيش
الشورى)
ب) جمهور الناس
نوعها
خاصة
عامة
(10) حرب الفرس حول خطة القتال أحد الفرس المسلمين خاصة (تقنية)
(11) فتح بلاد العراق وفارس الأراضي وفرض الخراج عليها
كافة الصحابة حول عدم تقسيم
(12) أمور الدولة (أ) حول تعيين الولاة كبار الصحابة (أهل الشورى)
عامة
عامة
) إنشاء الدواوين أشار عليه الوليد بن هشام خاصة (تقنية)
(13) الأحكام الدينية (حول زيادة حد عقوبة - كبار الصحابة (أهل خاصة (تقنية)
شارب الخمر
الشورى)
هدية ملكة الروم –عامة الناس
لزوجة عمره
عامة
(14) انتخاب خليفة حول ترشيح خليفة: جماعة من ستة من كبار خاصة
المسلمين
المسلمين
الصحابة
وعليه وبناء على ما سبق نصل إلى تقسيم الشورى الواجبة على الحاكم في الدولة المسلمة حسب التالي:
(1) شورى عامة تتوجه إلى جميع أفراد الأمة، وتتعلق بكافة الموضوعات والمسائل الهامة والمصيرية المتعلقة بالمصلحة العامة، كاختيار الحاكم وتغيير قواعد نظام الحكم ونحوه، مما ينبغي معه استقراء
86 (1/90)
صفحة 91
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
رأي الجمهور، ويتم ذلك بواسطة الاستفتاء العام بالمفهوم المعاصر (1). ويقوم الأساس الشرعي لهذه الشورى على سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كما رأينا أنظر الامثلة في الجدول. كما يروي أن عمر به اعترض على الخليفة أبي بكر له حين قسم أرضا لبيت المال على بعض الناس فقال له: «فهلا استشرت؟ قال: استشرت من حولي، قال: هل هي لهم؟ قال: لا هي للمسلمين جميعا قال عمر فهلا أوسعت المسلمين مشورة؟» (2).
ملك
ويدل هذا على أن الأمور الهامة المتعلقة بالمصلحة العامة يجب أن لا يبث فيها إلا بناء على استشارة كافة أفراد الأمة. ب شورى خاصة تتولاها جماعة "أهل الشورى" تتعلق بالمواضيع والمسائل التي تحتاج إلى دراية واختصاص، وينقسم
"أهل الشورى" إلى ثلاثة أنواع (أنظر الامثلة في الجدول)، وهي: - أهل الحل والعقد وهم المجتهدين ويختصون بالأمور الفقهية والتشريعية. أهل الاختيار وهم أهل الرأي والكفاءة يتولون أساسا اختيار
الخليفة وعقد البيعة الخاصة والتي تعد بمثابة ترشيح له.
- أهل الاختصاص وهم العلماء والخبراء المختصون في كل مجالات الحياة، وتقتصر استشارتهم على الموضوعات والمسائل التي
يختصون فيها
(1) بوضياف الهيئات الاستشارية، ص 67،68.
(2) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 87 هامش (1).
87 (1/91)
صفحة 92
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الرابع
مدى إلزامية رأي أهل الشورى على الحاكم
إذا كان مبدأ الشورى يعد واجبا إلزاميا على الحاكم كما رأينا، فهل يعتبر الرأي الصادر عن أهل الشورى ملزما للحاكم؟، أو يكون للحاكم حق الاختيار بين الأخذ به أو مخالفته؟ بمعنى أن الإشكالية التي تثور في هذا الصدد هي:
-
ماهية القوة الإلزامية للرأي الصادر عن أهل الشورى، ومدى وجوب الالتزام به، خاصة إذا كان هذا الرأي صادر عن أغلبية أو إجماع أهل الشورى؟ ويترتب عن هذه الإشكالية حتما تساؤل آخر هو:
- هل نظام الشورى في الإسلام يقضي بالخضوع لمبدأ الأكثرية أم لا؟ وإذا بحثا آراء المفسرين وكتاب السياسة الشرعية نجدهم قد انقسموا في هذا المجال إلى اتجاهين أساسيين هما:
الاتجاه الأول: وهو الغالب لدى فقهاء السلف والباحثين
والكتاب ويرى عدم إلزامية نتيجة الشورى على الحاكم؟ وأن مبدأ
الأكثرية ليس من الإسلام.
-
الاتجاه الثاني: ويمثله أقلية من الفقهاء والكتاب؟ ويرى إلزامية
نتيجة الشورى على الحاكم، لاسيما إذا صدرت عن رأي الأكثرية تعني الإجماع المعترف بحجيته شرعا وعقلا.
بالإضافة إلى هذين الاتجاهين، يوجد رأي آخر يقول به الأستاذ عبد الحميد متولي (1)، ويرى أن مسألة التزام الحاكم برأي أهل الشورى ومدى
(1) د. متولي: مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص 249 250 مبدأ الشورى في الإسلام، ص 17.
88 (1/92)
صفحة 93
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر
الإباضي والسني
الخضوع لمبدأ الأكثرية، إنما هي من الموضوعات التفصيلية التي تختلف حسب الظروف والأزمنة وتفاوت الشعوب في تطورها وممارستها للشورى، وعليه كان من الحكمة ألا تتعرض الشريعة لهذه المسألة، وأن لا تضع فيها قواعد جامدة. ويرد على هذا الرأي أن مسألة الخضوع لرأي الأغلبية تكتسي أهمية بالغة الخطورة على نظام الشورى وهي من الأمور الأساسية، لذلك فإن الإسلام قد نظمها بنصوص شرعية عامة كما سوف نرى ونتناول بالدراسة والنقد لهذين الاتجاهين فيما يلي:
المطلب الأول: رأي أهل الشورى غير ملزم على الحاكم. ذهب أغلبية المفسرين القدماء واتبعهم العديد من الكتاب والباحثين المحدثين إلى أن رأى أهل الشورى لا يكون ملزما للحاكم، بل أن الحاكم يكون مخيرا بين الأخذ به أو تعديله ورفضه حسب مطابقته لمبادئ الشريعة حتى وإن صدر عن الأغلبية، لأن الأكثرية في الإسلام ليست ميزانا لتمييز الحقيقة من الخطأ، فالحاكم إنما يلزم بالرأي الصائب سواء صدر من الأقلية
أو الأكثرية.
مع
ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى جملة من الأدلة والحجج نستعرضها
النقد في ثلاث عناصر هي:
-
-
-
الأسانيد الشرعية.
مبدأ الخضوع للأكثرية ليس من الإسلام.
الأدلة العقلية. وذلك فيما يلي:
الفرع الأول: الأسانيد الشرعية ونقدها
وتتمثل في النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، بالإضافة إلى السنة العملية للنبي الله والخلفاء الراشدين ونتناولها في الآتي: 1) قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ في الأمْر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ على الله. [آل عمران: 159].
89 (1/93)
صفحة 94
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويرى بعض المفسرين أن كلمة "العزم" الواردة في الآية تفيد أن للرسول مطلق الحرية في تنفيذ الرأي الذي عزم عليه هو وليس الذي أشير به عليه، فقد يكون ما عزم عليه مطابقا لنتيجة الشورى أو مخالفا لها. حيث يقول الطبري في تفسيره لكلمة العزم: «يعني إذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك فامض لما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفه» (1). وعن القرطبي: «أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه
ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم» (2).
ويقول الإمام الشافعي: " إنما يؤمر الحاكم بالمشورة، لكون المشير ينبه على ما يغفل عنه ويدله على ما لا يستخصره من الدليل، لا ليقلد المشير فيما يقوله» (3).
(2) قوله تعالى: {يَا أيهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْر مِنكُمْ} [النساء: 59]،
ويتضمن أمرا للمسلمين بطاعة أولى الأمر، والقول بأن الحاكم يكون ملزما برأي أهل الشورى يؤدي إلى المس بهذه الطاعة فيصبح صوت الحاكم لا وزن له إلا كونه رأيا من جملة الآراء (4).
(3) قوله: «استعينوا على أموركم بالشورى» وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولى منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، إن نسى ذكره، وأن ذكره أعانه (5)).
(1) الطبري: جامع البيان، ج (7)، ص 344 (دار) طبعة المعارف - مصر).
(2) القرطبي: الجامع، ج (2)، ص 1493. (3) انظر شهاب الدين أبي الفضل العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، مصر، 1959، ج (7)، ص 346.
(4) د. حسين هويدي: الشوري في الإسلام، دار المنار الإسلامية الكويت 1957، ص 19. (5) المليجي: مبدأ الشورى، ص 110.
90 (1/94)
صفحة 95
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الإباضي والسني وتبين هذه الأحاديث أن طلب المشورة إنما يكون على سبيل الاستعانة
والاستنارة حتى يكون الخليفة على بينة من أمره حين يتخذ قرارته (1). (4) قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: «لو اتفقتما في مشورة ماخالفتكما، ويعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ برأيهما حتى لوكان مخالفا لرأي
أبدا»
الصحابة كلهم (2).
وقد أيد العديد من الباحثين والكتاب المعاصرين هذا الرأي وقالوا إن الحاكم يكون له حرية اتخاذ القرار حسب الرأي الذي يتضح له صوابه حتى لو خالف رأي الأغلبية (3).
ــده: يمكن تفنيذ الأدلة السابقة كالتالي:
(4)
(1) إن تفسير الشطر الثاني من آية الشورى السالفة الذكر، فيه تأويل عن المقصود بحيث أن العزم" الوارد فيها يتعلق بتنفيذ القرار لا باتخاذه، إذ أن المفهوم اللغوي لكلمة "العزم" هو: «ما عقد عليه قلبك أنك فاعله» أي عقد العزيمة والتصميم، ومضمون الآية يفيد أن "العزم" الوارد فيها يتعلق بتنفيذ القرار بعد تمام المشاورة وليس في مرحلة اتخاذ القرار. بالإضافة إلى ذلك فقد اقترن العزم في الآية بالتوكل على الله، والتوكل إنما يكون في مرحلة التنفيذ، وعليه فإن المقصود بالعزم في الآية هو المضي في تنفيذ القرار وعدم التردد، لأن التأرجح في ذلك يؤثر سلبا على مصالح الأمة.
فالشورى متى أخذت حقها وجب المضي في العمل لأن: «الرئيس إذا شرع في العمل تنفيذا للشورى لا يجوز أن يقتضي عزيمته ويبطل عمله،
(1) المليجي: مبدأ الشورى، ص 100.
(2) د. متولي مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص 665
(3) منهم المليجي: مبدأ الشورى في الإسلام، ص 134 متولي: مبادئ نظام الحكم،
ص 246 - بابللي: الشورى في الإسلام، ص 57، 78.
(4) ابن منظور لسان العرب، ج (52)، ص 399
91 (1/95)
صفحة 96
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أكما
ولو كان يرى أن أهل الشورى أخطاوا كما حدث في مسالة أحد» (1)، وتقرير الإسلام لهذه القاعدة الهامة إنما جاء» لصيانة مبدأ الشورى ذاته من أن يصبح وسيلة للتأرجح الدائم والشلل الحركي» (2).
أما التوكل على الله الوارد في الآية فيجب ألا يؤول بمعنى الاستغناء عن الشورى، لأن هذا التوكل يأتي بعد استكمال الشوري وتطبيقها على أحسن وجه، إنما يعني الاتكال على الله وحده لإنجاح تنفيذ القرار لأن التوكل على الله: «لا ينافي مراعاة الأسباب، بل يكون بمراعاتها مع تفويض الأمر إليه تعالى شأنه "أعقلها وتوكل"» (3).
(2) إن طاعة أولى الأمر التي يأمر بها الإسلام لا تعني بأي حال من الأحوال الاستغناء عن رأي أهل الشورى، أو جواز استبداد الحاكم بسلطته، وقد أدى سوء فهم وتفسير هذه الآية من قبل المفسرين القدماء وعامة المسلمين إلى تحول الحكم الإسلامي في مدة قرون من الزمن إلى حكم إستبدادي مطلق. (3 إن القول أن الشورى تكون للاستعانة والاستبيان من الحاكم، قول لا أساس له من الصحة، لأن ما استند عليه من نصوص شرعية يتناقض السنة النبوية العملية، حيث أخذ الرسول الله في عدة مناسبات برأي جماعة الصحابة وخضع له.
مع
(4 إن أغلب المفسرين لم يميزوا عند تفسيرهم لآيتي الشورى بين مركز النبي الله ومركز أولي الأمر في كل زمان ومكان، فالنبي يوحى له وبالتالي يمكن له أن يستغنى عن الشورى أحيانا، أما أولوا الأمر فهم بشر لا يتمتعون بصفة الوحي، وبالتالي فهم في حاجة دائمة إلى الشورى.
(1) المراغي: تفسير المراغي، ج (4) مج (2)، ص 115. (2) محمد عبده تفسير المنار، ج (4)، ص 168. (3) الألوسي: روح المعاني، ج (3)، ص 107.
92 (1/96)
صفحة 97
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياس
الشورى من كبار الصحابة السابقين في الإيمان، كما أن في هذه الآيات تحفيزا للمسلمين في كل زمان ومكان على التمسك بعقيدتهم والإخلاص لها، وعدم الانخداع بكثرة عدد أهل الباطل وقلة أهل الحق.
أما في الأمور والمسائل الأخرى الخارجة عن نطاق العقيدة فلابد من اتباع قاعدة الخضوع لرأي الأغلبية أو الإجماع، والدليل على ذلك ما ورد من أسانيد شرعية كثيرة حول وجوب اتباع الإجماع كما سوف نرى عند بحثنا لحجج الاتجاه الثاني.
الفرع الثالث: الأدلة العقلية
وتتمثل في عنصرين:
(1) إن الأكثرية جاهلة ببواطن الأمور ومفاده أن الحق في غالب الأحيان يكون إلى جانب أقلية من أهل الحكمة والنظر، وأن الأكثرية غالبا ما تغتر بعددها فتتجنب الحق، بل وتقاومه وتتبع أهواءها، وتتصرف بما يخالف مصلحتها، لأن العامة من الناس والغوغاء لا تدرك خفايا الأمور وبواطنها بل تنخدع بالمظاهر والأشكال، ويقول الإمام جمال الدين الأفغاني في هذا الصدد: «إن الحقائق من أديان و مذاهب وقواعد علمية وفنية ما ظهرت واستقرت وانتشرت إلا بواسطة أفراد قلائل، بعد أن قاومهم المجموع بأشد ما لديه من القوة ووسائل القهر» (1). وعليه فالثورات والحركات الإصلاحية السياسية وغيرها، في كافة المجتمعات والأزمنة
والأمكنة تقوم بها دائما فئة أقلية من الناس رغم مقاومة أغلبيتهم. نقده: إن في هذا القول مصادرة عن المطلوب، إذ لا ينكر دور
بصدد
الأقلية في إحداث الثورات والتغييرات الاجتماعية الظرفية، غير أننا البحث عن دور الأكثرية في تسيير الشؤون العامة للدولة، ومدى إلزامية الرأي الصادر عن إرادة جماعية لأهل الشورى الخاصة أو العامة- على
(1) د. متولي: مبدأ الشورى، ص 32. 33.
94 (1/97)
صفحة 98
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
صراحة
الحاكم. أما الحجة التي مفادها أن الأغلبية من الجماهير والعامة جاهلة ولا تدرك بواطن الأمور فهي لا تؤدي إلا إلى تبرير التسلط وحكم الأقلية، بل وإلى الاستبداد بالرأي والقول بفكرة الوصاية على الأمة، وهذا مما يتنافى مع ما أعطاه الإسلام من وزن للفرد في المجتمع وحق في المشاركة في الحياة العامة، وسوف نرى الأدلة والحجج العقلية التي تدعم مبدأ الخضوع للأكثرية عند استعراضنا للرأي الذي قال به الاتجاه الثاني. (2) إن الإسلام، إذا كان لا يلزم الحاكم باتباع رأي معين سواء كان رأي الأغلبية أو الأقلية، فإنه لا يمنع المسلمين من وضع أنظمة وقواعد للحكم في كل زمان ومكان يلتزم بموجبها الحكام بالخضوع لرأي الأغلبية في بعض المسائل (1).
نقده: إن هذا القول انطلق من منطلق خاطئ، فالإسلام يلزم الحاكم بالخضوع لرأي الأغلبية في بعض المسائل والدليل على ذلك السنة النبوية كما سوف نرى، كما أن للإجماع حجية معترف بها في الشريعة الإسلامية، وعليه فلا يعد ذلك من الأمور التفصيلية المتغيرة حسب الزمان والمكان.
المطلب الثاني: رأي أهل الشورى ملزم على الحاكم
ذهب بعض المفسرين القدماء والكثير من الفقهاء والباحثين المحدثين إلى القول بالزامية الرأي الصادر عن أهل الشورى على الحاكم، خاصة إذا صدر عن أكثريتهم أو إجماعهم. وقد اعتمد أصحاب هذا الاتجاه على جملة من الأسانيد الشرعية والحجج العقلية التي مفادها أن قاعدة الخضوع لرأي الأغلبية، مبدأ إسلامي جاءت به الشريعة الإسلامية نصا وتطبيقا، مثله مثل ما في الأنظمة الديمقراطية الغربية الحديثة، كما أنه مبدأ يؤيده العقل
(1) د. متولي: مبدأ الشورى، 17 - المليجي: مبدأ الشورى، ص 136. بابللي: الشورى في الإسلام، ص 79 - - بوضياف: الهيئات الاستشارية، ص 61.
-
95
7 (1/98)
صفحة 99
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني والمنطق والمصلحة الشرعية. ونستعرض الأسانيد الشرعية والحجج العقلية التي يعتمد عليها أنصار هذا الاتجاه فيما يلي:
الفرع الأول: الأسانيد الشرعية
وتتمثل فيما ورد في القرآن والسنة القولية والعملية في شأن إلزامية الخضوع للإجماع، ونستعرض ذلك فيما يلي:
(1) القرآن الكريم ذهب بعض الفقهاء عند تفسير آيتي الشورى إلى أن الرأي الصادر عن إجماع أهل الشورى يجب على الحاكم أن يأخذ به، حيث يقول الزمخشري في تفسيره لآية 38 الشورى «أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه .. » (1).
وجاء في تفسير الخازن لنفس الآية: «يعني يتشاورون فيما يبدو لهم ولا يعجلون ولا ينفردون برأي ما لم يجتمعوا عليه» (2). وعن الطبري في تفسيره لآية 159 آل عمران «فيتشاورون
بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم» (3).
وهذا التفسير هو ما ذهب إليه أيضا الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، حيث جاء في تفسير المنار لنفس الآية: «إنها تفيد نم عدم المشاورة، إذ حتى إن أخطئوا فيها، فإن الهدف هو تربيتهم دون العمل برأي الحاكم» (4).
ويرد "الجصاص" على الذين يقولون إن رأي أهل الشورى يكون للاستئناس والاستنارة لا للإلزام «لو أنه كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شوروا في ( ... ) ثم لم يكن ذلك معمولا
(1) الزمخشري: الكشاف، ج (3)، ص 472. (2) الخازن لباب التأويل، ج (4)، ص 98.
(3) الطبري: جامع البيان دار المعارف، مصر، ج (3)، ص 345.
(4) عبده: تفسير المنار، ج ج (4)، ص 45.
96 (1/99)
صفحة 100
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفـ
به لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم، بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن أراءهم غير مقبولة ولا محمول عليها» (1).
وعليه فإن استشارة الحاكم لأهل الشورى، يجب أن تقترن بتنفيذ مشورتهم خاصة إذا صدرت عن أغلبيتهم أو إجماعهم، لأن قاعدة الأغلبية تعد من قواعد الترجيج في الشريعة الإسلامية، ويقول الإمام الغزالي في هذا الصدد: إنهم إذا اختلفوا في مبدأ الأمور وجب
الترجيح بالكثرة، لأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح»
(2)
وقد أيد الكثير من الفقهاء والكتاب المحدثين والمعاصرين هذا الرأي وقالوا إن نظام الشورى مثله مثل النظام الديموقراطي يقضي بالخضوع لمبدإ الأكثرية (3). (2) السنة النبوية القولية وردت أحاديث نبوية عديدة تفيد وجوب الالتزام بالأغلبية أو الإجماع، وتتمثل أهمها فيما يلي
(4)
الجماعة».
- عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يد الله مع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة
ويد الله على الجماعة ومن شذ شد في النار».
(1) أنظر الألوسي: روح المعاني، ج (3)، ص 106. (2) انظر محمد لاغا الشورى والديمقراطية، ص 26. (3) منهم شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة، ص 448 وما بعدها. المودودي: النظرية السياسية، ص 31.
-
د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 223. - العربي: نظام الحكم في الإسلام، ص 9 95 عبد القادر عودة: الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، دار الكتاب. العربي، القاهرة 1951، ص 105 (4) نستعرض أهم هذه الأحاديث دون بحث سندها تجنبا للإطالة، وقد تناول ببحث أسانيد هذه الأحاديث بتفصيل الدكتور الأنصاري ونقل أن أهل الحديث يضعفون سند بعضها .. أنظر: د. الأنصاري: نفس المصدر، ص 209 وما بعدها.
97 (1/100)
صفحة 101
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
عن أحمد في مسنده عن أبي ذر مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن الله ل لن أو لم يجمع أمتي إلا على هدى».
عن ابن عمر عن النبي: «لا تجتمع أمة محمد على ضلالة
أبدا، وعليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شد في النار».
ففي هذه الأحاديث كلها حث على التزام رأي الجماعة، والسواد الأعظم من الأمة، لأنه يستحيل أن تجتمع الأمة على ضلالة، والله يكون مع الجماعة، لأنها تكون أقرب إلى الحق، والفرد الذي يشذ عنها يكون أقرب إلى الباطل.
وبالإضافة إلى ذلك فقد وردت العديد من السوابق في السنة النبوية العملية أين التزم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الأكثرية رغم اعتقاده أحيانا بخطئه، ليسن بذلك سنة في وجوب اتباع الإجماع، كما أنه غالبا ما كان يلتزم برأي أهل الشورى ولا يستبد برأيه.
عدة
الفرع الثاني: الأدلة والحجج العقلية
بالإضافة إلى الأسانيد الشرعية، يعتمد أصحاب هذا الاتجاه على حجج وأدلة عقلية للقول بإلزامية الأخذ برأي أهل الشورى
والخضوع لمبدأ الأغلبية، وتتمثل هذه الأدلة والبراهين فيما يلي:
(1) إن الشورى تفقد معناها وجوهرها إذا كانت لا تقترن بالتزام الحاكم برأي أغلبية أهل الشورى، فإذا كان الحاكم يطلب رأي الشعب أو مجلس الشورى ثم يكون له الاختيار في الأخذ برأي الأكثرية أو الأقلية أو مخالفتها جميعا، فإن ذلك يعني عبثية الشورى، وفي ذلك تعارضا صارخا مع الغاية والهدف الذي من أجله شرعت الشورى واعتبرت ركنا جوهريا وأساسيا في الحكم في الدولة المسلمة.
98 (1/101)
صفحة 102
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
إن وجوب مبدأ الشورى يستلزم حتما الأخذ بقاعدة الأكثرية، لأن الشورى تفرغ من محتواها ومعناها إذا كان الحاكم مخيرا في الأخذ بنتيجتها أو رفضها، وبالتالي فإن الشورى لا تتم على وجهها الحقيقي إلا وفقا لمبدأ الخضوع لرأي الأغلبية، وتطبيقا للقاعدة الأصولية: "مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، «فإن الأخذ بمبدأ الخضوع لرأي الأغلبية يعد واجبا» (1).
(2 إن رأي الجماعة أقرب إلى الحقيقة من رأي الفرد، وذلك
للاعتبارات التالية:
أ
بالعوامل
-
إن الفرد مهما بلغ علمه وذكاؤه وتجربته، فإنه يكون أقرب إلى الخطا والغلط من الجماعة، لانفراده بالإضافة إلى تأثره الذاتية كالميول والعواطف والانتماء السياسي والديني ... الخ، والشخص الفرد مهما بلغ نبوغه فهو قاصر من إدراك الحقيقة كاملة لأن الصواب لا يتبين إلا بمقارنة الآراء المختلفة وبحثها لاختيار أفضله.
ب - من البديهيات العقلية التي لا يختلف حولها اثنان أن رأي الجماعة رغم إمكانية خطئه وصواب رأي الفرد، يكون غالبا هو الرأي الناضج الأقرب إلى الصواب والحق بشرط أن يصدر بعد المناقشة والمناظرة، ومقابلة الآراء المتناقضة المختلفة ومقارنة الحجة بالحجة يسمح باستعراض المسألة من جميع جوانبها وتغليب الرأي الأصح في النهاية. فالكثرة قد تخطئ رغم عددها وقد يصيب الفرد، غير أن احتمال خطا الأكثرية وصواب الفرد أقل حصولا من احتمال خطا الفرد وصواب الأكثرية.
مما
(1) عودة: الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، ص 151. المودودي: الحكومة الإسلامية، ص 176. محمد الاغا: الشورى والديمقراطية، ص 19.
د. الأنصاري: نظام الحكم، ص 60 وما بعدها.
99 (1/102)
صفحة 103
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويقول المراغي بحق في تفسيره أن:
«ما ينشأ من الخطر على الأمة بتفويض أمرها إلى واحد مهما
•
حصف رأيه، أشد من الخطر الذي يترتب على رأي الجماعة» (1) إن القول بالاحتكام فقط إلى الرأي الأصح الأقرب للحق
ج
-
دون الأخذ في الاعتبار لكونه صادر من أقلية أو أغلبية، يطرح إشكالية جوهرية وهي: ماهو المعيار الذي نعتمده لنقول أن هذا الرأي أو ذاك هو الأصح والأصوب، خاصة في الأمور الدنيوية المتغيرة المتقلبة حسب الظروف والأمكنة؟.
-
إن الاحتكام لرأي الأغلبية هو الوسيلة الوحيدة والمعيار الأساسي الذي يضمن نسبيا الوصول إلى الصواب والحق، وهذا ما توصلت إلى تقريره الأنظمة الديمقراطية التي تسود العالم المعاصر. هـ ـ إن الإسلام يوجب على أهل الشورى أن يخلصوا الله في مشورتهم ويترفعوا عن الميول والاعتبارات الشخصية والعصبية والمحاباة وأساليب الغش، وأن يبدوا آراءهم مجردة الله ولخدمة الصالح العام للأمة. وفي اعتقادنا فإن هذا الضابط الأخلاقي كفيل لحماية الأغلبية من الوقوع في الخطا أو محاباة السلطة أو الدفاع عن المصالح الشخصية، خاصة إذا وضعت ضوابط ملموسة لمراقبة مدى
التزام أهل الشورى بهذه الصفات الأخلاقية.
(3) إن الإجماع في الإسلام ماهو إلا مبدأ الخضوع للأكثرية. فطبيعة الشريعة الإسلامية باعتبارها نظاما مرنا صالحا لكل زمان ومكان تتطلب دورا أساسيا للعقل الجماعي في الاجتهاد سواء لتفسير النصوص الشرعية أو لاستنباط الأحكام الشرعية لمعالجة المسائل المتجددة والمتغيرة وهو ما يسمى بالإجماع، ويعد الإجماع من المصادر الأساسية للشريعة الإسلامية.
(1) المراغي تفسير المراغي، ج (4) مج (2)، ص 133.
100 (1/103)
صفحة 104
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وقد عرفه جمهور الفقهاء أنه: «اتفاق المجتهدين من أمة محمد بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي» (1).
غير أن الفقهاء وعلماء الأصول اختلفوا حول مفهوم الإجماع بمعنى هل يقصد به اتفاق كافة المجتهدين إطلاقا دون وجود معارضة؟ أم هو اتفاق أغلبيتهم، لتعذر حصول الإجماع المطلق؟
فرأى فريق منهم أن الإجماع المطلق يمكن أن يحصل وقد وقع فعلا في عصر الصحابة في بعض الأحكام الدينية الخاصة بالميراث، بل إنه ممكن التحقيق في عصرنا الحالي بواسطة جمع المجتهدين في مؤتمرات للاتفاق على الأحكام الشرعية حول بعض القضايا المستجدة وإصدارها في شكل موحد، بينما ذهب فريق من فقهاء المعتزلة والشيعة إلى اعتبار رأي الأكثرية إجماعا إذا كان المخالفون أقلية لاستحالة اتفاق الفقهاء نظرا لتفاوت العقول والآراء واختلاف البيئات والمجتمعات (2). وهذا ما ذهب إليه أيضا أغلبية الفقهاء والكتاب المعاصرون (3)، وهو مانؤيده بناء على الاعتبارات التالية: ا) - إذا اعتبرنا مخالفة الأقلية مانعا لانعقاد الإجماع، فإنه يستحيل حصول هذا الإجماع الذي يمثل صورة مثالية لأنه في كل الأحوال لابد من وجود مخالفة ولو من واحد أو اثنين لرأي الجماعة سواء كان ذلك سرا أو علانية مما يؤدي إلى تعطيل دليل شرعي. أساسي لاستحالة تحققه.
-
(ب). إن الإجماع بالمفهوم المنصوص عليه في كتب أصول الفقه مستحيل التحقق في العصر الحالي المتميز بالسرعة والتعقد،
(1) د. الزحيلي: الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، ص 42 - بدران أبو العينين:
الشريعة الإسلامية، ص 200
(2) د شلبي: أصول الفقه، ص 169 وما بعدها.
(3) د. الزحيلي: نفس المرجع، ص 134.
101 (1/104)
صفحة 105
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
لاتساع رقعة أرض الإسلام وكثرة المجتهدين وتفرقهم في البلدان واختلاف البيئات والمدارس والآراء، وغير ذلك من المشاكل التي تحول دون تحقق الإجماع بالصورة التي كان يتم فيها في عصر الصحابة الأولين. وعليه وتأسيساً على ماسبق، فإن الإجماع الذي يعد دليلا شرعيا أساسيا في الشريعة الإسلامية ماهو في الحقيقة إلا مبدأ الخضوع للأغلبية، غير أن الفقهاء وعلماء الأصول حصروا مجال تطبيقه في القضايا والمسائل الفقهية وفي فئة المجتهدين دون أن يحاولوا أن يصيغوا منه مبدأ دستوريا في الحكم.
ويعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمني على ضلال» دليلا على إلزامية استشارة الأمة جمعاء في القضايا الهامة والخطيرة، وعلى وجوب مبدأ الخضوع لرأي الأكثرية في الإسلام، ما لم يكن هذا الرأي مخالفا لنص شرعي قطعي.
(4) إن القول بجهل الأغلبية من الشعب وعدم نضجها ليس مبررا لإقصاء إرادتها، بل إن ذلك يلزمها أكثر بأن تتحمل مسؤوليتها في تسيير شؤونها وتقرير مصيرها، وتتعلم تطبيق مبدأ الشورى الذي أمرنا به الله، ولا يمكن أن تتعلم ذلك إلا بالممارسة والخطأ، والاستفادة من التجارب، فإذا صدر رأي الأغلبية وترتب عنه ضرر على الأمة، فإن تلك الأغلبية ستستفيد لا محالة من خطئها وتعدل رأيها. (5)
5 إن القول أن الحاكم في الإسلام يعد وكيلا عن الأمة بتفويض شامل من الشعب، لا يتعارض مع القول بالزامية رأي الأغلبية من أهل الشورى عليه، بل إن الوكالة المفترضة التي تربط الحاكم بالأمة تقتضي أن يعمل بإرادتها ورغبتها وتوجيهها، لأن الرأي الجماعي للأمة أقرب إلى الصواب من رأي الحاكم (1).
(1) العربي: نظام الحكم في الاسلام، ص 95 بوضياف الهيئات الاستشارية: ص 59.
102. (1/105)
صفحة 106
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
النتيجة
لقد وفق أصحاب الاتجاه الثاني فيما ذهبوا إليه من لزوم رأي الأغلبية لأن حججهم تقوم على أسانيد شرعية مؤسسة وأدلة عقلية مقبولة، لذلك فنحن نؤيدها، غير أن النقد الجوهري الذي يوجه إلى أصحاب هذا الرأي هو عدم تحديدهم لطبيعة الموضوعات التي يتم فيها اتخاذ القرار بالاستناد إلى رأي الأغلبية، وتلك التي يكون فيها للحاكم الاختيار بين الآراء واتخاذ القرار فيها حسب ما يراه، لأنه من المستحيل إخضاع البث في كافة القضايا والمسائل إلى مبدأ الأكثرية، إذا هناك من المسائل ما يحتاج إلى السرعة أو الاختصاص، وهناك ما يعد من الأمور البسيطة التي لا تحتاج إلى مشورة وعليه فلابد من تقسيم الموضوعات والمسائل في هذا، رأينا – إلى نوعين، نتناولها فيما يلي:
الصدد
حسب
-
أولا: الموضوعات التي يكون فيها رأي الأغلبية ملزما: ويرى د. الخالدي حصر هذه الموضوعات في المسائل التي يتعلق الأمر فيها بالقيام من الأعمال، بدليل نزول الرسول صلى الله عليه وسلم عند رأي الأغلبية في غزوة أحد، ونزوله عند رأي السعدين في غزوة الخندق (1). غير أن هذا المعيار في رأينا يكتنفه الغموض وعدم الوضوح كما أنه غير شامل وكامل، إذ يمكن وجود مسائل فنية وتقنية تتعلق بالقيام بعمل من الأعمال ومع ذلك فليس من الواجب الخضوع فيها لرأي الأغلبية، كما أن هناك أمورا تنفيذية بسيطة تتعلق بالقيام بعمل من الأعمال لكنها لا تحتاج لاستشارة في شأنها إطلاقا.
وعليه نرى وجوب تحديد هذه الموضوعات وفقا لمعيار المصلحة العامة والأهمية، فكافة الأمور والقضايا التي تتعلق بالمصلحة العامة للأمة والتي تكون لها أهمية خاصة مثل إقرار السياسة العامة
(1) د. الخالدي: نظام الشورى في الاسلام، ص 96 وما بعدها.
103 (1/106)
صفحة 107
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
-
للحكومة، وإنتخاب رئيس الدولة، ووضع الدساتير وتعديلها ... الخ. يجب أن يتم البث فيها وفقا لرأي الأكثرية من أهل الشورى العامة أي الشعب أو الخاصة أي أهل الشورى، ويدخل العمل التشريعي في نطاق هذه الموضوعات إذ يجب على أهل الحل والعقد من المجتهدين الذين يكونون مجلس الشورى أن يصدروا التشريعات والقوانين وفقا لمبدأ الأغلبية تطبيقا لقاعدة الإجماع.
ثانيا: الموضوعات التي لا يعتد فيها برأي الأغلبية ونرى تحديدها في المسائل الفنية التي تتطلب دراسة وخبرة خاصة، بحيث يدلي "أهل الشورى الفنية من العلماء المختصين في كل المجالات برأيهم حول المسألة موضوع المشاورة، ويكون للحاكم حق اختيار الرأي الذي يراه أصوب ومثال ذلك الأمور المتعلقة بالاقتصاد والزراعة والمالية والصناعة والتكنولوجيا وغيرها.
ويرى د. الخالدي أن المسائل التشريعية مما جاء بيانه في الكتاب والسنة، وتفصيله في كتب الفقه ينبغي ألا يخضع تقريرها لمبدأ الأغلبية، إذ يجب ألا يكون اختيار رأي إجتهادي على رأي آخر في مسألة شرعية مبنيا على الأغلبية بل على قوة الدليل (1)
ويرد على هذا القول أن قوة الدليل لا يمكن قياسها لاختلاف الأدلة والبراهين وتعدد المدارس الفقهية والمذاهب، إذ لكل مجتهد أدلته التي يستقيها من الكتاب والسنة ويرى صحتها وحجيتها، كما أنه لا يوجد معيار دقيق وشامل للتحديد المطلق للاجتهاد الأصح، أضف إلى ذلك أن هذا القول يتعارض مع اعتبار ما للإجماع من حجية أقوى من رأي الفرد، والإجماع كما رأينا هو توافق أغلبية الاجتهادات على رأي معين حول مسألة شرعية لذلك فهو أقرب إلى الصواب.
(1) د. الخالدي: نظام الشورى في الاسلام، ص 94.
104 (1/107)
صفحة 108
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
جدول (7) أنواع أهل الشورى ومدى إلزامية رأيهم، ونطاق الأمور التي يستشارون فيها حسب رأينا.
أهل الشورى
نطاق الشورى
مدى إلزامية رأي أغلبية
أهل الشورى.
(1) أهل الحل والعقد - الأمور الدينية غير - بالإجماع بالاستناد إلى الكتاب
انتخاب
تعيين
القطعية
الأمور المتعلقة
طبيعة نيابية بالمصلحة العامة علمية مزدوجة (بالاشتراك مع أهل
الاختصاص)
والسنة
بالأغلبية
(2) اهل الاختصاص المسائل الفنية والتقنية - حسب صلاحية الرأي (سلطة
تعيين
الأمور الهامة المتعلقة تقديرية لرئيس الدولة)
بالمصلحة العامة طبيعة علمية
- حسب صلاحية الرأي (سلطة
(بالاشتراك مع أهل تقديرية لرئيس الدولة)
الحل والعقد)
(3) أهل الاختيار
انتخاب
ترشيح رئيس الدولة - بالإجـ
طبيعة نيابية
(4) الشعب
اع
الأمور الهامة - الأغلبية (الاستفتاء العام)
والخطيرة والمصيرية
انتخاب رئيس الدولة الأغلبية (الاستفتاء العام
والحكام
106
المباشر) (1/108)
صفحة 109
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي
سني
نقصد بشورى الاختيار وفقا لتقسيمنا السابق - تشاور أفراد الأمة في اختيار القادة الذين يتولون تسيير شؤونها العامة. فإذا كان التشاور بين الحكام والرعية أو ممثليها في تسيير شؤون الدولة يعد من المبادئ الشرعية الأساسية في الحكم، فإن ذلك يستلزم بالضرورة أن يتم تعيين الخليفة أو الحاكم بأسلوب الاختيار الحر والتشاور بين أفراد الدولة المسلمة.
ونظرا إلى أن منصب الخلافة والإمامة يعد من أهم المناصب وأرقاها في الدولة، ولأهمية البيعة كعقد سياسي بين الإمام والرعية، ومصدرا لشرعية سلطته باعتبار ما يتجسد فيها من التعبير عن إرادة الجماهير، فإننا نخص بالدراسة في هذا الباب لنظام الشورى في اختيار الخليفة في الإسلام بالتركيز على المذهب الإباضي مع المقارنة ما أمكن بالمذاهب السنية الأخرى، ونركز بحثنا على ثلاث عناصر أساسية هي:
أولا: الشروط الواجب توافرها في الخليفة: ونخص بالدراسة شرطا الانتماء العرقي والقبلي والكفاءة لما لهما من أهمية، ونظرا لخطورة نتائجهما على الفكر السياسي الإسلامي، فنحاول الإجابة عن
تساؤلين هما:
-
هل مركز الخلافة حق مشاع بين كافة أفراد الأمة الإسلامية، أم
أنه حق محتكر لجنس معين أو فئة أرستقراطية خاصة؟ - هل يختار الخليفة بناء على معيار الكفاءة العلمية والأخلاقية
وحدها، أم أنه لابد من مراعاة انتمائه العرقي والأسري؟:ثانيا: طريقة تعيين الخليفة: نتناول بالبحث الأسلوب الذي يتم
به تعيين الخليفة أو الحاكم، بالإجابة عن تساؤلين هما: - ماهي الطريقة الشرعية التي يجب أن تنعقد بها الخلافة؟ هل يتم ذلك بأسلوب الوصية والتوريث أم يتم بالأسلوب الشوري؟.
108 (1/109)
صفحة 110
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الأول
نظرية الحكم الملكي الوراثي
ظهرت في الفقه السياسي الإسلامي مدرسة تقول بشرعية الحكم الملكي الوراثي، ويمثل هذه المدرسة أغلب فقهاء السياسة الشرعية القدماء من مذاهب السنة. ويرجع ظهور هذا الاتجاه إلى الظروف السياسية والتاريخية التي نشأت فيها هذه المذاهب وعاش فيه فقهاؤها منذ اغتصاب بنو أمية الخلافة. وقد اتجه أغلب هؤلاء الفقهاء إلى الاعتراف بالأمر الواقع آنذاك والإقرار صراحة بشرعية الأنظمة الملكية الوراثية الأموية والعباسية وما جاء بعدها من مختلف الممالك الاستبدادية في العالم الإسلامي السني، وذلك بتأويل النصوص الشرعية وسنة الخلفاء الراشدين. وبتناولنا لأهم آراء هؤلاء خاصة منهم الماوردي - حول طريقة اختيار الخليفة نجد أن فقهاء أهل السنة:
من حيث الشروط الواجبة في الإمام يجمعون على اشتراط القرشية والعروبة في المرشح للخلافة بالإضافة إلى الشروط الشرعية الأخرى.
ومن حيث طريقة تعيين الإمام: يتفقون على جواز توريث العهد،
ويعتبرونه طريقة شرعية.
- ومن حيث معارضة السلطان الجائر ومدى جواز عزله يرى
أغلبيتهم عدم جواز ذلك لما يترتب عنه من الضرر.
ونتناول بحث هذه المبادئ الثلاثة فيما يلي:
110 (1/110)
صفحة 111
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المطلب الأول: وجوب القرشية والعروبة
أجمع فقهاء أهل السنة القدماء والعديد من المحدثين على اشتراط القرشية والعروبة في المرشح للخلافة، بالإضافة إلى الشروط الشرعية الأخرى المتفق عليها، وقاموا بحصر الخلافة في قريش والعرب دون سواها من الأجناس والشعوب الاسلامية الأخرى، ويعدون هذا الشرط أساسيا وجوهريا لابد من رعايته عند اختيار الخليفة، حيث يقول الفقيه
الماوردي في "الأحكام السلطانية" في معرض حديثه عن شروط الإمام: «النسب هو أن يكون من قريش لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه» (1).
(2)
كما قال بهذا الشرط كل من ابن حزم ومذهب الشافعية، وأبو حامد الغزالي وابن خلدون وغيرهم). أما في العصر الحديث فيعد الشيخ محمد. رشيد رضا، وهو من رواد حركة الاصلاح الديني في مصر، من أشد
المتحمسين لهذه النظرية، حيث يقول:
أما الإجماع على اشتراط القرشية، فقد ثبت بالنقل وبالفعل، رواه ثقاة المحدثين واستدل به المتكلمون وفقهاء السنة كلهم، وجرى به العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لبني قريش ثم إذعان السواد الاعظم من الأمة لعدة قرون» (3). وبناء على ذلك يذهب الشيخ محمد رضا إلى حد عدم الاعتراف بشرعية الخلافة الإسلامية العثمانية، واعتبارها "خلافة بالتغلب" أي سلطة واقعية غير شرعية، لا لشيء إلا لمجرد أن الجنس التركي وليس العربي هو الذي تولاها (4)، بل نجده يذهب بعيدا في هذه النظرة العرقية،
(1) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 6.
(2) أنظر: يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 79 وما بعدها. (3) رشيد محمد رضا الخلافة الزهراء للإعلام العربي، 1988، ص 27. (4) رشيد محمد رضا نفس المرجع، ص 45
111 (1/111)
صفحة 112
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
عندما يضع ترتيبا أولويا لمن يستحق الخلافة حسب انتمائه للجنس العربي وحسب قربه من قبيلة قريش، إذ يقول:
«فإن لم يوجد في قريش من يستجمع الصفات المعتبرة ولي كناني، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل، فإن لم يوجد فرجل من العجم» (1). وهكذا يضع الشيخ محمد رضا العجم وهي الشعوب الإسلامية غير العربية التي تشكل أغلبية الأمة الإسلامية وعماد حضارتها وتقدمها الفكري، الخ. في آخر القائمة ممن يستحق الخلافة، وكانها شعوب دنيا اقل درجة لا لذنب الا لانها غير عربية. ولا شك أن هذا الرأي المتطرف الذي ينم عن عنصرية واضحة يتضمن مخالفة صريحة لروح المساواة الإسلامية بين الاجناس والاعراق الا بالتقوى، وللفطرة والعقل السليم.
الفرع الأول: الأسانيد الشرعية.
يعتمد أصحاب هذه المدرسة على عدة أسانيد شرعية تتمثل فيما يلي: (1) احتجاج أبي بكر الصديق له على الأنصار في الاجتماع الذي وقع في السقيفة لاختيار خليفة للمسلمين، بحديث الرسول الله هو: «الأيمة من قريش» وقد أقر الأنصار بهذا الحديث ولم يردوه، بل قالوا «منا أمير ومنكم أمير». وبالإضافة إلى ذلك فقد وردت عدة أحاديث في مدح قريش وتأكيد حقهم في الحكم مثل قوله: «قدموا قريشا ولا تقدموها» وقوله: «الملك في قريش» وفي ذلك نصا صريحا في أحقية قريش في الخلافة، إذ يقول الماوردي: «و ليس مع هذا النص المسلم شبهة لا منازع فيه ولا قول لمخالف له» (2). كما روى أصحاب هذا الرأي القائلين بأحقية قريش في الخلافة العديد من الأحاديث وصلت إلى إحدى عشر حديثا (3).
(1) رشيد محمد رضا الخلافة، ص 29. (2) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 6.
(3) عبد القادر عودة الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، ص 105.
112 (1/112)
صفحة 113
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الحضارات القديمة الراقية مثل الفرس والامازيغ والرومان من اجل المساواة مع العرب ممن كانت له نزعة الهيمنة والتفوق باعتباره اول من نصر الدعوة ونشر الإسلام، إذ سعى الاعاجم للتخلص من الاحتقار والاهانة التي لحقت بهم باعتبارهم "موالي". ويعود الفضل في ازدهار الثقافة الاسلامية بشكل كبير الى احياء الخضارات الاعجمية في ظل الدين الجديد، اذ برع الاعاجم في مختلف العلوم والفنون وتمكنوا من السلطة ونشروا الإسلام كما انشؤوا بعدها ممالك ودول اسلامية مستقلة. ولا شك أن للسلاطين الطغاة من بني امية دورا هاما في تثبيت وإشاعة هذه النظرية للمحافظة على حكمهم، بواسطة بعض الفقهاء المقربين لهم المستفيدين من نعمهم. اما الكتاب الذين قالوا بهذه النظرية أيام ضعف الخلافة العثمانية فإنما كانوا تحت تأثير صراع القوميات والإثنيات الذي أنكاه الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر بين الشعوب الإسلامية في الإمبراطورية العثمانية للقضاء على الوحدة الدينية تمهيدا للسيطرة عليها الواحدة تلو الاخرى كما حصل بالفعل.
(2) إن في مضمون هذه النظرية التي مفادها تفضيل جنس معين على باقي الأجناس الإسلامية الأخرى وحصر الحكم في عرق معين، روح عنصرية وتفضيلية واضحة، مما يتعارض مع الروح والمبادئ الإسلامية القاضية بالمساواة المطلقة بين كافة الأجناس، وتهيئة الفرصة لكل ذي كفاءة لتولي المناصب العامة مهما كان انتماؤه العرقي ونسبه الاجتماعي. فكيف يحرم الإسلام ذوي الكفاءة من منصب الخلافة لمجرد أنه ليس قرشيا أو عربيا؟ فهذا ما يتعارض مع المنطق ومع روح الإسلام والاديان السماوية، بل هو منطق العصبية الجاهلية التي نهى عنها الإسلام (1).
(1) الطماوي: السلطات الثلاث، ص 365 - متولي مبادئ نظام الحكم الإسلامي،
ص 215.
محمد أبو زهرة: المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، الطبعة الثانية، ديوان المطبوعات
الجامعية، 1981 - 1401، ص 334 وما بعدها.
114 (1/113)
صفحة 114
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني والغريب أن يرافع أحد رواة الحركة الإصلاحية الدينية في مصر وغيره من الكتاب عن مثل هذه النظرية مع أنه وردت الكثير من النصوص الشرعية في ذم العصبية والتفاضل على أساس الجنس سوف نراها عند استعراضنا لنظرية الشورى عند الإباضية.
(3) إن الحديث الذي تعتمد عليه هذه النظرية هو في الواقع حديث غير، صحيح، حيث ادعي أنه حديث آحاد لكن حديث الآحاد قد يغيب على بعض الصحابة ولا يغيب على جلهم، وقد ظهر في اجتماع السقيفة جهل أغلبية الصحابة به ولولا ذلك لما طالب الأنصار أن يكون الأمر لهم، ومن جهة أخرى فمن المقرر لدى الفقهاء أن حديث الآحاد لا يؤخذ به إذا كان يتعلق بأمر يستلزم أن يعلم الجميع به كأمر الخلافة الذي هو من الأمور العامة (1). (4) إنه حتى مع افتراض صحة الحديث، فإن اشتراط حصر الخلافة في قريش لا يمكن أن يتعدى ظروف ذلك العصر بعد وفاة النبي، وذلك لكون أغلب الصحابة الأوائل المخلصين للرسالة والذين خاضوا مع الرسول مسيرته هم من العرب. كما كانت قريش أهل الغلبة على سائر القبائل العربية الأخرى، وبإعطائها القيادة في تلك الظروف العصيبة بعد وفاة
النبي المصلحة تتمثل في الحفاظ على أمر الإسلام من التفرق والضعف. وكما يرى العلامة ابن خلدون فإن الحكمة من اشتراط النسب القرشي آنذاك إنما هي الحفاظ على العصبية التي بها يقوى أمر الدولة (2)، بمعنى ان في اشتراط النسب القرشي مصلحة في ذلك العصر فقط وبزوال تلك المصلحة زال الشرط (3). وبالفعل ان افترضنا وجوب هذا الشرط فانه لا يتعدى في رأينا عصر الراشدين، إذ كان من
(1) أبو زهرة: نفس المرجع، ص 237. (2) ابن خلدون العبر، مج (1)، ص 344. (3) د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 265 - عودة الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، ص 105 وما بعدها. - - يوسف موسى نظام الحكم في الإسلام، ص 69.
115 (1/114)
صفحة 115
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المفروض بعد استشهاد عليه جعل الخلافة شورى بين كافة الأجناس والأمم التي دخلت في الإسلام. (5) لقد أدت هذه النظرية العرقية التي سادت في الفكر السياسي السني وما أفرزته من آراء إلى إضفاء الصفة الشرعية على الأستقراطية القرشية (3) التي احتكرت الخلافة من دون المسلمين وسيطرت على الحكم والثروة طول قرون من الزمن، فأدى ذلك إلى نتائج خطيرة على الفقه السياسي الإسلامي، أهمها ظهور وسيادة نظريات استعلائية أخرى تدعي أحقية الجنس العربي او عائلات معينة بناء على انتماء وهمي الى قريش (الهاشميون، الوهابيون، "الاشراف" ... ) في تولي السلطة واحتكار الثروة من دون الأجناس والافراد الآخرين، زعما منها ان هذا الحق مستمد من الله.
وبناء عليه فقد اتخذت الأنظمة الوراثية الاستبدادية منذ العصر الأموي والعباسي من هذه النظرية السياسية وسيلة لتأسيس شرعيتها. وترتب عن ذلك تحطيم نموذج الحكم الشوري الذي كان سائدا في عهد النبي و و و و الخلفاء الراشدين والذي نادى بها الأباضية.
(6) إن هذا الإجماع المزعوم على وجوب القرشية وتلك الأحاديث النبوية، حتى وإن سلمنا بصحتهما، يعد في الواقع من "السنة المستقلة" السنة وهي التي لا تستند إلى نص قرآني ولا تتعلق إلا بجزئيات قابلة للتغيير، وبالتالي فهي غير ملزمة للمسلمين في العصر الحديث (2).
(1) الأستقراطية تعبير يوناني معناه "حكم الأفضل" وتعرف أنها: «الحكومة السياسية التي تتولى للحكم فيها طبقة إجتماعية قوامها النبلاء وأصحاب الامتيازات الخاصة كالمال والجاه والمراكز الاجتماعية والحكومية التي يتواراثونها أب عن جدة وقد تقوم هذه الفئة على أساس المال (النظام الإقطاعي في البلاد الرأسمالية أو أساس العرق النظام النازي بألمانيا والحكومة العنصرية في جنوب إفريقيا) ... الخ) انظر: د. سموحي فوق العادة موجز المذاهب السياسية، الطبعة الأولى، دار اليقظة للعربية، 1972، ص 8.
(2) د. متولي مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص 126
116 (1/115)
صفحة 116
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني (7) إن أغلب الكتاب والباحثين السنيين في العصر الحديث، انتقدوا هذه
النظرية وفندوها لتعارضها مع قواعد الشرع والعقل والفطرة السليمة (1).
المطلب الثاني: شرعية التوريث والعهد بالوصية. يتفق فقهاء أهل السنة القدماء على أن تولية الخليفة تكون عن طريق أسلوبين (2):
بهم
باختيار جماعة "أهل الحل والعقد". وقد اختلفوا في عدد من تنعقد الخلافة من هؤلاء فمنهم من قال أربعون ومنهم من قال أن الخلافة تنعقد ولو ببيعة واحد أو اثنين من هؤلاء، ونلاحظ أن أغلب الممالك الإسلامية لم تكن تطبق هذا الأسلوب إلا باعتباره إجراءا مكملا لأسلوب ولاية العهد.
انعقاد الإمامة بالوصية والعهد من الخليفة السابق و توريث الحكم بين الأسرة الواحدة، بحيث يصبح هذا العهد ملزما للأمة الإسلامية.
وقد أيد هذه النظرية ودافع عنها أغلب فقهاء أهل السنة ووضعوا جملة من الأسانيد والحجج الشرعية لدعمها. ونذكر من هؤلاء على الخصوص منظر السياسة الشرعية السني أبو الحسن الماوردي، بالإضافة إلى بن حزم الأشعري والفقهاء الأحناف، بل إن ابن حزم يرى أن طريقة العهد هي أفضل الطرق وأصحها وأكثرها شرعية "اقتداء بأبي بكر الصديق (3). ووجدت هذه القاعدة تطبيقات لها في أغلب الممالك الإسلامية بمختلف مذاهبها بحيث كان ينتقل فيها الحكم بواسطة هذه
(1) منهم على سبيل المثال: د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 265 - أبو زهرة: المجتمع الإنساني، ص 334 وما بعدها. - يوسف موسى نظام الحكم في الإسلام ص 69. ـ د. متولي: مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص 215 - 216 - عودة: الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، ص 105 وما بعدها.
(2) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 7. (3) انظر: يوسف موسى نفس المرجع، ص 83 وما بعدها.
117 (1/116)
صفحة 117
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الطريقة، وهذا ما يفسر سيطرة القرشيين على منصب الخلافة في العالم الإسلامي لمدة قرون طويلة من الزمن.
وعليه فقد كان الإجماع كاملا بين فقهاء السنة على شرعية أسلوب وراثة الحكم، حيث جاء في "الأحكام السلطانية" للماوردي أن:
انعقاد الإمامة بعهد من قبله مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع
الإتفاق على صحته»
(1)
ولاشك أنه يقصد بهذا الإجماع، إجماع أهل السنة، أما الإباضية الذين يمثلون المعارضة الديمقراطية، فإنهم شجبوا أسلوب توريث الحكم واعتبروه غير شرعي كما سوف نرى.
بالإضافة إلى ذلك فإن الماوردي بخلاف الفقيه الاباضي الجيطالي الذي وضع مؤلفه في السياسة الشرعية الواجب على الملوك اتباعها، استعرض عشر قواعد كلية يقوم عليها الحكم في الإسلام، دون أية إشارة إلى مبدأ الشورى على أهميته وكثرة النصوص الشرعية الواردة في شأنه، كما راح يضع نظرية مفصلة حول طريقة العهد وترتيب الملوك والأمراء، وأولوية كل منهم في استحقاق الخلافة (2). ويقول ابن أبي الربيع في كتابه
"سلوك الممالك" في معرض حديثه عن الشروط الواجبة في الملك: «الأولى: الأبوة، وهو أن يكون من أهل بيت الملك قريب النسب
ممن ملك قبله وذلك بسبب الاتفاق عليه» (3). كما أن ابن خلدون يقول بشرعية أسلوب توريث الحكم استنادا بحسبه
إلى وجود "إجماع" على ذلك من قبل الفقهاء (4).
(1) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 10.
(2) الماوردي: نفس المرجع، ص 3 وما بعدها.
(3) ابن أبي الربيع سلوك الممالك في تدبير الممالك، تح. د. تاجي التكريتي، الطبعة الثالثة، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 176.
(4) ابن خلدون كتاب العبر، مج (1)، ص 372.
118 (1/117)
صفحة 118
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وفي الواقع ساند بعض الكتاب والفقهاء المعاصرون هذه النظرية، إذ رغم دعوتهم الى جعل الإمامة حقا لكافة المسلمين، فإنهم لم يخالفوا إجماع أهل السنة بل حاولوا دون جدوى - وضع مبررات لنظام التوريث، فادعوا تارة أن طريقة توريث الحكم والعهد بالوصية إنما لا تصح إلا إذا كان الإمام الذي تعهد له الخلافة مستوفيا لجميع شروط الخلافة الشرعية، والدليل على ذلك عهد أبي بكر له بالخلافة إلى عمر (1)، وساقوا تارة
أخرى جملة من المبررات للقول بشرعية ولاية العهد.
الفرع الأول: الأسانيد الشرعية.
(1) السنة النبوية العملية، حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما عين على رأس إحدى الجيوش زيد بن حارثة، وضع مسبقا طريقة لاستخلافه فقال: «فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا ( ... ) وإذا فعل النبي ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة» (2).
2) سنة الخليفتين أبا بكر وعمر. حيث عهد أبو بكره بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب، وأقر الصحابة بهذا التصرف واثبتوا إمامته، مما يعتبر "إجماعا" من الصحابة على شرعية العهد. كما أن عمر بن الخطاب عهد بدوره بأمر الخلافة إلى جماعة أهل الشورى، ويعد هذا الأسلوب عهدا إلى جماعة، وقد قبل
(1) منهم: رشيد: رضا الخلافة، ص 41. . الطماوي: السلطات الثلاث، ص 374 حيث يقول: "المسلم" به لدى معظم الفقهاء أن هذه الطريقة مشروعه، لأن المسلم به أن الخليفة نفسه هو من أهل الاجتهاد بأدق معانيه". د. حسن هويدي: الشورى في الإسلام، ص 29 إذ يقول: " إن لفظ الاستخلاف من طرف أبي بكر ه ورد صريحا ( .... ) وقد ألخ المهاجرون على عمره أن يستخلف ( ... ) ولم يقولوا له ليس هذا لك بحق" .. - يوسف موسى: نظالم الحكم في الإسلام، ص 187. المليجي: مبدا الشورى، ص 187. (2) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 13.
119 (1/118)
صفحة 119
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الصحابة بذلك ونفذوه، حيث يقول ابن خلدون «فهذين البيعتين صحيحتين والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ولم ينكره أحد منهم، فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته والإجماع حجة كما عرف» (1).
(3) إجماع العلماء والفقهاء على جواز التوارث في الملك في عصر بني أمية وبني العباس. ويقول الماوردي في هذا الصدد:
«فقد عمل بذلك في الدولتين، من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر، هذا سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك ولئن لم يكن سليمان بن عبد الملك حجة فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا يخافون في الحق لومة لائم هو الحجة .. » (2).
(4) إن الإمام يحوز حق السلطة على الناس، وهو موضع ثقة الرعية، وباعتباره مجتهدا فإنه يجوز له أن يختار من يخلفه بعد مماته لتسيير أمور الرعية (3).
(5) إن إعطاء الخليفة الحق في أن يعهد بالخلافة لغيره يعد عاصما
عن وقوع الأمة في الاختلاف والفتنة.
الفرع الثاني: نقدها.
إن الحجج التي ساقها اصحاب النظرية الوراثية في الحكم لا تقوم على أي أساس صحيح، ولا تصمد أمام الانتقادات. ويمكن دحض تلك
الأسانيد فيما يلي:
(1) ابن خلدون العبر، مج (1)، ص 372. (2) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 13. (3) ابن خلدون نفس المرجع مج (2)، ص 175
120 (1/119)
صفحة 120
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرال الإباضي والسني
(1) إن استخلاف أبي بكر له لعمر بن الخطاب له على رأس الدولة الإسلامية تم وفق المنهج الشورى الديمقراطي، وذلك أن أبا بكر لم يفرض عمر بالقوة خليفة على المسلمين ولم يصدر قرارا فرديا تسلطيا بتعيينه في هذا المنصب، وإنما أجرى مشاورات واسعة مع كبار الصحابة وأهل الرأي، ثم استشار جمهور الناس حول عزمه على ترشيح عمر واقتراحه لتولي هذا المنصب وشرح لهم أن سبب ذلك هو خوفه على تفرق الأمة بعد وفاته فأعلنوا قبولهم ورضاهم.
وعليه فإن عمل أبي بكر الله لا يخرج عن كونه ترشيح ليس إلا، ولم يتم هذا الترشيح إلا بعد استقصاء آراء أغلبية الصحابة حول مدى كفاءة عمر للقيام بأمر الخلافة حيث طلب منهم أبو بكر له مشورتهم في الأمر، فقال عبد الرحمان بن عوف «هو والله أفضل من رأيك فيه». وقال عثمان: «إن سريرته أفضل من علانيته، وليس فينا مثله» بينما قال أسيد بن الخضير: «لن يلي هذا الأمر خير منه» (1).
وعليه فإن أبا بكر لم يعين عمر له خليفة له وإنما رشحه لهذا المنصب، ثم إن الأسلوب الذي انتهجه في الترشيح كان محددا بأمرين هما: - إنه لم يرشح أحدا من أبنائه.
-
إن هذا الترشيح ارتبط برضى الجماهير، فلم يتم انعقاد الإمامة لعمر له إلا بعد مبايعة الجماهير له عن تراضي، بعد وفاة أبي بكر، وبذلك فإن وثيقة الترشيح لم يكن لها أثرا إلزاميا إلا بعد تعبير الناس عن ثقتها في المترشح بواسطة البيعة العامة.
(2) إن القول أن عمر بن الخطاب عهد بالخلافة إلى جماعة، لا يقوم على أي أساس منطقي، بل إن فيه تأويل واضح لا لبس فيه، ذلك أن
(1) علي إبراهيم حسن وحسن إبراهيم حسن النظم الإسلامية، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية القاهرة،1962 ص 223. على منصور: نظم الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية، ص 285. د. الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 139.
121 (1/120)
صفحة 121
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
في جعل عمر له أمر الخلافة من بعده إلى جماعة أهل الشورى لدليل على أن أمر الحكم في الإسلام إنما هو حق للأمة ولأهل الرأي فيها، ولا إلا بالتشاور، وليس حقا محتكرا لفئة أرستقراطية أو لعائلة أو فرد
يتصرف فيه وفق إرادته المطلقة وبمنحه لمن أراد وبالإضافة إلى ذلك فإن الصحابة طلبوا مرتين من عمر وهو على فراش الموت- أن يستخلف فرفض ذلك (1)، كيف ولا وهو القائل «من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له ولا للذي بايعه وسوف نرى عند بحثنا لأدلة أنصار الحكم الشوري أن تولية
(2)
عثمان مرت بمرحلة الاختيار، ثم الاستفتاء ثم المبايعة.
(3) إن في الدليل الذي ساقه الماوردي حول أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باستخلاف ثلاث قياد على رأس الجيش بالتتابع مصادرة عن المطلوب، والقياس الذي قام به هو قياس خاطئ لما يوجد من الفروق بين مركز الخلافة والإمارة، فالأولى تعد وظيفة سياسية ودينية هامة وخطيرة وهي من حقوق المسلمين، أما الإمارة فهي وظيفة إدارية تنفيذية أقل أهمية وهي حق للخليفة، ولا يصح القياس مع وجود الفارق كما هو معروف.
(4) إن القول بأن الخليفة هو موضع ثقه الرعية ماهو إلا افتراض لا يتحقق في كثير من الأحيان، أما إعطاؤه حق الانفراد بالاجتهاد في أمر خطير وهام يتعلق بمصير الأمة مثل الخلافة فهو مما يتعارض تعارضا صارخا مع الشرع ومع قاعدة الإجماع، فالنبي الله وهو يوحى إليه لم يعين خلفا له من بعده فكيف بغيره.
(5 إن القول إن توريث الحكم يعد ضمانة عن الفتنة والاختلاف لا أساس له من الصحة، بل إن النظام الملكي الوراثي أدى إلى استبداد
(1) الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 143.
(2) ابن هشام السيرة، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى بابي الحلبي، مصر، 1955.
ج (4)، ص 226.
122 (1/121)
صفحة 122
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني القرشيين بالحكم وتناحرهم من أجله، وأصبح الملك منهم لا يهمه سوى المحافظة على حكمه، فارتكبوا مجازر دموية بشعة ضد المعارضين من الشيعة والاباضية وغيرهم، وترتب عن ذلك عدة فتن وثورات وانقسامات، والأدهى والأمر ان مركز الخلافة أصبح مركزا للثراء ونهب الأموال وتحقيق الأمجاد الشخصية، بل إن منصب الخلافة أصبح استثمارا تجاريا يباع ويشترى بالأموال الطائلة بين أفراد الأسرة الحاكمة (1).
(6) إن القول بإجماع العلماء والفقهاء وإقرارهم وسكوتهم عن النظام الملكي الوراثي في العصر الأموي والعباسي ليس دليلا شرعيا، لأنه إجماع ناقص، فإذا كان أغلب فقهاء المذاهب الأربعة أقروا بشرعية الحكم الوراثي الملكي السائد آنذاك والتمسوا الأسانيد الشرعية لتدعيمه، فإن الإباضية والفرق المعارضة بقوا متمسكين بالمبادئ الشورية الديمقراطية التي جاء بها الإسلام الحنيف، غير معترفين بشرعية النظم الوراثية الأموية والعباسية، وبالتالي فإن إجماع فقهاء المذاهب الأربعة حول هذه
المسألة ليس حجة لأنه إجماع ناقص.
وفي الحقيقة فإن الإجماع المزعوم لم يكن إجماعا مطلقا، إذ لم يحصل من طرف الصحابة المخلصين والتابعين في المدينة، وإنما من طرف الفقهاء المقربين لبلاط السلاطين الأمويين والعباسيين الذين ساهموا في تحويل السلطة إلى شيء يباع ويشترى، أما الفقهاء المعارضين لنظرية التوريث فقد سكتوا خوفا من البطش بهم، إذ يروى أن الطاغية معاوية بن أبي سفيان، الذي اغتصب الخلافة وهو أول من أحدث بدعة
(1) يروى أن الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور اشترى منصب الخلافة من ولي العهد بعده عيسى بن موسى وقد قال هذا الأخير في نص تنازله عن ولاية العهد و"بيعه" للخلافة: «قد بعت نصيبي من تقدمه ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهدي، بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان (وسماهم) وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نسائه ... »!؟ أنظر: محمد ماهر حمادة الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر العباسي الأول، الطبعة الأولى،. مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص 144 و 115.
123 (1/122)
صفحة 123
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
توريث الحكم انتقل إلى المدينة بالمال والجند، وانتزع رضا الصحابة على عهد الخلافة لابنه يزيد بالضغط والإكراه والتهديد والوعيد (1). وبالإضافة إلى ما سبق فإن ظهور النظرية الملكية الوراثية على أيدي فقهاء السياسة الشرعية السنيين، إنما كان في الواقع تكريسا لوضع قائم آنذاك في الممالك الاستبدادية الأموية والعباسية، واستغلال السلاطين لمجموعة من الفقهاء لإضفاء صبغة الشرعية على حكمهم الذي استولوا عليه بالقوة والسيف، وقد سخروا الكثير من الفقهاء بواسطة وسائل الترغيب والترهيب لخدمة سلطتهم اللاشرعية.
-
كما أن سلاطين بني العباس أخرجوا مسألة الخلافة بعد أن كانت موضوعا محظورا لتناقش في المنابر الفقهية» ويتم ذلك تحت إشراف الخليفة والمخطط الكبير للخلافة السنية المثالية الوزير "ابن المسلمة"، مما أثر على فكر الفقهاء وجعلهم يقرون بمشروعية العهد كطريقة ثانية لعقد الإمامة» (2)
ومما يدعم هذا القول ما جاء في مقدمة "الأحكام السلطانية" للماوردي مرجع السياسة الشرعية لأهل السنة في شأن الغاية والهدف من وضع تأليفه، إذ يقول: «أفردت لها كتابا امتثلت فيه أمر من لزمت طاعته، ليعلم مذاهب الفقهاء فيما له منها فيستوفيه، وما عليه منها فيوفيه ... » (3). ويدل هذا النص على أن الكاتب إنما وضع مؤلفه لغاية خدمة السلطان، وإضفاء المشروعية على حكمه، لأن ذلك جاء امتثالا لأوامر السلطان الذي
(1) العربي: نظام الحكم في الإسلام، ص 71. د حلمي: نظام الحكم الإسلامي، ص 82.81. ويقول الفقيه السنهوري في هذا الصدد بحق «لا يمكن بحال من الأحوال أن نستخلص من هذه الطريقة سندا شرعيا لجعل الخلافة في الإسلام ملكا وراثيا، وقد حاول البعض عبثا أن يتخذ من هذه الطريقة حجة ليخلع ثوبا شرعيا على ما جرى عليه العمل بعد الخلفاء الراشدين في عصور الخلافة الناقصة» انظر: د. عبد الرزاق السنهوري: أصول الحكم في الاسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003، ص 118.
(2) لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 64. (3) المارودي: الأحكام السلطانية، ص 1.
124 (1/123)
صفحة 124
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
التزم طاعته وهو ولي نعمته، وبالتالي فهو لا يستطيع انتقاده بل يجب عليه التماس الأدلة الشرعية لإصباغ ثوب المشروعية على حكمه. الاستبدادي
الوراثي، وقد وجد في إجماع فقهاء السنة خير دعم له في مهمته هذه (1). (7) إن القول بحصر الخلافة في قريش والعرب، وجواز ولاية العهد في الحكم، يؤدي بالضرورة إلى تهميش إرادة الأمة في الاختيار، وإنكار أي دور للجماهير في انتخاب الخليفة، وذلك لأن الخليفة -حسب هذه النظرية - يستمد مشروعيته من العهد بالوصية ومن الصفة التي يتمتع بها بكونه قرشيا أو عربيا، ولا يستمدها من رضى الناس به المعبر عنه بالبيعة العامة، ولذلك نجد من الفقهاء من يقول بانعقاد الإمامة بمجرد البيعة الخاصة لأهل الحل والعقد، ونستعرض هذا الرأي مع نقده فيما يلي:
- البيعة الخاصة تكفي لانعقاد الإمامة:
يرى الفقيه الماوردي أن البيعة الخاصة لأهل الاختيار تكون لها قوة ملزمة على جميع أفراد الأمة الذين يجب عليهم وجوبا الانقياد لهذا الاختيار وبسط الطاعة للحاكم المختار، حيث يقول متحدثا عن وظيفة "أهل الاختيار ": «فإن تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره، عرضوها عليه، فإن أجاب إليها، بايعوه عليها، وانعقدت بيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته» (2).
ويترتب على ذلك أن عقد البيعة حسب الماوردي- يكون طرفاه: الإمام وأهل الاختيار، أما بقية أفراد الشعب فليست بيعتهم إلا تنفيذا وانقيادا
(1) وهذا ما يفند ما يدعيه بعض الكتاب من أن المارودي إنما نادي بوجوب القرشية والعروبة «حتى يقف أمام الفارسيين والأتراك الذين ازداد نفوذهم في تلك الأيام زيادة كبيرة». انظر: جلال شرف نشأة الفكر الاسلامي، ص 218 وحتى إن سلمنا فرضا بهذا التبرير الغريب فإن معناه عدم أحقية الفرس والأتراك وغيرهم من الشعوب المسلمة، مع أنهم مسلمون، في تولي المناصب العامة في الدولة، وهذا هو مضمون النظرية العرقية العنصرية المتعارضة تعارضا مطلقا مع. روح المساواة كما رأينا .. (2) المارودي: الأحكام السلطانية، ص 7.
125 (1/124)
صفحة 125
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
لهذه البيعة الخاصة. وهذا القول للمارودي يتناسب مع ما ذهب إليه الشيخ ابن تيمية حيث اعتبر الفقهاء والعلماء من "أولو الأمر" الذين تجب طاعتهم كما تنص على ذلك الآيات القرآنية، فإذا كانت طاعة أولي الأمر واجبة على الناس فإن: «أولي الأمر صنفان: الأمراء العلماء (1) وبالتالي فإن اختيار العلماء والفقهاء للخليفة ومبايعته يكون له قوة ملزمة على الرعية، التي يجب عليها الدخول في بيعته والانقياد له.
ونشير إلى أن بعض الكتاب المعاصرين أيدوا هذا الرأي وساقوا عدة
حجج ومبررات لدعمه منها ما يلي (2): بما أن نصب الحاكم يعد فرض كفاية إذا قامت به جماعة سقط
عن الآخرين، فإنه لا يعقل أن يشتغل به كافة الأفراد في الأمة. - إن مهمة اختيار الحاكم تكتسي أهمية بالغة، لذلك يجب أن تسند إلى
-
نوي الرأي ممن بلغ درجة من العلم والمعرفة، لضمان حسن الاختيار. - إن حصر مهمة تعيين الحاكم في أهل الاختيار هي فكرة مطابقة لفكرة الإنابة المتبعة في النظم الدستورية المعاصرة، نظرا لاستحالة إقامة الديمقراطية المباشرة.
-
إنه ليس في الشريعة ما يمنع العدول عن طريق "أهل الشورى"، إلى طريقة الانتخاب العام المباشر كما حصل في بيعة أبي بكر الصديق.
نقد هذا الحكم
إن القول بانعقاد الخلافة بمجرد البيعة الخاصة فيه إجحاف لحق الأمة في انتخاب الخليفة الذي يحكمها وإنكار لأهم حقوقها المنصوص عليها شرعا والواجبة عقلا وهو مما يتناقص مع النصوص الشرعية والسوابق
(1) ابن تيمية السياسة الشرعية، ص 167. (2) منهم علي منصور: نظم الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية، ص 261. - القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج (1)، ص 234.
126 (1/125)
صفحة 126
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
العملية للخلفاء الراشدين كما سوف نرى، إذ رغم ما يفترض في "أهل الاختيار" من كونهم يمثلون نخبة المجتمع من أهل العلم والرأي والكفاءة، فإن اختيارهم لا يمكن أن يكون سوى ترشيح لا يكتسب صفة الإلزام إلا إذا اقترن برضا الجماهير من أفراد الأمة، وهذا الرضا يعبر عنه بالبيعة العامة التي يمكن أن تتم بالاقتراع السري المباشر وفقا للمفهوم الدستوري المعاصر.
وأهم ما يمكن أن يوجه لهذه النظرية من انتقادات ما يلي:
(1) إن كافة الخلفاء الراشدين تولوا الخلافة بواسطة نوعين من البيعة: بيعة خاصة لأهل الشورى من كبار الصحابة والتابعين، وبيعة عامة للجماهير تكون في المسجد عادة. كما سوف نرى.
(2) يروى أن الخليفة عمر له لما نقل له أصحابه قول بعض الناس
«لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا انتفض غاضبا وقال: «إني لقائم العشية في الناس فمحذرهم من هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمرهم» (1)
ويدل هذا على وجود مبدأ دستوري مفاده حق كل فرد من أفراد الأمة في المشاركة في اختيار الخليفة، ومن حاول إنكار هذا الحق فهو غاصب لحق الأمة بكاملها.
(3 غالبا ما يخضع "أهل الاختيار" الذي يفترض فيهم الفقه والنزاهة لضغوط وإغراءات السلطان، فينفذون وصيته دون مراعاة للشروط الشرعية اللازمة، وهذا كثيرا ما حصل في التاريخ الإسلامي.
(4) لقد اختلف الفقهاء حول عدد "أهل الاختيار" الذي تنعقد به الخلافة، حتى ذهب بعضهم إلى أن عددهم اثنان قياسا على عقد النكاح، أو
(1) الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج (3)، ص 204. - أبو العباس أحمد شهاب الدين القسطلاني: إرشاد الساردي لشرح صحيح البخاري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ج (10)، ص 19.
127 (1/126)
صفحة 127
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
واحد كما قال بذلك الإمام الشافعي (1)، مما أدى إلى تكريس الاستبداد والحكم الفردي ودعم فكرة توريث الحكم في الممالك الأموية والعباسية، فإذا أخذنا بقول الشافعي مثلا، فإن البيعة يمكن ان تنعقد بين شخصين: الأول هو أحد الفقهاء ولا يمنع أن يختاره السلطان بنفسه حسب هواه، والثاني هو الخليفة الجديد الذي تعقد له البيعة (؟؟)، ولا شك أن هذه الصورة الهزلية
لانتقال السلطة تمثل الاستبداد المطلق بعينه المرفوض عقلا وشرعا.
(5 إن الخليفة في الإسلام لا يستمد مشروعيته ومركزه من صفاته الشخصية فقط، بل من إرادة الأمة المتمثلة في اختيار الجماهير بواسطة البيعة العامة، والدليل على ذلك سنة الخلفاء الراشدين كما سنرى، فكيف يكون العهد بالوصية ملزما للأمة بكاملها، وهو صادر عن الإرادة الفردية لشخص الخليفة السابق الذي يفتقد هو نفسه للشرعية، لأنه آلت إليه الخلافة بنفس الطريقة أو استولى عليها بالقوة والغلبة.
(6) إن أصحاب هذه النظرية أعطوا للخليفة حق الاختيار بين طريقة التوريث وطريقة الشورى في تعيين خليفته، و هي وسيلة ذكية للتهرب من الأسلوب الشوري، لأن ذلك يعني أن طريقة الشورى لا تطبق إلا إذا تكرم أحد الخلفاء أو قبلت بها الأسرة الحاكمة، وتنازلت عن حقها المزعوم
في احتكار الخلافة وهذا ما لم يحصل أبدا كما يدل التاريخ على ذلك. 7) لقد حاول العديد من الخلفاء السنيين العودة إلى الحكم الشوري، ومثال ذلك معاوية الثاني بن يزيد الذي رفض الخلافة التي آلت اليه بالوراثة وطالب بإعادتها شورى بين الناس، وخطب في الناس منددا بسيرة أبيه وجده معاوية كما خلع نفسه من الخلافة، داعيا المسلمين اختيار من يحكمهم بحرية قائلا: « .... وما أنا بالمقلد ولا بالمتحمل تبعاتكم فشانكم وأمركم ( .... ) ألا فليصل بالناس حسان بن
(1) الماوردي: الأحكام السلطانية من 7 - د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 371. - رشيد رضا الخلافة، ص 40.
128 (1/127)
صفحة 128
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
مالك، وشاوروا في خلافتكم» (1). ثم إنه لما حضرته الوفاة رفض أن يستخلف من بعده أحدا (2).
كما أن الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز له يعد أفضل مثال على الإطلاق في هذا الصدد، وليس من المبالغة القول أن حكمه يعد امتدادا لحكم الخلفاء الراشدين لما امتاز به هذا الخليفة من الورع والزهد والتواضع للجماهير، واستشارة العلماء والحكماء، ويبدو أنه قام بمحاولات جادة لإحياء الحكم الشوري، ولولا قصر فترة حكمه لاستطاع بلا شك وضع مؤسسات وأنظمة شورية هامة، إذ ينقل عنه أنه أنشأ مجلسا شوريا بالمدينة يوم كان واليا عليها وجعل عدد أعضائه عشرة علماء اقتداءا بمجلس شورى الرسول (3) وعند اعتلائه للخلافة عين موظفين يحضران مجلسه ويراقبان أحكامه. (4)
النظام الملكي الديمقراطي (الملكية الدستورية)
لابد من الإشارة في نهاية نقدنا لنظرية الحكم الملكي الوراثي في الإسلام إلى أن النظام الملكي المعاصر ليس بالضرورة الحتمية نظاما ديكتاتوريا وإنما قد يكون النظام الملكي الوراثي نظاما ديمقراطيا إذا ما عهد فيه ممارسة السيادة الشعبية إلى الهيئات المنتخبة من طرف الشعب والممثلة. لإرادته بواسطة حكومة تمثل الأغلبية البرلمانية وتحوز على السلطة التنفيذية الفعلية بينما لا يكون للملك وعائلته إلا سلطة سمية ورمزية وثقافية باعتباره ضامن لوحدة واستقرار الأمة واستمراريتها رغم تبدل الحكام والسياسات، كما يكون فيه فصل مطلق للسلطات واستقلالها، وتتولى الحكومة ذات الأغلبية البرلمانية المنتخبة أغلب السلطات التشريعية والتنفيذية
(1) لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 54.
(2) نفس المرجع، ص 54.
(3) د. جلال شرف نشأة الفكر السياسي، ص 32.
(4) الإمام أبي الفرج عبد الرحمان بن الجوزي: سيرة عمر بن عبد العزيز، نسخة وصححه محب الدين الخطيب مطبعة المؤيد، مصر، 1912، ص
173
129 (1/128)
صفحة 129
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
تحت رقابة الشعب وممثليه، وهو ما يعرف بالنظام الملكي الدستوري الذي أحد بعد النماذج الراقية للنظام الديمقراطي الحديث (1). بينما تعد الكثير من الأنظمة ذات الشكل الجمهوري في الواقع العملي أنظمة استبدادية حقيقية كما هو الحال في أغلب الدول الحديثة الاستقلال في آسيا وإفريقيا والعالم الإسلامي والتي تحكمها أنظمة انقلابية وعسكرية استبدادية.
ويمثل النظام السياسي الإنقليزي النموذج الديمقراطي البرلماني الرائد في العالم، وهو أصدق مثال لتطور الملكية الوراثية من ملكية استبدادية مطلقة تكون فيه السلطة والسيادة للملك وحده الى ملكية مقيدة يتقاسم فيها السيادة كل من الملك والشعب بعد تنازل هذا الأخير بجزء من سيادته ومنحه للشعب، ثم أخيرا الى ملكية ديمقراطية دستورية تكون فيها السيادة للشعب يمارسها ممثلوه المنتخبون بالتداول مع المعارضة وفقا للقاعدة الديمقراطية مع بقاء سلطة اسمية للملك بصفته رمزا لوحدة الأمة.
فبالرغم مما يتمتع به الملك في النظام الإنقليزي من بعض الصلاحيات السياسية والمعنوية مما يسمى "بامتيازات التاج"، إلا أن هذه الصلاحيات مثل المصادقة الملكية على القوانين والتوقيع على قرارات الحكومة وتعيين الوزير الأول، ليست في الحقيقة إلا نظرية أما السلطة التشريعية والتنفيذية الفعلية فيحوزها الوزير الأول وحكومته أي "الوزارة تحت رقابة البرلمان المنتخب (مجلس العموم) ممثل الإرادة الشعبية، اذ لم يعترض الملك على أي قانون منذ مئتي سنة، وحتى خطاب التاج الذي يلقيه عند افتتاح البرلمان يحرره الوزير الأول ولا يكون للملك إلا تأثيرا ضئيلا جدا على قرارات الوزير الأول،
(1) د. زهير شكر الوسيط في القانون الدستوري، الجزء الأول القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1994، ص 333 إلى 336.
د. ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار المعارف، الإسكندرية، 2005، ص 247.
:
130 (1/129)
صفحة 130
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الخ حتى بات النظام البريطاني نموذجا للديمقراطية البرلمانية في الوقت الحاضر، ويصنف ضمن النماذج الراقية للنظام الديمقراطي (1) وبناء على ذلك لم يعد في رأينا شكل الدولة وطريقة اختيار الحاكم طبقا لشورى الاختيار معيارا كافيا للتمييز بين النظام الديمقراطي الشوري والنظام الاستبدادي، وإنما يجب أن يعتمد هذا التمييز على نوع الحكومة وطبيعتها وطريقة تسييرها للسلطة (شورى التسيير)، بحيث يكون النظام ديمقراطيا عندما يكون:
«أولئك الذين يضعون القوانين في النهاية يختارون بواسطة زملائهم من المواطنين لهذا الغرض، كما يمارسون سلطتهم بإجراءات تمنع اتخاذ قرارات تحكمية وفي فترات متعاقبة على نحو معقول يقدمون أنفسهم إلى زملائهم من المواطنين للموافقة عليهم أو عدم الموافقة على أساس من سجلهم في ممارسة سلطتهم.»
(2)
المطلب الثالث: عدم جواز معارضة السلطان الجائر
وعزله مطلقا
يرى أغلبية فقهاء السنة القدماء عدم الجواز المطلق لمعارضة
(3)
السلطان الجائر وعزله، بل وجوب طاعته لأن ذلك يعد واجبا دينيا وقد استندوا في ذلك إلى عدة نصوص شرعية وأوردوا عدة مبررات منطقية. فالإمام الشافعي ومالك وأحمد يرون أن السلطان الجائر إنما
(1) انظر: محمد رفعت عبد الوهاب حسين عثمان محمد عثمان النظم السياسية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص 339 الى 349.
Claude JOURNES, L'Etat britanique, PUBLISUD, 2 ème édition, 1994, p.257. -George VDEL, Charles CELIER, Introduction à la science poli- tique, paris V, 1965, pp.14, 15,16.
Sophie COLLINET, Droit constitutionnel, Vubert, 4 ème edition, 2001, p.21.
(2) د. عبد اسعيد (محمد فايز)، قضايا علم السياسة العام، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1983، ص 68. (3) أبو زهرة: المجتمع الإنساني، ص 243 يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 148.
131 (1/130)
صفحة 131
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
تجب طاعته لأنه متغلب أي باعتباره سلطة واقعية وبه تسير أمور الناس وتنظم الولايات ويحارب الأعداء (1)، أما الشيخ ابن تيمية فيذهب إلى حد جعل طاعة السلطان واجبا مقدسا في مرتبة الصلاة والزكاة ويقول في هذا الصدد أن «طاعة ولاة الأمور واجبة على المسلم كالصلوات الخمس والزكاة والصيام»
(2)
ويقصد عندهم بأولي الأمر الحكام والفقهاء والعلماء، فكل عمل قام به هؤلاء وجب التسليم به والخضوع له أما فقيه السياسة الشرعية السني أبي الحسن الماوردي فيرى أن السلطان تجب طاعته «ما لم يتغير حاله، والذي يتغير به حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان أحدهما جرح في عدالته، والثاني تقص في بدنه» (3).
-
أما جرح العدالة -حسب الماوردي فيتمثل في ارتكاب المحظورات واتباع الشهوات أو الانحراف عن العقيدة الصحيحة وتأويلها بما يجانب الحق، وأما جرح البدن فهو ما يطرأ على بدنه من إعاقة تحول بينه وممارسة مهامه كخليفة وعليه فالأسباب الموجبة للعزل -حسب الماوردي- إنما تنحصر في الانحراف الأخلاقي أو العقائدي أما الانحراف السياسي عن مبدأ الشورى والاستبداد والتعسف واحتكار الحكم فليس سببا موجبا للعزل. كما أن الماوردي لم يبين طريقة العمل وكيفيتها ودرجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما نجد ذلك مفصلا في كتب الإباضية. وفي الواقع فإن قوله هذا ينسجم مع مقولاته السابقة التي تهدف الى إضفاء الشرعية على الاستبداد.
(1) أنظر: أبو زهرة للمجتمع الإنساني، ص 241 وما بعدها.
(2) ابن تيمية الخلافة والملك، راجعه محمد عويضة، تح. حماد سلامة، شركة الشهاب،
الجزائر، (دت)، ص 14.
(3) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 17.
132 (1/131)
صفحة 132
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني ونشير إلى أن بعض الكتاب والفقهاء المحدثين ذهبوا نفس المذهب
في القول بعدم جواز تنحية السلطان الجائر (1).
الفرع الأول: الأسانيد الشرعية
يعتمد أصحاب هذا الرأي على عدة نصوص شرعية ومبررات
منطقية أهمها هي:
(1) القرآن:
حيث يقول تعالى: {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ} [الأنعام: 165].
أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنكُمْ} [النساء: 59]. . ويقول ابن أبي الربيع استنادا إلى هاتين الآيتين أن: «الله جل جلاله لما خص الملوك بكرامته ومكن لهم في بلاد وخولهم عباده، أوجب على علمائهم تبجيلهم وتعظيمهم وتوقيرهم، كما أوجب طاعتهم» وفي معرض حديثه عن واجبات الرعية تجاه الملك يقول: «ومنها
السعادة العامة في تبجيل الملوك وتعظيمها وطاعتها»
(2) السنة النبوية القولية
(3)
(2)
وردت عدة أحاديث مفادها الحث على طاعة أولى الأمر منها: - ما ورد في صحيح مسلم عن وائل بن حجر أن مسلم بن يزيد الجعفي سال الرسول: إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟» فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأله ثلاث مرات ثم أجابه:
(1) منهم يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 194. رشيد رضا الخلافة، ص 17.
(2) ابن أبي الربيع: سلوك الممالك، ص 174. (3) ابن أبي الربيع: نفس المرجع، ص 174.
133 (1/132)
صفحة 133
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباد
لسني
اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ماحملتم» (1).
- قوله: «السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل ضعيف ملهوف» (2) رواه النجار عن أبي هريرة
جاء في الصحيحين عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» (3). - روى الشيخان عن أبي هريرة، قوله: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» (4).
(3) الدليل العقلي: تقوم الشريعة الإسلامية على قاعدة وجوب تحمل الضرر الأدنى لتفادي الضرر الأكبر، ذلك أن الخروج عن طاعة السلطان الجائر قد يترتب عنه اضطراب وفتن وقتل وقد يؤدي إلى انقسام خطير للأمة. وتجنبا لما قد يحدث من كل ذلك فإنه يجب الصبر على جور السلطان وفسقه مادام يتمسك بالدين ويقوم بتسيير أمور المسلمين للحفاظ على الاستقرار وعلى وحدة الأمة.
ويؤيد هذا ما نقل من السوابق التاريخية الثابتة للصحابة والتابعين إبان فترة الحكم الأموي الاستبدادي حيث امتنعوا عن الخروج واعتزلوا الفتنة (5). كما يؤيد هذا ما نجده في التاريخ الإسلامي من الفتن والحروب واضطرابات
(1) أنظر: بن تيمية الخلافة والملك، ص 14.
-
محي الدين النووي: رياض الصالحين اختصار الشيخ يوسف بن إسماعيل التبهاني مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر (د. ت)، ص 105. يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 147.
(2) ابن تيمية نفس المرجع، ص 54. (3) النووي نفس المرجع، ص 105 - ابن تيمية نفس المرجع، ص 17. - رشيد رضا: الخلافة، ص 17. - العربي: نظام الحكم في الإسلام، ص 100. .
(4) النووي: نفس المرجع، ص 105. (5) يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 149. - العربي: نظام الحكم في الإسلام،
134.
100 (1/133)
صفحة 134
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
نتجت عن الثورة والخروج ضد السلطة القائمة من المعارضين المتطرفين، مثل خروج عائشة ا في واقعة الجمل والحرب الضارية بين معاوية وعلي، وواقعة النهروان، وخروج الحسين بن علي ثم عبد الله بن الزبير ضد حكم الأمويين ... الخ. وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن أميرين أحدهما تقي ضعيف والآخر فاسق قوي، أيهما أحق بالطاعة؟، الفاسق القوي لأن فسقه على نفسه وقوته على المسلمين وأما
فاجاب: «مع التقي الضعيف فتقواه لنفسه، وضعفه على المسلمين»
الفرع الثاني: تقييم هذا الطرح
(1)
إن الاتجاه القائل بعدم جواز الخروج عن طاعة السلطان الجائر وعزله يقوم على أسس منطقية معقولة لا يمكن إنكارها، لأن استقرار الدولة ووحدة الأمة هو أخطر أمر وأهم من الحكام وسيرتهم وقد
قال: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها» رواه الرافعي عن أنس (2). غير أنه يعاب على أصحاب هذا الرأي منعهم المطلق معارضة السلطان الجائر بدعوى تفادي الأضرار التي قد تترتب عنه، وفي الحقيقة فإن المعارضة السلمية التي تدخل في باب "النصيحة" للحكام (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تعد واجبا دينيا على الأمة، ثم إن فساد الحاكم واستبداده قد يلحق أضرارا أكثر جسامة وخطورة بالأمة من الأضرار التي تحدثها المعارضة السلمية الديمقراطية بل إن فساد الحكام
هو الذي قد يؤدي الى فتن وحروب ومآسي وأضرار كبيرة على الأمة. وعليه فقد وجه بعض الكتاب المحدثين عدة انتقادات لهذه النظرية أهمها: - ماجاء في الأثر عن ابن عطية قوله أن «الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله
(1) أبو زهرة: المجتمع الإنساني، ص 242.
(2) أطفيش: جامع الشمل في حديث خير الرسل، ص 226.
135 (1/134)
صفحة 135
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
واجب» (1). ولا يمكن أن يكون الحاكم المستبد برأيه الناكر لإرادة الأمة وممثليها المنتخبين ديمقراطيا إلا جائرا، يوجب المعارضة وحتى
العزل السلمي.
-
إن الخلفاء الراشدين أقروا بحق الأمة في عزل الحاكم المستبد، بل أعلنوا به صراحة، ومن ذلك قول أبو بكر الصديق له المشهورة التي جاءت في خطبته الأولى أمام الجماهير: «فإن أحسنت فأعينوني، وإن اسات فقوموني» (2).
-
إن عدم عزل السلاطين الطغاة اتقاء للفتنة، وعدم إنكار الفقهاء صراحة على الحكم الاستبدادي، لا يمكن تأويله على أنه تسليم منهم بشرعيته، إذ كان أغلب هؤلاء الفقهاء يعتبرون في دخيلتهم تلك الأنظمة التسلطية عبارة عن خلافة بالتغلب، أي "حكومة واقعية" بالمفهوم الحديث (3)، ولو توفر لهم تنحيتها بطريقة سلمية ودون ضرر لفعلوا.
النتيجة العامة للمبحث:
من خلال دراستنا لنظرية أنصار الحكم الملكي الوراثي من فقهاء أهل السنة القدماء ومن اتبعهم من المحدثين نلاحظ أن تصورهم لنظام الحكم في الإسلام يتعارض مع الشورى والديمقراطية كما جاءت في النصوص الشرعية وسنة الخلفاء الراشدين، فالدولة المسلمة حسب نظرية فقهاء أغلب أهل السنة القدماء هي دولة أرستقراطية، يحتكر الحكم فيها القرشيون أو العرب على أساس انتمائهم لنسب
(1) علي منصور: نظم الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، الطبعة الثانية، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، 1971، ص 285. (2) د. فتوح محمود أبو الغرم القيادة الإدارية فى الإسلام أصولها- ومقوماتها، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، مركز البحوث الإدارية، مطابع سجل العرب، عمان، الأردن،
1977، ص
17
(3) د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 391
136 (1/135)
صفحة 136
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الرسول. كما أن الحكم يكون فيها متوارثا بين الأسرة الواحدة، وليس حقا مشاعا بين كافة أفراد الأمة، والشعب لا يكون له إلا حقا محدودا جدا في معارضة السلطان الجائر إذا خالف إرادته حتى وإن كانت معارضة سلمية، إذ ذهب العديد من المراجع السلفية المعاصرة الى التحريم الصريح للمظاهرات السلمية - التي تعد مظهرا من مظاهر التعبير الشعبي في الديمقراطيات المعاصرة - لكونها حسبهم "من البدع والضلالات" ولاعتبارها "خروج على ولي الامر (1)، الخ
ولذلك يتضح ان طبيعة الدولة في الإسلام وفقا للفقه الشرعي للثرات السني هي طبيعة دكتاتورية (2). وعليه فإن العديد من الكتاب والباحثين. والفقهاء السنين المعاصرين لاسيما من الأكادميين الجامعيين وتأثرا منهم بالنظرية الديمقراطية الغربية، تخلوا عن هذه النظريات ونادوا بتطبيق المبدأ الشورى الديمقراطي كأساس جوهري لنظام الحكم في البلاد المسلمة.
(1) عبد المالك بن احمد، رمضاني، حكم المظاهرات، دار الفضيلة، المحمدية، الجزائر، 2011، ص 27، 26. انظر فتاوى أيمة السلفية: عبد العزيز بن باز، محمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن صالح العثيمين، ص 43، 44. (2) يعرف النظام الديكتاتوري انه النظام الذي فيه «يستولي فرد أو جماعة على السلطة المطلقة دون اشتراط موافقة الشعب». انظر: أحمد عطية الله القاموس السياسي، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية القاهرة، 1968، ص 528.
137 (1/136)
صفحة 137
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الثاني
نظرية الحكم الشوري
ظهر في الفقه السياسي الإسلامي، إلى جانب أنصار نظرية الحكم الملكي الوراثي الذين يمثلون أغلبية فقهاء أهل السنة القدماء، اتجاه جمهوري شوري ديمقراطي يمثله الإباضية وبعض المعتزلة وأغلب الخوارج (1). ويتبنى هذا الاتجاه الأفكار الشورية المستمدة من حكم النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لله ومفادها جعل الخلافة شورى بين كافة أفراد الأمة الإسلامية دون تمييز إلا على مقياس الكفاءة.
ونحاول في هذا القسم دراسة نظرية شورى الاختيار عند الإباضية وبلورتها من خلال مؤلفات فقهاء الإباضية المغاربة وعلمائهم، وسوف نرى أن النظرية الشورية الديمقراطية في الحكم عند الإباضية المغاربة تمثل قمة ما وصل إليه الفكر السياسي الإسلامي، وقد عرفت أولي تطبيقاتها في الدولة الرستمية الجزائرية، وذلك أن الإباضية:
فمن حيث الشروط الواجبة في الإمام يقرون بالمساواة المطلقة بين كافة الأجناس في تولي هذا المنصب وغيره من المناصب العامة ولا يراعون في ذلك إلا مبدأ الكفاءة العلمية والأخلافية.
•
- ومن حيث طريقة تعيين الإمام: فإنهم لا يقرون سوى بأسلوب الشورى كطريقة شرعية واحدة لاختيار الإمام، ويرون أن توريث الحكم والوصية به أساليب غير شرعية.
(1) د. حلمي: نظام الحكم، ص 97. - عودة: الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، ص 106. - حسن إبراهيم: النظم الإسلامية، ص 12. - د. محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، ص 257.
138 (1/137)
صفحة 138
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
- ومن حيث معارضة السلطان الجائر وإمكانية عزله: فإنهم يرون جواز ذلك في حالة الظهور، بشروط محددة ومراحل معينة يجب اتباعها. ونتناول بالدراسة هذه العناصر الثلاثة فيما يلي:
المطلب الأول: الكفاءة العلمية والأخلاقية كمعيار
لتولي الحكم.
يجمع فقهاء وعلماء الإباضية على عدم اشتراط القرشية ولا العروبة كمقياس في المرشح للإمامة لأن ذلك يتنافى مع أهم مبدأ إسلامي وهو المساواة المطلقة بين الناس إلا بالتقوى ومبدأ تكافؤ الفرص لجميع أفراد الأمة الإسلامية لتولي المناصب العامة مهما كان حسبهم ونسبهم. والإباضية يرون أن المعيار الأساسي الوحيد المعتبر في منصب الإمامة إنما هو الكفاءة المطلقة في جميع صورها: العلمية والأخلاقية والجسمية. أما اعتبارات الانتساب لجنس أو قبيلة أو لون أو أسرة فليس لها أي دور في اختيار الإمام، لأن الإمامة حق مشاع بين كافة المسلمين لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، وكل شخص مؤمن وليس بعاصي له الحق في تولي الإمامة (1).
الفرع الأول: تطور مفهوم المساواة السياسية في تولي
الخلافة عند الأباضية.
ظهر مفهوم الشورى في البداية إثر الفتنة الكبرى التي أعقبت اغتيال الإمام علي كرم الله وجهه، كمطلب سياسي لوضع حد لاحتكار قريش للسلطة، سواء عند الخوارج أو عند الإباضية بالمشرق العربي، ويعني أن
-
(1) علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج (1)، ص 63، أضواء على الإباضية، ص 14. - الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 527. عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش جمعية التراث، قرارة، الجزائر (د. ت)، ص 179.
"
139 (1/138)
صفحة 139
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الخلافة حق مشاع بين كافة القبائل العربية، لكن وبانتشار المذهب الإباضي بشمال إفريقيا تطور هذا المفهوم، إلى شورى مطلقة" لا تقر بتفضيل الأجناس، ولا تأخذ في الاعتبار إلا بعنصر الكفاءة شرطا لتولي الخلافة (1). وبالفعل بمحاولتنا للتحليل النقدي للوقائع التاريخية نلاحظ أن هذا
التطور الفكري السياسي اتخذ في رأينا ثلاث مراحل نستعرضها في الآتي: المرحلة الأولى التنافس القبلي على الخلافة بين التيار القرشي الوراثي والتيار القبلي المساواتي
لم يكن مجتمع الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قد انصهر في شكل مجتع حضري منظم وفق أطر سياسية جديدة، بل احتفظ بطابعة القبلي. ولم يكن قد طرأ على التشكيلات القبلية تغير كبير آنذاك. وعليه فبمجرد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عاد الصراع القبلي على الساحة لكنه اتخذ طابعا سياسيا ودينيا، وكان هذا الصراع بين القرشيين المدافعين عن أحقيتهم في احتكار الخلافة من جهة، والقبائل العربية الأخرى الطامحة إلى الحكم والثروة من جهة أخرى، وكان ذلك
عاملا هاما في ظهور الحركة الخوارجية والمبادئ الشورية التي تنادي بها. وقد ظهر التنافس القبلي منذ اجتماع السقيفة، وهو الاجتماع الأول للمسلمين لاختيار خليفة لهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر هذا التنافس في تحريك الاتجاهات السياسية في عصر عثمان وعلي ما حتى اتخذ شكلا دمويا في واقعة الجمل ثم في "الفتنة الكبرى". وكان نتيجة ذلك أن طالبت القبائل العربية المعارضة للاستبداد القرشي بالخلافة بتطبيق مبدأ الشورى في الحكم، استنادا للأدلة الشرعية، وجعل الخلافة حقا مشاعا لكافة القبائل العربية دون العجم على قدم المساواة، والخضوع إلى مبدأ الكفاءة
وحده كمقياس لاختيار الخليفة. ونستدل على قولنا هذا بما يلي:
(1) حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام السياسي، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة، (د. م)، (د. ت)، ج (2)، ص 3.
140 (1/139)
صفحة 140
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(4) تمثل حركة الخوارج تحالف القبائل الداعية إلى إسقاط الخلافة القرشية وجعلها حقا لكل العرب كما سوف نرى بعد أن شهدت هذه الحركة نواتها الأولى في مؤتمر السقيفة.
المرحلة الثانية: مبدأ الشورى والمساواة المحدودة لدى الخوارج بالمشرق. كانت قضية التحكيم نقطة تحول هامة في تطور الفقه السياسي الإسلامي، فتحت المجال واسعا أمام المناقشات والمناظرات السياسية حول مسألة الخلافة وشروطها، وقد بدأ الخلاف أول ما بدأ حول مسألة جواز أم عدم جواز إبرام الصلح مع الفئة الباغية المتمثلة في معسكر معاوية وعمرو بن العاص. ورغم اعتراف علي بن أبي طالب بخطئه، وإقرار ابن عباس ه -أحد كبار الصحابة بهذا الخطا (1)، إلا أن الإمام عليه وجد نفسه ملزما بتنفيذ العهد الذي قطعه رغم أنه ينطوي على خدعة سياسية، ورأى وبعض أصحابه أن على المسلمين حفظ المواثيق وعدم نقضها، لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوكِيدِهَا وقدْ جَعَلْتُمُ الله عَليكُمْ كَفيلا} [النحل: 91]، أما الخوارج فقد أصروا على وجوب مقاتلة الفئة الباغية، حتى تفيئ إلى أمر الله طبقا للآيات الواردة في ذلك. وفي الحقيقة فإن سبب الجدل السياسي الذي أدى الى ظهور الفرق السياسية في الإسلام يعود إلى الإشكال الذي أثاره موقف الإمام علي بن أبي طالب له وبعض أصحابه المبني على أسس أخلاقية أمام الفئة الباغية، ذلك أن عليا إمام شرعي لأنه انتخب بالشورى، أما معاوية فهو إمام باغ لأنه اغتصب الخلافة، ومصالحته تعد تنازلا عن البيعة الشرعية التي تمت بالشورى، لذلك فإن أصحاب عليه لما خرجوا عليه احتجاجا على هذا الصلح، نادى مناديهم أمير القتال شبيب بن رفاعة:
(1) البرادي الجواهر المنتقاة، ص 127.
142 (1/140)
صفحة 141
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية. الفكر السياسي الإباضي والسني
«والأمر بعد الفتح شورى البيعة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (1)
غير أن مفهوم الشورى عند الخوارج في هذه الفترة، كان في الحقيقة مفهوما ضيقا ومحدودا، لا يتطابق مع مبدأ المساواة المطلقة، فإن كان هؤلاء يطالبون بعدم استبداد قريش بالخلافة، فإنهم كانوا يعتقدون كغيرهم بحصرها في الجنس العربي دون سواه، حيث جاء في تاريخ الطبري: أن المطرف بن المغيرة بن شعبة والي الحجاج على المدائن حاول أن يتعاون مع زعيم الخوارج شبيب بن رفاعة فجرت بينهما مراسلات حول الخلافة وقضاياها، فبعث "شبيب" بوفد إلى المطرف ليجيبه على ما سأله من التسليم للسلطة القائمة والتشاور معها، ونبذ العنف، فقال: « ... وإن تركنا حقنا الذي خرجنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز ورخصة إلى نصرة الظالمين ووهن، لأنا لا نرى قريشا أحق بها من غيرها من العرب» (2). فلم يقل "من غيرها من المسلمين" رغم أن العديد من الأمم كالفرس والروم وغيرهم كانت قد دخلت في الدين الجديد آنذاك.
ويقول الدكتور يحي هويدي في هذا الصدد:
أنه إنصافا للحقيقة علينا أن نقرر أن الخوارج وإن كانت المبادئ التي قدموها لنا ذات صبغة ديمقراطية إلا أنهم كانوا متمسكين بعروبتهم
إلى الحد الذي جعلهم يحتقرون الموالي وينفرون منهم» (3)
(1) البرادي الجواهر المنتقاة، ص 118.
(2) الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج (6)، ص 284. (3) د. يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية مكتبة النهضة الإفريقية 1966. ج (1)، ص 28.
كما يروى أن أحد الموالي العجم) المسلمين الذين كانوا من السبايا العبيد وتم تحريرهم خطب إمرأة خارجية، فقال لها الخوارج العرب فضحتنا" لأنه كان من العيب أن يخطب مولى امرأة عربية. انظر: نفس المرجع، ص 28
143
10 (1/141)
صفحة 142
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المرحلة الثالثة: مفهوم "المساواة بين العرب" في تولي الخلافة عند الإباضية المشارقة التحالف التميمي - الأزدي).
لم تكن نظرية الشورى عند الإباضة المشارقة تختلف عن نظرية الخوارج بمعنى أنهم كانوا ينادون بجعل الخلافة شورى بين كافة القبائل العربية، ولم يقولوا بجعلها شورى بين جميع الأجناس، رغم اعتناق عدة أمم للدين الجديد آنذاك، ويرجع ذلك إلى أن عامل الصراع القبلي على الخلافة كان له دورا أساسيا في نشأة الحركة الإباضية مثلها مثل الحركة الخوارجية، ولعبت قبيلتا تميم والأزد الطامحتان في السلطة دورا فعالا في نشأة حركة الخوارج ثم المذهب الإباضي وتطوره بالمشرق الى الحد الذي يمكن معه اعتبار الحركة الخوارجية العربية بالمشرق كتحالف قبلي معارض للاحتكار القرشي للخلافة، ونستدل على ما نقول بما يلي:
(1) لقد احتضنت قبيلة "تميم"، المنافس العنيد لقريش، بقوة الحركة الخوارجية ومن بعدها الحركة الإباضية من خلال قائدها أبو بلال مرداس التميمي. اذ لجأ أبا بلال التميمي وجماعته التي شكلت البذرة الأولى للمذهب الإباضي ذات التوجه السلمي في السياسة والاعتدال في الفقه، إلى قبيلته "تميم" التي كانت تشكل جزءا هاما من سكان البصرة آنذاك. فالتفت حوله هذه القبيلة وزعيمها الأحنف بن قيس وساندته مساندة مطلقة في دعوته قبل أن يقتل سنة 61 هـ (1). كما أن الإمام الثاني للإباضية بالمشرق أبا عبيدة مسلم بن كريمة من "تميم". ولا شك أن احتضان قبيلة "تميم" للمعارضة الإباضية لم يكن بالصدفة إذا ما نظرنا إلى ماضيها حيث نجدها لعبت دورا هاما في معارضة حكم القرشيين منذ وفاة الرسول، مثل حركة الردة في حكم الخليفة أبي بكر.
(1) د. خليفات نشأة الحركة الإباضية، ص 6 ..
144 (1/142)
صفحة 143
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا
(2) لقد كان إقدام الخوارج المنشقين عن عليه على مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي ومطالبتهم بقية المسلمين الانضمام إليهم تعبيرا واضحا عن إنكارهم لحصر الخلافة في قريش، فبايعوا عربيا غير قرشي من قبيلة "الأزد"، وبذلك فهم أول من تحدى سلطة قريش عمليا» (1).
(3) لا شك أن من بين الأسباب التي أدت بمعسكر عليه إلى مقاتلة المنشقين الخوارج في موقعة النهروان هو أن هؤلاء عقدوا الإمامة لأزدي وليس لقريشي (2).
(4) ليس من الصدفة ان أغلب أفراد قبيلة "الأزد" في البصرة إياضية (3)، كما نجد أن العديد من فقهاء وزعماء الإباضة بالمشرق آنذاك هم من "الأزد" وهم: عبد الله بن وهب الراسبي- إمام الخوارج، أزدي.
جابر بن زيد الإمام السري للإباضية، أزدي.
الربيع بن حبيب واضع الجامع الصحيح وهو معتمد الإباضية
في الحديث- أزدي.
وقد قام "الأزد" بثورتين على الحكم الأموي، الأولى سنة 81 هـ بزعامة الأخوين الجلدي قمعها الحجاج، والثانية سنة 101 هـ بزعامة يزيد بن المهلب هزمها الجيش الأموي، وبذلك ارتبطت قضية الأرديين منذ ذلك الحين بالقضية الإباضية (4).
(5) كان لأحد زعماء الأزد دورا هاما في انتخاب أول إمام للخوارج، إذ لما اجتمع "المحكمة" وقرروا الخروج إلى بعض النواحي كتعبير عن إنكارهم للصلح الذي أبرمه عليه، قام حمزة بن سناس الأزدي في الجمع
(1) د. خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ص 5. (2) يحي معمر: الإباضاية بين الفرق الإسلامية، ص 533 أبو اسحاق إبراهيم لطفيش: الفرق بين الإباضية والخوارج مكتبة الضامري، سلطنة عمان للنشر والتوزيع، ص 15.
(3) د. خليفات نفس المرجع، ص 43. (4) خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 43.
145 (1/143)
صفحة 144
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وقال الرأي ما رأيتم لكن لابد لكم من أمير وراية»، فوافقوه على ذلك وعرضوا الإمامة على عدة زعمائهم وكلهم غير قرشيين، فرفضوا تحملها إلى أن قبلها عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي. (1)
المرحلة الرابعة: مفهوم "المساواة المطلقة بين الاجناس" عند الاباضية بالبلاد الأمازيغية.
أدت الظروف السياسية التي كانت سائدة في شمال إفريقيا والمتسمة بتجاوزات وتعسفات الولاة الأمويين في حق السكان، إلى إثارة معارضة قوية لدى الشعوب الأمازيغية الحديثة العهد بالإسلام، مما هيأ ظروفا مواتية لانتشار الحركة الخارجية بكل مذاهبها، خاصة مذاهب "القعدة" المعتدلة
التي انشقت منها وهي الإباضية والصفرية. وقد كان اعتناق الأمازيغ للمذهب الإباضي وتبنيهم للمبادئ الشورية في الحكم التي يدعو إليها، والتي تتطابق مع الروح الديمقراطية وحب الحرية التي طبعوا عليها عاملا حاسما في تطور مفهوم الشورى والمساواة المحدودة الذي عرف بالمشرق، وبلوغه مرحلة الاكتمال والنضج، بإقرار المساواة الشاملة بين كافة الأجناس في تولي الخلافة وقيادة المسلمين على أساس التقوى والكفاءة دون أي شرط لانتماء عصبي، قبلي أو عرقي وبات ذلك شعارهم السياسي أمام الاستبداد القرشي. وفي الحقيقة فإن انتشار المذهب الإباضي بشمال إفريقيا، ساهم إلى حد كبير في انتشار الإسلام واعتناق الأمازيغ له عن اقتناع (2)، لأنهم وجدوا فيه ما يتطابق مع طموحهم وآمالهم في العدل والمساواة مع الفاتحين.
(1) ابن خلدون العبر، مج (2)، ق (2)، ص 1119.
(2) Chikh El BAKRI: «kharidjisme Berbère, quelques aspects du Royaume Rustumide», in Annales de l'institut d'études orientales, faculté des let- tres de l'université d'Alger, Tome xv, Année 1957, Edition la tupo-lith et jules carbonel ,Alger ,p.106.
146 (1/144)
صفحة 145
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الـ الإباضي والسني
ويذكر المرجع الإباضي الشيخ ضياء الدين الثميني الشروط الواجبة في الإمام بقوله:
«
فيختارون أقدمهم هجرة (1)، وأعلمهم بالكتاب والسنة والأثر، مع استكماله: خمسا عزيزا في قومه، ذا حسب، شجاعا، جوادا ورعا» (2). مع أن المقياس الجوهري الذي لا تصح الإمامة إلا به هو العلم بالكتاب والسنة والأثر، أما الشروط الخمسة الأخرى فهي شروط كمالية مستحبة، إلا شرط الورع فإنه واجب في الإمام، إذ يقول المرجع قطب الأيمة الشيخ اطفيش في هذا الصدد:
هؤلاء شروط كمال إلا الورع، ورع العدول، فإنه شرط صحة» (3).
الفرع الثاني: مفهوم الكفاءة المطلقة عند الاباضية المغاربة
يتضمن مفهوم الكفاءة المطلقة عند الإباضية وجهين هما كالتالي: الوجه الأول: الكفاءة العلمية والسياسية معناها التأهل في العلم ووفرة التجربة، فإذا كان الإمام ملزما بتطبيق الشرع فإن ذلك يقتضي منه أن يكون عالما بالشريعة والعلوم الدينية والدنيوية، ويستحسن أن يكون بالإضافة إلى ذلك ذا تجربة في الحكم وذا خبرة سياسة. و يركز الإباضية على شرط الكفاءة العلمية سعيا منهم إلى إقامة دولة يسيرها العلماء، وأوضح مثال على ذلك الدولة الرستمية التي اشتهر أيمتها بشغفهم بالعلوم الدينية والدنيوية، كما ترك حكامها عدة مؤلفات فقهية (4).
(1) المقصود بهذا التعبير الشخص الأكثر تفانيا في خدمة الدين والدعوة إليه، لأنه لا هجرة بعد الفتح. (2) الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني (الإباضي (المزابي) (المتوفي في سنة 1223 هـ/1863 م): كتاب النيل وشفاء العليل، تصحيح وتعليق الشيخ بكلي عبد الرحمان بن عمر، الطبعة الثانية المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي الجزائر، 1387 هـ / 1967، ج (1)، ص 794. (3) اطفيش شرح كتاب النيل، ج (13)، ص 44.
(4) Pierre CUPERLY : Introduction à l'étude de l'Ibadisme et de sa théologie, Office des Publications Universitaires, Alger, 1991, pp.295, 296.
147 (1/145)
صفحة 146
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويتشدد الإباضية كثيرا في هذا الشرط حيث قال الإمام عبد الوهاب الإمام الثاني للدولة الرستمية في رسالة بعث بها إلى أهل طرابلس: «حرام على الجاهل أن يولى أمور الناس، وحرام على الناس أن يولوا جاهلا» (1). ولا شك أن هذا الشرط يعد ضروريا لبناء دولة مستقرة مزدهرة،
يعطى فيها للمفكرين والعلماء مكانتهم اللائقة بهم، ويستشارون من طرف الحكام، وبالتالي يسود في هذه الدولة مبدأ حرية الفكر الذي يسمح بالانتقاد والمناقشة، مما يعد ضامنا من الاستبداد، لأن أغلب السلاطين المستبدين إنما هم جهلاء تولوا أمور المسلمين عن طريق الوراثة، فلم يعرفوا قدر العلم والعلماء ولم يستشيروا الفقهاء النزهاء، فعاثوا في الحكم فسادا. الوجه الثاني: الكفاءة الأخلاقية ومعناه الالتزام بالأخلاق الإسلامية والورع ورع العدول وهو المعتبر في الرجل العادي. فلا يلزم أن يكون الإمام ناسكا متصوفا مثاليا، وإنما ينبغي أن يتحلى بالنزاهة وتقوى الله ويلتزم بأخلاق الإسلام، ومن أهم الأخلاق الإسلامية التي يجب أن تتوفر في المرشح للإمامة عند الإباضية صفتين هما: (1) العدالة: ويقصد بها المساواة بين الناس في تنفيذ القانون ونبذ أشكاله مثل المحاباة الأسرية وغيرها، والاحتكام للحق وحده دون أي اعتبار آخر، بمعنى أن يكون الإمام إمام الدين والطريق المستقيم» (2)، وليس ملكا متجبرا مستبدا، وأن يحسن السيرة في أهل طاعته وأوليائه وخدمه ويستديم طاعتهم ونصحهم ويثيب محسنهم على الإحسان ويعمد إلى مسيئهم بالعفو والغفران» (3).
التمييز بجميع
(1) ابن سلام اللواتي شرائع الدين، ص 113. (2) أبي طاهر إسماعيل الجيطالي النفوسي (المتوفي في سنة 750 هـ): قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق الشيخ بكلي عبد الرحمان، الطبعة الأولى، المطبعة العربية غرداية
1976، ج (1)، ص 65.
(3) اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 223.
148 (1/146)
صفحة 147
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويبين الشيخ ابن سلام اللواتي الإباضي مفهوم العدالة عند الإباضية بقوله: «لا يكون إماما مستقيما إلا من يكون الناس عنده كلهم في الحق سواء: القريب والبعيد والشريف والوضيع والصغير والكبير والأحمر والأسود، ولا يتفضل الناس عنده إلا بتقوى الله تعالى ( ... ) لأن الناس
كلهم في الحق سواء، فمن لم يكن كذلك ليس هو من أهل العدل» (1). ويدل هذا النص الذي ورد في أقدم كتاب مغربي إباضي يكتبه أحد علماء الإباضية الأمازيغ بعد الفتح الإسلامي (2) على أن فكرة المساواة المطلقة كانت متأصلة في الفكر السياسي الإباضي المغربي عند انتشار الإباضية في البلاد الأمازيغية.
2) الشورى: وهي من مقتضيات العدل لذلك فإن الاباضية يلزمون توفر هذه الصفة في المرشح للإمامة، إذ يوجب قطب الأيمة الشيخ اطفيش أن يكون الإمام مشاورا» لذوي الستر والدراية وأهل العلم والتجربة» (3) أي أن تتوفر في أهل الشورى ثلاث كفاءات: الستر والمعرفة والتجربة.
الفرع الثالث: الأسانيد الشرعية لمفهوم الكفاءة المطلقة يعتمد الإباضية في قولهم بنظرية المساواة المطلقة في اختيار الإمام على عدة أسانيد شرعية أهمها ما يلي:
1) القرآن وردت عدة نصوص إلهية تقرر مبدأ المساواة بين البشر إلا بالتقوى ومنها قوله تعالى: {يَا أيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أثقاكُمُ [الحجرات: 1].
(1) ابن سلام اللواتي شرائع الدين، ص 122 (2) نفس المرجع، ص 5 - ويعود هذا المؤلف إلى القرن (3 هـ/9 م)، و يرى محققه ر. ق شقارتز أنه يعد من المؤلفات الأولى التي كتبت حول تاريخ الإسلام في
الأستاذ
بلاد البربر في من طرف أحد البربر أنفسهم.
(3) اطفيش نفس المرجع، ج (14)، ص 223.
149 (1/147)
صفحة 148
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(2) السنة النبوية القولية: بينما يعتمد أهل السنة على حديث «الأيمة من قريش» لدعم نظريتهم، فإن الإباضية يستندون إلى ثلاثة أحاديث نبوية لتأسيس دعوتهم إلى المساواة المطلقة وهي:
جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة». ما جاء عن ابن أبي شيبة وابن ماجة إلى أم الحسين قوله: إن أمر عليكم عبد حبشي مجذع الأنف فاسمعوا وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله». وفي رواية «ما أقام فيكم كتاب الله» (1).
-
—
قوله صلى الله عليه وسلم: في حجة الوداع: «ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين والتقوى، الناس كلهم من آدم و آدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى .. » (2).
وتقرر هذه الأحاديث الثلاثة قاعدة المساواة والعدل بين المسلمين بمختلف أجناسهم وألوانهم وأنسابهم وهي دعوة إلى بناء مجتمع مثالي تختفي فيه جميع الفروق والتميزات بين الناس إلا التمايز في التقوى والكفاءة.
(3) قول الخليفة عمر بن الخطاب للصحابة عندما حضرته الوفاة، وطلبوا منه أن يستخلف: «لو أمر سالم مولى أبي حذيفة ما رتبت فيه» (3) حيث يقر لأحد الموالي العجم بهذا الحق، فلو كان حصر الخلافة في قريش
(1) الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، المطبعة العربية غرداية 1985، ج (3)، ص 21. - لطفيش وفاء الضمانة، ج (5)، ص 275. -:اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 275. (2) الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش شرح عقيدة التوحيد لتبغورين (مخطوط)، مكتبة امحمد أطفيش بني يزقن، ص 302 - اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 280. (3) اطفيش شرح عقيدة التوحيد لتبغورين، ص 302. اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 280.
-
150 (1/148)
صفحة 149
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياس
حكما شرعيا ثابتا لما قال ذلك وهو أحد الصحابة المقربين للرسول صلى الله عليه وسلم الشاهدين لسنته.
(4 تفنيد مقولة "الأيمة من قريش" يوجه الإباضية إلى هذه المقولة جملة من الانتقادات مفادها أن هذا الحديث وإن افترضنا صحته، فقد جاء لينظم حالة خاصة بزمن معين ولا يتضمن وضع قاعدة دستورية واجبة الاتباع، إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم: قال ذلك على حسب ما رأى من قريش الذين على عهده إذ رأى أنهم أقوى قلوبا ورأيا و علما. وإذا جاء زمان بأفضل منهم كان أولى بالإمامة ولو كان حبشيا إذا أعتق» (1). وعليه فإن قريشا ليس لها حق إلهي خاص بها لاحتكار السلطة إذ: «لوكانت الخصوصية ثابتة شرعا، لاحتج بها أبوبكر» (2)، ولما وقعت كل تلك المناقشات بل ولما بايع الأنصار سعد بن عبادة.
(5) إن حصر الإمامة في طائفة من الناس حتى لو عدلت هو مما يتنافى مع مبادئ العدالة والمساواة السياسية التي يقرها العقل السليم لأنه يتضمن تفضيل جنس أو أسرة بذاتها بالسلطة السياسية على سائر الناس على أساس عرقي أو حق إلهي مزعوم، ويقول الشيخ علي يحي معمر شيخ الإاضية بليبيا في هذا الشأن: أترى أن الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنه قرشي كلا والله» (3).
وعن الشيخ عبد الله السالمي العماني: «ليس من الحكمة الإلهية أن تخص الإمامة بطائفة، جاروا أو عدلوا، أصلحوا أو أفسدوا لأن ذلك مناف للمعنى الذي لأجله شرعت الإمامة» (4).
(1) اطفيشن کتاب جامع الشمل، ص 300.
(2) الشيخ عبد الله بن حميد السالمي: حاشية الجامع الصحيح، مطبعة الأزهار البارونية،
1326، (د. م)، ج (1)، ص 76.
(3) يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 535.
(4) السالمي: نفس المرجع، ج (1)، ص 77.
151 (1/149)
صفحة 150
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني ونشير إلى أن أغلب الفقهاء والكتاب المحدثين والمعاصرين من أهل السنة لم يجدوا إلا تأييد ما ذهبت إليه الإباضية في هذا الشأن، فدعوا إلى اعتبار مقياس الكفاءة وحده عند تولية الحاكم (1).
المطلب الثاني: الشورى ورضا الشعب هي الطريقة الشرعية الوحيدة لاختيار الإمام
إذا كانت طريقة توريث الحكم شرعية عند أغلب فقهاء أهل السنة، وتعتبر عند الشيعة سببا في عصمة الإمام، فإن الإباضية يعتبرونها أسلوبا غير شرعي، ومخالفا لأحكام الشريعة وسنة الخلفاء الراشدين (2)، ذلك أنه من أهم مبادئهم الدستورية التي يتفق فيها إباضية المشرق والمغرب هو أن البيعة الصحيحة لا تكون إلا بواسطة الطريقة الشرعية الوحيدة. وهي الشورى بين كافة المسلمين (3)، ويقول الشيخ المرجع ضياء الدين الثميني في هذا الشأن بعد ذكر الشروط الواجبة في الإمام: «ويجوز تولية من فيه هذه الصفات ولو وجد أفضل منه وذلك بمشورة العلماء والصلحاء واتفاقهم ورضاهم» (4).
ويضيف أن البيعة يجب أن تتم «بصحة القلوب وسلامة الصدور وأخذ العهد الوثيق» (5)، كما جاء في الجامع لأبي الحسن البسيوي:
(1) منهم المودودي نظرية الإسلام السياسية، ص 48، 49.
—
-
أبو زهرة: المجتمع الإنساني، ص 136،237. علي منصور: نظم الحكم والإدارة، ص 256
(2) Pierre CUPERLY: Introduction à l'étude de l'lbadisme, p.296.
(3) أعوشت: دراسات إسلامية، ص 120.
(4) الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني (المتوفى سنة 1223 هـ): الورد البسام في رياض الأحكام، تح محمد بن صالح الثميني، مطبعة عربى بابي الحلبي وشركاه، مصر،
(د. ت)، ص 236.
الشيخ اطفيش شرح كتاب النيل، ج (13)، ص 44.
(5) الشيخ اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 318.
152 (1/150)
صفحة 151
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا
السني
«إنما تثبت الإمامة بالرضى من المسلمين، وإنما تكون البيعة مع الرضى والمشورة» (1).
وعليه فإن اختيار الإمام عند الإباضية لابد أن يتم باستشارة الفقهاء وأهل الرأي، الذين يبحثون مدى توفر الكفاءة والشروط الشرعية في المرشح، لكن اختيارهم لا يكفي وحده بل لابد لانعقاد عقد البيعة من تحقق الرضا العام للجماهير، وهذا الرضا يجب أن يعبر عنه بصحة القلوب وسلامتها وبشكل لا تشوبه شائبة، لأن الإمام الشرعي عند الإباضية - هو الذي ينتخب بالمشورة والتراضي وليس الذي يفرض نفسه بالتسلط والغلبة استنادا إلى حق مزعوم في الخلافة، لانتمائه إلى سلالة معينة كالعلويين والقرشيين وغيرهم.
وعقد الإمامة عند الإباضية لا يتم ولا يكتمل ويكون صحيحا بمجرد البيعة الخاصة لأهل الحل والعقد، بل لابد لذلك من البيعة العامة للجماهير والتي يعبر الشعب من خلالها عن رضاه وقبوله بالمرشح الذي اختاره هؤلاء، ويجب أن يكون ذلك بالأغلبية، حيث يقول الشيخ ضياء الدين الثميني محددا كيفية إبرام عقد البيعة عند الإباضية: «وإذا أرادوا عقد الإمامة، قدموا إليه ستة رجال وقيل خمسة من أفاضلهم فيبايعونه ثم يبايعه الناس» (2).
•
وبذلك فإن رضا الناس هو الأصل في عقد البيعة، أما اختيار أهل الحل والعقد فلا يعدو أن يكون ترشيحا ليس له صفة إلزامية ولا منشئة غير أنه قد يعبر عن رضا الناس إما بواسطة البيعة العامة وهو الأصل، أو إظهار التأييد والمساندة للإمام. ويقول قطب الايمة الشيخ المرجع محمد أطفيش في هذا المعنى:
(1) الشيخ أبي الحسن علي بن علي البيسوي: جامع أبي الحسن البسيوي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984، ج (1)، ص 260. (2) اطفيش شرح كتاب النيل، ج (13)، ص 44 - الشيخ الثميني: الورد البسام، الباب 93 في عقد الإمامة، ص 237.
153 (1/151)
صفحة 152
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السيا
إن الإمام لا يحتاج إلى من يعقد له، لأن المراد التراضي به ( ... ) الدليل إقامة عمر بن الخطاب، فإن إمامته باختيار أبي بكر إياه إماما للناس، فرضوا فكان الرضا به دون العقد أوجب الصحة بذلك، وكذلك عمر بن عبد العزيز سلم إليه الأمر بنو مروان إماما فأظهر التوبة، وكان عاملا لهم فرضي به المسلمون فمضت إمامته»
(1)
•
ومعنى ذلك أن مبايعة أهل الاختيار قد تكون عنصرا منشئا لعقد البيعة وإنما لا تتم الإمامة الصحيحة إلا بتحقق رضا الشعب. وعليه فحتى إن كان الشخص قد انتقلت إليه السلطة بالوراثة فإن إمامته تكون صحيحة إذا رضي به الشعب كما حصل للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز.
وعليه فإن عنصر الرضا يعد ركنا جوهريا بل منشئا لعقد البيعة، فإذا كان عقد البيعة هو «تأييد المرشح للخلافة والموافقة على الترشيح» (2)، فإن هذا العقد عند الإباضية هو عقد ثنائي طرفاه هم: الإمام ورعيته، بينما هو عند أهل السنة حسب الفقيه الماوردي- عقد ثنائي يكون طرفاه هم الخليفة وأهل الاختيار كما رأينا (3).
وقد حرص فقهاء الإباضية على تحديد المراسيم والإجراءات التي يجب أن يتم وفقها تنصيب الإمام في حالة الظهور، حتى يتم تجسيد مبدا الشورى وفقا لقاعدة الرضا وحرية الاختيار وتتم هذه المراسيم على
مرحلتين كالتالي (4):
(1)
•
(1 بيعة "أهل الاختيار ": وهم خمسة أو ستة من أهل الرأي والعلم والفضل، ولن تكون إلا بعد أن يتلى للمرشح عقد البيعة الذي يتضمن شروطا
(1) اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 312. (2) القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج (1)، ص 259.
(3) الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 7.
(4) اطفيش نفس المرجع، ج (14)، ص 311 وما بعدها.
154 (1/152)
صفحة 153
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفـ ي الإباضي والسني كثيرة أهمها التزام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمساواة بين الناس وقبول النصيحة ومشاورة ذوي العلم". فإذا قبل المرشح بتلك الشروط، تقدم أهل الاختيار فيبايعه أفضلهم وأكثرهم علما، ثم يتتابع الآخرون بعده. ويستند هذا التقليد إلى سنة الخليفة عمر بن الخطاب له الذي ترك مجلس شورى يتكون من خمسة من كبار الصحابة، تولى انتخاب عثمان. غير ليس من اللازم التقيد بالعدد خمسة أو ستة في تشكيل هذا المجلس، وإنما العبرة في ذلك أن يتشكل من أهل الرأي والحكمة وزعماء المجتمع.
"1
أنه
(2) بيعة عموم الشعب وهي تعبير عن إرادة الأمة وقبولها لمن اختاره أهل الرأي والحكمة، وتكون بأن يقوم أحد الخطباء أمام الجماهير فيذكر ما قرره أهل الاختيار من اختيار الشخص لمنصب الامامة لتوفر الشروط الشرعية فيه، ويحثهم على المبايعة، فإذا بايع سائر الناس وعبروا عن رضاهم الجماعي انعقدت الإمامة للشخص نهائيا. وإذا لم يبايعوا ورفضوا هذا الشخص، فعلى "أهل الشورى" مبايعة شخص آخر. ونشير إلى أن أغلب كتاب السياسة الشرعية المحدثين من أهل السنة أيدوا ما ذهبت إليه الإباضية وقالوا بعدم كفاية البيعة الخاصة ووجوب البيعة العامة التي يشترك فيها أغلبية الشعب وتعبر خلالها الأمة عن رأيها (1)، وقد أوردوا في ذلك عدة أدلة وأسانيد نستعرض أهمها فيما يلي:
الفرع الأول: الأسانيد الشرعية.
(1) وردت الكثير من النصوص الشرعية في خصوص الأغلبية والإجماع وما لها من حجية كما سوف نرى.
(2) إن بيعة "أهل الاختيار" لو كانت ملزمة للأمة لما احتاج معاوية ابن أبي سفيان إلى بيعة جموع الشعب في المدينة، حيث خطب من فوق
(1) من هؤلاء: د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 373 - دحلمي: نظام الحكم الإسلامي. ص 82. د. الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 147 - العربي: نظام الحكم في الإسلام، ص 38 و 65.
155:: (1/153)
صفحة 154
د. اوق وشلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا الإباضي والسني
المنبر في المدينة مدعيا أن "أهل الاختيار" قد رشحوا ولده وأنهم قد بايعوه، (1) في حين أن الصحابة والتابعين في المدينة المنورة ألزموا إلزاما
(1) ,
على السكوت عن هذه البيعة بواسطة وسائل الترهيب والإكراه.
(3) إن آية الشورى وأمرهم شورى بينهم «لم يرد فيها تحديد لفئة معينة تتولى هذا الأمر، بل إن كلمة "بينهم" تشير إلى المجتمع كله» (2). (4) يروى أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز جاءه أحد الخوارج يناقشه فقال: «اتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم بالحق؟». فأجابه عمر الله: إنما ولاه غيري، والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي» (3). ويتبين من هذا القول أنه اعتبر أمر الخلافة حق لكافة المسلمين، كما يروى عنه أنه حاول أن يقضي على الحكم الملكي
الوراثي لولا أن قتل بالسم من طرف العائلة الأموية الطاغية الفاسدة (4). 5 سنة الخلفاء الراشدين: إن أهم سند شرعي يعتمد عليه أنصار الحكم الشوري من فقهاء الإباضية وكتاب السياسة الشرعية المحدثين هو طريقة انتخاب الخلفاء الراشدين الأربعة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم والتي تمت في إطار من الشورى والديمقراطية، فقد توفى النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعد أول خليفة في الإسلام ولم يترك تقليدا محددا معينا في هذا الصدد، غير أن المسلمين لقرب عهدهم بالرسول صلى الله عليه وسلم لم يشذوا عن مبدأ وروح الشورى في اختيار الخلفاء من بعده مع اختلاف في الأشكال والطرق، ولنستدل على ذلك نستعرض باختصار طريقة تولية كل من
الخلفاء الراشدين الأربعة فيما يلي:
(1) د. حلمي: نظام الحكم الإسلامي، ص 82. (2) العربي: نظام الحكم في الإسلام، ص 65. (3) د. الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 147. (4) د. الأنصاري: نظام الحكم في الإسلام، ص 147.
156 (1/154)
صفحة 155
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
1 - تولية أبي بكر الصديق (11 هـ)
لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم تسارع المسلمون للاجتماع في مكان يسمى السقيفة، للتداول لأول مرة في قضية خلافة المسلمين. ولاجتماع السقيفة أهمية قصوى باعتباره أول محاولة للمناقشة حول أمر الخلافة من طرف الصحابة والتابعين لذلك فإن ماجرى في هذا الاجتماع من مداولات سياسية بين الجماعات القبلية المتصارعة على الحكم أصبح مصدرا ماديا تاريخيا لفقهاء السياسة الشرعية منذ العهد الأموي لدعم نظرياتهم السياسية، ويمكن تلخيص مجريات اجتماع السقيفة فيما يلي لما شيع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع الأنصار بسقيفة بني ساعدة للتداول حول اختيار خليفة للمسلمين، فاجمعوا الرأي على تنصيب أحد زعمائهم سعد بن عبادة، فأسرع زعيما المهاجرين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب الله لما وصلهما الخبر، والتحقا بالجمع، فوقع نقاش وجدل طويل بين قبائل المهاجرين والأنصار كما يلي:
: (1)
أ) الأنصار يرون أنهم أحق بالخلافة لأنهم هم الذين دافعوا عن الإسلام بأنفسهم وأموالهم وقدموا الشهداء في سبيل تثبيت الدين الجديد في الوقت الذي خذله فيه أكثر العرب. وقد دعا زعيم الأنصار سعد بن عبادة، قومه في خطبته قائلا: «استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم من دون الناس».
(ب) المهاجرون ويرون أنهم أحق بهذا المنصب، لأنهم أول من دخل الإسلام وجاهد وصابر، وهم أقرباء الرسول وعشيرته وصحابته الأولون. ولما تمسكت كل طائفة بموقفها بسبب اشتداد العصبية القبلية قالت الأنصار «منا أمير ومنكم أمير» فأجابهم أبو بكر» «منا الأمراء ومنكم الوزراء»،
(1) أنظر: أبي جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم دار المعارف، مصر،1961، ج (3)، ص 204 وما بعدها.
- القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج (1)، ص 131 وما بعدها. - د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 78.77.
157 (1/155)
صفحة 156
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني ولما كثر الجدل قال عمر لله لأبي بكر: «أبسط يدك أبايعك» فبسط يده، فذكر عمر بمزايا أبي بكر له وسبقه في الإسلام وحسن بلاءه وطول صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم ... الخ، ثم بايعه فبايعه المهاجرون ثم بايعه أغلب الانصار بعد وهكذا استطاع عمر له أن يحسم الأمر لصالح المهاجرين بأن واجه الأنصار قائلا: «إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير».
ذلك.
ونلاحظ من خلال مجريات اجتماع السقيفة أن مبايعة أبي بكر الله تمت عن رضا وموافقة أغلبية الحاضرين في هذا الاجتماع بعد اقتناعهم بتوفر الكفاءة والصفات الحسنة في أبي بكر له وبعد مناقشات صريحة بين ممثلي التيارين السياسيين الرئيسيين آنذاك، وهما المهاجرون والأنصار، رغم أن هذه البيعة تمت بنوع من التسرع، وقد اعترف بذلك عمر بن الخطاب له نفسه إذ يروي عنه أنه قال: «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع له الأعناق مثل أبي بكر».
غير أن تسرع عمر الله لإعلان بيعته لأبي بكر له إنما كان لخوفه من انشقاق صفوف المسلمين وحرصه على حفظ وحدتهم، خاصة وأن الدعوة الإسلامية كانت تمر بمرحلة خطيرة بعد وفاة النبي، تستلزم التضامن والوحدة بين المسلمين.
-2 - تولية عمر بن الخطاب (13 هـ)،
تم انتخاب الخليفة الثاني للمسلمين عمر بن الخطاب له وفـ وفق ثلاث
مراحل كالتالي (1):
(1) الإمام جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي: تاريخ عمر بن الخطاب، الطبعة الأولى، الزهراء للنشر، والجزائر، 1990، ص 48 وما بعدها. - محمد فتحي عثمان: من أصول الفكر السياسي الإسلامي، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1972 هـ، ص 347.346.
158 (1/156)
صفحة 157
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أ) الترشيح: لم يخف على أبي بكر أهمية مسألة الخلافة وما قد تثيره من خلاف وتصدع بين المسلمين خاصة وأن تلك الفترة كانت حاسمة في فتوحات المسلمين في العراق والشام، وكان المسلمون على أبواب معركة اليرموك فكانوا أحوج ما يكونون إلى وحدة الصف، لنشر الدين الجديد وتبليغه للشعوب الأخرى.
كما أن أحداث السقيفة وما جرى فيها من خلاف وخصام لم تكن بعيدة العهد عن أبي بكر، لذلك كله هداه اجتهاده وقيل نصحه بعض الصحابة (1) - إلى أن يعين مرشحا ممن تتوفر فيه شروط الإمامة لينتخب عليه المسلمون من بعده، لكن هذا الترشيح لا يكون إلا بعد استشارة كبار الصحابة، ثم جمهور المسلمين، وموافقتهم عليه.
ب الاستشارة حول الترشيح بعد أن وقع إختيار أبي بكر الصديق على عمر بن الخطاب الترشيحه لمنصب الخلافة، عقد نوعين من المشاورات:
- مشاورة أهل الحل والعقد من كبار الصحابة، مثل عبد الرحمان
بن عوف عثمان بن عفان، أسيد بن الخضير الخ، وقد أجمعوا على كفاءة عمر ه وزكوا هذا الاختيار.
-
مشاورة جمهور المسلمين: فبعد أن تحصل أبو بكر على موافقة "أهل الاختيار" كان لابد عليه أن يحصل على رضا الجماهير، إذ ذاك وجه خطبته للناس قائلا: «أترضون بمن أستخلف عليكم ( ... ) فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولاوليت ذا قرابة ... »، فأجابه أغلب الناس بقولهم: «سمعنا وأطعنا»
(2)
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 256. (2) د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 347. - د. على إبراهيم حسن: التاريخ الإسلامي العام، الطبعة الثانية مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1963، ص 348.
159 (1/157)
صفحة 158
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ج البيعة العامة: يعتبر قبول كبار الصحابة لعمر ه بمثابة البيعة الخاصة، بينما يعتبر تأييد الجماهير ورضاها بهذا الترشيح بمثابة البيعة العامة، إلا أن عقد البيعة لم يتم ويتجسد فعليا إلا بعد وفاة أبي بكر حيث أعادت الجماهير بيعتها العامة لتأكيد رضاها. وهذه حالة خاصة ترجع إلى الظروف الاستثنائية التي كان فيها المسلمون كما أسلفنا ذكره، وعليه فلا يمكن الاعتماد على هذه السابقة للقول بشرعية توريث الحكم، فأبو بكر هل استشار الجماهير، وعبرت هذه الأخيرة عن رضاها المطلق لما قام به مرتين قبل وفاته وبعد وفاته.
أما ملوك بني أمية وبني العباس فكانوا يعتبرون الخلافة حقا عائليا يتوارثونه أبا عن جد مثله مثل القصور والأموال، وشتان بين هاتين الحالتين، كما أن أبا بكر له حرص على التأكيد على أنه لم يول ذا قرابة، وفي ذلك أكبر دليل على أن الخليفة يجب أن يختار لكفاءته وحدها
-3 - تولية عثمان بن عفان (23 هـ) (1)
عرف الخليفة عمر بن الخطاب له بكثرة استشارته للمسلمين وعندما كان على وشك الموت طلبت منه جماعة من الصحابة أن يعين لهم مرشحا يتولى الحكم من بعده، غير أنه رفض ذلك واهتدى بفطرته وفهمه لروح الشورى إلى إنشاء مجلس يتكون من ستة من كبار الصحابة ممن مات الرسول وهو عنهم راض ليتولى مهمة اختيار الخليفة الجديد وذلك في مدة ثلاثة أيام، وهؤلاء هم (2):
-
- علي بن أبي طالب. عثمان بن عفان. – طلحة بن عبد الله الزبير بن العوام. - سعد بن أبي وقاص. - عبد الرحمان بن عوف.
(1) د. حلمي: نظام الحكم الإسلامي، ص 78.77. فتحي عثمان من أصول الفكر السياسي الإسلامي، ص 347. (2) إبراهيم حداد الديمقراطية عند العرب، دار الثقافة مطابع سميا، بيروت، (د. ت)، ص 56، فتحي عثمان من أصول الفكر السياسي الإسلامي، ص 348.
160 (1/158)
صفحة 159
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني كما حدد لهم بدقة طريقة اتخاذ القرار وكيفيتها، وذكرهم في الأخير بخطورة مهمتهم قائلا «ولكن أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس .... » (1). فتوصل مجلس الشورى إلى اختيار عثمان بن عفان
لمنصب الخلافة ورضي الناس بهذا الاختيار بواسطة البيعة العامة. وإذا تأملنا طريقة انتخاب الخليفة عثمان له نلاحظ أنها تمت في
ثلاث مراحل هي:
أ) الاختيار انعقدت جلسات مجلس الشورى" في مدة ثلاثة أيام، وتشاور الجميع حول الشخص المناسب لهذا المنصب، فانتهى الاختيار في نهاية المداولات إلى شخصين هما علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان. حينئيذ تنازل عبد الرحمان بن عوف عن حقه في الترشح وخرج بتكليف من مجلس الشورى يستشير الجماهير في الأمر (2).
ب الاستفتاء بينما كان مجلس الشورى" يتداول. لاختيار الخليفة، كان عبد الرحمان بن عوف يطوف بالمدينة ويستشير الناس (3) ويقوم بما يشبه الاستفتاء بالمفهوم المعاصر، حتى «أنه دار تلك الليالي كلها على الصحابة ومن وافى المدينة من أشراف الناس لا يخلو برجل منهم إلا أمره بعثمان (4)، فتوصل في نهاية الأمر إلى أن أغلب الناس
يتفقون على عثمان بن عفان.
ج البيعة بعد أن تبين أن أغلب الناس يميلون إلى عثمان بن عفان، عقد "مجلس الشورى" البيعة الخاصة لعثمان، ثم بايعته بعد ذلك الجماهير البيعة العامة.
(1) أبو الأعلى المودودي: تدوين الدستور الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1980،
ص 41.
(2) إبراهيم: حداد الديمقراطية عند العرب، ص 58. (3) د. عمارة: الإسلام وقضايا العصر، ص 101. (4) العسقلاني: فتح الباري، ج (8) ص 71.
161 (1/159)
صفحة 160
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
-4 - علي بن أبي طالب (35 هـ):
بعد مقتل الخليفة عثمان سنة (35 هـ) تسارعت الجماهير وكبار الصحابة إلى علي بن أبي طالب طالبين منه أن يتولى أمر الخلافة لكنه رفض هذه المسؤولية الخطيرة لما عرف عنه من الزهد في الدنيا والسلطة قائلا: «لأن أكون وزيرا خير من أن اكون أميرا". فلما ألحوا عليه قال «ففي المسجد، وأن بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلا عن رضى المسلمين» (1). إذ ذاك بايعه المهاجرون والأنصار ثم بايعه أغلب الناس. وفي مقولة الإمام علي بن أبي طالب تلخيصا جامعا للنظرية الشورية إذ تضمنت مبدأين رضا الجماهير والعلنية والشفافية.
الفرع الثاني: تقييم المبدأ
إن كافة الأسانيد والأدلة التي يعتمد عليها أصحاب هذه المدرسة تقوم على أساس صحيح، وتعد سنة الخلفاء الراشدين أقوى حجة على إلزامية الشورى عند اختيار الخليفة. فبغض النظر عن الجدل حول أحقية الامام علي بن أبي طالب بالخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم كما ثبت طبقا لحديث الغدير المشهور، فاننا إذا تتبعنا طرق تولية الخلفاء الراشدين الأربع نلاحظ أنها لم تخرج عموما عن مبدأ الشورى الذي يقضي بوجوب البيعة الخاصة من كبار الصحابة والفقهاء، والبيعة العامة من جمهور المسلمين التي ينبغي أن تتم بالاختيار الحر السليم من دون إكراه أوضغط. وبناءا عليه فقد اختلفت أساليب وأشكال تولية الخلفاء الراشدين ويمكن حصرها في ثلاث طرق وهي:
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 96. - المودودي: تدوين الدستور الإسلامي، ص 42.
162 (1/160)
صفحة 161
د. أوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الإباضي والسني
أولا: طريقة الاختيار الشعبي المباشر: وهي التي تم وفقها اختيار أبي بكر الصديق، إذ بويع بالخلافة بعد مناقشات ساخنة وطويلة بين مختلف زعماء القبائل المتصارعة على الحكم في اجتماع السقيفة المشهور الذي حضرت فيه الحساسيات القبلية الموجودة في مجتمع المدينة آنذاك، وهذه الطريقة غير ممكنة التحقيق في الوقت الحاضر، نظرا لاتساع رقعة الدولة وكثرة سكانها.
ثانيا: طريقة الترشيح بشرط القبول وهي التي تم وفقها تولية
عمر بن الخطاب الخلافة، ولهذه الطريقة عدة محاسن أهمها.
-
أن الحاكم يكون أعرف بمشاكل دولته واحتياجاتها، وبالتالي فهو أولى أن يوفق لترشيح الشخص المناسب الكفء لهذا المنصب، لأن في ترك الأمر للأمة احتمال إنقسامها أو خطئها.
-
إن اختيار الحاكم لا يكون شرعيا إلا إذا وافق عليه الشعب، وفي هذا تطابقا مع مبدأ الشورى غير أن هذا الأسلوب وإن كان قد تم في عهد أبي بكر له في إطار الشورى كما رأينا سابقا فإنه غير مضمون النتائج للاعتبارات التالية:
-
إنه أشبه بولاية العهد أو التعيين رغم أن الخلافة هنا لا تستند إلى ذوي قرابة وتقترن بشرط القبول من الجماهير التي تعبر عنه بالبيعة العامة.
-
إن اقتراح مرشح واحد فيه تقييد لحرية الشعب في اختيار الخليفة،
حيث يقتصر دوره على قبوله أو رفضه دون أن يكون له الحق في
الاختيار بين عدة مرشحين والمقارنة بين صفات كل منهم و كفاءاته
-
•
L
لقد اتخذت الأنظمة الملكية الوراثية والفقهاء المؤيدين لها من هذا
الأسلوب الذي سنه أبو بكر، سندا شرعيا لها للقول بجواز ولاية العهد وتوريث الحكم، مما ألحق أضرارا جسيمة بالمجتمعات المسلمة.
163 (1/161)
صفحة 162
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي
سني
:ثالثا: طريقة مجلس الشورى وهي الطريقة التي سنها عمر بن
الخطاب له وقد تم وفقها اختيار عثمان بن عفان خليفة للمسلمين. وتتمثل أهم إجراءات هذه الطريقة فيما يلي:
- تعيين مجلس شورى تمثيلي لمختلف القوى والفئات في المجتمع, حيث قال عمر له حين عين جماعة الشورى: «إنني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، لا يكون هذا الأمر إلا فيكم» (1).
-
استبعاد ذوي القرابة لتجنب أي تحيز، حيث استبعد عمر الله
ابنه عبد الله.
-
تنظيم طريقة سير المداولات واتخاذ القرارات لتجنب الفوضى والخلاف، وتحديد مدة زمنية لاختيار الخليفة، وتعد هذه الطريقة في رأينا الأقرب إلى روح الشورى الإسلامية ومبدأ الديمقراطية لأنها توكل مهمة اختيار الحاكم إلى نخبة المجتمع من الفقهاء وأهل الرأي والحكمة، ويكون لهؤلاء مجال واسع للاختيار بين ستة مرشحين، وهو ما يتماشى مع الأساليب الديمقراطية الحديثة (2).
لذلك نجد أن الإباضية اتخذوا من سنة عمر بن الخطاب له هذا السند الأول والحجة الأساسية في وضع نظريتهم السياسية حول الخلافة، فقالوا بوجوب نصب "هيئة للشوى" متكونة من ستة أعضاء من الفقهاء والعلماء تتولى عقد البيعة الخاصة للإمام ثم يبايعه عموم الشعب. كما نجد أن الإباضية هم أول من طبقوا هذه السنة من خلال الإمام الأول للدولة الرستمية عبد الرحمان بن رستم الفارسي الذي جعل الإمامة شورى بين ست شخصيات
اقتداءا بسنة عمر ..
(1) المودودي: تدوين الدستور الإسلامي، ص 41. (2) د. الطماوي: السلطات الثلاث، 356.
164 (1/162)
صفحة 163
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر ال
ضي والسني
ويقول الشيخ المرجع ضياء الدين الثميني في هذا الصدد:
«وقد جعل عمر الشورى بين ستة في إقامة الإمامة، وفيه دلالة على إقامة إمام بعد مشورة»
(1)
ومن حيث التطبيقات العملية لهذا المبدا فإن الأباضية بوادي مزاب مازلوا منذ عشرة قرون ينتخبون "شيخ العزابة" وهو بمرتبة "الإمام" في حالة الكتمان وفقا للمبدأ الشوري الديمقراطي وشروطه وأحكامه حسب الكفاءة العلمية الأخلاقية دون أي اعتبار للنسب. أما الإباضية في عمان فإنهم ومنذ فترة طويلة يحكمون من طرف عائلة مالكة تنتقل فيها السلطة بالتوريث مثلها مثل باقي الممالك السنية الأخرى كما تحول الإمام الى "سلطان" يحكم للأبد. وقد انتقد الشيخ عبد الله السالمي العماني هذا الأسلوب بالقول: «ليس من الحكمة الإلهية أن تخص الإمامة بطائفة، جاروا أو عدلوا، أصلحوا أو أفسدوا، لأن ذلك مناف للمعنى الذي لأجله شرعت الإمامة» (2)
المطلب الثالث: شرعية المعارضة وجواز العزل السلمي
للسلطان الجائر.
يقر فقهاء الإباضية بشرعية المعارضة طبقا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبجواز عزل السلطان الجائر في حالة الظهور بطريقة
سلمية إذا توفرت الشروط الشرعية. ونتناول هذين العنصرين فيما يلي: الفرع الأول: شرعية المعارضة السلمية عند الأباضية إن ممارسة الشورى في الإسلام لا يمكن أن تتم إلا بوجود معارضة شرعية سلمية والاعتراف للرعية بحق الاعتراض على تصرفات الحاكم ونقدها، والوقوف في وجه أي استبداد من طرفه.
(1) اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 325. (2) الشيخ عبد الله بن حميد السالمي: حاشية الجامع الصحيح، ج (1)،
ص
77
165 (1/163)
صفحة 164
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويعد إقرار الإسلام لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اعترافا له بشرعية المعارضة، كما أن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ترك لنا سوابق هامة تعتبر حجة على وجوب ممارسة المعارضة السلمية تجاه السلطة للدفاع عن مصالح الرعية. فإذا كان لكل فرد في الأمة الحق في مراقبة أمور الدولة والمجتمع وإسداء النصح للحاكم عن هفواته وأخطائه، فإن ذلك يعني بالضرورة حق الأفراد في إبداء معارضتهم ونقدهم، وبالتالي تقييد صلاحيات وسلطات الحاكم برضى جمهور الناس وقبولهم. وقد ترك لنا الإباضية المغاربة أمثلة وتطبيقات هامة في الاعتراف بالمعارضة داخل الحكم من خلال الدولة الرستمية، إذ لم يكن المعارضون في هذه الدولة يقمعون بالسيف والقوة بل يناظرون بالحجة والدليل، ولا يحاربون إلا إذا خرجوا بالقوة والعنف وحاولوا الاعتداء على أمن الدولة وبث الفتنة في المجتمع، بينما اتبع أغلب الحكام الأمويين والعباسيين السنيين أسلوب القتال والقمع الدموي ضد أي حركة معارضة حتى وإن كانت سلمية، كما حصل مع الحركة السلمية لبلال بن مرداس التميمي التي شكلت البذرة الأولى للمذهب الإباضي، حيث كان أصحاب هذه الحركة السلمية المعتدلة والمعارضة للحكم الاستبدادي الأموي في البصرة، يدعون لمذهبهم بالإقناع والحسنى، فبعث الأمويون جيشا فقضى عليهم وعلى زعيمهم بلال بن مرداس التميمي سنة 61 هـ (1).
الأسانيد الشرعية يعتبر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنصيحة والكلمة الطيبة الذي أوجبه الإسلام أقوى حجة على شرعية المعارضة السلمية، وهذا بالإضافة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين:
(1) خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 6.
166 (1/164)
صفحة 165
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباض
أولا: السنة النبوية القولية والعملية: وتتمثل فيما يلي
السني
(1) - روي عن أبي عبيدة بن جراح له أنه سأل النبي: «أي الشهداء أكرم على الله تعالى؟ فقال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك، فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش»
(1)
(2) - قوله: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»
(3
-
(2)
عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تودع منهم»
رواه مسلم (3)
(4) ـ عن تميم بن أوس الداري وأبي هريرة وابن عمر عنه: «الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: الله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأيمة المسلمين وعامتهم» (4). ففي هذه الأحاديث حث للمسلمين على المشاركة في تسيير الشؤون العامة بإسداء النصح للحكام إن فسدوا أو استبدوا بأمور الأمة دون إشراك الجماهير، بل يعد ذلك جهادا أفضل من حمل السيف أو العنف لأنه يقتضي تضحية الفرد بمصالحه الشخصية وسعيه لجلب المصالح ودرء المفاسد لمجتمعه وأمته عن طريق الدعوة السلمية والكلمة الطيبة والنصيحة الحسنة التي تكن عن المحبة والرحمة لجلب الفائدة للأمة دون إثارة للفتنة أو سفك للدماء.
(5
- معارضة أغلبية المسلمين بزعامة عمر له لصلح الحديبية الذي أبرمه الرسول الله مع المشركين، إذ رأووا فيه تخييبا لآمالهم واستكانة أمام المشركين، فرفضوا التحلل من إحرامهم والعودة دون أداء العمرة فلم
(1) الجيطالي: قناطر الخيرات، ج (2)، ص 152.
(2) نفس المرجع، ج (3)، ص 187.
(3) أطفيش: شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 269.
(4) نفس المرجع، ج (14)، ص 267. أبا يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف، ج (2) ص 49.
167 (1/165)
صفحة 166
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ينكر عليهم الرسول الله هذه المعارضة ولا طلب منهم التوبة والاستغفار، بل تفهم موقفهم ودعا لهم بالخير لأنهم كانوا يعتقدون أن الأمر من اجتهاده، لكن لما أدركوا أن الأمر وحي منزل اتبعوه. ففي هذه السابقة النبوية مثالا واضحا للمعارضة يتعلق بأمر سياسي مهم وهو إبرام معاهدة صلح بعد عشرة سنين من الحرب بين قريش والمسلمين.
ثانيا: سنة الخلفاء الراشدين وتتمثل فيما يلي:
1) معارضة عمر به أغلبية الصحابة لقرار الخليفة أبا بكر له مع
في قضية محاربة المرتدين، فلم ينكر عليهم هذا الموقف لأنه من حقهم المعارضة بل أقنعهم بالحجة فاقتنعوا.
(2) معارضة بعض الصحابة لقرار الخليفة أبي بكر ببعث جيش أسامة
إلى الشام، فلم يأمرهم بالطاعة المطلقة لما قرره، بل أقنعهم أن الأمر يتعلق بوصية من النبئ له قبيل وفاته، فاقتنعوا بذلك ونفذوا أمره.
(3) معارضة عمر للخليفة أبا بكره حين قسم أرضا على بعض
جميع المسلمين، حيث واجهه قائلا: «فهلا أوسعت
ملك الناس، وهي المسلمين مشورة؟» (1).
(4) ما روي أن الخليفة عمر له خطب يوما في المسجد داعيا الناس
إلى عدم الزيادة في مهر المرأة و تحديده بـ 400 درهم، فاعترضت عليه امرأة قائلة: أما سمعت ما أنزل الله {وَإِنَ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَعَاتَيْتُمُ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُدُوا مِنْهُ شَيْئًا آتَاخُدُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [النساء: 20]. فأجابها الخليفة «أصابت إمرأة وأخطأ عمر» وأعلن رجوعه عن قراره (2).
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 87.
(2) القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج (1)، ص 107، 108.
168 (1/166)
صفحة 167
لسني
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباد (5) يروى أن الخليفة عمر خطب في الناس قائلا: «هل كرهتم مني شيئا في قسم أو حكم؟» فقال له أسد بن حصين «عجبنا لك يا عمر، لو كرهنا منك شيئا أقمناك كما يقام القدح، فرفع عمر يديه و قال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إن كرهوا مني شيئا أقاموني كما يقام القدح» (1) ويتضمن هذا الموقف أروع صور الشورى والديمقراطية، حيث يمدح الخليفة عمر به شعبه لأنه يراقبه في سيرته و يقومه إذا انحرف.
وبناء على ما سبق نصل إلى أن المعارضة السلمية هي حق شرعي لكل فرد من أفراد المجتمع المسلم، حيث نجد أن حرية المعارضة كانت مضمونة في عصر النبي والخلفاء الراشدين إلى أن جاءت فترة حكم السلاطين الأمويين الذين وصل بهم الأمر في الاستبداد حتى قال أحدهم وهو عبد الملك بن مروان من على المنبر «من قال لي اتق الله ضربت وهكذا عطلوا تطبيق أحد المبادئ السياسية الجوهرية في
عنقه»
(2)
الإسلام وهو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
:ثالثا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الإباضية يتميز الإباضية بالتمسك الشديد بمبدأ الأمر المعروف والنهي عن المنكر ويرون أن إقامة الدولة نفسها إنما يجب من أجل القيام بهذا المبدأ. وقد أفرد الفقهاء الإباضية المغاربة أبوابا خاصة في كتبهم الفقهية لهذا المبدأ وصاغوا منه نظرية كاملة، واهتموا به اهتماما كبيرا
واعتبروه في نفس مرتبة الشورى (3).
(1) اطفيش شرح كتاب النيل، ج (14)، ص 354.
(2) الشيخ محمد عبده تفسير المنار، ج (4)، ص 204.
(3) انظر: الشيخ إسماعيل الجيطالي: قناطر الخيرات (ج (2)، باب وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 145 إلى 216 وج (3) فصل في المشورة، ص 179 إلى 187 - الشيخ الثميني: كتاب النيل، ج (3)، ص 794. الشيخ اطفيش شرح عقيدة تبغورين (مخطوط)، ص 292 إلى 295 - الشيخ اطفيش شرح كتاب النيل، ج (13) ص 43 إلى 60.
169 (1/167)
صفحة 168
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني وبالفعل لا يمكن لمبدأ الشورى أن يوجد بين الحكام والمحكومين، ولا أن يستمر إلا إذا كان سائدا في العلاقات بين الأفراد المحكومين فيما بينهم، وسمة أساسية للمجتمع في كافة مستوياته، لأن التحول الحقيقي من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الديمقراطي لا يمكن له أن يتم بمجرد تغيير الحكام أو بقرار سياسي شكلي، وإنما يكون بتربية الجماهير على الممارسة الديمقراطية ابتداءا من الأسرة وانتهاء بالدولة، وهو ما يعرف بالمصطلحات الحديثة بالروح الديمقراطية لدى الفرد، وقد جاء الإسلام بهذا المفهوم الواسع للشورى بما يعرف بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يعد من الدعامات الأساسية للفكر السياسي الإباضي.
ونحاول توضيح أسس هذه النظرية باختصار- في الفكر السياسي الإباضي المغاربي من خلال مؤلفات الشيخ المرجع إسماعيل الجيطالي وقطب الأيمة الشيخ المرجع أمحمد اطفيش فيما يلي:
(1) مفهوم الأمر والنهي (النصيحة) يمكن لنا تعريف هذا المبدأ، طبقا لشرح الشيخ الجيطالي كما سنرى، أنه: "حق كل فرد في المجتمع مهما كانت درجته وحسبه ونسبه في المشاركة في تسيير الشؤون العامة، بأن يأمر بكل ما يراه بعقله صالحا للمجتمع، وينكر على كل ما يراه مفسدة ومنكرا على المجتمع".
وعليه فالنصيحة لا يقصد بها التدخل في اعتقاد الناس لأن مبدأ حرية العقيدة والعبادة مما ضمنه الإسلام طبقا لقاعدة "لا إكراه في الدين"، وإنما يقصد بها المشاركة الديمقراطية للفرد في تسيير الشؤون العامة عن طريق النصيحة.
وذلك لان الفرد المسلم لا يكون دوره سلبيا في المجتمع، بل ينبغي أن يتحمل قسطا من المسؤولية فيما يحصل من معالجة الأمور، لأنه مكلف بالأمر والنهي أي إسداء النصيحة للأفراد وللحكام، وهو واجب ديني. ويؤدي هذا الواجب من طرف كل فرد بالغ عاقل على قدر الاستطاعة بالطريقة السلمية
170 (1/168)
صفحة 169
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
بإسداء النصح وإبداء الرأي للمجتمع ولأولي الأمر (1). والإخلال بهذا الواجب يترتب عنه الإثم، بل إن: «من لم يأمر ولم ينه، فكأنه من غير هذه الأمة» (2). غير أن هذا الواجب يعد فرض كفاية وليس فرض عين، فإذا قامت
جماعة أو مؤسسة ما بهذا الواجب سقط عن الأفراد الآخرين.
(2) مفهوم المعروف والمنكر
يعرف الشيخ الجيطالي الإباضي هذين المصطلحين بقوله:
«فالخير كله داخل في الأمر بالمعروف، والشر كله داخل في المنكر ( ... ) وسمي المعروف معروفا لأن العقول تعرفه وتوجبه، وسمي المنكر منكرا لأن العقول تنكره وتأباه» (3).
وعليه فكل ما يرضاه العقل والمنطق وكل ما فيه خير وصلاح للمجتمع سواء ورد ذكره في النصوص الشرعية أو لم يرد، يعتبر معروفا، وكل ما يأباه العقل السليم وفيه مضرة بالأمة يعتبر منكرا يجب العمل على إزالته بالنصيحة والعمل السلمي، سواء تعلق الأمر بالمسائل الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو غيرها.
وبالطبع فإن واجب الأمر والنهي تجاه الأفراد الآخرين يجب أن يقتصر على النصيحة لله وأن لا يمس بحريات الأفراد الشخصية والجماعية ولا بحقوقه الطبيعية المتعارف عليها عالميا.
(3 أركان الأمر والنهي
الأمر والنهي عند الإباضية معناه النصيحة" الله"، وله أركان لكل منها أحكام وشروط، نكتفي هنا بذكرها وهي (4):
(1) الثميني: كتاب النيل، ج (3)، ص 794.
(2) اطفيش شرح عقيدة تبغورين (مخطوط)، ص 292. (3) الجيطالي: قناطر الخيرات، ج (2) ص 146.
(4) أنظر تفصيل ذلك: الجيطالي قناطر الخيرات، ج (2)، ص 156 وما بعدها.
171 (1/169)
صفحة 170
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
-
المحتسب: وهو الذي يتولى الأمر والنهي، ويشترط فيه أن يكون
بالغا، عاقلا، مسلما.
فيما فيه الاحتساب وهي المسألة الوارد في شأنها الأمر والنهي،
وفيها شروط.
-
المحتسب عليه وهو الشخص الذي يتوجه له الأمر والنهي،
وفيه شروط.
كيفية الأمر والنهي وفيه درجات.
(4 الأسانيد الشرعية
وردت الكثير من الآيات التي تحث المسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتباره ركنا جوهريا في الدين، ووسيلة لمشاركة الفرد في خدمة مصالح الجماعة، كما تشدد هذه الآيات على من يترك هذا الواجب وتتوعده بالهلاك وسوء المصير (1).
ونشير إلى أن أغلب الكتاب والفقهاء المعاصرين أقروا بشرعية الأمر والنهي واعتبرها البعض ركنا جوهريا في المجتمع إلى جانب مبدأ الشورى (2). ويقول الإمام أبو زهرة في شأن علاقة مبدأ الأمر والنهي بمبدأ الشورى:
وأن الشورى ذاتها من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم تكن منه فهي ملازمة له، لأن المشاورة استرشاد من الحاكم للمحكوم، وهي من ضمن النصيحة الله ولأولي الأمر» (3).
(1) لنظر هذه الأسانيد بتفصيل: قناطر الخيرات ج (2) ص 146،وما بعدها، وص 152 وما بعدها، وج (3) ص 179 وما بعدها. واطفيش شرح عقيدة تبغورين (مخطوط)، ص 292. (2) منهم القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ ج (1) ص 103 وما بعدها. 275. لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 31. د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 87.
(3) محمد أبو زهرة الوحدة الإسلامية، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، 1397 هـ/1977 م، ص 259 ..
172 (1/170)
صفحة 171
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباد
سني
الفرع الثاني: ضمانات ممارسة المعارضة عند الإباضية
يتضمن الفكر السياسي الإباضي وتطبيقاته التاريخية عدة
ضمانات لممارسة حق المعارضة أهمها ضمانتان هما:
أ) عدم وجود الجيش يرى فقهاء الإباضية أن وجود جيش مسلح في الدولة إلى جانب الإمام لمساعدته، يعد خطرا على الحكم الشوري وعلى حريات الأفراد الدينية والعقائدية، وحريتهم في ممارسة المعارضة والأمر والنهي، لأن وجود الجيش قد يجعل منه أداة لفرض سلطة جائرة ونظام دكتاتوري بالقوة (1)، ولذلك فإن الرستميين امتنعوا عن تشكيل جيش نظامي لحماية حكمهم، رغم ما بلغته الدولة الرستمية من رخاء اقتصادي وقوة وفتوة.
ب مبدأ المسؤولية الشخصية للإمام: يعد الإمام في الدولة الإباضية سواء في حالة الظهور، أو في الجماعة الإباضية في حالة الكتمان مسؤولا عن قراراته غير الشرعية، وهو يتحمل تبعة تصرفاته وأعماله غير المشروعة التي يترتب عليها إضرار بالغير، فإذا أقام الحد على شخص من دون استحقاق منه، وأدى ذلك إلى وفاته مثلا، فعلى الإمام أن يدفع الدية من ماله الخاص (2)، وتؤدي هذه القاعدة إلى الحد من تعسف الحكام وتقييد
سلطاتهم تجاه المحكومين.
(1) د. عمر فاروق: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين دراسة نقدية في تفسير التاريخ، الطبعة الثانية، دار اقرأ، 1985، ص 53 حيث يقول في الدولة الرستمية لقد أدرك الفقهاء الإباضية خطر تحول الإمام إلى سلطان جائر يستمد سلطته من جيش ثابت، ولذلك فقد أصروا المرة تلو الأخرى بضرورة على الجيش وتفرق الإباضية وعودتهم إلى مناطقهم بعد كل موقعة أو معركة»
(2) د. عمر فاروق: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، 58.
173 (1/171)
صفحة 172
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
من جهة أخرى فإن الإباضية مثل المذاهب الأربعة خلافا للشيعة لا يعتقدون بعصمة الإمام، لأن الإمام عندهم لا يتمتع بأية حصانة خاصة بل هو مسؤول عن كافة قراراته وأعماله التي يقوم بها عند ممارسته للحكم (1)، فإذا انحرف أو تعسف واستبد فللأمة حق عزله وفق الشروط والأحكام الشرعية التي لابد من مراعاتها. الفرع الثالث: شرعية العزل السلمي للسلطان الجائر
في حالة الظهور.
إذا كانت المذاهب السنية تحرم عزل السلطان الجائر مهما تجبر وظلم وتعتبر ذلك ذنبا، وإذا كانت مذاهب الخوارج توجب الثورة عليه وجوبا قطعيا، فإن الإباضية ذهبوا مذهبا وسطا بين هذين الرأيين المتناقضين، وقالوا أن عزل السلطان الجائر يجوز ولا يجب، وجوازه مرتبط ومقيد بتوافر جملة من الشروط والضوابط الشرعية الصارمة التي تضمن جلب المنافع أكثر من الأضرار، أهمها أن يكون ذلك بشكل سلمي ويكون في حالة الظهور وفق مراحل معينة. ويقول الإمام المرجع أبو يعقوب يوسف الوارجلاني في هذا الصدد:
قالت السنة الخروج عليهم حرام وقتالهم على ذلك حرام ( ... ) وقالت الخوارج الخروج عليه واجب وعلى جميع جنودهم ورعيتهم، وقال أهل الحق (الإباضية) الخروج عليه سائغ جائز وهو قربه إلى الله عز وجل (2).
ويذهب المرجع قطب الايمة الشيخ اطفيش إلى تحريم الإباضية مطلقا الخروج على حكام الجور ما داموا مسلمين موجدين (3).
(1) د. عمر فاروق نفس المرجع، 58.
(2) أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: العدل والإنصاف، ج (2) ص 49. (3) اذ يقول في رسالة له سنة 1314 هـ للرد على ما جاء حول الإباضية في كتاب (الفتاوى الكاملية) للمفتي الشيخ كامل بن مصطفى محمود الطرابلسي: «ونحن لا نقول بالخروج
174 (1/172)
صفحة 173
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني وبالفعل فإن الإباضية وهم أهل الاعتدال في الفقه والسياسة بالنظر إلى مواقفهم ونظريتهم المعروفة عنهم - أجمعوا على عدم وجوب الخروج وضرورة اتباع الطرق السلمية في الأمر والنهي، لذلك فإنهم عرفوا بأهل الدعوة والاستقامة، وسموا قبل ذلك بـ"القعدة" لأنهم قعدوا عن قتال جيش معاوية وجيش علي بن أبي طالب واختاروا الطريق السلمي الوسطي بالتزام الدعوة السلمية. كما تعد مسألة استعمال العنف والثورة ضد الملوك المستبدين من الخلافات الجوهرية الفاصلة بين الإباضية والخوارج المتطرفين (1) واستثناء من ذلك يمكن الإشارة الى بعض فقهاء الإباضية المشارقة العمانيين الذين يتحمسون لفكرة الخروج على السلطان الجائر (2)، ويعد ذلك استثناءا لا يقاس عليه ولا يمثل مذهب الإباضية المغاربة، أما الرأي الغالب في الفكر السياسي الإباضي المغاربي فإن عزل السلطان الجائر غير واجب وإنما جائز مع تقييده بشروط وضوابط شرعية لايتم إلا بها.
•
الفرع الرابع: الضوابط الشرعية لجواز عزل السلطان الجائر وضع فقهاء الإباضية المغاربة عدة قيود وضوابط على حق الشعب الإباضي في عزل السلطان الجائر، وتتمثل أهم هذه الضوابط فيما يلي:
عن سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا» انظر: علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية في القديم والحديث، مراجعة بكير بن محمد الشيخ بلحاج، نشر جمعية التراث، غرداية، 2003، ص 631. (1) أبا يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف، ج (2)، ص 49. يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 518 وما بعدها. (2) مثل الشيخ السالمي والشيخ سالم السيابي، أنظر: الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي السمائلي: إزاله الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء، تح دكتورة سية إسماعيل
کاشف مطابع سجل العرب، سلطنة عمان، 1979، ص 77 وما بعدها.
175
127 (1/173)
صفحة 174
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
1 لا يجوز عند الاباضية عزل السلطان الجائر إلا في "حالة الظهور" قيام إمامة (أباضية طبقا لنظرية مسالك الدين" كما رأيناها، مع توفر كافة الشروط الشرعية واتباع كل مراحل الأمر والنهي.
(2) يكون عزل السلطان في حالة الظهور، إذا أصبح يخالف إرادة الجماهير ويعمل بما يناقض رضا الناس (الإرادة العامة للشعب) ويعمل بما ينكرونه عليه، حيث يروى عنه قوله: ستكون من بعدي أمراء يقرأون كما تقرأون ويعملون بما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة» (1).
وعليه فاستبداد الحاكم برأيه وتخليه عن استشارة الشعب أو طغيانه وانحرافه يعد موجبا للعزل، لأن في ذلك خرقا لعقد البيعة التي توجب تجسيد الإرادة الشعبية طبقا للمبدأ الديمقراطي، وبالتالي يحق للشعب أن ينقض هذا العقد بدوره لأن طاعة الإمام مقرونة بالعدل، وكما يقول الشيخ ابن سلام اللواتي الإباضي وأيما إمام ولي ولم يعدل ولم يقسط فقد برئت منه ذمة الله ونمة رسوله ومن أطاعه» (2)
غير أنه لابد من التحقق من توفر شرط "عدم العدل"، لأن الخروج على الإمام العادل بهدف منازعته السلطة أو لغرض دنيوي يعد جريمة يعاقب عليها في الدنيا والآخرة، إذ تعتبر: «الثورة على الإمام العادل منكرة عند الإباضية (3)، بل يعد ذلك من أشئع
الجرائم لأن الإمام العادل يجب مساندته في حكمه ضد أعدائه (4).
(1) أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: حاشية الترتيب محشي بحاشية العلامة أبي الله محمد بن عمر، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1982،
عبد
ص 69. (رواه الربيع)
(2) ابن سلام اللواتي شرائع الدين، ص 115. (3) د. عمر فاروق التاريخ الإسلامي، ص 55
(4) CUPERLY: Introduction à l'étude de l'ibadisme, p.292.
176 (1/174)
صفحة 175
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(3) لا بد من تحقق كافة الشروط الموضوعية التي تؤدي إلى إرجاع العدل دون اضرار كبيرة لأنه: «لا ينبغي هدم حكم قائم إلا إذا تأكدت الإستطاعة للقيام بحكم خير منه» (1)، بل يرى الإباضية أنه «يستحسن البقاء تحت الحكم الظالم إذ غلب على الظن عدم نجاح الخروج أو خيف أن يؤدي مضرة بالمسلمين»
(2)
(4) إن الأباضية يلتزمون بهذا المبدأ حتى في حالة حكم غير الموحدين من المشركين والأجانب الدخلاء مثل الاستعمار أين يجب الجهاد ضدهم إذا توفرت شروط نجاحه وتطبيقا لذلك فإن الأباضية بوادي مزاب الذين دخلوا في حالة الكتمان منذ سقوط الدولة الرستمية في بداية القرن العاشر، عقدوا معاهدة مع فرنسا سنة 1853 للحفاظ على مصلحة الأمة لما تأكدوا أن في مواجهتم لها آنذاك أضرارا كبيرة جدا على المجتمع والدين، لعدم وجود جبال تحميهم، وعدم اكتسابهم للقوة والعدة العسكرية الكافية التي تضمن مواجهتها ونجاح الثورة عليها، ومع ذلك شاركوا في مختلف الانتفاضات بالشمال الجزائري وفي الحركة الوطنية (3)، وباندلاع الثورة التحريرية ضد المستعمر الفرنسي سنة 1954 التي شملت كافة الإقليم الوطني واتسمت بالتنظيم والتحضير عتادا وعدة ورجالا انضم إليها الإباضية المزابيون طوعا ودعموها بالأموال واستشهد منهم الكثير في ساحة الشرف (4).
(1) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، مكتبة وهبة، ص 290. (2) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة وهبة، ص 15. (3) تلبية لنداء القائدين العثمانيين بارباروس وخير الدين فقد شارك الإباضية المزابيون في صد الغزاة الإسبان عن جزيرة جربة بتونس سنة 1510، وعن مدينة الجزائر سنوات 1518 و 1830، وفي معارك متيجة وانتفاضة الأمير عبد القادر، وفي معركة قسنطينة سنة 1837، الخ. انظر: يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب المطبعة العربية، غرداية، الطبعة الثانية، 2006، ص 179 وما بعدها.
(4) المجاهد حمو عيسى النوري دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، دار الكروان، باريس، 1984.
177 (1/175)
صفحة 176
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين سياسي الإباضي والسني
الفرع الخامس: مراحل النصح والنهي قبل العزل
يوجب الإباضية اتباع مراحل الأمر والنهي قبل أي عزل للسلطان الجائر، حيث يعتبر العزل عند الإباضية المرحلة الأخيرة والقصوى من مراحل الأمر والنهي بعد استنفاذ كل وسائل النصح والموعظة. فإذا انحرف الإمام عند الإباضية في حالة الظهور، فإنهم يوجبون أن تتبع معه المراحل التالية (1):
أولا: التثبت من حدوث "عدم العدل" من طرف الفقهاء المراجع الموثوقين النزهاء والمحايدين العدول، وفي ذلك فإن الإباضية في تكييفهم لشرعية النظام القائم في حالة الظهور، يقدمون شورى التسيير على شورى الاختيار، بمعنى أن الحاكم يعد شرعيا إذا كان يسير شؤون الحكم بطريقة ديمقراطية وعادلة، حتى لو كان قد اغتصب السلطة بالغلبة أو تملكها بالوراثة، وعليه فإن الإباضية يميزون بين ثلاث حالات في شأن الخروج على
: (2)
الحاكم وهي أ) إذا كان الحاكم قد انتخب بالأسلوب الديمقراطي ثم أنه سار سيرة العدل والشورى في سياسته الأمور الدولة، فهو إمام عادل تجب طاعته والخروج عليه كبيرة وجريمة.
ب) إذا كان الحاكم قد انتخب بالأسلوب الديمقراطي، لكنه بعد تولية الحكم انحرف أو استبد وتجبر. فإنه يجوز عزله وفق الضوابط الشرعية الواجبة.
(1) لطفيش شرح كتاب النيل، ج (14) ص 339. علي يحي معمر: أضواء على الإباضية، ص 15. (2) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة وهبة، ص 461.
178 (1/176)
صفحة 177
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ج) إذا كان الحاكم تولى السلطة بطريقة غير شرعية، سواء كانت بالسطوة والقوة أو بالوراثة والوصية، لكنه سار بسياسة الشورى والعدل، فإنه تجب طاعته.
ثانيا: يلح عليه بالتوبة والرجوع للعدل، فإن امتنع،
ثالثا: يثبت عليه هذا الحدث بحضور الشهود الفقهاء وأهل الشورى، ويطالب بالتوبة، فإن أبى وأصر على جوره وانحرافه أصبح خصما للمسلمين ومع ذلك يستمرون في مطالبته بالتوبة أو الاعتزال بالنصيحة والموعظة الحسنة، فإن بقي على حاله، رابعا: يبلغ جميع الناس بهذا الانحراف، وتقام الحجة عليه أمام الرعية، وفي هذه المرحلة فقط جاز الخروج عليه وعزله بطريقة سلمية (مثل سحب الثقة والمطالبة بالاستقالة، بشرط أن يكون ذلك ممكنا بتوافر كافة الضوابط الشرعية التي ذكرناها آنفا.
النتيجة العامة للمبحث:
من خلال دراستنا لشورى الاختيار عند الإباضية، يتضح بشكل جلي أن نظرية الإمامة في الفكر السياسي الإباضي تتطابق مع مبادئ المساواة والعدل والشورى، التي جاء بها الإسلام وأقرها العقل السليم وتستمد أسسها من السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، كما أنها تتطابق مع مبادئ النظام الديمقراطي الحديث. فالدولة في الإسلام في تصور فقهاء السياسية الشرعية الإباضيين هي دولة شورية ينتخب فيها الإمام على أساس الكفاءة وحدها بواسطة رضا الشعب المعبر عنه بالبيعة العامة، ويكون الإمام مسؤولا أمام الشعب وتحت رقابته كما يملك الشعب عزل الإمام والخروج عليه إذا نقض عهد البيعة ضمن شروط صارمة لابد من توفرها. وعليه فإن رأي الإباضية في الإمامة:
179 (1/177)
صفحة 178
السني
د. اوق وغلان عبد الله نوح، نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباض «هو الرأي الذي يؤيده الاتجاه الحديث ويؤديه كل مخلص
لدينه ووطنه» (1).
وبذلك فإن الأمة الإسلامية «لا يسعها إلا أن ترى رأي الإباضية في قضية الخلافة، وان علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا
غير هذا الرأي» (2).
(1) د. عبد الحليم محمود (شيخ الأزهر السابق:) التفكير الفلسفي في الإسلام، الطبعة الأولى، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1974، ص 191.
(2) أعوشت دراسات إسلامية، ص 116.
180 (1/178)
صفحة 179
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر ي الإباضي والسني
الفصل الثالث
الشورى والديمقراطية
المبحث الأول: مفهوم الديمقراطية
• المبحث الثاني: المقارنة بين الشورى والديمقراطية.
181 (1/179)
صفحة 180
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
في معرض دراستنا للشورى في الإسلام، استعملنا مصطلح الديمقراطية كمرادف لمصطلح الشورى، وذلك لما يوجد بينهما في اعتقادنا من التشابه والتطابق، كما استعملنا تجاوزا مصطلح نظام الشورى رغم أن الشورى لم ترق كما رأينا أن تشكل نظاما قائما بذاته بمستوى الديمقراطية.
غير أن هناك إشكالية هامة وأساسية وملحة مازالت تطرح نفسها حتى اليوم أمام الفقهاء وعلماء القانون الدستوري في العالم الاسلامي، وهي هل نظام الشورى هو نفسه النظام الديمقراطي؟ أم أن هذين النظامين مختلفين شكلا وجوهرا.؟ أو بالأحرى ما هي أوجه الاتفاق والاختلاف بين الشورى والديمقراطية؟
-
نحاول في هذا الفصل الإجابة عن هذه الإشكالية من خلال المقارنة بين هذين المفهومين - اللذين طالما استخدما من طرف رجال القانون والسياسة بمعاني مختلفة واستخلاص أوجه الشبه والاختلاف بينهما. وإن كنا تناولنا بالدراسة والبحث بشيء من التفصيل نظرية الشورى، فإنه يجدر بنا قبل محاولة الإجابة على هذه الإشكالية أن نستعرض باختصار مفهوم الديمقراطية وأنواعها، حتى يتسنى لنا بعد ذلك إجراء المقارنة بينها وبين الشورى، مع إلى أننا سنقتصر في بحثنا هذا تجنبا للإطالة على المفهوم التقليدي الليبرالي للديمقراطية، بمعنى الديمقراطية السياسية التي نشأت في أثينا القديمة، وتطورت وامتد تطبيقها إلى الدول الأوربية منذ الثورتين الفرنسية والأمريكية، وهو النظام السائد في أغلب دول العالم في الوقت الحاضر.
الإشارة
ونتناول استعراض مفهوم الديمقراطية، ثم مقارنتها بنظام الشورى
فيما يلي:
182 (1/180)
صفحة 181
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الـ
المبحث الأول
مفهوم الديمقراطية
اختلف الفقهاء والباحثون في وضع تعريف دقيق كامل وشامل للديمقراطية بسبب خلطهم بين المفهوم الأصيل - الواسع للديمقراطية بمعنى كونها فكرة فلسفية تستهدف غاية معينة، ومفهومها الضيق بمعنى أشكالها وتطبيقاتها في الدول الغربية التي جعلت منها شكلا من أشكال الحكومات،
ونظاما قائما بذاته بين الأنظمة السياسية الحديثة. ونتناول ذلك فيما يلي: المفهوم الواسع للديمقراطية نرى أن أفضل تعريف للديمقراطية في معناه البسيط هو الذي قال به الزعيم الأمريكي إبراهيم "لنكولن" حيث يعرفها أنه: «حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل الشعب» (1). وهذا يعني أن يكون النظام السياسي في جماعة معينة يعبر عن الإرادة العامة للشعب وليس عن إرادة فرد أو فئة معينة، وأن يكون الشعب هو صاحب السيادة الفعلية مهما كانت الهيئة التي تمارس الحكم في الجماعة السياسة (2). وغاية ذلك
(1) د. محمد عبد المعز نصر في النظريات السياسية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1973، ص 164. (2) د. فؤاد العطار: النظم السياسية والقانون الدستوري، ص 333 د. عبد المعزنصر: نفس المصدر، ص 164.
Joseph BARTHELEMY et Paul DUEZ: Traité de droit constitution- nel, collection «< classique» série politique et constitutionnel, éco- nomie, Paris, édition 1933, p.62.
حيث يقولان في هذا المعنى
«Le peuple soit le titulaire de la souveraineté et qu'il en reste titulai- re, quelque soit l'organe qui exerce cette souveraineté»
183 (1/181)
صفحة 182
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
هو تحقيق فكرة المساواة المطلقة بين الناس دون اعتبار للفوارق
الطبيعية بينهم (1)، (1)، ولا شك أن هذه الفكرة قديمة قدم البشرية. والجماعة السياسية التي تتضمن حكاما ومحكومين -حتى وإن لم تبلغ درجة الدولة إذا سادت فيها فكرة المساواة والإخاء فلابد أن تتجسد فيها الفكرة الديمقراطية، بحيث يشترك أغلبية الأفراد بشكل أو بآخر في ممارسة الحكم فيها. ويستند هذا المفهوم الواسع للديمقراطية إلى الدلالة اللغوية لهذا المصطلح نفسه والذي يعني سلطة الشعب، فكلمة "ديموس" تعني باللاتنية الشعب، و"كراتوس" تعني السلطة (2).
وقد انشغل المفكرون السياسيون والفقهاء منذ القديم بالتفكير حول كيفية تحقيق وتجسيد الفكرة الديمقراطية في الواقع السياسي للشعوب، كما وجدت عدة تجارب في هذا الصدد تعد الديمقراطية اليونانية القديمة أولها ورائدتها على الإطلاق، بل إن فكرة الديمقراطية لم تستقل بذاتها وتظهر كنظرية دستورية ونظام سياسي في الحكم، إلا على أيدي الفلاسفة والمفكرين اليونانيين، ثم عرفت بعد ذلك تطورا هاما في أوروبا خاصة بعد الثورتين الفرنسية والأمريكية.
المفهوم الضيق للديمقراطية: أدى تطور المجتمع البشري ومروره بعدة تجارب للحكم، إلى أن أدرك المفكرون ما للديمقراطية من مزايا باعتبارها النظام الأمثل لتحقيق السيادة الشعبية وحل إشكالية السلطة وتحقيق المساواة والعدل بين الأفراد، فصاغوا منها جملة من النظريات الدستورية التي استوحوها من التجربة اليونانية، وبالتالي أصبحت المثال الذي يقتدي به باعتبارها أقرب إلى تحقيق جوهر الديمقراطية، أي حكم
(1) ويذهب الأستاذ عبد المعز نصر الى أن المجتمع نقول عنه أنه ديمقراطي إذا كانت تسوده روح المساواة والاخاء، وهذا لا يستلزم بالضرورة أن يتضمن دولة أو حكومة ديمقراطية» (بتصرف كبير):أنظر: د. محمد عبد المعز نصر، نفس المصدر، ص 164، 166.
(2) د. فوق العادة موجز المذاهب السياسية، ص 51.
184 (1/182)
صفحة 183
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السيا الإباضي والسني الشعب نفسه بنفسه ولذلك سميت بالديمقراطية المباشرة، وترتب عن ذلك أن تحولت الفكرة الديمقراطية" إلى نظام سياسي ودستوري شامل وقائم بذاته، تبلورت أسسه الجوهرية وأشكاله شيئا فشيئا تبعا لتطور تطبيق هذا النظام في أوروبا، على أن الديمقراطية عرفت صورا عديدة ونماذج. مختلفة، ظهرت أساسا حول إشكاليتين جوهريتين هما:
- كيفية اشتراك الشعب في السلطة؟.
- هل غاية الديمقراطية هي تحقيق الحرية الفردية والسيادة السياسية تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية بين الناس، وتحقيق
هي صالح الجماعة؟
وطبقا للجدلية الأولى، تصنف أنواع الديمقراطية إلى ثلاث، وهي: ديمقراطية مباشرة ديمقراطية نيابية، ديمقراطية شبه مباشرة. أما طبقا للجدلية الثانية فتصنف أنواع الديمقراطية إلى إثنين هي: الديمقراطية الغربية والديمقراطية الاجتماعية. وفي الواقع يعد هذان التصنيفان متداخلان، إذ أن الديمقراطية الليبرالية تتضمن الأنواع الثلاث من الديمقراطية السياسية، بينما تشكل الديمقراطية الاجتماعية أو الاشتراكية
نموذجا خاصا مستقلا وقائما بذاته.
ونستعرض الديمقراطية الليبرالية وأنواعها بشئ من التفصيل لأنها المقصود ببحثنا، بينما نكتفي بالتعريف العام للديمقراطية الاجتماعية، وذلك فيما يلي:
المطلب الأول: الديمقراطية الليبرالية.
وهو نظام الحكم الذي يستند إلى فلسفة الثورة الفرنسية، القائم على مبدأ الحرية الفردية السياسية والاقتصادية والتعددية الفكرية، ويستمد أصوله من الديمقراطية الاثنية والمذهب الفردي. وتتميز هذه الديمقراطية بخصيصتين وهي أنها ذات طبيعة سياسية، وأنها تستهدف تحقيق
185 (1/183)
صفحة 184
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الحرية السياسية للأفراد (1). ونتناول أشكال الديمقراطية الغربية تبعا لنشأتها التاريخية فيما يلي:
الفرع الأول: الديمقراطية المباشرة (2)
وهي أقدم صور الديمقراطية، وقد نشأت في المدن اليونانية القديمة مثل "إسبراطة" و "آثينا" وسادت فيها حوالي قرون من القرن 8 ق. م. إلى القرن 2 ق. م ولم تبق تطبيقاتها اليوم سوى في بعض ولايات الاتحاد السويسري.
ويمكن تعريف الديمقراطية المباشرة أنها ممارسة الشعب (3)، بنفسه للسلطات العامة دون وساطة نواب أو ممثلين عنه. ولعل أصح تعريف للديمقراطية المباشرة هو الذي أتى به الأستاذ "بارتيلمي " BARTHELEMY ويعرفها أنها: «عندما تكون الحكومة منظمة بطريقة يكون فيها المحكومون هم الحكام، وعليه يجب أن يشترك أكبر قدر من المحكومين في ممارسة السلطة» (4).
وتعد هذه الصورة من الحكومات النموذج الأقرب إلى تجسيد الفكرة الديمقراطية المثالية، وقد وجدت فعلا وعرفت أولى تطبيقاتها في اليونان.
أولا: مزاياها
تقترن الديمقراطية المباشرة بمزايا كثيرة أهمها ما يلي (5):
1 - تحقيق فكرة السيادة الشعبية.
(1) BARTHELEMY, Traité de droit constitutionnel, p. 62.
(2) حول الديمقراطية الأثنية أنظر د. حسين، عثمان النظم السياسية والقانون الدستوري دار الجامعية بيروت 1989، ج (1) 205 د. علي شمس مرغني، القانون الدستوري، مطبعة دار التأليف، مصر، 1978، ص 362. د. العطار: النظم السياسية، ص 24
وما بعدها.
(3) نقصد بالشعب هنا مفهومه السياسي بمعنى كافة الأفراد الذين يتمتعون بالحقوق
السياسية أي الناخبين
(ترجمتنا بتصرف)
(5) د. شمس مرغني: القانون الدستوري، ص 363
(4) BARTHELEMY:op cit, p 72
186 (1/184)
صفحة 185
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
2 إن المواطن يتحمل المسؤولية العامة بصفة مباشرة عن طريق تحسيسه بالقضايا العامة.
3 - السماح بالتعبير المباشر عن الإرادة الشعبية دون الاستعانة بأية واسطة مثل هيئة البرلمان أو الأحزاب السياسية.
4 - السماح باطلاع الشعب بصفة دائمة على مشاكله وقضاياه، مما يجعله واقعيا في مطالبه واعيا بمشاكله.
5 - منع ظهور أية أقلية واستئثارها بالحكم دون سائر المواطنين، والسماح بالدفاع عن مصالح الأغلبية.
وقد كان الفقيه الفرنسي (جون جاك روسو) من أكبر المدافعين عن الديمقراطية المباشرة، إذ يرى فيها النظام الأمثل الذي يتطابق مع مبدأ سيادة الشعب، لذلك فإن أي نظام لا يأخذ بالحكم المباشر لا يعتبر نظاما ديمقراطيا في رأيه، لأن الديمقراطية إنما تعني سيادة الإرادة العامة للشعب باعتباره شخصية معنوية لا باعتباره مجموعة من المواطنين، وهذه الإرادة لا يمكن التعبير عنها بواسطة، ولاتمارس بالتفويض والنيابة ولا تقبل التجزئة، لذلك
فقد انتقد "روسو" بشدة نظام الديمقراطية النيابية السائد في بريطانيا.
ثانيا: عيوبها
إن الديمقراطية المباشرة الآثنية وإن كانت تمثل الشكل الأقرب إلى تحقيق فكرة المساواة إلا أنها لم تكن في الحقيقة بالصورة المثالية التي يتصورها البعض، ويمكن ان نلخص أهم عيوبها فيما يلي (1)
:
1 - لم تكن الجمعيات للعامة تعبر عن إرادة أغلبية الشعب، بل عن إرادة فئة قليلة من المواطنين الأحرار من الذكور، دون الإناث والعبيد والأجانب الذين لم يكن لهم حق العضوية. وبذلك لم تكن جمعية أثينا تمثل في الحقيقة إلا
(1) د. علي يوسف الشكري مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، ايتراك للنشر والتوزيع، مصر، الطبعة الأولى، 2004، ص 152 وما بعدها. د. شمس مرغني: القانون الدستوري، ص 364
187 (1/185)
صفحة 186
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
التنفيذية هي
عشر سكانها. كما لم تكن مناقشات الجمعية الشعبية في المدن الآثنية جدية ودقيقة، بسبب تأثرها بأهواء رجال الدين وكبار الموظفين، وكانت الهيئة التي تحضر المشروعات وتسيطر على عمليات التصويت. 2 - استحالة تطبيقها في الدول الحديثة المتميزة عموما بشساعة الإقليم وكثافة السكان، مما جعل هذا النظام نموذجا مثاليا لا يمكن أبدا تحقيقه في الواقع العملي. إن الدولة الحديثة تضطلع بوظائف عديدة، ومهام كثيرة ومعقدة، من غير الممكن أن يقوم بها كافة أفراد الشعب.
-3 إن تعدد وظائف الدولة وتشعب أعمالها يستلزم وجود جهاز إداري ضخم ويقتضي التخصص والخبرة والمعرفة فيمن يتولى هذه الوظائف، كما أن بعض الأمور تتطلب السرية والسرعة، وبالتالي فإن إشراك الشعب فيها فضلا عن استحالته يترتب عنه أضرار كبيرة على الجماعة.
4 - إن الجمعية الشعبية في أثينا لم تكن تمارس في الواقع إلا السلطة التشريعية كإصدار القوانين وإقرار الضرائب والمصادقة على المعاهدات، أما التنفيذ فيعهد الى مجلس تعينه بالقرعة كما يوكل القضاء الى قضاة تعينهم أيضا.
الفرع الثاني: الديمقراطية النيابية
إن استحالة ممارسة الشعب للسلطة بنفسه، أدى إلى ظهور فكرة النيابة والتمثيل، الذي بمقتضاها يفوض الشعب ممارسة السلطة إلى مجلس يختاره بنفسه يتولى ممارسة الحكم نيابة عنه. وقد ظهرت نظرية التمثيل الشعبي في أواخر القرن 18 م، ونادى بها على الخصوص الفقيه "مونتسكيو"، حيث رأى أن الشعب آنذاك لم يبلغ النضج السياسي الذي يسمح له بالمعالجة المشاكل التي تواجه الحكم، ودعى إلى ضرورة التمثيل (1).
(1) د. كمال الغالي: مبادئ القانون الدستوري، ص 281.
188 (1/186)
صفحة 187
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويمكن تعريف الديمقراطية النيابية أنها "النظام السياسي الذي ينتخب فيه الشعب مجلسا نيابيا لفترة محددة ليمارس السلطة باسمه ويحكم نيابة عنه". ويطلق على هذا النظام أيضا اسم الديمقراطية الغربية، لأنها نظام الحكم السائد في الدول الغربية مثل فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد شمل في الوقت المعاصر أغلب دول العالم.
ويعد هذا النظام في رأينا رغم مايشوبه من بعض النقائص- النظام الأمثل في الوقت الحاضر، لسهولة تطبيقه في الواقع باعتباره حلا معقولا لمشكلة استحالة اشتراك أغلبية الأفراد الحكم، إلا أن الديمقراطية النيابية حتى تحقق التمثيل الصحيح للإرادة الشعبية، فإنها تستلزم تطبيق جملة من القواعد والمبادئ الدستورية التي اقترنت بها وأصبحت ركنا جوهريا لا يمكن قيام الديمقراطية إلا بها وهي 1) ان اختيار أعضاء الهيئة النيابية، لا يتم إلا عن طريق الانتخاب، بحيث يربط الكثير من الفقهاء بين الديمقراطية والانتخاب، باعتباره الوسيلة
(1)
الوحيدة التي تسمح للشعب بالتعبير الحر عن إرادته عند اختيار الحكام. (2) وجوب التفريق والفصل بين ثلاث وظائف رئيسية للدولة، وهي الوظيفة التشريعية والتنفيذية القضائية وهو ما يعرف بمبدأ الفصل بين السلطات.
(3) إن الحكومة التي تتولى السلطة التنفيذية تكون مسؤولة أمام الهيئة التشريعية المتكونة من ممثلي الشعب، وهؤلاء لهم حق إقصائها من الحكم إذا لم تنل ثقتهم. (4) يجب أن تكون للهيئة النيابية اختصاصات معروفة ومحددة دستوريا، تتمثل أساسا في التشريع والرقابة طبقا لمبدأ الفصل بين السلطات.
(1) د. إسماعيل البدوي: مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، ج (1)، ص 227. د. الغالي: مبادئ القانون الدستوري، ص 197. د. فوق العادة موجز المذاهب السياسية، ص 51. د. العطار: النظم السياسية، ج (1)، ص 327.
189 (1/187)
صفحة 188
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(5) إن النواب يمثلون الأمة كلها والهيئة النيابية مستقلة عن الناخبين، والنائب لا يمثل الفئة المعينة التي انتخبته، بل يمثل الأمة بأكملها. وقد ظهرت النظرية الواقعية التي بمقتضاها أن النائب لا ينتخب لشخصه وإنما يختار بناء على برنامج سياسي واجتماعي معين، فأصبح النائب مقيدا بإرادة الناخبين وملزما بتقديم حساب لهم يثبت وفاءه بوعوده، بحيث يملك الناخبون عدم تجديد انتخابه إذا خالف رغباتهم وتطلعاتهم (1).
(6) لا يمكن أن يكون للانتخاب أي معني إلا إذا وجدت عدة أحزاب متنافسة، وعدة برامج ومرشحين، إذ أصبح لا يمكن تصور الديمقراطية بدون تعددية سياسية وحزبية.
7 إن حسن تطبيق الديمقراطية يرتبط ارتباطا وثيقا باحترام جملة من الحريات الأساسية للمواطن مثل حرية الرأي وحرية عقد الاجتماعات، حرية التنقل ونشر التعليم الحرية الاقتصادية والسياسية، وتكافؤ الفرض بين الأفراد ... الخ.
•
8 لابد من توفير الجو الطبيعي الذي يضمن سلامة الديمقراطية واستمرارها حتى لا تتحول إلى سبب لبث الفوضى وزعزعة الاستقرار، وذلك بأن يكون الشعب مثقفا واعيا مدركا المسؤولياته وأن يتوفر قدرا من الاستقرار الإقتصادي والسياسي، والانسجام بين الأفراد حول هدف واحد، مع احترام مقتضيات الديمقراطية، مثل خضوع الأقلية لحكم الأكثرية، وضمان حرية ممارسة المعارضة من طرف الأقلية ومبدأ التعددية الفكرية
والسياسية ... الخ (2).
(1) د. كمال الغالي: مبادئ القانون الدستوري، ص 82 و ما بعدها. (2) د. فوق العادة موجز المذاهب السياسية، ص 52.
190 (1/188)
صفحة 189
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الثالث: الديموقراطية شبه المباشرة
وهو النطام الذي يمزج بين كل من الديمقراطية المباشرة والنيابية وبمقتضاه ينتخب الشعب هيئة نيابية تمارس السلطة باسمه، إلا أنه يشارك هذه الهيئة في الحكم باستشارته للإدلاء برأيه مباشرة ودون واسطة في بعض الأمور الهامة عن طريق مظاهر الديمقراطية المباشرة). ومن أهم مظاهر الديمقراطية المباشرة التي يعتمدها هذا النظام هي 1) الاستفتاء الشعبي: وهو عرض بعض الأمور والمشروعات
الهامة والمصيرية على الشعب ليبدي فيها برأيه.
(2)
(2) الاعتراض الشعبي: وهو حق عدد معين من الناخبين في الاعتراض على قانون صدر عن الهيئة التشريعية، وذلك في فترة زمنية معينة ووفق إجراءات محددة.
3 الاقتراح الشعبي وهو حق عدد من الناخبين في اقتراح مشروع قانون يعرض الأمر على الهيئة النيابية لمناقشته وقبوله أو رفضه. (4 إقالة النائب: وهو حق عدد من الناخبين وهم غالبا الربع (4/ 1) أو الخمس (5/ 1)، أن يطلب إقالة النائب أو أي عضو منتخب قبل انتهاء المدة النيابية.
5 الحل الشعبي وهو حق عدد معين من الناخبين طلب حل الهيئة النيابية، بأن يستعرض الأمر للاستفتاء الشعبي، فإن وافق الشعب على ذلك انحلت الهيئة.
(6 عزل رئيس الجمهورية: وهو حق عدد من الناخبين طلب عزل رئيس الجمهورية، بأن يعرض الأمر للاستفتاء الشعبي، فإن وافق الشعب على ذلك انعزل الرئيس.
(1) لا يستلزم لكي نكيف نظام ما أنه ديمقراطية شبه مباشرة أن يأخذ بجميع هذه المظاهر، بل يكفي أن يأخذ بإحداها أو بعضها. (2) د. العطار: النظم السياسية، ص 345 وما بعدها د. عثمان النظم السياسية، ج (1) ص 207. د. علي يوسف الشكري، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، ص 172 وما بعدها.
191
13 (1/189)
صفحة 190
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
مزاياها وعيوبها: إن الديمقراطية شبه المباشرة تؤدي إلى التخفيف من عيوب الديمقراطية النيابية، كما تسمح بالمشاركة الفعلية للشعب في الحكم إلى جانب الهيئة النيابية، وتعويده على ممارسة حقوقه السياسية وتحمل المسؤلية وتنمية الثقافة والوعي السياسي لدى الأفراد. غير أن هذه الصورة من الديمقراطية لا تخلو من عيوب عديدة، أهمها أن أغلبية الشعب ليست لها الكفاءة اللازمة حتى تشارك الهيئة النيابية في السلطة التشريعية، وبالتالي قد يشكل الشعب عائقا معرقلا لهذه الهيئة في وظيفتها، كما أن مشاركة الناخبين في بعض مظاهر السلطة قد يؤدي إلى إنقاص هيبة الحكام، ويقلل من نفوذ المجلس النيابي، ثم إن الاستفتاء الشعبي غالبا ما لا يعبر عن الإرادة الفعلية للشعب بسبب تأثير رجال المال وأصحاب النفوذ والحكام في آراء الناخبين من خلال وسائل الدعاية وغيرها. ورغم أن هذه الانتقادات مؤسسة إلا أنه لا يمكن إنكار ما للديمقراطية شبه مباشرة من فوائد كثيرة، باعتبارها نظاما وسيطا بين مبدأ التمثيل، ومبدأ المشاركة المباشرة، لذلك فقد أخذت أغلب دول العالم بمظاهر الديمقراطية شبه المباشرة خاصة منها الاستفتاء الشعبي.
المطلب الثاني: الديمقراطية الاجتماعية
وهي النظام الذي يستند إلى الفلسفة السياسية والاقتصادية الماركسية, وقد طبقه الإتحاد السوفياتي لأول مرة سنة 1917، ثم اعتمدته بعد ذلك الكثير من دول العالم الثالث بعد تحررها من الاستعمار، لكن ما لبث أن اضمحل من أغلب الدول منذ بداية تسعينات القرن العشرين بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وتخلي أغلب الدول والحكومات عن الإيديولوجية الماركسية. ويمكن تعريف الديمقراطية الاجتماعية أنها: "الديمقراطية" التي تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، بواسطة الغاء الاستغلال، وتأميم وسائل الإنتاج، والغاء الحرية الفردية، الاقتصادية والسياسية، من أجل تحقيق مصلحة الجماعة (1).
(1) د. فوق العادة: موجز المذاهب السياسية، ص 54 د. أدمون رباط: الوسيط في القانون الدستوري العام، ج (2)، ص 328
192 (1/190)
صفحة 191
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ويستند في زعمه هذا إلى ثلاثة فروق جوهرية تميز –حسبه- بين
(1)
هذين النظامين، وهي أ ـ أن السيادة في نظام الشورى إنما هي للشريعة، أما في نظام الديمقراطية فتكون السيادة للشعب وحده.
ب -- نظام الديمقراطية يقوم على فصل الدين عن الحياة العامة، وفي ذلك تناقض مع نظام الشورى الذي يقوم على الشريعة الإسلامية، والدين الإسلامي الذي ينظم كافة جوانب الحياة".
نظام الديمقراطية يقوم على أساس مبدأ الأغلبية، أما نظام
الشورى فيقوم على أساس معيار الصواب الذي يبينه الشرع.
وبالإضافة إلى ماسبق فإن بعض أنصار هذه المدرسة من الفقهاء والكتاب يستدلون لتبرير نظريتهم بالنقائص والعيوب التي تشوب النظام الديمقراطي المطبق في الدول الغربية، والتي تحول حسبهم دون التعبير الصريح والنزيه عن إرادة الشعب، وعلى السلبيات الناتجة عن ذلك، ويرون أن نظام الشوري "المختلف شكلا وجوهرا" عن الديمقراطية حسب زعمهم هو وحده الكفيل بتحقيق المساواة والعدالة" (2).
نقدها لاشك أن أنصار هذه المدرسة اتسمت آراءهم بالمبالغة الشديدة والغلو وعدم الموضوعية، وبمحاولة قطع أية صلة تشابه بين النظامين انطلاقا من خلفية سابقة وهي عدائهم للغرب وللنظام الديمقراطي الغربي، مما يوقعهم في ورطة تمجيد النظام الاستبدادي الذي كان ولايزال يسود الدول الإسلامية. ويمكن تنفيذ اسانيدهم كالتالي:
(1) إن النظام الديمقراطي ليس من إنتاج الغرب وحده كما يعتقد الكثيرون - بل هو وليد التجربة الإنسانية منذ ظهور الجماعة البشرية
(1) د. الخالدي: الديمقراطية الغربية، ص 76.
(2) الهاشمي الخياري: الإسلام وإيديولوجيات العصر، ص 148 149. -المودودي: النظرية السياسية، ص 29 وما بعدها.
194 (1/191)
صفحة 192
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرال ي الإباضي والسني والدولة، كما أن الكثير من المبادئ الديمقراطية نص عليها الإسلام الحنيف كما فصلنا سابقا - مثل وجوب استشارة الشعب عند اختيار الحاكم، وإلزامية استشارة الحاكم لأهل الحل والعقد عند تصريفه لشؤون الأمة، ووجوب الخضوع لرأي الأكثرية في حدود الشرع (أي مبدأ الإجماع) الخ، وعليه فان في القول بأن الديمقراطية هي "مما لم ينزل به الله" وبالتالي فهي اتباع للكفر، ضلال ومغالطة وتأويل واضح لنص شرعي.
(2) إن الشعب في نظام الشوري وإن كان لا يتمتع بالسيادة المطلقة، فإن له مجالا واسعا من السيادة يتعلق بكافة الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي قطعي، ولا تكون سيادته مقيدة إلا بالتزام المقاصد العامة للشريعة، بحيث تكون إرادة الشعب موجهة بالوحي الإلهي، وفي ذلك أهم ضمانة من الخطأ.
(3) إنه من الممكن إقامة نظام ديمقراطي لا يتعارض مع الشريعة،
وفي ذلك تطابق مع نظام الشورى. (4) إن مبدأ الأغلبية مما أقره الإسلام كما رأينا مالم يمس بجوهر
الدين وثوابته كما دلت على ذلك النصوص الشرعية الساطعة. (5) إن أنصار هذه المدرسة يركزون في انتقادهم للديمقراطية على سلبياتها فقط، بينما يتجاهلون تماما ما فيها من الإيجابات الكثيرة التي لا يمكن نكرانها من ذوي عقل راشد، ولا مفر من الأخذ بها. وفي الحقيقة. فقد أثبت النظام الديمقراطي فعاليته وصلاحيته لتطور الشعوب ورقيها، رغم ما يشوبه من العيوب الطبيعية التي يمكن تجنبها وتخفيفها بضبط هذا النظام بالضوابط الأخلاقية والتعاليم والمبادئ التي جاء بها الإسلام الحنيف والدليل على صلاحية هذا النظام اعتماد الكثير من الدول المسلمة له.
195 (1/192)
صفحة 193
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المطلب الثاني: الديمقراطية هي الشورى
ويرى أصحابها محقين أن الديمقراطية تتطابق مع نظام الشورى في العديد من مبادئها وأركانها وذهب بعضهم إلى إلغاء أي تمييز بين مصطلحي: الشورى والديمقراطية باعتبارهما يدلان على نفس النظام (1)، وقد اعتمدوا في ذلك على النصوص الشرعية والسوابق الواردة في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين كما سماها بعضهم ب"الديمقراطية الإسلامية"
باعتبارها لا تختلف في أسسها وجوهرها عن أية ديمقراطية أخرى (2). ويذهب أنصار هذه المدرسة الى أن نظام الشورى مثله مثل الديمقراطية يقوم على أساس مبدأ سيادة الأمة وأن التعددية السياسية والحزبية أمرا أقره الشرع والعقل، وأن أسلوب الانتخاب العام المباشر
يجوز في الشريعة الإسلامية وتتمثل أهم حججهم باختصار فيما يلي: (1) إن نظام الشورى يتضمن الأخذ بمبدأ سيادة الأمة، إذ أن الحاكم في نظام الشورى يستمد سلطته من الأمة، والأمة هي وحدها صاحبة السيادة، والعلاقة بين الحاكم والأمة هي علاقة تعاقدية، وأهل الحل والعقد عند مبايعتهم للحاكم إنما هم يمثلون الأمة صاحبة السيادة، والدليل على ذلك ورود كثير من الآيات التي يتجه فيها الخطاب إلى الأمة جمعاء (3).
:
(1) من هؤلاء الكتاب والباحثين نذكر محمد ضياء الدين الريس، عثمان خليل، د. مصطفى الشكعة، محمد عبد الله العربي ... الخ أنظر: د. الخالدي: الديمقراطية الغربية، ص 11، 12. (2) عباس محمود العقاد: الديمقراطية في الإسلام، الطبعة الخامسة دار المعارف، القاهرة، مصر، 1979، ص 43. ويرى أن "الديمقراطية الإسلامية" تقوم على أربعة أسس هي: "المسؤولية الفردية - عموم الحقوق وتساويها بين الناس. وجوب الشورى على ولاة الأمور. - التضامن بين الرعية. (3) ممن قال بهذه الفكرة نذكر: محمد يوسف، موسى عبد الوهاب خلاف، أبو الأعلى المودودي. انظر: المليجي مبدأ الشورى ص 209 وما بعدها.
-
196 (1/193)
صفحة 194
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(2) إن التعددية السياسية والحزبية هو مما أقره الإسلام، وعليه فوجود الأحزاب في الدولة يعد ضرويا في الوقت الحاضر بسبب تعقد الحياة الاجتماعية والسياسية.
(3) إن الإسلام وإن كان لم يعرف مبدأ الانتخاب العام المباشر بمفهومه الحديث، لا يمنع من الأخذ به من باب المصالح المرسلة، بالإضافة إلى أن الانتخاب العام يوجد سندا له في خلافة الراشدين، حيث أن عثمان بن عفان اختير للخلافة من طرف الشعب بطريقة أشبه ما تكون إلى الانتخاب العام كما رأينا.
وفي نظرنا يمكن القول أن الديمقراطية هي الشورى بنفسها إذا نظرنا إلى الغاية والهدف الذي تستهدف كل منهما وهو تحقيق إشراك الشعب في السلطة، وتحقيق المساواة السياسية والعدالة الاجتماعية وبذلك يعتبر نظام الشورى هو "ديمقراطية إسلامية" بمعنى أنها ديمقراطية محدودة بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وذلك لأن الفرق الجوهري الموجود بين هذين النظامين هو أن الديمقراطية الغربية يكون الشعب فيها حرا في اتباع إرادته وأهوائه وشهواته حتى وإن أدى ذلك إلى هلاكه، أما في نظام الشورى أو ما سميناه بالديمقراطية الإسلامية"، فيكون الشعب فيها خاضعا للسيادة الإلهية وتكون إرادته موجهة بمقاصد الشريعة الإلهية لتحقيق ما فيه خير ومصلحة للبشرية. وتتمثل أهم أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذين النظامين فيما يلي:
الفرع الأول: أوجه الاختلاف بين الشورى والديمقراطية إن نظام الشورى يقوم على أساس مبدأ تدخل الدين وتنظيمه للحياة البشرية، أما الديمقراطية السائدة في الدول الغربية فهي وليدة فلسفة ترتكز على مبدأ الحرية الفردية المطلقة، وإعطاء الشعب كامل السيادة على نفسه، وهذا يقتضي استبعاد الدين كلية عن المجتمع على الأقل من الناحية
الرسمية، كما أن كلا النظامين نشأ وطبق في بيئة حضارية مختلفة.
197 (1/194)
صفحة 195
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(1) إن السيادة في النظام الديمقراطي تكون للشعب وحده، وإرادة الشعب هي الإرادة العليا المطلقة في كافة الأمور السياسية والتشريع والحكم، بحيث لا يقف أمامها أي حد لتقرير وتغيير أو إلغاء ما تشاء من الأمور، لأن معيار الصواب هو الإرادة الشعبية، فكل ما صدر بالأغلبية عن هذه الإرادة يعتبر أمر مقدسا لا يجوز المساس به، حتى وإن كان فيه ضررا وفسادا كبيرا للمجتمع. أما في نظام الشورى فإن الإرادة الشعبية تكون مقيدة وموجهة بالأوامر الإلهية، لتحقيق حكمة الله من الوجود. فالإسلام يقر بمبدأ السيادة الشعبية (1)، إلا أن هذه السيادة تكون محدودة بما يمكن تسميته بـ"السيادة الإلهية" مما يقتضي عدم المس بالتغيير أو الحذف لما جاء في الإسلام من خلال مصادر أساسية وهي الكتاب والسنة والإجماع.
(2) يترتب عن اختلاف مفهوم السيادة في كلا النظامين، أن الهيئة التشريعية في نظام الديمقراطية الغربية تكون لها صلاحيات واسعة في إصدار القوانين لتنظيم كافة القضايا والأمور دون تحديد وفق الإرادة الحرة للنواب، ولا يحدها في ذلك إلا أحكام الدستور، بل إن الهيئة النيابية تستطيع أن تعدل حتى أحكام الدستور نفسه في الدول ذات الدساتير المرنة مثل إنجلترا مما أدى الى إجازة عدة محرمات وممارسات غير أخلاقية بواسطة
(1) ذهب بعض الكتاب والباحثين إلى القول أن نظرية سيادة الأمة موجودة في الإسلام وأن الأمة هي مصدر السلطات وصاحبة السيادة وأن العلاقة بين الحكام والمحكومين تقوم على أساس للعقد الاجتماعي، وهكذا نقلوا النظرية الفرنسية حول سيادة الأمة جملة وتفصيلا وحاولوا أن يجدوا لها سندا في الإسلام أنظر المليجي: مبدأ الشورى، ص 209 و ما بعدها. وعلى النقيض من ذلك ذهب آخرون إلى النفي القاطع أن تكون للشعب في الإسلام أية سيادة، حيث يقول د. محمود الخالدي أن الشرع هو صاحب السيادة ولا سيادة لغيره مطلقا" ويضيف أن " النصوص القرآنية لاتدع مجالا للشك في أن الشرع وحده
صاحب السيادة"، أنظر: د. الخالدي: الديمقراطية الغربية، ص 75 و 79. ونحن نرى أن الإسلام اعترف للشعب المسلم بالسيادة على نفسه لكن مع إخضاع هذه السيادة الى الثوابت الدينية التي أقرها الشرع.
198 (1/195)
صفحة 196
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني قوانين بعد موافقة نواب الشعب على ذلك (1)، وعليه فالمشرع له مطلق الحرية في سن التشريعات حسب ما يوحي به عقله وترتضيه نفسه بصفته يمثل إرادة الأمة صاحبة السيادة.
أما مجلس الشورى في الإسلام فيكون مجال عمله محددا بالأمور التي وردت فيها أحكاما شرعية ظنية، أو المسائل والقضايا الجديدة التي لم يرد فيها نص شرعي قطعي، أما الموضوعات التي ورد في شأنها نص قطعي الدلالة والثبوت، فلا يجوز بأي حال من الأحوال الاجتهاد فيها بالرأي (2)، حسب تحديدنا السابق لنطاق الشورى.
شرعي
والمجتهد في نظام الشورى ليست له مطلق الحرية في إصدار القوانين التي يرتضيها، عقله، رغم ما يستلزم أن تتوافر فيه من شروط ومقاييس شرعية صارمة، أما النائب في النظام الديمقراطي الغربي الذي غالبا ما يفوز في الإنتخاب بفضل براعته في الدعاية الانتخابية وتقديم الوعود العريضة ودعم أصحاب المال والثراء، فإنه يملك صلاحية مطلقة في التشريع وإصدار القوانين في المجالات المحددة في الدستور، ولا شك أن في ذلك ضررا على الأمة، لأن المشرع باعتباره بشرا لا يمكن أن يتصف بالعصمة، والمثالية بل أنه يخضع لا محالة لشهواته وميوله النفسية ومصالحه الشخصية، وعليه فليس من المعقول اعتبار كل ما يصدر عنه حقيقة مطلقة (3).
(1) وفي هذا الصدد أقر البرلمان الذي يمثل سيادة الشعب في عدة دول غربية قوانين تتنافى كلية مع المبادئ الأخلاقية الإنسانية التي تقرها كل الأديان، من أمثلة ذلك في فرنسا قانون إباحة قتل الجنين أي الاجهاض الطبي (قانون) 2001 - 588)،وإباحة الزواج المثلي (قانون 2007 - 308) الخ. (2) د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 308 وما بعدها المودودي: النظرية السياسية ص، 30،29. 36
(3) وقد انتقد الأستاذ بارتيلمي فكرة سيادة الأمة التي تؤدي إلى القول أن كل ماصدر عن إرادة الأمة يمثل الحق والعدل لمجرد أنه صادر عن هذه الإرادة، وهذا يؤدي إلى استئثار الشعب أو ممثليه بالسلطة المطلقة والاستبداد أنظر: د. الخالدي الديمقراطية الغربية، ص 13.
199 (1/196)
صفحة 197
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ومن جهة أخرى فإن النائب غالبا ما لا يوفق في تمثيل الإرادة الشعبية تمثيلا صادقا لخضوعه للمؤثرات الذاتية والإغراءات المادية والميول الشخصية. ويقول الشيخ المودودي في هذا الصدد بحق أن: «الإنسان لا يمكن أن يكون شارعا لنفسه بنفسه ( ... ) فلا يمكن تخلصه من تعبد شهواته الجاهلية ( ... ) البشر في أشد الحاجة إلى أن تحد حريته بحدود ملائمة الفطرة الإنسانية وذلك لصالحه ولصالح المجتمع الذي يعيش فيه» (1). ولذلك فإنه ينبغي على المجتهدين في مجلس الشورى أن يتقيدوا بالوحي الإلهي بواسطة مصادر الشريعة الأساسية وهي أ القرآن الكريم ولاسيما ما يتضمنه من آيات التشريع التي تسن قواعد عامة ومجردة. ويتضمن القرآن الكريم 200 آية تشريعية من جملة 6000 آية. ب السنة النبوية سواء القولية منها أو الفعلية والتركية، وتعتبر السنة مصدرا مكملا ومفسرا للقرآن، حيث أحالت إليها عدة نصوص قرآنية بتصريح العبارة، مثل قوله تعالى:
: (2)
وَمَا عَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].
ومَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فقد اطاع الله} [النساء: 80].
ج
-
الإجماع وهو اتفاق جماعة المجتهدين المسلمين في زمن معين على حكم واقعة أو مسألة معينة
أما ما لم يرد فيه حكم شرعي من خلال هذه المصادر، فإن لمجلس الشورى حرية الاجتهاد لتنظيمه بقوانين وأحكام شرعية وفقا للدلالة العقلية التي وضعها علماء أصول الفقه، وهي القياس والمصالح المرسلة
والاستحسان ... إلخ.
(1) المودودي: النظرية السياسية، ص 35
(2) د. الطماوي: السلطات الثلاث، ص 304، 306.
200 (1/197)
صفحة 198
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني (3) إن الديمقراطية الغربية تقتضي منح الأفراد حقوقا وحريات مطلقة لا يحدها إلا مبدأ عدم الإضرار بالغير والقانون، لكن القانون نفسه يتغير حسب إرادة الشعب المعبر عنها من خلال الهيئة النيابية.
وعليه فان هذه الحريات إذا ما تحررت من القيود الأخلاقية الدينية غالبا ماتؤدي إلى المس بكرامة الإنسان والحط من قيمته إلى مرتبة الحيوانية، أما في نظام الشورى فتكون الحريات الفردية مقيدة بأحكام الشرع، وبالقيم الأخلاقية التي يتضمنها، ولذلك فإن هذه الحقوق والحريات ثابتة ومضبوطة لتحقيق الصالح العام للجماعة دون أن يكون ذلك على حساب مصلحة الفرد، بينما نجد أن القيم السائدة في المجتمع الديمقراطي
الغربي هي نسبية متغيرة متقلبة حسب ميول ورغبات الأكثرية (1).
الفرع الثاني: أوجه الاتفاق بين الشورى والديمقراطية
إن كلا من نظام الشورى والديمقراطية الغربية، وإن كانا يختلفان في الكثير من المبادئ والأسس، يتفقان في رأينا في الجانب السياسي من حيث الهدف والغاية بإعتبار أن كلا من هذين النظامين يستهدف تحقيق مشاركة الشعب في ممارسة السلطة السياسية في الدولة، ومراقبته المستمرة للحكام ومشاورته من طرف الحكام مباشرة أو بواسطة ممثليه - حول تسيير الشؤون العامة العادية. وتتمثل أهم أوجه الاتفاق بين النظامين فيما يلي:
(1) إن الشعب في النظام السوري وإن كانت سيادته محدودة، فانه يملك حق التعبير عن إرادته من خلال عدة أساليب تتطابق مع مظاهر الديمقراطية المباشرة، مثل الاستفتاء الشعبي كما حدث عند انتخاب الخليفة عثمان بن عفان، والاعتراض الشعبي مثلما وقع عند اعتراض الشعب
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 424.
201 (1/198)
صفحة 199
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
على بعض القرارات التي اتخذها الخليفة أبو بكر الصديق له قبل أن يقتنع بصواب هذه القرارات كما رأينا، كما أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتبر ركنا جوهريا في الإسلام يعد شكلا من أشكال الاعتراض الشعبي.
(2) رغم كون المجتهد في مجلس الشورى مقيد بالشرع، فانه يتمتع في الحقيقة بصلاحيات واسعة للاجتهاد بالرأي واستخدام العقل، لإصدار الأحكام والحلول حول مختلف المسائل والقضايا الطارئة في حياة الأمة، ذلك لأن الشريعة الإسلامية إنما تتضمن أحكاما ومبادئ عامة وضوابط شرعية لا يمكن تجاوزها أما ما عداها من القضايا التفصيلية التي تتغير حسب الظروف والأزمنة فقد تركها الله للعقل البشري ليجتهد فيها ويبحث عن حلول لها، وقد اتسع مجال الإسلام اتساعا كبيرا بعد عصر الخلفاء الراشدين ليشمل شعوب وبيئات وحضارات مختلفة، وترتب عن ذلك ظهور مسائل وقضايا كثيرة تحتاج إلى أحكام بصددها، مما طرح مسالة مدى تلائم التشريع الإسلامي مع المستجدات. لذلك فقد وضع الفقهاء المسلمون في القرن 2 هـ مايسمى بـ"علم أصول الفقه" لتوجيه الاجتهاد بالرأي و ضبطه.
ونظرا إلى أن الاجتهاد عطل لفترة زمنية طويلة من حياة الأمة الإسلامية، فإن على المجتهدين في الوقت المعاصر أن يبذلوا جهودا كبيرة لاستخراج الأحكام الشرعية حول مختلف نواحي الحياة المعاصرة وإيجاد الحلول الشرعية لمختلف المشاكل المستحدثة نتيجة التطور الهائل في كافة الميادين. و بذلك فإن عمل كل من "المجتهد" و"النائب" يتشابه إلى حد كبير من حيث كونه هو إصدار التشريعات العادية لتنظيم وتسيير الشؤون العامة للأمة.
ومن جهة أخرى فإن عمل كل منهما يكون مقيدا بطريقة أو بأخرى، ففي النظام الديمقراطي الغربي يجب وجوبا على السلطة التأسيسية عند
202 (1/199)
صفحة 200
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وضعها للدستور الإلتزام بالمبادئ الدينية والاجتماعية والسياسية التي يدين بها المجتمع وهو ما يسميه الفقهاء "بالقانون الأساسي للجماعة (1) أي القيم السائدة في المجتمع. كما أن الهيئة النيابية قليلا ما تمس بالمبادئ الدستورية الأساسية بالتعديل أو التغيير، إذ يعد هذا الإجراء إستثنائيا، أما أكثر عملها الذي تختص به فهو إصدار التشريعات العادية وفقا للدستور ومراقبة الحكومة، وهكذا فهي تشبه إلى حد كبير مجلس الشورى في النظام الشوري، والذي يتركز أغلب عمله في إصدار التشريعات العادية لتنظيم مختلف أمور الدولة، أما الاجتهاد في الأحكام الشرعية الظنية فيقوم به أهل الحل والعقد من الفقهاء، بينما لا يجوز تغيير الأحكام الشرعية القطعية. (3) إن نظام الشوى لا يتعارض مع مبدأ سيادة الشعب لأنه لا يقتضي منع الشعب من ممارسة سيادته فيكون للشعب الحق في إصدار القوانين التي يرتضيها ويقبلها طالما كانت لا تتعارض مع المبادئ العليا للشرع، كما يكون له حق مراقبة الحكام في ممارستهم للسلطة ومحاسبتهم المستمرة وعزلهم إن انحرفوا أو تعسفوا في السلطة.
(4) يعتبر مبدأ الخضوع للأغلبية ركنا جوهريا في كل من النظام الديمقراطي الغربي والنظام الشوري، وقد رأينا أن النصوص الشرعية تؤكد أن هذا المبدأ يعد أساسيا في نظام الحكم الشوري.
(5) إن كلا من نظام الديمقراطية الغربية والشورى يسمحان بالتعددية السياسية الحزبية، فإذا كان هذا المبدأ يعد أساسيا في أية ديمقراطية فإن الإسلام قد أقر بمبدأ المعارضة السياسية كأسلوب دستوري شرعي في الدولة، كما رأينا. وإذا كانت المعارضة لا يمكن ممارستها في الدولة الحديثة بشكل فوضوي نظرا لتعقد الحياة المعاصرة وتطور تنظيم الدولة، فإن الأخذ بالنظام الحزبي يعد في الحقيقة تجسيدا مباشرا لمبدأ المعارضة الذي أقره الإسلام، وقد وجدت الأحزاب السياسية - بمفهومها الموضوعي - منذ عصر
(1) لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 139.
203 (1/200)
صفحة 201
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا من الفكر السياسي الإباضي والسني
الرسول الأول في المدينة وفي مختلف الممالك الإسلامية، ودليل مشروعية التعددية الحزبية والفكرية في الإسلام هو ما يلي (1):
ا - إن الاختلاف والتباين في أفكار الناس وآرائهم هي فطرة الله التي فطر الناس عليها وسنة من سنن الكون التي بها ترقي الإنسانية، إذ قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَانتَ ثكرهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُومِنِينَ} [يونس: 99].
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّة وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}
[هود: 118].
ب
-
إن مبدأ احترام وحسن معاملة الأقليات الدينية والسياسية والفكرية الذي أقره الإسلام يستلزم إعطاء هذه الأقليات حق التعبير الحر
عن آرائها من خلال تنظيمات سياسية
ج
-
•
لقد وجدت الأحزاب السياسية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما وجدت في مختلف الدول التي قامت على أرض الإسلام.
—
إن النظام الحزبي يسمح بممارسة المعارضة بطريقة سلمية والانتقال السلمي للسلطة بين الأحزاب، ويجنب الأمة أخطار الصراعات الدموية والحروب، وعدم الاستقرار واحتكار السلطة بالشكل الذي كان سائدا في مختلف الدول الإسلامية بعد عصر الخلفاء الراشدين.
هـ إذا كان اختلاف الآراء وتباين الاتجاهات من سنن الله في خلقه، فإن تنظيم هذا الاختلاف وطرق ممارسته هو من باب المصالح المرسلة، ولا يكون ذلك إلا من خلال النظام الحزبي الذي يتضمن فوائد كبيرة على الأمة.
(1) لاغا: الشورى والديمقراطية ص 140 141. د. الأنصاري: نفس المصدر، ص 431 وما بعدها.
204 (1/201)
صفحة 202
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
(6) إذا كان مبدأ الانتخاب العام يعد من مقتضيات الديمقراطية الغربية، فإن الإسلام قد أقر به أيضا، بل لقد وجدت له تطبيقات، أهمها طريقة انتخاب الخليفة عثمان بن عفان كما رأينا سابقا، ثم إن مفهوم البيعة في نظام الشورى يتطابق مع مفهوم الانتخاب في الديمقراطية الغربية، فإذا كانت البيعة هي: «إعلان الفرد المبايع عن موافقته ورضاه للشخص المبايع له، مع التزامه الإخلاص والولاء» ()، فإن مصطلح "الانتخاب" يؤدي نفس المعنى، وبالتالي يمكن القول أن الانتخاب هو الشكل الحديث للبيعة، مادام أن كلاهما يؤدي نفس الوظيفة، غير أن الانتخاب لا بد من إخضاعه لمقتضيات القيم الأخلاقية، حتى يمكن تفادي سلبياته التي تقترن به في الديمقراطية الغربية، ولذلك ينبغي تقييده بالضوابط التالية (2):
-
تنظيم الدعاية الانتخابية بشكل يقلل من تأثير أصحاب الأموال
والمصالح فيها
-
-
فرض الرقابة القضائية على الدعاية الانتخابية.
أن يسبق الانتخاب ترشيح من قبل أهل الاختيار" بهدف تقييد حرية الناخبين في اختيار الحكام، بمدى التزامهم بالقيم والأخلاق الدينية.
النتيجة العامة للمبحث:
نحن نرجح بالطبع رأي المدرسة التوفيقية نظرا لقوة أسانيدها الشرعية وعقلانية أدلتها وحججها، ذلك أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تصور نظام الشورى مستقلا بذاته منفصلا انفصالا كليا ومطلقا عن أي نظام آخر، فالشورى في الإسلام مازلت لا تعدو أن تكون مجرد مبادئ عامة وقواعد دستورية متفرقة جاءت في النصوص الشرعية والسنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، لأن الأنظمة الاستبدادية البعيدة عن المنهج الشورى
(1) د. الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 435. (2) لاغا: الشورى والديمقراطية، ص 143. د. الأنصاري: نفس المصدر، ص 436.
205 (1/202)
صفحة 203
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
التي سادت ولاتزال في بلاد الإسلام لم تسمح لنظام الشورى ان يزدهر ويعرف التجارب الواقعية في مختلف البلدان والثقافات الإسلامية كما عرفه النظام الديمقراطي، كما أن الفكر الاستبدادي المعشش في الفقه الشرعي السني الغالب في العالم الإسلامي الذي أضفى الصبغة الإلهية والشرعية على الاستبداد حال دون الاجتهاد لوضع النظريات السياسية والأنظمة الدستورية لتجسيد مبدأ الشورى في الحياة السياسية للمسلمين.
أما النظام الديمقراطي فنظام عريق امتد تطبيقه لحوالي ستة قرون في المدن الإغريقية القديمة، ثم ما لبث أن استوحاه الفلاسفة الأوروبيون وقامت على أساسه الثورتين الأمريكية والفرنسية وعرف تطبيقات له في كافة دول العالم من مختلف الثقافات، مما أدى إلى إثرائه بمختلف النظريات والتجارب الإنسانية. وبما أن نظام الشورى لم يعرف تجارب وتطبيقات من التنوع والثراء مثلما عرف النظام الديمقراطي، فإنه لا بد له حتى يضمن قوته ومرونته أن يأخذ ببعض الأساليب والأسس والنظم التي أنتجتها الديمقراطية في مسيرتها التاريخية الطويلة، لأن الإسلام لم يحرم والاقتباس من التجارب الإنسانية ما لم تخالف قواعد الشرع، على أنه يجب التمييز بين المبادئ والفلسفة العامة التي يقوم عليها كل من النظامين
الاستفادة
والمبادئ الفرعية والأشكال والأساليب التي تبدل حسب الظروف والبيئات. بناء على ماسبق بيانه نخلص إلى أن النظام الديمقراطي الغربي لا يختلف في جوهره وأساسه عن الشورى في الإسلام إلا من حيث حد سيادة الشعب في نظام الشورى بالسيادة الإلهية، وعدم خضوع الشعب في النظام الديمقراطي إلا لإرادته الحرة المطلقة، أما ما عدا ذلك من المبادئ والأهداف والأشكال الموجودة في كلا النظامين، فتتشابه وتتطابق إلى حد كبير بينهما، وعليه يمكن اعتبار هذين المصطلحين مترادفين وأن الشورى إنما هي "ديمقراطية إسلامية" تهتدى بنور الوحي الإلهي، وبذلك يمكن تعريف الديمقراطية الإسلامية حسب نظرنا أنها
"حكم الشعب نفسه بنفسه في إطار المبادئ العامة للشرع الإلهي".
206 (1/203)
صفحة 204
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفصل الرابع
تطبيقات النظرية الشورية في الدولة الرستمية الجزائرية
(p 909 /296 - p 777 / 160)
المبحث الأول: شورى الاختيار في الحكم الرستمي. . المبحث الثاني: شورى التسيير في الحكم الرستمي.
207 (1/204)
صفحة 205
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ماهي التطبيقات الدستورية لنظرية الشورى الأباضية في نظام الحكم الرستمي؟
للإجابة على هذا السؤال نعتمد على تحليل النصوص التاريخية على قلتها لنحاول البحث في مدى تجسيد الإباضية المغاربة لنظريهم السياسية في الحكم التي تشكل إحدى الخلافات الجوهرية بينهم وبين غيرهم من المذاهب الإسلامية السنية، سواء تعلق الأمر بمبدأ الشورى في اختيار الأيمة، أو بمدى التزام الأيمة الرستميين بمبدأ الشورى في تسيير شؤون
الحكم الرستمي. على أن نركز في بحثنا على الإمامين الأولين للدولة الرستمية، وذلك لسبب وحيد وهو توفر المصادر التاريخية التي تتحدث عن حكمهما وسكوتها عن ذكر نظام الحكم في فترة الأيمة الآخرين، واقتصارها في ذلك على ذكر الفتن والنزاعات الداخلية.
وحتى لا نقع في السرد التاريخي العقيم الذي يخرجنا عن التحليل العلمي- فإننا نستخدم طريقة استقراء النصوص التاريخية لاستخلاص القواعد الدستورية الشرعية التي كانت سائدة في هذه الدولة، التي تعتبر تجربة رائدة لتجسيد وتطبيق النظرية الإباضية الشورية في الحكم وتعد مصدرا تاريخيا للدولة الجزائرية، بأن نستعرض باختصار الوقائع السياسية كما وردت في النصوص التاريخية، ثم نحاول تحليلها واستقراءها لنصل إلى الإجابة عن إشكاليتنا:
208 (1/205)
صفحة 206
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الأول
شورى الاختيار في الحكم الرستمي
لئن كانت نظرية شورى الاختيار عند الإباضية كما أسلفنا دراستها تقر المساواة المطلقة بين الأجناس في تولي الإمامة، وأن الطريقة الشرعية الوحيدة في ذلك هي طريقة الشورى، فهل طبق الرستميون المنهج الشوري في تولية الأيمة؟ وماهي السوابق الدستورية التي تركوها في هذا المجال؟.
وللإجابة على ذلك نتناول بالتحليل طرق تولية الأيمة الرستميين، وقبل ذلك نستعرض طريقة تعيين أبي الخطاب بن السمح المعافري الهواري الزناتي، الذي يمكن اعتباره كأول إمام للإضية بالبلاد الأمازيغية في حالة الدفاع، فيما يلي:
تولية أبي الخطاب بن السمح المعافري الهواري إمامة الدفاع
سنة 140 هـ
أولا وقائع البيعة: تذكر المصادر التاريخية الإباضية (1) أن "حملة العلم" المغاربة لما وصلوا البلاد الأمازيغية استقروا بطرابلس ونشطوا في بث دعوتهم، فلاقوا استجابة كبيرة من القبائل الأمازيغية الناقمة على الحكم الأموي والعباسي. فلما أنسوا من أنفسهم قوة، اجتمع من اهتم بأمور المسلمين ومن له النظر من الشيوخ وتشاوروا، بموضع يقال له "صياد"
(1) أنظر قصة تولية أبي الخطاب: أبي زكرياء: سير الأيمة وأخبارهم، ص 47. - الشماخي: سير المشائخ، ص 125.
-
209 (1/206)
صفحة 207
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر
مني
غرب مدينة طرابلس» (1)، وكانوا يتظاهرون أنهم إنما يجتمعون للتداول في شان أرض يريدون قسمتها «فأجلوا النظر وأطالوا الفكر فيما بينهم فيمن يولونه أمرهم ( ... ) فاجتمعت كلمتهم على تولية أبي الخطاب» (2).:ثانيا استقراء الوقائع يتبين من خلال هذه النصوص أن عقد إمامة الدفاع لأبي الخطاب بن السمح الهواري الزناتي، تم بطريق التشاور بين المشايخ وزعماء القبائل الامازيغية لاسيما آنفوسة وهوارة وجريشة وغيرها (3)، وقد عقدت هذه البيعة بالإجماع واتفاق الأكثرية، على أساس أن أبي الخطاب من قبيلة هوارة الناقمة على الاستبداد الأموي ولاعتبار كفاءته العلمية بصفته من حملة العلم الذين نقلوا المبادئ الإباضية من المشرق. وفي الحقيقة فان الامر يتعلق هنا يإمامة الدفاع، فبالرغم من اتباع أسلوب الشورى، إلا أن تولية ابي الخطاب تمت على ما يبدو بناءا على وصية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية بالمشرق له بالإمامة بعد أن عينه بنفسه مسبقا لهذا المنصب، وما كان على حملة العلم المغاربة إلا الطاعة. ويدعم هذه الفرضية ما تذكره المصادر التاريخية من أن "حملة العلم" لما تفقهوا في الدين على مذهب الإباضية، وعزموا على الرجوع إلى البلاد الأمازيغية استشاروا أبا عبيدة في شأنهم إن أنسوا من أنفسهم قوة، أيؤمرون عليهم واحدا منهم، قال نعم وأشار إلى أبي الخطاب، فإن أبى فاقتلوه، وهو أراد المسير معهم»
(4)
(1) الشماخي سير المشائخ، ص 125. (2) أبي زكرياء سير الأيمة وأخبارهم، ص 57. الشماخي نفس المصدر، ص 125. (3) أبي زكرياء نفس المصدر، ص 58. (4) الشماخي: سير المشائخ، 124 أنظر أيضا: أبي زكرياء سير الايمة وأخبارهم، 65. الدرجيني: طبقات المشائخ، ج 1، ص 21. الشيخ عبد الله بن يحي الباروني النفوسي: رسالة سلم العامة والمبتدئن إلى معرفة أيمة الدين (طبعة حجرية) مطبعة النجاح، مصر، 1290 هـ، ص 8. علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة 2، القسم (1) ص 49 دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 189 وما بعدها. - محمود إسماعيل الخوارج في بلاد المغرب، ص 55.
210 (1/207)
صفحة 208
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الـ ي الإباضي والسني
ويثور التساؤل حول سبب هذه الوصية لأبي الخطاب بالإمامة الذي التحق بحملة العلم عند عزمهم الرجوع رغم وجود من هو أكثر علما وفقها منه وهو عاصم السدراتي الذي أوصى له بتولي القضاء، وتذكر المصادر الإباضية أن جماعة الإباضية اقترحوا الإمامة على عبد الرحمان ابن رستم فاعتذر إليهم لأمانات كانت تحته للناس وودائع» (1)، غير أن هذا الامتناع لم يكن فيما يبدو إلا لتطبيقا لوصاية الإمام أبي عبيدة مسلم". ومهما يكن من أمر فإن تولية ابي الخطاب بن السمح المعافري إمامة الدفاع تعتبر أول تجربة لإقامة الإمامة الإباضية بالبلاد الأمازيغية تمت وفق المنهج الشوري وإن لم يسمح لها بالنجاح اذ سحق الجيش العباسي هذه الثورة فاحتمت الكثير من القبائل الزناتية الأمازيغية بالمناطق الجبلية والداخلية بالمغرب الأوسط لبعدها عن يد السلطان والهيمنة الاجنبية.
المطلب الأول: تولية عبد الرحمان بن رستم الفارسي
160 هـ / 171 هـ
الفرع الأول: وقائع البيعة
باستقرائنا للمصادر التاريخية، فإن الظروف والمراسيم التي تمت فيها تولية عبد الرحمان بن رستم الفارسي على رأس الدولة الرستمية، تمت كالآتي: - لما انهزم أبو الخطاب أمام جيش العباسيين بقيادة محمد بن الأشعت سنة 144 هـ، لجأ عبد الرحمان بن رستم الفارسي والي القيروان إلى المغرب الأوسط، وتجمعت حوله القبائل الأمازيغية الإباضية، فتحصنوا بجبل "سوفجج" قرب تاهرت، فحاصرهم ابن الأشعت مدة، فلما لم يستطع اقتحام الجبل، رجع يائسا إلى القيروان. (2)
(1) الشماخي نفس المرجع، ص 140 - أبي زكرياء نفس المرجع، ص 56. (2) دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج (2)، ص 251 وما بعدها.
211 (1/208)
صفحة 209
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني وعندئذ اجتمع زعماء القبائل وشيوخ الإباضية فتشاوروا وقرروا
إقامة دولة لهم، وتنصيب إمام يحكمهم: «فاشتوروا فيما بينهم، فقال بعضهم إن عبد الرحمان بن رستم الفارسي ممن لا تجهلون فضله، وهو أحد الخمسة الحاملين للعلم وعامل الإمام أبي الخطاب (1)
<<
«ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل» (2)، وهو «ناشر لواء
العلم»
(3)
«فاستقر رأيهم بعد طول مذاكرة (4) " واتفق رأيهم جميعا على توليته ومبايعته» (5).
- فبايع الإباضية عبد الرحمان بن رستم الفارسي، بيعة الرضا، وقبل هو هذه البيعة، لكنه علق قبوله على شرط، بحيث قال: «إن أعطيتموني عهد الله وميثاقه لتستطيبوا إلي، ولتطيعوني فيما وافق الحق وطابقه قبلت ذلك منكم» (6)، فأجابوه بقبول الشرط، فانعقدت بذلك له الإمامة نهائيا.
الفرع الثاني: استقراء الوقائع
من خلال هذه النصوص نلاحظ أن عقد البيعة لعبد الرحمان بن
رستم تم بالطريقة التالية:
أولا: من حيث المقاييس المعتبرة فيه
لقد اختير عبد الرحمان للإمامة على أساس المقاييس التالية:
(1) أبي زكرياء: سير الايمة وأخبارهم، ص 82. (2) ابن الصغير (القرن 3) هـ / 9 م)، أخبار الأيمة الرستميين، تح. د. محمد ناصر، وإبراهيم بحاز المطبوعات الجميلة، الجزائر 1986،ص 26 الشماخي سير المشائخ، ص 140. (3) الشيخ سليمان الباروني النفوسي: كتاب الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية طبعة حجرية)، مطبعة الأزهار البارونية، (د. ت) ج (2) ص 48.
(4) ابن الصغير: نفس المصدر، ص 27. (5) بحاز إبراهيم بكير: الدولة الرستمية (296160 هـ / 770 - 909 م)، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، الطبعة الأولى، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985، ص 91.
(6) دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج (2) ص 84.
212 (1/209)
صفحة 210
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر
(1 كفاءته العلمية والأخلاقية:
لسني
فهو من حملة العلم الخمسة المشهورين الى المغرب ومن كبار الفقهاء البارزين للإباضية، وهذا بالإضافة إلى سماته الأخلاقية وذكائه وفضله. كما أنه كان في تلك المرحلة إمام صلاة (1)، وعلى هذا الاعتبار تم اختياره ولم يختر بالنظر إلى انتمائه إلى الأسرة القرشية أو الأموية أو العلوية، كما كان سائدا في الممالك الإسلامية آنذاك. (2) عدم انتمائه إلى قبيلة تتعصب له:
فقط
إن هذا الشرط الذي رآه علماء الإباضية وزعماء القبائل الأمازيغية يعبر بحق عن حرصهم على إقامة دولة مثالية وديمقراطية تجسد أفكارهم السياسية الشورية، كما يدل على خوفهم من تحول دولتهم إلى مملكة مستبدة تتحكم فيها قبيلة أقلية على حساب الأغلبية. ولذلك رأوا أن عدم انتماء عبد الرحمان بن رستم إلى إحدى القبائل الأمازيغية التي شكلت هذا التحالف يعد ضمانة لإمكانية عزله إذا انحرف وطغى (2)، وشرطا يضمن محاسبته ومراقبته وأمره ونهيه حسب ما تقتضيه الشورى عند الإباضية، حتى لا يستبد بأمور المسلمين وحتى يخضع للرقابة الشعبية.
3 كفاءته السياسية
بالإضافة إلى الشرطين السابقين، فإن عبد الرحمان بن رستم سبقت له ممارسة وظيفة سياسية في ثورة أبي الخطاب الهواري بليبيا، إذ كان وليا له على القيروان (140 - 143 هـ) فاكتسب بذلك تجربة سياسية هامة في القيادة والتسيير. وهذا المنصب الذي تولاه عبد الرحمان جعل منه شخصية سياسية هامة التفت حولها القبائل الأمازيغية الإباضية بعد فشل إقامة دولة الإباضية بلـ
(3)
(1) ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، ص 26 أبي زكرياء: سير الايمة، ص 83. (2) أبي زكريا نفس المرجع، ص 85. (3) ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، ص 26 حيث جاء فقلدوه أموركم فإن عدل فذلك الذي أردتم، وأن سار فيكم بغير عدل عزلتموه ولم تكن له قبيلة تمنعه ولا عشيرة تدفع عنه کبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 289.
213 (1/210)
صفحة 211
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
:ثانيا من حيث طريقة توليته
لقد تم اختيار عبد الرحمان بن رستم بطريق الشورى والرضا العام، كما تمت مراسيم عقد البيعة له وفق المنهج الشوري الذي ورد في الفكر السياسي الإباضي، ويتجسد ذلك فيما يلي:
(1) التشاور الواسع بين زعماء القبائل الأمازيغية القادة السياسيون) والعلماء والفقهاء اهل) الاختيار الذين يعطون الشرعية لهذه الإمامة حتى التوصل إلى اتفاق بينهم باختيار عبد الرحمان، فلم تفرض إمامة عبد الرحمان بالقوة والغلبة، ولم تنشأ الدولة الرستمية بناء على انتماء أسطوري الى جنس أو عائلة تملك حقا إلاهيا في السلطة كالقرشيين أو العلويين كما حدث في نشأة بعض الممالك الإسلامية، وإنما انتخب بالإرادة الجماعية بعد طول مذاكرة ومشاورات واسعة وحرة تمت في جو من الديمقراطية والمساوة «حيث تبادلوا الرأي فيما بينهم بقلوب سليمة من داء الغش والنفاق مطهرة من كدورات الشقاق»
(1)
(2) إن قرار انتخاب عبد الرحمان بن رستم اتخذ بالإجماع، ولم تفرضه أقلية متسلطة، كما لم يكن بناء على وصية وهو ما يتطابق كلية مع المبدأ الشوري القاضي بوجوب تحقيق الرضا العام من المسلمين.
(3) جسدت القبائل الإباضية الأمازيغية مبدأها المساواتي بانتخاب أحد المسلمين الفرس مع أن هؤلاء كانوا آنذاك يتعرضون في المشرق للاحتقار ويعتبرون من "الموالي" ولايحق لهم تبوأ هذا المنصب الهام لأنهم أقل مكانة سياسية واجتماعية من العرب والقرشيين الذين يشكلون الكتلة العصبية القبلية للدولة، ويتمسكون بحق مزعوم في السلطة.
(4) يجب أن نضع نشأة الدولة الرستمية في سياقها التاريخي المتميز بالصراع الشعوبي بين العرب الذين يتمسكون بحق إلاهي
(1) سليمان الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2)، ص 83.
214 (1/211)
صفحة 212
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني مزعوم في قيادة المسلمين والأجناس الأخرى (الأعاجم) من جهة، ومن جهة اخرى هذه الشعوب ذووا الحضارة والمدنية العريقة التي اعتنقت الإسلام وراحت بعيدا في نشره والدفاع عنه، والتي كانت تسعى الى استرجاع هيبتها ومكانتها بالانتقال من درجة "الموالي" إلى أصحاب مكانة في السلطة ورواد في مختلف العلوم والفنون. ففي هذا السياق يمكن تفسير انخراط عبد الرحمان بن رستم هذا المولى الذي ينتمي إلى الأسرة الرستمية الملكية الكسروية التي كان لها شأن كبير في بلاد فارس وحضارتها في الحركة الاباضية ومن بعدها في ثورة أبي الخطاب بن السمح الهواري الزناتي حتى عين واليا له على القيروان، (1) وفي الحقيقة يعبر إجماع القبائل الأمازيغية الثائرة على تولية عبد الرحمان بن رستم الفارسي الإمامة عن إرادتها القوية لتكريس أحد المبادئ الدستورية المساواتية التي نشأت على أساسها الفرقة الإباضية أصلا وهو حق كل مسلم كفء تولى السلطة بغض النظر عن جنسه وقبيلته طبقا للحديث
النبوي الشهير
إن أمر عليكم عبد حبشي مجذع الأنف فاسمعوا وأطيعوا ما
قادكم بكتاب الله»
5) اشترط عبد الرحمان بن رستم الفارسي على الشعب الإباضي الأمازيغي الذي انتخبه شرطا وحيدا، وهو «الطاعة فيما
(1) ولنا ان نتساءل مع الأستاذ عشراتي سليمان في هذا الصدد «عن صلة الرستمي بالبربر، تلك الصلة التي يقول عنها الميلي أنها كانت تقوم على تحالف قديم بين الطرفين، متى تكون انعقدت، ومتى استحكم هذا التحالف بينهما، وعلى أي صورة تم، أفي إطار تنظيمي سري أسس دعاة المذهب قواعد نحلتهم على ذلك النحو التحالفي مع القبائل التي استمالوها أم تراه تم ضمن السلك العسكري الذي كان يجمع الدعاة من المشارقة ومنهم بن رستم ورفقاءه المجندين من البربر؟». د. عشراتي سليمان: الشخصية الجزائرية الارضية التاريخية والمحددات الحضارية ديوان المطبوعات الجامعية 2002، ص 91.
215 (1/212)
صفحة 213
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وافق الحق وطابقه»، ويذكرنا هذا الشرط بمقولة أبي بكر الصديق المشهورة «أطيعوني ما أطعت الله فيكم». كما يدلنا على مدى عدل هذا الإمام ومثاليته الأخلاقية وسعيه لإحياء الحكم الديمقراطي الشوري الصحيح طبقا للنظرية السياسية الإباضية، في الوقت الذي وصلت فيه الممالك الإسلامية في المشرق انذاك أوج فسادها وشراستها وبطشها بالرعية.
قد جسد
وبوضعه لهذا الشرط يكون عبد الرحمان بن رستم الفارسي أهم مبدأ من مبادئ الإباضية في الحكم، وهو تحديد سلطات الإمام وصلاحياته وحصر طاعته في حدود الحق، وهذا يؤدي إلى تقرير مبدأ حق المعارضة وحرية النقد، والأمر والنهي، كما يمنح للأمة حق عزل الإمام إذا انحرف عن مقتضى عقد البيعة.
النتيجة
نخلص إلى القول أن تولية عبد الرحمان بن رستم على رأس أول دولة إباضية أمازيغية بالمغرب الأوسط تم بطريقة شورية ديمقراطية أصيلة وفق المبادئ الإسلامية في شورى الاختيار، سواء في الشروط المتعينة في المرشح للإمامة أو في طريقة الانتخاب أو في محتوى عقد البيعة بينه وبين الشعب الإباضي، فروعيت جميع القواعد التي أوجبها الإباضية في شأن اختيار رئيس الدولة في حالة الظهور، وطبقت شروط البيعة تطبيقا كاملا، مما يمكن معه القول وبدون مبالغة أن بيعة الإمام عبد الرحمان بن رستم الفارسي تعد سابقة دستورية فريدة في الشورى الإسلامية التي شهدها التاريخ السياسي للإسلام، لم نشهد لها مثيلا لا في
الدولة الأموية ولا في الدولة العباسية.
216 (1/213)
صفحة 214
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المطلب الثاني: تولية عبد الوهاب بن عبد الرحمان
(211/ 171)
إذا كانت تولية أول إمام للدولة الرستمية قد تمت بطريقة شورية كما رأينا، فهل استمر الرستميون في تطبيق نظام شورى الاختيار في تولية أيمتهم؟
الفرع الأول: وقائع البيعة
باستعراضنا لمجريات وأحداث تولية عبد الوهاب للإمامة كما جاءت في المصادر التاريخية الإباضية منها وغير الإباضية (1)، نجد أن الإمام عبد الرحمان بن رستم لما حضرته الوفاة اقتدى بسنة الخليفة عمر بن الخطاب، فعين جماعة من كبار العلماء والفقهاء وأهل الرأي والزعامة ليشكلوا مجلسا للشورى يتولى مهمة اختيار الإمام الجديد ويتكون هذا المجلس من الشخصيات التالية (2):
مسعود الأندلسي.
-
أبو قدامة يزيد بن فندين اليفريني.
- عمر بن مروان الأندلسي - أبو الموفق سعدوس بن عطية.
شكر بن صالح الكتامي.
ب مصعب بن سدمان.
عبد الوهاب بن عبد الرحمان.
اجتمع هذا المجلس للتفاوض والتداول والتشاور حول أمر الإمامة «إلا أن عامة المسلمين مالت أنفسهم إلى اثنين منهم أحدهما
مسعود
(1) أنظر وقائع تولية عبد الوهاب أبا زكرياء سير الأيمة وأخبارهم، 86 ومابعدها. - الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج 1، ص 50. وما بعدها. – الشماخي: سير المشائخ، ص 145. سليمان الباروني: الأزهار الرياضية، ج /2/، ص 100 وما بعدها. - دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 51 وما بعدها. (2) أنظر: الشماخي: سير المشائخ، ص 145. أبي زكرياء: سير الايمة، ص 85 الدرجيني: طبقات المشائخ، ج / 1/، ص 46 ويذكر أنهم ستة، إذ لم يورد مصعب بن سدمان ضمن قائمة أهل الاختيار الباروني: الأزهار الرياضية، القسم/2/، ص 99.
217 (1/214)
صفحة 215
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الأندلسي والآخر عبد الوهاب» (1) حيث أن بعضهم يريد الأول والبعض الآخر يريد الثاني، «فمكثوا حوالي شهر يديرون الرأي فيما بينهم» (2) في هذه القضية الخطيرة. إلا أن هذا الخلاف انتهى إلى أن مالت الأكثرية" من "أهل الاختيار" إلى تولية مسعود الأندلسي وتفضيله على عبد الوهاب، لكن مسعود الأندلسي رفض هذه البيعة رفضا قاطعا زاهدا فيها، بل إنه اختفى عن الأنظار فرارا من أن يلزم بها.
فلما رأوا إحجامه ورفضه المطلق لهذا المنصب، عزموا على مبايعة عبد الوهاب بن عبد الرحمان وهو المرشح الثاني، فلما بلغ الخبر مسعود الأندلسي خرج إليهم مسرعا ليكون أول من يبادر إلى بيعة عبد الوهاب. غير أن وقائع البيعة لم تقف عند هذا الحد، لأن يزيد بن فندين اليفريني وهو أحد أعضاء مجلس "أهل الاختيار" وضع شرطا على عبد الوهاب مفاده وجوب تعيين "مجلس" للشورى" يشاركه في الحكم، وأن لا يقضي أمرا إلا باستشارته، حيث جاء في سير أبي زكرياء:
تقدم مسعود الأندلسي ليبايعه، فتكلم يزيد بن فندين وأصحابه، فقالوا
(3)
نبايعه بشرط ان لا يقضي دون جماعة معلومه» ويدل هذا النص على أن ابن فندين اليفريني لم يكن وحده، بل كانت معه "جماعة من أهل الاختيار تطالب بتنصيب مجلس للشورى خوفا من استتباب الحكم الاستبدادي، وقد رد مسعود الأندلسي أن لا وجود لشروط الإمامة غير الحكم بالكتاب والسنة وآثار الصالحين، فسكت بن فندين، فبايع مسعود «وبايع الناس بعد ذلك بيعة عامة، فحملوه إلى دار الإمامة، فلم يتخلف عن بيعته أحد» (4).
(1) الدرجيني: طبقات المشائخ، ج (1)، ص 64. أبي زكرياء سير الأيمة، ص 86. الشماخي سير المشائخ، 145. الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2) ص 99. (2) أبي زكرياء سير الايمة، ص 307. سليمان الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2) ص 99. (3) الباروني نفس المرجع، ص 87.
(4) الباروني نفس المرجع، ص 87 - الشماخي سير المشائخ، ص 145.
218 (1/215)
صفحة 216
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الثاني: استقراء الوقائع
بتحليلنا لهذه الوقائع نلاحظ أن بيعة عبد الوهاب تمت كما يلي:
أولا: المقاييس المعتبرة في توليته
لا نجد في المصادر التاريخية أية نصوص أو قرائن تشير إلى السبب الحقيقي الذي جعل فئة من "أهل الاختبيار" وهي أقلية- تختار عبد الوهاب بن عبد الرحمان إلى جانب مسعود الأندلسي، فهل كان سبب هذا الميل إلى عبد الوهاب، هو بنوته للإمام السابق أم كان ذلك لسعة علمه وكفاءته ومقدراته (1)؟.
إلا أن اختيار الأغلبية لمسعود الأندلسي بدل عبد الوهاب، يبين بوضوح أن جماعة الشورى لم يكن في نيتها بتاتا تولية عبد الوهاب خلفا لأبيه وفقا للنظام الوراثي، وإنما انعقد إجماعها على اختيار مسعود الأندلسي وفقا لمعيار الكفاءة العلمية والدينية ليس إلا، وذلك لأنه «كان رجلا فاضلا فقيها ورعا من شيوخ المسلمين (2)، وكذلك كان اختيار عبد الوهاب لكفاءته ومقدرته، وخاصة لسعة علمه وتفقهه في الدين على يد "حملة العلم". ولاسيما والده عبد الرحمان (3).
(1) محمد بن تاويت دولة الرستميين أصحاب، تاهرت، (د. ت)، (دت)، (د. م)، نسخة جمعية التراث غرداية، ص 113، حيث يرى أن اختيار عبد الوهاب إنما كان لسبب إنحياز زناته إليه لأن أمه يفرينية من زنانة كما انحازت جماعة الفرس إليه بدافع العصبية.
وفي الواقع فإن هذا القول لا يقوم على أساس لأن الإباضية اختاروا بادئ الأمر مسعود الأندلسي، ثم إن ابن فندين اليفريني الزناتي وجماعته هم من طالبوا بتقييد حكم عبد الوهاب بالالتزام براي مجلس الشورى كما أن اليفرنيين أصبحوا فيما بعد الحزب
الرئيسي المعارض لحكم عبد الوهاب.
(2) أبي زكرياء سير الأيمة وأخبارهم، ص 85.
(3) علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة: الأباضية بالجزائر، ج /1/ مكتبة وهبة القاهرة، 1979، ص 58.
219 (1/216)
صفحة 217
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ثانيا: طريقة توليته
بتحليلنا للوقائع السابقة الذكر اعتمادا على المصادر الإباضية الوحيدة التي تناولت الموضوع - يتبين لنا أن توليه عبد الوهاب تمت طبقا للمبادئ الشورية للإباضية، ووفقا لسنة الخلفاء الراشدين، وذلك
استنادا إلى ما يلي: (1) إن تعيين "مجلس الشورى" مشكلا من الفقهاء وأهل الرأي للبث في أمر الإمامة، يعد سلوكا رشيدا يستمد أصالته من الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب الله الذي اشتهر بكثرة مشاورته، كما يعد ذلك ضمانة أساسية للمحافظة على النظام الشوري الذي وضعه الإمام عبد الرحمان خوفا من
تفرق الأمة. وهذا السلوك ينفي وجود أية وصية لتوريث الحكم.
(2) لقد قام مجلس الشورى بمهمته أحسن قيام وجرت المداولات والمشاورات في شكل ديمقراطي، ويدل على ذلك استمرار المناقشات لمدة شهر كامل بين "أهل الاختيار" في جو من الحرية التامة.
(3) تمكن هذا المجلس الذي كان يتكون بالتأكيد من ممثلي القبائل الأمازيغية المشكلة للشعب الرستمي وأنه كان باتصال مع الجماهير، أن يتوصل بالأغلبية إلى انتخاب مسعود الأندلسي للإمامة، ولم يقع الاختيار على عبد الوهاب لاعتقاد الإباضية بحرمه توريث الحكم (1)، اعتقادنا ويدعم هذا عدم ذكر المصادر التاريخية لوجود أية وصية أو عهد مكتوب من قبل الإمام عبد الرحمان لتوريث الحكم لابنه.
(4) رفض مسعود الأندلسي للإمامة جعل مجلس الشورى أمام اختيار وحيد، هو عقد البيعة لعبد الوهاب، مادام أنه كان في الدرجة الثانية من حيث حيازته لأغلبية الأصوات ورضى الناس، ومما شجع على ذلك أن
(1) محمد عيسى الحريري: الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي، الطبعة الثالثة، دار القلم، الكويت، 1987، ص 110.
220 (1/217)
صفحة 218
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني مسعود الأندلسي المرشح الأول للإمامة نفسه تحمس لمبايعة عبد الوهاب، بل كان أول شخص يبايعه، فوافقه أهل الاختيار واتبعته الجماهير. (5) لقد تمت البيعة لعبد الوهاب، حسب ما يقتضيه نظام الشورى: فعقدت له البيعة الخاصة من طرف أهل الاختيار، ثم حمل إلى دار الإمامة، فبايعته الجماهير طبقا لنظرية البيعة عند الإباضية.
ثالثا: الجدل القائم حول عدم اقتران بيعة عبد الوهاب بشرط مجلس الشورى رفض الإمام عبد الوهاب وبعض من جماعة أهل الاختيار ارتباط بيعة عبد الوهاب بوجوب إشراك مجلس الشورى في الحكم، كما طالب بذلك يزيد بن فندين وأصحابه، وكما هي تقاليد الدولة الرستمية لم يقاتل عبد الوهاب معارضيه إلا بعد ان بدؤوا في إثارة الفتنة، وبعد أن تحصل على فتوى تعطي الشرعية لبيعته، فقد أفتى علماء الإباضية المشارقة مثل الربيع بن حبيب ووائل بن أيوب وغيرهم، حين أرسل إليهم المتخاصمون يستفتونهم في هذا الخلاف بصحة الإمامة وبطلان شرط ارتباطها بمجلس الشورى (!؟). (1). ولاشك أن هذه الفتوى تتعارض تعارضا مطلقا السنة مع النبوية والراشدية بخصوص وجوب إشراك "أهل الشورى" في إتخاذ القرارات الهامة، وأن يكون رأيهم المتخذ بالأغلبية ملزما كما كان يفعل الامام عبد الرحمان بن رستم طبقا لمقتضيات الحكم الشوري الديمقراطي. وأغلب الظن أن هذه الفتوى من إيحاء وتأثير تقاليد الدولة الأموية والعباسية ونموذج تركيز الحكم في يد الملك الذي كان سائدا بالمشرق.
وفي الحقيقة فإن معارضة بن فندين اليفريني لا ترتكز على عدم شرعية الطريقة التي عين بها عبد الوهاب، بل إن ابن فندين وجماعته كانوا ضمن المبايعين الأوائل له، وقد أقروا بصحة الطريقة التي انتخب بها، وإنما كانت معارضتهم تتعلق أساسا بشرط وضع في عقد البيعة، مفاده
(1) ابن الصغير: تاريخ الأيمة، ص 45. أنظر: ابن تاويت: دولة الرستميين أصحاب تيهرت، ص 114.
221 (1/218)
صفحة 219
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السبب الإباضي والسني
وجوب نصب مجلس" للشورى" يشارك الإمام في الحكم حتى لا يستبد برأيه طبقا للتقاليد السائدة لدى الجماعات الأمازيغية التي تسير من طرف مجالس تمثيلية قبلية، بمعنى أن معارضه ابن فندين وجماعته لحكم عبد الوهاب تتعلق بشورى التسيير وليس بشورى الاختيار.
وعليه فإن هذه المعارضة لم تظهر في رأينا، لتقف ضد نظام الوراثة في الحكم كما يرى بعض الكتاب (1) - لأن نظام التوريث لم يكن قد ظهر بعد كتقليد في الدولة الرسمية الفتية آنذاك، وإنما كانت تستهدف وضع ضابط لسلطة الإمام في تسيير شؤون الحكم خوفا من تحول الحكم الشورى الرستمي إلى الاستبداد والفردية.
ويذكر ابن الصغير بعد وصفه لفتنة النكار: «ثم اشتد أمر عبد
الوهاب وقوى عليه وانتقل من حال الإمامة إلى حال الملك». (2) ويبدو من هذا المشهد أنه منذ قتال عبد الوهاب للمعارضين الديمقراطيين من اليفرينيين وانتصاره عليهم، طراً بعض التحول في طبيعة نظام الحكم الرستمي من حال الإمامة التي سار فيها عبد الوهاب في بداية عهده على خطى والده المتسمة ببساطة الدولة وبالشورى وإشراك العلماء وممثلي القبائل في الحكم إلى "حال الملك" المتسمة ربما بظهور بعض الحاشية من المؤيدين وبعض الجند لحمايته من ثورة هوارة. إذ يبدو أن قبيلة انفوسة أحكمت سيطرتها على السلطة والثروة وأصبحت هي التي تساعد الإمام في مهامه عوض مجلس الشورى الذي تضاءل دوره شيئا فشيئا، رغم بقائه موجودا تحت اسم "الشراة". ومما يدعم هذه الفرضية مقولته أثناء قتال هوارة الثائرة عليه «لقد استحق أفلح الإمامة»، وأغلب الظن أن ذلك كان بتأثير حاشيته ومقربيه الذين شجعوه على مقاتله النكار.
(1) مثل: محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، ص 117، 118. – بحاز: الدولة
الرستمية، ص 116
(2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 44.
222 (1/219)
صفحة 220
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
النتيجة: نستخلص مما سبق أن تولية عبد الوهاب بن عبد الرحمان
للإمامة الرستمية تمت بطريقة شورية أصيلة خالصة من لية شائبة، وأن الإجراءات التي تم فيها انتخابه تتطابق مع المبادئ الشورية للإباضية المغاربة في اختيار الإمام كما فصلناها سابقا، وهذا ما يفند شك بعض الكتاب من أن انعقاد الإمامة لعبد الوهاب إنما كانت بترشيح سابق من أبيه، (1) أن هذا الظن لا يصمد أمام النقد: فلو كان مجلس الشورى عين فقط لتمرير وصية سابقة لما اجتمع كل تلك المدة، ولما حصلت تلك المناقشات الديمقراطية والخلافات بين أعضائه، ولما انتخبت الأغلبية على مسعود الأندلسي على أساس علمه وتقواه. فكل هذه القرائن تدل على عدم وجود أي تخطيط أو عهد سابق من الإمام عبد الرحمان بن رستم الذي أجمعت المصادر التاريخية الإباضية وغير الإباضية على عدله وتمسكه بالمنهج الشوري، مما يستبعد أن تكون له نية في جعل أمر الإمامة وراثيا في عائلته، كما لا نجد في المصادر التاريخية أية إشارة إلى هذا الزعم، بل إن تعيينه لمجلس الشورى" يثبت نيته في جعل أمر الإمامة بعده شورى بين أفراد الأمة. وعليه فإذا كانت الظروف التي ذكرناها هي التي رشحت "عبد الوهاب" لتولي الإمامة فإن ذلك ليس مبررا للتشكيك في الطريقة الشورية التي تم بها تعيينه بمقتضاها.
وفي رأينا فإن معارضة ابن فندين لحكم عبد الوهاب، لم يكن الغاية منها أن يشركه في الحكم، أو أن يؤثر اليفرنيين بالمناصب العليا بالنظر إلى أن أمه، يفرنية، كما تدعي ذلك بعض المصادر الإباضية (2)، وإنما نعتقد أن المعارضة اليفرينية التي توسعت بعد
(1) حيث يقول الأستاذ بحاز إبراهيم في هذا الصدد: «يتبادر إلى الذهن أن ذلك المجلس، وكأنه مجلس الحل والعقد كان لتعيين عبد الوهاب، وتأمين وصوله إلى الحكم». انظر: بحاز الدولة الرستمية، ص 115.
(2) الشماخي سير المشائخ، ص 147، 148. أبو زكرياء سير الائمة، ص 90، 91. - الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2، ص 107.
223
15 (1/220)
صفحة 221
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ذلك في شكل حركة "النكار"، ظهرت بسبب رفض تنصيب مجلس للشورى يكون شريكا في الحكم وفي اتخاذ القرارات، بحيث يكون رأيه ملزما وفقا لما تستلزمه العقيدة الاباضية في الحكم (1)، وهو مطلب سياسي مشروع.
وفي الواقع فإن ابن فندين واليفرنيين لم يكونوا ينادون إلا بوجوب ارتباط الإمام بمجلس شوري قبلي وفقا للتقاليد الأمازيغية العريقة في الحكم، مع إشراك الفقهاء وطبقا لآية الشورى {وَأَمْرُهُمْ شورَى بَيْنَهُمْ، لتخوفهم من تحول الحكم الشوري الديمقراطي الرستمي إلى نظام عائلي استبدادي بعد أن بلغت الدولة الرستمية جانبا كبيرا من الازدهار والرخاء الاقتصادي. وفي الحقيقة فإن هذا التخوف أثبتت صحته الأحداث التي تعاقبت في أواخر أيام هذه الدولة لاسيما بعد تولية أبا حاتم يوسف بن أبي اليقطان وعليه فإن الحركة اليفرنية إنما كانت تمثل في الحقيقة المعارضة الديمقراطية المتطرفة التي كانت تحاول المحافظة على النهج الشوري الديمقراطي للإمام عبد الرحمان بن رستم المنبثق من الفكر السياسي الإباضي، في مواجهة نكران الإمام الجديد تحت تأثير جماعة من أهل الاختيار لهذا الشرط، هؤلاء وجدوا في فتوى بعض علماء الإباضية المشارقة الذين لا يمثلون الاجماع الاباضي والمتأثرين بالفكر السياسي السني في نموذجه الأموي والعباسي سندا شرعيا لموقفهم.
(1) تطورت الدعوة السياسية اليفرينية إلى ما سمي بحركة النكار التي بلورت آراء فقهية تخالف فيها "الاباضية الوهبية (نسبة إلى عبد الوهاب الرستمي)، غير أن هذه الآراء لم ترق إلى أن تشكل مدرسة فقهية. انظر بعض هذه الآراء: علي يحي معمر: الاباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات قديما وحديثا، نشر جمعية التراث، ص 336
224 (1/221)
صفحة 222
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أنفسهم من يومهم ذلك وكان ميمون النقية فسكن الله به البلاد ووقى به العباد» (1).
أما الشيخ عبد الله الباروني الإباضي فيبرز طريقة عقد الإمام لأفلح بقولة: «لما كانت الأمور بنفوسه مضطربة "بخلف" وأتباعه ( .... ) خاف أهل الرأي وأصحاب الشورى من المسلمين بعد وفاة الإمام عبد الوهاب أن يحصل بتأخير نصب إمام غيره بعض حركات فساديه فبادروا في يوم وفاته إلى ابنه أفلح الذي كان مترشحا للإمام بأعماله العالية» (2).
الفرع الثاني: استقراء الوقائع
ومن خلال هذه النصوص نستنتج ما يلي:
-
تركيزا مقصودا للمصادر الإباضية على الشخصية البطولية والصفات الخارفة لأفلح بن الإمام عبد الوهاب، وهو كما يبدو تمهيدا للقول بأحقيته في الإمامة. - تبرير المصادر الإباضية عقد الإمامة لأفلح بما كان في زمانه من فتن وتمردات وخوفا على الدولة من الانشقاق والضعف. حرص المصادر الإباضية على القول أن إبرام الإمامة لأفلح تم
من طرف جماعة الشورى
وفي الحقيقة إن صحت رواية بن الصغير عن الإمام عبد الوهاب قوله لأصحابه "لقد استحق أفلح الإمامة" فإن ذلك يعتبر وصية شفهية صريحة منه لابنه أفلح بالإمامة، كما يدفعنا ذلك إلى الاعتقاد أن عبد الوهاب عقد نيته على استخلاف ابنه في إحدى مراحل حكمه الطويل الذي امتد الى اربعين سنة، ويبدو أنه كان يوليه أمر تيهرت كلما غاب عنها ليقوم مقامه حتى ألفه الناس، فمهده بذلك لخلافته. ويدلنا على ذلك مايلي:
(1) عبد الله الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2)، ص 135. (2) نفس المرجع، ج (2)، ج (2)، ص 166
226 (1/222)
صفحة 223
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر ال الإباضي والسني
أولا: تزعم "أفلح" للذين تصدوا للنكار عندما هجموا على المدينة، حين كان أبوه غائبا عنها، وأغلب الظن أن عبد الوهاب كان قد ترك ابنه نائبا عنه بتيهرت، لذلك نجده قد تزعم مقاتلة المعارضين.
ثانيا: سفر الإمام عبد الوهاب لأداء الحج واستقراره بجبل انفوسة مدة سبع سنين مما يدفعنا للتساءل عمن تركه لتولى شؤون "تيهرت" في كل هذه المدة دون حرج على حكمه، ولن يكون في اعتقادنا إلا ابنه أفلح لثقته فيه (1).
النتيجة
تأسيسا على ماسبق نصل إلى أن تولية أفلح بن عبد الوهاب الإمامة تمت بطريق الوراثة، مما اعتبر أول خروج عن المنهج الشوري في توليه الإمام الذي يعد ركنا جوهريا في الفكر السياسي الإباضي. وبذلك يمكن القول أن الإمام عبد الوهاب كان أول من أحدث بدعة التوريث في الدولة الرستمية وفتح المجال للأسرة الرستمية لتحتكر الحكم من دون المسلمين، مما أدى إلى تنازع أفرادها وتطاحنهم على الحكم فكان ذلك من أهم أسباب انهيار هذه الدولة (2). وقد تطور تقليد التوريث حتى أصبح قاعدة دستورية في الحكم وحقا تتمسك به الأسرة الرستمية مكن لها أن تستأثر الإمامة من دون بقية الرعية.
(1) بحاز إبراهيم الدولة الرستمية، ص 119 (2) نلاحظ أن نظام التوريت في الدولة الرستمية منذ إمامة أفلح لم يتخذ صفة رسمية وانما كان يتم عن طريق الوصية الشفوية، وذلك لاعتبار تعارضه مع العقيدة السياسية الاباضية ولاعتباره استثناء يرتبط بمبررات ظرفية معينة، إذ لا تذكر المصادر التاريخية وجود أية وصية مكتوبة في هذه الدولة كما جرى التقليد في الممالك الأموية والعباسية وغيرها.
227. (1/223)
صفحة 224
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المطلب الرابع: طرق تولية بقية الأيمة الرستميين
ونستعرضها باختصار في الآتي:
(1) أبو بكر بن أفلح 258 - 260 هـ: اختير للإمامة بعد وفاة أبيه، ومقتل أخيه أبا اليقظان إذ لما توفي الإمام أفلح اجتمعت الإباضية فلم يصيبوا
في أولاد أفلح إذ فقدوا أبا اليقظان، أرجح عندهم من ولده أبي بكر» (1).
وقد ظهرت معارضة واحتجاج العديد من الفقهاء على تقليد التوريت الذي بدأ يستقر كقاعدة دستورية في الدولة الرستمية، داعين إلى إرجاع أمر الإمامة للشورى وأن يتم بالانتخاب العام، حيث يذكر ابن الصغير أن أحد علماء الإباضية البارزين وهو عبد العزيز بن الاوز كان ينادي بأعلى صوته الله سائلكم معاشر نفوسه إذا مات واحد جعلتم مكانه آخر ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه إليهم فيختارون من هو أتقى وأرضى» (2).
غير أن هذه المعارضة لم تلق التاييد الشعبي والسياسي الكافي، إذ يبدو أن قبيلة انفوسة الزناتية القوية والضخمة العدد والتي استقرت بـ"تيهرت" واستفادت من الرفاهية الاقتصادية فيها هي التي سعت للحفاظ على حصر الإمامة في الأسرة الرستمية ربما بهدف الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية.
-
(2) أبو اليقظان محمد بن أفلح 260 281 هـ: تنازل له أخوه أبو بكر بن أفلح عن الإمامة وقد «اجتمع عليه عامة المسلمين فولوه على أنفسهم ولم يكن منهم في توليته اختلاف» (3). كما اشتهر بسياسته العادلة وحسن سيرته في الرعية حتى أن الناس يشبهونه بجده
(1) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 59 (2) نفس المرجع، ص 61. (3) أبو زكريا سيرالايمة وأخبارهم، ص 147.
228 (1/224)
صفحة 225
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا
سني
عبد الرحمان بن رستم (1)، وكان المغرب كله مفتونا بهذا الرجل» كما
يؤكد ذلك ابن الصغير المالكي (2).
-
3) أبو حاتم يوسف بن أبي اليقطان (281 294 هـ): عندما توفي أبوه أبو اليقطان كان قد خرج في جيش خاص لحماية بعض القوافل، فلما رجع إلى تيهرت استقبلته جماهير الناس مبايعة له عند مدخل المدينة (3). وقد تم تنصيبه دون استشارة العلماء والفقهاء وأهل الرأي، حيث أنه «لما مات أبو اليقطان قامت العوام وأهل الحرف ومن لف لفهم، فقدموا ابنه أبا حاتم بلا مشورة أحد من الناس ولا من القبائل ولا من غيرهم»
(4)
(4) يقظان بن أبي - اليقظان (294 - 296 هـ): نصب بالقوة بعد مقتل أبي حاتم من طرف بعض قرابته سنة 294 هـ، وفي أيامه انهارت الدولة الرستمية، والإباضية يتبرؤون منه ولا يعترفون بشرعية حكمه لأنه اغتصب الإمامة بالسيف ولم يعدل في سيرته (5)
النتيجة العامة للمبحث:
لقد طبق الإباضية بالمغرب النظرية الشورية في اختيار الإمامين الأولين للدولة الرستمية الى مدى نصف قرن، غير أن العائلة الرستمية احتكرت الإمامة منذ إمامة أفلح بن عبد الوهاب، وأبدعت طريقة التوريث التي يحرمها الإباضية، ويرجع ذلك
رأينا الى احدى الفرضيتين:
(1) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 89. (2) نفس المرجع، ص 85.
(3) الحريري: الدولة الرستمية، ص 61.
(4) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 89
(5) على يحي معمر: الإباضية في الجزائر، ج (1) ص 62 - دبوز: تاريخ المغرب
الكبير، ج (3)، ص 608.
229 (1/225)
صفحة 226
لسني
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباض الفرضية الأولى: أغلب الظن أن هذا التوجه حدث بطلب
-
الشعب الاباضي لضرورة تحقيق التوازن السياسي بين القبائل الأمازيغية المتساكنة في تيهرت والمتنافسة على السلطة والثروة، ويؤيد هذا الاحتمال أن أحد أهم أسباب اختيار عبد الرحمان بن رستم، بالإضافة الى كفاءته، كإمام أول للجمهورية الإباضية أنه أجنبي فارسي "لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل" وانحرف عن النهج الديمقراطي، وهو بذلك يشكل عنصرا محايدا في الوضع السياسي، ويسمح له هذا المركز بلعب دور الوسيط الذي يرضي الجميع. ذلك أن تولية الحكم أحد الأفراد المنتمين إلى قبيلة ما قد يثير حساسية القبائل الأخرى لاحتمال ميله إلى قبيلته من جهة وتقوي هذه الأخيرة به من جهة أخرى.
-
الفرضية الثانية قد تكون الأسرة الرستمية تحالفت مع قبيلة انفوسة القوية العدد والعدة التي تساندها عسكريا واقتصاديا بغرض المحافظة على مصالحها السياسية والاقتصادية، والدليل على ذلك ما ينقله ابن الصغير عن عبد العزيز بن الاوز أحد الشراة الإباضية الزهاد الذي كان يعارض هذه البدعة جهارا وينادي بأعلى صوته الله سائلكم معاشر نفوسه إذا مات واحد جعلتم مكانه آخر ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه إليهم فيختارون من هو أتقى. وأرضى» ومهما يكن من أمر فإن ذلك يعتبر مخالفة من قبل الرستميين لأحد أهم المبادئ السياسية للإباضية (2).
•
(1)
(1) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 59 (2) ذهب بعض الكتاب الإباضية المحدثين الى أن كافة الحكام الرستميين تولوا الإمامة بالطريق الشورى. أنظر علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج (1)،
ص 56 وما بعدها.
230 (1/226)
صفحة 227
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
ومع
ذلك فإن الطبيعة الشورية للحكم الرستمي لم تتغير، طالما
ان الحكام الرستميين التزموا بشورى التسيير باشراك مجلس شوري تمثيلي في اتخاذ القرارات واصدار التشريعات العامة وكان هذا المجلس يضم زعماء القبائل الامازيغية والفقهاء الاباضية، و"الشراة" الذين يراقبون الامام، وممثلي الطوائف الدينية من أهل السنة والمسيحيين واليهود. طالما أن سلطة الإمام لم تكن قائمة على القوة لانعدام الجيش الذي يضمن تنفيذ القرارات، وإنما على الإقناع والرضا والإرادة العامة للشعب، كما لم يتحول الائمة الرستميون الى ملوك جبابرة دمويون ولم يتخذوا المظاهر الملكية الفاخرة والفجور التي كانت سائدة آنذاك في المشرق. وقد ترك الإمام عبد الوهاب أروع الامثلة في الشورى والعدل بين الرعية كما سنرى رغم تثبيته لتقليد التوريث.
ويمكن أن نبين طرق انتخاب وتعيين الأيمة الرستميين في الجدول التالي:
231 (1/227)
صفحة 228
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضبة، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الإمام
جدول (8) طرق تولية أهم الأيمة الرستميين:
السن
طريقة التعيين مقاييس التعيين أهل الاختيار
الشرعي
عبد الرحمان – مشاورة واسعة الكفاءة العلمية - زعماء القبائل
بن رستم
الأخلاقية
الكتاب
الأمازيغية وفقهاء والسنة
- إجماع الأغلبية عدم الانتماء إلى الإباضية
قبيلة تتعصب له
عبد الوهاب - مشاورة واسعة داخل - علمه وكفاءته. - مجلس الشورى - سنة
بن عبد مجلس الشورى
الرحمان
حصوله على يتكون من سبعة الخليفة الثاني
انتخاب الأغلبية: أغلبية الأصوات أعضاء من كبار عمر بن
على مسعود الأندلسي
وعلى عبد الوهاب
رفض مسعود
الأندلسي للمنصب التفكير لعقد البيعة للمرشح الثاني:
عبد الوهاب.
مبادرة مسعود
بمبايعة عبد الوهاب
مبايعة مجلس
العلماء والفقهاء الخطاب
وأهل الرأي.
الشورى لعبد الوهاب
مبيعة العامة لعبد الوهاب.
افلح بن عبد
الوهاب
عبد - وصية شفاهية (1) البنوة (النسب) الإمام السابق
2) الكفاءة
عبد الوهاب
بقية الأيمة طبقا لنظام التوريث الانتساب للأسرة - الإمام الأسبق أو
الرستميون
الرستمية
أحد أعضاء
الأسرة الرستمية
قبيلة انفوسة
232 (1/228)
صفحة 229
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المبحث الثاني
شورى التسيير في الحكم الرستمي
إذا كان الأيمة الرستميون الأوائل انتخبوا طبقا لمبدأ شورى الاختيار، ثم ما لبث أن استقر تقليد توريث الحكم في العائلة الرستمية منذ ولاية الإمام الثالث أفلح بن عبد الوهاب، فهل طبق هؤلاء نظام الشورى في تسيير حكمهم وفي سياستهم للرعية؟ وماهي السوابق التاريخية التي تركوها في هذا المجال؟
للإجابة على هذا التساؤل نحاول استقصاء المصادر التاريخية لاستكشاف القواعد الدستورية التي كان يقوم عليها نظام الحكم الرستمي خاصة في عهد الإمامين الأولين، وذلك فيما يلي:
المطلب الأول: الإمام عبد الرحمان بن رستم 160 هـ / 171 هـ.
أجمعت المصادر التاريخية على أن مؤسس الدولة الرستمية عبد الرحمان بن رستم كان مثالا في التشاور والعدل مع الرعية، فكان لا يبرم أمرا إلا بمشورة جماعة "أهل الشورى". وأهم ما ورد في هذا الصدد ما تناقلته المصادر التاريخية حول استشارة عبد الرحمان لأهل الشورى في شأن معونة أهل المشرق، ونحن نكتفي بهذه الواقعة لأنها تكفي كنموذج يعطينا صورة واضحة وجلية عن طبيعة الحكم الرستمي الديمقراطي في فترة الإمام الأول عبد الرحمان. ونستعرضها في الاتي (1):
(1) أنظر حول هذه الحادثة - أبو زكريا سير الايمة ص 83 84. ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 28 وما بعدها. الشماخي: سير المشائخ، ص 140، 141. - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج (1)، ص 45 - الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2)، ص 87 و 91
233 (1/229)
صفحة 230
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الأول: استشارة الإمام عبد الرحمان في شأن
معونة أهل المشرق.
اشتهر عبد الرحمان بن رستم بعدله في سياسته للرعية وحسن سيرته في الناس وتواضعه للضعفاء. فذاع صيته في الآفاق، وبلغ حتى المشرق العربي، فجمع له إباضية المشرق أموالا كبيرة وبعثوها ليستعين بها الإباضية المغاربة في بناء دولتهم الناشئة، فلما وصلت الرسل التي تحمل الأمانة بلاد المغرب دخلوا "تيهرت" يبحثون عن الإمام عبد الرحمان، فوجدوه فوق إحدى السقوف يعمل بيديه ويطين السقف وأحد العبيد يساعده ويناوله الطين فاستأذنوا لمقابلته فأجابهم بالإيجاب» والقوم ينظرون إليه وهم شاكون فيه هل هو صاحبهم أو لا، حتى نزل عن سطحه إلى داره، فغسل ما كان بيده من أثر الطين، ثم توضأ وضوء الصلاة، فأذن للقوم فدخلوا عليه، فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد، وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها .. » (1). فلما تحدثوا إليه عن مقصدهم لم يجبهم على ماجاءوا به، لأن القرار لا يرجع إليه، بل أوكل الأمر إلى جماعة الشورى لتنظر فيه وتتشاور حول أمر هذه الأموال وأين تصرف، أما مجلس الشورى فينعقد بمسجد تيهرت بعد الصلاة، لذلك خرج الإمام عبد الرحمان مع الرسل «حتى أتوا المسجد الجامع فصلي بالناس، فلما انصرف من صلاته نادى مناد ألا يتخلف من كل قبيلة وجوههم، ففعل الناس ذلك. فلما انفض الناس وبقي من يفوض إليه الأمر وجوههم ... شاورهم الإمام في الأمر، فأشاروا عليه أن يأخذها ويجعل منها: «ثلثا
(2)
في الكراع (الخيل) وثلثا في السلاح، ثلاثا في فقراء الناس وضعفائهم»
(1) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 92.
(2) نفس المرجع، ص 30
(3) نفس المرجع، ص 30. الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2)، ص 87.
(3)
234 (1/230)
صفحة 231
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
وبعد مدة من هذه الحادثة التي تدل على الطريقة الديمقراطية التي كانت تسير عليها شؤون هذه الدولة، وبعد أن وصلت أخبار هذا الإمام المشرق، تنادى الإباضية هناك بجمع الأموال وإرسالها له ليقوي بها دولته، فبعثوا له بمساعدة ثانية أكبر من الأولى، فلما وصلت الرسل العاصمة "تيهرت" وجدوها قد تغيرت وتحسنت أحوالها، وقامت قصور وغرست بساتين وظهرت بها مظاهر الرفاهية فوقع في نفوسهم شك في تغير أحوال الإمامة (1)، وخافوا أن يكون الإمام عبد الرحمان قد طغى وتجبر بسبب دخول مظاهر النعمة والرفاه، لذلك راحوا يسألون الناس عن أحواله هل تغيرت وعن أحكامه هل تبدلت. فقالوا بل هو على ما عاينتموه ما تغير ولا تبدل»
(2)
ولما بلغوا دار الإمامة وجدوا عبد الرحمان» على حاله الذي تركوه عليه» (3)، فلما علم خبرهم ومقصدهم طلب رأي "مجلس الشورى" كعادته بعد الصلاة بالمسجد الجامع، فتداولوا في الأمر مدة، ثم قالوا: «الأمر إليك»، فأجابهم أما إذا رددتم إلينا رأيها، فرأيي فيها أن ترجع إلى أربابها، فهم أحوج إليها منا» (4) «لأنا في أرض قد استولى عليها العدل، وهم في بلد غلب عليهم الجور» (5)، فأرجعت تلك الأحمال من المال إلى المشرق، وقد أعجبت الرسل بعدل هذا الإمام وورعه ومثاليته وزهده في الدنيا.
الفرع الثاني: استقراء الوقائع
من خلال هذه الحادثة المشهورة التي تناقلتها المصادر التاريخية الإباضية وغير الإباضية، يتبين أن الحكم الرستمي في فترة الإمام الأول
(1) الشماخي سيز المشائخ، ص 140.
(2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 33. (3) الشماخي: سير المشائخ، ص 141
(4) أبو زكرياء سير الايمة، ص 84. (5) الشماخي نفس المصدر، ص 141.
235 (1/231)
صفحة 232
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
عبد الرحمان بن رستم وصل إلى أرقى درجات الديمقراطية والشورى والعدالة الاجتماعية، ويتجلى ذلك فيما يلي:
1) اشتهار الإمام عبد الرحمان بن رستم بسياسته العادلة، حتى وصلت أخباره آفاق العالم الإسلامي (1)، كما تخبرنا هذه الواقعة عن صفات عبد الرحمان بن رستم الأخلاقية المثالية مثل تقشفه وزهده وتواضعه الذي جعله يعمل بيديه ويلطخ جسمه بالطين، وهو إمام دولة عظيمة بلغت مرحلة الفتوة والقوة، وانتقلت من طور النشوء والتأسيس إلى طور الازدهار، إذ رغم التقدم الاقتصادي وانتشار العمران والرفاهية "بتيهرت" فإن عبد الرحمان لم يتغير في حالته المعيشية المتواضعة ولا تبدلت سيرته، وهذا ينفي عنه التكبر أو استغلال منصبه لنهب الأموال، وابتعاده عن مظاهر الملوكية والترف والبذخ والإسراف. وبالفعل تذكرنا هذه الروح الشورية التي يتمتع بها عبد الرحمان بالسيرة النبوية الشريفة وسيرة الأنبياء، كما تجعل منه مثالا للإمامة العادلة التي يناشدها الإباضية.
(2) إن الإمام عبد الرحمان لم يكن يتخذ القرارات الهامة بمفرده، بل كان يشاركه في الحكم "مجلس تمثيلي قبلي للشورى" يتولى النظر والبث في أمور الدولة المختلفة.
(3) إن مجلس الشورى كان يتشكل حسب التقاليد السياسية السائدة في النظام القبلي الأمازيغي في الشمال الإفريقي منذ آلاف السنين، إذ كان يتكون من زعماء القبائل الأمازيغية المكونة للدولة الرستمية مثل: انفوسة مكناسة، مطماطه زواغة لواثة هوارة، لماية، مزاتة
(1) إذ يقول ابن الصغير، الذي شاهد الدولة الرستمية (وهو) مالكي المذهب) في هذا الصدد: «إن عبد الرحمان بن رستم لما ولي من أمور الناس شمر ميزره وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، ولا يخاف في الله لومة لائم، فطار ذلك في أطراف الأرض مشارقها ومغاربها انظر: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 28. وأنظر الشماخي: سير المشائخ، ص 140.
236 (1/232)
صفحة 233
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر الـ وغيرها (1)،
، ويعبر بذلك ابن الصغير نادى مناد ألا بتخلف من كل قبيلة وجوههم". فكان لهذا المجلس الذي يضم ممثلي الشعب ويتميز بطابع تمثيلي نيابي، بالإضافة إلى وظيفته الاستشارية وظيفة تنفيذية، فطالما لا يوجد جيش نظامي يقوم بتطبيق القرارات فإن أعضاء مجلس الشورى وهم زعماء ووجهاء القبائل والمجموعات - هم الذين يتولون تنفيذ القرارات الصادرة بالأغلبية من مجلس الشورى، أو الصادرة مباشرة من الإمام على مستوى قبائلهم ومجموعاتهم طبقا للنظام القبلي الانقسامي الأمازيغي الذي تتوزع فيه السلطة أفقيا بين مجموعات شبه مستقلة تدين للولاء للدولة
وبالطبع كان يضم هذا المجلس إلى جانب ممثلي القبائل، كبار الفقهاء المراجع والعلماء والشراة الذين يتولون النظر حول شرعية العمل المزمع إنجازه، ويعطون وجهة نظر الدين فيه، ويعملون للحفاظ على المبادئ الإباضية.
(4 إن مجلس الشورى" كان يعقد جلساته بالمسجد الكبير بمدينة "تاهرت" وذلك بعد الصلاة، إذ ينصرف عامة الناس ويبقى وجهاؤهم وممثليهم، وهذا تقليد أصيل مستمد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، حيث جاء في الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
فجاءت الشورى مقترنة بالصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشير الصحابة عند اجتماعهم للصلاة. والملاحظ أن هذا التقليد مازال متبعا أيضا لدى الجماعة الإباضية بوادي امزاب بالجنوب الجزائري حيث أن حلقة اعز ابن تعقد اجتماعاتها التشاورية دائما بعد الصلاة.
(1) دبوز تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 248.
237 (1/233)
صفحة 234
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
النتيجة:
بناء على ما سبق يمكن أن نقرر أن نظام شورى التسيير كما ورد في الفكر السياسي الإباضي، طبق تطبيقا كاملا في فترة حكم عبد الرحمان بن رستم فكان هذا الإمام لا يتخذ قرارا هاما إلا بإشراك "مجلس الشورى" الذي يمثل الشعب الإباضي، والذي يصدر رأيه طبقا لمبدأ الإجماع، كما أنه اشتهر بسياسته العادلة وتواضعه للرعية وتقشفه ونزاهته. وعليه فبالإضافة إلى أن الإمام عبد الرحمان بن رستم انتخب وفقا للمنهج الشوري الديمقراطي كما رأينا فإنه التزم في سياسته وتسييره لشؤون الدولة نظام الشورى طبقا للكتاب والسنة، ولذلك فقد أضحت سيرته قدوة ومصدرا ماديا تاريخيا للفقهاء الإباضية بوادي مزاب، حيث نجد أن شيخ العزابة وهو الإمام الروحي في المدينة المزابية - مثله مثل الإمام في الدولة الرستمية في بداية عهدها. تساعده فئتان من أهل الشورى، لكنهما تشكلان مجلسين مستقلين، الأول يضم فقهاء الدين وهو: "حلقة العزابة" والثاني يضم ممثلي العشائر وزعماء الناس وهو "مجلس إمقرانن" أو "مجلس الأعيان".
المطلب الثاني: الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان
171 هـ / 211 هـ
والده،
استمر الإمام عبد الوهاب في المنهج الشوري الذي انتهجه رغم حربه على المعارضة الديمقراطية اليفرينية وتثبيته لقاعدة التوريث ويمكن أن نوضح ذلك بتحليل عدة وقائع فيما يلي:
الفرع الأول: الوقائع
من أهم السوابق التي نقلت حول منهج الإمام عبد الوهاب في
الحكم فيما يلي:
238 (1/234)
صفحة 235
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أولا: استشارته حول مقاتلة النكار (1)
بعد إخماد تمرد حركة ابن فندين وأصحابه انعزل أصحابه وهم "النكار" لإنكارهم إمامة عبد الوهاب، في مكان خارج مدينة "تيهرت" يسمى "كدية النكار" وراحوا يتمادون في دعايتهم المعارضة لقلب نظام الحكم الرستمي وبث الشغب، ففكر الإمام عبد الوهاب في قتالهم ووضع حد لشغبهم، فـ «جمع وجوه رجاله ورؤساء مقالته فاستشارهم فاجمع رأيهم على أن يبرزوا إليهم بعد الإعذار والإنذار (2)، ولما جاءته جماعة من أصحاب ابن فندين المعارضة يطلبون منه أن يعزل قاضيه وصاحب بيت المال والقائم بشرطته، لسوء سيرتهم في الرعية، وأن يعين من هو أفضل منهم، وافقهم على طلبهم إلا أن وجوه رجاله وقواده وأهل بطانته لما علموا بالأمر، رأوا أن ذلك من سوء التصرف، فأشاروا على الإمام بعدم قبول طلبهم، فلما عاد أصحاب ابن فندين" يسألونه تنفيذ ماطلبوه، قال "أهل الشورى": إنه لا يجب عزل قاض ولا صاحب مال إلا بجرحة تظهر عليه» (3) فرفض الإمام عبد الوهاب تنفيذ مطالب المعارضين.
ثانيا: تعيينه للولاة
بخلاف التقليد الذي ساد في الدولة الأموية والعباسية من أن الخليفة هو الذي يعين ولاته في الأمصار وأن سكان تلك الأمصار ليس لها الحق في تعيين، ولاتها، فإن الإمام عبد الوهاب كان يترك أحيانا لسكان جبل أنفوسة الحق في انتخاب الرجل الذي يرونه أصلح لتولي أمورهم، وذلك بالتشاور بينهم، على أن لا يعتبر في انتخابه إلا مقياس الكفاءة العلمية والورع والتدين. وبعد أن يتم هذا الانتخاب بطريق الشورى والديمقراطية يقوم الإمام بالموافقة والإقرار بهذا التعيين.
(1) أنظر: أبي زكرياء سير الايمة وأخبارهم، ص 88 وما بعدها. (2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 44.
(3) نفس المرجع، ص 43.
239
16 (1/235)
صفحة 236
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا الإباضي والسني
ومن ذلك أنه لما توفى والي الإمام عبد الوهاب على طرابلس، أبو الحسن أيوب بن العباس أرسل إباضية جبل أنفوسة إلى الإمام يطلبون منه أن يولي عليهم من يخلفه» فأجابهم أن يختاروا أفضلهم وأولاهم بأمور المسلمين، يسمونه له فيستعمله عليهم» (1) فتشاوروا فيما بينهم «واتفقوا على أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني ذلك الرجل المشهور بالورع والعلم ... » (2) فقال لهم «أمهلوني حتى أستشير عجوزا» وقد رفض أبو
(3)
عبيدة الجناوني هذا المنصب ورعا وزهدا، حتى «توجه إلى عجوز هناك مشهورة بالعلم والزهد وكان بيتها مجمعا للعلماء وأهل الصلاح فاستشارها» (4)، فلما قبل أبو عبيدة الجناوني بهذا الاختيار عين بصفة
رسمية من طرف الإمام عبد الوهاب.
الفرع الثاني: استقراء الوقائع
من خلال النصوص السابقة نلاحظ ما يلي:
كان الإمام عبد الوهاب يستشير جماعة "وجوه رجاله ورؤساء مقالته، غير أننا نجهل تشكيلة هذا المجلس الشوري إذ لم توضح المصادر التاريخية عما إذا كان يتشكل هذا المجلس من كبار موظفي الدولة والمقربين للإمام ومستشاريه الإداريين، أم أنه كان يتشكل من القبائل والعلماء والفقهاء كما كان يطالب المعارضون اليفرينيون وهو ما نعتقد جازمين أنه الأصح طالما أن ذلك كان تقليدا
دستوريا عريقا في الحكم الرستمي.
- إن طريقة تعيين أبي عبيدة الجناوني على طرابلس هي طريقة ديمقراطية أصيلة، لأنها من جهة تكرس مبدأ اللامركزية وتسمح للرعية
(1) أبي زكريا سير الايمة، ص 123.
(2) الدرجيني: طبقات المشائخ، ج (2)، ص 154. (3) أبي زكريا نفس المرجع، ص 124. (4) الدرجيني: نفس المرجع، ج (2)، ص 154.
240 (1/236)
صفحة 237
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الـ
في الأقاليم باختيار من يسير شؤونها المحلية من منطقتهم، وهي من جهة تسمح بإعطاء الرأي للعلماء والفقهاء والجماهير لتعيين الوالي، وأن يكون ذلك على أساس معيار الكفاءة العلمية والخلقية، كما يتم انتخابه بالإجماع، ثم يأتي قرار تعيينه من الإمام كتنفيذ للإرادة الجماعية. وبالإضافة إلى ذلك فإن اختيار الوالي من نفس المنطقة التي يولى فيها، يؤدي إلى الانسجام بينه وبين الرعية وصلاح قراراته ونضجها، لقربه من تلك البيئة ومعرفته بأحوال الناس.
النتيجة:
يتبين بوضوح من هذه الوقائع أن الإمام عبد الوهاب قد اتبع شورى التسيير في سياسته وترك قواعد دستورية شورية بارعة في تسيير الدولة، بغض النظر عن ابتداعه للتوريث بعد صراعه ومواجهته المسلحة للمعارضة اليفرينية الديمقراطية بتشجيع من قبيلة انفوسة و انتصاره الساحق عليها.
وفي الحقيقة فإن الحكم الرستمي لم يتغير في طبيعته وجوهره، إذ كان لأهل الشورى دورا هاما في الحياة السياسية، ولم يكن الإمام يتمتع بسلطة مطلقة على الرعية كما لم يتخذ الحكم الرستمي طابعا قمعيا دمويا واستبداديا بالشكل الذي كان سائدا آنذاك بالمشرق العربي، اذ بمجرد القضاء على التمرد المسلح التي قام به اليفرنيون الذين اعتبروا من الخوارج على الإمام العادل ومثيري فتنة عاد الحكم الرستمي إلى بساطته ولم تذكر المصادر التاريخية وجود أي جيش منظم تقوم عليه السلطة الرستمية لا في عهد عبد الوهاب ولا في عهد غيره من الأيمة بعده.
وكان الإمام عبد الوهاب في الواقع العملي يخضع لرقابة صارمة من طرف الشراة والفقهاء، وأفضل مثال على ذلك ما يذكر أن الإمام عبد الوهاب لما كان بجبل نفوسة أفسدت دوابه وخيله مزروعات وأشجارا
241
?? (1/237)
صفحة 238
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
لبعض الناس كانت مجاورة لمرعاها، لإهمال الرعاة، فلما بلغ الخبر أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني، وهو أحد كبار فقهاء جبل أنفوسة، أقبل على
الإمام مستأذنا ودخل عليه وهو قابض على سيفه ثم قال مخاطبا الإمام: يا أمير المؤمنين قد أذيت الضعفاء والفقراء واليتامى بخيلك، لإهمال، رعاتك، فكلها عن المضرة، وإلا حال بيننا وبينك هذا (يعني السيف)» (1). فلم يغضب الإمام لهذا النقد اللاذع الذي يمس من هيبته وإنما تقبله برحابة صدر بل إنه شرف منزلة هذا العالم وقربه إليه، وحتى أنه عينه بعد ذلك واليا على جبل أنفوسة. وفي هذا أروع الأمثلة عن الحكم الشوري لعبد الوهاب الرستمي.
ويكفي هذان المثالان دليلا على أن الامام عبد الوهاب توفرت فيه على الأقل - خصلتان من خصال رئيس المدينة الفاضلة التي حلم
(2).
بها الفرابي وهي: أولا: تقديره للفقهاء وللعلم والعلماء، عملا بمقولته الشهيرة التي باتت قاعدة في حكمه في رسالته لأهل طرابلس «حرام على الجاهل أن يولى أمور الناس و حرام على الناس أن يولوا جاهلا» (3).
ثانيا حبه للصدق، و قبوله للحق والنصيحة والنقد من طرف الشراة
الذين لا يخافون في الله لومة لائم كما تبين الأمثلة السابقة-
المطلب الثالث: الأيمة الرستميون الآخرون 211 هـ/ 296 هـ إذا كان كافة الأيمة الرستميين الذين تعاقبوا على الحكم بعد الإمام عبد الوهاب، تولوا الإمامة بواسطة نظام التوريث الذي ابتدعه عبد الوهاب، والذي يعد خروجا وانحرافا عن نظام شورى الاختيار عند
(1) الباروني: الأزهار الرياضية، ج (2) ص 143. (2) الغرابي ابو نصر بن اوزلغ بن طرخان 259 - 339 هـ): المدينة الفاضلة ومختارات من كتاب الملة، موقع للنشر، الجزائر، 1990، ص 104. (3) ابن سلام اللواتي شرائع الدين، ص 113.
242 (1/238)
صفحة 239
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الإباضية، فإن الحكم الرستمي لم يتغير ويتبدل في جوهره وأركانه الأساسية من حيث كونه نظاما شوريا ديمقراطيا، إذ كان يقوم على جمله من المبادئ الدستورية الشرعية التي حافظت على طبيعته الشورية. بمعنى أن الرستميين وإن كانوا لم يلتزموا بشورى الاختيار بعد إمامة عبد الوهاب، فإنهم قد التزموا إلى حد كبير بشورى التسيير، وهذه الأخيرة هي من الأولى لأنها تتعلق بإشراك الشعب أو ممثليه في تسيير شؤون الحكم بصفة مستمرة.
وعليه فإن انتفاء شورى الاختيار يعد أقل ضررا من انتفاء شورى التسيير، والنظام السياسي يعتبر شوريا ولو انحصر في تطبيق الشورى في تسيير الحكم فحسب، وقد رأينا أن الإباضية يعتبرون الإمام شرعيا إذا التزم بالمنهج الشوري في ممارسة الحكم حتى ولو كان قد عين بطريقة غير شورية (1).
وبالرغم من أان المصادر التاريخية لا تذكر عن فترة حكم الأيمة الذين تعاقبوا على السلطة بعد عبد الوهاب سوى الفتن والحروب التي خاضوها، إلا أن الرستميين التزموا بنظام شورى التسيير في أغلب فترات حكمهم، رغم أنه في أواخر أيام هذه الدولة تضاءل دور "مجلس الشورى" في الحياة السياسية، ولم يعد للعلماء والفقهاء وممثلي القبائل أي دور في مراقبة الامام ومشاورته، ذلك أن الإمام أصبح يعتمد بسبب انعدام الجيش على التحالفات مع القبائل القوية للمحافظة على سلطته، ثم أنه بعد ذلك فقد تدريجيا الكثير من صلاحياته، بسبب الفتن والصراعات العصبية والمذهبية التي أدت إلى ضعف هذه الدولة ثم انهيارها أمام الغزاة.
(1) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، مكتبة وهبة، ص 461.
243 (1/239)
صفحة 240
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
المطلب الرابع: ركائز الحكم الشوري في الدولة الرستمية يمكن أن نستشف من خلال مختلف المصادر التاريخية أن الحكم الرستمي كان يقوم على جملة من المبادئ الدستورية الشرعية التي تجسد النظرية الإباضية المغاربية في الإمامة. ويمكن تلخيص هذه المبادئ الدستورية فيما يلي:
الفرع الأول: مجلس الشورى
إن الإمام في الدولة الرستمية لم تكن سلطته مطلقة على جميع أفراد يدعى ذلك بعض الكتاب، بل كانت سلطته مقيدة ومراقبة
الدولة، كما
من طرف هيئتين دستورتين هما:
(1)
الهيئة الدينية التي تتشكل من علماء المذهب وكبار فقهاء الإباضية أي "جماعة الشراة" وهذه الهيئة هي التي تعطي صفة الشرعية للقرارات الصادر عن الإمام حتى تكتسب قوتها الإلزامية المعنوية والحرص على عدم مخالفتها للمبادئ الإباضية والأصول العامة للمذهب، كما تدافع عن مصالح الفقراء، وهذه الهيئة هي نفسها التي نجدها في نظام المدينة المزابية باسم حلقة العزابة.
الهيئة المدنية التي تتشكل من زعماء القبائل والأعيان وهي تمثل مصالح القبائل وإرادتها، كما تتأثر أحيانا بطبقة الأغنياء ورجال المال والنفوذ، ونفس هذه الهيئة توجد في إطار المدينة المزابية باسم "مجلس امقرانن" المتشكل من ممثلي العشائر وأعيان البلدة.
والإمام في الدولة الرستمية لم تكن له أية قوة شخصية بين يديه بل كان يعتمد كل الاعتماد على هاتين الهيئتين، لإصدار قراراته وتنفيذها ولذلك
(1) P.CUPPERY, Introduction à l'étude de l'lbadisme, p.293.
244. (1/240)
صفحة 241
د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر ال
مني
فقد كان في تشاور مستمر معهما، وهو يمارس سلطته بمساعدتهما (1)، وهذا يسمح بممارسة الرقابة الشعبية على أعمال السلطة. وعليه يمكن القول إن مجلس الشورى وجد بشكل أو بآخر في أغلب حقب الدولة الرستمية (أنظر الجدول السابق)، وأهم القرائن على ذلك نذكر - بالإضافة إلى ماسبق- مايلي: (1) يذكر ابن الصغير المالكي أن جماعة الشراة (2) كانوا يقومون بامتحان الأيمة ومراقبتهم طبقا لمبدأ الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر حتى لا ينحرفوا عن السيرة العادلة. إذ أن أفلح بن عبد الوهاب لما ولي الإمامة «لم يكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه وصدقاته ولا في أعشاره» (3).
ويدل هذا النص على أن الإمام أفلح انتهج سياسة عادلة في بداية حكمه، كما يدل على وجود هيئة للشراة تتولى مراقبة الإمام وامتحانه ومحاسبته وأن هذه الهيئة قد وجدت قبل ولاية أفلح، أي في ولاية أبيه عبد الوهاب .. كما يذكر ابن الصغير أن أول ما امتحن الشراة الإمام أفلح أنهم طلبوا منه أن يعين في منصب القضاء من تتوفر فيه الكفاءة، فأوكل إليهم أفلح هذه المهمة، فأجمع رأي الشراة على تعيين أحد علماء وفقهاء الإباضية بمنطقة الأوراس وهو محكم الهواري، فأبدى الإمام أفلح تحفظه على تعيين هذا العالم في منصب القضاء، إلا أن الشراة ألحوا عليه في ذلك وألزموه فرضخ لمطلبهم، فولي "محكم الهواري" القضاء (4).
(1) أنظر: أحمد توفيق المدني: "مدخل لدراسة الدولة الرستمية وإسهامها في التطور الفكري والحضاري، محاضرات الملتقى 11 للفكر الإسلامي، وارجلان فيفري 1977، المجلد 7، دار البعث، قسنطينة، ص 393. (2) الشراة هم جماعة من الإباضية الذين يسعون إلى شراء الجنة بدنياهم، وهم يخرجون إلى الدعوة في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالموعظة ومناصحة أولي الأمر، حتى يتوفاهم الله. وهذه الكلمة مشتقة من حالة الشراء" وهي حالة الضعف الكبير الذي يصيب الإباضية فيخرج من تبقي منهم للدعوة السلمية إلى مبادئه
(3) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 49. (4) نفس المرجع، ص 50.
245 (1/241)
صفحة 242
د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
أما المرة الثانية التي امتحن فيها الشراة الإمام أفلح، فكانت عندما أقبلت عليه جماعة من أهل جبل أنفوسة ضيوفا فأراد بعض الشراة امتحانه، فبينما كانوا يأكلون في داره كان واقفا يمسك لهم مصباحا ليستضيئوا به «ناوله بعضهم لقمة من طعام، فجعل المصباح في ركبتيه، فأخذها بيديه معا كالمملوك، فنظر بعضهم إلى بعض إعجابا بتواضعه ... وعلم أنهم يمتحنونه وقد ظنوا فيه تكبر (الملوك فقال: أعوذ بالله من ظنكم يا مشائخ»
(1)
ويدل ذلك بلا شك على الرقابة الشديدة والصارمة التي كانت للشراة على سلوك الحكام الرستميين وعلى أبسط تصرفاتهم. ويبدو أن "جماعة الشراة التي حاولت مراقبة الحكام اختلف دورها قوة وضعفا حسب شخصية الأيمة الذين تولوا الحكم.
(2) يذكر أن الإمام الخامس أبا اليقظان محمد بن أفلح (261 هـ/ 281 هـ) كانت له سيرة حسنة في الرعية، إذ لما ولي الإمامة «كان أول شيء نظر فيه من أمور الناس أن استصلح لهم قاضيا بعد أن شاور جماعة منهم فأشاروا به» (2) ثم أنه «ولي على بيت المال من ارتضاه جميعهم» (3). وقد سعى هذا الإمام إلى تحقيق المساواة بين مختلف الفئات والطوائف التي كانت تشكل الشعب في دولته، فسعى للحد من نفوذ بعض القبائل القوية واستئثارها بالمناصب العليا، لذلك فإن مجلس الشورى أصبح يضم إلى جانب زعماء القبائل وفقهاء الإباضية، العديد من الفقهاء المالكية والواصلية من المعتزلة (4). غير أن هذه المحاولة التي قام بها أبو اليقظان في أيام ضعف الدولة الرستمية لإحياء النظام الشوري في التسيير، لم يكتب لها الاستمرار بسبب الفتن والقلاقل التي مزقت الدولة وتفشي العصبيات القبلية، وصراع الطوائف المذهبية نتيجة سياسة التسامح الفكري المفرط التي سادت في هذه الدولة.
(1) دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج (3) ص 322. (2) ابن الصغير: تاريخ الأيمة الرستميين، ص 77. (3) البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 177. (4) محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، ص 268.
246 (1/242)
صفحة 243
د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني
الفرع الثاني: عدم وجود جيش منظم في الدولة أدى عدم وجود جيش منظم في الدولة الرستمية إلى جانب الإمام اعتماد هذا الأخير في ممارسة السلطة السياسية على الهيئة القبلية التمثيلة التي تضم رؤساء ووجهاء القبائل، وعلى هيئة المشائخ والفقهاء وبالتالي فقد كان في حاجة دائمة إلى استشارتهم قبل اتخاذ القرارات الهامة مثل تعيين كبار الموظفين وإعلان قرار الحرب. كما أن الهيئة الدينية (جماعة (الشراة كانت تمارس الرقابة على تصرفات الإمام وسياسته وعلى الموظفين الكبار في الدولة، ولا تسمح بأي اختلاس أو رشوة.
وعليه فالسلطة في الحكم الرستمي لا تعتمد على القهر والسلاح والقوة المادية للمحافظة على بقائها وإنما تعتمد على الحجة والدليل بحيث كان المعارضون الذين غالبا ما يقيمون معارضتهم على أساس ديني يواجهون من طرف رجال الدين من الفقهاء الإباضية بالحجة والدليل والمناظرات، أما الجيش فقد كان يتشكل من المتطوعين خاصة من قبيلة أنفوسة في حالة الخطر للدفاع عن المذهب وعن السلطة الرستمية ثم ينحل تلقائيا بمجرد انتهاء الحرب (1)، ولاشك أن عدم وجود الجيش المنظم وإن كان يساهم في تثبيت الحكم الشوري، إلا أنه يمثل نقطة ضعف خطيرة أدت إلى صراع القبائل على الحكم وضعف مركز الإمام، بحيث أصبح تحت سيطرة ونفوذ القبيلة الأقوى التي تدعمه وتساند حكمه.
(1) Cheikh EL-BEKRI: « 247 (1/243) صفحة 244 د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقار مي الإباضي والسني الفرع الثالث: التسامح والحرية الفكرية والعقائدية بل ومع ويعد هذا المبدأ ركنا جوهريا لقيام أي نظام ديمقراطي شوري، وقد كان يسود في الدولة الرستمية تسامح كبير مع المذاهب الأخرى المخالفة، الأديان السماوية الأخرى. والمفارقة هي أن الإباضية عانوا الكثير من القهر والقتل والمضايقات في القيروان وغيرها، إلا أنهم في أوج قوتهم في حالة الظهور كانوا على العكس متسامحين إلى أقصى حدود التسامح مع المسلمين السنيين ومع مختلف الطوائف التي تساكنت بتاهرت تحت لواء الحكم الإباضي، ففقهاء المذاهب الأربعة لم يكن لهم فقط حق التعبير عن آرائهم، بل إنهم يستدعون إلى عقد مناظرات علمية لمناقشة حججهم في جو من الحرية والشورى والاحترام، إذ كانت تيهرت تعج بفقهاء المذاهب المختلفة لما وجدوه من جو الحرية الدينية والفكرية، كما شمل هذا التسامح أيضا اليهود والمسيحيين الذين كانوا بتيهرت بحيث لم يضايق هؤلاء ولم يضطهدوا أبدا (1). وبالفعل أعطى الأيمة الرستميون أمثلة فريدة في التسامح مع المذاهب المختلفة، إذ لم يكن هؤلاء يقمعون المعارضين الفكريين بالقوة والسيف كما كان الشأن في أغلب الممالك الإسلامية، وإنما كانوا يقارعونهم بالحجة والدليل وعقد المناظرات، فإن غلبوا وأصروا رغم ذلك على إثارة الفتنة والبلبلة، قاتلوهم لدحر تمردهم والمحافظة على الاستقرار العام للدولة الإباضية لأنهم يصبحون في حكم الخوارج على الإمام العادل بدون حق ومن ذلك أن الإمام عبد الوهاب واجه تمرد الواصلية من المعتزلة بأن دعاهم للمناظرة الفكرية والمناقشة الفقهية، فلم يجهز لهم جيشا لسحقهم، بل فسح لهم المجال لعرض أفكارهم ومناظرتهم، (1) ابن تاويت: دولة الرستميين، ص 109 248 (1/244) صفحة 245 د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني فلما أفحموه وغلبوه لم ينتقم منهم بالسيف رغم ما يملك من قوة وإنما بعث في طلب العلماء من جبل أنفوسة، فعقدت مناظرة فقهية ثانية غلب فيها الإباضية المعتزلة فلما برز المعتزلة للقتال برز لهم جيش الدولة وهزمهم. (1). كما سلك الإمام أفلح مسلك أبيه عبد الوهاب وتعامل مع المعارض نفاث بن نصر بنفس المبدأ الذي اتبعه أبوه القاضي باحترام حرية الرأي (2). وعليه فالحكم الرستمي كان يعترف بالتعددية الفكرية والسياسية، كما أن حرية التعبير كانت مضمونة فيه طالما أنه لم تكن توجد قوة عسكرية ضخمة تمارس القهر المادي لفرض المذهب السائد في المجتمع. بل ذهب الحكام الرستميون بعيدا في تطبيق مبدأ التسامح الفكري حيث عين العديد من غير الإباضية في مناصب حساسة في الدولة (3). ومن الواضح أن المبالغة في إطلاق الحرية الفكرية والسياسية كان سببا في تفكك الدولة وضعف السلطة الرستمية ثم انهيارها لأن هذه التعددية الفكرية والسياسية لم تحرس من طرف القوة العمومية للدولة، ولم توضع لها مؤسسات دستورية محددة لتمارس في إطارها المصلحة الدولة والمجتمع الإباضي. الفرع الرابع: بساطة الإدارة وقربها من الرعية رغم ما بلغته الدولة الرستمية من القوة والرفاهية والازدهار الاقتصادي، فإن الحكومة بقيت محافظة على بساطتها وقربها من الأفراد،، كما بقي أغلب الحكام الرستميون أكثر قربا في سلوكهم وبساطتهم إلى عموم الشعب تحت رقابة الشراة، رغم شساعة إقليم (1) أنظر تفاصيل ذلك: أبو زكرياء سير الأيمة وأخبارهم، ص 108 وما بعدها. (2) الحريري: الدولة الرستمية، ص 147. (3) EL BEKRI : Le kharidjisme berbère, p.86 .96. 108. 249 (1/245) صفحة 246 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني دولتهم والتطور الحضاري الذي بلغته، إذ لم يكن هناك لا وزير الكتابة ولا وزير السيف ولا ديوان ولا حجاب يحولون بين الإمام وممثليهم من الرعية (1). ومن جهة أخرى فإن حاكم الولايات الرستمية وإن كان يتولى كافة الأمور الإدارية مثل جمع الضرائب وتعبئة الجيوش عند حاجة الإمام إليها، إلا أنه لا يتمتع بسلطة مطلقة، لأن سلطته محدودة برقابة ممثلي القبائل والمشائخ والفقهاء، والأفراد يستطيعون معارضة قراراته والاحتجاج عليها، بل لهم أن يطلبوا من الإمام خلعه إذا انحرف وتجبر (2). أما والي جبل انفوسة فكان غالبا ما يقترح من طرف سكان الإقليم على الإمام في تيهرت الذي يعينه استجابة لتلك الإرادة إذا ما توافرت فيه الشروط الشرعية، وقد كانت الجماعات الإباضية بجبل أنفوسة تسير أمورها تسييرا جماعيا شوريا، فلم تكن هناك أسرة تحكمهم ولا جماعة متسلطة وإنما كانت القرارات العامة تتخذ بعد المداولة الجماعية بين كل من هيئة الفقهاء الإباضية وزعماء القبائل الأمازيغية. ومن أمثلة ذلك ما يذكره الشماخي أن الإمام عبد الوهاب كان له وزيراً عادلا تقيا اسمه السمح بن أبي الخطاب، فطلب إباضية طرابلس منه أن يعينه واليا عليهم، فأجابهم إلى طلبهم، وقد اشتهر هذا الولي بحسن سياسته وعدله فكان يسير في الرعية بالحق ودين المسلمين ومشاورة الفقهاء وأهل الرأي من الصالحين والبصيرة في الدين» (3). (1) EL-BEKRI: Le kharidjisme berbère, p.66 (2) Ibid, p. 67. 250 (3) الشماخي سير المشائخ، ص 164. (1/246) صفحة 247 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني النتيجة العامة للمبحث: لقد التزم الأيمة الرستميون عموما بنظام شورى التسيير بإشراك الشعب ممثلا في زعماء القبائل الأمازيغية والطوائف والفقهاء في تسيير شؤون الدولة طبقا للمبادئ الشورية وضربوا في ذلك أروع الأمثلة التي نقلها لنا التاريخ. وكان ذلك نتيجة لطبيعة النظام الرستمي بذاته الذي يتميز بعدم وجود جيش نظامي دائم يفرض بالقهر سلطة الحكم الرستمي واحترامها، لذلك كان الأيمة يحكمون الشعب بواسطة الشعب. وكان الإمام يمثل مركز وسط بين القبائل التي تمثل الشعب والجيش وتتحكم في الاقتصاد، وهيئة رجال الدين الإباضية والشراة التي تتولى حماية المذهب الإباضي والمحافظة على شرعية الإمام ومراقبته، فكان الإمام يحقق التوازن بين إرادات القبائل المختلفة ومصلحة الدولة العليا. وقد سمح هذا الشكل من الحكم بتحقيق التعبير الحر عن الإرادة الشعبية، المحافظة مع على المذهب الإباضي باعتباره عنصرا يتجمع حوله كافة الأفراد، وضمان مبدأ التعددية الفكرية الدينية والسياسية. ورغم أن النظام الشوري الديمقراطي أدى إلى ازدهار فكري واقتصادي وعمراني كبير بتيهرت، فإن عدم ضبطه بواسطة مؤسسات دستورية محددة وانعدام جيش قوي أو قوة رادعة منظمة الحماية الدولة وفرض هيبتها، تسبب في ضعف مركز السلطة وطغيان المصالح القبلية على المصلحة العليا للدولة. كما أن التسامح السياسي المفرط أدى إلى تدخل غير الإباضية في شؤون الحكم والى ضعف الرابطة العصبية والمذهبية - الإباضية، فأدى ذلك كله إلى انهيار الدولة. ويمكن أن نبين السوابق التاريخية لشورى التسيير عند الأيمة الرستميين الأوائل في الجدول التالي: 251 (1/247) صفحة 248 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني جدول (9) مجلس الشورى في فترة حكم أهم الأيمة الرستميين. الإمام أهل الشورى ــلة عبد الرحمان بن رستم مجلس شوري ذات طابع - المشاورة في قضية معونات | تمثيلي نيابي يتشكل من فئتين: - زعماء القبائل الفقهاء والعلماء أهل الشرق. العدالة في سياسة توزيع الثروات. التقشف والتواضع للجماهير جعل أمر الإمامة بعده شورى بين جماعة من العلماء أهل الاختيار) عبد الوهاب مجلس شوري يضم وجوه - المشاورة في شأن قضية النكار الناس زعماء القبائل) ومناظرتهم ومقاتلتهم. أبو اليقظان م ابن أفلح ـــح والفقهاء (جماعة الشراة) مجلس شوري ضيق يضم كبار القادة في الدولة والمقربين من الإمام. - جماعة الشراة زعماء القبائل مجلس شوري يضم أساسا الفقهاء الإباضية والمذاهب والطواقف الأخرى. - زعماء القبائل - حول تولية محكم الهواري القضاء. 252 (1/248) صفحة 249 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني الخاتمة من خلال دراستنا التحليلية المستفيضة لنظام الشورى في الإسلام خاصة في المذهب الإباضي، وبفضل تمحيص وبحث الأدلة النقلية والعقلية لمختلف المدارس والمذاهب والآراء التي قيلت حوله ومقارعة الحجج ببعضها البعض، توصلنا إلى استخلاص وبلورة أهم المبادئ والأسس الجوهرية التي يقوم عليها نظام الشورى في الدولة المسلمة لاسيما طبقا للفكر السياسي الإباضي مساهمة منا في وضع نظرية شاملة لمفهوم الشورى في الإسلام. ويمكن حوصلة أهم النتائج التي توصلنا إليها فيما يلي: أولا: إن الشورى باعتبارها ركنا جوهريا ومبدءا إلزاميا في المجتمع المسلم تبقى - كنظام دستوري - مبادئ عامة تحتاج إلى الكثير من اجتهاد الفقهاء وعلماء القانون الدستوري والنظم السياسية، لصياغتها في شكل نظرية دستورية وسياسية قائمة بذاتها من بين الأنظمة الدستورية المعروفة. وفي هذا السياق يأتي اجتهادنا في هذه الدراسة القانونية والشرعية لمحاولة وضع بعض أسسها وركائزها. ثانيا: يجب في رأينا التمييز بين نوعين من الشورى يختلفان من حيث الطبيعة والأهمية والمدة الزمنية هما: (أ) شورى الاختيار: وهي أتباع الأسلوب الشوري الديمقراطي عند انتخاب الحكام واختيار ممثلي الشعب وهي شورى ظرفية تمارس: أثناء انتخاب رئيس الدولة أو ممثلي الشعب عن طريق الاقتراع العام المباشر أو بواسطة هيئة نيابية وسيطة تتولى هذا الاختيار نيابة عن الشعب، وتنتهي 253 (1/249) صفحة 250 د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني بمجرد انتخابهم بطريقة حرة. وبذلك فهي شورى سياسية ظرفية تتعلق باختيار ممثلي الشعب الذين يمارسون السلطة باسمه ولحسابه. (ب) شورى التسيير وهي التزام الحكام طيلة فترة حكمهم باستشارة الشعب أو ممثليه عند تسيير أمور الدولة وتصريف الشؤون العامة، واتخاذ القرارات الهامة والخطيرة المتعلقة بالمصلحة العامة أو المرتبطة بمصير الأمة، وذلك بواسطة مؤسسات ونظم وتقاليد سياسية. وهي شورى مستمرة زمنيا ويجب أن تلازم الحكام طيلة مدة ممارستهم للحكم، وهي تفرض نفسها كلما تعلق الأمر بمصلحة عامة، أو بقرارات خطيرة وهامة تمس بمصالح الأمة وترتبط بمصيرها. وبناء عليه فإن شورى التسيير تكتسي أهمية بالغة جدا، وهي أهم من شورى الاختيار لأنها تمتد في الزمن وتتعلق بالتسيير اليومي لشؤون الدولة، وتمس كافة المؤسسات الدستورية في الدولة تشريعية كانت أم تنفيذية أو قضائية، كما يترتب عن انتفائها أضرارا جسمية تلحق بالأمة. وفي رأينا فإن شورى التسيير هي المعيار الأساسي لتحديد طبيعة النظام السياسي في الدولة إن كان ديمقراطيا وشوريا أو استبداديا، بمعنى أن الحاكم قد يكون ملكا انتقلت إليه السلطة بالوراثة دون انتخاب الشعب أو قد يكون حتى رئيسا استولى على السلطة بالقوة والغلبة دون أي موافقة للشعب، غير أنه انتهج بعد ذلك الأسلوب الشوري وعدل في حكمه فيعتبر حكمه ديمقراطيا شوريا، وبالعكس من ذلك قد يكون الحاكم شرعيا انتخب بالشورى وفقا للإرادة الحرة للشعب لكنه استبد بعد ذلك بالسلطة وطغى وقمع الحريات، فيعد حكمه ديكتاتوريا وغير شرعي. وعليه فلابد من تجسيد شورى التسيير من خلال إرساء مؤسسات دستورية دائمة تسمح للشعب ولممثليه بالمشاركة الفعلية في ممارسة السلطة والرقابة عليها بواسطة مجلس الشورى أو البرلمان، وضمان الحقوق والحريات العامة والخاصة. 254 (1/250) صفحة 251 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني ثالثا: نرى أن نطاق الشورى الواجبة على الحكام والمحكومين في الدولة المسلمة يجب أن يشمل مجالا واسعا من الموضوعات، خلافا للرأي الذي يحصر نطاق الشورى في القضايا الهامة والخطيرة فقط. فباستثناء الأمور التي وردت فيها نصوصا قطعية الدلالة والثبوت، فإن الشورى يجب أن تشمل كافة المسائل الأخرى ويمكن استشارة الشعب فيها طبقا لأساليب الديمقراطية غير المباشرة. ويمكن تصنيفها إلى ثلاث: (أ) المسائل التي وردت فيها نصوصا غير قطعية مثل الأحكام الظنية الثبوت التي يكون الظن حول صحة سندها وطريقة وصولها إلينا، والأحكام الظنية الدلالة التي يكون الظن فيها حول المراد من النص وقوة دلالته على المعنى ويستشار في هذه المسائل الدينية الفقهاء والمجتهدون من علماء الدين المعترف بهم. (ب) كل الأمور الدنيوية الهامة المتعلقة بمصير الشعب والأمة والتي يعد استشارة الشعب فيها من المصالح المرسلة. ويستشار فيها الشعب المسلم أو ممثلوه من النواب أو من أهل الحل والعقد • (ج) المسائل الفنية والتقنية التي لا يكون للدين دخل فيها إلا بصفة غير مباشرة بواسطة توجيهها لخدمة المقاصد العليا للشريعة الإسلامية. ويستشار فيها أهل الاختصاص والخبراء. رابعا فيما يتعلق بأهل الشورى، نرى وجوب التمييز بين نوعين من هؤلاء كلاهما ضروري لقيام حكم شوري ديمقراطي في الدولة المسلمة، وهما: (1) أهل الشورى العامة: وهم كافة أفراد الشعب، ولا يمكن أن تتم في الوقت الحاضر إلا بواسطة الاقتراع العام السري المباشر. (2) أهل الشورى الخاصة وهم مجموعة معينة من الأفراد نووا الكفاءات الخاصة من أهل العلم والرأي وأصحاب الاختصاص. وفي رأينا يجب تقسيم هؤلاء بدورهم إلى ثلاث فئات حسب اختصاصاتهم، وهي: 255 17 (1/251) صفحة 252 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني (أ) أهل الحل والعقد: وهم المجتهدون الذين يتولون إصدار التشريعات لتنظيم مختلف شؤون الحياة، ويجب أن تكون لهم صفة نيابية ويختارون من طرف الشعب وتنبثق من هؤلاء مجموعة الفقهاء المختصين في الفتوى الدينية، وهم لا ينتخبون بل يعينون طبقا لمبدأ الكفاءة العلمية وتوافر شروط الاجتهاد فيهم طبقا لسنة النبي الله والخلفاء الراشدين، كما رأينا. (ب) أهل الاختيار وهم مجموعة من أهل الرأي وقادة المجتمع الذين يتولون اختيار المرشح لرئاسة الدولة من بين عدة مرشحين، بعد بحث كافة الشروط الضرورية فيه، فيبايعونه البيعة الخاصة التي لا تكون لها صفة إلزامية وإنما يعود للشعب الاختيار النهائي بواسطة البيعة العامة. ويجب أن يعين أهل "الاختيار" من طرف الشعب بواسطة الانتخاب العام المباشر. وبذلك فهم بمثابة "الناخبين الكبار" في النظام الرئاسي الأمريكي. (ج) أهل الاختصاص: وهم العلماء المختصون في كل مجالات الحياة، ويختارون من طرف الحكام على أساس كفاءاتهم العلمية وحدها. ولا يتطلب فيهم سوى الإلمام بالأمور الفنية التي يستشارون فيها. ويخضع "أهل الاختصاص" لرقابة "أهل الحل والعقد ويشكلون مجلسا واحدا هو "مجلس الشورى" الذي يتولى إصدار القوانين. أما تحديد طبيعة مجلس "الشورى" وتشكيلته ووظائفه والشروط الواجبة في أعضائه وطريقة تعيينهم، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به، فيعد من الأمور الاجتهادية التي لابد على الفقهاء والباحثين المسلمين من وضع الأحكام الشرعية في شأنها حسب طبيعة كل دولة وظروفها. وقد توصلنا في بحثنا هذا اعتمادا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين إلى أن "مجلس الشورى" يجب أن تكون له طبيعة نيابية، وأن يمثل الشعب الذي ينتخبه، لأن ذلك وحده يؤدي إلى تحقيق الغاية من الشورى، لكن مع تقييد المجتهدين في عملهم التشريعي بالمقاصد العامة للدين الإسلامي. 256 (1/252) صفحة 253 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية. السياسي الإباضي والسني خاما: فيما يتعلق بمدى إلزامية رأي أهل الشورى، فإننا نؤيد بقوة الرأي القائل بإلزامية رأي أهل الشورى على الحكام لاسيما إذا صدر عن الأغلبية منهم لقوة حججه الشرعية والعقلية، إذ لا يكون للشورى أي معنى إن كان الحاكم الحرية المطلقة في الأخذ أو عدم الأخذ بها، بل ونرى وجوب الاعتداد بمبدأ الأغلبية في كافة الأمور والقضايا الهامة والمصيرية المتعلقة بالمصلحة العامة للشعب مثل إقرار السياسة العامة للحكومة، وانتخاب رئيس الدولة، ووضع الدساتير وتعديلها ... الخ، ويدخل العمل التشريعي في نطاق هذه الموضوعات لأن القانون هو تعبير عن إرادة الأمة. أما في المسائل الفقهية التي تعهد للمجتهدين من أهل الاختصاص في العلوم الدينية، فيكون للحاكم أن يختار الفتوى التي يراها أصلح للدولة مع مراعاة مبدأ إجماع الفقهاء. بينما يترك للحاكم حق اختيار الرأي الذي يراه أصوب في المسائل الفنية البسيطة المتغيرة التي تتطلب دراسة وخبرة خاصة من العلماء المختصين في كل المجالات، مثل الأمور المتعلقة بالاقتصاد والزراعة والمالية والصناعة والتكنولوجيا وغيرها. وعليه فمبدأ الخضوع لرأي الأغلبية يعد ركنا جوهريا في النظام الشوري مثل النظام الديمقراطي طبقا لقاعدة الإجماع التي تعد مصدرا أساسيا للشريعة الإسلامية، إلا أن تطبيقه يجب أن لا يشمل الموضوعات التي بينت حكمها نصوصا شرعية قطعية الدلالة والثبوت، فهذه الأمور لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييرها أو تعديلها ولو بالإجماع المطلق، أما ما عداها من المسائل فإن المعيار الأساسي الوحيد الذي يضمن الوصول إلى الحق هو الخضوع لرأي الأغلبية في حدود الشرع. سادسا: ببحثنا المقارن لنظرية شورى الاختيار عند الإباضية وأهل السنة، توصلنا إلى أن الدولة حسب أهم مراجع الفقه السياسي السني، وكما سادت في الواقع العملي منذ قيام مملكة بني أمية بعد اغتصاب الطاغية 257 (1/253) صفحة 254 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني معاوية بن أبي سفيان للخلافة بالقوة والغلبة، هي دولة أرستقراطية يحتكر الحكم والثروة فيها العائلات القرشية أو العرب على أساس انتمائهم لنسب الرسول، ويكون الحكم فيها متوارثا بين الأسرة الواحدة وليس حقا مشاعا بين كافة أفراد الأمة، ويحرم الشعب من المعارضة السلمية للسلطان الجائر إذا خالف إرادته لان طاعة السلطان ولو كان ظالما هي"من طاعة الله". وعليه فإن هذه الدولة التي سادت في العالم الإسلامي ولازالت ذات طبيعة استبدادية ودكتاتورية. أما نظرية الإمامة عند الأباضية المغاربة كما استقيناها من أهم مراجعهم الفقهية السياسية، وكما عرفت تطبيقاتها في الدولة الرستمية الجزائرية، فهي تمثل الاتجاه الجمهوري الشوري الديمقراطي، إذ تعتبر الحاكم إماما يخضع لمحاسبة الشعب وليس ملكا معصوما لانتمائه لقبيلة الرسول أو للجنس العربي، كما تجعل منصب الحكم (الإمامة) مشاعا بين أفراد الشعب المسلم بغض النظر عن انتمائهم العائلي والإثني، ولا يستحق إلا بناءا على الكفاءة وحدها. ويتبين الفرق بين نظرية الدولة في الفكر السياسي الإباضي والفكر السياسي السني من ثلاثة أوجه هي: (1 من حيث الشروط الواجبة في الحاكم: أجمع فقهاء أهل السنة القدماء وبعض المحدثين بناء على أسانيد شرعية واهية فندنا صحتها ومعقوليتها على اشتراط القرشية والعروبة في المرشح للخلافة، بالإضافة إلى الشروط الشرعية الأخرى المتفق عليها. وقاموا بحصر الخلافة في قريش والعرب دون سواها من الأجناس والشعوب الإسلامية الأخرى. وقد تم استغلال هذه القاعدة التي ترسخت في الفقه الشرعي لدى أهل السنة من طرف الحكام المستبدين في العالم الإسلامي فأنتجوا نموذجا استبداديا مشوها لطبيعة الحكم في الإسلام 258 (1/254) صفحة 255 د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني لايزال يسود العالم الإسلامي، بينما تم طمس الفكر التحرري الديمقراطي الإباضي من طرف كتاب المقالات لإرضاء الملوك المستبدين. المطلقة وقد عرينا كل الأسانيد الشرعية المزعومة التي تختبئ وراءها هذه النظرية التي تتضمن مخالفة صريحة لروح الإسلام القاضي بالمساواة بين كافة الأجناس، وتهيئة الفرصة لكل ذي كفاءة لتولي المناصب العامة مهما كان انتماؤه العرقي ونسبه الاجتماعي .. ، وبالطبع لو كان هؤلاء يتولون السلطة في إطار ملكيات دستورية مقيدة تنتهج الشورى وتشرك الشعب في السلطة وتسمح له بالمعارضة لما كان في ذلك أي ضرر. أما علماء وفقهاء الإباضية فيجمعون على عدم اشتراط القرشية أو العروبة كمقياس في المرشح للإمامة، لأن الإمامة حق مشاع بين كافة المسلمين لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، وكل شخص مؤمن وليس بعاص له الحق في تولي الإمامة (1). وبذلك يمكن لعبد حبشي أن يتولى الحكم إذا ما استوفى شروطها وفقا لمبدأ تكافؤ الفرص بين جميع أفراد الأمة الإسلامية. فبعد أن كان نضال الخوارج والإباضية في المشرق العربي، تحت تأثير الصراع القبلي بين قريش من جهة وقبيلتي الأزد وتميم من جهة اخرى، من أجل وضع حد للاحتكار القريشي للسلطة، فإن هذا المطلب تطور منذ انتشار الإباضية في البلاد الأمازيغية ليصبح مطلبا بالمساواة المطلقة بين المسلمين في تولي الحكم، وجعل هذا المنصب (الخلافة) حقا مشاعا بين المسلمين، واعتبار المعيار الأساسي الوحيد في ذلك هو الكفاءة المطلقة في جميع صورها: العلمية والأخلاقية والجسمية. وجاء ذلك منسجما مع تطلعات الشعوب الأمازيغية في الحرية والانعتاق من الحكم الأموي الظالم الذي اتسم بالتجاوزات والتعسفات الفاضحة للولاة الأمويين في حق الرعية. (1) علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج (1)، ص 63، أضواء على الإباضية، ص 14. الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 527. 259 (1/255) صفحة 256 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني وقد كرست القبائل الأمازيغية الإباضية الثائرة هذا المبدأ وضربت بت افضل مثال في المساواة، عندما انتخبت بالاقتراع العام عبد الرحمان بن رستم الفارسي رئيسا لأول دولة لهم في البلاد الأمازيغية في حالة الظهور سنة 160 هـ/777 م. (2 من حيث طريقة تعيين الإمام يتفق فقهاء أهل السنة على أن تولية الحاكم تكون بواسطة اختيار جماعة "أهل الحل والعقد"، أو عن طريق التوريت والعهد بالوصية. وبذلك يجمع فقهاءهم القدامى وبعض المحدثين على أن ولاية العهد هي طريقة شرعية بناء على أسانيد شرعية واهية أثبتنا ضعفها وعدم استنادها إلى حجج عقلية مقبولة (1) وفي الحقيقة تعد هذه القاعدة التي عرفت تطبيقات لها في أغلب الممالك الإسلامية امتدادا للقاعدة الأولى، فبعد وضع قاعدة "الأيمة من قريش" لحصر السلطة في يد قبيلة قريش دون سواها، قام بنو أمية والفقهاء المقربون اليهم بإضفاء الشرعية على أسلوب التوريث لضمان استمرار احتكار قريش للسلطة والثروة، وهذا ما يفسر سيطرة "الأرستقراطية القرشية" على منصب الخلافة في العالم الإسلامي لمدة قرون طويلة من الزمن. بالإضافة إلى ذلك ذهب مرجع السياسة الشرعية السني الفقيه الماوردي إلى أن البيعة الخاصة لأهل الاختيار تكون لها قوة ملزمة على جميع أفراد الأمة الذين يجب عليهم وجوبا الانقياد لهذا الاختيار (1) يجب الإشارة إلى أن النظام الملكي قد يكون نظاما ديمقراطيا إذا ما عهد فيه ممارسة السيادة الشعبية إلى الهيئات المنتخبة من طرف الشعب والممثلة لإرادته، وكانت فيه للملك سلطة سياسية رمزية فقط، وهو ما يعرف بالنظام الملكي الدستوري الذي يعد أحد النماذج الديمقراطية الراقية. كما قد يكون النظام الجمهوري ديكتاتوريا إذا أقصي فيه الشعب عن ممارسة السلطة. واستبد فيه الرئيس المنتخب وداس على الحقوق والحريات. 260 (1/256) صفحة 257 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني وبسط الطاعة للحاكم المختار. والأدهى من ذلك أن بعض الكتاب المعاصرين حاولوا تبرير ذلك بالقول أن نصب الحاكم إنما يعد فرض كفاية إذا قامت به جماعة سقط عن الآخرين (!؟). ولاشك ما في هذا الحكم من اعتداء واضح على المبدأ الشوري، وتغطية مفضوحة على الاستبداد والانفراد بالسلطة من دون الجماهير. فإن كان "أهل الاختيار" قد يكونوا واحدا أو متعددون، فإن الملك يستطيع أن يعقد لنفسه " البيعة الخاصة" مع أحد الفقهاء المقربين إليه من المرتزقين من نعمه دون سائر الشعب، ليضفي بذلك الشرعية على حكمه، فتصبح البيعة لعبة في يد الملك. لذلك فان أغلب كتاب السياسة الشرعية المحدثين من أهل السنة أيدوا ما ذهبت إليه الإباضية وقالوا بعدم كفاية البيعة ووجوب البيعة العامة لأغلبية الشعب. الخاصة أما الإباضية قديما وحديثا فإنهم شجبوا أسلوب توريث الحكم واعتبروه غير شرعي ومخالف لأحكام الشريعة وسنة الخلفاء الراشدين. كما لا يتم عقد الإمامة عند الإباضية ولا يكتمل ويكون صحيحا بمجرد البيعة الخاصة لأهل الاختيار، بل لابد لذلك من البيعة العامة للجماهير لأن رضا الناس هو الأصل في عقد البيعة، أما عمل أهل الاختيار فلا يكون ترشيحا ليست له صفة إلزامية ولا منشئة. يعدو ان وعليه فعقد البيعة عند الإباضية هو عقد ثنائي طرفاه هم الإمام ورعيته. وتتم مراسيم تنصيب الإمام في حالة الظهور على مرحلتين: بيعة "أهل الاختيار: وهم خمسة أو ستة من أهل الرأي والعلم والفضل، ولن تكون إلا بعد أن يتلى للمرشح عقد البيعة الذي يتضمن شروطا كثيرة أهمها التزام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمساواة بين الناس وقبول النصيحة ومشاورة ذوي العلم .. بيعة عموم الشعب وهي تعبير عن إرادة الأمة وقبولها لمن اختاره أهل الرأي والحكمة. فإذا بايع سائر الناس وعبروا عن رضاهم 261 (1/257) صفحة 258 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني الجماعي انعقدت الإمامة للشخص نهائيا، وإذا لم يبايعوا ورفضوا هذا الشخص لا تنعقد البيعة ويجب مبايعة شخص آخر. ولقد عرفت نظرية الإباضية في تعيين الإمام بالشورى تطبيقات دستورية هامة إبان الدولة الرستمية بالبلاد الأمازيغية، لاسيما عند انتخاب الإمامين الأولين للدولة الرستمية عبد الرحمان بن رستم وعبد الوهاب بن عبد الرحمان، غير أن العائلة الرستمية سريعا ما انتهجت أسلوب التوريث منذ إمامة أفلح، سعيا منها لحفظ التوازن بين القبائل المتنافسة على الحكم، بتحالفها مع بعض القبائل القوية التي تساندها لاسيما قبيلة انفوسة التي فعلت ذلك لحماية مصالحها الاقتصادية. وبذلك -للأسف- إجهاض حركة المعارضة الديمقراطية اليفرنية التي قادتها هوارة بزعامة ابن فندين التي حاولت تصحيح هذا الانحراف السياسي للأسرة الرستمية. تم ومع : ذلك فإن الحكام الرستميين التزموا بشورى التسيير، لأن سلطتهم لم تكن قائمة على القوة والقهر لانعدام الجيش، وإنما كانوا يعتمدون على رضا الشعب وامتثاله الطوعي طبقا لمبدأ المشروعية الديمقراطية (السلطة القائمة على رضا الشعب، طالما أن الإمام كان ملزما باكتساب رضا الشعب عما يقوم به ولا يملك وسائل القمع لفرض قراراته، كما لم ينقل عن الأئمة الرستميون اتخاذهم لمظاهر البذخ والملوكية. وعليه كان الأئمة الرستميون يحكمون بمساعدة مجلس للشورى يضمن تنفيذ قراراتهم. و كان يتشكل مجلس الشورى في فترة حكم الأئمة الثلاث عبد الرحمان وعبد الوهاب وأفلح من فئتين أساسيتين: علماء الدين والفقهاء من الإباضية ومن المذاهب الأخرى، بالإضافة إلى الطائفة المسيحية واليهودية بتيهرت وهم الذين يراقبون مدى شرعية قراراته وأعماله وتطابقها مع الشرع وفقا للمرجعية المذهبية. 262 (1/258) صفحة 259 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني - زعماء القبائل الأمازيغية ورجال الاقتصاد والحرب والمختصون في مختلف المجالات. وهم الذين يضمنون تنفيذ القرارات في جماعاتهم، أو يسدون النصيحة في تخصصاتهم. وباستثناء هذه الفترة الوجيزة من الحكم الرستمي الذي تم فيه تبني أسلوب التوريث لأسباب ظرفية تتعلق بالوضع القبلي، فإن الأباضية بوادي مزاب مازلوا منذ عشرة قرون ينتخبون شيخ العزابة" الذي هو بمرتبة "الإمام" في حالة الكتمان وفقا للكفاءة العلمية والأخلاقية دون أي اعتبار للنسب. ومنذ القرن الحادي عشر لم يعرف الإباضية المزابيون أسلوب التوريث لا في نطاق السلطة الدينية (العزابة) ولا في نطاق السلطة القبلية. أما الاباضية في عمان فقد تحولت فيهم الإمامة الى "سلطنة" واتخذ الامام لقب "السلطان"، وأصبحوا منذ فترة طويلة يحكمون من طرف عائلة مالكة ينتقل فيها الحكم بالتوريث مثلها مثل باقي الممالك السنية الأخرى. (3 من حيث المعارضة السلمية للسلطان الجائر وامكانية عزله ذهب أغلبية فقهاء السنة القدماء وبعض المحدثين (1) إلى عدم جواز معارضة السلطان الجائر وعزله وخرمة ذلك، بل وجوب طاعته طاعة مطلقة لأن ذلك يعد واجبا دينيا وذهب الشيخ ابن تيمية إلى حد جعل طاعة السلطان في مرتبة الصلاة والزكاة والصيام. وفي هذا الرأي الذي يتقاسمه كل من الإباضية والسنة جانب كبير من الصواب إذا كانت المعارضة تتم باستعمال العنف، مما يؤدي لا محالة إلى اضطراب وفتن وقتل أو حتى إلى انقسام خطير للأمة. فلتفادي ما قد يترتب من ذلك من الضرر الكبير وجب تحمل الضرر الأدنى بالصبر على جور السلطان وفسقه مادام يتمسك بالدين ويقوم بتسيير أمور المسلمين للحفاظ على الاستقرار وعلى وحدة الأمة. (1) منهم يوسف موسى: نظام الحكم في الإسلام، ص 194. رشيد رضا: الخلافة، ص 17. 263 (1/259) صفحة 260 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني إن ما يفسر تمسك الفقهاء بهذه القاعدة الفقهية وهم محقون في ذلك، هو تلك الفترة العصيبة التى لم تكن الدولة فيها تقوم على مبادئ ديمقراطية ومؤسسات دستورية مستقرة ودائمة وسلطة مشروعة، وانما كانت تقوم فيها الممالك الإسلامية أساسا على قوة السيف والغلبة والقهر، وعلى القمع العسكري للأسرة الحاكمة، كما كان الحال إبان الحكم الأموي الاستبدادي الذي كثرت فيه الفتن والثورات مثل خروج عائشة في واقعة الجمل، وواقعة النهروان، وخروج الحسين بن علي ثم عبد الله بن الزبير ضد حكم الأمويين ... الخ. وقد حارب الأيمة الاباضية الرستميون كل الخارجين على سلطتهم الشرعية مثل النكار والواصلية والخلفية وغيرهم، بعد أن أعطيت لهم فرصة لممارسة المعارضة السلمية بكل حرية من خلال المناظرات الفقهية والسياسية، لاعتقادهم بحرمة استعمال العنف لتغيير النظام، وإثارة الفتن والقلاقل والإخلال بالنظام العام في الدولة. (1) غير أن هذا الحكم على إطلاقه مردود عند الاباضية إذا كان الأمر يتعلق بالمعارضة السلمية التي تدخل في باب "النصيحة" للحكام طبقا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يولونه أهمية كبيرة في فكرهم وفقههم السياسي، إلى حد اعتبارهم له الغاية من قيام الدولة، وإذا كان عزل السلطان الجائر يتم بطريقة سياسية سلمية لا تؤدي إلى الإضرار بالنفوس والأعراض والأموال. فالإباضية الذين عرفوا بـ"أهل الدعوة والاستقامة" لاتباعهم الطرق السلمية في الأمر والنهي، وسموا قبل ذلك بـ "القعدة" لأنهم قعدوا عن قتال جيش معاوية وجيش علي معا أجمعوا على عدم وجوب الخروج على السلطان الجائر وإنما جوازه كاستثناء طبقا لشروط شرعية صارمة (1) حول معاملة الدولة الرستمية للخوارج عليها مثل النكار، النفاثية (فرج بن نصر النفوسي) والخلفية خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري)، والواصلية وغيرهم، أنظر: علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، نشر جمعية الثراث، ص 329 وما بعدها: 264 (1/260) صفحة 261 د. أوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني بات من الصعب وأحيانا من المستحيل توفرها وكان هذا الاتجاه السلمي أهم الخلافات الجوهرية التي فصلت الإباضية عن الخوارج المتطرفين. ومن أهم هذه الشروط والضوابط الشرعية أن يكون عزل السلطان في حالة الظهور، وأن يكون العزل بطريقة سلمية بعد ثبوث عدم العدل، وأن تتبع المراحل الثلاث للنهي قبل أي إجراء. أما إذا خيف أن يؤدي ذلك إلى أي ضرر بالمسلمين فانه يستحسن البقاء تحت الحكم الظالم» (1). فبالنسبة لحق المعارضة ترك لنا الإباضية المغاربة أمثلة وتطبيقات دستورية هامة في الاعتراف بالمعارضة السلمية داخل الحكم في الدولة الرستمية، إذ لم يكن المعارضون في هذه الدولة يقمعون بالسيف والقوة بل يناظرون بالحجة والدليل، ولا يحاربون إلا إذا انتقلوا للعنف أو بث الفتنة، بينما اتبع أغلب الحكام السنة من الأمويين والعباسيين وغيرهم، الأسلوب الدموي بقتل وسحق وقمع أي حركة معارضة حتى وإن كانت سلمية، كما حصل مع الحركة السلمية لبلال بن مرداس التميمي التي شكلت البذرة الأولى للمذهب الإباضي في البصرة، عندما بعث الأمويون جيشا فقضى عليهم وسحقهم سنة 61 هـ. (2). ومن التطبيقات التاريخية الدستورية الهامة للفكر السياسي الإباضي المغاربي، منع الفقهاء الإباضية في الدولة الرستمية تشكيل جيش مسلح دائم إلى جانب الإمام، حتى لا يسكنه الطغيان ولا يكون الجيش أداة في يده لفرض سلطة جائرة ونظام دكتاتوري بالقوة (3). 15 (1) علي يحي معمر: نفس المرجع، ص (2) خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 6. (3) د. عمر فاروق: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، دراسة نقدية في تفسير التاريخ، الطبعة الثانية، دار اقرأ، 1985، ص 53 حيث يقول حول الدولة الرستمية الجزائرية: " لقد أدرك الفقهاء الإباضية خطر تحول الإمام إلى سلطان جائر يستمد سلطته من جيش ثابت، ولذلك فقد أصروا المرة تلوى الأخرى بضرورة حل الجيش وتفرق الإباضية وعودتهم إلى مناطقهم بعد كل موقعة أو معركة". 265 (1/261) صفحة 262 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقار الفكر السياسي الإباضي والسني إن امتناع الإباضية الرستميين عن تشكيل الجيش وهم في "حالة الظهور " وهي الحالة التي يكون فيها الإباضية من القوة والعدد والعدة ما يستطيعون به تشكيل دولة قوية، بل ويستطيعون التوسع بغزو دول أخرى، ليدل بالتأكيد على حرص الفقهاء الإباضية المغاربة على عدم تمكين الإمام من وسائل القمع والتسلط حتى وإن كانت شرعية، حتى يبقى تحت مراقبة الشعبي وفي حاجة إلى رضاهم طبقا لمبدأ المشروعية الشعبية الذي يقوم عليه النظام الديمقراطي، كما يكون مسؤولا عن قراراته وتبعات تصرفاته وأعماله. على الرغم من أن هذه القاعدة الدستورية كانت من الأسباب الهامة لضعف ثم انهيار الدولة الرستمية لعدم وجود قوة رادعة لحماية السلطة ومصالح الدولة، خاصة حينما اشتد الصراع القبلي والمذهبي بفعل التسامح السياسي المفرط. سايـ يا: إن الإباضية في تكييفهم الشرعية النظام القائم في حالة الظهور، يقدمون شورى التسيير على شورى الاختيار، وعليه فهم يميزون بين ثلاث حالات في شأن شرعية الحكم وطاعة الحاكم هي : (1) (أ) الحاكم الذي انتخب بالأسلوب الشوري الديمقراطي والذي سار بالعدل والشورى في سياسته الأمور الدولة، فهو إمام عادل يجب طاعته والخروج عليه جريمة. (ب) الحاكم الذي انتخب بالأسلوب الشوري الديمقراطي لكنه عند توليه الحكم إنحرف واستبد وتجبر، فإنه يجب طاعته كقاعدة كما يجوز - كاستثناء معارضته سياسيا وعزله بالطريق السلمي وفق الضوابط الشرعية المذكورة. (ج) الحاكم الذي تولى السلطة بطريقة غير شرعية، سواء كان ذلك بالسطو والقوة أو بالوراثة والوصية، لكنه سار بسياسة الشورى والعدل، فإنه يجب طاعته والخروج عليه جريمة. وبطبيعة الحال فإن الحاكم الذي اغتصب السلطة ثم استبد بها وتجبر وهضم حقوق وحريات الناس يعتبر (1) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة وهبة، ص 461. 266 (1/262) صفحة 263 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني حكمه غير شرعي، ومع ذلك لا يجب الخروج عليه وانما يجوز معارضته سياسيا وعزله بالطريق السلمي وفق الضوابط الشرعية المذكورة آنفا. ـنا بفضل مقارنتنا بين الشورى والديمقراطية توصلنا إلى أن كلا النظامين يتفقان من حيث الغاية والهدف منهما وهو تحقيق إشراك الشعب في السلطة، وتحقيق المساواة السياسية والعدالة الاجتماعية. إلا أنهما يختلفان اختلافا جوهريا من حيث السيادة الشعبية وحدودها: ففي النظام الديمقراطي الغربي تكون السيادة المطلقة للشعب وحده، وإرادة الشعب هي الإرادة العليا المطلقة في كافة الأمور السياسية والتشريع والحكم، بحيث لا يقف أمامها أي حد التقرير وتغيير أو إلغاء ما تشاء من الأمور طبقا لفلسفة الحرية الفرنية المطلقة، حتى وإن كان فيه ضررا وفسادا كبيرا للمجتمع مثل إجازة عدة محرمات وممارسات غير أخلاقية تحرمها كل الأديان، بواسطة قوانين بعد موافقة نواب الشعب عليها. أما في نظام الشورى فإن الإرادة الشعبية ليست مطلقة في جميع الأمور وإنما تكون مقيدة وموجهة بالغايات الإلهية لتحقيق حكمة الله من الوجود، وهو ما يمكن تسميته بـ "السيادة الإلهية". والاجتهاد يجب أن لا يغير ما وردت فيه أحكاما شرعية قطعية الدلالة والثبوت طبقا لتحديدنا لنطاق الشورى. وبذلك يمكن اعتبار نظام الشورى ديمقراطية محدودة بالمقاصد العامة للدين الإسلامي. ونخلص الى أن الشورى كما بينا أسسها وأنظمتها وقواعدها سالفا تتوافق مع المبادئ الجوهرية للديمقراطية وهي: مبدأ سيادة الشعب وحقه في إصدار القوانين التي يرتضيها ويقبلها طالما كانت لا تتعارض مع المبادئ العليا للشرع، حق الشعب في مراقبة الحكام عند ممارستهم للسلطة ومحاسبتهم المستمرة، ومعارضتهم بشكل سلمي وعزلهم بالطرق القانونية إن انحرفوا أو تعسفوا في السلطة. 267 (1/263) صفحة 264 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني لا يمنع أن يتبنى نظام الشورى أساليب الديمقراطية المباشرة التي تضمن له التعبير الحر عن إرادته والتي عرفت تطبيقات لها في المجتمعات الإسلامية المختلفة مثل الاستفتاء الشعبي والاعتراض الشعبي. ولاشك أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتبره الاباضية الغاية من وجود الدولة، هو شكل من أشكال الاعتراض الشعبي. أن مبدأ الانتخاب العام الذي يعد من مقتضيات الديمقراطية الغربية، هو من مستلزمات الشورى ايضا وقد كان سائدا في المجتمع الأمازيغي وغيره من المجتمعات القبلية قبل الإسلام، ووجدت له تطبيقات في المجتمع الإسلامي في فترة الخلفاء الراشدين. يعتبر مبدأ الخضوع للأغلبية ركنا جوهريا في كل من الديمقراطية الغربية والشورى، وقد رأينا أن النصوص الشرعية تؤكد أن هذا المبدأ يعد أساسيا في نظام الحكم الشوري. أقر الإسلام وسمح بالتعددية السياسية الحزبية والإيديولوجية، باعتبار أن الاختلاف والتباين في أفكار الناس وآرائهم حول السلطة والدولة والاقتصاد وغيره، هي فطرة فطر الله الناس عليها، وسنة من سنن الكون التي بها ترقى الإنسانية. وتنظيم هذا الاختلاف وطرق ممارسته هو من باب المصالح المرسلة. أن مبدأ إحترام وحسن معاملة الأقليات الدينية والسياسية والفكرية مما أقره الإسلام ويقتضي إعطاء هذه الأقليات حق التعبير الحر عن آرائها من خلال تنظيمات سياسية، مما يسمح بممارسة المعارضة بطريقة سلمية، وتجنب أخطار الصراعات الدموية " حروب وعدم الاستقرار، واحتكار السلطة بالشكل الذي كان سائدا مختلف الدول الإسلامية. 268 (1/264) صفحة 265 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني وخلاصة القول ان نظرية شورى الاختيار عند الإباضية المغاربة تمثل قمة ما وصل إليه الفكر السياسي الإسلامي، وهي تتطابق إلى حد كبير مع مبادئ النظام الديمقراطي الحديث وأهدافه العامة، بل وحتى مع بعض أشكاله وبالرغم من إجهاض النموذج الشوري الذي يمثله الإباضية والتعتيم عليه من طرف الممالك الإسلامية الاستبدادية في المشرق والمغرب الإسلامي، فان النظرية الشورية الديمقراطية الإباضية عرفت تطبيقات هامة لها إبان حكم الدولة الرستمية الإباضية الجزائرية بين القرن الثامن والعاشر الميلادي، وتمثل هذه التطبيقات بحق أفضل السوابق الدستورية في الديمقراطية الاسلامية النابعة من الواقع القبلي المغاربي الأمازيغي سواء في اختيار الحكام أو في تسيير شؤون الحكم. ورجاؤنا من الله تعالى أن يساهم هذا العمل في الدراسات الشرعية الدستورية المعاصرة في فقه الدولة المسلمة، سعيا الى ضبط النظام الديمقراطي الغربي مع الخصوصيات العقائدية والثقافية للمجتمعات المسلمة. و الله أعلم؟ 269 (1/265) صفحة 266 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني المراجع والمصادر أولا: باللغة العربية 1 - إبراهيم حسن (حسن) وإبراهيم حسن (علي): النظم الإسلامية، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1962. -2 - إبراهيم حسن: (حسن) تاريخ الإسلام السياسي، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة، (د. ت). 3 - د. إبراهيم حسن (علي): التاريخ الإسلامي العام، الطبعة الثانية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1963. 4 - ابن أبي الربيع (القرن 7 هـ / 13 م): سلوك المالك في تدبير الممالك، تح. د .. ناجي التكريتي، الطبعة الثالثة، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1983. -5 ابن تاويت دولة الرستميين أصحاب تاهرت، (د. ن). (د. ت). (د. م) 6 - ابن الجوزي الإمام) جمال الدين أبو الفرج: تاريخ عمر بن الخطاب، الطبعة الأولى، الزهراء للنشر الجزائر، 1990. • - ابن العربي أبو بكر بن عبد الله): أحكام القرءان، تح علي محمد البجاري، الطبعة الأولى، دار الكتب، (د. م) 1655 هـ -8 - ابن الصغير (القرن 3 هـ / 9 م: (أخبار الأيمة الرستميين، تح. د. محمد ناصر، وإبراهيم بحاز المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986. 6 و ابن تيمية (شيخ الإسلام تفي الدين: الخلافة والملك، تح. صماد سلامة، محمد عويضة، شركة الشهاب، الجزائر، (دت). 270 (1/266) صفحة 267 د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكـ سياسي الإباضي والسني 10 السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، الطبعة الأولى، الزهراء للنشر والتوزيع، الجزائر، 1990. 11 - ابن حجر المكي ابن العباس القرن 10 هـ 16 م): الزواجر عن اقتراف الكبائر، دار المعارف بيروت، 1982. -12 - ابن سلام اللواتي الإباضي، القرن (3 هـ/9 م): بدء الإسلام وشرائع الدين ونكث من فضائل الصحابة المهتدين، ولمع من أخبار الجبابرة المعتدين، تح. ر. ق. شقارتز وسالم بن يعقوب، الطبعة الأولى، دار اقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، 1985/ 1405. 13 - ابن كثير (إسماعيل القرشي الدمشقي): تفسير القرءان العظيم، الطبعة الرابعة، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1983. -14 ابن منظور: لسان العرب، دار الصحافة، بيروت، (د. ت). 15 ابن هشام: السيرة، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، مصر، 1955 16 د. أبو الغرم (فتوح) محمود): القيادة الإدارية في الإسلام - أصولها ومقوماتها، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، مركز البحوث الإدارية مطابع سجل العرب، عمان، الأردن، 1977. 17 – ابو زكرياء يحي بن ابي بكر): كتاب سير الأيمة وأخبارهم، تح إسماعيل العربي، الطبعة الثالثة ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، 1984. 18 - أبو زهرة ((محمد): المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، الطبعة الثانية،. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1981/ 1401 م. أصول الفقه، دار الفكر العربي، (د. م)، 1973. الوحدة الإسلامية، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، مصر، 1977/ 1397 -19 --20 - تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، مصر، (دت). 271 18 (1/267) صفحة 268 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 22 - أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري، القرن 4 هـ): تهذيب اللغة، تح محمد أبو الفضل إبراهيم، الدار المصرية للتأليف والترجمة، (د. ت). -23 أبو يعقوب الوارجلاني (يوسف بن إبراهيم القرن 6 هـ): العدل والإساف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، طبعة دار نوبار للطباعة، سلطنة عمان، 1984. 24 - حاشية الترتيب، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1982 25 اسماوي عبد الله): دور المؤسسات الاجتماعية في بلدية العطف تاجنينت المسجد والعشيرة"، ملتقى حول مشاكل الريف الحضري، معهد علم الاجتماع – جامعة الجزائر، (د. ت). -26 اطفيش قطب الأيمة أمحمد بن الحاج يوسف المزابي، 1818 م /1914 م): شرح عقيدة التوحيد لتبغورين (مخطوط)، مكتبة قطب الأيمة أمحمد أطفيش، بني يزقن، غرداية. -27 - شرح عقيدة التوحيد، طبعة وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م. 28 شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الطبعة الثانية، دار الفتح، بيروت، 1972. -29 الرسالة الشافية (طبع حجري)، (د. ت)، مكتبة قطب الأيمة أمحمد آطفيش بني يزقن، غرداية. هميان الزاد إلى دار المعاذ طبعة المطبعة السلطانية، زنجبار ((تانزانيا)، 1306 هـ / 1886 م. -31 - تيسير التفسير للقرءان الكريم، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1406 هـ/1986. 32 - وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، طبع دار جريدة عمان للصحافة والنشر وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1986. 272 (1/268) صفحة 269 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني كتاب جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، نسخة مصورة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984. 34 - - شامل الأصل والفرع، طبعة سلطنة عمان، 1984. 35 أعوشت بكير بن سعيد): دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، الطبعة الأولى، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر، 1982. 36 - - وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية، المطبعة العربية، غرداية، 1991. 37 - الأشقر (عمر سليمان) خصائص الشريعة الإسلامية، الطبعة الثانية، مكتبة الفلاح، الكويت، 1986. 38 الألوسي البغدادي (العلامة محمود الدين روح المعاني في تفسير القرءان العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (دت). -39 - د. الأنصاري (عبد الحميد إسماعيل): الشورى وأثرها في الديمقراطية، دراسة مقارنة، منشورات المكتبة العصرية بيروت (د. ت). نظام الحكم في الإسلام، دار قطري بن الفجاءة، قطر، 1985. 41 - الباروني النفوسي الشيخ عبد الله بن يحي): رسالة العامة والمبتدئين إلى معرفة أيمة الدين، مطبعة النجاح، مصر، 1290 هـ. -42 - الباروني النفوسي (أبو الربيع سليمان باشا)، مختصر تاريخ الإباضية، (د. ت)، (د. م). 43 - كتاب الأزهار الرياضية في أيمة وملوك الإباضية، (طبعة حجرية)، مطبعة الأزهار البارونية (د. ت). -44 د. البدوي إسماعيل: (مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، دار الهدى - للطباعة، مصر 1978. 45 - البرادي (الإمام أبو القاسم بن إبراهيم القرن (8 هـ / 14 م): الجواهر المنتقاة لما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية (د. ت). 273. (1/269) صفحة 270 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 46 البسيوي (الشيخ أبي حسن علي بن حسن علي بن محمود بن علي): جامع أبي حسن البسيوي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984. 47 - الثميني الشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن إبراهيم، المتوفي سنة 1223 هـ / 1803 م): كتاب النيل وشفاء العليل، تص. وتع. الشيخ بكلي عبد الرحمان، الطبعة الثانية المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1387 هـ /1967. 48 الورد البسام في رياض الأحكام، تح. حفيده محمد بن صالح الثميني، مطبعة عيسى بابي الحلبي وشركاه (د. ت). 49 - الجيط الي النفوسي العلامة أبي طاهر إسماعيل، المتوفي سنة. 750 هـ): قناطر الخيرات (طبعة حجرية)، (د. ت) • 50 قواعد الإسلام، تص. وتع. الشيخ بكلي عبد الرحمان، الطبعة الأولى، المطبعة العربية غرداية، 1976. 51 - الحاج سعيد (يوسف بن بكير، تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، الطبعة الثانية، 2006. -52 - الدرجيني (أبو العباس ابن سعيد، المتوفي حوالي 670 هـ): طبقات المشائخ بالمغرب، تح. إبراهيم طلاي مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، (د. ت.). 53 - د. الدريني (فتحي): خصائص التشريع الإسلامي في السياسية والحكم، الطبعة الأولى مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982. 54 - الجعبيري (الشيخ فرحات) البعد الحضاري للعقيدة عند الاباضية، الجزء الأول، نشر جمعية الثراث، القرارة، 1987، 55 - الحريري (محمد عيسى): الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي، الطبعة الثالثة، دار القلم، الكويت، 1987. 56 الخازن البغدادي الصوفي العلامة علي بن محمد بن إبراهيم): باب التأويل في معاني التنزيل، طبع محمد أمين دمج وشريكاه، بيروت، (د. ت). 274 (1/270) صفحة 271 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكرا الإباضي والسني -57 د. الخالدي (محمود) نظام الشورى في الإسلام، مكتبة الرسالة الحديثة - شركة الشهاب، الجزائر، 1989. 58 - - الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية، مكتبة الرسالة الحديثة - شركة الشهاب، الجزائر، 1989. 59 - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1985. 60 - الزحيلي (وهبة): الوسيط في الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة، مطبعة دار للكتاب، 1978. 61 - الزمخشري (أبو القاسم محمود بن عمر): الكشاف عن حقائق التنزيل وعيوب الأقاويل في وجود التأويل، الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1977. 62 - السالمي الشيخ عبد الله بن حميد حاشية الجامع الصحيح، مطبعة الأزهار الباورنية، 1326 هـ. 63 السمائلي الشيخ سالم حمود بن إسماعيل شامس السيابي): إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، تح. دكتوراة كاشف، مطابع سجل العرب، سلطنة عمان، 1979 ... 64 - د السنهوري (عبد الرزاق): أصول الحكم في الاسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003. 65 د. الشافعي (أحمد محمود أصول الفقه الإسلامي، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1983. 66 د الشكري علي يوسف): مبادئ القانون الدستوري والعلوم السياسية، ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2004. 67 د. الشكعة (مصطفى): تفسير سورة ال عمران، دار النهضة العربية، بيروت، 1972. 68 الشماخي الإمام أبو العباس بن سعيد المتوفي سنة 928 هـ): سير الشماخي (طبعة حجرية) قسنطينة، الجزائر، 1301 هـ. 275 (1/271) صفحة 272 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 69 - الطبري أبو) محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل القرءان، دار المعارف، سلسلة تراث الإسلام، مصر، (د. ت). 70 - - تاريخ الرسل والملوك، تح. محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، 1961. 71 - الطبطبائي (العلامة محمد حسين): الميزان في تفسير القرءان، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، (د. ت). 72 - العربي (محمود عبد الله): نظام الحكم في الإسلام، تقديم محمد المبارك، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (د. ت) 73 - العسقلاني شهاب الدين أبو الفضل: (فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، مصر، 1959. 74 - د. العطار (فؤاد): النظم السياسية والقانون الدستوري، دار النهضة العربية، بيروت، 1974. 75 - العقاد (عباس محمود الديمقراطية في الإسلام، الطبعة الخامسة، دار المعارف، مصر، 1979. 76 د. الغالي (كمال) مبادئ القانون الدستوري، الطبعة الخامسة، دار العروبة للطباعة، دمشق، 1978. -77 - الفرابي (أبو نصر بن اوزلغ بن طرخان 259 - 339 هـ): المدينة الفاضلة ومختارات من كتاب الملة، موفم للنشر، الجزائر، 1990. 78 القاسمي: (ظافر) نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، الطبعة الأولى، دار النفائس، بيروت، 1974. - 79 - القرطبي (أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري): الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967 ... 80 القسطلاني (أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد): إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، دار الكتاب العربي، بيروت، (د. ت). 81 - الماوردي البغدادي (أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، المتوفي سنة 450 هـ): الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى بأبي الحلبي وأولاده مصر، 1966. 276 (1/272) صفحة 273 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 82 - المراغي (أحمد مصطفى): تفسير القرآن الكريم، دار الفلك، بيروت (دت). 83 المليجي (يعقوب (محمد مبدأ الشورى في الإسلام مع المقارنة بمبادئ الديمقراطيات الغربية، (رسالة دكتوراه في الحقوق – جامعة الإسكندرية)، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1972. 84 - المودودي (أبو الأعلى): نظرية الإسلام السياسية، دار الفكر، 1388 هـ. 85 - - تدوين الدستور الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1980. 86 - - الحكومة الإسلامية، ترجمة أحمد إدريس ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1990. 87 النوري المجاهد حمو (عيسي) دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، دار الكروان، باريس، 1984. 88 - الهاشمي الخيار (علال) الإسلام وإيديولوجيات الفكر المعاصر، الدار التونسية للنشر، تونس، 1981. 89 - بابللي (المحامي محمود الشورى في الإسلام، الطبعة الأولى، دار الإرشاد، بيروت، 1968. 90 - بحار (إبراهيم): الدولة الرستمية (160 هـ / 296 هـ 770 م/909 م) دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، الطبعة الأولى، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985. 91 بدران أبو العينين بدران: الشريعة الإسلامية، مطبعة الإسكندرية، 1973. م. ك، 92 د. بدوي (ثروت): النظم السياسية دار النهضة العربية، القاهرة، 1975 -93 أصول الفكر السياسي والنظريات والمذاهب المعاصرة، دار النهضة العربية، 1970. 94 - بعمارة: (محمد): اتفاقيات المجالس العامة لوادي ميزاب، دار الشهاب، باتنة، (د. ت). 277 (1/273) صفحة 274 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 95 بوضياف: (أحمد) الهيئات الاستشارية في الإدارة الجزائرية أطروحة دكتوراه الدولة في القانون، معهد الحقوق والعلوم الإدارية، جامعة الجزائر، 1982. 96 - د جلال شرف: (محمد): نشأة الفكر الإسلامي السياسي وتطوره في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت، 1982. 97 حداد: (إبراهيم) الديمقراطية عند العرب، دار الثقافة مطابع سميا، بيروت، (د. ت). 98 - د حدة (محمد): ضمانات المشتبه فيه وحقوق الدفاع من العهد البربري حتى الاستقلال، الطبعة الأولى، دار الهدى، عين امليلة، الجزائر، 1991. 99 - د. حسن فرح (توفيق)، د. يحي مطر (محمد): الأصول العامة للقانون، الدار الجامعية، مصر، 1989. 100 - د. حلمي: (محمود) نظام الحكم الإسلامي مقارنا بالنظم المعاصرة، الطبعة الخامسة، مطبعة الأمل، 1980. 101 د. راغب الحلو (ماجد) النظم السياسية والقانون الدستوري، دار المعارف، الاسكندرية 2005. 102 د. رباط (أدمون): الوسيط في القانون الدستوري العام، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، 1965. 103 رشيد رضا (محمد)، والشيخ محمد عبده تفسير المنار، الطبعة الرابعة، دار المنار، مصر، 1373 هـ / 1953 م. -104 رشيد رضا (محمد) الخلافة الزهراء للإعلام العربي، 1988. 105 رضا الشيخ أحمد معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1959. 106 رمضاني (عبد المالك بن احمد، حكم المظاهرات، دار الفضيلة، المحمدية، الجزائر، 2011. 107 - سعد (عبد العزيز): أجهزة ومؤسسات النظام القضائي الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1988. 278 (1/274) صفحة 275 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكـ 108 د. شكر (زهير): الوسيط في القانون الدستوري، الجزء الأول القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1994 109 د. شلبي محمد (مصطفى: أصول الفقه الإسلامي، الطبعة الرابعة، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، 1983. 110 شلتوت الإمام محمود): الإسلام عقيدة وشريعة، الطبعة الثالثة، دار القلم، 1966 111 - د. عبد اسعيد (محمد فايز): قضايا علم السياسة العام، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1983. 112 - عبد الجواد (ياسين): السلطة في الاسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1998. 113 - عبد الرزاق (علي): الإسلام وأصول الحكم، موفم للنشر المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1988. 114 - عبد الوهاب (محمد رفعت، حسين عثمان (محمد عثمان): النظم السياسية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2003. 115 - د. عشراتي: سليمان: الشخصية الجزائرية، الأرضية التاريخية والمحددات الحضارية، ديوان المطبوعات الجامعية،2002. 116 - علي منصور (علي): نظم الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، الطبعة الثانية دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، 1971. 117 - د. عمارة (محمد): الإسلام وقضايا العصر، الطبعة الأولى، دار الوحدة، بيروت، 1980. 118 عودة عبد القادر): الإسلام وأوضاعنا المعاصرة، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1951. 119 قطب (سيد) في ظلال القرآن، الطبعة الخامسة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1967. 279 (1/275) صفحة 276 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 120 لاغا (علي محمد الشوري والديمقراطية، بحث مقارن في الأسس والمنطلقات النظرية الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1983. 121 لقبال (موسى): الحسبة المذهبية في بلاد المغرب نشأتها وتطورها، الطبعة الأولى، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1971. -122 ماهر حمادة: (محمد) الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر العباسي الأول، الطبعة الأولى مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979. 123 - د. متولي عبد الحميد) مبدأ الشورى، الطبعة الثانية، مطبعة عالم الكتب، القاهرة، 1972. 124 - مبادئ نظام الحكم في الإسلام، الطبعة الرابعة، دار المعارف، الإسكندرية، 1978. 125 محمود عبد الحليم التفكير الفلسفي في الإسلام، الطبعة الأولى،. دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1974. 126 محمود إسماعيل (عبد الرزاق): الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، (رسالة دكتوراه)، الطبعة الثانية، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، 1985. 127 - مزيان (محمد): في الفقه السياسي، مقاربة تاريخية، مطبعة .. النجاح الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2001. 128 - د. هويدي (حسن) الشوري في الإسلام، در المنار، الكويت، 1957. -129 يحي معمر الشيخ علي: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، مراجعة بكير بن محمد الشيخ بلحاج، نشر جمعية التراث، غرداية، 2003. 130 - - الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث المطبعة العربية غرداية، الجزائر. 131 - - الإباضية في موكب التاريخ: الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي، الطبعة الأولى مكتبة وهبة، القاهرة، 1964. 11 الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة: الإباضية بالجزائر، ج/1/، مكتبة وهبة، القاهرة، 1979. 280 (1/276) صفحة 277 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني 133 - أضواء على الإباضية، الطبعة الأولى، 1985، (د. م). 134 - - الإباضية، دراسة مركزة، (د. ن)، (د. م)، (د. ت). 135 - (دون مؤلف (معروف) ترجمه من اللغة الأمازيعية الى العربية الشيخ أبي حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، تح. عمر بن بازين، الطبعة الثالثة، المطبعة العربية غرداية، 2003. 136 القرءان الكريم قراءة ورش. 137 - دروس الشيخ قشار بلحاج بن عدون رحمه الله في اصول الفقه وتفسير الحديث. ثانيا: باللغة الفرنسية 1 - BARTHELEMY Joseph,et DUEZ Paul: Traité de droit constitutionnel, collection "classique", série politique et constitutionnel, economica, Paris, édition 1933. 2 - El-BEKRI chikh : «le kharidjisme Berbère,quelques aspects du royaume Rustumide, in Annales de l'institut d'études Orientales, faculté des lettres de l'université d'Alger, Tom XV, année 1957, Edition la typotho,et jules CARBONEL, Alger. 3 - COLLINET Sophie: Droit constitutionnel ,Vubert, 4 eme edition, 2001. 4 - CUPERLY Pierre : Introduction à l'étude de l'Ibadisme et de sa théologie, Office des Universitaires, Alger, 1991. Publications 5 - Claude JOURNES, L'Etat britanique,PUBLISUD, 2 ème édition, 1994. 6 - VDEL George,Charles CELIER, science politique,paris V, 1965. 281 Introduction a la (1/277) صفحة 278 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني لت الصفحة الموضوع تقديم الشيخ الحاج أحمد بن حمو كروم تقديم الدكتور سعيد بويزري مقدمة المؤلف فصل تمهيدي: المذهب الإباضي (1) نشأة المذهب الإباضي بالمشرق (ب) انتشار المذهب الاباضي في البلاد الأمازيغية (ج) العقائد السياسية للإباضية الفصل الأول نظرية الشورى في الإسلام المبحث الأول: مفهوم الشوري المطلب الأول: تعريف الشورى وأهميتها الفرع الأول: معنى الشورى الفرع الثاني: تعريف الشورى الفرع الثالث: أهمية الشورى المطلب الثاني: أنواع الشورى وأشكالها ومكانتها الفرع الأول: أنواع الشورى الفرع الثاني: أشكال الشوزى الفرع الثالث: مكانة الشورى النتي ــة العامة للمبحث المبحث الثاني: حجية الشورى المطلب الأول: الشورى مندوبة النتيجـ ــة 282 3 5. 7 11 11 13 17 23 24 24 24 26 27 29 29 32 34 38 39 40 48 (1/278) صفحة 279 د. اوق وغلان عبد الله نوح نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني المطلب الثاني: الشورى واجبة الفرع الأول: القرآن الفرع الثاني: السنة النبوية القولية والعملية النتيجة العامة للمبحث المبحث الثالث: نطاق الشورى وأهل الشوري المطلب الاول: نطاق الشورى الفرع الأول: أمور الحرب والأمور الاستثنائية الفرع الثاني: كافة الأمور الدنيوية التي لم يرد فيها نص شرعي الفرع الثالث: كل الأمور الدنيوية وبعض الأحكام الدينية النتي المطلب الثاني: أهل الشورى الفرع الأول: تحديد أهل الشورى الفرع الثاني: طبيعة مجلس الشورى الفرع الثالث: الشروط الواجبة في أهل الشورى النتيجة العامة للمبحث المبحث الرابع: مدى إلزامية رأي أهل الشورى على الحاكم المطلب الأول: رأي أهل الشورى غير ملزم على الحاكم الفرع الأول: الأسانيد الشرعية ونقدها الفرع الثاني: مبدأ الخضوع للأكثرية ليس من الإسلام الفرع الثالث: الأدلة العقلية المطلب الثاني: رأي أهل الشورى ملزم على الفرع الأول: الأسانيد الشرعية الفرع الثاني: الأدلة والحجج العقلية الحاكم النتيجة النتيجة العامة للمبحث الفصل الثاني نظرية شورى الاختيار عند الإباضية وأهل السنة المبحث الأول: نظرية الحكم الملكي الوراثي المطلب الأول: وجوب القرشية والعروبة 49 49 55 60 62 62 64 66 67 68 73 73 78 80 83 88 89 89 93 94 95 96 98 103 105 107 110 111 283 (1/279) صفحة 280 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني الفرع الأول: الأسانيد الشرعية الفرع الثاني: نقدها المطلب الثاني: شرعية التوريث والعهد بالوصية الفرع الأول: الأسانيد الشرعية الثاني: نقدها الف البيعة الخاصة تكفي لانعقاد الإمامة نقد هذا الحكم النظام الملكي الديمقراطي (الملكية الدستورية) المطلب الثالث: عدم جواز معارضة السلطان الجائر وعزله مطلقا الفرع الأول: الأسانيد الشرعية الفرع الثاني: تقييم هذا الطرح النتيجة العامة للمبحث 112 113 117 119 120 125 126 129 131 133 135 136 138 139 139 147 149 152 155 162 165 165 173 174 175 178 179 المبحث الثاني: نظرية الحكم الشوري عند الأباضية المطلب الأول: الكفاءة العلمية والأخلاقية كمعيار لتولي الحكم الفرع الأول: تطور مفهوم المساواة السياسية في تولي الإمامة عند الإباضية الفرع الثاني: مفهوم الكفاءة المطلقة عند الاباضية المغاربة الفرع الثالث الاسانيد الشرعية لمفهوم الكفاءة المطلقة المطلب الثاني: الشورى ورضا الشعب هي الطريقة الشرعية الوحيدة لاختيار الإمام لفرع الأول: الأسانيد الشرعية الفرع الثاني: تقييم المبدا المطلب الثالث: شرعية المعارضة وجواز العزل السلمي للسلطان الجائر الفرع الأول: شرعية المعارضة السلمية عند الإباضية الفرع الثاني: ضمانات ممارسة المعارضة عند الإباضية الفرع الثالث: شرعية العزل السلمي للسلطان الجائر في حالة الظهور الفرع الرابع الضوابط الشرعية لجواز عزل السلطان الجائر الفرع الخامس: مراحل النصح والنهي قبل العزل النتيجة العامة للمبحث 284 (1/280) صفحة 281 د. اوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقال الفكر السياسي الإباضي والسني الفصل الثالث الشورى والديمقراطية المبحث الأول: مفهوم الديمقراطية المطلب الأول: الديمقراطية الليبرالية الفرع الأول: الديمقراطية المباشرة الفرع الثاني: الديمقراطية النيابية فرع الثالث: الديمقراطية شبه المباشرة المطلب الثاني: الديمقراطية الاجتماعية 181 183 185 186 188 191 192 المبحث الثاني: المقارنة بين الشورى والنظام الديمقراطي 193 المطلب الأول: الشورى تختلف جذريا عن الديمقراطية المطلب الثاني: الديمقراطية هي الشورى الف ع الأول: أوجه الاختلاف بين الشورى والديمقراطية الفرع الثاني: أوجه الاتفاق بين الشورى والديمقراطية النتيجة العامة للمبحث الفصل الرابع تطبيقات النظرية الشورية في الدولة الرستمية الجزائرية المبحث الأول: شورى الاختيار في الحكم الرستمي تولية أبي الخطاب بن السمح المعافري الهواري إمامة الدفاع المطلب الأول: تولية عبد الرحمان بن رستم الفارسي 160 هـ الف فرع الأول: وقائع البيعة الفرع الثاني: استقراء الوقائع النتيجة المطلب الثاني: تولية عبد الوهاب بن عبد الرحمان 171 هـ الفرع الأول: وقائع البيعة الف ــر الثاني: استقراء الوقائع النتيجة 193 196 197 201 205 207 209 209 211 211 212 216 217 217 219 223 285 (1/281) صفحة 282 د. أوق وغلان عبد الله نوح: نظرية الشورى عند الإباضية، دراسة شرعية دستورية مقارنة بين الفكر السياسي الإباضي والسني المطلب الثالث: تولية أفلح بن عبد الوهاب 211 هـ الأول: وقائع البيعة الفرع الفرع النتيجة الثاني: استقراء الوقائع المطلب الرابع: طرق تولية بقية الأيمة الرستميين النتيجة العامة للمبحث المبحث الثاني: شورى التسيير في الحكم الرستمي المطلب الأول: الإمام عبد الرحمان بن رستم الفارسي الفرع الأول: استشارة عبد الرحمان في شأن معونة أهل المشرق الفرع الثاني: استقراء الوقائع. النت بة المطلب الثاني: الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان الفرع الأول: الوقائع الفرع الثاني: استقراء الوقائع النتيجة المطلب الثالث: الأيمة الرستميون الآخرون 296/ 211 المطلب الرابع: ركائز الحكم الشوري في الدولة الرستمية الفرع الأول: مجلس الشورى الفرع الثاني: عدم وجود جيش منظم في الدولة الثالث: التسامح والحرية الفكرية والعقائدية الفرع الفرع الرابع: بساطة الإدارة وقربها من الرعية النتيجة العامة للمبحث الخاتمة المراجع والمصادر فهرست 286 225 225 226 227 228 229 233 233 234 235 238 238 238 240 241 242 244 244 247 248 249 251 253 270 282 (1/282) صفحة 283 [صفحة فارغة] (1/283)