صفحة 1
الكتاب: بناء المخ القوي
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) المقدّمة
إنّ الهدف من وراء هذا الموضوع هو أن نبيّن بعض التقنيّات التي توصّل إليها بعض العلماء لبناء مخّ قويّ، قادر على أداء مهامّه التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - من أجلها في هذه الحياة، لأنّه هو الأداة التي فضّله بها على كامل مخلوقاته. حيث يقول - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. - ... [الإسراء ـ 70]
ولا شكّ أنّ كلّ إنسان عاقل في هذا الكون يتمنّى أن يكون عقله قويّاً كاملاً، يؤدّي رسالته بكلّ نجاح في حياته، وكي يصبح من المتفوّقين الناجحين في مختلف ميادين الحياة.
ولا شكّ أنّ هذا هو أفضل ما يبحث عنه كلّ وليّ لأبنائه، فالأولياء يبذلون الغالي والرخيص كي يصلوا بأولادهم إلى درجة الذكاء، ويعتبر هذا العمل أحسن وأفضل ما يقوم به الآباء والأمّهات نحو أولادهم وفلذات أكبادهم.
ومن بين الأسباب التي دعتني إلى الاهتمام بهذا الموضوع هو أنّ المخّ أغلى جهاز يملكه كلّ إنسان في هذا الكون، فبه تحدّد شخصيّته، ولا يوجد شيء أكثر أهميّة لحياة ناجحة متكاملة سوى مخّ كفء، يفكّر بأقصى القدرات التي وهبها له خالقه - سبحانه وتعالى -.
والفشل في اكتشاف القدرات والطاقات التي يملكها هذا الجهاز هو مأساة الملايين من البشر، فهي تعوقهم منذ ولادتهم إلى أن يفارقوا هذه الحياة الدنيا، وإنّ أكثر الأمم ترزح تحت هذه الوطأة لعدم اهتمام أفرادها بهذا العضو.
فبناء هذا الجهاز يبدأ أوّل ما يبدأ منذ أن يكون الجنين في بطن أمّه وهذا ما لم يطّلع عليه الأغلبيّة الغالبة من الناس، أو أنّ الكثير منهم لا يصدّقون بأنّه يمكن التأثير على مخّ الجنين وهو في بطن أمّه. (1/1)
صفحة 2
وبناء المخّ القويّ عمليّة معقّدة، وهو مثل الأجهزة الأخرى في جسم الإنسان، لا تعمل بنفس الطريقة عند الجميع، وتطوّر المعرفة ببناء المخّ القويّ وتكوين الذكاء لدى الأشخاص يعدّ شيئاً مدهشاً محيّراً، فرغم أنّ المفكّرين الروّاد يبحثون منذ زمن طويل عن دلائل التقنيّات والمهارات التي تجعل بني الإنسان يبنون أمخاخهم بشكل جيّد، والتي تجعلهم يفكّرون تفكيراً راقيّاً إيجابيّاً، فيحقّقون نجاحات متعدّدةً في هذه الحياة بهذا الجهاز الذي وهبه لهم خالقهم - سبحانه وتعالى -، إلاّ أنّ الباحثين ما زالوا لم يتوصّلوا إلى الأسس الحقيقيّة التي يمكن من خلالها بناء مخّ قويّ، يعمل بطريقة جيّدة.
ولكن في نهاية القرن الماضي بدأت تظهر البحوث المهمّة والمعمّقة حول هذا الجهاز العجيب المعجزة، فتغيّرت أفكار العلماء ونظرتهم إليه، لأنّهم أدركوا أنّه يوجد عدد من أنواع الذكاء المختلفة، وكلّ نوع منها يعمل في انسجام مع الأنواع الأخرى عندما يتمّ تنميّتها، وتدريبها.
فالذكيّ حقّاً قويّ العقل ليس الذي ينطق الكلمات والأعداد بطلاقة، ولكن هو الشخص الذي يتعامل بمرونة وقدرة فائقة مع الفرص والمشكلات والدوافع المختلفة التي يعايشها في بيئته المحيطة به.
وقد حاولنا في بحثنا هذا أن نشرح بشكل مختصر بعض الجوانب التي تؤثّر في بناء مخّ قويّ بصفة إيجابيّة، وربّما هناك جوانب أخرى لم يتوصّل الخبراء بعد إلى اكتشافها، خاصّة من الجانب النفسي.
ولا بدّ أن يعلم كلّ شخص يعيش في هذا الكون أنّ بناء العقل القويّ يتأثّر بمختلف الجوانب في هذه الحياة، ولا نستطيع أن نغفل أيّ جانب منها، وهي الجانب النفسي، والروحي، والجسمي، والعقلي، والغذائي والاجتماعي، لأنّها تعتبر كلّها طرقاً لتحسين تركيب المخّ الحيوي ونبضاته الكهروكيميائيّة ليصل إلى قمّة السعادة العقليّة، حتّى يرضى عن نفسه، ويعزّز تقدير ذاته. (1/2)
صفحة 3
وقد اهتمّت أبحاث كثيرة متعدّدة بهذا الموضوع، ولكن خالق هذا الجهاز وحده يعلم ما يصلح له، وما يصلح به، ويعلم المؤثّرات الحقيقيّة التي تساعد على بناء هذا الجهاز بكلّ ثقة.
ولكن الشيء المؤسف له أنّ كثيراً من الناس لا يعتقدون بأنّ للجانب الغذائي أثره العظيم والمهمّ في بناء مخّ قويّ، وقد بيّنا بعض ما ذكره الخبراء في هذا الجانب، والذي توصّلوا إليه بعد بحوث عديدة وطويلة.
ولا بدّ أن نقدّم وصيّة هامّة في مقدّمة هذا البحث للوالدين، وخاصّة للأمّ، وللمربّين والموجّهين في مختلف الميادين، فنوصيهم بأن يهتمّوا بفلذات أكبادهم من مختلف الجوانب، ولا يهملوهم، لأنّ بناء هذا الجهاز يعتمد أساسا على الانطلاقة الأولى له في هذه الحياة، والتي تبدأ من فترة الحمل.
بريان يوم:10 جانفي 2011
سليمان محمّد موسلمال ــ كاف حموده ــ بريان ــ غرداية
الفصل الأوّل
بعض أسرار المخّ البشري
المخّ البشري
المخّ البشري ذلك الجهاز القابع تحت الحراسة المشدّدة لعظام الجمجمة، والأغلفة المحكمة من حوله، والذي سيظلّ هدفاً للأبحاث المتواصلة، ما كانت هناك حياة على وجه الأرض، وما دام هناك علماء يفكّرون ويبحثون بكلّ جدّية وحماس لمعرفة أسراره، والذي سيظلّ هدفاً لجولات من الاستكشافات العلميّة، التي تتطلّع إلى حلّ ألغازه التي لا تنتهي. والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ... [الإسراء ـ 85]
جاء في المنجد: العقل: (مص)، ج عقول:
نور روحانيّ ربّاني، به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواسّ، وقد سميّ العقل عقلاً، لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، أي يحبسه.
عقل: عقلاً، ومعقولاً، الغلامُ: أدرك.
يقال: ما فعلت كذا منذ عقلت.
وعقل، عقلاً الشيء: فهمه، وتدبّره، فهو عاقل، ج: عاقلون، وعقلاء، وعقّال.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (1/3)
صفحة 4
«لمّا خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثمّ قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ منك، بك أعطي، وبك آخذ «.
إنّه من خلال معرفة معنى كلمة العقل لغويّاً واصطلاحاً نستطيع أن نفهم ما معنى التعقّل، وكيفيّة أداء المخّ لهذه العمليّة، واستيعابه لمختلف المعلومات التي ترد إليه عن طريق الحواسّ المختلفة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - سبلاً لورود المعلومات، وكيف يختزنها في خلاياه وتمرّرها أعصابه، ليعيد استذكارها بعد مدّة من الزمن.
وعندما يعطّل الإنسان عقله، أو يستخدمه في غير ما خُلق له، فإنّه يُلغي إنسانيّته، وتتحرّك فيه حيوانيّته.
والله - سبحانه وتعالى - قد وضع في هذا الجهاز قوّةً إدراكيّةً، بها يدرك مواضيع تهمّه، وتزيد من قوّة روحه، وترفع من قيمة نفسه، وتكرّم له إنسانيّته.
والعقل هو مناط التكليف، فبالعقل يكلّف الله - سبحانه وتعالى - الإنسان ويحاسبه، وهو أعظم شيء خلقه في الكون، ولولاه ما كلّفه ربّه - سبحانه وتعالى -، كما أنّه وسيلة لمعرفة الله - سبحانه وتعالى -، وقيمة الإنسان هو ما يفكّر فيه طوال وقته، أو طوال حياته في هذا الوجود.
إنّ من أعظم الأجهزة التي يمكن أن نتأمّلها في أنفسنا، ونتفكّر في كيفيّة عملها، ونتدبّر حكمة المولى - عز وجل - فيها، هو المخّ البشري، هذه القوى الفكريّة العجيبة والمعقّدة التي لم ولن يدرك هذا الإنسان كنهها وسرّها أبداً، وكيف يدركها، وهي نفسها التي تفكّر في نفسها، ولأنّ الله - عز وجل - قد جعلها من أسراره، والتي إذا أدركنا كيف نستعملها ونستثمرها ونستغلّها، فإنّها ستنمو وستصل بنا إلى أعلى درجات النجاح والتفوّق. (1/4)
صفحة 5
فالله - عز وجل - جعل هذا العضو (المخّ) ـ أدقّ وأعقد جهاز في الجسم الإنساني ـ في وسط الجمجمة وجعل فيه أغشيّةً بعضها فوق بعض، وجعل بينه وبين عظم الجمجمة سائلاً، وظيفته هي امتصاص الصدمات، فإذا تلقى إنسان ضربةً على رأسه، أو وقع على جمجمته، وقع ارتجاج في السائل، فيوزّع صدمة هذه الضربة، أو هذا الضغط على سطح السائل كلّه، فإذا هو عشر الميليمتر فلا يتأثر، فالله - عز وجل - جعل الدماغ في صندوق محكم وجعل للصندوق مفاصل ثابتة، هذه المفاصل الثابتة تمتص كلّ الصدمات التي تصيب الرأس، ولولا هذه المفاصل المنكسرة لكانت جمجمة الإنسان عرضة للانكسار عند أقلّ ضربة، في حين أنّ هذه المفاصل تتمفصل تمفصلاً متكيّفاً مع شدّة الضربة، فكلّما تعرّضت الجمجمة لصدمة تتداخل العظام مع بعضها، ثمّ تعود لمكانها، وهذا من أجل سلامة هذا الجهاز.
قال الله - عز وجل -:
- {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} ... [الذاريات ـ 21]
وقال الله - عز وجل -:
- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ... [فصلت ـ 53]
إنّ الأمر ليس مجرّد تفكير واستخدام لهذا الجهاز المفكّر، وإنّما الأمر يكمن في الكمّ الهائل من المعلومات والأفكار والمهارات التي يتعلّمها ويستوعبها، وما يحفظه من مختلف العلوم، ويقوم به من عمليّات معقّدة، ويختزنه من ذكريات مختلفة كثيرة ومتنوّعة، سواء السارة منها أو المحزنة، فأين يوجد يا ترى هذا الكمّ الهائل والمتنوّع من مختلف المعلومات.
فهذا الجهاز الصغير يحمل خزائن ومكتبات، ولو سجّل شخص كلّ ما يوجد داخل ذاكرته لاحتاج إلى أعداد وأعداد كبيرة من السجّلات والأقلام. (1/5)
صفحة 6
إنّ هذا العقل والذاكرة قوّة عظيمة وهبها الله - سبحانه وتعالى - لهذا المخلوق، وجعله بها من أفضل وأكرم المخلوقات، وبها استطاع تحمّل الأمانة التي عجزت السماوات والأرض أن يحملنها.
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء ـ 70]
وتعتبر هذه القوى طاقة يشعّ نورها، ويزداد كلّما زاد استعمالها وتنميّتها أكثر وأكثر، ونتيجة لذلك تتكوّن لدى الإنسان ذاكرة قويّة، وهذه هي الدرجة التي يتمنّى أن يصل إليها كلّ مثابر وطموح في حياته.
ــ وقد تساءل علماء الذاكرة: كيف هي مخاخ العباقرة والأذكياء والموهوبين؟
ــ وهل هي أكبر حجماً من غيرهم من الناس غير الأذكياء؟
ــ أم أنّهم يتغذّون بغذاء خاصّ، لا يتغذّى به الضعفاء ذهنيّاً؟
ــ أم أنّهم يعيشون في بيئة مغايرة لغيرهم من الناس العاديّين؟
الحقيقة أنّ مثل هذه الأسئلة قد تواردت على العلماء والباحثين منذ أمد بعيد، وغرضهم بهذا أن يجدوا السرّ في ذلك، حتّى يدرّبوا مخاخ الناس منذ ولادتهم، ويتابعوها ليصبح أصحابها عباقرة مبدعين، وهذه الفكرة هي التي أدّت بكثير من الخبراء إلى فحص أدمغة الأذكياء والمتفوّقين بعد موتهم للوقوف على أسرار تفوّقهم.
هل للذكاء موطن بيولوجي؟
إنّ كلمة الذكاء { Intelligence} والتي مصدرها المخّ القويّ قد أسندها كثير من العلماء إلى {أرستوتل} الذي ميّز بين الوظائف الانفعاليّة والخلقيّة، وبين الوظائف المعرفيّة والعقليّة.
لقد قال كثير من العلماء أنّنا لا نستطيع أن نلاحظ الذكاء بصورة مباشرة، وكلّ ما يمكن أن نلاحظه هو بعض الأفعال، أو الكلمات، أو الأفكار التي تدلّ على ارتفاع الذكاء والمهارة، أو الفعاليّة التي تظهر عليها من غيرها. (1/6)
صفحة 7
وقد تداخلت الأفكار الكثيرة التي تتعلّق بهذه الملكة الأساسيّة التي حيّرت العلماء الباحثين في مجال الذاكرة والذكاء، وكيف يمكن تقويّة المخّ، لأنّ ذلك له الأثر العظيم في الحياة الإنسانيّة فترقى، وتتقدّم، ولأنّ ذلك ممّا يزيد من القدرة على التعلّم.
وقد حدّد {بينيه} الذكاء في مجموعة معقّدة من الخواصّ وهي تتضمّن:
ــ الاهتمام بالمشكلة وتوجيه العقل نحو حلّها.
ــ القدرة على التكيّف بأقصى قدر ممكن للوصول إلى نهاية محدّدة.
ــ القوّة في نقد الذات.
وهناك من عرّفه بالحسّ الجيّد، والحسّ العملي، وقدرة الفرد على ملاءمة نفسه مع الظروف المحيطة به، أي الحكم بصورة طيّبة، والفهم بصورة حسنة إيجابيّة، والاستدلال بطريقة منطقيّة على ما يقع له من المشاكل، ثمّ التعامل مع بيئته بصورة فعّالة.
وقد ركّب الخالق - عز وجل - في كلّ كائن حيّ قدرات ومهارات فطريّة، وهي تظهر تحت ظروف من الإثارة البيئيّة التي ينشأ فيها ذلك الكائن، وبهذا نستطيع فهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حين يقول:
«كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه «. (1)
ومن القدرات التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها هذا الكائن الحيّ، قدرته على التكيّف مع محيطه الجديد الذي يخرج إليه لأوّل مرّة من بطن أمّه، ثمّ بعد ذلك عندما ينتقل إلى بيئة أخرى غير بيئته.
والقدرة الفائقة الهائلة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها هذا الكائن الحيّ هي قدرته على التعلّم بكلّ سهولة في مختلف البيئات والمجتمعات، وذلك كلّ على حسب ظروف بيئته التي ينشأ فيها.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ... [النساء ـ 1]
__________
(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة (1/7)
صفحة 8
لقد قام العلماء بتجربة على أشخاص من مختلف نواحي العالم، وطلبوا منهم تدوين الكلمات التي تواردت إلى عقولهم عن معاني الذكاء فكانت تلك الكلمات تقريبا متشابهة، مثل:
القدرة الخارقة ــ حبّ الاستطلاع ــ التكيّف مع الظروف ــ حسن التواصل مع الآخرين ــ القدرة على التنظيم ــ التفكير الإيجابي ــ الصبر والمثابرة على العمل.
توصّلوا إلى أنّ القاسم المشترك الذي يجمع بين هؤلاء الأشخاص من مختلف البيئات هو وحدة التفكير التي يمتلكونها جميعاً، رغم أنّه توجد هناك بعض الاختلافات في تفسير معنى الذكاء، ومن هذه التجربة نستنتج أنّ الذكاء مهارة مشتركة بين جميع البشر، وأنّه لا توجد بيئة خاصّة، يتكوّن فيها الذكاء، وأخرى لا يبنى فيها، ولكن كلّ بيئة لها ذكاؤها الذي تبنيه في أفرادها، وكلّ شخص يعتبر ذكيّاً إذا كان قادراً على التكيّف بطريقة إيجابيّة مع ظروف بيئته التي ينشأ ويعيش فيها.
والمقولة الشائعة أنّ بعض الشعوب لها جينات وراثية ذكيّة أكثر من شعوب أخرى، وأنّ بعض الشعوب قد حسم مصيرها ومستقبلها العقلي، تعتبر مقولة غير صحيحة.
والشيء الإيجابيّ الذي نستطيع أن نؤكّده أنّ لكلّ بيئة ظروفها التي تساعد على نموّ ذكاء أفرادها على حسب قوّة أو ضعف الثراء الثقافي الموجود فيها، فكلّ أمّة تريد بناء ذكاء أبنائها بناءً جيّداً، وقويّاً عليها أن تهتمّ بالمؤثّرات الصحيّة والذهنيّة الإيجابيّة.
يقول وزير الذكاء الفنزويلي {ماشادو}: (1)
«يتّضح ممّا تفيده علوم اليوم بأنّ بنية دماغ الإنسان الحالي لا تختلف في الشكل والجوهر عن مثيلتها منذ فجر التاريخ، فما الذي تغيّر إذن، حتّى تنهض أمم وتتخلّف أمم «.
__________
(1) ـ هو وزير فنزويلّي، قد أنشأ لأوّل مرّة عبر التاريخ وزارة في فنزويلاّ، سمّاها بوزارة الذكاء. (1/8)
صفحة 9
ويجيب نفسه ويقول: «إنّها التربيّة، وإنّه التعليم الذي تعاقب على أجيال الأمّة، كما يرى بأنّ الاختلاف بين الأذكياء وغيرهم يعود للأساليب التي تصل بها المعلومات إلى الدماغ، والتربيّة هي أفضل السبل لتطوير عمليّة المعالجة لاستغلال طاقات الأفراد، وبناء مهارات تفكيريّة عاليّة المستوى «.
فلكلّ إنسان الحقّ في تطوير هذه الطاقة الفكريّة، وذلك لا يكون إلاّ باهتمام موجّهي الأمّة ومربيها بالأجيال الصاعدة، وإتاحة الفرصة للجميع لتطوير هذه الطاقات منذ أن يكون الفرد جنيناً، وعلى امتداد فترة حياته التعليميّة إلى أن يتكوّن فيه إدراك قويّ لما يجري حوله من الأحداث.
والأبحاث الحديثة المتعلّقة بالمخّ تقرّر بأنّه عضو نام، وهو دائم التغيير، ومعقّد الخلايا، وأنّه عضو حيّ معجز يتفاعل مع المؤثّرات الداخليّة والخارجيّة، ويتشكّل وينمو على حسب ما يمرّ به من تجارب.
وتقول {سوزان جرين}:
«إنّ التركيب الكيميائي للخلايا المخّية العصبيّة هو الذي يتغيّر، لذا فلا وجود لعتاد مادي ثابت غير متغيّر، على نقيض العتاد البرمجي المتغيّر «.
ومن هذه المقولة نستنتج بأنّ التركيب العضوي للمخّ الإنساني متماثل بين جميع بني البشر، ولكن التفاضل بينهم يكون باختلاف الوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه كلّ واحد منهم، فهناك مجتمعات قد وفّرت لأفرادها مختلف المثيرات العصبيّة الغنيّة تربويّاً وثقافيّاً وعلميّاً، ممّا يجعل أدمغة أفرادها تتطوّر، وتنمو ببساطة، بينما المجتمعات الأخرى تركت أفرادها من دون غذاء ذهنيّ لمخاخهم، فبقيت ضعيفة من دون نموّ ومن دون تطوّر.
يقول العلماء: يمكن لكل إنسان أن يدرّب مخّه بسهولة على عدّة مهارات، إذا أدرك جيّدا بأنّه يستطيع أن يملك قدرات مذهلة، يتمتّع بها عقله، وهي لا تنتظر منه إلاّ الاكتشاف والاهتمام. (1/9)
صفحة 10
والله - سبحانه وتعالى - قد فطر عقول بني البشر على فطرة النموّ والتغيّر والتطوّر في كامل مراحل العمر، إذا أمكن لنا أن نسمّي ذلك بالفطرة، وقد اتّضح للعلماء بعد بحوثهم المتواصلة أنّ خلايا المخّ قادرة على إنتاج زوائد ووصلات جديدة لتكوّن شبكات اتّصال لم يكن لها وجود من قبل في مراحل العمر السابقة.
وكلّ شخص يخرج إلى هذه الحياة يأتي وهو مزوّد بعدد ثابت من خلايا المخّ، وذلك العدد الصرف لا يعبّر عن حقيقة قدراته العقليّة، ولكن ما يهمّ هو تكاثر الوصلات العصبيّة خلال عمره عبر مراحل حياته، وخاصّة في مراحل الطفولة الأولى، لأنّ الشيء المعجز الذي اكتشفه العلماء هو أنّه قد تكون هناك مخاخ بأعداد أقلّ من الخلايا، ولكن أصحابها تكون لديهم نفس القدرات العقليّة التي تكون عند الشخص الذي له خلايا أكثر، وربّما يكون الأوّل أكثر عبقريّة وذكاء من الآخر، وما ذلك إلاّ لأنّ الأوّل قد وفّر لخلايا مخّه غذاءً ذهنيّاً ثريّاً وغنيّاً، فاستطاع تنميّة قدراتها، بينما الثاني تركها خامدةً نائمةً، فبقيت كسولةً ضعيفةً لا تعمل جيّداً.
إنّ الأمر يتوقّف كلّه على مدى تدريب كلّ شخص لخلايا مخّه، وذلك حسب الوسط الذي ينشأ فيه، لأنّ المخّ يصلح نفسه بنفسه، ويعدّل من مرونته بما يقع فيه من تشابك خلاياه.
والحقيقة التي ظهرت للعلماء بعد بحوثهم المتواصلة هي أنّ كتلة المخّ ليست مقياساً لمستوى ذكاء صاحبه، بل إنّ مدى تشابك الأعصاب التي تربط الخلايا فيما بينها وقوّة اتّصالها ببعضها البعض هو الذي يؤثّر على وظائف المخّ من دون اعتبار عدد الخلايا الصرف، وإنّ قدرة المخّ تظهر بحسب تداول الأعمال الكهروكيميائيّة بين خلاياه، أكثر ممّا تعتمد قوّته على العدد الكلّي لخلاياه المنطويّة تحت عظام الجمجمة.
كما أنّ العوامل البيئيّة التي يتوفّر عليها أفراد مجتمع من المجتمعات، مثل التعليم، ونمط الحياة تمثّل دوراً رئيسيّاً فيما يتعلّق بوظائف المخّ العقليّة. (1/10)
صفحة 11
الذكاء الحقيقي
إنّ الذكاء الحقيقي يعني اهتمام المخّ بكلّ قوّة وتفتّح بشتّى نواحي الحياة، واستيعابه لمختلف العلوم التي يتعلّمها صاحبه، والقيام بمختلف الأعمال الفكريّة، والتواصل بكلّ سهولة مع أفراد المجتمع الذين لا يملكون تفكيراً متشابهاً واحداً، لأنّ كلّ أعمال الحياة تسير بفضل المخّ الصحيح، فإذا كان قويّاً، فهو يستطيع أن يؤدّيها ويخرج من مختلف مراحلها بنجاح ونتيجة حسنة، ولكن إذا كان غير ذلك، فإنّ صاحبه يخرج من مراحل الحياة بنفس بائسة يائسة.
والمشكلة أنّنا نجد أمثال هؤلاء يرجعون عدم نجاحهم إلى ظروف المجتمع الذي ينشئون فيه، وإلى مختلف الأشخاص من حولهم، في حين أنّ المشكلة موجودة في أنفسهم، فهم لم يسعوا أبداً لتطوير هذا الجهاز وتقويّته، ولم يبحثوا عن الأسباب الحقيقيّة التي جعلتهم يصلون إلى مثل هذه الدرجة من الفشل.
إنّ الانطلاقة إلى ذلك تبدأ من مرحلة الحمل، ثمّ بعدها مرحلة الطفولة التي هي مرحلة مهمّة وأساسيّة في بناء المخّ القويّ، وذلك بالتربيّة الصحيحة، والتغذيّة الجيّدة، وتوفير البيئة الثريّة منذ الأيّام الأولى للولادة، ثمّ بعد ذلك في مختلف المراحل الأخرى من العمر، ويعتبر العلماء كلّ هذه العوامل من أفضل السبل لتقويّة المخّ، ولرفع مستوى الذكاء.
فيمكن لكلّ طفل أن يتعلّم مهارة التفكير، ويمكن أن ينشأ ذكيّاً، وهذا إذا وجد المحيط المناسب لذلك، وخاصّةً أمّاً صابرةً وإيجابيّةً تطبّق مهارات تعليم الذكاء.
إنّ بنية مخّ الإنسان الحالي لا تختلف في الشكل والجوهر عن مثيلها منذ فجر التاريخ، إذن فما الذي تغيّر في هذه العصور الأخيرة في بعض الأمم حتّى أصبحت في مؤخّرة قافلة الإبداع والاختراع، وماذا يجب على مربّيها أن يفعلوه تجاه الأجيال الناشئة، حتّى تنهض من تخلّفها وتأخّرها. (1/11)
صفحة 12
لقد عرّف العلماء الذكاء بأنّه القدرة العامّة للمخّ على العمل لبلوغ أهداف معيّنة وعلى التفكير بطريقة منطقيّة، وعلى التفاعل بصفة متكاملة مع ظروف بيئته بصورة إيجابيّة.
فإذا كانت نظريّات تقويّة المخّ تعتمد على البحوث التجريبيّة والإحصائيّة، فإنّ التجارب المتواصلة لم تستطع بعد أن تضع يدها على حقيقة بناء المخّ القويّ الذي يصل بصاحبه إلى أعلى درجات التفوّق والنجاح، ولا إلى معرفة الأسس البيولوجيّة التي تبني مثل هذا المخّ.
فمع نهاية القرن العشرين، وبعد جهود متواصلة مضنيّة، توصّل الخبراء إلى اكتشافات معجزة، لم يكن يحلم بها من سبق من العلماء والباحثين، وهو أنّ العقل متّصل بالجسد اتّصالاً لا يخطر ببال أغلبيّة الناس، وأنّه عبارة عن عضلات، تماماً كما يتكوّن الجسد من عضلات أخرى كثيرة.
فإذا كان الجسد تتحكّم فيه أنواع كثيرة من العضلات التي تضمن له حركاته المختلفة، وتزوّده بالقدرات التي بفضلها يستطيع أن يقوم بمختلف أعماله، فإنّ الدماغ يتكوّن هو كذلك من عضلات عديدة تعينه على اكتشاف الكثير من القدرات كالقدرة على تعلّم اللغة، أو الحساب، وغيرهما من المعلومات والمهارات الكثيرة.
وكما أنّ عضلات البدن تتكوّن في جسم الإنسان وهو جنين في بطن أمّه، فكذلك عضلات المخّ تتكوّن والشخص في بطن أمّه، فمن هنا نستطيع أن نقول بأنّ حالة الأمّ الصحيّة والنفسيّة لها الأثر البليغ في تكوين هذا الجهاز تكويناً حسناً، أو تكويناً غير حسن.
لقد كان العلماء في القديم يعتقدون أنّ الأنشطة البدنيّة منفصلة تماما عن الأنشطة العقليّة، ولكن بعد التجارب الكثيرة، والبحوث العلميّة توصّلوا إلى أنّ الأمر مختلف، حيث أنّ عمل العقل وقوّته وعبقريّته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وعميقاً بحالة البدن الإيجابيّة، أو السلبيّة. (1/12)
صفحة 13
وفي كلّ مرحلة من البحوث يتوصّل علماء الذاكرة إلى معلومات جديدة مفرحة، تبشّر كلّ من يقرؤها ويطّلع عليها بالخير، وتزرع في نفسه أملاً كبيراً كونه يستطيع أن يصبح عبقريّاً ذكيّاً.
ومن جهة أخرى لابدّ أن نخبر الأولياء، وخاصّةً الأمّهات بأن يعتنوا بأولادهم، لأنّهم هم المسؤولون عن تشييد هذا البناء المعجز، فهم الذين يجعلون منه بناءً قويّاً، يستطيع أن يستوعب ويحمل من المعلومات ما لا يعدّ ولا يحصى، أو يتركونه من دون عناية، فيكون بناءً ضعيفاً لا يستطيع استيعاب إلاّ القليل منها.
لقد بقي العلماء إلى عهد قريب سجناء تلك النظرة العلميّة الخاطئة حول بناء المخّ البشري، حيث كانوا يظنّون بأنّه لا ينمو، ولا يتغيّر، ولا يتطوّر، بل هو مبنيّ على الجينات الوراثيّة التي يرثها صاحبه من والديه، في حين أنّ هذا الجهاز المعجز يستطيع التطوّر والنموّ والتغيّر إلى الأحسن إذا ما أوليناه اهتماماً بالغاً، أو يبقى مستقرّاً في أدنى درجات الذكاء والعبقريّة ولا يتطوّر، ولا يتغيّر إذا ما أهملناه.
فلكلّ من التربيّة الأسريّة والاجتماعيّة والعادات الغذائيّة تأثير عظيم في بناء مخّ الوليد، بل حتّى في بناء مخّ الجنين قبل أن يولد، سواء فيما يخصّ الغذاء التي تتناوله أمّه، أو الحالة النفسيّة التي تكون فيها، والحالة الجسميّة من ناحيّة القوّة، أو الضعف. (1/13)
صفحة 14
لقد كان {دافيد هارتلي} من أوائل المفكّرين الذين تأثّروا بعصر النهضة في ميدان دراسة طريقة بناء المخّ القويّ، فقد قام بتطوير النظريّة الاهتزازيّة للخلايا، فأكّد بواسطة تجاربه أنّ هناك اهتزازات خاصّة بخلايا المخّ، تبدأ قبل مجيء الإنسان إلى هذا الكون، وتتولّى الأحاسيس الجديدة تخفيف تلك الذبذبات الموجودة في خلايا المخّ من حيث الدرجة، والنوع، والمكان، والاتّجاه، وبعد اختفاء تأثير تلك الأحاسيس، تعود الذبذبات بسرعة إلى حالتها الطبيعيّة، ولكن إذا ظهرت نفس الأحاسيس مرّة أخرى، فإنّ الأمر يتطلّب وقتاً أطول لعودة تلك الذبذبات، وبهذه التجارب المتعدّدة يصل المخّ في النهاية إلى أن يحافظ على بقاء تلك الذبذبات على حالة جيّدة، وبذلك تبدأ آثار الذاكرة بالظهور.
إنّ العلماء يشبّهون خلايا وأعصاب المخّ بالنسبة للولد بمواد البناء التي نبني بها بناء ما، فبقدر براعة المهندس، وعلى حسب انتباهه وتفانيه في العمل يكون البناء الذي يريده، إمّا قويّاً، أو غير قويّ، لأنّ مخّ الجنين والوليد من حيث تكوينه وبناؤه مرتبط بالكيفيّة التي تتعامل بها الأمّ مع ذلك المخلوق الصغير.
كما يشبّه علماء الأعصاب والذاكرة خلايا المخّ والأعصاب والهرمونات التي ينتجها المخّ بالملاط والقرميد التي تبني بها الأمّ عقل ولدها، كما يتأثّر كذلك بالبيئة التي تعيش فيها الأمّ، والتي يكبر فيها ولدها. (1/14)
صفحة 15
ويعتقد كثير من الناس بأنّ العناصر الغذائيّة التي يتغذّى بها الولد الصغير ليس لها تأثير في بناء هذا الجهاز، في حين أنّ الأبحاث الكثيرة قد استنتجت بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ غذاء الأمّ الحامل له أثره البليغ في بناء مخّ الولد وتكوين ذكائه، وكذلك حليب الأمّ الطبيعي الذي له أثره الفعّال، ثمّ بعد ذلك نوعيّة الغذاء في مختلف مراحل العمر، فالقليل من الناس من يدرك بأنّ خلايا المخّ هي الأكثر تأثّراً بعناصر الغذاء من غيرها من خلايا الجسد الأخرى، كما ينعكس ذلك بدوره بشكل كبير على الأداء الوظيفي للمخّ سلباً، أو إيجاباً.
تكوّن الجهاز العصبي
يعتبر المخّ إحدى المفاتيح الأساسيّة للتطوّر الذي يمكّن الجنين من التحوّل إلى إنسان بالغ، مستقلّ بذاته، ومندمج في المجتمع البشري، فهو المسؤول عن التفكير والذكاء ومختلف السلوكات.
ويحوي المخّ حوالي 100 مليار خليّة عصبيّة (عصبونات) أغلبها يتكوّن قبل الشهر الخامس، وكلّها تقريباً يأخذ مكانها النهائي في المخّ قبل الولادة.
وبعد الشهر الخامس تتمايز العصبونات، وتتخصّص، وتتّحد مع مثيلاتها لتشكّل شبكات كشبكات الإعلام الآلي.
ويبدأ تكوّن الدماغ منذ الأسبوع الخامس بتشكّل الأنبوب العصبيّ الذي يكوّن خلايا الجهاز العصبي، ويبلغ تكوّن هذه الخلايا ذروته خلال الشهر الثالث والرابع، وذلك بمعدّل 5000 خليّة في الثانيّة، ثمّ تنتقل هذه الخلايا من عمق المخّ حيث تكوّنت إلى السطح لتشكّل القشرة.
وسبحان الله - عز وجل - العظيم الذي جعل في هذه الخلايا برنامجاً لا تحيد عنه، ولا تخرج عن نظامه، وذلك عندما اكتشف العلماء بأنّ كلّ خليّة عصبيّة تقصد هدفها المحدّد لها تماماً، وذلك حين تتشكّل خيوط دقيقة، فتنزلق تلك الخلايا عليها، لتصل إلى القشرة، وفي نهاية الشهر الخامس تكون أغلب الخلايا العصبيّة قد تخلّقت واستقرّت في مكانها.
- {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ... [المؤمنون ـ 14] (1/15)
صفحة 16
يقول الدكتور {باحمد أرفيس} في كتابه: مراحل الحمل: (1)
إنّ الجهاز العصبيّ يبدأ بالتكوّن بعد ظهور الأنبوب العصبيّ.
ثمّ بعد ذلك تنغلق الفتحة الأماميّة للأنبوب في اليوم الخامس والعشرين، بينما تنغلق الفتحة الخلفيّة في حوالي اليوم السابع والعشرين، ويمرّ الأنبوب العصبيّ أثناء تحوّله إلى نسج الدماغ والنخاع الشوكي بمراحل نوجزها فيما يلي:
في بداية الأسبوع الخامس يتقوّس الأنبوب إلى الأمام، وتظهر في مقدّمته ثلاث انتفاخات تدعى: الحويصلات الدماغيّة الابتدائيّة، Primary Brain Visicls وهي:
1ــ الدماغ الأمامي: Prosencephalon
2 ــ الدماغ المتوسّط: Mesecephalon
3 ــ الدماغ الخلفي: Rhombencephalon
ثمّ ينقسم الدماغ الأمامي إلى:
* الدماغ النهائي Telencephalon يتألّف من قسم أوسط، وانتفاخين جانبيين هما نصفا الكرة المخيّة الابتدائيّة.
* الدماغ السريري: Diencephalon يتّصل به الحويصلان البصريّان.
وينقسم الدماغ الخلفي إلى:
الدماغ التالي: Metencephalon يعطي المخيخ.
*الدماغ النخاعي: meylencenphalon يشكّل البصلة السيسائيّة في حين تتكوّن الأعصاب.
وفي نهاية الشهر الثاني، وبعد تطوّر سريع جدّاً يبلغ نصفا المخّ حجمهما النهائي بالنسبة لبقيّة الدماغ، ويستمرّ نمو الدماغ بعد ذلك طويلاً.
ويكون سطح الدماغ أملس، ولا تظهر عليه التعرّجات إلاّ في الشهر السادس.
وفي نهاية الشهر الثاني كذلك تبدأ الخلايا العصبيّة في تغطيّة المخّ، وتستمرّ عمليّة تغطيّة المخّ طيلة الحياة الجنينيّة لتشكّل القشرة، ويكتمل الشكل الخارجي للمخيخ، ولكنّ القشرة تتكوّن لاحقاً.
انقسام الخلايا العصبيّة
__________
(1) كتاب مراحل الحمل والتصرّفات الطبيّة الحديثة في الجنين بين الشريعة الإسلاميّة والطبّ المعاصر. (1/16)
صفحة 17
إنّ الخلايا العصبيّة المخّية في الجنين تتكوّن بشكل مذهل، وبسرعة كبيرة، تصل إلى 100 مليون خليّة تقريباً في كل دقيقة، حتّى يزيد عددها ويفوق 100 مليار عندما يخرج إلى هذا الوجود.
وفي بداية الأسبوع السابع تبدأ هذه الخلايا في الاتّصال ببعضها البعض لتشكّل الشبكة العصبيّة البدائيّة، وتتشكّل الأعصاب، ثمّ السحايا، وهي الأغشيّة التي تغطّي المراكز العصبيّة، وتتكفّل بتغذيّتها وحمايتها.
ومنذ نهاية الشهر الثاني يصبح المخّ واضحاً، ويمكن ملاحظة نصفي الكرة المخّية عبر غشاء الجمجمة الشفّاف، ويكبر الرأس، وتتحدّب الجبهة، ويبدأ تطوّر المخّ، وهو العضو المكلّف بالإدراك والحفظ والاستيعاب، لذلك ينصح الأطبّاء الحامل باتّباع طريقة غذائيّة متوازنة، وجيّدة، وأن تبتعد عن الضغوط والقلق والاضطراب، حتّى توفّر لجنينها الجوّ الملائم والجيّد، فينمو نموّاً طبيعيّاً متوازناً، وتتكاثر الخلايا تكاثراً مناسباً لكلّ فترة يمرّ عليها الجنين.
وبالتوازي مع تكوّن الجهاز العصبي المركزي تتكوّن الحواسّ مبكّراً.
ويقول الدكتور البار: (1)
«إنّ خلايا المخّ لا تتشابك، ولا تتّصل في الجنين إلاّ عند بلوغه 120 يوماً منذ وقت التلقيح أي 18 أسبوعاً تقريباً من آخر حيضة حاضتها المرأة، وهذه المناطق المخّية لا تبدأ في العمل إلاّ بعد مرور 120 يوماً منذ التلقيح، وهذه هي المدّة التي حدّدها الحديث النبوي الشريف لنفخ الروح «.
ولقد اكتشف الخبراء بعد دراسات متعدّدة أنّ تكوين المشابك العصبيّة أثناء الحياة الجنينيّة يبدأ انطلاقاً من الشهر الخامس حتّى وقت الولادة، وكثير منها يتمّ بعد الولادة.
__________
(1) البار محمّد عليّ، في كتابه: خلق الإنسان بين الطبّ والقرآن، ص: 58ـ59.
والدكتور البار هو مستشار قسم الطبّ الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبّية، جامعة الملك عبد العزيز. (1/17)
صفحة 18
ومن الشهر السادس إلى سنّ البلوغ تحدث امتدادات كثيرة للزوائد الخلويّة العصبيّة، كما يتمّ نموّ وتمايز العصبونات ومشابكها العصبيّة.
فالعصبونات تستقرّ في مكانها من المخّ خلال الشهر الخامس، وتتمايز وتتخصّص بعده، ويستمرّ امتداد الزوائد وتكوين المشابك حتّى بعد الولادة.
لقد ربط كثير من العلماء والأطبّاء الروح التي ينفخها الله - سبحانه وتعالى - في الجنين بالظواهر البيولوجيّة التي تظهر عليه، وبخاصّة الحركات الإراديّة، وتكوّن الجهاز العصبي، وربّما قد استوحوا ذلك وربطوه بما ورد من نصوص في آراء كثير من الفلاسفة والعلماء المتقدّمين التي تذكر أنّ الروح هي مصدر الحسّ والإرادة والفكر وغير ذلك.
ويقول الدكتور البار:
«لقد حدّد ابن القيّم وابن حجر العلامات الدالة على نفخ الروح بتحرّك الجنين حركة إراديّة نابعة من الجهاز العصبيّ، وأنّ الجنين يحسّ «.
ويستمرّ في تقريره فيقول:
«بما أنّ التفكير والإرادة والإحساس والعواطف والذاكرة كلّها مرتبطة بفصّي المخّ، فإنّ الحياة الإنسانيّة لا تظهر إلاّ بظهور فصّي المخّ وبداية نشاطهما وعملهما، وهذا التكوين لا يتمّ إلاّ بعد مرور 120 يوما «.
يقول الدكتور محمّد سلامة جبر: (1)
«إنّه باكتمال نموّ الجهاز العصبي يغدو الجنين مستعدّاً لاستقبال الروح الإنسانيّة التي تختلف عن الحيوانيّة «.
ويقول الدكتور محمّد نعيم ياسين: (2)
__________
(1) ـ في كتابه فتاوي وبحوث شرعيّة.
(2) أستاذ بكليّة الشريعة، قسم الفقه، الجامعة الأرذنيّة. وكان من قبل يدرّس في كليّة الشريعة والدراسات الإسلاميّة بجامعة الكويت. (1/18)
صفحة 19
«إنّ ما تقدّم من النظر العقلي والتقليب الفكري يدلّ على أنّه يحدث للجنين قبل ولادته تطوّر ينقله من حال إلى حال مختلفة، ومن طبيعة إلى طبيعة مباينة، ومن حياة مجرّدة عن قوّة الفكر والإرادة إلى حياة مشتملة على مصدر هذه القوّة، وأنّ هذا التطوّر في الجنين لا يحدث إلاّ بعد تخلّق الدماغ، وصيرورته صالحا لاستقبال الحياة الجديدة والامتزاج بها «.
أسرار المخّ البشري تنكشّف
إنّ العقل البشري كائن سحري بالغ التعقيد، وهو مخلوق من عدّة ملايير من الخلايا والوصلات العصبيّة، التي تتصّل ببعضها البعض من خلال أشكال بالغة التعقيد، تتجمّع هذه الشبكات المعقّدة لكي تضفي على العقل قدراً من الغموض، تعجز أكثر العلوم تقدّماً عن فهمه، وفهم طريقة عمله واستيعابه للمعلومات المختلفة، وأغرب من ذلك استذكار تلك المعلومات بعد مدّة من الزمن، وهذه العمليّات قد أعجزت العلماء.
ويحتوي هذا الجهاز الذي يفوق تعقيده الخيال على عدد مذهل من الخلايا، عشرات الملايير من الخلايا العصبيّة (العصبون)، كما يسمّيه خبراء التشريح، وهو رقم مذهل، وكلّ عصبون من هذه العصبونات يعتبر مصنعاً كيميائيّاً إلكترونيّاً، تشترك فيه أنواع كثيرة من المواد والخمائر المساعدة، ويجري فيه عدد هائل من التفاعلات الكيميائيّة.
لذلك نستطيع أن نعتبر عمليّات الذاكرة عملّيات كيميائيّة أكثر منها ماديّة عضويّة، لأنّ تلك الهرمونات هي التي تسهّل التواصل بين الخلايا العصبيّة.
والدماغ في حاجة إلى كميّات من الدم ـ لا يعلم مقدارها إلاّ الله - سبحانه وتعالى - خالقه ـ وإلى هرمونات مختلفة ليستطيع القيام بكثير من المهمّات والوظائف.
وفي كلّ سنة وبعد ازدياد البحوث والتجارب، واختراع آلات علميّة جديدة، يتوصّل الخبراء إلى اكتشاف القدرات المذهلة والخفايا العجيبة لهذا الجهاز، رغم أنّ تلك الاكتشافات لا تعبّر إلاّ عن جزء ضئيل من مهاراته وقدراته. (1/19)
صفحة 20
وقد سمّى بعض العلماء هذا الجهاز بالعملاق النائم، لأنّه ثبت من خلال الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة في مجالات علم النفس والتعليم والأحياء والفسيولوجيا العصبيّة أنّ طاقات العقل تفوق كلّ ما سبق تصوّره في السنوات الماضيّة، حتّى أنّ العبارة التي كان يردّدها العلماء أنّنا لا نستغلّ إلاّ قدرات محدودة جدّاً من طاقات هذا الجهاز أصبحت حقيقة ثابتة.
وكما قال {شكسبير} (1) في العقل:
«يا له من قطعة فنّية رائعة ونادرة هذا الإنسان، كم هو نبيل في حكمه، كم هو مطلق في قدراته، في شكله وفي حركاته، كم هو معبّر ومثير للإعجاب في تخزينه واستيعابه، يا له من ملاك في تصرّفه، وفي فهمه، كم هو فائق، إنّه جمال العالم، إنّه ماسّة المخلوقات «.
لقد تقاسم في سنة 2000 العالم الأمريكي {إريك كاندل} جائزة نوبل في الطبّ مع عالمين آخرين، وذلك لاكتشافه كيفيّة تخزين المعلومات في المخّ، فيما يعرف بالذاكرة طويلة الأمد، ولقد بيّن {كاندل} وتلامذته عبر عقود من البحث المضني أنّ المعلومات تخزّن في المخّ كتغيّرات تحدث في التشابكات العصبيّة للخلايا، فعندما نرى شيئا لأوّل مرّة يحدث تنشيط لمنظومة معيّنة من خلايا المخّ، فإذا تكرّرت رؤية الشيء نفسه مرّة أخرى، حدث التنشيط نفسه لمنظومة الخلايا نفسها، فتقوى تشابكاتها، حتّى ليصبح المسّ بأيّ جزء من هذه المنظومة كافيّاً لإثارة المنظومة كلّها، وبهذا نستطيع أن نفسّر آلية عمليّة التذكّر، حيث أنّ تنشيطاً بسيطاً للمخّ يصبح كافيّاً لإيقاظ منظومة الخلايا، فنستعيد ذكرياتنا القديمة.
وفي الحقيقة إنّ المخّ البشري بشكل عام جدير بكلّ هذا الاهتمام، بل يستحقّ أكثر من ذلك، إذ أنّه لغز كبير يستحقّ تكاثف جهود العلماء في مختلف الاختصاصات من أجل حلّ طلاسمه.
__________
(1) شاعر مسرحي إنكليزي يعتبر من رجال الأدب العالمي. (1/20)
صفحة 21
إنّه يتكوّن أساساً من نوعين من الخلايا، هما الخلايا العصبيّة (العصبونات) وخلايا أخرى داعمة، تعرف بخلايا الغراء العصبي، ويبلغ عددها في المخّ نحو مائة ألف مليون خليّة، وهو عدد يناظر تقريباً عدد النجوم في مجرّتنا.
إنّ الخلايا العصبيّة تختلف عن بعضها شكلاً وحجماً، ولكنّها تشترك جميعاً في أنّ لها زوائد كثيرة متفرّعة، تسمّى التفرّعات الشجريّة، إضافة إلى زائدة واحدة طويلة، تعرف بالمحور، وتنتهي بمجموعة أخرى من التفرّعات التي تسمّى التفرّعات الانتهائيّة.
إنّ أجسام الخلايا العصبيّة لا تتجاور، وإنّما يتّصل بعضها بالبعض الآخر بأن تتلاقى التفرّعات الانتهائيّة للخلايا بالتفرّعات الشجريّة لخلايا أخرى، فتكوّن شبكة غاية في التعقيد والإحكام، وتعرف مواضع اتّصال الخلايا باسم التشابكات العصبيّة، ويمكن للخليّة الواحدة أن تتّصل مع شقيقاتها عبر عدد من التشابكات يتراوح ما بين بضعة آلاف ونصف مليون تشابك.
أمّا خلايا الغراء العصبي فهي أكثر عدداً من الخلايا العصبيّة بنحو عشر مرّات، وقد سمّيت بذلك لأنّها تملأ الفراغات بين أجسام الخلايا العصبيّة وتشابكاتها، فتعمل بذلك على تماسك نسيج المخّ، ومع أنّ لهذه الخلايا وظائف أخرى مهمّة غير تدعيم بنيان المخّ، إلاّ أنّ الخلايا العصبيّة هي الفاعل الرئيسي في الجهاز العصبي، فهي التي تتلقّى الإشارات، سواء تلك الواردة من الحواسّ، أو الواردة من خلايا عصبيّة أخرى، ثمّ تصنّفها، وتعيد إرسالها إلى وجهات معيّنة، أو تتعامل معها بطريقة خاصّة، هي طريقة تتعامل بها الخلايا فيما بينها، فتترجمها إلى سلوك فعلي يطبّقه الإنسان في واقعه. (1/21)
صفحة 22
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل للخلايا العصبيّة طريقتها الخاصّة التي تتعامل بها، وجعل فيها قدرات خارقة وغامضة لا يفهمها العلماء، لأنّ لها خصائص فيزيولوجيّة، وأنشطة متباينة، وأنماط تتّصل بها ببعضها البعض، كما أنّ لها إفرازاتها الكيميائيّة الخاصّة بها، وكلّ هذه الأنشطة هي التي تقف وراء استيعاب المخّ للمعلومات المختلفة، وتحدّد له طريقة تفكيره، وتعطي له طريقة التصرّف مع الظروف المختلفة التي تطرأ عليه في المواقف الكثيرة في طريق الحياة.
كما أنّ هذه الأنشطة هي المسؤولة عن الغرائز التي يتّصف بها الإنسان، وهي التي تشكّل العواطف والألم، والبهجة والخوف والجرأة، وهي التي تكوّن الأحلام التي يحلم بها، والأماني التي يتمنّاها.
طريقة عمل المخّ
إنّ مخّنا هو أثمن ما نملكه في هذا الوجود، فهو دائما تحت تصرّفنا، ولكن لن نمتلك قواه المذهلة إلاّ بعد معرفة كيفيّة استخدامه، فقانون عمل المخّ لا يمكّننا من أن نحصل على استجابة أو ردّ فعل ما إلاّ وفقاً لطبيعة الفكرة التي نحتفظ بها داخله، فلينظر كلّ واحد منّا من أين يستمدّ أفكاره المتعدّدة التي يبني عليها عمل مخّه.
فعقلنا الواعي هو مجال للنشاط يقع عليه عبء اختيارات الأفكار التي يبني عليها عمليّات تفكيره، فالأفكار التي ترد إليه سريعة النموّ، ويشبّهها العلماء بالبذور التي تلقى في الأرض فتنمو حتّى تصير مثل الشجرة الكبيرة الضخمة، أو مثل النخلة الطويلة الباسقة، وإذا ما تعهّدناها بالعناية الجيّدة فإنّها ستعطينا ثماراً يانعةً ناضجةً، أمّا إذا ما أهملناها، فإنّها لا تعطينا شيئاً، أو تمدّنا بثمار غير جيّدة، وغير صالحة للاستهلاك. (1/22)
صفحة 23
وذلك تماماً مثل عمل العقل، فأيّ فكرة نزرعها فيه، فإنّها ستنمو وتتطوّر، فإذا ما لقّحناها بأفكار أخرى إيجابيّة جيّدة حسنة، فإنّ طريقة عمله ستكون إيجابيّة مثمرة، أمّا إذا لم نتعاهدها بالرعاية فستنمو بشكل سلبيّ، ويتولّد منها أفكار جديدة أخرى غير جيّدة، وغير قويّة، وبذلك يتدنّى التفكير ويسقط إلى أسفل الدرجات، وينتج عن ذلك أفكار غير منطقيّة، ويسمّي العلماء هذا النوع من التفكير سقطات التفكير، أو مواطن الزلل في التفكير، وعوائق التفكير، أو مخاطر التفكير.
إنّ معرفة حقيقة العقل والعمليّات التي يقوم بها واستعمالاته، هي ما يسمّى بالمعرفة الذهنيّة، وإنّ المعرفة الذهنيّة هي بعكس معرفة القراءة والكتابة والحساب، بل هي القدرة على دراسة طريقة عمل العقل بشكل جيّد، ثمّ المقدرة على تغيير التفكير إذا كان متوجّهاً إلى الجانب السلبي، أو تقويّته إذا كان يسير في الطريق الإيجابي الصحيح.
ويمكن تشبيه معرفة الكيفيّة التي يعمل بها العقل بمعرفة الشخص طريقة قيادة السيّارة، فإن كان يعلم كيف يقود السيّارة فسوف يكون قادراً على قيادتها بنجاح، أمّا إن لم يكن يعرف ذلك، فلن يحقّق أيّة نتيجة، ومن جهة أخرى فكلّما تحسنّت لديه المعلومات عن كيفيّة القيادة، تحسّن مستوى الأداء.
فكلّ من يطلب بناء عقل قويّ عليه أن يبدأ رحلته بالتعرّف على المبدأ الأوّل من مبادئ عمله، وأن يطّلع أوّلاً وقبل كلّ شيء على التقنيّات الكثيرة التي يحفّزه بها، لأنّ هذا المبدأ له تأثير سحريّ حقيقيّ على كلّ ما نتعلّمه ونستوعبه، وكلّ من لم يتعرّف على هذه المبادئ، فربّما سيبقى حبيس الإخفاق المتواصل، وبالمقابل فسوف تقوده المعرفة إلى إنجازات ونجاحات مستمرّة ومتواصلة. (1/23)
صفحة 24
لقد اكتشف الخبراء الطريقة الإيجابيّة التي يعمل بها العقل وبشكل قويّ وذلك من خلال التحفيز، فمعنى هذا أنّه كلّما أضفنا معلومات جيّدة وبصفة منظّمة إلى حاسوبنا العقلي فسوف تزيد قوّته وقدرته على استيعاب مختلف المعلومات وتخزينها، وانطلاقاً من هذا المفهوم نصل إلى:
قاعدة
إنّ قدرة المخّ البشري على توليد الأفكار لا نهائيّة.
فكلّ شخص في هذا الوجود يستطيع أن يكيّف أفكاره ويضاعفها إلى ما لا نهاية، وما ذلك إلاّ لأنّ مبدأ العقل قائم على التكاثر.
لقد توصّل العالم {روجر سبيري} إلى أنّ مبدأ عمل العقل هو عمليّة تكاثر، وأنّ المخّ هو عبارة عن آلية ضرب قائمة على التكاثر، وليس أداة جمع.
المخّ عضو ساكن
إنّ هذا العضو الذي يقبع في وسط الصندوق المحكم هو عضو ساكن، لا يتحرّك مثل بقيّة الأجهزة الأخرى في الجسم كالقلب والرئتين، أو غيرهما من العضلات التي تضمن الحركة للجسم، ولكنّه مع ذلك يستهلك ربع الأكسجين الذي يجري في الدم.
وقد سمّاه بعض علماء الذاكرة بالعملاق النائم، فقد ثبت من خلال الدراسات التي أجروها على هذا الجهاز العجيب أنّ طاقات العقل تفوق كلّ ما سبق تصوّره في السنوات القليلة السابقة.
إنّه قطعة فنيّة عجيبة نادرة، وهو مثير للإعجاب بطاقاته المدهشة المذهلة، وقدراته اللانهائيّة على التفكير، لأنّ الأفكار تتوالى وتتكاثر داخل الشبكات العصبيّة الواسعة للذكريات المتناميّة والخيالات والأحلام غير المحدودة. (1/24)
صفحة 25
إنّ التشابكات التي تكوّنها الخلايا العصبيّة باتّصالاتها معاً تشبه الدوائر، أو الدارات الكهربايّة، التي تدبّ فيها الحياة عندما يمرّ بها تيار كهربائي، فإذا نظرنا مثلاً إلى شجرة فإنّ الضوء القادم منها إلى العين يثير خلايا شبكيّة داخل الدماغ، وينشّطها، فتتولّد بسطحها شحنات كهربيّة، تسري عبر العصب البصري إلى القشرة المخّية، حيث تؤدّي إلى إثارة الخلايا العصبيّة المسؤولة عن الإبصار، والتي تستجيب لتلك الإثارة بطريقة معيّنة، تجعل العقل يعرف ما ينظر إليه.
إنّ تشريح أدمغة المتوفّين هو المصدر الوحيد لمعلومات العلماء التي توصّلوا إليها لمعرفة تركيب المخّ.
أمّا فحص وظائف وتخصّص كلّ جزء فيه بعمل معيّن، فقد أتيح لبعض العلماء معرفة ذلك بواسطة فحص أدمغة بعض الناس الذين وضعوا أدمغتهم تحت مبضع الجرّاح، فإذا أصيب مريض مثلا بتلف في جزء معيّن من مخّه، وتوافق ذلك التلف مع فقدان المريض لقدرة من القدرات التي يؤدّيها المخّ، قدرة الكلام مثلا، فإنّ النتيجة الحتميّة، هي أنّ ذلك الجزء يختصّ بقدرة الكلام، وبهذه الطريقة في البحث والاستنتاج اكتشف العلماء وجود نوع من تقسيم العمل بين أجزاء المخّ المختلفة.
لقد حدّد العلماء مركز كلّ حاسّة من الحواسّ بهذه الطريقة في الاستنتاج، وقد توفّرت في العصر الأخير تقنيّات متطوّرة مكّنتهم من فحص المخّ أثناء حياة صاحبه، ودون القيام بأيّ تدخّل جراحي، فمسحوا كلّ جزء في الدماغ داخليّاً وخارجيّاً بآلات دقيقة، حيث رسمت لهم صوراً مفصّلةً لهذا الجهاز.
لقد استطاع الخبراء المختصّون في هذا المجال أن يفحصوا المخّ قطعة قطعة، ومعرفة ما إذا كان هناك ورم، أو تلف، أو ضمور في أيّ جزء من أجزائه، فبذلك تحسّن فهمهم لتركيب الدماغ البشري، ووفّرت لهم تلك الآلات الدقيقة إمكانيّة النظر إلى المخّ مباشرة، وتسجيل مختلف نشاطاته أثناء قيام صاحبه بتصرّف معيّن، أو اجتيازه لخبرة خاصّة. (1/25)
صفحة 26
إنّنا عندما ننظر إلى منظرين مختلفين تماماً، مثل النظر إلى منظر البراءة، ومنظر الخوف، لا يحدث شيء أو تغيّر في حاسة البصر، ولكن المخّ هو الذي يعالج كلّ منظر من المناظر ويعطي لها أهميّتها التي تليق بها، لأنّ خلايا المخّ تنشط على نحو مختلف عندما يعرض عليها منظراً جميلاً، وعندما يعرض عليها منظراً مخيفاً، وهكذا فهو ينشط بنشاط خاصّ كلّما عرض عليه منظر يختلف عن المنظر الآخر.
وبهذه التجارب المختلفة استبشر العلماء خيراً، إذ أنّها ستتيح لهم معرفة كلّ أنماط النشاط في خلايا القشرة المخّية، الأمر الذي سيمكّنهم من معرفة كيفيّة تفكير المخّ، واستيعابه للمعلومات، حتّى يتمكّنوا من زيادة التفكير والحفظ، إذا تبيّن لهم كيف يقوم العقل بذلك.
لقد نجح العلماء إلى حدّ كبير في الوصول إلى اكتشافات كثيرة، تقودهم إلى التغلّب على عدد كبير من الأمراض العصبيّة التي تتعلّق بالذاكرة والاضطرابات النفسيّة والعقليّة، كما اكتشفوا آليات الذاكرة وكيفيّة حفظ الإنسان لمختلف المعلومات، وكيفيّة تخزينها في تلافيف المخّ.
أنت مهندس مخّك
إنّ النتائج الباهرة التي توصّل إليها الخبراء بالغة الأهميّة، وكلّ من طبّق هذه القواعد فسوف يغيّر الطريقة التي يفكّر بها، وسيبني ثقةً كبيرةً في عقله، ويعلم بأنّ مخّه هو ذاتي الإبداع، وأنّ كلّ فكرة ترد إلى ذهنه هي فكرة فريدة خاصّة به هو وحده، وهي تلائم شبكة من الأفكار والتداعيّات الأخرى التي لم تكن لها أيّ وجود من قبل، والتي لن تكون لها وجود بعد ذلك إلاّ في عقله، وسوف تتكاثر وتتوالى الأفكار بعد ذلك، الواحدة تلو الأخرى داخل الشبكة الخاصّة الواسعة لذكريات متناميّة وخيالات لا متناهية. (1/26)
صفحة 27
إنّ كلّ إنسان مسؤول عن تنميّة وتنشيط خلايا مخّه، حتّى يكوّن فيها المزيد والمزيد من مجرّات وأنماط من التفكير والاستيعاب والتخزين والاستذكار، والتي تزداد معها بالفعل الروابط المادّية داخله، وهو بذلك سوف يزيد من تكوين استراتيجيّات العمل الذهني، وبواسطتها سيزيد من حيويّة حاسبه الحيوي الفائق، وسوف يجعله أكثر رقيّاً وتقدّماً وقوّةً ونجاحاً.
لقد حدثت معجزات مختلفة على مرّ الأيّام، وحقّق كثير من الأشخاص أهدافاً كبيرةً عاليّة المنال، عن طريق اتّباع بعض الاستراتيجيّات التي وضعها بعض خبراء الذاكرة، وتفعيل السيطرة على مختلف العمليّات العقليّة، وقد استطاعوا أن يكتسبوا جرّاء ذلك قدرات جديدة للاستيعاب والحفظ والتخزين لمختلف المعلومات.
ونذكر من بين التقنيّات التي يستطيع كلّ إنسان اتّباعها وتطبيقها في استعمال قواه العقليّة، الانتباه الموجّه، والتركيز، والربط، والتكرار الهادف، ويمكن لتلك التقنيّات وغيرها أن تؤثّر على العمليّات العقليّة التفكيريّة، وأن تحسّن مستوى الأداء العقلي، وتنمّي مهارات التفكير الذهني، والتي سوف تحافظ على صحّة القوى التفكيريّة، فقط من خلال الاهتمام والثقة الكاملة في القوى العقليّة التي نمتلكها، والتدريبات المتعدّدة والمتواصلة، مع التكيّف قدر الإمكان مع ظروف المحيط تكيّفاً إيجابيّاً.
وهناك مبادئ متعدّدة لتحسين أداء العقل وبناء تفكيره، واكتشاف قدراته السحريّة، وقد اكتشفها الخبراء بعد بحوثهم المتواصلة، ومنها:
ــ مبدأ الحفز (التحفيز والتمشيط).
ــ مبدأ المعرفة (الزيادة منها قدر المستطاع).
ــ مبدأ المثابرة (والمثابرة تثبّت الطريق التي تتّخذه كلّ معلومة).
ــ مبدأ الحقيقة (لأنّ العقل يبحث عن الحقيقة)
ــ مبدأ النجاح (وكلّ نجاح يؤدّي إلى نجاح أكبر منه) (1/27)
صفحة 28
وكلّ إنسان يريد أن يصبح عبقريّا قويّ العقل جيّد التفكير عليه أن يبحث ويبحث عن فهم مزيد من الطرق المثلى التي يعمل بواسطتها العقل، والتي تحوّل الفشل إلى نجاح، وتساعده كثيراً على المحافظة على الصحّة الذهنيّة، واللياقة العقليّة بشكل عام في كثير من المجالات، ومنها:
التوازن، واللياقة، والمرونة، والقوّة، والحدّ من الضغوط، والاسترخاء، والنوم الجيّد، والتدرّب لبناء اللياقة البدنيّة.
وكلّ إنسان في هذا الكون لا يستطيع أن يدرك قدر الإمكانيّات التي جعلها ربّه - عز وجل - في نفسه، وما مدى العظمة التي يمكن له أن يبلغها، وما مقدار ما يمكن أن ينجزه في حياته.
سرّ التعلّم
تقول الحكمة: «إنّ عدد الأفكار التي يستطيع أن يولّدها عقلك أكبر من عدد ذرّات الكون «.
وهذه الأفكار التي يستطيع أن يولّدها عقلك ستكون نتيجة لتدريب ذاكرتك تدريبا جيّداً ومحفّزاً، لأنّه كلّما درّب الشخص هذا الجهاز استطاع أن يتعلّم بطريقة منظّمة وحسنة، ممّا يدفعه لاستيعاب معلومات أكثر، وأن يتذكّرها فيما بعد بشكل حسن وسريع.
ويقول {بوكرتي واشنطن}:
«تقاس الإنجازات بالعثرات التي نجتازها، حتّى نصل إلى أهدافنا «
وقد اعتبر كثير من العلماء بأنّ المخّ عضلة من عضلات الجسم، وكلّما درّب الشخص عضلاته الجسديّة، ومرّنها أصبح جسده قويّاً، وإذا تركها من دون تمرّن وتدرّب فإنّها تضمر وتضعف، فكذلك قدرات العقل تقوى بالتمرين والتدريب، والقدرات التي لا تنال تدريبا مستمرّا تضمر وتضعف.
فكلّ من يريد اللياقة العقليّة الكاملة عليه أن يدرّب جميع قدراته العقليّة، ووصول العقل إلى اللياقة لا يحدث بين عشيّة وضحاها، بل يحتاج إلى إرادة قويّة وصبر ووقت متواصل، وإصرار واستمرار وتكرار للتمارين، وتنويعها، وتحتاج اللياقة العقليّة إلى بعض الصفات لتصل قدرات عمل العقل إلى التميّز، ويبلغ درجة التفوّق. منها:
القوّة ـــ المرونة ـــ التحمّل ـــ التناسق. (1/28)
صفحة 29
وكلّ شخص منّا يملك معيناً داخليّاً لا ينضب من قدرات فائقة وطاقات جبّارة ولكن الفرق بين الناجح وغير الناجح والمتفوّق وغير المتفوّق، هو أنّ الأوّل درّب عضلات مخّه تدريباً جيّداً ومتواصلاً، واهتمّ بأنواع مختلفة من التمارين، فأصبحت قويّة ذات لياقة عاليّة، أمّا الثاني فقد تركها دون تدريبات فضعفت وضمرت، فأصبح يشتكي من ضعف قدراته العقليّة، ويتّهم القدر بأنّه لم يهب له قدرات فائقة كما وهب لصاحبه الذي تفوّق عليه.
يقول العبقري المبدع {ليوناردو دافنشي}:
«إنّه يوجد أربعة أشياء أساسيّة قد فعلها، ويحتاج الآخرون لأن يفعلوها أيضا، لكي يجعلوا عقولهم مبدعة بالفعل «
وهذه التقنيّات الأربعة هي:
1ــ تنميّة وتطوير الحواسّ.
2ــ دراسة فنّ العلوم.
3ــ دراسة علم الفنون.
4ــ أن يعلموا جيّدا أنّه بطريقة، أو بأخرى، فإنّ كلّ شيء متّصل بكلّ شيء آخر.
وينصّ هذا المبدأ الأخير بصفة رئيسيّة على أنّ كل الأشياء متّصلة ببعضها البعض، وهو يقول:
«تأتي الأشياء من بعضها، وتصنع كلّ الأشياء من بعضها، ويرجع أصل كلّ الأشياء إلى بعضها «.
فكلّ من يريد تدريب مخّه، ويجعله يعمل بصفة فائقة، فعليه أن يستخدم مبدأ الملاحظة بين الأمور، ليتحصّل على رؤية ثاقبة فائقة للطبيعة وللعالم من حوله، ولقد أصبحت هذه الرؤى الثاقبة أساساً لكثير من العلوم الحديثة.
ولهذا المبدأ أهميّة كبيرة وعجيبة في بناء وتكوين وتنميّة المخّ البشري، وهذا المبدأ يقول:
«إنّ المخّ ليس إلاّ أداة لإدراك ذلك التواصل الذي يوجد بين أصل الأشياء في هذا الكون، وذلك إذا استعمل قدراته الفائقة «.
إنّ التدريب الجيّد لخلايا المخّ يجعل الأفكار تتوالى وتتكاثر داخل الشبكة الخاصّة الواسعة للذكريات والخيالات المتناميّة، وكلّما أبدع العقل المزيد والمزيد من مجرّات التفكير تزداد معها بالفعل الروابط المادّية داخل المخّ، وهذا ما يدفعه لأن يكون أكثر إبداعاً وتقدّماً وقوّةً ونجاحاً. (1/29)
صفحة 30
وهذه المعلومة تقودنا إلى استنتاج:
قاعدة
إنّ العقل الذي نقرأ به مادّةً من الموادّ لأوّل مرّة لن يكون هو العقل نفسه الذي سنقرأ به نفس المعلومة بعد مدّة من الزمن.
فكلّما أدّى العقل فعلاً معيّناً في المرّة الأولى، ثمّ حاول إعادته بشكل أحسن مرّة ثانيّة وثالثة، فسيصبح هذا الفعل أكثر سهولة فيما بعد، وخاصّة بعد أن يكون قد ربطه بكثير من المعلومات الأخرى التي تشبهه، وبعد أن يكون قد أعاده مرّات عديدة.
ومن هذه المعلومات نستنتج:
قاعدة
إنّه كلّما درّب الإنسان مخّه بالشكل المناسب وبطريقة جيّدة، سهلت عليه مهمّة الحفظ.
فإذا كانت صيغ تفكير العقل والجسم صيغاً صحيحة، فسوف تقود صاحبها إلى التفكير الإيجابي، وسوف يدفع العقل إلى الإبداع في طريق النجاح المتواصل، حتّى يصل به إلى أرقى الدرجات، أمّا إذا استعمل الصيغ الخاطئة، فسوف يسقط صاحبه في هوّة التدمير الذاتي.
إنّ سرّ تعلّم العقل واستيعابه لمختلف المعلومات والمهارات يكمن في التشجيع الذي يمنحه له صاحبه ــ وذلك تماماً مثل كبار العباقرة ــ وبما يقدّمه له من مختلف التقنيّات التي سوف تساعده على تحقيق أهدافه الأساسيّة، وهو التفوّق والنجاح.
إنّ الخوف الذي يشعر به كثير من الناس حيال أداء عقولهم، يعتبر خوفا غير مبرّر، وذلك ليس إلاّ نتيجة لظنونهم الخاطئة التي كوّنوها حول قدراتهم العقليّة بأنّهم ضعفاء الذاكرة، وأنّه لا يمكنهم أن يستوعبوا، ويحفظوا المعلومات الكثيرة التي ترد إليهم من واقع حياتهم.
ولكنّهم إذا ما درسوا بتمعّن جيّد ومعمّق قدرات عقولهم فسيبعدون عن أنفسهم هذه الظنون الخاطئة، لأنّهم في الحقيقة سيكتشفون بأنّهم يملكون قدرات عقليّة رائعة كامنة داخل خلايا مخّهم، وهي لا تنتظر منهم إلاّ بعض التفاؤل والعمل والاجتهاد في اكتشافها وتنميّتها، وتوجيهها التوجيه الصحيح، الذي يوصل إلى التفوّق والنجاح.
كلّ إنسان مصمّم للعبقريّة (1/30)
صفحة 31
يقول الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
«ربّ إنّ من أعطيته العقل، ماذا حرمته، ومن حرمته العقل، ماذا أعطيته «
أنت مصمّم للعبقريّة: والله هذه الجملة تعجبني كثيراً، وودت لو كتبها كلّ إنسان في هذا الكون في مكان يراها في كلّ لحظة من لحظات يومه، وربّما نكتبها على الثياب عوض أن نكتب عليها تلك العبارات التي لا تسمن، ولا تغني من جوع.
قلها أخي القارئ، واحفظها، وناد بها في كلّ وقت بينك وبين نفسك، وبينك وبين أصدقائك أينما التقيت بهم في كلّ مكان ومناسبة، ناد بأعلى صوتك:
قد وهب لي ربّي عقلاً رائعاً، وجعلني من بني البشر الذين يمتازون عن غيرهم من المخلوقات الأخرى بالتفكير، وصمّم عقلي ليكون عبقريّاً.
فكلّ إنسان مسئول عن عقله، إذن فهو مسئول عن نتائج أفعاله.
ولقد خلق الله - سبحانه وتعالى - جميع البشر من نفْسٍ واحدة، أي من خصائص واحدة ومن جبِلّة واحدة ومن فطرة واحدة، ولكن كيفيّة التربيّة التي يتربّون بها، والبيئة التي ينشئون فيها، تبلور تلك الخصائص، وتلك القدرات، وتظهر تلك الطاقات.
لقد اعتقد كثير من العلماء، ولا يزال البعض منهم يعتقد إلى اليوم أنّ الذكاء هبة تهبها الوراثة عن طريق الوالدين، ولكن لم يقدّموا الدليل العلمي القاطع الذي يؤيّد ذلك، ويثبته في واقع الحياة، وفي الحقيقة أنّ الوراثة لها أثرها الإيجابي في زيادة ذكاء الشخص، ولكن الإمكانيّات الاجتماعيّة وفي مقدّمتها الوسط الأسري لها أثرها الفعّال أكثر بكثير من الجانب الوراثي.
إنّ التربيّة هي المفتاح السحري لبناء الذكاء في عناصر المجتمع، ولكن ما يزال أغلبيّة الأولياء لا يعتقدون بأنّ الذكاء بناء يبنونه في أولادهم إذا شاءوا ذلك، وقد بني النظام التربوي إلى اليوم على افتراض أنّه لا يمكن تعليم الكائن الإنساني الذكاء بطريقة منظّمة محدّدة. (1/31)
صفحة 32
إنّ النظام التربوي الحاضر نظام لا يهتمّ ببناء العبقريّة في الجيل الصاعد، لأنّه لا يوقظ فيه أيّ نوع من الفضول، ولا يقدر على إشباع فضولهم إذا ما ظهر فيهم تساؤل واستفسار.
إنّ السرّ الحقيقي يكمن في التربيّة، فالذين أبدعوا قد تعلّموا مسبّقاً كيف يفكّرون، أو بتعبير آخر قد علّم لهم أولياءهم طريقة التفكير، بل إنّ هذه التقنيّة تستطيع أن تعتني بها الأمّ والولد جنين في بطنها.
ولكن إذا لم يقم الوالدان بمثل هذا العمل مع أولادهم، فعلى الأولاد أن يستفيقوا، ويعلموا بأنّهم يملكون قدرات فائقة، ومخّ معجز يستطيع أن ينمو ويتطوّر، فيصبح صاحبه عبقريّاً ذكيّاً، وذلك بأن ينتزع من مخّه الاعتقادات الخاطئة التي تكوّنت فيه على مرّ السنين بأنّ القدرات العقليّة لا تتطوّر، ولا نستطيع تنميّتها.
إنّ وضع مثل هذه التوقّعات غير الواقعيّة حول حقيقة الذكاء وبناء العبقريّة هي التي جعلت كثيراً من الناس يخفقون في بناء هذه المهارة، لأنّ التوقّعات هي الأساس، أو القاعدة التي تبنى عليها الإدراكات.
يقول {دي سي بريجز}:
«الذين لديهم تقدير متدنّ لذاتهم يكونون على قناعة بدونيتهم، ويشعرون بأنّهم ليسوا أهلاً لأن يحبّهم الآخرون، وهم يعقلون مطالب وتوقعّات غير معقولة عن أنفسهم، وينتقدون ذاتهم بشدّة «
إنّ الأبحاث الكثيرة التي أجريت على كيفيّة بناء مخّ قويّ، وتكوين ذاكرة قويّة أثبتت أنّ المخّ الطبيعي الصحيح، أي الذي يسكن جسماً صحيّاً لائقاً بدنيّاً، والذي يستعمل بطريقة جيّدة، ينمو ويتطوّر بالتعلّم بطريقة منظّمة متميّزة، مع بناء ثقة قويّة كاملة بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد وهب لصاحبه كلّ ما يحتاجه من خلايا وأعصاب وهرمونات لبناء مخّ صحيح قويّ، يستطيع الاستيعاب الجيّد والحفظ الحسن.
لقد اكتشف العلماء بأنّ كلّ إنسان يملك مخّاً مكوّناً من أجزاء خارقة، قادرة على توليد آلاف من الخلايا المخّيّة الجديدة يوميّاً. (1/32)
صفحة 33
فعلينا أن نعلم بأنّ كلّ فرع من آلاف الفروع في كلّ خليّة من خلايا المخّ تملك امتداداً ذاتيّاً خاصّاً بها، وقد سمّى علماء الذاكرة نواة الخليّة بالعقل الصغير الضئيل الذي يملك قوّةً رائعةً، وهذا يعني تماماً أنّ النواة هي بمثابة عقل داخل العقل، لأنّ كلّ خليّة عقليّة حيّة تملك ذكاءً مستقلاًّ استقلالاً تامّاً.
إنّ الأمر أشبه برؤية أكثر الكائنات حساسيّة وذكاء ودقّة من العالم المحيط بنا، بحيث ظهرت الخليّة وهي تملك مئات من الأيدي الصغيرة، تتمدّد، وتتقلّص، وتحسب كلّ تحرّكاتها بمنتهى الدقّة والتركيز، بحثاً عن التواصل.
إنّ كلّ خليّة من خلايا مخّنا والتي تعدّ بالملايير تبحث دائماً في كلّ لحظة من حياتها لتتواصل مع مثيلاتها، لتبني مخّاً قويّاً، وتكوين ذكاء خارق، فما علينا إلاّ أن نوفّر لها الجوّ المناسب كي تقويّ اتّصالاتها مع زميلاتها، وهذا الجوّ يتمثّل في الهدوء النفسي الذي يوفّر إفراز الهرمونات بمقادير متوازنة، والتي توفّر للأعصاب التي تصل بين الخلايا أداء مهمّتها بصفة إيجابيّة، ومن خلال تشكيل روابط رائعة التعقيد مع عشرات الآلاف من جاراتها وزميلاتها.
ومع توفير الهدوء النفسي هناك الاستعداد الذهني والنفسي للنجاح، لأنّنا نجد كثيراً من الناس يخوضون مواقف وهم موقنون بأنّ لديهم ذاكرةً سيّئةً، ويشتكون في كلّ حين وزمان، ويستسلمون لذلك، كأنّ القدر قد كتب عليهم أن يكونوا أصحاب أدمغة ضعيفة، لا تستوعب جيّداً ما يلقى إليها من المعلومات، وهذا ما يدفعهم إلى عدم استعمالها استعمالاً إيجابيّاً، ولا يبحثون لها عن الغذاء الذهني الذي يبعث فيها الثقة والقوّة.
وبعد ذلك تأتي عمليّة التحفيز العقلي، وتغذيّة خلايا المخّ بالغذاء الذهني اللازم لتقويّتها، لأنّ الخلايا المخّية قد تضعف نتيجة عدم استخدامها باستمرار، وعدم تغذيّتها غذاءً ذهنيّاً هامّاً، ولكنّها ستظلّ تتحسّن إذا ما تمّ استخدامها استخداماً جيّداً. (1/33)
صفحة 34
إنّ هذا الجهاز المخّي غير الصحيح والسلبي سبب ضعفه الافتقار إلى التدريب المناسب، وإنّ مشاكل الذاكرة ليست لها علاقة بسعة المخّ، أو عدمها، وإنّما ترجع إلى إدارة الإنسان لتلك السعة غير المحدودة، والعلماء يؤكّدون بأنّ كلّ إنسان سويّ يملك ذاكرة يمكن تقويّتها بالتحفيز العقلي الذي يجعلها أفضل بكثير من فكرة صاحبها عنها.
وهناك عنصر هامّ يساهم مساهمةً إيجابيّةً وفعّالةً في بناء المخّ القويّ وهو الغذاء المادّي الذي يجب أن يوفّره الإنسان لنفسه، إذا أراد حقّا أن يبني مخّه بناءً حسناً ومتقناً، وقد قام علماء كثيرون بأبحاث إيجابيّة في هذا الموضوع، وعلى كلّ واحد منّا أن يسأل ما هو الطعام المناسب لبناء عقل قويّ، كي يتناوله.
فالغذاء الجيّد المتكامل سوف يمدّنا بمعظم احتياجات مخاخنا لتحافظ على حيويّتها ونشاطها، وسوف يضمن نموّها باستمرار، لذلك فكلّ من يطمح ليكون أكثر ذكاء، فعليه أن يأكل بذكاء، ولكي نضمن للعقل عملاً متناغماً وبطاقةً قصوى، فعلينا أن نغذّيه بطعام يتّفق مع طبيعته.
الفصل الثاني
المخّ القويّ يبنى في رحم الأمًّ
غذاء الحامل الذي يبني مخّ الجنين
إنّ مخاخ الأجيال القادمة تبنى وتتطوّر داخل الأرحام، ووقت الغذاء التكميلي للأمّ قبل بدأ الحمل، ثمّ بعد ذلك في فترة الرضاع، ولا يمكن بناء مخّ طبيعي قويّ دون إمداد الحامل والمرضع بما يكفيها من الغذاء الجيّد الذي يحتاجه ذلك المخلوق الذي بدأ يتكوّن داخل رحمها، ولا تواتينا فرصة أخرى لإصلاح أثر النقص الذي يحدث في المراحل الأولى من تكوّن خلايا المخّ وأعصابه.
إنّ المخّ أكثر أجزاء جسم الكائن الحيّ تأثّراً بالجوع أو الحرمان، وخاصّة عند الجنين الذي هو أكثر تأثّراً من مختلف المراحل الأخرى لبناء أجهزة الإنسان، ولا شكّ أنّ الجنين يتأثّراً تأثّراً مباشرا بما تتناوله أمّه من غذاء، وربّما نشير هنا إلى تأثّره بما تتناوله كذلك من أدويّة. (1/34)
صفحة 35
نذكر من ذلك ما ثبت عند العلماء بالدليل القاطع والبرهان الدامغ والثابت أنّ الخلل ليس في حجم المخّ فقط بقدر ما هو في سوء توزيع الخلايا العصبيّة في منطقة حسّاسة، خاصّة لدى بداية تكوّنها والجنين في بطن أمّه، حيث يتكوّن غلاف ضيّق يحيط بالخلايا، ممّا يصعّب من حركتها، ويقلّل تدفّق الدم إليها، ولهذا السبب تنقص قدرتها على الاستجابة لمختلف النشاطات.
كما أنّ الجوع ونقص الغذاء يجعل الإشارات العصبيّة تجد صعوبة عند انطلاقها خلال قنوات الاتّصال، ويستمرّ الغلاف الضاغط أو هذا الستار المحيط بالخلايا بعد تكوّنه، ولو أنّنا وفّرنا للجسم البشري الجائع كميّات متكاملة من الأطعمة في الأيّام المقبلة، لذلك ينصح الأطبّاء الأمّ الحامل والمرضع بأن يتّبعا نظاماً جيّداً وحسناً في التغذيّة، حتّى لا يتكوّن ذلك الجهاز الضيّق والضاغط الذي يضرّ بالخلايا.
وينصح العلماء الذين أجروا تجارب متعدّدة في هذا الموضوع الأمّ الحامل والمرضع بتناول دهون أوميجا ـ 3 والتي توجد في زيت السمك والخضروات والفاكهة، كما يجب أن يطعمن الرضيع مثل تلك الدهون، وبذلك نستطيع بإذن الله - سبحانه وتعالى - أن نجعل الولد ذكيّاً، فلا يمكن لمخّ جنين أو رضيع أو طفل في مقتبل العمر أن يصل مداه في إنتاج الخلايا المخّية، وتقويّة الأعصاب التي تصل بين تلك الخلايا دون إمداده بتلك الدهون، وفي الواقع الذي درسه العلماء فإنّ مخاخ الأجنّة والصغار قد تعجز عن النموّ كما ينبغي دون تغذيّتهم بمثل هذه الدهون.
ويطلق على هذه الأحماض اسم الدهون الحميدة، أو الجيّدة التي تحافظ على نعومة أغشية خلايا المخّ ومرونتها، وبذلك يسهل تكاثرها بقوّة، وهي تتوافر في الفاكهة والأوراق الخضراء، والمكسّرات، والأسماك. (1/35)
صفحة 36
إنّ المادّة الأولى التي يحتاجها الجنين لبناء مختلف أجهزته هي مادّة الكالسيوم، وقد استنتج العلماء أنّ الأمّ الحامل تشعر بالألم حينما يبدأ الجنين في سحب رصيدها من الكالسيوم المختزن في العظام والأسنان.
والحوامل اللائي يتناولن الأسماك يلدن أطفالا أكثر ذكاءً، لأنّ الأسماك هي الغذاء الذي يقوّي المخّ بصفة إيجابيّة، وذلك صحيح فيما يتعلّق بالذكاء، وفيما يتعلّق بالمزاج والاكتئاب، كما يقول العلماء، وكذلك فهو صحيح بالنسبة لبناء التركيز والانتباه اللازمين لبناء ذاكرة قويّة.
ومن الأفضل للأمّ أن تبدأ بتناول طعام غنيّ بزيت الأسماك لفترة طويلة قبل الحمل، وقد يحتاج الأمر عدّة شهور، حتّى يتكوّن في أنسجة الجسم لدى الأمّ مخزون كاف من فيتامين زيت السمك، إلى الدرجة التي ينتقل معها من بدن الأمّ إلى جنينها النامي، وإنّ نقصاً في المواد الهامّة قد يؤدّي إلى مضاعفات يتعرّض لها مخّ الجنين وهو في بطن أمّه، وقد تكون تلك المضاعفات غير قابلة للإصلاح.
يقول الدكتور {وليام لاندز} عالم الكيمياء الحيويّة بالمعهد القومي للصحّة، والمرجع البارز فيما يتعلّق بزيت الأسماك:
«إنّ الأمر قد يستغرق حتّى أربع سنوات كي تتشبّع أنسجة الجسم تماما بدهون أوميجا ـ 3 «.
ويظهر بحث حديث أجراه {وليام كونز} بمركز أوريجون لعلوم الصحّة أنّ تناول الأسماك أثناء الحمل، خاصّة السردين من شأنه أن يرفع بقوّة مستويات الـ DNA الهام لدى حديثي الولادة.
وقد أجرى تجربة على خمس عشرة امرأة حامل، حيث تناولن 2,6 جرامات من أحماض أوميجا ـ 3 الدهنيّة من خلال تناولهنّ الأسماك ومكمّلات زيت السمك، وشملت تلك الكميّة غراماً واحداً من DNA، وتناول عدد مساو من السيّدات طعامهنّ المعتاد دون مزيد من زيت الأسماك. (1/36)
صفحة 37
أثناء الحمل، ارتفعت مستويات DNA بكرات الدم الحمراء بما يعادل 52% لدى من تناولن الأسماك، وقد ارتفعت بالتبع تلك النسبة لدى أطفالهنّ حديثي الولادة، وحيث تعكس كميّات DNA بالدم كمياته بأنسجة الجسم، فإنّ ذلك يعني أنّ أولئك الرضع لديهم مزيد من دهون المخّ الرئيسيّة، وبالتالي يفترض أن تكون خلايا أدمغتهم أكثر تأديّة لوظائفها عند الولادة، وفي مستقبل أيّام حياتهم.
وقد اكتشف الخبراء أنّ النصف الثاني من مدّة الحمل هو الوقت الذي ينشط خلاله تطوّر خلايا مخّ الجنين، وممّا يثير الاهتمام أنّه كلّما تناولت الأمّ الحامل مزيداً من زيت الأسماك خلال تلك الفترة، ازدادت لديها ولدى جنينها مستويات الـ DNA ونفس الحالة عند الرضاع، لذا كما يقول العلماء يجب على الحوامل والمرضعات التأكّد من تناولهن ما يكفيهنّ وأولادهن من هذه الدهون التي لها الأثر الإيجابي في بناء خلايا المخّ وتقويّة أعصابه.
وقد تمّ إجراء عدد من التجارب على DNA فأيّدت فكرة أنّ له بالفعل علاقة كبيرة بالطريقة التي يتذكّر بها الإنسان المعلومات المختلفة.
ففي إحدى المرّات عندما تمّ منح الحيوانات نماذج معيّنة من التدريبات وجد أنّ DNA الموجود في خلايا معيّنة قد تغيّر، وعندما يتوقّف إنتاجه أو يتغيّر في جسم الإنسان يصبح عاجزا عن التعلّم أو التذكّر.
وأظهرت تجربة أكثر إثارة أنّه عندما تمّ استخلاص DNA من أحد الفئران وحقنه في فأر آخر، تذكّر أشياء لم يتعلّمها من قبل، بل كان قد تعلّمها الفأر الأوّل. (1/37)
صفحة 38
وفي تجربة يابانية قام فيها العلماء بإطعام فئران حوامل طعاماً يحتوي على كميّات كافية من أحماض أوميجا ـ3 الدهنيّة وطعاماً يخلو منها، وبعد ولادة الفئران قاموا بتعريضها لاختبارات استيعاب، فأدّت الفئران البالغة من العمر شهرين، والتي أطعمت أمّهاتها طعاماً يحتوي على كميّات كبيرة من زيت السمك الاختبارات كما ينبغي، وتعلّم 100% منها أداء مهمّةً تجريبيّةً بعد ثلاث محاولات فقط، وعلى العكس من ذلك بدت فئران الفئة الثانية والتي أطعمت أمّهاتها طعاماً يخلو من زيوت الأسماك أكثر تخلّفاً، حيث أنّ 30% إلى 40% منها تمكّن من تعلّم أداء المهمّة، حتّى بعد عشرين محاولة.
لقد أصبحت دراسة تناول كميّة الغذاء ونوعه الهدف الرئيسي للخبراء في كلّ مراحل بناء جسم الولد، وحتّى غذاء الحامل لأنّ له الأثر البالغ في بناء خلايا مخّ الجنين وتقويّة أعصابه، والطعام الذي يتناوله الإنسان يمكن أن يكون وسيلة بناء فعليّة لخلايا المخّ وحماية لها، كما يمكن أن يكون أحد العوامل الإيجابية لزيادة قوّة العقل، أو العكس وسيلة سلبيّة لا تساهم في بنائها، بل تعوقها عن أداء بعض التجارب، ولقد أثبتت الأبحاث ممّا لا يدع مجالا للشكّ أنّ لغذاء الأمّ الحامل أثراً بالغاً في بناء عقل الجنين، وكلّ ما هو صحّي للأمّ سيكون صحّياً كذلك لجنينها، وسوف يساهم في لياقة أداء مخّه فيما يستقبله من أيّام حياته.
ولكي تجتاز الأمّ الحامل فترة الحمل بهدوء وسلام، يجب عليها أن تتّبع نظاماً جيّداً في التغذيّة، تتوقّف عليه، إلى حدّ كبير صحّتها وصحّة جنينها، لأنّ سوء التغذيّة يؤدّي إلى مضاعفات للجنين وللأمّ على السواء، فسوء التغذيّة يؤدّي إلى ضعف عام في جسد الحامل، ويعرّضها لتسمّمات الحمل، وفقر الدم، ووهن العظام وعسر الولادة، كما يؤثّر تأثيراً مباشراً على الجنين، فيضعف لديه تكوّن خلايا الأجهزة المختلفة.
أهميّة غذاء الحامل في بناء المخّ (1/38)
صفحة 39
لقد اهتمّ العلماء اهتماماً بالغاً بالغذاء الذي يجب أن تتناوله الأمّ الحامل، كي تحفظ صحّتها، وتحافظ على نموّ ذلك المخلوق الذي يبدأ بالتكوّن داخل بطنها، ولكي تتكوّن لديه أجهزة قويّة يقضي بها حياته في أحسن حال.
فما الذي يجب على الحامل تناوله من طعام؟ لتتجنّب كثيراً من المؤثّرات التي تؤثّر سلباً في أجهزتها، وبالتالي تبعدها عن جنينها، وما الذي يجب عليها أن تتغذّى به في فترة الرضاع؟، كي يكون حليبها محتويّاً على أغلبيّة العناصر التي يحتاجها ذلك الرضيع لبناء جسم جيّد كامل القوى.
وكما أنّ الأجهزة المختلفة تتأثّراً تأثّراً بالغاً بالغذاء الذي يتناوله كلّ إنسان، فإنّ خلايا المخّ هي الأكثر تأثّراً بعناصر الغذاء عن غيرها من خلايا الأجهزة الأخرى في أجسامنا، ممّا يجعله ينعكس بدوره على الأداء الوظيفي للمخّ سلباً أو إيجاباً.
فمن دون شكّ أنّ المخّ يعدّ أغلى جهاز نملكه في جسمنا، وهو محلّ الوجود، وجهاز الذكاء الذي يدير كلّ الأجهزة الأخرى في الجسم، وبه تتحدّد شخصيّة كلّ شخص في هذا الكون، ولا يوجد شيء أكثر أهميّة من أمّ ذكيّة تهتمّ ببناء مخّ جنينها وهو في بطنها، وتهتمّ به في مختلف مراحل حياته بعد ذلك، وفشلها في استغلال أقصى طاقاتها لبناء القوى الذهنيّة والإبداعيّة والعاطفيّة لدى المخلوق الصغير الذي يعتبر قطعة منها هو مأساة كثير من المجتمعات.
ويعتقد الخبراء أنّ بعض المواد التي لم يتمّ استقلابها في جسد الأمّ إلى السائل الأمنيوسي، لها أثرها في حالة الجنين، ومن بينها التوابل والفلفل الحارّ والمواد السكّرية، ويبدو أنّ الجنين يبتلع كمّية أكبر، أو أقلّ من السائل الأمنيوسي حسب درجة احتوائه على موادّ مستساغة (حلوة مثلا)، أو كريهة (مرّة مثلا)، لكن يبقى الكثير من الغموض يطوّق حاستي الشمّ والذوق لدى الجنين. (1/39)
صفحة 40
إنّ عدم الاهتمام ببناء ذلك الجهاز بناء جيّداً لهو أسوأ شيء يتعرّض له الإنسان في بداية حياته، لأنّ أصعب الأشياء بداياتها، لذلك حرصت أكبر المعاهد، التي يعمل فيها أكبر الخبراء على دراسة أثر الغذاء في بناء المخّ في مختلف مراحل العمر، واستنتاج نصائح علميّة راسخة حول ما يمكن فعله لبناء وحفظ وتأهيل هذا العضو شديد الأهميّة.
وقد علّقت صحيفة Newsweek في مقال تحت عنوان ـ منشّطات المخّ ـ Brain Boosters قائلة:
«تشكّل الحياة في عصر المعلومات تحدّياً لقدراتنا على معالجة الأمور، وتلجأ أعداد لا حصر لها من الناس لاستخدام مواد غذائيّة تساعدهم على دعم، أو على الأقلّ حفظ أجسادهم وعقولهم «
ولخّص مقال بمجّلة Psychology Today أمر الغذاء، فقال كاتب المقال:
«إنّ فكرة أنّ الطعام السليم، أو ما يحتويه من كيميائيّات عصبيّة طبيعيّة قد تعزّز القدرات العقليّة، وتساعد الشخص على التركيز، وتعين على ضبط المهارات العصبيّة، وتنمّي الذاكرة، وتسرع من ردّة الفعل فكرة صحيحة «.
والغذاء الجيّد الغنيّ بالطاقة يمدّ خلايا المخّ بما يكفيها من الطاقة التي تحتاجها لتؤدّي عملها، وتجعلها فعّالة، تؤدّي دورها بشكل حسن، وتقوّي تواصل الأعصاب مع تلك الخلايا، فتجعل المرء يكتسب قوّة تواصل عصبيّة عقليّة راقيّة، تستطيع استيعاب المعلومات بطريقة جيّدة وقويّة، وتسرع من ردّة الفعل، وتشتّت القلق، وتمنع المخّ من أن يشيخ قبل الوقت في عمر مبكّر، وهذه الأغذيّة الجيّدة توفّر للأمّ الحامل ما تحتاجه من فيتامين، دون أن يضرّ بصحّتها، كما يقع لكثير من الحوامل اللائي يفقدن قوّتهنّ أثناء الحمل.
كما أنّ الأمّ الحامل التي تتناول الغذاء الملائم لها ولجنينها تضمن بذلك بناء مخّها ونموّه، والذي هو أهمّ جهاز في حياته، ويصبح طفلها المرتقب حادّ الذكاء، حيث يتمتّع بوظائف مخّية مثلى. (1/40)
صفحة 41
لقد توصّلت أحدث الأبحاث إلى ضبط المزاج لدى الحامل، والذي بدوره سيضبط المزاج الذي سيكون عليه المولود الجديد، وذلك بما يجب عليها أن تتناوله من غذاء متوازن ومناسب لها، بل إنّ بعض الأطبّاء قد عيّنوا لكلّ فترة من الحمل الغذاء اللازم والملائم لتلك المرحلة.
أهميّة التوازن الهرموني عند الأمّ
ومن العوامل الأخرى التي تؤثّر في شخصيّة وتكوين الجنين التوازن الهرموني للأمّ، أو عدم توازنه.
فالله - سبحانه وتعالى - قد جعل في جسم هذا الكائن الإنساني غدداً لها القدرة على تغيير أخلاقه وهي التي تحدّد شخصيّته إلى حدّ يعجز العلماء عن تصوّره ومعرفة كيفيّة تأثيرها على مختلف الأجهزة معرفةً دقيقةً، فلو أنّ تلك الغدد اضطربت فقد يفقد المرء شخصيّته، ويصبح مغايراً تماماً لأفراد أسرته، وكما أنّ لتلك الغدد تأثيراً في مختلف نواحي حياة الشخص، فإنّ لها كذلك تأثيراً عجيباً في الجنين وهو داخل بطن أمّه.
إنّ القلق والاكتئاب الشديد للأمّ الحامل يزيد من معدّل سرعة نبضات قلب الجنين، ذلك لأنّ تلك الحالة النفسيّة الخاصّة تتسبّب في زيادة معدّل جريان الهرمونات في الدم، فتتقلّص الأوعيّة الدمويّة، ممّا يعوق تزويد الرحم بالدم.
وأهمّ تلك الهرمونات، هرمون التسترون (هرمون الخصيّة الذكري) وهو موجود لدى الأنثى بكميّات قليلة، وقد استنتج العلماء بعد دراسات متواصلة بأنّ انخفاض إفراز هذا الهرمون يؤدّي إلى الإخلال في تحسين كفاءة الذاكرة.
وهناك هرمون الغدّة الدرقيّة (الثيروكسين) الذي يؤثّر على النموّ، وإذا انخفض إفراز هذا الهرمون، فإنّ نموّ الجنين يتباطأ، كما يتأخّر تكوين أجهزته المختلفة، وبذلك يصبح الجنين عند ولادته غير كامل النموّ، وخاصّةً جهاز التفكير الذي يعتبر أهمّ جهاز لديه، لأنّ خلاياه حسّاسة جدّا أكثر من أي نوع من الخلايا في الجسم. (1/41)
صفحة 42
ومن هنا يرشد الأطبّاء الأمّ الحامل إلى تجنّب المواد المنبّهة للأعصاب قدر الإمكان، لأنّ ذلك له الأثر العظيم، وربّما السلبي في بنية الجنين، وهم يعتقدون أنّ بعض المواد التي لم يتمّ استقلابها في جسد الأمّ تمرّ إلى السائل الأمنيوسي، ومن بين تلك المواد التوابل والفلفل الحارّ والمواد السكريّة.
وهناك هرمون الأدرينالين الذي يفرز في حالات التوتّر العصبي والغضب، وهذه المادّة تستطيع أن تعبر من الأمّ إلى الجنين بسرعة، وقد اكتشف الباحثون في هذا الموضوع في تجربة قاموا بها، حيث قدّموا فيها سجائر لأمّ حامل، فلاحظوا أنّ قلب الجنين تسارعت نبضاته فوراً، وهذا دليل بأنّه قد تأثّر بشكل مباشر بزيادة الهرمونات التي حدثت لأمّه.
كما يوجد هناك هرمون السيروتونين الذي يجب أن يكون معتدلا في جسم الأمّ كي تكون هادئة ومطمئنّة، لأنّ هذا الهرمون يؤثّر عمليّاً في كافّة نواحي عمل المخّ، ويساعد في تهدئة المزاج، وله دور في مستوى الطاقة في الجسم، وفي عمل الذاكرة ونظرتنا إلى الحياة.
وإنّ الأشخاص أصحاب مستويات منخفضة من السروتونين هم أكثر عرضة للاكتئاب والأداء الانفعالي والعنف والأعمال العدائيّة، وقد تمكّن الخبراء في بعض تجاربهم أن يجعلوا حيوانات التجارب أكثر عدائيّة بتغيير مستويات السيروتونين لديها.
كذلك يلعب السروتونين دوراً مهمّاً في تقويّة خلايا المخّ، كما يساعد في حمايتها من تفاعلات تدعى تسمّمات الاستثارة Excitotoxicity ذلك الذي يدمّر الخلايا العصبيّة، ويوجد كثير من المكمّلات الغذائيّة والفيتامينات والأحماض التي تعزّز وتنظّم نشاط السيروتونين.
كما أنّ للهرمونات المتنوّعة أثراً عجيباً في لبن الأمّ من حيث احتواؤه على قسط وافر من البروتينات بالإضافة إلى السوائل والفيتامينات. (1/42)
صفحة 43
فالحليب الذي تُنتِجه الأمّ يمرّ بآلِيّاَت مُعقّدة جدّاً، فخلِيّة الغُدّة الثديِيَّة يَمُرُّ فوقها أوعيّة شعريّة فيها دم - وكأنّها كائن عاقل - تختار من بين فَرْثٍ ودمٍ، من بين الكريات الحمراء ومن بين الهرمونات السائلة التي في الدم العناصر الأساسيّة من بروتينات، وموادَّ دسِمة ومواد شَحمِيّة، ومواد مُقَوّية، ومعادن، ليكوّنَ منها الحليب، الذي هو غذاء كامل للكائن البشري الصغير الحسّاس.
فالله - سبحانه وتعالى - هو الذي صمّم هذا الثدي لإنتاج هذا الحليب، ثمّ جعل هذا الحليب يتوافق مع حاجيّات جسم الرضيع، ثم أوجد في جسمه أجهزة معقّدة، لا يعلم تصميمها إلاّ هو، تستقبل هذا الحليب، وتهضمه، وتمتصه، وتجعله طاقةً، تنمو بها مختلف أجهزته، ومن بين تلك الأجهزة الحسّاسة مخّه.
فقد صمّم بعض الأجهزة في جسم الأمّ لتفرز سائلاً يُناسب نموّ جسد الرضيع الصغير، ويوجد في ذلك السائل هرمونات لا يعلمها إلاّ هو، وخلق في جسده أجهزةً تستقبل ذلك السائل، وجعل توافُقاً عجيباً بين بنيته ومُكوِّنات غِدائه، فأحياناً نقرأ على علبة الحليب:
هذا الحليب متوافق مع السِّن الفلاني، فهو مدروس بشكل يجعل ما فيه من بروتينات وشحوم وفيتامينات تتناسب مع عمل أجهزة الرضيع، ويستفيد منه الجسم استفادةً كاملةً.
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ تلك الهرمونات المتنوّعة الموجودة في لبن المرضع هي التي تجعله يتناسب مع سنّ كلّ خليّة من خلايا أجهزة الجسم.
بناء مخّ الجنين وهو في بطن أمّه (1/43)
صفحة 44
توصّل الخبراء بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ للأمّ تأثيراً على حياة ولدها عند كلّ منعطف من منعطفات حياته، من لحظة تكوّنه جنيناً في بطنها، إلى غيرها من مراحل العمر، فهي التي تحمله في أحشائها خلال تسعة أشهر، وتتحوّل حياتها بشكل، أو بآخر، ممّا يجعلها تتعرّض لتغيّرات متعدّدة، بدءاً من مظهرها الخارجي، ووصولاً إلى شتّى الأحاسيس التي تتغلغل في داخلها تجاه ذلك الجنين الذي يبدأ بالتحرّك في أحشائها، ويحوّل اهتمامها من الخارج إلى الداخل، أي إلى ذلك الشخص الذي تحتضنه في رحمها، فتمتلئ شعوراً بالغبطة والفرح.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}. -
[الزمر ـ 6]
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدّثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق:
«إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوماً نطفةً، ثمّ علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضغةً مثل ذلك، ثمّ يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، عمله، وأجله، وشقيّ، أو سعيد، فوالذي لا إله غيره، إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة، حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنّة، فيدخلها «. (1)
والمرأة الحامل هي أحوج ما تكون إلى الرعاية والحنان والحبّ والمساندة كي تخرج ناجحة مطمئنّة من هذه التجربة، ويتجلّى لنا ذلك عندما ندرك أن كلّ تلك الحالات تترك بصماتها وآثارها على مستقبل الجنين، في مرحلة لاحقة من حياته، سواء في الناحية العقليّة، أو النفسيّة، أو الجسميّة.
وفي هذا الشأن يقول {سامويل توليردج}:
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم. (1/44)
صفحة 45
«إنّ الأشهر التسعة لحياة الإنسان في رحم الأمّ تفوق من حيث أهمّيتها وخطورتها حياة الكائن البشري برمّتها «.
لقد قام وزير الذكاء الفنزويلّي {ماشادو} بوضع برنامج تعزيز الذكاء ينطلق فيه من التأكيد على العناية بالجنين قبل الولادة وبعدها، وكان قد درّب الأطبّاء والهيئات التمريضيّة والمتطوّعات في مستشفيات الولادة لتزويد الأمّهات بالإرشادات اللازمة والمناسبة، والتي تتعلّق بالعوامل المؤثّرة على الجنين وهو في بطن أمّه، ثمّ بعد الولادة، وكلّ ذلك لمحاولة تحفيز خلايا دماغ الطفل، وإثارة فعاليّتها وتوالدها.
لقد سجّل كثيرا من المعلومات التي تهتمّ بهذا الموضوع على أشرطة الفيديو لعرضها على أجهزة التلفزيون في غرف الولادة في المستشفيات على الأمّهات لتزويدهنّ بما يلزم من الخبرات لتوجيه أولادهنّ، وتحفيز خلايا أدمغتهم فينشؤوا عباقرة فطنين.
لقد كان على قناعة تامّة بأنّ دماغ الطفل يجب أن يحفّز عندما يكون في بطن أمّه، حتّى يقوى بتوالد خلاياه توالداً متسارعاً، ولا يكون ذلك إلاّ في بيئة هادئة مطمئنّة متدرّبة، وأنّ فترة الحمل والسنوات الستّة الأولى من عمر الولد هي أهمّ فترة في حياته على الإطلاق.
إنّ كثيراً من الناس يعتقدون أنّ الجنين يعيش في عزلة تامّة عن المحيط الخارجي وتأثيراته المتنوّعة، لكن هذه الفكرة شهدت تغيّراً جذريّاً بعد البحوث الكثيرة التي قام بها الخبراء حول هذا الموضوع، لأنّ هذه البحوث أثبتت بأنّ الجنين يتفاعل تفاعلاً عجيباً مع الوسط الخارجي الذي تعيش فيه الأمّ الحامل، ويستجيب لمثيراته، ويتأثّر بها تأثّراً بالغاً.
ومن الجدير بالذكر أنّ الحكمة النسائيّة القديمة قد أشارت إلى تأثّر الجنين بما يعترض الحامل من تأثيرات إيجابيّة، أو سلبيّة أثناء الحمل ونتيجة لذلك يتأثّر بها الجنين وهو في بطنها، وسواء في ذلك الجوانب البيولوجيّة أوالصحيّة، أو الجوانب النفسيّة. (1/45)
صفحة 46
كانت حكيمات النساء يرشدن الحوامل إلى تجنّب جميع أشكال القلق والتوتّر والانفعال لما في ذلك من تأثير سلبي على صحّتهنّ ونتيجة لذلك تتأثّر أجنّتهنّ بتلك الحال التي يكنّ فيها، وكنّ يطلبن منهنّ أن يفكرن في الأشياء الجميلة، وقراءة الشعر والاستماع إلى الحديث الممتع.
وإذا كان كذلك فلا بدّ أن نرشد الحوامل إلى الاستماع إلى كلام الله - عز وجل - بكثرة، فهو أفضل شيء يبعث في النفس الطمأنينة والهدوء والسكينة.
وقد بيّن الواقع المعيش تأثّر الجنين بما يقع حوله من المثيرات الخارجيّة، حيث تبيّن أنّه يتأثّر تأثّراً بالغاً بما كانت تقوم به أمّه من أعمال، وما يقع لها من اضطرابات وضغوط نفسيّة، كما تبيّن أنّ الغذاء الذي كانت تتغذّى به الأمّ يبني له قواه العقليّة والنفسيّة، تماماً كما يبني له قواه الجسميّة.
لقد تيقّن العلماء بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ البيئة البيولوجيّة للجنين خلال مرحلة الحمل مرهونة بالشروط البيولوجيّة للأمّ الحامل، وإنّ الجينات الوراثيّة تتحدّد بطبيعة البيئة الفيزيائيّة للأمّ.
وبعبارة أخرى يمكن القول إنّ صحّة الجنين الجسميّة والعقليّة والنفسيّة، ومسار نموّ كلّ هذه القوى مرهون بمدى ما تتمتّع به الأمّ الحامل على المستوى العقلي والعصبي.
الجنين في الأشهر الأخيرة
تؤكّد التجارب الكثيرة أنّ الجنين في الأشهر الأخيرة من الحمل يستجيب انفعاليّا للضجّة العاليّة التي تحدث قرب الأمّ الحامل، وهو بالتالي يتحرّك بسرعة عالية حين حدوث أصوات قويّة ومباغتة قريبة منه، وهذا يعني أنّ الجنين لا يعيش بمعزل عن الوسط الخارجي، بل يتفاعل معه، ويستجيب لمثيراته المختلفة، وأنّنا نستطيع أن نثير لديه ردود أفعال محدّدة وهو في بطن أمّه عن طريق المثيرات الخارجيّة. (1/46)
صفحة 47
وعلى الأمّ الحامل أن توقن بأنّ القلق والتوتّر النفسي والاضطراب الذي تعانيه يترك آثاراً سلبيّةً بالغةً على تكوين جنينها، وعلى بناء قواه النفسيّة والعقليّة، وبناء على هذه النظريّات نرشد الأمّ الحامل إلى الابتعاد قدر المستطاع عن مثل هذه المثيرات، إذا أرادت أن تبني عقلاً قويّاً لولدها وهو ما يزال جنينا في بطنها.
وفي هذا الخصوص تشير أبحاث العالم {فيلس} إلى أنّ الأطفال العصبيّين هم أولئك الأجنّة الذين لم يكن محيطهم الحيوي الجنيني كافيّاً لتلبيّة حاجاتهم العاطفيّة والنفسيّة، والتي هي أساس بناء خلايا وأعصاب مخاخهم، ومن هنا نستنتج أنّ هناك بعض الأطفال قد أصيبت عقولهم بالضعف وهم أجنّة في بطون أمهاتهم.
ولا يقف المحلّلون النفسانيّون عند هذا الحدّ من التحليل، بل يؤكّدون بأنّ مرض الكآبة المزمن الذي يعاني منه الراشدون إنّما هو حالة تعود أسبابها إلى مرحلة ما قبل الميلاد، ويذهب هؤلاء الباحثون إلى القول بأنّ الشروط التي تحيط بالأمّ مثل الأدويّة والعقاقير التي تتناولها والغذاء الذي تتغذّى منه تساهم بصفة مباشرة في بناء مختلف النواحي النفسيّة والصحيّة والعقليّة للجنين.
وفي مجال تحقيق الرعاية الصحّية للحامل وجنينها يؤكّد الأطبّاء على أهميّة اتّباع نظام غذائي متوازن، وتوفير وسط هادئ لأنّ لكلّ ذلك أهميّته البالغة ودوره الفعّال في بناء طفل قويّ جسميّا ونفسيّا وعقليّا، وقد تبيّن للعلماء بأنّ الأمّ الحامل التي تعاني من الضغط النفسي والتوتّر العصبي يكون وليدها ميالاً إلى الجبن والخوف ويفتقد الثقة بنفسه.
إنّ تقويّة عقل الطفل وتنشيط توالد خلايا مخّه يبدأ قبل الولادة، لأنّ الطفل يسمع ويرى ويفهم وهو ما يزال داخل الرحم، وكثير من الأطفال يظهرون بعض المهارات والأفعال المختلفة التي يبدو أنّها لا أساس لها في خبراتهم الماضية، وهذا دليل يؤكّد بأنّ الطفل يبدأ في تعلّم طرق السلوك، وهو ما يزال جنيناً. (1/47)
صفحة 48
في السنوات السابقة كانت الفكرة التي تقول بأنّ الحالة النفسيّة للأمّ وانفعالات عواطفها وإحساساتها المختلفة لها ما يشابهها من الانفعال والتوتّر عند الجنين تبدو غريبة ومضحكة، ولكن الدراسات الحديثة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشكّ، أو الغرابة، أو الضحك أنّ حالات الأمّ النفسيّة المختلفة لها تأثيرها التام على الحالة النفسيّة للجنين، وهو في بطنها، بل إنّ حالتها تؤثّر في تكوينه العقلي الذي سيكون عليه فيما يستقبله من أيّام حياته.
والقلق حالة نفسيّة خاصّة تتسبّب في زيادة معدّل جريان الهرمونات في الدم، مثل هرمون {الأبينفرين} الذي يقلّص الأوعيّة الدمويّة، ويعوق تزويد الرحم بالدم الكافي، وكذلك فإنّ الضغوط أو الإجهادات النفسيّة والبدنيّة تُفقد الغدد توازنها في إفراز الهرمونات، فيختلّ النظام الهرموني داخل الجسم ممّا يؤثّر تأثيراً مباشراً في بناء الأجهزة المختلفة لجسم الجنين، وخاصّةً منها الجهاز العقلي.
تطوّر دماغ الجنين
في تجربة قام بها الخبراء وجدوا أنّ جميع حالات النوم قد سجّلت في حالات أجنّة وهم في بطون أمّهاتهم، ومن هذه الحالات حركة العين السريعة، والتي غالبا ما تشير إلى الأحلام، لذلك تساءل العلماء بكلّ غرابة وعجب.
ــ هل الجنين يحلم وهو في بطن أمّه؟ وإذا كان يحلم، فما هو الموضوع الذي يحلم به؟ وهل له أساس من تجربة تكوّن له عوالم الخيال التي تشكّل أسس عالم الأحلام؟ أم أنّه يحلم بسبب ما يقع لأمّه من تصوّرات؟ ثمّ هل خلايا مخّه قد تكوّنت بصفة جيّدة، وإلى الدرجة التي تسمح له بأن يحلم؟ أم أنّه يحلم بسبب السائل الدافئ الذي يسبح فيه؟. (1/48)
صفحة 49
كما اكتشفت الدراسات المتواصلة في هذا الميدان بأنّ الجنين وهو يسبح في سائله الأمينوسي في رحم أمّه يتنفّس، وسجّلت حالات تكرار الصعود والهبوط لصدر الجنين بموجات صوتيّة نشطة ذات تردّد منخفض، وأظهرت الصور فوق الصوتيّة الجنين وهو يمتصّ إبهامه، وأيضا يمسك بقبضة يده حبله السرّي، وهو يفكّر، ويبتسم، ويتمايل، وهذه الحالات تبيّن للعلماء وبصورة أكيدة بأنّه يحيا حياة كاملة وهو في رحم أمّه، وأنّه عندما ينزل من بطن أمّه يخرج وقد قطع شوطا من النضج وتكوين خلايا مخّه.
إنّ توالد خلايا الدماغ، وبناء النظام العصبي، وتطوّر النظام الغددي تبدأ والإنسان ما يزال جنيناً في الرحم ثمّ تستمرّ بعد ولادته على حسب الحالة النفسيّة والجسميّة التي خرج بها إلى هذا الوجود.
ومن ملاحظات عالم الأجنّة {كيث موري} من جامعة {تورنتو} أنّه قال:
«من المألوف الآن أن نقرّر بأنّ تطوّر الجهاز العصبي يبدأ والإنسان جنيناً في بطن أمّه، وإلى ما بعد الولادة، وأنّ عمليّة الولادة ما هي إلاّ مجرّد فصل جديد في حياته، ومجرّد تغيّر في البيئة «.
وقد دلّ واحد من أعظم الاكتشافات الحديثة والمهمّة جدّاً في بناء جسم الجنين أنّ المشيمة تحتوي على (بتيا ـ أندروفين)، وهذه الهرمونات هي مواد طبيعيّة مورفينيّة مسكّنة للألم الجسدي والنفسي ينتجها الدماغ وتنساب في الدم، ولكلّ مادّة هرمونيّة خاصيّة التهدئة وتسكين الألم الجسدي والنفسي والتي تختلف عن الأخرى، فمنها ما يهدّئ 50 مرّة أقوى من العقاقير المهدّئة والمخدّرة التي يتعاطاها الأشخاص كالمورفين، وقد دلّت الأبحاث أيضا أنّ تلك المواد المهدّئة والمسكّنة للألم ترتفع معدّلاتها في الدم عندما يقترب موعد الولادة، إنّها عظمة الخالق - سبحانه وتعالى -، التي لم يدركها كثير من الناس. (1/49)
صفحة 50
وبحسب رأي الدكتور {دومينيك بيربزرا} عميد مدرسة الطبّ في جامعة {ستانفورد} أنّ حياة ما قبل الولادة بشكل عام لها تأثير أساسي في تطوّر الدماغ عند الجنين، وهي التي تقرّر ما سيكون عليه المخّ، وما سيؤهّله إليه من تطوّر في المراحل المختلفة من الطفولة المبكّرة، وما بعد ذلك.
وقال: «بأنّ أهليّة الدماغ للجنين وتكاثر خلاياه، وتكوين الروابط بينها تبدأ مبكّرا ومنذ الفترة قبل الشهر السابع للحمل «.
وقد أظهرت رسوم موجات الدماغ للجنين أنّه توجد فيه موجات وتردّدات لخلايا أدمغة مواليد ولدوا حديثا، وهذا يبيّن بأنّ تلك الأدمغة كانت تعمل والأجنّة في بطن أمّهاتهم، وبهذا استطاع العلماء أن يشكّكوا في الفرضيّة القديمة التي تقول بأنّ الدماغ لا يعمل إلاّ بعد خروج المولود إلى عالمه الجديد.
ومن كلّ هذه النتائج نستطيع أن نقرّر بأنّ الأمّ تستطيع أن تبني مخّ جنينها بطريقة حسنة، أو تدمّر خلاياه قبل أن يخرج إلى هذا الوجود، فلذلك يجب على الأمّهات اللائي يردن أولاداً أذكياء وأقوياء العقول وعباقرة، أن يراعين جيّداً ما في بطونهنّ من أجنّة، فعلى حسب حالتهنّ التي يكنّ فيها تتكوّن أجهزة أجنّتهنّ، وخاصّة الجهاز الدماغي المخّ.
تحسّس الجنين للضوء والصوت
لقد اكتشف الخبراء بأنّ الجنين يبدأ تحسّسه للضوء وهو في بطن أمّه، فإذا وجّهنا إليه ضوءاً قويّاً يتحرّك، ويتسارع نبضه.
وبين الشهرين الرابع والخامس يبدأ الجنين، بسماع الأصوات، ويكتمل تطوّر الجهاز السمعي بين الشهرين السادس والسابع، حيث يغدو السماع حادّاً، فيسمع الأصوات الداخليّة والخارجيّة، لكن السائل الأمنيوسي يكتم عنه معظمها.
كما أنّه يسمع نبض أمّه، ويبدو أنّه يطمئنّ إليه، ويستأنس به، كما يسمع صوتها بوضوح، ويشكّل السمع الحاسّة الأكثر حدّة أثناء الحياة الجنينيّة. (1/50)
صفحة 51
ويستجيب الجنين للتنبيه عن طريق الجلد منذ وقت مبكّر، وذلك في مستوى الشفة العليا، لوجود مستقبلات حسّية فيها، وهذا الإحساس يتمّ بفضل وجود نهايات حسّية عصبيّة.
* * *
الفصل الثالث
لبن الأمّ يبني مخّ الرضيع
الرضاعة الطبيعيّة
إنّ الحقيقة الواقعة التي لا يتطرّق إليها ذرّة من شكّ هي أنّ الرضاعة الطبيعيّة لها أهميّة بالغة بالنسبة للطفل والأمّ، وفيها إنقاذ لحياة الأبناء ومستقبلهم.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. -
[البقرة ـ 233]
ولا غرو أنّ لبن الأمّ يحتوي على كلّ العناصر الغذائيّة في صورة متوازنة سهلة الهضم، ولا يحمّل الأسرة أيّة نفقة، وهو متوفّر طوال 24 ساعة يوميّاً، ولا يتطلّب إعداداً خاصّاً، ويحتوي على بعض الأجسام المناعية المضادّة للعديد من الميكروبات والفيروسات تقي جسم الطفل من الكثير من الأمراض، وخاصّةً منها أمراض الجهاز الهضمي، مثل النزلات المعويّة، وأمراض الجهاز التنفّسي.
ولبن الأمّ معقّم، ويصل إلى الطفل في درجة الحرارة والتركيز المناسبين له، ويتميّز بسرعة هضمه وامتصاصه، ولا يسبّب أيّة حساسيّة، أو اضطرابات، كما يسبّب ذلك اللبن الاصطناعي.
والرضاعة الطبيعيّة ليست مهمّة بالنسبة للولد فحسب، بل تساعد الأمّ كذلك على استعادة قوامها السابق قبل الولادة، فيرجع لها وزنها وحجمها السابقين، وتقلّل من كميّة النزيف في الأسابيع الأولى بعد الولادة، كما تساعد على تقلّص الرحم وعودته إلى حجمه الطبيعي، كما أنّ الرضاعة الطبيعيّة تقي من الإصابة بأمراض الثدي، ولقد دلّت الأبحاث الطبيّة أنّ سرطان الثدي أقلّ حدوثاً في الأمّهات اللاتي يرضعن أولادهنّ.
مكوّنات لبن الأمّ (1/51)
صفحة 52
بعد دراسات واختبارات متواصلة تبيّن للخبراء أنّ حليب الأمّ مركّب مبهر ومدهش، تعجز عن صنع مثله أضخم وأرقى وأحدث المصانع الحديثة، ولو اجتمعت.
والسرّ العظيم الذي تعجز العقول عن فهمه هو كيف أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلق في أجهزة الهضم عند الولد هرمونات وخمائر هاضمة بمقادير تتناسب مع مكوّنات حليب الأمّ، كما تتناسب مع مختلف مراحل عمر الولد، وقد توصّل الخبراء في تجاربهم الكثيرة بأنّ حليب الأمّ يتبدّل تركيبه بين رضعة ورضعة أخرى.
وعندما ترضع الأمّ وليدها الحليب الاصطناعي، ولو كان طازجاً، أو مجفّفاً، فإنّ الجهاز الهضمي للوليد يعجز عن هضمه، وتحويله إلى بروتينات جيّدة الهضم، فلا يمتصّها بسرعة وبسهولة، لأنّه تبقى كميّات كبيرة من المواد الدسمة، والبروتينات، والأحماض الأمينيّة دون هضم، فيجهد الكلّيتان طرح هذه الموادّ.
إنّ خمائر الهضم عند الرضيع متوافقة مع حليب الأمّ في كلّ مراحل تكوّنه، غير أنّها غير متوافقة مع الحليب الاصطناعي مهما أتقنت صناعته.
قال العلماء: «إنّ ارتفاع نسبة الأحماض الأمينيّة في الدم تسبّب للرضيع قصوراً عقليّاً، لأنّه لا يجد البروتينات الكافيّة لتكوّن خلاياه بشكل جيّد، ويسبّب الآفات القلبيّة، ولا يخفى على أحد من العلماء التواصل الكبير والتكامل الإيجابي الذي يوجد بين قوّة القلب، أو ضعفه مع قوّة العقل، أو ضعفه «.
وإنّ معظم حالات الربو عند الأطفال، وإنتان الأمعاء، وغيرها من بعض الأمراض، ينجو منها الصغير بالإرضاع الطبيعي. (1/52)
صفحة 53
فمكوّنات حليب الأمّ متوازنة بِدِقّة بالِغة مع طريقة بناء أجهزة الرضيع، حيث إنَّ الطفل الصغير إذا ماتت أمّه قبل أن تُرْضِعه، أو طُلِّقت، أو خافت على رشاقتِها، فلم تُرْضِعه، وغُذّي بالحليب الصناعي المعقّم، فإنّه ستحدث له مُضاعفات خطيرة في المستقبل، في تكوين جسمه، أو تكوين نفسه، لأنَّ المادة البروتينيّة في حليب البقر المصنّع يحتوي أربعة أمثال ما تحْتَمله أجهزته الصغيرة، فتضعف أجهزة المناعة لديه، وتقلّ مقاومته لمختلف ما يتعرّض له من الجراثيم، وهي كثيرة في سنّه التي هو فيها، وأشدّ خطيراً عليه كذلك.
ونتيجة لذلك يُصاب بِآفات قلبيّة، وآفات وعائيّة، وآفات في الكبِد والكليَتين، وتُعزى بعض الآفات القلبيّة والوِعائيّة والكبِديّة والكَلَوِيّة، إلى عدم استفادة الطفل من الرّضاع الطبيعي.
وقد أجبرت كلّ معامل الحليب المصنّع للرُّضع أن تكتب على عَبْواتها، لا شيء يُعادل حليب الأمّ في الدرجة الأولى، إذن فاللبن الطبيعي هو أحسن وأفضل وأغنى غذاء للولد الرضيع.
لبن الثدي ينعش مخاخ الرضّع
إنّ الشيء المؤسف أنّ عدد الأمهات اللائي يرغبن في إرضاع أبنائهن من أثدائهن أصبح يتراجع تراجعاً كبيراً، وفي دراسة النسبة وجد العلماء بأنّ 60% فقط منهنّ يرضعن أطفالهنّ قبل مغادرتهنّ المستشفى، وأنّ 30% فقط يرضعنهم لمدّة ستّة أشهر.
في حين أنّ لبن الأمّ يعتبر أفضل تركيبة للرضّع، وهو يحتوي على أحماض أوميجا ـ 3 الدهنيّة، خاصّة الـ DNA النافع للمخّ بكميّات متفاوتة، وذلك حسب طعام الأمّ، كما أنّ اللبن الطبيعي يكوّن لدى الرضّع كميّات أكبر من الـ DNA في قشرتهم المخّية مقارنة بأقرانهم الذين يتغذّون على الألبان الصناعيّة، ممّا جعل العلماء يعتقدون بأنّ لبن الثدي ينعش مخاخ الرضّع. (1/53)
صفحة 54
وقد أظهرت ثماني دراسات أنّ الرضّع الذين يتغذّون على اللبن الطبيعي يتمتّعون بتقييم أعلى فيما يتعلّق بالتطوّر والنموّ والذكاء عندما أجريت عليهم اختبارات الذكاء في فترات لاحقة من حياتهم.
وفي إحدى الدراسات التي شملت 300 طفل، قام باحثون بريطانيّون بوحدة DUNN للتغذيّة بكامبريدج بإطعام رضّع لبن الأمّ الطبيعي من خلال أنبوب لتلافي أيّ أثر يحدثه امتصاص الرضيع لثدي أمّه على نتيجة الدراسة، وتجنّب أيّ تسمّم يحدث إذا ما لامس اللبن الهواء الخارجي، وكانت النتائج الأكيدة أنّ الأطفال الذين تناولوا اللبن الطبيعي في مراحل مبكّرة من حياتهم قد حقّقوا نتائج أعلى بما يعادل 8,3 نقاط في اختبارات معدّل ذكاء عند سنّ ثماني سنوات عن أقرانهم الذين أطعموا لبناً صناعيّاً بدلاً من لبن الأمّ، وقد أخذ العلماء في الحسبان في هذه التجربة المستوى الثقافي والاجتماعي للأمّهات، وقاموا بتدقيق بالغ، والغرض من ذلك هو التوصّل إلى السبب الحقيقي الذي أدّى إلى هذه النتائج الإيجابيّة، فتوصّلوا إلى أنّ لبن الأمّهات هو السبب الرئيسي في ذلك.
وفي تجربة مماثلة قام بها العلماء في جامعة {هيوستن} تجاه 204 طفل في الثالثة من العمر، وكانت أوزانهم طبيعيّة لدى الولادة، فوجد الأطبّاء أنّ الأطفال الذين رضعوا اللبن الطبيعي قد حقّقوا نتائج أعلى بمقدار 4,6 نقاط باختبارات الذكاء عن أقرانهم من رضّع الألبان الاصطناعيّة.
وفي دراسة بريطانيّة أخرى طويلة الأمد، وجد العلماء أنّ الرضّع الذين رضعوا اللبن الطبيعي عندما بلغوا سنّ ثماني سنوات أصبحوا يتمتّعون بذكاء بصري جيّد، وعند بلغوهم السنّ 15 من العمر حقّقوا نتائج أعلى في الرياضيّات، والقدرات التعبيريّة، وإكمال العبارات التي تقدّم إليهم وهي ناقصة، مقارنة بأمثالهم الذين رضعوا اللبن الاصطناعي. (1/54)
صفحة 55
وقد أجرى الخبراء بحثاً علميّاً، قاسوا فيه مستوى الذكاء الفطري لدى عدد من الأطفال من شعوب متعدّدة، بالنسبة للإرضاع الطبيعي والصناعي، فكانت النتائج مدهشة، حيث وجدوا أنّ الأطفال الذين رضعوا الرضاعة الطبيعيّة كانت نسب الذكاء لديهم أعلى من إخوانهم الذين رضعوا اللبن الاصطناعي.
تأثير مدّة الإرضاع
وأكثر من ذلك فقد استنتج الباحثون الذين قاموا بكثير من التجارب أنّه ليست الرضاعة الطبيعيّة وحدها لها تأثير في بناء ذكاء الولد، بل مدّة الرضاعة أيضا لها الأثر الإيجابي الكبيرة في تحقيق تلك النتائج.
لذلك بيّن الله - سبحانه وتعالى - في الآية القرآنيّة مدّة الرضاع، وحدّدها بحولين كاملين.
ففي {نيوزيلاندا} أظهرت دراسة شملت ألف طفل أعمارهم بين 8 و 10 سنوات أنّ زيادة مدّة الرضاعة الطبيعيّة لفترة تفوق 8 أشهر جعلت الأطفال يحقّقون نتائج أعلى في اختبارات الذكاء، وفهم النصوص، وقدراتهم الرياضيّة، وتقييم المعلّمين لقدراتهم على القراءة وفي الرياضيّات، وامتحانات التأهيل للمراحل الثانويّة، وذلك أكثر ممّا سجّله الأطفال الذين رضعوا الألبان الطبيعيّة.
وقد صدق الله - سبحانه وتعالى - حين أمر الوالدات أن يرضعن أولادهنّ حولين كاملين.
- {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}
[البقرة ـ 233]
معلومة مهمّة
والشيء المدهش العجيب هو أنّ لبن الأمّ يحتوي على ثلاثين ضعفا ممّا يحتويه لبن الأبقار من الـ DNA الأساسي للمخّ.
ويرشد الأطبّاء الأمّهات إلى التأكّد من تناولهنّ ما يكفي من دهون أوميجا ـ 3 المنشّطة للمخّ أثناء الرضاعة، وذلك لصالح أطفالهنّ، ولذلك يأمر الله - سبحانه وتعالى - الآباء بالإنفاق على الأمّهات المرضعات، حين يقول - عز وجل -:
- {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة ـ 233] (1/55)
صفحة 56
وقد قرّر خبراء دوّليّين كانوا قد اجتمعوا بالمعهد القومي للصحّة في أفريل من عام 1999 أنّ أوقيّة من الأسماك عالية المحتوى من الـ DNA كالسردين مثلا، تلبّي احتياج الأمّ المرضع كي يكون حليبها كافيّا لتغذيّة رضيعها بصفة جيّدة.
معلومة مهمّة
إنّ الاعتماد البالغ على الألبان الصناعيّة لتغذيّة الأولاد الرضع يعتبر شيئاً خطيراً، لأنّ التجارب الميدانيّة قد أثبتت بأنّ ذلك يؤدّي بهم إلى الضعف الذهني، وانخفاض الذكاء، وضعف الأداء، واضطرابات وظائف المخّ التي هي أساس الإبداع والنجاح والتفوّق، وأنّ ذلك يؤدّي إلى السلوك العدواني.
اهتمام المرضع بغذائها
يجب على الأمّ المرضع الاهتمام بغذائها اهتماماً بالغاً لأنّها لا تغذّي جسدها فقط، بل هي بواسطة ذلك الغذاء توفّر لرضيعها ما يحتاجه هو كذلك من البروتينات والفيتامينات، هذه البروتينات الموجودة في اللبن والبيض واللحوم، بالإضافة إلى السوائل.
ويجب عليها أن تبتعد قدر الإمكان عن الأدويّة، خاصّة تلك التي يتناولها بعض الأمّهات لإدرار لبن أثدائهنّ، ويقول بعض الأطباء بأنّه لا توجد أدويّة خاصّة بهذا، ولكن يرشدون إلى تناول بعض الأغذيّة التي قد تساعد على ذلك، وقد ذكروا من أهمّها: الحلبة والسمك والفجل والبطاطا وغيرها.
وينصح الأطبّاء المرضع بتناول كوب من الماء أو أيّ سائل آخر قبل كلّ رضعة بحوالي نصف ساعة.
ولا بدّ أن تأخذ الأمّ المرضع ما يلزمها من النوم، وقد حدّدها الخبراء بمتوسّط 8 ساعات في الليل، وإذا لم تتمكّن من ذلك، فيجب عليها أن تأخذ بعض فترات قصيرة من الراحة، وتتجنّب التوتّر والغضب وغيرها من المؤثّرات التي تنغّص لها نومها، وتجعلها تنام نوماً غير صحّي. (1/56)
صفحة 57
والشيء المهمّ هو أن تجتنب المرضع تناول الأدويّة غير اللازمة قدر الإمكان، لأنّ تأثيرها سينتقل إلى رضيعها بواسطة لبنها، وربّما تؤثّر في نموّه، وخاصّة نموّ خلايا المخّ الحسّاسة جدّاً، وخاصّة منها حبوب منع الحمل، لأنّها تقلّل من إفراز اللبن أو تمنعه، ويرشدها الأطبّاء إلى اللجوء إلى وسيلة أخرى لمنع الحمل.
الألبان الصناعيّة تعيق نموّ المخّ
أكّد أغلب الخبراء بعد دراسات متعدّدة أنّ الألبان الصناعيّة التي يتغذّى بها الرضع بعد أن تركت الأغلبيّة الغالبة من الأمّهات إرضاع أولادهن الرضاعة الطبيعيّة في هذه السنوات الأخيرة تؤدّي بهم إلى اكتساب سلوك عدواني، وتضعف فيهم الانتباه والتركيز اللذين هما الركيزتين الأساسيتين في جودة استيعاب العقل.
إنّ الألبان الصناعيّة لا تحتوي على دهون أوميجا ـ 3، وتعدّ بديلاً رديئاً للبن الأمّ الطبيعي، لأنّها تدع جهاز مخّ الولد يحترق شوقاً للأحماض الدهنيّة الأساسيّة التي يبني بها نفسه بناءً جيّداً، ولكي تجد خلاياه الطاقة الكافية لتتكاثر بصفة مناسبة، ومتوازنة، فيفشل مخّ الرضيع في الحصول على حاجته اللازمة ليبني نفسه، وهذا ممّا يحدّ من ذكائه، ويضعف مهاراته.
إنّ الاعتماد الكلّي على إرضاع الأولاد بالألبان الصناعيّة يبني لديهم مخاخاً غير مكتملة النموّ، أمّا الذين يتغذّون بالألبان الطبيعيّة تصبح لديهم قدرة قويّة على معالجة المعلومات، ويتمتّعون بتركيز بصري أفضل عند إكمال عامهم الأوّل من العمر، لأنّ اللبن الطبيعي يقوّى من حدّة بصرهم، وكلّ هذه المهارات تجعل الشخص أكثر ذكاءً وإبداعاً. (1/57)
صفحة 58
وفي جامعة دوندي باسكتلندا قام فيها الدكتور {بيتر ويلاتس} وزملاؤه بدراسة على 44 رضيعاً في الشهر العاشر من العمر تلقّى نصفهم تركيبة صناعيّة تعوزها الدهون المخيّة النافعة، بينما تلقّى النصف الآخر تركيبة مدعّمة بأحماض DNA ، وكان الهدف من وراء هذه التجربة اختبار قدرات الرضّع على تخطّي العقبات باستخدام أجهزة فيديو، ثمّ تقييم قدراتهم الذاتيّة على اجتياز ثلاث مراحل للوصول إلى لعبة مخبّأة.
وكان الرضّع الذين تغذّوا باللبن الطبيعي أكثر قدرة وبثلاث مرّات على حلّ العقبات، وإخراج اللعب المخبّأة مقارنة بمن أرضعوا اللبن الاصطناعي، بمعنى ذلك أنّ الفريق الأوّل كان أكثر تركيزاً، وتمكّن من تخطيط وتنفيذ غاياته، وإنّ تحقيق قدرات أفضل على تخطّي العقبات في هذا السنّ يعني معدّلات ذكاء أعلى وأفضل فيما يستقبل من أيّام حياتهم.
لقد أعطى الخبراء تفاسير واضحة بأنّ ارتفاع مستويات الذكاء عند أولئك الرضع وزيادة قدراتهم على تطبيق المهارات التفكيريّة راجع إلى تراكم الأحماض الدهنيّة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - من مكوّنات ومن مركّبات لبن الأمّ المرضعة في أغشيّة خلايا الجهاز العصبي المركزي.
وإضافة إلى ذلك فإنّ الأحماض الدهنيّة تعجّل نضوج خلايا المخّ الأماميّة (مركز الذكاء) الخاصّة بالتركيز والتفكير.
حقيقة مؤلمة
إنّ 30 %فقط من الأطفال في العالم يرضعون لبن أمّهم الطبيعي، أمّا 70% منهم يعتمدون على الألبان الصناعيّة كغذاء لدى بلوغهم الثلاثة أشهر.
* * *
الفصل الرابع
المخّ القويّ يُبنى في مرحلة الطفولة
الطفولة أخطر مراحل نموّ المخّ (1/58)
صفحة 59
إنّ مرحلة الطفولة المبكّرة مرحلة مهمّة في بناء المخّ القويّ لدى الطفل، حيث يكون نموّه فيها سريعاً، وبخاصّة نموّه، سواء من الناحية العضويّة أو العلميّة، ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّه كلّما كان النموّ العضوي قويّاً، بتكاثر الخلايا بصفة كبيرة، وتكوّن الاشتباكات العصبيّة، كان تعلّم الطفل لمختلف المهارات أسهل وأسرع، خاصّة منها المهارة اللغويّة.
فهو في هذه المرحلة يكتسب معلوماته من العالم الخارجي عن طريق حواسّه، وكلّما كانت الخلايا والأعصاب المخّية قويّةً، كان التعلّم لديه أحسن وأفضل، فيكوّن لنفسه ما يسمّى ببنك المعلومات، لأنّ اللحاء المخّي في هذه المرحلة يكون غايةً في الحساسيّة، وهذا ممّا يجعله سريع الاستيعاب والتخزين للمعلومات والخبرات ورموز الأشياء.
فكما أنّ الخلايا المخّية تحتاج إلى الغذاء المادّي المتوازن كي تنمو وتتكاثر بسرعة، فهي من جهة أخرى كذلك تحتاج إلى الغذاء الذهني العلمي، كي تنشط وتعمل بطريقة جيّدة، فبالإضافة إلى النموّ العقلي السريع في هذه المرحلة، نجد لديه سرعة التعلّم والفهم والتجاوب مع البيئة الثريّة التي تحيط به.
لقد أكّد العالم النفسي {بلوم} بأنّ 50 % من النموّ العقلي للولد يتمّ ما بين الميلاد والعام الرابع من عمره، و30% منه يتمّ بين العام الرابع والثامن من حياته.
كما أكّد علماء التربيّة على أهميّة تعريض الطفل للمثيرات الحسّية المختلفة، كي تنشط خلاياه المخّية وتقوى، وتصبح قادرةً على استيعاب أكبر قدر من المعلومات في تلك المرحلة المبكّرة، وهذا التنشيط هو بالنسبة للخلايا المخّية تماماً مثل الرياضة لتقويّة عضلات الجسم.
فيمكن للأمّ أن تبني في ولدها الصغير في المراحل الأولى من الطفولة أقوى سلاح يستخدمه لصنع المعجزات في ما يستقبله من أيّام حياته، كي يصبح عضواً ناجحاً عبقريّاً، يصل إلى أعلى مراتب التفوّق. (1/59)
صفحة 60
ويجب علينا أن ننصح الأمّ المسلمة بأنّه لا يوجد منشّط ومقوّ لخلايا دماغ ولدها أكثر من كلام ربّنا - عز وجل -، فهو الذي نستطيع أن ندرّب به عقول الأولاد الصغار، لأنّه مليء بالنور والطاقة وكلّه بركة، وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا:
بناء العبقريّة بالتربيّة القرآنيّة.
فإذا جعلنا البيئة التي ينشأ فيها الطفل بيئةً قرآنيّةً، فإنّنا سنوفّر على أنفسنا مجهودات كبيرة، لأنّ البيئة هي التي تبني في الطفل الصغير العقل القوي، سواء من الجهة الغذائيّة، أو التعليميّة، والبيئة هي التي تكوّن شخصيّته من كلّ النواحي.
وقد ثار جدال كبير بين الباحثين وعلماء النفس حول كيفيّة بناء خلايا مخّية قويّة وسليمة منذ نعومة أظفار الأولاد، وعن كيفيّة اكتسابهم للخبرات المبكّرة، وهل لها آثار بعيدة المدى على شخصيّتهم وسلوكهم فيما يستقبل من أيّامهم، وهم يدعون إلى الاهتمام التام برعاية الطفل وتوجيهه كي يصبح أهلا لتعلّم تلك الخبرات ولتنميّة خلايا مخّه تنميّة متوازنة قويّة، وتكون من القوّة بحيث تصبح قادرة على استيعاب أكبر قدر ممكن من تلك الخبرات.
وتشمل الخبرات المبكّرة لدى الأولاد آثار ممارسات رعايته من حيث أسلوب تلبيّة حاجياته الأوّليّة، وطريقة التواصل والتفاعل معه من قبل الأبوين والأمّ خاصّة.
وقد توصّل خبراء التربيّة بأنّ كيفيّة تعليم الطفل تلك الخبرات والأساليب هي التي تحدّد النضج الدماغي لديه، كما أنّها هي التي تنمّي الذاكرة، وتجعلها تقوم بالعمليّات العقليّة المختلفة. (1/60)
صفحة 61
ولقد ثبت عند الباحثين النفسانيّين والاجتماعيّين أنّ للخبرات المبكّرة للأطفال آثار بعيدة المدى، وأنّ ذاكرتهم لا تزال في طور التكوّن والتشكّل، وذلك من خلال كثير من الدراسات والبحوث التي تناولت برامج علاجيّة لمراهقين وراشدين، حيث اتّضح لديهم بأنّ معظم اضطرابات الأطفال النفسيّة الانفعاليّة ومشكلات السلوك الناتجة عن عدم التكيّف الذي يعانون منه ترجع إلى خبرات مكتسبة خلال مرحلة الطفولة المبكّرة، حيث تكتسب هذه الخبرات المبكّرة بما يسمّى بالأثر النائم Sleeping effect الذي يظهر في مراحل لاحقة من حياة الفرد.
الأمّ والولد مسيرة حياة
إنّ بعض الأمّهات رائعات من حيث التكوين والاستعداد لاستقبال أولادهنّ، وما ذلك إلاّ لأنّهن قد تعلّمن الكثير ممّا يخصّ التربيّة الصحيحة للولد، بل حتّى فيما يخصّ الجنين، فتتحوّل الأمومة عندهنّ إلى هدف هام وراق، يؤدّين من أجله كلّ ما في استطاعتهنّ من جهود، فتصبح لديهن متعةً وسروراً، لأنّهن يعتقدن بأنّها واجب مقدّس يجب عليهن أن يؤدّينه بكلّ يقين ورضا.
وهناك من النساء من تتحوّل لديهن الأمومة إلى نوع من العذاب، يمتدّ من ذواتهنّ إلى أولادهن بواسطة المعاملة التي يعاملنهم بها، فتثمر نفوساً مشوّهةً ترى الحياة على أنّها عبارة عن تعب ومشّقة وعذاب.
لا أحد يشكّ بأنّ الأمّ هي الشخص الأقرب إلى الولد، والذي يتعرّف إليه ذلك المولود الجديد من عدّة نواحي، الناحية الغذائيّة والنفسيّة والعقليّة وكثير من الاهتمامات التي ينشأ الولد وهو يتعرّف عليها شيئاً فشيئاً.
واهتمامات الأمومة متعدّدة، منها اهتمام تغذيّة، وهدهدة وخاصّة عند ذهاب الولد إلى النوم، وهذه كلّها تشكلّ اتّصالات تعمّق معرفة الاثنين لبعضهما، ممّا يجعل الولد يعبّر عن مشاعره المتنوّعة، وبشكل فطري، وعبر سلوكات ظاهريّة، لا يدرك معناها سوى الأمّ المرافقة له في طريق نموّه منذ ولادته. (1/61)
صفحة 62
فكلّ أمّ مدعوّة لتتعرّف على ولدها معرفةً عميقةً وتامّةً، لأنّ ذلك سيعزّز ثقتها بنفسها ويؤكّد لها أنّها تستطيع أن تقدّم لوليدها أفضل ما عندها، ومعرفتها هذه تنطلق أصلاً من داخلها، أي من إحساساتها بأنّ ما تقوم به هو نتاج حبّها واحترامها لتلك الطفولة البريئة، والنفس الإنسانيّة الكريمة.
إنَّ الذي يحرك الأمّ للاهتمام بجنينها وولدها هو حبَّها أكثر ممّا يحركها عقلها، فكيف إذا كان يدفعها حبّها وعقلها معا، فهي بدافع الحبّ تقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس، بدافع الحبّ تقدم كلّ شيء، لذلك يؤكّد علماء النفس على فترة الحمل، ويرشدون الأهل والأقارب إلى أن يحدثوا في الأمّ الحامل قناعةً عقليّةً لترضى بذلك الحمل، وحبّاً ورغبةً في جنينها، لأنّ ذلك هو الذي سيدفعها إلى الاهتمام بولدها اهتماماً بالغاً.
إنّ ارتباط الولد الفطري بأمّه له أثره البالغ في بناء قواه التفكيريّة، وبناء هذا الجانب في هذا الكائن الضعيف هو بمنتهى الأهميّة، ومن الضروري والواجب أن تهتمّ به الأمّ اهتماماً بالغاً، لأنّ نموّ تلك القدرات الذهنيّة لدى الولد يرتبط بالمحيط الخارجي وتأثيراته المتنوّعة التي ينشأ فيها الولد.
الأمّ تقدّم حنانها مع لبنها
لقد أودع الله - سبحانه وتعالى - رحمة في قلوب الأمّهات، التي هي في الحقيقة جزء من مائة جزء من الرحمة التي أنزلها الله - عز وجل - إلى الأرض، كما يقول العلماء، فقد جعل الله - سبحانه وتعالى - ثدي الأمّ يسيل من نوع خاص، وفي حالات خاصّة.
وإذا كان اللبن الطبيعي يحمي الأمّ المرضع من كلّ هذه العوارض، فإنّ ذلك سيعينها إعانة إيجابيّة في تربية وليدها تربيّة إيجابيّة، فلا تصاب بالضغوط التي تشغلها عن التفرّغ الكامل للتربيّة الحسنة. (1/62)
صفحة 63
إنّ واقع تغذيّة الطفل الرضيع في غاية من الأهميّة من حيث تأمين المناخ الملائم واللازم للنموّ والتطوّر الطبيعيّين لمختلف قواه، ومن نتائج الاهتمام بالتغذيّة أن تهتمّ الأمّ بكيفيّة تقديم الثدي فتناغيه، وتداعبه، وتوجّه إليه مختلف الرسائل من الابتسام له، والنظر إليه، ومداعبته.
إنّ لمختلف الأنشطة المتبادلة بين الرضيع وأمّه خلال عمليّة مصّ الثدي أهميّة قصوى في تفعيل طاقات الولد الكامنة داخل نفسه، وتنميّتها، والتي يكون مزوّد بها منذ ولادته، ولكّنها تنتظر من ينمّيها ويطوّرها، وبذلك تؤمّن له حاجياته المعنويّة النفسيّة والعاطفيّة تأميناً تامّاً، ونتيجة لذلك ينشأ نشأة متكاملة متوازنة.
لقد قام خبير علم النفس {بياجيه} باختبارات حول إرضاع الأمّ لولدها، فوجد بعض المؤثّرات المهمّة التي تؤثّر على الرضيع تأثيراً إيجابيّاً. قال:
«تبتسم الأمّ للرضيع، فيردّ الابتسامة التي تفرح قلبها، فتبتسم من جديد، ويتوقّف الرضيع غالباً عن المصّ ليداعب بيديه وجه الأمّ الحاني عليه والمبتسم له، وهكذا دواليك، وهذه الرسائل المتبادلة بين الرضيع وأمّه تبدو بمنزلة العالم الأساسي المسؤول عن اكتساب عمليّة الرضاعة الأهميّة المذكورة أعلاه «.
وأظنّ أنّ مثل هذه المداعبات المتبادلة بين الأمّ ورضيعها تعتبر كمثيرات لخلايا مخّه، ممّا يجعلها تقوى أكثر وتتكاثر بسرعة، بتلك المثيرات، فيكتسب الولد مخّاً قويّاً، وكلّما قوي المخّ، قويت ذاكرة صاحبه، لذلك يجب على الأمّ أن لا تكفّ عن إثارة انتباه رضيعها بمثل تلك المثيرات التي لها الأثر البالغ والإيجابي في بناء عقل الولد، وتقويّته. (1/63)
صفحة 64
لذلك يقول علماء التربيّة النفسيّة إنّ تغذيّة الرضيع تعتبر عمليّة حسّاسة، فهي ليست مجرّد عمليّة لتغذيّته فحسب، بل لها تأثير أكبر فيما يستقبله من أيّام حياته، سواء من الجانب الإيجابي، أو السلبي، وسواء في الناحيّة الجسميّة، أو النفسيّة، أو في قواه العقليّة، لأنّ العطف والحنان الذي يتلقّاه الرضيع من أمّه في أثناء الرضاعة يكسبه رحمة في قلبه، تنعكس على علاقاته بمن حوله في مستقبل أيّامه.
ذكاء الطفل ترجمة لحنان أمّه
إنّ الفكرة التي تثبت إمكانيّة تعلّم الجنين وهو في بطن أمّه تنبني على إمكانيّة تقويم سلوك الوالدين وبناء شخصيّتهم بناءً جيّداً قبل وأثناء الحمل، فالمسؤوليّة ملقاة على الوالدين خاصّة الأمّ، لأنّ الجنين في الحقيقة يحيا في بطن أمّه حياةً بشريّةً خاصّةً، لذلك يجب أن توجّه الأمّ الحامل إلى أن تتعلّم وتطّلع على مثل هذه المعلومات في وقت مبكّر، والتي تؤكّد وجود ترابط بين مشاعرها ومشاعر جنينها.
لقد صدق الحكماء حين قالوا:
«إنّ تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عاماً، وذلك بتربيّة أمّه، فالأمّ هي المدرسة الحقيقيّة، وشخصيّة الأمّ تنعكس على شخصيّة الأبناء تلقائيّاً، فإذا كانت سويّةً، كانت شخصيّاتهم قويّة طيّبةً، أمّا إذا كانت غريبة الأطوار، فإنّ شخصيّاتهم ستصبح ضعيفةً معقّدةً «.
والحقائق العلميّة تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ شخصيّة الإنسان تتحدّد داخل الرحم، وهذا ليس بسبب العوامل الوراثيّة فقط، بل بسبب العوامل البيئيّة المحيطة بالأمّ الحامل، التي تؤثّر إيجاباً، أو سلباً على تكوين عقل وجسم ونفسيّة الجنين، وهي عوامل تنشأ من تعامل الوالدين مع بعضهما ومع ذلك المخلوق الضعيف الذي لا حول ولا قوّة له.
وجهل الأمّهات بتربيّة أولادهنّ قبل وبعد ولادتهم يجعل هؤلاء الأطفال ينشؤون نشأةً غير صحيحة، ويحيون حياةً فكريّةً غير طبيعيّة. (1/64)
صفحة 65
لقد أشارت دراسة من الدراسات إلى أنّه من بين 250 شخصاً يوجد أربع حالات فقط للذكاء الوراثي عن الأب، أو الأمّ، أمّا بقيّة الحالات فتلعب التربيّة فيها دوراً كبيراً.
يقول العالم النفساني السويسري "جان بياجيه":
«إنّ عقل الطفل يتميّز بالنشاط والإيجابيّة منذ الطفولة المبكّرة، فهو يجاهد منذ نعومة أظفاره لكي يفهم هذا العالم المعقّد الذي يجد نفسه فيه، وهو لا يعلم منه شيء «.
وفي إحدى تجاربه التي قام بها على مئات من الأطفال من ثقافات ومجتمعات متنوّعة، واجه أطفالاً صغاراً بإناءين أحدهما طويل وضيّق، والآخر متّسع وضحل العمق، وكلّ واحد يحتوي على نفس الكمّية من الماء، وقد اكتشف أنّ الأطفال كانوا يظنّون أنّ بالإناء الأطول كمّية أكثر من الماء عمّا يوجد في الإناء الأقصر المتّسع، ولا يمكن أن نجعلهم يغيّرون رأيهم هذا، مهما استخدمنا من وسائل لإيضاح غير ذلك.
وفي سنّ السادسة أو السابعة يحدث لنفس هؤلاء الأطفال أن يصلوا فجأة بشكل تلقائي إلى تكوين التصوّر القائل بأنّ حجم السائل لا علاقة له بشكل الإناء الذي يحتويه، ويتكوّن فيه الاعتقاد بأنّ حجمه يظلّ ثابتاً دون تغيير مهما تغيّر شكل الإناء.
وفي تجربة أخرى كان الأطفال حتّى سنّ الخامسة أو السادسة يعتقدون بأنّ عدد القطع النقديّة موضوعة فوق بعضها البعض تكون أقلّ منها هي نفسها حين تكون موضوعة في صفّ أفقي.
أمّا عند سنّ السابعة أو الثامنة فإنّ كلّ الأطفال تقريباً يفهمون أنّ عدد القطع لا يتغيّر بصرف النظر عن طريقة ترتيبها، وقد يكون لدى الطفل القدرة الفطريّة على فهم هذه القاعدة العقليّة الجديدة إلاّ أنّه لا يتعلّمها إلاّ من خلال التجربة الواقعيّة التي يقوم بها من الأفعال المتكرّرة، وما يمرّ به من خبرة. (1/65)
صفحة 66
ومن هنا نستطيع أن نقرّر بأنّ التجربة الواقعيّة في البيئة التي ينشأ فيها الولد لها الأثر الكبير في تقويّة عقله، وتعزيز تفكيره، فبقدر ما تكون بيئته غنيّة بالمؤثّرات التي تؤثّر في تفكيره يقوى عقله، وبقدر ما تنقص تلك التأثيرات تنقص قوّة عقله في الإبداع والابتكار.
إنّ العوامل الفطريّة الكامنة في كلّ كائن بشري تؤثّر فيها وتقوّيها الخبرة التي يمرّ بها داخل المحيط الذي يكبر فيه، والأمّ هي المسؤول الأوّل في جلب انتباه ولدلها نحو تلك الخبرات وتقويّتها في تفكيره كي تؤثّر فيه تأثيراً إيجابيّاً، فيتطوّر عقله بسرعة، ويتعلّم كثيراً من الخبرات التي تنمّي عقله، وتنوّع له تفكيره، وليس هناك شيء يقوّي العقل مثل تنوّع التفكير.
إنّ بذرة الذكاء تنمو وتتطوّر في النفس الإنسانيّة الصغيرة كما تنمو الشجرة الصغيرة، فالشجرة إذا وجدت من يرعاها ويمدّها بما تحتاج إليه من مختلف المواد والمؤثّرات والجوّ المناسب، فإنّها تزهو وتنمو وتكبر بكلّ قوّة فتؤتي ثمارها اليانعة الكثيرة الشهيّة، أمّا إذا أهملت، ولم تجد الجوّ المناسب لنموّها وكبرها، فإنّها تضعف وتفقد إنتاجها.
فالفلاّح الذي يجب أن يرعى بذرة الذكاء لدى الطفل هو الأمّ، فهي التي توفّر لمخّ وليدها المؤثّرات المناسبة ليستطيع أن ينمو نموّاً طبيعيّاً جيّداً، وقد سمّاه الدكتور {بياجيه} بالتطوّر الجنيني للذكاء، فكما أنّ الأمّ هي المسؤولة عن رعاية جنينها وهو في بطنها كي ينمو نموّاً طبيعيّاً متوازناً، فهي المسؤولة كذلك بعد ولادته على تهيئة الوسط المناسب لتنميّة عقله نموّاً جيّداً متكاملاً.
إنّ بإمكان الوالدين تكوين المخّ القويّ، كما يمكن لهما أن يعلّماه التفكير.
يقول العلماء:
«إنّ التفكير مهارة يمكن للمرء أن يتعلّمها «. (1/66)
صفحة 67
وأنا أقول بأنّ مهارة التفكير لا يمكن للمرء أن يتعلّمها إلاّ إذا كان يملك مخّاً قويّاً، والأمّ تستطيع بناء المخّ القويّ بتوفير بيئة ثريّة، وباجتماع المخّ القويّ والتفكير السليم يبني الذكاء الوقّاد، وكذلك بالتربيّة والاعتناء بالولد منذ أن يكون جنيناً إلى أن يصبح سويّاً في جسمه وعقله.
النوم ونموّ مخّ الولد
يقولون إنّ النوم سلطان، وهو سلطان طيّب يريح الأجساد، ويعيد ترميم النفوس، لكن السلاطين، حتّى الطيّبين منهم، لا يعدمون ما يعكّر صفو ممالكهم.
وقد اكتشف العلماء أنّ هناك إيقاعاً دائريّاً، أو دائريّاً Circadiam rhythm يحكم نشاط الإنسان من يقظة ونوم، بل ومن مختلف النشاطات الفسيولوجيّة الحيويّة.
والنوم الموزون المريح الصافي والكافي للرضّع والخالي من الاضطرابات مهمّ جدّاً، وضروري لصحّتهم العقليّة والنفسيّة والجسديّة، فهو يساعدهم لكي يستمرّ توازنهم الانفعالي والعاطفي بصفة جيّدة، كما أنّه يلعب كذلك دوراً أساسيّاً في صيانة خلاياهم العقليّة التي تتوالد بسرعة مذهلة في تلك الفترة المبكّرة من عمرهم، وهو من جهة أخرى يجعل الأعصاب المخّية التي تصل الخلايا بعضها ببعض تقوى، فتكوّن بذلك اتّصالات غير متناهيّة ممّا يجعل الذاكرة قويّةً.
إنّ ذلك الهدوء الذي يوفّره النوم للأعصاب المخّية، وللخلايا من جهة أخرى يجعل عمليّة التعلّم سهلة، لأنّه يلعب دوراً أساسيّاً في رعاية وظائف المخّ، كما أنّه يقوّي الجهاز المناعي لدى الولد، وهذا إضافة إلى تلك المناعة القويّة التي يكوّنها فيه لبن أمّه.
وقد توصّل العلماء في تجاربهم بأنّ عدم نوم الولد نوماً طبيعيّاً كافيّاً يخلّ بنموّه الطبيعي المتوازن، كما يضعف جهاز المناعة لديه، ويجعله أكثر عرضة للعدوى والالتهابات. (1/67)
صفحة 68
كما أنّ قلّة النوم تعرّضه للإصابة بالإرهاق البدني والذهني، وتجعل حالته البدنيّة والذهنيّة سيّئة، لذلك يجب على الأمّ وهي المسؤول الأوّل على الولد أن توفّر له نوماً هادئاً طبيعيّاً جيّداً في مكان فيه هواء نقيّ، خالي من الضوضاء والأصوات المزعجة، حتّى تضمن له نوماً هادئاً، ومن خلال ذلك نموّاً متوازناً لخلايا مخّه، لأنّ نوعيّة النوم لدى الولد أهمّ من مدّته.
والأطفال يحتاجون قبل خلودهم إلى النوم إلى من يداعبهم ويلاطفهم، ويحيطهم بالعطف والحنان والحبّ، كي يناموا نوماً هادئاً، وبنفس مسرورة منشرحة، وهذا هو النوم الذي يشبع نفوسهم، ويوفّر النموّ الجيّد لكلّ أجهزتهم، وبالأخصّ منها جهاز التفكير.
وسنبيّن ذلك في كتابنا: نصف ساعة لولدك قبل النوم.
إنّ توفير النوم الهادئ للطفل مسألة حيويّة، لأنّها تتعلّق ببناء الجهاز الحسّاس لديه، والذي سيحقّق له حياةً ناجحةً، إذا نما بصفة جيّدة، أو العكس لا قدّر الله.
إنّ بناء وتطوّر مخّ الإنسان يمرّ بمراحل متعدّدة خلال مراحل عمره من يوم يكون جنيناً إلى أن يصير شابّاً قويّاً، فكما أنّ هذا النموّ يتوقّف بدرجة كبيرة على التغذيّة التي يتحصّل عليها، كذلك يتوقّف نموّه على فترات النوم التي ينامها الولد والأمّ الحامل والمرضع.
فمخّ الطفل ينمو إلى قرابة 80% من وزنه وحجمه الأصلي خلال السنوات الثلاث الأولى، في حين أنّ نموّه الجسمي في نفس الفترة لا يتعدّى 20 % من الوزن الكلّي النهائي للجسم في مرحلة الرجولة.
والولد في هذه المرحلة لا يستطيع أن يميّز بين الليل والنهار، ولا يعبأ براحة والدته، أو مربّيته في الليل، فهو في الواقع ينام 17 ساعة، وقد ينام مدّة أطول في 24 ساعة. (1/68)
صفحة 69
وقد اكتشف العلماء بأنّ بعض المواليد يتعلّمون المحافظة على أوقات نومهم وهم في بطن أمّهاتهم، فمولود الأمّ التي كانت تشتغل في الليل أثناء الحمل يظلّ منتبهاً إلى ساعة متأخّرة من الليل، أمّا طفل الأمّ التي كانت تغادر فراشها مبكّراً، فإنّه يصحو من نومه في الساعة الأولى من الفجر.
وتعتبر فترات النوم التي يجب على المولود الجديد أن ينامها مرحلةً مهمّةً جدّاً في بناء خلايا مخّه، حيث أنّ نموّ تلك الخلايا يكون سريعاً أثناء استراحته في النوم.
والنوم الكافي في هذه الفترة من النموّ ضروري لتنمو الخلايا المخّية نموّاً متوازناً، ونظام توالد الخلايا ينشط أكثر في مرحلة النوم، وهو ضروريّ كذلك لإنعاش ذلك التوالد وتقويّة القدرات الذهنيّة لدى الولد.
وإذا كان النوم ضروريّاً لنموّ الخلايا الدماغيّة، فلا بدّ أن نشير إلى بعض النصائح التي تجعل الولد ينام نوماً جيّداً هادئاً.
ــ يختلف عدد ساعات النوم عند الأطفال حسب سنّهم، ومن طفل لآخر، كما أنّها قد تتفاوت عند نفس الطفل بين وقت وآخر، وذلك حسب حالته النفسيّة والصحّية، وقد وضع الأطبّاء أرقاماً تقريبيّةً لنوم الأطفال.
ــ خلال الستّة أشهر الأولى من العمر ينام الطفل من 16 إلى 20 ساعة في الأربعة والعشرين ساعة.
ــ خلال فترة من 6 إلى 12 شهراً ينام الطفل من 14 إلى 16 ساعة في اليوم.
ــ خلال الفترة من 12 إلى 24 شهراً ينام الطفل من 12 إلى 14 ساعة.
ــ ثمّ تنقص فترة النوم لديه تدريجيّاً بعد ذلك، ولكنّها لا تقلّ عن 10 ساعات خلال السنوات العشرة الأولى من عمره. (1/69)
صفحة 70
إنّ بعض الأطفال يخلدون بهدوء إلى النوم، والبعض الآخر وهم قلّة يكون عصبيّاً، فيكثر بكاؤه دون وجود سبب ظاهر، كأنّه في واقع الأمر لا يريد النوم، لذلك يجب أن تهتمّ الأمّ بتلك الفترة وتحاول أن تجعلها خاليّةً من أيّ إثارة أو استدعاء لانتباه الطفل، مثل مشاهدة التلفزيون، أو أصوات مزعجة، يضطرب منها، فينام نوماً غير هادئ، وغير مستقرّ.
هناك أسباب عديدة لقلق الأطفال في النوم نذكر منها:
ــ الجوع، وذلك لأنّ الجوع يدفع به إلى البكاء الشديد، وبذلك تتوتّر أعصابه، فلا تهدأ، لذلك لا يستطيع أن ينام نوماً هادئاً.
ــ المغص، نتيجة لعسر الهضم أو غيره، ممّا يسبّب القلق للولد وللأمّ معاً.
ــ تبوّل الولد، أو تبرّزه أثناء النوم والذي يؤدّي إلى تلوّث ملابسه، ولا يكفّ عن البكاء حتّى يتمّ تغيير ملابسه.
ــ كثرة الأغطيّة وخاصّة إذا كان الجوّ حارّاً نوعاً ما، كما أنّ قلّتها عند البرد يسبّب له كذلك القلق وعدم الاستسلام الجيّد للنوم.
ــ ارتفاع حرارة الولد لأسباب مرضيّة، وخاصّةً التهاب الأذن الذي يصاب به أغلبيّة الرضع.
ولابدّ للأمّ أن تراعي وضعيّة ولدها عند نومه، وتغيّرها من حين لآخر، حتّى لا يقلق بسبب نومه لفترة طويلة على وضعيّة واحدة، وكلّ ذلك من أجل أن نوفّر له نوماً مريحاً يجعل كلّ أجهزته تعمل بطريقة حسنة، مثل الرئتين التي توفّر للدم الأكسجين اللازم الذي يرسله بدوره إلى الخلايا المخّية فتجد حاجتها لتتكاثر بصفة متوازنة، كما أنّ القلب هو الذي يرسل الطاقة اللازمة لها لتعمل بصفة جيّدة.
* * *
الفصل الخامس
الثقافة الغذائيّة تبني المخّ القويّ
الثقافة الغذائيّة
تقول الحكمة: «يجب علينا أن نأكل لكي نعيش، لا أن نعيش لكي نأكل «.
ويقول {برناود شو}:
«لا يوجد حبّ أصدق من حبّ الطعام، ونحن نحفر قبورنا بأسناننا كلّ يوم «.
وهناك مثل يقول: (1/70)
صفحة 71
«تفاحة في اليوم تبعد عنك المرض وزيارة الأطبّاء، خير لك من أن تشبع رغباتك الغذائيّة، ثمّ تصبح بعد ذلك وبالاً على صحّتك «.
إنّ كثيراً من الناس يتسبّبون في ضعف أدمغتهم نتيجة جهلهم بالثقافة الغذائيّة، وعدم تناول بعض الأطعمة التي توفّر لهم العناصر الغذائيّة اللازمة لتغذيّة ذاكرتهم تغذيّةً صحيحةً كاملةً، وهناك العديد من الأمراض الشائعة المنتشرة تؤكّد ذلك، مثل السمنة والبدانة والنحافة وتصلّب الشرايين.
وإذا كانت ثقافة التغذيّة من الحلول الرئيسيّة والأساسيّة للحفاظ على قوّة العقل، والحدّ من النسيان، فعلى كلّ شخص أو طالب يريد المحافظة على ذاكرته أن يتّبع نظاماً متوازناً في تغذيّته، لا إفراط، ولا تفريط.
والإكثار من أكل الخضروات والفاكهة الطازجة، عادة مهمّة وفعّالة للصحّة العامّة للإنسان، وكذلك الخميرة لأنّه يوجد فيها [فيتامين ب]، وهي أخذ ملعقة كبيرة تذاب في كوب من الماء، وكذلك الإكثار من المأكولات البحريّة، ومحاولة التنوّع في الأكل، وعدم التركيز على نوع واحد، والابتعاد قدر الإمكان عن الأطعمة الجاهزة والمعلّبة لما فيها من أضرار بليغة على الجسم عامّةً وعلى الدماغ بصفة خاصّة، وهو يعتبر عضواً حسّاساً جدّاً في الجسم.
وتناول الأغذيّة قليلة الدسم يساعد على فتح الشرايين، ويحسّن من تدفّق الدم، وللإقلال من الدسم في الغذاء علينا الابتعاد قدر الإمكان عن تناول اللحوم الدسمة للأبقار والضأن، واستبدال الشحوم المشبّعة، مثل الزبد والسمن بزيوت غير مشبّعة، مثل الزيوت النباتيّة. (1/71)
صفحة 72
والله - سبحانه وتعالى - قد فرض علينا الصيام شهراً في العام لحكم بالغة، قد علم العلماء بعضاً منها، وما خفي عنهم كثير وكثير، والشيء الذي يؤسف له هو أنّ كثيراً من الناس يعتقدون أنّ للصيام آثاراً سلبيّةً على صحّتهم، وكلّ ذلك ناتج عن جهلهم بالثقافة الغذائيّة التي تبيّن أنّه يجب على كلّ إنسان أن يريح جهازه الهضمي من حين لآخر، حتّى يتخلّص من كثير من الرواسب التي تكون ضرراً بالغاً على صحّته، إذا بقيت داخل أجهزته المختلفة.
لقد أصبح كلّ الناس يظنّون بأنّ تناول ثلاث وجبات غذائيّة يوميّا هو أمر ضروري، وإذا تخلّفوا عن وجبة واحدة منها، فسيصابون بالضعف، وسيخلّف لهم أضراراً وأخطاراً، وكلّ هذا اعتقاد خاطئ ليس له أصل من الواقع ومن الصواب، بل قد نتج عن الجهل بطبيعة الصيام الإسلامي وفوائده المحقّقة.
إنّ الخبراء قد تحقّقوا من خلال تجاربهم بأنّ الصيام يقي الجسم من أخطار السموم المتراكمة في خلاياه، وبين أنسجته، وذلك نتيجة لتناول الكثير من الأطعمة من دون مراقبة، وخصوصاً المحفوظة منها والمصنّعة، وتناول الأدويّة لأدنى سبب من الأسباب، واستنشاق الهواء الملوّث بكثير من السموم.
والصيام يعالج الأمراض الناتجة عن السمنة، كمرض تصلّب الشرايين، وضغط الدم، وبعض أمراض القلب، ولا يخفى على أحد ما لهذه الحالات من الآثار السلبيّة على عمل المخّ، لأنّه يرتبط ارتباطاً مباشراً بصحّته، أو إصابة مثل هذه الشرايين.
والصيام ينشّط آليات الهضم والامتصاص في الجهاز الهضمي وملحقاته ويساعدها على أداء وظائفها على أتمّ وأكمل وجه، وذلك بعدم إدخال الطعام والشراب على الوجبة الغذائيّة أثناء هضمها وامتصاصها، كما يقضي على تأكسد الغذاء الذي هو السبب المباشر في تكوّن الشوارد الحرّة التي لها الأثر السلبي على خلايا المخّ. (1/72)
صفحة 73
إنّ الصيام يحدث توازناً نتروجينيّاً إيجابيّاً لتوازن استقلاب البروتين، والمخّ البشري، وخلايا الدم الحمراء، وخلايا الجهاز العصبي تعتمد كلّها على الغلوكوز للحصول على الطاقة.
كما يتيح الصيام راحةً فيزيولوجيّةً للجهاز الهضمي وملحقاته، لأنّه يمكّن جهاز الامتصاص من الاستراحة طوال فترة من الزمن، ويمكّن الأمعاء من الاستراحة لفترة من الوقت من عملها المتواصل، وهذه الآلية تنظّفها من كثير من الرواسب التي تعتبر خطراً على أجهزة الجسم.
والصيام يمكّن الغدد الصمّاء ذات العلاقة المباشرة بعمليّات الاستقلاب في الفترة التي تعقب عمليّة الامتصاص، من أداء وظائفها بشكل متوازن، وإفراز هرموناتها الحيويّة على أتمّ حال، ونتيجة لذلك يحصل توازن بين الهرمونات المتضادّة في عمل مختلف أجهزة الجسم، مثل هرموني النموّ والأنسولين، والذي يتوقّف على توازنهما الدقيق تركيز الأحماض الأمينيّة في الدم وتوازن الاستقلاب.
الغذاء الصحّي
لقد أجرى الباحثون في المركز القومي الأمريكي للوقاية من الأمراض المزمنة وتطوير الصحّة في منتصف التسعينات من القرن العشرين استفتاءً ضمّ أكثر من 107 ألف شخص بين رجل وسيّدة في 49 ولاية.
وكانت نتيجة التجربة أن معظم هؤلاء الأشخاص لم تكن لديهم أدنى فكرة عن كيفيّة اتّباع النظام الصحّي للغذاء، وكان لديهم القليل من المعرفة بشأن الرياضة وشبه جهل تامّ بالعلاقة المثمرة النافعة التي تربط بين الغذاء السليم والرياضة الجيّدة.
لقد كان 35% من الرجال و 40 % من النساء الذين كانوا يسعون لإنقاص أوزانهم يجهلون تماما عدد السعرات الحراريّة التي يستهلكونها يوميّاً والمحتوى الغذائي لطعامهم.
كانوا لا يعرفون العلاقة التي تربط بين التغذيّة والرياضة وأثر ذلك في بناء القوّة الجسديّة والعقليّة. (1/73)
صفحة 74
والغذاء الصحّي هو الذي يحتوي على السكر الطبيعي الذي يحتاجه العقل ليحافظ على قوّته وعمله بشكل جيّد ومتواصل دون فقد قوّة أعصابه وخلاياه، وهذا يعني تناول سكّر الفاكهة والخضروات الذي يحتوي أيضا على فيتامينات وأملاح معدنيّة لازمة للجسم وعمل التمثيل الغذائي الخاصّ بالسكّر.
والسكّر المكرّر لا يحتوي على العناصر الغذائيّة اللازمة للقيام بالتمثيل الغذائي الخاصّ به، ولكي يتمكّن الجسم من استخدام هذا السكّر، يجب أن يسلب نفسه فيتامينات ـ ب، والسكّر المعالج سوف يمنح الأجهزة الجسميّة المختلفة دفعة مؤقّتة من الطاقة، متبوعة بفقدان للطاقة يفوق ما منحه إيّاها السكّر الطبيعي.
هذا هو سبب شعور المفرطين في تناول السكّر بالفتور والخمول بعد فترة وجيزة من التهامه، كما أنّه هو السبب في تلك الدفعة العالية المؤقّتة التي يشعر بها البطل الرياضي بعد تناول كميّة منه، والتي يعقبها مباشرة انتكاسة وتدهور في مستوى أدائه.
إنّ تناول الأطعمة التي تحتوي على مضادات التأكسد مثل الفاكهة والخضروات، يمكن أن تساعد الذين يتناولون كثيراً من السكّريات، فتجنّبهم ما تلحقه لهم من تلف بخلايا المخّ.
لقد اكتشف الخبراء بأنّ خلايا أجسامنا تتعرّض بشكل مستمّر إلى هجوم من قبل الجذور الطليقة المشحونة كهربائيّاً، ويطلقون على هذه النوبات من الهجوم اسم الضغوط المؤكسدة، ومن الممكن أن تفقد الخلايا بنيتها ووظيفتها، ثمّ بعد ذلك تدمّر المادّة الوراثيّة في الخلايا التي تعرف باسم DNA أو الحمض النووي.
كما أنّ تعرّض خلايا المخّ لنفس هذه الضغوط المؤكسدة، وتدمير الحمض النووي يعجّل بشيخوخته، ويفتح المجال لأمراض الشيخوخة. (1/74)
صفحة 75
إنّ الشخص الذي تنخفض لديه نسبة الفيتامينات المضادة للتأكسد يصاب بتراجع في القدرات الخاصّة بالذاكرة، وتشير الدراسات إلى أنّ الشخص الذي يتناول فيتامينات ج، C و هـ، E المضادّة للتأكسد عن طريق المكمّلات يتمتّع بقدرات أفضل خاصّة في الذاكرة، ويكون أقلّ عرضة لأمراض شيخوخة المخّ.
كما يعتبر العلماء بأنّ الفيتامينات المضادّة للتأكسد تؤمّن صحّة خلايا المخّ وحمايتها من أثر الجذور الطليقة التي تتعرّض لها يوميّاً، لأنّهم توصّلوا إلى أنّ تلك المواد الطبيعيّة المضادّة للتأكسد في الطعام الذي نتناوله يقوّي من أداء وظائف الدماغ.
تقول الحكمة:
كلّ بذكاء، تكن أكثر ذكاء.
الغذاء وحاصل الذكاء
لقد أصبح الطعام الهدف الرئيسي لإنسان هذا العصر، حيث أصبح الحديث عنه في كلّ مكان، في وسائل الإعلام في الجرائد وفي الكتب التي تتحدّث عن الكيفيّات المتعدّدة لإعداده، كما كثرت الإعلانات في مجال المواد الغذائيّة إلى درجة كبيرة واسعة وأصبح تناوله من أكبر مصادر المتعة لدى أغلبيّة الناس، كما صار الطعام ونوعيّته من أهمّ النقاط التي يهتمّ بها الناس في مختلف المناسبات الاجتماعيّة.
إنّ الطعام الذي نتناوله يمكن أن يكون وسيلةً لحماية فعليّة لخلايا أدمغتنا، كما يمكن أن يكون أحد عوامل زيادة قوّة الذاكرة، ولقد أثبتت التجارب العلميّة بما لا يدع مجالا للشكّ بأنّ للغذاء تأثيراً عميقاً مباشراً على شيخوخة المخّ، وأنّه يحافظ على شبابه.
قاعدة:
إنّ كلّ ما هو صحّي للقلب والجسم، سوف يسهم
بدوره في لياقة المخّ.
وقد توصّلت الأبحاث الغذائيّة في كثير من جامعات العالم إلى إثبات أنّ تلك الطبقات الدهنيّة التي تحيط بمنطقة البطن لدى الكثيرين من الناس، ما هي في الواقع إلاّ أكثر التراكمات الدهنيّة ضرراً للجسم، فهي تفرز هرمونات تعمل على إثارة الالتهاب الذي يعتقد أنّه يعمل على إصابة المخّ بالشيخوخة. (1/75)
صفحة 76
وقد ذكرت إحدى الصحف أنّ نسبة زيادة الوزن والبدانة لم تصل فقط إلى 60% بين الكبار، وإنّما امتدّت لتشمل ربع طلبة المدارس الثانويّة الذين أصيبوا بالفعل بالبدانة، أو مهدّدين بالإصابة بها، وهذا ممّا يسبّب تراجع نسبة الذكاء لديهم.
لقد ركّزت الدراسات المختلفة على نسبة الدهون التي يجب أن يتناولها الشخص وشكل هذه الدهون، وفي الفترة الأخيرة عمد الكثيرون إلى التحوّل إلى الغذاء منخفض الدهون، أو الخالي تماماً منها، ووجدوا أنّ تقليل محتوى الدهون في غذائنا سوف يجعلنا نفتقد منها المذاق الجيّد، ممّا سيدفعنا إلى الاستعاضة عنه بالسكّر، لذلك تشير الدراسات التي أجريت بأنّه رغم زيادة عدد الأطعمة الخالية من الدهون، فقد زادت نسبة البدانة.
ومن أجل ذلك فقد أصبحت معظم الهيئات الغذائيّة اليوم تركّز على نوعيّة الدهون التي يجب أن يحتوي عليها الغذاء، حيث ترشد إلى أهميّة تناول كميّات من الدهون الصحّية التي يحتوي معظمها على فئة الأحماض الدهنيّة أوميجاـ 3، كما يرشد الأطبّاء إلى تناول كميّة كافية من الأسماك لضمان الحصول على قدر كاف من دهون أوميجا ـ 3 المنشّطة للمخّ.
وقد أجرى كلّ من الدكتور {براين وانسينك} والدكتور {لورانس لندر} من جامعة إيلينوي دراسة في مطعمين إيطاليّين، وذلك باستخدام كاميرا خفيّة على مدى أمسيّات متعدّدة، راقبا فيها ما يزيد على 300 شخص أثناء تناولهم العشاء ممّن كانوا يتناولون إمّا الخبز الإيطالي المقدّم مع طبق من زيت الزيتون، أو مع الزبد بنفس الكمّية.
لقد اختار العالمان بعض الأشخاص بشكل عشوائي لتناول زيت الزيتون بإضافة كمّية من زيت الزيتون على الخبز تفوق قطعة الزبد على الخبز بنسبة 62%، ومع ذلك تناولوا كمّية من الخبز تصل في الإجمالي إلى 23% أقلّ من المجموعة التي تناولت الزبد. (1/76)
صفحة 77
لقد استهلك متناولوا الزيت عدد سعرات حراريّة يقلّ في المتوسّط عن مجموعة الزبد بـ 230 سعرة، لأنّهم تناولوا نسبة أقلّ من الخبز، ولأنّ زيت الزيتون يمنح إحساساً أكبر بالشبع ممّا يساعد على تناول كمّية أقلّ من الخبز، فضلاً عن أنّه يساعد على إشباع الشهيّة والحدّ من الشره فهو مفيد لصحّة المخّ، وعدم شيخوخته.
يجب أن تمثّل الخضروات القاعدة الأساسيّة لأيّ طعام صحّي، لأنّها غنيّة بالعناصر الغذائيّة، وتحتوي على كميّات وفيرة من الألياف اللازمة لتنقيّة الجهاز الهضمي والحفاظ على صحّته العضليّة ومرونته، ومن ميزاتها الأساسيّة أنّها سهلة وسريعة الهضم، فهي إذن لا تتعب الجهاز الهضمي، كما يرشد العلماء إلى تناول الفاكهة قدر المستطاع ضمن النظام الغذائي المتوازن.
وقد أجرى الدكتور {جلاديز بلوك} من جامعة كاليفورنيا في بريكلي مؤخّراً دراسةً ضخمةً شملت مجموعةً كبيرةً من الأشخاص فيما يخصّ النظام الغذائي الذي يتّبعونه، فجاءت النتائج واضحةً تماماً، وهي أنّ الذين كانوا يواظبون على الإكثار من تناول الخضروات والفاكهة بمعدّل يفوق المتوسّط، قلّت فرص إصابتهم بنطاق واسع من أنواع السرطان أربع مرّات عن غيرهم، بما في ذلك سرطان الثدي والرئة والقولون، كما أنّهم كانوا أقلّ إصابة بمرض القلب.
وفي دراسة أخرى امتدّت على مدى 10 سنوات، وجد أنّ النباتيين كانوا أقلّ إصابة من غيرهم بنسبة 24% بأمراض القلب بما في ذلك النوبات القلبيّة.
كما يرشد الخبراء إلى الاعتماد على الأغذيّة الطبيعيّة قدر الإمكان، لأنّها لا تتعب الجهاز الهضمي، وتجنّب الأطعمة المعالجة والمصنّعة قدر الإمكان، لأنّ هضمها يتعب الجهاز الهضمي، كما أنّها قد تحتوي على عناصر ضارّة للصحّة العامّة. (1/77)
صفحة 78
ويفترض {كراوفورد} أنّ تطوّر الذكاء والعبقريّة البشريّة يرجع بشكل أساسي إلى توفّر العناصر الغذائيّة الأساسيّة في المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وخاصّة عند الأمّ الحامل، ثمّ بعد ذلك في المراحل الأولى لنمو جسم الولد.
وبينما نتقدّم في العمر، يميل جسدنا إلى إنتاج مزيد من الشوارد الحرّة، التي تنتج من سوء احتراق الأغذيّة التي نتناولها، وقليل من مضادّات التأكسد، فيميل الميزان تجاه التراجع العقلي والجسدي، والإبطاء في إنتاج مضادّات التأكسد يبدأ في الحدوث حول سنّ الخامسة والعشرين، ويفسّر ذلك أهمّية الحصول على مزيد من مضادّات التأكسد أثناء التقدّم في العمر لأجل الاحتفاظ باتّزان الشباب.
أولاد جياع = مخاخ ضعيفة
إنّ نقص الغذاء سواء للحامل في فترة الحمل، أو للمرضع وقت إرضاعها، أو بعد ذلك في المراحل الأولى للولد ليست مشكلات مرحليّة مؤقّتة تنتهي بانتهاء تلك الفترة، بل لها تأثير على البناء العامّ والمقدرة الذهنيّة، والقدرة الاستيعابيّة والتعلّميّة في مراحل العمر اللاحقة، فالنتيجة كما يقول الخبراء:
«أطفال جياع يساوي ذكاءً محدوداً، اليوم وغداً وبعد غد «.
إنّ سوء التغذيّة ونقص كميّاتها بالنسبة للأطفال الذين هم زهور نباتات المستقبل وشبابه وأمله، ينتج عنها أثرين.
أوّلهما: على مستوى البيئة التي تتمثّل في الصحّة البيولوجيّة، والنموّ العقلي وملكة الإبداع.
الثاني: الأمن الاجتماعي الذي يتمثّل في التعاطف مع الغير، والتواصل مع البيئة الخارجيّة. (1/78)
صفحة 79
لقد قام الخبراء بتجارب على فئران صغيرة تمّ فطامها بعد ثلاثة أسابيع من ولادتها، وتمّ تعريضها للجوع لفترة زمنيّة قصيرة، فإذا بخلايا أدمغتها تتقلّص بشكل حادّ، وقد أطعمها العلماء بعدها وجبات مكثّفة لفترة طويلة، تحتوي على كلّ المواد الغذائيّة والفيتامينات والأملاح، وتحت إشراف علمي وطبّي متواصل ومكثّف، لكن وجدوا أنّ الوقت لم يكن في صالحها، لأنّ أجسامها لم تستطع تجاوز الخطر، وبقيت مخاها أصغر حجما ممّا كان من قبل، ولم تستطع تجاوز منطقة الخطر.
لقد استنتج الخبراء من هذه التجربة وغيرها أنّ المخّ هو أكثر أجزاء جسم الكائن الحيّ تأثّراً بالجوع، أو الحرمان.
والشيء الخطير الذي توصّل إليه العلماء وأثبتوه بما لا يدع مجالاً للشكّ هو أنّ الخلل ليس في حجم المخّ فقط، بقدر ما هو في سوء توزيع الخلايا العصبيّة في منطقة حسّاسة منه.
والشيء الأخطر من كلّ ذلك هو ما توصّل إليه علماء من المكسيك وبعض دول أمريكا اللاتينيّة من أنّ الخطر لا يتوقّف لدى ذلك الجيل الأوّل الذي نشأ في حالة من الجوع، وقدرته على حلّ مشكلات حياته اليوميّة، إذ أنّ أثر الجوع يختفي فجأة، وكأنّه لم يحدث جوع ولا حرمان، لكن بعد أن تابع العلماء دراستهم على أبناء وأحفاد ذلك الجيل الذي نشأ في حالة من الجوع وجدوا فيه هو كذلك حالةً من الهبوط الحادّ في نسبة ذكائهم، رغم إمدادهم بوجبات صحيّة متكاملة من حيث العناصر الأساسيّة، ممّا دفع علماء أكاديميّة الغذاء والتغذيّة في تشيكوسلوفاكيا فور اطلاّعهم على بحوث أقرانهم بأمريكا اللاتينيّة إلى محاولة فهم المؤثّرات المباشرة للجوع على الجيل الصاعد وآثارها اللاحقة في إطار دراسة تعتبر من أعظم وأروع الدراسات التي جرت في الدول الشرقيّة عن آثار الجوع والحرمان. (1/79)
صفحة 80
فبدأ علماء تشيكوسلوفاكيا إجراء تجارب مكثّفة على فئران عديدة، وضعوها تحت مراقبة مشدّدة على مرأى عيون العلماء وفوق مشارح المخابر قرابة سنة كاملة، جرى خلالها وضع نظام تغذيّة خاصّ لبعضها وحرمان بعضها الآخر، وتنشيط البعض منها، وإهمال الأخرى، ووضع مجموعة في إطار حياة جماعيّة، وحرمان مجموعة أخرى من عوامل البيئة الخارجيّة المناسبة، وكانت تجارب معقّدة وطريفة في آن واحد، فأكّدت لهم قانوناً طبيعيّاً من أروع القوانين، وهو أنّ كلاًّ من البيئة الصالحة والغذاء المتكامل ضروريّ وأساسيّ لضمان نموّ خلايا المخّ لدى الكائنات الحيّة كلّها.
سعرات معتدلة= مخّ أقوى
لقد اتّفق الخبراء بعد التجارب الكثيرة التي قاموا بها على عمليّات الهضم، وتأثيرها على قوّة أداء الدماغ، أو ضعف أدائه، أنّ أحد الأسباب الأساسيّة لضعف أداء المخّ هو سوء الهضم.
فعندما نتناول وجبةًَ دسمةً، فإنّ طاقة الجسم تنصرف إلى هضم تلك الوجبة التي بعثنا بها إليه، فيظلّ مستيقظاً ومنهكاً من أجل ذلك، لأنّ أكثر من 80% من الدم يتّجه إلى المعدّة لمساعدتها على الهضم، وإذا داوم الشخص على تناول مثل تلك الوجبات ثلاث مرّات في اليوم، فإّنه يحرم عقله من الكميّات الكافيّة من الدم، الذي سيوسّع شرايينه وأعصابه، ليصبح أداء وظيفته أحسن، لأنّه كلّما كانت الشرايين المخّية أكثر استيعاباً للدم، يصبح المخّ أكثر قوّةً.
إنّ كلّ الخبراء المختصّين بالتغذيّة أثبتوا أنّ الإسراف في الطعام يشكّل عبئاً لا تتحمّله مختلف أجهزة الجسم، وخاصّة القلب والعقل، وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال:
«ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه «.
وكلّنا يحفظ الحكمة القائلة: «البطنة تذهب الفطنة «. (1/80)
صفحة 81
وقد توّصل علماء الذاكرة بتجاربهم المتعدّدة إلى أنّ الإفراط في تناول الأطعمة الدسمة، التي تعطي أجهزة الجسم سعرات حراريّة زائدة تؤذي الجسم، وهكذا، فكلّما زادت السعرات الحراريّة زاد تلف المخّ مع التقدّم في العمر.
يقول عالم الأعصاب الدكتور {مارك ماتسون} باحث في الحالات التي يصل إليها المخّ:
«إنّ وباء السمنة قد يصير وباء انحلال مخّي خلال السنوات القادمة «.
قاعدة:
إنّ أخذ سعرات حراريّة معتدلة هي أفضل الوسائل
فعاليّة لأجل حماية المخّ.
ويقول {ساندرز براون}: باحث علوم المخّ فيما يخصّ الشيخوخة:
«إنّ هناك أدلّةً قاطعةً على أنّ خفض السعرات الحراريّة تساعد في صدّ التلف اليومي الذي تتعرّض له الخلايا العصبيّة بالمخّ الطبيعي، والذي يتراكم على مدار السنين ليظهر في صورة أمراض ضمور أو انحلال مخّي، أو يصيب المخاخ التي تكون قد أصيبت بمرض، فيزيدها تدهوراً «.
قاعدة:
إنّ تناول الطعام بالقدر اللازم يطيل عمر خلايا المخّ
إنّ أحد تفاسير ذلك هو أنّه كلّما زاد الإنسان استهلاك مواد غذائيّة أكثر، يلزمه حرق كميّة من الأكسجين أكثر، وكلّما كان حرق كميّة الأكسجين أكثر، كلّما زاد توليد شوارد حرّة أكثر، وكلّما استهلكت خلايا الجسم مزيداً من السعرات الحراريّة، ترتّب عن ذلك توليد مزيد من الشوارد الحرّة، فتصيب مختلف الخلايا الجسميّة بالتلف، وخاصّة الخلايا العصبيّة في المخّ، ولكن لماذا يا ترى؟
ذلك لأنّ الخلايا المخّية ذات حساسيّة كبيرة، وهي تتأثّر أكثر من الخلايا الأخرى التي يتركّب منها الجسم، لأنّها خلايا ذهنيّة.
ومن ناحيّة أخرى فإنّ تناول كميّة أقلّ من الغذاء يؤدّي إلى إنتاج وسائل دفاعيّة داخليّة أقوى مضادة للأكسدة، وأكثر لإبطال عمل الشوارد الحرّة. (1/81)
صفحة 82
إنّ الإفراط في تناول الطعام يضعف خلايا المخّ، جاعلاً إيّاها عرضة للتلف، وعلى العكس فتناول طعام متوازن كاف يدعّم الخلايا العصبيّة، ويجعلها أعظم قوّة، وأقدر على مقاومة التلف، وقد توصّل الخبراء في مختلف تجاربهم إلى أنّ الحيوانات المخبريّة التي كانت أقلّ استهلاكاً للطعام، كانت أقلّ عرضة إلى الإصابة بأعراض التلف العصبي المميّزة للأمراض المخّية الانحلاليّة.
وفي التجارب المخبريّة أظهرت الفئران التي تأكل كيفما تشاء فقداناً حادّاً بالذاكرة، وذلك على عكس التي نظّم لها غذاؤها بشكل متوازن.
قاعدة:
حرق مزيد من السعرات، يضعف مقاومة خلايا المخّ
ويعجّل شيخوختها
يقول الدكتور {ماتسون}:
«إنّ الجوع الخفيف والحدّ من السعرات الحراريّة قد يعرّض خلايا المخّ لضغوط، تجعلها تصبح أكثر قوّةً ومقاومةً، ويقول بأنّ الأمر أشبه بأنّه كلّما استخدمنا عضلاتنا، صارت أكثر قوّةً ومقاومةً للتلف، وينطبق نفس الأمر على الخلايا العصبيّة.
ويفترض {ماتسون} بأنّه كلّما تعرّضت الخلايا العصبيّة للضغوط، تنشط جينات خاصّة لزيادة مستويات عامل النموّ بالمخّ، فتصبح الخلايا أكثر مقاومة لضربات الشوارد الحرّة المسؤولة عن انحلال المخّ.
وهو يبحث الآن في توفير عقاقير طبيّة لأجل أن يكون لها نفس تأثير وظيفة السعرات، لكن دون معاناة.
قاعدة:
إنّ كلّ سعر حراري نتحاشاه، ولا يحرقه جسدنا،
يعني شوارد حرّة أقلّ تهاجم خلايا مخّنا.
ولقد صدق الله - سبحانه وتعالى - حين أرشدنا إلى الاقتصاد في أكلنا وشرابنا:
- {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ... [الأعراف ـ 31] (1/82)
صفحة 83
والرسول - صلى الله عليه وسلم - في عدّة من أحاديثه يأمرنا أن نأكل بقدر ما نسدّ جوعنا، ولا ندخل الطعام على الطعام، وأن نترك الوقت الكافي لجهاز الهضم ليهضم الغذاء الذي نتناوله، كي نحارب التأكسد الذي تتركه بقايا الطعام غير المهضومة جيّداً، وكلّ ذلك يعتبر من حكمته التي وهبها له ربّ العالمين، كما أمرنا بصيام شهر رمضان، وصوم يومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، حتّى نوفّر لأجهزة الجسم الوقت والراحة الكافيين ليحرق التأكسدات التي تتركها كثرة الأطعمة، وبذلك نقضي، أو ننقص من الشوارد الحرّة التي تتجوّل في كامل أجهزة جسمنا، فتضرّها، وخاصّة خلايا المخّ التي هي أكثر حساسيّة وتأثّراً. وقد قال رسولنا محمّد ــ - صلى الله عليه وسلم - ــ: (1)
«ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه «
وقد كثرت الحكم في هذا المجال، نظراً لأنّ ذلك يؤثّر تأثيراً مباشرا على ذاكرة الإنسان وتفكيره.
ومنها قول {لقمان الحكيم} لابنه:
«يا بني إذا امتلأت المعدّة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة «.
وكذلك ورد عن الطبيب الشيخ {ابن سينا}:
«من اكتفى دون الشبع، حسن اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ــ أي عقله ــ ومن تناول من الطعام فوق حاجته أضرّ ببدنه، وتأثّرت نفسه، وقسا قلبه، فإيّاكم وفضول الطعام، فإنّه يسمّم القلب بالقسوة، ويبطئ الجوارح عن الطاعة، ويصمّ الأذن عن السماع للموعظة «.
السكّر الزائد يدمّر خلايا المخّ
لقد توصّل الخبراء بعد عدّة بحوث وتجارب إلى أنّ سبب ضعف عقول بعض الناس يرجع إلى تأثّر خلايا المخّ بالسكّر الزائد في دمهم، وذلك راجع إلى مواظبتهم على تناول كمّيات كبيرة من السكّريات البسيطة التي تؤدّي إلى ارتفاع الـ AGEs المدمّرة.
__________
(1) أخرجه الترمذي وابن ماجه. (1/83)
صفحة 84
لقد تبيّن للدكتور {روجر بي} بجامعة كاليفورنيا في تجربة أجراها على فئران أنّ إطعام تلك الفئران السكروز (سكّر المائدة المعتاد) في كامل حياتها قد قصّر لها أعمارها، وذلك بعكس الفئران التي أطعمت نفس السعرات الحراريّة في هيئة كربوهيدرات نشويّة، وبعد أن بحث جيّداً ليعلم السبب الحقيقي، وجد أنّ الإفراط في تناول السكروز قد أدّى إلى خلق مزيد من الـ AGEs ولاحظ في الواقع أنّ سبب ذلك هو زيادة استهلاك السكروز، وليس ارتفاع مستويات جلوكوز الدم.
وفي دراسة أخرى على حيوانات تجارب، اكتشف باحثون أنّ الإسراف في تناول الفركتوز قد يكون أكثر ضرراً من تناول السكروز أو الجلوكوز.
وفي دراسة أخرى حديثة عانت الفئران التي أطعمت الفركتوز أشدّ تلف أحدثه تفاعل البروتين والسكّر مقارنة بالتي أطعمت طعاماً غنيّ بالسكروز أو الجلوكوز.
وقد وجد الخبراء أنّ الفركتوز يوجد في شراب الذرّة بنسبة عاليّة والذي يستخدم في الأطعمة المعالجة، كما يستخدم لتحليّة المشروبات الغازيّة، ويكفي ذلك لإتاحة الفرصة أمام الفركتوز ليصل إلى خلايا مخّ الإنسان، خاصّة الشباب، وخلايا المخّ شديدة الحساسيّة، وهي لم تخلق كي تتحمّل ذلك الإسراف المزمن في تناول الأطعمة السكّرية الحديثة، لأنّ تناول تلك السكّريّات يصيب المخّ بالدمار.
كما أنّ تناول الأطفال للسكّريات بكثرة وإلى حدّ الإسراف قد يسبّب لهم تدهوراً في معدّلات الذكاء، مع تحقيق نتائج دراسيّة أقلّ، وتعرّضهم لمزيد من الاضطرابات المزاجيّة. (1/84)
صفحة 85
وكان سبب الاضطرابات المزاجيّة لدى الأطفال هو عدم تناولهم للأطعمة التي تمدّهم بالطاقة اللازمة لتغذيّة خلايا أمخاخهم وتنشيط أعصابها، وقد يسبّب تناول السكّر بدرجات كبيرة تراكم الشوارد الحرّة داخل أجهزة الدماغ، ويسمّيها بعض العلماء بالجذور الطليقة، ممّا يسبّب ضعف تواصل الخلايا الدماغيّة، لأنّ تلك الشوارد تضعف إنتاج الهرمونات التي تؤثّر في الخلايا، وتعطي لها الطاقة الكافية لعملها بنشاط وحرّية.
وقد اعتبر العلماء أنّ تلك الشوارد مواد سامّة تعمل على تدمير خلايا الدماغ، وإتلافها، لأنّها تنتج عن عمليّات تأكسد المواد الغذائيّة التي نتناولها، والتي لا تستهلك من طرف أجهزة الجسم بطريقة كاملة، لذلك تبقى طليقة، فسمّاها العلماء بالشوارد الطليقة.
ويعدّ المخّ أكثر الأجهزة الجسميّة عرضة للإصابة من أثر الشوارد الحرّة المدمّرة التي تصول وتجول في وسط الجسد، متلفة خلايا المخّ ومسبّبة له حدوث الشيخوخة المبكّرة، واعتلاله وذلك لعدّة أسباب منها:
ــ أنّه عضو مفرط النشاط، لا يكفّ أبداً عن العمل، ونتيجةً لذلك تحتاج خلاياه مدداً متواصلاً من الدم والأكسجين لإنتاج الطاقة، ممّا يشجّع إنتاج الشوارد الحرّة.
ــ أنّ 50% من تركيب المخّ هو مادة دهنيّة، فهو بذلك أكثر عرضةً لأثر تأكسد الدهون.
ــ المخّ على وجه الخصوص أكثر قابليّة للتلف بأثر الشوارد الحرّة، إذ تعوزه نسبيّاً مضادات التأكسد.
إنّ كثيراً من الأطفال يصابون بداء ضعف الانتباه بسبب إسرافهم في تناول السكّريات، وقد أظهرت بعض الصور التي أخذت لأدمغتهم عجزها عن حرق الجلوكوز الموجود في تلك السكّريات. (1/85)
صفحة 86
كما يؤدّي الإسراف في تناول السكّريات البسيطة كالتي توجد في المشروبات الغازيّة وغيرها من الأطعمة المعالجة إلى تلف الخلايا، وهذا التلف يرقى إلى تلف الأعصاب إذا ما داوم الإنسان على تناولها، وقد حذّر الخبراء من الإسراف الزائد في تناولها، لأنّ ذلك ربّما قد يؤدّي إلى ضمور المخّ.
لذلك يجب على الوالدين أن يراقبا أولادهما عند تناولهم السكّريّات التي لا تستطيع الأنزيمات الهضميّة أن تحوّلها تحويلاً كاملاً، ونتيجةً لذلك تبقى بعض الشوارد تتجوّل في الدم، فتصل إلى المخّ بكثرة، لأنّه يستهلك طاقةً كبيرةً يحملها إليه الدم، فتعيث فيه فساداً وتدميراً، وتسبّب ضعف خلايا المخّ.
كما يجب على كلّ إنسان في مختلف مراحل عمره أن يحتفظ بمستويات سكّر الدم، لأجل حفظ وظائف مخّه، وليتحصّل على مزاج أفضل، وانتباه أعلى، وأفضل طريقة تضمن ذلك هي تناول الأطعمة المختلفة بنظام يتّفق مع متطلّبات نشاط المخّ، مع تجنّب الأطعمة المعالجة قدر الإمكان، وعدم الإكثار من المشروبات الغازيّة المحلاّة بالسكّر، لأنّ الأطعمة متوازنة السكّر تجعل مستويات سكّر الدم ترتفع تدريجيّاً، ليصبح رهن حاجة المخّ بثبات، وبغير تدبدب.
مشكلة معالجة السكّر وضعف الذاكرة
لقد استنتج الخبراء أنّه بعد تناول أيّ وجبة غذائيّة، فإنّ معدّل السكّر يزيد في الدم، ممّا ينشّط البنكرياس، ويدفعه إلى إنتاج الأنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن دفع الجلوكوز إلى الخلايا، حيث يكون الجسم في حاجة إليها لإمداده بالطاقة.
وبعض أنواع الكربوهيدرات تسبّب ارتفاعاً حادّاً في سكّر الدم، ممّا يجهد البنكرياس، وبمرور الوقت يؤدّي ذلك إلى إصابة الجسم بمقاومة للأنسولين بمعنى عجزه عن استخدام الأنسولين بكفاءة. (1/86)
صفحة 87
إنّ مرضى السكّر يصابون بمقاومة الأنسولين أي عدم القدرة على استخدام الأنسولين، ويصابون مع الوقت بإعاقة في الدورة الدمويّة للمخّ، ممّا يمكن أن يسبّب موت الخلايا المخّية، ونتيجة لذلك فقدان الذاكرة.
والغذاء يلعب دوراً كبيراً في الإصابة بهذا المرض، وقد أثبتت الدراسات أن تناول الطعام الصحّي، وممارسة الرياضة بانتظام يمكن أن يقلّل من خطر الإصابة بالسكّر بنسبة تزيد على 50%.
وللحفاظ على صحّة العقل ولياقته، علينا أن نتناول نسبةً كافيّةً من الجلوكوز، بحيث تبقى معتدلة، مع تجنّب أيّ تدبدب في نسبة السكّر قدر الإمكان، وذلك بعدم الركون إلى الراحة، مع زيادة استهلاك السكّريات أكثر من ذي قبل، والغذاء الأمثل يجب أن يكون غنيّاً بالكربوهيدرات التي يهضمها الجهاز الهضمي هضماً كاملاً، ويمتصّها الجسم ببطء، وهي متوفّرة في بعض الأطعمة النشويّة سريعة الهضم والامتصاص، مثل الخبز والبطاطا، وبعض أنواع الأرز.
إنّ الشيء المثير للحيرة في هذه الحالات هو أنّ الأطعمة مرتفعة السكّر مثل الحلوى والآيس كريم لا تعمل على رفع نسبة السكّر في الدم بشكل كبير، ولكنّها تؤدّي إلى رفع سكّر الدم بنسبة منخفضة.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أنّ الصلة التي تربط بين مشكلة معالجة سكّر الدم وضعف الذاكرة قد تكون أكثر خطورة ممّا كان يتصوّرها العلماء من قبل.
وقد بيّن الدكتور {أنتونيو كونفيت} وزملاؤه في جامعة نيويورك كيف يمكن أن يصاب الشخص بإعاقة في قدرات الذاكرة حتّى قبل تطوّر مرض السكّر لديه، حيث قام العلماء بدراسة حالة ثلاثين شخصاً من متوسّطي العمر، وآخرين من كبار السنّ من غير المصابين بمرض السكّر وقاسوا سرعة التمثيل الغذائي لديهم لسكّر الدم بعد تناول وجبة معيّنة. (1/87)
صفحة 88
وقد خلص الباحثون إلى أنّه كلّما قلّت سرعة التمثيل الغذائي لسكّر الدم لدى المتطوّع، تراجعت كفاءة ذاكرته، وقد أظهرت أشعّة الرنين المغناطيسي MRI أنّ الأشخاص الذين كان لديهم تمثيل غذائي بطيء كان حجم قرن آمون الخاصّ بمركز الذاكرة لديهم أقلّ حجماً عن غيرهم.
ونخلص من كلّ هذا إلى إثبات قاعدة وهي:
كلّما طال بقاء السكّر أو الجلوكوز في الدم
قلّ إمداد خلايا العقل بالطاقة.
كما اكتشف الخبراء أنّ الشخص الذي لا يقوم جسمه بمعالجة سكّر الدم بشكل طبيعي، يمكن أن يصاب بحالة تسبق الإصابة بمرض السكّر تكون مصحوبة بإعاقة في الذاكرة وتقلّص في مراكز المخّ.
إنّ أدمغتنا بحاجة إلى تدفّق ثابت للسكّر لكي تبقى في أتمّ لياقتها، لذا فإنّ التصدّي لأيّ تذبذب في مستوى السكّر في الدم، والحفاظ على اعتدال مستوى الجلوكوز في المخّ يجب أن يكون هدفنا الأساسي في نظام حياتنا، وذلك بمراقبة النظام الغذائي الذي نتّبعه، خاصّةً عندما نكون على أبواب الشيخوخة.
ويكمن ذلك في تجنّب الأطعمة التي تسبّب ارتفاعاً حادّاً في مستوى السكّر في الدم، واستبدالها بالأطعمة منخفضة السكّر، وعندما نفكّر في نظام غذائنا المناسب، علينا أن نبحث عن بعض النصائح التي نحافظ بها على ضبط مستوى السكّر في الدم، وذلك مثل تناول الفاكهة والخضروات، كما أنّ الأطعمة الحمضيّة مثل الخلّ وعصير الليمون والخبز تعمل هي الأخرى على إبطاء عمليّة الهضم.
* * *
الفصل السادس
بعض الأغذيّة التي تقوّي المخّ
الغذاء وتجديد شباب المخّ
لقد تساءل خبراء الذاكرة كثيراً ولوقت طويل عن إمكانيّة معالجة تلف المخّ وفقدان الذاكرة الناتج عن التقدّم الطبيعي في العمر من خلال تناول الفاكهة والخضراوات الغنيّة بمضادات التأكسد.
يجيبنا الدكتور {جوزيف} بأنّنا نستطيع ذلك، حيث وجد في تجربته بأنّ السبانخ والفراولة تمكّنت من منع حدوث التدهور الذهني. (1/88)
صفحة 89
وقد قرّر بعد ذلك إضافة العنبيّة في مرّة من المرّات، لأنّ وزارة الزراعة الأمريكيّة قد أثبتت بأنّ العنبيّة مضادّ بالغ القوّة للتأكسد، فهو أقوى من الفراولة والسبانخ.
وقد أجرى تجربته على فئران طاعنة في السنّ، بين 65 و 70 بالمعيار البشري، حيث كانت تعاني تدهوراً عقليّاً من تأثير الشيخوخة، ممّا أدى إلى ضعف ذاكرتها، واعتلال التوافق العضلي العصبي، والتوازن، وتمّ إطعام فريق منها غذاءً عاديّاً لمدّة ثمانية أيّام، أمّا الفريق الثاني فقد أطعمت طعاما يحتوي من 1 إلى 2% من سعرات حراريّة من العنبيّة أو الفراولة أو من السبانخ، في هيئة مسحوق تمّ خلطه بعلفها.
وبعد انتهاء المدّة المعيّنة، أعاد فحص جميع الحيوانات، فوجد أنّ الفئران التي تناولت العنبيّة أو الفراولة أو السبانخ ارتفع مستوى أداء ذاكرتها أكثر ممّا كان عليه قبل بداية التجربة، بمعنى أنّ التدهور العقلي قد تحسّن كثيراً، حتّى أنّ أمخاخها أصبحت تعمل كما كانت تعمل في المراحل العمريّة السابقة.
يقول الدكتور {جوزيف}:
«تحسّنت ذاكرة بعضها كما كانت وهي شابّة، وتحسّن بعضها كما كانت وهي في أواسط العمر، وإنّ ذلك من أروع ما رأيت، وهذا يعني أنّها قد أصلحت أداء المخّ بشكل إيجابيّ «.
إنّ تناول مثل هذه الفواكه والخضر المضادّة للتأكسد تدعّم الذاكرة قريبة الأجل، وهو ما يحتاجه كلّ إنسان كي يتذكّر أرقام الهواتف فترة تكفي للاتّصال بأصحابها، كما تمكّن من إصلاح خلل التوافق والتوازن، وهذا أمر كبير الأهميّة بالنسبة للذاكرة، لأنّ التوافق العضلي العصبي يبدأ في الاضمحلال في أواسط العمر. (1/89)
صفحة 90
وبمواصلة جوزيف لتجاربه في محاولة اكتشاف مواد توقف ضعف الذاكرة، أو تعالجها نهائيّاً، اكتشف دليلاً أكيداً بأنّ العنبيّة قد أثرّت في خلايا المخّ، فتغيّرت تغييراً إيجابيّاً، وانتعشت انتعاشاً جيّداً، فقد تحقّق من علاج مستقبلات الخلايا العصبيّة بشكل جزئي، واستعادت الدوائر العصبيّة كثيراً من حيويّتها، وتحسّنت القدرات الذهنيّة لدى من تناولها، فأصلحت اضطراب القدرات الذهنيّة.
كما أظهرت كذلك اختبارات أجراها المعهد الحكومي الفرنسي للأبحاث الطبّية INSERM أنّ الأشخاص أصحاب أعلى تحسّن في الذاكرة، كانوا أكثر الأشخاص تناولا للفاكهة والخضروات، حيث حقّقوا نتائج أعلى بنسبة 35 إلى 40% في الاختبارات التي تتعلّق بالتفكير المنطقي والانتباه البصري مقارنةً بآخرين لم يتناولوا نفس الكمّية منها، وكان الافتراض الذي افترضوه هو أنّ المجموعة الأولى لديها قدرات عقليّة أفضل بسبب ما وفّرته لها مضادّات التأكسد الموجودة في الفاكهة والخضروات من حمايةٍْ تُجاه الشوارد الحرّة التي تضعف تواصل الخلايا، وربّما تحطّم بعضها، وذلك ما يسمّيه العلماء بالتلف الذهني حال تقدّم العمر.
وإذا كان ربّنا - سبحانه وتعالى - قد جعل 70% من الكرة الأرضيّة التي نعيش فوقها عبارة عن مياه، وخلق أجسامنا وجعل أكثر من 80% من مكوّناتها عبارة عن سوائل، فإنّه يجب علينا أن نجعل أهمّ مكوّنات غذائنا عبارة عن سوائل، كي نحافظ على تلك النسبة اللازمة داخل أجسامنا.
وفي الواقع أنّ الغذاء الصحّي الذي هو عبارة عن تناول كثير من الخضار والفواكه يحتوي على نسبة عالية من الماء.
وقد رأينا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه:
«فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لهوائه «.
الطماطم وحيويّة المخّ
هل يستطيع أحد أن يصدّق بأنّ الكميّة التي يتناولها كلّ واحد منّا من الطماطم طيلة حياته تعكس مدى حيويّة المخّ وصحّته، حتّى إذا بلغ صاحبه سنّ الشيخوخة. (1/90)
صفحة 91
هذا ما حقّقه الدكتور {ديفيد سنودون} في بحثه المدهش الذي أجراه في مركز ساندير براون لأبحاث الشيخوخة التابع لجامعة كنتاكي، وقد أثبت ذلك في تجربة بشأن راهبات طاعنات في السنّ، كثير منهنّ تجاوز المائة عام، ووجد أنّه كلّما ارتفعت مستويات الليكوبين وهو مضاد تأكسد فعّال بدمائهنّ، كانت قدرتهنّ العقليّة أكثر حدّة في مراحل عمرهنّ المتقدّمة، وقد تبيّن للخبراء أنّه ليس هناك سوى سبيل واحد لدخول الليكوبين إلى الدم، وهو من خلال تناول الطماطم، ومن بين الاختبارات التي حقّقن فيها نتائج إيجابيّة، التعرّف، وتذكّر الكلمات.
يفترض الدكتور {سنودون} أنّ مضادّ التأكسد الليكوبين الموجود بالطماطم يساعد في معادلة أثر الشوارد الحرّة بسائر الجسد، شاملا المخّ، ليجعله أفضل أداء، ولفترات أطول.
ويقول الدكتور {جاري سمول} صاحب كتاب: الوصفة الطبيّة للذاكرة.
«الليكوبين هو مضادّ تأكسد قويّ يتوافر في المركّزات العالية من الطماطم «.
زيت الزيتون والخلّ
لقد أكّدت أحدث الأبحاث العلميّة أنّ تناول زيت الزيتون يسهم في الوقاية من مرض شرايين القلب وارتفاع كولسترول الدم، وارتفاع ضغط الدم، ومرض السكّر والبدانة، كما أنّه يقي من بعض أنواع السرطان.
وسبحان الله - سبحانه وتعالى - فإنّ تلك الأمراض كلّها تساهم مساهمة مباشرة في التأثير على الذاكرة، فتضعف عملها.
إنّ كلّ إنسان يتناول خليطاً من عدّة أنواع من الأطعمة، لا نوعاً واحداً، وهذه الأطعمة تختلف بشكل كبير فيما بينها، وذلك فيما يتعلّق بمحتواها من الكربوهيدرات، لذلك فإنّ تأثير تلك الأطعمة المتنوّعة في زيادة سكّر الدم يختلف من شخص إلى آخر حسب التحكّم الداخلي لكلّ جسم من الأجسام، وإذا كان كذلك فلا بأس أن نذكر بعض الأطعمة كثيرة الاستهلاك، والموجودة بصفة طبيعيّة في حياة الناس، والتي لها الأثر الإيجابي على تقويّة المخّ. (1/91)
صفحة 92
ومن هذه الأطعمة زيت الزيتون، وقد أظهرت دراسة أستراليّة جديدة أنّ زيت الزيتون يرفع مستويات الكولستيرول النافع HDL لدى مرضى السكّر، حتّى وإن تناولوا مزيداً من الكربوهيدرات سريعة الهضم الرافعة لمستويات سكّر الدم.
وبطريقة ما فإنّ زيت الزيتون يعمل على تثبيط قوى الكربوهيدرات عاليّة التسكّر المدمّرة للـ HDL الذي يرفع من قدرة الذاكرة على الاستيعاب، كما أنّه يحمي خلايا المخّ من التلف.
وقد اعتبر العلماء زيت الزيتون من أهمّ الأطعمة التي تقوّي الوظائف الذهنيّة للذاكرة، كما أنّه يقلّص تراجع عمليّات الذاكرة مع التقدّم في العمر، وغالبا ما يؤثّر على الجهاز العصبي، بما يوفّر له من ليونة وحماية أوعيّته من التشنّج، ممّا يجعلها تؤدّي دورها وعملها بسهولة، لأنّ الأوعيّة الدمويّة المتشنّجة تؤدّي إلى حرمان المخّ من الأكسجين الذي يكفيه لأداء مهامّه، وقد وجد الخبراء بأنّ للزيت نفع مناعي، لأنّه يثبّط الالتهابات المتلفة للخلايا على مستوى كامل الجسد، والتي تعدّ عاملاً رئيسيّاً فيما يخصّ مختلف الأمراض.
ومن هنا استنتج العلماء بأنّ للزيت أثراً كبيراً في حماية الخلايا من الشيخوخة، وأنّ له أثراً بالغ الأهميّة في حماية الجسم من مختلف الأمراض.
الخلّ غذاء نافع للمخّ
وممّا أثار دهشة العلماء ما اكتشفوه في الخلّ من أثر مخفّض لمعامل التسكّر بنسبة 25%، وقد أظهرت البحوث المختلفة أنّ الأطعمة الحامضيّة، مثل الخلّ تساعد في وقاية المخّ من أثر الارتفاعات الحادّة في سكّر الدم.
ورسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - قد اهتمّ بالخلّ في أحاديثه، فأرشد المسلمين إلى تناوله والائتدام به، وذلك لما يعلم ما فيه من الفوائد الجليلة، والآثار الجيّدة في أجهزة الجسم.
فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - سأل أهله الأدم، فقالوا: (1/92)
صفحة 93
«ما عندنا إلاّ الخلّ، فدعا به، فجعل يأكل به، ويقول: نعم الأدم الخلّ، نعم الأدم الخلّ «. (1)
والأدم: ما يؤتدم به.
وفي رواية: عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - يقول: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي ذات يوم إلى منزله، فأخرج إليه فلقا من خبز، فقال: ما من أُدم؟، فقالوا:
«لا إلاّ شيء من خلّ، فقال: فإنّ الخلّ نعم الأُدم «.
قال جابر: فما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (2)
كما قامت {جيني براند ميلر} أستاذ التغذيّة بجامعة سيدني بأستراليا بتجربة على الأطعمة الحامضيّة، فكانت النتيجة أنّ لهذه الأطعمة جميعها الأثر نفسه، وذلك مثل عصير الليمون.
والتفسير الذي أعطاه الخبراء لمثل هذه النتائج هو أنّ المادّة الحامضة ببعض الأطعمة يبطئ عمليّة الهضم، أو معدّل التفريغ المعدّي، فيكبح بذلك الارتفاع السريع لسكّر الدم.
والخلّ غذاء ودواء قديم، قال عنه ابن القيّم:
«والخلّ ينفع من المعدّة الملتهبة، ويقمع الصفراء، ويدفع ضرر الأدويّة القتّالة، ويحلّل اللبن والدم، وينفع الطحال، ويدبغ المعدّة، ويعقل البطن، ويقطع العطش، ويعين الهضم، ويلطّف الأغذيّة الغليظة، ويرقّ الدم «.
ويتركّب الخلّ من الماء وحامض الخلّ بنسبة 5% ومن مواد صلبة وطيّارة وعضويّة، ومواد أخرى تعطيه الطعم والرائحة، إلاّ أنّ الإفراط في تناوله يهيج المعدّة، ويسبّب آلاماً وعسر هضم ومغص.
وقد وصف الخلّ في الطبّ الحديث بأنّه مرطّب ومنعش، ومدرّ للبول والعرق، ومنبّه للمعدّة ومحلّل لألياف اللحم والخضروات الخشنة، ويطهّر الجهاز الهضمي من كلّ سوء، ويشتمل على عناصر مفيدة ومغذّية ومطهّرة، والذي يتناوله باعتدال يكون جسده قويّاً وصحّته جيّدةً.
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه مسلم. (1/93)
صفحة 94
وهذا دليل قاطع بأنّ الخلّ يحلّل الطعام فيسهل على المعدّة هضمه، ويسهل على جهاز الامتصاص امتصاص القوّة الموجودة فيه، وبذلك نستطيع أن نقول بأنّه من أهمّ المواد التي تحارب التأكسدات الضارّة التي تنتج عنها الشوارد الحرّة، والتي تؤثّر على الخلايا المخّية، فلا تستطيع أن تؤدّي دورها بشكل فعّال.
وللخلّ تأثير مباشر وفعّال على الجهاز العصبي المخّي، ومن أجل ذلك فقد استعمله الأطباء كدواء نافع للصداع والدوار، ولا شكّ أنّ الصداع والدوار لهما علاقة مباشرة بالحالة التي تكون عليها الأعصاب المخّيّة، وهما يضعفان الانتباه وتركيزه.
كما أنّ للخلّ أثره المباشر والإيجابي على خلايا الجسم، لأنّه يجعلها في حالة جيّدة، ولأنّ تركيبته غنيّة بالعناصر التي يحتاجها الجسم لتأمين التوازن بين خلاياه.
إذن فمن هذه النتيجة نستطيع أن نحكم بأنّ للخلّ تأثيراً مباشراً على تقويّة التركيز، واستيعاب المعلومات من طرف الخلايا المخّية.
الثوم يقوّي أعصاب المخّ
أظهر باحثون يابانيّون فعاليّة الثوم الجيّدة في تفريج الاكتئاب لدى فئران التجارب، وأقرّوا بأنّ تناول الثوم بصفة معتدلة، يحسّن المزاج، وقد يكون المحتوى العالي للثوم من السيلينيوم هو أحد تفاسير ذلك.
والسيلينيوم يدعّم الوظائف الذهنيّة، ويدفع القلق عن النفوس، لأنّه يحسّن المزاج، كما أنّه يصفّي الذهن، ويقوّي التركيز وأهميّة الذات، ويزيد من الثقة بالنفس والثبات في الأمور، ويجعل الشخص أقلّ تشوشّاً وإرهاقاً واكتئاباً.
وقد لاحظ باحثون يدرسون منافع الثوم بخصوص مرضى النوبات القلبيّة وجود أثر جانبيّ حسن للثوم: لأنّهم أصبحوا أفضل مزاجاً وأكثر طاقةً.
واكتشف العالم الفرنسي {جيلس فيليوم} بمعهد باستور أنّ الثوم يدعّم إفراز السيروتونين الذي يعتبره الخبراء هرمون تحسين المزاج، وأحد ناقلات الرسائل العصبيّة اللازمة للاسترخاء والتركيز والنوم الجيّد.
يقول هذا العالم: (1/94)
صفحة 95
«أعتقد أنّ الثوم يقاوم الضغوط العصبيّة، ويعدّل الحالات النفسيّة، لأنّه يقاوم القلق، ويعمل كعقار مضادّ للاكتئاب «.
الشاي مشروب المفكّرين
يعتبر الشاي مصدراً رائعاً بما يحتويه من مضادات التأكسد التي تسبّبه الشوارد الحرّة في الدم، وبما يحتويه من أثر منشّط لإفراز الرسائل الكيميائيّة، وهذه الرسائل تساهم بصفة إيجابيّة في تقويّة الأعصاب الدماغيّة، فشرب الشاي يجعل المخّ يسبح وسط تلك المضادات، ويعمل بنشاط، فيتراجع ما قد يصيبه من تدهور وضعف للأداء، كما أنّ له الأثر البالغ للوقاية من شرّ السكتات الدماغيّة.
وأظهرت دراسة شملت 6000 سيّدة يابانيّة أنّ فرصة من تشرب منهنّ خمسة أكواب من الشاي الأخضر يوميّا بإصابتهنّ بالسكتات الدماغيّة هي نصف فرصة غيرهنّ ممّن يشربن كميّات أقلّ.
ووجد باحثون هولنديّون أنّ شاربي الشاي الأكبر سنّاً (كوبين على الأقلّ يوميّا) قد تقلّص لديهم احتمال إصابتهم بتصلّب الشرايين بمقدار النصف، وعدم تصلّب الشرايين يجعل الدم يصل إلى المخّ بكميّات كافية، توفّر له عملاً جيّداً.
وهذا يعني أنّ الشاي قد تمكّن من حفظ سلامة الأوعيّة الدمويّة، وشعيراتها التي تغذّي المخّ بالدماء بالكميّات الكافية، وكذلك القلب، كما تبيّن للعلماء أنّ للشاي قدرةً فعّالةً على منع التأكسد الذي يصيب الخلايا المخّية بالدمار.
وفي تجربة أخرى قام الدكتور {بريور وكاو} بتحليل قدرة مضادات التأكسد لدى أنواع الشاي المختلفة، وكانت النتيجة الأولى التي اكتشفها، أنّ لدى أوراق الشاي الأسود قدرةً مضادّةً للتأكسد تفوق تلك التي لدى أوراق الشاي الأخضر بنسبة 80%، وكلا نوعي الشاي الأخضر والأسود تفاوتا بشدّة من حيث قدرتهما المضادّة للتأكسد.
وحسب تحاليل الدكتور {بريور وكاو} فإنّ الشاي الأسود يعتبر ذا رتبة أعلى فيما يتعلّق بإجمالي قدرته المضادّة للتأكسد. (1/95)
صفحة 96
وقد أظهرت إحدى التجارب التي أجراها علماء إيطاليّون أنّ شرب كوب واحد من الشاي الأسود أو الأخضر الثقيل قد أدّى إلى رفع نشاط مضادّات التأكسد بالدم بنسبة 41 إلى 84%، كما رفع الشاي الأخضر نشاط مضادّات التأكسد إلى ذروته خلال ثلاثين دقيقة، بينما فعل الشاي الأسود ذلك خلال خمس عشرة دقيقة، وظلّت مستويات المضادّات مرتفعة حوالي ساعة ونصف الساعة قبل أن تعود إلى حالتها الطبيعيّة.
قاعدة
يعدّ الشاي الحقيقي المادّة السريعة والسهلة الخالية من
السعرات لإمداد المخّ بمضادّات التأكسد.
إنّ أهمّ ما يجب أن نفعله إذا كنّا نريد حقّاً أن نحمي مخاخنا ممّا قد يصيبها من تدهور وظيفي قد يبدأ في العشرينات من العمر، هو أن نميل قدر الإمكان إلى تناول طعام غنيّ بمضادّات التأكسد، وبذلك نجعلها تنعم بالفائدة الجيّدة، وسواءً كان الابتداء في ذلك مبكّراً، أو مؤخّراً، لأنّ الحصول على مثل هذه المضادّات ولو متأخّراً، قد يساعد على علاج ما قد يصيبنا من تراجع في وظائف الدماغ.
* * *
الفصل السابع
العمل والمثابرة يقوّيان المخّ
استخدمه وإلاّ تفقده
تقول الحكمة:
«لا يكفي أن يكون لك عقل، بل المهمّ أن تستخدمه بشكل حسن «.
يقول {ستيفن آر كوفي}:
«التعلّم المستمرّ هو الذي يدفع المرء إلى شحذ ذهنه، وتوسيع تفكيره ومدارك عقله، وهو تجديد عقليّ حيويّ «.
فقراءة الكتب بصفة مستمرّة ويوميّة، وملاحظة جوانب تغيّر أساليب الحياة من حولنا، والاشتراك في دورات التعليم والتكوين، وتوسيع المدارك، يجعلنا نكتشف المزيد من إمكانيّات عقلنا، ويجعلنا نهتمّ بالأفكار الجديدة التي يصل إليها، ونصل إلى درجة، نكون فيها قادرين على نقد بناء ذاتنا، وكلّ هذا يعزّز من تقدير القدرات الكبيرة التي نملكها، والتي لم نكن قد اكتشفناها. (1/96)
صفحة 97
لقد توصّل الخبراء إلى إثبات أنّ الطريقة التي يستخدم بها كلّ شخص مخّه تغيّر كثيراً من هيئته، وكلّ من يستثير خلايا مخّه بالغذاء المادّي والذهني قد يؤدّي إلى تغيير تركيبي في تلك الخلايا، والاستثارة تكون بالنشاط الذي يوفّره الشخص لمخّه، حيث يحثّه على إنتاج مزيد من الوصلات الخلويّة، وقد يؤدّي حتّى إلى خلق خلايا جديدة، ونتيجة لذلك تنمو زوائد ووصلات عصبيّة، فتنشط قنوات الاتّصال.
قام فريق من الخبراء بقيادة {وليام جرينف} بجامعة إلينويس بتربيّة فئران تجارب في ثلاث بيئات مختلفة، فأر وحده بقفص، وفأران بقفص واحد، ومجموعة من الفئران جمعت مع بعضها في قفص واحد كبير، ووفّر لها بعض اللعب، وجعلها كأنّها في حديقة ألعاب للفئران، ثمّ قام بمقارنة بين مخاخ تلك الفئران، وما مدى تعقيد الخلايا المخّية لديها، وقد فوجئ بالنتائج التي توصّل إليها.
فخلال أربعة أيّام فقط من اتّصال تلك الفئران الموجودة في حديقة الألعاب بمختلف الألعاب والأجهزة، بدأت خلايا مخاخها في النموّ، وزيادة كثافة الوصلات فيها، مع زيادة طول الزوائد العصبيّة بسرعة مذهلة وبشكل ملحوظ.
لقد اكتسبت الفئران بالبيئة المحفّزة مزيداً من الوصلات لكلّ خليّة عصبيّة، إضافة إلى زوائد كثيفة تربط بين تلك الخلايا، كما أظهرت مخاخها نمو أوعيّة دمويّة جديدة لنقل مزيد من الدماء والأكسجين إلى مناطق المخّ النشيطة، إضافة إلى تعاظم حجم أجساد الخلايا العصبيّة المستديرة.
وعندما قام الدكتور {جرينف} بتعريض الفئران إلى سلسلة من الألغاز والمهام وجد أنّ التي كانت في البيئة المحفّزة أدّت اختبارها بشكل أفضل، وأظهرت أنّها أكثر ذكاء. (1/97)
صفحة 98
لقد استنتج الخبراء بأنّه عندما وضعوا الفئران الأكبر سنّاً بتلك البيئة المحفّزة، أظهرت هي أيضاً تقدّماً فيما يتعلّق بنموّ جديد من الوصلات العصبيّة، مقارنة بأقرانها في بيئات اعتياديّة خاملة، والعجيب أنّ نموّ تلك الوصلات كانت أبطأ من نموّها لدى الفئران الأصغر سنّاً.
يفترض الدكتور {جرينف} أنّ تلك البيئة المحفّزة قد حثّت جينات معيّنة بالخلايا العصبيّة دافعة إيّاها إلى إنتاج مزيد من الزوائد والوصلات.
ويوضّح الخبراء بأنّ كثيراً من الخلايا العصبيّة تتشكّل بمخاخ المولودين عقب الولادة مباشرة، وإذا وجدت بيئة ثريّة وغنيّة بالمثيرات، فإنّها تواصل الحياة، ويزداد ذكاء صاحبها، ويمتلك قدرةً جيّدةً على أداء بعض المهام، أمّا إذا لم تجد مثل تلك البيئة، فإنّها ستموت سريعاً.
تصرّح الخبيرة {جانيس جوراسكا} عالمة الأعصاب بجامعة إلينويس بأنّ تلك التجارب هي عبارة عن إيضاح فريد لمدى تأثير البيئة على أداء المخّ، وإنّ إمكان تطبيق ذلك على أطفالنا سيؤدّي إلى نفس النتائج.
وربّما نستطيع أن نسمّي ذلك بالارتباط بين خلايا المخّ ومثيرات البيئة، وتلك المثيرات هي التي تجعل الخلايا تحافظ على حياتها، وتجعل الوصلات تحافظ على حيويّتها وقوّتها في التواصل، ومن هنا ننتقل إلى عنوان يرتبط ارتباطا وثيقا بهذا الموضوع، وهو:
تمارين المخّ من أسباب تقويّته
قاعدة
إنّ ذاكرتنا قد تضعف على مرّ سنين العمر إذا لم يتمّ استخدامها، ولكن على العكس تماماً، فإنّها ستظلّ تتحسّن وتقوى، طوال الحياة، إذا ما تمّ استخدامها. (1/98)
صفحة 99
إنّ الكثير من علماء الذاكرة يقرّرون أنّ طريقة عمل المخّ وتقوّيّة عضلته يشبه تماماً طريقة عمل مختلف عضلات الجسم، وكيفيّة تقويّتها، ويقترحون كثيراً من التمارين العقليّة لتقويّة تلك العضلة، وذلك مثل التدريبات المتعدّدة التي وضعها كثير من الخبراء، وهي تشبه التمارين الرياضيّة المقترحة لتقويّة مختلف عضلات الجسم، والمحافظة على مرونتها.
وبناء على ذلك فعضلة المخّ هي عضلة تكيّفيّة ومرنة، يمكن أن يشكّلها صاحبها على الحالة التي يريد أن تكون فيها من القوّة، أو الضعف، ولكن هذا البناء وهذا التكوين يحتاج إلى كثير من العمل والجهد والطاقة، وينبغي أن يكون ذلك باستراتيجيّة واستمراريّة، حتّى يمكن لها أن تنمو، وتترعرع وتزدهر، لأنّها حسّاسة جدّاً، وكلّ ذلك باتّباع برنامج مناسب ومتتابع بحيث يستخدم فيه الشخص تلك العضلة بشكل مناسب، ويشكّلها تشكيلاً جيّداً، ونتيجةً لذلك يحافظ على سلامتها وحيويّتها كلّما تقدّم به العمر.
إنّ كلّ شخص بمقدوره أن يحسّن من أداء ذاكرته، ويعزّز من تقنيّاتها، ولكن ذلك يتطلّب شيئاً من بذل الجهد، ومن الصرامة والعزيمة في اتّباع برامج عمليّة، يتّبع فيها طرقاً كثيرةً لتعزيز التشفير العميق للمعلومات التي نقدّمها لها منذ بداية تكوّنها، لأنّ تقديم المعلومات بشكل منظّم وبقدر كبير من الخصائص والثراء والتشفير التي نبنيها عليه تكون أكثر احتمالاً لأن تكوّن اتّصالات جديدةً وقويّةً بين الخلايا العصبيّة، وأن ترسخ في الذهن بقوّة وتزدهر، وبذلك يتكوّن لدى صاحبها مخّاً قويّاً، يحفظ بسرعة، ويتذكّر ما حفظه بعد مدّة من الزمن، وعدم التذكّر هي المشكلة الكبيرة التي يشتكي منها معظم الناس في هذا الزمان. (1/99)
صفحة 100
فعلى كلّ واحد منّا يريد أن يقويّ استيعاب عقله أن يفكّر في ذلك بتفكير معمّق ويعطيه انتباهه، ويركّز عليه، ويهتمّ به كثيراً، لأنّه بمجرّد أن نفكّر في شيء ما، فإنّ المخّ يسجّله، ويفتح له ملفّاً، ويربطها بجميع الملفّات الأخرى التي هي من نفس النوع.
وبعد فترة من الزمن وبعد تكرار التفكير في ذلك الموضوع كثيراً تصبح الفكرة أقوى، فيخزّنها بعمق في ملفّاته، وعند هذه الحالة يصبح تكرار تلك الفكرة شعوريّاً، وبدون شعور، أي بطريقة تلقائيّة بدون إدراك واع بذلك، وكلّما كرّر التخزين أصبح أقوى وأعمق.
وبسبب التكرار والتدريبات المستمرّة، يعتقد العقل البشري أنّ هذه العادة جزء مهمّ من سلوكيّاته، فيعاملها مثل التنفّس والأكل والشرب، وأيّ عادة قويّة أخرى، وعندما يصل العقل إلى هذه الدرجة من الاقتناع، فلن يستطيع تغييرها بمجرّد التفكير في التغيير، أو بقوّة الإرادة، أو بتأثيرات العالم الخارجي.
المخّ القوي يكتسب بالتمرينات
ينظر خبراء الذاكرة وبناء المخّ إلى أنّ هذا الجهاز يشبه عضلات الجسم، وكلّهم متّفقون بأنّ التمرين والتدريب سيساعد على بنائه وتقويّته، وبناء على ذلك نستطيع القول بأنّ بناء قوّة المخّ هو عمل تكيّفي ومرن، ويمكن تشكيله، وهذا التشكيل يلزمه بعض التعلّم والجهد والطاقة، وينبغي للوالدين أن يكوّنا هذه الطاقة في أدمغة أولادهم، إذا أرادوا أن ينشئوا أقوياء الذاكرة والذكاء، فيسهل عليهم تلقّي مختلف المعلومات عند التحاقهم بالمدرسة.
فينبغي للوالدين أن يرعيا هذه العضلة المخّية باستمرار من بداية الطفولة المبكّرة، ثمّ بعد ذلك في مختلف مراحل عمر الولد، وأن يوفّرا بيئةً ثريّةً يستطيع الولد أن يستخدم فيها هذه العضلة باستمراريّة واستراتيجيّة، حتّى يمكن لها أن تنمو وتترعرع وتزدهر، وأن يعينوه بمختلف البرامج التي تضمن نحت وتشكيل تلك العضلة، وتحافظ على سلامة عملها كلّما تقدّمت بها سنوات العمر. (1/100)
صفحة 101
بعد دراسات وتجارب كثيرة ومتنوّعة متعلّقة بالمخّ قال العلماء:
«إنّ الاعتقاد القديم بأنّ المخّ هو عبارة عن آلة لا يزيد نموّها، ولا تتغيّر، ولا يزداد تحصيلها، وهي محدودة القدرات أصبح اعتقاداً خاطئاً، بل توصّلوا واكتشفوا بأنّه دائم التغيير، معقّد الخلايا، وهو عضو حيّ معجز، يتفاعل مع المؤثّرات داخليّة كانت، أو خارجيّة، سلباً، أو إيجاباً، وتبعاً للغذاء والدواء، ومزاولة الرياضة «.
ويقول علماء الأعصاب إنّ المخّ شديد الطواعيّة، وهو كسائر أعضاء الجسد، دائم التغيير، وليس بثابت طيلة عمر الإنسان، وقد صرّح الدكتور {لاري سكوير} أستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا قائلاً:
«لو أتيحت لك رؤية المخّ بكاميرا فيديو وهو يتفاعل مع ما يمرّ به من تجارب فلا شكّ بأنّك ستراه ينمو، وينكمش، ويتشكّل «.
والشيء المهمّ الذي يجب على كلّ واحد من الناس أن يدركه هو أنّ المخّ ينمو ويتغيّر طيلة الوقت.
تقول {سوزان جرين فيلد}:
«إنّ التركيب الكيميائي للخلايا العصبيّة نفسها يتغيّر، لذا فلا وجود لعتاد مادّي ثابت غير متغيّر، على نقيض البرمجي المتغيّر «.
ولقد مهّدت دراسة خلايا المخّ غير الحيّة الطريق لدراستها وهي حيّة تنبض بالحياة، ويسّرت التقنيّات الجديدة للعلماء دراسة المخّ أثناء التفكير، ومعالجة المعلومات، وتثبيته للذاكرة، وإظهاره للغضب والاكتئاب، وحتّى أثناء تعرّضه للهلاوس، ونوبات الاضطراب المخّي. (1/101)
صفحة 102
إنّ التقنيّات الجديدة لمسح المخّ تستطيع إظهار صوت الأشباح التي تختلج بعقول مرضى الفصام، وعلى سبيل المثال، أظهرت إحدى المجلاّت العلميّة: Time magazine لقطة للمخّ أثناء الهولسة، صورة ثابتة تحتوي ستّ بقع حمراء برتقاليّة، كبقع نشطة ساخنة تمّ التقاطها باستخدام الآلات التصويريّة الدقيقة، أظهرت الألوان الساخنة كلّ مرّة يضغط فيها شاب في الثالثة والعشرين من عمره مصاب بالفصام على زرّ خاصّ حالما تأتيه هلاوس تتعلّق برؤوس تحيطه وتمليه أوامرها.
إنّ هذه الصور التي أخذها العلماء لا تؤكّد فقط نشاط المخّ، بل تقدّم أيضا دليلاً قويّاً على التغييرات المخّية النافعة التي قد تحدثها موادّ غذائيّة بعينها، أو أدويّة، أو هرمونات، أو علاج عشبي.
تقول {جين كاربر}:
«لقد تمّ حذف كثير من المسلّمات العلميّة بعد مراجعتها على ضوء التقنيّات الجديدة بالغة التعقيد لتصوير المخّ البشري، كالرنين المغناطيسي، وأشعّة PET وأحدث التقنيّات SPECT ، والتي تتابع عمل المخّ البشري الحيّ، وكلّ هذه التقنيّات أدّت بالعلماء إلى انبثاق حقبة جديدة من وظائف المخّ الحيويّة «.
نشاط أكثر للمخّ = مخّ أقوى
إنّ تقنيّات التصوير الملوّنة الحديثة تستطيع أن تتّبع مسار النواقل العصبيّة Neurotransmitters وهي تحدث تأثيرها في تغيير المزاج، وترسيخ المعلومات المختلفة داخل الذاكرة بعيدة الأجل، والمزاج يعتدل ويتوازن بالهرمونات المختلفة التي تفرزها مختلف الغدد الموجودة في الجسم، والتي تفرزها الخلايا المخّية خاصّة.
Neurotransmitters: هو تركيب في المخّ يعتقد الخبراء أنّه مسئول عن معالجة وتنسيق نشاط الذاكرة، وهو نقطة النهاية للقشرة المخّية، والمحطّة النهائيّة للعمليّات القشريّة وتحت القشريّة المتعدّدة. (1/102)
صفحة 103
كما يستطيع الخبراء استخدام صور المخّ متابعة تدفّق الدم بمناطق المخّ المختلفة وقدر الطاقة التي تستهلكها الخلايا، وكيف تحرق الجلوكوز لأداء مهامها، وبشكل عام فكلّما زاد تدفّق الدم واستهلاك الجلوكوز، ازدادت أنشطة خلايا المخّ، وقويت اتّصالات الأعصاب فيما بينها، وقد ثبت لدى العلماء أنّه كلّما ازدادت اتّصالات الأعصاب قويت الذاكرة، وازداد تخزين الخلايا لمختلف المعلومات الواردة إليها.
وفي بعض الدراسات لاحظ الخبراء أنّ المخّ الأكبر سنّاً يعمل بشكل أكثر من نظيره الأصغر سنّاً لكي يعالج المعلومات التي ترد إليه، ولكي يستدعيها من الذاكرة.
وتظهر الصور المختلفة للمخّ أيضاً أنّ أمخاخ البالغين والأطفال ممّن لديهم خلل في الانتباه تعاني تغييرات غير طبيعيّة في نمط استهلاكها للجلوكوز، وبالمثل تظهر الصور أنّ مخاخ مرضى الفصام تختلف عن المخاخ الطبيعيّة.
وبالتصوير تمكّن العلماء من رؤية مستويات الناقل العصبي بين الخلايا والمسمّى ــ دوبامين ــ Dopamine وهي ترتفع في مخاخ الرجال أثناء ممارستهم لألعاب الفيديو، كما تمكّنوا من رصد مراكز نشاط مخّي لدى مدمني الكوكايين، والتي تحدّد بدقّة مواقع الإدمان الساخنة.
كما استطاعوا أيضا تسجيل نشاط عنيف بالجهاز الطرفي Limbic system للمخّ البشري أثناء التعرّض لنوبة من الهلع، وتمكّنوا من رؤية نبضات من الضوء الأحمر والأصفر عندما يتخيّل المخّ أرقاماً، أيّة أرقام، وبإمكانهم رسم خريطة الأنشطة المخّية عند الاستماع إلى الموسيقى، عذبة كانت، أو صاخبة، بل وصل الأمر إلى تسجيل تغيّر التركيب الذهني بأغشيّة الخلايا المخّية، وقاموا بقياس تدمير وتكاثر خلايا مخّية جديدة.
التدريب على الإبداع يقوّي المخّ
الإبداع: هو قدرة المرء على توليد أفكار جديدة أو الربط بين أفكار موجودة بالفعل بطريقة فريدة. (1/103)
صفحة 104
والإبداع: هو صنع شيء على غير مثالٍ سابق، ومن دون أن تتلقى من أحد معلومة ما، وإذا أردنا أن نبحث فيما يصنعه الإنسان، فإنّه من حيث يريد أو لا يريد، من حيث يشعر أو لا يشعر، فهو مقلِّد لشيء موجود في هذا الكون من قبل الله - سبحانه وتعالى -، فإذا قال صانع صنعت غواصة، فلا شكّ أنّه قد قلّد في ذلك السمكة، وهو تقليد غير ناجح، وإذا صنع طائرة، فلا شكّ أنّه قلّد في ذلك الطائر، ولكنّه تقليد غير كامل وغير ناجح.
إنّ الإبداع قدرة تفكير لا نهائيّة قد وضعها الله - سبحانه وتعالى - في عقول بني البشر، وفي كلّ مرّة يفكّر فيها الشخص في إبداع طريقة جديدة للتفكير، فسوف يعمل العقل تلقائيّاً على خلق روابط جديدة بين خلاياه العصبيّة بالتشابكات التي تتكوّن في الأعصاب الدماغيّة، وهذه الروابط التي تكوّنت تحمل في طيّاتها روابط ذاتيةً تتضاعف وتتكاثر لخلق المزيد من الروابط، وهكذا تستمرّ الحلقة في التواصل إلى حدّ لا نهائي.
وقد توصّل العلماء بعد بحوثهم الكثيرة بأنّ المخّ قد فطره خالقه على البحث الدائم عن المعرفة، أي قد جعل فيه آليّة البحث والإبداع، وتعتبر المعلومة إحدى الشروط اللازمة لبقاء العقل وخلاياه في نشاط وعمل متواصلين.
فخلايا المخّ في حاجة دائمة إلى غذاء من البيانات والمعرفة لكي يتمّ تفعيلها، ولكي تجد سبباً وهدفاً إلى استخدام الغذاء والأكسجين الوارد إليها.
إنّ الوصول إلى إبداع أيّ شيء يحتاج إلى التكرار المتواصل، وقد اكتشف العلماء بعد بحوثهم بأنّ زيادة استيعاب خلايا المخّ يعتمد على عمليّة التكرار وبالصبر والمثابرة على ذلك.
إنّ التكرار هو الذي يكوّن الممرّات في الأعصاب المخّية التي تربط بين خلايا المخّ، ويسوق العلماء مثالاً لذلك من الواقع، وهو للإنسان الذي يريد أن يكوّن طريقاً جديداً في وسط غابة بكر: (1/104)
صفحة 105
فلنتصوّر أنّ شخصاً يريد أن يشقّ طريقاً داخل تلك الغابة لأوّل مرّة من طرفها إلى نهاية الطرف الآخر، ففي المرّة الأولى التي سوف يمرّ فيها عبر الغابة، ستواجهه مصاعب كثيرة، ومقاومة قويّة في الطريق، ولكن بعد أن يصل إلى نهايتها، ثمّ يعود إلى البداية التي انطلق منها بأوّل خطوة، ويتّبع نفس الطريق التي شقّها من قبل، فسوف لا تواجهه تلك المصاعب التي واجهته في المرّة الأولى، وسيظهر الطريق أمامه سهلاً واسعاً يسير فيه بكلّ حرّية، وكأنّه لم تكن توجد فيه تلك المصاعب التي تلقّاها في البداية أصلا، وإذا عاود السير فيه مرّة ثانية وثالثة، فإنّه سيتحوّل إلى طريق واسع يستعمله الناس دون خوف أو حرج، وكأنّه كان موجوداً وممهّداً من قبل، وربّما سيتحوّل بعد مدّة من الزمن إلى طريق معبّدة تسير فيه السيّارات بدون أيّة صعوبة.
هكذا يشبّه العلماء مخّ الإنسان، ففي كلّ مرّة يحفظ الإنسان معلومة، تظهر له أنّها صعبة الحفظ، وما ذلك إلاّ لأنّها لم تتّخذ لنفسها مساراً داخل أعصابه التي تربط بين خلاياه، وفي كلّ مرّة يكرّرها صاحبها تتّبع نفس المسار، ثمّ مرّة بعد أخرى، حتّى يصبح طريقها سهلاً ميسّراً، تسير فيه بكلّ سهولة، وبقوّة، وبهذا نستطيع أن نفسّر معنى حفظ تلك المعلومة، ومعنى الاسترجاع لها بسرعة ودون مشقّة.
وهذه الحقيقة بالغة التأثير في مجال الذاكرة لمن أراد أن يقوّي ويشحّذ ذاكرته، وبذلك نستطيع أن نفسّر بها مفهوم التطبّع والتعوّد على السلوك والعادات والتعلّم والتطوّر في مجالات حياة الإنسان.
فالقاعدة تقول:
«إنّه مع تكرار الفكرة تقلّ المقاومة، ثم يعمل تكرار تلك المعلومة على زيادة احتمال، أو زيادة فرص تعلّقها بالخلايا العصبيّة بصفة أقوى وأحسن، ثمّ بمعاودة التكرار والمراجعة، تحدث مهارات داخل المخّ «. مثل:
ــ التعلّم ـ النجاح ـ التحسّن ـ الإبداع ـ الذكاء ـ النمو ـ القدرة الذهنيّة. (1/105)
صفحة 106
والله - سبحانه وتعالى - قد خلق المخّ ووهب له قدرة لا نهائيّة على التفكير الإبداعي، وجعل له قدرة لا نهائيّة على خلق أفكار إبداعيّة.
والتفكير الإبداعي هو ببساطة عدم تقديس الماضي بالاستمرار بعمل الأمور بنفس الطريقة السابقة، كما أنّه عبارة عن تعلّم أساليب إبداع جديدة وجميلة، ممّا يوفّر طريقة حياة جديدة.
فالذكاء الإبداعي للعقل القويّ هو قدرته على التفكير بطرق جديدة، وأن يكون صاحبه مختلفاً عن الآخرين، ويستطيع أن يصبح كلّ واحد من الناس مبدعاً في تفكيره، وذلك عندما يدرّب عقله على أخذ المفاهيم القديمة ثمّ إعادة تنظيمها بطرق جديدة، بمختلف التدريبات، وتعلّم تقنيّات التفكير، وكذلك امتلاك القدرة على عكس الأفكار الموجودة، وهذا كلّه يتضمّن مرونةً في التفكير وقدرةً على استخدام جميع الحواسّ في خلق أفكار جديدة.
لقد كان الشاعر الإنجليزي {تيد هوغر} يثبت أنّ استخدام قوّة الترابط والخيال سوف ينمّي الذاكرة إلى حدّ مثالي من الأداء، وقد اعتاد أن يركّز على حقيقة مهمّة، وهي أنّه كلّما زادت غرابة الصور، أي الخروج عن المألوف، قويت الذاكرة.
لذلك يجب على أولياء الأمور إذا أرادوا أن يكوّنوا جيلاً عبقريّاً قويّ المخّ، واسع التفكير، ولديه تفكير مشعّ، أن يبحثوا لهم عن تكوين نماذج جديدة متعدّدة في طريقة تفكيرهم بما يكوّنون في محيطهم من ثراء في المعلومات وفي طرق الإبداع المتعدّدة.
وخلايا المخّ تحتاج دائماً إلى عناصر جديدة من التفكير والإبداع، لأنّها تعتبر كوحدات بناء لصنع مختلف النواقل العصبيّة، فكلّ إبداع جديد يكوّن في المخّ مستوى وقوّة ناقل عصبي معيّن، واختلال نظم النواقل العصبيّة يؤدّي إلى فقدان الذاكرة، لأنّ الخلايا العصبيّة لا تجد المثير الذي يدفعها إلى تكوين الاتّصالات الجديدة بينها وبين الأعصاب المخّية. (1/106)
صفحة 107
وأيّ ضعف في المستقبلات قد يدفع بالخلايا إلى عدم استقبال المعلومات وإلى عدم تخزينها تخزيناً جيّداً بحيث يمكن تذكّرها فيما بعد، والعلماء قد تبيّنوا الآن أنّ الأمر أكثر تعقيداً من مجرّد نقص بأحد النواقل العصبيّة، بل إنّ الأمر يرتكز على جهاز الاستقبال لدى تلك الخلايا، فكما أنّ النواقل العصبيّة بالمخّ البشري لها أهمّيتها، فكذلك فإنّ تنشيط المستقبلات موصلة الرسائل مهمّة، وتنشيط تلك المستقبلات لا يكون، ولا يتحقّق إلاّ بتوفير أفكار إبداعيّة جديدة ومتنوّعة وأحد الاتّجاهات البحثيّة الجديدة تبحث عن كيفيّة خلق عدد لا نهائي من المستقبلات، وكيف نتلاعب بحساسيّتها.
وهذه هي النقطة الهامّة التي يرتكز عليها العلماء، لأنّ تركيبة النواقل العصبيّة المخّية والوظائف الحيويّة الكيميائيّة للمستقبلات تتغيّر دوما، وبعض هذا التغيير يعتمد على توفير تفكير إبداعي جديد في كلّ حين.
وإلى عهد قريب كان العلماء سجناء تلك النظريّة التي وضعها بعضهم، والتي تقرّر بأنّ الذكاء وقوّة العقل هي قوى وراثيّة لا يمكن لأيّ شخص أن يكتسبها على مرّ سنوات عمره، والتي تصوّر بأنّ بناء الذكاء هو عمليّة خارج نطاق سيطرة الأشخاص، وقد تمّ التخلّص سريعاً من هذه النظريّة، وبعد سنوات طويلة من الأبحاث الرائدة في ميدان بناء العقل القويّ، وطريقة عمله، والتحقيق العميق في طبيعة المخّ، أصبح بإمكان الخبراء أن يصرّحوا بكلّ ثقة وثبات بأنّ كلّ إنسان يستطيع أن يقرّر مصير ذاكرته من ناحية القوّة والضعف.
وبشكل عامّ ثبت بطلان فكرتين محوريّتين حول طبيعة المخّ الأولى تلك التي تفترض توقّفه عن النموّ والتغيّر بعد مرحلة الطفولة، أي مرحلة اكتمال تكوّن خلاياه، والثانية هي القائلة بفقدان المخّ لخلاياه بعد سنّ العشرين، أو ما شابه ذلك من هبوط متواصل في القدرات العقليّة. (1/107)
صفحة 108
وقد اتّضح الآن بقدر كبير من القناعة بأنّ خلايا المخّ قادرة على إنتاج زوائد ووصلات جديدة لتكوّن شبكات اتّصال لم يكن لها وجود من قبل، وفي مختلف مراحل العمر، ويكون ذلك بما يقدّم لها صاحبها من غذاء ذهنيّ جيّد ومهمّ، وباستعمالها بشكل متواصل، ومستمرّ، وإيجابيّ.
والعدد الثابت من الخلايا التي يولد بها كلّ شخص لا يعبّر عن حقيقة قدراته العقليّة، والشيء المهمّ هو ما يوفّره له محيطه من غذاء ذهنيّ ثريّ يعينه على تكاثر وتقويّة الوصلات العصبيّة خلال عمره.
الإبداع في التفكير يكوّن لدى الشخص سرعةً وسهولةً في بناء أفكار جديدة وبهذا يستطيع أن يطبّقها بكلّ طلاقة، وذلك يدلّ على المرونة في التفكير، والمرونة هي أن يكون لدى المفكّر قدرة واسعة لرؤية الأشياء من زوايا مختلفة، ممّا يجعله يراها من جهاتها المتعارضة، ويسمّي العلماء ذلك بالتوسّع في بناء الإبداع.
وغالباً ما يتمتّع المبدعون في أفكارهم بالإصرار والمثابرة، ويكونون على خلاف مع محيطهم، وهم يمتلكون مستويات عاليّة من الحيويّة والطاقة، ولديهم ميول للحياة، ويعتبرون شخصيّات نابضة بالحياة، ولديهم اهتمامات واسعة بجميع أنواع الأنشطة الثقافيّة والرياضيّة.
يقول {راي كروك}:
«استمرّ دائماً في بناء أفكار جديدة، لأنّه لا يوجد في العالم شيء يمكنه أن يحلّ محلّ الإصرار والصبر على المثابرة، والموهبة وحدها لا تكفي، فهناك عدد كبير من الفاشلين من ذوي المواهب العاليّة، والذكاء وحده لا يكفي، فكثير من الأذكياء لم يجنوا من وراء ذكائهم شيئاً، والتعليم وحده لا يكفي، فالعالم مليء بالمتعلّمين عديمي الجدوى، ولكن الإصرار والمثابرة قادران على كلّ شيء «.
والحكمة تقول:
«الناجحون لا يتراجعون، والمتراجعون لا ينجحون «. (1/108)
صفحة 109
وكلّنا قد قرأ قصّة الأرنب المغرور، والسلحفاة الضعيفة المثابرة الصابرة، فالسلحفاة فازت ونجحت بسبب مثابرتها وصبرها، أمّا الأرنب المغرور الكسول فقد خرج من المسابقة فاشلاً خاسراً.
وبتدريب أنفسنا على المواظبة والمثابرة على العمل، والتركيز عليه، والتفكير فيه في كلّ وقت وحين، تتكوّن في ذهننا مسارات قويّة تجعلنا نستغلّ كلّ ما لدينا من قوّة ومهارة كي نصل إلى الهدف المنشود، كما أنّنا نجلب لأنفسنا من وراء ذلك احتراماً لذاتنا، ونبني ثقةً لا مثيل لها في القوّة.
قاعدة:
إنّ الغذاء الذهني الثريّ هو الذي يبني التشابكات العصبيّة بين الخلايا، والتي بواسطتها يستطيع العقل أن يعدّل عمله ومرونته، ويسمّي العلماء هذه التقنيّة بالمرونة المخّية، وهذا يعني بأنّ المخّ دائم التغيير، وهو يصلح نفسه بنفسه.
يقول الدكتور الطبيب {راسيل بلاي لوك} بالمركز الطبّي بجامعة ميسيسبي:
«نعرف الآن أنّ حتّى مخاخ البالغين تتغيّر، وتعدّل من تشابك خلاياها «
الخلاصة:
إنّ ما يمهمّ خلال تقدّم الإنسان في العمر ليس حجم المخّ، أو عدد ما تبقّى من خلاياه، بل هو كيفيّة اتّصال ببعضها البعض، وما يمكن فعله في سبيل المحافظة على تلك الاتّصالات، أو تجديدها على مرّ الأيّام، وفي كلّ حين.
العمل والمثابرة والصبر
قاعدة
«إن لم تكن من النوع الذي يستسلم، ابدأ السير في طريق العبقريّة، فأنت فائز ناجح من الآن «.
فعندما يثابر أحدنا على التجربة، سوف ينجح بكلّ تأكيد في خلق المزيد والمزيد من النجاحات، فالنجاح يولّد النجاح، وهذا لا يعني أنّه عندما ننجح، سوف نكتفي بالاستلقاء على ظهورنا قائلين:
«حسناً، لقد نجحنا، إذن سوف نلهو، وندع النجاح يولّد النجاح «. (1/109)
صفحة 110
إنّ ما تعنيه هذه المقولة هو أنّه كلّما أحرزنا نجاحاً، فعلينا أن نضاعف بذل الجهد، حتّى يزداد النجاح سهولة وبشكل طبيعي، ولا شيء يدفع بثقة إلى النجاح وتقويّة العقل مثل تحقيق النجاح نفسه، كما أنّ التكرار يزيد من فرص النجاح.
والله - سبحانه وتعالى - قد فطر العقل على هذه الفطرة العجيبة والمعجزة، كي يداوم الإنسان على العمل والمثابرة، ولا يعجز عن العمل، ولا يستسلم، ويقنع إذا ما حقّق نجاحاً ما، لأنّه كلّما وصل إلى درجة، يجتهد للوصول إلى درجة أعلى منها.
ولكن ليس معنى هذا أن كلّ واحد منّا سينجح لأوّل مرّة يبدأ فيها العمل، وفي أوّل محاولة يقوم بها، بل عليه أن يعمل ويعمل ويحاول ثمّ يحاول، ويتيقّن جيّداً بأنّه لن ينجح عند أوّل محاولة، أو في الثانية، بل كما يقول خبراء النفس:
«إذا سقطت في المرّة الرابعة فستنهض في المرّة الخامسة، وإذا سقطّت في المرّة السادسة ستنهض في المرّة التي تليها، فما عليك إلاّ أن تحاول وتحاول ثمّ تحاول مرّات ومرّات «.
وهذا ربّنا - سبحانه وتعالى - يرشدنا إلى المثابرة على العمل، لأنّه يعلم بأنّ ذلك هو السبيل الصحيح للحصول على النجاح، فقال - عز وجل -:
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69]
يقول {توماس هنري}:
«لا تحتقر الشخص الذي يحاول، ثمّ يفشل، وإنّما الشخص الذي يعجز عن المحاولة «.
ويقول {كونراد هيلتون}:
«يبدو أنّ للنجاح ارتباطاً وثيق الصلة بالعمل، فالناجحون لا يكفّون عن التحرّك، وربّما يخطئون، ولكنّهم لا يتوقّفون عن العمل «.
يقول مثل ياباني:
«إنّ المثابرة تفلّ الحديد «.
والمثل العربي يقول:
«أما ترى الحبل بتكراره على الصخرة الصمّاء قد أثّر «.
وسرّ النجاح يكمن في الصبر على العمل، والمثابرة على الطريق قدر الإمكان، مع تصحيح الأخطاء بكلّ شجاعة. (1/110)
صفحة 111
ومن خلال هذه المقولات والحكم المتواثرة التي قالها الخبراء بعد تجارب واستنتاجات كثيرة، يتبيّن لبني البشر أنّه يوجد هناك مبدأ لا يقلّ أهميّة عن مبدأ النجاح، وهو مبدأ المثابرة، والذي هو أحد المبادئ العقليّة الأخرى.
والمثابرة هي إحدى التقنيّات أو المهارات التي لا ينظر إليها عادة بوصفها إحدى سمات الذكاء، وإنّما يعتقد الكثير أنّها إحدى السمات المناقضة للذكاء، وما ذلك إلاّ لأنّهم يصفون دائما الشخص المثابر الصبور بأنّه عنيد، أو أنّه غير مرن، ويصفونه بأنّ له عقلاً غبيّاً، أو عقلاً متحجّراً، وهذا مناف للحقيقة تماماً.
ولكنّه في واقع الأمر تعتبر المثابرة المحرّك الإيجابي للتعلّم والذكاء، وهي الوقود الذي يدفع المحرّك الذي يوصل صاحبه إلى أعلى مراتب النجاح والتفوّق، وهي أعظم طاقة تقوّي العقل، وتنمّيه، وتطوّره.
إنّنا نجد في كتاب الله - عز وجل - آيات كثيرةً تبيّن أهميّة مواصلة العمل والمثابرة، ومن بين هذه الآيات قوله - سبحانه وتعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -:
- {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} ... [الشرح ـ7ـ8]
عن عائشة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«يأيّها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإنّ الله لا يملّ، حتّى تملّوا، وإنّ أحبّ الأعمال إلى الله ما دُووم عليه، وإن قلّ «. (1)
فنجاح الإنسان متعلّق بمثابرته على العمل والمداومة عليه، وإن كان قليلا.
إنّ أهميّة المثابرة هي ما توصّلت إليه وأثبته بعملها وجدّها أعظم العقول الإبداعيّة على مدى 300 سنة الأخيرة، ومن بين أولئك الذين حقّقوا نجاحات كبيرة بالمثابرة والصبر المتواصل على العمل المخترع {توماس إديسون} (2) الذي يحمل أعلى براءات الاختراع المسجّلة.
__________
(1) أخرجه مسلم (782) وهو عند البخاري بغير هذا اللفظ.
(2) فيزيائي أمريكي ومخترع شهير، من اختراعاته: تحسين الإرسال التلغرافي، والمصباح الكهربائي. (1/111)
صفحة 112
وكما أنّه اشتهر باختراعه للمصباح الكهربائي، وغيره الكثير من الأشياء الأخرى، فقد اشتهر كذلك بعبارته المأثورة عن العبقريّة وعلاقتها بالمثابرة.
{العبقريّة هي 1 % إلهاماً، و99% تحفيزاً ومثابرةً.
هناك مقولة مشهورة تبيّن أنّ المثابرة والمداومة على العمل والممارسة المستمرّة هي التي تحقّق النجاح. وهي:
«الأميال تصنع الأبطال «.
المثابرة هي الرؤية الحياتيّة الواضحة والصحيحة التي تملك القدرة على تحويل العقل العادي إلى أعظم وأقوى عقل، وتحوّل الشخص العادي إلى نموذجاً وقدوةً مبهرةً تجسّد كلّ مبادئ العقل القويّ.
ونتيجة لكلّ هذه الحقائق التي توصّل إليها الخبراء، يتوجّب على كلّ من يريد أن يملك عقلاً قويّاً أن يثابر في تعلّمه وتدريباته، ويركّز على نقطة أساسيّة، وهي أن يترك وراءه الخوف من الفشل، ويطبّق مبدأ المثابرة الذي هو أحد مبادئ تقويّة العقل على كلّ ما يفعله، وأن يتعلّم من كلّ تجربة يمرّ بها.
سرّ شباب المخّ
كلّ إنسان في هذه الحياة يستطيع أن يحافظ على شباب مخّه وجسمه، وأن يضيء عقله بشمعة الذكاء، هذا الذكاء الذي يكشف له كلّ ما يريد أن يعرفه، ويمكّنه من رؤية الخير الموجود بداخله، مهما كانت المظاهر الخارجيّة من حوله في مجتمعه.
كما يجب عليه أن يتيقّن جيّداً بأنّه يسير بتوجيه إلهي، ويعلم أنّ العناية الإلهيّة سترعاه، وتخرجه من الظلمات إلى النور، وترشده إلى ما فيه خيره وقوّته، وحينما يجاهد نفسه ويرغمها على البحث والاستزادة من المعرفة، تأتيه ثمرات مجهوده، والتي تكون عبارة عن نور في قلبه، وبصيرة نافذة. (1/112)
صفحة 113
ولا شيء في هذه الحياة يكوّن في نفس الإنسان الحماس ويجلب له السعادة العقليّة مثل المعرفة الواسعة، ونتيجة لذلك يتحصّل على قلب واثق يستمدّ ثقته من قوّة ربّه القويّ العزيز الجبّار، وعقل قويّ يفكّر تفكيراً إيجابيّاً حسناً، ويصبح تفكيره صحيحاً، وكلامه سديداً، ومواقفه متوازنةً، لأنّه قد تكوّنت لديه شخصيةٌ واثقة بالله - سبحانه وتعالى - وبقدراتها، ولا تنهار سريعاً وبذلك يتحصّل على ثِمار يانعة من تفكيره القويّ والإيجابي، ويستفيد ممّا فيها.
ورؤية الإنسان لنفسه وهو يبني مخّه بنفسه، يدفعه إلى أن يعتقد أنّه يتمتّع بالحكمة في الحياة، ولا يدع مجالاً لتأثير الإحصائيّات التي تضع أمامه صوراً عن العالم المتذمّر من حوله، والصور والأخبار السلبيّة التي تنشر عن كثير من الناس الذين يفقدون ذاكرتهم في مختلف مراحل العمر، وأنّ أغلبيّتهم في هذا العصر يصابون بشيخوخة الدماغ المبكّرة والضعف والوهن والعجز، ومختلف الأمراض والتي تبني فيه تفكيراً سلبيّاً فيدمّر به نفسه ويضعفها، حتّى تصبح في درجة لا تستطيع معها التحمّل.
وكلّ من يريد أن يصل إلى بناء مخّ قويّ عليه أن يرفض تلك التصوّرات، لأنّها كاذبة في الحقيقة، ولكن الناس قد تعوّدوا التفكير فيها في كلّ وقت، وهذه الدعاية الزائفة هو التي أكسبها تلك القوّة المزيّفة، وبعد ذلك يعوّد نفسه الرغبة في الحياة وحبّها، ولا يستمع لتلك الإدّعاءات غير الصالحة، ولا يتركها تفعل فيها مفعولها السيّئ، وعليه أن يتخيّل نفسه سعيداً مبتهجاً وناجحاً وقويّاً وهادئاً.
يقول {شاد هيلمستير}:
«ببساطة يصدّق العقل ما نخبره به كثيرا، وما نخبره به عن أنفسنا، سيصنعه، فهو ليس لديه اختيار «. (1/113)
صفحة 114
وبعد فإن السعادة الكبرى الحقيقيّة، ليست في فهم تعريفات هذه الأسماء ولكن في أن نعيشها في عقلنا، بحيث نرسّخها في تفكيرنا رسوخاً قويّاً، ولا يمكن لنا ذلك إلاّ إذا اجتهدنا، وجاهدنا نفوسنا على ممارسة مختلف الأعمال الصالحة، وإذا أَقبلنا على التفكير في السعادة وحبّ الحياة، فسوف يتلقى قلبنا الباطن المعرفة والسكينة والطمأنينة، وعندئذ نرى السعادة في كلّ شيء من حولنا.
لقد سئلت إحدى المعمّرات التي بلغت سنّ الثامنة عشرة بعد المائة عن سرّ بقائها إلى هذا السنّ، حيث تلقّت التهاني من مختلف أنحاء العالم بكونها أكبر معمّرة في العالم، فقالت:
«كنت أستمتع بحياتي كلّما أمكن لي ذلك، ولا أتحسّر على شيء فاتني، وأتصرّف بوضوح وأخلاق راقيّة من دون ندم، وأعتقد في داخل نفسي أنّني محظوظة حقّاً لبلوغ هذا العمر «
وعندما بلغت الثانية والعشرين بعد المائة، كانت ابتسامتها مشرقة كما كانت من قبل.
علينا أن نجعل روح الجمال والحقّ والخير تتحرّك في عقلنا الباطن إذا أردنا حقّاً أن نبني عقلاً قويّاً جيّد التفكير، وأن نعلم أنّنا ما دمنا على قيد الحياة فنحن نستطيع أن نجعل عقولنا تعمل بكامل قوّتها وإيجابيّتها، وذلك بجعلها تهتمّ بأنشطة الحياة الذهنيّة والروحيّة، وأن نرى أنّ الحياة التي نحياها هي بلا حدود، وبذلك ننعش خلايانا العقليّة التي نملكها، ونحميها من الذبول أو الموت.
ومن طبيعة العقل أنّه يضعف عندما يتوقّف عن الأحلام، فيفقد اهتماماته بجوانب الحياة، وفي ذلك الوقت ينصرف للتفكير في النواحي السلبيّة في واقع الحياة، في حين أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلقه للعمل والتفكير في الجوانب الإيجابيّة المهمّة، ولم يخلقه للاستكانة والجمود، ويصبح صاحبه في تلك الحالة عصبيّ المزاج وكثير القلق، وليس هناك شيء يجلب للعقل التعب والفشل والضعف مثل هذه التوجّهات.
الخوف من ضعف الذاكرة (1/114)
صفحة 115
يقول الفلاسفة والحكماء إنّ الخوف هو العدوّ الأعظم للإنسان، فهو السبب وراء فشل كثير من الخلق، وضعف العقل لديهم والمرض وخلل العلاقات الإنسانيّة.
إنّ كثيراً من الناس يخافون من المستقبل، والشيخوخة وضعف الذاكرة والموت، ولكنّهم لا يعلمون، أو لا يصدّقون بأنّ الخوف ما هو إلاّ تصوّرات وأفكار كوّنها الإنسان في نفسه على مرّ الأيّام والحوادث ومختلف الضغوطات التي تمرّ به، فهذا يعني أنّنا نخاف من أفكارنا وتصوّراتنا ليس إلاّ.
يقول {ونستون تشرشل}:
«عندما أعيد النظر في مشاكلي، أتذكّر قصّة ذلك الشيخ الذي كان يقول لمن حوله، وهو على فراش الموت، إنّه كان يتمثّل له الكثير من المتاعب في حياته، ولكنّ معظمها لم يحدث «.
ومعظم المخاوف التي نفكّر فيها لا وجود لها، وليست حقيقيّة، فهي مجرّد مزيج من الأوهام المشؤومة، والتوقّعات غير الثابتة.
لذلك يقول الفيلسوف {رالف إمرسون}:
«افعل الشيء الذي تخاف منه، وتخشاه، وبذلك يصبح موت الخوف مؤكّداً «.
وبنفس هذا التفكير تستطيع أن تبني عقلاً قويّاً، وذلك بأن تصرف عقلك عن التفكير في المخاوف التي تتصوّر أنّها تضعف مخّك، والتي تتصوّر من خلالها أنّك لا تملك عقلاً قويّاً مثل الذي يملكه العباقرة والنبهاء والأذكياء.
فعندما تؤكّد بإيجابيّة وثقة قويّة أنّك ستتغلّب على تلك المخاوف، وتصل بمخّك إلى درجة من القوّة والأداء الجيّد، فإنّك ستدفع خلاياه للعمل والنشاط، فتقوى بالتبع أعصابه، وبمرور الوقت ستتدرّب عضلته، وتصبح قويّةً تعمل بطاقة خارقة، ما كنت تظنّ من قبل أنّها ستصل إليها، لأنّه يجب علينا أن نعلم دائماً بأنّ عقلنا مفطور على العمل وفقاً لطبيعة تفكيرنا. (1/115)
صفحة 116
وسبب الإحباط فيما يخصّ النظرة المرضيّة إلى حالة عقلنا يرجع إلى تضخيم الصعاب والعقبات التي هي موجودة في طريق عمله، وأنّها لا بدّ منها، لأنّ الحياة تسير على هذا النمط، ولكن الخوف لا يكمن في تلك الصعاب والعقبات، وليست موجودة في الواقع العملي، بل هي موجودة داخل العقل فقط، وقد تكوّنت على مرور الأيّام بكثرة تفكيرنا فيها، وعلى كثرة تضخيمها، والخوف الكبير منها بأنّها ستقف حجر عثرة في طريق نجاحنا في إنجاز أعمالنا.
ومبدأ حياة العقل بشكل جيّد، ومبدأ قوّته تتدفّق من خلال الإدراك بوعي وانسجام وإيقاع بأنّ طاقة وقوّة القضاء على كلّ النزاعات والصراعات تكمن في داخله، فنحن يجب أن نشتغل بكلّ جدّ وموضوعيّة للبحث عنها، فإذا وجدناها وأدركنا حقيقتها، فستدفع عقلنا إلى العمل بقوّة ونشاط.
فهناك كثيراً من الناس يخشون التقدّم في السنّ، ويشكّون في مستقبل قوّة عقلهم، لأنّهم يتوقّعون تدهوراً عقليّاً وجسديّاً مع التقدّم في السنّ، فيحدث لهم ذلك بسرعة، وما ذلك إلاّ لأنّ الشيء الذي يعتقدونه يحدث لهم، فهم يكثرون من الشكاية والتذمّر من كلّ عقبة تعترض طريق عملهم.
وتوقّع الضعف من قدرات عقلنا هو ضعف أشدّ من ضعفه الحقيقي.
ومن طبيعة الإنسان أنّه يشيخ عندما يفقد الاهتمام بالحياة، وعندما يتوقّف عن الأحلام، ويبتعد عن الاهتمام بالبحث عن معلومات جديدة، والاطّلاع على الحقائق ومعرفتها، ولكن عندما يتفتّح ذهنه لاستقبال الأفكار والاهتمامات الجديدة، يرتفع الستار عن عينيه، ويرى الضوء، الذي يظهر له حقائق الحياة والكون، ويبعث فيه الحيويّة والشباب، وكلّ هذه الغفلة وعدم الاطّلاع هو نتيجة الجهل وعدم الاستزادة من العلم وضيق الأفق. (1/116)
صفحة 117
ويجب على كلّ من يريد الحفاظ على شباب مخّه وحيويّته ونشاطه أن يتطلّع إلى المعرفة، وسعة الأفق، فالحياة كبيرة ومليئة بالعجائب والحقائق التي لا تنتهي، والتي سيظلّ يسبر أغوارها حتّى آخر يوم من حياته، وبهذا يحافظ على نشاط مخّه وشبابه، فالمعرفة لا تتوقّف عند سنّ معيّنة، وليس لها حدّ معيّن، ففي كلّ يوم من الحياة نستطيع أن نتعلّم شيئاً جديداً، وبذلك يحافظ العقل على قوّته وشبابه إلى آخر العمر.
فكثير من الناس يقتلون أنفسهم عقليّاً وجسديّاً بما يفكّرون فيه من تصوّرات سلبيّة يعتقدون أنّها هي أساس الحياة، وأنّهم لا يستطيعون أن يقوموا بشيء إلاّ تلك الأشياء التي وصلوا إليها، فيصابون نتيجةً لذلك بالفتور والاكتئاب، وتضعف ذاكرتهم، وتضمر خلايا مخّهم وجسدهم، وتفقد قوّتها على العمل والتفكير.
في حين أنّ كلّ تلك التصوّرات التي كوّنوها عن أنفسهم هي صور مزيّفة، والحقيقة هي أنّهم يستطيعون أن ينجزوا أكثر من ذي قبل، لأنّهم في كلّ يوم يزدادون تعلّم معلومات لم يكونوا يعلمونها من قبل، ويصبحون أكثر فهماً للحياة والكون من حولهم من خلال زيادة اهتمامهم وتطلّعاتهم للدرجات العليا، وزيادة خطوات إيجابيّة في طريق الحياة.
هناك طرق لا حصر لها لزيادة المعلومات وتقويّة التفكير، وبواسطتها يقوى العقل، ويفكّر تفكيراً إيجابيّاً في مختلف ميادين الحياة، ويزيد اهتمامه بأشياء كثيرة مفيدة، ويتحمّس للأفكار الجديدة الخلاّقة، ويحقّق تقدّماً روحيّاً، ويستمرّ في النموّ، ولو كان ذلك النموّ ضعيفاً، المهمّ أن يحافظ على توازن العقل في عمله وتفكيره.
وبهذه الطريقة يظلّ مخّ الإنسان وجسمه شابين، لأنّ صاحبهما يلهث وراء الأفكار الجديدة الإيجابيّة، ويتعطّش إلى البحث عن كلّ ما هو جديد ومفيد.
استعرض قوّة مخّك (1/117)
صفحة 118
1ــ يتسبّب كثير من الناس في ضعف عقولهم، بشعورهم بالخوف الذي يتكرّر مراراً، ويستطيع الإنسان أن يتغلّب على ذلك عندما يكسر ذلك الاعتقاد السلبي، ويتخيّل النهاية السعيدة، ويدعّم خياله بالثقة والإيمان.
2ــ كلّ واحد منّا يتمتّع بحريّة الاختيار، لذلك فعلينا أن نختار العادات الطيّبة، ونبتعد عن العادات السيّئة.
3ــ علينا أن نراقب جيّداً كيف نبني تصوّراتنا، لأنّ كلّ الصور العقليّة التي نبنيها يدعّمها الإيمان، ويحتفظ بها العقل الباطن، ونتيجة لذلك الاحتفاظ، يجسّدها العقل الواعي في حياتنا الواقعيّة.
4ــ ذكاؤنا المطلق يستجيب لنا، وذلك كلّما تمّ استدعاؤه بالإيمان والثقة، فكلّ مشكلة يوجد حلّها داخل عناصرها، والإجابة على كلّ سؤال توجد داخله.
5ــ المثابرة تولّد العادة، والعادة هي وظيفة العقل القويّ، والقوّة هي أكبر دليل على القدرة العجيبة للعقل، والعادة المسيطرة هي التي تتحكّم في العقل، فما علينا إلاّ أن نبني لعقلنا وتفكيرنا عادات حسنةً جيّدةً، كي نبني لأنفسنا تفكيراً إيجابيّاً قويّاً.
6ــ كلّ واحد منّا مسؤول بصفة مباشرة على بناء وتكوين عاداته العقليّة سواء الحسنة منها، أو السيّئة، وذلك بتكرار الأفكار مراراً، حتّى تترك أثراً في العقل وتصبح شيئاً تلقائيّاً.
7ــ إنّ العقبة الوحيدة التي تقف أمام بناء عقلنا القويّ تكمن في تفكيرنا وتصوّراتنا وخيالنا.
* * *
الفصل الثامن
الثقة بالنفس تبني المخّ القويّ
ابحث عن موقف تحدّي
إنّ عقل كلّ واحد من الناس يبحث دائماً عن التحفيز، وذلك عن طريق حلّ المشكلات التي تعترض طريقه، وهو يرتاح، وينتعش، ويزداد انتعاشه كلّما زاد من حلّ تلك المشكلات، وقد استنتج الخبراء، بأنّ العقل يبحث عن ذلك من طبيعته المفطور عليها، وهو يسأم من الأعمال الروتينيّة والعادية إلى درجة أنّ ذلك يثير ضجره وقلقه، ونتيجةً ذلك إهمال كبير في العمل، أو ملل عميق بسبب غياب الحافز. (1/118)
صفحة 119
لقد ثبت علميّاً أنّ العقل يبلغ أقصى حدود فعاليّاته الذهنيّة إذا كانت قدراته على نفس مستوى التحدّيات التي يجابهها، وكنتيجة لذلك يمكن لأيّ إنسان أن يحوّل أيّ عمل روتيني ممّا يقوم به إلى مهمّة مثيرة، يجنّد فيها جميع ملكاته، ويبتدع أعمالاً محفّزةً يزيد بواسطتها تنشيط جهاز التفكير لديه، كي يوفّر له بذلك التمرينات الرياضيّة اللازمة لتمرينه وتدريبه.
إنّ خبراء الذاكرة يرشدون كلّ من يريد أن يدرّب جهازه المخّي إلى أن يخترع لنفسه أعمالاً ووظائف تحفيزيّةً، وأن يضع أهدافاً قريبةً وأخرى بعيدةً، ويحدّد لمخّه مدّةً من الزمن لكي يحقّق فيها تلك الأهداف، ولا بدّ لنا أن نعلم بأنّه كلّما كانت التحدّيات أكبر كان التحريض للقدرات العقليّة جيّدة، وكان تدريب العقل على التركيز إيجابيّاً، وبذلك تصل تلك القوى إلى أعلى كفاءاتها.
ومعنى هذا أنّ في أعماق المخّ كفاحاً عنيفاً مستمرّاً بين مناطقه المختلفة، ولكنّها لا تظهر، بل نجد آثارها في النتائج النهائيّة التي يحقّقها هذا الجهاز، وإنّ الكثير من جهود العقل واهتماماته وانفعالاته وكفاحه ليس في جوهره إلاّ محاولات نبذلها بواسطة الأعمال اليوميّة، وبعد أداء تلك المحاولات يسكن ذلك التطاحن اللاشعوري.
إنّ نفس كلّ إنسان تحمل داخلها شعوراً فطريّاً بأنّها تحتاج للتحفير، فهي دائمة البحث عن ذلك المحفّز الذي ينشّط فيها مختلف جوانب العمل، لأنّ عقل الإنسان هو وحده الذي تتنازعه الشكوك والتردّد، وغرضه من ذلك هو أن يعلم هل هو يتعلّم بكيفيّة جيّدة أم لا؟. (1/119)
صفحة 120
ومن خلال التحدّي سيعلم المرء كم هي عدد المرّات التي يقتضيها للوصول إلى الممارسة الإيجابيّة أو الدراسة المنتجة، وهذا ما يطلق عليه اسم: محاولات التعلّم، وكلّ إنسان يريد أن يعلم هل عقله يزداد قوّةً في الذكاء والحفظ والاستيعاب فعليه أن يمرّ بمثل هذه التحدّيات، لأنّها تمثّل عدد مرّات المحاولة والممارسة والتعلّم في إطار التطوّر التعليمي.
فهناك هدف هام قويّ خفيّ كامن داخل كلّ أنواع التعلّم، سواءً أكانت المحاولة هي الثانيّة، أو المائة، أو أكبر من ذلك، لأنّه مع كلّ محاولة، وكلّ تحدّي، ومع كلّ تجربة يزداد مستوى التعلّم تحسّناً، لذلك طرح أحد الأساتذة سؤالاً على مئات الآلاف من الطلبة في أكثر من مائة دولة، والسؤال هو:
ــ ما الذي سوف تسعى لعمله؟.
وكانت الإجابات مدهشةً، بغض النظر عن سنّ أو جنس أو أصل أو بلد المجيب، أو مستواه التعليمي، أو اللغة، لأنّها جاءت واحدةً متّفقاً عليها بالإجماع، وهي:
ــ أن يزداد مستواي التعليمي تحسّناً مع كلّ تجربة أقوم بها.
وكذلك يمكننا أن نقول في نتائج كلّ تحدّ نبتكره لنختبر به مستوى قوّة عقلنا.
لذلك يمكن أن نعتبر أنّ من أسباب النجاح عند التعرّض إلى التحدّي هو أن نضع الخوف جانباً، لأنّ الخوف من الأسباب السلبيّة التي تجلب الفشل للمتعلّم.
يقول {دبليو إدوارد}:
«إنّ الخوف يحوم في كلّ مكان، ليسلب من الناس عزّتهم، ويسلبهم كلّ فرصة للمحاولة والمشاركة في الحياة «.
والعقل البشري مصمّم لبلوغ نموذج رائع، وهو النموذج الذي يعرف باسم صيغة النجاح، ومهما تعلّم، وتابع تعلّمه، فإنّ شيئاً لن يحدث إلاّ بعد أن يشرع في المحاولة، وعدد المحاولات هو ما سوف يحكم على تطوّره ونموّه، ورقيّه في التعلّم. (1/120)
صفحة 121
وكلّ التحدّيات التي يتعرّض لها الشخص في محاولاته، سوف تمدّه بمجموعة كبيرة من المعلومات عن المحاولة أو التحدّي، ممّا سيكون بمثابة مردود إيجابيّ كبير من المعلومات الجديدة لكلّ الحواسّ، وهذه هي الأسباب الإيجابيّة التي تشير إلى أهميّة وجود مخّ سليم في جسم سليم، ويجب أن نعلم جيّداً أن هدف العقل هو الوصول إلى النجاح في أدائه، فالنجاح هو غايته الأساسيّة سواءً أكانت المحاولة مجرّد القيام بعمل بسيط غير معقّد، أو تمثّلت في مهام أكثر تعقيداً وصعوبةً في الحياة.
إنّ رغبة العقل الدائمة في مواجهة التحدّيات يدلّ على أنّه يسعى دائماً إلى تحقيق النجاح.
إنّ حقيقة وجود كلّ إنسان في هذه الحياة هي أن يسعى إلى تحقيق النجاح، لأنّه مصمّم لكي يحاول ويحاول، ثمّ ينجح وينجح، ثمّ يخطئ، كي يميّز الطريق الصحيح عن الخاطئ في حياته ويجعلها سجلاّ مملوءاً بالنجاح حتّى في أحلك المواقف، ولكن التفكير السلبي وعدم الاقتناع بذلك النجاح يجعل الإنسان يفكّر في نقاط الضعف والفشل أكثر من تفكيره في نقاط النجاح والتفوّق.
هل ثقتك بمخّك قويّة؟
يقول {أبقراط}:
«الرجل الحكيم هو الذي يعتبر أنّ الصحّة العقليّة هي أعظم نعمة للإنسان «.
إنّ كثيرا من الناس يتمسّكون بتوقّعات غير واقعيّة عن ماهيّة مخاخهم، وعن كيفيّة عملها وتقويّتها، في حين أنّ كلّ واحد منهم ينشد فيها القوّة والكمال، ويريد عقلا قديراً نشيطاً أكثر من أيّ أحد غيره، وإحدى الخطوات الضروريّة التي تعيننا على اكتساب هذا المخّ القويّ الذي يؤدّي عمله كأحسن ما يكون هي أن نراه بطريقة واقعيّة ومتوازنة. (1/121)
صفحة 122
إنّ وضع توقّعات غير واقعيّة نحو عمل مخّنا سوف تجعله يضعف ويمنى بإخفاقات وإحباطات لا نهاية لها، إذن فالشيء الأوّل الذي يكسبنا مخّاً قويّاً هو أن نبدأ في تقويّته وتمرينه هي أن نزيد من تقنيّات إنجازاته قدر الإمكان، وأن نوفّر لأنفسنا سبيلاً لإيجاد معنى وهدف قويّ نستغلّ من أجله هذه الطاقة التي وهبها لنا ربّنا - عز وجل -.
والمخّ غير معصوم، ولكن يمكن السيطرة عليه وتقويّته وزيادة عمله بصفة متواصلة ومستمرّة، لذلك فعلينا أن لا نتصرّف تصرّفات نعتقد فيها بأنّ مخّنا جهاز منفصل عن بقيّة أجهزة الجسم، بل علينا أن نتحدّى السلبيّة التي ننظر من خلالها إلى هذا الجهاز، لأنّ المواقف السلبيّة تساهم بشدّة وحيويّة عاطفيّاً ونفسيّاً في النسيان يوماً بعد يوم.
إنّ التفكير السلبي يكوّن استراتيجيّات عقليّة ضعيفة عبر الأيّام دون أن نشعر، ثمّ تختزن بعمق في العقل الباطن، وتسبّب لنا الشعور والأحاسيس السلبيّة نحو ذاكرتنا، فلا نحاول ولا نعمل على تقويّتها، لأنّ كلّ فكرة نفكّر فيها، يأخذها العقل ويسير في اتّجاهها، ويبحث عن كلّ الملفّات المشابهة لها، والتي تساعدها وتدعّمها في نفس الاتّجاه، وتجعلنا ننجح في تثبيت تلك الأفكار، سواء كانت إيجابيّةً أو سلبيّةً.
فأيّ فكرة نفكّر فيها تصبح اتّجاهاً للعقل، وسيفعل كلّ ما يستطيع لكي ينجح في تحقيقها، ومن المهمّ جدّاً أن نعرف أنّ أيّ شيء نفكّر فيه وندركه، يجعل الذهن منتبهاً إليه في الحال.
والعقل الباطن يقوم ببناء العقل الواعي 24 ساعة في اليوم، بل هو يبنيه حتّى عندما نكون نائمين، ولذلك يجب علينا أن نشحن هذا المركز الذي يعتبر مصدراً للطاقة الجسميّة والعقليّة بمهمّة بناء وتطوير هذا الجهاز الفعّال. (1/122)
صفحة 123
والمشكلة أن كثيراً من الناس يتّبعون الهوى من دون المنهج الصحيح لبناء النفس القويّة، أو العقل الفعّال، ويتحرَّكون حركات عشوائيَّةً، ومع ذلك يتلهّفون ويتمنّون أن يصلوا إلى بناء عقل قويّ، يستوعب أكثر، وبطريقة أسهل، وإلى تحقيق أهداف عالية، ولكن أنّى لهم هذا مع هذا المنهج الذي يتّبعونه.
والغرض من وضوح رؤية العقل، هو أن ندير رادار تفكيرنا حيث يكون طموحنا القلبي، وبذلك نقوم بالأعمال التي تسيّرنا في الاتّجاه الذي نتوق إلى الوصول إليه.
يقول {ميكل دابليو}:
«يتطلّع الناجحون إلى بلوغ عنان السماء، في حين أنّ غيرهم يتطلّع إلى ألاّ تزلّ قدمه عن موضع خطاه «.
علينا أن نزيح عن كاهلنا كلّ ثقل للسلبيّة حتّى نبدأ بالشعور بالرضا نحو ذاكرتنا، ثمّ وضعها في المنظور اللائق بها.
إنّ اضطرابات الجهاز العصبي تنتج عادة وفق نمط معيّن، مثل التدهور البطيء مثل التفكير السلبي في جهاز المخّ، ممّا يكوّن فيه تدهور متباطئ في تماسك وتخزين المعلومات الجديدة في الذاكرة طويلة الأمد، وهذا ينجم عن ضعف في استراتيجيات التشفير والاسترجاع.
إنّ المخّ الذي وهبه لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - بالغ القدرة، ولكن ولسوء الحظّ فإنّ هذه القدرة البالغة تثير في كثير منّا قدراً عظيماً من الخوف من أن نفقدها ونصبح ضعيفي التفكير والحفظ والتذكّر والاسترجاع.
إنّ هذه المخاوف غير الواقعيّة قد تعمل ضدّ صحّة مخّنا وحسن أدائه، ولكن الخطوة المنطقيّة الأولى التي يجب علينا أن نتّبعها لتقويّته هي تعزيز برنامجنا اليومي في تدريب هذا الجهاز، وأن نولّي له اهتماماً كبيراً حتّى نتحصّل على التغييرات الإيجابيّة التي نتمنّاها في أدمغتنا. (1/123)
صفحة 124
وأيّاً كان الشيء الذي يترك انطباعاً في العقل، فإنّه سيظهر في الواقع المعيش، ويوّجه التفكير، ويعكس تأثيره على الشاشة الخارجيّة، والأحداث اليوميّة والتجارب التي يمرّ بها، ولذا فعلى كلّ واحد منّا أن يراقب أفكاره التي يبنيها فيما يخصّ حالة عقله، وفيما يخصّ قوّته، ويوجّه تلك الأفكار بكلّ عناية.
يجب أن نثق بأنّ لمخّنا هفوات وصراعات يمرّ بها من حين لآخر، ولكن ليس ذلك بالضرورة دليلاًَ على ضعفه وعدم أدائه الجيّد، لأنّ مثل هذه الحالات هي مظاهر طبيعيّة لوظائف الذاكرة، ويؤكّد الخبراء بصفة نهائيّة على الأشخاص الذين يصابون بمثل هذه الحالات أن لا يعتقدوا بأنّهم ضعفاء الذاكرة، وأنّهم أصبحوا عاجزين عن الحفظ والاستذكار، فالمخّ عرضة للخطأ مثله مثل جميع الأجهزة الجسميّة التي قد تصاب بضعف من حين لآخر، ولكن ليس معنى هذا أنّه قد فقد كلّ صلاحيّاته وقدراته.
أوضاع مخّك هي معتقداتك وتصوّراتك
يقول {توماس أديسون}:
«لو أنّنا جميعاً نقوم بالأشياء التي يمكننا القيام بها، فإنّنا سندهش أنفسنا دون شكّ «.
ويقول {آرثر كلارك}:
«السبيل الوحيد لاكتشاف حدود الممكن هو أن نتجاوز هذه الحدود إلى عالم المستحيل «.
إنّ أوضاعنا الذهنيّة وتصوّراتنا هي التي تحدّد قوّة عقلنا أو ضعفه، والتصوّرات التي نتصوّرها نحو ذاكرتنا هي التي تحدّد عواطفنا وما ينتج عن عقلنا من تصرّفات، ويمكن للحالة العاطفيّة التي يتعوّد عليها الشخص أن تؤثّر تأثيراً إيجابيّاً أو العكس تأثيراً سلبيّاً على عمل العقل وقوّته أو ضعفه. (1/124)
صفحة 125
والإنسان كالمغناطيس، يجذب إليه الأشخاص والأحداث التي تتناسب مع طريقة تفكيره، وقانون الانجذاب يعتبر من أقوى السنن الكونيّة، وهو يجتذب الأحداث والأشخاص والظروف من حوله عبر موجات كهرومغناطيسيّة غير مرئيّة عن طريق عقله الباطن، فعندما يفكّر في الأحداث الإيجابيّة، فإنّه يجتذبها إليه، وكذلك عندما يفكّر في الأشياء السلبيّة فهو يجتذبها إليه، فلينظر كلّ إنسان ما هو نوع تفكيره.
لذلك علينا أن نراقب بدقّة كلّ فكرة تكوّنت لدينا عن حالة مخّنا، لأنّ كلّ فكرة نكوّنها حول قوّة مخّنا، أو ضعفه، يتمّ قبولها على أنّها حقيقيّة، ثمّ يتمّ إرسالها إلى داخل العقل الباطن، وبعد ذلك يتمّ إعادتها وإحضارها إلى العالم الخارجي الواقعي كحقيقة، لذلك فإنّ مهمّتنا الواجب علينا القيام بها هي أن نغذّي عقلنا الباطن بالمقوّمات المنطقيّة الحقيقيّة، كي نوجّه عادات عقلنا الواعي الوجهة الصحيحة، لأنّه من العادي أن نكتسب مخّاً قويّاً، وإنّه من غير العادي أن نكتسب مخّاً ضعيفاً، لا يستطيع أن يؤدّي دوراً جيّداً في هذه الحياة.
إنّ كثيراً من الناس يحملون تصوّرات خاطئةً عن قوّة استيعاب أدمغتهم، خاصّة عن التقدّم في العمر، لذلك ابتكر العلماء تدريبات وتمرينات مختلفة لهذا الجهاز حتّى تساعده على تخفيف أيّ عواطف سلبيّة ناتجة من هفوات الذاكرة.
إنّ الأوضاع الذهنيّة مهمّة للغاية لصحّة المخّ وقوّة عمله، وللعمل الصحّي للذاكرة، وللمساعدة على تحسينها، لذلك يجب وجوباً أن نقيّم الأوضاع الذهنيّة التي نتصوّرها نحو ذاكرتنا، وأن نعدّل منها إن كانت سلبيّة، لأنّ تلك المواقف والتصوّرات غير السليمة تجعل الذاكرة تعمل بشكل سلبي، وكلّ ذلك يسبّب الجهل الكبير لمختلف تقنيّات عمل الذاكرة، وبسبب هذا القصور في المعرفة يجعل تلك الأفكار السلبيّة تستحوذ على تصوّراتنا وتفكيرنا، وهي تعمل بالفعل ضدّ العمل الصحيح والجيّد للذاكرة. (1/125)
صفحة 126
إنّ الاعتقاد التكيّفي نحو ذاكرتنا هو اعتقاد يشجّع على العمل والنموّ الجيّد للذاكرة، وهو يدفع إلى الصبر والمثابرة في سبيل تقويّة المخّ بمختلف الطرق، كما أنّه يعتبر اعتقاداً مرناً يناضل صاحبه من أجل التغيير إلى الناحية الإيجابيّة.
يقول {كونفيوشيس} حكيم من حكماء الصين: (1)
«ما ينشده الرجل السامي، يجده في داخل نفسه، وما ينشده الرجل العامّي يجده في الآخرين «.
أمّا الاعتقاد غير التكيّفي فهو لا يشجّع على نموّ المخّ، ولا على بقائه في هيأة جيّدة قويّة، إذ أنّ هذا الاعتقاد لا يقبل التغيير ولا الزيادة، إن لم نقل بأنّه يقود صاحبه إلى نقصان قواه التفكيريّة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، لأنّ تلك الإدراكات السلبيّة لا تعكس بالضرورة الكفاءة الفعليّة للعقل، وعند ذلك يصل الشخص إلى أن يعتقد بأنّ أداءه العقلي سيء بالفعل.
فإن اعتقد الشخص بأنّ عقله ضعيف وغير قادر على أن يعمل بشكل أحسن، فإنّ كلّ تدريبات العالم لتحسين قوّته وأدائه لن تنفع معه، والشيء المهمّ هو أن يفتح الإنسان ذهنه ليؤمن بأنّ ذاكرته ليست كياناً مسطّحاً ذا بعد واحد، بل هي كائن مستدير متعدّد الأبعاد، قادر على التكيّف والنموّ، وأن يقطع الحبل الذي يمسكه في مكانه، ولا يتركه يتجوّل بحريّة وطلاقة، ليقويّ مخّه، فيصل به إلى حالته الحقيقيّة التي يمكن أن يكون فيها بكلّ سهولة.
الأهداف الواقعيّة تبني المخّ القويّ
كلّ واحد منّا يجب أن يسأل نفسه هل كانت الأهداف التي حدّدها لنفسه هي أهداف واقعيّة؟ أم غير واقعيّة؟
فالمخّ لكي يكون قويّاً يحتاج إلى مكافأته على الجهود التي يبدلها، وإلاّ فإنّه سيصاب بالإحباط، ونتيجة لذلك ينقص أداؤه، وبمرور الوقت يضعف.
__________
(1) كونفوشيوس: فيلسوف صيني، (551ـ 479 ق. م) أسّس مذهباً أدبيّاً، يدعو إلى حياة عائليّة واجتماعيّة مثاليّة. (1/126)
صفحة 127
فعندما تكون الأهداف صعبةً لا يمكن تحقيقها، فإنّ الجهود التي نبدلها ستذهب هباءً منثوراً، ولكن المشكلة أنّ العقل يكوّن لنفسه تصوّراً سلبيّاً بأنّه ضعيف، وأنّه لا يقدر على تحقيق مثل هذه الأهداف، في حين أنّها ممكنة التحقيق في الواقع، فيغرق في بركة من العجز، ويفقد قوّته.
ومن جهة أخرى فإنّ الأهداف الواقعيّة ممكنة التحقيق تجلب المكافأة، وبالمكافأة يتشجّع العقل لبذل جهد أكبر يؤدّي إلى نمائه، لأنّ وضع أهداف واقعيّة هو الوسيلة لبدء تعديل المعتقدات، وينبغي أن تكون تلك الأهداف نابعةً من داخل النفس، مع وضع توقّعات عن كون هذه الأهداف أكثر قابليّة للتحقيق.
إنّ التفكير في تحقيق الأهداف الواقعيّة ممكنة التحقيق يؤدّي إلى تطوير أوضاع ذهنيّة منطقيّة وتكيّفية، وتفتح العقل لإمكانات جديدة، وبذلك يصبح قويّ الانتباه، ويعتبر الانتباه كحجر الزاوية في تعزيز الذاكرة، لأنّه يجعل الشخص حاضراً في بيئته حضوراً كاملاً، وتكون حواسّه مستعدّةً لاستيعاب أكثر ممّا يتمنّاه صاحبها.
ويكون الاستيعاب جيّداً إذا كان الهدف منه هو خدمة غرض مفيد، لأنّه في ذلك الوقت يصبح الانتباه والتركيز شيئين مهمّين وملّحين وضروريين، وسيرشد الانتباه في ذلك الوقت الحواسّ إلى ما يجب أن تمتصّه، ليذهب إلى موضع التخزين طويل المدى للمعلومات.
وسعادة المخّ وعمله تكمن في أن يعتقد ما صح وما هو مقَبوِلَ العقل، وما أكدّتُه الفطرة، وما أيّده الواقع، واقعٌ ونقل وعقل وفِطرة، هذا هو الحقّ فإذا انطلق العقل في عمله اليومي وفي نشاطه من نقل صحيح و عقل راجح ومن واقع دقيق و فِطرة سليمة، فإنّه سيجد راحةً لا تقدّر بقيمة، وتلك الراحة تدفعه إلى العمل بطبيعته التي فطر عليها.
التركيز على الانتباه (1/127)
صفحة 128
يعتبر الانتباه الجيّد من بين الآليّات الواعيّة التي نبني عقلاً قويّاً، لأنّ العقل القويّ شديد الحساسيّة، لذلك تتكوّن فيه مهارة الانتباه والملاحظة المركّزة، وهذا ممّا يجعله جيّد الحفظ والاستيعاب، فنتيجة عمل المخّ القويّ مبنيّة على درجة الانتباه الذي يتكوّن لديه على مرّ الأيّام، والانتباه يتطلّب جهداً واعيّاً من طرف العقل، وهذا ما لا يمكن أن يصل إليه إلاّ المخّ القويّّ، أمّا إذا كان المخّ ضعيفاً، فهو كثير الشرود والتشتّت.
ولكي يمتصّ المخّ معلومةً معيّنةً في الذاكرة، ويضع لها آليّةً واعيةً للاسترجاع فيما بعد، ينبغي أوّلاً أن يولّي لها انتباهاً واعيّاً، وعليه أن يأخذ المادّة المراد تذكّرها ذهنيّاً، ويقوم بليّها ولفّها عدّة مرّات، ولا يترك المعلومة تذهب، والذاكرة تكون جيّدةً وقويّةً بقدر الجهد الذي يبذله المخّ من الانتباه، والمخّ القويّ هو الذي يمكن له أن يقوم بهذه العمليّات بشكل جيّد، لأنّ مهارة الانتباه هي في الحقيقة تقنيّة أكثر تعقيداً ممّا يظنّه كثير من الناس.
تبيّن الدراسات والتجارب المختلفة بأنّ الفرق في عمل مخّ الشباب والمسنّين يكمن في قوّة الانتباه إلى حدّ كبير، هناك أنواع مختلفة من الانتباه:
ــ التركيز: (الانتباه المستمّر أو المركّز)، وهذا لا يستطيعه إلاّ مخّ قويّ ذو خلايا متّصلة فيما بينها بأعصاب قويّة متينة.
ــ اليقظة: والمخّ الضعيف لا يمكنه أن يكون يقظاً طوال الوقت بما يكفي، لأنّ اليقظة هي نوع من المهارة التي تجعل العقل قادراً على كشف كثير من الإشارات التي يحتاجها لاستيعاب كثير من المعلومات، وتقتضي اليقظة استمرار الانتباه حينما لا يكون ثمّة ما يسترعي الانتباه. (1/128)
صفحة 129
ــ الانتباه المقسّم: وهي القدرة على أداء مهمّتين مختلفتين في نفس الوقت، وهذا لا يستطيعه إلاّ القليل من الناس ممّن يملكون عقولاً قويّةً، حافظوا عليها بمختلف التدريبات والتمارين التي تحتاجها عضلاتها، ويمكن أن يحدث هذا مع مؤثّرات حسّية متشابهة، مثل الإنصات لشخصين، أو مع مؤثّرات حسّية متنوّعة، مثل التفرّج على فيلم، وفي نفس الوقت القيام بالحسابات.
الانتباه الانتقائي: وهو القدرة على الانتباه لمؤثّر واحد، بينما تغفل الآخر.
التقصّي والاختيار: القدرة على إيجاد مؤثّر معيّن من بين كثير من المؤثّرات، ويشبّه العلماء ذلك بالبحث عن إبرة في كومة من القشّ، وأحد أفضل الأمثلة على ذلك هو البحث التقليدي عن الكلمات المتشابهة.
الربط يقوّي خلايا المخّ
ليست الذاكرة كياناً جزافيّا، وليست عمل خلايا عملاً غير منتظم، والدليل على ذلك أنّ ثمّة كثير من الأسباب تجعلنا نتذكّر بعض المعلومات التي نريد تذكّرها، كما أنّ هناك أخرى تجعلنا نتذكّر بصفة أحسن وأفضل، وبعبارة بسيطة أنّه كلّما ترسّخت المعلومة داخل المخّ بشكل منظّم كان حفظها أعمق، وتذكّرها بعد مدّة من الوقت أسهل وأسرع.
ولتقويّة عمل المخّ وأدائه الحسن في استيعاب المعلومات ومحاولة تذكّرها فيما بعد فما علينا إلاّ أن نبذل شيئاً من المجهود في البداية، أي في حفظ تلك المعلومات، لأنّ ذلك المجهود سوف يجعله يغتنم الوقت والجهد عند محاولة استذكار تلك المعلومات، وهناك طرق كثيرة مفطور عليها المخّ اكتشفها الخبراء بقصد تعزيز التشفير العميق للمعلومات الجديدة التي نريد حفظها واستيعابها. (1/129)
صفحة 130
فعندما نعمل على تشفير المعلومات وتعزيزها بقدر كبير ومتنوّع من الخصائص والثراء، فإنّها ستكون أكثر احتمالا لأنّها ترسخ بقوّة في الذهن، وأكثر احتمالا لأن يكون استذكارها فيما بعد أسرع وأسهل، ويسمّي العلماء مثل هذه الحالة بالذاكرة المزهرة، لأنّ كلّ هذه التقنيّات تتوافق مع الفطرة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها أدمغتنا، ومع الخصائص التي تختصّ بها، وتميل إليها.
وعمليّة تزويد المعلومات بخصائص ثريّة تسمّى الارتباط، والارتباط عمليّة يقوم بها كلّ من تعلّم واطّلع على تقنيّات تقويّة عمل العقل، لأنّ تلك التقنيّات تجعل العقل ينتبه ويتدرّب أكثر وأفضل، ممّا يجعل الوصلات العصبيّة تزداد وتنمو، لأنّنا بذلك سنضيف خصائص جديدة للمعلومات، والتي تسمّى بتشفير المعلومات، وهذه التقنيّة تجعل المعلومات ترسخ على مستوى أعمق، وعند مستويات متعدّدة داخل الذاكرة.
إذن بهذا التشفير نكوّن الارتباط القويّ بين مختلف المعلومات في مواضيع مختلفة ومتنوّعة، وهذا يجعل أغلبيّة عضلات المخّ تتدرّب وتتمرّن، ونحن نعلم أنّ المخّ يتكوّن من عدّة عضلات، لأنّه كما نجد أنّ بعض التمارين الرياضيّة الجسديّة تتطلّب استعمال عضلات متعدّدة في نفس الوقت، فكذلك بعض التمارين العقليّة تتطلّب استعمال عدّة عضلات للمخّ في آن واحد، وكلّما استعملنا عضلات أكثر صار التمرين العقلي أفضل.
وقد حدّد بعض الخبراء عضلات المخّ بثلاثين عضلة، منها: (1/130)
صفحة 131
عضلة الربط، (الارتباط)، عضلة التتابع، وهذه العضلة هي التي تجعل المعلومات المختلفة تتتابع في الظهور، وذلك حسب نوع الارتباط التي ربطت بها عند تعلّمها، وتلقّيها، وهناك عضلة التشابه، وهي التي تجعل المعلومات المتشابهة تظهر تباعاً دون بدل جهد كبير في استذكارها، وعضلة الاستنباط، وعضلة الاستنتاج، وعضلة التركيب، إلى غير ذلك من العضلات المتعدّدة التي تجعل المعلومات ترتبط ببعضها البعض، وكلّما استخدمنا عضلات أكثر كان رسوخ المعلومة أحسن وأفضل، وكان تسجيلها عند مستويات متعدّدة، وبهذا نستطيع أن نؤكّد نجاح وسهولة الاستدعاء أو الاسترجاع فيما بعد.
يقول {أرسطو}:
«إنّ أكبر أمارات العقل المتقدّم هي قدرته على التفكير من خلال المجاز «.
أي العثور على مزاوجات تربط بين الأشياء المختلفة أو المتباينة.
وكما يقول الخبراء بأنّ كلّ كلمة لها معاني وأصوات وارتباطات لا نهائيّة، تشعّ إلى الخارج مثل ما تتكوّن الدوائر على بركة من الماء عندما نرمي فيه بحجرة، ونحن نلاحظ بأنّ تلك الدوائر تبدأ صغيرة ثمّ تتوسّع، وتكبر حتّى تعمّ صفحة البركة إلى أقصى درجة ممكنة، فكذلك الكلمة كلّما استخرجنا منها معنى جديداً زاد دائرة استعمالها وتطبيقها في الواقع، وهذا يتطلّب استعمال أقصى تقدير للعقل، ممّا يمرّن أكبر عدد من العضلات، وكلّ هذا يعتبر تقويّة له.
يقول {أوليفر هولزر}:
«الكلمة ليست بلورة تكشف عمّا فيها، ولا تتغيّر، بل هي قشرة فكرة حيّة، تتلوّن وتتبدّل باستمرار حسب المحيط الذي تستعمل فيه «.
والعقل القويّ قادر على النظر من زوايا مختلفة في آن واحد، وأن يثير أسئلةً واحتمالات جديدة، يجعلها عبارة عن ملاحظات تشفّر بها عمليّة الربط، وهذا ممّا يؤدّي إلى قفزات حقيقيّة في التعلّم. (1/131)
صفحة 132
وإحدى طرق الربط هي أن نحاول استخدام الحواسّ الخمس جميعها عند تعلّم تلك المعلومات، وطريقة أخرى وهي أن نستخدم أنظمة فرعيّة مختلفة من الذاكرة، مثل الذاكرة البصريّة مقابل الذاكرة اللفظيّة.
فكّر في أسباب الحفظ والتذكّر
كان أحد الصحافيين الروسيّين يحضر الندوات الصحفيّة ولا يحمل معه قلماً ولا ورقةً لتسجيل ما يجب تسجيله، والشيء العجيب أنّه كان يعيد ما يقال في الندوة، وما أثار دهشة الحاضرين أنّه يمكنه تذكّر كلّ ما يقوله رئيس التحرير في الندوة، كلمةً بكلمةً، وجملةً بجملةً، وإيماءةً بإيماءةً.
وقد اهتمّ به الدكتور النفساني {ألكسندر لوريا} والخبير في الذاكرة، وكان يخضعه لاختبارات وفحوصات متواصلة.
وتأكّد {لوريا} أنّ الصحافي كان طبيعيّاً، وأنّ ذاكرته كانت رائعةً، وأنّ سبب ذلك أنّه قد اطّلع مصادفةً وهو في سنّ مبكّرةً جدّاً على المبادئ الأساسيّة لتقويّة الذاكرة، وصار يطبّقها في أعماله اليوميّة، فأصبحت تلك القواعد جزءاً من وظيفته الطبيعيّة.
ويقرّر علماء الذاكرة بأنّ حالة هذا الصحافي لم تكن نادرةً، فتاريخ التعليم والطبّ وعلم النفس مليء بحالات مشابهة لأشخاص لديهم ذاكرة رائعة مثل هذا الصحفي، وفي كلّ مناسبة وفحص يثبتون بأنّ عقولهم طبيعيّة جدّاً، وأنّ كثيراً من هؤلاء يكونون قد اكتشفوا منذ صغرهم المبادئ الرئيسيّة لوظيفة ذاكرتهم.
ومن هذه التقريرات نستنتج بأنّ كلّ من يريد أن يقويّ مخّه، وأن يكتسب ذاكرةً جيّدةً مثاليّةً عليه أن يهتمّ بمهارات الذاكرة وتدريباتها التي اكتشفها الخبراء بعد تجارب متواصلة وملاحظات كثيرة، وربّما يعتبر هذا من مسؤوليّة الوالدين والمربّين والموجّهين، فهم الذين يوجّهون الجيل الصاعد إلى تعلّم وتطبيق مثل هذه المهارات. (1/132)
صفحة 133
فعلى كلّ واحد ممّن يريد أن يقوّي ذاكرته أن يتعلّم ويتدرّب على التركيز بأفضل طريقة يستطيع أن يتعلّم بها المعلومات، ويركّز على أسباب التذكّر، ويقوم ببعض الاستقصاء، حتّى يكتشف أيّ الظروف التي تزيد من احتمال تذكّره للمعلومات، ويستطيع أن يبدأ بتحديد لماذا يتذكّر، وكيف يتذكّر أكثر، وما هي المعلومات التي يتذكّرها بشكل أحسن، ثم يحاول أن يعرف كيف حفظها واستوعبها، حتّى يطبّق تلك الطريقة مع حفظ المعلومات الأخرى.
يحتوي معتقد الإنسان على مكوّنات عاطفيّة ومنطقيّة يجب عليه أن يفحصها ويضبطها بدقّة ليعزّز عمل عقله بشكل أفضل، وبذلك يستطيع أن يستبدل الاستراتيجيّات غير المحدّدة وغير الفعّالة للذاكرة باستراتيجيّات جديدة تعزّز نقاط القوّة العقليّة.
إنّ الدكتور {مارك روزنرويج} طبيب النفس والأعصاب من كاليفورنيا قد أمضى أعواماً من حياته العلميّة التجريبيّة في دراسة الخليّة العصبيّة وقصده من وراء ذلك معرفة سعة تخزينها للمعلومات المختلفة.
وقد صرّح في بداية عام 1974 بأنّه إذا ما قمنا بإدخال عشر معلومات جديدة كلّ ثانية في مخّ إنسان طبيعي طوال حياته التي يحياها بأكملها، فإنّه سيتمّ ملء أقلّ من نصفه فقط، وأكّد أنّ مشاكل الذاكرة وقوّة العقل ليست لها علاقة بسعة المخّ، وإنّما ترجع إلى معرفة الإنسان لكيفيّة إدارته لتلك السعة غير المحدودة.
وقد أكّد البروفيسور الكندي {وايلدر بنفيلد} أنّه يوجد بداخل كلّ خليّة، أو مجموعة من الخلايا العصبيّة مخزوناً رائعاً لكلّ حدث تمّ في الماضي، وأنّه إذا أمكننا إيجاد المنبّه المناسب، يصبح في مقدور كلّ واحد منّا إعادة تشغيل الفيلم بأكمله.
وأنا أقول قبل أن نبحث عن المنبّه المناسب لكي نتذكّر المعلومة التي هي مخزّنة داخل الخليّة، علينا أن نجد المنبّه المناسب للخليّة عند إرادة حفظ تلك المعلومة، وذلك ما يسمّيه علماء الذاكرة بتشفير المعلومة. (1/133)
صفحة 134
إنّ مخّ كلّ واحد من الناس في هذا الكون هو عبارة عن لوحة المفاتيح التي يمكن أن يعزف عليها مئات الملايين من الألحان المختلفة.
فكلّ من يتعلّم ويطبّق تقنيّات عمل الذاكرة، والتي هي من طبيعة العقل وفطرته، فستصبح ذاكرته أفضل بكثير ممّا كان يعتقده من قبل، وستتحوّل إلى آلة رائعة، وينسى تماما ما كان يعتقده من قبل بأنّ لديه ذاكرةً غير ملائمة أو سيّئة.
ويجب على كلّ واحد منّا أن يجعل ثقته في محلّها فيما يخصّ عمل مخّه، إذا أراد أن يزيد قوّته، ويقوى استيعابه، وأن يكتسب توقّعات إيجابيّة عن ماهية ذاكرته، وعن كيفيّة عملها، وأن ينشد الكمال لها، وبذلك يجعل عقله ينمو، ويتطوّر، ويزداد من قوّة عمله يوماً بعد يوم.
وهذا الجهاز المخّي يضعف ويفقد قدرته على الاستيعاب الجيّد كلّما افتقر إلى التدريب المناسب، وعبر الحدود العالميّة والثقافيّة فإنّه لا يمكن أن نرجع ضعف الذاكرة إلى مجرّد الوراثة، كما يميل إليه كثير من الناس لتبرير ذلك، ولكنّ ذلك يرجع إلى عاملين بسيطين وقابلين للتغيير بسهولة، وهما:
ــ التفكير السلبي في الذاكرة.
ــ عدم الاستزادة من المعرفة في مختلف مراحل العمر.
إنّ كلّ من يريد أن يكتسب مخّاً قويّاً، وذاكرةً نشيطةً، فعليه أن يوظّف كلّ بصيرته والتزاماته ومثابرته في التدرّب ليحقّق المستحيل.
إنّ إمكانيّة تحسين المخّ وتقويّته يرتكز على المنظور الذي يتمسّك به الشخص تجاهه، لأنّ العقل يستطيع أن يستوعب أفكاراً بقدر عدد ذرّات الكون، ولكن النظرة السلبيّة التي يفكّر بها كثير من الناس نحوه تصبح كفرامل، تحدّ من الانطلاقة الجيّدة، والتي هي سبب لاكتساب تلك القوّة والمقدرة غير المتناهيّة.
والشخص الناجح هو الذي ينظر إلى عقله نظرةً إيجابيّةً ويقتنع بأنّه قويّ يستطيع أن يستوعب ما لا يتصوّره من المعلومات المختلفة.
العقل يبحث دائما عن الحقيقة
يقول {وليام شكسبير}: (1/134)
صفحة 135
«إنّ عظمة الوقت هي أنّه يثلج صدر الملوك المناضلين، ويكشف عن الكذب، ويبرز الحقيقة «.
ويقول {جون ميلتون}:
«إنّ الملامح المشرقة للتمسّك بالحقيقة هي الملاذ الهادئ المنعش للإنجاز «.
والإنجاز الحقيقي والقويّ لا يكون إلاّ من طرف عقل قويّ متمكّن في التفكير، لذلك فمن حقّ الأولاد على أوليائهم أن يربّوهم على معرفة حقيقة كلّ شيء يوجد من حولهم.
فالفطرة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها مخاخ الناس، والتي جعلها من طبيعتها هو البحث عن الحقيقة، والتي هي آليّة أساسيّة لتحافظ بها على بقائها وحيويّتها وعملها وقوّتها.
ولذلك يخبرنا التاريخ بأنّ العباقرة والمفكّرين قد أقرّوا أن هدفهم الأساسي في هذه الحياة هو البحث عن الحقيقة.
فعلى المربّين الذين يريدون بناء مخاخاً قويّةً لأولادهم أن يكوّنوا لهم تصوّرات صحيحةً وحقيقيّةً عن العالم الذي من حولهم ويبنوا قراراتهم على بيانات ثابتة، وقد استنتج العلماء أنّ العقل إذا ما تحصّل على بيانات صحيحة، فسوف يصدر قرارات أكثر ذكاء، وأصحّ رؤية، وذلك ممّا يزيد من فرصه في العمل والنموّ والاستيعاب، ليضمن لنفسه البقاء.
أمّا إذا تحصّل على بيانات خاطئة عن العالم من حوله، فإنّه سوف يصدر قرارات مبنيّةً على بيانات خاطئة، ممّا يعرّضه للخطر، لأنّه سيتكوّن لديه تفكير سلبيّ، متناقض، وهذا ما يدفعه إلى الفشل في التفكير، فيضعف بذلك عمل الخلايا المخّية، ويضعف عمله ككلّ.
فإذا أردنا أن نكوّن جيلاً عبقريّاً، يتمتّع بأدمغة قويّة، فعلينا أن نرغّبه كي يهتمّ بما حوله من الأشياء والمعلومات الثابتة، وأن نجعل الحقّ منهاج حياته، كي يستطيع اقتحام جميع ميادين الحياة، ويصبح جيلاً إيجابيّاً ناشراً للعلم والخير والصلاح في جميع الاختصاصات، عند ذلك سينجح في الحياة الدنيويّة ويفوز برضا ربّه في الدار الأخرويّة. (1/135)
صفحة 136
والقراءة وسعة الاطّلاع أشبه بمنجم ذهبي لبناء العقل القويّ، وكلّما نقّب القارئ المخلص عن الحقيقة فيما يقرأه، ويطالعه، امتلك المزيد من التفكير، لأنّه لا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى - ما في سعة الاطّلاع من تقنيّات التفكير، والتي تلائم خلايا مخّ الإنسان ملاءمةً كبيرةً، ومن أجل ذلك فقد بدأ كلامه بالأمر بالقراءة والتعلّم، وأرشدنا أن ندعوه بأن يزيدنا من العلم. فقال - عز وجل -:
- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ... [العلق ـ1ـ 5]
وقال - عز وجل -: - {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ... [طه ـ 114]
إنّ كثرة القراءة والمطالعة تجعل العقل يتعلّم تقنيّة تفكير إيجابيّة يمكننا أن نطبّقها في كلّ جوانب حياتنا، فضلاً عن أنّها أداة سوف تمكّننا من تحقيق كلّ أهدافنا المرجوّة، وهذا ممّا يبعث في العقل القوّة والاستمراريّة، لأنّ الإنسان كلّما حقّق هدفاً يزداد به العقل تحفيزاً، فيزيد من عمله، ويعتبر العلماء أنّ ذلك العمل هو عبارة عن رياضة وتمرين لعضلة المخّ.
يقول {فرانسيس بيكون}:
«إنّ المعرفة هي قوّة العقل في حدّ ذاتها «.
وهذه الأطر التفكيريّة الإيجابيّة التي تتدرّب عليها عقولنا بعد تحقيق كلّ هدف من الأهداف هي التي تدعّم تفكيرنا، ونتيجةً لذلك تقوى عقولنا، لأنّ ذلك يعتبر غذاءً ذهنيّاً قويّاً، يقوّي فيه الخلايا المخّية التي يعلم الله - سبحانه وتعالى - وحده كيفيّة عملها، وأسس تقويّتها، كما أنّها هي التي تضمن إطالة عمل تلك الخلايا.
إنّ من إحدى الأخبار السارّة التي جلبتها إلينا معامل دراسة المخّ أنّنا بطبيعتنا كبشر نميل إلى الصدق، ونهتمّ بالتوصّل إلى الحقيقة.
إذن فالمخّ ما هو إلاّ أداة للبحث عن الحقيقة. (1/136)
صفحة 137
وربّما يتساءل البعض لماذا يكون لزاماً على المخّ أن ينقّب عن الحقائق؟
والإجابة: لأنّنا نحتاج إلى معرفة الحقيقة حتّى نتمكّن من الحياة والبقاء، والله - عز وجل - الذي خلقنا هو الحقّ، فلذلك فقد فطر هذا العقل الذي خلقه على الإيمان بالحقّ، والبحث عن الحقّ.
فنحن بحاجة لأن نعرف حقيقة كلّ سبب وتأثيره، ونحتاج لأن نعرف ما يحدث من حولنا، سواء كان في نطاق إدراك حواسنا، أو خارجا عنه، فنحن بحاجة لمعرفة الحقيقة، كي نسير على بصيرة من أمرنا وعلى طريق ثابت.
والذي ضيّع الناس في مختلف أنحاء المعمورة هو الباطل.
فعندما نتحدّث إلى أنفسنا فنحن بحاجة لأن نخبرها بالحقيقة بقدر ما نستطيع وبأوضح شكل ممكن، وإلاّ فإنّنا سنصبح في تناقضات، فكلّما أردنا الوصول إلى هدف نسقط في وسط الطريق، لأنّنا غير واثقين من أنّ ذلك الطريق سيوصلنا إليه من دون شكّ.
والذي ضيّع الناس هو ما يعيشون فيه من أباطيل ومتاهات وتُرّهات وأضاليل وأكاذيب، فهناك حقائق مُزوَّرة لا تصل بهم إلى شيء ثابت وحقيقي، فأغلبيّتهم يبنون حياتهم على أفكار هدامة، وعلى تناقضات، وعلى تمزّقات، أفكار مهترئة لا تقف على قدميها، لذلك تجدهم دائما في سقوط ونزول.
والله يقول في كتابه الكريم:
- {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ... [النور ـ 40]
فكلّ من يريد أن يحيا بعقل قويّ فما عليه إلاّ أن يبني تفكيره على حقائق، حتّى لا يمتلئ بالمتناقضات التي تؤدّي به إلى السقوط في التفكير السلبي، وأن لا يبتعد عن النور، نور الحقّ، نور الهدى، نور المنهج، نور معرفة حقيقة الحياة وحقيقة الكون وحقيقة الإنسان. (1/137)
صفحة 138
إنّ التفكير الإيجابي هو أشبه بمنجم ذهب سحري بالنسبة للعقل، كلّما نقّب الشخص بداخله، ازدادت قوّة تفكيره، ونتيجةً لذلك تزداد عضلة المخّ قوّةً ونشاطاً، فالعقل يبني نفسه من الداخل، وذلك من خلال الآلاف والملايين من أنماط التفكير التي ينشئها يوماً بعد يوم، وسنةً بعد سنة.
قاعدة:
إنّنا كلّما كوّنا المزيد والمزيد من مجرّات وأكوان الأفكار، فإنّنا سوف نعمل في نفس الوقت على خلق روابط مادّية جسمانيّة داخل خلايا المخّ، ونحن بهذا نزيد فعليّاً من تطوير حاسبنا الحيوي الفائق البناء، ونضفي عليه المزيد من التطوّر والقوّة والنجاح.
إنّ تلك الأفكار هي عبارة عن منبع تستقي منه كلّ خليّة من خلايا المخّ المعرفة الجديدة والتجارب الخاصّة بالتعلّم، وقد شبّه العلماء هذه العمليّة بدائرة حلزونيّة مطّردة النموّ، وهي الوسيلة التي سوف تمكّننا من اكتساب بنية أكثر رقيّاً، وتصميم أكثر تعقيداً للعقل.
إنّ كلّ ما تحتاجه عضلة مخّنا لكي تصبح قوّيةً، وتستوعب أكثر قدر من المعلومات هو أن نوظّف حشود خلاياها المبهرة، وبذلك تبني مجدها وتفوّقها وقوّتها.
لقد توصّل {بونيت} إلى أنّ الألياف العصبيّة تتمتّع بنوع من المرونة، وقد شعر بأنّه كلّما زاد استخدام الأعصاب، زادت قدرتها على الاهتزاز، ونتيجة لذلك يزداد تحسّن عمل الذاكرة، وتزداد سعة استيعابها للمعلومات الواردة إليها.
إنّ العقل الذي يزوّده صاحبه بالمعرفة الإبداعيّة الذهنيّة يملك بشكل طبيعي القدرة على الوصول إلى أقصى درجة من القدرات الممكنة التي يمكن أن يصل إليها عقل أيّ إنسان ذكيّ، وكلّما ازداد تعلّم العقل أكثر، أصبح من السهل عليه تعلّم المزيد، وكلّما أمدّ الإنسان ذاكرته بالمزيد، زاد عطاؤها في المقابل بالفائدة المركّبة.
الفصل التاسع
علاقة اللياقة البدنيّة بقوّة المخّ
الصحّة البدنيّة وعلاقتها بقوّة المخّ (1/138)
صفحة 139
منذ مئات السنين كان العلماء يعتقدون أنّ المخّ منفصل عن الجسم فيما يخصّ الذكاء، وكانوا يعتقدون أنّ الأفراد الأذكياء ضعفاء من الناحيّة الجسديّة، وقد كان الرياضيّون يقولون: إنّ الجسد المليء بالعضلات، لا يحتوي على عقل، ولكن في السنوات الأخيرة، وبعد تجارب ودراسات متواصلة أدركوا أنّ هذه الاتّجاهات ليست خاطئة فحسب، بل إنّها تناقض الحقيقة.
كما توصّلوا إلى أنّ العقل القويّ يكتسب ويبنى بقوّة الحواس وحسن استعمالها، وهو يتطلّب إعمال كلّ أعضاء الجسم بشكل لائق جدّاً، وأن يحافظ على صحّتها، لتكون في أفضل حال.
فعندما نقوم بتدريب أنفسنا لكي نصبح أذكياء جسديّاً، وهذا شيء يمكن التدرّب عليه، فإنّ أجسادنا ستصبح متناسقةً ومتوازنةً في أدائها، ولكي نحقّق ذلك لا بدّ أن نهتمّ بغذائنا الصحّي بشكل عامّ، مع المداومة على التمارين الرياضيّة، وعندما نطوّر هذا الذكاء الجسدي، فسنجد أنفسنا قادرين على ممارسة كلّ الرياضات.
وكلّما أصبح الجسد أكثر لياقةً واتّزاناً، فإنّ العقل سيصبح أكثر اتّزاناً ولياقةً أيضاً، فكلاهما يعمل في تناغم، والحكمة المشهورة التي نحفظها جميعاً منذ طفولتنا هي مقولة صحيحة، وهي:
«العقل السليم في الجسم السليم، ولا بدّ من رفع مستوى كليهما حتّى نحيا حياةً صحيّةً سليمةً «.
فعندما نزيد من لياقة بدننا، فإنّنا سنستنشق مزيداً من الأكسجين، ونستهلك مزيداً من الطاقة، وفي مثل هذه الحالة فإنّ العقل سيحصل في الحال على مزيد من الوقود القيّم والطاقة التي يحتاجها، ونتيجة لذلك فكلّ الوظائف العقليّة ستؤدّي دورها بشكل أحسن، ويصبح أداؤه كأفضل ما يكون. (1/139)
صفحة 140
إنّ تدريب العقل والجسد يعتبر تدريباً متكاملاً، فلا أحد من العلماء ينكر ذلك، لذلك نجد أنّ جسد كلّ واحد منّا مصمّم لممارسة التمرينات الرياضيّة، وأنّ عقلنا بدوره مصمّم ليقوى بالتمرينات الذهنيّة، وبمجرّد أن يبدأ الإنسان تلك التدريبات والتمارين فإنّه سيجني فوائد متعدّدةً، ويجد متعةً عظيمةً جدّاً، وسيصبح مدمناً على تلك التدريبات التي تمنح له عقلاً وجسداً قويّين.
وبالتدريبات والتمارين الرياضيّة المتواصلة يصبح الجسد مرناً، وستتدفّق الحيويّة والطاقة بحرّية تامّة في كلّ أجزائه، وخاصّةً منها المخّ الذي يطلب حقّه من تلك الطاقة والحيويّة، وذلك عن طريق الأوعية الدمويّة والجهاز العصبي الخاصّ بجهاز المخّ والتفكير، فالمرونة شيء من السهل جدّاً تنميّته والاحتفاظ به، فكثير ممّن يداومون على التمارين الرياضيّة ما زالت أطرافهم مرنةً، تؤدّي دورها بشكل كامل وهم في الثمانين من أعمارهم، كما لو كانوا في العشرينات من عمرهم.
ولا بدّ أن نعلم بأنّ المخّ وهو هذا العضو الصغير في جسم الإنسان يستهلك 20% من الأكسجين الداخل إلى الجسد، والذي يمدّه بالحيويّة اللازمة لعمله بكلّ قوّة ومرونة، كما يستهلك 30% من الطاقة التي تدخل إلى أجهزة الجسم، وحامل هذا الأكسجين، والطاقة هي الدم، ويحدث هذا لأنّ الملايين من خلايا المخّ التي تكوّن هذا الجهاز يجري عليها تغييرات إليكتروكيميائيّة معقّدةً جدّاً، ومتواصلة ومستمرّة، وذلك لأنّها تعالج كمّا كبيراً من المعلومات التي تتدفّق إليها.
وكلّ من يريد أن يحافظ على عمل هذا النظام المخّي والجسدي المتكامل بكفاءة، عليه أن يتأكّد من وجود إمدادات منتظمةً من الأكسجين النقيّ والطاقة الكافية لجهاز ذاكرته، لأنّ كلّ جهاز في الجسم يحتاج أن تضخّ إليه الكميّة الكافية من الدم، حتّى تتشبّع كلّ خليّة فيه بما يصل إليها من إمدادات نقيّة من الوقود عالي الجودة، وذلك الوقود هو الأكسجين النقيّ. (1/140)
صفحة 141
ولذلك كان من المهمّ أن يقوم كلّ واحد منّا بتمرينات منتظمة، حتّى يجعل قلبه أكثر لياقةً من حيث القوّة والمرونة، وتبعاً لذلك سيوفّر المرونة والقوّة للعضلة المخّيّة، لأنّ سلامة العقل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلامة القلب.
لقد أكّدت الأبحاث والاكتشافات المختصّة بالصحّة العامّة للجسم البشري أنّ الشخص المعافى بدنيّا يحقّق نتائج أفضل بشكل عام في كلّ اختبارات المهارات الذهنيّة مقارنةً مع الآخرين الذين يفتقرون إلى اللياقة البدنيّة.
كما بيّنت كثير من التجارب والاختبارات أنّ الأطفال الذين يحقّقون نتائج أفصل على مستوى المهارات الذهنيّة يكونون أكثر لياقةً وصحّةً وتواؤماً نفسيّاً وتكيّفاً مع محيطهم، وأكثر سعادة من الآخرين الذي لا يحقّقون سوى نتائج ذهنيّةً ضعيفة المستوى.
وقد وُجد أنّ أصحاب العبقريّات الإبداعيّة كانوا جميعاً أقوياء بدرجة ملحوظة ومنظّمين ونشطاء وأصحاب لياقة بدنيّة وقوّة، كما أنّهم يتمتّعون بهمّة بدنيّة وذهنيّة رائعة.
لذلك فكلّ من أراد أن يدرس عضلة المخّ باعتبارها عضواً مستقلاً ومنفصلاً عن باقي أجهزة الجسم، أو العكس دراسة الجسم منفصلاً عن المخّ تعتبر دراسته معوقة، لأنّ ذلك سوف يفقده العلاقة الحافزة التي تربط بينهما، وسوف يتكبّد خسارةً كبيرةً، حتّى قال بعض الخبراء أنّه تصل إلى فقد 99% من الفوائد المرجوّة، لذلك فمن المهمّ ومن الأمور الأساسيّة أن ندرس كلاًّ منهما سواء العضو ذاته أو طبيعته الحيويّة أو وظيفته على ضوء علاقته بالآخر.
فالمخّ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجسم، وهما ليسا مرتبطين بينهما فقط، بل إنّ كلاّ منهما يكمّل الآخر، وهما يشكّلان ثنائيّاً مجتمعاً لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وما يؤثّر على أحدهما يؤثّر على الآخر.
يقول الجرّاح في القوّات الجوّية الأمريكيّة، {ريتشارد بوهانون}: (1/141)
صفحة 142
«إنّ مستوى اللياقة البدنيّة المرتفع بشكل عام يحرّر الجسم من الأمراض بالطبع، ويحقّق الصحّة النفسيّة أيضاً، ولكن هناك عوامل أخرى ذات أهميّة، وهي تشمل التنميّة العضليّة الجيّدة والمرونة الوظيفيّة للمفاصل والقدرة الحيويّة للرئتين وقدرة القلب والأوعيّة الدمويّة والنشاط «.
ما يفيد جسمك يفيد مخّك
يرتبط الذكاء الذهني ارتباطاً وثيقاً بالذكاء الجسدي، وهما يعملان مع بعضهما بتكامل وتلازم، وإذا استطعنا أن نهتمّ بأحدهما، وأن نطوّره، فإنّنا سنطوّر الآخر تلقائيّاً.
وهناك علاقة مؤكّدة بين اللياقة البدنيّة وصحّة المخّ، إنّها علاقة وثيقة حيث تشير الأدلّة العلميّة الجازمة إلى أنّ ممارسة الرياضة بانتظام لا تعمل فقط على تحسين كفاءة المخّ على المدى القصير، وإنّما أيضاً لها تأثير على تأخّر شيخوخة خلايا المخّ والحدّ من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.
وممارسة الرياضة بانتظام توفّر الأكسجين الضروري لتكوين خلايا صحيّة سليمة عامّة، ومخّية خاصّة، وإنّ نوعيّة الحياة التي نحياها، يحدّدها نوعيّة خلايا جسمنا، كما أنّها تساعد على التخلّص من كثير من الدهون والسموم التي تترسّب داخل الأوعيّة الدمويّة فتسبّب تلفها، وينتج عن ذلك اعتلال للدورة الدمويّة.
كما أنّه إذا ما بقيت تلك الدهون داخل الجسم فإنّها تشوّه التركيبة الطبيعيّة لجدران الخلايا العصبيّة، وتعوق نموّ نقاط الاتّصال فيها، وتتلف الكيمياء الحيويّة للنواقل العصبيّة التي تحمل الرسائل بين الخلايا المخّية. (1/142)
صفحة 143
ومن ناحيّة أخرى تعمل التدريبات البدنيّة على تحسين الصحّة العامّة وكفاءة الذاكرة، وتحمي مراكز الذاكرة في العقل من خلال العديد من الطرق، وإنّ عنصر المرونة في أيّ نظام رياضي يرفع معدّل خفقان القلب، وكلّما زاد خفقان القلب، غسل شرايين المخّ بشكل جيّد ممّا يزيد من قوّتها ونشاطها، كما أنّه يزيد من عمق التنفّس، وذلك من خلال ممارسة بعض النشاط الرياضي، وهذا يساعد كذلك على الحدّ من الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتقدّم في السنّ، مثل الجلطة الدماغيّة والنوبات القلبيّة.
وحتّى وقت قريب كان الاعتقاد السائد أنّه لا يمكن أن تنمو خلايا جديدة في مخّ كبار السنّ، غير أنّ التجارب المتواصلة أثبتت عكس ذلك، وأنّ هذا المعتقد يناقض الحقيقة الواقعيّة.
وقد أظهرت إحدى البحوث أنّ لاعبي التنس والعدّائين وغيرهم من الرياضيّين في الستّينات من العمر وأكبر يكونون أسرع في الاستجابة الذهنيّة وزمن ردّ الفعل من غيرهم من غير الرياضيّين، كما تفوّق الرياضيّون أيضا على أقرانهم الأقلّ نشاطا في اختبارات الحكم الجيّد والذاكرة والانتباه والذكاء.
وقد توصّل الخبراء أيضا إلى مزايا أخرى مرتبطة بالنشاط الرياضي، مثل الحرص على تناول الغذاء الصحّي والاستعداد النفسي الجيّد، والاقتصاد في تناول الأدويّة.
وأظهرت التجارب من جهة أخرى الآثار الفوريّة لتمارين المرونة التكيّفيّة البدنيّة على الذاكرة والكفاءة الذهنيّة، أنّ من بين النتائج الفوريّة الأكثر أهميّة إنجاز المهام والتي تسمّى بالقدرات التنفيذيّة مثل وضع الخطط، وإعداد الجداول، وممارسة الأنشطة، والربط بين الأحداث، والتنسيق بينها، والتحكّم في الثورات الانفعاليّة. (1/143)
صفحة 144
ويقع مركز التحكّم في القدرات التنفيذيّة في الجزء الجبهي من المخّ الذي يعتبر أكثر الأجزاء ارتقاء فيه، وهو الجزء الذي يتقلّص تدريجيّا في الحجم مع التقدّم في السنّ، وهذا الجزء بالتحديد هو الذي يحصل على أكبر استفادة من خلال ممارسة الرياضة البدنيّة.
لقد قامت مجموعة الدكتور {كرامر} بدراسة صحّة بعض كبار السنّ ممّن تتراوح أعمارهم بين الستّين والخامسة والسبعين عاما، وقد قسّمهم إلى مجموعتين، المجموعة الأولى قامت باتّباع برنامج للمرونة قائم على المشي، وأخرى لم تقم بذلك، فكانت النتائج إيجابيّة جدّا بالنسبة للمجموعة التي كانت تمارس تدريبات المشي، حيث حقّقت تفوّقا ملحوظا في القدرات المخّية في وظائف الفصّ الجبهي للمخّ الذي تمكّن من أداء المهام المتعدّدة اللازمة للتحكّم التنفيذي، فضلا عن تفوّقهم في الانتباه الذهني والذي كان لافتا للنظر.
كما أن تمرينات رفع الأثقال تعتبر أحد الجوانب المهمّة التي تساعد على المحافظة على شباب ومرونة المخّ والجسم، وقد وجد الأطبّاء الذين درسوا تأثير تدريبات حمل الأوزان، أو تدريبات الوزن على كبار السنّ أنّ حمل الحديد بشكل منتظم قد ضاعف من قوّة عضلات الفخذ الأماميّة لدى كبار السنّ، وزادت قوّة عضلات الفخذ بمقدار ثلاثة أضعاف، كما أنّها حسّنت بدرجة كبيرة من قدرتهم على الاتّزان في بضعة شهور فقط، لأنّ تمرينات رفع الأثقال تساعد على تكبير حجم العضلات.
هذا من جهة تقويّة العضلات، ومن جهة أنسجة تلك العضلات فإنّها تسمح برفع معدّل التمثيل الغذائي في الجسم ممّا يعين بدوره على استهلاك المزيد من السعرات الحراريّة، كما أنّ تلك التمرينات تعين على التحكّم في الوزن الناتج عنها ممّا يساعد على الوقاية من الأمراض البدنيّة المرتبطة بالبدانة مثل ارتفاع ضغط الدم، والجلطة، والسكّر، والتي تعمل على التعجيل بشيخوخة المخّ.
زيادة معدّل خفقان القلب يغسل المخّ (1/144)
صفحة 145
تعمل التدريبات البدنيّة على تحسين الصحّة العامّة وكفاءة المخّ، وتحمي مراكزه من خلال العديد من الطرق، لأنّ عنصر المرونة الذي يوفّره النظام الرياضي يرفع معدّل خفقان القلب، ويزيد من عمق التنفّس، ممّا يساعد على الحدّ من الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتقدّم في السنّ، والحفاظ على قوّة المخّ إلى سنّ متأخّرة.
وإلى وقت قريب كان الاعتقاد السائد هو عدم إمكانيّة نمو خلايا جديدة عند مخاخ كبار السنّ، ولا يمكن كذلك أن تتولّد فيه خلايا جديدة، ولكن مع تقدّم العلم، وتطوّر أجهزة وأدوات التجارب وتنوّعها، توصّل الخبراء إلى إثبات أنّه يمكن أن تنمو خلايا جديدة في أدمغة كبار السنّ.
ولقد أثبت أستاذ علم الأعصاب الدكتور {فريد جيج} ومساعدوه في معهد سالك بكاليفورنيا أنّ خلايا مخاخ كبار الفئران التي تمارس الرياضة بشكل منتظم على عجلة متحرّكة قد نمت عندها منطقة قرن آمون بنسبة تفوق ما وقع للفئران التي مكثت في أقفاص تقليديّة بمقدار الضِعف، ويرى الخبراء أنّ سبب ذلك هو تدفّق الأكسجين والعناصر الغذائيّة إلى خلايا المخّ، وأنّها تفرز عوامل نموّ فريدة، تحفّز نمو الخلايا العصبيّة فيه.
وقد دعّمت الدراسات الكثيرة والتجارب المتتاليّة في المجال البشري هذه النتائج، حيث قامت مجموعة الدكتور {آرثر كرامر} في جامعة إيلينوي باختبار الكيفيّة التي يؤثّر بها لياقة القلب والأوعيّة الدمويّة على التقلّصات الطبيعيّة للمخّ في الحالات العادية مع التقدّم في العمر، فوجدوا أنّ الأدمغة التي كان أصحابها يمارسون الرياضة تفوق حجم أدمغة أقرانهم ممّن كانوا لا يمارسون الرياضة. (1/145)
صفحة 146
ومن خلال دراسات واسعة النطاق قام بها الدكتور {روبرت فريلاند} وزملاؤه من جامعة كيس وسترن توصّلوا إلى أنّ الأشخاص الذين يتمتّعون بلياقة بدنيّة فيما بين العشرين والستّين كانوا أقلّ عرضةً من غيرهم للإصابة بمرض ألزهايمر بثلاث مرّات، ولا تقتصر فوائد الرياضة على نشاط معيّن، أو رياضة بعينها، إذ إنّ العناية بالحديقة مرّات قليلة أسبوعيّاً، يمكن أن تملك نفس فعاليّة الممارسة لأيّة رياضة.
إنّ معظمنا يملك القدرة على تحقيق هذه الفوائد العظيمة وتحسين صحّة عقله، من خلال تمارين المرونة التكيّفيّة البدنيّة، مثلاً من خلال المشي نصف ساعة لثلاث مرّات أسبوعيّاً.
وتعتبر الهرولة من أفضل الريّاضات للمحافظة على مخّ قويّ نشط، فقد أثبتت دراسات يابانيّة جديدة بأنّ الرياضة والنشاطات البدنيّة تقوّي القدرات الدماغيّة، وترفع نسبة الذكاء، وأوضح الخبراء في اجتماع الجمعيّة الأميركيّة لعلوم الأعصاب أنّ الهرولة تنشّط الدماغ، وتزيد طاقته وقوّته لأداء وظائفه الحيويّة.
وقد أثبتت مختلف التجارب أنّ الأشخاص الذين يزاولون الهرولة يسجّلون درجات أفضل في اختبارات الذكاء، بينما لم يظهر على الذين لم يمارسوا هذا النشاط أيّ تحسّن.
فعلى كلّ من يريد أن ينشّط ذاكرته أن يعطي لبدنه كلّ أسبوع نصف ساعة على الأقلّ من المشي، وستظهر لديه حيويّة الذاكرة العامّة والنشاط الذهني المهمّ.
والسبب في قدرة الرياضة والهرولة بالذات على تحسين النشاط الذهني للإنسان، هو الاعتقاد السائد أنّ زيادة استنشاق الأكسجين الذي يسبّبه الركض يُحسّن قدرة الدم الذي يضخّ بواسطة القلب على إيصال كميّة أكبر من الأكسجين إلى الدماغ. (1/146)
صفحة 147
ومن أجل هذا ينصح المختصّون في مجال المخّ المسنّين المصابين بالخرف أو داء [ألزهايمر] أو من يعانون من ضعف الوظائف الذهنيّة بضرورة مزاولة الرياضات المختلفة والنشاطات البدنيّة الفعّالة التي تنشّط لهم خلايا أدمغتهم ممّا يقوّي ذاكرتهم وتفكيرهم نوعاً ما.
والحمد لله أنّ الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قد أرشدانا إلى الذهاب إلى المسجد على الأقلّ ثلاث مرّات في اليوم، لمن أراد أن يصليّ صلاةً كاملةً، كثيرة الأجر مع الجماعة.
فالمسلم الذي يحافظ ويداوم على أداء الصلاة مع الجماعة في المسجد تكون نسبة إصابته بضعف الذاكرة نسبةً ضعيفةً جدّاً، بالنسبة لغيره الذي يبقى من دون مزاولة المشي، وهذا زيادةً على الحركات الرياضيّة التي يؤدّيها بصفة دائمة عند الركوع والسجود، وبشكل جيّد، والشيء الغريب أنّ الخبراء يوصون من يريد أن لا تضعف ذاكرته بالقيام بمثل تلك التمارين.
فالله - سبحانه وتعالى - لا يأمرنا بمثل هذه الأعمال إلاّ لحكمة بالغة وإن كانت قد خفيت علينا، ولم نتوصّل لفوائدها، فأوامره ونواهيه وأفعاله تتعلّق بالحِكمة المُطلقة، وإن حِكمتَهُ المطلقة تتعلّق بخير هذا المخلوق وفائدته، ولو أنّنا فهمنا حكم ربّنا - عز وجل - في كلّ شيء يطلبه منّا، وعشنا معانيها، لتلاشت كلّ الأحزان في حياتنا.
وقد قامت مجموعة الدكتور {كرامر} بدراسة صحّة بعض المتطوّعين، وذلك باتّباع برنامج للمرونة قائم على المشي، فوجد أنّهم قد حقّقوا تفوّقاً ملحوظاً في القدرات المخّية التي تختصّ بوظائف الفصّ الجبهي للمخّ، لأنّهم تمكّنوا من خلاله من أداء المهام المتعدّدة اللازمة للتحكّم التنفيذي، أي المراقبة، وإعداد جداول التخطيط والذاكرة، كما وجد أنّه قد زاد انتباههم الذهني وتفوّقوا فيه.
التدريبات البدنيّة تقوّي عضلة القلب (1/147)
صفحة 148
إنّ تأثير التدريب البدني لا يؤثّر على عضلات الجسم الخارجيّة فقط، بل لها آثار إيجابيّة بالغة الأهميّة على عضلة القلب، وعندما تكون عضلة القلب قويّةً، فإنّها تؤدّي وظيفتها بشكل جيّد، وعندما يكون القلب في لياقة جيّدة، فإنّ كفاءته وقدرته على ضخّ كميّات متوازنةً من الدماء سوف تزداد، وبذلك تزداد قدرته على تغذيّة الخلايا الدماغيّة بصفة أفضل، وتتوالى الدورة التحفيزيّة للصحّة المخّية.
وقد استنتج الخبراء بأنّ التدريبات البدنيّة تزيد من قدرة الأداء في الجهاز التنفّسي، هذا الجهاز الذي سوف يمدّ الجسم بالكميّات اللازمة من الأكسجين، وكلّ ذلك يعتمد مباشرةً على لياقة التنفّس التي تتمتّع بها الرئتين، ولن تصل إلى مستوى اللياقة إلاّ عن طريق تدريبات بدنيّة، لأنّ الشخص اللائق بدنيّاً يمكن أن يعالج كميّات أكثر من الأكسجين من التي يعالجها الشخص المفتقر إلى اللياقة.
وعندما تكون الرئة سليمةً، وتؤدّي دورها بأحسن ما يكون، فإنّها سوف تزيد من قدرتها على طرد كميّات أكثر من السموم والفضلات من الجسم، وبكفاءة أعلى.
والمواظبة على تدريبات اللياقة البدنيّة تزيد من كميّة جودة الدم وتوسيع الأوعيّة والأوردة والشعيرات التي تغذّي عضلة المخّ، فيؤدّي ذلك إلى ارتفاع أدائه.
اللياقة البدنيّة وتقويّة المخّ
أكّدت الأبحاث المثيرة التي أجراها الخبراء في سنة 2001 وجود علاقة وثيقة وإيجابيّة تجمع بين التدريبات الرياضيّة والكفاءة الذهنيّة. (1/148)
صفحة 149
وقد توصّل الدكتور {جيمس بلوماثال} وزملاؤه في جامعة ديوك إلى أنّ ممارسة تدريبات اللياقة البدنيّة على مدى نصف ساعة ثلاث مرّات على الأقلّ أسبوعيّاً يعتبر كافيّاً لتحقيق زيادة ملحوظة في القدرة الذهنيّة، وقد تأكّد من خلال التجربة أنّ مثل تلك التدريبات يمكن أن تحفّز خلايا المخّ وتنشّطها، وتساعدها على مقاومة مظاهر التقدّم في العمر، وقد لوحظ على ممارسي التدريبات البدنيّة تحسّن ذهني ومستوى جيّد في الأداء العامّ بشكل خاصً في مرحلة منتصف العمر والمراحل المتقدّمة من العمر.
قاعدة:
تدريب الجسم يساوي تدريب المخّ
وقد توصّل الدكتور {رودني سواين} وزملاؤه في جامعة ويسكونسين إلى نتائج مدهشة بشأن سرعة تكيّف عمليّات العقل على نحو إيجابيّ مع التدريبات بغض النظر عن السنّ التي يكون فيها الشخص.
وقد وجد الدكتور {سواين} في تجربته المخبريّة أنّ الفئران التي لم تمارس تدريبات اللياقة البدنيّة، لم تحقّق أيّ تغيّر في قدراتها المخّية، أمّا التي مارست تلك التدريبات، فقد حقّقت تغيّراً إيجابيّاً ملحوظاً، لأنّ كثافة الأوعيّة الدمويّة في بعض مناطق مخّها قد زاد استيعابها لكميّات هائلة من الدم، وهذا يثبت أنّ خلايا المخّ يمكن أن يقع فيها تغيّرات سريعة بما يرد إليها من الأكسجين، ولا يخفى على أحد بأنّ الدم هو الذي يحمل إليها الأكسجين.
ويرى {سواين} أنّ رفع معدّل نشاط الخلايا العصبيّة للقشرة المخّية، حتّى ولو بنسبة بسيطة للتواؤم مع التدريبات المبذولة هو ما يزيد من الحاجة للعناصر الغذائيّة والأكسجين.
وإدراك هذه الحاجة هو الذي يدفع المخّ إلى استخدام فائض الطاقة الناجم عن تدريبات اللياقة البدنيّة لخلق المزيد من الشعيرات الدمويّة لتوصيل العناصر الغذائيّة والأكسجين الإضافي إلى مناطق العمل الجديدة في المخّ. (1/149)
صفحة 150
وقد اقتنع {سواين} أنّ التدريبات الإدراكيّة، أي أنشطة الرياضة الذهنيّة والتفكير، تعمل على الأرجح على تنشيط تكوّن أوعيّة دمويّة جديدة في مناطق التفكير في المخّ.
ومع كلّ دقّة من دقّات القلب، سوف تصل الدماء المحمّلة بالأكسجين والطاقة مباشرة إلى المخّ، وإنّ العديد من الشعيرات التي تحمل ذلك الدم سوف تزيد من نشاطها وحيويّتها، ممّا يعطي للمخّ قوّةً معتبرةً، ويوفّر له مصادراً أكبر للطاقة التي تمنح له قسطاً أكثر عمقاً وأحسن نوعيّةً وتكاملاً.
وقد اكتشف الدكتور {كينيت كوبر} بعد تجاربه المتعدّدة أنّ هناك علاقةً أكيدةً تربط بين اللياقة البدنيّة واليقظة الذهنيّة والاستقرار العاطفي، وكلّ هذا يجعل الجسم أقلّ شعوراً بالتعب، ممّا يقلّل من نسبة الأخطاء الذهنيّة، وسوف تجعل الشخص يحتفظ بمستوى أداء جيّد لفترة أطول، من دون الحاجة إلى الكثير من فترات الراحة.
إنّ الأشخاص الذين يتمتّعون بلياقة بدنيّة جيّدة يميلون إلى الاعتزاز بأنفسهم، بما يجدون من القدرة على أداء كثير من الأعمال بطريقة جيّدة، وبسهولة وخفّة، وكلّ ذلك يجعلهم أكثر تفاؤلاً وتصميماً، ويكونون بصفة عامّة أكثر شغفاً بأداء أعمالهم، وتعلّقاً بمهنتهم، وأكثر طاقةً وإقبالاً على الحياة، وكلّ هذا يجعلهم يؤدّون أعمالاً متعدّدةً، فيحاولون استخدام مخّهم كي يبتكروا طرقاً جديدةً ليؤدّوا من خلالها أعمالهم بإتقان، وهذا ممّا ينشّط لهم خلايا العقل.
الفصل العاشر
علاقة النوم بقوّة المخّ
النوم الجيّد هو سرّ الطاقات الإبداعيّة
النوم أحد أشكال الراحة الأكثر عمقاً، لأنّه هو الفترة التي يعمل فيها المخّ بمعالجة التجارب اليوميّة، واستيعابها، حيث يسعى للفصل والفرز والحفاظ على المعلومات المهمّة في ملفّاته، وإهمال الأخرى، ثمّ حلّ المشكلات. (1/150)
صفحة 151
وتعتبر الأحلام جزءاً مهمّاً من فترات النوم التي يمرّ بها النائم، لأنّها من الفترات الأساسيّة التي يجد فيها المخّ الحلول اللازمة لبعض المشاكل التي مرّ بها خلال النهار، وهي بمثابة أعظم مصادر الإلهام لكثير من عباقرة الإبداع والفكر.
وقد توصّل الباحثون في جامعة لوبيك الألمانيّة إلى أنّ سرّ الطاقات العقليّة والتفكير الإبداعي والقدرة على فكّ الرموز وحلّ المعادلات الصعبة يكمن في صحّة النوم، ومدّته التي تحتاجها أجهزة الجسم، وأوضح الخبراء في بحثهم الذي نشرته مجّلة الطبيعة العلميّة أنّ للنوم قوّةً غريبةً ومدهشةً في إعادة برمجة الدماغ وشحذه، وملئه بالقوّة، واستناداً إلى هذه النظريّة، فإنّ كلّ من يسهر الليالي، ولا يسمح لنفسه أن يرتاح الراحة الكاملة التي يحتاجها، يدمّر تفكيره وقدرته على التركيز وعلى الإبداع.
وقد اعتمد البحث على متابعة عدد من المشاركين طلب منهم تعلّم قانونين بسيطين لتحويل ثمانيّة أرقام من شكل إلى آخر وفق ترتيب معيّن باستخدام قانون ثالث يستخدمون فيه قوّتهم الإبداعيّة وموهبتهم لتحسين الأداء، فسمح لهم بالنوم قبل التدريب الأوّل، فكانت النتائج إيجابيّة جيّدة، ثمّ أجبروا على البقاء مستيقظين قبل التجربة الثانية فكانت النتائج سلبيّةً ضعيفةً.
ولاحظ الخبراء بأنّ للنوم تأثيراً عجيباً، حيث تمكّن الأشخاص الذين سمح لهم بالاستراحة والنوم لمدّة 8 ساعات من التوصّل إلى الترتيب وفق القانون الثالث لحلّ المعادلات بنسبة أعلى بحوالي الضعف من الذين بقوا مستيقظين ساهرين.
وأكّد الخبراء أنّ النوم يعتبر بمثابة عمليّة تعلّم وتدريب إبداعيّة، ولكن لم يتّضح بعد أيّ من المراكز الدماغيّة التي تتأثّر به، والتي تسهّل هذه المهمّة، ولكن يعتقدون أنّ منطقة المخّ المعروفة باسم تحت المهاد قد تلعب دوراً أساسيّاً في إعادة برمجة المشكلة ومعالجتها خلال النوم. (1/151)
صفحة 152
وتشير الأبحاث أنّ عدم الحصول على قسط وافر من النوم، يؤدّي إلى الافتقار إلى الطاقة الكافيّة التي تحفّز للعمل، وقد يشعر صاحبه بالخمول والدوار أو الاضطراب في اليوم التالي.
ويعتبر الحصول على قسط كاف من النوم ضروريّاً للنموّ الطبيعي للعقل لدى الرضّع والأطفال، لأنّ تلك الفترة من العمر هي الفترة التي تتوالد فيها الخلايا الدماغيّة بشكل متسارع، وبأعداد قصوى، حيث ثبت من خلال الدراسات المخبريّة التي أجريت على الحيوانات أنّ النوم يعمل على تنشيط وزيادة الروابط التي تصل بين خلايا المخّ، وهذا من الأسباب الأساسيّة لتقويّته، وجعله يعمل بشكل جيّد وحسن.
وفي دراسة أجريت مؤخّرا قام بها الدكتور {هانز فان دونجين} وزملاؤه في جامعة هارفارد بإخضاع متطوّعين من الشباب لدراسة شملت أربع مجموعات، حيث سمح للمجموعة الأولى بالنوم ثماني ساعات يوميّا، بينما سمح للمجموعة الثانية بالنوم لمدّة ستّ ساعات، والثالثة لمدّة أربع ساعات ليلاً على مدى أسبوعين، بينما حرمت المجموعة الرابعة من النوم تماماً لمدّة ثلاثة أيّام متتاليّة، فقام فريق البحث بمراقبة المتطوّعين بشكل دائم في معمل النوم، حيث كان يسمح لهم بمشاهدة الأفلام، والقراءة والتفاعل مع فريق العمل، وقد منعوا من تناول المنبّهات أيّاً كان نوعها.
وخلص الباحثون إلى أنّ الأشخاص الذين حظوا بفترة نوم تراوحت بين أربع ساعات إلى ستّ ساعات ليلاً على مدى أربعة عشر يوماً متتالية قد أصيبوا بخلل بارز في مستوى أداء الذاكرة متساو مع درجة الخلل التي أصيبت بها المجموعة التي حرمت من النوم على مدى ثلاثة أيّام متتاليّة.
وبالرغم من أنّ المتطوّعين لم يشعروا إلاّ برغبة قليلة في النوم، فإنّهم كانوا غير مدركين تماماً لدرجة الإعاقة الإدراكيّة التي أصبحوا يعانون منها من جرّاء الحرمان من النوم. (1/152)
صفحة 153
وقد توصّل الخبراء من خلال عدّة تجارب إلى أنّ الإرهاق نتيجة لعدم النوم الجيّد هو المصدر الأوّل والأساسي للتوتّر العصبي الذي يمكن أن تتداخل فيه عمليّات الذاكرة، وإعاقة التركيز والاستذكار، ولكن لحسن الحظّ عندما تتحسّن أنماط النوم، فإنّه بالتالي تتحسّن الذاكرة والحالة المزاجيّة.
وقد يؤثّر النوم مباشرةً على ما يسمّيه الخبراء، الكيمياء الحيويّة، ومن خلاله يحدث تغيّراً كليّاً في سيلان الطاقة داخل الجسم ليصبح أكثر انسجاماً مع طبيعته التي فطره الله - عز وجل - عليها، وهذا الانسجام يعمل على تغيّر التفاعلات الكيميائيّة في الجسم لتكون أكثر عطاءً للطاقة، فالطاقة تعمل على تحفيز الكيمياء الحيويّة الموجودة في خلايا الجسم، ممّا يساعده على معالجة نفسه بنفسه، ويمنح الإنسان الهدوء النفسي والاستقرار والطمأنينة.
وتلك التحفيزات الكيميائيّة الحيويّة تؤثّر على الخلايا فترجعها إلى تردّداتها الطبيعيّة المتوازنة التي تكون عليها في حالتها العادية، عندما يكون الإنسان في حالة صحّية جيّدة، ونشاط متكامل، والتي قد فقدتها من جرّاء العمل المتواصل، وربّما تحدث تلك التحفيزات تغييراً كاملاً في سيلان الطاقة داخل الجسم لتصبح أكثر انسجاماً مع الطبيعة.
كما أن النوم يحدث تفاعلات كيميائيّةً متوازنةً داخل الجسم لتصبح الأجهزة أكثر عطاءً للطاقة واستفادةً منها، فتبعث في الجملة العصبيّة نشاطاً، لتعمل بأقصى قدراتها، وبأكمل طاقاتها، لأنّ تلك الهرمونات إذا كانت إفرازاتها متوازنةً، فإنّها تعيد التوازن الحسن إلى الجسم.
وتقوم فكرة إعادة التوازن على إعادة الطاقة الحيويّة في الجسم لمساراتها الطبيعيّة، حيث يوجد التوازن الطبيعي بين الجسد والبيئة المحيطة به، وحيث أنّ اختلال أحدهما يؤثّر على الآخر، ويشبّه العلماء ذلك بما لو اختلّ الليل، فسوف يمتدّ تأثيره على النهار، أو العكس كذلك، وهكذا. (1/153)
صفحة 154
والنوم الجيّد الهادئ يجلب إلى النفس حالات حسنةً، وتعتبر من أسس تحسين عمل العقل، والتفكير الإيجابي، ومنها:
ــ الهدوء: فكلّما كان الإنسان هادئاً، زاد هدوء عقله، وأصبح يعمل بكلّ طاقته.
ــ التفكير الصافي: وهو الذي يخلو من المثبّطات التي تقف حجر عثرة أمام التفكير الإيجابي للعقل، لأنّ التأثيرات السلبيّة من العوامل التي تثبّط عمل العقل، وتضعف قوّة تفكيره.
ــ الطاقة: فعندما تهدأ النفس فإنّها توفّر للعقل الطاقة الكافيّة ليعمل بكلّ قوّته، وإذا كانت مضطربة، فإنّ تلك الطاقة تذهب هباءً، في التفكير السلبي الذي يسيطر عليها.
الثقة: إنّ الإنسان الواثق بنفسه يعمل عقله إلى أقصى درجات طاقاته، لأنّ تفكيره يكون موجّهاً من البداية إلى الوجهة الصحيحة، ولا يحتاج إلى كثير من البحث، والبحث ممّا يشتّت الذهن.
الصحّة الجيّدة: ولا يخفى على أحد من الناس أن صحّة المخّ وقوّة تفكيره مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصحّة البدن.
تقويّة المخّ قبل النوم وعند النهوض
يعدّ الذهاب إلى النوم من أهمّ الأوقات التي نستطيع أن نمنح فيها لأدمغتنا دعماً من القوّة الذاتيّة التي تدفعها في طريق الأداء الحسن إلى أقصى درجة ممكنة، وتجعلها أكثر إيجابيّة وفعاليّة، فالعقل غالباً لا ينسى تلك اللحظات، وهو يتذكّر أغلبيّة ما يجري فيها تلقائيّا، خاصّةً إذا كان قد أمضى يوماً أكثر نجاحاً وحيويّةً ونشاطاً.
ففي نهاية كلّ يوم، وقبل أن نخلد إلى النوم يكون عقلنا في حالة قصوى من الاستعداد للتلقّي، لذا فمن الأفضل أن نلجأ قدر الإمكان في تلك اللحظات إلى التفكير الإيجابي، ونحاول أن نبعد عنه أيّ تفكير سلبي، وعلينا أن نملأه بالأفكار والتخيّلات الجيّدة، وبأشياء يمكن أن تساعدنا في نماء روحنا وشخصيّتنا.
ومن الأشياء المفيدة جدّاً للعقل أن نلجأ إلى الشكر، والدعاء ونلتجئ إلى التفكير في نعم الله التي أنعم بها علينا، لأنّ ربّنا - سبحانه وتعالى - يقول: (1/154)
صفحة 155
- {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ... [إيراهيم ـ 34]
ويكون ذلك الشكر باسترجاع الأحداث الحسنة التي جرت في ذلك اليوم والتي نجحنا في أدائها، ويمكن لنا أيضاً أن نستغلّ تلك اللحظات للتفكير في الدروس التي تعلّمناها في ذلك اليوم، وأن ندرس كيف يمكن لنا أن نطبّقها بنجاح في حياتنا الواقعيّة.
وعلينا أن نجرّب الاسترخاء النفسي، وذلك بأن نتحوّل بعقلنا وتفكيرنا إلى الأحداث المبهجة.
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتخيّل، ونتصوّر الأهداف العامّة التي نأمل في تحقيقها في اليوم المقبل، وهذا سيترك فينا شعوراً بالأمل والتفاؤل على أنّنا نقدر على إنجاز أعمال ومسؤوليّات في اليوم اللاحق، كما أنّه سيترك فينا شعوراً إيجابيّاً بترقّب وصول ذلك اليوم، عوض أن نملأ نفوسنا بالشعور بالإجهاد والسأم، وعدم الاستسلام إلى النوم بنفس منشرحة مطمئنّة، لأنّ النوم بنفس متشائمة يجعلنا نتهرّب من التفكير في اليوم التالي، كما يؤثّر ذلك في حالة النهوض، والخوف من استقبال اليوم الجديد، وكيفيّة قضائه وإنجاز الأعمال التي نودّ إنجازها.
وحتّى إذا كان اليوم عسيراً، وكانت أعماله وشواغله متعبةً، فلا بدّ أنّنا سنجد فيه بعضاً من هبات ربّنا - سبحانه وتعالى -، وننام ونحن نعدّد النعم التي نتقلّب فيها، وذلك من فضل ربّنا - سبحانه وتعالى - وبركاته، وذلك أفضل من أن نتخوّف ممّا سيحدث لنا في الغد.
إنّ التدرّب على توجيه التفكير في مثل هذه اللحظات سيجعلنا نؤدّي مهامنا اليوميّة بطريقة أكثر متعة، ونقوم بتنفيذ الخدمات المختلفة بنفس مليئة بالسعادة والاطمئنان، فنصل إلى أداء أعمالنا بشكل مثالي وإتقانها على كلّ المستويات، ونؤدّي مهامنا بطريقة أكثر إمتاعاً من ذي قبل، ممّا يجعل الأشخاص الذين يتلقّون خدماتنا أكثر سعادةً، وأكثر بهجةً.
إليك هذه القواعد التي وضعها بعض العلماء لتحفيز الروح وتقويّتها: (1/155)
صفحة 156
ــ أنا أهيئ وقتاً لتسجيل الأوقات المهمّة في الحياة، وأحتفل بها بصفة جيّدة.
ــ أنا أقوم بأداء الطقوس (الصلاة) بشكل ثابت حتّى أتمكّن من تحقيق أحلامي.
ــ أنا أقوم بأداء بعض التأمّل الشخصي (النوافل) يوميّاً لتساعدني على تحقيق التوازن والاعتدال في حياتي.
ــ أنا ملتزم بتصوّري، لذا فأنا أقوّي عزيمتي من خلال أداء الطقوس، لكي أحقّق هذا التصوّر المستقبلي.
لقد كانت الأجيال السابقة تذهب إلى فراشها بنفس مطمئنّة متفائلة، وهي تتمنّى أن تنهض في صباح اليوم التالي لتحيا حياتها بكلّ بساطة وتواضع، وما ذلك إلاّ لأنّها لا تشاهد الأخبار المسائيّة التي يتّبعها أغلبيّة أناس هذا العصر، هذه الأخبار التي لا تهتمّ إلاّ بالحروب والقتل والكوارث الطبيعيّة، وكأنّ العالم ليس فيه إلاّ مثل هذه الحالات المؤلمة.
فمن المهمّ لنا جميعاً أن لا نهتمّ بمثل تلك الأخبار التي تملأ النفس بالآلام والتشاؤم والتصوّرات السلبيّة قبل النوم، لأنّ ما نراه أو نسمعه أو نقرأه يبرمج الحالة النفسيّة ونظرتها إلى الحياة، إذن فقبل أن نذهب إلى النوم يجب علينا أن نتأكّد أوّلا بأنّ الرسائل والانطباعات التي ترد إلى عقولنا إيجابيّة متفائلة.
يقول {جورج راسل}:
«إنّنا نصبح ما نفكّر فيه قبل النوم عادة «.
تعلّم كيف تنام جيّداً
الإنسان عنصر من عناصر الطبيعة، فكما أنّ الطبيعة تنام ليلاً، وتستيقظ في الفجر، ثمّ تعود الدورة لتبدأ من جديد، فقد خلق الإنسان لينام ليلاً، ويستيقظ نهاراً، ومتوسط وقت نومه هي ثماني ساعات في اليوم، صحيح أنّ هناك بعض من الناس ينامون ساعات قليلة، ولكن في المقابل فإنّ هناك آخرين ينامون أكثر من ذلك.
ولكن السؤال الذي يجب على الإنسان أن يطرحه على نفسه هو: كيف ينام؟ وهل هو ينام لأنّه قد تعب حقيقةً؟، وما النظام البشري الطبيعي الذي ننام من خلاله؟ (1/156)
صفحة 157
ولأنّ النوم مهمّ بقدر أهميّة اليقظة، لأنّه إن صحّ صحّت يقظتنا، فالإنسان منذ ولادته في حاجة إلى مدّة كافيّة من النوم، وقد توصّلت بعض الدراسات إلى أنّ معدّل الوفاة يزداد كلّما قلّت فترة النوم.
فنحن إذن أسرى للتأثير الطبيعي للضوء والظلام، ولنا ساعات داخليّة تنضبط بالضوء والظلام لنقوم بوظائفنا الحيويّة، وقد توصّل الخبراء إلى اكتشاف دلائل كثيرة تؤكّد وجود الإيقاع الدوري في خلايا كثيرة داخل الجسم، فخلايا الكبد مثلا تنظّم ذاتها مستجيبة للطعام أكثر من الضوء، كما أنّ هناك الكثير من الخلايا تتّبع الإيقاع الحرّ، وهذا ما يسمّيه العلماء بالساعة البيولوجيّة.
ولو استطاع شخص ما أن يبتعد عن الإحساس بالزمن وألاّ يدرك إن كان الوقت ليلاً، أو نهاراً، فإنّ ساعته الداخليّة تقوم بوظائفها في الأغلب معتمدة على أقلّ كميّة من الضوء والصوت، وفي غياب أيّ معلومات عن الزمن يظهر عندنا إيقاع دوريّ حرّ الجريان.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ... [القصص ـ 73]
ولا بدّ لكلّ إنسان أن يدرك أنّه لا يجب عليه أن يقارن ساعات نومه مع ساعات نوم الآخرين، فمثلاً إذا كان ينهض من نومه نشيطاً، لا يعاني من أيّ تعب بعد خمس ساعات من النوم، فهو طبيعي في نومه، وبالتالي يجب عليه أن لا يقلق، أو يبحث عن حلّ لزيادة ساعات نومه، مثل تناول بعض الأدويّة التي تجلب له النوم.
وممّا لا شكّ فيه أنّ النوم ضروريّ للحياة السعيدة، ولكن رغم بحوث العلماء المتعدّدة لم يجدوا بعد الإجابة الشافية حول وظيفة النوم، وسبب الحاجة إليه وماهية الأحلام التي تمرّ بنا، أو نمرّ بها أثناء النوم، وقد ظهرت فرضيّات عدّة حول هذه الظاهرة، ولكن لم يستطع أحد أن يجزم بحقيقتها. (1/157)
صفحة 158
لقد اعتقد العلماء بأنّ النوم ضروريّ لترميم الأنسجة، وأنّ نظام تجديد الخلايا ينشط أكثر في مرحلة النوم، ويعتقد أنصار هذه الفرضيّة أنّ الأطوار الأربعة للنوم ملائمة لتكوّن الخلايا العصبيّة، لكن هذه الفرضيّة لم تستطع تفسير سبب النشاط الحادّ للدماغ في الطور الخامس من النوم.
وهناك نظريّة شائعة ومهمّة تؤكّد أنّ النوم ضروريّ لإنعاش الذاكرة وتقويّة القدرة الذهنيّة، وبالتأكيد فإنّ الأشخاص الذين يأخذون قسطهم من النوم هم أقدر على حلّ المعضلات المعقّدة.
أمّا المتحمّسون لهذه النظريّة فهم يعتقدون بأنّ الدماغ أثناء النوم يقوم بترتيب المعلومات وتنظيمها بشكل منطقي، بحيث يسهل الاستفادة منها، وهو ما يفسّره مستخدمو الحاسب الآلي بعمليّة إلغاء التجزئة، ويؤكّد أصحاب هذه النظريّة أنّ أخذ قسط من النوم، أو الاستراحة القصيرة، أو الاسترخاء بعد جهد ذهنيّ مرهق هو أفضل وسيلة لاستيعاب وفهم المعلومات الجديدة التي نحفظها في الوقت الحاضر.
ولذلك اقترح كثير من الاختصاصيّين على الشركات والإدارات السماح لموظّفيها أن يستريحوا في وسط العمل بعض الوقت على الأقلّ لعشر دقائق، بعد فترة من العمل تصل على الأقلّ إلى ساعة، لأنّهم توصّلوا إلى أنّ المردود يكون أكثر، ممّا لو عمل العامل طوال الوقت، من أوّله إلى آخره دون استراحة أو توقّف.
وقد بيّن الله - سبحانه وتعالى - لعباده بأنّ هذا النوم هو من نعمته ورحمته، فقال:
- {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ... [القصص ـ 73]
ولا بدّ أن نشير إلى الحالات النفسيّة الكثيرة التي تؤثّر في حالة النوم بشكل مباشر، فهناك الكثير من الضغوط النفسيّة والعضويّة التي تؤثّر سلباً في النوم وذلك ممّا يؤدّي إلى الأرق الذي يسبّب الإجهاد وضعف الذاكرة، ويمكن أن يقود ذلك إلى الإصابة بالمرض أو التعب أو الاكتئاب. (1/158)
صفحة 159
وفي هذا العصر عصر الآلة والسيّارة أصبحت الحياة تعجّ بالصخب والضوضاء ممّا يؤدّي بإنسان هذا العصر إلى الإعياء، بما يتحمّله من الأعباء وضغوط العمل، والمسؤوليّات التي لا تنتهي، والتي تفرض تحدّيات عصبيّةً رهيبةً تقود إلى الضغوط والقلق.
إنّ حياة اليوم تفرض هذه المخاوف على الإنسان، خاصّةً في وقت النوم مساءً، حيث يجد نفسه غارقاً في التفاصيل لوقت طويل، ممّا يسلبه القدرة على النوم، فتؤثّر فيه بعض المشاكل المعلّقة التي لا يجد لها حلاًّ حاضراً، أو يظنّ أنّه ليس لها حلّ، في حين أنّه لا توجد مشكلة في هذه الحياة ليس لها حلّ، مهما بلغت من التعقيد، فتوصله إلى حالة من الاكتئاب تبقيه ساهراً لمدّة من الوقت في حين أنّ ذلك الوقت هو الوقت المناسب للنوم، حتّى ينهض مرتاحاً نشطاً ليقضي يوماً جديداً في حياته.
وقد يجد فريق من الناس صعوبةً في الاستسلام إلى النوم بسبب مرض بدني أو أثر جانبي، وسواء كان السبب هو القلق، أو الاكتئاب، أو أيّ حالة مرضيّة، فإنّ التعب من عدم الاستسلام إلى النوم الهادئ، يجلب التفكير السلبي إلى الشخص، ممّا يجعل خلايا مخّه تعمل من دون فائدة يرتجيها، وفي حالة من الضغط، فتفرز الهرمونات المختلفة داخل الجهاز العصبي بشكل غير متوازن، ونتيجة لذلك يفقد الإنسان تفكيره المتوازن، ويذهب به في متاهات غير متناهيّة، ويحسّ بعقله وكأنّه يكاد ينفجر.
ولم يتوصّل الخبراء إلى الآن إلى معرفة كيفيّة تصرّف الدماغ أثناء النوم، وذلك رغم تجاربهم المتعدّدة والمختلفة، ويعتقدون أنّ القشرة الدماغيّة، هذا الجزء المسؤول عن الوظائف المعقّدة للدماغ، تتوقّف عن النشاط أثناء النوم، لكن الرأي القائل بأنّه هو راحة للدماغ، قد رفض تماماً، حيث اكتشف العلماء أنّ الدماغ في بعض مراحل النوم يبقى فعّالاً مثلما يكون في حالة اليقظة. (1/159)
صفحة 160
كما تبيّن كذلك أنّ نوعاً من العصبونات (الخلايا العصبيّة) تنشط أثناء النوم لتهيّئ للإنسان الولوج في مرحلة النوم العميق، ولم يعرف حتّى الآن كيف تعمل تلك العصبونات، لكنّه تمّ التأكّد بأنّها تنشط مع ارتفاع حرارة المحيط الخارجي للجسم، وهذا ما يفسّر رغبتنا في النوم بعد أخذ حمّام ساخن، أو عند الجلوس قرب منبع حراري، ولكن رغم أنّ النائم ينقطع عن محيطه الخارجي، فإنّ الدماغ يستمرّ في نشاطه، وهذا هو اللغز الذي بقي العلماء حائرين فيه، وهم يبحثون حثيثاً للوصول إلى معرفة هذه الحقائق.
المنهج المنظّم لتحفيز النوم
وقد وضع الخبراء بعد تجارب متعاقبة بعض القواعد التي أوصوا بها كلّ من يريد أن يقضي ليلةً هنيئةً، وينام نوماً هادئاً، كي ينهض نشيطاً منشرح النفس، ليستقبل نهاره بكلّ تفاؤل وعزيمة، ونذكر من هذه القواعد:
1ــ أن لا يقلق عندما يقضي جزءاً كبيراً من الليل خارج فراشه، ولكن عليه أن يتجنّب النوم أثناء النهار، لأنّ ذلك يعتبر خطوةً أساسيّةً لجلب النوم الجيّد في الليل.
2ــ الحرص على الالتزام بموعد محدّد للذهاب إلى النوم، كي تصبح بالتكرار والاستمرار عادة متأصّلة، لأنّ التدبدب في الذهاب إلى الفراش يجعل الساعة البيولوجيّة تتدبدب بدورها.
3ــ تجنّب شرب السوائل الغازيّة مساء، لأنّ لها أثراً منشّطاً، ممّا يجعل النفس تنتبه في ذلك الوقت، فلا تستسلم إلى النوم بسرعة.
4ــ تجنّب ممارسة التدريبات أو التعرّض للإثارة قبل وقت النوم، وذلك على الأقلّ بساعة.
5ــ الاستلقاء على السرير في نفس الوقت من كلّ ليلة، بوضع مريح، مع الاسترخاء قدر الإمكان، وتركيز الانتباه على بقعة معيّنة على الحائط، أو على قطعة أثاث. (1/160)
صفحة 161
6ــ تخليص العقل من كلّ الأفكار وعوامل التشويش، مع التنفّس ببطء، وإقناع النفس بشكل دائم ومتكرّر أنّه كلّما انتبهت إلى تلك البقعة، يزيد الشعور بالراحة التامّة والاسترخاء، ونسيان كلّ المشاكل اليوميّة التي تحاول أن تشغل التفكير.
7ــ إن لم تستسلم إلى النوم بعد عشرين دقيقة من ذهابك إلى الفراش، فانهض وافعل شيئاً آخر مثل مشاهدة التلفاز، أو قراءة كتاب، لأنّ ذلك ممّا يصرف انتباهك عن ما كنت تفكّر فيه.
8ــ وبمجرّد أن تشعر بالإرهاق، ارجع إلى فراشك ثمّ أطفئ المصباح واسترخ، والاسترخاء هو أهمّ خطوة في جلب النوم إلى عيونك، وجلب الراحة إلى عقلك.
ويعترف العمّال الليليّون والحرّاس بأنّ الفترة التي يكونون فيها في صراع مع النوم هي أوائل الليل، ولكن بمجرّد أن تمرّ الساعات الأولى، يتنبّهون تماماً، ويسهل عليهم البقاء ساهرين دون معانات.
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - النوم سرّ بعث الحياة والنشاط والحيويّة في أجهزة الجسم، وخاصّة المخّ، ولكي يصل الشخص إلى أعلى مستوى من اللياقة الذهنيّة، ويحافظ على شباب مخّه، يجب عليه أن يهتمّ بهذه الفترة من يومه، وهي فترة نومه، والتي لها الأثر الإيجابي، أو السلبي على الفترات الأخرى من حياته اليوميّة.
* * *
الفصل الحادي عشر
التوتّر يُضعف المخّ والدعابة تقوّيه
المزاج الجيّد يحفظ قوّة المخّ
تشير التجارب المتعدّدة في تأثير المزاج الجيّد على قوّة التفكير والانتباه والتركيز، إلى أنّ الشخص الذي يتمتّع بمعنويّات مرتفعة يكون يقظ الفكر والعقل وعلى استعداد لزيادة استيعابه ولحفظ المعلومات التي يتلقّاها، ويتقبّل مدخلات حسّيةً جديدةً، بل يقدر على تخزين تلك المدخلات في الذاكرة القصيرة والطويلة المدى، كما أنّ الأدلّة تشير إلى أنّ الاكتئاب والقلق يمكن أن يصرف الشخص عن تعلّم معلومات جديدة، وكذلك صعوبة تذكّرها في وقت لاحق. (1/161)
صفحة 162
إنّ التكيّف البدني يجعل الإنسان يمتلئ سعادةً ورضاً عن نفسه، لأنّه يرى نفسه قادراً على القيام بأعمال كثيرة، وأنّه في حالة جيّدة، ويرمي إلى تحسين صحّته العامّة وإلى تحسين أداء مخّه، والشيء الذي يجعل كلّ واحد يشعر بالإشباع النفسي هو حسّ الإنجاز والسيطرة الذي يمنحه برنامج اللياقة.
إنّ الأداء الجيّد للجسم والمخّ يجعل الغدد تفرز هرمون الإندروفين الذي هو عبارة عن مادّة كيميائيّة شبيهة بالمورفين تشيع في الشخص الشعور بالسعادة والإنتشاء الذي كثيراً ما يسمّيه العلماء باسم انتشاء العدّاء، لأنّ العدّاء الذي يمارس الرياضة والعدو في الهواء الطلق وضوء الشمس يحارب الاكتئاب، وخاصّة بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضةً للاكتئاب الموسمي.
وكذلك الرياضات التي تؤدّى بشكل جماعي تخلق في نفس أصحابها شيئاً من المتعة والانتشاء والمرح، وكلّ ذلك ممّا يملأ النفس سعادةً وسروراً، ويزيد من تحسّن الحالة النفسيّة والوظيفيّة، ويساعد على عيش حياة أفضل.
إنّ كلّ هذه التمرينات البدنيّة أو المخّية لا تؤدّي نتائجها إلاّ بتحديد أهداف واقعيّة والالتزام بالاعتدال في كلّ ما نقوم به، لأنّ ذلك سيضمن لنا فترةً أفضل وأطول من الممارسة الجيّدة مع الاحتفاظ بمخاخ وأجسام أكثر صحّة وحيويّة.
وكلّ شخص في هذه الحياة يصاب بالاكتئاب والحزن من حين لآخر، ولكن هذا الحزن قد يتحوّل لدى نسبة من الناس تصل إلى 15% إلى حالة متأصّلة تتطلّب العناية الطبيّة عند مرحلة معيّنة من حياتهم، فيستهلكون كميّةً من العقاقير المضادّة للاكتئاب، ولكن الأحسن من ذلك كلّه هو التدريبات الرياضيّة المختلفة في الهواء الطلق، لأنّه بذلك تنشرح نفوسهم وتمتلئ سروراً وسعادةً. (1/162)
صفحة 163
فعندما يصاب الشخص بالاكتئاب، تعمل الأفكار السلبيّة على تشويش عقله، والحدّ من قدرته على التركيز، خاصّةً مع التقدّم في السنّ وفقدان القدرة على مجابهة مختلف مشكلات الحياة التي تعترض طريقه، والشخص المسنّ عندما يصاب بمثل هذه الضغوط فعادة ما يجد صعوبةً في التركيز، وقد يشكو من ضعف الذاكرة، وهناك شكل من أشكال الاكتئاب لدى كبار السنّ يطلق عليه اسم (الخبل الكاذب) لأنّه يعترض الشخص من حين لآخر، فيصاب بالهلع والخوف، ويظنّ بأنّه مصاب بدرجة من فقدان الذاكرة، وهو يشبه إلى حدّ كبير مرض الخبل أو ألزهايمر.
والشخص الذي يسقط في شباك الحزن، ينتقل بعد تلك الدرجة إلى درجة أدنى منها وهي اليأس، ثمّ يجد صعوبةً في التعلّم وتذكّر المعلومات الجديدة التي قد تمثّل بالنسبة إليه مهمّةً شاقّةً، حيث يتكوّن لديه التفكير السلبي نحو ذاكرته، ويتأثّر نمط تفكيره ممّا يلحق المزيد من الضرر بقدرات الذاكرة لديه، ولعلّ سبب ذلك هو أنّ حلقات الاكتئاب الحادّ المتكرّرة يمكن أن تؤدّي إلى إفراز هرمونات التوتّر العصبي، ممّا يمكن أن يلحق المزيد من الضرر بالذاكرة.
قاعدة
إنّ أفضل وقت للاسترخاء هو الوقت الذي
لا نجد فيه وقتاً للاسترخاء.
يقول الدكتور {كارل سيمونتون}:
«لكي يستوعب المرضى مفهوم قدرتهم في التأثير ذهنيّاً على آليّة المناعة في أجسامهم، فعليهم أن يدركوا أنّ عقولهم وعواطفهم وأجسامهم تعمل وكأنّها وحدة واحدة لا تنفصل، وأن يعلموا أنّ هناك تأثيراً ذهنيّاً ونفسيّاً زيادةً على التأثير البدني على تطوّر المرض «.
تخلّص من التوتّر كي تحمي مخّك (1/163)
صفحة 164
بالنسبة للكثير من الناس يعتبر تأثير الضغط العصبي على المشاعر الإنسانيّة مثله مثل آنيّة الطهو بالبخار التي تضغط على محتواها، حيث يعمل على مضاعفة المشاعر الموجودة لدينا بالفعل، والتي نحاول أن نخفيها، وهذه الحالات تدفع الجسم إلى إفراز نسب مرتفعة من هرمونات التوتّر والقلق والاكتئاب، ويمكن لذلك الهرمون أن يعطّل عمل الذاكرة، لأنّ الغضب المزمن يثير الأعصاب المخّية، وهذا ممّا يضعف الوصلات العصبيّة، فيجعل الخلايا تفقد قدرتها على التواصل الجيّد بين بعضها البعض، وبذلك يصبح عمل العقل مبعثراً ومشوّشاً، وهذه هي الحالة التي تصبح فيها الذاكرة ضعيفةً لا تؤدّي دورها بشكل جيّد وحسن.
وقد وجد الدكتور {ديفيد شابيرو} ومساعدوه في جامعة كاليفورنيا أنّ هناك علاقةً وطيدةً بين معدّلات الضغوط النفسيّة الناجمة عن المشاعر السلبيّة، مثل الغضب، وارتفاع ضغط الدم، ووجد أنّه كلّما قويت المشاعر السلبيّة، زاد ضغط الدم، ومع ارتفاع ضغط الدم، تزيد احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغيّة، والخبل العقلي، وتشويش التفكّر، وفقدان جزء من عمل الذاكرة.
وتعتبر الأبحاث التي أجريت مؤخّراً أنّ التعبير عن الغضب بشكل معتدل، أي على نحو متوسّط بين الغضب والتزام الصمت، أكثر صحّة للعقل ومحافظة على عمل الذاكرة بشكل جيّد، لأنّ ذلك يسمح بتحرير قدر معقول من الضغوط بدون بلوغ حدّ الانفجار، والتوسّط في التعبير عن الغضب هو الهدف، لأنّه هو التعبير الصحّي عن مشاعر الغضب في ظلّ الموقف الصحيح. (1/164)
صفحة 165
لقد تناولت الدكتورة {باتريشيا إنج} ومساعدوها في كلّية طبّ هارفارد بالدراسة 23 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين الخمسين والخامسة والثمانين عن كيفيّة التعبير عن الغضب، وتوصّلت في دراستها إلى أنّ هناك طرقاً متنوّعةً ومختلفةً يعبّر بها الأشخاص عن غضبهم، مثل معدّل طرق الباب، وإلقاء الملاحظات الساخرة، وفقدان السيطرة على الأعصاب، وتحقّقت من دراستها أنّ الأشخاص الذين هم أكثر توسّطاً في التعبير عن الغضب كانوا الأقلّ إصابة بالنوبات القلبيّة، مقارنةً بالأقلّ تعبيراً عن غضبهم.
كما توصّل الخبراء إلى حقيقة أنّ القليل من التعبير عن الغضب بشكل مباشر بدلاً من التعبير عنه بشكل غير مباشر يحمي المخّ وكذلك القلب، وعلاقة عمل القلب وحسن ضخّه للدم إلى شرايين المخّ علاقة مباشرة ومؤثّرة تأثيراً عجيباً في أدائه، كما أنّ ذلك يجعل الشخص أقلّ عرضة بشكل واضح لخطر الإصابة بسكتة دماغيّة، والتي عادة ما تسبّب إعاقةً طويلة المدى في الذاكرة.
ركّز على تقليل التوتّر العصبي
تتزايد في هذا العصر الشكوى من الشعور بالإرهاق، وضعف الحفظ والتذّكر، فإنسان هذا الوقت يشعر بالقلق على صحّته وعلى عمله وعلى رزقه، وعلى مختلف متطلّبات الحياة، وغير ذلك من التحدّيات الحقيقيّة، وغير الحقيقيّة من المشاكل التي تعجّ بها حياة عصر الآلة، وبالنسبة لكثير من الناس تتّخذ الضغوط النفسيّة تأثيراً جسمانيّاً ماديّاً، فيصاب بمختلف الأمراض مثل ضيق في التنفّس، وتسارع دقّات القلب، والعصبيّة القويّة الدائمة، أو الشعور بالتعب طوال الوقت.
إنّ الضغوط العصبيّة المزمنة قد تصيب الإنسان بمرض قلبي، أو بانهيار في المناعة، أو عجزها عن المقاومة، وكلّ تلك الآثار لها تأثير سلبي على تطوّر خلايا وأعصاب المخّ، وعلى أدائه، وخاصّة منها التي تضعف أداء القلب، لأنّ أداءه له نتائج مباشرة على أداء المخّ. (1/165)
صفحة 166
وقد أظهرت الأبحاث الكثيرة بأنّ أغلبيّة الضغوط النفسيّة يمكن لها أن تعوق أداء الدماغ، وتضعف أداء خلاياه، واتّصال أعصابه، إن بقيت لمدّة من الوقت، كما أنّها تؤثّر مباشرةً بشكل غير جيّد على إفراز مختلف الهرمونات التي تعمل على تحسين أداء الخلايا والأعصاب، لأنّ تلك الهرمونات هي التي تشرح مزاج الخلايا وتملأها سعادةً، وهذا ممّا يعين على تواصلها بقوّة فيما بينها، فتعمل بشكل جيّد، وخاصّةً منها الرسائل الناقلة التي لها وضيفة تحسين الوصلات العصبيّة لتكون مستعدّةً استعداداً كاملاً لاستقبال كلّ معلومة تصل إليها.
لقد أثبتت التجارب المختلفة أنّ الضغوط المختلفة ونمط النوم يؤثّر تأثيراً إيجابيّاً أو سلبيّاً على الجسم والمخّ، وأنّ الصحّة الجيّدة، سواء الذهنيّة منها، أو البدنيّة، لا تعتمد على التغذيّة الجيّدة أو التدريبات فقط، وإنّما تعتمد أكثر على الصحّة الذهنيّة، وهذه الصحّة تتأثّر بالضغوط النفسيّة أكثر من أيّ تأثير آخر.
إنّ الطريقة التي نفكّر ونشعر بها تؤثّر بدرجة كبيرة على الأداء المخّي، وقوّته أو ضعفه، وعلى لياقته، فهناك علاقة متبادلة بين طريقة التفكير الذهنيّة وكلّ من الصحّة النفسيّة واللياقة الذهنيّة، وكلّ ما يستحوذ على القوّة العقليّة سوف يؤدّي إلى الشعور بالضغوط وإلى التدهور العام للمهارات الذهنيّة.
وقد أظهرت الدراسات التي أجرتها الجمعيّة الطبّية البريطانيّة والجمعيّة الطبّية الأمريكيّة أنّ 80% من الأمراض يرجع إلى طريقة التفكير الذهني السلبي.
كما أنّ الأفكار التي نسجّلها داخل عقلنا الباطن خطيرة جدّاً، ولها أثرها البالغ على قوّة تفكيرنا، وأداء عقولنا، فلينظر كلّ واحد منّا ماذا يسجّل في عقله الباطن، لأنّها هي السبب المباشر في التحصّل على المكسب الذي نطلبه، أو خسارته، وهي التي تنمّي جذور الثقة في النفس. (1/166)
صفحة 167
إنّ أسباب نجاح المهارات الذهنيّة يرجع دائماً إلى الأفكار الإيجابيّة التي تتكوّن في ذهن الإنسان، والتي ترتبط بالأحاسيس، فتملأ النفس ثقةً، فيصبح العقل قويّاً، يستطيع العمل تحت أيّ ظرف من الظروف التي تقابله، وبذلك نجد أنّ الذهن القويّ يساعد صاحبه كثيراً على تحقيق مختلف الأهداف.
لقد أجرى البروفيسور {جون مكلود} من جامعة أبيرتي تجربة على 10 آلاف عامل في القطاع الخاصّ البريطاني لقياس معدّل الضغوط لديهم، وقد قدّم تقريره للجمعية البريطانيّة للاستشارات والتحليل النفسي في يناير 2001 الذي بيّن فيه أنّ الضغوط النفسيّة لأولئك العمّال سيطرت على أدائهم الوظيفي، حتّى أصبح كثير منهم على شفا حفرة الانهيار.
وقد أشار التقرير إلى أنّ ما يصل إلى 15 % من العاملين في الوظائف يضعفون مخاخهم بالتفكير في مشاكل ذات صلة بالضغوط، ولكن الأخطر من ذلك أنّه في بعض الأعمال الحيويّة مثل التدريس والعمل الاجتماعي والشرطة وجد أنّ كلّ واحد من أربعة موظّفين يعاني من ضغوط هائلة نتيجةً للتفكير السلبي الذي كوّنوه بأنفسهم في برامج تفكير عقولهم.
وقد قال البروفسور {مكلود}:
«إنّ حالة الأشخاص الذين ظهر أنّهم بحاجة إلى استشارة نفسيّة في مجال العمل، لا تقلّ خطورة عن حالة المرضى النفسيّين في العيادات الخارجيّة «.
وأكّد أنّ المشاكل الناجمة عن ضغوط العمل لم تعد مقصورةً على شريحة معيّنة مثل المديرين، وإنّما أصبحت تشمل موظّفي المكاتب والحرفيّين بنفس الدرجة، وقد ذكر في تقريره أيضاً أنّ حالات القلق والضغوط الخفيّة ـ أي التي لم يتمّ تشخيصها ـ تقف وراء تزايد مفرط في نسبة الغيابات عن العمل، أكثر من الصداع، أو مشاكل المعدّة. (1/167)
صفحة 168
إنّ الاستجابات النفسيّة للضغوط هي استجابة حيويّة كيميائيّة، وهذا التغيّر الكيميائي يؤثّر على كلّ عضو من أعضاء الجسم، ومن ثمّ ينعكس على كلّ خليّة من خلاياه، ممّا يعني بالتالي أنّ الضغوط الحادّة والجهد المتواصل سوف ينعكس لا محالة سلباً على الصحّة الجسميّة، ويسبّب الأمراض الذهنيّة، ويؤثّر على الأداء العقلي.
وفي المقابل فإنّ انعدام الضغوط يجعل العقل يعمل بشكل صاف وبمرونة، ويصبح متفتّحاً يحبّ الاستطلاع والتفاؤل والإقبال، ويجعله أكثر يقظةً وقدرةً على التعامل مع اختبارات الذكاء الدائمة التي تفرضها تحدّيات الحياة المختلفة في كلّ ساعة من ساعات اليوم.
ولكن الأنباء السارّة التي يستطيع أن يفرح بها كلّ إنسان هو أنّ الضغوط تعدّ ظاهرةً عقليّةً في أساسها، وأيّ ظاهرة عقليّة نستطيع أن نسيطر عليها ونوجّهها كما نريد.
يقول {ديفيد جيه شوارتز}:
«إنّ أفكارنا بمثابة الترموستات الذي يتحكّم فيما ننجزه في الحياة «
لقد أكّدت إحدى الدراسات التي أجراها {دين أورنيش} رئيس معهد أبحاث الطبّ الوقائي في ساراتوجا في كاليفورنيا أنّ ارتفاع معدّلات الضغوط الناجم عن السلوك المتشائم والاضطراب العاطفي يمكن أن يولّد استجابات سلبيّةً تسبّب ضعف أداء القلب.
ولا شكّ أنّ ضعف أداء القلب يؤثّر تأثيراً مباشراً على حالة العقل، فيضعف ويصبح في حالة لا يؤدّي فيها وظائفه بشكل جيّد.
وإنّ السلوك المتشائم والاضطراب يشتّت الانتباه والتركيز.
إنّ القلب الذي يتمتّع باللياقة يجعل العقل يقوى بالتبع، ويجعل خلاياه تتمتّع بإيقاع متوازن، لأنّه يدقّ بشكل قويّ، ومع كلّ دقّة قويّة من دقّاته يدفع بالوقود اللازم لعمل العقل، ومع ذلك الوقود يبعث مجموعة متنوّعة من المركّبات الكيميائيّة المتوازنة التي تجعله يتيقّظ، ويستجيب استجابةً مبرمجةً بصفة إيجابيّة، فيعمل بطاقة متأجّجة. (1/168)
صفحة 169
لقد استنتج الخبراء بعد دراسات طويلة بعض التقنيّات التي نجحت بالفعل في الحدّ من كثير من الضغوط التي يعاني منها بني البشر، وإصلاح حالتهم النفسيّة والعقليّة، وهي تشمل التخيّل والتدريب والتأمّل.
يقول {باري كيفرين}: من جامعة كمبريدج.
«لقد انفردنا في ظلّ حياتنا المتميّزة بذكاء نجح في ابتكار عوامل مثيرة للضغوط النفسيّة، وبلغ بنا الجنون الحدّ الذي جعل هذه العوالم تسيطر على حياتنا «.
إنّني أؤمن إيماناً يقينيّاً بأنّنا كأفراد نملك القدرة على التحكّم في استجابتنا للضغوط، وخاصّة تلك الضغوط الناجمة عن جموح الخيال، وتجسيده للأحداث المستقبليّة.
ولكي نستطيع الحدّ من الضغوط فعلينا أن نركّز على الصور الإيجابيّة الباعثة على الهدوء، والتي سوف تخرجنا من وطأة الموقف الضاغط الذي يستحوذ في العادة على عقلنا، ويجعله يضعف في طريقة تركيزه، فلا يفكّر جيّداً فيما يقابله من أعمال مختلفة.
الاستجابة للتوتّر لها أشكال عديدة
لقد جبلت أجسامنا على التجاوب، والتكيّف مع الضغوط النفسيّة بشكل تلقائي من خلال إفراز هرمونات أشبه بالأدرينالين في مجرى الدم، لكي تمنحنا دفعة من الطاقة والقوّة، إمّا لمواجهة خطر مباشر أو الهروب منه، وتسبّب هرمونات التوتّر في زيادة معدّل ضربات القلب وسرعة التنفّس وارتفاع ضغط الدم.
أمّا النتيجة النهائيّة فهي ضخّ المزيد من الدماء والأكسجين في القلب والعضلات والمخّ، فتتحرّك كلّ عضلات الجسم تأهبّاً للتحرّك، وتزيد حدّة اليقظة الذهنيّة، وربّما تتأزّم حالته، فيصاب بجلطة دمويّة دماغيّة، وليس هناك شيء يضعف عمل المخّ أكثر من الجلطة الدمويّة.
يقول الدكتور {بروس مكوين} من جامعة روكفيلر:
«إنّ ألوستاتيّة الجسم تفرز كميّات مرتفعةً من هرمونات التوتّر في الصباح الباكر عندما نكون بصدد مواجهة أكبر صدمة مروّعة في اليوم، ألا وهي الاستيقاظ، وقد لا ينطبق هذا على من يتّسمون بالنشاط والتفاؤل باستقبال يوم جديد «. (1/169)
صفحة 170
كما أنّ هذه الصدمة لا تستطيع أن تؤثّر على من كان له إيمان قويّ، ويقين في أنّ ربّه هو الذي يتصرّف فيه، ويدير له أعماله كما يشاء. فهو القائل - عز وجل -:
- {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} ... [الإنسان ـ 30]
إنّ ما نواجهه اليوم في حياتنا من عوامل مثيرة للتوتّر والتي تشتّت تركيزنا وتضعف تفكيرنا، يختلف تماماً عمّا شهده أسلافنا، لأنّ ذلك ليس خطراً حادّاً واقعيّاً مادّياً، وإنّما هي ضغوط ناجمة عن مواقف عصبيّة، لا نملك حيالها حلولاً سريعةً.
فنحن نواجه غطرسة بعض الظالمين، أو مراهقاً متمرّداً، أو رئيساً متسلّطاً في العمل، أو ركوداً في الأسهم، أو كساداً في تجارة، وفي سبيل مواجهة مثل هذه العوامل الدائمة المتكرّرة المثيرة للتوتّر العصبي، تحدث الاستجابة الألوستاتيّة للجسم ولكنّها لا تدفعنا إلى الهروب من هذه المواقف أو مواجهتها.
ولكن كلّ التوقّعات التي تخطر ببالنا من هذه التحوّلات تجعل عضلة المخّ تقوم بمجهودات كبيرة، فتصاب بنوع من التعب، والتشتّت، والإجهاد الذهني المزمن، يؤدّي بدوره إلى إفراز هرمونات، وربّما تبقى متدفّقة بشكل دائم دون أن تهدأ، ومع مرور الوقت يمكن أن يؤدّي ذلك إلى الإصابة بما يسمّيه العلماء باسم متلازمة الإجهاد المزمنة التي تسبّب الشعور بالإجهاد والتعب على مستوى عضلة المخّ، ممّا يؤدي بدوره إلى الإصابة بضعف مهارات وتقنيّات عمله، وإلى ضعف الذاكرة.
ويمكن القول بعبارة أخرى أنّ نظام الجسم كلّه يتعرّض للانهيار، وهذا ما وصفه {مكوين} وغيره بالعبء الألوستاتي، وهو ذلك التلف الناجم عن خلل الوظائف عند الاستجابة للتوتّر العصبي. (1/170)
صفحة 171
وأخطر ضغط يضعف أداء المخّ، ويجعله لا يستوعب جيّداً ما يريد حفظه، ولا يتذكّر ما كان قد حفظه من قبل هو حدوث تغيّر مفاجئ في الذاكرة عقب انهيار نفس الشخص تحت وطأة حدث عصيب، حيث يفقد القدرة على الرؤية الحقيقيّة للأشياء وما يوجد فيها من نواحي إيجابيّة.
وتعرّض الشخص لفترات ممتدّة من الضغوط النفسيّة يجعل هرمونات التوتّر العصبي تفرز بكثرة، حيث يمكن لها أن تحدث تلفاً في خلايا المخّ يفوق مجرّد التشويش على الذاكرة، وفي هذه الحالة يضعف أداؤها، ممّا يهدّد صحّة العقل على المدى الطويل، ويضعف وظائف الذاكرة، وكذلك الصحّة العامّة وطول العمر.
وقد توصّل الدكتور {روبرت سابولسكي} في جامعة ستانفورد إلى نتائج محقّقة مهمّة تؤكّد أنّ الأشخاص الذين يتعرّضون للضغوط النفسيّة طويلة الأمد والدائمة يؤدّي بهم الأمر بالفعل إلى تقلّص أحد مراكز الذاكرة الأساسيّة في المخّ.
وقد أظهرت دراسته أنّ تعرّض الحيوانات المعمليّة الصغيرة إلى ضغوط مزمنة أدّى إلى تراجع عدد الخلايا في قرن آمون في المخّ، والتي هي عبارة عن بنية أشبه بحصان البحر مسؤولة عن الذاكرة والتعلّم، وتوجد أسفل الصدغ في المخّ.
وقد وجد الدكتور {جيمس مكوف} من جامعة إيفرين بكاليفورنيا أنّ هرمون الكوتيكوسترون وهو من بين الهرمونات التي تفرزها غدد الجسم في أوقات التعرّض للمواقف الخطيرة أو القلق أو حتّى الإجهاد البدني، يشلّ قدرة حيوانات المعمل على استرجاع المعلومات المختزنة في الذاكرة طويلة المدى.
وقد توصّل الدكتور {جون نيوكامر} في كليّة الطبّ بواشنطن من خلال الدراسات البشريّة أنّ التعرّض لمعدّلات مرتفعة من هرمون الكورتيزول على مدى بضعة أيّام، وهو هرمون مهمّ يشعّ التوتّر في كامل أجهزة الجسم، يقلّل من نتائج الذاكرة في الاختبارات.
أمّا الأشخاص الذين يتعرّضون لضغوط رهيبة وحادّة لفترة طويلة فقد وجدوا صعوبات أكبر على مستوى الذاكرة في الفترة ما بعد الضغوط. (1/171)
صفحة 172
وقد وجدت إحدى الدراسات التي أجريت مؤخّراً على الناجين من المحرقة النازية من المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة أنّهم أصيبوا بإعاقة تفوق الحدّ المتوسّط في قدرات التذكّر، وكانت تزداد سوءاً كلّم تقدّموا في السنّ، وهذا دليل على أنّ فترات الضغوط الممتدّة الحادّة التي يتعرّض لها الأشخاص يمكن أن تعجّل بشيخوخة المخّ.
ويرى الكثير من الباحثين في مجال الذاكرة أنّ التعرّض حتّى ولو للضغوط العصبيّة البسيطة، وزيادة إفراز هرمونات التوتّر ولو بنسبة صغيرة يمكن أن يعجّل بشيخوخة العقل وتدهور الذاكرة بسبب الشيخوخة المصاحبة لذلك.
استراتيجيّات التحكّم في الغضب
لقد وضع الخبراء إثر تجاربهم المتعدّدة استراتيجيّات للحدّ والتنقيص من الضغوط النفسيّة، كي يبعدوا بعض الحالات الخطيرة عن كثير من الأشخاص والتي تؤثّر تأثيراً سلبيّاً على أداء مخاخهم، وقد اعتبروا تلك التقنيّات من أفضل الوسائل للتحكّم في الضغوط.
ومن بين تلك التقنيّات تلقّي محاضرات أسبوعيّة، وتطبيق برامج أيروبيك الرياضيّة، وهناك التوجيهات الطبيّة التي يوصي بها الأطبّاء مثل هؤلاء الأشخاص، كما يوجد النشاط الترفيهي الذي له علاقة واضحة بالإصابة بمرض ضعف الذاكرة.
وقد وجدت بعض الدراسات أنّ أثر الترفيه يحدّ من خطر الإصابة بضعف الحفظ والاستيعاب، ثمّ تذكّر المعلومة المحفوظة فيما بعد، وقد تضاعف هذا الأثر عندما اشتملت الأنشطة الترفيهيّة بذل الجهد العقلي من خلال ممارسة بعض الألعاب، ومزاولة القراءة، والكلمات المتقاطعة، وقد وجد الخبراء أنّ مثل هذه الأنواع من الأنشطة تعمل على تنشيط اللياقة الذهنيّة من خلال تحفيز آليتين، وهما التخلّص من الضغوط النفسيّة، والتحفيز العقلي. (1/172)
صفحة 173
ويرشد الخبراء كلّ من يصاب ببعض الضغوط أن يصرف تفكيره عن الأمر الذي يقلقه، ولا يركّز على مشاكل العمل التي تحيط به، بل عليه أن يبحث عن ذكرى مرحة عن بعض غرائب الأعمال التي قام بها، لأنّ الفكاهة تقطع شوطاً طويلاً في تعزيز عمل الذاكرة.
فأخذ قسط من الراحة والانغماس فيها، والانصراف عن الخوض في وحل الذكريات السلبيّة، والتفكير في شيء يعيننا على الضحك، ويجعلنا نستطيع التحكّم في الاستجابة التي تمليها علينا الضغوط، يجعل انتباهنا يركّز على الكلمة أو الكلمات التي نرغب في تذكّرها، ونحدث تغيّرات نفسيّةً حقيقيّةً يمكن أن تتحقّق، فضلاً عن تحقيق فوائد نفسيّة عاليّة النتائج، مثل الحدّ من الغضب.
وقد كشفت دراسة باستخدام أشعّة الرنين المغناطيسي MRI عن وجود تحوّل بارز في أنماط تدفّق الدم لدى إحدى الجماعات الدينيّة عاليّة التدريب أثناء فترات التأمّل، مقارنة بحالتهم عند ترتيل بعض الترانيم الدينيّة، وفي الإسلام يعتبر أداء الصلاة والخشوع فيها بكلّ الجوارح عبارة عن تأمّل، وأنّ تلاوة القرآن بترتيل وتحسين الصوت به هو عبارة عن ترانيم دينيّة.
ويعتقد الدكتور {سولومون سيندر} من كليّة الطبّ في جونز هوبكينز أنّ تأثير التأمّل يرجع إلى زيادة معدّل إفراز السيروتونين العصبي الناقل للرسائل في العقل الذي يملك تأثيراً مهدّئاً.
فعندما نختار الاسترخاء في التأمّل الجيّد، يمكننا أن نحدث فارقاً عميقاً في بيولوجيا العقل ولياقة الذاكرة بشكل عام.
قوّة الطقوس في القضاء على الضغوط
إنّ كلمة الطقوس تعني بعض العادات والأعمال التي تؤدّى على نوع من التقاليد والقوانين الخاصّة، والطقوس دائماً تكون محكومة بزمان معيّن، ونحن في الإسلام فالعبادات تعتبر طقوساً لا يتحكّم فيها مكان معيّن، ولو أنّ أداءها في المسجد هو أفضل وأحسن، وأعظم أثراً في النفس. (1/173)
صفحة 174
ويتمّ أداء تلك الطقوس التي هي عبارة عن العبادات في ديننا الإسلامي بترتيب موصوف ومحدّد تتناقله الأجيال بعضها عن بعض من عهد نبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وقواعد الدين قد نقلت عبر السنين من جيل إلى جيل، وأداء ذلك الواجب ليس مقصوراً على شخص معيّن، بل هو واجب على كلّ أفراد المجتمع، يؤدّونها جماعات وفرادى.
وقد سنّ لنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أداء صلاة الجماعة، وبّين لنا ما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، إلى غير ذلك ممّا خفي علينا من الآثار الإيجابيّة التي تتركها في النفس، وفي تماسك أفراد المجتمع وتعاونهم فيما بينهم، وهي تربط مؤدّيها بأعماق قلبه، وتربط جوانب شخصيّته من الناحيّة النفسيّة والناحية العاطفيّة والجسميّة والاجتماعيّة.
وبهذا نستطيع أن نفهم الأثر الإيجابي العظيم الذي تتركه العبادة في الأداء النفسي والعقلي، ونكتشف طرق تعزيز التفكير الذي يقوّي بدوره الذكاء لدى المحافظ عليها.
وهذه الطقوس التي هي عبارة عن العبادات في ديننا الإسلامي تنشئ في النفس أشكالاً متنوّعةً من السموّ الروحي، حيث يعين هذا السموّ على التغلّب على الآلام والمعاناة والأحزان التي تسبّبها الضغوط، كما أنّه يمكّن من إضافة طاقات جديدة إلى النفس، فيتقوّى نشاطها، وتزداد حيويّتها.
وقد لاحظ الخبراء عبر العصور وفي مختلف الأمكنة بأنّ المجتمعات عندما تزداد لديها المحن يلتجئ عناصرها إلى أداء الطقوس، ويعتبرون ذلك نوعاً من أنواع التدعيم للنفس كي تتحمّل النتائج المؤلمة لتلك المحن، كما أنّهم يعتبرونها شكلاً من أشكال الدفاع الروحي عن الذات.
والله - سبحانه وتعالى - ربّنا يقول:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
[البقرة ـ 153] (1/174)
صفحة 175
وتعتبر الطقوس نوعاً من أنواع طرق تطهير التفكير من التلوّث الضوضائي، غير المنظّم، والذي بسببه لا نستطيع أن نفكّر جيّداً في طريقة حلّ أيّ مشكلة تعترض سبيلنا عند نزول المحن، لأنّ ذلك التفكير الضوضائي يحجب عن العقل المتطلّبات اللازمة لحلّ المشكلة، كما أنّه يمنعنا عن التواصل الجيّد مع أنفسنا، فنبقى في دوّامة من التذمّر والحزن، ممّا يجعلنا نخرج من تلك المحنة بخسائر فادحة عوض أن نخرج منها بنتائج جيّدة.
ويعتبر الخبراء الخشوع في الصلاة الذي جعله الله - عز وجل - من الشروط اللازمة لقبولها، وسيلةً لتنميّة ملكة حصر الدهن، والتركيز وعدم التشويش، وهذه التقنيّات تعتبر من الأسباب الرئيسيّة والهامّة في تنميّة القوى العقليّة والفكريّة، والتي ينتج عنها أكبر الأثر في نجاح المرء وفوزه، والخشوع يجعل المصلّي يحضر فكره طيلة وقت الصلاة، وهذا ممّا لا شكّ فيه ينمّي ملكة حصر الدهن، وتصبح أكبر معين في سائر الأعمال اليوميّة.
كما أنّ كميّة الدم تزيد تدفقاً إلى الأوعيّة الدمويّة في المخّ عند الصلاة، ففي الركوع تنزل كميّة غير عاديّة إلى الدماغ فتغدّي الشرايين بالكميّة اللازمة من الأكسجين والوقود ليعمل بكامل قواه، كما تجعل الأوعيّة الدمويّة تتوسّع لتستوعب كميّةً أكبر عند السجود، لأنّ في تلك الوضعيّة تتضاعف كميّة الدم المتدفّقة إلى الأوعيّة الدمويّة.
وقد اكتشف الأخصائيّون أنّه كلّما ازدادت الأوعيّة الدماغيّة توسعاً ازداد ذكاء الشخص، وقد درسوا عدّة أدمغة للعباقرة، وقارنوا بينها وبين أدمغة الأشخاص العاديين، فتوصّلوا إلى نتيجة واحدة، وهي أنّ الأوعيّة الدمويّة في أدمغة العباقرة واسعة أكثر من الأوعيّة الدمويّة في أدمغة الأشخاص العاديين، وهذا دليل قاطع على أنّ تلك الأوعيّة كانت تستوعب كميّة أكثر من الدم نتيجة لقيام أصحابها بالعمليّات الفكريّة المعقّدة. (1/175)
صفحة 176
فالصلاة إذن تعتبر وسيلة من وسائل تقويّة ملكة التركيز والانتباه، لمن حافظ عليها، وأدّاها بكامل شروطها وأركانها من خشوع وانتباه وعدم السرعة، وترتيل حسن للآيات القرآنيّة.
قال الله - عز وجل -:
- {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ... [المؤمنون ـ01 - 02]
يقول {وليم مولتون}: الأخصائي بعلم النفس.
«إنّ القدرة على التركيز تجري مجرى العادة عند كلّ شخص يدرّب ذاكرته وينمّيها بالوسائل المتعدّدة «.
ويقول {وليم} عن كيفيّة اكتساب هذه الصفة:
«والقدرة على التركيز تُكتسب بالمران، والمران يتطلّب الصبر والمثابرة والعمل الجادّ، فالانتقال من الشرود إلى حصر الدهن هو ثمرة جهد ملحّ «.
خلاصة القول: إنّ الخشوع في الصلاة أعظم وسيلة لتنميّة ملكة حصر الذهن، التي هي من أعظم الوسائل لتنميّة الذاكرة والمحافظة على قوى عقليّة نشيطة تؤدّي إلى تقدّم صاحبها ونجاحه في حياته، ولعلّ لهذا السرّ ولغيره من الأسرار فرض الله - عز وجل - على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة.
وكلّما أخلص الإنسان في أداء الطقوس الصحيحة، كلّما ازدادت قوّة تحمّله، وتغلّبه على الصعاب، وتجاوز المحن، وتحمّل التغيّرات، لأنّ روحه تصبح أكثر ابتهاجاً واحتمالاً للنجاح، وذلك نتيجةً لما يبذله من الإخلاص في أداء تلك الطقوس، والإخلاص يملأ النفس استبشاراً وسعادةً وانشراحاً.
وقد تمّ مؤخّراً إجراء بحوث مثيرة في مركز المخّ، والتي تتعلّق بقيمة الطقوس فأثبتت مقولة التي تقول:
إنّ الممارسة تؤدّي إلى الإتقان صحيحة مائة في المائة، هذا على الرغم من أنّها تصبح غير مفيدة إذا كانت الممارسة خاطئة، لأنّ ذلك ممّا يزيد الأمور سوءاً. (1/176)
صفحة 177
وأراد الباحثون معرفة سبب صحّة هذا التعبير، فتوصّلوا إلى نتيجة من خلال دراسة دامت عشرين عاماً، وهي أنّ كلّ فعل نقوم به في حياتنا يتّخذ مسلكاً خاصّاً به داخل أعصاب وخلايا المخّ، وهذا المسلك يزداد قوّةً ووضوحاً ورسوخاً كلّما كرّرنا النشاط أو الفكرة مرّات عديدة.
وهذه المهارة والتقنيّة تنطبق على طقوس التدريب البدني، كما تنطبق أيضاً على الطقوس المتكرّرة للصلوات والتسابيح والتأمّل، وغيرها التي تؤدّى يوميّاً، أو أسبوعيّاً، أو سنويّاً.
وقد توصّلوا من خلال التجارب العديدة التي أجروها على كثير من المجتمعات إلى أنّ أداء الطقوس الإيجابيّة بشكل جيّد وبإخلاص تغرس العادات الحسنة داخل المخّ، وتمدّ المحافظين عليها بالقوّة الروحيّة اللازمة لمواجهة صدامات الحياة وصراعاتها، وتدمجهم في الحياة الاجتماعيّة بأشكال شتّى.
وكلّ من يريد أن يحسّن ذاته عليه أن يدعّم ذكاءه الروحي بمختلف الطقوس، لأنّ ذلك يغنيه عن إهدار كثير من الوقت الذي يحتاجه في بدء كلّ عمل جديد، ويشبّهها الخبراء بالمعطف الذي يلتمس الشخص بواسطته الدفء الجسدي.
علّم مخّك كيف يعمل بسلام
كان أغلبيّة العلماء والعباقرة والمفكّرين على قدر كبير من التفكير بسلام وسكينة، وذلك ما أوصلهم إلى اكتشاف كثير من النظريّات، لأنّ هذا السلام والسكينة يملآن نفوسهم بالصبر على إعادة التفكير، وتغييره، حتّى تمكّنوا من الوصول إلى أعلى الدرجات من لاستخراج نظريّات وأفكار لم يتوصّل إليها من سبقهم.
والسلام هو حالة من النفس ينعم بها الفرد والمجتمع، وكلّما زاد ارتفاع التفكير في السلام ازدادت سلامة وقوّة عمل العقل. (1/177)
صفحة 178
كانت السكينة والسلوك السلمي من السمات المميّزة للأنبياء والرسل ولأعظم القادة الروحيّين، وذلك رغم معاناتهم وتضحيّاتهم الشخصيّة، إلاّ أنّ هؤلاء المعلّمين العظماء حافظوا على سلامهم الداخلي، ووجّهوا تفكيرهم إلى الناحية الإيجابيّة الجيّدة والقويّة، وذلك هو أكبر اختيار للبشر في الاحتفاظ على قوّة تفكيرهم، وسلامهم الداخلي، وتكيّفهم مع الشدائد والاضطرابات.
إنّ المجتمع الحاضر يعيش حياةً سريعةً متواصلةً، ومن دون راحة، لأنّ أفراده قد أدمنوا الهواتف المحمولة، والمحطّات الكثيرة في مختلف الاختصاصات، وخاصّةً الإخباريّة منها والرياضيّة، والتي تملأ النفس بالقلق والخوف وعدم الاستقرار، ثمّ الضوضاء المرتفعة في الشوارع، والتي تشوّش على التفكير إلى درجة يبقى فيها عقل الإنسان مبعثراً، لأنّ تلك الضوضاء تفقده التركيز.
فكثير من الناس يصرخون داخليّا ويقولون: أوقفوا هذا العالم، نريد أن نغادر، لا نريد هذه الحالة التي نحن فيها، ولكن شاءوا أم أبوا يجدون أنفسهم مرغمين على السير في وسط القافلة، وأن لا يتوقّفوا.
ومثل هذه الوضعيّة تجعل الإنسان يفقد السيطرة على تفكيره، فلا يقدر على توجيهه، لأنّه لا يملك الصفاء الذهني، فلا تنمو مداركه، وذلك سبب مباشر لضعف المخّ، وتشتّت التفكير.
الدعابة تساعد على تخفيف الضغوط
إنّه شيء حقيقي فإنّ الدعابة تعدّ من إحدى الصفات الممّيزة للذكاء، لأنّها تنعش الخلايا المخّية، وتهدّئ الأعصاب، ومن فوائدها تخفيف القلق والتوتّر، وتحسين الصحّة بشكل عامّ، وقد رأينا في إحدى العناوين السابقة بأنّ الصحّة العقليّة مرتبطة إلى حدّ كبير بالصحّة الجسديّة، وهذا كلّه ممّا سيقود الشخص إلى حياة أكثر سعادة ومرحاً، وأكثر رقيّاً.
والدعابة هي خير غذاء لبناء العقل القويّ، وقد وجد الدكتوران {لي بيرل} و {ستانلي تان} بعد إجراء تجارب عديدة أنّ الدعابة تؤدّي إلى فوائد رائعة، حيث أنّها تساعد على: (1/178)
صفحة 179
ــ تقليل الضغط، والضغط بدوره يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على عمل العقل، لأنّه يشتّت الانتباه، ويضعف التركيز.
ــ تقويّة جهاز المناعة، فلا يشعر الشخص ببعض الآلام الخفيفة، والتي تشغل عقله، وتضعف تفكيره.
ــ تقلّل إنتاج هورمون التوتّر، وإذا كان الإنسان كثير التوتّر يصبح ضعيف التفكير.
ــ تحرّر الطاقة الضارة التي يجلبها عادةً التوتّر بما تفرزه الغدد عادةً في تلك الحالة، لذلك يشعر الإنسان بالبهجة أثناء الدعابة.
يقول {مارك توين}:
«إنّ الدعابة أمر عظيم، فهي منقذتنا، فبمجرّد أن تطلّ على نفوسنا يختفي استياؤنا وامتعاضنا لتحلّ محلّها روح مشرقة «.
وقد توصّل الخبراء بعد تحاربهم المتعدّدة إلى أنّ الدعابة والمرح يجعلان المرء في حماية من كثير من الأمراض التي تضعف عمل المخّ، وتشتّت الانتباه، وتضعف التركيز، ولا يخفى على أحد أن الانتباه الجيّد والتركيز القويّ من المبادئ الأساسيّة التي تجعل العقل يعمل باندفاع وقوّة.
وانشراح النفس يساعد إلى درجة كبيرة على صفاء الذهن، وقوّة التفكير، وليس هناك شيء يجلب الراحة والانشراح والاطمئنان أكثر من الفكاهة والدعابة، لأنّ روح الدعابة تساعد على تهدئة الأمور ووضعها في نصابها، وهي طريقة رائعة لإذابة التوتّر، وتنشيط جوانب النفس المتعدّدة، كما أنّ لها الأثر البالغ في الربط بين البشر جميعا.
والدعابة لها تأثير فعّال وإيجابيّ على إفراز الهرمونات المختلفة في أجهزة الجسم، وتلك الهرمونات هي التي تحافظ على المرونة البدنيّة عامّة، والعقليّة خاصّة، كما أنّها تقلّل من الضغوط من خلال إفراز هرمون الإندروفين الذي يعدّ أحد هرمونات الجسم الطبيعيّة المضادّة للاكتئاب، وينقسم التخلّص من الضغوط النفسيّة إلى شقّين، وهما الشقّ العقلي الذهني والشقّ البدني. (1/179)
صفحة 180
وتعتبر الدعابة من المؤثّرات التي تؤثّر في النفس وهي تساعد على الشفاء وتوازن الطاقة، وتحسين الصحّة، وزيادة حسّ الانسجام داخل النفس البشريّة ومع العالم الخارجي، فهي عمليّة تسمح لخلايا المخّ بأن تكون أكثر هدوءاً وتركيزاً، وتعين النفس والعقل على التحرّر ممّا يسبّب لهما التشتّت والاضطراب، لأنّها ترفع مستويات السيروتونين، الذي هو إحدى المركّبات الكيميائيّة في المخّ، والتي تعمل على مقاومة الاكتئاب، والمخّ من دون قلق يحقّق نتائج عالية رائعة.
وتعتبر الدعابة من إحدى المهارات الذهنيّة القويّة، وهي تنشّط خلايا المخّ، ممّا يملأها حيويّةً ونشاطاً، فيزداد عملها واستيعابها، كما أنّها أفضل دواء لكثير من الانفعالات والاضطرابات النفسيّة، والدعابة هي مفتاح كلّ من العقل والقلب، وهما الشرطان الأساسيّان لاكتساب ذاكرة قويّة، فعندما يبتسم الشخص وينشرح فإنّ عقله يرسل إشارات إلى الغدد لإفراز هرمونات صحيّة.
ويعتقد الخبراء أنّ الدعابة تحفّز إنتاج الهرمونات التي تدعّم الصحّة العامّة، وتقوّي جهاز المناعة، وقد أكدّ العلماء بأنّ هناك صلةً وثيقةً بين الدعابة، وبين الأجسام المضادّة التي تساعد على طرد البرد من الجسم.
تحدّث إلى نفسك
من حين لآخر يسمع الواحد منّا أصواتاً تأتيه من داخل نفسه كما لو كان هناك شخص يتحدّث إليه، ومثال ذلك عندما نستيقظ باكراً، في وقت النهوض من الفراش، والانطلاق إلى العمل باكراً، أو إلى سفر، ولكنّنا نسمع صوتين من داخلنا، وكأنّه يوجد داخل أنفسنا شخصان مختلفان يتحدّثان إلينا، أحدهما يحثّنا على النهوض، أمّا الآخر فيقول لنا بأنّنا لا نزال متعبين، وفي حاجة إلى زيادة قسط من النوم، ولا بأس إن تأخّرنا بعضاً من الوقت. (1/180)
صفحة 181
وهذه طبيعة البشر، فكلّ واحد منهم تمرّ عليه مثل هذه اللحظات التي يتحدّث فيها مع نفسه، أو يتحدّث إليها، ولكن الشيء المؤسف هو أنّ الأغلبيّة الغالبة من الناس تبني تلك المحادثات مع النفس على أسس سلبيّة، وهو ما يسبّب لها كثيراً من الإحباط وفقدان الأمل، ويجعلها تشعر بعدم الكفاءة، وتتصوّر أمامها كثيراً من الحواجز التي تمنعها من بذل الجهد اللازم لتحقيق الأهداف، وقد سمّى البعض مثل هذه الرسائل السلبيّة بالإرهابي الداخلي.
فمن الممكن لتلك المحادثة مع النفس أن تجعل من الشخص إنسانا سعيدا ناجحا ويحقّق أحلامه بكلّ قوّة وإيجابيّة، أو تكون كفرامل توقفه عن التقدّم والعمل، وتجعل منه شخصاً تعيساً يائساً، يرى نفسه غير قادر على تحقيق شيء في هذه الحياة.
يقول الدكتور {هلمستتر}:
«إنّ ما تضعه في ذهنك سواء كان سلبيّاً، أو إيجابيّاً، ستجنيه في النهاية «.
إنّ للتحدّث مع النفس براعةً فائقةً وقوّةً عجيبةً في بناء الفكر والتوجّهات والتصوّرات التي نتصرّف بها في حياتنا الواقعيّة، ولكن العجيب والغريب أن أغلبيّة الناس يسمحون لأنفسهم بالاستمرار والمثابرة في بناء تفكيرهم وتصوّراتهم على أسس سلبيّة، وكأنّ واقع الحياة ليس فيه إلاّ مثل هذه التصوّرات، في حين أنّ الحياة مليئة بالخير.
كما أنّ أغلبيّة الناس ويا للأسف يبنون تصوّراتهم على أحلام عقيمة وأوهام تافهة وأفكار مبعثرة من دون هدف محدّد، وبذلك يشعرون بالخيبة والإحباط، لأنّ القرارات الخاطئة هي التي تقف وراء كثير من المشاكل، كما أنّ القرارات الإيجابيّة من جهة أخرى تقف وراء السعادة والعمل والمثابرة. (1/181)
صفحة 182
إنّ التحدّث مع النفس بطريقة إيجابيّة واتّخاذ القرارات الجادّة الصادقة هي القوّة التي تضيء مسار الحياة، لأنّها تجعلها تحدّد أهدافها بكلّ ثقة ووضوح، وتركّز على كلّ الجهود التي تستطيع أن تبذلها، وكلّما اتّخذت قرارات هادفةً استطاعت أن تقوّي إحساسها بأنّها تسيطر سيطرةً أفضل على توجّهات حياتها.
يقول {بنجامين}:
«ليس الإنسان هو مخلوق الظروف، بل الظروف هي من صنع بني البشر «.
وهناك قاعدة ذهبيّة إذا فهمها وطبّقها كلّ واحد منّا، فإنّه سيحقّق ما يريد، وبالطبع إذا ما استعملها في تقويّة التفكير، واكتساب عقل قويّ فإنّه بإذن الله - سبحانه وتعالى - سيصل إلى الحصول على ذلك.
وهذه القاعدة تنصّ على أنّ الطاقة تكون حيث يكون التركيز، فنحن عندما نركّز على شيء، فإنّنا في أغلبيّة الأحوال سنتحصّل عليه، ولكن مع المثابرة والمداومة على ذلك.
ولماذا يا ترى يجلب الإنسان الطاقة إلى الشيء الذي يفكّر فيه؟، ويركّز عليه؟، ذلك لأنّ التركيز الذهني المعيّن يخلق نوعا من الحدود الداخليّة، تساعد على عمل حاجز أمام المثيرات الخارجيّة المعاكسة، وأظنّ أنّ ذلك هو ما يسمّى بالثبات على ذلك التفكير، والعزيمة القويّة التي تتكوّن نتيجةً لذلك.
وذلك التركيز والتفكير يقوى إذا حدّث به الشخص نفسه بصوت مرتفع، لأنّ الإنسان إذا حدّث نفسه بصوت مرتفع، فإنّه يجبر نفسه على التفكير فيما يريد الحصول عليه، ولا يشتّت ذهنه عن الهدف النهائي الذي ينبغي الوصول إليه، بل يزيد تركيزه فيه وحده، ويبحث عن جميع الوسائل التي تؤدّي إليه، وبذلك يضاعف من جهوده، ويحصر ذهنه في التضحيّة بكلّ ما يستطيع في سبيل ذلك.
والتحدّث مع الذات يعين على اكتشاف القدرات الخارقة التي تستطيع النفس أن تتحكّم فيها، والتركيز عليها للسيطرة بصفة إيجابيّة قويّة على التصوّرات السلبيّة التي تبعدنا عن العمل لتحقيق الأهداف التي نريد الوصول إليها. (1/182)
صفحة 183
ويشبّه الخبراء التركيز المحكم مثل شعاع الليزر، يستطيع اختراق أيّ شيء يقف في طريقنا إلى النجاح، ويحول دون تحقيق أهدافنا، والأفكار الإيجابيّة التي نصل إليها في آخر المحادثة مع النفس تستمدّ قوّتها الكافية لتحقيق الأهداف من داخل تلك النفس، والقوّة الخارقة توجد داخلها.
وعندما نحدّد لأنفسنا هدفاً معيّناً، ونبدل أقصى قوّتنا كي نحقّقه، فإنّنا نصبح عادة متحمّسين لتحقيق ذلك، ونتيجةً لذلك تتولّد لدينا طاقة خارقة، وعاليّة جدّاً.
فتحديد الأهداف، والعزم على تحقيقها هما المصدران الأساسيّان لتوليد الطاقة العقليّة الكبيرة، ومن هذا المنطلق، نستطيع أن نقول بأنّ تحديد الأهداف، والقيام بالمجهود الكبير في محاولة تحقيقها، يقوّي خلايا المخّ، مرّة بعد أخرى، لأنّها تبعثها على العمل والمثابرة، وتملأها نشاطاً وحيويّةً.
وربّما نستطيع أن نشبّه التحدّث مع النفس بمادّة معنويّة مهمّتها تصفيّة السبل والطرق التي تجري فيها الأفكار الإيجابيّة فتعطي دفعات قويّة للإرادة كي تعمل بكلّ ثبات ومثابرة، تماماً مثل المادّة التي تصفّي الأنابيب المختلفة التي تجري فيها بعض المواد السائلة، لأنّها إذا بقيت مسدودةً بما ترسبّ فيها من مواد، فإنّ الماء أو أيّ مادّة سائلة أخرى لا تجري فيها بحرّية.
وتعتبر التصوّرات السلبيّة مثل مواد مترسّبة في سبل سريان الأفكار الإيجابيّة التي تحيي النفس، فتحجبها عن الظهور، تماما كما تمنع المواد التي تترسّب في الأنابيب سريان الماء النافع، والذي به حياة كلّ شيء. (1/183)
صفحة 184
ونسمّي تلك التصوّرات السلبيّة معيقات التفكير، لأنّها تعرقل المشاعر الإيجابيّة والأفكار التفاؤليّة، ويحتاج الإنسان إلى التحدّث مع النفس لينقي ذهنه من تلك الشوائب العالقة به، وقد يستغرق ذلك وقتاً من الزمن، ولكن الشيء المهمّ هو البداية في ذلك العمل، حيث يفتح باب تدفّق المشاعر الإيجابيّة، ثمّ بعد ذلك تبدأ أفكاره بالتحسّن شيئا فشيئا، حتّى يصل إلى حالة من التفكير الإيجابي، فيقوى بذلك عقله، ويصل إلى حالة من التفكير لم يكن قد بلغها من قبل.
يقول {مارك توين}:
«لا تقل إنّ العالم يدين لك بسبل العيش، إنّه لا يكفل لك شيئاً، فلا تلق عليه بالمسؤوليّة، فهو مخلوق قبلك «.
وبعد أن يطهّر الإنسان سبل سيل المشاعر الإيجابيّة، يتعرّف على القوّة الهائلة التي توجد داخله، والتي لم يكن قد اطّلع عليها من قبل، ثمّ يبدأ في استخدامها واستثمارها بشيء من الثقة والإيجابية، ويزول عنه ذلك الشعور الذي كان يشعر به من قبل بأنّه ضحيّة الظروف المحيطة به.
فكلّ إنسان هو ربّان سفينة حياته، ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل أن يحقّق شيئاً فيها ما لم يقطع الحبال الغليظة والقويّة التي تعوق تحرّكه، وتلك الحبال هي الأفكار السلبيّة التي تملأ النفس بالتشاؤم والخوف من بداية السير في طريق النجاح.
ويشبّه العلماء التحدّث مع الذات بمصافحتها، والتصالح معها، لذلك يقولون:
«يا لتعاسة من لا يستطيع مصافحة نفسه «.
وأنا أقول: «يا لتعاسة من لا يستطيع أن يتحاور مع نفسه «.
وبالتحدّث مع النفس يتجاوز الإنسان عائق اللوم الذي غالبا ما يكون السبب الرئيسي لفقدان القدرة على الانطلاق بشكل قويّ في السبيل الصحيح، والعمل للوصول إلى تحقيق الأهداف الهامّة في الحياة.
خطوات سحريّة للتحدّث مع النفس
الخطوة الأولى: اجلس ساكناً وتوقّف عن التفكير في أيّ شيء، ادخل في وضع نوم ونعاس، وفي هذه الحالة من الاسترخاء والسلام والاستقبال سوف تستعدّ للخطوة الثانيّة. (1/184)
صفحة 185
الخطوة الثانية: خذ عبارةً صغيرةً يمكن طبعها بسهولة في الذاكرة، وردّدها مراراً مثل أغنيّة ما قبل النوم، استخدم العبارات التي تملأ النفس بالتفاؤل والأمل، وذلك مثل:
ــ خلقني ربّي لأكون عبقريّاً، أنا سعيد لأنّ ربّي قد وهب لي عقلاً.
ــ أنا قويّ العقل، وأتمتّع الآن بذاكرة قويّة.
ــ أنا أتمتّع الآن براحة البال، وأنا ممتنّ لذلك.
ولكن بشرط أن تمنع عقلك عن الشرود، وذلك بتكرير العبارة بصوت مرتفع، ورسم نطقها على شفتيك ولسانك، بينما تذكرها بعقلك في كلّ وقت تكون فيه، وخاصّةً في وقت الاستسلام للنوم، ثمّ عند النهوض منه، وبداية اليوم.
وهذا ممّا يساعد على طبعها في العقل الباطن، وافعل ذلك لمدّة خمس دقائق، أو أكثر كلّ يوم، فستجد استجابةً انفعاليّةً عميقةً.
الخطوة الثالثة: عند الاستلقاء على فراشك واستعدادك للنوم، تخيّل أنّ شريك حياتك، أو شخص من أحبّ الناس إليك، يشجّعك، ويملأ نفسك بالأمل والتفاؤل، وأنّه يهنّئك على عمل قمت به بشكل جيّد ومتقن.
أغمض عينيك، واجعل نفسك تشعر بالسلام، واملأها بالرضى عن عقلك، واقتنع أنّه قويّ، ويعمل بصفة حسنة، وادع ربّك أن يعينك على زيادة قوّته، واشعر بالسلام، فبذلك تحارب التفكير السلبي الذي يطغى على كثير من الناس في تلك اللحظات الخاصّة.
اشعر بأنّك ترى ابتسامةً، وتسمع صوت تشجيع، وتشعر بيد مشجّعك وهو يصافحك، ويهنّئك على نجاح قد حقّقته، وكلّ هذا تشعر به، وكأنّه حقيقي وواقعي.
وعندما يطرق الخوف من ضعف الذاكرة باب تفكيرك، أو عندما يخترق القلق والتوتّر خلايا وأعصاب مخّك، وعندما يساورك الشكّ بأنّك لا تستطيع أن تقويّ مخّك، ولا تستطيع أن تصل إلى درجات أعلى، لأنّك لا تملك القوّة العقليّة الكافية لتحقّق درجات علميّة ترجوها، ففي ذلك الوقت حدّد تصوّراتك بحقّ وموضوعيّة، واسأل نفسك كيف حدّدت أهدافك، وما هو الطريق الذي تريد اتّباعه كي تصل إليها. (1/185)
صفحة 186
فكّر في القوّة المطلقة داخل عقلك، والتي يمكن أن تخلقها بتفكيرك وتخيّلك، وسيمنحك ذلك الثقة القوّية بنفسك، وتبني القوّة والشجاعة، وتجعل تفكيرك يقوى، وكلّ ذلك سيعينك على العمل والمثابرة حتّى تحقّق أهدافاً جبّارةً في هذه الحياة.
والمشكلة التي تواجه أغلبيّتنا هي أنّنا لا نملك وسائل دعم داخل أنفسنا، لذلك فنحن لا نستطيع التغلّب على الصراع العقلي فيما يتعلّق بأداء قوّتنا التفكيريّة، ونحن مع ذلك نريد الحصول على عقل قويّ دون أن نضحّي مقابل ذلك، ولا يوجد في الحياة مثل هذا القانون، لأنّ قانونها يقضي أن كلّ من يريد أن ينال شيئاً مهما كان يجب فعليه أن يضحّي.
ومعنى هذا أنّه يجب أن نولّي أهدافنا ومشروعاتنا اهتماماً عقليّاً، بالغاً إذا أردنا أن نجد تدعيماً ومساندةً من عقلنا الباطن، لأنّ مفتاح قوّة الأداء العقلي هي قوانين العقل الباطن حين يشحنه بفكرة التفكير القويّ.
يعتمد مستقبل عقلنا على تفكيرنا الاعتيادي ومعتقداتنا التي نعتقدها، لذلك علينا أن نطلب من عقلنا أداءً أفضل، ونتوقّع منه الأداء الأحسن، فإذا قمنا بذلك فإنّ قوّة عقلنا ستقودنا وسترشدنا إلى التضحيّة بأكثر ممّا كنّا نضحّي به من قبل، وإلى إيجاد عدد من السبل للوصول إلى تحقيق ما نريد تحقيقه.
* * *
الخاتمة
والآن ماذا تعلمنا من هذه الدراسات المختلفة التي قام بها مختلف العلماء حول كيفيّة بناء مخّ جيّد وقويّ؟
إنّنا نستنتج من هذه المعلومات المختلفة التي توصّل إليها الخبراء في مختلف نواحي المعمورة، بعد بحوثهم الكثيرة والمتواصلة أنّ الإنسان يستطيع أن يبني مخّاً قويّاً يصل به إلى مختلف درجات العلم والتفوّق، وذلك ابتداء من عناية الوالدين بالناشئة في مختلف أعمارها، ثمّ بعد ذلك عناية الشخص بنفسه، وبقواه التفكيريّة بمختلف الوسائل، إذا أراد أن يحيا حياةً طويلةً سعيداً بقوّة مخّه إلى آخر مرحلة من عمره. (1/186)
صفحة 187
ولا شكّ أنّ المخّ يعدّ أغلى ما يملك هذا الإنسان، وذلك لأنّه هو الذي يحقّق به وجوده، يرفعه من درجة الحيوانيّة إلى درجة الإنسانيّة التي فضلّها ربّنا - سبحانه وتعالى - وكرّمها على كثير ممّن خلق تفضيلاً، ولا يوجد شيء أكثر أهميّة لتحقيق حياة ناجحة متكاملة من المخّ الذي هو جهاز التفكير.
والجهل في استغلال أقصى طاقات هذا الجهاز الذهنيّة والإبداعيّة هو مأساة الملايين من البشر، وهذا الجهل هو الذي يؤدّي بهم إلى الفشل، ويعوقهم منذ ولادتهم إلى أن يفارقوا حياتهم، وهذه هي أسوأ ضربة يتعرّض لها أمثال هؤلاء.
ونحن نرى الأمم المتقدّمة والراقيّة تهتمّ بهذا الجهاز المخّي للكائن البشري منذ بداية حياته، بل وقبل ذلك، وكانت النتيجة أنّهم يكتشفون كثيراً من العباقرة الصغار، ويوّجهونهم الوجهة الصحيحة الناجحة.
كما أصبح المخّ نقطة أبحاث واسعة النطاق، وغير متناهيّة بشتّى أرجاء العالم، وكلّ ذلك محاولة من الخبراء للوصول إلى بعض التقنيّات التي تحفظ هذا الجهاز إلى آخر أيّام العمر، ولا يصاب بالشيخوخة المبكّرة.
وتلك الأبحاث الواسعة المدهشة تبيّن أنّه في مقدور كلّ واحد من الناس أن ينّميّ تلك القوى، ويحافظ عليها في مختلف مراحل عمره، وذلك باتّباع القواعد التي توصّلت إليها تلك الأبحاث المتنوّعة، ولكن الشيء الوحيد الذي يجب على من يريد ذلك أن يتّبع النصائح بكلّ صرامة، ويثابر على ذلك، حتّى يصل إلى الكثير من النتائج التي يتمنّاها كلّ عاقل في هذه الحياة.
والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون ـ 115]
ويقول كذلك - سبحانه وتعالى -:
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69] (1/187)
صفحة 188
فالله - سبحانه وتعالى - يبيّن لنا في هذه الآية، وفي غيرها أنّ الحياة كلّها جهاد ومثابرة وصبر لكلّ من يريد أن يصل إلى الدرجات العلا في الدنيا والآخرة.
وكلّ إنسان في هذه الحياة يتمنّى أن يتمتّع بوظائف مخّية مثلى، أو يتمنّى ذلك لأولاده، ولكن لا يقوم بما يجب القيام به من مجهود وعمل لتحقيق ذلك، وليدفع بمخّه إلى قمّة الأداء التفكيريّة لمخّه.
فالوقت لم يفت بعد على كلّ من يريد الوصول إلى ذلك، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد فطر هذا الجهاز على زيادة وتعديل تقنيّات استيعابه وقدراته على العمل بشكل أعمق وأقوى، وذلك كلّما درّبه صاحبه بشكل نظامي ومبدع.
ومن كلّ تلك القواعد التي سقناها نستنتج أنّ جهاز المخّ هو عبارة عن عضو نام ودائم التغيير، وهو عضو حيّ معجز يتفاعل مع مختلف المؤثّرات التي يقدّمها له صاحبه، سواء منها المؤثّرات الخارجيّة، أو الخارجيّة، وذلك بالضبط كما يتغيّر تركيب القلب ووظائفه، سلباً أو إيجاباً، تبعاً للغذاء والدواء ومزاولة الرياضة والنوم الذي ينامه صاحبه.
* * *
فهرست
المقدّمة ... 01
الفصل الأوّل
بعض أسرار المخّ البشري
المخّ البشري ... 04
هل للذكاء موطن بيولوجي ... 06
الذكاء الحقيقي ... 10
تكوّن الجهاز العصبي ... 13
انقسام الخلايا العصبيّة ... 15
أسرار المخّ البشري تتكشّف ... 16
طريقة عمل المخّ ... 19
المخّ عضو ساكن ... 20
أنت مهندس عقلك ... 22
سرّ التعلّم ... 24
كلّ إنسان مصمّم للعبقريّة ... 26
الفصل الثاني
المخّ القويّ يُبنى في رحم الأمّ
غذاء الحامل الذي يبني مخّ الجنين 30
أهميّة غذاء الحامل في بناء المخّ 33
أهميّة التوازن الهرموني عند الحامل 35
بناء مخّ الجنين وهو في بطن أمّه 37
الجنين في الأشهر الأخيرة ... 39
تطوّر دماغ الجنين ... 41
تحسّس الجنين للضوء والصوت 42
الفصل الثالث
لبن الأمّ يبني مخّ الرضيع
الرضاعة الطبيعيّة ... 44
مكوّنات لبن الأمّ ... 44
لبن الثدي ينعش مخاخ الرضّع ... 46
تأثير مدّة الإرضاع ... 47 (1/188)
صفحة 189
اهتمام المرضع بغذائها ... 48
الألبان الصناعيّة تعيق نموّ المخّ 49
الفصل الرابع
المخّ القويّ يبنى في مرحلة الطفولة
الطفولة المبكّرة أخطر مراحل نموّ المخّ 51
الأمّ والولد مسيرة حياة ... 52
الأمّ تقدّم حنانها مع لبنها ... 54
ذكاء الطفل ترجمة لحنان أمّه ... 55
النوم ونموّ مخّ الولد ... 57
الفصل الخامس
الثقافيّة الغذائيّة تبني المخّ القويّ
الثقافة الغذائيّة ... 61
الغذاء الصحّي ... 63
الغذاء وحاصل الذكاء ... 64
أولاد جياع = مخاخ ضعيفة ... 67
سعرات معتدلة = مخّ أقوى ... 68
السكّر الزائد يدمّر خلايا المخّ ... 72
مشكلة معالجة السكّر وضعف الذاكرة ... 74
الفصل السادس
بعض الأطعمة التي تقوّي المخّ
الغذاء وتجديد شباب المخّ ... 77
الطماطم وحيويّة المخّ ... 78
زيت الزيتون والخلّ ... 79
الخلّ غذاء نافع للمخّ ... 80
الثوم يقوّي أعصاب المخّ ... 82
الشاي مشروب المفكّرين ... 82
الفصل السابع
العمل والمثابرة يقوّيان المخّ
استخدمه وإلاّ فقدته ... 85
تمارين المخّ من أسباب تقويّته ... 86
المخّ القويّ يكتسب بالتمرينات 88
نشاط أكثر للمخّ = مخّ أقوى ... 89
التدريب على الإبداع يقوّي المخّ 90
العمل والمثابرة والصبر ... 95
سرّ شباب المخّ ... 98
الخوف من ضعف الذاكرة ... 100
استعرض قوّة مخّك ... 102
الفصل الثامن
الثقة بالنفس تبني المخّ القويّ
ابحث عن موقف تحدّي ... 104
هل ثقتك في مخّك قويّة؟ ... 106
أوضاع مخّك هي معتقداتك وتصوّراتك 108
الأهداف الواقعيّة تبني المخّ القويّ 110
التركيز على الانتباه ... 111
الربط يقوّي خلايا المخّ ... 112
فكّر في أسباب الحفظ والتذكّر ... 114
العقل يبحث دائما عن الحقيقة 116
الفصل التاسع
علاقة اللياقة البدنيّة بقوّة المخّ
الصحّة البدنيّة وعلاقتها بقوّة المخّ 120
ما يفيد جسمك يفيد مخّك ... 122
زيادة معدّل خفقان القلب يغسل المخّ 124
التدريبات البدنيّة تقوّي عضلة القلب 127
اللياقة البدنيّة وتقويّة المخّ ... 127
الفصل العاشر
علاقة النوم الجيّد بقوّة المخّ (1/189)
صفحة 190
النوم الجيّد هو سرّ الطاقات الإبداعيّة 130
تقويّة المخّ قبل النوم وعند النهوض 133
تعلّم كيف تنام جيّدا ... 135
المنهج المنظّم لتحفيز النوم ... 138
الفصل الحادي عشر
التوتّر يضعف المخّ والدعابة تقوّيه
المزاج الجيّد يحفظ قوّة المخّ ... 140
تخلّص من التوتّر كي تحمي مخّك 142
ركّز على تقليل التوتّر العصبي 143
الاستجابة للتوتّر لها أشكال عديدة 146
استراتيجيّات التحكّم في الغضب 148
قوّة الطقوس في القضاء على الضغوط 150
علّم مخّك كيف يعمل بسلام ... 153
الدعابة تساعد على تخفيف الضغوط 154
تحدّث إلى نفسك ... 155
خطوات سحريّة للتحدّث مع النفس 158
الخاتمة ... 161 (1/190)