صفحة 1
الكتاب: انطباعات وأفكار حول الإدارة وإصلاحها لعبد الوهاب بكلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] انطباعات و أفكار حول الإدارة و إصلاحها
لعل الإدارة في مفهومها الواسع هي أهم جهاز في الدولة. فهي في جميع الميادين التي تشرف عليها و على كافة المستويات تتكفل بشؤون المواطنين الذين يتوجهون إليها لقضاء مآربهم و نيل حقوقهم، كما أنها هي التي تتولى تنفيذ كل ما يصدر من قوانين و يتخذ من تدابير من شأنها تنظيم الحياة العامة و علاقات المواطنين و تحقيق الأهداف التي تسطرها الدولة في كافة المجالات.
إن الإدارة هي التي تقدم كذلك الخدمات و المنافع العامة و بالتالي فإن النوعية و الإتقان و السرعة التي تتم بها لهي من المؤشرات التي تدل على مستوى الأداء عموماً و على إخلاص الموظفين و تجاوبهم مع الدولة.
هذا و إن صلاحيات الإدارة تشمل كل جوانب الحياة، الإدارية البحتة منها و التقنية و حتى الأمنية إذ هي المجسدة لإرادة الدولة و المنجزة لخططها و الساهرة على هيبتها و ديموميتها إلى جانب كونها رمز من رموز سيادتها.
لذا فإن للإدارة و تعاملها الأثر البالغ في رضا المواطنين أو سخطهم على الدولة ذلك لأنهم يعتقدون أن أي تطرف أو تعسف و كذا كل حسن سلوك إنما هو صادر عنها أو هي راضية عنه على الأقل.
و بالنظر إلى كل هذه الإعتبارات و الأبعاد فلابد أن تحظى الإدارة و أعوانها و هياكلها بكامل الرعاية و أن يمس الإصلاح الضروري لها مختلف الأوجه من هيكلة و أساليب عمل و ذهنيات و تكوين و رعاية مادية حتى تكون في مستوى آمال المواطنين و تطلعاتهم و تبقى دوماً في خدمتهم ما دام ذلك هو سر وجودها فتحوز على ثقتهم و تتمتع باحترامهم.
فبالنسبة للهياكل و التنظيم فتجدر الإشارة بادئ ذي بدء إلى المصطلح المعتمد وهو " التقسيم الإداري " إذ له انعكاسات نفسانية سلبية. فالأحسن استبداله و تداول مصطلح "التنظيم الإداري" أو "هيكلة التراب الوطني". (1/1)
صفحة 2
أما حالياً فتنتظم الجزائر إدارياً في 48 ولاية بعد ما كان عددها غداة الإستقلال 15 ليرتفع في سنة 1974 إلى 31 ولاية ثم إلى 48 منذ سنة 1984.
و من حيث الدوائر فقد كان عددها في 1962 حوالي 92 فارتفع إلى 160 بعد زيادة عدد الولايات عام 1974 ليصل تدريجياً إلى حوالي 555 حالياً.
و البلديات قد عرفت بدورها تغييرات من حيث العدد. فبعد أن كانت غداة الإستقلال 1535 اضطرت السلطة في 1963 إلى تجميعها نظراً للظروف المالية الصعبة آنذاك لتصبح 632. لكن بعد إعادة النظر في القانون البلدي و مع المساومات التي عرفها المجلس الشعبي الوطني عند دراسة مشروع تنظيم التراب الوطني سنة 1984 بخلفية انتخابية و مزايدات وصل عدد البلديات إلى 1541 و هو العدد الحالي.
و بالمناسبة إننا نلمس أن المواطن يعطي أهمية قصوى للبلدية و يفخر بها إذ يعتبرها رمز كيانه و مصدراً للتنمية و فرصة سانحة للنهوض بها، و لا يمكن في غيابها أن تعرف أية منطقة تطوراً و تتمتع بمشاريع ما دامت هذه الأخيرة لا تمنح إلا لبلدية مهما كان عدد سكانها أو أهميتها.
فإذا ما وعينا ذلك أدركنا أنه لا يمكن في الظروف الراهنة المساس بهيكلة البلديات و بالتالي عددها و لو أننا نعلم -مع الأسف- أن الظروف الإقتصادية للوطن عموماً و المالية بالذات لا تسمح أبداً بمثل هذا العدد من البلديات بله أن تضاف إليه أخريات كما بدأ يطالب به مواطنو بعض الجهات ذلك أن أكثر من 900 منها تعرف عجزا ًهيكلياً و دائماً و منها تلك التي لا تغطي مصاريفها و قد لا تفي حتى بمرتبات موطفيها و عمالها المرسمين. (1/2)
صفحة 3
لكنه بالمقابل يمكن اقتراح إعادة النظر في الدائرة حتى من حيث المبدأ خاصةً إذا ما علمنا أن تضخم عددها في السنوات الأخيرة أتى ظرفياً و نتيجة لوضع إداري هش و مرتدي بعد انتخابات 1990 حيث نصبت على رأس البلديات هيئات منتخبة لم تعتن بسير أمور المواطنين بقدر ما وجهت جهودها إلى فرض نوع من الممارسات و السلوك أصبح يشكل خطراً حقيقياً على الإدارة نفسها كأداة و على البلدية كحلقة بين المواطنين و مصالح الدولة المركزية و الولائية. و بالفعل لو ترك الأمر كذلك لأدى إلى فوضى إدارية و ضياع حتمي لكل مكونات الإدارة من سجلات و غيرها، و لامتدت يد العبث إلى كل المستندات التي لها علاقة بما يطلبه المواطنون من خدمات و وثائق.
لذا سارعت الدولة آنذاك إلى تدارك الأمر و فرض سلطتها و تواجدها بفضل إحداث دوائر جديدة كحلقة ضرورية و بديلة إلى جانب كل مجموعة من هذه البلديات أو حتى بلدية واحدة إذا ما هي بدت
هامة أو حساسة. و لقد ارتفع هكذا كما أسلفنا عدد الدوائر إلى حوالي 555 و هو رقم ضخم يجند الكثير من الإطارات و الأعوان و التقنيين بمختلف أسلاكهم و يتطلب رصد أموال و إمكانيات هائلة تثقل كاهل الدولة.
و بما أننا اليوم في أوضاع عرفت استقراراً أمنياً معتبراً و مقبلين على تعديل جوهري لقانون البلدية و الولاية فإنه يمكننا أن نقترح تدعيم البلدية كهيكل إداري ممثل للدولة و استمراريتها و استقرارها و حيادها، و إعادة النظر في صلاحيات الأمين العام للبلدية الذي يمكن أن يكون المتصرف المسؤول، و في صلاحيات المجلس المنتخب ليصبح المعبر عن إرادات المواطنين و تطلعاتهم دون أن يُزج في التسيير. (1/3)
صفحة 4
إن هذا التوجه يحقق أساساً محو الصفتين المزدوجتين لرئيس المجلس الشعبي البلدي حالياً كمنتخب ممثل للمواطنين و ممثل منفذ لقوانين الدولة و التي هي مصدر لكثير من النقائص و التجاوزات و المشاكل كما تتخذ ذريعة للتنصل من المسؤولية أمام المواطنين بدعوى الأوامر الصادرة عن الوصاية. ثم إن هذا الفصل بين المسئوليتين يبقى على رئيس المجلس الشعبي البلدي ممثلا للمواطنين و معبراً عن رغباتهم و على المجلس كهيئة موقرة محترمة يفصل في كل ما تعرضه عليه الإدارة بواسطة المتصرف الإداري أو يعدله أو يرفضه كما يقوم بوظيفة المراقبة الشعبية لكل مجريات الأمور في تراب البلدية تاركاً التسيير الإداري و المالي للمتصرف الكفء المعين الذي لا يخضع إلا للقانون و للإجراءات التي تتخذ، فيكون التطبيق متجانساً بل و موحداً لا يتبع أهواء
و رغبات المنتخبين الذين قد يكونون من أحزاب مختلفة لهم رؤى و غايات متباينة بل و حتى أغراض متعارضة خاصةً إذا ما كانوا بدورهم غير مؤهلين أو غير مكونين بل حتى غير متعلمين أو ذوي مستويات ضعيفة.
إن هذا يضمن كذلك حياداً هاماً للإدارة و ينقص من النهم الإنتخابي الذي كثيراً ما تكون بواعثه تلك المصالح أو المنافع أو المكتسبات الممكنة من جراء ممارسة السلطة لتهمل خدمة المواطنين التي يتغنى بها الجميع مع الأسف إبان الحملات الإنتخابية و تتناسى مباشرة بعد الفوز بالمناصب.
هذا و إن إبعاد المنتخبين عن التسيير المباشر يقضي كذلك على التهافت للعناصر الطفيلية و يفسح المجال للمجدين من المترشحين الذين لهم تجربة و مصداقية و إخلاص للنهوض بأعباء المسؤولية خدمة حقاً للمواطنين، و في منأى عن التورط في شؤون قد لا يكونون مؤهلين أو مكونين لها.
هذا من جهة و من جهة أخرى تضع الدولة تحت تصرف البلديات و متصرفها الإداري الإطارات الإدارية و التقنية الضرورية لدعمها في كل مناحي التنمية منذ التنظير إلى تصور المشروع و متابعة إنجازه (1/4)
صفحة 5
و المراقبة فلا تبقى البلدية تحت رحمة المهندسين الفرعيين كما هو الحال و التابعين للدوائر إذ يكتفون بالملاحظات البعدية و لا يساهمون في متابعة المشاريع إلا كمعقبين و في بعض الأحيان معرقلين.
إن هذا التصور يؤدي كذلك إلى ضمان تراكم التجربة للمسييرين للبلديات فلا يقعون ضحية الأهواء و الإنتماء كلما حان وقت الإنتخابات كما يحقق خاصةً حياد الإدارة و استمرار تأدية مهامها بأكثر ما يمكن من القدرات الإدارية و التقنية فتطبق كل القوانين و التعليمات لفائدة و على كافة المواطنين على حد سواء و دون تمييز أي كان مصدره.
و لتدعيم هذا الإتجاه يمكن بل يستحب تسمية المتصرف الإداري من خارج تراب البلدية المعنية و يتمتع على الأقل بمسكن وظيفي مجهز.
فإذا ما اعتمدنا هذا الإختيار يمكن أن نستغني عن الدوائر تماماً كحلقة إدارية، خاصةً في شكلها الحالي، إذ هي لا تعدو أن تكون حلقة وصل قد تعقد أو تطيل مدة الحصول على بعض الوثائق، كما أنها ليست إلا
لا تمركز لسلطة الوالي الذي يفوض ما يشاء منها لأنه في الحقيقة هو الممثل للدولة في جميع أوجه نشاطاتها و صلاحياتها. و إذا ما أضفنا إلى هذه الوضعية ضعف بعض المسؤولين على الدوائر تبعاً لما يكتنف تعيينهم من عواطف و محسوبية على حساب الكفاءة و التجربة و ما يعانيه الكثير من نقص الوسائل عموماً فإننا نزيد يقيناً أن الدائرة يمكن إلغاءها.
إن هذا التعديل سيوفر لنا على الأقل 555 إطاراً سامياً كانوا رؤساء دوائر و مثل هذا العدد من الأمناء العامين أي ما قد يعادل ثلثي المسؤولين الإداريين الذين سينصبون كمتصرفين إداريين على مستوى البلديات لتسييرها. و إذا ما انتقينا عدداً من الأمناء العامين الحاليين للبلديات يمتازون بكفاءة و تجربة نكون قد وفرنا العدد التام و المكوَّن و الصالح لمهمة تسيير البلديات كما سبق ذكره. (1/5)
صفحة 6
أما بالنسبة للتقنيين الذين هم على مستوى الدوائر حالياً فيمكن تزويد البلديات بهم لتدعيمها و لتتوفر على مثل هذه الإمكانيات الضرورية لتسيير مصالحها التقنية المختلفة و تواكب عمليات التنمية في كافة مراحلها، و هذا ما سيجعلها قوية و ذات مستوى حقاً و على أتم عدة لتلبية مطالب مواطنيها.
و إكمالاً لهذا المسعى لابد كذلك من تغيير في التنظيم الإداري للوطن باعتماد ولايات جديدة آخذين بعين الإعتبار التنمية الحقيقية و التحكم في التسيير الإداري و الإستعمال العقلاني للموارد البشرية من جهة
و إعطاء فرصة لمناطق عديدة تحلم في الإرتقاء إلى مصف ولاية من جهة أخرى نظراً لما لهذا المستوى الإداري من مزايا و فسح للمجال للتنمية و التحصيل على إمكانيات و كذا الإعتبار المعنوي.
و بالفعل فإن كثيراً من المناطق كان أحرى أن ترقى إلى مستوى ولاية منذ 1974 و قبل أخريات إلا أن بعض القادة الموجودين آنذاك فضلوا بحكم عواطفهم و نفوذهم أن تكون المدن التي ينتمون إليها أسبق في احتضان الولاية من غيرها و لو أن هذه الأخريات لها من الحظوظ و المركز الإقتصادي أو الإجتماعي أو حتى الموقع الجغرافي ما يؤهلها لذلك أكثر.
ثم إن "التقسيم" الثاني لسنة 1984 زاد للطين بلة إذ لم يتدارك الأمر و لم يصحح كل الأخطاء فعرفت بعض المناطق توتراً إذ اعتبرت نفسها "مح?ورة" حتى أن بعض الدارسين للأوضاع الأمنية يُوعزون جنوح مثل هذه المناطق إلى الإجحاف التي نالها جراء هذه التصرفات. (1/6)
صفحة 7
و لعل القاعدة الأكثر تلبية للطموحات المتعددة لمختلف المناطق في الرقي إلى مستوى ولاية هي الدوائر التي كانت موجودة غداة الإستقلال، تضاف إليها الدوائر مقرات الولايات المستجدة أو بعض الحواضر التي عرفت تطوراً معتبراً أو غدت قطباً صناعياً أو ثقافياً مرموقاً. و هكذا سيتراوح عدد الولايات بين 100 و 120 مع مراعاة عنصر أساسي و هو التماسك الإجتماعي و التناسق في تكوينها، جديدها و قديمها لأن هذا الملحظ و احترامه يُعد أساس الإستقرار حقاً فلا يبقى مجال للتناحر و المنازعات و المشاجرات سواءً بين عائلات غير متجانسة أو حول أراضي هي ملك لأطراف متباينة لأن هذا هو ما لوحظ مع الأسف من خلال بعض
المشاكل الميدانية نتيجة للعمل المرتجل أو المتسرع أو"للتقسيم" في الأوراق أو في المكاتب بعيداً عن حقيقة الأوضاع المعاشة منذ سالف الأزمان.
إن هذا التجانس و التناسق يجب البحث عنه في الدراسات القديمة و عبر التشاور في الميدان مع العارفين و الحكماء حتى تصحح الأخطاء القديمة و تنتزع فتائل الصراعات ما دام الهدف من أي تنظيم للتراب الوطني هو السعي إلى إرساء وحدات إدارية مستقرة تعمل على إزدهار أفرادها في ظل سياسة شعبية و اقتصاد رشيد و تنمية شاملة.
إن الولاية هكذا ستكون حلقة فعالة للتنسيق بين البلديات المكونة لها ضماناً للإنسجام و العدل و محواً للفوارق الداخلية التي تكون عادة مبعث الإحباط أو الغليان الإجتماعي أو أرضية تستغل للإضطرابات أو لإذكاء النعرات أو لا قدر الله لإشعال نار الفتن.
و حول تنظيمها و وسائل تدخلها ستتمتع كل ولاية بطاقم من الإطارات يضم كاتباً عاماً و ولاة منتدبين لمساعدة الوالي في تنسيق أمور البلديات و المديريات، و مديرين أو منتدبين أو مفتشين ممثلين لكل قطاعات النشاط الحكومي و ذلك حسب أهمية الولاية و حجم النشاط الممثل و كذا مفتشاً عاماً. (1/7)
صفحة 8
و تتويجاً لهذا الهرم التنظيمي تأتي المجموعات الجهوية لتنسيق العمليات الكبرى للتنمية و دعم التكامل بين الولايات المكونة لكل واحدة بحيث تشكل هذه المجموعات وحدات متماسكة اقتصادياً و اجتماعياً بل
و حتى أمنياً على غرار النواحي العسكرية.
أما عددها فيمكن أن يتراوح بين 8 و 10 و هي هيئات تنسيق لا تسيير و لا دور مباشر لها على حياة الولايات المكونة لها و يشترك في أعمالها رؤساء المجالس الولائية المنتخبة.
و هكذا فإن التنظيم الإداري المقترح يعتمد على 1541 بلدية و الموجودة حالياً و على ولايات تتراوح بين 100 و 120 و مجموعات جهوية بين 8 و 10 بحيث تسهل عملية التحكم و التسيير مع استعمال عقلاني للوسائل و إرساء جو إجتماعي هادئ، يجد فيه الجميع ضالته و تلبى رغباته خاصة و أن الإدارة ستكون هكذا أقرب من المواطنين و في خدمتهم بعيدة عن التقلبات الحزبية و الأجواء السياسية.
هذا من حيث الهياكل و التنظيم الإداري و أما من حيث المنظومة التي تحكم سير المصالح و كذا الوثائق و المستندات و الآجال فتستلزم إعادة النظر فيها بجد.
و بالفعل فإن الأساليب المتبعة –رغم ما أدخل عليها من تعديلات- هي من إرث قديم أجنبي أقره المستعمر وفق ذهنيات أبناءه و أهواءه و أغراضه. فلم تكن المعاملات مع المواطنين تسعى لترضيتهم بل بالعكس اعتمدت كل وسائل الإذلال و الإخضاع لإحكام السيطرة عليهم، و أوكل أمر الإدارة إلى أبناء المستعمر المغرضين أو لأذنابه و أعوانه المسخرين فأثقلوا كاهل المواطنين بالأوراق و المستلزمات، الضرورية منها
و التافهة ليبقوا دوماً خاضعين أو في خدمة الركاب متزلفين أو لاهثين وراء كسب بعض الحقوق و الوثائق. (1/8)
صفحة 9
هذا و إن الإجراءات و التعديلات التي أدخلت على الأساليب الإدارية بعد الإستقلال قد طغى عليها التعقيد و طول الآجال مع الأسف. و لقد كان لعدم الكفاءة و نقص التكوين لبعض الموظفين و انعدام الثقة بينهم الأثر البالغ في ذلك فظهر جلياً ما أصبح يسمى بالبيروقراطية الخانقة.
فالأساليب المتبعة و الموروثة عن الإدارة الفرنسية ثقيلة في حد ذاتها لما تشترطه من عديد النسخ للحصول على وثيقة أو رخصة بسيطة. و كلما حاولت الإدارة الجديدة تخفيف الأعباء إلا و ظهرت مبررات أو ذرائع لتتحكم الذهنيات القديمة و تحكم سيطرتها على مجريات الأمور فتعيدها إلى سالف عهودها بل و قد تعقدها.
و إذا ما أضفنا إلى عامل الذهنيات المتحجرة ظاهرة استعمال النفوذ لعرقلة الملفات أو إلزام أصحابها على التردد على المصالح المتعددة، و طول الإنتظار تحت طائلة إجراء بعض التحريات أو الدراسات التقنية فإننا نلمس مدى تذمر المواطنين و فقدان الثقة في الإدارة.
إن هذا هو مما أدى كذلك إلى اللجوء إلى الرشوة ظناً أنها الوسيلة الفعالة للإسراع في الحصول على المبتغى. و لقد غدت التدخلات و ما يصاحبها من التجاوزات من المظاهر التي أصبحت مستساغة أو شبه قاعدة لا استثناء حتى أن المواطنين ترسخت لديهم كقناعة إذ لم تُجدِ لا التهديدات و لا العقوبات الظرفية ما دام لم يرعو المتعاطون لها على كافة المستويات مع الأسف، و السمك كما يقول الحكماء إذا ما فسد فإنه من الرأس يبدأ.
و أمام الصعوبات الإدارية الناتجة عن تطبيق نظام قديم عقده ما سبق ذكره لابد من دراسة جدية لتخفيفه حقاً و جعله مرناً و في متناول كافة الطبقات آخذاً بعين الإعتبار خصوصية كل منطقة، فلا يمكن التعامل بنفس الطريقة مع سكان الحواضر و البادية و المناطق المعزولة أو حيث المستوى المعرفي ضعيفاً.
و في نفس السياق يمكن اعتماد الملف الواحد الذي يرسل بذاته من مصلحة إلى أخرى بعد التأشيرة (1/9)
صفحة 10
و إبداء الرأي فيه ليرجع في الأخير لصاحبه حاملاً لكل المصادقات اللازمة بدلا من إلزام الراغب في الحصول على وثيقة ما بتكوين ملف في عدة نسخ كي يحافظ كل مستوى على واحدة منها.
إن أهمية هذه الطريقة تكمن في المرونة و تسهيل مهمة المواطنين و الإقلال من الوثائق و الأوراق و تخفف بالتالي من عبء البيروقراطية المفرطة، كما أنها تساهم في تحسين صورة الإدارة لدى المواطنين الذين سوف يشعرون بالراحة و بأن الإدارة التي هي في خدمتهم قد أشفقت عليهم و خففت من معاناتهم و أسرعت في تلبية حاجياتهم و تكفلت بهم حقاً، فلا يلجؤون إلى توسط أو رشوة لتذليل الصعاب.
هذا و يبقى بالطبع الحرص على ضبط الملفات بإحكام التنظيم و عصرنته علماً بأن الإعلام الآلي الشبه المعمم سيساعد كثيراً على تحقيق هذا المسعى الجدي و الجديد.
و إلى جانب ذلك تضل عمليات التوعية و التثقيف الإداري ضرورية و توجه نحو المواطنين باستمرار فلا تكون ظرفية حتى يتم تكوينهم و إطلاعهم على كل مستجد على الدوام.
و هكذا ستضفي الإدارة على خدماتها عصرنة حقة و مصداقية و فعالية و تعرف تحسناً في الخدمات المقدمة و تحقق حلم المواطنين في رؤية إدارتهم في خدمتهم فتمحى من ذاكراتهم الصورة القاتمة التي كانت لديهم عليها من عهد الإستعمار لّما كانت أداة ضغط في يد المسيطرين و وسيلة لإرغام الطبقات الشعبية
و ابتزازها بشتى الأشكال و مختلف الوسائل.
و بعد إعادة النظر في التنظيم الإداري و تكييف المنظومة الإدارية و اعتماد الأسلوب المرن يبقى الجانب البشري هو الأهم بكثير إذ يستوجب رعاية خاصة و مجهودات معتبرة مادية و أدبية.
فالجانب المادي يستدعى التكفل بالوظيف العمومي و بعمال المصالح الإدارية المحلية التي بقيت مهمشة (1/10)
صفحة 11
و لم تعرف ارتفاعاً لمرتباتها. فقد ظلت في مستويات متدنية كثيراً و الإبن اليتيم للدولة في حين أنها تقدم خدمات جليلة بانتظام و في مجالات حيوية مختلفة و هي باتصال دائم بالمواطنين ضعيفهم و قويهم، و تواجه مغريات و تتعرض للضغوط المختلفة و محاولات الإرتشاء. لذا ينبغي تحصين الموظفين القائمين على هذه المصالح حتى يكونوا في منأى عن كل هذه الأخطار و الأخطاء. هذا و إن ضعف الرواتب يعد من العوامل التي تبعد العناصر الكفؤة عن المصالح الإدارية و البلدية على وجه الخصوص، و مما أثر سلباً على مستوى المردودية و التعامل مع المواطنين.
و إذا ما أضفنا إلى ضعف مستوى الموظفين غياب الضمير المهني و تدني الأخلاق أدركنا حتمية التكوين المتعدد الجوانب، و هو عنصر حيوي قد أهمل مع الأسف. فلئن كان بعض الموظفين المنتقين ذوي مستويات متوسطة أو ضعيفة فإن بإمكانية التكوين المتخصص أو الرسكلة تدارك النقص بل و مع التجربة الميدانية يتقلص الفارق خاصةً إذا صاحب كل ذلك تحفيز ماديٌ معتبر.
إن التكوين عنصر فعال يمكّن الجميع من مواكبة التقنيات المتطورة و تخطي الكثير من الحواجز بل
و يذكي تنافساً سليماً بين العناصر البشرية المكونة للهياكل الإدارية. هذا و إن الإعتناء بالعنصر البشري له
أثره البليغ و النفساني البعيد فتتطور الذهنيات و يقضى على التحجر و التقوقع. إنه يعتبر كذلك إلتفاتة
و تكريم و احترام للقائمين على شؤون المواطنين فيعملوا بدورهم على تحسين نوعية الخدمات و الرفع من مستوى الأداء.
و من تمام الإعتناء بالموظفين تشجيعهم و إكرام –كل سنة مثلاً- أحسنهم من كامل الأسلاك
و الولايات على غرار ما تحظى به الفئآت الأخرى من تقدير و حوافز، و كذا توديعهم بحفاوة عند إتمام مهامهم و الذهاب إلى التقاعد. (1/11)
صفحة 12
و للإستفادة من تجاربهم و تجارب كل من عمل في القطاعات الأخرى يمكن التفكير في اعتماد فترة تعاقد على سنتين أو ثلاث يكون فيها المتقاعد في خدمة القطاع الذي عمل فيه ليقدم زبدة تجاربه سلبها وإيجابها في شكل ندوات أو من خلال تنشيط دورات تربص ليستفيد من هو في الميدان و لا يتمتع بوقت كاف للتحاليل، فيتحقق هكذا النقد البناء و تبادل التجارب و وضع النظريات و الطروحات المقترحة في المحك للتأكد من مدى ميدانيتها، فيحصل التراكم و نضمن تواصلا بين الأجيال للقضاء على الصراعات المفتعلة و نكران الجميل
و محاولة إلغاء من سبق.
أما العمل في هذه الفترة فيكون مخففاً ليوم بيوم و في فترة صباحية أو مسائية فقط.
و ختاماً و من كل ما تقدم تتأكد حتمية الإصلاح الإداري و التغيير الجذري للأسلوب المتبع بدءاً من التنظيم العام للتراب الوطني إلى اعتماد سير إداري مرن يختلف تماماً عن الموروث و المثقل بكل الإجراءات المتتالية و المتراكمة حتى خنقت المواطنين فولدت لديهم الكراهية للإدارة. و إلى جانب هذه الإجراءات يبقى الإعتناء بالعنصر البشري مادياً و تكويناً من أهم المعطيات التي لها الأثر الفعال إذ هو العامل الأساسي في رفع المستوى و الرقي بالإدارة إلى مصاف العصرنة و بالتالي دعم صورة الدولة التي تمثل الإدارة و ما تقدمه أوضح صورة لها في ذهن المواطنين.
الجزائر يوم 26 ماي 2002 ... ... عبد الوهاب بكلي
وزير سابق (1/12)