صفحة 1
الكتاب: النجاح عن طريق معرفة الذات
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمان الحيم والصلاة والسلام على رسول الله.
النجاح عن طريق معرفة الذات.
المقدّمة.
إنّ إنسان هذا العصر قد قيّد نفسه، وسجنها في قفص من التصوّرات التي كوّنها لنفسه، وبكثير من الإتّجاهات التي تحكّمت فيه، وجعلته يحيا حياته على أساسها وتوجّهاتها التي غرستها في عقله الباطن، في حين أنّه يمكنه التحرّر منها، ومن صورها السلبيّة التي بنيت ذاته عليها.
إنّ هذه التصوّرات قد تكوّنت في عقله الباطن نتيجة لما يسمعه من أخبار الحروب التي تدور رحاها في كثير من أنحاء العالم، وما يسمعه من دراسات من زيادة الولادات، وعن غلاء المعيشة، وأنّه سيصل وقت ربّما تصبح المعيشة فيه صعبة، والموارد لا تكفي بني البشر.
كلّ هذا قد كوّن فيه تصوّرا بأنّه لا يستطيع أن يحيا هذه الحياة ببساطة، وأنّه مهدّد بالمجاعة والأمراض والموت، ونتيجة لكلّ ذلك أصبح يعتقد أنّه لا يقدر أن يحيا حياة فاضلة متوازنة ومطمئنّة.
ولذلك يجب عليه أن يغيّر من هذه التصوّرات والإعتقادات السلبيّة، وأن يراها بسيطة وعادية، وأنّه يستطيع أن يحياها بكلّ شجاعة وثبات وثقة، وعند ذلك سيرى العجب العجاب، لأنّه ستتحوّل ظروفه وتسير لتحقيق مصلحته، وتلبيّة رغباته.
فأنت أخي القارئ، وأنا، وجميع الآخرين، نستطيع أن نغيّر هذه البرمجة السلبيّة التي برمجنا عليها نفوسنا حسب هذه الظروف، لأنّه في ذلك الوقت سوف تتغيّر حياتنا بالكليّة نحو الأحسن، وسنستثمر قوانا الكثيرة والكبيرة التي وهبها الله - عز وجل - لنا بكلّ شجاعة وثقة، وسنلوم أنفسنا ومحيطنا على أنّنا لم نكتشف كلّ تلك القدرات من قبل.
ولكن كما المثل الفرنسي: إنّ الوقت لم يفت بعد.
( c est jamais trop tard )
فعلينا أن نسرع في اكتشاف ذواتنا وقوانا المختلفة التي نحملها بين جنبينا، وأن ندرّبها وننمّيها، لنصل إلى درجة عليا من النجاح الباهر، الذي يتمنّى أن يصل إليه كلّ مجتهد ونشيط في هذه الحياة. (1/1)
صفحة 2
علينا أن نقوم بشيء واحد وهو أن نقرّر التغيير، ونبدأ العمل بوضع الخطوة الأولى في الطريق نحو القمّة ولكن بشرط أن تكون لنا عزيمة قويّة وجيّدة، ومسافة الألف كيلومتر تبتدئ بقطع المتر الأوّل.
علينا أن نقطع الخطوة الأولى بكلّ ثبات وقوّة إرادة، ونتابع الخطوات الأخرى على هذا المنوال، إذا أردنا قطع طريق الحياة بكلّ نجاح وتفوّق، وأن نضع أرجلنا في الدرجة الأولى للسلّم، ونبدأ الصعود إلى الأعلى بكلّ ثبات.
وأثناء ذلك كلّه يجب أن نتسلّح بالنيّة الحسنة والإخلاص في العمل، وإذا قمنا بذلك فسيرينا ربّنا عزّ وجلّ العجب العجاب، سيعيننا على تحقيق ما لم نكن نحلم به من قبل، وسوف لا نصدّق أنفسنا بأنّنا نملك كلّ هذه القدرات وهذه القوى، وأنّّنا نحن الذين حقّقنا كلّ هذه النجاحات في ميدان الحياة.
إنّ قرارنا ونيتنا الطيّبة وإخلاصنا وجدّيتنا في العمل كلّها، هي التي ستنير لنا الطريق نحو حياة أفضل وأحسن وأنجح.
إنّه يجب أن نعلم أنّ أيّ تغيير في حياتنا سينبع من داخل ذواتنا أوّلا وقبل كلّ شيء.
و الله - عز وجل - يقول في محكم تنزيله:
إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.
سورة الرعد ـ آية:11.
بريان يوم:04ربيع الثاني 1429هجري
الموافق ل:10أفريل2008 ميلادي
مفهوم الذات
إنّ - عز وجل - الله خلق كلّ إنسان في هذا الوجود، ووهب له طاقات التفكير والعمل ليتقدّم ويتفوّق ويعلو في مراتب النجاح ودرجات التقدّم، خلقه في أحسن تقويم، وسوّاه وعدّله، في أيّ صورة ما شاء ركّبه.
خلقه بمواهب ومهارات تؤهّله لأن يكون ناجحا، ولكن الطريقة والأسلوب المتّبعان في تربيته إذا كانا فاشلين وغير جيّدين هما اللذان يحوّلانه إلى إنسان فاشل متعثّر في طريق الحياة، وهذه التربية وهذا التوجيه هما اللذان يجعلان منه إنسانا متفائلا ينظر إلى الحياة نظرة تفاؤل وأمل، أو العكس يجعلان منه إنسانا فاشلا متشائما فاقدا للأمل.
قال - عز وجل - الله: (1/2)
صفحة 3
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.
سورة التين ــ آية:04.
وقال الله - عز وجل -:
يأيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدّلك في أيّ سورة ما شاء ركّبك.
سورة الانفطار ــ آية:6ـ7ـ8.
وقال - عز وجل - الله: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين. سورة البلد ـ آية:8ـ9ـ10.
إنّ هذا الإنسان يولد من بطن أمّه بقدرة - عز وجل - الله ومشيئته، وتتكوّن لديه طاقات ومهارات متعدّدة ومتنوّعة، جسميّة وعقليّة وروحيّة وعاطفيّة، فتنمو على مرّ الأيّام والأعوام، وتكبر معه وهو يتقدّم في طريق الحياة، فإذا وجدت الرعاية الجيّدة والتوجيه الحسن، فإنّه يتعلّم ويتدرّب ويتمرّن، فيرتقي بها في سلّم الحياة شيئا فشيئا، ويختزن معلومات ومهارات لا يعلم حجمها إلاّ خالقه سبحانه - عز وجل -، بحيث أنّ بعض العلماء قد قدّروا أنّ أيّ شخص عادي يتعلّم في حياة في المتوسط العام 60 مليار معلومة.
وهكذا على مرّ الأيام وتعاقب الأعوام تتكوّن لديه ذاته وشخصيّته الخاصّة به، والمستقلّة بأفكارها وتوجّهاتها.
ولكن يجب أن يعلم كلّ واحد منّا أنّ هذه المهارات والقدرات تتطوّر بطريقة حسنة، وتتوجّه في الاتجاه الصحيح إذا ما اهتمّ بها المربّون والموجّهون، واعتنوا بها الاعتناء الحسن، وخاصة الآباء والأمّهات، والأمّهات أكثر وأكثر، ولذلك منحهنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة حقوق، بينما الرجل أعطاه حقّا واحدا، ووضعه في الدرجة الرابعة، بعد ثلاث درجات للأمّ، وعلى العموم فإنّ عناصر المجتمع كلّهم مسؤولون على توفير الجوّ الملائم والحسن لتنميّة وتطوير تلك المهارات، حتّى تتوجّه الاتجاه الإيجابي السليم والصالح. (1/3)
صفحة 4
إنّ هذا التطوّر الجيّد والنموّ الحسن والإيجابي، يجب أن يتحقّق لكلّ عناصر المجتمع من حياة طيّبة معتدلة وتوجيه حسن، من أولياء يهتمّون به، وتعليم جيّد راق، وتكوين أسباب الحياة المعتدلة المبنيّة على الأسس الصحيحة التي ترعى تكوينه الجسمي والعاطفي والروحي والعقلي.
إنّه يجب على الموجّهين التربويين عامّة، والوالدين خاصّة، أن يهتمّوا بترقيّة جميع أوجه الكمال التي يمكن أن ترقّى بالفرد الذي هو العنصر الأساسي في المجتمع، وذلك منذ صغره حتّى يكوّنوا لديه ذاتا مستقيمة ومتّزنة.
فذات كلّ إنسان تتكوّن بفضل تنميّة جميع قواه البدنية والفكرية والخلقية تنميّة متوازنة على الدوام دون ملل أوكلل.
التربيّة هي التي تقود الناشئة إلى الذات المعتدلة السويّة، وذلك بالعناية بالتعليم والقدوة الحسنة، والأسوة الصالحة.
إنّ تكوّن الذات الإنسانيّة تخضع لعاملين أساسيين: عام، وخاص.
فالعام هو ما يحيط بالشخص منذ ولادته ونشأته الأولى من عوامل البيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة، مثل الموقع الجغرافي والمناخ، والأبوين والإخوة والرفقاء والأصدقاء، والكتب (التعلّم) والأسفار، فهذه العوامل كلّها لها تأثيرها الإيجابي، أو السلبي في تكوين الذات المستقلّة بالشخص، و التي ترافقه طوال هذه الحياة، فتوجّهه الوجهة الخاصة به.
فالطفل العربي ـ مثلا ـ إذا ولد في بيئة فرنسيّة كانت ذاته أقرب إلى الذات الفرنسية منها إلى العربيّة، وذلك بسبب تأثير العوامل الفرنسيّة فيه أكثر من العربيّة، وربّما يعيش بذات فرنسيّة طوال حياته. (1/4)
صفحة 5
أمّا العامل الخاص: فهو العامل المدرسي، الذي يستخدم لتكميل ما نقص من بناء الذات التي تكوّنت من قبل في البيت من طرف الوالدين، وهذا ما يحدث في المدرسة غالبا، وهو قليل الشأن بالنسبة إلى العامل العام، وذلك لأنّه إذا ما تكونّت ذات راسخة لذى الشخص في أسرته ومجتمعه، فغالبا ما تزيد إليها المدرسة بعض الإضافات، أو تغيّر له بعض التصوّرات، ولكن لا تستطيع أن تكوّن لديه ذاتا جديدة مغايرة تماما للتي قد كوّنتها فيه أسرته ومجتمعه، هذا طبعا إذا كوّنوها بصفة صحيحة وقويّة وسليمة وراسخة.
إنّه بحسب توجيه الوالدين وقوّة شخصيّتهما وتأثيرهما في الصغار، وحسب تأثّر الناشئة بالعادات والتقاليد الأسريّة والاجتماعيّة التي ينشؤون عليها، تتكوّن لديهم ذواتهم التي سيقطعون بها مراحل الطريق في هذه الحياة، ففي ذلك المجتمع الصغير (الأسرة)، أو الكبير (المجتمع)، ترسخ لذى كلّ فرد نظرته نحو ذاته، التي يظلّ طول الوقت يظنّ أنّها هي الأساس الصحيح في حياته، وأنّها هي الأصل الذي لا يمكن أن يحيد عنه، أو يبدّله، ويعتقد في قرارة نفسه أنّ تلك الطاقات التي يمتلكها، والمهارات والعادات التي يكتسبها، هي الكلّ في الكلّ وأنّه لا يستطيع تبديلها أو تغييرها.
فعلى المربّين أن يهتمّوا اهتماما بالغا وقويّا بتكوين ذوات أولادهم تكوينا راقيّا عاليّا وراسخا، كي يسيروا في طريق النجاح والتفوّق بخطى ثابتة، مبنيّة على قوّة الثقة بالنفس والعمل في صبر ومثابرة، ويرسّخوا في نفوسهم مبادئ التقدّم والتفوّق والنجاح كي يضمنوا لهم بلوغ أعلى الدرجات، ويصبحوا عناصر ناجحين تعتمد عليهم أمّتهم في كلّ الميادين.
عليهم أن يكوّنوا فيهم روح التفاؤل في الحياة والأمل الكبير في النجاح وفي بلوغ أعلى المراتب والدرجات. (1/5)
صفحة 6
إنّ المشكلة الكبيرة التي يعاني منها كثير من المجتمعات أنّها تكوّن في ذوات أفرادها مركّب النقص والفشل، فيكون لهم ذلك عائقا قويّا وحاجزا كبيرا في طريق التعلّم والتقدّم والنجاح.
وقد بيّن لنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - كيف تتكوّن ذات كلّ إنسان يأتي إلى هذه الحياة فيقول - صلى الله عليه وسلم -:
كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه.
رواه البخاري.
إنّ ذات كلّ شخص تتكوّن فيه منذ صغره داخل أسرته ومجتمعه، وذلك بتأثير كلّ ما يقع حوله من كلام أو حركة أو عمل، بالألفاظ التي يسمعها، وبالصور التي يبصرها، ـ ولحكمة كبيرة يعلمها - عز وجل - وحده أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النظر إلى العورات ـ بل ربّما حتّى بالروائح التي يشمّها، وبنكهات الأطعمة التي يتذوّقها ويأكلها.
إنّ كلّ شخص تتكوّن لديه الكثير والعديد من الصور والأفكار حول ذاته بما كان يسمعه من التوجيهات والنصائح، وما كان يراه ويلاحظه من وقائع حسنة وسيّئة، فأصبح هو كذلك يقوم بها ويطبّقها في واقع حياته، فلمّا رسخت في نفسه صار يعتقد ويجزم بأنّها هي الحقيقة التي يجب أن يتّبعها ويحيا بها دون مناقشة أو جدال، وأنّها جزء لا يتجزّأ من ذاته وشخصيته، فهو يفكّر فيها ليلا ونهارا، ولا يقوم بأيّ عمل أو مهمّة حتّى يقارنها مع ما يملك من أفكار داخل ذاته، والتي كان قد تلقّاها من قبل في مختلف مراحل حياته خاصّة مراحل الطفولة.
بل إنّ الشخص قد يعبّر عن ذاته حتّى وهو نائم، وما ذلك إلاّ لشدّة رسوخ تلك التصوّرات والأفكار داخل نفسه.
إنّ تلك الخبرات والمهارات الشخصيّة التي اكتسبها كلّ إنسان واختزنها في ذاكرته، قد كوّن بها لنفسه تصوّرا خاصّا، أصبح يعيش به في مختلف مراحل حياته. (1/6)
صفحة 7
إنّه بتكوّن تلك التصوّرات واكتساب تلك المهارات والقدرات على مرّ السنين، ـ وخاصّة في مرحلة الطفولة المبكّرة ـ واعتمادا على كيفيّة تنظيمها داخل الذاكرة، وكيفيّة التفكير بها، ينبني أساس ذات كلّ إنسان.
وبدراسة العلماء والمختصين النفسانيين تبيّن لهم أنّ هذا الإنسان يعيش في هذه الحياة بذات تكوّنت لديه وبرمجت عن طريق التأثّر بالآخرين.
وقد بيّن لنا - عز وجل - الله كيف أنّ المشركين قد تكوّنت لذيهم ذوات عن طريق تأثّرهم بما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وذكر لنا هذه العصبيّة في كثير من الآيات القرآنيّة فيما جرى بين رسل - عز وجل - الله التي بعثها إليهم، والدعوات الجديدة التي أرسلوا بها، ولم يكونوا يعرفونها من قبل، فوجّهوهم ونصحوهم بعبادة - عز وجل - الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كان يعبده آباؤهم وأجدادهم من الأصنام والأوثان.
قال - عز وجل - الله على لسان نوح عليه السلام:
قال يقوم إنّي لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون. ... سورة نوح ـ آية:2ـ3.
وكان جوابهم الذي أجابوهم به ينبع ممّا كان قد رسخ في خريطة ذواتهم، وما كانوا قد تلقّوه من توجيهات آبائهم ومجتمعاتهم، وما كانوا قد تربّوا ونشأوا عليه من قبل، فقالوا لرسلهم:
بل قالوا إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون.
سورة الزخرف ـ آية: 22ـ 23. (1/7)
صفحة 8
وكذلك تظلّ صفات كلّ شخص في هذه الحياة وتصرّفاته، وطريقة كلامه وأكله وشرابه، وغير ذلك من السلوكات مطابقة لما كان قد تعلّمه منذ صغره، وممّا رسمه في ذاته من تصرّفات والديه وإخوته ومن حوله من أعضاء مجتمعه، وخاصّة القريبين منه، وربّما نجد هؤلاء الأفراد يقومون بتلك السلوكات والتصرّفات أمامه دون أن يشعروا بأنّ لذلك أثرا عظيما في نفسه، ودون أن يسألوا أنفسهم هل هي مفيدة وصالحة، وهل تحقّق لهم ما يهدفون إلى تحقيقه من تربية في هذه الحياة، وهل تساعد على التعلّم والتقدّم أم لا.
هذه قصّة شابّ، تزوّج وبعد مدّة من زواجه صار يضرب زوجته ويهينها، ولمّا سأله صهره عن سبب ذلك، كان جوابه:
إنّ أبي كان يضرب أمّي، وما كان يفعل ذلك إلاّ لأنّه يعلم أنّ النساء لا يتربّين إلاّ بالضرب، إنّه كان يفعل ذلك دائما على مرآى ومسمع منّا، حتّى يربّيها ويخضعها لأوامره.
فنجد أنّ هذا الشاب قد رسخ في ذاته أنّه يجب عليه أن يضرب زوجته، ويفعل مثل ما كان يفعل أبوه، وأنّ عقله قد برمج من طرف أبيه على أنّ الزوجة يجب أن تربّى بالإهانة والضرب، ولم ينتبه إلى العواقب السيّئة التي ستنتج عن فعله ذلك، وهو طلاق زوجته، وتشتّت أسرته، وضياع أولاده.
قال {فيليب ريمباردو}:
نحن نتعلّم في صغرنا القواعد العامّة للحياة، وطرق السلوك من نماذج الكبار الذين يحيطون بنا.
فعقول الأطفال هي عبارة عن آلات تسجيل قوّية وصحيحة، يراقبون ويلاحظون كلّ صغيرة وكبيرة ممّا يجري حولهم من أفعال وأقوال وحركات، فيسجّلونها داخل ذواتهم، ويتحمّسون لتقليد ذلك سواء كانت إيجابيّة أو سلبيّة.
إنّهم يظنّون ويعتقدون اعتقادا قوّيا أنّ تلك السلوكات هي الصحيحة وهي التي ينبني عليها مسار الحياة، وهي الكلّ في الكلّ، وهذا ما ينقص من استغلال طاقاتهم التي يمتلكونها، ويحدّ من تنميّة مهاراتهم. (1/8)
صفحة 9
إنّهم يستطيعون أن يذهبوا بعيدا إذا هم وجدوا من يوجّه فيهم تلك الطاقات الوجهة الحسنة وينمّيها التنميّة الصحيحة.
إنّ العلماء قد استنتجوا هذا التعريف للذات من هذا التقليد والتطبيق، فقالوا:
الذات هي السلوك، والسلوك هو ما نفعله، أو ما لا نفعله.
وشرائع ديننا الإسلامي، وإرشادات قرآننا، وسنّة نبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - كلّها عبارة عن مكوّنات وبناء للذات المسلمة، التي تؤمن بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد - صلى الله عليه وسلم - نبيّا ورسولا، فهي عبارة عن أوامر ونواهي وتوجيهات تكوّن ذوات أتباعها.
إنّ هذا السلوك هو العامل الأساسي والمباشر الذي يتحكّم في نجاح أعمالنا ومشاريعنا، أو فشلنا فيها.
وثوق الإنسان بذاته.
إنّ الإنسان عندما يفكّر في نفسه، فغالبا ما يفكّر من منطلق المواقف أو القيم التي يقيّم بها الأشياء والأعمال، ومختلف السلوكات التي تكوّنت لديه عبر السنين في مختلف مراحل حياته، لأنّ تلك المواقف والقيم أصبحت عبارة عن عادات يعيش بها في واقع حياته، وهي التي نعرّفها بالذات.
إنّه يصدر أحكامه ويبنيها على أساس ذلك المفهوم، ويحكم بها على كلّ عمل يقوم به هو أو غيره ممّن حوله.
فالله خالق هذا الإنسان وهو يعلم ما هي المبادئ والقيم التي تليق به، ويحيا بها حياة كريمة فاضلة، لذلك شرّع له شرائع يسير عليها، وتضمن له السعادة في الدنيا قبل الآخرة، إذا هو طبّقها واتّبعها، هذه القيم والمفاهيم الصالحة لها الأثر البالغ في استقامة الذات وصلاحها، إذا هو تمسّك بها واتّبعها. (1/9)
صفحة 10
ولكنّ شياطين الإنس والجنّ بدّلوا وغيّروا في حقيقة تلك الأسس والقيم والسلوكات، فتكوّنت لدى أغلبيّة البشر ذوات غير سويّة وغير معتدلة، ووصل العالم الإنساني إلى ما وصل إليه من الفوضى والتداخل والتصادم، لأنّ كلّ جهة تريد أن تؤثّر في ذوات أقصى عدد ممكن من الناس عبر العالم، خاصّة في هذا العصر الذي انتشرت فيه تقنيّات الإعلام وتطوّرت، وأصبح العالم عبارة عن قرية واحدة بل عبارة عن بيت واحد، أو غرفة واحدة.
إنّ مفهوم الذات الذي رسخ في الشخص عبر السنين، والمبني على أساس من الاقتناع الكامل، سواء إيجابي أو سلبي يلازم الذات أينما حلّت أو ارتحلت، في كلّ مكان وفي كلّ زمان، وإنّ صاحب الذات القويّة يحاول دائما أن يكون نفس الشخصيّة، بسلوكه وقيمه، سواء أكان وحده أو مع غيره من الناس.
إنّ الإنسان الذي تتكوّن لديه ذات جيّدة وقويّة ـ وذلك بتأثير المحيط ـ يصبح واثق من نفسه، ويكتسب ثقة الناس من حوله، فيسير بخطى ثابتة في طريق الحياة المليء بالحواجز، ويصل إلى أهدفه، ويحقّق نجاحاته بكلّ ثقة واطمئنان.
لذلك يجب على المربّين أن يهتموا بزرع الثقة في ذوات من هم تحت مسؤولياتهم، ويكوّنوها على أساس صحيح ومتين، حتّى يكستبوا ثقة من حولهم من الناس والمعاشرين، فيعاشروهم معاشرة طيّبة حسنة، وذلك لأنّهم كوّنوا تصوّرا حسنا لذواتهم، سواء مع أنفسهم أو مع غيرهم من الناس.
أمّا إذا لم تتكوّن لديهم ذات قويّة معتدلة متّزنة، فإنّهم سيحيون حياة مذبذبة غير مستقرّة، ولا يستطيعون أن يكستبوا ثقة الآخرين، ممّا يجعلهم يتعبون في حياتهم تعبا كبيرا.
وقد ذكر الله - عز وجل - لنا بعض النماذج من هذه النفوس المذبذبة التي لا تستقرّ على حال ولا تتبث على مبدإ.
فقال الله - عز وجل -: مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ... سورة النساء ـ آية:143.
وقال - عز وجل - الله: (1/10)
صفحة 11
وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزءون.
سورة البقرة ـ آية: 14.
والشخصيّة الثابتة، أو الذات المبنيّة على أسس صحيحة وقويّة لا تتبدّل، ولا تحيد عن مبادئها التي نشأت عليها، وإذا غيّرت من مبادئها فهي تتغيّر إلى الأفضل وإلى الأحسن، وتزيد من رفع قيمتها، وتصحّح أسسها وقيمها بمختلف الوسائل والتجارب التي تمرّ عليها في حياتها، وإذا لم تزد من رفع قيمها فإنّها لا تنقص، بل تحتفظ بالدرجة التي وصلت إليها، وذلك لأنّه قد تكوّن فيها الاقتناع الكامل والقويّ بأنّها على أساس صحيح.
ولا يتحقّق هذا في ذات الإنسان، إلاّ إذا نشأ وهو مقتنع واثق من نفسه بأنّه على أساس صحيح وتربيّة سويّة، متفهّما لمبادئه وقيمه التي نشأ عليها، ويعرف جيّدا من هو، وإلى أيّ دين ومجتمع ينتمي.
وقد يمرّ الإنسان في حياته على مرحلة مضطربة لا يثبت فيها على ذاته التي نشأ عليها منذ صغره، وهذا ما نجده عند كثير من المراهقين المشوّشين في تفكيرهم وتصوّراتهم، وذلك لأنّه لم يكتمل لديهم التصوّر الحقيقي والكامل والجيّد لذواتهم.
إنّ مفهوم الذات الجيّد والصحيح والمبني على أسس صحيحة ومتينة، يمدّ الشخص باقتناع كامل عن ذاته التي نشأ بها في مختلف مراحل عمره، فيصاحبه أينما كان، ولا يتبدّل أبدا، ولو كان في وسط أناس غرباء عنه، مغايرين تماما لمعتقداته ومبادئه، وذلك لأنّ تصوره الباطني لذاته قد كمل لديه وثبت، فهو يحاول المحافظة عليه قدر استطاعته، وتطبيقه في الواقع المعاش بكلّ ما أوتي من قوّة انتباه وملاحظة، وذلك حتّى يحافظ على ذاته الحقيقية محافظة كاملة ومبادئها الأساسية رغم ما يطرأ على بيئته الخارجيّة من تغييرات.
تشبيه الذات بالخريطة. (1/11)
صفحة 12
إنّ العلماء النفسانيّون يشبّهون الذات الإنسانيّة بالخريطة التي يسير بها السائح في بلد من البلدان التي يزورها لأوّل مرّة في حياته، وهي نوع من الخرائط التي تبيّن لصاحبها من هو.
فكما أنّ خريطة البلد تبيّن للزائر أغلبيّة الخصائص التي يختصّ بها ذلك البلد من مختلف الجهات والمكوّنات، فكذلك خريطة الذات تبيّن لصاحبها من هو وما هي خصائصه التي يختصّ بها عن غيره، من مختلف التكوينات.
إنّ الخريطة الجغرافيّة تعين السائح على التجوال داخل أيّ مدينة أو بلد عبر العالم، يريد التعرّف عليه، فكذلك الخريطة النفسيّة تعين صاحبها على التجوال داخل نفسه البشريّة، والتعرّف على أسسها ومكوّناتها.
فكما أنّ ذلك البلد أو المدينة خلقها الله - عز وجل - جرداء صافية، ليس فيها شيء فجاء الإنسان إليها، وبنى فيها المباني المختلفة، وشقّ فيها الطرقات، وغرس فيها الحدائق، إلى ما هناك من متطلّبات الحياة، وربّما بنى فيها ما يضرّه، وما يتّخذه للفساد، وصوّر خريطة تبيّن كلّ ذلك، فكذلك نفس الإنسان خلقها الله - عز وجل - عبارة عن صفحة بيضاء ناصعة صافيّة، فكوّن فيها والديه ومن حوله من الأقرباء وعناصر المجتمع الذي نشأ فيه مختلف الإتّجاهات، وغرسوا فيه كثيرا من الطبائع والسلوك.
وتلك الأرض قد خلق الله - عز وجل - فيها كثيرا من الطاقات والقوى التي ينتفع بها الإنسان، إذا هو حاول بكلّ ما أوتي من قوّة وذكاء أن يكتشفها وينمّيها ويطوّرها، فيستفيد منها استفادة كبيرة وجليلة.
فالنفس الإنسانية قد أودع الله فيها من الطاقات والقوى والكنوز النفسيّة المهمّة التي تنتظر من يكتشفها ويطوّرها، حتّى تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، وهذا هو دور الوالدين والمربّين والموجّهين في مختلف الإختصاصات النفسانيّة والإجتماعيّة.
إنّ الله - عز وجل - قد أودع في الأرض قوّة الإنبات العامّة الطيّبة والخبيثة، فهي تنبث الشجر الطيّب والشجر الخبيث، سواء بسواء. (1/12)
صفحة 13
فكذلك النفس الإنسانية قد أودع الله - عز وجل - فيها القوّة للتخلّق بمختلف الأخلاق الطيّبة منها والخبيثة، ولتزرع فيها مختلف الطبائع، النافعة منها والضارّة.
قال - عز وجل - الله:
و الله أخرجكم من بطون أمّهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون. ... سورة النحل ـ آية: 78.
إنّ الخريطة الدالة على إقليم أو منطقة ما، توضح لنا دائما الأشياء أو الأحداث والمعلومات التي يمكننا أن نعثر عليها في ذلك الإقليم أو تلك المنطقة، والطريقة الوحيدة للحصول على خريطة مكتملة التفاصيل هي أن ننسخ صورة الإقليم الذي نريد التعرّف عليه بالكامل منطقة منطقة، وجزءا جزءا.
ومفهوم الإنسان عن ذاته، أو الخريطة التي رسمها لنفسه، لها نفس الغرض الذي من أجله ترسم خرائط المدن والبلدان، بمعنى أنّ نفسنا تعرّفنا بموقعنا في سلّم القيم والمبادئ السامية والعالية، بالنسبة لمن حولنا من الناس الآخرين في هذا العالم، خاصّة الفضلاء منهم، وتساعدنا على إيجاد طريقنا في هذه الحياة، وذلك حسب المعلومات التي تعلّمناها، ورسخّناها داخل خريطتنا النفسيّة، وخاصّة عندما نجد في طريق حياتنا أحداثا وتحدّيات كبيرة صعبة ومتعدّدة، فنحن نتصرّف تجاه تلك الأحداث والوقائع حسب ما رسمناه في خريطة نفوسنا من أفكار وتصوّرات ومفاهيم.
اهتمام القرآن الكريم بالذات الإنسانية.
لقد اهتمّ القرآن الكريم بالذات الإنسانيّة، وجعلها محور توجيهاته وإرشاداته، وذلك في جزءيه المكّي والمدني. (1/13)
صفحة 14
اهتمّ ببناء الإيمان في النفوس وترسيخه فيها جيّدا، وبتكوين ذوات قويّة الثقة بما عند الله - عز وجل -، ودعا إلى الاهتمام بتطهير القلوب التي هي محلّ نظر الربّ سبحانه - عز وجل -، والتي إذا صلحت صلح الجسد كلّه، فيصبح الإنسان منبع الخير لنفسه وللناس جميعا، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، فتفسد بالتبع أقواله وأفعاله فيهلك نفسه، ويهلك من حوله من خلق الله - عز وجل -.
قال - صلى الله عليه وسلم -: ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب. ... رواه البخاري.
وقد جمع الله - عز وجل - الدعوة إلى السلوك الحسن، والتحذير من السلوك السيّئ، وربط ذلك بالوعد والوعيد، والجنّة والنار، حتّى تتأثّر الذات الإنسانيّة بذلك وتتّعظ، وليحرّك فيها عاطفة الإحساس بالأمن والحذر عند الخوف، وفي نفس الوقت يكوّن فيها الثقة الكاملة في نفسها، حتّى تحيا حياة متكاملة في هذه الدنيا، وتفوز بالنعيم المقيم غدا يوم القيامة.
إنّه بكلّ ذلك يشعرها أنّها ذات مكرّمة ومفضّلة ومؤهّلة لحمل أمانة التكليف وأمانة الخلافة في هذه الأرض.
قال الله - عز وجل -: ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا
سورة الإسراء ــ آية:70.
إنّ هذه الآيات القرآنية تثير في الذات الإنسانيّة وتحرّك فيها غريزة السموّ والرقي، كي تعمل بأقصى طاقاتها، فتسمو روحها إلى أعلى الدرجات التي يريدها لها ربّها أن ترقى إليها. (1/14)
صفحة 15
لقد صحّحت علاقتها بخالقها، كي يقوّيها ويحافظ عليها صاحبها بكلّ ما أوتي من ذكاء وتفكير، وأرشده إلى كيفيّة إصلاح علاقته مع ذاته التي هي العنصر الأساسي في هذا الوجود، وبيّن له المنهاج القويم الذي إذا تمسّك به، وطبّقه في حياته، أصبحت ذاته قويّة صالحة مستقيمة فاضلة تسارع إلى فعل الخيرات، وتبتعد عن اقتراف الشرور، وتتعلّق بمكارم الأخلاق التي تصدر من النفوس الفاضلة الكاملة الأخلاق.
وكذلك الرسول محمّد - صلى الله عليه وسلم - قد أولى عناية بالغة بهذه الذات، وقد جعلها محور إصلاحاته، لأنّه يعلم جيّدا ــ بوحي من ربّه ــ أنّها أساس الحياة، فبها تصلح الحياة أو تفسد.
وفي هذا العصر عندما أعرض الناس عن إصلاح لذواتهم، وتكالبوا على المادّة، يظنّون أنّ السعادة تتوفّر بها وحدها، أصبحت حياتهم جحيما لا يطاق، لأنّ الشيطان قد كوّن فيهم الميل الكامل إلى حبّها حبّا جمّا، وجمعها بأيّة وسيلة كانت، ولم يؤمنوا بأنّ السعادة هي في تقويّة نفوسهم وإلزامها الطريق المستقيم، وتكوين ذواتهم تكوينا صحيحا.
إنّ هذه الحالة التي كوّنها الإنسان لنفسه على مرّ الزمان، أظهرت وسائط متعدّدة تحول بينه وبين تكوين ذاته تكوينا حقيقيّا باستمرار.
هذه الوسائط التي أصبحت تصف نفسها بأنّها مخلّصات، تخلّصه من التخبّط في الطريق ومن الضلال والخسران، وتوفّر له حياة سعيدة، في حين أنّها ليست إلاّ أوهاما، أصبحت حقائق مزيّفة على مرّ الزمان، والحقيقة الصحيحة أنّ السعادة الكاملة لا تنبع إلاّ من داخل الذات، إذا كانت صالحة ومستقيمة.
إنّ تلك الوسائط تتحمّل اليوم وزر ما يحدث للذات الإنسانية من انحراف عن الطريق القويم، ومن اتّباع للطرق التي لا تزيدها إلاّ تدبدبا في تصوّرها، وعدم تكوينها تكوينا جيّدا وصحيحا.
قال الله - عز وجل -: (1/15)
صفحة 16
وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذالكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون. ... سورة الأنعام ــ آية: 153.
وعلى مرّ الأيّام والأزمان أصبحت كلّ واحدة من هذه الوسائط تتّهم الأخرى بأنّها خاطئة، وأنّها هي الوسيط الصحيح دون الآخر، وبهذا الإدّعاء تضع نفسها هي النموذج المثالي والصالح والقويّ لتكوين الذات الصالحة المستقيمة، وأنّها هي وحدها المفتاح السحري الذي يهب الإنسان كلّ كمالاته ومقوّماته.
وهذه الوسائط كثيرة ومتعدّدة عبر التاريخ مثل: الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية، وغيرها من الإيديولوجيات الكثيرة التي لا تعدّ ولا تحصى، وكلّها تريد أن توجّه الذات الإنسانية الوجهة التي تريدها.
وقد ظهر ضعف هذه الوسائط، وتبيّن عدم ثباتها، وذلك لما وقع لها من الإضطراب والتغيير عبر التاريخ الواقعي، والبعض منها قد انقطع تماما عن الوجود، ولم يبق له أتباع يؤيّدونه أو يدعون إليه.
و الله - عز وجل - خالق هذا الإنسان يعلم وحده ما يصلح له، وما يجعل ذاته مستقيمة ثابتة طيّبة، وما يوفّر لها ثقتها وطمأنينتها في هذه الحياة، لذلك أنزل لها دستورها، وأرسل إليها من يرشدها ويبيّن لها طريق نجاحها وفلاحها.
قال الله - عز وجل -:
ولوانّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشدّ تثبيتا وإذن لآتيناهم من لدنّا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما.
سورة النساء ــ آية:66ـ 67ـ 68.
إنّ هذا الوسيط يعتبر أكبر عائق يحول بين الإنسان وبين معرفة ذاته، لأنّه يضع فيه الثقة المطلقة، ويعتبره حسب تصوّره واعتقاده هو الحكم الحقّ الذي لا يكذب ولا يخون في إعطائه الصورة الحقّيقيّة لذاته. (1/16)
صفحة 17
إنّ كلّ إنسان قد اعتاد أن يقيم لنفسه وسيطا يزن به ذاته ويقارنها بمن حوله من الناس، ويحاول دائما وأبدا أن يعرّفها بواسطته، ويجعله دائما هو المرجع الأوّل والأخير في ذلك، وهذا الوسيط أو الحكم ربّما يكون مذهبا فكريّا، أو عقائديّا معيّنا يستلهم منه حكمه، ويتأثر برغائبه وميولاته التي يميل إليها في هذه الحياة.
إنّه غالبا ما يجعل هذه الرغائب والمذاهب نموذجه الأعلى والوحيد في تحديد معرفته للأشياء من حوله في هذا العالم الذي يعيش فيه، ويجعلها الميزان الذي يزن به القضايا الحادثة في هذا الوجود من أحداث ووقائع ومستجدّات.
إنّه هو الذي يحدّد له المبادئ والآراء التي يجب عليه أن يعتنقها، والأخلاق التي يجب عليه أن يتّبعها في معاملاته اليومية، والتي ينكرها، والبرامج التي يجب أن يسير عليها حتّى يحقّق النجاح الذي يبحث عنه في حياته.
ويمكن أن نفسّر هذا الوسيط الذي يتحكّم ويوجّه الذات الإنسانيّة لكلّ شخص بالعقائد السماوية والأديان المختلفة، إسلامية ونصرانية ويهودية وغيرها من الأديان الكثيرة، الموجودة عبر العالم، أو المذاهب المختلفة داخل الدين الواحد.
وكلّ من يتّبع هذا الدين أو ذاك، أو ذلك المذهب يكون له بمثابة الوسيط الذي يتحكّم إليه في كلّ ما يقوم به في حياته اليوميّة الواقعية.
ولا أدلّ على ذلك من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
عن معاوية بن أبي سفيان ــ - رضي الله عنه - ــ قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة.
زاد في رواية: وإنّه سيخرج في أمّتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلاّ دخله.
رواه أبو داود وأحمد. (1/17)
صفحة 18
لماذا يا ترى تعتقد كلّ واحدة منها أنّها تلك الناجية، وهي التي يقصدها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ذلك لأنّ كلّ واحدة منها تعتقد أنّ الوسيط الذي تتحكّم إليه هو الصحيح وهو الصواب والعدل، وتثق فيه الثقة العمياء.
بل إنّ تأثير هذا الوسيط يتجاوز الذات الداخليّة للشخص إلى التدخّل في تعريف ذوات الآخرين، الذين يتعاشر معهم في مجتمعه، أو المجتمعات الأخرى التي له بها اتصال بها، من أجل قضاء مصالحه وأعماله.
فبواسطة هذا الوسيط يعرّف ذوات الآخرين من حوله، ويقيّمهم التقييم الذي يراه، ويعتبره هو الصحيح بالنسبة له، وبناء على كلّ ذلك يصدر لائحة القوانين والأحكام التي يرى أنّه يجب على ذاته أن تتّبعها نحوهم، ويفرضها فرضا واجبا، بل ويعاقبها معنويّا عند مخالفتها لتلك اللائحة، ويتهدّدها بالويل إذا ما خرجت عن تلك القائمة المحدّدة لها، والتي هي مقدّسة واجبة التطبيق.
وفي الدين الإسلامي، فإنّ الوسيط أو اللائحة التي يثق فيه المسلم الثقة الكاملة والمطلقة في تحديد ذاته وبناء خريطة سيرها في الحياة هو القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة.
قال - صلى الله عليه وسلم -: تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنّني.
التعرّف على الذات. (1/18)
صفحة 19
إنّ تعرّفنا على ذواتنا يساعدنا على اجتناب كثير من المشاكل، ومعرفة الحلول السهلة التي نصل بها إلى الأهداف التي نريد الوصول إليها، إذا تعرّضنا لمشكل من مشاكل الحياة وما أكثرها خاصّة في هذا العصر الذي صعبت فيه الحياة، فإذا كنّا قد كوّنا لأنفسنا مبادئ وأسس إيجابيّة، فإنّنا سنقابل مشاكل الحياة ومصاعبها بكلّ شجاعة وثبات، وسنسير في طريقنا بكلّ جدّ ونشاط ومثابرة، معتقدين ـ كما سجّلناه في تصوّرنا ـ بأنّنا سننجح ونتغلّب على كلّ العراقيل التي تعترض طريقنا، فنحقّق بذالك التصوّر الناجح الذي نتمنّاه ونرمي إلى تحقيقه في هذه الحياة، لأنّ تلك الخريطة الجيّدة والحسنة والإيجابيّة التي رسمناها لذواتنا ستدلّنا على الطريق الصحيح للوصول إلى تلك الحلول والأهداف.
أمّا إذا كنّا قد رسمنا لذواتنا خريطة سلبيّة سيّئة مبنيّة على التشاؤم والإحباط، بحيث سجّلنا فيها ملاحظات بأنّنا ضعفاء لا نصلح لشيء، وأنّنا جبناء لا نستطيع المقاومة، فإنّ ذلك التصوّر السيّئ يجب علينا وجوبا أن نقاومه ونبعده تماما عن خريطة ذواتنا، لأنّ تلك التسجيلات ستكون عائقا كبيرا في طريق تقدّمنا إلى تحقيق النجاح، وصعودنا في درجات التفوّق، والوصول إلى أحلامنا الجبّارة التي نحلم بها ونتمنّى تحقيقها في الواقع.
إنّه حسب معرفة الشخص لذاته وتعرّفه عليها بكلّ موضوعيّة، سيسلك طريقه في حياته، لأنّه بذلك يكون قد كوّن لنفسه صورة حسب ما اكتسبت من مهارات، وحقّقت من نجاحات، وحسب العبارات المتعدّدة التي سمعها من والديه، أو المربّين الذين كان لهم الأثر البالغ في نفسه. (1/19)
صفحة 20
لذلك ينصح العلماء التربويّون الأولياء والمربّين أن يكوّنوا للجيل الصاعد تصوّرات قويّة وسليمة لذواتهم، ويعرّفوهم بها تعريفا جيّدا صحيحا، ويرسموا لهم الخريطة الكاملة والصحيحة التي تعبّر لهم عن حقيقتها، لأنّها هي الوسيلة الوحيدة والأساسيّة لقطع مراحل حياتهم المختلفة، وبها يستطيعون السير بخطى ثابتة، ويتمكّنوا من التفوّق والنجاح، وذلك بإخبارهم بمختلف الطاقات الفطريّة التي يمتلكونها داخل ذواتهم، واستثمارها واستغلالها في المجال الصحيح والمنتج، حتّى تصبح سلوكا قويما واقعيّا يعيشون به طول حياتهم.
إنّه لمّا كان أغلبيّة الناس في هذه الحياة يرسمون لذواتهم خرائط دائما ما تكون غاية في البساطة، وغالبا ما تكون خاطئة، وما ذلك إلاّ لأنّهم ينظرون إلى هذه الحياة نظرة معقّدة سلبيّة، وأنّهم غير محظوظين فيها، ولا يملكون الطاقات اللازمة لقطعها في ثقة وثبات، وأنّ القدر هو الذي شاء لهم أن يكونوا على تلك الحالة من الضعف، فأصبحوا لا يحاولون، ولا يغامرون، ولا يريدون تغيير ذواتهم، فلم يطوّروا طاقاتهم ومهاراتهم، ولم ينمّوها، وبقوا في أسفل السلّم، ولم يستطيعوا التقدّم في ميادين الحياة، وما ذلك إلاّ بسبب الخريطة الخاطئة والغير الصحيحة التي كوّنوها لذواتهم.
يقول العالم البولندي. {ألفرد}:
إنّ الخريطة النفسيّة هي إدراكك لذاتك، بينما المنطقة التي تطبّق فيها معالم تلك الخريطة هي الحياة.
ويقول كذلك:
إنّ الواقع المؤكّد كليّا أنّ ما يفعله الناس هو حصيلة أو نتيجة لقيمهم ومعتقداتهم وتجاربهم المتراكمة حتّى تاريخ ما من أعمارهم (أي اليوم الذي قاموا فيه بذلك العمل)، كما أنّ تلك المعرفة هي أساس سلوكهم.
وبمعنى آخر: أنّ تلك المعتقدات والتجارب المتراكمة هي التي بنت ذواتهم التي يتصرّفون بها في واقع حياتهم كلّ يوم وكلّ لحظة. (1/20)
صفحة 21
إنّنا لا نستطيع أن نجزم بالكليّة أنّ تلك الذوات التي كوّنوها لأنفسهم هي ثابتة، ولا يقدرون على تبديلها أو تغييرها، وأنّ هذا التغيير شيء مستحيل، لأنّه يوجد في التاريخ الشخصي الماضي لكلّ شخص كافّة المصادر التي يحتاجها لإحداث ذلك التغيير.
بل إنّ الإنسان في حالة تغيير دائمة، وذلك بما يضيفه إلى معارفه ومهاراته من معلومات ومهارات جديدة، لم يكن قد تعلّمها من قبل، أو استبدال بعض منها بآخر.
مرحلة تكوّن الذات.
إنّ الأنا النفساني هو أوّل مراحل تكوّن الذات الإنسانيّة وشخصيّته التي سيعيش بها في مختلف مراحل عمره في هذه الحياة، إذا كتب الله - عز وجل - له أن يعيش العمر المديد.
وهذه الإنيّة (بداية تكوين الذات)، لا تتكوّن تكوّنا كاملا وناضجا إلاّ في مراحل متأخّرة من مراحل الطفولة، وإذا كان الطفل قادرا في مرحلة عمره المبكّرة على تمييز كيانه الجسدي من بين بقيّة أشياء العالم الخارجي، فإنّ تجريد كيانه النفسي (ذاته) وشعوره بحياة باطنيّة مستقلّة يتأثّر إلى حدّ كبير بنموّه الاجتماعي.
ومن الملاحظ أنّ الطفل في سنواته الأولى لا يميّز بين أفكاره ومشاعره ورغباته، وبين الألفاظ الدالة عليها، فهو يعتقد أنّ اللسان هو أداة التفكير، وما أن تنشأ الرغبة، أو الفكرة في نفسه، حتّى يعبّر عنها بلسانه أو بحركاته.
إنّه يظنّ أنّ خيالاته وأحلامه حقيقة ملموسة، يستطيع أن يشاهدها كلّ من معه في البيت، وأنّ أفكاره يمكن أن يقرأها الناس من حوله ويشاهدوها كما يشاهدون جسمه وأطرافه، فهو لا يؤمن بوجود سريرة يمكن إخفاؤها، ولذا يكون سريع الإقرار بكلّ شيء يدور في خلده.
والمثل العامي يقول:
أخبارهم عند صغارهم. (1/21)
صفحة 22
إنّه يعتقد أنّ القيم التي نضفيها على الأشياء مشتقّة من طبيعتها، فوصفه للأشياء بأنّها جميلة أو قبيحة مثل وصفها بأنّها بيضاء أو سوداء، حارّة أو باردة، سواء بسواء، كلّها ينسبها إلى ذات الأشياء، وأنّها نابعة من تلك الأشياء نفسها، وليست نابعة من تمييزه وتقديره لها، أو حكمه عليها بأنّها كذلك، أي لا يحكم عليها من تقييم نفسه أو تصوّره لها، لأنّه يعتقد أنّها تتعلّق بطبيعة الشيء أكثر ممّا تتعلّق بحاجاته وحالاته النفسيّة ومتطلّباته اليوميّة التي يشعر بها.
إنّنا نستطيع أن نحكم عليه ونقول بأنّ عالمه الفكري ومشاعره في سنّه المبكّرة ممتزج بعالم الأشياء ومتداخل فيه.
إنّ الطفل يخرج من هذه الوجوديّة وهذا الإعتقاد الساذج بعد تقدّمه في مراحل عمره المختلفة، وذلك بفضل التجارب المختلفة التي يعيشها في مراحل حياته. منها:
ــ أنّه يشعر على مرّ الأعوام أنّ لجسده امتدادا، أي يشغل حيّزا أو فراغا مادّيا في المكان، أمّا رغائبه فلا امتداد لها، ولا وجود لها في الحيّز المكاني، فهو لا يرى ولا يشاهد فرحه وحزنه، كما يشاهد جسمه، أو الطاولة الماثلة أمام عينيه.
ــ أنّه يتوصّل ويدرك أنّ مشاعره ليست ثابتة ثبوت الأشياء المادّية، فهي دائمة التغيير بين لحظة وأخرى، وأنّ نفسه تتحوّل بسرعة من رغبة إلى أخرى، وقد ترغب في شيء ثمّ تنفر منه بعد لحظة قصيرة من الزمن. (1/22)
صفحة 23
ــ إنّ هذا الشعور يظلّ ينمو وينضج ويتكامل مع تطوّر قواه الفكريّة والعقليّة، ومع زيادة فهمه لهذا العالم، وتمييزه له أكثر وأكثر، وبعد ذلك يشعر أنّه قادر على تكوين أفكاره الخاصّة به (الذات المستقلّة)، ويصبح قادرا على اختزان بعض الحقائق التي لا يستطيع أن يطّلع عليها غيره، وتتكوّن لديه التصوّرات والأفكار الخاصّة به، والتي سيعيش بها في مستقبل أيّامه، سواء الإيجابيّة منها أو السلبيّة، وفي هذه الفترة نجد أنّه يلجأ إلى الكذب والمراوغة، وإلى اختلاق الأعذار الواهية بأنّه مريض، وهو ليس كذلك في الواقع، وبأنّه متعب، وهو لا يشعر بشيء من التعب، وهذا دليل على أنّه قد اكتشف عالمه الداخلي الذي يستطيع أن يملأه بأسراره الخاصّة وخباياه التي لا يريد أن يطّلع عليها أحد غيره.
تكوين ذات سويّة.
إنّ كلّ شخص في هذا العالم هو نسيج وحده، لذلك فليغبط كلّ إنسان نفسه وليحمد ربّه على هذه القوى العجيبة الكامنة فيه، والتي وهبها له ربّه.
و الله - عز وجل - قد غمر كلّ واحد منّا في هذا الكون بطاقات فريدة من نوعها، وميّزه بقوى متعدّدة، فكريّة وجسميّة وروحيّة وعاطفيّة، وهي لا تنتظر إلاّ الإرادة القويّة والحقيقية من صاحبها ليستغلّها أحسن استغلال، فعلى كلّ مخلوق بشري في هذا الكون أن يعمل جاهدا بكلّ ما أوتي من قوّة وإرادة كي يستغلّها الاستغلال الجيّد، وينمّيها التنميّة الصحيحة اللازمة لها، ويوجّهها التوجيه الحسن، ويحاول أن يستفيد منها قدر الإمكان خاصّة في المراحل الأولى من العمر، حتّى ترجع عليه بالخير العميم والفائدة الكبيرة، فيحقّق الخلافة التي أرادها الله - عز وجل - منه على وجه هذه الأرض.
قال الله - عز وجل -:
وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة. ... سورة البقرة ـ آية:30. (1/23)
صفحة 24
إنّ استغلال كلّ إنسان لهذه الطاقات والمواهب العقليّة والجسميّة المتنوّعة في سبيل تحقيق الخير لنفسه ولأعضاء مجتمعه من حوله، يعتبر من قبيل الشكر للمولى عزّ وجلّ الذي وهب له تلك النعم.
وإنّ الركون إلى الكسل، وعدم استغلالها فيما سخّرها الله - عز وجل - واللجوء إلى اليأس والتشاؤم يعتبر من قبيل الجحود، وعدم الإعتراف بها.
قال - عز وجل - الله:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.
سورة لقمان ــ آية: 20.
وقال الله - عز وجل -:
وإن تعدّوا نعمة لا تحصوها إنّ الإنسان لظلوم كفّار. ... سورة إبراهيم ــآية:34.
وقال الله - عز وجل -:
وإذ تأذّن ربّكم لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد. سورة إبراهيم ــ آية: 07.
إنّ هذه النعم التي قصدها ربّنا - عز وجل - في هذه الآيات لا تقتصر على النعم الماديّة والكونيّة فقط، بل تشمل أوّلا وقبل كلّ شيء النعم التي هي داخل نفوسنا وأجسامنا من قوى عقليّة وفكريّة، بل حتّى الذات الجسميّة والروحيّة التي نحيا بها في هذه الحياة، فسبحان الله خالقنا، والذي وهب لنا كلّ هذه القوى.
وشكرها يكون باستغلالها فيما هو نافع لنا وللناس جميعا، وقد اكتشف العلماء أنّ زيادتها وتقويّتها وتنميّتها يكون باستعمالها أكثر وأكثر، فقد صدق ربّنا - عز وجل -، فشكرها يكون باستعمالها، واستعمالها هو سبب زيادتها.
فالله - عز وجل - قد خلق كلّ واحد منّا في هذا الكون، وجعله معجزة لا مثيل لها.
فليقلها كلّ واحد منّا بكلّ قوّة، ويتيقّن جيّدا بأنّه معجزة لا نظير لها، ويعتقد ذلك في نفسه بكلّ ثقة، لأنّه سيجد أثر ذلك في واقعه الذي يعيشه، وسيترك ذلك في النفس آثارا إيجابيّة، وإرادة قويّة لاستغلال الطاقات المتعدّدة، والتقدّم بخطى ثابتة في طريق النجاح والتفوّق، وذلك ممّا سيزيد الثقة والطمأنينة في سبيل التقدّم والنجاح في الحياة، فما علينا إلاّ أن نوظّف تلك القوى في مختلف نواحي حياتنا. (1/24)
صفحة 25
قلها بكلّ قوّة، وبكلّ ثقة: أنا أفضل وأكبر ممّا كنت أعتقد في ذاتي من قبل.
إنّ ربّي قد وهب لي طاقات وقوى متعدّدة ومختلفة، فلماذا لا أستغلّها؟
ماذا أنتظر؟ إنّ الحياة تسير وإنّ العمر ينقص فعليّ أن أبدأ الآن، نعم الآن.
هذا هو شعار الثقة بالنفس، وهذا هو طريق تكوين ذات قوّية شجاعة وسويّة.
وهذا ما يزيد من تقويّة الناحية الإيجابيّة في نفسك فتتقدّم بسرعة وبثبات.
إنّ الشخص الذي ينظر إلى ذاته من هذه الناحية الإيجابيّة الحسنة يكتسب ذاتا قويّة، ممّا يجعله يثبت في طريق حياته، ويحيا حياة طيّبة مملوءة بالتفاؤل وتحقيق كثير من الآمال التي كان يأمل الوصول إليها في ميدان الحياة، ويحقّق نجاحات باهرة ومتعدّدة، والعلماء يؤكّدون أنّ كلّ نجاح يحقّقه الشخص يزيد له من قوّة ثقته في نفسه، ويضاعف له من قوّة إرادته، و أعماله ممّا يجعله يحقّق نجاحا تلو الآخر.
والعكس فكثيرا من الناس قد كوّنوا لأنفسهم ذواتا سلبيّة ضعيفة تتمنّى تحقيق هدف في الحياة، ولكنّها تهاب من الخطوة الأولى في ميدان العمل، ولذلك لا تتقدّم ولا تحقّق هدفا، وتبقى في أسفل السلّم لأنّها قد بنيت على أساس من الإعتقادات السلبيّة الخاطئة، وأنّها لا تملك طاقات كافيّة وقوّة لازمة لقطع طريق النجاح في الحياة، وصعود سلّم التفوّق إلى أعلى الدرجات، فيبقى أصحابها في أسفل السلّم، يندبون حظّهم السيّئ الذي بنوه لأنفسهم بأنفسهم، فأصبحت تلك النظرة السلبيّة عائقا لهم عن العمل والتقدّم، وتحقيق الأمل، وأغلقت أمامهم أبواب التفاؤل التي تعتبر العامل الأساسي في تحقيق الأهداف في هذه الحياة.
فعلى كلّ شخص أن يعلم ويتيقّن أنّه قد تمّ قبوله في هذه الحياة قبل أن يخرج من بطن أمّه. (1/25)
صفحة 26
وعليه أن يؤمن الإيمان القويّ والراسخ بهذه المقولة، لأنّ الله - عز وجل - قد اختاره أن يكون من الجنس البشري المكرّم والمفضّل، ومن ولد آدم قبل أن يخلق هذا الكون، وقد بيّن الله - عز وجل - لنا هذه الحقيقة في القرآن الكريم.
قال الله - عز وجل -:
ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا. ... سورة الإسراء ــ آية:70.
لقد فضّل الله سبحانه هذا الإنسان بأن وهب له هذه القوى المتعدّدة والمختلفة، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وسخّر له ما في الجوّ والبحر، وكلّ ذلك مخلوق لأجله ومن أجله، ليضمن له الحياة السعيدة على وجه هذه الأرض.
قال الله - عز وجل -:
الله الذي سخّر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلّكم تشكرون وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون
سورة الجاثية ــ آية: 12ـ13.
لقد خرج كلّ فرد من بطن أمّه إلى هذه الوجود، فوجد كلّ أنواع الخير مهيّأة بين يديه ومطواعة له ولخبراته ولطاقاته، يسخّر الأشياء لمهارته كما يشاء، وكيف يريد، فما عليه إلاّ أن يشمّر عن ساعد الجدّ والعمل ليحقّق كلّ هدف يتمنّاه في هذه الحياة، ويبلغ الدرجات التي يصبو إلى الوصول إليها، وذلك لا يتحقّق باليأس والتشاؤم والنظرة السلبيّة نحو نفسه، بل يتحقّق بالأمل والتفاؤل مقرونا بالجدّ والعمل. (1/26)
صفحة 27
هكذا شاء الله وأراد أن يكون هذا الإنسان في هذا الوجود، مكرّما مفضّلا، ولكن يجب عليه أن يعمل ويجدّ ويجتهد في سبيل تحقيق الخير لنفسه ولغيره من بني جنسه، حتّى يحقّق تلك الكرامة حقّا كما يريدها ربّنا - عز وجل - منه، ويثبّت ذاته السويّة المعتدلة الراقيّة التي أرادها ربّه أن يكون عليها، وقد أسجد له ملائكته المكرّمين من أجل كرامة هذه الروح التي يحملها بين جنبيه، وإذا لم يعمل على المحافظة على هذا التكريم وهذا التفضيل فقد خالف رغبة ربّه فيه.
لقد تمّ قبول كلّ شخص في هذا الوجود حتّى قبل زواج والديه، وجعله الله - عز وجل - الثمرة الطيّبة لذلك الزواج المبارك، {إنّ هذا لهو الفضل المبين}، فعلى كلّ إنسان جاء إلى هذا الكون أن يعلم أنّه نتاج طيّب لهذه الأسرة الكريمة، أبا عن جدّ حتّى يصل نسبه إلى جدّه الأول، آدم عليه السلام.
وعليه أن يعلم أنّ ربّه قد خلقه في أحسن صورة، وأنشأه في أحسن تقويم.
قال الله - عز وجل -:
يأيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدّلك في أيّ صورة ما شاء ركّبك.
سورة الإنفطار ــ آية:6ـ7ـ8.
سوّاه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، تكريما له وتشريفا، حتّى يكون من أفضل خلقه، إذا هو عرف قيمة نفسه، ورفع من شأنها، وأقامها في الدرجة التي أرادها خالقها وبارئها.
قال الله - عز وجل -:
إذ قال ربّك للملائكة إنّي خالق بشرا من طين فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
سورة ص ــ آية:71ـ72.
وإذا كان الله - عز وجل - قد أولى لهذا المخلوق كلّ هذه القيمة، واعتنى به كلّ هذه العناية، فيجب عليه هو كذلك أن يعرف قدر نفسه، ويولّيها الإهتمام اللازم ويرفع من قيمتها، وهذا لا يكون إلاّ بتنميّة طاقاته التي وهبها له، واستغلال مواهبه التي رزقها إيّاه في الطريق السليم.
إنّ كلّ إنسان في هذا الكون معجزة فريدة من نوعها، ولا مثيل لها. (1/27)
صفحة 28
فربّنا - عز وجل - لا ينتظر منّا إلاّ تحقيق الرسالة التي خلقنا من أجلها في هذا الكون، وأن نتحمّل الأمانة بكلّ ثقة وبكامل القوى التي أعطانا.
ــ فتبارك الله أحسن الخالقين ــ.
تكوّن الذات بالتأثيرات الإجتماعية.
إنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، لا يستطيع أن يعيش وحده مهما اكتسب من قوّة أو حكمة أو مال، فهو يجد نفسه دائما وأبدا في غمار الظواهر الإجتماعية المختلفة التي تكتنفه من كلّ جوانبه، وتؤثّر فيه تأثيرا مباشرا، شاء ذلك أم أبى، فتكوّن له ذاته وشخصيّته.
إنّه باحتكاك الولد بأترابه، واتساع شبكة علاقاته بالآخرين يزيد نماء شخصيته وذاته الإجتماعية، إذ تقدّم له نماذج من السلوك، فيجد نفسه مجبرا ومرغما على محاكاتها وتمثيلها، وذلك بدافع من التقليد، وبدافع من توجيه والديه، وربّما إرغامه على تطبيق ذلك في واقع حياته، وأحيانا كثيرة يكون ذلك بسبب الخوف من الآخرين من أعضاء مجتمعه، وكلّ ذلك له الأثر البالغ في تكوين ذاته وشخصيّته الخاصّة به.
إنّه يعتقد ويقتنع أنّ الكمال أو المهارة أو الكفاءة توجد في النمادج التي يعايشها مع والديه وإخوته وأخواته وأصدقائه داخل المجتمع، والتي يعتقد أنّه يجب عليه وجوبا أن يقلّدها ويطبّقها، حتّى يحقّق لنفسه مكانة في مجتمعه، ولا يكون مرفوضا من طرف أعضائه.
ـ مقاومة الآخرين لرغباته ـ
إنّ الطفل يشعر شيئا فشيئا، وعلى مرور الزمن، أنّه أصبح غير مدلّل كما كان من قبل، وأنّ طلباته الجامحة تكبح الواحدة تلو الأخرى، ويشعر بأنّ رغباته التوسّعية تلقى القمع، ولا تلبّى كاملة كما كانت تلبّى من قبل، سواء من أعضاء الأسرة، أو عناصر المجتمع، وبذلك يكتسب الطفل شعورا بأنّه ليس وحده عنصر اهتمام في الأسرة، أو في المجتمع الواسع، وليس وحده محور تركيز خاص من طرف الآخرين، خاصّة إذا جاء إلى الأسرة مولود جديد بعد فترة قصيرة من مجيئه هو. (1/28)
صفحة 29
إنّه يبدأ بالشعور بأنّ هناك حدودا للآخرين يجب عليه أن يحترمها، ولا يتجاوزها، وهذه الحدود ترسم له على مرور الزمن، ويقتنع بها بالتدريج، فيمتلك من ذلك شعورا بأنّ شخصيّته ورغباته لها حدود في إطار علاقاته الإجتماعية المعيّنة.
ـ كلّ مولود يولد على الفطرة.
وقد أجمع علماء التربية والأخلاق أنّ الطفل يولد على الفطرة، فطرة التوحيد وحقيقة الإيمان بالله - عز وجل -، وعلى أصالة الطهر والبراءة، بمعنى أنّ ذاته تكون صفحة بيضاء سليمة ونظيفة، وتتكوّن لديه شخصيّة فاضلة إذا وجد الجوّ الأسري والإجتماعي الملائم، الذي يوجّهه الوجهة الصحيحة، وإذا تهيّأت له التربيّة المنزليّة والإجتماعيّة السليمة والفاضلة الواعية، ووجد الظروف التي تعينه على ذلك، من تقليد وتربيّة وتعليم.
قال الله - عز وجل -:
فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
سورة الروم ـ آية: 30.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه. ... رواه البخاري.
والولد نعمة وأمانة يهبها الله - عز وجل - لأهله، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، وذاته الصافيّة صفحة بيضاء، يكتبون ويخطّون فيها ما يشاؤون، باللون الذي يريدون، فإذا ما أرشده أهله وذووه ومربّوه إلى الخير والصلاح، وعلّموه إياه، نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وفرحوا به، وأصبح لهم قرّة عين في الدنيا والآخرة، لأنّه تتكوّن لديه ذات فاضلة راقيّة طاهرة، تجلب الخير لنفسها وللناس أجمعين.
ولكن إذا أهمل إهمال البهائم، وترك حبله على غاربه، واقتدى بالقدوة السيّئة المنحرفة، فإنّه تتكوّن لديه ذات مظلمة منحطّة، فيشقى هو بأخلاقه، ويتعب من حوله من عناصر مجتمعه.
ولا شكّ أنّ الطفل الصغير إذا نشأ في محيط منحرف، وعاش في بيئة ضالّة، وخالط جماعة فاسدة الأخلاق، فإنّه تتكوّن لديه ذات سيّئة الأخلاق. (1/29)
صفحة 30
قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان منّا ... على ما كان عوّده أبوه.
وما دان الفتى بحجى ولكن ... يعوّده التديّن أقربوه.
ومن هنا نستنتج أنّ الذات الإنسانيّة الفاضلة المؤدّبة، والشخصيّة المتوازنة لا تتكوّن لدى الشخص إلاّ بتعب من حوله، والمداومة على توجيهه وتربيّته ومراقبته.
إنّه يجب أن يكوّن المربّون لدى الصغار الذين هم تحت رعايتهم رؤى إيجابيّة إلى الحياة، ويرشدوهم إلى تحمّل متاعبها ومشاكلها بنفس راضيّة مطمئنّة، غير متذمّرة ولا قلقة، ولا يكثرون من التذمّر والشكاية أمامهم، حتّى تتكوّن لذيهم الخريطة الصحيحة والقويمة والواضحة لذواتهم، التي سيقطعون بها أمواج هذه الحياة الصعبة والقويّة، فيسعدوا بأنفسهم، ويسعد بهم أهلوهم وذووهم ومجتمعهم، ويكونوا أداة بناء وإصلاح، لا معول هدم وإفساد.
عليهم أن يعلموا جيّدا صعوبة وخطورة هذه المسؤولية، وأبعاد هذا الواجب الذي يجب عليهم وجوبا أن يؤدّوه نحو هذه الأمانة التي أعطاهم الله إيّاها، وماذا يجب عليهم أن يسجّلوه في تلك الصفحة البيضاء من برامج جيّدة ونافعة لمستقبلهم.
فعليهم أن يبنوا شخصيّاتهم على الإيمان بالله - عز وجل - فاطر السماوات والأرض، ويعلّموهم ويرسّخوا في أدهانهم أنّ ربّهم قد خلقهم لمسؤوليّة عظيمة وجليلة في هذه الحياة، ولم يخلقهم عبثا للهو واللعب فقط، وأنّه يجب عليهم أن يتحمّلوا تلك الأمانة بكلّ إخلاص، ويؤدّوا واجبهم نحو ربّهم، ونحو إخوانهم، ونحو مجتمعهم ووطنهم.
هذه الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، ولكن الإنسان قد حملها فعليه أن يؤدّيها بكلّ إخلاص ونيّة صادقة، وبكلّ إتقان وتضحيّة.
قال الله - عز وجل -:
أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون.
سورة المؤمنون ــ آية:115. (1/30)
صفحة 31
إنّه يحسن بهم أن يتدرّجوا معهم شيئا فشيئا، خطوة خطوة، وبكلّ إقناع وتوجيه، وأن يكونوا لهم القدوة الحسنة في كلّ ذلك، حتّى يصلوا إلى تطبيق ذلك بكلّ اقتناع وحجة وبرهان، فيقتنع الولد بالأدلّة الثابتة التي تبني له أساس ذاته الراسخة ومبادئها الأساسية، فلا تستطيع معاول الهدم أن تنال من شخصيّته المقتنعة والعامرة بكلّ ذلك، ولا أن تغيّر له وجهته الصحيحة نحو الحياة، المؤسّسة على تقوى من الله ورضوان، ولا يمكن لدعاة السوء أن يؤثّروا على عقله الناضج، ولا أن يزعزعوا نفسيّته المؤمنة المتيقّنة بصحّة كلّ ما تلقّته، ولما وصل إليه من كمال الإيمان ورسوخه، ومن قناعة كاملة ويقين.
إنّ الإنسان لا تولد معه صورة ذاته، بل يكتسبها بالتدريج في مختلف مراحل عمره، إنّها تتشكّل من خلال معتقداته التي يتلقّاها ممّن حوله في مختلف المجالات والاتجاهات، ونتيجة لذلك يكوّن صورة لنفسه، من هو، ومن يكون، وإلى أيّ دين وعقيدة ينتمي، ومن هم آباؤه وأجداده، وغير ذلك من مصادر التصوّرات المختلفة، مثل الوالدين، والمدرسة، والأصدقاء، والإعلام، أو من داخل نفسه هو كذلك.
يقول هلمستتر:
{إنّ ما تضعه في ذهنك، سواء كان إيجابيّا أو سلبيّا، ستجنيه في النهاية}.
إنّ كلّ إنسان يصنع ذاته على أساس الأفكار التي تشكّلت لديه ممّن حوله، وممّا حوله، ثمّ يتدرّج شيئا فشيئا، فتؤثّر في ذاته تلك التجارب التي مرّ عليها فيما مضى من حياته، من نجاحات أو إخفاقات وقع فيها، وكذلك الكيفيّة التي كان يحكمه بها الأشخاص المهيمنون عليه، والمعرفة المكتسبة على مرّ الأيام.
فعلى الوالدين وهما أقرب الناس إليه، وأحبّ الأشخاص المهمّين لديه أن يكوّنوا فيه ذاتا إيجابيّة قويّة وثابتة، فلا يكثروا من الألفاظ التي تضعف أو تحطّم ذاته. مثل: أنت كسلان كبيرـ أنت غبيّ لا تليق لشيء ــ أنت متهاون ــ أنت غير منظّم ــ لأنّه بذلك تتكوّن له ذواتا ضعيفة سلبيّة. (1/31)
صفحة 32
وقد درس العلماء وقارنوا حياة شخص عادي، وكيف يتأثر تكوّن ذاته بمثل هذه العبارات والألفاظ التي تكوّن فيه ذاتا سلبيّة.
فقال الدكتور (تشاد هلمستتر):
إنّه في خلال 18سنة الأولى من عمر شخص يعيشها في أسرة يتعامل أفرادها فيما بينهم بألفاظ إيجابيّة تشجيعيّة، فإنّه يسمع كلمة ـ لا ـ أكثر من 140ألف مرّة.
وكلمة ـ لاـ هي كما نعلم كلمة سلبيّة تبعث الفشل، وتكوّن الكسل والتأخّر في ذات الذي يسمعها كثيرا من قبل الأشخاص الذين يتعاملون معه ـ لا تعمل كذا ـ ولا تقل كذا ـ هذه الجمل وغيرها من هذا النوع هي التي تكوّن فيه تصوّرا سلبيّا بأنّه لا يستطيع فعل كذا أو لا يقدر على تحقيق النجاح في الميدان الفلاني.
أو عبارات مثل ـ لماذا قمت بهذا الشيء على هذا النحو، أو بهذه الكيفيّة، لماذا لم تقم به على هذا النحوـ كلّ ذلك ممّا يكوّن له الشكّ في ذاته فيعتقد أنّه غير كفء في إنجاز مثل تلك الأعمال، أو القيام بمثل تلك المهام.
ومن المؤسف جدّا أنّ سماع الكلمات الإيجابية التي تكوّن الثقة في النفس وتبعث فيها الجدّ والنشاط والعمل والمثابرة والصبر من نفس الأشخاص قليلة جدّا جدّا.
وقد قال نفس العالم {تشاد}:
إنّه في نفس الفترة كان عدد الرسائل الإيجابيّة التي وصلت مسامعه (والتي هي كلمات تشجيعيّة) لا تتجاوز 400 رسالة تقريبا.
وأنا أقول:
وليس معنى هذا أنّ آباءنا وأمّهاتنا كانوا سيّئين معنا، بل إنّهم لا يعلمون مدى تأثير مثل تلك الكلمات في ذوات أبنائهم الذين هم تحت رعايتهم.
ومن جهة أخرى أنّ هؤلاء الآباء قد تربّوا بنفس الطريقة، وعلى ذلك المنوال، وهم يعتقدون بأنّ تلك الطريقة هي المثاليّة والصحيحة، وهكذا رسخ في أذهانهم، وتكوّن في تصوّرهم ذلك، ولأنّهم هم كذلك قد نشؤوا على ذلك الإتّجاه، وبرمجت ذواتهم على ذلك البرنامج، وبالتالي أنشأوا أولادهم بنفس الطريقة، وقاموا ببرمجة ذواتهم سلبيّا، وذلك دون اطّلاع منهم. (1/32)
صفحة 33
ومن كرامة المربّين أن يتعاملوا مع من هم تحت رعايتهم، ممّن هم أقلّ منهم سنّا وتجربة بكلّ تعقّل وتواضع واحترام وأدب، حتّى يؤثّروا فيهم تأثيرا حسنا نافعا، وهذا ما نقتبسه من تربيّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعاملته لخادمه أنس بن مالك حيث قال:
خدمت الرسول - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، وما قال لشيء صنعته لما صنعته؟ ولا لشيء تركته، لما تركته. ... أخرجه مسلم.
وفي كتابهما (خطّ الحياة) قال الدكتوران: {تاد جيمس ـ وويات سمول}:
عندما نبلغ سنّ السابعة من عمرنا، تكون أكثر من 90%من قيمنا قد تخزّنت في عقولنا، وعندما نبلغ سنّ الواحد والعشرين تكون جميع قيمنا قد اكتملت واستقرّت في عقولنا.
وبهذه الطريقة تكون ذواتنا قد برمجت، إمّا إيجابيّا، وإمّا سلبيّا.
ولهذا السبب أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتعليم الصلاة للأولاد إذا هم بلغوا سنّ السابعة، وذلك هو السنّ الذي تصل فيه ذواتهم حدّ الكمال تقريبا.
وفي المدرسة يجب على الأساتذة أن لا يمنعوا أيّ تلميذ أن يسأل أيّ سؤال يريده، أو ينهروه، أو يردّوا عليه ببعض الكلمات التي تبعث فيه اليأس والسلبيّة وعدم الإهتمام، لأنّهم بذلك يكوّنوا له ذاتا متشائمة، خاصّة إذا كان ذلك التوبيخ أمام زملائهم داخل الصفّ، لأنّ ذلك يشجّع أصدقاءهم على السخريّة بهم، ويجعلونه مسخرة في وسطهم، وربّما داخل المدرسة كلّها.
إنّ المدرسة والفصل هما المصدر الثاني لبرمجة الذات الإنسانية لكلّ شخص، وذلك بعد الأسس التي قد تكوّنت لديه في البيت، ولكن مع ذلك نستطيع أن نقول بأنّ للمدرسة دورا كبيرا وفعّالا في تثبيت تلك المفاهيم وتقويّتها، أو تغييرها. (1/33)
صفحة 34
كما نستطيع أن نحكم بأنّ للمعلّم داخل الفصل دوره الكبير والمهمّ في اكتشاف طاقات ومهارات كلّ تلميذ من تلامذته، واستغلال تلك الطاقات التي يملكونها في الجانب الإيجابي والحسن لتطويرها وتنميّتها وتقويّتها، وذلك ببعث روح الأمل والعمل فيهم، وتقويّة الثقة بأنفسهم، وهم كذلك يستطيعون أن يوجّهوهم الوجهة السلبيّة المحبطة للعزائم والمضعفة للإرادة.
إنّ الصورة التي يكونّها المعلّم لتلميذه عن ذاته، ستنعكس عليه معظم الوقت، فكلّ شيء يزرعه في نفسه سيعطي ثمرته بعد حين في ميدان الحياة، إن زرع فيه طيّبا أنبت طيّبا، وإن زرع سيّئا أنبت سيّئا، وكلّما يسمعه التلميذ من موجّهيه ومربّيه سوف يقبله عقله الباطن، وعلى مرور الوقت يجعله واقعا في حياته، لأنّ التلميذ يصدّق كلّ شيء يقوله الأستاذ، أو يقوم به أمام التلاميذ، لأنّهم يرون فيه المثل الأعلى، والقدوة المثالية.
يقول {جوش ما كدويل}:
[الصورة السيّئة لذواتنا تسلبنا التحفيز والإهتمام بأن نرتبط بالآخرين، لأنّنا نكون مستغرقين في عيوبنا ونقاط ضعفنا].
إنّ التفكير الناجح يتكوّن لذى الشخص من بناء التصوّر الناجح في عقله الباطن، وهذا التصوّر الناجح يبنى بواسطة والديه ومعلّميه، فهؤلاء هم أولادنا عبارة عن عجينة بين أيدينا فلنصنع منهم عباقرة ومتفوّقين، وليس ذلك بصعب علينا، لأنّنا نستطيع تحقيق ذلك بالكلمة الطيّبة.
والحمد لله، فإنّ ديننا الإسلامي قد سبق لذلك منذ عدّة قرون، حيث أنّه يحثّ أتباعه أن يتعلّموا الكلمة الطيّبة،\ ويتحدّثوا بها في كلّ وقت وحين.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
والكلمة الطيّبة صدقة. ... صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
إنّ التفكير الناجح يبرمج العقل كي يصنع خططا ناجحة، ويبتكر إجراءات من شأنها أن تحقّق النجاح، وعلى النقيض من ذلك تماما، فإنّ التفكير الفاشل يبرمج العقل للتفكير في أفكار سلبيّة، تؤدّي إلى الفشل. (1/34)
صفحة 35
وقد كتب أحد الكتاب هذه الحكم التي تبيّن هذا الإتجاه وتثبّته فقال:
ــ إذا كنت تعتقد أنّك مهزوم، فأنت كذلك.
ــ وإذا كنت تعتقد أنّك لا تستطيع القيام بأمر، فلن تستطيع.
ــ وإذا كنت ترغب في الفوز، لكنّك تعتقد أنّك لا تستطيع، فالأرجح أنّك لن تفوز.
ــ وإذا كنت تعتقد أنّك ستخسر، فأنت خاسر من الآن.
نحن نجد في حياتنا الواقعيّة أنّ النجاح يبدأ بإرادة المرء.
فالأمر كلّه متوقّف على طريقة التفكير.
ــ إذا كنت تعتقد أنّك متميّز، فأنت كذلك.
ــ أنت في حاجة لأن ترقى بتفكيرك، كي يرتفع شأنك.
ــ أنت في حاجة لأن تكون واثقا من نفسك أوّلا، حتّى تتمكّن من الفوز بجائزة النجاح.
معارك الحياة لا يكون فيها النصر دائما للأقوى أو الأسرع، لكن عاجلا أو آجلا، يكون الفائز فيها لمن يعتقد أنّه يستطيع الفوز.
يجب على المربّين والموجّهين أن يعلّموا النشء الصاعد كيف ينظرون إلى الحياة من خلال ذواتهم الإيجابيّة القويّة المتفائلة، لأنّ صورة الذات مثل العدسة التي نرى من خلالها الواقع، ونشاهد بواسطتها العالم من حولنا، وهي المحرّك الذي ننطلق به في وسط معارك الحياة، وبناء على ما نراه من خلال هذه العدسة، نختار السلوكات والأفعال التي نقطع بها مراحل الحياة، وهكذا فإنّ سلوكياتنا قد لا تكون منسجمة مع الواقع، إذا كانت العدسة تشوّه الموقف.
يقول العالم {ستيفن آر كوفي}:
نحن لا نرى العالم كما هو على حقيقته، لكنّنا نراه من خلال ذاتنا أو بالطريقة التي تكيّفنا على رؤيته بها.
إنّ أخطر الأعداء، وأشدّ الأضرار التي يمكن أن تصيب الإنسان بالإحباط والإخفاق في مراحل حياته هو ظنّه السيء بنفسه.
فلنرسخ في ذواتنا أنّنا قادرون على النجاح والتفوّق، وأنّنا نستطيع تحقيق الأحلام التي نحلم بها بين الحين والآخر، وقادرون على الوصول إلى أعلى مراتب النجاح.
يقول الدكتور {وليام جيمس}: (1/35)
صفحة 36
هذه آخر كلماتي لك، لا تخف من الحياة، آمن بأنّها تستحقّ أن تعيشها، وسوف يساعدك إيمانك على تحقيق ما تتمنّاه في واقعك.
ويقول {هيرام سميث}:
لكلّ اعتقاد مجموعة قوانين مبرمجة في مستوى عميق في العقل الباطن، وعلى أساس هذه القوانين يتصرّف الإنسان في الواقع.
الخلاصة:
إنّ أحسن مرحلة لغرس العادات النافعة (تكوين الذات) هي مرحلة الطفولة، حيث يكون الجهاز العصبيّ مرنا سريع التأثّر والإحتفاظ بالمؤثّرات، وفي هذه المرحلة نستطيع أن نقمع العادات السيّئة التي اعتادها الطفل في غفلة من مربّيه، والوالدان الصالحان لا يغفلان عن الوديعة الثمينة التي تحمّلا معا تبعة مجيئها إلى هذه الحياة.
ونستطيع غرس العادات الحسنة في الطفل بالمحاكات، وأن نتركه يقلّدنا في أعمالنا، وذلك بأن نلقي في ذهنه القيام بأعمال دون معارضة، أو بالتدريب على العادة بفضل التكرار المقرون باللذّة.
إنّ الطفل يستمدّ عاداته الأخلاقية من الخارج (المجتمع)، وذلك بواسطة والديه ومربّيه والذين هم أكبر منه سنّا، كما يستمدّ أخلاقياته من الداخل، عن طريق الضمير الأخلاقي الذي يمدّه بالأحكام الأخلاقيّة والمعايير المثاليّة.
فهذه المواقف والقيم صادرة من المجتمع، تعينها التربيّة التي نتلقّاها، ويغذّيها الوسط الذي نعيش فيه والطبقة الإجتماعيّة التي ننتمي إليها.
الذات الموضوعية.
إنّ الشخصيّة الموضوعيّة كما يسمّيها بعض علماء النفس هي:
مجموعة من الصفات والملامح النفسيّة والخلقيّة والإجتماعيّة والجسمانيّة التي تحدّد في مجموعها ذات الشخص بالنسبة للآخرين.
فالناس على قدر كبير من التنوّع، حتّى أنّه لا يشبه أحد منهم الآخر، ولو كان أخاه من أبيه وأمّه، وذلك في خلقه وخلقه، ومع ذلك يحاول كلّ شخص تحديد شخصيّته تجاه الآخرين، وكذلك تحديد ذوات الأشخاص الذين تربطه بهم علاقة من العلاقات اليوميّة. (1/36)
صفحة 37
إنّ الأولاد يكوّنون فكرة عن شخصيّة أبيهم وأمّهم، والعامل يكوّن فكرة عن شخصيّة رئيسه، والطالب يبني في ذاته تصوّرا عن ذات أستاذه، والزوج مع زوجته، والعكس كذلك بين هذا وذاك.
إنّ هذا التصوّر الذي يكوّنه كلّ شخص في هذه الحياة عن الأشخاص الآخرين الذين يتعاشر ويعيش معهم، خاصّة القريبين منه، والذين لهم معاملة مباشرة معه في ميدان من ميادين الحياة المختلفة، يرمي لفائدة عملية، وهو أنّه يستفيد من ذلك فائدة عمليّة واقعيّة، وحتّى يكون في استطاعته ومقدوره أن يتنبّأ ويحدّد موقفه نحوهم، وكيف يستطيع التعامل معهم في مختلف التعاملات التي هو في حاجة إليها.
إنّ الشخصيّة الموضوعيّة هي التي يظهر بها أيّ شخص أمام من حوله من الناس من الأصدقاء والمعاشرين، وربّما تكون مخالفة تماما عن الأصليّة التي يحملها بين جنبيه.
إنّه من المؤسف جدّا أن نجد كثيرا من الناس يحاولون بكلّ ما اوتوا من ذكاء وقوّة أن يظهروا بذات ظاهريّة أمام معاشريهم في لحظات اللقاء، حتّى يخدعوهم بها، ويثقوا فيهم.
إنّهم يستغلّون تلك الذات الغير الحقيقيّة لقضاء مصالحهم، وجلب ثقة الناس إليهم.
وهذا كما يقول الشاعر:
يريك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ كما يروغ الثعلب.
إنّ هؤلاء الأشخاص يكونون دائما وفي كلّ وقت في صراع مستمرّ، وفي تداخل وتنازع دائم بين شخصيّتهم الموضوعيّة التي يحاولون أن يظهروا بها أمام غيرهم وبين ذاتهم الحقيقيّة المتأصّلة التي يحملونها بين جنبيهم منذ صغرهم، لأنّهم يحاولون دائما أن يلائموا بين الشخصيّتين حتّى لا يكتشف أمرهم أمام عناصر مجتمعهم.
ولكنّ الشخص القويم والثابت هو الذي يحاول دائما أن يحلّ هذا الصراع على أساس إيجابي، ويحاول أن يثبّت سلوكه على نمط واحد وسليم، وأن يوفّق بين الشخصيّتين، حتّى يكوّن لنفسه شخصيّة واحدة. (1/37)
صفحة 38
وديننا الإسلامي ينهانا عن مثل هذه الوضعيّة، وهو أن يظهر الإنسان أمام الناس بشخصيّة مخالفة للتي يمتلكها حقيقة، ويعتبر هذا مراوغة ونفاق، وعدم ثبات على أساس صحيح، ولأنّ ذلك يسبّب مشاكل كثيرة داخل المجتمع، فيتنازع أعضاؤه، وتنتشر بينهم العداوة والبغضاء، وهذا ما لا يحبّه ربّنا - عز وجل -.
قال الله - عز وجل -:
يأيّها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.
سورة الصفّ ــ آية: 02ـ03.
إنّ كلّ سلوك يقوم به الإنسان في واقع حياته يحسب على شخصيته، ويعتبر ميزانا يوزن به ذاته، فهناك أشخاص يمتازون بشخصيّة سويّة وهويّة موحّدة، وهم أشخاص مثاليون وقليل ما هم.
وقد شنّع ربّنا - عز وجل - على مثل هؤلاء هذه المراوغة وهذا التلوّن في الشخصيّة.
فقال - عز وجل -:
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول وكان الله يما يعملون محيطا. ... سورة النساء ـ آية:108.
والإنسان ليس كائنا عقليّا فقط، ولا كائنا عاطفيّا فحسب، فكلّ سلوك يقوم به يتأثّر بمختلف الجوانب التي تتكوّن منها نفسه، وهي أربعة:
ـــ الجسد ـــ الروح ـــ العقل ـــ والعاطفة.
فقبل أنّ يصدر أيّ عمل أو سلوك من شخص ما، لابدّ أن يمرّ على طلبات ورغبات هذه الجوانب الأربعة، لأنّ كلّ سلوك يقوم به فإنّه يحمل في الواقع جماع الشخصيّة كلّها، فقد تتعاقب على الذات حالات ومشاعر متباينة من فرح وحزن، وخوف ورجاء، ولكنّها لا تحدث لها انقساما في حقيقتها، ولا تتغيّر سلوكه حسب تلك العوارض، وهنا يوصف هذا الشخص بأنّه قويّ الشخصيّة، لأنّ تلك المؤثّرات النفسيّة والضغوطات الإجتماعيّة لا تؤثّر فيه، بحيث تجعله يتنكّر لشخصيّته ولمبادئه وأسسه الأولى التي بنيت عليها شخصيّته، وتكوّنت عليها ذاته. (1/38)
صفحة 39
إنّ الهويّة يقصد بها الإستمرار الشعوري القائم على أنّ ذات الإنسان تثبت على ما بنيت عليه من أول مراحل العمر، وذلك رغم ما يلحقها من تغيّر في الظروف المحيطة بها، مثل تغيّر الوسط الإجتماعي، أو الحالة الجسميّة، من صحّة أو مرض، أو خوف أوحزن، وكذلك من الناحية الماديّة، من غنى بعد فقر، أو فقر بعد غنى، ورغم ما تتعرّض لها من مشاكل عائليّة أو اجتماعيّة.
وجوب معرفة ذواتنا.
إنّ كثيرا من الناس يزعمون أنّهم يعرفون ذواتهم، بل يبالغون في زعمهم وادعائهم ذلك، حين يصرّحون ويتبجّحون بقولهم إنّهم يعرفون ذوات غيرهم، في حين أنّه تنقصهم الحجّة والبرهان.
وهذه غريزة في هذا الإنسان الذي خلقه الله ضعيفا، فهو ينقصه البرهان، ولا يجد الحجّة، فيلتجئ إلى طريقة التبجّح وأسلوب الزعم، حتّى لا تنقص قيمته أمام غيره من بني جنسه.
قال الله - عز وجل -:
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام، وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل الله لا يحبّ الفساد.
سورة البقرة ــ آية: 204ـ 205.
والحقيقة تماما أنّ - عز وجل - الله وحده العليّ العظيم المطّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم حقيقة ذات كلّ إنسان في هذا العالم، بل حتّى ما يخطر بباله قبل أن يتلفّظ به أو ينجزه في الواقع، وربّما قد ينوي عمل شيء ولكن يعجز عن القيام به، وهو وحده يعلم ما يؤثّر في هذا الإنسان، وما يسيطر عليه من أفكار ويوجّه ذاته من توجّهات، إمّا إلى الخير، وإمّا إلى الشرّ.
قال الله - عز وجل -:
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد.
سورة ق ــ آية:16.
والحقيقة أنّ الإنسان لا يستطيع معرفة ذاته معرفة كاملة وتامّة، مهما طال به العمر، ولماذا ذلك يا ترى؟ (1/39)
صفحة 40
ذلك لأنّه تعترض له بعض المواقف في مختلف مراحل عمره، وفي كلّ مرّة يغيّر تصرّفه تجاهها من حالة إلى حالة أخرى، وقد يكون مغايرا تماما للتصرّف الذي قام به من قبل، وهذا دليل على أنّ ذاته تكون عرضة للتغيّر والتبدّل كلّما تعرّضت لمثل تلك المواقف، أو الضغوط المختلفة والمتعدّدة في هذه الحياة، وربّما بعد مدّة من الزمن، ومرور مرحلة من العمر يندم على بعض التصرّفات التي قام بها من قبل، ويتمنّى لو لم يكن قد قام بها، ويخاطب ذاته قائلا لو عادت إليّ تلك الأيّام وتلك الظروف لتصرّف فيها بتصرّف مغاير، أي أفضل وأحسن.
وقد أرشدنا ربّنا - عز وجل - أن ندعوه ونقول:
ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب.
سورة آل عمران ــ آية: 08.
و علّمنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أن ندعو الله ونقول:
اللهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلوبنا على دينك.
رواه الترمذي.
وذلك لأنّ الذات لها عدّة جوانب: لها جوهرها الثابت الذي لا يتغيّر، ولها أعراضها المتغيّرة، ولها نقائصها التي تعترض لها بين الحين والآخر، ولها ضعفها، ولها جوانب قوّتها، ولها اتّجاهها الإيجابي والسلبي.
ولو استطاع العلماء والأطبّاء النفسانيون والباحثون أن يتوصّلوا إلى معرفة أسس بناء الذات الإنسانيّة معرفة كاملة جيّدة، واطّلعوا على ثوابتها ومتغيّراتها اطّلاعا يشمل جميع جوانبها، لتوقّفت المعرفة الإنسانيّة والبحوث النفسانيّة، وما دامت الحياة موجودة في هذا الكون، إلاّ والبحوث في المجال النفسي قائمة، وذلك رغم عدم التوصّل إلى معرفة حقيقة هذه النفس وأساس بناء الذات.
والدليل على ذلك أنّ العلماء المختصّون في هذا المجال قد سمّوها بأسماء مختلفة ومتنوّعة. (1/40)
صفحة 41
فمرّة يسمّونها الذات، ومرّة النفس، وأخرى الروح، ومرّة العقل، وبعضهم يجمعها في الروح والجسد معا، ما دامت هذه الذات تتأثّر بالوعاء الذي يحملها وهو الجسد، فذلك الوعاء يجرّها إلى كثير من التغيّرات، ولا يجعلها تثبت على حالة واحدة.
فهذا جسده قويّ، فتكون ذاته قويّة الثقة بنفسها، تصل إلى ما تصل إليه من النجاح، وكلّ ذلك بفضل ذلك الوعاء القويّ الذي يحملها.
وهذا جسده ضعيف تتكوّن لديه ذات ضعيفة قليلة الثقة بنفسها ترى أنّ بلوغ الأهداف الكبيرة والهامّة ليس في استطاعتها، وإنّما هي في استطاعة أصحاب الأجسام القويّة الصحيحة.
وهذا جسمه عليل مريض في أغلبيّة الأوقات، فيكون ذلك سببا لعدم تجرّئه على القيام ببعض الأعمال التي يعتقد فيها ربّما هلاكه، وهي ليست كذلك، وآخر دائما في صحّة جيّدة يباشر أعماله بكلّ ثقة وشجاعة وصبر ومثابرة ويقين وثبات.
وسبب هذا الإختلاف الكبير في تعريفها هو صعوبة ـ إن لم نقل استحالةـ معرفة حقيقتها معرفة تامّة وكاملة.
وقد قال {ديكارت} منذ زمن بعيد:
أنا أفكّر إذن أنا موجود، وهذه هي فكرته في إثبات الذات.
ويرى الفيلسوف الفرنسي {ميشل فوكو} إنّ الإنسان يقيم علاقاته عبر الجسد ورغباته، وعبر المعرفة وأنواعها، وعبر السلطة وقوّتها وضعفها، وبواسطة هذه العلاقات تتجلّى الذات كذات حنونة رؤوفة، وكذات معرفيّة متعلّمة، وذات سلطويّة تحبّ التحكّم والتسلّط، وإبداعيّة تبحث عن الإطّلاع على حقيقة الأشياء الموجودة حولها، وغير ذلك من الأنواع المتعدّدة التي يصعب حصرها وتحديدها.
وفي الدين الإسلامي عرّفها العلماء بأنّها النفس وذلك استنادا إلى قوله - عز وجل -:
ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها.
سورة الشمس ــ آية: 07ـ08.
وهم يقرّرون بأنّ هذه الذات هي تلك النفس التي تميل بصاحبها إلى الخير، أو تدفعه إلى الشرّ.
قال الله - عز وجل -: (1/41)
صفحة 42
ومآ أبرّئ نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربيّ إنّ ربّي غفور رحيم.
سورة يوسف ــ آية: 53.
وقال الله - عز وجل -:
لآ أقسم بيوم القيامة ولآ اقسم بالنفس اللّوامة.
سورة القيامة ــ آية:01 ـ02.
وقد احتار العلماء في تعريفها هل هي الروح التي بها الحياة، أم هي الجسم الذي يحمل هذه الروح، وما هي حقيقة هذه (الذات الإنسانية).
ولا تعجب أخي القارئ إذا علمت أنّ الأقوال المختلفة التي قيلت في النفس والروح وتعريفهما قد تجاوزت الألف، كما قال: {الشيخ بيوض} رحمه الله - عز وجل - في تفسير قوله - عز وجل -:
ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي ومآ أوتيتم من العلم إلاّ قليلا.
سورة الإسراء ــ آية: 85.
وهناك مباحث غريبة جدّا في هذا الموضوع، يتعجّب فيها الباحث الذي يريد أن يصل إلى حقيقة صحيحة، كيف يصل اختلاف العلماء إلى هذا الحدّ، وكلّ هذا يدلّ على مدى حيرة العلماء والفلاسفة والحكماء منذ أقدم العصور، حتّى قبل ميلاد المسيح بمئات السنين.
ولا يزالون في بحث وحيرة من أمرهم، ولن يستطيعوا الوصول إلى معرفتها معرفة تامّة.
فالله - سبحانه وتعالى - خالق هذه النفس ومنشئها، والمطّلع الوحيد على جميع مكوّناتها وخباياها، يقرّر هذه الحقيقة بأنّ الإنسان لا ولن يستطيع معرفة حقيقتها.
حبّ الذات والإقتناع بها.
إنّ البرمجة الذاتيّة تقرّر وتثبت بأنّ الشخص إذا كان قد بنى ذاته على مبدإ الحبّ لها وتقديرها وتشجيعها، فإنّه سيجعل من نفسه إنسانا سعيدا ناجحا يحقّق أحلامه، ويتقدّم في ميدان الحياة بخطى ثابتة، وهو واثق من نفسه، يشجّعها ويبعث فيها الأمل والتفاؤل، ويحثّها على الصبر والمثابرة، فيحقّق بذلك أعمالا مهمّة، ويصل إلى أعلى المراتب والدرجات، ويحقّق أهدافه الإيجابيّة بكلّ سهولة. (1/42)
صفحة 43
أمّا إذا كان ينظر إلى قواها وطاقاتها نظرة سلبيّة، ولا يقتنع بها، ويكوّن نحوها نظرة كره وتشاؤم، ويعتقد أنّ ذاته ضعيفة، فإنّه لا يستطيع تحقيق شيء ناجح في الحياة، أو القيام بعمل جيّد، إنّ ذاته تصبح سلبيّة نتيجة لذلك، تعتقد أنّ الحياة صعبة، ولا تقدر على تحقيق الأهداف العالية، وأنّها لم تخلق للصعود والتقدّم والترقّي، بل خلقت للاستكانة والفشل والانطواء، فيعيش صاحب مثل هذه الذات تعيسا، وحيدا، يائسا من الحياة، متشائما، وسلبيّا.
وفي ذلك يقول {هلمستتر}:
إنّ ما تضعه في ذهنك سواءا كان سلبيّا، أو إيجابيّا، ستجنيه في النهاية.
فأنت اليوم تعيش بذات من تكوين أفكارك بنفسك ولنفسك، وستكون غدا، أو ستصل إلى الدرجة التي تأخذك إليها تلك الأفكار.
ــ فهل تحبّ ذاتك.
ــ وهل أنت تمدحها من حين لآخر.
ــ وهل أنت ترفع من معنويّاتها بين فترة وأخرى.
ــ وهل تعتقد في نفسك أنّ لك ذاتا ممتازة، ناجحة، ذكيّة، صبورة.
ــ هل تظنّ داخل نفسك أنّ ذاتك تتقدّم وتتطوّر يوما بعد يوم، ومن الحسن إلى الأحسن.
ــ هل تعتقد بأنّك تحبّ عملك حقّا.
إذا كنت كذلك فأنت ستصل إلى أهدافك التي تصبو إليها، وستحقّق أغلبيّة الأماني التي تتمنّى تحقيقها في حياتك، وستعينك ذاتك بكلّ إخلاص وقوّة وإتقان.
وإذا كان العكس فلا نقول لك بأنّك لا تنجح، لأنّ ذلك بيد - سبحانه وتعالى - الله، وإنّما ننصحك أن تقوم بتغيير هذه النظرة السلبيّة نحو ذاتك، لأنّ ذلك سيكون في صالحك، وسيجعلك تتقدّم بسرعة، وبمجهود متواضع. (1/43)
صفحة 44
إنّ أعظم شيء نتعلّمه في أوقات الشدّة وأثناء التذمّر ووقت الإخفاق هو أن نحبّ ذواتنا، وهذا لا يعني أنّنا ندلّلها حتّى تصبح كسولة لا تعمل ولا تجتهد، بل لا ننتقدها ولا نوبّخها توبيخا شديدا، بحيث تصل إلى درجة اليأس والقنوط، فتفقد الأمل، ولكن بدلا من ذلك نشجّع فيها روح المثابرة والصبر والتحمّل، والنظر إلى الخطأ على أنّه وسيلة للتعلّم، فننمّي فيها بهذه الطريقة شعورا دافئا، ونشجّعها على الثبات مهما كانت ظروف الحياة قاسيّة، ومهما كانت النكسات التي تمرّ بها، وبغض النظر عن عدد من رفضوها.
وقد قال أحد الحكماء: أنت ـ أنت نفسك، مثلك مثل أيّ شخص في هذا الكون يستحقّ حبّك ومودّتك.
فإذا استطعنا أن نحبّ ذواتنا بهذه الطريقة، فإنّنا سوف نشعر بنفس المشاعر نحو الآخرين، لأنّنا سوف ندرك أنّ الجميع يحبّون التعامل معنا بهذه الطريقة، ولأنّ الحبّ والتقدير الذي نقدّمه للآخرين سوف يعود إلينا لا محالة.
تخيّل أنّك مكوّن من شخصيتين اثنتين:
أوّلهما: شخصيّة في دور الأب، (الموجّه، والمربّي).
والثانية: شخصيّة في دور الإبن، (طفل صغير عمره خمس سنوات).
فهذه الشخصية الأولى: الأب الذي يلعب دور الموجّه والمدرّب الذي يعتني بذلك الطفل الصغير، والذي لا يريد له إلاّ الخير والنجاح والفلاح، هي نظرتك نحو ذاتك.
والشخصية الثانية: هي ذاتك ونفسك وما تتكوّن بها من مهارات وطاقات تعلمها، أو التي لا تعلمها ويريد الأب أن يعلّمها (ولده الطفل).
اجعل الأب (الموجّه، والمدرّب) يتعامل مع الطفل (الذات) كما يفعل أيّ أب حنون وعطوف مع ولده، فهو دائما يحثّه على العمل، على الصبر، على المثابرة، ويبعث فيه روح الأمل، حتّى يصل إلى تحقيق النجاح الباهر الذي يتمنّاه كلّ والد لولده العزيز عليه، زوّده بعبارات تشجيعيّة تبعث فيه الأمل وتكوّن فيه التفاؤل، وهنّئه بين الحين والآخر على بعض الأعمال الحسنة الناجحة التي حقّقها في الواقع. (1/44)
صفحة 45
مثل: نعم لقد نجحت، أحسنت، سوف تنجح أكثر، أنت ممتاز، أنت ذكيّ عبقريّ، سوف تصبح شخصيّة عظيمة، طبيبا ماهرا، أو رجل أعمال ناجح.
ومن جهة أخرى عندما يخطئ، توجّه إليه الخطاب المشجّع وليس المحبط.
لقد كان هذا الخطأ بسيطا، لقد تعلّمت من هذا الخطأ بأنّ هذه الطريقة ليست ناجحة، حاول مرّة أخرى ولا تيأس، فالمحاولة هي الطريق الوحيد الذي يوصل إلى النجاح والتفوّق في هذه الحياة، لقد أبليت بلاء حسنا، وقمت بما يجب القيام به، وبدلت كلّ ما في وسعك من مجهود وطاقة.
والحقيقة التي يقرّرها العلماء في علم الإجتماع تقول:
إنّ عالم البشر مليء بالإحباطات المعدّة مسبّقا، لأنّنا نبحث دائما عن السعادة في الأماكن الخطأ، ولأنّ لا شيء يرضينا للأبد، فنفوسنا تسأم البقاء على حالة واحدة مدّة من الزمن، بل تريد التغيير دائما.
فبهذه الطريقة الحسنة التي تخاطب بها نفسك، سوف تكوّن فيها الإرادة القويّة الفولاذيّة، سوف تنشر داخلها الطمأنينة والراحة، وتصبح متحمّسة للتضحيّة في سبيل رقيّها وتقدّمها وتفوّقها.
وعندما تحسن إلى ذاتك (الطفل) بهذا الشكل ستجد متعة كبيرة وراحة حسنة، وتصير هذه الذات راغبة متحمّسة للتعلّم والتقدّم، وسوف تحقّق نتائج هامّة، وتجد أيضا أنّ ذلك الطفل الذي تتقمّصه ذاتك يتعلّم بسرعة وبصورة رائعة، ويمطرك بالحبّ والاطمئنان والامتنان، وحبّ التغيّر إلى الأحسن والصعود إلى الأعلى.
قال {ماكسويل مالتز}:
إذا أردت أخي أن تحيا حياة حقيقيّة وأن تجد حلاوتها، فعليك أن يكون لديك صورة واقعيّة وملائمة لذاتك، صورة تستطيع العيش بها، فلا بدّ أن تحبّها وتثق فيها.
إنّ الصورة الإيجابيّة التي نصنعها لذواتنا تشكّل أساس حبّ الذات، هذا الحبّ الذي يبعث فيها الاطمئنان والراحة، ويجعلها تظنّ أنّها قادرة أن تحيا حياة معتدلة طبيعيّة، كما يحياها أغلب المتفوّقين والناجحين في ميادين الحياة المختلفة. (1/45)
صفحة 46
إنّ اطمئنان الذات وقبولها للحياة يتحدّد من خلال الصور العقليّة التي نرسمها لنفوسنا داخل عقلنا الباطن، ويعدّ أساس اطمئنان الذات مهمّة داخليّة، فهو يتشكّل من خلال الأفكار التي نكوّنها لذواتنا.
والأفكار والتوجّهات المسيطرة على عقلنا الباطن، إمّا أن تبعث الرضى والاطمئنان داخل ذواتنا، فتصنع الحياة المعتدلة، وإمّا أن تبعث التشاؤم وعدم القبول داخلها، فتضعفها وتدمّرها، فالأفكار هي التي تشكّل ذواتنا، فنحن نصبح ما نعتقده معظم الوقت وببساطة، فنفوز في معارك الحياة، أو نخسرها في عقلنا الباطن، وفي تفكيرنا قبل أن نخسرها في الواقع المعاش.
ولكي نبعث الطمأنينة والرضى في ذواتنا، علينا أن نضع لها صورا إيجابيّة، فبذلك نكسب التقدير الواعي لها، ونعرفها حقّ معرفتها، أي نعرف أنّ الله قد وهب لنا طاقات ومهارات متعدّدة، فهي تنتظر منّا الاهتمام بها واستغلالها حقّ الإستغلال.
إنّ التغيير من السلبيّة إلى الإيجابيّة يبدأ بالوعي الذاتي فهو الذي يلقي الضوء على أفكارنا وسلوكيّاتنا الحالية.
فالمثل الصيني يقول:
إنّ الشخص العظيم هو الذي يغوص في أعماق ذاته بحثا عن الإيجابات الشافية المطمئنّة.
فعليك أن تعلم جيّدا أنّ الإطمئنان الداخلي في نفسك والرضى بذاتك أو رفضها هما اللذان يقرّران سير حياتك الواقعيّة، وحقيقة ذاتك، ولا يكون ذلك بالكيفيّة التي تظهر بها في المظهر الخارجي، وإنّ الشيء الحقيقي الذي يكوّن ذاتك، ويبني لك حياتك هو فكرتك عن نفسك، هل هي إيجابيّة راضيّة، أم هي سلبيّة متشائمة.
إنّ رضاك عن ذاتك وقبولها لا يتقرّر ولا يكون بناء على جاذبيتك الجسميّة الجسديّة، أو صورتك ولباسك، وغير ذلك من الصور الخارجيّة التي يعتقد كثير من الناس أنّها الأساس في التقدّم والنجاح، أو التقهقر والخسران، بل إنّ ذلك متوقّف على نظرتك نحو ذاتك الداخليّة، والتي تكوّنت لديك عبر الأيّام. (1/46)
صفحة 47
وربّما نستطيع أن نطبّق هنا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه:
إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
أخرجه مسلم وابن ماجه.
والفائدة التي نستفيدها من هذا الحديث هي أنّه يجب علينا أن نهتمّ بنفوسنا من الداخل، لأنّ ذلك هو الأساس الذي نبني عليه حياتنا ولا نهتمّ بها من الخارج فقط.
بعث الطمأنينة في الذات.
إنّ شخصيّة الإنسان قد تمرض تماما كما يمرض جسمه، وذلك لما يقع لها من التغيير عبر السنين، وفي مختلف مراحل العمر، ونتيجة لما تتعرّض له من الإضطرابات المتفاوتة الخطورة في طريق هذه الحياة، والتي تحطّم توازنها، ويظهر ذالك في حالة الغضب، أو الفرح الشديدين، وفي أحلام اليقظة، وهذا ما يجعلنا نشعر بأنّ هناك إمكانيّة استقلال جزء من الذات النفسيّة عن الجزء الآخر.
ومن هذه الحالات المرضيّة الخطيرة ما يعرف بالتفكّك، تفكّك الشخصيّة.
ومن أخطر الأمراض، ما يعرف بتعدّد الشخصيّة، فالمريض هنا يلعب أدوارا تمثّل شخصيتين أو أكثر، والذي يميّز هذا المرض عن سابقه هو أنّ كلّ شخصيّة تنسى الشخصيّة السابقة، ولا تتذكّر من أمرها شيئا.
إنّ بعث الطمأنينة في ذواتنا، وبناء أفكار إيجابيّة عنها مهمّة يجب علينا أن نقوم بها جميعا، إذا أردنا أن تستقيم حياتنا، فنحياها بطريقة حسنة، ونحقّق أهدافنا المهمّة فيها.
فعلينا أن نضع خريطة عقليّة لما تتمتّع به ذواتنا من قدرات جيّدة جبّارة، وما حقّقته من أهداف وأعمال في ما مضى من الحياة، ونقدّر ما مدى درجة الإطمئنان الذي نشعر به في مختلف نواحي الحياة ـ الصحّة ـ الذكاء ـ الأسرة ـ وما مقدار ما نستمتع به من نعم وهبها الله - عز وجل - لنا، وهو القائل:
وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إنّ الإنسان لظلوم كفّار. ... سورة إبراهيم ــ آية:34. (1/47)
صفحة 48
إنّ بعث الطمأنينة داخل ذواتنا هو تكوين شهرة لأنفسنا أمام أنفسنا، ولكن يجب أن تكون تلك الشهرة مبنيّة على أسس صحيحة وملموسة، وليس على قدرات لا نمتلكها، أو أشياء ليست فينا، لأنّ ذلك يسمّى عجب وغرور، ويؤدّي إلى نتيجة سلبيّة.
وهذه الشهرة تنبع من مدى إيماننا بقدراتنا على التكيّف والتعامل مع مختلف الظروف والمؤثّرات التي تعترض طريقنا، وما مدى تعاملنا مع التحدّيات الأساسيّة في الواقع المعاش.
وطمأنينة الذات ينبع من شعورها بالأهليّة للحياة، والسعادة فيها، وأنّها أهل لأن تحياها، ونستمتع بها، رغم ما فيها من مشاكل ومنغّصات وتحدّيات.
وهذا الشعور يرتكز على التفكير الإيجابي أو التفاؤل، مع مراعات معالجة الجانب الآخر، وهو السلبي، لأنّه لابدّ أن يكون موجودا، ولكنّه يتفاوت مقداره من شخص لآخر، فالبعض يكون فيه قويّا، وفي البعض الآخر متوسّطا أو ضعيفا.
إنّ هذه الطمأنينة تتكوّن لذى صاحبها نتيجة الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بأنّه سينجح، وسيبلغ أهدافه الإيجابيّة في الحياة.
إنّ أداءنا سيكون أفضل في كلّ ّشيء نفعله عندما تطمئن ذواتنا، ونعتبر أنفسنا بأنّنا أهلا لأن ننجز ما بدأنا فيه، وأنّنا جديرون بالنجاح والتفوّق في أعمالنا، وفي ذلك الحين نصل إلى الشعور بأنّنا ذوي شأن وأهميّة في هذه الحياة.
إنّ اطمئنان الذات ورضاها عن نفسها أنّها على ما يرام، لا يدخل في إطاره المشاعر التي توصّلنا إلى أن نعتقد أنّنا أفضل وأسمى من الآخرين، أو نظنّ أنّنا أشخاص مثاليون ليس بهم أدنى عيب، أو أيّ جانب من جوانب التقصير.
إنّ اطمئنان الذات بنفسها يتضمّن الشعور بالرضا والإعتزاز بنفسها، وهو لا يعني بأيّ حال من الأحوال الإستعلاء أو الغرور. (1/48)
صفحة 49
فالله - عز وجل - قد أرشدنا بما أنزل من القرآن، ونبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - بيّن لنا في أحاديثه المختلفة كيف نطمئن ذواتنا بأنّها على الحقّ وعلى الصواب، وكيف نكوّن صورا جيّدة لذواتنا، ونرضى عنها الرضى التام، وذلك حتّى نحيا حياة طيّبة مستقرّة متوازنة.
فلماذا لا نرضى عن أنفسنا وقد رضي لنا ربّنا - عز وجل - الإسلام دينا، ومحمّدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا، وكلامه كتابا لنا، وجعلنا أمّة وسطا، وهذه نعمة كبيرة وجليلة، إلاّ من كفرها وجحدها ولم يرضى بها، فذلك قد غرّه الشيطان.
قال - عز وجل - الله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.
سورة المائدة ــ آية:03.
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد رسولا.
فما دام قد رضي لنا ربّنا الإسلام دينا، فلماذا لا نرضاه لأنفسنا، ونهتدي به في حياتنا، حتّى نكوّن ذواتا راضيّة مرضيّة في عقلنا الباطن، فينعكس ذلك الرضا على أعمالنا وقدراتنا الخارجيّة، لأنّ صورة الذات هي حجر الزاوية لشخصيّتنا.
يقول المثل الصيني: من يفقد ثروته يخسر كثيرا، ومن يفقد أصدقاءه يخسر أكثر، ومن يفقد روحه يخسر كلّ شيء.
وإذا نظرنا إلى وضعيّة المسلمين في هذا العصر نظرة دراسة وتمحيص، فإنّنا نجد أنّ سبب حالتهم السيّئة التي وصلوا إليها في هذا العصر الأخير، هو عدم معرفة ذواتهم معرفة حقيقيّة، ونتيجة لعدم رضاهم عن الأسس التي يريد الله - عز وجل - أن يبني لهم ذواتهم عليها، وعدم اطمئنانهم إلى ذلك، ولهذا تجدهم يتطلّعون إلى بناءها على أسس ومبادئ غيرهم، ممّن هم من أعدائهم، فلا هم طبّقوا دين ربّهم، ولا هم اعتزّوا به، ففقدوا بالتبع العزّة التي يمنحها الله - عز وجل - لكلّ من يتمسّك بشريعته، ويعتزّ بها، ويبعث ذلك كلّه العزّة والقوّة في ذاته فيحيا حياة سويّة مطمئنّة.
اتصال الإنسان بذاته. (1/49)
صفحة 50
إنّ كلّ ما يقوم به الإنسان من أعمال في مختلف مجالات حياته، وما ينتج عن ذلك من نتائج في واقع حياته، سواء كانت حسنة إيجابيّة، أو سيّئة سلبيّة، ما هي إلاّ نتيجة لما يوجد في أعماق نفسه (العقل الباطن)، ولما تحمله ذاته من أسس وقيم.
قال {رالف أمرسون}:
كلّما يوجد أمامنا، وكلّ ما يوجد في متناولنا شيء بسيط وقليل، إذا ما قورن بما يوجد في أعماق نفوسنا.
إنّ نفسك التي بين جنبيك (ذاتك) هي عبارة عن صندوق مليء بالدرر والجواهر والذهب، وفيها ما لا يخطر ببالك من طاقات عالية وثمينة تستطيع استغلالها استغلالا جيّدا، إذا أنت أوليت لها الإهتمام اللازم، وآمنت بوجودها داخل نفسك، حتّى توصلك إلى أهداف جبّارة، وأماني غالية تحلم بالوصول إليها، وتحقيقها دائما.
هل أنت تريد أن تصل إلى أعلى السلّم، وتخطّط لنفسك مشاريع ومشاريع، ولكنّك لم تتوصّل بعد إلى كيفية البلوغ إلى ذلك، في حين أنّك تملك الوسائل والطاقات التي تبلّغك إلى تحقيق تلك المشاريع.
ابحث عن المفتاح الذي تفتح به هذا الصندوق، أو الصناديق المليئة بالمهارات والطاقات والأمنيّات، تعلّم كيفيّة إخراجها إلى أرض الواقع، وتنميّتها بكلّ قوّة ومهارة ممكنة، إنّ الطريق أمامك مهيّأ ومعبّد، والسير فيه سهل وممكن، إذا أنت برمجت ذاتك على ذلك، فما عليك إلاّ أن تضع الخطوة الأولى وتبدأ المسير، إنّ قطع مسافة المئة كيلومتر، أو أكثر تبدأ بالخطوة الأولى، تعلّم كيف تثبّت رجلك على الطريق، وكذلك صعود السلّم يبتدأ بصعود الدرجة الأولى، وبوضع السلّم على الحائط المناسب، وإذا توصّلت إلى تحقيق ذلك، فستنبعث من داخلك إرادة قويّة وثقة كبيرة، فتصعد الدرج الأخرى الواحد تلو الأخرى.
ــ إنّك لم تتشجّع بعد.
ــ إنّك لم تتعرّف على ذاتك جيّدا.
ــ إنّك لم تطّلع على ما يوجد من خير وفير داخل ذاتك.
ــ إنّك جاهل لما يوجد داخل نفسك.
ــ إنّك خائف من الإنطلاق. (1/50)
صفحة 51
ــ إنّك متوان ومتسوّف (والتسويف من خطوات الشيطان).
ــ إنّك كسول لا تريد العمل.
ــ إنّك خائف من عدم التقدّم في الطريق.
ــ إنّك خائف من السقوط من درجات السلّم.
ــ إنّك خجول من نفسك، تستحي أن تظهر أمام إخوانك بمظهر الناجح المتفوّق.
والآن عليك أن تتصل بذاتك اتصالا جيّدا، وتبدأ بسؤالها مختلف الأسئلة بكلّ موضوعيّة وبكلّ شفافيّة، والأسئلة كثيرة، ومتعدّدة، ودائما أطلق كلمة (أنا).
ــ هل ـ أناـ ممتاز وأتمتّع بطاقات ومهارات خارقة.
ــ هل ـ أناـ نشيط وأتمتّع بإرادة قويّة.
ــ هل ـ أناـ أستطيع الوصول إلى تحقيق النجاح والتفوّق.
ــ هل ـ أناـ من الموهوبين وأملك ذاكرة قويّة وفولاذيّة.
ــ هل ـ أناـ أستطيع تحقيق مشروع مهمّ وناجح في حياتي.
وغيرها من الأسئلة الكثيرة والمتعدّدة التي تبيّن وتحدّد لك موقعك الذي أنت فيه.
فإذا كانت الأجوبة كلّها أو أغلبيّتها بالإيحاب فأنت ناجح ومتفوّق، فابدأ العمل من الآن، وانطلق بسرعة في طريق النجاح، وإذا كانت الأجوبة غير إيجابيّة، فلا أقول أنّك لا تنجح أو أنت غير ناجح، أو لا تستطيع التفوّق، وإنّما أقول لك إنّك قد ضيّعت كثيرا من حقوق ذاتك في التفوّق والنجاح، وأنّك قد جحدت كثيرا من نعم ربّك التي وهبها لك.
فما عليك إلاّ أن تغيّر نظرتك السلبيّة، وتستبدلها بأخرى إيجابيّة مملوءة بالتفاؤل والأمل في النجاح والتقدّم والتفوّق.
إنّك لم تتّصل بعد جيّدا بذاتك، ولم تعرفها حقّ المعرفة، ولم تتّصل بها اتّصالا موضوعيّا، لذلك فأنت تنظر إليها نظرة ضعف وتشاؤم.
إنّك موهوب، إنّك محظوظ، ولا شكّ في ذلك، ما دام الله قد وهب لك السمع والبصر والفؤاد، وزوّدك بقوى عقليّة وفكريّة، وجعلك عنصرا من بني البشر الذين كرّمهم وفضّلهم على كثير ممّن خلق تفضيلا. (1/51)
صفحة 52
إنّ لديك طاقات ومهارات كامنة تحملها داخل ذاتك، فهي نائمة تنتظر منك أن توقظها، أبواب هذه الطاقات مقفلة تنتظر منك أن تجد المفتاح الملائم لتفتحها، فتفيض عليك من خيراتها وبركاتها.
فإذا كانت تلك الرسائل التي تخرج من ذاتك سلبيّة محبطة، تبعث فيك اليأس والإحباط، فعليك بإلغائها واستبدالها برسائل أخرى إيجابيّة.
درّب نفسك دائما أن تخاطب ذاتك وتقول:
ــ أنا ـ ناجح، أستطيع النجاح عليّ بالعمل فقط.
ــ أنا ـ متفوّق أقدر على تحقيق التفوّق، ينقصني شيئا من الإرادة.
ــ أنا ـ أملك طاقات جبّارة، قد وهبها الله - عز وجل - لي، فلماذا لا أستغلّها.
وبهذه الكيفيّة تبثّ في ذاتك الشجاعة وتملؤها اطمئنانا، وتتّصل بها اتّصالا جيّدا، وتبرمج عقلك الباطن، فيقودك بكلّ ثقة إلى أعلى مراتب النجاح.
إنّك بذلك تؤكّد لذاتك أنّها تستطيع القيام بكلّ ما تريده من أعمال، وتحقّق ما تتمنّاه من نجاح، وأنّها تملك القدرات اللازمة والمطلوبة لتحقيق ذلك.
حدّد هدفك، برمج عقلك، نظّم أعمالك، اغتنم أوقاتك، ووفّر طاقاتك، واستغلّ قدراتك، وحسّن نيّتك، وأحبّ الخير لكلّ من حولك من مخلوقات ربّك، وتوكّل على الله، وأكثر من الدعاء، فإنّك ستصل إلى كلّ ما تتمنّاه أو أكثر وأفضل ممّا تتمنّاه.
قال {إبراهيم الفقي}:
تأكّد أنّ عندك القوّة، وأنّك تستطيع أن تكون عبقريّا، وأنّك تملك القدرات اللازمة لذلك، وأنّك تستطيع القيام بذلك، وأن تقوم بأعمال وأعمال، وتصل إلى كلّ ما تريده بمجرّد أن تحدّد بالضبط ما الذي تريده، وأن تتحرّك في هذا الإتّجاه بكلّ ما تملك من قوّة.
وقد قال {جيم رون}: مؤلّف كتاب ـ السعادة الدائمة ـ
التكرار أساس تكوين المهارات.
لذلك يجب عليك أن تثق بنفسك فيما تقوله، وما تخاطب به ذاتك، وأن تكرّر الرسائل الإيجابيّة، فأنت سيّد عقلك وقبطان سفينتك، أنت تتحكّم بحياتك، وتستطيع تحويل حياتك إلى تجربة من السعادة والصحّة والنجاح بلا حدود. (1/52)
صفحة 53
وقال {براين تراسي}:
كي تكون سعيدا بحقّ، أنت بحاجة إلى شعور واضح بالوجهة التي تسير فيها.
تذكّر دائما، وتحقّق جيّدا، وتيقّن بكلّ قناعة أنّك أنت الذي تصنع مصيرك في هذه الحياة، وأنت الذي تحدّد الكيفيّة التي تتّصل بها بذاتك، وتخاطبها، وتعطي لها الأوامر، وأنّ الله - عز وجل - في عون من يهتمّون بذواتاهم ويعينونها، إنّ مصيرك هو مسألة اختيار وإيحاء من عقلك الباطن الذي برمجته أو تبرمجه كيف تشاء، وأنّ ذلك ليس مسألة جبر أو صدفة، كما يعتقد ذلك الكسالى والمتواكلون.
فالله سبحانه و - عز وجل - يخاطب عباده ويقول:
- إنّ لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم. -
سورة الأنفال ــ آية: 53.
ومن أقوال الفلاسفة الحكماء:
عندما تغيب الرؤية يهلك المرء.
يجني المرء ما غرست يداه.
إنّ الناس الذين يعتقدون في ذواتهم الإعتقاد السلبي، يصلون إلى طريق مسدود في نهج حياتهم، ولا يحقّقون أغلبيّة الأماني التي يتمنّون الوصول إليها.
إنّهم بباسطة يعتقدون أنّه ليس بوسعهم الوصول إلى تحقيق أهدافهم الجبّارة في هذه الحياة، ويظنّون في نفوسهم أنّهم لا يملكون الطاقة اللازمة لصعود السلّم الذي يوصلهم إلى أعالي ذروة النجاح.
إنّهم لا يقدّرون مهاراتهم القدر الكافي واللازم، لذلك بقوا في بداية الطريق، ولا يريدون الإنطلاق بقوّة وعزيمة.
وهناك فريق آخر يؤمن بقدراته وطاقاته، ولكنّه لا يملك الشجاعة الكافية، والإراة القويّة للإنطلاق وتحقيق الأهداف.
وفريق آخر ينطلقون، ويبدؤون السير في الطريق، ولكن بمجرّد أن يعترضهم مشكل أو عقبة، ويخسروا ولو مرّة واحدة يفقدون الأمل، إنّهم لا يعلمون أنّ كلّ خطأ وقعوا فيه أو محاولة فاشلة، لم يحقّقوا فيها النجاح الذي كانوا يتمنّونه، هي في حدّ ذاتها تجربة تعلّموا منها أنّ تلك المحاولة ليست صحيحة، المهمّ أنّهم إستفادوا شيئا جديدا زادوه إلى معلوماتهم السابقة. (1/53)
صفحة 54
إنّ الناجحون والمتفوّقون هم أناس اتّصلوا بذواتهم الداخليّة بطريقة إيجابيّّة، وبدأوا في وضع الخطوة الأولى في طريق العمل لتحقيق النجاح، فأعانهم الله - عز وجل - على استغلال تلك القدرات واستثمارها وتنميّتها، فآتت أكلها الطيّب والجيّد، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من النجاح.
وأمّا الآخرون فهم لم يحاولوا الإتصال بذواتهم أبدا لمعرفة الخير الموجود داخلها، حتّى يستثمروه، ويستغلّوه في الطريق الإيجابي، أو أنّهم قد اتّصلوا بها بطريقة سلبيّة، وبرمجوها بطريقة فاشلة.
وربّما لا نستطيع أن نلقي باللوم الكامل عليهم، بل على المحيط الذي نشؤوا وتربوا فيه، فهم لم يجدوا من يوجّههم ويرشدهم إلى معرفة ذواتهم المعرفة الحقيقيّة الكاملة، أو أنّهم على العكس وجدوا من يكبت طاقاتهم، ويقتل طموحهم، ويضعف إرادتهم في طلب النجاح والتفوّق، ووجّهوا بطريقة سلبيّة، حتّى أصبحوا ينظرون إلى ذواتهم نظرة فشل وتشاؤم.
إنّ هذه التربية وهذا التوجيه قد جعلهم يعتقدون أنّهم ليسوا عنصر نجاح، وأنّهم من طبقة لا تستحقّ أن تكون في القمّة، وأنّه يجب عليهم أن لا يحلموا بالصعود إلى الأعلى، لأنّهم من عائلات غير متفوّقة ذهنيّا واجتماعيّا، وغير ذلك من الإعتقادات والتوجّهات التي تكوّنها مثل هذه التربية في الأفراد، وكأنّ النجاح والتفوّق لا يليق إلاّ بطبقة معيّنة، وبأسر خاصّة.
إنّ هذه النظرة التي كوّنها المجتمع فيهم قد أضعفت إرادتهم، وأفقدتهم الثقة بأنفسهم، وزرعت في نفوسهم الفشل، فبقوا في أسفل السلّم، ولم يستطيعوا وضع قدمهم على الدرجة الأولى للصعود إلى الأعلى، إلى الدرجات التي فوقها.
إنّ كلّ ما جعله الله في هذه الحياة هو للإعتبار، وسببا للرجوع إلى الطريق المستقيم، حتّى الإخفاق الذي يقع للإنسان في بعض مراحل حياته إذا فهمه جيّدا، واستخرج النتائج الإيجابيّة منه، فإنّه سيكون له محطّة لتغيير جوهر ذاته إلى الأحسن وإلى الأفضل.
هل أنت متصالح مع ذاتك. (1/54)
صفحة 55
إنّ تصالح الشخص مع ذاته هو أن يفهم ما فيها من طاقات وقدرات، فيستغلّها في الجانب الإيجابي والحسن في مختلف نواحي الحياة سواء الروحيّة منها أو المادّية.
إنّه إذا درس ذاته جيّدا واطّلع على خبراتها العقلية والفكريّة والجسميّة، فإنّه يعمل برضى كامل وثقة جيّدة.
ونستطيع أن نشبّه ذلك بسيّارة مع صاحبها، فإذا ما علم الشخص حالة سيّارته، ورضي بها، وذلك طبعا بعد أن يصلح جميع ما فيها من آلات، ونظر إليها بعين الرضى، واطمأنّ إلى عمل محرّكها، فإنّه يسير بها بسرعة كبيرة، ويحمّلها من الأمتعة الكثيرة، لأنّه واثق أنّها تستطيع حمل كلّ تلك الأمتعة، ثمّ يركبها هو وعائلته وأولاده بكلّ أمان وثقة، وهم مطمئنّون وواثقون أنّها ستوصلهم إلى الهدف الذي ينوون الوصول إليه، وأنّها لا تخيّب رجاءهم، ولن تخالف ظنّهم فيها، بإذن الله - عز وجل -.
ولكن إذا لم يعرف الشخص حقيقة سيّارته، ونظر إليها بعين النقص وعدم الرضى، وفقد الثقة فيها، فإنّه لا يستغلها إلى أقصى تقدير، ويسير بها وهو خائف لعلّها لا تبلّغه إلى هدفه المنشود، ويكون طول وقت سفره في حالة خوف وتردّد.
وهذه هي حالة كلّ إنسان مع نفسه في هذه الحياة، فبمجرّد أن يتصالح مع ذاته، ويرضى عنها، وعن طاقاتها وخبراتها، ويثق فيها، فإنّه يتعامل معها معاملة حسنة إيجابيّة، ويقتحم بها ميادين العمل والتجربة، غير خائف ولا هيّاب من عقبات الطريق ولا منعرجاته، لأنّه واثق من قوّتها وتحمّلها ونجاحها.
فعندما يرسم الشخص صورة ذهنيّة لذاته (تصوّر)، فإنّه يقوم بعمليّتين في نفس الوقت، فهو يرسم صورة لنفسه، وفي نفس الوقت يعكس تلك الصورة في واقعه.
فهو الفاعل والمفعول به في نفس الوقت خلال هذه العمليّة، والتي يقوم بها ويتعامل معها في حلقة مفرغة مغلقة، فهي تكوّن نفسها، وفي آن واحد تشير إلى نفسها. (1/55)
صفحة 56
فالشخص إذا ما تصالح مع ذاته، وتصوّر في نفسه أنّه يستطيع القيام بكثير من المهارات، وتيقّن أنّه سيحقّق النجاح في أعماله، فإنّه ينطلق انطلاقة جيّدة، وبخطى ثابتة، ويقين كبير، وثقة جيّدة، فيحقّق النجاحات الواحد تلو الآخر.
وأمّا إذا لم يطمئنّ إليها وكان دائما في خصام معها، فإنّه يفقد الثقة فيها، ولا يتركها تنطلق انطلاقة حسنة، لأنّه يشكّ في تحقيق نجاحات في الواقع.
إنّ هذا الإطمئنان عن الذات يجعل النفس تصدر رسالة حسنة، هذه الرسالة تبلغ ذروتها في الأداء، ممّا يجعلها تحقّق أهدافا جبّارة.
فالإنسان لا يستطيع أن يتصالح مع ذاته تصالحا جيّدا إلاّ إذا فهم معنى النجاح في الحياة، لأنّ النجاح وتحقيق الآمال شيء نسبي يختلف من شخص لآخر.
فالنجاح بالنسبة للبعض هو تحقيق ثروة هائلة، وبالنسبة لآخرين هو تحقيق مطالب الحياة المتعدّدة، من وظيفة يضمن بها دخله الشهري، وسكن يأويه هو وأسرته، وسيارة تنفعه في تحقيق أعماله.
وبالنسبة لآخرين هو صحّة وسلامة الجسم، وراحة البال، والحياة الأسرية السعيدة.
ويعرّف بعض العلماء النجاح بأنّه عمليّة مستمرّة لبلوغ الأهداف المرغوبة فيها في هذه الحياة.
يعرّف العالم {سيدني نيوتن بريمر} النجاح بأنّه عمليّة إنجاز أمين لأيّ شيء ذي قيمة ترغب في تحقيقه في هذه الحياة.
ونستطيع أن نعرّف النجاح كما عرّفه سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - بما ذكره في حديثه حيث يقول:
من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، وعنده قوة يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحدافرها. (1/56)
صفحة 57
إنّ تصالح الإنسان مع ذاته يعطي له شعورا إيجابيّا في تحقيق مستقبله، ويساعده على تبيّن الأشياء المهمّة التي تستحقّ التفاني في العمل، حتّى يحقّقها، وبه يبنى مبدأ النجاح الشخصي، ويوفّر راحة البال، ورضى الضمير، وكلّ هذا يجلب له السعادة، ويعمل كذلك كأساس لتعيين الأهداف وكيفيّة السير إليها، حتّى يحقّقها، ويسهّل له اتخاد القرارات التي تعمل في صالح الأهداف التي يرمي إلى الوصول إليها، ويجعل حياة الشخص ذات معنى وقيمة تستحقّ التضحيّة في سبيلها.
إنّ اطمئنان أيّ شخص عن ذاته يجعله يعرفها معرفة حقيقيّة وواضحة، وهذه هي الخطوة الأولى والأساسيّة نحو حياة أكثر نجاحا وفعاليّة.
إنّه عندما لا نتصالح مع ذواتنا فإنّنا نقوم بأعمال مخالفة لمبادئنا وقيمنا الخاصّة، وفي ذلك الوقت تسقط قيمة ذواتنا، ويقلّ احترامنا لها.
إنّ مزيدا من الثقة بالنفس يحقّق مزيدا من النجاح، وإنّ مزيدا من النجاح يحقّق مزيدا من الثقة بالنفس.
وبهذه الطريقة يتصالح الشخص مع نفسه، ويملأها بالأمل، ويدفعها إلى الوصول إلى تحقيق الأهداف الهامّة، وبعد مدّة ترتاح الذات إلى ما يمليه عليها العقل الباطن من إيحاءات إيجابيّة، وتطمئن لتحقيق النجاح، حيث يصبح ذلك عادة حسنة فيها، لأنّ صاحبها قد ملأها بالرضى عنها، وأنّها محبوبة لديه وأنّها تستحقّ التقدير والإحترام.
تقدير الذات.
يقول العالم {فيليب جي ديمباردو}:
إذا كان المرء لا يحيا سوى حياة واحدة، فليحيها بتقدير عال لذاته.
ويقول {ناثانيال براندين}:
التقدير الإيجابي للذات شرط أساسي للحياة بمعناها الكامل.
إنّ الحياة هبة عظيمة وهي أثمن من أن نضيّعها، وأكبر فاجعة في الحياة ليست في أن يموت المرء صغيرا في سنّ مبكّرة، ولكن الفاجعة الحقيقيّة هي أن يموت دون أن يستفيد الإستفادة الكاملة من قدراته وإمكانيّاته ولو عاش عمرا طويلا. (1/57)
صفحة 58
ورسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يأمر جميع المسلمين باغتنام فرص الحياة المتعدّدة التي يمرّون بها، حتّى يستغلّونها أحسن استغلالا، ويستفيدون منها استفادة جيّدة.
فيقول - صلى الله عليه وسلم -:
اغتنم خمسا قبل خمس، حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك.
رواه الحاكم.
ويقول - صلى الله عليه وسلم -:من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
رواه الترمذي.
تعريف تقدير الذات:
إنّ تقدير المرء لذاته تعني في الأساس قبول المرء لنفسه من غير شرط أو قيد، وأن يكون لديه شعور بأنّه أهل أن يحيا هذه الحياة، وجدير بأن يحقّق الأهداف المختلفة، ويبلغ السعادة فيها، وبواسطة الكفاءة الذاتيّة وقيمة الذات يشعر المرء بالرضى عن نفسه.
وينقسم تقدير الذات إلى ثلاثة أقسام:
1ــ تقدير الذات المادّي: مثل الإعتناء العام بالجسد، نظافة، وهنداما، ونجد هذا في أغلبيّة النساء، خاصّة في هذا العصر.
2ــ تقدير الذات المعنوي والروحي: مثل الأداء الحسن للعمل والإخلاص والإبتكار في ميادين الحياة، خاصّة التعلّم.
3ــ تقدير الذات الإجتماعي: وذلك مثل التواصل الحسن مع أفراد الأسرة وأعضاء المجتمع، وفي ميدان العمل.
ويختلف نوع تقدير الذات في شخص واحد، فمثلا نجده يقدّر ذاته من الناحية الجسميّة، ويقيم لها ألف حساب، فيعتني بهندامه وملابسه ومظهره الخارجي، ولكن لا يهمّه الإتّصال الإجتماعي مع أفراد المجتمع الآخرين، أو لا يعتني بأداء عمله، ولا يفكّر في كيفيّة تطويره، ولا يحاول الإبتكار، وكذلك نفس الحال بالنسبة للجوانب الأخرى. (1/58)
صفحة 59
فالشخص الواحد قد يكون لديه تقدير عامّ مرتفع للذات في جانب من الجوانب، ولكن في الجانب الآخر نجد تقديره لها متدنّ، فمثلا قد يكون محبّا لذاته بوجه عام بسبب نجاحه في الجانب المهني، وكونه محبوبا من الناحية الإجتماعيّة، ومع ذلك يكون له تقدير متدنّ في جانب آخر فيما يتعلّق بمظهره الخارجي الغير الجذّاب.
ويمكن أن تكون هناك امرأة ذكيّة، وتجيد التواصل، وناجحة جدّا في عملها، ومع ذلك تفتقر إلى قبول الذات بسبب مظهرها الخارجي الغير الجذّاب، لأنّه بالنسبة لها يعدّ المظهر هو أكثر العناصر حسما في تحديد مستوى تقديرها لذاتها.
ويقول {جيمس دبليو نيومان}:
تقدير الذات هو مسألة نسبيّة متفاوتة، فلا تستطيع أن تقول إنّ لديّ تقديرا لذاتي، أو ليس لي أيّ تقديرا لها، فأنت تقع في موضع ما من مقياس يتراوح من السلبيّة إلى الإيجابيّة الشديدتين.
والإنسان الذي يقدّر ذاته تقديرا حسنا، يشعر دائما وبشكل عام في مختلف الأعمال بأنّه إيجابي، وقادر على المشاركة في المجتمع في شتّى المجالات، ويستفيد من تلك الثقة في إنجاز أعماله بطريقة جيّدة، وفي الوقت المحدّد، وبحماس يلقى إعجابا وتقديرا من الناس من حوله، ممّا يزيد له في تقديره لذاته.
يقول {سيحموند فرويد}:
أن يكون الإنسان صريحا تماما مع نفسه، هو في حدّ ذاته تمرين جيّد.
وهكذا إذا لم يرض الإنسان عن ذاته، فإنّه يفقد التقدير اللازم لها، والذي يوجّهها التوجيه الإيجابي في اكتساب وتنفيذ مهارات الحياة، فيكوّن عنها نظرة ضعيفة، وعن أداء أعمالها المختلفة، فتضعف ثقته فيها أو تنعدم، وإذا ما وصل الشخص أن يشعر بالذنب نحو ذاته، فتلك هي الخسارة العظيمة، لأنّه لا يقيم لها أيّ تقدير، ويصبح عدوّا لها، يكيل لها الإتّهامات، ويعاقبها ببعض العقابات، فتتدهور مهاراتها، ويضعف أداءها، حتّى يبقى إنسانا سلبيّا لا يؤثّر في هذه الحياة بأيّ عمل ناجح، ويرى نفسه زائد فيها. (1/59)
صفحة 60
وعلاج ذلك هو أن يجتهد الشخص قدر الإمكان أن يتحرّر من هذه النظرة السيّئة نحو ذاته، ويعتبرها كشخص عزيز عليه، وذي قيمة كبيرة، وينظر إليها تماما كما ينظر إلى شخص عزيز لديه، يسعى دائما قدر المستطاع أن يحسن إليه وينال رضاه.
وإذا ما استطاع الشخص أن يكوّن احتراما معتبرا لذاته، ويسعى لرقيّها وعلوّها، وصونها وحفظها من السقوط واليأس، فإنّه يكوّن بينه وبين نفسه علاقة ودّ وتقدير واحترام، فتتغيّر إلى الأحسن وإلى الأفضل، وتتحسّن صورتها بالنسبة له.
فالإنسان مها كان لا يستطيع أن يحبّ أحدا من حوله ما لم يحبّ ذاته، ولا يصل إلى تقدير أيّ عضو من أعضاء مجتمعه إلاّ إذا توصّل إلى تقدير نفسه، لأنّه إذا ما كره ذاته وحطّمها، فإنّه يفقد القدرة على الرقيّ بها في شتّى المجالات، فيربط ذلك الضعف والسقوط بمن حوله، وأنّهم هم السبب في الحالة التي وصل إليها، ويكيل لهم الإتّهامات، لأنّه يعتقد في قرارة نفسه أنّهم هم الذين لم ييسّروا له السبيل إلى الصعود وإلى الرقيّ، وإلى التفوّق والتقدّم، فينتج عن كلّ ذلك من الكراهة والبغض ما لا يتصوّر، وربّما يصل به الحال إلى التعدّي عليهم بالكلام الكاذب والتهم الباطلة.
إنّه لا يستطيع أيّ إنسان أن يحترم غيره إلاّ إذا تعلّم كيف يحترم نفسه، ولايقدر على تقدير أيّ أحد مهما كان، إلاّ إذا عرف كيف يقدّر ذاته، ولا يتوصّل إلى المحافظة على صحّته، أو أن يحسّن من وضعيّته إلاّ إذا كوّن مكانة قيّمة جيّدة لنفسه.
إنّ هذا التقدير الكبير والإحترام الجيّد لذاته سيبعث فيه الإرادة القويّة، ويصدر منها شعاع الفرح والسرور بالحياة، ويكوّن فيه التضحيّة والإستبشار من أجل المستقبل الناجح، ويزرع فيه حبّ الخير لنفسه ولمن حوله من الناس الآخرين، وتمتلئ نفسه بالإخلاص والتفاني في تحقيق الأهداف العالية في هذه الحياة لنفسه ولمجتمعه وللخلق أجمعين. (1/60)
صفحة 61
إنّ الأشخاص الذين لذيهم احترام وتقدير لذواتهم، وحبّ لها، تجدهم دائما يهتمّون بمن حولهم، ويحسنون معاملتهم، لأنّهم يعتبرون أنفسهم ذا قيمة ومكانة في المجتمع، فيدفعهم هذا الإحترام وهذا الشعور بالمكانة إلى المحافظة عليها قدر استطاعتهم، والزيادة من الأخلاق الكريمة التي تزيد لهم درجة ورفعة في هذا المجتمع الذي يحترمهم ويقدّرهم، وكلّ هذه العوامل وهذه الإعتبارات تزيد لهم ثقة في نفوسهم، وكلّما زادت الثقة، إلاّ وزاد احترامهم لأنفسهم، وكلّما زاد هذا الإحترام إلاّ وزاد التعلّق بالقيم الطيّبة والأخلاق الحسنة.
وبذلك يندفعون برغبة وقوّة وشجاعة إلى محاولة تصحيح أخطائهم التي يقعون فيها بين الحين والآخر، ولا يداومون على اقتراف الأخطاء التي كانوا يقترفونها من قبل، ويعتبرون تلك الأخطاء محطّات للتغيير والإعتبار.
إنّ تقدير الذات واحترامها من أكثر المشاعر قيمة، ومن أكبر ما يرفع من قيمة صاحبها، وهو أهمّ شيء يبعث السعادة والراحة والطمأنينة في النفس، وهو شيء أغلى وأثمن من المال والشهرة.
يقول أحد الحكماء:
إنّه ليس من العار أن تسقط، ولكن العار أن لا تستطيع النهوض.
فيجب أن نعتبر الحجر الذي تعثّرنا فيه سلّما للصعود إلى النجاح والتفوّق، ولا ننظر إليه على أنّه سبب للسقوط.
ويقول {فينس لومباردي}:
ليست المسألة أن تقع مهزوما على الأرض، ولكن المسألة أن ينحصر تفكيرك في ما مدى نهوضك من الأرض.
الحوار مع الذات.
الحوار الموضوعي والشفّاف مع الذات مهمّ جدّا في نجاح صاحبها، أو عدم نجاحه، فهو يشكّل في النفس صورا إيجابيّة، تلك الصور التي تكوّن الدافع القويّ لصاحبها، حتّى يعمل ويثابر ويصبر كي يحقّق نجاحا مهمّا، أو بالعكس تتكوّن لديه بذلك الحوار صور سلبيّة ممّا يسبّب له الإخفاق وعدم التقدّم، وقلّة العمل، وعدم الصبر والمثابرة. (1/61)
صفحة 62
هذا الحوار الذي يدور مع ذواتنا هو الذي يحدّد هل سنكون من أفضل الأصدقاء لذواتنا، أم نصبح لها أعداء، نقف لها في طريق تقدّمها وتفوّقها.
هذا الحوار هو الذي سيكوّن الأساس الحقيقي والقويّ لبناء ذواتنا بناء جيّدا، لأنّ العقل الباطن يصدّق ما نخبره به كثيرا وفي كلّ مرّة، وفي كلّ لحظة، فيصبح بعد مدّة حقائق نطبّقها في واقعنا المعاش.
فإذا كانت حواراتنا عبارة عن خطابات سلبيّة، وذلك نتيجة لما نتلقّاه من مشاكل وعراقيل في مسيرة حياتنا، والتي لا مفرّ منها أبدا، فعلينا أن نغيّرها، ونبدّلها بأخرى إيجابيّة.
فإذا ما حاورنا ذواتنا، وجعلناها تشعر بأنّها لا محالة ستتغلّب على مشاكلها، وأقنعناها بأنّ كلّ مشكل يأتي حلّه فيه أو معه، وأنّ لكلّ مشكلة حلّها، فإنّ العقل الباطن سيهدينا بسهولة إلى الحلّ المناسب لكلّ مشكل يعترضنا.
وهذا كما قال ربّنا - عز وجل -:
فإنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا.
سورة الشرح ــ آية: 05ـ06.
ولكن إذا كان العكس، نخاطب ذواتنا بأنّها ضعيفة، لا تقدر على إيجاد حلّ لأيّ مشكلة تعترضها، وأنّنا مذنبون بسبب الأخطاء التي نقع فيها في مسيرتنا، وأنّه يجب أن لا نقع في أيّ خطأ مهما كان نوعه، فذلك هو الذنب الأكبر الذي لا يغتفر، والذي نجنيه على أنفسنا، لأنّ هذا الأسلوب يجعلنا نشعر بالذنب، والشعور بذلك هو المفتاح الأوّل للإحباط والخسارة.
والشعور بالذنب دائما يكوّن في العقل الباطن صورة لعدم نجاح الذات، وعدم تقدّمها، وعدم تفوّقها، وربّما تصل إلى أقصى حدّ، وهو أن تتكوّن لها صورة بتلك الإيحاءات المستمرّة بأنّها لا تستحقّ الحياة، فتتهرّب من تحمّل المسؤولية، فلا تعمل ولا تجتهد كي تكوّن لنفسها تخصّص في حياتها، والطامّة الكبرى عندما تصل إلى درجة الإنتحار، لأنّ أكثريّة الذين ينتحرون هم غير راضين عن ذواتهم. (1/62)
صفحة 63
إنّ هذه الحياة غالية وثمينة لا نحياها إلاّ مرّة واحدة، فلذلك يجب علينا أن نحياها بطريقة جيّدة، مليئة بالإيمان الذي يبعث في نفوسنا الأمل والعمل والصبر والمثابرة.
ولنذكر قصة ذلك الولد الذي غرق في البحر، ثمّ تشّجع رجل فأنقذه، ولما شكر الولد ذلك الرجل على عمله الحسن، كان جواب الرجل:
هل تعتقد يا ولدي أنّ حياتك تستحقّ هذا الإنقاذ؟
فكلّ شخص يصل إلى درجة محاورة ذاته محاورة طيّبة، يسأل نفسه.
ــ هل حياتي تستحقّ أن أحياها على الطريقة التي أحيا بها، أم يجب عليّ أن أهتمّ بها بطريقة أفضل وأحسن، لأن كلّ شخص قد وصل اليوم إلى حيث أوصلته حواراته مع ذاته في الأيّام الماضية، وسيكون غدا حيث تأخذه أفكاره التي يفكّر بها اليوم.
وهذا هو {إبراهيم الفقّي} يسأل كلّ واحد منّا ويقول له:
؟ ــ دعني أسألك، هل أنت تتحدّث مع نفسك أحيانا؟
؟ ــ هل تتحدّث مع نفسك بصوت مرتفع؟
فإذا كنّا نتحدّث مع ذواتنا، فعلينا أن نعلم جيّدا الخطاب الذي يجب أن نخاطبها به، لأنّ كلّ ذلك سيتحقّق في واقعنا، وسيظهر على سلوكنا وأعمالنا، ولو بعد حين.
ويقول {ديل كارنيجي} في كتابه {كيف توقف القلق والأحاسيس السلبيّة}:
إنّ أكثر من 93 % من الأحداث التي نعتقد أنّها ستحدث بالإحساسات السلبيّة، لن تحدث أبدا، و7% منها لا يمكن التحكّم فيها، مثل الجوّ أو الموت مثلا.
علينا أن نجعل الحوارات مع ذواتنا عبارة عن تفاؤلات وآمال وأهداف ذات قيمة كبيرة، نتمنّى تحقيقها في واقع حياتنا، ونتوق للوصول إليها، ونحدّد قدر استطاعتنا في حواراتنا مع ذواتنا الطريق الأمثل للوصول إلى تحقيقها، وذلك تماما كما نحاور أحد أصدقائنا الخارجيّين فندرس معه مشكلة ما، ما هي أسبابها، وما هي تأثيراتها، وكيف نستطيع حلّها، فنسأله فيجيبنا، وبهذه الطريقة نكسب ثقة نفوسنا، ونرفع من معنويّاتها. (1/63)
صفحة 64
إنّه السبيل الحسن الذي سنجد به الطريق واضحا لحلّ أيّ مشكل يعترض طريقنا، وسنحقّق النتائج الباهرة بإذن الله - عز وجل - وتوفيقه.
لنملأ نفوسنا بالخير إذا أردنا أن نجد الخير أمامنا، ولنملأها بالنجاح إذا أردنا أن نجد النجاح في حياتنا.
فالله - عز وجل - لا يخيّب نيّة كلّ من ينوي الخير، ويعمل لنشر الخير ويدعو إلى الخير، ويجتهد قدر استطاعته في سبيل الخير.
قال الله - عز وجل -:
إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا ممّا أخذ منكم ويغفر لكم و الله غفور رحيم.
سورة الأنفال ــ آية: 70.
يقول أحد العلماء:
التوكيد هو عبارة عن قوّة وإيجابيّة ثريّة تؤكّد وتثبت صحّة شيء ما.
ويقول آخر:
إنّ التوكيدات الإيجابيّة، وتقويّة الثقة بالذات هو الذي يؤدّي إلى الإقتناع بها، وبمجرّد أن يصبح هذا الإقتناع إيمانا راسخا، تبدأ الأشياء بالتحقّق.
إنّ الحوارات مع الذات لها عدّة أنواع وأشكال، وتكون في عدّة مجالات:
ــ الحوار مع الذات حول عمل ناجح أنجزناه فيما سبق من الأيام، أو ربّما حتّى قبل بعض سنوات خلت، هذا العمل الذي قمنا به نحو أنفسنا، أو عائلتنا أو مجتمعنا، أو وطننا.
وطريقة الحوار هي أن نبدأ التفكير من تذكّر البداية الأولى التي كنّا نحلم فيها بذلك العمل، ثمّ كيف اتّخذنا القرار للشروع فيه وبداية إنجازه، ثمّ كيف سرنا في طريق إنجازه خطوة خطوة حتّى انتهينا منه وحقّقناه، وما هي الإنفعالات والفرح والسرور الذي شعرنا به ورافقنا طوال تلك الفترة، وكيف استطعنا أن نتغلّب على كلّ الصعاب والعراقيل التي اعترضت سبيلنا، وذلك تماما مثل ما نقوم به مع أحد أصدقائنا حيث نحكي له ذلك ونبيّنه، وهذا ممّا يبعث فينا الثقة للإقدام على إنجاز مشاريع أخرى ربّما تكون أصعب وأكبر. (1/64)
صفحة 65
إنّ ّكلّ تلك الحوارات تبعث الثقة الكبيرة في النفس، فتقبل على إنجاز مشاريع أعظم، ولا تهاب من اقتحام الصعاب، وتمضي قدما في سبيل تحقيق نجاح بعد آخر، والصعود إلى أعلى الدرجات.
ــ ابتعد قدر استطاعتك عن الحوار بالتعابير والأساليب السلبيّة الضعيفة التي تبعث الفشل في الذات، ولا تعين على التقدّم، مثل أن تخاطبها وتقول:
(لا أستطيع) ـ (لا أقدر) ـ (لا أرغب)، وغير ذلك من الحوارات التي تنشر الخوف والفشل ولا تعين على الإقدام والمجازفة، وتفقدك الأمل في المشاريع المستقبلية.
استعمل الحوارات القويّة التي تقوّي الإرادة، وتبعث العزيمة في الذات، وتزيد في نفسك حبّ العمل، مثل:
ــ أنا واثق من نفسي أنّني سأنجح بتوفيق من الله وعونه.
ــ أستطيع القيام بذلك لأنّني قد قمت بإنجاز أعمال أكثر من هذه وأصعب.
ــ لديّ القدرة الكافية للوصول إلى ذلك الهدف الذي أرمي إلى تحقيقه.
ــ لماذا فلان وفلان قد نجحوا في نفس المشروع، فعليّ أن أحاول مثلما حاولوا.
ــ بإذن الله سأصل إلى تحقيق ما أتمنّاه، لأنّني أتمنّى الخير والصلاح، وليس غير ذلك.
ــ عبّر عن كلّ ذلك وأنت تبعث في نفسك قوّة واندفاعا، لأنّ مشاعرك القوّية سوف تزيد لتفكيرك وقراراتك قوّة واندفاعا وصلابة، ممّا يزيد قوّة التأثير في العقل الباطن، الذي هو أساس نجاحك، أو وسيلة إخفاقك وفشلك.
يقول {ما كسويل مالتز}:
حتّى يكون التفكير المنطقي فعّالا في تغيير الأفكار والسلوكيات، ينبغي أن يكون مصحوبا بمشاعر عميقة، ورغبة قويّة.
والمهمّ في كلّ ذلك كلّه أن يكون مصحوبا بمشاعر إيجابيّة، وتفاؤل كبير بما ستقدم على إنجازه من أعمال، وذلك استنادا إلى ما كنت قد أنجزته من قبل، وحقّقته من أهداف.
ــ قم بإجراء هذه التمارين الحواريّة (إذا استطعنا أن نسميها بذلك) والعقليّة كلّ يوم، كي تسمح لعقلك الباطن أن يبرمج نفسه عليها، وأفضل الأوقات لذلك هو: (1/65)
صفحة 66
ــ الصباح الباكر أو الفجر عند النهوض من النوم، وقبل مباشرة أيّ عمل كان، وأنت جالس على فراشك، لاحظ نفسك أخي، أنّ الحوارات السلبيّة تحضر كثيرا في تلك اللحظات، لماذا يا ترى:
لأنّ في ذلك الوقت تكون نفسك منقبضة، وغير منشرحة، وتفكّر في اليوم الجديد كيف تستقبله، وماذا سيقع فيه من حوادث جديدة ومن تغيّرات طارئة، لا تدري ماذا يخبئ لها فيه القدر من خير أو شرّ، من نجاح أو فشل، خاصّة إذا لم تكن قد نامت نوما جيّدا هادئا كافيّا، ولذلك يأمر ديننا الحنيف أتباعه باستقبال اليوم الجديد بالصلاة وتلاوة القرآن والذكر، فجعل ذلك الوقت من أفضل الأوقات التي يتلى فيها القرآن وأنّ الأجر يكون فيه مضاعفا، ورغّب فيه من الإكثار من الصلاة والنوافل، والإلتجاء إلى الله بالدعاء كي يحفظ النفس من كلّ تلك الوساوس والضغوطات، وجعل فيها أورادا خاصّة من الذكر، كلّ ذلك كي تستقبل ذلك اليوم الجديد، وهي واثقة بأنّ ربّها معها يعينها ويحفظها من كلّ مكروه أو منغّص يأتيها في ذلك اليوم.
إنّها بذلك تبعد عنها وسوسة الشيطان الذي يصوّر لها أنّ الحياة صعبة ومليئة بالمشاكل، وتجلب رحمات الرحمان، ممّا يجعل النفس تستقبل اليوم الجديد بكلّ ثقة في ربّها، وهي منشرحة الصدر فرحة بنعمة الحياة الثمينة التي وهبها لها ربّها، وهو الذي يتصرّف فيها كما يشاء ويفعل بها ما يريد.
قال الله - عز وجل -:
وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهودا.
سورة الإسراء ــ آية:78.
والوقت الثاني والمهمّ لمحاورة الذات هو وقت الإيواء إلى النوم في الليل، بعد قضاء نهار مليء بالأعمال الناجحة وغير الناجحة. (1/66)
صفحة 67
علينا أن نحاورها بكلّ موضوعيّة ونتذكّر الأعمال الجيّدة والناجحة التي أنجزتها، فنهنّئها بذلك النجاح والإنجاز، أمّا الأعمال الغير الناجحة والتي فشلت فيها، فلا نلومها عليها لوما كبيرا، وإنّما علينا أن نلتمس الأعذار التي كانت هي السبب في عدم نجاحها، ونطمئنها بأنّها قد قامت بما يجب عليها القيّام به من مجهود ووسائل، ولكن لم يشأ الله - عز وجل - أن تصل إلى النجاح الكامل، لأنّ هناك كثيرا من الأسباب لا تستطيع أن تتحكّم فيها أو تسيطر عليها، وأنّ الفرصة لازالت سانحة أمامها لكي تستعيد ما خسرته، طبعا إذا كانت هناك خسارة تذكر.
ــ ولا ننسى أن نقارن بين الأعمال التي وفّقنا الله - عز وجل - لإنجازها وإتمماها، وبين التي لم نتوصّل إلى إتمامها، لأنّنا سنجد الأعمال التي أنجزت ونفّدّت أكثر وأعظم من التي لم تنجز.
وهناك من العلماء من يفضّل وينصح بعدم تذكّر الأعمال الفاشلة التي لم نستطع إنجازها وإتمامها، بل نحاول أن نركّز على الجانب الإيجابي فقط، حتّى نبرمج عقولنا على ذلك الإتّجاه الإيجابي، فننام بنفس منشرحة فرحة مسرورة، ونجلب لها نوما هادئا نافعا، وننهض في الصباح بروح عالية، نستقبل بها اليوم الجديد بكلّ ثقة وشجاعة.
وقد توصّل العلماء إلى اكتشاف أنّ عقل الإنسان لا ينام أثناء نوم صاحبه، وعند استراحة بقيّة الأعضاء، بل يبقى يعمل، ويرتّب ما كان قد تلقّاه طوال النهار، فلذلك يجب علينا أن نحاول قدر المستطاع أن ننام ونحن على قدر كبير من الإنشراح والفرح والسرور، والأمل أن ننهض في الصباح لمحاولة إنجاز أعمال جديدة أخرى كما استطعنا أن ننجز الأعمال السابقة.
إنّ الوقت الأخير أو اللحظات الأخيرة من اليوم، والتي هي وقت الإستسلام للنوم، لها دورها الفعّال في زرع الإنشراح أو الإنقباض في نفوسنا. (1/67)
صفحة 68
لذلك يقول العلماء بأنّ ذلك الوقت هو أكثر الأوقات وأنسبها لحالة الإسترخاء، والتي يكون فيها العقل الباطن أكثر استعدادا لاستقبال ما يلقى إليه من توجّهات وآمال وبرامج، فيبقى يفكّر فيها طوال الليل ممّا يبعث النشاط والتفاؤل، أو الإنقباض والتشاؤم، بمجرّد النهوض من الفراش، فينهض وهو مبنيّ على التوجّهات التي نامت عليها النفس في أوّل الليل.
إنّ كلّ شخص يستقبل نهاره على حسب التوجّهات التي يستيقظ عليها عند نهوضه من النوم، وربّما يقضي نهاره وهو متأثّر بتلك التوجّهات، وتلك البرمجة التي نهض عليها، فيقضيه وهو منقبض حيران، كيف يسلك طريق العمل والفوز، وكيف يحقّق أهدافه التي يتمنّى الوصول إليها، أو العكس.
والفترة الثالثة هي: اللحظات التي نستيقظ فيها في وسط الليل، ويذهب النوم عن عيوننا، ففي ذلك الوقت نتذكّر كلّ الهموم التي تلقّيناها وسط النهار، ونتفكّر في المشاكل والعراقيل التي واجهتنا في كامل اليوم، وهو الوقت المناسب جدّا ليسأل المرء نفسه كيف هي حالته تجاه ذلك، فإن كانت معنوياته مرتفعة فذلك هو الخير الكبير الذي يجب أن يشكر الله عليه، وإذا كان العكس فما عليه إلاّ أن يلتجئ إلى ربّه، ليرفع عنه ما هو فيه من المضايقات والأفكار التي تسبّب له مثل ذلك التوجّه.
ولأمر عظيم ومهمّ، أمرنا سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أن نكثر من الذكر والدعاء وقراءة بعض الآيات من كلام ربّنا في تلك الأوقات، وذلك حتّى نبعد عنّا مثل هذه التوجّهات السلبيّة التي تبعث فينا هذه النظرة التشاؤميّة للحياة طوال اليوم. (1/68)
صفحة 69
إنّ لغة التشاؤم والنظرة السلبيّة للحياة هي نظرة يتقنها كلّ فاشل، لا يحبّ العمل ولا يصبر على تحمّل العراقيل، ولا يريد المثابرة في ميدان العمل، ولا يضحّي بشيء ممّا أفاء الله عليه، علّه يجني ثمرات ذلك في نجاحاته التي يحقّقها في هذه الحياة، بل يريد أن يأتيه النجاح والتفوّق فوق طبق من ذهب، دون تعب أو مشقّة، وأنّى له ذلك.
وهو كذلك يلقي باللوم دائما على من حوله من الناس، وكأنّهم هم السبب الوحيد والرئيسي في وصوله إلى هذه الدرجة من القنوط واليأس والفشل، ويطمع فيما في أيدي الناس، وما أكثر أمثال هؤلاء العباد في هذا العصر.
أمّا لغة الحازمين، الواثقين من أنفسهم، المعتمدين على ربّهم أوّلا، وعلى مهاراتهم وخبراتهم ثانيا، فهي لغة كلّ الناجحين، ولهذا يجب على كلّ إنسان أن يتعلّمها ويتقنها، إذا كان يطمح حقّا إلى تحقيق نجاح في حياته الدنيويّة، وفلاح وفوز في الأخرى.
إنّه عندما ننصت إلى ما في داخلنا بحقّ وموضوعيّة، وبوعي منّا بما يجب علينا القيام لكي نحقّق النجاح، ونسأل عمّا في داخلنا بكلّ صدق ويقين، فإنّنا نستطيع بذلك أن نحدّد اتجاه سفينتنا في هذه الحياة، حتّى قبل أن نبحر بها في خضم الأمواج والمنعرجات الخطيرة التي توجد في طريقنا، كما شبّهها رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - حين كان يوصي صاحبه معاذ بن جبل، فقال له:
أحكم السفينة فأنّ البحر عميق.
إنّ الحوار الموضوعي والصادق مع الذات، يجعلنا نعلم جيّدا هل نحن على الطريق الصحيح، فنسير عليه بكلّ شجاعة وثقة، أم العكس، فنغيّر من اتجاهنا إلى الوجهة الصحيحة.
إنّ كثيرا من الناس يسيرون في الطريق دون أن يتوقّفوا بين الحين والآخر لمحاورة ذواتهم، أو توجيه أسئلة لها، وبعد مدّة يجدون أنفسهم في الطريق الخاطئ، وأنّهم متوجّهون إلى الوجهة الغير الصحيحة، فيجدون صعوبة في الرجوع إلى نقطة الصفر وبداية السير من جديد. (1/69)
صفحة 70
هذا إذا بقيت لهم فرصة وقوّة للإنطلاق مرّة أخرى، ولكن المشكلة الكبرى عندما يشعرون بأنّ وقت العمل قد فاتهم، فلا يستطيعون تصحيح مسارهم.
وكثير منهم ويا للأسف يصعدون ويصعدون، وعندما يصلون إلى أعلى الدرجات يكتشفون أنّ السلّم مسنود إلى الحائط الخاطئ، فهل يا ترى ينزلون إلى الأسفل ليعاودوا الصعود من جديد، أم أنّهم يتابعون صعودهم الخاطئ.
ولحسن الحظ فإنّ أيّ إنسان يستطيع أن يتصرّف تجاه التحدّث مع ذاته، هذا التحدّث الذي يتسبّب في البرمجة الذاتيّة، وكذلك إنّه ممّا يغبط عليه أنّه يستطيع تغيير أيّ برمجة سلبيّة، وإحلال برمجة أخرى جديدة إيجابيّة مكانها، والتي تزوّده بالقوّة، والله - عز وجل - جعل هذا الإنسان هو المالك لعقله، والمتصرف فيه، يفكّر به كيفما شاء ويحفظ فيه ما يريد، ويمكنه أن يغيّر في تفكيره حسب رغباته وميوله.
ورغبات وميول كلّ إنسان عاقل في هذه الحياة هي حبّ الفوز والتفوّق والصعود إلى أعلى مراتب النجاح بكلّ مهارة وثقة.
وقد قال {أرنست هولمز}:
أفكاري تتحكّم في خبراتي، وأنا باستطاعتي توجيه أفكاري.
أي أنّه باستطاعته توجيه أفكاره نحو النجاح والتفوّق، واستغلال مهاراته وطاقاته، حتّى يحقّق بذلك مختلف النجاحات.
وقالت {ماريان ويليامسون}:
باستطاعتنا في كلّ لحظة تغيير ماضينا ومستقبلنا بإعادة برمجة حاضرنا.
وهناك مبدأ في علم البرمجة اللغويّة يقول:
ــ أنا مسؤول عن عقلي، إذن أنا مسؤول عن نتائج أفعالي.
وقد سبق الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلّ هؤلاء المفكّرين والعلماء في مختلف النظريّات التي توصّلوا إليها بعد عدّة بحوث، وعن طريق الأخذ من بعضهم البعض، ولكنّه - صلى الله عليه وسلم - قد جاء بها من عند خالق هذا الإنسان، فبيّن للمسلم أنّه يجب عليه أن يعيش عزيزا قويّ الثقة بربّه أوّلا، وبنفسه ثانية، إذا أراد أن يقطع هذه الحياة بهدوء واطمئنان. (1/70)
صفحة 71
فعن أبي هريرة ــ - رضي الله عنه - ـ أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء، فلا تقل:
لو أنّي فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله، وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان.
رواه مسلم.
فحقّا إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث القوّة والثقة في النفس الإنسانيّة، فتكون قويّة في ذاتها، قويّة في تفكيرها، قويّة في عملها حتّى تقطع طريق حياتها بكلّ قوّة وثبات.
وكذلك حتّى يحرص الإنسان على ما ينفعه، ويترك ما لا فائدة له فيه من الأفكار والأعمال والأقوال، لأنّ لكلّ ذلك أثره في النفس، فإذا كان ممّا ينفع ترك آثارا نافعة فيها، وإذا كان ممّ يشغل الفكر ويتعبه دون فائدة ترك آثاره السيّئة.
والمسلم القويّ الإيمان والمخلص مع ربّه كلّما قرأ كتابه القرآن الكريم بتدبّر ورويّة، يجد فيه آيات وآيات كثيرة توجّه تفكيره الوجهة الصحيحة والموثوقة في كامل أيّامه، وتكوّن فيه نظرة إيجابيّة لهذه الحياة.
إنّ من حقّ كلّ إنسان، وفي استطاعته أن يفكّر بالطريقة التي يريدها هو، وأن يركّز على الشيء والعمل الذي يرغب في القيام به، ما دام في حدود حريّته ولا يتعدّى على حرّيات الآخرين، ولا يوجد هناك من يستطيع أن يسيطر على أفكاره أو يملي عليه نظريّاته، أو أن يوقف أحلامه وآماله، أو أن يسلب منه أمانيه.
إنّ أفكاره يسيطر عليها وحده، ومن حقّه أن يبنيها ويوجّهها، وذلك من خلال حواراته مع ذاته.
إنّ رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يعلّمنا كيف نوجّه أفكارنا الوجهة الصحيحة، وكيف نغيّرها من الأسوأ إلى الأفضل، وذلك إذا ما داومنا على الأذكار التي أرشدنا إليها في كلّ وقت من ليل أو نهار. (1/71)
صفحة 72
فعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ أبا بكر الصديق ـ - رضي الله عنه - ـ قال: يا رسول الله علّمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت.
قال - صلى الله عليه وسلم -: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت:
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، ربّ كلّ شيء ومليكه، أعوذ بك من شرّ نفسي وشرّ الشيطان وشركه، قل ذلك إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أويت إلى فراشك.
رواه أبو داود في كتاب الأدب.
وإنّنا لا نستطيع أن نفي بإظهار فوائد هذه الأذكار في نفس الذي يداوم عليها من توكّل على ربّه، وتفويض أمره كلّه إليه، دون خوف من أحد، أو إلقاء اللوم عليه أنّه سبب في عدم نجاحه وتقدّمه.
وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أصبح، قال:
أصبحنا وأصبح الملك لله، والعظمة والسلطان.
اللهمّ اجعل أوّل يومي صلاحا، وأوسطه فلاحا، وآخره نجاحا.
رواه أبو داود في كتاب الأدب.
وهكذا، فبهذه الأذكار يبعث الإنسان في نفسه القوّة والثقة والإقدام في أعماله، وذلك طوال يومه، وكذلك حين نومه، فينام مطمئنا مرتاح البال، إلى أن يصبح في اليوم الجديد فيعيد ذكرها وقولها فتزيد فيه ثقة وثباتا، ويسير على بصيرة من أمره، ويحمد ربّه ويشكره بعد كلّ نجاح، وذلك لأنّه يعتقد ويؤمن بأنّ ذلك النجاح منه وحده، وليس راجع إلى قوّته أو ذكائه أو فطنته، ويرجع الأمر إليه بعد كلّ فشل يقع فيه، إذا هو لم يوفّق إلى طريق النجاح، ويعتقد ويوقن بأنّ ربّه هو الذي اختار له ذلك، وهو الحكيم العليم يعلم أين توجد مصلحته وفائدته وخيره، ويدعوه ويقول: اللهمّ وفّقنا لصالح الأعمال لا يوفّقنا إلى صالحها إلاّ أنت، واصرف عنّا سيّئها لا يصرف عنّا سيّئها إلاّ أنت.
ويؤمن بما قاله ربّه في كتابه:
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم و الله يعلم وأنتم لا تعلمون.
سورة البقرة ــ آية:216.
فجّر طاقات ذاتك. (1/72)
صفحة 73
أنت معجزة خلقها - عز وجل - الله في هذا الكون، هل أنت مطّلع حقيقة على ما وهب لك ربّك عزّ وجلّ من قدرات وطاقات ومهارات، هل أنت تفكّر في ذلك، أم أنت غافل عنها، وعن شكرها.
لقد كرّمك ربّك، حيث خلقك في أحسن تقويم، وسوّاك فعدّلك، في أيّ صورة ما شاء ركّبك، وأسجد لك ملائكته، وفضّلك على كثير ممّن خلق تفضيلا.
قال - عز وجل - الله:
ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا. ... سورة الإسراء ــ آية:70.
اشكر ربّك بحقّ، وشكره يكون باستغلال تلك القدرات والطاقات والمهارات التي ميّزك بها عن غيرك من المخلوقات، سخّرها فيما يعود بالخير والفضل عليك وعلى خلق الله أجمعين، وذلك بأن تحسن إلى نفسك وإلى الآخرين من بني جنسك، وبما يعود بالفائدة والنفع، وبذلك يحفظها لك ربّك وينمّيها ويقوّيها فتزيد استفادتك منها أكثر وأكثر، وتصل إلى كلّ ما تتمنّاه من الخير في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر لنا ربّنا - عز وجل - نصيحة قوم قارون له بقولهم:
وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ الله لا يحبّ المفسدين.
سورة القصص ــ آية: 77.
إنّ أغلبيّة الناس يتمتّعون بطاقات خارقة كثيرة وكبيرة، ويملكون مهارات منفردة حباهم الله بها، ولكنّهم غافلون عن حقيقتها وعن امتلاكهم لها، ولا يحاولون إيقاظها وتدريبها وتنميّتها لكي يصلوا بها إلى الدرجات العلى من النجاح والتميّز والتفوّق الذي يتمنّون الوصول إليها، ولم يبدؤوا بعد المسيرة. (1/73)
صفحة 74
إنّهم عبارة عن سيّارة جديدة خرجت من المصنع لتوّها، تحمل كلّ مستلزمات الإنطلاق الحسن، والسير الجيّد، وبكلّ قوّة ولكنّ جهل صاحبها بها، وبما فيها من الآلات التي صنعت بإتقان لتنطلق بسرعة فائقة، جعله يوقفها في ركن من أركان المرأب دون محاولة منه لاستغلالها، أو أنّه قد اشتغل بأشياء أخرى أقلّ قيمة منها فلم يشتغل بها، أو لاستهزائه بما ركّب فيها من آلات خارقة الصنع، ممّا يجعلها تستطيع أن تقطع مسافات طويلة وبسرعة كبيرة، وبكلّ ثقة وضمان، وتصل إلى الهدف المرغوب فيه في أمان وسلامة.
ومن جهة أخرى ربّما نجد صاحبها ليس له هدف يريد الوصول بها إليه، فلذلك تركها في زاوية دون استغلال أو استفادة منها.
إنّ السيّارة القويّة الممتازة لم تنطلق لا لعيب فيها، ولا لضعف في طاقاتها أو آلاتها، وإنّما لجهل صاحبها وعدم استغلال قواها وطاقاتها، ولسوء معرفته كيفيّة سيرها وحركتها وانطلاقها، ودفعها إلى الأمام، ولأنّه لا يدري كيف يطلق المكابح التي تقيّدها عن الحركة والسير.
إنّك فريد في قدراتك وطاقاتك، فلا أحد يشبهك في ذاتك، ولا أنت تشبه أحدا منهم، وذلك منذ خلق - عز وجل - الله الأرض ومن عليها، وإلى أن ينقطع الخلق عن هذا الكون، وعند انقطاعك عن هذا الكون أنت كذلك فلن يأتي أحد يشبهك في ذاتك وصفاتك وقواك العقليّة والجسميّة.
أطلق العنان لطاقاتك، وذلك بمحاولة تحقيق أحلامك، هذه الأحلام التي هي بالمجان، ولا تشتريها بشيء من المال.
أطلق مكابح نفسك حتّى تصعد بها إلى أعلى سلّم النجاح، وأنت تعلم أنّ محرّك السيّارة كلّما زاد انطلاقا إلاّ وزادت السيّارة سرعة.
إنّ ذاتك تصبح سيّارة بلا مقود، وهذا إذا لم تكن لك أهدافا تريد الوصول إليها في هذه الحياة الدنيا، وفي الحياة الأخرى.
إنّ كلّ ما تملكه من امتيازات هو هديّة إليك من ربّك، فهل شكرت له هديّّته أم لا، فلماذا لا تحافظ على تلك الهديّة وتستمتع بها قدر المستطاع. (1/74)
صفحة 75
وحواسك المختلفة هي كذلك هديّة منه إليك، فعليك بتفعيلها واستخدامها واستغلالها إلى أقصى حدّ ممكن، ما دامت قويّة صحيحة تعمل بكامل قدرتها وفعاليّتها، فهي وسائل شحن وتعمير، تعمّر بها ذاتك من مختلف المهارات والخبرات.
قال - عز وجل - الله:
و الله أخرجكم من بطون أمّهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلّكم تشكرون. ... سورة النحل ــ آية:78.
إنّ - عز وجل - الله قد وهب لنا بطاريات عالية الجودة، لا تنتظر منّا إلاّ أن نشحنها بالطاقة اللازمة التي تنفعنا طوال رحلة الحياة على وجه الأرض، ونفوز بها بالنعيم الدائم غدا يوم القيامة، فعلينا أن نعتني بها عناية جيّدة، ونقوم بمراقبتها بين الحين والآخر، حتّى تدوم صلاحيتها وقوّتها إلى أقصى درجة ممكنة، وإلى أكبر زمن نعيشه من عمرنا.
فطاقاتنا هي قوانا الفكريّة والعقليّة والجسميّة، ووسائل شحن تلك الطاقات وتقويّتها هي حواسنا المختلفة، والمادّة المشحونة هي المعلومات والمهارات الكثيرة والمتنوّعة التي نتعلّمها طوال رحلتنا.
فلنتعلّم ولنتعلّم، ونطالع ثمّ نطالع، لأنّه يجب علينا أن نقوم بتغذيّة قوانا الروحية بما يلزمها من الغداء الثقافي، ونعتني بها حقّ العناية حتّى تبادلنا العطاء من جهتها هي كذلك، وذلك كما نغذّي قوانا الجسمية المادّية، بل أكثر منها، لأنّه بقدر ما نزوّد القوى الجسمية تعطينا حركة أكثر، وكذلك القوى الفكريّة تماما، فكلّما كان غذاؤها أحسن وأكثر، كلّما كان مردودها أفضل.
علينا أن نقتنع جيّدا بأنّ ذواتنا لها قدرات عالية للتعلّم والتلقّي والاستيعاب، لتصل بذلك كلّه أعلى الدرجات والمراتب.
قال الله - عز وجل -: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. سورة التوبة ــ آية:105.
وقال رسول - صلى الله عليه وسلم - الله:
اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له. (1/75)
صفحة 76
فعندما يعلم الإنسان ويتيقّن بأنّ ربّه قد وهب له قوى متعدّدة وطاقات عالية، فستكون له القوّة والشجاعة والثقة في تنميّتها والرفع من مستواها، وبذلك يتغلّب على قصوره وضعفه، فيحقّق بذلك النجاح الجيّد.
فالله - عز وجل - يحبّ من عباده أن يكونوا أقوياء يعملون ويثابرون في سبيل الرفع من مستوى قدراتهم، ليستغلّوها في جوانب الحياة المختلفة، فيعيشوا حياة سعيدة.
والحياة أخذ وعطاء، فبقدر ما تبدل من جهد وتتفانى في التعلّم والعمل يكون مردودك أكثر وإنتاجك أعلى وأكبر.
فلا تبخل على نفسك من الإستفادة إلى أقصى درجة ممكنة، كي لا تبخل مجتمعك وإخوانك بما ستستفيدونه في مختلف مجالات الحياة.
الذات والإحساس.
من المعلوم أنّ الإحساس يكون بالنفس والإنسان حاضر الذهن، وذلك مثل الفرح والحزن، والراحة والتعب، واللذة والألم، ودليل ذلك أنّه إذا اشتغلت نفسه بأمر عظيم وجليل، فقد تمرّ بين عينيه أشياء معتبرة ومهمّة فلا يراها ولا يهتمّ بها، وتحدث أصوات غريبة أمامه أو حوله فلا ينتبه إليها، وقد يلمس ويضرب ولا يحسّ، وهو غير ميّت، والروح لا تزال تسري فيه، وما ذلك إلاّ لأنّ نفسه مشغولة بشيء عظيم وجليل.
ولنا أمثلة كثيرة على ذلك في واقع الحياة، وربّما قد وقع لكلّ واحد منّا مثل هذا الموقف.
فمنها ذلك العابد الذي تورّمت قدمه، وسبّبت له آلاما حادّة، واحتار الأطبّاء كيف يزيلونه، فنصحتهم زوجته أن يقوموا بذلك عندما ينقطع في الصلاة، ويدخل في حضرة مولاه جلّ وعلا.
ولمّا وقف إلى الصلاة، وخشع في مناجاة ربّه، جاءوا إليه وقطعوا ذلك الورم عن رجله، فلم يتحرّك ولم يتألّم، وهذا دليل قاطع بأنّ ذاته كانت منقطعة بالكلية عن هذه الحياة المادّية، وهو خاشع في عبادة ربّه ومناجاته والتضرّع إليه.
وعابد آخر كان يصلّي فسقط ركن من المسجد ولم يفزع ولم يتحرّك، ولمّا انتهى من صلاته، ذكروا له الحادث، فقال: لم أشعر بذلك أبدا. (1/76)
صفحة 77
ولا أدلّ على ذلك من الصحابي الذي قطّعت ذراعيه في المعركة ومع ذلك بقي يحارب وهو حامل الراية بين ذراعيه المقطوعتين، لأنّ الشيء المهمّ والغاية الغالية التي كان يرمي إلى تحقيقها هي الشهادة في سبيل الله، والفوز بالجنّة، فأنساه ذلك ألمه، فبقي يحارب بكلّ شجاعة وإقدام.
وفي حال النوم تكون الروح التي بها الإحساس موجودة في جسم النائم، فهو يتنفّس ويتقلّب في فراشه، وربّما يتكلّم وينهض من فراشه ويمشي، لكنّه غائب الحسّ والشعور، نفسه الناطقة المدركة غير موجودة، فهو لا يشعر أبدا بما يقع حوله، وإذا استفاق من نومه لا يتذكّر شيئا ممّا قام به أثناء نومه، رغم أنّه كان حيّا، وروحه ما زالت في جسمه، وفي كلّ أجزائه.
إذن هناك شيء غامض خلاف الروح، فالروح تبقى أثناء النوم، والنفس تخرج وتعرج إلى ربّها، وترى الرؤى والأحلام، فالنفس خرجت، والروح بقيت، فهما شيئان مختلفان.
إذن فما هي الذات التي يكون بها إدراك الخير والشرّ، والتي تفقد ذلك الإدراك أثناء النوم.
فالجسد مركّب من ذات (النفس) وروح، وهذه النفس (الذات) عندما ينام صاحبها تنشغل بشيء آخر، أو تنكمش، أو تخرج، بحيث تبقى العين مفتوحة لا ترى، والأذن غير سامعة، وصاحبهما نائم.
إنّ ما وقع للعين وللأذن وللحسّ هو بسبب أنّ النفس قد خرجت والروح قد بقيت، لذلك بقيت الحياة في جسم النائم.
ومن هنا تأتي التساؤلات المتعدّدة والمختلفة والمحيّرة.
هل الإنسان هو مجموع جسمه وذاته؟ وهل الإنسان المكلّف هو جسمه أم روحه؟ وهل الروح هي النفس أم لا؟.
وهل الإنسان يتنعّم في الآخرة نعيما روحيّا أم جسميّا؟ وهل يتعذّب عذابا جسميّا أم روحيّا فيها؟ ما دامت الذات هي التي تأمر وتوجّه الجسم على أن يقوم بالأعمال الحسنة الطيّبة، أو السيّئة الخبيثة.
إنّ العلماء لا زالوا لم يجدوا جوابا شافيّا لهذه الأسئلة، حتّى ذهب بعضهم إلى أقوال عجيبة وغريبة، فقالوا: (1/77)
صفحة 78
النفس (الذات) شيء خارج عن الجسم كلّه، ليست هي الروح التي بها الحياة والموت، وليست هي الجسم الذي هو وعاء يحملها، والذي يقوم بتطبيق ما تأمره به، ولها بالجسم اتّصال تصريف، وتدبير الأمور.
ولا يزالون مسترسلين وراء هذه الأبحاث علّهم يصلون إلى حقيقة ولو ضيّقة عن هذه الذات الإنسانية المحيّرة التي ترشد صاحبها للقيام بكذا، أو تمنعه عن القيام بكذا، خاصّة في هذه السنوات الأخيرة التي تطوّر فيها البحث، وأصبح الإنسان يرغب ويتمنّى أن يصل إلى معرفة كلّ جوانب ذاته ومكوّناتها وتغيّراتها، بقصد تحقيق حياة معتدلة، بينه وبين نفسه، وبينه وبين بني جنسه.
وبما أنّ النفس هي (الذات) المسؤولة عن اعتقادات صاحبها واتّجاهاته، وأعماله وأقواله، جعل الله - عز وجل - الحساب مرهونا بها وحدها.
فقال الله - عز وجل -:
كلّ نفس بما كسبت رهينة.
سورة المدثّر ــ آية: 38.
ويقول كذلك:
يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرّا وما عملت من سوء تودّ لوانّ بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذّركم الله نفسه و الله رؤوف بالعباد.
سورة آل عمران ــ آية:30.
وقال الله - عز وجل -:
اليوم تجزى كلّ نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إنّ سريع الحساب.
سورة غافر ــ آية:17.
ومعرفتها تبدو مسألة مركزيّة، لا يمكن اختزالها في عبارات جاهزة قصيرة، لأنّ أيّ عبارة لا تستطيع أن تفي بتعريفها تعريفا كاملا جامعا، ولا يمكن حصرها في أوامر ونواهي شرعيّة، أو عادات وتقاليد اجتماعيّة، أو أقوال وتعليقات أخلاقيّة، فكلّ هذه المعرفة الواسعة التي توصّل إليها المفكّرون تؤكّد أهمّية وعي الإنسان بذاته، ومحاولة معرفتها قدر المستطاع، حتّى يستطيع أن يوجّهها الوجهة الصحيحة المستقيمة، ويحيا حياة طيّبة، وكذلك حتّى يدرك المعوّقات التي تحول دون معرفة ذاته وفهمها.
تغيير الذات.
قال الله - عز وجل -:
إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.
سورة الرعد ـ آية:11. (1/78)
صفحة 79
اعتمادا على هذه الآية واستنادا إليها، فإنّنا نستنتج أنّ الإنسان يستطيع تغيير ذاته، وليس كما يقول ذلك الحكيم:
تزول الجبال ولا تزول الطبائع من الرجال.
ولكن بشرط أن يكون الإنسان قويّ الإرادة ذا عزيمة مرتفعة، يثق في نفسه ثقة كبيرة، ويعلمها جيّدا، ويتحاور معها بصفة حسنة.
ــ فإذا كان كذلك استطاع أن يرتقي بها إلى درجة أحسن وأفضل ممّا هي عليها، خاصّة إذا كانت في درجة غير جيّدة.
ــ فإذا أراد إنسان تغيير ذاته فعليه أن يتغلّب على مخاوفه.
ــ وإذا استطاع أن يتغلّب على مخاوفه، استطاع تغيير أفكاره.
ــ وإذا استطاع تغيير أفكاره، فإنّه يغيّر إيحاءات عقله الباطني.
ــ فإذا غيّر إيحاءات عقله الباطن، فإنّه سيغمره بمهارات لم يكن يتقنها من قبل، ولم يكن يتصوّرها، وسيصل إلى أعلى المراتب التي لم يكن يحلم أن يصل إليها من قبل.
فقد قال {دبليو داير} في كتابه، ــ سوف تراه عندما تؤمن به ــ:
إنّ التحوّل ينتج عن المعرفة الكاملة بما بداخل ذواتنا.
إنّ كلّ إنسان هو أكثر بكثير من مجرّد جسد مادّي، وأنّ جوهر الكيان البشري يشمل القدرة على التفكير.
إنّ بمقدور كلّ إنسان استخدام عقله بالطريقة التي يختارها، وذلك إذا أدرك وعلم أنّ بشريّته وإنسانيّته ليست شكلا أو جسدا على الإطلاق، ولكنّها شيء أكثر سموّا وعلوّا، توجّهه قوى دائمة العمل في هذا الكون، إنّها قوّة هائلة وعظيمة لا متناهيّة، إنّها قوّة الله - عز وجل - الذي لا تاخذه سنة ولا نوم، إنّها القوّة التي وهبت له هذه الروح التي يصبح بها قويّا إذا اهتمّ بها وقوّاها، لأنّها تستمدّ قوّتها من قوّة الذي نفخها فيه.
قال أحد الحكماء:
التحوّل هو القدرة على الرغبة في العيش فيما وراء كيانك البدني.
قال بعضهم: إنّ في باطن كلّ إنسان صوتين.
الوسواس ـــ والوجدان:
وكلاهما صوت رغبات مقموعة، ذلك أنّ عند كلّ إنسان عاطفة الخير، وعاطفة الشر. ّ (1/79)
صفحة 80
فالوسواس الصوت الذي يجذب النفس إلى فعل الشرّ ــ الشيطان ــ إذا تغلّب على الذات فعلت الشرّ، ومالت إليه كثيرا.
قال الله - عز وجل -:
من شرّ الوسواس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنّة والناس.
سورة الناس ــ آية:04ـ05ـ06.
والوجدان هو الصوت الذي يجذب النفس إلى الخير ــ الملك ــ إذا تغلّب على الذات فعلت الخير ومالت إليه.
وربّما نستطيع أن نفسّر الوسواس بالنفس اللّوّامة.
قال الله - عز وجل -:
فلا أقسم بالنفس اللّوّامة.
سورة القيامة ــ آية:02.
فالإنسان الطيّب هو من أحيا عواطف الخير والعدل والكرامة في نفسه وقمع أضدادها.
والعاطفة المقموعة تحاول دائما أن تجد منفذا لها تظهر منه، فتدعو إلى الشرّ، وذلك هو الوسواس. ــ Temptation ــ
وعلى العكس من ذلك فالإنسان الخبيث هو الذي يحيي عواطف الشرّ من أثر وظلم، ويقمع عواطف الخير، فتحاول عواطف الخير أن تظهر، وتنادي بوجوب السمع لها والطاعة، وتحذّر من الاستمرار في طريق الشرّ وذلك هو صوت الوجدان.
وتختلف أوامر الوجدان ونواهيه باختلاف المثل العليا للإنسان، فقد يشعر الإنسان بتأنيب شديد من الوجدان على عمل لا يشعر شخص آخر بأنّ فيه شيئا من الشرّ، وخير الناس من علت مثله، واشتدّ شعوره بالخير، وقوي وجدانه.
فإذا أحسّ أحد من نفسه بميل مفراط إلى هذا النوع من الشهوات، فليضعّف هذا الميل بشيء من الزهد.
قال {أرسطو}:
إذا تعدّ خلق الشرّ عند إنسان حدّه، فليقوّمه بالميل إلى غيره.
إنّنا نستطيع أن نتغلّب على المعارك الداخليّة، فتسكن نفوسنا، وتعلم ما تريد، وتؤمن بالهدف الذي ترمي إلى تحقيقه في هذه الحياة.
ولا يكون ذلك إلاّ بالصبر على محاولة التحسّن والتقدّم والرقيّ، والإصرار على الوصول إلى ما هو أفضل، وما هو أحسن. (1/80)
صفحة 81
يجب علينا أن نقوّي في نفوسنا محفّزات تقويّة الروح الذي هو أساس النجاح في الحياة، روح المثابرة، روح العمل والجدّ والصبر على تحقيق الخير لنا ولمن حولنا من عباد الله جميعا، بل يتعدّى إلى كلّ المخلوقات من حيوان ونبات وجماد.
ونحن مخلوقون في هذه الحياة للجهاد والعمل للوصول إلى الأهداف الساميّة الراقيّة والنبيلة، وتحقيق المثل العليا التي تضمن الحياة الآمنة المطمئنّة السعيدة للبشرية جميعا في هذا الكون.
قال الله - عز وجل -:لا أقسم بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد.
سورة البلد ــ آية:01ـ02ـ03ـ04.
إنّه خير لهذا الإنسان إذا أراد التخلّص من الخلق السيء، ألاّ يداوم التفكير فيه، في كلّ وقت من ليل ونهار، أو في كلّ مناسبة، بل يركّز على التفكير في ضدّّه، والذي هو الحسن والطيّب، وألاّ يطيل لوم نفسه على ذلك، بل يصرف ذلك الجهد إلى أن ينشئ محلّ ذلك الخلق السيّء خلقا جديدا كريما، ويطلب - عز وجل - الله ربّه أن يعينه على الإقلاع عن ذلك الذنب، ويعوّضه مكانه خلقا آخر حسنا.
إنّ إطالة التفكير في ذلك الخلق ولوم نفسه كثيرا عليه، قد يؤدّي إلى انكماشها، والإحساس بالضعف أمام تغييره والإقلاع عنه، وفقدان الثقة في إمكانيّة التغيير والتبديل إلى الأحسن والأفضل.
فإذا ما ركّز جهده على تنشئة محلّ الخلق السيّئ القديم خلقا جديدا صالحا نشطت نفسه، وانفتح أمامها باب الأمل والرجاء.
وربّما نستطيع أن نضرب لذلك مثلا من البنّاء الذي يريد أن يبني بناء جديدا في مكان آخر قديم، فالمهندس الحاذق لا يصرف تفكيره وخططه إلى كيفيّة الهدم فقط أكثر من كيفيّة البناء، بل يهيّئ الخطّة اللازمة، والشكل المناسب لكيفيّة بناء الهيكل الجديد، وذلك مع التفكير في كيفيّة الهدم جنبا إلى جنب. (1/81)
صفحة 82
وأخلاق الذات تشبه ذلك تماما، فيجب على صاحبها أن يهتمّ بكيفيّة التخلّق بالخلق الحسن، مثلما يهتمّ بكيفيّة ترك الخلق السيّئ، أو أكثر، حتّى يستطيع إحلال الحسن مكانه، ويتصوّر كلّ الطرق الممكنة التي يستطيع أن يبني بها الخلق الجديد.
إنّ التركيز والتفكير الكثير في الخلق الحسن الطيّب، يوحي إلى العقل الباطن أن يميل إليه، ويرسّخ فيه القوّة والثقة في النفس، وأنّها قادرة على تغيير تلك الطبيعة الغير الجيّدة، ممّا يجعل صاحبه يحاول بكلّ قوّة وإيمان أن يقلع عن ذلك.
عليه أن يحاول السموّ بنفسه، وأن يرفعها إلى الأعلى، وأن يجعل منها نفسا ذات فضائل عالية، وأن يهتمّ بروحه أكثر من اهتمامه بجسمه المادي، وبذلك يرتقى في درجات الكمال شيئا فشيئا.
قال الله - عز وجل -:
واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه.
سورة الأعراف ــ آية: 175ـ 176.
ويقول الله - عز وجل -:
ولا تيأسوا من روح الله إنّه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون.
سورة يوسف ــ آية: 87.
وقال الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمنّي
ولكن تؤخّذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال
إذا الأقدام كانت لهم ركابا
ويقول الشاعر:
يا صاحبي يا من يعيش بلا حلم
وتضيّع دهرك ميّتا لا تحترم
هيا استفق واسمع فإنّي ناصح
وموجّه لك ولغيرك بالكلم
يا صاحبي أقدم على طلب العلا
وارفع جبينك لا تروّعك الظلم
يا صاحبي إنّ الحياة لغاية
هي دعوة للحقّ الدين العلم (1/82)
صفحة 83
فمن كان سكّيرا ـ مثلا ـ فلا يطيل التفكير في سكره إلاّ بمقدار ما يناقش نفسه عن كيفيّة الإقلاع عن هذا العمل، بل عليه أن يوجّه ميله وطاقته وهوايته إلى عمل جديد مهمّ ينتفع منه، ويستغرق تفكيره فيه، ويصرف اهتمامه عن السكر، مثل أن يشغل نفسه، ويصرف تفكيره، ويستغلّ وقته بالعمل في جنان حيث يرتمي في أحضان الطبيعة، ويستمتع بذلك قدر المستطاع ممّا يبعث الراحة والطمأنينة داخل نفسه، فتقوى إرادته على التغيير، ويميل إليه بكلّ إرادته وحبّه.
وعليه كذلك إذا أراد التغيير أن يتعرّف على أصدقاء جدد، يصرفون تفكيره عن ذلك الخلق السيّئ الذي أدمنه، فيقضي معهم وقته في أشياء مهمّة نافعة، فيتحوّل عن الميل السيّئ إلى آخر صالح وحسن، مع الصبر والمثابرة على ذلك، فيصل بنفسه إلى درجة من الخيريّة لم يكن يحلم بها من قبل.
إنّه لا يستطيع أحد مهما كان أن يتحصّل على التغيير، من الأسوإ إلى الأحسن إلاّ بمجاهدة عظيمة وكبيرة وصبر وثبات.
قال الله - عز وجل -:
والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين.
سورة العنكبوت ــ آية: 69.
وقال رسول - صلى الله عليه وسلم - الله:
الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني. ... رواه الترمذي.
قال الشاعر يجيب الخاملين الراكدين الفاشلين:
قلت الحياة هي التحرّك
لا السكون ولا الهمود
وهي التفاعل والتطوّر
لا التحجّر والجمود
وهي الجهاد وهل يجاهد
من تعلّق بالقعود؟
وهي التلدّد بالمتاعب
لا التلدّد بالرقود
هي أن تذود عن الحياض
وأيّ حرّ لا يذ ود
هي أن تحسّ بأنّ كأس
الذلّ من ماء صديد
هي أن تعيش خليفة
في الأرض شأنك أن تسود
هذي الحياة وشأنها
من عهد آدم والجدود
فإذا ركنت إلى السكون
فلذ بسكّان اللحود
تنميّة الخلق الطيّب، والتخلّي عن السيّء. (1/83)
صفحة 84
هناك أمور كثيرة وطرق متعدّدة عن كيفيّة التخلّي عن الخلق السيّء، وإحلال خلق طيّب مكانه، منها:
1ــ توسيع دائرة الفكرـ أو الثقافة العامّة ـ: إنّ ما ينقص كثير من المنحرفين، هو عدم تثقيف أنفسهم والزيادة في التطلّع إلى معرفة مختلف نواحي الحياة التي يحيونها، والدليل على ذلك أنّنا نجد أغلبيّتهم من الذين تسرّبوا من المدارس ولم يتمّوا دراستهم، أو لم يصعدوا إلى السنوات المتقدّمة في التعليم.
إنّ ممّا يحمي الأحداث من الإنحراف، ومن الأخلاق السيّئة، واستبدالها بأخرى حسنة، كثرة المطالعة وسعة الإطّلاع.
وقد علّق العالم {هربرت سبنسر} أهميّة كبيرة على المطالعة وسعة الأفق، وسعة الإطّلاع والثقافة، لتربية الأحداث، والرقيّ بهم إلى أعلى
درجات التربيّة الحسنة.
إنّ ضعف الثقافة وضيق الأفق هو مصدر كثير من الرذائل والإنحرافات، وإنّ العقل الغير المطّلع لا ينتج عنه خلق راق.
وإذا نظرنا إلى كثير من الناس، ضعفاء الشخصيّة، ويحملون كثيرا من السخافات والحماقات في عقولهم وسلوكهم، نجد أنّ سبب ذلك خرافات واعتقادات غير صحيحة تملأ عقولهم، ولو استبدلوها بأخرى راقية لتبدّلت ذواتهم، ولفكّروا تفكيرا جيّدا وصوابا.
فإذا كانت دائرة فكر الذات ضيّقة، فإنّه ينبعث منها أخلاق ضعيفة، لأنّ ضيّق الفكر لا يرى الخير إلاّ لنفسه، ولا يحبّه إلاّ لذاته، وهذا ما يسمّى بالأنانية.
قال الله - عز وجل -:
قل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر اولوا الألباب.
سورة الزمر ـ آية:90.
وعلاج ذلك إذا أراد تغيير ذاته، أن ينمّيها بمختلف المعلومات والمعارف، لأنّه إذا نما فكره واتسعت ثقافته، توسّعت نظرته إلى الحياة، فعند ذلك يدرك قيمة ذاته، فيضحّي في سبيل ترقيّتها وتنميّتها بكلّ غال وعزيز لديه. (1/84)
صفحة 85
إنّ ما وقع وما يقع في العالم عبر العصور من تصادم الأديان المختلفة، بل بين مذاهب الدين الواحد الذي يصدر من مصدر واحد، حيث وصل بهم الحال إلى التناحر والتقاتل وإسالة الدماء، سببه النظرة الضيّقة، والتعصّب الديني الأعمى الذي ألقاه الشيطان في ذهنيّة بعض الناس، الغير مثقّفين ثقافة واسعة راقيّة، وعدم الإطّلاع على آراء الغير الحقيقيّة والموضوعيّة.
و الله - عز وجل - رؤوف بهذا الإنسان يسخّر له بين الحين والآخر حالات ومناسبات يستفيق فيها من غفلته، ويرجع عن انحرافه، ويعتبر الإعتبار الحسن الذي يكون له تأثير عميق على أخلاقه وسلوكه، فيتغيّر من الحالة التي كان فيها إلى أخرى أحسن منها وأفضل، وذلك مثل إصابته بمرض شديد، أو وفاة أحد أقربائه، أو إصابته في أهل أو مال إلى غير ذلك من المحطّات الكثيرة التي يمرّ عليها، ويسخّرها الله - عز وجل - له ليرجع إلى صوابه، ويندم على انحرافه، ولا يبقى على غيّه وضلالته.
وتوسيع الشخص لدائرة معرفته يكون بالمطالعة الدائمة، ولو لبعض الجرائد المهمّة التي تحمل بعض المواضيع المغذّية للفكر، وتزيد من سعة الإطّلاع في بعض ميادين الحياة، وبهذا يتطوّر ذهنه، ويتفتّح على أفق لم يكن يعلمها من قبل، فينطلق من جموده وتحجّره اللذين كان منحصرا فيهما على مفاهيم وأفكار بالية قديمة، خاصّة في هذا العصر الذي تتقدّم فيه العلوم تقدّما سريعا ورهيبا بين لحظة وأخرى، وتزداد فيه الخبرات زيادة سريعة ومستمرّة. (1/85)
صفحة 86
إنّ الشخص الذي لا يساير عصره في تطوّره العلمي والثقافي، يبقى منغلقا على نفسه، متحجّرا على أفكاره ومفاهيمه، ويظنّ أنّه ليس هناك في الحياة أفكار أخرى خيرا وأفضل من أفكاره، وأنّها هي الصواب، وهي المثل الأعلى والأسمى، فلذلك لا يحاول تغييرها ولا تبديلها، ولو حاول نصحه من يحاول، ممّن يريدون له الخير والتقدّم، لا يسمع له ولا يثق فيه، ويصبح في عزلة من بني جنسه، يعيش لنفسه، ولا يفكّر في غيره، بل يعاديه لأنّه يظنّ في قرارة نفسه أنّه ينتزع منه أفكاره الخاصّة به.
2ــ ومن المؤثّرات التي تعين على تغيير الذات مطالعة سير الأخيار والأبطال والناجحين والمثقّفين، لأنّ ذلك ممّا يبعث الشجاعة في النفس لمحاولة التشبّه بهم، والتخلّق بأخلاقهم وسلوكهم الخيّرة، فتنجح مثلما نجحوا، وتتفوّق مثلما تفوّقوا.
والشاعر الحكيم يقول:
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم
إنّ التشبّه بالكرام فلاح
وقد توصّل علماء النفس والإجتماع عبر العصور، نتيجة للدراسات الكثيرة التي أجروها على الأفراد والمجتمعات إلى فوائد دراسة سير الناجحين وقوّة تأثيرها على الفرد والمجتمع، حيث يقتدون بهم، ويتشبّهون بأخلاقهم، فوضعوا برامج متعدّدة ومختلفة في مختلف القنوات لإظهار سيرة العظماء والرجال الصالحين، كي يتّخذهم النشء الصاعد مثلهم الأعلى، وقدوتهم في حياتهم، فيسيروا على نهجهم حتّى يصلوا إلى المراتب الحسنة في حياتهم، ويكونوا عباقرة تعتمد عليهم أمّتهم في السرّاء والضرّاء.
إنّه كثير ما دفع الناس إلى تغيير ذواتهم من النظرة السلبيّة للحياة ـ والتي سبّبت لهم كثيرا من الانحرافات ـ إلى نظرة إيجابيّة مملوءة بالأمل والتفاؤل قصّة أو حكاية سمعوها عن أحد الأبطال الموصوفين بجليل الأعمال، وكريم الخصال، فكان ذلك سببا لتغيير ذواتهم، التغيير الجدري من السيّئ إلى الحسن. (1/86)
صفحة 87
إنّه من السهل ـ كما نرى عند أغلبيّة الناس ـ أن يتهرّب الأشخاص من المسؤوليّة، مسؤوليّة تغيير ذواتهم والترفّع بها عمّا يشينها، وينقص من قيمتها، ويلقون باللّوم على والديهم، لأنّهم يعتقدون في قرارة نفوسهم أنّهم السبب في كلّ ما وصلوا إليه من انحراف ـ كما يزعمون ــ أو أسرتهم التي لم توفّر لهم الجوّ الملائم لكي يستقيموا، أو مجتمعهم ومحيطهم الذي تربّوا فيه، في حين أنّنا نجد كثيرا من الأولياء يهتمّون بأولادهم الإهتمام الكبير، ويضحّون بكلّ غال وعزيز لديهم كي ينشؤوهم على الصلاح والإستقامة.
إنّ الشخص الذي يلقي باللّوم على الآخرين، وأنّهم هم السبب فيما وصل إليه من انحراف، يقرّر التنازل عن مسؤوليته نحو نفسه، ويتنكّر لقدراته التي وهبها الله - عز وجل - له، والتي يستطيع أن يصل بها إلى ما وصل إليه أقرانه من صلاح ونجاح وتفوّق في الحياة.
فإذا ما استطاع أن يكتشف قدراته وطاقاته وإرادته، فإنّه في ذلك الوقت يؤمن بأنّه يستطيع التغيّر والترقّي والصعود إلى الأعلى، ويكتشف من جهة أخرى أنّه هو الذي تهاون في عدم تغيير ذاته وإلزامها اتّباع طريق الخير وسبيل النجاح.
إنّ النفس الإنسانيّة إذا اكتشفت وتوصّلت وآمنت بأنّ أسباب فشلها وعدم تقدّمها، أو تقصيرها وتهاونها نابع من داخلها هي، ولا يرتبط بأيّ شخص آخر مهما كان قريبا أو بعيدا، أو أيّ سبب آخر من خارجها، بل إنّ الأسباب الخارجية تستطيع أن تخضعها لصالحها وتتحكّم فيها، فإنّها تنطلق بإرادة لا يعلم إلاّ الله مدى قوّتها في طريق التغيير والتبديل لكلّ ما يعوقها عن الصعود والرقيّ، وتتقدّم في طريق الإصلاح دون تردّد أو تراخ، متحمّلة في سبيل ذلك كلّ الظروف التي تحيط بها، لأنّها بذلك تستطيع أن تتكيّف معها بكلّ بساطة، وتنظر إليها نظرة إيجابيّة، وتجعل تلك العراقيل عبارة عن درج تصعد عليها لتصل إلى أعلى المراتب. (1/87)
صفحة 88
إنّ العراقيل الخارجيّة والظروف المحيطة بالشخص، سواء الإنسانيّة منها أو المادّية، إذا ما نظر إليها بنظرة سلبيّة، وأقام لها الحسابات المختلفة، فإنّها تصبح عبارة عن فرامل توقفه عن السير والتقدّم إلى الأمام.
وقد سبق لنا المثل الذي يقول فيه صاحبه:
لا تنظر إلى الحجر الذي تعثّرت فيه على أنّه عبارة عن أداة سقوط، ولكن انظر إليه على أنّه سبب للنهوض من جديد بقوّة أفضل وأحسن من ذي قبل، ووسيلة لتقويّة عزيمتك وإرادتك للانطلاق بسرعة أقوى ممّا كنت عليه.
إنّ الشخص الذكيّ هو الذي يعتبر الظروف والعراقيل المختلفة التي تعترض طريقه درجا يرتقي بها إلى أعلى الدرجات، ويحقّق بها أسمى المراتب.
وهو بمعرفته لخبايا نفسه، يصبح سيّد عقله، ومولّد أفكاره، وقبطان سفينته.
كيفية إصلاح الذات.
إنّ إصلاح النفوس لا يتمّ من غفلة وذهول وتكاسل وإعراض، كلاّ فلا بدّ من حساب دقيق يعتمد على الإحصاء والمقارنة واليقظة وقوّة الإرادة.
فإذا علم الإنسان أنّ ذاته هي وحدها مصدر سلوكه وتصرّفاته وقيمه، وذلك حسب ما يغمرها به من أفكار، ويصبغ عليها من عواطف، والتي تكوّنت لديه عبر السنين والأيّام، فإنّه يستطيع حينذاك أن يغيّر ذاته ويصلحها عن طريق تغيير تلك الأفكار والعواطف نحو الناحية الحسنة الطيّبة.
والدليل على ذلك أن المرء تكون له في طور الصبا مفاهيم وعواطف غير التي تكون له في طور الشباب، ثمّ في طور الكهولة والشيخوخة، فكلّما تفجّرت طاقاته وازدادت مهاراته تغيّرت أفكاره وأحاسيسه، وتطوّرت تجاربه، وتبدّلت نظرته نحو الحياة عامّة، ونحو ذاته خاصّة.
فإذا استمرّ في طريق الصلاح، ارتقت روحه، واستطاع مواجهة صعاب الحياة ومشاكلها وأزماتها بكلّ صبر ويقين وثبات، ويكون ذلك سببا لتبديل أحكامه على الأشياء والأشخاص والقيم التي عاشها من قبل ويعيشها في حاضره. (1/88)
صفحة 89
ونحن نستطيع أن نصنع من أنفسنا مثلا رائعة، إذا عزمنا على ذلك بكلّ إرادة وإصرار، وآمنا بأنّ التغيير ممكن نحو الأحسن، وأنّنا نستطيع التخلّي عن الطبائع القديمة الغير جيّدة.
وسبيلنا إلى ذلك تجديد أفكارنا ومشاعرنا، كما تتجدّد القطعة من الأرض الصحراويّة القاحلة الحمراء، إذا أضفنا إليها مقدارا كبيرا من المخصّبات والمياه، إلى أرض طيّبة منتجة خضراء بأشجارها الوارفة الضلال، لأنّ الإعتناء والمثابرة والمداومة والعزيمة على التغيير، قد بعث فيها الحياة والقدرة على التبدّل إلى الأحسن.
قال الله - عز وجل -:
و الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميّت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور.
سورة فاطر ــ آية:09.
قال الإمام الغزالي:
الإسلام ـ كسائر الديانات ـ يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفوس الإنسانيّة قبل كلّ شيء، وعلى تكوين وبناء الذات السليمة والقويمة، فهو يصرف جهودا ضخمة للتغلغل في أعماقها وغرس تعاليمه في جوهرها حتّى يستحيل جزءا منها.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان خلقه القرآن، لأنّه أخضع نفسه لتعاليمه وإرشاداته، حتّى صار قرآنا يمشي على رجلين.
والصحابة ـ - رضي الله عنه - ـ كانوا في جاهليّة عمياء يعبدون الأوثان من دون الله، ويئدون بناتهم، ولكن لمّا خاطبهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن الذي أنزل عليه من عند ربّه لتهذيب النفوس وإرشادها لتكون عنصرا صالحا في مجتمع راق، تغيّرت أفكارهم وتصوّراتهم نحو هذه الحياة، وأصبحوا يفكّرون بتفكير آخر مغاير تماما للتفكير الأوّل الذي نشؤوا عليه من قبل، وتكوّنت لديهم ذوات راقية المبادئ وجيّدة القيم، وحسنة السيرة، فكوّن منهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعظم وأرقى دولة في نظمها وسياستها، وفي كلّ الميادين. (1/89)
صفحة 90
أرشد إنسانا إلى أن يغيّر أفكاره، وسوف تتملّكه الدهشة لسرعة التحوّل الذي يحدث في جوانب نفسه المتعدّدة، وفي جوانب حياته الواقعيّة، النفسيّة والأسريّة، والإجتماعيّة، والإقتصاديّة.
إنّ القدرة الإلهيّة التي تكيّف مصيرنا، مودعة في أنفسنا، بل هي أنفسنا ذاتها.
كثير من الناس يرغبون أن يبدؤوا صفحة جديدة في حياتهم، ولكنّهم يربطون ذلك، ويقرنون تلك البداية المرغوبة فيها بموعد آت في المستقبل، كتحسّن حالتهم المادّية، أو ارتقائهم في منصبهم، أو الإنتقال إلى مكان آخر، وغير ذلك من الأقدار المجهولة، وقد يربطون ذلك بموسم معيّن، أو مناسبة خاصّة، كدخول شهر رمضان مثلا، أو رأس السنة، أو فصل من الفصول، أو عطلة من العطل.
وهم مع هذا التأخير والتسويف يتخيّلون في أنفسهم بأنّ قوّة خارقة، أو معجزة من المعجزات، قد تجيء مع ذلك الموعد، فتبعث فيهم القوّة اللازمة والإرادة المطلوبة ليتغيّروا تلقائيّا وبدون مجهود، وكلّ هذا وهم يتسلّون بالكلام به فقط، ويتسوّفون، حتّى يستمتعوا ويغتنموا الفرص المتاحة لهم أكثر، وهم يجهلون بأنّ كلّ تغيير أو تبديل يتمنّونه ينبع أوّلا وأخيرا من داخل أنفسهم وحدها، ولا بدّ أن يتحمّلوا من أجل ذلك تضحيّات جسام.
إنّ الشخص المحبّ لنفسه، والذي يريد أن يحيا حياة ناجحة بكلّ عزيمة وإرادة وإقدام لا يجب عليه أن يخضع للظروف أو المناسبات، ولا يتركها تتحكّم في توجّهاته وتغيّراته، إنّه هو الذي يتحكّم فيها، وليست هي التي تتحكّم فيه.
إنّه بقواه الكامنة، وملكاته المدفونة، ومهاراته المكتسبة، والفرص المتاحة، يستطيع أن يتغيّر، ويبني ذاتا جديدة، يفرح بها ويطمئنّ إليها فيما يستقبله من أيّام.
فلا يجب على مريد التغيير لذاته أن يعلّق ذلك، ويربطه بأمنيات وتسويفات غيبيّة، ينتظر ميلادها في واقع حياته، لأنّ هذا الإرجاء وهذا التأخير لا يعود عليه بالخير. (1/90)
صفحة 91
إنّ كلّ تأخير وتسويف في تغيير الذات وإصلاحها، وتحسين سلوكها، وإجادة الأعمال التي تقوم بها، ما هو إلاّ إطالة للفترة السيّئة من الحياة، والتي سنندم على التفريط فيها، وعدم استغلالها واستثمارها فيما يعود علينا بالخير العميم، وهذا يدلّ على أنّنا ما زلنا مهزومين أمام شهواتنا ورغباتنا، وما زلنا محكومين وموجّهين من طرف الظروف الخارجيّة، وأنّنا ما زلنا راغبين في إشباع شهواتنا، حتّى نتلذّد أكثر وأكثر.
إنّ الشيطان هو عدوّ للإنسان، ويعمل بكلّ مجهوده أن يسيطر على تلك النفس، ويوجّهها الوجهة التي يريد، وليس الوجهة الصالحة لها في حياتها، وتطمئن بها في واقع معاشها.
وقد بيّن لنا الله - عز وجل - في كتابه القرآن الكريم، بأنّ الشيطان يسيطر على النفس، خطوة خطوة، وليس مرّة واحدة، وذلك حتّى نحذر إتّباع خطواته، وننتبه إليها، فإذا ما ساقنا إلى واحدة منها، فعلينا أن ننتبه ونتيقّظ حتّى لا نسقط في الخطوة الأخرى والتي لابدّ أن تكون أخطر من الأولى.
وعدم السقوط في خطوات الشيطان يكون بتغيير أفكارنا، والانتباه إلى الوجهة التي تتوجّه إليها ذواتنا، ومن بين تلك الخطوات التسويف والتمنّي، الذي يلقيه في النفس حتّى تبقى في غيّها وانحرافها أكثر مدّة ممكنة.
قال الله - عز وجل -:
يأيّها الذين ءامنوا لا تتّبعوا خطوات الشيطان ومن يتّبع خطوات الشيطان فإنّه يامر بالفحشاء والمنكر. ... سورة النور ــ آية:21.
ويقول الله حكاية عن جواب الشيطان له:
ولأضلنّهم ولأمنينّهم ولآمرنّهم فليبتكنّ آذان الأنعام ولآمرنّهم فليغيّرن خلق الله ومن يتّخذ الشيطان وليّا من دون فقد خسر خسرانا مبينا.
سورة النساء ــ آية:19.
وقال الله - عز وجل -:
إنّ الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سوّل بهم وأملى لهم.
سورة محمّد ــ آية:25. (1/91)
صفحة 92
إنّ أخطر مشكلة تواجه الأفراد في طريق تغيير ذواتهم والإرتقاء بها، وكذلك الأمم، هي مشكلة تضييع الوقت وفوات الأوان، ومضيّ الأيام بل الأعوام، وهم ينتظرون مناسبة تلو أخرى، وفرصة بعد فرصة، وذلك يعني ويا للأسف ضياع فرص الحياة، وكلّ فائت قد يستدرك إلاّ ما مضى من الزمن والعمر فإنّه لا يعود.
والعمر محدود مهما طال، وكلّ تضييع في ساعات هذا العمر أشدّ خسارة من الإسراف بالمال، لأنّ المال مادة يحصّلها الإنسان بالجدّ والعمل، بينما لا يمكنه أن يستعيد الوقت الضائع مهما جدّ أو عمل بعده.
وقد قال احد الحكماء:
الوقت لا يتوالد، ولا يتمدّد، ولا يتوقّف، ولا يرجع إلى الوراء، بل هو يسير دائما إلى الأمام دون توقّف.
فلماذا نضيّع العمر فيما لا يعود علينا بالفائدة والخير، ولماذا لا نتشجّع، ونغيّر من ذواتنا، حتّى نربح ونغنم ما بقي من عمرنا في الصالح من الأعمال.
ما أكثر الأهداف الخياليّة والأماني عند أهل التسويف والبطالة، وما أكثر الأمنيّات العالية عند أهل الكسل والتمنّي، والتي لا يتشجّعون أن يسيروا ولو خطوة واحدة في سبيل الإقدام على البداية في إنجازها، ونحن نعلم كما رأينا سابقا أنّ الأسباب التي تعين الإنسان على تغيير ذاته إلى الأحسن هو الطموح من أجل الوصول إلى أعلى المراتب، وبلوغ أرقى الدرجات سواء للدنيا أو للآخرة.
ومن الأسباب التي تعين كذلك على التغيير، تحديد الأهداف والسعي قدر المستطاع في سبيل تحقيقها، وذلك بالنيّة الصادقة والعزم القويّ، مع التوكّل على الله - عز وجل -، وطلب المعونة منه.
قال الله - عز وجل -: فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين.
سورة آل عمران ــ آية: 159. (1/92)
صفحة 93
ما أحسن أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه، وترتيب وقته، والعناية بذاته بين الحين والآخر، وأن يرسل نظرات نافذة وناقدة لذاته في كلّ جوانبها، ليتعرّف على عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات القصيرة والطويلة المدى، ليتخلّص من نقائصها التي تنزل بها إلى أسفل سافلين.
ألا تستحقّ منك ذاتك أن تعيد النظر في سيرها ووضعيّتها في هذه الحياة بين الحين والآخر، وتقيّم سلوكياتها ومبادئها وقيمها، وتلاحظ ما أصابها من داء، أو إحباط في بعض جوانبها، فتبعده عنها بكلّ عزيمة وإرادة تملكها، أو تقوّي إرادتك في ذلك الوقت حتّى تخلّصها منها.
فلو كانت لديك سيّارة عزيزة عليك، فإنّك ستهتم بها اهتماما بالغا في كلّ مرّة، ولراقبت قطع غيارها دون هوادة، أو تأخّر، حتّى تجعلها في أحسن ما تكون، وهذه هي نفسك التي هي أغلى من تلك السيّارة، أو أيّ شيء آخر في هذه الحياة، فلماذا لا تهتمّ بها بمثل تلك الدرجة على الأقلّ، في حين أنّه يجب عليك أن يهتمّ بنفسه أكثر وأكثر، لأنّها سبب نجاحك وفلاحك ورقيّك في الدنيا والآخرة.
عليك أن تهتمّ بها وتحتار لتهذيبها وتنقيتها أكثر ممّا تفكّر وتحتار لضمان مواردك الماليّة التي هي خاصّة للحياة الدنيا فقط، وهي لا تقدر أن تمدّك بالسعادة والهناء إلاّ إذا تصرّفت فيها بنفس زكيّة طيّبة، تحتار وتفكّر في الحياة الروحيّة أكثر ممّا تحتار وتفكّر في الحياة المادّية، لأنّ الثانية تفنى أمّا الأولى فتبقى وتدوم.
إنّ أغلبيّة الناس في هذا العصر يهتمّون بأجسامهم المادّية، ينظّفونها، ويغذّونها بمختلف الأغذيّة، حتّى تقوى، ويعيشون بها حياة مادّية جيّدة، في حين أنّهم لا يهتمّون بأنفسهم من الناحية الروحيّة، ولا يطلبون الغذاء الروحي اللازم لتقويّة أرواحهم وإرادتهم، وكذلك لا يهتمّون أيّ اهتمام للناحية الفكريّة والعقليّة عندهم حتّى يطوّروا من ثقافتهم التي هي سبب لتطوير أفكارهم. (1/93)
صفحة 94
وإذا مرضوا جسديّا يطلبون الطبيب ومختلف الأدويّة ليعالجوا المرض الذي طرأ عليهم، ولكن القليل النادر من يطلب دواء لذاته إذا هي ضعفت إرادتها، أو أصابها كسل وفتور.
فلابدّ لكلّ فرد يريد حياة معتدلة لذاته أن يبحث في أعماقها بشيء من الموضوعيّة والصراحة، بهدف إصلاحها والرقيّ بها في سلّم الكمال الروحي، ويتعهّدها باستمرار، أكثر من أيّ شيء آخر في حياته، وذلك كي يصونها من التفكّك.
إنّ الكيان المهمّ والجوهري والأساسي، (العاطفي، والعقلي) يجب أن يبقى متماسكا وموحّدا، حتّى يفوز صاحبه وينجح.
أمّا إذا ترك لعوامل الهدم والإفساد والتفكّك، فإنّ المشاعر العقليّة والعاطفيّة ستتشتّت كما تتشتّت الحبّات الثمينة من العقد إذا انقطع سلكه.
والنفس الإنسانية إذا تقطّعت أواصرها، ولم يربطها نظام ينسّق شؤونها، ويركّز قواها، أصبحت مشاعرها وأفكارها كهذه الحبّات المنفرطة السائبة، لا أساس يجمعها، ولا أصل يربط بينها.
و الله - عز وجل - يرشد خلقه ويهيب بالناس أن يجدّدوا حياتهم مع طلوع كلّ فجر جديد، حتّى يقبلوا على ذلك اليوم بنفوس نظيفة وقلوب صافية، مليئة بالثقة والأمل والتفاؤل في هذه الحياة، وذلك فيما بيّنه الرسول محمّد - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول:
عن أبي هريرة ــ - رضي الله عنهم - ــ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ينزل ربّنا عزّ وجلّ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟
رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى:
أقرب ما يكون العبد من الربّ في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله تبارك وتعالى في تلك الساعة فكن.
إنّها لحظة إدبار الليل الذي كان فيه الظلام والظلمة، وإقبال النهار المليء بالنور والضياء. (1/94)
صفحة 95
فاجعلها أنت كذلك لحظة لإنارة الناحية المظلمة من ذاتك، حتّى تصبح مضيئة مستنيرة، فتبدأ كلّ يوم من أيّامك بذات مستقرّة مشعّة، تسير بها في ظلمات هذه الحياة، أو هذا البحر المتلاطم الأمواج، فتقودك إلى سبيل الخير للدنيا والآخرة.
إنّ من الصفات التي تعين على تغيير الذات، التوبة:
عن عبد الله بن مسعود ــ - رضي الله عنهم - ــ قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -:
لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة، ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتّى اشتدّ عليه الحرّ والعطش، أو ما شاء الله.
قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة، ثمّ رفع رأسه فإذا راحلته عنده.
رواه البخاري ومسلم.
إنّ التوبة هي عبارة عن تغيير الذات، لأنّها تعتبر تخلّيا عن السلوكات الخاطئة السابقة، وتعوّدا على أخرى جديدة وحسنة.
إنّ هذه العودة الظافرة التي يفرح به الله هي عبارة عن انتصار الإنسان على أسباب الضعف والخمول والجمود في ذاته، وطرده لجراثيم الإنحطاط والنزول إلى الأسفل، وهي عبارة عن تحرّره من قيود الهوى والجحود، وتحكّمه في هواه الأمّارة بالسوء، ثمّ استقراره بعد ذلك في مرحلة من الإيمان والإحسان والعلوّ والنضج والإهتداء.
إنّها حياة تنبعث بعد موت قلب، وتغيّر جادّ واقعي يغيّر معالم الذات تماما كما تتغيّر الأرض الموات بعد إضافة مقادير كبيرة من المياه والمخصّبات.
إنّها عودة مباركة طيّبة إلى الجادّة، وهو تغيّر يمسّ الذات الإنسانيّة في الصميم، ويعيد تنظيم الحياة، ويستأنف الشخص مع ربّه وذاته علاقة صريحة وأفضل من التي كان عليها من قبل.
إنّه يبرم مع ربّه ومع نفسه عهدا بأن يداوم على السير في الطريق الصحيح القويم، وأن يزداد طهرا ورفعة وعملا صالحا.
هذا العهد الذي يجعلّه يدعو ربّه آناء الليل وأطراف النهار، كما علّمه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: (1/95)
صفحة 96
اللهمّ أنت ربّي، لا إله إلاّ أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعود بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت.
ــ رواه البخاري ــ
تقويّة الذات.
إنّ تقوية الذات هي تكوين الثقة اللازمة فيها، بما تتكوّن منها من جميع الجوانب، والتي نستطيع بواسطتها مجابهة الحياة بكلّ طمأنينة ورضى ويقين، وتقويّتها هو أن نحاول ترقيّة وتطوير معارفها، وتوسعة اطّلاعها في كثير من جوانب الحياة، وذلك حتّى ترتقي بسلوكها وترتفع معنويّاتها أمام مشكلات الحياة، وما أكثرها، وأكثر تنوّعها واختلافها.
ويجب أن نكوّن فيها الثقة الكبيرة في معالجة المعلومات، فتجد الطاقة اللازمة التي تدفعها للقيام بمختلف الأعمال اللازمة لتطوّرها وتقدّمها.
إنّنا نجد كثيرا من الناس في هذه الحياة لا يجدون الشجاعة الكافية لمواجهة مشاكلها، والقيام بأعمالها الجبّارة والمعقّدة في بعض الأحيان، فيرجعون ذلك إلى صعوبة تلك الأعمال، في حين أنّ المشكلة تنبع من داخل ذواتهم.
إنّ تصوّرنا هو الذي يجعلنا ننظر إلى الأعمال على أنّها صعبة، في حين أنّها في الواقع سهلة ممكنة.
ولكي يحيا الإنسان حياة ناجحة متوازنة في عالم مجنون، فعليه أن يحقّق التوازن بين ثقته الذاتية والتحدّيات المادّية الخارجيّة.
إنّ النجاح الجيّد في الحياة، ليس هو السيطرة والتحكّم بقوّة من حديد فيما يعترض طريقنا من أعمال ومشاريع، ولا كذلك استسلام من جهة أخرى، بل نستطيع أن نعيشها كأحسن ما يكون، إذا نحن حافظنا على توازننا الداخلي والخارجي، عند القيام بأيّ تصرّف كان، واستطعنا أن نتكيّف مع الظروف المحيطة بنا من هنا وهناك.
ونذكر هنا بعض العناصر التي نستطيع القيام بها حتّى نكوّن في ذواتنا ذلك التوازن، ونحافظ عليه، وهي ملاحظات وضعها بعض الخبراء المختصّين في مجال ترقيّة الذات وهي: (1/96)
صفحة 97
ــ أن يفكّر الشخص ما هو الأسلوب المناسب الذي يليق أن يكون حلاّ للمشكلة: أسلوب السيطرة، أم أسلوب الإستسلام.
ويسأل نفسه:
ــ ما المزايا التي يحتمل أن تجلبها له هذه المشكلة التي تعرّض لها؟
ــ كيف يمكنه إزاحتها أو الإستفادة منها؟
ــ ما هي الموارد التي يمكنه حشدها للإستفادة منها لمهاجمة المشكلة؟
ــ ما الأسئلة التي يمكنه السؤال عنها؟
ــ ما هي خطوات العمل؟
إنّ الذات القويّة تملك الثقة الكافية واللازمة للسير في طريقها، تماما كما تملك السيّارة الأضواء الكافيّة واللازمة للسير في ظلمة الليل، فسائق السيّارة في الليل لا يمكنه أن يرى إلاّ بمقدار ما تكشفه له الأضواء الأماميّة للسيّارة، وهو مع ذلك يستطيع إكمال الرحلة في أمان وسلام، ويصل إلى هدفه.
فمثل ذلك رحلة الحياة التي تقطعها الذات الإنسانيّة، والتي يجب عليها أن تعرف رحلتها فيها، لأنّ الأشخاص العاديين يحثّهم الهدف على العمل والإقدام، بينما الأقوياء الذات والواثقين بأنفسهم، تشجّعهم الرسالة المهمّة والعالية التي يريدون تحقيقها.
إنّ مواجهة المشاكل والتحدّيات هي جزء من التقدّم والنموّ، وهذه المواجهة تكون إيجابيّة إذا تعلّمنا الحكمة في كيفيّة الإقدام والشجاعة في مواجهتها.
فيجب أن نتغلّب على المخاوف التي تتملّك ذواتنا عند مواجهة أيّ عمل أو الشروع في القيام بأيّ مشروع.
فعندما نخاف نصبح أنانيين نفكّر في أنفسنا فقط، وما ينتج من فائدة لصالحها، أو من مضار تصيبها، ونغفل الجانب الإجتماعي والصالح العام.
يقول {ترونحبا}:
عندما نكون خائفين من أنفسنا، ومن التهديد الظاهري أو الخارجي الذي يفرضه العالم علينا، فإنّنا نصبح إذن غاية في الأنانيّة.
إنّ التغلّب على خوفنا الأساسي يمكن أن يشفينا من هذه الأنانيّة، ومن الميل الشديد والكبير إلى الراحة، والرغبة في فرض أسلوبنا، وهذا التغلّب يمكن أن نجلبه لأنفسنا عن طريق اكتشاف الخير الموجود فيها. (1/97)
صفحة 98
وفي هذه الحالة يجب أن ندرّب أنفسنا على السير في طريق الخير، وأن نحبّ الخير للناس جميعا من حولنا، فينتشر الخير، ويعمّ المجتمعات الإنسانيّة، فتتخلّص من كثير من مشاكلها التي تئنّ تحت وطأتها.
إنّ قوّة الذات تظهر عندما تتحرّر من مخاوفها، وتنفصل عن أنانيّتها، وتخرج إلى ساحة العالم والحياة بشجاعة، فتتوافق مع الحقيقة الصادقة الواقعيّة، ومع طبيعة الأشياء الفعليّة في هذا العالم، مجرّدة من مفاهيمها الخاصّة وتوقّعاتها المسبّقة.
فإذا توصّل الإنسان إلى حالة من قبول الذات، فإنّ الأمور تبدو أمامه مبسّطة، لأنّ هذا العالم ليس معقّدا من طبيعته ومكوّناته، كما يحكم عليه كثير من الناس، بل قد أصبح كذلك نتيجة لتصرّفات هذا الإنسان فيه، وهذا التصرّف ناتج عن حالته الذهنيّة التي تجعل كلّ شيء فيه يبدو بهذه الطريقة.
وقد ذكر - عز وجل - الله لعباده بأنّ الفساد الذي يقع في العالم كلّه ناتج عن تصرّفات الناس وأعمالهم، ونحن نعلم أنّ تلك التصرّفات والأعمال كلّها ناتجة من ذواتهم التي يحملونها ويفكّرون بها.
قال - عز وجل - الله:
ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس.
سورة الروم ــ آية:41.
إنّ تقويّة الذات يكون بالتفكير في الأشياء والأهداف العظيمة، وليس الخوف من الأشياء البسيطة التي تعترضنا في طريق الحياة.
لا تفكّر في الحجر الذي ستتعثّر فيه أثناء سيرك، بل فكّر في الهدف العظيم العام الذي ترمي إلى الوصول إليه.
والإنسان إذا أراد أن يكون قادرا على العطاء، سواء لذاته التي بين جنبيه، أو لمن حوله من مخلوقات الله جميعا، فيجب عليه أن يكوّن الإعتماد على نفسه، وهذا الإعتماد لا ينتج إلاّ من ذات قويّة لها ثقة كبيرة فيما تملكه من قوى وطاقات ومهارات. (1/98)
صفحة 99
إنّنا عندما نكوّن الثقة الكافية بأنفسنا وبقدرتنا على الوفاء باحتياجاتنا لأنفسنا، ونتعدّى مرحلة الإعتماد على الآخرين، فإنّنا في ذلك الحين نمتلك الحريّة كي نحبّ من حولنا، لأنّنا حينذاك لا ننظر إلى من حولنا من جهة المصالح فقط، بل نظنّ الخير بهم جميعا، ولا نبني نجاحنا أو فشلنا على أعمالهم وتصرّفاتهم، بل نتّحه إلى أنفسنا وحدها، وحينها نحاول تدعيم الثقة فيها إذا نجحنا، أو نصلح من عيوبنا إذا كان الفشل من نصيبنا.
وعلينا أن نتوكّل على الله وحده، لأنّه عندما نصل إلى هذه الدرجة، نصبح مؤمنين بأنّ الله - عز وجل - وحده هو المتصرّف في شؤوننا، وهو الذي يقدّر لنا النجاح إذا أراده لنا، وكان من صالحنا وفائدتنا، وهو كذلك شاء لنا عدم النجاح، لأنّه وحده يعلم أنّ ذلك ليس من صالحنا.
وفي النهاية يتكوّن لدينا تصوّر مقنع قويّ، بأنّنا أكبر وأفضل ممّا كّنا نعتقده من قبل أن نقوّي ذواتنا، ونكوّن الثقة اللازمة بأنفسنا، وتتفجّر فينا طاقات لم نكن نعلم بها من قبل.
فعلى كلّ واحد منّا أن يقتنع ويستفيد من تميّزه وتفرّده، ومن تقويّة ثقته بنفسه، وعليه أيضا أن يوجّه سلوكيّاته الهدّامة وأخطائه بكلّ شجاعة وثبات، وكلّما زاد قيامنا بذلك أصبحنا أكثر مصداقيّة في مصالح الحياة وأعمالها المختلفة، ونكون جديرين بالثقة، وأكثر إسهاما ومساعدة لأنفسنا ولكلّ الناس من حولنا وللعالم أجمع.
وعند ذلك نقوم بكلّ ما في وسعنا من مجهود وشجاعة في مباشرة أعمالنا، وربّما في بعض الأحيان نخاطر في القيام ببعض الأعمال التي لم تكن لنا الشجاعة الكافية بالقيام بها من قبل، بل ربّما كنّا نراها مستحيلة، وأنّ ذواتنا ليست لها القوّة الكافية للقيام بها.
وقد أكّد كثير من علماء النفس أنّ المخاطرة ضروريّة في كثير من الأحيان، وفي كثير من الأعمال، لأنّه بتلك المخاطرة نتعلّم كثيرا من الخبرات اللازمة للحياة، وننجح في تحقيق كثير من الأهداف. (1/99)
صفحة 100
إنّه بقدر ما يكون التحمّل كبيرا والتضحيّة عظيمة تكون فرص النجاح والفوز عالية وثمينة، ولكن بشرط أن تكون النيّة صحيحة وسليمة.
قال الله - عز وجل -:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين.
سورة آل عمران ــ آية: 142.
وهناك حقيقة قديمة تقول:
إنّ الذين يخاطرون قليلا، يعيشون قليلا.
و في المثل العربي:
اطلب الموت، توهب لك الحياة.
إنّنا عندما نخاف من الإقدام على عمل جديد، من أجل أنّنا قد فشلنا بالقيام بمثله في فرصة ماضيّة، يجعلنا نبقى على تلك الخبرات القديمة، وبالعكس فإذا حاولنا القيام بنفس التجربة، ولكن مع تغيير أسلوب العمل، وتفادي الأخطاء التي وقعنا فيها من قبل، فإنّنا نتعلّم تجربة جديدة، نضيفها إلى التي تعلّمناها من قبل من نفس العمل.
وبغضّ النظر أنّها كانت ناجحة في هذه المرّة، أو فاشلة مثل المرّة الأولى، فإنّ الشيء الذي يهمّ هو أنّه قد أضفنا لمعلوماتنا السابقة تجربة أخرى لم نكن نعلمها من قبل.
إنّ من سنّة الله - عز وجل - في هذا الكون التغيير الدائم، وبسبب هذا التغيير يكون التقدّم الهائل.
والماء الذي يبقى راكدا دائما دون استعمال أو تغيير، فإنّه يصبح آسن لا يصلح للشرب، وربّما حتّى للغسل. (1/100)
صفحة 101
إنّ الطريق والخبرات القديمة في حياتك السابقة، التي قد تعلّمتها من والديك، أو أحد أقربائك، أو معلّميك، لا تبقى دائما طول حياتك هي الطريق الأمثل والأفضل للعيش في حياتك الحاضرة والمستقبلة، وليست هي الطريق الأسرع للتعلّم والتقدّم دائما، فالظروف تتبدّل وتتغيّر بين عشيّة وضحاها، وأمام هذه التغيّرات السريعة، فلابدّ لنا من ذات قويّة نتقبّلها بكلّ اقتناع ورضى وثبات، حتّى تتكيّف مع الوضع الجديد الذي يطرأ عليها، وهذه الذات لا نستطيع تكوينها إلاّ بالتعلّم والتثقيف المستمرّ، ولا يكون هذا إلاّ إذا صرفنا لها اهتماما كبيرا وعناية فائقة، وكلّ ذلك في سبيل تقويّتها، وتدعيم ثقتها، وبذلك تستطيع أن تواجه تلك التغييرات بكلّ خبرة ومهارة، وتتكيّف بصفة دائمة معها.
إنّ الحكيم لا ينتظر أبدا من الظروف أن تصبح خاضعة لإرادته وتوجّهاته وطلباته ورغباته، بل هو الذي يتكيّف معها على أيّة حالة كانت، ويتصرّف بطريقة ذكيّة لكي لا تؤثّر فيه تأثيرا سلبيّا.
وتروي لنا الأمثال قصّة لمثل هؤلاء الناس الذين ينتظرون من الظروف المحيطة بهم أن تتبدّل كي يصلوا إلى أهدافهم، وهي لشابّ أراد الوصول إلى قرية من القرى، وفي الطريق إليها اعترضه جبل، ــ أي وجد أمامه جبلا قد سدّ الطريق ــ فعوض أن يدرس كيفيّة صعود الجبل، أو إحاطته من إحدى جهاته، أو أن يغيّر الطريق حتّى يصل إلى هدفه، جلس ينتظر وينتظر لعلّ الجبل يتحرّك من مكانه، ويفسح له المجال للوصول، وهذا في ذهن العاقل محال أن يقع، لأنّه مغاير تماما للواقع المعاش، وبعد سنوات وسنوات، بقي جالسا في نفس المكان دون القيام بأيّ مجهود، حتّى أصبح شيخا كبيرا هرما متهالكا، وضيّع عمره كلّه في الإنتظار. (1/101)
صفحة 102
وهذه هي حالة كثير من الناس في هذه الحياة، فهم ينتظرون وينتظرون كي تأتي معجزة لتفسح لهم الطريق كي يصلوا منه إلى أهدافهم، ويبقون على تلك الحالة، ويطيلون الإنتظار حتّى تنقضي أعمارهم، وهم لم يحقّقوا ربّما ولو حلما واحدا من أحلامهم التي كانوا يحلمون بها في أيّام شبابهم.
إنّ القدرة والمعجزة لا تحرّك الجبل، ولا تزيحه عن مكانه، بل يجب على مريد الوصول أن يتحايل برفق وبحكمة وبراعة، كيف يتحرّك يمينا وشمالا حتّى يصل إلى مبتغاه.
عليه أن يكون له عقل وتفكير مثل الماء، فالماء ينساب في مجراه بكلّ رفق وتؤدة، وبكلّ هدوء، يبحث عن أيّ ثغرة يستطيع المرور منها، ويتّبع الطريق السهل المنبسط، بصفة رائعة وجميلة، دون مواجهة شديدة لما يعترض طريقه.
وهذه هي الطريقة المريحة والسهلة والتي توضّح لك كيف تصل إلى ما تريده بالضبط، وكيف تسيطر على الأمور بهدوء وبحكمة.
فتقويّة الذات، وزيادة ثقتها يكون بالتفكير العميق في الطريقة والكيفيّة التي يجب أن نتصرّف بها تجاه الأعمال التي يجب علينا أن ننجزها كاملة غير ناقصة، وفي الطريقة التي نحيا بها حياتنا التي لابدّ لنا أن نحياها، ولا نستطيع أن نحياها إلاّ مرّة واحدة، وتكون كذلك بالقيام بتمرينات جبّارة وحكيمة لتقييم وتعديل الجوانب التي لم نكن نعمل بها في ذواتنا بجدّية وفعاليّة، ولم تسر على ما يرام.
فعلينا أن نكافح في سبيل تحقيق التوازن بين مختلف جوانب الحياة، من أجل العثور على ذاتنا الحقيقية، وجلبها إلى التكيّف مع كلّ الجوانب اللازمة.
إنّ تقويّة الذات وزيادة الثقة فيها، يدعّم تفكيرنا وتخطيطنا، ويساعدنا على أن نواجه الحاضر بكلّ مشاكله وعراقيله، وأن نرى الأمور على حقيقتها، وأن نخوض وسط معركة الحياة بكلّ توازن وجدارة، والتي لا نستطيع أن نتنبّأ بما سيقع فيها ولو بعد حين. (1/102)
صفحة 103
وبفضل هذه الذات القويّة المتوازنة نستطيع أن نحافظ على الهدوء والتوازن في ميدان العمل، وأن نوفّر رؤية صحيحة وموضوعيّة لمهمّتنا التي يجب أن نؤدّيها فيها، فتهدأ عقولنا وتعمل بكلّ طاقاتها، وتسمو مداركنا، فتنطلق في ميدان العمل دون خوف أو تردّد.
إنّه يحب علينا بين الحين والآخر أن نستدعي من داخلنا طاقة أكبر من التي نحيا بها، وأن نتعدّى حدود مهاراتنا التي نمتلكها في هذا الحين، فنتعلّم بذلك مهارات جديدة، نستطيع أن نتحدّى بها الصعوبات الجديدة التي تطرأ على أعمالنا وهذه الخطوات كلّها تعتبر من خطوات تقويّة الذات.
والمثل يقول: الحاجة تعلّم أكثر من الجامعة.
ويقول مصطفى صادق الرافعي: في داخل نفسك توجد أوّل حدود حياتك، ويوجد فيها كذلك آخر حدودها.
إنّ السير خطوة خطوة دائما قد لا يوصلنا إلى الهدف المنشود، ففي بعض الأوقات والمناسبات لا بدّ أن نختار ما أسماه {نيتشه} وثبة إلى الأمام، وأخرى إلى الجانب، وأخرى إلى الخلف، لأنّه إذا لم نقم بمثل هذا المجهود، فإنّ المخّ يميل دائما إلى الإستجابة بطريقته القديمة والمحدودة، وبذلك يعوق عمليّات التطلّع والنمو التي هي من طبائع الإنسان ومن رغباته.
إنّ {إبرهام ماسلو} لاحظ أنّ كثيرا منّا يميلون إلى تجنّب النمو الشخصي، لأنّه في اعتقادنا أنّه يجلب لنا نوعا من الخوف والرهبة، وبالتالي نجد بداخلنا نوعا من المقاومة، أو الإنكار لأفضل جزء تملكه ذواتنا، ونتنكّر لمواهبنا ولأروع دوافعنا وأعلى قدراتنا وإبداعاتنا، ولذلك فمن المهمّ جدّا أن ندفع الأشياء قدما إلى الأمام.
إنّ من أهمّ الخطوات في تغيير الذات، أن نقاوم الروتين بين الحين والآخر، ونكسر العادات القديمة الغير الصالحة والمعيقة لتقدّمنا، وعلينا أن ننمّي فينا روحا جديدة لم تكن موجودة من قبل، ونسير على منوال جديد في تحقيق أعمالنا المختلفة، حتّى نكوّن نفسا متطلّعة للصعود إلى الأعلى، وللتقدّم إلى الأمام.
قال {ثورو}: (1/103)
صفحة 104
إذا اختلفت سرعة شخص ما عن سرعة رفاقه وهم سائرون في طريق ما، فإنّ ذلك يكون نتيجة لسماعه إيقاعا داخليّا مختلفا عنهم.
امنح هذا الشخص الفرصة ليتحرّك وفق إيقاعاته الداخليّة الحقيقيّة والموضوعيّة الطموحة، فسترى العجب العجاب.
إنّ الشخص القويّ الذات، الواثق من نفسه قد يفقد كلّ شيء، ويستطيع أعداؤه أن يسلبوه كثيرا من الأشياء، إلاّ شيئا واحدا موجودا بداخله وهو من هبة الله - عز وجل - التي يهبها لّعباده جميعا، وهو القدرة الذاتيّة الداخليّة، والمهارات المدرّبة على أحسن حال لتحمّل المخاطر والثبات أمام تغيّر الظروف المختلفة، سواء إلى الأحسن، أو إلى الأسوإ.
إنّ مثل هذا الشخص يستطيع أن يعيش في أيّ بيئة يرحل إليها، غير بيئته الأولى التي نشأ وتربّى فيها، وذلك لقدرته على التلاؤم والتكيّف مع الظروف الجديدة التي تجابهه، وذلك نعمة من الله قد وهبها له، ولأنّه قد درّب نفسه على مجابهة مثل تلك التغيّرات، والصمود أمامها بكلّ عزّة وثقة وثبات، ولأنّه قد كوّن في نفسه كذلك روح التقدّم إلى الأمام، روح الثبات على المبادئ والقيم الحسنة والأسس الصحيحة.
ولنا المثل الحسن والرفيع في رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حيث سلب منهم الكفّار كلّ ما يملكون من مال وسكن، وعذّبوهم أكبر العذاب ــ رسول - صلى الله عليه وسلم - الله وبلال بن رباح وآل ياسر ــ قاطعوهم في الشعاب، حتّى أكلوا الأعشاب والجلود. (1/104)
صفحة 105
وفي آخر المطاف أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وبلادهم، ولكن لم يستطيعوا أن يسلبوهم، أو ينتزعوا منهم إيمانهم الراسخ، أو أن يحطّموا أرواحهم العالية المؤمنة وذواتهم القويّة الثابتة، ولم يتمكّنوا من الوصول إلى المساس بجوهر أرواحهم المتمكّن داخل نفوسهم، والمشعّ بالإيمان واليقين بما في يد ربّهم سبحانه - عز وجل -، فلم يتغيّر فيهم شيء لأنّهم واجهوا كلّ تلك الظروف والمتغيّرات، وتكيّفوا معها بكلّ يقين، متعلّقين بما عند الله - عز وجل - من التوفيق والعون، وبما وعدهم به من الأجر والدرجات العالية.
إنّ مثل هذه النفوس القويّة، والذوات الثابتة لا تتغيّر أمام مثل تلك الظروف القاسية التي تصيب كلّ إنسان في حياته ومختلف مراحل عمره.
ومثل هذه الأرواح المؤمنة أصبحت للصحابة نوافذ استطاعوا أن ينظروا من خلالها إلى العالم أجمع، بل يبصروا العالم الأخروي بقلوب متيقّنة بما عند ربّها، فحقّق الله - عز وجل - لهم انتصارات وفتوحات عبر نواحي المعمورة أجمع.
وهذا يصدق تماما على النفوس القويّة الثابتة، حيث تصبح المحن والمشاكل التي تعترض طريقها أبوابا ونوافذ تتطلّع بواسطتها إلى الأهداف الساميّة والعاليّة، وذلك بما تتعلّم منها من مهارات وخبرات.
كان {مارتن لوثركينج} يعارض بشدّة التغيير البطيء، وكان يقول بكلّ صراحة وقوّة وثبات:
إمّا أن نغامر، أو لا نغامر، وإمّا أن نتغيّر أو لا نتغيّر، ليس هناك منطقة وسط مقبولة، لأنّها توصلنا إلى حالة من فقدان الذات.
إنّنا نادرا ما نحدث في ذواتنا تغييرات دائمة وجذريّة عندما نتهاون في سيرنا إلى الأعلى وإلى القوّة، وإنّما تحدث تلك التغييرات، و تكون لفائدة ذواتنا عندما نسير بقفزات واسعة في الطريق.
إنّنا بمجرّد أن نبدأ التحرّك، نرى الأشياء بصورة مختلفة تماما عمّا كانت عليه من قبل، ولن يكون لذى الكثيرين منّا فرصة للارتداد إلى الوراء.
قال {فينس لومباردي}: (1/105)
صفحة 106
القادة يصنعون، ولا يولدون، يصنعون بالمجهود الكبير، وهو ثمن يدفعه كلّنا بغية تحقيق أيّ هدف يستحقّ العناء.
الخلاصة:
إنّ الخوف من عدم النجاح، ومن عدم تحقيق الأهداف هو الدليل بأنّنا ننمو، ولذلك علينا أن نخاطر ونجازف بكلّ شيء في سبيل تحقيق وبلوغ أهدافنا الخيريّة، وما دمنا نعلم أنّنا في سبيل الخير والصلاح، فعلينا أن نضع انتقادات الآخرين جانبا، ولا نسمع لتلك الأصوات التي هي عبارة عن فرامل تريد أن توقفنا عن السير في طريق التفوّق والنجاح.
علينا أن نجازف في حياتنا بالقيام ببعض الأشياء الصعبة، وذلك بالاعتماد على أنفسنا، لأنّ نجاحنا سيكون له أروع تأثير على ذواتنا، وسيكوّن فيها ألوانا وألوانا من الأمل والتفاؤل وحبّ التطلّع لتحقيق أهداف أخرى هامّة أكثر وأكثر.
علينا أن نتغلّب على القيود والعوائق المفروضة على ذواتنا، ونتعلّم كيف نتشجّع في التعامل مع التوتّرات والخوف بطريقة بنّاءة، لأنّ كلّ ذلك يعزّز ويقوّي من احتماليّة الأداء الحسن.
وعلينا أن نعيد ونعزّز المشاعر المرتبطة بالنجاحات السابقة، لأنّ ذلك يعزّز ويقوّي الثقة بالنفس.
كلّ هذا ممّا يعين على اكتشاف ومعرفة المواهب والقدرات التي نملكها، ويعيننا على صقلها وتنميّتها، ويكوّن فينا القدرة على التكيّف في التعامل مع الناس جميعا من حولنا.
تقويّة الذات.
تقويّة الإرادة.
إنّ كلّ إنسان يعيش في هذا الكون تصدر أعماله وأفعاله عن إرادته، هذا طبعا إذا كان عاقلا، متحكّما في نفسه وجوارحه ومنسجما مع ظروفه الواقعيّة، وغير مجبور من طرف شخص آخر، أو جهة من الجهات.
فإذا كان مجبورا وغير متحكّم في نفسه فلن يستطيع أن يقوّي إرادته، وينمّيها ويستغلّها في الجانب الإيجابي الفعّال والمنتج.
وقد اهتمّ العلماء قديما وحديثا بهذا الجانب الأساسي في حياة الإنسان، ودرسوا وبحثوا عن أسباب تكوين إرادة قويّة، أو عن أسباب ضعفها ونقصها. (1/106)
صفحة 107
وقد توصّلوا في بحوثهم ومقارناتهم واستنتاجاتهم أنّ كلّ إنسان يقدر على تقويّة إرادته إذا رغب في ذلك، أو المحافظة على قوّتها إذا كانت قويّة، أو توجيهها إلى الناحية الإيجابيّة، وصرفها عن الناحيّة السلبيّة في ميادين الحياة.
وذلك لا يكون إلاّ بالعمل الجادّ والصبر والمثابرة، والعزم على ذلك بنيّة صادقة قويّة.
ومن بين الأسباب التي تعين على تقويّة الإرادة:
01ـــ الإهتمام:
فعلى كلّ مريد أن يقوّي إرادته أن يهتمّ بنفسه، فيمرّنها على مقاومة الأهواء، وأن ينقص لها ممّا ترغب فيه وتميل إليه بقوّة وبحبّ، وممّا تستلذّه بطبعها الميّال إلى الراحة وإشباع الرغبات، وأن ينقص من الغضب والإنفعال، إذا لم تصل إلى ما تحبّ، أو لم يتوفّر لها ما ترغب فيه وتميل إليه.
وقد قال {البصيري} في هذا الشأن:
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على
حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم.
إنّ الإنسان يستطيع أن يقوّي إرادته ويمرّنها ويوجّهها تماما كما يدرّب ويقوّي عضلات وأعضاء جسمه بالرياضة والمداومة على العمل الجادّ، وكما يدرّب عقله ويقوّيه بالبحث العميق والمطالعة الهادفة، وبالقراءة المهمّة.
فعليه أن يلزم نفسه ما أكن على القيام بالأعمال الهامّة التي تتطلّب جهدا ومشقّة، حتّى يعوّد إرادته على التغلّب على المصاعب، لأنّ النفس بطبيعتها تشعر بالإرتياح والسرور من مغالبتها الصعاب والتغلّب عليها، كما يشعر ذو الجسم الرياضي بالإرتياح والفرح عند تحقيق الفوز في مسابقة أو مباراة رياضيّة، وكلّ مجهود يبدل في مقاومة هوى، أو شهوة، ثمّ يؤول إلى التغلّب عليها، يكسب النفس إرادة قويّة وإقداما وفرحا واستبشارا.
02ــ العزم والعزيمة: (1/107)
صفحة 108
على الشخص الذي يريد تدريب إرادته وتقويّتها أن يعزم عزما جادّا، وينوي نيّة حسنة على تنفيذ ما قد نوى على إنجازه، وذلك قدر المستطاع، ولا يترك عزيمته تتبخّر دون نتيجة أو فائدة، وعدم الوصول إلى الهدف المطلوب، لأنّ ذلك يورث تدبدبا وفشلا في القيام بمثل تلك الأعمال وإكمالها مرّة أخرى، ويكسب الإرادة عادة الفشل في التنفيد.
فعلى كلّ شخص عزم على القيام بشيء أن يبدل أقصى جهده وقوّته في تنفيده وإكماله، ولا يسمح لنفسه بتأخيره أو تركه من غير أن يتحوّل إلى عمل ملموس وموجود في الواقع.
03ــ تحويل اتّجاه الإرادة:
إذا وجد الإنسان أنّ له ميلا شديدا، وإرادة قويّة في اتّجاه خاطئ وغير سليم، بحيث يجد رغبة عارمة في الإتيان بالأعمال المنحرفة، وعدم الميل إلى الجهة الإيجابيّة الحسنة، فعلاج ذلك أن يعرّف نفسه قدر استطاعته طرق الخير، ونتيجة الأعمال النافعة، ويزوّدها بذلك حتّى تقتنع بإذن الله، فتميل إلى الخير وتؤمن به، بل تصبح داعيّة إليه بعد أن كانت تنفر منه.
وعليه أن يعرّفها ويرغّبها ويحبّب إليها الأعمال الخيريّة الصالحة حتّى تتوجّه إلى وجهة الخير وتتمسّك به، وكلّ ذلك يحتاج إلى صبر ومصابرة ودوام.
إنّه يجب أن نفعل ذلك بأنفسنا تماما كما نفعل بالشجرة الصغيرة إذا رأينا فيها اعوجاجا، فإنّنا نحوطها بكلّ ما يصلح وجهتها، ونقاوم ذلك مدّة من الزمن حتّى تستقيم بنيتها وتنشأ على تلك الإستقامة.
فالشجرة نقلّمها وننزع منها بعض الغصون، وربّما يظنّ بعض الجاهلين أنّ ذلك إضرارا بها وإفسادا لها، ولكن كلّ ذلك في صالحها، فنحن ننزع لها تلك الغصون القديمة والغير المنتجة والتي ربّما تضرّها، إذا بقيت فيها، وذلك من أجل أن تخرج مكانها غصون أخرى جديدة نافعة ومنتجة.
04ــ اتباع الحقّ ولو كان صعبا: (أو ولو كان مرّا). (1/108)
صفحة 109
قال الله - عز وجل -: يأيّها الذين ءامنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعلمون.
سورة المائدة ــ آية: 08.
وهذه درجة لا يصل إليها إلاّ عظماء النفوس، وكبار القلوب، وهو شعور في الضمير الداخلي بضرورة اتّباع ما هو حقّ، وعمل ما هو واجب، ولو كان تطبيقه والإلتزام به صعبا على النفوس.
وهذا النوع من الذوات الحسنة المستقيمة هي أرقى الوجدان وأصدقه، لأنّها لا تتقيّد إلاّ بما تراه حقّا وصحيحا وصوابا.
إنّها مرتبة عظيمة وجليلة لأنّ الوصول إليها هو أصعب شيء في الحياة، حيث يصبح الإنسان في أرقى درجات الروح، لا يفكّر إلاّ في الخير، ولا يعمل إلاّ الخير، بل يدفع الذي يتعدّى عليه ويظلمه بالتي هي أحسن.
وذلك كما يقول الله - عز وجل - في شأن هؤلاء:
ويدرؤون بالحسنة السيّئة اولئك لهم عقبى الدار.
سورة الرعد ـ آية:22.
وقد ذكر الله - عز وجل - لنا أمثلة كثيرة ومتعدّدة لهذه النفوس في القرآن الكريم، ونجد هذه النماذج واقعية في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومن بعدهم من السلف الصالح ممّن وفّقه الله - عز وجل - وهداه حتّى وصل إلى مثل تلك الدرجات العالية.
وقد وقعت للرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ـ - رضي الله عنه - ـ مثل هذه المواقف مع المشركين، ولكنّهم صبروا وتحمّلوا، فكان ذلك سببا لدخول كثير من الناس في دين الله أفواجا ونصرته والدفاع عنه، كلّ ذلك صدر منهم نتيجة لإرادتهم القويّة الراغبة في الخير والتخلّق به وعمله.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - بدوره قد اعتنى به ربّه، حتّى وصل إلى تلك الدرجة من الأخلاق العالية الرفيعة.
وقد قال الله - عز وجل - في شأنه:
ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا فإذا فرغت فانصب وإلى ربّك فارغب. (1/109)
صفحة 110
سورة الشرح ــ آيات:01ــ08.
وكذلك ذكر - عز وجل - الله مثالا لسحرة فرعون وما تحمّلوه من عذاب في سبيل ثباتهم على الإيمان، واتّباعهم لسيّدنا موسى عليه السلام.
فعندما قال لهم فرعون:
آمنتم له قبل أن آذن لكم إنّه لكبيركم الذي علّمكم السحر فلأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلّبنّكم في جذوع النخل ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذابا وأبقى.
سورة طه ــ آية:71.
فكان جوابهم بكلّ يقين وثبات:
قالوا لن نوثرك على ما جاءنا من البيّنات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا إنّا آمنّا بربّنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر و الله خير وأبقى.
سورة طه ــ آية: 72ـ73.
إنّه بالتدريب والمران والصبر والعزيمة، يستطيع المرء أن ينتقل بإرادته من الدرجة السفلى إلى الدرجة العليا والأرقى، ومن سيّئة إلى حسنة، وعلى كلّ إنسان أن يعلم أنّه لم يحكم عليه أن يبقى طوال حياته في درجة واحدة مستقرّة، وأنّه يستطيع الإنتقال من واحدة إلى أخرى أحسن وأفضل منها، وأنّ التبديل والتحسين ممكن وفي قدرة الجميع.
إنّ السبيل إلى ذلك والوصول إليه يكون بعدّة عوامل:
ــ فعلينا أن نكوّن في تصوّرنا أنّ ذواتنا قويّة وكاملة غير ناقصة، وأنّنا نستطيع أن نرقى بها ونحسّنها.
فالصورة التي نكوّنها لذواتنا، نودّ دائما في ضميرنا أن نحقّقها، ونصل إليها بأيّة وسيلة كانت، وتسمّى عند العلماء ــ المثل الأعلى ــ. (1/110)
صفحة 111
إنّ الله - عز وجل - قد كوّن لنا داخل ذواتنا غريزة حبّ التحسّن والترقّي في كلّ ميادين الحياة، مثل أن نودّ تحسين وضعيتنا المادّية، أو حالتنا الصحيّة والإجتماعية، وغير ذلك من المستويات التي يتمنّى كلّ إنسان أن يكون فيها دائما هو الأفضل والأحسن من كلّ الناس جميعا، ولكن العاقل والذكيّ هو الذي يعمل ويضحّي حتّى يصل إلى الدرجة التي كتبها الله - عز وجل - له أن يكون عليها، ويعلم جيّدا أنّه يستطيع تحقيق ذلك ولكن بالعمل والجّد والاجتهاد، والإرادة الجيّدة والقويّة.
والإنسان مخلوق عجيب، فهو تحيط به عدّة قوى تؤثّر فيه وتتجاذبه في سيره في طريق الحياة.
شهوات متعدّدة يتمنّى ويحبّ أن يحقّق كلّ واحدة منها، ورغبات كثيرة ومتنوّعة يودّ الوصول إليها.
فإذا لم تكن له إرادة قويّة، ونفس متّزنة موضوعية، تحفظه من السقوط في شباكها، فإنّ تلك الشهوات والرغبات تتجاذبه حتّى ترميه في هاوية عميقة.
إنّه يجد صعوبات كبيرة لتحقيق أعماله المهمّة ومصالحه اللازمة أمام تلك الشهوات والرغبات التي تقف دائما ضدّ مصالحه، فإذا لم يثبت أمامها، ولم يواجهها بإرادته القويّة وشجاعته العالية، فسيكون مآله إلى الفشل والاستكانة لامحالة.
وزيادة على تلك الشهوات والرغبات، نجد المؤثّرات التي تؤثّر عليه من كلّ جهة، وهي تفرض عليه فرضا، وهو مجبر أن يخضع لها ويسايرها، ولا يستطيع الهروب منها، لأنّه يعيش في وسطها، وليس له وسط آخر باستطاعته أن يعيش فيه لوحده، وذلك مثل الظروف الإجتماعية والإقتصادية، والتي هي جزء لا يتجزّأ من واقعه المعاش، والإنسان مدني بالطبع.
وإذا لم يحدّد هدفا معيّنا ينوي الوصول إليه وتحقيقه، أمام تلك المؤثّرات، فسيبقى فاشلا منكمشا في بداية الطريق ولا يستطيع الإنطلاق أبدا ما لم تكن له إرادة قويّة ومعنويات مرتفعة، يقتحم بها مثل هذه الظروف.
اقتناع الشخص بذاته. (1/111)
صفحة 112
إنّ عدم اقتناع الشخص بذاته يجعله يعيش حياته وهو فاقد الثقة بأسسه ومبادئه التي بنيت عليه ذاته، والتي تربّى ونشأ عليها منذ صغره، فتجده كثير التغيير من حالة إلى أخرى في كلّ وقت ومرحلة من العمر، يتنقّل من مبادئ إلى أخرى، ومن سلوك إلى سلوك، وذلك حسب الظروف التي يكون فيها، أو المصالح التي تعترضه في طريق حياته الواقعيّة.
فتجده يقوم بعمل ما في مكان ما، ولكن نفس العمل تنكره ذاته إذا هي انتقلت إلى مكان آخر، أو تبدّل الزمان، وربّما يقوم بأعمال غير معتادة لديه، وكثيرا ما يستفيق ويرجع إلى صوابه إذا نصحه ناصح أو وعظه واعظ، فيذكّره بأصله وتربيّته التي تربّى عليها فيما سبق من الأيّام.
فيقول: لم يكن هذا أنا فمن المستحيل أن أقوم بمثل هذه الأعمال.
وهذا يدلّ على أنّ ذاته الأولى والحقيقية التي تربّى عليها من قبل لا زالت باقية لديه، رغم أنّها كانت في فترة ما قد تبدّلت وطرأت عليها ظروف جديدة لم تكن ذاته تعرفها من قبل.
إنّ كلمة {أنا} تدلّ على ثبوت الذات لذى الأشخاص، وتأكيدهم بأنّ لهم ذوات حقيقيّة خفيّة وراء الذوات الطارئة المؤقّتة.
إنّ كلمة {أنا} تدلّ على استمرار الذات الأولى الأصليّة مع كلّ شخص، وذلك رغم التصرّف الغريب الذي يتصرّف به في بعض الأحيان والمستقلّ عن ذاته، وهذا يبيّن لنا أنّه ما زال هناك خيط من الإستمراريّة برغم التصرّف الجديد الخارج عن نطاق الذات الأولى والواقع المألوف لديه.
ومن هنا نخلص إلى أنّه:
إذا لم يستمرّ تقييم الشخص لذاته عبر الزمان والمكان، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ ذاته مبنيّة على أسس غير متينة وغير صحيحة، وأنّه غير مقتنع بالقيم والأسس التي بنيت عليها ذاته، لذلك لم يستطع أن يحافظ على استمرارها معه في كلّ وقت ومكان. (1/112)
صفحة 113
إنّ اقناع الشخص بذاته يتكوّن لديه منذ الصغر، وذلك بواسطة توجيه والديه ومجتمعه، وإقناعه بأنّه تربى على مبادئ صحيحة وقويّة، وأنّه على أسس سليمة، وكذلك بتأثير جميع عناصر مجتمعه من حوله، فهم الأساس في تكوين ذوات الناشئة الصغيرة من حولهم، سواء بتوجيهاتهم القوليّة أو التطبيقيّة.
إنّ الصغار إذا ما لاحظوا تمسّك الكبار بقيمهم ومبادئهم تمسّكا كبيرا، لا يبدّلون ولا يغيّرون فيها، ولا يعيبونها أمامهم، أو يتكلّمون فيها كلاما غير جيّد، فإنّهم يقتنعون ويؤمنون أنّ تلك القيم جيّدة وحسنة فيطبّقونها في حياتهم وينشؤون عليها، فيصبحوا بذلك صالحين ناجحين إن شاء الله تعالى.
الخاتمة.
إنّ من نعم الله الجليلة التي يجب علينا أن نحمده عليها نعمة توقّع التغيير إلى الأحسن، والأمل في مستقبل أفضل على الدوام، وهذا ما دام الإنسان على قيد الحياة، ولولا ذلك لمات الإنسان همّا وغمّا ونكدا.
إنّ الحياة ستكون مملّة لو أنّنا كنّا نعلم مسبّقا ماذا ينتظرنا في مستقبل أيّامنا، ولكنّنا مع الأمل والتفاؤل نتوقّع تغييرا إلى الأفضل والأحسن، وهذا ما يجعلنا نغيّر من تفكيرنا وتوجّهاتنا، فنحسّن نتيجة لذلك أداء قوانا المختلفة الفكريّة والجسميّة والإجتماعيّة، ممّا ينتج عنه إتقان أعمالنا والقيام بها بكلّ إخلاص ونيّة حسنة.
وقد ذكر - عز وجل - الله لنا ذلك في كتابه الكريم، حتّى لا نركن إلى الواقع الذي نحن فيه، ولا نستسلم إليه بل نحاول دائما تغييره إلى الأحسن، كي ننال نتيجة ذلك في هذه الحياة الدنيا، ولأجرالآخرة خير وأبقى.
قال الله - عز وجل -:
إنّ الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأيّ أرض تموت إنّ الله عليم خبير.
سورة لقمان ــ آية:34. (1/113)
صفحة 114
إنّ الله - عز وجل - قد زوّد كلّ واحد منّا بتوقّعات إيجابيّة في مسيرة حياته حتّى تكون له محفّزا على العمل والصبر والمثابرة، ونتيجة ذلك يحقّق الخلافة التي خلقه الله - عز وجل - من أجلها في هذه الحياة.
و الله - عز وجل - زوّدنا بهذه الطاقة الخلاقة التي تبعث فينا الإرادة والثقة، حتّى ندرك أنّ كلّ ما سيصادفنا في حياتنا بعد انتهاج التفكير السليم القويم، سيكون ذا فائدة لنا بطريقة ما، ولو لم نرى ذلك بأمّ أعيننا.
ومن جهة أخرى نتحصّل على مسار من النموّ الشخصي واكتساب المهارات الإبداعيّة التي لا تقف عند حدّ معيّن، والتي تطوّر شخصيّتنا، وتجعلنا نرتقي في سلّم الحياة، ونستخدم القدرات التفكيريّة التي وهبها لنا، ونتوصّل إلى الاستخدام الجيّد للعقل الذي هو السبيل الأكيد لسعادة الإنسانيّة في هذا الكون.
وهكذا فلولا ما وهب الله - عز وجل - لهذا الإنسان من القدرات الكثيرة والعجيبة التي يستطيع أن يطوّرها وينمّيها على مدار الزمان لما وصل إلى ما وصل إليه من التقدّم الكبير والرهيب في كثير من المجالات.
علينا نحن كذلك أن نسعى قدما إلى معرفة ذواتنا وما تملكه من قدرات ومهارات حتّى نطوّر وننوّع من إبداعاتنا، علّنا نحيا في هذه الحياة بثقة كاملة وتفاؤل كبير، ونواجه ما يعترضنا من إشكالات وعقبات وتحدّيات بكلّ ثبات وشجاعة فنحقّق لأنفسنا حياة مطمئنّة سعيدة، فنملأ نفوسنا خيرا وأملا، ونتيجة لذلك نملأ الأرض سعادة وهناء وطمأنينة، إلى أن يتوفّنا الله - عز وجل - على الحقّ واليقين، ويجازينا بجنّة عرضها السماوات والأرض، وذلك لا يكون إلاّ بالعمل الصالح، وحبّ الخير للناس جميعا، مهما كان انتماؤهم في هذه الحياة. (1/114)