صفحة 1
بحث تخرج: تنمية الثقة بالنفس لمحمد المسقري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] معهد العلوم الشرعية
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
سلطنة عان
بحث التخرج بعنوان :
تنمية الثقة بالنفس
إعداد الطالب:
محمد المسقري
تحت إشراف:
الدكتور محمد قاسم عبد الرحيم الزيني
السنة الدراسية: 1425-1426 هـ/2004-2005 م.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله وكفى ، وصلاة وسلاما على النبي المصطفى ، وآله ومن اقتفى ، وبعد ،،،
فهذا بحث قدمته كمطلب للتخرج من المعهد الميمون معهد العلوم الشرعية ، في موضوع " تنمية الثقة بالنفس " ، وقد اخترت هذا الموضوع لحاجتنا إلى أمثاله الحاجة الشديدة ، أفرادا وأسرا ومجتمعا وأمة ، لأسباب وتداعيات كثيرة تربوية ونفسية وغيرها .
ولم أجد كبير صعوبة في البحث في الموضوع ، ولم أواجه عقبات كبيرة ، سوى قلة الخبرة في كتابة البحوث ، واعتلال نفسيتي بسبب الغزو الصليبي ضد إخواننا في العراق ، حيث تزامنت بداية مرحلة التحرير وذلك الغزو ، وكان لتوجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور / محمد عبد الرحيم الزيني – حفظه الله – أثر بارز في اجتياز العقبتين ، فجزاه الله خيرا .
وقد قسمت بحثي هذا إلى ثلاثة فصول :
الفصل الأول : ماهية الثقة بالنفس ويحتوي على أربعة مباحث
المبحث الأول : تعريفات
المبحث الثاني : الفرق بين الثقة بالنفس والغرور
المبحث الثالث : أهمية الثقة بالنفس
المبحث الرابع : ضعف الثقة بالنفس
الفصل الثاني : العوامل المؤثرة في الثقة بالنفس ، وفيه مبحثان :
المبحث الأول : العوامل الفطرية
المبحث الثاني : العوامل المكتسبة
الفصل الثالث : وسائل تنمية الثقة بالنفس ، ويحتوي على مبحثين :
المبحث الأول : الوسائل الذاتية
المبحث الثاني : الوسائل التربوية
هذا وقد رجعت جهدي إلى كتب علم النفس والتربية المتخصصة في المجال ، وبعض المجلات ، والأشرطة السمعية ، التي تتناول الموضوع أو جانبا منه . (1/1)
صفحة 2
ولا يسعني أخيرا إلا أن أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور / محمد عبد الرحيم الزيني ، على توجيهاته الكريمة في كافة مراحل البحث ، وعلى مجهوده معنا دائما ، متعنا الله بعلمه ، ونفع به الأمة جمعاء .
أسأل الله العلي القدير أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل والخلاص في الدنيا والآخرة ، وحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ، ولا حول ولا طول إلا به .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الباحث
الفصل الأول
ماهية الثقة بالنفس
المبحث الأول
تعريفات حول الثقة بالنفس
المطلب الأول : التعريف اللغوي
يجدر بنا قبل الخوض في موضوع تنمية الثقة بالنفس أن نؤصل مفرداته لغويا ، لنربط بين الأصل اللغوي ، والمفهوم الاصطلاحي .
تنمية : ورد في لسان العرب
نمي : النماء : الزيادة ، نمى الشيء ينمي نميا ونماء : زاد وكثر ، ربما قالوا : ينمو نمواً ، ونمى الحديث : ارتفع ، وأنميته : أذعته على وجه النميمة . (1)
وفي موضوعنا التنمية بمعنى التكثير والزيادة .
الثقة : مصدر قولك : وثق به ، بالكسر فيهما وثاقة وثقة : ائتمنه ، وأنا واثق به ، وهو موثوق به ، وهي موثوق بها ، وهم موثوق بهم ، ورجل ثقة ، وكذلك الاثنان والجمع ،فيقال : رجلان ثقة ، ورجال ثقة ، وقد يجمع على ثقات في جماعة الرجال والنساء (2)
فالثقة إذن الائتمان والاطمئنان للشيء .
النفس : الروح ، قال أبو إسحاق : لفظ النفس في كلام العرب يجري على ضربين : أحدهما : قولك : خرجت نفس فلان ، أي : روحه ، وفي نفس فلان أن يفعل كذا وكذا : أي في روعه ، والضرب الآخر : معنى النفس فيه جملة الشيء وحقيقته .
__________
(1) ابن منظور ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 2000 ، مادة نمي .
(2) ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق، مادة وثق . (1/2)
صفحة 3
وقال ابن خالويه : النفس الروح ، والنفس : ما يكون به التمييز ، والنفس : الدم ، والنفس يعبر بها عن الإنسان جميعه ، كقولهم : عندي ثلاثة أنفس ، وكقوله – تعالى - : " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " ( سورة الزمر ، الآية 56 ) (1)
وما يهمنا هنا : النفس بمعنى الذات ، وما يعبر به عن الإنسان جميعه ، فهي ذاته وشخصيته ككل .
المطلب الثاني : التعريف الاصطلاحي
عرفها بعض العلماء (2) بأنها القدرة على التحكم في جميع الانفعالات ، كالمخاوف والكراهية والندم والحب ، أي : القدرة على مواجهة الأشياء كما هي في الواقع ، لا كما نحلم بها أو كما نحب أن تكون .
أو هي القدرة على تقبل المسؤولية ، أو على أن نكون مستقلين ، وتحديد الوقت الذي نمارس فيه استقلاليتنا ، وكيف يكون ذلك ، أي الثقة رغم وجود نقاط الضعف لدينا .
ويرى سميح عاطف الزين أن الثقة بالنفس تبدأ بمعرفة الإنسان بقدرة هذه النفس ، وطاقاتها ، ومواهبها ، لما لهذه المعرفة من ضرورة ، فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه ؟ ، لذلك كان الإيمان بالنفس منطلقا يعزز الثقة بها ، ويرفع الإنسان إلى مقاومة النقص ، وتصورات الضلال . (3)
و يرى أن الثقة بالنفس عبارة عن قول وعمل واعتقاد بالجنان ، مثل الإيمان ، فهو عبارة عن قناعات تستقر في القلب والجنان ، وعن كلمات ينطق بها اللسان ، وحركات تأتي بها الأركان .
فالقناعات يمكن تلخيصها من خلال معادلة مجموعة في كلمة واحدة : " لقطات " ، وهي قناعات مهمة لا بد لكل شخص واثق من نفسه أن يتبناها .
__________
(1) المرجع السابق ، مادة نفس .
(2) هـ . هـ . ريمرز ، وس . ج . هاكيت ، اعرف مشكلاتك ، ترجمة : د . محمد عماد الدين إسماعيل ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1960 م ، ص 199 .
(3) سميح عاطف الزين ، علم النفس ( معرفة النفس الإنسانية في الكتاب والسنة ) ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، ط1 ، 1991م ، ص426 . (1/3)
صفحة 4
أما ( اللام ) : فلا عن وضعك بوصف لا يليق ، كأن يقول لك إنسان : أنت فاشل ، فتقول له : لا ، لا بد من تحديد مواطن الفشل ، إطلاق الكلمة على عموميتها لا ينفع .
وكذلك عندما يقول لك إنسان : أنت لست كفؤا .
أما ( القاف ) : قبول النقد ، فلا بد أن يكون لديك قناعة بأهمية قبول النقد البناء ، لتصحيح الوضع في أي مسألة ، حتى نتخلص من نقاط الضعف في شخصيتنا ، ونزيد نقاط القوة .
أما ( الطاء ) : طلب المساعدة متى احتجت إليها ، والمساعدة هنا يجب أن تكون ضرورية ، ليس كأن تقع ورقة ، وأطلب من أي شخص أن يناولني إياها ، فهذا لم يكن هدي الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولا هدي أصحابه ، كان الصحابي على حصانه يسقط منه السوط ، فلا يطلبن من أحد أن يناوله إياه ، بل ينزل ويأخذه بنفسه ، ولكن المقصود طلب المساعدة الضرورية ، فعندما تكلف بعمل ما ، ولا يسمح جهدك ووقتك بإنجازه ، تطلب المساعدة، لأنك محتاج إليها .
أما ( الألف ) : الإشادة بجهود الآخرين ، تقول لهم : شكرا جزاكم الله خيرا ، وغير ذلك من طرق الشكر ، فلنفرض أنك قمت بإعداد بحث ، وتعبت في إعداده ، وقدمته إلى رئيس عملك ، ثم أخذه منك ، ووضعه في الدرج ، دون أن تسمع منه كلمة شكر واحدة ، ستقول : إن هذا المسؤول فيه شيء من الغرور ، إذن لا بد من الإشادة بجهود الآخرين . (1)
أما ( التاء ) : توجيه النصيحة بطريقة صحيحة ، فيها مجاملة وعدم تجريح للشخص الذي أمامك ، فالدين النصيحة ، حيث إن توجيه النصيحة صفة أصيلة من صفات الشخص الواثق من نفسه ، فهذا تلخيص للقناعات التي من المفترض أن يحملها الشخص الواثق من نفسه . (2)
__________
(1) كان ينبغي أن تكون هنا همزة ، لابتداء كلمة إشادة بالهمزة لا بالألف .
(2) يراجع د. صلاح الراشد ، الثقة بالنفس ، أشرطة سمعية . (1/4)
صفحة 5
? من خلال ذلك كله يمكننا أن نعرف الثقة بالنفس بأنها المعرفة الصحيحة بطاقات النفس وقدراتها ، والسير في ضوء تلك المعرفة برزانة وإقدام دون تهيب أو تخوف أو قلق أو تردد ، والقدرة على تحمل أي مسؤولية في محيط طاقتنا ومقدرتنا .
وحيث يجدر تبيان صفات الشخص الواثق من نفسه فأقول باختصار إنه يتصف بالآتي :
أولا : معرفته بقدرات نفسه وطاقاتها دون عقد نقص أو غرور ، أي معرفة واقعية صحيحة .
ثانيا : خال من الآفات النفسانية التي تهد الثقة بالنفس كالخوف والخجل والتردد والقلق في غير موضع ذلك .
ثالثا : متزن السلوك والتصرفات ، حيث ينطلق من قناعات سليمة ، وعلم بطاقاته ، فيسير مقدما في اتزان رائع .
رابعا : متزن العلاقات ، فهو يقيمها بثقة وتفكير سديد .
رابعا : غير متهيب من التجمعات والحشود ، ولا منطو على نفسه ، متقوقع على ذاته .
خامسا : متحكم في انفعالاته كالغضب والحب والكره والرضا وغيرها .
سادسا : يقف في أمور الإبداعات الفكرية والفنية والعملية موقفا وسطا بين التهيب والتقهقر ، وبين إقحام النفس فيما لا تطيق ولا قبل لها به .
سابعا : لا يانف من قبول النقد البناء من الآخرين برحابة صدر ، بل يتمناه ،ويطلبه من منهم .
ثامنا : لا يترفع عن طلب المعونة والمساعدة متى احتاج إليها .
تاسعا : لا يأنف من الاستشارة ، والرجوع إلى ذوي الخبرة في موضوع أو عمل تكفل به أو وكل إليه .
عاشرا : يعترف بجميل الآخرين ، ويعتبر ذلك إحسانا منهم .
حادي عشر : يشكر ربه قبل ذلك كله على ما أولاه ووهبه من واسع فضله .
ثاني عشر : يسخر طاقاته وجهوده في خدمة مجتمعه وأمته قدر استطاعته ، وإلا فلا عبرة بقوته وشجاعته وجرأته ما دام لا يعرف سوى اللهاث خلف مصالحه الشخصية وشهواته .
المبحث الثاني
الفرق بين الثقة بالنفس والغرور (1/5)
صفحة 6
يتشابه ومصطلح الثقة بالنفس مصطلح آخر ، كثر الخلط بينهما عند كثير من العامة والخاصة هو مصطلح الغرور، ربما لأن الخيط الفاصل بينهما رفيع إلى حد ما ، لذلك أرى من الأهمية بمكان تبيان الفرق بينهما ، والذي سأوجزه في النقاط التالية :
أولا : الاختلاف في الماهية
علمنا أن الثقة بالنفس تعني الإدراك السليم للذات ، أي : وعي الذات على حقيقتها ، بينما الغرور إدراك خاطئ للذات ، أي : الفشل في تقدير قدرات وإمكانات والمعطيات الشخصية للنفس .
أو بمعنى آخر : الغرور ناتج عن ثقة زائدة بالنفس ، ومبالغة في رفع الذات ، والإعلاء من شأنها وقدراتها وطاقاتها .
? فالشخص المغرور يرى في نفسه الكفاءة للقيام بأي عمل أو مشروع، ولو كانت قدراته لا تسعفه قط في ذلك ، فيقحم نفسه إقحاما في أمور لا قبل له بها ، ويتعالى على غيره لعنجهيته واعتداده الشديد بنفسه .
بينما الواثق من نفسه ينظر إلى الأمور نظرة واقعية من خلال قدراته وطاقاته ، ويقيم علاقته مع الناس على الخلق الحسن ، لاتزانه النفسي .
ثانيا : نظرة الشرع الحنيف إلى كل منهما
لا شك أن ديننا الإسلامي يشجع على كل ما يرفع لواء الأمة جماعة وأفرادا ، حيث إن المولى – عز وجل – كتب لعباده المؤمنين العزة في الدنيا والآخرة ، وشرع لهم الإعداد والاستعداد الكامل بكل ما يستطيعون من قوة نفسانية وروحية ومادية لمواجهة أعداء الله - تعالى - ، والسير الحثيث نحو رفع راية الإسلام .
والثقة بالنفس أحد مقومات الشخصية الإسلامية المطلوبة التي حث الشرع الحنيف أتباعه على الاستمساك بحجزتها ، وتجسيدها في كافة جوانب الحياة ، قلبا وقالبا ، جوهرا وعرضا .
فالشرع يحث المسلم على كل ما يجعله عزيزا قويا شجاعا مقداما ، ليتأهل لحمل الأمانة التي حمله الله إياها ، ويستطيع تبليغ النور الذي يحمله للعالمين ، ويدافع عن حياض دينه، وثوابت عقيدته الراسخة . (1/6)
صفحة 7
بينما الغرور صفة مذمومة شرعا ، لما فيها من تجاوز الإنسان لحدوده ، وتعاليه على خلق الله تعالى ، ولما يحمله من نتائج خطيرة على الفرد والمجتمع ، لعل من أقلها تشويه الشخصية الإسلامية وتسويد محياها .
ثالثا : من الناحية الاجتماعية
" إن مبالغة الشخص في تقدير ذاته تعطيه قدرا من التعالي على الآخرين ، وهذا التعالي بما فيه من إشعار المحيطين بأقلية شأنهم بالنسبة إليه ، وتفوقه عليهم ، وامتيازه عنهم ، والتعامل معهم من خلال هذا الإحساس – يجعله غير محبوب ، ومرفوضا اجتماعيا " (1) .
وقد لاحظنا النفور الواضح اجتماعيا من الشخص المعتد بنفسه اعتدادا شديدا ، بينما ينظر المجتمع إلى الشخص الواثق من نفسه ، المتواضع لغيره في غير ذلة وهوان ، نظرة تبجيل وإجلال واحترام ، ويرون فيه الشخصية الناضجة السوية القوية التي يعول عليها ، ويمكن الاعتماد عليها في الرقي الحثيث بالمجتمع فكريا وعلميا .
وهذه النظرة واقعية فعلا ، فالشخص المغرور لا يألف ولا يؤلف ، وتجد علاقاته هشة مهزوزة ، كثيرا ما تبنى على المصالح الشخصية ، بينما الواثق من نفسه ذو وشائج وصلات اجتماعية قوية لقيامها على أسس سليمة .
رابعا : الآثار المترتبة على كل منهما
أما نفسيا فيكفي أن الشخص الواثق من نفسه يسير وفق الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، فهو مرتاح الضمير ، مطمئن البال ، مستقر الباطن ، بينما الآخر بعكس ذلك لأنه يصادم ذاته بمصادمة فطرتها .
وأما دينيا فمتى احتسب الواثق من نفسه قوته النفسانية ، وشجاعته عند الله تعالى ، وشكر مولاه عليه ، بتوجيهها لخدمة المجتمع والأمة ، فله الثواب الجزيل عند بارئه بإذن الله ، وأما المغرور فله جزاء الخزي من ربه في الدنيا ، والنكال في الآخرة والعياذ بالله .
__________
(1) كفاح بنت صادق عبدواني ، الخيط الرفيع بين الثقة بالنفس والغرور ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد 613 . (1/7)
صفحة 8
وأما اجتماعيا فالمغرور منبوذ مستثقَل غير مرغوب فيه ، بينما محبة أفراد المجتمع ، وثقتهم ، واحترامهم ، ورضاهم تحيط بمن يأنسون فيه القدرة على تقديم الخير للصالح العام ، ويأنسون منه النية الطيبة في ذلك .
المبحث الثالث
أهمية الثقة بالنفس
المطلب الأول : من الناحية النفسية
يمكننا القول بأن الثقة بالنفس من أهم أسس الراحة النفسية والاستقرار العاطفي (1) ، وأرى ذلك واضحا من خلال :
أولا : جمال الصورة الذاتية ، واتزانها بين الشعور بالنقص وبين الغرور ، والنظرة الواقعية للذات والقدرات والملكات ، تورث المرء طمأنينة واستقرارا نفسيا ، حيث لا مصادمة بين ما وقر في النفس وبين الواقع .
ثانيا : النظرة الواقعية المتزنة لما يستجد من أحداث ، وما يحدث من تغيرات ، على الساحة الفردية والأسرية والاجتماعية .
ثالثا : الشخص الواثق من نفسه متزن العواطف تجاه الآخرين ، قلما يحب أو يكره في غير موضع ذلك .
رابعا : الثقة بالنفس تعني الخلو مما يكدر الاستقرار النفسي كالخوف والقلق والخجل المذموم والتردد وأشباهها ، فهي عين الاستقرار .
خامسا : سلوكيات الشخص الواثق من نفسه تزيده اطمئنانا وارتياحا ، لأنها تأتي عن اختيار وإقدام وشجاعة وصبر ، فيحقق فيها الكثير من التقدم .
سادسا : الواثق من نفسه يحسن إلى الآخرين ، ويشيد بجهودهم ، والإحسان – كما هو معلوم – من أسباب الراحة النفسية .
المطلب الثاني : من الناحية السلوكية
يرى د. موسى المزيدي أن الثقة بالنفس مرتكز من مرتكزات النجاح في الحياة ومن أهم عوامله (2) ، وأرى ذلك جليا في :
__________
(1) د. موسى المزيدي ، الثقة بالنفس ، أشرطة سمعية .
(2) د. موسى المزيدي ، المرجع السابق . (1/8)
صفحة 9
أولا : الاستقرار النفسي الذي توفره الثقة بالنفس ، والذي هو عامل مهم جدا من عوامل الإبداع والإنتاج الفكري والعملي ، فالشخص المستقر نفسيا يحمل مؤهلات عليا للإبداعات المشرقة والنافعة ، بينما من اتصف بنقيض ذلك ، يحول اضطرابه النفسي دون إبداعه ، ويتشتت فكره ، بل يستهلك جزءا كبيرا منه في مقاساة الاضطراب ومعاناته .
ثانيا : التصرفات المتزنة للواثق من نفسه ، حيث إنه ينطلق من منطلقات سليمة واقعية ، صاغتها نظرته السليمة للأمور ، فيكتب له النجاح في غالب أموره .
ثالثا : خاصية المثابرة التي يتمتع بها الشخص الواثق من نفسه ، حيث إنه يعيد الكرة تلو المرة ، وعندما يحصل له إخفاق ينظر في إيجابيات الموضوع ، وسبل تحقيق النجاح في المستقبل بنظرة واثقة متفحصة .
المطلب الثالث : من الناحية الاجتماعية
تكمن أهمية الثقة بالنفس من الناحية الاجتماعية في إقامة العلاقات المتزنة مع الآخرين ، حيث إن الشخص القلق أو الخجول أو الانطوائي من الصعب عليه إقامة علاقات رزينة قوية في جوه النفسي المهتز .
كما أن الواثق من نفسه يكون محل ثقة واحترام أكثر من غيره ، وينجذب الآخرون إليه ، ويعتمدون عليه في كثير من أمورهم ، فضلا عن انه قادر على تحمل المسؤولية .
فالشخص الواثق من نفسه هو الشاكر لصنيعهم ، القائم بما يستطيع من شؤونهم ، غير مترفع عن مساعدتهم وإعانتهم قدر جهده ، فمالت إليه القلوب والأفئدة ، واتجهت أنظار عامة المجتمع وخاصته إليه في احترام وثقة .
المبحث الرابع
ضعف الثقة بالنفس
يتخذ ضعف الثقة بالنفس أشكالا متعددة ، وصورا شتى ، تتشوه فيها الصورة الذاتية ، وتهتز شخصية المرء ، ومن أهمها الخوف والقلق والخجل والتردد وغيرها ، وسأحاول الوقوف معها واحدا واحدا بمشيئة المولى – عز وجل - .
المطلب الأول : الخوف (1/9)
صفحة 10
الخوف شعور نفساني ينشأ عندما يواجه الفرد موقفا خطيرا ، فتزداد نبضات قلبه ، ويسرع تنفسه ، ويجف لعابه ، ويرتعد جسمه ، وتتقلص عضلات وجهه ، وقد يصيح أو يصرخ ، وترتجف الكلمات على شفتيه ، ويتلعثم فلا يدري ما يقول (1) ، فالخوف يعمل على إرسال الدم إلى الذراعين والساقين، وإطلاق القوة المختزنة ، وسرعة استجابة العضلات والأعصاب (2) ، وعند اشتداد الخوف يعظم اضطراب المرء ، وقد يجري بعيدا، أو يثبت في مكانه ، أو يتشبث بمن حوله أو يصرخ ، ويتصبب العرق البارد ، وقد يحدث التقيؤ أو التبول اللاإرادي (3) ، أما عند الطفل فعادة ما تظهر مشاعر الخوف في انطوائه أو انعزاله عن الآخرين ، أو رفض التحدث معهم ،وامتناعه عن إقامة العلاقات مع غيره ، وعزلته حتى عن الأطفال في نفس سنه ، وقد يأتي الخوف في صورة جسمانية مثل إصابته بالقيء صباح كل يوم ، وتعرضه للأمراض المختلفة ، ليهرب من المدرسة ، وقد يظهر الخوف في صورة اضطراب النوم ، والتعرض لأحلام مزعجة وكوابيس ، يصحو منها الطفل مفزوعا (4)
أنواع الخوف
ثمة أنوع عدة للخوف ، نذكر منها (5) :
(
__________
(1) د. فؤاد الباهي السيد ، الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة ، دار الفكر العربي، ط1 ، 1975، ص 199 .
(2) هيلين روس ، مخاوف الأطفال ، ت : السيد محمد خيري ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط3 ، 1961 ، ص14 ، بتصرف .
(3) باسمة كيال ، سيكلوجية الطفل ، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر ، بيروت ، 1993، ص 198 .
(4) محمد رفعت ، تربية الطفل صحيا ونفسيا من الولادة وحتى العاشرة ، دار البحار ، بيروت ، ط1 ، 1986 م ، ص 54-55 ، بتصرف .
(5) يراجع د. فؤاد الباهي السيد ، الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة ،مرجع السابق ، ص 200 . (1/10)
صفحة 11
1) مخاوف مدرسية : كالخوف من الامتحانات ، التقصير في الواجبات، واحتمال الطرد من المدرسة ، سخرية الزملاء والمدرسين ، والاضطرار إلى الاشتراك في مناظرة ما ، أو إلقاء خطبة أو محاضرة .
(2) مخاوف خُلقية : تبدو في شعور المراهق بالإثم ، عندما يقترف ذنبا ، أو يرتكب خطيئة .
(3) مخاوف تتصل بالعلاقات الاجتماعية : وتبدو في خوف المراهق من أسباب التعصب .
وهذه الأنواع وغيرها يمكن أن ندرجها تحت ضابط : كا ما يجعل الشخص يتوجس ، وتزداد نبضات قلبه ، وتظهر عليه إمارات الخائف الوجل والله أعلم .
أسباب الخوف :
عوامل وأسباب عديدة تولد هذا الشعور ، منها (1) :
(1) مشاهدة الأفلام المزعجة قبل سن السابعة .
(2) تكرار الإيذاء ، حيث يصبح هاجسا يتوجس منه المرء ، خاصة الأطفال .
(3) الاستماع لقصص وحكايات مملوءة بالمخاوف والمخاطر ، والحيوانات والوحوش الوهمية ، أو قصص السحر والجن ، ويتضاعف خطر مثل هذه القصص عند قصها في الفترة الليلية ، أو توجيهها للأطفال .
(4) قد يتعلم الطفل الخوف عن طريق التقليد ، أي يستمد الشعور بالخوف من والديه اللذين يرهبهما أي شيء ، ويفزعان من كل شيء .
وأرى أن من أهم أسباب الخوف جهل الشخص بحقيقة الشيء الذي يخاف أو يتوجس منه ، فهو يتوهم أمورا غير صحيحة ، ويبني مخاوفه غالبا على معلومات خاطئة ، استقاها من بيئته أو مجتمعه ، أو خياله الذي أطلق له العنان ، وجعله لقمة سائغة لوسوسات شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .
وهناك أسباب أخرى ، كخوف الظالم من الناس ، أو خوف الإنسان المؤمن من نقمة الله تعالى .
__________
(1) يراجع د.زيدان عبدالباقي ،الأسرة والطفولة ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1980 ، ص240 . (1/11)
صفحة 12
وبالنسبة للمخاوف الاجتماعية ، ففي العادة تكون الأسباب الشائعة للارتباك الإغاظة ، فيما يتعلق بأحد أفرد الجنس الآخر ، أو أي فعل يجعل من المرء أضحوكة للآخرين ، أو موجبا للسخرية ، أو شاذا بالنسبة لأقرانه ، أو وضوح اختلاف ملبسه عن أفراد الجماعة ، أو أي فعل لوالديه يجعله محلا للشفقة أو السخرية ، وفي بعض الأحيان يكون المديح ، أو مكانة العائلة ، أو دستورها الأخلاقي ، أو مهنة الوالد ، عندما تكون في مستوى أدنى من أقرانه سببا لحدوث الارتباك (1)
المطلب الثاني : القلق
القلق هو توقع الخوف ، ولكن دون أن يعرف الإنسان مصدره (2) ، أو هو استجابة انفعالية يستثيرها توقع الإحباط أو العقاب ،واستمرار حالات الإحباط أو التهديد به أو العقاب ، تسبب ظهور حالة من التوتر . (3)
الأسباب والعوامل :
ثمة أسباب عدة تؤدي إلى الشعور بالقلق ، منها :
أولا : قد يبدأ القلق بتجربة واقعية لحالة قلق لم يستطع الطفل تفاديها (4) ، حيث تتمثل له صورة تلك التجربة متى حدث موقف مشابه ، أو توقع حدوثه ، فتكون هاجسا مخيفا له .
ثانيا : قد ينشأ القلق من تجارب الطفل الأولى ، حينئذ يجد نفسه في مواقف لم يفهم لها تفسيرا ، أو لم يستطع التحكم فيها ، لأنه كان في ذلك الحين ضعيفا صغيرا معتمدا على غيره (5) ، فتظل تلك الاستفهامات عالقة في ذهنه إلى أمد بعيد .
__________
(1) يراجع د. محمد السيد محمد الزعبلاوي ، تربية المراهق بين الإسلام وعلم النفس ، مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت ، ط1 ، 1998م ، ص 152 .
(2) هيلين روس ، مخاوف الأطفال ، مرجع سابق ، ص18 .
(3) بريسفال سيموندز ، الدروس التي تتعلمها التربية من علم النفس ، ت: عبدالرحمن صالح عبدالله ، دار الفكر ، ط1 ،1974م ، ص115 .
(4) هيلين روس ، مخاوف الأطفال ، مرجع السابق ، ص 18 .
(5) المرجع السابق ، ص 19 . (1/12)
صفحة 13
ثالثا : قد يأتي القلق من حالات الضغط التي يتعرض لها الأطفال ، ومن عدم القدرة على الخروج من المواقف الصعبة التي يتعرضون لها ، أو عدم القدرة على تعديل هذه المواقف ، مما يؤدي إلى الشعور بالعجز ، وانخفاض مفهوم الذات لديهم (1) .
رابعا : قد يكون مصدر قلق الطفل إجباره على العيش في أسرة لا يشعر أنها تريده ، أو أن يعيش في منزل مع والد سيء الخلق (2) .
خامسا : من أهم أسباب القلق أن يفرط الأطفال في القيام بدور المشاهدين السلبيين للتلفاز ، مع تفاهة المادة التي تقدم بوجه عام ، وليس من النادر أن يجلس جميع الأطفال في أسرة من الأسر ساعات طوالا في شبه غيبوبة ، يشاهدون برامج التلفاز واحدا بعد الآخر ،وهم صامتون خاملون (3) .
ولا أنسى ما كنا نشاهده ونحن صغار من برامج أطفال تسبح بعقولنا في خيالات وأوهام ، وتهويلات مفزعة ، وأمور محيرة ، تجعل بعضا منا يعيش في دوامة مفزعة من الأحلام ، والتخيلات غير الواقعية .
وذلك بلا شك له ما له من الأثر البالغ في السلوك المبني على هذه الحالة الفكرية الأليمة والله المستعان .
آثار القلق
الشعور بالقلق يضعف الشخصية إلى حد كبير ، ويعوق نموها ، ويقف حجر عثرة في طريق سعادتها ، ويعطل مقدرتها (4) .
ومن وجهة نظري أن القلق يقتل الكثير من الإبداعات والإنجازات التي تخدم الفرد والأمة ، لما يستهلكه من طاقات فكرية هائلة ، وما يحدثه من اضطرابات نفسانية ، فالراحة النفسانية أساس من أسس الإبداع ، ومحضن من محاضن الإنتاج الفكري ، بل العملي في كثير من الأحيان .
__________
(1) جمال شقال القاسم وآخرون ، الاضطرابات السلوكية ، دار صفاء للنشر والتوزيع ، عمّان ، ط1 ، 200م ، ص122 .
(2) المرجع السابق ، ص122 .
(3) جان شك ، كيف يلعب الأطفال للمتعة والتعلم ، ت: محمد عبدالحميد أبو العزم ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1961م ، ص79 ، بتصرف .
(4) هيلين روس ، مخاوف الأطفال ، مرجع سابق ، ص 18 ، بتصرف . (1/13)
صفحة 14
المطلب الثالث : الخجل والارتباك
ماهيتهما
الخجل هو أحد الحالات الانفعالية التي قد تصاحب الخوف ، عندما يخشى الفرد الموقف الراهن المحيط به ،وللخجل اتجاه نفسي خاص ، وحالة عقلية انفعالية ، تتميز بالشعور بالضيق في اجتماع الخجول بالناس ، وفي محاولته المستمرة لكف ومنع الاستجابات الاجتماعية العادية (1)
أما الارتباك فهو الصورة الظاهرة لمشاعر الخوف والقلق .
والخجل والارتباك صورتان للمخاوف الاجتماعية المعتادة (2) .
أسبابهما
ينشأ الخجل عادة من الشعور بالمرهف بالذات ، والارتباك – كما أسلفنا – صورة ظاهرة له ، عندما لا يجد الخجول لنفسه مخرجا من الموقف الراهن المحيط به ، وعندما يشعر بسخرية الآخرين منه ، أو مغالاتهم في مدحه، وعندما لا يطمئن إليهم ، ويشك في نواياهم ، ويختلط عليه الأمر (3)
آثارهما
في تقديري أن الشخص الخجول يفوته الكثير من المصالح الاجتماعية نتيجة خجله ، كما تضيع عليه العديد من العلاقات الاجتماعية مع الناس ، نتيجة خجله وهربه من الآخرين ، وانطوائه على نفسه .
والطفل المنزوي قد يشعر أنه عاجز ، ولو أنه يحاول أن يجعل الآخرين يحبونه ، أو يلتفتون إليه ، ويصل عجزه إلى الدرجة التي تنقصه الصفات الضرورية في أن يجعل الآخرين يلاحظونه ، أو يهتمون به (4) .
وذلك بلا شك يؤثر سلبا على كافة علاقاته مع الناس .
المطلب الرابع : التردد في اتخاذ القرار
ماهيته
__________
(1) د. فؤاد الباهي السيد ، الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة ، مرجع سابق ، ص 293 ، بتصرف .
(2) د. محمد السيد محمد الزعبلاوي ، تربية المراهق بين الإسلام وعلم النفس ، مرجع سابق ، ص 153 .
(3) د. فؤاد الباهي السيد ، الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة ، مرجع السابق ، ص293 ، بتصرف .
(4) بس جوديكونتر ، كيف نساعد لأطفال على النجاح في المدرسة ، ت : سامي علي الجمال، مكتبة النهضة المصرية ،القاهرة ،1960 م ، ص 85. (1/14)
صفحة 15
قد يتأرجح الفرد أحيانا بين رأيين في أمر من أمور حياته ، وهذا أمر طبعي يحدث لكافة الناس ، خاصة في حالة عدم وضوح القضية ، وكثرة متشعباتها وتعقدها ، غير أن ذلك يصبح مرضا ، ويكون صورة من صور ضعف الثقة بالنفس ، عندما يكون صفة دائمة للشخص في كل أو جل ما يستجد في حياته من أمور ، فيقف في معظم أموره معلقا بين الإقدام والإحجام ، لا يستطيع حزم رأي في مسألة إلا ما ندر ، سواء في أمور زواجه أو عمله أو دراسته أو مشاريعه ، أو أي قضية تستجد في سير حياته ، أو حياة من يُسأل عنهم أو يقدم لهم مشورة أو رأيا .
الأسباب والعوامل
أولا : الآباء الذين يترددون في اتخاذ القرارات المناسبة ، والذين لا يثبتون على رأي بعينه ، نماذج سيئة لأبناءهم ، فإن ترددهم وعدم ثباتهم ، سوف ينتقل بطريقة طبيعية ، أو كما عبر عنه أحد المشتغلين بعلم النفس بطريق العدوى إلى أبنائهم (1)
ثانيا : تعنيف الطفل عندما يتخذ قرارا في أمر من الأمور ، يجعله يتردد مستقبلا في اتخاذ قرار ، لأنه سيجد أن من السلامة عدم اتخاذ أي قرار على الإطلاق ، حتى لا يتعرض لما حل به سابقا (2) .
وأرى أن المسألة تتفاقم عندما يتكرر حصول ذلك من الوالدين ، ويقفان معنفين للطفل في معظم قراراته التي يتخذها ، فإحجامه وقت طفولته وصباه ، عن اتخاذ قرار خشية التعنيف من والديه بسبب اقتناعهما بما يقرر ، يجعل ذلك سمة تعتاد عليها نفسه ، خاصة عندما تحتضته مرحلة التقلبات والتغيرات ، ألا وهي مرحلة المراهقة ، وكذلك ما بعدها من مراحل .
ثالثا : أعتقد – والله أعلم - أن للفشل المتكرر ، والنتائج غير الطيبة لاتخاذ القرارات عند الشخص ، تجعله كثيرا ما يتردد بعدها في الإقدام على حسم الآراء ، واتخاذ وجهة معينة ، خشية أن تكون هي الوجهة التي تجرع مرارة نتائجها مرارا وتكرارا في منصرم حياته .
__________
(1) باسمة كيال ، سيكلوجية الطفل ، مرجع سابق ، ص98 ، باختصار .
(2) المرجع السابق ، ص99 ، بتصرف . (1/15)
صفحة 16
رابعا : ربما يكون لضعف نواحي الذكاء والبديهة دور في القضية ، حيث أن الشخص يكون مهزوز الثقة بتفكيرة وعقليته ، فيحجم عن الاتكال عليهما في كثير من أموره .
الآثار
عندما يصبح التردد مرضا مصاحبا للشخص ، فإنه يضيع عليه والأمة والمجتمع ، فرصا ذهبية كثيرة جدا ، لإحجامه عن اتخاذ قرار فيها ، وعقد العزم على الإقدام ، وإن أقدم فبتخوف وتوجس .
الفصل الثاني
العوامل المؤثرة في الثقة بالنفس
توطئة
من المعلوم أن الثقة بالنفس من الأمور التي يتفاوت فيها الناس ، وتختلف درجاتها بينهم شدة وضعفا ، كما أنها تختلف عند الشخص الواحد من وقت إلى آخر ، متأثرة بعوامل عدة .
كل ذلك يدفعنا إلى البحث في أهم العوامل المؤثرة في الثقة بالنفس سلبا وإيجابا ، فلنستعن بالمولى القدير .
المبحث الأول
العوامل الفطرية
المطلب الأول:العوامل الفكرية
ثمة ارتباط وثيق بين الفكر والنفس والسلوك , فإن الشخص سليم الفكر غالبا ما تكون تصرفاته متزنة غير عشوائية , ويعيش بنفسية مطمئنة , بعكس الشخص الذي حشا دماغه بأفكار سلبية , ربما يكون لها الأثر السيئ على نفسيته وسلوكه الحالي والمستقبلي، بشكل مباشر أو غير مباشر .
والثقة بالنفس تتأثر سلبا وإيجابا بعدة عوامل فكرية , أهمها :
أولا: الصورة الذاتية
كل منا يحتفظ في نفسه بصور معينة لنفسه بعضها إيجابي وبعضها سلبي فقد يرى نفسه ناجحا في بعض مجالات الحياة وفاشلا في بعضها الآخر , هذه الاعتقاد أو ذاك ليس مبنيا بالضرورة على حقائق ثابتة ، وإنما يكون في كثير من الأحيان مبنيا على حادثة أو موقف أو كلمة أو لفتة , ومن خلال هذه الحادثة يرسم الإنسان صورة لنفسه ويقتنع بها, ومع مرور الأيام يصبح هذا التصور عقيدة راسخة في النفس ، (1)
__________
(1) يراجع د. زهير أحمد السباعي وآخرون , القلق وكيف تتخلص منه , دار العلم , دمشق ، 1991 . ص102 (1/16)
صفحة 17
والشخص الذي يحمل في داخله صورة قاتمة عن نفسه وقدراته الفكرية والبدنية , ويرى نفسه في عداد الذين كتب عليهم الفشل والتردي وفاتهم قطار النجاح في معظم شؤون الحياة ، لا شك أن ثقته بنفسه تكون مهزوزة فيعيش محجما في كثير من أمور حياته العلمية والعملية . فالواقعية في تقدير الذات والقدرات هي الحل لهذه المعضلة, فعلى الشخص أن يقيم قدراته وإمكاناته وطاقاته التقييم السليم وينطلق من تلك القناعات التي تطابق الواقع , ويبني سلوكه عليها , وبالتالي فإنه سينجح في جهتين : جهة الثقة بالنفس وجهة السلوك والإقدام المتوازن .
ثانيا : النظرة إلى الأخطاء :
بعض الناس يحمل فكرة أن من يرتكب خطأ لا بد أن يكون سيئا، (1) فكلما أخطأ أو أخفق في شيء اعتبر نفسه مجرما يسير على غير هدى وبصيرة , فتضطرب فكرته نحو ذاته وقدراته ، مما يؤدي إلى الوهن وضعف الثقة أو ربما انعدامها على مر الأيام .
إن على الإنسان أن ينظر إلى الأخطاء على أنها أمر لا بد منه, إذ هو ليس معصوما ولا يطالب نفسه بالكمال فيفقدها ثقتها متى أخفق في الوصول إلى هذا الحلم , فقد جبل الإنسان على الخطأ والكيس من يتعلم من أخطائه دروسا وعبرا وخططا لمستقبل أفضل وإنتاج أغزر.
ثالثا : النظرة إلى المصاعب :
حين ينظر الإنسان إلى المصاعب على أنها كلها شر , ولا يجب أن ننتظر منها سوى المآسي ، (2)
__________
(1) المرجع السابق ص60.
(2) د. زهير أحمد السباعي , القلق وكيف تتخلص منه , مرجع سابق ص61 (1/17)
صفحة 18
يصطدم بكثرة المصاعب التي بثت في الحياة , وجبلت عليها طبيعتها وتركيبها , مما يورث في نفسه عجزا بفهم الواقع وتقدير الأمور فيضطرب اعتماده على نفسه كلما لاقى صعوبة في أمر أو تعسرت عليه حاجة , وكأنه ينتظر أن تسير سفينة الحياة كما يريد , ويقطف الورود بلا أشواك , وما أتعب من يصر على مخالفة سنن الحياة . إن سنة الله في الحياة اقتضت أن يعيش الإنسان مكابدا لمصاعبها , متعلما من المثابرة في اجتياز تلك المصاعب الدروس والخبرات التي تعينه في دربه فعلينا أن ننظر إلى المصاعب من هذه الزاوية فتكسبنا ثقة واطمئنانا.
رابعا : النظرة إلى الأضرار والمصائب:
الأفكار الخاطئة حول الأضرار والمصائب تحوم حول نقطتين:
الأولى : النظر إلى المصائب على أنها شر ونقمة وعذاب محض لا معنى له ولا جدوى من ورائه , مما يورث شعورا بالنقص أو بأن حربا انتقامية تقام على الشخص , فمتى كثرت هذه المصائب ولم يستطع مواجهتها وتحديها اهتزت ثقته بنفسه واعتقد الفشل في ذاته وصار له عقيدة.
الثانية: اعتقاد الإنسان أن الأمر الذي يسبب الضرر مرة لا بد أن يسبب الضرر في كل مرة (1) ، فمتى ما أقدم على أمر أو فعل فصادف وقوع ضرر له في ذلك الموقف ربط الموقف والفعل بذلك الضرر , وصار ذلك الضرر هاجسا يتراءى له بين ناظريه متى ما أراد الإقدام على الفعل , فيركن إلى الإحجام والتراجع في كثير من شؤون حياته وهو ما يعرف بالتشاؤم والتطير .
خامسا: مسألة النجاح ومفهومه :
__________
(1) د. زهير أحمد السباعي ، القلق وكيف تتخلص منه ، مرجع سابق , ص60 . (1/18)
صفحة 19
عندما يعتقد الإنسان أن كافة محاولاته وتجاربه في مجالات الحياة المختلفة يجب أن تكلل بالنجاح التام , وإلا فهو فاشل , فإنه يكتب الفشل والتراجع لنفسه من أول وهلة , ولو عاد إلى صفحة الحياة وطالعها بعين الواقعية لوجد أن الإنسان الناجح في مجال ما بدنيا كان أو فكريا قد يتعسر عليه أمر آخر كل التعسر مهما حاوله وطلبه لأن قدراته لا تسعفه لذلك .
فاعتقاد ضرورة النجاح في كل شيء وفي كل مجال فكرة تحمل في بذورها الفشل والتقهقر , مما يؤدي إلى ضعف ثقة الشخص بنفسه لعدم وصولها لهذه الغاية المستحيلة.
سادسا:مسألة إرضاء كل الناس ونيل استحسان الجميع :
يظن بعض الناس أنه يجب أن يكون محبوبا من جميع الناس في جميع الأوقات (1) ،وفي مثل تقديري مثل هذا الاعتقاد يجعل الشخص تهتز ثقته بنفسه متى ما شعر أن فلانا غير راض عنه , أو متقلب المزاج عنه , وهو يناقض بشكل صريح ما أثبتته شهادة الواقع من أن رضا الناس غاية لا تدرك . فخلق الإنسان قواعد تنافي الواقع بهذا الشكل الصارخ يؤدي به إلى الاصطدام المباشر معه , فيعتقد على أنه غير قادر على النجاح في الحياة ومماشاة الواقع ، فتضطرب ثقته بنفسه بلا شك .
سابعا : قلة المعرفة بالله سبحانه وتعالى :
عندما يدرك الإنسان أن الله – تعالى - هو مصرف الأشياء ومدبر الأمور وأن كل شيء بيده سبحانه يكسبه ذلك اندفاعا متزنا في الأمور , فعقيدة أن الأمور تجري وفق سنن ومقادير ثابتة وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن , تزيد من ثقة المرء المقر بذلك بنفسه وتبعد عنه وسائل الخوف من الإخفاق والفشل , أما إذا اعتقد أن الأمور تسير بعشوائية أو ضعف إيمانه بالقضاء والقدر ؛ بات متخوفا هائبا من كل شيء .
__________
(1) المرجع السابق ، ص 61. (1/19)
صفحة 20
إن الجهود التي نبذلها لتقوية الإرادة وتهذيب الأحاسيس وتنمية المشاعر تبقى جميعها دون جدوى، ما لم يؤمن الإنسان إيمانا مطلقا بأن من وهبه الحياة ابتداء هو وحده القادر أن يمنحه قوة الإرادة وصفاء النفس، ومن لا يؤمن بهذه الحقيقة المطلقة فكل أعماله هباء وكل طموحاته وأهدافه إلى ضياع ، لأنها لا تقوم على الأساس المتين ، ولا تستقي من المصدر الأعلى وهو الله – تعالى - خالقنا ومنشئنا ومُدبّرُنا في حياتنا وبعد مماتنا .
المطلب الثاني:العوامل الجسمية
تلعب الناحية الجسمانية دورا هاما في عملية الثقة بالنفس والاعتداد بالشخصية ؛ لما لها من تأثير في الصورة الذاتية التي يحملها الشخص عن نفسه ، وما لها من علاقة بنظرة الآخرين للشخص الأمر الذي يرفع المعنويات للشخص ، وتزيد من ثقته بنفسه.
أولا : الضخامة والقوة والطول:
إن الشخص مكتمل النمو الذي أفعم جسمه بالحيوية وسرى النشاط في أوصاله والذي ملأت العافية جنباته - يكون جديرا بالثقة وبقوة الإرادة ذلك أن الإرادة بمثابة قوة حيوية دافعة يستعين بها الشخص على الإنجاز وتحقيق الأهداف , وإنك لتجد الشخص الخائر الفاتر القلب المفتقر إلى الحيوية وقد خارت قواه النفسية ، وأضحى ضعيف الإرادة ، لا يستطيع أن يحسم موقفا ، أو أن يبت في أمر أو أن يبدي قوة إرادة في المواقف الصعبة (1)
فضخامة الجسم طولا وعرضا يشعر الشخص بأن الآخرين ينظرون إلى ذلكم الجسم وتلك الضخامة نظرة إجلال وهيبة وإكبار ، ويمنحه قوة في الإرادة ،واندفاعا في التصرفات ، غير متهيب في مواجهة المواقف والأحداث ، وغير خائف من الاستهزاء والنقد والتهكم من قبل المحيطين .
__________
(1) يوسف ميخائيل أسعد , قوة الإرادة , دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ، مرجع سابق ص22 (1/20)
صفحة 21
وكان ذلك أحد العوامل المهمة التي أهلت سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه - لأن يكون شجاعا مقداما في جاهليته وإسلامه (1) .
أما الشخص ضئيل الحجم فإن ذلك يكون له الأثر على نفسه أو ثقته بها حيث الصورة الذاتية القاتمة وتوقع النظرة الدونية من الآخرين في غالب الأحيان .
ومع الضخامة والضآلة تلعب القوة النفسية دورا كبيرا في القضية فهناك ارتباط وثيق بين الإرادة القوية والجسم القوي كما أن صاحب الجسم الضعيف يكون في غالب الأحيان صاحب إرادة خائرة وهمة فاترة وعزيمة خائبة (2) .
وهذا ليس قاعدة مطردة بلا شك ، فهناك من ضعيفي ألأجسام النحيلين من برع وأبدع ، وفاق غيره في كثير من المجالات .
ثانيا : الحالة الصحية :
للحالة الصحية دور بارز في قوة وضعف الشخصية والنظرة إلى الذات ؛ لما لها من صلة وثيقة بالقدرات الفكرية والبدنية فالإنسان يكون أضعف ما يكون عند المرض لأن المرض يضعف القدرات الدفاعية عند الإنسان ويقيد حركته ويسبب له مناخا نفسيا سلبيا (3) ، إلا إذا كان مسلما سامي الإيمان ، فيتقبل ذلك بشكر الله على نعمة الابتلاء .
بينما الإنسان المعافى يكون أقدر بلا شك على مواجهة الأمور وله من القدرات والإمكانات ما ليس للآخر .
__________
(1) استقيت المعلومة من فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الزيني في إحدى محاضراته القيمة .
(2) د. زهير أحمد السباعي وآخرون , القلق وكيف تتخلص منه , مرجع سابق ص33
(3) باسمة كيال, سيكلوجية الطفل , مرجع سابق ص 183 (1/21)
صفحة 22
كما أن المريض أقرب إلى الخوف من غيره من الأصحاء (1) ، لضعف الصورة الذاتية وقلة الوثوق في الطاقات والقدرات . ويرى بعض الأطباء أن اضطرابات الأيض مثلا (الهدم والبناء) التي تنتج عن الأداء غير المناسب لجهاز الغدد الصماء قد تحدث آثارا سلوكية مثل الإفراط في النشاط أو الكسل أو القلق كما أن التلف الذي يصيب المخ نتيجة إصابات عضوية أو أمراض الزهري يمكن أن تحدث قصورا في السلوك التكييفي في علاقة الشخص بالآخرين (2) .
ثالثا : الإعاقة البدنية :
تؤثر الإعاقة البدنية - أحيانا - تأثيرا غير مباشرا في العلاقات الاجتماعية للشخص ، لأن الإعاقة تحدث استجابات مضطربة أو سالبة في الآخرين ، الأمر الذي يجعل المعوق يحس بالنقص أو يحاول تعويض هذا النقص إما بالانسحاب من العلاقات الاجتماعية أو الالتجاء إلى إحدى الصور العديدة من التوافق (3) .
وقد أتفق في كون الإعاقة عاملا مؤثرا في القضية ،
غير أني أرى أن الأمر يختلف من شخص لآخر ، فكم رأينا ذوي عاهات وإعاقات ، لم تمنعهم إعاقتهم من محاولة تحقيق طموحات فكرية وعملية رائعة ، فاختاروا لأنفسهم ما يمكنهم النجاح فيه فبرعوا وأبدعوا ، ولله الفضل ، والتأريخ شاهد على كثرة الأمثلة في ذلك ، وصفحة الحياة مليئة بأمثالهم .
المبحث الثاني
العوامل المكتسبة
وأعني بها ما يكتسبه المرء من المحيط الذي يحيط به ، ويؤثر إيجابا أو سلبا على ثقته بنفسه .
المطلب الأول : العوامل الأسرية
الأسرة هي المحضن الأول للإنسان وتحت كنفها يعيش طفلا ويافعا , ليكون أسرة يعيش في مظلتها أفراد يرتشفون خبرته وتجاربه كما ارتشف هو ممن قبله وتلك سنة الحياة.
__________
(1) ريتشاردس لازاروس , الشخصية , ترجمة د. سيد محمد غنيم ,مراجعة د. محمد عثمان نجاتي , دار الشروق, بيروت , ط 1981 م ص 163بتصرف.
(2) ريتشاردس لازاروس , الشخصية ، ص162.
(3) المرجع السابق ، ص 161 . (1/22)
صفحة 23
وللأسرة والجو الأسري دور بارز في بناء الشخصية السوية الواثقة من نفسها على عدة عوامل أسرية منها :
أولا :القدوة الأسرية الصالحة :
إن حقيقة الوالدين ودرجة نضجهما ودرجة تحكمهما في أحاسيسهما الخاصة , كل ذلك يسهم إسهاما كبيرا في تسيير الطفل للتحولات التي تفرض عليه ، أي في جعلها أكثر تعقيدا وإذا كان المربي لم يصل بعد إلى الدرجة الكافية من النضج الشخصي أو كان عنصر التحكم في الانفعالات المختلفة ضعيفا أو مفقودا ، وكان من الصعب عليه التأقلم مع مختلف التغيرات الحيوية والاجتماعية أو ظل جانب من طاقته الوجدانية مرتبطا بالتصرفات الطفولية فإننا نتوقع أن يكون مصدرا للقلق وعدم الأمن بالنسبة للطفل (1) ؛ لأن الطفل يعتبره المثل الأعلى ومصدر القدوة السامية المنزهة المعصومة , فتنعكس المشاعر السلبية والضعف النفسي على نفسية الطفل بصورة تلقائية , و كذلك الحال بالنسبة للمشاعر الإيجابية والتحكم المنضبط في الانفعالات عندما يتوفران في المربي ينعكس صداهما بصورة تلقائية على الطفل .
فإذا كان الأب والأم يخافان من كل حركة أو سكنة معنوية أو حسية , ويتوجسان من أي تغير اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي - فإن الطفل الذي ينظر فيهما القدوة والمثال يصبح أكثر خوفا وأشد توجسا , بعكس الوالدين الواثقين من أنفسهما ومن مواقفهما .
ثانيا : غياب الأب أو اشتغاله :
__________
(1) جورج موكو ، التربية الوجدانية والمزاجية للطفل ، ت: د. فير العصرة وآخرون ، دار المعرفة ، القاهرة ، 1978م ، ص17 ، بتصرف . (1/23)
صفحة 24
لقد أصبح الأب في كثير من الأسر المعاصرة - وللأسف الشديد - يحتل مركزا وسطا بين نزيل الفندق وصاحب بيت لا يقطنه ، فهو يكسب قوت أسرته ، ولكن مصدر القوت يظل غامضا يعجز الأطفال عن فهمه ؛ حيث أن البيت في معظم الأمور يتركه للأم حتى لا يزعجه عند عودته من يوم شاق طويل ، وهذا النقص من شأن الدور الذي يلعبه لا يُهيئ الجو الصحيح لنمو الأطفال ، إذ يجعل من الصعب عليهم أن يكونوا بالتدريج فكرة صحيحة عن الرجولة الكاملة ومسئولياتها (1) ، والتي يجب أن يستمدها من شخصية الأب من معايشته لهم وتعامله معهم .
وقسم آخر حاضرون غائبون في نفس الوقت ، فهو بجسمه مع أطفاله أي في بيته معهم حي يرزق , غير أن فكره واهتماماته منصبة في الساعات التي يقضيها في الخارج ، فالجو الخارجي هو الشاغل جسما وفكرا في ساعات من اليوم ، وفكرا في بقية الساعات التي يدخل فيها الجسم صحن الدار , فيعيش أطفاله معه كاليتامى أو أشد حالا ،حيث أن اليتيم قد يجد من يعتني به من صالحي أقاربه أو جيرانه أو بني مجتمعه , ولكن المصيبة وجود صورة أب حاضر غائب لا يجد الأولاد في شخصيته واهتماماته القدوة الصالحة الناصحة الموجهة المدربة والله المستعان .
ثالثا : الأم العاملة وقضية المربيات الأجنبيات .
__________
(1) هـ .أ أوفرستريث ، العقل الناضج ، ت: السيد محمد عثمان ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،ط1 ، 1962م ن ص76 . (1/24)
صفحة 25
بعض الأمهات ممن يقضين أوقاتا طويلة خارج المنزل وتترك مهمة تربية الأبناء للمربية الأجنبية كثيرا ما تكثر من تدليل أطفالها وتلبية مطالبهم حتى تكسب رضاهم وموافقتهم على تغيبها وخروجها للعمل ؛ وهنا لا يعلم الآباء أن الأبناء يفسرون هذه المعاملة بشكل آخر يجعلهم أكثر أنانية لا يفكرون إلا بالذات والاستحواذ على كل ما يريدون وبأية وسيلة , كما أنهم يعتمدون على غيرهم في تلبية مطالبهم ولا يعتمدون على أنفسهم (1) .
وعندما تترك الأم الأطفال مع المربية فلا يسع الأم عندها إلا أن تتخذ من أطفالها موقفا يتسم بالتوتر والقلق البالغ عليهم ذلك القلق الذي كثيرا ما يكون قناعا يحجب استياء لا شعوريا آثما , وكثيرا ما تصبح العلاقة بين الأطفال وأمهم علاقة تواكل تعوق سبيلهم إلى النضج والصحة النفسية وقد تنقلب إلى عداء سافر أو مكبوت نتيجة أن الطفل يدرك إدراكا لا شعوريا إن هذا التواكل يتهدد شخصيته وذاته (2) .
هذا بالنسبة لأثر غياب الأم أما بالنسبة لوجود المربية الأجنبية بدلها فإن ذلك لا يقل خطرا على قضية تنمية الشخصية وإعدادها الإعداد الجيد , لضعف العاطفة بين المربية والطفل حيث إنها لا يمكن أن تكون كأمه بأي حال من الأحوال فليس الأجير كالمحتسب وليس قلب المربية الأجنبية كقلب أم تعبت وأنجبت ورجت واحتسبت ونبعت عين عاطفتها دفاقة فياضة بفطرة فطر الله الناس عليها كما أن المربية الأجنبية عندما تكون غير أمينة لا يهمها التنشئة الوجدانية والنفسية لأطفال الأسرة بأي حال من الأحوال ، بقدر ما يهمها ذلك الراتب الذي تتقاضاه نهاية كل شهر .
__________
(1) يراجع كفاح بنت صادق عبدواني , مطالب الأبناء الكثيرة كيف يواجهها الآباء , مجلة الأسرة ، العدد 628 .
(2) هـ . أ . أوفرستريث ، العقل الناضج ، مرجع سابق ، ص76 . (1/25)
صفحة 26
وليس ذلك قاعدة مطردة بلا شك , غير أن غالب أحوالنا في هذه القضية تنذر بخطر فعلا , ومجتمعنا العماني ابتلي بلفحات تلك الأخطار والآثار النفسية على أطفاله وناشئته في البيوت التي تستعين بالعاملات الأجنبيات .
يقول د. كمال رباح : " إن انتشار المربيات الأجنبيات غير المسلمات في البيت العماني ومشاركتهن الأسرة والأم في عملية التنشئة والتطبيع الاجتماعي للطفل يمثل خطورة ويترك آثارا سلبية على نمو الطفل النفسي والاجتماعي والمعرفي واللغوي إذ يحرم الطفل من حنان أمه وما يحسه من أمن وطمأنينة " (1)
ومن وجهة نظري أن تلك الآثار لا تقتصر على غير المسلمات فلذلك أرى أنه متى ما أغنت الحاجة والضرورة عن وجود مربية أجنبية فمن المستحسن عدم وضع نفسيات الأطفال وتربيتهم في أيدي هؤلاء , وإذا دعت حاجة فعلية لذلك فلتجتهد الأم في القيام بما تستطيعه من الحفاظ على شخصية أطفالها وتنمية ذواتهم وثقتهم بأنفسهم .
رابعا: القسوة والتدليل
الإفراط والتفريط في الأمور محضن زلل ونذير خطر والاعتدال والوسطية منهج يرتكز عليه النجاح والرقي لذلك فإن المربي النفساني الناصح من اختار هذا المنهج في قضية القسوة والتدليل خاصة لأن لكل منهما - أي القسوة والتدليل - آثارا نفسانية خطيرة تهز الثقة وتودي بكيانها بعد ذلك .
فالطفل الذي يعامل بقسوة أو يعاقب كثيرا في مرحلة التمرن على العادات الحسنة خاصة ، كثيرا ما ينشأ دائم الخوف من وخز الضمير (2) ، كما أن القسوة تشعره بالذلة والمهانة وقد تحدث عنده العديد من عقد النقص وتورث في طبيعته الاستسلام والدفاع وقلما يقدم على موقف هجوم ولو احتيج إليه فيه .
__________
(1) د. كمال رباح ، هل تقوم الأسرة العمانية بواجبها التربوي نحو أولادها ؟ ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد 613 .
(2) هيلين روس ، مخاوف الأطفال ، مرجع سابق ، ص24 . (1/26)
صفحة 27
كما قد تأتي القسوة بنتيجة مضادة لذلك حيث تزرع القسوة وحب السيطرة على الآخرين مستقبلا فتكتب الفشل الاجتماعي في علاقات الشخص ويأتي ذلك ما يأتيه من نتائج وردود فعل سلبية على ثقة الإنسان بنفسه .
أما التدليل فإنه ينشئ الأولاد أنانيين متصفين بالتردد وضعف الشخصية أو عدم القدرة على القطع برأي لأنفسهم , إذ إن هناك من يفكر لهم باستمرار ويخشى الآباء المدللون إذا تركوا أولادهم يفكرون أن يخطئوا ولكنهم ينسون أن المرء كثيرا ما يتعلم من أخطائه (1) ، كما أن الطفل المدلل يستغل عطف والديه استغلالا زائدا عن الحد , ويتعود إخضاعهما لكل رغباته ومن هنا تنشأ عنده فكرة خاطئة عن معاملة الناس حتى يصطدم بالواقع ومن هنا يفشل ويعرضه هذا الفشل إلى ألم نفسي (2) .
فالطفل الذي تعود أن يفكَر له ويوفَر له ويقدَم له ويجهزَ له ويخدَم حتى في أبسط الأشياء ماذا ينتظَر منه يا ترى مستقبلا , وكيف ستتكون شخصيته ومتى ستنمو ثقته بنفسه ؟!
وتفيد الدراسات التي أجريت على سلوك الاعتماد الكبير على الأم والتي قام بها كراندال وبرجتون ورابسون أن الأطفال الأكثر اعتمادا على الأم كانوا أقل إنجازا أو أقل ألفة بين أقرانهم , كما أن الأطفال الأكثر اعتمادا على أنفسهم في مرحلة الحضانة والروضة كانوا أعلى تحصيلا واقل طلبا للمساعدة من جانب الكبار (3) .
خامسا : الأوامر التعسفية
وأعني بها الأوامر التي يلقيها المربون والتي لا تستند إلى منطق سليم ولا يفهم الطفل الغرض منها والثمرة المجنية من ورائها . إذ لا بد من أن نوضح للطفل أو الصبي لم يؤمر بكذا ولم ينه عن كذا .
فيجب أن تكون الأوامر التي تلقى على الطفل منضبطة بضوابط من أهمها :
__________
(1) معروف رزيق ، كيف نربي أبناءنا ونعالج مشاكلهم ، مرجع سابق ، ص33 .
(2) المرجع السابق ، ص32 .
(3) يراجع د. خالد القصي ، أثر إهمال الأم على النمو النفسي للطفل ، مجلة العلوم الاجتماعية ، العدد 4 . (1/27)
صفحة 28
1 - أن يكون الأمر في مقدور الطفل , فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها , فإن الأوامر فوق طاقة الطفل المتلقي ترهق النفس وتصيبها بالإحباط و اليأس وعقدة النقص .
2 - أن يفهم الطفل الغرض مِن فِعل الفعل وثمرة ما يقوم به لأن الأمر غير المفهوم الغرض قد يشعر الطفل بالمهانة والذلة كما لا يمكن القياس عليه بأعمال حسنة أخرى ، وكذلك الحال بالنسبة للنهي بل القضية في النهي أشد لما فيه من تقييد غير واضح للحرية في نظر الطفل .
لذلك يقول هـ أ . أوفرستريث : " أن الكبار الذين لا يتفوهون إلا بالأوامر والأحكام التي لا مرد لها لا يصلحون لصحبة الصغار (1) .
3 - خلو الأوامر من التناقض إما بالشيء الذي نهي عنه الطفل بالأمس وإما العكس الذي يربكه , كما أن نهي أحد الوالدين عما أمر به الآخر يحير الطفل ويخلق فيه التردد والإحجام مستقبلا (2) .
سادسا : التهميش :
يحب الطفل دوما أن يحس بوجوده وقيمته أو ملاحظة الآخرين لذلك واحترامهم لهذا الشعور , فإذا ما همش أو أحس أنه غير مرغوب فيه لدرجة يعجز معها عن المضي قدما في ثقة واطمئنان أحجم كثيرا وهانت نفسه لديه (3) .
فالطفل كيان له شخصيته التي يجب أن تحترَم وتقدَّر فيجب أن نشعره بأن له قيمة في نفوسنا وأننا نلحظ وجوده ويجب إشراكه في كل ما يمكن عمله في المنزل مما يبعث في نفسه الثقة والإقدام ويشعر عنده بالقدرة والكفاءة بدل أن تدفعه إلى الفشل أو تدفعه إلى طريق الاحباط والتردد .
ولا بد أن نعلم تجارب الأطفال التي يجعلونها على الجدران والورق إنما هي تعبيرات عن وجودهم وأفكارهم (4) .
الفصل الثالث
__________
(1) أ. هـ أفرستريث ، العقل الناضج ، مرجع سابق ، ص322 .
(2) د. كاميليا عبدالفتاح ، دليل الوالدين في معاملة المراهقين ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1980 ، ص36 ، يتصرف .
(3) يراجع أزهـ أوفرستريث ، العقل الناضج ، مرجع سابق ، ص 308-309 .
(4) كفاح بنت صادق عبدواني ، مجلة الأسرة ، العدد611 . (1/28)
صفحة 29
وسائل تنمية الثقة بالنفس
المبحث الأول
الوسائل الذاتية
وأعني بالوسائل الذاتية ، ما يقوم به الشخض نفسه من وسائل تنمي فيه الثقة بنفسه ،وترفع معنوياته ، وسأقسمها إلى قسمين :
المطلب الأول : الوسائل الفكرية
كثيرا ما يعزى ضعف الثقة بالنفس واهتزازها إلى خلل في الفكر أو التصور ، لذلك كان العلاج الفكري لا بد منه للخروج من هذا المرض ، ومن أهم الوسائل الفكرية في ذلك :
أولا : حسن الظن بالله ، والإيمان السليم به
وذلك بأن يوقن المرء يقينا تاما أن الله - سبحانه وتعالى - هو الرازق الواهب ، عندها لا يقلق على رزق ، ولا يخشى من فاقة ، متى عمل بالأسباب ، وأدى ما عليه ، ويوقن أن مقدر المحن هو الله ، ولا بد أن تقع متى كتبها الله ، ولن تقع ما لم يكتبها ، فتطمئن نفسه ، ولا يبقى متوجسا خائفا من وقوعها ، يبيت ليله حزينا، ويقضي نهاره وكأن قلبه على جناح طائر ، يخشى من كل حركة وسكنة .
ويوقن بأن النجاح والفشل في الأمور بيد الله - سبحانه وتعالى - ، فيعمل بالأسباب جهده ، ثم يتوكل على الله ، عندها يمضي في أموره بثقة واطمئنان ، متفائلا بالنجاح ، محسنا الظن بربه ، ويوقن أن الله فوق كل مخلوق ، وقاهر كل موجود ، فلا يتهيب الناس ، ولا يستوحش منهم ، ويسكن قلبه إلى هذه الحقيقة ، فيعاملهم بثقة ورزانة .
" تتحقق للمؤمن بإيمانه سكينة النفس ، وأمنها واطمئنانتها ، لأن إيمانه الصادق بالله ، يمده بالأمل والرجاء في حفظ الله ورعايته وحمايته " (1)
__________
(1) د .محمد عثمان نجاتي ، القرآن وعلم النفس ، دار الشروق ، القاهرة ، ط1 ، 1989م ، ص 250 . (1/29)
صفحة 30
وذلك ما لاحظه علماء الغرب أنفسهم حيث نادوا أن الإيمان بالله هو العلاج ، ومن بين من نادى بذلك من علماء النفس المحدثين وليم جيمس الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي فقد قال : " إن أعظم علاج للقلق ولا شك هو الإيمان " ، وقال أيضا : " الإيمان من القوى التي لا بد من توافرها لمعاونة المرء على العيش ، وفقده نذير بالعجز عن معاناة الحياة " (1)
وواقعنا يشهد بهذه الحقيقة الدامغة ، فقد رأينا ذوي الإيمان والصلاح تكتنفهم السكينة ، وتلفهم الطمأنينة ، وترفرف طيور الأمن من حولهم ، لاتصالهم العميق برب الأمن ، وواجد الطمأنينة ، وإذا كان العالِم الغربي قد لاحظ ذلك في إيمانهم السطحي ، رغم فساد عقائدهم في الله - تعالى - ، فكيف بمن عرف الله حق معرفته !، وفق المنهج الإسلامي الصحيح ، واستقى منابع عقيدته من فيض نور الكتاب والسنة .
ثانيا : تدبر آي الكتاب العزيز
القرآن الكريم منبع سمو الروح ، والارتقاء بالنفس الإنسانية في سلم الكمال ، ومرتع طالبي العزة والمجد .
إنه يُعلِّم المؤمن أنه بإيمانه هو العزيز والأعلى ، وصاحب المكانة والريادة والسيادة ، " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون " )سورة المنافقون ، الآية 8 ) ،
إنه يُعلِّم المؤمن أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، مهما جُمع ضده من حشود ، واستشرت القوى المعادية له ، وأن ما هو مكتوب جار لا محالة ، وكل مدفوع مندفع لا محالة ، فلا غالب لأمر الله ، ولا منازع له في حكمه ، بيده إحياؤنا وبيده حفظنا ، وبيده وقايتنا من المصائب ، " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون " ( سورة التوبة ، الآية 51 ) .
__________
(1) المرجع السابق ، ص 248 . (1/30)
صفحة 31
إنه يُعلِّم المؤمن الثبات في المواقف ، ورباطة الجأش ، فما دام مع الله ، فإن الله معه : " فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " ، وما أروع ما ختمت به سورة النحل من وعد الله بالمعية للمتقين : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " ( سورة النحل ، الآية 128 )
كل هذه الآيات وأضرابها حينما يتأملها المؤمن ، ويتدبر معانيها ، ويقف عندها وقفات تلو وقفات - تمده بقوة روحية عجيبة ، تبعث في نفسه الثقة ، وتطمئن روحه ، وتسمو به إحساساته الرائعة التي أذكتها تلك الآيات ، فلنسبح في المعاني الخالدة ، حيث إنها بمثابة جدول رقراق يروي الأحاسيس الطيبة فيذكيها ، وضدها فيرفع عبئها عنا .
ثالثا : التخلص من الأفكار الخاطئة
لا بد للتخلص من التحطم النفسي ، وضعف الثقة بالنفس والرفع من الكفاءة النفسية ، من إعادة صياغة الفكر الصياغة السليمة ، والتخلص من الأفكار الخاطئة ، تجاه النفس والآخرين ، وقد أوردنا بعض الأفكار الخاطئة في فصل العوامل المؤثرة ، ونضيف هنا أنه :
لا بد من التخلص من الحساسية المفرطة تجاه الآخرين ، والتي قد تشعر المرء بالخجل ، والرغبة في الهروب من الناس ، والانطواء على الذات ، ولنتأكد أنه من نشعر بالخجل في حضرتهم - لزيادة حساسيتنا بأنفسنا - ، ربما لا يفكرون فينا أبدا ، بل ربما كانوا يفكرون مثلنا ، ولهذا ينبغي أن لا يعتقد الواحد منا أنه شاذ (1) .
المطلب الثاني : الوسائل السلوكية
ثمة سلوكيات عدة ترفع ثقة المرء بنفسه ، وتربي فيه الإيجابية والإقدام ، وتشعره بذاته ، وتدفعه إلى مزيد من العطاء ، وتقيه من التقهقر والتردد ، ومن أهمها :
أولا : الصلاة
__________
(1) معروف رزيق ، كيف نربي أبناءنا ونعالج مشاكلهم ، مرجع سابق ، ص165 . (1/31)
صفحة 32
الصلاة أكبر عبادة إسلامية شرعها الله – سبحانه وتعالى - ، وجعلها أول ركن عملي من أركان الإسلام ، تعظيما لمكانتها ، وإعلاء لشأنها ، فهي صلة روحية مقدسة بين العبد وربه ، تربطه به في خشوع وخضوع وتذلل ، فتسمو بروحه إلى عليين ، وترتقي بنفسه في مدارج الكمال والجلال ، وتمنحه شحنات روحية قوية تُنمِّي فيه كل صفة نفسية ، أو روحية خَيِّرَة ، وتُضعِفُ فيه كل صفة شريرة متى ما أداها في خشوع بكامل أركانها وشروطها ، وأخلص النية فيها إلى الله ، متوجها إليه بقلبه وقالبه ، فانيا فيها عما حوله ، قد أعمل فكره فيما هو من كلمات عظيمة ، يقولها في ركوعه وسجوده ، وقيامه ، يعلن فيها عبوديته لربه ، أو يتضرع إليه في أن يمده بالعون والتوفيق والسداد .
وإنما كانت الصلاة وسيلة عملية لتنمية الثقة بالنفس لما فيها من الشعور العظيم بالارتباط الوثيق بقيوم السموات والأرض ، فمن يقول : الله أكبر ، بلسانه وقلبه ، في كل حركة من حركات صلاته ، ويسبح بحمد خالقه العظيم الأعلى ، في ركوعه وسجوده ، ويسأله الإعانة والهداية في قيامه ، والفوز والفلاح في قعوده - يشعر أنه مرتبط روحيا ، بقوة عظيمة مدبرة ، يمكنه الوثوق بها ، فينمو في نفسه خلق التوكل ، ويرتفع في درجات سلم اليقين بالله - سبحانه وتعالى - .
" فالصلاة التي تستغرق العقل والشعور والوجدان ، علاج روحي يصبغ على المؤمن سكينة النفس ، وطمأنينتها " (1) ، وكيف لا وهي تجمع بين العاطفة والعقل ، جمعا غريبا ، يجعل العاطفة القوية ( الإيمان ) تمد العقل والفكر بالقوة التي تؤهله للسير قدما في واقع الحياة العملية والاجتماعية ، دون تهيب أو تخوف ، وتبعد عنه وساوس القلق والخوف ، وشبح التردد ، والهواجس السيئة ، وتحميه من سيطرة الأفكار الخبيثة .
__________
(1) د. زهير أحمد السباعي ، القلق وكيف تتخلص منه ، مرجع سابق ، ص87 . (1/32)
صفحة 33
يقول د . زهير أحمد : " إن وقوف الإنسان في الصلاة أمام الله – سبحانه وتعالى – في خشوع وتضرع - يمده بطاقة روحية تبعث فيه الشعور بالصفاء الروحي والاطمئنان القلبي ، والأمن النفسي ... ووقوفه أمام ربه في خشوع من شأنه أن بيعث فيه حالة من الاسترخاء التام ، وهدوء النفس ، وراحة العقل ، ولهذه الحالة من الاسترخاء والهدوء النفسي ، التي تحدثها الصلاة أثرها العلاجي المهم ، في تخفيف حدة التوترات العصبية الناشئة عن ضغوط الحياة اليومية ، وفي خفض القلق الذي يعاني منه بعض الناس " (1) .
وقد شهد بدور الصلاة في رفع الكفاءة النفسية ، وبث الطمأنينة ، أطباء غير مسلمين ، يقول الطبيب هايسلوب : " إن أهم مقومات العزم التي عرفتها خلال سنين قضيتها في الخبرة والتجارب هي الصلاة ، وأنا أقول هذا القول بوصفي طبيبا ، إن الصلاة أهم وسيلة عرفت حتى الآن لبث الطمأنينة في النفوس ، وبث الهدوء في الأعصاب " (2)
فالأطباء النفسانيون مسلمون وغير مسلمين يشهدون بذلك ، والمؤمن الخاشع في صلاته يعايش ذلك في تجربة حية تمتد طيلة حياته ، فسبحان من شرع لنا ما يصلح نفوسنا في الدنيا والآخرة .
ثانيا : ذكر الله وقراءة القرآن
__________
(1) المرجع سابق ،ص265 .
(2) د. زهير أحمد السباعي ، القلق وكيف تتخلص منه ، مرجع سابق، ص264 . (1/33)
صفحة 34
إن المرء منا عندما يذكر في نفسه إنسانا له مكانة عليا ، أو ذا منصب وجاه ، وهو يحس أن بإمكانه أن يعينه في أمر ما - يشعر بشيء من الطمأنينة والزهو ، والثقة بالنفس ، فكيف بمن يذكر جبار السموات والأرض وقيومهن ومن فيهن ؟ كيف بمن يلهج لسانه ويستشعر قلبه عظمة الباري العظيم ؟ لا شك أن ذلك يبعث في نفسه الطمأنينة والارتياح النفسي والعصبي ، لأنه يحس أنه يتصل بقوة قادرة على حمايته ، قادرة على رعايته ، قادرة على تدبير شؤونه ، يحس أنه يأوي إلى ركن شديد ، وذلك لا يتم بطبيعة الحال إلا باجتماع ذكر اللسان ،وذكر القلب ، أما لقلقة اللسان ، والقلب ساهٍ لاهٍ غافل - فليس من الذكر في شيء ، عبادة ولا ثمرة ، إنما الذكر الذي يؤتي ثماره النفسية والعاطفية ، والسلوكية ، هو ذكر الخاشعين الخاضعين .
ويكفي دلالة على ذلك ، الحصر الوارد في قوله – تعالى- : " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ، فالآية الكريمة حصرت الطمأنينة في ذكر الله تعالى ، فلا طمأنينة حقيقة صادقة ، إلا في ظل ذكره ، وتفيؤ ظلال ونفحات أسمائه وصفاته .
وما أكثر الأذكار الواردة في السنة النبوية المشرفة ، التي وزعت على كافة مجالات حياتنا ، لنكون على صلة دائمة بالله – تعالى - ، تلك الصلة الوثيقة تشعرنا بالأمن والطمأنينة . (1/34)
صفحة 35
وقراءة القرآن الكريم من أعظم الذكر ، لذلك كان القرآن الكريم رائد المجال ، وصاحب السبق في تحصيل هذه الثمرة ، ومد المسلم بالطاقة الروحية ، التي تنمي فيه ثقته بنفسه ، وتبعث فيه الإيجابية ، والإقدام والسعي دوماً نحو الأفضل ، يقول د . محمد عثمان نجاتي : " لا شك أن في القرآن طاقة روحية هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الإنسان فهو يهز وجدانه ويرهف أحاسيسه ومشاعره ، ويصقل روحه ، ويوقظ إدراكه وتفكيره ويُجلِّي بصيرته فإذا بالإنسان بعد أن يتعرض لتأثير القرآن يصبح إنساناً جديداً كأنه خلق خلقاً جديداً " (1)
وفي نظري أن تلك الثمرة لا تتأتى بمجرد التلفظ بكلمات القرآن ، نعم قد تحدث بعض التأثيرات الروحية ببركة ما جرى على اللسان غير أن الثمرة تكتمل وتنجلي في ظل التوافق بين حركة اللسان وحضور القلب في أثناء التلاوة ، أي التلاوة بتدبر وتؤدة واطمئنان وتفكير في معاني الآيات والحامل في مقتضياتها ، والوقوف عند كل معنى .
ثالثاً : تقوى الله
التقوى وما أدراك ما التقوى ، إنها طريق السعادة في الدنيا ، والفوز في العقبى ، بنص آي الكتاب العزيز، وشهادة الواقع .
أما الآيات فما أكثرها في ذلك ، قال تعالى : " سيهديهم ويصلح بالهم " (سورة محمد ، الآية 5 ) ، ، وقال : " الذين آمنوا ولم يلبسوا لإيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " ( سورة الأنعام الآية 82 )
وباستقراء صفحات الحياة أو الكتاب المفتوح ، نجد الطمأنينة والراحة النفسية ترفرف حول قوم إلتزموا منهج الله ـ سبحانه وتعالى ـ وجعلوا تقواه نصب أعينهم فقروا بذلك بالا ، واطمأنت نفوسهم إلى ما هم عليه ، فظهرت إمارات راحتهم وسعادتهم ثم ثقتهم بصحة سلوكهم ، فلم تجد الوساوس إليهم سبيلا ، إلا إذا أخلوا بشيء من ضوابط الأمر .
__________
(1) د. محمد عثمان نجاتي ، القرآن وعلم النفس ، مرجع سابق ، ص245 . (1/35)
صفحة 36
وما أكثر ما يعانيه من ارتأى لنفسه منهجا بعيدا عن المنهج الذي رسمه له ربه ، فتخبط سلوكيا ، وتعذب نفسيا .
رابعاً : المشاركة في أعمال جماعية
يرى بعض الباحثين أن الثقة بالنفس تتوقف على تقدير الآخرين لكفايتنا ، واعترافهم بإنتاجنا ، فعندما يصبح الفرد عضواً في مجموعة تتسع حياته وتزدهر ، وتزداد قدرته ، بقيمته الشخصية ، ويستمتع بمودة الأعضاء ومحبتهم ، ويبادلهم نفس هذه العواطف عن طيب خاطر (1) .
وإن كنت لا أتفق في كون الثقة بالنفس تتوقف على تقدير الآخرين ، إلا إني أرى أن لذلك دور كبير فيها ، لا سيما فيمن ضعفت ثقته أمام مواجه الجماهير ويشعر بالخجل عند التصدر .
لذلك فإن الفشل في التوافق الاجتماعي يرجع أولاً وقبل كل شيء إلى نقص النشاط ، فعلى المرء - لكي يتخلص من ذلك - أن يكون نشيطاً جريئاً وأن يكون في المواقف الاجتماعية حازماً غير متردد (2) ، وأن يحاول التعامل مع عدد أكبر من الأشخاص سواء بمزاولة نوع من أنواع الرياضة أو بالانضمام إلى رحلة من الرحلات وشيئاً فشيئاً سوف نتخلص من الخجل (3) بمشيئة الله – تعالى - .
خامساً : المثابرة
اليأس والإحباط عدو النجاح ، وهو من أكبر معوقات التقدم ، والسير نحو الأفضل .
__________
(1) د. سمية فهمي، حياتنا في ضوء علم النفس ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1979 م ، ص97 .
(2) معروف رزيق ، كيف نربي أبناءنا ونعالج مشاكلهم ، مرجع سابق ، ص165 .
(3) كفاح بنت صادق عبدواني ، الخجل والشعور بالوحدة ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد506 . (1/36)
صفحة 37
فقد يخفق الإنسان أحياناً ـ وهو يعمل ـ وهذا ليس عيباً طالما أنه يعمل بجد وإخلاص ، ويعطي العمل حقه إلا أنه يجب ألا يدع الشعور بالإخفاق يستولي عليه، ويوهن قواه ، ويدفعه لترك العمل ، بل لا بد على العكس من ذلك ، إذا كان هذا الإنسان يملك إرادة قوية وسعة أفق ، فعليه أن يتخذ من فشله حافزاً جديداً ، ومن تجارته السابقة درساً مفيدا كي يتقدم ولا يتقاعس ، محاولاً أن يتحدى كل الصعوبات ، وأن يذلل كافة العقبات التي تعترضه ، وليس مهماً بعد ذلك إن استطاع مثل هذا الإنسان إنجاز عمله بالصورة التي يتوخاها فالمهم أن محاولاته وجهوده التي بذلها تعد كافية لترسيخ ثقته بنفسه (1)
فعلينا ألا نستسلم قط متى أخفقنا بعض الشيء ؛ لأن الاستسلام طريق ممهد للفشل الذريع فيما بعد ، فإن أخفقنا اليوم فسننجح غدا بإذن الله ما دامت ثمة همة للمثابرة والتواصل والتفاني في المحاولة الجادة المثمرة .
وهكذا نرى – مثلا – الطالب الذي تخرج من الثانوية ، ولم تسعفه قدراته – أو بالأحرى اجتهاده – للحصول على معدل عال ، إذا استسلم وظن أنه عاجز لا يصلح لشيء - قضى سنوات عدة بلا عمل ، متسكعا في الشوارع من رفيق إلى رفيق ، ومن شُلةٍ إلى أخرى ، بينما إذا وضع في باله أن المثابرة طريق النجاح ، حاول مرة أخرى ، فإن لم يوفق التحق مباشرة بما يمكنه النجاح فيه ، وكافح هناك ، فكان النجاح حليفه على مر الأيام .
سادسا : تجزئة العمل
من المستحسن ابتكار طرق لتقسيم العمل الكبير إلى أجزاء صغيرة ، ليسهل التعامل معها ، وتطبيق قاعدة " فرق تسد " ، فعندما يوكل إليك عمل أو مهمة ما ، فقم بتقسيمها إلى أجزاء أو مهمات صغيرة ، وأنجز منها ما يعزز ثقتك.
__________
(1) سميح عاطف الزين ، علم النفس ، مرجع سابق ، ص426 . (1/37)
صفحة 38
وفي نظري أن ذلك يختصر الكثير من الوقت والجهد ، بسبب احتمال تتابع الفشل في العمل الكبير ، مما يؤدي إلى استهلاك الوقت أولا ، واستنزاف الطاقات ثانيا ، وتحطم النفسية ثالثا ، وكل ذلك بلا شك يهد الثقة ويهزها هزا عنيفا .
ولنتفكر في حكمته تعالى حين خلق السموات والأرض في ستة أيام ، ومعلوم أن أمره بين الكاف والنون ، وما ذلك إلا ليعلمنا الأناة والتريث ، وعدم الاستعجال .
سابعا : لا تحمل نفسك فوق ما تطيق
لا بد وأن ندرك أن لكل إنسان طاقاته وقدراته ، فعلينا استكشاف طاقاتنا وإمكانياتنا ، والتعرف عليها ، ونزنها الوزن السليم ، ثم نضعها في موضعها الصحيح ، فلا انتقاص أو عقد نقص ، ولا تهور أو مجازفة من غير مقدرة ، فما الداعي أن نخوض الصحراء بلا زاد ولا ماء ، أو نقحم أنفسنا في عمل ليس لدينا من الإمكانيات ما يؤهلنا للقيام به .
" والقرآن الكريم يهدينا إلى أن نوازن بين رغباتنا وقدراتنا ، حتى نتجنب اضطراب النفس " (1) فالله – تعالى - يقول : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ، ويقول : " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " ، " ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به " .
إن إقحام النفس فيما لا تطيق من الأعمال ، يؤدي إلى نفورها ، واهتزاز ثقتها ، وتولد عقد النقص والقصور لديها ، والشعور بالعجز وعدم القدرة ، كل ذلك يزيد الإخفاقات ويكررها ، فتضعف الثقة أكثر ، وهكذا دواليك .
ثامناً : كافئ نفسك
من الطرق الناجحة لتحقيق النجاح مكافأة النفس على كل خطوة تقدمك إلى الأمام ، في طريق النجاح ، فذلك يشجع النفس على المواصلة والاستمرار ، (1/38)
صفحة 39
فعندما تنجح مبدئياً في مهمة ، ولو نجاحاً بسيطاً كافئ نفسك بما يشجعها على المواصلة ، وفي رأيي أن ذلك يختلف باختلاف الأنفس وطبيعتها كما يعتمد على نوعية المكافأة ، ويتبين ذلك من خلال التجارب الشخصية ، فإذا رأى المرء أن المكافأة الفلانية تدفع نفسه إلى مزيد جهد ومواصلة واستمرار ، فليستمر في المكافأة مع كل خطوة ، أما الإغراق في الشهوات واستخدامه كمكافأة فقلما يصلح في نظري لعلو همة النفس وزيادة ثقتها ، فلينتبه لذلك .
تاسعاً : المصارحة
إن بعض الناس يضغطون على مشاعرهم في أنفسهم ، فلا يسمحون لأي إنسان أن يعرف شيئا عما يضايقهم ، بل إنهم لا يسمحون لأنفسهم بمعرفتها ، فتزداد هذه المتاعب وتتكاثف إلى حد أنهم ينفجرون أحيانا بالبكاء ، أو بالتفوه بغليظ القول ، أو بإتيان حركات عنيفة (1) .
وأرى أن مجرد الإفضاء إلى أحد بالمشكلة والتحدث بطلاقة عنها ، يخفف من المعاناة الداخلية ، إلى حد كبير ، فكيف إذا أتى لك الآخرون ببعض الحلول الناجحة التي تعينك على حل مشكلتك ، وتأخذ بيدك إلى طريق الخلاص والنجاح .
ولا يفوتني أن أنبه إلى أن على الإنسان أن يختار من يناقش معه مشكلته ، فيصطفي من يعرف فيه الأمانة والإحساس بالمسؤولية ، وبعد النظر ، وسعة الأفق ، والخلق ، والتجرد من الأهواء ، والخبرة ، وصفاء الباطن ، ولا يوزع مشكلته كما توزع الأطعمة على الأفواه الجائعة ، والثغور الظامئة ، فيشمت الحاسد والحاقد ، ويفرح العدو ، ويحزن الصديق العاجز عن المعونة ، ويغم القريب والحبيب الذي لا يملك ما يعينه به .
لذلك أوصى الإسلام باختيار الخل الوفي ، والصاحب التقي النقي ، ونهى عن مخاللة الأشرار ، ومن لا يعرف إلا ذاته ومصلحته ، وجعل الأنانية قائده .
المبحث الثاني
الوسائل التربوية
المطلب الأول : دور الأسرة
__________
(1) أ . سبرجل انجلش وآخرون ، مشكلات سلوكك ، ت : د.محمد عمادالدين إسماعيل ، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، 1960 . ص53 . (1/39)
صفحة 40
تلعب الأسرة – بلا شك – دورا بارزا في إذكاء روح الإيجابية ، وعلو الهمة ، وتنمية الثقة بالنفس ، لكونها المحضن الأول للإنسان ، وفيها يقضي سِنِي عمره الأولى ، مستقيا من عاداتها ، ومرتشفا من تعاليمها وتوجيهاتها ، ومن أهم الوسائل الأسرية لتنمية الثقة بالنفس :
أولا : إشعار الطفل بالحب والحنان والاحترام
للأب والأم الدور الكبير في منح الأبناء الثقة بالنفس ، بمنحهم الحب والرعاية والاحترام (1) ، بحيث يشعر الطفل أنه مرغوب فيه ، ويشعر بالدفء الأسري ، فإهمال الطفل كعقل وكيان - يفقده إحساسه بذاته ، وبالتالي يفقده الثقة بالنفس، ويعرضه لما يعرف بالجوع العاطفي ، الأمر الذي يؤدي به إلى سوء التوافق الاجتماعي ، والاضطراب النفسي (2) .
وكما تقول عائشة الريامية المديرة العامة لشؤون المرأة والطفل : " الأسرة هي مصدر الأمن والأمان للأبناء " (3) .
ونحن نرى وبشكل واضح في مجتمعنا - أن الأسر التي تحرم أبناءها من الحب والتقدير والاحترام ، حيث غياب الأب ، أو إهماله ، أو حضوره غير المبالي ، وكذلك إهمال الأم - كل ذلك يؤدي إلى إحساس الطفل بالرغبة في الحصول على العاطفة من أي مكان ، وبأي وسيلة ، وربما اكتنفه رفقاء السوء ، أو دعاة الفساد في المجتمع ، يستميلونه إلى صفهم وطريقهم ، بعد توفير ما يبحث عنه ، مما فقده داخل الأسرة ، كما أن الطفل في تلك الأسر عندما لا يشعر بذاته داخل الأسرة ، لا يرى في نفسه كفاءة في أي عمل أو مشاركة خارجية ، فيخرج إلى المجتمع محجما مترددا متخاذلا ، لما يشعر به من قصور ونقص وظمأ عاطفي .
ثانيا : الوعي السليم بقدرات الطفل
__________
(1) محمد القصي ، حكمة آباء الأمس مشكلة آباء اليوم ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد 615 .
(2) د.زيدان عبدالباقي ،الأسرة والطفولة ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1980 ، ص240 .
(3) محمد القصي ، هل تقوم الأسرة العمانية بواجبها تجاه أبناءها ؟ ،مجلة الأسرة ، مرجع سابق . (1/40)
صفحة 41
" لا بد أن يكون لدى الأسرة وعي خاص بطبيعة الإمكانات المتاحة في كل مرحلة من مراحل العمر ، ووعي بنقاط الضعف والقوة لدى الطفل " (1) ، كي لا يدفع الطفل أو الصبي في أعمال لا قبل له بها ، فتنهار قواه النفسية ، وتتحطم ، حيث يشعر بالنقص والقصور والعجز ، وذلك عين ضعف الثقة بالنفس .
" فقد تكون إمكانات الطفل أقل مما تصوره الأسرة ، وبذلك يقع في صراع رهيب نتيجة لعدم توافق إمكاناته مع طموح أسرته " (2)
لذلك أرى أن الوعي بالإمكانات والملكات داخل الأسرة ، دليل تفتح وخبرة للوالدين ، فذلك يمكنهما من تقسيم الأعمال الداخلية والخارجية ، وإصدار الأوامر ، بشكل متزن ، ووضع الأمور في نصابها ، والأوامر في محلها ، فيعمل كل في حدود مقدوره ومقدرته ، فتنمو ثقة الجميع بأنفسهم ، والله المعين .
ثالثا : منح الطفل حرية التفكير والقرار
الحرية مطلب سام وغريزة إنسانية كامنة في النفس ، لا بد للأسرة أن تلتفت إليها ، ولا ترميها في وديان التجاهل أو الكبت ، فتعطيها حقها ، دون إفراط أو تفريط ، فكلاهما يضعف الثقة بالنفس .
فإذا ضيقت الأسرة الخناق على الأبناء بشكل كبير - قتلت الإبداع والمحاولة والشعور بالذات داخل نفوسهم ، وما أسوأه من حال .
وإن تركت الحبل على الغارب ، يفعل الولد والبنت ما يشاءان اصطدما بصخرة الواقع ، وقاعدة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، فيضطر إلى التراجع عن الحرية المنشودة ، إما إلى كبت غرائزهما ، وإما إلى الانكماش بعقدة نقص وحذر ، وكل ذلك يهد الثقة ، ويضربها في جذورها .
" كما يجب أن يتفق الوالدان والإخوة الكبار والجدة وكلُّ مَن يُوجِّه بالمنزل ومن شأنه إعطاء تعليمات أو توجيهات للطفل ، على سياسة موحدة " (3) .
__________
(1) كفاح بنت صادق ، الخيط الرفيع بين الثقة بالنفس والغرور ، مجلة الأسرة ، مرجع سابق .
(2) المرجع السابق .
(3) مختار حمزة ، إرشاد الآباء والأبناء ، ص224 . (1/41)
صفحة 42
ففي نظري أن من أكثر ما يربك الطفل ويحيره ، قول أحد الأبوين : افعل ، وقول الآخر : لا تفعل ، في عمل ووقت متحدين ، أو باتفاق العمل واختلاف الوقت ، فلا بد من السير في نظام واضح يفهمه الطفل ، ولا يعقد تفكيره .
رابعا : التجربة والخطأ
لا بد من تعويد الأسرة أطفالها على مواجهة المواقف ، والدخول في المجتمع ، وواقع الحياة تدريجيا ، ووفق سياسة حكيمة رزينة ، كي لا يصطدم الطفل ، فيما بعد بأمور لا يستطيع التعامل معها ، بل لا يعرف الطريقة المثلى للتأقلم والتعامل حيالها .
وطريقة التعويد ناجحة عند الطفل الخائف " وذلك لأن تعويده السير في الظلام مثلا ومواجهة الأمور التي تخيفه ، هي الطريقة الوحيدة التي تخلصه من مخاوفه ، فالعادة تذهب الرهبة ، بيد أنه لا بد من كثير من اللباقة ، والكياسة في التعويد ، لا سيما بعد حصول الخوف " (1) .
ولا بد بطبيعة الحال عند علاج حالات الخوف من الجلوس مع الطفل ومناقشته فيما يخيفه كخطوة سابقة للتعويد على المواجهة .
خامسا : الاستماع والإصغاء لمشاكل الطفل
لكل فرد طفلا أو مراهقا أو شابا أو شيخا مشاكله النفسية والاجتماعية والأسرية ، وغير ذلك من المشاكل التي تعكر جانبا من صفو حياته ، أو تربك نفسيته وسلوكه ، وتحير فكره وأحاسيسه أحيانا ، ويحتاج إلى من يقف بجانبه ، بالاستماع لمشكلته على الأقل ، لذلك كان لزاما على الأسرة الواعية إتاحة الفرصة الكافية للطفل في البوح عما يدور في خلجات نفسه ، وما يصارعه ويكابده في خلده ، وأعني بإتاحة الفرصة إعطاء الطفل شيئا من وقت الوالدين يجلسان فيه إلى أبنائهما ، وإعطائهم شيئا من التقبل ، وسعة الصدر ، والإصغاء الجيد ، وعدم تجاهل حديثهم ، ومقاطعته ، والانفراد بمن يحس الوالدين أنه ذو حالة أو مشكلة خاصة ، يحتاج إلى من يعينه ، ويقف بجانبه معها .
__________
(1) باسمة كيال ، سيكلوجية الطفل ، مرجع سابق ، ص183 . (1/42)
صفحة 43
وكما أسلفنا فإن إفضاء المرء للآخرين بمشكلته - يخفف من حدة التوتر القائمة ، فكيف إذا كان الآخر هو الأسرة ، أو الوالدان بالأخص ، واللذان يعتقد الطفل فيهما القدرة والقدوة المثالية .
سادسا : التشجيع بنوعيه المادي والمعنوي
نلاحظ جميعا أن الطفل يبتسم بانشراح وسعادة إذا قلنا له أنه قد أجاد ، وأنه يتقدم في عمله تقدما مرضيا ، وقد أجرى أحد علماء النفس تجربة طريفة في هذا الموضوع ، ذلك أنه أحضر ثلاث مجموعات من الأطفال ، وطلب منهم أن يحفظوا الدرس نفسه في الحساب ، وفي أثناء خمسة الأيام ، كان أفراد المجموعة الأولى يمتدحون فقط على ما يحسنون أداءه من العمل ، والثانية يلامون فقط على أخطاءهم ، والثالثة مهملون ، وفي نهاية اليوم الخامس ، أبرزت النتائج الحقائق الآتية :
المجموعة الأولى أحرزت تقدما أكبر من الأخريين ، والثانية بعدها ، والمهملة لم تتقدم تقدما ملحوظا . (1)
فالتشجيع المعنوي بالإطراء والمدح والثناء على ما يحسن الطفل ، دون مبالغة ، وإسراف مفض إلى الغرور والتكاسل - يؤدي إلى زرع مزيد من الثقة بالنفس عند الطفل ، ويدفعه إلى المواصلة والاستمرار .
وكذلك الحال بالنسبة للتشجيع المادي ، فإن له الأثر الفعال في ذلك ، فأرى ضرورة الجمع بين نوعي التشجيع ، حسب الإمكانات المتاحة للأسرة ، ومن الضروري معرفة نفسية كل طفل ، وما يؤثر فيه أكثر ، فمن الأطفال من يكون أثر التشجيع المعنوي فيه قليلا ، وغير واضح ، بينما قد يكون غيره على العكس من ذلك .
سابعا : تفسير الأمور على طبيعتها وحقيقتها
وأعني بذلك ضرورة المصارحة والصراحة في التعامل مع الطفل ، وعدم الزج به في متاهات التفسيرات ، ومعقدات الأمور ، وينبغي أن تشمل الصراحة كافة جوانب التعامل ومن أهمها :
__________
(1) هاري ريفيلين ، تنمية القدرة على التعلم عند الأطفال ، ت:د.محمد عماد الدين إسماعيل ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،ط2 ، 1961م، ص44 . (1/43)
صفحة 44
1- مصارحة الأبناء أولاً بأول بالقدرات الاقتصادية للعائلة ، حتى يشاركها في الأعباء المنزلية ويدركوا عن قرب ظروف الأسرة المادية ، حتى لا يثقلوا الآباء بمطالبهم .
وأرى أن ذلك مشروط بالطريقة السليمة في تبيان القضية ، بحيث لا يؤدي توضيح الحالة الاقتصادية إلى شعور الأبناء بالقصور والنقص مع الآخرين ، بل يدفعهم إلى التفهم والإعانة قدر جهدهم .
2- إذا أخطأ الطفل في سلوكه فينبغي على الأب أن يعطيه في حديث قصير إيضاحاً لمدلول السلوك الذي يراد له قدر من الضبط (1) ، وذلك يأتي بإعطاء الأبناء قدراً كافياً من وقت الأبوين كما أسلفنا .
تجنب تخويف الطفل لأي سبب من الأسباب سواء بواسطة أبويه أو أشقائه وأقاربه (2) فدلك نوع من المغالطة تحير الطفل وتهز ثقته دون أدنى فائدة موجهة .
3- ضبط خيال الطفل ، حيث إن الوهم يتحكم في الإنسان بواسطة الخيال والوهم . فالوهم هو الذي يخضعنا لتأثير الأشباح والطيوف والعفاريت ، لذلك كان من الواجب على المربي أن يعود الطفل ضبط خياله والتحكم فيه دون القضاء عليه (3) .
ويأتي ذلك بالمصارحة وتفسير الأمور على حقيقتها ، وإبعاد تفكير الطفل عن تخيلات زائدة غير واقعية ، كي لا يعيش سابحا في أوهام ثم يصطدم بالواقع .
المطلب الثاني : مهمة المدرسة
تلعب المدرسة دوراً كبيراً في هذه القضية يأتي بعد دور المدرسة وقتاً وأهمية وثمرة ، ومن أهم الوسائل المدرسية تنمية الثقة بالنفس ومن أهمها :
أولاً : الثواب والمكافأة
__________
(1) محمد رفعت ، تربية الطفل صحيا ونفسيا من الولادة وحتى العاشرة ، دار البحار ، بيروت ، ط1 ، 1986م ، ص86
(2) د. زيدان عبدالباقي ، الأسرة والطفولة ، مرجع سابق ، ص265 .
(3) باسمة كيال ، سيكلوجية الطفل ، مرجع سابق ، ص183 . (1/44)
صفحة 45
ويبدأ طريق الثواب بالاستحسان أي استحسان المعلم لما يقوم الطلاب بعمله ، وللطريقة التي يتصرفون بها ، ذلك لأن الاستحسان يصبح الموجه لنشاطات التلاميذ في المستقبل (1) .
فإذا استحسن المعلم سلوكا ، أو سلوكيات ، من طلبة - أشاد بهم وبسلوكهم ، تشجيعا معنويا لهم ، ولغيرهم ، ودفعا للبقية لمحاولة التنافس والاقتداء ، فإن ذلك يزرع الثقة في نفوسهم ، لا سيما وأنه حصل أمام المجموعة ، شريطة ألا يكون مبالغا فيه ، بحيث يفضي بالتلميذ إلى الغرور والتعالي على زملائه ، فلكل شيء قدر.
كما أن التشجيع المادي له دور تربوي بارز ، وذلك بأن يقدم المعلم هدايا بين الفينة والأخرى لمن أحسن من تلاميذه في اختبار أو سلوك أو تصرف أو قول ، ولكل من شارك في إنجاح مشروع فردي أو جماعي من تلامذته .
فالتشجيع يرفع المعنويات بشكل بارز ، ويلاحظ هذا حتى عند الشخص الكبير ، فكيف بتلميذ صغير ؟!
ثانيا : الأعمال الجماعية
إن كل نشاط جماعي تقريبا يعطيك الفرصة لمعرفة الناس ، وتجربة التعامل معهم ،
وما أكثر الأعمال الجماعية التي يمكن للمدرسة إقامتها ، وإشراك التلميذ فيها ، كعمل اللوحات الفنية والعلمية ، وإقامة المسابقات العلمية والثقافية والرياضية والفنية والعملية ، وكذلك ألأندية الرياضية والثقافية ، والاحتفالات الجماعية المشتركة ، وإقامة المحاورات والمناظرات والمناقشات الجماعية ، والاشتراك في المسابقات المقامة على مستوى المدينة أو الدولة وغيرها .
كل ذلك يربي في التلاميذ روح التعاون المثمر الجاد ، ويصقل مواهبهم وقدراتهم ، ويعينهم على تنمية الثقة بالنفس من جهتين : الأولى : معرفة القدرات والمواهب واستكشافها والسعي على تنميتها ، والثانية : رفع التهيب من الجماعة والاجتماع ، وإذابة الفوارق والحواجز بين التلاميذ .
__________
(1) بريسفال سيموندز ، الدروس التي تتعلمها التربية من علم النفس ، مرجع سابق ، 39 . (1/45)
صفحة 46
وذلك بلا شك يرفع من كفاءة الطالب نفسيا ، ويؤهله لمزيد من التقدم العلمي والعملي بمشيئة الله – تعالى - .
ثالثا : توفير الأخصائيين النفسانيين
" يجب أن تتضمن هيئة المدرسة من المختصين في النواحي النفسية والاجتماعية ما يضمن سلامة التوجيه ، وييسر اكتشاف الحالات المشكلة قبل
تفاقمها ، ويعمل على إيجاد صلة بين المنزل والمدرسة " (1)
ومصيبة مدارسنا الثانوية خاصة ، وبقية المدارس عامة ، عدم توفر أخصائي اجتماعي متخصص في المجال ، مما يضطر مدير المدرسة تعيين أي معلم من أي تخصص ، قد لا يفقه شيئا في علم النفس ، أو لا يستطيع التعامل مع أبسط مشاكل الطلاب .
فلا بد أن يكون أخصائي المدرسة متصفا بالكفاءة العلمية بجانب خبرته الاجتماعية ، وصبره ، وتحمله ، واتصافه بحميد الصفات ، وأن يكون مستقرا نفسيا واجتماعيا قبل ذلك كله .
رابعا : الابتعاد عن القسوة
طالما كثر الأخذ والرد في مسألة الضرب كوسيلة تربوية في المدارس ، بين مؤيد ومعارض ومؤيد بشروط ، وتحت ظروف معينة ، غير أني لا أراه وسيلة تربوية إلا في حالات معينة ، وبعد استنفاد كافة الوسائل المتاحة قبله ، كَتَفَهُّم المشكلة ، والمناقشة ، والمحاورة ،والنصح ، والوعظ ، وضرب الأمثلة ، وقص القصص ، والترغيب ، والتحبب ، وما شابهها ، فآخر العلاج الكي .
يقول معروف رزيق : " إن الضرب يحطم شخصية الطفل ، ويجرح كرامته ، خاصة إذا كان على مرأى من زملائه ، وهو في كثير من الحالات يعود الطفل على الذل والاستكانة ، ويفقده ثقته بنفسه واعتداده بذاته " (2)
__________
(1) مختار حمزة ، إرشاد الاباء والأبناء ، مرجع سابق ، 219-220 .
(2) معروف رزيق ، كيف نربي أبناءنا ونعالج مشاكلهم ، مرجع سابق ، ص66. (1/46)
صفحة 47
ويستطيع المدرسون أن يساعدوا التلاميذ الذين يجدون صعوبة في التفاهم مع الآخرين أن يقللوا من المواقف التي تبعث على التهديد ، وأن يخلقوا بدلا من هذه المواقف مواقف تبعث في الطفل الشعور بالأمن والمحبة والتقدير ، كما يجب ألا نقابل اعتداء الطفل باعتداء مماثل مهما كانت الظروف. (1)
ويمكننا أن نلحق بالضرب كل قسوة في التعامل ، وغلظة في إدارة الفصل ، كالنهر ، ورفع الصوت ، والكبت ، وتكميم الأفواه ، والحد من حرية الطلاب دون داع ولا ضابط ، فإن كل ذلك يكمش شخصية الطفل ، ويورثه التهيب ، ويزرع فيه القلق الدائم والخوف ، والترقب للشر والمصائب ، فيفقد ثقته بنفسه .
خامسا : وحدة الهدف في المدرسة
اتفاق كلمة الهيئة التدريسية والإدارية في المدرسة مهم جدا في وضوح الطريق لدى الطالب ، أما أن تتذبذب القرارات والأنظمة ، وتتصادم ، وتناقض قوانين اليوم قرارات الأمس ، فإن هذه الرياح مختلفة الاتجاه تعصف بثقة الطلاب بالنظام ، وبالتالي ثقتهم بأنفسهم ، حيث لا درب واضح لديهم .
" تجد الطالب في المدرسة يقابل عددا من المدرسين ... مدرس اللغة يقول : يرفع كذا بكذا وينصب كذا بكذا ، ويأتي مدرس العلوم يقول : لا يهمني الكلمة مرفوعة أو منصوبة ، المهم أن تفهم مادتي ، ويأتي معلم التربية الرياضية فيقول : العقل السليم في الجسم السليم وهكذا " (2)
وهذا كلام ليس على إطلاقه بطبيعة الحال ، إذ لا بد أن يهتم المدرس بمادته أكثر من غيرها ، فهذا أمر طبعي ، غير أن عليه ألا يسخر أو يسفه دور غيرها من المواد ، فيقع الطالب في حيص بيص .
خاتمة
بعد هذا الطواف السريع حول موضوع تنمية الثقة بالنفس ، يمكننا استخلاص النقاط الآتية :
__________
(1) بس جوديكونتر ، كيف نساعد الأطفال على النجاح في المدرسة ، مرجع سابق ، ص86 .
(2) يراجع مختار حمزة ، إرشاد الآباء والأبناء ، مرجع سابق ، ص226-227 . (1/47)
صفحة 48
أولا : تبدأ الثقة بالنفس بمعرفة طاقات النفس ومواهبها وقدراتها ، ليكون ذلك منطلقا لرفع المعنويات ، وإذكاء الهمة ، وزيادة الإيجابية .
ثانيا : الغرور مصطلح يتشابه ومصطلح الثقة بالنفس غير أن بينهما بونا شاسعا من النواحي الدينية والسلوكية والاجتماعية .
ثالثا : للثقة بالنفس أهمية دينية في رفع لواء الأمة لاعتماد الأمة على صلاح الفرد وحسن أداءه الاعتماد الكبير ،وأهمية سلوكية تتمثل في الأداء الجاد والمثمر من قبل الواثق من نفسه ، للارتباط الوثيق بين النفس والسلوك ، وأهمية اجتماعية لميل الناس للشخص الواثق من نفسه ، واحترامهم له وتوقيرهم إياه ، ووثوقهم به .
رابعا : الخوف والخجل المفرط والقلق والتردد في اتخاذ القرار ، وأضرابها ، صور من صور ضعف الثقة بالنفس ، لا بد من خطوات عملية للتخلص منها متى وجدت للانضمام إلى قافلة الواثقين من أنفسهم .
خامسا : تتوقف الثقة بالنفس على عوامل فطرية و من أهمها:
(1) العوامل فكرية كالصورة الذاتية التي يحملها الشخص عن نفسه ، ونظرته إلى الأخطاء احتقارا وتضخيما ، ونظرته إلى المصاعب ، وكيفية تعامله معها ، ونظرته إلى المصائب ، ومفهوم النجاح لدى الشخص ، وفكرة إرضاء جميع الناس .
(2) العوامل جسمية كالضخامة والقوة والطول والسلامة من الإعاقات البدنية ، والحلة الصحية ، وإن كانت هذه العوامل ليست مطردة التأثير في قضية الثقة بالنفس ، وإنما تتوقف على كيفية التعامل معها .
وعوامل مكتسبة يكتسبها الفرد من المبيئة المحيطة به ، ومن أهمها : العوامل الأسرية كالقدوة الأسرية الصالحة ، ومدى اهتمام الوالدين بأبنائهم أو اشتغالهم عنهم أو غيابهم ، وقضية القسوة والتدليل .
سادسا : ثمة وسائل عدة يمكن من خلالها تنمية الثقة بالنفس ، ورفع المعنويات وتقسم إلى وسائل ذاتية وتربوية ، ومن أهم الوسائل الذاتية :
( (1/48)
صفحة 49
1) الوسائل الفكرية كحسن الظن بالله والإيمان السليم به ، وتدبر آي الكتاب العزيز ، والتخلص من الأفكار الخاطئة .
(2) الوسائل السلوكية كالصلاة وذكر الله وقراءة القرآن وتقوى الله ، والمشاركة في أعمال جماعية ، والمثابرة ، وتقسيم الأعمال الصغيرة كي يسهل القيام بها ، ومكافأة النفس ، ومناقشة المشاكل النفسية مع من نثق بخبرته .
ومن أهم الوسائل التربوية :
(1) وسائل أسرية كإشعار الطفل بالحنان والحب والاحترام ، والوعي السليم بقدراته ، وومنحه حرية التفكير والقرار ،والاستماع والإصغاء لمشاكله باهتمام ، وأسلوب المحاولة والخطأ ،والتشجيع بنوعيه المادي والأسري .
(2) وسائل مدرسية كالثواب والمكافأة ، والأعمال المدرسية الجماعية ، وتوفير الأخصائيين النفسانيين ، ووحدة الهدف في المدرسة ، والابتعاد عن القسوة .
وفي الختام أكرر شكري لفضيلة الأستاذ الدكتور / محمد عبدالرحيم الزيني ، على توجيهاته القيمة في إعداد البحث ، نفع الله به الإسلام والمسلمين .
أسأل الله الإخلاص في القول والعمل ، والخلاص في الدنيا والآخرة ،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
المراجع
1. أسعد ( يوسف ميخائيل ) , قوة الإرادة , دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة
2. إنجلش ( سبرجل ) وآخرون ، مشكلات سلوكك ، ت : د.محمد عمادالدين إسماعيل ، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، 1960.
3. أوفرستريث (هـ .أ ) ، العقل الناضج ، ت: السيد محمد عثمان ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،ط1 ، 1962م .
4. جوديكونتر ( بس ) ، كيف نساعد لأطفال على النجاح في المدرسة ، ت : سامي علي الجمال، مكتبة النهضة المصرية ،القاهرة ،1960 م.
5. الراشد ( د/ صلاح ) ، الثقة بالنفس ، أشرطة سمعية . (1/49)
صفحة 50
6. رباح ( كمال ) ، هل تقوم الأسرة العمانية بواجبها التربوي نحو أولادها ؟ ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد 613 .
7. رفعت ( محمد ) ، تربية الطفل صحيا ونفسيا من الولادة وحتى العاشرة ، دار البحار ، بيروت ، ط1 ، 1986 م.
8. روس ( هيلين ) ، مخاوف الأطفال ، ت : السيد محمد خيري ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط3 ، 1961 .
9. ريفيلين ( هاري ) ، تنمية القدرة على التعلم عند الأطفال ، ت:د.محمد عماد الدين إسماعيل ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،ط2 ، 1961م.
10. ريمرز ( هـ . هـ ) ، اعرف مشكلاتك ، ترجمة : د . محمد عماد الدين إسماعيل ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1960 م .
11. الزعبلاوي ( د / محمد السيد محمد ) ، تربية المراهق بين الإسلام وعلم النفس ، مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت ، ط1 ، 1998م.
12. الزين ( سميح عاطف ) ، علم النفس ( معرفة النفس الإنسانية في الكتاب والسنة ) ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، ط1.
13. السباعي ( زهير أحمد ) وآخرون , القلق وكيف تتخلص منه , دار العلم , دمشق 1991 .
14. السيد ( د / فؤاد الباهي ) ، الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة ، دار الفكر العربي، ط1 ، 1975.
15. سيموندز ( بريسفال ) الدروس التي تتعلمها التربية من علم النفس ، ت: عبدالرحمن صالح عبدالله ، دار الفكر ، ط1 ،1974م 5 .
16. شك ( جان ) ، كيف يلعب الأطفال للمتعة والتعلم ، ت: محمد عبدالحميد أبو العزم ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1961م.
17. عبد الباقي ( د / زيدان ) ،الأسرة والطفولة ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1980.
18. عبد الفتاح ( د / كاميليا ) ، دليل الوالدين في معاملة المراهقين ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1980.
19. عبدواني ( كفاح بنت صادق ) ، الخجل والشعور بالوحدة ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد506 .
20. عبدواني ( كفاح بنت صادق ) ، مجلة الأسرة ، العدد611 . (1/50)
صفحة 51
21. عبدواني (كفاح بنت صادق ) , مطالب الأبناء الكثيرة كيف يواجهها الأباء , مجلة الأسرة العدد 628
22. فهمي ( د / سمية ) ، حياتنا في ضوء علم النفس ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط1 ، 1079م .
23. القاسم ( جمال شقال ) وآخرون ، الاضطرابات السلوكية ، دار صفاء للنشر والتوزيع ، عمّان ، ط1 ، 200م 22 .
24. القصي ( محمد ) ، حكمة آباء الأمس مشكلة آباء اليوم ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد 615 .
25. القصي ( خالد ) ، أثر إهمال الأم على النمو النفسي للطفل ، مجلة العلوم الاجتماعية ، العدد 4 .
26. كفاح بنت صادق عبدواني ، الخيط الرفيع بين الثقة بالنفس والغرور ، مجلة الأسرة ( العمانية ) ، العدد
27. كيال ( باسمة ) ، سيكلوجية الطفل ، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر ، بيروت ، 1993.
28. لازاروس ( ريتشاردس ) , الشخصية , ترجمة د. سيد محمد غنيم ,مراجعة د. محمد عثمان نجاتي , دار الشروق, بيروت , ط 1981.
29. المزيدي ( موسى ) ، الثقة بالنفس ، أشرطة سمعية .
30. ابن منظور ( محمد بن مكرم ) ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 2000 ، مادة نمي .
31. موكو ( جورج ) ، التربية الوجدانية والمزاجية للطفل ، ت: د. فير العصرة وآخرون ، دار المعرفة ، القاهرة ، 1978م.
32. نجاتي ( محمد عثمان ) ، القرآن وعلم النفس ، دار الشروق ، القاهرة ، ط4 ، 1989م.
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
مقدمة ... 1
الفصل الأول : ماهية الثقة بالنفس ... 3
المبحث الأول : تعريفات حول الثقة بالنفس
المبحث الثاني : الفرق بين الثقة بالنفس والغرور
المبحث الثالث : أهمية الثقة بالنفس
المبحث الرابع : ضعف الثقة بالنفس
الفصل الثاني : العوامل المؤثرة في الثقة بالنفس ... 22
المبحث الأول : العوامل الفطرية
المبحث الثاني : العوامل المكتسبة
الفصل الثالث : وسائل تنمية الثقة بالنفس ... 35
المبحث الأول : الوسائل الذاتية
المبحث الثاني : الوسائل التربوية
خاتمة ... 56
المراجع ... 59 (1/51)