صفحة 1
بحث: الفكرة الدينية عند دور كايم
الباحث: مصطفى ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الفكرة الدينية عند دور كايم
ابن ادريسو مصطفى
نرغب من خلال هذا العرض أن نحلل نظرة إميل دور كايم للدين، وندرس معنى اعتبار الدين ظاهرة اجتماعية من خلال كتابه: الأشكال الأولية للحياة الدينية.، ثم نقوم بنقد هذه النظرية.
أولا: اهتمام دور كايم بالمجتمع
اهتم دور كايم بالمجتمع، وتأثيره على الفرد، فقام باستنتاجات في العلاقة بينهما.
1 - دراسة العلاقة بين الفرد والمجتمع:
- لاحظ: وجود قواعد سابقة على الفرد تحكم تصرفاته، مثل: إحساس الفرد بالإجبار الجماعي، وشعوره بالارتباط العاطفي بالجماعة.
- واستنتج أنه: من الضروري على الفرد أن ينضبط في المجتمع، وأن يتبع الأخلاق السائدة في مجتمعه.
- وبرر سبب خضوع الفرد إلى المجتمع بأن المؤمن بهذه الأخلاق لم يصنعها من قناعته، وإنما وجدها كاملة منذ ولادته، وفي ذلك يقول في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي: "عندما أدفع بمهمتي كأخ، كزوج، أو كمواطن، عندما أنفذ الالتزامات التي تعاقدت عليها، فإنني أؤدي واجباتي التي تحددت بعيدا عني وعن أفعالي، الواجبات التي تحددت في القوانين والأعراف ... وعلى الرغم من أنها [القوانين والأعراف] متوافقة مع مشاعري الخاصة، وأنني أشعر داخليا بأنها حقيقية، إلا أن هذه العلاقات لا تكشف عن أنها علاقات موضوعية، لأنني لست أنا الذي صنعتها ... ".
النتيجة: إن المجتمع أسبق وجودا من الفرد، وأنه هو الذي يحدد له علاقاته، ويؤثر فيه مباشرة، لذلك لا يمكن إهمال الظاهرة الاجتماعية.
2 - دعوة إلى التماسك الاجتماعي:
بعد معرفة أسبقية المجتمع على الفرد، أخذ دور كايم يهتم بمشاركة قوى المجتمع في البناء الاجتماعي، ودعا إلى التماسك الاجتماعي بين الأفراد داخل المجتمع، ثم تساءل:
- ما الشيء الذي يحافظ على الرابطة الاجتماعية بين الأفراد في المجتمع الحديث؟
- وهل يمكن الاعتماد على القوانين الوضعية والأخلاق للدعوة إلى التماسك الاجتماعي في المجتمعات الحديثة، باعتبارهما بديلا للدين؟ (1/1)
صفحة 2
وحاول أن يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها في كتابه: الأشكال الأولية للحياة الدينية، سنة 1912، وهو ما سنستعرضه في قالب جديد.
ثانيا) الجوانب المنهجية في دراسته للدين
نرى أن نقدم نظرية دور كايم في تحليل الدين بنفس خطوات البحث المنهجي الأكاديمي، تسهيلا لاستيعاب نظرته، وإبرازا للمنهجية العلمية التي انتهجها دوركايم في كتابه، علما أنه لم يشر إلى هذه الخطوات المنهجية، لكننا آثرنا أن نصوغ بها نظرته، ونستعرضها كأنه يقدم بحثا علميا يكتبه بنفسه، واستعنا في تلخيص معلوماته ببعض مؤلفاته، وبعض الدراسات المنجزة عنه.
1 - أسباب اختيار دراسة الدين:
أ) الأسباب الذاتية:
يتميز دور كايم بالصرامة في التعلم، والشعور بالواجب، والقدرة الفائقة على العمل.
أصله يهودي، رغم أنه نفى عن نفسه -في شبابه- صفة التدين، ودعا إلى العلمانية في كامل أطوار حياته.
ب) الأسباب الموضوعية: (متأثرا بأوجست كونت ت: 1857م)
إن العلم هو المظهر النهائي للمعرفة الإنسانية، وأن المجتمع الحديث –الأوروبي- في مرحلة علمية وضعية لا ينبغي أن يفسر ظواهره بتفسير لاهوتي، ولا ميتافيزيقي.
يتميز المجتمع المتحضر بعقلانية مجردة بعيدا عن صور الدين وأشكاله.
2 - سؤال الإشكالية: كيف يتشكل الدين، ومن هو واضعه؟
3 - الفرضية:
يتشكل الدين في أجزاء بسيطة.
مشاعر المؤمنين هي التي تعطي الطبيعة المقدسة للدين.
الدين هو الشكل الأولي للروح المشتركة بين الأفراد؟
4 - الهدف من البحث:
معرفة صانع الدين ومنتجه.
البحث عن بديل عقلي للدين يؤدي نفس وظيفة الدين في المجتمع، ويحقق التماسك الاجتماعي.
5 - مجتمع البحث: (1/2)
صفحة 3
اختار دو ركايم مجتمع بحثه من البدائيين، على الرغم من أن مظهر الدين عندهم يبدو في أشكال غريبة، إلا أن معتقداتهم الدينية بسيطة يمكن اكتشاف أجزائها، ولأن مظاهر الدين بسيطة لم تتغلغل في البناء الاجتماعي فيصير معقدا، مثلما هو الحال في المجتمعات البسيطة والآلية.
6 - الدراسات السابقة:
- أول من استعمل مصطلح الطوطم الكاتب الهندي "لونج" في كتابه المنشور بلندن سنة 1791، وبقي الاعتقاد قرن من الزمن سائدا أنه المصطلح أمريكي، حتى اكتشف في أستراليا، فأرك الباحثون أنهم إزاء منظومة اعتقادية تتسم بشيء من العمومية.
- وفي 1877 كتب لويس مورغان في كتابه: المجتمع القديم، عن الطوطمية، وحدد خصائصها، وأشار إلى شيوعها بين القبائل الهندية في شمال أمريكا ووسطها.
- وبعد دراسات متعددة، وبخاصة من المكتب الأمريكي للإثنولوجيا، تمكن "فريزر" من تقديم صورة منهجية عن الطوطم في كتاب صغير "الطوطمية". ثم كتب عن الطوطمية كدين وكنظام اجتماعي في كتابه "الغصن الذهبي" (نشر في17 مجلدا بين 1890 - 1915).
- ثم اكتشف باحثَين (بالدوين سبنسر، وغيلين) عددا من القبائل الأسترالية التي تدين بالطوطمية كعقيدة (الأرونتا، اللوريتشا، يورابُنا).
ثالثا: خطوات دراسة الدين
قام دور كايم عند تحليل المجتمع الأسترالي البدائي بعدة خطوات منهجية، نجملها في ثلاث نقاط هي:
- اكتشاف نظرية الطوطم.
- نقد تعاريف الدين.
- تعريف الدين، وشرحه.
1 - اكتشاف نظرية الطوطم
تتعرض هذه النظرية إلى تعريف الطوطم، واكتشاف أنواعه المتعددة، ثم طرحت مجموعة من النتائج الدقيقة، وهي كما يأتي:
أ) تعريف الطوطم:
اسم مأخوذ من لغة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، ويعرف بأنه: (1/3)
صفحة 4
اسم لنوع من النبات أو الحيوان، تعتبره العشيرة رمزها، وشعارها، وتعتقد أنها متصلة به، وتشاركه في خصائصه وصفاته، وعليها حمايته.
فمثلا: إن كان طوطم العشيرة نسرا، فإن الفرد سيعتقد أنه يتميز بقوة الإبصار مثل طوطمه النسر، وعليه أن يحمي النسور، ولا يذبحهم، ولا يتناول لحمهم.
ب) أنواع الطواطم:
- طوطم العشيرة: لكل عشيرة طوطمها الخاص، ويعتبر طوطم كل فرد من أفرادها.
- الطوطم الخاص بالفرد: يوجد لكل فرد في العشيرة طوطمه الخاص.
- الطوطم العام: أو "طوطم الاتحاد"، وهو طوطم عام تتحد حوله مختلف العشائر في المجتمع الواحد، وهو العلم الذي يحمل في القتال، ويدافعون عنه، ويضعون على رؤوسهم بعضا من أجزائه وأعضائه.
- الطوطم الجنسي: وهو الخاص بالرجال أم النساء.
والفارق بين الطواطم، أن طوطم العشيرة جمعي ووراثي، بخلاف الطوطم الفردي فهو اختياري.
ج) نتائج النظرية الطوطم:
توصل دوركايم إلى بناء فكري "نظرية" حول الطوطم والمجتمع، وهذه أهم نتائجه:
*دور الطوطم في العلاقات الاجتماعية:
- تتم العلاقات بين الأفراد في المجتمع البدائي على أساس اشتراكهم في الاسم والرمز الطوطمي، وليس على أساس المعاشرة، أو السكنى، أو صلة الدم.
- فالطوطم رمز لوحدة الجماعة، وأساس العلاقات بين الأفراد.
- الطوطم دليل على الإقرار بوجود علاقات حميمية بين مجموعات بشرية معينة، وهذا الإقرار يفضي إلى نوع من التقسيم الاجتماعي إلى طوائف، وإلى خلق طقوس خاصة بكل طائفة، من شأنها أن تتربط الطائفة بأخرى لها شبه وتقارب في الطوطم، ذكر: " إن مؤونتنا الغذائية تعتمد على الحيوانات والنباتات والمواد التي تدخل في تصنيع الغذاء، فلتتزايد الحيوانات والنبات إلى درجة الوفرة، ولتعمل كل عشيرة لها طوطما من النبات أو الحيوان، ولتحرص على وفرة وتزايد الصنف المقدس عندها، وذلك من خلال السحر والصلوات وتقديم العناية والرعاية. (1/4)
صفحة 5
إن من لا ينتمون إلى العشيرة يمكن أن يأكلوا من الطوطم بحرية، إلا المجموعة الطوطمية تعتبره محرما، وتأكل منه بتقتير شديد، حتى عندما تسمح مناسبة الوجبة المقدسة الدورية بذلك". (راجع: فراس السواح: موسوعة الأديان 1: 34).
*الصورة الرمزية للطوطم:
لكل طوطم محسوس (الشكل الخارجي) صورة رمزية وغيبية تدعى "المانا mana" ( إله).
والمانا: مصطلح مأخوذ من قبيلة (ميلانيزيا، توجد في جزر المحيط الهادي)
وتعرف المانا بأنها:
- الإحساس بقوة غيبية طاغية موجودة في كل الموجودات والأشخاص، دون أن تختلط بها، وهي أسبق من الموجودات وباقية بعدها.
- قوة خفية تعمل بذاتها، وبحرية تامة، وتنتقل من الأشياء إلى الإنسان، أو العكس.
- ويمكن أن نعتبر المانا ما هي إلا إله تتجه إليه العشيرة بالقرابين والطقوس عن طريق عبادة شكله الخارجي "الطوطم".
*الطوطم دين الإنسان البدائي:
تقديس الإنسان البدائي للطوطم هو تعظيم لقوة المانا.
تعظيم العشائر البدائية للطوطم هو تعظم لمسمى الألقاب، مثل: الجد الأعلى الذي تنحدر منه العشيرة، والذي اتحدت روحه مع الطوطم.
تعظيم الطوطم يوقظ المشاعر المتشابهة بين المؤمنين في العشيرة الواحدة.
مشاعر المؤمنين بالطوطم الواحد هي التي تشكل الطبيعة المقدسة لهذه الطواطم.
تتجلى مشاعر المؤمنين بالطوطم في الاحتفالات، التي تمنح القوة الخارقة للفرد، وتبين له وجود عالمين غير متجانسين: عالم الرتابة (الدنيوي)، وعالم المقدس.
يتم الدخول البدائي إلى عالم الطوطم المقدس عن طريق طقوس الأعياد، والاحتفالات الصاخبة، كالرقصات، والصراخ.
تتولد الفكرة الدينية لدى البدائي من التوهج في الطقوس، ومن تقديس الطوطم الذي ينتمي إليه ويحتفل به.
تقديس البدائي للطوطم، والاحتفال به، هو تقديس –من غير قصد- بقوة المجتمع الذي أقر بالطوطم وشرع الاحتفال به، ومن ثم فإن الفكرة الدينية حسب دور كايم وليدة المجتمع، وليس الطوطم (1/5)
صفحة 6
أو الإله كما يعتقد البدائي وغيره من المتدينين، قديما وحديثا.
الخلاصة:
- منشأ الدين من الإيمان بالطوطم.
- الطوطمية هي أقدم ديانة بشرية، ومصدر الدين للبدائي.
- الطوطمية باعتبارها مقدس وطقوس، ما هي إلا عبادة المجتمع نفسه، دون أن يشعر الأفراد بذلك.
*الدين ظاهرة اجتماعية:
عمم دور كايم مفهوم الإله عند المجتمع البدائي (أستراليا) على مجمل الفكرة الدينية، فاعتبر أن الظاهرة الدينية مهما كانت هي خضوع للمجتمع، أو الأفراد الذين أسسوا الدين (الضمير الجمعي).
إن عبادة الآلهة ليست سوى إسقاطات لسلطة المجتمع أو قوته.
الدين ظاهرة اجتماعية، ويدرس كما تدرس أي ظاهرة اجتماعية، لأنه منبثق من المجتمع، وليس من ظاهرة غيبية.
تأثر دو كايم بالمنهج الوضعي لأوجست أوكنت، لذلك توصل إلى أن الدين من صنع المجتمع، وأنه ظاهرة اجتماعية، ومن ثم نفى فكرة الإله لأنه يعتقد أنه لا يمكن إقحام مبدأ ميتافيزيقي لتفسير ظاهرة اجتماعية (الدين).
مقصد الفكرة الدينية في المجتمع الآلي (التقليدي) هو الحفاظ على التماسك الاجتماعي من خلال الطقوس التي تفرض الانضباط، والاحتفالات الدينية التي تجمع النّاس (يتوجه بها إلى الطوطم، أو الإله). أما في المجتمع الحديث فإن التماسك الاجتماعي ينبغي أن يتحقق عبر بدائل عقلانية، مثل الوعي الجماعي، والقوانين الأخلاقية، والوحدة السياسية.
2 - نقد تعاريف الدين:
انتقد دور كايم بعض التعريفات التي سبقته عن الدين، مثل:
1 - تعريف تايلور: «الإيمان بكائنات روحية أو حية».
2 - ماكس موللر: «محاولة تصور ما لا يمكن تصوره، والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، هو التطلع إلى اللانهائي .. وهو حب الله».
وتركز نقده على ما يأتي: (1/6)
صفحة 7
1 - (نقد تايلور) يرى دور كايم أنه توجد أديان ليس لها مرجعية الإله، والأرواح، أو توجد لكن تلعب دورا ثانويا. كما يرى أنه توجد طقوس مستقلة عن فكرة الإله، أو أنها لا تتعلق بما هو روحاني.
2 - (نقد مولر) تعريف الدين بعدم تصور الإله دليل على الغموض، والغموض من سمات المجتمعات التقليدية التي تعتقد أن النظام الطبيعي للأشياء يسير من قبل قوانين غيبية (الإله)، بخلاف المجتمعات الحديثة المعتقدة أن العلم هو الموصل إلى الاكتشاف، وأن كل شيء عندها يتسم بالوضوح.
3 - انتقد تعريفات الدين التي انطلقت من تفسيرات روحية أو طبيعية، لأنها أهملت الواقع، والحقيقة الاجتماعية، (لاهتمامه بالجانب الوظيفي).
نتيجة النقد:
يهدف دور كايم من نقده للتعريفين السابقين عليه إلى بيان أنها كانتا تحلل الدين بإرجاع مصدره إلى الإله، وهو ما يتنافى مع فكرة التي يريد أن يقررها دور كايم في أن إرجاع الدين إلى الإله يعيق فكرة إيجاد بديل يحقق التماسك الاجتماعي في المجتمع الحديث، لذلك يرى أنه لا يمكن تعريف الدين وفق فكرة الإله فقط.
3 - تعريف الدين، وشرحه:
قدم دور كايم تعريفا للدين حسب تحليله السابق، المعتمد على الابتعاد عن فكرة الإله، فعوضها بالمقدس، والذي يقابله المدنس، أو الدنيوي، وهذا تعريفه:
«نسق من المعتقدات والممارسات متصل بالأشياء المقدسة، ومعزول عن الوسط الدنيوي، أي محاط بشتى أنواع التحريم. وهذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين بها في جماعة أخلاقية واحدة تسمى الكنيسة».
فالدين عند دور كايم هو: كل مكون من أجزاء، فهو نظام مركب من الأساطير، ومن العقائد، ومن الشعائر، ومن الطقوس، ولفهم الدين ينبغي تفكيك هذه الظواهر الأولية التي تكون الدين.
1 - لا يحتوي الدين على عنصر غير المرئي.
2 - المعتقدات: هي تصورات تعبر عن طبيعة الأشياء المقدسة.
3 - المقدس: هو: "الأشياء التي تحظى بالاحترام، وتخضع لحماية الدين، ولا يحق انتهاكها، أو الخروج عليها". ("ما يستبعد، وما يحرم، وما يمكن أن يدرك من خلال الشعائر"). ودائرة الأشياء المقدسة: تتغير بشكل كبير تبعا للأديان.
4 - الشعائر أو العادات: " مجموعة من الممارسات السلوكية المتكررة". (قواعد للعمل، تصف (1/7)
صفحة 8
وتحدد كيف يجب على الإنسان أن يتصرف مع الأشياء المقدسة).
5 - للمعتقدات الدينية (البسيطة والمركبة) صفة مشتركة: فهي تميز بينما هو مقدس وبينما هو دنيوي، وعلى ذلك يقسم العالم إلى مجالين: مقدس دنيوي، وهو الخط المميز للفكر الديني.
6 - إمكانية العبور: بين الدنيوي والمقدس.
تنافر الدنيوي والمقدس ليس مطلقا، وانفصالهما ليس دائما، فيمكن أن يوجد العبور من علم إلى آخر. لكن التعامل معهما يتطلب قدرة على التحول، والحيطة (الأضحية، العيد).
7 - أدخل الكنيسة في تعريف الدين: لأنه لما حلل السحر وجده يشبه الدين لكنه اختياري بخلاف الدين، فضلا على أن الدين له جماعة محددة تمارس الانتماء إلى هذا الدين، بخلاف السحر ليس لأتباعه معبد خاص.
رابعا: نقد نظرية دور كايم
بعد عرض إجمالي للفكرة الدينية عند دور كايم يجمل بنا أن ننقدها، ونقدم رأينا، وما قدمه الدارسون لنظريته.
1 - لم يعاين دور كايم المجتمع الذي درسه، وإنما كان اعتماده على كتابات المبشرين، والرحالة، مما أوقعه في تناقض، وأخطاء علمية.
2 - حلل العالم "شميدت" كتاب دور كايم " الأشكال الأولية للحياة الدينية" سنة 1912، ثم ارتحل إلى موطن الطوطمية، فاستنتج أن تلك المجتمعات لا تمثل الإنسان البدائي، وتوصل إلى أن الطوطمية ما هي إلا نظام اجتماعي فقط، أي: لا دليل على أن الطوطمية أقدم ديانة للبشرية، أو أنها مصدر الدين للبدائي.
3 - اعتمد دور كايم على قبائل وسط أستراليا كأقدم الأجناس، في حين أن غيره من الباحثين بعده توصلوا إلى أن قبائل استراليا الجنوبية الشرقية هي الأقدم، ولا تعتمد على الطوطم، بل تعتقد بالإله الواحد.
4 - قامت تفسيرات نظريته على فرضية أن الإنسان الأول ساذج السلوك وهمجي، وأنه نزل من الحيوان، وهذا يتناقض مع قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُوا ءَلاَدَمَ فَسَجَدُوا إِلآَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ). وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ (1/8)
صفحة 9
أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا). فالله تعالى خلق الإنسان وأمر الملائكة بالسجود له لعظيم روحه وما يحمله من علم علمه الله، وهذه حقيقة غيبية يقينية، ينبغي أن تأخذها الأبحاث التي تفسر الدين، أو تتحدث عن الإنسان الأول (لا البدائي)، ويجب أن تعتبرها مسلمة علمية، وحقيقة تنطلق منها الأبحاث إن أرادت هذه التفسيرات أن تستعرض الأمور كما كانت في واقعها في الزمن الغابر، أما إذا كانت هناك أغراض أخرى للبحث؛ كبيان أن الانحلال الأخلاقي لصيق بتكوين للإنسان، وأن التطور المعرفي هو الذي هذبه من جهة، وسلب حريته من جهة أخرى، وعلى الإنسان -بهذا المنطلق- أن يعود إلى حالته الأولى ويعيش بدون قيود، فإن هذه النظرة غير موضوعية ومنحازة، وتبحث وفق غاية خفية، وهذا لا يصح أن يكون علما، ولا أن تسمى نتائجه بالنظريات العلمية، وإنما هي تبريرات خرافية في صيغة أساليب عليمة، ولغة جذابة. (1/9)
صفحة 10
الفهرس
أولا) اهتمام دور كايم بالمجتمع
1 - دراسة العلاقة بين الفرد والمجتمع.
2 - دعوة إلى التماسك الاجتماعي.
ثانيا) الجوانب المنهجية للدراسة
1 - أسباب اختيار دراسة الدين.
أ) الأسباب الذاتية.
ب) الأسباب الموضوعية.
2 - سؤال الإشكالية.
3 - الفرضية.
4 - الهدف من البحث.
5 - مجتمع البحث.
6 - الدراسات السابقة.
ثالثا: خطوات دراسة الدين
1 - اكتشاف النظرية: الطوطم
أ) تعريف الطوطم.
ب) أنواع الطواطم.
ج) نتائج النظرية الطوطم.
دور الطوطم في العلاقات الاجتماعية.
الصورة الرمزية للطوطم.
الطوطم دين الإنسان البدائي.
الدين ظاهرة اجتماعية.
2 - نقد تعاريف الدين.
3 - تعريف الدين، وشرحه.
رابعا: نقد نظرية دور كايم. (1/10)