صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
الكتاب: هذه مبادئنا رد على كتاب الإباضية عقيدة ومذهبا
المؤلف: أحمد مهني مصلح - عاشور يوسف كسكاس - محمود جمعة الأندلسي - مهني عمر التيواجني
تصدير: أحمد بن سليمان الكندي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: [1407ه]
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 80/87
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/441
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 26 شوال 1446ه/ 25 - شهر 04 - 2025م. هذه مبادئنا
رد على كتاب «الاباضية عقيدة ومذهبا»
للدكتور: صابر طعيمة
أشترك في إعداده
أحمد مهني مصلح
محمود جمعه الاندلسي
عاشور يوسف كسكاس
مهني عمر التيواجني (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
تصدير (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
تصدير
الحمد لله الذي ليس كمثله شيء، والصلاة والسلام على رسول الله الذي عرف الله حق معرفته فنزهه، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فانه كان من الواجب ان يستشعر العالم قيمة علمه، ويدرك رسالته تجاه أمته، فإذا ما ألف أو كتب كانت ثمار ذلك غذاء مرياً مستساغاً لكل معدة.
ان النحلة وهي تنتقي الأزهار الفواحة لتصنع منه بقدرة الله رحيقاً فيه شفاء للناس، لتضرب المثل لما يجب ان يكون عليه العالم الذي يريد ان يخرج من عصارة فكره ومما يجمعه من ادق المصادر وأوثقها ما يقدمه للناس من غذاء فكري يظل شاهداً له على إخلاصه
وموضوعيته
إلا أنه من المؤسف أن يظهر في عصر البحث العلمي الذي زخر
بالمراجع والمصادر، وزخر بالوسائل المعينة للباحث على توفير ما يريده من معلومات في أي موضوع يريد طرقه. من المؤسف أن يظهر في هذا العصر من يغمض عينيه، ويقيد رجليه فيكتفي بما يملى عليه أو يعطى له من جلسائه ثم لا يكلف نفسه سوى إعادة الصياغة والترتيب مجدداً بذلك أسلوباً مطرداً تقليدياً في الكتابة لم يعد: له مبرر في عصرنا
الحاضر
ان كتاب المقالات الذين اهتموا في الماضي بالكتابة عن الفرق كانت لهم دوافع معينة يمكن للباحث استقصاؤها، والذي يسلك اليوم مسلكهم يشهد على نفسه بأنه ذو أهداف معينة كتلك التي دفعت (1/5)
صفحة 6
اولتك
ولقد ظهرت في الآونة الأخيرة حملة استهدفت المذهب الأباضي .. افرزتها عوامل معينة أهمها انتعاش هذا المذهب على المستوى العلمي المعاصر كبروز دعاة مخلصين فيه، وظهور المؤلفات الأباضية القديمة والحديثة بحيث اصبحت في متناول القارئ، واحتكاك المثقفين من الأباضية بغيرهم من اصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، الأمر الذي جعل البعض يفسر هذا الانتعاش بأنه خطر لابد من التخطيط لوضع حد له .. وهكذا تنوعت أساليب المواجهة.
فمنها ما كان على شكل فتاوى تصدر من بعض كبار العلماء ينتهزون فيها الفرصة لتكفير المذاهب المخالفة لهم ولو كان ذلك على حساب موضوع الفتوى وكيف يقيم الموضوع الفتوى حساب اذا لم يقم حسابا لآخرته عندما ينسب الى فرقة من المسلمين. افتراء - أموراً
-
لا صلة لهم بها ثم يصدر حكمه بتكفيرهم بل ويتجاوز ذلك الى الدعوة الى قتالهم، ويعطي نفسه الحق في إلحاقهم بأهل النار .. ومنها ما كان على شكل محاضرات وأمسيات تعقد في قاعات علمية يفترض فيها ان تكون منابر للدعوة الى وحدة المسلمين .. ومنها ما كان على شكل ابحاث و دراسات، صرف في اعدادها الجهد وبذل في سبيلها الكثير، ووجه للقيام بها طلبة متخصصون كان حريا ان يوجهوا الى دراسة ما يخدم الاسلام والمسلمين، وقد خرج العديد من تلك الدراسات منها ما كان معداً من قبل الطلبة، ومنها ما كان معداً من قبل بعض الاساتذة، على ان بحوث الاساتذة والتي يفترض فيها ـ أيضاً ـ ان تكون مراجع للطلبة كانت في حقيقتها مهازل لافتقارها الى الموضوعية والصدق
ولا عتمادها على مراجع ومصادر مشكوك في نوايا مؤلفيها، هذا الى
4 (1/6)
صفحة 7
جانب كون تلك المصادر قد ألفت في الوقت الذي كانت الحرب قائمة
على اصحاب الفرق من قبل السلطات الممولة للمؤلفات، والموجهة للمؤلفين الذين كانوا بدورهم لا يخرجون عن أحد أمرين، إما أنهم بسطاء فيقلدون غيرهم وارثين قواعد فقهية يرتكزون عليها، ولا يملكون الخروج عنها فيوظفون علومهم ومعارفهم لخدمتها، ويعالجون كل ما يعيشونه من واقع من منطلق تلك القواعد المتوارثة المقلدة. وأما أن يكونوا ذوي أهواء تدفعهم أهواؤهم الى ذلك العمل البعيد عن الروح العلمية فضلاً عن بعده عن الاسلام، واما ان يكونوا مرتزقة مأجورين لا يأبهون في نقل وحشر بل واختلاق ما يخدم اسيادهم. وباحثو هذا العصر - وإن كان عصر العلم ـ لا يخرجون عن هذه الاحتمالات الثلاثة مستنياً بعض الباحثين الذين تحروا الدقة والموضوعية في بحثهم واجهدوا أنفسهم في استقصاء المعلومات من
مظانها.
والكتاب الذي أصدره الدكتور صابر طعيمة ــ بغض النظر عن
صحة نسبته اليه فالذي يهمنا انه صدر باسمه - هو كتاب خانه التوفيق، وجانب الحقيقة، وبعد عن الموضوعية، ونأى عن الطريق العلمي الصحيح للبحث. ولما كان هذا الكتاب قد تناول الأباضية في عقيدتهم ومذهبهم بغير ما هم عليه كان ايضا من الواجب أن تفند أقواله، وتناقش وذلك من منطلق الحرص على الأمانة العلمية وعلى جعل القارئ والباحث
والمتخصص والراغب في الاطلاع على مبادئ هذا المذهب جعلهم على المحجة الناصعة التي لا يدانيها شك، لأن هذا التفنيد والمناقشة قد اجتهد (1/7)
صفحة 8
واضعوها ان يعتمدوا فيها على الاسلوب العلمي الهادئ الهادف الذي
يخدم طلاب العلم ويردوا الحق الى نصابه.
ان الاخوة الذين قاموا بتفنيد ما ورد في كتاب الاباضية عقيدة ومذهبا هم في الحقيقة أساتذة متخصصون في الاصول .. أصول الدين وأصول الفقه، وهم الى جانب تخصصهم الاكاديمي فإنهم على إطلاع على عقائد مذهبهم وأصوله مع اطلاعهم على أصول المذاهب الاسلامية الأخرى، ذلك ان الأباضية لا يمتنعون عن دراسة أفكار غيرهم والاستفادة منها، ويعتبرون التراث الاسلامي والفقه الإسلامي ثروة لكل المسلمين لا يجوز حكره، ولا هدره، ومن هذا المنطلق نجد أمهات الكتب الأباضية في الاصول والفروع مليئة جداً بآراء العلماء من غير المذهب الأباضي،، لأن الأباضية في حقيقة أمرهم لا يعترفون بالتقليد الأعمى، ويعتبرون الحق ضالة المؤمن، وهم يربون ابناءهم على الانفتاح على الآخرين.
هذا وإن كان النقاش العلمي والحوار المفتوح بين علماء المذاهب الاسلامية هو الوسيلة الوحيدة لتقريب الآراء، وتضيق الفجوة بينهم، ولقد نادى الاباضية منذ عهود قديمة بذلك لايمانهم بضرورة وحتمية الوحدة الاسلامية، ولكن المؤسف أن لا يقابل هذا النداء بالاستجابة، بل ان الاستجابة كانت سلبية ومضادة، فالذي يحصل أن المهتمين بقضايا الاصول والفرق وتحقيقها، والذين يدعون العلم في هذا المجال ينتهزون الفرصة لايراد أقوالهم في غياب غيرهم من الأباضية الذين يمكنهم أن يناقشوهم، أو يبنوا لهم الحق، فبقدر ما تسمع الصوت الأباضي ينادى بطلب اللقاء نفاجاً بالرفض والتهرب، وهناك الكثير من المواقف التي
تكررت من بعض الدعاة في أكثر من مناسبة، وعلى مستويات علمية (1/8)
صفحة 9
متفاوتة من كلا الطرفين، كما أن الطلبة الجامعيين منهم يتلقون تعليمات من اساتذتهم بأن الطالب الأباضي الذي يتضح لهم أنه على معرفة بمذهبه لا يناقشونه ولا يخلطون به، بحجة أن هذا الطالب لديه من الادلة ما لا يقوى على مواجهتها غيره من اولئك الطلبة، في الوقت الذي تصدر فيه التعليمات بشأن الطالب الاباضي غير الواعي لأصول مذهبه لسهولة التأثير عليه، وهذا هو الذي أدى ببعض الطلبة من الاباضيين الى الانخداع بما يسمعونه من غيرهم ثم يستخدمون للقيام بنفس الدور لدى غيرهم من الشباب. وهذا لا يحدث إلا ممن كان مهزوزا في عقيدته. ولاشك أن المذهب لا يضيره ذلك ولا تساقط المنهزمين ممن كانوا ينتسبون اليه، فهو كما يصف الرسول عل حال المدينة المنورة وانها كالكير تنفي خبثها واما بالنسبة لكثرة الأعتداء عليه فهذا أمر طبيعي إذ أن الحق والباطل يعيشان منذ أن خلق الله البسيطة في صراع دائم، ويصدق على أتباع هذا المذهب قول رسول الله الله: الاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضيرهم من ناوأهم .. الخ. فلولا أن هذا المذهب يرتكز على أسس ثابتة، ومبادئ راسخة، وعقائد صحيحة، وقواعد صلبة لما أمكنه الصمود منذ القرن الأول الهجري وحتى الآن، وعلى مر هذه القرون وهو يصارع الباطل وعلى مختلف الجبهات، ولم تقف قوتى في وجه أي مذهب كالتي وقفت في وجه هذا المذهب، وإذا كانت مثل هذه القوى وقفت في البداية أمام الخوارج فان تلك القوى أمكنها القضاء على فرق الخوارج حتى لم يعد لها ذكر، ولكنها عجزت عن القضاء على هذا الفكر الخالد، بل الحاصل هو العكس تماماً فان هذا المذهب ينتشر انتشاراً في الأرض بشكل مطرد،
وإذا كانت من الفترات الزمنية ما شهد فيها المذهب بعض الانحسار في (1/9)
صفحة 10
-
شيء من المناطق فذلك لتخلى اتباعه - الجهلهم - عن حقيقته.
وفي هذا العصر وبعد أن تفتحت عقول الشباب بالوعي، وانطلقت آفاقهم الفكرية، وتعطشوا الى ما يروى ظمأهم الفكري لم يجدوا إلا هذا الفكر العتيق الحديث، العتيق لأنه ضارب في جذور التاريخ الاسلامي منذ فجره الساطع، والحديث لأن ذلك الفكر وأسسه والمبادئ التي قام عليها والسبق الدعوى المبرمج، والمنهج العلمي المدروس الذي يربى به الأجيال الحمل الاسلام وبلورته، والتطبيق
العلمي الناجح الذي مارسه الاباضيون وفق ذلك المنهج، هذا كله دفع الشباب المسلم من مختلف المذاهب الى التفاعل معه، وتقبله لأنه يلبي رغباتهم، ويروي ظمأهم، ويشفي غليلهم، ويثلج صدورهم، ويربطهم بماض عريق، ويطمئنهم بأن العلاج الناجع لمشكلات الأمة هو تبني هذا المنهج المستمد من القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عملاً وقولاً من الرسول الا الله والتي ترجمها الأئمة - رحمهم الله - واثبتت جدواها في مختلف الأزمان
إن توجه الشباب الى هذا المنهج وخاصة بعد أن أصبحت كتب المذهب في متناول الجميع، وبيروز بعض الكتاب المنصفين من غير الإباضية الذين اهتموا بالبحث الدقيق عن الحقيقة من مظانها، ان هذا هو الذي أزعج هؤلاء، واقض مضاجعهم، مما دفعهم الى التصدى لهذا التيار الهائج الذي يسمعون هديره يصم آذانهم، فارتعدت فرائصهم من صحوة هذا العملاق.
إن هذا الرد الذي أعده هؤلاء الاساتذة الأفاضل، يحدد المبادئ التي تميز الاباضية عن غيرهم. والذي يتجرد من التعصب
ز (1/10)
صفحة 11
من
والتقليد وينظر الى هذه المبادئ نظرة باحث عن الحقيقة يجد انها مبادئ تقوم على تنزيه الله تعالى، وعلى السمو بالنفس الانسانية الى المرتبة التي ارادها لها خالقها، من خلال وضع الأطر التي تحميها وتقيها الانحلال، وتوجهها الى الطريق الصحيح. وهي مبادئ تبنى المجتمع الاسلامي وتنظم حياته كما اراد له الله ان يكون وذلك من خلال وضع التنظيمات الدقيقة التي تعنى ببناء هذا المجتمع ليؤدى هذا المجتمع دوره ويحقق اهدافه في هذه الحياة وسط الزخم الهائج، ويتسم بالسمة المميزة له كمجمع إسلامي له حق الصدارة والسيادة والريادة بين
الأمم.
والاباضية وهم يجعلون هذه المبادئ على رأس معتقداتهم فانهم بذلك يؤكدون على ضرورة ترابط هذه الاشياء، وعلى ان فصلها عن مضمون العقيدة أوجد الخلل في العقيدة ذاتها، وهم أيضا يحرصون على ضمان تطبيقها. وضمان تطبيقها لا يتحقق إذا ما اعتبرت ثانوية في الدين. لأن المفهوم الشامل لوحدانية العقيدة في نظرهم مرتبط بالمفهوم الشامل للعبادة، وان الحياة بالنسبة للمسلم هي كلها عبادة يدركها من صفت عقيدته وخلص توجهه الى الله، وهم لا يميلون الى الدعة والاتكالية والعيش على الأماني الفارغة، ولا على الأوهام. وإذا أخذنا على سبيل المثال قضيتين من قضايا العقيدة كالرؤية وخلود اهل الكبائر في النار، فإننا نجد ان العقيدة التي تقوم على تنزيه الله تعالى هي التي ينبثق عنها السلوك السوي، ومن المستحيل أن ينضبط سلوك أي إنسان تقوم عقيدته على تشبيه الله بشيء من مخلوقاته أو أن تقوم
على وصفه بصفات نزه ذاته عنها
فالمسلم إذا اعتقد رؤية الله فإنه من الطبيعي أن يصرف ذهنه
ل (1/11)
صفحة 12
في التفكير والتخيل في ذلك الموقف والكيفية التي تتم بها الرؤية، وهذه معتقدات اندست - في الحقيقة - الى المسلمين من اعدائهم اليهود،
-
وقد حذرنا القرآن الكريم منها، فان اليهود هم الذين سألوا موسى عليه السلام - ان يريهم الله جهرة، وهم بالتالي الذين استطاعوا ان يدسوها في اذهان المسلمين بأساليبهم الخبيثة المعروفة من خلال دس الاحاديث الموضوعة أو تأويل الاحاديث الضعيفة، وهم أنفسهم الذين ادعوا بانهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة. ولم يكتف القرآن بتحذيرنا من هذه الأفكار بسردها علينا، ولكنه حذرنا بأن أخبر تعالي في آية تقرر أن منكم - أيها المسلمون - من سيدعى نفس الدعوى، ويتأثر بها وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به وهو في الآخرة من الخاسرين ومع هذا فان بعض المسلمين ابي إلا أن يثبت الاعجاز الخبري للقرآن فيدعى نفس الدعوى.
وماذا ينتظر من إنسان يعتقد أن الجنة مكفولة له في الآخرة بشفاعة الرسول الله إلى درجة يغبطه عليها المؤمنون الصادقون، ماذا ينتظر من هذا الانسان من دور في حياته؟ إنه بلاشك سيضرب عرض الحائط بكل القيم والأخلاق، فضلا عن الأوامر والواجبات، ولن يتردد في التلذذ بشتى الشهوات غير عاليء بني أو زجر، ثم أنه هل ميحقق من ذلك هدف الحياة الذي خلق من أجله؟ إن هذه الاعتقادات عندما تتخلخل بها عقيدة المسلم فانها ستقلب حياته الى متمرد عابث لا يرعى الله حرمة، وهي بلاشك. بغض النظر عن
-
-
مصادمتها لصريح الآيات - تناقض مع الغاية التي خلق لها الانسان ووما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون فإذا كان الانسان خلق لأن تكون حياته عبادة بكل اجزائها وجوانبها بمعنى أن كل حركة من (1/12)
صفحة 13
4
حركاته الى الله سبحانه وتعالى ليحولها الى عبادة محققا تلك الغاية. فكيف له أن يحققها إذا كان معتقداً ذلك الاعتقاد الذي يكسبه الاتكالية
على الشفاعة ومغفرة الله لجميع الذنوب دون توبة، ويكسبه الاعتماد على الايمان اللفظي الذي يدعيه.
وهي تتناقض مع الغاية القصوى للخلق، فإن الايمان باليوم الآخر من مقتضياته الاستعداد له بالعمل الصالح، وإلا فلا تتحقق غاية
الحياة الدنيا إذا كانت حياة الفرد الأخروية غير مرتبطة ـ كثمرة ـ
لحياته الدنيوية.
-
وهي تتناقض مع الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وسن الشرائع، ومع الأمر والنهي، وهذا بالتالي يعنى أن ينسب الى الله - العبث، تعالى الله
سبحانه
وهي تناقض مع مفهوم التقوى التى نادى بها القرآن رابطا بها كل جزء من حياة المسلم، وجاعلاً إياها الغاية من كل عمل، ومعتبراً إياها شرطا لقبول صالح الأعمال، وكيف يتفق مفهومها هذا مع من يعتقد هذا الاعتقاد الذي بموجبه لا تضاع الواجبات فحسب، بل
ترتكب السيئات.
هذا.
واستشعاراً من مكتبة الاستقامة برسالتها في خدمة العلم، وابراز الحقيقة وحرية الرأي، فإنه يسعدنا أن نقدم للقارئ الكريم والباحث عن الحقيقة المتحري للموضوعية هذا الكتاب وهذه مبادئناه راجين ان يكون كما وجهناه خالصا لوجه الله الكريم، والله المسؤول ان يمن على امتنا بما يحقق وحدتها، ويلم شعثها، ويبصر ابناءها ويهديهم
ن (1/13)
صفحة 14
سواء السبيل، وهو ـ تعالى ـ ولي ذلك والقادر عليه. وهو
ونعم الوكيل،
هذا وإنني أحيل القارئ الكريم الى هذا الكتاب هذه
مبادئناه
أحمد
بن سليمان الكندي
غرة رمضان المبارك 1407 (1/14)
صفحة 15
تمهيد (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
بسم
الله الرحمن الرحيم
• تمهيد •
إن مبادئ الاسلام السمحة ما حضت على أمر بعد الايمان بالله حضها على الوحدة والائتلاف بين المسلمين وما نددت بشيء بعد الاشراك بالله تنديدها باختلاف الأمة. فالقرآن يقرر أن هذه الأمة واحدة وأن المؤمنين إخوة وإن هذه أمتكم أمة واحدة) (1) وإنما المؤمنون إخوة (2) وينهى عن التنازع ويحذر من عاقبته ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم (3) ويُذكر بنعمة تأليف القلوب ويدعو الى الاعتصام بحبل الله المتين وعدم الخروج عن الجماعة فيقول وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ماله (4) فالأصل
في المسلمين الوحدة والتآلف
لكن لحكمة الالهية لم يخلق الناس على نمط
- آية 92 سورة الأنبياء
2 - آية 10 سورة الحجرات - آية 46 سورة الأنفال
- آية 103 سورة آل عمران (1/17)
صفحة 18
واحد في التفكير، فاختلفت الأفهام وهذا أمر طبيعي، إذ تقدير الأشياء والحكم عليها له علاقة
•
بالفروق الفردية الى حد بعيد (1) وبما أن الاختلاف في وجهات النظر أمر فطري فالأولى أن يكون ظاهرة صحة تغني العقل المسلم بخصوبة في الرأي، ورؤية الأمور من أبعادها وزواياها كلها، لا أن ينقلب إلى وسيلة للتآكل الداخلي والانهاك، وهو أخطر ما أصيبت الأمة به في عصرنا والاختلاف في كل شيء وعلى كل شيء حتى شمل العقائد والأفكار والتصورات والآراء الى جانب الأذواق والتصرفات والسلوك والأخلاق وتعدى الاختلاف كل ذلك حتى بلغ أساليب الفقه وفروض العبادات ((2) وإذا سلمنا أن الأختلاف أمر طبيعي لما فطر عليه الناس من تباين في عقولهم وأفهامهم و مداركهم وجب أن نقرّ أنه لم ينشأ عن ضعف في العقيدة أو رغبة في الابتداع بل كان تحري الحق والرغبة في إصابة مقاصد الشريعة بغية جميع المختلفين وهذه أهم أسباب الاختلاف تؤكد ما ذهبنا إليه،
فلا يعدو سبب الخلاف أن يكون:
1 - أدب الأخلاف في الاسلام، لطه العلواني ص
- المصدر السابق ص
الرد على طعيمة - 1
18 (1/18)
صفحة 19
(1) عدم وصول سنّة الى طرف ووصولها للآخر
(2) أو مدى ثبوت الرواية وعدمه
(3) أو أختلافا في طريقة فهم النص وتأويله (4) أو أختلافا في حمل اللفظ على أي من معانيه
تذكى
التي وضع لها
+
وقد تستجد على الساحة الاسلامية عوامل
روح
الاختلاف
عبر العصور وفي شتى البيئات وأشدها تأثيرا العامل السياسي الذي يساعد على تمسك أهل كل بلد أو جيل بما وصلهم من
نصوص والنظر الى ما لدى غيرهم نظرة متحفظة. كثيرا ما تخضع لظروف التأييد السياسي أو المعارضة. لكن إذا غلب الهوى الحرص على تحري الحق فعندها يكون الخلاف مذموما و قد يتطور فيصل الى الفجور في الخصومة، وقد ابتليت أمتنا في هذا العصر بهذا النوع من الخلاف الذي يرجع في معظمه الى عوج في الفهم تورثه علل النفوس من الكبر والعجب بالرأي والطواف حول الذات والافتتان بها. (1)
وقد أختلط الأمر على الأمة فلم تفرق بين ما
1 - مقدمة كتاب أدب الأخلاف في الاسلام ص
10
الرد على طعيمة - 55 (1/19)
صفحة 20
يجب توحيد الفهم له، وما يجوز تعدد الفهم فيه ولم تستوعب ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز فقشت العداوة بين الأخوة في الدين على أساس من اختلاف في الفهم، بينما الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية إذا كان رائد الجميع هو البحث عن الحق والالتزام به (1) وفي ظلمة هذا الأفق الضيق برزت أصوات الصحوة تنادي بالتعاون فيما تتفق فيه، ومعذرة بعضنا فيما تختلف فيه، كما ظهر إتجاه يدعو الى تفتح المسلمين على بعضهم وهو
يستحق
التنويه والدعم من الجميع. فالاختلاف لم يبن بين الاخوة حواجز تحول دون الالتقاء» (2)
فعلينا أن نستخلص الدرس من أحداث التاريخ وأن نضع من القواعد ما يجعل الخلاف بين الأمة في دائرة الحوار والاحترام والود، يظلل الجميع الحب في الله وتقدير الاجتهاد المخالف
في الرأي تصطرع العقول
وليس تضطغن القلوب
أما محاولة فرض الفهم الواحد فيما يحتمل تعدد
1 - على مشارف القرن 15 هـ لابراهيم الوزير ص 63 2 - أدب الأختلاف في الاسلام ص 85 (1/20)
صفحة 21
الأفهام واعتقاد العصمة فيما نذهب اليه فهو من
السلبيات التي يجب على كل عامل للاسلام أن يتجنبها. وحرصاً منا على الوصول الى الحقيقة قمنا بهذا البحث و لم نرد به جدلاً يقضي على المحبة، فنحن نقف عند نهيه عليه السلام في حديثه أنا كفيل ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً) (1) ونوافق صاحب كتاب مختصر تاريخ الاباضية في قوله إني أريد من كل قلبي أن يزول الخلاف بين المسلمين بتاتا أو يتلطف أو يخف) (2)
وإذا صفت النيات وتأصل الاخلاص وغلب
الحرص على تحري الحق على الهوى والانتصار للرأي فإن مستقبل الأمة يبشر بالخير .. وهذه مساهمة منا في إظهار الحقائق بعيداً عن الذاتية، رائدنا التجرد والموضوعية ما أستطعنا ونرجو من الله السداد
وحسن الثواب
1 - رواه ابن ماجه في الباب السابع من المقدمة حديث 51
2 ـ مختصر تاريخ الأباضية ص 4 (1/21)
صفحة 22
[صفحة فارغة] (1/22)
صفحة 23
المقدمة (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
المقدمة
لقد عرف تاريخ الفكر الاسلامي الحديث اتجاهاً مرتبطاً بالحركه الاستشراقيه اشتغل بالرد على الشبه التي كانت تثيرها هذه الحركة وقد بذل المفكرون من جهدهم ووقتهم الشيء الكثير للدفاع عن الاسلام. نعم لقد وجدت هذه الحركة بكل ما لها وما عليها إلا أن حدتها قد خفت. ونحن الآن نقدم على عمل شبيه به کم کنا نود عدم الخوض فيه فهو إلى درجة ما إضاعة للوقت وترف فكري من المفروض ألا يقع وأن تتوجه الجهود الى دراسة أعمق وأفيد فى خدمة الأمة الاسلامية. فبقدر أهمية بعض
المواضيع العقائديه عند أسلافنا مثل خلق القرآن ورؤية الله وحقيقة الميزان والصراط فإننا اليوم
أمام تحديات تفرض علينا الاهتمام بقضايا العصر ومشاغل الناس في مختلف جوانب حياتهم. فلماذا إذا هذا الانسياق في طريق حكمنا عليه منذ البداية بأنه غير مجد أو أن إيجابياته غير متكافئة فضلاً عن أن تكون أكبر؟ ولعل الدوافع الرئيسية التي يمكن أن تبرر إقبالنا على الكتابة هي الرغبة الاستاذ صابر طعيمة) في أن يقدم بعض
سلبياته
الاستجابة
الرد على طعيمة - 11 (1/25)
صفحة 26
الباحثين والمؤرخين من أتباع المذهب المحدثين إجابة عن تساؤلاته تقرب المسافة ولا تبعد الشقة (1) ويتمثل الأمر الثاني في صدور الكتاب عن أستاذ جامعي يحمل لقب «دكتور وكلنا يدرك تمام الادراك ما لهذه الألقاب من تأثير نفسي على عقولنا والمهزومه ومن شأن هذا الاستلاب أن يجعلنا نقبل كل ما يصدر عن هؤلاء الناس حقيقة مسلمة لا تقبل المراجعة والتصويب ولا شك أن هذه الظاهرة صورة من صور الاستعباد الحضاري الغربي لنا والأمر الثالث والأخير يكمن في وجود تفسيرات ونتائج لم يوفق المؤلف على ما نرى قد يأخذها بعض الدارسين للكتاب ممن ليست لهم علاقة بالفكر الأباضي على أنها حقائق فأردنا أن نشير اليها وأن نساعده على الاهتداء الى الصواب ولعل مما يدفعنا الى ذلك إقبال الشباب المتزايد على هذه الأبحاث
والدراسات في سبيل البحث عن الهويه والتعرف على الذات
إن هدفنا من هذه الدراسة لا ينبغي أن يؤول على أنه صراع فكري بين المذاهب. فهذا الصراع
طعيمة: الاباضية 13
الرد على طعيمة ـ 12. (1/26)
صفحة 27
ينبغي
أن يزول وأن يعزل محركوه، كما لا يجب أن
يفهم منه الاستنقاص من شخص الأستاذ «طعيمه)
أو الغمز في مكانته العلمية، وسنحاول
استطعنا
—
?
—
أن نكون مستهدفين بعد مرضاة الله
وحده والامل في عفوه ورحمته ومنه ولطفه أن تكون هذه الأعمال خالصة لوجهه الكريم وأن يجعلها الله مدخلاً لمرحلة من الانفتاح القلبي والعقلي بين المسلمين حتى تلتقي تحت لواء فكر إسلامي عميق ومستنير كل الاجنحه المذهبيه التي تنتمي
الاسلام»
لأمة
إن عملنا هذا يقوم على عرض أفكار الاستاذ كما هي مع توثيقها باحالة القارئ على صفحات الكتاب ثم مناقشة وجهات النظر هذه على ضوء معلومات نستقيها من مؤلفات الاباضية وغير الاباضية دون أن نغفل عن إرجاعها الى مصادرها فهذا البحث الموجز هو عملية تقييمية للكتاب من وجهة نظرنا التي قد تتفق مع آراء غيرنا وقد لا تتفق ثم نترك للقارئ الكريم الحكم لنا أو علينا
1 - طعيمة: الإباضية 14 - بتصرف -
والله الموفق،،،
الرد على طعيمة – 13. (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
الناحية المنهجية (1/29)
صفحة 30
[صفحة فارغة] (1/30)
صفحة 31
نقد المنهج
من المسلم به أن الكتابة عن الاباضية ليست وليدة اليوم. فالاباضية كمذهب اسلامي من أقدم المذاهب من الناحية التاريخية حظى باهتمام المؤرخين
و كتاب المقالات منذ أن بدأ التدوين وقد تميزت
دراسات هؤلاء بالسرد التاريخي والطبيعة الوصفية وللاباضية على هذه الكتابات مآخذ ومواقف لها ما يبررها. وقد ظل اللاحق من المؤرخين ينقل عن السابق حتى ظهرت حركة الاستشراق وقويت لدوافع معروفة فاشتغل قسم من المستشرقين بالمسألة الاباضية فاعطوا هذه الدراسات صورة جديدة حين رفضوا الاقتصار في دراسة هذا المذهب على كتب
غيرهم كما هو الشأن الجماعة الأولى بل اختاروا
الطريق الصعب فارتحلوا إلى موظن الاباضية وخاصة بشمال افريقيا مستعينين بالقوة المادية والسياسية التي كانت وراء حركة الاستشراق فاطلعوا على الاباضية من خلال كتبهم ولقاءاتهم مع العلماء وتعرفوا على المكتبات ودونوا قوائم لبعض كتبها فترجموا البعض منها وحققوا بعضا آخر وأصدروا الكتب وحرروا المقالات في المجلات المختصة وحاضروا حول
الرد على طعيمة - 17. (1/31)
صفحة 32
المذهب في المؤتمرات التى كانوا يعقدونها .. وخلال العقود الأخيرة بدأ الدارسون المسلمون، وقد تزودوا بمناهج البحث الحديثة، يهتمون بموضوع الاباضية وكانت اغلب هذه الدراسات الاسلامية الحديثه في شكل رسائل جامعية اكتسبت قيمتها من جدة الموضوع وطرافته وبالاضافة الى هذه الدراسات فقد لعبت الصحافة دورا في الحديث عن الاباضية من خلال المقالات في المجلات المختصة واستجوابات رجال الفكر واساتذة الجامعات وزعماء الحركات الاسلامية حول الموضوع الذي سيظل قائما على الساحة الفكرية.
ليس من اليسير أن تقيم هذه الأعمال فهي كثيرة، وعملية التقييم تحتاج الى دراسة مفردة تتطلب الكثير من العناء وطول الوقت إلا أن الشيء المؤكد أن هذه الدراسات على مختلف اتجاهاتها ونزعات أصحابها الفكرية تستجيب بنسب متفاوتة المتطلبات الحقيقة العلمية وأن القاسم المشترك بينها تعلقها بالناحيتين التاريخية والعقائدية بصفة خاصة بإستثناء دراسات قليلة تعرضت للناحية الحضارية
و للجانب التشريعي - الفقه وأصوله - إلا أنها
الرد على طعيمة - 18. (1/32)
صفحة 33
تظل في حاجة الى تعميق ومزيد من البحث.
وفي هذا الاطار العام للدراسات الاباضية صدر حديثا كتاب الاستاذ / صابر طعيمه والاباضية عقيدة و مذهباً وهو يمكن أن يكون نموذجا لهذه الدراسات سنحاول أن نسير معه خطوة خطوة دراسة وتقييما بحسب طاقتنا وما پسر الله لنا من جهد الاباضية: عقيدة ومذهبا بحث أعده الدكتور صابر طعيمة نشرته مؤسسة خليفة للطباعة بمطابع دار الجيل ببيروت لبنان سنة 1406 هـ - 1986 م وهو يقع في خمس وسبعين ومائة صفحة من الحجم المتوسط ويتكون الكتاب من مقدمة وإثنتين وخمسين مسألة وخلاصة للبحث وكلمة أخيرة أبرز فيها أهم النتائج التي توصل إليها، يمكن أن نبوب هذه المسائل الأثنتين والخمسين في:
أ: القسم التاريخي
ب: التعريف بالاباضية وفرقها
ج: مسائل العقيدة الاباضية: العرض والنقد
د: المقارنات لقد سلك الاستاذ طعيمة في كتابه هذا طريقة
عرض الفكره وحاول أن يأخذها من مصدرها
الاباضي
-
بإستثناء الناحية التاريخية ـ ثم ناقش
الرد على طعيمة - 19 (1/33)
صفحة 34
الفكرة وعلق عليها ببيان خطئها كما يراه هو وحاول أن يبين دوافع الخطأ وأسبابه وأن يقارن بين فكرة الاباضية و أهل السنة والجماعة ليخرج من كل
ذلك بنتائج وأحكام إطمأن إليها وآمن بها. ونحن الكتاب سنسعى إلى التعرف
من
خلال رحلتنا مع
على مدى نجاح المؤلف في تقديم الاباضية للناس في صورتها الصحيحة والتصور الصحيح لأبناء
المذهب
•
لقد أخذ المؤلف على نفسه منذ البداية عهدا أن يقول الحق ولا شيء غير الحق وأن يلتزم بالموضوعية فهذه الدراسة ليست حربا مذهبية على الاباضية وتأويلات أئمتها وأتباعها وكما أنها ليست حربا فهي روح العداء الذي يتهم به الاباضيون من
لا تحمل
يكتب عنهم
ولم نتعامل مع المصادر ولا الرجال
بنوع من التطاول أو التهوين وإنما كنا نذهب معهم نحاول التعرف على أوجه الحق
ثم يكتب في آخر صفحة من الكتاب أخيرا وبعد رحلة هادئة تتسم بالموضوعية والرغبة في الانصاف للمذهب الاباضي .. ترد في الخاطر جملة استفسارات 1200 (2) وينزه الكاتب نفسه عن الجدل
طعيمة: الأباضية 13
2 - ن م 175 انظر ايضا الفقرة الأولى ص 170
الرد على طعيمة – 20. (1/34)
صفحة 35
والمراء في قوله: ونحن لا نريده جدلا ولا مراء مع مفكري ومؤرخي الاباضية، لكن لا نرد منهج و موقف كل أصحاب المقالات لعل في ذلك ما يعين
على تحديد المواقف وصحة الاحكام بعد ذلك 1 إن هذه المقتطفات بعض من كلام صاحب الكتاب فما هو مدى التزامه في بحثه بهذه الوعود واتصافه بهذه الصفات؟ وهل في كلماته وتعابيره وأسلوبه ما يدل على هذا الالتزام؟ إنه يرى أن أئمة الأباضية متأولون محبون للجدل والمراء ويتهمون من يكتب عنهم ثم يكتب الاستاذ: وكان الأمل أن لا ينزلق المذهب الأباضي هذا المنزلق، في مسألة كلام الله 2 إن اتهام الاباضية بالانزلاق في مثل هذا الموضوع الغيبي والذي تكون نصوصه عادة مجملة تحتاج الى ايضاح ولم يصدر في شأنها الرسول الكريم وصحابته من بعده قولا فصلا إن هذا الاتهام لأمر خطير فهو إما دعوة الى عدم استعمال العقل في فهمها وإما إجبار المجتهدين على الوصول الى النتائج التي توصل إليها الأشاعرة من أهل السنة والجماعة) وهذا احتمال لا يقل خطورة على حرية الفكر من الاحتمال الأول. ثم يمضي في هذا الاتجاه
Y
ن م 75
طبعية: الأباضية 100
الرد على طعيمة - 21. (1/35)
صفحة 36
ليقول: إنهم (الاباضية) بالرغم من كثرة التعديلات والتفريعات في هذا الموضوع (الامامة)
والتي أدى إليها ولعهم بالاجتهاد واهتمامهم به) (1) إن في هذه العبارة الأخيرة دلالة على مؤاخذة المؤلف للاباضية على استعملهم العقل في فهم النصوص، فلماذا اعتبر الاستاذ الاجتهاد أمرا غير طيب كما يفهم لفظة ـ ولع ـ وهل يتصور امكانية فهم
من
-
واضح لهذه المواضيع الفكرية دون بذل الجهد في البحث والتفسير، ومما لا ريب فيه أن هذه المؤاخذة تشعرنا بأن الاباضية يقدمون على الاجتهاد بلا عدة ولا قواعد مما يؤدى الى القول بإتباعهم الهوى، فهل هناك تهمة أخطر من هذه يمكن أن توجه الى جماعة مسلمة أيا كانت؟!
=
وإذا آمنا بأن المؤلف ينتقي كلماته إنتقاء وهذا هو المفروض في الكتابات الموضوعية. فإن هذا الحكم القاسي يحتم على صاحبه أن يراجع نفسه إذ هل يمكن أن يساهم هذا الرأي في تقريب الشقة بين المسلمين الذي دعا إليه المؤلف؟! وكان من المفروض على الاستان طعيمه أن يناقش وأحمد
1 ـ ن م 143، 169، 174
الرد على طعيمة - 22. (1/36)
صفحة 37
أمين الذي يقف في هذه المسألة على طرفي نقيض معه، فهو يرى أن الخوارج (ومنهم الاباضية على رأيه أقل الناس كلفا بالجدل «لقد كانت ثقافة الخوارج بحكم غلبة البداوة عليهم. ثقافة عربية خالصة لا أثر فيها لفلسفة اليونان كما هو الشأن في ثقافة المعتزلة ولا أثر فيها لثقافة الفرس كما هو الشأن في الشيعة. ثقف الخوارج ثقافة أدبية لغوية على نمط العرب في ثقافتهم، وثقافة اسلامية على النمط المعهود في عصرهم، من تفهم للكتاب والسنة في سهولة ويسر فإن جادلوا في الدين فاحتجاجهم بظواهر النصوص وتمسك بحرفيتها» (1) إن إيرادنا لهذا الكلام يعني أنه القول الصحيح، فلنا مآخذ كثيرة على آراء «أحمد أمين» في الخوارج ولكننا أوردناه لنبين الاختلاف التام مع ما ذهب إليه الاستاذ طعيمه» دون أن يتعرض لهذا الموقف والرد عليه فإن الموضوعية وإظهار الحقيقة تفرضان ذلك، ولا أعتقد أن هذا يخرج المؤلف عن الاطار الذي أخذه على نفسه بأن عمله دراسة مجملة لا مفصلة يقصد بها تعميم النفع (2) فإن الاجمال الذي يؤدى الى عدم
لا
1 - احمد امين: ضحى الاسلام 344/ 3
طعيمة: الأباضية 13
الرد على طعيمة - 23. (1/37)
صفحة 38
الايفاء بالمعنى غير حميد
ولنمض مع هذه النماذج للموضوعية من خلال ألفاظ المؤلف وتعابيره فهو يتساءل هل يستطيع
باحث منصف والحجة أمامه في نصوص كتاب الله وسنة نبيه من علماء جمهور
الائمة ونهج
المسلمين أن يقر المذهب الاباضي على منهج التأويل لصريح نصوص كتاب الله في عقيدة العلو والاستواء لقد عبر الكاتب عن إستغرابه من فهم الاباضية لفكرة العلو والاستواء على غير ما فهمها الأشاعرة من أهل السنة والجماعة» فهو ينطلق دائماً من كون هؤلاء الأخيرين هم الحجة والمعيار الصحيح ثم يذهب الى أن هذه المسائل قد جاءت بها نصوص لا تقبل التأويل وربما يعني بذلك أنها نصوص محكمة وأعتقد أن هذا كلام لم يقل به أحد من العلماء وآية ذلك هذه الأعداد الضخمة من كتب
العقائد ومتونها وشروحها التي تطرقت الى هذه المواضيع فتباينت فيها مواقف العلماء في كل المذاهب بحسب قواعدهم الاجتهادية وللاباضية أنفسهم الحق في أن يفهموا هذه القضايا العقائدية وأن يستعملوا
عقولهم في فهم نصوصها منتهجين في ذلك قواعد
100 PU-1
الرد على طعيمة - 24. (1/38)
صفحة 39
الاجتهاد الصحيح وطرق المعرفة لتحقيق هدفهم الوحيد المتمثل في تنزيه الذات الالهية فهل في ذلك عيب؟! ولماذا يعد الاستاذ طعيمه» فهم الاباضية للمسألة تأويلا فاسدا، ولا يفوتني هنا أن أذكر بأن الأيام قد أثبتت جدارة المنهج الاباضي في التفكير وآية ذلك أن علماء من أهل السنة والجماعة سلكوا هذا المسلك وتوصلوا في كثير من المسائل الى ما توصل اليه الاباضية فإمام الحرمين أول لفظة اليد والعين والايجي قال بأن الصفات عين الذات ومحمد عبده أقر بالخلود لأصحاب الكبائر (2) فهل يمكن للاستاذ طعيمة أن يجرى على هؤلاء العلماء نفس الحكم الذي أطلقه على
الاباضية؟!
لقد كان من المفروض أن لا يصدر المؤلف مثل هذه الأحكام وأن يتخلى عن رفع شعار «الباحث المنصف» و «توضيحا للحق» و «صحة ما ذهب اليه أهل السنة والجماعة» و «فساد التأويل» .. إن هذا المسلك لا يمكن أن يفيد الفكر الاسلامي أو أن
1 - الجويني: الارشاد 155 – 163 2 ـ محمد عبده: المنار 362/ 1 - 364
الرد على طيبة - 25. (1/39)
صفحة 40
يتقدم به خطوة إلى الأمام ولقد آن الأوان أن نتخلى عن فكرة الثقة المطلقة في السلف والانطلاق من آرائهم للحكم على من خالفهم وخاصة في مثل هذه المسائل الغيبية ولا ريب أن المؤلف يؤمن بأن آفة الموضوعية هي الأفكار المسبقة. ويمضي المؤلف في نفس الطريق قائلاً: والعرش عند علماء السلف حتى لا يقول المتأولون والنفاة بالحيز ... و من
هنا فإن ما ذهب إليه الاباضية مخالف لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله الله رسوله .. وفوق ذلك فإنه إبتداع غير مستقيم في فهم كتاب الله وسنة رسوله بالاضافة إلى مجافاته للفطرة وإعمال النظر الذي طالما شغفوا به وادعوه في كثير من قضاياهم الاجتهادية 1 هذه لغة تطرب بعض الناس ولا ريب، أصدر فيها المؤلف أحكاماً على الاباضية، أقل ما يقال فيها أنها تخرجهم عن ملة الاسلام إذ ماذا يمكن أن يعد من خالف القرآن والسنة؟!! نعم لقد أصدر أحكاما وقد سبق له أن ألتزم في أول كتابه أن يسجل ملحوظاته على الاباضية في شكل سؤال واستفساز. فلم هذا التراجع وهل في اصدار هذه الاحكام فائدة تخدم وحدة المسلمين التي دعا
طعيمة: الأباضية 160
الرد على طعيمة - 26 5 (1/40)
صفحة 41
المنهج لا
إليها أكثر من مرة؟ نحن على يقين أن هذا يخدم الاسلام كما إنه لن يفلح في الكشف عن الحقيقة وسيثبت البحث إن شاء الله محدودية اطلاع الاستاذ طعيمه على الفكر الاباضي. صحيح أنه قد أطلع على بعض كتب الأباضية المعتمدة إلا أنه كان يدرسها من منطلق فكر بعض الأشاعرة ولم يكن ينطلق من منظور فكر إسلامي متكامل بكل خصائصه ومميزاته يمثل الاباضية والشيعة و أهل السنة والجماعة أجزاءه الكبيرة.
إن الحديث عن عن الموضوعية التي طالما أشار إليها الاستاذ طعيمة يقودنا الى أن نفرد مسألة المصادر غير الاباضية بالحديث وخاصة كتب
المقالات التي كلف بالدفاع عنها ولم يبح أن تجرح بل ربما اعتبر ذلك رفضا للتراث وثورة ضده .. فهو يستبعد أن يقول أبو الحسن الأشعري عن الاباضية بغير تثبت ويستغرب أن يُرفض ما قاله عن الاباضية وأن ينسب إليه الجهل بعقائدهم (1) فمقالات الاسلاميين والابانه وثيقتان لا يجب أن يتطرق اليهما الشك 2 في رأي المؤلف ونراه يلح في أكثر من
1 - طعيمة: الاباضية 77 - 78
ن م 74 - 75
الرد على طبيعة - 27 (1/41)
صفحة 42
موضع على المكانة العالية لأبي الحسن الأشعري فقد الله صدره (2) الله قلبه إلى الحق 1 و شرح فتح وا يفتح الله على على أبي الحسن الأشعري» و «هو الشهرستاني فيما نعتقد مؤرخ ثقة سؤال وجيه يطرح نفسه رغما عنا، لم هذا الالحاح والتكرار في تنزيه كتاب المقالات أولا تكفي الاشارة الواحدة؟! وهل يمكن لرجل كأبي الحسن الأشعري تربى في المدرسة الاعتزالية تعطى العقل حقه أن يتخلى عن كل ثقافتها بل ومنهجها وطريقة تفكيرها. أنه قد يختلف في النتائج مع المعتزلة ولكنه يظل معتمدا في فهم النص على العقل وبالتالي سيقع فيما وقع فيه الاباضية على رأي المؤلف في ولعهم بالاجتهاد واستعمال العقل فهو بلا ريب قد رد على المعتزله بنفس السلاح الذي استعملوه في الوصول الى نتائجهم، فاستعمال العقل في فهم القرآن والسنة إذا اعتبرها الاستاذ طعيمه» نقيصة فهي ظاهرة عامة ومتفاوتة النسبة لدى الاتجاهات الفكرية
صحيح
كلها
1 ـ ن م 152
100 - 101 pü-1
ـ ن م 35
الرد على طعيمة - 28 5 (1/42)
صفحة 43
نحن نوافق صاحب الكتاب في أننا لانستطيع
إهمال ما سجله هؤلاء الكتاب). (1) اولا التقليل من شأنه لأن ذلك يعد إنكاراً للتراث واستخفافا به لأنفسنا بذلك ولكن لا يمنعنا هذا
الفائدة
ونحن لا نسمح من نقد هذه المؤلفات حتى وإن كانت لأناس ننظر اليهم بإكبار فهم أولاً وقبل كل شيء بشر يصيبون ويخطئون وإذا لم يكن هذا العمل ضروريا فما من الدراسات النقدية لكتب التراث وغيرها أوليست القاعدة الصحيحة في الموضوعية هي النظر إلى كل ما كتبه الأقدمون بعين فاحصة دون أن نقلل من قيمة تلك الكتابات والمؤلف يرى أن في التسليم شبه المطلق بآثار هؤلاء الكتاب حتى أنه لا يمكن أن يرد منهجهم، إذ لعل في ذلك ما يعين على تحديد المواقف وصحة الأحكام: بعد ذلك» 2: واضح من كلام الاستاذ طعيمة أنه يبحث عن النتائج بقطع النظر عن حقيقة المصدر وطبيعة هذه النتائج في حين أنه بالأمكان أن نصل الى نتائج أفضل إذا إنطلقنا من نظرة نقدية للتراث فقد ينقل هؤلاء المؤلفون ما بلغهم عن الاباضية نقلا أمينا بكل ما فيه من أثر
1 - طعيمة: الأباضية 48
2 ـ ن م 75
الرد على طعيمة ـ 29. (1/43)
صفحة 44
للسياسة وللكتمان الشديد الذي كان يحيط جماعة الاباضية وما انجر عن ذلك. شائعات وجدت. من
-
مع الاسف الشديد بيئة ترعرعت ونمت فيها
—
ونحن نطالب الكتاب المحدثين الذين يبالغون في الاعتماد على أبي الحسن الأشعري، أن يشيروا إلى لقاء بينه وبين علماء الأباضية أو رواية عنهم أو قراءة في كتبهم أو مشاهدة لهم بشرط أن لا تكون كمشاهدة ابن حزم لاباضية الاندلس في عصره إذ
أر
العلم لا يؤخذ عن العوام فهم ليسوا حجة على المذهب، كما أن مسلمي اليوم ليسوا حجة على الاسلام بل وأكثر من ذلك فعقلية ابن حزم ومواقفه من أصحاب المذاهب الأشعرية نفسها يمكن أن يتعرف عليها من خلال كتابه «احكام الاحكام». إن جهل الأشاعرة القدامي بالفكر الاباضي حقيقة ثابتة وليس زعما كما ذكر المؤلف (1) وما قاله ابن النديم في الفهرست شاهد على ذلك (2). ثم إن عدم ثبوت الخصومات الفكرية أو صدام عقلي بين أصحاب المقالات والاباضية .. دليل واه على
-1
طعيمة: الأباضية 47
2 - ابن النديم: الفهرست: هؤلاء القوم (الشراة) كتبهم مستورة، قل ما وقحه لأن العالم تشنأهم وتبعهم بالمكاره ولهم مصنفون ومؤلفون في الفقه والكلام وهذا المذهب مشهور بمواضع كثيرة ... الفهرست 229 – 230
طعيمة: الأباضية 48
الرد على طعيمة - 30 5 (1/44)
صفحة 45
موضوعية أولئك الكتاب إذ أن اللقاء لم يقع حتى يثبت الصدام. ألم يكن من المفروض على المؤلف أن يجيب على تساؤلات كانت تطرح نفسها عليه وهو ينقل من هذا الكتاب أو ذاك. فمن عساها تكون هذه الفرقة الأولى التي أشار اليها الاشعري والفرقة الثانية والثالثة، وقوم منهم، وبعضهم (7) مرات) ومن هي هذه الاسماء التي لا نجد لها ذكراً في كتب السير والتراجم الأباضية؟! ألا يمكن لأي قارئ، فضلاً عن أن يكون باحثا، أن يحار في هذه المعلومات الضبابية، فقد تؤدى به الحيرة الى الشك فيها ثم الى عدم الركون اليها والاعتماد الآلى عليها حتى لا نخرج بنتائج خطرة نحكم بها على
الاباضية
نقول مرة أخرى إن التصريح بالموضوعية والتعابير المرادفة لها لا يكفيان أن يجعلا الكتابة من أمرا مقبولا ولكن المعرفة العميقة بالموضوع مع قوة الدليل هما اللذان يشعران القارئ بمستوى الكتاب بل وينتزعان منه الثقة والتقدير أما تكرارها لمثل هذه الألفاظ والتعابير لا تغير من الأمر شيئا.
إن اطمئنان الاستاذ الى كتاب المقالات وآرئهم
الرد على خيمة - 31. (1/45)
صفحة 46
في الاباضية لم يمنعه من أن يسجل بعض مواقف الاشادة والتنويه فقد أكد أن الخوارج (أحد الجذور البعيدة للاباضية على رأيه كانوا نبتة إسلامية فلم يجزموا بكفر أحد في أول أمرهم وكانوا بعيدين كل
عندهم
البعد عن السبئية 1 وفي الواقع وللانصاف فإن عقيدة الاباضية في التوحيد وهي المسماة بجملة التوحيد) تعتبر من القضايا التي لم يتأثر فيها المذهب بمؤثرات غير إسلامية كما هو الشأن عند فرق كثيرة تنسب للاسلام ولكنها ليست منه 2 وبهذا الكلام فقد أبعد بطريقة غير مباشرة عن الفكر الاباضي الجذور اليهودية وغير اليهودية، وقد أشاد بموقف عبد الله بن إباض حيث خالف ابن الأزرق وابن الصفار - ولم ينس أن يخلع الاوصاف الفضفاضة على بعض الاباضية، فأبو عبد الله محمد القلهاتي إباضي متضلع؛ وقطب الائمة محمد بن يوسف أطفيش إباضي ضليع. ... إنه بإمكاننا أن نتساءل عن الغاية من هذا المديح لهؤلاء الناس، هل
طعيمة: الأباضية 32
2 ـ ن م 87
طعيمة: الأباضية 32
ا ـ ن م 101
- ن م 136
الرد على طعيمة ـ 32 5 (1/46)
صفحة 47
هو الاعتراف بصحة آرائهم أم هو شيء آخر؟! إن الجواب الصحيح يكمن عند الاستاذ طعيمه».
ويمضي المؤلف في إصدار أحكامه قائلاً:
فالذي لا جدال فيه ـ عنده ـ إن الخوارج
-
-
كظاهرة سياسية دينية مغالية ومتطرفة .. وأنهم لم يكونوا في مستوى من إجتهد فأخطأ أو تأوّل فضل فلما عرف الحق ثاب إليه ولكنه الغلو الذي حذر منه النبي» (1)) إننى أورد هذا الكلام لأني على يقين بأن صاحب الكتاب يؤمن بأن الأباضيين لا يزالون متأثرين في عقائدهم وأفكارهم بهؤلاء الناس كما صورتهم كتب التاريخ والمقالات وآية ذلك أن قضية (الكبائر) وحكم مرتكبها والتشدد فيها قد
لازمت الخوارج بشكل أصلي وانتقلت الى الاباضية تاريخيا بحكم علاقة النشأة الأولى والتي انقطعت بين الاباضية والخوارج وإن كان كثير من المؤرخين لم
Y ....
يسلم بعد بعملية استقلال المذهب الاباضي والاباضية وقعوا في متاهة نفي الصفات 30 وهم
ا ـ ن م 4746 انظر ايضا 36
119 p 0 - 5.
ـ ن م 104
الرد على طعيمة - 33. (1/47)
صفحة 48
مبتدعون ومدعون في إعمالهم النظر» (1) و تأويلهم للصراط اجتهاد في غير محله» (2) ثم «هم مذبذبون في تأثرهم بالمعتزلة حينا وبالخوارج حينا وبالاشاعرة حيناً آخره (3) وهم يتوسعون في موضوع الكبيرة تدفعهم روح التشدد؛ كلها أحكام أصدرها الاستاذ لا شك أنها أحكام
هذه
قاسية تتعلق بالاباضية وخاصة في حياتها الاولى -
-
لأنها. ا حسب رأيه قد تطورت ـ فهي فرقة خارجية أو قل لم تستقل نهائيا عن الخوارج من الناحية الفكرية والعقائدية فلابد أن تأخذ حظها من بذرة الشر والفساد التي هي إحدى طبائع الخوارج (5) | ثم إن الفكر الخارجي ومنه الاباضي هو الصدى العلمي لحديث نبوي أخرجه مسلم (6)، لاريب أن التفسير السلفي لمثل هذه الاحاديث ما يزال يسيطر على بعض العقول، وأنا لا يفوتني أن أذكر بأن هذا الحديث يمكن أن ينطبق على أصحاب الجمل ومعاوية وأخيرا
ا ـ ن م 160
ـ ن م 162
- طعيمة: الأباضية 174
4 ـ ن م 121
ه ـ ن م 36
6 ـ ن م 37/ 36
الرد على طعيمة - 34 5 (1/48)
صفحة 49
على الخوارج بحسب الترتيب الزمني، ثم يقول المؤلف: «إن ما ذهب اليه الاباضية في تأويل الآيات والاحاديث التي تثبت الميزان على أنه جسم
مادي مذهب في غير محله) (1) متى يصبح رأي الاباضية في محله؟! أعندما يقولون بمذهب الأشاعرة؟! أم أنهم وصلوا إلى نتائجهم عن هوى وانتصار للمذهب؟! أم أن منهج البحث عند الناس أمر لا يجوز أن يختلف فيه إثنان؟! إن القول بهذا الرأي إنما هو تقييد من حرية العقل المبدعه وبذلك يكون المعتزلة والشيعة والاباضية جملة وتفصيلا على خطاً ويظل أبو الحسن الاشعري وحده قد ألهم الصواب، ثم يواصل في نفس المنهج ليقول: ... على أمل أن نؤكد جوانب الاجتهاد التي ذهبوا إليها يمكن لو صلحت النيات أن يعيد فقهاؤهم النظر اليها حتى لا تظل إبتداعاً يحول دون الرغبة في تحقيق الانتماء الواحد لأبناء الملة الواحدة» (2) إن أحسن تعليق على هذا الكلام عدم التعليق
•
يمكن أن نتساءل الآن، بعد هذه القراءات السريعة للكتاب، ونرجو أن لا نكون قد تقولنا على
- طعيمة: الأباضية / 190 ن م 13
الرد على طبيعة - 25. (1/49)
صفحة 50
الاستاذ طعيمه عن مدى معرفته بالفكر الاباضي وهل أن ثقافته تسمح له بطرق الموضوع فيعرف الناس بأقدم مذهب إسلامي من الناحية التاريخية قد أثبت وجوده رغم المحن والمآسي التي تعرض لها أتباعه؟ إنه من المتفق عليه أن تقييم أي فكر أو مذهب والتعريف به يكون نتيجة لدراسات أكاديمية على مدى سنوات طويلة يكتسب الشخص من خلالها تجارب تمكنه من الوصول الى إستساغة روح فكرهم، أما القراءة العابرة لبعض كتب هذه الفرقة أو تلك لا تكفي لاصدار أحكام قريبة من الصواب
فضلاً
عن أن تكون صائبة
إن الدكتور صابر طعيمه غير بعيد عن موطن الاباضية عُمان» كان بإمكانه أن يزور هذا البلد ويناقش علماءها أو يراسلهم على اختلاف إجتهاداتهم إن وجدت إختلافات، وأن يعرض عليهم ما كتب قبل أن يدفع به الى المطبعة، فهو قد أضاع فرصة ثمينة كان بالامكان أن تحقق لصاحبها ما كان يرجو من تقديم صورة أقرب ما تكون الى الحقيقة عن الاباضية كما يراها أصحابها. أليس من الجائز الآن أن نجزم بأن معرفة الاستاذ بالاباضية وفكرهم
الرد على طعيمة - 36 5 (1/50)
صفحة 51
محدودة جدا ومعلوماته عن الموضوع مضطربة
يكتنفها الغموض؟!
يتجلى لنا عدم تعمق المؤلف في موضوع الاباضية من خلال اضطراب معلوماته وغموضها
انطلاقا
من الاطار الجغرافي للحركة في المغرب أسماء الأماكن القديمة بلغة هذا العصر
فيتعامل مع فهو لا يميز بين مدينة تونس وإقليم تونس اليوم والذي كان يطلق عليه المؤرخون الجغرافيون القدامى افريقيه فيذكر أن تونس يومها كانت على المذهب الاباضي (1) وهذا خطأ كبير، فلقد كانت إفريقية
مقسمة بين الدولة الرستمية وكان لها الوسط
والجنوب وبين الدولة الأغلبية ذات المذهب المالكي التي كانت تحكم الشمال بما فيه مدينة تونس ومما يؤكد هذا الاضطراب قوله: والامارة على هذه البلاد (إفريقيه) تتم بناء على أمر الامام في المغرب والجزائر» (2) وهذا خطأ ثان في نفس النقطة إذ أن المغرب يومها كانت تحت حكم الأدارسة الصفرية
وقد جاء هذا الاضطراب الى الكاتب من
أن
-
طعيمة: الأباضية 61
2 ـ ن م 61
الرد على طعيمة - 37. (1/51)
صفحة 52
المؤرخين الأباضية كثيرا ما يسمون الجزائر وفيها قاعدة الامام (تيهرت) بالمغرب الأوسط. ثم يواصل الأستاذ مسلكه هذا فيرى أن النكارية وإن عُدت فرقة لها إمام هو (أبو المعروف شعيب بن المعروف) فيكفي في الحكم على خروجها .. » (1) ففي هذا خطأ تاريخي كبير ذلك أن هذا الرجل قد عاش في مصر ثم انضم الى الحركة المناهضة لأمامة عبد الوهاب إلا أنه لم يكن يوما ما إماما للنكاريه
الكلام
وإن كان عنصرا نشيطا داخل الحركة. والغريب في الأمر أن الاستاد طعيمه سبق له أن أورد المعلومة صحيحة حين أشار الى أن يزيد بن فندين هو إمام
النكار (2) فلم كل هذا الاضطراب؟! وهل يمكن أن يؤكد هذا خلط المؤلف وعدم تركيزه؟ وهل من شك في ان كل ذلك مما يقوى فينا عدم الثقه في نتائجه وعدم الاطمئنان إليها؟!
إن مواطن هذه الفوضى في المعلومات وصورها كثيرة إذ يقول الدكتور طعيمه والذي حدث في ظروف نشأة هذه الفرقة (النكاريه) أنه بعد
مشاورات بين رؤساء هذه الفرقة وهم عبد الله
1 - طعيمة: الأباضية 67
2 ـ ن م 51
الرد على طبيعة - 38.
بز (1/52)
صفحة 53
عبد العزيز الفزاري وعبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج عمر بن محمد السدوسي وشعيب بن المعرف وحاتم بن منصور ويزيد بن فندين وقع إختيارهم على بيعة عبد الوهاب بن رستم .. ) (1) إنني لأعجب من هذا الخلط بين رجل ـ عبد الله الفزاري ـ
إختلفا
-
وقد عاش في القرن الثالث كيف تمكن من المشاركة في اجتماع انعقد في القرن الثاني ثم إن عبد الله بن عبد العزيز وأبا المؤرج من علماء البصرة اللذين مع أبي عبيده مسلم بن أبي كريمه حول مسائل فكريه متى وأين التقيا مع يزيد بن فندين إمام الحركة النكاريه ذات المنطلق السياسي الصرف في أول أمرها. إن عدم توثيق هذه المعلومات بإحالتها الى مصادرها لم يكن عن طريق الصدفة ونكتفي في تعليقنا على كل ذلك بأن هذا خطأ وخلط
عجيبان!!
يمكن أن نذكر الاستاذ طعيمة بأخطاء أخرى فهو يخلط بين يزيد بن فندين وأبي قدامه اليفرني ويعتبرهما شخصية واحدة (2) في حين أن الشماخي في سيره يراهما شخصيتين متمايزتين إذ يقول: «فتولى
طعيمة: الأباضية 50 2 ـ ن م 50
الرد على طعيمة - 139 (1/53)
صفحة 54
عبد الوهاب الامامة ورضى بذلك مسعود الاندلسي وبايعه ابن قدامه لقرابة بينهما اللذين تراجعا فيما بعد مع ابن فندين) (1) ثم نرى المؤلف يذكر شعيبا بن المعرف مرة وابن معروف تارة أخرى وأنا أحمل هذا على أنه خطأ مطبعي وليس إهمالاً للضبط ولكنني لا أستطيع تبرير خطاً متكرر لاسم علم من أشهر أعلام الاباضية فيذكره حينا صحيحا الربيع بن حبيب ويذكره أحيانا خطاً بإسم ابن الربيع (2) بل ويبالغ في هذا النوع من الأخطاء فيخلط بين جابر
بن عبد الله وجابر بن زيد إمام الاباضية الأول
6
وسأعود إلى إمامة المذهب فيما بعد إن شاء الله، فقد قال الاستاذ. ... مع ان الاباضية كانوا جميعا من أيام جابر بن عبد الله يقولون إن صلاة الجمعة واجبة وراء الائمة الجورة ... ) (3) لا أحد يستطيع أن يفسر هذا الخطأ في إسم أعظم رجل عند الاباضية على الاطلاق ولا حتى الاستاذ طعيمه) نفسه فمثل هذه الاخطاء لا يمكن أن تقبل من أي فضلاً عن أن تصدر عن باحث منصف
باحث
يتحرى الدقة والضبط فيما ينقله قد كلف نفسه
ا الشماخي: السير 151/ 150
- طعيمة: الأباضية 165/ 164
طعيمة: الأباضية 67
الرد على طعيمة - 10 5 (1/54)
صفحة 55
مشقة تعريف الناس بالاباضية. أليس هذا دليلا على محدودية معرفة الاستاذ بالموضوع ثم هل يسمح لنا أن نخلط بين أنس بن مالك الصحابي ومالك بن أنس إمام المذهب المعروف أو أن نسند رأيا العبد القادر الاشعري» أو «أبي الحسن البغدادي هل يمكن ذلك؟!!
أعود إلى مسألة زعامة المذهب فإن الأستاذ
بن
إباض
مطمئن إلى أن إمام المذهب هو عبد الله فالمسألة عنده يقينيه فلم يشر بأي شكل من
الأشكال إلى زعامة محتملة كان يتحملها التابعي جابر بن زيد، إن التحقيق الذي قدمه الاستاذ عوض خليفات في هذه المسألة بالذات جدير بأن يُطَّلع عليه فإن المصادر الاباضية تجمع على أن ابن إباض لم يكن إمامهم الحقيقي ومؤسس دعوتهم وإن من علمائهم ورجالهم البارزين في التقوى والصلاح، ولهذا السبب فإنها أغفلت الحديث عن كثير من جوانب حياة ابن إباض ونشاطه، ويعتبر الاباضية القدامى منهم والمحدثون جابر بن زيد إمامهم الأكبر ومؤسس دعوتهم ولم يكن ابن إباض إلا واحدا من أتباع فرقته ولم يصدر في شيء من
كان
الرد على طعيمة - 1) (1/55)
صفحة 56
1
أفعاله إلا بأمر ذلك الأمام وإرشاده) (1) لاشك أن
الاستاذ سيشعر بشيء من الغرابة في تسميه لا توافق معناها ولكنها غرابة سرعان ما تزول إذا اطلع الباحث على المراحل الأولى لنشأة الحركة وما تميزت به من كتمان بالاضافة الى عوامل أخرى جعلت الناس ينسبون المذهب لعبد الله بن إباض
إن من خصائص منهج الكتاب الالحاح المبالغ فيه في بعض المسائل فقضية وجود عبد الله بن إباض مع الخوارج في قضية ابن الزبير تكررت خمس مرات (2) وألح على شكه في مسند الربيع بن حبيب وعدم ثقته فيه ست مرات (3) فلماذا كل هذا الالحاح؟! ولما أراد أن يقنعنا بأن ما يورده من معلومات هي حقائق مسلمة يبني عليها بعد ذلك النتائج التي يريد أن يصل إليها، لقد كان بإمكانه أن يكتفي بالمرة الواحدة فيتجنب هذا التكرار
الممل.
لقد ألفنا الأستاذ يطمئن الى المصادر ويثق فيها إلا أن له مع مسند الربيع بن حبيب موقفا مغايرا
خليفات: نشأة الحركة الأباضية 185/ 84
2 - طعيمة: الأباضية 29/ 26/24/ 22/13 ن م 165/ 122/107/ 104
الرد على طعيمة ـ 12 5 (1/56)
صفحة 57
فالذي يقلق الباحث حقا
-
عنده -
هو
أن
المرتكزات العقديه التي ذهب إليها الاباضية في فهم بعض آيات كتاب الله كانت على ضوء الأسس
العقدية التي دونها الربيع بن
مسنده .. ) (1)
في
هل بإمكان الدكتور طعيمه أن يفسر لنا هذا السر في إنتقاله من الراحة والثقة مع كتب المقالات والفرق إلى القلق والشك مع مسند الربيع؟! كان من المفروض قبل أن يعبر عن قلقه هذا أن يدرس هذا المسند دراسة متأنية أو أن يعود الى ذوي الاختصاص ليقدموا له دراسة نقديه لهذا الكتاب قد تساعده في الخروج من حيرته تلك ثم كعادته ينطلق الأستاذ من فكر أهل السنة والجماعة ليقيم هذا الكتاب «فدلالته هذا الحديث نفسه التي رواها الربيع بن حبيب بالسند الخاص به عند الاباضية أسانيد يختلف بها محدثو الأباضية عن الأسانيد التي وضعها أهل الحديث من علماء السنة جعلوها بعض أدلتهم» (2) و «مما يجدر ذكره في هذا المقام أن علماء الاباضية القدامى والمحدثين يعتمدون في
وهي
1 - طعيمة: الاباضية 122
2 ـ ن م 104
الرد على طيبة - 13 5 (1/57)
صفحة 58
4
أن
هذه القضية على مسند الربيع بن حبيب وسند هذا الرجل ليس بالسند الذي اعتمده أهل الحديث من علماء السنة والجماعة .. ) (1) و بالرغم من المسند الذي بين أيدينا لا يطمئن الباحث الى أن منهجه قد يقبله علماء السنة) (2) و «أما أحاديث مسند ابن الربيع (كذا) فإن الباحث إذا لم يردها على ضوء الدراسة المقارنه بإصحاحات (3) أخرى وذلك لانقطاع السند عن ابن الربيع (كذا) .. (4) ثم ينتقل الأستاذ في شكه من مسند الربيع بن حبيب الى تابعية عبد الله بن إباض فهو لا يطمئن إليها ويعتبرها مجرد افتراض .... وبين شخصية ابن اباض التابعي على فرض التسليم بصحبته لصحابي أو لبعض أصحاب رسول الله الله والأخذ عنهم حتى
يصح وصفه بالتابعي ونحن نرجح كون الرجل تابعياه (ه) إن المسألة لا تحتاج الى ترجيح أو عدم ترجيح فالقضية يقينيه ومتأكدة والشواهد التاريخية
1 ـ ن م 109
2 ـ ن م 107 انظر كذلك ص 122
3 - نحن الإباضية نرفض تسمية مسند الربيع الاصحاح بل هو الجامع الصحيح إذ أن كلمة إصحاح وإصحاحات لا نجدها إلا مع التوراة ولم تستعمل في غير هذا
الموضع.
طعيمة: الأباضية 165
ه - طعيمة: الإباضية 47
الرد على طعيمة - 11. (1/58)
صفحة 59
على ذلك كثيرة فقد شارك الرجل في الدفاع عن البيت الحرام مع عبد الله بن الزبير وهو صحابي وحضر محاضرة ابن عباس للخوارج كما جاء في الكتاب: (1)
ينتقل الاستاذ من منهج الشك الى تضخيم الخلافات بين الأباضية: فمثلما اختلف الاباضيون فيما بينهم حول بعض القضايا العقدية ذات الأهمية
جر
القصوى عندهم فقد اختلفوا حول هذه القضية التي الاختلاف فيها على المسلمين الكثير من الويلات والمحن والآلام .. » (2) و «بهذين الرأيين عند الاباضية في موضوع زيادة الايمان ونقصانه) يتضح لنا أن خلافا جوهريا بين أتباع المذهب الواحد في واحدة من أهم قضايا الاعتقاد لم يحسم» (3) يمكن أن نسأل الأستاذ على أي أساس رتب هذه القضايا وحدد درجة أهميتها؟ وهل أن معاييره في ذلك من الشرع أم من العقل؟! وهل أن مثل هذا الاختلاف وفي نفس المسألة لم يقع بين مجتهدي الأشاعرة؟!! فبماذا يحكم على من يقول من الأشاعرة بأن الايمان لا يزيد ولا ينقص مخالفا بذلك الجمهور منهم؟!
1 - ن م 25
ن م 99
- ن م 117
الرد على طعيمة - 15. (1/59)
صفحة 60
إن الخلاف الحاصل في هذه المسألة بين مجتهدي
الاباضية هو نفسه قد وقع عند غيرهم من
فلم هذه المؤاخذة وهذا التهويل؟!
المذاهب
ومما يمكن أن يؤاخذ عليه الاستاذ عدم التثبت في إسناد المؤلفات إلى أصحابها فقد أسند قصيدة النونيه لأهل المشرق باطلاق والحال أنها لأبي نصر فتح بن نوح الملوشائي شرحها كثير من المغاربه منهم الشيخ الجيطالي.
عصر
احتى
وبالرجوع الى الجزء الأول ص 575 من منهج الطالبين لا نجد للمؤلف كلاما أحالنا عليه يتعلق بزيادة الايمان ونقصانه ثم هو يقرر أنه شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله لم يكن للخوارج في هذا الموضوع الامامة) مدونات يمكن الاطلاع عليها تحدد جوهر معتقدهم السياسي والديني في موضوع الامامة (1) صحيح أنه لم تكن للأباضية مدونات مستقلة في هذا الموضوع ولكن يصعب أن يخلو كتاب من كتب العقيدة من
هذه
القضية.
فالامامة هي
أحد مباحث العقيدة الاباضية منذ
1 - ن م 133
الرد على طعيمة - 11 0 (1/60)
صفحة 61
أن بدأ التدوين ولكن أهل السنة والجماعة» لم يوفروا الجو المناسب والظرف الملائم لهذه الجماعة أن تظهر أو أن تعرض ما عندها لذلك أضطرت الى أن تحافظ على كتبها ومدوناتها ولاشك أن الاستاذ طعيمة يذكر جيداً على سبيل المثال كيف ان المرابطين سنة 503 هـ أحرقوا على رؤوس الأشهاد كتب الامام الغزالي الأشعري الشافعي في قرطبة. فماذا سيكون مصير كتب الاباضية لو وجدت طريقا الى أولئك الفقهاء أصحاب قرار الحرق
هذا؟! (1)
ومن المسائل التي لم يتحر فيها الأستاذ الدقة موضوع التقيه حين قال إن في كلام الرجل الوار (جلاني ما يشعر بجواز التقيه وهذا ما لم نلاحظه على قول معظم الأئمة الاباضيين الذين اطلعنا على كتبهم» (2) فلو رجع لاستاذ إلى مشارق أنوار العقول للشيخ السالمي – وهو أحد الكتب أعتمد عليها ـ لعثر على القضية مفصلة ولأطلع على رأي الأباضية فيها (3) ولا يفوتني أن أذكر 1 - انظر لفي بروفنسال: خمسينية كلية آداب الجزائر: مقال بعنوان: خواطر حول الامبراطورية المرابطية في بداية القرن الثاني عشر النص الفرنسي) 2 - طعيمة: الأباضية 143 3 - السالمي: بهجة الأنوار 237 - 263، المشارق
التي
-
-
الرد على طعيمة - 47. (1/61)
صفحة 62
الأستاذ بأن الأباضية وإن أجازوا التقيه فإنهم ينظرون إليها نظرة تغاير ما ذهب إليه الشيعة من تفسير للمسألة
وفي موضوع توثيق المعلومات وإحالتها على مصادرها أغفل المؤلف ذكر أسماء الشخصيات التي
هذا
اتصل بها وناقشها في المواضيع العقائدية (1) و لم يشر إلى تاريخ اللقاء ومكانه فالأمانة العلمية توجب التوثيق حتى نتمكن من التعرف على هؤلاء وتتيسر
مراجعتهم.
لقد ساند الأستاذ فكرة قال بها كثير ممن كتب عن
الاباضية من المحدثين وهي فكرة تفتقد الى الحجة والبرهان وتؤكد العلاقة بين الاباضية والمعتزلة بناء
على التشابه في كثير النقاط العقائدية فقد صوّر من
لنا هؤلاء الكتاب أن الاباضية بناء على هذا
الاتفاق
-
—
قد استقوا أفكارهم من المعتزلة. وأنا لا أدرى لما لا يكون العكس صحيحاً خاصة وأن الاباضية أقدم ظهورا من الناحية التاريخية، عاشت الجماعتان في بيئة واحدة هي بيئة العراق وخاصة البصرة فلم يحرم المذهب الاباضي من إستقلاليته
1 - طعيمة: الأباضية 124
الرد على طعيمة - 48. (1/62)
صفحة 63
الفكرية ويحكم عليه بالتبعية للمعتزلة أو الأشاعرة بحسب القضايا (1) إن كتب السير" الأباضية قد نقلت لنا مناظرات فكرية بين الاباضية والمعتزلة
تعود الى الشيخ أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة فقد ناظر واصل بن عطاء في مسألة القدر (2) وإلى زمن
الامام عبد الوهاب حيث جرت مناظرات بين
الواصليه والاباضيه (3)
وبهذا يمكن أن نقرر أن وجود نقاط اتفاق بين مذهبين ليس بالضرورة دليلاً على تبعية أحدهما للآخر وإن الاستفادة المتبادلة بينهما ليست أمراً
غريباً فهي ظاهرة عامة لدى كل المدارس الفكرية.
1 - طعيمة: الأباضية 174 - الشماخي: السير 97
100/ 101 pu-r
الرد على طعيمة - 19 5 (1/63)
صفحة 64
[صفحة فارغة] (1/64)
صفحة 65
المسألة التاريخية (1/65)
صفحة 66
[صفحة فارغة] (1/66)
صفحة 67
المسألة التاريخية.
ابتلى تاريخنا الاسلامي ببعض المؤرخين قدامي ومحدثين ومستشرقين الذين اتخذوا من الخلافات التي حدثت بين المسلمين مادة للطعن وبث روح التفرقة ونزعة الانفصال بين أجزاء الأمة الاسلامية (1) كما أسهمت السياسة في إذكاء الصراع بين أتباع الدولة القائمة ومعارضيها فتفرقت أمة التوحيد إلى شيع متناوئة وحرصت كل طائفة على إبراز مبادئها مطابقة لما كان عليه الرسول الله وصحابته وعلى وصم الفرق الأخرى بالابتداع
والضلال.
كالأمر
وأصبح أعتبار أهل السنة والجماعة» مقياسا لمدى قرب أي مذهب من الحق أو بعده عنه المتقرر. وانساق المحدثون وراء التيار التاريخي الجارف الذي حكم على منكري التحكيم بالمروق وسماهم خوارج وأدمج فيهم من لا يلتقي معهم إلا في إنكار التحكيم وهم الاباضية، كما رمى أنصار الامام علي كرم الله وجهه بالتشيع والغلو دون تمييز
1 - رفعت فوزي عبد المطلب: الخلافة والخوارج في المغرب العربي (من المقدمة)
الدعا، طمية - 553 (1/67)
صفحة 68
بين متطرف ومعتدل وقد أستطاع التدليس
أن
أعتبار
التاريخي يصبغ بثوب الحقيقة دعوى الاباضية من الخوارج حتى انطلت على بعض الاباضية أنفسهم .. و لم تستطع العقول في مدى أربعة عشر قرنا أن تتحرّر من كلمة أئمة أطلقتها شفة
مغرضة على فرقة مؤمنة) (1)
نشأة الاباضية وأثر السياسنة في ذلك: وقد ساير الأستاذ طعيمة هذا التيار وسارع منذ المقدمة إلى التأكيد على ارتباط الاباضية بالجذر الخارجي واعتبار ذلك حقيقة تاريخية لا مفر منها. لكن المتتبع لنشأة الحركة الاباضية والدارس لمبادئها بتروّ وتدقيق يصل إلى تبرئة الاباضية من تهمة نشأت
الخروج التي هي من الدعايات الفاجرة التي عن التعصب السياسي أولا، ثم عن المذهبي ثانيا (2) .. ففي عنصر النشأة التاريخية أشار المؤلف الى الانشقاق الحاصل في جيش علي إثر قبول التحكيم، وأعتبره منطلقاً لنشأة الخوارج ومن
- علي يحي معمّر (الأباضية بين الفرق الإسلامية). أبو إسحاق طفيش (الفرق بين الاباضية والخوارج)
الرد على طعيمة - 154 (1/68)
صفحة 69
ضمنهم الاباضية. كما صرح أن معظم جيش علي خرج عليه إستنكاراً لقبول التحكيم معللا ذلك بوجود عناصر غاضبة وأخرى مدسوسة هي التي صعدت الصراع دون أن يقدم أي دليل على ما قرر. والحقيقة على عكس ما ذهب اليه المؤلف، إن الخوارج نبتة إسلامية أصيلة ونظرة إلى مبادئهم ترينا أنهم لم يتأثروا بمؤثر خارجي فهم من الذين أسلموا بصدق .. » (1) فلم يندس بينهم غاضب ولا فتان. أورغم أن الاباضية يوالون المحكمة الأولى ويلتقون معهم في إنكار التحكيم إلا أنهم ينفصلون عن «الخوارج» أنفصالاً كاملاً لا لقاء معه كما سوف نرى في العنصر الموالي. ومن الظلم أن نرجع خروج المحكمة إلى أزمة التحكيم فحسب وأن نعتبر واقعة صفين منطلقا لانقسام المسلمين الى تكتلات متباينة فالحقيقة أن (الخوارج) يمثلون تيارا أصيلا في طبيعة تطوّر الدين وهو التعبير العميق الشعور الصادر عن النفوس الشديدة الايمان بإزاء تباين التطبيق عن النظر الذي جاء به الدين الحق وأزداد هذا التيار وضوحا إثر وقعة صفين وما صحبها من
1 - رفعت فوزي عبد المطلب: الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص 17
الرد على طعيمة ـ 55. (1/69)
صفحة 70
فتن وما نتج عنها من تحول الخلافة إلى ملك عضوض، فأشتد الصراع بين الدولة الأموية والفرق المعارضة ونشب الخلاف بين الفرق فيما بينها ونتج عن كل ذلك وضع الأحاديث وأستغلالها سلاحا مشهورا في وجه الخصوم والمناوئين ومنها أحاديث تربط بين ظهور الخوارج) وبين رجل من
تميم مشكوك في إسمه وصفاته بين الرواة» (1)
إن البون شاسع بين عدل الخلافة الراشدة وجور الأمويين وقد تعالت أصوات المعارضة لهذا الملك العضوض من فئات عديدة فأطلق الأمويون تسمية (الخوارج) على كل من يعارضهم و لم يفرقوا بين إباضية وأزارقة، يكفي أن كل هؤلاء لم يكونوا من المؤيدين المتحمسين لبني أمية» (2). و لم تنتشر هذه التسمية إلا بعد أستشراء أمر الأزارقة بينما لم تعرف في المحكمة الأولى الذين كان يطلق عليهم
جماعة المسلمين وأهل الحق والاستقامة، وكانت مواقفهم من الأحداث متفاعلة مطابقة الحق أو البعد عنه ومدعمة بأدلة واضحة من الكتاب والسنة. ففي رفض التحكيم مثلا أعلنوا صراحة أنه 1 - النعمان القاضي: الفرق الاسلامية في الشعر الأموي ص 215 وما بعدها 2 - صالح الصوالي:. الامام جابر بن زيد ص 212
الرد على طعيمة - 556 (1/70)
صفحة 71
ليس حلاً للخلاف بين علي ومعاوية فالأمر واضح
ويجب
يعتبر
لا لبس فيه ولا غموض. معاوية ومناصروه باغون أن يستمر القتال (حتى يفيئوا الى أمر الله) ويرجعوا عن غيهم) (1) وعلي الامام الشرعي فكيف يقبل التحكيم مع عامله الثائر عليه؟ .. ولكن المؤلف أدلة «الخوارج» شبها وهمية تمكن عبد الله بن عباس عند مناظرته لهم أن يزيل تلك الشبه من أذهان البعض فرجع، بينما ظلت الأكثرية على موقفها «الضال»، ولو كان عبد الله بن عباس مخالفا لهم لما أعتمد عليه الاباضية فإن أهل المذهب أكثر نقلهم عن أبن عباس كما يعرف ذلك من تتبع أقوالهم ودرس محرراتهم، فهو الامام لهم في نقل السنة النبوية وعليه معوّل أكثرهم ومعتمد رواتهم» (2) كما أورد المؤلف حكم الحافظ بن كثير على «الخوارج» بالتضليل دون أن يعلق عليه تمشيا مع ما دعا إليه من تطهير القلوب ليلتقي الجميع تحت لواء العقيدة الواحدة! ألم يكن الأولى أن يتريث في إقرار الحكم بضلال مجموعة من الصحابة وجلة التابعين؟! وقد
1 - رفعت فوزي عبد المطلب: الخلافة والخوارج في المغرب العربي (من المقدمة) 2 - سالم بن حمود السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي
الرد على طعيمة - 57. (1/71)
صفحة 72
ازداد مجانبة للحق باتهام المحكمة بالتأثر بجملة من العوامل من شعوبية وباطنية ودسائس يهودية تسببت في تفريق جيش علي المصيب في نظر المؤلف في قبول التحكيم. وسبق أن أشرنا إلى أصالة المحكمة وعدم خضوعهم لأتي مؤثر خارجي. كما أن علياً تفطّن إلى خدعة رفع المصاحف ولم يقبل مهزلة التحكيم إلا مضطرا بعد إنقسام جيشه وضغط أنصاره! أما حادثة قتله فيجعل المؤلف الدافع عليها وعد امرأة جميلة للقاتل حسب رواية أبن كثير ويمر أيضا دون تعليق على مدى صحة هذه الرواية ودون تدقيق في انتماء عبد الرحمان بن ملجم المرادي إلى الخوارج، وفي علاقته بالأشعث بن قيس الذي تصرح بعض الروايات أنه قال لأبن ملجم (أسرع فقد فضحك (الصبح وتواصلت سياسة العنف ضد من سموا «خوارج) طيلة العهد الأموي حيث أدرك معاوية خطورتهم وشدتهم في الحق فأشهر عليهم الحرب وطاردهم وتابعه في أضطهادهم وخنق صوت الحق الخلفاء من بعده والولاة والقضاة وذلك خاصة في مدينتي البصرة والكوفة حيث كثر الأتباع وازداد تعاطف الأهالي مع رواد المعارضة للظلم
الرد على طبيعة - 558 (1/72)
صفحة 73
والملك العضوض. ولما أشتد عليهم الأذى خاصة بعد استشهاد أبي بلال مرداس بن حدير وسمعوا بخروج عبد الله بن الزبير في مكة تنادوا إلى الجهاد معه «قال نافع بن الأزرق: إن الله قد أنزل عليكم الكتاب وفرض عليكم الجهاد وأحتج عليكم بالبيان، وقد جرد أهل الظلم فيكم السيوف فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار في مكة فإن كان على رأينا جاهدنا معه وإن يكن على غير رأينا دافعناه عن البيت» (1) وألح المؤلف على وجود عبد الله إباض مع «الخوارج» في ذهابهم إلى عبد الله بن الزبير ليؤكد أنه من قادة الخوارج لا فرق بينه وبين نافع
بن
بن
الله الأزرق وعبد الصفار ... لكن التمايز بن والانفصال تم سنة 64 هـ بعد أنفضاض «الخوارج»
عن ابن الزبير الذي تبين لهم ـ بعد مساندته والذود
عن الكعبة معه
-
أنه ليس الرجل الذي أملوه
و بعد مطالبته بالبيعة واكتشاف مخالفته لهم في الآراء ارتحلوا عنه. وقد احذ المؤلف عبد الله بن إباض على عدم اعتراضه على إعلان الخوارج» البراءتهم من عثمان وسؤال عبد الله بن الزبير عن رأيه في ثالث
1 - ابن الأثير: الكامل في التاريخ ص 365
الرد على طعيمة - 559 (1/73)
صفحة 74
الخلفاء الراشدين، لكنه عاد فأشاد بالاباضية في
إباض
تقديرهم لعثمان وعلي (1) كما نوه بعبد الله بن في اعتراضه على مواقف الأزارقة المتطرفة وصرح
بأستقلاله عنهم!
الاباضية والخوارج وتحديد المصطلحات: أليس ذلك أكبر دليل على تميز الاباضية عن الخوارج، فقد ثبت أن عبد الله بن إباض تواعد مع قادة والخوارج» للاتفاق على الخروج فسبقهم إلى المكان وبينما هو في انتظارهم إذ سمع تحنين المؤذنين ورنين المتعبدين وصنوف الأذكار في الأسحار وعندما جاؤوا قال لهم: (لست منكم في شيء، أعلى هذا يجوز الخروج والاستعراض؟) (2). ولو تتبع المؤلف مبادئ الخوارج» التي حكم بها عليهم العلماء بالمروق وقارنها بمبادئ الاباضية لوجد التناقض التام بين المذهبين، ففي حين يرى الاباضية أن المخالفين لهم موحدون وليسوا بمشركين تحل الاقامة بينهم وتجوز مناكحتهم ومواريثهم وذبائحهم ويحرم قتلهم وسلب أموالهم، يرى الأزارقة ومن
1 - ص 87 وأستشهد برسالة أبي إسحاق طفيش في الدعاء لعثمان. 2 - رفعت فوزي عبد المطلب: الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص 22
الرد على طعيمة – 60. (1/74)
صفحة 75
شايعهم وغنيمة
أن مرتكب الكبيرة مشرك يجوز سفك دمه
ماله
ذريته وأباحوا الاستعراض
وسبي
و امتحان مخالفيهم الذين يقصدون معسكرهم كما القعدة وكفروا من لم يهاجر إليهم
تبرأوا من و حكموا بقتل الاطفال تبعا لآبائهم. فكيف يسوى بين المستحل والمحرم؟!
إن الاصرار على حشر الاباضية في زمرة الخوارج» رغم المفاصلة التامة في المبادئ يؤكد على عدم تكليف النفس مؤونة البحث عن الحق وفضيلة الرجوع إليه، كما يبين تبعية المحدثين لما سطره القدامى فلا يوجد من علماء المذاهب من يقول عن الاباضية إلا أنهم من الخوارج أو هم خوارج أو أقرب الخوارج الى الحق ولم يزالوا يتداولون هذا التعبير في كتبهم الفقهية والتاريخية مع أن الواقع يشهد أن الاباضية لا تجمعهم بالخوارج جامعة ولا يمتون إليهم بصلة (1) إلا إنكار التحكيم. إن إضافة الاباضية الى الخوارج إضافة طعن وقدح أطلقها الفساق. من الأمراء لتنفير الناس
1 ـ سالم بن حمود السيابي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج ص
17 وما بعدها
الرد على طعيمة 61 (1/75)
صفحة 76
من الاباضية رائدة إنكار الباطل، والتي لا تتولى الجورة وتردّ على الظلمة بحدّة حتى وصمها أعداؤها بالغلو والتشدّد. فماذا أراد كتاب المقالات القدامى بإطلاق مصطلح «الخوارج» وهل هم معصومون حتى يخشى المؤلف توجيه النقد إليهم، إن أئمة المذاهب الأوائل دعوا إلى الضرب بآرائهم عرض الحائط إذا تعارضت مع النص ولم يدع أحدهم العصمة لذلك يمكن مناقشة القدامى في مرادهم من المصطلحات التي يطلقونها ونقدهم
إن مصطلح «الخوارج» يحتاج إلى تحديد واضح حتى يتورع كل مطلق له عن رمي من لا ينطبق عليه. وإن إطلاق لفظة خوارج تعني من خرج على نظام قائم عادلا) كان أم ظالما) فلا يكتفي بمحاربته بل يضيف إلى ذلك أن تستحل دماء وأموال وحرمات من يخالفه ويحكم عليهم بأحكام المشركين ويطبقها عليهم) (1) ويقول عمار الطالبي في كتابه (آراء الخوارج الكلامية): «اللاباضية رأي في الخوارج والخروج .. إنهم يتصورون الخروج على أنه مروق من الدين وردّة ولا يرون في الخروج
1 ـ علي يحي معمر: الأباضية بين الفرق الاسلامية ص 152 وما بعدها.
الرد على طعيمة ـ 62 (1/76)
صفحة 77
السياسي موجبا لتسمية من قام به خارجيا (1) والخوارج عند الفقهاء هم فرق خرج أتباعها على أهل الحق في زمن التابعين وحكموا على مرتكب الكبيرة بالشرك وأحلوا غنيمة ماله وسفك دمه» (2)
الناحية
وقد اكتسب مصطلح الخوارج معنى المروق بتأثير كتاب الفرق والمقالات؛ أما من التاريخية فلا يعني إطلاقا الخروج عن الدين ولا أتي معنى من معاني الادانة بالكفر ولذلك لم ير الدكتور أحمد الصبحي مانعاً في أن يعتز الاباضية بهذه التسمية! ويعتبر أن المسألة سياسية بحتة ولا تتعلق
بأصل ديني (3)
لكن المؤرخين أنفسهم كلما أطلقوا لفظ الخوارج» قصدوا به المروق من الدين. وليس الأمر كما هونه رفعت فوزي عبد المطلب حيث اعتبر القضية أختلافا في المصطلح ولا مشاحاة في الاصطلاح يقول في كتابه الخلافة والخوارج في المغرب العربي): (4): «والحق أن المبادئ التي أخذ
ا - ص: 31/ 30
2 - سالم السيابي: أصدق المناهج ص 19
- علي يحيى معمّر: الأباضية بين الفرق الاسلامية 414
- من مقدمة الكتاب ص (هـ)
الرد على طعيمة ل 13 5 (1/77)
صفحة 78
بها الاباضية أكثر إعتدالا مما أخذت به فرق الخوارج الأخرى، لكننا أمام جمهور من المؤرخين يعتبرهم من الخوارج وفي الوقت نفسه يذكر لهم اعتدالهم عن غيرهم .. وفي رأينا أن الاختلاف بين جمهور المؤرخين والاباضية إنما هو اختلاف في الاصطلاح فقط خاصة وأن ما يردّده الاباضية من مبادئ لا ينكره المؤرخون الذين تعرّضوا لهذه المبادئ ولا يبخسون لهم حقا في هذا المجال ولا مشاحاة في الاصطلاح مادام المقصود مفهوما والتمييز بين المعتدل منهم والمغالي موضحا؟! عجبا لبعض المؤلفين الأستاذ طعيمة كيف يعتبر حكم المؤرخين وكتاب المقالات فوق النقد والمناقشة رغم اعترافهم باعتدال مبادئ الاباضية وتميزها عن مبادئ الخوارج لكنهم يرون الارتباط التاريخي للأباضية بالخوارج حقيقة لا مفر منها فقد أصدر الحكم الأشعري وتابعه البغدادي فابن حزم والاسفراييني والشهرستاني وكفى بهم حكما. ثم تواصل تيار الادانة للاباضية حتى العصر الحاضر ففاجاً كثير من كبار الدعاة شباب الاباضية بأحكام قاسية على مذهبهم فقد قرنها احدهم بالقرامطة (1) وحكم غيره
ومنهم
1 - مقابلة لعمر التلمساني في أبوظبي) نشرتها جريدة الاتحاد.
الرد على طعيمة - 64. (1/78)
صفحة 79
على منكر الرؤية بالزندقة وقال يحد بالسيف (1) وعالجت مجلة «الإصلاح» الصادرة في الامارات موضوع التطرف الديني فقال الكاتب: (رغم أن هذه المذاهب المتطرفة كلها قد فنيت ولم يبق منها إلا المذهب الباطني والمذهب الاباضي فإن كثيرا من شبابنا في وقتنا هذا يميلون إلى التطرف) (2) هل يساهم هذا في توحيد المسلمين؟ ألا يخشى هؤلاء من الوقوع في ما نهى الله عنه وذمّ فاعله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (3) بوضعهم الاباضية في
مصاف الباطنية
إن القول بغير علم مجانب للحقيقة ومثير للحزازات ولن نغمط حق بعض الدعاة والباحثين
الذين كلفوا أنفسهم مؤونة الرجوع إلى المصادر الأصلية للاباضية فأصابوا في حكمهم عليها كما ساهموا بإنصافهم في تقريب الشقة بين أجزاء
الأمة
فقد ذهب الأستاذ أبو الأعلى المودوي إلى أن
- حسن أيوب كتاب في العقيدة نقلا عن الشوكاني. - لقاء مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في مجلة جبرين. سورة البقرة الآية 169
الرد على طبيعة ـ 65. (1/79)
صفحة 80
عنهم
المراد بلفظ الدين في حديث المروق: = طاعة الامام فقال: (ليس معنى الحديث أن الخوارج سيخرجون من الدين بمعنى الملة فإن عليا كرم الله وجهه لما سئل: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فسئل: أمنافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا وأولئك يذكرون الله صباح مساء، فيتقرر من ذلك أن المراد بالدين في هذا الحديث هو إطاعة الامام) (1) وفي هذا ردّ على شراح الحديث القدامى (2) وأما الدكتور عوض خليفات الذي اختص في التأريخ للفرقة الأباضية فيسجل
الملاحظات التالية:
-
إن الأباضية ليسوا خوارج كما تزعم بعض المقالات والملل والنحل وكما يدعي بعض
1 - المودودي: المصطلحات الأربعة في القرآن ص 118 - دار القلم. اورد منصور على ناصف في كتابه التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول) الجزء الخامس ص 314 تحت عنوان: قال الخوارج فرض عين، أدعى أن النبي لم يقاتلهم مع ظهور بعضهم له للتأليف، أورد هذا الحديث عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة، رواه مسلم وأبو داود. كما فسر ابن الأثير لفظة الدين بمعنى الطاعة قال يخرجون من طاعة الامام المفترض الطاعة وينسلخون منها. النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 41 0 42
الرد على طعيمة - 66. (1/80)
صفحة 81
الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص، والواقع أن الاباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم.
- إن الاباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية.
- إن المدقق في المصادر الفقهية الاباضية يجد أن أصحاب المذهب الاباضي أكثر المسلمين اتباعا للسنة الشريفة والاقتداء بها .. أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب: (1)
جسور
وبقدر إكبارنا لهذه الاحكام المنصفة التي تمد اللقاء بين أعضاء الجسد الاسلامي الواحد، نرفع صوتنا ملحين على مزيد الالتزام بالاطلاع على كتب ومبادئ من نؤرخ لهم من المذاهب حتى لا أخا فنرميه بالمروق، ولتقدم بين يدي أحكامنا
نظلم
أدلة تؤكد صدق ما ننسبه إلى أي مذهب
إن المؤلف قد وضع المذهب الاباضي في مكانه
اب عوض خليفات: الأصول التاريخية للفرق الاباضية ص 53
الرد على طعيمة - 17 5 (1/81)
صفحة 82
الصحيح: بين جلة المذاهب، فهل وفى بما قطعه على نفسه؟ هل من الانصاف أن ينعته بأنه أقرب إلى التشدد منه إلى الاعتدال: (1) أو بأن الاباضية مبتدعون ومدعون (2) وهي أحكام غريبة خالف بها كثيرا من المنصفين قديما وحديثا فقد شهد للأباضية بالاعتدال ابن الصغير المالكي في رسالته عن الدولة الرستمية فنوه بعدلهم واعترف أنهم على الحق. وقال حسن السندوبي محقق كتاب الجاحظ البيان
والتبين):
المذهب الاباضي وأهل هذا المذهب من أفاضل أهل القبلة وممن ينفرون من البدع التي ليست من الدين في شيء .. وقد كنت خدعت بقول خصوم الاباضية فيهم فردّدت مجمل ما يتهمونهم به ثم تبين لي اليقين فيهم فعلمت أنهم من خيار المسلمين وممن يرجعون في كل أمورهم من عبادة ومعاملة إلى الكتاب والسنة) (3) وأما عز الدين التنوخي فيقول: الاباضية اليوم بعمان والمغرب من بقايا المسلمين المعتدلين والمتمسكين بالكتاب والسنة) (4)
1 - المؤلف: ص
121
2 ـ نفس المصدر: ص 160
- سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الاباضي ص 83 الحق المبين في الرد على صاحب العرفان ص 22
الرد على طعيمة – 18. (1/82)
صفحة 83
ولعل تهمة الخارجية تنتفي عن الأباضية إذا تابعنا حكم الأباضية على الخوارج، إن إنكار الاباضية عليهم أعنف وأقسى من إنكار غيرهم عليهم. فقد قال الربيع بن حبيب وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب في «الخوارج: نرى ماداموا على قولهم هذا فخطأهم محمول عليهم فإذا تجاوزوه إلى الفعل حكمنا بكفرهم) (1)) ولما تجاوزوا القول الى الفعل حكموا عليهم بالضلال
وتبرأوا منهم.
الله قال عبد بن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان: (أنا) براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه لقد كان حين خرج، على الاسلام فيما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فتبراً
إلى الله منهم) (2)
1 ـ سالم بن حمود السيابي: أصدق المناهج ص 23 ـ من رسالة عبد الله بن إباض الى عبد الملك بن مروان
الرد على طعيمة - 69 (1/83)
صفحة 84
الفرق الاباضية من المصادر السنية والأباضية وموقف كتاب المقالات من المذهب الاباضي:
ونختم ردّنا في المسألة التاريخية بالتعرض لموقف كتاب المقالات من الاباضية وما أوردوه من فرق ادعوا أنها منشقة عن الاباضية، فهذا أبو الحسن الأشعري وهو من أقدم الكتاب في الفرق والمقالات يذكر أن فرق الاباضية أربع هي (الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد بها الله) (1) ثم يلصق بكل فرقة شنائع يكفي بعضها للحكم على أصحابها بالشرك والردة. وقد عاش الأشعري في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع (توفي سنة 330 هـ وقد قامت للاباضية في المشرق والمغرب دول عمّرت طويلا كالدولة الرستمية: 160 هـ الى 297 هـ فكيف لا نجد في مقالات الاسلاميين) ذكرا لأحد الأئمة أو العلماء خاصة ر وأن الأباضية امتازوا بالتدوين المبكر لفقههم وسيرهم بينما يزخر الكتاب بخرافات لا أساس لها من الدقة فقد أورد مثلا قصة إبراهيم وبيع الاماء دون ذكر المصدر الذي استقى منه هذه المعلومات وجعل
1 - مقالات الاسلاميين للأشعري ص 102 وما بعدها
الرد على طعيمة ـ 70. (1/84)
صفحة 85
ساحته من
من هذا الرجل المجهول رئيساً لفرقة انشقت عن الاباضية وكما قال الشيخ علي يحيى معمّر: (ليت أبا الحسن حين كتب هذا نسبه إلى مصدره حتى تبراً أية مسؤولية وتكون العهدة راجعة إلى أصحابها) (1) ومن الغريب حقا أن يكون كل ما ذكره الأشعري عن الأباضية في كتابه (سواء عن الفرق أو الشخصيات وحتى بعض المقالات خاطئا و مخالفا للحقيقة! فكيف يلوم الاستاذ طعيمة مؤرخ الاباضية الموسوعي على طعنه في كتاب المقالات جميعا والحال أنهم تبعا للأشعري لم يوردوا إلا الأحكام المدينة والتي لا صلة لها بالاباضية. إن كتب السير لعلماء المذهب الاباضي عديدة ودقيقة ترجمت لسلفنا منذ عهد الصحابة ولا يوجد شخص
واحد نسبه الأشعري إلى الاباضية ترجم له في كتب الاسلاف! كيف يعاصر الأشعري علماء أمثال محمد بن محبوب، وهود بن محكم الهواري، وأئمة أمثال الصلت بن مالك الخروصي، وأبو اليزيد مخلد كيداد زعيم النكار ولا يتعرض لهم ولا
بن
المقالاتهم؟! يترك الاباضية الحقيقيين (جابر بن
1 - الأباضية بين الفرق الإسلامية ص 32
الرد على طعيمة - 71. (1/85)
صفحة 86
زيد، عبد الله بن إباض، أبو عبيدة .. ) ويترجم لشخصيات مجهولة تتناقض مقالاتهم مع مبادئ الاباضية فينسبها إليهم وهو الذي أخذ على نفسه ألا يغالط في ذكر أقوال مخالفيه ولا يتعمد التشنيع عليهم ولا يترك تقصى روايتهم ولا يزيد في أقوالهم ما يلزمهم الحجة (1) فكيف نسكت عن هذا الخلط التاريخي بدعوى أن أبا الحسن لم تكن له خصومة فكرية أو صدام عقدي مع الاباضية، أو أن المؤرخين التقوا مع كتاب المقالات فيما سجلوه عن الاباضية فلا يعقل أن نرفض مقولتهم | (2) ونحن نعلم أنهم ينقلون عن بعضهم فيتكرر عندهم نفس الخطأ، خاصة وقد نال الأشعري شهرة واسعة
بسبب مواقفه في المحاججة والجدل جعلت من كتابه أهم مرجع وأوثق مصدر لكل من جاء بعده
فهذا البغدادي بعد قرن من الأشعري عمد منذ مقدمة كتابه إلى تقسيم الأمة الى ثلاثة أقسام: حكم بخروج القسم الأول من الملة وأورد القسم الثاني لفضحه والتشنيع عليه وتألى على الله بقذف
1 - أبو الحسن الأشعري: مقالات الاسلامين ص.
33
2 - المؤلف ص 48
الرد على طعيمة ـ 72. (1/86)
صفحة 87
القسمين في النار بينما أنعم على القسم الثالث
بالسعادة
ولم يكلف نفسه مؤونة الرجوع إلى المصادر الأصلية للاباضية رغم توفرها في عهده بل نقل عن الأشعري ما نسبه إلى الاباضية أحيانا بنفس العبارة وطورا بتصرف، ولم يزد عنه إلا نسبة الأباضية إلى عبد الله بن إباض، وفيما يخص الفرق وافق الأشعري في نسبة الأربع فرق إلى هذا المذهب وأكد أنتماء الاباضية الى الخوارج، الذين يجب في نظره التشنيع بهم وفضح ضلالتهم، وغلب عليه التعصب فزعم أنه لا يجوز للسني أن يصلى وراء الاباضية ولا على ميتهم، ولا يتزوج منهم ولا يأكل ذبائحهم ((1) ويلتمس المؤلف للبغدادي أعذارا في تشنيعه على الاباضية فيدعي أنه ركز على فقه الجناح المتشدد وهم اليزيدية الغلاة ثم يعود فيعتبرهم من غير الاباضية، ويحتج الدكتور طعيمة بدليل واه على الشيخ معمّر بخصوص الوجود التاريخي ليزيد بن أبي أنيسة،، فيكفي أنه ورد عند الأشعري والبغدادي والشهرستاني ليصير وجوده محققا، رغم أن المؤلف
1 - مقدمة الفرق بين الفرق ص 14
الرد على طبيعة - 73. (1/87)
صفحة 88
بنفسه يعترف ص 69 أن هؤلاء لم يعطوا الاباضية
وفرقها ما تستحق من الدارسة والتوسع والتفصيل ومهما أنكر الاباضية بعد ذلك انتماء هذا الرجل اليهم فلن يقبل منهم ذلك لأن أسمه ورد عند هؤلاء وفي ميزان الاعتدال وهذا كاف للرد على إنكار الأباضية. ثم إن المذهب ليس بحاجة إلى تشكيل ملامحه من طرف مؤرخين لا يعتمدون على مصادره الأصلية وهي متوفرة في عصرهم! كيف لم يشوه البغدادي المذهب وهو لم يورد عنهم إلا ما جانب
الحق من فرق وشخصيات ومقالات ولم
اليهم إلا كل خاطئ ومحرف من المبادئ. ولم يسلم الشهرستاني رغم تأخره وأستفادته ممن سبقه من مجانبة الحق في ذكر فرق الاباضية وفي الحكم عليها. ويزعم المؤلف أن الشهرستاني لم يتناول الاباضية بأشد مما تمتلئ به مصادر التاريخ وكتب التراجم وما عند أصحاب المقالات (1) فهل من الموضوعية أن يكرر ما توصل إليه سابقوه دون تمحيص؟ هل موافقة كتاب المقالات والتراجم دليل على صدق ما توصل إليه الباحث؟ إن الانصاف
1. المؤلف ص 86
الرد على طعيمة ـ 74. (1/88)
صفحة 89
يقتضي تجنب الأخطاء التي وقع فيها السابقون والاستفادة من المصادر الرائجة في عصر المؤرخ.
بورد
وقد اشترط الشهرستاني. أيضا على نفسه أن مذهب كل فرقة على ما وجده في كتبهم دون
تعصب لهم ولا كسر عليهم ودون تبيين صحيحه من فاسده ولا تعيين حقه من باطله (1)، فهل التزم باستقاء المعلومات من مصادرها وأصحابها؟ أعتمادا على ما ذكر من فرق لا صلة لها بالاباضية ومن مقالات لا نجدها في كتب الأصحاب يكون الجواب بكل أسف بالنفي! ولا يختلف كثيرا عمن سبقه
إلا في بعض الجزئيات إنه ناقض ما اشترطه على نفسه منذ مقدمة الكتاب فربط بين إبليس والفرق الضالة، كيف نثق بالشهرستاني الذي وعد بالاعتماد على كتب أصحاب المذهب بينما لا نجد ذكرا لمصدر إباضي واحد أخذ عنه؟! وقد ساير التيار السابق في نسبة المذهب إلى عبد الله بن إباض الذي اعتبره معاصرا لمروان بن محمد بينما مات عبد الله بن إباض في أواخر أيام عبد الملك. وقد ذكر الكعبي
كمصدر لبعض المقالات التي نسبها إلى الأباضية
-1
الملل والنحل الجزء الأول ص 6
ا الرد على طعيمة ـ 75 (1/89)
صفحة 90
وهو تخلص من عهدة تلك الأقوال ما فيها من خطأ وصواب. لكن الكعبي ليس مصدرا إباضيا؟! وقد خالف أبو الفتح من سبقه في اعتبار الحفصية واليزيدية والحارثية فرقا مستقلة عن الاباضية. كما أهمل ذكر كثير من القصص التي أوردها القدامى
وهذا نقد ورد عليهم
1
أما المصادر الاباضية فقد تعرضت للفرق
المنشقة
عن المذهب وتتبعت ما خالفت فيه هذه الفرق المذهب الأم. وإن كان في إطلاق لفظة فرقة على هذه الانشقاقات والخلافات بين علماء المذهب تحفظ كبير. فليس كل خلاف يؤدى إلى تكوين فرقة وقد انتهى المؤلف إلى أن هذه الفرق إفرازات فكرية وسياسية وشخصية، وعذر المؤلف كتاب المقالات القدامى على عدم التعرض لها جملة بسبب نشأتها في المغرب الاسلامي، لكن مؤرخاً مثل أبن حزم الأندلسي لا يبعد كثيرا عن بيئة المغرب فلم لم يذكرها؟ كما أن قضية الخلاف بين الامام عبد الوهاب الرستمي والنكار وصلت الى المشرق وجاء الجواب من البصرة يقر إمامة عبد الوهاب ويفند
1 - علي يحيى معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 61
الرد على طعيمة ـ 76. (1/90)
صفحة 91
شبه النكار. والمفروض فيمن يتصدى للكتابة عن أي مذهب أن يستقصي أخباره ويجمع عنه كل المعلومات حيثما كانت مبثوثة ومتفرقة وخاصة في عصرنا حيث تيسرت وسائل الاتصال وحفلت المكتبات العامة والخاصة بالمراجع وفتحت أمام
الباحثين
وترد فرق الاباضية في المصادر القديمة كمخطوطة السوفي (1) وفي الكتب الحديثة بنفس العدد والاسم والمقولات وأسباب الخلاف بين زعماء الفرق وأئمة المذهب، إلا أن بعض المؤرخين المحدثين كالشيخ علي معمّر مثلا يتردد في قبول ما نسب إلى هذه الفرق، فقد يكون سر الانشقاق في المذهب حب الظهور أو الطمع في المناصب أو الأجتهاد في الرأي ومخالفة السابقين فلابد من التمييز
بين من ينطبق عليه وصف فرقة كالنكار (فرقة من فرق المسلمين أو الحسينية والسكاكية وهما فرقتان خرجتا عن الاسلام، وبين من لا يعدو أن يكون خلافه فرديا في مسائل فرعية يمتلئ الفقه بها. مثل النفائية والفرثية، أو خلافا سياسيا بقيادة فئة باغية
-1
أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني السوفي ط حجرية (رسالة فرق الأباضية الست ومازالت به عن الحق)
الرد على طعيمة ـ 77. (1/91)
صفحة 92
الأخطاء
كالخلفية. وقد حصلت من المؤلف بعض في عنصر فرق الاباضية نشير اليها بما يصححها وقد
سبق التعرض لبعضها في المسألة المنهجية: لقد أقر المؤلف أن نفاثا أحال عقيدته إلى كتاب مجهول الاسم والمؤلف لكنه لام الشيخ علي معمّر على قوله: (وهذا الكتاب المسمى بالدفتر مجهول ومؤلفه أيضا مجهول) (1) فهل لهذا اللوم مبرر
كما إنه لم يعلق على العدد الذي أورده الباروني لجيش خلف (40) ألف) بينما يبدو غريبا أمام عدد جيش الامام أفلح (700 جندي فقط) وقبوله لعدد جيش خلف رتب عليه الانكار على الشيخ علي معمر في تحفظه على تسمية الخلفية فرقة وهي التي أستطاعت أن تجند هذا العدد الضخم الذي لم يثبت أمام جيش
الامام وانهزم فقضي على الخلفية.
•
ورغم تنزيه المؤلف نفسه عن المراء وإيماننا معه أنه لا يأتي بخير إلا أن إصراره على قبول مديحه كتاب المقالات من فرق ومقولات لا علاقة لها بالاباضية وحكمهم عليها بأنها فرقة من الخوارج
1 - المؤلف ص 58
الرد على طعيمة - 78. (1/92)
صفحة 93
يجعلنا نوجه إليه دعوة صادقة الى الالتزام بالبعد عن الجدل والبحث عن الحق والرجوع اليه حتى يتحقق ما يصبو إليه الجميع من التام شمل الأمة الاسلامية وتوجيه جهودها المتظافرة نحو العودة الواعية لتحكيم شرع الله وحمل دعوته للانسانية كافة فهو المخرج لها
وبه وحده الخلاص من كل الأدواء. والله المسدد
للخطى والجامع للقلوب على الحب والخير والحق ..
الرد على طعيمة ـ 79. (1/93)
صفحة 94
[صفحة فارغة] (1/94)
صفحة 95
الاسلام و الايمان (1/95)
صفحة 96
[صفحة فارغة] (1/96)
صفحة 97
الايمان والاسلام.
إن قضية الايمان والاسلام تعد
جملة من
القضايا التي شغلت المسلمين وقتا طويلا من الزمن
حتى انقسموا الى فئات متعددة ومذاهب مختلفة
وقد توسع كثير من المصنفين في التوحيد في هذه وكان الاباضيون كغيرهم من الفرق
القضية
الاسلامية يرون رأيا في المسألة معتمدين في ذلك
على نصوص من القرآن والسنة.
غير اننا إذا رجعنا الى كتاب الاباضية عقيدة و مذهبا للدكتور طعيمة نراه يلوم الاباضية على المنحى الذي نحوه في المسألة مشيرا أحيانا الى ضعف مستنداتهم وأحيانا أخرى إلى أنهم يخلطون بين
بهم
الايمان والاسلام ويتوسعون في ذلك أدى حتى الأمر الى الخلط، فيقول: ينطلق الاباضية في هذه
القضية من المرتكزات العقيدية التي تضمنها مسند
الربيع بن حبيب وبالرغم من أن المسند الذي بين أيدينا لا يطمئن الباحث إلى أن منهجه قد يقبله علماء السنة إلا أن مصادر الاباضية تعتمد عليه
جملة» (1)
1 - الاباضية عقيدة ومذهباء ص 107
الرد على طيبة - 83. (1/97)
صفحة 98
ثم يقول: ه. إن السند إذ يجيء هكذا: قال
الربيع بلغني عن رسول الله والربيع كما هو معروف ليس صحابيا ولا يذكر لنا من قال له، خاصة وأنه كان يعيش فترة اضطراب سياسي حاد فهو من علماء آخر قرن البعثة يصبح قوله في محل تردد كبيره (1)
ويقول أيضا: وإذا ما وجه النقد إلى الجيطالى وهو عالم اباضي ثقه في المذهب: إن القول بإطلاق المذهب على الايمان والاسلام بأن دلالتهما مترادفة وعلاقتهما شرعية لا لغوية ثم العودة مرة ثانية الى القول بأدلة من القرآن والسنة بأن الايمان والاسلام يردان على سبيل الاختلاف والتداخل وهذا خلط في أمور العقيدة غير حميد وخاصة في قضايا كتلك يجيب قائلا بما يشعر بالمرونة وإمكان إعمال العقل في المذهب بين سياق النصوص المتعددة المتعلقة بقضية من قضايا العقيدة حتى يكون مردودها جميعا بين الادلة التي يريدون. وهذا في الواقع نهج عقلي عند الاباضية سبق وأن أشرنا إلى أن أخذ الاباضية به يجعلهم امام حرج ونقد قد يوجه إليهم (2)
1 ـ ن م والصفحة 2 ـ ن م ص 110
الرد على طعيمة - At . (1/98)
صفحة 99
وإنطلاقا مما جاء في الكتاب فإن المؤلف يلوم الاباضية على قولهم بالترادف بين الايمان والاسلام ويعتبره خلطا يصطدم برأي الامام أبي حنيفة النعمان ناهيك عن اصطدامه بما عليه أئمة السلف وعلمائهم (1)
وحتى يتبين لنا الصواب في القضية نحاول أن نتدرج معها خطوة خطوة فنعرض رأي الاباضية بوضوح وندعم ذلك بما رآه كثير من العلماء غير
الاباضيين يقول السالمي «إن للايمان والاسلام في الشرع استعمالا غير الاستعمال اللغوي، وذلك أن الشرع نقلهما عن معناهما اللغوي فاستعملهما مترادفين في مطلق الواجب كان ذلك الواجب تصديقا باللسان فقط أو تصديقا بالجنان مع قول باللسان أو كان معهما عمل لازم إتيانه» (2)
فالايمان إذن والاسلام متلازمان مفهوما فلا
ينفك أحدهما عن الآخر
تقول آمنت بالله أي عرفته معرفة بلغت حد
اليقين، وأسلمت له أي خضعت لحكمه عن
ا ن م ص 111
2 - مشارق انوار العقول 321
الرد على طبيعة ـ 85. (1/99)
صفحة 100
طواعية وأنقياد. هذا في المفهوم اللغوي غير أن الكلمتين في نظر الشرع مترادفتان أو متلازمتان (1) فحقيقة الاسلام تتضمن أداء العبادات المطلوبة، فهي تصديق بالله وتنفيذ الأوامره، وحقيقة الايمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الاسلام ومعنى الخضوع ملحوظ في الايمان ولا يقبل إسلام خلا عن اليقين كما لا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع لله» (4) وهذا هو المفهوم الصحيح في القضية وهو ما ذهب اليه السالمي فيما ذكرنا سابقا أو ما ذهب إليه صاحب
النثار بقوله:. فلا يوجد شرعا إيمان من غير إسلام ولا عكسه عند التحقيق» (3)
ومما يؤكد ترادف الايمان والاسلام قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (4)
وقوله تعالى وومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يُقبل منه له (ه) وقد اعتبرت كلمة الاسلام علما على الدين الذي جاء به محمد عل وتعارفت الاجيال
1 - راجع عقيدة للمسلم: محمد الغزالي ص 132 مطبعة حسان
انظر عقيدة المسلم ص 132
- النار ج 1 ص 51
- الينه
ه ـ آل عمران 85
الرد عل خيمة - 86 5 (1/100)
صفحة 101
هذه الحقيقة كما أن الايمان المعتبر ما اقترن بالسمع والطاعة وتطهر من الجحود والاستكبار عن أمر الله
تعالى.
ومن هنا يعتبر السالمي اتيان الأمور دينا والدين هو الاسلام وما ليس بإسلام فليس يدين فعلم أن الاسلام إيمان (1)
ويؤكد الاستاذ محمد الغزالي على ترادف الكلمتين ويتوسع في التدليل على الترادف يقول: فمتعلقات الايمان والدائرة التي يتسع لها في ديننا تجعله لا يصح - في نظرنا - إلا إذا كان مرادفا للاسلام أو ملازما له (2) بل يذهب الى درجة انعدام
الايمان إذا اقترنت المعصية، ويعتبر ارتكاب المعصية استهتارا بالاعمال المطلوبة وتمردا على شرع الله. ولكن هذا العرف الشائع يؤكد أن الاسلام يرفض رفضا حاسما أي مسلك ينطوي على الاستهتار بالأعمال المطلوبة والتمرد على شارعها جل شأنه (3)
الله
ثم يقول: ولذلك نعد رفض الخضوع خروجا على الاسلام ومروقا عن الدين وهدما
- مشارق انوار العقول ص 332
2 - عقيدة المسلم ص
133
- المرجع السابق ص 133
الرد على طعيمة ـ 87 5 (1/101)
صفحة 102
للايمان مهما زعم هذا الرفض من معرفه ويقين والمعصية التى يقارنها هذا التمرد تخلع صاحبها من الايمان خلعا والشعور بتلك الحقيقة هو الذي جعل أبا بكر يسوى بين مانعي الزكاة وبين المرتدين برغم زعمهم أنهم مؤمنون (1) وهذا الحكم يسرى في جميع الاحوال المشابهة. فإن الاحجام عن قبول أمر الله والهزء بالفرائض التي أوجبها والفخر بالمحرمات التي زجر عنها لا يمكن أن يوصف بأنه خضوع وإسلام إلا إذا كانت أحوال الجهال تسمى علما وأحوال الكذابين تسمى صدقا
ويدعم قولنا بترادف الايمان والاسلام ما ذكره القرطبي في تفسيرة للآية وإن الدِّينَ عِنْدَ الله الاسلام الدين في هذه الاية الطاعة والملة والاسلام بمعنى الايمان والطاعات. قال ابو العالية وعليه جمهور المتكلمين وقد يكون بمعنى المرادفة فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر كما في حديث وفد عبد القيس (2) وأنه أمرهم بالايمان بالله وحده ـ المرجع السابق ص 133 هو عبد القيس بن القصى بن دعمي أبو قبيلة كانوا ينزلون البحرين وكان قدومهم عام الفتح وعلى رأسهم عبد الله بن عرف الاشبح الطبقات الكبرى ج
1 قسم 2 ص 54) * (آل عمران - (19)
الرد على طبيعة ـ 88. (1/102)
صفحة 103
وقال: هل تدرون ما الايمان؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن
تؤدوا خمسا من المغنم الحديث (1) وكذلك قوله ع الايمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله)
أخرجه الترمذي، وزاد مسلم: والحياء شعبة من
أن
الايمان (2) ويكون أيضا بمعنى التداخل، وهو يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر كما في هذه الآية إن الدينَ عِندَ الله الاسلام له إذ قد دخل فيها التصديق والاعمال ومنه قوله عليه السلام الايمان) معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالاركان) أخرجه ابن ماجه وغريب أن يهبط الانسان بحقيقتة الدين عن هذا المستوى أو أن يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما يغاير ذلك فيفصل بين الايمان والاسلام والحال أننا إذا رجعنا الى القرآن نرى انه ما من آية ذكرت الايمان مجردا بل نلمس صلة الايمان بالعمل تقوم على آصرة
- القرطبي ج 4 ص 43، 44 - القرطبي ج 4 ص 43، 44
الرد على طعيمة - 89 5 (1/103)
صفحة 104
قوية لا يعروها وهن بل كثيرا ما يشار الى الاسلام وحقيقته الشاملة بمظاهر عملية واضحة. وقد ذهب الرازي في تفسيره الى نفس ما ذهب اليه القرطبي يقول عندما يفسر الآية وإن الدين عند الله الاسلام الله أما في عرف الشرع
فالاسلام هو الايمان والدليل عليه وجهان: 1 - الآية وإن الدينَ عِنْدَ الله الاسلام يقتضى أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الاسلام فلو كان الايمان غير الاسلام وجب أن لا يكون الايمان دينا مقبولا عند الله ولا شك في أنه باطل. 2 - قوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ الله فلو كان الايمان غير الاسلام لوجب أن يكون الايمان دينا عند الله تعالى (1)
وانظر الى قوله تعالى فأخرجنا من كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ له أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين لئلا يهلك المؤمنون فما وَجَدْنا فيها غير بيت مِنَ المُسلمين يعنى لوطا وبنيه. والمؤمنون والمسلمون هنا سواء (2)
1 - الغير الكبير ج 7 ص 207، 208
القرطبي ج 17 ص 48 (الذاريات (35)
الرد على طعيمة - 90 5 (1/104)
صفحة 105
كما يعطي سيد قطب في تغيره للآية وإن الدين
عند الله الاسلام ما معنى شاملاً فلا يقتصر الاسلام على الايمان بالله وحده وعمل بعض العبادات فحسب بل يعتبر الايمان والاسلام الأخذ بكل صغيرة وكبيرة من شرع الله وإلا فلا إيمان ولا إسلام ويؤكد على أن مقتضى الايمان والاسلام واحد في تفسيره للآية: وقال مُوسَى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) (1) فالتوكل على الله دلالة الايمان ومقتضاه، وقد ذكر لهم موسى الايمان والاسلام وجعل التوكل على الله مقتضى هذا وذاك: مقتضى الاعتقاد في الله ومقتضى إسلام النفس له خالصة والعمل بما يريد (2) أما قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَا يَدْخُلِ الايمان في قلوبكم (3) قد يستدل بها البعض في التفريق بين والايمان والاسلام غير ان الاسلام الذي ذكرته الآية ليس الدين الحق الذي عناه قوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغ غَيْر الاسلام دينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (4) بل هو خضوع
1 - يونس الآية 84 - الظلال ج 3 ص 1815
م - الحجرات 14 - آل عمران 85
الرد على طعيمة – 91. (1/105)
صفحة 106
عن قهر ونفاق والايمان الحق هو ما أقترن بالسمع والطاعة وتطهر من المعصية ومن النكوص عن امر
الله، ومما يؤكد ترادف الكلمتين والايمان والاسلام
قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (1) فقد ذهب اكثر المفسرين فيها الى أن المقصود بإيمانكم اي صلاتكم. ولا يجد بعض المفسرين الذين يرون التفريق بين الايمان والاسلام مفراً من ذكر الصلاة عند تعرضهم لهذه الآية لكثرة الادلة الواردة فيها من أحاديث نبوية شريفة وآثار وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم أو أقوال من تقدمهم من المفسرين غير أنهم في الأخير يحاولون أن يجدوا تفسيرا لمذهبهم فيفسرون (إيمانكم) أي أيمانكم بفرضية الصلاة. يقول القرطبي في تفسيره للآية: اتفق العلماء على انها نزلت فيمن مات وهو يصلى إلى بيت المقدس كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب على ما تقدم (2)
وأخرج الترمذي عن ابن عباس قال: لما وُجه الى الكعبة قالوا: يا رسول الله: كيف
1 البقرة 143
انظر تفسير القرطبي 157/ 2
محمد الغزالي، عقيدة المسلم ص 132 مطبعة حسان بالقاهرة
الرد على طعيمة - 92 5 (1/106)
صفحة 107
بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله وما كَانَ الله ليُضيع إيمانكم الله قال هذا
في حديث حسن صحيح. فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل.
وروى ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب عن مالك وما كان الله ليضيع إيمانكم لله
قال صلاتكم (1)
كما يذهب ابن حيان في تفسير البحر المحيط نفس المذهب فيقول: وما كان الله ليضيع إيمانكم الله وقد فسر الايمان بالصلاة إلى بيت المقدس وكذلك وقال ذلك ابن عباس
ذكر البخاري والترمذي
،
والبراء بن عازب وقتادة والسدي والربيع وغيرهم وكنى عن الصلاة بالايمان لما كانت صادرة عنه وهي
من شعبه العظيمة (2)
ويقول الطبري في الآية نفسها: قيل عُني بالايمان في هذا الموضع (الصلاة) حدثني إسماعيل بن. موسى قال أخبرنا شريك عن ابي إسحاق عن البراء في قول الله عز وجل وما كان الله ليُضيع إيمانَكُمْ قال صلاتكم نحو بيت المقدس
1 - الجامع لاحكام القرآن: القرطبي 157/ 2 – 158
ـ البحر المحيط 426/ 1
الرد على طعيمة – 93 5 (1/107)
صفحة 108
وعن ابن زيد وما كان الله ليُضيع إيمانكُمْ:
صلاتكم. وعن سعيد بن المسيب وما كان الله ليُضيع إيمانكم) قال صلاتكم نحو بيت المقدس (1) وقد ورد في تفسير المنار (2) أن أكثر المفسرين على أن المراد بالايمان في هذه الآية الصلاة، وكذلك جاء في الظلال في تفسير هذه الآية بعد تعريف الايمان بالصلاة يقول: ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم: إنهم ليسوا على ضلال وأن صلاتهم لم تضع (3) هذا أهم ما يمكن أن يقال حول ترادف الايمان والاسلام ولو تتبعنا كل الكتب والتفاسير لوجدنا أغلبها تنحو هذا النحو في تفسير هذه الآية، ومن
•
هنا تتضح لنا الآصرة القوية القائمة بين الايمان والاسلام وهي رابطة لا تقوم إلا عليهما غير أننا إذا رجعنا الى التفسير الكبير نجد الرازي مع اعترافه بأن المراد بالايمان الصلاة يعود بعدها ليثبت مذهبه فيبحث عن مخرج مما أجمع أو يكاد أن يجمع عليه المفسرون ويحمل اللفظة على المجاز او
-
1 - جامع البيان في تفسير القرآن – الطبري: 11/ 2، 12 2 - المنار 10/ 2
- الظلال 133/ 1
الرد على طعيمة - 94. (1/108)
صفحة 109
الاستعارة. فيقول: {وما كان الله ليضيع إيمانكم أستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الايمان اسم لفعل
الطاعات فإنه تعالى أراد بالايمان ههنا الصلاة (والجواب) لا نسلم أن المراد من الايمان ههنا الصلاة بل المراد منه التصديق والاقرار فكأنه تعالى قال: أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الايمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم إيمانا وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق إسم
الايمان على الصلاة على سبيل الاستعارة من هذه الآية (1)
وبعد أن عرضنا آراء عديدة للمسألة المطروحة بين أيدينا تبين لنا أن الايمان هو الاسلام وصلة الايمان بالاسلام صلة الترابط والتلازم والترادف على ما بيناه سابقا. فإذا آمن الانسان بالله العظيم وأيقن باليوم الآخر وصدق بما جاء به المرسلون سارع الى استرضاء ربه والاستقامة على. راطه وإلا فلا قيمة صر لكلمة يقولها الانسان على لسانه وهو لا يدخل مسجدا أو لا يقيم فريضة أو لا يحترم الله شعيرة.
يقول محمد الغزالي: والمؤسف أن أقواما من
1 ـ الفسير الكبير ج 4 ص 108
الرد على طعيمة - 15. (1/109)
صفحة 110
أهل العلم الديني لا يكترثون بذلك. فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد تحصن وراءها فأصبح يسيرا عليه ألا يقوم إلى واجب وألا ينتهي عن محرم .. وقد زعم هؤلاء المغفلون أن الدين ينص على ذلك ألا ساء ما يصنعون (1)
وبعد هذا العرض السريع لآراء بعض المفسرين حول الايمان والاسلام وبعد أن تبينا أن الاسلام
الله
والايمان مترادفان متلازمان وأنه لا يقبل إسلام خلا عن اليقين كما لا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع والتزام أوامره والتخلي عن نواهيه. بعد هذا العرض السريع نلاحظ ما يلي:
1 - بدأ الاستاذ طعيمة حديثه في مسألة الايمان والاسلام بالتشكيك في مسند الربيع بن حبيب عمدة الاباضية في الحديث نذكر هنا أن علماء كثيرين تحدثوا عن هذا الكتاب الذي يعتبر من أوائل الكتب المدونة للحديث وسنده يعتبر من أصح
الاسانيد ورجاله من كبار الحفاظ الثقاة
يقول عز الدين التنوخي: إن ثلاثيات الربيع بن حبيب وهي ابو عبيدة عن جابر بن زيد عن
-1
عقيدة المسلم: محمد الغزالي ص 143 - مطبعة حسان بالقاهرة
الرد على طعيمة – 96 5 (1/110)
صفحة 111
ابن عباس ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم وأصدقهم لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا انقطاع واعضال لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال إسنادها ولم
يسقط من اسانيدها الثلاثة أحد .. (1) ويقول كذلك: ثلاثيات الربيع بن حبيب الازدي وأحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سندا ورجال سلسلته الثلاثية الحلقات هم أبو عبيدة التميمي وجابر بن زيد الأزدي والبحر عبد بن عباس شيخ جابر وغيره من الصحابة وهم بأجمعهم مشهورون بالحفظ والضبط والامانة والصيانة» (2)
الله
هذه نبذة قصيرة عن مسند الربيع بن حبيب قد تزيل بعضا من شكوك الاستاذ طعيمة في مستندات الاباضية وبحث كهذا يحتاج الى تخصيص
1 ـ لمزيد التعمق يحسن الرجوع الى مقدمة عز الدين التوخي على الجزء الثالث من شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب.
راجع شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الجزء الثالث: المقدمة
لعز الدين التوخي.
الرد على طعيمة - 97 5 (1/111)
صفحة 112
دراسة مفصلة (1)
-
جعل المؤلف أهل السنة والجماعة» المقياس الصحيح الذي يقاس عليه غيرهم غير أننا لا نوافقه على ذلك فكل يؤخذ منه ويرد إلا كتاب الله وسنة رسوله الله قال تعالى وما ينطق عن الهوى إن
هو إلا وحي يوحى والنصوص في هذا المجال كثيرة سواء في القرآن أو السنة.
كثيرا ما يردد المؤلف أن الاباضية يقيمون عقائدهم بناء على ما جاء في مسند الربيع بن حبيب حيث أنهم يجعلونه منطلقا لآرائهم. غير أننا نرد على هذا بقولنا إن المرتكزات العقائدية عند الاباضية آيات القرآن اولا وأن الاحاديث الاحادية وإن كانت توجب عندهم العمل فإنها لا توجب الاعتقاد لظنية إنما يسوقها علماء المذهب للتعضيد
ورودها
ا قدمت دراسات حول كتاب: مسند الربيع بن حبيب تذكر منها على سبيل
المثال لا الحصر. الربيع بن حبيب محدثا لأبي القاسم مسعود ابي القاسم (بحث مرقون)
شبه تدحضها حقائق: محمد بن الشيخ
مقدمة لعز الدين التوخي على الجزء الثالث من مسند الربيع بن حبيب.
النجم 3، 4
الرد على طبيعة – 98 5 (1/112)
صفحة 113
والتدعيم فحسب. (1)
- إن الاباضية لم ينفردوا بهذا الرأي بل نجد كثيرا من المفسرين والعلماء غير الاباضيين يوافقونهم الرأي في مسألة الايمان والاسلام. فمن أين جاء الخلط إذن بعد أن سقنا أدلة كثيرة تثبت صحة ما ذهب إليه الاباضية. إذن فلا مجال لاتهام الاباضية
بالتشدد
ه - يلح الاستاذ طعيمة على أن الاباضية يعملون العقل في النصوص وهم بذلك يخالفون ما يقولونه من أن العقل لا حكم له في شيء من الوجوب الشرعي. فلابد هنا من التمييز بين تقديم العقل على الشرع وبين إعمال العقل في فهم النصوص. والاباضيون كغيرهم يعملون عقولهم لفهم آيات الله
تعالى. (2)
?
-
وملخص القول في المسألة أن المؤمن على
وجهين لغوي وشرعي، فاللغوي بمعنى المقر والشرعي بمعنى الموفي بالدين قولا وعملا
ا - راجع مشارق انوار العقول
2 - انظر السالمي معارج الامال ج 1 ص 190
وانظر ردوده على المحزلة في تقديمهم العقل على الشرع ص 162: 166
الرد على طبيعة – 99 5 (1/113)
صفحة 114
و اعتقادا. هذا ما ذهب اليه الجيطالي وعامة علماء المذهب وكثير من المفسرين والعلماء غير الاباضيين على ما بينا سابقا، يقول الجيطالي: اعلم أن للايمان مقامات: أحدها انطواء القلوب وضمير النفوس أعتقاد التوحيد لغة وشرعا (1)، المقامة الثانية الاقرار باللسان نطقا والاعراب عن الضمير وفقا
على
وقبله صدقا
، (2)
المقامة الثالثة من الايمان هو العمل
بالاركان وتحقيقه بالافعال شرعا وسمعاً» (3)
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات 264 ج 1 2 - الجيطالي: قاطر الخيرات 264 ج 1 - الجيطالي: قناطر الخيرات 265 ج 1
الرد على طعيمة ـ 100 5 (1/114)
صفحة 115
الصفات (1/115)
صفحة 116
[صفحة فارغة] (1/116)
صفحة 117
الصفات
نفي الأباضية
ان الحاح المؤلف على مسألة للصفات وتجريدهم الذات الالهية من الصفات التي وصف الله بها نفسه (1) وما نتج عن ذلك من نفي لاقسام الصفات التي ذهبت الاباضية الى تقسيمها على حد قوله - وما يترتب عليها من نفي لليد والعين والوجه ان مثل هذا الالحاح قد يدفع القارئ الى تصور ان الاباضية في النهاية يذهبون الى انكار الصفات الالهية.
—
والحقيقة ان الاباضية مجمعون على تكفير كل منكر لاي صفة من صفات الله تعالى بل مجرد الشك في واحدة من هذه الصفات التي وصف الله بها نفسه كفر وشرك، ولقد أشار المؤلف نفسه الى ان الاباضية يعتبرون اسماء الله وصفاته توقيفية وقد اثنى عليهم في موقفهم هذا. (2) واسناد هذا القول اليهم کاف لاعتبارهم ممن يثبت جميع الصفات الالهية. لكن ماذا يعني هذا الاثبات؟ هل للصفات وجود فعلى قائم في ذات الله أو خارج ذاته؟
انظر: .. صابر طعيمة: الأباضية عقيدة ومذهبا 95، 96، 148 نفس المصدر ص 91
الرد على خيمة - 103 5 (1/117)
صفحة 118
أما بالنسبة الى الصفات الذاتية فان الاباضية
يرون انها ليست أشياء لها وجود فعلي، وانما هي
امور اعتبارية وذهنية يقصد بها نفي اضدادها اي هي معان لا حقيقة لها في الخارج وانما وصف
الله
بها نفسه ليعلمنا ان اضداد تلك الصفات منتفية عنه فمثلا صفة الحياة ثابتة الله وليست منتفية عنه فحي
بذاته
يعني ان ذاته كافية في استلزامها صفة الحياة له ولا حاجة الى ثبوت صفة زائدة قائمة به مقتضية لصحة الحياة له (1) كما أن قول الأباضية (الله حي) يفيد الاخبار عن الذات الالهية انها ليست بميتة وقولهم الله (قادر) اخبار عن الذات انها ليست بعاجزة، وهذا ما أشار اليه المؤلف نفسه عندما قدم
أحد
(2)
تعريفي الاباضية للصفات. (3) وبهذا يتضح عدم انكار الاباضية للصفات وانما النفي المقصود هو نفي الوجود الفعلي المماثل لوجود الاشياء لا نفي الصفات باعتبارها موجودة وجودا
ذهنيا
وأما بالنسبة الى الصفات الفعلية فهي مدلولات
1 - انظر: التلالي: تحلبة المتين 147
2 - انظر الجيطالي: قناطر الخيرات 231/ 1
انظر د. صابر طعيمة: الأباضية عقيدة ومذهبا ص 93
الرد على طعيمة - 104. (1/118)
صفحة 119
المصادر الواقع منها الاشتقاق كايجاد الرزق الذي هو مدلول (رزق) المشتق منه (رازق) (1) وهي معان حقيقية قائمة بالمخلوق اتصف تعالى بما اشتق منها
كالخالق والرازق (2)
والاباضية لم ينكروا هذه الصفات الفعلية ولم يذهبوا الى نفيها عن الله تعالى وانما قال المشارقة منهم بنفيها عن الله في الازل اذ لا يجوز أن يتصف بها البارئ في الازل وانما يتصف بها فيما لا يزال. فلا يقال لم يزل الله خالقا ولم يزل رازقا لانه لما كان في الازل لم يخلق شيئا ولم يوجد أحد ليرزقه بل حدث الخلق والرزق بعدئذ
المؤلف من
وهنا لابد من لفت الانتباه الى ما اشار اليه خلاف بين المشارقة والمغاربة عبر عنه بأنه ليس بالأمر اليسير (3) وكأنه يريد أن يظهر للقارئ ان الخلاف جوهري وان الشقة بعيدة بين اباضية المشرق واباضية المغرب في هذه النقطة
بالذات
والحقيقة ان الدارس اذا تأمل فيما كتبه علماء
انظر التلاقي: نحبة المتين 148
انظر السالمي: مشارق انوار العقول 172
انظر د. صابر طعيمة: الأباضية عقيدة ومذهبا 94
الرد على طبيعة ـ 105 5 (1/119)
صفحة 120
المشرق وعلماء المغرب في هذه المسألة يدرك في النهاية ان التقارب شديد بين المشارقة والمغاربة وأن
الخلاف هو مجرد خلاف لفظي لا اعتبار له. جاء في كتاب مشارق انوار العقول نقلا عن التلاتي (1): صفات الله كلها قديمة أزلية عند المغاربة لانه يقال: الله خالق في الازل على معنى سيخلق ورازق في الازل على معنى سيرزق وهكذا. فقوله على معنى سيخلق وعلى معنى يوحي بأن الخلاف بين المشارقة والمغاربة لفظي فقط والمفهوم واحد وهو ان صفات الفعل في الحقيقة محدثة عند كل من المشارقة والمغاربة وانما الفرق في التسمية فقط. (2)
سيرزق
وفي كتاب معارج الآمال يورد السالمي تلخيص التلاتي نفسه للقضية فيقول: وحاصله ان صفة الذات هي التي اتصف بها تعالى بالفعل في الازل
1 - الثلاثي: ( .. بعد 1164 هـ - .. بعد (1751 م) ابو حفص عمر بن رمضان بن ابي بكر الجربي الثلاثي، له الدرر الثلاثيات - خ ــ في المنطق، وحاشية على المولد النبوي للمدابغي خ في الازهرية والفتوحات الالهية خ ر الزركلي: الاعلام
11/ 0
- السالمي: المشارق 173 فقوله الى آخر الفقرة: تعليق للسالمي على كلام الثلاثي) وانظر ايضا في نفس المعنى: الثلاثي: شرح النونية ورقة 36 وجه ر. السالمي: شرح الجامع الصحيح 170/ 1
الرد على طعيمة - 106. (1/120)
صفحة 121
وصفة الفعل هي التي لم يتصف بها بالفعل فيه وانما يتصف بها فيما لا يزال وهو راجع الى القول
بحدوثها كما يدل له تفسيرها المذكور وكما يقول
المشارقة عفا الله
عنهم
أجمعين) (1)
والمغاربة لما قالوا بجواز أن يقال لم يزل الله خالقاً ورازقاً ومنشئا ربطوا ذلك القول بأحد شروط
ثلاثة:
أن يوصل الكلام فيقال: لم يزل خالقا لمخلوق
سيكون ورازقا لمرزوق سيكون.
-
—
ان يراد بذلك القدرة على الايجاد ان يراد بذلك فائدة اسم الفاعل ومعناه لانه
يصلح للحال وللاستقبال إذا كان منونا (2) وفي نفس الاتجاه يروي صاحب قاموس الشريعة عن أهل المغرب كلاما شبيها بهذا فيقول: فصل: وكذلك يقال: الله عز وجل في الازل لم يزل خالقا على ان سيخلق ورازقا قادرا على الرزق و ساخطا على ان سيسخط على الكفار وراضيا على
- السالمي: معارج الآمال 136/ 1
2 - انظر ابو مهدي: جواب لاهل عمان 85
الرد على طبيعة - 107. (1/121)
صفحة 122
ان سيرضى عن المسلمين في امثالها مما يطول ذكره لم يزل موصوفا بالقدرة على تكوين هذه الافعال من
الخلق والرزق والأمر والنهي وسائر الافعال قبل
وجودها) (1)
فالمتأمل في هذه الفقرات يلاحظ مدى اقتراب
اباضية المغرب من قول اهل المشرق فهم عندما أجازوا القول ان الله خالق في الازل انما قصدوا اثبات القدرة الالهية على الخلق وقيدوا جواز استعمال هذه الصيغة بما يفيد حدوث صفة الخلق في المستقبل.
فأين يظهر الاختلاف الشديد والبتاعد الكبير بين أباضية المشرق وأباضية المغرب؟ ألا يبدو حكم المؤلف على الأباضية بعمق الخلاف تضخيما لحجم
الخلاف
•
أما ما ذكره المؤلف من نفي الاباضية لليد والعين والوجه وما اعتبره ناتجا عن نفيهم للصفات و اقسامها فالواقع هو غير ذلك لان منطلق الاباضية في تأويل النصوص التي ظاهرها التشبيه هو الحرص على تنزيه الله عن كل مظهر من مظاهر التجسيم
1 - جميل بن خميس: قاموس الشريعة 142/ 4
الرد على طعيمة – 108 5 (1/122)
صفحة 123
امتثالا لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير
الشورى 11
الرد على طيبة - 109 5 (1/123)
صفحة 124
[صفحة فارغة] (1/124)
صفحة 125
التأهيل (1/125)
صفحة 126
[صفحة فارغة] (1/126)
صفحة 127
الاباضية والتأويل.
(1)
ان المتتبع لما ورد في هذا الكتاب الاباضية عقيدة ومذهبا من أحكام على الاباضية في هذه المسألة يخرج بالنتائج التالية:
الاباضيون يؤولون بغير قرينة (2)
- نهج الاباضية المسلك العقلي وخاصة في مسألة الاستواء وانحرافهم عن النهج النقلي مخالفين بذلك قاعدتهم تقديم الشرع على العقل. (3)
-
اعتماد المجاز اللغوي الى حد مسخ دلالة اللغة والإخلال بمقاييسها ومخالفة الكتاب والسنة. (4) والنتيجة الاخيرة التي انتهى اليها المؤلف في هذا الباب هي ان موقف الاباضية من الاستواء خاصة موقف ابتداعي: (5)
ا - آل الشيء، يؤول اولا ومالا - رجع وأول الشيء تأويلا - رجعه اول الكلام - دبره وقدره وأوله وتأوله - فسره. والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصل الى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ در اين منظور: لسان العرب مادة أول)
انظر كتابه ص 96
نفس المصدر ص 97 - 99
- نفس المصدر ص 148 - 149
ه ـ نفس المصدر 171
الرد على طعيمة – 113 5 (1/127)
صفحة 128
ومن هنا نرى لزاما علينا العودة الى ما كتبه الاباضية أنفسهم في هذا الموضوع فنتتبع بعض أدلتهم ومنطلقاتهم لنرى مدى مصداقية ما توصل
اليه المؤلف من نتائج خطيرة.
الرد على طبعا ـ 114. (1/128)
صفحة 129
حجة الاباضية على جواز التأويل
1) القرآن الكريم:
ينطلق الاباضية في اجازة التأويل من القرآن رأسا وحجتهم في ذلك قوله تعالى وهو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ـ آل عمران 7 فهم يرون ان في هذه الآية الكريمة إشارة الى
ا) تمكن الراسخين في العلم من التأويل كما ان في قوله تعالى ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر منهم
1 ـ لقد أورد محمد عبده في تفسيره لهذه الآية اختلافات العلماء في مسألة التأويل
4
ورجح الجواز لادلة ذكرها. ر. الجزء الثالث من تفسيره ص 163 – 196، كما ان صاحب لسان العرب عند تعرضه لهذه الآية أورد تأويلا لاحد العلماء لم يذكر اسمه فقال: وقال غيره اعلم الله جل ذكره ان في الكتاب الذي انزله آيات محكمات من أم الكتاب لا تشابه فيه فهو مفهوم معلوم وأنزل آيات أخر متشابهات تكلم فيها العلماء مجتهدين وهم يعلمون ان اليقين الذي هو الصواب لا يعلمه الا الله وذلك مثل المشكلات التي اختلف المتأولون في تأويلها وتكلم فيها من تكلم على ما أداه الاجتهاد اليه قال والى هذا مال ابن الانباري وروى عن كما استنتج ابن منظور من قوله تعالى (ولما يأتهم تأويله) (يونس (39) الدلالة على ان علم التأويل يجب أن ينظر فيه، انظر: ابن منظور: لسان العرب
مادة أول.
مجاهد
الرد على طبيعة ـ 115. (1/129)
صفحة 130
لعلمه الذين يستنبطونه منهم. النساء 83 دلالة
-
عند الاباضية على ضرورة فهم القرآن وعدم
الاكتفاء بظاهره.
(2) من السنة النبوية:
ورد في مسند الربيع بن حبيب (1) قوله.
(ما من كلمة الا ولها وجهان فاحملوا الكلام على
أحسن وجوهه) (2)
الله
كما ان الرسول دعا لابن عباس رضي عنه بقوله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويله
الله
من أقوال الصحابة والتابعين:
لقد وردت تأويلات كثيرة لابن عباس رضي عنه والضحاك ومجاهد وأنس بن مالك والحسن وابي بن كعب وابن مسعود (3) رضي الله عنهم. ولولا اقتناع هؤلاء جميعا بجواز التأويل ما كانوا ليبيحوا لانفسهم تأويل آية واحدة من القرآن الكريم. ولقد وافق الاباضية محمد عبده في جواز
ا يعتبر هذا الكتاب مصدرا وليها عند الإباضية في الحديث الا هو ثلاثي السند. - الربيع بن حبيب: الجامع: پاپ 35 حديث رقم 880 فيه. ورواله مشهرة بطنيم
- انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: الأحاديث رقم 1871 1873 1875 1875 1879 877 وفيها تأويلات الاستراء والوجه والعين والنفس واليد والعمد. حديث رقم 841
الرد على طعيمة – 116. (1/130)
صفحة 131
التأويل موردا من بين حججه على ذلك كثير من
أقوال الصحابة والتابعين. (1)
هذه مستندات الاباضية على جواز التأويل فضلا على انه من مظاهر اعجاز القرآن وجود آيات متشابهات تفتح أمام الذهن البشري آفاق الاستنباط
والاجتهاد مهما اختلفت الامكنة والعصور (2) ثم ان الاباضية يحتجون أيضا بأن الترآن لو حمل على ظاهره التناقض وتكاذب (3). وكثير من الآيات القرآنية تفقد مغزاها اذا ابقيت على ظاهرها وامتنع صرف الفاظها من الحقيقة الى المجاز. وعلى سبيل المثال نذكر قوله تعالى ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا - الاسراء 72 فهل يقبل عاقل ان كل من كان اعمى البصر في الدنيا هو أشد عمى في الآخرة بقطع النظر عن
عمله وتقواه؟
ا انظر: محمد عبده: تفسير القار 199/ 3 – 193 جب النظر: الجعيري: العراث الأباضي خلال القرون الخلالة 10، 11، 12 ص 261 وهو بحث لا يزال مرقونا.
30 تيارين بن عيسى الملشوطي: أصول الدين 10 ومن ذلك لينا ان آيات تفيد ان الانسان يسأل يوم القيامة عن التوبه مثل: اقوله تعالي وفوريك المسأهم أجمعين) الحجر 92
وآيات اخرى عليه انه في ذلك اليوم لا يسأل عن قليه الى ولا جان مثل ما جاء في قوله تعالى وفيرمن لا يسأل عن قلبه إلى ولا جان - الرحمن (39) فكيف التوفيق بين هذه الآيات النا لم نقل بجواز التأويل.
الرد على طعيمة ـ 117. (1/131)
صفحة 132
منهج الاباضية في التأويل
اذا كان للاباضية حجج قوية على جواز التأويل فهل انهم يؤولون النصوص على غير أساس ودون قرائن كما ذهب الى ذلك المؤلف اتباعا لهوى في انفسهم وحبا لمجرد الانتصار لمذهبهم؟
الواقع هو غير ذلك تماما لاننا اذا تتبعنا تأويلاتهم مثلا لبعض الصفات نراهم يرسمون منهجا
معينا يلتزمونه ولا يرون جواز الحياد عنه بل في تعريفهم للتأويل ذاته يشترطون وجود القرينة المقتضية صرف اللفظ عن حقيقته الى مجازه (1) ويعتبرون التأويل فاسدا أو مذموما ومردودا اذا كان خارجا عن التجوزات الدائرة في ألسن العرب على حد تعبير السالمي (2)
بعد عرض مجمل لشروط التأويل. عند الاباضية نتساءل فنقول: ما هو المنهج المفضل والملتزم عند
1 - انظر السالمي: شرح طلعة الشمس 169/ 1
2 - انظر السالمي: شرح طلعة الشمس 170/ 1
الرد على طبيعة – 118. (1/132)
صفحة 133
الاباضية في التأويل وما هي حدوده؟ ه إنهم يعتمدون في ذلك على الاسس التالية: 1) الرواية: لقد قامت المدرسة الاباضية أساسا على جابر بن زيد الذي أخذ جانبا كبيرا من العلم عن ابن عباس رضي الله عنه (1) وبناء على ذلك فان التأويلات التي يوردها الاباضية مروية عن
كثيرا من ابن عباس وعلى سبيل المثال ــ لا الحصر ـ نقتصر
على ذكر ثلاثة أمثلة
-
:
المثال الأول: يروي الربيع بن حبيب عن ابي
عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه أوّل اليدين في قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان
المائدة 64 بنعمتي الدين والدنيا. (2)
-
المثال الثاني: تأويل ابن عباس لليمين بالقوة في
قوله تعالى ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين الحاقة 45) (3)
—
المثال الثالث: سئل ابن عباس عن قوله تعالى
—
الرحمن على العرش استوى ـ طه 5 فقال ارتفع
1 - يقول جابر بن زيد: ادركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم الا البحر ويقصد ابن عباس و. الحارثي: العقود الفضية: 94 انظر: الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث رقم 867 ـ نفس المصدر حديث رقم 866
الرد على طعيمة – 119. (1/133)
صفحة 134
ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المنددون ان له اشباها واندادا تعالى الله عن ذلك. (1) هذا بالنسبة الى تأويل الآيات القرآنية التي يفيد ظاهرها التجسيم وذلك اعتمادا على الرواية على شرط تناسق هذا التأويل مع المحكم على اساس تنزيه الخالق تنزيها مطلقا عن التشبيه في ذاته وصفاته وأفعاله. (2) أما بالنسبة الى الاحاديث المروية عن الرسول والتي يفيد ظاهرها التشبيه فان البشري (3) في كتابه مكنون الخزائن يقول في شأنها: والقول عندنا في الاحاديث المروية التى ظاهرها التشبيه اذا صدرت من ثقات الرواة ان ينظر فيها فان كانت موافقة للقرآن لها مجاز في لغة العرب حملت على احسنها معنى وأسوغها تأويلا وان كان فيها ما ليس له مخرج الا الى التعطيل لانه محال ان يخالف رسول الله الكتاب ربه الذي هداه به كما قال عليه
السلام أيها الناس لا تمسكوا عني شيئا فاني لا احل
- انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث رقم 871
2 - انظر السالمي: بهجة الانوار 108/ 1
البشري: هو موسى بن عيسى البشري
الرد على طعيمة – 120 5 (1/134)
صفحة 135
الا ما أحل القرآن ولا أحرم إلا ما حرم القرآن وكيف أقول بخلافه وقد هداني الله) (1) وعنه عليه
السلام: مامن) نبي الا وقد كذب عليه وسيكذب علي من بعدي فما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وأنا قلته وما خالفه فليس عني) (2)
على أن جمهور الاباضية وغيرهم لا يرون الاحتجاج في مجال العقيدة الا بالاحاديث المنقولة عن طريق التواتر. فكل حديث مفيد للتشبيه إما أن يؤول مع مراعاة قاعدة التنزيه واما ان يرد اذا لم يحتمل أي وجه للتأويل وكان مناقضا للاسس العقائدية التي أثبتها القرآن الكريم. يقول الجويني: والاحاديث التي يتمسكون بها آحاد لا تفضي الى العلم ولو أضربنا عن جميعها لكان سائغا لكنا نومئ الى تأويل ما دون منها في
ا ورد حديث مشابه له في سنن ابي داود الحديث رقم 4604 ولفظة الا الي اوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه
انظر: ابن ماجة: مقدمة 2 حديث 12 البشري: مكنون الخزائن 199/ 1 والحديث قد ورد ما يقترب منه في المعنى عند ابن ماجة في سنته: مقدمة 2 حديث رقم 21
فرد على طعيمة – 121 5 (1/135)
صفحة 136
الصحاح (1)
2
اللغة: وفي هذا المجال يشترط الاباضية على المؤول ان يكون عالما وملما بأسرار اللغة العربية مستقصيا البحث في كل كلمة تأولها وقد حذروا من التأويل وفق الهوى رغبة في التلبيس على الخصم او عن جهل فيميل الفهم عن الصواب. كما حذروا من التسرع الى التأويل بظاهر العربية من غير استقصاء المنقول في شأن النص (2). وللبرهنة على
ذلك نورد بعض الامثلة:
المثال الاول: تأويل العين
جاء في كتاب مكنون الخزائن: وأما العيون تقول هذا بعيني وهذا بعينك أي يحفظك وعفوت عن فلان لعين فلان واكرمت فلانا لعين فلان اي لفلان ذاته لا لعينه التي يبصر بها وأخذت الدراهم عينها اى ذاتها وليس للدرهم عين. (3) المثال الثاني: تأويل الوجه
كما جاء في نفس الكتاب تأويل الوجه بالذات
- الجويني: الارشاد 161
2 - انظر: الجعيري: التراث الاباضي 261
البشري: مكنون الخزائن 174/ 1
الرد على خيمة ـ 122. (1/136)
صفحة 137
بناء على قول العرب: ما فعلت هذا الا لوجه فلان أي لفلان، وفعلت هذا كرامة لوجهك أي لك
وانفقت هذا لوجه الله أي لثوابه ووجه البلدة أي
كبيرها (1).
-
المثال الثالث: تأويل الاستواء
لقد تتبع الاباضية آيات الاستواء في مواضعها السبعة لفظة لفظة وركزوا على دلالات فعل استوى في اللغة العربية وعلى معاني «ثم» و «على» فالعرب تقول استوى فلان على الملك وعلى المصر اي استولى واستعلى. (2) ولا تقصد بذلك الاستقامة بعد الاعوجاج كما يدل عليه ظاهر اللفظ في حقيقته وهذا ابو عمار عبد الكافي مثلا يرد على من زعم ان (ثم) تدل على الاستئناف أي وقوع شيء بعد شيء مستدلا بقوله تعالى او اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)
البلد: 18، فهل فعل ما فعل ثم كان بعد فعله من الذين آمنوا؟ (3)
-1
نفس المصدر 175/ 1 2 - انظر البشري: مكنون الخزائن 176/ 1
ابو عمار: الموجز 373/ 1 وانظر المحشي حاشية الترتيب 285/ 7
الرد على طبيعة - 123. (1/137)
صفحة 138
كما نجد أبا ستة (1) يورد معاني «ثم» الدالة على التراخي والمهلة والعطف العادي (كالواو) والدوام كما في قوله تعالى ثم استوى الى السماء وهي دخانه فصلت: 11
اما فيما يخص حرف الجر «على» فقد اشتغلوا بتتبع مختلف معانيه كالالتزاق والفوق والاغراء والحيال والاستعلاء.
فتأويل الاستواء بالقهر والملك والاستعلاء لم يکن خارجا عن مدلولات اللغة العربية واستعمالاتها ولبس في ذلك أي تمحل او تطويع للنص القرآني للرغبات والاهواء والميول وانما سعة اللغة العربية هي التي مكنت من فهم هذه الآيات فهما يتناسب مع محكم قوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى 11
—
ولقد سبق أن أشرنا إلى أن الجويني كان من بين الذين وافقوا الاباضية في تأويل بعض الصفات ونخص بالذكر منها مسألة الاستواء فقد أول مثلهم الاستواء بالقهر والغلبة والاستيلاء محتجا بشيوع مثل ذلك الاستعمال في اللغة العربية وذلك في قوله
1 أبو سنة: هو أبو عبد الله محمد بن عمر
الرد على طعيمة ـ 124 5 (1/138)
صفحة 139
وذلك شائع في اللغة اذ العرب تقول استوى فلان على الممالك اذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب) (1)
ثم يبين فائدة تخصيص العرش بالذكر انه اعظم المخلوقات في ظن البرية تنبيها بذكره على ما دونه (2) ونفس الفكرة يوردها السالمي فيقول: وانما خص العرش بالذكر في هذه الآية ونظائرها لان العرش اعظم المخلوقات فناسب ذكره في مقام الامتداح واذا كان تبارك وتعالى مالكا لما هو اعظم المخلوقات ومستوليا عليه كان استيلاؤه على ما هو دون ذلك ثابتا بطريق الاولى» (3) فهل يرى القارئ الكريم بعد عرض أسس التأويل عند الاباضية تقديما للعقل على الشرع أم أن ما قام به الاباضية من تأويل للصفات وغيرها إنما هو مجرد بذل الجهد لفهم ما ورد به الشرع فهما سليما اعتمادا على ربط النصوص بعضها ببعض ومقارنتها وعرض تأويلات بعض الصحابة لها مع
ا - الجريني: الارشاد 40
نفس المصدر ص 41
- السالمي: بهجة انوار العقول 95 - 96 (حاشية على الجزء الأول من شرح
طلعة الشمس)
الرد على المية - 125 5 (1/139)
صفحة 140
الالتزام بدلالة اللغة ومقاييسها؟ هل يعد هذا تحكيما للعقل واطلاقا لعنانه دون قيود ينتهى بالدارس الى الحكم على تأويل الاباضية بأنه ابتداعي أم هو دعوة للاجتهاد من أجل فهم النص القرآني فهما يتماشى وفكرة تنزيه الخالق في اطار مقتضيات اللغة العربية؟
ولقد أشار الجويني الى نفس ما ذهب اليه الاباضية معبرا عن موقفه من التأويل بقوله: «واذا كان للتأويل مجال رحب وللامكان مجرى سهب فلا
معنى لحمل الآية على ما يقتضي تثبيت دلالات
الحدث (1)
كما يلفت النظر الى ان اجراء بعض الآيات على ظاهرها - كالاستواء - التزام للتجسيم ويحذر من
-
خطورة الاعراض عن التأويل ويؤكد على ضرورته والحاجة اليه على شرط حمل الآيات محملا مستقيما في العقول مناسبا لموجب الشرع (2) فهل يستطيع المؤلف لكتاب الاباضية عقيدة ومذهبا ان يحكم الجويني: الارشاد 190 وذلك عند تفسيره لقوله تعالى وجاء ربك والملك
صفا صفا ـ الفجر (23)
- انظر الجويني: الارشاد 41 - 42
الرد على طعيمة – 126 5 (1/140)
صفحة 141
على امام الحرمين في موقفه هذا بأنه مبتدع؟ ولينظر الى تأويله لكل من النور والعين والوجه والجنب
والساق والمجيء والنزول والقدم والصورة واليدين والاستواء وما أشبه ذلك (1) فهل يرى اختلافا بينه وبين الاباضية في ذلك؟
فهل الجويني أيضا من المبتدعين الذين يقدمون العقل على الشرع أم هو مستثنى منهم وما دليل الاستثناء حينئذ؟
لاشك ان الموضوعية تقتضي الحكم على الجميع بالاجتهاد والهدف الى تنزيه الخالق عما لا يليق به من صفات المحدث تقيدا بقوله تعالى ليس كمثله الشورى (11) ولا علاقة لهذا الموقف
شيء
—
بالابتداع وتقديم العقل على الشرع.
وليس الجويني وحده من الاشاعرة من أقر بالتأويل في هذا المجال بل سلك نفس المسلك من
ا انظر الجويني: الارشاد من 155 ال 163 فقد أول مثلاً والله نور السموات والارض النور 35، بأنه هادي من في السماوات والارض كما أول العين بالحفظ والرعاية والوجه بالوجود والاستواء بالقهر والغلبة والملك واليدين بالقدرة وهكذا في بقية الصفات
الرد على طعيمة - 127 (1/141)
صفحة 142
بعده القفال (1) ثم السعد التفتازاني (2) والايجي
والجرجاني (3)
وقد قسم محمد عبده الاشاعرة في هذا الباب الى
قسمين:
-
مذهب السلف: وهم القائلون بوجوب ابقاء
الصفات على ظاهرها مع التنزيه
—
مذهب الخلف: وهم الذين يذهبون الى تأويل الظاهر بحمله على المجاز والكناية ليتفق النقل مع
العقل على حد تعبيره. (4)
<-1
القفال: 429 - 507 رئيس الشافعية بالعراق وقد لقب في عصره بفخر الاسلام، و. الزركل: الاعلام 210/ 9
2 - الفتازاني (712 - 793 هـ / 1312 – 1390 م) هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني سعد الدين، و. ترجمه: الزركلي: الاعلام 219/ 7 3 - الايمي (756 هـ 1355 م) هو عبد الرحمن بن احمد ابو الفضل عضد الدين الايمي من تصانيفه المواقف في الكلام والعقائد العضدية، و. الزركلي 295/ 3 الجرجاني (740 - 816 هـ - 1340 - 1413 م) هو علي بن محمد المعروف بالشريف الجرجاني من تصانيفه وشرح المواقف» و «التعريفات و. الزركلي 7/ 5
جاء في شرح المواقف 366/ 2: التنبيه الوجه وضع للجارحة ولم يوضع لصفة أخرى، بل لا يجوز وضعه لما لا يعقله التخاطب فيتعين المجاز والتجوز به عما لا يعقل.
أنظر محمد عبده: تفسير المنار 196/ 3
الرد على طعيمة - 138 1 (1/142)
صفحة 143
فالتفتازاني مثلا يعبر عن موقفه من الصفات المختلف فيها فيبين بوضوح ان حملها على معانيها
الحقيقية ممتنع لما يترتب على ذلك من وهم
التشبيه
هي
الا
والتجسيم ويؤكد ان هذه الصفات ان تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية مقدمة في صور
حسية (1) كما أورد الرازي - قبل محمد عبده ــ نفس
-
التقسيم غير انه وصف اصحاب المذهب الأول بأنهم يقطعون بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة مع التفويض والامتناع عن الخوض في تأويل الآية على
التفصيل بينما اصحاب المذهب الثاني لا يرون مانعا من التأويل والتوسع فيه ويذكر من بينهم القفال فيروي. تأويله للعرش فيقول: العرش كناية عن الملك
عنه
يقال ثل عرشه اي انتقض ملكه وفسد واذا استقام له ملکه واطرد امره وحكمه قالوا استوى على
عرشه، يعلق الرازي على هذا الكلام بقوله: وأقول ان الذي قاله حق وصواب، رغم انه سبق
ان اختار المذهب الاول اي مذهب السلف
ا انظر الرازي: التفسير الكبير 115/ 14 وما بعدها.
الرد على طعيمة - 129. (1/143)
صفحة 144
والجدير بالملاحظة أننا لا نقصد بعرض مواقف
بعض علماء الاشاعرة اعتبارهم سببا في الحكم على سلامة مذهب الاباضية ولولاهم ما كان لنا من سبيل لتصويب حجج الاباضية وانما اردنا بذلك
اثارة السؤال التالي:
لماذا
سمح المؤلف لنفسه الحكم على الاباضية
بالابتداع وتقديم العقل على الشرع في هذه القضية وسكت عن هؤلاء العلماء المذكورين آنها؟ هل يجرؤ أيضا على اتهامهم بالابتداع ومخالفة الكتاب
والسنة؟
ان الموضوعية التي ألزم المؤلف نفسه بها في مقدمة كتابه وحبه للانصاف والنزاهة كل ذلك يقتضى منه العدل في الحكم على اناس اجتمعوا على نفس الرأي في قضية معينة ولهم حجج متقاربة ان لم نقل متماثلة. فالواجب يقتضي منا وصفهم جميعا بالابتداع متى توفرت الحجج الدامغة على ذلك (1) أو وصفهم جميعا بالاجتهاد على أسس وركائز متينة محاولة منهم رفع الالتباس وإزالة وهم التشبيه
والتجسيم.
1 - وقد أثبتا فيما سبق ان لا حجة تمكن القارئ من الخروج بهذا الحكم.
الرد على طعيمة – 130. (1/144)
صفحة 145
وفية ان (1/145)
صفحة 146
[صفحة فارغة] (1/146)
صفحة 147
فقد
• نفي الرؤية.
لقد سلك المؤلف في هذا الباب نفس المسلك
الذي انتهجه عند تحليله لموقف الأباضية من الصفات ركز على تقديمهم العقل على الشرع واثبت ان هذا المنهج انتهى بهم الى نفى الرؤية وبين أنهم تأثروا في ذلك بالمعتزلة وجمهور الخوارج واستدل على ذلك باعتبارهم كل مرئي متحيزا الى غير ذلك من مقولات من أعمل العقل وأهمل الشرع على حد تعبيره (1)
ثم اشار الى انهم استدلوا على مذهبهم بآية الانعام 103 ولا تدركه الابصار واهملوا ما سواها او تأولوه ثم ظلوا يجمعون ما يخدم مذهبهم
من آثار نبوية واقوال للصحابة وكأنه يذهب الى أن حجتهم الرئيسية في نفي الرؤية هي الاحاديث والنصوص المروية في مسند الربيع بن حبيب الذي لا يعد سنده عمدة عند اهل الحديث من علماء السنة والجماعة طبعا حسب ما اكده هو في
كتابه (2)
1 - انظر كتابه: الأباضية عقيدة ومذهبا ص 104
نفس المصدر ص 106
الرد على طعيمة - 132 5 (1/147)
صفحة 148
هذه هي جملة المسائل التي اثارها المؤلف في هذه القضية وسنحاول تتبع نقاطها الرئيسية معتمدين على ما كتبه الاباضية انفسهم لنتبين حقيقة الاحكام التي اصدرها عليهم.
اما فيما يخص الاحاديث التي احتج بها الاباضية على نفي الرؤية والتى أورد المؤلف بعضا منها فانهم يعترفون بأنها اخبار آحاد وقد بينا فيما سبق انها
ليست بحجة في مسائل العقيدة (1) لكن لماذا يوردونها اذن من بين استدلالاتهم؟ لاشك ان غايتهم تتمثل في مجرد التعضيد وزيادة التأكيد على صحة ما ذهبوا اليه
ولقد سلك هذا المسلك ايضا كثيرون من علماء الاشاعرة في مسائل عقائدية متعددة. (2)
واما فيما يتعلق بمسند الربيع بن حبيب فانه وان كان سنده مغايرا لما اعتمده اهل الحديث من
علماء
السنة والجماعة فليس هذا بحجة على ضعفه خاصة وان هذا الكتاب كان مجهولا لديهم ولذلك
ا - انظر ص (121) من هذا البحث
2 ـ منها هذه المسألة فقد ذكر محمد عبده في تفسيره ان ابن القيم جمع ثلاثين حديثا في الثبات الرؤية، انظر تفسير النار محمد عبده 152/ 9 .. لكن احمد بن حمد الخليل يثبت تناقض هذه الروايات فيما بينها ولا يمكن الجمع بينها الا بتأويل الرؤية بمعنى العلم. انظر تحليله للقضية تع ص 196/ 195 من المشارق. الرد على طعيمة – 131 5 (1/148)
صفحة 149
لم يتعرضوا الى تعديل رواته او تجريحهم اما علماء الاباضية فقد كانوا عارفين برجال سنده ولو تبين
لهم داع من دواعي القدح والتجريح في اخذ الرواة لسارعوا الى كشفه. ومَنْ من علماء الاباضية يجرأ على الوضع والكذب على رسول الله لا وهو
يعتقد اعتقادا جازما ان الكذب في حد ذاته كبيرة يترتب عليها الخلود في الناره (1)
ولذلك اعتبر السالمي هذا المسند أصح كتب الحديث رواية واعلاها سندا خاصة وانه اقدم كتاب دون في السنة بعد ثبوت عدالة رواته لديه واجماع رجال السنة على عدم تصريحهم بموافقة السالمي على ما ذهب اليه ليس دليلاً على بطلانه بعد ان بينا عدم معرفتهم بهذا الكتاب واطلاعهم عليه والنزاهة تقتضي الدراسة والتنقيب وبذل الجهد في كشف الحقيقة قبل اصدار الاحكام.
هذا بالنسبة للاحاديث المروية في هذا الشأن واقوال الصحابة اما بالنسبة للادلة العقلية التي
1 – اذا كان الكذب على غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي الخلود في النار فما بالك بالكذب على رسول الله له القائل من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث رقم 738، وانظر البخاري علم 38 ومسلم زهد 72 وابو داود علم، وغيرهم.
الرد على طبيعة - 135 5 (1/149)
صفحة 150
اعتمدها كثير من الاباضية فهي (1) ايضا لمجرد التعضيد وليست هي الاساس والركيزة في تبنى موقف نفى الرؤية بل نجد من الاباضية من ينفي الاعتماد على الحجج العقلية ويضعفها جميعا فيقول: وقد ضعف دليل العقل من الجانبين (جانب الاباضية وجانب مخالفيهم ولم يبق الا الدليل النقلي) (2) وكذلك ذهب كثير من الاشاعرة المثبتين للرؤية الى توهين الدليل العقلي ودعا الى التمسك بما ورد به النص. (3)
فما ورد من ادلة عقلية سواء عند المثبتين او النافين قد تقوى احيانا وتضعف حينا آخر يمكن اسقاطها والاعتماد كليا على ما جاء في القرآن
الكريم. وقبل الانتقال الى كيفية تناول الاباضية للآيات المتعلقة بالرؤية نود ان نلفت نظر القارئ الى انه ا انظر السالمي: البهجة 90/ 1 وانظر تبفورين: اصول الدين 67 وعبيد الله ابراهيم جواب سؤال 20 والملاحظ ان الاشاعرة احجوا بأدلة عقلية على امكان الرؤية. انظر في ذلك الجرجاني: شرح المواقف 198: 200 والارشاد للجويني 174 2 - الدويكشي: حاشية على الديانات 2
انظر الجميري: التراث الأباضي، نقلاً عن الرازي في كتاب الاربعين والسيد
في شرح المواقف
الرد على طعيمة – 136 5 (1/150)
صفحة 151
لا يوجد اى دليل على تأثر الاباضية بالمعتزلة كما ذكر ذلك المؤلف في هذه المسألة ولا في غيرها من
المسائل وان كانت بين الطرفين كثير من نقاط الالتقاء.
هذا فيما يخص اعتماد الاباضية في نفى الرؤية على الحجج العقلية والاحاديث والآثار المروية فماذا الآيات القرآنية التي تفيد عند الاباضية افادة
عن
صريحة استحالة الرؤية وما قول الأباضية في الآيات
التي احتج بها مثبتو الرؤية؟
قوله تعالى ولا تدركه الابصار وهو يدرك
الابصار الانعام 103
-
لقد بحثوا في هذه الآية من عدة وجوه أهمها: أ ـ الآية لا تفيد الاحاطة بل تفيد الرؤية: جاء في تعليق احمد بن حمد الخليلي (1) على مشارق انوار العقول ان العرب تقول ادركت حياة فلان اي لم
أولد إلا في الزمن الأخير من حياته كما تسمى العرب
1 - أحمد بن حمد الخليل: أكبر علماء المذهب المعاصرين، من مؤلفاته وجواهر التفسير، وله كثير من الأجوبة والفتاوى المسجلة والمكتوبة ويشغل حاليا مفتيا عاما لسلطنة عُمان
الرد على طيبة - 137. (1/151)
صفحة 152
المطر المتوالى متداركا مع العلم انه ليس المقصود منه ان كل ديمة منه تحيط بغيرها وانما المقصود تلاحق الديم كما يقال ادركه السهم ومن المعلوم ان ليس المراد منه احاطة السهم به واشار المحقق الى ان الالفاظ المشتقة من الادراك غير دالة على الاحاطة
كما في قوله تعالى وحتى اذا ادار كوا فيها الاعراف 38 والمراد من الآية تلاحق الافواج في النار (1) والسالمي من قبله يذهب الى ابقاء لفظ الادراك على حقيقته (2) لان تقييد الادراك بالاحاطة مجاز يحتاج الى قرينة بل يؤكد ان القرائن دالة على نفي مطلق الادراك (3)
ب -
الآية تفيد عموم السلب: ذلك ان الالف واللام في لفظ الابصار تفيد الاستغراق والعموم الشمولي فيصير معنى الآية لا تدركه جميع الابصار سواء في ذلك ابصار المؤمنين او ابصار الكافرين (4)
1 - انظر تع 1 ص 202: 203 من كتاب مشارق الوار العقول للسالمي وقد جاء في لسان العرب: ادركه يبصري أي رأيته.
انظر اين منظور لسان العرب مادة درك.
- انظر السالمي: المشارق 202: 203 انظر محمد أطفيش: تيسير التفسير 372/ 2
الرد على طعيمة – 138 5 (1/152)
صفحة 153
ومن بين ما استدلوا به على ذلك افادة الآية للمدح اذ سياق الآيات السابقة لهذه الآية المدح في اطار ذكر الصفات التي تفرد الله بها،، فكما ان نفي
النوم والسينة عنه مدحة فكذلك نفي الرؤية مدحة ايضاً (1) ولهذا يردون على مجيزي الرؤية الذين يرون أن الآية تفيد سلب العموم (2) بحجة انتقاض هذا الدليل بقوله تعالى: ولا تأخذه سنة ولا نوم اذ لو كان معنى قوله تعالى ولا تدركه الابصار في الدنيا لكان ايضا لا تأخذه سنة ولا نوم في الدنيا فقط دون الآخرة وهذا محال فاذا ثبت نفي السنة والنوم عن الله في الدنيا والآخرة ثبت كذلك نفي ادراكه ايضا في الدنيا والآخرة (3)
—
2 ـ قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني انظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما افاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين ا انظر السدويكشي: حاشية على الديانات 2، وانظر الجصاص: أحكام القرآن فقد استدل بنفس الحجة ميناً بوضوح أن ما مدح الله به نفسه لا يمكن
أن ينتفي عنه في الآخرة. . انظر عزة محمد عبد المنعم: رؤية الله تعالى 63 الظر عبيد الله ابراهيم: جواب سؤال لبعض المالكية 20
الرد على طعيمة – 139 (1/153)
صفحة 154
الاعراف 143
لقد ركز الأباضية في هذه الآية على حقيقة (لن) الدالة احيانا على التأكيد واحيانا على التأييد
الله
حسب سياق الآية ومقتضاه (1) واثبتو انها في هذه الآية دالة على التأييد والقرينة على ذلك هي تنزيه عن ان تدركه الحواس لانه ليس بجسم مستقر في مكان حتى تستطيع حاسة البصر مهما اوتيت من قوة او أية حاسة أخرى رؤيته (2)
ه اما ما احتج به الاشاعرة من هذه الآية على امكان الرؤية فقد رد عليهم الأباضية بما يلي:
-
جاء في مسند الربيع بن حبيب في قوله تعالى طوارني انظر اليك به ان طلب ذلك انما كان على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله اية من آياته فييأسوا من رؤية الله (3)
1 - ولقد وردت (لن) في القرآن بمعنى التأيد في غير هذا الموضع ايضا مثل ما جاء في قوله تعالى ولن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا لهم الحج 73 والقرينة الدالة على التأيد هنا هي ان الخلق من خصوصيات الله تعالى وتبقى دوما قدرة الانسان
محدودة.
فقد قالوا لو كانت الرؤية مستحيلة ما كان موسى عليه السلام ليطلبها من
- انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث رقم 869
الرد على طيبة ـ 140. (1/154)
صفحة 155
كما بين السالمي ان موسى عليه السلام لما الح عليه الله بنو اسرائيل ان يريهم جهرة اراد ان يقيم عليهم الحجة عيانا على ان الله لا يرى ولهذا الغرض اخذ معه سبعين رجلا وكلهم سمعوا عبارة لن تراني (1) لو كانت الرؤية ممكنة غير مستحيلة ما ترتب على طلبها العقوبة العاجلة والحكم بالاستكبار والعتو والظلم على طالبها. فقد قال تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا انزل علينا الملائكة او نرى ربنا لقد استكبروا في انفسهم وعتوا عنوا كبيرا الفرقان 21 وقال وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى
نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون البقرة 55
وقال: ويسألك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر. من فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم
النساء 153
ذلك
فالجمع بين هذه الآيات الثلاث المعنفة لطالبي الرؤية وبين الآية السابقة يقتضى ان موسى عليه
انظر السالمي: مشارق أنوار العقول 189
الرد على طبيعة - 141 5 (1/155)
صفحة 156
السلام ما طلب الرؤية الا اقامة للحجة أمام قومه
على استحالتها ولذلك لا يمكن ان يكون في هذه الآية دلالة على امكان الرؤية.
+
واما الآيات التي اعتمدها الاشاعرة في اثبات الرؤية فان الاباضية لم يهملوها كما زعم المؤلف (1) وانما تتبعوها واحدة واحدة دون اخضاع أو تطويع لهذه الآيات لما يقتضيه مذهبهم وانما حسب سياقها ودلالتها اللفظية ولنتأمل تحليلاتهم لهذه الآيات لنتبين مدى صحة ما اثبتناه من حكم.
(1) ـ قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها
-
ناظرة القيامة 22، 23. لقد تناول الاباضية
هذه الايات من زمان مبكر فقد اورد الربيع بن
حبيب في القرن الثاني روايات متعددة عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية (2). ثم عقب عليها بتحليل لغوي يؤيد مصداقية هذه التفسيرات فبين ان النظر بمعنى الانتظار وارد في القرآن واستعمالات العرب مستدلا بقوله تعالى وما ينظرون الا صيحة ا انظر كتابه ص 106
لا انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح باب 17 ما روى عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) وباب 18 عن ابن عباس رضي الله عنه في النظر ايضا.
الرد عل طيبة ـ 142 5 (1/156)
صفحة 157
واحدة ليس 49 وقوله وما ينظر هؤلاء الا صيحة واحدة ص 15 وقوله وهل ينظرون الا الساعة ان تأتيهم بغتة الله الزخرف 66 ومحتجا بقول العرب وانما انظر الى الله ثم اليك كل كما قدم معاني اخرى للنظر تختلف عنا الابصار بالعين كالعلم واليقين (1) وفي نفس النسق يمضي الوارجلاني (2) والشماخي (3) والسالمي (4) عارضين معاني النظر في لغة العرب مستدلين على ذلك بآيات من القرآن الكريم. وابن منظور في
معجمه اورد ايضا من معاني النظر الانتظار ثم نقل تخطئة ابي منصور (5) المفسري قوله تعالى الى ربها
1 - انظر نفس المصدر باب 19 في النظر في اللغة حديث رقم 859 2 - الوارجلالي: ت: 570 هـ: 1175 م هو يوسف بن ابراهيم السدراتي الوارجلالي رأي مسند الامام الربيع بن حبيب مشوشا فرتبه وسماه الجامع الصحيح ومن كتبه العدل والانصاف في أصول الفقه، و. الزركل: الاعلام 212/ 8، وانظر الدليل والبرهان مج 1، 77/ 1، 78
الشماخي | انظر رده على القدامي 21: وهو أحمد بن سعيد الشماخي (ت: 928 هـ) مؤرخ أباضي مغربي من مؤلفاته وسير المشائخ، «شرح مخصر العدل
والانصاف و. الزركل: الاعلام 131/ 1
انظر المشارق 191: 193
ة ابو منصور: هو عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت 429 هـ) من أئمة الأصول ومن تصانيفه أصول الدين الناسخ والمنسوخ .. و. الزركل: الاعلام
1 A/1
الرد على طيعة - 143 5 (1/157)
صفحة 158
ناظرة بالانتظار وحجته في ذلك ان العرب لا تقول نظرت الى الشيء بمعنى انتظرته وانما تقول نظرت فلانا اي انتظرته واذا قالت نظرت اليه لم يكن الا بالعين (1)
غير ان الاباضية لم يسلمو بذلك محتجين بقوله تعالى فنظرة الى ميسرة له البقرة 280 (2). ويقول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات
وقول الشاعر:
الى الرحمن يأتي بالفلاح (3)
واذا نظرت اليك من ملك
وقول الشاعر:
والبحر دونك زدتني نعما
وجوه بها ليل الحجاز على الهوى
الى ملك ركن المعارف ناظرة
اي منتظرة لمعروفه (4)
-
انظر اين منظور: لسان العرب مادة النظره انظر عيد الله ابراهيم: جواب سؤال، سؤال 19
انظر تبخورين: أصول الدين 66
1 - أحمد بن حمد الخليل لع 1 ص 193 من مشارق أنوار العقول للسالمي.
الرد على طعيمة ـ 144. (1/158)
صفحة 159
ومحمد عبده يثبت ان استعمال النظر بمعنى الانتظار في القرآن كثير وان استعماله متعديا بإلى ثابت عند العرب ويروى عن عبد بن حميد عن مجاهد تفسير (ناظرة) بقوله تنتظر الثواب ويعقب على ذلك بتوثيق ابن حجر لهذه الرواية (1) كما يحتج الاباضية بان التناسق يختل بين الشطر الأول للآية
اذ
و شطرها الاخير اذا فسر النظر بالابصار الحسي مقام الآية هو ذكر الثواب والعقاب فلفظ (ناضره) يقابله لفظ (باسرة) ولفظ ناظرة بمعنى منتظرة الثواب يقابله لفظ فاقرة (بمعنى متوقعة فعلا فظيعا يقصم فقار الظهر)
بينما لو كان النظر المقصود في الآية الرؤية بالبصر لكان من المناسب ان يذكر بعد ذلك حرمان الكافر من الرؤية (2)
كما استفاد الاباضية من تقديم حرف الجر الى
1 - انظر محمد عبده: تفسير المنار 134/ 9 كما ان الجصاص صرح بأن النظر بمعنى الانتظار سالغ في اللغة العربية ثم استنتج أن الآية لا يمكن أن تكون مخصصة لقوله تعالى ولا تدركه الابصار وهو يدرك الابصارك الانعام 103، انظر الجصاص: أحكام القرآن 4/ 3، 5
أنظر المصعبي: حاشية البغوري 84
الرد على طعيمة – 5.145 (1/159)
صفحة 160
في قوله تعالى والى ربها ناظرة مبينين ان هذا التقديم يفيد الحصر والاختصاص ولو كان النظر نظر عين لا يخصر في ذات الله دون غيره ومعلوم انهم ينظرون الى أشياء كثيرة لانهم آمنون وبذلك تنتفي فائدة التقديم في حين ان تفسير النظر بمعنى الانتظار
يزيل هذا الالتباس لان المؤمنين لا ينتظرون الثواب
الا
من الله تعالى
(2) - قوله تعالى وكلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين 16، لقد ذهب الاشاعرة الى ان الآية تفيد حرمان الكافرين من رؤية الله واستنتجوا ان المؤمنين على خلاف ذلك ينعمون برؤية خالقهم (1) لكن الأباضية لم يوافقوهم على هذا التأويل بحجة ان الاستدلال بالمخالفة في
الاعتقاديات مرفوض (2).
-
(3)
قوله تعالى الذين يظنون انهم ملاقوا
رجهم البقرة 46، لما فسر الاشاعرة اللقاء بالرؤية عارضهم الاباضية بان اطلاق اللقاء على الرؤية
ا - انظر الأشعري: الإبانة 46 - انظر السالمي: المشارق 195/ 194
الرد على طعيمة – 141 5 (1/160)
صفحة 161
يحتاج الى قرينة ولا دليل على ذلك ولان اللقاء لم يذكر الا في مقام التخويف خلاف مقام الرؤية كما
يقول بذلك مثبتوها ولانه اشتراك في مقام اللقاء المطليع والعاصي، قال تعالى ويا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه والانشقاق 1157)
(4)
قوله تعالى الله على الأرائك ينظرون المطففين 24، صرح الأباضية بان لا دلالة في هذه الآية على الرؤية لعدم ذكر المنظور فيها بل فسروا الآية بالنظر الى ما اعد الله لهم من الثواب في مستقر رحمته كما ارشد اليه قوله تعالى الله واذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيرا الانسان 20 (2)
-
(2)
قوله تعالى الذين احسنوا الحسنى
و زيادة، يونس 26، لما فسر الاشاعرة الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر الى الله (3) رد عليهم الاباضية بأن هذا التفسير هو خلاف الظاهر بغير دليل لان الزيادة لا تكون الا من جنس المزيد عليه اذ عندما
1 - انظر السالمي: المشارق 195/ 194
-
-
انظر السالمي: المشارق 195/ 194
انظر الاشعري: الابانة 45
الرد على طبيبا - 147 5 (1/161)
صفحة 162
تقول عندى الف درهم وزيادة فلا تعنى بذلك الف درهم وزيادة بزيادة ثوب مثلاً. (1)
بعد الاشارة الى هذه الايات السبع التي تناولها الاباضية بالبحث والتحليل خاصة النصوص الثلاثة
هذا
الاولى مركزين على جانب اللغة والتركيب وسلامة السياق وعبارات القرآن كما اسلفنا، وبعد العرض الموجز بما فيه من تلميحات الى بعض أدلتهم هل يتسنى للقارئ ان يحكم عليهم بأنهم اكتفوا بسوق آية الانعام للاستدلال على مذهبهم مهملين ما سواها من الآيات المفسرة لها؟ (2)
لاشك ان المؤلف اظهر اقتناعه بانهم اهملوا البعض منها وأولوا البعض الآخر غير انه سكت عن استدلالاتهم اللغوية والتركيبية وتفسير القرآن بعضه لبعض واكتفى بسرد بعض حججهم النقلية التي ذهب الى توهينها بسبب ورودها في مسند الربيع بن
حبيب وقد بينا فيما سبق موقفه من المسند وأوجه
الرد عليه. (3)
-1
- Y
السالمي: المشارق 193
ويقصد الآيات الخمس الأخيرة التي عرضناها وذكرنا موقف الأباضية منها
- انظر ما سبق ص 98
الرد على طعيمة – 148. (1/162)
صفحة 163
خلق القرآن (1/163)
صفحة 164
[صفحة فارغة] (1/164)
صفحة 165
خلق القرآن.
منهجهم
لقد عرض المؤلف في هذه المسألة اختلاف المشارقة والمغاربة مركزا الحديث على نماذج من الادلة التي اعتمدها بعض المشارقة في نفي خلق القرآن ومثبتا أنهم خالفوا في هذه المسألة العقلي الذي اعتادوه في فهم النصوص وتأويلها مخالفين بذلك المعتزلة والقدرية ومن يقول بخلق القرآن (1) ثم اشار الى تأويلات المغاربة في هذه القضية دون إيراد حجة واحدة لهم ثم انتهى بالتلميح الى التسامح بين الاباضية المشارقة والمغاربة رغم الاختلافات الواقعة بينهم في هذه القضية مما جعله يحكم على هذا الاختلاف بأنه ليس جوهريا (2) وأول ما لفت انتباهنا في عرضه لهذا الموضوع هو تعبيره عن خيبة أمله في الاباضية بسبب وقوعهم في منزلق الخوض في مسألة خلق القرآن وقدمه وكيفية كلامه تعالى (3) والسبب في بعث الأمل هو
انظر كتابه ص 101
2 ـ نفس المصدر ص 103
3 ـ نفس المصدر. فهو يقول وكان الأمل ألا ينزلق المذهب الأباضي
الى هذا المنزلق .. لكن ما شاء الله كان.
الرد على طبيعة - 151 5 (1/165)
صفحة 166
ما وجده في مصادرهم من وجوب تقديم الشرع على العقل ولنا ان نتساءل: فيم يتمثل الانزلاق؟ هل في مجرد الخوض في هذه المسألة أم في تبنيهم
لفكرة خلق القرآن؟
والحقيقة ان شيوخ الاباضية الاوائل (1) لم يبحثوا اصلاً في هذا الموضوع وانما أول من تعرض لهذه القضية عند الاباضية عبد
الله
بن يزيد
الله بن
الفزاري (2) غير ان تعرضه للقضية لم يكن له أي أثر في الاوساط الاباضية والملاحظ أن عبد يزيد الفزاري عاش في الكوفة ومعنى هذا ان القضية كانت مثار جدل بين العلماء في الكوفة، فلما نقلها الى الاباضية المغرب كان من المفروض أن يقول فيها العلماء كلمتهم ومع ذلك فقد تأخر ابداء الرأي الى زمن الي اليقظان الرستمي (3)، فهل يعد بحث ونعني بهم جابر بن زيد وأبا عبيدة والربيع بن حبيب.
2 - عبد الله بن يزيد الفزاري: من علماء القرن الثالث الهجري كان متكلما وهو الذي أظهر مقالات النكار واله فيها كتبا عديدة منها وكتاب التوحيد، وكتاب الاستطاعة، وكتاب الرد على المحزلة، و. المسعودي: مروج الذهب 137/ 2 وابن النديم: الفهرست 258
ابو اليقظان الرستمي هو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب (ت 281 هـ) خامس الائمة الرستميين من الأباضية في ليبرت بالجزائر، و. الزركلي: الاعلام 40/ 9 .. لقد كتب رسالة في خلق القرآن أوردها البرادي في الجواهر من 183
الى ص 200
الرد على طبيعة - 152 5 (1/166)
صفحة 167
الاباضية في هذه المسألة انزلاقا أم هو مجرد تناول الموضوع كان لابد لعلماء الاباضية كغيرهم من العلماء أن يعربوا فيه عن رأيهم وهذا شأن كل
مسألة طارئة؟
أما بالنسبة الى اباضية المشرق وعلى وجه الخصوص اباضية عمان فان السالمي يروى أن هذه القضية قد نقلت اليهم من البصرة التي انتشر فيها الكلام في هذا الموضوع بسبب ما القاه ابو شاكر الديصاني (1) بين الناس من ان القران قديم ليس بمخلوق فقبل المقالة قوم ورفضها آخرون فلما بلغت القضية علماء عُمان عقدوا عدة جلسات تمخض عنها الاتفاق على ان الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق وان القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد الله فقد حصل الاتفاق على هذا بعد أن تراجع محمد بن محبوب عن قوله بخلق
القرآن (2)
ا يودي عاش في البصرة وأظهر الاسلام وقتا للدس وبث الفتة بين المسلمين.
ر السالمي: تحفة الاعيان 105
محمد بن محبوب بن الرحيل (ت 260 هـ) كان رأس الأباضية بالمشرق ينسب اله من الكتب السيرة إلى أهل المغرب في 75 جزءاً و. النامي: أجوبة بن خلفون 112 .. انظر السالمي: تحفة الاعيان 105 هذا على خلاف ما ذكره المؤلف من ان الراجع عن قوله يخلق القرآن هو محمد بن هاشم واسمه الصحيح محمد بن هاشم لا محمد بن هشام) انظر كتابه ص 100
الرد عل طبيعة - 153. (1/167)
صفحة 168
فالقضية إذن لم يخض فيها الاباضية الا بعد أن
أثيرت في الكوفة والبصرة وكان بحثهم فيها امرا طبيعيا ولذلك لا نرى أي داع للحكم عليهم بالانزلاق لا لشيء الا لانهم قالوا كلمتهم كغيرهم
في الموضوع.
أما ان كان المؤلف يقصد بان دافع الحكم عليهم بالانزلاق هو تأويلهم للنصوص الشرعية الواردة في هذا الموضوع (1) فقد بينا في كثير من المسائل السابقة أن تأويلهم لم يكن قائما على هوى وعلى غير أساس وإنما كان مرتكزا على دلالات اللغة وجمع النصوص ومقارنتها ببعضها البعض على اساس أن القرآن يفسر بعضه بعضا
فقد جاءت آيات مصرحة بالتنزيل والتفصيل
ا الظاهر أن هذا هو الراجح لأنه اعتبر سبب الخلاف بين المسلمين في هذه القضية هو النهج التأويلي للنصوص الشرعية والأباضية من المؤولين وقد بين في الفقره نفسها بأسلوب غير مباشر مخالفتهم لقاعدة القديم الشرع على العقل.
الرد على طعيمة - 154. (1/168)
صفحة 169
ان تقتضي
والجعل والحدث (1) وكلها صفات يكون القرآن مخلوقا فضلا عن أخبار الله بأنه خالق
كل شيء (2) او القرآن شيء غير الله
ولا نريد التعرض الى الادلة العقلية والاحاديث المروية في هذا الشأن بعد أن بينا سابقا أنها ليست
حجة في العقائد
أما الآيات التي احتج بها القائلون بالقدم فان
الاباضية قد تتبعوها واثبتوا الا دليل فيها على القدم
ولنكتف بذكر بعض
الأمثلة:
:
قوله تعالى قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراك الاسراء 88
-1
التزيل قال الله تعالى فانا نحن نزلنا عليك القرآن تزيلا) الانسان 23 التفصيل قال تعالى طروما كان هذا القرآن ان يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين كم يونس 37 الجعل: قال تعالى انا جعلناه قرآناً عربياً) الزخرف 3 .. والجعل هو الخلق بأدلة من القرآن منها وجعل منها زوجها الاعراف 189 الحدث: قال تعالى فروما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين الشعراء.
والذكر: هو القرآن لقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر؟ 2 - وذلك في قوله تعالى مثلا وذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) الانعام 102 .. وقوله وخلق كل شيء) الفرقان 2، ولا دليل على إستثناء
القرآن
الرد على خيمة - 155. (1/169)
صفحة 170
فإن أصحاب القدم استنتجوا من الآية أن عجز الانسان عن الاتيان بمثله دليل على قدمه بينما رأى الاباضية أن الآية واردة في البلاغة والفصاحة فيصير
معناها ان الله لم يخلق كلاما مثله ولا أقدر أحدا على
النطق بمثله
02
2 - قوله تعالى ألا له الخلق والأمر به الاعراف فقد فسر أصحاب القدم» الأمر بالقرآن مستدلين على ذلك بقوله تعالى وذلك أمر الله أنزله اليكم الله الطلاق ه، لكن أصحاب الخلق اجابوا بأن تفسير الأمر بالقرآن مردود بدليل قوله تعالى وكان أمر الله قدراً مقدوراً الاحزاب 38، فإذا فسر الأمر بالقرآن في هذه الآية صار القرآن مخلوقاً (1) وهذا ما لا يقول به اصحاب القدم.
3 - قوله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الانسان الرحمن 1:، لا دلالة في هذه الآيات أيضا على قدم القرآن أو خلقه لأن المقام هو مقام تعداد النعم التي امتن الله بها على الانسان (2) 1 - أنظر شرح الدعالم للقطب 242/ 1: 243
2 - أنظر زيادة الشرح والتحليل والرد على القائلين بالقدم في كتاب شرح الدعالم محمد أطفيش 242/ 1: 243
الرد على طعيمة – 156 5 (1/170)
صفحة 171
فالله خالق الانسان ومعلمه القرآن والبيان ولا تعارض بين كون القرآن مخلوقا وبين كونه متعلما من قبل الانسان بمنّ الله وفضله
أما بالنسبة للاختلاف الواقع بين الأباضية في هذه القضية فان علماءهم عبروا عن جزئيته والتمسوا لبعضهم البعض الاعذار، فهذا السالمي (وهو من علماء المشرق) (1) يشير الى أن القائلين بالقدم أرادوا بذلك إثبات أن الله ليس باخرس (2) وذاك محمد أطفيش من علماء المغرب) يحمل قول بعض أهل عمان بقدم القرآن على معنى العلم اجمالاً وتفصيلاً لفظا ومعنى على ما سيكون إذا
به
خلقه وهذا لا بأس به. (3) أما أبو أسحاق أطفيش (4) في تعليقه على شرح مقدمة التوحيد فقد لخص تقارب الآراء في هذه
ا وهنا تلفت الان باه إلى أن المؤلف د. صابر طعيمة سكت عن الجماع المتأخرين من الأباضية شرقا وغربا على أن القرآن مخلوق ومن بين هؤلاء السالمي. 2 أنظر السالمي: المشارق 245: 246
انظر القطب: شرح الدعالم 223/ 1: 224
انظر محمد أطفيش: شرح عقيدة التوحيد تع 3 لابي اسحاق اطفيش
الرد على طبيعة - 157. (1/171)
صفحة 172
القضية مبينا ان القائلين بالخلق نظروا الى المتلو والمحفوظ في الصدور والصحف وهو الموصوف من
الله بالحدث والنزول والجعل والقائلون بقدمه نظروا وصفته وكلامه وبذلك صار
الى انه
علم
الله
الاختلاف لفظيا بين الفريقين، ولقد صدق المؤلف حين استخلص أن الخلاف ليس جوهرياً.
الرد على طيبة ـ 158 5 (1/172)
صفحة 173
كبائر الذنوب وحكم مرتكبها. (1/173)
صفحة 174
[صفحة فارغة] (1/174)
صفحة 175
كبائر الذنوب وحكم مرتكبها. إن مما أضر بالمسلمين وأفسد عليهم حياتهم الافهام المعوجة لكثير من قضايا الدين والتي شاعت بينهم مدة طويلة من الزمن ومن هذه القضايا مسألة كبائر الذنوب ومدى أرتباطها بالايمان وما يترتب
عليها يوم القيامة
فكثيرا ما ترك الناس الفروض وأقاموا على الذنوب بدعوى أن لا صلة للايمان بها أو أن النطق بالشهادتين يكفى لاقامة الدين وأن الاعمال تعتبر من الكماليات الخفيفة التى لا يضر تركها. وكثيرا ما تدور هذه الافهام على ألسنة الناس إنطلاقا من فهم غير صحيح لنصوص من القرآن والسنة نسوق مثالا واحدا منها:
روى أنس أن النبي الله ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا. وأخبر به
الرد على طعيمة ـ 191. (1/175)
صفحة 176
معاذ عند موته
تأثماه (1)
ويعلق الغزالي على هذا الحديث بقوله: «بهذا الحديث وأمثاله تتعلق العامة في نقض بناء الاسلام، و هدم أركانه والتهوين من خطر العمل وآثاره .. وهو تعلق باطل مردوده ((2)
غير ان الاباضية يفسرون هذا الحديث على غير ما فهمه غيرهم ويعتبرون أمثال هذه الاحاديث التي وردت فيمن قال ولا اله الا الله دخل الجنة أو حرم على الناره إما أنها واردة في ابتداء الاسلام حين كانت الدعوة الى مجرد الاقرار بالتوحيد أو إنها مرتبطة أوثق رباط بإتيان الاعمال ومن ثم فقد ذهبوا الى أن الكبائر محبطة لثواب الطاعات ويترتب عليها حكمها يوم القيامة. إلا أن المؤلف الاستاذ طعيمة يعتبر ما ذهب إليه
الاباضية تشددا في الدين نابعا من ارتباطهم التاريخي
بالخوارج. يقول في كتابه: الاباضية عقيدة ومذهبا فإن
1 - تألما خشية الوقوع في الاثم وإعداد الاثم الحاصل من كتمانه العلم وإنما كان النهي عن التبشير على التزيه لا على التحريم
- عقيدة المسلم ص 147
الرد على طعيمة - 162 (1/176)
صفحة 177
قضية (الكبائر) وحكم مرتكبها والتشدد فيها قد لازمت الخوارج بشكل أصلي وأنتقلت الى الاباضية تاريخيا بحكم علاقة النشأة الاولى والتي انقطعت بين الاباضية والخوارج، وإن كثيراً من المؤرخين لم يسلّم بعد بعملية استقلال المذهب الاباضي في
تصحيحاته واجتهادات ائمته عن جملة معتقدات الخوارج» (1)
ويقول: يتوسع الاباضيون في موضوع الكبيرة تدفعهم روح التشدد في تشكيل معالم هذا الموضوع ويفصلون ويعددون دلائل من القرآن والسنة ليحققوا موقفا كما قلنا أقرب الى التشدد منه الى الاعتدال» (2)
ويقول: «وقد استدل الاباضية في هذه القضية ومعهم المعتزلة والخوارج على صدق دعواهم في تخليد مرتكب الكبيرة في النار بأدلة من وأخرى من السنة تأولوا فيها بما يحقق دلائل ما
أعتقدوه» (3)
القرآن
ويؤكد الاستاذ طعيمة على أن منطلق الاباضية
ا طعيمة ص 119
2 - طعيمة 121
طعيمة 122: 123
الرد على لعبة - 163 5 (1/177)
صفحة 178
في اعتقادهم بالكبيرة وحكمها قوله تعالى وبلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون البقرة 80 ونصوص أخرى من القرآن والسنة
ونستعرض هنا تفسيرات هذه الآية لعلماء المذهب الاباضي ونبين ــ إن شاء الله تعالى ــ أنهم لم ينفردوا بتفسيرهم. لهذه الآية على هذا النحو المشار اليه إنما ذهب مذهبهم كثير من المفسرين واللغويين. يقول الشيخ محمد بن يوسف أطفيش في تيسير التفسير وبلى من كسب سيئة لكل ذنبا كبيرا أو صغيرا أصر عليه. فالسيئة تشمل الشرك وما دونه ولا دليل على تخصيص الشرك وأحاطت به خطيئتهم سيئاته أو أشار الى أنه لم يتب من السيئة لم تغفر له صغائره لاصراره أحدقت به من كل جانب إذا لم يتب منها كلها .. فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا يخرجون منه، المشركون والفاسقون .. ومعنى إحاطة الخطيئة به أنها أهلكته إذا لم يتخلص منها بالتوبة (2)
الفسير - التراث القومي والثقافة (عمان) ج 1 ص 113
يسير الغير ج 1 ص 113
الرد على طبيعة ـ 194. (1/178)
صفحة 179
- وإذا رجعنا الى المعاجم اللغوية نجد أن السيئة هي
-
الخطيئة ونقيض الحسنة في محيط المحيط. (1)
وجاء في المعجم الوسيط في كلمة (سوا) ما يلي: السيئة: الصغيرة من الذنوب وفي التزيل العزيز وإن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم (2)
والسيئة: العيب والنقص وفي التزيل وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (3)
والسيئة: الخطيئة (4)
وفي لسان العرب: سوأ: ساءه، يسوؤه، سوءاً، وسوءاً. فعل به ما يكره، نقبض سره، والسوء الفجور، وأساء الشيء أفسده. والسيئة
الخطيئة (5)
وبعد
أن يذكر المعنى العام للفظة (ساء) يقول في الآية ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله والمعنى مكر الشرك (?) ويوافقه على هذا التأويل صاحب
-1
محيط المحيط مادة سوأ النساء (الآية (31)
الروم 36
المعجم الوسيط ج 1 ص 459: 460 لمان العرب 95/ 1: 96
الجامع لاحكام القرآن ج 2 ص 12
الرد عل فيما ـ 165 5 (1/179)
صفحة 180
الجامع لاحكام القرآن إذ يقول في تفسيره للآية
طوبلى من كسب سيئة الي الاية: السيئة = الشرك،
والخطيئة
=
الكبيرة
غير أن تفسير هؤلاء لكلمة السيئة بالشرك لا
يستند الى أي دليل وقد يكون ناتجاً عن
التأثر
العقدي فحسب. وقد ردّ على هؤلاء كثير من
المفسرين والكتاب.
يقول أطفيش: السيئة تشمل الشرك وما دونه
ولا دليل على تخصيص الشرك» (1)
يقول محمد الغزالي: أما تفسير كلمة سيئة في الآية بأنها الشرك وعبادة الاصنام فلا معنى له، فإن سياق الآية في مخاطبة أحبار اليهود، واستعمال
اللغة وإصطلاح الشارع، ذلك كله ينفي هذا التأويل
الذي لا له
الآية
مبرر
(2)
ويقول صاحب المنار: بلى من كسب سيئة لم للسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا
(الجلال) وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى وأحاطت به خطيئته معني.
ا ذكر سابقا: تسير الفير 113/ 1 عقيدة المسلم ص 169
الرد على طبيعة ـ 169 (1/180)
صفحة 181
وإنما تكون الاحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الاصرار (1) هذا فيما يخص كلمة سيئة إذ لا يوجد إجماع على أن ما تعنيه الشرك بل ذهب الكثير من المفسرين والشراح الى أنها الشرك فما دونه من الاعمال الخسيسة التي تطمس الايمان من القلب حتى يرتد صاحبه الى جاهلية نكراء تجعله بين ظلمات معتمة في الدنيا وترديه في نار جهنم وبئس
القرار
وكثيراً ما أول بعض المخالفين للأباضية والسيئة بالشرك تارة والخلود في النار بطول مدة المكث تارة أخرى حتى يخرجوا من قال (لا إله إلا الله من النار ولو أستغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته.
يقول صاحب تفسير المنار: أولوا ـ أي أهل السنة ـ هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة أن أصحاب الكبائر يخلدون في الناره وتأييدا لمذهبهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب (2) أي أن
ا المنار 362/ 1: 363
2 - المنار 364/ 1 - وقد وردت العبارة الاعتراضية في نصه كما هي.
الرد على قيمة - 197. (1/181)
صفحة 182
تأويلهم فاسد لأنهم طوعوا الآية حسب معتقدهم
والقرآن فوق ذلك كله
كما وردت آيات كثيرة تفيد الوعيد لمرتكبي الكبيرة نذكر منها قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليما (1)
أخاه
ويحسن بنا هنا أن نذكر تعليق الاستاذ فرحات الجعبيري في كتابه التراث الاباضي» (2) على هذه الآية: يقول السياق في حكم كفارة من يقتل المؤمن خطأ. يقول أبو عمار في شأن هذه الآية وآيات أخرى وهذا كله في كتاب الله عز وجل وعيد لأهل الكبائر من أهل الملة على كبائرهم.
وينقل عن يوسف المصعبي ما جاء عند الزمخشري ومفاده أن الآية من الادلة القطعية على إنفاذ الوعيد: والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم أن يطمعوا
في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة» (3)
1 - النساء 93
التراث الأباضي: الجعيري - مرقون حاليا بصدد الطبع
3 ــ نفس الكتاب ص
717
الرد على طعيمة – 198. (1/182)
صفحة 183
وقد استدل علماء الاباضية في انفاذ الوعيد لمرتكب الكبيرة بآيات كثيرة نذكر منها بإيجاز قوله تعالى: ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما
يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا الفرقان 68
ا ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها (1) وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود
الله
-
أهل العقاب فهو من
ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب
الفاسق
يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) (2): بين أن كالكافر في أنه من أهل الخلود إلا من تاب من
الفساق أو آمن من الكفار (3).
وأمام وفرة هذه الآيات وكثرتها التي يعتمدها الاباضية والقائلون بقولهم نجدهم يقللون من
الاستدلال بالاحاديث في مثل هذه القضايا لانها
1 النساء 14
2 - الفرقان 13 - 14
يحسن الرجوع الى ما كتبه الرازي في هذا الموضوع فقد استعرض كل الادلة التي يحمدها القائلون بإنفاذ الوعيد في أهل الكبائر التغير الكبير
(149/ 148/3
الرد على طعيمة – 119 5 (1/183)
صفحة 184
أحادية لم تبلغ حد التواتر وحتى إن ذكروا أحاديث فلمجرد التدعيم. ونسوق منها حديثين لتدعيم ما ذكرناه آنفاً.
قال رسول الله (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها ابدا) (1) ويقول أيضاً (من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا) (2) وواضح أن هذه الاحاديث في صاحب الكبيرة من أهل الملة وإلا فإن الكافر مقطوع بخلوده في النار قتل نفسه أو لم يقتل.
وفي ختام هذا العرض الموجز لقضية الكبائر وما يترتب عليها في الآخرة نرجع الى الاستاذ طعيمة ونسأله أين التشدد؟ والحال أن مثل هذه القضايا مختلف فيها. كل له أدلته وتفسيراته وقد رأينا أن كثيرا من المفسرين والعلماء غير الاباضيين ذهبوا مذهب الاباضية لما رأوه من وفرة النصوص وقوة الادلة؟ أم هل أن مخالفة «أهل السنة» تشدداً؟
يعتبر
- رواه مسلم: ايمان 175 - الترمذي: طب 7 ـ النسائي: جنائز 68
دى - الديات 10 - حم 254/ 2
2 - ر: المعجم المفهرس: ونسنك 268/ 5
خ - جنائز - 83 أدب - 44 - 73 – تم – إيمان 175، 177
الرد على طيبا – 170. (1/184)
صفحة 185
أما في إشارة الاستاذ طعيمة الى أن الاباضية يتأولون النصوص ليحققوا موقفهم المتشدد فلربما بحكمه هذا وقع الاستاذ في نفس الشبهة. فكثيراً ما يصف الاباضية بالتشدد ولا يسوق من الادلة ما يدعم رأيه بل يكتفي بعرض المسألة دون دليل واضح أو يتأول بدوره الأدلة المعروضة ليحقق موقف أهل السنة والجماعة، على حد زعمه.
الرد على خيمة – 171 5 (1/185)
صفحة 186
[صفحة فارغة] (1/186)
صفحة 187
الشفاعة (1/187)
صفحة 188
[صفحة فارغة] (1/188)
صفحة 189
الشفاعة.
إن آخر ما تعرض له المؤلف صابر طعيمة في كتابه «الاباضية عقيدة ومذهباه في مجال العقيدة مسألة الشفاعة، وقد اعتبر المؤلف أدلة الاباضية
ضعيفة وغير مقبولة يقول: واستدلال الاباضية لتأكيد ما ذهبوا إليه في إنكار الشفاعة للمذنبين وأهل الكبائر غير مقبول من وجوه كثيرة (1)
و بصرف النظر عما قاله صاحب الكتاب في الادلة فإننا سنعرض - إن شاء الله تعالى -
-
موقف
الاباضية من الشفاعة ونذكر أدلتهم القوية في ذلك مما لا يبقى شك في صحة ما ذهبوا اليه
فالشفاعة عند الاباضية ثابتة وهي للمؤمنين المطيعين أما أهل الكبائر فلا تنالهم الشفاعة إلا إذا
كانوا تائبين، فإذا قال قائل إن التائبين مغفور لهم بتوبتهم فما حاجتهم للشفاعة؟
يجيب على هذا السؤال فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في تفسيرة لقوله تعالى واتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ
1
الدكتور صابر طعيمة: الأباضية عقيدة ومذهبا ص 164
الرد على طبعة - 175. (1/189)
صفحة 190
وَلَا يُؤْحَدَ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (1) يقول: وذكر سبحانه وتعالى أن الشفاعة لا تكون إلا للرضي قال تعالى {وَلا يَشْفَعُون إِلا لِمَنِ ارْتَضَى" كذلك لا تكون إلا بإذنه عز وجل قال تعالى: مَنْ ذا الذي يشفَعُ عِندَهُ إلا بإذنه الله (3) بعض العلماء حاولوا الجمع بين هذه الآيات فقالوا إن الله سبحانه وتعالى يمكن للنبيين والصالحين من الشفاعة لمن ارتضى الله يومئذ من عباده وذلك كأن يشفعوا للتائب بأن يتقبل الله توبته، وقد جاء ما يدل على ذلك في بعض الروايات عن رسول الله (ما منكم من أحد يدخل الجنة يوم القيامة إلا
بفضل الله ثم بعمله ثم بشفاعتي)
فالتوبة عند الله مقبولة ولكن ذلك لا يمنع أن يكون للنبي له دور في الشفاعة لأجل قبول هذه التوبة فإن من شأن العبد أن يكون دائماً مقصرا وهو بحاجة الى دعوة صالحة تلحقه من غيره والشفاعة هي دعوة من الدعوات، فالنبيون والملائكة والصالحون يشفعون لمن ارتضى الله عز تعالى ذن ملائكته المقربين أنهم
وجل وقد ذكر
الله
1 - سورة البقرة الآية 48 2 - الأنبياء 28
- سورة البقرة الآية 255
الرد على طبيعة – 179 5 (1/190)
صفحة 191
يستغفرون للذين آمنوا وربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم
عذاب الجحيم له (1) اهـ (2)
هذا وقد عرف الامام السالمي الشفاعة بأنها طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب لعباده المؤمنين (3) فالشفاعة إذن ثابتة عند الاباضية وهي للمؤمنين المطيعين من أمة الاسلام، وربط الأباضية مسألة الشفاعة بموقفهم من مرتكب الكبيرة، فإذا كان مرتكب الكبيرة مخلدا في النار
الزيادة
بالادلة القاطعة فإن مفهوم الشفاعة يعني للمؤمن في أجره ورفع درجته. وعرفها التلاتي أيضاً: بأنها سؤال النبي الله من الله بالاذن للمؤمنين في دخول منازلهم في الجنة بعد الفراغ من
الحساب» (4)
وقد دعم الاباضية موقفهم من الشفاعة بأدلة كثيرة من القرآن والسنة النبوية الشريفة. يقول
الشيخ خميس بن سعيد الشقصي: وأما الشفاعة
- سورة غافر الآية 7
2 ـ أخذت هذا النص من شريط مسجل لفضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي الخاص بتفسير القرآن.
- السالمي: مشارق أنوار العقول ص 287
- الثلاثي: العقيدة المكة 165
الرد على طعيمة - 177. (1/191)
صفحة 192
فهي
حق للمؤمنين الذين رضى الله عملهم: قال تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (1) وقال: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن) (2) وقال تعالى: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له الله (3) اهـ (4))
وجاء في قاموس الشريعة: قال أصحابنا رحمهم الله: الشفاعة حق لا تكذيب فيها ولكنها للمؤمنين المطيعين دون أهل الكبائر من العاصين والفاسقين والدليل على ذلك من القرآن ولا يشفعون إلا لمن أرتضى (ة) وقوله تعالى ويومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً (1) وقوله تعالى وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (7)
اهـ (8)
1 - سورة الانبياء الآية 28
2 - طه الآية 110
3 - سورة سبأ الآية 23
1 - منهج الطالبين: الخميس بن سعيد الشخصي ج 1 ص 520 ت: سالم بن
حمد الحارثي
ه - سورة الأنبياء الآية 28
- سورة طه الآية 110
- سورة غافر الآية 18
جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة ج 5 ص 506
الرد على طيعة - 178. (1/192)
صفحة 193
عند
هذا وقد جاءت آيات كثيرة في هذا الموضوع للتنويه بمكانة النبي علال والاشادة بمنزلته الكبرى الله عز وجل ـ كما يتبين للدارس المتخصص أن الشفاعة لا تنفع كافرا ولا فائبها مثقلا بالخطايا وليس في آيات الشفاعة ما يقوى غرور الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه بل فيها أن الأمر كله الله وأنه لا ينفع أحدا في الآخرة إلا طاعته ورضاه. هذا وقد أورد الاباضية أحاديث كثيرة تثبت الشفاعة للمؤمنين وتنفيها عن العصاة المصرين، مختلفة ورد الكثير منها في كتب الصحاح بصيغ اتفاق في المعنى. نذكر منها ما روى عن رسول الله أنه قعد على المنبر ثم قال: هيا عباس عم رسول الله ويا فاطمة بنت محمد ويا آل محمد جميعا إني والذي نفسي بيده عند ربي لمطاع مكين، فلا تغرن أمراً نفسه يقول أنا عم رسول الله أو تقول بنت محمد أو من آل محمد اشتروا أنفسكم من الله فإنكم
إن لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه (1) وفي حديث آخر: يا بني عبد المطلب إن الله أمرني أن أنذركم ألا وإني لا أغنى عنكم من الله شيئا
1 - الحديث مروي في كتاب قاموس الشريعة 507/ 5
ارد عمل قيمة ـ 179. (1/193)
صفحة 194
ألا وإن أوليائي منكم المتقون يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا (1)
وممن تحدثوا عن الشفاعة من العلماء المعاصرين محمد الغزالي. فقد استعرض النصوص وقارن بينها في أكثر من موضع وصرّح بان الاعتماد على الشفاعة مما يجرئ الناس على الاماني والانغماس في المعاصي. يقول يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النبي عل الله لبعض العصاة وتعلق أولئك العوام بأحاديث الشفاعة يخيل إليك أن قوانين الجزاء بطلت وأن نيران الجحيم توشك أن تتحول بردا وسلاما على عصاة المؤمنين، وكثيرا ما يفرط هؤلاء الجهال في الفروض ويقعون في وخم الذنوب ثم يقولون أمة محمد بخير، وهذا مسلك ساقط ومحمد عل الله أول من يستنكره ويحارب أصحابه وينذرهم بأنهم أصحاب الجحيم .. والقول بأن قوانين توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سخف فارغ وقد قال تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم
ا رواه الدارمي في كتاب الرقاق 231 والبخاري في كتاب الوصايا 11 بصيغ متعددة واتفاق في المعنى واحمد بن حنبل 206/ 1
الرد على طعيمة - 180 5 (1/194)
صفحة 195
ينصرون) (1) ثم يقول: فلينظر هؤلاء قول الحق في اهل النار وما سلككم في سقرم) (2) والعجب للمسلمين يصابون بهذه اللوثة وهم يتركون قوله تعالى وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً ينجز به ولا تجد له من دون الله وليا ولا
نصيران (3) ا هـ (4)
کا تحدث المفسر محمد عبده في المنار عن الشفاعة وبيّن أن طبيعة الاسلام المستقيمة ومنهجه السليم يقضيان أن يكون المسلم مخلصا الله تعالى جاداً في العمل الصالح بعيدا عن التكاسل في أداء الواجب أو الاتكاء على الاماني: يقول في تفسيره للآية الكريمة ومن يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا (5)
فكل تلك الاماني في الشفعاء كأضغات الأحلام برق خلب وسحاب جهام وإنما المدار في النجاة على الايمان والاعمال كما صرح به تعالى فقال
1 - سورة البقرة الآية 123
2 - المدار 42
- سورة النساء الآية 123
- محمد الغزالي: عقيدة المسلم ص 253
- سورة النساء 123
الرد على طبيعة – 181. (1/195)
صفحة 196
و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو
مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا
النساء 124
ثم يضيف: «هذا وأن في هاتين الآيتين من العبر والموعظة ما يدك صروح الاماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق
نفسه
من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية وظنوا أن الله العزيز الحكيم يخابي من يسمى مسلما ويفضله على من يسميها يهوديا أو نصرانيا بمجرد القلب وأن العبرة بالاسماء والالقاب لا بالعلم
والعمل ا هـ (1)
ومن
خلال هذا البحث الموجز الموضوع
الشفاعة نقول للاستاذ صابر طعيمة:
- إن الاباضية لم ينفردوا بنفي الشفاعة لأهل الكبائر فقد قال بذلك عدد لا يستهان به من العلماء وخاصة المعاصرين الذين يتحرون الموضوعية في
كتاباتهم
-
إن الادلة التي اعتمدها الاباضية سواء من
1 – تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المخارج 5 ص 435 الى 537 تأليف محمد رشيد رضا - دار المعرفة للطباعة والنشر: بيروت - لبنان
الرد على طبيعة – 182 (1/196)
صفحة 197
القرآن أو السنة كافية للتدليل على معتقدهم، يقول محمد عبده في نفس الموضوع: إنه يستغرب أن تترك الأدلة القاطعة الله لأجل تأويلات کتاب من
مجملات وهذه المجملات أولى بها أن تحمل على ما دلت عليه هذه الآيات
3 ـ إن الاعتقاد بنفي الشفاعة لأهل الكبائر يتماشى الاسلام الذي يقوم على الايمان والعمل مع روح
وبذل الجهد في سبيل مرضاة الله تعالى. أما إطلاق العنان للشهوات وإثقال النفس بالخطايا والسعي في الارض بالافساد يناقض روح الشريعة الاسلامية الجادة والداعية الى التزام أوامر الله تعالى والبعد عن نواهيه حتى نضمن حسن الخاتمة. يقول سيد قطب: «فلا شفاعة يومئذ لمن لم يقدم إيماناً وعملاً صالحاً» (1)
1 - سيد قطب: في ظلال القرآن ج 1 ص 71 طبعة دار الشروق بيروت،
الرد على خيمة ـ 183 5 (1/197)
صفحة 198
[صفحة فارغة] (1/198)
صفحة 199
الميزان (1/199)
صفحة 200
[صفحة فارغة] (1/200)
صفحة 201
الميزان.
مادي
لا
و من القضايا التي تعرض لها الاستاذ طعيمة في كتابه قضية الميزان. وبعد أن أشار الى التقارب بين الاباضية و أهل السنة في السمعيات نراه يخطئ الاباضية فيما ذهبوا إليه من رأي في الميزان ويعتبرهم يؤولون الآيات والاحاديث لاثبات موقفهم يقول: وما ذهب اليه الاباضية في تأويل الآيات والاحاديث التي تثبت الميزان على أنه جسم مذهب في غير محله) (1) ويقول أيضاً: فهم يعتقدون أن الميزان الذي يضعه الله لحساب عباده عبارة عن ميزان ذي كفتين ولسان توزن فيه صحائف الاعمال الحسنة وصحائف الاعمال السيئة بل يعتقدون أن الميزان يُراد به تمييز الاعمال وتفصيلها والمجازاة عليها لأن أعمال العباد فيما يعتقدون أنها أعراض وليست بأحجامه (2). فلنبحث أولاً في كلمة الميزان في اللغة: إن كلمة الميزان في اللغة تعنى
1 - كتاب طعيمة 160
كتاب طعيمة 160
العدل
الرد على طبية - 187. (1/201)
صفحة 202
والانصاف. ووزن الاعمال أي تمييزها وتفصيلها والمجازاة بها. هذا هو المعروف في لغة العرب، يقول الرجل لصاحبه زن كلامك .... ، وبناء على هذا فإن الأباضية لم ينفردوا بهذا التفسير للميزان فقد رأى رأيهم كثير من أهل العلم منهم الضحاك وقتادة ومجاهد
يقول القرطبي: وقال مجاهد وقتادة والضحاك ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل» (1) وفي لسان العرب: روى جويبر عن الضحاك أن الميزان: العدل، وقال بعضهم: الميزان: الكتاب الذي فيه أعمال الخلق» (2)
وقال الرازي في تفسير الآية ونضع الموازين
القسط وفي وضع الموازين قولان: قال مجاهد: هذا مثل والمراد بالموازين العدل
-
ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن بالقسط بينهم في الاعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته تذهب أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت
بسيئاته، ومن
1 - الجامع لأحكام القرآن: ج 294/ 11
2 - لسان العرب: المجلد 13 ص
الرد على طبيعة – 188.
447 (1/202)
صفحة 203
موازينه أي سيئاته تذهب بحسناته، حكاه ابن جرير
الله هكذا عن ابن عباس رضي عنهماه (1) وذكر الصنف الثاني الذي يقول بأن الميزان ذو
—
كفتين ولسان:
ونذكر هنا ما قاله الجيطالي في المسألة وقال أصحابنا ومن وافقهم ميزان الاعمال تمييزها
وتفصيلها ووزن النيات المعتقدة لها دليله والوزن يومئذ الحق فيثقل الحق يوم القيامة لصاحبه فينجو به كما ثقل على نفسه في الدنيا فتحمله فيخف الباطل عند الوزن لصاحبه فيهلك به كما خف على نفسه في الدنيا فارتكبه ولأن الاعمال أعراض لا تظهر للعيان
فتوزن بالميزان وإنما وزنها تمييزها وتفصيلها والمجازاة
بها (2)
المسائل
وقد تكلم العلماء والمفسرون كثيرا في مثل هذه المسألة التي تتعلق بالعقيدة وفي أمثالها من العقائدية. بل أختلف علماء أهل السنة في المسألة
نفسها اختلافات كثيرة.
يقول السيد رشيد رضا فاختلف علماء اهل
السنة القائلون بأن الوزن بميزاد هل هو ميزان واحد
1 - التفسير الكبير: الرازي ج 176/ 22
2 قناطر الخيرات ج 1 ص 245
الرد على طبيعة ـ 189. (1/203)
صفحة 204
أم لكل شخص ميزان أو لكل عمل ميزان؟ وفي الموزون به حتى قيل إنه الاشخاص لا الاعمال، وفي صفة الموزون والوزن وفيمن يوزن لهم؟ اللمؤمنين خاصة أم لهم وللكفار وفي صفة الخفة والثقل ... (1)
ويكثر الجدل حول أمثال هذه المسائل ويرد
بعض العلماء المعاصرين ذلك الى انشغال المسلمين عن قضاياهم الاساسية ويقرر سيد قطب موقفه بوضوح فيقول: ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير اسلامية في تاريخ الفكر الاسلامي فكيفيات أفعال الله خارجة عن التشبيه والمثيل» (2)
غير أن أهل السنة اعتمدوا في تفسيرهم لقضية الميزان على جملة من الاحاديث تبين أن الميزان ذو كفتين ولسان نرى من الواجب علينا ذكر البعض منها والتعليق عليها فيما بعد. بل نقتصر على أشهر الادلة عندهم في المسألة
وهو حديث البطاقة فقد
رواه الترمذي في باب من يموت وهو يشهد أن لا
1 - تفسير المنار 323/ 8
الظلال ج 3 ص 1261
الرد على طعيمة – 190. (1/204)
صفحة 205
إله إلا الله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا ولفظه إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعا وتسعين سجلا كل سجل منها مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يارب، فيقول ألك عذر؟ فيقول لا يارب. فيقول بلى إن لك عندنا حسنة وأنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقول يا رب ما هذه البطاقة هذه السجلات! فقال فإنك لا تظلم (قال) فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء» (1)
وهذا من أهم الأحاديث التي يعتمدها وأهل السنة في تفسيرهم لمسألة الميزان ونورد هنا جملة
من التعاليق حول الحديث:
-1
وردت أحاديث في الميزان وأنه ذو كفتين
ولسان ولكنها لم يرد منها شيء في الصحاح المعتمدة
1 - رواه الترمذي في كتاب الايمان وابن ماجة في كتاب الزهد واحمد بن حنبل
الرد على طعيمة – 191. (1/205)
صفحة 206
وبحمده
إلا ما ختم به البخاري صحيحه وهو حديث أبي هريرة المرفوع» کلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان الى الرحمن: سبحان الله سبحان ربي العظيم وقد سبق لنا أن ذكرنا أن الأحاديث الاحادية لا تعتمد في العقائد فمن باب أولى أن نترك جانبا الاحاديث التي لم ترد في
الصحاح المشهورة وكتب السنن المعتمدة.
2 ـ يعلق صاحب المنار على سند الحديث فيقول: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صريح مرفوع في صفة الميزان ولا في أن له كفتين ولسانا فلا نغتر بقول الزجاج: إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة فإن كثيرا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الاجماع ولا سيما غير الحفاظ المتقنين والزجاج ليس منهم. ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة الى جماعتهم وإن لم يعرف له أصل من السلف ولا اتفق عليه الخلف منهم. وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف
والخلف كما علمت) (1)
- تفسير المنار 8 ص 323
على طبيعة ـ 192. (1/206)
صفحة 207
- إن في سند حديث البطاقة مقالا. قال الترمذي هذا حديث حسن وغريب ورواه الحاكم وصححه، غير أن تصحيح الحاكم لا يرفعه الى درجة الصحة والقوة فتصحيح الحاكم لا يعوّل عليه. يقول صاحب المنار: ولو لم يكن في سند هذا الحديث ممن تكلم فيهم غير عبد الله بن شريك الذي بالغ
الجوزجاني فوصفه بالكذب لكفي، ورواه ابن حبان وفي سنده عبد الله بن عمر الخرساني قالوا إن له
مناكيره (1) فالحديث لا ينهض بسنده ولا بدلالته حجة على عقيدة ولا رجاحة هذا من حيث السند أما من حيث المتن فنكتفي بتعليق الغزالي على الحديث نفسه فيقول: «هذا حديث مثير الدلالة وهو لو أخذ على ظاهره يضع على الناس شتى التكاليف الالهية ويبطل قوله تعالى إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون له ويرد هذا الحديث إذا صح في شخص المشرك الذي أسلم قبل أن يحين أجله بقليل فلم يستطع بعد إسلامه أن يبقى مدة فيصلح فيها ما مضى. أما إطلاق هذا الحديث
المنار 8 ص 325
ارد على طعية - 193. (1/207)
صفحة 208
وأشباهه دون وعي فهو هدم للدين كله» (1) وبعد هذا العرض الموجز لمختلف أوجه الموضوع نذكر بأن أهل السنة خاضوا في مثل هذه المسائل
العقيدية كما خاض غيرهم من الفرق الاسلامية وأعملوا عقولهم في النصوص ليدعموا موقفهم واصدق مثال لذلك اختلافهم في الميزان والاعمال الموزونة على وجوه كثيرة ولو لم يعملوا عقولهم ما اختلفوا في التأويل بقول صاحب المنار «فإن الخلف المنتمين الى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب) (2) فلا مجال إذن لاتهام الاباضية بتقديم العقل على الشرع.
من
- عقيدة المسلم: محمد الغزالي ص 141 – 142
2 - المنار ص 323
الرد على طبيبة ـ 194 (1/208)
صفحة 209
الإمامة (1/209)
صفحة 210
[صفحة فارغة] (1/210)
صفحة 211
الامامة.
لقد عقد المؤلف في هذا الفصل مقارنة بين الخوارج والاباضية من حيث حكم الامامة وشروطها ومسألة الخروج عن الامام الظالم. وبعد
عرضه الجملة من الفوارق خرج بالنتيجة التالية وهي ان الأباضية بالرغم من كثرة التعديلات والتفريعات التي ادى اليها ولعهم بالاجتهاد على حد تعبيره فانهم يشتركون على الاجمال مع الخوارج في قضية الامامة ((1)
ولنا على هذا الكلام بعض الملاحظات:
لقد أصدر على الخوارج من خلال ما كتب
عنهم خمسة أحكام:
-
لا يوجبون نصب الامام
لا يرون الذكورية شرطا في الامام (بعضهم) يجوزون خروج المرأة على الأمام الجائر
يوجبون الخروج على الامام الجائر لا يوجبون حصر الاماة في قريش
1 - انظر كتابه ص 143
الفرد على طعيمة - 197. (1/211)
صفحة 212
ولما عرض مواقف الاباضية أورد مخالفتهم للخوارج في النقاط الاربعة الاولى وأكد موافقتهم لهم
في النقطة الخامسة
وبعد هذه المقارنة الواضحة التي عرضها لنا في هذا الفصل هل يتسنى لنا الحكم على الاباضية بأنهم يتفقون مع الخوارج في هذه القضية على وجه الاجمال؟ هل يعد اتفاقهم معهم في نقطة واحدة أشتراكا مع الخوارج في معظم المسائل؟
-
قضية الامامة في قريش: لم يكن الأباضية وحدهم مؤولين لحديث الائمة من قريش وانما وافقهم على هذا التأويل بعض من القدامى كالباقلاني (1) وابن خلدون ومن المحدثين كأبي زهرة ذلك أن الأخبار والآثار لا تدل دلالة قطعية على ان الامامة ينجب ان تكون من قريش وانما الطلب حسب الي زهرة - هو طلب الفضيلة لا طلب صحة وجوب على فرض ان الحديث دلالة على
الطلب. (2)
1 - نقلا عن ابن خلدون: المقدمة 194
2 - انظر أبو زهرة: تاريخ المذاهب الاسلامية 81
الرد على طعبية - 198. (1/212)
صفحة 213
وابن خلدون ينطلق من قاعدة شرعية متمثلة في ان الاحكام الشرعية مبنية على الحكم والحكمة
في اشتراط النسب القرشي ليست مجرد التبرك لان التبرك ليس من المقاصد الشرعية وانما الحكمة هي العصبية المؤهلة للحماية ورفع الخلاف والفرقة ذلك ان قريشا كانوا عصبة واهل غلبة وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف وكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبتهم فهو يقول: «فاشتراط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون ابلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة فاذا ثبت اشتراط القرشية انما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الاحكام بجيل ولا عصر ولا أمة وعلمنا أن ذلك من الكفاية فرددناه اليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية فاشتراطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم اولى عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على
حسن
الحماية. (1)
انظر: ابن خلدون المقدمة 195: 199 ط، 1978/ 1398
الرد على طعيمة – 199 5 (1/213)
صفحة 214
وهذا تصديق لما جاء في خطبة ابي بكر يوم السقيفة: يا معشر الانصار انا والله ما ننكر فضلكم ولا سابقتكم في الاسلام ولكن العرب لا تجتمع ولا تسمع ولا تطيع الا للرجل من قريش فنحن الامراء وأنتم الوزراء .. (1) والحقيقة أن قريشا كانت لها مكانة قبل الاسلام وعند ظهوره ولذا قال أبو بكر الصديق: أن العرب لا تدين الا لهذا الحي من قريش. (2)
فشرط القرشية إذن شرط زمني مرتبط باتصاف قريش بالمنعة والقوة فمتى زال الحكم (3) بل من العلماء من يعتبر أن منشأ الخلاف بين المسلمين في شرط القرشية هو عدم القطع بصحة النص الوارد فيه.
يقول عفيف عبد الفتاح طبارة: «وأما الشرط السابع الذي ذكره الماوردي فمختلف فيه ومثار الخلاف عدم القطع بصحة النص الوارد فيه ومعارضته للنصوص الكثيرة التي وردت بالغاء
1 - الكندي: المصنف 56/ 10، 57
2 - انظر أبو زهرة: تاريخ المذاهب الاسلامية 81
أنظر عفيف عبد الفتاح طبارة: روح الدين الاسلامي 314
الرد على طعيمة – 200. (1/214)
صفحة 215
من دعا الى عصبية، وينتهي أخيرا بالحكم أن لا اطراد لاشتراط القرشية. ومن بين هذه النصوص أشار اليها طبارة قوله عليه السلام من استعمل عصابة وفيهم من هو أرضى الله منه فقد
التي
رجلاً
من
خان الله ورسوله والمؤمنين (1)
فالامامة إذن لا تكون على اساس النسب والقرابة وانما المقاييس الصحيحة هي التقوى والعلم والمنعة والقوة، فإذا توفرت هذه الجوانب في قرشي فهو أولى بها من غيره وإلا فلا عبرة بالقرشية .. قال عليه السلام لن يزال هذا الأمر في قريش ما لم يحثوا أحداثا ثم يزيحه الله عنهم ويلحاهم كما يلحي هذا
القضيب) (2)
- رواه أبو داود والترمذي
2 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح حديث رقم 819
لحمية ـ 201. (1/215)
صفحة 216
[صفحة فارغة] (1/216)
صفحة 217
التقية (1/217)
صفحة 218
[صفحة فارغة] (1/218)
صفحة 219
التقية.
أما قضية التقيه التي أشار المؤلف الى أن جمهور
الاباضية لا يجيزونها فإن الحقيقة على خلاف ذلك تماما لانهم مجمعون على جوازها بالقول وحجتهم في ذلك قوله تعالى وإلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان النحل: 106
كذلك لما امتحن مسيلمة رجلين فقال لاحدهما ما تقول في فقال: أنت رسول الله فخلى سبيله وقال الثاني: أنا أصم ورفض جوابه فقتله فلما بلغ ذلك رسول الله الله قال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً
له (1)
أما التقية بالفعل فمنها ما هو مجمع على تحريمه كالتقية بقتل نفس بغير حق ومنها ما هو مختلف في جوازه كالتقية بشرب الخمر أو بإتلاف مال الغير (2) بل من الأباضية من يذهب الى وجوب
1 - انظر السالمي: المشارق 452
انظر محمد أطفيش: كشف الكرب 17/ 1: 70
الرد عل طبيبة - 205. (1/219)
صفحة 220
التقية إذا كان الفعل المكره عليه مما يباح عند الضرورة كشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وذلك لأن صون النفس واجب وليس في ذلك ضرر على حيوان أو أنسان. 1
والاباضية ليسوا وحدهم القائلين بجواز التقية بالقول إذ نجد من العلماء من رخص في موالاة العدو بالقول عند الخوف والقهر وعدم إستطاعة إظهار العداوة وقد أوضح ذلك محمد بن عبد الوهاب في الرسالة السادسة من كتاب (مجموعة التوحيد) ناقلا عن ابن جرير الطبري وأبن أبي حاتم قول ابن عباس (ليست التقية بالعمل انما التقية باللسان) وقوله «نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة -
—
أي بطانة - من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار ظاهرين فيظهرون لهم اللطف ويخالفوهم في الدين وذلك قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة 2
ا هذا القول هو مذهب ابن بركة من الاباضية وقد وافقه عليه الفخر الرازي غير ان السالمي خالفهما وذهب الى الاباحة لا الوجوب .. و: السالمي المشارق
tor
انظر مجموعة التوحيد لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب 160، الناشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة د. ت
الرد على طعيمة ـ 206. (1/220)
صفحة 221
الخاتمة (1/221)
صفحة 222
[صفحة فارغة] (1/222)
صفحة 223
الخاتمة.
وفي الختام نسجل بعض ملاحظاتنا على ما ورد
في الكتاب ملخصة:
(1) لقد انطلق المؤلف من أفكار مسبقة أساسها الثقافة السنيه التي اعتبرها المقياس الصحيح لتقييم
فهم المذاهب الاسلامية الأخرى لكتاب الله وسنة
رسوله عليه السلام. إننا نعتقد أنه لا يوجد من يخالفنا في أن هذا المنهج خطير إذ هو تحديد الحرية الفكر المبدعه وتحكم في أفكار الآخرين. إننا نسمح للمؤلف أن يتبنى المنهج السني» في التفكير وفهم الاسلام ولكننا نأبى أن يعتبره المنهج الوحيد الصحيح وما عداه باطل. إن أقل ما يقال في مثل هذا التفكير أنه معارض للموضوعية التى أكثر صاحب الكتاب من الدعوة إليها، وأنه يعوق تحرر فكرنا الاسلامي في قوت نحن في أشد الحاجة الى فكر متحرر وفهم للنصوص دون اهمال للتراث والى منهج نقدي لدراسة هذا التراث وفهمه بعيدا عن التحجر والعقلية المكبلة التي صاغتها ثقافة مبترورة ومجزأة.
الرد على طعيمة ـ 209. (1/223)
صفحة 224
(2) إننا نؤاخذ المؤلف مرة أخرى على ثقته الغالية والمطلقة في كتاب المقالات القدامى ونعتبر ذلك أثرا لعقلية معينة صاغتها مناهج وضعها أناس يؤمنون بأن الفكر السني هو الصحيح وما عداه باطل و كمظهر لما نقول اهمال المؤلف للمصادر التاريخية الاباضية بصفة عامة وعدم اعتماده على المنهج النقدي أخذه من مؤلفات غيرهم.
عند
(3) لم يلتزم المؤلف بما تعهد به من أن يسجل على أهل المذهب في المسائل الخلافية المتمثلة في تحميل النصوص فوق ما تتحمل أو إهمال بعض ما ينطق به بعضها أن يسجل كل ذلك في شكل سؤال واستفساره إلا أنه انطلق بعد ذلك في إصدار الأحكام القاسية والمآخذ التي يمكن أن
ينتهي إليها حتما كل من انطلق من نفس النقطة وسلك نفس
المنهج.
(4) أكد المؤلف على مسألة أهمال الاباضية لمبدئهم الداعي الى تقديم الشرع على العقل دون أن يفرق بين هذا المبدأ ومسألة فهم النص بالعقل. اننا نجزم أن علماء الاباضية لم يفكروا مطلقا في التحيل على
الرد على طبيعة ـ 210 (1/224)
صفحة 225
النص لتبرير رأي أرتأوه فهم من أبعد الناس عن مخالفة الشرع واتباع الهوى. وبناء على خطورة هذه
الأحكام فإننا ندعو الى تنزيه علمائنا مهما اختلفوا
في الاجتهاد المشروع.
(5) لقد دعا المؤلف الاباضية الى مراجعة مبادئهم وتصحيحها على ضوء نتائج أهل السنة والجماعة وأن ينصهروا في هذه البوتقة حتى تتحقق الوحدة. إن هذا لأمر جميل، إلا أنه لم يعين لنا أي فكر وأي منهج يجب على الاباضية العودة اليه: فكر الأشاعرة أو الماتريديه أم السلفيين. إننا ننتظر الجواب. فقد اختلطت علينا السبل، إذ أن الصراعات بين أولئك ليست أقل مما هي عليه الآن بين الاباضية وهؤلاء مجتمعين. ونحن نأبى أن نحرك وضعا نريده أن يظل
نائما بل مينا
(6) إننا ندين بأن:
) المذهب الاباضي أول حركة فكرية أساسها الكتاب والسنة أرسى قواعدها التابعي الجليل أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت) 96 هـ) وواصل تلاميذه من بعده في ظروف صعبة شرح تلك الأسس
الرد على طيبة ـ 211. (1/225)
صفحة 226
وتبيينها وتفصيلها
ب) للكون إلاهاً خالقاً يتصف بصفات الكمال منزها عن صفات النقصان وأننا نثبت الله الصفات
مع كونها اعتبارية غير مستقلة عن ذاته حتى لا نقع
في التمايز والثنائية فلا قديم إلا الله
ج) الله ليس كمثله شيء لا يراه المخلوق المحدود في الدنيا ولا في الآخرة.
د (القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وهو مخلوق الله تعالى إذ أن الموجود لا يخلو أن يكون خالقا أو
مخلوقا.
هـ الله صادق في وعده ووعيده يثيب المتقين بنعيم دائم ويعاقب الفاسقين بعذاب مقيم فلا مخرج
لأصحاب الكبائر غير التائبين من جهنم.
يعمر
و (لا شفاعة لأهل الكبائر من الموحدين، فالله حكيم، والغاية من وجود الانسان أن الأرض بالقول والفعل حسب ما يحب الله ويرضى وإلا لم يعد فرق بين عصاة ما قبل الاسلام وما بعده والايمان قول وعمل، وإننا نجزم بأن غياب هذا
الرد على طعيمة ـ 212 5 (1/226)
صفحة 227
المبدأ من عقول المسلمين وطمسه قد ساهم الى حد بعيد في الاضرار بالمسلمين ولا نقبل من صاحب مبدأ أن تكون أفكاره في واد وأفعاله في واد آخر. ز (الامامة أمر شرعي يحمل على الوجوب وأنها حق لكل مسلم كفء كفاءة وأن الطاعة واجبة ولو كان الامام عبدا حبشيا رأسه كالزبيبه
ح) إننا نقول بالتقيه وأن الأصل فيها القول دون العمل وهي للضرورة فقط فنجوز التقيه في اتلاف المال لتنجية النفس مثلا مع الضمان
•
وبعد كل هذا فإننا نقرر أن كتاب: الأباضية عقيدة ومذهباء للدكتور صابر طعيمة لم يصور مبادئ الأباضية كما يعتقدها أصحابها وهو بعيد كل البعد عن أن يقدم
الصورة الصحيحة عنهم ..
الرد على طعيمة – 213 5 (1/227)
صفحة 228
[صفحة فارغة] (1/228)
صفحة 229
بسم
الله الرحمن الرحيم
قائمة المصادر والمراجع.
1 - أبن الأثير (مجد الدين المبارك بن محمد: الكامل في التاريخ ط
بيروت.
-
النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر الزاوي
ومحمود الطناجي ط بيروت.
2 - الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل) الإبانة عن أصول الديانة: تحقيق د. فوقية حسين محمود ط القاهرة د. ت.
-
مقالات الاسلاميين ط ثانية 1389 هـ -
1969 م تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. نشر مكتبة النهضة
المصرية
- أطفيش (محمد بن يوسف) أ ـ تيسير التفسير للقرآن الكريم. نشر وزارة التراث
القومي والثقافة بسلطنة عُمان ط القاهرة 1981 ب ـ شرح عقيدة التوحيد. نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان 1403 هـ ـ 1983 م
ج ـ كشف الكرب. نشر وزارة التراث القومي والثقافة
عُمان 1405 هـ ـ
1985 م
- البارولي مختصر تاريخ (الاباضية) ط 2 تونس نشر مكتبة
الاستقامة.
الرد عل طبيعة – 215. (1/229)
صفحة 230
ه البشري موسى بن عيسى مكنون الخزائن وعيون المعادن ـ البغدادي عبد القاهر الفرق بين الفرق. تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد. نشر مكتبة صبيح ــ القاهرة. الثلاثي (عمر) بن (رمضان) نخبة المتين من أصول تبغورين فيما أتفقت عليه أئمة الحق في الأصول ط. حجرية. القاهرة
-
د. ت.
الجادوي (عبيد الله ابراهيم بن يعقوب) جواب سؤال لبعض.
المالكية. مخطوط
ـ الجعبيري فرحات بن علي التراث الاباضي بحث مرقون مكتبة كلية الآداب تونس.
10 ـ الجويني (ابو المعالي عبد الملك: إمام الحرمين) الارشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق د. محمد.
-
11
يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد ط. السعادة
مصر، 1369 هـ ـ
الجيطالي (أبو طاهر إسماعيل بن موسى قناطر الخيرات
-
نشر وزارة التراث القومي والثقافة ـ عُمان 1403 هـ
1983 م
12 - الحارثي (سالم بن حمد العقود الفضية في أصول الاباضية 1403 هـ - 1983 م - نشر وزارة التراث القومي
والثقافة - عُمان.
:
:
الرد على طعيمة – 216. (1/230)
صفحة 231
13 – ابن حيان (محمد بن يوسف الأندلسي) البحر المحيط نشر
مكتبة ومطابع النصر الحديثة - الرياض.
14 ـ ابن خلدون (عبد الرحمن المقدمة ــ دار الشعب د. ت
15 ـ خليفات (عوض محمد)
الأصول التاريخية للفرقة الأباضية ـ نشر وزارة التراث
القومي والثقافة
-
-
عُمان – 1982 م
نشأة الحركة الاباضية.
17 - الرازي (الفخر) التفسير الكبير ـ ط الثانية طهران د ت 18 ـ الرواحي (أبو مسلم ناصر بن سالم) نثار الجوهر في علم
-
الشرع الأزهر
19 - أبو زهرة (محمد) تاريخ المذاهب الاسلامية ـ نشر دار الفكر العربي د. ت
20 - السالمي (أبو محمد عبد الله بن حميد) بهجة أنوار العقول حاشية على كتاب شرح طلعة الشمس ط. الثانية المطبعة
الشرقية ومكتبتها
-
عُمان 1405 هـ ـ 1985 م
تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان.
شرح الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب.
الثالثة
-
مكتبة الاستقامة.
-
غمان د.
الرد على طعيمة - 217. (1/231)
صفحة 232
مشارق أنوار العقول تحقيق أحمد بن حمد الخليلي ط.
الثانية مطابع العقيدة
-
عُمان 1398 هـ - - 1978 م
معارج الآمال بنظم مختصر الخصال، نشر وزارة التراث القومي والثقافة ـ عُمان 1403 هـ ـ. 1983 م.
21 - السالمي (محمد بن عبد الله بالاشتراك مع إبراهيم بن سعيد العبري، الحق المبين في الرد على صاحب العرفان ـ سلسلة
-
تراثنا عدد 15 يناير 1981 – وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان.
22 ـ السعدي جميل بن خميس قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة. نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان ط 1404 - 1983 م مطابع سجل العرب.
23 - السيابي (سالم بن حمود)
أصدق المناهج في تميز الاباضية من الخوارج، تح سيدة إسماعيل كاشف، مطابع مطابع سجل العرب 1979 نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الاباضي مطابع سجل العرب 1980 تراثناء نشر وزارة التراث
-
القومي والثقافة عُمان 1981.
24 ــ الصوافي صالح بن أحمد الامام جابر بن زيد .. نشر
وزارة التراث القومي والثقافة عُمان 1981
الرد على خيمة ـ 218. (1/232)
صفحة 233
25 ـ الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير) جامع البيان في تفسير القرآن، ط دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت
26 - السولي (أبو عثمان بن خليفة المارغيني) رسالة فرق الأباضية الست ومازاغت به عن الحق ط حجرية في دفتر مجموع.
27 ـ عبد الكافي (أبو عمار).
-
-
الموجز ـ اراء الخوارج
الكلامية، تح عمار الطالبي ط الجزائر 1398 هـ 1978 م
28 ـ عبد المطلب رفعت (فوزي الخلافة والخوارج في المغرب
-
العربي ط 1 مصر 1973
29 ـــ عبد المنعم (عزة محمد) رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين ط 1 نشر مكتبة الاستقامة
30 ـ عبده (محمد) تفسير المنار ط مصر الهيئة المصرية العامة
-
للكتاب 1972
31 ـ العلوالي طه جابر (فياض) أدب الأخلاف في الاسلام كتاب الأمة عدد الدوحة قطر
32 ــ المحشي (أبو عبد الله محمد بن عمر: أبو ستة) حاشية لابن يعقوب يوسف ابراهيم الوارجلالي.
-
المصعبي (يوسف بن محمد حاشية التبغوري مخطوط.
34 ـ معمر (علي يحي معمر الأباضية بين الفرق الاسلامية طا نشر مكتبة وهبة.
الرد على طعيمة – 219 (1/233)
صفحة 234
35 ـ الملشوطي (تبغورين بن عيسى) أصول الدين تح عمرو
خليفة النامي، مرقون
36 - المودودي (أبو الأعلى المصطلحات الاربعة في القرآن ط دار القلم الكويت.
37 ـ ناصف (منصور) (علي) التاج الجامع للأصول ط 4، 1395 هـ ـ 1975 م نشر دار الفکر بيروت.
38 ـ النعمان (القاضي) الفرق الاسلامية في الشعر الأموي مطابع دار المعارف بمصر 1970 م
-
39 ـ الوزير إبراهيم بن علي على مشارف القرن الخامس عشر الهجري ط، 1399 هـ ـ 1979 م دار الشروق.
الرد على طعيمة – 220. (1/234)
صفحة 235
الموضوعات
(1) تصدير
(2) تمهيد
(3) المقدمة ...
(4) الناحية المنهجية
أحمد بن سليمان الكندي أحمد مهني مصلح
مهني عمر التيواجني
(5) المسألة التاريخية
(1) الاسلام والايمان (7) الصفات
(8) التأويل
(9) رؤية الله
(10) خلق القرآن
مهني عمر التيواجني
أحمد مهني مصلح
عاشور يوسف كسكاس
محمود جمعة الاندلسي
محمود جمعة الاندلسي
محمود جمعة الاندلسي
محمود جمعة الاندلسي
(11) كبائر الذنوب وحكم مرتكبها عاشور يوسف كسكاس
(12) الشفاعة
(13) الميزان
عاشور يوسف كسكاس
عاشور يوسف كسكاس
(14) الامامة
محمود جمعة الاندلسي
(15) التقية
محمود جمعة الاندلسي
(16) الخاتمة
الرد على طعيمة - 221. (1/235)
صفحة 236
رقم الايداع: 87/ 80 (1/236)