صفحة 1
الكتاب: آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) والصلاة والسلام على رسول الله.
المصالحة الوطنية
جاء في ديباجة قانون الميثاق من أجل السلم
تاريخ الجزائر سلسلة من النضالات المتعاقبة التي خاضها شعبها ومن ينكر ذلك يا ترى؟، وكلّ هذه النضالات توّجت بنتائج رائعة ودائمة، والتي نطلب من الله تعالى أن يديمها عليه، ليتبيّن لأعدائه أنّه على قدر كبير من الوعي بمّا يحاك له من المكائد التي واجهها الواحدة بعد الأخرى بكلّ شجاعة وثقة، وخرج منها مظفّرا منتصرا، ومن هذه النتائج الغالية التي لا تقدّر بثمن وقد سجّلها في تاريخ نضاله الطويل استقلال الجزائر والحمد لله، حيث حقّق الشعب حرّيته وسيادته التي انتزعت منه بالقوّة، وقد استردّها بالقوّة كذلك، ونصر دين الله بما بناه من مساجد ومدارس ومعاهد وجامعات وغيرها من مشاريع عظيمة، الهدف منها المحافظة على الشخصية الجزائرية الإسلامية العربية.
وقد ضحّى الشعب على مرّ السنين بكلّ غال ورخيص في سبيل تحقيق ذلك، وما زال يضحّي على مرّ التاريخ، ضحّى بنفسه ودمه وماله من أجل استرجاع البلاد من المحتلّ الغاشم، الغاصب لأرضه، وتلك هي ضريبة كلّ شعب عزيز غيور يريد الحريّة، ويأبى الخنوع والاستسلام للمستعمر، ولا يرضى الدناءة لدينه ولغته ووطنيته. (1/1)
صفحة 2
وقد أدّاها هذا الشعب المضحّي برضى وقناعة ضمير لتبلغ الجزائر من بعد هذه التضحيات كلّها مستقبلا وضّاء في فترة قصيرة بالنسبة لحياة الشعوب فأصبحت مثالا يحتدى به، سواء على صعيد الكفاح والاستقلال، أو في اختصارها للزمن من أجل بلوغ غاياتها، وهي بلا شكّ بالغة إيّاها طالما أنّ القيادة التي تقودها تؤمن بمصلحة البلاد والشعب، وتدعوه في كلّ آن وحين بالتحلّي بالأخلاق الكريمة والتصالح والتفاهم والتعاون والتسامح لإحباط مكائد الأعداء ومخططاتهم الدنيئة التي تسعى لتخريب البلاد وتدمير منشآتها، التي حقّقتها طوال السنين بجهد جهيد وبسواعد الشعب وتضحياته الجسام، وقد جعلت هذه القيادة الوطن الجزائري أرضا ترعى فيها قيم التسامح والحوار والتفاهم والحضارة.
هذه القيادة التي تتجسّم بكلّ وضوح وشفافية في شخصية الرئيس المناضل المخلص لبلاده، وما تحمّله في سبيل تحقيق ذلك من آراء وتوجيهات بناءة وموضوعية.
إنّ الشعب الجزائري المناضل المضحّي إذا استمدّ قوّته من وحدته، واعتصم بما يؤمن به من القيم الروحية والأخلاقية الإسلامية العريقة والصحيحة التي أرشده إليها ربّنا تعالى ورسوله محمّد {- صلى الله عليه وسلم -}، والتي تمسّك بها آباؤه وأجداده في أشدّ الأزمات وأصعب الأيّام، فإنّه يستطيع التغلّب على أشدّ المحن قساوة، كما تغلّب الجزائريون الأوائل على كلّ الأزمات التي سلّطها عليهم العدوّ الغاشم طوال سنين الكفاح والمقاومة، وذلك رغم ضعفهم وقلّة خبراتهم ومواردهم، وقوته الكبيرة المضاعفة فهذه صفحات بيضاء ناصعة قد تركها أجدادهم، فيجب عليهم هم كذلك أن يضيفوا إليها صفحات أخرى جديدة حتّى يبقى تاريخهم حافلا بالأمجاد، وذلك بضبط النفس أمام هذه الشدائد التي يبتليهم الله بها، ويسلّطها عليهم ليبلوهم أيّهم أحسن عملا. (1/2)
صفحة 3
ولقد صبر الشعب الجزائري والحمد لله، واستمرّ في التصدّي والمقاومة لهذه الانحرافات النفسيّة التي أصابت بعض أفراده، نطلب الله لهم الهداية والرجوع إلى الجماعة، والمساهمة في بناء وطنهم الحبيب الجزائر.
والحمد لله ألف مرّة أنّ الجزائر لم تنزلق ولم تصل إلى الحالات التي كان يتمنّاها لها أعداؤها، مثل الانقسام، أو عواقب أخرى لا تحمد عقباها.
خاصة وقد سخّر لها ربّها هذه القيادة الرشيدة التي أخرجتها من أزمتها بسلام ونجاح، وبقي الشعب والحمد لله موحّد تحت قيادته المؤيّدة، والتي بعثت فيه الوعي والنظر إلى المستقبل البعيد بعين بصيرة وقلب واع لما يحاك ضدّه من مخططات التدمير والإحباط وذلك بفضل توجيهات رئيسه المخلص.
وهكذا نهل الشعب الجزائري بفضل توجيهات قيادته الرشيدة من رصيد الماضي النضالي المجيد، واستمرّت عناصر الشعب التي تتمتّع بالحيويّة المفعمة وبالطاقات القويّة تعمل لتخطّي الانقسامات المبنيّة على خلفيات مردودة ومرفوضة من قبل الناس الحكماء الذين يريدون الخير والصلاح والتقدّم لبلادهم الغالية.
وهكذا ضمّت القيادة الرشيدة صفوف اولئك الذين هم الغالبية العظمى من أبناء الشعب المخلصين الذين يؤمنون أنّ خلاص الأمّة ووحدتها يتصدّران القضايا الأولوية، وهو نشر الأمن والوئام بين صفوف الشعب في مختلف نواحي الوطن، حتّى يعيش حياة كريمة سعيدة هنيئة، يطمئن فيها على دمه وشرف عائلاته ومصادر رزقه.
إنّ الشعب الجزائري تكبّد كلّ هذه المحن والمصائب المتعدّدة، وبفضل وعيه واتحاده استطاع أن يخرج منها سالما في وحدته الوطنية التي لا تقدّر بثمن. (1/3)
صفحة 4
لقد دفع ثمن العشريّة السوداء حسّا ومعنى، هذه الفترة العصيبة التي مرّت عليه، وما فيها من إزهاق الأرواح، وإراقة للدماء، وتخريب وتدمير للممتلكات، ولكنّه أدرك أنّه أصبح من الواجب عليه أن يتسامى نهائيا فوق هذه المأساة التي لا يستفيد منها أيّ أحد، والتي يجب أن لا تتمثل في مجادلات نظرية مجرّدة، بل أن يحقّق ذلك في الواقع الملموس والمحسوس، وذلك من أجل سلامة وطنه وضمان رقيّه وأمنه وإرجاع مكانته وثقته التي كان يتمتّع بها عند الشعوب الأخرى.
إنّ هذا التسامي مسألة حيويّة، وهي تحقّق أمن الممتلكات والأرواح والأعراض، وكلّ ما له حرمة وقيمة لتحقيق حياة كريمة فاضلة، والتي يتمنّاها كلّ عاقل يريد أداء دوره في الحياة كاملا غير ناقص، وهو البناء والتشييد والإعمار وتحقيق الخلافة التي أرادها الله تعالى لهذا الإنسان الذي كرّمه وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلا.
قال تعالى:
{وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة}. ... س ... سورة البقرة ـ آية: 29.
وقال تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا}. ... س ... سورة الإسراء ـ آية: 70.
إنّ الشعب الجزائري تغلّب على هذه المحنة النكراء بفضل توجيهات قيادته الرشيدة، والتي كوّنت فيه الحسّ المدني اللازم لتجاوزها، وبفضل إصرار الشعب واستماتته في نشر الأمن والسلام، لأنّه متيقّن بكلّ عمق بأنّ ذلك في فائدته وفائدة الأجيال الصاعدة من أولاده وحفدته، ولكي ينتزع من تصوّرها ذلك التعصّب المقيت والحميّة الجاهليّة التي تقتل وقته دون فائدة لدنياه أو آخرته، وتستنزف منه كلّ قواه التي هو في أشدّ الحاجة إليها لبناء جزائر الحرّية والاستقرار والرخاء والوئام والسلام. (1/4)
صفحة 5
وتحقّقت الأهداف النبيلة السامية التي كان يصبو إليها والحمد لله، وذلك بفضل ما تحلّى به الشعب من وطنيّة وتضحيّة وإخلاص، ولما بذلته وحدات الأمن ووحدات الجيش الوطني الشعبي من تضحيّات جسام، من أرواحهم الغالية في سبيل التصدّي لهذه الأزمات، وتحقيق الحياة الهنيئة المستقرّة لكلّ عنصر من عناصر الشعب العزيز في أي بقعة كان فيها من الوطن الحرّ.
إنّ الجزائر وطن لكلّ الجزائريين، أيّا كانت أصولهم وعقائدهم، ولكلّ جزائري الحقّ الكامل أن يعيش على أرض وطنه بكلّ حريّة وكلّ تقدير وكرامة، ما لم يمسّ أو يهدّد حقّ الغير في التمتّع هو كذلك بهذه الحقوق أو يهدّد الأمن العام للوطن. ومقابل تلك القيمة والكرامة والحريّة، فعليه أن يؤدّي هو كذلك الحقوق الواجبة عليه نحو وطنه لأنّ الحياة أخد وعطاء.
والشعب الجزائري معروف باعتزازهّ بدينه الإسلام، أفضل وأحسن الأديان، وهو دين يضمن لأتباعه الحرية والتقدير والاحترام، ويأمرهم بالتحلّي بالأخلاق الفاضلة، أخلاق التسامح والتعاون ونشر الأمن والسلام والوئام، وهو دين حضارة راقية ومتينة.
إنّ هذه المقوّمات الوطنية هي ملك للشعب بأكمله، ولا يحقّ لأحد أن يستأثر بشيء منها، أو يستغلّها لأغراضه الخاصّة، أو لتحقيق مصالح
محدودة تكون للبعض دون الآخرين.
لقد أصبح هذا الشعب في مستوى راق من التفكير، ودرجة عالية من النضج ومن التفتّح والاقتناع بأنّه دون التمسّك بهذه المبادئ الجوهرية، ومن دون عودة السلم والأمن وانتشارهما في كلّ ربوع الوطن، فإنّه لا يستطيع أيّ مسعى آخر أن يثمر نتائج طيّبة من حيث التقدّم الثقافي والاقتصادي والاجتماعي. (1/5)
صفحة 6
وطالما أنّ الشعب قد عايش مثل تلك الفترة الماضية العصيبة والمظلمة في تاريخ بلاده المشرق والناصع، فإنّه يدرك إدراكا جيّدا وواعيا بأن مثل تلك الظروف لا توفّر له ما يصبو إليه من التقدّم والتطوّر والاستقرار والرفاهية، وإنّه يقدّر بكلّ وعي ما للسلم والأمن من أهميّة بالنسبة للأفراد، وبالنسبة للأمة الجزائرية جمعاء.
إنّ المصالحة الوطنية حقّ وغاية ينشدها كلّ عناصر الشعب لأنها تحقّق مصالحهم جميعا، وهم مستعدّون أن يضحّوا في سبيل تحقيق ذلك بكلّ غال وعزيز لديهم كما ضحّى الآباء والأجداد من قبل في سبيل تحقيق الهدف الأسمى الذي ترمي إليه كلّ الشعوب ألا وه الاستقلال والحرّية، وما هذه الحياة إلاّ عبارة عن تضحيات يقدّمها كلّ من يريد تحقيق حياة العزّ والكرامة والحرّية.
إنّ صمود الشعب وإصراره على اعتناق سياسة الوئام المدني وتحقيقها في واقع حياته يمكّنه من إحباط كلّ مساعي التخريب والتدمير التي تهدف إلى تشتيت شمل الأمّة، كما تحقّق له حقن الدماء، واستعادة استقرار الجزائر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
إنّه بتمسّكه بهذا المشروع الوطني الفريد من نوعه على مستوى العالم لا يفتح الباب لأيّا كان في الجزائر أو خارجها أن يمسّ بمؤسساته الوطنية ولا أن يزعزع استقرار الدولة ونظامها، أو ينقص من شرف المخلصين الذين بنوا الجزائر بتضحياتهم الثمينة ودافعوا عنها سواء في الحاضر أو الماضي، ولا أن يشوّهوا صورة الجزائر على الصعيد الدولي.
وبتمسّكه بهذه المبادرة الحسنة التي هي خطوة بنّاءة ونقطة بيضاء ناصعة في مسيرة تاريخ الجزائر الحافل بالتضحيات، يدعو كلّ مواطن ومواطنة إلى الإسهام في توطيد الوحدة، وتعزيز الشخصية الوطنية، وترقية مستوى المعيشة، وإلى الحفاظ على ديمومة تطبيق ما جاء في بيان ثورة أوّل نوفمبر 1954 من قيم نبيلة عبر الأجيال المتلاحقة. (1/6)
صفحة 7
وهو يؤكّد تصميمه على ترسيخ قدم الأمّة على طريق الحداثة، والعمل والبناء من أجل ترقية شخصيته وهويّته.
وتعتبر فرصة المصالحة الوطنية كذلك مناسبة عظيمة وثمينة وفريدة من نوعها لاستعادة الجزائر الجريحة الوعي الوطني عند كلّ المواطنين، ولدفن أسباب الشقاق الذي ألمّ بها، وهدّد مصالحها على المدى القريب والبعيد، ويعتبر انطلاقة جادّة نحو لمّ الشمل وإدماج كلّ عناصر الشعب في قطار البناء والتشييد الذي أطلقته الجزائر من أجل الأجيال الصاعدة، هذه الانطلاقة التي سترسي الظروف المواتية لفتح عهد جديد.
وهذه هي فرصة ثمينة يتحقّق بها القضاء على العنف وإعادة بناء الثقة التي فقدها كثير من عناصر الشعب، وزرع بذور الأمل في الحركة والتنقّل عبر نواحي الوطن، والتي هي من اللوازم الضرورية للبناء والتعمير، وإرجاع الطمأنينة الحقيقية التي تعتبر أرضية للديمقراطية الحقّة، وللحياة الآمنة جيلا بعد جيل.
وهي فرصة مواتية كذلك لاندماج العناصر التي غرّر بها في وسط المجتمع، لتصبح عناصر بناء وتشييد، وذلك باستغلال قوتّها وذكاءها ونشاطها في سبيل بناء جزائر المستقبل، وفي سبيل نشر الوئام والسلام الذي يعود عليهم بالخير أوّلا وعلى عائلاتهم وجميع عناصر مجتمعهم.
إنّ إحياء الأمل من جديد لدى المواطنين هو العمل من أجل ضمان تكافؤ الفرص، والنهوض بالاقتصاد الوطني نحو مسيرة بناءة تضمن فرص العمل لجميع أفراد الشعب.
وإنّ إحياء الأمل هو كذلك حمل شبابنا على الاقتناع بأنّ التفوّق بجدارة والاجتهاد الدؤوب والصبر والمصابرة هي سبل كفيلة لاعتلاء المراتب وإحراز الدرجات الرفيعة والمكانة المعتبرة أمام الشعوب المختلفة والتي تغيّرت نظرتها نحو هذا الشعب البطل. (1/7)
صفحة 8
وإحياء الأمل يتجسّد كذلك في حرص طويل الأمد على توفير الأسباب التي تتيح لشباب الجزائر النشيط، وطلاّب العلم الجادون كي يتلقوا التعليم اللازم والتكوين الضروري لهم، ممّا يؤهّلهم للتفتّح على الحوار البنّاء والمناقشة الهادئة التي تضمن تفادي مثل تلك التصادمات، أو اللّجوء إلى مثل تلك الأعمال الغير العقلانية والتي تصيب البلاد في صميم مبادئها الاجتماعية والاقتصادية.
إنّ الشعب الجزائري بكلّ طبقاته قد علّق آملا واسعة، ووضع كامل ثقته في قيادته وعلى رأسها القائد المجاهد فخامة رئيس الجمهورية ومعاونيه، الذين دعوا بكلّ إخلاص ونيّة حسنة إلى هذه المبادرة الطيّبة والحكيمة لحقن دماء الأشخاص الأبرياء، والمحافظة على الممتلكات العامة التي هي ملك للشعب، وهذه المبادرة تشتمل على سداد الرأي وسلامة التفكير وحسن النيّة وبعد النظر.
إنّ الجميع قد اقتنع ـ والحمد لله ـ أنّ هذا التقتيل والتخريب والتدمير لا يخدم مصلحة أحد مها كان، وأنّ هذا العنف والتعدّي على الحرمات والأنفس والثمرات سلسلة لا يمكن أن تنقطع إذا لم يساند ويوافق على هذا القرار الرشيد الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، وأنّه لا بدّ أن يتخذ القرار الشجاع والمبادرة الجريئة والقويّة، حتّى يفسح المجال للحوار الهادئ البنّاء الذي يضمن الحقوق لكلّ عنصر من عناصر الشعب، ويرمي إلى إرساء قواعد الأمن والسلم والهدوء والطمأنينة وقبول جميع الآراء، مهما اختلفت كي يوجّه أصحابها الوجهة الصحيحة التي تخدم مصلحة الوطن كلّه، وتحترم جميع الأفكار بشرط أن لا تمسّ بمصالح الشعب وحرياته وحرماته وممتلكاته.
إنّ هذه المصالحة الصالحة والمؤيّدة التي توافق الشرع الحنيف، وتسير في نفس الاتجاه، وهي تدعو إلى ما دعا الدين الإسلامي الذي جاء لحقن الدماء والمحافظة على الأموال والأنفس والثمرات، وهذا ما يسمّى في الإسلام بالكليات الخمس، وقدجاءت الشريعة للمحافظة عليها وهي: (1/8)
صفحة 9
الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل.
إنّها تصلح بين الأشقاء الذين أشعل الشيطان نار الفتنة بينهم فسقطوا فيما سقطوا فيه من فتنة وعداوة، وهي تعتمد أساسا على التسامح والصفح الجميل، مصداقا لقوله تعالى لرسوله {ص}:
{فاصفح الصفح الجميل}. ... سورة الحجر ـ آية:85.
وهي تدعو إلى نسيان الأحقاد، وعدم طلب الثأر والانتقام، وهذا ما يدعو إليه ديننا الحنيف كذلك حيث يقول تعالى:
{يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين} ... سورة البقرة ـ آية: 206.
وديننا الإسلامي بريء كلّ البراءة من الإجرام والعنف الذي يقوم به بعض عناصره على مستوى العالم الذين يظنّون أنّهم ينتمون إليه، ولكنّ الشيطان وسوس لهم بذلك لكي يفسد عليهم دينهم، هذا الدين الذي ينتسب إليه الشعب الجزائري منذ القديم، وهو دين آبائه وأجداده، وهو دين الحوار والعدل والمحاورة بالتي هي أحسن، لا دين العنف والقتل والتدمير كما ينسب إليه أعداءه ذلك.
قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}. ... سورة النحل ـ آية:125.
وهذه المصالحة الوطنية تدعو إلى كلّ القيم والأخلاق الإنسانية التي يدعو إليها دين القيم الحضارية الرفيعة التي تأسّس وتبنى عليها كلّ الحضارات الراقية.
وهذا الدين هو القاعدة الأساسية التي ضمنت وتضمن للشعب الجزائري وحدته وتماسكه وتعاونه واتحاده، كما ضمن له ذلك في الأزمات المختلفة التي مرّ بها عبر التاريخ ولا أدلّ على ذلك من تماسكه واتحاده أمام العدوّ أثناء الثورات الجزائرية المتعدّدة التي خاضها في مختلف العصور. (1/9)
صفحة 10
إنّ مشروع المصالحة الوطنية سعى لطيّ صفحات أليمة سوداء سطّرت في صفحة تاريخ الجزائر من بعض العناصر الذين دفعوا للوقوع فيما وقعوا فيه، وقد كان هذا الطيّ بأسلوب حضاري لم يشهد التاريخ مثله إلاّ في الأيام الأولى للرسالة الإسلامية عندما قال الرسول {ص} لأعدائه وظالميه كلمته المشهورة:
{اذهبوا فأنتم الطلقاء}.
وهذا هو الأسلوب الجدير بالأمّة الجزائرية المتحرّرة، وهو يتسامى فوق كلّ العواطف والتوجّهات، ولا يسعى إلاّ إلى شيء واحد وهو تحقيق الأمن والتقدّم والازدهار لعامة الشعب بكلّ طبقاته، ويرمي فقط إلى تحقيق المصلحة العليا للبلاد، ولفتح جميع مجالات الاستثمار ومشاريع التنميّة والعمل في كافّة القطاعات وفي جميع المستويات.
إنّ نتائج المصالحة عظيمة وجليلة وستظهر منافعها شيئا فشيئا، وذلك على مرّ السنين وتعاقب الأجيال، والواقع التاريخي هو الذي سيظهر تلك المنافع والنتائج المباركة والإيجابية، والتي ستتفاعل مع الزمن وتقلّباته وتطوّراته.
ولا يستطيع أحد مهما أوتي من بعد النظر وجودة الكتابة وقوّة الكلمة أن يحدّد ويبيّن كلّ هذه النتائج الطيّبة، لأنّه سينقطع هو عن الحياة ولكن ستبقى تلك المنافع والنتائج على مرور الأيام والأعوام وسينتفع بها الأجيال المتعاقبة والمتلاحقة، وكلّهم يدعون بالخير والرحمة لمن كانت له يد أو حركة أو كلمة في إرساء مثل هذه الوضعية الحسنة، وما عند الله خير وأبقى.
وقد صدق شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء حين أنشد يقول:
بلادي بلادي، الأمان الأمان ... أغنّي علاك بأيّ لسان
جلالك تقصر عنه اللّغى ... ويعجزني فيك سحر البيان
إليك صلاتي وأزكى سلامي ... بلادي بلادي، الأمان الأمان (1/10)
صفحة 11
وأعلى وأغلى تلك هذه المنافع هي تلك الثقة التي سيتعامل بها الشعب فيما بين عناصره جميعا، وفيما بينه وبين الشعوب الخارجية التي كانت تنظر إليه بأنّه رائد الكفاح ومثال في تحرير البلاد، والحمد لله فقد بدأت تلك الصلات وتلك الثقة ترجع شيئا فشيئا، وصارت الدول تتسابق وتتنافس للفوز بأسواق الجزائر ونيل المشاريع والاستثمارات داخل أراضيها.
وإذا تحقّقت السكينة الاجتماعية والطمأنينة النفسيّة في الواقع، وغرست في النفوس فستنمو بفضلها الحركات، وتزكو المبادرات، وتحلّ المعاملات الديمقراطية الحقّة محلّ العنف والتناحر والتدابر والتنافر، وكذا ينمو التنافس الحرّ الشريف محلّ الحسد والغشّ والمخادعة، وبفضل كلّ ذلك سيسترجع أصدقاء الجزائر نظرة الإعجاب التي كانوا ينظرون بها إلى هذا البلد العزيز، بلد المليون ونصف المليون شهيد، وقبلة الثوار، وملجأ الأحرار، ومصدر المبادرات الجريئة، والمواقف الشجاعة الثابتة، وذلك رغم كلّ ما يكاد ضدّها من مكائد على مختلف الأزمان والأيام.
وصدق الشاعر (مفدي زكرياء) حين يقول:
جزائر أنت عروس الدنا ... ومنك استمدّ الصباح السنا
وأنت الجنان الذي وعدوا ... وإن شغلونا بطيب المنا
وأنت الحنان وأنت السما ... ح وأنت الطماح وأنت الهنا
وأنت السمو وأنت الضمير الصريح الذي لم يخن عهدنا
ومنك استمدّ البناة النقاء فكان الخلود أساس البنا
و ألهمت إنسان هذا الزمان فكان بأخلاقنا مؤمنا
و علّمت آدم حبّ أخيه عساه يسير على هدينا
صنعت البطولات من صلب شعب سخيّ الدماء فرعت الدنا
وعبّدت درب النجاح لشعب ذبيح فلم ينصهر مثلنا
ومن لم يوحّد شتات الصفوف يعجّل به حمقه للفنا (1/11)
صفحة 12
إنّ التاريخ سوف يسجّل ويشهد الزمان أنّ القيادة الجزائرية وعلى رأسها فخامة رئيس الجمهورية (عبد العزيز بوتفليقة) ومن جانبيه قوات الأمن الوطني وعناصر الجيش الشعبي الوطني ومن ورائه كلّ أفراد الشعب بمختلف شرائحه لم يقصّروا في ترسيخ مبادئ الثورة الجزائرية، وتجسيد آمال الشهداء الأوفياء والمجاهدين المخلصين الذين حرّروا البلاد ووفّروا لها كلّ عوامل الأمن والأمان والسلام والتقدّم والازدهار.
وسوف يظهر ذلك على مرّ الأيام وأنّ كلّ اولئك وقفوا للدفاع عن مكاسب الثورة المجيدة، وأنّ هذه الضجّة ما هي إلاّ مؤامرة مفتعلة مدبّرة، القصد منها عرقلة الجهود الجبّارة التي ضحّى من أجلها الشعب في مختلف الميادين، وخاصّة منها في ميدان الديمقراطية والتعدّدية الحزبية الذي نهجها هذا البلد بكلّ شجاعة وثبات وثقة، هذه المبادرة الجريئة والعظيمة التي لم يستطع القيام بها كثير من الشعوب.
أليس المقصود من هذه المؤامرات المتعدّدة إفقاد الشعب الجزائري ثقته في قيادته، وإثارة نار العداوة والبغضاء والشحناء بين عناصره بمختلف انتماءاتهم العقائدية، واختلاف أصولهم العرقية، وتوجّهاتهم الحزبية والسياسية، ولكن والحمد لله فقد وقف الشعب كرجل واحد ضدّ كلّ تلك المؤامرات، وقال كلمته بكلّ صراحة وشجاعة وذلك تحت رعاية قيادته الرشيدة:
ـ لا للتفرقة ـ لا للفتنة ـ
قال: لا لكلّ ما يدبّر ضدّه من عرقلة لتقدّمه ومساسا بسمعته.
الدعوة الإسلامية و التسامح (1/12)
صفحة 13
إنّ الحضارة الإسلاميّة منـذ أن وضع الرسول (ص) أسسها والصحابة الكرام الـذين كانوا في منتهى الوحدة والتعاون والحبّ والمسامحة والوئام، وعبر العصور لم تكن في فترة من فتراتها أو مرحلة من مراحلها صانعة للكراهية ولا داعية للحرب والغزو والعدوان وإزهاق الأرواح، هـذا مع أعدائها، أما بين عناصرها فمن باب أولى، وما نراه اليوم من كراهية المسلمين بعضهم لبعض قد وسوس لهم به الشيطان الـذي لا يرضى ولا يحبّ لهم الاتحاد ولا التعاون ولا المسامحة، حتّى لا يعيشوا في هناء وطمأنينة ووئام، ولا يؤدون عباداتهم وطقوسهم كاملة، وكلّهم اطمئنان وثقة ببعضهم البعض.
وما مبدأ الدفاع عن الدولة ا?سلامية الـذي وضعه الرسول {ص} إلا وسيلة للدفاع عن النفس ضدّ المذلّة والامتهان.
إنّه قد ساد الدولة الإسلامية التي انتشرت إلى الشرق والغرب نوع من السلام الإسلامي استمرّ لقرون طويلة رغم أنّه يوجد بين الشعوب الإسلاميذة أصحاب الديانات الأخرى من اليهودية والنصرانية الـذين يسمون أهل الكتاب، فقد عاشوا جميعا تحت راية الدولة الإسلامية في عزّة وكرامة نفس، وهم آمنون على نفوسهم وأهليهم وأموالهم راضين بالحكم وبالسلطة التي هم تحت رايتها.
ومنـذ عهد الرسول {ص} كانت بداية الدعوة الإسلامية عن طريق القدوة والموعظة الحسنة متمثلة في قوله تعالى:
{ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ... سورة النحل ـ آية: 125.
وفي عهد الصحابة من بعده والتابعين الأولين الـذين حملوا راية الدعوة ونشروا الدين في جميع نواحي العالم، مطبّقين في ذلك قول ربّهم عز وجل:
{ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إّنني من المسلمين} ... سورة فصلت ـ آية: 33. (1/13)
صفحة 14
وأغلبية الدول التي دخل أفرادها الدين الإسلامي والموجودة في آسيا وأعماق إفريقيا لم تشهد احتلالا إسلاميا بالقوّة ولا بالحرب، كما يدعي الأعداء، بل شهدت تسامحا وعدلا إسلاميا مما جعل الشعوب المختلفة تدخل في دين الله أفواجا.
ولما سمعت تلك الشعوب كلمات القرآن، وانبهرت بسيرة الرسول {ص} وسيرة أصحابه وتسامحهم وتواضعهم مع الناس أجمعين اهتدت بتلك الخصال التي كان المسلمون يجسدونها كاملة غير ناصعة في أخلاقهم ومعاملاتهم مع كلّ أمّة يتّصلون بها، حتّى أصبحوا صورة كاملة وواضحة لسيرة نبيّهم محمد {ص} الـذي قال فيه ربّنا تعالى: {وإنّك لعلى خلق عظيم} ... سورة القلم ـ آية: 04.
لما علم منهم ربّهم هـذا الإخلاص وأنّهم لا يطلبون شيئا من حطام الدنيا بهـذه الدعوة، ولا منصبا، وأنّهم لا يرجون إلاّ رحمته عزّ وجلّ، وليس لهم هدف إلاّ الفوز بجنّته، أعانهم في نشرهم لهـذا الدين العظيم في مختلف نواحي العالم، وأصبحوا سادة وعظماء محترمين أيّنما حلوا وارتحلوا.
ولكن ويا للأسف لمّا انحرف المسلمون في العصور الأخيرة عن طريق الإخلاص لهذا الدين، وبدّلوا وغيّروا بسيرتهم وأخلاقهم الجديدة سيرة نبيّهم، وتعلّقوا بمتاع الحياة الدنيا يطلبون الرئاسة والزعامة والسلطة، تسلّط عليهم أعداؤهم بل تسلّط بعضهم على بعض فظهروا أمام تلك الأمم أناس لا يتورّعون عن فعل ما يحلوا لهم ممّا يخالف شريعة ربّهم وسنّة نبيّه {ص}، وقد مالوا ميلا كاملا إلى الدنيا واقتنائها وامتلاكها، وأحبّوها حبّا شديدا وكرهوا الموت، عند دلك سلط عليهم ربّهم الأمم المختلفة وصدق فيهم قول رسولهم محمّد {ص}:
{ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
قالوا أمن قلّة نحن يا رسول الله؟
قال بل انتم يومئـذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السيل، وليلقينّ الله في قلوبكم الوهن، ولينزعنّ المهابة من قلوب أعدائكم.
قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت}. (1/14)
صفحة 15
فإذا أراد المسلمون استرجاع قيمتهم ومكانتهم بين الأمم الأخرى فعليهم بالرجوع إلى دينهم والتمسّك بشريعة ربّهم واتّباع سنّة نبيّهم.
هـذا الدين الـذي هو هداية للعالمين، ورحمة للناس أجمعين.
قال تعالى:
{وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} ... سورة الأنبياء ـ آية: 107.
فغاية الله من هـذا الدين إقامة الحقّ والعدل المطلق بين الناس جميعا المسلمين منهم وغير المسلمين، يدعوا إلى تحقيق الإخاء، وصيانة الدماء، وحفظ الأعراض والأموال.
السلام مبدأ إسلامي
إنّ الدعوة إلى السلام والتمسك به ليست دعوة جديدة في حياة المسلمين ولا هي غريبة عن الأمّة الإسلامية، وإنّما هي دعوة قد استقرت في ضمائر المسلمين منـذ بعث الله تعالى الرحمة المهداة، فعلّمهم كيف يتعاملون مع من يظلمهم ويتعدّى عليهم، وذلك ما دعا إليه كتاب الله عزّ وجلّ، القرآن الكريم:
قال تعالى:
{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الـذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم} ... سورة فصلت ـ آية:34.
فالله تعالى أرشد إلى هـذا المبدإ الإسلامي الـذي هو من أسس ومبادئ بنائه وتكوينه، وأمر أتباعه بالتمسك به، وتطبيقه في حياتهم اليوميّة، وهذا ليس مع المسلمين مثلهم فقط، بل مع الناس جميعا حتّى أتباع الديانات الأخرى، لأنّه تعالى يعلم ـ وهو خالق هذا الإنسان ـ أنّ المجتمع لا يستقرّ، ولا يتقدّم ولا يزدهر إلاّ بمثل هذه الأخلاق.
وقد طبّق رسول الله {ص} مبدأ التسامح في حياته تطبيقا حقيقيا سواء مع أصحابه، أو مع أعدائه، وجسّد هذا المبدأ لأصحابه ولأعدائه سواء بسواء، وذلك كي يعلّمهم ويقنعهم بأنّ حياة الإنسان في هذا الكون وعلى وجه هذه البسيطة لا يمكن أن تتحقق ولا يسعد ويهنأ مع بني جنسه داخل المجتمع إلاّ بتطبيق مثل هذه الأخلاق في واقع حياتهم بقناعة تامّة وبكامل الموضوعية، ولا يمكنهم تحقيق ذلك في الواقع إلاّ إذا جرى في حياتهم مجرى الدم في عروقهم. (1/15)
صفحة 16
إنّ السلام مبدأ من المبادئ العالية الرفيعة الغالية التي عمّق الإسلام جذورها في النفوس الطيّبة المعتدلة، حتّى أصبحت جزءا وأساسا من كيان المجتمع المسلم الذي بني على تقوى من الله ورضوان وصار من عقائده التي لا يحيد عنها إلاّ مضطرب النفس، الغير المعتدل في سلوكه وأخلاقه وتسلّط عليه الشيطان فأراد له أن يكون ممّن يشوّه دين الله ويبعد عنه عباده حتّى لا يدخلوا فيه ويصيروا من أتباعه.
لقد نادى رسول {ص} منذ بعثته ودعا مند مطلع فجر الإسلام وإشراق نوره، وبعث صيحته المدويّة في آفاق الأرض، يدعو إلى السلام والأمان والوئام، ويضع كامل الخطط اللازمة لتحقيق ذلك وتطبيقه في الواقع لكل فرد من أفراد هذه الخليقة مهما كان أصله وانتمائه حتّى يصل بالإنسانية إلى المستوى العالي والرفيع والكريم الذي خلقت من أجله في هذا الكون وهو تحقيق الخلافة.
إن الإسلام يحترم حياة كلّ نفس حيّة ويقدّ سها ويكرّمها.
قال تعالى:
{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبّات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا}
سورة الإسراء ـ آية: 70.
فهو يحفظ لكل نفس رطبة حقّها في الحياة، ويحبّبها للناس لأنّها هي المطيّة التي يصلون بها إلى الآخرة، وينالون رضوان الله وجنّته، لذلك أحاطها بقوانين وشرائع تحميها من كلّ ما يهدّدها وهذا حتّى يدفع الخوف عن كلّ عنصر في المجتمع مهما كان انتماؤه ومهما كانت عقيدته، ما دام قد خلقه ربّه في هذه الأرض ووهب له الحياة ليحيا ويعيش، فلا أحد يستطيع أن يسلبه هدا الحقّ أو يهدّده، وبهذا الضمان للحياة يستطيع كلّ إنسان أن يعيش ويعمل في اطمئنان ويبنى ويعمّر هذا الكون، كلّ فى مجال اختصاصه الذي خلق من أجله، و يستفيد منها استفادة تعينه على عبادة ربّه عبادة صحيحة كاملة ويحقّق الغايات التي خلق من أجلها فى هذا الكون مثل الرقي و التقدّم وهو مظلّل تحت مظلّة الأمن والأمان و السلام و الوئام. (1/16)
صفحة 17
ولا أدلّ على ذلك من أنّ الله تبارك و تعالى منزل هذا الدين ... و مشرع هذه الشريعة قد اشتقّ له اسمه من هذه الكلمة وهي السلام فسمّاه الإسلام، وذلك لأنّ الإسلام و السلام يلتقيان في توفير الطمأنينة والأمن والوئام بين عناصر المجتمع جميعا، كما أنّه اسم من أسمائه الحسنى فسمّى نفسه تبارك و تعالى ـالسلام ـ.
قال الله تعالى:
{هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبّر} ... سورة الحشر: آية: 23.
سمّى نفسه تعالى بهذا الاسم لأنّه أنزل من الشرائع الصحيحة والثابتة ما يضمن بها السلام والأمان للناس جميعا، فلا يظلم خلق من عباد الله ولا ينقص حقّه، ولا يهان مهما كان موقعه في مجتمعه الذي يعيش فيه، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، رئيسا أو مرؤوسا.
وحامل هذه الرسالة العظيمة ذات المبادئ الراقية والداعي إليها بكل تواضع وتسامح، هو حامل راية السلام والأمان شاء من شاء، وأبى من أبى، لأنّه قد حمل إلى البشريّة الهدى والنور، والخير والرشاد والأمن والأمان وهو يحدّث عن نفسه ويقول: {إنّما أنّما الرحمة المهداة}.
ومن مميزات هذا الدين أن جعل تحيّة أتباعه هي لفظة السلام، وهذا ما شرعه ربّنا عزّ وجلّ، وسنّه رسوله {ص} لأتباع هذا الدين، وهذه العبارة:
السلام عليكم: تعني الأمن والأمان لكم جميعا، وقد أمر بها ربّنا تعالى لما يعلم ما فيها من نشر الطمأنينة والرحمة والمحبّة بين عناصر المجتمع.
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله {ص}:
{لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم}. ... رواه البخاري ومسلم. (1/17)
صفحة 18
والسلام في أصل اللغة: السلامة، يقال: سلّم، يسلّم، سلاما، وسلامة، ومنه قيل للجنّة {دار السلام} لأنّها دار السلامة من الآفات، فإذا ما طبّقه المسلمون فيما بينهم في حياتهم الواقعية فإنّهم سيعيشون في جنّة وهم على وجه الأرض قبل دخولهم إلى الجنذة الحقيقية الدائمة التي أعدّها لهم ربّهم في الآخرة والتي جعل تحيّتهم فيها السلام.
قال تعالى: {تحيّتهم يوم يلقونه سلاما وأعدّ لهم أجرا كريما}: ... سورة الأحزاب ـآية 44.
وقد علم الله تعالى ما في هذا السلام من نشر الطمأنينة والرحمة بين عناصر المجتمع، لذلك أمر به وحثذ على نشره، ورغّب فيه ترغيبا كبيرا، وجعل فيه أجرا كريما، لأنّه يؤلّف بين القلوب ويجمعها، وينمّي الصلات ويقويها ويحبّب الإنسان إلى أخيه الإنسان.
وأولى الناس بالجنّة، وأقربهم إلى ربّه، وأحبّهم إلى خلقه، من بدأهم بالسلام.
قال {ص}: {وخيرهما الذي يبدأ بالسلام}.
ونشر السلام في العالم، وإفشاؤه بين بني الإنسان جزء من الإيمان، ويحقّق لصاحبه الدرجات العلى في الجنّة دار الرحمة والسلام.
وقد جعل الله تعالى تحيّة المسلمين فيما بينهم بهذا اللفظ العظيم لإشعارهم بأنّ دينهم هو دين الأمان والسلام، وأنّهم أهل السلام ومحبّوا السلام والوئام، ويجب عليهم نشر السلام بينهم وبين خلق الله أجمعين.
قال {ص}: {إنّ الله جعل السلام تحيّة لأمّتنا، وأمانا لأهل ذمّتنا}.
ولا ينبغي لإنسان أن يكلّم آخر ولو كان من غير ملّّته (أي غير مسلم) قبل أن يبدأه بالسلام.
يقول {ص}: {السلام قبل الكلام}.
وسبب ذلك ومعناه أنّ السلام أمان، ولا كلام إلاّ بعد الأمان.
ولا يجوز لأحد أن يغدر بآخر بعد أن يسلّم عليه، ويعتبر ذلك غدر ما فوقه غدر، وخيانة ما فوقها خيانة، وأنّه جريمة فظيعة وإثم مبين. (1/18)
صفحة 19
والإسلام هو دين الرحمة والمحبّة والسلام، والرحمة أشمل وأعمّ من المحبّة، فالإسلام يأمر أتباعه أن يحترموا حتّى من لايحبّون ممّن يخالفهم في معتقدهم وشريعتهم، ولا أدلّ على ذلك أنّه افتتح كتابه بالبسملة، وفيها قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم}، ولا تقرأ سورة من سور القرآن إلاّ بعد قراءتها.
وطلب من أتباعه أن يقولوها عند افتتاح أيّ عمل من الأعمل، وأن يبدؤوا بها، وما ذلك إلاّ لما في الرحمة من خير ومن نشر للسلام والوئام بين خلق الله جميعا، ولما في ذلك من معاني واسعة ومتعدّدة في الرحمة.
ونجدها تتكرّر في مختلف آيات القرآن الكريم لتؤكّد السمة البارزة في ربوبيّة الخالق الشاملة، ولتثبّت الصلة الدائمة بينه وبين مخلوقاته وأنّها صلة رحمة وشفقة ورعاية، وليست صلة قهر وإرغام وتجبّر، صلة تقوم على الطمأنينة، وتنبض بالمحبّة والمودّة، وتعلن كلّ حين أنّ علاقة المرء بربّه علاقة حبّ ورحمة ورجاء ورضى وارتياح.
والمسلم مكلّف وهو يناجي ربّه أن يقدّم له التحيّات المباركات، ثم يسلّم على نبيّه محمد {ص} وعلى نفسه، وعلى عباد الله الصالحين، وذلك في كلّ صلاة يصليها ويقوم بها في كلّ فريضة من الفرائض الواجبة، وكذلك في السنن والنوافل جميعا.
والتحيّات التي تشتمل على السلام ركن من أركان الصلاة، وهي واجبة في كلّ صلاة يؤدّيها المؤمن لربّه عزّ وجلّ، وإلاّ فصلاته باطلة.
ولشدّة اهتمام الرسول {ص} بهذا الركن في الصلاة (التّحيات) أصبح يعلّمها أصحابه وكلّ من يدخل إلى الإسلام ويهتمّ بها، كما يهتم بالقرآن الكريم، ويعلّمهم إيّاها كما يعلّمهم سورة من القرآن الكريم.
يقول الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ:
كان الرسول {ص} يعلّمنا التحيّات كما يعلّمنا سورة من القرآن الكريم. (1/19)
صفحة 20
وفي نهاية هذا الفرض الواجب على المسلم (الصلاة)، والذي هو عبارة عن مناجاة ربّه مباشرة دون حجاب، يسلّم عن يمينه وعن شماله، وذلك حتّى يعطي الأمن والأمان والسلام لكلّ من حوله من الملائكة والناس وجميع المخلوقات، ويقبل على العمل في الحياة بنفس مملوءة بالسلام والرحمة والأمان.
ونستنتج من كلّ هذا أنّ الشخص الذي لا يحرص على تطبيق هذا المبدإ في حياته الواقعية بعد صلاته، أنّ صلاته غير خالصة لأنّه لم يكن لها الأثر اللازم في حياته اليومية، ولأنّه كان يصلّيها ونفسه غير حاضرة فيها الحضور الكامل، ولم يخشع فيها الخشوع المطلوب منه، ولأنّه لم يكن يعي ما كان يقول فيها، ولا يفقه ما يقرأ من كلام ربّه، ولو فقه روح الصلاة جيّدا لأمنه الناس على نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، ولنهته عن الفحشاء والمنكر.
قال تعالى: {وأقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون} ... سورة العنكبوت ـ آية:45.
إنّ تكرار السلام من المسلم على إخوانه، وسماعه منهم دائما يحيطه بجو ديني إيماني ونفسي جيّد ومركّز نحو هذا المبدأ السامي، وهذا من شأنه أن يوقظ الحواس كلّها نحو تطبيقه في الحياة اليومية، ويوجّه المسلمين جميعا إلى التحلّي به والتزامه في حياتهم، سواء مع بعضهم البعض أو حتّى مع أعدائهم فيزرعون بذلك المحبّة والتسامح والتعاون فيما بينهم، ويحبّبون إلى غيرهم مبادئ هذا الدين الحنيف، وذلك ممّا يجلب الناس إليه فيدخلون فيه أفواجا.
وحتّى في الطريق إلى ميدان القتال كان رسول الرحمة {ص} يوجّه المقاتلين إلى نشر السلام فيما بينهم وبين عدوّهم، وذلك بتطبيق الإرشادات المتعدّدة والأوامر الصارمة التي يصدرها إليهم وهم في طريقهم إلى المعركة، ألاّ يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ ولا البهائم، ولا يقطعوا الأشجار. (1/20)
صفحة 21
ثمّ وهم في ميدان المعركة لا يجهزوا على جريح ولا يلحقوا أحدا فرّ من ميدان القتال يريد النجاة بروحه.
وبعد الانتصار فلا يطغى عليهم الفرح والسرور، ممّا قد يدفعهم إلى التمثيل بالموتى أو تخريب الديّار أو إفساد الثمار.
بل أكثر من ذلك نهى هذا الدين الحنيف عن قتل حامل السلاح إذا نطق بالشهادة وهو في ميدان القتال، لأنّه قد دخل تحت راية الإسلام دين السلام والأمان.
قال تعالى: {ولا تقولوا لمن القى إليكم السلم لست مؤمنا}
سورة النساء ـ آية: 94.
وتحيّة الله ـ عزّ وجلّ ـ لعباده المؤمنين المتّقين الذين عرفوا قدر ربّهم، وأدّوا حقّه كاملا غير ناقص، ونشروا السلام بين عباده أن يتلقّاهم غدا يوم القيامة في الجنّة بالسلام، فلا يروّعهم ولا يخوّفهم لأنّهم لم يروّعوا ولم يخوّفوا عباده في الدنيا، فالمسلم هو صاحب السلام، والمؤمن يدعوا دائما إلى السلام.
قال تعالى: {تحيّتهم يوم يلقونه سلام وأعدّ لهم أجرا كريما}
سورة الأحزاب ـ آية:44.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبيء {ص} أنّه قال: {المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه} ... رواه البخاري.
وعن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت يا رسول الله، أيّ الإسلام أفضل؟ قال:
{من سلم المسلمون من لسانه ويده}. ... رواه البخاري ومسلم.
أما من كانت طبيعته ظلم عباد الله وترويعهم وتخويفهم فقد توعّده ربّه تعالى بالأخذ الشديد، لأنّه نشر الخوف بين عباده.
وتحيّة الملائكة للمؤمنين عند دخولهم إلى الجنّة دار السلام هي السلام، لأنّهم نشروا السلام بين عباد الله، وجعلوه مبدأ أساسيا في حياتهم، فتدخل عليهم من كل باب وهي تقول لهم:
{سلام بما صبرتم فنعم عقبى الدار}. ... سورة الرعد ـ آية: 25. (1/21)
صفحة 22
والله تبارك وتعالى بلطفه ورحمته وعفوه يدعو جميع خلقه للدخول في دار السلام، لأنّه يريد منهم أن ينشروا السلام والأمان بينهم في حياتهم الدنيا.
قال تعالى: {والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}. ... سورة يونس ـ آية:25.
وقال تعالى: {لهم دار السلام عند ربّهم وهو وليّهم بما كانوا يعملون}.
سورة الأنعام ـ آية:128.
وأهل الجنّة عندما يدخلونها لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلاّ قيلا سلاما سلاما، لأنّهم كانوا في حياتهم الدنيا يعرضون عن اللغو، ولا يتكلمون بكلام ينافي ويناقض نشر السلام والوئام والأمان، وهم لا يتكلّمون في دار النعيم إلاّ بلغة السلام، لما كانوا يكثرون من نشر السلام قال تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلاّ قيلا سلاما سلاما}.
سورة الواقعة ـ آية:26.
وكلّ هذا التعظيم للسلام، وإرشاد المسلمين إلى تطبيقه في حياتهم، ونشره فيما بينهم، يدلّ على تكريم الله تعالى لهذا المخلوق الكريم من حيث هو إنسان حيّ فيه روح، وذلك بغض النظر عن دينه وأصله وجنسه، أو وطنه ولغته ولونه.
فالله تعالى خالقه ورازقه نفخ فيه من روحه وخلقه في أحسن تقويم، ووهب له الحياة، وحفظ له هذا الحقّ في الحياة، فلا يجوز لأحد مهما كانت قوته أن يتعدّى على حياته ويسلبها منه، لأنّه بفعله ذلك يسلبه حقّا من الحقوق التي وهبه الله إيّاه وأحاطه تعالى بكلّ التشريعات التي تحميه وتدافع عنه.
الخلاصة
إنّ السلام ونشره بين عباد الله هو أمر من عنده تعالى لعباده، وذلك لما يعلم ما فيه من نشر المحبّة والتعارف والتسامح بين عباده. (1/22)
صفحة 23
وبالتخلّق به وتطبيقه في حياتهم الواقعية ينتشر الاطمئنان والاستقرار والأمان، فتزدهر الحياة الواقعية، ويكثر الإخاء لأنّ الناس ينصرفون إلى التفاني في العمل والإنتاج، ما داموا مطمئنين على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ولأنّهم يعلمون بأنّهم في مجتمع يحبّ السلام ويحبّ الأمان ويحارب التعدّي والظلم والترويع، وهو سبب لإزالة العداوة والخصومة والبغضاء والأحقاد من القلوب.
هذه الأخلاق السيّئة التي يحاربها الإسلام بكل قوّة وعزيمة لأنّها سبب لتخريب المجتمعات وزعزعتها، وهي تؤدّي إلى إزهاق الأرواح وإهانة النفوس، وما ازدهار الدولة الإسلامية الأولى إلاّ بسبب انتشار هذه المبادئ والأسس بين جميع عناصرها، سواء المسلمين منهم أو غيرهم، فكلّ واحد منهم محترم تحت لوائها مطمئن على حقوقه كاملة غير ناقصة.
أبعاد التسامح
إنّ التسامح يعني تغيير المفاهيم الخاطئة لدينا، وهذا ما أراد القيام به الرسل والأنبياء بوحي من الله تعالى وقد حدا حدوهم العلماء والعظماء والرؤساء في كلّ زمان ومكان على مرّ الأيام والأعوام.
وهذا رسولنا محمّد {ص} يقول: {إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق}.
فهذه المكارم المتعدّدة التي جاء بها جميع الرسل من قبله {ص} بعث هو ليؤكّدها ويثبّتها ويزيد إليها لأنّها تصدر من منبع واحد وهو الله تعالى.
فعندما نتسامح مع شخص آخر من أجل ذنب أو تعدّ قام به نحونا، فإنّنا في الواقع نقول له:
إنّنا لا نعطيك الفرصة والقوّة والسلطة لتتحكّم فينا، ولا أن توجّه طريقة تفكيرنا وتصرّفاتنا في المستقبل حيث إنّنا نتولّى مسؤولياتنا كاملة وبدون تدخّل أحد فيها منذ الآن.
وهكذا فإنّنا نخلق واقعنا الذي نريده ونتمنّاه، والذي نرمي إلى تحقيقه عن طريق اختيارنا لكيفيّة التعامل مع سلوك الآخرين. (1/23)
صفحة 24
إنّ التحرّر الكامل من إلقاء اللّوم على الآخرين، وتولّي المسؤولية الكاملة عن حياتنا يتطلّب الكثير من التدريب، إنّه التدريب على حبّ الذات، وليس كراهيتها، لأنّها لم تنتقم ممّن أساء إليها، ولم تتعدّ على من تعدّى عليها.
إنّ التسامح عمل نبيل شريف يعبّر عن حبّ الإنسان لنفسه، ولذلك فهو لا يريد أن ينزل إلى الدرجة السفلى التي نزل إليها ذلك الظالم الذي لم يتحكّم في نفسه ففعل ما فعل، وقد ترفّع هو بها عمّن كان يريد أن ينزلها إلى مثل تلك الدرجة التي نزل إليها، ويريد بذلك احتقاره وإهانته والتحكّم في توجّهاته، حتّى يستلذّ ويفرح لأنّه قد سيطر على حياته وأفكاره الداخلية.
فعندما نؤمن ونتيقّن بأنّه لا يوجد شيء عشوائي في هذه الحياة وأنّه لا يقع أيّ شيء بالصدفة، وأنّ كلّ ما يقع فيها له معنى وفائدة وهدف، لأنّنا نعلم ونؤمن بأنّه تدبير من حكيم حميد، وهو الله تعالى الذي بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير، هو الذي يسيّر هذا الكون كما يشاء، ويفعل ما يريد، ونحن جزء من هذا الكون، ويمنحنا ما يشاء ويمنع عنّا ما يشاء، ويبتلينا بما يشاء، فإنّنا سنعيش معيشة مطمئنّة، ونحيا حياة طيّبة بنفوس سليمة من كلّ شكّ ملؤها الرضا واليقين بما عنده تعالى، وبأجسام صحيحة قويّة لأنّنا لم نصليها نار التفكير والتذمر من كلّ ما أصابنا أو من عدم تحقيق ما نرجوه من طلباتنا.
قال الله تعالى: {قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنّك على كلّ شيء قدير}. ... سورة ءال عمران ـآية: 26.
وقال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى إن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمن}.
سورة البقرة ـآية:214. (1/24)
صفحة 25
فإذا آمنّا بذلك إيمانا كاملا يقينيا، فإنّنا نتحرّر من كلّ الضغوطات التي تصيبنا من جرّاء ما يقوم به هؤلاء الأشخاص الذين يريدون استثارة الأحقاد داخل قلوبنا، وملء نفوسنا بالضغينة والحقد وحبّ الانتقام، ويجعلوننا نعيش في حلقة مفرغة ندور ولا نبرح.
فإذا كان هؤلاء يتعدّون علينا، ويقومون بما يقومون به من الظلم، ونحن من جهتنا نسعى إلى أخذ الثأر والانتقام، فإنّهم بذلك يستطيعون أن يسيطروا على تفكيرنا بأن ننشغل بهم وندخل في ميدانهم، حتّى نمكّن لهم الفرصة بأن يصلوا إلى هدفهم، وهم يجعلوننا نهتمّ بهم اهتماما كبيرا ليسوا أهلا له في الحقيقة، فيظنّون ويعتقدون أنّهم أصبحوا أبطالا في المجتمع وأنّهم استطاعوا أن يتبوّؤا فيه مكانة جيّدة.
ونتيجة لذلك يقتلون أوقاتنا، ويضيّعون لنا أعمالنا، ويتعبون عقولنا بالتفكير الكبير فيهم والاهتمام بهم، فلا نستطيع القيام بالعمل المطلوب منّا، فتنقص حركتنا، ويقلّ إنتاجنا فتنمو المشكلات والاضطرابات، وينتشر الرعب والخوف في المجتمع، فيصاب أعضاءه باليأس والتشاؤم، ويفقدون الأمل في المستقبل، وتلك هي الطّامة الكبرى، وهو الهدف الذي يرمي إليه الأعداء وعملاؤهم الذي يدبّرون أعمال التخريب والتدمير داخل المجتمع.
وإذا كان التسامح شيئا نحتاج إلى ممارسة قواعده دائما داخل المجتمع وخارجه، مع من نعرف ولا نعرف، المهمّ أنّه إنسان له نفس وروح وله الحقّ في الحياة مثلنا، فبذلك سوف نجلب فرص ممارسته وتطبيقه من طرف الناس جميعا، وهذا على مرور الزمن والأيّام، والعكس تماما إذا كان ردّ فعلنا هو الغضب والحقد و الثأر والانتقام، فإنّ هذه الحالة سوف تثمر حالة من التوثر، لأنّ الحقد يجلب الحقد، واالغضب يثير غضبا مثله، أو أشدّ منه وهكذا يصبح أعضاء المجتمع يدورون في حلقة مفرغة من هذه الحالات السيّئة إلى ما لا نهاية، فيتعبون في واقعهم، ولا يستطيعون القيام بواجباتهم. (1/25)
صفحة 26
إذن علينا أن نبحث دائما وفي كلّ حين عن الجانب الحسن الإيجابي في الحياة وعن الفرص الجيّدة في كلّ عمل نقوم به، ونتولّى مسؤولية كلّ ما يقابلنا في حياتنا اليوميّة، وعلينا أن نتيقّن بأنّ ذلك كلّه من الله تعالى وتدبيره، وهو لا يريد لنا إلاّ الرحمة والرأفة والغفران، وهو أرأف بنا من الأمّ بولدها الرضيع.
وفي هذا يقول الرسول {ص}.عن عمر بن الخطّاب ـرضي الله عنه ـ قال: قدم إلى رسول الله {ص} سبي فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
فقال رسول {ص} أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، وهي تقدر أن لا تطرحه.
فقال {ص}: {لله أرحم بعباده من هذه الأمّ بولدها}.
رواه البخاري ومسلم.
نحن نعيش ويا للأسف في عالم يساند الغضب ويدعو إلى الانتقام والثأر، إنّه عالم يعيش أهله دائما في حالة حرب بطريقة أو بأخرى، والشيطان قد وجد كلّ ما يطلبه وما يريده، وهو أن يعيش الإنسان حياته في إفساد وفساد وسفك للدّماء على وجه الأرض، وهذا ما قالته الملائكة لربّ العزّة قبل خلق البرية عندما أخبرهم ربّهم أنّه جاعل في الأرض خليفة، وأنّه خالق بشرا من طين، فكان سؤالهم المحيّر:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟، فإخوان الشياطين منتشرين عبر أنحاء العالم في كلّ مكان لا همّ لهم إلاّ نشر القتل والفتن والرعب والخوف، يشعلون فتيل الحروب بين بني البشر، ويوقدون نار العداوة، ويوقظون الفتن النائمة، حتّى يعيش الإنسان في همجيّة ورعب وخوف، فلا يتحمّل الأمانة التي خلقه ربّه من أجلها وهو تحقيق الخلافة في الأرض، وتعميرها واستغلال أقواتها التي قدّرها الله فيها في أربعة أيّام وقد سخّرها له ربّه ليستفيد منها أقصى استفادة. (1/26)
صفحة 27
قال تعالى: {وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون}. ... سورة البقرة ـ آية:29.
إنّ هذه الحروب التي تدور في مختلف نواحي العالم، وهذا التخريب والتدمير ونشر الرعب، وتخويف الأبرياء الآمنين والمستضعفين من الرّجال والنساء والولدان، وكلّ هذه الأعمال الشنيعة إنّما يقوم بها اولئك الأشخاص الذين لا يشعرون بالهدوء مع أنفسهم وضمائرهم.
إنّه الانتقام من الأفكار التي يحملونها، والروح الغير المستقرّة التي يعيشون تحت وطئتها في حياتهم، إنّه الاضطراب وعدم الاستقرار، لأنّ عقولهم تلومهم، فتسيطر على أفكارهم وتوجّهها الوجهة السيّئة السلبيّة، فيتجسّد ذلك في واقعهم عبارة عن تلك الأعمال التي يقومون بها، إنّ اللّوم يكون بالعقل والفكر، فيظهر الانتقام الذي يكون بواسطة الكيان المادّي الجسمي لهذا الإنسان.
إنّنا نسمع دائما عن أناس أسيء إليهم في هذا العالم بطريقة أو بأخرى ولا يوجد أحد مهما كان شأنه قد برئ من الإساءة على وجه البسيطة، ونسمع كيف يكون الانتقام من الجناة، وتمتلئ قلوب أسر الضحايا وذويهم بالغضب، ويدفعهم غيظهم وغضبهم إلى الانتقام والأخذ بالثأر بأيّ وسيلة وأيّ طريقة كانت، ولكن كثيرا منهم لايستطيعون فعل ذلك أو الوصول إليه، ولذلك تزداد الكراهية مع زيادة المطالبة بالانتقام والعقاب بمثل ما أصابهم أو أكثر، فيعيشون في اضطرابات وعقد ولا يهنأ لهم بال أبدا، لذلك علّم الرّسل {ص} كلّ أتباعه معنى المسامحة وترك الانتقام لله وحده، لأنّه هو القادر على ذلك بكلّ قوّة وسلطان.
إنّ أخده أليم شديد ـ إنّ أخده أخد عزيز مقتدر. (1/27)
صفحة 28
إنّ هذا المبدأ العظيم وهو العفو والمسامحة قد دعا إليه الرّسل جميعا لأنّ ربّهم قد علّمهم ما فيه من فائدة عظيمة لهذا الإنسان الضعيف، سواء من الناحية الجسمية الماديّة، أو من الناحية النفسيّة الروحيّة، أو من الناحية الواقعيّة العمليّة.
وقد قام علماء كثيرون بدراسات متعدّدة وواسعة في هذا الميدان، هدفهم من ذلك معرفة مدى تأثير العفو والتسامح على صاحبه، وكذلك العكس، نتائج حبّ الانتقام والأخذ بالثأر، فتوصّلوا إلى نتائج تبيّن أن المسامحين لظالميهم والعافين عنهم يعيشون دائما في سلام مع أنفسهم ومع غيرهم، بل حتّى مع أعدائهم، أمّا الناقمين على أعدائهم فإنّهم لا يعرفون معنى الاستقرار والطمأنينة أبدا، بل يعيشون دائما في دوّامة من التفكير الناقم على ظالميهم، بل حتّى مع أنفسهم حيث يتّهمونها بأنّها ضعيفة لا تقدر على استرداد حقوقها ولا أن تأخذ بثأرها.
وهذه الحادثة وقعت لأمّ تسمّى (إيرل) وهي قضيّة تترك في نفوسنا أثرا حقيقيا عن أهمية التسامح.
إن هذه الأمّ فقدت ابنتها الوحيدة في عمل إجرامي عنيف، وبقيت مدّة ثمانية عشرة سنة وقد استحوذت عليها الرغبة في الانتقام، إلاّ أنها لم تستطع تحقيقها ـ كما كانت تعتقد ـ وذلك من أجل أنّ عقوبة الإعدام محظورة في الولاية التي حكم فيها على المجرم بالإعدام، وطوال هذه الفترة (18 سنة) بقيت مضطربة قلقة لا تستطيع العمل بهدوء، ولا تفكّر بطريقة مرضية أي بالطريقة التي كانت عليها من قبل والتي تريدها، لأنها كانت تركّز فقط على كيفية الانتقام من قاتل ابنتها، بطريقة تتمنّاها هي وحدها. (1/28)
صفحة 29
وبعد مضي فترة وهي على هذه الحالة فكّرت في طريقة للعلاج لتخرج من هذه الأزمة، فبحثت عن المساعدة لتخرج من تعاستها لذى مجموعة مختلفة من المصادر، فأرشدها الأطباء النفسانيون إلى أن تنسى هذا المجرم وتفكّر في حياتها ومستقبلها، لأنّ هذه الحادثة قد أخذت منها الحظّ الوافي واللازم، ولا يمكن لها نسيان ذلك إلاّ إذا زارت قاتل ابنتها وتسامحه على فعلته تلك، لقد كان التسامح هو ملاذها الأخير الذي التجأت إليه ليحرّرها من محنتها التي أثّرت فيها مدّة (18سنة)، وليخفّف عنها الآلام النفسية الحادة التي تحمّلتها طوال هذه الفترة، وليحلّ لها العقد التي تكونّت لديها من جرّاء ثوران غيظها وحنقها على ذلك المجرم.
فعندما زارته في السّجن وسامحته، وقد بقي طوال هذه الفترة فيه دون أن يطبّق عليه حكم الإعدام، وصفت ذلك بأنّها تجربة روحية من الحبّ لنفسها ولابنتها وللقاتل، وقد بعث ذلك في نفسها نوعا من الراحة والرضا لم تكن تشعر بهما من قبل.
ولو كانت هذه الأمّ تؤمن بالله واليوم الآخر (يوم القيامة ويوم الجزاء) لما أصابها ذلك العذاب الروحي والإحباط النفسي، لأنها في تلك الحالة تتيقّن أنّ الله لن يترك دم ابنتها سدى ولابدّ أنّ المجرم سينال جزاءه الأوفى عند الله تعالى يوم القيامة، وهذه من فضائل وآثار الإيمان باليوم الآخر، التي تبعث في نفوس المظلومين راحة وهدوءا بأن ّلهم ربّا لا يضيّع لهم حقوقهم مهما طال الزمن أو قصر.
والحكمة تقول: إنّ الله يمهل ولا يهمل. (1/29)
صفحة 30
وفي هذه الحالة يفوّض المظلوم أمره إلى الله الذي لا تخفى عليه خافية، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويؤمن ويتيقّن بأنّ ربّه هو الذي قدّر له وقوع هذه الحادثة على هذه الكيفية التي وقعت عليها وفي الزمان والمكان اللّذين وقعت فيهما، ويوقن بأنّ جزاء الظالم في هذه الدنيا مهما بلغ من الشّدة والصرامة فلن يساوي مقدار الآلام التي سبّبها هذا المجرم لأهل الضحيّة خاصة ولكثير من الناس الآخرين الذين سمعوا بوقوع الجريمة في حيّهم أو بلدتهم، فقد بعث فيهم الخوف والترويع ما لا يعلم أثره إلاّ الله تعالى.
ويكفي في تخيّل أثر مثل هذه الجرائم في كثير من الناس ما قاله الله تعالى: {فكأنّما قتل الناس جميعا}. ... سورة المائدة ـ آية:34.
وبهذا الإيمان فإنّنا لا نلقي باللوم على أحد، ولا نمكّن له الفرصة ليسيطر على أفكارنا، أو أن يكون سببا لتغيير طريقة حياتنا، بل نفوّض الأمر إلى الله وحده هو الذي يفعل ما يشاء ويقضي ما يريد، ولأنّ إلقاء اللّوم على الآخرين يشعل نار الغضب في نفوسنا، فيجعلنا ننسى ونغفل عن قضاء وقدر ربّنا تعالى.
إنّ الغضب هو أحد المشاعر التي نعبّر بها عن الأفكار الغير القادرين على السيطرة عليها كبشر، فيبدو من المستحيل بالنسبة لنا ألاّ نغضب مثلما يستحيل أن تخلو السماء من الغمام.
ولذلك كان الرسول {ص} يوجّه أصحابه دائما ويأمرهم بعدم الغضب وطلب الانتقام، لأنه يعلم ما لذلك من الأثر السيء والعميق في النفوس البشرية.
فعندما طلب منه أحد الصحابة وصية تنفعه في حياته وتكون له نور يضيء له طريق حياته، كان جوابه {ص}: {لا تغضب}. ثمّ طلب منه مرارا وفي كلّ مرّة يجيبه {ص} بقوله: {لا تغضب}.
قال الرجل: ففكّرت حين قال النبيء {ص} ما قال، فإذا الغضب يجمع الشّرّ كلّه. (1/30)
صفحة 31
ولكنّ المشكلة دائما تظهر عندما نتمسّك به دون عمد ودون شعور ودون تحكّم، فنجد أنفسنا مرغمين على التعبير به أمام الآخرين حتّى نظهر أمامهم مظهر قوّة ورجولة، ولا شكّ أنّ كلّ ذلك من وسوسة الشيطان وسيطرته علينا في تلك الحالة حتّى بجعلنا نحيا حياة منغّصة، ونعيش معيشة نكد، لا نشعر فيها بالاستقرار والطمأنينة، والذي لا يريد لنا إلاّ حياة الشقاء، حتّى يفوّت علينا الأجر العظيم والجزاء الأوفى إذا نحن مارسنا هذا الخلق العظيم وتنازلنا عن بعض حقوقنا.
قال تعالى: {إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}. ... سورة فاطر ـ آية:06.
ونحن جميعا لنا مشاعر من اللّوم للآخرين، ودوافع الانتقام ممّن أساء إلينا، والحكم عليهم سلبيا، وهذه المشاعر لا نستطيع إشباعها، ولا نقدر أن نتخلّى عنها وندّعي ونجزم بأنّنا ليس لنا استعداد للتخلّص منها.
ولكن إذا أردنا حقيقة أن ننساها ونعالج أنفسنا من هذه التوجّهات، فعلينا أن نقتنع بأنّه لا يجب علينا أن نتعلّق بأية اعتقادات سلبية نحو الآخرين، وأنه يجب عليهم أن يكونوا كما نريد نحن منهم أن يكونوا، أي على خلاف ما نشؤوا وتربّوا عليه، لأنّنا بذلك نطلب منهم المحال، وبدلا من ذلك يجب علينا أن نحاول أن نتفهّم جيّدا أنّهم يتصرّفون بطريقتهم وأفكارهم التي نشؤوا عليها، ولا لوم عليهم لأنّهم في الحقيقة يحقّقون ذواتهم التي تكوّنت لديهم في مجتمعهم الذي عاشوا وتربّوا فيه، وأنّ ما يوجد فيهم لم يتكوّن لديهم عفويا. (1/31)
صفحة 32
فسيّدنا محمّد {ص} لم يربط دعوته بسلوك قومه الذين آذوه بمختلف الإيذاء، وتعدّوا عليه بشتى الاعتداءات، فكان رأيه يصدر من أعلى مراتب التفهّم لأخلاقهم وتصرّفاتهم، ومن أخلاقه الرائعة التي تنبني على التسامح والتعاطف، فلم يطلب من الله أن يعذّبهم، أو ينتقم منهم، أو يجعلهم من أهل النار بل كان دعاؤه رحيما لطيفا، يصدر من قلب عطوف متفهّم لنشأتهم ومجتمعهم الذي عاشوا فيه وتربّوا على طباعه وتوجيهاته، فلم يحاول الانتقام أو أخذ الثأر منهم، وذلك رغم أنّ الله تعالى قد مكّنه منهم.
فدعا دعاءه المأثور: {اللهم أغفر لقومي فأنّهم لا يعلمون}
نعم مكّنه الله من رقابهم ولكنه يريد {ص} أن يتمكّن من أرواحهم، لأنّ التسلّط على الرقاب شيء سهل ولا يدوم، وفيه نفاق كبير من ناحية المحكومين، وهذا يقع بالتسلّط والتجبّر بواسطة القوّة والسّلاح، ولكن التّحكّم في الروح شيء صعب ولا يستطيعه إلاّ من كانت روحه عظيمة، وأخلاقه عالية، ولأنّه يكون بواسطة المعاملة الحسنة الطيّبة والتسامح والعفو، ولا يكون فيه أيّ نفاق لا من ناحية الموجّه، ولا من ناحية الموجّهين.
والحكمة تقول: إن العظماء يتحكّمون في الأرواح، أمّا الجبابرة فيتسلّطون على الرّقاب.
علينا أن نملأ قلوبنا بالتسامح وأنفسنا بالاقتناع والتواضع والرضى، إذا أردنا أن نمتلك قلوب الآخرين.
وهذا إمامنا وقدوتنا نبينا محمّد {ص} يقول في توجيهاته للناس أجمعين: {إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق}.
فقد كان {ص} قلبه مملوءا بالحبّ لأولئك الذين أساءوا إليه، وتعدوا عليه، وهكذا يريدنا أن نكون.
قلوبنا مليئة بالحبّ لكلّ اولئك الذين يريدون أن يسيطروا على أفكارنا ويتحكّموا في توجيهاتنا حتى نعيش مرتاحي البال مشتغلين بما ينفعنا وينفع مجتمعنا وأوطاننا والبشرية جمعاء من العمل والبناء والتعمير. (1/32)
صفحة 33
علينا أن ندعو جميعا لهؤلاء الذين يريدون إيذاء البشرية، وتحطيم مستقبلها واستقرارها على هذه البسيطة، ندعو لهم بالهداية، وأن يخلّصهم ربّهم من سيطرة الشيطان وتسلّطه عليهم، فهو الذي يتحكّم فيهم ويوجّههم إلى مثل هذه الأعمال المنحرفة.
إنّ العبد إذا درّب نفسه على تقبّل ما لا يريده، ستسمو روحه إلى أعلى درجات السموّ وهذا ما يريده الله تعالى من عباده أن يكونوا عليه في هذه الدنيا، أمّا في الآخرة فلهم الدّرجات العلى في الجنّة، لأنها أخلاق الرسل والعظماء والعقلاء.
ولو استطاع كلّ إنسان في هذا الكون أن يرسل الحبّ والتسامح إلى كلّ من حوله، عوض أن يرسل إليهم الغضب والانتقام والكراهية، فلن نكون في حاجة إلى أفكار تتعلّق بالغضب بعد ذلك أبدا، ولن نكون بحاجة إلى السعي وراء الأخذ بالثأر، وذلك حتّى ولو سنحت لنا الفرصة، لأنّ العالم سيعيش في أمان وسلام وتفاهم بين أبناء الجنس البشري جميعا، ولن نسمع بالحروب التي يذهب ضحيّتها أرواح تعدّ بالآلاف كلّ سنة والتي هي سبب لتخريب العالم، لأنّ الناس سوف يشتغلون في ذلك الحين بالإنتاج والتعمير وإعانة بعضهم البعض عوض الظلم والتعدّي، ولن نسمع بأن هناك فقير أو محتاج في أيّ ناحية من نواحي هذا الكون، إنّه ستصبح الحياة نعيما على وجه الأرض قبل النعيم الدائم الذي وعده الله عباده المؤمنين الصالحين الذين يحبّون الخير للناس أجمعين، المتسامحين مع خلق الله أجمعين. (1/33)
صفحة 34
إنّ الصحّة الحقيقية للإنسان ليست بكبر الجسم وضخامته وتغلّبه على كلّ الناس، لأن هذه الحالة يشترك فيها حتّى الحيوان، وربّما الحيوان أضخم وأقوى منه، ولكن قوّة الإنسان تكون بالتحكّم في غرائزه وإعمال عقله في كلّ ما يعرض له في هذه الحياة، وتحكّمه في غضبه أثناء تلك الفترة الحرجة التي يفور فيها دمه، ويتسلّط عليه الشيطان فيقوده كيف يشاء ويملي عليه ما يريد، لأنّه في ذلك الوقت يجري منه مجرى الدم، ليشعل فيه نار الغضب والانتقام.
فعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـ عن النبيء {ص} أنّه قال: {ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب}. ... ر ... رواه البخاري ومسلم.
وربّما يقول بعض الناس إنّ هذا جبن وضعف وتخاذل أمام هؤلاء المتعدّين الظالمين، إنّه ليس كذلك لأن ما يجلب الخير والأجر والرحمة لك وللناس من حولك فذلك هو الخير كلّه، وأكبر من ذلك وأفضل ما تناله من الأجر الوفير والدائم عند الله تعالى يوم القيامة.
وهذا يدلّ كذلك على رفعة النفس وسموّ الروح وعلى شهامة، وشجاعة على اتّخاذ القرار الصحيح الذي يريح ضمائرنا ويجلب لنا السلام والتعاون مع من حولنا من الناس، ويدلّ على أنّ صاحب هذا القرار يوجد في كامل قواه العقلية والفكرية، لأنه استطاع استعمالها بطريقة حسنة في مثل هذا الموقف الحرج، ونتيجة لذلك لم يستطع ذلك المتعدّي أن يتحكّم فيه وأن يوجّهه كما يريد، ولم يقدر على استثارة غضبه وتهييج نفسه.
إنّ كلّ إنسان في هذا الكون يعطي ما لديه ويتصرّف بالطريقة التي تعلّمها في حياته، فمن المستحيل بالنسبة لشخص يحمل داخل نفسه شحنات من الحبّ والتعاطف والتسامح، وتربى على ذلك داخل أسرته ومجتمعه أن يعطي الكراهية والحقد والانتقام.
وكذلك بالنسبة للشخص الذي لا يملك مثل هذه الأخلاق الكريمة، فإنه من المستحيل أن يتفضّل بها على بني جنسه. (1/34)
صفحة 35
إنّنا نتفضّل على الناس بما نملك داخل أنفسنا، ونفيض عليهم بما تمتلئ به نفوسنا منذ صغرنا، فإذا كانت مملوءة بالخير والحنان والحبّ والوئام، فإنّنا نفيض عليهم بذلك كلّه، فنعمّهم بحناننا وعطفنا وحبّنا، ولكن إذا كان العكس، أي مملوءة بالغيظ والغضب والحسد وحبّ الانتقام، فسنغمرهم بمثل ذلك.
قال {ص} في الحديث القدسي: {طوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده، وويل لمن خلقته للشرّ وأجريت الشرّ على يده}.
والمثل العربي يقول: (كلّ إناء بما فيه ينضح)
(فاقد الشيء لا يعطيه).
وهذا هو السبب الرئيسي فيما نراه حولنا من حروب وتقتيل للنفوس البريئة وتدمير وتخريب للممتلكات والمنشآت الثمينة الغالية.
إنّ قدرة الإنسان على إعطاء التسامح والعفو والتصالح تأتي بطريقة آلية عندما تسمو روحه وترتفع نفسه عن ما ينقص من قيمته وينزله إلى الحضيض، ويكون كذلك عندما يصبح يقضا فطنا مدركا لما يقوم به من عمل، وما ينتج عن ذلك العمل من نتائج سيئة تفسد له حياته وحياة من حوله من إخوانه من بني جلدته.
ولنا مثال على ذلك ممّن أفاضوا على أعدائهم الرحمة والشفقة والتسامح لأنّ نفوسهم كانت مليئة بذلك، وهو الرسول {ص} والرسل من قبله مثل سيّدنا إبراهيم وموسى وعيسى وصحابتهم جميعا من حولهم لأنهم ملؤوا نفوسهم بمثل هذه الأخلاق، فغمروا بها كلّ من حولهم وشمل ذلك العفو والمسامحة حتى الأعداء ـإنّ ذلك لهو الفضل العظيم ـ
وأكثر من ذلك حين دعوهم إلى الخير والصلاح والدخول في دين الله، حتى يبتعدوا من النار، ويكونوا من أصحاب الجنّة، لماذا يا ترى؟
لا شكّ لأنّ نفوسهم كانت مليئة بالشفقة عليهم من الدخول في جهنم خالين فيها أبدا.
أمّا المشركون فالعكس تماما فنفوسهم كانت مليئة بالحقد والبغض للمسلمين ففاضت قلوبهم بمثل تلك الأخلاق السيئة وظهرت على جوارحهم وفي واقع حياتهم. (1/35)
صفحة 36
ولكن ويا للأسف فهم يجنون اليوم ثمار ما اقترفوا من آثام وظلم وتعدّ، بينما الآخرون فهم اليوم في أمن وأمان كما كانوا في الدنيا ينشرون الأمن والأمان والوئام، وهم اليوم في جنات تجري من تحتها الأنهار وذلك جزاء المحسنين.
لقد قالها (مارتن توين) بأسلوب جميل ورائع عندما كتب عبارته الرائعة، والتي يجب أن تكتب بماء الذّهب وتنشر على جميع أناس هذا العصر القلقين الغاضبين على ما حولهم من ظروف وعوامل، حتى يعلموا حقيقة الحياة جيّدا.
{التسامح هو العطر الذي تطرحه زهرة البنفسج على القدم التي تحطّمها}.
لنتفكّر جميعا في هذه الصورة الرائعة ونحن نمرّ في جنان فنحطّم بأرجلنا الأعشاب والأزهار ولكنّها تعطينا روائح طيبة تبعث الانشراح والسرور في نفوسنا، إنّها لمعادلة عجيبة لا يقدر عليها إلاّ من وهبه الله نفسا طيّبة وقلبا كبيرا يسع حبّ الناس جميعا، وخاصة بالنسبة للمسلمين الذين يأمرهم دينهم بالتحلّي بمثل هذه الأخلاق الراقية والسامية، يأمرهم بأن يعمّروا قلوبهم، بها ويغمروا جميع خلق الله بشذاها الطيّب الحسن سواء المسلمين أو غيرهم من الخلق، الأحباب منهم أو الأعداء، لأنّ كتابهم القرآن يأمرهم ويحثهم بهذا حتى يملكوا قلوب اولئك الأعداء فيصبحوا أولياء لهم، تصديقا لقوله تعالى:
{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم}. ... س ... سورة التغابن ـ آية:14.
عليهم أن يشفقوا على اولئك الذين يدمّرون العالم ويقتلون المسلمين وغير المسلمين ليبيعوا أسلحتهم ويملؤوا خزائنهم من حقوق غيرهم ويتسلّطوا على خيرات وثروات الضعفاء. (1/36)
صفحة 37
عليهم أن يظهروا الوجه الناصع اللامع لدينهم، ويتخلّقوا بأخلاق نبيّهم الرفيعة والسامية، وأن يزيلوا هذه النظرة السيئة القبيحة التي يراهم بها أعداءهم، عليهم أن يشفقوا ويرحموا هؤلاء الأعداء الذين يحاولون بكلّ ما أوتوا من جهد وقوّة وعلم ونفوذ لتشويه هذا الدّين ومحق معالمه، وإزالة آثاره، لأنهم يتعبون أنفسهم فقط، فهم لا يستطيعون أبدا فعل ذلك، لأنّ منزلّه هو الذي قد ضمن حفظه والمدافعة عنه، ولأنّ العزّة والقوّة لله وحده ولدينه الإسلام شاء من شاء وأبى من أبى.
قال تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويابى الله إلاّ يتمّ نوره ولو كره الكافرون}. ... سورة التوبة ـ آية:32.
عليهم أن ينصروا دين ربّهم ويومنوا به كامل الإيمان، ويتوكّلوا عليه أحسن التوكّل لأنه تعالى قد وعد بأنه سينصر دينه ووعده حقّ، وأنه سيحفظ من دافع عنه وضحى من أجله.
قال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إنّ الله لقويّ عزيز}.
سورة الحج ـ آية:38.
عليهم أن يرحموا اولئك الذين قد سخّرهم الشيطان للشرّ وأصبحوا من جنوده يقتلون ويخرّبون، فهم يحملون أوزارهم وأوزار الذين يروّعونهم ويخوّفونهم ويقتلونهم بغير حقّ.
إنّ هذه المحن والمصائب، وتسلّط الخلق على بعضهم، ممّا يبتلي الله به عباده على وجه الأرض، وذلك في مختلف الأمكنة والأزمنة، وهذا منذ أن أنزل آدم أبا البشرية إلى الأرض، وهو وحده يعلم الحكمة من هذه البلايا والمصائب.
قال تعالى: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثرا ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقوي عزيز}. ... سورة الحج ـ آية:38.
وقال كذلك في آية أخرى: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكنّ الله ذو فضل على العالمين}.
سورة البقرة آية: 251.
قال السيّد قطب في تفسيره في ظلال القرآن: (1/37)
صفحة 38
إرادة الله وتدبيره الحكيم في تدافع الناس في كلّ حين ومكان، وذلك لبقاء الحياة في هذا الكون، وهم في تدافع وتسابق وزحام في طريق الوصول إلى الغايات، ولكن يجب أن لا ينسى هذا الإنسان أنّ من وراء ذلك كلّه تلك اليد الحكيمة المدبّرة، والتي تمسك بالخيوط جميعها وتقود المركب المتزاحم المتصارع والمتسابق إلى الخير والصلاح والنماء في آخر المطاف.
لقد كانت الحياة كلّها تأسن وتتعفّن لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أنّ في طبيعة الناس التي فطرهم عليها ربّهم أن تتعارض مصالحهم وتختلف اتجاهاتهم الظاهرية القريبة والخفية البعيدة التي لا يدرك الإنسان حكمتها وأهدافها بنظره القصير، وتفكيره المحدود، لأنه عندما تنطلق الطاقات كلّها، فإنّها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، وبذلك تدفع عن نفوس أصحابها الخمول، وتنفض عنها الكسل، فتنطلق بقوّة خارقة كي ينبعث ما بداخلها من مهارات وخبرات، ويظهر ما أودع فيها من مكنونات فتنمو الحياة بفضل ذلك وتتطوّر، وتظل البشرية بذلك يقظة عاملة أبدا طول الدهر، وتتقدّم في حياتها نحو الأفضل والأحسن، مستنبطة لذخائر النفوس، وخزائن الأرض، مستخدمة في ذلك كامل قواها وأسرارها الدفينة، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والتقدّم، لأن من طبيعة هذه الحياة التي خلقها الله على هذه الأرض أن تبقى في حركة دائمة، وفي تقدّم مستمرّ.
وبهذا التدافع يتمحّض الخير من الشرّ، وتظهر الجماعة الخيّرة المتجرّدة، والتي تعرف ذلك الخير الذي أراد الله تعالى أن يظهره واضحا كضوء الشمس، ويبيّنه عزّ وجلّ بعد هذا الكرّ والفرّ، ويريها طريقها واضحا لا لبس فيه، وتعرف أنّها مكلّفة بدفع الباطل، وإقرار الحقّ على وجه الأرض، وأن لا نجاة لها إلاّ أن تنهض بهذا الدور النبيل، وتتحمّل في سبيله ما تتحمّل من مشّاق وعراقيل، كلّ ذلك طاعة لربّها عزّ وجلّ، وابتغاء مرضاته ورجاء ثوابه. (1/38)
صفحة 39
وبعد هذا التدافع، وهذا الامتحان، يمضي الله أمره وإرادته، وينفّد قدرته، ويجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الحقّ والخير والصلاح هي السائدة في هذا الكون، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوّة الخيّرة البانية لا المهدّمة، والتي حرّك هذا الصراع أنبل ما بداخلها وأفضل أخلاقها، ويبلّغها أقصى درجات الكمال المقدّرة لها، لتنشر السلام والإسلام والوئام على كافّة العالم، وجميع البشريّة، لأنّ ظهور الحقّ في ساعة يقضي على انتصار الباطل في سنوات.
قال مصطفى صادق الرافعي:
إنّ الباطل يغري الناس حتى إنهم ليمجّدونه، فإذا تفتحت عقولهم لمكائده أعرضوا عنه حتى إنهم ليلعنوه بعد ذلك، والحقّ يتعب الناس حتى إنهم ليكرهوه، فإذا صفت نفوسهم تعلّقوا به حتى إنّهم ليقدّسوه.
وقال كذلك:
تحدّى الباطل الحقّ يوما فقال له: إنّ عندي من الوسائل ما أغطّي به وجهك عن الناس.
فأجابه الحقّ: وعندي من القوّة ما أهتك به تغريرك بالناس.
قال الباطل: سأظلّ ملاحقا لك بالأكاذيب حتى تملّ.
قال الحقّ: وسأهتك سترك الجديد كما فعلت بالقديم.
قال الباطل: سأظلّ متتبّعا لك بالأكاذيب حتى تملّ.
قال الحقّ: لن أملّ ما دام للكون إله عادل، وللناس عقول يفكّرون بها.
قال الباطل: وما أكثر الناس ولو حرصت بمفكّرين.
قال الحقّ: وما أكثر دعاتي ولو غضبت بيائسين.
قال الباطل: هبك أقنعت الناس جميعا، فإن سندي إبليس باق إلى يوم يبعثون.
قال الحقّ: ولكن ربّي الله، باق أبد الآبدين، وهو يحكم بين الناس بالحقّ فيما كانوا فيه يختلفون، يوم يكون سندك الأكبر يتلظى في نار الجحيم هو وأتباعه وأنت معهم جزاء وفاقا، لما كنتم في الحياة تفسدون.
إنّ من طبيعة الظالمين أن ينادوا بالحريّة ليئدوها، ويتحدّثوا باسم الشعب ليتواضع لهم ليستعبدوه، ويدافعوا عن الفقير لئلا يصبح غنيا، ويقاوموا الطغيان ليفرضوا طغيانا أشدّ منه وأبقى. (1/39)
صفحة 40
وقد ظهر لكلّ ذي عقل وتفكير سليم على مرّ الأعوام، وتعاقب السنين وفي مختلف البلدان أنّ كلّ الذين يتباكون على الحريّة هم أنفسهم أعداؤها، وإذا توصّلوا إلى أهدافهم المزعومة بعد بكاء طويل لا يرون لهم معاشا ولا تحلوا لهم حياة إلاّ إذا حطّموها.
إنّ هذا التدافع بين الناس في هذا الكون، جعله الله تعالى ليبيّن لهؤلاء الطغاة المتجبّرين الذين ينشرون الخوف والتدمير في هذا العالم أن مآلهم إلى الفناء هم كذلك، كما يفعلون بالأبرياء المسالمين.
فهم قد نازعوا الله ملكه وتدبيره وتسييره لهذا الكون، فإنّهم لا يخلدون في هذه الحياة باقترافهم لهذه الأعمال من تقتيل الشعوب وتخويفها ليستولوا عليها ويستعبدوها، ولا بزعمهم كذلك أنّهم يتحكّمون في هذا الكون ويسيّرونه كما يشاؤون، ويطبّقون القوانين التي يختارون على من يريدون، يعاقبون هذا، ويعفون عن ذاك، ورغم ذلك فقد سلّط الله على نفوسهم القلق والاضطراب بما يرون من صمود المظلومين وتحدّيهم لهم بكلّ عزيمة وإصرار، يفرضون المقاطعة الاقتصادية على هؤلاء، ويغدقون الخيرات على اولئك، يستحوذون على خيرات هذه الشعوب ويتصدّقون بها على الشعوب الأخرى ممّن يختارون.
إنّهم رغم ما يقومون به من التسلّط والتجبّر لا يستطيعون أن يقطعوا عن تلك الشعوب الأمل في الحياة، وبناء مستقبلها، ولا أن يوقفوا عجلة الحياة في هذا الكون، لأنّ كلّ ذلك من تدبير المولى عزّ وجلّ وحده فرغم ما يقومون به فالشعوب ما زالت تبني وتتزوّج وتلد، وتزرع وتنتج.
إنّه لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوّة وجبروت وسلطان أن يوقف عجلة الحياة، ولو أنّه ملك الدنيا وما فيها يتصرّف فيها كما يشاء وكما يريد. (1/40)
صفحة 41
وقد ذكر لنا الله تعالى مثالا واقعيا عن هؤلاء الجبابرة المتجبّرين المتكبّرين، وهو فرعون وما قام به من تقتيل وتذبيح لأولاد بني إسرائيل وتسخير لنسائهم، قتّل وذبّح وفعل ما فعل من أجل أن يقطع نسل بني إسرائيل ويفنيهم عن آخرهم، ولكن كلّ هذه الأعمال البشعة الشنيعة لم تحقّق له ما كان يرمي إليه، ولم تغن عنه شيئا أمام إرادة الله الذي أراد أن يكون انقطاع ملكه ونهاية حكمه على يد ولد من هذا القوم الذي كان يذبّح لهم أولادهم، وهو سيّدنا موسى عليه السلام، فكانت إرادة الله فوق إرادته، وتدبيره قبل تدبيره، ومشيئته ماضية قبل أيّ مشيئة.
وهو الذي قد نادى بأعلى صوته: أنا ربّكم الأعلى.
قال تعالى في شأنه: {فحشر فنادى فقال أنا ربّكم الأعلى}.
سورة النازعات ـ آية:24.23.
وقال تعالى على لسانه:
{قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون}. ... سورة الزخرف ـ آية:50.
إنّ القدرة الإلهية والمشيئة الربّانية تتحدّى كلّ الطواغيت، وتسخر من كافّة المتجبّرين والمتكبّرين والمفسدين والمخرّبين، وذلك في كلّ زمان ومكان، وتمهلهم حتى يأتي موعد فنائهم من حيث لا يشعرون، ومن جهة لم يكونوا يظنّون أبدا أنها ستكون سبب فنائهم وانهزامهم، والسخرية الكبيرة التي يسخر الله منهم، والتحدّي الكبير الذي يتحدّاهم به عندما يجعل سبب فنائهم من داخل أنفسهم أو من جهة كانوا يثقون فيها الثقة التامة ويعتمدون عليها الاعتماد الكامل، وذلك من داخل عائلتهم أو أقربائهم أوأصدقائهم أو حاشيتهم.
قال تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم}. ... سورة الحشر ـ آية:02.
إنّ نظم الله وسننه لا تنقطع عن هذا الكون أبدا، ومن بين عناصر هذا الكون المخلوقات المتعدّدة، ومن بين هذه المخلوقات الإنسان. (1/41)
صفحة 42
إنّ أيّ مخلوق مهما أوتي من قوّة لايستطيع أن يغيّر من هذه النظم، أو ينقضها، وهذا الإنسان المغرور يطغى ما قدّر الله له أن يطغى، ويتجبّر ما كتب الله له أن يتجبّر، وعندما يصل القدر المحدود الذي قدّره ربّه، ينقطع عن هذه الحياة وهو مذلولا حقيرا خائفا من عاقبة طغيانه الوخيمة الأليمة، ثمّ يخلفه آخر من بعده فيبدّل ويغيّر كلّ ما أسّسه وبناه.
أين الجبابرة والقياصرة والملوك والجبابرة الذين حكموا البلاد وتسلّطوا على العباد، وبنوا الدور وشيدوا القصور، بقيت بناياتهم من العجائب والغرائب التي حيّرت العقول، وأبهرت النفوس، أين قابيل الذي تسلّط على أخيه وقتله، أين من جاء من بعده من الحكّام والمتسلّطين على عباد الله، أين فرعون وهامان وقارون، أين ملوك الفرس وقياصرة الروم، أين التتار والمغول ومن نهج نهجهم في الإفساد والتخريب والتدمير، أين قياصرة الروس وملوك فرنسا وغيرهم كثير، أين هتلر وموسيليني ومن أعانهم وساندهم في مخطّطاهم لاستعمار العالم أجمع، طغاة وجبابرة لا يعلم عددهم إلاّ خالقهم الذي نازعوه الملك والتدبير، وخالق هذا الكون الذين ملكوا ما ملكوا وبنوا وشيّدوا فيه ظنّا منهم أنّهم سيكون لهم الخلود فيه، كلهم ماتوا وانقطعوا عنه.
قال تعالى: {كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والاكرام}.
سورة الرحمان ـ آية:25.24.
وقد ذكر الله عزّ وجلّ مصير فرعون وهامان وقارون وكلّ من طغى وتجبّر مثلهم.
قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوّا وعشيّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب}. ... سورة غافر ـ آية:46.
ـ الخلاصة (1/42)
صفحة 43
إنّ التسامح لغة يجب أن يتعلّمها كلّ إنسان يربد النجاح والتقدّم في حياته، لأنّ لغة التسامح هي لغة الحوار وتقدير الآخر، وهي لغة السيطرة على الغضب الذي يحطّم صحّة الإنسان الجسميّة والروحية، فإذا لجأ إليه الإنسان العاقل فإنّه سيدفع عن نفسه كثيرا من الأمراض التي لا يستطيع معالجتها بالأدوية المادية التي غمرته بها المدنيّة الحديثة.
إنّ الدراسات العلمية الحديثة أثبتت بأنّ الإنسان الأكثر عفوا ومسامحة هو الأكثر سعادة وصحّة وعافية وسرورا وانشراحا، وهو الأكثر صبرا على العمل والأحسن إنتاجا.
والتسامح وإن كان صعبا في كثير من الأوقات وفيه نوع من كسر الكبرياء والإحساس بالذلّ، إلاّ أنّه أفضل من العنف والانتقام والردّ العنيف.
التسامح والعفو عند الرسول {ص}
إنّ العفو والصفح والتسامح من أسس الدين الإسلامي التي دعا أتباعه إلى التحلي بها، والتمسك بعروتها، وتطبيقها في حياتهم الواقعية، لأنها دليل حسن الخلق وكمال الإيمان وتمام الإسلام وسلامة القلب وعلو النفس.
وقد دعا الله تعالى رسوله {ص} إلى التحلي بهذه الأخلاق كما دعا سائر أتباعه إلى ذلك لما يعلم تعالى ما فيها من الكرامة ونشر المحبة والأمان بين عباده جميعا، وما تثمره من محبة الله تعالى، ومحبة الناس بعضهم لبعض.
قال تعالى آمرا نبيه {ص} بذلك:
{خذ العفو وآمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.
سورة الأعراف ـ آية:22.
وقال كذلك آمرا عباده المؤمنين بالتخلق بهذه الأخلاق الكريمة.
{وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفوررحيم}
سورة النورـ آية:22.
والعفو عند المقدرة مرآة تتجلّى فيها أحسن صور النفس وسموّ المقصد، وقد وجّه القرآن الكريم نبينا محمد {ص} إلى هذه الخلق الكريم وبواسطته يؤدب جميع المؤمنين والمؤمنات حتى يتخذوه مثلهم الأعلى والأسوة الحسنة فيقتدوا به أحسن قدوة ويجعلوه أحسن مثال. (1/43)
صفحة 44
قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}.
سورة آل عمران ـآية:159.
وقد تواضع {ص} للناس جميعهم مسلمهم وكافرهم، صغيرهم وكبيرهم، فقيرهم و غنيهم، ذكرهم وأنثاهم، وخفض جناحه لجميع خلق الله، يمشي في الأسواق ويجلس على التراب، ويمتزج بأصحابه وجلسائه فلا يتميز عنهم إلا بإطراقه وحيائه، فصار معروفا بالتواضع وبالعفو والصفح عند القريب والبعيد.
ولا يخفى على عاقل درس سيرته بكل موضوعية كيف كانت معاملته لأهل مكة والطائف ورؤساء الفتنة وزعماء الشر والنفاق.
ولمّا دخل مكة المكرمة فاتحا مظفرا منتصرا، شمل عفوه البلاد والعباد، والسادة والعبيد، والزعماء والعامة، الرجال والنساء، وجميع الذين عتوا في الأرض وأسرفوا في إيذائه واضطهاده.
ومن ذلك لما دخل الرسول {ص} مكة يوم الفتح الأكبر، أبى عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهل بن عمرو، ومن جمعوا من الناس إلا محاربة الرسول {ص} وأصحابه، ولكنهم لما هزموا وفروا طلبوا الأمان فوهب لهم، بل عفا عنهم جميعا، وزادهم وأعطاهم من غنائم هوازن تأليفا لقلوبهم وجلبهم إلى الإسلام.
قال الشاعر:
شهد الأنام بفضله حتى العدا ... والفضل ما شهدت به الأعداء.
وكيف لا تشهد له الأعداء بمثل هذه الأخلاق العظيمة الشريفة والكريمة، وهو الذي قد مني بجفوة الأعراب فلم تسجل عليه زلة في معاقبتهم، ولا هفوة في الانتقام منهم.
إنه لم يسجل في التاريخ البشري حليم أكبر منه، ولا كريم أفضل منه، فهو رؤوف بأمّته، عطوف على الخلق أجمعين، لقد نالته قريش بكل كبيرة وقصدته بكل جريمة، ومع ذلك لم يروا منه إلا الصبر على أذاهم والإعراض عنهم.
وقال لهم جميعا يوم الفتح وقد اجتمعوا إليه: (1/44)
صفحة 45
{ما ظنكم بي، قالوا: ابن عم كريم، فإن تعف فذاك الظن بك، وإن تنتقم فقد أسأنا، وذلك حقك} فقال: بل أقول كما قال يوسف لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}.
سورة يوسف ـ آية:92.
وقال: {اللهم قد أذقت أول قريش نكالا فأذق آخرها نوالا}.
وجاءته هند بنت عتبة، وقد بقرت بطن عمّه حمزة ولاكت كبده، فصفح عنها وسامحها وبايعها.
وهذا صفوان بن أميّة العدو ابن العدو يفر إلى جدة ليبحر إلى اليمن، فيأتي عمير بن وهب إلى رسول الله {ص} ويقول له: يا نبي الله، إن صفوان بن أميّة سيد قومه قد خرج هاربا خائفا منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه، فيقول رسول الله {ص}: هو آمن.
قال عمير: أعطني آية يعرف بها أمنك وعفوك ومسامحتك، فأعطاه الرسول {ص} عمامته التي دخل بها مكّة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر، فقال:
يا صفوان: فداك أبي وأمي، الله، الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله {ص} قد جئتك به، قال: إني أخاف على نفسي فأجابه: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه حتّى قدم به على رسول الله {ص} فقال صفوان لرسول الله {ص}:
إنّ هذا يزعم أنك قد أمنتني؟ قال {ص}: قد صدق، فقال صفوان: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، فأجابه {ص} أنت بالخيار أربعة أشهر.
وهذا رجل آخر جاءه قبيل الفتح، وكان عاقا مسرفا في ظلمه وإيذائه لرسول الله {ص}، وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وطلب الإذن بالدخول عليه.
قال {ص}: لا حاجة لي به، وقد هتك عرضي، وكان مع أبي سفيان ابن له، فقال: والله ليأذن لي، أو لآخذن بيدي ابني هذا، ولنذهبن في هذه الأرض حتى نموت جوعا وعطشا.
فلما بلغ ذلك رسول الله {ص} رق له فاستأذن له، ودخل عليه وعفا عنه.
فقال بيتين من الشعر:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدي وأهتدي (1/45)
صفحة 46
وفي مكة وهو يطوف بالبيت الحرام أراد فضالة بن عمير أن يقتله، فلما دنا منه قال {ص}: أفضالة؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله.
قال {ص}: ما كنت تحدث به نفسك؟ قال فضالة: لا شيء كنت أذكر الله عز وجل، فضحك رسول الله {ص} ثم قال: أستغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله، ما رفع يده {ص} عن صدري حتّى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه.
ولما اطمأنّ الناس بعد فتح مكّة، قام رسول الله {ص} على باب الكعبة، فقال: {لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة، أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي هاتين، إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاجّ}.
{يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب}. ثم تلا قوله تعالى:
{ياأيها إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ... إن أكرمكم عند أتقاكم إن الله عليم خبير}
سورة الحجرات ـآية:13.
ثم قال: {يا معشر قريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء}.
وها هي ذي ثقيف كلها بين يديه ووفدها في المدينة، وقد أكلتها العرب، وهانت على الناس، فماذا فعل بها، وكان في وفدها رجل مثل عبد ياليل بن عمر بن عمير الذي طرد رسول الله {ص} من الطائف.
أما مالك بن عوف، فكان أول من سبق إليه عفو رسول الله {ص} فردّ إليه ماله وأولاده.
وأما ثقيف فقد ردّ رسول الله {ص} سبيها واشتراه من أصحابه وتحمّله دينا عليه، ليعطيه أعداءه الذين كادوا يقضون على الإسلام يوم حنين.
ومن حلمه وصفحه وعفوه أن حبرا من أحبار اليهود واسمه: زيد بن سعنة، وكان قد درس صفات النبوّة وعرف علاماتها في رسول الله {ص} وبقيت علامتان لم يعرفهما وهو يريد التعرف عليهما.
الأولى: أن يسبق حلمه غضبه.
الثانية: أنه لا تزيد شدة الجهل عليه إلا حلما. (1/46)
صفحة 47
فكان هذا الحبر ينطلق ويخالط النيئ {ص} يريد أن يختبره، وذات مرة جاء أعرابي يشكو إليه شدة العيش والفقر والاحتياج في إحدى القرى والحبر يسمع.
فقال الحبر: أنا أشتري لك كذا وكذا وسقا من تمر بكذا وكذا، وأخرج المال، فاشترى الرسول {ص} الثمر وأعطاها للرجل، واتفقا على موعد معلوم يقضيه الرسول {ص} فيه دينه، ولكن الحبر جاءه قبل الموعد المحدد.
يقول الحبر: دنوت من النبيء وجدبت برديه جدبة شديدة حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلت عليه بوجه غليظ، فقلت له:
ألا تقضيني ديني يا محمد، فوالله، إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم.
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله، عنه حاضرا، فغضب شديدا وقال:
أي عدو الله، أتقول هذا لرسول الله {ص}؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أخاف فوته لسبقني رأسك، ورسول الله {ص} ينظر إلى عمر ويبتسم لقوله.
ثم قال {ص}: لأنا أحوج إلى أفضل من هذا، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقض له حقه، وزده عشرين صاعا من تمر مقابل ما روعته (أي مقابل ترويعك إياه).
وهنا سكنت نفس زيد واطمأنت حيث وجد العلامات التي كان يبحث عنها في رسول الله {ص}.
فذهب عمر، فقضاه دينه، وزاده صواعا من تمر كما أمره رسول الله {ص}، ثم قال له زيد:
أتعرفني، يا عمر، قال: لا، فمن تكون؟
قال زيد: أنا زيد بن سعنة، قال عمر: الحبر، قال: نعم، الحبر قال عمر: فما دعاك أن تفعل بالرسول {ص} ما فعلت، وتقول له ما قلت؟ فأجاب: إنّي أريد أن أختبر عفوه {ص} وصفحه.
ومن كمال عفوه {ص} ما رواه أنس-رضي الله عنه- حيث قال: كنت مع النبيء {ص} وعليه برد غليظ الحاشية: فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه الشريف، ثم قال: يا محمد: أحمل لي على بعيري هاذين من مال الله الذي عندك: فإنك لا تحمل لي من مالك: ولا من مال أبيك. (1/47)
صفحة 48
فسكت رسول الله {ص}، ثم قال: المال مال الله، وأنا عبده، ثم قال: ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي، (أي يقتصّ).
قال: لا، فسأله رسول الله {ص} ولم؟ فأجابه: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك رسول الله، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر.
وفي غزوة بدر فقد صفوان بن أمية أباه وأخاه: وأسر وهب ولد عمير بن وهب، فاتفق صفوان مع ابن عمه عمير بن وهب في الحجر من البيت الحرام على اغتيال رسول الله {ص}: بشرط أن يقضي صفوان ديون عمير وأن يتولى شأن أولاده من بعده، وطلب عمير من صفوان أن يكتم هذا الاتفاق الذي وقع بينهما لئلا ينتشر الخبر ويصل إلى المدينة، وأعد صفوان سيفا وأمر بصقله وسقاه سما ناقعا وأعطاه لصاحبه فرحل لمهمته حتى وصل المدينة: فنزل بباب المسجد، وعقل راحلته وأخذ سيفه، فعمد إلى رسول الله {ص} ودخل عليه.
فقال له رسول الله {ص} ما أقدمك يا عمير؟
قال: قدمت على أسيري عندكم، فأجابه: أصدقني، ما أقدمك؟
فقال: ما قدمت إلاّ في أسيري، فقال رسول الله {ص}: فماذا شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟
ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له؟ فقال {ص} تعاهدت معه على قتلي على أن يتحمل دينك ويعول بيتك، والله حائل بيني وبينك.
فما كان من عمير إلا أن بقي مندهشا، وهو يقول: أشهد أنك رسول الله، إن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر ولم يطلع عليه أحد غيري وغيره، فأخبرك الله به، آمنت بالله ورسوله، وكان هذا من كمال مسامحته وعفوه وصفحه {ص} عمن كان يريد قتله.
ولما خرج إلى حنين وكان ضمن الناس شيبة بن عثمان بن طلحة، وكان قد قتل أبوه وعمّه في غزوة أحد.
قال شيبة: قلت أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إذا اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها.
وكان من قبل يقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد من أتباع محمد ما اتّبعته أبدا. (1/48)
صفحة 49
قال شيبة: فكنت مترصدا لما خرجت له، لا يزيد الأمر في نفسي إلا قوة، ووجدت الفرصة سانحة حين تفرق المسلمون عنه.
قال: فأخرجت سيفي ودنوت منه أريد ما أريد منه، ورفعت السيف حتى كدت أسوره، فرفع لي شواظ من نار كالبرق كاد يخطف بصري، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه.
وفي رواية ابن إسحاق قال: فأردت رسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، فناداني رسول الله {ص} قائلا: يا شيبة ادن مني فدنوت، فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعده من الشيطان.
قال: فوالله لهو ساعتئد أحبّ إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان بي، ثم قال: ادن منّي وقاتل.
قال: فتقدّمت أمامه أضرب بسيفي، الله أعلم أنّي أحبّ أن أقيه بنفسي من كلّ شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيّا لأوقعت به السيف.
إنّه عفو الرسول {ص} وسماحته، وسموّ أخلاقه التي اصطفاه الله بها فقهر أعداءه وكسب قلوبهم، وجعلهم يحبّونه أكثر من أنفسهم وأهليهم وأموالهم بعد أن كانوا يريدون قتله، وإن الأخلاق السامية تفعل الأعاجيب، وتترك الأثر الحسن في قلب الإنسان بحيث ينقلب من عدوّ لدود إلى صديق حميم.
ولقد صدق ربّنا إذ يقول: {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم} ... سورة فصلت ـ آية:34 ..
وهذا شيبة العدوّ الألدّ للرسول {ص} ذهب حاملا سيفه ليقتله وقلبه مملوءا بالغيظ والانتقام، ولكن بسماحة الرسول {ص} وعفوه وحسن كلامه صار يدافع عنه، ويفديه بنفسه.
ـ الخلاصة
إنّ من أجمل ما يتحلّى به الإنسان في هذه الحياة من الأخلاق الكريمة، العفو وكظم الغيظ، وهي صفة نبيلة كريمة، لا يتحلى بها إلاّ ذوو النفوس الكبيرة، وأصحاب العقول الراجحة، والنظر البعيد، وذلك كما كان رسولنا محمّد {ص} متّصف بذلك ومطبّق له في حياته بكلّ قوّة وإخلاص. (1/49)
صفحة 50
أمّا حبّ الإنتقام والأخذ بالثأروالظلم والإعتداء فلا يكون إلاّ من أصحاب النفوس الصغيرة المريضة، التي فقدت توازنها، وطاش صوابها، فانحرفت عن سواء السبيل.
والتجاوز عن سيّئات الناس والعفو عنهم ومسامحتهم تنزع العداوة من القلوب، وتغرس فيها المودّة والمحبّة والرحمة، وترسي قواعد الوحدة الإجتماعية، والتماسك بين الأفراد.
فالإنسان الصالح للحياة هو الذي يقابل السيّئة بالحسنة، لأنّه يعلم جيّدا أنّ الإنتقام والأخد بالثأر تجرّ أفراد المجتمع إلى سلسلة من الأعمال العدوانيّة التي لا تنتهي ولا تنقطع، وأنّه لا يلجأ إلى ذلك إلاّ ضعيف النفس سريع الإنفعال، امّا متوازن النفس، الواسع الصدر، القويّ التحمّل، فإنّه يقطع هذا الحبل الذي يسبّب العداوة والتباغض والتنافر.
فعظيم النفس الذي يعفو ويصفح عن إخوانه وعناصر مجتمعه هو كالبحر لا يكدّر صفوه حفنة تراب، أو حجر رمى بهما صبيّ صغير العقل قصير التفكير ولسان حاله ينشد في افتخار واعتزاز:
وما يفيد البحر أمسى زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر.
إنّ الإنسانيّة إذا ما تمسّكت بهذا الخلق النبيل، فإنّها ستدفع عن نفسها كثيرا وكثيرا من المساوي والمحن التي تصلى نارها كلّ حين وفي كلّ مكان، ولأبعدت عن نفسها كثيرا من الحروب والتعدّيات التي تئنّ تحت وطأتها، وتتحمّل نتائجها السيّئة في كلّ الأحوال.
آثار العفو والصفح.
إنّ حالة الحياة منغّصة اللذات، كثيرة التبعات، متعدّدة التلوّن، لا تستقرّ على حالة واحدة أبدا، فتارة تبعث الأمل والتفاؤل في النفوس، وتبهجها وتفرحها، وتملأها صحّة وراحة وعافية وإقبالا عليها وتارة أخرى توجّهها الوجهة السلبية، فتسلّط عليها القلق والحزن والمرض، فتنظر إليها النفس نظرة تشاؤم وانقباض ويأس. (1/50)
صفحة 51
ولن نجد نفسا أو بيتا أو مجتمعا في هذا الكون إلاّ وفيه ما يكدّر الصفو، وينغّص العيش بين قليل أو كثير، والإنسان لا يستطيع أن يطفئ نار حزنها وألمها إلاّ بالنظر إلى الجهة الإيجابية فيها أكثر من التفكير في الناحية السلبية منها.
وهكذا أراد خالق هذا الكون والإنسان أن يجعل حالة الدنيا، فهي جامعة للضدين والحالتين معا، الخير والشرّ، الفرح والحزن، الصحّة والعافية، الصلاح والفساد، كلّ ذلك حتى يظهر الخير الكامل الذي لايشوبه أيّ فساد غدا يوم القيامة.
ومن أرادها صافية خالصة، فهو كمن يطلب في الماء جدوة نار.
فالإنسان العاقل هو الذي يتقبّلها على حالاتها المختلفة والمتنوّعة دون تدمّر أو قلق، يساير الاتجاهين المتضادين، ويعلم جيّدا أنها لا تصفو لأحد، ولو كان الله تعالى قد قدّر لها أن تستقيم على حالة واحدة من الصفاء والسرور، لاستقامت لخير خلق الله أجمعين، والأنبياء والمرسلين، ولكن نجد العكس تماما فهم الذين أصيبوا وعذبوا وظلموا أكثر من غيرهم، وتحمّلوا ما لا يستطيع أحد أن يتحمّله غيرهم.
فعلى كلّ مخلوق في هذا الكون أن يعلم هذا ويتيقّن به، وعليه أن يسدّد ويقارب ويعفو ويصفح، ويتحمّل كلّ ما فيها ويصبر على ذلك الصبر الجميل، يكافح ويعمل، ويأخذ ما تيسّر ويترك ما تعسّر، ويغض الطرف عن الأشياء السلبية فيها.
وكيف تصفو الحياة لأحد من الناس، أم كيف يهنأ فيها أحد، وعدوّ الإنسان إبليس له بالمرصاد، يعكّر عليه صفو عيشه، ويثقل حمله ويبعث الشّكّ في نفسه حتّى يشكّ أخيرا في قدرة ربّه وقضاءه وقدره، ويتهمّ غيره من الناس بغير حقّ بأنّهم هم الذين يقومون نحوه بما يقومون به مما ينغّص حياته.
تنظر في خلق الله يمينا وشمالا فلا تجد إلا ّمبتلا في أحد مقوّمات حياته، جسمه أو أهله أو ولده أو ماله، إذا سلم في هذا تجده مصابا في آخر. (1/51)
صفحة 52
في كلّ ناحية من الكون منكوبين شرّدوا من بيوتهم وخرّبت مساكنهم وأتلفت أموالهم بسبب الكوارث الطبيعية، وفي الأخرى مبتلين تسلّط عليهم بعض المفسدين الظالمين، أصابتهم البلايا والمصائب من طرف بني جنسهم، بدون شفقة أو رحمة فاحتاروا كيف يكون المخرج منها، لا ينتظرون إلاّ رحمة ربّهم أو معجزة منه تنجيهم مما هم فيه من ظلم واضطهاد.
هكذا أرادها ربّنا أن تكون حتى لا يطمئن إليها العباد الاطمئنان الكامل، ولا يستريحوا إليها الاستراحة الكاملة، ويعلموا أنّها دار سفر وانتقال، وليست دار دوام واستقرار، ومن جهة أخرى يتيقّن هذا المخلوق الضعيف أنّ لهذا الكون إلها يدبّر أموره ويسيّر شؤونه فيكثر من الدعاء والتضرّع إليه وهذا ما يريده الله تعالى من خلقه.
قال تعالى:
{ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزّل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير}. ... سورة الشورى ـ آية: 27.
كم من المصائب، وكم من المصابين الصابرين، كم من مريض لا يرجى برؤه، ومحبوس قد طال حبسه، وكم من مكروب ينتظر الفرج من ربّه، ومدين ومنكوب ومشرّد.
لا يعلم حالتهم وعددهم إلاّ خالقهم لأنه الوحيد المتصرّف في شؤونهم، والمدبّر لأمورهم، والمسيّر لهذا الكون، وهو الوحيد الذي يعلم ما يصلح لهذا المخلوق وما تستقيم به حياته.
إنّ الله عز ّوجلّ جعل هذه الحياة سجنا للمؤمن، ودارا للأحزان والنكبات، فعليه أن يوطّن نفسه على تحمّل كلّ ما يعرض له، ويصبر عليه، ويوازن بين ما هو فيه والحالة التي عليها غيره، كي يعلم أنّه على خير كثير وكبير، ويتيقّن جيّدا أنّ الراحة الحقيقية هي في الجنّة الدائمة غدا يوم القيامة، فعليه أن يعمل ويجتهد ويصبر ويعفو عن غيره حتّى يعفو الله عنه ويجعله من أهلها. (1/52)
صفحة 53
فهو تعالى يسلّط بعض الخلق على بعض ليختبرهم، ويمتحنهم فيعلم ذوي القلوب الرحيمة المسامحين والعافين عن الناس، وذوي النفوس الصبورة التي تصبر على ابتلاءاته، وأصحاب العفو والغفران فيصطفيهم ويجعلهم من عباده المخلصين ومن أهل الجنّة والرضوان.
فهذا رسولنا {ص} وغيره من الرسل عذّبوا وشتموا وجرحوا وأخرجوا من ديارهم وأهليهم وأموالهم، واتّهمت زوجاتهم من طرف أعدائهم، ولكنّهم مع كلّ ذلك فوّضوا أمرهم إلى ربّهم وتوكّلوا عليه، ووثقوا بوعده، ورضوا بمصابه، وحسّنوا ظنّهم به، وتحلّوا بالأخلاق السامية الحسنة تجاه ظالميهم، ولم يجازوا السيّئة بالسيّئة، بل قابلوها بالحسنة، فكان لهم ذلك صحّة وعافية في أجسامهم ورحمة وطمأنينة في مجتمعهم وعلى أعدائهم فدخلوا في دين الله أفواجا.
فكلّ من يريد أن يحمي نفسه في هذه الحياة من الهموم والأمراض، ويحافظ على عقله سليما، وعلى صحّته معافى، ويجد الراحة والسعادة في وسط تلك المشاكل والمصائب المبتلى بها، فعليه أن يتوكّل على ربّه القوي الجبّار المتكبّر، ويفوّض أمره إلى خالقه الرحمان الرحيم، ويتسلّح بالسلاح الذي لا يكلّ ولا يبلى.
وهو قوله تعالى في شأن عباده المؤمنين:
{الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}
سورة ءال عمران ـ آية:173.
ومن خاف من عدوّ، أو رعب بظالم، فعليه أن يهتف ويقول: {حسبي الله ونعم الوكيل}.
فهذا ممّا يشرح صدر العبد أمام كلّ ظالم ظلمه، ومتعدّ تعدّى عليه ويزيح عنه سحب الهمّ والغمّ، ويعيش مرتاح البال، قويّ النفس، وهو يشعر في وسط كلّ ذلك بالراحة والطمأنينة.
وهذا أبونا إبراهيم ظلمه قومه ورموه في النار، ولكن بفضل توكّله على ربّه وإرجاع أمره إليه، ويقينه فيه أنّه لايضيّعه، وجد في وسط النار الملتهبة بردا وسلاما وطمأنينة وأمانا، فخرج منها سالما معافى. (1/53)
صفحة 54
ولمن أراد الفوز بمراتب الصالحين في الفردوس الأعلى، فعليه أن يتحلّى بآدابهم ويتخلٌق بأخلاقهم، فيصبر على البلاء، ويعلم أنّ ذلك من ربّه وليس من عباده، فيرحم من أذنب إليه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويتصالح مع الأعداء، ويتواضع للأصدقاء، وينشر السلام بين خلق الله جميعا مؤمنهم وكافرهم.
وهذا ربّنا تعالى في ملكه وعظمته لم ينج من سبّ السّفهاء وشتم الكفّار، وعصيان عباده الذين يحسن إليهم آناء اللّيل وأطراف النهار.
فهو يخلق ويعبد غيره، ويرزق فيشكر غيره، يتودّد إليهم بالنعم، ويتبغّضون إليه بالمعاصي، وهو يقدر أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ولا يعجزه الانتقام منهم، ومع ذلك فهو يصبر على أذاهم، ويعفوا ويغفر بمقدار لا يعلمه إلاّ هو سبحانه وتعالى.
إنّ الشخص أو المؤسّسة أو الدولة الذي تبني وتشيّد وتتقدّم، ويسطع نجمها وتريد الصعود إلى الأعلى سوف تواجه حربا ضروسا لا هوادة فيها من طرف منافسيها وحسّادها وأعدائها، حربا من النقد الآثم المرّ ومن التحطيم والتدمير، ولكن كلّ من ينطلق في طريقه ليصعد إلى الأعلى لا ينظر إلى أسفل الدّرج بل دائما يكون بصره إلى الأعلى يتمنّى متى يصل إليه، ولا ينسى أن يتحلّى بأخلاق العفو والمسامحة في طريقه تلك.
فعلى من أصيب بمثل هؤلاء الظالمين المعتدين أن يصبر على أذاهم، ويتحمّل تعدّيهم، ويتجمّل في كلّ ذلك بالصبر الجميل، كي يتفرّغ لعمله الذي هو أساس نجاحه وتقدّمه.
وهذا ما أرشدنا إليه ربّنا تعالى بواسطة أمره لنبيّه محمّد {ص} بذلك:
قال تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلاّ بالحقّ وإنّ الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل}.
سورة الحجر ـ آية:85. (1/54)
صفحة 55
إنّ ذلك الظلم السخيف، والتعدّي المذموم من الظالمين اعترافا منهم غير مباشر بقيمته وقدره وتقدّمه ورفعته، فهم يريدون بعملهم هذا أن يدخلوه في دوّامة الخسارة والتقهقر والضعف، حتّى يبقى دائما وأبدا في أسفل السلّم، ولا يبلغ الدرجة التي بلغوها، فيبقى دائما تحت رحمتهم وسيطرتهم، إنّه ترجمة منهم ـ وهم لا يشعرون بذلك ـ لشخصيته ومكانته المحترمة.
ـ وبقدر وزن الشخص يكون النقد الآثم الموجّه إليه ـ
والمثل يقول: (إنّ الناس لا تركل كلبا ميّتا).
إنّنا لا نستطيع أن نغلق أفواه هؤلاء الظالمين الحاسدين، ولا أن نربط أيادي اولئك المعتدين، ولكنّنا نقدر على دفن ظلمهم وتجنّيهم، بتجافينا عنهم والإعراض عن أعمالهم، وعدم الاهتمام بشأنهم وكلّ ذلك بالتسامح والعفو. فنقول لهم: {قل موتوا بغيظكم}.
بل المسلم المتيقّن بأجر ربّه ومغفرته ورحمته ورضوانه، لا يغفر فقط بل يزيد من فضله على اولئك المخدوعين، ويرشد ويعين مثل هؤلاء المغرورين.
فهو يوزّع البسمات المشرقة على ضعفاء النفوس، ويعتبرها صدقة جارية يرجو ثوابها وجزاءها عند ربّه، فكلّما طاف به طائف من همّ، أو ألمّ به غمّ منح معروفه لغيره من الخلق، وأسدى جميله لهم فيجد الفرج والرّاحة.
وهل هناك جميل وهل هناك معروف أفضل وأحسن من مسامحة الظالمين، ونسيان عداوة المعتدين، والتغاضي عن شماتة الحاسدين.
فالعفو والغفران من صفات العزيز الجبّار جلّ وعلا في جلاله وسلطانه، وهو القادر أكثر من أيّ أحد على الانتقام ومعاقبة كلّ متكبّر جبّار، يبغي الفساد في الأرض.
وهو القائل تعالى: {إنّ الله كان عفوّا غفورا}.
سورة النساء ـآية:43.
والقائل: {فإنّ الله كان عفوّا قديرا}.
سورة النساء ـآية:149. (1/55)
صفحة 56
فالله تعالى يعفو عن العصاة والكفرة، وليس هذا فقط بل يحسن إليهم برزقه وعافيته آناء الليل وأطراف النهار، يرزقهم ويحفظهم ويسّهل لهم طرق النجاح، وأكثر من ذلك يتوب عليهم إذا تابوا وأنابوا إليه، ثمّ يبدّل سيّئاتهم حسنات، فالتائب من الذنب عند الله كمن لا ذنب له، وهذه هي أعلى درجات العفو.
وهو تعالى يرشد عباده وحثّهم على العفو والمصالحة في عدّة آيات القرآن الكريم.
قال تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إنّ الله على كلّ شيء قدير}. ... سورة البقرة ـ آية:109.
وذلك كلّه في فائدة العباد، وحفظا لهم من التخاصم والتنافر، وضمانا لحياة سعيدة هنيئة، يملؤها الوئام والسلام والرحمة، ويعيش عناصر المجتمع في تفاهم واتصال.
وقال عزّ وجلّ يصف المؤمنين المخلصين:
{الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين}. ... سورة ءال عمران ـ آية:134.
ولأهميّة العفو والصفح ومكانته عند الله أمر نبيّه محمّدا {ص} أن يلتزمه ويطبّقه ويرشد إليه أصحابه حتى يجلب الناس إلى دينه ويدخلوا فيه أفواجا.
قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفظوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}.
سورة ءال عمران ـ آية: 159.
وقال تعالى: {فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحبّ المحسنين}.
سورة المائدة ـ آية:14.
ولذلك طبّقه الرسول {ص} بقدر مااستطاع مع أصحابه، ومع أعدائه، فشمل بعفوه الكفّار والظالمين فاستمالهم إلى دينه وأحبوه، حتّى صاروا يدافعون عنه أكثر من أنفسهم وأهلهم وأموالهم، والتضحية في سبيل نصرته. (1/56)
صفحة 57
قال ابن القيّم ـ رحمه الله ـ ومن حكمة ربّنا عزّ وجلّ أنه عرّف عباده أن لا سبيل لهم إلى النجاة إلاّ بعفوه ومغفرته وأنّه رهين بحقّه، وإن لم يتغمّدهم بعفوه ومغفرته، فهم من الهالكين لا محالة، فليس أحد من خلقه إلاّ وهو محتاج إلى ذلك، كما هو محتاج إلى فضله ورحمته.
والعفو والغفران من الله هو أن يصون العبد من أن يمسّه العذاب، وكما يكون ذلك من الله العلي في قدره ومكانته، الحكيم في حكمه وتدبّره، فهو من العبد لأخيه واجب، ومن باب أولى لأنّه يكون من الندّ إلى الندّ، ومن الأخ لأخيه، فهم متساؤون في الدرجات والأعمال، فكيف لا يتحلّون بهذا الخلق، ولا يطبّقونه في حياتهم.
قال الشاعر: غفرنا وكانت من سجيّتنا الغفر.
ولأهميّة العفو والغفران في حياة الإنسان فقد تكلّم العلماء فيهما كلاما واسعا وشرحوهما بتفصيل كبير.
فقالوا: ـ إنّ الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ونيل الثواب، ولا يستحقّه إلاّ مؤمن، ولا يكون إلاّ في حقّ الله عزّ وجلّ.
ـ أمّا العفو فإنّه يقتضي إسقاط اللّوم والذمّ، ولا يقتضي نيل الثواب، ويستعمل أيضا في حقّ العبد.
ـ إنّ العفو قد يكون قبل العقوبة أو بعدها، أمّا الغفران فلا يكون معه عقوبة البتّة، ولا يوصف بالعفو إلاّ القادر عليه.
ـ في العفو إسقاط للعقاب، وفي المغفرة ستر للذنب وصون من عذاب الخزي والفضيحة.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـرضي الله عنهما أنّ عطاء بن يسار سأله أن يخبره عن صفة رسول الله {ص} في التوراة، فقال:
أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض ما صفته في القرآن.
يأيها النّبيء إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيّئة بالسيّئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا:
لا إله إلاّ الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا وقلوبا غلفا. (1/57)
صفحة 58
وعن عبد الله بن عمر ـرضي الله عنهما ـ قال: جاء رجل إلى رسول الله {ص} فقال: يا رسول الله، كم نعفوا عن الخادم؟ فصمت رسول الله {ص}، ثمّ أعاد عليه الكلام، فصمت، فلمّا كان في الثالثة، قال {ص}:
اعف عنه في كلّ يوم سبعين مرّة. ... رواه أبو داود والترمذي.
وعن عائشة ـرضي الله عنها ـقالت يا رسول الله، أرأيت إن علمت أيّ ليلة، ليلة القدر، ما أقول فيها.
قال: قولي، اللهم إنك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي.
وعن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـقال: كان رسول الله {ص} وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم ربّهم، ويصبرون على أذاهم وعدوانهم.
وذلك تطبيقا لكلام ربّهم عزّ وجلّ حيث يأمرهم في كتابه بذلك ويقول لهم في هذا الشأن:
{ولتسمعنّ من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الامور}
سورة ءال عمران ـآية:176.
وقال تعالى كذلك يخبر المؤمنين أنّه ستكون لهم عداوة وبغضاء وحسد من غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى وخاصة اليهود منهم، لأنّهم يعلمون أنّ هذا الدين هو الحقّ من عند الله تعالى، وأنّ رسول الله قد جاء بالحقّ من عند ربّه، وهو مذكور في كتابهم، وقد أرشدهم ربّهم إلى الوسيلة التي يقابلون بها اولئك الحسّاد، وهي مقابلتهم بالتي هي أحسن، والعفو عنهم ومسامحتهم في، وذلك هو الخلق السامي الذي يدعوهم إليه دينهم، ويحثّهم على تطبيقه في كلّ نواحي حياتهم، لأنّهم على الحقّ، والله معهم دائما يعينهم ويثبّتهم على الدّين الحقّ، ويدافع عنهم ضدّ اولئك المغرضين والمبغضين والحاسدين.
قال تعالى: {ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّكم من بعد إيمانكم كفّارا حسدا من عند أنفسهم مبعد ما تبين لهم أنه الحقّ فاعفوا واصفحوا حتّى يأتي الله بأمره إنّ الله على كلّ شيء قدير}.
سورة البقرة ـ آية:109. (1/58)
صفحة 59
والرسول {ص} يبيّن للناس أنّ العفو والمسامحة لا تزيد صاحبها إلاّ عزّة ومكانة، وذلك حتى يتمسّكوا بهذا الخلق العظيم، خلق الأنبياء والمرسلين، ويقول:
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله {ص}: {ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلاّ عزّا، وما تواضع أحد لله إلاّ رفعه الله}. ... رواه مسلم.
وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: كأنّي أنظر إلى النبي {ص} يحكي نبيّا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدّم عن وجهه و يقول:
{اللهمّ اغفر لقومي فأنّهم لا يعلمون}.
ولماذا لا يسمح ولا يعفو من هو على الحقّ، ويؤمن جيّدا بأنّه على أساس صحيح، ويعلم أنه مؤيّد من ربّه وهو معه ينصره ويدافع عنه، ويجازيه الجزاء الحسن إذا طبّق ما أمره، ويعلم أنّ خصمه على باطل، وعلى شفا حفرة من النار، وليس له الحجة الصحيحة ليدافع بها عن آرائه ومبادئه، فلذلك فهو يقوم بما يقوم به من التخريب والتدمير ليفرض رأيه على الناس بالقوّة، وليظهر لغيره أنّ له مذهبا مخالفا لمذهبهم، فهو يدعو إليه بالقوّة والإرغام والتخويف، إنّه يعيش في دوّامة من العنف الداخلي مع نفسه ومن المتناقضات، ولا يستقرّ على حال في تفكيره، ولا يثبت في قراراته فلذلك فهو يقوم بما يقوم به.
ولمّا علم المسلمون الأوائل ـ ويساندهم في ذلك رسول الله {ص} ـ أنّهم على الحقّ من ربّهم، وأنّ أعداءهم على الباطل، ولا حجّة معهم، وأنّ ناصرهم هو الشّيطان، قابلوا ظلمهم وتعديهم بكلّ قوّة وشجاعة ويقين بما عند الله تعالى. (1/59)
صفحة 60
فعلى مسلمي هذا العصر أن يقتدوا بسيرة نبيّهم ويمتثلوا سنّته، ويفعلوا مثل ما فعل آباؤهم وأجدادهم حيث عفوا وأصفحوا عن القريب والبعيد، عن الصديق والعدوّ، فحفضوا بذلك عزّة دينهم، ورفعوا مكانتهم وهم يعيشون في وسط أعدائهم، يتعاملون معهم بكلّ ثقة وأمانة ونصح، يحرسون حرمات المتساكنين معهم ولو كانوا من غير ملّتهم تماما كما يدافعون عن حرماتهم أو أكثر.
ولنا أمثلة كثيرة ومتعدّدة عن عفو الرسول {ص} وتواضعه لكلّ من يعاشره من الناس.
فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ما ضرب رسول الله {ص} شيئا بيده قطّ، ولا امرأة، ولا خادما، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه إلاّ أن يهتك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله عزّ وجلّ.
وعن جابر بن عبد الله ـرضي الله عنه ـ أنه غزا مع النبيء {ص} قبل نجد، فلمّا رجع معه، أدركتهم القائلة في واد كثير الحصاة، فنزل رسول الله {ص} وتفرّق الناس يستظلّون بالشجر، فنزل تحت شجرة وعلّق سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله {ص} يدعونا، وعنده أعرابي.
فقال {ص}: إنّ هذا الأعرابي اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا.
فقال: من يمنعك مني؟ فقلت الله تعالى (ثلاثا) ولم يعاقبه وجلس.
رواه البخاري ومسلم.
هذا هو رسول الرحمة والعافية العظيم في أخلاقه {وإنّك لعلى خلق عظيم} الكريم في عفوه مع أعدائه، المتواضع في مسامحته مع الناس أجمعين، يصفح ويعفو حتى عمن يريد قتله وهذا هو أعلى درجات الكرامة، وأكثر من ذلك أنّه لم يؤنّبه ولو بكلمة نابية واحدة يعرب له فيها عن سخطه وغضبه، وكلّ ذلك في سبيل نيل رضى ربّه والفوز بأجره وتحبيب دينه للناس. (1/60)
صفحة 61
إنّ الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومن بعدهم المسلمين المخلصين بتخلّقهم بأخلاق رسولهم قد حفظوا لهذا الدّين كرامته ورفعوا من شأنه أمام أعدائهم فأيّدهم ربّهم بنصره وتأييده فأصبح الأعداء يهابونهم مهابة احترام، ويحسنون إليهم إحسان تقدير، ومن وراء ذلك كلّه نيل الأجر العظيم عند الله يوم القيامة.
عن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال: بلغنا أنّ الله عزّ وجلّ يأمر مناديا يوم القيامة، فينادي ويقول:
{من كان له عند الله شيء فليقم، فيقوم أهل العفو، فيكافئهم ربّهم بما كان من عفوهم عن الناس}.
وعن ابن مسعود أنه جلس يوما في السوق يبتاع طعاما فابتاع، ثمّ طلب الدراهم وكان قد وضعها في عمامته، فوجدها قد حلّت، فقال:
لقد جلست، وإنها لمعي، فجعل الحاضرون يدعون على من أخذها، ويقولون: اللهمّ اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا وكذا.
فما كان من عبد الله إلاّ أن قال بخلاف ما نادى ودعا به الحاضرون، ممّا تركهم حائرين من هذه الأخلاق الرفيعة السامية.
دعا للسارق بكلمات طيّبة تدلّ على حسن إيمانه وحبّه الخير للناس أجمعين، محسنهم ومسيئهم.
قال: اللهمّ إن كان حمله على أخذها حاجة، فبارك له فيها، وإن كان حمله جرأة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه.
كلمات تدلّ على سلامة القلب ونقاوته من أيّ خلق سيئ وتبرهن على كمال الإيمان واليقين بما عند الله عزّ وجلّ من الأجر الجزيل والثواب الحسن.
وقال معاوية: عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال.
وقال بعضهم: ليس الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر عفا.
وهذا أبو بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ أصيب في ابنته عائشة زوجة النبيء {ص}، وممّن أصيب ياترى؟ (1/61)
صفحة 62
إنّه ابن خالته (مسطح بن أثاثة)، وكان ينفق عليه من ماله لشدّة فقره، ولم يمنعه ذلك الإحسان من ظرف أبي بكر أن يتكلّم في عرض ابنته، وما كان ينبغي أن تصدر منه مثل هذه الإساءة، وهو يعرف عائشة معرفة جيّدة، يعرف عفّتها ومكانتها عند الرسول {ص} وعند أبيها.
ولكن بحكمته تعالى شاء أن تقع مثل هذه الوقائع، حتّى يظهر الأخلاق الحقيقية والصحيحة للدّين الإسلامي، ويرشد إليها المسلمين فيطبّقوها في واقعهم فيتعجّب منها المشركون ويدخلون في هذا الدّين.
وبعد أن برئت ساحة عائشة جلد مسطح، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، ويبدو أنه لو كان أيّ شخص آخر مكانه لفعل مثل ما فعل، بل ربّما أكثر ممّا فعل، ولكنّ الله تعالى لم يرضى بهذا الانفعال من أبي بكر، فأنزل قرآنا يتلى يأمره أن يرجع النفقة إلى مسطح.
فقال تعالى:
{ولا ياتل اولوا الفضل منكم والسعة أن يوتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} ... سورة النور ـ آية:22.
وبمجرّد أن سمع ذلك أبو بكر قال:
بلى يا ربّ إنّنا نحبّ أن تغفر لنا، والله لا أقطع النفقة عنه أبدا.
وهكذا لم يتردّد أبدا ولم يناقش أمر ربّه، ولم يستصعب العودة إلى الإنفاق على مسطح بعد ما قام به من اتهام ابنته ـ رضي الله عنها ـ وكأنّ الله يقول لأبي بكر ألم تكن في الجاهلية على دين قومك قبل دخولك إلى الإسلام؟ وقد غفرت لك كلّ ما صدر منك من عمل جاهلي، فلماذا لا تغفر أنت ذلك لمن أساء إليكم، ألم أهدك إلى الإسلام بفضلي ورحمتي؟ وقد اخترتك لتكون صاحب الرسول {ص} القريب منه أكثر من أي أحد، وقد فضلتك بمصاحبة رسولي في هجرته، أليس كلّ ذلك فضل مني عليك، فكما تفضّل الله عليكم فتفضلوا أنتم كذلك على من أساء إليكم، واغفروا وارحموا فإنّ الله غفور رحيم. (1/62)
صفحة 63
وهذا أدب من الله تعالى يوجّه به عباده ليتحلّوا بخلق العفو والمسامحة، فهو العزيز المتعال، ولا يبخل على عباده بذلك، إذن فالعبد أولى أن يغفر لأخيه المسلم الذي هو مثله في الدرجة، ويسيء إلى الآخرين كما يسيء إليه إخوانه، فالكلّ يخطئ ولكن العبد الأفضل عند الله هو الذي يغفر ويتجاوز عمن أساء إليه.
قال تعالى: {وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى}.
سورة طه ـ آية:80.
قال الشاعر:
سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب
وإن عظمت منه عليّ الجرائم
فما الناس إلاّ واحدا من ثلاثة
شريف ومشروف، ومثلي مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره
وأتبع فيه الحقّ، والحقّ لا زم
وأمّا الذي دوني، فإن قال صنت عن
إجابته نفسي، وإن لام لا ئم
وأما الذي مثلي فإن زلّ أو هفا
تفضّلت، إنّ الحرّ بالفضل حاكم
ومن أمثال العرب المشهورة: احلم تسد.
وقال شاعر آخر:
ولن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا
حتى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة
لا صفح ذلّ، ولكن صفح إكرام
وقال آخر:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
وكان الأحنف كثبر العفو والحلم، وكان يقول:
ما آذاني أحد، إلاّ أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضّلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.
وبفضل ذلك الحلم الكثير ساد عشيرته، وكان يقول:
وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال.
وقيل له: ممّن تعلّمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم كنّا نختلف إليه في الحلم كما يختلف الناس إلى الفقهاء في الفقه، ولقد حضرت عنده يوما وقد أتوه بأخ له قد قتل ابنه، فجاؤوا به مربوطا فقال:
دعرتم أخي، أطلقوه، واحملوا إلى أمّ ولدي ذيّته، فإنّها ليست من قومنا. ثمّ أنشأ يقول:
أقول للنّفس تصبيرا وتعزيّة
إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه
هذا أخي حين أدعوه وهذا ولدي (1/63)
صفحة 64
هذه قطرة من بحر من أخلاق الأولين في العفو والمسامحة وخاصّة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وبهذا نقتدي بهم نحن في الوقت الحاضر، فعلينا أن نتحلّى بها كما تحلّوا هم كذلك، ونحن في أمسّ الحاجة لتطبيقها مع معاشرينا، وخاصّة مع أعدائنا إذا كنّا نطلب النصرة والسؤدد والتمكين في الأرض، وهذا يدلّ على كمال الإيمان وحسن الإسلام.
إنّ التحلّي بهذه الأخلاق النبيلة والكريمة يثمر محبّة الله، ومحبّة الناس، لأنه ينشر بينهم الأمان والسلام.
فكلّ عنصر من عناصر الشعب الجزائري مسؤول أمام الله والتاريخ على تطبيق النداء الذي رفعه رئيس الجمهورية في وطنه العزيز الجزائر، وذلك حتى ينتشر بينهم السلام جميعا، فيعيشوا في سلام ووئام في الحاضر القريب، ويبقى من بعدهم للأجيال اللاحقة في المستقبل البعيد، فينطبق عليهم قول الرسول {ص}: {من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة}.
إنّ الأجيال اللاحقة إذا وجدت الأمن والأمان منتشران في وطنها فستترحّم على كل من كان السبب في ذلك من قريب أو من بعيد، وخاصّة من دعا إلى ذلك وضحّى بكلّ ما استطاع لتجسيد هذا المشروع العظيم والنبيل في الواقع المعاش وهو فضيلة الرئيس بوتفليقة حفظه الله وأعانه ووفّقه.
فعلينا أن نضحّي في هذا الوقت ونتحمّل ما نتحمّل من التضحيات، كلّ ذلك في سبيل الأجيال اللاحقة، علّهم ينشؤون رحماء وذلك بفضل الواقع الحاضر الذي ينشؤون فيه وأجرنا على الله تعالى، فتترحّم على كلّ من ساهم ولو بالكلمة الطيّبة من أجل سلام الجزائر الحبيبة، وإرساء مبادئ وأسس استقرارها ونمائها وتقدّمها.
إنّ الفضل العظيم والأجر الجزيل في كلّ ذلك يكون لمن جاهد وثابر وضحّى بوقته ونفسه من أجل أمان وطنه وسلامته وعلى رأسهم جميعا الرئيس المجاهد عبد العزيز بوتفليقة ومعاونيه وكلّ فرق الأمن المختلفة التي كان كثير من عناصرها ضحية هذه الوضعية المؤلمة التي عاشتها البلاد. (1/64)
صفحة 65
ومن جهة أخرى فالأجر الكبير كذلك والجزاء الحسن والفردوس الأعلى، يكون بإذن الله لكلّ من استجاب لهذا النداء فعفا وأصلح وسامح، وتحمّل نتائج تلك الأعمال التي قام بها الظالمون وذلك من أجل وطنه الجزائر، واحتسب أجره عند الذي لا يضيع أجر من احسن عملا.
وكذلك لمن تاب وأناب واستجاب لنداء الحقّ والصواب ورجع إلى الجماعة، وذلك للصالح العام، ولفائدة الشعب جميعا بمختلف طبقاته، ولفائدة الجزائر الحبيبة.
إنّ ما تجنيه الجزائر وشعبها العزيز من هذا المشروع العظيم لا يقدّر بثمن، ولا يعلم نتيجته إلاّ مسيّر هذا الكون ومدبّر شؤونه، هذا بالنسبة للشعب، وأمّا بالنسبة للأمم الخارجية على مستوى العالم، فإنّ الجزائر أصبحت رائدة ومثالا يقتدى به في هذا الميدان، كما كانت من قبل رائدة في ميدان الكفاح والحريّة، ثمّ في الديمقراطية، وجلبت لنفسها رئيسا وشعبا نظرة احترام وتقدير، واسترجعت ثقة الشعوب المختلفة فيها.
حفاظ الإسلام على النفس
إنّ الإسلام جاء أساسا لحفظ خمس، وفي مقدّمتها حفظ النفس التي جعل لها قيمة كبيرة، وقد علم أنّ النفس المصابة في أحد أقربائها، تميل إلى الأخذ بثأرها، لذا أحاطها بكلّ هذه التشريعات التي تحميها من العابثين الظالمين، واعتبر أنّ قتل نفس واحدة بغير الحق يعتبر جريمة لاتغتفر وفساد في الأرض ما فوقه فساد، يكفي أنها تعد مثل قتل الناس جميعا، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة المهم أنها نفس حية قدر الله تعالى لها الحياة والعيش على هذه الأرض.، ولأن ذلك القتل يعتبر ترويعا وتخويفا للناس الآخرين.
فالجزائر عندما بدأ فيها القتل وقطع الطرق، أصبح الناس جميعا، الجزائريون وغير الجزائريين خائفين مروعين، وذلك مخافة أن يتسلّط عليهم أحد فيزهق أرواحهم، ويخرّب أملاكهم، ويسلب أموالهم. (1/65)
صفحة 66
والرسول {ص} حذّر المسلمين من ترويع بعضهم البعض، أو تخويفهم واعتبر ذلك بمثابة القتل، فكيف إذا كان قتلا حقيقيا، وقطعا للطرق، وأخذا للأموال، وغير ذلك من الأعمال المختلفة التي زرعت الرعب والخوف في نفوس المواطنين جميعا، وشوّهت صورة الجزائريين في نظر غيرهم، فأصبح المسافرون يخافون من السفر في وضح النهار والشمس مشرقة، أما في الليل فهو ممنوع ومحظور تماما، وهذا هو الإفساد في الأرض، وقطع للطرق، وترويع للأبرياء خاصة النساء والأطفال الصغار الذين لا ذنب لهم.
والله تعالى قد خلق كلّ نفس، وقدر لها مدّة حياتها، ووهب لها من روحه، فهو تعالى قد أراد لها العيش على وجه الأرض قريرة العين، مطمئنة البال، آمنة على نفسها ودمها ومالها، ولكن بعض الحاسدين الحاقدين الذين استولت عليهم الشياطين يريدون أن يتدخّلوا ويوقفوا إرادة الله في هذا الكون، فيقتلوا عباده ويخرّبوا بلاده.
قال {ص}: {من روع مسلما كمن قتله}.
وحسب الحديث السابق، فعلى المرء أن يبتعد عن ترويع عباد الله وتخويفهم، لأن ذلك يعتبر بمثابة القتل، وهل هناك ذنب وجريمة وكبيرة أعظم وأبشع من هذا الفعل، وقد جعل الله تعالى جزاء مرتكبه القصاص وهو إزهاق روحه مثلما أزهق روح الآخر وجزاء القاتل في الآخرة إذا لم يقتص منه في الدنيا جهنّم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، لأن ذلك يعتبر تدخل في إرادة الله تعالى في تسييره وتدبيره لهذا الكون، لأنه هو الذي خلق الموت والحياة، وهو الذي يهب لكلّ نفس حياتها في اللحظة التي يعلمها وحده، والدقيقة التي يريدها، والمكان الذي يختاره هو، ويهب لها ما يشاء من صحّة أو غنى أو علم، ويبتليها بما يريد من مرض أو فقر أو جهل، ويقدّر لها العمر الذي يريد لها أن تعيشه سنوات وأياما ودقائق معدودة ومحسوبة لا تزيد ولا تنقص. (1/66)
صفحة 67
قال تعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيزالغفور}
سورة الملك ـ آية: 02.01.
وكذلك انقطاعها عن هذا الكون وانتهاء حياتها وإماتتها، فهو وحده تعالى قد قدّر كل ذلك، وقد حدّد لها اللحظة التي تنقطع فيها عن هذه الحياة، وهي لحظة وفاتها وخروج روحها حيث تصبح في عداد الموتى.
فالحياة والموت بيد الله ومشيئته وحكمته.
وقد ذكر لنا تعالى مثالا في كتابه الكريم، وهو عن النمرود الطاغية المتجبّر الذي نصب نفسه إلها يهب الحياة لمن يشاء وينتزعها ممن يشاء، كما كان يزعم ويدعي، وقد حاج سيدنا إبراهيم عليه السلام في ربه.
قال تعالى: {ألم إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فآت بها من المغرب، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين}.
سورة البقرة ـآية:257.
إنّ هذا الملك المتعنت الذي وصل إلى هذه الدرجة من المحاجّة والتطفّل فيما هو من اختصاص المولى عزّ وجلّ، لم يكن منكرا لوجود الله أصلا، إنّما كان منكرا لوحدانيته في الألوهية والربوبية وحقّ التصرف الكامل في هذا الكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، كما كان بعض المنحرفين في الجاهلية يعترفون بوجود الله تعالى، ولكنهم يجعلون له أندادا ينسبون إليها فاعلية وعملا وتأثيرا في حياتهم، وهو كذلك أنكر أن يكون الحكم والتدبير لله وحده، في حين ألا حكم إلا حكم الله في تدبير وتسيير شؤون الأرض.
ونجد في كل العصور والأزمان كثيرا من الطغاة الذين يصلون بأنفسهم ويرفعونها إلى درجة الربوبيّة ويحكمون ويتدخّلون فيما هو لله تعالى، ومن حكمه وتدبيره وحده لا شريك له. (1/67)
صفحة 68
هذا وإن اولئك الذين يقتلون الناس بغير الحقّ لا لفائدة إلا لنشر الرعب والخوف في النفوس هم بمثابة هؤلاء الجبابرة، وكلّ هذا يعتبر كفر وإلحاد وجحد لنعم الله تعالى، وذلك كما حكم ربّنا في آخر هذه الآية حيث يقول: {فبهت الذي كفر}.
إن هذا الملك المتكبر المتعنّت إنما ينكر ويتكبر للسبب الذي كان ينبغي أن يؤمن ويشكر من أجله، هذا السبب الذي يبيّنه ربّنا تعالى: {أن آتاه الله الملك}، وجعل في يده السلطان، وأخضع له رقاب الخلق يتحكّم فيها كيفما يشاء، ويتصرّف كما يريد، لقد كان ينبغي له أن يشكر ويعترف، لولا أنّ الملك يطغي ويبطر من لا يقدرون نعم الله تعالى عليهم، ولا يدركون مصدر ذلك الإنعام، ومن ثمّ يضعون الكفر موضع الشكر، ويضلّون بالسبب الذي كان ينبغي لهم أن يهتدوا به، فهم يحكمون لأنّ الله تعالى أراد لهم أن يحكموا، وهو الذي اختار لهم هذه المسؤولية التي شرفهم بها، والتي جعلهم بها خلفاءه على هذه الأرض حتّى يردّوا عنه دعوة المظلوم، ويأخذوا على يد الظالم.
قال {ص} وهو يخبر عن صحف إبراهيم:
فعن أبي ذر الغفاري ـرضي الله عنه ـ قال: قلت يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم؟ - قال: كانت أمثالا كلّها، أيّها الملك المتسلّط المبتلى المغرور: إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكنّي بعثتك لترد عي دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها ولو كانت من كافر. ... رواه ابن حبّان والحاكم.
وقد بيّن الله تعالى لنا كذلك في قصة ابني آدم بشاعة قتل النفس بغير الحق:
فقال تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبّل الله من المتّقين}.
سورة المائدة آية: 27.
لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني: أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك، ويعتبر هذا استسلام منه ودفع للسيّئة بالحسنة، وعدم إثارة الفتنة.
وفي الخبر: إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم. (1/68)
صفحة 69
روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله: إن دخل عليّ بيتي وبسط يده إليّ ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله {ص}: كن كخير ابني آدم، وتلا هذه الآية.
{لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين}. ... سورة المائدة ـ آية: 30.
قال العلماء: (وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلاّ أنّ في شرعنا يجوز دفعه إجماعا).
قيل: إنّ هابيل كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر.
وقيل: لئن بسطت إليّ يدك ظلما فما أنا بظالم، إني أخاف الله رب العالمين.
فطوّعت له نفسه: أي سوّلت، وسهّلت له نفسه الأمر، وشجّعته وصوّرت له أنّ قتل أخيه طوع سهل له.
وروي أنّه جهل كيف يقتله، فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل مثل ذلك.
قال ابن عبّاس وابن مسعودـ رضي الله عنهماـ وجده نائما فشدخ رأسه بحجر: وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة.
ولمّا قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه مثل ذلك.
قال تعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن اكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} ... سورة المائدة ـآية:33.
قيل إنّه هرب إلى أرض عدن باليمن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان أخيك لأنّه كان يعبد النار، فأنصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أوّل من عبد النار فيما قيل، والله أعلم.
وروي عن ابن عباس أنّه لمّا قتله، كان آدم بمكة، اشتاك الشجر وتغيّرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرّت الأرض، فقال آدم عليه السلام: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند، فإذا قابيل قد قتل هابيل.
فلما وصل إليه قال له: أين هابيل؟ فأجابه: لا أدري كأنّك وكّلتني بحفظه. (1/69)
صفحة 70
فقال له آدم: أفعلتها؟ والله إنّ دمه لينادي اللّهم ألعن أرضا شربت دم هابيل.
ثمّ إن آدم بقي مئة سنة لم يضحك، حتّى جاءه ملك فقال له: حياك الله وبياك، قال: وما بياك؟ قال: أضحكك ... قال مقاتل: كان قبل قتل هابيل من طرف أخيه قابيل أن السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل استوحشوا عنه جميعا، فلحقت الوحوش بالبرّية، والسباع بالغياض، والطيور بالهواء.
ولما تغيّرت الحال قال آدم:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغيّر كل ذي طعم ولون ... و قل بشاشة الوجه المليح
وروي من حديث أنس أنه قال:
سئل النبيء {ص} عن يوم الثلاثاء فقال: هو يوم الدم فيه حاضت حواء، وفيه قتل ابن آدم أخاه.
وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله أنه قال:
قال رسول الله {ص}: {لا تقتل نفس ظلما إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنّه كان أوّل من سنّ القتل}.
رواه البخاري ومسلم.
كذلك تضمنت الآية البيان عن حال الحاسد، حتى أنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه، وأمسه به رحما، ومن هو أولى بالحنوّ عليه، ودفع الأذيّة عنه.
قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. ... سورة المائدة ـ آية: 34.
قال السيد قطب في ظلال القرآن: (1/70)
صفحة 71
(من أجل ذلك: أي من أجل وجود مثل هذه النماذج في البشرية، الذين يعتدون على المسالمين الودعين الطيّبين الخيّرين، الذين لا يريدون شرّا ولا عدوانا ومن أجل أنّ الموعظة والتحذير لا ينفعان في مثل هذه النفوس الشرّيرة المطبوعة على الشرّ، وأنّ المسالمة والموادعة لا تزيدان الاعتداء حين يكون الشرّ عميقا ذا جذور متأصلة في بعض النفوس المطبوعة على الأنانية والحسد، من أجل ذلك كلّه جعلنا جريمة قتل نفس واحدة كبيرة من الكبائر، وجريمة لا تغتفر يخلد صاحبها في النار أبدا الآبدين، ومن فعل ذلك فإن جريمته تعدل جريمة قتل الناس جميعا، وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملا عظيما جليلا يعدل إنقاذ الناس جميعا)
وفي الجزء الثاني من هذه الآية يبيّن الله تعالى أنّ من أحيا نفسا واحدة فكأنّما أحيا الناس جميعا.
ـ أحياها بأن نجاها من مهلكة كادت أن تهلك فيها مثل غرق أو حريق أو غير ذلك.
ـ أحياها بأن دفع عنها ظلم ظالم أراد التعدّي عليها.
ـ أحياها بأن بعث فيها روح التفاؤل والأمل في الحياة.
وهذا ما يفعله ويقوم به رئيس الجمهورية حفظه الله ورعاه من نشر الأمن والسلام في الشعب الجزائري، وحقن الدماء والدعوة إلى المسامحة والعفو والتصالح حتّى تحقن الدماء، وتحفظ الحياة، لا لنفس واحدة فقط، وإنما لأعداد لا يعلمها إلا الله تعالى.
ـ أحياها بأن حرص وسهر على توفير الأمن لها في الليل والنهار، وذلك مثل ما تقوم به مصالح الأمن من توفير كامل الأمن للشعب الجزائري حتى ينام قرير العين، وهي ساهرة لتحقق له هذه النعمة، وحتّى يسافر مطمئنّ البال، ويعمل وينتج ونفسه منشرحة متفائلة مقبلة على الحياة.
ـ أحياها بأن عالجها معالجة نصح وبكل إتقان، فقام بما يستطيع القيام به، وضحى بوقته ونومه في سبيلها كي يحفظ لها الحياة، وذلك بعد مشيئة الله تعالى وحكمه وإرادته. (1/71)
صفحة 72
وفي الجزائر بعد أن كاد الشعب الجزائري يفقد الثقة في الحياة والعمل والإنتاج، وبعدما وقع من أحداث أليمة ووقائع بشعة لا تصدّقها النفوس، أو تؤمن بأن مثل تلك الوقائع وقعت في وطنها الإسلامي الجزائر، وطن المليون ونصف المليون شهيد، هذا الوطن الذي ضحىّ الآباء والأجداد من أجل استقلاله وحفظ كرامة شعبه وتحقيق حريته، وبعد كلّ هذه السنوات الأليمة قيّض الله تعالى لهذه الأمة أبناء بررة، وعلى رأسهم فخامة الرئيس بوتفليقة، فحققّوا العزّة لأمّتهم وقاموا بكلّ مجهود وتضحيّة من أجل أن يبعثوا الأمل والتفاؤل في الشعب بأكمله، بعثوا فيها الحياة من جديد، دعوا إلى توفير الأمن والسلامة لكلّ الشعب، فهم بعملهم هذا وتضحياتهم ـ فكأنّما أحيوا الناس جميعا ـ.
نشر الأمن والوئام والاطمئنان بهذا المشروع الجبّار الذي طبّقه في الميدان دون هوادة أوتردّد فحقن الدماء، وحفظ الأرواح والأعراض، ووفر الأموال، اطمأن الشعب الجزائري في كامل القطر، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، وصارت الجزائر بهذا المشروع العظيم مثالا يقتدى به في كامل الوطن العربي والإسلامي بل في العالم أجمع.
نالوا الدعوات الطيّبة من جميع عناصر الشعب، الرجال والنساء، الصغار والكبار، المواطنين والأجانب، فالكلّ يدعو بالخير ويستبشر بهذا العهد الذي يعيشه الشعب الجزائري، عهد المصالحة، عهد الأمن والأمان والطمأنينة والوئام، عهد الازدهار والعمل والتنمية والتقدّم، عهد الاستثمارات التي يحقّقها الشعب في كامل وطنه، والتّي تضمن له المستقبل الزاهر، عهد البناء والتشييد والفرص الغالية التي تفتح مناصب شغل وعمل للشباب الصاعد الذي هو أمل هذه الأمة، هذا المستقبل المزدهر الذي تتمنّاه كلّ الشعوب وتصبوا إلى تحقيقه كلّ الأمم. (1/72)
صفحة 73
خرج كلّ الشعب الجزائري يؤيّد هذا المشروع الجبّار، لأنّه يعلم جيّدا ويقينا أن لا أحد يستفيد من هذه الوضعية الأليمة، حتّى أولئك الذين ينشرون الرعب والخوف لا يجنون أيّ خير من هذه الحالة سواء في الدنيا أو في الآخرة، ففي الدنيا يعيشون دائما حياة مليئة بالشعور بالذنب والجرم، وبضمائر موبّخة لهم في كلّ لحظة وحين، كيف يسامحون تلك الأرواح التي أزهقت دون ذنب اقترفته، وهم يشعرون بمقت من حولهم من المعاشرين والإخوان الذين فقدوا أهلهم وأحبابهم وأصدقاءهم، ولكنّ الجزاء الأوفى سيكون غدا يوم القيامة يوم الجزاء العادل دون شفيع أو ناصر، ويوم تتعلق برقابهم كلّ النفوس التي قتلت في هذه ألاضطرابات بغير الحقّ، وذهبت ضحية هذه الأحداث الأليمة التي كانوا هم السبب في إثارتها، فزهقت الأرواح البريئة دون جرم اقترفته، يوم تتمسك برقابهم وهي تنادي ربّها وتستغيث كي يأخذ لها حقّها، وتقول:
يا ربّ سل هذا لماذا قتلني؟ أو لماذا نشر الخوف والرعب فكان السبب في موتي؟
لماذا أسال دمي؟ وسلب منّي الحياة التي وهبتها لي؟
نعم، إنّه بهذا المشروع الجبّار والهائل والفريد من نوعه على مستوى العالم نستطيع أن نقول بأن فخامة الرئيس ومعاونيه قد أحيوا شعوبا وحفظوا أرواحا لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وحفظوا الأموال والممتلكات، حيث أصبحت الشعوب المختلفة من جميع نواحي العالم يستبشرون بمثل هذا المشروع ويتسابقون إلى الدخول إلى الجزائر لتحقيق المشاريع المتعددة والاستثمارات المختلفة.
وأفضل من ذلك كلّه أنّه محا واستأصل تلك النظرة السيّئة والمظلمة التي كانت الشعوب تنظر بها إلى الشعب الجزائري.
وقد قرن الله تعالى قتل النفس وإزهاق الروح بالفساد في الأرض، وجعل عقاب المفسد فيها القتل والنفي، وذلك هو عذابهم في الدنيا، أمّا في الآخرة فإنّه ينتظرهم العذاب العظيم والأليم والدائم. (1/73)
صفحة 74
قال تعالى: {إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ... سورة المائدة ـ آية:35.
ذلك لأنّ الأمن والسلام وعدم الإفساد في الأرض من الشروط والعوامل الأساسية اللازمة لضمان الحياة المطمئنة، فتحت ظلّه تستمتع النفوس بكامل حقوقها وراحتها، ويزداد نشاطها وأملها في العمل والبناء والتنمية والتعمير، وتزداد فرص العمل، فيتضاعف الإنتاج وتتوفّر وسائله، وتنقص البطالة التي هي وبال عظيم على المجتمع الإنساني.
قتل الشخص نفسه
إنّ الله تعالى قد حفظ للنفس الإنسانية حقّها في الحياة ووفّر لها جميع الشروط لتحيا حياة مطمئنة كريمة، وقد كرّمها تكريما ما فوقه تكريم وفضّلها تفضيلا ليس فوقه تفضيل، ونجد حقيقة ذلك في أنّه تعالى لم يكتف بالنهي عن قتل الإنسان لأخيه الإنسان، بل نهى الشخص نفسه عن قتل نفسه وإزهاق روحه، واعتبر ذلك جريمة لا تغتفر، لأنه تعالى رؤوف رحيم بعباده، فهو لا يريد لهم إلاّ الخير وإلاّ الإستقرار والاطمئنان.
وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}. ... سورة النساء ـ آية:29.
فهو تعالى يرتقي إلى درجة عالية ومكانة عظيمة بهذه النفس، بأنّه لم يحل لأحد مهما كانت حالته أن يتصرّف في روحه ودمه كما يريد هو، رغم أنّ تلك النفس هي ملكه، والدم دمه، والروح روحه، بل حفظ لنفسه وحده تعالى هذا الحقّ، فلم يحلّ لأحد أن يتصرّف في نفسه كيف يشاء بأن يعذّبها بأيّ نوع من العذاب مهما صغر أو كبر. (1/74)
صفحة 75
فالروح روح العبد ولكنّها في الحقيقة هي ملك الله تعالى وحده، يهبها متى يشاء، وينتزعها متى يشاء، ولا يجوز لأيّ كان أن يقتل نفسه أو يزهق روحه، بسبب ما ألمّ به من المرض أوالضعف وفقدان الأمل في الحياة، ولو كان ملقى على فراش الموت، ميؤوس من شفائه، فالأطباء ليس لهم الحقّ أن يعجّلوا بموته، ولو بإذنه هو أو أحد أقربائه بنيّة الارتياح من العذاب الذي يعاني منه، أو أن يتصرّف طبيب مهما كان محلّفا بارعا في الطبّ، بإعطائه حقنة أو دواء ليفارق الحياة، ويرتاح ويريح من يقوم بخدمته، ولو بقي على ذلك مدّة طويلة تقدر بأعوام وأعوام، فالله وحده يعلم ما يصلح للعبد وما يصلح به، وكلّ شيء عنده بمقدار، فله الحقّ الكامل في إخراج الروح أو إبقائها في جسد صاحبها.
هذا من حيث المرض الذي يسميه الأطباء مرض الموت، ومن جهة أخرى كذلك، في ميدان المعركة فلو أصيب جنديّ بجروح بليغة، وكان جسده مثخنا بالجراح، وآلامه شديدة وهو لا يقوى على الحركة، فلا يجوز أن يجهز على نفسه فيقتلها، أو يطلب أحدا من أصدقائه أن يقتله حتّى يرتاح من آلام تلك الجراح، وهذا كي لا تقع الفوضى في وسط المعركة وخارجها، وربّما يصبح ميدانا للانتقام، حيث ينتقم فيها البعض ممّن له ثأر مع أحد من الحاضرين في الميدان، أو تصفية حسابات، فيقتل حتّى الصحيح بدعوة أنّه كان جريحا ينتظر الموت، وكذلك محافظة لقيمة هذه النفس الكريمة العزيزة التي لها حرمة خاصة عند ربّها تعالى، ومن فعل ذلك بنفسهّ أو أمر أحدا غيره أن يقوم به فمصيره إلى النار خالدا فيها أبدا وله عذاب عظيم، برغم أنّه خرج مجاهدا في سبيل الله، مدافعا عن دينه وعن وطنه، ولا يخفى على أحد ما في ذلك من أجر عظيم، ولكن العبرة بالخواتيم. (1/75)
صفحة 76
ولا يجوز كذلك لأيّ كان أن يجهد نفسه في عمل من الأعمال إلى درجة الوصول بها إلى الموت، ولو كان في العمل الصالح الحلال الذي أمر الله به وحث عليه، واعتبر الشرع صاحبه كالمجاهد في سبيل الله، لأنّه في ميدان جلب رزقه ورزق عياله ووالديه، فلا يحلّ له أن يجهد نفسه ويصل بها إلى درجة الموت.
وقد احتج ـ عمرو بن العاص ـ بهذه الآية: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ... سورة النساء ـ آية:29.
وذلك حين امتنع عن الإغتسال بالماء البارد عندما أصبح جنبا في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه من الهلاك، ورغم أنّ الاغتسال واجب ولا تقبل الصلاة بدونه، ولكنّ الله رؤوف بعباده فلم يطلب منهم اتمام العبادة بعمل يوصلهم إلى الهلاك.
قال تعالى: {وإن الله بكم لرؤوف رحيم} ... سورة الحديد ـ آية:09.
فالله رؤوف رحيم بعباده، لا يريد لهم إلا الخير، ولم يشرع لهم إلا اليسر، فهو يريد منهم أن يرحموا أنفسهم ويعرفوا قدرها وكرامتها ومكانتها التي أقرّها الله تعالى لهم.
وقد وردت أحاديث كثيرة تحرّم على الإنسان قتل نفسه أو تعذيبها، واعتبرت ذلك من الكبائر والجرائم التي يعاقب عليها الشرع عقابا شديدا ويخلد صاحبها في النار.
فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبيء {ص} أنّه قال: {أكبر الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، أو قال: وشهادة الزور}.
وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـقال: شهدنا مع رسول الله {ص} خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: {هذا من أهل النار}، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابه جراحة فقيل: يا رسول الله، الذي قلت: إنّه من أهل النار، فإنّه قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات. فقال النبيء {ص}: {إلى النار}.
فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم كذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن كانت به جراحا شديدة، فلمّا كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبيء {ص} بذلك، الحديث. (1/76)
صفحة 77
وعن جندب ـرضي الله عنه ـأن النبيء {ص} قال: {كان برجل جراحة فقتل نفسه، فقال الله تعالى: بدرني عبدي نفسه، حرمت عليه الجنة}.
وعن عبد الله بن عمرورضي عنهماـ عن النبيء {ص} أنّه قال: {لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم}
وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـقال: قال رسول الله {ص}: {من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل فسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا}.
وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـقال: قال رسول الله {ص}: {الذي يخنق نفسه، يخنقها في النار والذي يطعنها، يطعنها في النار}.
كلّّّ هذا الوعيد وهذا التعذيب يكون في قتل الإنسان نفسه التي هي أقرب إليه، ويملكها أكثر من أي شيء آخر، ولا أحد يستطيع أن يتدخل في شؤونها غيره، فما بالك إذن بقتل نفس أخرى غير نفسه التي لا يملك فيها شيئا من التدبير ولا من السلطان، فإذا فعل ذلك لا قدر الله فإن عذابه سيكون مضاعفا لا يعلم مقداره إلاّ الله تعالى خالق هذه النفس، ومنشئها وخالق ذالك العذاب.
هل باستطاعة أحد أن يقدّر ما أعد الله من العذاب ومن الإهانة البشعة لمثل هؤلاء المعتدين الذين يستهينون بخلق الله ولا يقدرونه حقّ قدره، ولا يحترمون هذا المخلوق الذي فضله الله على كثير ممن خلق تفضيلا، وحرّم قتله وتعذيبه وتحقيره.
وقد كان النبيء {ص} لا يصلي على قاتل نفسه وزاهق روحه، ولو كان من عمّار بيت الله ومن الملازمين الدائمين له {ص} في معاركه وغزواته وغير ذلك من المواقع، وما ذلك إلاّ لأنّه عمل محرم وكبيرة من الكبائر التي يكفر مرتكبها وينال بذلك سخط الله وغضبه، ويخرج بذلك من ملّة الإسلام. (1/77)
صفحة 78
فعن جابر بن سمرة ـرضي الله عنه ـ قال: مرض رجل، فصيح عليه، فجاء رجل إلى النبيء {ص} فقال له: إنه قد مات. فسأله رسول الله: وما يدريك؟ قال أنا رأيته، فأجابه رسول الله إنّه لم يمت. ثم انطلق الرجل إلى صاحبه، فرآه قد نحر نفسه بمشقص معه، فانطلق إلى النبيء فأخبره أنّه قد مات. فقال: وما يدريك؟ قال الرجل: رأيته ينحر نفسه بمشاقص معه، فسأله رسول الله {ص}: أنت رأيته؟ قال نعم، فقال رسول الله {ص}: {إذا لا أصلي عليه}. ... رواه أبو داود.
هذا رجل قد أصابه مرض شديد ولم يستطع الصبر معه، وقتل نفسه فكان مآله النار والعياذ بالله ولم يصلي عليه النبيء {ص}، فكيف بالذي يقتل نفسه بدون أي مبرر أو عذر، أو الذي يتعدّى على روح غيره ويستهين بها ويزهقها بغير حقّ.
وهذه كلّها من تحذيرات الشرع الجليل لهذا الإنسان الذي يطغى ويفقد عقله وتفكيره فيفعل ما يفعل ممّا يغضب ربّه، من تدخل في إرادته تعالى، وقدرته وتدبيره، يتدخل في ملكه الطلق، والذي لا يحلّ لأحد أن يتدخّل فيه، و لأنّه هو الذي خلق الموت والحياة، وهو الذي يحيي ويميت وهو حي دائم لا يموت بيده الخير كلّه وهو على شيء قدير.
قتل الآباء أبناءهم
وبعد ذلك ننتقل إلى الآباء والأبناء وما تربطهم من علاقة وطيدة وكريمة، وما أوجبه الله تعالى على الأبناء نحو آبائهم من احترام وتقدير وطاعة وأنّ الأبناء هم من صلب آبائهم فعليهم أن يطيعوهم الطاعة العمياء، خاصّة عندما يكونون صغارا لأنّهم سبب وجودهم، وهم الذين وفّروا لهم كلّ حاجياتهم حتّى أصبحوا رجالا يؤدون دورهم في الحياة.
ومع ذلك فلم يأذن الله للآباء أن يتصرّفوا في حياة أبنائهم بأي نوع من التصرّف، فنهاهم عن التعدّي على أرواح ونفوس أبنائهم، واعتبر ذلك من حقّه تعالى وحده، لأنّه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم
قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم}. ... سورة الأنعام ـآية: 151. (1/78)
صفحة 79
فليس للوالدين الحقّ في التصرف في حياة أولادهم، ولو كان ذلك بسب الفقر الذي يحرم النفس من كثير من احتياجاتها الضرورية للحياة والتي لا تقوم إلاّ بها، فالرزق بيد الله هو الذي يبسطه لمن يشاء، ويقدره على من يشاء، وهو الذي يرزق تلك الذريّة كما رزق آباءها وأمهاتها من قبل أن يرزقوا تلك الذريّة، وذلك لحكمة بالغة لا يعلمها إلاّ هو تعالى، وقد أدرك العلماء بعضا منها ولكن ما خفي عنهم كثير، فالمجتمع الذي يقتل أولاده مهدد بالفناء والاندثار والتلاشي،
قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطءا كبيرا}. ... سورة الإسراء ـآية:31.
وقد نهى الله هنا قتل الأولاد خشية وقوع الفقر بسببهم فقدّم رزق الأولاد، وفي سورة الأنعام نهى عن قتلهم بسب فقر الآباء فعلا، فقدّم رزق الآباء، فمهما تكن حالة الوالدين، ومهما يكن الداعي إلى هذا القتل فإنّه محرّم ومنهيّ عنه من طرف المولى عزّ وجلّ، ويعتبر فاعل ذلك مجرما قد تعدّى حدود الله التي يستوجب بها عذاب الجحيم.
قال تعالى: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت}.
سورة التكوير ـآية:08 ـ09.
وذلك أنّه لمّا هانت النفس الإنسانية وانتقاصت قيمتها ولم تعرف كرامتها في الجاهلية انتشرت عادة وأد البنات خوف العار وخوف الفقر.
هذه هي النفس التي حفظ الله تعالى لها حقّها في الحياة كاملا غير ناقص، مهما كان نوعها، ذكرا أو أنثى، صغيرة أو كبيرة، صحيحة أو مريضة، كلّ ذلك ليحفظ للبشرية جمعاء شأنها وقيمتها، والتي خلق هذا الكون كلّه من أجلها، وسخره وكلّ ما فيه لصالحها، تستثمره وتستفيد منه استفادة كاملة تامة.
إن قتل النفس بغير الحق كيفما كان نوعه يعتبر في الدين الإسلامي انحرافا وفسادا في العقيدة، لأنّه تدخّل في شؤون المولى عز وجل.
حرمة قتل الجنين (1/79)
صفحة 80
ومن عدل هذا الدين ورحمته بالنفس أنّه حرّم قتلها ولو كانت جنينا في بطن الأمّ لم ير النور ولم يخرج إلى الوجودّ وهو لا يزال في مرحلة التكوين والنموّ، فقد حفظ له الحقّ في الحياة كاملا تماما مثل النفس الحيّة الكاملة التي تمشي على رجلين.
هذا منتهى كرامة وعدالة هذا الدين وعظمة شريعته وأصالة أحكامه التي تمنع العبث بالروح الإنسانية، ولو فتح للإنسان المجال للتصرف في هذا الجانب قيد أنملة، لأسرف فيه إسرافا كبيرا، ولعاث في الأرض فسادا يقتل بسبب وبدون سبب، وبذلك الفساد والخوف يعيش في أسوإ حال.
وكذلك حرم قتل الجنين ولو كان في بطن أمه، مع احتمال كبير أنه سيولد مشوها أو معوقا، كل ذلك سدا لباب الفساد والظلم والإفساد وتجاوز الحدود.
ومن رحمته وفضله أن حدد للجنين ديّته إذا أجهض، وذلك على حسب كلّ مرحلة من مراحله التي يكون فيها وقت إجهاضه ولم يضيّع له حقّه في النمو والحياة إذا كان في بطن أمّه، أو بعد إجهاضه.
وهذه الديّة المقدرة التي يدفعها المتسبّب في إجهاضه بقصد أو بغير قصد تكون لورثته.
فمثلا لو روع شخص امرأة حاملا بغير قصد أو بتعمّد، فأسقطت جنينها، وذلك مهما كانت نوعيّة الترويع، فإنّه تلزمه ديّة ذلك الجنين.
ومن الظريف في هذا الموضوع أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، وطلبها لتحضر إليه.
فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمر، فذهبت إليه.
وبينما هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق فألقت ولدا، فصاح الصبيّ صيحتين ثمّ مات.
جمع سيدنا عمر الصحابة ليستشيرهم في هذه الواقعة، فأشار بعضهم أ ن لا شيء عليه ولا يمكن أن يتحمّل مسؤولية ذلك، وقالوا إنّما أنت وال ومؤدّب، ولكن عليّا ـكرّم الله وجه ـ سكت ولم يتكلم بشيء.
عند ذلك أقبل إليه عمر، فقال: ما تقول أبا الحسن؟ (1/80)
صفحة 81
فأجابه علي إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديّته عليك لأنّك أفزعتها فألقته.
هذه هي العدالة السامية للإسلام، ومحافظته على النفس النفيسة ولو كانت جنينا لم يرى النور، ولو كانت أمّه قد ألقته فزعا من أمر أمير المؤمنين الذي يقوم بما يجب عليه القيام به، فيتحمّل مع ذلك ديّة تلك الروح، وكلّ ذلك محافظة على قيمتها وكرامته.
بل إنّ الإسلام يرقى إلى درجة أعلى وأغلى فيحرم إسقاط الجنين ولو كان ولد زنى، هذا الولد الذي يجلب العار والاحتقار لأمّه خاصّة ولعائلته الواسعة عامّة، والذي ربّما سيعيش حياته منبوذا محتقرا من عناصر المجتمع، الكلّ ينظر إليه نظرة ريبة وتنقيص لقيمته، ممّا يسبّب له عقدا نفسية خطيرة والتي ستكون ربّما وبالا على المجتمع.
فهل هناك تكريم أفضل وأحسن من هذا التكريم؟ وهل هناك عدل أعظم من هذا العدل؟ يحفظ الله تعالى حياة هذا الإنسان ولو كان في بطن أمه جنينا في مختلف مراحله، وبعد ذلك في مختلف مراحل حياته، إلى أن يتوفاه الله متى شاء بدون تدخل أحد أوتصرفه، يحفظ له هذا الحقّ ويوفّره له في أيّّ ظرف يكون فيه وفي أي حالة يعيش فيها حياته، وكلّ ذلك يعتبر مقصدا من مقاصد الشريعة السامية والعالية.
وتقاتل المسلمين فيما بينهم يعتبر جريمة عظيمة، تصل بهم جميعا والعياذ بالله إلى الكفر وإلى جهنّم وبيس المصير، وهم يظنّون أنّهم مسلمون مؤمنون من أهل الجنّة، ولكنّهم بعملهم ذلك قد جلبوا لعنة ربّهم وهم لا يعلمون، وأوجبوا سخطه عليهم ولو كانوا يصلون آناء الليل وأطراف النهار، ويصومون الدهر كلّه.
وقد توعّد رسول الله {ص} المسلمين اللذين تقاتلا بسيفهما بالنار كليهما، القاتل والمقتول سواء.
فعن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر رجلا، فلقيني أبوبكر وقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل.
قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله {ص} يقول: (1/81)
صفحة 82
{إذا التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار}.
قلت: يا رسول الله: هذا القاتل، فما بال المقتول؟
قال: {إنه كان حريصا على قتل صاحبه}.
ومن حمل سلاحا على المسلمين، أو على الأبرياء المسالمين فقد برئت منه ذمّة الله تعالى ورسوله ولو كان تقيّا ورعا، وهو من أهل النار خالدا فيها، ألا فليحذر كلّ من تسوّل له نفسه ولو شيئا صغيرا وحقيرا من ترويع المسلمين ونشر الرعب بينهم.
قتل الحيوان لغير حاجة
إنّ ديننا الإسلامي بتعالمه السامية الراقية لم يكتف بالدعوة إلى الحفاظ على النفس البشرية فقط، وتكريمها ومنع قتلها، بل امتدت تعاليمه إلى الرفق بالحيوان وعدم قتله، أو تعذيبه، أو ذبحه بطريقة وحشيّة، وارتقى إلى درجة أفضل وأعلى فنهى عن كل إفساد في الأرض مهما كان نوعه وشأنه، نهى عن قطع الأشجار وتضييع الثمار وقتل الحيوان لغير مصلحة يطلبها فاعل ذلك، واعتبر ذلك منكرا قد يوصل صاحبه إلى النار وبيس المصير، ووجّه المسلمين جميعا إلى أن يكونوا رحماء بينهم، رحماء بمن معهم، رحماء بما حولهم من حيوان وطبيعة وجماد.
فقد نهى رسول الله {ص} عن قتل الضفدع وقال:
{نقيقها تسبيح}.
وقال {ص}: {دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض} ... ـ رواه البخاري ومسلم ـ
ونهى عن التحريش بين البهائم، وذلك بتسليط بعضها على بعض بالأذى وتهييجها للهجوم على بعضها.
وذلك كما يقوم به كثير من الناس في كثير من الدول في مختلف نواحي العالم بحيث يتّخذون ذلك حرفة تجلب لهم الأموال الوفيرة، ويراهنون عليها، والتي تغلب الأخرى يأخذ مدرّبها ذلك المبلغ من المال، وهم يقومون بذلك بعد تدريبها على الهجوم والانتقام من الحيوان المنافس لمدّة طويلة تكون قد قتلت خلالها حيوانات عديدة بدون فائدة أو قصد الانتفاع بها.
وكان {ص} يحذّر وينهى أن يفجع الإنسان الطيور بفراخها. (1/82)
صفحة 83
وذات مرّة كان الرسول مع الصحابة فأخذ أحدهم فرخي حمرة، وهي طائر صغير فجاءت منزعجة إلى النبيء {ص}. فقال:
من فجع هذه بولديها؟ ردّوا إليها ولديها.
ورأى {ص} قرية نحل (أي خليّة نحل) قد حرّقت. فقال: من حرّق هذه؟ قالوا نحن يا رسول الله.
فقال {ص}: {إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلا ربّ النار}.
وكذلك ورد عنه {ص} أنه نهى عن قتل الطير عبثا لا لمنفعة أكل أو حاجة أخرى.
قال {ص}: من قتل عصفورا عجّ إلى الله يوم القيامة يقول: ياربّ إن فلانا قتلني عبثا، ولم يقتلني منفعة.
ويهتمّ الرسول {ص} حتّى بذبح الحيوان في الحالة العادية لمنفعة الإنسان: فبرحمته {ص} وعطفه يوصي الذابح بوصايا يغفل عنها كثير من الناس في مثل تلك المواقف، وهم يظنّون أنّ الحيوان لا يحسّ ولا يتأثر بمثل تلك الحالة، ولكنّه {ص} ينبّههم أنّ له إحساسا وهو يفرّق بين المواقف والأحوال التي هو فيها، فيوصي {ص} بالرفق به عند إرادة ذبحه، فيأمر الذابح أن يحدّ شفرته جيّدا، وأن لا يحدّها والحيوان ينظر إليه وهو ملقى على الأرض ينتظر الذبح، ولا يذبح بهيمة أمام أخرى وهي تنظر إليها تنتظر دورها، إلى غير ذلك من التوجيهات الكثيرة والمتعددة التي اهتمّ بها {ص} وهي في نظر كثير من الناس أشياء بسيطة لا تستحقّ الاهتمام والعناية، وكلّها تدلّ على رحمته {ص} وعطفه وحنانه بكلّ مخلوقات الله تعالى وقد صدق فيه قول ربّنا عز وجل: ... {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. ... سورة الأنبياء ـ آية:106.
وكلّ ذلك احترام لكلّ ذي روح رطبة تدبّ على وجه الأرض، هذه الشفقة وهذه الرحمة التي كانت سببا لدخول كثير من الغلاظ الشداد إلى دين الله تعالى، وأصبحوا رحماء لأنّهم آمنوا وتيّقنوا أنّ هذا الدين ينشر الرحمة والسلام والشفقة والوئام.
رأى رسول الله {ص} رجلا قد أضجع شاة، وهو يحدّ شفرته وهي تنظر إليه، ففاضت الشفقة والرحمة من قلبه على تلك البهيمة العجماء. (1/83)
صفحة 84
فقال له {ص}: {أتريد أن تميتها مرتين؟ هلاّ حدّدت شفرتك قبل أن تضجعها}. ... رواه الطبراني.
وعن شداد بن أوس ـرضي الله عنه ـأنه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله {ص} قال: {إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته}. ... رواه مسلم.
ونهى {ص} عن اتخاذ الحيوان وكلّ ذي روح غرضا للرماية، {أي هدفا لتعلّم الرماية}.
كلّ ذلك من رحمة الإسلام بكلّ مخلوق ذي روح رطبة، ولو كان دابّة تدبّ عجماء، لا يعلم إلاّ الله حكمة خلقها ومنفعتها في هذا الوجود وللإنسان، وربّما يظنّ كثير من الناس أنّها ضرر لهم وليس فيها منفعة واحدة، فكيف بقتل إنسان سوي معتدل الخلقة خلقه ربّه عزّ وجلّ بيده ونفخ فيه من روحه، وسوّاه وعدّله، ووهب له عقلا يفكّر ويتدبّر به، وليكون خليفة له على هذه الأرض، فكيف تسوّل لأحد نفسه أن يقترف ضدّه مثل هذه الجريمة البشعة التي هي ضدّ إرادة الله تعالى ومشيئته، وتدخّل في حكمه.
هذا هو ديننا، هذا هو إسلامنا، ولو نعته الأعداء بما نعتوه به من الأعمال التي تشوّهه وتنقص من قيمته، ولكن هيهات.
فهذا الدين دعوته الأساسية هي نشر الرحمة والألفة والشفقة والوئام والأمن والسلام، سواء بين أتباعه أنفسهم، أو بينهم وبين غيرهم من الأديان الأخرى الذين يعيشون معهم في أوطانهم أو خارج أوطانهم، كيف لا وهو يدعوهم أن يهبوا حبّهم وعطفهم ورحمتهم وتسامحهم إلى كلّ مخلقات الله تعالى في هذا الكون حيوانا كان أو نباتا أو جمادا.
قال {ص}: {الرّاحمون يرحمهم الرحمان}.
وقال {ص}: {ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء}.
وقال {ص}: {لا تنزع الرحمة إلا من شقي}. ... وقال {ص}: {لن تومنوا حتى ترحموا، قالوا: كلّنا رحيم يا رسول الله، إنّه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنّها رحمة الناس، رحمة العامة}.
قال أحد المشائخ: (1/84)
صفحة 85
إنّ الشّريعة الإسلامية كلّها مبنيّة على الرحمة في أصولها وفروعها، وفي أوامرها بأداء الحقوق سواء كانت لله أو للخلق أجمعين، وإذا تدبرنا ما شرعه الله تعالى في المعاملات والحقوق الزوجية وحقوق الوالدين والأقربين والجيران والأصدقاء، وسائر ما شرع الله تعالى وجدنا كلّ ذلك مبنيّا على الرحمة.
ثمّ قال: ولقد وسعت هذه الشريعة برحمتها العدوّ والصديق، وجميع خلق الله تعلى في هذا الكون من حيوان ونبات وجماد.
فالله تعالى بتشريعاته والرسول {ص} بتوجيهاته يريدان صيانة هذا المجتمع الإنساني وحماية عناصره من كلّ تعدّ، حتّى يصبح مجتمعا فاضلا، ويحيطانه بكلّ الوسائل التي تضمن له الإستقرار، وتوفّر له الحياة الراقية والمثمرة، وحتّى تتفتّح البراعم الصغيرة من الجيل الصاعد على الخير والفضيلة، وطريق العمل والإنتاج والنماء، وتنشر من حوله جوّا ملائما تنمو فيه بذور الخير والإحسان، وتستأصل منه بذور الشرّ والإفساد، ويعمل ويجتهد جميع عناصره لوقايته وحفظه قبل أن تنتشر فيه الفوضى والتخريب لا قدّر الله.
والمثل العربي يقول: ـ درهم وقاية خير من قنطار علاج ـ.
لذا فإنّ أبناء المجتمع كلّهم مسؤولون عن توفير هذا الجوّ الأمني وتثبيته في المجتمع، ومعاونة المسؤولين للعمل على نشره والمحافظة عليه في الواقع، ولا يتركوا وسيلة، ولا مجهودا، أو سبب من الأسباب التي توفّر الأمن والسلام، أو تدفع بعض النفوس إلى الانحراف عن طريق الصواب والميل إلى التخريب، أو تحيد عن الهدف العام الصالح لكلّ عناصر المجتمع، إلاّ حاربوها بدون هوادة، ووقفوا ضدّها بكلّ عزيمة وإرادة، فيصبحوا جميعا دعاة إلى الخير والصلاح فلا يجد عناصر التخريب والتدمير مكانا أو فرصة لإنجاز أعمالهم الشنيعة التي لا يرضاها الله ولا رسوله، ولا يقبلها أيّ عاقل يحبّ الخير والنجاح لنفسه ولمجتمعه ولخلق الله كافة.
حبّ الوطن والوطنية (1/85)
صفحة 86
إنّ الوطنيّة الحقيقيّة هي حبّ الإنسان لبلاده، أرض آبائه وأجداده وموضع ميلاده، وعلى كلّ عاقل أن يحبّ وطنه، ويتكوّن فيه ذلك ممّا يبثّه مربّوه ومرشدوه ومعلّموه في نفسه منذ صغره، فيضحّي بكلّ ما أوتي من قوّة وصحّة تفكير وغير ذلك مما قلّ أو كثر، أو عزّ أو هان، وذلك من أجل بنائه وتعميره ورقيّه وسعادة شعبه، لأنّه تربطه به صلات وثيقة ومبادئ وأسس راقية، ففوق تربته ولد، وتحت سمائه وجوّه ترعرع، وبين قومه وعناصره تربّى ونما وتعلّم معنى الحياة، فهو بالنسبة إليه منزله الصغير الذي يسكنه، ويعتبر كالغصن من الفرع، أو الورقة بالنسبة إلى الشجرة، فقوانينه وأعرافه وعاداته هي جزء أصيل من ثقافته وتفكيره، وطريقة عيش أهله وسكانه هي طريقته وطبيعته، يحنّ إليه كلّما ابتعد عنه، ويدفع عنه كلّ ظالم أو متعدّ يريد به مكروه أو ظلم.
وفي ذلك يقول الشاعر:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
إنّ حبّ الوطن غريزة طبيعية في نفس الإنسان، والذي لا يجد ذلك الحبّ في قلبه، فعليه أن يراجع نفسه ويصحّح عقيدته، ويتساءل لماذا لا يجد ذلك.
وقد قال {ص}: {حبّ الوطن من الإيمان}.
فكم من إنسان ينشأ في مكان قفر، حيث المعيشة فيه صعبة، مثل حال الكثير من البدو الرّحل، ومع ذلك فهو سعيد بوطنه ويقتنع به، ويفضّله على أيّ مكان آخر في العالم ولو كان جنّة الله في الأرض.
ومثل ما نرى كذلك في كثير من بقاع العالم التي تصيبها الزّلازل والفيضانات، ويموت جرّاء ذلك المئات والألوف، ولكن بمجرّد أن ينتهي كلّ ذلك، تجد السكّان الذين بقوا على قيد الحياة يرجعون إلى ما تبقّى من ممتلكاتهم، ينظّفونها ويرمّمونها ويرجعون إليها بكلّ رغبة وإرادة كأنّ شيئا لم يقع.
وقديما قيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتدّ القيظ، وانتعل كلّ شيء ظلّه؟ فأجاب وهل العيش إلاّ ذاك. (1/86)
صفحة 87
يعني هو مفتخر بتلك المعيشة، ومقتنع بتلك الوضعية من الحرارة الشديدة وانعدام الظلّ.
ثمّ زاد وقال: يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عرقا، ثمّ ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنّه قي إيوان كسرى.
إنّنا نجد أنّ حبّ الوطن في كمون داخل النفس عند أكثر الناس، إلى أن يدهم وطنهم خطر أو يتعرّض لتخريب أو تعدّ، فعند ذلك تنتبه مشاعرهم، وتستيقظ ضمائرهم، فيظهر عندئذ حبّهم لوطنهم في أجلى صوره وأعلى مظاهره، ويدعوهم للعمل على نصرته والتضحيّة للدفاع عنه، ويبدلون كلّ غال ورخيص في سبيل الرفع من قدره ومكانته، والمحافظة على حرمته وحدوده.
وكلّ شخص فيه مهما علا قدره أو نقص، يستطيع بعمله أن يرفع من شأن وطنه، ويزيد في إنتاجه ورقيّه، ولو كان ذلك العمل صغيرا أو حقيرا، لأنّ الرفع من مكانته ليست مقصورة على العلماء والعظماء وذوي المناصب العالية، وهؤلاء لا يكون لهم أثر يذكر ولا مكانة لولا انتماؤهم للوطن والعمل من أجل فائدته، ولولا اؤلئك المواطنون الذين عرفوا لهم قدرهم، ورفعوهم إلى تلك المكانة التي وصلوا إليها، ووضعوا لهم ذلك اللقب الذي يفتخرون به.
وهذا كما قال مصطفى صادق الرافعي: (1/87)
صفحة 88
(الألقاب لا تصنع الرجال، بل الناس هم الذين يصنعون الألقاب، ويرفعون من قيمتها ومكانتها، فالقائد الكبير العظيم لا يكون انتصاره في المعركة وافتخاره بذلك نتيجة لعمله ومجهوده وحده، بل إنّ ذلك يكون نتيجة تضحية جنوده وتفانيهم هم كذلك، بل ربّما يكونون هم السبب الرئيسي والأساسي لوصوله إلى تلك المكانة العالية العظيمة، وتكون كذلك بعمل صانع الأحذية الذي صنعها بإتقان وجودة، واستطاعت أن تتحمّل هي كذلك صعوبة الطريق وطوله، واستطاع الجنود أن يقفوا بها في ميدان المعركة بكلّ ثبات وينتصروا فيجلبوا المجد والثناء لقائدهم، وتكون كذلك بالخيّاط الذي يخيط الملابس خياطة جيّدة، والعامل الذي حمل إليهم الماء والغذاء في وقته، وحتّى بالدابّة التي تحمّلت هي كذلك ما تحمّلته من مشاقّ وحمولة، وما تعرّضت له في طريقها من حواجز وجبال ووديان، كلّ اولئك بعملهم الصغير والحقير كانوا سببا لانتصار الجيش وتحقيق الذكر الحسن والشرف لقائدهم)
فالأمة وعناصرها كالساعة تماما، كلّ آلة لها عملها ولا بدّ لها من تأدية دورها بدقّة متناهية حتّى تنتظم الساعة وتسير بدقّة وانتظام، فإذا ما دلّت الساعة على الوقت بالضبط دون تأخير أو تقديم دلّنا ذلك على أداء كلّ آلة فيها وظيفتها التي صنعت لأجلها ووضعت في المكان الذي وضعت فيه بدقّة متناهية وانتظام، وإلاّ فلا، وإن كلّ آلة تؤدّي عملها الذي لا تستطيع آلة أخرى أن تؤديه.
وعناصر الأمة مثل ذلك تماما، فكلّ له دوره، وكلّ له عمله وواجبه الذي يجب عليه أن يؤدّيه ويتفانى في القيام به نحو أمّته، حتى يحقّق للأمّة وللوطن مكانته بين الأمم الأخرى، وترتفع قيمتها ويعلو شأنها، وتصل إلى مكانة عالية بين الأمم والشعوب الأخرى في هذا الوجود. (1/88)
صفحة 89
إنّ الدّرجة السامية والعظيمة التي ترتقي إليها أيّ أمّة، وما تحقّقه من سمعة طيّبة بين الأمم، إنّما هو بفضل الآلاف المؤلّفة من عناصر الشعب الذين يعملون في الخفاء، وهم جنود مجهولون يضحّون بكلّ ما لديهم من قوّة ومجهود، ويتقنون أعمالهم في كلّ تواضع ونكران للذات، همّهم الوحيد أن يرفعوا من قيمة بلادهم ويضمنوا رقيّها وتقدّمها وازدهارها، ويحقّقون لها مكانتها المرموقة بين الأمم العالمية، حتّى يكون لها دورها الفعّال والإيجابي في صناعة التاريخ وبناء المستقبل، أسماؤهم لم تظهر ولم يعل ذكرهم كما علا ذكر أسماء اولئك الزعماء والأبطال والعظماء.
فمنظّفو شوارع المدن والمهتمون بنقاوتها لهم دورهم الفعال والإيجابي في جلب الصّحة والسعادة لسكانها، فينطلقون إلى أعمالهم وكلّهم نشاط وحيويّة وبنفوس منشرحة، وهم يقطعون تلك الشوارع النظيفة النقيّة، ولا يخافون على صحّتهم أو صحّة عائلاتهم وأولادهم، فيعملون بحيويّة ونشاط، فيرفعون من إنتاجهم ويوفّرون حاجيات بلادهم فبهذا العمل البسيط الذي قاموا به من تنظيف الشوارع يكونون قد شاركوا مشاركة فعّالة وإيجابية في سبيل رقي وطنهم والزيادة من كلّ ما يدفع عجلة تطوّره وتقدّمه واستقراره.
ولكن الفرق بين الأمة والساعة هو أن الساعة إذا تعطّلت فيها آلة توقّفت جميعها، أمّا الأمّة فإذا تعطّل أحد عناصرها فيجب على العناصر الآخرين أن يتحمّلوا عبءه ويقوموا بدوره وذلك ريثما يعود إلى وظيفته، أو يعوّضونه بمن يقوم بعمله، حتى يضمنوا للأمّة سيرها وتقدّمها دون خلل أو توقّف، وإن لم يفعلوا ذلك فإنّها ستصاب بالشلل ويدفع جميع عناصرها ثمن ذلك. (1/89)
صفحة 90
إنّ جميع عناصر الأمّة بمختلف انتماءاتهم وأعمالهم، إذا أدّوا أدوارهم بكلّ إتقان وإخلاص وتفان ونظام، وراعوا في ذلك مصلحة وطنهم العامّة، وهي تحقيق الخير له، ولم يهتمّوا بمصلحتهم الخاصة فقط، فإنّهم في تلك الحالة يصبحون وطنيين حقيقيين صادقين، فتستطيع أمّتهم أن تفتخر بهم وتعتمد عليهم في السرّاء والضرّاء، فترتفع رايتها عالية خفّاقة بين رايات الأمم جميعا.
الوحدة الوطنية
لقد منّ الله على جميع الجزائريين أن جعلهم أمّة مسلمة ينتمون إلى دين الله الإسلام، أمّة تتبع خير خلق الله، سيّد الأنام محمّد {ص}.
قال تعالى: {لقد منّ الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ... سورة ءال ـ آية:164.
وهل هناك شيء أفضل وأغلى من أن يهدي الله عبدا إلى دينه الإسلام، ويجعله عضوا مسلما، أبوه مسلم وأمّه مسلمة وهو ينتمي إلى عائلة مسلمة.
قال تعالى: {بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين}. ... سورة الحجرات ـ آية:17.
وذلك هو الفضل المبين، لأنّ الهداية للإيمان نعمة من الله لا يهبها إلاّ من يشاء من عباده.
قال تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل المبين}. ... سورة الجمعة ـآية:04.
إنّ الهداية إلى هذا الدّين الحنيف دين الإسلام نعمة من الله يسبغها على من يشاء، وفضل منه يتفضّل به على من يحبّ من عباده الذين اختارهم ليحملوا راية هذا الدّين، ويكونوا من الدعاة إليه، وينشروه بين الأمم المختلفة.
نعمة منه تعالى ما فوقها نعمة، أن يختار هذا الشعب ليجعله أمّة وسطا، خير أمّة أخرجت للناس، فينالوا رضا ربّهم والحياة السعيدة في الدنيا، ويفوزوا برحمته وجنّته غدا يوم القيامة.
قال تعالى ممتنّا على عباده بهذه الهداية: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}
سورة المائدة ـآية:04. (1/90)
صفحة 91
فالأمّة الجزائرية المسلمة، أمّة واحدة فيما تقول وما تفعل، ربّها واحد، ونبيّها واحد، وكتابها واحد، أمّة لها جذورها العميقة في التاريخ العالمي التحرّري، وأصولها الأصيلة في الماضي، تاريخها ناصع صنعه أبناؤها بنفوسهم، وكتبوه بدمائهم، وقد ألّف الله تعالى بنعمته وفضله بين قلوبهم، ونزع العداوة من نفوسهم فعاشوا في إخاء وتعاون ووحدة واستطاعوا بفضل ذلك كلّه، وبعون ربّهم أن يخرجوا المستعمر الغاشم ويرجعوا أرض آبائهم وأجدادهم، يعيشون فيها في عزّة وسعادة، ولكن تجري الريّاح بما لا تشتهي السفن، ولا تدوم الحياة الدنيويّة على حالة دائمة أبدا، فوقع ما وقع من انحراف وخروج عن هذا الطريق المستقيم، حيث أراد بعض أعداء هذا الوطن الغالي والعالي أن ينالوا من هذه الوحدة، ومن الثوابت السامية، ويفرّقوا شعبه شيعا وأحزابا، يذيق بعضهم بأس بعض، ولكن ما دام قد سخّر له رجالا مخلصين ومضحين عظماء فلن يستطيعوا النيل من أسسه ومبادئه.
إنّ الشعوب لا تستطيع أن تصمد أمام التسلّط المادي والمعنوي إلا بفضل الوحدة والتضحية وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الفردية الشخصية.
إنّه بفضل الوحدة وأبعادها الإيجابية حرّر الأجداد البلاد، فأمن العباد وذاقوا معنى السعادة والاستقرار واطمأنوا على ممتلكاتهم وحٍرّياتهم، ردّ إلى الضعفاء حقوقهم، وأصبح الشعب كالبنيان المرصوص، يتعاون ويتناصر فيما بينه، فرفعت قيمته، وعزّت نفسه وعلا شأنه، وحفظت كرامته، وصينت دماؤه وأعراضه وأمواله.
وقد اقتبس العلماء والقادة العظماء هذا التوجّه من محكم تنزيل ربّنا تعالى حيث يقول: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا}.
سورة آل عمران ـآية: 103.
ومن قوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. ... سورة المائدة ـآية:02. (1/91)
صفحة 92
ورسولنا {ص} من جهته قد اهتمّ اهتماما كبيرا بهذه الفضائل التي تجمع الأمم على الخير، وتجلب لها النجاح، فوضّحها توضيحا جيّدا وبيّن فائدتها لأجيال الأمّة الإسلامية حتّى يطبّقوها في حياتهم اليوميّة، إذا هم أرادوا أن يعينهم ربّهم ويؤيّدهم فينتصروا على الأعداء، ويتغلّبوا على مشاكل الحياة الكثيرة، وصعوباتها المتعدّدة فيعيشوا حياة طيّبة سعيدة، ملؤها الطمأنينة والهناء.
قال {ص}: {المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، وشبّك بين أصابعه}. ... أخرجه البخاري ومسلم.
فالحائط إذا كان قائما لوحده، فعمره محدود وقصير، ولا يستطيع الصمود كثيرا أمام الهزّات المتعدّدة، والعواصف العاتية، فينهار أمامها انهيارا سريعا، أمّا إذا كان متّصلا بغيره من البنيان وتكوّنت بائتلافه مع غيره غرف، وارتبطت بها غرفات، وتراص البناء، وتماسك العمران، فحينئذ يقوى البنيان ويرسخ العمران، وتستقرّ الأركان، فلا تتأثر بالحوادث ولا تتذمّر بالكوارث، فالجدار لوحده ضعيف ولكنّه مع غيره قويّ متين وشديد.
ذلك مثل الجزائريين المسلمين المؤمنين، فعليهم أن يبقوا كما يريد لهم ربّهم عزّ وجلّ ورسوله {ص} بنيانا مرصوصا يشدّ بعضهم بعضا، ويحاولوا بكلّ ما اوتوا من قوّة وإرادة أن يدافعوا عن هذه الوحدة ويحافظوا عليها، لأنّها هي السبيل الوحيد والأساسي لتقدّمهم وسعادتهم ونصرتهم على كلّ من يريد أن ينال من مقوّماتهم ومبادئهم، أو يسعى إلى إزهاق الأرواح، والتخريب والتدمير، هذه الأعمال التي يقوم بها من لا يجد في نفسه حبّ هذه القيم العالية التي أرشد إليها ربّنا تعالى ورسولنا محمّد {ص}. (1/92)
صفحة 93
إنّ الأجداد الأوائل تمسّكوا بمثل هذه المثل والقيم والأخلاق الإسلامية الكريمة، فأعانهم ربّهم فتغلّبوا على عدّوّهم الاستعمار الفرنسي وحقّقوا لأنفسهم وللأجيال المقبلة الحريّة والسلام، فعلينا نحن في هذا الوقت الحاضر أن ننهج طريقهم ونقتفي آثارهم إذا أردنا أن ندفع كلّ المخطّطات المدمّرة التي تخطّط ضدّ بلادنا العزيزة، ونتغلّب على كلّ من تسوّل له نفسه أن يرمي هذه الأمّة بسوء، أو يشوّه تاريخها الحافل بالبطولات، وذلك بما يقوم به من الأعمال المخالفة لقيم هذا الشعب المسلم منذ زمن بعيد، والتي هي ضد الإنسانية، ولا يرضاها أيّ عاقل يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر.
إنّ أبواب التعاون والتسامح مفتوحة وأسباب الأمن والأمان والمصالحة والوئام متوّفرة لكلّ من يريد الدّخول إليها بنفس مطمئنّة، فعلى كلّ جزائري مؤمن غيور على دينه محبّ لوطنه وأمّته، يريد حياة هنيئة وآمنة لنفسه وأهله وولده أن يدخل إليها بكلّ تواضع ورضى، هذه هي مظلّة السلم والأمان قد فتحها رئيس البلاد وكلّ أعوانه من سلطات الدولة والأمن ليدخلّ تحت ظلّها كلّ أبيّ حرّ يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤمن بأنه سيقف بين يدي الله غدا يوم القيامة فيحاسبه ويجازيه على كلّ حركة وعمل قام به في حياته، فلنرجع إلى ربّنا ولننصر ديننا ولنحم وطننا لأنّ ذلك في صالحنا في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذٍرّة شرّا يره}. ... سورة الزلزلة ـآية: 08ـ09.
فعلى كلّ مواطن مخلص لوطنه وأمّته مؤمن بربّه ورسوله أن لا يترك فرصة مثل هذه المناسبة تمرّ دون أن يدخل فيها ويستظل بمظلّتها، إنّها مناسبة فريدة من نوعها وثمينة في قيمتها عبر التاريخ الجزائري الحافل، وستبقى ذكرى طيّبة يتذكّرها الأجيال المقبلة، ويفتخرون بها لأنها قد مهّدت لهم الطريق إلى الحياة السعيدة والمزدهرة التي يتمنّاها كلّ حرّ عاقل. (1/93)
صفحة 94
والمواطن الحرّ ينظمّ إلى الجماعة كي يتعاون معها على الرفع من قيمة بلده ولا ينشقّ عنها وهو يغلق أمامه وأمام كلّ منشقّ الأبواب والمسالك التي تجلب للبلاد التخريب والدمار، ولو أدى ذلك به إلى التضحية بروحه الغالية التي وهبها الله إيّاه لأنه يؤمن ويعلم يقينا أنه إدا سل روحه في سبيل وطنه وأمّته فإنه سيكون حيّا يرزق عند ربّه، إنه لا يريد ولا يتمنى حياة مضطربة قلقلة لأمّته، حياة يملؤها الخوف والرعب، ولا يرضى لأيّ نسمة بشرية أن تروّع في نفسها أو أهلها أو مالها.
عن ابن عبّاس ـرضي الله عنهما ـ قال:
قال رسول الله {ص}: {يد الله مع الجماعة}. ... رواه الترمذي.
وعن ابن عمر ـرضي الله عنه ـقال:
خطبنا رسول الله {ص} بالجابية فقال:
{يا أيها النّاس .......... إلى أن يقول: عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنّة فليلزم الجماعة}. ... رواه الترمذي.
إنّ التسامح والتعاون والتصالح مبادئ من مبادئ ديننا الحنيف وأصول من أصوله دعا إليها ورغّب فيها أتباعه، ووعدهم حياة طيّبة سعيدة هنيئة في الدنيا، والجنّة والجزاء الحسن في الآخرة، إذا هم استمسكوا بها وطبّقوها في مجتمعاتهم، ونشروها بين الناس جميعا. وكذلك جميع الأديان السماوية قبل الإسلام، لأنّ مصدرها ... واحد، وهو الله تعالى جلّ جلاله، والذي لا يريد لعباده إلا ّ الخير والاطمئنان والسعادة، وهي تدعو جميعا إلى مبادئ واحدة سليمة وقيّمة، وتشمل طاعة الله ورسوله، واحترام النّفس البشرية مهما كان أصلها، ونبذ الظلم، ومحاربة الاعتداء، ونشر السلام والوئام بين البشرية جميعا.
قال تعالى:
{إنّ الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكّرون}
سورة النحل ـآية:90.
قال السيّد قطب في تفسير هذه الآية: (1/94)
صفحة 95
(لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمّة وينظم مجتمعا، ويكوّن عالما ويقيم نظاما، جاء دعوة عالمية إنسانية لا تعصّب فيها لقبيلة أو أمّة أو جنس، إنّما العقيدة هي الوحدة الجامعة والرابطة القومية التي توحّد أتباعها، وتجمع عناصرها.
وقد جاء بالمبادئ التي تكفل تماسك أفراد الجماعة واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب، والثقة الكاملة بالمعاملات والوعود والعهود. جاء بالعدل الذي يكفل لكلّ فرد ولكلّ جماعة ولكلّ قوم قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبغض، ولا تتبدّل مجارات للصهر والنسبّ والغنى والفقر، والقوّة والضعف، إنّما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد لكافّة عناصر المجتمع. وإلى جوار العدل هناك الإحسان يلطّف من حدّة العدل الصارم الحازم ويدع الباب مفتوحا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقّه، إيثارا لودّ القلوب وشفاء لغلّ الصدور، ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه ليداوي جراحا أو يكسب فضلا.
والإحسان أوسع مدلول، فكلّ عمل طيّب إحسان، والأمر بالإحسان يشمل كلّ عمل وكلّ تعامل، يضمن للجماعة وحدتها وتوافقها وحبّها وتعاونها، فيشمل محيط الحياة كلّها في علاقات العبد بربّه، وعلاقاته بأسرته وبالجماعة والمجتمعات البشريّة جميعا مهما كان دينها، ومهما كانت انتماءاتها)
ويشمل الإحسان كذلك المحافظة وعدم التعدّي على كلّ مخلوقات الله، الحيوان والنبات والجماد. (1/95)
صفحة 96
فعلى كلّ عنصر من عناصر الشعب أن يتعاون مع إخوانه المواطنين لنشر هذه المبادئ والقيم، والدعوة إليها في كلّ حين وفي كلّ مكان بكلّ طاقة ممكنة لديه، ويحافظ عليها باستمرار وعلى الدوام، حتّى يشيع نورها في كلّ جهة من جهات الوطن الغالي، وبذلك يتحقّق الاستقرار والرخاء والتقدّم، ويصبح الشعب كمجموعة واحدة تدافع عن شرف وأمن الوطن، وتجنّبه الخطوب، وتجلب إليه ثقة الشعوب، يعملون جميعا ويتعاونون في جلب المصالح ودرء المفاسد وحفظ الوطن من كلّ من يريد به سوءا أو فسادا، ويعينون رئيسهم العزيز على تطبيق هذا المشروع الفريد من نوعه على مستوى العالم أجمع، والذي يعود بالفائدة الأكيدة على جميع أمم العالم في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد.
ومن نعم الله تعالى وتوفيقه ورحمته بهذه الأمّة أن وهب لها من أبنائها المخلصين رئيسا يؤمن بهذه القيم ويسعى بكلّ ما اوتي من جهد وقوّة إلى تطبيقها وتجسيدها على أرض الواقع، رأفة وشفقة على شعبه، فشملت رحمته بذلك جميع عناصر الشعب بمختلف فآته وعناصره.
إنّه الرئيس المخلص المجاهد عبد العزيز بوتفليقة أعانه الله ووفّقه وحفظه لشعبه، دعا جميع عناصر شعبه الأبي إلى ما دعاهم ربّهم عزّ وجلّ ورسولهم محمّد {ص} رسول الرحمة والألفة والمحبّة والسلام وتبقى مهمّة كلّ عناصر الأمّة تجاه رئيسها أن يعينوه على تفعيل هذا المشروع، فيمتثلوا ويطبّقو مختلف التوجيهات لأنها له تضمن حياة كريمة ومستقبلا زاهرا، وعليهم أن يتيقّنوا جيّدا أنّه لا يريد لهم إلاّ الخير والصلاح.
إنّه بتطبيق هذا المشروع سيصبح كلّ مواطن في وطنه عزيز.
فما على المواطنين جميعا إلاّ احترام هذه الدعوة المباركة بإخلاص وصدق وحسن نية، ويتفانوا في تطبيقها كلّ في مجال اختصاصه وعلى قدر قوّّته.
{لا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها}. ... سورة البقرة ـآية: 285.
لأنّ هذا المشروع المبارك هو طريق السعادة والهناء في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة. (1/96)
صفحة 97
على المواطنين جميعا التزام الطاعة والتعاون والقيام بالواجبات في حدود الآداب وحسن الخلق، احترام النظم والقوانين التي تجلب لهم المنافع وتضمن المصالح وتنظّم الحياة تحت راية الحرية والديمقراطية في هذا الوطن الغالي الذي هو ملك لجميع عناصر الشعب، فعليهم أن يدافعوا عنه ويضحوا في سبيل الرفع من قيمته تماما كما يدافعون عن ممتلكاتهم الخاصة ويحمونه من كلّ عدوان وتخريب، إذ لا وطن لهم ولا بلاد غيره.
لقد أقسم الحسن البصري ـ رحمه الله ـ بأنّ طاعة ولاّة المسلمين واجبة، وهي تبعث الغيظ والحنق في قلوب الأعداء، وفرقتهم كفر بالنعمة.
نعم كلّ من لايطيع الرئيس في هذا الأمر ولا يسعى إلى تطبيقه فقد كفر بالنعمة التي يريدها الله تعالى لهذا الشعب الكريم، لأن ولي أمرنا لا يريد لشعبه إلاّ أن يخلّصه من هذه الويلات التي عاناها طوال الفترة الماضية، وهو بعمله هذا يدعو إلى الحقّ والصلاح، وقد سعى بكلّ طاقته وحكمته ليخرج البلاد والعباد مما كانوا يعانونه من تخويف وترويع وزهق للأرواح وإسالة للدماء، وتخريب وتدمير للممتلكات العامة والخاصة، ممّا دفع بكثير من عناصر الشعب إلى اليأس والقنوط، وتدمّر وإحباط.
وقد جمع رسول الله {ص} مثل هذه النداءات الخيّرة والإصلاحية في خطبته في حجّة الوداع حين خطب المسلمين ودعاهم إلى التحلي بها وتطبيقها.
قال {ص} بعد أن حمد الله وأثنى عليه: {أيّها الناس: اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.
أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت؟ الّلهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.
إلى أن يقول: (1/97)
صفحة 98
أيّها الناس: إنّما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامرئ مال أخيه إلاّ عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ الّلهم فاشهد، فلا ترجعنّ بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإنّي تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا بعدي أبدا: كتاب الله، وسنّة نبيّه}. ... رواه البيهقي.
حقّا إنّ التعاون والتسامح والتضامن إذا شمل طبقات الشعب أجمع، وجميع فئاته، الصنّاع المهرة، والمزارعين الكادحين، والعلماء العاملين، والخبراء المخترعين، وأصحاب المعارف المخلصين، فكلّ اولئك يصبحون عبارة عن قوّة فعّالة يبنون الوطن، وخاصّة إذا توفّر لديهم الأمن والأمان، وساد بينهم التعاون فإنّهم بإذن الله وعونه سيحقّقون كلّ خطوة من الخطوات التي تسعى إليها الأمّة وترمي للوصول إليها، ويقوى بنيانها، وتستطيع أن تمحق أعداءها الذين لا يريدون لها إلاّ التقهقر والانهزامية والخسران.
بل إنّ الإنسان المسلم بنظرته التعاونية والإحسانية إلى نواحي الحياة كلّها، ونصرته دين ربّه والدعوة إليه بالتي هي أحسن، أي بأخلاقه الحسنة ومعاملاته السليمة المستقيمة، يصل إلى درجة نيل رضوان الله ومحبّة الخلق جميعا، لأنه بذلك يجلب لنفسه احترام أعدائه وتقديرهم.
إنّه بتحقيق ذلك كلّه يهون كلّ عسير، وتتحقّق كلّ المطالب، وتحلّ المشاكل العويصة، وما أكثرها في عصرنا الحاضر، ويأمن الخائف، وينصر المظلوم، وتستردّ الحقوق، وتقاوم تيارات الشّرّ والتدمير، ويرجع المنحرف إلى الجادّة، فيندفع الناس إلى الخير والصلاح والإصلاح، ويتمسّكون بالأخلاق الطيّبة، ويساهم جميعهم في بناء الأمّة على صرح الحقّ والعزّة والكرامة، وتبقى متماسكة شامخة مرفوعة الرأس، مهما كثر أعداؤها، ومهما كثرت عليها المحن والكروب وتوالت العواصف، وهذا ما يريد الله لعباده أن يكونوا عليه.
قال تعالى:
{الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور}. (1/98)
صفحة 99
سورة الحجّ ـآية: 39.
وهذا ما كان يتمنّاه آباؤنا وأجدادنا المجاهدين منهم والشهداء لهذا الوطن، فهم لم يهنأ لهم بال إلاّ عندما حرّروه من حكم الأعداء المستعمرين، ولمّا علم منهم ربّهم هذه النيّة الطيّبة، أعانهم ووفّقهم وحقّق لهم ذلك الهدف، ومكّن لهم أرض بلادهم بعد أن ظلّت تحت أيدي الأعداء سنين وسنين طوال.
والعكس تماما فحينما يكون التدابر والتخاذل بين عناصر الأمّة الواحدة ويعمّ بينهم الشقاق والعداوة، ويقطعوا عرى الأخوّة بينهم، فإن ذلك لا يجلب لهم إلاّ الخور والضعف والاستسلام لأعدائهم يخطّطون لهم كيف يشاؤون، ويفعلون بهم ما يريدون، فيحجبون طرق الخير عن الناس، فلا يقوون عن دفع مخطّطاتهم وإحباطها، فتسيطر الأنانية على النفوس، وتظهر الميول النفسية، وتعم النزاعات الجهويّة، فيندفع الناس بكلّ قوّة وجهد لتحقيق المصالح الشخصية، وذلك على حساب المصلحة العامّة، وإذا تغلّبت على النفوس تلك الأخلاق فإنه يعمّ الظلم والتّعدّي، وتنتشر الفتن، ويتغلّب على النفوس ويستحوذ عليها التنازع على الأغراض الدنيوية، وذلك بداية ضعف الأمّة وتقهقرها واستسلامها لأعداءها يوجّهونها كما يشاؤون ويفعلون بها ما يريدون.
إنّ التسامح والتعاون سلاح ماض وأقوى وأعظم من أيّ جيش، وهما عدّة وفيرة وقويّة ودائمة في يد أيّ أمّة تطلب النجاح لأعضائها وتسعى أن تحقّق لنفسها مستقبلا زاهرا ومستقرّا، وبه تدفع عن نفسها كلّ تعدّ أو تخريب.
إنه سلاح الائتلاف، قوّة الاتّحاد، قوّة ضم اليد إلى اليد، ومعونة الأخ للأخ. ... وفي هذا الشأن يقول تعالى:
{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واّكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على جفا حفرة من النار فأنقدكم منها كذلك يبيّن لكم آياته لعلكم تهتدون}
سورة ءال عمران ـ آية: 103. (1/99)
صفحة 100
إنّ الأمّة الإسلامية تقوم وتقوى في بنائها ـ بعد الإيمان بالله ورسوله ـ على عواطف الحبّ المشترك، والودّ الصافي، والبعد عن الحقد والضغائن، ونبذ الحسد والبغضاء.
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: رسول الله {ص}:
{سيصيب أمّتي داء الأمم، قالوا: وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتّى يكون البغي ثمّ الهرج}. صدق رسول الله {ص} أخرجه الحاكم.
فحين تعيش الأمة معتصمة بكتاب ربّها، متمسّكة بهدي نبيّها، وتتّبع إرشادات وليّ أمرها، ويعمل أعضاؤها لبناء حاضرها الذي تضمن به مستقبلها، متعاونة متآزرة فيما بين عناصرها، سليمة قلوبهم، مبرأّة من وساوس الضغينة، بعيدة عن ثوران الأحقاد والانتقام، وإذا أنعم الله تعالى على بعض فئاتها بنعمة سادهم الرضا والقبول، ويدعون بدعاء رسولهم {ص}: {اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر} رواه أبو داود.
والعكس عن ذلك تماما، فإذا مسّ طائفة منها ضرّ أو لحق بها أذى تألّم جميع أعضائها من أجله، فيصيبهم الحزن والإشفاق، وسألوا ربّهم تفريج الكر بات ودفع المصائب، وغفران الذنوب، وتعلّقت بالخشوع لربّها والدعاء إليه.
فهم دائما يبتهلون إلى ربّهم ويتضرّعون إليه بهذا الدعاء وبغيره من الأدعية التي علّمها الرسول {ص} لأتباعه:
{اللهم رضّنا بقضائك، وبارك لنا فيما قدّر لنا، حتى لا نحبّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت}.
أمّا إذا تغلّبت الشهوات على النفوس، واستولت على أفكارها الحظوظ النفسية، وطغت الغفلة عن الحقّ، وصار الأفراد يتطلّعون إلى الزعامات والمآرب الشخصية، تخلّطت لديها الأمور وحلّت الحزازات وانتشرت الفرقة، فأصبحت شيعا وأحزابا يذيق بعضها بأس بعض.
قال الإمام محمّد الغزالي: (1/100)
صفحة 101
(إنّ الألفة بين الناس هي ثمرة حسن الخلق، والتفرّق ثمرة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر).
وقد نهى ربّنا عزّ وجلّ عن التفرّق في كلّ صوره، لأنّه يشلّ حركة المجتمع المسلم، ويضعف قوّة الأمّة ويوهنها، وسبيل الله واحدة تجمع ولا تفرّق، وسبل الشيطان كثيرة تفرّق ولا تجمع أبدا، ومن تبعها فقد ضلّ وغوى. والله تعالى يقول:
{وأن هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله}. ... سورة الأنعام ـآية: 154.
إنّ اتّباع الهوى يفرّق ويشتّت، ولا يجمع ولا يوحّد، والحبّ ّوالإخاء يجمع ويقوّي، وبذلك يجلب عناصر الأمّة لأنفسهم الخير بمختلف أنواعه، فيحيون حياة طيّبة هنيئة مطمئنة، والاتّحاد قوّة، وهو دليل صفاء النفوس ونقاوة القلوب، أمّا التفرّق فهو دليل خبث النفوس وسوء الظنّ ومرض القلوب، وهو طريق موصل إلى النار، وغضب الجبّار، وخراب الدّيار.
إنّ أعداء الأمّة الإسلامية، ومبغضوا الدّين الإسلامي يودّون دائما أن يضعوا سلطتهم على أفراد الجماعة الإسلامية، ولا يهنأ لهم بال حتى يسيطروا ولو على فرد فيها فيوجّهونه إلى طريق التخريب والتدمير فيسدوا بواسطة أعمله الشنيعة كامل عناصر الأمّة، ولذلك نجد ديننا يحارب بقوّة وبصرامة مثل هذا النتوء، وينتزعه من جذوره، كي لا تذهب الأمة جميعا ضحية أعماله وشذوذه، وتنجو الجماعة من أخطر أعماله.
قال {ص}: {ومن شذّ، شذّ في النار}.
وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله {ص} قال:
{لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله، إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة}. ... رواه البخاري ومسلم. (1/101)
صفحة 102
والتنازع والتفرّق هما معول هدم للأمّة، ويؤدّيان بها إلى الفشل وضعف القوّة والهزيمة وذهاب الرّيح، وينتج عن ذلك الكره والبغضاء بين عنصرها فيكثر التعدّي، وإزهاق الأرواح وإراقة الدّماء، والتسلّط على الأعراض والأموال، وتكون الخسارة الكبيرة وهي سخط الله عزّ وجلّ.
وهذه العوامل من جهة أخرى تشغل أعضاء الأمّة عن الاهتمام بما يفيدهم في دنياهم وآخرتهم، وهي مدخل واسع من مداخل الشيطان حيث يتمكّن من إفساد العقيدة، والطعن في الدين، وإشاعة البغضاء والشحناء بين الأب وابنه، والأخ وأخيه كما هو واقع كثير من عناصر الأمة في هذا العصر.
عن أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول {ص}:
{ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام والصّلاة والصّدقة؟ قالوا بلى، قال: {صلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة}.
رواه الترمذي.
وعن جابرـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله {ص}: {إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه، فأدانهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا كذا، فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت}.
إنّ الشيطان قد يئس من إيقاع المسلمين في الشرك والوثنيّة ولكنّه لا يعجز عن إبعادهم عن ربّهم بزرع أسباب النفرة والتفرّق بينهم حتّى يكونوا أضلّ من الوثنيين. (1/102)
صفحة 103
ووسيلته في ذلك استغلال أعداء الإسلام لإيقاد نيران العداوة في القلوب، حتّى إذا اشتعلت الفتنة والقتل بينهم، استمتع الشيطان بذلك وهو يراهم يحترقون بالتعدّي على بعضهم البعض، وقتل الأرواح البريئة المسالمة، فيظهرون أمام الأمم الأخرى أمّة همجية، لا مبادئ لهم يتمسّكون بها، وكأنهم ليس لهم أخلاق سامية يتخلّقون بها، وليس لهم فضائل يعتزونّ بها، في حين أنهم أفضل وأعزّ الأمم على الإطلاق. وذلك ما حكم به ربّنا تعالى في كتابه على مرّ الدهور والأزمان، فبذلك يبتعدون عن الاتّصال بها والتعامل معها، ويقطعون علاقاتهم واتصالاتهم بها، ولا يبادلونها الخبرات والاستثمارات فتبقى منزويّة منغلقة على نفسها، أبواب التقدّم مغلقة أمامها، فتتقهقر إلى الوراء، وهذا ما أصاب كثيرا من الأمم في هذا العصر، حيث أصبحت تحت رحمة أعدائها يتصرّفون فيها كما يشاؤون ويتحكّمون في اقتصادياتها بالقوانين الاقتصادية التي يضعونها على حسب أهوائهم وما يلبي طلباتهم وحاجياتهم.
والأمّة الجزائرية قد سخّر لها ربّها من ينجّيها من محنتها، ويخرجها من مأزقها، ويعيد لها عزّتها أمام أمم العالم أجمع، فرفع لها قدرها وكرامتها التي فقدتها تجاه أصدقائها وأعدائها، وأرجع ثقة شعبها بنفسه، وحسّن ثقة الآخرين بها، حيث أصبحوا يتسابقون إلى الظفر بأسواقها، والفوز بمشاريعها المتعدّدة والواسعة والمهمّة، وجلبوا السلع إلى أسواقها، وهذا يدلّ على خبرة رئيسها الواسعة ومستشاريه ومعاونيه، وحنكتهم الحسنة، وحبّهم لأمّتهم، ووفائهم لها ولتضحيتهم من أجلها بكلّ ما يملكون من قوّة واستطاعة، فهم لا يزالون يسعون ويجتهدون ليداووا جراحها ويلمّوا شملها، ويجمعوا بين أبنائها، ويجتثوا أصول التنازع والتنافر والعداوة بين عناصرها، وها قد عمّ السلم والأمان والوئام أرجاء الوطن والحمد لله، ولله المنة والحمد والشكر. (1/103)
صفحة 104
قال {ص}: {إنّ الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب ولكن لم ييأس في التحريش بينهم} ... رواه مسلم والترمذي.
إنّ من دلائل الصغار وخسّة الطبع، ترسّب الغلّ في أعماق النفوس، فلا يخرج منها بل يظلّ يموج في جوانبها كما يموج البركان المكتوم، وكثير من أصحاب النفوس الحاقدة لا يستريحون ولا يحلوا لهم عيش إلاّ إذا انتقموا وآذوا وأفسدوا، فهم يتلذّذون ويجدون راحتهم في رؤية أمّتهم تتقهقر، وعناصرها تتشتّت، وأفرادها يتعذّبون، واقتصادها يتدهور.
يودّ الحاقدون لو أصبح أهل النعم محرومين، ويتمنّون لو بات الآمنون ضائعين مشرّدين، إذا رأوا نعمة في أخيهم بهتوا، وإذا وجدوا منه عثرة شمتوا لا تستريح نفوسهم، ولا تطمئن قلوبهم، ساخطون على ربّهم وعلى الناس أجمعين، نفوسهم معذّبة، وسعادتهم منغّصة، فهم دائمو الهمّ من أجل الحسد الذي تحمله نفوسهم نحو الآخرين.
إنّ الحقد والغلّ والضغينة غليان شيطاني، وهياج إبليسيّ، سبق به الشيطان الحاقدين والحاسدين، حين أخذ على نفسه عهدا بنشر مثل هذه الأحقاد بين بني آدم، فهو لا يستريح إلاّ إذا رأى الفساد يعمّ الكون بتحاسد البشر وحقدهم على بعضهم البعض، والانتقام من بعضهم.
قال تعالى يروي ما قاله إبليس عندما طرده من الجنّة: {قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ثمّ لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين}
سورة الأعراف ـآية:17.16. (1/104)
صفحة 105
إنّ الأمّة الجزائرية الجريحة خاصّة، والإسلامية عامّة، تحتاج وهي في أزمتها العصيبة التي دبّرها لها أعداؤها، والتي تمرّ عليها كفتن الليل المظلم، إلى مصالحة تدخل الرضا على المتخاصمين، وتعيد التفاهم إلى المتنازعين، إصلاح تستكين إليه النفوس، وتأتلف به القلوب، وترجع القوّة إلى الصفوف، ترفع من معنويات الأفراد، وتعيد الثقة إلى نفوسهم، فيعيش أعضاؤها سالمين آمنين على نفوسهم ودمائهم وأعراضهم ّويتفرّغون للعمل الجادّ المنتج، ويهتموا بالبناء والتشييد بكلّ إخلاص وتضحية حتّى يدفعوا بأمّتهم إلى التقدّم والتحرّر فتسترجع ما ضيّعته منذ سنين.
إنّ سبيل الإصلاح والمصالحة عزيمة راشدة، ونيّة حيّرة، وإرادة خالصة، وبريد الإصلاح هي حكمة المنهج، وحسن الدعوة، وإخلاص النيّة، وعلوّ الهمّة، وجودة الهدف ّوطيب الثناء، وجميل الصبر.
سبيل وبريد لا يقوم به لبيب تقيّ ونقيّ القلب، ومخلص للأمّة، ومضحّ بالغالي والثمين من وقته ونفسه وماله، همّه هو نشر السلم والابتسامة بين عناصر أمّته، وبعث روح الأمل والتفاؤل في نفوسهم، وتقويّة عزائمهم نحو البناء والتشييد، فهو مسرور عندما يرى الناس مسرورين، مرتاح عندما يراهم مرتاحين ومطمئنين، هدفه أن يسود الوئام بين الناس حتى يعيشوا في هناء بال وكرامة نفس.
فهو من أفضل الناس نفسا وأخلاقا، وأكرمهم عند الله منزلة وكرامة، وذلك كما قال رسول الله {ص}:عن عبد الله بن عمرو ـرضي الله عنه ـ قال:
قيل لرسول الله {ص}: أيّ الناس أفضل؟ قال:
{كلّ مخموم القلب، صدوق اللّسان} قالوا: صدوق اللّسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: {هو التقيّ النقيّ، لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد}.
وقال تعالى: {وإن تصلحوا وتتّقوا فإنّ الله كان غفورا رحيما}.
سورة النساء ـآية:129. (1/105)
صفحة 106
وقال تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من امر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نوتيه أجرا عظيما}. ... سورة النساء ـآية:114.
والإصلاح والمصالحة لا تنبع إلاّ من النفوس السامية المخلصة المضحيّة لوطنها وشعبها والتي تبغي الخير للناس أجمعين، ولذلك كان من عمل الرسول {ص} حيث كان يباشر ذلك بنفسه وكان {ص} يخرج ويسعى للإصلاح بين الناس، ويتحمّل في سبيل ذلك ما يتحمّل من المشقّة والتعب وإعراض الناس وعدم رضاهم، وهذه الإساءة لا يستطيع تحمّلها إلاّ ذوي النفوس الصّبورة والقلوب المخلصة، الذين لا يرجون جزاءهم وثوابهم إلاّ من الله تعالى.
وهذه الخصال والأخلاق العالية والصفات الطيّبة الحسنة قد اجتمعت في قائد الأمّة ومعاونيه من كامل طبقات الشعب، حامل مشعل المصالحة والوئام المدني فخامة الرئيس المجاهد حيث أنه تشجّع وتحمّل كلّ الصعاب والعراقيل في سبيل تحقيق ذلك لأمّته، وضحّى بنفسه ووقته من أجل أن يرى شعبه ينعم بالهناء والسلام، ويعيش متّحدا متماسكا متعاونا، نابذا لعوامل الفرقة، مبعدا لأسباب التباغض والتنافر والتباعد، لا يرتاح له بال إلاّ عندما يرى عناصر الأمّة يعملون ويجتهدون ويخطون خطوات موفّقة في الإصلاح والبناء والتنمية، وهم تحت مظلّة المصالحة ينعمون. (1/106)
صفحة 107
فقد حقن من الدماء ما لا يعمل مقدارها إلاّ الله تعالى وقد حفظ من النفوس ما ستشهد له بذلك أعداد غفيرة من الأجيال الصاعدة التي ستدرس تاريخ الجزائر الحبيبة، وصان من الأعراض ما حفظ به كرامة كثير وكثير من الأمّهات والبنات والأخوات، واستبقى من الأموال ما يرفع به اقتصاد الدولة ويدفع باقتصادها إلى الأمام بعون الله وتوفيقه، فسيبقى له هذا المشروع ذخرا عند ربّه، تشهد له به نفوس عديدة غدا يوم القيامة، كما سيكون له شرفا عاليا وقدرا رفيعا عند شعبه، وذكرا حسنا طيّبا عند السلف من الأجيال اللاحقة إن شاء الله، وغرّة بيضاء في جبين التاريخ على مرّ الأيام والأزمان.
والنفوس التي تدعى إلى هذا الطريق الحسن والخيري مجبولة على الشّحّ وصعوبة الانقياد وذلك وسوسة من الشيطان، ممّا يستدعي تحمّل كثير من التعويضات وبذل الكثير من الوقت والأموال في سبيل إرضائها، مع طول صبر وأناة، وراحة صدر، وقوّة عزيمة، وطيبة قلب.
وفي هذا يقول تعالى:
{والصلح خير وأحضرت الأنفس الشحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيرا}. ... سورة النساء ـآية:127.
ولكن مقابل هذه النفوس الشحيحة التي لا ترضى الصلح إلاّ بتعويض ما خسرته في محنتها أو أكثر، يرتقي أصحاب المروءات والنفوس الراقية من المصلحين ليبدلوا من أوقاتهم وأموالهم فيغرموا منها ما يبعث الرضى في تلك النفوس، فيحقّقوا ذلك الهدف السامي والغرض النبيل.
حقّا إنّه عمل جليل وصعب يستدعي الكثير من البذل والتضحية في صبر وأناة، خاصّة إذا كنّا نعلم أن طباع النفوس يطغى عليها صعوبة الإنقياد، وقلّة الاستجابة.
قال تعالى: {وأحضرت الانفس الشحّ}. ... سورة النساء ـ آية:127. (1/107)
صفحة 108
إنّ الإسلام يقدّر لهؤلاء مروءاتهم، ويجازيهم على حسب مجوداتهم ونواياهم، ويعوّض لهم خيرا من ذلك في أهليهم وأولادهم، من الصحّة والهناء والاستقرار والنجاح، وأكثر من ذلك وأفضل ما يدّخره لهم من الأجر الجزيل والثواب الكريم عند ربّهم، في جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار، لأنهم تفانوا في سبيل إصلاح وضعية أمّتهم وسلامتها من التدمير والتخريب، وقد اعتبر الشرع هذا العمل أفضل من الصّلاة والصّيام والقيام.
وفي هذا يقول الرسول {ص}:
{ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟}. قالوا بلى يا رسول الله، قال:
{إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، وإنما تحلق الدّين}. ... رواه الترمذي.
والمصلح بين المتنازعين والمتخاصمين يقوم بعمل من أجلّ وأفضل الأعمال.
وهذا رسولنا محمد {ص} قد باشر هذا العمل بنفسه، وذلك حين تنازع أهل قباء، فنادى أصحابه وقال:
{اذهبوا نصلح بينهم}.
وخرج بنفسه للإصلاح بين أناس من بني عوف حتّى تأخّر عن صلاة الجماعة.
ويقول الإمام الأوزاعي ـرحمه الله تعالى:
ما خطوة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من خطوة في إصلاح ذات البين.
أمّا طريق الإصلاح وأسلوبه، فإنه يبدأ بكلمة طيّبة من رجل عاقل لبيب نبيل مخلص، يسرّه في قرارة نفسه أن يسود السلام والرخاء بين خلق الله جميعا، لا يفرّق بين هذا وهذا، هدفه إرضاء ربّه، ونيل أجره، لا طمعا في منصب أو شكر أو مال أو أيّ شيء آخر من مناصب الحياة الدنيا.
كلمة طيّبة من رجل صالح قد امتلأ صدره إخلاصا فتخرج تلك الكلمة عبارة عن شعاع نور يضيء للمتخاصمين الطريق إلى الخير والنجاح، فتستقرّ بإذن الله وتوفيقه في قلوبهم فينقادون عن اقتناع ورضى وتفهّم لما هم مقبلون عليه من فضل، ولما يدعون إليه من أجر.
وهذا مثل ما ذكر ربّنا تعالى على لسان النبيء شعيب حين قال لقومه: (1/108)
صفحة 109
{إن اريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب}. ... سورة هود ـآية:35.
فالله تعالى يبيّن على لسان هذا النبيء أنّ التوفيق في هذه المساعي يكون من عند الله وحده ولا ينفع فيها مجهود شخص وحده، دون أن يتّكل على ربّه، ليعينه ويوفّقه ويبين له طريق الصّواب والصلاح، فإذا توكّل الساعي في هذا المجال على ربّه، وطلب الإعانة منه وحده، وأخلص العمل له وحده، ولم يطلب شيئا آخر غير مرضاته، فإنه سيصل إلى مقصوده، ويحقّق مراده.
ومن جهة أخرى فإنّ النفوس الطيّبة والقلوب المرهفة يكفي في إزالة شحنائها كلمة رقيقة ولمسة حنونة من قائد حكيم رءوف رحيم، فيطفئ بها نار الحقد والضغينة، ويتلاشى معها الانفعال والشطط الذي يلقيه الشيطان في القلب، حتّى لا تتواضع النفس، ولا ترضى، ولا تقبل بالتنازل عن بعض حقوقها لإخوانها في سبيل انتشار السلام والهدوء.
وشرعنا الحنيف قد أفسح المجال لمثل هؤلاء الساعين بين الناس لنشر الخير بينهم، فأجاز لهم أن يبالغوا في الكلام، ويزيدوا قي الثناء ولو كان ذلك مناقضا للحقيقة وربّما يصلون إلى حدّ الكذب من أجل تحقيق الهدف السامي النبيل.
وهذا هو الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام يقول لمثل هؤلاء: {ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين}.
أوقال: {بين الناس، فيقول خيرا وينمّي خيرا}
رواه البخاري ومسلم.
وفي حديث آخر يقول:
{لا يصلح الكذب إلاّ في ثلاث، الرّجل يكذب في الحرب، والحرب خدعة، والرجل يكذب بين الرجلين ليصلح بينهما، والرجل يكذب للمرأة ليرضيها}.
والإصلاح إن كان سبيله الكلمة الطيّبة، والتصرّف الحكيم ّفهو يحتاج كذلك في كثير من الأحيان إلى بذل الأموال، وتحمّل الديون من طرف السّاعين في ذلك السبيل فينبري لذلك موفّقون من أصحاب المروءات والمكرمات، ليدفعوا من كريم أموالهم وعزيز مدخراتهم، ما يوقفون به الشحناء والبغضاء، وينزعون فتيل التشاجر والتنازع. (1/109)
صفحة 110
وتقديرا لهذه المجهودات النبيلة، واعترافا بجميل عملهم وحسن مجهودهم، فقد جاء التشريع الكريم، ليعينهم بنصيب من الزكاة التي يخرجها الأغنياء من أموالهم لإعانتهم على تسديد هذا الحقّ المالي الذي تحمّلوه من أجل إرجاع حقّ المظلومين، بل أباح لهم الشرع المسألة إذا هم تحمّلوا غرامة في هذا الباب تقديرا لعظم المسعى، واعترافا بأهمية الدور الذي قاموا به في هذا المجال، كي لا تتقل كاهلهم تحمّل ... مثل هذه المغارم، فينقطعوا عن القيام بهذه الأعمال.
وهذا قبيصة بن مخارق الهلالي ـرضي الله عنه ـ
قال: تحمّلت حمالة (يعني غرامة) فأتيت رسول الله أسأله فيها فقال: {أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها} ثمّ قال: {ص}: {يا قبيصة، إنّ المسألة لا تحلّ لأحد إلاّ لثلاثة}.
{رجل تحمّل حمالة، فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثمّ يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: (سدادا من عيش)، ورجل أصابته فاقة حتّى يقول ثلاثة من ذوي الحجا (وهو العقل) من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال: سدادا من عيش)، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها}.
السلم والمصالحة الوطنية
السلم هو ضدّ الحرب، وهو أيضا بمعنى الإسلام، والسلم بمعنى الصلح، وهو يفتح ويجرّ، ويذكر ويؤنث.
إنّ السّلام المطلق هو الله عزّ وجلّ وحده، والإنسان الذي يأتي الله بقلب سليم، هو السلام من عباده، وهو الذي سلم من الغشّ والحقد والحسد، وسلم قلبه عن إرادة الشرّ وجوارحه عن الاثام والمحضورات، وسلم عقله من أسر الشهوة والغضب.
ففي وقت السلم والمصالحة وهو ما يجب أن يسود المجتمعات الإنسانية، تنتشر الدعوة إلى الله، ويكون ذلك بأمان واطمئنان، وفيه تحقن الدماء، وتصان الأعراض، وتحفظ حرمة الأبرياء. (1/110)
صفحة 111
والإسلام دائما يدعو إلى السلم والتسامح والتفاهم حتّى مع غير المسلمين، وهذا لا يعني الذلّة والخضوع لأعداء الله، لأن المسلمين أعزّاء بعزّة الله، وإنما يكون ذلك من أجل تحبيب هذا الدّين إليهم وجلبهم للدخول فيه وهذا ما كان يفعله الرسول {ص}.
وكلّ دعوة الإسلام للأمم إنّما هي سلم وأمان واطمئنان لأنّه تحت راية الإسلام يكون السلام الحقيقي.
والسلام هو حالة من السكون والهدوء لا يشوبها غضب، ولا اضطراب ولا ضغوط، ويشبّه العلماء ذلك ببركة ماء أو بحيرة ساكنة لا يشوب سطحها أيّة أمواج أو تيارات.
والسلام نعمة تعود بركتها وأثرها على جميع مخلوقات الله في مختلف المجتمعات على مستوى العالم ككلّ، وهذا ما يجب أن يكون بين بني البشر لولا وجود اولئك الذين يريدون نشر الرعب والخوف بين الأفراد والجماعات.
أمّا ما نراه ونشاهده ونعيشه من الحروب والاعتداءات بين بني الإنسان ما هي إلا وسوسة من الشيطان، ألقى بها في قلوب بعض ضعفاء النفوس وضعفاء العقول، كي يشعل نار العداوة بينهم وبين بني جنسهم، فيقتل بعضهم بعضا، ويتعدّى بعضهم على أرواح وأعراض إخوانهم، وكلّ ذلك نابع من إشباع شهواتهم وغرائزهم المختلفة، ومنها التكبّر والتجبّر وحبّ الاستعلاء والسيطرة وترويج سلع الحرب وجمع الأموال.
وهؤلاء الذين يقومون بمثل ذلك لاينعمون بالسلام حتّى مع أنفسهم وكلّ ذلك من الشيطان الذي يريد لهم الشقاء في حياتهم الدنيا بأن يعيشوا دائما وأبدا في اضطراب وعدم استقرار، وأن يكونوا معه غدا يوم القيامة في نار جهنّم والعياذ بالله.
إنّه كلّما زاد عدد الأشخاص الذين ينعمون بالسلام مع أنفسهم، زادت احتمالية أن تعيش المجتمعات المحلية والعالمية في سلام ووئام وطمأنينة وأمان، لأنّ المجتمع يتكوّن من اولئك الأشخاص، وكيفما كانت أنفسهم يكون المجتمع. (1/111)
صفحة 112
وكلّما زاد عدد الناس الذين ينادون بالسلام والوئام ويدعون إليه، ويرشدون الآخرين إلى العمل به وتطبيقه في واقع حياتهم، كلّما زادت دواعي السلام وأسبابه، وزاد الازدهار والاستقرار والتنمية والرخاء، لأن روح السلام ستغمرهم جميعا، وتبعث في نفوسهم حبّ الحياة، فيحاولون بكلّ ما أوتوا من طيبة نفس وروح حبّ للآخرين أن يدعوهم إليه حتّى يكونوا مثلهم.
السلام من سمات الفضلاء
إنّ السلوك السلمي والعفو والمسامحة من السمات المميزة لأعظم الأشخاص الذين سموا بأنفسهم إلى أعلى درجات الحبّ لكلّ الناس والإصلاح بينهم بالتي هي أحسن، ومحاولة نشر الفضيلة والأخلاق السامية في المجتمعات البشرية، لأنّ أنفسهم تفيض سماحة وخيرا وحبّا وشفقة ورحمة على خلق الله جميعا، فهم يدعون دائما وبكلّ ما اوتوا من قوّة وجهد جميع الناس إلى التحلّي بمثل هذه الأخلاق السامية، مثلما يقوم به رئيسنا الكريم في مجتمعنا الجزائر.
وهذه الأخلاق السامية دعا إليها كلّ الأنبياء والرسل مثل سيدنا إبراهيم وموسى وعيسى وسيّدنا محمد {ص} فقد كانوا بحقّ القادة الروحيين للبشرية، هدفهم في ذلك نشر الوئام والحبّ بين الناس أجمعين.
قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ... سورة الشورى ـآية: 11. (1/112)
صفحة 113
فكلّهم قد دعوا إلى مثل هذه الأخلاق، ولكنّهم عوملوا من أقوامهم الغلاظ الشداد معاملة سيّئة عنيفة، وبفضل قلوبهم الرحيمة والرؤوفة صبروا على كلّ ذلك ولم يقابلوهم بالمثل، بل دعوا الله تعالى أن لا ينتقم منهم من تلك المعاملة الغير الجيّدة، فبالرغم من ظلم أهلهم لهم والتعدّي عليهم بمختلف الاعتداءات، من السبّ والشتم والاتهام في أعراضهم ورميهم بالقذورات والأوساخ وإخراجهم من أهلهم وبيوتهم وبلادهم، وغير ذلك من التعدي، لم يقابلوا السيّئة بالسيّئة بل قابلوهم بالتّي هي أحسن، ولم يحملوا حقدا ولا طلبوا انتقاما، بل طلبوا لهم الهداية إلى الطريق المستقيم ورجوا لهم الخير، كلّ ذلك لأنّهم حافظوا على سلامهم الداخلي مع أنفسهم، والذي كان السبب الأول والرئيسي في نشر السلام الحقيقي داخل مجتمعاتهم.
وليس هناك شيء أحسن وأفضل للبشر من أن يحافظوا على سلامهم الداخلي مع أنفسهم، ونقاوة روحهم، ومراقبة ضمائرهم، حتّى يستطيعوا التكيّف مع الشدائد الخارجية والاضطرابات النفسيّة الداخليّة التي تصيب الإنسان يوميا، (لأنّها من سنة الله تعالى في خلقه)، بكلّ قوّة وصمود وراحة نفس، ولا يكون لها تأثيرا سلبيّا على أفكارهم الخاصة وتعاملاتهم العامّة مع كافّة عناصر المجتمع. (1/113)
صفحة 114
فعلى الزعماء والقادة الروحيين، والمرشدين الاجتماعيين، أن يركّزوا على تقويّة الجانب الروحي في عناصر المجتمع، ويبثّوا فيهم قوّة التضحيّة، ويعلموهم مبادئ التوافق النفسي الداخلي، الذي يجعل الشخص يحيا حياة هادئة متوازنة مع نفسه التي يحملها بين جنبيه، هذه النفس التي يستطيع بها معاشرة عناصر مجتمعه معاشرة طيّبة، ويرشدوهم إلى التخلّق بفضائل العفو والسلام والمسامحة والتعاون، هذه الفضائل التي تصبح نابعة من داخل نفوسهم وقلوبهم لأنّها قد جلبت لهم الطمأنينة والهدوء الداخلي، فيعمّموها في المجتمع، ويصبحوا دعاة إلى السلام والوئام في مجتمعهم الصغير الأسرة، ثم في مجتمعهم المتوسّط القرية والمدينة، وبعد ذلك المجتمع الكبير والواسع الدولة، وبهذه العملية يعمّ العالم جميعا مثل هذه الأخلاق الراقية والسامية، فتتغلّب قوى الخير على القوى الأخرى، فينموا الهدوء والسكينة والطمأنينة داخل العقول، ويستقيم تفكيرها وتعتدل أفكارها وتصحّ اعتقاداتها، وتقوى أرواحها، فيعم العالم جميعا السعادة والهناء، وتنقص بذلك الاضطرابات الشخصيّة والاجتماعية، فيعمّ السلام وينتشر الوئام فيأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم.
لقد علم الرسول {ص} بأنّ هذه القواعد والأسس هي التي تبني وتكون المجتمعات الصالحة المملوءة بالسلام والأمن والوئام، وأن النفوس تصلح بها وتستقيم إذا ما تمسكت بها، لذلك بدأ بنفسه فطبّقها في حياته مع أصحابه وأعدائه، وأرشد جميع أصحابه إلى التمسّك بها والتعامل بأسسها مع القريب والبعيد، فكوّن مجتمعا راقيا سعيدا عاش فيه الصديق مع العدوّ جنبا إلى جنب، وهم آمنون متعاونون. (1/114)
صفحة 115
لقد دعا {ص} إلى أعظم دين دين الإسلام والسلام والأمان، دعا إلى الاهتمام أوّلا وأخيرا بتقوية الروح ومعالجتها والسموّ بها عن كلّ ما ينقص من قيمة هذه الروح وما يحطّ من كرامتها، لأنها هي التي رفعت فيهم الحبّ للناس جميعا، فأصبحوا بفضلها عنصر هذا الإنسان إلى الدرجة التي كرّمه الله بها، وهي التي تسمو وترقى به إلى أعلى درجات الكمال الخلقي الذي يبعث في النفوس الإحساس بالسعادة والاطمئنان والهدوء النفسي، وفي المجتمعات الاستقرار والتعاون والنمو والسير قدما نحو درجات الصلاح والإصلاح.
هذا الدّين الذي بعث به نبيّنا محمد {ص}، يدعو وينادي إلى السلام والتفاهم والتعاون بين جميع بني البشر، بمختلف دياناتهم وانتماءاتهم وعروقهم وألوانهم ولغاتهم، لايفرّق بين هذا وذاك المهمّ أن يحترم كلّ ّواحد منهم نفسه أنه يجب عليه أن يكون عنصر خير وسلام يعمل بالخير، ويعاشر الآخرين بالخير، ويأمر به ويدعو إليه، يحافظ على حقوق غيره، ويحترم معتقداتهم ولا يتعدى على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، لأنه يعلم جيدا أن عليه أن يظهر للعالم أجمع سماحة هذا الدّين مع الأصدقاء واحترامه للأعداء، وأن ربّه تعالى سيحاسبه على ذلك غدا يوم القيامة.
لقد كان نبينا محمّد {ص} دائما يدعو إلى إقامة الصلاة والمحافظة عليها، لأنّه يعلم جيّدا أنها من الأساسية التي تقوي الروح وترفع من معنويات الأشخاص، وتبعث فيهم الأمل والطمأنينة، وبذلك يصبحون عناصر صالحين ومصلحين، يعاشرون من حولهم بالمعروف، لأن تلك الصلاة قد رسّخت في نفوسهم سلاما ووئاما وأمانا، يأمنهم القريب والبعيد على كلّ ممتلكاتهم، لأن تلك الصلاة قد رسّخت فيهم المعاملة الحسنة والطيّبة بين الناس جميعا، ويحسّون بأن لهم قيمة معتبرة في المجتمع، فيحاولون بكلّ ما لديهم من تفكير حسن وإرادة طيبة أن يحافظوا عليها. (1/115)
صفحة 116
وبالإضافة إلى ذلك يعتقدون داخل نفوسهم الطيّبة أن عناصر مجتمعهم يعينونهم على مجابهة وحل ّمشاكل الحياة ومصاعبها، ويتيقّنون جيّدا بأن حياتهم لا تكتمل ولا تكون سعيدة ومطمئنّة إلاّ بمعونتهم ومساندتهم لهم.
ففي تلك الحالة تمتلئ النفوس بالحبّ والاطمئنان، وتشعر بعاطفة قوية نحو جميع عناصر المجتمع، بل الإنسانية جمعاء، وتبعث فيها الاهتمام الشديد بمن حولها، فتتكوّن فيها متعة كبيرة بإعانة الآخرين والتضحية في سبيل توقير الراحة لهم، ويشعر كلّ شخص بأنّ له قيمة كبيرة ودور إيجابي داخل مجتمعه، ويتوصّل إلى أنّ مصدر ذلك الحبّ قد نبع من داخل نفسه، وزاده قوّة ورسوخا تعامله مع من حوله بتلك الأخلاق العالية، فيسرع إلى التضحية بكلّ ما يملك، حتّى يحافظ على تلك المكانة الجيّدة التي وضعها فيه عناصر مجتمعه، ويمتنع بكلّ قوّة عن التعدّي عليهم، بل أكثر من يصبح هو نفسه أداة دفاع وردّ لتعدّي الآخرين.
وكلّ هذه الأخلاق هي من توجيهات خير البرية، تحلّى بها هو أوّلا مثالا للسماحة والعفو يمشي على رجلين، ونفخها في نفوس أصحابه فتعاملوا مع القريب والبعيد، والصديق والعدوّ، فهو الذي كان يأمر أتباعه ويقول لهم بكلّ موضوعية وصراحة يسمعها العالم جميعا من حوله:
{انصر أخاك ظالما أو مظلوما}. فاحتار الصحابة وسأل أحدهم وقال: أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما، قال {ص}: {تردّه عن ظلمه}.
فالحبّ والاحترام والتآلف والتسامح مع جميع النّاس كلّهم من عناصر القوّة النفسيّة التي يريد الله أن يكون عليها عباده جميعا، والتي تحوّل بإذنه العدوّ اللّذوذ إلى صديق حميم.
وهذا كلّه من توجيهات ربّنا تعالى وإرشاداته لهذه النفوس التي خلقها بيده، وهو وحده يعلم ما يصلح لها من المعاملة مع غيرها من النفوس الأخرى.
قال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}. ... سورة فصّلت ـآية:34. (1/116)
صفحة 117
إنّ القوّة الحقيقية والبطولة المتناهية لا تكمن في القوّة الجسميّة الماديّة، وإنّما تكمن وتنبع من الحبّ الروحي القوي والحقيقي الخالي من كلّ تكلّف أو نفاق لجميع خلق الله، وجلب السعادة لهم بواسطة تضحيتنا ومسامحتنا ببعض حقوقنا حتى نجد نحن كذلك منهم من يبادلنا نفس الشعور ونفس التضحيّة والمعاملة، وفي هذا يقول ربّنا تعالى شاكرا الصحابة على التحلّي بهذه المبادئ العظيمة والسامية.
قال تعالى: {ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا ويوثرون على أنفيهم ولو كان بهم خصاصة}. ... سورة الحشر ـ آية:09.
ويقول سيّد البشرية ورسول الحريّة في تبيين أنّ القوّة النفسيّة الروحيّة والتحكّم فيها هي الأساس في الحياة الكريمة الهادئة وليس القوّة الجسديّة والعضليّة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله {ص}:
{ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} ... رواه البخاري ومسلم.
وروي أنّ رجلا سأل رسول الله {ص}: أيّ العمل أفضل؟ فقال {ص} {حسن الخلق، هو أن لا تغضب إن استطعت}.
والعلماء النفسانيون يقولون: {الغضب ضعف، والحلم قوّة}.
وإذا أراد عناصر مجتمع ما أن يحيوا حياة طيّبة سعيدة مملوءة بالمودّة والرحمة، والتعاون والتفاهم، فعليهم أن يعزّزوا هذا الجانب في نفوسهم ويزرعوه في مجتمعهم، وعليهم أن يهتمّوا بتقويّة الجانب الروحي أكثر من اهتمامهم بتقوية الجانب الجسدي المادّي، وبذلك تقوى شخصياتهم ويسجّلون لأنفسهم مكافآت عالية من الحياة السعيدة في الدنيا، وخالدة دائمة في الأخرى. (1/117)
صفحة 118
إنّنا في عصرنا الحاضر، عصر المعلومات والتقدم التكنولوجي المادّي الكبير حيث نجد الناس يعتبرون أنّ المال والغنى هما القوّة الحقيقية لأي شخص، وهما اللذان يضمنان له المكانة الاجتماعية والتقدير من طرف عناصر المجتمع الذي ينتمي إليه، ويعتقدون أنّ الحياة الصاخبة والمزدحمة بالأعمال والمشاريع المختلفة هي علامة النّجاح لأي شخص ولا للمشاعر الإنسانية القيمة اللازمة لها، وذلك مثل مشاعر الحبّ والرحمة والتعاون والتسامح، ويظنون بأن تلك المشاعر ما هي إلا إحساسات ثانوية، لا توفّر المال والغنى والمقام المعتبر في المجتمع.
إنّ هذا الاعتقاد والاعتبار الغير الصحيح، الذي تكوّن في نفوس العباد ورسخ في عقائدهم على مرّ الأيام والأعوام، قد أدّى بهم إلى أن تكوّنت لديهم أخلاق سيّئة مثل الظلم والتعدّي والانتقام والتسلّط على بعضهم البعض، وهذا ما جلب لهم هذه الفوضى العارمة، التي يعيشونها في مختلف نواحي العالم، سواء الإسلامي منه وغير الإسلامي
إنّ الإنسان هو الإنسان وطبائعه هي نفسها منذ خلق الله أبينا آدم عليه السلام وأنزله إلى هذه الأرض، وستبقى كذلك إلى نهاية الحياة على وجه الأرض.
خلقه من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء، خلقه من طين وروح فهما مجتمعان فيه جنبا إلى جنب، فلا بدّ له كي يحيا حياة طيبة، ويعيش معيشة متوازنة أن يهتمّ بالعنصرين معا، ولا يغلبّ أحدهما على الآخر، وذلك بتلبية رغباته الجسمية المادية، وكذلك يهتمّ بالناحية الروحية فيه، وربّما يهتمّ بهذه الناحية أكثر من الناحية الأخرى، حتى يستطيع السيطرة على رغباته وشهواته العارمة. (1/118)
صفحة 119
إنّ كثيرا من الناس في هذا العصر لا يهتمّون إلاّ بالناحية الماديّة الشهوانيّة البهيميّة، ولذلك وصلوا إلى الحالة التي هم فيها من انحطاط الأخلاق وانتشار القتل والتعدّي على أرواح وأموال بعضهم البعض، لأنّهم يسعون وراء إشباع رغباتهم ومتطلباتهم الجسمية المادية بأيّ طريقة كانت وبأيّ وسيلة ممكنة، هذه الشهوات والملذّات التي لا تنتهي أبدا ولا يشبع منها الإنسان ما دام على قيد الحياة.
قال تعالى:
{إنّ الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ... والذين هم عن آياتنا غافلون، اولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}
سورة يونس ـ آية: 07.
وقال تعالى:
{بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} ... سورة الأعلى ـ آية: 16ـ17.
فبسبب ضعف الجانب الروحي عند أغلبية الناس، دفع كلّ شخص منهم إلى الاعتقاد بأنه هو وحده الذي يصاب بما يصاب به من مشاكل ومصائب وأزمات، وأنه هو وحده الذي يمرّ بما يمرّ به من مواقف صعبة في الحياة، وأنه الوحيد الذي سقطت عليه المأساة، وأصيب بالضيق، فتجده يكثر من الشكوى والتذمّر لكل من حوله من الأقارب والأصحاب، بل يشكو لمن ليس له أية علاقة أو صلة به وما ذلك إلاّ لسبب ضعف الجانب الروحي والعقدي لديه، لأن تحمّل المصائب ومصاعب الحياة ومشاكلها لا يكون إلاّ ممن له نفس ذات روح قوية وثابتة، فهو دائم التفاؤل ولا يفقد الأمل، لأنّه لا يشتكي إلاّ إلى خالقه، ويعلم جيّدا أنّ كلّ ما يصاب من مصائب امتحان من ربّه له، وما أعطي من نعم فهي اختبار منه. (1/119)
صفحة 120
إنّ الحقيقة الواقعية أن كلّ بني البشر يعيشون في وضعية متشابهة مع شيء من التفاوت، فهم يتعرّضون لمشاكل متشابهة يوميا تقريبا، وهم موجودون في سفينة واحدة، ولكن الفرق بينهم أن هذا قويّ الروح ثابت النفس، له القدرة الكافية للتحمل والآخر ضعيف الروح متدبدب النفس لا يثبت على حالة واحدة فهو كثير الشكاية لسبب أو لغير سبب، لأن قوّة الروح وضعفها هي التي تهب للإنسان قوّة التحمّل أو ضعفها، وبه يقدّر مقدار الصبر لدى أيّ إنسان.
قال تعالى:
{ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، اولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة اولئك هم المهتدون} ... سورة البقرة ـ آية:156.155.154.
وقال رسول الله {ص}: {الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر}. ... ر ... رواه مسلم وأبو داود.
إنّ كلّ شخص في هذا العالم في الحقيقة هو كغيره من الأشخاص، ينتمي إلى واقع مليء بالمآسي والمصائب والمشاكل، لأن ذلك من إرادة الله وتدبيره في هذا الكون، فإذا ما قوّى الشخص هذا الاعتقاد لديه فإنه سيقوي بالتبع النظرة الإيجابية لهذه الحياة فلا ييأس ولا يقنط مهما أصيب في جسمه أو أهله أو ماله، بل يقابل كلّ ذلك برضى ويقين وثبات، فيشعر بالإطمئان النفسي والتفاؤل من المستقبل، مما يحقّق لنفسه بذلك حياة سعيدة مستقيمة مطمئنّة.
نشر الأمن والمصالحة (1/120)
صفحة 121
إنّ من أهم ما يساعد على نشر الأمن والوئام في المجتمع، اهتمام كلّ عضو فيه بعمل صالح منتج يرفع به قيمة أمّته من الناحية العلمية أوالفلاحية أو التجارية أو الصناعية، ففي هذا الشغل يقضي وقته وهو مرتاح البال وهو يشعر أنه يقضي وقته في عمل مثمر يعود عليه بالفائدة، ويضمن له رزقه ومتطلبات حياته اليومية، وبذلك لا يحاول أن ينهج طريقا آخر غير صحيح لتلبيتها، ومن جهة أخرى يشعر أنّ له قيمة في مجتمعه، فهو يعتبره عنصرا منتجا يسدّ ثغرة فيه، وكذلك بعمله ذلك تكون له مصالح مشتركة مع العناصر الآخرين وممتلكات، فيحافظ عليها بما ينشره في المجتمع من مبادئ السّلم والآمن، أما إذا لم يحاول تكوين مكانة له داخل المجتمع فإنّه ينظر إلى نفسه بأنّه عنصر هامشي لا يليق لشيء ولا يشارك في بناء ذلك المجتمع، وليس له ما يخاف عليه من أموال أو تجارة فتتكوّن لديه نظرة سيّئة نحو العناصر الآخرين وربما يحسدهم على ما هم فيه من غنى وحياة راقية، فيدفعه شيطانه إلى الإفساد والتخريب لأنّ شيطانه قد ألقى في روعه أنّه بذلك سيمنع الآخرين من التمتّع بما هم فيه من الرفاهية والغنى، ويصبح بذلك معول هدم وإفساد عوض أن يكون عنصر بناء وإصلاح.
فالعنصر الصالح الذي له هدف واضح في حياته، ويرمي إلى تحقيقه بكلّ ما أوتي من قوّة ووسائل، يتكوّن لديه تفكير مستقيم نحو الحياة عامة ونحو مستقبله خاصّة، ومستقبل أمّته على الخصوص.
هذا العنصر تتكوّن لديه أفكار إيجابية فيبني ويعمّر ويرفع من قيمة أمته، وبذلك يحقّق لنفسه النجاح الذي يصبو إليه كلّ أحد في هذه الحياة.
فعلى الموجّهين والمرشدين أن يرشدوا أعضاء مجتمعهم إلى المشاركة الفعّالة في بناء الوطن حتّى تتوفر كامل متطلبات الحياة لدى كافة عناصر الأمّة، وبذلك لا تسوّل لأحد نفسه أن يخرّب أو يفسد مثل تلك المنشآت لأنّه يعلم أنّه بعمله ذلك سيحرم من بعض ما يصبو إليه ويتمنّاه. (1/121)
صفحة 122
وعلى كلّ عنصر من عناصر المجتمع أن يشارك في جمعية خيرية أو منظمة اجتماعية لأنه سيتعلم معنى الشفقة على الخلق والرحمة بجميع عباد الله.
والمثل يقول: فاقد الشيء لا يعطيه.
ويقول كذلك: كلّ إناء بما فيه ينضح. أو يفيض.
ويقول الفيلسوف (كونفوشيوس):
إذا صلح القلب = استقام السلوك.
وإذا استقام السلوك = ساد في البيت الإنسجام.
وإذا ساد في البيت الإنسجام = حلّ النظام في الأمّة.
وإذا حلّ النظام في الأمّة = عمّ السلام في العالم.
فمن تلك الأعمال الخيرية التي يباشرها الشخص ينمو لديه حبّ الخير للناس جميعا، ويتكوّن لديه حبّ التعاون، ويصبح عنصرا مصلحا ينشر التسامح والأمن والوئام في مجتمعه، وبهذا يخرج من تقوقعه وضيق معيشته، لأنه بذاك العمل سيجد المجال اللائق لإفراغ طاقاته المتوفّرة لديه والتي تنمو معه في طريق الخيروالصلاح. ... والعكس تماما فإذا لم يكن لنفسه ميدان خير لإفراغ شحنات نفسه، فسيفرغها في ميدان آخر ميدان الإفساد والتخريب، وهو طريق سهل لمن يريد سلوكه، فيظلم بذلك نفسه ومجتمعه بالتبع.
فكما أنّ الله قد جعل للجسد أعضاء مختلقة وكلّ عضو له وظيفته الخاصّة به، ويعود بالخير والنفع لجميع الأعضاء الأخرى إذا قام بذلك العمل على أحسن ما يرام، فكذلك عناصر المجتمع وأعضاؤه فكلّ واحد منهم مسؤول على القيام بوظيفته فيه كاملة غير ناقصة.
فلكلّ عضو في الأمة تأثيره الحسن أو السيّء فيها.
والرسول {ص} قد شبّه المجتمع الكبير بالجسد الواحد. ... فقال في حديثه: {ترى المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى}.
أخرجه البخاري ومسلم. (1/122)
صفحة 123
إنّ المجتمع لن يكون سويا قويما، ولن يكون قويا متماسكا إلاّ إذا قام على أساس من التعاون والتضامن والتكافل والتعاون فيما بين أفراده جميعا فيسعى كلّ عضو في حاجة غيره كما يسعى في حاجته، بنفسه وماله وجهده، حتى يشعروا جميعا أنهم كالجسد الواحد، وهذا ما دعا إليه ديننا الإسلام وكتابنا القرآن، ورفعت رايته السنة المطهّرة.
قال {ص}: {إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا}.
متّفق عليه.
فالمدرّس الصالح الذي يقوم بدوره كاملا غير ناقص يغرس في نفوس تلامذته روح التعاون والتفاهم والتسامح والتضحية داخل القسم والمدرسة، وبذلك يكوّن للوطن عناصر صالحين يبنون وطنهم بكلّ قوّة وعزيمة، ويضحون في سبيله من أجل الرفع من قيمته بين أمم العالم أجمع، وهو يعلّمهم المحافظة على أثاث المدرسة في سبيل الانتفاع به من جميع التلاميذ، وبذلك يتعلمون كيف يحافظون على ممتلكات الوطن التي ينتفع بها جميع عناصر الشعب، وهو يعتبر منهم وإذا حاول تخريبها فإنه سيخسر هو كذلك منفعته من تلك الممتلكات.
والقاضي العادل الذي يحكم بين الناس بالحقّ يبعث في نفوسهم الأمن والأمان، ويجعلهم يطمئنون على حقوقهم وأموالهم وممتلكاتهم، فيسعون في الزيادة في العمل والتضحية والإنتاج، لأنّهم يعلمون علم اليقين أنّه لايستطيع أحد أن يتعدى عليها، وأنّهم يعيشون في بلاد الأمن والسلام والطمأنينة والعدل.
والعامل الذي ينصح في عمله ويحاول إتقانه، ليرفع من قيمة أمّته ويرفع إنتاجها ويحسّنه، سيعود عليه ذلك بالخير، لأنّه سيوفر لإنتاجه أسواقا واسعة ومتعدّدة ويرفع بذلك أجرته. (1/123)
صفحة 124
وهكذا كلّ طائفة في مجال عملها واختصاصها، الأولياء في أسرهم، والمعلّمون في مدارسهم، والمزارعون في مزارعهم والإداريون في إداراتهم والتجّار في تجارتهم والصّناع في مصانعهم كلّ له دوره وقيمته، فباتحادهم ونصحهم في عملهم والتفاني والتنافس فيه يكوّنون قوّة حقيقية وجبارة للدفاع عن أمن أمّتهم ووطنهم، والرفع من شأنها أمام الشّعوب والأمّم عبر نواحي العالم أجمع، فهم بذلك يحفظون لها قوّة مشاركتها في الميادين العالمية، وتكون لها كلمتها المسموعة في مختلف منظمات العالم.
وبهذا تصبح الأمة غنية وفعالة بوظائفها وصناعاتها المختلفة وعلومها واختراعاتها وأخلاقها العالية وتضحيّاتها التي يحقّقها أفرادها داخل وطنهم وخارجه.
وقد أعطانا الله تعالى في واقعنا الحاضر مثالا مجسّما للتفاني والتضحية يعيشه الشعب الصيني العظيم، فبالرغم أنّه أمّة شيوعية ملحدة، إلاّ أنّ الله تعالى لم يخيّب ظنّها في تحقيق التقدّم والوفرة والرقيّ، وكلّ ذلك جزاء تضحية شعبها وتفانيهم في العمل بكلّ ما اوتوا من قوّة ووسيلة، والله تعالى لا يحابي أحد، فكلّ من عمل وجدّ واجتهد يعينه على تحقيق أهدافه، وبفضل ذلك العمل والاجتهاد والصبر والمثابرة أصبحت توفّر حاجيات شعبها العظيم والكبير العدد وتوفّر للعالم أجمع ما يحتاج إليه، ومن جهة أخرى وفّرت لجميع عناصر الشعب مناصب الشغل والعمل.
وصلت إلى كلّ ذلك جزاء تضحيّة كلّ عنصر فيها وتفانيه في العمل والشغل، فالكلّ يعمل والكلّ ينتج، من الفرد الصغير إلى الكبير في الأسرة إلى الأب والجدّ والمرأة والبنت فلا مجال لديهم للتفكير في عمل يضعف أمّتهم أو يشوّه سمعتها، حتّى أصبحت الدول العظمى المتقدّمة والمتطوّرة والمنتجة تخاف من غزو هذه الأمّة للأسواق العالمية، وسيطرتها على المشاريع العظيمة والإستثمارات الواسعة عبر نواحي العالم، أفلا يكون لنا في هذه الأمة عبرة ألا نتّخذها مثالا علّنا نلحق بالركب. (1/124)
صفحة 125
إنّ عناصر هذه الأمّة وصلوا إلى وصلوا بالعمل لساعات متواصلة مضاعفة دون كلل أو تعب، لأنّهم أصبحوا ينظرون إلى الحياة نظرة إيجابية وذلك ما بعث فيهم الأمل للوصول إلى تحقيق ما كانوا يخطّطون للوصول إليه بل أكثر من ذلك وأفضل.
إنّ الإنسان في القديم كان يعيش لنفسه مستقلا عن إخوانه وبني جنسه، مكتفيا بما لديه من إمكانيات ومنتجات، ولكن بتقدّمه في مختلف الميادين وتطوّره في كثير من العلوم والاختراعات عبر العصور والأزمنة توصّل بفكره أنّه خير له أن يعيش في جماعة متعاونة متكافلة، تتبادل مختلف المعلومات والتقنيات، ويستفيد بعضهم من بعض، خاصة وأنّ وسائل الإتصال العصريّة قد وفّرت لهم تبادل الخبرات المتطوّرة بسرعة فائقة، وفي أيّ نقطة من العالم، وبذلك يجب عليه أن يتنازل عن جزء من حريّته ليستمتع بالجزء الباقي استمتاعا كاملا نافعا.
والشخص يستمدّ من مجتمعه كلّ ما يحتاج إليه من ضروريات، من مأكل وملبس ومسكن وتعلّم وخلق وشخصية، فإذا ما انفصل عن المجتمع وعاش وحيدا، وهذا ما لا يستطيع القيام به، فإنّه يصبح أداة هدم وانتقام من ذلك المجتمع وذلك لضنّه أنّه هو الذي لم يلبّ له حاجياته، وهذا الاعتقاد هو الذي يدفعه إلى القيام بمثل ذلك. (1/125)
صفحة 126
وإذا كان للمجتمع من الفضل على الفرد ما لا يستطيع الإستغناء عنه، وكان الإرتباط بالتالي بينهما بهذه القوّة، وجب على كل ّشخص فيه أن يقدّم له من الخير ما يجعله يرقى ويتطوّر ويسعد به جميع عناصره، ويستفيدون من وجوده داخل المجموعة، ويترك أثره الحسن والجيّد في كلّ ّمن يحيط به من معاشريه ومرافقيه في سفينة الحياة، ويجب عليه أن يقوم بذلك بأقصى ما يملك من جهد وقوّة وعمل، ولا يبخل في سبيل تحقيق ذلك، لأنّ كلّ ذلك سيعود عليه بالفائدة هو كذلك، فلا بدّ عليه أن يجسّد قيم مجتمعه الإسلاميّة في أخلاقه وعمله ومعاملاته، ويدافع عن القيّم والحرّيات العامّة المشتركة بين جميع عناصر الشعب، ولا يهنأ له بال ولا يطمئن إلاّ إذا رأى جميع عناصر مجتمعه هانئين مطمئنين. يدفع عنهم كلّ سوء، ويرشد ويوّجه من أراد القيام بمثل ذلك حتّى يصبح عنصرا صالحا وينظمّ إلى الجماعة العاملة المخلصة والمنتجة.
تأثير التسامح في جسم الإنسان
إنّ للتسامح تأثير عجيب في ذات الإنسان، سواء من الناحية الجسمية أو الروحية، أو من الجهة العقلية والعاطفية، لأنّ ذات الإنسان نفسها تتكوّن من أربعة جوانب.
فهي تتكوّن من الجسم المادي الذي خلق من طين.
قال تعالى: {إذ قال ربّك للملائكة إنّي خالق بشرا من طين}.
سورة ص ـ آية:70.
وهذا الجانب يتغدّى ويتقوّت ممّا ينبته الطين من مواد مختلفة ومتنوّعة.
أمّا الجانب الثاني فهو الناحية الروحية، وهي ما نفخه الله تعالى فيه عند خلقه.
قال تعالى: {فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}
سورة ص ـ آية:71.
والناحية الثالثة هي القوى العقلة والفكريّة التي ميّزه الله تعالى بها عن سائر المخلوقات، فبها تحمّل الأمانة العظيمة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، به يميّز بين الخير والشرّ، وبين النافع والضار، وبه وصل إلى ما وصل إليه من العلوم والتقدّم في مختلف نواحي الحياة. (1/126)
صفحة 127
أمّا الناحية الرابعة فهي الناحية العاطفية والتي غرسها فيه ليحافظ بها على علاقاته مع عناصر مجتمعه وبني جنسه، بها تحبّ الأمّ ولدها فترضعه وتغذيه وتدفع عنه أنواع المخاطر التي يكون بها ربّما هلاكه، وعلى أساسها يجتمع الزوجان بالمودّة والرحمة فيكون بينهما الأولاد، فيحفظ الجنس البشري على وجه الأرض.
وإذا كانت ذات الإنسان تتكوّن من هذه الجوانب كلّها، فلا بدّ أن يحافظ عليها، وينمّيها بمختلف الوسائل والأعمال التي تزيد من قيمتها وفعاليتها، ليعيش حياة مستقّرة سعيدة، ومن بين العوامل الأساسية الضرورية لتوفير هذه الحالة المتوازنة، عامل الأمن والسلام والطمأنينة والاستقرار، ولا شيء يضمن له ذلك غيرها.
إنّ العلماء والفلاسفة القدماء والعصريون درسوا حياة هذا الكائن الحيّ بكلّ موضوعيّة وباهتمام بالغ، كلّ ذلك من أجل الوصول إلى العوامل الجيّدة والحسنة التي توفّر لهذا المخلوق سعادته على وجه هذه البسيطة.
وقد توصلوا إلى أنّ العامل الأساسي الذي يضمن له العمل الجّاد والفعّال المنتج، هو توفير الاستقرار، وهذا الاستقرار لا يتوفّر إلاّ بتوفّر الأمن والأمان، فيعمل بنفس مطمئنّة راضيّة غير خائف لا على روحه من التعدّي، ولا على مشاريعه التي بناها من التخريب والتدمير، وهذا الأمن يوفّر له التنقّل الحرّ والاتّصال المستمرّ بكلّ أمان في كلّ الجهات، ولا يخفى على عاقل ما في ذلك من تبادل الخبرات والمعلومات التي هي العامل الأوّل والأساسي في تقدّم الحياة وتطوّرها واستمرارها واستقرارها. (1/127)
صفحة 128
وقد عمد باحثون إيطاليون إلى تقديم دليل علمي يدعّم فكرة وجدوى التسامح والعفو، ليس من الناحية الدينيّة الأخلاقيّة فقط، مثلما تبيّنه الأديان السماوية كلّها، كما سبق ذكره من قبل في العناوين الماضية، وإنّما هو مفيد للصحّة الجسميّة والروحة كذلك، فإذا ما عوّد الشخص نفسه التسامح وتربّى عليه في محيطه الصغير الأسرة والكبير المجتمع فإنّه سينشأ ويعيش في راحة وهدوء نفس، ويحفظ نفسه من كثير من الأمراض التي تسلّطت على إنسان هذا العصر، مثل الضغط والسكّري وقرحة المعدّة والغضب، وغيرها من الأمراض التي يستطيع تفاديها إذا هو علم كيف يتصرّف مع إخوانه في هذه الحياة.
وقد اختبر البروفسور (بيترو بيتريني) عالم الأعصاب في كلّية الطبّ بجامعة (بيزا) في إيطاليا مدى صحّة فكرة التسامح الذي يتيح للإنسان التغلّب على وضع يمكن أن يصبح مصدرا أساسيّا للاكتئاب المؤثر على العقل والأعصاب ويجعلها تصاب بتوترات سلبيّة سيّئة على الصحّة العامّة للجسم.
وقد تلقى البروفسور لغرض تحقيق هذا البحث تمويلا من منظمة أمريكية لا تهدف إلاّ إلى دراسة حالة الإنسان عندما يكون في وضعية المظلوم من شخص آخر في مجتمعه، أو بأيّ نوع من أنواع الظلم المختلفة الموجودة في المجتمعات الإنسانية منذ نشأته على وجه الأرض، وأوّل من وقع فيها هو قتل قابيل لأخيه هابيل.
وقد سمّوا هذا البحث: الحملة من أجل الأبحاث الخاصة بالتسامح
وقد قام البروفسور بدراسة حالات كان فيها أصحابها متسامحين بقلب راض، ونفس هادئة، وحالات أخرى لأناس متأثّرين تأثيرا شديدا لأنّهم ظلموا من طرف شخص آخر، أو أناس آخرين، وقدسيطر عليهم الانفعال، واستبدّ بهم الغضب، فلم يريدوا ولم يرضوا أن يتعاملوا مع من ظلميهم بالتسامح والعفو، بل صاروا يجهدون أنفسهم وعقولهم، ويخسرون أموالهم ليل نهار بحثا عن فرصة سانحة للانتقام من نظرائهم. (1/128)
صفحة 129
وقد استحثّ الدكتور الحالة الانفعاليّة لذى هؤلاء الأشخاص في كلتا الحالتين، وراقب آثارها على المخّ والخلايا العصبيّة فيه من خلال استخدام آلات حديثة لرسم وظائف المخّ.
وصرّح الدكتور (بيتريني) لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) قائلا:
نريد أن نختبر افتراض أنّ التسامح يؤدّي إلى صحّة أفضل، وسرد نموذج سيّدة غير قادرة على أن تغفر وتسامح لزوجها خيانته لها، ممّا جعلها تتأثر تأثرا سلبيّا قويّا، وذلك من خلال إجهاد خلايا مخّها نتيجة التفكير في ذلك دون انقطاع، واعتقادها القويّ بأنّها مظلومة مهضومة الحقّ من أعزّ عزيز لديها قريب قربا شديدا إليها.
وتوصّل إلى أنّ أسهل طريقة لتجنّب الآثار العصبيّة السلبيّة العكسيّة على العقل والجسد هو أن نغفر ونسامح ونعفو.
قال (بيتريني): إنّ حادثة الطلاق التي تحدث لكثير من النساء عبر العالم لها آثارها البالغة في كثير منهنّ، فهي تؤدّي بهنّ إلى معدّل عال من الاكتئاب، ويمكن أن يخلّ بالتوازن النفسي والعصبي لذى كثير منهن.
وقد أجرى فريق من العلماء النفسانيّين من جامعة (فيسكونسين) في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بحثا آخر يدعّم هذه الفكرة، وذاك على (46 شخصا) من الذكور أصيبوا بأمراض خاصة بالشريان التاجي، ووجدوا أنّ جميعهم توجد في حياتهم قصص تتعلّق بالحروب التي أصيبوا فيها بتوثرات حادّة، أو بذكريات مؤلمة في طفولتهم، أو بمشاكل عائلية عاشوها مع بعض أعضاء عائلتهم، أو بخلافات في العمل مع مديرهم أو بعض زملائهم، فلم يستطيعوا الانتقام، ولم يميلوا إلى المسامحة والعفو ممّا جعل تلك الآلام تبقى داخل نفوسهم، وتترك فيها غيظا يتأثّرون به على مرّ الأيام والأعوام فوصلوا بذلك إلى حالة صحّية سيّئة. (1/129)
صفحة 130
وخلاصة لهذه الدراسات المتعدّدة توصّلوا إلى أنّ الأشخاص الذين تلقّوا تدريبا على التسامح والصّفح، يتحسّن لديهم تدفّق الدم إلى قلوبهم، ويجري في عروقهم جريا جيّدا طبيعيّا، وكذلك تحسّنت حالتهم الصحّية.
لذلك نجد الأديان السماويّة جميعها لم تدع إلى التسامح والعفو عبثا، ولم ترغّب أتباعها في التغاضي ممّن أساء إليهم بدون هدف أو مغزى، بل لأنّ لذلك أثره الصحّي الجيّد لذى الإنسان، ولأنّ خالق هذا الإنسان يعلم جيّدا أنّه كثير الخطإ مع بني جنسه، والشيطان دائما له بالمرصاد يملؤه حسدا وبغضا لإخوانه، ويدفعه دائما إلى الإساءة، أو الانتقام ليعيش حياة الاضطراب والتوتّر فلا يجد لها حلاوة أو مغزى.
فالمسيحية تدعو المسيحيين إلى أن يحدوا حدو المسيح الذي نادى بالتسامح مع جميع الناس، وقد طبّق ذلك في حياته تطبيقا كاملا.
وهو الذي يقول: إذا ضربك عدوّك ضربة على خدّك الأيسر، فأدر له خدّك الأيمن ليزيد فيه صفعة أخرى.
واليهودية كذلك تدعو إلى هذا الخلق على لسان نبيّها موسى عليه السلام.
وقد حكى الله على لسانه إرشاده لقومه إلى الاستعانة بالله والصبر أمام أعدائهم الذين أساؤوا إليهم بكلّ أنواع الإساءات.
فقال تعالى: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}.
سورة الأعراف ـ آية:127.
وقد أشرنا من قبل كيف أنّ ديننا الإسلامي أمر ورغّب أتباعه بالتحلّي بهذا الخلق العظيم حتّى مع أعدائهم، علّهم يحيوا حياة هادئة مطمئنّة، لأنّ ذلك سيجنّبهم الغضب الذي يصاحب دائما الرغبة في الانتقام والذي هو منغّص لحياتهم.
وقد طبقّ ذلك رسولنا محمّد في حياته تطبيقا رائعا لا مثيل له في تاريخ البشريّة، فما على أتباعه اليوم إلاّ أن ينهجوا نهجه حتّى يرجعوا لهذا الدّين هيبته وقدره واحترامه من جميع البشريّة وما ذلك على الله بعزيز.
- عفا عمن أراد قتله، فكان ذلك سببا في إسلامه. (1/130)
صفحة 131
- عفا عن أسرى بدر ولم يقتلهم حتى عاتبه ربّه على ذلك، فكان سببا لإسلام كثير منهم.
- عفا عن المشركين عندما جاءه نصر الله وفتحه، وتمكّن منهم فأصبحوا خائفين حائرين ممّا قد يقوم به نحوهم، وهم الذين ضربوه وأهانوه وأدموا قدميه الشريفتين، وكسّروا ثنيّته يوم أحد، فجعل يجمع الدّم بيديه الشريفتين حتّى لا يسيل على الأرض فينتقم الله منهم، وهم الذين أخرجوه من بيته ومن أعزّ البلاد إليه، وهو يقول والله لولا أنّ أهلك أخرجوني ما خرجت.
- عفا عن هند التي قتلت عمّه حمزة ومثلت به وأخرجت كبده ومضغته.
- سامحهم وعفا عنهم ودعا لهم بالخير، ولم يدع عليهم بالانتقام، ولم يجز السيّئة بالسيّئة بل دفعها بالحسنة.
وكلّ هذا كان ينبعث من قلبه المليء بالحبّ والخير للنّاس أجمعين، وهو يريد لهم الإيمان والإسلام ونيل رضوان الله في الحياة الدّنيا، وأن يفوزوا بالجنّة والنعيم الدائم غدا يوم القيامة، وكان دائما يتألّم ويتحسّر على الكافرين الذين لا يريدون الدّخول في دين الله علّهم ينجون من عذاب النار، حتّى خاطبه ربّه قائلا له:
{فلعلّع باخع نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين}. ... سورة الشعراء ـ آية:03.
ولا ريب في ذلك ولا غرابة لأنّه كان يطبّق أمر ربّه تطبيقا كاملا حسنا، حين يقول له: {فاصفح الصفح الجميل}.
سورة الحجر ـ آية:85.
وقد علّم أصحابه بكل ّإخلاص كيف يتحلّون هم كذلك بهذه الأخلاق، حتّى يعيشوا في راحة تامّة، ولا يجهدون عقولهم ويضيّعون تفكيرهم في كيفيّة الانتقام ممّن ظلمهم، بل يتركون ذلك لربّهم وحده هو الذي يعلم كيف ينتقم منهم، ويجازيهم الجزاء الأوفى، والذي يستحقّونه، أو يهديهم فيرجعوا إلى طريق الحقّ والصواب.
ومن حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبيء {ص} قال: {أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفوا عمن ظلمك}. (1/131)
صفحة 132
إنّ هذه الوضعية تجعل صاحبها ينجو من تحمّل ثقل الضغينة، والبحث عن الانتقام، وتعب الحقد الذي يجعل النفس لا تستطيع تحمّل ما يعترضها من أمرض نفسيّة هائلة، وبهذا يبقى الصدر صافيا، والقلب سليما، والنفس مرتاحة، والجسم صحيحا.
عن عائشة ـرضي الله عنها ـ أنّها قالت: استأذن رهط من اليهود على النبيء {ص}، فقالوا السّام عليك.
فقلت: بل عليكم السّام واللعنة، فقال عليه الصلاة والسلام:
يا عائشة: {إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه}.
قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: {قلت وعليكم}.
{فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ}.
رواه البخاري ومسلم.
هذه رحمته {ص} وحلمه حتّى مع أعدائه وأعداء الإسلام، فلماذا لا ينهج المسلمون نهجه حتى يسترجعوا ثقة الآخرين في دين ربّهم.
وقد صدق ربّنا تعالى حين يقول فيه: {لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم}. ... س ... سورة التوبة ـ آية: 129.
وفي التراث الإنساني، والتاريخ البشري على تنوّعه واختلافه، واختلاف مصادره ومواطنه عبر نواحي العالم، نجد قدرا كبيرا من تمجيد خلق التسامح والعفو والدعوة إليه من طرف كثير من العظماء الذين نالوا الدرجات العليا من التقدير والتمجيد من طرف تابعيهم حتّى أنّ بعض الشعوب عبدوهم من دون الله، وذلك لما اتّصفوا به من الأخلاق النبيلة والمعاملات الطيبّة مع جميع عناصر المجتمع على اختلاف طبقاتهم وتنوّع انتماءاتهم ودياناتهم، ودعوهم إلى التحلّي بها وتطبيقها في واقع حياتهم.
نشروا السلام ودعوا إلى التواضع والتفاهم والتناصح، ونبذ الخصام والتنازع وبيّنوا هذه الأخلاق لمجتمعاتهم، فلقّبوا من طرف شعوبهم بالرجال الروحيّين المثاليين، فعشاوا حياة تفكير وتركيز وروح، ونبذوا زخارف الحياة الدنيا وابتعدوا عنها لأنّهم استنتجوا أنّها تتعب الروح وتشقي النفس وتمرض الجسد. (1/132)
صفحة 133
أمّا المسلمون فلهم امتيازهم وحظهم الوافر في هذه الأخلاق إذا هم تخلّقوا بها ونشروها بينهم، وأظهروها ناصعة مشعّة للشعوب المختلفة في نواحي العالم، وهو الأجر الكريم، والجزاء الأوفى عند ربّهم عزّ وجلّ، وخلودهم في جنّات عدن يتنعّمون فيها في سلام، لأنّهم أحبّوا السلام ونشروا السلام، وتعاملوا مع جميع الخلق بالسلام.
إنّ الدراسات النفسيّة والاجتماعية المختلفة التي أجراها العلماء في هذا المجال تبيّن أنّ حمل الضغينة والحقد في الصدر يوهن الجسم ويورث صاحبه الحزن والغمّ وعدم التركيز فيما يحيط به من مشاكل، وهو سبب الشقاء وتكوّن كثير من الأمراض النفسيّة أو العضويّة والجسميّة، ناهيك عن الأمراض الاجتماعية المختلفة التي انتشرت في المجتمعات ففرّقت بين المرء وزوجه والأب وابنه والأمّ وابنتها، وقد كثرت هذه الأمراض وتنوّعت في كلّ المجتمعات والشعوب.
وينتج هذا كلّه من احتقان الحقد والغيظ داخل الصدر فلا يجد صاحبه متنفّسا، مع حبّه للانتقام وأخذ الثأر، ممّا يسبّب تغيّرات فيزيولوجية، أي في الغدد التي تحفظ للجسم توازنه وذلك بالزيادة أو النقصان في إفراز تلك الغدد، وهذا الاختلال في إفرازات الغدد يجعل الوسط الدموي ذا مزاج سريع لتقبّل الأمراض المختلفة، لأنّ القوّة الدفاعية للكريات البيضاء تضعف مقاومتها ممّا يجعل المكروبات تتغلّب عليها، فتقتحم الجسم بأعداد هائلة، وتتكاثر بسرعة مذهلة، فيكون ذلك هو السبب الرئيسي لإصابة الجسم بكثير من الأمراض التي احتار العلم في علاجها.
والتسامح والصفح عن المسيء، ونسيان إساءته يعدّ علاجا نفسيّا ناجحا وهو بالمجان، لأنّه يقضي على كثير من تلك الأمراض المؤلمة التي يحدثها الغيظ والكراهية واحتباسهما في الصدر.
يقول الطبيب النفساني (ريتشارد فيترغيونز): (1/133)
صفحة 134
إنّه خلال فترة عمله وبحوثه البالغة عشرين عاما، أتيح له أن يدرس حالات الغضب المفرطة لذى فئات مختلفة من الناس ذكورا وإناثا، بالغين ومراهقين وأطفالا، وقد استطاع أن يعالج بعضهم ممّن تعرّضوا لإساءات مختلفة من الآخرين، نتج عنها أن تولّدت في نفوسهم مشاعر الغضب والعداوة والكراهية والرغبة في الانتقام، وذلك عن طريق تطبيقه لاستراتجيات الصفح عن الإساءة، والتسامح مع المسيئين.
ويقول الدكتور: إنّ ميزة الصفح أنّه يجعل من يتعرّض للإساءة قادرا على العيش بسلام مع نفسه أوّلا بأوّل، وهذا هو أساس الحياة السعيدة والمطمئنّة والابتعاد عن الحياة المضطربة التي تنبع أساسا من داخل النفس، وكذلك من تأثير عناصر المجتمع من حوله، فالمشاعر الناقمة الساخطة تعكّر الحياة الشخصيّة والاجتماعية، وتسبّب القلق والتوتّر، وتثير الغضب وتسبّب الآلام في أعماق النفس، أمّا التسامح فإنّه يقوم بمحو ذلك كلّه.
هذا من جهة النفس، ومن جهة المجتمع فإنّ التسامح بين الأشخاص، والعفو عن بعضهم، والتغاضي عن الإساءة التي كانت من بعضهم نحو الآخرين، ينتزع من نفوسهم النظرة السلبيّة نحو بعضهم، وتذهب من النفوس الكراهيّة لبعضهم البعض، فبذلك يستريحون من كثير من المشاكل التي تنتج عن مثل تلك التصرّفات، وتحمي عناصره من الانحرافات التي تولّد لديهم حبّ التخريب والتدمير، فلا ينتقم الفرد من مجتمعه لأنّه يجد كلّ عناصره متسامحين معه ويحبّونه ويعينونه. (1/134)
صفحة 135
إنّ أغلبية أعمال التدمير والتخريب، وكثيرا من الانحرافات الخطيرة التي نراها داخل المجتمع تصدر من أفراد لا يجدون في صدورهم وقلوبهم حلاوة التسامح والعفو، وما دموا يفكّرون مثل هذا ... التفكير فإنّهم يعتقدون، أو يتخيّلون أنّ جميع عناصر المجتمع ناقمين عليهم، فيلجئهم ذلك إلى حبّ الانتقام منهم، فيقومون بما يقومون به من أعمال منحرفة حتّى يجلبوا انتباه واحترام المجتمع إليهم، وهم يظنّون من وراء ذلك كلّه أنّهم يشفون غيظهم، ويقومون بأخذ الثأر من عناصر مجتمعهم.
والعفو والصفح عمن ظلمنا والتسامح مع الظالم لا يعني بالضرورة استمرار العلاقة معه، أو الاحتفاظ بمشاعر المودّة السابقة نحوه إن كانت موجودة من قبل، أو يعني أنّنا ضعيفي النفوس لا نقدر على الانتقام والدفاع عن أنفسنا واسترداد حقوقنا، وإنّما يعني ببساطة نسيان الإساءة والتعدّي وإسقاطها من ذاكرتنا، وعدم التفكير فيها ليل نهار، وإجهاد العقل في البحث عن كيفيّة الانتقام والنيل ممّن ظلمنا، ممّا يفقدنا العمل الصالح المنتج في النهار، والنوم الهادئ المريح في الليل، لأنّ نسيان الإساءة يسقط معها ما يجثم على الصدر من ثقل الآلام النفسيّة التي أحدثها الإساءة.
أمّا إذا كان الشخص عاجزا تماما عن النسيان والصفح، وصار يعمل عقله في التفكير في تلك المشاغل، ومن جهة أخرى فهو في الحقيقة الواقعية عاجز عن الانتقام والأخذ بثأره، واسترداد حقّه ممّن ظلمه، فالنتيجة تصبح لا محالة عكسية تماما عمّا يقصده رسولنا محمّد {ص} حين يقول:
{من كتم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من الحور العين، يزوّجه منها ما يشاء} ... ر ... رواه البخاري ومسلم. (1/135)
صفحة 136
والجزائريون في وطنهم الحبيب العزيز وقع لهم ما وقع من المصائب والمحن، وقد أخرجهم الله من هذه المحن بإرادته وتوفيقه، ولم يخيّب مساعي الرجال المخلصين الذين سعوا في تحقيق الوئام والأمن والسلام في وطنهم الغالي، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية حفظه الله وأعانه.
فإذا أراد هذا الشعب أن يعيش حياة هانئة مطمئنّة فيما يستقبله من الأيّام، ويخيّب أمل الأعداء الذين يريدون خسارته وتقهقره، ويجهض المخطّطات الدنيئة التي تخطّط ضدّه وضدّ الأمّة الإسلامية جمعاء فعليه أن ينسى كلّ المظالم التي قدّرها الله تعالى له في بلده، وأن يحتسب أجره عند ربّه يوم القيامة، وأن يتحلّى بالصبر الجميل والرضا بما اقترحه المسؤولون، واتخذوه من تدابير لجبر خاطر المظلومين. (1/136)
صفحة 137
خاصّة وقد تكفّلت خزينة الدولة بإشارة من رئيسها ومعينيه جبر خاطر جميع أهالي الضحايا المظلومين والمنكوبين، وتحمّلت تكاليف ديّاتهم إرضاء لأهاليهم ومحوا لآثار الجراح التي تركتها هذه المحنة، ونبذا لروح الخصام والتفرقة، وإطفاء لشرارة الفتنة التي أوقدها أعداء الجزائر، وانتزاعا لحبّ الانتقام من القلوب، فما على المواطنين الذين أصيبوا في أنفسهم أو أهليهم أو أموالهم إلاّ أن يتحلّوا بخلق الصبر والعفو والمسامحة، وذلك من أجل الصالح العامّ، من أجل وطنهم العزيز الجزائر ونشر السلام والوئام فيه، وضمان مستقبله، وتنشئة الأجيال الصاعدة على الحبّ والتسامح والتعاون، وصونا لكرامة هذا الشعب واسترجاع ثقة أصدقائه الذين كانوا ينظرون إليه بعين الإكبار، ووفاء للشهداء والمجاهدين الذين ضحّوا بأرواحهم ودمائهم وأموالهم من أجل أن تعيش الجزائر حرّة مستقلّة، وتحقيق الحياة السعيدة لهذا الشعب المناضل، وإحباط مخططّات الأعداء الذين يرمون إلى تدميره والنيل من كرامته، وزرع نار الفتنة وخيبة الأمل في النفوسن وجرّها إلى الانتقام وأخذ الثأر، وإغراقه في المآسي، وإبعاده عن الأمن والوئام والمسامحة والعفو والتي هي من رصيده الحضاري حقّا.
تأثير محا ولة القصاص على حياة الإنسان
إنّ الإنسان إذا أراد أن يحيا حياة سعيدة مطمئنّة فعليه أن يعوّد نفسه التسليم بالقضاء والقدر خيره وشرّه، وإن لم يفعل ذلك فلن يهدأ بالا أبدا في هذه الحياة، ولن تطمئنّ له نفس، ولن يعرف لذّة الراحة والهدوء.
وقد بيّن رسول لله {ص} ذلك في حديث الإسلام والإيمان والإحسان عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان
فقال {ص}: {الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه. ... رواه مسلم.
فماذا عساه أن يفعل من لا يومن بالقضاء والقدر خيره وشرّه يا ترى؟. (1/137)
صفحة 138
هل يتّخذ لنفسه نفقا في الأرض، أو سلّما في السماء حتى يهرب من أفعال العباد الذين يعيش معهم آناء اللّيل وأطراف النهار، وأغلبيّة الخلق عليه لا له.
ولكن يجب أن لايكون سوء فهم مسألة القضاء والقدر سببا يعيق عن بلوغ المراتب التي يجب على المسلم أن يبلغها في هذه الحياة، ويقطع آماله من هذه الدنيا.
ولكن هذه المسألة يجب أن يعيها العبد جيّدا، وأنّها تصوير لإحاطة علم الله تعالى بكلّ شيء يقع في هذا الكون، وشمول قدرته، وسمو حكمته في كلّ صغيرة وكبيرة.
وقد اتّفق العلماء والفلاسفة وأجمعوا أنّ أسباب السعادة والشفاء والعافية وانشراح الصدر مرجعها إلى ثلاثة أسس:
01ـ الإتصال الله عزّ وجلّ، وطاعته والّلّجوء إليه في السرّاء والضرّاء، وهذه هي مسألة الإيمان الكبرى، {فاعبده واصطبر لعبادته}.
02ـ إغلاق ملفّ الماضي، بمآسيه ودموعه، وأحزانه ومصائبه وهمومه، وتفويض أمر الظالمين لله وحده، فهو يعلم متى وكيف وأين يأخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر، فيقتصّ منهم القصاص الكامل الأوفى، ثمّ البدء بحياة جديدة مع كلّ يوم جديد.
03ـ ترك المستقبل الغائب لله تعالى، وعدم الاشتغال به والانهماك فيه، وحمل الهموم من أجله، وترك التوقّعات والتوجّسات والانتظارات التي تبعث الوساوس في النفوس وعدم الاستقرار، وتكوّن اليأس والقنوط، ولله في خلقه شؤون.
قال تعالى: {إنّ الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الارحام}. ... سورة لقمان ـ آية:33.
فليس هناك أحد يعدل بين خلقه، وينصف المظلومين أكبر منه تعالى، فهو الحكم بين خلقه في الدنيا والآخرة. (1/138)
صفحة 139
وإنّ محاولة القصاص والأخذ بالثأر والبحث الدائم عن كيفيته، ومتى يكون، وكيف يكون، وما مقداره، كلّها هموم وأعباء يكوّنها الإنسان لنفسه دون فائدة ترتجى منها، وفي حين أنّه غنيّ عنها، وتصرفه عن الاشتغال بما يفيد من مصالحه المهمّة والمنتجة في حياته، وربّما في آخر المطاف يجد أنّه قد ضيّع فترة من حياته دون فائدة، فلا هو استطاع أن ينتقم، ولا هو استفاد من عمره الذي لا يعود مرّة أخرى، وأكبر من ذلك أنّه جلب لنفسه ولجسمه أمراضا متعدّدة لا يشفى منها.
قال تعالى: {وجزاء سيّئة سيّئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنّه لا يحبّ الظالمين}. ... سورة الشورى ـ آية:37.
إنّ الدراسات المتعدّدة التي أجراها العلماء فيما يخصّ هذه الناحية من حياة الإنسان أثبتت أنّ العفو والصفح يبعث الطمأنينة والراحة في نفس الشخص، ويجعله يحيا حياة متوازنة هادئة.
فقد نشرت إدارة البوليس غي مدينة (ميلووكي) منشورا كتبت فيه ما يلي ووزّعته على جميع سكّان المدينة:
ـإذا سوّلت لقوم أنفسهم أن يسيئوا إليك، فأبعد عن نفسك أسماءهم، وامح عن ذاكرتك ذكراهم، ولا تحاول أبدا أن تقتصّ منهم، فإذا حدثت نفسك بأن تختار القصاص، فإنّك ستؤذيها أكثر ممّا تؤذيهم.
وبالفعل فإنّ الإنسان حين يمقت من أساء إليه ويحاول القصاص منه، فإنّه يتيح له الفرصة كي يتغلّب عليه، وأن يتحكّم في نومه ومأكله ويتغلّب ويسيطر على طريقة تفكيره وعلى صحّته وسعادته، وإنّ المسيئين إليه ليرقصون طربا لو علموا حقيقة ما يسبّبونه له من القلق والاضطراب وعدم الهدوء، فهو بذلك يزيد لنفسه إساءة أكبر وأكثر من الإساءة التي تلقاها منه.
إنّ مقت الشخص لهم ومحاولة القصاص منهم لا يؤذيهم، وإنّما يؤذيه هو أوّلا وأخيرا، ويحوّل أيامه ولياليه إلى جحيم. (1/139)
صفحة 140
هذا ما قاله العالم النفسي والاجتماعي المتخصّص (ديل كارنيجي) وهو عالم غير مسلم ولا يؤمن بأنّ الذي يصبر على إساءة المسيئين وظلم الظالمين سينال أجرا عظيما وثوابا جزيلا عند الله تعالى يوم القيامة، ومع ذلك فقد توصّل بدراساته أنّ الذي يدرّب نفسه على الصبر على الإساءة وتحمّل الظلم وعدم مقابلة ذلك بجزاء مثله، سيرتاح نفسيا وجسديّا، فهو يدعو جميع الناس إلى التخلّق بهذه الأخلاق في حياتهم.
وقد جاء سيّدنا محمّد {ص} قبله بقرون وقرون بالقرآن الكريم والسنّة الشريفة، اللّذين يأمران ويرشدان إلى هذه الأخلاق النبيلة أخلاق الأنبياء والمرسلين والصّالحين والعظماء.
إنّ محاولة القصاص وحبّ الانتقام والسعي إلى الأخذ بالثأر كلّها عوامل تؤّذي صاحبها في صحّته فيفقد نومه وراحته، لأنّ عقله يكون دائما مشغولا بالتفكير في كيفيّة الوصول إلى ذلك.
جاء في مجلّة (لايف):
ـ إنّ أبرز ما يميّز الذين يعانون ضغط الدم هو سرعة انفعالهم وامتثالهم للغيظ والحقد.
فقد ينشئ حبّ الانتقام ومحاولة الأخذ بالثأر رعدة شاملة واضطرابا مذهلا، وقد يشتدّ التيار فيصعق صاحبه ويقضي عليه.
ولذلك يرى (ديل كارنيجي): أنّ التحلّم مع الأعداء رحمة تلحق بالنفس قبل أن ينال الغير خيرها ويدركه بردها وبرّها.
فعلى الإنسان المؤمن أن يكون كبير القلب، والقلب الكبير تنتزع منه جذور الغلّ والحقد والانتقام، ولا تتشبّث فيه ولا تمتدّ إلى أخلاقه وأفعاله الخارجية، كلاّ، إنّ الحقد عنصر غريب عليه، ولذلك ما أن يمرّ به ظلّه حتى يتقلّص ويزول، ثمّ إنّ له شغلا يشغله في هذه الحياة، وهو الاستعداد لمستقبله في الدنيا والآخرة، ولا بدّ أن يهتمّ ويتفرّغ لبنائه قبل فوات الأوان.
والتفرّغ للخصومات هو من طبيعة من لا شغل له يشغله ولا عمل يهمّه، حيث يفني فيه وقته وعمره حتّى أنّه لا يجد وقت فراغ يقوم فيه بمثل هذه المشاغل التي لا تسمن ولا تغني من جوع. (1/140)
صفحة 141
إنّ اجتلاب عداوة هؤلاء الظالمين لا تجدي فتيلا في حياة المجدّين العاملين المخلصين.
والرجال العظماء حقّا كلّما حلّقت نفوسهم في آفاق الكمال الخلقي والهدوء النفسي، اتّسعت صدورهم، وتحمّلت نفوسهم، والتمسوا الأعذار للمعتدّين عليهم، وامتدّ حلمهم ليشمل الناس كلّهم، فإذا تعدّى عليهم خفيف النفس طائش الأخلاق، يريد أن يستثير غضبهم وينقص من كرامتهم، ويغيّّر مسار حياتهم ترفّعوا عنه، ونظروا إليه من مكانهم العالي المرتفع، كما ينظر الفيلسوف إلى صبيان يعبثون في الطريق، ولا يتورّعون أن يرموه بالحجارة، وكانوا كما يقول ربّنا تعالى:
{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}. ... سورة الفرقان ـ آية:63.
إنّ شتائم الطائشين، وظلم المتعدّين، المليئة نفوسهم بغضا وانتقاما وحقدا، لا يتأثر لها حلم العظماء، لأنّهم يفيضون خيرا وبرّا وشفقة ورحمة.
وكيف يضيق المعلّم الكبير بهفوات الصبيان الصغار الأغرار.
إنّ الشخص العظيم الذي يعيش وراء أسواره العالية من الفضيلة، وحسن الخلق، وكرامة النفس لا يحسّ بوخز الألم من شخص آخر سوّلت له نفسه أن يغضبه، وينقص من كرامته، كي ينزله من سوره العالي إلى قارعة الطريق حتّى يهينه، وهذه الإهانات تسقط على مسبّبيها قبل أن تصل إلى مرماها البعيد العالي.
يقول العالم النفساني (ديل كارنيجي): فأنت ترى المسيح عليه السلام عندما يقول لنا:
ـ أحبّوا أعداءكم ـ لم يكن يقصد تقويم الأخلاق فحسب، وإنّما كان يبغي تقويم الأبدان أيضا وفقا لمبادئ الطبّ الحديث.
وحين نصح سيّدنا محمّد {ص} وسيّدنا المسيح عليه السلام، بأن نعفو إلى سبعين مرّة سبع مرّات، فإنّما كانا يعلّماننا كيف نتفادى لغط القلب، وقرحة المعدّة، والإضرابات النفسيّة، والمرض السكّري، وضغط الدم، وغير ذلك من الأمراض التي تسلّطت على إنسان هذا العصر الحديث، نتيجة لما يحمله داخل نفسه من أنانية، وابتعاد عن الحياة الاجتماعية، وحبّ للانتقام. (1/141)
صفحة 142
فعلى كلّ من يريد أن يهب لنفسه الحياة الهادئة، ويملأها بالراحة والاطمئنان والصحّة النفسيّة والجسديّة المجانية أن يلتجئ إلى هذه الوصفات التي أرشد إليها الأنبياء والحكماء والأطباء، وهي بالمجان، ومفعولها محقّق، ولا تترك آثارا جانبية مثلما تتركه الأدوية الكيميائية وهي مهيّة متوفّرة في كلّ وقت وحين.
فعن الرسول الأعظم والنبيء الأكرم {ص} أنّه قال:
{من كثر عفوه مدّ له في عمره}.
وقال كذلك: {تجاوزوا عن عثرات الخاطئين يقيكم الله بذلك سوء الأقدار}.
وقال أيضا: {تعافوا تسقط الضغائن بينكم}.
إنّ الرسول يخبرنا وهو الصادق المصدوق أنّ من يريد أن يطول عمره فعليه بالعفو والتسامح، لماذا يا ترى؟.
ذلك لأنّ أغلب الأمراض التي تصيب الجسم وأجهزته يكون منشؤها اختلال حالة النفس، فطبيعة الحياة تعرّض الإنسان لمواقف صعبة وأوقات حرجة، وربّما أدّى بعضها إلى أزمة نفسية أو صدمة موجعة، خاصّة إذا كان صاحب النفس لا يسامح، ويسعى دائما إلى الانتقام،
وفي أغلبية الأحيان لا يصل إلى تحقيق ذلك الانتقام، فتختزن نفسه تلك الضغائن، لأنّها لم تجد متنفّسا لها، فعند ذلك تترك بداخله آثارا حادّة مؤلمة، وتلك الآثار الحادّة لا تبدو واضحة في البداية، ولكنّها تظهر تدريجيا، وبعد مدّة من الزمن، وتسمّى الأعراض النفسية الكامنة، فيتسبّب منها أمرض كثيرة، مثل ضغط الدم والنرفزة، وأمراض القلب، أو قرحة المعدّة، أو التهاب القصبات الهوائيّة الرئويّة، وكلّها أمراض جسميّة ولكنّ منشأها كلّها أسباب نفسيّة، وأعراضها ونتائجها تكون جسمية عضليّة.
إذن فلغة التسامح وعدم اللّجوء إلى القصاص وطلب الثأر، هي لغة الحوار واحتواء الغضب، لغة كفّ العدوان وقمعه، لذلك أمر الرسول الإنسان باللّجوء إليها، ليحمي نفسه من تلك الأمراض التي هي سبب الموت المبكّر لدى كثير من الناس، وفي أغلب الحالات، وهذا ما يفسّر حديث الرسول {ص}: {من كثر عفوه مدّ له في أجله}. (1/142)
صفحة 143
وانطلاقا من قوله {ص}: {تعافوا تسقط الضغائن بينكم}.
فإنّ التسامح والعفو قادر على إزالة سرطان الكراهيّة من نفوس الناس، واستبدالها بالمحبّة والشفافيّة وروح الأخوّة الإنسانيّة التي تنشر الوئام والرحمة والسلام.
فالتسامح وعدم القصاص هو فعل مجاني من المظلوم نحو الظالم، وأساسه التحوّل من موقف سلبي إلى موقف إيجابي.
إنّ البشريّة اليوم تموج تحت وطأة الأنانية والكراهيّة، ... وتعميق السلبيات الناجمة عنهما، فالمسلم يكره أخاه المسلم لأنّ مذهب كلّ واحد منهما مختلف عن الآخر، وهذا ما لا يجوز في الدين، وهو يكره الأجانب، والأجانب كذلك من جهة يكرهونه، ممّا كوّن البغضاء والكره بين أصحاب الأديان المختلفة، وأشعل نار الحروب والنزاعات في مختلف نواحي العالم، ولكن المؤسف في كلّ هذا أنّ الأبرياء هم الذين يذهبون ضحيّة هذه الأوضاع، من نساء وأطفال أبرياء ليس لهم ذنب في كلّ هذا ويدفعون الثمن بأرواحهم ودمائهم وأموالهم.
إنّه يجب على المسلمين أن يظهروا للعالم أجمع أنّ دينهم هو دين المحبّة لجميع خلق الله، وأنّه دين السلام والأمان والوئام، وأنّ ما ينسب إليه من تدمير وتخريب إنّما يقوم به عناصر غرباء عنه وعن تعاليمه، لأنّ الله تعالى ورسوله {ص} قد نهيا عن مثل هذه الأعمال، وهي غريبة عن هذا الدّين.
فما أحوج المسلمون في هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها دينهم أن يتحلّوا بروح الإسلام الحقيقي والذي نشره رسولهم {ص} في بداية رسالته مع المشركين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى المختلفة التي كانت موجودة في ذلك العصر، روح المسامحة والعفو والدعوة إلى دينه بالتي هي أحسن، وبهذه الأخلاق السامية يظهرون للعالم أجمع أنّ دينهم بريء من هذه الأعمال الهمجيّة التي تقع في العالم، ولا شكّ أنّ الله تعالى سينصرهم ويظهر الحقّ والصواب. (1/143)
صفحة 144
طوبى لمن حاول القيام بمثل هذا العمل، وحمل على عاتقه تبرئة هذا الدّين ممّا علق به من سلبيات وصور غريبة عنه، إنّه من عباد الله المصطفين الذين اختارهم تعالى لمثل هذا العمل الجليل العظيم وهو عمل الأنبياء والرسل.
فما أحوج البشرية في أزمتها الحالية أن تزيل السلبيات التي نشرها الشيطان بين عناصرها، حتّى أصبح الإنسان يقتل أخاه الإنسان دون شفقة أو رحمة، وذلك يكون بنشر السلام والوئام والمحبّة والتسامح فيما بينها على مختلف أديانها ومذاهبها وانتماءاتها.
إنّ التسامح وإن كان صعبا في كثير من الأوقات، وفيه نوع من كسر الكبرياء والإحساس بالذلّ، إلاّ أنّه أفضل من العنف والردّ العنيف.
فعن الإمام الباقر: (الندم على العفو أفضل وأيسر من الندم على العقوبة).
وأحيانا يكون الجرح عميقا والاعتداء بليغا، مثل ما وقع للشعب الجزائري، ممّا يسبّب آلاما قاسية، خاصة عندما يكون ذلك الاعتداء من إنسان قريب الصلة وفي وقت غير متوقّع، ولكن العاقل هو الذي تظهر شجاعته وتحمّله وصبره في مثل هذه المواقف كما يقول {ص}:
{إنّما الصبر عند الصدمة الأولى}.
إنّ الشجرة الطيّبة لا تعطي إلاّ ثمارا طيّبة، وإنّ القلب الطيّب لا تصدر منه إلاّ أخلاق طيّبة عالية.
قال الفيلسوف (فولتير) حين سئل عن التسامح:
ـ إنّه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية، إنّنا جميعا من نتاج الضعف، كلّنا هشّون وميالون للخطأ، ولكن دعونا نسامح بعضنا البعض، ونتسامح مع جنون بعضنا بعض بشكل متبادل.
إنّ أمر المسيح لنا بأن نعفو إلى سبعين مرّة سبع مرّات قد ورد في الكتاب المقدّس، وهو كما يلي:
(تقدّم له بطرس وقال: كم مرّة يخطئ إليّ أخي؟، وأنا أغفر له هل إلى سبع مرّات).
قال يسوع: لا أقول لك إلى سبع مرّات بل إلى سبعين مرّة سبعة مرّات). ... إنجيل متى: 21.18.
يقول تعالى: {ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور}.
سورة الشورى ـ آية: 40. (1/144)
صفحة 145
إنّ الكراهية وحبّ الانتقام إذا ملأت القلوب، فإنّها تحطّم حتى قابليتها للاستمتاع بمالأكل والمشربوالمنام والإستراحة.
ويقول الكتاب المقدّس في هذا الشأن: لقمة يابسة، ومعها سلامة، خير من بيت ملآن ذبائح ومعه خصام. ... أمثال سليمان ـ 17.
فبهذه التوجيهات المختلفة يحرص الله تعالى على صيانة النفس البشريّة من الحقد والغيظ، ومن الضعف والذل، ومن الجور والبغي، ويعلّقها به وحده في كلّ حالة تكون فيها، ويعدها برضاه والجنّة إذا هي استطاعت فعل ذلك، وتحمّلت في سبيله ما تتحمّل من صبر ورباطة جأش.
فاستحباب العفو من الله تعالى هو لفائدة عباده ومصلحتهم في الدنيا والآخرة، وقد أرشدهم أن يتمسّكوا به ابتغاء رضاه وجزائه.
وهو القائل عزّ وجلّ: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله}.
سورة الشورى ـ آية:37.
وكما أنّ العفو هو إصلاح للنفس من الأمراض، فهو كذلك إصلاح للجماعة من الأحقاد والضغائن والتفرقة.
وإذا كان العفو عن مقدرة واستطاعة فذلك هو الفضل المبين، ولا ينبع ذلك إلاّ من نفس فاضلة كريمة، وفي هذه الحالة يتبيّن وزن العفو وقيمة التسامح، ويظهر آثاره الحسنة على الظالم وعلى المتعدّي، فيجلبه إلى الجماعة، ويندمج في المجتمع، فيصبح فيه عنصرا فعّالا صالحا ومؤثّرا، فتصفو النفوس وترتاح القلوب إلى بعضها البعض.
إنّ أعداءنا يفرحون ويرقصون طربا وارتياحا إذا علموا أنّ كراهيتنا لهم ترهقنا وتحطّم أعصابنا، وتشوّش علينا راحتنا وتشوّه مظهرنا، وتبعث الاضطراب في قلوبنا، ممّا يسبّب لنا الموت المبكّر.
فإذا لم نستطع أن نحبّ من ظلمنا وتعدّى علينا، ولم نقدر على مسامحته والعفو عنه، فعلينا على الأقلّ ومن الأحسن أن نحبّ أنفسنا ونرحمها، ونقوم بذلك من أجل صحّتنا وسلامتنا وراحتنا.
وفي ذلك يقول (شكسبير):
(لا تنفخ لعدوّك نارا أو تزد جذوتها
فقد يؤذيك أنت من النار لفحتها) (1/145)
صفحة 146
والحياة الاجتماعية السليمة والعلاقات الأخويّة المتينة لا تتوفّر لعناصر المجتمع إلاّ بمثل هذه الأخلاق الراقية التي أرشد إليها كلّ الرسل والحكماء والعظماء.
وهم يريدون ويرجون لهم بكلّ ذلك حياة هنيئة مع أنفسهم وضمائرهم ومع عناصر مجتمعهم، وقد دعا رئيسنا حفظه الله شعبه الجزائري إلى التحلّي بمثل هذه الأخلاق حتّى يخرج من أزمته التي عاشها طوال هذه المدّة، فعليه جميعا بمختلف شرائحه وطبقاته أن لايضيّع هذه الفرصة الثمينة المتاحة وهي في صالحه أوّلا وأخيرا، وفي صالح الأجيال الصاعدة، حيث تضمن لها الرخاء والهناء، وتوفّر لها فرص العمل بما ستجلبه للبلاد من استثمارات ومشاريع سيعود نفعها على عناصره جميعا.
هذه الأجيال الصاعدة التي لم تقترف ذنبا في كلّ هذه الأعمال التي أوصلت المجتمع الجزائري إلى ما أوصلته من عنف وتسلّط على بعضه البعض، فلماذا لا نوقف كلّ ذلك من أجله، ومن أجل أن نعيش مرتاحي البال والضمير، ونحن قد قمنا بما نستطيع القيام به في سبيل الوطن، ومن أجل الرفع من قيمته وتحقيق الهناء والرخاء لعناصره.
لا تفكّر في الذين تبغضهم
إنّ الله تعالى قدّر لهذا الإنسان أن يحيا في هذا الوجود عمرا محدودا، وأيّاما معدودة، وأنفاسا محسوبة، وكل ّيوم مضى لا يعود ولا يرجع إلى يوم القيامة، ولكن للحساب وليس للعمل.
وقد خلقه ربّه لتحمّل وأداء رسالة عظيمة شريفة، وكلّ ميسّر لما خلق له، خلقه ليكون خليفة له في هذه الأرض يبني فيها ويشيّد ويعمّر، فالعاقل فيها هو الذي لا يضيّع أوقاته وعمره سدى، بل يشتغل بأداء هذه الرسالة التي من أجلها خلق، ولا يتعب فكره، ويجهد نفسه، ويضعف قواه في التفكير بما لا يعود عليه بالفائدة، وربّما يسبّب له أضرارا ومتاعب، فيكره الحياة ويتصوّر أنّها صعبة لا يستطيع أن يعيشها، في حين أنّها سهلة ومهيّأة لمن لم يهتم بمشاغلها ومشاكلها اشتغالا كبيرا.
وفي هذا يقول الشاعر (أحمد شوقي): أمير الشعراء. (1/146)
صفحة 147
دقات قلب المرء قائلة ... له إنّ الحية دقائق وثوان.
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان.
والإنسان العاقل يعلم علم اليقين أنّ عمره في تناقص مستمرّ، ولا يشكّ أنّ الموت له بالمرصاد عند كلّ ثانية وساعة، ولكن مع ذلك ويا للأسف فهو لا يتّعظ ولا يعتبر فبدلا من أن يشتغل بما يعود عليه بالفائدة لدنياه وآخرته، له ولمجتمعه عموما، تجده يضيّع أوقاته سدى، ويتحسّر على ما مضى وهو يعلم علم اليقين أنّه لا يعود إليه أبدا.
فلماذا التذمّر والحزن على الماضي يا ترى، ولأيّ سبب نضيّع مجهودنا وتفكيرنا في اولئك الذين آذونا وتعدّوا علينا، ولماذا نقتل أيامنا
في التخطيط من أجل الانتقام منهم.
قال تعالى: {أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون}.
سورة المؤمنون ـ آية:116.
فالمواطنون جميعا لهم مهمّتهم النبيلة ورسالتهم السامية التي تركها لهم الشهداء والمجاهدون، وهي ضمان استمراريّة استقلال البلاد ونموّها وأمنها واستقرارها، ليرفعوا من شأن هذا الوطن العزيز، ويهتمّوا بالبناء والتشيّيد والتعمير، وكلّ ذلك مرفوق بالإخلاص والتفاني في سبيل استرجاع ثقة الأصدقاء فيه.
فعلى المخلصين جميعا أن يتخلّصوا من مشاعر الضغينة والحقد والبغضاء فيما بينهم، إنّهم أبناء بلد واحد وأصحاب دين واحد، فليكونوا إذن كرجل واحد في سبيل نصرة دينهم الإسلام، والدفاع عن وطنهم الحبيب.
عليهم أن ينظروا إلى بعضهم البعض بمنظار المساواة ... داخل هذا الوطن، فكلّ إنسان فيه له حقوقه كاملة غير ناقصة، وفي مقابل ذلك عليه أن يؤدّي واجباته الواجبة عليه نحوه، ولا يحقّ لأيّ عضو فيه أن يزن أخاه بميزان الكراهية أو البغض.
وكلّ مجتمع لا يزن أعضاءه بهذا الميزان المتساوي والعادل فهو يخلق التفرقة والنزاعات داخله ولا يستقرّ على حال أبدا. (1/147)
صفحة 148
إنّ هذا هو العمل النبيل والشريف الذي قام به كلّ الأنبياء والرسل والعظماء عبر التاريخ، ودعوا إليه بكلّ قوّة وإخلاص لأنّهم يعلمون جيّدا أنّه من مقوّمات ومكوّنات المجتمعات الصالحة.
فسيّدنا محمّد لم يفرّق في يوم من الأيام بين أصحابه أو فضّل أحدهم على الآخر، وذلك رغم أنّهم كانوا من أقوام مختلفة، وأصول متعدّدة، فلم يفرّق يوما بين المهاجرين والأنصار عندما هاجر من مكّة إلى المدينة بل آخى بينهم، وقسّم بينهم الأموال والحاجات كلّها، ولم يفرّق يوما بين بلال الحبشي الأسود وأحد من الصحابة الآخرين ولو كان من قومه وعشيرته، بل رفع من قدره إلى أعلى الدرجات حيث عيّنه مؤذن له في بداية الآذان الأوّل في الإسلام، فكان له ذلك شرف في الأمّة الإسلامية جمعاء، ولم يميّز بين أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب، أوبين صهيب الرومي على أنّه من الروم وليس من العرب، بل كوّن منهم جميعا مجتمعا موحّدا متماسكا يضرب به المثل عبر التاريخ، ولم تعرف أمّة من الأمم مهما كانت ثقافتها أو تقدّمها مجتمعا مثل ذلك المجتمع.
وقد قال قولته المشهورة: {كلّكم لآدم وآدم من تراب}.
فكلّ شخص في هذا المجتمع إنسان كغيره من الناس خلقه ربّه، ووهب له قيمته التي هو جدير بها، فلماذا لا يحترمه أخوه ولا يقدّره القدر الذي أعطاه له ربّه، خالقه ورازقه.
وقد سجّل التاريخ عبر عصوره المختلفة الكثير والكثير من أمثال هؤلاء العظماء الذين قدّروا هذا المخلوق حقّ قدره، بل وضعوا أنفسهم أسفل السلّم واعتبروا الناس جميعا أفضل منهم وأحسن.
فعلى كلّ عنصر في المجتمع أن يزن إخوانه بميزان الإنسانية الخالصة، ولا يزنهم أبدا بميزان حبّه أو كراهيته. (1/148)
صفحة 149
ومن سيرة العظماء العمالقة الذين طبّقوا هذا الميزان على مواطنيه نذكر ما ورد في سيرة الزعيم الأمريكي (إبرهام لنكولن) الذي أنجبته أمريكا فهو لم يفكّر يوما في الانتقام ممّن آذوه وأساؤوا إليه، فقد لاقى في حياته من المقت والإيذاء والخديعة ما لا يستطيع تحمّله إلاّ العظماء، ولكنّه استطاع أن يتلقى كلّ ذلك بصدر رحب، ونفس هادئة، وقلب مطمئنّ.
قال عنه مؤلّف سيرته الكاتب (هندرون): إنّه لم يزن الناس قطّ بميزان حبّه أو كراهيته، ولم يفكّر لحظة فيمن أساء إليه، ولا في نوع الإساءة التي اقترفها ضدّه فكان إذا أساء رجل إلى شخصه ... ـ أي لنكولن ـ ووجد أنّ ذلك الرجل يليق ليقلّد منصب من المناصب السامية قي الدولة إلاّ أسرع إلى تقليده إياه، كما لو كان يقلّده صديقا حميما، أو أخا كريما عليه، ولا أخال أنّه عزل أحدا من منصبه لأنّه كان عدوّا له، أو لأنّه كان يكرهه.
بل الواقع أنّه أسيء إليه وأوذي من رجال كان قد رفع من شأنهم وقلّدهم مناصب ذات وجاهة وسطوة ونفوذ في الدولة.
إنّه كان يرى أنّه ينبغي للرجل المخلص أن لا يطلب المدح، أو يرفض الذمّ من أجل عمل واجب عليه أن يقوم به، لأنّ ذلك يعتبر من واجبه في الحياة ولا بدّ أن يقوم به، ونحن جميعا مسخّرون في أيدي الظروف والأقدار والبيئة والتعليم والعادات المكتسبة والوراثة التي تطبعنا بطابعها الخاصّ، فتظهرنا على الصورة التي نحن عليها في الحاضر، وهي التي تلصق فينا هذا الطابع إلى الأبد. (1/149)
صفحة 150
ولذلك اهتم الدّين الإسلامي على تربية الأجيال الصاعدة تربية حسنة وتوجيهها الوجهة الصحيحة، والعناية بالتقاليد الاجتماعية لأنها هي التي تكوّن الأجيال شئنا أم أبينا، لذلك يجب على عناصر المجتمع جميعا، كلّ في حدود طاقته ومقدرته، وفي مجال عمله واختصاصه أن يعملوا جاهدين وبكلّ إخلاص على اجتثاث هذا العادات السيّئة الدخيلة في المجتمع الجزائري، وذلك في صالح الأجيال اللاحقة كي لا ترث هذه الإتجاهات الخاطئة.
ويجب على الكبار العقلاء أن لا يورّثوا أولادهم ا وأحفادهم الصغار أخلاق الانتقام والحقد والبغضاء والأخذ بالثأر، وذلك بالتحدّث أمامهم وعلى مسمع منهم في النزاعات الوقعة بينهم وبين إخوانهم وأخواتهم أو جيرانهم وشركاؤهم، إنّ كلّ ذلك ممّا يجعلهم يعتقدون أنّ ذلك العمل هو الصواب، وأنّه يجب عليهم هم كذلك عندما يكبرون أن يقوموابمثله في حياتهم.
وعليهم أن يقطعوا هذا الحبل، وذلك من أجل فائدة الأجيال الصاعدة، وعليهم أن ينشئوهم على التسامح ونشر السلام والوئام، وكلّ ذلك لا يتحقّق بين عشيّة وضحاها، ولكن بالعمل المستمرّ مقرونا بالنيّة الصادقة الحسنة، والتضحية بالوقت والجهد في سبيل تحقيق ذلك، ورئيسنا حفظه الله ورعاه قد مهّد هذا الطريق وخطّه، فما علينا نحن إلاّ أن نعينه بإتباعه والسير عليه حتّى نصل بالجزائر إلى برّ الأمان إن شاء الله سالمة محفوظة من كلّ بلاء.
إنّ هذا هو الطريق الصحيح لتحقيق الاستقرار للنفس، والازدهار والنموّ للمجتمع، وضمان مستقبل زاهر للأجيال الصاعدة، فحين نقطع هذه الصفات السيّئة من واقع المجتمع وننشر فيه التسامح، فإنّنا بذلك نجلب أعداءنا إلى صفوفنا فينضمّون إلى قافلة البناء والتشييد.
وهذا رجل آخر وهو (كلارنس وارد) وقد اعتاد أن يقول: (1/150)
صفحة 151
بدلا من أن نمقت أعداءنا، دعونا نشفق عليهم، وندعوا لهم بالهداية والتوفيق كي يصبحوا عناصر صالحين نستفيد منهم الخير والبناء والتشييد للمجتمع، وبدلا من أن نصبّ عليهم الاتهامات وألوان الانتقام على رؤوسهم، دعونا نشملهم بالرحمة والشفقة والعفو والمعونة.
ولا غرو فهذا ما دعا إليه وقام به نبيّنا محمّد {ص} منذ أربعة عشر قرنا حين كانت البشرية تعيش حياة بدائية ولا تؤمن بمثل هذه القواعد النفسيّة والاجتماعية، فهو لم يحقد أبدا على أحد من أعدائه، بل بمجرّد أن يدخل في صفوفه يرفعه إلى الدرجة التي يليق بها من القيادة.
ولمّا غادر الطائف وهو مجروح مهموم النفس مكلوم الفؤاد، لم يستفق إلاّ وهو (بقرن الثعالب) فرفع رأسه، فإذا بسحابة قد أظلته، فنظر فإذا فيها جبريل عليه السلام.
قال: فناداني، وقال: {إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال}.ثمّ فقال له ملك الجبال:
يا محمّد إنّ الله قد بعثني إليك، وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكّةـ أبو قبيس وقعيقعان ـ فقال النبيء {ص}:
{بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، ولا يشرك به شيئا}. فقال له ملك الجبال: أنت كما سمّاك ربّك ـ رؤوف رحيم.
وهذا سيّدنا عيسى عليه السلام، يأمر أتباعه جميعا أن يدعوا لأعدائهم بالخير والهداية والهدوء مع أنفسهم فيقول:
(أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدوكم).
وفي هذا الاتجاه نحكي واقعة وقعت لأحد الزنوج في أمريكا، وهو المدعو (لورنس جنز) وفيها أنّ بعض مبغضي الزنوج قاموا بقبض واعظ زنجي، وأحاطوا رقبته بحبل غليظ، وجرّوه مسافة ميل في الطريق، ثمّ رفعوه إلى منصّة خشبيّة ليشنقوه، وأشعلوا النيران في تلك المنصّة. (1/151)
صفحة 152
وفجأة قال أحد منهم: لنسمع ماذا يقول هذا الزنجي وهو في هذه الحالة، لعلّه يوجد لديه ما يدافع به عن نفسه، لنتركه يتكلّم قبل أن يموت.
وتكلّم (لورنس) وهو واقف على المنصّة العالية التي سيقتل عليها، وحبل المشنقة مربوط حول رقبته، فدافع عن نفسه وعن قضيّته قائلا:
(إنّه كان مشغولا النفس بقضيّة يريد أن يكرّس لها حياته).
لقد قرأ سيرة (بوكرت ـ ت ـ واشنجن) فألهمته هذه السيرة أن يكرس حياته لتعليم الفقراء والأميين من بني جنسه، فقصد إلى أشدّ بلدان الجنوب تأخّرا وانحطاطا، وهي بلدة تبعد خمسمئة وعشرون ميلا جنوبي مدينة (جاكسون) بولاية المسيسبي ورهن ساعة يده لقاء دولارا واحدا و65سنتا، وأسّس بهذا المبلغ التافه مدرسة في العراء وسط الغابات، وجعل مكتبه من جذع شجرة مقطوعة.
حين تكلّم (لورنس جونز) في تلك الليلة، وحبل المشنقة حول رقبته قال للجمهور الغاضب الملتف حوله:
ـ إنّه كافح من أجل تعليم الأميين من بني جنسه، بنين وبنات، ودرّبهم على أعمال الفلاحة والصناعة والطهي والتدبير المنزلي.
ثمّ تحدّث عن بعض الرجال البيض الذين أعانوه وساندوه في كفاحه على تأسيس مدرسة الغابات الصنوبرية الريفية، فأمدّوه بالأراضي والأخشاب والأبقار والمال ليتسنّى له الإستمرار في رسالته التعليمية.
ولقد سئل (لورنس) بعد نجاته من محنته تلك بسلام، هل امتلأ حقدا على اولئك الذين جرّوه في الطريق ليشنقوه ويحرقوه، فأجاب قائلا:
ـ إنّه كان مشغولا بقضيّته العظمى عن الحقد على اولئك المعتدين. (1/152)
صفحة 153
إنّه لو اشتغل (لورنس) بالحقد والضغينة على أعدائه والحاقدين عليه لتوصّل إلى نتيجة عكسيّة تماما عن التي وصل إليها، وهي نجاته وخروجه سالما من محنته تلك، ولما استطاع أن يوفّر طاقاته الفكريّة للإجابة بكلّ شجاعة عن قضيّته التي كرّس حياته من أجلها، ولا طاقاته الجسميّة ليستمرّ في نشر العلم ومحو الأميّة عن شعبه الفقير والضعيف، ولصرفها فيما لا فائدة منه وهو التفكير في كيفيّة النجاة من هؤلاء الأعداء الذين أرادوا قتله وتوقيف مشروعه الكبير، وبذلك يتعب روحه وعقله وجسمه ويضيّع وقته الغالي دون نتيجة تذكر، فلا يستفيد من طاقاته ولا هو يرجع الظالمين عمّا أرادوا القيام به نحوه، فلا هو استفاد من هذا ولا ذاك.
وفي واقعة أخرى وقعت في الهند يتبيّن فيها خلق التسامح بين المسلمين والهندوس وذلك بتوجيه من القائد الروحي للهندوس.
فقد كان (المهاتما غاندي) زعيما روحيا للهندوس فالاسم (مهاتما) يعني الروح العظيمة، وكان يعتقد أنّ جميع الأهداف الكبرى يستطيع الإنسان أن يحقّقها عن طريق الوسائل الروحيّة السليمة ـأي عن طريق السلم ـ، وكذلك بالمعارضة الخالية من العنف وإرهاق الدماء، فكانت سياسته ونداءاته دائما هي تجنّب سفك الدماء، وعدم العنف والانتقام والأخذ بالثأر، والابتعاد عن التحطيم والتخريب، ويقابل دائما القتال بالصوم، وذلك حتّى يخجل مرتكبي أعمال العنف ويحثّهم على اللّجوء إلى حلول سلميّة.
ومن أبرز وأعظم الأمثلة على حثّه أتباعه وتوجيههم إلى تطبيق هذه الأفكار ما حدث معه عندما جاءه رجل هندوسي مضطرب، قد قتل أحد المسلمين ولده في أعمال شغب وقعت بين المسلمين والهندوس، وعلى سبيل الثأر قتل الهندوسي طفلا مسلما مقابل مقتل ابنه.
جاء ذلك الهندوسي إلى زعيمه (غاندي) يائسا ليستشيره ماذا يجب عليه أن يفعل حتى يكفّر عن ذنبه ذلك.
فكّر الزعيم في السؤال جيّدا، ثمّ أجابه قائلا: (1/153)
صفحة 154
اذهب وأحضر ولدا مسلما، قد تيتّم بسبب أعمال الشغب بين معتنقي الديانتين، وخذ الطفل إلى منزلك وإلى أسرتك، وقم بتربيته ورعايته تماما كأحد أبنائك، ولكن بشرط أن تنشئه على ديانته الإسلامية حتى يصبح مسلما.
هذه أخلاق عالية سامية طيّبة يدعو إليها هندوسي غير مسلم، ويحثّ أتباعه على التمسّك بها وتطبيقها في حياتهم ومع من؟ إنّه مع المسلمين.
فالمسلمون هم أولى من يجب عليهم التحلّي بهذه الأخلاق التي جاء دينهم لنشرها واتباعها في حياتهم الواقعية سواء مع بعضهم البعض أو مع ألدّ الأعداء، وهم يؤمنون باليوم الآخر الذي سيجزون فيه عن الخير إذا لازموه بالجنة، أو عن الشرّ إذا اقترفوه بنار جهنّم وبيس المصير.
ولقد كان غاندي يأمر أتباعه بالتطوّع في الأعمال الخيريّة، وإعانة الفقراء والمحتاجين وتقسيم الغداء واللّباس معهم، وإطعامهم وعلاجهم، وأن يكونوا دائما على إدراك تامّ لأحوال المجتمع الذي يعيشون فيه.
ـ أخلاق سامية دعا إليها هذا الزعيم الهندي الكبير، وقد سبقه إلى ذلك من قبل عدّة قرون رسولنا محمّد {ص}، والسؤال الذي يجب علينا أن نطرحه جميعا على أنفسنا:
أين هي أخلاق رسولنا {ص} وسيرته في واقع حياة أتباعه والتي فاقت كلّ سير الرجال العظماء، وامتازت على كلّ مذاهب الفلاسفة الكبار الذين توصّلوا إليها عن طريق الدراسة والتجربة فقط ولم يكن لهم وحي ينزل عليهم من السماء كما كان رسولنا {ص} يستمدّ أفكاره وتوجيهاته من وحي ربّه. (1/154)
صفحة 155
إنّ الجزائريين في وضعهم الراهن في حاجة ماسّة إلى العمل والاجتهاد المخلص للدعوة إلى مثل هذه الأخلاق السامية والدعوة إليها بكلّ إخلاص وتضحيّة، وتطبيقها في واقع حياتهم مع بعضهم البعض خاصّة، ومع الأجانب عامّة كي يتعاملوا معهم بالتي هي أحسن، ويجلبو إلى بلادهم المشاريع المختلفة لتنميّة اقتصادهم والرفع من مستواهم المعيشي، وتوفير مناصب شغل كثيرة للشباب والأجيال الصاعدة، وينالوا بذلك الدرجات العالى عند ربّهم غدا يوم القيامة، وهذا ما يتمنّاه كلّ مسلم مخلص لربّه ولوطنه وشعبه، خاصة وقد وهب الله تعالى لهم هذه الفرصة الذهبية التي توفّر للشعب جميعا الأمن والسلام والطمأنينة والوئام، وذلك كما أمرهم به نبيّهم محمّد {ص} حيث يروي في حديثه القدسي عن ربّه عزّ وجلّ:
{طوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يده، وويل لمن خلقه للشرّ وأجريت الشرّ على يده}.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله {ص}: {كلّ سلامى من الناس عليه صدقة، كلّ يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابّته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيّبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة}.
رواه البخاري ومسلم.
إنّ الزعماء الذين ضحّوا بأنفسهم وبكامل ما يملكون في سبيل تحرير شعوبهم كثيرون عبر التاريخ، منهم من عرف اسمه وسجّل في سجلّ تاريخ شعبه، واعترفت لهم تلك الشعوب بتضحياتهم، ولكن كثيرا منهم بقيت أسماؤهم في طيّ الكتمان رغم ما قاموا به من أعمال جبارة لا يعلمها إلاّ الله تعالى. (1/155)
صفحة 156
فمن هؤلاء زعيم السود في جنوب إفريقيا (نيلسون ما نديلا) الذي ضحّى بعمره كاملا في سبيل تحرير شعبه، وإنقاذه من نار التفرقة العنصريّة بين السود والبيض، وكان جزاؤه أنه ألقي في السجن حيث بقي فيه مدّة 27 سنة، قضى زهرة شبابه وراء القضبان من أجل قضيّة تحرير شعبه من الاضطهاد وإنقاذه من الفقر والحرمان.
هذه السنوات المتواصلة التي لم ير فيها النور ولا زرقة السماء حوّلته إلى أشهر سجين سياسي في القرن العشرين، وأصبح وجوده وراء القضبان يمثل ضغطا عالميا على النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وقضيّته تدرس في المحافل الدولية، وموضوع اهتمام من طرف رؤساء الدول والمنظّمات.
لم يضعف السجن روحه النضاليّة العالية، ولم يملأ قلبه حقدا على الذين قاموا ضدّه بكلّ ذلك، لأنّه عرف الطريق إلى جوهر الكرامة الإنسانيّة وما يفعله التسامح من معجزات عظام لا يستطيع العنف والانتقام أن يحقّقها.
لقد مشى في رحلته الطويلة نحو الحريّة بروح عالية، وعلى أدقّ الخيوط، وحرّر شعبه من قمع وحشي استمرّ على مدى عشرين جيلا من البشر، وبصورة فريدة من نوعها عبر التاريخ البشري الطويل، ولم تحدث في أيّ مستعمرة من المستعمرات عبر العالم، ورغم ذلك كلّه لم يشعل نيران الانتقام التي كان قادرا على أن يدعو إليها شعبه عندما تولّى الحكم، وكان بإمكانه فعل ذلك، ولكنّه ترك اولئك البيض الذين كانوا سبب محنته يمارسون أعمالهم بكلّ حريّة، ويعيشون حياتهم بكلّ هدوء.
وإلى جانب ذلك لم يستأثر بكرسيّ الحكم، بل أعلن اعتزاله ليترك الفرصة للأجيال الأخرى التي جاءت من بعده، ليرتقي هو إلى مستوى الرمز الروحي للحرّية أو الروح الكبرى، كما يطلق عليه بلغة أهل قبيلته من (الكوسا). (1/156)
صفحة 157
لقد عاد إلى منزله الصغير للإقامة فيه في بلدته الأولى (كونو) وهو مكوّن من طابقين بالقرب من الطريق السريع الذي يشقّ قريته، وقد أهدى له بعض محبّيه رؤوسا من الماشية يتسلّى برعايتها، ويقوم هو وزوجته بزيارة أقاربه الذين بقوا على قيد الحياة.
لقد عاد إلى الراحة في نفس المكان الذي بدأ منه طريقه الطويل نحو الحريّة.
هذه الروح التي تحلّى بها هذا الشخص العظيم هي التي أوصلته إلى درجة العظماء، وليست الروح العدوانية التي يظنّ بعض من الناس أنّها ترفع من شأنهم فيفسدون في الأرض بشتّى أنواع الفساد ولكن بمجرّد أن ينقطعوا عن هذه الحياة، تدفن آثارهم معهم، ويذكرون بكل الأعمال البشعة التي كانوا يرتكبونها في حياتهم، ويضرب بهم المثل السيّء في ذلك، بئسه من ذكر يذكرون به في الدنيا، وما أشدّه من عذاب يصلونه غدا يوم القيامة جزاء ما أفسدوا في الأرض وروّعوا من عباد الله الأبرياء.
لقد ضحّى بروحه من أجل شعبه فنال هذا اللّقب الذي هو جدير بأمثاله من المضحّين من أجل راحة شعوبهم واستقرارها، ومثال ذلك رئيس دولتنا المجاهد من أجل وطنه الجزائر، والله تعالى لن يضيّع جهده.
ومن أروع ما يذكره به أصدقاء وأعداء (مانديلا) على السواء، أنّه لمّا خرج من السجن وتسلّم السلطة الكاملة لدولته، لم يظهر ولو مرّة واحدة أمام الملإ حقده على أعدائه، أو إرادة الانتقام منهم مقابل ما قاموا نحوه من ظلم وتعدّي، ولم يظهر أيّ نوع من الشعور بالمرارة تجاه سنوات الاضطهاد التي عاناها.
وبهذا ندرك جيّدا أنّه عندما ننمّي ذكاءنا الاجتماعي ونطوّره ونرفع من روحنا بتطبيق تعاليم ديننا الحنيف، فإنّنا سنتمكّن من التواصل مع جميع أنواع الأشخاص، وسنتعامل مع الآخرين بنجاح، ولو مع مبغضينا وأعدائنا.
وداعا للغضب (1/157)
صفحة 158
إنّ ما يقع في العالم من تقتيل الإنسان لأخيه الإنسان وتخريب وتدمير للممتلكات، ما هو إلاّ من أسباب الغضب، هذا الانفعال السيئ والخطير الذي يأتي من وسوسة الشيطان ونزغاته ومحاولته الإفساد بين البشر ونشر اليأس والقنوط بينهم حتّى يخرجوا من هذه الحياة وهم مثقلون بالذنوب والجرائم التي اقترفوها ضدّ إخوانهم فيحقّ عليهم العذاب ويكونوا من أصحاب السعير.
وإنّ لهذا الانفعال السيئ آثاره السلبية على نفس الإنسان وجسمه، وعلى قواه العقليّة والفكريّة، وله تأثير قويّ في إنقاص عاطفة الإنسان نحو أخيه الإنسان، وتقويّة روح الانتقام والتعدّي لديه، ممّا يجعله شخصا آخر غير الذي يكون عليه في حالاته العادية الطبيعية.
إنّ الإنسان إذا عوّد نفسه الغضب والثوران لسبب أو لغير سبب، فإنّ تلك العادة السيّئة ستتمكن منه، فلا يستطيع التحكّم في نفسه ممّا يجعله سريع الانفعال، ويصير جسمه يتحفّز بسرعة وبقوّة شديدة، وشيئا فشيئا يتكوّن لديه ارتفاع ضغط الدم، فيتسبّب ذلك في كثير من الأمراض النفسيّة والجسميّة، مثل المرض السكّري والذبحة الصدريّة.
وقد أكّدت الأبحاث العلمية المتعدّدة أنّ الغضب وتكراره يقصّر من عمر الإنسان.
والله تعالى في كتابه القرآن الكريم يصوّر لنا الغضب بأنّه قوّة شيطانية تقهر الإنسان وتدفعه إلى القيام بأعمال لم يكن يقوم بها من قبل عندما كان في حالته العادية.
والرسول {ص} ينصح أصحابه بعدم الغضب لما يسبّبه من آثار سلبيّة سيّئة في حياة صاحبه الذي يغضب كثيرا.
فعن رجل من أصحاب النبيء {ص} قال: قال رجل:
يا رسول الله أوصني، فقال له: لا تغضب.
قال الرجل: ففكّرت حين قال النبيء {ص} ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرّ كلّه. ... رواه أحمد.
وقد بيّن {ص} علاج الغضب لمن يسيطر عليه مثل هذا الإنفعال حتّى يخفّف شدّته عن نفسه، ويتحكّم في أعصابه.
{وإذا غضب أحدكم فليسكت}. (1/158)
صفحة 159
لأنّ أيّ سلوك يصدر من ذلك الإنسان الغاضب لا يمكن أن يوافق الصواب وهو نفسه سوف ينكره عندما يذهب عنه غضبه ويعود إليه رشده، فيندم على ذلك.
ولهذا يقول {ص}: {لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان}.
رواه مسلم.
وسيّدنا موسى عليه السلام نبيّ الله ورسوله لما رجع من ميقات ربّه غضبان أسفا من مخالفة قومه له، ألقى ألواح ربّه وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.
قال تعالى: {ولمّا رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بيسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربّكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه}. ... سورة الأعراف ـ آية:150.
ولكن لمّا عاد موسى عليه السلام إلى حالته الطبيعيّة، وهدأ من غضبه، عاد وأخذ الألواح التي كان قد ألقاها في حالته التي كان عليها من قبل، وكأنّ الغضب وسواس قرع فكر سيّدنا موسى عليه السلام ليلقي الألواح.
قال تعالى: {ولمّا سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح}.
سورة الأعراف ـ آية:154.
وإلقاء موسى للألواح يدلّ على شدّة الانفعال، فهذه الألواح هي التي تحمل كلمات ربّه القيّمة الطاهرة والعالية المكانة والقدر، وهو لا يلقيها إلاّ وقد أفقده الغضب زمام نفسه وتركيز تفكيره، وكذلك أخذه برأس أخيه يجرّه إليه، وهو أخوه ووزيره في تبليغ رسالة ربّه، وهو العبد الصالح الطيّب، كلّ هذا يدلّ على حالة سيّدنا موسى أثناء غضبه حتّى فعل ما فعل.
وفي قوله تعالى: {ولمّا سكت عن موسى الغضب}.
يصوّر الله تعالى الغضب كأنّه كائن حيّ، فهو يشخّصه وكأنّما هو مسلّط على سيّدنا موسى يدفعه ويحرّكه، حتّى إذا سكت عنه وتركه لشأنه عاد سيّدنا موسى إلى نفسه فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دفع الغضب له لذلك وسيطرته عليه.
وفي هذا الانفعال الشديد يقول مجاهد ـرحمه الله ـ
قال إبليس: ما أعجزني بني آدم فلن يعجزني في ثلاث:
ـ إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا.
ـ وإذا غضب قال بما لايعلم وعمل بما يندم. (1/159)
صفحة 160
ـ ونبخّله بما في يده ونمنّيه بما لايقدر عليه.
وتجنّب الغضب والابتعاد عنه يحتاج إلى ضبط النفس مع إيمان قويّ بالله تعالى، ويمتدح الرسول {ص} تحكّم الإنسان العاقل في نفسه في هذه الحالة ويقول:
{ليس الشديد بالصرعة، إنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب}. ... ر ... رواه البخاري ومسلم.
ولا يكون تجنّب الغضب والشفاء منه بتناول المهدّئات والمسكّنات كما يفعل كثير من الناس، فهذه تهدّئ النفس لبعض الوقت فقط، ثمّ سرعان ما يرجع صاحبه إلى الحالة الغير الطبيعيّة كما كان من قبل سريع الغضب والانفعال، وخاصة وأنّ كثرة تناول تلك الأدويّة يؤذي صحة متناولها، ويصبح مدمنا عليها، فتكون وبالا على صحّته الجسمية والنفسيّة والعقليّة، وتكوّن له أمراضا متعدّدة.
ولا يستطيع متعاطي المسكّنات أن يتخلّص منها بسهولة، وبما أنّ الغضب يغيّر من سلوك الإنسان، فعليه إذن أن يعالج غضبه بمحاولة تغيير سلوكاته الغضبيّة والانفعاليّة، ويبتعد قدر المستطاع من الأشياء أو الأعمال التي تثير أعصابه وتسبّب انفعاله حتى يتمرّن ويتدرّب شيئا فشيئا على ذلك، فتتحوّل نفسه إلى نفس هادئة الأعصاب متوازنة التفكير.
ويضيف العالم النفساني الدكتور (أحمد شوقي) ويقول:
ـ إنّ الطبّ النفسي توصّل إلى طريقتين لعلاج المريض الذي يغضب كثيرا ـ.
ـ01: من خلال تقليل الحساسيّة الانفعاليّة، وذلك بتدريب المريض تحت إشراف طبيب نفساني على ممارسة الاسترخاء، مع مواجهة نفس المواقف الصعبة التي تعترضه من حين لآخر، فيتدرّب على مواجهتها بدون غضب أو انفعال حتّى يصبح هادئ النفس متحكّم في أعصابه.
ـ02: من خلال الإسترخاء النفسي والعضلي، وذلك بأن يطلب الطبيب من المريض أن يتذكّر المواقف الصعبة التي مرّ بها في حياته، وإذا كان واقفا فليجلس، وإن كان جالسا فليضطجع ليعطيه ذلك فرصة للتروّي والهدوء. (1/160)
صفحة 161
وهذا العلاج لم يتوصل إليه الطبّ إلاّ في هذه السنوات القليلة الماضية، وبعد دراسات وتجارب كثيرة ومتعدّدة، بينما الرسول {ص} كان قد علّمه لأصحابه منذ قرون مضت، حيث يرشدهم ويأمرهم بفعل ذلك ويقول:
{إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلاّ فليضطجع}. ... رواه أحمد وأبو داود.
وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـ أنّ رجلا قال:
يا رسول الله أوصني. قال {ص}: لا تغضب.
فطلب منه ذلك مرارا، وفي كلّ مرّة يقول له: لا تغضب.
وقال عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ: مكتوب في الحكم: يا داود، إيّاك وشدّة الغضب، فإنّ شدّة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم.
وقال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قوله تعالى:
{خذ العفو وآمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.
سورة الأعراف ـآية:199.
وفسّر العلماء قوله عزّ وجل ّبقولهم:
ـ إنّ الأخلاق ثلاثة بحسب القوى الإنسانيّة: عقليّة، وشهويّة، وغضبيّة.
ـ فالعقليّة: هي الحكمة ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ـ والشهويّة: هي العفّة ومنها أخذ العفو.
ـ والغضبيّة: هي الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين.
وقال العلماء أيضا: الغضب مفتاح كلّ شرّ.
وقالوا مكتوب في التوراة: يا ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق.
إنّ الغضب يتولّد منه الحقد والحسد، ويعتبر هذا نقص في العقل والدّين، وممّا يؤدّي إلى التقاطع وفساد ذات البين، وإذا وقع العبد في مثل هذه الحالة فإنّه يستوجب غضب الرحمان عليه، ويرضي بذلك الشيطان الرجيم، وكثيرا ما يعقب ذلك كلّه الاعتذار والندم، ولكن يكون ذلك بعد فوات الأوان.
اكتشف الأطباء أنّ الغضب قد يؤثّر على الجسم حتّى يعمي البصر ويصمّ الآذان، ويخرس اللسان، ويعجز الإنسان، بل قد يموت صاحبه وتزهق روحه إذا كان يعاني من ضغط الدم وضعف القلب. (1/161)
صفحة 162
والغاضب لا يمكنه أن يستفيد من الموعظة والعبرة، فيكون مآله أن ينفر الخلق منه، ويبتعدوا عنه، ويخافون حتّى من الاقتراب منه.
عن ذي القرنين ـ رحمه الله ـ أنّه لقي ملكا من الملائكة، فقال له: علّمني علما أزداد به إيمانا ويقينا.
فأجابه الملك بقوله: لا تغضب فإنّ الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب، فردّ الغضب بالكظم، وسكّنه بالتوءدة، وإيّاك والعجلة فإنّك إذا عجلت أخطأت، وكن سهلا ليّنا للقريب والبعيد، ولا تكن جبّارا عنيدا.
قال الغزالي ـرحمه الله ـ ممّا يدلّ أنّ الغضب من أخلاق الناقصين أنّ المريض أسرع غضبا من الصحيح، والصبيّ أسرع غضبا من الرجل الكبير، والشيخ الضعيف أسرع غضبا من الكهل، وذا الخلق السيّء والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل، فالأرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللّقمة، ولبخله إذا فاتته الحبّةّ، حتّى إنّه يغضب على أهله وولده وأصحابه، وإنّ القوي من يملك نفسه عند الغضب.
وقال ـرحمه الله ـ حال القلب عند الغضب والاضطراب أشدّ من حال السفينة عند اضطراب الأمواج في لجّة البحر، فالغاضب تقبح صورته الداخلية أوّلا، ثمّ ينتشر القبح إلى صورته الظاهرية ثانيا.
أمّا في اللّسان فيظهر أثره بالشتم والفحش الذي يستحي منه قائله عند سكون غضبه، فضلا عن تخبّط النظم واللّفظ.
وأمّا أثره على الأعضاء فالضرب والتهجّم والتمزيق، فربّما مزّق ثوبه، أو لطم وجهه، وربّما ضرب بيده على الأرض.
وأمّا أثره في القلب فالحقد والحسد واضحا وسوء الظنّ والشماتة بالمساءات
إنّ الغضب هو جماع الشرّ كلّه، وقد يؤدّي بصاحبه إلى أسوإ الحالات، فيخسر دنياه وآخرته بما يقترفه من أعمال أثناء ثوران غضبه.
وسرعة الغضب والإنقياد له هو عنوان ضعف صاحبه، ولو ملك السواعد القويّة، والجسم الصحيح. (1/162)
صفحة 163
وهو ولا شكّ خلق مذموم، وطبع سيء، وسلاح لا يستطيع صاحبه أن يتحكّم فيه، فإذا إعتاد عليه، واستسلم له، فإنّه يقع ضحيّة آثاره السيّئة، والتي هي مضرّة للفرد وللمجتمع على العموم.
إنّه يولّد الحقد في القلوب، ويعوّد صاحبه إضمار السوء والإنتقام بمن حوله عموما، وهو يسبّب العداوة والبغضاء بين الأهل والأقارب والإخوان والأصدقاء، وبه تنقطع الصلات، فتفسد الحياة وتنهار المجتمعات.
وما يقع في العالم من أعمال شغب وتذمير وتخريب، ما هو إلاّ نتيجة لهذا الخلق السيّء الذي تمليه الشياطين على أصحابها فيقومون بما يقومون به من مساوئ وبشاعة لا تتصل بالروح الإنسانية بأيّ حال من الأحوال، والتي هي سبب خسرانها.
ـ الخلاصة
أثر التفاهم والتصالح الاجتماعي على الجسم والنفس
إنّ الإنسان إذا أراد أن ينجح في حياته، ويستمرّ على حالة ووضعيّة حسنة جيّدة، ويحيا حياة مطمئنّة هانئ البال، راضي النفس، وذلك رغم الاضطرابات الهائلة للعلاقات الاجتماعية التي تشهدها أغلبيّة المجتمعات في هذا العالم، ويتغلّب على مشاكل الحياة المعقّدة والتي أثّرت سلبا على كثير من الناس، حيث فقدوا الثقة بأنفسهم وبمن حولهم، فعليه أن يتفهّم جيّدا هذه العلاقات، لأنّ تفهّمه الصحيح لهذه الناحية من نواحي الحياة المتعدّدة، والتي يجب عليه لزاما أن يحياها ويمرّ عليها، سيكون له الأثر الإيجابي الجيّد على نفسه وجسمه وعلى من حوله من عناصر المجتمع على العموم. (1/163)
صفحة 164
إنّ النجاح في الحياة الاجتماعية يؤثّر تأثيرا مباشرا وإيجابيا على الثروة الخلقية والسلامة البدنية، فكلّما وجد الشخص نفسه منسجما مع عناصر مجتمعه كلّما حاول تحسين أخلاقه أكثر حتّى يلقى الترحيب أكثر ممّن حوله من الناس، وحتّى لا يفقد ثقتهم فيه فينفضّون من حوله وهذا ما يخافه كلّ إنسان إذا حقّق لنفسه مكانة جيّدة في مجتمعه، خاصّة وأنّ ذلك الخلق يعينه على تحمّل ما يعترّض له في يومه من التغيّرات النفسيّة والجسميّة المتعدّدة والمتكرّرة.
وهذا ما تشير إليه إحدى الدراسات التي أجراها أحد الاجتماعيين في هذا المجال فهو يسأل عناصر المجتمع ويقول لهم:
هل تريدون علاجا مجانيّا وسهلا لنزلات البرد؟
فإذا كان الجواب: نعم.
إذن فما عليكم إلاّ تمارسوا حياة اجتماعية متنوّعة، وتكوّنوا لأنفسكم اتّصالات متعدّدة بمختلف أعضاء المجتمع الذي تعيشون فيه، لأنّ ذلك سيكون له الأثر الإيجابي على الغدد المسؤولة عن مقاومة الإصابات التي يصاب بها الإنسان في جسمه، ويقوّي القوى الدفاعية عنده فتقوم بعملها بصفة جيّدة وحسنة.
وقد أثبت ذلك الدكتور (شيلدون كوهين) استاذ علم النفس بجامعة (كارنيج ميلون) في دراسة قام بها، وهو يقول:
ـ إنّ الزملاء والأقارب والأصدقاء والأحباب يمكنهم التصرّف كفريق قويّ ّللمساعدة في حمايتك ضدّ نزلات البرد.
وتشير هذه الدراسات إلى أنّ الأشخاص الذين يحيون حياة أنشط وأوثق اجتماعيّا، يتمتّعون بصحّة أفضل من الآخرين المحرومين من مثل هذه الحياة، ويعيشون عمرا أطول.
ولقد أكّدت دراسة (كوهين) هذه النتيجة، حيث أوضحت أنّ الموضوع لا يقتصر ببساطة على الكمّ المطلق للعلاقات الاجتماعية البالغة الأهميّة، بل يمتدّ إلى مدى تنوّع هذه العلاقات. (1/164)
صفحة 165
وفي دراسة أجراها الدكتور وزملاؤه على125متطوّعا و151متطوّعة طلب منهم (كوهين) تسجيل الناس الذين تربطهم بهم علاقة ويزورونهم مرّة كلّ أسبوعين على الأقلّ، وبالإضافة إلى ذلك طلبوا منهم تسجيل تنوّع شبكاتهم الاجتماعية وذلك بتقسيم علاقاتهم إلى اثني عشر قسما تشمل الآباء، الأبناء، الإخوة، الأخوات، شركاء الحياة، الجيران، والشركاء في العمل، وغير ذلك من العلاقات الكثيرة والمتعدّدة.
وعندئذ تمّ تعريض المتطوّعين والمتطوّعات لفيروس البرد، وتمّ حفظ سجّل العدوى لديهم بعناية تامّة.
وقد تأثر (62% في المئة) من هؤلاء المتطوّعين الذين يقيمون علاقات اجتماعية قليلة ولديهم علاقات محدودة، في حين أصيب بالبرد (35في المئة) فقط ممّن يقيمون علاقات اجتماعية واسعة، بها ستة أقسام أو أكثر من العلاقات الإثني عشر المسجّلة.
وقد صاغ (كوهين) نظريّته على أنّ أحد أسباب قوّة المناعة يكمن في تنوّع شبكة العلاقات الاجتماعية الجيّدة، والذي يشمل الشعور بالرضا الذي يقوّي المناعة ويزيد من القوى الدفاعيّة في الجسم ضدّ الجراثيم التي تغزوا الجسم، وهذا الرضا يكوّنه في نفس الإنسان، ويحافظ عليه ويقوّيه كثرة علاقاته الاجتماعية بمن حوله، لأنّهم يزيدون في نفسه البهجة والفرح والسرور والراحة والاطمئنان، فتقوى ثقته بنفسه، وهذا كلّه ممّا يدعّم جهاز المناعة لدى الشخص ضدّ مهاجمة الفيروسات الغازية.
أمّا الوحدة فإنّ تترك في النفس حيرة ويأسا ممّا يفقده ثقته بنفسه، فيفقد الأمل في الحياة الهادئة المطمئنّة ممّا يؤثّر آثارا سلبيّة وسيّئة على الغدد التي تفرز مختلف المواد التي تحفظ للجسم توازنه وتزيد من قوّته الدفاعيّة والمناعيّة ضدّ مختلف المكروبات، فيصبح فريسة سهلة ضعيفة لهجوماتها وتكاثرها داخل الجسم، ممّا يسبّب له أمراضا مختلفة. (1/165)
صفحة 166
وقد أوضحت دراسة سويديّة أجريت حول هذه الوضع، فتوصّل الباحثون الذين أجروا هذه التجربة أنّ الوحدة وعدم الانسجام الاجتماعي والاقتصار على شبكة محدودة من العلاقات الاجتماعية يؤدّي إلى الاكتئاب والانطواء على النفس ونتيجة لكلّ تلك العوامل فإنّ الإنسان يعيش حياة قصيرة، لأنّ تلك التأثيرات الشديدة والمؤلمة تفعل مفعولها التدميري في خلايا الجسم، ممّا يؤدّي إلى الوفاة المبكّرة.
ولابدّ بشيء من التوضيح لهذه القضيّة لنفهم جيّدا كيف يحدث ذلك.
يحدث ذلك من خلال تغيّر الطريقة التي يتجاوب بها العقل مع ضغوط الحياة اليوميّة، والإنسان باتّصاله بغيره من عناصر المجتمع وإقامته علاقات طيّبة معهم، فإنّه يجد فيها متنفّسا يتخلّص فيه من تلك الضغوطات، لأنّه يجد المعونة والمواسات من طرف إخوانه وأصدقائه الذين يتحدّث معهم عن مختلف تلك المشاكل والضغوط التي يتعرّض لها فيوجّهونه إلى كيفيّة إيجاد حلول لها، ممّا يخفّف عنه وطأة تلك الضغوطات، وينقص من أثرها على نفسه وعلى صحّته.
أمّا إذا عاش منزويّا قليل الاتصالات الاجتماعية مع الآخرين، فإنّه يتحمّل وحده تلك المشاكل والضغوط ولا يجد من يشتكي إليه من وطأتها، ولا يكون له متنفّسا ممّا يجعلها تبقى داخل نفسه وجسمه فتأثّر فيهما تأثيرها السلبي السيّء، فلا يقدر على التحمّل، وعلى مرّ الأيّام والأعوام يفقد قدرته على المقاومة، فتنخر جسمه الأمراض.
إنّ الدراسات الحديثة تفيد أنّ العزلة الاجتماعية مضرّة بالصحّة، وهي التي توضّح لنا السبب وراء ارتفاع نسبة تعرّض الأشخاص المنعزلين اجتماعيا لإصابات القلب والأعصاب وغيرها من الأمراض. (1/166)
صفحة 167
فقد قامت الدكتورة (مريام هورستين) وزملاؤها بمعهد (كارولينسكا) (بستوكهولم) بقياس معدّل ضربات القلب لثلاثمئة امرأة يتمتّعن بكامل صحّتهن البدنية، وذلك لمدّة أربع وعشرين ساعة، كما تمّ إجراء مسح شامل على مجموعة من صديقاتهن، وذلك حتّى تتعرّف على مدى شعورهن بالغضب والاكتئاب.
وكانت (هورستين) وفريقها يهتمّون بتغيّر معدّل ضربات القلب، أي قياس مدى تغيّر معدّل ضربات قلب المرء على مدار اليوم العادي.
إنّه من المعروف عند الأطباء نتيجة لما قاموا به من تجارب على معدّل ضربات القلب للإنسان في مختلف مراحل عمره أنّ الإنسان الذي يتمتّع بصحّة جيّدة، وقدّر له أن يحيا حياة مديدة وسعيدة، يزداد معدّل تغيّر ضربات القلب لديه خلال فترة الأربع والعشرين ساعة.
كما أنّ معدّل ضربات القلب الذي لا يتغيّر لدى الإنسان هو من أسباب الوفاة المبكّرة لديه، وذلك نتيجة لأمراض القلب التي تصيبه في مختلف مراحل عمره.
وواضح جيّدا حسب هذه الدراسة وغيرها من الدراسات أنّ الحياة الاجتماعية النشطة تشمل بالضرورة على مجموعة واسعة من تغيّر معدّل ضربات القلب، فالضحك والإثارة العاطفيّة، والعاطفة والغضب، والإحباط والاسترخاء، وباقي السلسلة الكبيرة من الانفعالات المرتبطة بالأنشطة الاجتماعية كلّها أمور تمنح القلب تدريبا رائعا، وهي ميزة لا تتوفّر عند من يعيشون في عزلة اجتماعية.
وقد استنتجت (هورستين) أنّه كلّما زاد الدعم الإجتماعي للمرء زاد معدّل تغيّر ضربات قلبه، ولذلك فإنّ العزلة تشكّل خطرا على صحّة المرء وطول عمره، وكذلك العيش في مجتمع ملؤه الاضطرابات والضغوطات يسبّب للمرء انفعالات وتغيّرات في قواه العقليّة والفكريّة، ممّا يجعله يميل إلى الانزواء والانغلاق على نفسه، فيكون لذلك أثره على ضربات القلب، ممّا يسبّب له أمراضا متنوّعة، ويجعله يحيا حياة مضطربة وغير مستقرّة جسميّا ونفسانيّا. (1/167)
صفحة 168
والرسول {ص} كان يعلم ذلك جيّدا ذلك وقد علّمه خالق هذا الإنسان، ولذلك فهو يأمر الناس جميعا بتحسين علاقاتهم مع بعضهم البعض، فهو {ص} لا يؤكّد على إخلاص الأخوّة ورفعها كشعار ديني فقط، بل يحيطها بأوامر ونواه تجعلها حقيقة ملموسة بين أفراد المجتمع، وتحميها من كلّ عيب أو خلل، حتّى لا تصبح كلاما يهتف به الناس، وخيالا يحلمون به كما يحلم أناس هذا العصر بمثل هذه الفضائل الكثيرة والمتعدّدة، دون أن يلمسوا لها تطبيقا وآثارا في حياتهم الواقعيّة.
وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المجال ومنها على سبيل المثال قوله {ص} فيما أخرجه أحمد والترمذي من حديث الزبير بن العوّام أنّه قال: {دبّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدّين، لا حالقة الشعر، والذي نفس محمّد بيده، لا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أولا أنبّئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟، أفشوا السلام بينكم}. ... رواه مسلم.
ولذلك أرشد {ص} إلى القواعد التي تكوّن الأخوّة وتزيد المحبّة، من أداء حقوق المسلم للمسلم مثل السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة والنصح له، وإتباع الجنازةّ، والتهنئة عند الفرح، والتعزية عند الترح.
ويرشد المسلمين إلى ما يزيد الأخوّة محبّة ومودّة وهي الهديّة والمصافحة.
فعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـ عن النبيء {ص} قال:
{تهادوا فإنّ الهديّة تذهب وحر الصدر}.أي غشّه وحقده ووساوسه. ... رواه الترمذي.
وروى عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث: {تصافحوا فإنّه يذهب الشحناء وتهادوا}.
وقال الحسن البصري: المصافحة تزيد في المودّة.
ونهى {ص} عن أسباب تنافر القلوب واختلافها، ومن أشدّ أسباب التنافر والاختلاف: الظلم، والكذب والتكذيب، والخذلان، والاحتقار، بل إنّ المسلم لا يكمل إيمانه ولا يحسن إسلامه حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ومن ذلك أن يسعى في كفّ الأذى ودفع الضرر عنه. (1/168)
صفحة 169
فإذا أراد عناصر المجتمع الجزائري أن يوفّروا لأنفسهم حياة اجتماعية مستقرّة وجيّدة، تحميهم من كثير من الأمراض النفسيّة والجسميّة، فعليهم اتّباع تعاليم دينهم الحنيف وإرشادات نبيّهم الكريم، وذلك بنشر السلام فيما بينهم وأداء حقوق بعضهم البعض، ونبذ كلّ شحناء أو بغضاء أو حقد أو تعدّي، وبذلك يحقّقون لمجتمعهم حياة الاستقرار والهدوء، فيكون ذلك سببا لابتعادهم عن كثير من مشاكل التدمير والتخريب، ممّا يجعلهم يبتعدون عن كثير من التعب الفكري والجسمي والذي يسبّب للشخص الوفاة المبكّرة.
إنّ تنقيّة القلب من مشاعر الحقد والكراهيّة، ليس فقط طريقا إلى الجنّة في الآخرة، وإنّما هو كذلك طريق إلى حياة أفضل في الدنيا، إنّه طريق إلى صحّة جيّدة، ومناعة أفضل، وكما نستطيع أن نطبّق هذه القواعد على الحياة الفرديّة فكذلك نجد لها نفس الأثر على الحياة الجماعية.
وإنّ تنوّع شبكة العلاقات الاجتماعية يبعث في الأشخاص عامل الشعور بالرضا، وهذا الشعور هو الذي يكوّن فيه الأمل والتفاؤل، واللّذان هما الوقود في بعث الحياة في الأشخاص.
إنّ الناس المحبوبين أكثر إلى إخوانهم هم المبتسمين والبشوشين دائما، لأنّهم يجعلون معاشريهم أكثر سعادة، وأكثر نشاطا وحيويّة، وبذلك يملكون قلوبهم، فيحبّونهم ويقتربون إليهم أكثر.
وفي هذا يصدق قول الرسول {ص}: {إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق}.
وعن أبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال:
قال رسول الله {ص}: {لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق}. ... رواه مسلم. (1/169)
صفحة 170
إنّ هؤلاء الذين ينشرون البسمة في المجتمع قد ضمن الله تعالى لهم أجرا عظيما لما في ذلك من الأثر الحسن على عناصر المجتمع جميعا، فهم يبعثون التفاؤل في نفوسهم، ويخفّفون عنهم هموم الحياة ومشاكلها، فيجعلونهم أكثر هدوء مع أنفسهم ومع من حولهم، فيخلصون أعمالهم ويتقنونها ممّا يسبّب لهم نجاحا مضمونا في مختلف ميادين الحياة.
ولذلك مدح الرسول {ص} أمثال هؤلاء الأعضاء الحيويّين في المجتمع المتواضعين مع خلق الله.
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـأنّ النبيء {ص} قال: {المؤمن مؤلّف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف}
رواه أحمد.
وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه ـقال: قال رسول الله {ص}: {إنّ أحبّكم إليّ أحاسنكم أخلاقا، الموطّؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإنّ أبغضكم إليّ المشاءون بالنميمة المفرّقون بين الأحبّة، الملتمسون للبرآء العيب}. ... رواه الترمذي.
ومن الحياة الاجتماعية التي حثّ عليها ديننا الحنيف ورغّب فيها زيارة المريض.
ففي هذه الزيارة أهداف نبيلة ومقاصد حسنة طيّبة تعود على المريض بالبركة والخير والشفاء، ففيها علاج روحي نفسي ومعنوي له، حيث تنبسط نفسه فترة من الوقت مع زواره وأحبابه، وينشرح صدره، وينفتح قلبه، فتقوى نفسه على تحمّل المرض ومقاومته، فتتغلّب عليه، وتخرج من إصابتها سالمة معافاة.
فعلى كلّ عنصر في المجتمع أن يبدل معروفه للنّاس جميعا، من عرف منهم ومن لم يعرف، ومن جهة أخرى يكفّ عنهم أذاه كذلك.
قال الحسن ـ رضي الله عنه ـ يبيّن ويوضح معنى حسن الخلق: بسط الوجه، وبدل المعروف وكفّ الأذى.
وعن عبد الله بن المبارك، قال:
حسن الخلق: طلاقة الوجه، وبدل المعروف، وكفّ الأذى.
وعنه أيضا أنّه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس.
وقال الإمام أحمد ـرحمه الله ـ: حسن الخلق أن لا تغضب، ولا تحقد.
التسامح وأثره على النوم (1/170)
صفحة 171
يعتبر النوم ظاهرة فسيولوجية، فالجسم يحتاج إليه كحاجته إلى الأكل والشراب، لأنّه يوفّر الراحة، ويجدّد نشاط الإنسان ويشحن طاقته لليوم التالي، وذلك بتخلّصه من السموم المتراكمة داخله طوال النهار، كما أنّ هرمون النموّ يرتفع أكثر في بداية النوم، وأثناء فترة النوم العميق، وهذا شيء مهمّ جدّا ولازم لكلّ شخص لتأمين النموّ في مراحل عمره الأولى من حياته.
إنّ للنوم دورا كبيرا في تشكيل وبرمجة الخلايا العصبية في عقل الإنسان، وهذه البرمجة لها دور شبيه بعملية تنظيف للمواد المضرّة والسامّة في المخّ، والتي إن بقيت فيه فإنّها تؤدّي إلى أمراض خطيرة، ومن حسنات النوم أنّه يؤدّي إلى إعادة تنظيم عملية التواصل بين الخلايا العصبيّة (النيورونات) لتصبح جاهزة للعمل والنشاط في اليوم التالي.
لذلك يقول العلماء: إنّ النوم سلطان، وهو سلطان طيّب يتحكّم في خلايا الجسم، فيبعث فيها الراحة، ويعيد ترميمها.
وكثير من الناس مصابون بقلّة النوم، أو تدبدبه وعدم استقراره، وهو ما يسميه العلماء بالأرق، ويكون ذلك نتيجة لضغوط الحياة التي تتسلّط على صاحبها فتجهد نفسه ولا يجد لها النوم الهادئ، وهذا المرض يرتفع أكثر بين سكّان المدن الكبيرة نتيجة كثرة الضجيج فيها.
فما هي مشكلة الأرق إذن؟ وما هو سببه؟ وماهو علاجه؟
إنّ أكثر من (50%) من حالات الأرق تعود إلى تراكم الضغوط النفسيّة والمشكلات المختلفة (نفسيّة ـ عائليّة ـ اقتصاديّة) مثل:
الخلافات الزوجيّة، النزاعات الاجتماعية، الأحقاد والضغائن التي تسبّبها مختلف المشاكل بين عناصر المجتمع، والتي تكوّنت في قلوب الأشخاص من عدم عفوهم ومسامحتهم لبعضهم البعض، وبذلك يخسرون صحتّهم وراحتهم بعدم خلودهم إلى النوم بنفس مطمئنّة هادئة. (1/171)
صفحة 172
فهذه الأحقاد والضغائن نجدها كثيرة في مجال العمل، حيث النزاعات، وكذلك في مجال الأسرة حيث الطلاق، وفي المجال الاجتماعي أكثر وأكثر، إذا كثر فيه عمليات الخوف والرعب، كما هي حالة كثير من المجتمعات في مختلف نواحي العالم، ومنها المجتمع الجزائري الذي عانى في الفترة العصيببة التي مرّت به ما عاناه من تحمّل الظلم والتعدّي، وغير ذلك من الأعمال التي أثّرت في مختلف طبقاته.
وهناك أشخاص انفعاليون عصبيّون بطبيعتهم النفسيّة، لا يمكنهم أن ينعموا بنوم عميق وهادئ، وهذا العامل تكويني اجتماعي ووراثي، وذلك مثل الذين يشربون القهوة صباح مساء، ممّا يجعلهم عصبيي المزاج كثيري الإثارة، فهم يغضبون بسرعة، ويثورون لأدنى سبب أو مشكل، لأنّ أعصابهم منتبهة متوترة طوال الوقت، وهذا ما يجعلهم ينامون نوما مضطربا وغير هادئ ولا مرتاح.
إنّ استمرار التوتّر والضغوطات الاجتماعية، مثل الحالة التي كان يعيشها الشعب الجزائري في السنوات الأخيرة والفترة العصيبة التي مرّت عليه، ممّا يجعل بعض عناصره يصابون بحالات أرق مزمنة، فيدفعهم ذلك إلى تناول المهدّئات والمنوّمات بكثرة في شكل عقاقير أو أدوية للسيطرة على ذلك القلق الذي أصابهم، وهذه هي الطامّة الكبرى، والمشكلة العويصة، فتناولها بكثرة يجلب الإدمان لصاحبه، فيسبّب ذلك ترسّب السموم الخطيرة في دم الشخص ممّا يكوّن خطرا كبيرا على صحّته.
وفي جامعة (هارفارد) أثبت باحثون وجود علاقة بين الحرمان من النوم وبعض الأمراض، مثل ارتفاع ضغط الدّم، والأزمات القلبيّة، ونسب حدوث الأورام السرطانيّة، فالذين لا ينامون جيّدا تفرز غددهم هرمونات ترفع الضغط الدموي، وتزيد نسبة السكّر في الدّم، وتقوّي عمليات الالتهاب في جدران الأوعية الدموية الدقيقة، وهي أمور تؤدّي بالضرورة إلى ارتفاع جديد في ضغط الدم. (1/172)
صفحة 173
والعمّال الذين يعملون ليلا ويتعرّضون للضوء ليلا ونهارا، ينقص في أجسامهم هرمون (الميلاتونين) الذي يساعد على الخلود إلى النوم بسرعة، وعلى النوم جيّدا، وهو يقاوم السرطان.
وتظهر هذه الاضطرابات بأشكال عدّة، فهذا يتحوّل إلى رجل عصبيّ وعدواني، يشدّ أسنانه أثناء النوم، وهذا رياضي يستيقظ ليلا بسبب التشنّجات العضليّة، وآخر ينهض مفزوعا مذعورا لأنّه تعرّض لكوابيس أثناء نومه نتيجة المشاكل والضغوط التي تعرّض لها أثناء النهار، وهذا طفل يبكي ويصرخ لأنّ خلاياه العصبية تتعرّض لضغوطات بسبب شجارات ومناقشات تعرّض لها أثناء نهاره فأرهقت خلاياه، وما أكثر تلك الكوابيس التي تتعرّض لها مختلف طبقات الشعب الجزائري طوال السنوات الماضية.
إنّ المشاهد الخطيرة والحزينة التي عاشها بعض عناصر الشعب قد تكوّن لديهم حالات نفسيّة غير سويّة وربما ستدوم معهم طوال حياتهم إذا لم يلتجئوا إلى الصفح والعفو والمسامحة، وتسبّب لهم الكوابيس التي تجعلهم لا يخلدون إلى النوم الهادئ والجيّد إلاّ بمشّقة، وتكوّن لديهم هذا الأرق الذي يسبّب أمراضا خطيرة لصاحبه.
إنّه لو حرم شخص هذه الحاجة الفسيولوجية لعدّة ليال، فإنّه يصبح إنسانا عاجزا عن التركيز وبدل الجهد، كثير النسيان شديد الإنفعال والغضب وذلك لأتفه الأسباب.
وإذا بقي على ذلك لمدّة من الزمن فإنّه يصبح عدوانيّا لا يعلم ولا يشعر كيف يثور ولا كيف يقوم بكلّ ما يقوم به من الأعمال العدوانيّة.
إنّ اضطراب النوم لذى الأشخاص يحدث اضطرابا هائلا في السلوك وضمورا في حجم المخّ، كما يحدث الموت لكثير من الموصلات العصبية بين خلايا الدماغ. (1/173)
صفحة 174
وبهذا يمكن لنا أن نفسّر اضطراب نفوس كثير من الشباب وسلوكاتهم الغير السويّة، واكتسابهم لأعمال عدوانيّة ضدّ أفراد مجتمعهم، وربّما ضدّ أفراد عائلتهم وأسرتهم، وهذا هو السرّ في تكوين كثيرا من العصابات الإجرامية التي تقوم بما تقوم به من الأعمال التخريبية والتدميرية دون شفقة أو رحمة، وأنّ ذلك يرجع إلى السهر المتواصل في الشوارع والنوادي الليليّة، وهم قد طردوا ربّما أو هربوا من بيوت أسرهم، فأصبح مأواهم الشوارع والحدائق العموميّة، يقضون فيها لياليهم دون نوم أو راحة لأجسامهم التي هي في أمسّ الحاجة إلى ذلك.
فأين ومتى تجد أجسادهم الرّاحة اللازمة لها، ونفوسهم الاطمئنان الروحي الذي يحتاج إليه كلّ إنسان كي ينشؤوا معدتلين أسوياء، أم كيف يعرفون معنى العاطفة والحبّ وهم قد حرموا من ذلك ولم يذوقوا طعمها وحلاوتها ولو مرّة في طفولتهم، وفاقد الشيء لا يعطيه.
ففي سنة (1999) قام فريق من العلماء في جامعة (شيكاكو) بقيادة الدكتور (أيف فان كونز) بتجربة على مجموعة من الشباب تركوهم ينامون لأربع ساعات فقط لمدّة ستّة عشر يوما، وكانت النتيجة زيادة في نسبة السكّر تشبه ما يحدث للمرضى في المراحل الأولى التي تسبق المرض السكّري.
كما وجدوا أنّه زاد ارتفاع هرمون الكورتيزون ونقص في مادّة اللّبتين وهي المواد الحيويّة في الجسم، والتي هي مسؤولة عن المحافظة على توازنه، كما وجدوا أنّ معدّل السمنة قد زاد لديهم.
وفي دراسة لجامعة (بطرسبرج) كليّة الطبّ قام بها بعض المختصّين، وذلك سنة (1980)، ثبت أنّ قلّة النوم والحرمان منه لمدّة من الزمن يؤدّي إلى الوفاة المبكّرة.
إنّ الإنسان الذي ينهض من نومه نشيطا ولا يعاني من أيّ تعب بعد خمس ساعات من النوم، تعتبر حالته الصحيّة حالة طبيعيّة تماما، ويجب عليه ألاّ يقلق، أو أن يبحث عن دواء أو أيّ شيء آخر لزيادة ساعات النوم لديه. (1/174)
صفحة 175
وقد أجرى الطبيب الأمريكي (دان كربيكه) بحثا في شأن مليون شخص في دراسة له لجمعية السرطان الأمريكية ... في سنة (1959ـ 1960) وكان من عناصر هذا البحث بالصدفة أسئلة عن طول فترة النوم وقصرها لذى هؤلاء الأشخاص واضطراباته، وبعد مرور ستّ سنوات، تمّت متابعة الحالات لمعرفة أسباب الوفاة المبكرة لبعضهم ومعدّل الوفيات، وكانت النتيجة الغريبة أنّ معدّلها كان يرتفع مع ارتفاع عدد ساعات النوم، ومن جهة أخرى كذلك وجد أنّ المعدّل يزداد مع نقصان عدد الساعات كذلك، والوضعيّة الحسنة والجيّدة تكون دائما مع التوسّط ـ وخير الأمور أوسطهاـ.
وخير فترة يحسن أن ينامها الإنسان، وتؤثر فيه تأثيرا صحيّا جيّدا ـ أيّ المتوسّط العام المطلوب ـ هو من (7 إلى 8ساعات نوم) في اليوم، لأنّ التجربة السابقة أثبتت أنّ أدنى معدّل للوفيات كان عند الأشخاص الذين ينامون مثل هذه الفترة.
وأثبتت نفس التجارب أنّ معدّل الوفيات المرتفع كان عند الأشخاص الذين ينامون أقلّ من (4ساعات)، كما أنّ هذا الارتفاع كان بمعدّل ضعفين بالنسبة للذين ينامون أكثر من (10ساعات).
وفي الأخير فعلى كلّ من أراد أن يحيا حياة هادئة متوازنة أن يدرّب نفسه على النوم الجيّد الهادئ والكافي لمدّة معتدلة متوسّطة، وذلك بتوفير الجوّ الهادئ والظروف الملائمة التي تحقّق له ذلك، ويبتعد كليّا عن الضغوطات والانفعالات التي تسبّب له الكوابيس أثناء نومه، مثل التفكير الكثير والمركّز في ما قام به بعض الظالمين المعتدين من أعمال تثقل أعصابه، وكذلك محاولة الانتقام والأخذ بالثأر دون تحقيق ذلك، فعليه أن يلتجئ إلى ربّه ويفوّض أمره إليه هو العليم بكلّ ذلك، والقادر على الانتقام ومعاقبة الظالمين، إنّه على كلّ شيء قدير، وهو يمهل ولا يهمل. (1/175)
صفحة 176
وعلى كلّ من يعيش مثل هذه الظروف المؤلمة أن يدرّب نفسه على نسيان تلك الوقائع، وذلك بأن لا يركّز فيها طوال الوقت ولمدّة طويلة، وعدم التحسّر والتأسّف الكبير على عدم الانتقام، فبذلك يوفّر لنفسه ولأعصابه الهدوء اللازم لينام قرير العين، ولا تزعجه تلك الأحلام المروّعة التي تشوّش عليه نومه، وتسبّب له الانزعاج المتكرّر طوال الليل، وربّما الصياح أو النهوض من فراشه دون شعور منه.
وعليه أن يشغل نفسه وتفكيره بالقيام بعمله بكلّ تفان واهتمام لأنّ ذلك يجعله يركّز فيه تركيزا جيّدا، فينفع بذلك نفسه وعائلته ويبني وطنه، ويبني مستقبله، ويحقّق استقراره، والنتيجة الإيجابيّة التي يضمنها لنفسه هو أنّه يتعب نفسه بعمل صالح نافع، وليس بشيء فارغ لا فائدة فيه، وفي نهاية النهار يجد نفسه متعبا فيأوي إلى فراشه، ويأتيه النوم بسرعة، وبدون أيّ ضجر أو ملل أو تكلّف في طلبه، أو البحث عنه بشتّى الوسائل، ويذوق طعم النوم اللّذيذ، وفي الصباح ينهض من نومه وهو نشيط، لا يشعر بأيّ تعب أو ملل وينطلق إلى عمله ونفسه مملوءة أملا وتفاؤلا في النجاح والتقدّم.
التلوّث الاجتماعي
أمّا التلوّث العاطفي والفكري بما يقع في المجتمع من أعمال مثيرة للأعصاب، مروّعة للنفوس، باعثة للقلق والخوف والترويع فيها، لها تأثير مسمّم على القلب والعقل، وهذا التلوّث يسبّب ضررا للنفس بنفس القدر الذي تحدثه الملوّثات الكيمياوية المادية في الجسم فكلّ منها يمكن أن يكون له تأثير سلبي على صحّة الشخص الكهربيّة وشرارة الحياة.
إنّ العلماء ما زالوا يبحثون ويبحثون عن كيفية تأثير طبيعة الروح في الحياة النفسية والجسمية للشخص. (1/176)
صفحة 177
وما زالوا لم يعرفوا ولن يعرفوا أبدا ماهية الروح الإنسانية التي تتأثر بمثل هذه العوامل فتترك في النفس ما تترك فيها من التأثيرات المتعدّدة التي توجّه حياة الشخص الوجهة الإيجابية، أو العكس، وقد بيّن لهم الله تعالى أنّها من أمره وحده، فلا أحد يستطيع معرفتها غيره.
قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا}. ... سورة الإسراء ـ آية:85.
ولكنّهم توصّلوا بعد بحوثهم الكثيرة والطويلة، أنّ مظاهر حياة الأشخاص تتأثر تأثّرا بالغا بقوّة روحهم أو ضعفها، بهدوئها أو توثّرها، وغيرها من الحالات التي يكونون فيها ويحيونها، فعلى حسب رأيهم ونتائجهم التي توصّلوا إليها أنّ جسم الإنسان محاط بمجال من الطاقة الكهرومغناطيسية، وهو مجال ضوئي غير مرئي سمّاه العلماء ـ (الأورا) ـ وهذا المجال الضوئي يمكن أن يصوّر في العصر الحديث تصويرا كهربائيّا.
قال الشيخ بيوض ـرحمه الله ـ في تفسير قوله تعالى:
{ويسألونك عن الروح فل الروح من امر ربّي}.
سورة الإسراء ـ آية: 85.
لا يكاد الإنسان يوجد جوابا شافيا لهذه الروح حتّى ذهب بعضهم إلى أغرب الأقوال والنظريات. فقالوا:
النفس شيء خارج عن الجسم كلّه، وليست هي الروح التي بها الحياة، وإنّما لها اتصال بالجسم اتّصالا يخصّ التصرّف والتدبير في أمرها.
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ وعندما قرأت هذا القول وذهبت لأنكره الإنكار الباتّ، تذكرت مسألة الرادارات والصواريخ الموجّهة التي تسيّر بالأشعّة من بعيد. (1/177)
صفحة 178
قلت: ترى، هل لهذا القول حظّ من النظر؟ خاصّة ونحن نرى البشر يسيّرون الأشياء من بعيد، يبعثون الصواريخ في الفضاء آلاف الأميال والأقمار الصناعيّة بدون عدد، فيوجّهونها كما يشاؤون باستخدام الأشعّة الكونية، ومن الغريب أن يذهب إلى هذا القول قوم من الأقدمين منذ آلاف السنين بأنّ النفس شيء خارج عن الجسم وهي وراء هذه المادّة، لكن لها بالجسم اتصال تأثير ليس إلاّ، والحيرة في أمر الروح والنفس أوقعهم في هذه الأقوال.
انتهى قول الشيخ بيّوض.
وقد توصّل العلماء في هذا العصر الذي تطوّرت فيه البحوث والتجارب إلى أنّ لنوعية الطعام الذي يتناوله الإنسان تأثيرا على روحه ونفسه وليس على جسده فقط.
وقالوا بأنّ لنوعية الطعام تأثيره في ـ الأوراـ الخاصة بكلّ شخص، كما أنّ للحالة العاطفة تأثيرها عليه كذلك.
وفي المقابل فإنّ حالة ـ الأورا ـ لها تأثير إيجابي أو سلبي على نفس الإنسان وجسده، بل قالوا أكثر من ذلك فإن ـ الأوراـ الخاصة بشخص يمكن أن تؤثر في ـ الأورـ الخاصّة بشخص آخر من خلال الاتصال المادّي الفيزيقي، أو حتّى بمجرّد الاقتراب منه، وقالوا بأنّ هذا أيضا يمكن توثيقه من خلال التصوير الكهربائي.
وبهذا الاكتشاف يمكن أن نفسّر تأثر الأشخاص ببعضهم البعض سلبا وإيجابا داخل المجتمع، هذا المجتمع الذي يكون في حالة سلم إذا كان فيه من يدعو إلى السلم والأمان فيؤثّر فيمن حولهمن الناس فيميلون إليه هم كذلك، والعكس إذا كثر فيه الدعاة إلى الفوضى فإنّهم يصيبون الآخرين بعدواهم فينشرون الرعب والخوف فيه. (1/178)
صفحة 179
وأقول حسب رأيي ـ والله أعلم ـ أنّ هذا هو السبب وراء تأثير بعض الخطباء على نفوس الناس، أو بعض قادة الجيوش على جنودهم، حتّى أنّك تجدهم يسمعون بكلّ تواضع لما يقولون وينتبهون إليهم، ويطبّقون ما يأمرونهم به دون مناقشة أو محاولة فهم، حتّى يصل البعض إلى أن يضحّوا بأرواحهم ونفوسهم من أجل إرضاء القائد الفلاني أو الرئيس الفلاني، وهذا ما مرّ على الناس في مختلف العصور والأمكنة.
ومنهم سيّدنا محمد {ص} حيث أثّر في ـ الأوراـ الخاصّة بأصحابه تأثير عجيبا، بحيث لم يكونوا يعصونه في أمر من أوامره، أو نهي من نواهيه، فكان الواحد منهم يتمنّى أن يهب نفسه وروحه في سبيل إرضاء نبيّنا محمّد {ص}، لذلك فعلى المربين والمرشدين الذين يريدون التأثير في أتباعهم، أن يبحثوا ويدرسوا كيف كان الرسول {ص} يوجه أصحابه ويرشدهم ويوجّههم ويؤثّر فيهم بكلّ قوّة، حتّى أصبحوا في تلك الحالة من التفاني والتضحية من أجل نبيّهم {ص}.
ومن الغريب والعجيب أنّ هذا التأثير يكون حتّى بين الأولاد وآبائهم، فنستطيع بهذه الآلية أن نفسّر التأثير المرضي أو الشفائي للاتّجاه العاطفي من الوالدين نحو أولادهم، سواء الإيجابي الذي يجلب الشفاء، أوالسلبي الذي يسبّب المرض.
ومن جهة أخرى كذلك توجيه الآباء لأولادهم ونصحهم، أو زجرهم وتأنيبهم، فهم يحقّقون بذلك تحسّنا أو تصحيحا في الاختلالات الجينية الناتجة عن التشوّهات في الكروموزومات دونما استخدام للهندسة الوراثية، بل كلّ ذلك يتحقّق من خلال تغيير العوامل البيئيّة والغذائيّة.
إنّ الطريق ما زال طويلا ومجهولا في هذا الاختصاص كي يصل الباحثون إلى تحقيق النظريات تحقيقا ثابتا وشافيا مقنعا.
وأقول: (1/179)
صفحة 180
إنّنا نستطيع أن نحقّق ونؤكّد هذه النظريات المختلفة من خلال توجيهات ربّنا تعالى ورسولنا محمّد {ص} حيث وجّها وأمرا الأولياء وولاة الأمور أن يكونوا هم القدوة الحسنة لمن هو تحت رعايتهم وتربيتهم، أليس هناك سرّ يعلمه الله تعالى وهو خالق هذه النفوس، لذلك وجّهها إلى ما يصلحها في أخلاقها وفي معاملاتها مع غيرها ممّن حولها من الناس، هذا من جهة تأثير ـ الأورا ـ الأشخاص على بعضهم بعض.
ومن جهة أخرى الأطعمة والأغذيّة التي حرّمها الله تعالى على خلقه الذين يدخلون في دين الإسلام أليس لها تأثير على ـ الأورا ـ للأشخاص، خاصة بعد توصّل العلماء في بحوثهم إلى تأثير لحم الخنزير على أخلاق آكليه. ... ـ والله أعلم وأحكم ـ
ونستطيع أن نحكم على هذه النظرية التي تبيّن تأثّر ـ الأورا ـ بالأشياء الخارجية بالنظّر والتمعّن، ودراسة تأثير العبادات التي فرضها الله تعالى على أفعال العباد، وخاصة الصلاة التي يقول في شأنها ربّنا تعالى:
{وأقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}. ... سورة العنكبوت آية:45. (1/180)
صفحة 181
وبهذا نستطيع أن نفسّر ما توصّل إليه كثير من العلماء والباحثين، حيث أكّدوا أنّ للعبادات تأثير شفائيّا على من يحافظ عليها ويدعون الله تعالى فيها بكلّ إخلاص، سواء من الناحية النفسيّة (الروحية) أو الناحيّة الجسميّة، وسواء كأفراد مستقلّين أوكجماعة، وذلك مثل: الصلاة، والصوم، والحجّ، فهذه العادات الجماعيّة، مثل: صلاة الجماعة، أو الحجّ الذي يجتمع فيه الملايين في مكان واحد، فالله تعالى وحده يعلم السرّ في أمره بها، وكم شخص تأثر في مسجد بشخص آخر رأى فيه الخير والصلاح فصار هو كذلك صالحا، وكم من مصلّ تأثّر وتخشّع بدعاء إمام أو خطبة من خطبه فصار من خيار عباد الله طاعة وعبادة وعمارة لبيت ربّه تعالى، وغيرها كثير فكيف نستطيع أن نفسّر تأثير شخص في نفس شخص آخر بعمله وأخلاقه، الله تعالى أعلم.
إنّ في هذه العبادات أسرارا وأسرارا لا يعلمها إلاّ خالق هذا الإنسان لذلك فرضها عليه حتّى تؤثّر في نفسه وروحه فيعيش سليما من كلّ العقد التي تسلّطت على البشريّة عبر العصور، وجعلتها تعيش في هذه المشاكل المختلفة من حروب، وتقتيل للنفوس، وتدمير للممتلكات، وتخريب للمنشآت، وتسلّط بعضها على بعض.
إنّ العبادات والطاعات إذا أدّيت بكلّ إخلاص فإنّها تقوّي في أصحابها الروح الربّانية، فيحيون بنور الله كما يقول الرسول {ص}: {المؤمن بنور الله يبصر}.
إنّها تنمّي فيهم العاطفة والسلامة والحبّ فيفيضونها على من حولهم من خلق الله، العباد، والحيوان، والنبات، والجماد، فينعدم لديهم روح العداوة والتعدّي والحقد والبغض لبعضهم البعض، وبهذا يعيشون في مجتمعاتهم سالمين مطمئنين على أرواحهم، ودمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وهذه هي الغاية النبيلة التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها في هذا الكون. (1/181)
صفحة 182
إنّ هذه العبادات لها تأثير علاجي استعادي في طبيعته ــ Restorative ُـ ومعنى هذا أنّه إذا كان عدد الخلايا المطلوب في جسم الإنسان الطبيعي العادي أقلّ من اللازم، فإنّ العلاج الروحي يؤدّي إلى زيادة عدد الخلايا المتأثرة، وإذا كان عدد نفس الخلايا زائدا من الطبيعي اللازم، فإنّ العلاج سينتج عنه نقص عدد تلك الخلايا المتأثرة.
إلى جانب ذلك فإنّ الإصلاح الطبيعي الروحي أيّا كان نوعه، سواء إلى الأعلى أو إلى الأسفل فسوف يعود إلى المستوى الطبيعي أو قريب من الطبيعي، وليس وراء ذلك.
إنّ هذا العلاج يكون في اعتقاد الناس بالمواد الكيميائيّة فقط، ولكن يجب أن يعلموا جيّدا أنّ هذه المواد كثيرا ما لا تؤدّي دورها المنتظر منها، والطامّة الكبرى عندما تؤدّي دورا عكسيّا، فعوض أن تشفي، فإنّها تكون السبب في إحداث أمراض أخرى كثيرة وهذا ما لا يخفى على الأطباء.
فلماذا لا يلتجئ الإنسان إلى هذا العلاج الروحي الخالي من هذه المواد وهو كذلك بالمجّان، وقد وفّره له ربّنا تعالى الذي نزّل إليه ما فيه شفاء له، بل هو وقاية قبل أن يكون دواء وعلاجا.
قال تعالى: {وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلاّ خسارا} ... سورة الإسراء ـ آية:82.
هذا من الناحية الشخصية وكذلك من الناحية الاجتماعيّة فإنّ لهذه العبادات دورها وفعاليتها، لذلك نجد أنّ الله تعالى ورسوله {ص} يحرصان حرصا شديدا ويهتمّان بهذه الناحيّة اهتماما كبيرا، وقد اعتنيا عناية فائقة على تطهير المجتمع من كلّ أنواع الأخلاق السيّئة التي تفرّق بين أعضائه، وذلك لأنّهما يعلمان أنّ لهذه الحياة الإجتماعية أثرا فعالا في نفوس أفراده.
وقد توصّل العلماء إلى أنّ ألأشخاص الذين يعاشرون الناس بالمعروف وبالتي هي أحسن، وخاصة الأقارب، يحيون حياة طيّبة هانئة وطويلة، فيطول عمرهم وهم يعيشون في سعادة مع أنفسهم ومع من حولهم من الناس، ويتمتّعون بصحّة جيّدة. (1/182)
صفحة 183
وقد أخبر المربّي الاجتماعي العظيم سيّدنا محمّد {ص} عن هذه النظرية منذ قرون، وهو لم يدرس علم الاجتماع كما درسه هؤلاء، ولم يقم بتجارب معمّقة كما قام بها هؤلاء لسنوات طوال، وهذا إخبار من خالق هذا الإنسان
ألا يعتبر هذا من معجزاته {ص}.
فعن علي ـ كرّم الله وجهه ـ أنّ رسول الله {ص} قال:
{من سرّه أن يمدّ له في عمره، ويوسّع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء، فليتّق الله وليصل رحمه}.
وعن أنس بن مالك ـ رضي عنه ـ أنّ رسول الله {ص} ... قال: ... {من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه}. ... رواه البخاري.
فصلة الرحم وحسن معاشرة الأقارب من صميم الحياة الاجتماعية المعتدلة التي يجد فيها الإنسان العاقل راحته ... وسعادته، لأنّه يعلم أنّ له في المجتمع من يعتمد عليه في السرّاء والضرّاء، فتسلم نفسه عن الضغوطات التي تسبّب له الأمراض المختلفة التي هي سبب في الموت المبكّر، أو الموت الفجائيّ الذي سمّاه الرسول {ص} ميتة السوء.
التواصل الاجتماعي وقوّة الذاكرة
إنّ الأشخاص الذين يعيشون حياة اجتماعية حسنة جيّدة ... تكثر لديهم فرص الحوار والمناقشة مع أفراد مجتمعهم الذي يعيشون فيه، وهذا ممّا يجعل الخلايا العصبية لديهم تعمل وتنشط كثيرا والأعصاب المخيّة العصبية تتواصل فيما بينها بصفة جيّدة ودائمة ونتيجة لذلك يصبح الشخص ذا ذاكرة قويّة نشيطة.
أمّا إذا كان قليل أو منعدم التواصل مع غيره، فإنّ فرص الحوار والنقاش التي تغدّي الخلايا العصبيّة تقلّ لديه ممّا يجعل خلايا مخّه تتكاسل ولا تعمل كثيرا، فيكون ضعيف الذاكرة، قليل التركيز.
وعلماء الأعصاب أثبتوا أنّ هذه الخلايا تزداد قوّتها وقوّة استيعابها كلّما زاد عملها ونشاطها، ويكون ذلك بكثرة المطالعة الفكرية الهادفة والحوارات العلمية ذات الأهميّة والمغزى، والتي توفّر للإنسان معلومات قيّمة وتجارب ميدانية. (1/183)
صفحة 184
ولذلك فعلى الموجّهين الاجتماعيين أن يوفّروا هذا الجوّ العلمي والحواري الهادف داخل المجتمع حتى يضمنوا لعناصره فرص العمل الفكري الذي ينمّي لهم عقولهم ويقوّي ذاكرتهم.
وقد قام العلماء الاجتماعيّون اليابانيون تجارب عديدة في هذا المجال ليدرسوا مدى تأثّر الذاكرة بالعمل الجماعي الذي تكثر فيه فرص المناقشة والحوار، وتوصّلوا إلى أنّ كثيرا من المنزوين عن المجتمع الذين يحيون حياة فردية منزويّة مستقلّة يعانون من أسباب وأشكال فقدان الذاكرة، وضعف الأداء الجيّد في المدرسة وفي العمل.
ويقول أخصّائي المخّ في هذا الشأن الدكتورـ (تاكا شي تسوكياما) ـ: إنّنا وجدنا أناسا لا يستطيعون حتّى تذكّر كيفيّة استعمال آلة نسخ الورق، وكذلك عناصر يحتاجون كثيرا إلى المساعدة في تدوين المعلومات خطوة خطوة.
وعادة ما يشكو مثل هؤلاء المرضى من عدم تذكّر حتّى اسم محطّة القطار التي كانوا فيها قبل حين، والمواعيد التي قاموا بتحديدها في برنامج نهارهم، بل حتّى المهام اليوميّة المعتادة لديهم مثل واجباتهم اليوميّة.
ويشير الدكتور (تسو كياما) إلى زيادة نسبة مثل تلك الحالات ويرجع السبب الرئيسي الذي يوجد وراء ذلك إلى نقص التفاعل الاجتماعي بين الأجيال بعضها مع بعض، وذلك نتيجة للأعمال الغير العاديّة التي يقوم بها بعض أفراد ذلك المجتمع.
وهذا ما يؤكّده كثير من الباحثين في هذا المجال، وهم جميعا يلقون باللّوم على زيادة العزلة الاجتماعية بين الناس بسبب الإفراط في الاعتماد على الآلة التي هي السبب الرئيسي في إضعاف ذاكرتهم تدريجيا. (1/184)
صفحة 185
إنّ الاهتمام الكبير بالمصالح الشخصيّة فقط، وما انتشر من الأنانية المفرطة في هذا العصر، يسبّب اضطرابات اجتماعية خطيرة في أفراد المجتمع من الناحية النفسيّة، ممّا يؤدّي إلى انعزالهم عن الحياة الجماعية وخوفهم من بعضهم البعض، كلّ ذلك هو من أسباب ضعف القوى العقليّة والفكرية، لذلك يجب على عناصر المجتمع أن يهتمّوا بهذا الجانب، وذلك بنشر الأمان والسلام فيه، حتّى يزيلوا ذلك الخوف والرعب الذي يسبّب الانزواء والهروب من الجماعة، وعلى أولياء الأمور أن يولوا عنايتهم بالوضعيّة العائليّة التي يبدأ فيها الولد الاندماج الاجتماعي منذ صغره، ويتعلّم فيها كيفيّة المعاشرة التعامل مع غيره من عناصر المجتمع.
أمّا الاعتماد الكلّي على الآلة في كلّ الأعمال، فإنّه يقلل الاعتماد على استعمال القوى العقليذة والفكريّة، ويسبّب هذا الوضع ضعف الخلايا المخيّة وفشلها، وقد رأينا أنّ نشاطها وحيويّتها تزيد بكثرة عملها، تماما كالعضلات الجسميّة لدى الإنسان، وهذا ما لا يتوفّر عند الأشخاص الذين يعتمدون كثيرا على الآلة.
وديننا الحنيف يوصي ويرشد كثيرا إلى الاهتمام بإصلاح المجتمع وتوجيه أفراده إلى الاندماج فيه، وذلك لما من أثر فعّال على نفوس الأشخاص وقواهم النفسيّة والعقليّة، فالقرآن في كثيرا من آياته يوجّه الخطاب على صفة الجمع، ويبيّن أنّ المؤمنين إخوة لا يفرّق بينهم شيء، وأمر بالإصلاح بينهم لتوفير الحياة المتوازنة الهادئة داخله، ودعا إلى الحوار والمحاورة والجدال بالتي هي أحسن كلّ ذلك لما فيه من التأثير الجيّد على كامل نواحي الحياة لهذا الإنسان.
قال تعالى: {إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}
سورة الحجرات ـ آية:10.
وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}.
سورة التوبة ـ آية:72. (1/185)
صفحة 186
والرسول {ص} كان حريصا على توفير الجوّ النقيّ للحياة الاجتماعيّة، وكان يدمج كلّ عنصر جديد يأتيه داخل الجماعة، حتّى يوفّر له الحياة المطمئنّة وكي يصبح عنصرا صالحا يعمل لمصلحة جماعته قبل مصلحته الشخصيّة.
وكان أوّل عمل قام به عندما هاجر من مكّة إلى المدينة، أن آخى بين المهاجرين والانصار، وهيأ لهم حياة اجتماعية منظّمة يعيش عناصرها في تعاون وتفاهم ومصالحة ووئام، وذلك لما يعلم {ص} ما لذلك من أثر إيجابي على قوى الفرد المختلفة وعلى مصالح المجتمع.
وكان يحثّ دائما على العمل الجماعي والتعاون لما فيه من بركة وتوفير للمجهود، فقال {ص}: {يد الله مع الجماعة}.
وصلاة الجماعة التي حثّ عليها الإسلام ورغّب فيها المشرّع ترغيبا كبيرة، كلّ ذلك لما لها من أثر فعّال على صحة الأشخاص وتماسك الجماعة، فجعل فيها أجرا عظيما لمن يحافظ عليها، يتلاقى فيها أفراد المجتمع فيتساءلون فيما بينهم عن الصحّة والأحوال، ويتبادلون الأخبار والمعلومات ممّا يبعث الرحمة والطمأنينة في نفوسهم.
وموسم الحجّ الذي فرضه الله تعالى على عباده وجعله عبارة عن مؤتمر عالمي يلتقي فيه المسلمون على مختلف مذاهبهم وانتماءاتهم وأعراقهم وأجناسهم، لكي يوجّههم ويقنعهم أنّ الحياة الجماعية لها أثر فعّال في نفوسهم وأجسامهم، لذلك يجب عليهم أن يحافظوا عليها ويوفّروها بكلّ ما يستطيعون من جهد وعمل.
ومن مميّزات ذلك الاجتماع وفضائله أنّه يمحو الفرق بين طبقات المجتمع المختلفة، الكبار والصغار، كلّهم يقفون في صفّ واحد، الأغنياء والفقراء، الأصحّاء والمرضى، وجميع طبقات المجتمع، ممّا يبعث الأمل في الحياة والعمل والتقدّم في جميع مجالاتها، ويشعر كلّ فرد أنّ له قيمته داخل مجتمعه وأنّه عنصر فعّال فيه فيقوم بدوره أحسن قيام فترتقي الأمّة جميعها في مختلف المجالات.
أمّا إذا انتشر الخوف والرعب داخل الأمّة فإنّه يفقدها الأمان المطلوب (1/186)
صفحة 187
إنّ هذه الأمراض الكثيرة الفرديّة منها والاجتماعيّة المتعدّدة المنتشرة داخل المجتمعات الإنسانية، من بين أسبابها ضعف العلاقات الاجتماعية، أو انعدامها في كثير منها، وبسبب الأنانية الكبيرة التي سيطرت على النفوس، والخوف والرعب المتمكّن من القلوب وذلك بما انتشر داخل تلك المجتمعات من تدمير وتخريب من بعض العناصر التي ليس لها مصالح ولا ممتلكات تخاف عليها.
وقد توصّل الباحثون في المجال الاجتماعي إلى أنّ انعزال الأطفال أمام ألعاب الحاسوب منذ نعومة أظفارهم ممّا يضعف فيهم الميل إلى الحياة الجماعيّة فينشئون منعزلين لوحدهم وربّما سيكونون خطرا على مجتمعهم فيما بعد، وكذلك البقاء لفترة طويلة أمام التلفزة، ممّا يضعف القوى العقليّة، ويعوق نموّ الذاكرة في مرحلة الطفولة، ويكون حاجزا وعائقا أمام نموّ المهارات الاجتماعيّة لدى الأشخاص.
ولذلك يوصي الدكتور (تسوكياما) بضرورة إعطاء الناس لأنفسهم جرعة كافية من الاختلاط الاجتماعي، ولو مرّة واحدة في اليوم مثلا.
والمسلمون في شريعتهم أرشدهم المولى عزّ وجلّ والرسول {ص} إلى فعل ذلك خمس مرّات في اليوم وليس مرّة واحدة فقط وذلك بالحضور في صلاة الجماعة.
كما ينصح الدكتور بالقيام بتدريبات منظّمة في الذكاء الاجتماعي للحفاظ على اللّياقة واليقظة الذهنيّة والبدنيّة والاجتماعيّة لتؤدّي الذاكرة وظيفتها على نحو تام، وكذلك للحفاظ على الصحّة العامة للشخص.
إنّ المسلمين إذا اتّبعوا إرشادات دينهم وواظبوا على تطبيقها فإنّهم سيعيشون حياة اجتماعية حسنة تتوفّر على كلّ العوامل والضروريات التي توصّل إليها العلماء الاجتماعيون في بحوثهم وتجاربهم عبر السنين المتعدّدة ولكنّ رسولنا محمّدا {ص} قد ذكرها وبيّنها لنا منذ قرون خلت، وهذا كلّه يدلّ على صحّة رسالته ومعجزته في القواعد الاجتماعية والنفسية. (1/187)
صفحة 188
وقد اكتشف علماء الاجتماع أنّ للتعانق والمصافحة آثارا إيجابيّة حسنة طيّبة على الأشخاص الذين يقومون بذلك مع إخوانهم.
فالمعانقة والمصافحة بين عناصر المجتمع تريح الأعصاب، وتهدّئ التوتّّرات النفسيّة، ممّا يوفّر للعقل جوّا مريحا للعمل والتركيز، ويقوّي جهاز المناعة في الجسم بتنشيطه للغدد التي تقوم بتوفير المناعة والحصانة ضدّ كلّ عدوّ يهاجم الجسم.
وقد قام الدكتور (هارولد فالك) بوضع قائمة لفوائد العناق قائلا:
يستطيع العناق أن يخفّف من الاكتئاب، ويقوّي جهاز المناعة في الجسم، كما أنّ العناق ينشر عبير هواء الحياة المنعش والطيّب في الأجساد المرهفة، ويجعلها تشعر بمزيد من النشاط والحيويّة.
وتأييدا لهذا الرأي تشير (هيلين كولتون) إلى أنّ نسبة الهيموجلوبين تزيد في الدم زيادة ملحوظة، وذلك عندما يربت أحدهم على كتفك ويعانقك، ففي ذلك الوقت تنشط الدورة الدمويّة، وحيث أنّ الدم هو المسؤول عن إمداد القلب والمخّ وكامل أعضاء الجسم بالأكسجين اللازم للحياة وذلك بواسطة الهيموجلوبين، فلذلك يمكن اعتبار العناق مانحا للحياة ومنقذا لها، بالإضافة لكونه تعبيرا رائعا عن (الذكاء الاجتماعي) والثقة بالنفس، والتقدير الكبير والاحترام اللازم للآخر.
فليتصافح أبناء الشعب الجزائري مع بعضهم، وعليهم أن ينسوا ما ابتلوت به من أهوال واضطرابات فيما مضى من الأيّام، وليحتسبوا أجر ذلك عند الله تعالى، وليتعانقوا جميع أفراده، وذلك إذا أرادوا أن يوفّروا لأنفسهم جوّا اجتماعيا صالحا ويعيشوا تحت ظلّه بأمان ويحفظوا صحّتهم الجسديّة وهدوءهم النفسي.
فهرست
تقديم:
المقدمة:
صفحة
ديباجة قانون الميثاق من أجل السلم: ... 01.
الدعوة الإسلامية والتسامح: ... 14.
السلام مبدأ إسلامي: ... 17.
أبعاد التسامح: ... 25.
التسامح والعفو عند الرسول: ... 49.
آثار العفو والصفح: ... 59.
حفاظ الإسلام على النفس: ... 77.
قتل الشخص نفسه: ... 87. (1/188)
صفحة 189
قتل الآباء أبناءهم: ... 92.
حرمة قتل الجنين: ... 94.
قتل الحيوان لغير حاجة: ... 97.
حبّ الوطن والوطينة: ... 102.
الوحدة الوطنية: ... 107.
السلم والمصالحة الوطنية: ... 130.
السلام من سمات الفضلاء: ... 132.
نشر الأمن والمصالحة: ... 141.
تأثير القصاص في جسم الإنسان: ... 159.
لاتفكّر في الذين تبغضهم: ... 171.
وداعا للغضب: ... 184.
أثر التفاهم والتصالح على الجسم والنفس: 192.
التسامح وأثره على النوم: ... 201.
التلوّث الإجتماعي: ... 208.
التواصل الإجتماعي وقوّة الذاكرة: ... 216.
الخاتمة.
مقترحات لتفعيل مشروع المصالحة. (1/189)