صفحة 1
الكتاب: تقوية الذاكرة
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله
تقويّة الذاكرة.
المقدمة
إنّ العلماء قد حدّدوا استراتيجيات أربع لضمان صحّة العقل والجسم ألا وهي:
النشاط الذهني ــ والتكيّف البدني (مزاولة الرياضة) - الحدّ من الضغوط النفسيّة ــ والغذاء الصحّي.
هذه هي العوامل الأربعة التي تساعد الشخص على المحافظة على ذاكرة قويّة نشيطة تلازمه طول حياته، حتّى وهو في أرذل العمر.
العقل أو الذاكرة هو العنصر الأساسي الذي يوجّه الإنسان في حياته ويجعله يتكيّف مع ظروفه الجانبيّة بكيفيّة تبعث فيه روح الأمل والتفاؤل اللذان يضمن بهما نشاط جميع قوى جسمه في مختلف مراحل عمره، والعقل هو الذي يدفع الإنسان إلى تركيز كلّ جهوده على الحفاظ على شبابه ونشاطه و لياقته الذهنيّة و تفوّقه.
فعلى كلّ شخص يريد أن يحيا مثل هذه الحياة، فعليه أن يحافظ على صحّة هذه القوى و نشاطها وصفاءها وتوقدهّا، لأنّها هي التي تعمل على تشجيعنا وحثّنا على معاملة أجسامنا بالطريقة الصحيحة، وعلى تحقيق أعلى مستوى من الكفاءة في كل مرحلة من مراحل العمر في حياتنا.
فنخاطبك أيها الصديق، ونقول لك لا تفقد الأمل، ولا تترك اليأس أو التشاِؤم يتسرب إلى تفكيرك، لأنّ هذا هو الأساس، فأنت فيما تملك من قدرات ومهارات فكريّة، طاقة فريدة من نوعها، لا تنتظر منك إلاّ أن تجد مفاتحها الذي تفتح به الباب الملائم، فتطير بأجنحة النجاح والتفوّق بعيدا بعيدا أكثر ممّا تتصوّر، وأكثر مما تعتقد أنت في ذاتك.
عليك بالعمل، عليك بالمثابرة، عليك بالأمل، عليك بالصبر على الطريق فستصل بأذن الله - عز وجل - كما وصل كثير و كثير من الناس، ممّن يملكون قدرات مثلك، فتفوّقوا، ونالوا أعلى المراتب.
لا تفقد الأمل، وعليك بالأمل، فأنت كما تريد أن تكون في هذه الحياة. (1/1)
صفحة 2
ونحن في هذا الكتاب نطلع إخواننا على بعض ما أطلعنا الله عليه ممّا توصل إليه العلماء والمختصون بعد سنوات وسنوات من الدراسة والبحوث المتواصلة، والتجارب المتعدّدة، وما هي إلاّ عيّنة صغيرة ممّا وهب الله - عز وجل - لهذا الإنسان من القدرات والمهارات المتعدّدة، وإلاّ فالموضوع واسع ومتشعّب لا يستوعبه كتاب أوكتب.
خاصّة وأنّ هذا الموضوع يهتمّ بالنفس الإنسانيّةّ هذه النفس العجيبة والغريبة التي لم يستطع العلماء أن يصلوا إلى حقيقتها بعد سنوات طوال من البحوث، وذلك منذ قرون و قرون.
وأعجب ما في هذه النفس هذه القوى الفكريّة والعقليّة التي هي أساس حياتها وتقدّمها ورقيّها، وهي مديرها و موجّهها.
فعليك أخي أن تنقّيها و تنمّيها و تدرّبها حتّى تصل بك إلى تأديّة الأمانة التي تحملتها كاملة غير ناقصة.
قال الله - عز وجل -:
- إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا -
الأحزاب آية: 76
والله ولي التوفيق
بريان يوم:
سليمان محمد موسلمال
أعظم نعمة في أنفسنا.
إنّ من أعظم الأشياء التي يمكن أن نتأمّلها في أنفسنا، ونتفكّر في كيفيّة عملها، ونتدبّر حكمة المولى عزّ وجلّ فيها، هو العقل البشري، هذه القوى الفكريّة العجيبة والمعقّدة التي لم ولن يدرك هذا الإنسان كنهها وسرّها، ولكن كيف يدركها، وهي نفسها التي تفكّر في نفسها، ولأنّ الله قد جعلها من أسراره، والتي إذا أدركنا كيف نستعملها ونستثمرها ونستغلّها، فإنّها ستنمو وستصل بنا إلى أعلى درجات النجاح والتفوّق.
قال الله - عز وجل -:
- وفي أنفسكم أفلا تبصرون -. ... سورة الذاريات ـ آية:21.
وقال الله - عز وجل -:
- سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ أولم يكفي بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد -.
سورة فصلت ـ آية: 53. (1/2)
صفحة 3
إنّ الأمر ليس مجرّد تفكير واستخدام لهذه القوّة الفكريّة، وإنّما الأمر يكمن في الكمّ الهائل من المعلومات والأفكار والمهارات التي يتعلّمها ويستوعبها هذا الجهاز، وما يحفظه من مختلف العلوم ويقوم به من عمليّات، وما يختزنه من ذكريات مختلفة كثيرة ومتنوّعة، سواء السارة منها أو المحزنة، فأين يوجد يا ترى هذا الكمّ الهائل والمتنوّع من مختلف المعلومات.
إنّ هذا الجهاز الصغير يحمل خزائن ومكتبات، ولو سجّل شخص كلّ ما يوجد داخل ذاكرته لاحتاج إلى أعداد وأعداد كبيرة من الأوراق والأقلام.
إنّ هذا العقل والذاكرة قوّة عظيمة وهبها الله تعالى لهذا المخلوق، وجعله بها من أفضل المخلوقات، وبها استطاع تحمّل الأمانة التي عجزت السماوات والأرض أن يحملنها.
وتعتبر هذه القوى طاقة يشعّ نورها ويزداد كلّما زاد استعمالها وتنميّتها أكثر وأكثر، ونتيجة لذلك تتكوّن لديه ذاكرة قويّة، وهذه هي الدرجة التي يتمنّى أن يصل إليها كلّ إنسان طموح في حياته.
إنّه لا يوجد مولود يولد بذاكرة قويّة، وآخر يولد بذاكرة ضعيفة إلاّ في القليل النادر في بني البشر، وهذا يكون في بعض الناس من جهة الوراثة، رغم أنّ كثيرا من العلماء يقرّرون أنّ كلّ واحد يستطيع أن ينمّي مواهبه بالمداومة على تدريبها باستمرار، لأنّ كلّ واحد منّا يملك جهاز للذاكرة، وقوّته تزداد وتنقص حسب استعماله واستغلاله في الواقع المعاش في هذه الحياة، وعلى ضوء تدريبنا لها، نكتسب هذه القوّة الباهرة التي عرف كثير من الناس كيف يكتسبها، بينما أهملها آخرون كثيرون وتكاسلوا وعجزوا عن ذلك، حتّى أصيبت بالوهن والضعف.
كيف يريد أن يكتسب مثل هذه الذاكرة القويّة من لا يقوم بأيّ مجهود في سبيل الوصول إلى ذلك وتحقيقه. (1/3)
صفحة 4
أم كيف يتحصّل على ذاكرة قويّة من يجلس أغلبيّة وقته أمام التلفاز الذي يقتل فيه روح الإبداع والخيال، لأنّه يقدّم له كلّ المعلومات على طبق من ذهب، ولا يتحمّل هو أيّ مجهود في إعمال ذاكرته أو التفكير فيما يعود عليها بالنفع.
وكذلك من يعتمد على حلّ المسائل الرياضيّة والحسابيّة على الآلة الحاسبة، هذه الآلة التي تعلّم خلايا المخّ الكسل والإتّكالية والوصول إلى الحلول بطريقة سهلة دون تعب أو محاولة لاستخدام هذه القوى التي وهبها الله تعالى له ليستغلّها ولا يتركها جامدة فاشلة دون عمل.
ومن جهة أخرى كيف يستطيع أن يمتلك ذاكرة قويّة من يعتمد على الهاتف النقّال لحفظ أرقام الهواتف المختلفة التي يحتاجها، ونحن لا نقصد هنا أنّه يستطيع حفظ كلّ أرقام هواتف أعضاء عائلته، وأصدقائه، وأحبابه، ولكن على الأقلّ أرقام القريبين منه، وأصدقاء العمل.
وهناك عدّة طرق لتقويّة هذه الموهبة واستغلال هذه الطاقة استغلالا جيّدا، وزيادة إشعاعها كي نعيش في هذه الحياة بقوّة عقليّة كاملة، وشجاعة نفسيّة، ونصبح من الموهوبين.
ولكن يجب أن نعلم جيّدا ونؤمن أنّه لا يمكن لنا أن نحقّق ذلك إلاّ بالعمل والجدّ والنشاط والمثابرة والصبر على التدريب الجيّد والمتواصل، لأنّ هذا هو العنصر الأساسي الذي يجعلنا ننجح، وذلك بما يسجّل في العقل الباطن على مرّ الأيّام والمناسبات المختلفة بأنّنا قادرون على الفوز والنجاح، وهذا ما يدفع النفس إلى العمل المتواصل للوصول إلى الهدف المطلوب.
إنّ لكلّ واحد منّا ظروف عجيبة تمنعه عن استعمال قدراته ومهاراته التي وهبها الله ((- عز وجل - له، فهل يقف عن السير ولا يعمل على اكتشافها وتنميّتها، أم يسعى بكلّ ما أوتي من قوّة وجهد لكي يكتشفها ويدرّبها ليبلغ الدرجات العليا التي كتبها الله تعالى له، ويدرّب نفسه على قوّة التحدّي حتّى يتغلّب على تلك الظروف الصعبة التي تعترض طريقه في هذه الحياة. (1/4)
صفحة 5
وتروي لنا الأمثال قصّة لمثل هؤلاء الناس الذين ينتظرون من الظروف المحيطة بهم أن تتبدّل كي يصلوا إلى أهدافهم، وهي لشابّ أراد الوصول إلى قرية من القرى، وفي الطريق إليها اعترضه جبل، ــ أي وجد أمامه جبلا قد سدّ الطريق ــ فعوض أن يدرس كيفيّة صعود الجبل، أو إحاطته من إحدى جهاته، أو أن يغيّر الطريق حتّى يصل إلى هدفه، جلس ينتظر وينتظر لعلّ الجبل يتحرّك من مكانه، ويفسح له الطريق للوصول إلى هدفه، وهذا في ذهن العاقل محال أن يقع، لأنّه مغاير تماما للواقع المعاش، وبعد سنوات وسنوات، بقي جالسا في نفس المكان دون القيام بأيّ مجهود، حتّى أصبح شيخا كبيرا هرما متهالكا، وضيّع عمره كلّه في الإنتظار.
وهذه هي حالة كثير من الناس في هذه الحياة، فهم ينتظرون وينتظرون كي تأتي معجزة لتفسح لهم الطريق حتّى يصلوا منه إلى أهدافهم، ويبقون على تلك الحالة، ويطيلون الإنتظار حتّى تنقضي أعمارهم، وهم لم يحقّقوا ربّما ولو حلما واحدا من أحلامهم التي كانوا يحلمون بها في أيّام شبابهم.
إنّ القدرة والمعجزة لا تحرّك الجبل، ولا تزيحه عن مكانه، بل يجب على مريد الوصول أن يتحايل برفق وبحكمة وبراعة كيف يتحرّك يمينا وشمالا حتّى يصل إلى مبتغاه.
عليه أن يكون له عقل وتفكير مثل الماء، فالماء ينساب في مجراه بكلّ رفق وتوءدة، وبكلّ هدوء، يبحث عن أيّ ثغرة يستطيع المرور منها، ويتّبع الطريق السهل المنبسط، بصفة رائعة وجميلة، دون مواجهة شديدة لما يعترض طريقه.
يقول مصطفى صادق الرافعي:
إنّه توجد في داخل نفوسنا أوّل حدود حياتنا، كما يوجد داخلها آخر حدودها كذلك.
فعندما تقول لأحدهم إنّ الله قد أكرمك بكثير من الهبات، ومتّعك بقوى خارقة كامنة تنتظر منك الاستغلال والتنميّة لا يصدّقك فيما تقول، ويظنّ أنّ ذلك ضرب من الخيال، وأنّ ذلك غير صحيح، أو يجيبك بكلّ بساطة أنّ هذه الدرجة التي هو فيها هي أقصى ما يمكنه الوصول إليه. (1/5)
صفحة 6
والفريق الآخر يجيبك بقوله أنّه عازم على العمل ولكن الظروف هي التي حالت دون ذلك، أو يقول بأنّ الظروف لم تحن بعد حتّى يقوم بمثل ذلك.
وهناك من يقول بأنّ الواجبات المعيشيّة كثيرة لا تتيح له الفرصة لكي يشتغل بقواه العقليّة بجدّيّة ويهتمّ بها وينمّيها، وأنّه ليس الوقت الكافي حتّى يهتمّ بها أحسن اهتمام.
وكم من إنسان مدّ جسورا من الآمال بينه وبين الاهتمام بما وهبه الله - عز وجل - مواهب، وبعد فترة من العمر قضاها في مثل ذلك التسويف، لم يتمكّن إلاّ أن يجني من آماله إلاّ الحسرة والأسى على ما ضيّع وفرّض من فرص الحياة التي لا ترجع إليه أبدا.
إنّ كثيرا من الناس يجعلون التسويف والتشاؤم من نصيب واجباتهم فلا يطوّر من ملكاته أو يزيد من مهاراته، وكأنّه لم يفقه قول رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - حين يقول ويقرّر:
العلم من المهد إلى اللحد.
وهناك كثير منهم من إذا وجّهت إليه النصح بأن يهتمّ بقدراته أجابك بدرس طويل وكأنّه يعرف ويتقن جميع طرق الطموح التي لا تقف عند حدّ، وكأنّه لا يعرف معنى للخمول والتكاسل، وهذا ما ترك كثير منهم في أسفل سافلين، في حين أنّ أمثالهم ممّن هم في درجتهم قد استثمروا قدراتهم واستغلّوا مهاراتهم ففازوا وتقدّموا ونجحوا حتّى أصبحوا من المتفوّقين الناجحين.
إنّه عندما نعيش في صراع الحياة، ونشعر بقيمة ذلك الصرع وأنّنا سنجني منه نتائج طيّبة من أجل النجاح، فنعل دون كلل أو ملل حتّى نصل في الأخير إلى قمّة النجاح الذي نتمنّاه.
إنّ سرّ التقدّم والتفوّق هو سكينة واطمئنان القلب الذي يؤدّي إلى الاستمتاع بالحياة إلى أقصى درجة باستغلال المواهب الكثيرة التي وهبها الله - عز وجل - لنا.
إنّ العمل من أجل تحقيق النجاح هو السعادة الداخليّة والرضا الداخلي الذي لا يشعر به إلاّ من سار في طريق الرقيّ والتقدّم بخطى ثابتة وهو يرمي للوصول إلى القمّة. (1/6)
صفحة 7
إنّه النور الذي يشعّ من داخل النفس وينبعث من القلب كي ينير لصاحبه طريقه في هذه الحياة والذي يظنّ كثير من الناس بأنّه طريق صعب في حين أنّه سهل وممهّد لمن ثابر وصابر وعمل بكلّ عزم وعزيمة، دون فشل أو استكانة.
التدريب المهمّ للحصول على ذاكرة قويّة.
إنّ التدرّب المهمّ للحصول على ذاكرة قويّة حتّى لا تخيّب ظنّنا فيها عندما نحتاجها في المواقف الهامّة التي نمرّ عليها في مختلف مراحل الحياة، والتي نصبح في أمسّ الحاجة إليها لتخرجنا من ذلك المأزق الذي نمرّ به، يحتاج دائما وفي كلّ يوم إلى تذكّر ما حدث لنا من مواقف وأحداث كما لو كنّا نتذكّر تفاصيل أحد الأفلام التي شاهدناها وتركت فينا أثرا عميقا، ونودّ حكايتها لأحد الأصدقاء بكلّ التفاصيل دون نسيان أيّ صغيرة أوكبيرة وقعت فيه.
ويمكن ممارسة ذلك كلّ يوم قبل الذهاب إلى النوم مباشرة ونحن في حالة من الإسترخاء التي تسبق النوم ولو بدقائق قليلة، وأن نحرص على القيام بممارسة هذا التدريب كلّ ليلة بتواصل دون انقطاع على مدى شهر كامل أو أكثر، وسنتحصّل على نتيحة مذهلة وأكثر ممّا كنّا نعتقده ونتمنّى الوصول إليه.
ولأمر ما مدح الله تعالى الذين يستفيقون في وسط الليل فيذكرون ربّهم تعالى ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض.
قال تعالى:
- إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض. -
سورة آل عمران ـ آية:191.
وكذلك أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: المسلمين بأن لا يبيتوا ليلة في فراشهم إلاّ ووصيّتهم تحت وسادتهم.
وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم -:
وفي هذا من الحكمة ما يجعل الإنسان يعمل عقله كي يتفكّر ويتذكّر كلّ حركة صغيرة أو كبيرة قام بها طوال نهاره، من أقوال أو أفعال جليلة أو حقيرة، حتّى يحمد ربّه إن كان خيرا، أو يستغفره إن كان غير ذلك. (1/7)
صفحة 8
وكذلك يتذكّر كلّ الأماكن التي ذهب إليها، والأشخاص الذين تكلّم معهم وفي أيّ موضوع كان حديثه معهم، وهذا حتّى يراجع نفسه جيّدا، وكلّ هذا له تأثير عظيم وكبير في إعمال الذاكرة وتنشيطها.
وكذلك سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وما قاله في حكمه المتعدّدة ومنها:
إذا مضى يوم ولم أستفذ فيه علما، ولم تكن لي فيه يد فما ذاك من عمري.
وهو حين قال هذا فلابدّ أنّه يسترجع كلّما عمله طول يومه الذي مضى، حتّى يعلم هل استفاذ فيه علما، وهل قام بعمل صالح، فهو يتدكّر كلّ صغيرة وكبيرة قام بها، ويعمل فكره وذاكرته كي يتذكّر كلّ صغيرة وكبيرة قام بها في ذلك اليوم، وفي ذلك خير كبير.
وإذا أردنا أن تكون هذه الطريقة منتجة وفعّالة فعلينا أوّلا أن نتذكّر جميع التفاصيل الصغيرة التي وقعت لنا في كامل اليوم، وأن نتذكّر ما وقع قبل ذلك وبعده، وهكذا نصل بذاكرتنا إلى الغوص في الأعماق وتتذكّر كلّ حركة وسكون منذ أن استيقظنا في الصباح الباكر إلى إيوائنا إلى الفراش في الليل.
ثانيا: علينا أن نقوم بمثل هذا العمل لحظة استيقاظنا من النوم في الصباح الباكر، وأن نتذكّر جيّدا كلّ تفاصيل الحلم الذي شاهدناه في منامنا، ونحاول تذكّر كلّما رأيناه بتفصيل، والعلماء يقولون بأنّ الأحلام تعتبر منجم لم يستثمر بعد في واقع حياة الإنسان، وربّما هو منجم مهمّ لتقويّة الذاكرة، واستعمال خلايا المخّ وتنشيطها في تلك اللحظات الأولى التي ينهض فيها الشخص ليستقبل يوما آخر جديدا من أيّام حياته، خاصّة وأنّها الوقت الذي تتسلّط فيه الأفكار السلبيّة عليه، لأنّه لا يدري ما يستقبله، فيحاول إبعادها قدر الإمكان، حتّى يستقبل يومه بنفس منشرحة وبروح إيجابيّة.
ولعلّ هناك سرّ عظيم في أنّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أرشدا المسلمين لاستقبال يومهم بقراءة القرآن وبالذكر والتسبيح وفي هذا يقول الله تعالى آمرا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوة المسلمين: (1/8)
صفحة 9
- فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى. -
سورة طه ــ آية:130.
وعن أبي أمامة الباهلي ـ - رضي الله عنه - ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: [من أوى إلى فراشه طاهرا، يذكر الله تعالى، حتّى يدركه النعاس، لم يتقلّب ساعة من الليل، سأل الله تعالى من خير الدنيا والآخرة إلاّ أعطاه إيّاه] ... رواه الترمذي.
فمن أراد أن يستقبل يومه بانشراح وراحة فما عليه إلاّ أن يشغل ذاكرته وينشّطها بالذكر فيربح عدّة حسنات، بعث الطمأنينة والتفاؤل في النفس، والأجر العظيم الذي يعطيه ربّه إيّاه جزاء ذكره، والثالثة هي تنشيط ذاكرته، وإبعاد الشيطان فيمضي يومه في جناب الله تعالى يحفظه ويرعاه.
عن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كلّ عقدة، عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلّت عقدة، فإن توضّأ انحلّت عقدة، فإن صلّى انحلّت عقدة، فأصبح نشيطا طيّب النفس وإلاّ أصبح خبيث النفس كسلان].
رواه البخاري.
علينا أن نتذكّر جميع الأفعال وربّما حتّى أغلبيّة الأقوال، الصغيرة قبل الكبيرة، وهذا هو سرّ استخدام هذه الطريقة، لأنّ الأشياء الصغيرة غالبا ما لا نقيم لها أيّة قيمة، فتغوص إلى طيّ النسيان، ولكن إذا حاولنا تذكّرها واسترجاعها، فإنّنا نجبر خلايا مخّنا على العمل أكثر، ممّا يزيد قوّة اتصال الأعصاب فيما بينها، وهذا ممّا يقوّي ويضاعف عمليّة الذاكرة.
مثلا نتذكّر هذه المراحل:
كيف استيقظت من النوم، من أيقظني، وما هي أوّل كلمة سمعتها، وعلى ماذا وقع بصري عندما فتحت عينيي، وما هي أوّل الأفكار التي فكّرت فيها في تلك اللحظات الأولى. (1/9)
صفحة 10
كيف غيّرت ملابسي وماذا لبست، وكيف سرت إلى الحمّام، وكيف خرجت، وغير ذلك ممّا وقع لي داخل غرفة الحمّام وغرفة النوم، ماذا تناولت في وجبة الإفطار ومع من، وفي أيّ مكان، وما هو الموضوع الذي كنّا نتحدّث فيه أثناء الإفطار، وماذا كان جواب الجانب الآخر الذي كنّا نتحدّث معه.
كيف ذهبت إلى عملي، بأيّ بذلة ذهبت بها، ومن أيّ طريق ذهبت، ومع من ذهبت، وما هو الموضوع الذي كنّا نتحدّث فيه، وماذا كنّا نسمع أثناء الطريق، وهل وقعت في ازدحام السير، وفي أيّ مكان وقع لي ذلك التوقّف، وفي أيّ ساعة بالضبط.
هل أعددت عند خروجي من البيت جميع مستلزمات عملي، أم أنّي قد نسيت شيئا منها، وهل رجعت إلى البيت لأخذه، أم أنّني ذهبت بدونه.
وقبل أن أخرج من البيت هل قلت شيئا لزوجتي، أو أوصيت أحد أفراد الأسرة بوصيّة ما، وكيف أخبرته، وبأيّ لهجة، وفي أيّ مكان من البيت أخبرته، أم أنّني أخبرته بالهاتف، وفي أيّ نقطة من الطريق أخبرته، وماذا كان جوابه لي.
والشيء اللازم والواجب في هذه العمليّات كلّها هو أن نعتقد أنّنا نستطيع القيام بكلّ هذا، وأنّه شيء مهمّ ونافع لذاكرتنا، لأنّنا عندما نقرأ هذه المعلومات، ربّما سنظنّ أنّها غير مهمّة وليس لها شيئا من الصحّة والتأثير على ذاكرتنا وعلى أنفسنا، ولا نستطيع القيام بكلّ هذه العمليّات، وهذه هي نقطة الضعف التي تعترينا جميعا في مراحل حياتنا، في حين أنّ العلماء المهتمّين بمثل هذه العلوم قد أقاموا حصص للتدريب، فآتت أكلها على كثير من المتدرّبين عليها.
علينا أن نعتقد في قرارة أنفسنا أنّنا نستطيع القيام بكلّ ذلك بساطة، حتّى يرسخ ذلك في عقلنا الباطن، ممّا ينتج عنه آثار مفيدة لذاكرتنا وقوانا الفكريّة التي وهبها لنا ربّنا - عز وجل -. (1/10)
صفحة 11
إنّ هذا عمل شاقّ لا يتحقّق إلاّ بالتدريب السريع والمستمّر، وعلى مرّ الأيّام، وبعد مدّة من الوقت يتدرّب عقلنا على القيام بمثل هذه العمليّات في مختلف ميادين الحياة بكلّ بساطة، ممّا يكوّن في ذواتنا مهارة التركيز، ويجعلنا نعيش حياتنا ونحن تنتبه لكلّ ما يهمّنا في عملنا، وهذا ما يجعلنا نتقن عملنا فنفوز في حياتنا العمليّة، فننال رضى أنفسنا ومن حولنا وحبّهم، وبذلك يتكوّن فينا حبّ العمل، فنسعد ويسعد بنا من حولنا من الناس.
تخلّص من المعوّقات التي تعرقل مسيرك.
إنّه بوسعنا أن نقضي بعض الوقت في دراسة كافّة المعوّقات التي تقف في سبيل تقدّمنا لتطوير ذكائنا وتنميّة مواهبنا، وذلك بالبحث والاطلاع على بعض الأبحاث التي ترشدنا إلى الكيفيّة التي نقوم بها بتطوير تلك المهارات والمواهب، والبحث عن الأساليب التي وضعها العلماء للوصول إلى تحقيق النجاح، ودراسة حياة العباقرة الذين وصلوا إلى تحقيق تلك الدرجات العليا من التفوّق والعبقريّة.
فكلّما أكثرنا من البحث والاطلاّع إلاّ وتوسّعت معارفنا، واستطعنا تحمّل المسؤوليّة بكثير من الشجاعة والإقدام، وكلّما قلّلنا من تحمّل مسؤولياتنا نحو ما نقوم به في حياتنا، إلاّ وازداد شعورنا بالتشاؤم والقلق من عدم القدرة على النجاح، وتكوين التصوّر الخاطئ نحو أنفسنا بأنّنا ضعيفي المواهب، وأنّ ذاكرتنا ضعيفة لا نستطيع تطويرها وتنميّتها، وفي النهاية نصل إلى حالة فقدان السيطرة. (1/11)
صفحة 12
إنّ من العراقيل الكبيرة التي تعوق مسيرتنا في سبيل تطوير مواهبنا وقدراتنا إلقاء اللوم على كلّ من حولنا وما يحيط بنا من الظروف وكأنّها هي المسؤولة عن توجيه حياتنا، وأنّها هي التي تكوّن لنا الأزمات التي تواجهنا، في حين أنّ كلّ ذلك تصوّرات خاطئة لا أساس لهل من الصحّة، لأنّ العالم من حولنا لا يدين لنا بسبل العيش، إنّه لا يكفل لنا شيئا، إذا نحن لم نجتهد ونعمل كي نصل إلى ما نريد الوصول إليه، فعلينا أن لا نلقي باللوم على أحد، ولا نحمّل الظروف المسؤوليّة، وإنّما علينا أن نحمّل ذلك لأنفسنا وحدنا لأنّنا نحن الذين تقاعسنا عن استغلال مواهبنا، ولم نعمل على تطويرها وتنميّتها.
إنّنا نحتاج إلى التعرّف على القوّة الهائلة التي تكمن بداخلنا، والتي لا يمكننا أن نطوّرها ما دمنا نشعر أنّنا غير موهوبين، وأنّنا ضحايا الظروف من حولنا.
لنفرض أنّ سفينة راسيّة في المرسى تستعدّ الإبحار، ولكن ربّانها لم يرفع المرساة التي تعيقها عن السير وتعرقل حركتها، ففي هذه الحالة لا يستطيع التحرّك أو التقدّم ولو خطوة إلى الأمام.
إنّ كلّ واحد منّا هو ربّان سفينته التي هي نفسه، ومن الصعب ــ إن لم يكن من المستحيل ــ أن يحقّق شيئا أو يتحصّل على تطوّر ما لم يقطع المرساة التي تعوق حركة سفينته ويزيد لها في طاقتها بين الحين والآخر، وفي كلّ يكتشف قوّتها أكثر وأكثر.
إنّ هذه المراسي يطلق عليها العلماء اسم المعوّقات.
إنّ كثيرا من الناس اعتادوا على إلقاء اللوم على تلك المعوّقات التي يعبّرون عنها بالظروف التي تحيط بهم، وأنّ غيرهم يحسدونهم ويعرقلونهم عن التقدّم، وكلّ ذلك يستعملونه على سبيل الهروب من تحمّل المسؤوليات التي يجب عليهم تحمّلها والسير قدما إلى الأمام بكلّ شجاعة وثبات.
وقد حدّد العلماء المختصّون في هذا المجال ثلاثة أنواع أساسيّة من المعوّقات يتوكّأ عليها أغلبيّة الناس في هذه الحياة وهي: (1/12)
صفحة 13
ــ إلقاء اللوم على مختلف الجهات والظروف.
ــ الأفكار والتصوّرات الخاطئة والمحبطة التي تكوّنت لدى الشخص على مدار سنوات عمره.
ــ وسائل الإلهاء التي يقضي فيها أغلبيّة الناس أوقاتهم دون فائدة، أو الوصول إلى فائدة تذكر.
وهناك نوعان من إلقاء اللوم سواء على النفس، أو على الآخرين، فيمكن أن يعاقب الإنسان نفسه على ما خلقه الله - عز وجل - عليه من عيب، أو عيوب.
وخلاصة القول أنّ الأشخاص الذين يتمتّعون بالتفاؤل في حياتهم يقطعون مسافات طويلة في حياتهم نحو التفوّق، ولا يأبهون للعراقيل المتعدّدة التي تعترض طريق حياتهم.
العائق الثاني: الأفكار السلبيّة.
وقد ذكر بعض العلماء البعض منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.
ــ الغربة في النجاح مع عدم العمل والمثابرة في سيل تحقيق ذلك.
ــ الشعور بالذنب.
ــ القلق المستمرّ على عدم الوصول إلى كلّ الأماني والرغبات.
ــ الكسل وعدم عقد العزم بكلّ حزم وجدّية.
ــ ضعف الثقة بالنفس التي تجعل الشخص لا يتشجّع على الإقدام.
ــ الانكسار والانغلاق على النفس.
إنّ المشكلة الحقيقيّة التي يعاني منها كثير من الناس هو الإعتياد على استعمال تلك الأعدار في كلّ مرّة يميل فيها إلى الراحة والكسل.
قال الملك سليمان: إنّه حسبما يكون فكر المرء في قلبه، يكون في واقع حياته.
وقال ونستون تشرشل:
عندما أعيد النظر في مشاكلي، أتذكّر قصّة ذلك الكهل الذي كان يقول لمن حوله وهو على فراش الموت، إنّه كان يتمثّل له كثير من المتاعب في حياته، ولم يحدث معظمها.
وقال ماركوس:
تعتمد سعادة حياتك على نوعيّة أفكارك.
إنّه من المستحيل أن تترعرع زهرة نديّة إذا سيطرت عليها الأعشاب الضارّة، وذلك تماما مثل أن تترك الإلهاء ينمو على حساب قدراتك ومهاراتك ويحطّمها، حيث لا يتيح لبذور التفاؤل من أن تنمو وتبكر. (1/13)
صفحة 14
فقبل أن نغرس منهجا للتفاؤل في حياتنا والذي نستطيع به أن ننمّي ذاكرتنا ونطوّرها إلى أقصى درجة ممكنة فعلينا أن نتخلّص من تلك الأفكار السلبيّة بمعلومات مفيدة ومهارات متطوّرة قويّة.
وقد شبّه العلماء تلك الأفكار السلبيّة بأتربة أو أوساخ تسدّ فيلتر العقل، وذلك تماما مثلما تسدّ الأتربة \أو الأوساخ فلتر جهاز التكييف أو السيّارة، فيجب علينا أن ننظّفه أو نستبدله بفلتر آخر، وكذلك العقل، يوجد به ما يشبه الفلتر، فتقوم الأفكار السلبيّة بسدّه، فيتعيّن عليينا أن ننظّفه وذلك بطرد تلك الأفكار العقيمة التي تعرقل تنميّة عقلنا وتطوير ذاكرتنا.
كيف تعمل الخلايا العصبيّة.
إنّ العلماء المختصّين في الأعصاب قاموا بقياس التغيّرات التي تحدث في مراكز الاشتباك العصبي لخلايا المخّ، (التشّجرات العصبونات) والتي هي عبارة عن تغيّرات بين الخلايا العصبيّة المخيّة هذه التغيرات التي يتمّ فيها تبادل المعلومات واتّخاذ القرارات بتوجيه الخليّة العصبيّة إلى العمل في مواجهة موقف ما، أو عدم القيام بأيّ فعل تجاه ذلك الموقف، فاكتشفوا أنّ التعلّم لا يؤدّي إلى زيادة أو نقص عدد نقاط الاشتباك هذه وحسب، بل يِؤدّي إلى تغيير وتعديل قوّة تلك الاتّصالات أيضا.
وصول المعلومات إلى الذاكرة بطريقة جيّدة.
إنّ الكيفيّة التي يتمّ بها تغذيّة الدماغ بالمعلومات هي عن طريق الحواس والتي بدونها لا يمكن أن تصل تلك المعلومات إلى الدماغ.
فلكي تحدث التغيّرات المفيدة في خلايا المخّ يجب أن تكون الحواس مرهفة صحيحة وحادّة، تؤدّي دورها أحسن الأداء، ويجب أن يكون المرء في حالة يقظة تامة وانتباه جيّد، وأن تكون حالته العاطفيّة ودوافعه والجوّ المحيط به يساعد على التعلّم والحفظ. (1/14)
صفحة 15
ويستخدم الآن الأخصائيون في علم الأعصاب الحيوي ميكروسكوبات ذات قوّة تكبير جبّارة، وإلكترونات دقيقة وحسّاسة جدّا ليتمكّنوا من رؤية وسماع تلك التغيّرات في الخليّة الواحدة أثناء عمليّة التعلّم، لقد استطاع هؤلاء العلماء أن يشاهدوا كيف تتكوّن خطوط اتّصال جديدة بين الخلايا العصبيّة في دماغ الهرّة، عندما تتعلّم تلك الهرّة شيئا جديدا أو عندما يستثار دماغها كهربائيّا، وذلك عن طريق توسيع شبكة التفرعات العنكبوتيّة الشكل التي هي عبارة عن مجسّات استشعاريّة تنبثق من جذع العصب، وقد لوحظ نموّ عصبيّ مماثل لدى الفئران وغيرها في الحالات المماثلة، ممّا يعنى أنّ الخلايا العصبيّة تتعرّض لتغيّرات في الشكل والوظيفة عندما تشارك هذه الخلايا في حركة الاتّصالات الخلويّة الداخليّة النشطة وذلك عند تلقّي معلومات جديدة.
كيف تحافظ على ذاكرتك المبدعة.
إذا أردت يا صديقي أن تحافظ على ذاكرتك المبدعة القويّة، حتّى يصبح التفكير الجيّد والحسن عادة ثابتة في عقلك، فما عليك إلاّ أن تكيّف نفسك مع التغيير الجديد الذي تريد أن تتّبعه نفسك، كي يظلّ ثابتا ويستمرّ معك إلى ما شاء الله تعالى من سنوات عمرك على هذه الأرض، فتأكّد جيّدا من أنّ أسهل تكيّف مع الشيء الذي ابتدعته لنفسك هو أن تعيده وتكرّره مرّة بعد أخرى، إلى أن يتمّ خلق سبيل عصبي له في خلايا وأعصاب مخّك وبذلك يصبح ثابتا ودائما، فإذا وجدت سلوكا وطريقا يمنحك القوّة على الإستمرار فاحتفظ به، واعتبره هو السبيل الكفيل لكي تصل إلى ما تريده من ذاكرتك، لأنّه عند ذلك سيبدأ عقلك بربط هذا السبيل إلى العقل الباطن لإحداث نتيجة ثابتة، وإن لم تفعل فمن الممكن جدّا أن تبقى على نمطك السابق من الضعف، والخوف من التبدّل والتغيّر. (1/15)
صفحة 16
وإذا قرّرت البحث عن البدائل السلوكيّة الجديدة التي تتلاءم مع شخصيتك الجديدة المتطوّرة، فإنّك ستجد تلك البدائل كأنّها كانت في انتظارك لكي تكتشفها، وتجدها مستعدّة لتلبيّة طلباتك ورغباتك، فتمنحك القوّة مرّة بعد مرّة، وبعاطفة هائلة ستتمكّن من حفر طريق النجاح في تفكيرك المبدع، ومع التكرار والمداومة سيتوسّع هذا الطريق الذي يمكّنك من تحقيق ما ترجوه من وراء تطوير شخصيتك والارتقاء بها إلى أعلى سلّم النجاح والتفوّق.
وبتكرار السلوكيات الجديدة التي تنمّي بها ذاكرتك وتقوّيها، ستصبح جزءا لا يتجزّأ من عاداتك السلوكيّة، وتأكّد من أنّ العقل لا يفرّق على الإطلاق بين شيء يتخيّله تخيّلا واضحا وبين شيء يمارسه ممارسة فعليّة.
وعليك يا صديقي أن تضع جدولا زمنيّا لتعزيز سلوكك الجديد، الذي ترمي من وراءه أن تطوّر ذاكرتك، وأن تعمل على مكافأة نفسك على نجاحك في تطويرها والإرتقاء بها في سبيل التفوّق، وذلك تماما كما تكافئ ولدا صغيرا قام بعمل صعب بكلّ شجاعة وإتقان.
فإذا ما قمت مثلا بتذكّر مواضيع مهمّة كنت لا تستطيع تذكّرها من قبل، وفرحت بذلك فرحا شديدا، فلا بدّ أن تكافئ نفسك بنزهة في الطبيعة للترفيه عن نفسك، وهذا ممّا يشجّعها على المضيّ قدما في سبيل الإستزادة من التطورات الجديدة الواحدة تلو الأخرى.
عليك أن تشعر نفسك بأنّها فعلا قد وصلت إلى درجة تحسد عليها من طرف الآخرين، وترسّخ فيها جيّدا بأنّها قد نجحت فعلا في تطوير نفسها والإرتقاء إلى أعلى درجة يتمنّى بلوغها كلّ عاقل في هذا الوجود.
بهذه الطريقة يتعلّم جهازك العصبي أن يقرن المتعة القصوى بالتغيير الذي تمّ في شخصيّتك، ولا شكّ أنّ إحساس النفس بهذا التشجيع وهذه المكافآت، سيحفّز فيها طاقاتها المتعدّدة والمختلفة، وستحقّق نجاحات الواحد تلو الآخر، وهكذا فبمزيد من النجاحات التي ستحقّقها ستزداد المكافآت التي تتحصّل عليها النفس. (1/16)
صفحة 17
وبهذا ستصنع لنفسك تفكيرا محفّزا مبدعا، تستطيع النفس بواسطته أن تغيّر من سلوكاتها السيّئة الفاشلة المحبطة بأخرى إيجابيّة حسنة، كما أنّها تستطيع بذلك أن تحطّم القيم والمبادئ المحبطة التي كانت تشعر من قبل بأنّها لا تستطيع تبديلها، وتغيّرها بأخرى عاليّة وقيّمة يحقّق لها مستقبلا راقيّا، بحيث يصل بها إلى أعلى مستوى إنساني راق يمكن لأيّ إنسان عامل مجتهد أن يصل إليه.
وإذا بلغت النفس هذه الدرجة، فليستبشر صاحبها بالنجاح في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى، لأنّه سيقول وداعا للتفكير التقليدي الذي كان يعتمد عليه من قبل، والذي لا يصلح لهذا القرن الحادي العشرين المختلف في كلّ شيء عن القرن السابق, إنّه عصر الإبداع، عصر استعمال الذاكرة اعتمادا على التنظيم الصادر عن برمجة عقليّة موجّهة.
عصر يستطيع أن ينجح فيه كلّ من يدرّب ذاكرته بصفة حسنة، ويستعمل خرائط العقل التي تسهّل له العمل والإنجاز إلى أقصى درجة ممكنة، ويكتشف جودة اهتماماته العقليّة، سواء الشخصيّة أو المهنيّة، ويحتفظ على مرونة وانفتاح واستعدادات توجّهاته العقليّة، هذه التوجّهات التي تفجّر ما في أعماق النفس من مواهب وإمكانيات، وتصل بذلك إلى تحقيق إنجازات متميّزة.
وكلّ هذه التوجّهات تجعل الشخص يصلح وينمّي قواه العقليّة، ويقيها من التدهور، ويطوّر شخصيته ويرتقي بها، كي يحفاظ بجودة مستوى الذكاء الوظيفي للعقل، ويحافظ بجودة الطلاقة اللفظيّة والتعبيريّة، وهذا ما يبعث في نفسه القوّة والإرادة للتغيير دائما إلى الأحسن وإلى الأفضل.
النفس والذاكرة.
إنّ النفس في حقيقتها مرتبطة بالجسد كلّه، فلا يمكننا، لو أردنا الكلام بالشكل المطلوب، أن نقول أنّ النفس موجودة في أحد أجزاء الجسم دون سواه. (1/17)
صفحة 18
إنّ النفس والجسد وحدة كاملة متكاملة، فالتفكير يتأثّر تؤثّرا كبيرا بحالة الجسد والنفس معا، كما أنّ النفس تتأثّر تأثّرا إيجابيّا أو سلبيّا بالتفكير، فهما عبارة عن تكوين واحد لا يقبل الانقسام بحكم خواص أعضاءه التي يرتبط أحدها بالآخر، بحيث لو استؤصل أحدها يصير الجسد كلّه ناقصا.
ومن خواص النفس أنّها لا علاقة لها بالامتداد، ولا بأبعاد وخواص المادّة التي تؤلف الجسد، وإنّما تتعلق بمجموعة الأعضاء كلّها، كما يظهر من عدم قدرتنا على افتراص وجود نفس ناقصة، أو أن تكون في بعض الحالات التي تعترضها بين الحين والآخر أصغر ممّا هي عليه، مثل حالة بتر جزء من أجزاء الجسد.
وهنالك غدّة صغيرة في الدماغ تؤدّي النفس فيها وظيفتها بشكل أكثر تحديدا ممّا تؤدّيها في أمكنة أخري من الدماغ، ويجب ألاّ يغيب عن بالنا أنّه على الرغم من أنّ النفس مرتبطة بالجسد كلّه، إلاّ أنّ هناك جزءا من الجسد تؤدّى فيه النفس وظيفتها بشكل أكثر تحديدا ممّا تؤدّيه في أجزاء أخري.
ومن المعتقدات المألوفة أنّ هذا الجزء هو الدماغ، أو ربّما هو القلب، الدماغ بحكم علاقته بالحواس، والقلب بحكم أنّ عواطفنا تنبعث منه، إلاّ أنّ هناك أدلّة اكتشف بها العلماء أنّ الجزء الذي تؤدّي فيه النفس وظيفتها فورا ليس القلب مطلقا ولا الدماغ، وإنّما هو أقصى باطن الدماغ، حيث توجد غدّة صغيرة جدّا تقع في منتصف الطريق، وهي معلّقة فوق الممرّ الذي تتّصل خلاله المادّة الروحيّة في الفجوات الأمامية مع مثيلاتها في الفجوات الخلفية، بحيث أنّ أقلّ حركاتها يمكن أن تضعها في اتجاه تلك المادة، أوبعكسه.
فأقلّ تغيير في اتّجاه هذه الأرواح يمكن أن تؤثّر في حركات المادّة، التي تؤثّر بدورها تأثيرا إيجابيّا أو سلبيّا في القوى العقليّة والفكريّة. (1/18)
صفحة 19
ولذلك اهتمّ العلماء بدراسة الذكاء والعمليات العقليّة وعلاقتها بالنفس، وحاولوا معرفة ارتباط النفس بالعمليات التفكيرية، وتساءلوا عن محلّ العقل لدى الإنسان، وأين يقع حفظ المعلومات التي يتعلّمها الشخص؟ هل هو في المخّ أم في القلب؟ وما هو نصيب كلّ من الجهازين في عمليّة التفكير والذكاء؟
إنّ الأطبّاء القدماء قس الحضارة المصريّة يعتقدون أنّ القلب والأمعاء هي مركز للعقل.
أمّا أفلاطون وسقراط فكانا يعتقدان أنّ الجسم له حدود مكانيّة، أمّا العقل فليست له هذه الحدود، بل هي أقرب إلى الروح منها إلى أيّ جزء آخر من الجسم.
وقالا: إنّ الروح كانت تعرف الحقائق والمثل العليا عندما كانت تعيش في عالمها المثالي، أمّا عند ولادة الإنسان فالأفكار تصبح غامضة وغير واضحة نتيجة اتصال الروح بالجسد، ونتيجة انتقالها من عالم المثل إلى عالم الواقع، فهي تحاول بذلك أن تتذكّر ما فات، وأن تسترجع ما كان لديها من حقائق ومثل في العالم السماوي، وهي تستعين بالعقل لتتذكّر تلك المعلومات، إذ أنّه هو الوسيلة الصحيحة السليمة للوصول إلى تلك الأفكار.
لقد وضع أفلاطون إجابة لهذه الأسئلة على لسان سقراط فقال:
إنّ العقل يحصل على هذه المعرفة من حياة سابقة له في وجود تام كامل.
ولمّا كان العالم المثالي أسمى من عالمنا الواقعي كان العقل بالتالي أسمى من الجسم، إذ أنّ الجسم هو الذي يعطّل عمل العقل، ويقف حائلا بينه وبين الاتّصال بالعالم الآخر، فإذا حاول العقل أن يتّصل بالعالم الآخر كان عليه أن يقهر الجسم، وأن يحدّ من شهواته.
ومن هذه الأفكار المختصرة نستنبط أنّ محلّ العقل في نظر سقراط وأفلاطون هو موجود في عالم المثل، وأنّ عالم المثل هذا غير مجدد ولا مضبوط، ويكتنفه الغموض.
بينما وجهة نظر أرسطو تقول:
إنّ العقل يوجد في القلب، لأنّ الدجاج الذي قطعت رأسه استمرّ في الجري بهياج شديد، ولكن عندما أزيل القلب توقّفت كلّ الوظائف قي الحال. (1/19)
صفحة 20
أمّا ديكارت فإنّه يرى أنّ هناك آلية جسمانيّة لا نفس فيها ولا حياة تتجدّد في الإنسان بنفس مريدة وعاقلة, والجسم والنفس المتغايران يتفاعلان عن طريق عضو خاصّ هو ما يسمّى بالغدّة الصنوبريّة.
وهو يعيّن للنفس مكانا ممتازا هو الغدّة الصنوبريّة، حيث تقوم النفس بوظائفها بنوع أخصّ منها في سائر الأجزاء الأخرى، وتنشر قوّتها في الجسم كلّه.
وهناك من يقول بأنّ الغدّة الصنوبريّة هي مركز العقل البشري (أو النفس والعقل).
وهناك تصوّران لوظيفة الغدّة الصنوبريّة:
1ــ تصوّر قديم، حيث كان القدماء يسمّونها ببوّابة الدماغ، ويعتقدون أنّ وظيفتها ضبط مرور الأرواح الحيوانيّة الصاعدة من القلب والذاهبة إلى المخّ، أو هي مهبط ومسكن الروح الإنسانيّة.
2ــ تصوّر حديث، وهو أنّ العلماء يعتقدون أنّ وظيفتها الرئيسيّة هو تجهيز معلومات عن النور والكلام، وأنّها تفرض نظاما للساعات الأربع والعشرين، بالنسبة للعديد من العمليّات الجسمانيّة.
وعلى العموم فإنّ بعض العمليّات العقليّة تقع في الغدّة الصنوبريّة في اعتقاد بعض الفلاسفة والباحثين، ومن هنا فإنّ وجود العقل، أو على الأقلّ بعض عمليّاته توجد في الغدّة الصنوبريّة.
أمّا في القرآن فإنّ هناك تدلّ على أنّ العقل محلّه في القلب مباشرة، ولم يرد في الآيات التي ذكر فيها العقل إشارات على أنّ محلّه الدماغ.
إنّ التفكير والتدبّر والتمييز بين الحقّ والباطل، والمعرفة والإيمان، والتصديق أو التكذيب، كلّ ذلك إنّما يصدر من القلب، وإنّ القلب هو مصدر ومنبع ومورد المعرفة.
هناك ارتباط وثيق بين النفس والعقل، وربّما يكون هذا الرباط هو رباط فيزيولوجي بينهما، فكلّ واحد منهما يتأثّر تأثير وثيقا وشديدا بالآخر، فلا يستطيع أن يعمل أحدهما إلاّ بتعاونه مع صاحبه، والله - عز وجل - وحده سرّ هذا الارتباط وهذا التعاون، خاصّو وأنّ النفس هي شيء معنوي لم يدرك العلماء بعد حقيقتها رغم الأبحاث المتعدّدة والكثيرة. (1/20)
صفحة 21
ويقول أحد العلماء:
إنّ العقل غريزة لا نستطيع أن نعرفه إلاّ بفعاله في القلب والجوارح، ولا يقدر أحد أن يصفه في نفسه، ولا في غيره بغير أفعاله، ولا يقدر أن يصفه بحدوده ولا بطول أو عرض، ولا يعرف إلاّ بأفعاله.
وقال قوم من المتكلّمين:
هو الروح، أي خالص الروح.
أمّا قول الأغلبيّة منهم هي أنّ موقعه في القلب، خاصّة وأنّ القرآن يربط السمع بالقلب وليس بالدماغ، ونحن نعلم أنّ السمع هو من أكثر وأقوى الحوّاس التي يتلقّى عن طريقها الإنسان أغلبيّة معلوماته.
وعلى العموم فإنّ الاختلاف قائم في فيزيولوجيّة الوظائف النفسيّة حيث إنّ بعضهم يجعلونها في الدماغ، والبعض الآخر يجعلونها في القلب أو الدم، وهذا على الرغم من أنّ ارتباط أحدهما بالآخر وثيق.
أمّا كثير من العلماء فيقرّرون بأنّ العقل منتشر في جميع أعضاء الجسم، وخاصّة في القلب، والعامل المشترك بين تلك الأعضاء جميعا والنفس والعقل هو الدم، تلك المادّة التي تنتشر في جميع نواحي الجسم بواسطة الشرايين والأوعيّة الشعيريّة، فإذا قلنا الدم فإنّنا نقصد بذلك جملة، روح الإنسان، وروح الإنسان هي النفس، والنفس من التنفّس بالهواء الحامل للأكسجين، وبالأكسجين يحيا الدم، وحمله كذلك إلى جميع أطراف الجسم هو الدم، وبه تحيا جميع الأعضاء، ومنها العقل والقلب، ومن هنا نستنتج بأنّ الذاكرة وعمليّة التفكير لدى الكيان البشري لا يختصّ بجزء معيّن في ذاته كالمخّ مثلا، بل هو مجموعة من العمليّات المتكاملة التي تقوم بها عدّة نواحي متكوّنة من النفس بجميع مكوّناتها والجسد بجميع أجزائه كذلك.
الخلايا العصبيّة ووظيفة العصبونة.
إنّ تركيب العصبونة ووظيفتها، وقابليّتها الشديدة على الاستثارة والتغيّر في ارتباطاتها الكثيرة معجزة كبيرة احتار العلماء في فهمها وتحديدها. (1/21)
صفحة 22
إنّ الخلايا العصبيّة ترتبط ببعضها البعض بأطراف دقيقة تعدّ بالآلاف، وكلّما ازدادت تلك الارتباطات على سطح خليّة من الخلايا ازدادت الطاقة اللازمة لحفظ الجهاز من التدهور والضعف.
إنّ تبادل الطاقة في جهاز العصبونات كبير جدّا، ولهذا الغرض كان من الضروري حصولها على كميّات وافرة من الدم المشبّع بالأكسجين والغذاء، لتؤدّي وظيفتها على أحسن وجه، وفي كامل قواها.
وليس للعصبونات كيان ثابت، فهي في جريان مستديم من التحوّل والتجديد، وعدم الاستقرار يجعلها متقلّبة من حيث اتجاهاتها التكيّفية والتراجعية، وحجمها المتغيّر يتنامي ويتضاءل طوال الحياة، والعصبونات المحرومة طويلا من المؤثرات التحفيزية التي تنشّطها تتلاشي، وعكس ذلك تماما، فالنواة العصبونيّة في الخليّة، والخليّة نفسها يتوسّعان عند استجابتهما إلى المؤثّرات المفرطة، وهذه المؤثّرات التحفيزيّة تتمثّل في الغذاء الذهني الجيّد والوفير الذي يغذّي به الشخص خلاياه المخيّة على الدوام.
وليس العنصر الذي يعاد تنظيمه باستمرار هو الفجوات وسطوح الخلايا، وإنّما هو جهاز الخليّة العصبيّة بأكمله.
وباختصار فإنّ قوام العصبونة ومادّتها يتغيّران تغيّرا مهمّا حسب تجربتها الماضيّة، وهذا التغيّر قد يحدث على الرغم من انقلاب العناصر المكوّنة للجزئيات.
إنّ الموجات والتردّدات المنعكسة من داخل الدماغ والتي يأمر بها، {وهي تسمّى علميّا باسم موجات العقل} تقوم على قابليّة العصبونات على الاستثارة، وهناك منعكسات بسيطة تشمل خليّتين فقط، وكذلك هناك أخرى تشمل على نظام ثلاث خلايا على الأقلّ، الأولى تنقل المؤثرات من أطراف الجسم، وتترابط خليّة أو خليّتان ضمن مادّة الجهاز العصبي الأعصاب التي تربط بين الخلايا، وأخرى تنقل المؤثّرات إلى خلية حركيّة أو مغديّة، ويحدث كلّ هذا خلال جزء من الثانية. (1/22)
صفحة 23
إنّ عدد الخلايا العصبيّة وترتيبها ذو أهميّة مركزيّة، فعندما ينتظم عدد غفير من العصبونات بشكل متراص في علاقة معقدة للغاية فيما بينها، كما هو الحال في القشرة الدماغيّة، فإنّها تكتسب خلال تداخلها خواص تختلف تمام الاختلاف عن العصبونات المنفردة أو العصبونات المنتظمة في مجموعات صغيرة.
علاقة الدماغ بالجسد.
إنّ الحاجات الأساسية تنشأ في أجزاء كثيرة من الجسد، ويعمل الدماغ بتنظيمه الرائع لإرضائها، ولكنّ الدماغ لكونه هو ذاته عضو ضمن الكائن الحيّ كلّه له حاجته الخاصّة، حاجته إلى أن يعمل في محيط يسمح بالتفاعل اللائق مع البيئة، فإذا لم يتحقّق هذا عجز الدماغ عن العمل، ولذلك فعلى صاحبه أن يوفّر له الحالة النفسيّة الجيّدة الهادئة لكي يعمل بطريقة حسنة يؤدّي فيها أقصى ما يملك من قوّة.
يوجد في جسم كلّ واحد منّا مواد عجيبة ومهمّة توفّر التوازن العام في داخل الجسم، أو العكس تسبّب له نوعا من الاختلال وعدم التوافق وتلك المواد هي ما سمّاه العلماء بالهرمونات التي تفرزها مختلف الغدد التي خلقها الله - عز وجل - داخل أجسامنا، وربّما نستطيع أن نشبّهها بمواد التشحيم التي توضع في مختلف أجهزتها كي تؤدّي عملها بصفة حسنة، فكذلك الغدد لها فعاليتها على مختلف أجهزة الجسم، فتحفظ لها توازنها، وتجعلها تؤدّي عملها على أحسن وجه ممكن.
فالغدّة الدرقيّة مثلا هي التي تؤثّر في نشاط الأعصاب, وأيّ نقص فيها يؤدّي إلى عدم التوازن فيها، ممّا يجعلها لا تؤدّي دورها بصفة جيّدة.
وقد قال بعض العلماء أنّ أيّ نقص في إفراز الغدّة الدرقيّة يؤدّي إلى تعطيل الجسم والذكاء، وأنّ ضعف نشاطها يجعل الفرد خاملا بليدا، ويصاب بالبطء في تفكيره وتذكّره وحركاته، وزيادة إفرازها يؤدّي إلى بروز العينين، ويصبح الفرد قلقا متوتّرا. (1/23)
صفحة 24
وهناك غدّة صغيرة في دماغ الإنسان سمّاها العلماء ملكة الغدد، إنّها الغدّة النخاميّة، وزنها لا يزيد عن نصف غرام، ومع ذلك فهي تفرز تسع هرمونات أساسيّة في حياة الإنسان، خاصّة من الناحيّة العصبيّة والنفسيّة التي تعتبر من أساسيات التكوين الجسمي والروحي للإنسان، ولو اختلّت هذه الغدّة، أو اختلّ إفراز هرموناتها لكانت حياة الإنسان جحيما لا يطاق.
هذه الغدّة مركزها في الدماغ، وهي تقوم بوظائف خطيرة جدّا، وهي مربوطة بمئة وخمسين ألف عصب.
إنّها من العجائب والغرائب والمعجزات المتعدّدة الموجودة في جسم الإنسان والتي ترافقه طوال حياته.
قال - عز وجل -
- وفي أنفسكم أفلا تبصرون. - ... سورة الذاريات ــ آية:21.
وأهمّ شيء أو مادّة تساهم في الحفاظ على توازن هذه الهرمونات، وتجعل الغدد تفرزها بانتظام وبصفة متوازنة هو رضاعة المولود لحليب أمّه الطبيعي، لأنّ تلك الرضاعة الطبيعيّة تحميه من نمو الميكروبات التي تسبّب له كثير من الأمراض، تلك الأمراض التي لها تأثيرا سلبيّا على الغدد في جسمه، ولأنّ ذلك الحليب يحتوي على تركيزات عاليّة من بروتينات خاصّة مضادّة لنموّ الميكروبات التي تسبّب الأمراض.
كما وجد العلماء أنّ اللبن الذي يعطى للطفل له دخل كبير قي تكوين جسم الطفل وعقله وسلوكه، لأنّ الطفل يتأثّر باللبن الذي يتعاطاه في بداية حياته حين يكون في طور التكوين والبناء جسميّا وعقليّا.
وتشير الدراسات إلى أنّ لبن الأمّ ينمّي ذكاء الطفل، فالأطفال الذين اعتمدوا في طفولتهم على الرضاعة الطبيعيّة يكونون أكثر ذكاء بشكل ملحوظ من غيرهم، لأنّ لبن الأمّ يحتوي على مستويات عاليّة ومرتفعة من الأغذيّة الأساسيّة والمهمّة ــ مثل سكّر اللاكتوز بنسبة 7 في المئة التي تساهم مساهمة فعّالة في نموّ مخّ الرضيع، الذي إذا تغدّى به بصفة مستمرّة إلى وقت الفطام فإنّه يقوّي مخّه، وبذلك تتكوّن لديه ذاكرة قويّة في مراحل حياته المستقبليّة. (1/24)
صفحة 25
وقد توصّلت الدراسات في هذا المجال إلى إثبات أنّ الأطفال الذين تناولوا لبن أمّهم كانوا أكثر ذكاء وفطنة من أترابهم الذين حرموا من تلك الرضاعة الطبيعيّة.
كما أنّ امتصاص الثدي من طرف الطفل الرضيع يكوّن الارتباط النفسي والعاطفي الفطري الذي يحدث بين الأمّ وطفلها أثناء الرضاعة، وهو من أهمّ العوامل التي تنظّم تلك الإفرازات الهرمونيّة، والتي تحفظ الاستقرار النفسي للطفل.
ولابدّ أن نشير إلى بعض العوارض التي تسبّب خللا في تلك الإفرازات الهرمونيّة، حتّى يتحنّبها كلّ من يريد أن يحافظ على ذاكرة قويّة، ويقوّي في نفسه ملكة التركيز والانتباه، واللذان هما من الأسس اللازمة للحفظ والتذكّر.
ومن بين هذه المؤثّرات: الغضب.
الغضب.
من المؤثرات التي تؤثر في العقل تأثيرا سيئا: الغضب.
لذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوصي أصحابه دائما بعدم الغضب:
عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب.
قال الرجل: ففكرت حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرّ كلّه.
وقال تعالى في شأن عباده الصالحين الذين يدخلون الجنّة:
- والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين. -
سورة آل عمران ــ آية:134.
قال الجرجاني:
الغضب: تغيّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفّي في الصدر.
وقال التهانوي:
الغضب هو حركة للنفس مبدؤها الانتقام وقيل: هو كيفيّة نفسانيّة تقتضي حركة الروح إلى خارج البدن طلبا للانتقام.
ومن الغضب يتولّد الحقد والحسد، ويعتبر هذا نقص في العقل والدين.
وقال العلماء:
قد يؤثّر الغضب على البدن، حتّى يعمي البصر، ويصمّ الآذان، ويخرس اللسان، ويعجز الإنسان بل قد يموت الإنسان وتزهق نفسه بالكليّة، فإذا كان هذا هو تأثير الغضب في الأعضاء، فكيف يكون تأثيره في العقل ياترى وهو مسيّرها وقائدها.
قال بعض العلماء لابنه: (1/25)
صفحة 26
يا بنيّ لا يثبت العقل عند الغضب كما لا تثبت روح الحيّ في التنانير المسجورة، فأقلّ الناس غضبا أكثرهم عقلا، وأكثرهم غضبا أقلّهم عقلا.
وقد قيل:
الغضب عدوّ العقل، والغضب غول العقل.
قال عروة بن الزبيرـ رضي الله عنهما ــ مكتوب في الحكم:
يا داوود إيّاك وشدّة الغضب، فإنّ شدّة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم.
لقد ركّب الله تعالى العديد من الغرائز والأحاسيس في الإنسان، فهو يتأثّر بما يجري حوله، ويتفاعل بما يشاهده ويسمعه من الآخرين، فيضحك ويبكي، ويفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، إلى آخر ما هنالك من الانفعالات الكثيرة التي تصيبه.
ومن الأمور النفسيّة التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاسترسال فيها الغضب، فقد يخرج الإنسان بسببه عن طوره، وربّما جره إلى أمور لا تحمد عقباها.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ــ - رضي الله عنه - ــ أنّ رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصني قال: "لا تغضب"، فردّد مرارا قال: "لا تغضب".
رواه البخاري.
ولم يكتف - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن هذه الآفة، وبيان آثارها، بل بين الوسائل والعلاجات التي يستعين بها الإنسان على التخفيف من حدّتها، وتجنّب غوائلها، ومن هذه الوسائل السكوت وعدم الاسترسال في الكلام.
ومن الأدويّة الهامّة التي أرشد إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلاج الغضب والتخفيف من حدّته، وجاء الطب الحديث بتصديقها، أن يغيّر الإنسان الوضع الذي كان عليه حال الغضب من القيام إلى القعود إلى الاضطجاع.
عن أبي ذرّ ــ - رضي الله عنه - ــ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلاّ فليضطجع". (1/26)
صفحة 27
وقد كشف الطبّ الحديث أنّ هناك العديد من التغيّرات التي يحدثها الغضب في جسم الإنسان، فالغذّة الكظريّة التي تقع فوق الكليتين، تفرز نوعين من الهرمونات هما هرمون "الأدرينالين"، وهرمون "النور أدرينالين" فهرمون الأدرينالين يكون إفرازه استجابة لأيّ نوع من أنواع الانفعال أو الضغط النفسي، كالخوف والغضب، وقد يفرز أيضا لنقص السكر، وعادة ما يفرز الهرمونان معا.
وإفراز هذا الهرمون يؤثّر على ضربات القلب، فتضطرب، وتتسارع، وتتقلّص معه عضلة القلب، ويزداد استهلاكه للأكسجين، والغضب والانفعال يؤدّي إلى رفع مستوى هذين الهرمونين في الدم، وبالتالي زيادة ضربات القلب وقد يؤدّي إلى ارتفاع ضغط الدم.
ولذلك ينصح الأطباء مرضاهم المصابين بارتفاع ضغط الدم أو ضيق الشرايين أن يتجنّبوا الانفعالات والغضب وأن يبتعدوا عن مسبباته، وكذلك مرضى السكر لأنّ الأدرينالين يزيد من سكّر الدم.
وقد ثبت علميّا ــ كما جاء في كتاب هاريسون الطبّي ــ أنّ كميّة هرمون "النور أدرينالين" في الدم تزداد بنسبة ضعفين إلى ثلاثة أضعاف عند الوقوف وقفة هادئة لمدة خمس دقائق وأمّا "الأدرينالين" فإنّه يزيد ارتفاعا بسيطا بالوقوف، وأمّا الضغوط النفسيّة والانفعالات فهي التي تسبّب زيادة مستوى "الأدرينالين" في الدم بكميّات كبيرة، فإذا كان الوقوف وقفة هادئة ولمدة خمس دقائق، يضاعف كميّة "النورأدرينالين"، وإذا كان الغضب والانفعال يزيد من مستوى "الأدرينالين" في الدم بكميّات كبيرة، فكيف إذا اجتمع الإثنان معا، الغضب، والوقوف، ولذلك أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - الغاضب إن كان قائما أن يجلس فإن لم يذهب عنه فعليه أن يضطجع.
روى ابن السني، عن عائشة: كان إذا غضبت عائشة عرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنفها، وقال: يا عويْش قولي: اللهم ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب عني غيظ قلبي، وأجرني من مضلاّت الفتن. (1/27)
صفحة 28
فكان هذا السبق العلمي منه - صلى الله عليه وسلم - من أوجه الإعجاز التي لم تظهر إلا في هذا العصر، وإلاّ فما الذي أدراه - صلى الله عليه وسلم - بأنّ هذه الهرمونات تزداد بالوقوف، وتنخفض بالجلوس والاستلقاء، حتّى يصف لنا هذا العلاج النبوي؟ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
وممّا يجدر بالذكر ويجب أن نعلمه جيّدا حتّى نتفاداه في حياتنا اليوميّة، أنّ الإنسان الذي اعتاد على الغضب يصاب بارتفاع ضغط الدم، ويزيد عن معدّله الطبيعي، حيث إنّ قلبه يضطر إلى أن يدفع كميّة من الدماء الزائدة عن المعتاد المطلوب، كما أنّ شرايينه الدقيقة تتصلب جدرانها فتفقد مرونتها وقدرتها على الاتساع، لكي تستطيع أن تمرّر، أو تسمح بمرور، أو سريان تلك الكمية من الدماء الزائدة التي يضخها هذا القلب المنفعل، ولهذا يرتفع الضغط عند الغضب، فيشعر المريض بألم في رأسه، وأنّه يكاد ينفجر، وربّما يفقد وعيه ويسقط على الأرض، وما ذلك إلاّ للانفعالات الشديدة والتغيرات السيئة التي تقع داخل خلايا وأعصاب دماغه، وربّما تتدمّر بعض خلاياه العصبيّة، وتتصلّب الأعصاب التي تربط بين الخلايا العصبيّة (التشجّرات العصبونات)، هذه التشجّرات التي يتمّ من خلالها تبادل المعلومات بين الخلايا، فتضعف ذاكرة ذلك الشخص، وتنقص قواه العقلية والفكرية لأنّ المعلومات لا تجد طريقها الجيّد للمرور بين الخلايا.
وخلاصة ذلك أن الكبت، أو التعبير الصريح للغضب، يؤدّيان إلى الأضرار الصحيّة نفسها، وإن اختلفت حدّتها، ففي حالة الكبت قد يصل الأمر عند التكرار إلى الإصابة بالسرطان، أمّا في حالة الغضب الصريح وتكراره، فإنّه يمكن أن يؤدّي إلى الإضرار بشرايين القلب، واحتمال الإصابة بأزمات قلبيّة قاتلة، لأنّ انفجار موجات الغضب قد يزيده اشتعالا، ويصبح من الصعب التحكّم في الانفعال مهما كان ضئيلا. (1/28)
صفحة 29
فالحالة الجسمانيّة للفرد لا تنفصل عن حالته النفسيّة، ممّا يجعل الانفعال يسري بسرعة إلى الأعضاء الحيويّة في إفراز عصاراتها، ووصول معدل إفراز إحدى هذه الغدد إلى حدّ سدّ الطريق أمام جهاز المناعة في الجسم، وإعاقة حركة الأجسام المضادة المنطلقة من هذا الجهاز عن الوصول إلى أهدافها.
والأخطر من ذلك كلّه أن بعض الأسلحة الفعالة التي يستخدمها الجسم للدّفاع عن نفسه، والمنطلقة من غدّة حيويّة تتعرّض للضعف الشديد نتيجة لإصابة هذه الغدة بالتقلّص عند حدوث أزمات نفسيّة خطيرة، وبذلك يفسّر احتمالات تحوّل الخلايا السليمة إلى سرطانية في غيبة النشاط الطبيعي لجهاز المناعة.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أوصانا بعدم الغضب، ومن هنا تظهر الحكمة العلميّة والعمليّة في تكرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصيّته لذلك السائل بعدم الغضب.
ولكي يدفع الإنسان عن نفسه هذه الحالات الخطيرة التي تؤثّر على أعصابه، وعلى خلاياه العصبيّة، وعلى قلبه فعليه أن يعلّم نفسه التسامح والصفح عن من أساء إليه ويعرض عنه حتّى لا يثير في نفسه هذه الحالة العصبيّة.
قال - عز وجل -:
- ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسن. -
سورة فصّلت ــ آية:34.
وكظم الغيظ والعفو كما قال في ذلك الإمام الغزالي:
يحتاج إليه الإنسان إذا هاج غيظه، ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعوّده مدّة صار ذلك اعتياديّا فلا يهيج الغيظ، وإن هاج، فلا يكون في كظمه تعب، وحينئذ يوصف بالحلم.
وكظم الغيظ، وعدم الغضب دليل قوّة النفس، وقهر شهوة الغضب.
وقد عمد باحثون إيطاليون إلى تقديم دليل علمي يدعّم جدوى التسامح والصفح، ليس فقط لأنّ ذلك مطلوب من الناحية الأخلاقيّة مثلما تقول الأديان، وإنّما لأنّ التسامح مفيد للصحّة. (1/29)
صفحة 30
وقد اختبر البروفيسور {بيترو بيتريني} عالم الأعصاب في كليّة الطبّ بجامعة "بيزا" بإيطاليا مدى صحّة فكرة التسامح الذي يتيح للإنسان التغلّب على وضع يمكن أن يصبح مصدرا أساسيّا للاكتئاب المؤثّر على العقل والأعصاب لولا التسامح.
وقد تلقّى البروفيسور لغرض هذا البحث تمويلا من منظمة أمريكيّة تسمى: "الحملة من أجل الأبحاث الخاصّة بالتسامح".
ويقدّر البروفيسور في دراسته موضوعات، رسم لكلّ منها سيناريو التسامح وسيناريو عدم التسامح، ليستحثّ حالة انفعاليّة، ويراقب آثارها على نشاط المخّ من خلال استخدام أدوات حديثة لرسم وظائف المخّ.
وصرح البروفيسور {بيتريني} لوكالة الأنباء الألمانيّة ــ د ب أ- قائلا: نريد أن نختبر افتراض أنّ التسامح يؤدّي إلى صحّة أفضل.
وقال {بيتريني}: إنّ عدم التسامح يؤدّي إلى معدّل عال من الاكتئاب ويمكن أن يخلّ باتّزان الإنسان نفسيّا وعصبيّا وذهنيّا.
إنّ أسهل طريقة لتجنّب الآثار التدميريّة على العقل والقلب والغدد، هو أن نغفر ونتسامح ــ فاعفوا واصفحواـ وقد أجرى فريق من الباحثين في جامعة "فيسكونسين" تجارب على 46 شخصا من الذكور بأمراض خاصّة بالشريان التاجي، وفي حياتهم قصص تتعلّق بالحروب أو بذكريات الطفولة أو بمشاكل عائلية أو بخلافات في العمل.
وخلصوا إلى أنّ أولئك الذين تلقّوا تدريبا على التسامح والصفح، تحسن لديهم تدفّق الدم إلى القلب، وتحسّنت حالتهم بالتبع.
وقد سادت فكرة التسامح والتغاضي عن الإساءة في الأديان السماويّة.
فالمسيحية تدعو المسيحيين إلى أن يحذوا حذو السيّد المسيح الذي نادى بالرحمة وطبّقها، وكذلك اليهوديّة.
وديننا الإسلامي يدعو بشدّة إلى هذا الخلق، والله تعالى يدعو إليه رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول له تعالى: "فاصفح الصفح الجميل"
سورة الحجر ــ آية: 85.
ويقول تعالى: (1/30)
صفحة 31
- ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. - ... سورة فصلت، الآية: 34.
يقول تعالى:
- ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور. -
سورة الشورىـ آية:43.
وغيرها من الآيات الكثيرة التي تحثّ على ذلك.
وذكر أحد العلماء أنّ رجلا سبّ رجلا وقال له: إيّاك أعني.
فقال الآخر: وعنك أعرض.
وبهذه السماحة والإعراض عمّن يسيء إلينا ترتاح نفوسنا، ونحفظ لها كرامتها، وصحتها، وسكينتها وهدوءها، وغير ذلك من المؤثّرات الإيجابيّة الحسنة، والتي تجعل الغدد المتعدّدة تفرز الهرمونات بتوازن فتترك أثرها الحسن في قوانا العقليّة والفكريّة، ونحفظ قلوبنا من كلّ همّ وغمّ ومرض، ممّا يجعله يؤدّي دوره بصفة جيّدة، ويبعث الكميّة الكافية من الدم إلى الدماغ، فيقوم بدوره كأحسن ما يكون.
وبذلك نكون محبوبين عند أهلنا، ومجتمعنا، وكلّ ذلك يزيد لأنفسنا رضى فوق رضى، وفرحا مع فرح، فنعيش حياة مطمئنة هادئة، وبهذه السماحة نتحصّل على أكبر قدر من السعادة وهناء العيش، ونجلب لأنفسنا الخير الدنيويّ، حيث يميل الناس إلى التعامل معنا فيكثر علينا الخير بكثرة محبينا، والمتعاملين معنا، وكلّ ذلك القدر والحبّ يزيد لنا ثقة بنفوسنا، وبمن حولنا.
ومن ظواهر سماحة النفس"طلاقة الوجه"، واستقبال الناس بالبِشر "والتبسّم في وجه أخيك صدقة"، "وخيرهم الذي يبدأ بالسلام"، والمصافحة وحسن المحادثة، وحسن المصاحبة والمعاشرة والتغاضي عن الهفوات،
وكذلك نجد في الحديث النبويّ أنّ رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يحثّ على التجاوز عن المسيئين، وأمر بنبذ حمل الضغينة في الصدر.
كما روى ابن النجار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسند صحيح، أنّه قال:
"صِل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحقّ ولو على نفسك". رواه (1/31)
صفحة 32
وفي التراث الإنساني بمختلف أنواعه، وملله، كلام كثير في تمجيد خلق الصفح والتسامح والمغفرة بين الناس، وليس ذلك لمجرّد الرغبة في نبذ التخاصم والبغضاء بين البشر والحرص على نشر السلام والمحبّة بين أبناء المجتمع الواحد، بل إنّ هناك نفعا خاصا للصفح، يصيب المظلوم الذي كان قد أسيء إليه عندما يصفح عن تلك الإساءة.
تذكر الأبحاث والدراسات النفسيّة أنّ حمل الضغينة والغيظ في الصدر يورث الشقاء لصاحبه، ويسهم في نمو كثير من الأمراض في جسمه وأعصابه، ويجعله يفقد القدرة على التركيز والانتباه، وتضعف قدرته على الحفظ واسترجاع المعلومات التي تحصّل عليها، وأنّ الصفح عن المسيء ونسيان الإساءة يعدّ علاجا نفسيّا ناجحا يقضي على الأعراض المؤلمة التي يحدثها الغيظ أو الكراهة في الصدر.
يقول الدكتور {فيتز غيونز}:
إنّ ميزة الصفح أنّه يجعل من يتعرّض للإساءة قادرا على العيش بسلام مع نفسه، فالمشاعر الناقمة الساخطة تعكّر الحياة، وتسبّب القلق والتوتّر، وتثير الآلام في أعماق النفس، أمّا الصفح فإنّه يقوم بمحو ذلك كلّه، والصفح عن المسيء لا يعني بالضرورة استمرار العلاقة معه، أو الاحتفاظ بمشاعر المودّة السابقة نحوه، إن كان هناك مودّة سابقة، وإنّما هو ببساطة يعني نسيان الإساءة وإسقاطها من الذاكرة حتى لا تشغل فيها حيزا زائدا، والذي نستطيع أن نغتنمه لنملأه بكثير من المعلومات التي تنفعنا في حياتنا اليوميّة، عوض أن نبقى نفكّر مع أنفسنا ونتعب ذاكرتنا، لماذا أساء إلينا فلان؟، وكيف ننتقم منه؟ أو كيف نسترّد حقّنا؟، وغير ذلك من الأفكار التي لا طائل من ورائها ونحن نشغل بها عقولنا، ونتعبها، ونشتّت تركيزنا واهتمامنا بكثير من المواضيع التي لا تنفعنا في حياتنا، والتي تجلب لنا من الضغوط ما يجثم على الصدر من ثقل الآلام النفسيّة التي أحدثناها لنفوسنا دون فائدة. (1/32)
صفحة 33
أمّا إن كنّاّ عاجزين عن النسيان والصفح وعاجزين أيضا أن نأخذ بحقّنا ممّن ظلمنا، فربّما كانت النتيجة عكسيّة تماما.
والمقصود بكظم الغيظ والعفو في الحديث هو أن نعفو عند المقدرة.
روى أصحاب السنن بإسنادٍ حسنٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:
"من كتم غيظًا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتّى يخيّره من الحور العين، يزوّجه منها ما شاء.
رواه
يقول الدكتور {أحمد شوقي إبراهيم} عضو الجمعيّة الطبيّة الملكيّة بلندن، واستشاري الأمراض الباطنية:
"إنّ الميول الإنسانيّة تنقسم إلى 3 أقسام، ويختلف سلوك وتصرّفات الأشخاص باختلاف هذه الميول ومدى السيطرة عليها:
1/- الميول الشهوانيّة، وتؤدّي إلى الثورة والغضب.
2/- الميول التسلّطية، وتؤدّي إلى الكِبر والغطرسة وحبّ الرياسة.
3/- الميول الشيطانيّة، وتسبّب الكراهيّة والبغضاء للآخرين.
ومهما كانت ميول الإنسان، فإنّه يتعرّض للغضب فيتحفّز الجسم ويرتفع الضغط الدموي، فيصاب بالأمراض النفسيّة والبدنيّة مثل السكّر والذبحة الصدريّة.
وكذلك تستثار الغدد فتزيد إفرازاتها فوق المقياس المطلوب، فتزيد حموضة الدم، وبالتالي تضعف المقاومة الجسميّة، فتتقوى الميكروبات وتتكاثر بسرعة وبقوّة، فيصاب الشخص بالمرض بسرعة.
وقد أكّدت الأبحاث العلميّة أنّ الغضب وتكراره يسبّب للإنسان كثيرا من الضغوطات التي تؤثّر على صحّته سلبا ممّا تضعف أجهزته فيتسبّب له ذلك في الموت المبكّر.
الغضب وأثره على الذاكرة.
إنّ ذاكرتنا لا تستطيع أن تبقى قويّة فعّالة مع تعدّد الضغوطات اليوميّة والتوثّرات التي نتعرّض لها من مختلف ظروف الحياة العصريّة، مثل:
الخوف ـ عدم الأمن ـ الغلاء ـ وغيرها كثير، وخاصّة إذا كان الإنسان ضعيف اليقين ولا يردّ أموره لربّه الذي يتصرّف فيه كما يشاء، كما يدير الكون من حوله.
قال - عز وجل -:
- وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله إنّ الله عليما حكيما. - (1/33)
صفحة 34
سورة الإنسان ـ آية:30.
إنّ تلك التوثّرات والضغوط تؤثّر على القلب تأثيرا سلبيّا، والدراسات المتعدّدة التي أجريت على الدماغ والقلب توصلّت إلى أنّ هناك علاقة وطيدة ومتبادلة بينهما، لأنّ القلب يؤثّر في قدرة الدماغ على التركيز، كما أنّ العقل يؤثّر على انتظام نبض القلب.
فإذا أردنا أن نحتفظ بذاكرة قويّة فولاذيّة، لا تنسى ما نلقي إليها من المعلومات فعلينا أن نتجنّب الإنفعالات والقلق والغضب التي تؤثّر سلبا على القلب والدماغ.
وقد ثبت علميّا بعد عدّة دراسات في موضوع الذاكرة والتذكّر وكيفية التغلّب على النسيان وضعف الذاكرة، أنّه من الثابت أنّ الأشخاص المصابين بحالات من التهيّج والإنفعالات يعجزون عن تذكّر الأشياء والأحداث بدقّة وذلك النوع من النسيان يسمّى ـ الوقم ـ.
وكذلك الكبت الذي يصيب بعض الناس يلعب دورا كبيرا في عدم عمل الذاكرة بطريقة جيّدة وفعّالة، لأنّ اللاشعور أو العقل الباطن يحرص على إبعاد الصور المراد تذكّرها عن مجال الشعور، وفي هذه الحالة تقوم القوى الداخلية بمنع ظهور المعلومات التي يريد الإنسان تذكّرها، لذا نجد أنّ الذاكرة تخون دائما صاحبها في مثل هذه الحالات من التوتّر والخوف.
إنّ أكثرأسباب النسيان وضوحا ينتج عن سبب معاناة الإنسان من الضغوطات النفسيّة المختلفة، لأنّه بذلك تتغيّر حالته النفسيّة فتضعف درجة تركيزه وقدرته على التذكّر، وخاصّة إذا تعرّض إلى صدمة نفسيّة مؤلمة والتي تسبّب له إيلاما نفسيّا شديدا ممّا يؤثّر على عمليّة التذكّر بطريقة قويّة وملحوظة.
وهناك إجماعا من علماء النفس على أنّ الانفعالات السلبيّة تكون دائما سببا قويّا من أسباب المعاناة من النسيان وضعف الذاكرة، لذا ينصحون دائما هؤلاء الذين يرغبون في أن ينعموا بذاكرة قويّة أن يتخلّوا ويتجنبوا انفعالات الغضب والحزن والقلق والتوتّر. (1/34)
صفحة 35
ولأجل هذه النتائج السلبيّة والسيّئة التي تتركها مثل هذه الحالات على نفس الإنسان أرشد معلّم البشريّة سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أتباعه بعدم الغضب وإرجاع كلّ الأمور إلى قيّوم السماوات والأرض الذي لا تاخذه سنة ولا نوم، ولا يؤوده حفظهما فهو المدبّر لكلّ شؤوننا والعالم بمصلحتنا وخيرنا أين هو موجود.
ولقد ركّب الله تعالى فينا العديد من الغرائز والأحاسيس، فنحن نتأثّر بما حولنا وبمن حولنا، ونتفاعل مع ما نشاهده ونسمعه من الآخرين، فنضحك ونبكي، ونفرح ونحزن، ونرضى ونغضب، وغيرها من الإنفعالات التي ركّبها ربّنا تعالى فينا، وهي كلّها تنبع من داخل أنفسنا.
ولذلك وجّه الله تعالى عباده إلى كظم الغيظ لما يوجد فيه من خطر عظيم على صحّتنا وسلوكياتنا.
ضغوط الحياة وأثرها على الذاكرة:
إنّ ضغوط الحياة ليست فقط مسؤولة عن ارتفاع ضغط الدم والشعور بالهزيمة، والإجهاد والتعب والقلق والإصابة بنوبات من الصداع، وربّما اليأس والشعور بالإحباط، بل هي مسؤولة كذلك عن تدمير مناطق خاصة بالمخّ وزيادة الإصابة بفقدان الذاكرة، وربّما ظهور مرض ـ ألزهايمرـ.
والعلماء قد اهتمّوا بهذه الظاهرة رغبة منهم في اكتشاف ألغازها لأنّها مازالت غامضة لديهم، ولا تزال تحيّرهم، وهناك العديد من الأسئلة التي لم يعرفوا الإجابة عنها حتّى الآن.
فأثناء الحرب العالمية الأولى، لاحظ الأطباء ظاهرة غريبة ظهرت لدى بعض الجنود الذين عادوا من الحرب، تمثّلت بالخوف والشعور بالرعب لأبسط المؤثّرات الخارجيّة مثل غلق الباب بشدّة.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لاحظ الأطباء نفس الظاهرة عرفت في ذلك الوقت باسم ــ إجهاد المعركة ــ، وفي الوقت المعاصر يجمع العلماء على تسميّة هذه الظاهرة باسم: الاضطرابات النفسيّة الناجمة عن ضغوط الحياة المدمّرة. (1/35)
صفحة 36
فالإعتداء الجنسي أثناء فترة الطفولة، أو تعرّض أسرة للإعتداء من قبل شخص ساذح دون أدنى تحذير، أوتعرّض جندي في المعركة للحظات رهيبة، يرى فيها من حوله وهم مقتلون ميدان المعركة، تعدّ من الأمثلة التي تكوّن لديه هذه الضغوط.
وطبقا للجمعيّة الأمريكيّة للطبّ النفسي فإنّ هؤلاء الأشخاص يعانون فيما بعد من كوابيس واضطرابات النوم، ومن الإضطرابات النفسيّة، وفقدان الشعور بالأمان والشعور بالضعف، وفقدان الذاكرة، وضعفها، وعدم القدرة على التركيز، ويعيشون من حين لآخر هذه اللحظات المرعبة، التي سبق وأن مروا بها، لأنّ أحداثها يتكرّر ظهورها أمام مخيّلتهم بسرعة شديدة، وكأنّها فيلم سينمائي لا ينتهي.
عندها تساءل العلماء ما المشكلة؟.
لقد اهتمّوا بهذا الواقع المرّ الذي يعيشه هؤلاء الأشخاص الذين مرّت عليهم مثل هذه الضغوط، من فقدان الذاكرة، وعدم القدرة على التركيز، فدرسوا هذه المشكلة بنوع من التفصيل العميق، باستخدام التكنولوجيا المتوفّرة لديهم حاليا لتصوير أمخاخ هؤلاء المرضى، ولمعرفة وتحديد التغييرات التي قد تنتج عنها، وتبيّن لهم إثر دراسات مكثفة وجود عدد من التغيّرات التي حدثت في أمخاخ هؤلاء المرضى نتيجة تعرضهم لضغوط خارجية شديدة ومنها:
1 - عدم قدرة بعض الألياف العصبيّة على إفراز المواد الكيميائية المصاحبة للإشارات العصبيّة "الكورتيزون".
2/- اضطراب المستقبلات الموجودة في الخلايا العصبيّة.
3/ـ تصلّب الأعصاب الخلويّة التي تربط بين الخلايا المخّية، ممّا يجعلها غير قادرة على تمرير المعلومات بصفة جيّدة كاملة.
وكان أهمّ ما ركّز عليه العلماء في هذه الدراسات، هو دراسة حجم المناطق المختلفة للمخّ، وحجمه العام وعمر المريض، ونوعه، ومستواه التعليمي، فتبيّن لبعض العلماء بالولايات المتحدة الأمريكيّة أن هناك منطقة معيّنة في المخ تعرف باسم "هيبوكمبيس" Hippocampus تبدو أصغر بكثير من حجمها الطبيعي عند هؤلاء المرضى. (1/36)
صفحة 37
فالمعروف منذ سنوات طويلة أنّ هذه المنطقة في المخّ هي المسؤولة عن الذاكرة، وعن مراجعة الأحداث التي حدثت في الماضي، وأنّ إتلاف هذه المنطقة جراحيًّا، أو بسبب المرض عادة ما يصحبه فقدان الذاكرة تدريجيّا، ويصاحب ذلك تغيرات مرضيّة في منطقة Hippoc الخاصّة بالذاكرة.
لذلك بدأ العلماء بتكثيف جهودهم للتأكّد من هذه الاضطرابات الناجمة عن ضغوط الحياة المدمّرة، هل لها تأثير في منطقة Hippoc أم لا وبالتالي، هل تسبّب في إضعاف الذاكرة أو فقدانها،
ولماذا تحدث هذه التغييرات؟
وعلى الرغم من اتفاق العلماء على أن ــ الاضطرابات الناجمة عن ضغوط الحياة المدمرة ــ مرتبطة بضمور هذه المنطقة بالمخّ لكنّهم لم يتوصلوا بعد إلى سبب حدوث هذا الضمور، وما هي ميكانيكية حدوثه، فالطبيب {برمنر} من جامعة ــ نيويورك ــ يؤكد أنّ هرمون "الكورتيزون" يعد السبب وراء هذا الاضطراب، فعندما نتعرّض لضغوط الحياة، سيكولوجية، أو جسميّة، فإنّ الغدد فوق الكلوية تقوم بإفراز كميّات كبيرة من هرمون "الكورتيزون" الضروري لمواجهة مثل تلك الضغوط.
ويضيف {برمنر} أنّ منطقة " Hippoc" تتميّز بوجود مستقبلات كثيرة لهذه المادّة "الكورتيزون" وهي كذلك أكثر مناطق المخّ حساسية لهذا الهرمون، لذلك فزيادة إفراز "الكورتيزون" في الدم من الممكن أن يؤدّي إلى إتلاف الخلايا العصبيّة الموجودة بمنطقة " Hippoc" بالمخّ، وإذا تلفت تلك الخلايا فإنّها لا تعوّض، لأنّ خلايا المخّ لا تتغيّر ولا تستبدل إذا تلفت كما تتبدّل باقي خلايا الجسم.
ولقد تمكّن العلماء من اكتشاف نظريّة أخرى جديدة، وهي أنّ خلايا المخّ في منطقة " Hippoc" لديها حساسية زائدة لهرمون ــالكورتيزون ــ، الأمر الذي يؤكّد أنّ المشكلة ترجع إلى زيادة حساسية الخلايا العصبيّة لهرمون ــ الكورتيزون ــ بعد التعرّض إلى ضغوط الحياة الشديدة. (1/37)
صفحة 38
ويمكن القول هنا أنّ العلماء في كلتا الحالتين تمكّنوا من تحليل ظاهرة فقدان الذاكرة، وضعفها المصاحب لضغوط الحياة، والتغيّرات المرضيّة التي تحدث في منطقة الـ" Hippoc" ودور هرمون ــالكورتيزون ــ ومستقبلاته في حدوث هذه الظاهرة.
وقد توصلوا بعد دراسات معمّقة إلى أنّ هذه الضغوط العصبيّة، تستهلك الطاقة العصبيّة لدى الفرد، وتؤدّي إلى فوضى في الذهن، وتهيّج الأوعيّة الداخليّة للجسم، والتي تؤثّر بدورها تأثيرا سلبيّا على الأعصاب الأخرى في جسم الإنسان، وهذا ما يفسر اضطراب أعصاب الخلايا العصبيّة للمخّ، وتصلبّها وانكماشها، ممّا يجعلها لا تؤدّي دورها جيّدا، أو لا تقوم به بالكليّة، فتفقد الخلايا العصبيّة الاتصالات بينها، وبذلك ينشأ لدى الفرد ضعف الذاكرة، أو ربّما فقدان ما تحصّل عليه من قبل في حياته اليوميّة.
فينبغي للإنسان أن يجابه هذه الاضطرابات والانفعالات العصبيّة والنفسيّة بتعزيز الهدوء في الأعصاب والصفاء في الذهن حتّى لا تؤثر في ذاكرته تأثيرا سلبيّا.
وليس هناك شيء يبعث هذا الهدوء وهذا الصفاء في النفس أكثر من الالتجاء إلى الله بالعبادة والدعاء، وكثرة تلاوة القرآن الكريم، والعفو، والتسامح بينه وبين الأشخاص الذين يثيرون فينا مثل هذه الانفعالات وهذه الاضطرابات.
الإبتعاد عن الأشخاص المشاغبين، والمتهيّجين نفسيّا أو عصبيّا والثرثارين، والحزينين والمضطربين المتشائمين، فهؤلاء جميعا يزيدون من عصبيّة الفرد بمجرد التعامل معهم.
تعديل السلوك في التعامل مع من يحيطون بنا في الأسرة وفي المجتمع، ومكان العمل، أو حتّى في الشارع، وتحسين طريقة التحدّث معهم بما يضيف الهدوء والاتزان، حتّى ندرّب أنفسنا على ذلك، ويصبح فينا سمة حسنة وخلق طيّب، به ننجح في محافظتنا على هدوء نفوسنا والاستقرار العصبي. (1/38)
صفحة 39
علينا أن نناقش بهدوء، ولا نجادل الأشخاص الذين يريدون مناقشتنا بعصبيّة ونرفزة، فعندما نكون هادئين نكسب المناقشة، ونحافظ على أعصاب صحيحة، وتفكير مركّز، وأن نحرص على تجنب كل فعل سيّء.
بين الحين والآخر نختلس دقائق في وسط عملنا المتواصل، ونبعد أعصابنا وعضلاتنا عن التوتّر والتعب، ونتمدد، ونطبق جفنينا ونتنفّس بعمق، ونقرّر ألاّ نثير أعصابنا، ولا ننفعل نهائيا، وبهذه العمليّة نرسّخ في عقلنا الباطن هذه التوجّهات الإيجابيّة ممّا يجعلها تصبح فينا عادة.
علينا أن نطرح من فكرنا ونبعد عن أنفسنا كلّ ما هو مهيّج للعاطفة أو الشهوة، وكذا كلّ شيء من شأنه أن يجرح حساسيتنا ويثير عواطفنا، مثل الأفلام والمسلسلات المؤثرة في النفس، والمثيرة للأعصاب، والتي تهيّجها فتترك فيها أثرا سيّئا.
لنحرص على اغتنام كلّ فرصة تتاح لنا للاستمتاع بالطبيعة وبالهواء الطلق والاستلقاء للاسترخاء، ونتجنّب كلّ جهد فوق طاقتنا، خاصّة من الناحية الفكريّة والعقليّة، لأنّ خلايا المخّ بحاجة ماسّة إلى مثل تلك الاستراحة بين الحين والآخر.
إذا اعترضتنا مشكلة مؤلمة في جوّ عاصف فلا نجابهها بشدّة في تلك اللحظات ـ لحظة النرفزة والعصبيّة- ولا نفكّر فيها كثيرا، ونحن متأثّرون بها تأثيرا شديدا، بل نشتغل عنها بشيء آخر، إلى أن يرجع إلينا الهدوء والسكون، ونجد الجوّ الصافي الذي يوفّر لنا الوقت الكافي للتفكير فيها بكلّ قوانا العقليّة، لأنّ كلّ ذلك سيساعدنا على التفكير الهادئ دون ضغوط ودون عصبيّة.
إنّ علماء النفس التحليلي يؤكدّون أنّنا في عالم مملوء بالتوتّرات العصبيّة وحالات من النرفزة، تسبّبها لنا ضغوط الحياة اليوميّة المستمرّة، فإذا تعصبنا أمام كلّ فرد من هؤلاء، فلن يكون مصيرنا إلاّ كناطح صخرة، ونصبح منهم، فيكون مآلنا الضغط العصبي، وضعف القوى الفكريّة والعقليّة. (1/39)
صفحة 40
وإذا أردنا أن نحافظ على ذاكرة قويّة، فعلينا أن نحرص على غذاء متوازن، وكميّة وافرة من السوائل، وخاصة الماء لأنّه ينقّص من لزوجة الدم وتختّره، والقلب يتعب ويضعف بدفع ذلك الدم اللزج إلى نواحي الجسم، ممّا يزيد في الضغط الدموي، والذي هو السبب الرئيسي في زيادة النرفزة والانفعالات، وقد توصّل الأطباء في بحوثهم إلى أنّ الدماغ الذي يزن 350غرام تقريبا يستهلك 30% من الغذاء الذي يدخل الجسم، وخاصّة السكريّات، لأنّها تنشّط وظائف المخّ، ولها دور كبير في مجهود العقل وإنتاجه.
وقد لاحظوا أنّ نسبة السكّر والكالسيوم الموجودة في الدم لها أثر كبير على الأداء الحسن للخلايا المخيّة من عدمه.
النوم الصحّي وأثره على الذاكرة.
إنّ التمتّع بالنوم الصحّي الهادئ، ولمدّة كافية يعدّ من الأسباب الأساسية للمحافظة على ذاكرة قويّة، وقد توصّل الباحثون في هذا المجال إلى أنّ الإنسان يقضي ثلث حياته في النوم، فيقوم الجسم خلال ذلك بطرح السموم العصبيّة التي تراكمت فيه، نتيجة للأعمال الحيويّة والإحتراقات اليوميّة، وبدون طرح هذه السموم لا يمكن للمرء أن يستعيد نشاطه، أو يستمرئ حياته.
وقليل من الناس من يهتم ــ ويا للأسف ــ على التعرّف على ما يتطلّبه النوم من قواعد وأصول تساعد على الترويح عن الجسم، واستراحته وطرح سمومه، وإراحة الفكر وجلاء همومه، وتعين على حياة وادعة مطمئنة.
ولو وفّى كلّ واحد منّا لجسمه ما عليه من حقّ الراحة فنام ملء جفونه، لأرخى عليه ظلال الجمال، وأجرى فيه ماء النماء، ولملأ جسمه وعقله حيويّة وقوّة وفتوّة وشبابا.
ورسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يقول في هذا الشأن:
إنّ لربّك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، فأعط كلّ ذي حقّا حقّه. ... رواه (1/40)
صفحة 41
والحاجة إلى النوم تحدث عادة نتيجة لتراكم سموم الجسم على استطالات الحجيرات الدماغيّة، فتنفصل الحجيرات عن بعضها بسبب ثقل تلك السموم، وينقطع التيار العصبيّ بين مختلف مراكز الدماغ، فيخدّر النعاس الأعصاب لتستسلم إلى سبات مريح، ويستغرق المرء في النوم إذا كان مرهقا مجهودا، ولكن إذا كانت الأعصاب مختلجة مضطربة، فإنّ النوم يكون مضطربا متقطعا.
وبقذف تلك السموم يستعيد المخّ النشاط والحيويّة، وترجع الإستطالات إلى نقل السيالة العصبيّة كأحسن ما يكون، ويعود الدماغ إلى عمله من جديد، وكلّ علاج يعطى لتنبيه هذه الإستطالات وإيقاظ الحجيرات الدماغيّة يسبّب إرهاقها وتراكم السموم فيها، فيصاب صاحبها بضعف وتشوش الذهن، وباضطرابات العمليّات العقليّة وسوء الصحة، وربّما يضعف لها قوّتها على تخزين المعلومات، لذلك ينصح الأطباء الأشخاص عن الإبتعاد كلّية عن الأدويّة أو المقوّيات التي تعمل على تنبيه الخلايا والأعصاب، لأنّها تجعلها تعمل بشيء من الإستتارة في تلك اللحظات الحاضرة، ولكن بعد ذلك تصبح في حالة من التعب والضعف، فلا تستطيع أداء وضيفتها على أحسن ما يرام، ويؤثّر عليها ذلك على مدار الأيّام إذا ما تعوّد الشخص استعمال مثل تلك الأدويّة والمنبّهات، والخطر الأكبر حين يصبح تناول تلك الأدويّة في شكل إدمان.
والمثل يقول: "في صحة النوم ثلث الحياة".
ويرى بعض العلماء أن أطوار الرضيع يحتاج إلى وقت أطول من النوم والراحة، لأنّ أغلبيّة خلايا المخّ تتوالد في السنين الأولى من عمره.
وهناك نظريّة شائعة ومهمّة تؤكد أنّ النوم ضروريّ لإنعاش الذاكرة وتقويّة القدرات الذهنيّة، والأشخاص الذين يأخذون قسطهم من النوم هم أقدر على حلّ المعضلات، وفهم المسائل العلميّة المعقّدة. (1/41)
صفحة 42
ويشرح المتحمّسون لهذه النظرية ذلك بأن الدماغ أثناء النوم يقوم بترتيب المعلومات وتنظيمها بشكل منطقي، بحيث يسهل الإستفادة منها، ويؤكدون كذلك أنّ أخذ قسط من النوم بعد جهد ذهنيّ مرهق هو أفضل وسيلة لاستيعاب وفهم المعلومات الجديدة.
وقد ذكر الدكتور {فرانسيس كريك}: أنّ دور الأحلام هو التخلّص من الارتباطات العصبيّة الزائدة، والناجمة عن النشاط الذهني المضاعف، وهذا يخالف {فرويد} الذي يؤكّد أن الأحلام تعبير عن رغباتنا المكبوتة، ونحن نعلم جيّدا أنّ محاولة التخلّص من أمر ما، وإبعاده عن وعينا، يفتح الطريق لرؤيته في أحلامنا.
وقد اكتشف العلماء أنّ الدماغ في بعض مراحل النوم يبقى فعّالا كما في حال اليقظة، كما تبيّن أنّ نوعا من العصبونات (الخلايا العصبيّة) تنشط أثناء النوم لتهيّئ للإنسان الولوج في مرحلة النوم العميق، ولم يعرف حتّى الآن كيف تعمل تلك العصبونات، لكنّه تمّ التأكّد بأنّها تنشط مع ارتفاع حرارة المحيط الخارجي، مما يفسّر رغبتنا في النوم بعد حمام ساخن، أو عند الجلوس قرب نبع حراري.
التغلّب على الأرق المضرّ بالذاكرة.
ليس هناك من شكّ في أنّ محاولة النوم وطلبه هي أضنى وأتعب للجسم ولأعصابه من السهر.
إنّ السهر وعدم النوم أو قلّته يؤثّر تأثيرا سلبيّا في القوى الفكريّة والعقليّة، فيفقد صاحبه القدرة على التركيز، والذي هو من العناصر الأساسيّة والمهمّة في عمل الذاكرة، فلا يقدر على حفظ معلومات جديدة، أو تذكّر ما كان قد حفظه من قبل.
ولا نستطيع أن نتجاهل أو نتناسى ما للأرق والسهر وقلّة النوم من أثر كبير سيّء على الأعصاب.
ومعظم الذين يتعرّضون للأرق ولقلّة النوم، هم الأشخاص الذين يكدحون بعقولهم، وتضطرّهم أحوال أعمالهم إلى التفكير المتواصل، كالزعماء والساسة ورجال الفكر والمقامرين ورجال الأعمال، وأولئك الذين يعيشون في وسط متسع حافل بالمفاجآت والأعمال المعقّدة والضجيج. (1/42)
صفحة 43
وكذلك الذين يهتمّون بالتوافه من المشاكل التي تعترض لهم في مسيرة حياتهم اليوميّة، أسريّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة والذين يكثرون من تناول المنبّهات، كالقهوة والشاي وتعاطي المخدّرات ــ حفظنا الله وأولادنا منها بفضله ومنه ورحمته ــ.
وتؤثر كذلك السموم الداخلة إلى الجسم نهارا في الأعصاب فتفقدها الهدوء والراحة، وشرّ هذه السموم ما يكون من إدمان التدخين، وشرب الكحول والمنبّهات والمخدّرات ــ حفظ الله جميع المسلمين منها ــ.
وقد ينشأ السهر من سبب هضميّ في الجهاز الهضمي والذي يتسبّب فيه إدخال الطعام على الطعام، خاصّة الدسم منها وكذلك فيما يخصّ وجبة العشاء، إذا كان قوامها كثيرا من الدسم واللحوم والبقول.
وممّا يوصي به الأطبّاء لجلب النوم ودفع السهرّ التغلّب على عادة السهر السيّئة، والتي هي من أمراض هذا العصر، واللجوء إلى النوم في ساعة مبكّرة من الليل هو من أفضل الحسنات التي يحفظ بها الإنسان صحّته وذاكرته وجميع قواه، فنوم ساعة في أوّل الليل خير من نوم ساعتين أو ثلاث في آخره، وأفضل وأحسن من نوم ساعات النهار كلّه، ذلك أنّ نور النهار وضوضاءه وحركته تفقد النائم الكثير من فائدة النوم، وتحول دون الاستغراق التام الذي يريح كامل الجسم ولا يمنح الأعضاء ــ خاصة الدماغ الذي هو محلّ الذاكرةـ سوى راحة وقتية قصيرة غير كافية، وخير ساعات النوم ما كان قبل منتصف الليل لا بعده.
وقد امتن الله تعالى برحمته بعباده أن جعل لهم الليل لباسا والنوم سباتا.
قال الله - عز وجل -:
- وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا. - ... سورة الفرقان ــ آية: 47.
وقال الله - عز وجل -:
- قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من اله غير الله ياتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. -
سورة القصص ــ آية: 73.72. (1/43)
صفحة 44
ويستحسن اتّخاذ ساعة معيّنة للذهاب إلى الفراش، حتّى يصبح ذلك الوقت بالتكرار والتعوّد والاستمرار عادة حسنة متأصّلة، أمّا السهر في إنجاز عمل من الأعمال اليدويّة أو الذهنيّة، فإنّه يعتبر مضيعة للوقت واستنزاف لطاقة الجسم والعقل مهما تكن الدوافع، وأنّ الأصل هو المحافظة على الصحة الجسميّة والعقليّة قبل أيّ عمل مهما كانت قيمته ومردوده.
ويجب على الإنسان الذي يريد الخير لنفسه ولعقله وجسمه أن يترك الهموم والمتاعب بعيدًا عن الفراش، وعن جوّ غرفة النوم، فلا يحاول استدعاء مشاكل يومه واضطراباته وانفعالاته التي وقعت له في سائر نهاره، لأنّ ذلك ممّا يثير الأعصاب ويستفزّها فلا تهدأ إلى النوم بسلام.
ولتكن الغرفة جيّدة التهويّة، لأنّ السموم المنبعثة من التنفس تصيب المرء بالخمول دون أن تدخل حظيرة النوم، وتساعد التهويّة الجيّدة الكريّات الحمراء على القيام بعملها وتصفيّة الدم وتنقيته من سمومه وشوائبه، وبالتالي تمنح الدماغ والأعصاب الغذاء والأكسجين اللازمين لحياتها وهدوئها.
ويقول الدكتور {إيفي هولدن} كي تنام جيّدا وتستغرق في النوم بهدوء وطمأنينة، امنح جسمك الوضع الجيّد، وامدد أطرافك، ولا تنثن، فتضغط بذلك بطنك وصدرك، وتقلّل من حجمهما، واستلق على الجانب الأيسر لدقائق معدودات، ثم تمدّد على الجهة اليمنى مسترخيّا لتستغرق في نوم هادئ عميق.
وهذه الوضعيّة في النوم من معجزات الطبّ النبوي حيث يرشد النبيء - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إلى النوم على الجانب الأيمن لما في ذلك من الفوائد اطّلع عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألهمه ربّه إيّاها. (1/44)
صفحة 45
عن البراء بن عازب أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: {إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقّك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيّك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلّم به}. ... رواه الشيخان.
إنّ الاستلقاء أو الاضطجاع على الفراش يمكن أن يكون على البطن، أو على الظهر، أو على أحد الشقّين الأيمن أو الأيسر، فلكلّ وضعيّة سلبياتها وأضرارها، إلاّ النوم على الشقّ الأيمن فهي نومة الأنبياء، وخاصّة النوم على البطن التي فيها مضار كثيرة، وهي نومة الشياطين، وهي نومة يبغضها الله ورسوله.
ومن المعجز حقّا توافق هذه الدراسات الحديثة مع ما نهى عنه معلّم البشريّة الخير سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
روى أبو هريرة أنّه قال: {رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا مضّطجعا على بطنه، فقال له: إنّ هذه ضجعة يبغضها الله ورسوله}.
رواه أحمد والترميذي.
فوائد النوم على الشقّ الأيمن.
النوم على الشقّ الأيمن هو الوضع الصحيح، لأنّ الرئة اليسرى أصغر من اليمنى، فيكون القلب أخفّ حملا، وتكون الكبد مستقرّة لا معلقة، والمعدّة جاثمة فوقها بكلّ راحتها، وهذا كما قال الأطبّاء أسهل لإفراغ ما بداخلها من طعام بعد هضمه.
وقد حذّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مدافعة الأخبثين، لما في ذلك من تأثير سيّء على عقل الإنسان وجهازه الهضمي خاصّة، لأنّ ذلك يجعله يركّز بعقله في ذلك فلا يستطيع التفكير في شيء يريد حفظه، ولا يستطيع التركيز جيّدا لتذكّر المعلومات، إذن فمدافعة الأخبثين له تأثير سيّء على الذاكرة والتذكّر والتركيز والاستذكار.
كما يعتبر النوم على الجانب الأيمن من أروع الإجراءات الطبيّة التي تسهل وظيفة القصبات الرئوية اليسرى في سرعة طرحها لإفرازاتها المخاطية.
هكذا ينقل {الدكتور الراوي} ويضيف قائلاً: (1/45)
صفحة 46
إنّ سبب حصول توسّع قصبات الرئة اليسرى دون اليمنى، هو لأنّ قصبات الرئة اليمنى تتدرج في الارتفاع إلى الأعلى، حيث أنّها مائلة قليلا، ممّا يسهّل طرحها لمفرزاتها بواسطة الأهداب القصبية، أمّا قصبات الرئة اليسرى فإنّها عموديّة، ممّا يصعب معه طرح المفرزات إلى الأعلى، فتتراكم تلك المفرزات في الفصّ السفلي ممّا يؤدّي إلى توسّع القصبات فيه، والذي من أعراضها كثرة طرح البلغم صباحا، هذا المرض قد يترقى مؤديّا إلى نتائج وخيمة كالإصابة بخراج الرئة والداء الكلوي، وإنّ من أحدث علاجات هؤلاء المرضى هو النوم على الشقّ الأيمن.
ولابدّ أن نشير هنا إلى عادة سيّئة مضرّة بالجسم عامّة خاصّة العقل وهي عادة النوم دون استفراغ الإنسان للفضلات، والتي هي عبارة عن ميكروبات سامّة إذا تركها صاحبها فإنّها تسمّم له أجهزته، ممّا يسبّب له تشوّش التفكير، لأنّه يبقى عقله طوال الليل مشغولا بقبضها.
وقد حذّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مدافعة الأخبثين، لما في ذلك من تأثير سيّء على عقل الإنسان وجهازه الهضمي خاصّة، لأنّ ذلك يجعله يركّز بعقله في ذلك فلا يستطيع التفكير فيما يريد حفظه، ولا يركّز جيّدا لتذكّر معلوماته، وخاصّة في الصلاة التي من شروطها الخشوع، والخشوع لا يحصل إلاّ بالتركيز الجيّد وحضور البال، إذن فمدافعة الأخبثين له تأثير سيّء على الذاكرة والتذكّر والتركيز والاستذكار.
برمجة العقل. (1/46)
صفحة 47
إنّ برمجة العقل والتفكير، ورسم خريطة العمل، ثمّ بعث القوّة في كامل أجهزتنا عمل يجب أن يقوم به كلّ إنسان يريد أن يقويّ ذاكرته وأن ينجح في أعماله التي يقوم بها في مراحل حياته، وله دوره الفعّال في تنميّة كلّ القوى المختلفة التي وهبها الله تعالى لجميع بني البشر، من جسديّة وفكريّة وروحية، فهذه البرمجة، وهذا التصوّر يسهّل علينا إنجاز ما نريده من مختلف الأعمال، وسنجد راحة عند القيام بتلك الأعمال في الواقع، لأنّ تطبيقها سيكون أسهل وأسرع، ما دمنا قد سطّرنا جميع الخطط في كيفيّة إنجازها، ويكون أداؤها أخفّ ممّا كنّا نعتقده، وهذا طبعا إذا كنّا قد كوّنا لأنفسنا نظرة إيجابيّة نحو ذلك العمل، أمّا إذا كوّنا تصوّرا سلبيّا، فهذا سيؤدّي ربّما إلى عكس ذلك.
يعلّمنا سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه كيف نبرمج عقولنا وضمائرنا برمجة إيجابيّة حتّى نتمكّن من أداء جميع أعمالنا بكلّ قوّة وشجاعة، في حين أنّنا كنّا من قبل نعتقد أنّه لا نستطيع أداءها أو إنجازها، وكيف نبني في أنفسنا روح التفاؤل، حتّى نفوز في إنجاز أصعب الأعمال.
إنّ من العلماء من يقول بأنّ نظرتنا إلى الأعمال بنفس ضعيفة واعتقادنا بأنّها صعبة هو الذي جعلها صعبة في الحقيقة، والعكس لو أنّنا نظرنا إليها بنفس مليئة بالتفاؤل والشجاعة، كما يعلّمنا سيّدنا عليّ لوجدناها سهلة بسيطة لأنجزناها بكلّ سهولة ودون عناء يذكر.
قيل لسيّدنا {عليّ بن أبي طالب} كرّم الله وجهه:
كيف تتخلّص من أعدائك؟ فقال:
أخرج إلى لقاء أحدهم، وأنا واثق بأنّي قاتله، ويراني على ذلك، فيعتقد أنّي غالبه، فيجبن وأقوى، ثمّ أجهز عليه.
وقد سئل نفس السؤال {عنترة بن شدّاد} فقيل له: كيف أصبحت سيّد الفرسان؟ فأجاب:
أعمد إلى الجبان فأضربه ضربة صارمة، تطير لها نفس الشجاع شعاعا فيمتلئ خوفا ورعبا فتضعف نفسه، ثمّ أحمل فأجهز عليه. (1/47)
صفحة 48
إنّ محمّد علي كلاي، أشهر رياضي في القرن العشرين، كان لديه إيمان شخصي قويّ جدّا بأنّه قادر على الفوز في أيّ مبارات قبل أن ينوي القيام بها (فليكن لك أنت كذلك نفس الإيمان عندما تقدم على إنجاز أيّ عمل تريده بأنّك تقدر على القيام به كأبسط ما يكون).
كان دائما يؤمن بأنّه الأقوى، وأنّه لا محالة سينتصر، وهذا الإيمان هو الذي دعّمه في كلّ مباراته المختلفة في حلبة الملاكمة، فقهر منافسيه بذلك الإقدام وتلك الثقة والشجاعة، لأنّهم عندما يرونه على تلك الحالة يعتقدون فيه نفس الإعتقاد، ورغم أنّه يعاني الآن مرض الرعاش، إلاّ أنّه ما زال على ذلك الإيمان وتلك الثقة، وهو دائما يرفض أن ينظر إلى نفسه أنّه ضحيّة لقصور جسده.
إنّ الذي نفكّر فيه ونشعر به هو الذي نصنعه ونطبّقه في واقع حياتنا، إنّنا نصنع ما نعتقده.
من الخطإ الكبير أن نصلح أنفسنا من الخارج فنهتمّ بمظهرنا بلباسنا وصورتنا، بينما نترك ذواتنا من الداخل غير مبرمجة وغير منظّمة.
إنّه متى استطعنا أن نحقّق التوازن المفقود لدينا، بحيث نكوّن في أنفسنا مثل هذه الخرائط العقليّة التي أرشدنا إليها سيّدنا عليّ وغيره ممّن كوّنوا لأنفسهم صورا قويّة تنبع من داخلهم، فإنّنا نحقّق لأنفسنا نجاحات كنّا من قبل لا نحلم بها أبدا.
فإذا تخيّلنا شيئا بوضوح، فإنّ القوى الباطنيّة العجيبة تمدّنا بالأساسيّات اللازمة لإنجاز ذلك الشيء.
إنّنا جميعا نملك فكرا خلاّقا ومبدعا، فيجب أن لا نحقر أنفسنا، ولا ننقص من قيمتنا، فكلّ واحد منّا هو عبارة عن طاقة خلاّقة فريدة من نوعها في هذا العالم، فالله - عز وجل - لم يخلق أحدا مثلنا في الوجود قبلنا، ولن يخلق أحدا يشبهنا بعد أن ننقطع نحن عن هذا الوجود، فكلّ واحد منّا قد وهب له ربّه - عز وجل - قوى فكريّة وعقليّة عجيبة وفريدة من نوعها، فلا نحن نشبه أحدا من الخلق، ولا يوجد أحد من الخلق يشبهنا. (1/48)
صفحة 49
فعلينا أن نشحّذ هممنا، وندرّب عقولنا، ونمرّن ذاكرتنا، ونملأ أنفسنا بالطّاقة اللازمة لإنجاز أعمالنا بكلّ قوّة وعزيمة، حتّى لا نعلّم أنفسنا العجز والكسل، بل علينا أن نعلّمها الصبر الدائم ولو كان قليلا وقصيرا، لأنّ الفكر الممرّن والمدرّب تصبح فيه تلك الصفات بعد فترة من الزمان عادة وطبيعة واعتقادا راسخا في العقل الباطن.
إنّ القوّة الهائلة التي توجد داخلنا عقلنا الباطن قادرة على تحقيق كلّ رغباتنا، وهي التي تمنحنا الثقة والشعور بالقدرة على التفوّق والنجاح، ومهما كان مجال عملنا، فعلينا أن نقوم بدراسة قانون عقلنا الباطن، حتّى نعلم جيّدا أين نحن سائرون، لأنّنا عندما نستغلّ تلك المواهب كأحسن ما يكون، وبأفضل طريقة، وبأكمل وجه، فإنّنا سنسير على طريق التفوّق، وفي سبيل النجاح، ولن تستطع أيّ قوّة على وجه الأرض أن تصدّنا، أو تقف في طريق إلى تحقيق أهدافنا.
خطوات تدريب العقل.
إنّ الخطوة الأولى في نقل رغباتنا وحبّنا للنجاح وأفكارنا إلى العقل الباطن، هو أن تكون لنا ذاكرة قويّة ونشيطة، حتّى نستطيع أن نتذكّر دائما ما نريده ونطمح إلى تحقيقه في هذه الحياة.
وعلينا أن نسترخي ونهدأ ونجمع كلّ انتباهنا، كي ندرّب أنفسنا على التفكير في الإتّجاه الصحيح، لأنّ هذا التعوّد يمنع الأفكار الخاطئة والأشياء الغريبة من التدخّل في الإستعاب العقلي لأفكارنا الإيجابيّة وأهدافنا وغاياتنا التي نريد الوصول إليها وتحقيقها.
إنّ الفكرة تتجسّد في كلمة، والفعل يؤكّد تلك الكلمة، ويتطوّر الفعل إلى أن يصبح عادة, وتصبح تلك العادة من سمات الشخصيّة {الذات}
لذلك يجب علينا وجوبا أن نلاحظ الفكرة ومراحل تطوّرها بعناية شديدة، وندعها تنبع من الداخل، من الجهة الإيجابيّة {حبّ الحياة ـ حبّ الخير لأنفسنا ولجميع لبشر من حولنا}، هذا الحبّ الذي ينبع من اهتمامنا ببقيّة المخلوقات جميعا، بل حتّى بما حولنا من نبات وجماد. (1/49)
صفحة 50
إنّه بهذه الطريقة ينخفض لدينا الجهد الذي نبدله في إنجاز كثير من أعمالنا إلى أدنى حدّ ممكن، وذلك لأنّ عقلنا في تلك الحالة يعمل بكلّ طاقاته في هدوء واطمئنان، وهذا ممّا يشجّع نفوسنا على العمل والصبر، وممّا يقوّي ثقتنا بأنفسنا.
أمّا الخطوة الثانية هي أن نبدأ في تخيّل ما نرغب في تحقيقه، وفي موضوعنا هنا فإذا أردنا أن نكتسب ذاكرة قويّة، وأن نكون عبقريّين أصحاب تفكير جيّد وصواب، فما علينا أن نقوم بتخيّل ذلك كلّه في تفكيرنا، وبعد ذلك نوجّه الطلب إلى ذواتنا بإيمان قويّ، وثقة كاملة في ذواتنا بأنّنا نستطيع القيام بذلك بسهولة مع إتقان، وذلك مثل الإيمان القويّ للفلاّح الذي يلقي البدور في الأرض وهو واثق في قوانين النموّ التي سطّرها ربّنا سبحانه وتعالى.
وهو القائل:
- أفرآيتم ما تحرثون، ءآنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. -
سورة الواقعة ــ آية: 63 ـ 64.
إنّ العقل الباطن هو الشاشة الشخصيّة لحياتنا، وإنّ أقوالنا الخارجيّة وسلوكاتنا تعكس ما بداخلنا، وذلك كما يقول أحد العلماء:
إنّ العمل الخارجي يعكس التصوّر الداخلي لعقلنا الباطن.
إنّ كثيرا من الناس يستعملون بكلّ هدوء وثقة المصطلحات المجرّدة ـ النجاح ـ الفوزـ التفوّق ـ العبقريّة ـ ويكرّرونه عدّة مرّات ومرّات في اليوم الواحد، فيتكوّن لديهم اعتقاد جازم بأنّ النجاح من حظّهم ومن نصيبهم بإذن الله تعالى وعونه وتوفيقه، وهذا التوجّه يكوّن فيهم الميل الشديد إلى العمل المتواصل الدؤوب والصبر والمثابرة في سبيل تحقيق ذلك.
ونحن جميعا يمكننا أن نبدأ بتكرار كلمة النجاح والتفوّق بإيمان واقتناع منذ الآن، إذا أردنا أن نحقّق ذلك في واقع حياتنا، لأنّ هذا التكرار يجعل العقل الباطن يستقبل تلك التحفيزات كحقيقة ثابتة، ويجعلها واقعا معاشا تحت ضغط إجباري منه، فيكون النجاح من نصيبنا، إن شاء الله تعالى. (1/50)
صفحة 51
علينا أن نكون خياليين ومشتركين عقليّا في حالة النجاح، وذلك بأن نجعل ذلك عادة في نفوسنا.
فعندما نذهب إلى النوم نملأ نفوسنا بالأمل والتفاؤل ونخاطب أنفسنا ونقنعها بأنّنا قادرون على النجاح، وأنّ ذاكرتنا قويّة تستطيع الحفظ والاستيعاب، وعلينا أن نحلم بذلك، ونكون راضين عن أنفسنا، وفي الأخير سنجني ثمرة ذلك في الواقع، وهذا طبعا ما نتمنّى بلوغه في هذه الحياة.
إنّ الله لا يخيّب الظنّ الحسن لكلّ إنسان، ما دام يأمل الخير لنفسه ولمن حوله، وما دام يجتهد ويثابر على تحقيق النجاح وبلوغ الدرجات الجيّدة، وهو القائل في كتابه الكريم:
- والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين. -
سورة العنكبوت ــ آية:69.
إنّ تفكيرنا المصحوب بالشعور بالنجاح والتفوّق، لن يخيّب ظنّنا في أنفسنا، لأنّه سيصبح اعتقادا شخصيّا، ووفقا لذلك الإعتقاد في ذواتنا سنحقّق أهدافنا، والشخص الناجح لديه تفهّم نفسيّ وعقليّ قويّ وكبير.
إنّ قوى الخيال المدعّم تحقّق المعجزات، وإنّ عقلنا الباطن هو مخزن الذاكرة، ولكي نتمتّع بذاكرة قويّة عبقريّة فعلينا أن نؤكّد لنفوسنا دائما عبارة:
إنّ الذكاء المطلق لعقلنا الباطن يكشف لنا دائما كلّ ما نحتاج معرفته في كلّ مكان وفي كلّ الأوقات.
إنّ فكرة النجاح تحتوي على كلّ عناصر النجاح، وهي التي تجلب لنا وسائل النجاح، فما علينا إلاّ أن نكرّر كلمة النجاح ونفكّر فيها بكلّ قوّة وثقة، وباستمرار وإيمان واقتناع، وبذلك نصبح تحت تأثير إجباري لهذه الكلمة، وذلك بدون وعي منّا فنحقّق النجاح والتفوّق.
خطر الهاتف النقّال على التركيز. (1/51)
صفحة 52
أثبت علماء أمريكيّون في دراسة أجريت حديثا في جامعة واشنطن الأمريكيّة صحّة ما جاءت به الدراسات المتعدّدة حول خطورة الهاتف المحمول على صحّة الدماغ وسلامته، ما دام يعتبر الجهاز الأساسي لعمليّة التذكّر واستيعاب المعلومات، وتأثّره السلبي بهذه الآلة التي عمّ استعمالها عند جميع الناس وفي كلّ مكان، وذلك لما يصدر عن ذلك الجهاز من الأشعّة التي تترك أثرها في خلايا الجسم عامّة، وخلايا الدماغ خاصّة.
فقد توصّل هؤلاء الباحثين في دراستهم التي أجروها على الفئران أنّ هذا النوع من الهواتف قد يسبّب فقدان الذاكرة طويلة المدى، حيث أصيبت الحيوانات التي تعرّضت لإشعاعات قصيرة لموجات مشابهة للتي تصدر من الهواتف الخلويّة بفقدان الذاكرة الطويلة المدى.
ولاحظ هؤلاء العلماء في الدراسة التي أجروها والتي نشرتها مجلّة علميّة تحت عنوان ــ المجال الكهرومغناطيسي الحيوي ــ أنّ الفئران أصيبت أيضا بتلف في المادّة الوراثيّة ـ DNA َ ـ عند تعريضها لنفس كميّة الإشعاعات التي يتعرّض لها الشخص عندما يتحدّث في الهاتف المحمول لمدّة ساعة.
وقد حذّر عالم الكيمياء الألماني {فرايد لهايم فولنهارست} في حوار أجري معه بمقرّ جمعيّة الصداقة البافاريّة العربيّة في ميونيخ من خطورة أجهزة الموبايل أو االإلكترونيات عموما على صحّة الأطفال، وعلى أجهزة الجسم الحسّاسة بالنسبة للكبار، كالمخّ والقلب، وقال إنّ التقنيات الحديثة هي سبب رئيسي في ارتفاع الأمراض الأكثر شيوعا في الدول المتقدّمة.
وأضاف أنّ ترك أجهزة الهواتف المحمولة في غرف النوم يسبب الأرق، وكذلك الإفراط في استخدامها يؤدّي إلى تلف في الدماغ وضعف في القلب. (1/52)
صفحة 53
وقال هذا العالم الكيميائي الألماني الذي يعيش وحيدا في شقّته بميونيخ أنّه يمكن أن تنبعث من المحمول طاقة أعلى من المسموح به لأنسجة الرأس عند كلّ نبضة يرسلها، حيث ينبعث من التليفون المحمول الرقمي أشعّة كهرومغناطيسيّة تردّدها 900 ميجا هرتز على شكل نبضات، ويصل زمن النبضة إلى 546 ميكرو ثانية ومعدّل تكرار النبضة 215 هرتز.
وأشار في هذه الدراسة إلى العديد من الظواهر المرضيّة التي يعاني منها غالبيّة مستخدمي الموبايل، مثل الصداع وضعف الذاكرة وألم المفاصل، والأرق، والقلق أثناء النوم، وطنين الأذن ليلا، كما أنّ التعرّض لجرعات زائدة من هذه الموجات الكهرومغناطيسيّة يمكن أن يلحق أضرارا بمخّ الإنسان.
وفسّر طنين الأذن بأنّه ناتج عن طاقة زائدة في جسم الإنسان وصلت إليه من تلك الموجات.
وقال البروفيسور الذي اخترع رقائق الموبايل أثناء عمله في شركة سيمنس الألمانيّة للاكترونيات:
إنّ إشعاعات الهاتف المحمول تضرب خلايا المخّ بحوالي 215 مرّة كلّ ثانية ممّا ينجم عنه ارتفاع نسبة التحوّل السرطاني بالجسم بنسبة 4% عن المعدّل الطبيعي.
وأشار إلى أنّه يوجد تأثير ضار على الصحّة العامّة في حالة تجاوز حدّ الأمان طبقا للمعايير المعتمدة دوليا لاستخدام المحمول.
وقد أوصت منظّمة الصحّة العالميّة بإجراء المزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كانت هناك تأثيرات ضارّة أكثر عند استخدام هذا التليفون على المدى الطويل حيث أنّ عدم معرفة هذه التأثيرات بدقّة يؤدّي إلى نتائج خطيرة.
وأشار إلى أنّ الاتحاد الأوروبي شرع في إجراء دراسة حول آثار الموبايل على الصحّة العامّة نظرا لأنّ الشركات التي تنتج المحمول وتسوّقه لا تعطي أيّة بيانات مدقّقة شافيّة عن تأثيراته عند استخدامه خلال فترات طويلة، لأنّ هذه الدراسات لم تجر من قبل نظرا لحداثة اختراعه.
نصيحة من العالم الكيميائي (1/53)
صفحة 54
دعا هذا العالم الألماني جميع مستعملي الهاتف المحمول إلى إبعاده عن غرفة النوم، وإغلاقه بالكامل بعد الإنتهاء من العمل لتقليل وقت التواجد معه في حيّز مغلق لأنّ تأثيرات الإشعاع تزداد على الشخص النائم، وخاصّة على العين والنشاط الكهربي للمخّ.
وزاد قائلا إنّه عادة ما تتحوّل في جسم الإنسان بعض الخلايا العاديّة إلى خلايا سرطانيّة، ولكن يقوم الجهاز المناعي إذا كان سليما بمقاومة ذلك التغيّر، ويتخلّص منها، ولكن الأشعّة المنبعثة من الهاتف يضعف مقاومتها نوعا ما.
ووجد أنّه عند تعرّض خلايا المخّ إلى الإشعاعات المنبعثة من الموبايل فإنّه ترتفع نسبة تحوّل الخلايا السليمة إلى أخرى سرطانية من 5 % إلى 59%.
ويحمل العالم الألماني ــ وهو بروفيسور في الكيمياء الصناعية أمضى 45عاما من حياته في الإختراعات التقنيّة ــ في جيبه ذراعا صغيرا من الأليمنيوم ابتكرها بنفسه يستطيع بواسطتها تحديد مصادر الإشعاع في أيّ مكان مغلق مثل المكاتب وغرف النوم.
وأشار بكلّ افتخار واعتزاز، إلى أنّه فخور بما أنجزه لوطنه ألمانيا من اختراعات وابتكارات وللعالم أجمع، وفخور أيضا بأنّه تعرّف على الخلايا السرطانية في عظامه، وأوقف نموّها في منزله بعيدا عن الأطبّاء والمستشفيات.
التركيز وأثره على الذاكرة.
إنّ إنسان هذا العصر قد ابتلي بالعجلة وبالسرعة في قضاء جميع مصالحه، حتيث تكوّن لديه نتيجة لذلك تفكيرا سطحيّا عاديّا، لأنّه يجد كثيرا من الوسائل التي تكفيه مؤونة العناء والتفكير في كيفيّة تسييرها وتنظيمها.
إنّه يوجد هناك فرق جدريّ وأساسي بين التفكير السطحي وبين التفكير العميق، وهو ما يسمّى التفكير الإبداعي الذي يتحقّق به النجاح والتقدّم. (1/54)
صفحة 55
نعم يوجد هناك فريق من الناس من يفكّرون مثل هذا التفكير الإبداعي العميق، وهم الفريق الذين يهتمّون بتطوير العلوم والبحث المفيد والمرشد إلى الناحية الإيجابيّة في طريق الحياة، وكذلك الذين يهتمّون بالإختراعات والإبداعات المختلفة، ولولا تفكير مثل هؤلاء المهتمّين المتخصّصين في مختلف الميادين لما وصلت البشريّة إلى مثل هذا التطوّر الكبير الذي وصلت إليه.
ولكن نجد الأغلبيّة الغالبة من البشر غافلين عن هذا التفكير الإبداعي المعمّق ولا يهتمّون به، في حين أنّه أساسي في حياتهم، لأنّه هو الذي ينمّي فيهم ملكة التفكير والتركيز، فتنمو بذلك مواهبهم، وتنشط الخلايا المخّية لديهم ممّا يجعلهم أقوياء الذاكرة، خاصّة في هذا العصر الذي تشعّبت فيه مجالات العلوم والبحوث.
وكذلك من جهة أخرى قد كثرت الملهيات والمغريات التي تصرف تفكير الإنسان عن ما هو مهمّ وما هو أساسي وكلّ هذا ممّا يضعف فيه قوّة التركيز والإنتباه.
فأغلبيّة الناس لا يتذكّرون كيف كانت حياتهم قبل عشر سنوات مثلا، وكذلك لا يخطّطون للمستقبل القريب أو البعيد حتّى يعيشوا على بصيرة من أمرهم، وكيف يطوّرون قدراتهم المتعدّدة التي وهبها الله تعالى لهم، وفضّلهم بها على المخلوقات الأخرى المختلفة، وما الذي يجب عليهم أن يفعلوه، والسلوكات والتصرّفات التي يتوجّب عليهم اتّباعها وتطبيقها في واقع حياتهم، علّهم يغيّروا من نمط حياتهم ويرتقوا بشخصيّاتهم إلى الأحسن سواء للحياة الدنيويّة أو الأخرويّة، ويصبحوا أكثر إيجابيّة في مواجهة مشاكل الحياة، وما أكثرها في هذه العصور المتأخّرة.
إنّ أغلبيّة الناس إذا ما نظروا إلى مستقبل حياتهم من هذه النافدة الصغيرة، فإنّهم سيصبحون مبدعين منتجين لإفكار راقية جديدة وأعمال نافعة وتتكوّن فيهم على مرّ الوقت مهارات متنوّعة، وهذا ما يجبرهم على استعمال واستغلال ذاكرتهم، وذلك ما تطلبه منهم هذه الذاكرة وقواهم الفكريّة. (1/55)
صفحة 56
إنّ هذا الإتّجاه الثقيل شيئا ما على النفس من المحفّزات التي تجعل الذاكرة تنمو وتتدرّب على التفكير الصحيح والدائم في الإتّجاه الإيجابي والصواب، وتجعل الأشخاص يغيّرون نظرتهم إلى الحياة.
إنّ كثيرا من الناس لا يريدون أن يبدلوا مجهودا معتبرا في سبيل تغيير وترقيّة تفكيرهم حتّى يحقّقوا لأنفسهم حياة أفضل وأحسن، وما ذلك إلاّ لضعف الهمّة ونقصان الإرادة، ولضنّهم أنّهم لا يستطيعون تحقيق ذلك نتيجة للتصوّر الذهني الذي تكوّن في عقلهم الباطن على مرّ الأيّام.
إنّ ما ينقص الجيل الحاضر هو علوّ الهمّة التي يجب على الموجّهين والمرشدين في المجتمع أن يكوّنوها فيهم حتّى يرتقوا بأفكارهم إلى الدرجات العاليّة فيحيوا حياة جدّ ونشاط ومثابرة، ويحقّقوا مختلف الأهداف.
إنّ مبدأ علوّ الهمّة يعتبر من أسباب تقويّة الذاكرة وتطويرها.
وهذا هو مرشد البشريّة ومربّيها يأمر أتباعه أن يثابروا ويجتهدوا في سبيل تطوير ذواتهم وإعلاء هممها حتّى يطوّروا من واقع حياتهم، فيحقّقوا لأنفسهم حياة مطمئنّة يحقّقون فيها الأهداف العالية التي خلقهم ربّهم - عز وجل - من أجلها في الكون، وسخّر لهم ما فيه جميعا منه، فقد خلقهم لرسالة عالية يجب عليهم أن يؤدّوها، وهي تحقيق الخلافة، وتحمّل الأمانة التي عجزت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها.
قال تعالى:
- وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة. -
سورة البقرة ـ آية: 30.
وعن الحسن ين عليّ ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
إنّ الله تعالى يحبّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها.
وقال - صلى الله عليه وسلم - من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. ... رواه الترمذي.
وروي عن عمر بن الخطّاب ـ - رضي الله عنه - ـ أنّه قال: لا تصغرنّ هممكم، فإنّي لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم. (1/56)
صفحة 57
قال ابن الجوزي: تأمّلت أحوال الناس في حالة علوّ شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين حسراتهم حينئذ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرّط في اكتساب العلم، ومنهم من أكثر من الإستمتاع باللذات.
إنّ من ينفق وقت شبابه في التعلّم، فإنّه سيحمد في زمن الشيخوخة جني ما غرس، ويلتدّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما فقده من لذّات الجسم شيئا يندم عليه بالنسبة إلى ما يناله من لذّة العلم.
ويقول ابن الجوزي:
ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلبه وأرجوه من تحصيل الثواب من ذلك الطلب، ونفع الناس بالدعوة إلى الله.
ويقول كذلك:
كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلاّ عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلاّ لذّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أنّي عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وآدابه وأحوال الصحابة وتابعيهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.
وكلّ ذلك يعتبر من التمارين الذهنيّة العالية التي تنشّط خلايا المخّ وتزيد من حركة الأعصاب التي تربط بينها، ممّا يزيد من قوّتها واستيعابها لمختلف المعلومات.
وعلى كلّ من أراد أن يصبح عبقريّا ذكيّا ذا ذاكرة قويّة، أن يعلي همّته، ويهتمّ بزيادة معلوماته، لأنّ ذلك يجعله يتمكّن من الإحاطة بكثير من الأمور، ويغيّر من واقع معيشته إلى الأفضل، فيكون دائما في أخذ وعطاء، وعندما يعطي دون أن يأخذ فإنّه يتّجه نحو النقصان والضعف، وهذه العمليّة في حدّ ذاتها تضعف الذاكرة، لأنّ العقل بحاجة دائما وأبدا إلى الغذاء الذهني ما دام صاحبه حيّا يرزق، تماما كحاجة الجسد إلى الغذاء المادّي الذي يتقوّى به، والذاكرة عندما تضعف يكون النسيان هو الحاكم على الإنسان. (1/57)
صفحة 58
وعدم علوّ الهمّة تجعل الإنسان لا يعيش الجدّية في هذه الحياة الدنيا، فيستخفّ بالأمور المهمّة، ولا يبالي بما يقع حوله من أحداث، وبالتالي فإنّ الصور التي يريد حفظها في ذاكرته لا تكون واضحة المعالم، فينتج عن ذلك نظرة سلبيّة نحو ذاكرته، لأنّه يصبح عندما يريد استحضار تلك المعلومات مرّة أخرى تخونه ذاكرته، لأنّها تكون غير جاهزة لإخراجها مرّة أخرى، وما ذلك إلاّ لسبب واحد وهو أنّه لم يتعامل منذ البداية مع تلك المعلومات التي تلقّاها بالجدّية المطلوبة.
إنّ الذاكرة القويّة تكمن في عملياتها الأساسيّة التي تقوم بها بكلّ قوّة وثقة وثبات.
وهذه العمليّات قد عرّفها {سميرنوف} حيث قال إنّها تكمن في المراجعة المتقنة والإحتفاظ بها بصفة حسنة، ثمّ القدرة على التعرّف الجيّد والإسترجاع اللاحقين لما قد مرّ بخبرتنا السابقة.
فعندما نهتمّ بشيء نريد الإحتفاظ به داخل ذاكرتنا، فإنّه عادة ما يتكوّن فينا حماسا منقطع النظير في المطالعة والبحث والإستنتاج وغيرها من العمليات المتعدّدة التي تولّد طاقة عالية جدّا في عقولنا، ممّا يجعلها مستعدّة استعدادا كاملا لحفظه واستيعابه.
إنّ تدريب الذاكرة والمحافظة على قوّتها في مختلف مراحل العمر لا يتكوّن إلاّ بالتمرينات الفكريّة المهمّة والمستمرّة، والتي تحسّن وظائف المخّ في مراحل حياة الإنسان، وذلك تماما مثلما تساعد الأنظمة الغذائية والتمرينات الرياضية أجسامنا على البقاء في حالة صحّة جيّدة.
إنّ تنشيط خلايا المخّ ضروريّ، حتّى تعمل الذاكرة بصورة جيّدة، وإنّ الإدراك هو نتيجة مباشرة لنشاط المخّ وبنائه، مثلما تربط صحّة القلب بالقدرة على أداء التدريبات والقيام بالمهارات الصعبة.
قالت {فيليشيا هوبرت}:
إنّ نتائج تقويّة الذاكرة وتنشيطها يرتبط بشدّة بالطريقة التي ينشّط بها الناس خلايا مخّهم، وقالت: ّ (1/58)
صفحة 59
والذاكرة مثلها مثل أيّ عضو آخر في الجسم تحتاج إلى التدريب والرياضة المعنويّة، تماما كما تحتاج تلك الأعضاء إلى الرياضة العمليّة.
وأغلبيّة الشباب يبدأ عندهم ضعف الذاكرة عندما ينقطعون عن التعلّم، ويتوقّفون عن الذهاب إلى المدرسة.
كما أنّه يمكن أن تكون ذاكرة شخص في السبعينات أو الثمانينات من عمره أقوى ممّن هم أصغر منهم سنّا، وما ذلك إلاّ لأنّهم داوموا على تنشيطها واستعمالها دون توقّف أو انقطاع.
ونحن المسلمون قد أنزل الله تعالى إلينا كتابه القرآن الكريم ليكون لنا أحسن مدرّب لذاكرتنا، وهو أحسن وأفضل غذاء ذهني أنزله الله تعالى لهذا المخلوق الذي خلقه بيده، ويعلم ما يليق به لعقله وجسمه وروحه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ويعلم سرّه ونجواه، لأنّه هو الذي خلق له نفسه ويعلم ما يصلح له لدنياه وآخرته، فأنزل إليه هذه النعمة الجليلة والعظيمة التي لها تأثير عجيب في كامل ذاته وعلى قلبه ودماغه.
والعلماء قد توصّلوا إلى أنّ هناك اتّصال وثيق بين قلب الإنسان وذاكرته، وخاصّة إذا تلاه بقواعد التجويد، ففي هذه الحالة يستعمل مخّه بكلا جزئيه، وليس جزءا واحدا كما تؤثّر فيه مختلف العلوم الأخرى.
فقد أثبتت الدراسات المختلفة الحديثة الخاصّة بالمخّ ـ وخاصّة تلك التي تتعلّق بالجانبين الأيمن والأيسر من قشرة المخّ ـ أنّ كلّ الإنسان يملك سلسلة هائلة من المهارات العقليّة الموزّعة في كلّ مكان من الأجزاء الأكثر تقدّما في المخّ، وأنّ هذه المهارات في حاجة إلى التدريب والتطوير الملائمين حتّى تظهر وتنمو، وتشمل تلك المهارات الكامنة في قشرة المخّ بجانبيها الأيمن والأيسر.
وذلك لأنّ كلّ شقّ من المخّ له مهاراته التي يختصّ بها ويقوم باستعمالها، فإذا ما قمنا ببعض المهارات التي يختصّ بها شقّ، ولم ننشّط الشقّ الآخر بالقيام بتطبيق مهاراته فإنّه يصبح لدينا شقّ أقوى وأنشط من الآخر. (1/59)
صفحة 60
فقد درس هذا الموضوع العالم النفسي الأمريكي {روجر سبري} ففاز بجائزة نوبل مقابل أعماله وأبحاثه التي قام بها حول شقّي المخّ، فقد اكتشف هو ومعاونوه في البحث أنّ الشقّ الأيمن من المخّ يتعامل عامّة مع النشاطات الإبداعية التي لا تتعبه كثيرا، بينما الشقّ الأيسر يقوم بنشاطات أخرى مختلفة.
فمثلا الشقّ الأيمن ينجز النشاطات الآتية:
الإيقاع ـ الإدراك المكاني ـ الإدراك الشمولي ـ التخيّل ـ أحلام اليقظة ـ الألوان ـ الأبعاد.
بينما الشقّ الأيسر يقوم بعمليات معقّدة نوعا ما وذلك مثل:
حفظ الكلمات ـ المنطق ـ حفظ الأعداد ـ التتابع ـ التشعّبية ـ التحليل ـ القوائم.
وقد اكتشف {سبري} أيضا أنّه عندما يكون الجانب الأيمن من المخّ نشيطا، فإنّ الجانب الأيسر في حالة شبه ارتخاء أو همهمة تأمّلية.
وعندما يحدث العكس، ويكون الجانب الأيسر من المخّ في نشاط فإنّ الجانب الأيمن يدخل في نفس حالة الإرتخاء والهمهمة التأمّلية السابقة.
وأوضحت التجارب أنّ كلّ فرد يمتلك نطاقا كاملا من القدرات والمهارات الذهنيّة المتنوّعة، ولكن ويا للأسف بسبب سوء التعليم وخطإ المعلومات، فإنّ معظمنا يميل للاعتقاد خطأ بأنّه ماهر بالفطرة في عدد قليل من هذه المهارات أو تلك (والتي تتمركز إمّا في الجانب الأيمن أو في الجانب الأيسر من أنشطة المخّ ولكن نادرا ما تكون في كلا الجانبين)، وأنّه غير ماهر في المناطق الأخرى بطبيعته، ولكن قد يكون هناك وصف أكثر دقة للذات يتلخّص في عبارة.
لقد قمت بتطوير وتنميّة بعض مناطق قدرتي الكامنة، ولكن لأسباب متعدّدة أهملت المناطق الأخرى وتركتها جانبا.
وربّما نستطيع تفسير ذلك بأنّ التخصص الذي يميل إليه كلّ شخص هو الذي يجعله يهتمّ ببعض الأنشطة دون الأخرى ممّا يجعله ينشّط جانب دون الجانب الآخر، أو ينشّط واحدا أكثر من الآخر، ممّا يجعل الجانب الذي ينشط أكثر يتقوى أكثر. (1/60)
صفحة 61
و نتيجة لهذا البحث فإنّ الملايين من الناس قد بدأوا يهتمون بتنشيط كلا الجانبين معا وتنميّة مناطق الضعف في قدراتهم العقليّة.
وقد وجد العلماء أنّ الأشخاص الذين خضعوا لتدريب الجزئين معا من مخّهم تحصّلوا على نتائج باهرة في تنشيط ذاكرتهم، وتطوّرت تطوّرا ملحوظا، وذلك بصرف النظر عن العمر، وقد اكتشفوا أيضا أن التدريب الجديد لم يطوّر من الذاكرة فقط، بل عاد بالنفع على المهارات القديمة ودعّمها بشدّة.
وربّما نشير هنا إلى العباقرة الذين تحصّلوا على الدرجات العلى في مختلف الإختصاصت والعلوم، لم يعتمدوا على جانب من أنشطة أدمغتهم، وإنّما كانوا اهتمّوا بأنشطة مختلفة واهتمامات متنوّعة في مجالات متعدّدة، لذلك تحصّلوا على تنشيط الشقّين من مخّهم فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من العبقريّة والنبوغ.
وكلّ من يريد النبوغ والتفوّق في المهارات الفكريّة، فما عليه إلاّ أن ينوّع ينشّط شقّي مخّه معا، فيحقّق التوازن بين الجانبين كليهما، لأنّ العلماء يقرّرون ويأكّدون بأنّ أيّ تنشيط للذاكرة وتنميّتها لابدّ أن يعتمد على تنشيط الشقّين في آن واحد، وأنّ أيّ نظام لتطوير الذكاء المتعدّد، أو إدارة الذات فمن الضروري التأكّد من أنّ شقّي المخّ يكونان في توازن فعّال ونشيط.
ورغم اكتشاف هذه المعلومات والحقائق، والتوصّل إلى هذه الإكتشافات، فإنّ كثيرا من الناس ما زالوا يشكّون في أنّهم فعلا يمتلكون كلاّ من القدرات الموجودة في الجانبين الأيمن والأيسر من المخّ.
ولكي نفحص الجانب الأيسر لمخّنا فما علينا إلاّ أن نسأل أنفسنا بكلّ بساطة عمّا إذا كنّا نستطيع فهم لغة من اللغات ونجيد التحدّث بها، لأنّه لكي نتعلّم تلك اللغة تعلّما جيّدا، ونتقن التحدّث بها، فمن المؤكّد أنّنا قد استخدمنا المهارات المتعدّدة والخاصّة بالجانب الأيسر من مخّنا، وذلك مثل المهارات العدديّة والنطق والتحليل والتسلسل. (1/61)
صفحة 62
ومن جهة أخرى فلكي نختبر نشاط وعمل الشقّ الأيمن من مخّنا فما علينا إلاّ أن نسأل أنفسنا:
أين نتواجد عندما يأتينا هذا الكمّ الهائل من الأفكار الإبداعيّة والخياليّة الخاصّة بحلّ المشكلات المتعدّدة التي تعترض طريق حياتنا اليوميّة؟
فمعظمنا يجد نفسه يتوصّل إلى تلك الأفكار وهو يستحمّ في الحمّام، أو حينما يستلقي على السرير حين يستعدّ للنوم، أو في الوقت الذي يكون فيه متوقف في زحمة المرور وراء مقود سيّارته، وربّما وقت تنزّهه في الريف في يوم عطلة، وقد يكون أثناء وجوده على شاطئ البحر، ففي مثل هذه المواقف الهادئة البسيطة يكون العقل في استرخاء وعادة يكون صاحبه بمفرده، لأنّه لو كان معه شخص آخر فإنّه يجب عليه أن يعمل الشقّ الأيسر لكي يتكلّم مع ذلك الشخص أو الأشخاص كلاما منطقيّا وقد رأينا بأنّ المنطق من اختصاص الجانب الأيسر.
فعندما تمرّ بمخيّلتنا مثل تلك الأفكار الإبداعيّة والخياليّة، فإنّ الجانب الأيمن من المخّ هو الذي يعمل، لأنّ العلماء استنتجوا بأنّه يكون في قوّة تفكيره وتأمّلاته في مثل هذه المواقف التي ذكرناها، وأثناء هذه الظروف فإنّ الشقّ الأيسر يوجد في راحة تامّة.
إنّنا عندما نتدرّب على تطبيق هذا الثنائي، يصبح في إمكاننا تطبيق مبادئ تنشيط الذاكرة بمزيد من الثقة والفعاليّة والإستمراريّة، ونتيجة لذلك كلّه تتكوّن فينا الكفاءة اللازمة لتحقيق حياة مليئة بالنجاحات والتفوّق، لأنّ ذلك يضمن لنا من جهة أخرى تحقيقنا إنجازات خياليّة في ذاكرتنا وأدائنا العقلي بوجه عام.
الحوار مع الذات وأثره على الذاكرة.
علينا أن نرصد الأحاديث المتعدّدة والمختلفة التي تدور في داخل مخّنا بينا وبين أنفسنا، حتّى نعلم في أيّ درجة من النشاط نوجد فيها، وذلك بأن نراقبها من أيّ نوع هي، كي نرى هل هي من النوع الإيجابي أو السلبي، وهل تضيف شيئا جديدا إلى مهاراتنا، أو إلى صحّتنا وسعادتنا ومصلحتنا العامّة في الحياة. - (1/62)
صفحة 63
ولابدّ أن نراقب تلك الحوارات لنرى ما إذا كانت تشجّعنا، أم أنّها تصغّر من صورتنا أمام أنفسنا وتبعث فيها الإحباط، وأن نضبط تلك المحادثات بشكل لائق، حتّى نكوّن لأنفسنا مجموعة من المشجّعين يهتفون لنا بحماس من داخل نفوسنا، فينبغي لنا أن نقتطع بعض الوقت لنقضيه مع ذواتنا، لأنّه لا يمكن لأيّ علاقة أخرى في حياتنا أن تتطوّر بشكل لائق أكثر من علاقتنا مع ذواتنا.
إنّ هذه العلاقة لا يمكن أن تؤتي أكلها إلاّ عندما نكون سعداء بنفوسنا حقّا، وحين ندرك بأنّ سعادتنا ورضانا عن أنفسنا في الحاضر سوف يؤدّي بنا بشكل طبيعي إلى رغبتنا في التحسّن من نفوسنا باستمرار، وكلّ ذلك لا يكون إلاّ بتنشيط قوانا العقليّة والفكريّة، والتفكير أكثر فيما ينفعنا ويعود على أنفسنا بالفائدة فيما يستقبلنا من أيّام حياتنا.
إنّها رغبة عقلنا الطبيعية أن نستمرّ في التعلّم والنموّ مدى الحياة.
وقد صدق ربّنا تعالى حين قال:
- وما أوتيم من العلم إلاّ قليلا. - ... سورة الإسراء ـ آية: 75.
- وقل ربّ زدني علما. - ... سورة طه ـ آية:114.
وكذلك سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
العلم من المهد إلى اللحد. ... رواه
فبهذا يتبيّن لنا أنّ الله تعالى قد غرس في هذا الإنسان حبّ التعلّم والتطوّر والإطّلاع ما دام حيّا يرزق في هذه الحياة.
فمثل هذه الآيات والأحاديث يقرأها الشابّ والشيخ والذكر والأنثى، ولحكمة بليغة ضمّن الله تعالى كتابه مثل هذه الآيات وكذلك رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حتّى يعلم كلّ إنسان مؤمن يقرأها أنّه ما زال في طور التعلّم، وعليه أن يطلب العلم ويستزيد منه في أيّ مرحلة من مراحل الحياة، لأنّه ما زال لم يؤت من العلم إلاّ قليلا، وأنّه ما دام حيّا يرزق فعليه أن يتعلّم ويجتهد وينشط في سبيل ذلك، ويطلب من ربّه عزّ وجلّ أن يزيده علما لأنّه قد علم شيئا وغابت عنه أشياء. (1/63)
صفحة 64
علينا أن نتعلّم كيف ننشّط ذاكرتنا ونقوّيها، بأن نداوم على معاملة أنفسنا بقدر من الودّ والقدر، حتّى لا نحبط لها سعيها، وذلك تماما كما نعامل أيّ شخص عزيز علينا نريد له أن يحقّق نجاحا باهرا ويرتقي إلى أعلى درجات الرقيّ، وذلك مثل الأمّ التي تنشّط ولدها اليتيم وترغّبه في الإجتهاد والنشاط والتعلّم والعمل لأنّها تتمنّى له أن ينجح فتفتخر به أمام العالم، وتتمنّى أن يعلم كلّ الناس بأنّها أمّه، وبإمكاننا استغلالنا كلّ ما نملك من أنواع الذكاء لنفعل ذلك.
وخاصّة الذكاء الحسّي الذي وهبه الله تعالى لنا نعمة من عنده، ونستطيع تحقيق ذلك باستعمال حواسنا استعمالا جيّدا، وتدقيق الملاحظة، والتركيز الجيّد فيما يحدث من حولنا، ولكن ويا للأسف فإنّ القليل النادر جدّا من الناس من يستعمل حواسه استعمالا جيّدا ومركّزا، كي تنقل إليه بكلّ قوّة ودقّة ملاحظة كلّ صغيرة وكبيرة تقع حوله.
يقول {ليونارد دو دافينشي}:
إنّه بشيء من الحزن والأسى، نستطيع أن نقول بأنّ الشخص العادي ينظر دون أن يرى، ويسمع دون أن ينصت، ويلمس دون أن يشعر، ويأكل دون أن يتذوّق، ويتحرّك دون وعي بدني، ويستنشق دون أن يعي الرائحة أو العبير، ويتحدّث دون تفكير.
فعلينا أن لا نكون كذلك، لأنّ الذكاء الخاص بالحواس هو ذكاء يتعلّق على مدى قدراتنا على استخدام كلّ واحدة من حواسنا الجسديّة بكلّ طاقتها التي خلقها الله تعالى عليها، ومعها حاسّتنا السادسة ـ الحدس ـ وذلك إلى الحدّ الذي تبلغ فيه أقصى قدراتها.
إنّ العلماء قد اكتشفوا حقائق مدهشة عن حواسنا التي وهبها الله تعالى لنا وطوّروا طرقا متعدّدة وناجحة لكيفيّة استعمالها بصفة جيّدة وفعّالة لتنشيط ذاكرتنا وتطويرها لما فيه خيرنا وسعادتنا ونجاحنا، ولكي نحقّق السعادة لأنفسنا في هذه الحياة، وربّما حواسّنا أذكى بملايين الأضعاف ممّا نعتقده فباستعمالها بطريقة حسنة وفعّالة نستطيع أن نمتع أنفسنا في هذه الحياة. (1/64)
صفحة 65
والله تعالى خالقنا ورازقنا يعلم أنّ هذا المخلوق شديد الاضطراب والقلق، ممّا يجعله يرى كثيرا من الأشياء وقلبه غافل عن حقيقتها وكنهها، لذلك عبّر في كثير من الآيات بقوله مثلا:
- قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. (- ... سورة يونس ــ آية: 101.
- أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض. (-
سورة الأعراف ـ آية: 185.
وغير ذاك من الآيات الكثيرة التي يدعو فيها تعالى عباده للنظر بكلّ إمعان وتركيز وتفكّر فيما حولهم من المخلوقات التي خلقها والتي تدلّ على وجوده وقوّته وعظمته.
الربط بين المعلومات.
هل تجيد يا صديقي فنّ الربط بين المعلومات بطريقة جيّدة، وبرباط متين لا يسهل فكّه، كي لا تتبعثر تلك المعلومات التي تتعلّمها، بل تبقى راسخة في ذهنك، حتّى إذا احتجت إليها في موقف من المواقف لا تخونك ذاكرتك، فتتذكّرها جيّدا بكلّ تفاصيلها.
وهل فكّرت مرّة أن تطبّق هذه الطريقة في حفظ المعلومات بهدف استيعابها جيّدا.
إنّ كثيرا من العلماء يعتبرون هذه الطريقة هي من أفضل الطرق التي تعين كلّ من يعاني من النسيان.
ولا تعجب إذا علمت أنّ هذه الطريقة كانت معروفة ومستخدمة منذ آلاف السنين، وقد استخدمها الخطباء الإغريق والرومان القدامى حين كانوا يلقون خطبا طويلة بدقّة بالغة، وأعانهم على إتقان ذلك ربط كلّ فكرة في خطبتهم بجزء من منزلهم أو أيّ مكان يحفظون أجزاءه حفظا جيّدا.
فمثلا كانوا يربطون الفكرة الإفتتاحيّة في الخطبة بباب منزلهم الأمامي، والفكرة التي تليها بما يلي الباب، وهكذا كلّ الفكر المتتابعة في الخطاب بما يتتابع من الأجزاء في البيت، وبهذا يتذكّر الخطيب أفكاره الواحدة تلو الأخرى بمجرّد أن يقوم بجولة في المنزل أو المكان الذي بنى عليه ربطه للأفكار. (1/65)
صفحة 66
لقد اكتشف اليونانيون عن طريق استبطان الدوافع والمشاعر والمناقشة وتبادل الأفكار أنّ الذاكرة تعتمد في كثير من عملياتها على مبدأ ـ تداعي المعاني ـ والذي يعمل عن طريق ربط الأشياء ببعضها.
فعلى سبيل المثال بمجرّد أن يقوم المخّ بتسجيل كلمة ـ تفّاحة ـ لديه، فسوف يتذكّر (يربط) شكلها بلونها ومذاقها وملمسها ورائحتها، وربّما بفصلها التي تتوفّر فيه، وثمنها الذي تباع به في السوق، وكذلك جميع التجارب والأصدقاء والمناسبات التي ترتبط بها.
بالإضافة إلى تداعي المعاني، أدرك اليونانيون أنّه لكي نتذكّر شيئا ما يجب أن تكون له ـ صورة ذهنيّة ـ رائعة ومتعدّدة الجوانب الحسّية والمعنويّة.
وبعد ذلك توصّلوا إلى أنّه بعد هذه العمليات التي يقوم بها العقل فإنّه يأتي ـ الموقع ـ أو المكان، ليكون بمثابة العمود الثالث للذاكرة، وبعبارة أخرى فحين نريد تذكّر شيء معيّن فإنّ المخّ يقوم بتخيّله، ثمّ ربطه بالأشياء التي ربطه بها حين ورد إليه للمرّة الأولى، فيعيد استيعاب كلّ هذه الذكريات لكي يتذكّر ذلك الشيء تذكّرا جيّدا وتامّا.
إنّ ذاكرة كلّ شخص سواء كانت مدرّبة أو غير مدرّبة تملك إمكانية إقامة روابط، وأنّ كلّ من يقول ــ لقد نسيت ــ فهذا غالبا غير صحيح مئة في المئة.
إنّ ما حدث لهذا الشخص هو أنّه لم يركّز جيّدا في حفظ تلك المعلومة التي يدّعي أنّه قد نسيها، ولم يقم بربطها بشيء آخر راسخ في ذاكرته ولا ينساه أبدا على مرّ الأيّام.
إنّ طريقة الربط تعتبر من أوّل درجات وعلامات الإدراك الجيّد للأشياء التي نريد حفظها، لأنّه كي نربط المعلومة بأخرى فهذا يدلّ على أنّنا قد فهمناها إلى درجة استطعنا معها أن نجد معلومة أخرى تتشابه معها، وهذا يدلّ كذلك على أنّنا قد فهمنا تلك المعلومة التي ربطناها بها، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّنا نقوم بتثبيت تلك المعلومة الأولى بمراجعتها مرّة بعد أخرى. (1/66)
صفحة 67
ونحن نعلم أنّ المراجعة المستمرّة لنفس المعلومة ممّا يزيدها تثبيتا في الذاكرة، وهذا يعتبر طريقة فعّالة لتدريب الذاكرة، لأنّه بإدراكنا لأيّ شيء منذ البداية وفهمه فإنّ نسيانه غالبا ما يكون قليلا، وبتطبيق نظم الربط سيكون هناك الإدراك، ومن جهة أخرى فإنّ الإدراك لا يكون إلاّ بالتركيز الجيّد والمعمّق لفهم تلك المعلومة.
وتعتبر الملاحظة ضروريّة للإدراك، وأيّ شيء نريد تذكّره جيّدا يجب علينا أوّلا أن نلاحظه جيّدا.
إنّه بربطنا للمعلومات بعضها ببعض يمكننا تحويل أيّ شيء غير مادّي أو أيّة معلومة مجرّدة إلى شيء مادّي وذي معنى في الدهن، وكما رأينا اولئك الخطباء فإنّهم يحوّلون أفكارهم المعنويّة إلى أشياء مادّية من الواقع قد عرفوها منذ زمن ورسخت في أذهانهم، وبالمثل تصبح تلك الأفكار راسخة في أذهانهم كأنّها أشياء مادّية.
إنّ القاعدة الأساسية لتقويّة الذاكرة تقول:
لكي نستطيع ونتمكّن من حفظ أيّة معلومة حفظا جيّدا، بحيث تصبح سهلة التذكّر فيما بعد بسرعة وبصفة جيّدة، فما علينا إلاّ أن نربطها بشيء قد حفظناه من قبل ورسخ رسوخا جيّدا في ذهننا.
وقد توصّل العالم الألماني {أبنجهاوس} بعد دراساته المتعدّدة في موضوع الذاكرة وقوّتها وأسباب النسيان لذى الإنسان إلى أنّ المادّة العلميّة الغير المترابطة، أو الفقيرة في المعاني تكون عرضة للنسيان أكثر من المادّة ذات المعاني والمترابطة بطريقة جيّدة وقويّة.
وكلّ من أراد تدريب ذاكرته تدريبا جيّدا، حتّى تصبح فولاذية تحفظ بسرعة وبقوّة، ثمّ تعيد تذكّر ما حفظته من قبل بسرعة وبصفة كاملة وحسنة، فما عليه إلاّ أن يدرّب ذاكرته على هذه الطريقة التي ظهرت نتائجها بصفة محقّقة وثابتة، وهذا الأمر في غاية البساطة وكلّ واحد يستطيع تعلّمها، ما دام يحفظ في ذاكرته أشياء متعدّدة وكثيرة وفي غاية البساطة ممّا يوجد حوله ويتعامل معها في حياته الواقعيّة اليوميّة. (1/67)
صفحة 68
إنّ لهذه الطريقة البسيطة والسهلة عدّة فوائد لتنشيط الذاكرة، لأنّها تفرض الإدراك والفهم والإستيعاب على مستعملها، وتدفع به إلى التركيز واستخدام الخيال، وتدفعه كذلك لتكوين تلك الروابط، وهي تدفع الذاكرة للعمل والتفكير حتّى تجد ما يناسب ويشابه تلك المعلومة التي تريد ترسيخها داخل العقل، وهذا العمل والتفكير في حدّ ذاته يعتبر تنشيطا جيّدا للذاكرة.
ومن جهة أخرى فإنّ هذه الطريقة تدرّب صاحبها على التخيّل، وتنويع مصادره، وذلك لتكوين الصور المناسبة في الذهن، وكلّ ما يحتاجه خيالنا هو شيء من التدريب، وهذا ما لا يقوم به أغلبيّة الناس، إمّا لعدم معرفتهم بهذه القاعدة، أو لأنهم لا يؤمنون بأنّها طريقة حقيقيّة لتنشيط الذاكرة، في حين أنّه قد ثبت بالتجارب الواقعيّة بأنّ تدريبها تدريبا جيّدا يعطي نتائج حسنة وملموسة.
وكلّ إنسان يستطيع أن يقوم بهذا التدريب بشرط ألاّ يقلق في البداية لأنّه سيحتاج إلى بدل بعض الجهد كي يتمكّن من تكوين تلك الصور، خاصّة إذا كان من طبيعته عدم التركيز والملاحظة الجيّدة والانتباه.
وربّما نستطيع أن نحكم بأنّ هذه الطريقة تضمن لنا عمل شقّي المخّ معا فحفظ الكلمات وترسيخها يقوم به الشقّ الأيسر، بينما يقوم الشقّ الأيمن بالتخيّل، وهو تخيّل شكل الشيء الذي نريد أن نربط به المعلومة التي نرمي إلى عدم نسيانها، تخيّل لونه وأبعاده ومكانه وغير ذلك من المميّزات التي يمتاز بها ويختصّ بها دون غيره.
وعندما تتكوّن لدى العقل هذه المهارة ـ الربط ــ فإنّه ستتطوّر لديه القدرة التي يتمكّن العقل من خلال استخدامها أن يتعامل بسهولة مع كلّ المعلومات الجديدة التي جاءت إليه لأوّل مرّة، ومعرفة تفاصيلها بكل بساطة، ممّا يساعده على التحسين الفوري لمهاراته القديمة في كيفيّة الاستيعاب الجيّدة للمعلومات الجديدة، مع تكوين مهارات أخرى جديدة لم يكن يعرفها من قبل. ّ (1/68)
صفحة 69
وبمجرّد أن يتعلّم الشخص هذه التقنيّة فإنّه سيبعد عن نفسه بسرعة فائقة الخوف من نسيان المعلومات التي يريد حفظها، لماذا ياترى؟.
الجواب هو: لأنّه قد كوّن لنفسه تدعيما يتوكّأ عليه، هذا الدعم هو الذي يبعث فيه الراحة والاطمئنان والثقة بالنفس بأنّه يستطيع أن يستوعب ويحفظ ما يريد دون أدنى مشكل أو خوف، وهذه هي من الأساسيات اللازمة تكوينها في النفس حتّى يستطيع صاحبها أن يقهر هاجس الخوف.
وطريقة ربط المعلومات الجديدة بالقديمة التي حفظناها من قبل يشجّع العقل على تكوين التفكير الإبداعي، هذا التفكير الذي يكوّن لدى صاحبه ذاكرة خارقة للعادة، لأنّ في ذلك الوقت لن يعرف الخيال الإبداعي للعقل أيّ حدود، وسيزيد تعمّقا في فهم فهم تلك المعلومات الجديدة، وسيساعده ذلك على التمييز في أيّ مجال يتطلّب فيه الوضوح والإبداع، ويمتلك مجموعة كبيرة من المهارات الإبداعيّة والعقليّة التي يستخدم فيها كلا الشقيّن في المخّ، فتزداد قوّتهما، ويشتركان معا لدعم التفكير المركّز لدى الشخص، وهذا بدوره يزيد من ترابط الأفكار، فتتطوّر الذاكرة تطوّرا عجيبا، ويتقدّم صاحبها تقدّما كبيرا.
والعقل يعتبر أداة لمضاعفة الأفكار، فهو يضاعفها وينوّع مصادرها عن طريق تداعي الخواطر بواسطة الخيال الإبداعي.
وطريقة الربط تعمل على مبدأين أساسيين هما: التخيّل، وتداعي ... الأفكار.
ومن طبيعة العقل البشري أنّ الله تعالى أودع فيه مهارة البحث عن الروابط بين الأفكار والأعمال حتّى يجد لها مبرّرا يجعله سندا قويّا يبرّر به تلك الأعمال، ولكن تبقى المسؤوليّة ملقاة على صاحبه هو الذي يطوّر فيه هذه المهارة ويشجّع عقله على خلق تلك الروابط، أو يتركها نائمة دون اكتشافها واستغلالها. (1/69)
صفحة 70
وعليك منذ الآن أيّها الأخ الكريم أن تبدأ في استعمال هذه المهارة وتطويرها بطريقة فعّالة إذا أردت أن تستفيد من أكلها الطيّب في كلّ حين، لأنّها ستساعدك على إطلاق العنان لعبقريّتك الإبداعيّة، وستجعل منك أنت وعقلك شيئا في غاية الأهميّة بالنسبة لأصحاب الذكاء، ولن تشتكي بعد الآن من ضعف ذاكرتك وعدم استيعابك وحفظك للمعلومات المهمّة التي هي سبب نجاحك وتقدّمك في ميادين الحياة.
الإنتباه والتركيز.
رأينا في الفصل الماضي أنّ عمليّة الربط تعتمد إلى حدّ بعيد على قاعدتي الإنتباه والتركيز.
وشرود الذهن وعدم التركيز مشكلة يعاني منها كثير من الناس، ويشتكون منها شكاية كبيرة، خاصّة في هذا العصر الذي كثرت فيه الملهيات والمغريات حيث تجعل الإنسان ينتقل من حالة إلى أخرى بكلّ سرعة، ولا يستطيع الثبات على فكرة واحدة، ويودّون محاربة هذه المشكلة في حين أنّهم لايبدلون أيّ جهد يذكر في سبيل تحقيق ذلك.
إنّ شرود الذهن مشكلة تتعلّق بالذاكرة في المقام الأوّل، ومعاناتنا من هذه العمليّة تتحقّق عندما يكون العقل غائبا يقكّر بعيدا عمّا نحن بصدد القيام به في اللحظة الحاضرة، وكثيرا ما يحدث لنا هذا عندما نؤدّي بعض الأعمال بطريقة روتينيّة دون وعي ودون تفكير.
ويوجد هناك فرق كبير بين أنّنا نرى شيئا رؤية سطحيّة فقط، أو أنّنا نلاحظه ملاحظة مركّزة ودقيقة، فالشيء الذي نراه مجرّد رؤية قد لا نتذكّره أكثر من عشرة ثوان، أمّا الذي نلاحظه ملاحظة مركّزة يتمّ تسجيله في الذاكرة ليبقى فيها مدّة طويلة، فنحن جميعا نرى الأشياء بأعيننا ولكن نلاحظها بعقولنا.
والله تعالى يقول في هذا الشأن:
- وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون. -
سورة الأعراف ــ آية:198.
ويقال في المثل: نظرت فلم تنظر، أي لم تتأمّل ولم تتروّ.
ويقال: نظرت إلى كذا، إذا مددت طرفك إليه، رأيته أو لم تره، ونظرت فيه، إذا رأيته وتدبّرته. (1/70)
صفحة 71
واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامّة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصّة.
إنّ أولى الخطوات لنتخلّص من شرود الذهن هي أن نقوم بملاحظة الأشياء التي نريد ترسيخها في الذهن ملاحظة جيّدة وقويّة، ونركّز على الأعمال التي نريد أداءها بأن نلاحظ ما نراه وما نفعله، ولا نؤدّيها بشكل روتيني، حتّى نشارك العقل في كلّ ما نقوم به مشاركة فعّالة، ويكون ذلك سببا لتسجيلها في الذاكرة كي نكوّن حالة عقليّة نستطيع معها تذكّر ما قمنا به وكيف قمنا به، وربّما نشير إلى أنّ هذا التركيز هو سبب رئيسي في إتقان الأعمال التي نقوم بها.
وهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يقول:
رحم من عمل عملا فأتقنه. رواه
إنّ مشكلة شرود الذهن قد تتفاقم لذى بعض الناس حتّى تصبح سببا لحالات من القلق والتوثّر، وتؤدّي بهم إلى الإعتقاد أنّهم خلقوا ليعيشوا بهذه الحالة طول حياتهم، في حين أنّهم يستطيعون معالجتها إذا هم أرادوا ذلك، وعملوا على الوصول إليه وتحقيقه بكلّ جدّية وثبات.
وحلّ هذه المشكلة بسيط جدّا وسهل ومتيسّر لكلّ من أراد تحقيق ذلك، فكلّ ما يجب عليه القيام به هو التأكدّ ممّا يقوم به، والتركيز على الكيفيّة التي يؤديّه بها، ولكن هذا بالطبع يبدو سهلا نظريّا، ولكن يصعب القيام به مئة في المئة في الواقع المعاش، خاصّة إذا لم يكن لدينا تصوّر كبير وحقيقي بأنّنا نستطيع القيام بذلك وتطبيقه في واقع حياتنا.
فعلينا أن نتعلّم كيف نتحكّم في مبدإ تركيز قدرة الإنتباه إلى الأعمال التي نقوم بها يوميّا، هذا الأساس الذي يجهله كثير من الناس، أو يغفلون عنه وهم في خظمّ الحياة، خاصّة في هذا العصر الذي يسمّى بعصر السرعة، فجميعهم يودّون أن يقوموا بأعمالهم بسرعة ودون مجهود يذكر، وذلك حتّى ينجزوا أكبر قدر منها في يومهم. (1/71)
صفحة 72
وهذه المهارة العملاقة إذا استطعنا التحكّم فيها فإنّنا سنصل إلى السيطرة على كلّ العقبات، وتخطي كلّ الصعاب التي تعترض حياتنا بسبب ضعف الذاكرة، لأنّها الطريقة التي ستحفّزنا باستمرار على الإرتقاء إلى مستويات أفضل وأحسن في التفكير والسلوك في واقع حياتنا.
إنّها هي التي ستجعلنا نتعلّم وندرك لماذا نقوم بذلك العمل أو ذاك، وكيف نتصرّف إزاء أيّ مشكلة تعترضنا، وهي التي سترشدنا إلى فعل الأفضل، وتترك فينا آثارا وبصمات واضحة في أعمالنا وسلوكنا كلّها، وهذا ممّا نفوسنا سعادة واطمئنانا، لأنّنا نشعر بأنّنا نؤدّي أعمالنا على أحسن ما يكون، وهذا ما يرجوه ويبحث عنه كلّ إنسان عاقل في هذه الحياة.
وهذا التركيز والإنتباه هما اللّذان يرقيان بشخصيّة الفرد، ويحدثان فرقا في نوعيّة حياة الناس، ويوفّران كلّ أسباب النجاح والتفوّق.
فيجب علينا أن نبحث عن الأسباب السلبيّة التي تعوق قدرتنا على التركيز والإنتباه، وأن نبحث عن كيفية مساعدة نفوسنا على الإرتقاء بهذا الجانب في شخصيّتنا، وكيف ننمّيه فيها حتّى نطوّره فيها لصالح نفوسنا ولصالح الناس من حولنا، وهذا لا يكون إلاّ بالرغبة الحقيقيّة في تعلّم الصبر والمثابرة على توسيع قدراتنا في تعلّم وتنميّة هذه الطرق الفعّالة.
وكلّ واحد منّا يوجد بداخله عملاق نائم، عليه أن يوقظه من سباته لتنطلق مواهبه العقليّة، ويجعله قادرا على استثمار ما لديه من طاقة لتغيير شخصيّته وحياته إلى الأفضل، وتحقّق أقصى استفادة من مواهبك المتعدّدة التي منحها لك ربّك، وستساعدك على إطلاق العنان لمخّك ليعمل بكلّ طاقاته، وهذا إذا علمت أنّ عقلك في غاية من الأهميّة.
الخشوع في الصلاة وتنميّة الإنتباه والتركيز. (1/72)
صفحة 73
إنّ الخشوع وسيلة لتنميّة ملكة حصر الدهن، والتركيز وعدم التشويش، وذلك من الأسباب الرئيسية والهامة في تنميّة القوى العقليّة والفكريّة، والتي ينتج عنها أكبر الأثر في نجاح المرء وفوزه، والخشوع يجعل المصلى يحضر فكره طيلة وقت الصلاة، وهذا ممّا لا شكّ فيه أنّه ينمّي ملكة حصر الدهن، وتصبح أكبر معين في سائر الأعمال.
كما أنّ كميّة الدم تزيد تدفقا إلى الأوعيّة الدمويّة في المخّ في الصلاة، ففي الركوع تنزل كميّة غير عادية إلى الدماغ فتغدي المخّ بالأكسجين اللازم والوقود لعمله، كما تجعل الأوعيّة الدمويّة تتوسّع لتستوعب كميّة أكبر عند السجود، لأنّ في تلك الوضعيّة تتضاعف كميّة الدم المتدفّقة إلى الأوعيّة الدمويّة.
وقد اكتشف الأخصائيون أنّه كلّما ازدادت الأوعيّة الدماغيّة توسعة ازداد ذكاء الشخص، وقد درسوا عدّة أدمغة للعباقرة، وقارنوا بينها وبين أدمغة الأشخاص العاديين، فتوصّلوا إلى نتيجة واحدة، وهي أنّ الأوعيّة الدمويّة في أدمغة العباقرة واسعة أكثر من الأوعيّة الدمويّة في أدمغة الأشخاص العاديين، وهذا دليل قاطع على أنّ تلك الأوعيّة كانت تستوعب كميّة أكثر من الدم عندما كان أصحابها يقومون بالعمليّات الفكريّة المعقّدة.
فالصلاة إذن تعتبر وسيلة من وسائل تقويّة ملكة التركيز والانتباه.
قال الله - عز وجل -:
- قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون. -
سورة المؤمنون – آية 01 - 02.
يقول {وليم مولتون}: الأخصائي بعلم النفس.
إنّ القدرة على التركيز تجري مجرى العادة عند كلّ شخص يدرّب ذاكرته وينمّيها بالوسائل المتعدّدة.
ويقول {وليم} عن كيفيّة اكتساب هذه الصفة:
وهذه القدرة تكتسب بالمران، والمران يتطلّب الصبر والمثابرة والعمل الجاد، فالانتقال من الشرود إلى حصر الدهن هو ثمرة جهد ملح. (1/73)
صفحة 74
خلاصة القول إنّ الخشوع في الصلاة أعظم وسيلة لتنميّة ملكة حصر الدهن عند المسلمين، والتي هي من أعظم الوسائل لتنميّة الذاكرة والمحافظة على قوى عقليّة نشيطة تؤدّي إلى تقدّم صاحبها ونجاحه في حياته.
الصلاة كعلاج لتقوية الذاكرة.
كما رأينا فإنّ الإنسان لا يستطيع أن يحافظ على ذاكرة قويّة مع التأثّرات التي يعترّض لها ويسلّطها عليه الشيطان، لكي يفقد السيطرة على انفعالاته السلبيّة، ولا يعمل عقله في مثل هذه الأوضاع، لذلك فرض الله تعالى على عباده الصلوات الخمس التي تعتبر كمحطّات لشحن النفس بمختلف الطاقات الروحيّة والفكريّة ممّا تجعل صاحبها يستطيع أن يعمل قواه العقليّة بكلّ قوّة وثبات، وهي التي تعيد له قوّته العقليّة، فيزيد نشاطها وتتضاعف قوّتها.
إنّ الصلاة التي يخشع فيها صاحبها بكلّ إخلاص تساعد كثيرا على تهدئة النفس وإزالة التوثّر لأسباب كثيرة أهمّها:
ــ شعور الإنسان بضآلته، وبالتالي ضآلة كلّ مشكلاته أمام قدرة ربّه سبحانه وتعالى وتصرّفه فيه، وعظمة المدبّر لهذا الكون الفسيح، فيخرج المصلّي من صلاته وقد ألقى كلّ ما في نفسه من مشكلات وهموم، وترك تدبيرها وعلاجها وتصريفها إلى الربّ الرحيم، فهو الذي يفعل فيه ما شاء ويحكم ما يريد.
وبذلك يخفّف عن نفسه وعن عقله عناء التفكّر والحيرة في كيفيّة دفع تلك المشاكل التي أرادها له ربّه، فيصفو ذهنه ويقوى تفكيره فيما ينفعه من العلوم والمهارات، لأنّه قد ترك مجالا واسعا في ذاكرته ليستغلّه في الأفكار الإيجابيّة، ووفّر لعقله طاقة هو في أشدّ الحاجة إليها لتطوير ذاته وتنميّة مواهبها.
ــ والصلاة تزيل التوثّر بسبب عمليّة تغيير الحركة المستمرّ فيها، ومعلوم أنّ هذا التغيير يحدث استرخاء فسيولوجيّا في كامل الجسم.
وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيّ مسلم تنتابه حالة من الغضب أن يتوضّأ وضوءه للصلاة إذا أراد أن يدفع حدّته عن نفسه. (1/74)
صفحة 75
ــ كما ثبت علميّا أنّ للصلاة تأثيرا على الجهاز العصبي، فهي تهدّئ من توثّره، وتحافظ على اتّزانه، كما تعتبر علاجا ناجحا للأرق الناتج عن الإضطراب العصبي.
ويقول الدكتور {توماس هيسلوب}:
إنّ من أهمّ علاجات الأرق التي عرفتها في خلال سنين طويلة من الخبرة والبحث في الصلاة، وأنا ألقي هذا القول بوصفي طبيبا.
ــ إنّ الصلاة هي أهمّ وسيلة عرفها الإنسان لتهدئة الأعصاب، فهي تبثّ الطمأنينة في نفس المريض، والهدوء في أعضائه.
أمّا الدكتور {إليكسيس كارليل} الحائز على جائزة نوبل في الطبّ، فيقول عن الصلاة:
إنّها تحدث نشاطا عجيبا في أجهزة الجسم وأعضائه، خاصّة القلب الذي له الأثر الكبير على العقل، وتوجيه تفكيره، إمّا إلى الجهة الإيجابية، أو إلى الجهة السلبيّة، بل هي أعظم مولّد للنشاط عرف إلى يومنا هذا، وقد رأيت كثيرا من المرضى الذين أخفقت العقاقير في علاجهم، كيف تدخّلت الصلاة فأبرأتهم تماما من عللهم.
نّ الصلاة تعتبر كمعدن الراديوم مصدر للإشعاع ومولّد ذاتي للنشاط الفكري، ولقد شاهدت تأثير الصلاة في مداواة أمراض مختلفة، مثل التدرّن الرئوي، والتهاب العظام، والجروح المتقيّحة، والسرطان، وغيرها.
وللسجود أثر عميق ودور فعّال في إزالة القلق من نفس المصلّي الذي يخشع في صلاته بكل جوارحه، حيث يشعر فيه بفيض من السكينة يغمره، وطوفان من نور اليقين والتوحيد يملأ قلبه.
كما اكتشف العلماء بعد دراسات طويلة أنّه عندما يضع الساجد جبهته على الأرض فإنّ الأرض، تمتصّ منه طاقات لا يعلم لاّ الله تعالى سرّها ومقدارها، فهو عبارة عن إفراغ شحنات من تلك الطاقة السلبيّة التي تؤثّر في ذاته تأثيرا سلبيّا، ولو بقيت فيه ربّما ستضرّه ضررا بليغا لا يعلم مقداره إلاّ خالق هذا الإنسان، والذي أمره بالسجود له لفوائد متعدّدة لا يعلمها إلاّ هو سبحانه وتعالى. (1/75)
صفحة 76
وكثير من الناس في اليابان يخرّون ساجدين بمجرّد شعورهم بالإرهاق، أو الضيق، أو الاكتئاب دون أن يعرفوا أنّ هذا الفعل ركن من أركان صلاة المسلمين.
استراحة الذاكرة.
إنّ العقل الذي هو جهاز الذاكرة، يعتبر عضو كسائر الأعضاء في الجسم فهو يعمل كما تعمل بقيّة الأعضاء، وهو كذلك يتعب، ولا بدّ له من فترة راحة لكي يستريح من عناء العمل، ويسترجع فيها نشاطه للقيام بالأعمال الأخرى الكثيرة والمختلفة.
عليك أخي العبقري أن تهب لنفسك هذه الاستراحة، كما تمنح لجسمك فترة راحة بعد عناء عمل متعب، بقصد استرجاع القوّة في أعضاءه.
امنح لنفسك عشرة دقائق على الأقلّ من الصمت بين الحين والآخر، بين الفترات المتعدّدة التي تنتقل فيها من عمل إلى آخر، لتعطي مخّك فترة استراحة من النشاطات اليوميّة المألوفة والمتواصلة، والتي يقوم بها دون انقطاع، فكثير من العباقرة والمفكّرين يقومون بذلك.
إنّ الأطباء قد استنتجوا أنّ إعطاء النفس، وعن طريقها العقل تلك الفترات القصيرة من الراحة بين الحين والآخر، يعتبر من أفضل الوسائل لتحسين الصحة وتقليل التوتر، وهي تعتبر محطّة لاستراحة الذاكرة، حتّى تبدأ عملها من جديد بنشاط أكبر، وحيويّة أفضل، وهي مفيدة بوجه خاص لأولئك الناس الذين يكافحون في حياتهم دون توقّف بين وظائفهم المجهدة ومتطلبات المتعدّدة لعائلاتهم، ومسؤوليات حياتهم الإجتماعية.
وفي أثناء فترات الصمت والهدوء هذه، سوف يقوم مخّك بتنفيذ أولوياته وينتعش من جديد، وينشّط نفسه لجولة من الأنشطة المقبلة، وخرائط العقل هي أدوات رائعة للاستخدام في فترات الراحة. (1/76)
صفحة 77
إنّ الأفراد الذين طبّقوا هذه القاعدة تطبيقا واعيّا جيّدا، وقاموا بالمداومة عليها بكلّ ثقة وثبات، وجدوا أنّهم يعيشون حياة أطول، ويكونون أكثر صحّة، وقد اكتشفوا أيضا أنّ ذلك يزيد كثيرا من فرص النجاح والتقدم في مواجهة المواقف الصعبة، مثل العراقيل التي تقف عائقا أمام ذاكرتهم عن التفكير المركّز، والعمل بطريقة جيّدة.
إنّ تقويّة الذاكرة وتنظيمها تنظيما جيّدا ليس مجرّد تغذيّة العقل وتدريبه، ولكن من بين الأشياء المهمّة التي لا يمكن إغفالها هو إراحة ذلك العقل ومنحه فترات من الإسترخاء بين فترة وأخرى أثناء العمل.
وفي هذا يقول الشاعر:
النفس تسأم إن تطاول جدّها ... فاكشف سآمة جدّها بمباح.
يجب أن نتيقّن جيّدا أنّ الوظائف العقليّة لدينا لا تعمل طوال الوقت بنفس الكفاءة، لأنّ قدراتنا العقليّة لها إشباعاتها، وفي حالات ما يخبرنا جسدنا بأنّه متعب وكأنّه يأمرنا أن نتوقّف عن العمل، ونعطي له حقّه من الراحة، حتّى يستعيد قوّته، وينطلق من جديد في أعمال أخرى، فكذلك الحال تماما مع عقلنا فإذا أعلن لنا إجهاده، فهو يشير علينا أن نتوقّف ونعطي له حقّه من الراحة، وإن لم نستجب له فإنّه يرسل إشارات فوريّة إلى الجسد، ليعلن هو الآخر تضامنه مع العقل في طلب الراحة.
وهناك علامات طبيعيّة، يخبرنا بها جسدنا وعقلنا أنّ الوقت قد حان لنعطي لنفسنا وقتها من الراحة، مقدار نصف ساعة على الأقلّ، كي نتمكّن أن نحصل بعد ذلك على تفكير أعمق وذاكرة أقوى. (1/77)
صفحة 78
وأشهر تلك العلامات وضوحا أنّ جسدنا يطلب منّا أن نتمدّد ليستريح، أو التثاؤب والتنهّد، وانخفاض جفني العين، أو وصول الجسم إلى حالة سكون واسترخاء، أو الذهاب إلى دورة المياه، أو الغوص في أحلام اليقظة، والتذكّر بواسطتها ذكريات سعيدة مرّت علينا من قبل، فنشعر بالبهجة والسرور، أو العكس كذلك فنغوص في ذكريات مؤلمة فنشعر بالانقباض والعزوف عن القيام بأيّ عمل كان، وكذلك التباطؤ في إنجاز ما بين أيدينا من أعمال.
عند ذلك الوقت فلا بدّ من ترك كلّ شيء أمامنا مهما كانت أهميّته وأولويّته على ما هو عليه، وأن نبدأ بالاسترخاء والاستراحة، ونحاول ونحن على تلك الحالة أن نسبح في ملكوت أحلامنا، لأنّه في تلك الحالة ستتدفّق علينا أفكار إبتكاريّة وإبداعيّة جديدة، فما علينا إلاّ أن نشاهد بكلّ راحة وهدوء ما يحدث بداخلنا من تغيّرات، ونستمتع بها، حتّى نهب لعقولنا نشاطا آخر نستطيع أن ننجز به ما يستقبلنا من أعمال ومشاريع.
ومن المفيد أن نقوم بمثل هذه الإستراحة يوميّا ولو مرّة واحدة، من أجل الحصول على تفكير أعمق وذاكرة أقوى.
غذاء الذاكرة الذي يطيل حيويّتها ونشاطها:
إنّ الدماغ ينمو ويتدرّب على العمل، فتنشط خلاياه العصبيّة وتعمل الأعصاب التي تصل بين الخلايا بصفة جيّدا وبنشاط، وذلك مادام صاحبه ينشّطه ويدرّبه طوال سنوات عمره ولو طالت إلى عمر متأخّر.
ويكون ذلك بأن يوفّر ويضمن له من الأبحاث الفكريّة العلميّة ما يجعله يعمل بقوّة ونشاط دون توقّف أو عجز، وذلك بالقراءة والمطالعة في مختلف العلوم والمواضيع، وبهذا يكفل له غذاء وفيرا وجيّدا، بحيث لا يفشل في العمل ولا يفتر فيه. (1/78)
صفحة 79
وهو يقف عن النمو والإنتاج، بل يتأثّر وينقص في التفكير كلّما أهمل أو قدم له الضحل الخفيف من القراءة والمطالعات، تماما كالأعضاء الأخرى في جسم الإنسان، فكلّما استعمل الإنسان عضوا من أعضاءه أكثر من الآخر، واهتمّ به اهتماما أفضل، يأخذ نصيبا أوفر وأكثر من الغذاء والأكسجين بالنسبة للعضو الخامل الكسول، الذي لا يعمل ولا يتحرّك.
ونجد هذا الفرق بين اليد اليمنى واليد اليسرى في القوّة والضعف، لأنّ هذه تعمل وتتحرّك وتنشط فيزداد نموّها، والأخرى لا تعمل ولا تتحرّك ولا تنشط فيزداد ضعفها وفشلها.
وذلك مثل عضد الحداد وذراع العامل والفلاّح، وأغلبيّة المثقّفين لا يقدّمون لعقولهم أبحاثا فكريّة اجتماعيّة أو فلسفيّة جيّدة، فتصاب عقولهم بالملل والإجهاد الفكري، لأنّ الدماغ بطبيعته التي كوّنها فيه الله - عز وجل - يستطيب تنوّع الأبحاث فيستجمّ وينشط، ويستعيد استساغة التفكير والعمل والنشاط، ولابدّ أن نعلم بأنّ التفكير ذا النمط الواحد يتعبه ويجهده، مثله في ذلك مثل الأذن التي تمجّ النغم الواحد المتواتر الذي تسمعه كلّ حين، ومثل العين التي تكلّ وتتعب وهي تنظر دائما إلى نفس المنظر.
وقد أجمع الباحثون في ميدان الأعصاب والدماغ أنّ المخّ يحافظ على حيويّته، ويزداد نشاطه وإنتاجه، ويضاعف استيعابه إذا حافظ عليه صاحبه، ونشّطه، ولم يتركه يخمد أو يجمد فيصاب بضعف الذاكرة ونقصان التفكير.
ونحن نرى كثيرا من كبار السنّ يصابون بتدن في التفكير، وخرق في عقولهم، وعدم الإنتاج، وعدم الابتكار، فما ذلك إلاّ لأنّهم بعد إحالتهم إلى المعاش، واعتزالهم العمل، ينصرفون إلى سكنى المقاهي وإضاعة وقتهم باللعب بالأوراق والألعاب الأخرى، فيتعوّدون على ذلك، ويألفونه فتجدهم لا يستطيعون تغيير تلك العادات، فيقتلون بذلك مواهبهم ويضيّعون عقولهم التي كان يجب عليهم أن يستفيدوا منها، ويستغلّوا نضجها وخبراتها التي اكتسبوها من قبل، طوال حياتهم. (1/79)
صفحة 80
إنّهم يصدفون عن كلّ مطالعة أو دراسة، ويملّون النظر في الكتب والمطالعة، لانعدام همّة الاجتهاد عندهم، ولتعوّدهم على ذلك، بعد أن ألفت نفوسهم الراحة والسكون.
وتجد الواحد منهم لم يخطّط لنفسه غرضا في هذه الحياة، ولا هدفا يحاول الوصول إليه، ولا درجة يتوق تحقيقها، فيضيّع وقته وأيامه وعمره في سخافات لا تعطي إلا نتيجة واحدة دائما، وهي التدنّي في التفكير، والمحاكمات للأخبار العالمية، والكلام عن سياسة الدول، وزيادة الأسعار أو نقصها، وغير ذلك ممّا لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا ينمّي ذاكرتهم ولا يبدع في تفكيرهم ولا يحقّق شيئا.
ونحن المسلمون قد أعطانا الله تعالى، وأنزل إلينا بواسطة رسوله محمد (ص) كتابه القرآن، الذي لو حافظ على دراسته ومراجعته مثل هؤلاء الأشخاص، الذين لا يستطيعون إشغال تفكيرهم فيما يفيدهم، لاستطاعوا تنمّية إبداعهم وتقوّية تفكيرهم، فلا يفقدون ذاكرتهم بسرعة.
فبقراءتهم للقرآن الكريم ترتفع معنويّاتهم النفسيّة، لأنّ الله تعالى هو الذي ضمن لهم ذلك، لما فيه من الحكمة والبركة، ويضاعف من قدراتهم الفكريّة إذا هم حاولوا حفظه واهتمّوا بدراسته، وينمّي ذاكرتهم، ويبقيها جيّدة قويّة ونشيطة إلى آخر أيّام العمر، لما فيه من مواضيع مختلفة متعدّدة، وما فيه من غرائب وعجائب، وتاريخ الرسل والأمم السابقة، كيف أرسل إليهم تلك الرسل، وكيف استقبلوهم، وكيف كان العقاب الذي جلبوه لأنفسهم بأعمالهم الغير الصالحة، وما أعدّه للمتّقين من نعيم مقيم، وللكافرين من عذاب أليم، وغير ذلك ممّا يجعل المخّ ينتقل من موضوع إلى آخر، ومن أسلوب إلى أسلوب مختلف، فيتنوّع بذلك تفكير قارئه، وتنشط خلاياه العصبيّة، فيبقى عقله صحيحا وحيويّا، يؤدّي دوره ولو أنّ صاحبه قد وصل إلى أرذل العمر، زيادة لما فيه من الهداية الرشيدة القويمة، والأجر العظيم.
قال تعالى:
- إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. -
سورة الإسراء ــ آية:09. (1/80)
صفحة 81
فعن ابن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ قال:
من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله تعالى:
- ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا.
سورة الحج ــ آية:05.
والقراءة بالنسبة للعقل، تعتبر كالرياضة بالنبسة للجسد.
ولما في قراءة القرآن الكريم من تعبّد لله تعالى، وما فيه من الأجر العظيم فكلّ حرف بعشر حسنات.
عن ابن مسعود –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (ص):
من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف.
رواه الترمذي.
وكما يمكن أن الجسم يقوى بالمداومة على الرياضة، فكذلك يمكن أن يقوى العقل والذاكرة والحفظ بالمداومة على المطالعة الدسمة والغذاء الذهني المهم.
أدمغتنا تأكل معنا.
بالرغم من أنّ المخّ يمثّل وزنا ضئيلا من الوزن الكلّي لأجسامنا، فإنّه يتغدّى على كميّات كبيرة، ونوعيّات منتقاة ممّا نأكله، كما أنّ هناك الكثير من عاداتنا الغذائيّة الشائعة تؤثّر في خلاياه المرهقة.
إنّ كثيرا من الناس يرجعون سبب عدم تذكّرهم لمعلومة سابقة كانوا قد تعلّموها وحفظوها إلى عوامل وراثيّة، أو تقدّم في السنّ، في حين أنّ هناك سببا وراء ذلك، ربّما هو ما يحصلون عليه من أغذيّة غير متوازنة في وجبات طعامهم.
والعلماء قد اكتشفوا بعد دراساتهم المتعدّدة في مجال الذاكرة وعلاقتها بالتغذيّة أنّ للطعام الذي يأكله الشخص تأثيرا عظيما على قوّة الذاكرة وحدّة التفكير، وقدرة الدماغ على التركيز، وعلى قدرته على التفاعل مع الأحداث التي يتعرّض لها يوميّا في ميدان الحياة العامّة.
وكذلك له تأثيره في سرعة حدوث الشيخوخة المبكّرة لخلايا الدماغ، وأنّ الدراسات العلميّة والبحوث المختلفة قد أثبتت أنّ تقدّم عمر الخلايا الدماغيّة يقلّل قدرة الدماغ البشري على أداء وظائفه الحيويّة، وتنقص حدّة حفظه واستيعابه للمعلومات. (1/81)
صفحة 82
ويؤكّد علماء التغذيّة على الدور الفعّال والأساسي للمكوّنات الغذائيّة التي يتغذّى بها أيّ شخص، وتأثيرها على الجسم، بما أنّ الدماغ يعتبر جزء من الجسم فهو كذلك يتأثّر بذلك الغذاء الذي يتغذّى به الجسم، ولأنّ صحّة العقل وسلامته تتبع صحّة الجسم وسلامته.
ونحن جميعا نحفظ المقولة المشهورة القائلة: {العقل السليم في الجسم السليم}.
وكما أنّ النقص الغذائي لأيّ شخص يؤثّر على ذاكرته، فكذلك الإفراط في تناول بعض العناصر التي غالبا ما يحتاج الجسم إلى كميّة قليلة منها فقط، و نحفظ كذلك المقولة التي تقول: {البطنة تذهب الفطنة}.
ناهيك عن الإدمان على المسكرات والمخدّرات، وتأثير المشروبات الغازيّة التي تحتوي على نسبة عاليّة من الكافيين على حدّة الذاكرة وقوّة التفكير والتركيز الذهني الذي هو أساس تقويّة الذاكرة وتنشيطها، وما ذلك إلاّ لأنّ الخلايا الدماغيّة تظهر ردود فعل متعدّدة ومتباينة إزاء تأثّرها بمثل تلك العناصر الغذائيّة التي يتناولها الشخص.
والشيء المهمّ والملفت للإنتباه هو حاجة خلايا الدماغ البشري إلى مصدر مستمرّ للطاقة على شكل سعرات حراريّة أكثر ممّا تحتاجه الخلايا الأخرى التي تتكوّن منها باقي أعضاء الجسم.
فهذه الخلايا الدماغيّة تحتاج إلى تلك السعرات الحراريّة الناتجة عن حرق السكّر وغاز الأكسجين، وتيار الدم هو الذي يحملها إلى الدماغ لتتغذّى بها تلك الخلايا.
ويمثّل الدماغ 350غرام في المتوسط العام، في حين أنّه يستهلك ما يصل إلى 30%من السعرات الحراريّة الكليّة المتولّدة يوميّا من الغذاء الذي يتناوله الشخص.
وإنّ خلايا أنسجة الدماغ يصعب إرضاؤها بما تحتاج إليه من الغذاء، فهي تحتاج إلى كربوهيدرات عالية الجودة تكون في الأحوال العادية على شكل سكّر العنب (جلوكوز) التي تعتبر كمصدر وحيد لإنتاج الطاقة. (1/82)
صفحة 83
وتقوم خلايا الدماغ بحرق جزئيّات هذا السكّر حتّى خلال ساعات النوم، وهذا ما يؤكّد أهميّة تناول الإنسان لوجبة الإفطار، لأنّها أفضل طريقة لاستعادة مخازن الوقود داخل الجسم، وذلك لما تحتويه تلك الوجبة من سكّر وغيره، وهذه أفضل وسيلة لوقاية خلايا المخّ من حدوث ارتباك فيها، أو حالة من القصور في الأداء العقلي في وقت متأخّر من ساعات النهار.
وقد لاحظ العلماء والمختصّون في عدّة دراسات أنّ الأشخاص الذين توقّفوا عن تناول وجبة الفطور لمدّة من الزمن، ثمّ عادوا إليها لمدّة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أنّ طاقة أجسامهم قد زادت، وذلك ممّا أدّى إلى تحسّن قدراتهم العقليّة على التفكير والتركيز، خاصّة إذا كانت تحتوي على مستحضرات كاملة كالخبز ومصدر غنيّ بالبروتين، كالحليب أو اللبن أو البيض.
ويفضّل حصول الإنسان خلال يومه على وجبات طعام صغيرة، يصل إلى 4مرّات، وتكون الوجبة الغذائيّة منها صغيرة الحجم وخفيفة في محتوياتها، وذلك من أجل تجنّب احتوائها على دسومات ودهون، لتجنّب تحوّل حجم كبير من الدم إلى الجهاز الهضمي بعيدا عن أنسجة الدماغ، والتي تؤدّي إلى شعور الشخص بتعب وكسل في جسمه، كما يحصل مثلا بعد تناول طبق كبير من المواد الدسمة مع المشروبات الغازيّة التي تملأ البطن بالغازات.
كما يؤدّي إتباع الشخص لحميّة غذائيّة قاسيّة، والتي يتناول فيها كميّة قليلة جدّا من السعرات الحراريّة بهدف إنقاص وزنه، أو عند حدوث مجاعة يؤدّي إلى تناقص قدرته الذهنيّة على التفكير.
وقد ذكر تقرير علمي حديث أصدره علماء في معهد أبحاث الأغذيّة بإنكلترا أنّ النساء اللواتي استعملن حمية غذائية بقصد إنقاص الوزن، قد عانين تراجعا في ردود أفعال عقولهنّ نتيجة للأحداث التي مرّت بهنّ، وأصبن بمشكلات في ذاكرتهنّ، مقارنة بنساء أخريات لم يتّبعن نفس هذه الأنظمة الغذائية الضعيفة. (1/83)
صفحة 84
وقد ذكروا أنّ حدوث نقص سريع في وزن جسم الإنسان يعتبر وسيلة خاطئة للتخلّص من الوزن الزائد، لأنّ ذلك يؤدّي إلى حدوث حالة ضعف عام في الجسم، ممّا يسبّب كذلك في نقصان التركيز وعدم فعاليّة القوى العقليّة والفكريّة كما كانت من قبل.
وعلماء التغذيّة والأطبّاء يوصون كلّ من يريد اتّباع الحميّة الغذائيّة بضرورة تطبيق ذلك بشكل تدريجي في وزن الجسم البدين، ممّا لا يزيد على كيلوجرام واحد كلّ أسبوع، فيساعد ذلك في تناقص كتلة الدهون المخزّنة في الجسم شيئا فشيئا، ممّا لا يضرّ بكميّة البروتينات الموجودة في العضلات.
والسبب في ذلك أنّ اولئك الأشخص يتناولون وجبات فقيرة وغير متوازنة وناقصة، وكذلك لا بدّ أن يحدر الإنسان من التخمة وإدخال الطعام على الطعام، وما ينتج عن ذلك من أضرار على عقله.
وقد شاع منذ القدم المقولة التي يقول فيها الحكماء:
{البطنة تذهب الفطنة}.
وقد قال رسولنا محمّد ــ - صلى الله عليه وسلم - ــ:
ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، وإن كان ولا بدّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه.
وقد كثرت الحكم في هذا المجال، نظرا لأنّه يؤثّر تأثيرا مباشرا على ذاكرة الإنسان وتفكيره.
ومنها قول لقمان الحكيم لابنه:
{يا بني إذا امتلأت المعدّة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة}.
وكذلك ورد عن الطبيب الشيخ ابن سيناء:
{من اكتفى دون الشبع، حسن اغتداء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ــ أي عقله ــ ومن تمنّى من الطعام فوق حاجته أضرّ ببدنه، وتأثّرت نفسه، وقسا قلبه، فإيّاكم وفضول الطعام، فإنّه يسمّم القلب بالقسوة، ويبطئ الجوارح عن الطاعة، ويصمّ الأذن عن السماع للموعظة.
كما أنّ شرب فنجان من القهوة لأصحاب الأعصاب الهادئة في الصباح الباكر، يعين على تشجيع عمل الخلايا الدماغيّة، لتمارس عملها ووظائفها الحيويّة بكلّ قوّة ونشاط، مثل التفكير الجيّد، والإدراك الحسن. (1/84)
صفحة 85
ولكن من جهة أخرى يجب أن نحذر من الإفراط في تناول القهوة والمشروبات الغازيّة، خاصّة لأصحاب الأعصاب المتوترة والمتنرفزة، وكذلك الذين يشتكون من ضعف الذاكرة وتشوّش تفكيرهم، لأنّ ذلك يؤدّي إلى ظهور تأثيرات سلبيّة في الجسم كلّه، وفي الخلايا الدماغيّة خاصّة، وتستمرّ فعاليّة هذه المركبّات وآثارها في جسم الإنسان لمدّة 15 ساعة، كما يؤدّي ذلك إلى اضطرابات في النوم لكثير من الأشخاص، ممّا يترك آثارا جانبيّة على عمليّة التركيز التي هي من أساسيات جودة تخزين المعلومات وحفظها في المخّ.
وكذلك ممّا يجعلهم يشعرون بالتعب العقلي وضعف القدرة على الإستعاب الذهني، والضعف في إصدار الأحكام الجيّدة في صباح اليوم التالي.
وكذلك تحتوي هذه المواد على بعض المركّبات التي تقلّل من فعاليّة المركّبات التي تنشّط خلايا الدماغ.
ويؤدّي نقص كميّة ما يحصل عليه جسم الإنسان ــ وبشكل خاصّ دماغه ــ من الفيتامينات إلى نقص مقدار الطاقة التي تصل إليه، وهي تؤدّي بالتالي إلى شكواه من تشوّش ذهني وتهيّج في سلوكه، وقصور في تفكيره، وضعف تركيزه الذهني، وضعف ذاكرته.
وكذلك
بعض الإرشادات لدفع النسيان.
قال صاحب كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد:
جزء-4 صفحة:355.
لبان: هو الكُنْدُرُ: قد ورد فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروا بيوتكم باللبان والصعتر" فائدته لطرد النسيان.
يروى عن علي أنّه قال لرجل شكا إليه النسيان: عليك باللبان، فإنّه يشجّع القلب، ويذهب النسيان.
ويذكر عن ابن عباس ــ رضي الله عنهماـ أنّ شربه مع السكر على الريق جيّد للبول والنسيان.
ويذكر عن أنس رضي الله عنه، أنّه شكا إليه رجل النسيان فقال: عليك بالكُندر وانقعه من الليل، فإذا أصبحت، فخذ منه شربة على الريق، فإنّه جيد للنسيان. (1/85)
صفحة 86
ولهذا سبب طبيعي ظاهر، فإن النسيان إذا كان لسوء مزاج بارد رطب يغلب على الدماغ، فلا يحفظ ما ينطبع فيه، نفع منه اللبان، وأمّا إذا كان النسيان لغلبة شيء عارض، أمكن زواله سريعا.
وقد يحدث النسيان أشياء بالخاصية، كحجامة نقرة القفا وكثرة الهمّ والغمّ، والنظر إلى المصلوب، والإكثار من قراءة ألواح القبور.
وإذا مضغ اللبان وحده، أو مع الصعتر الفارسي جلب البلغم، ونفع من اعتقال اللسان، ويزيد في الذهن ويذكيه، وإن بخر به في ماء، نفع من الوفاء، وطيّب رائحة الهواء. (1/86)