صفحة 1
الكتاب: بناء ذاكرة ولدك
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) المقدّمة
يصاب كثيرٌ من الآباء والأمّهات في المجتمعات بالدهشة والحيرة لما يرونه من ضعفٍ في تحصيل أولادهم، فتصبح العلاقة بينهم وبين أولادهم علاقة تشوبها عدم الثقة، لأنّهم يرجعون مثل تلك الحالات إلى الوراثة، وإلى الظروف القاهرة، وإلى غير ذلك من الأسباب التي لا أساس لها في الواقع.
والقليل منهم من يرجع سبب ذلك إلى عدم اهتمامهم بهذه البراعم الصغيرة، وذلك بسبب ما يطغى على تفكيرهم من أنّ الاهتمام بالولد في سنٍّ مبكّرةٍ ليس ذات أهميّةٍ، المهمّ هو المستقبل، الدراسة، ضمان المستقبل.
والسبب الذي دعانا إلى الاهتمام ببناء ذاكرة الولد في المراحل الأولى من عمره، هو أنّ مرحلة الطفولة المبكّرة هي المرحلة الأساسيّة لتشكّل أفكاره، وتكوّن شخصيّته، وهي الأساس الذي سيتحمّل كلّ البناء في مستقبل أيّامه.
وهذه المعاني والمبادئ قد تلاشت في غمرة الحياة اليوميّة وزحمة الأعمال الكثيرة، ونتيجة لطغيان وسائل الإعلام على اهتمامات الناس، ممّا جعلت الاتّصال الفعّال بين الأولياء وأولادهم يوميّاً أمراً صعباً.
فالمربّي هو الذي يملك مفاتيح اكتشاف قدرات الولد، وإذا استطاع استعمالها بشكلٍ جيّدٍ إيجابي، فسيسير به في طريق الإبداع والرقي في ميادين الحياة، ويصل به إلى أعلى درجات سلّم النجاح.
كما أنّه يجب على الأولياء أن يكوّنوا لأنفسهم ثقافةً عامّةً جيّدةً وراقيةً متكاملةً حول التربيّة، والذي يسمّيه بعض العلماء بالقوت المعنوي، لأنّ بحاجةٍ كبيرةٍ إلى مثل ذلك القوت أكبر من حاجته إلى القوت المادّي، وفاقد الشيء لا يعطيه.
والإحساس بالمشكلة هو أوّل خطوات الحلّ، ولكن تحقيق الهدف يحتاج إلى خطواتٍ أخرى كثيرةٍ وكثيرةٍ، وجهودٍ أكثر من مجرّد الإحساس بها. (1/1)
صفحة 2
والأهمّ من كلّ ذلك الانتباه إلى أهميّة المعرفة التربويّة للأمّ أوّلاً، ثمّ بعد ذلك جميع المربّين، كي يستطيعوا الاستفادة من الكنز العظيم الذي وهبه الله - عز وجل - لهذا الكائن البشري الصغير.
وقد حاولنا في هذا العمل المتواضع جمع بعض المعلومات التي ترشد إلى ذلك، وما مثل المعلومات التي أوردناها إلاّ كمثل قطرةٍ من بحرٍ، وحسبنا أن نشارك في هذا الميدان ولو بالقليل علّ الله - سبحانه وتعالى - يرزقنا منه أجراً حسناً وحياةً طيّبةً في الدنيا والآخرة إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
فالله - عز وجل - نرجو أن يفيد بهذا العمل اليسير عباده المؤمنين، حتّى نستطيع جميعاً تنشئة جيلٍ عبقريٍّ ذكيٍّ، يرفع من قيمة أمّته الإسلاميّة إلى درجات النجاح والتقدّم، ومن خلال ذلك يثبت للعالم بأنّ ديننا الإسلامي هو دين العلم والعمل والنجاح، وهذا ما نحن في أمسّ الحاجة إليه.
ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرّيّاتنا قرّة أعينٍ واجعلنا للمتّقين إماماً.
اللهمّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كلّ خير، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرٍّ.
الفصل الأوّل:
الذاكرة والأفكار
تعريف الذاكرة
الذاكرة كما عرّفها بعض العلماء هي طاقةٌ نفسيّةٌ، تحفظ المعلومات المختلفة في القلب، أو الذهن، ثمّ تستذكرها فيما بعد، في الوقت الذي يحتاجها صاحبها، ويعبّر عنها باللسان، أو القلم، أو التصوّر.
كما تعدّ الذاكرة طاقةً روحيّةً نورانيّةً تحفظ مختلف المعلومات في الذهن والقلب، وتحضرها عند الحاجة إليها في موقف من مواقف الحياة.
واستذكر الشيء بمعنى: ذكره، ودرسه وحفظه.
واستذكر الرجل: ربط في أصبعه خيطاً ليذكر به حاجته.
والتذكرة: ما يستذكر به الحاجة.
وتذكّر الشيء: ذكره. (1/2)
صفحة 3
والتذكّر: هو عمليّة استرجاع المعارف المكتسبة والخبرات السابقة والتنبّه بعد النسيان، وهو عمليّة استرجاع المعارف والمعلومات التي اكتسبها الإنسان من قبل، فيما مضى من الزمن.
واستذكر الشيء أي ذكره واسترجعه من منطقة الكمون في داخل العقل إلى الواقع.
وهي عبارةٌ عن عضلةٍ كلّما درّبناها، ومرّناها قويت، وازداد نموّها، وقوي استيعابها.
والذاكرة الضعيفة هي بمثابة عضلةٍ في الجسم فقدت شكلها، وفقدان العضلة لشكلها يكون بعدم استخدامها.
يقول أحد العلماء:
«الذاكرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة النفس، وحالتها التي تنشأ عليها في مختلف مراحل الحياة، وهي مرتبطة بتغيّرها من حالة إلى حالة «.
وهذا يؤكّد ما قلناه من قبل بأنّ الذاكرة قوّةٌ روحيّةٌ أكثر منها جسميّة.
وعضلة المخّ مثلها مثل سائر عضلات الجسم، تحتاج إلى التمارين، والوالدان مسؤولان بإيجاد طرقٍ حسنةٍ وإيجابيّةٍ لتفعيل قدرتها على الاستيعاب، والتذكّر.
والذاكرة ميزةٌ ميّز الله - سبحانه وتعالى - بها هذا الإنسان، وهي في الغالب تترك آثاراً إيجابيّةً يستطيع أن يقوم بواسطتها تعديل تجربته وسلوكه في هذه الحياة.
فالإنسان له تاريخٌ بفضل وجود هذه الذاكرة، وهذا التاريخ عبارة عمّا مرّ به الشخص من تجارب سجّلها داخل ذاكرته، ثمّ تنتقل تلك التجارب من جيلٍ إلى جيلٍ.
وتعدّ ذاكرة الشخص من إحدى القدرات التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى -، لذا فالناس يتفاوتون فيما بينهم من حيث قوّتها وضعفها، لأنّها تتأثّر في الغالب وفي كلّ بيئة بما يحيط بالفرد من حيث الواقع الأسري والاجتماعي، وبتكوينه النفسي عموماً، فتعمل دوافعه الشعوريّة واللاشعوريّة على بناء ذاكرته، وتقويّتها، بل هي تتأثّر بحالة أمّه، عندما كان جنيناً في بطنها. (1/3)
صفحة 4
وقد قسّم العلماء الذاكرة إلى عدّة أنواع، منها: ذاكرة الأفكار، وذاكرة الأسماء، وذاكرة الأماكن، وذاكرة الأعداد، وذاكرة الصور، والروائح، حيث أنّ الفرد قد يكون قويّ الذاكرة في نوعٍ معيّنٍ من هذه الأنواع، بينما تضعف في نوع آخر.
والأولياء والمعلّمون يستطيعون إذا ما أولوا عنايةً فائقةً بتعليم الأولاد وتوجيههم التوجيه الحسن أن يدفعوا ذاكرتهم إلى أعلى درجات التقدّم، وأن يحدثوا التطوّر اللازم لتقويّتها، وكلّما قاموا باكتشاف طاقاتهم وقدراتهم، ودفعوها للعمل، كلّما أصبحت ذاكرتهم أفضل.
لقد اكتشف الخبراء بأنّ الذاكرة تعتمد في جانبٍ كبيرٍ منها على ربط الأشياء ببعضها، فعلى سبيل المثال بمجرّد أن يقوم المخّ بتسجيل كلمة تفّاحة، فسوف يربطها بلونها، ومذاقها، وملمسها، ورائحتها، وبعض ما يتّصل بها من مناسباتٍ، وربّما بعض الحوادث التي ترتبط بها.
ولكي تقوى مهارة الربط التي يستعملها المخّ، ويستوعب بها المعلومة، ويختزنها، ثمّ يتذكّرها فيما بعد، يجب أن يكون لهذا الشيء صورةً ذهنيّةً رائعةً ومتعدّدة الجوانب الحسّية.
والمسؤول الأوّل على بناء مثل هذه الصور الذهنيّة لمختلف المعلومات في ذاكرة الولد هو الأمّ، فكلّما كوّنت لولدها صوراً جيّدةً وإيجابيّةً للمعلومات التي تعلّمه إيّاها، تولّد في مخّه فكرة الرجوع إلى مثل تلك المعلومات.
فذاكرة الإنسان مفطورةٌ ومستعدّةٌ لتقبّل واستيعاب الصور الذهنيّة الإيجابيّة، ورفض الصور السلبيّة غير المرغوب فيها، لأنّ المخّ يجد أنّ الرجوع إلى تذكّر مثل تلك الصور أمر غير سارّ، وغير مرغوب فيه.
والاتّصال العصبي يسافر في جزء من الثانية إلى الجهاز الطرفي حيث ندرك العالم ونشكل استجابتنا له، وكما أنّ الجهاز الطرفي قاعدة العواطف في المخّ، فهناك دلائل على أنّه يعمل أسرع 80 ألف مرّة من عمل القشرة الدماغيّة للمخّ المفكّر. (1/4)
صفحة 5
وفي النهاية يصل الشلال العصبي من الانطباعات الناتجة عن الخبرات الحالية إلى المنطقة الخاصّة بالتفكير في عقلك والتي تعرف باسم القشرة الخارجية للمخّ حيث يشعر العقل القلبي، ومناطق المخّ الأخرى، بكلّ تجربةٍ وتفسيرها قبل ذلك، وبعبارة أخرى يبدو أنّنا نفكّر في النهاية وليس في البداية.
ذاكرة الولد
عندما يولد الولد تكون ذاكرته عبارة عن صفحةٍ بيضاء، أو شريط تسجيلٍ فارغٍ ليس فيه شيء، وهو صالحٌ ليسجّل فيه الوالدان والمربّون كلّ ما يريدون من معلوماتٍ ومهاراتٍ وذكرياتٍ، والتي ستكون الموجّه الأساسي لمختلف أعماله وسلوكه.
لذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه «. (1)
وهي عمليّة ارتباطيّة، فهي تصل الحاضر بالماضي، أو بعبارةٍ أخرى تجعل المرء يتصرّف بناءً على ما ترسّخ في ذاكرته من معلوماتٍ تعلّمها في أيّامه الماضيّة في الصغر، لذلك يوصي العلماء النفسانيّون أولياء الأمور بالاعتناء بما يسجّلون في ذاكرة الولد، لأنّ المعلومات التي يسجّلونها فيها، ستكون هي الأساس لتصرّفه في مستقبل أيّامه.
إنّ ذاكرة الولد هي من القوى الفطريّة العامّة لدى أعضاء كلّ نوعٍ من الكائنات، وهي تمثّل دوراً مهمّاً في حياة كلّ شخصٍ، هذا إن لم نقل بأنّها هي الأساس الأول لبناء حياةٍ ناجحةٍ، وهو يعتمد في تكوين تلك العوامل الفطريّة التي تتحكّم في تكوين ذكائه على أمّه أوّلاً، وقبل أيّ مؤثّرٍ آخر مهما كان.
وقد لاحظ "لوريز" أنّ سلوك الكائن الحيّ يتضمّن أنماطاً فطريّةً، ولكنّها تظهر في ظروف من الإثارة البيئيّة المناسبة.
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/5)
صفحة 6
وأقول بأنّه ليس هناك ظروفٌ مناسبةٌ نستطيع أن نوفّرها لهذا الكائن الحيّ، ــ الإنسان ــ لبناء ذاكرةٍ قويّةٍ جيّدةٍ أحسن وأفضل من الأسرة، وعماد الأسرة وأساسها هو المرأة فلينظر المجتمع أيّ أمٍّ يعدّها لتكون العنصر الفعّال لإظهار ذلك السلوك الفطري.
وفي هذا يقول ربّنا - سبحانه وتعالى -:
- {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
[الروم ـ آية:30]
والأسرة في العالم الإسلامي هي أفضل حالاً من نظيرتها في الدول الغربيّة، ومعنى هذا أنّها تستطيع أن تكوّن أولاداً أذكياء، ولكن الشيء الذي جعلها لا تحقّق ذلك هو نقصان الإمكانيّات، وعدم تكوين الأمّ تكويناً علميّاً ونفسيّاً جيّداً،
أنواع الذاكرة
1ـ الذاكرة السمعيّة، Memory Auditory: كما عرّفها علماء الذاكرة:
هي القدرة على استدعاء سلسلةٍ من الأسماء والكلمات والأعداد وغير ذلك من المعلومات المقدّمة شفويّاً، ومن لديه خللٌ في الذاكرة السمعيّة قد يحتاج إلى مذكّرات للمعلومات المقدّمة شفويّاً.
2ـ الذاكرة البصريّة، ... Memory Visual:
هي القدرة على تخزين واستدعاء الصور والأشكال والنصوص عن طريق المعلومات المدخلة بواسطة القنوات البصريّة الإدراكيّة، وقد تشفّر تلك المعلومات باستخدام رموزٍ سمعيّةٍ، أو بصريّة مستقلّة عن شكل التقدّيم.
3ـ الذاكرة الدلاليّة، Memory Semantic:
وهي التي تختزن فيها المعلومات الواقعيّة المكتسبة والمشفّرة عادة عن طريق التكرار، ويمكن تقسيم هذه الذاكرة إلى ذاكرة تقريريّة، وذاكرة إجرائيّة.
والذاكرة التقريريّة هي التي تختزن المعلومات حول الحقائق مثل {من وماذا ومتى وأين}، وأمّا الإجرائيّة منها فهي تختزن معلومات عن كيفيّة عملنا لشيء ما {كيف نقوم بتغيير شيءٍ ما في برنامجنا اليومي}.
4ـ الذاكرة العاجلة: ... Memory Immediate: (1/6)
صفحة 7
وهي القدرة على استدعاء المعلومات فور تقديمها، وهي ترتبط مباشرة بالانتباه.
5ـ الذاكرة المؤجّلة، Memory Delayed:
وهي الذاكرة التي نستدعي بواسطتها المعلومات بعد تأجيلٍ زمنيٍّ موضوعٍ، نمطيّاً لعشر دقائق أو أكثر، وتختبر نمطيّاً بتداخل يقدّم أثناء فترة الانتظار لمنع التدرّب.
6ـ الذاكرة طويلة الأجل، Memory Long term:
ويقصد بها القدرة على استدعاء المعلومات بعد ثلاثين دقيقةٍ، أو أكثر من تقديمها، وهي تتطلّب تخزين واسترجاع المعلومات.
7ـ الذاكرة قصيرة الأجل، Memory Short term :
وتسمّى بالذاكرة الفاعلة، وهي كميّة المعلومات المحدودة التي يمكن للفرد أن يحتفظ بها في إدراكه الواعي، وعادةً تحدّد بعدّة دقائق، من سبع إلى عشر قطع صغيرة من المعلومات.
8ـ الذاكرة العاطفيّة:
وهي الذاكرة التي تستقبل المعلومات بعد ربطها برباط عاطفي، وهذا الرباط العاطفي يجعلها أكثر قابليّة للحفظ والاستدعاء، والإنسان يستخدم أنظمةً مختلفةً للذاكرة داخل المخّ لأداء مهمّة التذكّر.
والذكريات العاطفيّة يتمّ احتواؤها ومعالجتها داخل المخّ بواسطة تركيبات مختلفة عن تلك التي تُستخدم في معالجة وتخزين البيانات الواقعيّة.
ولقد توصّل علماء النفس إلى اكتشاف أنّه وبمجرّد تكوّن الدوائر العصبيّة للذكاء لدى الإنسان في صغره، تتكوّن لديه تبعاً لذلك الدوائر العاطفيّة التي تتحكّم في مزاجه وقدرته على التعلّم بقيّة حياته.
9ـ الذاكرة اللفظيّة، Memory Verbal:
وهذه الذاكرة تعتمد على الانتباه أكثر من أيّ مهارةٍ أخرى من مهارات الذاكرة، والشخص الذي يجد صعوبةً في تركيز انتباهه، فإنّه سيجد صعوبةً في استيعاب ذاكرته اللفظيّة لمختلف المعلومات التي ترد إليها. (1/7)
صفحة 8
وحفظ الكلمات والجمل اللفظيّة يعتمد على الذاكرة السمعيّة، والبصريّة، واللفظيّة، أكثر من الأنواع الأخرى، فبالسمعيّة يسمع الولد تلقين للكلمات، وبالبصريّة يتتبّعها من الكتاب، ثمّ يستعمل الذاكرة اللفظيّة ليعيد ما سمعه ورآه من الكلمات والجمل، وهذا ما يجب على الأمّ أن تقوم به نحو ولده.
وقد بيّن العلماء أنّ الذاكرة السمعيّة أوسع وأشمل من الذاكرة البصريّة، بحيث لا نستطيع أن نقارن بينهما، فدائرة المشاهدات إذا قسناها بدائرة المسموعات فهي كلا شيءٍ، أمّا دائرة المسموعات ودائرة المشاهدات إذا قسناهما كليهما بدائرة التصوّرات، فإنّهما تصبحان معا كلا شيءٍ،
قوّة الذاكرة .. هل هي موهبة؟
إنّه لا يوجد مولودٌ يولد بذاكرةٍ قويّةٍ، وآخر يولد بذاكرةٍ ضعيفةٍ إلاّ في القليل النادر من بني البشر، وهذا يكون في بعض الناس من جهة الوراثة، وقد حدّد العلماء نسبة الذين يكتسبون الذاكرة والذكاء بالوراثة بنسبة30%، وأنّ كلّ مخلوقٍ يكتسب ذاكرةً قويّةً، أو ضعيفةً على حسب البيئة العائليّة والمدرسيّة والاجتماعيّة التي ينشأ ويتربّى فيها.
لقد خلق الله - سبحانه وتعالى - كلّ إنسان في هذا الكون ليقدّم شيئاً فريداً، ووهب له هبةً خاصّةً عملاقةً، ترقد في أعماقه، وهي تنتظر من يدقّ عليها، ويوقظها من سباتها، فالله - عز وجل - قد خلق الناس جميعاً، وفطر فيهم قدراتٍ بحيث يكون كلّ واحدٍ منهم فريداً في شخصيّته، أو نمطه. (1/8)
صفحة 9
وخبراء الذاكرة يجمعون ويقرّرون أنّ كلّ الأولياء يستطيعون أن ينمّوا مواهب أولادهم ويطوّروها بالاهتمام بهم، وبالملاحظة المستمرّة لسلوكاتهم، وبالمداومة على تدريبهم باستمرارٍ، لأنّ كلّ واحدٍ منهم يملك جهازاً للذاكرة، وقوّته تزداد وتنقص حسب تدريبه واستغلاله في الواقع المعيش في هذه الحياة، وعلى ضوء تدريب الوالدين لهذا الجهاز، يكتسب الأولاد هذه القوّة الباهرة التي عرف بعض الأولياء كيف يدرّبون عليها أولادهم، بينما أهمل آخرون أبناءهم، فنشؤوا متكاسلين، عاجزين عن التحصيل حتّى أصيبت بالوهن والضعف.
إنّ الأمّ بتواصلها مع أولادها، وبحنانها الذي تضفيه عليهم، وبتقبيلها وضمّها لهم، تفتح قنوات حوارٍ ذهنيّةٍ في أدمغتهم.
وعليها أن تعلّم وتتيقّن أنّه مهما صغر ولدها، ولو كان في الشهور الأولى من حياته، فإنّ خلايا مخّه تبدأ بالعمل والتلقّي، كما أنّها تتكاثر بكثرةٍ في تلك المرحلة، ولذلك عليها أن تكرّس له أقصى ما تستطيع تكريسه من وقتها.
وعندما تضحّي الأمّ بكثيرٍ من وقتها للتواصل مع ولدها، فإنّه سيحسّ بأنّها قريبةٌ منه، تحنو عليه، وتتحاور معه، وتهتمّ بتحفيزه فتبدأ قنوات الاتّصال المباشرة مع عقله تنفتح، وذلك عبر القنوات الحسّية الفطريّة، مثل السمع والبصر والشمّ واللمس والقلب.
وهكذا تبني في عقوله شبكاتٍ عقليّةٍ لكلّ ذاكرة من هذه الذاكرات، وقد حدّد علماء الذاكرة كلّ نوعٍ منها، وأنّها تحتلّ مكانها في العقل.
العوامل المؤثّرة في تقويّة ذاكرة الولد
لقد توصّل الخبراء من خلال بحوثهم إلى حقيقةٍ وهي أنّ العقول تنمو، وتكبر من خلال التفكير ومواجهة التحدّيات؛ كما ينمو العلم ويزداد من خلال عمليّة التعليم.
والعقول البشريّة كلّما فكّرت بطريقة أحسن وبشكل أكثر، وتأمّلت أكثر وتعرّضت لحلّ الأزمات، وواجهتها، تنشأ روابط جديدةٌ داخل الدماغ، فتزيد نسبة الذكاء فيه، ويتحسّن مستوى أدائه. (1/9)
صفحة 10
وممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ أسرةٍ تحبّ لأبنائها التفوّق والتميّز ليكونوا عناصر ناجحةً، ويحقّقوا أهدافاً عاليّةً مميّزةً في واقع حياتهم، ولكنّ المحبّة شيءٌ والإرادة شيءٌ آخر، فالإرادة تحتاج إلى معرفةٍ كاشفةٍ، وقدرةٍ واعيةٍ، ومثابرةٍ متواصلةٍ، وعزمٍ وصبرٍ، لتربية الإبداع لديهم، واكتشاف المواهب، وتوجيهها التوجيه الحسن.
والشيء المؤسف أنّنا نجد أغلبيّة الأولياء يتمنّون ذلك لأبنائهم، ولكن يتقاعسون في العمل بجدٍّ ونشاطٍ في سبيل تحقيق ذلك، ولا يبذلون الجهد اللازم، ويلقون باللوم على عدّة عوامل وظروفٍ لا أساس لها من الصحّة، مثل الظروف الاجتماعيّة والحالة الاقتصاديّة، ونحو ذلك.
فربّ كلمةٍ طيّبةٍ مشجّعةٍ صادقةٍ، وابتسامةٍ عذبةٍ رقيقةٍ، تصنع الأعاجيب في أحاسيس الولد ومشاعره، وتكون مفتاحاً لكنوز عبقريّتهم التي فطرهم الله - عز وجل - عليها، ومثل هذه التأثيرات تدعّمها الدراسات الكثيرة التي طبّقها الخبراء في الواقع، وتجمع على أنّ أغلبيّة العباقرة والموهوبين وجدوا من أعانهم على اكتشاف مثل هذه المملكة من القدرات والمواهب الموجودة داخل نفوسهم.
يقول أحد الحكماء:
«إنّ مملكة السماء تقبع داخل نفس الطفل «.
فعلى المربّي الحكيم أن ينظّم مواهب الولد، فقد تبدو فيه علامات تميّزٍ مختلفةٍ، وكثيرٌ من المواهب والقدرات، فيجدر به أن يركّز على أهمّها، أي التي يميل إليها الولد أكثر من غيرها، كي يفعّلها وينشّطها، فيصل به إلى درجاتٍ راقيةٍ.
ولابدّ لتحقيق ذلك من الاستفادة من أصحاب الخبرات والمربّين المتخصّصين، وبالمطالعة الجادّة الواعية، والتحصيل العلمي، والمشاركة في الدورات التخصّصيّة.
ونموّ الذاكرة وقوّتها يبدأ منذ الميلاد، ويتّفق خبراء الذاكرة بوجه عامّ على أنّ التجارب المبكّرة التي يمرّ بها الولد في مرحلة الطفولة والمراهقة يكون لها التأثير الإيجابي الكبير في تنميّة قوى التفكير لديه. (1/10)
صفحة 11
ويعدّ هؤلاء الخبراء أنّ الأسرة هي البيئة الأساسيّة الأولى في تنميّة ذاكرة الولد، فهي التي تزوّده بالمؤشّرات المبدئيّة بخصوص ما إذا كان يجد فيها المثيرات الكافية لتنميّة ذاكرته، أم لا.
وتنميّة الذاكرة وتقويّتها هما من شأن الأسرة، ذلك لأنّها هي المكان الأوّل الذي يقرّر فيه مستوى قوّة الذاكرة وضعفها، وهي الميدان الذي يلاحظ فيه ويتدرّب على الكيفيّة التي يمكن أن يكون عليها.
فالآباء والأمّهات هم الذين يحدّدون معالم ذاكرة ولدهما، وصورتها المبدئيّة وذلك بما يعاملون به أولادهم من التعليقات.
قاعدة
«ما يصدر عن الآباء من تعليقاتٍ وآراءٍ بخصوص توجيه أبنائهم، يصبح أساساً لصورة ذاكرتهم، لأنّها تؤثّر على جميع جوانب حياتهم «.
ومن هنا نستنتج أنّ الطريقة التي يتمّ بها تربيّة الولد تؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على تنميّة الذاكرة، فالآباء الذين يتمتّعون بقدرٍ عالٍ من أساليب التربية الإيجابيّة يقومون في الغالب بتنشئة أولادهم على قدرٍ كبيرٍ من الإدراك والانتباه، اللذين هما أساس بناء وتقويّة الذاكرة.
في حين أنّ الآباء ذوي الثقافة التربويّة المتدنيّة المبنيّة على الأساليب السلبيّة، يقومون بتنشئة أولادهم في الغالب على التشتّت الذهني وعدم التركيز، وهذا ما يجعلهم ينشئون بذاكرةٍ ضعيفةٍ.
وقد توصّلت الأبحاث إلى أنّ الأمّهات اللائي يتّسمن بالقسوة والانفعال والعدوانيّة، ينشأ أولادهنّ في الغالب تعساء ومكتئبين وعدوانيّين، وغير قادرين على التكيّف الجيّد مع الظروف المحيطة بهم، هذه الصفات هي السبب الأوّل في امتلاك ذاكرة غير قويّةٍ، وغير جيّدةٍ.
قاعدة
يرتبط بناء ذاكرة الولد بشكل كبير بالسلوكيّات الوالديّة (1/11)
صفحة 12
وقد توصّل الخبراء بعد بحوثٍ متواصلةٍ إلى أن الاهتمام بالولد ومبادلته الحبّ من طرف والديه يهب لمخّه سلامةً ونشاطاً، وهذا الحبّ والمعاملة الطيّبة الإيجابيّة للولد يعدّان متطلّبات ضروريّة لتنشيط قواه العقليّة، وبدون تلك العناصر الأساسيّة سيتدنّى المخّ ويفقد قوّته وحيويّته، ويموت نشاطه.
وقد ظهر كثير من الضعف والتدنّي في صحّة بعض الرضّع عندما تركتهم أمّهاتهم لبعض الوقت دون عنايةٍ، ودون اهتمامٍ، ومع تدنّي الحالة الصحيّة لديهم ضعف انتباههم، وتشتّت تركيزهم، وقد سمّى الخبراء مثل تلك الحالات بالتأثيرات البدنيّة الهدّامة.
قاعدة
مخّ الإنسان يحتاج للحبّ واللمسات والمداعبات التي تصاحبه، وخاصّة الطفل الصغير.
أجرى خبير التغذيّة الأمريكي "ويليام جلاسر" تجربة على أرانب، حيث وضعها في أقفاص، وغذّاها بنفس الغذاء، ولسببٍ غير معروفٍ زاد وزن الأرانب في كلّ الأقفاص، إلاّ قفص واحد، فقد حافظت أرانبه على راشقتها وحيويّتها ونشاطها.
لم يستطع "جلاسر" ورفاقه أن يعلّلوا هذا الحالة، لأنّ كلّ ظروف أقفاص الأرانب متماثلة، وفي ليلةٍ تصادف أنّ أحد الباحثين كان يمرّ بمعمل البحث في ساعةٍ متأخّرةٍ من الليل، فرأى المصباح مضاءً، ووجد أنّ إحدى الباحثات اللاتي يعملن بالليل تمسك بأحد الأرانب الخارجة عن القاعدة ـ الرشيقة ـ وعندما سئلت عمّا تفعله، أجابت بأنّ ورديّة الليل أصبحت مملّةً جدّاً، وأنّها مغرمةٌ جدّاً بالأرانب، لذلك فقد اعتادت أن تبقى معها لعشر دقائق لكي تربت عليها في هذا القفص، وتلعب معها.
وفي الأخير توصّل الخبراء إلى نتيجةٍ مدهشةٍ، لا يمكن تصديقها، ولم تكن تخطر ببال أحدٍ منهم من قبل، وهو أنّ تلك الأرانب حافظت على رشاقتها وحيويّتها ونشاطها نتيجةً لذلك الاهتمام الذي تلقاه من تلك الباحثة، فوضع الدكتور "جلاسر" نتيجة لبحثه، وهي:
قاعدة
كلّ ما تحبّ، ولكن أحصل على قليلٍ من الحبّ في كلّ يومٍ
يقول "هربرت سبنسر": (1/12)
صفحة 13
«السعادة هي أقوى المنشّطات «.
وقد لاحظ الدكتور "تشوبرا" من خلال البحث والدراسة أنّ القلق والضغط يغيّران من طبيعة النموّ الجسدي والفكري لدى الإنسان، ولا شكّ أنّ مخّ الصغير جزءٌ من جسمه، وأنّ الضغوط والقلق هما نتيجة عدم الرضا بالحياة التي يحياها أولئك الأشخاص.
وبصفةٍ عامّةٍ فإنّ تمام صحّة المخّ أو ضعفه ما هما إلاّ أمارتان ظاهرتان لحالة الشخص الداخليّة من السرور والسعادة، أو التشاؤم والقلق.
كان الطبيب "كارلتون سيمنتون" المدير الطبّي لمركز بحوث واستشارة الأورام بفورت ورث، بولاية تكساس من السابقين لاكتشاف طبيعة تأثير الحالة المزاجيّة على الصحّة العامّة، والمخّ هو أكثر الأجهزة حساسيّةً في الجسم.
ومن كلّ هذا نستنتج أنّه:
ــ كلّما طال إحساس الولد بالضيق والقلق، كلّما كانت نتائج بناء ذاكرته سلبيّةً ضعيفةً.
وكما استنتج الدكتور "ديباك تشوبرا" أنّ الحالة المزاجية تغيّر من الطبيعة الفزيولوجيّة للشخص، فعلى سبيل المثال فالشخص الذي يستشعر حالة من السعادة، ينعم بذاكرةٍ أفضل، ويقوى جهاز مناعته مقارنةً بحالة آخر لا يتمتّع بذلك.
تكوّن ملفّات الذاكرة عند الولد
عندما يولد الولد، ويخرج إلى هذه الحياة وعقله نقيٌّ صاف تماماً، وكلّ ملفّات مخّه فارغة لم يسجّل فيها شيئٌ من المعلومات، لذلك فهو لا يوجد لديه أيّ إدراك لأيّ معنىً، ولا لأيّة لغةٍ، ولا يستطيع فهم ما يجري حوله، ثمّ يبدأ بالتعامل والتجاوب مع عناصر عائلته الموجودين من حوله.
ويمرّ الوقت وهو يسجّل كلّ ما يجري من حوله، وشيئاً فشيئاً يتفتّح إدراكه بشكلٍ بسيطٍ، فيبدأ بإدراك ما يحدث من حوله بدرجاتٍ بسيطةٍ جدّاً، وهذا الإدراك يعطيه معنى لما فهمه ولغةً عقليّةً معيّنةً، والله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم الكيفيّة التي يسجّل بها ذلك داخل المخّ، ويسمّي العلماء تلك التقنيّة بالتشفير. (1/13)
صفحة 14
إنّ ذاكرة الولد تتكوّن وتنمو شيئاً فشيئاً، وذلك من خلال فتح العقل لملفّاتٍ ذهنيّةٍ لكلّ ما يراه، أو يسمعه الولد، أو يتعامل معه، فهو يفتح ملفّاً خاصّاً لكلّ إدراكٍ معيّنٍ، وكلّ ملفٍّ خاصٍّ بإدراكٍ ومعنى محدّدٍ، فكلّما تلقّى الولد تجربةً من نفس المعنى يخزّنها عقله في نفس الملفّ الخاصّ بها، وبعض علماء الذاكرة يسمّون تلك الملفّات بالمسارات التي تسير من خلالها كلّ معلومةٍ من المعلومات.
إنّ ملفّات العقل تتكوّن عند الولد كلّما واجه في رحلة حياته تجربةً من التجارب، بواسطة تعرّفه عليها، وهكذا فكلّما جاءته معلومةً جديدةً من نفس المعنى يخزّنها في نفس الملفّ الذي تكوّن داخل الخلايا العصبيّة، وبمرور الوقت والأيّام والأعوام تتكوّن عنده ملفّات اللغة والقيم والاعتقادات والمبادئ، إلى غير ذلك من مختلف التجارب التي يواجهها في كلّ مرّة.
إنّ الأمّ بسلوكها ومعاملتها لولدها تكوّن استراتيجيّاتٍ عقليّةً سلبيّةً، أو إيجابيّةً داخل ذاكرته دون شعور منها، أو منه هو كذلك، فتتكوّن هذه الاستراتيجيّات، ثمّ تخزّن بعمقٍ في عقله الباطن، وتسبّب له الشعور والأحاسيس المختلفة.
وعقل الولد يبدأ بإظهار عبقريّته في مراحل متقدّمةٍ جدّاً من عمره، لأنّه يبدأ بتخزين صورٍ مختلفةٍ عن أمّه، فيختزن صورة أمّه وهي جالسةٌ، وهي واقفةٌ، وهي مبتسمةٌ، سعيدةٌ، أو حزينةٌ، وهي تلبس اللباس الفلاني، أو تسرح شعرها بالشكل الفلاني، وكذلك جميع الأوضاع والحركات والصور، وهو يخصّص ملفّا خاصّا لكلّ تلك الصور التي تمثّل أمّه.
إنّ الإستراتيجيّة العقليّة هي متتاليةٌ من أفكارٍ محدّدةٍ وتصوّراتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ لتجارب معيّنةٍ، يربطها العقل بزمانٍ، أو مكانٍ، وتؤدّي إلى نتيجةٍ محدّدةٍ، لذلك على الوالدين أن يراقبا جيّداً ما يسجّلونه في ذاكرة أولادهم من إستراتيجيّاتٍ لأنّها ستكون عبارةً عن علاماتٍ يسترشدون بها عند السير في طريق حياتهم المستقبليّة. (1/14)
صفحة 15
فالأمّ في البيت هي التي تكوّن استراتيجيّات الولد في نومه، وفي أكله، وفي استيعابه، وفي دراسته، وذلك تماماً كما تكوّن له استراتيجيّات ذاكرته التي سيعمل بها في المستقبل.
فالعقل البشري قد فطره خالقه - سبحانه وتعالى - على العمل بالتصوّرات، وذلك بمعنى أنّه كلّما جاءته فكرةٌ جديدةٌ يأخذها ويسجّلها كتصوّر داخل خلاياه، ويبحث عن كلّ الملفّات التي تساعده وتدعّمه في تسجيلها، سواء كان ذلك في الاتّجاه الإيجابي، أو السلبيّ.
فأيّ شيء تعلّمه الأمّ لولدها وتسجّله في ذاكرته سوف يصبح اتّجاهاً يوجّه له تفكيره، وسيفعل العقل كلّ ما يستطيع لكي يجعل صاحبه ينجح، ومن المهمّ للوالدين أن يعرفوا أنّ أيّ شيءٍ يدركه الطفل، ويفكّر فيه يجعل ذهنه منتبهاً إليه دائماً.
لذلك ننصح الأمّ خاصّةً أن تختار ما تريد تسجيله في ذاكرة ولدهما، لأنّ ذلك الشيء المسجّل سوف تدعّم ملفّات ذاكرته فيدفعها إلى أن تقوى، أو تضعف.
فكل الأمّهات والأولياء يطلبون من أولادهم تحقيق نجاحاتٍ في دراستهم، وتفوّقاً في امتحاناتهم، ولكن بالمقابل لا يعلّمونهم الطرق الإيجابيّة الموصلة إلى ذلك، مثل العمل المتواصل والإصرار والصبر في سبيل ذلك، لأنّ ذلك سيكوّن أفكاراً ملحّةً في الذهن، فتجعله يركّز على ما يريد القيام به.
علينا أن نربّي أولادنا على تكوين أفكارٍ إيجابيّةٍ ملحّةٍ داخل أذهانهم، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد فطر هذا الجهاز العجيب المعقّد على التمسّك بتحقيق الأهداف كلّما كانت الأفكار ملحّةً، وكلما ازدادت إلحاحاً على العقل، كلّما ازداد الإقبال لديه وارتفعت درجة الصبر والرضا في سبيل العمل والتضحية والإخلاص للوصول إلى الهدف المنشود، أي إن حجم العمل يكون بحجم قوّة الأفكار وثباتها، وحجم سعادته تكون بحجم عمله الذي يؤدّيه، ويحقّقه.
مرآة النفس (1/15)
صفحة 16
مرآة النفس هي ما يبنيه الوالدان في نفوس أولادهم منذ صغرهم من الأساليب المختلفة الكثيرة، سواءً كانت إيجابيّةً، فتصبح تلك الأفكار التي اقتنع بها الولد عبارةً عن خريطةٍ نفسيّةٍ يسير عليها فيما تبقّى من عمره.
فالوالدان هما اللذان يحدّدان أفكار الولد الذاتيّة، ويرسمون له الصور المختلفة لذاكرته، وهي التي سيبني عليها مختلف أعماله فيما يستقبل من أيّامه، ويسلّم بأنّها حقائق لا يليق له أن يحيد عنها فكلّ تلك الأفكار والتصوّرات هي عبارةٌ عن مرآة يرى فيها كلّ شخص نفسه التي يقضي بها حياته في هذه الدنيا.
قاعدة
أفكار الولد عن نفسه هي التي تشكّل حقيقة ذاكرته
ويتأثّر بناء الذاكرة وتنميّتها ببراعة الوالدين في تعليم ولدهما كيفيّة أداء مهامه وأعماله، وكيف يكون فعّالاً في سلوكيّاته، وبدون اكتساب الولد الثقة أنّه بمقدوره أن يبلغ بذاكرته أكبر الدرجات، تصبح ذاكرته لا تؤدّي دورها بالشكل الذي يدرّبها ويقوّيها، فيتكوّن لديه تصوّر بأنّه يملك ذاكرةً غير جيّدةٍ.
فكلّ إنسان يتكوّن لديه هاجس داخلي عن ذاكرته، ويطلق عليه بعض الخبراء الناقد المرضي الذي يكون لديه أعلى تأثيرٍ في الذات، فهو يقلّل باستمرارٍ من شعوره بقيمة ذاكرته وأهليّتها للعمل الجيّد، والمسئول الأوّل عن تكوين هذا الهاجس وجعله يتوّجه إلى الجانب الإيجابي، أو الاتّجاه السلبي هو الأمّ.
كما أنّ الوالدين هما المسؤولان على نحوٍ دائمٍ عن تدريب الولد على التجارب المبكّرة الخاصّة التي تجعله يقبل ذاته، ويعمل على تحسين قدرات قواه الفكريّة، والتغلّب على نقاط ضعفها.
فكلّ إنسان خلقه الله - سبحانه وتعالى - بطريقة تؤهّله لأن يكون ناجحاً، ووهب له قوى فكريّةً يستطيع أن يبلغ بها أعلى الدرجات، وذلك حسب المرآة التي كوّنها له والديه.
قاعدة
أغلبيّة الناس يولدون أمراء ونبغاء، ثمّ يتحوّلون إلى بلداء بالأسلوب المتّبع في تربيّتهم. (1/16)
صفحة 17
والنموذج المثالي الذي يجب أن يتّبعه الوالدان في تعزيز ذاكرة الولد، هو حمله على التمرينات العديدة والكثيرة، والتي يستطيع أن يبني بواسطتها ذاكرته خطوةً خطوةً، فيصنع لها صوراً إيجابيّةً، ويتحمّل المسئوليّة اللازمة لتقويّتها، فصنع الصور الإيجابيّة للذاكرة هو الذي يحدّد مستواها إيجابيّاً، أو سلبيّاً.
ويعدّ بناء الذاكرة مهمّةً داخليّةً، لأنّها تتشكّل من خلال الأفكار التي تتكوّن لدى الشخص من خلال تربيّته، وهذه الأفكار تعدّ مرآة يرى فيها مستواها.
والأهمّ من كلّ ذلك هو وعي الوالدين بهذه المسؤوليّة العظيمة، واهتمامهم بها الاهتمام اللازم، كي يصنعوا المستقبل الراقي لأولادهما.
الروح وعلاقتها مع قوّة ذاكرة الولد
الإنسان نائم، وأوّل خطوة في تطوّره هو أن يستيقظ روحيّاً.
إنّ الذكاء البشري، والروح الإنسانيّة اثنان من أكبر الأشياء إبداعاً، ومع ذلك فإنّنا كثيراً ما نستخدم نسبةً بسيطةً من ذلك الذكاء ومن قوّة الروح التي نفخها الله - سبحانه وتعالى - في أجسامنا.
ويشبّه العلماء قوّة الذكاء عند الولد بإنسان يملك طائرةً نفّاثةً عند ولادته، ولكن لم تجد تلك الطائرة القائد الماهر الخبير الذي يستطيع أن يطير بها بعيداً، ويسمو بها إلى أعلى علّيين، فهو بإمكانه أن يعمل وينجح ويتفوّق إذا وجد الأمّ الصابرة المثابرة التي تعتني بالقدرات والطاقات التي جاء بها إلى هذه الحياة.
والأغلبيّة الغالبة من الأولياء لا يعلمون القوّة والطاقة الهائلة التي يولد بها أولادهم، والفريق الثاني يجهل كيف يكتشف تلك القوى والطاقات، وكيف ينمّيها. (1/17)
صفحة 18
إنّ هذه الطائرة النفّاثة ــ عقل الولد ــ قد صنع محرّكها، وصمّم لكي تطير به عاليّاً وبسرعةٍ فائقةٍ، لكنّ قائدها ــ الأمّ ــ اهتمّ بالمنظر الخارجي فيها فقط، لأنّه لا يعرف ما لديه، ولا كيف يطوّر تلك القوّة، أو كيف يجعل محرّكها يبلغ أقصى سرعةٍ يستطيع أن يصل إليها، فهي صنعت أساساً كي تطير، ولكن الطيّارة اهتمّ بطلاء الأجنحة فقط، وتشغيل المحرّكات إلى درجةٍ ضعيفةٍ فقط، وبعد ذلك يلوم الطائرة أنّها لا تستطيع الطيران، في حين أنّه هو المتسبّب الرئيسي في ذلك.
والأمّ هي المسئول الأوّل أن ينظر إلى ذلك المخلوق الصغير بطريقةٍ أكثر عمقاً، بحثاً عن القدرات والطاقات الخفيّة التي زوّد بها، فتوسّع مجال تفكيره، وتوقظ جوانب كثيرةً من قلبه وروحه وعقله، فيقبل على الحياة بشكل أحسن وبنفسٍ واثقةٍ في النجاح والتفوّق.
لقد أثبتت مجموعةٌ من الاكتشافات العلميّة أنّ القدرة الإنسانيّة لدى الولد لها أبعادٌ غير محدودةٍ، وإذا وجدت من يوجّهها، ويدفعها فستظهر بكلّ وضوحٍ في واقع حياته، فيصل بها إلى أعلى الدرجات، ولكن السبب الرئيسي الذي ترك أغلبيّة الأولاد في الدرجات السفلى من التفوّق هو تلك العوائق التي يضعها العقل، فهي تعوق أعظم إمكانيّات النفس.
وإنّ أكثر الفتوحات العلميّة إثارةً في هذا الزمن الأخير لا يتمثّل فقط في التقدّم التكنولوجي، بل تكمن في إدراك أعمق لما يعنيه أن نكون أكثر إنسانيّةً، وأكثر تفوّقاً ونجاحاً، وهذا الشيء ممكنٌ باختياراتٍ صغيرةٍ يمكن الوصول إليها بسهولةٍ، وبقليلٍ من المثابرة والصبر، فطاقة التفوّق قد خلقها الله - عز وجل - بداخل كلّ إنسانٍ منذ أن يولد إلى هذا الوجود، وهي دفينةٌ لا تبحث إلاّ عن مربٍّ ماهرٍ ذكيٍّ، يستطيع أن ينشّطها وينمّيها، ولن يستطيع أحدٌ أن يقوم بمثل هذا العمل أكثر من الأمّ. (1/18)
صفحة 19
إنّ الحياة المتميّزة للولد تستطيع الأمّ أن تحقّقها له نتيجة اختياراتٍ صغيرةٍ محدّدةٍ تعلّمها له في كلّ يومٍ، فمن خلال القيام بتلك الأعمال الصغيرة الجديدة، يكتشف قدراته، فيتدرّب على مهاراتٍ واسعةٍ إيجابيّةٍ، تضمن له ذاكرةً جيّدةً، وتفكيراً قويّاً.
فعلى الوالدين أن يشعرا الولد أنّه قادرٌ على النجاح في كلّ عملٍ جديدٍ يقوم به، مهما كان صغيراً لأنّ الولد لا يفرّق بنظرته عن القيام بعملٍ كبيرٍ، أو آخر صغيرٍ، وهذا ما يجعله يفتخر بنفسه، ومن خلال ذلك يكتشف قدراته وطاقاته.
وبهذه الطريقة يمكن للولد أن يسير في طريق العمل بشكلٍ واعٍ، تمكّنه من إدراك ما يمكنه أن يصل إليه من الأعمال الإبداعيّة التي تدعّم له تفكيره، وسوف يزيد من وضوح رؤيته إلى العمل المتواصل الذي يضمن به النجاح والتفوّق، كما أنّه يزيد من فضوله تجاه إمكانيّات القيام بأعمالٍ جديدةٍ، ممّا يزداد الاحتمال لأن يجد نفسه يسعى بنشاطٍ وراء أساليب جديدةٍ كي يجود بأفضل ما لديه من المجهود ليحقّق أعمالاً جيّدةً، كي يجلب انتباه والديه، وينال تقديرهم واحترامهم وتشجيعهم للزيادة من العمل، ومن المعلوم أنّ المثابرة على العمل تدفع إلى تحقيق النجاح، وأنّ النجاح تلو النجاح يدفع إلى زيادة العمل، وإذا ما تدرّب الولد على هذه القاعدة، فسيستريح والداه من عناء دفعه دائما إلى العمل والصبر، وإلى تحقيق النجاح.
يقول "أوريسون ماردين":
«في أعماق البشر تستقرّ هذه القوى الكامنة، قوى سوف تذهلهم على الرغم من أنّهم لم يحلموا يوماً بأنّهم يمتلكونها، قوى سوف تحدث انقلاباً ثوريّاً إذا ظهرت، وتمّ توظيفها «.
وبهذا يصبح الولد شخصاً متميّزاً في الأداء، ويحقّق فتوحاتٍ جديدةٍ في شتّى مجالات الحياة بالتركيز على الأداء الجيّد، والتميّز يعني الوصول إلى أبعد ما يستطيع أيّ شخص أن يقدّمه في ميدان العمل، وهذه النتيجة الإيجابيّة تجعله يشعر بأنّه شخصٌ له أهميّةٌ خاصّةٌ. (1/19)
صفحة 20
إنّ التميّز هو أن يعرف الشخص أعظم نقاط القوّة التي توجد داخل نفسه، وأن يتدرّب على كيفيّة التعرّف على نقاط الضعف، ويحاول السيطرة والتغلّب عليها.
والتميّز الذي يربّي الوالدان عليه أولادهما هو أن يدرّباه على معرفة كيفيّة التفكير الإيجابي، ومتى وكيف يفكّر بشكلٍ جيّدٍ، وأن يعلّماه تنميّة خبراته، والعمل بسلاسةٍ وذكاءٍ لتحقيق الحدّ الأقصى من القدرات والطاقة التي وهبها له ربّه، وبذلك يحفّزان فيه المتعة الذهنيّة الخالصة وحبّ المحاولة للاستمرار في تمديد محاولات تحقيق النجاح والتفوّق.
تأهيل إيجابي لذهن الولد
تعدّ الحالة المزاجية للولد المؤشّر الوحيد لمدى تنميّة مواهبه ولمستوى اهتمام والديه به.
كما أنّ مستوى تطوّر قدراته العقليّة يعتمد على مستوى حالته المزاجيّة التي يكون فيها في أغلبيّة أوقاته، والولد لا يكتمل نضجه العقلي إذا كان يعيش في بيئةٍ مليئةٍ بالعوامل السلبيّة، التي تؤثّر على توجّهاته، حيث تبني له تصوّراتٍ سلبيّةً نحو الحياة.
إنّ المواقف التي يتخذّها الوالدان أمام أولادهما قابلةٌ للعدوى، فهل مواقفهما جديرةٌ بأن يتأثّر بها الأولاد تأثيراً إيجابيّاً، وهل هما نموذجان راقيان يحتذى بهما، سواءٌ في قوّة إرادتهما وعزيمتهما، أو قوّة الثقة بنفسيهما.
فبمقدور الوالدين مساعدة أولادهما بتوجيهاتٍ عمليّةٍ واقعيّةٍ دون تعبٍ أو بذل جهدٍ، وذلك بأن يكونا إيجابيّين متفائلين في كلّ أحوالهما، لأنّ المواقف قابلة للعدوى.
ومن أمثلة ذلك:
ــ إظهار الصبر في العمل والمثابرة في كلّ مشروعٍ يبدآنه، دون الاستسلام للمشاكل الكثيرة التي تعترض طريق عملهما.
ــ عدم إظهار التذمّر والشكوى من المشاكل اليوميّة أمام الأولاد.
ــ بثّ الهدوء والطمأنينة في الجوّ العائلي، لأنّ العلماء يبيّنون بأنّ العقل البشري يعمل بطريقةٍ أحسن في الجوّ الهادئ المرح. (1/20)
صفحة 21
ــ التصرّف مثل قائدٍ للبهجة، كي ينشروا البهجة في البيت قدر الإمكان، وذلك بالثناء على نجاحات الأولاد الصغار، وبذلك ينطبع تصوّر النجاح في ذواتهم.
تقول "كاترين": تقصد المربّين:
«ارفع صوتك بالثناء، واخفض صوتك باللوم «.
إنّ فطرة هذا المخلوق التي فُطر عليها أنّه يُنصت دائما لمشاعره، ولو كانت مشاعر سلبيّةً، تشاؤميّةً، لذلك يتعيّن على الأولياء أن يقدّموا لأولادهم نموذجاً إيجابيّاً ثابتاً يحتذى به، ولكي يصبحوا نموذجاً يقتدي به أولادهم، فعليهم أن يدخلوا البهجة على نفوسهم، ويبيّنوا أنّ طريق الحياة لا يقطعه إلاّ المتفائلون، أمّا المتشائمون فهم يسقطون في بداية الطريق.
إنّ الأولاد بفطرهم البريئة يتصيّدون مشاعر آبائهم، فقد قام باحثون من جامعة "واشنطن" بفحص العلاقة بين النضج العاطفي للآباء ونجاح أطفالهم في كافّة أنشطة الحياة، ومنها أنشطة الذاكرة، فوجدوا أنّ الآباء الذين يتمتّعون بنضجٍ عاطفيٍّ ينشأ أطفالهم وهم يمتلكون أداءً حسناً في المدرسة وفي الحياة بشكلٍ عامٍّ.
وقد أجروا مقارنةً بين هؤلاء الأطفال وأقرانهم الذين هم أبناء أولياء لا يتمتّعون بنضجٍ، أو استقرارٍ عاطفيٍّ، فاستنتجوا أنّ لتأثير الوالدين دوراً فعّالاً في اكتشاف الأولاد لمهاراتهم المختلفة، وتنميّتها وتطويرها.
وتشير النتائج الباهرة التي توصّل إليها الخبراء بعد دراساتهم الكثيرة إلى أنّ الآباء المستقرّين عاطفيّاً، يربّون أولاداً حالمين، ويرمون إلى تحقيق أهدافٍ عاليّةٍ، واسعةٍ، أمّا غير المستقرّين عاطفيّاً فإنّهم ينشئون أطفالاً متشائمين.
وقد تحقّق الدكتور "مارتن سليجمان" الذي يعمل في جامعة "بنسلفانيا" بأنّ الأولاد يميلون في أغلبيّة أحوالهم إلى تمثيل مشاعر آبائهم، وهم يستوحون ذلك من معاملة آبائهم. (1/21)
صفحة 22
إنّ الآباء الناضجين والمستقرّين عاطفيّا يبنون علاقات مستقرّة مرحة بينهم وبين أبنائهم، وهذه العلاقات هي التي تملأ نفوسهم بالازدهار الفكري والبهجة النفسيّة التي تفتح القوى العقليّة لتعمل بشكلٍ أفضل وأحسن.
أهميّة تعليم التفاؤل للولد
من أهمّ الأمور في مسيرة طريق الحياة بين الأولياء وأبنائهم أن يهتمّوا بجعل أولادهم متفائلين، لأنّ منهج التفاؤل يعين الولد على أن ينشأ متمتّعاً بصحّة التفكير، وصحّة التفكير تبني فيه قوّة الذاكرة، كما يجعلهم يشعرون بالنجاح، والنجاح يجلب لهم السعادة، ومن الأكيد أن كلّ وليٍّ يرغب في تحقيق ذلك لذرّيته.
فالآباء المتفائلون يعلّمون أولادهم أنّه يمكن التعامل مع كلّ شيءٍ في هذه الحياة بشكلٍ جيّدٍ، ولو لم يؤدّي ذلك إلى النتائج الكبيرة التي نتمنّاها، ولكن المهمّ هو العمل والصبر والمثابرة التي تبني ذاكرةً قويّةً، خلاياها تستوعب بشكلٍ أحسن، وأعصابها تصل بين تلك الخلايا بشكلٍ متينٍ، وهذا ممّا يجعل المعلومات تمرّ بينها بدون تعثّرٍ، أو ضعفٍ، فترسخ فيها، ثمّ تستطيع استرجاعها فيما بعد بصفةٍ أحسن.
وقد أجرى الخبراء بحوثاً متعدّدةً على مجموعةٍ من الناجحين، وعلى رأسهم عالم النفس، الدكتور "ديفيد ماكليلاند" من جامعة "هافارد" وهو باحث بارز في التحفيز على الإنجاز، والذي يعتمد على قوّة الذاكرة أنّ لدى الآباء المتفائلين الإيجابيّين أولاداً ناجحين أذكياء، ذوي ذاكرةٍ باهرةٍ، يتميّزون بالقدرة على الإنجاز، وبتوجيه أبنائهم نفس الوجهة التي اكتسبوها في مراحل حياتهم بالتفاؤل والإيجابيّة في سلوكهم.
فهُم نتيجةً لذلك:
ــ أصحاب ذهنٍ منفتحٍ.
ــ لديهم عزيمةٌ وإرادةٌ قويّةٌ لتحقيق الأفضل في أعمالهم.
ــ يشجّعون التواصل بين أفراد العائلة، أي الحوار، ويشاركون فيه.
ــ يثقون في قدراتهم، وأنّهم قادرون على تحقيق نتائج حسنةٍ.
الأفكار ليست مفهوماً مجرّداً (1/22)
صفحة 23
لقد أجرى الخبراء كثيراً من البحوث حول استيعاب المخّ لمختلف الأفكار والقيم، فتوضّح لهم أنّها ليست شيئاً وهميّاً ليس له وجود في المخّ، بل هي عبارة عن إشاراتٍ كهرومغناطيسيّةٍ من الكيمياء، كانت قد تكوّنت فيه على مرور الوقت، فهي تحمل الرسائل العصبيّة عبر شبكة خلايا المخّ، وقد شبّهها الخبراء بسلسلة من الشعلات الناريّة التي يشعلها أصحاب الخيام على رؤوس الجبال لجلب الضيوف، ولإرشاد ابن السبيل.
وكلّ فكرةٍ تعلّمها الأمّ لولدها الصغير تحدث إشارةً كهرومغناطيسيّةً عبر أعصاب وخلايا المخّ وتتّخذ طريقاً معيّناً، لذلك فكلّ فكرةٍ جديدةٍ يتعلّمها تحدث طريقاً آخر جديداً، إذن فبالقدر الذي تعلّم الأمّ ولدها يتكوّن عدد تلك المسارات، وكلّما تكوّن مساراً جديداً ازدادت قوّة الذاكرة لديه.
وكلّما أعادت الأمّ الفكرة على ولدها، فإنّها سترسخ أكثر وبطريقة أسهل، لأنّها قد اتّخذت لنفسها مساراً من قبل، حيث إنّ المسار الخاصّ بها قد تمّ إنشاؤه جيّداً، كما تزداد احتماليّة رسوخ نفس الفكرة كلّما زادت احتمالات إعادتها بشكلٍ أحسنٍ.
والشيء المفرح هو أنّه كلّما كانت الفكرة مرغوباً فيها من قبل الولد اِزدادت احتماليّة رسوخها أكثر، وإذا كان كذلك فننصح الأمّ أن تحبّب لولدها كلّما تريد أن تعلّمه إيّاه، حتّى يجد الرغبة في حفظه واستيعابه، وهذا ممّا يجعل الخلايا تتلقّى تلك المعلومة بشكلٍ أحسنٍ، وتجد مسارها في الأعصاب التي تربط بين الخلايا بشكلٍ أسهل.
ويمكن أن نفسّر ذلك بأنّ حبّ الفكرة يبعث الراحة والاطمئنان والفرح في النفس، ممّا يجعل الغدد تفرز هرموناتها بشكلٍ متوازنٍ، وخاصّة تلك التي لها الأثر الإيجابيّ في ترسيخ المعلومة، أو استرجاعها فيما بعد. (1/23)
صفحة 24
ومن ناحيّةٍ ثانيةٍ، فإنّ الأفكار السلبيّة، تزيد من بناء التفكير السلبيّ لدى الولد، ويجعل نفسه غير منشرحةٍ لاستقبال المعلومة، ممّا يضعف الخلايا المخّية في استقبالها واستيعابها، ويعدّ هذا من الأسباب التي تضعف التفكير.
وخلايا المخّ تحتاج دائماً إلى عناصر جديدةٍ من التفكير والإبداع، لأنّها تعدّ كوحدات بناء لصنع مختلف النواقل العصبيّة، فكلّ إبداعٍ جديدٍ يكوّن في المخّ مستوى وقوّة ناقل عصبيٍّ معيّنٍ، واختلال نظم النواقل العصبيّة يؤدّي إلى ضعف الذاكرة، لأنّ الخلايا العصبيّة لا تجد المثير الذي يدفعها إلى تكوين الاتّصالات الجديدة بينها وبين الأعصاب المخّية.
لذلك يجب على أولياء الأمور إذا أرادوا أن يكوّنوا جيلاً عبقريّاً قويّ المخّ، واسع التفكير، ولديه تفكير مشعّ، أن يبحثوا عن تكوين نماذج جديدةٍ متعدّدةٍ في طريقة تفكيرهم بما يكوّنون في محيطهم من ثراء في المعلومات وفي طرق الإبداع المتعدّدة.
بناء التفكير الإيجابي عند الولد
على الأمّ أن تكون حكيمةً وتعلم جيّداً بأنّ بناء تفكيرٍ إيجابيٍّ لولدها سيجعل منه إنساناً عاملاً ناجحاً متفوّقاً، لأنّ الأمّ هي التي ستعلّم الولد كيف يفكّر، وفي ماذا يفكّر في مراحل حياته، لذلك عليها أن تقرّر منذ الأيّام الأولى من حياته كيف تجعله يفكّر، وفي ماذا يفكّر، لأنّ ذلك التفكير سيؤثّر في طاقة مخّه ومدى نشاطه إيجاباً، أو سلباً.
فقوّة التفكير الذي ستبنيه الأمّ في ذهن ولدها سيكون هو الوقود الذي سيغذّي إرادته وعزيمته وخلايا مخّه فيما يستقبله من أيّام حياته، ويبني فيه ردّ الفعل الطبيعي لما سيحدث داخل ذاكرته من أفكارٍ وملفّاتٍ ذهنيّةٍ سواءً كانت أحاسيس إيجابيّةً، كالحبّ والحنان والسعادة والهدوء والراحة وقوّة الإرادة والعزيمة، والصبر، أو أحاسيس سلبيّةً، مثل الغضب والغيرة والكره والحسد وضعف الإرادة والعزيمة وعدم الصبر في إنجاز مختلف الأعمال.
«الشخص هو سلوك والديه «. (1/24)
صفحة 25
فالأمّ هي التي تبرمج حياة ولدها بأسلوبها الذي ستنشئه عليه، وإنّ أكثر من 90% من سلوكه الذي يحيا به في مستقبل أيّامه سيصدر من ذلك البرنامج بشكل تلقائي، لأنّه يصبح راسخاً في عقله الباطن، وعبارة عن قيم وعادات تعوّد عليها واكتسبها من تعاملها معه في بداية تكوّن برنامجه الداخلي، لذلك فإذا اتّهم الوالدان ولدهما بضعف أو قوّة الذاكرة، فهما يتّهمان نفسيهما لأنّ ذلك ناتج لما علّماه إيّاه عندما كان صغيراً، عندما كانت خلايا مخّه فارغةً، لم يسجّل فيها أيّ شيءٍ بعد.
تدريب الولد على الإبداع
إنّ مختلف الأمم والمجتمعات تتنافس لتنميّة القدرات الإبداعيّة في أولادها والإكثار من عدد المبدعين، ذلك لأنّ القدرة الإبداعيّة تزدهر وتنمو بفضل توفير الظروف والمقوّمات والشروط المناسبة سواء داخل الأسرة، أو المجتمع الكبير، وذلك لإيمان المربّين بأنّ العبقريّة وقوّة الذاكرة ليست هبةً فطريّةً مائةً في المائة.
وتزداد حاجة المجتمعات إلى المبدعين مع طبيعة التطوّر الحضاري الرهيب، ودخول البشريّة عصر تفجّر المعلومات وبناء المجتمع المعلوماتي، وحين أصبحت الابتكارات العلميّة تأشيرةً للدخول إلى حظيرة المجتمعات المتطوّرة، ونيل عضويّة في نادي حضارة عصر المعلوماتيّة.
وينتشر الآن في كلّ المجتمعات أنّ المعرفة أصبحت قوّةً وقيمةً متزايدةً، وأنّ أكثر المجتمعات ثراءً ومنعةً وقوّةً هي أكثرها وأسرعها إبداعاً للمعلومات وتوظيفاً للمعرفة في بناء الحياة. (1/25)
صفحة 26
ولقد قرّر علماء التربيّة بأنّ تطوير القدرات الإبداعيّة لدى المرء منذ طفولته لا ينفصل عن العمليّة الشاملة للتنشئة الثقافيّة والتعليميّة داخل الأسرة والمجتمع وعلى جميع المستويات التي يتربّى فيها الولد، وأنّ السنوات الأولى من العمر تشكّل قاعدةً وأساساً لتقويّة القدرات التفكيريّة الإبداعيّة، ولهذا يشير الأختصاصيّون إلى عددٍ من التوصيّات لتطوير تلك القدرات في الطفولة المبكّرة، وقبل سنّي الدراسة، ثمّ في المراحل التعليميّة التاليّة، ومن بين تلك التوصيّات:
ــ تنميّة الفضول المعرفي والتفكيري لدى الأولاد، وخلق الميل إلى التعلّق بالمعارف الجديدة، وتنميّة الإثارة والدهشة إزاء الظواهر المختلفة داخل الأسرة والمجتمع، ثمّ تدريبهم على الفرحة عند الوصول إلى حلولٍ، أو أجوبةٍ وكشف المجهول.
ــ تنميّة قدراتهم على المبادرة إلى التساؤل عن الواقع الذي يعيشون فيه، وتدريبهم على مهارة الاستماع بهدوءٍ، ومحاولة التفهّم بكلّ موضوعيّةٍ، وراحة ضميرٍ، وانشراح نفسٍ.
ــ الخروج عن النمطيّة الجامدة، وذلك بتدريبهم على الشجاعة في الاستزادة من معرفة ما يحيط بهم من متغيّرات.
ــ تعليمهم فضيلة التعلّم والبحث عن المعرفة الواسعة، وإقناعهم بأنّ ذلك هو الفضيلة الكبرى التي يجب أن يسعى إليها كلّ عاقلٍ، يريد تحقيق النجاح والتفوّق في ميادين العلم والمعرفة.
ــ الالتزام بقواعد البحث ومناهجه العلميّة، وأنّ هذا هو الطريق الحقيقي الذي يوصل إلى الدرجات العليا في العلم والمعرفة.
ــ تدريبهم وإقناعهم بالاعتزاز بذاتيّتهم، وأنّهم لا يستطيعون أن يحقّقوها إلاّ بالعلم والمعرفة. (1/26)
صفحة 27
وإذا فهمنا الإبداع على هذا النحو، وأنّه قضيّة عصر العلوم المختلفة والاختراع والمعلومات، وأنّه أساس النهضة ورهان السبق، وهو قضيّة إيجاد مكانةٍ ساميّةٍ في هذا العالم، عرفنا أنّه لا بدّ وأن نهتمّ بتربيّة أولاد هذا العصر على قوّة التفكير والتعلّم، وأن نهيّئ لهم الأسس والعلاقات الأسريّة والاجتماعيّة اللازمة لانطلاق نهضة وبناء إنسان قويّ الإبداع والابتكار.
المرح يعزّز ذاكرة الولد
إنّ المرح يقطع شوطاً طويلاً في تعزيز عمل الذاكرة.
والمرح يحسّن من الحالة النفسيّة للولد، هذه الحالة التي تجعل خلايا مخّه تحافظ على تدبدباتها التي فطرها الله - عز وجل - عليها، وهو يقلّل من الضغط العصبيّ، ويقلّل من حدّة المواقف السلبيّة التي لها آثارٌ سلبيّةٌ في عمل الذاكرة واستيعابها.
وقد استنتج خبراء الذاكرة بعض الاستراتيجيّات لتنشئة أطفال ناجحين أقوياء الذاكرة وأذكياء، يفتخر بهم أوليائهم، وذلك من بعض الاستجوابات التي أجروها لأمّهات وبناتهنّ الناجحات. فكانت النتائج:
ــ أنّ الأمّهات والبنات اللاتي يتمتّعن بعلاقات طيّبة ناجحة إيجابيّة، خالية من المشاحنات والمشاجرات أجمعن على أنّ العامل المؤثّر في علاقاتهنّ هو المرح في البيت، وكثرة التحاور على مختلف الأعمال اليوميّة.
ــ بينما أظهرت بعض الاستجوابات نتائج مثيرةً، فالأمّهات اللاتي يتشاحنّ كثيرا مع بناتهنّ قد ظهر لدى تعاملهنّ كثير من المشاكل والشكوى والاختلاف بشأن كثيرٍ من أعمال البيت.
وقد يتساءل بعض الناس: لماذا يعدّ المرح مقوّماً أساسيّاً في تقوية ذاكرة الولد؟ والجواب على حسب ما توصّل إليه بعض الخبراء:
ــ أنّه يفتح نفس الولد، ويبعث فيها الانشراح، ممّا يجعلها تتأثّر بسرعةٍ وبقوّةٍ بكلّ ما يوجّه إليها من توجيهات.
ــ وهو يجعل الولد يستمتع بصحبة والديه، فيصبح أرضاً خصبةً منبسطةً لزرع ما نريد من مختلف النباتات الطيّبة، التي تؤتي أكلها كلّ حين. (1/27)
صفحة 28
ــ والمرح يجعل الولد يتواصل بوالديه في أغلبيّة الأعمال التي تعترض له، ممّا يوفّر لذاكرته كثيراً من الروابط التي يربط بها مختلف المعلومات التي يتلقّاها.
ــ المرح داخل البيت يعوّد الولد على الرجوع إلى المنزل وهو فرحٌ مسرورٌ بكلّ إنجاز أنجزه بطريقةٍ ناجحةٍ في المدرسة، لأنّه يعلم مسبّقاً بأنّه سيجد في البيت أمّاً تبادله الفرح والسرور والاستبشار، وبهذه الطريقة تمتلئ نفسه أملاً في النجاح والتفوّق، فيضاعف من جهده دون شعور منه.
ــ إنّ المرح مع الولد من طرف أمّه، يؤدّي إلى ظهور مجموعةٍ رائعةٍ من ردود الفعل من جهته، لأنّه يجد في المنزل وسطاً مناسباً لإظهار إنجازاته التي استطاع القيام بها، فيتلقى من طرف أمّه الرسالة الضمنيّة التي يحملها هذا الابتهاج بحسن أدائه.
ــ المرح والفرح والسرور يدفع الولد إلى أن ينتبه إلى كثيرٍ من الأعمال الإيجابيّة التي كانت سبباً في نجاحه، ويركّز عليها بكلّ اهتمامٍ، ويعدّ الانتباه والتركيز من العوامل الأساسيّة والإيجابيّة لاكتساب ذاكرةٍ قويّةٍ.
قال "مايكل دابليو":
«يحيا المتفائلون من أجل الابتهاج، بينما يحيا المتشائمون للإحساس بالكآبة «.
والمشكلة الكبيرة هي أنّ روح الدعابة والمرح دائماً ما تفارق الوالدين عندما يكونان في أشدّ الحاجة إليه.
الفصل الثاني
أهميّة الأمومة والأبوّة
أهميّة الأمومة
يقول "وـ أ ـ سميث":
«الحبّ أساس الأعمال العظيمة، وهو ضروريّ لكلّ من يسعى إلى الإبداع».
قاعدة
الاهتمام ببناء طفل في طفولته المبكّرة أولى من الاهتمام بإصلاح رجلٍ كبيرٍ
إنّ قيمة الزواج ليست في إنجاب الأطفال فحسب، بل في تربيتهم لينموا بصفةٍ جيّدةٍ، ويصبحوا رجالاً أسوياء. (1/28)
صفحة 29
والعظماء إنّما صنعتهم أحضان دافئة، وأمّهات يتميّزن بالحلم، أنفسهنّ مليئة بالأمان وبالثقة، ملأت نفوسهم خيراً، وآمنت بقدراتهم، وصنعت لهم خيالاً واسعاً من القصص وكثرة الحوار حول أصحاب الهمم العالية من العظماء والناجحين في هذه الحياة، فتكوّنت في نفوسهم صورٌ ناصعةٌ لحياتهم، وصارت نفوسهم تتوق وترمي إلى الوصول إلى مثل درجاتهم، بعد ما سمعوا كثيراً وطويلاً عنهم.
وموضوع الأمومة على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة في تكوين العباقرة والمتفوّقين في المجتمع، لأنّ دورهنّ يتعلّق بقدرتهنّ على إعداد الطفولة الأولى منذ فترة الحمل وما بعدها، ويتعلّق الأمر كذلك بما إذا كانت الأمّ كفأةً في تكوين الأجيال الصاعدة، واهتمامها بدراسة أصول التربيّة الإسلاميّة متعاونةً مع أسس التربيّة العصريّة، لأنّ هذه الدراسة تعدّ ضرورةٌ لتفهّم تطوّر نفس الطفل وعقله، والعوامل المؤثّرة في شخصيّته، وذلك حتّى قبل خروجه إلى هذا الوجود، وكلّ هذا ممّا يفيد الولد وأهله والتربويّين جميعاً.
إنّنا في عصر يجب أن نهتمّ بتعليم الفتاة ــ أمّ المستقبل ــ نعلّمها فنون التربيّة وأساليبها كي تستطيع أن تربّي لنا جيلاً ذكيّاً مبدعاً متفوّقاً في المجالات، الدينيّة والعلميّة والتكنولوجيّة والاقتصادية والتجاريّة، لأنّ نهضة الأمّة لا تتحقّق إلاّ بمثل هذه الأجيال المتربيّة تربيّةً عاليةً، والمثقّفة ثقافةً واسعةً، متعدّدةً على حسب تعدّد ميادين العلوم في هذه الحياة. (1/29)
صفحة 30
إنّ إعداد فتاةٍ صالحةٍ مثقّفةٍ هو بمثابة الضمان لإيجاد أسرةٍ متوازنةٍ متوافقةٍ في تربيّة الأولاد، تعينهم على المحافظة على فطرةٍ سليمةٍ نقيّةٍ، وتعمل على صقل مواهبهم، وتفجير طاقاتهم، لتكوّن منه عنصراً قويّاً يتعامل مع تغيّرات الحياة بكلّ ثقةٍ وثباتٍ، ويعمل بإخلاص وتفان في سبيل الرفع من قيمة أمّته التي هي أحوج ما تكون إلى ذلك في هذه الفترة التي تسلّطت عليها الأمم، وأذاقتها أنواع الذلّ والهوان.
وهذه المسؤوليّة المناطة بالأمّ لإعداد أجيال المستقبل تعطيها شعوراً عميقاً بثقلها، ودقّة أدائها، وحسن التدريب لهذه النفس الصغيرة وتنمية طاقاتها، وبذلك تحاول أن تطّلع على كثيرٍ من القواعد التربويّة، وتطبّقها قدر استطاعتها، والأمّ التي لا تستشعر ثقل هذه المسؤوليّة وهذا الأداء غير جديرةٍ بتربيّة الجيل، وربّما تسيء إليه، وهي تظنّ أنّها تحسن إليه، والإثم الكبير الذي تقترفه مثل هذه الأمّ الجاهلة بقواعد التربية أنّها تسيء إلى الأمّة بأكملها، وليس إلى نفسها، أو ولدها فحسب.
إنّها مهاراتٌ غير يسيرة التعليم، أو التدرّب عليها، لأنّها تحتاج إلى جهدٍ متواصلٍ وأوقاتٍ طويلةٍ، وتستلزم تغييراً وتعديلاً كبيراً من سلوكيّات الوالدين والمربّين والمعلّمين، وتطوير أدائهم التربوي، لأنّ محاولة فهم ما بالنفوس، وتغيير ما بها، يعدّ أصعب وأعقد شيءٍ في هذا الوجود، والخطوة المهمّة التي يجب أن يقوم بها كلّ هؤلاء هو أن يفهموا بأنّ هناك خللاً في الأساس التربوي لهذه الأمّة بأكملها، هو الذي أدّى بها إلى هذا التردّي وهذا الانحطاط، لأنّ الإنسان إذا ما فهم بأنّه ناقص في ناحيّةٍ من النواحي، فإنّه سيحاول بكلّ ما أوتي من قوّةٍ، ويستغلّ كلّ ما بين يديه من إمكانيّاتٍ حتّى يقضي على ذلك النقص الذي يشعر به. (1/30)
صفحة 31
وممّا يزيد من أزمة أمّتنا الإسلاميّة والعربيّة أنّها تواجه تلك التغيّرات السريعة والصعبة وهي لا تملك ذخيرةً من الأجيال المثقّفة المبدعة، القادرة على مواجهة تلك التحدّيات التي تزيد حدّتها يوماً بعد يومٍ.
فإذا كنّا نريد حقّاً تغيير تربية الأجيال من كلّ النواحي، وتربية البنت بصفةٍ خاصّةٍ، سواءً منها الدينيّة، أو الثقافية، أو العلميّة، فإنّه يتوجّب على المفكّرين والتربويّين أن يزوّدوا أولياء الأسر بالأسس التربويّة، ولا بدّ أن يجمعوا بين الأسس الإسلاميّة والعلميّة، حتّى تساعدهم على حسن توجيه أولادهم في مختلف مراحل العمر.
ولقد أصبح من الواجب أمام الله - سبحانه وتعالى - وأمام التاريخ أن ينهض أمثال هؤلاء المفكّرين والمثقّفين، ويهتمّوا بتقديم تلك الثقافة التربويّة التي تساعد الأولياء على أداء تلك المهمّة على أكمل وجهٍ، وخاصّةً الأمّ، كما أصبح من اللازم على أولياء العائلات أن يهتمّوا كذلك بتثقيف أنفسهم والمشاركة قدر المستطاع في البرامج التي تقدّم في هذا الميدان.
ولماذا لا تقيم بعض المعاهد، أو المؤسّسات التربويّة، أو المحطّات الفضائيّة دوراتٍ تدريبيّةً للأمّهات أثناء فترة الحمل، ثمّ في فترة الرضاع، وبعد ذلك في فترة الطفولة المبكّرة، لتصبح قادرةً على تعليم التفكير لولدها، لأنّ ذلك يعدّ خير وسيلةٍ لتنميّة الذكاء، فتعليم التفكير هو تعليم الذكاء، وتعليم التفكير ينمّي الذاكرة ويقوّيها، ويحافظ عليها.
علاقة الأمّ بالولد
لقد جعل الله - عز وجل - سرّاً عجيباً في العلاقة بين الأمّ والرضيع، لا يعلم حقيقتها إلاّ خالق هذه النفس البشريّة، فلا يوجد هناك من يستطيع أن يحلّ محلّ الأمّ كمزوّد أساسي للعناية والاهتمام. (1/31)
صفحة 32
والأمّ أقرب إنسانٍ في هذه الحياة إلى الولد في سنواته الأولى، لأنّها تضمن له الرضاعة التي هي أفضل شيءٍ بالنسبة له في حياته، كما أنّها هي التي تبني العلاقات الحميمة بينها وبينه، فلا أحد في الوجود يستطيع أن يفهم ما يجده الولد من الراحة والأمان والاطمئنان وهو يتغذّى من صدر أمّه، ويحسّ بذلك الغذاء وهو يبعث في جسده القوّة والنشاط والحيويّة.
وعلاقته بها وهو على صدرها يعبّ من لبنها كيف يشاء بكلّ أمانٍ، يشعر بثقةٍ ما فوقها ثقةٌ، وهي تزداد يوماً بعد يوم بقدرٍ المعاملة التي يتلقّاها من أمّه.
وفي تلك السنّ لا يستطيع الولد تمييز نفسها عن نفسه، أو أن يميّز نفسه عنها، فما على الأمّ الذكيّة إلاّ أن تغتنم تلك العلاقة الثمينة، فتنظّم له كلّ أعماله، لأنّ تفكيره سيقوى نتيجة لذلك، وكلّما قوي تفكيره، قويت ذاكرته.
عليها أن تستغلّ تلك الفرصة الثمينة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لها كي تنظّم له نومه، واستيقاظه، ولعبه، وتبعد عنه كلّ ما يشوّش عليه تفكيره، أو يفسد عليه نظامه.
فالانفعالات سارّةً كانت، أو مؤلمةً، والغرائز التي تهيّئ سبل الحياة المرضيّة، والتجارب التي تمهّد طريق الحياة الطيّبة، أو العكس، كلّها مرتبطةٌ بوجود الأمّ الذكيّة بجانب الولد، حين يكون عقله شبيهاً بصفحة بيضاء، مستعدّةً لتسجّل فيها الأمّ كلّ ما تريد، لتصبح خريطةً يسترشد منها مختلف المعلومات التي يسير بها في طريق حياته.
وكلّ هذه التوجّهات تسجّل داخل عقل هذا العبقري الصغير حتّى قبل أن يكتسب الألفاظ التي يمكن له أن يعبّر بها عن ما يسجّل داخل هذه الآلة العجيبة المعجزة، ونستطيع أن نشبّه ذلك بالمسالك والطرق التي تنجز في مدينة من المدن. (1/32)
صفحة 33
والتربيّة الذكيّة هي المفتاح السحري لتكوين تلك المسارات داخل خلايا مخّ الولد، ولكن المشكلة أنّ أغلبيّة الأولياء لا يعتقدون بأنّ الذاكرة هي عبارةٌ عن بناءٍ يبنونه داخل مخاخ أولادهم إذا شاءوا ذلك، كما أنّ النظام التربوي إلى اليوم مبنيٌّ على افتراض أنّه لا يمكن تعليم الكائن الإنساني الذكاء بطريقةٍ منظّمةٍ محدّدةٍ.
الأمّ أوّل وأفضل مربٍّ
إنّ كلّ الأبحاث التي أجراها علماء التربيّة تبيّن بما لا يدر مجالا للشكّ بأنّ الأمّ هي العنصر المباشر الذي يؤثّر في الولد في سنواته الأولى، إمّا إلى الناحيّة الإيجابيّة، أو إلى الناحيّة السلبيّة.
ولها دورٌ تربويٌّ عظيمٌ وخطيرٌ عليها أن تؤدّيه نحو ولدها لتنمّي فيه مختلف قدراته، خصوصاً في المراحل الأولى من حياته، فهي بحقٍّ المربيّة الأولى التي تترك بصماتها على باقي حياته.
إنّ تثقيف الأمّ، وإعدادها لهذا الدور التربوي الحسّاس، وتنميّة قدراتها، والارتقاء بمهاراتها الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة، يعني الارتقاء بأداء دورها المنوط بها نحو الجيل في تربيّته والرقيّ به في درجات التفوّق والنجاح، فتسعد به، ويسعد به جميع عناصر العائلة والمجتمع.
فتنشئة جيلٍ مستنيرٍ ذكيٍّ ذي انتباهٍ حادٍّ وتركيزٍ جيّدٍ يستوجب تهيئة الأمّ الواعيّة بكلّ ما تستلزمه تربيّته الفكريّة، كي تكون مدركةً الإدراك الصحيح والقويّ لأهميّتها في تأديّة ذلك الواجب، كما يستوجب أيضاً توفير الخطط والإمكانات لتحقيق أفضل الشروط لذلك.
فالتقدّم التربويّ الفكريّ الحقيقيّ يبدأ من نقطة الأمّ، لأنّها هي المؤثّر المباشر على مختلف سلوك الولد، كما أن" مختلف المراحل اللاحقة يستند إلى تلك المرحلة الأولى، وينبني على ذلك الأساس الذي تضعه هي. (1/33)
صفحة 34
لقد ساهمت البحوث الحديثة المتعلّقة بتنميّة قدرات ومهارات الولد في إعادة النظر في طبيعة العلاقة بينه وبين أمّه، بحيث أنّ أغلبيّة علماء النفس كانوا يعتقدون أنّ هذه العلاقة تنشأ وتنمو على هامش الدوافع الأوّليّة التي تربط بينهما، فالولد يتعلّق بها، لأنّها توفّر له حاجاته الفيزيولوجيّة، خصوصاً حاجاته إلى الغذاء، وعلى مرور الأيّام وبزيادة تطوّر إدراك الطفل، يتكوّن فيه تصوّرٌ بأنّ أمّه هي مصدر منحٍ وعطاءٍ، ومصدر إرضاء جميع حاجيّاته.
ولكن بعد زيادة البحوث والدراسات الحديثة والتعمّق فيها تراجع الخبراء عن نظريّة التعلّق التقليدي للولد بأمّه تراجعاً جوهريّاً، لأنّ التجارب أوضحت أنّ ذلك التعلّق حاجةٌ أساسيّةٌ من حاجات النموّ لديه، وأنّها حاجةٌ قائمةٌ بذاتها ومستقلّةٌ عن الحاجات الأخرى، ويعتر التعلّق الآن على أنّه دافعٌ أوّليٌّ له أهميّته في بناء خبرة الولد العقليّة.
لقد أصبح العلماء يوجّهون الأمّهات إلى أهميّة التعلّق في تنميّة قدراته التفكيريّة، لأنّه يؤثّر تأثيراً عميقاً في سلوك الصغير ونموّه العقلي والنفسي، ولا أحد ينكر العلاقة الوثيقة بين التطوّر النفسي والتطوّر العقلي.
إنّ العلاقة المتبادلة بين الأمّ والصغير تتطلّب الثبات والاستقرار، لأنّ تجربة الانفصال عن الأمّ قبل أن يبلغ الولد السنوات الثلاث من عمره هي من أقسى التجارب التي سيكون لها الأثر السلبي المباشر على عدم اكتمال بناء قواه المختلفة، خاصّةً منها النفسيّة والتفكيريّة. (1/34)
صفحة 35
كما يتأثّر الولد تأثّراً بالعلاقة الإيجابيّة، أو السلبيّة لأمّه، خصوصاً من الناحيتين الاجتماعيّة والنفسيّة، فهي التي تنتبه لتغيّراته الجسميّة والعقليّة والإدراكيّة، فتلبّي له حاجيّاته بانتظامٍ، ونتيجة لذلك تكون حاضرةً معه في كلّ لحظة بأحاسيسها وعواطفها، حيث تهيّئ له الشروط المناسبة لتنميّة مختلف تلك القوى، وتعزّز لديه الثقة بنفسه، وقد اكتشف العلماء بأنّ الولد يتّسم بالقلق عندما لا تولي له العناية الجيّدة والاهتمام لما يبديه لها من قدراته، ولا تنتبه لإشاراته الكثيرة، ولا تكثرت لما يصدر عنه من إبداعاتٍ بسيطةٍ.
فعلى الأمّ الذكيّة التي تريد تنميّة قدرات صغيرها والرفع من طاقاته المختلفة أن تنتبه لتلك التغيّرات التي يمرّ بها الولد، وتهتمّ بما يقوم به من تلك الأعمال البسيطة جدّاً، لأنّه في نظره هو تعدّ أعمالاً كبيرةً، ولا بدّ لها أن تعتني بها كي تزداد لديه شيئاً فشيئاً.
لقد أوضحت بعض التجارب التي تلاحظ قدرات الولد المتعلّقة بملاحظته عند لعبه مع أقرانه أنّ درجة الأمن والطمأنينة في علاقته مع أمّه تؤثّر في درجة التفاعل مع أقرانه وذلك نتيجةً لما اختزنه في ذاكرته عند تواصله معها، إذن نستنتج من هذه الملاحظة بأنّ علاقة الولد بأمّه لها أثرها الإيجابي، أو السلبي في بناء ذاكرته.
ويرى بعض الباحثين أنّ مظاهر الخوف المفرط Phobia التي يعاني منها الأولاد يؤثّر في بناء ذاكرتهم، وهذا الخوف يتكوّن في الطفل نتيجةً لاضطراب التعلّق بينه وبين أمّه.
فهي تساهم مساهمةً أساسيّةً في تنشئة الولد، فالتنشئة القائمة على المحبّة والمرونة والتسامح والاهتمام الكبير بالمؤثّرات التي تؤثّر في تنميّة ذاكرته ونفسيّته، ونموّه في جوّ مفعم بالمحبّة والحنان يترك في بناء قواه العقليّة أثراً إيجابيّاً، لأنّه ينمّي ويقوّي فيه ثقته بنفسه وقدرته على مواجهة شروط الحياة. (1/35)
صفحة 36
بينما تؤدّي معاملته بتشدّدٍ ونفورٍ وكراهيّةٍ إلى التعاسة والشقاء، وتجعله ينظر إلى العالم نظرةً قاتمةً سلبيّةً متشائمةً، ممّا يبني في نفسه تلك التصوّرات السلبيّة نحو ذاكرته، ونحو قواه العقليّة, فينشأ ضعيف التفكير قليل التحصيل.
الأمّ والولد مسيرة حياة
إنّ أوّل ما يلهم الله - سبحانه وتعالى - الإنسان، عندما يخرج إلى هذا الوجود، وهو لا حول له ولا قوّة، عمليّةٌ بالغة التعقيد وهي مصّ ثدي أمّه، يولد، وخلال دقائق يضع شفتيه على حلمة الثدي ويُحكم إغلاقَهما ويسحب الهواء، فلولا أنّ الله - عز وجل - ألهمه هذا السلوك المُعقّد لما كان أحدٌ من الناس على وجه الأرض.
وهي تعدّ كائناً معجزاً، إنّها آيةٌ من آيات الله - سبحانه وتعالى -، فوجودها من أجل ابنها، أعصابها وإدراكها ومشاعرها كلّها تتفاعل مع ابنها تفاعلاً فطريّاً عجيباً، وكأنّ هناك اتّصالاً دائماً، فإذا كانت بعيدةً عنه، تقول لقد استيقظ ابني، كيف عرفت؟ لقد طفّ الحليب من ثديها، إنّها تظهر لديها مشاعر متنوّعةٌ نحو ذلك المولود الجديد.
فبعض الأمّهات جعلهنّ الله - سبحانه وتعالى - رائعاتٍ من حيث التكوين والاستعداد لاستقبال أولادهنّ، وما ذلك إلاّ لأنّهن قد تعلّمن كثيراً ممّا يخصّ التربية الصحيحة للولد، بل حتّى فيما يخصّ الجنين، فتتحوّل الأمومة عندهنّ إلى هدفٍ هامٍ وراقٍ، يؤدّين من أجله كلّ ما في استطاعتهنّ من جهودٍ، فتصبح التربيّة لديهن متعةً وسروراً، لأنّهن يعتقدن بأنّها واجبٌ مقدّسٌ يجب عليهن أن يؤدّينه بكلّ يقينٍ ورضىً.
وهناك من النساء من تتحوّل لديهن الأمومة إلى نوعٍ من العذاب، يمتدّ من ذواتهنّ إلى أولادهن بواسطة المعاملة التي يعاملنهم بها، فيثمر عن ذلك نفوساً مشوّهةً ترى الحياة عبارةً عن تعبٍ ومشّقةٍ وعذابٍ. (1/36)
صفحة 37
لا أحد يشكّ بأنّ الأمّ هي الشخص الأقرب إلى الولد، والذي يتعرّف إليه ذلك المولود الجديد من عدّة نواحٍ، الناحية الغذائيّة والنفسيّة وكثيرٍ من الاهتمامات التي ينشأ الولد وهو يتعرّف عليها شيئاً فشيئاً.
واهتمامات الأمومة متعدّدةٌ، منها اهتمام تغذيّةٍ، وهدهدةٍ وخاصّةً عند ذهاب الولد إلى النوم، وهذه كلّها تشكلّ اتّصالاتٍ تعمّق معرفة الاثنين لبعضهما، ممّا يجعل الولد يعبّر عن مشاعره المتنوّعة، وبشكلٍ فطريٍّ، وعبر سلوكاتٍ ظاهرةٍ، لا يدرك معناها سوى الأمّ المرافقة له في طريق نموّه منذ ولادته.
فكلّ أمٍّ مدعوّةٌ لتتعرّف على ولدها معرفةً عميقةً وتامّةً، لأنّ ذلك سيعزّز ثقتها بنفسها أنّها تستطيع أن تقدّم لوليدها أفضل ما عندها، ومعرفتها هذه تنطلق أصلاً من داخلها، أي من إحساساتها بأنّ ما تقوم به هو نتاج حبّها واحترامها لتلك الطفولة البريئة.
إنَّ الأمّ يحركها حبّها لجنينها وولدها إلى الاهتمام به أكثر ممّا يحرّكها عقلها، فكيف إذا كان يدفعها حبّها وعقلها معاً، فهي بدافع الحبّ تقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس، بدافع الحبّ تقدم كلّ شيءٍ، لذلك يضغط علماء النفس على فترة الحمل، ويرشدون الأهل والأقارب أن يحدثوا في الأمّ الحامل قناعةً عقليّةً لترضى بذلك الحمل، وحبّاً ورغبةً في جنينها، لأنّ ذلك هو الذي سيدفعها إلى الاهتمام بولدها اهتماماً بالغاً.
إنّ ارتباط الولد الفطري بأمّه له أثره البالغ في بناء قواه العقلية، وبناء هذا الجانب في هذا الكائن الضعيف هو بمنتهى الأهميّة، ومن الضروري والواجب أن تهتمّ به الأمّ اهتماماً بالغاً، لأنّ نموّ تلك القدرات الذهنيّة لديه يرتبط بالمحيط الخارجي وتأثيراته المتنوّعة التي ينشأ فيها.
حنان الأمّ من أكبر المحفّزات (1/37)
صفحة 38
ممّا يتّفق عليه جميع الأطبّاء أنّ المرأة لديها سيلٌ متدفّق من الحنان لا يرقى إليه حنان الرجل مهما كان مستواه، وخاصّة على أولادها، وهذا راجع إلى الإفرازات الهرمونيّة لدى كلّ منهما، والغدّة النخاميّة هي التي تقرّر هذا الاختلاف الهرموني بينهما.
فغدد المرأة تفرز ثلاثة أنواع من الهرمونات، وهي المسؤولة عن بناء نفسيّتها، وتحديد طباعها، فهناك هرمون "الاستروجين" وهرمون "البروجيسترون" وهرمون "البيروكلتين".
والهرمون الثالث يوجد بنسبة كبيرة لدى النساء اللاتي يلدن، ويجعل الأمّ تتحمّل متاعب الأولاد ومشكلاتهم، وتزداد عندها القدرة على التحمّل، ويجعلها تجد متعةً في تربيّتهم، وتحمّل الإرهاق في سبيل ذلك.
ويعدّ هذا الحنان الذي تفيضه الأمّ على ولدها من أكبر وأهمّ محفزّات تنمية ذاكرته وتقويتها، إن لم نقل هي الأساس في تنميّة مواهبه واستثمارها ودفعها إلى تحقيق التفوّق والنجاح.
وقد بدأ العلم يكشف شيئاً فشيئاً حقائق جديدةً فيما يخصّ هذا الموضوع، وهي أنّ الذاكرة ليست موجودة في عضلة المخّ فقط، وبل هناك على ما يبدو خلايا ذكيّةٌ أخرى موجودةٌ في مختلف أجهزة الجسم، فعلى الوالدين أن يهتمّا بمختلف أجهزة الجسم، حتّى يوفّرا للجسم كلّه إمكانيّة بناء ذاكرةٍ قويّةٍ.
قاعدة
إنّ لدى الولد ذكاءً أكبر بكثير ممّا يخطر ببال الوالدين
وأعظم حبٍّ، هو حبّ الأمّ، التي فطر الله - عز وجل - قلبها عليه، فهي تفيضه على أولادها بدون حدودٍ، وهو الذي يدوم طول الحياة، لأنّه حبٌّ ينبع من قلبٍ صادقٍ مخلصٍ.
ولا أظنّ أنّ ثمّة حبّاً أبقى وأنقى وأصدق وأدوم من الذي تهبنا إيّاه هذه الأمّ الحنون، والحبّ الذي نشعر به نحوها في هذا العالم الموحش، البارد والقاسي، فقد باتت فيه العواطف الصادقة نادرةً، وتكاد تنعدم. (1/38)
صفحة 39
فالأمّ تقدّم حنانها لولدها مع لبنها لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أودع رحمةً في قلوب الأمّهات، والتي هي في الحقيقة جزءٌ من مائة جزءٍ من الرحمة التي أنزلها الله - عز وجل - إلى الأرض، كما يقول العلماء، وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - ثدي الأمّ يسيل باللبن بشكل أفضل وأحسن عندما تحنّ على ولدها، وأوقات الحنان هي حالاتٌ خاصّةٌ، وربّما يكون ذلك نتيجةً للهرمونات المتوازنة التي تفرزها الغدد عندما تكون الأمّ في حالةٍ من الفرح والسرور عندما ترضع ولدها.
ولا يغيب عن الأمّهات حثّ الأطبّاء وترغيبهم لهنّ في إرضاع أولادهنّ، ويبيّنون أنّ من فوائدها العظيمة والإيجابيّة الربط العاطفي بين الأمّ وولدها، فهي لا ترضعه لبنها فقط، وإنّما ترضعه حنانها ومشاعرها بل حتّى قدراتها العقليّة، كما يرضع صفاتها، خيرها وشرّها.
إنّ واقع تغذية الولد الرضيع في غاية من الأهميّة من حيث تأمين المناخ الملائم واللازم للنموّ والتطوّر الطبيعيّين لمختلف قواه، ومن نتائج الاهتمام بالتغذية أن تهتمّ الأمّ بكيفيّة تقديم الثدي إليه فهي تناغيه، وتداعبه أثناء ذلك، وتوجّه إليه مختلف الرسائل من الابتسام له، والنظر إليه، ومداعبته.
إنّ لمختلف الأنشطة المتبادلة بين الرضيع وأمّه خلال عمليّة مصّ الثدي أهميّة قصوى في تفعيل طاقات الولد الكامنة داخل نفسه، وتنميتها، والتي يكون مزوّداً بها منذ ولادته، ولكّنها تنتظر من ينمّيها ويطوّرها، وبذلك تؤمّن له حاجياته المعنويّة النفسيّة والعاطفيّة تأميناً تامّاً، ونتيجةً لذلك ينشأ نشأةً متكاملةً متوازنةً.
لقد قام خبير علم النفس "بياجيه" باختباراتٍ حول إرضاع الأمّ لولدها، فوجد بعض المؤثّرات المهمّة التي تؤثّر على الرضيع تأثيراً إيجابيّاً. فقال: (1/39)
صفحة 40
«تبتسم الأمّ للرضيع، فيردّ الابتسامة التي تفرح قلبها، فتبتسم من جديد، ويتوقّف الرضيع غالباً عن المصّ ليداعب بيديه وجه الأمّ الحاني عليه والمبتسم له، وهكذا دواليك، وهذه الرسائل المتبادلة بين الرضيع وأمّه تبدو بمنزلة العالم الأساسي المسؤول عن اكتساب عمليّة الرضاعة الأهميّة المذكورة أعلاه «.
وأظنّ أنّ مثل هذه المداعبات المتبادلة بين الأمّ ورضيعها تعدّ كمثيراتٍ لخلايا وأعصاب مخّه، ممّا يجعلها تتكاثر بسرعةٍ، وتقوى بشكلٍ أحسن، نتيجةً لتلك المثيرات والمنبّهات، فيكتسب الولد مخّاً قويّاً، وكلّما قوي المخّ قويت ذاكرة صاحبه، لذلك يجب على الأمّ أن لا تكفّ عن إثارة انتباه رضيعها بمثل تلك المثيرات التي لها الأثر البالغ والإيجابي في بناء مخّه، وتقويّته.
لذلك يقول علماء التربيّة النفسيّة إنّ تغذية الرضيع تعدّ عمليّة حسّاسة، فهي ليست مجرّد عمليّة لتغذيّته فحسب، بل لها تأثير أكبر فيما يستقبله من أيّام حياته، سواءً من الجانب الإيجابي، أو السلبي، وسواءً في الناحيّة الجسميّة، أو النفسيّة، أو القوى العقليّة، لأنّ العطف والحنان الذي يتلقّاه الرضيع من أمّه أثناء الرضاعة يكسبانه رحمةً في قلبه، تنعكس على علاقاته بمن حوله في مستقبل أيّامه.
قاعدة
ذكاء الطفل ترجمة لحنان أمّه
فالأمّهات والآباء لديهم الكثير الذي يمكنهم أن يفعلوه من أجل مساعدة صغارهم وإعدادهم للأدوار المستقبليّة، ونقطة البداية هي أن يتأكّدوا من أنّ أطفالهم لديهم قدراتٌ وطاقاتٌ ما عليهم إلاّ يكتشفوها، ويهتمّوا بها اهتماماً حسناً، كي تنمو وتقوى.
الأمّ هي المهندس الذي يبني ذاكرة الولد (1/40)
صفحة 41
الذاكرة القويّة قوّةً حقيقيّةً تعني عمل خلايا المخّ بكلّ قوّةٍ ونشاطٍ، كي تستوعب مختلف الأفكار التي يتعلّمها صاحبها، وتقوم بمختلف الأعمال الفكريّة، لأنّ كلّ أعمال الحياة تسير بفضل الذاكرة القويّة، فإذا كانت كذلك، يستطيع صاحبها أن يؤدّي أعماله بنجاحٍ ونتيجةٍ حسنةٍ، ولكن إذا كان غير ذلك، فإنّ صاحبها يسير في مراحل الحياة بنفسٍ بائسةٍ يائسةٍ.
والمشكلة أنّنا نجد أغلبيّة الأمّهات يرجعن عدم نجاح أولادهن إلى الوراثة، وإلى ظروف المجتمع الذي ينشؤون فيه، ومختلف المشاكل الكثيرة الأخرى، في حين أنّ المشكلة موجودةٌ داخل أنفسهم، فهن لم يسعين أبداً لتطوير هذا الجهاز وتقويته، ولم يبحثن عن الأسباب الحقيقيّة التي تجعلهن يصلن ببنائه إلى أعلى درجةٍ ممكنةٍ.
فالقليل من الأمّهات يعلمن بأنّ الانطلاقة إلى ذلك تبدأ من مرحلة الحمل، ثمّ بعدها مرحلة الطفولة المبكّرة التي هي مرحلةٌ مهمّةٌ وأساسيّةٌ في بناء الذاكرة القويّة، وذلك بالتربيّة الصحيحة، والتغذيّة المتوازنة، وتوفير البيئة الثريّة منذ الأيّام الأولى للولادة، ثمّ بعد ذلك في مختلف المراحل الأخرى من العمر، ويعدّ العلماء كلّ هذه العوامل من أفضل السبل لتقويّة ذاكرة الولد، ولرفع مستوى ذكائه.
فيمكن لكلّ طفل أن يتعلّم تقنيّة التفكير، ويمكن أن ينشأ قويّ الذاكرة إذا وجد المحيط المناسب لذلك، وخاصّةً أمّاً صابرةً وإيجابيّةً تطبّق مهارات تعليم الذكاء.
وبنية مخّ الإنسان الحالي لا تختلف في الشكل والجوهر عن مثيلها منذ فجر التاريخ، إذن فما الذي تغيّر في هذه العصور الأخيرة في بعض الأمم حتّى أصبحت في مؤخّرة قافلة الحفظ والإبداع والاختراع، وماذا يجب على مربّيها أن يفعلوه تجاه الأجيال الناشئة، حتّى تنهض من تخلّفها وتأخّرها. (1/41)
صفحة 42
لقد عرّف العلماء الذكاء بأنّه القدرة العامّة للمخّ على العمل لبلوغ أهدافٍ معيّنةٍ وعلى التفكير بطريقةٍ منطقيّةٍ، والتفاعل بشكلٍ متكاملٍ وبصورةٍ إيجابيّةٍ مع ظروف بيئته.
لقد اكتشف الخبراء والعلماء والباحثون بعد جهودٍ متواصلةٍ مضنيةٍ أنّ العقل متّصلٌ بالجسد اتّصالاً لا يخطر ببال أغلبيّة الناس، وأنّه عبارة عن عضلات، تعمل تماماً كما تعمل العضلات الأخرى الكثيرة في الجسد.
فإذا كان كثير من العضلات تتحكّم في الجسد، فتضمن له حركاته المختلفة، وتزوّده بالقدرات التي بفضلها يستطيع أن يقوم بمختلف أعماله، فإنّ الدماغ يتكوّن كذلك من عضلاتٍ عديدةٍ تعينه على اكتشاف الكثير من القدرات كالقدرة على تعلّم اللغة، أو الحساب، والتخيّل، وغيرهما من المعلومات والمهارات الكثيرة.
وكما أنّ عضلات البدن تتكوّن في جسم الإنسان وهو جنين في بطن أمّه، فكذلك عضلات المخّ تتكوّن والشخص في بطن أمّه، فمن هنا نستطيع أن نقول بأنّ حالة الأمّ الصحيّة والنفسيّة لها الأثر البالغ في تكوين هذا الجهاز تكويناً حسناً، أو تكويناً غير حسنٍ.
لقد كان العلماء في القديم يعتقدون أنّ الأنشطة البدنيّة منفصلة تماماً عن الأنشطة العقليّة، ولكن بعد التجارب الكثيرة، والبحوث العلميّة توصّلوا إلى أنّ الأمر مختلفٌ، حيث أنّ عمل العقل وقوّته وعبقريّته مرتبطةٌ ارتباطاً وثيقاً وعميقاً بحالة البدن الجيّدة، أو غير الجيّدة.
وفي كلّ مرحلة من البحوث يتوصّل علماء الذاكرة إلى معلوماتٍ جديدةٍ مفرحةٍ، تبشّر كلّ من يقرؤها ويطّلع عليها بالخير، وتزرع في نفسه أملاً كبيراً كونه يستطيع أن يوجّه ولده ليصبح عبقريّّاً ذكيّاً. (1/42)
صفحة 43
ومن جهة أخرى لابدّ أن نخبر الأولياء، وخاصّةً الأمّهات أن يعتنوا بأولادهم، لأنّهم هم المسؤولون عن تشييد هذا البناء المعجز، فهم الذين يجعلون منه بناءً قويّاً، يستطيع أن يستوعب ويحمل من المعلومات ما لا يعدّ ولا يحصى، أو يتركونه من دون عنايةٍ، فيصبح بناءً ضعيفاً لا يستطيع الاستيعاب إلاّ قليلاً.
لقد بقي العلماء إلى عهدٍ قريبٍ سجناء تلك النظرة العلميّة الخاطئة حول بناء المخّ البشري، حيث كانوا يظنّون بأنّه لا ينمو، ولا يتغيّر، ولا يتطوّر، بل يتكوّن من الجينات الوراثيّة التي يرثها صاحبه من والديه، والحقيقة أنّه يستطيع التطوّر والنموّ والتغيّر إلى الأحسن إذا ما أوليناه اهتماماً بالغاً، أو يبقى مستقرّاً في أسفل درجات الذكاء والعبقريّة ولا يتطوّر، ولا يتغيّر إذا ما أهملناه.
فلكلّ من التربيّة الأسرية والاجتماعيّة والعادات الغذائيّة تأثيرٌ عظيمٌ في بناء مخّ الوليد، بل حتّى في بناء مخّ الجنين قبل أن يولد، سواء فيما يخصّ الغذاء التي تتناوله أمّه، أو الحالة النفسيّة التي تكون فيها، والحالة الجسميّة من ناحية القوّة، أو الضعف.
لقد كان "دافيد هارتلي" من أوائل المفكّرين الذين تأثّروا بعصر النهضة في ميدان دراسة طريقة بناء المخّ القويّ، فقد قام بتطوير النظريّة الاهتزازيّة للذاكرة، فأكّد بواسطة تجاربه أنّ هناك اهتزازات خاصّة بخلايا المخّ، تبدأ قبل خروج الجنين إلى هذا الكون، وتتولّى الأحاسيس الجديدة تخفيف تلك الذبذبات الموجودة في تلك الخلايا من حيث الدرجة، والنوع، والمكان، والاتّجاه، وبعد اختفاء تأثير تلك الأحاسيس، تعود الذبذبات بسرعةٍ إلى حالتها الطبيعيّة، ولكن إذا ظهرت نفس الأحاسيس مرّةً أخرى، فإنّ الأمر يتطلّب وقتاً أطول لعودة تلك الذبذبات، وبهذه التجارب المتعدّدة يصل المخّ في النهاية إلى أن يحافظ على بقاء ذبذباته على حالةٍ جيّدةٍ، وبذلك تبدأ آثار الذاكرة بالظهور. (1/43)
صفحة 44
إنّ العلماء يشبّهون خلايا وأعصاب المخّ بالنسبة للولد بمواد البناء التي نبني بها بناء ما، فبقدر براعة المهندس، وعلى حسب انتباهه وتفانيه في العمل يكون البناء الذي يريده، إمّا يكزن قويّاً، وإمّا يكون ضعيفاً، ومخّ الجنين والوليد هو البناء الذي يبنيه المهندس الذي هو الأمّ.
كما يشبّه علماء الأعصاب والذاكرة مخّ الولد بالبناء، وخلاياه وأعصابه وهرموناته التي ينتجها المخّ بالملاط والقرميد التي يبني به ذلك البناء، فالله - عز وجل - قد هيّأ للأمّ كلّ المواد التي تبني عقل ولدها، فما عليها إلاّ أن تتفانى في العمل، حتّى تتقن هذا البناء.
ويعتقد كثيرٌ من الناس بأنّ العناصر الغذائيّة التي يتغذّى بها الولد الصغير ليس لها تأثيرٌ في بناء هذا الجهاز المعجز، في حين أنّ الأبحاث الكثيرة قد استنتجت بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ غذاء الأمّ الحامل، وغذاء الرضيع له أثره البالغ في بناء مخّ الولد وتكوين ذكائه، وكذلك حليب الأمّ الطبيعي الذي له أثره الفعّال، ثمّ بعد ذلك نوعيّة الغذاء في مختلف مراحل العمر، فالقليل من الناس من يدرك بأنّ خلايا المخّ هي الأكثر تأثّراً بعناصر الغذاء من غيرها من خلايا الجسد الأخرى، كما ينعكس ذلك بدوره بشكل كبير على الأداء الوظيفي للمخّ سلباً، أو إيجاباً.
الأمّ هي منشّطة خلايا مخّ الولد
إنّ الأمّهات الواعيّات لا يكاد أولادهنّ يصلون إلى سنّ الدخول إلى المدرسة حتّى يكونوا قد تعلّموا مختلف المهارات التي تعينهم إعانةً بالغةً في تلقّي العلوم واستيعابها، فتجدهم قد تعلّموا على أيدهنّ مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ومبادئ الحوار البنّاء والمناقشة الهادفة، وغير ذلك من المبادئ الضروريّة التي تهتمّ بها، وتتقنها الأمّ الذكيّة، فيساعدهم ذلك مساعدةً كبيرةً في التحصيل، وتفهّم الدروس المختلفة. (1/44)
صفحة 45
لقد درس العلماء العلاقة بين الولد والأمّ باهتمامٍ وبعمقٍ كبيرٍ، فتوصّلوا إلى أنّها تقوم من خلال تفاعلها معه تفاعلاً إيجابيّاً بتحضيره في أثناء السنة الأولى من عمره وتطوير عناصر أساسيّةً ضروريّةً لتعلّم مختلف مهارات الحياة، فأرشدوا الأمّهات إلى إصدار المثيرات المختلفة والتي تتناسب ومراحل تطوّر ذاكرته، فتتيح له الفرصة للتعبير عن ذاته الحقيقيّة من خلال ذلك، بما يظهر من قدراتٍ وكفاءاتٍ، فتضعها موضع التطبيق عبر تفاعلها معه.
والأمّ الذكيّة الواعية هي التي تربط مهارات التعليم بغرائز الطفل وميوله، فتبني فيه غريزة حبّ الاستطلاع بالتعامل معه بمختلف الإشارات، ومن خلال ذلك تكوّن فيه غريزة حبّ التركيب والتفكيك التي لها أثرها البالغ في تكوين الذكاء والتفكير السليم لديه.
وخلايا مخّ الولد لها قدرات لا نهائيّة على خلق أنماط من التفكير الإبداعي والربط بين الأشياء المختلفة، وبناء معلوماته بما يتعامل معه من الناس والأشياء من حوله، وهو يستطيع أن يستخدم تلك الأنماط اللانهائيّة لتوليد أفكار لا نهائيّة.
والخبراء يشبّهون خلايا وأعصاب المخّ بالنسبة للولد بمواد البناء التي نبني بها بناء، فعلى حسب براعة المهندس الذي هو الأمّ، وعلى حسب انتباهه وتفانيه في العمل يبني البناء الذي يريده، يبنيه قويّاً، أو غير قويٍّ، لأنّ مخّ الجنين والوليد من حيث تكوينه وبناؤه مرتبطٌ بالكيفيّة التي تتعامل بها مع ذلك المخلوق الصغير، ويشبّه علماء الأعصاب والذاكرة بأنّ خلايا المخّ والأعصاب والهرمونات التي ينتجها المخّ بالملاط والقرميد التي تبني بها الأمّ عقل ولدها، كما يتأثّر كذلك بالبيئة التي يكبر فيها. (1/45)
صفحة 46
ويعتقد كثيرٌ من الناس بأنّ العناصر الغذائيّة التي تتغذّى بها الأمّ ليس لها تأثيرٌ في بناء هذا الجهاز، في حين أنّ الأبحاث الكثيرة قد استنتجت بما لا يدع مجالا للشكّ بأنّ غذاء الأمّ الحامل له أثره البليغ في بناء مخّ الولد وتكوين ذكائه، وكذلك لبنها الطبيعي الذي له أثره الفعّال، ثمّ بعد ذلك غذاؤه في مختلف مراحل العمر، فالقليل من الناس من يدرك بأنّ خلايا المخّ هي الأكثر تأثّراً بعناصر الغذاء من غيرها من خلايا الجسد الأخرى، كما ينعكس ذلك بدوره انعكاساً كبيراً على الأداء الوظيفي لأدائه سلباً، أو إيجاباً.
الأمّ هي التي تصقل مهارات ولدها
الأمّ المهتمّة بتنميّة القدرات العقليّة لدى ولدها، سوف تجعل تفكيره أكثر رقيّاً وتقدّمّاً ونجاحاً، فهي القادرة على أن تبتكر لعقل ولدها عدداً غير محدود من الأفكار والتداعيات، وأن تكوّن فيه أفكاراً إيجابيّةً يوماً بعد يوم، وبذلك سوف تدفع خلايا مخّه إلى التحسّن، ممّا يزيد من قوّتها واستيعابها بشكلٍ أفضل.
فالأمّ المخلصة تعمل ما في استطاعتها، وتضحّي بما تستطيع لترتقي بعقل ولدها، فعندما تهتمّ به سوف تدفع كيمياء جسمه للتغيّر، ونتيجةً لذلك تتغيّر كيمياء مخّه، ويحصل على موجاتٍ كيميائيّةٍ حيويّةٍ من التحفيز والطاقة، فتتكوّن لديه أشكال من العبقريّة.
يقول العلماء:
«العبقريّة 99% منها عرقٌ، أي عملٌ ومجاهدةٌ ومثابرةٌ، و1% إلهامٌ «.
والولد الصغير قد جعله الله - سبحانه وتعالى - يستخدم خياله بشكلٍ فطريٍّ، فيحلم أحلام اليقظة، والشخص الأوّل الذي يحظى بحكاية خيالاته هو أمّه، فما عليها إلاّ أن تسمع جيّداً له، كي لا تقتل فيه هذه الطاقة، وربّما تبادره هي في أحيانٍ كثيرةٍ، وتطلب منه أن يحكي لها ما رآه في منامه، وما يأمل أن يكون، أو يصل إليه في المستقبل، عندما يكبر، وبذلك تحبّب إليه مثل هذه التقنيّة التي تدفع المخّ إلى العمل، ونتيجةً لذلك تقوى خلاياه وأعصابه. (1/46)
صفحة 47
وعليها أن تستعمل هذه التقنية التي تقوّي ذاكرة ولدها قبل أن يخلد إلى النوم، فتجلس بجانب فراشه، وتحكي له بعض الحكايات التي تبني فيه مثل هذه الخيالات، وقد ألّف بعض الكتّاب مؤلّفاتٍ تشتمل على 365 قصّة، تحكيها الأمّ لولدها قبل نومه، وما ذلك إلاّ للفائدة العظيمة التي توجد في ذلك من تنشيط خلايا مخّه.
ومن التقنيات المفيدة والناجحة التي تبني بها الأمّ ذاكرةً قويّةً لولدها، هو أن تعودّه أن يحلم أحلام اليقظة بشكلٍ واسعٍ، لأنّ ذلك يزيد من اتّصال الزوائد المتفرّعة للمخّ.
ويجدر بنا أن نشير إلى أنّه قد ثبت علميّاً من خلال الدراسات التي أجريت في معاهد أبحاث المخّ أنّ هناك اتّصالاً مباشراً بين نموّ الزوائد المتفرّعة والنشاط الذهني، فالنشاط الذهني يجعل صاحبه يشعر بحيويّةٍ دائمةٍ، ولكنّه إذا فقد التحدّيات الذهنيّة فإنّ حياته نفسها سوف تذبل.
يقول الدكتور "أرنود شيبل": «أيّ شيء يمثّل تحدّياً عقليّاً يمكن أن يكون كالمثير الذي يعمل على نموّ الزوائد المتفرّعة، بما يعني زيادة الاحتياطي الحسابي للمخّ «.
ومثل تلك الأحلام تجعل المخّ يفكّر ويفكّر دوما دون انقطاع، وهذا هو السرّ في نموّ الزوائد المتفرّعة لخلاياه، كما أنّ التحفيز ينبع من التفكير، حتّى قال أحد العلماء:
«استمرّّ في التفكير، استمرّ في التفكير، كي تشغل المحرّك بأقصى درجة «.
فقيمة الإنسان توجد في تفكيره، فبتفكيره يستطيع أن يصل إلى الدرجات العالية من النجاح والتفوّق، وتفكيره يقوى، وينمو بالخيال الواسع الذي ينشأ عليه منذ صغره.
قال "بيل جيتس" صاحب شركة (مايكروسفت):
«إنّ لدى شركتنا أصلاً واحداً، وهو الخيال البشري «.
فالأمّ بمثابرتها في تدريب ولدها بمختلف الوسائل الممكنة، واهتمامها بصقل مهاراته، وتعليمه أشياء جديدة كلّ يومٍ، سوف تجعل منه شخصاً ناجحاً نافعاً في حياته. (1/47)
صفحة 48
والإبداع في التفكير يكوّن لدى الشخص سرعةً وسهولةً في بناء أفكارٍ جديدةٍ، وبهذا يستطيع أن يطبّقها بكلّ طلاقةٍ، وهذا يدلّ على المرونة في التفكير، والمرونة هي أن يكون لدى المفكّر قدرةٌ واسعةٌ لرؤية الأشياء من زوايا مختلفة، ممّا يجعله يراها من جهاتها المتعارضة، ويسمّي العلماء ذلك بالتوسّع في بناء الإبداع.
وغالباً ما يتمتّع المبدعون في أفكارهم بالإصرار والمثابرة، ويكونون على خلافٍ مع محيطهم، لأنّهم يمتلكون مستوياتٍ عاليةٍ من الحيويّة والطاقة، ولديهم ميول للحياة، ويعدّون شخصيّات نابضة بالحياة، ولديهم اهتماماتٌ واسعةٌ بجميع أنواع الأنشطة الثقافيّة والرياضيّة.
عناية الوالدين ببذور الذاكرة القويّة
قد يتصوّر كثيرٌ من الناس صورةً عن العقل كإناءٍ مجوّفٍ، ويحتوي قدراً محدوداً من الطاقة العقليّة، كما يظنّون بأنّ تلك الطاقة تنقص شيئاً فشيئاً أثناء قيام صاحبه بالعمل، ونتيجة لذلك يقف العقل عن العمل في فتراتٍ منتظمةٍ، وبعد تلك الفترات يتزوّد بطاقةٍ جديدةٍ.
في حين أنّ البحوث العلميّة قد اكتشفت عكس ذلك، حيث أنّ العقل كلّما زاد في العمل ازداد نشاطه، وقويت طاقته، وهو لا يتوقّف لكي يتزوّد بالطاقة من جديدٍ، وأنّه كلّما ازداد نشاطه ازدادت قوّته واستيعابه بشكلٍ أفضلٍ.
ومن هنا نستطيع أن نقرّر بأنّ التجربة الواقعيّة في البيئة التي ينشأ فيها الولد لها الأثر الكبير في تقوية عقله، وتعزيز تفكيره، فبقدر ما تكون بيئته غنيّة بالمؤثّرات التي تؤثّر في تفكيره يقوى عقله، وبقدر ما تنقص تلك التأثيرات تنقص قوّة عقله في الإبداع والابتكار. (1/48)
صفحة 49
إنّ العوامل الفطريّة الكامنة في كلّ كائنٍ بشريٍّ تؤثّر فيها وتقوّيها الخبرة التي يمرّ بها داخل المحيط الذي يكبر فيه، والأمّ هي المسؤول الأوّل في جلب انتباه ولدها إلى تلك الخبرات وتقويتها في تفكيره كي تؤثّر فيه تأثيراً إيجابيّاً، فيتطوّر عقله بسرعةً، ويتعلّم كثيراً من الخبرات التي تنمّي عقله، وتنوّع له تفكيره، وليس هناك شيءٌ يقوّي العقل مثل تنوّع التفكير.
إنّ بذرة الذكاء تنمو وتتطوّر في النفس الإنسانيّة الصغيرة كما تنمو الشجرة الصغيرة، فالشجرة إذا وجدت من يرعاها ويمدّها بما تحتاج إليه من مختلف المواد والمؤثّرات والجوّ المناسب، فإنّها تزهو وتنمو وتكبر بكلّ قوّةٍ فتؤتي ثمارها اليانعة الكثيرة الشهيّة، أمّا إذا أهملت، ولم تجد الجوّ المناسب لنموّها وكبرها، فإنّها تضعف وتفقد إنتاجها.
فالفلاّح الذي يجب أن يرعى بذرة الذكاء لدى الولد هو الأمّ، فهي التي توفّر لمخّ وليدها المؤثّرات المناسبة ليستطيع أن ينمو نموّاً طبيعيّاً جيّداً، وقد سمّاه الدكتور "بياجيه" بالتطوّر الجنيني للذكاء، فكما أنّ الأمّ هي المسؤولة عن مراعاة جنينها وهو في بطنها كي ينمو نموّاً طبيعيّاً متوازناً، فهي المسؤولة كذلك بعد ولادته أن تهيّئ له الوسط المناسب لتنميّة عقله نموّاً جيّداً متكاملاً.
إنّ المخّ القويّ يمكن للوالدين أن يبنياه، كما يمكن لهما أن يعلّماه التفكير.
قاعدة
«إنّ التفكير مهارة يمكن للولد أن يتعلّمها «.
وأنا أقول بأنّ مهارة التفكير لا يمكن للولد أن يتعلّمها إلاّ إذا كان يملك مخّاً مدرّباً، والمخّ القويّ تستطيع الأمّ أن تبنيه بالبيئة الثريّة، وباجتماع المخّ القويّ والتفكير السليم يبني الذكاء الوقّاد، والتربيّة والاعتناء بالولد يجب أن تتوفّر منذ أن يكون جنيناً إلى أن يصبح سويّاً في جسمه وعقله.
الابن هو سلوك أبويه (1/49)
صفحة 50
إنّ قوّة التفكير وضعفه عند الولد يتكوّن من خلال معاملة الوالدين له، فإن هما أشعراه بأنّه ذو قيمةً، تتكوّن لديه إرادةٌ قويّةٌ في القيام بكثيرٍ من الأعمال والمهارات وتمتلئ نفسه ثقةً، وأملاً في النجاح والتفوّق، وذلك ممّا يكوّن في نفسه فكرة أنّه إنسانٌ طيّبٌ ومكرّمٌ، وذو شأنٍ في هذه الحياة.
إمّا إذا كان الوالدين قليلي الثقة مع الأسئلة الكثيرة والغريبة التي يسألها، وينهالان عليه باللوم والتوبيخ دوماً، فسينشأ وقد كوّن عن نفسه فكرةً سلبيّةً، وينتهي التصوّر عنده بأنّه ضعيف الذاكرة، لا يستطيع أن يفكّر تفكيراً إيجابيّاً نافعاً مثمراً.
وإذا رأيناه يقوم بعملٍ لا نرضاه، أو أفعالٍ غير مقبولةٍ، فلا نعيب ذاته هو، أو نبيّن له أنّ العيب يوجد فيه هو، بل علينا أن نبيّن له أنّ العيب في سلوكه، وليس فيه كإنسانٍ.
كذلك إذا كان لا يستطيع أن يحفظ درساً، أو يتذّكر معلومةً كنّا قد أخبرناه بها من قبل، فلا نلومه هو، أو نتّهمه بأنّ ذاكرته غير جيّدةٍ، بل نبيّن له بأنّ السبب هو عدم تركيزه من قبل، أي في الوقت الذي تلقّى فيه تلك المعلومة.
فمثلاً نقول له: «إنّك لا تهتمّ بتلقّي المعلومات المهمّة التي ستنتفع بها في مستقبلك «
وذلك عوض: «إنّك ولدٌ غير ذكيٍّ، لا تستطيع الحفظ الجيّد «.
ومن الأهميّة بمكان أن يعرف الوالدان كيف يتجاوبان برفقٍ مع القدرات العقليّة لدى أولادهم، فلا تكون هناك مواجهةٌ حادّةٌ بالألفاظ السيّئة التي تؤلمه، وتبعث في نفسه اليأس، بل نرشده إلى الضوابط الواضحة لكيفيّة التحصيل والحفظ والمذاكرة، ولا بدّ للأمّ أن ترافقه في ذلك، لأنّ الأب يكون في أغلبيّة أوقاته مشغولاً في أعماله ومصالحه. (1/50)
صفحة 51
فإذا كانت الأمّ ترافق ولدها في أغلب أعماله التي تنمّي له ذاكرته، فإنّه يشعر بأنّه شخصٌ مهمٌّ، وأنّ أمّه تتعاطف معه، وتصغي إليه بقلبها، فينجذب نحوها، وبذلك تزداد خبراته بكثرةٍ، وكلّما ازدادت تلك الخبرات التي يتعرّض لها، ويتعلّق بها بواسطة معاملة أمّه، كلّما ازدادت خلايا مخّه نشاطاً واستيعاباً، وقويت الأعصاب التي تربط بينها.
وبقدر كثافة وقوّة الوصلات التي تربط بين الخلايا العصبيّة المخّية بقدر ما تزيد كفاءة أداء المخّ.
وإذا كانت قوّة الوصلات العصبيّة المخّية تزداد بكثرة الخبرات التي يتعرّض لها الطفل في بداية مراحل حياته الأولى، فينبغي تعريض الأولاد لأقصى عددٍ ممكنٍ من الخبرات المختلفة عبر الحواسّ التي وهبها لهم ربّهم - سبحانه وتعالى -، لأنّه نتيجة لذلك يرتفع أداء تلك الحواسّ، ويتدرّب الطفل من ناحيّةٍ أخرى على الانتباه والتركيز، وبعض المهارات التي تعدّ وسائل مهمّةً وأساسيّةً لتنميّة وتطوير مختلف عضلات المخّ.
وقد حدّد علماء الذاكرة لكلّ عضلةٍ عملها ومهارتها، وبيّنوا ما يخصّ كلّ واحدةٍ منها من الأسلوب الذي يليق لتدريبها وتمرينها، ولكن ليس معنى هذا أنّ كلّ عضلةٍ تختصّ بتلك المهارة وحدها دون غيرها، بل قد تشترك أكثر من عضلةٍ في مهارةٍ واحدةٍ وأداءٍ عقليٍّ واحدٍ، وذلك تماما مثل ما تتطلّبه بعض التمارين الرياضيّة البدنيّة إلى استعمال أكثر من عضلةٍ في نفس التمرين الرياضي.
وقد توصّلوا في أبحاثهم المتعدّدة إلى أنّ العقل البشري يتكوّن من ثلاثين عضلة:
1ــ عضلة اللغة. ... 16 ــ عضلة الضدّ.
2ــ عضلة الحساب. ... 17 ــ عضلة التفكير العكسي.
3ــ عضلة التتابع. ... 18 ــ عضلة التحديد.
4ــ عضلة الربط. ... 19 ــ عضلة الترتيب.
5ــ عضلة المنطق. ... 20 ــ عضلة التذكّر.
6ــ عضلة التحليل. ... 21 ــ عضلة الخيال.
7ــ عضلة التركيب. ... 22 ــ عضلة الفنّ.
8ــ عضلة الإستنتاج. ... 23 ــ عضلة الإلغاء. (1/51)
صفحة 52
9ــ عضلة الإستنباط. ... 24ــ عضلة التحكّم بالجسد.
10ــ عضلة التمييز. ... 25 ــ عضلة التحكّم بالأعصاب.
11ــ عضلة التقييم. ... 26 ــ عضلة الدقّة.
12ــ عضلة التعميم. ... 27 ــ عضلة التعبيرالشفوي.
13ــ عضلة التفريق. 28 ــ عضلة التصوير.
14ــ عضلة التشبيه. ... 29 ــ عضلة القدرات الاجتماعيّة.
15ــ عضلة الحدس. 30 ــ عضلة التفكير الجانبي.
والوالدان الذكيّان يوفّران أقصى عددٍ ممكنٍ من تلك المهارات المتنوّعة والخاصّة بكلّ عضلةٍ، كي تنمو وتقوى، ولا شكّ أنّ تلك العضلات هي الحجر الأساسي لبناء المخّ، وعمل الذاكرة، وأنّه كلّما قويت ازدادت قوّة المخّ، وتحسنّت الذاكرة عند صاحبه.
ويرى كثيرٌ من خبراء الذاكرة إلى أنّ طريقة عمل العقل تشبه عمل عضلات الجسم، ويرشدون إلى التمارين المتعدّدة والتي تساعد على بنائه وتقويّته، ولذلك اقترحوا كثيراً من التداريب، وأرشدوا إليها كلّ من يريد أن يدرّب ذاكرته.
فكما يرشد الأطبّاء الأولياء بتدريب عضلات أجسام أولادهم لتقوى، ويكتسبوا أجساماً قويّةً صحيحةً، بعيدةً عن كلّ الأمراض العضويّة، فعليهم أن يهتمّوا كذلك بتدريب عضلات المخّ بمختلف المثيرات كي تزداد قوّتها، ومرونتها، وهذا بمعنى أنّها ستستوعب معلوماتٍ أكثر وبشكلٍ جيّدٍ حسنٍ.
وبناء على ذلك، فإنّ ذاكرة الولد كيان تكيّفي، يتكيّف حسب ما يقدّم له من غذاءٍ ذهنيٍّ جيّدٍ، أو غير جيّدٍ، وهي مرنةٌ، يمكن تشكيلها، وتقويّتها، أو على العكس تركها خاملةً، فينتج عن ذلك ضعفها وعدم عملها بصفةٍ حسنةٍ.
في البيت يتكوّن الولد العبقري
إنّ توفير بعض الكتب في المنزل أو مجلات الأطفال والتي تعنى بالتربيّة الصحيحة والتوجيه السليم، أو بعض كتب قصص للصغار والمتوفّرة بكثرةٍ في المكتبات، والاستفادة منها قدر الإمكان لمحاورة الولد، تعين المربي على بناء مهارة الحوار، وكذلك محاولة ربط مختلف المعلومات التي يقرؤها في تلك الكتب ببعضها البعض، وبذلك نبني فيه مهارة الربط. (1/52)
صفحة 53
ــ الاستفادة من المادة المعروضة في التلفاز، إذا وجدت الأمّ أن ولدها متحمّس لمشاهدتها، فعليها أن تختار المحطة الإذاعيّة المتقدمة والراقية لضمان استفادته من المادة المعروضة، وذلك من خلال محاورته بالسؤال والجواب بينها وبينه، لأنّ هذه الممارسات والتطبيقات ممّا يقوّي في ذاكرته كثرة استعمال الكلمات التي سمعها في البرنامج.
ــ التنوّع في مواضيع المحاورة والأسئلة، لأنّ ذلك التنوّع ينمني مواهبه ويطوّرها، ويجعله يستعمل الكلمات المتشابهة في كلّ موضوع جديدٍ تحاوره فيه أمّه، ولأنّ تغيّر ميول الولد من مادةٍ إلى أخرى يعدّ أمراً طبيعيّاً وفطريّاً فيه، فعلى الأمّ أن تشجّعه بطريقة تنوّع العناوين والاختصاصات، حتّى لا يقلق ولا يضجر من العناوين الدائمة المتكرّرة، وأن تحرص على محاورته ومساءلته في الموضوعات المهمّة التي تحتوي على معلوماتٍ جيّدةٍ، أو تلك التي تبعث في نفسه سعادةً حين يتحاور فيها، وذلك مثل القصص.
ــ التدرّب على القراءة الهادفة وكثرة التحاور، تبعث الأنس والبشر والهدوء في قلوب ونفوس الصغار، وذلك عندما يعينه أحد والديه وخاصةً أمّه على القراءة معه بصوتٍ مرتفعٍ نوعاً ما، ففيه من المنافع مالا يعلمه إلاّ الله - سبحانه وتعالى -، لأنّ ذلك ينشر الطمأنينة والهدوء في البيت، ويبعث المحبّة والألفة بين عناصر الأسرة فيعيشون حياة محبّةٍ ووئامٍ، وقد بيّن علماء الذاكرة أنّ من الأسباب الأساسيّة التي تجعل الذاكرة تعمل بشكلٍ جيّدٍ الطمأنينة والسرور والهدوء النفسي.
الشعور بالدفء والحماس
عندما يشعر الطفل بالدفء والتشجيع والتحفيز من طرف والديه، ومن أمّه خاصّةً، فإنّه يتعلّم كيفيّة التصرّف في مختلف الأعمال التي يُطلب منه أداؤها. (1/53)
صفحة 54
وإذا كان الولد يشعر بالتشجيع والتحفيز في المنزل، يبذل كلّ ما لديه من طاقةٍ وقدرةٍ على إنجاز الأعمال المختلفة، وبذلك يكتسب مهاراتٍ جديدةً، ويحاول بذلك جهده كي لا ينسى تلك المهارات لينجز بها أعمالاً أخرى يجلب بها التشجيع والتحفيز مرّةً أخرى.
والشعور بالدفء والتشجيع، يجعله يتحاور كثيراً مع والديه، ومع أمّه، ومع أصدقائه، وكلّ ذلك من القواعد الأساسيّة لتقوية الذاكرة.
وممّا يثير الاهتمام أنّ الدكتورة "ماريان" قامت بإجراء فحصٍ على مجموعةٍ كبيرةٍ من الأطفال في المستشفيات النفسيّة، حيث اكتشفت كيف أن التشتّت الذهني يلتهم هؤلاء الأولاد الذين يعانون من مشاكل، كما لاحظت أنّه كثيراً ما ترتبط تعاستهم وعدم تركيزهم ارتباطاً مباشراً بعدم حصولهم على الدفء الأسري والتحفيز المشجّع لهم على الاستزادة من العمل الذي يُذهب عنهم الاكتئاب والحزن، وأنّ كثيراً منهم يفتعلون تصرّفاتٍ مزعجةً لاستثارة اهتمام والديهم لإشباع ذلك الفراغ النفسي الذي يعانون منه.
فأيّ طفلٍ لن يحظى بنجاحٍ دائمٍ ومتواصلٍ، فلا بدّ أن يتعرّض لعثراتٍ وكبواتٍ، ولكن الأمّ هي التي تخفّف عنه ذلك الإحساس الشديد الذي يحسّه عندما يتعرّض لمثل ذلك، فهو في أمسّ الحاجة إلى مثل تلك المواساة والدعم حتّى لا يلتجئ إلى التذمّر والإحباط.
إنّ مثل تلك المواساة هي التي تجعل الولد يتحدّى مثل ذلك الإحباط، ويتجاوز الظروف الصعبة، فتؤثّر في سلوكه تأثيراً إيجابيّاً، عوض أن تؤثّر فيه تأثيراً سلبيّاً، وتجعله يعمّق من تفكيره ويحسّنه، وبذلك يقوى تركيزه على نقاط قوّته، فيستخدمها في واقع حياته ممّا يضاعف له خبراته، ويقوّي له من ذاكرته. (1/54)
صفحة 55
ومن الطرق المتقدّمة لتنميّة قدرات ذاكرة الولد أن يتحاور الوالدان معه، ويسألاه من حين لآخر عن الحلّ الممكن تجاه مشكلةً تعترضهم، وقد أظهرت هذه الطريقة نتائج رائعةً في مجال تنشيط ذاكرة الولد، كما أنّه من ناحيّة أخرى يتدرّب على التحاور، وعلى الصبر والمثابرة تجاه ما يعترض طريق حياته من مختلف المشاكل.
وربّما نستطيع أن نوضّح ذلك بما جاء في المثل الصيني:
«أعط الشخص سمكةً، فستطعمه ليومٍ واحدٍ، علّمه كيف يصطادها، فستطعمه طيلة حياته «.
وهذه خطوات بمقدور الوالدين الاستعانة بها لتنميّة ذاكرة الطفل:
ــ أن يقوم الوالدان بالتعليق على أفعال الولد، وأن ينتقدوا العمل غير الجيّد، ولا يتهمّوه هو في ذاته.
ــ أن يسألاه دائماً كيف يحلّ بعض المشاكل التي تعترضه.
ــ يسألانه كيف سيتصرّف في مستقبل حياته ليحلّ مشاكله.
ــ يثنيان عليه عند إيجاده الحلّ المناسب.
ــ التحسين من اعتداد الطفل بذاته، وعلاقاته مع أصدقائه.
الاهتمام بالولد قبل نومه
من الممكن استخدام الساعة النفسيّة للولد في تقوية وتنميّة ذاكرته، وبناء تفكيره لصالحه، فمثلاً تستطيع أمّه أن تملأ نفسه يقيناً وثقةً فيما عند ربّه - عز وجل - يوميّاً قبل أن ينام، وتكوّن فيه الاعتقاد بالنجاح والإيمان بأنّه قادرٌ على تحقيق ذلك بالعمل والمثابرة.
فمثل هذه التقنيات تبعث الثقة في نفس الولد قبل النوم وتمدّها بالقوّة والعزيمة لمواصلة المسيرة على درب الحياة بكلّ قوّةٍ وثباتٍ، كما تجعله ينهض من نومه وهو يشعر بقيمة هذه الحياة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، وتجعله يهتمّ بأهدافه، لأنّه يعلم أنّ ذلك الاهتمام هو الذي سيدفعه إلى النجاح، وكلّ ذلك من توجيهات أمّه الصابرة المضحّية المثابرة معه. (1/55)
صفحة 56
وفي تلك اللحظات الحاسمة المهمّة تستطيع الأمّ أن تقدّم لولدها أنموذجاً صحّياً يقتدي به، ويجعله مثله الأعلى، لا يفتأ يعمل ليحقّق لنفسه مثل ما حقّقه ذلك القدوة من نجاحاتٍ، ويتعلّم من خلاله النظرة التفاؤليّة في كلّ ما يقوم به من أعمال، بدءاً بالاستيقاظ في الصباح، ويتمتّع بأداء مختلف من الأعمال.
إنّ الباحثين في مجال النوم وأثره على النفس الإنسانيّة اكتشفوا أن المرء الذي يوجّه نفسه قبل النوم الوجهة الإيجابيّة، ويرشدها بما يريد حفظه، أو إنجازه عند استيقاظه، يجعل عقله الباطن يقوم بوظيفته في تسهيل تلك المهمّة، وأحيانا في صورة حلمٍ، وعند الاستيقاظ يشعر بقوّةٍ ذاتيّةٍ تنبثق من داخل نفسه للعمل دون كللٍ، أو مللٍ لتحصيله في الواقع، ويشعر بالثقة في إنجازه، وباستجابة نفسه للقيام به بكلّ سعادةٍ وحيويّةٍ.
وهناك نظريّةٌ شائعةٌ ومهمّةٌ تؤكد أنّ النوم ضروريٌّ لإنعاش الذاكرة وتقويّة القدرات الذهنيّة، والأشخاص الذين يأخذون قسطهم من النوم هم أقدر على حلّ المعضلات، وفهم المسائل العلميّة المعقّدة.
ويشرح المتحمّسون لهذه النظريّة بأنّ الدماغ أثناء النوم يقوم بترتيب المعلومات وتنظيمها بشكلٍ منطقيٍّ، بحيث يسهّل الاستفادة منها، ويؤكّدون أنّ أخذ قسط من النوم بعد جهدٍ ذهنيٍّ مرهقٍ هو أفضل وسيلةٍ لاستيعاب وفهم المعلومات الجديدة.
كما أكّد باحثون آخرون بأنّ الدماغ يبقى في حالة نشاطٍ أثناء النوم، بحيث يقوم بمعالجة المعلومات التي اختزنها طيلة النهار، وترتيبها، وتنسيقها في خلايا خاصّة، فبعد أبحاثٍ طويلةٍ تبيّن أنّ دماغ الإنسان النائم يستطيع تمييز الأصوات وتحليلها وتخزينها أيضاً. (1/56)
صفحة 57
وإذا كان كذلك فيمكننا أن ندرك أهميّة قراءة الأمّ لقصّةٍ على ولدها، وهو مستلق على فراشه لينام، والاستماع إلى صوتها الحنون قبل النوم، والذي كان قد سجّله في ذاكرته قبل أن يخرج من بطنها، كوسيلة تساعده على تتبيث التفكير الإيجابي بعد الاستيقاظ في الصباح، فينطلق إلى أعماله في بداية يومه الجديد بنفسٍ منشرحةٍ مطمئنّةٍ متفائلةٍ، بحيث يجعل خلايا مخّه تنشط وتؤدّي عملها بشكلٍ إيجابيٍّ، وبقوّةٍ.
نصف ساعة لولدك قبل نومه
يعدّ ذهاب الولد إلى النوم فرصةً غاليةً وثمينةً لبناء مختلف القوى التي وهبها له ربّه - عز وجل -، ففي ذلك الوقت نستطيع تقويّة عزيمته، فينهض بنفسٍ منشرحةٍ مقبلةٍ على الحياة بإرادةٍ نشيطةٍ، وبعزيمةٍ قويّةٍ، فالعقل لا ينسى تلك المقابلة في آخر يومه، وعند استعداده للنوم، أفضل لحظات يتمنّاها كلّ إنسان سويّ في هذا الوجود، وخاصّةً إذا كانت تلك المقابلة مع الأمّ التي هي أغلى وأعزّ إنسانٍ في الوجود.
فالأمّ تستطيع أن تجعل تلك اللحظات من أفضل اللحظات في حياة ولدها، ويبقى يتذكّرها طوال عمره، وبإمكانها أن تجعل نفس ولدها أكثر إيجابيّةٍ، إذا ما استثمرت تلك اللحظات، وخاصّةً إذا كان الولد يظنّ أنّه مقبل على لحظاتٍ عصيبةٍ، لأنّ ينعزل عن أمّه.
والعقل البشري على استعدادٍ تامٍّ للتجاوب مع كلّ تصوّرٍ وإيحاءٍ يلقى إليه في تلك اللحظات، حيث يرسخ في العقل الباطن خلال تلك الساعات التي يقضيها صاحبه في النوم، وسوف يعمل في ذلك الوقت على مضاعفة أيّ تصوّرٍ يرد إليه في ذلك الوقت.
وكون العقل مستقبلاً جيّداً لكلّ ما يقدّم إليه في تلك اللحظات، فهو من خلال ذلك يعطي الفرصة الكاملة للذي يقدّم إليه تلك المعلومات في تلك اللحظات أن يدير حياته نيابةً عنه، فكأنّ العقل يقول بفطرته إنّني أتقبّل إرشاد ومساعدة من يكون آخر شخص يوجّه إليّ نصائح وتوجيهاتٍ في آخر اللحظات التي أستسلم فيها للراحة. (1/57)
صفحة 58
ففي نهاية اليوم، وقبل أن يخلد الولد إلى النوم، يكون عقله في حالة استعدادٍ للتلقّي، لذا فالأفضل للأمّ، أو الأب، أو الجدّة، أو الجدّ، أن يملأه بالأفكار الإيجابيّة والتخيّلات الجيّدة، وبأشياء يمكن أن تساعده في نماء نفسه وروحه وعقله.
ويمكن للمربّي أن يستغلّ ذلك الوقت لجعل عقل الولد يفكّر في الدروس التي تعلّمها في ذلك اليوم، وهذا ممّا يقوّي الممرّات التي كانت قد تكوّنت عندما تلقّى تلك الدروس من أساتذته في حصّة التعليم، ومحاولة تطبيقها شفهيّاً في تلك اللحظات.
أمّا إذا كان الولد لم يلتحق بالصفّ الدراسي بعد فيمكن أن نذكّره بأشياء وحوادث مسلّيةٍ مفرحةٍ كان قد عاشها في ذلك اليوم مع بعض أعضاء العائلة، خاصّةً الصغار منهم.
وعلى هذا الأساس فيمكن أن تخطّط له أمّه، أو من يكون بجانبه في تلك اللحظات برنامجه اليومي للغد، خاصّةً إذا كان قد التحق بالمدرسة، ثمّ تجعله يتخيّل الأهداف العامّة التي يتمنّى تحقيقها في مستقبله، وهذا ما يجعله يفكّر بطريقةٍ إيجابيّةٍ في اليوم التالي، ويدفعه إلى النهوض بنفسٍ نشيطةٍ ومنشرحةٍ، بدلاً من الشعور بعدم الانشراح لاستقبال اليوم التالي، لأنّ مثل هذه الإحساسات والتصوّرات غالباً ما تنتاب المرء في نهاية أيّ يومٍ صعبٍ ومجهدٍ.
وحتّى إن كان اليوم الذي مضى عسيراً متعباً، فإنّ المربّي الذكيّ المخلص يجعل الولد يشعر بأنّه كان يحتوي على كثيرٍ من الهبات والمزايا، والأعمال الصالحة الناجحة، ويجعله يفكّر في تلك الهبات، فينام وهو يعُدُّ تلك الأعمال الناجحة، ويحمد ربّه - عز وجل - أن بلّغه لتحقيق ذلك، ويطلب منه أن يعينه في اليوم المقبل على تحقيق أعمالٍ إيجابيّةٍ ناجحةٍ في اليوم التالي. (1/58)
صفحة 59
إنّ اتّباع مثل هذه التقنيّات تجعل الولد ينهض من فراشه في اليوم المقبل بهدوءٍ وسلامٍ، ويصبح قادراً على التحكّم فيما يدور في ذهنه، نتيجة تلك التصوّرات الإيجابيّة التي بناها في عقله الباطن عند ذهابه إلى النوم في الليلة الماضيّة، ويزيد من درجة التحكّم في نفسه، وفي مشاعره، وكلّ هذا يجعله يشعر بالسعادة باستقبال يومه الجديد.
وبتلك التوجيهات تستطيع الأمّ أو المربّي أن يوجّها الحوارات التي تدور بداخل عقل الولد، والتي تميل في الأغلبيّة إلى أن تكون سلبيّةً، وخصوصاً في المواقف التي تتعلّق بالتعلّم والمهارات، ولا بدّ أن نشير إلى أنّ التصوّرات السلبيّة تدمّر نجاح الشخص.
وعقل الولد قد خلقه الله - سبحانه وتعالى - للتعلّم، لذلك يجب علينا أن ننتهز كلّ فرصة من الفرص التي يسهّلها لنا ربّنا - عز وجل - في تعليمه وتوجيهه وتنميّة ذكائه.
قاعدة
لن يكون بمقدور أيّ شخص تحقيق آمال في الحياة، إذا لم تكن لديه تصوّرات إيجابيّة لحياته المستقبليّة.
وتلك التصوّرات ما هي إلاّ شفرات توجّه السلوك الداخلي لكلّ فرد، وهي المبادئ التي تدير حياته، ويتّخذ على أساسها القرارات التي يراها مناسبةً للوصول إلى كلّ هدفٍ من الأهداف التي يتمنّى الوصول إليها.
وتلك التصوّرات يبنيها في نفوسنا آباؤنا، لأنّنا نتلقّى قيمنا الأولى في مرحلة الطفولة على أيديهم، فنتّخذها نبراساً نهتدي به في ظلمات الحياة، وهذه المعايير السلوكيّة ضروريّة من أجل بقاء الأفراد والمجتمع واستمرار الحياة، ولولاها لحلّت الفوضى والتشوّش داخل المجتمعات، ولمحيت الحضارة الإنسانيّة في لحظات.
ملفّات الأمّ في ذاكرة الولد (1/59)
صفحة 60
يلاحظ الخبراء أنّ الولد كثيراً ما يضطرب، ويبكي إذا حمله شخصٌ آخر غير أمّه، ويصيح رافضاً إيّاه، ولكن بمجرّد ملامسته جسم أمّه تطمئنّ نفسه، ويهدأ، ويسكت على الرغم من أنّه لم ير وجهها، لأنّ عينيه مشغولتان بالبكاء، وهذا ما أحدث تساؤلاً عن سبب هذا الهدوء والسرّ في ذلك.
لقد فتح البحث في هذا الموضوع أسراراً عظيمةً أمام الخبراء فيما يخصّ طبيعة عمل المخّ، فوجدوا بأنّ مخّ الولد يبدأ بإظهار عبقريّته في مراحل متقدّمةٍ جدّاً من عمره.
فهو يبدأ بتخزين صورٍ مختلفةٍ عن أمّه في ذاكرته، فيخزّن صور أمّه وهي جالسةٌ، أو واقفةٌ، أو تمشي، وهي مبتسمةٌ، أو غاضبةٌ، وهي سعيدةٌ، أو حزينةٌ، وهي تلبس اللباس الفلاني، وتسرّح شعرها بالشكل الفلاني، وجميع الأوضاع والحركات والصور، ويخصّص في مخّه ملفّاً خاصّاً لكلّ حالةٍ من حالاتها.
كما يكوّن ملفّاتٍ في ذاكرته عن نبرات صوتها، فتكفيه أثناء بكائه دعوةٌ حنونٌ منها ليهدأ، ويخزّن كذلك نوع رائحتها، فيتعرّف عليها برائحتها إذا حملته بين ذراعيها، وقد توصّلت البحوث العلميّة الكثيرة إلى أنّ لكلّ إنسان رائحته الخاصّة به، ومثلها مثل بصمة الأصبع تماماً، فتلك الرائحة يتميّز بها كلّ واحد عن غيره من بني جنسه، ولا يتّفق اثنان في رائحة جسميهما، وهذه الرائحة هي أساس تعرّف الكلاب البوليسيّة على المجرم.
ويستطيع كذلك أن يميّزها عن غيرها من عناصر أسرته بصورة وجهها، ولا يوجد في الأرض كلّها، والتي يعيش عليها سبعة ملايير إنسان وجه إنسان مشابه لوجه إنسان آخر.
والشيء الغريب والعجيب أنّه يتعرّف حتّى على حرارتها، في دفئها وبرودتها، وطبيعة ملمسها ونعومة بشرتها، كما يحسّ بانفعالاتها الداخليّة.
فهو يكوّن في ذاكرته صورةً عن أمّه يتكامل ويشترك فيها جميع عمل حواسّه من سمعٍ وبصرٍ ولمسٍ ومشاعر، ويتكوّن في ذاته إحساسٌ بهالة أمّه. (1/60)
صفحة 61
إنّنا لا نستطيع أن نتخيّل كيف تستطيع كلّ هذه الحواسّ، حواسّ السمع والبصر والشمّ واللمس وتصوّر الشكل وقياس الحرارة والشعور بالانفعالات أن تحمل كلّ هذه الرسائل الكثيرة والمتنوّعة إلى ذاكرة الولد؟ وكيف تمرّ عبر الأعصاب الدماغيّة؟ ثمّ كيف يكوّن مخّه كلّ هذه الملفّات في خلاياه؟.
فالأمّ شخصٌ مألوفٌ جدّاً بالنسبة للولد، لأنّ له في ذاكرته ملفّات قد تكوّنت فيها حتّى قبل أن يخرج إلى هذا الوجود عندما كان في بطنها جنيناً.
ولعلّ البحوث التي توصّل إليها الخبراء المختصّين في دراسة الخليّة تكشف لنا بعض هذه الأسرار، فقد وجدوا أنّ كلّ خليّة في جسم الإنسان تحتوي على معلومات عن شخصيّته وتاريخه، وعن المحيط الذي ينشأ فيه، والتربيّة التي تلقّاها.
بل إنّ لكلّ خليّة فكرها الخاصّ بها، وهذا ما اكتشفه العلماء من عمليّة نقل الأعضاء من شخص إلى آخر، حيث أنّ الخلايا التي تنقل إلى الشخص الثاني تحمل ذاكرتها المخزّنة إليه.
فيتوجّب على المربّي إذا أراد التقرّب من ولده، ويمتلك قلبه، أن يكثر من ضمّه وتقبيله، ومن التحاور معه الحوار الهادف الراقي في أسلوبه، وأن يكثر من اللعب الحركيّ معه، لأنّ ذلك يتيح للعقل تكوين ملفّاتٍ متعدّدةً ومتنوّعةً لكلّ شيءٍ جديدٍ يتلقّاه من المربّي، وبذلك يبني ذاكرته التي سيقضي بها حياته التي قدّر له أن يحياها في هذا الوجود.
أثبتت الملاحظات على أنّ الرضيع يكون سعيداً بالثرثرة بعيداً عن ألعاب المهد، أو النظر إلى الأشكال المختلفة التي تعرض أمامه، والأمّ التي تقضي وقتاً أطول في التحدّث مع رضيعها، ستحثّ خلايا مخّه على التوالد بسرعة، وهي تهيّئه ليكون أكثر استجابةً لما يؤثّر على قواه الفكريّة. (1/61)
صفحة 62
فكلّ حركةٍ، وكلّ عملٍ يقوم بها المربّي نحو الولد، فهو يكوّن في ذاكرته ملفّاً جديداً في دماغه، ويفتح فيه القنوات الذهنيّة التي هي سببٌ رئيسيٌّ وأساسيٌّ في توسيعها وتدعيمها، فتنمو وتتطوّر إلى أن تصبح قويّةً تؤدّي دورها بشكلٍ جيّدٍ وفي أحسن وجه يتمنّاه كلّ عاقلٍ في هذا الوجود.
فعلى الأمّ أن تعلم جيّداً، وتتيقّن أنّه مهما صغر أبناؤها، فإنّ عقولهم تبدأ بالعمل والتلقّي وبناء الشبكات الذهنيّة التي تعدّ العمود الفقري لعمليّات التفكير في الدماغ، ولتقويّة ذاكرتهم، يجب عليها أن تهتمّ بتنويع الرسائل التي توجّهها إليهم، وذلك باللعب معهم، والاهتمام بدروسهم، وقضاء أقصى قدرٍ ممكنٍ من الوقت معهم.
وبذلك تبدأ بفتح قنوات اتّصالٍ مباشرةً مع عقولهم عبر القنوات الحسّية التي وهبها لهم خالقهم، فتبني في عقولهم شبكةً عقليّةً متكاملةً، تتعدّد فيها الصور الذهنيّة، فتقوى بذلك قنوات الاتّصال التي يملكونها.
وعلى أولياء الأمور أن يدركوا بأنّ الولد مهما صغر، فهو كائنٌ واعٍ مدركٌ إلى درجةٍ عاليةٍ، كائنٌ متفكّرٌ يتفاعل مع بيئته التي ينمو فيها، ويبني من خلال ذلك التفاعل القنوات الذهنيّة المعرفيّة لديه.
الفصل الثالث
شخصيّة الولد
أهميّة بناء شخصيّة الولد
«إنّ ذاكرة الولد كالنبتة، تنمو شيئاً فشيئاً «.
فالأولاد تنمو معلوماتهم ومهاراتهم ومعتقداتهم شيئاً فشيئاً، وكلّ هذه المعلومات هي التي تكوّن ذاكرة الولد، فلذلك نستطيع القول بأنّها تتكوّن شيئاً فشيئاً، وتقوى بالتدرّج، وبخطواتٍ متتابعةٍ ومجهوداتٍ متنوّعةٍ.
قاعدة
ذاكرة الولد تبنى بما يتغذّى به من مختلف المعلومات والتجارب التي يتعلّمها في بيئته. (1/62)
صفحة 63
فلا يختلف اثنان في القول بأنّ المرحلة الحاسمة والمهمّة التي تتحكّم في كلّ مراحل حياة المرء هي مرحلة الطفولة، ففي هذه المرحلة تشرع قوى الحياة في الانبثاق والنموّ، وتعامل الوالدين والأمّ خاصّةً بصدقٍ وواقعيّةٍ مع ظروف بناء شخصيّة الولد والمؤثّرات التي تحيط به، لها الأثر البالغ في تنميّة هذه القوى.
وتكاد تجمع كافّة الدراسات التي تناولت حياة الولد منذ ولادته حتّى الرابعة عشرة، أو الخامسة عشرة من عمره على أنّ النشاط الأساسي للولد إنّما يتّخذ شكلين أساسيين يستندان إلى النشاط الحيوي لديه، وهما:
ــ الاستعدادات العضويّة التي تتوفّر له بواسطة أجهزته الجسميّة باعتبارها مكوّنات هذا الكائن الحيّ.
ــ أهداف المحافظة على الذات، ودعمها عن طريق التعرّف على البيئة التي تحيط به، وما تزخر به من عناصر وأدواتٍ تعينه على تنمية وتطوير مختلف قواه الجسميّة والنفسيّة والعقليّة.
فتنمية ذاكرة الولد تنميّة سويّة تجعله يتعامل مع مختلف مؤثّرات محيطه بشكلٍ أحسن وأقوى، بحيث تتكوّن لديه تصوّراتٌ عن تلك الفترة الحاسمة من عمره من خلال ما يكتسبه من مهاراتٍ وقدراتٍ ومعرفةٍ صادقةٍ بالحياة من حوله.
فشخصيّة الفرد في الحقيقة ليست إلاّ حصيلةً لما تدرّب عليه من خلال مؤثّرات البيئة التي نشأ فيها، والفرص التي توافرت له لممارسة مختلف المهارات، التي تفسح له الطريق إلى تمام نموّه واكتمال شخصيّته.
وكلّما التزمت الأمّ بالبرامج والخطط الإيجابيّة لتنميّة ذاكرة ولدها وتطويرها، تحقّق نتائج أفضل وأسرع وأطول أمداً فيما يخصّ نتائجها. (1/63)
صفحة 64
وهناك حقيقةٌ يجب على كلّ أولياء الأمور أن يدركوها، وهي أنّ الولد مهما صغر، فهو كائنٌ متفكّرٌ ومتفاعلٌ مع بيئته، ويبني من خلال هذا التفاعل البنى المعرفيّة في عقله، وتلك البنى تكوّن مساراتٍ في أعصاب المخّ وخلاياه، وتلك الخلايا تقوى وتصبح قادرةً على الاستيعاب بشكلٍ أفضل كلّما زادت قوّتها، وزادت قوّة تواصلها من خلال الأعصاب التي تربط بينها.
فكلّ الأولياء يحاولون إحداث نوعٍ من التقدّم المتتابع على صعيد القوى الفكريّة عند أولادهم، وهذا كلّه محبّب للنفوس، ولا نستطيع أن نجد إنساناً عاقلاً جرّب الحياة، لا يتمنّى هذه الوضعيّة لأولاده، والنفوس مجبولة بفطرتها على السعي إلى ذلك، ولكن لا بدّ أن نسأل كلّ أمٍّ وأبٍ:
ــ هل هيأتما البيئة المناسبة لذلك؟
ــ هل هيأتما الظروف المناسبة للحصول على ذلك؟
ــ هل وفّرتما الشروط اللازمة لتحقيق ذلك؟
ولا بدّ أن نركّز في هذه الأسئلة على الأمّ أكثر من الأب، لأنّها مسؤولةٌ بشكلٍ أكبر لتوفير ذلك لأولادها.
فعلى الأولياء، وعلى الأمّ خاصّةً أن يهتمّوا بتشكيل وعيٍ أُسريٍّ به يسهّلون تنمية القوى المختلفة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لأولادهم، ويكوّنون الاستقرار المطلوب لذلك، والشروط التي يحتاجها عناصر الأسرة الجدد كي يدركوا ما يجب عليهم فعله لتطوير تلك القوى، كلّ على قدر طاقته واستطاعته.
بناء الفرد الصالح
إنّ كلّ الباحثين والعاملين في حقل التربيّة والتوجيه والإصلاح، يجنّدون قواهم، ويشحدون عزائمهم لبناء الفرد القويّ في ذاكرته، الإيجابي في تفكيره، والذي هو حجر الأساس في المجتمع الفاضل، وتبعاً لذلك إيجاد الأمّة القويّة في نفسها وجسمها وعقلها وتفكيرها، والقويّة في علومها، لتستطيع أن تصل إلى النصر المؤزّر، والمجد الضخم العريض.
الفرد الصالح والقويّ، القويّ في جسمه، القويّ في نفسه، القويّ في عقله وتفكيره، القويّ في اقتصاده. (1/64)
صفحة 65
وقد صدق رسول الله - سبحانه وتعالى - حين قال:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (1)
«المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان «
وإذا كان رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - قد أوصانا بهذا، فهذا يعني أنّه - صلى الله عليه وسلم - يدفعنا إلى أن نكون أعزّاء وذوي كرامة، وذلك لن يكون إلاّ بالعمل الجادّ وعدم التكاسل، والتراخي في بناء الفرد منذ طفولته المبكّرة، فالفرد الصالح الذكيّ القويّ الناجح لا يولد على تلك الحالة، بل لا بدّ لكلّ من هو مسؤول على التربيّة والتوجيه أن يهتمّوا بذلك المولود الجديد، حتّى يصل إلى تلك الدرجات العالية.
ولكلمة التربيّة مدلولاتٌ متعدّدة، منها:
تربية الفرد، وتربية الأسرة، وتربية المجتمع، وتربية الإنسانيّة جمعاء، وكلّ عنوانٍ من هذه العناوين تتفرّع عنه عناوين أخرى، وتندرج تحتها أقسام، ولكنّها تهدف كلّها إلى بناء العنصر العاقل الصالح.
وإنَّ من أخَصِّ ما يخْتَصّ به الإنسان التعلّم والعِلْم، ويظلّ هذا الإنسان متعلّماً ما دام حيّاً يرزق، وأكثر صِفات الإنسان مُشْتَركةٌ بينه وبين بقِيَّة المخْلوقات إلاّ أنَّهُ يتمَيّز بِقُوَّةٍ إدْراكِيَّة، بها يستطيع أن يبلغ الدرجات العلى إذا هو استغلّ هذه القوّة واستثمرها.
وقد كَرَّمَهُ الله - سبحانه وتعالى - بالتعلّم والعِلم وفي أثناء الحديث عن التقدّم والتطوّر العلمي، يُعَدّ العِلم أعظم كرامةٍ ينالُها الإنسان من ربّه - عز وجل - وهذه الكرامة ليس فيها خرْقٌ للعادات.
__________
(1) أخرجه مسلم (1/65)
صفحة 66
والاهتمام بالتربيّة العقليّة للولد من طرف والديه، ومن أمّه خاصّة ما هو في الحقيقة إلاّ أساسٌ متينٌ في إعداد الفرد الصالح الذكيّ العبقري، الذي يتهيّأ بشكلٍ جيّدٍ للقيام بأعباء المسؤوليّة والرسالة التي خلقه ربّه - عز وجل - ليؤدّيها في هذه الحياة.
والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} ... [فاطر ـ 39]
من فترة الحمل نبدأ
«إنّ تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بأعوامٍ، وذلك بتربية أمّه، فهي المدرسة الحقيقيّة، وشخصيّتها تنعكس على شخصيّة الأبناء تلقائيّاً، فإذا كانت سويّةً كانت شخصيّتهم قويّةً طيّبةً، أمّا إذا كانت غير سويّّة، فإنّ شخصيّتهم ستكون ضعيفةً معقّدةً «.
يجب على الأمّهات أن يدركن جيّداً، وممّا لا يدع مجالاً للشكّ لديهنّ أنّه يجب عليهنّ الاهتمام بتكوين نفسيّة أولادهنّ وهم أجنّةٌ في بطونهنّ، وذلك أثناء فترة الحمل، ثمّ في فترة الرضاع، ثمّ بعد ذلك في فترة الطفولة المبكّرة، كما فعل وزير الذكاء في دولة فنزويلا "ماشادو" الذي نادى بضرورة إجراء جراحةٍ جذريّةٍ في مناهج التعليم، في رياض الأطفال، والمدارس الابتدائيّة، والمعاهد، وفي الجامعات، ومن باب أولى في المدارس العليا للمعلّمين، وإعادة تشكيلاتها المختلفة، لتصبح قادرةً على تعليم التفكير بإيجابيّةٍ وتفاؤلٍ، لأنّ ذلك يعدّ خير وسيلة لتنمية الذكاء، فتعليم التفكير هو تعليم الذكاء.
وقد خطّط برنامجاً شاملاً تشترك فيه الحوامل، حيث يرشدن إلى كيفيّة معاملة الجنين، وإثارة حواسه، وهو داخل بطونهنّ، حتّى يخرج إلى الحياة وهو هادئ النفس، قويّ العقل، يستطيع أن يواجه ما يستقبله من مراحل الحياة المختلفة، ويتعلّم بسرعة، وذلك إيمانا منه بأنّ للأمّ تأثيراً كبيراً على جنينها من خلال تصرّفاتها وسلوكاتها. (1/66)
صفحة 67
والحقائق العلميّة تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ شخصيّة الإنسان تتحدّد داخل الرحم، وهذا ليس بسبب العوامل الوراثيّة فقط، بل بسبب العوامل البيئيّة المحيطة بالأمّ الحامل، التي تؤثّر إيجاباً، أو سلباً على تكوين عقل وجسم ونفسيّة الجنين، وهي عوامل تنشأ من تعامل الوالدين مع بعضهما ومع ذلك المخلوق الضعيف الذي لا حول له ولا قوّة.
وقد اكتشف الخبراء بأنّ لهرمون التيستوستيرون النشيط تأثيراً في بناء وتغيير جسم الجنين وهو ينمو في بطن أمّه، وهو نفس الهرمون الذي كان مسؤولاً عن تنظيم أدمغتهم النامية إلى الجنس الذي يكون عليه ذلك المخلوق ذكراً، أو أنثى.
لقد تأثّر الدماغ الذي يحيا به كلٌّ من الذكر والأنثى بتلك الهرمونات أثناء المرحلة الرحميّة، حيث كوّنت فيه المنظومة العصبيّة، ويعني ذلك أنّ الدماغ قد نُظّم للاستجابة إلى نفس الهرمونات الذكوريّة، أو الأنثويّة أثناء سنّ البلوغ، بل عبر مراحل الحياة كلّها.
فالأمّ هي الشخص الوحيد الذي يرافق الطفل في كلّ منعطفات حياته، فهي التي تحمله داخل أحشائها خلال تسعة أشهرٍ، وتتحوّل حياتها من أجله بشكلٍ، أو بآخر، ممّا يجعلها تتقبّل العديد من المهمّات التي كانت تثير تقزّزها كفتاة، وتشمئزّ منها، كما أنّها تتعرّض لتحوّلاتٍ متعدّدةٍ، بدءاً من مظهرها الخارجي، ووصولاً إلى شتّى الأحاسيس التي تتكوّن داخل نفسها تجاه الجنين، الذي ينمو داخلها، فيحوّل اهتمامها من الخارج إلى الداخل، وهناك تمتلئ غبطةً وفرحاً.
فالجنين الموجود في بطن أمّه ليس معزولاً كلّياً عن التأثيرات الخارجيّة، فالدورة الدمويّة بينها وبين جنينها مفصولةٌ عن بعضهما بواسطة المشيمة التي تغدّي الجنين، وتصفّي المواد المغذّية من المواد السامّة قبل أن تصل إليه. (1/67)
صفحة 68
ويستمدّ الجنين احتياجاته الغذائيّة من دم الأمّ، وفي الوقت نفسه يتخلّص من فضلاته عن طريق الدم كذلك من خلال المشيمة، والتي تمثّل أكبر مصنع للهرمونات في الجسم، وهي التي تسمح بمرور كلّ ما يحتاجه
وقد برهنت الدراسات العلميّة على أنّ تأثّراتها الجسمانيّة والنفسيّة تنتقل إلى جنينها بشكلٍ قويٍّ وحقيقيٍّ، فبعض الأجنّة يظهرون تزايداً في فعاليّة حركاتهم عند تعرّضها إلى انفعالاتٍ نفسيّةٍ.
كما أنّ الجنين في بطن أمّه يتفاعل أيضاً مع الضوضاء التي تقع في الخارج، ولذلك نرشد الأمّهات أن يقرأن القرآن كثيراً وهنّ حوامل، حتّى تكون انفعالاتهنّ قرآنيّةً دينيّةً مطمئنّةً.
وكلّ الأمّهات اللواتي يلاحظن أنفسهنّ وأجنّتهنّ أثناء الحمل، يروين رواياتٍ كثيرةً مثل:
ــ انزعاج الجنين من جرّاء أصواتٍ عاليةٍ وضجيجٍ في الخارج.
ــ رفساتٌ قويّةٌ من الجنين أثناء سماع الأمّ لجوقةٍ موسيقيّةٍ.
ــ اضطراب الجنين عند استيقاظ الأمّ مذعورةً من نومها، وغير ذلك من الانفعالات التي تقع للجنين وهو داخل بطن أمّه، وكلّ الأمّهات يستطعن معرفة ذلك، ويشعرن به بالتجربة.
ثمّ نثنّي على الطفولة المبكّرة (1/68)
صفحة 69
هناك حقيقةٌ يجب أن يعلمها ويدركها جميع أولياء الأمور، وخاصّة الأمّهات كي يستغلّوها في تنشئة أولادهم على النبوغ والتفوّق، وهي أنّ الولد مهما كان صغيراً، فهو كائن يفكّر ويعي كلّ ما يقع أمامه، ويتفاعل مع بيئته بكلّ تأثيراتها، إيجابيّة كانت، أو سلبيّة، ويكوّن من خلال ذلك التفاعل والإدراك المبادئ الأساسيّة للمعرفة في عقله، والمربّي الذكيّ والعبقري هو الذي يكوّن لنفسه صورةً جميلةً في عقل ذلك العبقريّ الصغير، ويحجز له مكاناً في حيّز تفكيره، وأغلبيّة الناس يظنّون أنّ الصغير الذي عمره يومٌ، أو يومان، أو شهرٌ، أو شهران لا يعي ما يقع حوله من حركاتٍ وأعمالٍ وأقوالٍ، في حين أنّ الحقيقة كما يقول الخبراء: إنّه عبارة عن عبقريٍّ صغيرٍ يسجّل ويدرك كثيراً ممّا يقع حوله.
ويبتدئ ذلك التأثير حتّى قبل أن يخرج من بطن أمّه، فهو يسمع ويتأثّر بما يسمعه وهو جنين، وينصح الأطبّاء الأمّ الحامل أن تكون مستقرّةً عاطفيّاً في فترة الحمل، ويطلعونها على الدراسات العلميّة المختلفة التي أجريت على الأمّهات الحوامل، حيث استنتجوا أنّ الاختلال العاطفي والمشكلات الزوجيّة في فترة الحمل تؤثّر تأثيراً مباشراً في جنينها، من ناحيّة نموّه العاطفي والعضوي.
كيف لا؟ وهو يعدّ جزءاً منها، كأنّه عضوٌ من أعضائها، فكما أنّ العضو متّصلٌ بها بواسطة أعصابٍ وعروقٍ، فكذلك هو متّصل بها بواسطة الحبل السرّي الذي هو عبارة عن عروق وأعصاب، يتغذّى بواسطته كما تتغذّى سائر الأعضاء الأخرى في الجسم، ويبقى ملتصقاً بها لمدّة تسعة أشهرٍ.
تأثّر الأجنّة بحالة أمّهاتهم
لقد ثبت بصورة قاطعة بأنّ الأجنّة وهم في بطون أمّهاتهم تنتابهم نوباتٌ من الخوف إذا كانت الأمّهات قد تعرّضن أثناء الحمل لحوادث مخيفةٍ، وبعكس ذلك، فإنّ أولاد الأمّهات اللواتي عوملن أثناء الحمل معاملةً طيّبةً وبلطفٍ وعنايةٍ كانوا أقلّ تأثّراً بالخوف، وأكثر حيويّةٍ من أفراد الفئة الأولى. (1/69)
صفحة 70
وقد وجد الخبراء علاقة قويّة بين تصرّفات وسلوك الولد، ومستوى تفكيره وبين هرمونات الأمّ التي تحدّد تلك الحالة التي يكون عليها الجنين في حياته عندما يخرج من بطن أمّه.
بل قد توصّل العلماء من خلال دراساتهم إلى أنّ تصرّفات الأولاد تتوقّف إلى حدّ كبير على هرمونات الأمّ التي تحدّد تلك السلوكيات.
ــ ألا نستطيع أن نجعل أولادنا أكثر اطمئناناً بمحافظة أمّهاتهم الحوامل على تلاوة كتاب الله - عز وجل -؟.
ــ ألا نستطيع أن نجعلهم أكثر حيويّةً في الجانب الإيجابيّ بتأثيرنا فيهم بكتاب الله - عز وجل -، وهم في بطون أمّهاتهم؟.
فإذا كان العلماء قد أكّدوا بأنّه يمكن التأثير على الجنين إيجابيّاً إذا شُغلت أمّهاتهم أثناء الحمل بأشياء إيجابيّةٍ مسرّةٍ، وحافظن على مزاجٍ متّزنٍ، أفلا يمكن أن يكثرن من قراءة كتاب الله - عز وجل - أفضل وأحسن ما في الوجود من المؤثّرات الإيجابيّة في نفوس البشر؟.
هذه السكينة التي هي نافذة إلى الطمأنينة يفتحها الله - سبحانه وتعالى - لعبده بمجرّد أن يفتح كتابه الكريم، ويقرأ فيه بقلب مفتوحٍ، ونفسٍ منفتحةٍ منشرحةٍ ومخلصةٍ.
ويمكن أن تؤثّر انفعالات الأمّ الحامل بطرق غير مباشرة على الجنين، وهذه الانفعالات تؤدّي إلى الإفراط في إفراز الهرمونات عندها، ثمّ تصل بدورها بطريق المشيمة إلى دم الجنين، وتؤثّر على إفراز هرموناته داخل جسمه هو كذلك.
وقد استنتج الخبراء من خلال بعض التجارب التي أجروها على بعض الأمّهات الحوامل أنّ تعرّض الأمّ للانفعال أثناء الحمل يؤدّي إلى إفراز هرمونات الانفعال، مثل: الإبنفرين، والنورابنفرين، والكورتزول، والتي تمرّ عبر المشيمة للجنين، فيصاب بالتوتّر هو كذلك.
لذلك على الأمّ الحامل أن توفّر لنفسها الجوّ الهادئ الذي ينتقل إلى جنينها، فيخرج إلى الوجود طفلاً سويّاً في قواه الجسميّة والنفسيّة والعقليّة.
نموّ الرضيع (1/70)
صفحة 71
تجدر الإشارة إلى أنّ نموّ الرضيع ينطلق أساساً من طاقته الذاتيّة، أي من مبدأ الحيويّة والانفتاح، المسيّر لنموّ خلايا وأعصاب مخّه، والمترسّخ في داخله، والذي يدفعه للانفتاح على المثيرات المتنوّعة التي تتوّفر له في محيطه الأسري والاجتماعي.
وقد سمّي هذا المبدأ ــ الانطلاق الفطري نحو الحياة ــ وهو طاقةٌ يجعلها الله - سبحانه وتعالى - في كلّ مولودٍ يخرج إلى هذه الحياة، حتّى يضمن لنفسه الحياة المعتدلة الناجحة، كما أنّها طاقةٌ كامنةٌ يولد بها الكائن البشري، لا تخلقها أمّه، ولا الوسط الاجتماعي، بل يقدّمان له المناخ الملائم لتنميتها وتقويتها.
فالولد يحمل إذن برعم الحياة والنجاح والتفوّق في أعماق أعماقه ولكن الوسط الأسري والاجتماعي هما اللذان يقدّمان له الغذاء الاجتماعي والنفسي والعقلي الذي يضمن له النموّ، أو يهملانه فلا يجد ذلك الجوّ الملائم لذلك النموّ، وبذلك يموت ذلك البرعم والولد ما يزال في فترة النموّ.
فعلى الأمّ أن تعرف كيف تراعي هذا البرعم، وكيف تقدّم له الغذاء المادّي والروحي كي ينمو بشكلٍ طبيعيٍّ، وعليها أن تعلم جيّدا المناخ الملائم لنموّه وتطوّره، وذلك بأن تقدّم له أشكال العناية التي تؤمّن له ذلك المناخ.
وعليها أن تتعرّف على ولدها جيّداً، كي تعزّز ثقتها بنفسها لتربيته تربيةً إبداعيّةً ناجحةً، وتقدّم له أفضل ما عندها، وينطلق هذا التعرّف أصلاً من داخلها ومن إحساساتها، وأن تشعر بأنّ ما تقوم به ينبعث تلقائيّاً من داخل نفسها، وتشعر بالسعادة عند تأديّة هذه المهمّة، لأنّ هذا الشعور سينعكس مباشرةً على ارتباطها برضيعها، وبذلك تتشكّل وسائل اتّصالٍ عميقةً تعرّف أحدهما بالآخر وهذا عن طريق تعبير الرضيع عن مشاعره المتنوّعة بشكلً فطريٍّ طبيعيٍّ.
قاعدة
تربية الولد هي عبارة عن تنمية الطاقات الكامنة لديه (1/71)
صفحة 72
إنّ تأمين الأمّ لرضيعها المناخ الملائم واللازم للنموّ والتطوّر الطبيعيّين الكامنين في ذاته هذا الكائن الحيّ له أهميّته.
فمقوّمات الأمومة تنطلق من نفسها التي تعرف بالفطرة الكثير ممّا يحتاج إليه ولدها، كما يجب عليها أن تداوم على الاستزادة من التطلّع على مختلف مهارات التربيّة التي تستطيع بواسطتها أن تتعرّف أكثر وأكثر بطرق تنميّة القوى العقليّة لدى الولد.
وإنّ أحد أهمّ وأوّل مقوّمات دور الأمّ في تنميّة القوى العقليّة للولد يكمن في الحبّ والاحترام، لأنّ ذلك يملأ نفسه ثقةً بها، ويملأه طمأنينةً.
ويعدّ الحبّ أحد ركائز بناء الثقة داخل نفس الولد، حيث يجعله يكتشف مواهبه وقدراته، ومع الحبّ يأتي الثبات والتقبّل الضروريّان لنموّ قدرات الطفل العقليّة.
وللأمّ دورها الحاسم في تنمية تلك القدرات وتوجيهها لأن يكون الولد ما هيّأته استعداداته وطاقاته الشخصيّة لأن يصبح عليه، وهي التي تعدّ المرجع الأساسي في بناء كامل جوانب ذاته الحقيقيّة، النفسيّة منها والعقليّة والتكوينيّة.
الأسرة هي الحاضنة الأولى
الأسرة هي الخليّة الأولى التي ينشأ فيها الفرد، وهي الإطار العامّ الذي تبنى فيه تصرّفاته، وهي التي تقوم بأوّل عمليّة اجتماعيّة، لأنّها مصدر العادات والتقاليد وقواعد السلوك والآداب العامّة.
وكلّ بذرةٍ تبذرها في عقل الولد سواءً كانت بذرةً طيّبةً، أم سيّئةً تنبت نباتها الطيّب أو السيّء.
في خليّة الأسرة تتكوّن وتتشكّل قدرات الطفل وميوله، وفيها تبرز مواهبه، لذلك على الوالدين أن يهتمّوا بتوفير المؤثّرات اللازمة لتحقيق ذلك.
وفيها يكتشف الولد قدراته العقليّة ومواهبه الذهنيّة، ويجب على المربّين الاهتمام بملاحظة ذلك، وتشجيعه على تنمية تلك القدرات بمختلف التحفيزات والمؤثّرات والتوجيهات، والحوارات الإيجابيّة التي تترك في نفسه آثاراً حسنةً. (1/72)
صفحة 73
وبناء مثل تلك القوى لدى الأولاد وتنميتها وتطويرها يكون بالاعتماد على قيم ومبادئ يجب على أرباب الأسر العمل بها، وتطبيقها مع أولادهم، كي يصلوا بهم إلى النجاح والتقدّم، كما يعوّل كذلك على الجهود التربويّة التي يبذلها الأولياء في سبيل جعل سلوك أولادهم مرتبطةً بتصوّر النجاح والتفوّق.
والنجاح والتفوّق يرتبطان بالنظام والتنظيم، والدليل على ذلك أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد فطر هذه النفس البشريّة على ذلك، ففرض عليه فرائض منتظمةً يؤدّيها في أوقاتٍ منتظمةٍ، وعلى كيفيّاتٍ منظّمةٍ، دون إخلالٍ فيها، سواءً بزيادةٍ، أو نقصانٍ.
والفوضى داخل البيت، وداخل المدرسة وفي الشارع يجعل الأولاد يتعاملون مع قواهم التي فطرهم الله - سبحانه وتعالى - عليها بغير نظامٍ، وبدون انتباهٍ إليها، أو تركيزٍ عليها، فالفوضى تجعل الإنسان يتحرك بدون هدفٍ معيّنٍ، وإذا تعوّد ذلك فستكون مسيرته في الحياة متذبذبة وغير ثابتة.
فالولد يحتاج في صغره إلى من يثقّفه، يبيّن له ويرشده إلى كيفيّة تنظيم أعماله، واستغلال أوقاته، والاستفادة من مختلف القوى التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى -، كما يشعره بأهميّة اتّباع القوانين في كلّ مكان يكون فيه، والبداية تكون بنظام البيت، والتعامل معه باحترامٍ، وعدم انتهاكها، وتدريبهم منذ الصغر على تكييف حياتهم معها، ولا شكّ أنّ هذا سيكون شاقّاً على النفوس، لكنّه جوهريٌّ وأساسيٌّ في مسألة تنميّة قدراتهم المختلفة، ولكن سيكون ذلك سهلاً بشرطين هما:
1ــ أن يتمّ مشاورتهم واستطلاع آرائهم في تلك القوانين التي تسنّ داخل الأسرة، لأنّ هذا يجعلهم يشعرون بأنّهم يمتثلون لقوانين قاموا هم أنفسهم باختيارها، وأنّه قد أخذ برأيهم فيها قبل بداية تطبيقها عليهم، وإلزامهم بتطبيقها في واقع حياتهم. (1/73)
صفحة 74
2ــ أن يتمّ تطبيق النظم على جميع عناصر الأسرة دون تمييز عنصر منها على الآخر، ودون استثناءٍ، لأنّ القانون الأسري أشبه بالثوب، فكما أنّ كل خرق فيه يجعله غير صالح للستر والتجمّل، وربّما يصعب خياطته بعد ذلك، فكذلك كلّ خرق للقوانين يذهب بهيبتها ومصداقيّتها، ويقلّل من فاعليّتها وقدرتها على تنظيم الحياة داخل الأسرة.
تأثير البيئة في ذاكرة الولد
لتقييم تأثير البيئة الغنيّة بالمثيرات على نموّ ذاكرة الولد أجرى "مارك روزنفج" الباحث في جامعة ـ كاليفورنيا ـ تجربةً على مجموعة من الفئران حديثة الولادة، حيث وضعها في قفصٍ مملوءٍ بالمنحدرات والسلالم والعجلات والأنفاق ومثيرات أخرى، وفي الوقت نفسه وضع مجموعةً أخرى مماثلة الأولى في قفصٍ ليس فيه مثل تلك الأشياء، أي فارغة.
وبعد 105 أيّامٍ أجرى اختباراتٍ على ذاكرة الفئران، فظهر بأنّ عقول الفئران التي نشأت في البيئة الغنيّة كانت تحتوي على موصلاتٍ أكثر بكثير من تلك الموجودة في عقول الفئة الثانية، حيث وجد أن تلك الزيادة تصل إلى 15 % في عدد الخلايا والأجسام العصبيّة، كما أنّ حجمها أكبر بنسبة 15 %، والأهمّ من كلّ ذلك هو تكوّن مزيد من الوصلات العصبيّة.
وإذا كانت البيئة الغنيّة بالمؤثّرات هي التي تحفّز خلايا المخّ، وتزيد في عدد الروابط التي تصل الخلايا العقليّة ببعضها، وهي من أهمّ الأسباب لزيادة الذكاء على من يداوم على مثل هذه التحفيزات، فنستطيع توفيرها بالقراءة واللعب.
يقول العلماء:
«إنّ قوّة الحفظ والتحصيل ليست من الأشياء الفطريّة التي تولد مع الإنسان مثل القدرة على التنفّس، ولكنّها مجموعة من المهارات والتوجّهات التي لابدّ للأولياء أن يعلّموها لأولادهم الصغار، كي يتقنوها في مختلف مراحل سنّهم، لأنّهم على حسب الطريقة والعادة التي ينشؤون عليها تكون مسيرتهم في مختلف المراحل المقبلة من حياتهم «. (1/74)
صفحة 75
ثمّ بعد أن يتكوّن فيهم الإدراك ويقوى، يصبحون هم المسؤولون بملاحظة مثل هذه المهارات التي يمتلكونها، وفي ذلك العمر يصبح بمقدورهم تغيير وتعديل طريقة عمل ذاكرتهم، فيستبعدون الخطوات التي تضعفها، ويحاولون اكتساب مهاراتٍ وقدراتٍ جديدةٍ يدعّمونها بها، فتنمو تنميّةً تمكّنهم من الارتقاء بها إلى درجاتٍ قويّةٍ جيّدةٍ.
فما على الأولياء والمربّين إلاّ أن يوجّهوا تلك الخطوات التي يقوم بها الأولاد الوجهة الصحيحة، كي تزيد ذاكرتهم قوّةً، وتنمو بطريقةٍ إيجابيّةٍ أفضل.
فقوّة الذاكرة هي عبارة عن أشعّةٍ كامنةٍ داخل نفس كلّ ولد يخرج إلى هذه الحياة، ودور المربّي هو اكتشافها، وتقوّيتها كي تنير خلايا مخّه، فيعمل بأقصى القدرات التي وهبها له ربّه - عز وجل -.
تجربة من تجارب "جان بياجيه"
وفي إحدى تجاربه التي قام بها العالم السويسري "بياجيه" على مئات من الأطفال من ثقافات ومجتمعات متنوّعة، واجه طفلاً صغيراً بإناءين أحدهما طويلٍ وضيّقٍ، والآخر متّسع وضحل العمق، وكلّ واحدٍ يحتوي على نفس الكمّية من الماء، وقد اكتشف أنّهم كانوا يظنّون أنّه يوجد في الإناء الأطول كمّيةٌ أكثر من الماء عمّا يوجد في الإناء الأقصر المتّسع، ولا يمكن أن نجعلهم يغيّرون من رأيهم هذا، مهما استخدمنا من وسائل لإيضاح غير ذلك.
وفي سنّ السادسة أو السابعة يحدث لنفس هؤلاء الأطفال أن يصلوا فجأةً بشكلٍ تلقائيٍّ إلى تكوين التصوّر القائل بأنّ حجم السائل لا علاقة له بشكل الإناء الذي يحتويه، ويتكوّن فيهم الاعتقاد بأنّ حجمه يظلّ ثابتاً دون تغييرٍ مهما تغيّر شكل الإناء.
وفي تجربةٍ أخرى كان الأطفال حتّى سنّ الخامسة أو السادسة يعتقدون بأنّ عدد القطع النقديّة الموضوعة فوق بعضها البعض تكون أقلّ في كميّتها من نفس عددها الموضوعة في صفٍّ أفقيٍّ. (1/75)
صفحة 76
أمّا عند سنّ السابعة أو الثامنة فإنّ كلّ الأطفال تقريباً يفهمون أنّ عدد القطع لا يتغيّر بصرف النظر عن طريقة ترتيبها، وقد يكون لدى الطفل القدرة الفطريّة على فهم هذه القاعدة العقليّة الجديدة إلاّ أنّه لا يتعلّمها إلاّ من خلال التجربة الواقعيّة التي يقوم بها من الأفعال المتكرّرة، وما يمرّ به من خبرةٍ.
ومن هنا نستطيع أن نقرّر بأنّ التجربة الواقعيّة في البيئة التي ينشأ فيها الولد لها الأثر الكبير في تقوية عقله، وتعزيز تفكيره، فبقدر ما تكون بيئته غنيّة بالمؤثّرات التي تؤثّر في تفكيره يقوى عقله، وبقدر ما تنقص تلك التأثيرات تنقص قوّة عقله في الإبداع والابتكار.
إنّ العوامل الفطريّة الكامنة في هذا الكائنٍ البشري تكتشف وتقوى بالخبرات التي يمرّ بها داخل المحيط الذي يكبر فيه، والأمّ هي المسؤول الأوّل في جلب انتباه ولدلها نحو تلك الخبرات وتقويتها في تفكيره كي تؤثّر فيه تأثيراً إيجابيّاً، فيتطوّر عقله بسرعة، ويتعلّم كثيراً من الخبرات التي تنمّي عقله، وتنوّع له تفكيره، وليس هناك شيءٌ يقوّي العقل مثل تنوّع التفكير.
قصّة ولدٍ
يروي "توني بوزان" في كتابه "تحكّم بذاكرتك" قصة لا يصدّقها كثيرٌ من الناس، وهي لتلميذٍ فشل في اجتياز عددٍ من المستويات الأولى من الدراسة، وترك المدرسة وعمره ستّة عشر عاماً، وقال عنه مدرّسوه: إنّه لن يحقّق أيّ شيءٍ.
وفي النهاية أصبح بطل العالم في الذاكرة، وربّما كثيرٌ من الناس لا يصدّقون هذه القصّة، ومع ذلك فإنّها حقيقةٌ واقعيّةٌ.
ومن هنا نستنتج بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد وهب لكلّ إنسانٍ جهازاً، به يستطيع أن يصبح ذكيّاً عبقريّاً، وهذا إذا ما وجد الظروف المناسبة، كما توفّر لهذا الشخص الذي استطاع أن يصبح بطل العالم في الذاكرة بما داوم عليه من التدريبات المتواصلة.
فقد قال في نفسه: (1/76)
صفحة 77
«إنّ لي عقلاً مثل أيّ إنسانٍ في هذا الكون، فإن كان يستطيع أيّ إنسان أن يقوم بعملٍ معجزٍ، فلا بدّ أنّ هناك طريقةً أستطيع أن أقوم بها بمثل ما يقوم به، فشرعت في تدريب نفسي «.
فأنا أقول لكلّ أمٍّ نصوحٍ أنّه ما دام الله - سبحانه وتعالى - قد وهب لولدها جهاز ذاكرةٍ مثل أيّ ذكيٍّ، أو ذكيّةٍ، إذن فلماذا لا تصنع من ولدها معجزةً ذكيّةً وقويّة الذاكرة، بتربيته التربية الصحيحة الإيجابيّة، وبتدريبه التدريبات اللازمة لذلك.
فالأمّ هي التي تمنح لولدها المزايا الكثيرة لتدريب ذاكرته، حيث تمنحه ثقة أكبر بنفسه، وتحكّماً متزايداً في خياله، وقدرةً إبداعيّةً متطوّرةً، ومهاراتٍ إدراكيّةً واسعةً، وهذا ما يضمن له مستوى أعلى من قوّة الذاكرة.
إنّ الأمّ الذكيّة التي تعلّمت مهارات تقوية الذاكرة، تستطيع أن تجعل حفظ المعلومات عبارة عن متعةٍ، وذلك بتعليم ولدها مهارات تقويّة الذاكرة منذ نعومة أظفاره، وتوسيع عمليّة تطوير ذاكرته لتصبح عمليّة الحفظ والاستيعاب عبارة عن هويّة يتقنها، ويتعلّق بها تعلّقا قويّا.
قاعدة
نستطيع أن نجعل الحفظ لدى الولد عبارة عن متعةٍ
ومن هذه المعلومات نستنتج أنّ الأمّ التي تتسلّح بالمعرفة الخاصّة بمبادئ التربية الصحيحة والخاصّة بتنمية ذاكرة ولدها تستطيع أن تبلغ به أعلى الدرجات، وذلك بتقوية حواسّه، وسوف تثبت أنّ ذاكرة ولدها هي أفضل بكثيرٍ من فكرتها عنها.
إنّ تدريبات ذاكرة الولد تشبه في أهمّيتها التمرينات الرياضيّة المختلفة التي يرشد إليها الأطبّاء لتقوية عضلات جسم الولد، فكلّما درّبت الأمّ ذاكرته، كلّما نمت العضلات المخّية الخاصّة بالذاكرة والإبداع. (1/77)
صفحة 78
ويضع علماء الذاكرة معادلةً ذهنيّةً جديدةً توضّح أنّه إذا ما قمنا بوضع طاقةٍ معتبرةٍ في تنمية ذاكرة الولد وتدعيمها، فإنّنا لن نتحصّل فقط على ذاكرةٍ ممتازةٍ، بل على قدراتٍ إبداعيّةً لا نهائيّة، وكلّما دربّنا ذاكرته على أساليب التذكّر، كلّما اتّسعت الذاكرة الطبيعيّة والعادية لديه.
الفصل الرابع
نموّ مخّ الولد
تعلّم الجنين وهو في بطن أمّه
إنّ فكرة إمكانيّة تعلّم الجنين وهو في بطن أمّه تعدّ نتيجة لإمكانيّة تقويم سلوك الوالدين وبناء شخصيّتهم بناءً جيّداً قبل وأثناء الحمل، فالمسؤوليّة ملقاة على عاتقهما خاصّة الأمّ، لأنّ الجنين في الحقيقة يحيا في بطن أمّه حياةً بشريّةً خاصّةً، لذلك يجب على الأمّ الحامل أن تتعلّم وتطّلع على مثل هذه المعلومات في وقتٍ مبكّرٍ، والتي تؤكّد وجود ترابط بين مشاعرها ومشاعر جنينها.
لقد صدق الحكماء حين قالوا:
«إنّ تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عاماً، وذلك بتربيّة أمّه، فالأمّ هي المدرسة الحقيقيّة، وشخصيّة الأمّ تنعكس على شخصيّة الأبناء تلقائيّاً، فإذا كانت سويّةً، كانت شخصيّاتهم قويّةً طيّبةً، أمّا إذا كانت غريبة الأطوار، فإنّ شخصيّاتهم ستصبح ضعيفةً معقّدةً «.
والحقائق العلميّة تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ شخصيّة الإنسان تتحدّد داخل الرحم، وهذا ليس بسبب العوامل الوراثيّة فقط، بل بسبب العوامل البيئيّة المحيطة بالأمّ الحامل، التي تؤثّر إيجاباً، أو سلباً على تكوين عقل وجسم ونفسيّة الجنين، وهي عوامل تنشأ من تعامل الوالدين مع بعضهما ومع ذلك المخلوق الضعيف الذي لا حول له ولا قوّة.
وجهل الأمّهات بتربية أولادهنّ قبل وبعد ولادتهم يجعلهم ينشؤون نشأةً غير صحيحةٍ، ويحيون حياةً فكريّةً غير طبيعيّةٍ. (1/78)
صفحة 79
لقد أشارت دراسةٌ من الدراسات إلى أنّه من بين 250 شخصاً يوجد أربع حالاتٍ فقط للذكاء الوراثي عن الأب، أو الأمّ، أمّا بقيّة الحالات فتلعب التربية فيها دوراً كبيراً.
يقول العالم النفساني السويسري "جان بياجيه":
«إنّ عقل الطفل يتميّز بالنشاط والإيجابيّة منذ الطفولة المبكّرة، فهو يجاهد منذ نعومة أظفاره لكي يفهم هذا العالم المعقّد الذي يجد نفسه فيه، وهو لا يعلم عنه شيئاً «.
ألم تتكرّر نصائح الأطبّاء للأمّ الحامل أنّ عليها أن تكون مستقرّةً عاطفيّاً أثناء فترة الحمل، وأنّ الاختلال العاطفي والمشكلات الزوجيّة في تلك الفترة تؤثّر تأثيراً مباشراً في نموّ جنينها العضوي والعاطفي، لأنّها تسقيه مختلف المشاعر بواسطة الحبل السرّي، تماماً مثل الطعام والشراب.
إنّه كان ملتصقاً بها جسميّاً ونفسيّاً وروحيّاً، فلو انقطعت الحياة عن الأمّ ـ لا قدّر الله ـ فإنّه سيموت مباشرة بالتبع، فهي تؤثّر فيه جسميّاً ونفسيّاً، بل حتّى من ناحية القدرات العقليّة.
في عام 1977 تمّ اختراع آلة إلكترونيّة في معهد ـ كاليفورنيا ـ للتكنولوجيا، خاصّة لقياس توالد الخلايا وتواصلها فيما بينها بالأعصاب التي تربط بينها لأجنّة الثديّيات، وهي تطلق نبضاتها لبعضها البعض، صانعة الاتّصال وهي في الأرحام.
وقد أكّدت النتائج أنّ تنميّة العقول تتمّ من خلال طفراتٍ عقليّةٍ تنمو خلالها الوصلات العصبيّة، فإذا تصوّرنا ملايين الوصلات التي يحتاج المخّ لتكوينها، فإنّ النظريّة القديمة التي تفيد بأنّ عدداً أقلّ من الوصلات يتمّ تكوينها داخل الرحم غير صحيحةٍ، والجديد هو أنّ محتويات الجينات بدأت في العمل منذ أن كان الولد جنيناً في رحم أمّه.
كيف يولد الولد (1/79)
صفحة 80
يولد الطفل مزوّداً بأجهزةٍ معيّنةٍ كالجهاز العصبي الذي يحدو به إلى التعرّف بعالمه الجديد الذي خرج إليه، ويحاول بقدراته القليلة المحدودة التي يملكها أن يتلاءم معه، وأوّل عنصرٍ يلتقي به هو أمّه الحنون الرؤوم، وهذا العالم الجديد يؤدّي إلى استثارة مختلف الغرائز التي زوّده بها ربّه - عز وجل -.
والشيء المهمّ في هذا الكائن الصغير هو أنّ تلك الغرائز الكامنة فيه قد جعلها الله - سبحانه وتعالى - قابلةً لأن تنمو وتتعدّل وتتهذّب.
قاعدة
كلّ ولد قد خلق الله - سبحانه وتعالى - فيه غرائز نفسيّة تؤهّله لأن يكون ناجحاً
فالأمّ هي العنصر الأوّل في هذه الحياة القادر على تنمية غرائز الطفل، وتعديل اهتماماته، إمّا إلى الخير، وإمّا إلى الشرّ، فما عليها إلاّ أن تستغلّ تلك القوى الحافلة بأنواع الاستعدادات في ذلك الكائن الحيّ، حيث لا يستطيع أن يميّزها هو من نفسه، فهي مصدر خيره وشرّه وسروره وراحته.
فالطفل يعيش في الشهور الأولى من حياته في محيط متدفّق من الأحاسيس المختلفة المتلاطمة، ثمّ يبدأ بالتدريج في اكتساب إدراك لنفسه كشخص منفصل عن بيئته، وإدراك الطفل لأمّه كمصدر راحة أو ألم، يؤثّر إلى حدّ ما في علاقاته مع من حوله من البشر الذين يتّصل بهم في حياته المقبلة.
وقد استنتج الخبراء التربويّون وأطبّاء الأعصاب والذاكرة من دراساتهم المختلفة بأنّ العلاقة بين تعلّم الولد ودماغه علاقةً وثيقةً أساسيّةً، وأنّ إمكانيّة إثراء خبراته من خلال التدريبات الخاصّة، ومن التغييرات التي تقع في محيطه تصل به إلى أعلى درجات الذكاء والحفظ، فما على الوالدين إلاّ أن يهيّئاه لمواجهة هذا العالم الجديد الذي جاء إليه، ويكتشفا ميوله الطبيعيّة، كي يصلوا بتفكيره إلى أعلى الدرجات الممكنة. (1/80)
صفحة 81
على الأمّ أن تعلم بأنّ دماغ الولد يتعامل مع الأفكار ومع العواطف، وتوجد فيه مراكز للخوف والتوتّر والعواطف، وهذه المراكز يمكن أن تُقوي، أو تُضعف ذاكرته، لذلك يجب تنشيط تلك المراكز التي تساعد على التعلّم.
وذاكرة الطفل تتأثّر بحالته الجسميّة وما يحيط به، لذلك يمكن للأمّ أن تتحكّم في طعامه وشرابه ولعبه، وبما يحيط به من إضاءة وأماكن الجلوس ودرجة الحرارة والتهويّة كي تنمّي له ذاكرته.
وقد بيّنت الكثير من الدراسات الطبيّة والنفسيّة والتربويّة تأثير الموّرثات في مستوى الذاكرة لفرع من فروع المعرفة، وإذا وجدت تلك الموّرثات التي يملكها كلّ طفل من يهتمّ بها، وينمّيها، ويطوّرها، فسوف تؤدّي دورها أداءً حسناً في حياة الولد.
وقد ينظر بعض ممّن يحيط بالمولود الجديد الذي عمره يوم، أو يومان، أو شهر، أو شهران أنّه صغير جدّاً، ولا يدرك شيئاً ممّا يقع حوله، في حين أنّ ذاكرته قد بدأت بالتسجيل قبل أن يخرج إلى هذا العالم الخارجي، أي عندما كان في بطن أمّه.
فالولد يقبل بارتياح ما تمليه عليه، وما تغرسه فيه، وإنّ ممّا يسهّل على الأمّ توجيه وتنمية قدرات ولدها أنّه يعدّها مصدر كل خير يأتيه، لأنّها تمدّه نظير ذلك بالغذاء وبالملذّات، وما دام كلّ شيء يحبّه الطفل يأتيه من مصدرٍ واحدٍ، وهو جهة الأمّ، فإنّه يتقبّل بكلّ سرورٍ واقتناعٍ كلّ سلوكٍ يأتيه من جهتها.
لذلك فكلّما أحاطت الأمّ ولدها بالأشياء، وتعاملت معه بكلّ فرح وسرور، فهي تساعده بشكلٍ كبيرٍ لا يعلمه إلاّ الله - سبحانه وتعالى - على نموّه وجدانيّاً وعقليّاً، لأنّ ذكاءه ينمو ويتطوّر باستخدامه لقدراته الموروثة في اختبار الأشياء، وفي تعلّم عناصر اللغة البسيطة، وذكاؤه سيتكوّن باستثارة عناصر أسرته للانفعالات في عالمه الصغير. (1/81)
صفحة 82
والأمّ الحكيمة التي تريد تنمية ذاكرة ولدها، لا تدع ولدها يتحكّم فيها، أو في رغباته الملحّة، بل تغرس فيه الشغف بالعالم الخارجي، وتشجّعه على الاتّصال به، فيكون مثل هذا الطفل واسع الاطّلاع على عالمه الخارجي، وبذلك يكتسب الشجاعة في مواجهة صعاب الحياة أثناء نموّه، وتلك الصعاب هي التي تذكي مواهبه، وتكسبه المرونة الوجدانيّة.
وكلّما ارتقى استقلال الطفل يشعر بارتياح النفس، ويزداد شعوره بأنّه شخص ذو قيمة، يملك قدرات ومهارات، فيزيد اهتمامه واشتغاله بها، كما يزيد من الأعمال الحسنة التي تجلب اهتمامات الآخرين من حوله، ويظهر أهميّته بما ينجزه من النشاطات المختلفة، وما دامت تلك النشاطات دائمة التغيير، فهي تزيد من خبراته، وتزيد من قوّة ثقته بنفسه، بأنّه قادر على تحقيق أعمالٍ عظيمةٍ منذ صغره.
ولا ريب أنّه إذا ما أتيح للولد نوعٌ من الاستقلاليّة، فسوف نبني فيه نوعاً من العزّة بذاتيّته، ويشعر من خلال ذلك أنّه يملك قوى تفكيريّة، يجب عليه أن يستعملها، وينمّيها كي يرقى وينجح ويتفوّق.
ما يبدأ به الولد
السؤال الأوّل الذي يجب أن تطرحه الأمّ:
ــ كيف ينمو مخّ الولد منذ بداية حياته الغامضة؟
ــ بل أقول للأمّ اسألي عن نموّ مخّه حتّى قبل خروجه إلى هذه الحياة؟ حين يكون جنيناً في بطنها.
ــ كيف يقطع العقل مسيرة نموّه؟ إلى أن يصل صاحبه إلى المرحلة المعقّدة في سنّ البلوغ والرجولة.
ــ محاولة فهم لعبه، وسلوكاته التي يتعامل بها مع الكبار من حوله.
ــ فهم حاجاته الجسميّة والاعتناء بها، كي تلبّيها له بأحسن طريقة.
ــ فهم الناحية الصحيّة فهماً جيّداً، لأنّ لها تأثيراً إيجابيّاً، أو سلبيّاً على مخّه وتفكيره وسلوكاته.
ــ معرفة مواعيد تغذيّته معرفةً جيّدةً، لأنّ لها تأثيراً عجيباً على تعلّم السلوكات التي سيقضي بها حياته في هذه الدنيا. (1/82)
صفحة 83
ــ معرفة مواعيد نومه واستيقاظه، وتعدّ فترة النوم من الوقت المهمّ لنموّ خلايا مخّه، وأن تفرّق بين النوم الصحّي وغير الصحّي.
ــ أن تعلّمه كيف يقضي حاجته، ويتخلّص من تلك الفضلات التي تؤثّر على نموّ كامل أجزاء جسمه، والمخّ جهاز من أجهزته.
ــ مراقبة حركاته واهتماماته في كلّ يوم، كي تشجّعه على الحسنة منها، وتوجّهه إلى ترك السيّئ.
وباطّراد نموّ الولد تبدو مظاهر جديدةً تدلّ على أنّ مخّه بدأ ينمو حقيقةً، وتفكيره بدأ يتغيّر مرحلةً بعد مرحلةً، ويختلف الأولاد اختلافاً كبيراً في سرعة حلول تلك المظاهر، فلذلك على الأمّ الذكيّة المهتمّة أن تراقب تغيّرات ولدها مراقبةً مركّزةً لتعرف إن كان نموّه طبيعيّاً، أم لا، وهل هو في تغيّر، أم لا، فمن الأطفال من يبطئ في إظهار الميل لاستطلاع ما حوله من مثيراتٍ، وفي معرفته لأمّه وأبيه.
ــ كما أنّ قليلاً من الأمّهات ينتبهن إلى انفعالات الولد وهمومه، ويحاولن أن يفهمنها فهماً جيّداً موضوعيّاً.
ــ أن تعلم الأمّ أنّ الانفعالات والاضطرابات تؤثّر على إفراز الهرمونات، والتي تؤثّر بدورها في نموّ مخّه وجسمه، لأنّ تلك الاضطرابات والانفعالات تجعل تلك الهرمونات غير متوازنةٍ، فلا ينمو نموّاً طبيعيّاً متوازناً.
وقد توصّل الخبراء بأبحاثهم المختلفة إلى اكتشاف أنّ الغدد التي في الجسم تؤثّر في نموّ مختلف أجهزة الجسم، وفي التعبير عن الانفعالات، وفي السرعة والاشتياق اللذين يتمّ بهما تلبية الغرائز البسيطة، والأطفال الذين تكون لديهم غدد مرتبكة في عملها، ينشأ فيهم شذوذٌ في نموّهم، فالولد ذو الغدد الدرقيّة الضعيفة مثلاً ينشأ مشوّه الخلق خاملاً غبيّاً، كما أنّ هناك غدداً أخرى إذا حدث في تركيبها مرضٌ، أسرع نموّ الولد إسراعاً شديداً. (1/83)
صفحة 84
ولا شكّ أنّ معرفة الأمّ للمعلومات المهمّة فيما يخصّ نموّ الولد، وقدرته على معرفة الوجوه المألوفة، وشعوره بنظام طعامه ونومه، يعدّ أوّل خطوةٍ في تربيته، ومن المعروف أنّ البنات يسبقن البنين في نموّهن سبقاً غريباً.
نعم إنّ الأمّ لا تخلق ذكاء رضيعها، ولكنّها بلا شكّ توجّهه وتعطيه الصبغة الوجدانيّة التي يصطبغ بها في النهاية، فعمل الأمّ يتلخّص في مساعدتها للطبيعة في تنظيم النشاط التلقائي للولد، حتّى يسود التوافق الطبيعي في حياته، أمّا إذا اختلّ عنده هذا النظام، فإنّ طبيعته تثور، ويثور معها الطفل عقليّاً وجسديّاً.
وتلك السنوات الأولى من تربيّته هي المرحلة التي ترتكب فيها الأمّهات أخطاءً كثيرةً فيما يخصّ تنمية ذاكرته، ويترتّب على ذلك تذبذب سلوك استيعابه وحفظه في المستقبل، وبخاصّة تلك الانفعالات التي تبديها الأمّ أثناء إرضاعه، فهي تحدث اضطراباً في حياته الفكريّة.
وتلك الاضطرابات الذي يحدثها الوالدان في حياة الولد لا يقف أثرها عند حدّ إحداث التذبذب فيه فحسب، بل يتعدّاه إلى حياة المجموعة كلّها، وبهذا نستنتج أنّ كثيراً من عيوب الذاكرة ومشكلاتها يرجع إلى تصرّفات الأمّهات اللاتي لا يحاولن فهم كيفيّة معاملة أولادهنّ وتربيتهم تربيةً تحافظ على تنمية ذاكرتهم وتقويتها والمحافظة على أدائها.
الولد يبدأ بالانتباه إلى الأصوات
لقد أجريت دراساتٌ في جامعة ـ إدينبرج ـ أظهرت أنّ الولد يبدي ردود فعلٍ إيجابيّةً لنبرات الصوت البشري، وقد تمّ استخدام أفلام عاليّة السرعة لتصوير حركات حديثي الولادة، وحين تمّ ملاحظة الصور بطريقةٍ بطيئةٍ، صورة تلو الأخرى، ظهرت إيماءاتٌ خفيفةٌ أبداها الوليد في اللحظة التي تكلّم أو صاح فيها الأب، أو الأمّ، ولكن الأصوات الصادرة عن مصادر أخرى غير بشريّةٍ لم يكن لها نفس درجة الاستجابة لديه. (1/84)
صفحة 85
وهذا يبيّن أنّ هناك بعض المهارات اللغويّة كان قد تعلّمها الجنين داخل الرحم، حيث كان يسمع دقّات قلب أمّه، وهو ينبض محدثاً في نفسه تأثيراً ملطّفاً ومهدّئاَ.
كما أظهرت تجربة أخرى أجراها الدكتور "توم باور" في جامعة إدينبرج على إدراك الولد، اكتشف فيها أنّ المولود الجديد يستشعر الأبعاد الثلاثة للعالم منذ ولادته، وقد استخدم "باور" في هذه الدراسة آلاتٍ بصريّةً دقيقةً تجسّم أشكالاً مصوّرةً أمام عينينه وكأنّها أشياء حقيقيّةٌ معتمداً في ذلك على ظاهرة الخداع البصري.
وكانت نتيجة تلك الدراسة أنّها أظهرت الأولاد ـ بما في ذلك المولودين حديثاً ـ يمدّون أيديهم في الفراغ للإمساك بذلك الشكل، ويبدؤون بالبكاء حينما لا يقبضون على شيءٍ.
كما أظهرت تجربةٌ أخرى في جامعة ـ إدينبرج ـ أنّ الرؤية والصوت يتكاملان فيما بينهما لدى المولود، غير أنّه كان ينتبه إلى الصوت أكثر من الصورة، حيث يدير المولود رأسه في اتّجاه الصوت، خاصّةً صوت أمّه، لذلك فعليها أن تهتمّ بحاسّة السمع، أكثر وأكثر، لأنّها تعدّ أكبر طريقٍ للتعلّم، ولأنّ ذلك ينشّط ويقوّي فيه الذاكرة السمعيّة التي هي أوسع الذاكرات.
بالإضافة إلى ذلك، يستطيع الولد حديث الولادة أن يتعرّف على الوجه البشري، فقد أجرى الباحث {روبرت فرانز} من جامعة ـ ويسترن ريزرف ـ في كليفلاند، تجربته، حيث عرض على ولدٍ عمره أسابيع وجهاً بشريّاً وصفحةً من مجلّة ودوائر ملوّنةً، فوجد أنّه يفضّل الوجه البشري.
لذلك فالأولاد الصغار ممّن يوجّه لهم الحديث العادي الغنيّ بمفردات ذات معنى، بدلاً من الهدهدة والتدليل بأصوات لا معنى لها، تكون فرصتهم أكبر لالتقاط اللغة، كما أنّ ذاكرتهم تسرع في النموّ وتتحسّن أكثر من غيرهم. (1/85)
صفحة 86
وقد قام "أرون شتيرن" عام 1952 بتجربة مع ابنته بكلّ وعيٍ حيث كان يتحدّث إليها أطول فتراتٍ ممكنةٍ من الوقت، ولم يهتمّ كثيراً بالهدهدة والتدليل، كما يفعله كثيرٌ من الأولياء مع أولادهم، ويعرض عليها صوراً ثقافيّةً متنوّعةً للحيوانات، وغيرها، فكانت النتائج إيجابيّةً مفيدةً جدّاً لتنميّة ذاكرتها وتقويتها.
عقل الولد
لو أنّنا سألنا أحد علماء النفس منذ مائة سنة عن كيفيّة عمل عقل الإنسان، لكان جوابه مبنيٌّ على التجارب التي أجراها الخبراء على عقول الراشدين، وعن قوّة عمل الحواسّ وتلقّيها لمختلف المعلومات، كما يربط إجابته على ما يراه من نتائج تفكير الناس في واقع الحياة.
وربّما القليل جدّاً منهم من يجيب عن كيفيّة عمل عقل الولد، وكيفيّة بنائه وتكوينه وتنميته، وربّما لا يجيب ولا أحد منهم بأنّ عقل الولد يتكوّن في قوّته، وفي ضعفه وهو في بطن أمّه، وهذا هو ما اكتشفه العلم في السنوات الأخيرة.
وعقل الطفل وسلوكه ما يزالان يسبّبان حيرةً دائمةً لكلّ من تجمعهم به صلةٌ، سواء أمّه، أو خبراء علم نفس الطفل، ولكن مع انتشار مراكز رعاية الطفل في مختلف أنحاء العالم لمعاونة الأمّهات في تربية أولادهنّ، وفهم صحّتهم، والعناية بأجسامهم، كي ينشؤوا تنشئة معتدلة متوازنة، ازدادت الاكتشافات وتطوّرت طرق معرفة بناء المخّ بطريقة جيّدة وإيجابيّة، وما زال في الموضوع غموضٌ.
لقد أصبح كثيرٌ من خبراء علم النفس يربطون ضعف تكوين ذاكرة الولد بحالته الجسميّة، وبحالته النفسيّة، كما يعزون سوء صحّته في كثيرٍ من الأحيان إلى سوء التغذية الخاطئة، وخاصّةً النقص الذي يكون في لبن الأمّ، وأنّ صحّته العقليّة ناتجةٌ من سعادته النفسيّة. (1/86)
صفحة 87
ولا بدّ أن نشير إلى أنّ السعادة النفسيّة لدى الولد ترتبط ارتباطاً أساسيّاً مع سعادة نفس الأمّ، فهي ترضع وليدها تلك الحالة النفسيّة مع لبنها، كما أنّ حالتها النفسيّة تؤثّر فيه تأثيراً إيجابيّاً، أو سلبيّاً، عندما يكون جنيناً في بطنها.
ولا يوجد شيءٌ مزعجٌ للوالدين أشدّ من أن يولد لديهم ولدٌ متأخّرٌ ذهنيّاً، لأنّهم يرون فيه إزعاجاً لهم، وللأمّ خاصّةً، حيث يأخذ من حياتها اليوميّة أوقاتاً لا حدود لها، ويتعبها تعباً كبيراً، ولقد اشتغل علماء النفس زمناً طويلاً بدراسة الكيفيّة التي ينشأ بها الولد ضعيفاً عقليّاً.
وليس من الغريب أن يتساءل الإنسان منذ القديم عن كيفيّة بناء هذه القوّة التفكيريّة التي هي أساس بناء حياةٍ إيجابيّةٍ ناجحةٍ.
وقد اكتشف الخبراء أنّ النموّ العقلي للولد يتأثّر كذلك بالعوامل الخارجيّة، تماماً كما يتأثّر بالعوامل الداخليّة الموروثة التي يحملها داخل جسمه ونفسه، عندما يخرج إلى هذا الكون، فالبيئة والوراثة يتكاملان، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر أبداً، كما لا يمكن الفصل بين الصفات الجسميّة والعقليّة.
فشخصيّة الولد التي يحملها داخل نفسه وحدةٌ لا تتجزّأ، فما نسمّيه العقل والتفكير هما الجهود الدقيقة التي يبذلها لبناء التوافق بين قدراته وبين حاجاته المتغيّرة، وكلّ الأفعال غير المهذّبة التي تصدر من الولد، تهذّب تهذيباً دقيقاً بما يجابهها من توجّهات المجتمع، وبذلك تتكوّن فيه التوجّهات التي سترافقه في مسيرة حياته.
فالمربّون يؤمنون أنّ لكلّ طفلٍ ميزةً تميّزه عن الآخرين، وأنّ هذا التميّز يكون نتيجة تفاعلٍ لا واعٍ بين البيئة وعوامل الوراثة.
لذلك يهتمّ علماء التربية اهتماماً كبيراً بتوفير بيئةٍ صالحةٍ طاهرةٍ، كي يتربّى الولد على التقليد، ويوفّروا جهداً كبيراً في تربيته التربية الجيّدة. (1/87)
صفحة 88
فكلّ من الوالدين وعناصر المجتمع ذو أثرٍ هامٍ، إيجابيّاً، أو سلبيّاً في النموّ العقلي للولد، فهو يولد مزوّداً باستعداداتٍ كامنةٍ، تستثار وتشكّل بتأثير الوالدين في ذاته، وخاصّةً الأمّ، وبكيفيّة تلقّي الولد لذلك التعامل الذي يجده منهم.
وعقل الولد وتفكيره يتكوّنان مع كلّ نفسٍ يتنفّسه، ومع كلّ حركةٍ يقوم بها من حوله، وانفعالاته وردود أفعاله تترسّخ في نفسه مع كلّ اتّصالٍ إنسانيٍّ، ومن الصفات العقليّة اللازمة لحياته الاجتماعيّة أنّه يحاول أن يدرك منذ صغره ما يجري حوله.
يقول "بياجيه" إنّ التربية الاجتماعيّة هي التي تؤهّل الولد جسميّاً وعقليّاً وروحيّاً، ويرى أنّ أجهزة الطفل يقوم بناؤها وتكوينها من الأنشطة الاجتماعيّة التي يتأثّر بها في سنواته الأولى، ولا تتفتّح تلك المفاهيم إلاّ داخل المجتمع.
النموّ السريع لمخّ الولد
يتميّز عقل الرضيع بفترة نموٍّ مبكّرةٍ، كما تتميّز تلك الفترة بكثافة نشاط الجهاز العصبي، حيث تتشكّل توصيلات الخلايا بسرعةٍ فائقةٍ.
ويستغرق جهاز الذاكرة مدّة نموٍّ أطول من أيّ جهازٍ جسميٍّ آخر، كما أنّ كيفيّة نموّه تختلف بشكلٍ كبيرٍ عن كيفيّة نموّ وتطوّر باقي أجهزة الجسم الأخرى، سواء كان الجنين في بطن أمّه، أو عندما يخرج إلى هذا الوجود.
ففي خلال السنوات العشر الماضيّة أكّدت الأبحاث والتجارب التي تعتمد على نتائج علميّةٍ أنّ المخّ يبدأ في بناء الوصلات التي تربط بين الخلايا عندما يكون الجنين في بطن أمّه، وقد اكتشف الخبراء بأنّ ذلك يقع باستخدام تلك الخلايا لإشارات متلاحقة بعد ثمانية أسابيع من بداية الحمل تقريباً.
ونتيجة لهذه التجارب المتواصلة اكتشف الخبراء بأنّه خلال الأسابيع الخمسة للحمل تتشكّل غالبيّة الخلايا العصبيّة، ويستمرّ النموّ بعد الوضع لمدّة سنتين، وتعدّ هذه المرحلة فترة نشاطٍ مكثّفٍ لخلايا المخّ، حيث يتمّ ترتيب الموصلات، كما يتمّ ضبطها وتوسيعها. (1/88)
صفحة 89
ولابدّ من تنبيه الوالدين والأمّ خاصّةً بأنّ هذا الضبط والتوسعة، وهذا التواصل المكثّف بين خلايا الدماغ يتمّ بواسطة المثيرات والمنبّهات المختلفة التي يتعرّض لها الصغير بواسطة محيطه الذي ينشأ فيه، فلينظر الوالدان ما مقدار المثيرات التي يوفّرونها لأولادهم، وما هي نوعها، كي يعلموا ما مدى نموّ وتطوّر هذا الجهاز عندهم.
فعند الميلاد يبلغ المخّ ربع وزنه الذي سيكون عليه، عندما يبلغ الإنسان سنّ الرشد، ثمّ يزيد ليبلغ نصف وزنه، عندما يبلغ ستّة أشهرٍ، وثلاثة أرباعٍ في سنّ سنتين ونصف، و90 % عند بلوغ الولد سنّ خمس سنوات.
وتقوية مخّ الولد يتأثّر بعدّة دوافع، جسميّةٍ ونفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ، فدوافع المرء المتعدّدة هي التي توجّه بناء المخّ وتنميته.
والمخّ هو بمثابة خزّان معلوماتٍ، وذلك بفضل خلاياه الكثيرة العدد التي يتكوّن منها، وكلّ ما وضع فيه بطريقةٍ جيّدةٍ سليمةٍ ويصل إليه صاحبه بسهولةٍ في وقت الحاجة إليه.
الطفولة المبكّرة والنموّ العقلي
المخّ هو جهاز التفكير عند بني البشر، والذي خصّهم الله - عز وجل - به دون سائر المخلوقات، يعدّ جهازاً مدهشاً جدّاً، ومعقّداً وغامضاً غاية الغموض، وقدراته وإمكانيّاته لا تقدّر.
يعدّ الخبراء مرحلة الطفولة المبكّرة من أسرع المراحل في النموّ العقلي لدى الكائن البشري، وتشهد هذه المرحلة مجموعة من التغيّرات الهامّة التي تطرأ على الولد، مثل التحكّم في عمليّة الإخراج، وزيادة الميل إلى الاستقلال بنفسه في كثير من الأشياء، ثمّ النموّ السريع في تعلّم اللغة والكلام، ومعرفة بعض المفاهيم الاجتماعيّة.
لقد فطر الله - سبحانه وتعالى - مخّ الولد على أن يكون في نموّ مطّرد في مرحلة الطفولة المبكّرة، كما جعله يعمل سبعة أضعاف عمل المخّ في السنوات اللاحقة من حياته، وذلك كلّما وجد الجوّ المناسب الجيّد للتعليم الجيّد. (1/89)
صفحة 90
كما تعدّ طمأنينة نفس الولد من الأسس اللازمة والضروريّة في بناء ذاكرة الولد، لأنّ ذلك يقلّل من إفراز هرمون الكورتيزول الذي يؤثّر في المناطق الحسّاسة الخاصّة بالذاكرة والتركيز والتعلّم، إذا ارتفع لمدّة طويلة.
ويترك هذا الهرمون بصماته السلبيّة على الدوائر العصبيّة التي هي في بداية التكوّن في مرحلة الطفولة المبكّرة، ممّا قد يصيبه بكثير من الأعراض، مثل القلق والاكتئاب وعدم التركيز، وهذه كلّها من الأسباب التي تؤثّر تأثيراً سلبيّاً في بناء الذاكرة.
وفي هذه المرحلة ينمو وعي الولد بالانفصال والاستقلاليّة، لأنّ ذاته تزداد نموّاً، وتزيد الفوارق في الشخصيّة وضوحاً، فتصبح واضحة المعالم في نهاية المرحلة، فهو لم يعد ذلك الصغير الذي كان يحمل بين الذراعين وفوق الكتف، ولم يعد ذلك الذي كان يحبو على ركبتيه، عند انتقاله من مكان إلى آخر.
فقد أصبح قادراً على الوقوف على قدميه والتحرّك بواسطتهما من مكان إلى آخر، مستكشفاً ومنقّباًَ عن كلّ ما في محيطه في اهتمام واضح، فهو يخاطر في بعض الأحيان لكي يصل إلى أماكن يريد أن يطّلع على ما فيها، وكلّ ذلك بإرادة منه ليفتح لنفسه آفاقاً جديدة للمعرفة، وفي هذه الفترة يتعرّف على خواصّ الأشياء وعلاقة كلّ منها بالآخر.
فهو مستكشف صغير لمحيطه الذي يعيش فيه، لأنّه في هذه المرحلة يجد نفسه توّاقة للاتّصال بالعالم المحيط به، والتعرّف عليه ومكوّناته، خاصّة وقد أثبتت التجارب في هذا الميدان بأنّ مثل هذه الاكتشافات المتواليّة تولّد لدى الطفل شعوراً باللذّة، أكبر ممّا تولّده عند الكبير.
قاعدة
المخّ البشري يشعر بالفرح والانتشاء بعد تحقيق كلّ عمل من الأعمال
وفي هذه المرحلة يعتمد الطفل على الأسئلة لإشباع حبّ الإطّلاع الكبير لديه، فهو يكثر من الاستفسارات الموجّهة لمن يحيط به من أفراد أسرته، خاصّة أمّه، كي يعرف المزيد عن العالم الذي جاء إليه، وهو غريب فيه. (1/90)
صفحة 91
فهو يسجّل في ذاكرته يوميّاً ما يقرب من خمسين مفهوماً جديداً، وكلّما اهتمّت الأمّ بأسئلته، ازدادت تلك المفاهيم، لأنّها بذلك تزيد من تنشيط خلايا مخّه، وتقوّي أعصابه، وتملأ نفسه بالطمأنينة والأمان، ممّا يحفّزه إلى الاستزادة من الأسئلة أكثر وأكثر.
وعقل الولد بفطرته متعطّش للمعرفة، ونستطيع أن نسمّيه بالباحث عن المعرفة، وتعدّ المعلومة أحد الشروط اللازمة لبقاء العقل وخلاياه نشيطة عمّالة، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلقها وجعلها دائمة بحاجة إلى غذاء من البيانات والمعرفة لكي يتمّ تفعيلها، ولتجد سبباً وهدفاً يدفعها إلى استخدام الغذاء والأكسجين الوارد إليها.
ويسمّى كلّ نمط من الأنماط التي يزوّد بواسطتها الطفل ذاكرته بالمعرفة، خريطة الفكرة، وقدرة عقل الطفل على صنع تلك الأنماط لا نهائيّة، فما على المربّين إلاّ أن يهتمّوا بما يعلّمونه لولدهم، ويداوموا على بناء تلك الأنماط من التفكير لديه.
قاعدة
عقل الولد بطبيعته يبحث عن المعرفة دون توقّف، أو ملل.
ومع تكرار المربّي للفكرة على الولد تقلّ المقاومة الحيويّة الكيمائيّة لخلايا المخّ، فيسهل على الولد التعلّم، فتتغذّى على أكمل وجه، وخلايا المخّ هي أقوى أداة يمكن أن يستخدمها المربّي، ليدفع الولد لصنع المعجزات، لأنّه بذلك يدرّب عضلاته الذهنيّة، ممّا يغيّر في كلّ مرّة من الطريقة التي يفكّر بها.
قاعدة
المربّي هو المدرّب المباشر لخلايا مخّ الطفل
استمرار النموّ العقلي
ويستمرّ النموّ العقلي لدى الولد في هذه المرحلة المبكّرة بمعدّلات سريعة، فتظهر نماذج من المهارات التي تسمّى بالذكاء العامّ، وإذا ما اهتمّ به المربّي فإنّها تثبت، وتستقرّ بشكل حسن، وتؤتي أكلها في واقع حياته. (1/91)
صفحة 92
وهذه المهارات التي تظهر كثيرة، ومنها الإدراك والتعلّم والذاكرة وحلّ المشكلات، وفي هذه المرحلة المبكّرة يتلقّى الولد بعض المعلومات عن محيطه الذي يعيش فيه، فتتكوّن فيه كثير من المفاهيم والتصوّرات التي ستوجّه له سلوكه في مستقبل حياته.
فعلى المربّي الحكيم أن ينتبه جيّداً إلى ما يتلّقاه الولد من محيطه، ويعرّضه لأكبر قدر ممكن من المفاهيم المعرفيّة المختلفة، وأن يبني في نفسه تصوّرات إيجابيّة حسنة، ويضمن له نموّاً معرفيّاً صحيحاً.
والولد إذا تلقّى معلومة خاطئة في هذه المرحلة، فإنّه يصعب تغييرها فيما بعد، كما أنّ حرمانه من التعرّض لهذه المعلومات والمفاهيم في هذه المرحلة يؤثّر سلباً على النموّ العقلي والمعرفي.
وتؤكّد الدراسات والتجارب المختلفة في طرق تربيّة الولد وكيفيّة حصوله على المفاهيم والتصوّرات قبل المدرسة أنّ تعريض الولد للمثيرات الفكريّة والحسيّة، يكسبه مفاهيم مناسبة كثيرة وينمّي فيه طاقات وقدرات وخبرات تجعله قادراً على أن يتعامل إيجابيّاً مع البرامج المدرسيّة عند التحاقه بالمدرسة.
وعمليّة تكوين المفاهيم عند الطفل عمليّة لها مصادر تتمثّل في بيئته المحيطة به، من الأسرة والأقران، ثمّ يأتي دور المدرسة.
لذلك يمكن لنا أن نعتبر عمليّة تكوّن المفاهيم لدى الولد عمليّة توصية اجتماعيّة تتطلّب الالتقاء بالنماذج الاجتماعيّة الإيجابيّة، كي تمدّه بخبرات هادفة، لأنّ الاقتصار على خبرات شخصيّة محدودة مباشرة يؤدّي به إلى أن يصبح محدود الإمكانات وبطيء النموّ النفسي والعقلي.
وقد أثبت العالم النفساني السويسري "بياجيه" (1)
__________
(1) جان بياجيه: (1896ـ 1980) عالم نفساني سويسري، ولد في نيوشاتل، له مؤلّفات عن نموّ الفكر وتطوّر اللغة عند الطفل، وعن فلسفة العلوم الوراثية. (1/92)
صفحة 93
الباحث في الحياة العقليّة للطفل أنّ عقل الولد يتميّز بالنشاط والإيجابيّة منذ الطفولة المبكّرة، فهو يجاهد نفسه منذ نعومة أظفاره لكي يفهم المحيط الجديد الذي جاء إليه، هذا العالم الذي تتغيّر فيه أشكال الأشياء، وتدفعه إلى الدخول في ذلك التغيير دون إرادة منه.
ولقد وصل "بياجيه" بتجاربه المتواصلة على أبنائه الثلاثة، والتي قام بها في العشرينات والثلاثينات إلى بناء نظريّته عن النمو العقلي عند الولد، فهو يرى أنّ الأطفال يمرّون جميعاً بسلسلة متتابعة من المراحل أو الأطوار، وتبدأ أولى هذه المراحل عند الميلاد، حينما يكون الوليد غير مدرك للعالم المحيط به على هيئة أشياء دائمة، توجد في الزمان والمكان، وتنتهي بين الحادية عشرة والخامسة عشرة.
يقول "بياجيه":
«إنّ الطفل هو المربّي الحقيقي لنفسه، وليس المعلّم «.
وهو يرى أنّ نموّ التفكير لدى الولد يرتبط بشكل وثيق بالمثيرات الواقعيّة، ويستند إلى ما يحيط به، ويحتكّ بذاته، وأنّ التفكير لديه يسير مع التفكير الاجتماعي، والتكوينات الموجودة في عقله تؤدّي إلى نوع من النموّ التلقائي.
لهذا على المربّي أن يكون ملمّاً بحاجيّات الولد التربويّة، والمقوّمات الأساسيّة النفسيّة، بهدف تطوير سلوكاته وتصرّفاته، وتنمية ملكات التعابير العقليّة والروحيّة لديهم، وهذا هو التأثير الإيجابي لعمليّة التربية على الولد.
كما أنّه يمكن لهذه العمليّة أن تؤثّر سلباً على نفسيّة الولد، فتصيبه بمرّكبات النقص والإحباط والإثباط في السنوات الخمس الأولى من عمليّة التربيّة، والتي هي أساس بناء الشخصيّة.
لبن الأمّ وبناء مخّ الولد (1/93)
صفحة 94
إنّ الخلايا المخّية للرضيع تتأثّر تأثّراً مباشراً بالرضاعة الطبيعيّة من أمّه، لذلك ينصح الأطبّاء الأمّهات بالاهتمام بالإرضاع الطبيعي، ومن فوائدها الأساسيّة الربط العاطفي بين الأمّ وولدها، فهي لا ترضعه حليبها فقط، بل ترضعه كذلك حنانها ومشاعرها، وقدراتها العقليّة، ومن أجل ذلك كان العرب في القديم يختارون المرضعات الخيّرات لأولادهم، ويعتمدون في ذلك الاختيار على فصاحة القبيلة ونبوغ عناصرها، لينشأ الولد فصيحاً بليغاً، كما ينظرون إلى سلوكيات أبنائها مثل الشجاعة والكرم والصحّة الجيّدة، ويؤمنون بأنّه لا يرضع منها الحليب فقط، بل ترضعه أخلاقها وقواها العقليّة والنفسيّة والجسميّة.
والحقيقة الواقعيّة التي لا يتطرّق إليها شكٌّ أنّ الرضاعة الطبيعيّة لها أهميّةٌ بالغةٌ بالنسبة للطفل والأمّ، وفيها إنقاذ لحياة الأبناء العقليّة ومستقبلهم الفكري. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}
[البقرة ـ 233]
ولا غرو أنّ لبن الأمّ يحتوي على كلّ العناصر الغذائيّة في صورةٍ متوازنةٍ سهلة الهضم، ولا يحمّل الأسرة أيّة نفقةٍ، وهو متوفّرٌ طوال 24 ساعة يوميّاً، ولا يتطلّب إعداداً خاصّاً، كما يحتوي على بعض الأجسام المناعية المضادّة للعديد من الميكروبات والفيروسات التي تقي الولد من كثيرٍ من الأمراض، وخاصّة منها أمراض الجهاز الهضمي، مثل النزلات المعويّة، وأمراض الجهاز التنفّسي.
ولبن الأمّ معقّمٌ، ويصل إلى الرضيع في درجة الحرارة والتركيز المناسبين له، ويتميّز بسرعة هضمه وامتصاصه، ولا يسبّب أيّ حساسيّةٍ، أو اضطراباتٍ، مثل التي يسبّبها اللبن الاصطناعي. (1/94)
صفحة 95
والرضاعة الطبيعيّة ليست مهمّةً بالنسبة للولد فحسب، بل تساعد الأمّ كذلك على استعادة قوامها السابق، فيرجع لها وزنها وحجمها السابقين للحمل، وتقلّل من كميّة النزيف في الأسابيع الأولى بعد الولادة، كما تساعد على تقلّص الرحم وعودته إلى حجمه الطبيعي، وهي تقيها من الإصابة بأمراض الثدي، ولقد دلّت الأبحاث الطبيّة أنّ سرطان الثدي أقلّ حدوثاً في الأمّهات اللاتي يرضعن أولادهنّ.
فهذا الحليب الذي تُنتِجه الأمّ يمرّ بآلِيّاَتٍ مُعقّدةٍ جدّاً، وخلِيّة الغُدّة الثديِيَّة تمرّ فوقها أوعيّةٌ شعريّةٌ فيها دمٌ -وكأنّها كائن عاقل ـ تختار من بين فَرْثٍ ودمٍ، من بين الكريات الحمراء ومن بين الهرمونات السائلة التي في الدم العناصر الأساسيّة من بروتيناتٍ، وموادَّ دسِمةٍ ومواد شَحمِيّةٍ، ومواد مُقَوّيةٍ، ومعادن، لتكوّنَ منها الحليب، الذي هو غذاءٌ كاملٌ للكائن البشري الصغير الحسّاس.
فالله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي صمّم هذا الثدي لإنتاج هذا الحليب، ثمّ جعل هذا الحليب يتوافق مع حاجيّات جسم الرضيع، ثم أوجد في جسم الرضيع غدداً متنوّعة تهضمه، وأجهزةً معقّدةً، لا يعلم تصميمها إلاّ هو - سبحانه وتعالى -، تستقبل هذا الحليب، وتهضمه، وتمتصه، وتجعله طاقةً، تنمو بها مختلف أجهزته، ومن بين تلك الأجهزة الحسّاسة مخّه.
لقد صمّم بعض الأجهزة في جسم الأمّ تفرز سائلا يُناسب جسد الرضيع الصغير، ويوجد في ذلك السائل هرموناتٌ لا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى -، وخلق في جسده أجهزةً تستقبل ذلك السائل، وجعل توافُقاً عجيباً بين بنيته ومُكوِّنات غِدائه، فأحياناً نقرأ على علبة الحليب:
هذا الحليب متوافقٌ مع السِّن الفلاني.
فهو مدروس بشكلٍ يجعل ما فيه من بروتيناتٍ وشحومٍ وفيتاميناتٍ تتناسب مع عمل أجهزته، ويستفيد منها الجسم استفادةً كاملةً. (1/95)
صفحة 96
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ تلك الهرمونات المتنوّعة الموجودة في لبن المرضع هي التي تجعله يتناسب مع سنّ كلّ خليّة من خلايا أجهزة الجسم.
لبن الثدي ينعش مخاخ الرضّع
إنّ الشيء المؤسف له أنّ عدد الأمهات اللائي يرغبن في إرضاع أبنائهن من أثدائهن أصبح يتراجع تراجعاً كبيراً، وفي دراسة النسبة وجد العلماء بأنّ 60% فقط منهنّ يرضعن أولادهنّ قبل مغادرتهنّ المستشفى، وأنّ 30% فقط يرضعنهم لمدّة ستّة أشهر.
في حين أنّ لبن الأمّ يعدّ أفضل تركيبةٍ للرضّع، وهو يحتوي على أحماض أوميجا ـ 3 الدهنيّة، خاصّة الـ DNA النافع للمخّ بكميّاتٍ متفاوتةٍ، وذلك حسب طعام الأمّ، كما أنّ هذا اللبن الطبيعي يكوّن لدى الرضّع كميّات أكبر من الـ DNA بقشرتهم المخّية عن أقرانهم الذي يتغذّون على الألبان الصناعيّة، ممّا جعل العلماء يعتقدون بأنّ لبن الثدي ينعش مخاخ الرضّع.
وقد أظهرت ثماني دراساتٍ أنّ الرضّع الذين يتغذّون على اللبن الطبيعي يتمتّعون بتقييمٍ أعلى فيما يتعلّق بالتطوّر والنموّ والذكاء عندما أجريت عليهم اختبارات الذكاء في فتراتٍ لاحقةٍ من حياتهم. (1/96)
صفحة 97
وفي إحدى الدراسات التي شملت 300 طفل، قام باحثون بريطانيّون بوحدة DUNN للتغذيّة بكامبريدج بإطعام رضّعٍ لبن الأمّ الطبيعي من خلال أنبوبٍ لتلافي أيّ أثرٍ يحدثه امتصاص الرضيع لثدي أمّه على نتيجة الدراسة، وتجنّب أيّ تسمّمٍ يحدث إذا ما لامس اللبن الهواء الخارجي، وكانت النتائج الأكيدة أنّ الأطفال الذين تناولوا اللبن الطبيعي في مراحل مبكّرةٍ من حياتهم قد حقّقوا نتائج أعلى بما يعادل 8,3 نقاط في اختبارات معدّل الذكاء عند سنّ ثماني سنواتٍ عن أقرانهم الذين أطعموا لبناً صناعيّاً بدلاً من لبن الأمّ، وقد أخذ العلماء في الحسبان في هذه التجربة المستوى الثقافي والاجتماعي للأمّهات، وقاموا بتدقيقٍ بالغٍ، والغرض من ذلك أن يتوصّلوا إلى السبب الحقيقي الذي أدّى إلى هذه النتائج الإيجابيّة، فاستنتجوا أنّ لبن الأمّهات هو السبب الرئيسي في ذلك.
وفي تجربةٍ مماثلةٍ قام بها العلماء في جامعة "هيوستن" تجاه 204 طفلاً في الثالثة من العمر، وكانت أوزانهم طبيعيّةً لدى الولادة، فوجد الأطبّاء أنّ الأطفال الذين رضعوا اللبن الطبيعي قد حقّقوا نتائج أعلى بمقدار 4,6 نقاطٍ باختباراتٍ الذكاء عن أقرانهم من رضّع الألبان الاصطناعيّة.
وفي دراسةٍ بريطانيّةٍ أخرى طويلة الأمد، وجد الخبراء أنّ الرضّع الذين رضعوا اللبن الطبيعي عندما بلغوا سنّ ثماني سنواتٍ أصبحوا يتمتّعون بذكاءٍ بصريٍّ جيّدٍ، وعند بلغوهم السنّ 15 من العمر حقّقوا نتائج أعلى في الرياضيّات، والقدرات التعبيريّة، وإكمال العبارات التي تقدّم إليهم وهي ناقصة، مقارنةً بأمثالهم الذين رضعوا اللبن الاصطناعي.
وقد أجرى الخبراء بحثاً علميّاً، قاسوا فيه مستوى الذكاء الفطري لدى عدد من الأطفال من شعوبٍ متعدّدةٍ، بالنسبة للإرضاع الطبيعي والصناعي، فكانت النتائج مدهشةً، حيث إنّ الأطفال الذين رضعوا الرضاعة الطبيعيّة كانت نسب الذكاء لديهم أعلى من إخوانهم الذين رضعوا اللبن الاصطناعي. (1/97)
صفحة 98
وأكثر من ذلك فقد استنتج الباحثون الذين قاموا بكثيرٍ من التجارب أنّه ليست الرضاعة الطبيعيّة وحدها لها تأثيرٌ في بناء ذكاء الولد، بل مدّة الرضاعة أيضاً لها الأثر الإيجابي الكبير في تحقيق تلك النتائج.
لذلك بيّن الله - سبحانه وتعالى - في الآية القرآنيّة مدّة الرضاع، وحدّدها بحولين كاملين.
ففي 'نيوزيلاندا' أظهرت دراسة شملت ألف طفلٍ أعمارهم بين 8 و 10 سنواتٍ وجد الدارسون أنّ زيادة مدّة الرضاعة الطبيعيّة لفترة تفوق 8 أشهر قد حقّقت نتائج أعلى في طفولتهم وصباهم في اختبارات الذكاء، وفهم النصوص، وقدراتهم الرياضيّة، وتقييم المعلّمين لقدراتهم في القراءة والرياضيّات، وامتحانات التأهيل للمراحل الثانويّة، وذلك أكثر ممّا سجّله الأطفال الذين رضعوا الألبان الاصطناعيّة.
معلومة مهمّة: والشيء المدهش العجيب هو أنّ لبن الأمّ يحتوي على ثلاثين ضعف ممّا يحتويه لبن الأبقار من الـ DNA الأساسي للمخّ.
ويرشد الأطبّاء الأمّهات أن يتأكّدن من تناولهنّ ما يكفي من دهون أوميجا ـ 3 المنشّطة للمخّ أثناء الرضاعة، وذلك لصالح أولادهنّ، ولذلك يأمر الله - سبحانه وتعالى - الآباء بالإنفاق على الأمّهات المرضعات، حين يقول - عز وجل -:
- {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} ... [البقرة ـ 233]
وقد قرّر خبراء دوليون كانوا قد اجتمعوا بالمعهد القومي للصحّة في أبريل من عام 1999 أنّ أوقيّة من الأسماك عالية المحتوى من الـ DNA كالسردين مثلا، تلبّي احتياج الأمّ المرضع كي يكون حليبها كافيّاً لتغذية رضيعها بصفةٍ جيّدةٍ.
معلومة مهمّة: (1/98)
صفحة 99
إنّ الاعتماد البالغ على الألبان الصناعيّة لتغذيّة الأولاد الرضع يعدّ شيئاً خطيراً، لأنّ التجارب الميدانيّة قد أثبتت بأنّ ذلك يؤدّي بهم إلى الضعف الذهني، وانخفاض الذكاء، وضعف الأداء، واضطرابات وظائف المخّ التي هي أساس الإبداع والنجاح والتفوّق، وأنّ ذلك يؤدّي إلى السلوك العدواني.
مكوّنات حليب الأمّ
إنّ حليب الأمّ كما يقول العلماء مركّبٌ مبهرٌ ومدهشٌ، تعجز عن صنع مثله أضخم وأرقى وأحدث المصانع الحديثة، ولو اجتمعت.
والسرّ العظيم الذي تعجز العقول عن فهمه هو كيف أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلق في أجهزة الهضم عند الولد هرمونات وخمائر هاضمة بمقادير تتناسب مع مكوّنات حليب أمّه، كما تتناسب مع مختلف مراحل عمره، وقد توصّل الخبراء في تجاربهم الكثيرة بأنّ حليب الأمّ يتبدّل تركيبه بين رضعةٍ ورضعةٍ أخرى.
وعندما ترضع الأمّ وليدها الحليب الاصطناعي، ولو كان طازجاً، أو مجفّفاً، فإنّ الجهاز الهضمي للوليد يعجز عن هضمه، وتحويله إلى بروتيناتٍ جيّدة الهضم، فلا يمتصّها الجسم بسرعةٍ وبسهولةٍ، لأنّه تبقى كميّاتٌ كبيرةٌ من المواد الدسمة، والبروتينات، والأحماض الأمينيّة دون هضمٍ، فيجهد الكلّيتان طرح هذه الموادّ.
إنّ خمائر الهضم عند الرضيع متوافقة مع حليب الأمّ في كلّ مراحل رضاعه، غير أنّها غير متوافقة مع الحليب الاصطناعي مهما أتقنت صناعته.
قال العلماء: «إنّ ارتفاع نسبة الأحماض الأمينيّة في الدم تسبّب للرضيع قصوراً عقليّاً، لأنّه لا يجد البروتينات الكافيّة لبناء خلاياه بشكل جيّد، وهو يسبّب الآفات القلبيّة، ولا يخفى على أحد من العلماء التواصل الكبير والتكامل الإيجابي الذي يوجد بين قوّة القلب، أو ضعفه مع قوّة العقل، أو ضعفه «.
وإنّ معظم حالات الربو عند الأطفال، وإنتان الأمعاء، وغيرها من بعض الأمراض، ينجو منها الصغير بالإرضاع الطبيعي. (1/99)
صفحة 100
فمكوّنات حليب الأمّ متوازنةٌ بِدِقّةٍ بالِغةٍ مع طريقة بناء أجهزة الرضيع، بحيث أنَّ الطفل الصغير إذا ماتت أمّه قبل أن تُرْضِعه، أو طُلِّقت، أو خافت على رشاقتِها، فلم تُرْضِعه، وغُذّي بالحليب الصناعي المعقّم، فإنّه ستحدث له مُضاعفات خطيرة في المستقبل، في تكوين جسمه، أو تكوين نفسه والعقلي، لأنَّ المادة البروتينيّة في حليب البقر المصنّع يحتوي أربعة أمثال ما تحْتَمله أجهزته الصغيرة، فتضعف أجهزة المناعة لديه، فتقلّ مقاومته لمختلف ما يتعرّض له من الجراثيم، وهي كثيرةٌ في سنّه التي هو فيها، وهي خطيرةٌ عليه كذلك.
ونتيجة لذلك يُصاب بِآفاتٍ قلبيّةٍ، وآفاتٍ وعائيّةٍ، وآفاتٍ في الكبِد والكِليَتين، وتُعزى بعض الآفات القلبيّة والوِعائيّة والكبِديّة والكَلَوِيّة إلى عدم استفادة الولد من الرّضاع الطبيعي.
وقد أجبرت كلّ معامل الحليب المصنّع للرُّضع أن تكتب على عَبْواتها، لا شيء يُعادل حليب الأمّ في الدرجة الأولى، إذن فاللبن الطبيعي هو أحسن وأفضل وأغنى غذاء للولد الرضيع.
إثارة انتباه الرضيع بالمثيرات المختلفة
لقد أودع الله - سبحانه وتعالى - رحمة في قلوب الأمّهات، والتي هي في الحقيقة جزءٌ من مائة جزءٍ من الرحمة التي أنزلها الله - عز وجل - إلى الأرض، كما يقول العلماء، فقد جعل الله - سبحانه وتعالى - الأمّ يسيل ثدياها من نوعٍ خاصٍّ، وفي حالاتٍ خاصّةٍ.
وإذا كان اللبن الطبيعي يحمي الأمّ المرضع من كلّ هذه العوارض، فإنّ ذلك سيعينها في تربية وليدها تربيّةً إيجابيّةً، فلا تصاب بالضغوط التي تشغلها عن التفرّغ الكامل للتربية الحسنة.
إنّ واقع تغذيّة الرضيع في غاية من الأهميّة من حيث تأمين المناخ الملائم واللازم للنموّ والتطوّر الطبيعيّين لمختلف قواه، ومن نتائج الاهتمام بالتغذية أن تهتمّ الأمّ بكيفيّة تقديم الثدي فتناغيه، وتداعبه، وتوجّه إليه مختلف الرسائل من الابتسام له، والنظر إليه، ومداعبته. (1/100)
صفحة 101
إنّ لمختلف الأنشطة المتبادلة بين الرضيع وأمّه خلال عمليّة مصّ الثدي أهميّةً قصوى في تفعيل طاقات الولد الكامنة داخل نفسه، وتنميّتها، والتي يولد وهو مزوّد بها منذ ولادته. ولكّنها تنتظر من ينمّيها ويطوّرها، وبذلك تؤمّن له حاجياته المعنويّة النفسيّة والعاطفيّة تأميناً تامّاً، ونتيجةً لذلك ينشأ نشأةً متكاملةً متوازنةً.
فخلال فترتي الرضاعة والطفولة المبكرّة تظلّ الخلايا العصبيّة في منافسةٍ مستمرّةٍ، ويتوقّف نموّها على مدى ما تتلقّاه من تحفيزٍ وإثارةٍ، وعلى نوعيّة شبكات الخلايا المخّية التي تستمرّ في البقاء.
اهتمام المرضع بغذائها
يجب على الأمّ المرضع الاهتمام بغذائها اهتماماً بالغاً لأنّها لا تغذّي جسدها فقط، بل هي بواسطة ذلك الغذاء توفّر لرضيعها ما يحتاجه هو كذلك من البروتينات والفيتامينات، هذه البروتينات الموجودة في اللبن والبيض واللحوم، بالإضافة إلى السوائل.
ويجب عليها أن تبتعد قدر الإمكان عن الأدوية، خاصّة تلك التي يتناولها بعض الأمّهات لإدرار لبن أثدائهنّ، ويقول بعض الأطباء بأنّه لا توجد أدويّةٌ خاصّةٌ بذلك، ولكن يرشدون إلى تناول بعض الأغذيّة التي قد تساعد عليه، وقد ذكروا من أهمّها: الحلبة والسمك والفجل والبطاطا وغيرها.
وينصح الأطبّاء المرضع بتناول كوب من الماء أو أيّ سائلٍ آخر قبل كلّ رضعةٍ بحوالي نصف ساعة.
ولا بدّ أن تأخذ الأمّ المرضع ما يلزمها من النوم، وقد حدّدها الخبراء بمتوسّط 8 ساعاتٍ في الليل، وإذا لم تتمكّن من ذلك، فعليها أن تأخذ بعض فتراتٍ قصيرةٍ من الراحة، وتتجنّب التوتّر والغضب وغيرها من المؤثّرات التي تنغّص لها نومها، وتجعلها تنام نوماً غير صحّيٍّ. (1/101)
صفحة 102
والشيء المهمّ أن تجتنب المرضع تناول الأدويّة غير اللازمة قدر الإمكان، لأنّ تأثيرها سينتقل إلى رضيعها بواسطة لبنها، وربّما تؤثّر في نموّه، وخاصّة نموّ خلايا المخّ الحسّاسة جدّاً، وخاصّة منها حبوب منع الحمل، لأنّها تقلّل من إفراز اللبن أو تمنعه، ويرشدها الأطبّاء إلى اللجوء إلى وسيلةٍ أخرى.
الألبان الصناعيّة تعيق نموّ المخّ
إنّ أغلب الخبراء أكّدوا بعد دراساتٍ متعدّدةٍ بأنّ الألبان الصناعيّة التي يتغذّى بها الرضع بعد أن تركت الأغلبيّة الغالبة من الأمّهات إرضاع أولادهن الرضاعة الطبيعيّة في هذه السنوات الأخيرة، أدّى بهم إلى اكتساب سلوكٍ عدوانيٍّ، وأضعف فيهم الانتباه والتركيز اللذين هما الركيزتين الأساسيتين في جودة استيعاب العقل.
إنّ هذه الألبان الصناعيّة لا تحتوي على دهون أوميجا ـ 3، وتعدّ بديلاً رديئاً للبن الأمّ الطبيعي، لأنّها تدع جهاز مخّ الولد يحترق شوقاً للأحماض الدهنيّة الأساسيّة التي يبني بها نفسه بناءً جيّداً، وتبقى خلاياه تبحث عن الطاقة الكافية لتتكاثر بشكلٍ مناسبٍ، ومتوازنٍ، وهو يسبّب فشل مخّ الرضيع في الحصول على حاجته اللازمة ليبني نفسه، كما يحدّ من ذكائه، ويضعف مهاراته.
إنّ الاعتماد الكلّي على إرضاع الأولاد بالألبان الصناعيّة يكوّن لديهم مخاخ غير مكتملة النموّ، أمّا الذين يتغذّون بالألبان الطبيعيّة تصبح لديهم قدرةٌ قويّةٌ على معالجة المعلومات، ويتمتّعون بذاكرةٍ بصريّةٍ أفضل عند إكمال عامهم الأوّل من العمر، لأنّ ذلك اللبن الطبيعي يقوّي الأعصاب البصريّة، وكلّ هذه المهارات تجعل الشخص أكثر ذكاءً وإبداعاً. (1/102)
صفحة 103
وقد قام الدكتور "بيتر ويلاتس" وزملاؤه بدراسة في جامعة دوندي باسكتلندا على 44 رضيعا في الشهر العاشر من العمر تلقّى نصفهم تركيبةً صناعيّةً تعوزها الدهون المخيّة النافعة، بينما تلقّى النصف الآخر تركيبةً مدعّمةً بأحماض DNA ، وكان الهدف من وراء هذه التجربة اختبار قدرات الرضّع على تخطّي العقبات باستخدام أجهزةٍ فيديو، ثمّ تقييم قدرتهم الذاتيّة على اجتياز ثلاث مراحل للوصول إلى لعبةٍ مخبّأةٍ.
وكان أولئك الرضّع الذين تغذّوا باللبن الطبيعي أكثر قدرةً ثلاث مرّاتٍ على حلّ العقبات، وإخراج اللعب المخبّأة مقارنةً بمن أرضعوا اللبن الاصطناعي، ومعنى ذلك أنّ الفريق الأوّل كانوا أكثر تركيزٍ، وتمكّنوا من تخطيط وتنفيذ غاياتهم، وإنّ تحقيق قدراتٍ أفضل على تخطّي العقبات في هذا السنّ يعني معدّلاتٍ ذكاء أعلى وأفضل فيما يستقبل من أيّام حياتهم.
لقد أعطى الخبراء تفاسير واضحةً بأنّ ارتفاع مستويات الذكاء عند أولئك الرضع وزيادة قدراتهم على تطبيق المهارات التفكيريّة راجع إلى تراكم الأحماض الدهنيّة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - من مكوّنات ومن مركّبات لبن الأمّ المرضعة بأغشية خلايا الجهاز العصبي المركزي.
وإضافة إلى ذلك فإنّ تلك الأحماض الدهنيّة تعجّل نضوج خلايا المخّ الأماميّة (مركز الذكاء) الخاصّة بالتركيز والتفكير.
حقيقة مؤلمة: إنّ 30 %فقط من الأطفال في العالم يرضعون لبن أمّهم الطبيعي، أمّا 70% منهم يعتمدون على الألبان الصناعيّة كغذاءٍ لدى بلوغهم الثلاثة أشهر.
الإشارات الجسديّة وبناء الذاكرة (1/103)
صفحة 104
توضّح بعض البحوث الحديثة أهمّية دور الأمّ في النموّ اللغوي والمعرفي للولد، ويعدّ التفاعل الجسدي بينها وبينه في المراحل الأولى من حياة الصغير هو نقطة انطلاقٍ مهمّةٍ في تطوّر التواصل الكلامي بينهما، إذ يستند ذلك الاتّصال إلى الإشارات الجسديّة، كتعابير الوجه مثلاً، والإصدارات الصوتيّة والتبادل البصري والشمّي، وكلّ تلك الإشارات تصدر من الذاكرة التي تختزنها، لأنّ الولد يعيدها ويكرّرها كثيراً، ونستطيع أن نستدلّ بذلك على القوّة الفريدة والقدرات المذهلة التي تتمتّع بها خلايا مخّ هذا الولد.
إنّ تلك الإشارات التي تتعامل بها الأمّ مع ولدها تعدّ كمحفزات تحفّز الخلايا والأعصاب المخّية، فتوظّف المعرفة الذهنيّة الجديدة التي اكتسبتها، وبذلك ترسخ في ذاكرته باستمرارٍ.
وعقل الإنسان يعمل على تنسيق عمليّات التفكير، وتلك العمليّات تتمّ تبعاً لمبدأٍ رياضيٍّ قائمٍ على الإضافة، وهذا يعني كلّما تعاملت الأمّ بإشارةٍ جديدةٍ مع وليدها، فإنّها تزيد من تحفيزه.
إذن فعلى كلّ أمّ أن تعلم أنّ عقل الولد يعمل من خلال التحفيز، لذلك عليها أن تتعامل معه بذكاءٍ وانتباهٍ في كلّ مرّةٍ تتّصل به، وتحاول ابتكار إشاراتٍ جديدةٍ تزيد من خلالها تحفيزاً لخلايا مخّه، ليزداد بذلك قوّةً واستيعاباً.
فالعقل هو عبارةٌ عن آليّة ضربٍ قائمةٍ على التكاثر، وليس أداة جمعٍ، فيمكن للأمّ أن تستعمل المسرح اللانهائي من الخيال والإمكانيّات اللانهائيّة التي تختارها وتتخيّلها لتحفيز عقله، فتزداد أعصابه قوّةً وتزداد خلاياه تواصلاً وتماسكاً.
بناء ثقة الولد بنفسه وتقويّتها
الثقة بالنفس هي الشعور الداخلي في العقل الباطن بالرضى تجاه النفس، وتجاه عملها الذي تقوم به، والإنجازات التي حقّقتها في واقع حياتها، والشعور بالطمأنينة والراحة وهدوء البال لما وصل إليه من أهداف. (1/104)
صفحة 105
والشخص الواثق بنفسه يتصرّف في أغلبيّة أحواله من منطلق ما يعتقده في نفسه بأنّه شخصٌ ذو قيمةٍ في مختلف نواحي الحياة، وأنّ من حوله يقيمون له مثل هذه القيمة، وبذلك يمتلئ قوّةً وعزيمةً في العمل، فيزداد تقديره لنفسه، وتقوى ثقته بنفسه أكثر وأكثر.
لذلك على الوالدين والأمّ خاصّةً أن يعاملوا الولد بأنّه إنسانٌ ذو قيمةٍ، لأنّه يحسّ ويشعر بكلّ معاملة يعامل بها، سواءً أكانت إيجابيّةً، أو سلبيّةً، وأنّ ذلك التعامل هو الذي يبني له ذاته التي سيعيش بها في مستقبل حياته، ويكوّن فيه توازناً نفسيّاً جيّداً يحقّق به أهدافاً عاليّةً لا يستطيع كثيرٌ ممّن ضعفت ثقته بنفسه أن يحقّقها.
ومن الأسباب التي تزيد من ثقة الولد اهتمام الأمّ بتنظيفه، واعتناؤها بمظهره، وهذه الثقة تزيد من طمأنينته، وهدوئه، ورضائه عن نفسه، ممّا يدفعه إلى التلقّي بشكل أحسن، فيزيد ذلك من نشاط خلايا مخّه، وعمل أعصابه، وكلّ هذا من الأسس التي تقوّي ذكرته.
يرتبط الأداء الوظيفي للذاكرة بشكلٍ كبيرٍ بقوّة الثقة بالنفس وبضعفها، كما أنّ أداءها يرتبط بدوره بتعزيز تقدير الذات، أو ضعفه، فكلّما كوّن الوالدان في الولد تقديراً سليماً لذاته، وبنيا فيه احترام ذاته، فقد بنيا فيه ذاكرةً جيّدةً وقويّةً.
وفي الواقع يعدّ ضعف تقدير الذات سبباً رئيسيّاً لعدم اكتساب ذاكرةٍ قويّةٍ، لأنّ مثل هؤلاء الأشخاص يلجؤون إلى الكسل والاكتئاب، وينعكس ذلك في كلّ أعمالهم التي يؤدّونها في سائر أيّامهم.
فعلى الأمّ أن توحي لنفس ولدها بأنّ لديه إمكانيّاتٍ عقليّةٍ للحفظ، وأن تعلّمه كيف يثق بذاكرته الوثوق اللازم، لأنّه بذلك يتشجّع على العمل والصبر والمثابرة، فيكون ذلك سبباً لتدريبها على الحفظ، ونتيجةً لذلك يسهل عليها حفظ مختلف المعلومات بشكلٍ سهلٍ. (1/105)
صفحة 106
ويتمّ ذلك بأن تكرّر عليه دائماً بعض العبارات أو الأفكار الإيحائيّة كحوار بينها وبينه، فتقنعه بأنّه في مستوى الحفظ، وأنّه جديرٌ بحفظ المعلومات التي يحتاجها للنجاح في حياته الدراسيّة، وإذا ما اقتنع بأنّه أهلٌ للحفظ، وجديرٌ بأن يفتخر به أولياؤه، يتكوّن فيه دافع العمل والمحاولة، ممّا يؤهّله للتركيز والاهتمام كثيراً بالحفظ، ومع مرور الوقت سيصبح فيه مهارةً طبيعيّةً سهلةً، وعادةً متعلّمةً.
ويسمي خبراء الذاكرة مثل هذه الثقة بالتدريب على التعوّد والتحكّم في الذاكرة، ولا شيء يساعد على بناء ذاكرةٍ قويّةٍ مثل الاستعداد النفسي النابع من ذات الإنسان نفسه، لأنّ ذلك يدفعه إلى الاهتمام، ويعدّ الاهتمام من المحفّزات الرئيسيّة لبناء الذاكرة الجيّدة.
وبناء مهارة الحفظ لدى الولد راجعٌ بالدرجة الأولى إلى تقوية إرادته، واهتمامه بالحفظ، ومثابرته على تحقيق ذلك، وهذه الدوافع لا تبنى في النفس، ولا ترسّخ في الذهن إلاّ بالتعوّد والتمرين الذي يتلقّاه الأولاد من طرف والديهم، وخاصّةً أمّهم.
فإذا ما اكتشف الولد بأنّه ذو أهميّةٍ، ويوجد بداخله خيرٌ كبيرٌ، فسوف يجد القدرة الكافية لتلبية طلبات ٍ كثيرةٍ تنبع من داخل نفسه، وأغلبيّة الناس ممّن تكوّنت لديهم ذاكرةٌ ضعيفةٌ، وإرادةٌ واهيةٌ، هم من الذين تكوّنت داخل نفوسهم فكرة التطلّع إلى الآخرين، ظنّاً منهم بأنّهم سيجدون عندهم الحلول المناسبة لبناء مهاراتهم. (1/106)
صفحة 107
وليس هناك عيبٌ أبشع وأعظم من الوالدين اللذين يكثران من الملاحظات التي تبيّن للولد أنّه مخطئٌ في كلّ ما يؤدّيه من أعمال، وأن يجعلوه يعتمد عليهم الاعتماد الكامل، بدلاً من أن يسمحوا له بهامشٍ من الحريّة في إيجاد بعض الحلول المناسبة لبعض ما يتعرّض له من مواقف أثناء لعبه، حتّى لا يعلّموه التطلّع الدائم إلى الغير، كي يجد له حلاًّ مناسباً، فيتكوّن في نفسه انحسارٌ متزايدٌ في قدرات تفكيره واستعمال ذاكرته في تعامله مع ظروف الحياة المتنوّعة.
وإذا لم توفّر الأمّ هذا الهامش من الحرّية لولدها، فهي تبني فيه نفساً تعتمد على كيانٍ خارجي، كي يمدّه بالاستمراريّة والاستقرار، وتعرّضه لمخاطر، بحيث يصبح غير قادرٍ على التكيّف مع محيطه بكلّ ما فيه من تغيّراتٍ وصعوباتٍ.
عليها أن تكوّن فيه الشعور بالهدوء والارتياح وهو يعمل لتحقيق أهدافٍ في حياته، حتّى إذا صار كبيراً، وقوي فيه الإدراك، يجد نفسه وهو يستطيع أن يتعامل مع كلّ ظرفٍ تلقيه إليه الحياة، أو تلقيه فيه، وأنّه قادرٌ على إنهاء أيّة مهمّةٌ أنيطت به.
يجد نفسه وهو قادرٌ أن يبحر بشكل أفضل عبر بحر الحياة، ويصبح بحّاراً ماهراً، يصل بسفينته التي هي نفسه إلى برّ الأمان سالمةً، ويقطع أمواج التحدّي التي تعترض طريقه، ويشعر أنّه ذو قيمةٍ غاليةٍ، وقوى متكاملةٍ.
اكتساب الذكاء مع تطوّر الكلام
لقد تقرّر عند كثير من الخبراء التربويّين بأنّ القاعدة التي وضعها بعض العلماء، والتي تقرّر بأنّه يجب على الأولياء أن لا يعلّموا أولادهم اللغة قبل سنّ السادسة، هي قاعدة مدمّرةٌ لمهارة الأطفال الصغار، وتجعلهم لا يستغلّون تلك الوصلات والشجيرات المخّية الاحتياطيّة في مسقتبل أعمارهم. (1/107)
صفحة 108
فكثير من الأولياء يشفقون على أطفالهم، ويخافون من إتعاب ذهنهم في تعليمهم بعض المهارات قبل سنّ الخامسة، وخاصّةً مهارة القراءة، بحجّة أنّهم يدمرون فيهم الخلايا المخيّة، وأنّهم سيكرهون القراءة والتعلّم فيما بعد، ولكن جواب الخبراء المحقّقون لهؤلاء بأنّهم يجهلون تقويم القدرات العقليّة الحقيقيّة لدى الأولاد الصغار، والتي هي عبارة عن اكتساب الذكاء مع تطوّر الكلام لديهم، وقالوا بأنّ الأولاد يستطيعون أن يجيدوا اللغة والكلام قبل سنّ الخامسة.
ويرى خبراء التعليم المبكّر للأولاد أنّ قدرتهم على إتقان اللغة بكلّ تعقيداتها في هذه لمرحلة المبكّرة من سنوات عمرهم يدلّ على إمكانيّة تعلّمهم أكثر ممّا يعتقده التربويّون، وما تأخّر تعلّم الأولاد الصغار في أغلبيّة المجتمعات إلاّ لأنّ المناهج التقليديّة لمرحلة ما قبل المدرسة لا تقدّم الأنشطة الذهنيّة المناسبة للولد في مثل تلك المرحلة، وخاصّةً إهمال الوالدين لتنمية تلك الطاقات والقدرات التي يولد بها.
ويعلّق خبير القراءة "جورج ستيفن" بأنّ الولد يستطيع تعلّم القراءة ما بين السنّ الثالثة والسادسة، ولكن السبب في عدم تطبيق ذلك هو اعتقاد علماء التربية بأنّه قادرٌ على التلوين فقط، ولم يدركوا وجود دوافع فطريّةٍ وقدراتٍ عقليّةٍ لديهم.
ونتيجة لهذه الفلسفة التربويّة المدمّرة، ترسّخت القاعدة التي تقول بعدم تعليم القراءة للولد الصغير.
تقدير ذكاء الولد
يولي الخبراء أهميّةً كبيرةً لقياس درجة قوّة الذاكرة فتمكّنوا لهم قياس ذلك بملاحظة سنّ تفكيره والعمل بموجبه، وقد تمكّن لهم الآن تقدير تلك الدرجة بواسطة ما يسمّى ــ مرقّم الذكاء ــ ولا يسألون عن رقم الذكاء فقط، بل يولون أيضاً أهميّةً على ما يوحي به الولد من انطباعٍ عامٍّ، وهي في الواقع أهميّةً محقّةً.
وهذا الانطباع العامّ يتعلّق بكثيرٍ من الملاحظات، منها:
ــ كيف يتصرّف الولد داخل الأسرة. (1/108)
صفحة 109
ــ ما هي درجة تحمّله لافتراق أمّه.
ــ إلى أيّ مدى من الوقت يمكن إثارة انتباهه.
ــ بعد كم من الوقت يفقد نشاطه في الحركة.
ــ متى يتكوّن دافع اللعب عنده.
فثقة الوالدين هي أساس تقدير ذكاء الولد وقوّة ذاكرته، فكيف يمكن للأمّ أن تعرف قدرات ولدها وطاقاته إذا كانت غير واثقةٍ بنفسها في تربيته التربية الإيجابيّة، أو كيف يمكنها أن تطوّرها إذا كانت لا تعرف هي نفسها مقدار ثقتها بنفسها.
وكيف يمكن للأمّ أن تدفع طاقات وقدرات ولدها للظهور والنموّ إذا كانت هي نفسها مزعزعة في ثقتها بنفسها، وغير آمنةٍ في علاقاتها به، ولكي تؤثّر الأمّ فيه تأثيراً إيجابيّاً، يلزمها أن تكون لها ثقةٌ قويّةٌ وعاليةٌ بنفسها، وأن تتمتّع بدرجةٍ عاليةٍ من تقدير الذات، لأنّ تقدير الأمّ لذاتها يمثّل دوراً هامّاً وحاسماً وضروريّا في صنع ذاكرة ولدها.
كما أنّ قوّة تقدير الأمّ لذاتها يعزّز من إقامة علاقاتٍ إيجابيّةٍ طيّبةٍ بولدها، فلكي تقيم علاقاتٍ قويّةً وجيّدةً مع ولدها، ينبغي لها أوّلاً أن تكون محبّة لذاته بحقٍّ وثباتٍ، وواثقةً بنفسها وبقدراتها في تنمية قدرات ذاكرة ولدها.
قاعدة
تقدير ذكاء الولد يكون بتقدير ثقة الأمّ بأسلوب تربيتها له
وللولد إحساسٌ كبيرٌ بمعاملة أمّه له خاصّة ومعاملة من حوله له، وإذا ما أحسّ أنّهم يتعاملون معه معاملةً إيجابيّةً حسنةً، ويقيمون له القيمة الجيّدة، ويكرمونه كرامةً كبيرةً، فسوف يمتلئ راحة، وتزداد قوى تفكيره حيويّةً ونشاطاً، ولذلك أثره الإيجابي الكبير على تنمية خلايا مخّه، وتقوية أعصابه.
إذن فمقود تنمية ذاكرة الولد في يد أمّه وفي يد من حوله من أفراد أسرته، فما عليهم جميعاً إلاّ أن يبذلوا جهودهم قدر المستطاع كي يملؤوا نفس الولد ثقةً وحيويّةً ونشاطاً، ويجعلوه يشعر بأنّ له قيمةً كبيرةً في تلك الأسرة، وفي ذلك المحيط. (1/109)
صفحة 110
وبتلك المعاملة الطيّبة التي تعامل بها الأمّ ولدها تزرع فيه الحبّ، لأنّها تجعله يتعلّم ما معنى الحبّ، ومعنى تقدير الإنسان لنفسه، فينشأ وهو يبادل من حوله من عناصر أسرته الشعور نفسه، وبذلك تمتلئ نفسه بشراً وفرحاً واحتراماً متبادلاً، وبذلك تكثر المثيرات الإيجابيّة في بداية حياته، فتقوّي فيه ذاكرته، وتدفعها إلى النموّ الجيّد.
وقد أثبتت بعض الدراسات النفسانيّة أنّ الأشخاص الذين لا يجدون مثل تلك المثيرات والمنبّهات، ومثل ذلك الاهتمام ممّن حولهم من عناصر أسرتهم ومجتمعهم لا يحسنون القيام بكثير من الأشياء، رغم أنّها بسيطةٌ سهلةٌ، لأنّهم يعتقدون بأنّهم غير مرغوب فيهم، وأنّ الظروف التي من حولهم ضدّهم.
ما أروع هذه الحكمة التي قالها أحد العلماء الروحيّين:
» تتواجد الذبذبات المنخفضة في الواقع المادّي، أمّا الذبذبات المرتفعة فتتواجد في الواقع الروحي، أمّا النطاق الكامل للذبذبات فيوجد في الواقع الممتدّ «.
فعلى الأمّ الذكيّة في تربية ولدها أن تهتمّ الاهتمام الكبير لكي توقظ فيه روحه، وتقوّيها، وتكتشف تلك الذبذبات المرتفعة الموجودة داخل روحه، لأنّه كلّما قويت روحه ازدادت قوّة ذبذبات المخّ، خاصّة إذا اعتبرنا أنّ الذاكرة قوّةٌ روحيّةٌ أكثر منها جسميّة.
وقد قال أحد العلماء بأنّ الإنسان ليس هو هذا الجسد، وليس هو هذا العقل والتفكير، بل هو تلك الروح التي نفخها الله - سبحانه وتعالى - فيه.
الفصل الخامس
عقل الولد
معنى العقل
العقل كلمة شاملة ذات مفهومٍ أوسع من المخّ الموجود في الرأس، ويمكن أن نقول تجاوزاً بأنّ ثمّة صلةً وثيقةً بين العقل والمخّ، لأنّه يحتوي على المراكز التي تتحكّم في العمليّات الذهنيّة والانفعاليّة في الإنسان. (1/110)
صفحة 111
ويعتقد الكثير من خبراء الذاكرة بأنّ للعقل البشري وظائف غير محدودةٍ، ولكن بعبارة أصحّ، لم يستطيعوا بعد تحديدها، أو الوصول إلى حقيقتها، كما لم يصلوا بعد إلى اكتشاف أسرار الذاكرة التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - في هذا الجهاز العجيب المعجز.
فكيف يقوم باستيعاب كلّ تلك المعلومات والمهارات التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليوميّة؟ وكيف يقوم باسترجاعها بعد مدّة طويلة من الزمن؟ فأين كانت مخزّنة، وكيف يمكنه أن يتذكّر معلوماتٍ بعينها، ولا يتذكّر أخرى؟ ثمّ كيف يقوم بترتيبها؟ ويربط بعضها ببعضٍ ليكوّن منها أفكاراً سيتخاطب ويتحاور بها مع بني جنسه؟
إنّه يعدّ جهاز الإبداع والابتكار والأحلام، ويمكّن صاحبه من التمييز بين الخطأ والصواب، وبين ما هو منطقيّ وما هو غير منطقيٍّ، وهو المسؤول الأوّل عن سلوك صاحبه.
ويتكوّن الدماغ من عدّة أقسام، منها:
أ ـ الدماغ الأمامي، ويسمّى بذلك لأنّه يكون في مقدّمة الدماغ أو المخّ، كما يتكوّن المخّ من شقّين، أو نصفين، يربط بينهما الجسم الثفني.
ب ـ المخيخ.
ــ ويتكوّن الدماغ من الخلايا العصبيّة (العصبونات)، والخلايا الدبقيّة، أو الداعمة والخلايا الأخرى المؤلّفة للأوعية الدمويّة ونسيجها الضامّ.
ـ يصل إلى الدماغ كميّاتٌ كبيرةٌ من الدم لترويته وتغذيّته.
ـ وتسيطر الجملة العصبيّة على فعاليّات وأنشطة الجسم المختلفة.
وتتألّف هذه الجملة العصبيّة من قسمين:
1ـ الجملة العصبيّة المركزيّة، وتضمّ الدماغ والنخاع الشوكي.
2ـ الجملة العصبيّة المحيطيّة، وتضمّ الأعصاب القحفيّة والأعصاب النخاعية الشوكيّة والعقد العصبيّة المحيطيّة.
ملاحظة:
يقول العلماء أنّه عندما تُطلق كلمة الدماغ، فالمقصود بذلك أقسام الدماغ مجتمعة ما عدا المخيخ. (1/111)
صفحة 112
وتتحكّم كلّ منطقةٍ أو جزءٍ من هذه الأجزاء في أنشطةٍ فزيولوجيّةٍ منفصلةٍ، ولكن لا تعمل الواحدة منها على استقلال عن الأخرى، بل تتظافر وتتعاون فيما بينها في مختلف الأنشطة التي يؤدّيها المخّ، وتظافرها فيما بينها هو الذي يضفي على الدماغ تلك الكفاءة العالية التي يتمتّع بها الإنسان.
والشيء الغريب العجيب الذي اكتشفه الخبراء بعد تجارب ودراساتٍ كثيرةٍ ولأعوامٍ كثيرةٍ متواصلةٍ هو أنّ بعض الأشخاص يعتمدون في أداء عمليّات الذاكرة على الشقّ الأيمن، والبعض الآخر يعتمدون على الشقّ الأيسر بنسب متفاوتة.
ومن أجل اكتساب الأطفال لذاكرة قويّة، فإنّنا ننصح الأمّهات والمربّين بتنويع النشاطات التي ينشؤونهم عليها، ويربّونهم على ذلك، حتّى ينشؤوا من صغرهم وهم يستخدمون الشقّين معاً، وقد اكتشف الخبراء بأنّ العباقرة كانوا يستخدمون الشقّين معاً، لذلك نبغوا وتفوّقوا.
أين موقع الذاكرة في جسم الإنسان؟
وللإجابة على هذا السؤال، فعلينا أن نعرف أوّلاً بأنّ الإنسان يتكوّن من ثلاث ركائز أساسيّة، وهي:
ــ الروح ــ النفس ـــ الجسد.
وكلّ واحدة من هذه الركائز يتعلّق بالآخر، ولكن العلماء يبحثون منذ القدم أين مكان الذاكرة والذكاء، وذلك لأنّ كثيراً منهم يقرّرون بأنّ مركزها في المخّ، بينما كثيرون آخرون يقرّرون بأنّها في القلب، وبعضهم يقولون إنّها مرتبطة بكلّ خليّة من خلايا الجسم.
كما اهتمّوا كثيراً بدراسة الذكاء والعمليّات العقليّة وما مدى تعلّقها بالروح والنفس، وحاولوا معرفة ارتباطهما بالعمليّات التفكيريّة، وتساءلوا عن محلّ العقل لدى الإنسان، وأين يقع حفظ المعلومات التي يتعلّمها الشخص؟ هل هو في المخّ أم في القلب؟ وما هو نصيب كلّ من الجهازين في عمليّة التفكير والذكاء؟ (1/112)
صفحة 113
إنّ الأطبّاء القدماء في الحضارة المصريّة كانوا يعتقدون أنّ القلب والأمعاء هي مركز العقل، أمّا أفلاطون وسقراط فكانا يعتقدان أنّ الجسم له حدود مكانيّة، أمّا النفس فليس لها تلك الحدود، بل هي أقرب إلى الروح منها إلى أيّ جزء آخر من الجسم.
وقالا: «إنّ الروح كانت تعرف الحقائق والمُثُل العليا عندما كانت تعيش في عالمها المثالي، أمّا عند ولادة الإنسان فالأفكار تصبح غامضة وغير واضحة، نتيجة اتّصال الروح بالجسد، ونتيجة انتقالها من عالم المُثُل إلى عالم الواقع، فهي تحاول بذلك أن تتذكّر ما فات، وأن تسترجع ما كان لديها من حقائق ومُثُل في العالم السماوي، وهي تستعين بالعقل لتتذكّر تلك المعلومات، إذ أنّه هو الوسيلة الصحيحة السليمة للوصول إلى تلك الأفكار «.
ولقد وضع أفلاطون إجابة لهذه الأسئلة على لسان سقراط فقال:
«إنّ العقل يحصل على هذه المعرفة من حياةٍ سابقةٍ له في وجودٍ تامٍ كاملٍ، ولمّا كان العالم المثالي أسمى من عالمنا الواقعي كان العقل بالتالي أسمى من الجسم، إذ أنّ الجسم هو الذي يعطّل عمل العقل، ويقف حائلاً بينه وبين الاتّصال بالعالم الآخر، فإذا حاول العقل أن يتّصل بالعالم الآخر كان عليه أن يقهر الجسم، وأن يحدّ من شهواته «.
ومن هذه الأفكار المختصرة نستنبط أنّ محلّ العقل في نظر سقراط وأفلاطون هو موجودٌ في عالم المُثُل، وأنّ عالم المُثُل هذا غير محدّدٍ ولا مضبوطٍ، ويكتنفه الغموض.
بينما وجهة نظر "أرسطو" تقول:
«إنّ العقل يوجد في القلب؛ لأنّ الدجاج الذي قطعت رأسه استمرّ في الجري بهياجٍ شديدٍ، ولكن عندما أزيل القلب توقّفت كلّ الوظائف في الحال «.
أمّا (ديكارت) فإنّه يرى: أنّ هناك آليةً جسمانيّةً لا نفس فيها ولا حياة، تتجدّد في الإنسان بنفسٍ مريدةٍ وعاقلةٍ، والجسم والنفس المتغايران يتفاعلان عن طريق عضوٍ خاصٍّ، هو ما يسمّى بالغدّة الصنوبريّة. (1/113)
صفحة 114
وهو يعيّن للنفس مكانًا ممتازًا هو الغدّة الصنوبريّة، حيث تقوم النفس بوظائفها بنوعٍ أخصّ منها في سائر الأجزاء الأخرى، وتنشر قوّتها في الجسم كلّه.
وهناك من يقول بأنّ الغدّة الصنوبريّة هي مركز العقل البشري (أو النفس والعقل).
ويمكن تلخيص وجهة النظر القديمة عن كيفية تأثير "العقل رقم واحد"ـ العقل الذي يحتويه الرأس ـ على السلوك البشرى في الطريقة التالية: عندما يتعرّض لخبرةٍ مباشرةٍ ـ مثل التفاعل مع شخصٍ أو مواجهة تحدٍّ أو مشكلةٍ أو فرصةٍ، فهو يتلقّى تلك الخبرة عبر خمس حواس أساسيّة، وبالتالي تدخل إلى النظام العصبي.
وبهذه الطريقة التقليديّة تدخل كلّ خبرةٍ مباشرةً إلى المخّ فيفكّر فيها ثم يكون ردّ فعله من خلال السلوك لكلّ ما يحدث داخله.
قاعدة
الخبرة ليست هي ما يحدث للإنسان، بل ما يفعله بما يحدث له.
وقد اكتشف الخبراء إلى أنّ كلّ خليّة في جسم الإنسان لها ذكاؤها الخاصّ بها، وهي تستجيب إلى التوجّهات التي تلقى إلى صاحبها، فتنمو وتخلق نفس ذلك الأنموذج الذي يمدّها به، لذلك على الأولياء أن يراقبوا جيّداً ما هو الأنموذج الذي يسجّلونه في ذاكرة ولدهم.
قاعدة
إنّ حياة الولد من صنع الأفكار التي نسجّلها في خلاياه
كما اكتشفوا بأنّ التغيرات الكهربيّة في المشاعر التي تتنقل عبر القلب البشرى يمكن الإحساس بها وقياسها على بعد خمسة أقدامٍ على الأقل وربّما على بعد عشرة أقدام أو أكثر.
ومهمّة القلب تتجاوز مجرّد إكمال الدورة الدمويّة، حيث تتحدّث خفقة واحدة للقلب لغةً ذكيةً لكلّ أجزاء الجسم، لغةً تؤثر على طريقة الإدراك للعالم من حولنا وتفاعلنا معه بصورةٍ عميقةٍ. (1/114)
صفحة 115
كما اكتشف الخبراء بعد تجاربهم أنّه توجد منطقةٌ في قاعدة المخّ تعرف باسم النخاع، حيث تحدث كثيرٌ من الأمور الأساسيّة، ويوجد بداخل النخاع اتّصالٌ حيويٌّ بجهاز التنشيط الشبكي، ويتّصل جهاز التنشيط الشبكي بخلايا عصبيّةٍ رئيسيّةٍ في العمود الفقري، وتصف المائة مليون نبضة التي تطرق المخّ نبضات قليلة القيمة وسامحة للنبضات الحيويّة بالمرور كي تنبّه المخّ.
تأثير بعض الغدد على الدماغ
إنّ الحاجات الأساسيّة تنشأ في أجزاءٍ كثيرةٍ من الجسد، ويعمل الدماغ بتنظيمه الرائع بإرضائها، ولكنّ الدماغ لكونه هو ذاته عضوٌ ضمن الكائن الحيّ كلّه له حاجاته الخاصّة ... حاجته إلى أن يعمل في محيط يسمح له بالتفاعل اللائق مع بيئته، فإذا لم يتحقّق له هذا، عجز عن العمل الصالح المنتج، فلذلك على صاحبه أن يوفّر له الحالة النفسيّة الجيّدة الهادئة لكي يعمل بطريقةٍ حسنةٍ يؤدّي فيها أقصى ما يملك من قوّةٍ.
كما يوجد في جسم كلّ واحدٍ منّا مواد عجيبةٌ ومهمّةٌ توفّر لنا التوازن العام داخل أجسدنا، أو العكس، تسبّب لنا نوعًا من الاختلال وعدم التوافق وتلك المواد هي ما سمّاه العلماء (الهرمونات) التي تفرزها مختلف الغدد التي خلقها الله - عز وجل - داخل أجسامنا، وربّما نستطيع أن نشبّهها بمواد التشحيم التي توضع في مختلف أجهزة سيّارةٍ أو آلةٍ من الآلات، كي تؤدّي عملها بصفة حسنة، فكذلك الغدد لها فعاليّتها على مختلف أجهزة الجسم، فتحفظ لها توازنها، وتجعلها تؤدّي عملها على أحسن وجهٍ ممكنٍ.
فالغدّة الدرقيّة مثلاً هي التي تؤثّر في نشاط الأعصاب، وأيّ نقصٍ فيها يؤدّي إلى عدم التوازن فيها، ممّا يجعلها لا تؤدّي دورها بصفةٍ جيّدةٍ.
وهذا النقص يسبّب تصلّب الأعصاب الخلويّة التي تربط بين الخلايا المخّية ويجعلها غير مستعدّةٍ لتوصيل المعلومات بصفةٍ حسنةٍ إلى الخلايا التي هي مكان تخزينها. (1/115)
صفحة 116
ونقص الهرمونات يؤثّر كذلك على المستقبلات التي تستقبل المعلومة فلا تؤدّي دورها جيّدًا، ممّا يجعل المعلومة تصل ناقصةً وضعيفةً إلى الخلايا فلا تستوعبها بشكلٍ حسنٍ كاملٍ.
وقد قال بعض العلماء: إنّ أيّ نقصٍ في إفراز الغدّة الدرقيّة يؤدّي إلى تعطيل نموّ الجسم والذكاء، وإنّ ضعف نشاطها يجعل الفرد خاملاً بليدًا، ويصاب بالبطء في تفكيره وتذكّره وحركاته، وزيادة إفرازها يؤدّي إلى بروز العينين، ويصبح الفرد قلقًا متوتّرًا.
وهناك غدّة صغيرة في دماغ الإنسان سمّاها العلماء (ملكة الغدد)، إنّها الغدّة النخاميّة، وزنها لا يزيد عن نصف غرام، ومع ذلك فهي تفرز تسع هرموناتٍ أساسيّةً في حياة الإنسان؛ خاصّةً من الناحيّة العصبيّة والنفسيّة؛ التي تعدّ من أساسيّات التكوين الجسمي والروحي للإنسان، ولو اختلّت هذه الغدّة، أو اختلّ إفراز هرموناتها لكانت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.
هذه الغدّة مركزها في الدماغ، وهي تقوم بوظائف خطيرةٍ جدّا، وهي مرتبطةٌ بمئةٍ وخمسين ألف عصبٍ.
إنّها من العجائب والغرائب والمعجزات المتعدّدة الموجودة في جسم الإنسان والتي ترافقه طوال حياته.
وأهمّ شيءٍ أو مادّةٍ تساهم في الحفاظ على توازن هذه الهرمونات، وتجعل الغدد تفرزها بانتظام وبصفةٍ متوازنةٍ هو رضاعة المولود لحليب أمّه الطبيعي، لأنّ تلك الرضاعة الطبيعيّة تحميه من نمو الميكروبات التي تسبّب له كثيرًا من الأمراض؛ تلك الأمراض التي لها تأثيرٌ سلبيٌّ على الغدد في جسمه، ولأنّ ذلك الحليب يحتوي على تركيزاتٍ عاليّةٍ من بروتيناتٍ خاصّةٍ مضادّةٍ لنموّ الميكروبات التي تسبّب الأمراض.
كما وجد العلماء أنّ اللبن الذي يعطى للطفل له دخلٌ كبيرٌ في تكوين جسمه وعقله وسلوكه، لأنّ الطفل يتأثّر باللبن الذي يتغذّى به في بداية حياته، حين يكون في طور التكوين والبناء جسميًّا وعقليًّا.
الجهاز العصبي عند الولد
يشتمل الجهاز العصبي على ثلاثة أنواعٍ من الأعضاء: (1/116)
صفحة 117
1ــ أعضاء الاستقبال، أو أعضاء الحسّ، وهي تتأثّر بما يحدث حول الولد في البيئة الخارجيّة، التي تتكوّن من الأسرة والمجتمع الكبير.
2ــ أعضاء الاتّصال، وهي تتكوّن من:
ــ المخّ، وهو موضع الذاكرة، الذي يختزن مختلف المعلومات والمهارات التي تدخل إليه بواسطة الحواسّ.
ــ والحبل الشوكي.
ــ والأعصاب المخّية، التي تصل بين الخلايا العصبيّة، وتعدّ ممرّات تضمن وصول مختلف المعلومات إلى الخلايا العصبيّة، حيث تختزن فيها.
3ــ أعضاء الإجابة، أو العضلات والغدد، وبواسطتها يتحرّك الولد.
ويهمّنا في هذا الموضوع الجهازين الأوّل والثاني، أي أعضاء الاستقبال، وأعضاء الاتّصال، لأنّ الذاكرة تقوى بقوّة هذين الجهازين، وتضعف بضعفهما.
وكلّ ولدٍ يبدأ تعلّمه بمجرّد أن تتهيّأ أجهزته العصبيّة لذلك، وعندما يقوى الإدراك لديه.
وحين نذكر أعضاء الحسّ، يتبادر إلى أذهاننا العينان والأذنان والأنف واللسان، ولكنّها في الحقيقة موجودة في كلّ جزءٍ من أجزاء الجسم.
ولنموّ تلك الحواسّ والقوى العقليّة لدى الولد شواهد، من أهمّها وأعظمها، والتي تثير الدهشة محاولته الكلام، ففي الشهور الأولى يبدأ في إطلاق أصواتٍ كيفما اتّفق، ثمّ يتقدّم قليلاً، فينطق بعض المقاطع، ويكرّرها، مثل بابا، وماما، فتملأ نفسه بالفرح والرضا، ثمّ ينطلق في نطق بعض الكلمات في تتابعٍ وسرعةٍ، وهذه المرحلة تعرف بمرحلة الثرثرة، وهذا دليل على أنّ خلاياه العصبيّة بدأت في الاستيعاب، وأنّ أجهزة الإحساس لديه تؤدّي دورها كأحسن ما يكون.
وتطوّر اللغة لدى الولد شيئاً فشيئاً يدلّ على أنّ جهازه العصبي بدأ يختزن مجموعةً كبيرةً من الكلمات، منها ما يستعملها، ومنها ما سينطق بها فجأةً، وبذلك نستدلّ على جودة ذاكرته من عدمها. (1/117)
صفحة 118
كما أنّ هناك اختلافاً كبيراً بين نموّ جهاز الذاكرة بين الأطفال، لأنّ ذلك يرتبط بالبيئة التي ينشأ فيها كلّ واحدٍ منهم، فتلك البيئة هي التي تكفل فرصاً كافيةً للتصرّف بما يلائم تطوّر تلك القوى ونموّها.
ويجب أن تتوفّر في المربّين القدرة على الاستمرار في مراقبة وتوجيه ذلك البرعم الصغير، وما جبل الله - سبحانه وتعالى - المربّين على الرحمة والرأفة والإحسان للأولاد إلاّ من أجل متابعتهم وملاحظتهم باستمرارٍ والاهتمام بهم حتّى يبلغوا بهم إلى أعلى درجات التفوّق والنجاح.
إنّنا نطلب من الآباء والأمّهات الحريصين على تربيّة أولادهم، ويطلبون نجاحهم في مختلف ميادين الحياة.
ــ هل أنتم تقومون بالجهد اللازم والكافي للبلوغ بهم إلى ذلك؟
ــ هل أنتم تصبرون على ذلك؟ أم قد سلّمتم أمورهم للقضاء والقدر، وتقولون كما يقول كثيرٌ من المتقاعسين بأنّهم سيتحصّلون على تلك القدرات بالفطرة، وأنّهم لا يستطيعون تغييرها، أو القيام بأيّ عمل للرفع من قدراتهم.
عقل الولد معجزة لا نظير لها
لقد تمّ قبول الولد، حتّى قبل أن يولد.
إذا فهم الأولياء هذه الحكمة، فسوف يشعرون ببهجةٍ كبيرةٍ ومتعةٍ عندما يرزقهم الله - سبحانه وتعالى - بولد، وينخفض لديهم الشعور بالعجز إزاء تربية هذه المعجزة، والوصول بها إلى الدرجة التي يمكن أن تصل إليه، ويقتنعون بأنّهم قادرون على النجاح في النهوض بهذه المسؤوليّة الملقاة على عاتقهم.
فهذا المخلوق الصغير قد زوّده خالقه بموارد هائلةٍ، سواءً في العقل، أو في الجسم، أو في الروح، ووهب له ثروةً يمكن للمربّين أن يستخدموها للنهوض به إلى أعلى الدرجات، فيحقّقوا له النجاح الذي يجلب له السعادة والرضا. (1/118)
صفحة 119
في أعماق نفس الولد وجهازه الفكريّ ينابيع من الطاقة والقوّة قليلاً ما يدركها المربّون، ويستغلّونها الاستغلال الإيجابي، فمن خلال التربية الحسنة، والاهتمام به يستطيع المربّي الاتّصال مع منبع تلك الطاقات والقدرات، فيطبّها في حياة الولد حتّى يصل بها إلى أعلى المراتب.
فكلّ مخلوقٍ قد تحصّل على هذا القبول قبل أن يولد، ولا شكّ في ذلك ما دام ربّه - عز وجل - قد اختاره ليكون خليفةً في الأرض، فكلّ ولدٍ جاء إلى هذا الكون هو عبارةٌ عن معجزةٍ جاء بها الله - عز وجل - إلى الكون، وسيصل إلى الدرجات العلى، إذا وجد من يسير به في الطريق المناسب الذي يوصل إلى ذلك.
فهو يمتلك سماتٍ عقليّةً وجسديّةً وروحيّةً شخصيّةً لا يملك مثلها أيّ إنسانٍ آخر في هذا الكون، والمخّ البشري هو أعقد هيكلٍ تمّ خلقه على الإطلاق، ويمكن أن يصبح أحسن وأفضل جهازٍ، إذا وجد من يهتمّ به ويبنيه بشكلٍ جيّدٍ.
فهو يملك سماتٍ فريدةً يمكن الاعتماد عليها لبناء ذاكرةٍ خارقةٍ، وهي سماتٌ أصيلةٌ قد جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيه، وهي تولد معه، ولا تنتظر إلاّ من ينمّيها ويطوّرها، لكي تصبح عبارةً عن كنزٍ مخزونٍ من الخبرات والمعارف الشخصيّة، يقطع بها طريق الحياة.
فهذه المصادر الوراثيّة تكون دائماً في الانتظار بمجرّد أن يخرج الجنين إلى هذا الوجود، لأنّها جاهزةٌ لكي يستخدمها المربّون لصالح الولد، يستفيد منها في أيّة لحظةٍ من لحظات الحياة، فعلى الوالدين أن يعرفوا كيف يفتحون صندوق هذا الكنز.
يجب عليهما أن يدركا الأهميّة القصوى لما يملكه الولد من قدراتٍ كامنةٍ، تنتظر التفجير والاستغلال، وعليهما أن ينقّبا عليها بكلّ شجاعةٍ وثقةٍ داخل ذات ولدهما، فهي تسطع كوميضٍ من البرق، شعلةٌ بعد أخرى، وفي النهاية تؤتي أكلها، فتصبح كالأنهار المتدفّقة، التي تملأ كلّ نواحي النفس. (1/119)
صفحة 120
كثيرٌ من الأولياء يسلّمون أنفسهم بسهولة لما يعترض طريقة تربية أولادهم من صعوباتٍ، وكثيرٌ منهم لا يبذلون الجهد اللازم لاكتشاف قدراتهم، وعلى مرور الوقت، ومع كبرهم يفقدون كلّ عزيمةٍ وكلّ إحساسٍ بوجود تلك القدرات، وربّما يقتنعون بأنّهم لم يخلقوا للفوز والنجاح والتفوّق، في حين أنّ السبب في كلّ ذلك هو عدم اهتمامهم بالبحث عن المفاتيح التي تفتح صندوق قدراتهم.
ومثل هذه التربيّة تدفع الأولاد لاكتساب أفكارٍ محدودةٍ للغاية بشأن معنى التعامل مع الحياة، فتصبح نفوسهم لا تتكيّف بشكلٍ عميقٍ مع الظروف المختلفة التي تواجههم، لأنّ والديهم لم يخبروهم بأنّهم يمتلكون عقلاً مثل أيّ شخصٍ ناجحٍ متفوّقٍ في حياته.
وعضلة المخّ البشري مثلها مثل العضلات الأخرى في الجسم، يمكن أن تنمو وتتطوّر بالتدريب والعمل التطبيقي والمثابرة.
ولكي يبدأ الوالدان في بناء ذاكرةٍ قويّةٍ لأولادهم منذ نعومة أظفارهم، فعليهم أن يتّجهوا إلى داخل نفوسهم، دون أن يحطّوا من قيمة قدرات مواهبهم.
والخبر السارّ الذي يجب عليهم أن يعلموه، هو أنّهم يستطيعون أن يبدؤوا من حيث هم موجودون، ولا يهمّهم إطلاقاً ما يخبرهم به العالم من حولهم بأنّ الأولاد ينشؤون أذكياء بالوراثة وبالفطرة، فهم لا يحتاجون أيّ شيءٍ سوى مواصلتهم العمل بكلّ جدٍّ وإخلاصٍ.
فبمواصلة العمل والتحفيز لخلايا مخّ الرضيع يمكن أن يحدّدوا نوعيّة إمكانيّة سمات الإمكانيّات التي يرثها كلّ ولد، لتكون في حيّز التنفيذ، وتعتبر البيئة التي تنشئها الأمّ في الأسرة هي المسؤولة والمتحكّمة فيما يدخل إلى المخّ، فهذه التحفيزات هي المسئولة عن اختيار خلايا عصبيّة بعينها، دون غيرها لكي يتمّ تحفيزها وإثارتها. (1/120)
صفحة 121
وفي مرحلة الطفولة يقوم المخّ باكتساب كمٍّ كبيرٍ من التعلّم، حيث يستمرّ في هذه المرحلة بالقيام بأنشطة التعلّم، والمخّ يتعلّم ذلك من خلال تجهيز العلاقات للاستجابة لظروف العالم الخارجي، فما على الأمّ إلاّ تزوّد مخّ ولدها بالمعلومات، وسوف يقوم التنظيم العصبي بالمخّ سيقوم بتفسيره وتعلّمه، وبدون هذه المعلومات التي تزوّده بها، سوف يظلّ ذلك التنظيم دون تغيير ودون نموٍّ، ويذبل على مرّ الأيّام.
الولد يبحث دائماً عن الحقيقةً
ومن خصائص النفس البشريّة التي فُطر عليها الولد الصغير الذي يفكّر بالفطرة، أنّه يبحث دائما عن الحقيقة من خلال الأسئلة الكثيرة التي يطرحها على أمّه ومن حوله من أفراد أسرته، ومن خلال ذلك يبني تصوّراته عن العالم الذي يحيط به، ويريد أن تكون قراراته على بياناتٍ صحيحةٍ حقيقيّةٍ، وقد استنتج العلماء أنّ العقل إذا ما تحصّل على بياناتٍ صحيحةٍ، فسوف يصدر قراراتٍ أكثر ذكاءً، وأصحّ رؤيةً، وذلك ممّا يزيد من فرصه في العمل والنموّ والاستيعاب، ليضمن لنفسه البقاء.
أمّا إذا تحصّل على بياناتٍ خاطئةٍ عن العالم من حوله، فسوف يصدر قراراتٍ مبنيّةً على بياناتٍ خاطئةٍ، ممّا يعرّضه للخطر، لأنّه سيتكوّن لديه تفكيرٌ سلبيٌّ، متناقضٌ، وهذا ما يدفعه إلى الفشل في التفكير، ونتيجةً لذلك يضعف عمل الخلايا المخّية، ويضعف عمله ككلّ.
فالحقائق التي يقرّرها له والداه، تحوم في عقله، ثمّ تستحوذ على تفكيره، وتنمو لتتحوّل إلى عاداتٍ كبيرةٍ حسنةٍ وطيّبةٍ، وهذه الخطوات الكثيرة المتتابعة هي من وسائل تنمية التفكير، الذي هو أساس تقويّة الذاكرة. (1/121)
صفحة 122
والوالدان اللذان يحاولان دائماً تعليم ولدهما الحقيقة الواقعيّة، يدفعانه إلى فهم الحقائق الكبرى التي تنبني عليها الحياة فهماً إيجابيّاً، وبذلك يوظّف عقله حشود خلاياه المبهرة، لكي تبني مجدها وتفوّقها وقوّتها، فينمو نتيجةً لذلك الجزء الخلفي من "قرن آمون" لديه، ويزداد حجمه لكي يتلاءم مع المعلومات والحقائق المختلفة التي يتعلّمها من طرف والديه، فيتفوّق في قواه التفكيريّة.
فإذا أردنا أن نكوّن جيلاً عبقريّاً فعلينا أن نتعامل معه بكلّ صدقٍ وحقيقةٍ، لنجعله يتعلّم المنهاج الصحيح للحياة التي كتب الله - سبحانه وتعالى - له أن يحياها في هذا الوجود، ويقتحم به جميع الميادين، كي يصبح جيلاً ناشراً للعلم والخير والصلاح في جميع الاختصاصات، عند ذلك سينجح في الحياة الدنيويّة ويفوز برضا ربّه في الدار الأخرويّة.
والحوار مع الولد وتعليمه حقائق الحياة، هو أشبه من منجمٍ ذهبيٍّ للذاكرة، فكلّما نقّب الولد بداخل ذاكرته، يمتلك المزيد من التفكير، بما جعل الله - سبحانه وتعالى - فيه من التقنيّات، والتي تلائم خلايا مخّ الإنسان ملاءمةً كبيرةً.
إنّ الحوار حول حقائق الحياة يحتوي تقنيّة تفكيرٍ يمكننا أن نطبّقها في كلّ جوانب حياتنا، فضلاً عن أنّه أداةٌ سوف تمكّننا من تحقيق كلّ أهدافنا المرجوّة.
وهذه الأطر التفكيريّة الإيجابيّة هي التي يمكن لها أن تدعّم تفكير الولد، ممّا يقوّي فيه الخلايا المخّية التي يعلم الله - سبحانه وتعالى - وحده كيفيّة عملها، وأسس تقويّتها، كما أنّها هي التي تضمن إطالة عمل تلك الخلايا.
مخّ الولد يبحث دائما عن المعرفة
إنّ من المبادئ التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها المخّ البشري هو البحث عن المعرفة دائماً وأبداً، ما دام الإنسان حيّاً يرزق في هذه الحياة، ولعلّ حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - يثبت لنا هذه الفطرة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«العلم من المهد إلى اللحد «. (1/122)
صفحة 123
وتعدّ المعلومات أحد الشروط اللازمة لبقاء الخلايا العقليّة نشطةً عاملةً بقوّةٍ، وخاصّة عقل الولد الذي هو محبّ للاطّلاع بفطرته، لأنّه لم يتعلّم بعد كثيراً من المعلومات، ولم يشبع نهمه منها، وهو دائماً يريد أن يعلم كلّ ما يحدث حوله من حوادث، ولأجل هذه الفطرة نجد الطفل كثير الأسئلة والتساؤل، حتّى أنّ كثيراً من الأولياء يقلقون من مثل هذه الأسئلة فيقتلون في الولد ذلك الطموح.
إنّ الأولاد في جميع أنحاء العالم يمرّون بمرحلة طرح الأسئلة، أسئلةٍ كثيرةٍ حول مختلف الأشياء التي تقع من حولهم، وذلك دون كللٍ، أو مللٍ، يريدون المعرفة، يريدون الاستعانة بمن سبقهم، وذلك لأنّ خلايا مخّهم تطلب منهم تغذيّتها بمختلف الأغذيّة الذهنيّة التي تحفظ لها نموّها وتطوّرها واتّصالها بأخواتها.
فهم يبدؤون تلك الأسئلة الكثيرة بعد أن يتعلّموا اللغة، وبعد أن يتعلّموا معنى السؤال، ويستمرّون في ذلك نحو سنتين، ثمّ يبدؤون بالتقليل منها شيئاً فشيئاً، وذلك عندما يشعرون بأنّ مربّيهم يتهرّب، أو ينزعج من أسئلتهم، ولعلّهم من جهة أخرى يظنّون على مرور الأيّام أنّ الذين يتخاطبون معهم لا يعرفون الإجابة عن أسئلتهم فيستسلمون ويعتقدون بأنّ العالم من حولهم غامضٌ في بعض جوانبه، وأنّه لا يجوز لهم أن يسألوا عنها، لأنّها جوانب غير قابلة للتفسير والفهم، لذلك يلجؤون إلى تعلّمها بأنفسهم بأيّ طريقة كانت، دون توجيه سؤالٍ إلى أحدٍ، وربّما يتكوّن لديهم تصوّرٌ خاطئٌ عنها.
وبتهرّب المربّين عن الإجابة عن تلك الأسئلة التي يطرحها عليهم الولد يقتلون في نفسه حبّ الاطّلاع، ويتسبّبون في بطء نموّ خلايا مخّهم، وضعف تواصل الأعصاب التي تربط بين تلك الخلايا. (1/123)
صفحة 124
إنّ المعلومات التي لا يتعلّمها الطفل بنفسه، ولم يصرف عليها أيّ جهدٍ، لا تكون لها أيّة قيمةٍ في تكوين نفسه وتقوية تفكيره، ولعلّ السبب في ذلك هو أنّه لا يكون لديه رابطٌ قويٌّ ومهمٌّ يربط به تلك المعلومات داخل ذهنه.
إنّ الأولياء الذين يريدون النبوغ لأولادهم، ويطلبون منهم أن يحقّقوا العبقريّة عليهم أن يهتمّوا بتعليمهم اللغة بشكلٍ جيّدٍ، لأنّهم بذلك سيطوّرون تفكيرهم ويوجّهونهم الوجهة الصحيحة، خاصّةً وأنّ الباحثين قد اكتشفوا بعد دراساتٍ متعدّدةٍ أنّ الأولاد الطبيعيّين يستطيعون تعلّم لغتين مختلفتين تماماً في نفس الوقت ومنذ الطفولة الأولى، وبنفس الدرجة من البراعة، دون أن يخلطوا بين مفرداتهما، إلاّ أنّ سنّ السيطرة الكاملة على هاتين اللغتين معاً قد يتأخّر عن السنّ التي يمكن أن يسيطروا فيها على لغةٍ واحدةٍ.
وقد بيّنت بعض الدراسات أنّ للأمّ دوراً فعّالاً وأساسيّاً في النموّ اللغوي والمعرفي لدى الولد، ويعدّ التواصل بينها وبينه في المراحل الأولى من عمر الصغير، خاصّةً إذا كان ذلك بواسطة تعليمه كتاب الله - عز وجل - الذي يعدّ نقطةً مهمّةً لتكوّن ذلك التواصل بسماع صوتها، وما تعبّر عنه بالتعابير الصوتيّة التي تصدرها، وعلى الأمّ الذكيّة الحاذقة أن تولي أهميّة قصوى لمثل هذه التواصلات التي تعدّ بداية لاكتساب المهارات الكلاميّة، وعليها أن تبدع في هذه المرحلة حتّى تعين الطفل ليتطوّر عقليّاً ولغويّاً ومعرفيّاً. (1/124)
صفحة 125
كما يجب عليها أن تقوم بتحضيره في مراحل السنوات الأولى من عمره لتعينه على تطوير العناصر الأساسيّة الضروريّة لتعلّم اللغة، وذلك بإبداعها لمختلف وسائل الإشارات الحركيّة والصوتيّة والغناء، وتعليمه القرآن الكريم بصوتٍ حسنٍ جميلٍ، حتّى يقوى التواصل بينهما، ويكون تمهيداً جيّداً وقويّاً للتواصل الكلامي الذي سيأخذ أهميّته بعد ذلك في السنوات المقبلة، وسيكتسب الصغير التعابير في إطارٍ جيّدٍ من التفاعل والحوار بينه وبين أمّه.
ويجب على الأمّ أن تصدر المثيرات اللغويّة المتنوّعة حتّى تتيح له الفرصة ليعبّر عن ذاته شيئاً فشيئاً، وأن يكوّن ثروته اللغويّة من خلال ذلك التفاعل والتواصل.
إنّ المستوى الثقافي المعرفي للأمّ يؤثّر تأثيراً مباشراً في تنشيط النموّ العقلي واللغوي والمعرفي لدى الولد، إمّا في الجهة الإيجابيّة، أو السلبيّة، لأنّه توجد علاقةٌ كبيرةٌ وجذريّةٌ بين النموّ اللغوي عند الطفل ونسبة المحادثة بينه وبين أمّه أثناء النشاطات المشتركة بينهما، وتقليص أوقات التحاور مع الطفل يمكن أن يؤدّي إلى عرقلة نموّه في مختلف جوانب حياته العقليّة واللغويّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، ولهذا فلا بدّ لها أن تحفظ نصيباً جيّداً من اللغة، حتّى تتّخذه محوراً مهمّاً لتبادل الخطاب فيما بينها وبينه.
يقول "بياجيه":
«إنّ هدف التربية هو أن تخلق في الطفل إمكاناتٍ لكي يقوم هو بالاختراع والاستكشاف «.
والعبقريّة تتكوّن لدى الولد عندما تتحدّد لديه حقيقةٌ صادقةٌ يستطيع تحقيقها، لأنّ العقل يبحث دائما عن الحقيقة.
عقل الولد يميل دائماً إلى الحقائق
ومن إحدى الحقائق السارّة التي يجب على الوالدين أن يراعوها جيّداً في تكوين ذاكرة أولادهم، هي أنّ عقل الولد بفطرته يميل إلى حبّ الحقيقة، ويبحث عن الصدق في كلّ شيء يقع أمامه، لذلك عليهم أن يحذروا أشدّ الحذر من أن يقعوا في تناقض في سلوكاتهم أمام الأولاد. (1/125)
صفحة 126
وإذا أرادوا أن يكوّنوا في أولادهم عقولاً تفكّر بطريقةٍ إيجابيّةٍ ذكيّةٍ راقيةٍ، فما عليهم إلاّ أن يتصرّفوا تصرّفاتٍ واضحةً أمام أولادهم، وينصحوهم نصائح حقيقيّةً ولو كانت مؤلمةً، أو مرّةً.
فالولد بحاجة لأن يعرف حقيقة كلّ ما يقع حوله وتأثيره ونتائجه، لذلك فهو يكثر من الأسئلة، والسبب الرئيسي لذلك هو إرادة معرفة الحقيقة، وقد ذكر كبار الفلاسفة القدماء بأنّ الحقائق التي يتلقّاها العقل، والتي يبحث دائماً عنها تزيد من قوّة تفكيره، وهذا هو السبب الأساسي لاكتسابه قوّة التلقّي والعمل والإنتاج.
وهناك علاقة متبادلة تربط بين طريقة التفكير وبناء الذكاء، وبين البحث عن الحقيقة، فعدم قدرة الولد على الوثوق فيما يسمعه من والديه بأنّه حقيقة، يبعث في نفسه الخوف من النتائج، والخوف من الاستمرار في تساؤلاته الكثيرة، فيضعف فيه التفكير، ويستسلم للجمود وعدم العمل.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت البيانات التي يتلقّاها مخّ الولد غير صحيحةٍ ومتناقضةٍ، فسيكون عقله في تردّدٍ دائمٍ، وتناقضٍ مستمرٍّ، ويشعر أنّه بحاجة إلى الوثوق في كلّ شيء يلقى إليه، ومن أجل هذا يكون لزاماً على الأولياء أن يضمنوا له ما يثقون فيه من معلوماتٍ وأفكارٍ، حتّى يثقوا أنّهم لا يكذبون.
فمن الحقّ الفطري والطبيعي للولد أن يبحث عن الحقيقة التي تكوّن فيه تفكيره، وتقوّي ذاكرته، ولكن عندما يكون المربّون غير صادقين معه، فهم بذلك يقلّلون من فرصة تصرّفه تصرّفاً على أساس صحيح، وبالتالي تتضاعف الأخطاء في سلوكياته وتصرّفاته، وعند ذلك يتلقّى اللوم السلبي، ويركن إلى الجمود، وعدم استعمال قواه الفكريّة، فتضعف ذاكرته.
فالولد عبقريّ صغير، فهو يشبه العباقرة الكبار الذين وُجدوا في كلّ زمان ومكان والذين أفنوا حياتهم وهم يلاحقون الحقيقة بكلّ قواهم، حتّى يصلوا إليها، كي يبنوا عليها أسساً جيّدةً من القيم، التي يسيرون عليها في حياتهم. (1/126)
صفحة 127
وقد كان عمل الأنبياء في حياتهم الدعويّة كلّها على مدار تاريخ الرسالات إرشاد الناس إلى البحث عن الحقيقة، ومساعدتهم على اكتشافها، وتبيين وتوضيح كيفيّة التعامل معها.
وذاكرة الولد لا تنمو نموّاً جيّداً، ولا يستقيم تفكيره استقامةً حسنةً، ولا تستقرّ حياته، إلاّ إذا اهتمّ المربّون بتعليمه الحقائق، وأيقنوا أنّهم يستطيعون أن يتحاوروا معه.
وقد فطر الله - عز وجل - نفس الولد على التشوّق إلى معرفة الحقائق، وإلى فهم الواقع، وهذا مشاهد لديهم، يستطيع أن يلاحظه على نحوٍ واضحٍ وجليٍّ كلّ مربٍّ مخلصٍ في تربيّته وتوجيهاته.
الفصل السادس
طرق التعلّم
الأساليب التربويّة لا تشجّع
يقول "إيريك بيرن "
«نولد أمراء ثمّ نتحوّل بالأسلوب المتّبع في تربيّتنا إلى ضفادع «
تدلّ الدراسات الكثيرة الخاصّة بباء الذكاء عند الولد، أنّه يولد وهو يملك قدرات وطاقات هائلة من الاستعداد ليكون ذكيّاً ذا ذاكرةٍ قويّةٍ، وذلك ابتداءً من عمر السنتين إلى أربع سنواتٍ.
كما اكتشفت أنّ 95% من الأولاد يولدون وهم أمراء يملكون إمكانيّاتٍ ليكونوا على درجةٍ عاليةٍ من الذكاء، فإذا ما اهتمّ بها المربّون فإنّها ترتقي، ولكن الشيء المؤسف أنّ تلك القدرات تنقص شيئاً فشيئاً نتيجةً لما يطرق أذن الولد من كلماتٍ سلبيّةٍ، والتي تؤسّس في ذهنه أنّه يجب عليه أن لا يخرج عن أطر التفكير السائدة في أسرته وفي مجتمعه.
وبعد أن يخرج من إطار أسرته ويدخل إلى ميدان التعليم، يجد نظاماً يعتمد على النظام التلقيني القائم على الحفظ، ليزيد من وأد تلك القدرات وإخماد تلك الطاقات، فلا يسمع بعض الكلمات التي تبعث في نفسه الأمل في النجاح، أو تلك التي تبني الثقة القويّة في نفسه إلاّ قليلاً، أو تلك الكلمات التي تملأ نفسه تفاؤلاً وجدّاً ونشاطاً ومثابرةً. (1/127)
صفحة 128
لقد أجريت مجموعة من الدراسات على مجموعةٍ من الأولاد في سنّ السابعة، فتبيّن للخبراء بأنّ نسبة الذكاء قد انخفضت فيهم إلى 04%، ومع تقدّمهم في السنّ نقصت تلك النسبة، إلى أن وصلت إلى 02% فقط.
إنّ معوقات بناء الذكاء وتقويّة الذاكرة لدى الجيل هي في الأساس معوقات اجتماعيّة، لأنّ ما تضعه تلك النظم في ذهن الأولاد، سواء كان إيجابيّاً، أو سلبيّاً، هو الذي يتحكّم في تفكيرهم، ويوجّههم وهو ما سيجنونه في مستقبل حياتهم.
إنّ كلّ إنسان يصنع ذاته على أساس الأفكار التي تشكّلت لديه ممّن حوله، وممّا حوله، ثمّ يتدرّج شيئاً فشيئاً، فتؤثّر في ذاته تلك التجارب التي يمرّ عليها في كلّ يومٍ من أيّام حياته، من نجاحاتٍ أو إخفاقاتٍ وقع فيها، وكذلك الكيفيّة التي كان يحكمه ويوجّهه بها الأشخاص المهيمنون عليه، مثل والديه ومعلّميه ومن حوله من عناصر مجتمعه، والمعرفة التطبيقيّة التي اكتسبها على مرّ الأيام.
فعلى الوالدين وهما أقرب الناس إليه، وأحبّ الأشخاص المهمّين لديه أن يكوّنا فيه ذاتاً متفائلةً وإيجابيّةً قويّةً وثابتةً، فلا يكثران من الألفاظ التي تضعف أو تحطّم ذاته.
وقد درس العلماء وقارنوا حياة شخص عادي، وكيف يتأثر بناء ذاته بمثل هذه العبارات والألفاظ التي تكوّن فيه ذاتاً سلبيّةً، فتوصّلوا إلى بعض النتائج، منها:
ما يخبر به الدكتور "تشاد هلمستتر":
«إنّه في خلال 18سنة الأولى من عمر شخصٍ يعيشها في أسرةٍ يتعامل أفرادها فيما بينهم بألفاظٍ إيجابيّةٍ تشجيعيّةٍ، فإنّه يسمع كلمة ـ لا ـ أكثر من 140ألف مرّة «. (1/128)
صفحة 129
وكلمة ـ لاـ هي كما نعلم كلمة سلبيّة تبعث الفشل، وتكوّن الكسل والتأخّر في ذات الذي يسمعها كثيراً من قبل الأشخاص الذين يتعاملون معه ـ لا تعمل كذا ـ ولا تقل كذا ـ هذه الجمل وغيرها من هذا النوع هي التي تكوّن فيه تصوّراً سلبيّاً بأنّه لا يستطيع فعل كذا، أو لا يقدر على تحقيق النجاح في الميدان الفلاني، فتضعف عبقريّته، ويفقدها.
أو عبارات أخرى مثل ـ لماذا قمت بهذا الشيء على هذا النحو، أو بهذه الكيفيّة، لماذا لم تقم به على هذا النحوـ هذا سخيف ـ هذا خطر ـ لا تلمس هذا ـ كلّ ذلك ممّا يكوّن له الشكّ في ذاته فيعتقد أنّه غير كفءٍ في إنجاز مثل تلك الأعمال، أو القيام بمثل تلك المهام.
ومن المؤسف جدّاً أنّ سماع الكلمات الإيجابية التي تبني الثقة في النفس وتبعث فيها التفاؤل والجدّ والنشاط والعمل والمثابرة من نفس الأشخاص قليلة جدّاً جدّاً.
وقد قال نفس العالم "تشاد":
«إنّه في نفس الفترة كان عدد الرسائل الإيجابيّة التي وصلت مسامعه (والتي هي كلمات تشجيعيّة) لا تتجاوز 400 رسالة تقريبا».
فلنقارن العدد 140ألف بـ 400 فـ 140ألف تساوي 400×350، إنّها نسبة كبيرة جدّاً.
فالمعوّقات التي تعيق بناء ذاكرةٍ قويّةٍ هي في الأساس معوقات اجتماعيّة، أسريّة، فالمجتمعات التي تفقد التواصل بين أفرادها، تصل إلى مثل تلك النتائج، لأنّ بناء القوى التفكيريّة عند عناصره هو نشاط اجتماعيّ ذهنيّ وعملي غير مقصورٍ على أفرادٍ معيّنين، وهو رهن بثقافة المجتمع كلّه، والإطار المؤسّسي التعليمي للمجتمع.
الذاكرة تزداد قوّة بمواصلة العمل
لقد أجريت بحوثٌ مدهشةٌ حديثةٌ، اكتشفت أنّ الإعياء الحقيقي للعقل قلّما يحدث، وإذا اشتكى أحدٌ من الناس إجهاداً عقليّاً، فليس هذا هو نتيجة استنفاذ طاقة العقل، بل هو الملل من ذلك العمل هو الذي يحدثه في العقل، والدليل على ذلك أنّه بمجرد أن ينتقل الشخص إلى عملٍ آخر، حتّى يشعر كأنّ عقله لم يقم بأيّ عمل من قبل. (1/129)
صفحة 130
إذن فالعقل إذا ما قام بعملٍ متواصلٍ لا يصاب بالإعياء، بل يصيبه الملل، لأنّ الشخص الذي يشعر بأنّ عقله قد أصابه الإعياء، بمجرّد أن ينتقل إلى قراءة قصّةٍ، أو الاشتغال بلعبةٍ فكريّةٍ، حتّى يجد ذهنه على أتمّ ما يكون يقظةً وحيويّةً ونشاطاً، ويفسّر الخبراء هذه الحالة بأنّ ما يحسبه الشخص تعباً عقليّاً هو في الغالب تعبٌ جسميٌّ، ويرجع ذلك إلى تجمّع السموم داخل الخلايا والتي تنتج من تفاعل تلك الهرمونات التي تمدّ الخلايا بالطاقة اللازمة لعملها.
ولذلك ننصح الوالدين والمربّين أن يوفّروا أنشطةً متعدّدةً للولد حتّى يجد فيها عقله المتنفّس اللازم لخلاياه، والتي تضمن لها النشاط المتنوّع، كي تزداد قوّة استيعابها.
وإذا ما تدرّبت الخلايا العقليّة على هذه الطريقة فسوف تتدرّب على النشاط، وتألفه، حتّى يصبح فيها عادة، وبذلك تقوى، لأنّ عضلة العقل تشبه تماماً عضلات الجسم الأخرى، والتي تقوى بالعمل والتدريب والنشاط.
كما أنّه إذا ما توفّر للولد أنشطةٌ متعدّدةٌ في محيطه، تجد عضلة عقله أحسن طريقة للاستجمام والاستراحة، لأنّ الاستراحة تكمن في تنوّع الأنشطة، أكثر منها في التوقّف تماماً عن العمل العقلي، والعقل في الحقيقة لا يستفيد بالتوقّف التامّ عن العمل، بل يتعرّض للضرر، لأنّه يكون أقرب إلى أن يصدأ، ويفشل، فيفقد حيويّته ونشاطه.
ومن ناحيّةٍ أخرى فإنّ الوالدين عندما ينوّعان مجالات نشاطات العمل العقلي للولد، فأنّهما يدفعانه إلى تنوّع الإبداع، نتيجة لتنوّع مجالات تفكيره.
تدريب الولد على الإبداع
إنّ مختلف الأمم والمجتمعات تتنافس لتنميّة القدرات الإبداعيّة في أولادها والإكثار من عدد المبدعين، ذلك لأنّ القدرة الإبداعيّة تزدهر وتنمو بفضل توفير الظروف والمقوّمات والشروط المناسبة سواء داخل الأسرة، أو المجتمع الكبير، وذلك لإيمان المربّين بأنّ العبقريّة وقوّة الذاكرة ليست هبةً فطريّةً مائةً في المائة. (1/130)
صفحة 131
وتزداد حاجة المجتمعات إلى المبدعين مع طبيعة التطوّر الحضاري الرهيب، ودخول البشريّة عصر تفجّر المعلومات وبناء المجتمع المعلوماتي، وحين أصبحت الابتكارات العلميّة تأشيرةً للدخول إلى حظيرة المجتمعات المتطوّرة، ونيل عضويّة في نادي حضارة عصر المعلوماتيّة.
وينتشر الآن في كلّ المجتمعات أنّ المعرفة أصبحت قوّةً وقيمةً متزايدةً، وأنّ أكثر المجتمعات ثراءً ومنعةً وقوّةً هي أكثرها وأسرعها إبداعاً للمعلومات وتوظيفاً للمعرفة في بناء الحياة.
ولقد قرّر علماء التربية بأنّ تطوير القدرات الإبداعيّة لدى المرء منذ طفولته لا ينفصل عن العمليّة الشاملة للتنشئة الثقافيّة والتعليميّة داخل الأسرة والمجتمع وعلى جميع المستويات التي يتربّى فيها الولد، وأنّ السنوات الأولى من العمر تشكّل قاعدةً وأساساً لتقويّة القدرات التفكيريّة الإبداعيّة، ولهذا يشير المختصّون إلى عددٍ من التوصيات لتطوير تلك القدرات في الطفولة المبكّرة، وقبل سنّي الدراسة، ثمّ في المراحل التعليميّة التالية، ومن بين تلك التوصيات:
ــ تنمية الفضول المعرفي والتفكيري لدى الأولاد، وخلق الميل إلى التعلّق بالمعارف الجديدة، وتنمية الإثارة والدهشة إزاء الظواهر المختلفة داخل الأسرة والمجتمع، ثمّ تدريبهم على الفرحة عند الوصول إلى حلولٍ، أو أجوبةٍ وكشف المجهول.
ــ تنميّة قدراتهم على المبادرة إلى التساؤل عن الواقع الذي يعيشون فيه، وتدريبهم على مهارة الاستماع بهدوءٍ، ومحاولة التفهّم بكلّ موضوعيّةٍ، وراحة ضميرٍ، وانشراح نفسٍ.
ــ الخروج عن النمطيّة الجامدة، وذلك بتدريبهم على الشجاعة في الاستزادة من معرفة ما يحيط بهم من متغيّرات.
ــ تعليمهم فضيلة التعلّم والبحث عن المعرفة الواسعة، وإقناعهم بأنّ ذلك هو الفضيلة الكبرى التي يجب أن يسعى إليها كلّ عاقلٍ، يريد تحقيق النجاح والتفوّق في ميادين العلم والمعرفة. (1/131)
صفحة 132
ــ الالتزام بقواعد البحث ومناهجه العلميّة، وأنّ هذا هو الطريق الحقيقي الذي يوصل إلى الدرجات العليا في العلم والمعرفة.
ــ تدريبهم وإقناعهم بالاعتزاز بذاتيّتهم، وأنّهم لا يستطيعون أن يحقّقوها إلاّ بالعلم والمعرفة.
وإذا فهمنا الإبداع على هذا النحو، وأنّه قضيّة عصر العلوم المختلفة والاختراع والمعلومات، وأنّه أساس النهضة ورهان السبق، وهو قضيّة إيجاد مكانةٍ ساميةٍ في هذا العالم، عرفنا أنّه لا بدّ وأن نهتمّ بتربية أولاد هذا العصر على قوّة التفكير والتعلّم، وأن نهيّئ لهم الأسس والعلاقات الأسريّة والاجتماعيّة اللازمة لانطلاق نهضة وبناء إنسان قويّ الإبداع والابتكار.
تدريبه على الانتباه والتركيز
الانتباه المستمرّ أو المركّز، هو عبارة عن إعمال الجهد الذهني في سلوكٍ هادفٍ ومستمرٍّ، وليس التركيز مثل الانتباه البسيط، لأنّ التركيز يقتضي أن يكون المرء قادراً على توجيه انتباهه بشكلٍ هادفٍ لفترة طويلةٍ من الوقت، بينما يستلزم الانتباه فتراتٍ من التركيز من حين لآخر.
قاعدة
حالة الانتباه والتركيز هي الصحّة النفسيّة لكلّ ولدٍ، أمّا عدمه فهو حالةٌ مرضيّةٌ، تحتاج للعلاج
وإحدى الطرق التي ذكرها علماء الذاكرة لبناء عضلة الانتباه لدى الولد هي أن تعلّمه أمّه من خلال معاملته أن يركّز على بعض التفاصيل، وتنقل انتباهه عن عمد بين أشياء مختلفة، وبذلك ستدرّب في ذاكرته مهارة الانتباه التي يعمل بها المخّ بشكلٍ فطريٍّ، فيبحث عن كثيرٍ من التفاصيل التي يمرّ بها في كلّ مرّةٍ، وذلك ممّا يؤدّي إلى تشفير ما يتعلّمه بشكلٍ أفضل، وبالتالي سيؤدّي ذلك إلى استدعائها بشكلٍ أحسن. (1/132)
صفحة 133
والأولاد ينشؤون بأسلوبٍ فريدٍ في هندسة طاقاتهم البشريّة خلال اليوم، فهم يحبّون توزيع أنشطتهم، فتجدهم يلعبون، ويشاهدون التلفزة، ويأكلون في نفس الوقت، فهم ينتقلون بين أنشطةٍ متعدّدةٍ، ولا يركّزون على نشاطٍ واحدٍ، وإذا راقبت الأمّ أسلوب ولدها في استخدام طاقاته، ستتعجّب كيف تتشتّت وتتعدّد اهتماماته، وكم هو حجم ذلك التشتّت الذي يستطيع أن يقبله خلال يقظته.
إذن إذا كان للولد مثل هذه الطاقات، ولكنّه لا يستطيع التركيز على واحدةٍ منها في وقتٍ واحدٍ، فدور الأمّ أو المربّي أن يهذّب فيه هذا التشتّت، ويوجّه انتباهه إلى الاهتمام بطاقةٍ واحدةٍ، كي تنمو وتقوى بطريقةٍ جيّدةٍ.
وإذا اهتمّت الأمّ على جذب انتباه الولد إلى نشاطٍ واحدٍ في كلّ مرّة، فسيتعوّد على ذلك ويألفه، ويجد متعةً كبيرةً عندما يحقّق نجاحاً في نشاطٍ من تلك الأنشطة المهمّة بالنسبة إليه، فعليها أن تبحث داخل نفسه عن النشاط الذي يستهويه أكثر من أيّ نشاطٍ آخر، تجدب إليه انتباهه، فيهتمّ به أكثر، وبذلك تستطيع أن تكوّن فيه مهارة التركيز.
قاعدة
مهارة التركيز والتأمّل تعود بالنتائج العصبيّة المدهشة، حيث تضمن الصحّة لكلّ من الدماغ والأعصاب.
ولقد ذكر الخبراء أنّ حقيقة تميّز الإنسان يكمن في استخدام هذا الجهاز، بالتفكير المتواصل والمستمرّ، ويجعله يعقل، ويتأمّل وينظر، ويقارن، ويحلّل، وكلّ هذه العمليّات أساسيّةٌ في تنميّة المخّ وتقويّته.
تدريبه على التحكّم في الانتباه
تعريف الانتباه:
«الانتباه هو إعمال الجهد الذهني في سلوكٍ هادفٍ «
لقد توصّل العلماء بعد دراساتٍ عديدةٍ ومعمّقةٍ إلى أنّ قوّة الذاكرة وضعفها ليس لها علاقة بقوّة الجسم وضعفه، بل لها ارتباطٌ وثيقٌ وعميقٌ بقوّة النفس وضعفها، ويستطيع أولياء الأمور أن يكوّنوها في أولادهم بالاهتمام بتقويّة الثقة في نفوسهم. (1/133)
صفحة 134
إنّ الذاكرة قوّةٌ خاصّةٌ يستطيع كلّ مربٍّ أن يبنيها في الولد، وذلك بتكوين الاهتمام بالانتباه لديه، والانتباه للانتباه، وتعليمه يكون بكثرة الترميز والإشارات.
وإذا درّب الوالدان انتباه ولدهم فيما يتلقّاه من معلوماتٍ ومهاراتٍ، فسيجد المفتاح الأساسي الذي يمكن بواسطته أن يبني ذاكرته بناءً جيّداً.
قاعدة
«قل لي بماذا تهتمّ، أقل لك ماذا تحفظ «.
والانتباه جانبٌ من الجوانب التي يستوعب به العقل المعلومات بشكلٍ كاملٍ وأفضلٍ، لأنّ الإنسان إذا أراد أن يحفظ موضوعاً من الموضوعات ويستوعبه، فعليه أن ينتبه إليه انتباهاً كاملاً، والفهم الجيّد يحتاج إلى إدراكٍ ووعيٍ لما يريد فهمه، والوعي والإدراك لا يتحصّل إلاّ بالانتباه الجيّد، حتّى قال خبراء الذاكرة:
قاعدة
«إنّ الحفظ الجيّد يعتمد على الانتباه «.
على الأمّ أن تحاول تعليم ولدها مثل هذه المهارة، إذا أرادت أن تكوّن فيه تفكيراً جيّداً وقويّاً، وذلك من خلال كلّ عملٍ أو حركةٍ تقوم بها أمامه، فتعوّده أن ينتبه إلى عملٍ واحدٍ، ويغفل عن الأشياء الأخرى التي لا تهمّه.
وكذلك تعوّده على الانتباه من خلال تكييف حواسّه لما يقع حوله من أعمال، خاصّةً أعمالها هي بالذات، لكي يصبح من السهل عليه الاستجابة للأوضاع المناسبة، وبذلك تتعوّد خلايا وأعصاب مخّه على استقبال مختلف الأحاسيس التي ترد إليها من خلال الحواسّ، سواءً كانت منقولةً إليه منها هي، أو من أحد عناصر أسرته، أو من محيطه الأكبر.
وإذا تعلّم الولد الانتباه الجيّد، واستطاع حصره في موضوعٍ واحدٍ، يقوى إدراكه إلى درجةٍ كبيرةٍ، ويزداد فهمه بقوّةٍ لمختلف الموضوعات من حوله، وبناء الذاكرة القويّة يحتاج إلى انتباهٍ مركّزٍ، ويحتاج إلى كثيرٍ من التدريب المتواصل والمهمّ. (1/134)
صفحة 135
عليها أن تثير في نفسه أهميّةً للأشياء المهمّة الموجودة حوله، لأنّ ذلك هو الأساس في تكوين الانتباه، والميل إلى الأشياء المهمّة يكتسب بالتوجيه والتربيّة والتهذيب، ولكن إذا لم تهتمّ الأمّ بتكوين هذا الميل للأشياء المهمّة، فسوف تكوّن فيه دوافع كثيرةً تافهةً ومتوحشةً.
ولعلّ ما نلاحظه في كثير من أبنائنا من عدم الانتباه إلى الأستاذ عندما يشرح الدرس، وعدم التركيز إلى ذلك ناتج عن عدم تدريب والديهم لتلك المهارة منذ صغرهم، فتجدهم يتحرّكون حركةً مفرطةً، تشوّش على كلّ من حولهم من التلاميذ، ونتيجةً لذلك ينقص مستوى التحصيل لدى الجيل.
وتعليم الأمّ لأولادها كيفيّة الانتباه الجيّد، يكسبهم حبّ ما يريدون حفظه، وحبّ الشيء يجعله يرسخ في الذاكرة، ونتيجة لذلك تتكوّن فيها مهارات الحفظ الجيّد والقويّ.
ويرجع خبراء الذاكرة السرّ الحقيقي في بناء ذاكرةٍ قويّةٍ إلى المربيّن، فالذين يبدعون في تربيّتهم يعلّمون الولد مسبّقاً كيف يفكّر، أو بتعبير آخر يعلّمونه طريقة التفكير، وهذه التقنيّة تستطيع أن تعتني بها الأمّ والولد جنين في بطنها.
بناء شفرة الربط في ذاكرة الولد
إنّ عمليّات الربط بين معاني الكلمات، أو الأفكار، أو المناظر المتشابهة تعدّ من الحلقات المهمّة والأساسيّة التي تجمع أجزاء أو مكوّنات الفكر في بوتقةٍ واحدةٍ، والمربّي هو الذي يستطيع أن يبحث عن العناصر التي تربط بين المعاني والأفكار والمناظر.
وهناك قواعد متعدّدة توصّل إليها العلماء الباحثون في مجال الذاكرة، بحيث إذا تدرّب عليها أحد الأشخاص تدريباً جيّدا فإنّه يحسّن من عمليّات ذاكرته بصفةٍ جيّدةٍ، من حفظٍ، واستيعابٍ، وتذكّرٍ، واسترجاعٍ.
ونظام الربط هو من أفضل أنظمة الذاكرة، وسوف يمنح من يتدرّب ويعتمد عليه الأسس التي يتمكّن من خلالها التعلّم والحفظ والاستيعاب بطريقةٍ سهلةٍ، وبصفةٍ راسخةٍ. (1/135)
صفحة 136
وحينما يتمّ ربط كلّ بند في المعلومات التي نريد حفظها، ونستخدم هذا النظام، فإنّنا سوف ننشّط عدّة مهاراتٍ وطاقاتٍ وقدراتٍ غير محدودةٍ، وكامنةٍ داخل هذه المعجزة التي جعلها الله - عز وجل - داخل عقل الإنسان، وفضّله بها على سائر المخلوقات الأخرى.
والربط هو عبارة عن شفرةٍ يستعملها مخّ الإنسان لتخزين المعلومات، أو العبارات والأساليب ذات المعاني والمدلولات المتقاربة ببعضها البعض، بحيث يتمّ حفظها باستعمال تلك المعاني ليربط بعضها ببعضٍ داخل الدماغ.
وربّما تتّخذ المعلومات التي لها معاني ومدلولاتٌ واحدةٌ أو متقاربةٌ لنفسها نفس المسار داخل الأعصاب المخّية لتصل إلى مستقرّها في الخليّة العصبيّة، وتنشّط نفس الأعصاب، ممّا يجعلها أقوى استعداداً لتلقّي المعلومة، ولتمريرها إلى الخليّة التي تعدّ مخزناً لها، فلذلك تسجّل بداخلها بكلّ بساطةٍ، وبكلّ رسوخٍ، ونحن نعلم بأنّه كلّما اتّخذت المعلومات نفس المسار إلاّ كان رسوخها أفضل وأحسن من المعلومات الأخرى.
والقرب هنا يعني القرب المادّي أو المكاني أو كثافة وغزارة الاتصالات العصبيّة، وغير ذلك من الخصائص التي تربط تلك المعلومات ببعضها، والتي تعطي لها معاني واحدة، فيصبح تذكّرها كلّها بنفس الطريقة، وبمعنى آخر بنفس شفرة الاستذكار.
إنّ أحد التفسيرات التي يفسّر بها العلماء هذه العمليّة، هو أنّه عندما نريد حفظ أو تذكّر كلماتٍ أو معلوماتٍ مرتبطةٍ بعضها ببعض، فإنّ حجم العمليّة اللازمة لذلك تكون أسهل وأسرع، فلا تجهد خلايا الدماغ والأعصاب التي تربطها، وبالتالي فإنّ سرعة ردّ الفعل أو الإجابة تكون أسرع في هذه الحالة.
ومعظم المعلومات تسجّل وتستقرّ في العقل بنفس طريقة الحصول عليها، فإمّا أن يكون ذلك بصورةٍ منظّمةٍ مرتّبةٍ، ومرتبطةٍ، أو تكون بصورةٍ عشوائيّةٍ، أي بدون نظامٍ أو ربطٍ. (1/136)
صفحة 137
والبحث في العقل عن المعلومات لمحاولة تذكّرها يسير نفس المسار الذي حفظناها به، فإذا حفظناها بصفة عشوائية فإنّنا نتعب في محاولة تذكّرها، وربّما يكون ذلك تجربةً محبطةً، وغالباً ما تنتهي بالفشل، إنّها مثل البحث عن شيءٍ وضعناه في مكانٍ ما، فإذا كنّا قد وضعناه بطريقةٍ منظّمةٍ، وربطنا ذلك بشيءٍ آخر بجانبه، فإنّنا سنتذكّر مكانه بسرعةٍ عندما نحتاج إليه، أمّا إذا كنّا قد وضعناه بسرعةٍ، وبدون انتباهٍ جيّدٍ، وبدون نظامٍ أو ترتيبٍ فإنّ البحث عنه سيتعبنا كثيراً، وربّما لا نجده، أو نجده بعد وقتٍ طويلٍ.
وفي تقنيّة حفظ المعلومات، يستطيع المربّي أن يرشد المتعلّم إلى ربط كلّ واحدة منها، بالتي بعدها، أو بالتي تشبهها.
وإذا كنّا نريد للمعلومات أن تعيش معه لفترةٍ أطول، وأن يتذكّرها فيما بعد بسهولةٍ وفي أيّ وقتٍ يريد، فعلينا أن ندرّب ذاكرته على طريقة الربط بين تلك المعلومات المختلفة وبين قرائن تجمع بينها في تعبيرها، أو معنى من معانيها، أو برباطٍ يكون من إبداعنا وابتكارنا، وعلينا أن نعلم جيّداً أنّه إذا درّبنا الولد على هذه الطريقة، فسيصبح عبقريّاً وصاحب ذاكرةٍ قويّةٍ فعّالةٍ بإذن الله - سبحانه وتعالى -، كما أنّه ستصبح فيه عادةً يقوم بها بكلّ مهارةٍ، وبدون عناءٍ يذكر.
فالخطوة الأولى التي يجب علينا أن نقوم بها هو أن ندرّبه على إتقان هذه الطريقة، وسيأخذ منّا ذلك وقتاً طويلاً، ولكن علينا أن نعلم أنّها ستوفّر له جهداً كبيراً فيما بعد، لأنّها ستعينه على الحفظ السريع، والمحافظة على المعلومات بطريقةٍ فعّالةٍ، واستذكارها واسترجاعها بصفةٍ أسرع وأتقن، وبإذن الله - سبحانه وتعالى - ستصبح فيه ملكةً لم نكن نحلم بها من قبل. (1/137)
صفحة 138
فنقول له مثلا: إنّ هذه المعلومة تشبه المعلومة التي كان قد قرأها في يوم كذا، أو سمعها من فلان، وقد قالها في الإجتماع الذي وقع يوم كذا في مكان كذا، في وقت كذا، أو من المحطّة أو القناة الفلانيّة، إلى غير ذلك من الروابط التي ستعينه على استيعاب المعلومات.
وهذه الطريقة ستدرّب ذاكرته على قوّة الملاحظة والانتباه والتركيز والإبداع، وتلك العمليّات كلّها هي عمليّاتٌ هامّةٌ ومطلوبةٌ لتقوية الذاكرة وحفظها للمعلومات بصفةٍ جيّدةٍ.
ويقتضي الربط والاقتران تسجيل المعلومة المراد حفظها، وتذكّرها فيما بعد بطريقةٍ أسهل وأسرع مع ذكرى أو معلومة موجودة بالفعل داخل ذاكرته، أو مع فكرةٍ مرتبطةٍ بهذه المعلومة المراد حفظها وتسجيلها.
ومن ميزات ربط المعلومات بعضها ببعض أنّه يتيح استيعاب المعلومة المراد حفظها جيّداً، وتذكّرها فيما بعد بطريقةٍ سهلةٍ، وبجهد أقلّ لأنّها تعتمد على عمليّة التشفير التي هي من المهارات الأساسيّة لاسترجاع المعلومات.
وربط معلومة بأخرى يستلزم لاسترجاع تلك المعلومة الجديدة أن نعيد استدعاء الذكرى القديمة التي ربطت بها.
إنّ الذاكرة القويّة تنبني على سلسلة من الاقترانات تربطها جميعاً أفكارٌ متّصلةٌ، ويشبّه العلماء هذه العمليّة بسلسلة من الكلمات وُضعت مع بعضها بطريقةٍ صحيحةٍ لتكوين جملةٍ كاملةٍ.
إنّه متى نشطت هذه الارتباطات فإنّها تطلق سلسلة من الذكريات المتّصلة بشكل ما.
تدريب حواسّ الولد
يقول "ليونارد دافنشي":
«ببعض الحزن، فإنّ الشخص العادي ينظر بدون أن يرى، ويسمع دون أن ينصت، ويلمس دون أن يشعر، ويأكل دون أن يتذوّق، ويتحرّك بدون وعيٍ بدنيٍّ، ويستنشق دون أن يعي الرائحة أو العبير، ويتحدّث دون تفكير ٍ «.
قاعدة
إذا اهتمّ الوالدان أو أحدهما بتنمية حواسّ الطفل، فإنّ ذاكرته تنمو وتتحسّن بطريقةٍ أفضل. (1/138)
صفحة 139
ويرشد الخبراء كلّ من يريد تقويّة ذاكرة ولده أن يهتمّ بحواسّه، لأنّها تعدّ وسائل تقويّةٍ جيّدةٍ، وأن يحافظ عليها بشكلٍ جيّدٍ، لأنّها هي النوافذ التي تصل بواسطتها مختلف المعلومات إلى الذاكرة، وقد وجدوا أنّه من الضروري واللازم إذا أردنا تنميّة ذاكرته وتقويّتها أن نجعل الحواس كلّها أكثر حساسيّة، وأن ندرّبها بانتظام.
فالولد عبارةٌ عن معجزةٍ متحرّكةٍ، تحتوي على طاقاتٍ كامنةٍ، لا يعلمها إلاّ خالقها - عز وجل -، ولا تستطيع هذه المعجزة أن تحقّق أهدافها التي خلقها الله - سبحانه وتعالى - من أجلها في هذه الحياة إلاّ من خلال تلك الحواسّ، فالذكاء الخاصّ بالحواسّ هو ذكاءٌ يتعلّق بمقدار الاهتمام الذي توليه الأمّ لتلك الحواسّ.
فحواسّ الولد أذكى ملايين الأضعاف ممّا يعتقده المربّون، فما عليهم إلاّ أن ينتبهوا إلى تدريبها بالمقدار اللازم للوصول بها إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ من العمل والانتباه، كما يجب عليهم أن يعلموا أن ذلك التدريب يعدّه الولد بمثابة إمتاعٍ لعقله ولجسده.
فكلّما استمرّت الأمّ في استخدام ودفع كلّ حواسّه لملاحظة ما يوجد حوله من لقطات الحياة الواقعيّة، وأرغمته على استعمالها، خاصّةً إذا كانت ذكيّةً فهي تجعل ذلك التنشيط بمثابة إمتاعٍ ومؤانسةٍ لفلذة كبدها.
والأمّ المهتمّة بتنميّة ذاكرة ولدها تستعمل معه كثيراً من المهارات التي تدفع حواسّه إلى العمل بطريقةٍ أفضل، فمثلاً تعلّمه كيف يميّز بين الألوان، كي تنمّي حاسة البصر لديه، كما تستطيع فعل ذلك من خلال تعليمه قراءة بعض الحروف، أو الكلمات في بعض الكتب الخاصّة بالطفل. (1/139)
صفحة 140
فالقراءة والمطالعة تنمّي كامل حواسّ الطفل وتطوّرها، فأمّه تقرأ عليه بعض الكلمات بصوتٍ عالٍ، فتدفع سمعه إلى الاستماع الجيّد والمركّز، وتريه بأصبعها الكلمة التي هي بصدد قراءتها من الصفحة، تدفعه بكلّ انتباهٍ وتركيزٍ إلى متابعتها بعينه، وبذلك تجعل حاسّة بصره تنمو وتركّز على ما يوجد أمام صاحبها.
والقراءة تغيّر ميوله بانتقاله من مادةٍ إلى أخرى، والانتقال من استعمال حاسّةٍ بعد أخرى، فيصبح ذلك أمراً طبيعيّاً لديه، مألوفاً من نفسه، وتدريبه بتلك الطريقة تنوّع له اهتماماته، واختصاصاته فلا يقلق، كما أنّه يتحصّل من خلال ذلك على معلوماتٍ مهمّةٍ، تزيد من تنمية خلايا مخّه، وتقويّ أعصابه، وتبعث في نفسه السعادة.
فعلى الأمّ خاصّةً ومن معها في بيئة الولد أن يهتمّوا بأن يدفعوه لأن يستمتع بالأصوات التي يسمعها، لأنّ الأطباء اكتشفوا أنّه من الممكن أن يكون هناك تأثيراً إيجابيّاً لأصواتٍ معيّنةٍ على صحّته.
والشيء المهمّ الذي يبشّر به العلماء الأمّ أنّ الولد في الواقع يعرف كيفيّة استخدام حواسّه التي منحه له ربّه بالفطرة، وفي سنٍّ مبكّرةٍ، فنلاحظ أنّ الصغير ينظر في عين أمّه، أو أبيه لمعرفة ما يحدث بداخلها، فإذا نظر أحدٌ في عيني طفلٍ صغيرٍ لفترةٍ طويلةٍ دون أن يبتسم له، أو يكلّمه، فإنّه يبكي لإحساسه بعدم الأمان.
وتستطيع الأمّ أن تمرّن عينيه على الحركة في مستوياتٍ رأسيّةٍ وأفقيّةٍ، وذلك بجذب انتباهه بشيءٍ تمسكه في يدها، فتحاول أن يتبعه بعينيه، وفي كلّ مرّةٍ تزيد من سرعة حركته بالتدريج، والهدف من هذا التدريب هو اعتياد العينين على أداء وظيفتهما بدقّةٍ وبشكلٍ جيّدٍ، مع تقوية أعصابهما وعضلاتهما التي تحرّكهما.
تدريب حاسّة السمع (1/140)
صفحة 141
إذا أردنا أن ندرّب حاسّة السمع على الإصغاء الجيّد لدى الولد فعلينا أن ندفعه ليمارس الاستماع لكلّ الأصوات التي تحيط به بانتباهٍ وبعنايةٍ، وفي الوقت نفسه نحاول أن ندرّبه على التركيز على الأصوات الأكثر أهمّية، لأنّ ذلك يعدّ تنشيطاً جيّداً للخلايا المخّية.
فعندما تصل النبضات الكهربيّة للصوت الآتية بواسطة العصب السمعي عبر المسارات المختلفة إلى مراكز السمع في المخّ، يبدأ في إدراكها، ثمّ تنتقل وهي عبارة عن إشارات جديدة إلى مركز آخر مجاور له، يعرف بالمركز السمعي الثانوي.
ويحتوي المركز الثانوي السمعي على أرشيف للأصوات في مخزن الذاكرة، وكلّ صوت مسموع يقارنه بأصوات كانت قد اختزنت من قبل في الذاكرة، فيتعرّف على نوعيّتها، ثمّ يستنتج بأنّ هذا الصوت هو لفلان، وهذا هو للحيوان الفلاني، والآخر للآلة الفلانيّة.
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ الولد يعرف صوت أمّه معرفة تامّة، لأنّ ذلك الصوت قد سجّله في مركز دماغه عندما كان في بطن أمّه.
ولذلك فكلّما زادت الأمّ من إسماع ولدها الأصوات المختلفة، كلّما زادت من تنشيط ذاكرته، لأنّها بذلك تفتح ملّفات جديدة داخل خلايا مخّه.
وقد ذكر العلماء لزوم تدريب الولد على التحلّي بآداب الإنصات، كي ينشأ على تلك الآداب، وقالوا بأنّ الاستماع والإنصات هما أمران مهمّان في حياة الولد، وخاصّة في تنشيط خلايا المخّ.
فهذا الاستماع بانتباه وتركيز يحدث تغيّراتٍ مفيدةٍ في خلايا الدماغ، لأنّه يجعل حاسّة السمع مرهفةً صحيحةً وحادّةً، تؤدّي دورها أحسن أداء، فتقوى الذاكرة السمعيّة لدى الولد، ويصبح في حالة يقظةٍ تامّةٍ وانتباهٍ جيّدٍ.
وكما يمكن لعضلات الجسم أن تقوى بالمداومة على الرياضة، فكذلك يمكن أن تقوى عضلة المخّ، لأنّه من أعضاء الجسم، والذاكرة والحافظة تكون بالمداومة على المطالعة الدسمة والغذاء الذهني المهمّ. (1/141)
صفحة 142
إنّ أصعب شيءٍ يجب أن نبنيه داخل مخاخ أولادنا هو أن نعينهم في بناء الممرّات المعقّدة التي تمرّ عبرها المعلومات لتستقرّ داخل خلايا مخاخهم، وهذه هي المهمّة الصعبة على الإطلاق، والتي يجب على المربّي أن يهتمّ بها اهتماماً بالغاً، ويعدّ هذا العمل من مسؤوليّة الأمّ بالدرجة الأولى، لأنّه إذا ما تدرّب مخّ الطفل على تكوين الممرّات فإنّه سينمو بذلك، ويتعوّد عليه، ويتطوّر بصفةٍ إيجابيّةٍ، وهذا ما يجب أن يقوم به المربّي بكلّ ما أوتي من ذكاءٍ، وذلك بالمثيرات المختلفة والمحفّزات، وخبراء الذاكرة يقرّرون بأنّه:
«ليس هناك ذاكرةٌ قويّةٌ، وأخرى ضعيفةٌ، وإنّما هناك ذاكرةٌ مدرّبةٌ، وأخرى غير مدرّبةٍ».
وقد توصّل الخبراء بعد بحوثهم الكثيرة بأنّ خلايا المخّ قد فطرها خالقها على البحث الدائم عن المعرفة، أي قد جعل فيها آليّة البحث، وتعدّ المعلومة إحدى الشروط اللازمة لبقاء الخلايا في نشاطٍ وعملٍ متواصلين.
إنّ خلايا المخّ في حاجةٍ دائمةٍ إلى غذاءٍ من البيانات والمعرفة لكي يتمّ تفعيلها، ولكي تجد سبباً وهدفاً لاستخدام الغذاء والأكسجين الوارد إليها، وكلّما استغلّت ذلك بشكلٍ جيّدٍ كلّما ازدادت قوّتها.
والتكرار هو الذي يكوّن الممرّات في الأعصاب المخّية التي تربط بين خلايا المخّ، ويسوق العلماء مثالاً لذلك من الواقع. (1/142)
صفحة 143
فلنتصوّر أنّ شخصا يريد أن يشقّ طريقاً داخل تلك الغابة لأوّل مرّةٍ من طرفها إلى نهاية الطرف الآخر، ففي المرّة الأولى التي سوف يمرّ فيها عبرها، سوف تواجهه مصاعب كثيرةٌ، ومقاومةٌ قويّةٌ في الطريق، ولكن بعد أن يصل إلى نهايتها، ثمّ يعود إلى البداية التي انطلق منها بأوّل خطوةٍ، ويتّبع الطريق نفسه التي شقّها من قبل، فسوف لن تواجهه تلك المصاعب التي واجهته في المرّة الأولى، وسيظهر الطريق أمامه أكثر سهولة وواسعاً يسير فيه بكلّ حرّيةٍ، وكأنّه لم تكن توجد فيه تلك المصاعب التي واجهته في البداية أصلاً، وإذا عاود السير فيه مرّةً ثالثةً ورابعةً، فإنّه سيتحوّل إلى طريقٍ واسعٍ يستعمله الناس دون خوفٍ أو حرجٍ، وكأنّه كان موجوداً وممهّداً من قبل، وربّما سيتحوّل بعد مدّةٍ من الزمن إلى طريقٍ شبه معبّدةٍ تسير فيه السيّارات من دون أيّة صعوبةٍ.
تأثير الصوت الحسن في خلايا المخّ
في عام 1896 سجّل بداية الاهتمام الطبّي الحديث باكتشاف التأثيرات الإيجابيّة للصوت الحسن على خلايا مخّ الإنسان التي تزيد من تدفّق الدم في شرايينه، وتساعد على الصفاء العقلي، وكان ذلك في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
وهذا التاريخ يمكن اعتباره بداية انتباه الطبّ الحديث للعلاج بالصوت.
ومن بين الخبراء الذين درسوا هذا الموضوع دراسةً مستفيضةً الفيلسوف والرياضي الشهير "فيتاغورت؟ وذلك منذ 2500 سنة، فقد كان يخبر تلامذته ويعلّمهم كيف يستفيدون من الأصوات التي تساعدهم على العمل والاسترخاء والنوم والصحو بعافية.
وهذه الأصوات المختلفة الدرجات والألحان تترك أثراً إيجابيّاً في نفس الإنسان، ممّا يعدّل إفراز الهرمونات في جسمه، والتي هي مسؤولةٌ في الدرجة الأولى على حالته النفسيّة، وقد أجرى الخبراء دراساتٍ واسعةً في موضوع تأثير الهرمونات في جسم الإنسان. (1/143)
صفحة 144
ومن هذه الهرمونات التي لها تأثيرٌ عجيبٌ في أجهزة جسم الإنسان هرمون [الأندروفين] الذي ينشّط خلايا المخّ، ويجعل الأعصاب تتّصل فيما بينها بشكلٍ جيّدٍ وتامٍّ، ممّا يسمح للمعلومات بتكوين ممرّاتٍ قويّةٍ دائمةٍ لنفسها، وكأنّها طرقٌ معبّدةٌ مهيّأةٌ، ليس فيها أدنى معرقلٍ لمرورها، وذلك لما تفيضه تلك الأصوات من هدوءٍ وطمأنينةٍ على الأعصاب التي تربط بين الخلايا المخّية.
ولقد أثبتت بعض الدراسات التي قام بها علماء الأعصاب [السلوفاك] إمكانيّة تحفيز بعض مناطق المخّ المسئولة عن التحكّم في عمليّات التذكّر والاتّزان الحركي العصبي عند الوليد من خلال الاستماع إلى بعض الأصوات، حيث تتأثّر تلك المناطق بالإيقاعات والفواصل والتغيّرات والتقلّبات اللحنيّة الموجودة فيها.
وقد وجدوا أنّ هذه التجربة صالحةٌ جدّاً وبطريقةٍ فعّالةٍ على الأطفال حديثي الولادة، والتي أكّدت وجود علاقةٍ إيجابيّةٍ بين درجة تعرّضهم لتلك الأصوات ودرجة تطوّر قدراتهم الذهنيّة.
وخاصّةً إذا علمنا بأنّ الخلايا المخيّة تتكوّن لدى الولد في سنواته الأولى من بعد الولادة، لأنّ حوالي 80% منها تتكوّن قبل سنّ الستّ سنوات من عمره.
لذلك إذا درّبت الأمّ ولدها على السمع الجيّد لبعض الأصوات من حوله، فإنّها تدرّب فيه شقيّ المخّ معاً، وهذه العمليّة تعدّ أحسن وسيلة لتدريب المخّ تدريباً جيّداً، لأنّ الكلمات يتمّ علاجها في الجانب الأيسر، والصوت الحسن هو من اختصاص الجانب الأيمن.
ولسبب ما فقد جعل الله - عز وجل - حجّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آياتٍ كريمةً تسمع، وتحفظ في الصدور، وتتناقل بين الرواة عن طريق السمع، وتقرأ بقواعد التجويد وبترتيلٍ جيّدٍ، خاصّةً إذا تلقّى الولد ذلك التلقين من طرف أمّه التي قد حفظ بصمة صوتها في عقله الباطن، وقد اكتشف العلماء أنّ لكلّ إنسانٍ بصمته الخاصّة بصوته، وهذا ما لم يكن معروفاً من قبل. (1/144)
صفحة 145
ولكلّ إنسانٍ صوته الخاصّ الذي يحدث بواسطة عمليّاتٍ معقّدةٍ تتمّ في الدماغ بتعليماتٍ معيّنةٍ يتمّ بواسطتها إصدار هذا الصوت الذي هو عبارة عن موجاتٍ ميكانيكيّةٍ، ومن هنا نستطيع أن نفهم قوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ}
[الروم ـ 22]
كما أنّ صوت كلّ إنسانٍ يتأثّر بالأحداث التي تمرّ عليه، من حبٍّ وحنانٍ وعطفٍ، أو بغضٍ وكراهيّةٍ وغضبٍ، كما أنّه يتأثّر بطبيعة كلّ صوتٍ على حسب حالته التي يكون فيها، لأنّ نفسه تتفتّح، وتنشرح للسماع والتأثّر، أو تنقبض ولا تنشرح، فلا تتأثّر.
ومن هنا نستطيع أن نفهم جيّداً وبصفةٍ إيجابيّةٍ مقنعةٍ كيف يتأثّر الطفل بصوت أمّه وهي تلقّن له كلام ربّها - عز وجل - بكلّ محبّةٍ وحنانٍ واهتمامٍ وانشراحٍ، أو تعلّمه قراءة بعض الكلمات.
لقد حفظ بصمة صوتها قبل أن يخرج إلى هذا الوجود، لأنّه قد سمعه وعرفه وهو جنينٌ في بطنها، فهو يحنّ إليه ويحبّه أكثر من أيّ صوتٍ آخر على وجه هذه الأرض.
وصوت أمّه وهي تتلو كلام الله - عز وجل -، أو تعلّمه القراءة يملأ نفسه أماناً وطمأنينةً وسكينةً، فتنشرح نفسه، ويستنير قلبه، فتعمل قواه العقليّة بأقصى درجةٍ ممكنةٍ، وإذا تدرّبت الخلايا على ذلك، فإنّها ستصبح قادرةً على الاستيعاب الجيّد لما يلقى إليها من المعلومات الأخرى، فيصبح صاحبها ذكيّاً فطناً عبقريّاً، وخاصّةً إذا عوّدت نفسها أن تقوم بذلك قبل نوم ولدها، وهو مستلق على فراشه، يستعدّ للنوم.
بناء ذاكرة الولد بالقراءة
ــ القراءة والمطالعة غذاء ذهني يغذّي العقل، فيقوى، ويعمل بطاقاتٍ كبيرةٍ، لأنّها رياضةٌ لخلايا المخّ.
ــ القراءة تنوّع من الاتّصالات بين خلايا المخّ.
ــ القراءة تعين على تعلّم التعبير والحوار، وتفتّق الخيال الواسع.
القراءة تنوّع من ينابيع العلم والحكمة. (1/145)
صفحة 146
ــ وعقل الإنسان يحتاج إلى تنويع المعلومات التي ترد إليه، ويهوى الانتقال من تعبير إلى آخر، ومن اختصاص إلى آخر، كي تزيد وتنمو وصلاته بين خلاياه، وتقوى أعصابه.
ــ القراءة تؤثّر على النفس، وعلى العقل الباطن، فتخفّف من الضغوط، أو تبعدها تماماً عن التفكير فيها، لأنّها تصرف من التفكير في المشاكل اليوميّة للحياة إلى التفكير في المثل العليا.
ــ اغتنام الوقت وعمارته بما هو نافع منتجٌ في كلّ نواحي الحياة.
ــ القراءة تجعل الإنسان يشعر بقيمته. ولماذا يا ترى؟
لأنّه يستطيع أن يحاور، ويناقش ويشارك في الاجتماعات التي تضمّه مع غيره من الناس.
ولأنّ القراءة تقوّي الأسلوب والتعبير، بخلاف الوسائل المعرفيّة الأخرى فهي توفّر لنا المعلومات، ولكن لا تقويّ فينا الأسلوب والتعبير.
ــ القراءة تدرّب على حلّ كثير من المشاكل، وتزيد بشكلٍ هائلٍ من قدرات العقل على التحليل والإبداع والابتكار والتواصل.
ــ إذا استغرق الإنسان في القراءة المثمرة بردت أعصابُه، وسكنت نفسه، وغمره فيضٌ من الاطمئنانِ.
ــ القراءة تنشّط العقل بشكل طبيعي.
والكتاب هو الذي إن نظر فيه الولد درّب عينيه على النظر الجيّد، وعلى التركيز على هدفٍ معيّنٍ، وأطال إمتاع نفسه، وشحذ طباعه، وبسط لسانه، خاصّةً إذا كانت الكتابة مرفوقة بالصور الملوّنة، وغالباً ما تكون كتب الأطفال على هذا الشكل.
وإذا كانت الأمّ تقرأ على ولدها، فعليها أن تتبع الكلمات بأصبعها للإشارة إلى الكلمة التي تنطقها، لأنّ ذلك من الأسباب الأساسيّة لجلب انتباه الطفل، فيركّز بعينيه على تلك الكلمة، وذلك يمثّل طريقةً ممتازةً للمساعدة على تدريبه على التركيز الجيّد والكامل. (1/146)
صفحة 147
وعدم اهتمام المربّين بتدريب الأولاد على حبّ القراءة والاهتمام بها يشكّل مشكلةً هائلةً في بناء ذاكرتهم بكلّ ما تعنيه الكلمة، لأنّ هذا المشكل يؤدّي إلى تراكم الجهل لديهم، وتراكم الجهل يؤدّي إلى تعطيل العقل عن العمل، ويساعد على حبّ النفس والاعتداد بها، وهذا هو الخطر العظيم، حيث يجعل صاحبها لا يستخدم ذاكرته، لأنّه يظنّ بأنّه يعلم كلّ شيء.
تدريب الولد على القراءة
على حسب ما أكّدته الدراسات العديدة من وجود علاقةٍ وثيقةٍ بين تدريب الصغار على القراءة والحوار وتقويّة ذاكرتهم، فقد حاول بعض الباحثين الاجتماعيين أن يدافعوا عن الفطرة القائلة بأنّ قوّة الذاكرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً وعميقاً بتعوّد الصغار القراءة والمطالعة منذ بداية إدراكهم، وهذه الفرضيّة مستمدةٌ وتعتمد على المقولة التي أكّدتها دراساتٌ عديدةٌ والتي تبرز المستوى الثقافي والتعليمي من ناحية، وقوّة الذكاء من ناحيّةٍ أخرى.
ومن بين المدافعين عن هذه الفرضيّة الباحثة الفرنسيّة "ميشيل بوتي" التي أجرت دراسةً ميدانيةً على الأحداث المقيمين في الأحياء الفقيرة، حيث توصّلت إلى أنّه من شأن تعويد شبّان هذه الأحياء القراءة والمطالعة، فإنهم يستعيدون ثقتهم بأنفسهم ويكوّنون صورةً إيجابيةً عن ذاتهم، ويحترمون الآخرين، وكلّ هذه الحالات النفسيّة من شأنها أن ترفع من مستوى التفكير لديهم.
وتبرز "ميشيل بوتي" من خلال المقابلات التي أجرتها مع عيّنةٍ واسعةٍ من الشباب والشابّات كيف أن تدريبهم وتعوّدهم للقراءة والمطالعة قد ساعدهم كثيراً على اكتشاف ذواتهم وزادهم ثقةً بأنفسهم، وقويت لديهم مهاراتهم الذهنيّة والتفكيريّة. (1/147)
صفحة 148
كما فتح أمامهم الطريق للتعرّف على مجتمعاتٍ جديدةٍ لها عاداتٌ وتقاليد وأفكارٌ مختلفةٌ واسعةٌ، وبالتالي ساعدهم ذلك على تقبّل الآخرين واحترامهم وفتح الحوار معهم وهذا رغم اختلافهم عنهم، ولا يخفى على أحد من الناس مدى تأثير الحوار البنّاء على تنمية القوى الفكريّة.
وفي دراسةٍ ميدانيّةٍ أجراها الباحث الفرنسي "جاك فورتان" حول العلاقة بين مستوى التفكير داخل المؤسّسات التعليميّة من جهة، وبين مستوى قوّة الذاكرة من جهة أخرى، فتبيّن له في معظم الأحيان وأغلبيّة الحالات أنّ الأسرة في هذه الفئات المحرومة لا تحبّب القراءة والتعليم لأولادها، وتعاني من تدني مستواها الثقافي.
ويقول "فورتان": إنّه ما لم نتمكّن من توجيه هؤلاء إلى القراءة والمطالعة، والرفع من مستواهم الثقافي، حتّى يكوّنوا لأنفسهم رصيداً لغوياً يستطيعون أن يعبّروا به عن أنفسهم، ويعبّروا بالكلمات عن مشاعرهم وانفعالاتهم، فإنّهم سيتعرّضون لاحتمالاتٍ متعدّدةٍ كأن يتحوّلوا إلى متخلّفين في دراستهم، لأنّ مستوى تفكيرهم وذاكرتهم بقي ضعيفاً.
ويجب على الوالدين وخاصّةً الأمّ أن يعلموا بأنّ سرعة تكوين التعبير الكلامي لدى الولد ينبني على أساسين، وهما:
ــ اختيار الكلمات المناسبة لعمر الولد والمقبولة لديه، ومحاورته بها بكثرة.
ــ كثرة استعمال الكلمات التي تناسب إدراك الطفل، لأنّ كثرة الاستعمال للكلمات المناسبة، تجعل الولد يتذكّرها بسرعة، وذلك لثبات مسارها في خلاياه المخّية.
وعلينا أن نعلم جيّدا أنّه على قدر تعلّم الولد لكثيرٍ من الكلمات وهو صغيرٌ، مع استعمالها بكثرةٍ تتكوّن المسارات الكثيرة والثابتة في ذاكرته، ولكن الكلمات التي لا تستعمل في مختلف مراحل عمره ينساها. (1/148)
صفحة 149
وبالحوار البنّاء والإيجابي تدفع الأمّ ولدها إلى إيجاد ذلك الضوء الذي يشعّ داخله، وتجعله يخرج إلى واقع حياته، فينير له طريق العمل الجادّ والمثابرة، ولكن إذا ما أخمدت فيه مهارة القراءة، تخمد جذوة ذلك الضوء، وتمنعه من الإنارة إلى خارج النفس.
كما يجب عليها أن تعلّم ولدها أن يبحث عن ذلك الضوء داخل نفسه، ولا ينتظر أن يتسلّمه من أيّ شخصٍ آخر مهما كان، لأنّه بذلك يتعلّم الاتّكاليّة، ويتعلّم بأن يربط نجاحه بغيره من عناصر أسرته، أو مجتمعه الواسع.
العقل بفطرته يحبّ التحفيز
إنّ العقل البشري قد فطره خالقه ليعمل، وليحقّق نتائج إيجابيّةً، وكلّما حقّق نتيجةً إيجابيّةً ناجحةً، كلّما ازداد تعلّقه بالعمل، ليحقّق نتائج أخرى، وإذا تركه صاحبه دون عمل، ودون تحفيز له، فسيكون مآله إلى الخمود والجمود، وعدم العمل.
فالتطوّرات العصريّة التي ظهرت في العصر الحديث تحرم العقل من كثيرٍ من طموحاته التي فطره عليه خالقه، وتسبّب له كثيراً من الضغوطات التي تضعف تفكيره، وتشتّت انتباهه، بينما قوّة العمل والإنجاز تقوّي وتصحّح عمل العقل البشري، وتدفع به إلى طريق التفكير الإيجابي الذي هو السبب الأوّل لتكوين مهارة الإبداع، وتكشف له مبدأ التحفيز لهذه المعجزة التي حار فيها العلماء، وبذلك يكتشف القدرات اللانهائيّة على التفكير، ومن وراء ذلك قدرته على التحسّن والنجاح مدى الحياة.
وقوّة العمل والإنجاز تبعث العزيمة في النفس البشريّة، وتقويّ فيها الهمّة وحبّ العمل والإبداع، وهذا بشرط أن تنجز أعمالها بإخلاصٍ وصدقٍ وإحسانٍ.
وإنجاز الأعمال الكثيرة تعدّ تدريباتٍ للمرونة الذهنيّة، ومثل هذا النشاط يعمل على تنشيط اللياقة الذهنيّة من خلال حفز آلتين، ألا وهما التخلص من الضغوط العقليّة، والتحفيز العقلي. (1/149)
صفحة 150
والعقل البشري قد برمجه خالقه وفطره ليحسّ بشعورٍ عميقٍ من الرضا، وذلك عندما يؤدّي عملاً من الأعمال بطريقةٍ جيّدةٍ متقنةٍ، لها معنى في واقع الحياة، بمعنى أنّها تنتج منابع حقيقيّةً لاستمرار الحياة، لأنّ العقل البشري يتعلّق دائما بالأعمال التي لها معنى في الواقع، وهذه يسمّيها علماء الذاكرة بـ (التحفيز المرتبط بالمجهود).
لقد وجد الخبراء بعض المناطق في المخّ تشترك في مثل هذا التحفيز، ونتيجةً لذلك تفرز بعض الهرمونات التي تحثّه على العمل بطاقةٍ أكثر وأقوى من التي كان قد استعملها من قبل في العمل الذي نجح في أدائه، وذلك مثل هرمون السيروتونين الذي يعدّ ناقلٌ عصبيٌّ في الجسم والمخّ وهو المسؤول جزئيّا عن تنظيم المزاج، والعقل يعمل بشكل أفضل عندما يكون مزاج صاحبه جيّداً ومتوازناً.
وهذا التحفيز ربّما يدفع الخلايا العصبيّة لإفراز هرمون الأسيتيل كولين، الذي يعدّ إحدى ناقلات الرسائل التي تلعب دوراً هامّاً في عمليّة التركيز والتعلّم والحفظ والاستيعاب، ثمّ تذكّر المعلومة فيما بعد، وقد توصّل الخبراء من خلال دراساتهم الكثيرة التي قاموا بها على المخّ وعمليّات الحفظ والتذكّر إلى أنّ الخلايا العصبيّة الكولينيّة التي تفرز هذا الهرمون عندما تصاب بالتدهور، فإنّ صاحبها سيصاب بضعف مختلف عمليّات الذاكرة.
كما اكتشف الخبراء غدّةً بحجم الفول قالوا بأنّها مركز الشعور بلذّة المكافأة التي يتحصّل عليها كلّ شخصٍ ينجح في أداء عملٍ بكلّ إتقانٍ، وربّما تلك الغدّة هي التي تفرز الهرمون الذي يبعث في العقل النشاط بعد تحقيق النجاح، فيعمل بشكلٍ أفضل، وهي التي تتدخّل بهرمونها الذي تفرزه، فتضمن للعقل قوّته التي يعمل بها ليحافظ على حيويّته ونشاطه. (1/150)
صفحة 151
وكلّ هذا النشاط والحيويّة سوف تدفع وتستخدم العضلات الذهنيّة، وسوف يغيّر هذا من الطريقة التي يفكّر بها الشخص، وربّما قد جعل الله - سبحانه وتعالى - في العقل البشري مثل هذه الهرمونات التي تملأ المخّ بالحيويّة والنشاط كلّما استطاع أن يؤدّي عملا على أحسن حال.
إنّ هذه الحالة تبيّن لنا بأنّ عقلنا قد فطر على العمل في الجهة الإيجابيّة، لأنّه كلّما استطاع تحقيق هدفٍ إيجابيٍّ ازداد نشاطه وحيويّته، وأنّ هذا يعدّ مبدأ من المبادئ التي يعمل بها العقل بطبيعته وفطرته.
ومن كلّ هذه القواعد والفطر التي فطر الله - سبحانه وتعالى - العقل البشري، خاصّةً الولد الصغير الذي له عقل صفحته بيضاء فارغة، يجب على الأمّهات أن يشجّعن أولادهنّ بمختلف التحفيزات سواء منها المعنويّة، أو المادّية، حتّى يدفعن مخاخ أولادهنّ إلى النشاط والحيويّة، وبذلك يضمن استخدام وتنميّة عضلاتها الذهنيّة.
وعندما يتدرّب الطفل على هذه التمرينات، فسيعزّز عمل عقله، ويصبح أكثر قوّةً ونشاطاً، وأكثر استيعاباً، وينشأ وهو مثابر على العمل، يفكّر تفكيراً إيجابيّاً في مختلف نواحي الحياة، ويعتقد في نفسه بأنّ عمل عقله سيجلب له النجاح والتفوّق.
وتظهر البحوث يوماً بعد يومٍ بأنّ الأطر الإيجابيّة للعقل يمكن أن تدعّم عمله وإنجازه، وتجعله يوجد المزيد والمزيد من مجرّات الأفكار، والتي سوف تعمل في نفس الوقت على إيجاد روابط مادّيةٍ عضويّةٍ داخل أعصاب وخلايا المخّ، وبهذا سوف تزداد قوّة وحيويّة هذا الجهاز الذي يحتاج دائماً إلى مثل هذه التحفيزات الإيجابيّة، كي يصل إلى درجةٍ عاليةٍ من التطوّر والقوّة والنجاح. (1/151)
صفحة 152
وهذا التفكير الإيجابي الذي تدرّب الأمّ عليه مخّ ولدها بما تقدّمه له من تحفيز وتشجيع تستقي منه كلّ خليّة من خلاياه المعرفة الجديدة والتجارب الخاصّة بالتعلّم، وهذا هو عبارة عن دائرةٍ حلزونيّةٍ مطّردة النموّ، وهي الوسيلة التي سوف تمكّن العقل من تكوين بنيةٍ أكثر رقيّاً وتصميمٍ أكثر تعقيداً لعقل الولد.
ومن كلّ هذه المقولات والمعلومات نتوصّل إلى حقيقة إيجاد أنّ الأمّ هي المسؤول الأوّل على بناء المزيد والمزيد من استراتيجيّات التفكير عند عقل ولدها، وخلق المزيد والمزيد من الروابط الذهنيّة رائعة التعقيد مع عشرات الآلاف من جاراتها وصويحباتها، والتي تسمّى بالتشابكات الكيميائيّة الحيويّة الكهرومغناطيسيّة (النبض العصبي) وهي من الأسباب الرئيسيّة الإيجابيّة في قوّة عمل العقل، وقوّة استيعابه، وبذلك توفّر للعقل التعلّم بطريقةٍ صحيحةٍ.
التحفيز يقوّي ذاكرة الولد
إنّ المربّي الذكيّ الذي يريد بحقّ أن ينجح ولده هو الذي يتمتّع بقلبٍ متفتّحٍ للملكات والقدرات الموجودة داخل نفس ولده، ولا يمكنه أن يفعل ذلك إلاّ بتحفيزه مرّةً بعد أخرى، لأنّ ذلك يجعل تلك المهارات تنمو، وتقوى بشكلٍ حسنٍ.
وهذا التحفيز لذاكرة الولد وممارسة الاستثارة لقدراته تمكّنه من المحافظة على تدفّق التيار الروحي القويّ الموجود داخله، وسيجد أنّه يستطيع تحقيق نجاحاتٍ، وبعد وقتٍ قصيرٍ سوف يبدأ بالاستمتاع بمجرّد تقديم مثل ذلك التحفيز.
كيفيّة التحفيز:
1ــ أنّ أسلوب التحفيز لا بدّ أن تحبّه النفس، وإذا لم تفلح المكافأة في تدعيم السلوك، ولم يرغب الولد فيه، فيجب أن يبحث المربّي عن ثوابٍ آخر.
2ــ حجم التحفيز، كي تتشبّع النفس بنوع الثواب، يجب تغييره بين مدّةٍ وأخرى، وأن لا تحصل عليه بمقادير كبيرةٍ مرّةً واحدةً، حتّى يترك المربّي دائماً مجالاً للزيادة فيه، من حينٍ لآخر. (1/152)
صفحة 153
3 ــ أن تتناسب المكافأة مع اهتمامات النفس، وحاجاتها، مع عدم الإفراط في المكافآت المادّية، ويمكن للمربّي خاصّةً أن يتّفق مع الولد على المكافأة التي سيقدّمها له، عندما يحقّق عملاً من الأعمال المهمّة.
4 ــ الثواب المعنوي أفضل من الثواب المادّي، لأنّ المعنوي يتيح للنفس أن تبني وجدانها وضميرها، ويقوّي فيها الثقة، ويصوّب أخلاقها، ويشعرها بأنّها قد أحسنت في تأديّة عملها، وأنّها قادرةٌ على الزيادة في الإتقان.
أمّا الثواب المادّي فيعلّم النفس مبدأ الحصول على المنفعة، ويجعلها تزداد حرصاً على الاستزادة من تلك الأشياء المادّية، مثل الهدايا والنقود، فيخرج معنى الثواب عن هدفه الذي نريد أن نتحصّل عليه من خلاله، ولا يؤدّي المقصد الذي نرمي إليه، ويصبح لدى النفس غايةً، بدلاً من أن يكون وسيلةً، كما أنّه يجب أن لا تثاب النفس على واجبٍ من الواجبات التي يجب عليها القيام بها.
5 ــ تحفيز الولد بعد كلّ إنجازٍ أنجره، يجعله يستريح لإنجاز ذلك العمل، ويستعدّ بقوى جديدةٍ لإنجاز أعمال أخرى متعدّدةٍ يتمنّى إنجازها في الأيّام المقبلة من حياته، فالتحفيز هو الذي يمكّنه بتدفّق الأفكار التي يصل بها إلى تحقيق أهدافٍ أخرى مهمّةٍ، لأنّه يشحّذ العقل ويسمح له بالتعمّق أثناء دراسة أيّة مسألةٍ.
إنّ عمليّة تحفيز الولد ببعض الأعمال التي يقوم بها بعد كلّ عمل ينجح فيه بصفةٍ إيجابيّةٍ، يجعله يظهر ما لديه من قدراتٍ هائلةٍ للتغلّب على أعظم تحدّيات الحياة، فيحقّق نتيجةً لذلك نتائج باهرةً، لم نكن نحلم بها من قبل، والتحفيز يجعل العقل يرقى بأدائه إلى أرقى الدرجات، كما أنّه يجعله يخترق حواجز الخوف، ويجلب الطمأنينة وراحة البال. (1/153)
صفحة 154
إنّه يجعله يشعر باستمرارٍ بأنّه ينهي كلّ الأعمال التي يبدأ فيها، وذلك من أعظم الإحساسات التي تجعل العقل يشعر بأنّه قادرٌ على إنجاز كلّ الأعمال التي تعرض عليه، وتمتلئ النفس ثقةً، والثقة بالنفس تنمو وتزداد بالتطبيق، وليس بمجرّد التفكير، فالأفعال هي وحدها التي تولّد النتائج، والاعتقاد في النجاح يبدأ من داخل النفس وليس من خارجها، وذلك بما نملؤها من مختلف الأفكار الإيجابيّة التي تنتج عن التحفيز الذي نقدّمه لعقلنا بعد كلّ نجاح نتحصّل عليه، ويكتشف أنّه أكبر وأفضل ممّا كان يعتقد، وأنّه لم يكن يعرف أنّ بداخله كلّ هذا الخير.
يقول الباحث "كيلي لونبار" في المجلة الفرنسيّة، العقل والبسيكولوحيا:
«إنّ عقلنا قد فطر على برمجة حبّ الفرح والسرور بعد كلّ عمل يقوم به، وهو مفطور على الشعور بإحساس عميق من الرضا حين ينجز عملاً بطريقةٍ ناجحةٍ «.
إنّ مثل هذا الشعور يجلب إليه مصادر لازمةً لمتابعة الحياة الإيجابيّة المتوازنة، وهذا ما يسمّى بالتحفيز المرتبط بالجهود.
يقول علماء الذاكرة:
«إنّه كلّما تعلّمت أكثر، أصبح من السهل عليك تعلّم المزيد «
يقول "إدوارد ويجام":
«أقوى صورة بداخلك هي صورتك العقليّة عن ذاتك «.
بعض المحفّزات لخلايا المخّ
رأينا في العنوان الماضي بأنّ الوصلات بين خلايا المخّ تزداد بزيادة الخبرات، وكلّما ازدادت تلك الوصلات، ازدادت قوّة استيعابها لمختلف المهارات والمعلومات، وازداد رسوخها، وأنّ كثافة تلك الوصلات هي المسؤولة عن زيادة كفاءة العقل، لذلك ذكر العلماء كثيراً من المثيرات التي تنمّيها، ولكن على الوالدين أن يعلما جيّداً أنّ عليهما أن يبدعا في تربيّة أولادهما وفي الإكثار من المثيرات والخبرات التي تضمن للخلايا مثل تلك التقويّة.
ونذكر على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر:
ــ تنمية قدرة الولد على المبادرة إلى تنفيذ بعض الأعمال في واقع حياته، وتدريبه على النظرة النقديّة للواقع من حوله. (1/154)
صفحة 155
ــ تدريبه على الاستماع الجيّد وفي تواضعٍ ونهمٍ معرفيٍّ لما ينجزه الآخرون من الإنجازات المعرفيّة.
ــ الاهتمام بتنوّع الألعاب قدر الإمكان، وذلك على قدر ميزانيّة البيت، لأنّه بقدر تنوّع الألعاب، تزداد المسارات العصبيّة داخل المخّ.
ــ أخذ الولد إلى النزهات المختلفة، في بعض الأماكن المتوفّرة.
ــ ترك بعض الأدوات غير المضرّة، وغير المؤذيّة بين يديه، وبعض العلب غير المتكسّرة، كي يكتشف الولد أحجامها وأشكالها، والأصوات التي يمكن أن تصدر عنها.
فالمهمّ أن يعلم الأولياء أنّ كلّ ما يصل إلى يد الولد من مختلف الأشياء يعدّ مثيراً للوصلات المخّية، خاصّة إذا كان جديداً لم يره من قبل، كما يعدّ نوعاً من أنواع زيادة النموّ والتعلّم، وعليهم أن ينظّموا له مثل تلك الفرص، لا أن يحرموه منها.
إنّ الدراسات المختلفة التي أجراها الخبراء حول اختبار مقدار الذكاء لدى الأولاد قرّرت بأنّ أغلبيّة الأطفال لديهم مستوياتٌ متقاربةٌ من قدرات وإمكانيّات تنمية الذكاء لديهم، ولكن الشيء الذي يجعلهم يختلفون في قوّته، أو ضعفه هو التحفيز الذي يتلقّونه داخل أسرهم، وداخل مجتمعهم، فكلّما وجدت تلك القدرات إمكانيّاتٍ أفضل وأحسن لتنميّتها وتطويرها، ازدادت قوّةً، ممّا يجعل الولد أكثر انتباهاً لملاحظة ما حوله، وتركيزاً عليه، ويجعله سريع التفاعل والاستجابة، ويزداد فهمه أكثر من الولد الذي لم تتوفّر لديه مثل تلك المثيرات والمحفّزات.
وقد وضع علماء الذاكرة كتباً خاصّة بتدريبات عضلات الذاكرة، تماماً كما يضع الريّاضيّون تمرينات لعضلات الجسم، كي تقوى.
يقول العالم النفساني السويسري "جان بياجيه":
«إنّ عقل الولد يتميّز بالنشاط والإيجابيّة منذ الطفولة المبكّرة، فهو يجاهد منذ نعومة أظفاره لكي يفهم هذا العالم المعقّد الذي يجد فيه نفسه، وهو لا يعلم منه شيئاً «.
بعض أنواع التحفيزات (1/155)
صفحة 156
وقد وضع بعض المختصّين أشياء يستحسن أن تقدّم كمكافأةٍ للولد بعد قيامه بما طالبناه القيام به، ويستطيع كلّ مربٍّ أن يقدّمها لولده، لأنّ علماء التربيّة يوصون كلّ من يطلب تحقيق النجاح من ولده أن يجازيه الجزاء الحسن، ويقدّم لها بعض الجوائز، معنويّةٍ كانت أو مادّيةٍ، لأنّ عقله يعمل بصفة أحسن ويزيد من قوّة استيعابه كلّما كانت نفسه فرحةً مسرورةً بما يقدّم له من التحفيزات والتشجيعات المختلفة.
ونذكر من هذه التحفيزات:
1ــ يفضّل أن تكون الهديّة متناسبة مع مقدار الجهد المطلوب من الولد بذله، ويستحسن أن تكون من الأشياء المشاهدة دائما كساعةٍ أو أيّ شيءٍ آخر ذات أهميّة.
2ــ الدعاء له بالخير والنجاح والتفوّق، وذلك ممّا يشجّعه، ويجعله يشعر بأهميّة الدعاء وقيمته، وقد لاحظ علماء النفس بأنّ ذاكرته يمكن أن تستوعب أنّ الدعاء يعدّ شيئاً مهمّاً، وأنّه يقدّم لصاحبها كمكافأةٍ على حسن أدائها، وقيامها بما هو جيّدٌ.
3ــ التلفّظ ببعض الكلمات الحسنة التي تبعث في نفسه السرور والانشراح، وتغرس في ذاكرته معاني تلك الكلمات، لأنّ ذلك سيجعله يشعر بأنّ له قيمةً ومكانةً في هذا الوجود، وبين عناصر المجتمع.
4ــ الكلمة الطيّبة، ولهذا المعنى نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحثّ ويرغّب في الكلمة الطيّبة التي يجب أن تصدر من المسلم نحو جميع خلق الله - سبحانه وتعالى -، حيث يقول:
«والكلمة الطيّبة صدقةٌ «، خاصّة إذا كانت لترغيبه في الفوز بالدرجات العاليّة، والتفوّق والنجاح.
وذلك مثل: الدعاء له بالخير والهداية والإعانة، أحسنت، بارك الله فيك، جزاك الله خيراً، وهذا هو سلوك الأذكياء، هكذا يجب أن تكون النفس المهذّّبة والمثابرة والمنظّمة، وغير ذلك من الكلمات التي تبعث النشاط والعزيمة فيها.
5ــ المدح والثناء عليه، وبذلك يزداد فرحه ونشاطه وعمله. (1/156)
صفحة 157
إنّ الاهتمام بتعليم الولد مختلف المعلومات، وتعهّدها والمراجعة معه، يعين على رسوخها في ذهنه، ويحثّ ذاكرته على المحافظة عليها، ويجعلها لا تغفل عن المراجعة الدّائمة والمستمرّة، خاصّةً إذا كان ذلك بنفسٍ منشرحةٍ مسرورةٍ، وما أحسن ذلك إذا كان قبل النوم.
الحوار ينمّي ويقوّي ذاكرة الولد
في ظلّ الحوار يشعر الولد بأنّه يحتلّ درجةً مهمّةً بين عناصر أسرته، ويجعله يتعلّم كيف يتمكّن من تحمّل بعض المسؤوليّات الكاملة في حياته.
وبواسطة الحوار يعلّم المربّي الولد ويوجّهه إلى نقاط القوّة في تفكيره، وينمّي فيه الخيال والإبداع والثقة بالنفس.
ولا شكّ أنّ الحوار البنّاء والتواصل القويّ ينمّي ذاكرة الأفراد الذين يهتمّون بذلك.
ويعدّ علماء الذاكرة الحوار من الأركان الأساسيّة لبناء ذاكرةٍ قويّةٍ مبدعةٍ، فبواسطته يستطيع المحاور تبادل الأفكار والآراء مع بني جنسه في المحيط الذي يعيش فيه، وبه يستطيع أن يكوّن لنفسه رصيداً هائلاً من المعلومات والثقافة، لذلك كان من الضروري الاهتمام بشأنه.
كما أنّ الحوار البنّاء المفيد يكوّن في الولد كثيراً من مهارات وأسس الذاكرة، مثل الانتباه الذي يتعلّمه من الاستماع الجيّد للجانب الذي يتحاور معه، وخاصّةً أمّه التي هي أغلى وأعزّ شخصٍ في الوجود بالنسبة إليه، وذلك ممّا يجعله يستوعب ما تلقيه إليه من مختلف المعلومات.
وبالحوار يبني مهارة الربط التي تعدّ من المهارات الأساسيّة لبناء ذاكرةٍ قويّةٍ، لأنّه عندما يتعلّم الحوار البنّاء، فإنّه يربط الكلمات والعبارات التي يتحاور بها مع الطرف الآخر بالشخص الذي يتحاور معه، وبالمكان الذي تحاور فيه، وبالوقت الذي تحاور فيه معه، ولأنّ قوّة الذاكرة تنبني بقدرة الاستطاعة على تذكّر الزمان والمكان اللذين سمع فيهما تلك المعلومة. (1/157)
صفحة 158
إنّ الذاكرة القويّة تنبني على الفهم الجيّد لما يتلقّاه المستمع، فإذا ما اهتمّ الإنسان بفهم ما يلقيه إليه محاوره، فإنّه يجعل قواه العقليّة تعمل بصفةٍ جيّدةٍ وحسنةٍ، ويعدّ هذا من العوامل المهمّة الفعّالة لتثبيت المعرفة في الذهن، وبعد مضيّ فترةٍ من الزمن يصبح الولد متفهّماً لما يسمعه.
كما يعدّ علماء الذاكرة أنّ ثقة الإنسان بنفسه من أعظم العوامل التي تبني له ذاكرةً قويّةً، والولد الذي يجد من حوله من يتحاور معه بشكلٍ إيجابيٍّ، فإنّه يشعر بشيء من الثقة بنفسه بما يجده من تقديرٍ واحترامٍ ممّن حوله، وخاصّةً من أمّه.
فحين تحاور الأمّ ولدها، فهي توجّهه وتعلّمه، وحين يجد نفسه أمام مشكلة، فيسألها، فتجيبه بكلّ ثقةٍ وترحيبٍ، فيشعر بسرورٍ ما بعده سرورٌ.
وعندما تهتمّ بمحاورته، فإنّه يستمع إلى الكلمات التي تمليها عليه، وبذلك تجلب مختلف حواسّه، فتكوّن فيه بذلك ملكة الانتباه والتركيز حتّى يستوعب جيّداً ما تلقي إليه من الكلمات، لأنّ استماعه لتلك الكلمات بصوتٍ يحبّه، كان قد حفظ نغماته قبل أن يخرج إلى هذا الوجود، يزيده قوّةً في السمع، ورسوخاً في الذهن.
كما أنّ إعادة الولد لما سمعه يكوّن فيه ملكة التعبير الحسن، لأنّه بذلك يدرّب لسانه على النطق، ويتدرّب على ملكة الشجاعة والتي ستعينه عندما يلتحق بالمدرسة، فيجد نفسه قد تدرّب جيّدا على المناقشة والحوار، ويصبح مستعدّاً لتطبيق ذلك داخل القسم الدراسي، وهذا له أهمّيته وتأثيره الحسن في الحفظ والمناقشة.
وكلّما سأل أمّه، أو أجابها على سؤال من أسئلتها، يتعلّم تعبيراتٍ جديدةً، لم يكن يعرفها من قبل، وبواسطة تلك الإعادة يتعلّم الحوار والمناقشة، والتكرار والمناقشة يجعل المادّة، أو النصّ سهل التذكّر، ويكوّن مساراتٍ قويّةً في الأعصاب والخلايا المخّية.
قاعدة:
«إنّ تكرار الفكرة يزيد من فرص النجاح «. (1/158)
صفحة 159
إنّ من أنماط التفكير التي اكتشفها علماء الذاكرة فيما يخصّ الخليّة العقليّة هو أن التكرار يقلّل من المقاومة الحيويّة الكيميائيّة لتلك الفكرة التي يكرّرها الإنسان بكثرة.
وهناك مثال يسوقه علماء الذاكرة لأهميّة تكرار المعلومة وقوّة فهمها واستيعابها وتذكّرها فيما بعد.
وهذا المثال هو لغابة بكر، فعلى الشخص أن يتصوّر أنّه يريد أن يقطعها من طرف إلى نهاية طرفها الآخر، وهو مزوّد بمنجل، ويناضل من أجل أن يشقّ فيها طريقاً ليسير فيه.
ففي المرّة الأولى التي سوف يمرّ فيها عبر الغابة، سوف تواجهه كثيرٌ من المصاعب والمتاعب، وكثيرٌ من عوامل المقاومة في طريقه، وكذلك عندما تريد الأمّ أن تلقّن معلومة لولدها الصغير، فستجد مقاومةً ومصاعب، ولكن تلك المصاعب لا يستطيع الطفل أن يتحكّم فيها، لأنّه يسمعها لأوّل مرّةٍ.
ولكن بمجرّد أن يكرّر ذلك الشخص قطع تلك الغابة مرّةً أخرى، سوف تنقص المقاومة التي تلقّاها في المرّة الأولى، في رحلته السابقة، بسبب الطريق الذي خطّه في رحلته الأولى، وكذلك الطفل عندما تكرّر الأمّ محاورته مرّةً أخرى حول المعلومة السابقة نفسها، فسوف يجد سهولة في فهمها واستيعابها، لأنّ تلك المعلومة قد اتّخذت لها مساراً معيّناً داخل الخلايا العصبيّة المخّية.
وفي المرّة الثالثة والرابعة والخامسة سوف يصبح الطريق أكثر اتّساعاً وتنقص المقاومة أكثر وأكثر، ثمّ يتحوّل الطريق الصغير بعد ذلك إلى طريقٍ كبيرٍ، ثمّ إلى شارعٍ رئيسيٍّ كبيرٍ ضخمٍ في نهاية الأمر.
والعقل يعمل بالطريقة نفسها، ففي كلّ مرّةٍ يتلقّى معلومةً معيّنةً، ثمّ تكرّر عليه، سوف تقلّ المقاومة، وتضعف، إلى أن تنعدم في النهاية، وتصبح معلومةً محفوظةً، مسجّلةً تسجيلاً قويّاً راسخاً في ملفّ المعلومات التي تشبهها. (1/159)
صفحة 160
وهذه حقيقةٌ بالغة الأهميّة، وبالغة الإيحاء، وإذا ما فهمها الأولياء فهو يصبرون صبراً كبيراً منقطع النظير في محاورة أولادهم، وإعادة المعلومات عليهم، كي يكوّنوا لهم مساراتٍ داخل أمخاخهم.
فالحوار الهادف يقوّي في العقل مبدأ البحث عن المعرفة، وتلك مهارةٌ فُطر عليها من طبيعته، وهو يعدّ أحد الشروط التي تضمن قوّة تفكير العقل، وقوّة مساراته العصبيّة، وتقوية الاتّصالات العصبيّة بين تلك الخلايا.
ويقرّر علماء الذاكرة بأنّ الخلايا العصبيّة بحاجةٍ دائمةٍ إلى البحث عن المعرفة، أي هي آليةٌ من الآليّات التي فُطر عليها العقل، وتعدّ المعلومة أحد الشروط اللازمة لبقاء العقل والخلايا العقليّة في نشاطها، هذا النشاط الذي يضمن لها تمريناتها وقوّتها.
وعقل الولد الصغير مفطورٌ دائماً على البحث على غذاءٍ من البيانات المعرفيّة، كي يتمّ تفعيلها، وتجد سبباً وهدفاً يدفعها إلى استهلاك الغذاء والأكسجين الوارد إليها، والذي يضمن لها الفعاليّة الدائمة والقوّة اللازمة لعملها.
إن الحوار بين الولد وأمّه يكوّن أنماطاً من التفكير لا نهائيّة، ويسمّيه العلماء (أثر ما تخلّفه الذاكرة)، أو (خريطة الفكرة)، ويمكن التعبير عنها بالعادة.
وإنّ العامل السلبي الذي يقوّض عمل الخلايا العصبيّة ويضعف استيعابها، هو ما يقوم به كثيرٌ من الناس بربط استيعاب ذاكرتهم بسلوكياتٍ محدودةٍ، وبناء تصوّرٍ أنّ ذاكرتهم لا تستطيع استيعاب معلوماتٍ غير محدودةٍ.
إنّه يوجد في مخّ الولد ملايين الملايين من الخلايا العصبيّة، ومئات الآلاف من الفروع، التي تحمل كلّ منها مئات الآلاف من نقاط الاتّصال، وكلّ واحدةٍ من تلك النقاط تحمل تريليونات من الرسائل، مع قدرة كلّ نقطة اتّصال على تشكيل بلايين البلايين من الأنماط المختلفة. (1/160)
صفحة 161
فعلى الأمّ الذكيّة الإيجابيّة الصابرة أن تبحث عن صيغٍ صحيحةٍ في الحوارات المختلفة بينها وبين ولدها، كي تجعله يحافظ على خلايا مخّيّةٍ نشطةٍ صحيحةٍ وقويّةٍ، وأن تصل إلى أن تستخدم تلك الآلة العجيبة المعجزة ليصنع المعجزات، لأنّه إذا لم تجر مثل هذه الحوارات مع ولدها، فتسمح لتلك الخلايا بأن تضعف، ويقلّ استيعابها.
الحوار الفعّال
قاعدة
بالحوار يستطيع المرء معرفة نقاط قوّته، فينمّيها، ونقاط ضعفه، فيقوّيها
للحوار الفعّال داخل الأسرة أثرٌ بالغٌ وإيجابيٌّ في تربية الأبناء على التفوّق، وهذا ما حقّقته بعض الدراسات الميدانيّة التحليليّة التي أجراها الباحثون.
فقد كان 72 % من جواب الأزواج بأنّ للحوار تأثيراً مباشراً على تفوّق الأبناء.
فالحوار يعين الأولياء على اكتشاف نقاط ضعفهم فيهتمّون بها ويصلحونها، ونقاط قوّتهم فيدعّموها ويثبّتونها.
كما أنّه يعلّمهم مهارة الإنصات، لأنّ ذلك يتعلّمه من إنصات الآخرين إليه، ويتدرّب على تقبّل وجهات نظر الآخرين ما دام قد اقتنع بأنّ الآخرين يتقبّلون وجهات نظره، وبذلك ننشئ جيلاً يرى في الآخرين قيماً تستحقّ الحوار معهم للاستفادة منها وتوظيفها.
وللحوار الفعّال أثره التربوي على زيادة الإدراك والمعرفة، لأنّه بذلك ينقل معارف وخبرات الآخرين إليه، ممّا يكوّن له مرونةً فكريّةً، وتدريبه على تكوين آراءٍ خاصّةٍ به.
وكلّما قوي الحوار داخل الأسرة تشجّع الأبناء على التمسّك بقيم الصدق والأمانة والشجاعة الأدبيّة، وإذا كان الجوّ العائلي عكس ذلك فإنّ الأبناء سيرتبكون في تصرّفاتهم، ويدفعهم للتمرّد على توجيهات والديهم.
كما أنّ ذلك الحوار العائلي سيجعل الأولاد يكتشفون ذواتهم، ويتقبّلونها، فيقبلون على إصلاحها باتّباع ما يرشدون إليه من الأخلاق والفضيلة، وذلك ممّا يتيح لهم التعرّف على بعض الأهداف التي يجب عليهم أن يحقّقوها. (1/161)
صفحة 162
لقد أثبتت نتائج بعض الدراسات أنّ للحوار تأثيراً مباشراً على تفوّق الأولاد، لأنّ تحاور الآباء معهم يجعلهم يكتشفون نقاط ضعفهم وقوّتهم.
وللحوار الفعّال أثرٌ إيجابيٌّ على زيادة الإدراك عند الأولاد والمعرفة خاصّةً إذا كان الأولياء مثقّفين ومتعلّمين، لأنّهم سيفيضون عليهم من تلك الثقافة ما يجعلهم ينشّطون خلايا مخّهم فتقوى بشكل أحسن من الإنسان الذي يبقى بدون تلقّي مثل تلك الثقافة.
قاعدة
الحوار هو سبيل المرء إلى معرفة نفسه وتزكيّتها وردّها إلى الصواب.
والحوار والمعرفة قرينان، وقوّة الذاكرة وسعة المعرفة قرينان كذلك، ولن تقوى ذاكرة الولد إلاّ إذا توسّعت معارفه، وازدادت ثقافته، ولن تتوسّع معرفته إلاّ إذا عاش في جوّ عائلي مبني على الحوار، لأنّ ذلك يعدّ أداة تحفيز قويّة، لذا فنحن في حاجةٍ إلى تعلّم لغة الحوار بيننا وبين أبنائنا من أجل مزيد من تنويع التفكير لديهم، كي تقوى ذاكرته.
والحوار داخل الأسرة هو سبب من أسباب المحافظة على ذاكرةٍ قويّةٍ وتفكيرٍ جيّدٍ، لأنّ تلك المعاشرة الطيّبة تحفظ للنفس هدوءها وطمأنينتها، ممّا يجعل الإنسان يفكّر تفكيراً إيجابيّاً، لذلك نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - يرشد خلقه للمحافظة على الجوّ الحسن الهادئ داخل المجتمع.
وعدم الحوار وانعدامه هو من مجمّدات العقل، وتكبيله وأسره عن الحيويّة والإبداع، وفي وسط هذا الجوّ الجامد لا يستطيع العقل أن ينطلق، والسبب في ذلك هو أنّه لا يجد أفكاراً جديدةً لتنشّط أعصابه، وتؤثّر على خلاياه، ويدفعها إلى زيادة قوّتها وعملها.
ونتيجة لكلّ ذلك نستطيع أن نقرّر ونقول:
جمود العقل وضعفه مرتبطٌ بضعف الحوار، لأنّ ذلك يورث قلّة الخبرة، فالعقل الضعيف هو الذي لا خبرة له. (1/162)
صفحة 163
وإذا لم يتوفّر في الجوّ الأسري والاجتماعي ثقافة الحوار، فسوف تنتج عن ذلك آثارٌ سلبيّةٌ في ذات الأفراد، وسيعيشون في حالةٍ من الانغلاق على الذات، وهذا ممّا يؤثّر على السلام النفسي لديهم، وفقد ثقتهم في القدرات والإمكانيّات التي وهبها لهم ربّهم - سبحانه وتعالى -.
وعندما ينغلق الجيل على الذات، فهو لن يسع إلى تطوير قدراته، ولكن عندما يكون هناك حوارٌ في المحيط الذي ينشأ فيه، فسوف يرفع ذلك من إمكانيّات استغلال تلك القدرات وتطويرها.
بناء ذاكرة الولد بالأسلوب القصصي
للقصّة تأثيرٌ عظيمٌ في ذاكرة الأولاد لا ينكره أيّ عاقلٍ مارس مهنة التربيّة والتعليم، فهم ينتبهون إليها مختارين ومتشوّقين انتباهاً نادر المثال، ويركّزون في سماعهم إليها تركيزاً بالغاً، وهذا ممّا يقوّي ذاكرتهم، وهي وسيلةٌ هامّةٌ لتقويّة الخيال الذي ينمّي العقل ويجعله يبدع، كما أنّها تدخل السرور والنشاط على نفوسهم، وتهذّبهم وتعلّمهم، وتغرس بذور الشجاعة فيهم والاعتماد على النفس، وكلّ هذه القيم هي سببٌ لتكوين الثقة بنفوسهم، وتجعلهم على صلةٍ وثيقةٍ بمربّيهم، وتشوّقهم إلى القراءة والمطالعة، وبذلك تنشط خلايا أمخاخهم فتستوعب استيعاباً جيّداً لكلّ ما يلقى إليها من المعلومات.
ويعدّ الاستماع إلى القصّة ميلاً نفسيّاً قد أودعه الله - عز وجل - في النفس البشريّة، لا يقتصر على الصغار فقط، بل إنّ الكبار أنفسهم يستهويهم هذا الأسلوب، لأنّه يثير عواطفهم، ويخفّف عنهم ضغوط الحياة. (1/163)
صفحة 164
كما أنّ للقصّة فوائدها من الناحية الأخلاقيّة، فهي تحثّ على الفضائل والقيام بالأعمال العامّة النافعة، وتبعث الهمّة في النفس، خاصّةً إذا كانت تروي حوادث البطولة والناجحين والمتفوّقين، وأحسن القصص ما جاء في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب، كالتحدّث عن النجاح في وقت حلول الامتحان، وعن الشجاعة حين ظهور الجبن، ويرشد المربّون أنّه يجب التحدّث عن الفضائل أكثر من الرذائل خوفاً من أن يقلّد الولد أصحابها دون أن يشعر المربّي بذلك، وأن لا يتحدّثوا عن رذيلةٍ من الرذائل إلاّ حين ظهورها.
يقول حسن البناء:
«أنا لا أدري لماذا أهمل التأليف الروائي؟، وكان يمكن أن يكون سبباً في إنشاء أجيالٍ واعيّةٍ ذكيّةٍ عبقريّةٍ ومبدعةٍ».
ــ «إنّ للقصّة دوراً تربويّاً هامّاً في تنميّة شخصيّة الأولاد».
فهم يكبرون، ويكبر معهم شغفهم وحبّهم الكبير للاطّلاع والاستكشاف، ويتعلّقون تعلّقاً كبيراً بالقصص لما فيها من متعةٍ تلبّي فيهم غريزة حبّ الاكتشاف، وتشبع فيهم تصوّراتهم الخياليّة، ويتعايشون معها بكلّ أحاسيسهم وشعورهم.
إنّ لها مفعولها السحريّ في نفوسهم، فهي تبعث فيها الهدوء، وتعلّمهم الاستماع الجيّد والانتباه والتركيز، التي هي من أساسيّات قوّة الحفظ لدى الإنسان، وهذا إذا ما وجدوا أمّاً وفيّةً مضحّيّةً في تربيّتهم وتعليمهم وتوجيههم.
ويكفينا دلالةٌ على ذلك أنّ الله - سبحانه وتعالى - خالق هذا الإنسان، وخالق مشاعره وميولاته، ويعلم جيّداً ما يليق به وما لا يليق، أنزل القرآن الكريم مملوءاً بالعديد من القصص، لتكون لذاكرة تدفعها إلى أحسن الأداء. (1/164)
صفحة 165
وللقصّة دورها الفعّال والإيجابيّ في إيصال المفاهيم والقيم التربويّة الخيّرة إلى نفوس الأولاد وغرسها فيهم، وجعلهم إيجابيّين في مواجهة عقبات الحياة، وهي تعدّ من أدب الطفل الفعّال، وأقوى سبيلٍ يعرف به طريق الحياة بأبعادها المختلفة، وهي أسلوب يكتشف به مواطن الخطأ والصواب، ويفرّق بين الخير والشرّ، كما أنّها تعدّ وسيلةً من وسائل التعليم والتسليّة، وتشعرهم بدفء العلاقة الأسريّة، وتدعّم شخصيّتهم، وتعزّز هويّتهم.
ويقول علماء التربيّة إنّها البوّابة التي يعبر الولد من خلالها إلى عالم المتعة، ولو أدرك المربّون قيمتها لأولوها اهتماماً كبيراً، ولفضّلوها على كثيرٍ من النشاطات التي تستهلك وقت الولد وجهده، مع أنّها لا تؤثّر في نفسه مثل التأثير البالغ الذي تتركه القصّة، ويكفي فائدةٌ واحدةٌ في القصّة، وهي إثراء حصيلة الولد اللغويّة، حتّى أنّ بعض المرشدين التربويّين قد طالبوا بإدخالها في المنهج المدرسي، بل إن الأستاذ رفاعة الطهطاوي قد أدخلها فيه فعلاً.
ولقد كانت حكايات الأجداد تحمل معاني ساميةً، ولها روحٌ خاصّةٌ صادقةٌ، والعجيب في ذلك أنّها من نسيج خيالهم، وهي تربط الأجيال بجذورهم، وتعرّفهم بهويّتهم وتكوّن فيه الشجاعة على العمل والصبر والمثابرة بطريقة يحبّونها، ولكن كثيراً من المربّين يحجمون عن الدخول في هذه التجربة نتيجة خوفهم من الفشل في تكوين حكاية تجذب الأولاد، وتعبّر عن أفكارهم، ويستبدلون بها قصصاً جاهزةً، والتي تكون في كثيرٍ من الأحيان بعيدةً عن القيم والمبادئ الإسلاميّة. (1/165)
صفحة 166
إنّ حكاية القصّة للولد قبل النوم هي البلسم الذي يشفي الجراح والمتاعب اليوميّة، التي عاشتها الأمّ طوال النهار، فتعيد لخلايا المخّ نشاطها، فينهض الولد في الصباح وهو في أكمل إقباله على الحفظ والاستيعاب، وخاصّة إذا استطاعت الأمّ أن تجلس معه بعد استيقاظه لبعض دقائق، وتطلب منه أن يعيد لها ما كانت قد حكته له عند نومه، فتقوّي وتثبّت فيه ما كان صحيحاً، وتصحّح ما كان خاطئاً، وهل هناك فائدةٌ أعظم من هذه الفائدة.
كما أنّها تقوّي وتعزّز مهارة الحوار والتواصل مع ولدها، فتجد متعةً في ذلك، وتستطيع بواسطته أن تطّلع على أفكاره وتصوّراته، فتتفتّح خلايا مخّه لتحفظ حفظاً جيّداً لكلّ ما يلقى إليها من مختلف المعلومات.
وأنا أقول أنّ الخيال أو الذكاء الابتكاري يتكوّن في الولد عندما يجد أمّه بجانبه عند الذهاب إلى النوم فتقصّ عليه بعض القصص التي لم يكن قد سمع عنها من قبل، فتسبح به في أجواءٍ واسعةٍ جديدةٍ ممتعةٍ، لم يكن ليطّلع عليها وهو يعيش في محيطه المحدود الذي ينشأ فيه، أو عندما يتفرّج كثيراً على الرسوم المتحرّكة التي تلقي إليه الألغاز التي لا يجد لها حلولاً مناسبةً فيبقى حائراً مذبذباً لا يستطيع معرفة حقيقتها، خاصّةً وأنّ أغلبيّة الرسوم مستوحاة من بيئاتٍ غريبةٍ عن بيئته، ومن مجتمعٍ لا يتوافق مع مجتمعه.
ويمكن التغلّب على ضعف الذاكرة والحفظ والاستيعاب عند الولد من خلال قراءة الأمّ لبعض القصص مع ولدها، ثمّ حكايتها، وبعد ذلك تطلب منه أن يروي ما أحبّه في تلك القصّة مرّةً ثالثةًَ، وذلك بهدوءٍ ومرحٍ وسعادةٍ، ودون إلزامه، أو إجباره على فعل ذلك. (1/166)
صفحة 167
فبذلك تدرّب الأمّ ولدها على السمع الجيّد لبعض القصص، وتدرّب فيه شقيّ المخّ معاً، وهذه العمليّة تعدّ أحسن وسيلةٍ لتدريب المخّ تدريباً جيّداً، خاصّةً وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في القصص كلّ الخاصيّات التي يستطيع الإنسان أن يدرّب بها الشقّين معاً، فهي تتكوّن من الكلمات التي يحفظها الجانب الأيسر، والصوت الحسن الذي هو من اختصاص الجانب الأيمن.
وللخيال آثارٌ عظيمةٌ في بناء نفسيّة الولد وتكوين قواه العقليّة، لأنّه يساعده على أن يعيش في المستقبل، ويتخيّل أشياء جديدةً لم يكن قد علم بها، أو رآها، أو سمع بها من قبل، فيعمل على تنفيذها واختراعها، ولولا هذه المهارة لبقي الإنسان في جمودٍ وركودٍ عقليٍّ، لا يتقدّم معه أبداً.
والتخيّل الذي يتكوّن عادةً عند الولد الصغير هو من النوع الابتكاري وحينما يبلغ السنّ الرابعة من عمره، يبدأ بتخيّل أشياء وحوادث غير واقعيّةٍ، وربّما حدّث بها أمّه، أو أحد إخوته في البيت كأنّها واقعيّةٌ، حتّى يظنّ بعض الأولياء خطأً بأنّه قد بدأ يكذب، في حين أنّ ذلك يتكوّن فيه بصفةٍ عفويّةٍ.
ويعدّ الاستماع إلى القصّة ميلاً نفسيّاً قد أودعه الله - عز وجل - في النفس البشريّة، لذلك نجده لا يقتصر على الصغار فقط، بل إنّ الكبار أنفسهم يستهويهم هذا الأسلوب، لأنّه يثير عواطفهم، ويخفّف عنهم ضغوط الحياة.
والملاحظة السعيدة التي نقدّمها للأمّهات، وهي في صالحهنّ ربّما أكثر من الولد أنّ تلك المتعة التي يجدنها في حكاية القصّة لولدهنّ بعد يومٍ كاملٍ من العمل والتعب والضغوطات، يملأ نفوسهنّ بالانشراح والمتعة، فينصرفن إلى النوم بنفسٍ منشرحةٍ فرحةٍ مسرورةٍ، وقد أشبعن رغبة أطفالهنّ، ووجدن راحتهنّ في ذلك.
بناء ذاكرة الولد بالرسم (1/167)
صفحة 168
عندما نرى الولد يرسم رسماً عشوائيّاً على ورقة ما، أو على الأرض، أو على الحائط، أو على الأبواب، فإنّ ذلك يشير إلى أنّ بداخله فنّاناً بحاجة ماسّة إلى التحرّر والانطلاق وإظهار مواهبه المستترة.
وسوف يندهش الوالدان عندما يطلقون العنان لتلك الموهبة وتلك الدوافع الفنّية، أنّه بتحرير خياله عن هذا الطريق، فإنّ ذلك سيساعد مخّه على خلق روابط واسعة وقويّة بين خلاياه، وكلّما ازدادت تلك الروابط، كلّما زاد استيعاب المخّ لكثير من المعلومات التي ترد إليه.
قاعدة
الرسم يتيح لعقل الولد أكبر قدر ممكن من الفرص ليكون مبدعاً.
ويمكن للوالدين أن يوجّها انتباههم إلى تلك القدرة المدهشة عند الولد على صياغة رسومٍ فنيّةٍ عالية القيمة جماليّاً وذهنيّاً، فأمخاخهم الغضّة الصغيرة قادرةٌ على التعبير بأساليب لا يستطيع الأولياء معرفتها إلاّ إذا منحوا لهم الفرص المناسبة لذلك.
لقد أجرى علماء الذاكرة بعض التجارب العلميّة الواقعيّة على المخّ البشري، وسجّلوها بواسطة أجهزةٍ دقيقةٍ، رسمت لهم رسوماً للنشاط الكهربائيّ للمخّ، حيث أوضحت تلك الرسوم أنّ الطاقة التي يبذلها مخّ الإنسان في رسم خطوط عشوائيّة دون تركيز على ما يرسم تماثل تماماً تلك الطاقة التي يبذلها في رسم لوحةً فنّيةً رائعةً.
فما دام الأمر كذلك فلماذا إذن لا يستغلّ الوالدان الطاقة افسها في تدريب أولادهم على مهارة الرسم، فهم بذلك يفتحون أمام أعينهم ووعيهم ألف بابٍ ونافذةٍ على العبقريّة والذكاء، لأنّها تدع الولد مستشاراً أمام واقعه وخياله، وتدرّبه على الانتقاء والفعاليّة والمشاركة في خلق القرار، فهي طاقةٌ داخل نفسه، لا يستطيع أن يخرجها إلاّ من هذا الطريق. (1/168)
صفحة 169
كما نرشد الوالدان أن يوجّها الولد ليرسم باليد التي لا يكتب بها، ويتركانه يرسم أيّ شيءٍ يروق له، سواءً أكانت تلك الرسوم خطوطاً، أو أشكالاً، أو نباتاً، أو حروفاً، المهمّ في النهاية أن يدرّبا اليد الأخرى التي لا يستخدمها، لأنّ ذلك يزيد من تركيزه، ويضاعفه، ويخرج الفنّان الكامن داخل نفسه.
يعدّ هذا التدريب تقنيّةٌ رائعةٌ يحصل من خلالها المخّ على فوائد كثيرةٍ لخلايا وأعصاب مخّه، ولا بدّ أن نشير هنا إلى توفير عدّة ألوان، لأنّ للألوان أثراً عجيباً في تقويّة أعصاب المخّ، فلكلّ لونٍ ميزاته الخاصّة به.
وهذه المهارة تفتح باب الخيال الواسع أمام الولد، وتدفعه لاستعمال طاقات مخّه الموجودة فيه، وينشّط خلاياه، فتصبح قادرةً على الاستيعاب الجيّد لكثير من المعلومات، وبشكلٍ سريعٍ وجيّدٍ، وفي كلّ مرّةٍ عندما ندفعه إلى إنشاء رسمٍ جديدٍ، فهو يمارس حقّه في ابتكار أشكالٍ وألوانٍ، لم يكن تخطر ببال الكبير، ويدفعه خياله إلى تخيّل الأفضل، وذلك بتحفيز كلّ من شقّي المخّ معاً.
وإنّ كلّ أداءٍ عقلي يكون نتاجاً لاتّحاد شقّي المخّ معاً، وكلّ نصفٍ منه هو بمثابة مرآةٍ للنصف الآخر، ولكن كلٌّ منهما يعمل بطريقةٍ تختلف اختلافاً دقيقاً عن الآخر وكلٌّ منهما يرتبط بالآخر بجسرٍ من الأنسجة، يمكّنهما من تبادل الأفكار تبادلاً مستمرّاً، كي يصلا في الأخير إلى نتائج مفيدةٍ إيجابيّةٍ.
وكلّ ولدٍ فنّانٍ بفطرته، وهو صاحب الفراسة الملهمة، لذلك نجده يملك وسيلته الفطريّة ليمسك الأداة، وتراه يرسم بأصبعه ببراءة، ويخطّط بأيّ شيءٍ يجده أمامه، فما على الوالدين إلاّ أن يجتهدا في اكتشاف تلك الفطرة وتنميّتها، كي يقوّوا بواسطتها ذاكرة ولدهم، ويوقدوا فيه الذكاء. (1/169)
صفحة 170
ونجد أنّ تلك الرسومات تحوي وعيهم، وفيها إشارات إلى عالمهم النفسي الذي يحيونه، ويختزلون فيها حكمتهم، فهم يصوّرون، ويعبّرون، ويحلّلون، ويزخرفون، ويخطّطون ويلوّنون، وفي كلّ ذلك يظهرون الطلاقة البريئة ببساطةٍ مدهشةٍ.
ومهارة الرسم توسّع قدرته على رؤية الأشياء من زوايا مختلفةٍ، وقدرته على تنويع التفكير في موضعات متعدّدةٍ، وكلّ هذا ممّا يضمن المرونة في التفكير، وممّا ينشطّ خلايا المخّ، ويزيد من الوصلات فيما بينها، ويستخدم جميع الحواس في خلق أفكارٍ جديدةٍ كما يدرّب على التركيز العالي، الذي هو من أسس بناء الذاكرة.
وتدريب الولد على الرسم سوف ينمّي قدرته على التخيّل، ويفتح له عوالم من التصوّر والتخيّل الإبداعي، ومع مرور الزمن والمثابرة، سوف يساعده ذلك على اكتشاف طرقٍ جديدةٍ لمزاولة النشاطات المختلفة.
كما أنّه يتعلّم بواسطته مهارة الانتباه والتركيز، لأنّ الاهتمام بالرسم يجعله يستعمل كلّ حواسّه في تحقيق ذلك، وبذلك تنشط تلك الحواسّ، وتزيدها حيويّةً، فتصبح قادرة على أداء عملها بشكل أحسن.
والولد الصغير متفتّح الذهن بالفطرة، فهو يعشق الرسم والتلوين، ولا يكفّ عن طرح الأسئلة، ويملك القدرة على تخيّل تلك الرسومات التي ينجزها عبارةً عن أشياء حقيقيّةٍ، ولكن المعاملة التي يعامل بها أغلبيّة الأولياء والمربّون الأولاد، تدفعهم بالتدريج إلى استخدام لونٍ واحدٍ فقط، وتجنّب طرح الأسئلة الكثيرة التي كان يطرحها من قبل، خاصّة التي كان يتلقّى من أجلها توبيخاً أو سخريّةً من أحد مربّيه، والتي تمثّل في الحقيقة أكثر الأسئلة أهميّةً. (1/170)
صفحة 171
وبهذه الطريقة التي يُعامل بها الولد من قبل مربّيه يتمّ إخماد طاقة خلاياه المخّية المفطورة على البحث والإبداع، والمتعطّشة إلى المعرفة، وبذلك تتدنّى فيه قدراته المتعدّدة، ومع الوقت سوف يكبر ويدرك أنّه فقد الطاقات التي خلقها الله - سبحانه وتعالى - فيه، وينظر إلى نفسه بوصفه شخصاً مفتقراً تماماً إلى الإبداع، لأنّ قواه تداعت وضعفت مع مرور الزمن، لأنّها لم تجد من يدرّبها، وينمّيها.
فعلى الوالدين أن يهيّئوا لأولادهم الجوّ الإبداعي المناسب، ويعملوا قدر جهدهم على مسايرة حبّ الاطّلاع الذي يسعى إليه الولد بفطرته.
بناء ذاكرة الولد باللعب
قاعدة
اللعب يدفع عقل الولد إلى إعمال قدراته الخيالية.
الأمّ الذكيّة الواعية هي التي تربط مهارات التعليم بغرائز الطفل وميوله، واللعب من أهمّ الغرائز التي تكون عند الولد، وبذلك تبني فيه غريزة حبّ الاستطلاع باتّصاله بكثيرٍ من الأشياء التي يلاحظ أشكالها وألوانها وحركاتها وهي من الخصائص التي تنوّع له تفكيره، وتوسّع خياله، ممّا يقوّي من اتّصال خلايا المخّ، فتقوى ذاكرته، وكذلك تعلّمه غريزة حبّ التركيب والتفكيك التي لها أثرها البالغ في بناء الانتباه والتركيز، وكلّ ذلك ممّا يبني فيه الذكاء والتفكير السليم.
ومن فطرة الولد الصغير أنّه متفتّح الذهن، كثير الاستطلاع، يريد أن يدرك جميع ما يوجد من حوله، ويعشق الرسم والتلوين ويلوّن كلّ الأشياء بكلّ الألوان، وتظهر أهميّة هذه المهارة من خلال كتابته على الأبواب، وعلى الجدران، والرسم عليها مختلف الرسومات التي لا يفهمها أحد من عناصر الأسرة في حين أنّه يرمز بها إلى أشياء كثيرة موجودة داخل تفكيره، كما أنّه لا يكفّ عن طرح الأسئلة عن كلّ شيء يقع عليه بصره، أو يقرع سمعه، وهذا دليل على أنّه يملك أنماطاً كثيرةً من التفكير، فما علينا إلاّ أن نوجّهها الوجهة الصحيحة. (1/171)
صفحة 172
إنّه يملك القدرة على تخيّل أيّ علبة تقع بين يديه في مجموعة من الأشكال لا نهاية لها، بما في ذلك تصوّرها على شكل باخرة تسبح في الماء، أو طائرة تحلّق في الجوّ، كما نجده يتصورها عبارة عن سيّارة، فيركبها ويرمز بقبضة يديه إلى المقود، فيتخيّل نفسه وكأنّه يسوق سيّارةً، كما أنّنا نسمعه يحدث أصواتاً متعدّدةً ترمز إلى صوت محرّك السيّارة، وأصوات أخرى ترمز إلى صوت بوق الإنذار الموجود في السيّارة.
يعدّ اللعب من الهوايات التي تحقّق التعليم الجيّد الذي يهدف إلى تكوين الإبداع لدى الطفل، وبه تتنامى خبراته، ويكتشف أشياء كثيرةً تزيد من قوّة ذاكرته، لأنّه يقوم على استعمال النطاق الكامل للمهارات الذهنيّة لشقّي المخّ.
الشقّ الأيمن الذي يشمل على: الإيقاع، الإدراك المكاني، إدراك الصورة الكلّية، التصوّر والخيال، الألوان، أحلام اليقظة.
الشقّ الأيسر ويشمل على: الكلمات، المنطق، الأعداد، التسلسل، التحليل، والقوائم.
وكما يقول بعض علماء النفس، فإنّنا نجد أنّ مهارات الشقّ الأيسر من المخّ هي التي تهتمّ بها النظم التربويّة في المدارس، ونجد الأمّهات لا يعلمن شيئاً من هذه المهارات، إذن فكيف يمكن لهنّ أن يدرّبن أولادهنّ عليها، في حين نجد أنّ مهارات الشقّ الأيمن هي الأقلّ تقييماً، ولا يقام لها أيّ اعتبار، بل إنّ الأمر لا يقتصر على عدم تدريسها فقط، وإنّما إحباطها داخل الأسرة وفي الصفوف المدرسيّة.
فوائد اللعب على الذاكرة
عندما تلعب الأمّ، أو الأب مع ولدهما وهو صغيرٌ، فهما يشبعان فيه حاجته إلى الحبّ والمحبّة، ولا شكّ أنّ ذاكرته ستنمو نماءً جيّداً نتيجةً لما يتعامل معه من مثيرات، والولد الذي لا يجد مثل هذا الجوّ مع أمّه، سوف تضعف أعصاب وخلايا مخّه، لأنّه لا يتوفّر لديها ما ينشّطها ويزيد من حيويّتها. (1/172)
صفحة 173
كما أنّ عدم توفّر هذا الجوّ في البيت سيجعله يعاني من الجوع العاطفي، وربّما ينطوي على نفسه، ونتيجةً لذلك يضعف تفكيره، فتضمر خلايا مخّه.
وباللعب يُشبع الطفل نوعاً من ميولاته الفطريّة إلى حريّة التعبير، ويتعلّم كثيراً من الكلمات مثل أسماء تلك اللعب، وبهذه التعابير تنمو ثروته اللغويّة، وتتكوّن داخل مخّه مساراتٌ كثيرةٌ جديدةٌ في كلّ مرّةٍ، وقد أثبتت البحوث أنّه كلّما زادت المسارات داخل المخّ، كلّما زادت الذاكرة قوّةً ونشاطاً.
فالولد قبيل سنّ المدرسة يحتاج إلى ثمان ساعاتٍ من اللعب في اليوم، وهو بحاجة إلى ذلك الوقت بدون إقلاقٍ أو تشويشٍ، في مكان خاصّ به إذا أمكن، ويسمّيه الخبراء بعالم لعبه.
ــ وهذا اللعب التي يلعب بها تزوّد تخيّلاته التي تنمّي فيه خلايا دماغه وقد ذكر علماء النفس بعض أنواع اللعب التي تترك في قواه الفكريّة مثل هذا الأثر، فأرشدوا المربّين إلى توفيرها للولد، منها:
لعب للحركة ــ لعب للبناء ــ لعب للتشكيل والتطوير.
والقاعدة الأساسيّة للعب الأطفال تقول:
«كلّما صغرت سنّ الولد، كبرت لعبته وتبسّطت، وكلّما كبر، صغرت لعبه وتعقّدت «.
ــ وباللعب فقط يستطيع الولد أن يتعلّم كيف يتحرّك العالم من حوله والأشياء التي تكوّنه، كما يتعلّم أيضاً تقييم قواه واستعمال عقله.
ــ كما أنّ اللعب يشجّع الولد على التفكير الذاتي، ويكوّن له شخصيّته التي سيعيش بها في مستقبل أيّامه.
ــ واللعب بأنواعه المتعدّدة يبني فيه الخصوبة الذهنيّة، وذلك بتعلّم أسماء تلك اللعب التي يلعب بها والحركات التي يؤدّيها.
ــ وبه تتكوّن فيه مهارة الإبداع، وبذلك يصبح قادراً على الوصول إلى درجاتٍ عاليّةٍ من التفكير والابتكار.
ــ وبواسطته يتعلّم النظام والترتيب وأن يضع كلّ شيءٍ في مكانه اللائق به، وبذلك يتعلّم الانضباط. (1/173)
صفحة 174
ـ وهو يعلّمه التحاور، لأنّنا نجد بعض الأولاد يخاطبون لعبهم، خاصّة البنت التي تتعامل مع عرائسها، فهي تخاطبها بمختلف الخطابات، وتتكلّم معها، كأنّها تتكلّم مع شخصٍ حقيقيٍّ.
ـ وينمّي فيه الرصيد اللغوي والمعرفي، لأنّه توجد علاقةٌ جذريّةٌ أساسيّةٌ بين النموّ اللغوي، ونسبة المحادثة أثناء النشاطات المشتركة بينه وبين أمّه.
ــ وبه يستطيع أن يكتشف العلاقة الموجودة بين الأشياء التي يلعب بها، وبذلك تقوى ملاحظاته، وينمو ذكاؤه.
ــ كما تتنوّع دقّة الملاحظة لديه، ولا يوجد شيء يقوّي الذاكرة أكثر من قوّة الملاحظة.
ــ ولعب الوالدين مع الولد يقوّي فيه وعيه بأنّه ذو أهميّةٍ في وسطه الذي يعيش فيه، وأنّه أهلٌ لأن يعتنى به، لأنّ شعور الولد بالإهمال، وعدم الاهتمام به في المراحل الأولى من عمره سيكون له الأثر السلبي الكبير فيما يستقبل من أيّامه.
وقد تنوّعت صنوف اللعب، واختلفت أنواعها من حيث ميولات الإنسان:
فمنها ما هو تعليمي، ومنها ما يعلّم الابتكار والإبداع، ومنها ما هو ترفيهي، ومنها ما هو فردي، ومنها ما هو جماعي.
الخاتمة
وفي الأخير نقول بأنّ لدى الولد الصغير طاقات كبيرة ومنقطعة النظير، تنتظر من يستغلّها، ويستثمرها، كي تظهر إلى الواجهة، فترافقه في طريق حياته، ويحقّق بذلك أعمالاً كبيرةً كما يحقّقها كلّ ذكيّ استطاع أن يكتشف قدراته، ويصل إلى أهدافٍ.
ورغم هذه القدرات المعجزة التي تولد مع كلّ صغير، فإنّ أغلبيّة الأولياء والمربّين لا يعتقدون أنّ الولد يملك مثل هذه القدرات، ولا يحاولون، أو لا يعلمون كيف يستثمرونها، وينمّوها.
وعلى الأولياء والمربّين أنّ هذه القدرات موجودة عند الولد، وإذا ما اهتمّوا بتنميّتها، واتّبعوا الأساليب التي يجب عليهم اتّباعها لتوسيع وتعميق تلك قدرات الفطريّة التي فطره الله عليها، فإنّهم سيكتشفون كلّ يومٍ أسراراً جديدةً، لم يكن يعتقدون من قبل أنّ أولادهم يملكها. (1/174)
صفحة 175
لذلك عليهم أن يتعلّموا هم أنفسهم، ويقرؤون ويثقّفون أنفسهم فيما يخصّ هذا المجال، كي يكتشفوا ما نفسيّة الولد من مهاراتٍ، لا تنتظر إلاّ من يكتشفها وينمّيها، ويدفعها إلى بلوغ أعلى الدرجات، وبذلك ينشؤون جيلاً إيجابيّاً فاعلاً في ميادين الحياة، ويكونون عناصر فاعلين منتجين.
فمثل هذا الاهتمام بتنميّة قدرات وطاقات الولد، سوف يمنحه قوّةً عقليّةً هائلةً، ممّا يضاعف تفكيره، فيسير في طريق الحياة بخطى ثابتةٍ، وبنفس واثقةٍ.
فذات الولد تكون عبارة عن قوى كامنة، تظهر شيئاً فشيئاً، وهذا إذا وجد من يدفعه إلى اكتشاف تلك القوى وتنميّتها، فمخّه بحاجةٍ إلى تحفيزٍ كي يزداد نشاطه، والوالدان هما المسؤولان على القيام بهذا التحفيز وبهذا التوجيه.
نفعنا الله - عز وجل - جميعاً بالقرآن الكريم، وبهدي نبيّنا محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وهدانا صراطه المستقيم، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، وأعانا على تربية وتوجهيه هذا الجيل.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ. [الطور ـ 21]
الخاتمة
المقدّمة ... 1
الفصل الأوّل ــ الذاكرة والأفكار
تعريف الذاكرة ... 3
ذاكرة الولد ... 7
قوّة الذاكرة، هل هي موهبة 9
العوامل المؤثّرة في تقويّة ذاكرة الولد 11
تكوّن ملفّات الذاكرة عند الولد 16
مرآة النفس ... 18
الروح وعلاقتها بقوّة الذاكرة 20
تأهيل إيجابي لذهن الولد 23
أهميّة تعليم التفاؤل للولد 25
الأفكار ليست مفهوماً مجرّداً 26
بناء التفكير الإيجابي عند الولد 28
تدريب الولد على الإبداع 29
المرح يعزّز ذاكرة الولد 31
الفصل الثاني ــ أهمّية الأمومة والأبوّة
أهمّية الأمومة ... 33
علاقة الأمّ بالولد ... 36
الأمّ أوّل وأفضل مربٍّ 37
الأمّ والولد مسيرة حياة 40
حنان من أكبر المحفّزات 42 (1/175)
صفحة 176
الأمّ هي المهندس الذي يبني ذاكرة الولد 45
الأمّ منشّطة خلايا مخّ الولد 49
الأمّ هي التي تصقل مهارات ولدها 50
عناية الوالدين ببذور الذاكرة القويّة 53
الابن هو سلوك أبويه 54
في البيت يتكوّن الولد العبقري 58
الشعور بالدفء والحماس 59
الاهتمام بالولد قبل نومه 61
نصف ساعة لولدك قبل النوم 62
ملفّات الأمّ في ذاكرة الولد 65
الفصل الثالث ــ شخصيّة الولد
أهمّية بناء شخصيّة الولد 69
بناء الفرد الصالح ... 71
من فترة الحمل نبدأ ... 73
ثمّ نثنّي على الطفولة المبكّرة 75
تأثّر الأجنّة بحالة أمّهاتهم 76
نموّ الرضيع ... 78
الأسرة هي الحاضنة الأولى 80
تأثير البيئة في ذاكرة الولد 81
تجربة من تجارب "جان بياجيه" 83
قصّة ولد ... 84
الفصل الرابع ــ نموّ مخّ الولد
تعلّم الجنين وهو في بطن أمّه 87
كيف يولد الولد ... 89
ما يبدأ به الولد ... 91
الولد يبدأ بالانتباه إلى الأصوات 94
عقل الولد ... 95
النموّ السريع لمخّ الولد 98
الطفولة المبكّرة والنموّ العقلي 99
استمرار النموّ العقلي 102
لبن الأمّ وبناء مخّ الولد 104
لبن الثدي ينعش مخاخ الرضّع 106
مكوّنات حليب الأمّ 109
إثارة انتباه الرضيع بالمثيرات المختلفة 111
اهتمام المرضع بغذائها 112
الألبان الصناعيّة تعيق نموّ المخّ 113
الإشارات الجسديّة وبناء الذاكرة 114
بناء ثقة الولد بنفسه وتقويّتها 115
اكتساب الذكاء مع تطوّر الكلام 118
تقدير ذكاء الولد ... 119
الفصل الخامس ــ عقل الولد
معنى العقل ... 123
أين موقع الذاكرة في جسم الإنسان؟ 125
تأثير بعض الغدد على الدماغ 128
الجهاز العصبي عند الولد 130
عقل الود معجزة لا نظير لها 132
الولد يبحث دائماً عن الحقيقة 134
مخّ الولد يبحث دائماً عن المعرفة 136
عقل الولد يميل دائماً إلى الحقائق 139
الفصل السادس ــ طرق التعلّم
الأساليب التربويّة لا تشجّع 142
الذاكرة تزداد قوّة بمواصلة العمل 144
تدريب الولد على الإبداع 146
تدريبه على الانتباه والتركيز 147 (1/176)
صفحة 177
تدريبه على التحكّم في الانتباه 149
بناء شفرة الربط في ذاكرة الولد 151
تدريب حواسّ الولد 155
تدريب حاسّة السمع 157
تأثير الصوت الحسن في خلايا المخّ 160
بناء ذاكرة الولد بالقراءة 162
تدريب الولد على القراءة 164
العقل بفطرته يحبّ التحفيز 166
التحفيز يقوّي ذاكرة الولد 169
بعض المحفّزات لخلايا المخّ 172
بعض أنواع التحفيزات ... 173
الحوار ينمّي ويقوّي ذاكرة الولد 175
الحوار الفعّال ... 179
بناء ذاكرة الولد بالأسلوب القصصي 182
بناء ذاكرة الولد بالرسم 186
بناء ذاكرة الولد باللعب 190
فوائد اللعب في الذاكرة 191
الخاتمة 194 (1/177)