صفحة 1
بحث تخرج: تربية الطفل في السنة النبوية للفضل الكندي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
بحث تخرج بعنوان:-
تربية الطفل في السنة النبوية
إعداد الطالب:- الفضل بن هلال بن أحمد الكندي
مشرف البحث:- الشيخ عاشور يوسف كسكاس
العام الجامعي
(1425 / 1426هـ - 2004 / 2005م)
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
إلى الوالدين العزيزين
إلى مشايخي وإخوتي الطلبة
إلى إخوتي وأخواتي
إلى كل من وقف بجانبي وساعدني ولو
بحرف واحد
إلى هؤلاء جميعا أهدي هذا البحث
شكر وعرفان
أرى لزاما علي أن أرسل أريج شكري لكل من قدم لي يد العون في
إتمام هذا العمل المتواضع، وأخص بالشكر الشيخ: عاشور يوسف
كسكاس مشرف هذا البحث الذي لم يبخل علي بتوجيهاته السديدة،
ومساعداته الدائمة فله مني جزيل الشكر والامتنان، ونشكر كذلك مناقش
البحث: الدكتور عمر الفرماوي الذي قدم لي النصائح الجليلة من خلال
مناقشته للبحث، أثابهم الله خير الدنيا والآخرة.
على مكتبة المعهد الذين كان لهم الدور الكبير في إرشادي إلى الكتب.
وأسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، إنه بالإجابة
جدير نعم المولى ونعم النصير.
مقدمة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، نوره الله بنور الإيمان ووهبه الدرجات العلى في الجنان، الهم صلي وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد: فإنه مما لا يخفى على ذي عقل ونظر أهمية التربية ودورها في بناء الشخصية الإنسانية، وإعداد الجيل المسلم الواعي، والدور الكبير الذي كان للسنة النبوية في هذا المجال، ورغبة مني في إظهار دور السنة النبوية في عملية تربية الطفل اخترت هذا البحث ومن الصعوبات التي واجهتها في هذا البحث :
- اتساع وكثرة الأفكار والمعلومات التي تتناول هذا الموضوع .
هذا وقد كانت خطة البحث كالتالي :
- الإهداء.
- شكر وعرفان .
- المقدمة .
- يشتمل البحث على ثلاثة فصول. (1/1)
صفحة 2
- الفصل الأول : وعنوانه( مفهوم التربية والطفولة).
ويشتمل على ثلاثة مباحث.
- المبحث الأول : وعنوانه( مفهوم التربية والطفولة).
ويشتمل على مطلبين.
? المطلب الأول : وعنوانه( تعريف التربية لغة واصطلاحا).
? المطلب الثاني : وعنوانه( تعريف الطفولة)
- المبحث الثاني :وعنوانه(مراحل الطفولة وخصائصها).
ويشتمل على مرحلتين.
... ... - مرحلة الطفولة المبكرة.
... ... ... - مرحلة الطفولة المتأخرة.
- المبحث الثالث : وعنوانه(مكانة الطفل في الإسلام).
- الفصل الثاني : وعنوانه (خصائص التربية وأهدافها).
ويشتمل على مبحثين.
- المبحث الأول : وعنوانه(خصائص التربية النبوية).
ويشتمل على أربع خصائص.
1- خاصية (وحدانية المعبود).
2- خاصية( التوازن).
3- خاصية( الشمول).
4- خاصية( العدل).
- المبحث الثاني : وعنوانه( أهداف التربية النبوية).
ويشتمل على هدفين.
1- إنماء الشخصية الإسلامية :
أ . روحيا.
ب . اجتماعيا.
ج. أخلاقيا.
2. التكيف مع الفرد والمجتمع.
- الفصل الثالث : وعنوانه(أساليبها ووسائلها ومجالاتها).
- المبحث الأول :وعنوانه( أساليب التربية النبوية).
ويشتمل على تسعة أساليب.
1. أسلوب العمل والتكرار.
2. السؤال والجواب.
3. أسلوب التشبيه وضرب المثل.
4. أسلوب القصة.
5. أسلوب المنطق والمحاكمة إلى العقل.
6. أسلوب القدوة.
7. أسلوب الترغيب والترهيب.
8. أسلوب الموعظة والنصيحة.
9. أسلوب التوبة والاستغفار.
- المبحث الثاني :وعنوانه(وسائل التربية النبوية).
ويشتمل على ثلاث وسائل.
1. البيت.
2. المسجد.
3. المدرسة.
- المبحث الثالث :وعنوانه(مجالات التربية النبوية وكيفية تنمية قدرات الطفل).
ويشتمل على ثلاث مطالب.
- المطلب الأول : مجالات التربية النبوية.
ويشتمل على ثلاث مجالات.
1. المجالات البدنية.
2. المجالات الروحية والوجدانية.
3. المجالات الاجتماعية.
- المطلب الثاني :وعنوانه(الطفل في واقعنا الحاضر وكيفية إنماء مهاراته الذاتية). (1/2)
صفحة 3
- الفصل الأول : مفهوم التربية والطفولة
- المبحث الأول : مفهوم التربية والطفولة.
? المطلب الأول : تعريف التربية لغة واصطلاحا.
? المطلب الثاني : تعريف الطفولة.
- المبحث الثاني : مراحل الطفولة وخصائصها.
- فترة الطفولة المبكرة.
- فترة الطفولة المتأخرة.
- المبحث الثالث : مكانة الطفل الإسلام .
الفصل الأول
مفهوم التربية والطفولة
المبحث الأول
مفهوم التربية والطفولة
المطلب الأول: تعريف التربية لغة واصطلاحا.
أ – تعريف التربية لغة.
1- كلمة التربية مشتقة من الفعل (ر ب ب):-
ومنه ( رَبَّ) كل شيء مالكه. (1)
( والرَبُّ): اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوها في الجاهلية. (2) فمثلا بالإضافة: فلان رَبُّ الدار، أو رَبُّ الناقة.
والرَبُّ: المصلح للشيء، والله جل ثناؤه الرَبُّ لأنه المصلح لأحوال الخلق. (3)
وقال أبو منصور: والرَبُّ يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربي والمتمم. (4)
ومنه- (رَبُّ ) الولد رَبَّا وَلِيَهُ وَتَعَهَّدَهُ بما يغذيه وينميه ويؤدبه. (5)
وفي حديث ابن عباس مع ابن الزبير:(( لأن يَرُبُّني بنو عمي أحب إلي من أن يَرُبَّني غيرهم)). (6)
2- وأيضا اشتقت من الفعل ( ر ب ا):-
- ( رَبَا) حفظه ورعاه. (7)
__________
(1) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي _ مختار الصحاح _ دائرة المعارف – مكتبة لبنان _ 1986م _ ص96.
(2) المرجع السابق _ص96.
(3) أبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا_ معجم مقاييس اللغة_ ت- عبدالسلام محمد هارون _ ج2—ص382.
(4) محمد مرتضى الحسيني الزبيدي _ تاج العروس من جواهر القاموس_ ت- علي هلالي_ ج2- ص459.
(5) إبراهيم أنس وعبدالحليم منتصر وغيرهما_ المعجم الوسيط_ ط1 -1972_ج1-ص321.
(6) المرجع السابق_ ص321.
(7) أحمد رضا_ معجم متن اللغة _ مكتبة الحياة-بيروت لبنان_ 1377هـ- 1985م_المجلد 2-ص525. (1/3)
صفحة 4
- رَبَا ورَبَابَاً ورَبَابَةً :- نماها وأتمها وأصلحها. (1)
- رَبَّاه تَرْبِيةً وتَرَبَّاهُ :- أي غذاه وهذا لكل ما ينمى كالولد والزرع. (2)
واتضح من خلال المعنى اللغوي للتربية مدلولات عدة تكمل بعضها البعض وهي:
1- التأديب والإصلاح.
2- الحفظ والرعاية.
3- التدبير والإتمام.
4- التغذية والتنمية.
ب – تعريف التربية اصطلاحا.
في كل علم من العلوم قلما لا تجد اختلافا في تعريف ذلك العلم، وهذا الإختلاف ناتج عن تصور كل شخص لذلك العلم، بسبب اختلافهم في سعة اطلاعهم على المعارف والعلوم المتوفرة في ذلك الوقت، وفي مدى فكره التربوي، فيأتي التعريف أحيانا موجزا لكنه ينطوي على أشياء كثيرة، لو ذكرها الباحث لطال التعريف، فيوجز ليعطي الباحث والقارئ مجالا واسعا في معرفة فروعه المندرجة تحته، وقد يأتي التعريف أحيانا مطولا مما يستدعي ذكر ما يندرج تحته، ولكن قد لا يشتمل على كل ما يراد من معنى التعريف.
هذا المدخل المبسط يبين لنا مدى اختلاف العلماء والمربين والمفكرين والفلاسفة في تعريف التربية، كل حسب وجهة نظره وتصوره الفكري والتربوي الذي نتج عنه تعريفه للتربية، فقد يأتي أحيانا موجزا لا يتعدى ثلاث كلمات، وأحيانا أخرى يتجاوز الأربعة أسطر.
ومن خلال هذه الدراسة يحاول الباحث عرض بعض التعاريف المتقاربة المعنى، وتقسيمها إلى قسمين، تعاريف غير المسلمين وتعاريف للمسلمين، والتركيز على التعاريف التي أوردتها الكتب الإسلامية في تعريف التربية مع إبراز بعض الملاحظات.
- تعاريف التربية عند غير المسلمين:-
1- أفلاطون ( 427-347)ق .م : التربية هي أن تضيف على الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن لها. (3)
__________
(1) المرجع السابق _ ص525.
(2) محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي _ مختار الصحاح_ ص98.
(3) إبراهيم ناصر _أسس التربية_ دار عمار الأردن _ ط2-1409هـ-1989م _ ص14. (1/4)
صفحة 5
2- جون ملتون (1608- 1667) م: هي التي تجعل الإنسان صالحا لأداء أي عمل عاما كان أو خاصا بدقة وأمانة ومهارة في السلم والحرب بكل عدل وحذق وسعة فكر. (1)
3- هربات( 1776-1841): هي موضوع علم يجعل غايته تكوين الفرد من أجل ذاته عن طريق اتباع الوسائل التي تؤدي إلى شحن وإيقاظ ميوله واستعداداته المتعددة. (2)
4- سيتوارت ميل( 1806-1873) م: التربية تشمل كل ما يعمله المرء أو يعمله غيره له بقصد تقريبه من درجة الكمال التي تمكنه طبيعته واستعداده من بلوغها. (3)
5- جون ديوي(1859-1952)م: مجموعة العمليات التي يستطيع بها مجتمع أو زمرة اجتماعية صغرت أو كبرت أن تنقل سلطانها أو أهدافها المكتسبة بغية تأمين وجودها الخاص ونموها المستمر. (4)
6- ليتري: هي العمل الذي نقوم به لتنشئة طفل أو شاب، وأنها مجموعة من العادات الفكرية أو اليدوية التي تكتسب ومجموعة من الصفات الخلقية التي تنمو. (5)
7- دور كهايم: العمل الذي تحدثه الأجيال الراشدة في الأجيال التي لم تنضج بعد النضج اللازم للحياة الاجتماعية. (6)
8- رونيه أوبير: جملة الأفعال التي يحدثها بإرادته كائن إنساني في كائن إنساني آخر،وفي الغالب راشد في صغير والتي تتجه نحو غاية قوامها أن تكون لدى الكائن الصغير استعدادات منوعة تقابل الغايات التي يعد لها حين يبلغ طور النضج. (7)
- تعريف التربية عند المسلمين :-
1- القرطبي(595هـ): هي إصلاح شؤون الغير ورعايته. (8)
__________
(1) المرجع السابق_ص14.
(2) المرجع سابق_ ص15.
(3) المرجع السابق _ص15.
(4) المرجع السابق_ص16.
(5) رونيه أوبير _ التربية العامة _ دار العلم للملاين-بيزوت –لبنان_ ط6 1983_ص21.
(6) المرجع السابق _ص23-24.
(7) المرجع السابق_ ص27.
(8) متولي موسى_ تربية الأطفال في فترة الحضانة_ الدار الإسلامية للإعلام_ بون ألمانيا الغربية_ ط1-1410هـ-1989م_ص15. (1/5)
صفحة 6
2- الألوسي(1270هـ): هي تبليغ الشيء إلى كماله بحسب استعداده الأزلي شيئا فشيئا. (1)
3- أبو حامد الغزالي( 1059- 1111)م: إن صناعة التعليم هي أشرف الصناعات التي يستطيع الإنسان أن يحترفها وإن أهم أغراض التربية هي الفضيلة والتقرب إلى الله. (2)
4- رفاعة الطهطاوي( 1801-1873)م: هي أن تبني خلق الطفل على ما يليق بالمجتمع الفاضل وأن تنمي فيه جميع الفضائل التي تصونه من الرذائل وتمكنه من مجاوزة ذاته للتعاون مع أقرانه على فعل الخير. (3)
5- محمد عبده(1845-1905)م: الإنسان مجبول على الخير ولهذا تقوم التربية على ترقية العقل وتنمية الاستقلال في الفكر. (4)
6- إسماعيل الفباني (1898-1963)م: هي مساعدة الفرد على تحقيق ذاته حتى يبلغ أفضل كمالاته المادية والروحية في إطار المجتمع الذي يعيش فيه. (5)
7- ساطع الحصري ( 1881-1968)م: التربية أن تنشئ الفرد قوي البدن حسن الخلق صحيح التفكير محبا لوطنه معتزا لقوميته مدركا واجباته مزودا بالمعلومات التي يحتاج إليها في حياته. (6)
8- (( النظام التربوي القائم على الإسلام بمعناه الشامل )). (7)
__________
(1) محمد الألوسي البغدادي _ روح المعاني في القرآن العظيم_ إحياء التراث- بيروت لبنان_ ج1-ص77.
(2) إبراهيم ناصر_ أسس التربية _ ص14.
(3) المرجع السابق_ص15.
(4) المرجع السابق_ ص16.
(5) المرجع السابق_ص16
(6) المرجع السابق_ص16.
(7) حامد الحربي _ التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية ومناهجها من منظور التربية الإسلامية_ مكة المكرمة-1997م_ص27. (1/6)
صفحة 7
9- حامد الحربي:(( مجموعة الحقائق والمعايير والقيم الثابتة والخبرات المتغيرة التي تقدمها مؤسسة تربوية إسلامية إلى المتعلمين فيها بقصد تنميتهم تنمية شاملة متكاملة جسميا وعقليا ووجدانيا وتعديل سلوكهم في الاتجاه الذي يمكنهم من الإسهام بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترفيهها وفق منهج الله تعالى)). (1)
10- ((النشاط الفردي والإجتماعي الهادف لتنشئة الإنسان فكريا وعقديا ووجدانيا واجتماعيا وجسديا وجماليا وخلقيا وتزويده بالمعارف والإتجاهات والقيم والخبرات لينمو نموا سليما طبقا لأهداف الإسلام)). (2)
إن إيراد مثل هذه التعاريف الكثيرة ما هو إلا دليل على أن الاهتمام بموضوع التربية قديم منذ أن خلق الإنسان ولكن اختلف الأسلوب وفق متطلبات الحياة التي كانوا يعيشونها،فتربية الإنسان في هذا العصر تختلف عن تربيته في العصور الأخرى؛ لأن المهن المتوفرة في كل عصر تختلف عن العصر الآخر، فما كان مركزا عليه في الماضي لا يركز عليه اليوم والعكس.
والملاحظ من خلال هذه التعاريف أنه يجمعها خصائص مشتركة لا بد منها، وهذا ما تحدث عنه مؤلف كتاب التربية العامة، بعدما ذكر التعاريف التي أوردها في كتابه، ويرى الباحث أن هذه الخصائص منطبقة على التعاريف الإسلامية من باب أولى، وهي كالتالي:
1- جميعها تقصر التربية على الجنس البشري. (3)
لأن الإنسان هو المكلف في هذه الأرض وهو الموجه إليه التشريعات ، فلذا كان لزاما أن يربى على كيفية تلقي هذه التشريعات، وهذا خاصة في الدين الإسلامي؛ لأنه الدين الذي ارتضاه الله للعالمين.
__________
(1) المرجع السابق _ص27.
(2) عبدالرحمن النقيب وجمال محمد الهنيدي _ قراءات في التربية الإسلامية_ مكتبة الرشد للتوزيع- الرياض –السعودية_ط1-1424هـ-2004م_ص16.
(3) رونيه أوبير _ التربية العامة _ص26. (1/7)
صفحة 8
2- جميعها تعتبر أن التربية فعلا يمارسه كائن في كائن آخر, ويمارسه بوجه خاص راشد في صغير، أو جيل بلغ النضج في الجيل الناشيء اللاحق. (1)
لأن الطفل يولد بلا علم ولا معرفة ولا دراية بما حوله، فتَحتَّم عليه أن يكون بقاؤه عند من يعتني به إلى أن يبلغ مرحلة النضج، ويصبح قادرا على القيام بأعباء الحياة بنفسه، لأنه قد أدرك الأمور بواسطة من له علم ورشاد وبصيرة أعانه على الخير والصلاح.
... 3- جميعها تقر أن الهدف من هذا الفعل هو موجه نحو هدف ينبغي بلوغه. (2)
لأن كل فعل له هدف إما خيرا وإما شرا، فمن يعمل على توجيه من لا يعرف قد يوجهه إلى فعل الخير أو الشر، بغض النظر عن الهدف الذي لا هدف له فهو لا يأتي بنتيجة محددة.
والتربية الإسلامية لها هدف تسعى لبلوغه لترقى بالإنسان إلى أعلى المراتب، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى دون سواه من الخلق.
4-جميعها ترى على الأقل أن هدف التربية لا يتلخص في اكتساب الممتلكات الإيجابية، بمقدار ما يتلخص في اكتساب بعض الاستعدادات العامة التي تيسر الحصول على تلك الممتلكات. (3)
- الممتلكات مثل: المعرفة – والسعادة...
- الإستعدادات: وسائل للحصول على الممتلكات. (4)
فمثلا المعرفة: فتربية العقل ليس هدفها امتلاك المعرفة.
وإنما هي السيطرة على الطرائق التي تسمح باقتناص المعرفة.
وبمفهوم آخر : أن الهدف الرئيسي من التربية ليس معرفة الشيء وامتلاكه وإنما هو كيف امتلكه أو كيف اقتنص تلك المعلومة من المعارف والعلوم.
إن لكل شخص وجهة نظره في اختياره للتعريف الذي يراه مناسبا لموضوعه الذي يبحث عنه، ولكن قد يكون مصيبا أو مخطأ، فهو يحاول بقدر المستطاع أن يكون التعريف مفهوما مبسطا يدركه أغلب القراء.
__________
(1) المرجع السابق _ص26.
(2) المرجع السابق_ص26
(3) المرجع سابق _ص27.
(4) المرجع السابق_ص27. (1/8)
صفحة 9
وقد تمعن الباحث في التعريفين الأخيرين لتعريف التربية عند المسلمين، وقد اختارهما على غيرهما، لما شدا من انتباه، فقدكانا يندرجان في التقسيم الذي وضعه رونيه في كتابه التربية العامة، عن الخصائص المشتركة بين تعاريف التربية.
- والخلاصة من هذا الكلام:
1- أن التربية في الإسلام ليس المقصود منها حشو أدمغة الأطفال بمختلف العلوم من أجل الحصول على الشهادة. (1)
2- أن جوهر التربية في المنهج الإسلامي هو أن يتكيف الطفل بحقائق العلم الإلهي، لتصير ملكة الخير طبيعته التي تصدر عنها أفعال الخير بلا تكلف على يد مرب ماهر. (2)
3- أن على المربي أن يعي ويفهم المعنى الصحيح للتربية الإسلامية، وأن يضع في نصب عينيه أن الطفل إذا لم يربى على المنهج التربوي الصحيح، فإنه سوف يزرع في الطفل العقوق والانحراف منذ نعومة أظافره وهو لا يدري.
4- على المربي أن يعرف من معنى التربية عدة أشياء،وهي:
1- الأسلوب التربوي الذي يمكن استخدامه في تربية الطفل.
2- المنهج الذي يستمد منه أسلوب التربية(القرآن والسنة).
3- الهدف وهي الغاية(في الدنيا والآخرة).
المطلب الثاني: تعريف الطفولة.
لطفولة مأخوذة من الفعل ( ط ف ل ):
- طَفُلَ- طَفُولَةً وطُفُولِِِيَّةً وطَفَالَةً: رخص ونعم، (3) وصار طِفْلاً. (4)
وأطفلت الأنثى: جاءت بطفل. (5)
- والطِّفْلُ: الصغير من أولاد الناس والبقر والظباء والخيل والإبل ونحوها من الخلق، والمصدر الطَّفُولَةُ والطَّفُولِيَّة. (6)
__________
(1) عبدالباري محمد داود_ تربية الطفل في ظل المنهج الإسلامي_ المختار للنشر –مصر _ ط1-1421هـ-2001م_ ص12.
(2) المرجع السابق _ص12.
(3) أحمد رضا _ معجم متن اللغة_ المجلد 3-ص617.
(4) إبراهيم أنس _ المعجم الوسيط_ ج1 ص560.
(5) المرجع السابق _ص560.
(6) سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري _ كتاب الإبانة في اللغة العربية_ ط1-1420هـ-199م_ ج3 ص460. (1/9)
صفحة 10
- والذي يعنينا هنا هو ( الصغير من أولاد الناس، المولود إلى أن يحتلم أو حتى يميز)، (1) وجمعه أطفال، (2) وفي القرآن الكريم: (( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا))، (3) وقد يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، وفي القرآن الكريم : (4) (( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء)). (5)
- والطفيلي الذي يدخل وليمة لم يدع إليها. (6)
- يتبين لنا معنى الطفولة من خلال المنى للطفل، الذي تبين من قول الله سبحانه وتعالى: (( وإذا بلغ منكم الأطفال الحلم فليستأذنوا ))، أي أن مرحلة الطفولة معينة عينها الله سبحانه وتعالى بدايتها الولادة ونهايتها الاحتلام ، لأن ما دون الاحتلام ليس عليه الاستئذان، ولا ننسى جانب التميز عند الطفل فقد يكون الطفل مميزا تمييزا جيدا ولكنه لم يبلغ الحلم، وإنما كان الاحتلام هو الغالب في اعتبار الطفل خارجا عن مرحلة الطفولة، ولكن مما لا شك فيه على أن الطفل قبل البلوغ يجب تعليمه أدب الدخول على الوالدين وغيرهم بالاستئذان.
- أي أن الطفولة تعني: مرحلة عمرية تبدأ منذ الولادة إلى أن يبلغ على فترات محددة.
المبحث الثاني
مراحل الطفولة وخصائصها
قبل الشروع في الكلام عن مراحل الطفولة وخصائصها نتكلم عن المرحلة الأساسية وهي ما قبل مرحلة الطفولة، ألا وهي مرحلة إعداد الأم والأب للحياة الزوجية واختيار كل واحد منهما للآخر وفق المنهج الصحيح في الاختيار، ووفق قناعة تامة لا إجبار فيها لأن هذه الحياة ليست مجرد يوم أو يومين وإنما هي مدة طويلة قد تصل إلى سنوات وسنوات.
__________
(1) أحمد رضا_ معجم متن اللغة_ المجلد3 –ص617.
(2) سلمة العوتبي _ كتاب الإبانة في اللغة العربية _ج3 –ص460.
(3) سورة النور _الآية(59).
(4) إبراهيم أنس _ المعجم الوسيط _ج10 –ص560.
(5) سورة النور _الآية (31).
(6) 10) محمد بن أبي بكر الرازي _ مختار الصحاح _ص165-166. (1/10)
صفحة 11
وهما بهذه الهيئة يمثلان الطرف الآخر من العملية التربوية التي لها طرفان: المُرَبِّي, والُمَربَّى.
ونعرف كلا منهما بعبارة موجزة: (1)
المُرَبِّي:ـ هو الذي يسهر على القيام بصناعة العملية التربوية وفق البرامج الموضوعة لتحقيق الأهداف المرجوة.
المُرَبَّى:ـ هو الناشئ الذي هو محل العملية التربوية بما لديه من استعدادات فطرية.
يتكون القطب الأول من الأم والأب في الغالب الأكثر، أو من له ولاية على غيره، ونحن هنا بصدد الكلام عن الأم والأب لما لهما من الدور الكبير في إنجاح العملية التربوية.
*ـ اختيار الأم.
تقديم الكلام عن الأم لم يأتي من قبيل الاختيار العشوائي، وإنما كان مبنيا على دليل قاطع، وهو ما جاء في الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال:أمك، قال: ثم من ؟ قال: أبوك)) (2) .
لا يكرر النبي صلى الله عليه وسلم لشيء إلا لأهميته وعظمته، وإعلاما للسائل أو المستمع بأن يولي جل اهتمامه بالشيء المتكرر، ولكن لا يعني أن ما لم يكرره النبي صلى الله عليه وسلم لا أهمية له، بل هو كذلك له من الأهمية والتقدير مما قد يؤهله إلى مستوى ما تكرر عدة مرات.
__________
(1) متولي موسى_ تربية الأطفال في فترة الحضانة _ ص16.
(2) أخرجه :1- مسلم في صحيحه_ كتاب البر والصلة والآداب _ باب بر الوالدين وأنها أحق به_ –ج4 –ص1914_ رقم 2548./ 2- الترمذي في سننه- كتاب البر والصلة _ باب ما جاء في بر الوالدين_ص531-رقم 1897ووقال حديث حسن. (1/11)
صفحة 12
وحسن الصحبة التي نالتها الأم هو من باب البر بها، فلذا كان من الواجب علينا أن نختار الأم التي سوف تقدم لنا ولدا صالحا يحظى بصحبتها من دون الناس، تكريما وتشريفا لهذه الأم التي نسيت آلام الحمل والمخاض والإرضاع في سبيل أن يبصر ولدها نور الحياة،وحتى أن بعضهن يدفعن حياتهن ثمنا مقابل حياة ولدها قرة عينها.
ولذا جاء الإسلام يحث تزوج المرأة الصالحة في نفسها المصلحة لغيرها، الولود الودود،حيث جاء عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول _الله صلى الله عليه وسلم_: (( ما استفاد مؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله )) (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم )) (2) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة )) (3) .
نقف عند هذه الأحاديث وقفة المتأمل في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وما لها من مدلولات عظيمة في إنشاء البيت السعيد، القائم على المودة والمحبة والطمأنينة، ويمكن أن نجمل ما قاله الرسول _صلى الله عليه وسلم_ في عدة نقاط تبين لنا كيفية اختيار الزوجة.
* مواصفات الزوجة الصالحة:ـ
__________
(1) أخرجه : 1- ابن ماجه في سننه – كتاب النكاح _ باب أفضل النساء _ج1-ص596–رقم 1857./ 2- الطبراني في المعجم الكبير –ج8 –ص222- رقم 7881.
(2) أخرجه: 1- أبو داود في سننه – كتاب النكاح_ باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء_ج2 –ص220 –رقم 2050. / 2- النسائي في السنن الكبرى_ باب المرأة الغيراء_ج3 –ص271- رقم 5342.
(3) أخرجه: الطبراني في المعجم الأوسط –ج5 –ص207 –رقم 5099. (1/12)
صفحة 13
من المعلوم أن المرأة التي تربت على الفلاح أقدر من المرأة التي لم تربى على الصلاح في تربية النشىء، وإعداده لحمل رسالة الدعوة الإسلامية، والنهوض بالأمة نحو التقدم، إن هي أعدته لذلك، ويتبين لنا مفهوم المرأة الصالحة من خلال عرض النقاط التي بينها الرسول _صلى لله عليه وسلم_ لمميزات هذه المرأة على سبيل النصح لمن أراد الزواج لا الوجوب. حيث جاء عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول _الله صلى الله عليه وسلم_: (( ما استفاد مؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله )) (1) .
1ـ الطاعة.
الطاعة حق واجب للزوج على زوجته، ولكن لا يفهم هذا الحق بالمفهوم الخاطئ،حيث ينقلب الزوج هو السيد باستخدامه حق القوامة، وتصير الزوجة هي الخادمة باستخدام حق الطاعة،لا، هذا مما نهى عنه الشرع، وتكون الطاعة من باب حسن المعاشرة الزوجية، وألا تكون في معصية الخالق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )) (2) ، والطاعة دليل ووفاء لمن يأمرك، وتقسيم الأعمال بين الزوجين مما يوجب الطاعة بين كل واحد منهما للآخر.
2ـ السرور عند النظر.
__________
(1) تقدم تخريجه. ص19
(2) أخرجه: 1- البخاري في صحيحه – كتاب الجهاد والسير_ باب الطاعة للإمام_ ج3-ص1080-رقم 2796./2- مسلم في صحيحه – كتاب الإمارة_ باب وجوب طاعة الأمراء_ ج3 –ص1469-رقم 1839. (1/13)
صفحة 14
رؤيتك للشيء الجميل الذي يبهج القلب يدخل السرور في النفس، ولهذا كان للنظر الأهمية الكبرى في دوام الحياة الزوجية، ولولا ذلك لما جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من مقدمات اختيار الزوجة، حيث جاء عن ثابت عن أنس بن مالك أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، ففعل فتزوجها)) (1) .
وهناك أمورا كذلك تدخل السرور في النفوس، ما يستدعي اختيار الزوجة كل حسب رغبته، فعن النبي صلى الله عليه وسلم (( تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك )) (2) .
فمنهم من يحب أن يرى زوجة ذات مال أو حسب أو جمال أو جميعها معا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشر إلى واحد منها كما أشار إلى ذات الدين، لما لهذا العنصر من أهمية بالغة، حيث إن ذات الدين يمنعها دينها من أشياء كثيرة قد لا تفعلها من بها من الصفات الأخرى، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إياكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء )) (3) .
3ـ الوفاء بما أقسم.
__________
(1) أخرجه: 1- ابن ماجه في سننه – كتاب النكاح _ باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها_ ج1-ص599-رقم 1865.
(2) أخرجه: 1- البخاري في صحيحه_ كتاب النكاح_ باب الأكفاء في الدين_ ج5-ص1958-رقم4802./2- مسلم في صحيحه_ كتاب الر ضاع_ باب استحسان نكاح ذات الدين-ج2-ص1086-رقم1466.
(3) أخرجه: 1- الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب _ج1 –ص382-رقم 1573. (1/14)
صفحة 15
أكد الحديث((...وإن أقسم عليها أبرته...)) (1) أن الوفاء بالقسم من مواصفات الزوجة الصالحة، وكذلك هذا الحق لا يستخدم على إطلاقه فكلما حلف الزوج على شيء معين وجب على الزوجة تنفيذه من باب البر بالقسم، بل يجب على الزوج أن يراعي زوجته في تنفذ أوامره من قبيل المعاشرة بالمعروف.
وعلى الزوج أن لا يقرن كل فعل يريده من زوجته بالحلف؛ لأن بعض الزوجات يرونه أمرا إجباريا يجب عليها تنفيذه فيحصل مالا تحمد عقباه.
4ـ حفظه في نفسها وماله.
الحفظ في الغيبة يعد الحد الفاصل في حب كلا الزوجين للآخر، فحبها لزوجها يوجب عليها حفظه في ماله الذي هو مصدر معيشتهما، وفي نفسهما التي لا تحل إلا له ، ولا تأتي له بولد ليس منه، لأنه يعتبر من قبيل الغش وخيانة الأمانة التي حملها في غيبته، ولأن خيانة الأمانة تعد من الصفات التي اتصف بها المنافق، لما روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _قال: (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: [وذكر منها] وإذا ائتمن خان ....)) (2) .
وكذلك بالنسبة للرجل لا يخون زوجته، فكما انطبق ذلك على المرأة فينطبق على الرجل.
5ـ الودود الولود.
__________
(1) تقدم تخريجه ص19
(2) أخرجه: 1- البخاري في صحيحه- كتاب الإيمان_ باب علامة المنافق_ج1 –ص21 –رقم43.ـ 2- مسلم في صحيحه-كتاب الإيمان_ باب بيان خصال المنافق_ ج1 –ص78-رقم 58. (1/15)
صفحة 16
هذا هو ختام السعادة بين الزوجين فالمرأة الودود الولود تكون محل التبجيل لدى الزوج، فهي تمده بالذرية الطيبة التي تحمل اسمه، وتعينهما في شؤون حياتهما وعند بلوغهما الحد الذي لا يستطيعان القيام بشؤونهما، وإن تزوج أحد امرأة لا تلد فعليه أن يحسن إليها، لأنها لا دخل لها في ذلك، ويحاول إن استطاع أن ييسر لها العلاج وخاصة في هذا العصر مع تقدم العلم في تقديم أفضل السبل في إنجاح الإخصاب وتكوين البويضة الصالحة للتلقيح.
*ـ اختيار الأب.
كما أن الزوج يحرص كل الحرص في اختيار زوجته بمواصفات قد يوصلها بعض الأزواج إلى حد غير معقول، بينما نجد الزوجة لا تسأل عن الزوج الذي تقدم لها في أغلب الأحيان، وهو ما يؤدي إلى تفكك الأسرة بعد أن يكتشفوا أن الذي تزوج ابنتهم ما هو إلا إنسان فاسد لا خلاق له.
وهذا بدوره يؤدي إلى آثار سلبية تحدث في أبناءهم فينعكس على سلوكهم الأخلاقي والفكري.
ولقد كان للمرأة العربية في جاهليتها عند بعض القبائل العربية الحرية التامة في اختيار الزوج ولم يكن للولي أن يجبر موليته في غالب الأحيان على زوج لا ترضاه، ومثال ذلك، ماوية بنت عفزر، وتماضر بنت عمر بن الحارث بن الشريد الشاعرة المشهورة بالخنساء. (1)
ومن أبرز الأمثلة التاريخية في ذلك، زواج خديجة بنت خويلد وهي ذات مال بمحمد بن عبدالله بن عبد المطلب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم. (2)
__________
(1) أحمد بن محمد عبدالله _ المرأة المسلمة المعاصرة إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة_ دار عالم الكتب للطباعة والنشر_ ط2-1412هـ-1991م-ص25.
(2) المرجع السابق. (1/16)
صفحة 17
وروي أن رجلا من الأنصار يدعى خذاما أنكح ابنة له فكرهت نكاح أبيها، فأتت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فذكرت له، فرد عليها نكاح أبيها، فنكحت أبا لبابة بن عبد المنذر وذكر يحيى أنها كانت ثيبا)) (1) .
وجاء الإسلام مؤكدا على أن اختيار الزوج منوط بالمرأة, ما لم تختر شخصا علم منه الانحراف, وجاء عن ا بن بريدة عن أبيه قال جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ثم إن أبي زوجني بن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء)) (2) ,
وبهذا يتبين أن الإسلام كان حريصا في اختيار الزوج لأنه يمثل الطرف الثاني من العملية التربوية مع الزوجة، فهو مؤثر في الطفل كثيرا لأن أغلب الأطفال وخاصة الذكور يقلدون آباءهم في أغلب أمورهم، فينبني على ذلك أنه إذا كان الأب صالحا غالبا ما يكون الأبناء صالحين وأما إذا كان الأب غير صالح فإن الفساد والانحراف يغلب عليهم، إلا من تغمده الله برحمته وهداه إلى صراطه المستقيم.
__________
(1) أخرجه: 1- ابن ماجه في سننه – كتاب النكاح _ باب من زوج ابنته وهي كارهة_ ج1 –ص602-رقم 1873.ـ2- الدارمي في سننه – كتاب النكاح_ باب الثيب يزوجها أبوها وهي كارهة_ ج2 –ص187-رقم 2191.
(2) أخرجه: ابن ماجة في سننه – كتاب النكاح_ باب من زوج ابنته وهي كارهة_ ج1 –ص602 –رقم 1874. (1/17)
صفحة 18
وهو ما يحرص عليه النبي _صلى الله عليه وسلم_ عندما حدد ما يتصف به الزوج من الصفات الأساسية في الحديث الذي روي عن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال: (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد)) (1) ، الدين والخلق من صفات الزوج وكذلك أن يكون صاحب مهنة مباحة وأن يتصف بصفات الرجولة التي تؤهله لحمل رسالة التربية الإسلامية على الوجه الصحيح.
* مراحل الطفولة وخصائصها:ـ
تعتبر مرحلة الطفولة عند الإنسان من أطول المراحل، بسبب نموه البطيء، وحاجته الشديدة بأن يكون قريبا من والديه، لإمداده بحاجاته الجسدية والنفسية، التي لا يمكن له بمفرده أن يقوم بها، ولذلك كان هذا الاهتمام الكبير لدى أساتذة التربية في تقسيم مراحل الطفولة كل حسب رؤيته، ولكي يسهل على المربي معرفة الجوانب المهمة من حياة الطفل، ويسهل عليه تربيته التربية الصحيحة .
وعلى ذلك اختلف كل كاتب في تقسيم مراحل الطفولة، نوردها أجمالا، ثم نختار منها ما نراه مناسبا لبيئتنا:
أولا: هنا من اعتبرها أربع مراحل. (2)
1- مرحلة ما قبل الميلاد ( الجنينية ) وتمتد من بداية الحمل حتى الولادة .
2- مرحلة المهد ( الفطام ) وتمتد من الولادة حتى نهاية السنة الثانية.
3- مرحلة الطفولة المبكرة وتمتد من سنتين إلى ست سنوات .
4- مرحلة الطفولة المتأخرة وتمتد من السادسة وحتى سن المراهقة .
ثانيا: وأيضا من اعتبرها أربع مراحل. (3)
__________
(1) أخرجه: 1- الترمذي في سننه_ كتاب النكاح_ باب ما إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه_ ج3- ص395-رقم1085. وقال حديث حسن/2_ ابن ماجه في سننه_ كتاب النكاح _ باب الأكفاء_ ج1-ص632-رقم 1967.
(2) نايفة قطامي _ طرق دراسة الطفل _دار الشروق –عمان –الأردن _ط1 1989_ ص16.
(3) حسن ملا عثمان _ الطفولة في الإسلام ومكانتها وأسس تربية الطفل _ دار المريخ –الرياض -1402هـ-1982م_ص7. (1/18)
صفحة 19
1- مرحلة ما قبل الميلاد منذ الحمل إلى الولادة (تسعة أشهر ).
2- مرحلة الطفولة الأولى ( منذ الولادة إلى السابعة أو السادسة ) .
3- مرحلة الطفولة الثانية ( من السابعة أو السادسة إلى الثانية عشر ).
4- مرحلة المراهقة ( من الثانية عشر إلى الثامنة عشر ).
ثالثا: وهناك من اعتبرها ثلاثة مراحل. (1)
1- مرحلة الطفولة المبكرة من السن الثانية إلى أقل من ست سنوات .
2- الطفولة الوسطى من ست سنوات إلى أقل من تسع سنوات .
3- الطفولة المتأخرة من تسع سنوات إلى نحو اثني عشر سنة يعقبها مرحلة البلوغ، فالمراهقة.
بالنظر في تقسيم الطفولة إلى مراحل متعددة نجد أنها تركزت على عدة أمور: -
1- الفترة الجنينية ( من بداية الحمل إلى نهايته ) .
2- من الولادة إلى سن الفطام وهي السن الثانية.
3- من السن الثانية إلى السابعة وهي دخوله المدرسة .
4- من السابعة إلى بداية سن المراهقة (وهي البلوغ ) وبعضهم أعتبرها من سن الثانية عشر.
وعلى هذا التنظيم يمكن أن ندرج كل قسم منها تحت العناوين والتي يمكن أن تكون لنا مرحلة طفولية على ما مر من تقسيم المراحل السابقة ، وهي كالتالي :-
1- فترة الطفولة المبكرة.
أ المرحلة الأولى (الجنينية)
ب-المرحلة الثانية (المهد ) من الولادة حتى سن الثانية
2- فترة الطفولة المتأخرة.
أ – المرحلة الأولى تمتد من السن الثانية حتى السن السابعة.
ب _ المرحلة الثانية تمتد من السن السابعة حتى مرحلة البلوغ.
ويلقي الباحث نظرة سريعة على كل مرحلة من هذه المراحل بصورة ميسرة سهلة .
1- فترة الطفولة المبكرة:
أ – المرحلة الأولى الجنينية .
__________
(1) عبدالباري محمد داود _ الطفولة في الميزان _مكتبة الإشعاع الفنية –الإسكندرية_ ط1 -2003م –ص17. (1/19)
صفحة 20
أن هذه المرحلة تعد اللبنة الأولى لجميع المراحل الأخرى فهي التي ستحدد لنا الأسلوب التربوي الذي سنسلكه في تربية الطفل منذ الولادة حتى البلوغ، فالمولود الصحيح البدن سهل من الطفل المعوق الذي يحتاج إلى جهد كبير في تربيته، ولذلك فإن هذه المرحلة تحتاج إلى عناية كبيرة لكي يعطى الجنين الراحة التامة وهو في بطن، لأن أي تأثير على أمه سينعكس على الطفل في أغلب الأحيان .
فقد ثبت أن الجنين يتأثر بالظروف التي تمر بها الأم من ناحية الضرر أو النفع وعلى ضوء هذا التأثير تفسر الفروق الفردية بين الأخوة كما تشترك في تفسيرها عوامل الوراثة أيضا. (1)
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه المرحلة في كتابه العزيز في عدة مواضع حيث يقول : (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)). (2)
__________
(1) حسن ملا عثمان _ الطفولة في الإسلام ومكانتها وأسس تربية الطفل _ ص8 .
(2) سورة الحج_ الآية (5). (1/20)
صفحة 21
وقال تعلى (( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14} ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ{15} ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ{16})). (1)
ب – المرحلة الثانية : المهد ( منذ الولادة حتى سن الثانية ) .
تعتبر مرحلة المهد من أشد المراحل التي يكون فيها الطفل قريبا من والديه وخاصة الأم التي حملته تلك المدة الطويلة، فتغدق عليه بجميع أنواع العطف والحنان والرعاية، وبجانب هذا كذالك الأب تظهر عليه مظاهر الأب الحنون الشفيق الذي لا يبخل على هذا المولود، فيحاول كل جهده أن يوفر له ما يحتاجه في هذه الفترة التي تساعد على نموه النمو الطبيعي.
ويظهر اهتمام الإسلام بهذه المرحلة في عدة أشياء : -
1- الرضاع.
2- الختان.
3- الاسم الحسن.
4- العقيقة وحلق الشعر والتصدق بوزنه.
وهذه الأمور يتكلم الباحث عنها في مكانة الطفل في الإسلام.
2- فترة الطفولة المتأخرة: -
أ- المرحلة الأولى ( تمتد من السنة الثانية حتى السنة السابعة أو السادسة ).
هذه المرحلة تتخذ فيها الأساليب التربوية السليمة لتربية الطفل، لأنه أصبح يدرك الكثير من المعاني، وفيها يجب على الأب أن يعرف ما هي الحاجات الجسدية والنفسية للطفل، وأن يكون أقرب إليه من أي فرد آخر، وأن يعمل على إطلاعه على الحياة العامة وتعليمه، لأنه في هذه المرحلة كالحديد المحمى الذي يسهل تشكيله كيفما يراد.
__________
(1) سورة المؤمنون _الآية (12-16). (1/21)
صفحة 22
وورد في السنة الحث على الاهتمام بالطفل في هذه المرحلة، مثل تعليم الصبي الصلاة لسبع وضربه عليها لعشر حتى يتعود على أدائها، لكي يتعلم الانضباط في المواعيد ويعرف معنى التكافل الاجتماعي ورؤيته اجتماع الناس في الصلاة، قال رسول الله صلى الله وسلم :
(( علموا الصبي الصلاة ابن سبع واضربوه عليها ابن عشر )) (1) ، وقال : (( مروا الصبي بالصلاة لسبع سنين واضربوه عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع )) (2) .
ويبعلمه القرآن في هذه المرحلة لأنها من أحسن المراحل لتلقيته القرآن، لأن ما بعد سن السابعة يكون الطفل قد دخل المدرسة النظامية، وفيها سوف يدرس مختلف العلوم مما يقلل من قراءته للقرآن، ما لو علمه أباه فيما قبل ذلك.
ب- المرحلة الثانية( تمتد من السن السابعة حتى سن البلوغ).
في هذه المرحلة يستطيع المربي أن يبني الطفل بناء جسميا وعلميا صحيحا، لأنه سوف ينمو في هذه المرحلة نموا سريعا ويصبح إدراكه للأشياء أكثر من ذي قبل،وخروجه للحياة العملية أكثر، واتخاذه للأصحاب الجدد، مما يستدعي الاهتمام الكبير في توجيه وإرشاده وتنبيه على الأمور التي يحدثها، سواء أكانت صحيحة أو خاطئة وإعطائه المجال الواسع لإعمال عقله وفكره في كل عمل يعمله، مستندا في ذلك إلى أسس وثوابت لا يمكن التنازل عنها.
المبحث الثالث
مكانة الطفل في الإسلام
__________
(1) أخرجه : 1- الترمذي في سننه – كتاب الصلاة_ باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة_ج2 –ص259-رقم 407.وقال :حديث حسن صحيح.ـ2-الدارمي في سننه- كتاب الصلاة- باب متى يؤمر الصبي بالصلاة_ج1 ص393-رقم 1431
(2) أخرج: 1- أحمد في مسنده – مسند عبدالله بن عمر_ج2 –ص187-رقم 6756.ــ 2- البيهقي في السنن الكبرى- كتاب الصلاة_ باب عورة الرجل_ ج2 –ص229-رقم 708. (1/22)
صفحة 23
إن الله سبحانه وتعالى منذ أن أوجد آدم كرمه بسجود الملائكة له، وبما فيهم إبليس الذي صار ألد أعدائه بعد امتناعه من السجود، قال الله تعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )) (1) ، هذا الإبى والتكبر الذي لازم إبليس وما يزال يلازمه إلى يوم القيامة، هو الذي أوجب طرده من رحمة الله، مما جعل صدره يمتلىء غيظا وحقدا على آدم وزجه وهما ما زالا في الجنة، فعمل على إخراجهما منها، فحصل مراده لأمر أراده الله لآدم وزوجه وهو الاستخلاف في الأرض، قال الله تعالى ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) (2) ، وسكن آدم وزوجه الجنة قبل إنزالهم إلى الأرض، قال تعالى:((وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ{35} فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )) (3) .
__________
(1) سورة البقرة_الآية(34).
(2) سورة البقرة – الآية (30).
(3) سورة البقرة- الآية (35-36). (1/23)
صفحة 24
أنزل آدم وحواء إلى الأرض، وبإنزلهما بدأ مخلوق جديد من مخلوقات الله يعيش على سطح الأرض، ارتضاه الله أن يكون خليفة في الأرض باتباعه لأوامر الله ونواهيه، وأمده بصنوف الرزق الحلال، وشد عضده بالذرية الطيبة التي إن أعدها إعدادا صحيحا وفق الغاية التي خلقها الله من أجلها، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) (1) ، كانت أروع مثال على التنشئة الصحيحة، لأن عبادة الله لا تكون إلا عن طريق النية الصادقة والعمل الخالص الذي يقرب إلى مرضاة الله، فكل عمل حلال توجد فيه النية الصادقة والعمل الخالص هو عبادة لله تعالى.
__________
(1) سورة الذاريات_ الآية (56). (1/24)
صفحة 25
وقد كرم الله هذه الذرية في معرض الامتنان لله تعالى إذ يقول: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)), (1) هذا التكريم والتفضيل لم يأت هكذا سدا والعياذ بالله، وإنما جعل له ضابط يرتقي بالإنسان إلى أعلى المراتب وهي الجنة، إن هو أعمل ما أنعم الله عليه من نعمة الحياة والعقل والبصر والسمع وهذه الأمور أكثر ما تستخدم في التحصيل والمعرفة، ونعم لا تحصى ((وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار)) (2) ، وإما إذا لم يعملها في معرفة الحق كانت عليه نقمة ووبالا يؤدي إلى نار جهنم، قال تعالى ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) (3) .
من خلال هذا التكريم والاستخلاف لهذه الذرية يتبين لنا مدى أهمية هذا الموضوع وعلاقته بموضوع مكانة الطفل في الإسلام، لأن هذا الطفل هو الذي سيقوم عليه التكريم والاستخلاف في المستقبل، إذا أعد إعدادا صحيحا متكاملا في جميع النواحي الحياتية.
وبناء على ذلك فإن الكلام عن مكانة الطفل في الإسلام له أبعاده المهمة، وذلك لعدة أمور:
1ـ حبا في جذب الأنظار إلى مدى عظمة هذا الدين الحنيف واختصاصه بأنه آخر الديانات السماوية الذي ارتضاه الله للعالمين، وعدم قبوله لأي دين آخر.
__________
(1) سورة الإسراء الآية (70)
(2) سورة إبراهيم-الآية (34).
(3) سورة الأعراف_ الآية (179). (1/25)
صفحة 26
2ـ إهتماننا بالدرجة الأولى بما جاء في شرعنا من قوانين وإرشادات مهمة في حياتنا اليومية، ثم النظر في الشرائع السابقة وأخذ ما هو مفيد لنا إذا لم يخالف شريعتنا.
3ـ وأخيرا وليس آخرا، الشريعة الإسلامية جاء فيها الكثير عن مكانة الطفل وهي عبارة عن حقوق وواجبات والتزامات يؤديها من هو قائم على شؤون الطفل إلى أن يكون قادرا على تدبير شؤون نفسه.
وقد قسم الدكتور محمد عبدالجواد محمد في كتابه( حماية الطفولة في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي والسوداني والسعودي)، مكانة الطفولة في الشريعة الإسلامية التي يسميها هو مظاهر حماية طبقا لموضوع كتابه، إلى خمسة وعشرون مظهرا، منها خمسة قرآنية، واثنا عشر نبوية، وثمانية اجتهادية. (1)
وعلى هذا يذكرها الباحث إجمالا ثم يفصل فيها، ولكنه الدكتور محمد عبدالجواد أغفل بعض الأمور فلم يذكرها في قسم القرآن والسنة، وذكرها في قسم الاجتهاد، مع أن لها شواهد من القرآن والسنة، وبعضها لم يأتي بها، وهي كالآتي:
( مكانة الطفل في القرآن:
أولا:ـ حق الطفل في الحياة.
ثانيا: ـ حق الطفل في الرضاعة.
ثالثا:ـ حق الطفل في الميراث.
رابعا:ـ حق مال اليتيم وحسن معاملته.
أولا:ـ حق الطفل في الحياة.
إن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الحق ملازما للإنسان إلى أن يأتي الموت الذي كتب عليه، إيذانا بانتهاء حياته الدنيوية وبداية حياة أخروية، (( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ )) (2) ، هذا الموت هو الموت الطبيعي الذي حدث للنفس من غير تعد عليها بدون وجه حق، أما الذي يحصل عن طريق غير مشروع فهو محرم تحريما قاطعا.
ومنه ـ أي المحرم ـ قتل الأولاد خشية الفقر أو العار.
__________
(1) محمد عبدالجواد محمد _ حماية الطفولة في الشريعة الإسلامية والقانون_ منشأة المعارف بالأسكندرية_ ص30.
(2) سورة الأنبياء –الآية ( 35). (1/26)
صفحة 27
قتل الأولاد سواء كان بسبب خشية الفقر أو العار يعتبر جريمة منهي عن ارتكابها, ولذا جاء النهي الصريح في القرآن الكريم بعدم قتل الأولاد من خشية الفقر، قال تعالى: ((قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) (1) , ((وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً)) (2) .
... أما القتل المنهي عنه بسبب خشية العار فهو مختص بالبنت, فلقد جاء الإسلام فحررها من الوأد, وهو بعبارة بسيطة: دفن البنت وهي حية, قال تعالى ((وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ{58} يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُون)) (3) , ((وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ{8} بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)) (4) ,
نقف وقفة مع هاتين الآيتين وهو أن هذا الذي يدفن ابنته نسي تماما أن التي يدفنها من جنسها خرج هو إلى الحياة، وما الذنب الذي ارتكبته هذه المسكينة حتى تدفن في التراب وهي حية، ويعمل على قطع نسله ونسلها، فلربما صارت من النساء الصالحات، أو أنجت ذرية صالحة تكون مددا لهذه الأمة.
__________
(1) سورة الأنعام –الآية(151).
(2) سورة الإسراء –الآية(31).
(3) سورة النحل_ الآية(58-59).
(4) سورة التكوير-الآية (8-9). (1/27)
صفحة 28
ألا يعلم أنه بهذه الحال يعترض على قسمة الله في وهب الأبناء، سواء كانوا ذكورا وإناثا، أو ذكورا فقط أو إناثا فقط, وأن قتلهم خشية الفقر أو العار احتجاج على ما يخلق الله، وقد قال الله تعالى:(( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ{49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ )) (1) .
إن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنت فهو سعي في تخريب العالم، فالأول ضد التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني ضد الشفقة على خلق الله تعالى، وكلاهما مذموم والله أعلم (2) .
ثانيا:ـ حق الطفل في الرضاعة.
يولد الطفل ضعيف البنية لا يستطيع الاعتماد على نفسه، لأن نموه بطيء مقارنة بباقي الكائنات، وكذلك فترة حضانته تعتبر من أطول الفترات، ولذا كان لا بد من أن ينال القسط الأكبر من لبن الأم، لأن هذا الغذاء هو المادة الأساسية في تكوين جسم الطفل ليس فقط بدنيا وإنما عاطفيا كذلك، ومدة الرضاعة غالبا لا تزيد عن سنتين، وخلال هذه المدة يجب على الأم أن لا تبخل على ولدها بما لديها من لبن، لأنه إذا لم يعطى كفايته منه سيؤدي ذلك إلى الإضرار به، وكما هو معلوم أن لبن الأم يعطي الطفل مناعة ضد بعض الأمراض، ومنعه عنه يؤدي إلى تدهور حالته الصحية، وأما إذا كانت الأم قليلة إدرار اللبن فهناك البديل الصناعي، وعدم استخدام أي بديل إلا بعد التأكد منه صحيا.
((
__________
(1) سورة الشورى –الآية (49-50).
(2) محمد عبدالواحد – حماية الطفولة في الشريعة الإسلامية والقانون _ص32. (1/28)
صفحة 29
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) (1) .
وهذه الآية ناصة بالرضاع في حال الطلاق حيث يمكن أن تضار مصلحة الطفل بين الزوجين المختلفين، (2) هذا في حال الخلاف فما بالك في حال الوفاق والوئام.
ثالثا:ـ حق الطفل في الميراث.
الميراث:ـ هو ما تركه الميت من بعد أداء مستلزمات التكفين والديون التي كانت عليه.
__________
(1) سورة البقرة –الآية (233).
(2) محمد عبدالواحد_حماية الطفولة في الشريعة الإسلامية والقانون _ 32. (1/29)
صفحة 30
إن الشريعة الإسلامية كفلت لكل شخص حقه من التركة من دون نزاع بين الورثة في نصيب كل واحد منهم، حيث أنها قررت هذا في كتاب الله تعالى ((يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً)) (1) ، وقال تعالى: ((لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً)) (2) ، حتى قبل أن يولد فقد ضمنت له الشريعة حقه، كما سوف نوضحه في الأحاديث الواردة في السنة.
رابعا:ـ حق مال اليتيم وحسن معاملته.
اليتيم من الإنسان هو من مات أبوه، أما من الحيوان هو من ماتت أمه، أما من الطير هو من مات أبواه.
ولقد جاء ذكر اليتامى في القرآن الكريم بالجمع والمفرد ثلاثا وعشرين مرة منها خمسة مواضع تكون أحكاما شرعية واجبة التنفيذ قضاء، وأحد عشر موضعا تكون أحكامها واجبة النفاذ ديانة فقط، والنوع الأول خاص بأموال اليتيم والثاني خاص بالحث على حسن معاملته. (3)
__________
(1) سورة البساء –الآية (11).
(2) سورة النساء –الآية (7).
(3) محمد عبدالواحد – حماية الطفولة في الشريعة الإسلامية والقانون _ ص36. (1/30)
صفحة 31
ومن خلال هذا العرض السريع لمكانة الطفل في القرآن الكريم يتبين مدى اهتمام الإسلام بالطفل منذ وهو صغير وحتى اليتيم الذي يظن أن بموت أبيه سوف ينسى ولا يتذكره أحد كفل له حق الرعاية الكاملة كما لو أن أباه حيا.
*مكانة الطفل في السنة النبوية.
أولا:ـ حق الحياة
ثانيا:ـ. حق الطفل في النسب لأبويه.
ثالثا:ـ حق الطفل في الاسم الحسن
رابعا: الاحتفال بمولد الطفل(العقيقية).
خامسا:ـ ختان الطفل.
سادسا:ـ حق الرحمة بالطفل.
سابعا:ـ حق الطفل في التربية والتعليم.
ثامنا:ـ حماية الأطفال والنساء في حالة الحرب.
تاسعا:ـ ولد الرقيقة من سيدها يحررها.
عاشرا:ـحق الطفل في النفقة.
أولا:ـ حق الحياة.
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجتمع كان يعج بأنواع الظلم ومنها قتل الأولاد ووأد البنات، ولكن الغالب عليهم وأد البنت؛ لأن اعتمادهم أكثر ما يكون على الولد، بسبب ظروف معيشتهم الغالب عليها الشدة والقسوة، والحروب القبلية التي كادت أن تفتك بهم لولا رحمة الله بهم، ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) (1) ، وكان الدور الذي تقوم عليه المرأة إن بقيت على قيد الحياة دور هامشي لا عمل لها إلا إنجاب الأولاد والرعي والقيام بشؤون البيت، وهذا الدور لا يتنافى مع تعاليم الإسلام، بل جاء الإسلام مؤكدا على أن بداية عمل المرأة في بيتها، لكي تكون فردا صالحا وناجحا في النهوض بهذه الأمة.
وهذا لا يتعارض مع كون المرأة أن تكون معلمة للبنات أو طبيبة نساء ماهرة في تطبيب ما لا يستطيع الرجل فعله مما هو خاص بالنساء.
__________
(1) سورة آل عمران- الآية (103). (1/31)
صفحة 32
فقد أعلى النبي صلى الله عليه وسلم من شأن البنت ودائما ما يقرن تأديبها وإكرامها والإحسان لها بدخول الجنة، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده [ يعني الذكور ] عليها أدخله الله الجنة )). (1)
هذا بالنسبة للبنت أما على وجه العموم فالإسلام جاء مقررا لمبدأ الحياة ومشجعا عليه، والأحاديث الواردة في أن يتزوج الرجل المرأة الولود، هو إحياء لذلك الطفل حتى تستمر الحياة وينشأ هذا على عبادة الله حيث روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم )) (2) ، وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)) (3) .
هذه الأحاديث واردة في الحض على زواج المرأة الولود الذين هم عماد هذه الأمة، ولا أدل على ذلك ما يكاد لهذا من مصطلح تحديد النسل أو تنظيمه أو أي اسم آخر هدفه تقليل عدد المسلمين ثم القضاء على نسلهم، لأنهم أدركوا ومن خلال حروبهم الاستعمارية أن الكثرة في العدد لها الدور الفعال في صد هجومهم وعدم قدرتهم على إخضاعهم بالقوة العسكرية، وهذا ما نلاحظه في فلسطين والعراق، لأن هذا العدد الهائل سينهض في يوم من الأيام فلا يستطيع المستعمر رد هذا المارد الذي ما زال نائما.
__________
(1) أخرجه : أبو داود في سننه – كتاب الأدب _ باب فضل من عال يتيما_ج4- ص337 – رقم5146.
(2) تقدم تخريجه.ص20
(3) تقدم تخريجه. ص2 (1/32)
صفحة 33
ويحاول أعداء الإسلام نشر فكرة الإجهاض قبل أن يولد الطفل، وخاصة التي تحمل من الزنى لتتخلص من تبعات هذا الحمل غير الشرعي،لماذا هذا الإقدام على قتل هذه النفس التي حرمت الشريعة قتلها؟ ولماذا أيها المسلم وأيتها المسلمة تقدمون للمجتمع المسلم أولادا لا يعرف آبائهم ؟ أولادا يكونون عالة على المجتمع ومصدر من مصادر الإفساد في الأرض في أغلب الأحيان؛لأن الذي يولد وليس له أب فإنه يكون منبوذا في المجتمع ومحتقرا من قبل الآخرين وهذا يؤدي إلى انتقامه من هذا المجتمع وسلوكه طريق المنحرفين.
لقد حد الإسلام من هذه الظاهرة بإقامة حد الرجم على من زنت وهي متزوجة، وحد الجلد على التي لم تتزوج أبدا من أجل القضاء على هذا النسل الذي يغلب عليه الإفساد.
وعلى كل حال فإذا ثبت حد القتل على امرأة قتلت عمدا أو زنت وهي متزوجة فتبين أنها حامل فلا يقام عليها الحد حفاظا على الجنين الذي في بطنها، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها )) (1) .
وحديث الغامدية المشهور خير دليل على أن الإسلام أقر مبدأ الحياة حتى ولو كان ابن زنا فما بالك بمن جاء عن طريق شرعي.
__________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير – من رواية شداد بن أوس الأنصاري_ج7 –ص280 –رقم 7138. (1/33)
صفحة 34
ويؤكده حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي، قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك..)) (1) .
ومن مظاهر حق الطفل في الحياة حفاظا على صحته هو إسقاط الصوم عن الحبلى والمرضع وهو ما أكده حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم )) (2) .
والولد الذي يولد وهو حي أو ظهرت عليه علامات الحياة ثم مات يصلى عليه وهو المقصود من معنى الإستهلال، وما ذلك إلا إعلاء لشأن هذا المولود وأنه أصبح من ضمن الجماعة المسلمة التي إن مات أحد أفرادها يصلى عليه، وهو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه ويلم أنه قال: (( إذا استهل السقط صلي عليه )) (3) .
__________
(1) أخرجه: 1- البخاري في صحيحه – كتاب التفسير_ باب قوله تعالى(({وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً }الفرقان68_ج4-ص1784-رقم 4483./ 2- الترمذي في سننه – كتاب التفسير_ باب ومن سورة الفرقان_ ج5-ص336-رقم 3182.
(2) أخرجه: 1- الترمذي في سننه- كتاب الصوم _باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع _ج3 ص94 –رقم 715./ 2- ابن ماجة في سننه – كتاب الصيام _باب ما جاء من الإفطار للحامل والمرضع _ج1-ص533-رقم 1667.
(3) أخرجه: 1-ابن ماجه في سننه- كتاب الجنائز_ باب ما جاء في الصلاة على الصبي _ ج1-ص483-رقم 1508./2- الدارمي في سننه _ كتاب الفرائض_ باب ميراث الصبي_ ج2-ص486- رقم3132. (1/34)
صفحة 35
والإسلام ضمن للطفل ميراثه من التركة،لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إذا استهل المولود ورث )) (1) ، و(( لا يرث الصبي حتى يستهل )) (2) .
ثانيا:ـ حق الطفل في النسب لأبويه.
كل إنسان في العالم عندما ينادى عليه في المحافل لتكريمه أو غير ذلك ينادى باسمه واسم أبيه وجده وقبيلته أو عائلته، وهذا في حد ذاته مفخرة له بأن له أبوين شرعيين من نكاح لا من سفاح، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المفخرة حيث يقول:((إنما خرجت من نكاح لم أخرج من سفاح من لدن آدم لم يصبني سفاح الجاهلية)) (3) .
وكان النبي صلى الله يقول عندما تشتد المعركة على المسلمين ينادي بأعلى صوته أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب، (4) ونسبته صلى الله عليه وسلم لجده إنما من باب ذكر النعمة التي أنعمها له وهو يتيم فلا ينسى فضله عليه، فوالده صلى الله عليه وسلم اسمه عبدالله فقام الجد مقام الأب.
__________
(1) أخرجه: 1- أبو داود في سننه _ كتاب الفرائض _ باب في المولود يستهل ثم يموت_ ج3-ص128-رقم2920. / 2- الدارمي في سننه- كتاب الفرائض_ باب ميراث الصبي_ج2-ص486-رقم3130.
(2) أخرجه: 1- ابن ماجه في سننه _ كتاب الفرائض _ باب إذا استهل المولود ورث_ ج2-ص919-رقم 2750./ 2- الدارمي في سننه- كتاب الفرائض_ باب ميراث الصبي _ ج2-ص485-رقم 3129.
(3) أخرجه: ابن أبي شيبة في مصنفه_ كتاب الفضائل _ باب ما أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم_ ج6-ص303-رقم31641.
(4) أخرجه: 1- البخاري في صحيحه – كتاب الجهاد والسير _ باب من قاد دابة غيره في الحرب _ج3-ص1051-رقم2709./2- مسلم في صحيحه- كتاب الجهاد والسير_ باب في عزوة حنين_ج3 –ص1400-رقم 1776. (1/35)
صفحة 36
وهذا زيد بن حارثة الذي تربى على يد خير مرب، وأحبه أشد حب، وازداد الحب له عندما خيره بينه وبين أهله، فاختار من رباه على الصلاح والخير، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن حمله وطاف به مكة وقال: زيد مني وأنا منه، فما زال يدعى زيد بن محمد كما كانت هي عوائدهم في التبني، إلى أن جاء الإسلام مبطلا هذه العادة ومؤكدا على نسبة كل شخص إلى أبيه، قال تعالى: ((ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)) (1) ، ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما)) (2) .
ونسب الطفل يثبت بعدة أمور، وهي:
1ـ الفراش.
فراش الزوج من أقوى الأدلة على ثبوت النسب، لأنه بلا شك ويقين ولده بما استحل فرج زوجته بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والشاهدين فأكثر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الولد لصاحب الفراش )) (3) ، و إذا نفى نسبته إليه فعليه أن يقيم الدليل على ذلك، وخاصة في اللعن الذي يتم بين المرأة وزوجها، وإلا يحد على قذف زوجته بما لم تأت.
2ـ الإقرار.
يعتبر الإقرار من الأدلة المثبتة للنسب إذا كان بدليل قطعي يدل دلالة واضحة بأن الطفل ولده، وبشرط عدم إنكار الولد له إن كان يعقل، وإذا لم يثبت ذلك فهو ليس ولده.
3 ـ البينة.
__________
(1) سورة الأحزاب –الآية (5).
(2) سورة الأحزاب-الآية(40).
(3) أخرجه: 1- البخاري في صحيحه- كتب البيوع_ باب تفسير المشبهات_ ج2-ص724-رقم1948../2- أحمد في مسنده – مسند أبي هريرة_ج2-ص386-رقم8991. (1/36)
صفحة 37
إذا جاء المدعي ببينة واضحة تؤيد ما ادعى به فالولد ولده وكما أشرنا سابقا عدم إنكار الولد له، أو جيء ببينة أنه ولده فلم ينكره فهو ولده، وإلا فلا.
ثالثا:ـ حق الطفل في الاسم الحسن.
يعرف الشخص نفسه وغيره باسمه واسم أبيه، فتقول أنا فلان بن فلان وهذ1 فلان بن فلان، فإذا كان الاسم حسنا كان موضع إعجاب وتقدير وافتخار، أما إذا كان الاسم قبيحا كان موضع السخرية والاستهزاء والاستهجان، والأب عندما يولد له مولود يضع أمامه عدة أسماء، لماذا؟، لأن الاسم الذي سوف يختاره هو الذي سيسري في جميع حياته العملية، فهو يمثل أباه فإذا كان الاسم حسنا كان لدى الأب الذوق الجميل في اختيار الأسماء، وإذا كان عكس ذلك كان ذوقه قبيحا.
وعلى هذا فإن من الآباء من يسمي ابنه اسما حسنا وهم الأكثر، أما البعض وهم القلة يسمون أبناءهم بأسماء قبيحة تؤدي في معظمها إلى العقوق، ويغير الشخص اسمه الذي سماه به أباه، لأنه غير مستحسن لديه فيبدله باسم آخر أحسن منه، لأن الناس صاروا يهزؤون منه، هذا في الدنيا فما بالك في الآخرة عندما ينادى باسمه على رؤوس الأشهاد، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسمائكم)) (1) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الاسم القبيح إلى اسم حسن، وروي عن عائشة رضي الله عنها ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح)) (2) ، وفي هذا دلالة واضحة في حق الطفل في الاسم الحسن.
رابعا:ـ الاحتفال بمولد الطفل (العقيقة).
__________
(1) أخرجه: 1- الدارمي في سننه_ كتاب الاستئذان _ باب في حسن الأسماء_ ج2-ص380-رقم2694./2- أحمد في مسنده – باقي من حديث أبي الدرداء _ج5-ص194-رقم 21739.
(2) أخرجه:الترمذي في سننه – كتاب الأدب _ باب ما جاء في تغير الأسماء_ج4-ص97-رقم1515. (1/37)
صفحة 38
الاحتفال بالشيء يعبر عن المحبة الشديدة لذلك الشيء، وخاصة إذا كان يتعلق به تعلقا كبيرا، مثل النجاح أو الحصول على الشهادة والوظيفة أو الترقية إلى منصب أعلى أو بناءه منزلا جديدا أو سلامته من حادث خطير، أو طفل جميل المحيا قرة عين أبيه، وهذا الأخير هو من أجل الأشياء التي يحتفل بها، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة تدل عليه وهو ما يطلق عليه في الشريعة (العقيقة).
روي عن عامر الضبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(( في الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى )) (1) .
وروي عن أم كرز الخزاعية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة )) (2) .
وروي كذلك عن أم كرز الخزاعية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكرانا كن أو إناثا )) (3) .
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة. (4) .
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)) (5) .
وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن بشاة. (6)
__________
(1) أخرجه: أحمد في مسند يزيد بن هارون _ج4-ص17./2- الطبراني في المعجم الكبير_ج6-ص273-رقم 6199.
(2) أخرجه ابن ماجه في سننه- كتاب الذبائح_ باب العقيقة_ج2-ص1056-رقم 3162.
(3) أخرجه أحمد في مسنده – من حديث أم كرز الخزاعية_ج6-ص381-رقم 27183.
(4) أخرجه ابن ماجه في سننه – كتاب الذبائح _باب العقيقة_ج2 –ص1056 –رقم 3163.
(5) أخرجه : البيهقي في السنن الكبرى _كتاب الضحايا_ باب ما يستدل على أن العقيقة على الاختيار- ج9-ص300.
(6) أخرجه الترمذي في سننه – كتاب الأضاحي _باب الأذان في أذن المولود_ج4-ص97-رقم 1514.قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح (1/38)
صفحة 39
وقال أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى ..... الحديث )) (1) .
وإماطة الأذى هو حلق الشعر، لأن بعض الرطوبات تكون باقية في الشعر فيحلق ذلك الشعر ويتصدق بوزنه فضه، وحلق الشعر والتصدق به جاء في حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: (( احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة )) (2) .
وتدل الأحاديث السابقة على أن العقيقة هي من حق الغلام يدفعها الأب عند القدرة على ذلك، وكذلك يتصدق منها ويدعوا أقاربه للمشاركة في هذه الوليمة والاحتفال بقدوم هذا المولود الجديد، ومع هذا الترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن بعض المسلمين لا يعمل لطفله هذه العقيقة التي تكون في العمر مرة واحدة، مع أنه يقيم له ما يسمى حديثا بعيد الميلاد في رأس كل سنة جديدة يمر بها هذا الطفل.
خامسا:ـ ختان الطفل.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الختان سنة للرجال مكرمة للنساء )) (3) ، وكما هو معلوم من أن الختان هو إزالة الجلدة من العضو الذكري ومن العضو الأنثوي كذلك، وأكثر الختان يكون في الذكور، ويوجد في هذه الجلدة أنواع من البكتريا بإزالتها تزول هذه البكتريا، فجاء الإسلام ليحمي الإنسان من مرض قد يصيبه جراء عدم إزالة تلك الحشفة.
__________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير-ج7-ص229-رقم 6955.
(2) أخرجه : 1- الترمذي في سننه –كتاب الأضاحي_ باب العقيقة بشاة_ج4-ص99-رقم 1519./2- أحمد في مسنده – من حديث أبي رافع_ج6-ص390- رقم 28227.
(3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير _ من حديث شداد ابن أوس الأنصاري _ج7-ص273-رقم 7112 (1/39)
صفحة 40
وقد ظمن الإسلام حق الطفل إن أصابه مكروه جراء الختان بسبب كان متعمدا أو بعدم علم الختان بشيء من هذه المهنة، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من طبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) (1) .
سادسا:ـ حق الرحمة بالطفل.
الرحمة بالطفل هو العطف والحنان والتقبيل والضم والمسح والتسليم عليهم، هذه الأمور كلها تدل على المحبة العظيمة التي تتولد لدى الطفل تجاه مربيه، مما يؤدي إلى الألفة والسمع والطاعة، وعلى عكس ذلك تتولد لدى الطفل النفور من هذا المربي وعدم الاستجابة لما يأمر به، وللأسف نرى كثيرا من المربين إهمال هذا الحق واعتباره من الأمور ـ أن صح التعبير ـ المستهجنة.
وأما الشريعة الإسلامية فقد حفلت بأنواع الرحمة كلها وهي على سبيل الاقتصار:ـ
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (( من لا يرحم لا يرحم )) (2)
وعن عائشة أم المؤمنين قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتقبلون الصبيان! فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم:(( أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة)) (3) .
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من لم يرحم صغيرنا ولم يعرف حق كبيرنا فليس منا)) (4) .
__________
(1) . أخرجه أبي داود في سننه – كتاب الديات_ باب فيمن تطبب بغير علم فأعنت_ج4-ص195 –رقم 4586.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الأدب_ باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقتة_ ج5-ص2235-رقم 5652
(3) أخرجه البخاري في صحيحه _ كتاب الأدب_ باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته_ج5-ص2235-رقم5652.
(4) أخرجه أبو داود في سننه_ كتاب الأدب _ باب في الرحمة_ج4-ص286-رقم4943. (1/40)
صفحة 41
وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح برؤوسهم ويدعو لهم)) (1) ،(( وكان يسلم على الصبيان)) (2) ،(( وكان من أفكه الناس مع صبي)) (3) .
سابعا:ـ حق الطفل في التربية والتعليم.
التربية والتعليم جزءان لا يتجزءان، فتربية بلا تعليم جهل مطبق، وتعليم بلا تربية انحراف ظاهر، ويكون حق الطفل في هذا أظهر لأن التربية والتعليم تحدد مستقبل هذا الطفل، وبالتربية والتعليم تستقيم حياة الطفل ويصبح ذا مكانة في المجتمع، وقبل كل ذلك تكون عبادته لله على بصيرة،لأن من لا علم له بالعبادات كيف له أن يأتي بها صحيحة، ومن لا تربية فيه كيف أن يعايش المجتمع الذي يعيش فيه لأنه ليس له وحده.
والشريعة الإسلامية كما هو معهود فيها مشتملة على تربية الطفل وتأديبه وتعليمه ويقرن ذلك أحيانا بالأجر والثواب ولا تفريق بين تربية الولد والبنت فهما سواء فيهما، وإليك بعض الأحاديث الدالة على التربية والتعليم.
عن ابن عباس رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم)) (4)
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عليه وسلم: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع)) (5) .
__________
(1) أخرجه ابن حبان كما في الاستحسان _ باب الرحمة _ذكر ما يستحب للمرء استعمال التعطف على صغار أولاد آدم_ج2-ص2062-رقم449.
(5) مسند أبي يعلى_ج7-ص205-رقم 4196
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط _ج6-ص263-رقم 6361.
(4) أخرجه ابن ماجه في سننه – كتاب الأدب _باب بر الوالد والإحسان إلى الناس_ج1-ص133-رقم 495.
(2) أخرجه أبو داود في سننه _ كتاب الصلاة _باب متى يؤمر الغلام بالصلاة_ ج1-ص133-رقم495.
(3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير_ ج10-ص197-رقم10447. (1/41)
صفحة 42
وعن أبي وائل عن عبدالله قال: قال رسول الله عليه وسلم: (( من كانت له بنت فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له منعة وسترة من النار)) (1) .
وقال عليه الصلاة والتسليم: (( علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم)) (2) ..
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لأن يؤدب الرجل ولده خيرا له من أن يتصدق بصاع )) (3) .
وعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده رصي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن)). (4)
... وتربية الأبناء أمانة في رقبة المربي إن خان هذه الأمانة، لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه هذا المولود أمانة عنده ليختبر به العبد هل حفظ هذه الأمانة وعمل بجميع الأسباب التي تؤدي إلى حفظها.
ويقع التفريط في الأمانات (الأبناء) على ضربين: (5)
1ـ أن يدع الآباء أبناءهم هملا بغير توجيه ولا محاسبة وبغير نهي ولا زجر.
2ـ أن يسيء الآباء تربية أبناءهم في عمد مقصود لينشؤهم على شواكل من الخلق المشين الفاسد.
ثامنا:ـ حماية الأطفال والنساء في حالة الحرب.
__________
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين _كتاب التفسير_ تفسير سورة التحريم_ج2-ص536-رقم3826.
(2) اخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين _كتاب الأدب_ج4-ص292-رقم 7680.
(3) أخرجه : الترمذي في سننه _ كتاب البر والصلة_ باب ما جاء في وضوء الولد_ ج4 ، ص 383، رقم 1952.
(4) أمير عبد العزيز_ الإنسان في الإسلام_ دار الفرقان عمان –الأردن_ ط1 -1401هـ -1984م –ص172. (1/42)
صفحة 43
عندما تكون الحرب بلا إيمان ولادين يحكمها، يحدث فيها ما تقشعر منه الأبدان و يندى له الجبين، فيقتل ويذبح من لا ذنب له وعلى أي جرم أزهقت روحه، أم أنه من الجانب الثاني المعادي له فأستحل سفك هذه الدماء المحرمة أم هو التشهي في القتل من أجل السيطرة على ثروات ذلك البلد، كل هذه الأمور نراها واضحة منذ بداية الحرب الصليبية فكم من الأطفال والنساء ذبحوا لا لذنب ارتكبوه بل لأنهم مسلمين، والآن ما يحدث في فلسطين والعراق من المشاهد المروعة لصور أطفال قتلوا بالرصاص والصواريخ الهائلة التفجير، أنه الحقد والغل الذي ملىء هذه الصدور حسدا على ما أنعم الله علينا من نعمه الكثيرة وخاصة النفط وقد طمعوا فيه فاستخدموا السلاح للاستيلاء عليه بحججهم المعروفة والواهية يوما بعد يوم.
أن شرعنا الحنيف يأبى كل الإبى من فعل هذا التصرف الخاطىء، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيا قاطعا عن قتل النساء والأطفال في المعارك الحربية، وجاء عن حنظلة الكاتب قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فمر بامرأة مقتولة والناس عليها فقال: ما كانت هذه لتقاتل أدرك خالدا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفا )) (1) .
تاسعا:ـ ولد الرقيقة يحررها من سيدها.
كلن الرق منتشر قبل الإسلام انتشارا كبيرا، وعندما جاء الإسلام حاول وبصورة غير مباشرة على منعه فعمل على تجفيف منابعه وحصره حتى يمكن أن يلغيه وإن تبقى بعض الرقيق، فمن الأمور التي كانت تساعد على العتق هو حث النبي صلى الله عليه وسلم له وربطه بالثواب، والكفارة التي كانت مرتبطة بعتق رقبة على حسب التخيير أو الترتيب في الكفارة، وكذلك ولد السيد الذي يأتي عن طريق الأمة فهو يحرر أمه من الاسترقاق إلى الحرية.
__________
(1) أخرجه ابن حبان كما في الاستحسان_ كتاب الجهاد_ ذكر خبر ثان يدل على أن النساء والصبيان من أهل الحرب يقتلون إذا قاتلوا_ج11-ص112-رقم4791. (1/43)
صفحة 44
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: (( أعتقها ولدها)) (1) .
وفي هذا التكريم كل التكريم وليس مجرد الحماية للأمومة والطفولة معا
عاشرا:ـ حق الطفل في النفقة.
إن الطفل وهو بهذه الحالة لا يستطيع أن ينفق على نفسه، لأنه غير مكتمل النمو البدني والعقلي، وعلى ولي الأمر أن يوفر للطفل المأكل والمشرب والملبس والمسكن كل حسب قدرته في ذلك، فهو مأجور بإذن الله، وكان الإسلام شديد الحرص في حث ولي الأمر على أداء النفقة لمن يعول وأن تكون من الحلال وأن يصرفها في الحلال.
وروي عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهولك صدقة)). (2)
الفصل الثاني : وعنوانه (خصائص التربية وأهدافها).
ويشتمل على مبحثين.
- المبحث الأول : وعنوانه(خصائص التربية النبوية).
ويشتمل على أربع خصائص.
1- خاصية (وحدانية المعبود).
2- خاصية( التوازن).
3- خاصية( الشمول).
4- خاصية( العدل).
- المبحث الثاني : وعنوانه( أهداف التربية النبوية).
ويشتمل على هدفين.
1- إنماء الشخصية الإسلامية :
أ . روحيا.
ب . اجتماعيا.
ج. أخلاقيا.
3. التكيف مع الفرد والمجتمع.
الفصل الثاني
خصائص التربة النبوية وأهدافها
المبحث الأول
خصائص التربية النبوية
مدخل في الخصائص
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في سننه – كتاب العتق_ باب أمهات الأولاد_ج2 –ص841-رقم 2516.
(2) أخرجه أحمد في مسنده_ من رواية المقدام بن معد كرب_ ج4 –ص131. (1/44)
صفحة 45
لكل منهج تربوي ناجح خصائصه التي تعمل علِى احتواء جميع أفراده، وهذه الخصائص يجب ألا تكون متشعبة، بقدر ما هي تضم جميع عناصرها في عناصر محددة يمكن معالجتها بشكل واضح. ونحن اليوم بصدد الكلام عن خصائص التربية النبوية التي كان لها _وما زالت _ الأثر الكبير في إخراج شخصيات من المجتمع كان لها الثقل الكبير في تغيير العالم الذي غلب عليه الانحراف إلى عالم تتحقق فيه السعادة والخير.
إن الناظر في هذه الخصائص يلاحظ اختلافا كثيرا في عناصرها، وهذا بطبيعة الحال ليس عيبا يقال، ولكن لهذه العناصر مرونتها حيث أن لكل باحث وجهة نظره في ذلك، وهو ما أدى إلى إعطاء ميزة خاصة لهذه التربية وهي قدرة أي باحث على دراستها من أي وجه يريد.
وقد جعلنا للتربة أربع خصائص، اختصارا لما هو موجود عند كتاب التربية، لأسباب سنوضحها بعد إيراد هذه الخصائص مجملة ليتبين للقارئ سبب اختيار الباحث لها، وهي:
1- وحدانية المعبود.
2- التوازن.
3- الشمول.
4- العدل.
... فكتاب (التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة) (1) لعبدالرحمن النحلاوي تكلم عن خصائص التربية النبوية فأوصلها إلى سبع خصائص، فنذكر منها: الربانية_ وثابتة الأسس _ وموافقة الفطرة.
ومن وجهة نظر الباحث يرى أنها في عنصر وحدانية المعبود، لأن كل من تلك العناصر مترابطة مع بعضها البعض فيمكن له أن يجعلها في عناصر فرعية متصلة بعنصرها الرئيسي، فالربانية والثبات والفطرة كلها تدخل في الوحدانية.
وتكلم كذلك عن الشمول والعالمية، فمن وجهة نظر الباحث لا يرى فرق بينهما، لأن الشمول يدخل فيه كل جزئية من العالمية، فمثلا عندما نقول: الرزق شامل لجميع العباد، والعباد يشتملون على عدة أصناف: المؤمن، والكافر، والمنافق، أي أن هذا العالم بصفاته تلك كل يرزق بحسب ما قدر له.
__________
(1) عبدالرحمن النحلاوي _ التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة _ المكتب الإسلامي _بيروت _ 1405هـ -1985م _ ط2 _ ص81-117. (1/45)
صفحة 46
... وكذلك ذكر من خصائصها موحدة للطاقات البشرية، وهذه أدرجها تحت خاصية التوازن، وكذلك خاصية الإيجابية الفعالة والمتفاعلة.
... وأنا لا أنكر التقارب الكبير بين التوازن والشمول، ولكن كلاهما يعالج معنى من معاني التربية، فتدرك أنهما عنصران مختلفان، وهذا يتضح من خلال عرض كل واحد منهما، وقد يتداخلان في بعض الأحيان وقد يختلفان.
وكتاب ( منهج التربية الإسلامية) (1) لمحمد قطب، يورد أربعة خصائص للتربية وهي :
أولا-الشمول والتكامل.
ثانيا-التوازن.
ثالثا-الإيجابية السوية.
رابعا-الواقعية المثالية.
يمكن لنا أن ندمج عنصر الإيجابية السوية في عنصر التوازن لأن الإيجابية السوية عبارة عن نوع من التوازن في الشخصية السوية، والواقعية المثالية سأدرجها في خاصية العدل، فيقال مثلا انظر في هذا الأمر بنظرة واقعية أي عادلة، وخاصية العدل تنبني على الواقعية المحضة.
وفي كتاب ( نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم ) (2) لعباس محجوب، ذكر من خصائص التربية وهي:
1- العناية بالطفل الحي.
2- مراعاة الفروق الفردية.
3- تربية إيجابية بناءة تقوم على الأخلاق.
4- تربية تنتج نفوسا صادقة مؤمنة بالله متفائلة.
فخاصية مراعاة الفروق الفردية داخل خاصية التوازن، وخاصية العناية بالطفل الحي وكذلك خاصية تربية تنتج نفوسا مؤمنة كلاهما نتائج لهذه التربية وليست خصائص، وكذلك أورد في كتابه ( أسليب التربية والتعليم في الإسلام ) (3) خصائص هي توحي إلى أنها نتائج وليست خصائص، مثل:
1- تربية استقلالية .
__________
(1) محمد قطب _ منهج التربة الإسلامية _ دار الشروق _بيروت _ ط9 1406هـ - 1986م _ ج1 ص33 .
(2) عباس محجوب _ نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم _ مؤسسة علوم القرآن _ عجمان _ ط1 – 1408هـ - 1987م _ ص95-98 .
(3) عباس محجوب _ أساليب التربة والتعليم في الإسلام _ دار القراءة للجميع للنشر والتوزيع _ دبي _ ط2 – 1410هـ -1990م _ ص (1/46)
صفحة 47
2- تربية تعمل على تنشئة الفرد.
3- تربية تعمل على إيجاد التعاون.
أما كتاب ( منهج التربية في التصور الإسلامي ) (1) لعلي أحمد مدكور فمسلكه يشبه مسلم الدكتور عبدالرحمن النحلاوي في التقسيم، إلا أنه قد أضاف بعض الإضافات لم يذكرها النحلاوي ولا غيره مما سبق، وهي: التوحيد فقط.
والتوحيد والربانية هما شيء واحد لتعلقهما بالأمور العقائدية التي لها الصلة الكبرى في ذات الله سبحانه وتعالى وكليهما داخلان في خاصية وحدانية المعبود.
خصائص التربية النبوية:-
أولا- وحدانية المعبود.
يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية، ألوهية يتفرد بها الله – سبحانه- وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه، وكما يتفرد الله – سبحانه – بالألوهية كذلك يتفرد – تبعا لهذا – بكل خصائص الألوهية، كذلك يتجرد من كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية، فهناك إذن وجودان متميزان: وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد. (2)
ونقصد بالألوهية أن لا معبود إلا الله، تحققه كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هذه الكلمة هي الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق.
ونحن نعلم أن ما من ديانة سماوية أنزلها الله إلا وتدعوا إلى توحيده، وعبادته، ونبذ ما يعبد من مخلوقات تخلق ولا تخلق، قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) (3) .
__________
(1) علي أحمد مدكور _ منهج التربية في التصور الإسلامي _ دار الفكر العربي _ القاهرة _ 1422هـ - 2002م _ ص81-133 .
(2) المرجع السابق _ ص88 .
(3) سورة الأنبياء – الآية ( 25 ) . (1/47)
صفحة 48
ويتجلى مفهوم وحدانية المعبود في الرسالات السماوية التي أرسلها الله إلى عباده لإخراجهم من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد لله – سبحانه وتعالى-، وفيما يحكيه الله عن أنبيائه في قرآنه العزيز.
إذ قال عن نوح عليه السلام: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )) (1) .
وقال عن هود عليه السلام: ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)) (2) .
وصالح عليه السلام أيضا: ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (3) .
وشعيبا عليه السلام كذلك: ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين)) (4) .
ومعرض ما حصل لموسى عليه السلام في الوادي المقدس طوى، قال له الله سبحانه وتعالى؛ ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) (5) .
__________
(1) سورة الأعراف _ الآية ( 59 ) .
(2) سورة الأعراف _ الآية (65) .
(3) سورة الأعراف _ الآية( 73 ).
(4) سورة الأعراف _ الآية (85) .
(5) سورة طه _ الآية ( 14) . (1/48)
صفحة 49
وكذلك ما حكاه الله عن عيسى ابن مريم نافيا أنه قال للناس أن يتخذوه وأمه إله من دون الله، حيث كان الجواب ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (1) .
فمن خلال تلك الآيات توضح لنا أن التصور الإسلامي لعبودية الله هو نفسه منذ أن أرسل الله رسله إلى الناس ولكن لم تدم تلك العقيدة النقية إلا وقد كتب أصحابها على أنفسهم بعد الرسل عليهم السلام الأخذ في تحريفها فلم تكن تصلح كديانة تؤتي ثمارها المرجوة بعد هذا التحريف، ولأنها في الأصل كذلك جاءت لقوم دون قوم.
أما الشريعة الإسلامية ففيها حفظت عقيدة التوحيد والعبودية لله في سورة الإخلاص، ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ)) (2) .
والتربية الإسلامية تعلمنا أن لا تعدد للألوهية كما أشارة سورة الإخلاص، أحد فرد صمد ذلك الله، لا كما فعل أصحاب الديانات السابقة من تحريف، كالمسيحية التي ادعت أن عيسى هو الله وأنه كذلك هو ابن الله، فكيف يعقل وجود إلهين في هذا الكون، وكذلك قال اليهود عزير ابن الله، والعرب قالت الملائكة بنات الله.
وقفة نقفها في تلك العقائد المحرفة، والعقيدة الإسلامية التي لم تزل وما تزال وستزال باقية على أصلها من غير تحريف.
__________
(1) سورة المائدة _ الآية (17 ).
(2) سورة الإخلاص. (1/49)
صفحة 50
ومن هذه الوقفات بما أن أتباع الديانة الواحدة رضوا بأن يكون لله شريك في الألوهية فما سوى ذالك سهل تحريفه، لأن من ينحرف عن عبادة الله إلى غيره، أو يشرك مع الله أحدا ستسمح له نفسه فعل ما بقي من المعاصي لأنها تعتبر صغيرة إذا ما قارنها بالشرك والإلحاد من وجهة نظره.
وهذا مما يؤثر بصفة خاصة على الفرد، وبصفة عامة على المجتمع، أما الفرد فيهلك نفسه ويوردها النار، أما المجتمع فتتحطم أركانه بتحطم أهم ركن فيها، فترى الانحراف والفساد والإفساد المتفشي في معظمهم، لأنه لا ضابط لهم يرجعوا إليه، أسألكم يا من له عقل يفكر إلى أي إله يرجعون ؟ من جعل الله ثالث ثلاثة.
أما الإسلام فكان هو الباقي على عقيدة التوحيد الصحيحة، أن لا معبود إلا الله ولا واسطة بينه وبين عباده وبين عباده، وفي هذا تربية للمؤمن في الإخلاص لله دون سواه، يعمل ويجد ويثابر لنيل رضا الله بتوجهه إليه لا إلى غيره، هذه الوحدانية هي الحد الفاصل بين خصائص التربية الإسلامية وما عداها من الشرائع السابقة بعد التحريف، أو التي أنشئت من عند غير الله.
والإسلام دعا إلى التوحيد. فشهادة:"لا إله إلا الله " هي اعترافه بلسانه مع اعتقاد بقلبه عن علم ويقين أن لا معبود إلا الله، والشهادة بهذا هي الشهادة بوجود الله وبوحدانيته. (1)
وتضاد عقيدة وحدانية المعبود الشرك الذي اتخذ مظاهر عدة تخرج الإنسان من بوتقة العقيدة الصحيحة إلى بوتقة الشرك والإلحاد، وهذه المظاهر هي كالآتي:
1- عبادة الشخصية الإنسانية.
2- عبادة الأصنام.
3- عبادة الأهواء.
4- عبادة المظاهر الطبيعية.
1- عبادة الشخصية الإنسانية:
__________
(1) عفيف عبد الفتاح طباره _ روح الدين الإسلامي _ دار العلم للملاين _ بيروت لبنان _ ط23 – 2003م _ ص92 . (1/50)
صفحة 51
إن عبادة الشخصية الإنسانية من العبادات التي تطمس الهوية الشخصية للعابد، فلا يجعل لإنسانيته معنى البشرية التي تساوى فيها مع إله الذي اتحد معه في بشريته، ولكن هذا النزول إلى قاع الذل له دوافع هي في أغلبها مادية، أو تقديس لما يعبده باعتبار المعبود له خوارق ظنها من صفات الإله.
وأن عبادة الشخصية الإنسانية ناتج عن ضعف وخوف ممن جعلوه إلها، فما إن يموت إلا وترى الناس ينزلون عليه من الشتائم والانتقام مما عمله أنواعا عديدة، فكلما طاغية من طواغيت الأمم إلا( وتراهم يحطمون تماثيله، ويمزقون صوره ورفعوا الصيحات من كل جانب باستهجان عبادة الشخصية الإنسانية) (1) .
والقرآن صريح في نهي مثل هذا الإشراك، نهي عن اتخاذ البعض أربابا من دون الله، ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) (2) ، ولا نشرك به شيئا دالة على النهي عن الإشراك بجميع مظاهره.
2 - عبادة الأصنام والأوثان.
عبادة الأوثان التي حاربها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا وبين أنها لا تنفع واعتراف الذين يعبدوها ((أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) (3) ، وهذا هو ما يسمى بالواسطة بين العبد وربه، وهذه الواسطة لا تنفع نفسها فما بالك بمن جعلها إله فيما بعد.
__________
(1) المرجع السابق _ص97 .
(2) سورة آل عمران _ الآية ( 64 ).
(3) سورة الزمر _ الآية(3) . (1/51)
صفحة 52
والناظر إلى هذه الواسطة أنها صرفت التفكير والتركيز في ذات الله، بل هو تركيز في هذه الواسطة التي أعمت العقل الإنساني عن التفكير وأبطلت النظر في هذا الكون المستمد قوته من الله الواحد الأحد، الذي يربي الإنسان على التقرب بالعبادات والأعمال الصالحة لا يكون إلا لله.
3- عبادة الأهواء.
ومن أنواع الشرك بالله انقياد الإنسان لهوى نفسه، فلا يهوى شيئا إلا اتبعه وهذا ما ذكره القرآن، (1) : ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)) (2) .
... والأهواء هي: المال والجاه والحب، وهذه تعمي الإنسان عن الحق والعدل بينهم إذا طغت على النفس، إذا ما وجهت إلى غير وجهتها الصحيحة، فالمال الذي لا يرى الفقير منه شيئا يولد الحسد، والجاه الذي يسلط به رقاب الناس يولد البغض والكره، والحب من أجل المادة يولد النفاق والخبث والمكر، كل هذه الأمور من أسباب تفكك المجتمع وتفرقه.
4- عبادة المظاهر الطبيعية.
المظاهر الطبيعية: سماء وما فيها من مجرات و كواكب ونجوم، وأرض وما فيها من جبال وأنهر وشجر، هذه بمجموعها يتخذ الإنسان منها معبودات من دون الله، مع أنه خلقت لتنفعه وليتفكر فيها على عظمة الله وقوته.
__________
(1) عفيف عبد الفتاح طباره _ روح الدين الإسلامي_ ص99.
(2) سورة الفرقان _ الآية (43) . (1/52)
صفحة 53
وجاء القرآن مفندا هذه المقولات وأنها مخلوق من مخلوقاته، (( إإِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ{4} رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)) (1) ، وكذلك ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) (2) .
وهذا المظهر من الشرك يعطل التفكير في هذه الآيات التي أمرنا باستغلال ما فيها من طاقات حيوية تساعد المسلمين على التقدم الحضاري الذي هو مطلوب منها في كل عصر من العصور، لكي يكون لها القوة الكبرى في الوقوف ضد الهجمات التي تجتاحها بين الفينة والأخرى.
ثانيا- التوازن.
التوازن كلمة توحي من معناها لا إفراط ولا تفريط، ومقتضى ذلك أن لا طغيان لجانب على جانب، ومن الملاحظ أن التوازن يقترب من الشمول، ولكن يعنى بالتوازن بين فئتين تقارن بينهما، أما الشمول فلا يقارن بين الشيئين وإنما يوضح أن حكم أو وصف يشمل الجميع أفراده.
وذكر الميزان في القرآن دليل على التوازن بين شيئين ((وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ{7} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ{8} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)) (3) ، أي عدم طغيان الميزان عن الحد الأصلي له، وكذلك عدم نقصانه إلى ما دون الحد الأصلي.
__________
(1) سورة الصافات _ الآية ( 4-5) .
(2) سورة الأعراف _ الآية (54) .
(3) سورة الرحمن _الآية (7- 9) . (1/53)
صفحة 54
والتوازن في التربية تعتبر خاصية مهمة من الخصائص، فبدون توازن يصبح هناك خلل كبير في مجرى العملية التربوية الصحيحة، ونلاحظ كثيرا في هذا المجتمع ما يخل بهذه الخاصية، متمثلة في الإفراط والتفريط، وذلك بأن يكون المربي قد غلب جانبا على جانب من جوانب التربية وأهمل جانب آخر.
ومن هذه الجوانب المنتشرة هي: ما يطلق عليه التدليل والتأديب إن صح التعبير، فمن الملاحظ أن الوالدان في بعض الأحيان يفرطان في تدليل الولد إلى حد المبالغة أحيانا، وفي هذا انعكاس خطير على الطفل في مراحل عمره اللاحقة، فبعد ذلك لا يستطيع الوالدان أن يسيطرا على ولدهما لأنهما قد بذرا فيه بذرة قد نمت وتفرعت، وهي تلبية كل ما يطلب وعدم القدرة في ردعه عن ما يطلب بتأديبه.
وكذلك نتحدث عن الجانب الآخر المضاد له وإن كانا على غير تساوي في كيفية تطبيقهما على الطفل.
وهو التأديب ومما لا شك فيه أنه وسيلة رادعة، إن استخدمت بأسلوب حكيم لا صلة فيه العنف والقسوة، وكأنه في صراع دام مع عدو يجب القضاء عليه.
ونرى الذي يحاول أن يغلب جانب التأديب غير المدروس، والذي ينقصه الإتقان، فيسلك مسلكا خاطىء في جانب التربية في حق الطفل، فكم من طفل تسبب في عاهة له طول حياته بسبب حجة واهية وهي تأديبه، وكم من تراه كالمخبول لا يقدم على عمل خوفا من العقاب.
وكم من طفل أصبح شرسا قاسيا منحرفا بسبب سوء المعاملة القاسية التي كان يتلقاها من والديه فيهرع إلى من ظنهم أرأف به وأرحم فكان ما كان.
وما نشاهده في كثير من قصص الشباب الذين سار بهم التيار إلى الانحراف _ وهم غالبا ما يقولون سببه _ بأنه كان نتيجة التدليل الزائد والإهمال أو التأديب الخارج عن الحد المألوف. (1/54)
صفحة 55
والإسلام دائما يمثل التوازن الكامل في الحياة البشرية بين الجانب النفسي والجانب التشريعي، لا يلغي العقوبة من الأصل، وإن كانت الأحكام تنطلق من الوازع الداخلي في كل شيء، فهو يقر العقوبة للطفل منذ سن العاشرة إن تلكأ في تأدية فرض الله عليه. (1)
ولكي نوازن بين الجانب النفسي والجانب التشريعي لا بد أن ندرك معنى هاما - قبل استخدام العقاب- وهو مسألة التعويد أو التهيئة النفسية للشريعة عند الطفل بتبصيره وتوجيهه وغرس حب الشرائع في قلبه بطريقة تتسم بأسلوب حكيم شيئا فشيئا، أما أن تهمل الطفل إهمالا فضيعا ثم تطالبه بإتيانها فلا تعجب من عصيانه، فعندها يكون سوطك مسلطا على ظهره فترجى نتائجه.
فليس بالضرب يتم التعليم، وليس باللعب يتم التعليم، ولكن بالملاطفة والتقدير والحب، وإن كانت هذه الوسطية لا تنفي الجانبين في الوقت نفسه والضرورة تقدر بقدرها. (2)
ونلاحظ أن خاصية التوازن تكمن في شيئين لا ثالث لهما وهما الروح والمادة، لأن طبع الإنسان مكون من روح ومادة فكلاهما مكمل للآخر لا يحيد على الثاني.
فعند ما يركز المربي على الجانب الروحي ويترك الجانب المادي ترى الطفل غير متقدم في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعكس في المادة يصبح في تلك النواحي ممتازا ولكن يخلو منه الوازع الديني الذي يواجه به ما يطرأ له إن كان حراما وإلا وقع في أشياء تؤدي به إلى الهلاك إن لم يكن متسلحا بالإيمان واليقين الذي ينجيه من ذلك.
فكم من غني لم يكن على شيء من الوازع الديني أرداه الهم والغم وعدم راحة البال إلى انتحار أفضى به إلى هلاك نفسه، وكذلك كم من فقير عصفت به الدنيا فانساق إلى الملذات التي لا يبيحها له الشرع، فتراه يرى أشياء لم يطلع عليها، فكأنه يكمل ما نقصه في طفولته.
__________
(1) منير محمد الغضبان _ من معين التربية الإسلامية _ وكتبة المنار _ ط2 - 14002هـ - 1982م _ ص47 .
(2) المرجع السابق _ ص47 . (1/55)
صفحة 56
وهكذا فالتوازن في التربية يخلق بيئة متكاملة من جميع النواحي، فلذا يجب على المربي أن يسعى جاهدا في تلبية متطلبات أولاده الروحية والمادية وأن يوازن بينهما فلا يهتم بجانب على حساب جانب.
وهو كذلك توازن بين طاقة الجسم وطاقة العقل وطاقة الروح، وتوازن بين الإيمان الواقع المحسوس والإيمان بالغيب الذي لا تدركه الحواس، توازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية، توازن بين النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، توازن في كل شيء في الحياة. (1)
التوازن الذي يحقق التربية العادلة بين شقي هذا المخلوق الروح والجسد. (2) حتى ينشأ المجتمع المتوازن والإنسان المتوازن. (3)
ثالثا:- الشمول.
والشمول والتكامل عدم اقتصارها على جنب واحد أو بعض الجوانب من شخصية الطفل، إذ أنها تستبعد النظرة القائمة على التميز بين العقل والجسم وسمو العقل على الجسم، فهي تربية للجسم وتربية للعقل وتربية للنفس. (4)
إن الشمول ما هو إلا اتساع أي مادة من المواد التي تنضوي تحته باختلاف فروعها فتستطيع احتوائه بما تقدمه لها من أفكار وإرشادات وحلول وهذا ما يميز الشريعة الإسلامية فهي شاملة لجميع جوانبها في جميع نواحي الحياة الدنيوية والأخروية.
__________
(1) المرجع السابق _26.
(2) حمدان راجح المهدي الهجاري _ موسوعة الدعوة الإسلامية (5) (كيف ندعوا الأطفال؟) _ ط1 – 1414هـ - 1994م _ ج1 – ص76.
(3) عبدالغني النوري _ التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة _ دار قطري ابن الفجاءة _ قطر _ ط1- 14006هـ - 1986م _ ص105.
(4) حمدان راجح المهدي الهجاري_ موسوعة الدعوة الإسلامية (5) (كيف ندعوا الأطفال؟) _ ص75. (1/56)
صفحة 57
فنرى الإسلام الحنيف يضفي الصبغة الدينية الصحيحة في مجالات الحياة، سواء كانت في حياته الخاصة أو الحياة الاجتماعية، فلا يأس ولا عجز ولا قنوط بمعنى آخر لا انتقام من نفس الإنسان مهما كان، ويؤكد ذلك الحديث الذي روي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: الرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأبها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا )) (1)
ومن الناحية الاجتماعية فالإسلام شملها بعنايتة خاصة بعد العناية بالنفس والمحافظة عليها من جميع ما يضرها في جسمها بنظافة وتقوية أعضائه، وفي عقلها من جميع ما يضرها بتنوير بالعلم والفكر والنقد البناء، وفي نفسها من جميع ما يضرها بترويحها وتنشيطها من اللعب المباح وغيره.
وهكذا نرى أن الشمول يحقق التوازن فالشمول يحدد ماهية الشيء، أما التوازن فيعمل على إيجاد توافق بين شيئين على أن لا يطغى أحدهما عللا الآخر.
رابعا:- العدل.
يتفرد الإسلام بنظامه الخاص وتشريعه العادل، من إنه نظام رباني يقوم على أساس القواعد العامة، والأصول الكلية بشريعة الله.
والعدل شرط أساسي لقيام أي تنظيم إداري والحفاظ على ديمومته، وأن يطبق مختلف الأصعدة والمستويات الإدارية.
__________
(1) أ- أخرجه الترمذي _ في كتاب رآه عن رسول الله صلى الله وسلم _ باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره _ ج4 – ص386 – رقم 2043. ب- ,أخرجه ابن حبان في صحيحه _ ذكر تعذيب الله جل وعلا في النار من قتل نفسه في الدنيا _ ج13- ص325- رقم 5986. (1/57)
صفحة 58
وبما أن التربية الإسلامية هي نظام متكامل متوازن له طبيعته المتحققة في إدارته الصحيحة ففيها يكون العدل ظاهر ومتحقق كذلك، فهي تضم في جنباته كل الأمور الحياتية من عدالة في نفس الإنسان ومجتمعه واقتصاده وسياسته وتعليمه وقضائه وأسرته وحقوقه وواجباته.
والعدل يتحقق من خلال الإستقامة التي تعني الدقة في تحديد المرغوب فيه والمنهي عنه. (1) قال تعالى ((فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ )) (2)
والعدل يأتي بمستويات يبدأ أولا مع النفس في إعطائها حقها، ثم مع الآخرين من الزوج والأبناء والوالدين والأرحام والأقارب، ثم الآخرين في المجتمع، والعدل في الإسلام لا يفرق بين رئيس ومرؤوس ولا بين قوي وضعيف ولا بين غني وفقير ولا بين قريب وبعيد، وبذلك يحقق الطمأنينة والاستقرار. (3)
المبحث الثاني
أهداف التربية النبوية
إن الهدف والغاية هي كل ما توصلت إليه فكرة أو أطروحة، تعمل على خلق أهداف هي تسعى لتحقيقها لإيمانها العميق بأهمية ما تعمل على دراسته على المدى البعيد والقريب لتقطف ثمار هذه الأهداف.
والتربية النبوية خير ما سعت إلى أهداف نبيلة لها من الأثر الكبير في الفرد والمجتمع والحضارة أجمع، فلقد تمثلت أهداف التربية النبوية من خلال تقسيمنا له إلى قسمين وهي كالتالي:
1 _من أهداف التربة النبوية: إنماء الشخصية الإسلامية.
أولا:روحيا.
__________
(1) وجيهة ثابت العاني _ الفكر التربوي المقارن _ دار عمار للنشر والتوزيع _ عمان الأردن _ ط1 2003م _ ص235.
(2) سورة الشورى _ الآية (15).
(3) وجيهة ثابت العاني _ الفكر التربوي المقارن_ ص 234 . (1/58)
صفحة 59
ثانيا:اجتماعيا.
ثالثا:أخلاقيا.
أولا: روحيا.
إن لدى الإنسان جسما وسلسلة من القوى الجسمانية، وله روح وسلسلة من القوى الروحية. (1) وتكوين هذه الروح ليس أمرا سهلا، إذ قد يعلم المرء الخير ولكنه لا يدري كيف ينتهي إليه، ويعرف الشر في سلوك ما ويعجز عن تجنبه. (2)
والإنسان ليس جسما فحسب وليس عقلا فحسب، وليس روحا فحسب بل هو جسم وعقل وروح بل ويمكن اعتبار العقل جزءا من الروح. (3)
من الملاحظ أن الهدف الروحي متكامل لا يمكن له التخلي عما هو مرتبط معه برباط وثيق وهو تكميل بعضهم البعض، فالروح بلا جسم، والجسم بلا روح يعد من الأمراض التي تحتاج إلى علاج سريع ومنظم والتكامل بين الروح والجسد عن طريق معرفة الشخص للخير والشر.
والشخص الذي يلتزم بالخير لا يلتزم عن تكلف وتصنع، وإنما يلتزم برغبة أكيدة منه وعن حب وتقدير له، ويتجنب الشر لا خوفا ولا قهرا وإنما لاشمئزاز منه وكره له. (4)
والإسلام بدأ بتكوين تلك الروح في نفس المرء من داخل نفسه أولا، وذلك بالتعود على ضبط النفس والتحكم فيها والسيطرة على مختلف نوازعها الطبيعية في مختلف الأحوال والمواقف بانتظام. (5)
والتكوين هو ما نسميه بإيقاظ الضمير الحي الذي يعمل على إيقاد روح الإنسان لمواجهة تقلبات الحياة من عسر إلى يسر ومن يسر إلى عسر.
وهذا التكوين لا يمكننا إدراكه إلا من خلال ما تهدف إليه التربية الروحية وهي كالتالي:
__________
(1) مرتضى مطهري _ التربية والتعليم في الإسلام _ دار الهادي _ بيروت- لبنان _ ط1 – 1413هـ - 1993م _ ص37.
(2) مقداد يالجن _دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة _ دار الشروق بيروت _ ط1 -1403هـ - 1983م _ ص38.
(3) منير محمد الغضبان_ من معين التربية الإسلامية _ ص22.
(4) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية _ص38.
(5) المرجع السابق _ص53. (1/59)
صفحة 60
1-التربية الروحية تجعل الإنسان يترفع عن سفاسف الأمور فهي محررة له من ربقة العبودية للمادة وملذات الجسد. (1)
إن المسلم لا ينزل نفسه منزلة توحي إلى الناس بأنه لا شخصية له من خلال أعمال مستهجنة ولا قيمة لها، وكذلك عدم إهانة نفسه وتصغيرها بالقدر الذي يوحي بالذل أمام الناس، وإنما يجب عليه أن يرفع روحه التي هي حياته إلى مقام كريم وشريف بعيدا عن عبوديته لغيره.
2- التربية الروحية تدفع إلى ممارسة الشعائر المفروضة على الإنسان في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من شعائر الدين ومقتضياته مما شمله كلمة العمل الصالح. (2)
والشعائر سواء كانت مفروضة أو غير مفروضة فهي داخلة في نطاق العبادة التي هي بمعنى: ( كل عمل وشعور يتوجه به الإنسان إلىالله فهو عبادة، وكل عمل وشعور يتركه الإنسان تقربا إلى الله فهو عبادة ) (3)
3- التربية الروحية تسمو بروح الإنسان حتى يكون نموذجا حيا للدين الذي يدين به ومثالا حيا للفكر الذي يعتنقه. (4)
النموذج وهو ما يطلق عليه إن صح التعبير الشخصية المتكاملة من جميع النواحي بقدر المستطاع، والمسلم الذي يحمل أفكار الإسلام الصحيحة التي لا غلو فيها لا تقصير بمعنى الغير مشوهة يكون قد حمل الروح الحقيقية للشريعة الإسلامية.
والإسلام يعني عناية خاصة بالروح، أنها في نظره مركز الكيان البشري ونقطة ارتكازه، والإسلام في عنايته بتربية الروح هو دين الفطرة. (5)
__________
(1) حمدان راجح المهدي الهجاري_ موسوعة الدعوة الإسلامية (5) (كيف ندعوا الأطفال؟) _ص89.
(2) المرجع السابق _ص90.
(3) عبدالغني النوري _ التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة_ ص95.
(4) حمدان راجح المهدي الهجاري _ موسوعة الدعوة الإسلامية (5) (كيف ندعوا الأطفال؟) _ج1 – ص90.
(5) عبدالغني النوري_ التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصر _ ص92 (1/60)
صفحة 61
وخاصة في مراحل لأولى من عمر الإنسان، وهي مرحلة الطفولة فهي خصبة لتكوين هذه الروح التي ما تزال في نقائها كما خلقت قبل توجهه وجهة صحيحة كانت أم غير ذلك.
فتنشئة الصغار على أداء العبادة بروح العبادة لا بشكلها ولا بالتخويف والسلطة فحسب بل بغرز الرقابة الإلهية في الدنيا والترهيب بعقابه في الآخرة (1) .
ولا يمكن لهذه التنشئة الروحية أن تؤتي ثمارها إلا بأمور عدة توضح المنهجية التي تمكننا من تفعيل هذا الهدف نحو إنماء هذا الإنسان المكرم روحيا ليتكامل مع كل هدف من أهداف التربية، نوردها في صورة نقاط تبين المقصود:
1- أن يعقد صلة دائمة بين الروح وبين الله في كل لحظة وكل عمل وكل فكرة وكل شعور. (2)
2- أن يفتح بصيرته عللا آيات الله في الكون ويستشعر من آيات القرآن القدرة القادرة الخلاقة المبدعة. (3)
3 - أن تنعقد بين قلبه وبين الله، لا تنقطع في نهار أو الليل و لا تنقطع في عمل أو شعور أو فكر و لا تنقطع في سر ولا جهر و لا تنقطع في خلوة أو صحبة و لا تنقطع ما دامة الحياة. (4)
4- أن يراقب ربه في الصغيرة والكبيرة وفي الخفاء يراقبه وهو يعمل يراقبه وهو يفكر يراقبه وهو يحس. (5)
5- أن يلقن الأمور التي بها يتقرب إلى الله وإلى الأفراد والجماعات من تلقينه حب الناس وحب الخير لهم، وكيفية تزكية النفس من الرذائل واستبدالها بالفضائل، وتدريبه على ذكر الله من عبادته بما يمارسه من رياضات روحية، ووصلة بالدعاء مع اليقين بالإجابة، الرضى بقضاء الله وقدره.
__________
(1) مقداد يالجن _ جوانب التربية الإسلامية الأساسية _ دار الريحاني للطباعة والنشر _ بيروت لبنان _ ط1- 1406هـ - 1986م _ ص241
(2) عبدالغني النوري_ التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصر _ ص93.
(3) المرجع السابق _ص93.
(4) المرجع السابق_ ص 94
(5) المرجع السابق _94. (1/61)
صفحة 62
وأخيرا نقف مع ثمار التربية الروحية، التي تتجلى في الفوائد التي تعود بالنفع على الأمة الإسلامية، وهي كالتالي:
1- الإحساس الحي بالصلة الوثيقة بين الإنسان والكون. (1) وهي ما نسميه علاقة أخذ وعطاء وهي الاستخلاف.
2- علاقة الحب للحياة والناس بدافع الخير لا الشر وعدم النفاق الذي يبطن النوايا الخبيثة.
3- الترفع فوق كل ما هو من شأنه أن يقلل من هذه الروح إلى الحد الذي لا يتجاوز عما خلق من أجله الإنسان.
4- العمل بدافع الرغبة والرهبة من الله لا من غيره بعيدا عن الرياء والتصنع لمن لا يملك من أمره في الأصل شيئا.
ثانيا: اجتماعيا.
... قبل الدخول إلى ماهية المجتمع نود أن نعطي صورة لموقع المجتمع من بين الفرد والحضارة، فيمثل المجتمع حلقة الوصل بين الفرد والحضارة لأنه واقع بينهما يجذب الفرد إلى ناحيته وبالمقابل فإن الحضارة تجذب المجتمع إلى ناحيتها.
... فهي سلسلة ذهبية إذا قطعت إحدى حلقاتها انقطعت باقي الحلقات، وهو ما عبر عنه كثير من كتاب التربية ( أن بناء خير فرد وسيلة لبناء خير مجتمع، وبناء خير مجتمع وسيلة لبناء خير حضارة). (2)
أذن فالمجتمع عبارة عن: أفراد يتحدون مع بعضهم البعض تجمعهم أهداف ومصالح مشتركة يسعون في تحقيقها.
وقبله الفرد وهو: لبنة من لبنات المجتمع التي تعمل لصالح المجتمع سواء كان منفردا أو مع جماعة منظمة.
وبعده الحضارة فهي: عبارة عن تكتلات اجتماعية في أغلب الأحيان تجمعهم المصالح المشتركة التي تخدم كل واحد منها، مع اختلاف لا يؤثر فيها في ظل حكم واحد.
والتحدث عن إنماء الشخصية اجتماعيا مهم باعتباره قنطرة موصلة إلى تكوين حضارة راقية من جميع الجوانب علميا وصحيا وثقافيا وأدبيا.
__________
(1) المرجع السابق _ص95.
(2) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية _ ص37 (1/62)
صفحة 63
والحضارات الإنسانية إنما قامت ونمت وتقدمت بفضل تعاون الأفراد واندماجهم في كيان ينهض بمهام لا يمكن لفرد أبدا أن ينهض بها. (1)
هذا وإذا كان التعاون أساس الحضارات فأي تعاون كان هذا الأساس؟ التعاون على الخير أم التعاون على الإثم والعدوان. (2)
نعم من العقل والمنطق أن يكون أساس الحضارات هو التعاون على الخير، لأن التعاون على الخير هو جالب لكل نفع ويعمل على التقدم نحو المراتب العليا، وخلق هذا التعاون الحميد لا يتم إلا في اللبنة الأول له، وهي الأسرة التي إن تحقق فيها التعاون بالشكل الصحيح من كل الأطراف، الأب والأم والأولاد وتحقيقه بتوزيع المهام على كل فرد التوزيع العادل فنرى نتائج هذا العمل في اندفاعهم إلى كل عمل يحقق وحدة تماسك الأسرة.
فنرى الأب يعاون الأم في أعمال البيت بقدر المستطاع, ولا عيب في ذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خير من طبق مبدأ التعاون في بيته وخارج البيت، يحلب شاته ويخصف نعله ويرقع ثوبه، ومن ناحية أخري يعاون الأب ابنه في حياته ودراسته فيعمل جاهدا على تحقيق جميع متطلباته الروحية والبدنية والاجتماعية والعلمية، وخير مثال له نبينا صلى الله عليه وسلم فلقد كان لأبنائه خير عون لهم في ذلك.
وخير ما يعمله المربي في تكوين الطفل تكوينا اجتماعيا هو عمل( أطروحة لبرنامج تربوي يتعلق بالحقوق الاجتماعية في إطار العبادة)، (3) وتمثيل هذا البرنامج أول ما يبدأ به بالعبادات المفروضة، لأننا لا نريد من الطفل فبل كل شيء إلا أن يتعرف على
__________
(1) عبدالرحمن الباني _ مدخل إلى التربية في ضوء الإسلام _ المكتب الإسلامي _ ط2 – 1403هـ - 1983م _ ص66.
(2) المرجع السابق _ص67.
(3) مرتضى مطهري_ التربية والتعليم في الإسلام _ ص121. (1/63)
صفحة 64
معنى هذه العبادات المفروضة وجوهرها، فمثلا: الصلاة والحج فيهما درس في الوحدة والاتحاد، والزكاة فيها درس في الرحمة والرأفة، والصوم فيه درس في الصبر والشعور بالفقر والفقراء، والحج فيه معنى الاجتماع على اختلاف الأجناس وكذلك التسامح والعفو
إن الرسم الواضح في إنماء الشخصية الاجتماعية لدى الشريعة الإسلامية متمثل في قول الله – سبحانه وتعالى - : (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان))، (1) والنظرة الإنسانية على الإنسان تقضي أن يحب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه، (2) لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). (3)
ولكن لا يقتضي ذلك التعدي على حقوق الناس الطبيعية في الحياة لمجرد أنهم غير صالحين أو جاهلين أو غير مؤمنين هذه الحقوق يجب احترامها بحكم الكرامة الإنسانية الأصلية. (4)
وذلك بالاندماج معهم لأخذهم إلى بر الخير الذي يحقق المعنى الذي جاءت به الشريعة الإسلامية من نشر الخير لكل الناس في كل زمان ومكان، ومن ضمن هؤلاء الناس الأطفال الذين سينضمون إلى المجتمع وهذا ما جبل عليه الطفل، فهو مطاوع ومحب للاندماج مع الآخرين، فهنا يجب على المربي أن لا يمنعه من المجتمع بل يوجهه التوجيه الصحيح لدوره في المجتمع وتبصيره بأهم ما يجري فيه من أحداث ووقائع.
__________
(1) سورة المائدة _الآية (2).
(2) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية _ ص40
(3) أ- أخرجه البخاري _ في كتاب الإيمان _ باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه_ ج1 –ص67 – رقم 13. ب_ وأخرجه مسلم _ في كتاب الإيمان _ من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه _ ج1 –ص14 – رقم 14.
(4) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية_ص 41. (1/64)
صفحة 65
ولا ننسى الجوانب التي تعمل على إلغاء الشخصية الاجتماعية للطفل، مثل: الكذب والغش والخداع ونقض العهود والغدر والبخل والرياء، كلها وإن كانت صفات أخلاقية مذمومة فهي محطمة للشخصية الاجتماعية للطفل وغيره من الأمور التي تؤدي إلى ذلك.
ولكي نحق التقدم الاجتماعي بالقضاء على التخلف الاجتماعي الذي يعني:(تقهقره وجموده وقعوده عن التقدم العلمي والتقني)، (1) وذلك بعدة أمور وهي:
1- القضاء على القيم المضطربة في المجتمع، وإحلال محلها القيم الثابتة.
2- القضاء على العادات والتقاليد الضارة بالمجتمع وإحلال محلها ما هو مفيد للمجتمع.
3- إزالة الجهل المنتشر بين الناس بالعلم والمعرفة.
4- الاهتمام بالمستوى الصحي للجسم والبيئة.
5- العمل على إيجاد فرص العمل للقضاء على البطالة والتسيب والتسكع في الطرقات.
6- خلق الرابط القوي بين أصحاب الحاجات المادية والمعنوية وبين من هم في حال ميسور.
7- إصلاح العمالة الفاسدة في المؤسسات الخاصة والعامة لكي تعمل بما يحقق مصالح المجتمع المشروعة.
ثالثا: أخلاقيا.
وأما من الناحية الأخلاقية فيمكن أن نقول أن الأخلاق هي الرابطة بين أعضاء الجسم إذا شبهنا المجتمع بالجسم والأفراد بالأعضاء أو أنها هي الرابطة بين أعضاء الجسم إذا شبهنا المجتمع بالبناء والأفراد باللبنات. (2)
وليس لأحد أن يدعي هنا أيضا أنه إذا سلك سلوكا غير أخلاقي أنه إنما يضر بذلك نفسه فقط، إذ ليس هناك سلوك أخلاقي يقتصر ضرره على الفاعل فحسب حتى تلك الأفعال التي يدعى أنها يقتصر ضررها على الذات الفاعلة إذا كان ذلك ضار. (3)
__________
(1) علي عبدالحليم محمود _ سلسلة التربية المعاصرة ( التربية الإسلامية في المجتمع ) _ دار التوزيع والنشر الإسلامية _ ط1 – 1426هـ - 2005م _ص123.
(2) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية _ ص43-44.
(3) المرجع السابق _ ص44. (1/65)
صفحة 66
ولهذا نلاحظ أن الشخصية الأخلاقية تمثل لبنة من لبنات البناء الذي يقوم عليه المجتمع، فإذا كانت هذه اللبنة لم تشرب بما يجعلها قوية حيثما توضع كانت سببا في انهيار هذا البنيان، والمجتمع قائم على ما أساسين مهمين وهما التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فمن الفضائل لا على سبيل الحصر: الاستقامة والإحسان والتقوى والصبر والعفو والصدق والإصلاح بين الناس والتعاون والإيثار والكلام الحسن ومعاشرة الأخيار والاستئذان، ومن الرذائل كذلك: الكبرياء والكذب واحتقار الغير والظن السيئ والتجسس والغبية والغضب والحسد والشراهة والبخل.
ولو أننا استطردنا في ذكرها لما وفى المقام لها، لأنها أغلب ما يعمله الفرد والمجتمع سواء كان صالحا أغير صالح، وهذه الأخلاق بقسميها ( تدعو إلى عدم الشروع في أي عمل إلا بناء على علم ومعرفة). (1)
ولهذا كله يجب أن يعيي الطفل هذه الحقائق ومدى ارتباط حياة الأفراد بعضها ببعض من حيث التأثير والتأثر وكيف يمارسون مبدأ النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم تركهم الآخرين يتصرفون تصرفا خاطئا ولو كان في حق أنفسهم من حيث الظاهر. (2)
فأكثر الاختلافات الأسرية تبدأ بكلمة غير مؤدب تثير حفيظة هذا أو ذاك أو عدة أطراف فترد بمثلها أو أشد منها ثم يتفاقم الأمر وتصل إلى التجريح والضرب والطلاق وما هو أخطر منه. (3)
__________
(1) مقداد يالجن _ جوانب التربية الإسلامية الأساسية _ ص289.
(2) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية _ 46.
(3) محمد الشناوي وغيره _ تربية الطفل في الإسلام _ دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع _ عمان ألأردن _ ط1- 2001م _ ص255. (1/66)
صفحة 67
وهذا بطبيعة الحال مما يؤثر في سلوك الطفل وأخلاقه، فهو عندما يرى الأب ينزل على الأم والأولاد بكلامه القبيح البذيء فسرعان ما يلتقطه الطفل ويحفظه ويقوله من غير إدراك له في المعنى غير أن والداه قالاه فهو يقتدي بهما، وما الشباب المنحرف عن السلوك الحسن إلا نتيجة من تلك الأخلاق السيئة التي يعايشها في أسرته، أب فاسد أو أم فاسدة يعملون على إفساد أولادهم من دون أن يشعروا، وبعض الآباء من يفسد أولاده بنفسه، والمجتمع يوجد فيه مثل ذلك، فعندما لا تغرس في نفس الطفل الأخلاق الفاضلة والمبادئ الكريمة تنطمس فطرته التي ولدت وبها النقاء والصفاء.
ولا يمكن تطبيق هذا النظام إلا بغرس روح الأخلاق في نفس الطفل طواعية ورغبة فيه، ليؤدي أعماله في السر نفسها في العلن من غير نفاق، وكذلك تعطي هذه الأخلاق الدافعية لمزيد من النشاط في العمل الأخلاقي وهذا بدور يسهم في استغلال الطاقات الكامنة في النفس الإنسانية، ويؤدي أعماله عن حب ورغبه بإيمانه العميق بالمبادئ الأخلاقية التي تعمل على الرقي في جميع المجالات.
2- من أهداف التربية النبوية: التكيف مع الفرد والمجتمع.
... ومن المصالح الاجتماعية للإنسان التكيف الاجتماعي، أي أن يكون نشاط الأفراد والجماعات وسلوكهم بل سلوك حكامهم محققا للتلاؤم والانسجام فيما بين الناس عموما وفيما بينهم وبين بيئتهم التي يعيشون فيها. (1)
__________
(1) علي عبدالحليم محمود_ سلسلة التربية المعاصرة ( التربية الإسلامية في المجتمع ) _ ص106. (1/67)
صفحة 68
والتكيف مع الفرد والمجتمع يخلق التوازن والانسجام بينهما، فالفرد بدون المجتمع لاشيء، والعكس كذلك، فالتوازن يعمل على التبادل بين الفرد والمجتمع متمثلة في الأخذ والرد فلا الفرد يطغى على المجتمع بالتسلط أو العزوف عنه ولا المجتمع لا يقبل الفرد أو يحاول تدميره. والانسجام يعمل اتحاد المصالح المشتركة بينهما فبالتكيف يمكن للفرد أن يحقق مصلحته في الحدود المرسومة له وكذلك المجتمع.
والتكيف مع الفرد والمجتمع يعمل على القضاء للفرقة والانسجام، والقضاء عليها متمثل في عدة أمور منها( العدل – الشورى –الإحسان ) فبتكيف الفرد مع هذه الأمور هو المشاركة الفاعلة فيها فبعدله بين نفسه والآخرين يقضي على الفرقة وكذلك الشورى التي هي جو من المشاركة الفعالة للفرد في خدمة المجتمع، وأما الإحسان فهو التعامل مع الآخرين فيما يسبب الألفة والتكاتف.
وخلاصة التكيف هو أن الإنسان قادر على مواجهة المتغيرات التي تطرأ في كل حين، فلا يصدم من الوهلة الأولى فيعجز وتنهار قواه أمامها فيؤدي به إلى إلغاء جميع الأبواب سادا جميع الطرق، لأنه لم تكن له الديناميكية التي تعمل في أي ظرف كان.
وعلى هذا يجب أن يشرك الطفل بكل انفعالاته وعاداته ودوافعه واستجاباته الجسمية في المواقف التعليمية المختلفة (1)
ولا يكون ذلك إلا بالتجربة فلا يمكن للإنسان أن يعرب ما في نفسه من أخلاق وصفات باطنه في الخلاء، ولكن بالانخراط مع الأفراد والمجتمع بما يسمى بالتكيف، لأن خاصية الطفل هو القابلية للتعلم والتربية إن استخدمت صحيحة.
- الفصل الثالث : وعنوانه(أساليبها ووسائلها ومجالاتها).
- المبحث الأول :وعنوانه( أساليب التربية النبوية).
ويشتمل على تسعة أساليب.
10. أسلوب العمل والتكرار.
11. السؤال والجواب.
12. أسلوب التشبيه وضرب المثل.
13. أسلوب القصة.
14. أسلوب المنطق والمحاكمة إلى العقل.
__________
(1) منير محمد الغضبان _ من معين التربية الإسلامية_ ص20. (1/68)
صفحة 69
15. أسلوب القدوة.
16. أسلوب الترغيب والترهيب.
17. أسلوب الموعظة والنصيحة.
18. أسلوب التوبة والاستغفار.
- المبحث الثاني :وعنوانه(وسائل التربية النبوية).
ويشتمل على ثلاث وسائل.
4. البيت.
5. المسجد.
6. المدرسة.
- المبحث الثالث :وعنوانه(مجالات التربية النبوية وكيفية تنمية قدرات الطفل).
- المطلب الأول : مجالات التربية النبوية.
ويشتمل على ثلاث مجالات.
4. المجالات البدنية.
5. المجالات الروحية والوجدانية.
6. المجالات الاجتماعية.
المطلب الثاني :وعنوانه(الطفل في واقعنا الحاضر وكيفية إنماء مهاراته الذاتية).
الفصل الثالث
أساليب التربية النبوية ووسائلها ومجالاتها
المبحث الأول
أساليب التربية النبوية
يقال لكل منهج ينبني على قواعد وأركان ينطلق منها في بناء معين، ما الكيفية التي يمر عليها هذا البنيان؟ أي ما الأسلوب المتخذ في البناء؟ وعليه نقول لمنهج التربية النبوية أنه إذا ما أردنا تطبيقها يجب علينا معرفة الأسلوب الذي يمكننا في إنجاحها النجاح الصحيح.
... وأساليب التربية النبوية تتكامل مع بعضها البعض، فلا يمكن لنا أن نفصل كل واحد منهما عن الآخر، إذ يكمل بعضها البعض فلا يستقيم أسلوب معين واحد طوال فترة التربية، مع أن التربية مستمرة طوال حياة المسلم إلى وقت مماته.
... بل إن الأساليب تحكمها الرابطة الموجودة بينها، وهي نقطة الالتقاء إلى النهاية، فينطلق كل أسلوب من مكانه حتى يلتقي مع غيره النهاية التي تتجمع مع بعضها فتكون جسما متكامل من البناء المتكامل المرافق.
... وعلى هذا فإن تعدد أساليبها يعد نقلة كبيرة في العمليات الحضارية التي هي منها، بل جزء لا يتجزأ منها، لأن بفقدانها يتخلل الضعف إلى المراد الأكبر وهو تكوين الحضارة الإسلامية.
... (1/69)
صفحة 70
قد تختلف وجهة كل باحث في تقسيم أساليبها بحسب ما يراه محققا للمصلحة، فقد يورد أو يزيد ما لم يكن يعتبره الآخر من ضمنها أو أنه داخل في جزئية من جزئياتها، ومن هنا جاء تقسيم الأساليب الذي سار عليه البحث على التالي نجمله ثم نفصل الكلام فيها بعد ذلك. ...
... وهي:
...
1- أسلوب العمل والتكرار.
2- أسلوب السؤال والجواب.
3- أسلوب التشبيه وضرب المثل.
4- أسلوب القصة.
5- أسلوب المنطق والمحاكمة إلى العقل.
6- أسلوب القدوة.
7- أسلوب الترغيب والترهيب.
8- أسلوب الموعظة والنصيحة.
9- أسلوب التوبة والاستغفار.
بعد هذا الإيراد المجمل لها نشرع في التفصيل فيها بقدر المستطاع لأن بعضها كان الكلام عليه في كتب التربية قليل جدا، فكانت المعلومات التي اعتمدت عليه قليلة، ولكن نحاول عرضها بصورة مأخوذة من الواقع لتتضح مراد كل واحد منا.
أساليب التربية النبوية:
(1)_أسلوب العمل والتكرار.
العمل والتكرار متلازمان لا ينفكان في أغلب الأحيان، إلا إذا كان العمل ينتهي بفعله ولا يرجع له، فالعمل هو: الشروع في شيء معين يسعى الإنسان إلى تحقيقه سواء كان عملا نافعا أو ضارا، والتكرار هو: كثرة المحاولة والاستمرارية على العمل سواء كان المراد إنهاءه أو بقاء العمل ملازما له إلى أجل معلوم.
وبدون العمل لا يمكن أن يتقدم الإنسان نحو ما يصبو له في ظل الحياة التي هي في الأصل قائمة على العمل، فسعيه للمعاش يعتبر عمل وتكوين نفسه يعتبر عمل، وجهاده في سبيل مبادئه التي يؤمن بها يعتبر عمل، تربية أولاده وتعليمهم والنفقة عليهم يعتبر عملا، حتى أن الشخص ما يقدمه إلى من حوله في حدود مسؤوليته يعتبر عملا. (1/70)
صفحة 71
هكذا هي فلا حياة بلا عمل ولا عمل بدون حياة، فالحياة عمل والعمل حياة، ومن هنا كان القانون الإلهي في هذا الكون سائر على العمل ومرتب عليه _وهذا في حق المكلفين _ الثواب والعقاب، لضبط الأعمال التي تصدر من هم(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ). (1)
... فمن هنا فصلت الأعمال إلى أعمال مرتبطة ارتباطا وثيقا بالخير، وأعمال ارتبط بها الشر، ولكي تتضح الصورة نعمل على معرفة حقيقة الأعمال الخيرة والأعمال الشريرة، وذلك بضرب الأمثلة على ذلك في صورة مبسطة.
... فنحن نلاحظ في الشريعة الإسلامية شرعة فيها أشياء كثيرة أغلبها عملية، ولعل ذلك البغية منها الدخول إلى النفس الداخلية بتلبية حاجاتها المادية، مع عدم إغفال الجانب المعنوي في هذه الأعمال، بربطها بالدين الذي هو ربط لهذه النفس بخالقها.
... فمثلا: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، يتخللها العمل والتكرار، ففي الصلاة ترى المسلم أن جميع أعضاءه في حركة، كل في موضعه والشعور بالخضوع والانقياد لولي نعمه وهو الله، وتكرارها في كل يوم حمس مرات دال على الاستمرارية، والصوم عمل على التوقف عن الأكل وربطه بالشعور بالفقراء الذين طواهم الجوع، فتكراره في كل سنة مرة واحدة يعيد المسلم إلى الشعور بغيره، والزكاة هي عمل بإخراجها والعمل على تنمية المال لأن الزكاة تنقصه في الدنيا فيشرع في العمل المباح الذي به تحقيق هذه الفريضة لغاية سامية وهي إعطاء من هو بحاجة إلى مثل هذا المال، مع الشعور بواجبه في ذلك لا يخرجها عن كره، والحج عمل و شعور يمثل أمامه حدث كبير هو يستعد له وهو موقف الحساب بكل معناه الشامل.
__________
(1) سورة الزلزلة _الآية (7-8). (1/71)
صفحة 72
... وأما الجهاد الذي ظن البعض قصره على حرب أعداء الإسلام وهو واجب، ولكن يمكن حصره في هذه الدائرة، فجهاد النفس وما يتبعها من مقومات الحياة اعتبر من الجهاد وهو موصل للجهاد الأول، فعمل المسلم جهاد، وتعلمه جهاد، ونفقته على من يعول جهاد، والقيام عليهم جهاد، والأمر بالمعروف جهاد والنهي عن المنكر جهاد، وكله متوقف على الاستمرارية والمدوامة، ففي واحد من تلك الفرائض أعمال تأتي باستمرار مع كل فعل لها، لو ذكرناها لما وسع المقام لها ولكن تعلم من الشروع في أداء كل فريضة من الفرائض.
...
... والخلاصة من هذا الكلام هو الأثر التربوي الناتج عن هذا الأسلوب، ومدى تطبيقه في الطفل، ومن خلالها يمكننا معرفة الهدف المرجو منها، وهو ما نوجزه في نقاط محددة وهي (1) :
1- الإتقان العملي يعود الدقة وتوخي صحة النتائج، فبالإتقان يصح العمل.
2- يولد لدى المسلم الشعور بالمسؤولية عن صحة عمله، وهذا يجعل منهجية الطفل منهجية حركية فكرية مبنية على الوعي والدقة وصحة الأداء.
3- غرس حب العمل لدى الطفل وإبعاد الغرور والتواضع المحتقر، وترك الكسل والتواكل، وهذا إلى زيادة الإنتاج في العمل.
4- تفعيل معنى الاقتناع بالعمل لدى الطفل وذلك بتبليغه إلى أعماق نفسه، وهذا يقضي على النفاق والرياء في القيام بأي عمل.
5- العمل بالمحسوس له بالغ الأثر في التعليم لأنه يسهل الاستذكار ويبعد النسيان.
6- عندما يشعر الطفل بإتقانه العمل يزيد ذلك من الدافعية لإتقانه العمل مع حبه لإيجاد عمل جديد مثمر وناجح.
7- وأخيرا يجب مراعاة الفروق الفردية في مثل هذه الأمور، فقد يعمل عملا في وقت قصير بينما آخر يحتاج من الوقت الكثير لإنهائه، وهذا تصحيحه موكول إلى من هو قائم على رعاية الطفل، بالوقوف معه وتشجيعه.
(2)_ أسلوب السؤال والجواب.
__________
(1) انظر: محمد الشناوي وغيره_ تربية الطفل في الإسلام _ ص129-144. (1/72)
صفحة 73
... عملية التربية والتعليم لا تتم إلا بلقاء المربي والمعلم بالمتربي والمتعلم، وهذا اللقاء والتواصل يتم بوسائل عدة منها السؤال والجواب، وهو يعيننا على معرفة ما يراد توصيله وتبليغه وخاصة إذا كان مبهما، أو غامضا، أو غير معلوم، بطرح السؤال والإجابة عنه، سواء كان من كلا طرفي العملية التربوية.
... والقرآن الكريم حافل بجميع أنواع الأسئلة التي يطرحها بصيغها المتعددة، من طلب وإنكار واستفهام، أو حوار، وقد تمثل هذا الأسلوب في السنة النبوية المشرفة، فالحوارات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يديرها مع الكفار من أخذ ورد، وما هي إلا جزء من أجزاء هذا الأسلوب، والأسئلة التي تطرح من قبل المسلمين و كان الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ يجيب عليها، وكذلك الأسئلة التي كان الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يلقيها على صحابته لمعرفة ما لديهم، أو تعليمهم شيئا يجهلونه.
... وكان النبي لا يقتصر على ما حدده السؤال بل يضيف له ما يراه مناسبا لحال السائل، في أجوبة محددة ليعطي الصورة المثالية لكيفية صياغة السؤال والجواب.
... وهو ما يستفاد منه في العملية التربوية للطفل_ الذي دائما لا يكل من طرح الأسئلة وخاصة إذا وجد من يجيبه على هذه الأسئلة_ في انتهاج هذا الأسلوب لما له من الآثار الكثير التي نحصرها في النقاط التالية:
1- كسر حاجز الخوف في الكلام مع الآخرين، فيما يطرحونه من موضوعات تتطلب المشاركة الفاعلة منه.
2- يعمل على دفع الطفل إلى المستوى الراقي في التحدث مع الآخرين وكيفية صياغة السؤال والجواب.
3- زيادة الحصيلة المعرفية لدى الطفل، فبها يعرف ما يجهل ويسأل عما لا يعلم، فأغلب العلماء والمثقفين حصلوا العلم بهما.
4- لها من الآثار الإجتماعية كذلك فسؤاله عن صاحب الحاجة يدفعه ذلك إلى المبادرة بإعانته وإخراجه مما هو فيه.
( 3)_ أسلوب التشبيه وضرب المثل. (1/73)
صفحة 74
... التشبيه والمثل من الأمور التي تقرب المعنى المراد توصيله، فيأتي بأسلوب بليغ معبرا عن معاني ذات دلالة واضحة، والتشبيه والمثل هو بعبارة وجيزة المقارنة بين شيئين يراد منه بيان الوجه الصحيح فيهما ومدى التقارب الحاصل فيهما.
... فعند عرضك لفكرة تؤمن بها وتريد أن توجد لها الأثر الفعال من خلال تبيين الوجه الصحيح لها ومقارنة لها بالوجه الخاطئ الذي تعمل على إزالته، وهوما يسمى بعرض أوجه التشابه والاختلاف بين شيئين، أو بضرب مثل لبيان ما يعمله الشخص أو ما يحدث به نفسه في عمله لتبين له أن هذا العمل نافع أو ضار، وبيان الأبعاد التي تعمل على تحقيقها.
ويمكننا أن نحقق ذلك في واقع الطفل الذي لا يدرك الأمور إلا بتوضيحها في أقرب صورة يعي المراد من هذا التشبيه وكذاك المثل، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب المثل ليوضح أصحابه ما لم يفهموه، ومنها ضرب مثلا رائعا ليعي الناس مدى ارتباط حياة أفراد المجتمع ارتباطا وشيجا وذلك عندما شبه حياة المجتمع بحياة جماعة في سفينة في بحر. (1)
... فقال عليه السلام: (( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجو جميعا)) (2)
... وعلى هذا فإننا نستخلص من هذا الأسلوب معان تربوية، يمكن لنا معرفة الكيفية التي نستخدم فيها التشبيه والمثل بالأسلوب الصحيح، وهي كالتالي:
1- توصيل الفكرة في أسلوب ممتاز، يقرب المعنى المراد طرحه، ليعطي الصورة الصحيحة للفكرة الهادفة.
__________
(1) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية_ ص47.
(2) أخرجه: البخاري في صحيحه _ باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة_ ج2-ص882-رقم 2361. (1/74)
صفحة 75
2- حل المشاكل التي لا يمكن بيان عوارها إلا بطريقة التشبيه وضرب المثل.
(4)_ أسلوب القصة.
يعتقد كثير من الناس أن رواية القصص ما هو إلا تسلية وملئ وقت الفراغ على أنها قصص عابرة لا تستحق الوقوف عليها والاهتمام بها وخاصة إذا كانت لا تعنيه، أما لو أننا نقف عند كل جملة من جملها ووقنا عن معانيها لاستوقفتا كثير من القصص حتى أننا لا نتجاوز من قصة إلى قصة إلا بعد مدة من التأمل فيها من الأفكار والمعاني، ثم أننا لا ننسى شيئا مهما وهو الغالب على من يمرون على هذه القصص وهو نسيان ما فيها وكأنه لم يمر عليها.
وتكمن أهمية القصة فيما تقدمه لنا من أشياء يمكن لنا أن نحققها بأسلوب يتسم بالواقعية والاتزان، وهو ما سوف نبينه في صورة نقاط تعطي الصورة الواضحة لهذا الأسلوب: (1)
1- تثير العواطف الصادقة التي تحكم بالعقل فلا تطغى عليه فتعميه عن الحقيقة.
2- تحرك الوجدان الذي هو أخص جزء من العواطف وأسماها لأنها في الغالب هي أكثر ما يتعرض لها المرء.
3- نستفيد من المواعظ والعبر التي تتظمنها القصة بما ورد فيها فنجتنب الأخطاء التي صدرت من أشخاصها، ونأخذ الفوائد التي تصدر من أشخاصها.
4- القصة لا تكون قصة إلا إذا كانت تغير سلوك الفرد وتعدله إلى الأفضل.
5- والقصة كذلك لا تكون قصة إلا إذا كان فيها من الإقناع الفكري والعاطفي المتزنين.
ولهذا كله فإن أحوج ما يكون الحاجة لهذا النوع من أساليب التربية تكون في جانب الطفل، فإن لدى دوائر استفهامية أكبر من الكبار لأن فكره ما زال طريا.
(5)_ أسلوب المنطق والمحاكمة إلى العقل.
المنطق والعقل هو الحد الفاصل بين الآدمية الإنسانية والحيوانية البهيمية، فالتدبير والتفكر والتعقل في الأمر التي يراد تكوين بصيرة منها، (2) وهو عين المنطق الذي يتخذ العقل وسيلته.
__________
(1) انظر: محمد الشناوي_ تربية الطفل في الإسلام_ 118-119. بتصرف
(2) وجيهة ثابت العاني _ الفكر التربوي المقارن _ ص428. (1/75)
صفحة 76
وأسلوب المنطق والمحاكمة إلى العقل يتسم بعدة سمات تبرز أهم معالمه الكامنة فيه، وهي: المناقشة، والاكتشاف، والاستقصاء، وفي كل منها معان تتكامل مع بعضها البعض، كما سنوضحه في أثناء عرضها، وهو كالتالي: (1)
1- أسلوب المناقشة: إن المناقشة من الأمور تبين ما لدى كلا الطرفين من وجهات النظر مع الدليل إن أمكن. والمناقشة لابد أتتسم بالعقلانية وعدم التسرع المتهور في أثناء المناقشة وهو ما نطلق عليه أدب الحديث مع الآخرين وفي ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الناس في حواره ومناقشته حتى مع الكفار.
2- أسلوب الاكتشاف: إن الاكتشاف هو تشغيل العقل في فهم الموضوع من كل جوانبه. فلا يفتش في جانب ويعمل فيه عقله من غير دراسة لغيرها من الجوانب وهو ما يؤدي إلى الحكم في قضية ما بغير ما هو مفترض أن يكون.
3- أسلوب الاستقصاء: وهو تجميع أكبر قدر من القضايا التي يستفاد منها في الحكم على القضية، فإن إغفال أحد منها يؤدي إلى عدم إعطاء الصورة الكاملة لها، فقد يمكن أن يكون هناك ما يقوي هذه القضية فيعمل على إهمالها، أو قد يبرز ضعفها فلا نتمسك بها تعصبا.
... ونحن بحاجة أكيدة إلى هذا الأسلوب في جانب الطفل لألا تنطمس فطرته عما رسم لها، وتتحقق الفطرة عن طريق الإجتهاد المستمر العقلاني الواجب للوصول إلى حد القطع في الإيمان وتربية الإنسانية. (2)
... فالطفل عندما ينمى فيه التفكير العقلاني والمنطقية المنصفة يكون حكمه للأشياء بوجهة صحيحة من غير اتباع أو كره أو تقليد أعمى، فلا معنى للتربية والتعليم الذي لا يعطي أهمية للفكر.
(6)_ أسلوب القدوة.
... تعتبر القدوة المحرك الأساسي لكثير من الناس، قلما تجد من لا قدوة له سواء كان من الصالحين أو غبره، وسواء كان هذا الإقتداء عن بصيرة أم عن تبعية، فهو المؤثر في أغلب تصرفات الناس.
__________
(1) المرجع السابق _ص428.بتصرف
(2) المرجع السابق _ص29. (1/76)
صفحة 77
... وأغلب فئة تسارع في التقليد هي فئة الأطفال لتتدارك النقص الذي يظنه فيه شخصيته، فأول ما يقع الطفل في التقليد في مراحله الأولى في محيط أسرته أبواه وإخوته وأقربائه، شيئا فشيئا بحسب تحرره من عالمه الضيق إلى العالم الواسع، ونتأكد من شخصية الطفل بمن حوله في أغلب الظروف فإذا كان الوالدان صالحين قولهما مطابق لفعالهما نرى الطفل يتقمص شخصيتهما، وكأنه النسخة الثانية لهمان أما إذا كانا على عكس فهو يظهر في الطفل كذلك.
... ونحن كمسلمين تكون قدوتنا في الحياة شخصية هي من أعظم الشخصيات في العالم صاغتها عناية ربانية جعل فيها ما هو كائن في النفس البشرية فكما هو رسول فهو بشر، نعمل بقدر استطاعتنا بكل ما جاء من أمر ونهي متمثلين في ذلك القدوة الصالحة في حياته المادية والروحية والأخلاقية والاجتماعية، ناهيك عن أسلوب دعوته فهو قدوة لنا في ذلك، إنه سيد القدوات محمد صلى الله عليه وسلم.
... والتقليد كأسلوب تربوي يمر بثلاث مراحل رئيسية تبدأ (1) :
أولا: بالرغبة في التقليد حبا وتأسيا بالشخص المقلد.
وقد تكلمنا على رغبة الطفل في التقليد ليغطي النقص الحاصل لديه، أو الشعور بذلك من جهة أخرى.
...
ثانيا: مرحلة الاستعداد للتقليد وتشير هذه المرحلة إلى قدرة المقلد في التأسي منذ الصغر.
تعد المراحل الأولى من حياة الطفل من أشدها في التقليد، كل حسب ما يراه محققا لذاته التي يريد أن يبرزها في صورة المقلد التي يراها مثالا له في ذلك، ومن هنا يجب على المربي أن يوضح له السمات الحقيقة للقدوة، ومتى يكون التقليد محمودا ومتى يكون مذموما، لئلا يقع في التقليد الأعمى.
ثالثا: فهو تحقيق الهدف المرجو، وعندها يتحقق السلوك المرغوب فيه أو المرغوب عنه.
وتحقيق الهدف هو ما ينتج عنه من آثار في سلوكه سواء كان هذا السلوك مرغوبا فيه أو مرغوبا عنه، فهو بالدرجة الأولى يلبى الحاجة الفطرية لدى الطفل وغيره.
(
__________
(1) المرجع السابق_ ص423. (1/77)
صفحة 78
7)_ أسلوب الترغيب والترهيب.
... أن الناظر إلى هذا الأسلوب يعتقد أن بين الترغيب والترهيب تضاد وعدم توافق بينهما، ولكن الناظر إلى حقيقتهما قبل الحكم عليهما يتولد لديه الحقيقة التالية وهي: أن الخير(وهو المرغوب) ذاته عامل جذب، كما أن الترهيب عامل دفع (1) .
والجذب والدفع لا يشترط أن يمثل التضاد بينهما، لأن المقصود بالتضاد عدم الاجتماع، وعدمه لا فائدة له في معنى الاجتماع المرجو منهما. لأن اجتماع عامل الدفع وعامل الجذب يعد من أقوى عوامل الالتزام بالمبادئ لأن الإسلام طالب بالالتزام المستمر بالمبادئ الأخلاقية في كل المواقف (2) .
... وأسلوب الترغيب والترهيب إنما جاء ليحفظ الأمة من شيوع الفواحش والظلم والفساد وفقدان الأمن والطمأنينة والذي يؤدي إلى هلاكها وعلى الأمة أن لا تتهاون في صلاح المذنب أو المخطئ (3) .
__________
(1) مقداد يالجن _ دور التربية الأخلاقية الإسلامية _ص55.
(2) المرجع السابق.
(3) وجيهة ثابت العاني_الفكر التربوي المقارن_ص 170. (1/78)
صفحة 79
... وأول من يحتاج لهذا الأسلوب هو الطفل، لأنه في هذه الفترة يحتاج إلى ترغيب في الأعمال ذات المردود النافع، والترهيب من الأعمال ذات المردود الضار، ولكن بأسلوب حكيم لأنه في هذه الفترة إذا غلب جانب على الجانب الثاني فهذا بطبيعة الحال سيؤثر في كيان الطفل، فمثلا لو غلبنا جانب الترغيب لنتج عنه ما يسمى بالتدليل المفرط الزائد عن حده بسبب المرغبات التي ينالها بسبب عمل يعمل وهذا كذلك يسوقنا إلى أن الطفل لا يعمل إذا لم تكن هناك ما يكافئ عليه، أما جانب الترهيب فإن طغى على جانب الترغيب فهو كسابقه يتولد عنه أمور غير محمودة مثل الرياء والنفاق فلا يعمل عملا إلا لأنه خائف من العقاب، وكذلك تتكون لدى الطفل عقدة الخوف والإقدام لعمل ما خوفا من العقاب فلا أرادة تحكمه نحو العمل المقدم عليه، وهو الملاحظ عليه الكثير عند من يشددون على أطفالهم فتراهم كالخبالى الذين لا يدركون ما يعملون إن عملوا.
وأسلوب الترغيب والترهيب في النهاية يعتمد على الإقناع بالبراهين، مع الصورة الفنية الواضحة لهذا الأسلوب، باستخدام المؤثرات الانفعالية والعواطف الصادقة.
(8)_أسلوب الموعظة والنصيحة.
... إن أسلوب الموعظة والنصيحة يغلب عليه الجانب العاطفي والانفعالي الصادق تجاه من توجه إليه النصيحة والموعظة الحسنة، والحسنة هي التي يتوقع حصول الفائدة منها، لا النصيحة والموعظة التي تكون سببا في زيادة المشكلة ونفور صاحبها من الناصح والواعظ، كالاسترسال في رشقه بالتهم وكأنه قد ارتكب جريمة لا يمكن مها التوبة والخلاص.
... ويتطلب الأسلوب التربوي الذي يتبنى الحكمة والموعظة الحسنة عدة أمور (1) :
1_ تشخيص المشكلة أو الحالة.
... فيه يعلم نفسية المصاب، فتحديد المشكلة يسهل علينا الدخول في التفاصيل في العناصر التي تقوم عليها المشكلة ومعرفة مسبباتها ليسهل لنا وضع إستراتجية منهجية للعلاج الصحيح لها.
__________
(1) المرجع السابق_ ص424. (1/79)
صفحة 80
2_ وضع الأهداف الواضحة التي يسعى الداعية إلى تحقيقها.
... وهو كما قلنا سابقا من سهولة الوصول إلى العلاج الناجع لهذه المشكلة ومن ثم هناك يجب أن يرسم الداعية أمامه أهداف معينه يسعى من أجل تحقيقها بواسطة علاجه للمشكلة، وهذه الأهداف لا بد أن تكون نبيلة في معانيها لا أن تحقق غرضا شخصيا لأن أغلب هذا النوع ينهيه صاحب المشكلة بنفسه إذا علم بنوايا الداعية فلا يحقق له رغبته الشخصية على حسابه هو، وبالتالي قد عطل الداعية أهم ركن في هذا الأسلوب وهو المنفعة للجميع، وهو ما نلاحظه في الشريعة الإسلامية مع أنها تستخدم هذا الأسلوب أحيانا في الخفاء_ مراعاة لشعور الإنسان_ إلا أن أثرها يعم على المجتمع بأسره.
واستخدام هذا الأسلوب في جاني الطفل غاية في الرحمة والشفقة والرأفة، لأن الطفل بحاجة ماسة لهذا الأسلوب الذي يدغدغ المشاعر الكامنة لديه بأسلوب رقيق يحمل معه معنى المسؤولية الملقاة على عاتق المربي، فيحسن استخدامه حيث يجب استخدامه في المكان المناسب والوقت المناسب.
... إن النصيحة والموعظة الحسنة لا تلقى بقصد التشهير والتسفيه والانتقام من الشخص المذنب، بل تكون للإرشاد التبيين والتوجيه إلى مواطن الخطأ مع البصمة التربوية في احتواء المشكلة والقضاء عليها.
(9)_ أسلوب التوبة والإستغفار.
... إن الحديث عن هذا الأسلوب يتطلب من معرفة ماهية التوبة والإستغفار، فنحاول إجازتها في سطور قليلة، فالتوبة ما هي إلا عبارة عن: الندم على ما عمله في السابق والعزم الأكيد على عدم العودة إلى بسد جميع طرقه وإرجاع ما كان حقا للغير بقدر المستطاع إلى أهله، وأما الإستغفار فهو في صورته البسيطة: طلب من الله الغفران له عما مضى وأن لا يعيده فيما مضى من عمره بالدعاء وفعل الخيرات. (1/80)
صفحة 81
ومن هنا يتضح أن أسلوب التوبة والإستغفار ما هو إلا باب مفتوح لقبول الشخص الذي يريد أن يتوب فلا يغلق حتى يموت أو تقوم الساعة، فهو باب لإصلاح الفرد وصلاح المجتمع، وإلا لو كان هذا الباب مسدودا لما تورع الفاسد في مضيه في فساده لأن الباب الذي يؤدي به إلى الإنظمام إلى الجماعة قد سد فهو يحاول كسر هذا الباب وإلا انتقم من المجتمع الذي لم يفتح له هذا الباب أو لم يعينوه على فتحه.
... فهذا الأسلوب من الأساليب المهمة للطفل فعندما يفعل الطفل فعلا غير مرغوب فيه لا نعمل على سد باب إصلاح ما وقع منه في حق نفسه أو غيره مع تعليمه كيفية تطبيق معنى التوبة القائم على ترك العمل الغير صحيح وكذلك طلب العفو ممن أساء في حقه من غير ذل وهوان ولا غرور وشموخ.
... فيولد لدى الطفل بادرة تصحيح الأخطاء التي يقع فيها أو يتجنبها مع كذلك عدم الاعتداء على حقوق الغير. وهو ما كانت تريد الشريعة من تحقيقه عندما فتحت هذا الباب الذي لا يسد إلى عند الموت أو القيامة، فكان فرصة لإصلاح الإنسان ما بينه وبين ربه، وبينه وبين أخي.
المبحث الثاني
وسائل التربية النبوية
... لكل فن وسائله التي ينطلق منها في تحقيق الهدف الذي يرجى منه، والتربية النبوية في عصورها الأولى استخدمت الوسائل المتاحة لها في ذلك الوقت لتبليغ الرسالة التي جاء بها الإسلام، ومن ضمن هذه الوسائل على الترتيب الذي اتبعناه بادئين من النقطة الأولى وهي البيت الذي يكون الطفل في بدايات حياته أو أكثرها فيه، ثم المدرسة التي ينتقل إليها من بعد السابعة أو السادسة من عمره، ثم المسجد الذي يلازمه في أغلب يومه خمس مرات.
وعلى هذا نعطي الصورة الواضحة لكل واحد منها بمعرفة ماهيته وهدفه ومتعلقات كل واحد منهما، وهي كالتالي:
أولا_ البيت. (1/81)
صفحة 82
... أن ماهية البيت في العصور السابقة وإلى الآن هو المأوى الذي يحقق الطمأنينة لساكينه مما يقدمه لهم من الحماية في أشد تقلبات الفصول، وهذا في الأغلب الأعم، وإلا إنه لا تخلو الساحة من أناس لا يضمهم مأوى وإن ضمهم فإنهم لا ينعمون بالراحة الجسدية والنفسية، فنرى كثير من البيوت تكاد أن تخر عليهم، أو أنه صار بيئة خصبة لكثير من الأمراض بسبب سوء النظافة وتصريف مخلفاتها.
... وعلى كل حال فإن حسن البيت من غير تكلف والنظافة العامة فيه من الأمور التي حثنا عليا الإسلام منذ أربعة عشر قرنا ومذ ذلك الوقت فإن المسلمين في أغلبهم يحافضون على نظافة بيوتهم وهذا شيء حسن ولكن البعض أوصله إلى حد المبالغة في النظافة، فكلف نفسه فوق طاقته بما أهمل الجانب الآخر من زينة المنزل وهو الوقوف والعمل على تربية أولادهم لإزالة الأدران والشوائب النفسية والجسمية والفكرية لدى الطفل.
... ومن ثم كان الحديث عن البيت له أبعاده التربوية من تكاتف العملية التربوية بكافة أفرادها، فالأب والأم ومن جاء بعدهما من أفراد الأسرة الكريمة يتحملون على عاتقهم البناء التربوي والعلمي لدى كل فرد من أفراد الأسرة، وهذا ليس من باب التفضل والإحسان وإنما واجب وحق أملاه الله عليه، وإلا لما الإنجاب للأولاد إذا لم يتربوا على الصلاح والعلم بما يؤهلهم في مواجهة الحياة الخارجية والاستفادة من حلوها ومرها، لا أن كالبهيمة إلا أن البهيمة قد تلقى الحظ الوافر من العناية أكثر منه لأنها لا تحتاج إلا للمأكل والمشرب والصحة وهذا يشترك مها الطفل، إلا أن هناك فارق يسمو بها على البهائم، وهو رفعه من البهيمية التي قد يعيشها إلى الإنسانية المكرمة بالعقل والروح معا. (1/82)
صفحة 83
... ويتضح ذلك من التفصيل الدقيق لأركان البيت من اللبنة الأولى في بناءه حتى يكتمل البيت السعيد الذي نحاول فيه من الحد من ثغراته وإن هي ما تزال لأن هذا يعد من الحياة ولا عيب فيها، تزف العروس إلى بيت زوجها بعد أن أجهد الزوج نفسه في اختيارها من حيث الدين والكماليات الأخرى التي ترغب النفس فيها، وهو متمثل لأمر الرسول في ذلك راسما له آمالا في حياته من إشباع حاجاته الفطرية له ولها فيغلق باب الحرام بالحلال، ثم يترجى من يكون سنده وامتداده في الحياة، ويؤمل في ذلك أيما تأمل.
... يأتي المولود فيسمى ويختن ويحلق شعره ويتصدق بثمه وزن فضه وتذبح له النسيكة وكل هذا امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يقوم به كثير من الناس إن لم نقل أغلبهم، ثم تأتي مرحلة تعد الفاصل لما يريد تحقيقه وهو أن يكون هذا المولود وقد أعده الإعداد الصحيح لما هو منتظر منه وهو المساعدة في قيادة دفة البيت مع أبه وأمه بما صار له من لأهلية في ذلك.
فكما أوجب (الإسلام) بر الوالدين أوجب كذلك رعاية الآباء لأولادهم ذكورا وإناثا والصبر على تربيتهم وتأديبهم (1) ، وذلك يكمن في ( اهتمام ( الأب والأم) بالطفولة النابع من الشعور العميق والإيمان الوثيق بمسؤوليتهما عن الأطفال كمسؤوليتها تماما عند وهم كبار: عناية بهم ورعاية لهم وسؤالا عن حاجاتهم وضمانا لها غذاء وكساء ونماء وتربية وتوجيها) (2) .
__________
(1) أحمد محمد جمال _ نحو تربية إسلامية _ دار إحياء العلوم _ بيروت –لبنان _ ط3 -1407هـ - 1987م _ ص 19.
(2) المرجع السابق بتصرف وزيادة _ ص232. (1/83)
صفحة 84
... ولقد حمل الإسلام الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية الأبناء وهددهم بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا في ذلك أو قصروا، (1) قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ))، (2) فكم من الآباء والأمهات يوردون أبنائهم النار وهم لا يدرون بسبب عدم التربية في الأصل أو أنها كانت خاطئة في مسيرها سواء كانت من الناحية التأديبية (المتمثلة في غالبه العنف باستخدام أداة الضرب المبالغ فيها أو استحقار الطفل وإهانته بشتى الطرق وتصغيره بغية أيقاظ الضمير مع أنهم في ذلك يهدمون هذا الضمير فيكسوه الحقد والكره لمن حوله أيا كان) أو من الناحية التدليلية المفرط في استخدامها ( المتمثلة في تلبية كل رغباته من غير قيد ولا ضابط فينجم عن ذلك فقدان السيطرة عليه وخاصة في المراحل المتأخرة لعتبات الطفولة).
وعلى العموم فإن الوسيلة التربوية للبيت تكمن في عدة أمور تعد المهام الرئيسية التي يجب عليه تنفيذها، وهي ما نوردها في نقاط تبرز المعنى المقصود:
1- تعليمه القرآن الكريم بفهمه وحفظه مع التدبر لما فيه من المعاني التربوية والتشريعية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية فهو دستور حياة، لكي يواجه ما يحاك للقرآن من تعدي وتشكيك لما فيه مع علمه بأن الله حفظه من كل كيد.
2- تعليمه العقيدة الصحيحة الخالية من الشوائب، فبها يصلح نفسه مع خالقه.
3- تعليمه أمور دينه من صلاة وآداب وأخلاق وكيفية معاملاته مع الآخرين، وإعطاء الصورة الحقيقية لمعانيها بعيدا عن الرياء والتكلف، مع إتيانها بأفعالها الصحيحة.
...
ثانيا _المسجد.
__________
(1) منصور الرفاعي عبيد _ تربية الناشئة في ضوء السيرة _ دار الجيل – بيروت _ ط1 – 1413هـ - 1993م _ص54.
(2) سورة التحريم _ الآية (6). (1/84)
صفحة 85
... المسجد هو الدعامة الأولى في الإسلام، فلقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ليمثل الانطلاق الإشعاعي للدعوة، فمثل المسجد المجتمع والحضارة ففيه يصلي الناس في اليوم والليلة خمس مرات في كل قرية، ثم يجمع كل القرى في جامع واحد لصلاة الجمعة.
... والمسجد أسسه النبي صلى الله عليه وسلم على أساس بناء أهله وزخرفة قلوبهم قبل المبالغة في التشييد والزخرفة، وتكمن أهمية المسجد فيما يقدمه لعماره من اهتمامات بالغة التأثر والتأثير.
والمسجد هو ملتقى جميع الأجناس من البشر فيتحقق في ذلك المراد من الوحدة التي يناشد بها الإسلامي، وعلى لايمكن لنا تصور رسالة المسجد إلا بعرض الأمور التي يقوم بها، وهي على النحو التالي (1) :
1- يساهم في التربوية الروحية والاجتماعية والخلقية والاجتماعية، فهذه الأسس الأساسية للإسلام.
2- رفع نداء الله العلوي (الله أكبر).
3- يتعلم في المسجد أحكام الدين ونظم الدنيا وأمور الحلال والحرام.
4- يتعلم في المسجد القرآن الكريم وأسباب النزول وفهم تفسيره.
5- يعرف عامة المسلمين أحوال بقية المسلمين في شرق الدنيا وغربها.
6- يعود المسلم التعاطف مع أخيه المسلم على أسس من المحبة والرحمة.
7- يعتبر في الأساس مكانا للعبادة وتأدية صلاة الجماعة.
__________
(1) محمد الشناوي وغيره _ تربية الطفل في الإسلام_ص56. (1/85)
صفحة 86
وعلى هذه الأسس يمكن لنا أن نغرسها في أطفالنا شيئا فشيئا، من أول ما يدركون المسجد ومكانه ومكانته وذلك بإرشادنا لهم، وهو محطة أغلب الناس الذين ينشغلون عن أولادهم بالدرجة الأولى ونحن لا نقول أن المسجد لا دور له من الأساس ولكن عدم إعطاء الدفع الأولى للطفل في البيت فإن ذلك يكون صعبا في المسجد مع تحققه، وكما هو معلوم فإن المسجد قد أخرج علماء مصلحين وقادة فاتحين ودعاة معروفين باستخدام أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، واصطحاب الطفل إلى المسجد في كل خمس من غير تكليف له نغرس فيه حب التعلق بالمسجد، ومعرفة إخوانه الآخرين والتعرف إليهم وهذا يؤدي إلى الوحدة والتماسك، فبها يشكل خلية المسجد مع غيره إن أصابها شيئا أصلحها الباقون، وأول تعريف للطفل لمن في المسجد بحضوره الصلاة التي تقام فيه, فيرى المسلمين مع إماممهم الذي يقودهم في صف واحد، لا يفصل بين المسلم وأخيه المسلم فاصل، الفقير مع الغني والكبير مع الصغير والرئيس والمرؤوس متوجهين إلى قبلة واحدة يعبدون ربا واحدا، يعرف كيفية الصلاة ولكن بعد تعليمه إياها في البيت لأن البيت تعليم والمسجد محل التطبيق.
والمسجد يتميز عن البيت بأنه جامع للناس في الصلاة والتعلم والإرشاد والتوجيه ووجود من هو متخصص في هذه الأمور قد يكون ولي الأمر لا علم له فيكمل هذا النقص بإرساله إلى المسجد ليتلقى العلم والآداب الإسلامية، وما المراكز الصيفية التي تقام في المساجد ما هي إكمال للنقص الذي طغى على البيوت من تعليم وتوجيه، هذا إن وجه الطفل لهذه المراكز وإلا فإن بعض الآباء لا يعلم منها شيء لأنه في الأصل ليس من رواد المسجد فينتج عن ذلك أولاد لا يعنيهم المسجد وما يقام فيه إلا من رحم، وحث الإسلام على الصلاة في المسجد وفضلها على غيرها وأمره لولي الأمر بتعليم الطفل الصلاة لسبع وضربه لعشر بالأسلوب الذي يعود بالنفع للطفل، ولا يكون ذلك إلا في المسجد.
ثالثا: المدرسة.
... (1/86)
صفحة 87
... لا نعرف الهدف من المدرسة إلا بعد أن نقف للمكونات الأساسية للمدرسة، فالمدرسة في أبسط تكوينها: أولا المكان أي محل الدراسة، ثانيا المعلم، ثالثا المتعلمين، وكل هذه الأمور لها خصائصه التي تميزه عن غيره ولكن تجمعهم حلقة واحدة التي لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر.
... المكان أو محل الدراسة وهو ما يطلق عليه المدرسة، فإن المدرسة قد تتخذ أشكالا متعددة من حيث المكان أو البناء الذي تعتمد عليه فيمكن لنا أن نعتبر الذين يدرسون تحت شجرة أنهم يدرسون في مدرسة لأن هذه الشجرة جمعتهم في مكان واحد أو الذين يدرسون في خيام يسمونها كذلك مدرسة، أو الذين يدرسون في بيوت من الطين وسعف النخيل أو مدرسة من الطين مخصصة لذلك تعد مدرسة، ليس المهم البناء بقدر ما تنتجه هذه المدرسة، نعم يمكننا اعتبار المكان وهيئته مؤثر في العملية التدريسية من كلا الجانبين المعلم والمتعلم وهذا منوط بإمكانية ذلك المجتمع وأهله.
... المعلم الذي كاد أن يكون رسولا ولا رسول بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه أخذ صفة ما يقوم به الرسول من التبليغ لما يعلمه، والمعلم مهما يكن فهو بشر له طاقات تختلف من شخص إلى شخص وذلك بسبب الاختلاف في القدرات العقلية أو الكمية التحصيلية للعلم الذي حصله فترى معلما ناجح في تدريسه أكثر من غيره، وهذا منوط بمواصفات المعلم الناجح الذي له الأثر في العملية التدريسية وهي (1) :
1- قوة الشخصية.
2- سعة الإطلاع.
3- الرغبة في مهنة التدريس.
وشخصية كل معلم ناجح لا بد من ترتكز على دعامات ثلاث (2) :
1- المظهر الخارجي.
2- المظهر النفسي( السلوك).
3- القدرة على إدارة الصف.
__________
(1) علي الشويكي _ المدرسة والتربية وإدارة الصفوف _ دار مكتبة الحياة _ بيروت لبنان_ ص16.
(2) المرجع السابق – ص26-27. (1/87)
صفحة 88
وعند تحليل هذه الأمور نجدها في غاية الدقة إذ قلما لا توجد في كل معلم هذه الأمور إلا النادر، فعند الوقوف عند تلك الأمور نجدها هي الفيصل بين شخصية التلميذ والمعلم إذ إذا وجدت في معلم فسرعان ما ترى الطلبة متأثرين به إذ اتخذوه قدوة لهم إلا من شذ عن هذا الطريق، فقوة الشخصية كما أوردناها سابقا مظهر خارجي أي ملبس حسن هيئة حسنة محببة غير منفرة من الناحية الشكلية والصحية، ومظهر سلوكي في حركاته وسكناته من قول وفعل يدل على اتزانها فلا تصدر من غير وعي ولا إدراك أو تعمد مما يخل ويفقد احترامه من قبل التلاميذ، وقدرة على إدارة الصف ليست بالسوط وإلا فسوف يجني ثمار فعلته من تلاميذ لا يردهم عن إيذاءه راد، وإدارة الصف هي القدرة على التحكم بكل زوايا الصف وفئاته متعددي الفهم، وخلق المشاركة من الجميع واستيعابهم للدرس من كل الجوانب.
أما سعة الإطلاع فهي تبين مدى كل معلم في شرح عناصر الدرس وتفصيلها تفصيلا دقيقا بعبارة صحيحة سهلة، وهو ما يطلق على كل معلم من أن هذا المعلم متمكن من مادته، أما إذا يعالج موضوع الدرس بسطحية مبتورة فإن الطالب مباشرة يدرك أن المعلم لا علم له في المادة التي يلقيها فلا يحضر هذه المادة إلا خوفا من تسجيل الحضور وإن حضر فتراه نائما أو هو في واد والمدرس في واد آخر. (1/88)
صفحة 89
وأخيرا رغبة المعلم في المهنة التي يمتهنها لها الأثر في الجهد في إعطاء المعلومة على ما يجب أما أن كانت المهنة لمجرد الراتب فهو يلقي درسه فهم الطلاب أم لم يفهموا، ولهذا من الأثر السلبي الذي يؤثر في الطالب من حيث استيعابه للمادة والصعوبات التي يجدها في أثناء مذاكرة المادة، أما فهو لا يعلم أنه بذلك إنما يأخذ راتبا من دون يقدم ما يستحق به هذا الراتب وأنه مسؤول عن عمله أمام الله في الآخرة وأمام المجتمع من جهة أخرى فلا يحسب بأنه لا أحد يشرف عليه، ولكن من جهة أخرى يجب أن ندرك الأمور التي جعلت منه عدم الإتقان في عمله لعلها تكون سبب في ذلك.
ونلاحظ أن الطفل يدخل المدرسة في سن مبكرة من عمره وهو في السابعة من عمره أو السادسة، فمكوثه في المدرسة اثني عشر سنة كافية في تكوين هذا الطالب بمستوى لا بأس به من المعرفة والآداب، ولكن المدرسة لا تلقى عليها هذه المسؤولية وحدها بل لا بد من إيجاد الترابط بينها وبين البيت فلا يمكن الفصل بينهما فالمعلم يتابع التلميذ في المدرسة والأسرة تتابع التلميذ في البيت فهو تلميذ أسرته كذلك، وإلا فإن إهمال كثير من الأسر الطفل بعدم متابعة الدروس التي أخذها من المدرسة يؤدي إلى التأخر العلمي لدى الطفل لأنه لم يجد من يهتم به وخاصة من أخص الناس به أبواه، يريدان منه نجاحا ومتفوقا كغيره ولكن لم يزرعا فيه بذور النجاح والتفوق، وعندما يخفق في الدراسة فالويل لظهره من سوط الوالد ومقارنته بمن هو في سنه، وهذا الأسلوب خاطأ في حقه فيتولد لديه الإحساس بعدم القدرة على الدراسة وكره من حوله وإعلان التمرد على المحيط الذي ساعد على فشله في هذه الحياة، ونحن بعدم دراستنا لحقيقة المدرسة الإسلامية الأولى الذي كان المدرس فيها هو النبي صلى الله عليه وسلم، نهمل جانبا مهما في الحياة التربوية للرسول صلى الله عليه وسلم، فلقد كان بيته مدرسة بكل المعاني التي تحملها المدارس العصرية في وقتنا الحاضر. (1/89)
صفحة 90
المبحث الثالث
مجالات التربية النبوية وكيفية تنمية قدرات الطفل
المطلب الأول
مجالات التربية النبوية
...
... إن للتربية النبوية مجالات في الحياة المتمثلة في الأمور التالية البدنية، والروحية والوجدانية، والاجتماعية، والتي هي عماد الحضارة الإسلامية فلا يمكن فصلها عن بعضها البعض، فكل منه مكمل للآخر، فالحياة البدنية يجب ربطها بالحياة الروحية والوجدانية، فإذا إذا كانت الحياة متوقفة على الأمور البدنية المادية بعيدا عن الروح أصبح تفكيرها ماديا بعيدا عن الأمور المعنوية التي تحي القلب وتوقظ الضمير والإحساس بما هو غيبي، أما إذا كانت الحياة روحية ووجدانية أصبحت نفس الإنسان كالرهبان الذين بعدوا عن تلبية متطلباتها المادية التي يقوم عليها الجسد لمواجهة ظروف الحياة من الحاجة إلى القوة المادية التي تعين على ممارسة حياته الروحية.
... والحياة الإجتماعية هي جماع هاتين الحياتين فلا يمكن للمجتمع أن يقوم بواحدة من هذه الحاجات بدون الثانية، فالمجتمع المبني على المادية البحتة تكثر فيه حالات الانتحار لأن المادة لم تلبي له السعادة التي ينشدها، والملاين التي جمعها يود أن ينفقها في سبيل تحقيق السعادة الحقيقية الغائبة عن كيانه المادي، وأما إذا المجتمع الذي قام على أساس تحقيق السعادة الروحية والوجدانية للجسم لن يستمر به الحال على تلك الوتيرة لأن نوازع نفسه التي تحبب له حب التمتع بالملذات الحسية، وهو ما أدى إلى كثير من الرهبان عمل المحرمات في الخفاء وأخذ أموال الناس بالحيل المعروفة لديهم وهو ما أدى إلى انقلاب المجتمع على الدين الذي حرفه الرهبان فجعلوه عبارة عن انقطاع عن الدنيا وهم من أول الناس يقبلون على الدنيا، فما الثورة الفرنسية التي قامت في الأصل ضد الدين ما هو إلا رغبتها في تحقيق الحياة المادية لهم، فحققوها ولكن وقعوا في الجانب الآخر وهو فراغهم الروحي فنتج عنه ظاهرة الانتحار. (1/90)
صفحة 91
... وعلى ذلك فإن الشريعة الإسلامية جاءت مكملة للجوانب التي يحتاجها الإنسان فلا يطغى جانب على جانب، بل تساير مع بعضها البعض للهدف والغاية التي تسعى من أجلها وهو إنشاء مجتمع مثالي بقدر الإمكان، هدفه إعمار هذا الكون بما يحقق السعادة في الدنيا والآخرة، فنرتب هذه المجالات على الترتيب التالي:
أولا: المجالات البدنية.
... المقصود بالمجالات البدنية هي الأمور المتعلقة بالجسد، (والإسلام صريح غاية الصراحة في معالجة الأمور الجسدية في الغسل والوضوء كما هو صريح في معالجة الأمور الجنسية) (1) ، وتوجيهات الإسلام في هذا المجال كبيرة فالرماية والفروسية _ أو الرياضية البدنية عامة_ هي جزء من منهج التربية الإسلامية. (2)
والإسلام لا يحتقر الجسم ولا يستنكره ولا يستقذره وأبلغ دليل على ذلك أن العبادات الإسلامية تشرك الجسم في العبادة ولا تسقطه من الحساب، (3) ومن هذا تجد أن العبادة مرتبطة بالبدن لأن العبادة بدون البدن الذي أعد الأعداد الصحيح لا يمكن القيام بها على الوجه الصحيح فالضعيف في بدنه يسقط عنه كثير من أركان العبادة أو قد يحرم منها وهو ما لا تتطلع له النفس التي تريد فعل العبادات على الوجه الصحيح.
وهذا المجال واسع خصب في المجال التربوي لما له من الأثر الكبير الذي يمكن للمسلم مراعاتها في تحقيق الحاجة التي جبل عليها، وهذه الأمور تعتبر قواعد ينطلق منها في تحقيقها (4) :
1- تربي المسلم على تنظيم طعامه وشرابه والمحافظة على جسده من أضرار العري بحيث يستر نفسه بما يناسب الجو الذي يعيش فيه إن كان حرا أو بردا.
__________
(1) عبدالغني النوري _التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة_ ص102.
(2) المرجع السابق_ ص102.
(3) المرجع السابق _ ص103.
(4) حمدان راجح المهدي الهجاري _ موسوعةِ الدعوة الإسلامية (5) (كيف ندعوا الأطفال) _ص85-86. (1/91)
صفحة 92
2- تربي المسلم على قواعد المحافظة على صحته والوقاية من الأمراض والأخذ بالأسباب لوقاية هذا الجسم من تلك المخاطر الجسدية.
3- تربي المسلم على أساس النظافة والطهارة وذلك بما يحافظ بها على الجسم وسلامته.
4- تربي المسلم على اكتساب المهارات البدنية التي تعمل على تنشيط الجسم وتوفير الحيوية والقوة من خلال الممارسات الرياضية كالمشي وركوب الخيل والسباحة والرماية وغير ذلك من ألوان النشاط الرياضي الذي يحرك الجسم ويكسبه القوة والنشاط.
تتحرك التربية الجسمية للإنسان في أبعاد أربعة _ كما رآه بعض الباحثين _ وهي تتدل على الصورة الحقيقية لها وهي (1) :
1- البعد الخاص بتربية حواس الإنسان.
2- البعد الخاص بتربية أعضاء الجسد وتوظيفها.
3- البعد الخاص بتربية مهاراته الجسدية.
4- البعد الخاص بتربية قوته الجسدية.
وهذه الأبعاد لا تمر هكذا بدون تحريك لها وتفعيلها بالطرق المباحة في الألعاب المتوفرة في المجمعات والنوادي الرياضية والثقافية، متمثلة في الألعاب المفيدة، وهذه الألعاب لها من الفوائد التي يجب على المربي أن يلقنها للأطفال وهي كالتالي (2) :
1- تنمية الإرادة.
2- المبادرة الذاتية إلى ما يحبه من اللعب.
3- الصبر والدأب والعزم والتصميم.
4- التعاون مع من يشاركه في اللعب.
5- التضامن والاندماج مع الآخرين.
6- المناقشة.
7- احترام قانون اللعبة.
8- تكوين الطبع السليم الفاعل.
9- المحاولة للتغلب على المشكلات والعقبات.
وعلى هذا فإن الشريعة الإسلامية ليست مصادمة لما يطلبه البدن من حاجاته الفطرية ولكنه عمل على توجيها الوجهة الصحيحة واستعمالها في الخير، بدل أن تهدر هذه الطاقة فيما هو محرم فتضيع المصالح لمترتبة على القوة البدنية التي هي على صلة كبرى بالقوة الروحية، وهو ما يحقق مصلحة المجتمع والحضارة الإسلامية.
__________
(1) علي عبدالحليم محمود_التربية الجسدية الإسلامية _ص28.
(2) المرجع السابق _ ص29. (1/92)
صفحة 93
ثانيا: المجالات الروحية والوجدانية.
إن الكلام عن هذا المجال له أهمية كبيرة من حيث الرفعة والسمو التي تميز الكائن البشري من باقي الكائنات، مع أنه يشترك في العاطفة التي جبلت عليها باقي الكائنات وهو ما يسمى عاطفة الأبوة عند أغلب الكائنات، إلا أن الفرق الجوهري في ذلك أن نفس الإنسان وروحه تعلو على كل الأرواح والوجدان من الرحمة الحب والكره والخوف والرجاء والتمني والأمل والخيال، فلهذا كان الاهتمام بهذا المجال من جهة التربية النبوية التي كانت تنمي هذا الجانب التنمية الصحيحة.
... وهو ما نطلق عليه الانفعالات الوجدانية والروحية تجاه الأحداث والوقائع التي يمر بها الإنسان وخاصة الطفل لأنه صفحة بيضاء وطرية تتأثر بما يحصل له في محيطه، فالانفعالات والعواطف والميول التي تتصل بروح الطفل ووجدانه الذي في الأعم الأغلب مستوطن في القلب، الحزن والبكاء والخوف والحب والكره والفرح والسرور وعلى رأسها الطمأنينة والألم واللذة، كل هذه الأمور إذا لم تدرس الدراسة الصحيحة أخطأنا في كيفية العلاج وكذلك كيفية حماية الطفل من الأمور التي تؤثر على عقله وجسمه.
... ولا ننسى الكلام عن العلاقة التي تربط الروح والوجدان بالجسم، لأن أغلب المؤثرات والمتغيرات التي تحدث للجسم نتيجة للانفعالات الحادثة عن طريق الروح والوجدان،( فإن لم يفهم الطفل لماذا شجع وبالأخص لماذا وبخ ستضطرب روحه وقد أصبح معلوما أن أكثر الأمراض النفسية ناتجة من أثر التخويف أو الضرب والإرعاب بلا سبب) (1) .
__________
(1) مرتضى مطهري _ التربية والتعليم في الإسلام_ ص36. (1/93)
صفحة 94
إن الطفل محتاج للبناء الانفعالي من خلال تطبيقها في نفس المربي قبل الطفل، ثم تطبيقها على الطفل من خلال العمل وخاصة القدوة، لأن شعور الطفل وأحاسيسه ووجدانه من خلال الجو الذي يعيشه في بيئته ومن هذه الأمور على سبيل المثال: الصدق _ حفظ الأسرار _ الأمانة _ سلامة الصدر من الأحقاد _ الرحمة بالطفل _ مداعبة الطفل _ مسح رأس الطفل _ حسن استقبال الطفل ) ويكون ذلك بالطرق الصحيحة التي تتسم بالعقلانية والتفكير.
...
وهذا كله لا يكون إلا بمعرفة وسائل التربية الوجدانية وهي (1) :
1- تجنب الخطيئة والمآثم.
2- الندم والتوبة بالإقلاع عن الخطيئة وعدم الرجوع إليها.
3- الاستمرار بممارسة الفضائل.
...
ثالثا: المجالات الإجتماعية.
... الذي يمثل هذا المجال الضخم هو المجتمع بجميع ما فيه من أفراد وأخلاق آداب وهيئات اجتماعية تسعى في خدمة المجتمع كوحدة واحدة من الكيان الإسلامي، والكلام عن هذا المجال كبير، يحتاج إلى بحث مستقل ككل المواضيع التي تخصص ليسهل للباحث البحث فيه من كل الزوايا والتشخيص الدقيق لها.
... والبناء الإجتماعي هو كغيره من الأبنية تتظافر فيه اللبنات في البناء فلا يمكن لواحدة منها أن تزاح من هذا البناء، وإلا سقط البناء لأن الخراب الموجود في واحدة منها يسري للكل فيعمل على هزه وخلخلته، ولهذا كانت الشريعة الإسلامية مهتمة بهذا الجانب كغيره من الجوانب الأخرى، لأن المجتمع إذا قويا في جميع مجالاته يقوى به الإسلام وينشر، أما إذا كان المجتمع منخرما فيسهل للأعداء الدخول فيه من خلال مؤسساته المتعددة فيبثون ما يريدون من أفكار تعمل على هدم المجتمع من خلال ما يسمى بالغزو الفكري.
...
__________
(1) مقداد يالجن _ خوانب التربية الإسلامية الأساسية_ ص395. ... (1/94)
صفحة 95
وهذا البناء الإجتماعي يمكن لنا أن نبينه الصور التالية المتمثلة في الآداب والرسوم الإجتماعية التي لا بد من غرسها في نفس المربي لكي يتحقق له غرسها في الجيل الجديد، وإذا كنا لا نعمل بها فكيف لنا أن نعلمه لجيلنا الآتي: (1)
1- عرس حب العلم وأدبه.
فبالعلم يخرج الإنسان من غيابات الجهل وآثره إلى نور العلم والتقدم والتحضر، فعندما يحث الطفل على العلم وكيفية التعلم فإن ذلك ينمي لديه حب المعرفة والاستطلاع إلى ما هو جديد من صنوف العلم، فبعلمه يخرج من هو في الجهل واقع.
2-حفظ الطفل سورا من القرآن وأحاديث من السنة.
... القرآن الكريم دستور الأمة وحياتها، وتأتي السنة في المرتبة التالية له، فبحفظ سور من القرآن يعينه في أداء ما افترضه الله عليه من الصلوات فبدون القرآن لا تصح، وفي معرفة القرآن بما في من معان يعين الطفل على إدراك الغاية التي أنزل لها القرآن مع الاستمرار في حفظه وفهمه, وكذلك السنة فعما المنجيان من الضلالة.
3-اختيار المدرس الصالح.
مما لاشك فيه أن المدرس الصالح هو الأفضل لأنه مصلح لنفسه ولغيره، وهذا لا يمنع من الاستفادة من غيره لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، لأن من العلوم التي تحتاجها الأمة لا يوجد من يدرسها للمسلمين وفي التشدد بالمنع تعطيل لما يقتظيه الإسلام من الأخذ بالقوة في جميع الميادين فبذلك يكون المجتمع محتاجا لمثل ذلك.
... 4-فضائل الآداب: (منها الاستئذان وعض البصر وإفشاء السلام وعيادة المريض والتعاون وحق الأقارب والجار وحسن الظن...)
هذه الفضائل تحقق الوحدة الإجتماعي للمسلمين عندما تطبق في الواقع، وهناك ما لا حصر له من الآداب الأخلاقية الإجتماعية تحتاج إلى التفصيل والبحث، مثل أخلاق المعاملات والبيوع والمعاهدات
المطلب الثاني
__________
(1) مقداد يالجن_ دور التربية الأخلاقية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة_ ص77. بتصرف وزيادة (1/95)
صفحة 96
الطفل في واقعنا الحاضر وكيفية إنما مهاراته الذاتية
... مع انتشار دور الحضانة ورعاية الطفولة وعلى رأسها منظمة حقوق الطفل إلا أن ذلك للقسم الثاني من الطفل في أغلب الأحيان، وهو توفير المستلزمات الحيوية للطفل من مسكن ومأكل ومشرب ورعاية صحية مع أنه لا يعم جميع الأطفال فيوجد من الأطفال من لا سكن يؤويه ولا مأكل يحيه ولا مشرب يرويه ولا صحة تشفيه، فقد أهمل الجانب بصورة تشبه العدم وهو التعليم والتربية التي فقدها كثير من الأطفال في هذا الوقت الحاضر، وإن توفرت فبالمال تشترى.
... وإن توفر التعليم كان بسيطا لا يميل إلى التطور والتقدم العلمي المناسب لكل مرحلة من مراحل الطفل فتساق العلوم إليه من غير تبسيط وتسهيل، فقط المراد منها شحن العقول بأكبر كمية من المعلومات وإن كانت خاطئة، ولا حظ الفرق بين هذا الهدف في التعليم وهدف الإسلام في ذلك: ( هو تشغيل وهداية وتوجيه استعدادات وذكاء وعقل وكافة إمكانيات الأشخاص والأطفال والأمة) (1) .
...
هذا من ناحية المجتمع فقد يؤويه وقد يلفظه ليرتمي في أحضان الشارع الذي لا يرحم، أما من ناحية المهد الأول للطفل وهو البيت الذي في أغلبه لا يحقق له حاجاته النفسية المتعلقة بحياته الشخصية، وهذه الحاجات هو في حقيقتها تنمية لمهاراته الذاتية، وهي كالتالي:
1- الحاجة إلى المغامرة والمخاطرة.
2- الحاجة إلى الأمن والطمأنينة.
3- الحاجة إلى المحبة والتكريم.
4- الحاجة إلى التكريم والتقدير.
5- الحاجة إلى الحرية.
6- الحاجة إلى سلطة ضابطة وموجهة.
7- الحاجة إلى النجاح والتشجيع.
فكل هذه الأمور لو درست دراسة مستوفية، وطبقت التطبيق الصحيح لارتفعنا بمستوى الطفل حضاريا بكل المستويات القياسية في ظل الحضارة الإسلامية.
الخاتمة
__________
(1) أبو الفضل عزتي _ التربية الفكرية للطفل _ دار المحجة البيضاء _ بيروت – لبنان _ ط1- 1413هـ -1992م _ ص33. (1/96)
صفحة 97
... هذه الدراسة التي قمت بها مع تقصيري الكبير فيها، لم تعطى حقها من البحث، مع أن هذه المادة لو جمع فقط ما ورد في السنة النبوية لما وسعها مؤلف يبلغ بهذا الحجم بل أن ما يجمع من الأحاديث فقط يستوجب مئات الصفحات، ومع كل هذا التقصير الذي صدر مني فلا تخلو هذه الدراسة من النتاج ولو كانت قليلة:
1- الدراسة النبوية دراسة مازالت خصبة تقدم لطالبها ما يريد، ولو كانت أكثرها في الأمور الفقهية، في حين أنها تعالج قضايا تربوية.
2- أن أغلب ما جاء في الدراسة هو عبارة عن بيان لأهم المواد التربوية التي ارتكزت عليه الدراسة مع التبيين قدرالإمكان.
3- الناظر في المجال التربوي الذي أغفله كثير من المربين وما نتج عنه من تدهور في العلاقات الأسرية والإجتماعية،مجال يلبي الحاجات التي يفقدها كثير من الأطفال في عصرنا الحاضر.
4- وفي النهاية الأهداف التي تنبني عليه كل من المواضيع السابقة تعد أبرز النتائج التي استعطت في إيرادها.
هذا وأسأل الله عز وجل أن يختم أعمالنا بالصالحات وأسأله السداد والتوفيق والنجاح فإنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فهرس المصادر والمراجع
1. إبراهيم أنس وعبدالحليم منتصر وغيرهما_ المعجم الوسيط_ ط1 -1972.
2. إبراهيم ناصر _أسس التربية_ دار عمار الأردن _ ط2-1409هـ-1989م.
3. أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، ط1/1421ه- 2001م، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان
4. أبو الفضل عزتي _ التربية الفكرية للطفل _ دار المحجة البيضاء _ بيروت – لبنان _ ط1- 1413هـ -1992م.
5. أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، تحقيق: أيمن صالح عثمان – سيد أحمد إسماعيل، ط1/ 1417هـ- 1996م، دار الحديث، القاهرة.
6. أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، مطبعة الزهراء الحديثة. (1/97)
صفحة 98
7. أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط1/ 1414ه- 1994م، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان.
8. أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، إشراف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ط1/ 1420ه- 1999م، دار السلام، الرياض- المملكة العربية السعودية.
9. أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، السنن الكبرى، تحقيق: عبد المنعم شلبي، ط1/ 1428ه – 2001م، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان.
10. أبو عبد الرحمن بن شعيب بن علي الخراساني النسائي، سنن النسائي، ط1/ 1407ه- 1994م، دارا لحديث، القاهرة – مصر.
11. أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، دار المعرفة بيروت – لبنان، بدون طبعة.
12. أبو عبد الله بن محمد بن يزيد القز ويني، سنن ابن ماجه، إشراف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ط 1/ 1420ه - 1999م، دار السلام، الرياض – المملكة العربية السعودية.
13. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، صحيح البخاري ، ط1/1428ه- 2001م، دار التقوى للتراث، القاهرة – مصر.
14. أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد بن محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، ط1/ 1421ه- 2000م، بيروت- لبنان
15. أبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا_ معجم مقايس اللغة_ ت- عبدالسلام محمد هارون.
16. أحمد بن حنبل الحنبلي، مسند أحمد بن حنبل، ط1/ 1416هـ - 1995م، دار الحديث، القاهرة – مصر.
17. أحمد بن علي التميمي، مسند أبي يعلى الموصلي ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، بدون طبعة.
18. أحمد بن محمد عبدالله _ المرأة المسلمة المعاصرة إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة_ دار عالم الكتب للطباعة والنشر_ ط2-1412هـ-1991م.
19. أحمد رضا_ معجم متن اللغة _ مكتبة الحياة-بيروت لبنان_ 1377هـ- 1985م. (1/98)
صفحة 99
20. أحمد محمد جمال _ نحو تربية إسلامية _ دار إحياء العلوم _ بيروت –لبنان _ ط3 -1407هـ - 1987م.
21. أمير عبد العزيز_ الإنسان في الإسلام_ دار الفرقان عمان –الأردن_ ط1 -1401هـ -1984م.
22. حامد الحربي _ التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم التربوية ومناهجها من منظور التربية الإسلامية_ مكة المكرمة-1997م .
23. حسن ملا عثمان _ الطفولة في الإسلام ومكانتها وأسس تربية الطفل _ دار المريخ –الرياض -1402هـ-1982م.
24. حمدان راجح المهدي الهجاري _ موسوعة الدعوة الإسلامية (5) (كيف ندعوا الأطفال؟) _ ط1 – 1414هـ - 1994م.
25. رونيه أوبير _ التربية العامة _ دار العلم للملاين-بيزوت –لبنان_ ط6 _ 1983م.
26. سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري _ كتاب الإبانة في اللغة العربية_ ط1-1420هـ-199م.
27. شيرويه بن شهر دار بن شيرويه الديلمي، كتاب فردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب، تحقيق: فواز أحمد الزمر لي، محمد المعتصم بالله البغدادي، ط1/ 1407ه- 1987م، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان.
28. عباس محجوب _ أساليب التربة والتعليم في الإسلام _ دار القراءة للجميع للنشر والتوزيع _ دبي _ ط2 – 1410هـ -1990م.
29. عباس محجوب _ نحو منهج إسلامي في التربية والتعليم _ مؤسسة علوم القرآن _ عجمان _ ط1 – 1408هـ - 1987م
30. عبدالباري محمد داود _ الطفولة في الميزان _مكتبة الإشعاع الفنية –الإسكندرية_ ط1 -2003م.
31. عبدالباري محمد داود_ تربية الطفل في ظل المنهج الإسلامي_ المختار للنشر –مصر _ ط1-1421هـ-2001م.
32. عبدالرحمن الباني _ مدخل إلى التربية في ضوء الإسلام _ المكتب الإسلامي _ ط2 – 1403هـ - 1983م.
33. عبدالرحمن النقيب وجمال محمد الهنيدي _ قراءات في التربية الإسلامية_ مكتبة الرشد للتوزيع- الرياض –السعودية_ط1-1424هـ-2004م. (1/99)
صفحة 100
34. عبدالرحمن نحلاوي _ التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة _ المكتب الإسلامي _بيروت _ ط2 _1405هـ -1985م.
35. عبدالغني النوري _ التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة _ دار قطري ابن الفجاءة _ قطر _ ط1- 14006هـ - 1986م.
36. عفيف عبد الفتاح طباره _ روح الدين الإسلامي _ دار العلم للملاين _ بيروت لبنان _ ط23 – 2003م.
37. علاء الدين بن علي بن بلبان الفارسي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط2/ 1414ه- 1993م، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان.
38. علي أحمد مدكور _ منهج التربية في التصور الإسلامي _ دار الفكر العربي _ القاهرة _ 1422هـ - 2002م.
39. علي الشويكي _ المدرسة والتربية وإدارة الصفوف _ دار مكتبة الحياة _ بيروت لبنان.
40. علي عبدالحليم محمود _ سلسلة التربية المعاصرة ( التربية الإسلامية في المجتمع ) _ دار التوزيع والنشر الإسلامية _ ط1 – 1426هـ - 2005م.
41. متولي موسى_ تربية الأطفال في فترة الحضانة_ الدار الإسلامية للإعلام_ بون ألمانيا الغربية_ ط1-1410هـ-1989م.
42. محمد الألوسي البغدادي _ روح المعاني في القرآن العظيم_ إحياء التراث- بيروت لبنان.
43. محمد الشناوي وغيره _ تربية الطفل في الإسلام _ دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع _ عمان ألأردن _ ط1- 2001م .
44. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر _ مختار الصحاح _ دائرة المعارف – مكتبة لبنان _ 1986م.
45. محمد عبدالجواد محمد _ حماية الطفولة في الشريعة الإسلامية والقانون_ منشأة المعارف بالأسكندرية.
46. محمد قطب _ منهج التربة الإسلامية _ دار الشروق _بيروت _ ط9 1406هـ - 1986م.
47. محمد مرتضى الحسيني الزبيدي _ تاج العروس من جواهر القاموس_ ت- علي هلالي
48. مرتضى مطهري _ التربية والتعليم في الإسلام _ دار الهادي _ بيروت- لبنان _ ط1 – 1413هـ - 1993م. (1/100)
صفحة 101
49. مقداد يالجن _ جوانب التربية الإسلامية الأساسية _ دار الريحاني للطباعة والنشر _ بيروت لبنان _ ط1- 1406هـ - 1986م.
50. مقداد يالجن _دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة _ دار الشروق بيروت _ ط1 -1403هـ - 1983م.
51. منصور الرفاعي عبيد _ تربية الناشئة في ضوء السيرة _ دار الجيل – بيروت _ ط1 – 1413هـ - 1993م.
52. منير محمد الغضبان _ من معين التربية الإسلامية _ وكتبة المنار _ ط2 - 14002هـ - 1982م.
53. نايفة قطامي _ طرق دراسة الطفل _دار الشروق –عمان –الأردن _ ط1 _ 1989م.
54. وجيهة ثابت العاني _ الفكر التربوي المقارن _ دار عمار للنشر والتوزيع _ عمان الأردن _ ط1 2003م.
التسلسل فهرس المحتويات الصفحة
? الإهداء ................................................................... 1
? شكر وعرفان............................................................ 2
? مقدمة...................................................................... 3
? خطة البحث.............................................................. 3
? الفصل الأول: المبحث الأول : مفهوم التربية والطفولة.
? المطلب الأول : تعريف التربية لغة واصطلاحا................. 8
? المطلب الثاني : تعريف الطفولة................................ 16
المبحث الثاني : مراحل الطفولة وخصائصها........................... 18
المبحث الثالث : مكانة الطفل في الإسلام............................... 30
الفصل الثاني : خصائص التربية وأهدافها
المبحث الأول : خصائص التربية النبوية ... ... ... ... ... ... ... ... 52
? وحدانية المعبود.................................................. 56
? التوازن.......................................................... 63
? الشمول........................................................... 66 (1/101)
صفحة 102
? العدل............................................................. 68
المبحث الثاني : أهداف التربية النبوية................................. 69
4. إنماء الشخصية الإسلامية :
أ . روحيا.............................................. 69
ب . اجتماعيا............................................ 74
ج. أخلاقيا.............................................. 78
2-التكيف مع الفرد والمجتمع....................................... 80
الفصل الثالث : أساليبها ووسائلها ومجالاتها.
المبحث الأول : أساليب التربية النبوية.............................. 84
المبحث الثاني : وسائل التربية النبوية.............................. 100
1-البيت................................................. 100
2-المسجد.............................................. 103
3-المدرسة............................................. 105
المبحث الثالث : مجالات التربية النبوية وكيفية تنمية قدرات الطفل.
المطلب الأول : مجالات التربية النبوية.................... 109
1-البدنية........................................ 110
2-الروحية والوجدانية........................... 112
3-الاجتماعية.................................... 114
المطلب الثاني : الطفل في واقعنا الحاضر وكيفية إنماء مهاراته الذاتية............... 117
الخاتمة................................................................... 119
المصادر والمراجع..................................................... 120
فهرس المحتويات...................................................... 124
...
... (1/102)