صفحة 1
الكتاب: الهندسة الوراثية لسلطان الحراصي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الهندسة الوراثية فوائدها و مخاطرها
سلطان بن محمد بن زهران الحراصي
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتيب يعطي القارئ فكرة عامة عن علم الهندسة الوراثية باعتباره علما حديثا في الوقت الحاضر ، وقد تم طرحه دون تعمق .
مقدمة
لقد كرم الله تعالى عباده بنعمة العقل ،وفتح لهم أبواب البحث ،وأمرهم بالنظر في ملكوته واكتشاف أسرار الكون لأجل أن يصل الإنسان إلى تعظيم خالقه وإفراده بالعبادة.
وقد تقدم العلم تقدماً مذهلاً في وقتنا الحاضر بحيث أصبح القرن الحادي والعشرون عصر تطبيقات الهندسة الوراثية، فانضم – بذلك – إلى عصور سابقة عرفت بالتطور العلمي كعصر البخار وعصر الكهرباء ... الخ.
على أن امتلاك هذه التكنولوجيا سيفتح آفاقاً كبيرة في تربية الكائنات واستخداماتها.
فالهندسة الوراثية مرتبطة بمجموعة من التجارب العلمية في مجال البيولوجيا ، وهي التحكم في الجينات والاستنساخ الحيوي، وإعادة تركيب الحمض النووي المنقوص بالأوكسجين (DNA) الذي يحمل الصفات الوراثية للإنسان (1) (المادة الوراثية).
ونظرا لأهمية هذا العلم في وقتنا الحاضر قمنا بإعداد هذا الكتيب للحديث عن بعض جوانب علم الهندسة الوراثية معتمدين- في كثير من الأحيان- على أفكار علماء هذا المجال ممن بحثوا جوانبه،وسبروا أبعاده وعرفوا فوائده ومخاطره، وقد قمنا بإخراجه في أسلوب سهل ميسر وبشكل مختصر بسيط ليسهل اطلاع الناس عليه في فترة وجيزة .
هذا وقد تم تقسيمه إلى عدة مطالب على النحو التالي:
__________
(1) ثورة الهندسة الوراثية والاستنساخ، محمد محمد كلك، دار الأمل للنشر والتوزيع صـ95. (1/1)
صفحة 2
المطلب الأول: وتحدثنا فيه عن الهندسة الوراثية وماهيتها وأساسها الذي تقوم عليه، ثم المطلب الثاني وتحدثنا فيه عن إنجازاتها،وفي المطلب الثالث ذكرنا مخاطرها ثم يأتي الرابع والأخير الذي تحدثنا فيه عن كيفية مواجهة الهندسة الوراثية ومدى الاستفادة منها ثم وضعنا بعض التوصيات التي ظهرت لنا من خلال هذا الموضوع المهم .
هذا ونسأل الله تعالى التوفيق لما فيه الخير في الدنيا والآخرة فهو حسبنا ونعم الوكيل.
المطلب الأول : تعريف الهندسة الوراثية:
الهندسة الوراثية مصطلح علمي حديث، يستعمل للتعبير عن مدى تقدم التقنية العلمية المعاصرة، وتعتبر الهندسة الوراثية أداة قوية تحمل في طياتها آمالاً كبيرة للطب والزراعة والصناعة والأمن الغذائي ..... فقد تقدمت الأبحاث بدرجة كبيرة منذ أواسط السبعينيات حتى انتشر الحديث عن ثورة الهندسة الوراثية، إلا أنها مع ذلك تثير الكثير من المسائل الحساسة أخلاقياً واجتماعياً ، فما هي الهندسة الوراثية وما هو الأساس الذي تقوم عليه؟ (1/2)
صفحة 3
الهندسة الوراثية هي التعديل والتحسين التقني للكائنات الحية، أو أنها تطبيق المبادئ العلمية والهندسية على صناعة المواد بوسائط حيوية كالكائنات الحية الدقيقة أو الخلايا الحيوانية أو النباتية .... إلخ، أو أنها القدرة على عزل جين من كائن حي ونقله إلى كائن حي آخر، وبذلك يتم تخليق نباتات وحيوانات مهجنة جينياً تمتلك المميزات المرغوبة (1) ، وعرفها البعض : بأنها القدرة على تكوين اتحادات وراثية جديدة، وذلك بخلط جينات وراثية معروفة لخلايا معينة مع جزيئات وراثية وتمكينها من التكاثر وإظهار قدراتها الوراثية في التحكم بوظائف الخلايا المضيفة التي تلقح بها مثل هذه المواد الوراثية المهجنة (2) وهي باختصار : حذف أو إضافة بعض الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية في خلايا الشخص محل التطبيق.
فالهندسة الوراثية هي علم حديث يدخل في إطار ما يسمى "البيولوجيا الجزيئية" جوهره التعامل مع مورثات الصفات في داخل الخلايا الحية لتحقيق أهداف مرجوة ،هذه الأهداف قد تتمثل في علاج الأمراض الوراثية أو تخليق بعض الأعضاء الحيوية أو تحسين الصفات الطبيعية أو التكاثر بغير الطرق التقليدية ،أو استنباط سلالات جديدة ،أو زيادة إنتاج المواد الغذائية.
__________
(1) الهندسة الوراثية تكنولوجيا متقدمة أم خطر غامض ، الدكتور وجدي عبد الفتاح سواحل باحث بالمركز القومي بالقاهرة ، سنة 1999م، موقع البحث على الإنترنت www.Islam-online.net
(2) الهندسة الوراثية أساسيات عملية، الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن الصالح، مكتب التربية العربي لدول الخليج، صـ13. (1/3)
صفحة 4
أما الأساس الذي تقوم عليه الهندسة الوراثية فهو المخزون الجيني الحامل للصفات الوراثية في الكائن عن طريق التحكم في مكانها ووظيفتها ونقلها من مكان لآخر ، فقد أدى التنوع الجيني إلى تمكين الإنسان من اختيار نباتات ثم تحسين محاصيلها عن طريق الانتفاع من التنوع الجيني وفي بداية هذا القرن استخدمت تقنيات التهجين المخطط ، وأصبح التهجين أسلوباً لزيادة نمو المحاصيل والحيوان (1)
وقد تطورت الهندسة الوراثية بعد اكتشاف أسرار المادة الوراثية(DNA)، وذلك عندما اكتشف العلماء أن الحمض النووي هو المادة الوراثية ثم اكتشاف تركيبه الكيميائي (2) 2) .
المطلب الثاني : إنجازات الهندسة الوراثية
لقد شهدت أعوام الثمانينات وأوائل التسعينات ظهور بعض ثمار التطبيقات المبكرة للهندسة الوراثية ففي مجال الزراعة حدث تقدم سريع عندما تم تخليق أول نبات مهجن جينياً عام 1982م، ومنذ ذلك الوقت تم تعديل عشرات من النباتات لزيادة إنتاجيتها ومقاومتها للفيروسات.
وفي مجال المستحضرات الطبية تم إنتاج هرمونات مثل الأنسولين وهرمون النمو، ومواد لإذابة تجلطات الدم .... إلخ.
__________
(1) 1 ) الهندسة الوراثية تكنولوجيا متقدمة أم خطر غامض ، للدكتور وجدي سواحل .
(2) جميع خلايا الكائنات الحية تحتوي على مادة الحمض النووي اللا أكسجيني (DNA) وهو الحامل الحقيقي لما يعرف بالجينات المسؤولة عن تحديد الصفات لكل كائن حي، وهذا الحمض يتكون من تركيب حلزوني مزدوج ممثل في شريطين ملفوفين بشكل حلزوني وكل شريط عبارة عن سلسلة طويلة من النيوكليوتيدات ، ينظر الهندسة الوراثية أساسيات عملية ..... صـ13- 14. (1/4)
صفحة 5
وفي مجال الإنتاج الحيواني تم إيجاد وسائل للتشخيص، وأمصال وعقاقير جديدة، وإعطاء هرمونات النمو لزيادة النمو وإدرار اللبن، ومازالت أبحاث الهندسة الوراثية مستمرة لإيجاد لقاحات للأنفلونزا، والجذام،والكوليرا والملاريا، ولقاحات في تشخيص الأمراض الوراثية كمرض الثلاسيميا (1) .
كما استطاع العلماء الاستفادة من هذه التقنية في إنتاج بعض مضادات السرطان، ومضادات الفيروسات .... وللهندسة الوراثية اليوم دور حساس في تقصي تأثير الجين، وتتبع ما يعرف بعيوب الجين المفرد ، وإمكانية التحديد المبكر للمخاطر الوراثية على المستوى الجيني (2) .
فتقنيات الهندسة الوراثية يمكن أن تسخر لخدمة الإنسان وتدعيم حقوقه ورعاية مصالحة وتحقيق طموحاته وتوفير الكثير من مطالبه وحاجاته ،غير أنها في المقابل قد تنقلب وبالا عليه فتدمر قيمه وتهد أخلاقياته وتجلب عليه مآلا يحتسب الكوارث والمتاعب كما تستغل لتحقيق مصالح مالية وإنجازات علميه لأصحابها بصرف النظر عما تجره على الإنسانية من آثار مدمرة أو سلبية لا يعلمها إلا الواحد الأحد.
المطلب الثالث: مخاطر الهندسة الوراثية (3)
__________
(1) لمزيد بيان ينظر في كتاب الهندسة الوراثية، محمد محمد كذلك صـ139- 151.
(2) الهندسة الوراثية، الدكتور عبد العزيز الصالح صـ21 ، ولمزيد بيان في معرفة مجالات ومنجزات الهندسة الوراثية ينظر كتاب الهندسة الوراثية وتطبيقاتها، للدكتور عاصم محمد علي، صـ12- 15، وكتاب هندسة الإحياء وبيئة المستقبل للدكتور سعيد محمد الحّفار الطبعة الأولى،1985م صـ345.
(3) الهندسة الوراثية تكنولوجيا متقدمة أم خطر غامض الدكتور وجدي عبد الفتاح سواحل، الهندسة الوراثية وتطبيقاتها للدكتور/ عاصم محمد علي، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر صـ2. (1/5)
صفحة 6
الهندسة الوراثية قادرة على حل مشكلات البشرية من احتياجات استهلاكية من كنوز الأرض وثرواتها، بالإضافة إلى تسهيل فهم كثير من الأمراض الطبية والعلمية، ولكن هناك تخوفات كبيرة من أن تكون شرارات الحروب في المرات القادمة وأدواتها الجديدة وليدة هذا العلم، وتكون الأدوات والأساليب قد شكلتها نظريات واختراعات الهندسة الوراثية إذ لو استغلت علوم الهندسة الوراثية لغير صالح البشرية فربما تكون لعنتها أشد وأعتى من القنبلة الذرية ، ومن مخاطر الهندسة الوراثية:
( أ ) حرب الجينات :
- هندسة الجينات كعلم حديث سلاح ذو حدين فكما أمكن استخدامه في العديد من المجالات المفيدة للإنسان يمكن استخدامه لتدمير الحياة على سطح الأرض، حيث يتم تطعيم الجينات في الطاقم الوراثي للبكتيريا، ويتم تحميل هذه البكتيريا في حاملات بكتيرية "كبسولات خاصة" وإطلاقها في مجتمع ما لتخرج البكتيريا وتتكاثر وتغزو جيناتها الممرضة أجسام الكائنات الحية لتفتك بها، وهذا يعني إحداث موت بطيء لمجتمع بأكمله.
- إنتاج أسلحة ذات تقنيات عالية باستخدام الجينات وتوجه ضد جماعات عرقية معينة لإبادتهم أو إلحاق الضرر بهم، فمن الممكن التدخل البيولوجي للتحكم في صفات معينة للبشر أو لإصابتهم بأمراض معينه باستعمال ميكروب الحرب البيولوجية. (1/6)
صفحة 7
فمن الممكن نظريا تطوير الأسلحة البيولوجية بإضافة بعض الجينات إليها واستخدامها لتهاجم جزءاً معيناً من جسد الإنسان، وإذا تمكن العلماء من تحديد مجموعة الجينات التي تميز جماعة عرقية عن أخرى فمن المحتمل إنتاج أسلحة ذات طابع عرقي مما يوجب البحث عن وسائل لمنع حدوث ذلك والسيطرة عليه كما يمكن إنتاج أدوية ذات تأثيرات سيئة، وهذا يؤكد أننا مقدمون على نوع جديد من الحروب يتم التعامل فيه على مستوى الجينات وهو ما يعرف بـ "حرب الجينات" مما يستدعي من المجتمع الدولي وقفة لتقنين العمل داخل مراكز بحوث الهندسة الوراثية للوصول إلى نتائج تفيد الإنسان ولا تضره، لتكون الحقيبة الجينية الأداة لتخليص البشرية من ويلات الأمراض المستعصية، وعلاج الأمراض الوراثية لا أن تكون أداة لتدمير الإنسان وآماله.
( ب ) الإمبريالية والقرصنة الجينية:
لقد تميزت الهندسة الوراثية في أن الإنسان أصبح يمتلك الوسيلة لأن يطوع المخزون الوراثي الكامن في جميع الكائنات الحية بما يرضي طموحاته فتوضع التراكيب الوراثية على مائدة العمليات الوراثية بهدف تغيير وظائفها عن طريق إضافة جينات تحمل صفات جديدة ومرغوبة أو إزالة جينات تحمل صفات غير مرغوبة .... كل هذا يؤدى في النهاية إلى تبديل الإمكانات الوراثية للكائن الحي، لذا يجوب العلماء أرجاء الأرض بحثاً عن الكائنات الحية المفيدة طبياً وعلمياً، وهي عملية يسميها النقاد "قرصنة الجينات" ويعتبر البعض هذا الأمر إمبريالية جينية تماثل استغلال الثروات المعدنية مقابل عائد ضئيل لأصحاب الأرض الأصليين، ومن مخاوف ومخاطر الهندسة الوراثية ما ترتسم صوره واضحة اليوم، ومنها مالا يخطر على بال، لأنه يتعلق بطبيعة المضاعفات والنتائج التي تظل رهينة بوتيرة الاكتشافات العلمية المتوالية، ومن تلك المخاوف:
- التدخل في تحويل الرموز الوراثية في الإنسان بحيث تتغير صفاته الوراثية طبقاً للتدخل وأهدافه. (1/7)
صفحة 8
- إنجاب أشخاص لهم مواصفات معينة بشكل يفضي إلى إنتاج أنماط من البشر طبقاً "لهندسة وراثية" تمسك بمقاليدها سياسة العلوم في المستقبل.
- احتكار المعرفة "الوراثية" من لدن المختبرات والمؤسسات الكبرى التي تشرف عليها القوى العالمية الكبرى.
- إنجاب أنماط من البشر يصعب السيطرة عليها، أو تكون مصدراً لتولد شرور أو أوبئة لا يدرك العلماء اليوم مداها.
- إنجاب فئات من البشر يشعرون بأن غيرهم من أصحاب المعرفة والقرار هم الذين تحكموا في تخليقهم وغرائزهم وسلوكهم فيدركون بأنهم مجرد بشر صناعي أنجب لأغراض معينه (1) .
المطلب الرابع : كيفية مواجهة الهندسة الوراثية
لمواجهة الهندسة الوراثية لابد من فهم قوانين تقنية هذا العلم، ثم تطوع لتحقيق المصالح، ذلك لأن الأحداث العلمية تتوالى بسرعة كبيرة ونحن الآن في مرحلة تحدِ علمي تقني، وهذا يفرض علينا القيام بإعداد خطة تنمية والاستفادة من تطبيقات الهندسة الوراثية والتكنولوجيا لاسيما وأن دول الوطن العربي تملك مقومات وأسس مشتركة ومبادئ وقيم دينية وأخلاقية ، ويمكن أن تتم هذه الخطة باتباع الخطوات التالية (2) :
- جمع المعلومات والبيانات عن الخبرات المكتسبة في مجال الهندسة الوراثية.
- اعتماد الميزانيات وتطبيق الإجراءات الفاعلة.
- إصدار القوانين والأنظمة والتشريعات.
- إنشاء المركز العربي للهندسة الوراثية والتقنية الحيوية ، ويقوم هذا المركز بـ:
* تنفيذ البحوث الأساسية في تقنية الطب البشري الجيني، وحماية الموارد الوراثية بإنشاء "بنك الجينات" ووضع خطط إعلامية وتعليمية وتنفيذها، ووضع الإطار القانوني لحماية الملكية الفكرية البيتكنولوجيه، ووضع خرائط استثمارية في الإنتاج الصناعي والزراعي.
__________
(1) حقوق الإنسان والتصرف في الجينات ، موضوع الدورة الثانية لعام 1997م، الرباط مطبعة معارف الجديدة ، صـ87.
(2) أخذت هذه الخطوات من الدكتور وجدي عبد الفتاح في بحثه "الهندسة الوراثية" (1/8)
صفحة 9
ومن المعلوم أن كل تقدم علمي تقني له جوانبة الإيجابية والسلبية، ويجني المجتمع منه الثمرات، ولكن يجب أن يبعد عن المخاطر والانحرافات.
فالهندسة الوراثية مجالها كبير وواسع، ولابد من إيجاد فئة تختص بدراسة هذا الجانب من العلم والتعمق فيه بشكل يمكننا من الاستفادة منه وفق تعاليم ديننا الحنيف، ومبادئنا وأهدافنا المشتركة، كيف وقد أخذ المسلمون الأوائل بهذا النهج، وتبحروا في ميادين العلوم المختلفة حتى أخرجوا لنا حضارة مادية مرتبطة برباط شرعي، وعليه فلا بد للعالم الإسلامي أن يلحق بركب ثورة الهندسة الوراثية دون أن يؤثر ذلك في ثوابتنا ونخرج من التخلف العلمي والتقني، ونواجه روح العصر بلغة إسلامية تستند في مضمونها إلى القرآن والسنة.
ومن المعلوم أن الإسلام لا يقف أمام علم الهندسة الوراثية إذا كان ذلك من أجل مصلحة الكون والإنسانية ،ولكن ينكر التلاعب بالجين البشري، وبتطبيقات الهندسة الوراثية التي يكون ضررها أكثر من نفعها، وإذا أدت إلى تغيير خلق الله، فقد جاء في المؤتمر العاشر لمجمع الفقه الإسلامي المنعقد في مدينة جده بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 28 يونيو إلى 3 يوليو عام 1997م ما نصه:" إنّ الإسلام لا يضع حجرا على حرية البحث العلمي ،ولكن الإسلام يقضي كذلك بألا يترك الباب مفتوحا بدون ضوابط أمام دخول تطبيقات نتائج البحث العلمي إلى الساحة العامة بغير أن تمر على مصفاة الشريعة ... ..ولا بد أن يحافظ العلم على كرامة الإنسان ومكانته والغاية التي خلقه الله من أجلها فلا يعتدي على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه ،ولا يؤدي إلى خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر أو يعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني من خلال شرع الله وعلى أساس وطيد من أحكامه" (1/9)
صفحة 10
هذا، وقد تحدث الدكتور محمود عبد الرحيم في رسالته التي نوقشت بالأزهر الشريف "الأحكام الشرعية والقانونية للتدخل في عوامل الوراثة والتكاثر" (1) عن موضوع هندسة التكاثر، وبيَّن أن تقنيات الهندسة الوراثية لا تعني بأي مدلول أن لها معنى الخلق الذي هو إيجاد الحياة من العدم، كما أنها لا تمس الإيمان بأن الخلق بهذا المعنى هو شأن الله تبارك وتعالى وحده، وهذه التقنيات وإن تضمنت تدخلاً في سير العوامل الطبيعية للخلق إلا أنها لا تخرج عن كونها تصرفات بشرية تتعلق بها أحكام تشريعية تدور بين الحظر والإباحة ، ولا يتعلق بها كفر أو إيمان إلا إذا اقترنت بما يوجب ذلك من الاعتقاد .... كما أن الدين لا يُعارض التطور العلمي والتقني بل يحث عليه ويقرر أنه فرض على المجموع، على أن البحث في كيفية الخلق جاء به الأمر الصريح في القرآن واشتغل به علماء المسلمين وأطباؤهم الأوائل.
__________
(1) لم أجد هذه الرسالة إلا أنني استفدت معلومات عنها من خلال الإنترنت. (1/10)
صفحة 11
وتحدث كذلك عن الرؤيا الشرعية حول تعديل الخصائص الوراثية، ووضح أن ما يقع على الإنسان من تقنيات الوراثة الهادفة إلى تعديل الخصائص الوراثية فما يقع منها بهدف العلاج فهو مشروع إذا توافرت فيه شروط التداوي، وكان موضع تطبيقها خلايا الإنسان الجسدية ، أما التطبيق على الخلايا التناسلية فيشترط – فضلاً عن شروط التداوي – ألا يفضي إلى اختلاط الأنساب، وأما التطبيق لأغراض غير علاجية فهو أمر موضع نظر إلى حد بعيد والحكم فيه يناط بالخصوص لا بالعموم ، وفي ضوء الموازنة بين المصلحة في الغرض المقصود والمخاطر المحتملة من إجراء التقنية ، ويخضع تطبيق هذه التقنيات على غير الإنسان في تقرير مشروعيته لمدى ما يحققه من مصالح أو ما يفضي إليه من مضار ومفاسد، وفي النظر القانوني لا توجد نصوص تفي بمعالجة هذه التفصيلات حتى في الدول التي أصدرت القوانين المعنية بالتقنيات الحيوية، والذي يرد في هذا الشأن هو حظر إجمالي للعبث والتلاعب بالذمة الجينية للبشر، تضمنته اتفاقيات ومواثيق دولية غير ملزمة مثل اتفاقية مجلس أوروبا حول حقوق الإنسان والطب الحيوي.
هذا وقد عقد مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بمكة المكرمة خلال الفترة من 11الى 15 هـ رجب 1419هـ الموافق 31 أكتوبر إلى 4 نوفمبر 1998م وذلك للنظر في عدد من القضايا الفقهية والطبية ومنها الحديث عن مدى استفادة المسلمين من علم الهندسة الوراثية ،وبعد النظر فيما كتب حول هذا الموضوع صدرت عن المجلس بعض القرارات ومنها :
الاستفادة من علم الهندسة الوراثية في الوقاية من المرض أو علاجه أو تخفيف ضرره بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر أكبر .
- لا يجوز استخدام أي من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في الأغراض الشريرة والعدوانية وفي كل ما يحرم شرعا. (1/11)
صفحة 12
- لا يجوز استخدام أي من أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله للعبث بشخصية الإنسان ومسؤليته الفردية أو للتدخل في بنية المورثات (الجينات) بدعوى تحسين السلالة البشرية.
- لا يجوز إجراء أي بحث أو القيام بأي معالجة أو تشخيص يتعلق بمورثات إنسان ما إلا بعد إجراء تقويم دقيق وسابق للأخطار والفوائد المحتملة المرتبطة بهذه الأنشطة وبعد الحصول على الموافقة المقبولة شرعا مع الحفاظ على السرية الكاملة للنتائج ورعاية أحكام الشريعة الإسلامية الغراء القاضية باحترام حقوق الإنسان وكرامته.
- يجوز استخدام علم الهندسة الوراثية ووسائله في حقل الزراعة وتربية الحيوان شريطة الأخذ بكل الاحتياطات لمنع حدوث أي ضرر ولو على المدى البعيد بالإنسان أو الحيوان أو البيئة .
وعليه ، فإنني أختم حديثي عن الهندسة الوراثية بهذه التوصيات:
- تشجيع البحوث في مجال الهندسة الوراثية مع توفير الدعم المالي.
- ضرورة وضع المعايير الأخلاقية والاجتماعية والبيئية للتقنيات الحديثة في مجال الوراثة بحيث تتلاءم مع المجتمعات الإسلامية أي وضع منهجية إسلامية رشيدة للأخلاقيات بحيث تلتزم تعاليم الإسلام وتمثل مقاصده وقيمه وغاياته دون أن تعطل العقل أو حرية البحث والتفكير.
- توضيح موقف الشريعة الإسلامية في مختلف قضايا الهندسة الوراثية لحماية المجتمعات المسلمة من أخطارها وما تجلب من مفاسد وشرور ، فيحمى مجتمعنا من اندفاعات الغرب المتهورة التي تضر بالإنسان وفطرته السليمة وتتنافى مع تعاليم الإسلام.
- زيادة التوعية الإعلامية فيما يخص التقنيات الحديثة في علم الوراثة حتى نزيل الخوف مما هو مفيد ونحذر مما يتنافى مع أخلاقياتنا.
- إدخال المعلومات الحديثة عن علم الوراثة لا سيما على المستوى الجامعي وخاصة التعليم الطبي. (1/12)
صفحة 13
- في حال وجود المنتجات الغذائية الناتجة عن تقنيات الهندسة الوراثية لابد من اتخاذ إجراءات وقائية عند استيراد هذه المنتجات بإنشاء وحدة رقابة متخصصة في هذا المجال.
- يجب ألا تعمم تقنيات المسح الوراثي سواء كانت بهدف التعرف على حاملي الأمراض الوراثية أو للتشخيص الوراثي، وإذا حدث فيجب أن يكون بمحض اختيار الفرد وعند رغبته فقط،كما يجب الحفاظ على النتائج وعلى سريتها (1) .
الخاتمة
نستطع إجمال ما كتبناه سلفاً عن موضوع الهندسة الوراثية فنقول:
- الهندسة الوراثية هي التعديل والتحسين التقني للكائنات الحية وتطبيق المبادئ العلمية على صناعة المواد ، وهي علم حديث يدخل في إطار ما يسمى " البيولوجيا الجزيئية ".
- تطور هذا العلم بعد اكتشاف أسرار المادة الوراثية (DNA .(
- تقنيات هذا العلم يمكن أن تسخر لخدمة الإنسان وتدعيم حقوقه ورعاية مصالحة وفي المقابل قد تنقلب وبالاً عليه فتدمر قيمه وتهدد أخلاقياته.
- لا بد من تشجيع البحوث في مجال هذا العلم ، وتوضيح موقف الشريعة الإسلامية وزيادة التوعية الإعلامية عن علم الهندسة الوراثية.
- ينبغي على العالم الإسلامي أن يدخل في هذا العلم من أوسع أبوابه ، ويعرف فوائده ومضاره ليحمي المجتمع من سلبياته ويحقق ما فيه من الإيجابيات.
قائمة المراجع
1- ثورة الهندسة الوراثية، محمد محمد كلك دار الأمل للنشر والتوزيع.
2- حقوق الإنسان والتصرف في الجينات ، موضوع الدورة الثانية سنة 1997م ، الرباط، مطبعة معارف الجديدة.
3- هندسة الإحياء وبيئة المستقبل للدكتور سعيد محمد الحفار، ط1، سنة 1985.
4- الهندسة الوراثية أساسيات عملية ، الأستاذ الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن الصالح ، مكتب التربية العربي لدول الخليج.
__________
(1) اقتبست أكثر هذه التوصيات من كتاب حقوق الإنسان والتصرف في الجينات ، صـ62- 63. (1/13)
صفحة 14
5- الهندسة الوراثية تكنولوجيا متقدمة أم خطر غامض، الدكتور وجدي عبد الفتاح سواحل باحث بالمركز القومي بالقاهرة سنة 1999م، موقع البحث على الإنترنت www.Islam-online.net.
6- الهندسة الوراثية وتطبيقاتها للدكتور عاصم محمد علي، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر.
قائمة المحتويات
التسلسل ... الموضوع ... الصفحة
1 ... مقدمة ... 3
2 ... المطلب الأول : تعريف الهندسة الوراثية ... 4
3 ... المطلب الثاني : إنجازات الهندسة الوراثية ... 6
4 ... المطلب الثالث : مخاطر الهندسة الوراثية ... 7
5 ... أ : حرب الجينات ... 7
6 ... ب : الإمبريالية والقرصنة الجينية ... 8
7 ... المطلب الرابع : كيفية مواجهة الهندسة الوراثية ... 10
8 ... الخاتمة ... 15
9 ... قائمة المراجع ... 16 (1/14)