صفحة 1
الكتاب: جغرافيا جبل نفوسة
دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية
تجميع المادة وتأليف: جون ديبوا
ترجمة: عبد الله ژارو
أعده للنشر: موحمد ؤمادي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة الأبحاث التاريخية – 4
جغرافيا جبل نفوسة
دراسة ميدانية في الجغرافيا الطبيعية والبشرية
تجميع المادة وتأليف: جون ديبوا
ترجمة: عبد الله ژارو
أعده للنشر: موحمد ؤمادي
هذا الكتاب هو عبارة عن ترجمة لـ:
Le Djebel Nefousa (Tripolitaine) étude géographique.
تجميع المادة وتأليف:
Despois, Jean
Tمقدمة الناشرT
كتاب جغرافيا جبل نفوسة بالرغم من قدمه يعتبر وثيقة مهمة بل الوحيدة في بابها التي اهتمت بجغرافيا جبل نفوسة بأسلوب وطريقة يمكن أن تكون في متناول طالب المرحلة الثانوية، وبالرغم من حدوث أبحاث ودراسات متعددة حول طبيعة جبل نفوسة كالبحث الجيولوجي الذي سبق هذا الكتاب لـ [زاكانيا Zaccagna](1)، وعلى الرغم من أنه لم يفرده لجبل نفوسة لكنه كان له الفضل في إطلاق تسمية كلس نالوت على طبقة من طبقاته لتصبح مصطلحاً علمياً أخذ به من أتى من بعده. لقد أفرد دراسة جيولوجية كاملة لجبل نفوسة كل من : ع. الزوكي(2)، ع. ن. الفاطمي(3). كما جاءت من بعده دراسات وافرة عن المياه الجوفية في الجبل قام بها [ج. د. سينغ G. D. Singh](4)
__________
(1) - Itinerari geologici della Tripolitania occidentale con appendice paleontologica - 1919 - Zaccagna G. - Ist. Poligrafico dello Stato - PALEONTOLOGIA. PALEOZOOLOGIA
(2) - Straighraphy and Lithofacies of the Continental Clastics (Upper Jurassic and Lower Cretaceous) of Jabal Nafusah (NW Libya), Ashour Y. El-Zouki, THE GEOLOGY OF LIBYA, Vol. 1, 1980.
(3) - The Significance of the Occurrence of Abu Ghaylan and Kiklah Formations East of Wadi Ghan, Eastern Jabal Nafusah, Ali Fatmi / A. Sbeta, THE GEOLOGY OF LIBYA, Vol. 6
(4) - Structural Control of Groundwater Flow in the Mesozoic Sandstone Aquifers of Eastern Part of Jabal Nafusah (Libya), G. D. Singh, THE GEOLOGY OF LIBYA, Vol. 2 , 1980. (1/1)
صفحة 2
، بل وحصلت دراسات متخصصة في أنواع من المعادن المتواجد في الجبل كالتي قام بها [و. م. باوش W. M. Bausch](1). ودراسة أخرى متخصصة عن أنواع الطين به لكل من [ج. سينديلار J. Sindelar] و[ب. جادرنيشيك P. Jadrnicek](2).
كما تناول أجزاء تاريخية موغلة في القدم في جبل نفوسة جمع من الباحثين، كالبحث المخصص في دراسة المرحلة النيوليتية في الجبل الذي قام به كل من [إفان مرازك Ivan Mrazek] و[جيري سفوبودا Jiri Svoboda](3) ، والبحث الجيوأركيولوجي الذي قامت به بعثة ايطالية يترأسها كل من [كوناتي باربارو C.Conati-Barbaro] و[ب. باريتشي B.E. Barich](4).
لقد أرسلت بعثات أركيولجية لعصور ما بعد التاريخ للبحث والتنقيب في ماضي جبل نفوسة، كالبحث النفيس في مساجد جبل نفوسة الذي قام به السيد [جيمس آلان J. Allan](5)، وقامت دراسات سوسيولجية، ولو في مناطق محددة بالجبل، كالدراسة الجامعية التي قام بها عمر الساحلي(6).
__________
(1) - Mineralogical Composition of Jabal Nafusah Phonolites, W. M. Bausch, THE GEOLOGY OF LIBYA, Vol. 3 , 1987.
(2) - Studies of Some Clays in libya, P. Jadrnicek / J. Sindelar, THE GEOLOGY OF LIBYA, Vol. 3 , 1987.
(3) - ithic raw material of late palaeolithic/neolithic industries in Jabal Nafusa, Ivan Mrazek / Jiri Svoboda, in ANTHROPOLOGIE 1986.
(4) - Geoarchaeology of the Jebel Gharbi Region (outline of reseaech) B.E. Barich / C.Conati-Barbaro, in LIBYA ANTIQUE
(5) - Some Mosques of the Jebel Nefusa, J. W. Allan. in LIBYA ANTIQUE 1972-1973 Vol. 9-10
(6) - Some Social Aspects Of Fassato (A. Nafusah Berber Comnunity In Western Libya), Omar Sahli. 1959 (1/2)
صفحة 3
لقد تحدث المؤلف عن الحاجة الملحة لوضع خرائط جيولوجية للمنطقة وهذا ما حصل بالفعل ابتداء من سنة 1974 حيث قام فريق مكلف من قبل مركز البحوث الصناعية بطرابلس بوضع أول خريطة جيولوجية لنواحي نالوت بمقياس 1 على 1.250.000 وبدقة متناهية، وتبعتها خرائط أخرى لباقي أجزاء الجبل، حيث سدت هذه الخريطة الفراغ الذي أوجدته آخر خريطة قبل ذلك ووضعت من قبل المستعمر الإيطالي حوالي سنة 1940 بمقياس 1 على 1.400.000، إلا أنها أشابها الكثير من النقص وعدم الدقة. تبقى مشكلة النقص الحاصلة في الخرائط الطبوغرافية، حيث لا تزال حكراً على الخرائط الروسية والأمريكية الغالية الثمن، والبعيدة عن متناول الباحث العادي.
نظراً للفراغات الكثيرة والثغرات البحثية التي تحدث عنها المؤلف ها هنا لم يكن لها نصيب البحث في عصرها أو فيما سبقه إلا أنها سدت من قبل باحثين مختصين، وبما أن فكرة ترجمة البحوث الخاصة بجبل نفوسة كانت ولا تزال تنتاب القائمين على مؤسسة تاوالت الثقافية، سواء المتخصصة منها بالجانب اللغوي أو التاريخي، وعممت لتشمل المناحي العلمية كالتي بين يدك، لتصل إلى البحوث الأركيولوجية والنباتية، وعلى غرارها البحوث الجيولوجية وسوف نقوم بترجمة ما اختص منها بالتربة والطقس ونحوها.
إن اهتمام مؤسستنا بالرفع من المستوى التوعوي لساكنة هذا الجبل الأشم سوف لن ترى حدود، فمن أهدفنا بعد القيام بمهمة ترجمة ما يمكن ترجمته ونشر مالم يرى فرصة النشر من بحوث ودراسات جامعية، سوف نتجه إلى التصنيف والتحقيق، واعادة النظر في المنشور على المطابع الحجرية، خصوصاً الكِتابات والمخطوطات التي لم يعد يوجد منها إلا النزر اليسر والتي لم تعد بالطبع في متناول الكثيرين من طلبة العلم.
مؤسسة تاوالت الثقافية
باريس / فرنسا 2005
كلمة لا بد منها (1/3)
صفحة 4
هذه الدراسة الجغرافية لجبل نفوسة - الواقع بجهة طرابلس الغرب - هي ثمرة شبه مقصورة على الرحلات والتقصيات الميدانية المنجزة في بحر النصف الأول من سنة 1933م. قطعت خلالها مسافة 1500 كلم مشياً على الأقدام أو بركوب الخيل والبغال، حيث جبت طولاً وعرضاً هذا الجبل الرائع والوعر. فليس ثمة وادياً ولا قريةً إلا ووطئتهما قدماي، وقمت خلالها بمعاينات للأماكن وتقصيان في صفوف الساكنة الأصلية، وكانت نتيجة كل ذلك هذا العمل الذي بين يديك.
جبل نفوسة هو بلد لم تتناوله دراسات وبحوث تقريباً، وهذا إيجابي وسلبي في الآن ذاته. لا شك أن الجديد فاتن دوماً؛ غير أن الجغرافي منزعج بعض الشيء، من قلة الخرائط التي تُعرِِّف بالمكان، وغياب كامل للخرائط الجيولوجية، والعدد الضئيل جداً من الملاحظات ذات الصلة بالحالة المناخية. أما الوثائق التاريخية الخاصة بهذه المنطقة ففقيرة جداً، وملآى بالثغرات.
سواء تعلق الأمر بالجغرافيا الطبيعية، أو الجغرافيا البشرية، ما على الباحث إلا أن يَقْنَع في الغالب بالملاحظة والوصف، لكثرة المشاكل المطروحة، والتي لن تجد لها حلاً إلا في دراسة الجهات التي لا زالت مجهولة بشكل مثير. استفدت كثيراً من الرواية الشفوية، ومعاينة أنقاض البلدات. غير أنني تعاملت مع هذين المصدرين بحذر كبير، بل واحتراس أيضاً. لكن تبقى الإشارة إلى أنني فوجئت كثيراً بالخلاصات التي كنت أخلص إلهيا بمقدار ما يتقدم بحثي في اتجاه النهاية. ومن مظاهر ذلك التفاجؤ أذكر تقاطع وتوافق الأجوبة المعطاة، كما أن مقابلتي للمعلومات المتحصل عليها مع ثلة من النصوص التاريخية التي كانت بحوزتي جعلتني أقتنع بصواب المعلومات أكثر مما كنت أتوقعه في البداية. (1/4)
صفحة 5
لا شك أن هذا الجهد التوثيقي أعطى أهمية خاصة للعمل الذي أنجزته؛ غير أن المؤكد هو أنه كلفني تحمل صعوبات خطيرة. غير أن إقامتي لسنوات لأجل الدراسة بتونس مكنتني من الاستئناس بمشكلات الجغرافيا والتاريخ الشمال إفريقيين؛ وهذا التربص مكنني من إنجاز هذه الدراسة بسرعة لافتة، لكنه جعلني أيضاً أتبين جوانب النقص فيها. فإذا كنت واثقاً من "أطروحاتي" التي دافعت عنها في هذا العمل، فأنا أقل ثقة فيما يتعلق بدقة التفاصيل الكثيرة المتضمنة في الروايات الشفوية. ومما لاشك فيه أن هناك من سيأتي من بعدي ليكتشف فيها زلات أكثر. فليعذر لي هؤلاء عن جوانب النقص التي من الوارد جداً أن تطال التوضيحات والبيانات المقدمة. وقد حال الحادث العارض الذي وقع لأكليشيهات الصور المأخوذة وكذا الصعوبات المادية ذات صلة بالطبع دون تقديم عينة منتقاة من الصور أكثر كمالاً وشمولاً. أما خرائطي - غير ذات الصلة بالنص - فتفتقد للدقة، كما أن التصاميم التي اعتمدت في إنجازها على الرؤية المجردة فستظهر بدائية جداً، إذا ما قورنت بعد بضع سنوات مع الخرائط الطبوغرافية الممعنة في الدقة. (1/5)
صفحة 6
ما كان لهذا العمل أن يرى النور لولا العطاء الجزيل الذي جادت به مؤسسة أمريكية فضلت عدم ذكر اسمها، تواضعاً منها، ولولا التسهيلات الكبيرة التي منحت لي بالميدان. وبفضل وصايا [س. أ. المارشال بادوكليو S. E. Maréchal Badoglio] ودعم الجنرال [سيسيلياني Siciliani] تمكنت من التنقل في عموم المنطقة دون أي عائق يذكر، فليجد هؤلاء جميعاً هنا التعبير عن الجميل، والتبجيل الواجبين في حقهم. وقد تيسرت لي تنقلاتي بشكل كبير بفضل السلطات العسكرية لغريان ونالوت، وبخاصة العقيد الآمر لمنطقة نالوت، وماجور فيلق الرماة، اللذان أعاراني بغالاً ومرشداً ممتازاً، دون أن أنسى السلطات المدنية لغريان ونفوسة الشرقية وملازم جادو. زد عليهم [ضباط الكرابينين الملكيين Carabiniers] الذين ساعدوني كثيراً بأن سمحوا لي بامتطاء دواب كتائبهم، والاطلاع عن قرب على حسن الوفادة الموجودة بثكنات المنطقة. أحتفظ ها هنا في ذاكراتي بحفاوة الاستقبال والاستضافة المريحة التي حظيت بها.
أتوجه بتشكراتي الحارة كذلك إلى الكولونيل [أ. دو أگوستيني E.de Agostini]، مدير [مكتب الدراسات Ufficio Studi] الذي بذل كل ما في استطاعته لكي تمر تنقلاتي وأسفاري في ظروف جيدة. وشكراً أيضاً على نصائحه الغالية مثلما هي غالية نصائح الدكتور [أ. فانتولي A. Fantoli]. ويُرجّح أن تظهر طبعة إيطالية لهذا الكتاب بين يديك بفضل مساعي حكومة طرابلس الغرب. حيث أضع رهن إشارتها نتائج وخلاصات هذه الدراسة لقاء دعمها ومساعدتها لي. (1/6)
صفحة 7
أخيراً، أنّى لي أن أختم دون التوجه بمشاعر الامتنان والاعتراف بالجميل للسادة الأساتذة الذين اهتموا، من بعيد، بهذا العمل؛ ومنهم الأستاذ [ألماجيا Almagià] الذي استقبلني بحفاوة في جامعة روما، والأستاذ [م. بوليگ M. Baulig] الذي هو أستاذي بجامعة ستراسبورغ، والذي ظلت صداقته تلاحقني إلى ما وراء المتوسط، وأخيراً [أوغستان برنارد Augustin Bernard]، أستاذ بالسوربون ومتخصص في قضايا شمال إفريقيا، المعروف بكفاءته؛ ولولا نصائحه ما خرج هذا الكتاب إلى حيز الوجود.
جون ديبوا
صور فوتوغرافية التقطها جون ديبوا
1 - جبل نفوسة وتلال ما قبل الجبل، مشاهدات من قصر تكويت (جهة نالوت). (1/7)
صفحة 8
في العمق، نشاهد الخط الأفقي للجبل، وهو عبارة عن حافة متآكلة للأرضية الصحراوية. على مستوى السطح الأول والثاني نجد تلالا "ما قبل جبلية"، في حين أن الجبل نفسه يتكون من تكدس للطبقات الأفقية للسينوماني(1) والطوروني والتلال فيالديانية(2)، والطبقات هي من كلس وصلصال حديدي(3) يفصل بينها السجّيل(4) وتعطينا مجتمعة مشهداً لنتوءات أحادية الميل مع انحناء طفيف لها في اتجاه الجنوب. يتعلق الأمر بـ "ارتفاع" معقد. يعتقد أهالي المنطقة أن هذه التلال هي جزء من السهل أو الجفارة.
2 - وادي بورُكبة وهضبة الحوامد مشاهدان من قصر درج.
__________
(1) - [السينوماني Cénomanien] : ساف حصلبي يعتبر قاعدة سافات الطبقة الطباشيرية العليا. راجع: الموسوعة في العلوم الطبيعية، الطبعة الثانية، 1988، إدوار غالب، دار المشرق. / من الآن فصاعدا سوف يشار اليها باسم الموسوعة، رقم 11599
(2) - [فيالديانية wealdiennes] طبقة من الطبقات الجيولوجية.
(3) - [حجر حديد صلصالي Ferrugineux] حجر طين به نسبة عالية من أكسيد الحديد وعلى الأخص الليمونيت في صورة درنية، أو كربونات حديد طينية توجد في عقيدات أو طبقات غير منتظمة وتحوي في بعض الحالات من 20 إلى 30 في المئة من الحديد وتستعمل في إنجلترا خاماً للحديد. راجع: المصدر السابق.
(4) - [سجّيل Marnes] : تراب كثرت فيه نسبة المواد الجصية من كربونات الكلس مع بعض الصلصال والقليل من الرمل والمواد العضوية. الموسوعة رقم 13256 (1/8)
صفحة 9
تظهر سطوح الجبل والظهر أفقيتان بشكل بارز للعيان، رغم انحدار طفيف لهما باتجاه الجنوب. وادي بوركبة هو عبارة عن "مضاد للميل" جعل، هو وروافده، "علو الجبل" يتراجع. وفوق الأتربة الصلصالية والأحجار الرملية ذات الطبيعة الكلسية المتفاوتة الخالقة لانقطاع انحداري لإفريز كلسي(1) من صنف الطوروني(2) الأدنى.
تقع أعيننا على الأتربة الصلصالية المدقوقة، وحداثة السفوح المباينة لعرض عمق مجاري الوديان. ليست الأودية الحالية، بطبيعة الحال، سوى الامتدادات المنحرفة لتلك التي كانت لها قوة حفر هذه المجاري الغائرة في ظل مناخ أكثر رطوبة.
سهب ما قبل صحراوي. وحدها الأودية الصغيرة الجانبية تتوفر على بعض النباتات، قوامها: عشب وحشائش؛ وتخترقها سدود ممتدة تحتفظ عندما تمطر بالتراب والماء: نخيل وتين.
يضم قصر درج مخازن للحبوب محصنة لم تبقى منها سوى الأنقاض، والقصر كله لم يعد منه سوى أكوام مكومة من الحجارة. في الأسفل، طبقة حصى للوادي، وطريق سالكة حتى نالوت.
3 - أم الگرب (القرب).
انحدار كلسي طوروني أدنى(كلس نالوت)، يعلو طبقة صلصالية حثيه(3)، تنبجس منها عين مائية حيث بني ضريح لولي تراه أعيننا على اليسار.
البحيرة الصغيرة أو (تْمْد) الناتجة عن التعرية الطويلة الأمد التي تعرض لها مجرى الوادي بفعل الشلال الذي يتدفق بقوة- أو بالأحرى كان يتدفق – من المنحدر الكلسي وبفعل واحدة من العيون أو الرشوحات الآتية من فوق مستوى البحيرة.
__________
(1) - [الصخور الكلسية (جيرية) calcareous rocks] الصخور التي تتركب في معضمها من مادة كربونات الكلسيوم وهي غالباً بحرية النشأة. راجع: راجع معجم الجيلوجيا، الطبعة الثانية، مجمع اللغة العربية - جمهورية مصر العربية، 1982م).
(2) - [الطوروني Turonien] : الساف الأوسط من الطبقة الطباشيرية. الموسوعة رقم 4841
(3) - [الحث marno-gréseux] : نوع من التربة اليابسة الخشنة. (راجع مقاييس اللغة). (1/9)
صفحة 10
على اليمين، تجد البطوم(1). وجود هذه الطبقة المائية الصغيرة في بلد معروف بجفافه كان وراء شيوع حكاية تتناقلها الألسن. مفادها: أن الفضل يعود في ذلك إلى ولية صالحة، يوجد قبرها في البناية على اليسار، وكانت تحظى من قبل الناس بتبجيل كبير.
4 - النتوء الصخري السينوماني عند مصب وادي غادّو.
نرى طبقة الحصى التي تشَكّلَ منها مجرى وادي جادو، الخارج من السهل (على اليسار) وعلى اليمين، نرمق وادي صغير جارٍ. المشاهدة تمت شرق زعرارت.
على مستوى السطح الأول، ثمة الانحدار الكلسي لنالوت، ثم مجموعة من الطبقات الحثّية والكلسية أقل هشاشة من غيرها بأماكن أخرى؛ تُمَكِّن النتوء الصخري السينوماني من مقاومة عوامل التعرية.
5 - التعرية في السينوماني بجانب دجّي.
يطغى الانحدار على الجفارة فوق الجوش. تنهار الطبقات الحثية من فوق على الأتربة الصلصالية الموجودة بالأسفل. وكل ذلك غير قارٍّ - بفعل عامل الحفر والتفتت - وكذا المنحدر الشديد. نشاهد كَوْمَتَا رُكام حديثتا العهد. النبات ضعيف ونادر، والموجود منه لا دور له.
طريق صاعدة من الجوش في اتجاه دجّي وبلدت لحرابة، إنه ممر مهم نسبياً. نتبين الصعوبات الموجودة في تسلق المنحدر الجبلي، ودرجة الهشاشة التي تتسم بها هذه الطرقات المقطوعة والمحفورة كلما هطلت أمطار غزيرة.
6 - الطريق فوق جادو.
طريق متعرجة، تشهدها حيطان ساندة على أتربة صلصالية سينومانية، وحدها التقنية الحديثة قادرة على تشييد طرق دائمة على هذه المنحدرات المتداعية، سيما وأن هذه الطريق مقطوعة بمخروط رُكامي بعد أمطار غزيرة.
7 - صهريج الرحيبات.
__________
(1) - يسمى بالأمازيغية ئجغ، واسمه العلمي [البطومPistacia atlantica ]. (1/10)
صفحة 11
مياه تنساب على الفسقية (مكان تجمع المياه)، المعد بشكل مرتجل - والذي أخذت منه الصورة – ويدخل، بدون مروره بحوض تصفية (والحالة متواترة الحدوث)، في الفتحة التي تظهر سوداء. ثمة فتحة أخرى معدة بالأعلى (غير مرئية) تغترف منها المياه. في العمق.
8 - سطح الجبل بالقرب من جريجن (لحرابة).
السطح الأفقي للجبل على الطوروني الأعلى قليل السُمك، وفوق كلس نالوت تموجات خفيفة وصفائح ترابية حمراء (طين)، تذكرنا بسطح قديم عرضة للتعرية. أشجار زيتون مبعثرة هنا وهناك على امتداد الأرض المكسوة بتربة وردية تدعى الحمري(1). في البدء، تواجهك أنقاض قصبة بوكريس، وهي تجمع سكني قديم دُمِّر عند وصول "العرب"، فاتجه جزء من ساكنته إلى نتوء صخري قريب للإقامة به، وثمة تأسست جريجن.
9 - سطح ظهر الرياينة.
سطح أفقي بالكامل تقريباً. تربة الحمري تغطي كل المنطقة. غابة من أشجار الزيتون وأمكنة مزروعة بالشعير. تقارب التساقطات المطرية السنوية هنا 250 ملم، وتسمح هشاشة تربة الحمري بزراعة جافة لأشجار الزيتون على الهضبة.
10 - الظهر والبساتين الجافة في الجنوب الشرقي ليفرن.
سطح الظهر هنا معجون دائماً في تربة الحمري، تعلوه نتوءات معتدلة، في خلفية المشهد، تلال سينونية(2). حركة المياه معتبرة في اتجاه الجنوب حيث تصل إلى سوف الجين.
زراعة جافة لأشجار الزيتون والكروم وبخاصة التين. الأرض مزروعة بالشعير: ها هو ذا ما يستحق تسميته بالغلة الجيدة كفاية!
11 - عين الزرگا (الزرقا).
بحيرة صغيرة جداً شبيهة بـ (تْمْد) أم الگرب (أم القرب). الماء يرشح من الأتربة الصلصالية الصفراء، ويحرفه عن مساره المنحدر الكلسي لنالوت. ثمة سطوح معدة بوسط أكوام الركام وتنتفع بالمياه. أشجار زيتون، كروم باسقة ونخيل.
__________
(1) - La terre rose (تاگرديت بالأمازيغية).
(2) - [سينونياني sénoniennes] : ساف حصلبي يشمل النضيد الأوسط من الطبقة الطباشيرية العليا. الموسوعة رقم 14413. (1/11)
صفحة 12
12- نباتات مجرى مائي يتدفق من وادي برساف.
مرتفع في اتجاه قصر عيسى أكافر. يغطي الركام الكلسي لنالوت، والحجر الرملي للأتربة الصلصالية للسينوماني الأعلى كل المنحدرات الترابية.
في المجرى، نجد البطوم والجداري(1) والعُنّاب(2)، والقندول(3) (الوزَّال الشائك)، ثم شجرة أو شجرتا زيتون. على المنحدرات، مع الشيح(4) (نبتة عطرة)، وإكليل الجبل(5)، و"الحالب(6)"، و"الهوسير"(7)، والحرشة(8)، وغيره...
13 - أشجار زيتون وحلفاء فوق الجبل قرب لخربة (الحوامد).
أودية صغيرة معتدلة في الأتربة الصلصالية الناعمة للطوروني الأعلى. سهوب حلفاء أصلية. لا تنمو أشجار الزيتون إلا بفضل السدود الممددة التي تشد عضد التربة والمياه. على اليسار، وفوق "طابية" من تراب، ثمة شجرة تين.
__________
(1) - يسمى بالأمازيغية تينغت، وبالعامية عرنة، واسمه العلمي [الجداري Rhus oxyacantha].
(2) - يسمى بالأمازيغية تازوگارت، بالعامية السدر، عناب بري، واسمه العلمي [سدر البر Zizyphus Lotus].
(3) - يسمى بالأمازيغية أززّو، وهو بالعامية قندول ، واسمه العلمي [عود البرق Calycotome Intermedia].
(4) - يسمى بالأمازيغية أغراز، واسمه العلمي [الشيح أرطماسيا Artemisia].
(5) - يسمى بالأمازيغية أزير، وبالعامية إكليل الجبل، واسمه العلمي [قرِمانا Rosmarinus].
(6) - يسمى بالأمازيغية تاناغوت، وبالعامية أم لبينة، حلب، واسمه العلمي [حلبلاب periploca levigata].
(7) - اسمها العلمي [أنثِليس Anthyllis Henionana].
(8) - اسمها العلمي [عكرش Echiochilon fruticsum] ولعل النوع الذي يقصده المؤلف هو [Echiochilon Rauwolfii] وهو نوع آخر من نفس الفصيلة في نواحي طرابلس ويسمى حرشة. راجع:
Dictionnaire Des Noms Des Plantes p74 (1/12)
صفحة 13
أشجار الزيتون لا تشذب أبداً وجذوعها المتحدة من الطبقة الأرضية نفسها مدفونة أنصافها في الطمي(1).
14 - فوق عين تموگت (فساطو).
حجر رملي قوامه أتربة صلصالية صفراء، من صنف سينوماني، ناتجة عنها نتوءات. المياه تنساب أو تقطر في المجرى. النخيل يسير في أثر المياه وينزل على شكل شلالٍ باحثاً عن الرطوبة. فوق الصخر العالي تقع عيناك على باقات من "العوسج".
15 - المجرى الأدنى لوادي (بقيقلة) بگيگلا.
مجرى الوادي عبارة عن طبقة حصى. بالسطح الأول والثاني تربة وردية ممزوجة بالحصى والركام المتكوم. نباتات ممزوجة بأراضي مرملة وأخرى صخرية ونجد من بينها : الشيح، والشعال(2)، والزعتر(3) والهوسير والحرشة....إلخ. على اليسار نجد الجداري.
في العمق، نتوء سينوماني يفصل مجرى وادي بگيگلا عن السهل. فوق، "قصران". الموجود على اليسار هو عبارة عن بناية قديمة والموجود على اليمين هو "غاسرو" أمازيغي أي حصن حصين.
16 - الوادي الصغير على الجبل غرب نالوت.
وادي صغير محفور على مستوى الطوروني الأعلى. سهب أعجف من الحلفاء(4). في العمق تتوزعه السطوح بفعل سدود ممدة مكونة من جدارين من الحجارة الجافة تحصن "طابيا" شاسعة من التراب. يتكفل هذان الجداران بشد تماسك التراب والماء. هي ذي الطريقة الوحيدة للحصول على أشجار زيتون أو تين في بلد لا يتجاوز فيه معدل التساقطات المطرية بالكاد عتبة 100 ملم سنوياً.
__________
(1) - [الطمي Alluvionnement] : رواسب النهر في مجراه. [البيئة الطميية] : مجموعة الظروف والعوامل التي يترسب فيها الطمي من المياه الجارية.
(2) - يسمى بالأمازيغية تگوفت اسمه العلمي [Artemisia Campestris].
(3) - يسمى بالأمازيغية سوتر أو جوشّن، الاسم العلمي [Thymus Capitatu].
(4) - تسمى بالأمازيغية أري، واسمها العلمي [الحلفاء Alfa]. (1/13)
صفحة 14
الصورة مأخوذة يوم 18 مارس 1933م بعد 3 أيام من الأمطار. يتسرب الماء بالتدريج محدثاً احتياطياً من الرطوبة قد يكفي لثمانية أو عشرة أشهر.
17 - وادي صغير عند سافلة نهر حسيان نالوت.
في منطقة ما قبل صحراوية قليل من الماء من شأنه أن يحدث تغيرات في المشهد برمته. واحة صغيرة لمجرى مقسم إلى سطوح تشدها حيطان من الحجارة الجافة. لا يوجد سوى نخيل قليل ونادر.
أسفل الإفريز الكلسي الطوروني منحدرات أخرى سينومانية مغطاة بالركام. سهب ما قبل صحراوي فيه ينبت الهوسير، والحرشة، والرِمث(1) والشيح والحلفاء و... الخ.
18- بساتين عين غزايا (بين وازّن ونالوت).
حوض خضرة بين سفوح قاحلة ومتداعية. أشجار زيتون، نخيل وتين تهيمن على المشهد كله، وبعض أشجار الرمان. ويشاهد سطوح غير منتظمة وسط أكوام ركام.
19 - مجرى وادي الدهيبات (قرب الحدود).
في خلفية المشهد، بلاطة محدودة بخطوط مستقيمة من الكلس الطوروني تهيمن على عموم السفوح المتربة الصلصالية، مهدمة عن آخرها، محفورة ومغطاة بأكوام متراكمة. وعند القدم، تلال صغيرة من أكوام ركام معجونة في كلس جبسي على أتربة صلصالية مخلوطة.
وادي صغير واسع، به نباتات ما قبل صحراوية. من أمثال : الهوسير، والحرشة، الرمت، الرتم(2) ... إلخ ، طبقة الحصى فيه تؤثثها بعض متيّات الأشجار (أو الدغل)(3).
سد ترابي صغير وحجارة جافة ومصب على مستوى أول سطح. التراب والماء المتماسكان يتيحان النمو لأشجار الزيتون والتين. التساقطات السنوية بالمنطقة حوالي 80 ملم.
20 - وادي صغير ومزروعات غرب وازّن.
__________
(1) - يسمى بالأمازيغية لخشير، [الرِمث Haloxylon articulatum].
(2) - يسمى بالأمازيغية تلوگت، [الرتم Retama retam].
(3) - [الدغل Buissons] : كل جنبة أو جنيبة فرعاء متراكبة الافناد والأفنان. الموسوعة رقم10216. (1/14)
صفحة 15
نفس المنطقة السابقة، المَشَاهِد مأخوذة من قصر وازّن. البنية عينها مع الإشارة إلى الأهمية النسبية لطبقتين من الحجارة الرملية والأتربة الصلصالية المخلوطة بغيرها من عناصر على السينوماني. المنحدرات خالية تقريباً كلها من أي نوع من النباتات.
لا يمكن زرع سوى السطوح الطولية الموجودة بالعمق والخازنة لجزء من مياه الوادي إذا أمطرت. عندما ندقق النظر في الحائط الواقي للمساحات المزروعة عند قدم السفوح ومقابل الماشية والركام في آن، تقع أعيننا على مصبات السدود الممددة.
نخيل وتين مبعثران هنا وهناك بشكل لافت. مساحات أو سطوح مزروعة بالشعير أو متروكة تنمو بها الحشائش. على اليسار، طريق مُمَدِدة لسطيحة فرعية.
21 - ئگناون (جناون) وبساتينها.
ئگناون هي البلدة الوحيدة بجبل نفوسة الموجودة بعمق الوادي. تستفيد البلدة من مياه عين تموگت المنبجسة من الأعلى في اتجاه اليسار. أما التربة الوردية المخلوطة بالحصى والتي تملئ أسفل السفوح وعمق الوادي فتجدها مقطوعة بمساحات صغيرة أغلبها مسقي. زيتون وتين ونخيل ورمان ومشمش ...إلخ. كلها مزروعات تشهد نموا متكافئاً. ثمة أيضاً أشغال بستنة أو فقط زراعة للشعير والقمح. بالعمق ترى مجرى وادي ئگناون أو وادي الزرگا.
22 - الوادي الصغير المزايدة (ككلة).
في أقصى الجهة الشرقية للجبل بنواحي يفرن وككلة، تسمح التساقطات المطرية (250 ملم) بامتداد الزراعة الجافة إلى المساحات الصغيرة للأودية. تستند هكذا مساحات على التراتبية الأفقية للأراضي.
زراعة أشجار زيتون على الطوروني الأعلى. في أسفل المنحدر الكلسي الطوروني الأدنى نجد على المساحات الصغيرة النخيل والزيتون يتقاسمون الأرض. جزء من هذه المساحات جاهز لزراعة الحبوب.
23 - أمازيغيّ من جريجن (لحرابة). (1/15)
صفحة 16
يعتمر "شاشياً" من الصوف الأحمر وتحتها طاقية من قطن عبارة عن بطانة وأحياناً يعتمرها لوحدها. يرتدي قميصاً طويلاً من قطن أبيض كلباس داخلي دون "وزرة" وهي قطعة صوف بيضاء أو بنية مربعة الزوايا التي يتدثر بها عادة كتوجة (لباس فضفاض) البرنوس (السلهام) غير معروف هنا تقريباً.
24 - أشجار الزيتون في الرجبان.
أشجار زيتون مبثوثة في كل مكان، توجد كذلك تربة الحمري وهي تربة محفورة في العمق إلى اليسار. في العمق ذاته، يمتد السطح الناتئ للجبل (على اليسار) بواسطة سطح محدود بخطوط مستقيمة ويدعى "الظهر" (على اليمين).
25 - أشجار الزيتون خلف كاباو.
تناثر أشجار الزيتون يدل على الأودية الصغيرة المنحفرة برفق على سطح الجبل. على اليمين وفي الأفق نشاهد سطح "الظهر". وهو سهب تجد فيه : الهوسير، والحرشة، والشيخ، والرِمث ... إلخ
26 - ولاد محمود وقصرهم.
بلدة مشيدة على نتوء كلسي بنالوت (قابل للمشاهدة منذ البداية) تطغى على مركز هذا التجمع السكني مخازن محصنة (قصر) في شكل طبقات حول باحة دائرية. الشكل الخارجي هو عبارة عن برج ضخم بدون أية فتحات أو منافذ. هو الجزء الأساسي بالبلدة. حيث يودع الناس مئونتهم سيما في فصل الربيع حيث يرعون مواشيهم لشهور.
منازل مبنية بالحجارة متراصة بشكل رديء بواسطة ملاط طيني. نصفها متداع ونادر ما يعاد بنائها. منها ما له سطح ومنها ما هو مغلق بالقبة. على اليمين، نرى بيتاً منهاراً نتبين في أنقاضه بقايا حائط يشد الأروقة.
27 - داخل قصر ولاد محمود. (1/16)
صفحة 17
مخازن بعضها فوق بعض والأسفل مفتوح فقط على الباحة الصغيرة الداخلية. يبلغ طول الأبواب من 50 إلى 75 سنتيمتر. يصعد الناس إلى الطبقات العليا وهم يثبتون أيديهم وأرجلهم في التجويفات المعدة لهذا الغرض على مستوى الحائط. معظم المخازن مغلقة من الأعلى. أحياناً تُغلق القبة الواحدة مخزنان (أمثلة على اليمين). يلاحظ غياب بنية عامة ومنظمة. فالمخازن ذات المقاييس المتباينة متراتبة بشكل شبه عشوائي.
في أول مشهد، قفاف من حلفاء (رونيا)(1) بها شعير. القصر مشيد على سطح كلسي على غرار البيوت.
28 - قصر نالوت ومركز التجمع السكني.
قصر أكثر أهمية من قصر ولاد محمود. المخازن مفتوحة على زقاق مستطيل بشكل فوضوي. علو المشهد ككل غير متجانس. عموماً، البيوت عبارة عن ركام متكومة ومهجورة من ساكنيها. فقد هجروها إلى مساكن هي عبارة عن كهوف. وحده المسجد بالوسط لا زال في حالة لائقة. يغطي هذا التجمع السكني نتوءاً كلسياً طورونياً - تظهر طبقاته للوهلة الأولى. في العمق، آخر النتوءات وهي تغطي عموم "الظهر".
29 - منازل نالوت.
تترجم هذه الصورة جيداً انطباع اللُّبْس الذي تتركه منازل نفوسة في نفوس مشاهديها. في البدء، وعلى اليسار تجد باحة في مستوى أدنى تنفتح عليها غرف نصفها مدفون تحت الأرض وواحدة منهارة. في الخلف، باحة أخرى تغطي واحدة من غرف الأسفل، غرفة أخرى بقبة تنفتح على الباحة نفسها يعلوها مخزن (غرفة) مماثل للمخازن المتداخلة بالقصور. بالعمق إلى جهة اليسار، المدينة التركية المنيعة والمنازل الجديدة للحي الإيطالي.
30 - مساكن/كهوف "أفقية الشكل" بنالوت.
المغارات محفورة في طبقة من الأتربة الصلصالية المخلوطة يعلوها رف كلسي (طوروني أعلى). مغارتان أو ثلاث مفتوحة على باحة بالهواء الطلق يحدها حائط من حجارة جافة وأحياناً تجد غرفة مشيدة في الباحة نفسها.
__________
(1) - هكذا كتبها المؤلف [rounia] وتسمى بالأمازيغية أيضاً تيسْنيت. (1/17)
صفحة 18
31 - مساكن/كهوف "بعمق" حديثة العهد بنالوت.
ثلاث وأربع غرف تحت الأرض لا يدخل إليها الهواء والضوء إلا من فتحة ضيقة تشخصها ردهة النزول. غرف محفورة تحت طبقة كلسية تستعين بها كسقف.
الباحات الخارجية محاطة بتلعات سميكة من تراب تشده الحجارة. يتم الحصول على التراب والحجارة من عمليات حفر المغارات. في الأفق، ترمق سطح الجبل تهيمن عليه هضبتا "تسومت نالوت".
32 - بلدة جريجن (لحرابة).
تمتد المنازل على امتداد المنحدر الصلب من الكلس الطوروني. معظمها مغطاة بسطوح حتى وإن كانت تعلوها مخازن مغلقة دوماً من داخلها، (عموماً لا يترك إلا ثقبان صغيران للتهوية على سطحها)؛ وبعضها مغطاة بقبة ظاهرة للعيان.
لنلاحظ هذا الارتسام من اللُّبْس الذي يتركه فينا هذا التراكب من البنايات المستطيلة. فنحن نادراً ما نتصور أو نتخيل تصميم البيوت.
33 - قصر القلعة، أنقاض غالبة على مشهد وادي الشيخ.
قصر قديم مهدم مقام على الضفة اليسرى لوادي الشيخ (كاباو)، الأنقاض تجعلنا نتخيل التصميم الدائري للقصر الذي له الشكل ذاته لقصر ولاد محمود. يتكئ على نتوء صخري طوروني أعلى يهيمن قليلاً وبشكل عمودي الكلس الطوروني الأدنى. أسفل القصر، نجد منازل كهفية جميلة والتي نصفها اليوم عبارة عن ركام محفورة في الكلس الناعم.
نمط سكن الجيل الثاني ذلك أن أنقاض بلدات الجيل الأول توجد بالسفوح أو في عمق الوادي.
34 - المجابرا (كاباو).
بلدة معلقة، بشكل غريب، في خاصرة مسيل يصب من وادي المجابرا يمثل القصر (فوق على اليمين) والمنازل المنهارة النصف المحيط به الجزء الأقدم في البلدة. والنصف الثاني من المنازل تتجمع حيث المنحدر أقل انحداراً. إذا كان السفح متصلباً جداً فلن تجد فيه سوى منازل كهفية ذات "الشكل الأفقي" تسبقها باحة صغيرة. معظم المنازل مغلقة من الأعلى وخالية من المخازن. فهذه الأخيرة تجدها مجمعة في داخل القصر. (1/18)
صفحة 19
تقع أعيننا على الطرقات التي تتسلق بصعوبة مرتفعات الإفريز الكلسي الطوروني الحامل للقصر. القصر ينهار من اليسار نتيجة الحفر الرهيب للطبقات الحجرية الرملية – الكلسية والصلصالية الطينية للسينوماني التحتي. أكوام الركام في توازن دائم التغير.
35 - القلعة (يفرن).
قصر كبير يقيم فيه 300 ساكن. الوحيد الذي لا زالت ساكنته بالشرق ناطقة بالأمازيغية ومتعبدة بالمذهب الإباضي.
يتميز قلب البلدة، عند النظرة الأولى، بنتوء صخري كلسي طوروني يحتضنه تعرج نهري منخفض، أنقاض قصر ومسجد أعيد ترميمه جزئياً. من هنا تمتد البلدة في اتجاه سافلة الوادي (على اليسار) وفي اتجاه الأعلى، ثم ضيعة صغيرة على نتوء صخري طوروني أعلى (لعلاونا على مستوى السطح الثاني)، ثم ضيعة أخرى (أولاد عبد الله) على بعد بضعة أمتار من سافلة الوادي.
أعلى الطبقة القوية للكلس الطوروني تتكدس شرائح متلاحقة من الكلس والأتربة الصلصالية المتفاوتة في صلابتها الحجرية للطوروني الأعلى والسينوني. فوق، شريط كلسي ثاني يشير إلى حافة "الظهر".
36 - الجحيش (ككلة).
نموذج لبلدة معلقة في مرتفع. يرسو التجمع السكاني على نتوء صخري طوروني يهيمن على ممر جبلي محفور جداً. فبعد أن أقام هذا التجمع في وادي ينحفر على اليسار "هاجر" إلى النتوء الصخري المقابل بحثاً عن الأمان. لكن الضيق الشديد للمكان جعله غير لائق للإقامة ما جعل البلدة تنتقل إلى نتوء صخري أكثر اتساعاً حيث تتحلق المنازل حول قصر، هو اليوم عبارة عن أنقاض.
معظم البيوتات لها سطوح والعديد منها انهار. جمل في راحة وبضعة جديان.
37 - ويفات (فساطو). (1/19)
صفحة 20
بلدة معلقة على قمة كلسية طورونية صمدت في وجه التعرية في مقدمة الهضبة. في أعلى نقطة تقع أعيننا على أنقاض القصر مع برج مربع صالح للدفاع. بيوتات بها سطوح. أعلى هذه السطوح تخفي مخزناً مغلقاً من فوق يعلو غرفاً من غرف البيت. في العمق، انحفار عنيف للسينوماني يهيمن عليه جرف محدود بحدود مستقيمة من الكلس الطوروني. على الهضبة أشجار زيتون.
38 - ولاد عمور (ككلة).
بيوتات من أنواع مختلفة. بعضها له سطوح والأخرى يعلوها مخزن بقبة ظاهرة أو خفية. على الأولى المتواجدة على اليسار نشاهد رسم لأروقة داخلية تسند الحائط. أما الكوات الصغيرة على يسار الباب وفوقه فتصلح لتهوية المخزن. في هذه الصور الثلاث، نلاحظ مدى ضيق الباحات وكيف تتنوع تصاميمها إلى ما لا نهاية تبعاً لدرجة السطح المائل.
المقدمة
موقع جبل نفوسة : يظهر المغرب الكبير كقطعة من أوروبا ملتصقة بإفريقيا. تعطينا السلاسل المثنية لجبال الأطلس، ذات الصلة بجبال الألب، مع المنبسط الصحراوي صورة لتعارض من أعنف ما يكون. في الشمال، بلد متنوع، مجزأ ومعقد وفي الجنوب امتداد أفقي لصحراء لا نهاية لها. الأطلس الصحراوي والمنبسط الصحراوي ملتصقان ببعضهما البعض دون أي نقاط انتقال تذكر. فالكتلة الزرقاء للأوراس تسقط سقوطاً عمودياً على السهول الصهباء للشوط والملغير.
لكن إذا اتجهنا نحو الشرق، نحو تونس التي يعتبرها الكثيرون بلد الانتقالات فإننا ننتقل بالتدريج من سلاسل جبلية متموجة في السهوب إلى الشمال من الجريد وبعرض هضبة فجج الذي لا يعدو أن يكون جبل شرب وتباگا امتداد لها لنصل بعد ذلك إلى التحدب الواسع والشديد الانخفاض والمجوف الذي يرسم محيطه الغربي والجنوبي مرتفعات الجنوب التونسي وغرب طرابلس. (1/20)
صفحة 21
تشكل هذه المرتفعات هلالاً واسعاً يحيط من قابس إلى أنقاض لبدة السهل النصف الدائري للجفارة. وما تمثله من انحدار متعرج (علوها ما بين 600 إلى 800م) قبالة الشرق ثم الشمال يشكل حافة - تآكلت بفعل مياه الوديان - للمنبسط الصحراوي. أمواج المتوسط لا تسبح فيها. إذن هنا إفريقيا المرتفعات المسطحة كما هو الشأن في سرت التي ينحفر خليجها أكثر في اتجاه الشرق.
معنى ذلك أن وجود هذا القوس الدائري الجبلي الكبير الذي يحد في آن الهضبة الصحراوية والسهل الطميي (من الطمي) للجفارة على بعد 50 إلى 150 كلم من البحر، إن وجود هذا القوس له آثار كبيرة على الحالة المناخية والغطاء النباتي وعموم الحياة بالمنطقة. لا نجد هنا الوجه النقيض والعنيف للبلدان البحرية والمتوسطية - السهوبية كما هو عليه الحال بالجزائر جنباً إلى جنب مع المساحات الصحراوية الشاسعة الجافة والعارية. فما بين الجفارة الغربية الماقبل صحراوية. والصحراء القاحلة تماماً. ثمة الانحدار الشديد للجبل التونسي الجنوبي والجبل الطرابلسي الذي هو بمثابة العائق الأخير المتيح لعملية تكثف كسحاب نادر آت من البحر. بالمنحدر إياه أرض بائرة وزراعات شجرية لا زالت شاهدة على التأثيرات المتوسطية وتتيح ظروف استمرار حياة شبه مستقرة. وخلف خط البلدات الساحلية الممتدة من جرجيس حتى ما بعد طرابلس تتناثر كتلها البيضاء على امتداد واحات مضيئة وبشوشة. أما المنحدر الجبلي فيقيم فيه - على الطريق الموازية ذاتها الرابطة بين مژاب وورگلة (ورجلة) – اصطفاف متزاحم من البلدات المعلقة تعلو السهوب الخالية للجفارة. (1/21)
صفحة 22
من طرف لآخر أي من مطماطة إلى مسلاته يتحذر المنحدر الشكل ذاته. الشريط الأزرق عينه على امتداد المكان كله ليصل إلى أبعد نقطة في الجفارة الصهباء، والذي يمكن ملاحظة سطحه الأفقي والصلب أي " الظهر" مسافة 600 كيلومترات. في كل مكان، تجد الطبقات الكلسية نفسها ترابية، حجرية، صلصالية أو حتى طينية كما هو الشأن في الحقبة الطباشيرية(1) حيث الوديان حفرت المجاري الرهيبة ذاتها. أحيانا، نجد سيما قرب تطاوين بتونس وغريان بطرابلس تلالاً أقل ارتفاعاً تعلو السهل بمقدمة الجبل. غير أن اختلافات في الاتجاه والعلو والقرب المتفاوت من البحر تدخل في هذا العنصر البنيوي الموحد الشكل اختلافات كافية ذات طابع جهوي وذات أهمية خاصة.
في تونس، تشتد خطورة الظروف المناخية من الشمال في اتجاه الجنوب على اعتبار أن الجبل في كُلّيته ينحو في اتجاه الجنوب. بالشمال، تتوفر التلال السينونية لمطماطة - المقطوعة جميعها عن الوديان العميقة والقريبة من سرت - على أشجار زيتون رائعة تتدرج في خاصرة السفوح وتتزاحم بالوديان الصغيرة.
__________
(1) - [الطباشيري / كريطاسي Crétacé] : نعت تعريفي يطلق على الحقبة الثالثة من الاباج الأوسط أي الثاني. ويقال العصر الطباشيري والأراضي الطباشيرية // تتميز هذه الحقبة بتطور انصداع القشرة الأرضية وبإتقسامها إلى بعض القارات. وبمتابعة استتباب المناطق المناخية. الموسوعة رقم17018. (1/22)
صفحة 23
تقيم ساكنة من المزارعين النشيطين بعدة قرى. ولا زالت المنطقة برمتها تستفيد من 250 ملم من المياه سنوياً. في جنوب مطماطة، يرتفع الجبل وتشتد حدة الانحدار. أما المشهد العام فجاف وموحش جداً. ولا زالت هناك قرى معلقة في خواصر الجرف الجذب، غير أن معظمها تتفرق في التلال المتفاوتة في درجة جفافها والمغروسة على أرضها أشجار الزيتون وهي مشرئبة حتى جنوب فم تطاوين. غير أنه بعد هذه النقطة يبتعد الانحدار أكثر فأكثر من البحر ليظهر في هيئة غائرة بمنأى تقريباًَ من الرياح الماطرة؛ ومن جهة أخرى، نلاحظ كيف أن "التلال بمقدمة الجبل" اختفت كليةً تقريباً. ولا تشهد مرتفعات جبل أبيوض سوى 100 ملم من التساقطات سنويا، وهي المعروفة بتصحرها المطلق، وهو ما لا يبهج أية بلدة.
يبدأ جبل جهة طرابلس كامتداد لجبل نفوسة بعد اجتياز الحدود الفاصلة بين الدهيبات ووازّن. يتيح له تموقعه قبالة البحر وانكماش الجفارة تساقطات مطرية متصاعدة من الغرب في اتجاه الشرق.
لا زالت نفوسة الغربية منطقة شبه صحراوية بحكم مناخها وغطائها النباتي، غير أن أولى البلدات فيها تقع بالقرب من العيون. التجمعات السكانية تتكاثر كلما اتجهنا ناحية الشرق، في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه درجة الرطوبة وتمتد الزراعات المتوسطية. لا تبلغ نسبة التساقطات ذروتها إلا في مرتفعات غريان حيث تتراوح ما بين 300 و350 ملم، في بعض المناطق ثمة العديد من البلدات الكهفية، متناثرة هنا وهناك وسط حقول من أشجار الزيتون الرائعة. تحتفظ التساقطات على النسبة نفسها في جبلي ترهونة ومسلاتة. لكن، بينما الأول خالٍ تماماً من الديار والأشجار، بعد أن خربتها ومسحتها من الخريطة قبائل بدوية تعيش فيه منذ قرون، فإن الأول لا زال يحتفظ ببلداته البيضاء المتخفية بالكاد وسط أشجار زيتون جميلة. إنه البلد الخلفي الغني الذي وصفه معاصرو لبدة (العصر الروماني) المزدهرة في زمانها. (1/23)
صفحة 24
الخصائص العامة لجبل نفوسة : يمتد الجبل على حوالي 200 كلم في الجزء الأوسط للهلال الجبلي الذي تلامس أطرافه قابس ولبدة. مما لا شك فيه أنه المنطقة الأهم، والأكثر أصالة – على أية حال - ، فهي التي قاومت أكثر من غيرها عملية التعريب. إن سكان الجبل التونسي الجنوبي، والجبل الطرابلسي، هم أمازيغ لم تختلط دمائهم كثيرا بدماء الغزاة العرب القادمين من الشرق، - في القرن السابع - وبخاصة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، والذين تفرقوا في عموم شمال أفريقيا. إلا أن قسما مهما جداً من ساكنة جبل نفوسة هو الذي حافظ على لغته الأمازيغية التليذة، ومذهبه الإسلامي الإباضي، أمام زحف العربية والمذهب المالكي. جبل نفوسة إذن هو بالتعريف امتدادات النفوسيين الناطيقين بالأمازيغية والمتشيعين للمذهب الإباضي. هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مختلفين عن المعربين، الذين يسمونهم "عربا" والذين يعيشون بينهم أو بالقرب منهم، وحدة الجبل هي قبل كل شيء بشرية. (1/24)
صفحة 25
و على الرغم من التباينات الجهوية فللجبل أيضاً وجود مادي. في جهة الغرب، آخر بلدة نفوسية هي وازّن المتدرجة، بشكل غريب، على الدكة الصخرية للقمة المجاورة للحدود. يحدد موقع وازّن المنطقة الصحراوية، ويصادف تغيراً في الاتجاه للانحدار الجبلي. ويمتد المجال النفوسي القديم حسبما يقوله أهل المنطقة، من نالوت إلى تيغرمين. وتيغرمين هذه هي قرية ضخمة لم تبق منها سوى الأنقاض في جهة الزنتان(1). في شرق تيغرمين، يعتبر الأمازيغ الذين حافظوا على لغتهم وإباضيتهم أنفسهم آباء للآخرين وسموا نفوسيين منذ حوالي قرنين. فصار عموم النفوسيين تجمعهم الأمازيغية التي بها يتحدثون، والمذهب الإباضي الذي يتبعون، والمصير المشترك الذي ينتظرهم. هذا ما يفسر أن قرى يفرن تلحق نفسها بقرى فساطوا وكاباو أو حتى نالوت، آخر قرية من قرى الناطقين بالأمازيغية الإباضي المذهب هي القلعة وهي النقطة الحدودية المعترف بها اليوم بجبل نفوسة(2).
__________
(1) - تيغرمين هي أيضا القرية الأكثر شرقية (وقوعاً إلى جهة الشرق) ورد ذكرها في ملحق كتاب السير، يراجع: [باسي]، ص96، 99.
(2) - من القلعة إلى وازّن هو الذي يعتبره النص المترجم لـ [موتيلنسكي]، 111، جبل نفوسة. (1/25)
صفحة 26
إلى الشرق من القلعة تمتد منطقة ككلة. معظم هذه القرى عُرِّبت منذ مدة قصيرة فقط، بعضها منذ قرنين. نمط عيش أهلها هو نفسه الذي نجده في نفوسة عند النفوسيين. من جهة ثانية، بلدهم تتوقف حدودها في نقطة القطيعة العميقة الموجودة بوادي زارات. تلك النقطة الجغرافية المهمة التي تبدأ بعدها مباشرة بلاد بدو السبعة، ثم الجهة الكهفية لغريان، وهنا نكون في بلاد أخرى. هكذا فإننا سنمتد بدراستنا حتى وادي زارات، ولو أن بلاد ككلة لا يعتبرها الأهالي جزءاً من بلاد نفوسة. من حيث كثافته السكانية ونزعته الأمازيغية المحافظة. يقترب جبل نفوسة كثيراً من مناطق أمازيغية جبلية أخرى بالشمال الإفريقي. غير أن منظره العام يتميز ببعض الخصوصية. فهو لا يعدو أن يكون حافة للسطيحة الصحراوية وهي متجهة نحو الشمال. يتأثر علوه وموقعه بالمؤثرات المناخية الصحراوية. عموماً، لا يعدو أن يكون شريطاً ضيقاً بزراعة ضعيفة ممتدة من السهوب الجدبة أصلاً للجفارة والظهر. كيف تؤثر خصائصه المادية على الاقتصاد؟ وكيف يأخذ هذا الأخير بعين الاعتبار القرب المباشر للسهوب؟ وأي تأثير لهذه على الساكنة؟
في هذه الواحة الجبلية كما في الواحة البحرية لجربة، وفي هذا الأرخبيل وسط الصحراء الذي هو مژاب، لا زال المذهب الإباضي متحصناً ضد عوادي الزمن وتقلبات الدهر. هل ثمة اختلافات في الاقتصاد ونمط العيش والسكن في جبل نفوسة بين المعربين وغير المعربين؟ هل الأوائل أكثر ترحالاً وبداوةً وإقبالاً على الفلاحة؟ كيف نفسر أن هؤلاء وأولئك هم بأعداد وافرة متساوية تقريباً؟
باختصارٍ شديد، كيف يعقل ولماذا نجد هذه الأعداد من القرويين تقيم بتخوم الصحراء وعلى قمم جبال جرداء وجدباء إلى هذا الحد؟
تصميم الكتاب : للإجابة على هذه الأسئلة، من الضروري في البداية الإحاطة علماً، بحدود الممكن، بمشكلات الجغرافيا الطبيعية وبيان حركة المشهد الطبيعي العام والحالة المناخية ونظام المياه. (1/26)
صفحة 27
رغم الثغرات الكبيرة في التوثيق المتوفر حول بلد لا زال من الناحية العلمية بكراً تقريباً. زد على ذلك أننا في منطقة يعاني أهلها من الإمكانيات المحدودة جداً، ما يفرض عليهم الخضوع الصارم لشروط طبيعة تختزل إلى حدودها الدنيا مقدرتهم على المبادرة وحرية التأقلم. وحده هكذا تحليل سيتيح لنا بيان كيفية تأقلم الاقتصاد مع الشروط الطبيعية القاسية ومع الكثافة السكانية في آن. أضف إلى ذلك مساعدة الساكنة الأمازيغية الإباضية على الوقوف في وجه التنافس الذي يفرضه عليها عموم المعربين وتحليل طبيعته وفحواه.
السكن أيضاً متأثر بالظروف الطبيعية ونمط العيش فضلاً عن رواسب ماضي سحيق يصعب هتك حُجُبُهُ. السكان أصليون بقدر ما هم متنوعون. يتجمعون في قرى تكشف دراستها عن تاريخ مضطرب. غير أن البلد يزخر كذلك بتجمعات سكنية لم تبق منها إلا الأطلال. فهل حصلت عمليات تنقل للقرى من أمكنة إلى أخرى؟ ألا تعبر هذه القرى المتداعية عن حالة قديمة من السكن كانت سائدة؟
إن هذه الدراسة التي ستتوغل بنا في ماض سحيق ستمدنا بمعلومات وافرة عن تاريخ منطقة قوامها وثائق مهمة جداً بالنسبة لنا، مقارنة مع ما بحوزتنا من نصوص فقيرة ومبتورة لا تفي بالغرض.
أخيراً وأخيراً فقط، سنحاول إعادة رسم، اعتماداً على التوثيق الأركيولوجي الثمين المحلل سلفاً وعلى شذرات من التاريخ، التحولات التي شهدها اقتصاد وساكنة الجبل. وهذه هي الوسيلة الوحيدة لفهم لماذا يعكس وجود الساكنة الحالية ماضياً مضطرباً في الوقت نفسه الذي يترجم تأقلماً وثيقاً مع الظروف الطبيعية الصعبة.
سلبية هذا التصميم تمكن في إعادتنا إلى وقائع سبق تحليلها والوقوع في محذور التكرار بالجزء الأخير. غير أنه الوحيد في تصوري الذي سيمكننا من التفطن إلى الأصالة العميقة لجبل نفوسة وساكنته.
الجزء الأول
الفصل الأول
1- الأراضي وأشكال التضاريس (1/27)
صفحة 28
المنظر العام : يمكن أن نتنزه لساعات وساعات على ظهر حصان في السهول المائلة بالكاد للجفارة الغربية - الرتيبة والمسطحة - الممتدة على مسافة 100 كلم من العمق إلى الجنوب من زوارة والساحل المتوسطي. لا يمكن للعين أن تستريح من هذا المشهد الحزين إلا إذا اتبعت الخط الأزرق المستقيم الذي يغلق الأفق من جهة الجنوب. يتعلق الأمر بجبل نفوسة الذي ينتصب في هيئة حصن ممتد فوق الذهيبات والجوش وخلف بئر الغنم.
غير أننا إذا اقتربنا من قدم الجبل نعاين الانحدار الوعر المحفور بأودية صغيرة عميقة وهو يتفتت إلى نتوءات صخرية متفاوتة السعة بعضها في شكل مربعات منحرفة والبعض الآخر في شكل مثلثات ذات أطراف متفاوتة الميل.
غير بعيد، هناك في السهل الذي يصير أقل رتابة، نلمح بروز تلال صخرية في منطقة تنتشر فيها الأودية وحدور حِصْييِ لمروحات الانصباب المزركشة للانحدار الجبلي. أما سطحها فيميل برفق في اتجاه الجنوب (الصورة 1). فوق، تظهر النتوءات الصخرية الانحدارات الشديدة المليئة بالحفر والمكسوة بأكوام من ركام. غير أنه بوسعنا أن نتتبع الشكل الأفقي والمتلاحق للأراضي المتكدسة: ركائز سميكة من الطَفْل (تراب أصفر تكثر فيه العناصر الصلصالية) الملطخ، وأرصفة حثية كلسية بيضاء أو صفراء تعلوها. وأخيراً البلاطة الكلسية المتينة المتوجة للمشهد برمته والتي تلعب هي وأعمدتها ذات الأربعين متراً وصلابة سطحها دوراً بالغ الأهمية (الصورة 2 و20).
لنتوغل الآن في الأودية. بطريقة مثيرة للغرابة، يتعارض عنفوان السفوح المتهاوية جداً أسفل الشريط الكلسي الأعلى حيث أكوام من ركام من كل المقاييس في توازن قار؛ أقول يتعارض مع شساعة الأودية الصغيرة والمواد المردومة بالعمق : مهيلات، حِصِيّ شبه دائرية متفاوتة المقاييس، كتلة وازنة من التربة الوردية. كل هذا تجده مجزأً إلى وهاد صغيرة يعجز الوادي تماماً عن إزالتها. (1/28)
صفحة 29
لنصعد الآن إلى واحدة من هذه الأودية: تميل الأراضي التي جرفتها التعرية برفق في اتجاه الجنوب. ووضع الغطس التي هي فيه يميزها بخاصة ذلك الانحدار الكلسي الأعلى الذي يشد مختلف الأراضي الأقل صلابة. على اليمين واليسار، تنفتح أودية صغيرة ذات روافد. بعد قطع ما يقارب 10 إلى 15 كلم يوقفنا في صعودنا ضرب مما يمكن تسميته بـ "نهاية العالم" قوامه قفاز لحجر كلسي لم يقطعه الوادي بالكامل. يتعين علينا إذن تسلق طريق رديئة متعرجة لنرتفع على مستوى الجرف ومن ثمة نصعد إلى وادي صغير أكثر عنفواناً ومحفوراً قليلاً على أرضية قليلة الطفل والحث والكلس. عموماً، للعقيق (أو الوادي الصغير) رأسا ذات أشكال معتدلة تنتهي برفق عند السطح الشبه أفقي، لكنه مائل باعتدال ناحية الجنوب، وبالضبط حيث هضبة شاسعة تدعى الظهر. بالجنوب، تظهر لنا تلال في الأفق تفصل بينها أودية واسعة.
لنعد: ها هو السطح النافر والأفقي تقريباً لتلك النتوءات الصخرية التي تجتازها وديان ومتاهة من العقائق (وديان صغيرة) ذات الروافد. لا تبدو سطوح هذه النتوءات متماثلة حيث هي. فأحياناً تمدد مباشرة مساحة الهضاب، وأحياناً تشكل مع هذه الأخيرة تنافراً زاوياً (من الزاوية) خفيفاً، وثمة حالات أخرى تنحو منحى طفيفاً باتجاه الأسفل (الصورة 8، 10 و13). (1/29)
صفحة 30
الجفارة، الجبل، الظهر وهي الكلمات - التسميات- التي استعملتها بالإضافة إلى قبلة نجدها، بتواتر، في سجل الأسامي عند الأهالي، ولا محيد عن تبنيها كما هي لكونها حاملة لدلالة دقيقة. الجفارة تعني السهل الواسع ويشمل أيضاً منطقة التلال "الماقبل جبلية"، التي يحدها الشكل الهلالي للجبل وحوض البحر الأبيض المتوسط. أما الجبل فيدل بالضبط على الجرف، ومتاهة الوديان والأودية الصغيرة، والشعاب التي تقطعها بما في ذلك النتوءات الصخرية الوسيطة. الظهر (أو الطاهر) يدل على الظهر بمعناها الجسماني، وينطبق على الهضبة المعتدلة الصلابة والتي تبتدئ من الخط الفاصل للمياه والنازلة برفق في اتجاه الصحراء. إن الحد الفاصل إذن بين الجبل حصراً والظهر يتميز بالالتواء وليس دائماً دقيقاً ومضبوطاً. في منطقة جادو، حيث الهضبة غير مقطوعة نسبياً تعتبر نهاية أشجار الزيتون بمثابة حد الجبل، أما الظهر فلأنه منطقة شعير فإنه بإمكان الاقتصاد أن يتدخل محليا لتعيين مساحة المناطق التي تعينها التضاريس عادة.
و أخيراً، عند نهاية الظهر تبدأ القبلة أي بلاد الجنوب. نعبر دون أن نحس بذلك من الظهر إلى القبلة. لكن ما دام أن الظهر لا زال مزروعاً جزئياً، فإن القبلة ستكون هي المساحات الممتدة الكبيرة صحراوية كانت أو ما قبل صحراوية حيث المساحات الصغيرة المعروفة ب"إرگ" وافرة تعبرها قطعان الغنم والإبل. أما الزراعة العشوائية للحبوب فمحصورة في مجاري الوديان أو "البحيرة" أو "گرعا" التي تغمرها مياه الأمطار. زد على ذلك أن البلد هو أيضاً بلد واحات. عموماً، القبلة صحراوية خالصة في حين أن الشريط الضيق للظهر فيستعمله، بشكل مباشر، أهل الجبل. من الملاحظ أن هؤلاء لا يستعملون لفظ الصحراء. بعد القبلة نجد الحمادة الحمرة والهضبة الحمراء وهي منطقة صحراوية مرعبة ثم فزان. (1/30)
صفحة 31
على العموم، يرتفع علو الجبل وكذلك الظهر بقليل من الغرب في اتجاه الشرق. نسجل 650 متر في نالوت، 640 متر في كاباو، 700متر في بگيگلا، 659 متر في جادو، 715 متر في يفرن و805 متر في ككلة. في سفح المنحدر، نسجل 320 متر في الذهيبات و352 في الجوش. يبلغ علو المنحدر الجبلي إذن 300 متر إلى 450 متر. إنه بمثابة حاشية لتضاريس قوية أحادية الميل الخفيف في اتجاه الجنوب. أما في الشمال فالتعرية هي من القوة بحيث إن الركائز الرخوة للطفل والطين الشديد السمك. بينما القاعدة الصلصالية مرنة ورطبة وكثيفة في آن واحد. نحن إذن إزاء تضاريس الكويستا(1)، كويستا كبيرة. ومن الغريب فعلاً أن مثل هذه الكلمات التي يلوكها اللسان بشكل طبيعي لم يتم التفوه بها أبداً هنا على الأقل فيما أعرف. تبدو التلال "الماقبل جبلية" (في مقدمة الجبل) وتلك التي نشاهدها على الظهر في الأغلب الأعم في هيئة "كويستات" تابعة أو ملحقة.
بطبيعة الحال، يتعلق الأمر بتضاريس الكويستا من نوع خاص بعض الشيء، بالنظر إلى المناخ الشبه جاف. لا تكفي الإحاطة علماً بتأثير البنية على التشكيل، بل يجب أيضاً الأخذ بعين الاعتبار مناخاً يزداد جفافاً كلما اتجهنا من الشرق نحو الغرب. من الضروري كذلك تحليل تشكل الأودية الصغيرة والبحث في طبيعة السطوح (أو المساحات الممتدة)، كسطح الظهر وسطح النتوءات الصخرية، أو سطح الجبل. وسنكون منقادين حينها إلى التساؤل الكبير عن أصل عموم الجبل سواء الطرابلسي أو التونسي.
__________
(1) - [الكويستا Cuesta] : النجد ما أشرف من الأرض وارتفع. الموسوعة رقم28567. وهو ما أشرف وارتف من جهة وتكونت منه حافة من جهة أخرى، وكتعبير جيولوجي يعني الطبقات الطباشيرية المتكونة مابين 65-145 مليون سنة. (1/31)
صفحة 32
لا مناص من الاعتراف بأننا لا نتوفر على الأدوات الكافية للقيام بمثل هذه الدراسة. بدءاً، لا نتوفر على خرائط طبوغرافية مما يجعلنا مضطرين للاستعانة بخريطة رديئة مرشدة بمقياس 400.000/1 والقناعة بحوالي عشر نقط مرقمة الموجودة في الخريطة الراهنة بمقياس 1000.000/1. واضح أن ذلك غير كاف تماماً لضبط مضغاط مرفاعي(1) في بلد يتغير فيه الضغط الجوي باستمرار وبسرعة(2).
__________
(1) - يسمى أيضاً، [مرواز إرتفاعي Baromètre altimétrique] : المرواز / بارومتر: جهاز خاص وضع لقياس الضغط الجوي،.. ليدل على ارتفاع ضغط الجو وانخفاضه. الموسوعة رقم26398.
(2) - راجع بصدد الخرائط الإشارات العامة في الببليوغرافيا التي ستجدها في نهاية هذا الكتاب : 2-5-ستغرينا الإستعانة بالخريطة الجميلة 1/100000 ذات المنحنيات و الموجودة بالنسبة للجزء التونسي المجاور ثم القيام بمجموعة من المقارنات. غير أننا سنتبين فيما بعد أن المقارنات من هذا النوع تتسم بالخطورة. فثمة اختلافات كبيرة في واقع الأمر بين تضاريس الجنوب التونسي و تضاريس جبل نفوسة. (1/32)
صفحة 33
من جهة أخرى، لا وجود لخريطة جيولوجية عن المكان. كل ما في حوزتنا بضعة مقاطع جيدة من إنجاز المهندس [د. زاكانيا(1) D. Zaccagna] عام 1914 أكد وضبط هذا الشخص الاستمرارية الجيولوجية لجبل نفوسة مع الجبل التونسي المدروس من لدن [أوبير، جولي Aubert. Joly] وبخاصة [بيرفانكيير(2) Pervinquière] الذي أرصن عمر مختلف الطبقات. على غرار ما هو حاصل بتونس، فإن المنحدر تشكل ها هنا أيضاً من أراضي تنتمي إلى الطباشيري المتوسط الألبياني، وبخاصة السينوماني والطرونياني الأدنى. أما الطبقة الكلسية المتوجة للجرف فتنتمي إلى الطرونياني الأعلى ثم نمر إلى السينونياني (الطباشيري الأعلى) في ثلة من المرتفعات الضعيفة التي تصطدم برفق مع الظهر. من جهة ثانية، يعود تاريخ التلال بمقدمة الجبل، والتي تقل كلما اتجهنا نحو سفحه، إلى الزمن الجوراسي والطباشيري الأدنى. وقد أكد [زاكانيا] استمرارية الترسب الذي اكتشفه [بيرفانكيير] بتونس. أخيراً، شدد [زاكانيا] مقتفياً أثر الجيولوجيين التونسيين، على البساطة البنيوية لمنطقة كبيرة لم يطلها أي اضطراب جيولوجي وحيث الأراضي تتعاقب دائماً بشكل منتظم رغم تباينات جادة في الهيئة. يسجل انحدار عام لكنه خفيف للأراضي باتجاه الجنوب، ويعاين بأنه من الغرب إلى الشرق يرتفع السطح الكلسي الطرونياني بشكل ملحوظ، من نالوت (600 م من الارتفاع) إلى غريان (700 من الارتفاع).
__________
(1) - [زاكانيا] ، 19، الصفحات من 10 إلى 23 و من 54 إلى 65 بخاتمتها تهم فقط جبل نفوسة.
(2) - انظر : [بيرفانكيير] ،.1912. L’Etudes de paléontologie tunisienne. II p.21 (1/33)
صفحة 34
هكذا، فللجبل التونسي والطرابلسي طبيعة واحدة، ولهما بالتأكيد الأصل ذاته. يتفق [زاكانيا] مع [بيرفانكيير] في اعتبارهما، الجبلين بمثابة حاشية منحوتة لقبة شبهَلِيلِجِيّة(1) شاسعة ذات الاتجاه جنوب – شرق – شمال - غرب وتوجد قنبرتها وسط الجفارة الحالية كما تشهد عليها تلال مقدمة الجبل.
2- الأراضي والأشكال البنيوية
التلال في مقدمة الجبل : لها امتدادات مهمة في جهة فم تطاوين بتونس، وغريان بجهة طرابلس، غير أنها لا تلعب بسفح جبل نفوسة سوى دور ثانوي جداً. على أية حال، فهي غير معروفة كثيراً لأنه من المرجح جداً أن لها امتدادات باتجاه الشمال في عدد من رُبى الجفارة. ينتصب جرف جبل نفوسة على غرار جرف الجبل التونسي المجاور لجنوب تلال فم تطاوين تماماً فوق السهل. وحدها دَرْجة مهمة، ثانوية ومتقطعة هي من يقطع التضاريس الوعرة للجرف. رأينا كيف أنها عبارة عن كويستا صغيرة ذات أشكال ملتبسة أحياناً نتيجة الفارق الضعيف في مقاومة الأراضي.
__________
(1) - prédjebéliennes. (1/34)
صفحة 35
ومن وادي بوركبة الذي تتجمع فيه مياه منطقة نالوت حتى الحدود، بوسعنا تتبع متواصل تقريباً لتعرج كويستا صغيرة. يبلغ علوها حوالي عشرين إلى ثلاثين متراً قوامه طَفل(1) وحث عكري، مقاومان كفاية ومنحدران ينسبهما [زاكانيا] إلى الزمن الفيالدي. الانحدار باتجاه الجنوب وبالضبط باتجاه الجنوب الغربي واضح للعيان بما فيه الكفاية ومجموعة من الأكمات الشاهدة تنفصل عن بعضها البعض على غرار "لگارا" الحامل لقصر تكويت (أنظر الرسم 1). لا يمكن تتبع المساحة البنيوية للكويستا إلا لبضع مئات أمتار، ونادراً ما يتأتي ذلك أكثر من كيلومتر أو كيلومترين وذلك لأنها ستنخسف تحت أكوام من الطفل الرمادي المائل إلى اصفرار، والكلس الحثي الأصفر المائل إلى الشقرة للألبي، والذي يشكل قدم الجرف الأساسي. ومن خارج هذا المكان، نراه وقد دخل في الصدفات المفتوحة لنالوت وغزاية، غير أنها سرعان ما تكون مغطاة بأوحال الطمي والمهيلات والطفل الألبي حيث تنغمر تماماً.
__________
(1) - [طفل / صلصال Argile] : الصلصال الصرف، صخر طيني مركب من سيليكات الالمونيوم، حبيبات دقيقة متجانسة، يتميز بشدة لزوجته عند البلل وبتماسكه وصلابة ذراته. الموسوعة رقم16423. (1/35)
صفحة 36
باتجاهنا من وادي بوركبة نحو الشرق تختفي غالباً من أمام أنظارنا استمرارية "الساحل" الفيالدي الصغير. عموماً يختفي إما بفعل عوامل النحت أو لامتزاجه بالجرف الأكبر أو لأنه صار مغطى بحَدُور الأراضي الناقلة، مروحات انصباب متفاوتة التداخل يطليها كلس متصلب أو الجبس الكلسي المعروف في البلدان ما قبل الصحراء. لن يظهر الساحل بعد ذلك إلا في بعض الأماكن ومنها أساساً هضبة الجوش الصغيرة، التي قدر ارتفاع كلسها الحثي والأصفر بحوالي 360 إلى 380 متراً على امتداد مسافة كبيرة جداً. بعيداً عن المكان وبالضبط في شكشوك بسفح جادو تطفو تلال صغيرة من كلس حثي أصفر عموماً غير أنه مخترق هنا برصيفين من شبه سخام(1). ستنخسف أجزاء الكويستا الصغيرة تحت طمي وادي جادو والطفل الألبي. وكلما اتجهنا نحو الشرق نجد قصر الحاج مشيداً على تضاريس صغيرة من ذات النوع.
__________
(1) - يتعلق الأمر في الواقع بصخور سوداء مماثلة للموجودة بمنطقة دهيبات بالجنوب التونسي و التي أبدا قابلة للإحتراق: ليست خشبا متفحما تماما. إشارة من [م.م سولينياك Solignac]. (1/36)
صفحة 37
و أخيراً، ترتفع بعد وادي لتل وما بين عقاب (نتوء صخري) يفرن والمركز الصغير لبئر الغنم تلال تدعى المنشار. في القاعدة، نجد أراضي مشابهة للتي وصفناها تواً. تنبغي الإشارة هنا إلى التزايد الكبير للمجاري الجبسية البلورية التي نجدها في وادي السوادنة الأدنى، والتي تعطينا بفضل مقاومتها تضاريساً بارزة وشديدة الاضطراب. هذه التلال مرتفعة كفاية وتحتوي على طبقات ألبية(1) بل وسينومانية. اتجاه الانحدار لا زال من الشمال نحو الجنوب غير أن هذه الكتلة الضخمة من التلال المرتفعة كفاية ما عادت تذكرنا بتضاريس "الساحل" التي عايناها حتى الآن. بعد ذلك، تنطلق مقدمة بلاد غريان بتلالها العديدة التي تشل بعيداً عن جبهة الكويستا الكبيرة أكمات شاهدات حقيقية.
__________
(1) - [ألبيني Albien Gault] : ساف من الطبقة الطباشيرية مركزه فوق الأبساني وتحت السنماني. الموسوعة رقم2066. (1/37)
صفحة 38
هذا الخط الأول من المرتفعات الواطئة، هذه التلال بمقدمة الجبل كما سميناها بعد [زاكانيا] يعتبرها الأهالي جزءاً من الجفارة لا من جبل نفوسة. فضلاً عن ذلك، كل هذه الناحية الشديدة الجفاف والتي هي جماع تلال ومروحات من طمي خشن لا توجد بها أية خاصية من خصائص الجبل. فهي بالأحرى قريبة من هذه التموجات الصخرية أو الحجرية الخفيفة بالجفارة والمكونة عموماً من صفائح طمي قديم مطلي بترس جبسي - كلسي وبالتأكيد أيضاً ببروزات لأراضي أقدم، أراضي الجورية(1) ولربما الترياسية(2).
غير أن هذه الأخيرة تؤطّر وتفصل عن المناطق المسطحة، غالباً ما تكون رملية، وأحياناً تكسوها تلال رملية، وبخاصة حفر تصب فيها الأودية مياهها والطمي الذي جرفته من الجبال. بعد منطقة مروحات الانصباب، نجد منطقة الوهاد الواسعة، المسماة (گارا أو بحيرت)(3) على غرار بحيرت تسلتس قرب الحدود وبحيرت جادو وبحيرت لقصور- تلك التي تحتوي على مجاري مائية واسعة جداً أو بحيرات وادي جادو، أو سوف لتل - وكذلك بحيرات السهول الفائضة جزئيا والممتدة نسبياً من الحوض أو قطّيس إلى السفح (جبل نفوسة الشرقي).
__________
(1) - [الجوري Jurassiques] : نعت تعريفي يطلق على الحقبة الثانية من الأباج الأوسط. فيقال العصر الجوري والأرض الجورية// تتميز هذه الحقبة ببدء استتباب المناطق المناخية، وبازدهار بعض الفقاريات كالاسماك والضفادع والزحافات. الموسوعة رقم7150.
(2) - [ترياسي Triasiques] : نعت تعريفي يطلق على الحقبة الأولى من الأباج الثاني المعروف أيضاً بالأوسط. يقال العصر الترياسي والحقبة الترياسية// تتميز هذه الحقبة، من الوجهة الحيوانية، بازدهار بعض اللافقاريات كالسفور صفيحيات الخياشيم. الموسوعة رقم5046.
(3) - بحيرت: مصطلح أمازيغي يطلق على السهول المتصلة والمغروسة بأشجار مختلفة. (1/38)
صفحة 39
إذا نُظِرَ إليها من أعلى الجرف فستظهر التلال بمقدمة الجبل ممتزجة بالسهل. أما الجبل بالمعنى الخالص للكلمة فلا يبدأ إلا من الكويستا الكبيرة.
"ساحل" الجبل : ينتمي جرف الجبل بكامله إلى الطباشيري المتوسط من الألبي إلى الطوروني. أرى مفيداً التذكير، ولو بشكل مختصر ومن خلال جدول مقارن، بالمقاطع الأساسية التي قام بها [زاكانيا] في جهات نالوت، جادو ويفرن.
مقاطع الجرف الأساسي بجبل نفوسة(1)
الطبقات ... نالوت ... جادو
الطوروني الأعلى ... طين أصفر مائل إلى خضرة.
طفل جبسي ومجاري كلسية صغيرة، متربة مائلة إلى بياض 10-15 م ... كلس مائل إلى بياض، أحيانا طفلي ومطواع وأحيانا أخرى شديد الكثافة والزخم ومعه نجد مجاري طينية مائلة إلى حمرة ، طفل وحث كلسي أصفر – أسمر 30م
الطوروني الأسفل ... كلس رمادي- أصفر وصلب تجده هنا وهناك مفتتاً وغني بالصوان وأحياناً بلوري ودو لوميتي.
بنية كثيفة في الأسفل وفي اتجاه الأعلى تلحظ تدرجاً 30-35م.
رف كلسي مائل إلى بياض طفلجبسي مهيكل وداخل بين الصخور التي تؤطره 1-50م ... كلس صلب منثور وتخترقه بنسب متفاوتة طبقات.
فليس مائلة إلى اصفرار 40م.
السينوماني. ... كلس أصفر مائل إلى بياض فليسي في شكل رفوف كبيرة في السينوماني الأدنى 15م. كلس طفلرملي مائل إلى صفرة في شكل طبقات سميكة بتجويفات مليئة بالكلسيت 8-10م.
مقادير هائلة من الطفل الرمادي المائل إلى صفرة برف كلسي مترب مائل إلى صفرة أو أصفر – أسمر 30-35م.
طفل رمادي مائل إلى حمرة، صفرة بالتناوب مع رخم كلسي مائل إلى بياض 15-20م.
رمال صفراء وطفل يتناوبان وطبقات كلسية حثية 15-18م. ... فليس كلسي رملي شبيه بالسابق لكنه أقل تماسكاً برفوف كلسية متباعدة متطابقة مع الرفوف الفيليسية في السينوماني الأدنى بنالوت 30م.
__________
(1) - [زاكانيا]: 19، ص17/20، يراجع، أيضا: ص65/57 (نالوت) ص59/60 (جادو) ص61/63 (يفرن). (1/39)
صفحة 40
رفوف فليس حثية مائلة إلى صفرة بمجاري مائلة إلى حمرة صلبة ونسبياً كلسية. الرفوف الأكثر كلسية تشكل منحدرات كلها نتوءات 20م.
منطقة كبيرة من الطفل المائل إلى اصفرار وأسمر- أحمر بطبقات حثية مبرقشة.
طبقة في السينوماني الأدنى20 – 25م.
البيني. ... الألبي 20-30م. ... كلسي طفلي كثيف مغطى عن آخره بطفل رملي رمادي مائل إلى اخضرار 22م.
يفرن الشرقية ... يفرن الغربية (كاف الرومية) ... التضاريس المترتبة
طفل أصفر مائل إلى الرمادي يتناوب مع حث كلسي أصفر 10م.
كلس فليسي أبيض حبيبي أصفر مائل إلى شقرة. كلس فليسي أبيض مائل إلى صفرة 12م. ... طفل رمادي – أصفر وحث أسمر 10م كلس أبيض مترب كلس كثيف حبيبي أصفر مائل إلى شقرة.
كلس فليسي أبيض مائل إلى صفرة 12م. ... سطح حلمي من الجبل إلى الظهر
كلس مائل إلى اصفرار فليسي برفوف سميكة تبلغ أحياناً متران، شديدة الامتلاء متناثرة هنا وهناك مع كتل معدنية مستديرة من الصوان وتتناوب مع مجاري طفلية مائلة إلى صفرة 60م. ... فليس طفلكلسي صلب في شكل طبقات متدرجة من 60 إلى 80 سم تخترقها مجارى طفلية ومرتبطة برفوف كلسية رمادية صفراء مفتتة بنسب متفاوتة. في الأعلى، رفان أو ثلاثة من كلس صلب وكثيف 25م.
رفوف كلسية صفراء مائلة إلى شقرة وصلبة بمجاري من الصوان مفصولة بطبقات طفلية 8م. ... منحدر عمودي ومتواصل؛ الخط الناظم للتضاريس
طفل أصفر مائل إلى اخضرار 15-20م. فليس رملي أصفر ضعيف التماسك 5م.
رمل كوارتزي أبيض 2م.
طفل رمادي مائل إلى اصفرار يتناوب مع رفوف كلسية حثية حديدية 20م.
رف حثي مائل إلى حمرة 1م.
طفل أحمر، أصفر ورمادي مائل إلى خضرة 20م. ... طفل أصفر حثي بنسب متفاوتة 15م.
حث كوارتزي رمادي أصفر 2-3م.
طفل مبرقش ببقع وأماكن مائلة إلى حمرة حديدية وكذلك مائلة إلى اصفرار واخضرار.
طفل رمادي وأسمر 10م. ... حافة مشعبة ومغطاة بالمهيلات. أحياناً يكون الانحدار متواصلاً وفي الغالب متقطعاً. (1/40)
صفحة 41
في الأعلى بفعل قفاز أو قفازين ناتجين عن حجاري كلسية أو حثية مقاومة نسبياً.
الألبي 30م.
معالجة أولية لهذا الجدول تظهر التباساً في التفاصيل. فعلى امتداد كثافة ترابية تتراوح ما بين 150 و200 متر فقط نلحظ تنوعاً كبيراً في الأراضي ومن الوارد أن تتعاقب الصخور المختلفة على بعد أمتار كما أن تركيبتها لا يمكن أن تكون إلا نتاجاً للشروط التي توجد بها. لكن نلاحظ بصفة خاصة أنه رغم طابعها الأفقي المثير سنفاجأ بتركيبتها وهي تتغير من الغرب في اتجاه الشرق وأحياناً بسرعة كبيرة.
حرصت على إيراد المقطعين الموجودين بمنطقة يفرن لأنهما يشيران إلى تباينات مهمة على مستوى تعاقب الصخور ولو أنها حاصلة ما بين كيلومترين أو ثلاثة من المسافة الفاصلة بين بعضها البعض. نلاحظ أن التغيرات تطال بشكل خاص الحث والكلس الفليسي للسينوماني الأعلى وأن التباينات تشتد حدتها كلما اتجهنا صوب الشرق. التشابه شديد بين مقاطع نالوت وجادو أكثر منه بين جادو ويفرن رغم اقترابهما. وعلى الرغم من أن الكلس الطوروني الأدنى الذي يَهَبُ تقريباً في كل مكان الخط الناظم للتضاريس فإنه يفقد أهميته المركزية عند الاقتراب من يفرن فيصير أقل كثافة وأقل تجانساً ويعلوه مدق هام من أراضي الطوروني الأعلى. وأخيراً، فعوض أن يمتد تماماً فوق الكلس الفليسي في السينوماني الأدنى يختلط بهذه التشكيلة. زد على ذلك أن التباينات تشتد كلما اتجهنا صوب ككلة. فلقد أشار [زاكانيا] إلى رفين جبسيين في مجرى الشگارنة (الشقارنة)، نجدهما بقوة أكبر في مجرى وادي الشيخ قرب تاكبال ووادي عمور وبخاصة في الشمال الشرقي بتلال المنشار.
أما في تونس، فلقد سبق لـ [بيرفانكيير] أن أشار إلى تغيرات مماثلة على مستوى الواجهة التي من الوارد أن يكون لها تأثير محسوس على الأشكال الجزئية للتضاريس. (1/41)
صفحة 42
إذا ضربنا صفحاً عن التفاصيل وإذا نحن ركزنا على دراسة الأشكال بخاصة فإننا، لا مناص، سنفاجأ عند تفقدنا للجبل بالبساطة الهائلة للبنية والشكل الخارجي. فعلى امتداد 200كلم من جبل نفوسة - ولا أتحدث هنا عن امتداد الجبل صوب الغرب والشرق - لا نجد ما نسجله سوى تباينات قليلة الأهمية. وعندما ننزل أو نصعد واحداً تلو الآخر من الأودية الكثيرة جداً والتي تخترق "الساحل" فإننا نجن بكل مكان الصخور نفسها والنتوءات والأشكال العامة ذاتها. فقط، عندما نقترب من يفرن تثير انتباهنا تباينات نوعية و يمكن تسجيل الملاحظات الآتية (الرسم 2):
1- أهمية المنحدر الكلسي الطوروني ومقاومته والذي تتواصل نتوءاته على امتداد جبهة الحافة أو على امتداد الأودية وروافدها؛ 2- المقاومة المتغيرة والضعيفة على العموم التي تبديها الرفوف الكلسية الفليسية والفليسات الحثية والتي تعطي نتوءاً أو أكثر من نتوءٍ ذي أهمية ثانوية؛ 3- الحجم الهائل للطفل والطين المبرقش من صنف السيونامي الأدنى والألبي والذي لا يواجه التعرية إلا بمقاومة ضعيفة جداً (الصور 1/19/20/37).
(الرسم 2) مشهد عام لأقصى غرب جبل نفوسة
(مأخوذ انطلاقاً من الدهيبات باتجاه الجنوب الشرقي. المجرى الواطئ لوادي الدهيبات).
فلنلاحظ صلابة بلاطة الكلس من الصنف الطوروني الأدنى ودوره في حماية الأراضي السينومانية التابعة له. ما أن يزول حتى تفقد الأكمات الشاهدة القدرة على المقاومة. أحياناً يشكل السينوماني الأعلى نتوءاً بارزاً (على اليمين). (1/42)
صفحة 43
أما الكلس من صنف الطوروني الأدنى الذي نحتفظ له بالتسمية المناسبة المتمثلة في كلس نالوت والتي استعملها [زاكانيا] فهو كلس صلب وأحياناً بلوري ودولوميتي(1) (الصورة 3). وسواء كان رمادياً صافياً أو مائلاً إلى صفرة فهو مغطى عموماً بزنجار(2) أمغر أو أشقر جميل وتخترقه أحياناً مجاري غنية بفهر الصوان(3). يشكل جسماً شديد الكثافة ممتلئاً من الأسفل. أما التدرج فلا يظهر إلا بالأعلى. على أية حال، هكذا يظهر بخاصة جهة الغرب وبشكل أكثر خصوصية في منطقة نالوت. وعندما يتناوب جهة يفرن وككلة مع المجاري الطفلية فإنه يغدو حثياً وكثافته تتناقص كثيراً كما أن مقاومته تضعف بشكل واضح وجلي أن مقاومته التي هي في الواقع العنصر الأساس للتضاريس كما رأينا ذلك، هي ذرعها الحامي كذلك. وبصفته العائق الأقوى أمام التعرية فإنه يحمي الأراضي التي يغلفها ولا يتراجع إلا كتلة بكتلة تاركاً وراءه منحوتات ذات أشكال رومانسية. ولبيان أهميته، يكفي النظر إلى السرعة التي يتراجع بها عقاب (نتوء صخري) أو أكمة خالية من حمايته القوية أمام هجمات التعرية رغم بُطئِها الشديد الآن. وهذا ما يفسر لا محالة الغياب الشبه الكامل للأكمات الشاهدة. لا يختفي كلس نالوت على العموم إلا إثر تفتت الطبقات الطيعة التي يهيمن عليها فتنهار على شكل كتل تزن عدة أطنان، غير أن توسع الشقوق العمودية إثر تسلل المياه يمكن أيضاً أن تكون بفعل عوامل مناخية أو بفعل اشتغال جذور "البطّوم" التي تظل عالقة بمنحدر الجبل الذي من شأنه أن يسبب في انهيالات أقل أهمية. بعض هذه الأخيرة ترك ذكرى تاريخية. ويشهد عليها ذلك الذي
__________
(1) - [دولمي dolomitique]: صخر حجري مركب من كربونات الكلس والمغنيزيا. أشكاله عديدة، بعضها يصلح للبناء. الموسوعة رقم10695.
(2) - [patine] غشاء أوكسيدي مائل لللون الأخضر، يعرف في العامية بـ كمخ.
(3) - في المعجم يترجم هذا بالمصطلح بـ [rognon de silex عُقَيدة صوانية]. (1/43)
صفحة 44
حدث في عين تامگونت قرب جادو والذي نجح في إخفاء والتشويش على عين مهمة قبل ثلاثة قرون والتي لم تعاود الظهور إلا عند سافلة النهر.
وتشهد على ذلك أيضاً هذه الآثار التي لا زالت طرية والماثلة بالجرف في حين يغطي تدفق من المهيلات الجزء الأكبر من الجرف الطفلي. نلاحظ أيضاً انفصالات للكتل الضخمة عن كلس نالوت على مستوى الطفل الحامل له. أغرب مثال عن ذلك بلا شك هو مثال تينزغت في لحرابة حيث انفصلت كتلتان كلسيتان كبيرتان عن السطيحة وانتهتا بالاستقرار نسبياً لتحملا قرية على مدى قرون وثمة أمثلة أخرى أقل إثارة في أعماق العديد من مجاري الوديان.
قبل أن يختفي كلس نالوت نهائياً فإنه يتخذ شكل ذرى بأسنان منشارية أو حتى شكلاً لأعمدة. فالعقاب الممدود الحامل للبلدة الصغيرة طرميسا في فساطو يقدم صورة عن جؤجؤ (مقدم السفينة) مقبل على التدحرج نحو الهاوية. تشير القرى الوعرة كفاية والتي تجثم عليها القصور القديمة للأنگار في كاباو (شرقي وادي بورغوا) أو غزاية. قرب الحدود التونسية وقصور أخرى كثيرة التي رفعتها حصون عتيقة قوتها الأنقاص، أقول تشير تلك الذرى إلى أي حد يكون الكلس قادراً على المقاومة. عليها فقط تنطبق عبارات النومونكلاتورا (علم الاصطلاحات) التي هي نفسها تقريباً بكل مكان. تسمى العقابات "ئخف" أي الرأس أو "تينزرت" أي أنف. هكذا نجد "تينزرت نـ زرزور" بالشمال الشرقي لوادي علي في الرياينة أو "تينزرت نـ تاملّولت". الأكمة الشاهدة والنصف المعزولة في عقاب يفرن: الجبال المنفصلة بفعل عوامل التعرية تحمل اسم "گارا" على غرار "گارت أفنيا" و"گارت الرحالي" المشرئبتين بالتخوم التونسية. والجبال الهرمية هي عبارة عن رؤوس أو "طويل". هكذا نجد "طويل الدهبيات" حيث تمر الحدود والذي لا زال يحمل سنا كلسية طورونية آئلة إلى الانهيار. (1/44)
صفحة 45
الكلس والحث الفليسي للسينوماني الأعلى بما فيه ذاك الذي يدل على المرور إلى الطوروني يعطيان عموماً، فوق جرف يبلغ ارتفاعه حوالي 30 إلى 40م من كلس نالوت نتوء أو ثلاثة نتوءات صغيرة ثانوية. عددها ومكانها في الستراتيغرافيا(1) (التطبق) يتغيران تبعاً لتغير نوع الصخر الذي هو شديد التغير والتحول كما سبق ذكره. ومع ذلك وتقريباً بكل مكان بما في ذلك منطقة ككلة شريطة ألاّ تكون التعرية فجائية؛ فإن الجزء العلوي من الكلس الفليسي بـ السينوماني الأدنى يعطينا سطيحاً أو على الأقل انقطاعاً بارزاً في واجهة المقطع ككل. فهو مفصول عن كلس نالوت برف رقيق من الطفل الحثي الأصفر أو كلس فليسي هش يطبع مستوى هاماً من العيون ويشرف بتواتر على اللُّحْج الأعلى. كما أنه يحمل أحياناً قرى ومزروعات بكاملها سيما في جهة كاباو ولحرابة.
أما القفازات الصغيرة (نتوءات صخرية) فهي أقل انتظاماً وأكثر تغيراً فتكاد تكون بلا قيمة دالة علماً بأنها تشكلت بفعل المجاري الكلسية الصغيرة التي تخترق الكتلتان الطفلية الفلسية، والحثية السفلية. إذا كانت الحركة العامة للانحدار قوية فإن هذه القفازات تُلاحظ بالكاد أما خارج ذلك فإنها لا تعطينا سوى انقطاعاً أو انقطاعين في الانحدار بعلو متفاوت. غير أن هذه الرفوف يمكن أن تتكون تكوينات متغيرة حسب المكان، حيث تسمح لها بأن تقاوم عوامل التعرية.
__________
(1) - [الستراتيغرافيا stratigraphie] يسمى أيضاً، سِداكة: جزء من الحصلبة يبحث في الصخور المنضدة. الموسوعة رقم13369. (1/45)
صفحة 46
بالإمكان مشاهدة نتوءات صخرية سينومانية رقيقة جنوب الجوش وهي تتقدم باتجاه وادي جادو عند خروجه من الجبل. أحدهما يوجد شمال وادي بگيگلا ويضم أنقاض ثلاثة قصور متحدرة من عصور مختلفة والآخر ملتوٍ ويتقدم في السهل إلى الجنوب الشرقي لزعرارة (الصورة 4). إن موقع القريتين زعرارة ودجّي يقدم في هذا الاتجاه برهاناً دالاً. فهذان التجمعان السكنيان الصغيران شُيّدَا على علو مختلف قليلاً ومطابق لمستويين كلسيين تمكنا من مقاومة، ولو بصوعبة، لتعرية آتية من الشمال والجنوب. فرف دجّي الأقل مقاومة من الآخر مخترق جزئياً وتقع أعيننا فيه على بلاطات من الكلس الفليسي الهش كفاية وهي تتكسر كقطع من الشوكولاطة.
تحت هذه الرفوف ذات التركيبة المتغيرة تبدأ كتلة سميكة من الطفل والطين السينوماني الأدنى بألوان متنوعة وأحياناً حيوية كفاية: رمادية أو رمادية مائلة إلى اخضرار، صفراء، سمراء، حمراء أو خمرية. يضاف إليها طفل وحث رخو من الصنف الألبي والذي يتشكل منه قدم الجرف. هذه المجموعة كلها ذات السمك البالغ بضع مئات من الأمتار مهلهلة وقليلة التماسك. أما المجاري الطفلية الصغيرة التي تخترقها فهي رقيقة جداً وبالغة الهشاشة حتى تكون قادرة، فعلاً، على مقاومة التعرية وتجرفها كغيرها حركة السيلان.
زد على ذلك أن الحافة الناتجة عنها يعاد تغطيتها جزئياً بمهيلات الأراضي الأكثر مقاومة التي تشرف عليها وأيضاً من الأسفل تغطى بالحصى المتفاوتة في شكلها الدائري والتراب الوردي الذي حولته الأودية إلى امتطاح (تراب فائض). (1/46)
صفحة 47
يترتب عن هذا التحليل في كُلِيَتِهِ أن الجبل يتشكل من صخور ضعيفة القدرة على مقاومة تعرية عادية. فكتلة الأراضي الهشة أو القليلة المقاومة هي من السمك بحيث أن حركة المنافحة التي يبديها درع الكلس الطوروني لم تكن أبداً فعالة رغم مقاومتها الذاتية. ففي الوقت الذي يمكن فيها للتعرية أن تكون عادية وفي مناخ جاف فإن جبهة "الساحل" ستتراجع بالضرورة وبسرعة فائقة.
تلال الجبل والظهر : (الصورة 8، 9، 10) كان من الممكن أن تكون المساحة الكلسية لنالوت سبباً في تنامي مساحة بنيوية جميلة لو لم تكن تحمل كتلة مهمة من الأراضي الأخرى المنتمية إلى الصنف الطوروني الأعلى. في الواقع، لا تتطابق مساحة الجبل إلا في أمكنة محدودة جداً في الجوار المباشر للجرف مع مساحة الأرضية الكلسية المتينة، خارج هذا النطاق تتدرج طبقات كلسية فليسية متفاوتة بيضاء أو صفراء مفصولة عن بعضها بمجاري ذات سمك متغير قوامه طفل أو طين تكسوهما بالأغلب الأعم إشراقات لونية صفراء. بيّن [زاكانيا] أنه، وعلى الأقل بمنطقة نالوت، كان الكلس والفليس المكونين لربى "تسومت نـ نالوت" وروضته و" ولاد بوشيا" ينتميان أصلاً إلى الصنف السينوني وتمكن من متابعة الكلس البلوري الذي يتوجهما أو يعلوهما حتى غدامس والذي يعود إلى الحقبة الكامبانيانية.
من المؤكد تقريباً، سيما جهة الشرق، بأن الطبقات الكلسية العليا طينية كانت أم طفلية والتي يصطبغ بها كلس نالوت سواء في اتجاه كاباو أو لحرابة. وبخاصة اتجاه يفرن، أقول إن هذه الطبقات تعود إلى السينوني. (1/47)
صفحة 48
لا تتمخض عن هذا المركب من الأراضي المتنوعة، لكن المتدرجة في هيئة طبقات رقيقة بما فيه الكفاية، إلا أشكال دائرية سيما وأن كلس نالوت يمثل بالنسبة لعموم الأودية الصغيرة، مستوىً محلياً أساسياً مجاوراً جداً أو متاخماً. يتعلق الأمر بتعاقب متون ونتوءات نصف دائرية. وليس ثمة طبقة قادرة على المقاومة حتى تعطي مساحة متواصلة بل فقط قادرة على الحفاظ هنا على الطابع الأفقي لمتن وهناك على تضاريس الربى الهرمية الصغيرة على غرار تسومت (التوائم) كاباو.
غير أن هناك استثناءان بارزان، أولهما هذا الأفق الكلسي الكامباني الوارد قبل قليل والمتدرج لتوائم (تسومت) نالوت وتل الروضة و"لگارات" المتعاقبة نحو الجنوب في اتجاه سيناون. مرة أخرى، يتعلق الأمر هنا بـ "كويستا" صغيرة بأكمات شاهدة والتي قدر [زاكانيا] نسبة انحدارها بـ 1%. أما ميلان كلس نالوت فيبدو أقوى نسبياً(1).
على الضفة الأخرى للجبل أيضاً، في منطقة يفرن ككلة، يهيمن على الطبقات الرقيقة والمتناوبة للكلس الفليسي وقوامها طين وطفل متراكمين ذوا سمك يضاهي 100 متر فوق المساحة الكلسية لنالوت؛ أقول يهيمن جرف كلسي ثاني سينوني بكل تأكيد يعطي هنا وهناك أعمدة تناهز العشرة أمتار (صورة 35). وتطابق مساحته جزئياً مساحة الظهر علماً بأن هذه الأخيرة مغطاة نسبياً بأراضي كهلة وتنغمر برفق باتجاه الجنوب تحت مجموعة من التلال المستقيمة الشكل وسينونية أيضاً تفصل بينها أودية صغيرة واسعة. والمرتفعات الصغيرة لصفيت المنتصبة في جنوب القلعة على بعد 30 إلى 40 متر فوق آخر قفاز كلسي، ليست إلا شاهداً معروفاً على ذلك.
3- أشكال السطح
__________
(1) - يوجد كلس نالوت حوالي 300 متر تحت الأرض في غدامس التي يبلغ علوها على الأرض 360 م. أما في نالوت فإن سطح الكلس يوجد على بعد 600 م. و حيث أن المسافة بين نالوت و غدامس هي 250 كيلومتر فإن حركة انحدار الطبقات ستقدر بزهاء 2،3%. (1/48)
صفحة 49
تربة "الحمري" : كل الأراضي التي وصفناها للتو والأشكال المتولدة عنها تظهر دائماً تقريباً عارية. بل إن مساحة النتوءات الصخرية (العقابات) والظهر هي عارية تماماً باتجاه الغرب في حين تغطيها باتجاه الشرق صفائح سطحية. وعلى غرار الأسمال(1) لا تغطيها إلا جزئياً. والأهم من بينها هذه، التربة الوردية أو الحمراء الرملية جداً والخالية من هذا الدبال المومأ إليه سلفاً والتي نجدها على جميع مستويات العلو وفي كل الأراضي وتسمى: الحمري. هي معروفة جداً في منطقة طرابلس وفي الجنوب التونسي وتنتشر سواءٌ في السهل وفي الجبل، وفي الهضاب والأودية. تمثل وحدة صخرية لافتة للنظر، يتعلق الأمر بتربة متربة غير منضدة. بينت الدراسات الحاصلة في جبل ترهونة ومسلاتة(2) النسب المرتفعة جداً من الرمل الكوارتزي الدقيق إذ تتراوح ما بين 50 إلى 75% بل وتصل أحياناً إلى 90%. فالعناصر الدقيقة التي تقل عن نصف مليميتر هي المهيمنة في هاتين المنطقتين في حين أن نسبة الطين هي الأضعف أما الفقر الكلسي فهو معمم إذ لا تتجاوز نسبة الكلس 5 إلى 20%. دقة العناصر وغياب التنضيد (التراتب) وتنوع العلو الذي تتواجد به هذه التربة؛ تؤكد كلها مصدرها الريحي. زد على ذلك أن التحليل المجهري يبرهن أن هذه التربة في معظمها ذات أصل غريب. فهي تتكون من عناصر صوانية أساساً والتي لا يمكن أن يأتي الجزء الأصغر منها إلا من صخور الجبل أما العناصر الكبرى والضخمة، حيثما وجدت، فهي متحدرة بكل تأكيد من الأراضي التحتية.
__________
(1) - الأرض السهلة التراب// الأرض الواسعة.
(2) - يراجع: [فرانشيتي Franchetti]، ص108 و متلاها و ص155 و ما بعدها. (1/49)
صفحة 50
ما هي أهمية هذه التربة بجبل نفوسة؟ وكيف يتنوع توزيعها وتركيبتها؟ لا يسعنا إلا أن نندهش لغيابها الشبه الكامل في منطقة نالوت حيث الصخرة عارية دائماً. يحمل الغسيل الذي يتعرض له سطح الهضبة بفعل تساقطات شحيحة إلى سطح الأودية كمية صغيرة جداً من التربة يحتفظ بها جيداً بواسطة السدود العرضية المبنية بالأحجار الجافة. أما في الأودية فالأرض طفلية بشكل خاص والتربة وردية ونادرة علماً بأننا قريبون هنا من منطقة التغذية التي لا تنضب وأعني بها "الإرگ الشرقي الكبير". الرياح التي تهب أحيانا بقوة من الغرب ومن الجنوب الغربي خصوصاً عندما يتمركز الضغط الجوي على سرت تحتفظ في الهواء بكمية لافتة من المواد. غير أن المناخ هنا جاف جداً والغطاء النباتي هزيل للغاية وبالغة النذرة. فأصغر حبة رمل تعصف بها الرياح، إلا أن تجد بالصدفة عائقاً يتيح لها أن تتشكل في كثيب رملي. في المناطق المجاورة لنالوت، تقع أعيننا جهة الجنوب- الشرق على "الإرگ الصغير" لروضة "ولاد بوشيا" في وهدة خفيفة بدأت منذ الآن في التصحر.
غير أننا عندما نأخذ طريقنا صوب لحوامد باتجاه كاباو ثم لحرابة والرحيبات أي في اتجاه المناطق الأقل جفافاً، نلاحظ تزايد أهمية التربة الوردية. فهي متمركزة في البداية بالأودية والأودية الصغيرة العليا للجبل حيث تتراكم أساساً على السفح المقابل للشمال وهو جلي واضح من بلاد لحوامد وكاباو. في الظهر، قشرتها الخارجية رقيقة جداً حتى لنخال أنها لا تعد وأن ترش وتطلي السطح. (1/50)
صفحة 51
في الأودية، نجدها تملأ الأعماق كما تغطي السطيحات (التدرجات) وتكون عالقة بالنتوءات الصخرية (القفازات). تزداد أهميتها في منطقة لحرابة والرحيبات. غير أن سمكها لا يكون هائلاً إلا في هضبات فساطو- الرجبان والرياينة وصفيت بحيث أن تساقطات ضعيفة بوسعها توفير زراعة متواصلة على مساحات كبيرة من أشجار الزيتون والزرع. فضلاً عن أن هذه التربة تملأ الأودية الصغيرة في الظهر بل وحتى منابع الأودية الصغيرة الأخرى الكهلة والتى بدأت بالنزول في اتجاه الشمال. أما في الوديان فتزداد أهميتها وتشكل الجزء الأعظم من التراب، باتجاه يفرن وككلة، الذي يحتفظ به الدُرج العملاق الذي يحتوي المدرجات المزروعة. وإذا واصلنا المسير ناحية الشرق فسنشاهدها وهي تغلف معظم تضاريس غريان وترهونة.
هذه التربة السهلة الحراثة على الدوام لا يمكنها أن تغطي مع ذلك سوى الهضاب والسطيحات أو ملء الأودية الصغيرة. فبمجرد أن يتيح الانحدار للماء إمكانية السيلان فإن التربة إياها تنجرف ويعاود الصخر التحتي الظهور. هكذا نجد اللون الوردي لهضاب فساطو، الرياينة وصفيت يقابل بياض الطفل وكلس النتوءات الصخرية ورُبى الزنتان ويفرن. سنرى لاحقا الأهمية الفلاحية لتوزيع هذه الأرض.
يتوقف توزيعها وسمكها أساساً على المناخ والغطاء النباتي وبدرجة ثانية على التضاريس. لكن تركيبتها تتغير بخاصة تبعاً لطبيعة التضاريس.
تقوم النومونكلاتورا (علم الاصطلاحات) بتمييزات ضرورية. فعندما يكون الرمل صافياً، ورديا فاتحاً وبرتقالياً نسميه "رمل" (ئجدي بالأمازيغية). هو ناذر ويتراكم في شكل كثبان صغيرة وراء باقة زعتر أو قبالة عائق معين، مهلهل ودائماً في مهب الريح وتكوينه ريحي بالدرجة الأولى. (1/51)
صفحة 52
الأتربة الطينية على نحو خفيف والضعيفة جداً من حيث المواد الكلسية هي أتربة الحمري (و تسمى أيضاً في بعض الحالات تراب). تتشكل منها أرضاً قوامها عناصر أكثر دقة وكثافة مقارنة مع الكثبان الرملية وتخترقها بعض الصُفّاحَات من كربونات الجير. إذ تربة الحمري هي وحدها تقريباً التي تتشكل منها الأرض القابلة للزراعة بجبل نفوسة وتغطي مساحات كبيرة في نفوسة الشرقية (صور 9 و10).
تتفاوت نسب الطين، بشكل طبيعي، تبعاً للموقع الذي يوجد به. ففي الأعماق وفي الوديان بصفة خاصة، تتحدر التربة الوردية في جزئها الأعظم من الأرضية الرملية المحمولة من قبل المياه السائلة مما يجعلها نسبياً قوية ومتماسكة. غير أننا ناذراً ما نصل إلى هذه النوعية من التربة الطينية الكلسية نسبياً (طين بالعربية وتاغوري بالأمازيغية). في أغوار الوديان، تتكون التربة المائلة إلى الحمرة من عناصر متنافرة وهي: الرمل الذي تحمله الرياح أو الناجم أحياناً من تحلل الحث، عناصر أكثر دقة ورهافة متحدرة من جريان تربة الحمري والطين الآتي من الأراضي الصلصالية أو الطفلية. وهذه الكتلة الضعيفة المقاومة تختلط بأحجار متعددة المقاييس والأشكال بدءاً بالحِصِي الدائرية بفعل السيلان حتى الكتل ذات الزوايا الحادة للمهيلات (صورة 15). (1/52)
صفحة 53
لكن كيفما كانت تركيبة هذة التربة وكيفما كانت العناصر المختلطة بها فإن تحلل الصخر بعين المكان، وبخاصة صخر الأراضي الكلسية، ليس له إلا تأثير جزئي وثانوي. فهذه الأراضي الوردية أو الحمراء الفاتحة لا صلة تربطها بـ "التربة الوردية" بالبلاد الكلسية المتوسطية، (تربة قوية وحمراء فاقعة آتية من تحللات كلسية سيما في البلاد ذات التضْرِيسْ الصلصالي) والتي تشكل، على سبيل المثال، الجزء الأعظم من الأراضي القابلة للزراعة في الجهة الشمالية. يتعلق الأمر قبل كل شيء وعلى غرار الكثبان الرملية بتربة من أصل ريحي. ينبغي التفكير هنا في السفي. فعلماء الأرض الألمان الذين درسوه قارنوا تركيبته بسفي أوروبا الجليدية وأحياناً وجدوا له صلة قرابة مع السفي الصيني(1) إن أتربة وحث الصحراء هما بطبيعة الحال، وعلى غرار مثيليهما في صحاري آسيا الوسطى، منبع تغذية قوية لتشكل الأراضي الريحية. هذا مع العلم بأننا لاحظنا في منطقة طرابلس وجود تربة خشنة كفاية وكيف أن الأقل خشونة من بينها والأكثر رقة عليها أن تتجه نحو الشمال حيث تترسب إما في البحر المتوسط أو في أوربا الجنوبية.
__________
(1) - يراجع : [راثك Rathk] ص211-18؛ [ويتشل Wittscell] ص344/347 [م. بفالاتز] وبصدد مسألة السفي (Loess) عُد إلى الدراسة الحديثة لـ: [ب. مليشف V. Malycheff] بعنوان Le Loess في : Revue de géographie physique et de géologie dynamique 1929، وما بعدها ص147. (1/53)
صفحة 54
السفي الصيني أكثر رهافة من تربة الحمري التي يتعلق بها الأمر هنا. الشيء نفسه ينطبق على السفي الأوروبي كما يمكن دراسته على سبيل المثال في منطقة "الألزاس". بالنسبة للسفي، التربة الوردية خشنة جداً وصلصالية بدرجة أقل وقليلة التماسك وعموماً فهي فقيرة من حيث المواد الكلسية. ومن جهة أخرى، ليس للتعقدات الكلسية الشكل النمطي للأنابيب أو "للدمى". يقترح [م. بفالاتز] استبدال كلمة "سفي" بواحد من هذين التعبيرين "سفي رملي" أو تربة "شبيهة بالسفي".
ثمة مشكلة تسمية أو بعبارة أدق مشكلة اصطلاحية لا يستهان بها. صحيح أنه لا يمكن لنا تعميم كلمة "سفي"، ولو مصححاً بنعت، على كل الأراضي من أصل ريحي. فالسفي الرملي [م. بفالاتز] قريبُ جداً من رمل الكثبان الصحراوية الذي نعرف مدى دقته ورقته قياساً على السفي النمطي. لا شك أن ثمة تسميات وسيطة بين الكثيب الرملي والسفي. كيفما كان الترتيب المتبع هنا، يتعين إدراج التربة الوردية لمنطقة طرابلس في خانة أقرب ما تكون إلى الرمل منها إلى السفي. من الوارد تسميتها بالرمل السفوي إذا أكدت لنا دراسة دقيقة وتحاليل مدققة صلة قرابة بين هذه الأرض- التربة والسفي النمطي. (1/54)
صفحة 55
التربة "الطين" والدرع الجبسي – الكلسي : هي تربة قريبة، من حيث خصائصها الخارجية، من السفي لكنها صلصالية أكثر وغنية من حيث كاربونات الجير(1). يتعلق الأمر بتربة أكثر احمراراً وأكثر قوة من سابقتها، وكلسها يتمركز من خلال تعقدات متناثرة في صفاحة سطحية، أو حتى في إسمنت يشمل الكتلة كلها بنسب متفاوتة. هذه التربة ناذرة في نفوسة ومنتشرة في غريان سيما بالسهل حيث تخترقها رفوف كلسية متنوعة وغالباً ما تكون مغطاة بتربة وردية رملية. تتحدر جزئياً من تحلل المواد الكلسية والطفل التحتي، وغالباً ما يلعب السيلان دوراً مهماً في تشكلها خصوصاً على مستوى السهل. والراجح أن مصدر أغلب العناصر الرهيفة ريحي بالدرجة الأولى. وللعلم فإن الأهالي يطلقون تسمية "طين" على كل أنواع التربة الصلصالية أو بالأحرى الصلصالية نسبياً. الأرض الحمراء، صلصال وطفل السينوماني، الأتربة المتحدرة من تحلل الصخور البركانية في منطقة غريان؛ كل هذا يسمى عندهم "طين". فالاصطلاحية المحلية ليست دقيقة في هذه المسألة ولا يمكنها أن تكون علمية(2).
لمحنا تواً لتشكل الصفاحة الكلسية السطحية المعروفة جداً في كل البلاد الحارة والجافة. دورها ثانوي جداً في جبل نفوسة، أما دراستها فلن يضيف شيئاً جديداً لم يكن معروفاً فيما يخص تشكلها.
__________
(1) - يراجع: [فرانشيتي]، ص119 و 177 و ما بعدها.
(2) - يبدوا أنه قد غاب عن المؤلف أنه في اللغة الأمازيغية أسماء عديدة للتربة والتي منها: ئشال، ئجدي أزگاغ، ئجدي أملال، تارّيست، تاغوري، تمالفت، تافزّا، تاگرديت، رّهشت، ئمشم، سّافي، كاشكاش، ولگژّت. (1/55)
صفحة 56
لنسجل هنا بأن تشكلها السطحي لا يقبل في أحايين كثيرة أدنى جدل. غير أن ذلك لا يقضي بطبيعة الحال أن الأمر يتعلق بتواتر بتمليط عميق بهذا القدر أو ذاك. من جهة أولى، الصفاحة هي عموما جبسكلسية والكلس يتكون من الكاربونات وسلفات الجير. والتركيبة الكيميائية تتوقف إلى حد كبير على المناخ في حين أن الصفاحة تكون أكثر صلابة بقدر مايكون الكلس الموجود بالأراضي وافراً.
سنرى فيما بعد الدور الذي سيطّلع به هذا التشكل السطحي في علاقته بالشكل الخارجي للسطوح. لكن يتعين الإشارة في هذا المقام إلى أن التمليط قد يفيد في الوقت نفسه الأراضي ذات المصادر المتنوعة سواءً من خلال جعل المهيلات أكثر تماسكاً أو من خلال تغطية "الطين" الأحمر والطفل الأبيض للتوروني الأعلى بصفاحة واحدة. سطح الظهر "مملط" في جزئه الأكبر والصفاحة تغطي أراضي مختلفة رسوبية أو طميية وهي بالكاد مقنعة بقشرة وردية أو حمراء. وتساهم في إعطائها ببعض المناطق شكلاً يكاد يكون مستقيماً بالكامل. أما بعض المنخفضات الطفيفة والصغيرة التي يمكن أن نجدها هنا باتجاه الغرب فتعود إلى ظواهر محلية من التحلل السطحي وليس إلى ظواهر حقيقية كرستية (تضريس صلصالي). ويتم التعرف عليها من خلال أجمات العناب التي تدفع بجذورها عميقاً في التربة المحمولة من السيول. ومن الوارد أن تمكث المياه فيها إثر تساقطات مطرية غريزة وتشكل گارات صغيرة على غرار گارت الدياب إلى الجنوب الشرقي من كاباو.
إن أنماط التشكلات السطحية التي درسناها تواً ممثلة في التربة الرملية الريحية والصفاحة الكلسية هي الخواص المميزة للبلدان ذات المناخ الشبه المداري.
4- الوديان (1/56)
صفحة 57
رسم عام (حركة الخطوط) : كويستا الجبل محددة بالوديان المتجهة، عموماً، من الجنوب نحو الشمال. يتعلق الأمر إذن حسب النومونكلاتورا (علم الاصطلاحات) [دافيس Davis] بمضادات للميل في حين أن الوديان الصحراوية المقتفية لأثر انحدار الظهر والطبقات الجيولوجية هي مطابقات للميل. يعود التراجع عن جبهة الساحل إلى التعرية التي تعرضت لها الأنهار المضادة للميل وقد شجعها على ذلك مناخ جد رطب والقرب الشديد من مستوى البحر الأبيض المتوسط على حساب حركة جريان المياه المطابقة الميل والمتجهة من منطقة شبه صحراوية وصولاً إلى وهدة "إيرگ الكبير" أو، بعد قطع مسافة طويلة، إلى سرت. يتعلق الأمر بظاهرة مألوفة ومعروفة لدى الجميع في عموميتها.
لكن، وفي غياب خريطة طوبوغرافية(1)، يكفي التنقل في الأمكنة لملاحظة عدد من الوقائع الدالة على أن ما تعرضت له الوديان من حفر لم يكن حادثة بسيطة كما قد نعتقد للوهلة الأولى. فأخاديدها الملتوية بشكل غريب كما الاتجاه الزائغ لبعض أجزائها زد على ذلك هوية اتجاه الوديان الصحراوية والوديان المتدفقة باتجاه الجفارة؛ كل هذا يجعلنا نرجح أن انحفار الوديان المضادة للميل لم يتم بمحض الصدفة.
قد نتساءل في البداية إن لم يتم هذا الانحفار دفعة واحدة وإن لم يكن تزحزح الجرف من خلال صدوره نتاجاً لحركة جيولوجية دامت قرنا أو أكثر من قرن؟ في هذه الحالة، يمكننا أن نفترض بأن المجرى الحالي لمجموعة من الوديان إنما نتيجة - على الأقل جزئياً - لانخساف تعرضت له على الأرض وديان متكيفة مع ظروف أخرى مختلفة.
سنرى لاحقاً أن هذه الفرضية ليست ضرباً من عبث وتستحق في جميع الحالات أن تكون موضوعاً للدرس والتمعن.
__________
(1) - [طوبوغرافيا Topographie] تسمى أيضاً إراثة: هي رسم الموقع ووصف حالته الطبيعية أخصها الانحدارات. الموسوعة رقم783. (1/57)
صفحة 58
ببساطة أكثر، بوسعنا ملاحظة، - وإن بشكل ناذر - حوادث صغيرة محلية تخترق مؤقتاً الطابع الأفقي الجميل للأراضي. على مقربة من قرية تيركت، على سبيل المثال وفي منطقة لحوامد، نشاهد طبقات كلسية ترسم طيات صغيرة وتندعك بالضبط على الجنب الأيمن للوادي.
لا ينبغي أن نستثني إمكان وجود علاقة بين هذا الحادث الصغير والرسم المحلي للوادي. نميل أيضاً بشكل متواتر إلى تفسير الرسم المستقيم اللافت لبعض مجاري المياه بشروخات متعامدة بنسب متفاوتة في جهة "الساحل": ألا يتطابق، مثلاً، الانقطاع العميق لوادي زارات مع حادثة محلية؟
أخيراً، إذا كان من السهل معاينة كيف أن سطح الكلس الطوروني يرتفع بحوالي 100 متر من نالوت إلى غريان، فإنه من السهل أيضاً ملاحظة أن هذا الارتفاع ليس منتظماً انتظاماً كاملاً. ففي منطقة الحرابا تميل الطبقات ميلاً طفيفاً باتجاه الشرق، وهذا الانحدار الضئيل لابد أن تكون له عواقب على تشكل شبكة وادي جادو. وهذا الوادي ليس فقط أكبر وديان المنطقة قيد الدرس برمتها بل والوادي الذي يحفر في الجبل أعمق انقطاعاته. فغياب روافد على اليمين وطول الروافد على اليسار في وديان برساف، بگيگلا، وزرارت، أمر لا يمكن لأي عين ثاقبة ألا أن تنتبه إليه. فوادي زرارت الجاري بموازاة جرف الجبل والذي لا يبعد إلا بمسافة قصيرة جداً عن السهل، قد سبب تقطيعاً على مستوى الساحل بالمنطقة المعلقة فيها القريتين الصغيرتين : زرارت ودجّي - الواقعة فريدة من نوعهاً، لذا وجب ذكرها- . غير أن التأثيرات البنيوية لا يمكنها أن تكون إلا ثانوية إن لم تكن أصلاً، في بعض الحالات، محض تخيل. واضح للعيان وعلى الأرض بأن حركة الخطوط في أودية عديدة مضادة للميل تعيد إنتاج، لكن في الاتجاه المعاكس، حركة خطوط (تخطيط) لأودية صحراوية أسيرة. (1/58)
صفحة 59
غير أن هذه الواقعة ليست متواترة الحدوث إلا في المنطقة المجاورة من تونس. فالفروع العليا لوادي جادو ووادي برساف ووادي أم الگرب، والتي تتوغل إلى حدود 25 كلم داخل الكويستا، اقتفت لامحالة أثر أودية قديمة وكهلة آتية من روافد الغرب الصحراوي المسمى "بطّومت الشيخ". العلاقة ذاتها موجودة بين وادي الرجبان وواحد من الفروع العليا لوادي سوف الجين مابين الواديين بمنطقة ككلة ووادي واميس.
أسر ثم انخساف الفروع العليا للأودية المطابقة للميل هما أمران بديهيان في الغالب. بدونهما يستحيل تفسير الوجهة شمال- جنوب لثلة من رؤوس الأودية المتاخمة للجرف بل وأحياناً على عُقاب. يشهد على ذلك الجزء من عالية السيل الملتفة حول المجابرة والتي نشاهد نهشتها على جرف الشاطىء الصخري. و كذلك يشهد الرافد الأيمن لوادي طمژين الذي يعلوه قصر تملوشايت والذي يتجه في جزئه الأعظم صوب شمال- جنوب، زد على ذلك الوادي الصغير الموجود فوق عقاب تقشره باستمرار الأودية العميقة ليفرن والقلعة وينزل برفق في الاتجاه المعاكس ليلتقي بوادي الرومية. بوسعنا في يسر مضاعفة الأمثلة عن كُوع الأسْر هذا المصاحب لتعميق لافت للأودية الصغيرة. ومنه كوع أسر وادي المجابرة الأعلى المحيط بعقاب خربة الحوامد الذي هو مثال كلاسيكي في هذا الباب.
لا أرى فائدة في الاستطراد حول وقائع معروفة تطوراتها عند القاصي والداني، فضلاً عن أن نشر خارطة طبوغرافية سيمكن من الوقوف عندها بشكل مباشر. سنشرح لاحقاً الحالتان الملاحظتان للمنعطف المتعمق. أحدهما في وادي بگيگلا في بگّالا، والثاني في وادي القلعة بالقرية الحاملة للاسم نفسه. (1/59)
صفحة 60
المقطع الطولي : يبدو المقطع الطولي على امتداد مجاري المياه متماثلاً بشكل ملحوظ، منحنيان غير منتظمين ومقعرين باتجاه السماء يخترقهما انقطاع كبير بفعل الانحدار الناتج عن كلس نالوت. أما المعبر الكلسي لنالوت والذي يغلق السافلة ويحد على نحو ما، الوادي، فيقطع عموماً على امتداد مسافة تتراوح ما بين ثمانية إلى عشرة كيلومترات داخل "الساحل" وليس أقل من ذلك إلا لماماً. هذا مع العلم أن أم الگرب على وادي جادو الأعلى يبعد حوالي 25 كيلومتر باتجاه داخل الجبل. أما سافلة الوادي فهي عميقة دوماً ومحددة جيداً من الجهات الثلاث وبمقدورها تكوين وحدة حقيقية صغيرة بشرية واقتصادية.
في عالية الأودية الصغيرة، نلاحظ كيف أنها أقل عمقا لأن الطوروني الأدنى يكون مستوى محلياً للقاعدة، والمقطع الظهر فيه ليس دائماً منتظماً. فالمجاري التي هي تارة صلبة وتارة رخوة من صنف الطوروني الأعلى ليست سميكة ولا متنافرة كفاية لكي تعطي شيئاً مغايراً للفتات المحلي للمقطع الطولي. لكن يحدث أحياناً أن يكون رأس الوادي الصغير كهلاً بشكل خارق للعادة. سنعود إلى هذه المسألة فيما بعد. (1/60)
صفحة 61
يتجلى الإنخساف في كلس نالوت من خلال انحفار وادي صغير جد ضيق متخذا شكل V حادة. ينتهي الخانق دائماً تقريباً بسقطة عمودية. ذلك لأن الوادي لم يتوفر على القوة أو على الوقت الكافي لنجر العائق نجراً كاملاً، وتفتت الطبقات الرخوة التحتية بدوره يؤديان معاً إلى تراجع مهيلات اللّحْج. على مستوى قدم السقطة، يمكن أن نجد انحفاراً زائداً عن الحد في مجرى الوادي. هكذا نجد التجويف العميق الناتج عن تزوبع المياه محتلاً من قبل بركة مائية متناهية بالصغر أسفل الشلال. يتعلق الأمر بمشهد مائي بقدر ماهو هائل بقدر ماهو ناذر، نستمتع به سواء في أم الگرب أو في عالية وادي جادو وعين الزرگا على وادي ئگناون الأعلى. على المرآة الهادئة للماء ينعكس السديم المتوحش لمهيلات هائلة ناجمة عن تهدم الجرف الكلسي.
حتى تخوم السهل نجد المجرى الأبيض والحصوي للوادي وهو يتولى وسط مهيلات من كل نوع ناتجة عن تعرية طالت ركائز كلسية عديدة للجبل وعن كتلة صلصالية هائلة والتربة الوردية والتي يبدو أنها عاجزة عن جرفها. لم تعد ثمة أية انقطاعات انحدارية إلا عند اجتياز الكلس الفليسي أحياناً في السينوماني الأدنى. في كل مكان بما في ذلك السالفة، يظل الانحدار قوياً ويبدو التقعر المقطعي باتجاه السماء أقل عمقاً في الغالب.
بديهي ألا تكون الوديان الحالية قادرة، إلا لماماً، على تغيير مقطعها الطولي. فهي عاجزة تماماً عن جرف كتل الطمي والمهيلات المتراكمة بالأعماق. والأكثر بداهة من ذلك إقرارنا بأنه ليست هذه الوديان هي التي كانت قادرة في السابق على حفر وتوسيع الأودية الكبيرة التي لا تصب فيها الآن إلا لماماً.
لا يمكن أن تكون الأودية الحالية إلا نتاجاً لتعرية قوية جداً غير متطابقة مع المناخ السائد اليوم. يتعلق الأمر بأودية يافعة أوقف حركة نموها نظام شبه صحراوي أو سهبي فجعلها تشيخ قبل الأوان فصرنا أمام أودية يافعة ولكنها شائخة ! (1/61)
صفحة 62
ومع ذلك فالسيلان الحالي لا ينبغي إهماله. فحتى إن كانت الأودية لا تسيل إلا ناذراً، لكنها يمكن أن تكون عنيفة جداً. في العالية، نجدها تتعهد الأجزاء الأكثر يفاعة في المقطع بل هي قادرة على أن تجعل رؤوسها تتراجع لتندس في الأراضي القليلة المقاومة. أما الشلالات الناجمة عن المقطع العمودي للّحْج الطوروني فتجف معها الطفل التحتي وتسبب مهيلات ضخمة. في سافلة الأودية يمر معبر وسط كتل من التراب والحصى التي تسد الوادي وتنساب حتى البسيطة.
المقاطع المستعرضة : هكذا نجد اختلالاً حقيقياً بين قوة الأودية الحالية وعمقها كما أن هناك لا تكافؤاً بين طول الأودية وعرضها، سيما في اتجاه الغرب.
من نالوت إلى الحدود، تتخد هذه الأخيرة شكل صدفيات أو خلجان. فصدفيات وازّن وغزاية ونالوت، المكونة كل واحدة منها من واديين أو ثلاثة متلاقية، ذات عرض على ما يبدو مفرط. نندهش أيضاً لذلك التباين الحاصل بين الأعماق الممتلئة بكل أصناف الطمي؛ والسفوح التي هي في عز تطورها منحفرة ومغطاة بمهيلات متداعية عنفوان الشباب، ونضج في السفوح وهرم في الأعماق. فكيف يتأتى تفسير هذه المفارقة؟ (صورة 19).
فلا تفكك الصخور تحت تأثير الحرارة الشديدة والتغيرات الطارئة والحادة في درجتها ولا حتى حركة الجليد الناذر والشكلي بقادرين على تفسير عملية التشبيب والتراجع التي تتعرض لها السفوح. ولا يمكن أن يكون السبب الرئيسي إن لم نقل الوحيد في ذلك هو السيلان العنيف وهو ناذر على السفوح الطفلية والصلصالية المتيبسة وبلا مقاومة. فالمجاري الكلسية العديدة بما فيها كلس نالوت لا يمكنها أن تبقى لمدة طويلة مائلة عن سَمْت الرأس وتتداعى تدريجياً وتجرف مهيلاتها الضخمة بدورها أحياناً كتلاً صلصالية وطفلية مسببة انزلاقاً عاماً في التربة، الزراعة هي من النذرة والهزال بحيث أنها عاجزة تماماً عن إيقاف حركة الهبوط هذه. (1/62)
صفحة 63
تختفي أحياناً بشكل كامل أكوام الطفل الأفقية للسينوماني الأدنى تحت غلاف متواصل من المهيلات ذات الأحجام الضخمة المتفاوتة وما أن يستقر هذا الأخير ويحافظ على توازنه حتى تبدأ أسْمَنْتةٌ كلسية فتهبه تدريجياً تماسكاً ومظهر طبقة رسوبية مائلة بقوة (الرسم 3).
هذه الحافات هي عموماً من القوة كي تحافظ جزئياً على بقائها عندما يتقهقر الجرف. تدل التلال اللامتناظرة المحدبة للصدفيات على مكان أسفل السفوح المتعاقبة التي تقهقرت أمام زحف التعرية. أحياناً، نجد أن السفوح الحالية ذات المهيلات المؤسمنتة بنسب متفاوتة محفورة بدورها، وبداخل هذه الشعاب المحفورة يتكون غطاء جديد من المهيلات الذي سيتأسمنت تدريجياً بدوره من بعيد، تشبه هذه التلال اللامتناظرة المتجهة جبهتها صوب الجبل "طيات فلسية" تخترقها السيول على جوانب "جبل ملتو"(1).
__________
(1) - يراجع : [لارمينات Larminat] ص399-401. و قد فسر بطريقة مشابهة حركة تطور الأكمات التي فقدت قوتها من كلس نالوت. فقد تآكل مركزها بوتيرة أسرع مقارنة مع السفوح المحمية من لدن واقي من المهيلات المؤسمنتة. هذه التلال تسمى باللغة المحلية هاشم. (1/63)
صفحة 64
تحت تأثير عوامل التعرية وانجراف التربة، قد يظهر تراجع السفوح متسارعاً في إيقاعه والنتوءات الصخرية الضيقة كفاية كما لو كانت ستختفي بالسرعة نفسها. غير أن تشكل الصدفيات الواسعة كصدفية غزاية أو وازّن غير قابل للتفسير إلا إذا كانت شبكة ضيقة من الوديان الصغيرة المتلاقية المفصولة بنتوءات صخرية ضيقة أيضاً تهيء سلفاً المنطقة لتشكل على غرار حلبة. بالطريقة نفسها، يتعين تفسير ظاهرة تشكل "الخلجان" الواسعة المجوفة لكويستا الجنوب التونسي كلما توغلنا جهة الشرق إلا وتراجع تشكل هذه الحلبات بشكل لافت. فأودية منطقة كاباو حتى وادي شروس مستقيمة بما فيه الكفاية ولا توجد بها إلا قلة من أودية جانبية. بعدها نجد مناخاً أقل جفافاً والزراعة تضطلع بدور الحامي في حين أن المهيلات تغدو ناذرة أكثر فأكثر. غير أنه بكل نقطة من جبل نفوسة نجد عرض الأعماق أكثر كبراً قياساً على طول الوديان في حين أن مهيلات من ضخامة متفاوتة تفرش المنحدرات.
جبل نفوسة والجبل التونسي : ننزع بشكل طبيعي إلى النظر فيما وراء الحدود ومقارنة الأشكال المدروسة هنا مع الأشكال الأخرى التي عرفتنا بها أعمال كل من [لارمينات] و[بيرفانكيير] حول الجزء الجنوبي من "جبل دمر" على الأقل(1). التشابه يفرض نفسه على جميع المستويات: الأراضي هي هي، البنية ذاتها، الكويستا نفسها وهي تسقط بشكل طولي على السهل والأودية العميقة أيضاً متماثلة. لكن، من الأهم استخلاص التباينات، لنسجل، بدايةً، أن خط الجرف يأخذ، بعد وازّن والدهيبات، اتجاه S.S.E-N.N.O. وأن الظروف المناخية أكثر صحراوية من مثيلتها في نفوسة الغربية.
__________
(1) - يراجع: [لارمينات]، 28 و[بيرفانكيير]، 30 و أغض الطرف هنا عن التلال الجوراية (الجوراسية) المتنامية بشكل كبير في الجفارة التونسية. (1/64)
صفحة 65
غير أن انجراف التربة أكثر تقدماً في تونس منه بجهة طرابلس. فعدد من أودية الجفارة – وادي داهرصن، برگا، حاسي، عبد الناصر ورهار - تمكنت من اختراق الدرع الكلسي لنالوت وفتح معابر سهلة نسبياً لطرقاتٍ تصل الظهر بالسهل. فضلاً عن أن هذا الانجراف الأرضي قد مهدت له، بانتظام، الوديان الصحراوية ذاتها التي نالت، في أماكن مختلفة، من البلاطة الكلسية. وقد نحتت هنا وادياً صغيراً في شكل V كما أنها كانت سبباً خارج هذا المكان، لما طالت الأُس الطفلي، في ظهور وديان واسعة اتخذت شكل U. زد على ذلك أن ثمة عدداً مرتفعاً من الوديان "المقطوعة الرأس" بفعل عملية الأسر المعروفة في هذا الباب. ويلاحظ [لارمينات] بأننا نرى جيداً على الخريطة كيف أن وديان السهل تتطابق دائماً مع "خط سير وديان الظهر الكبيرة" هكذا تكون عملية تقطيع الجبل قد مهدت لها بل وبدأتها شبكة الوديان الصحراوية مما سهل بعد ذلك لأنجراف التربة بفعل سيول الجفارة التي انتزعت من أمكنتها أكمات شاهدة، كونها لا تصمد طويلاً أمام آثار الانجراف.
أخيراً، نلاحظ كيف أن الأودية التونسية هي عبارة عن "خلجان" أكثر اتساعاً من تلك التي نجدها قبل الوصول إلى الحدود. فقد تشكلت بسهولة كبيرة سيما وأن الوديان الصحراوية قد هيأت سلفاً عملية تقطيع "الساحل"(1).
__________
(1) - يشاهد كل هذا على الخرائط الجميلة 100000/1 الموجودة بالمصلحة الجغرافية للجيش. راجع بخاصة الأوراق CXXXII (ذهيبات)، CXXIII (بئر الطويلة) و CXV (عين زارات). (1/65)
صفحة 66
ليس بوسع المناخ لوحده تفسير التباينات الحاصلة بين جبل الجنوب الأقصى التونسي والجبل الطرابلسي. إن السبب الرئيسي إن لم يكن الوحيد هو التباين الحاصل في نسبة ميلان سطح الظهر. نالوت تعلو على الأرض ب 600 متر تليها سيناون ب 490 إلى 500 متر. وهي التي تفصلها عن الأولى مسافة 100 كيلومتر(1). القمم الأكثر ارتفاعاً بالجبل التونسي تقارب دائماً 600 متر. وعلى بعد 100 كلم إلى الخلف ينخفض العلو إلى 200 أو 300 متر. وقد تمكنت الأودية الصحراوية التونسية، يشجعها في ذلك انحدارها القوي، من تنظيف الظهر من الطبقات الضعيفة المقاومة التي تغطيه (وجود منعطفات "وادي بئر كبيرة" الحبيسة مؤشر على انطباع)، أزاحت أيضاً السطح الخارجي للكلس الطوروني الأدنى بل ونالت منه وأحياناً اخترقته.
تنطوي إذن الأودية التونسية المضادة للميل على هذه الإيجابية المزدوجة في علاقتها بمثيلاتها الطرابلسية. من جهة أولى، نجد أن عملها (أو طريقة اشتغالها) مهيأ بشكل أفضل(2)، ومن جهة ثانية، لا تجد أمامها سوى كتلة أقل من الأراضي لحفرها وتنظيفها بفضل حركة الانحدار القوية على مستوى "الظهر".
لنواصل المسير عسانا نجد تباينات أخرى.
5 - سطح الظهر والجبل
سطح الظهر : بالنسبة للساكنة المحلية، يبدأ الظهر من نهاية الأودية الفرعية للجبل. ثمة يبدأ، بالفعل سطح شاسع يهبط برفق شديد، نحو الجنوب. سطح رتيب عاري ومنتظم أحياناً انتظاماً يكاد يلامس الكمال في اتجاه الغرب، تجده ينخفض نحو الوهدة المنفرجة حيث غدامس و [فورت سينت Fort-saint] و"إيرگ الشرقي" يُكوِّنون العمق. شرق خط طول جادو، تجده يهبط باتجاه الأودية الصغيرة المنفرجة لسوف الجين وروافده التي تصب مياهها في سبخة تاورغا المتواجدة غرب سرت. تقبب طفيف يفصل إذن السفح عن سرت والوهدة الشاسعة لـ "إيرگ الشرقي".
__________
(1) - جهة الشرق، المنحدر بارز بشكل طفيف.
(2) - [لارمينات] ، 28، ص 396، الرسم التوضيحي، الشكل 14، ص 397 . (1/66)
صفحة 67
المظهر الخارجي للظهر ليس عينه بالضبط في كل مكان (الصورة 9 و10).
ففي منطقة نالوت، يظهر بصفته مجموعة من الوديان المسطحة واسعة جداً تفصل بينها هضاب مفلطحة للكومباني. خلف كاباو، لحرابة، والرحيبات، نجد قبالتنا خارطة مائلة قوامها انتظام ممل ولا تقع أعيننا على أي شيء آخر باتجاه الجنوب سوى تموجات لاتكاد تظهر. على العكس من ذلك، فالظهر دُمادِم قليلاً (شكله حَلَمِيّ) جنوب جادو ويفرن. تموجات خفيفة تلامس الصخر أو فقط الدرع الكلسي تتناوب مع الصدفيات الشديدة الاتساع والمنفرجة الحاملة لمياه الأمطار في اتجاه سوف الجين. أما الأودية فتكسوها أحياناً بالكامل كثافة معتبرة من التربة الوردية. بعيداً في اتجاه الجنوب يتراءى "ساحل" جديد مجزأ إلى أودية واسعة.
عموماً، هذا السطح من الظهر معقد. تشي صلابته في الغالب بأننا إزاء سطح بنيوي غير أن هذه الصلابة ليست سوى نتاج للتحجر الكلسي لسطح طميي. بالجملة، حركة انحداره أقل بدرجة طفيفة من مثيلاتها بالأراضي. يظهر بخاصة في هيأة سطح رَدْم تعلوه من بعيد تضاريس "سواحل" بالغة التفتت.
أما المناخ الذي كان سهوبياً بالأمس واليوم شبه صحراوي فقد شجع تراكم أراضي النقل النهري. والريحي منه بصفة خاصة. يمكن اقتفاء أثر سطح الظهر بعيداً باتجاه القبلة ما بين الهضبات التي تهيمن عليه في الجنوب الغربي. في S.S.E، يرتطم بتلال سينونية هائلة. نظرياً، من المفروض أن يتطابق حده الشمالي مع الجرف الجبلي لكنه لايصل إلا إلى هضبات جادو والرياينة. في الرياينة، فوق بلدات أهل العين، عرّى انجراف المضادات للميل قطعة مهمة من الظهر. فالتربة الوردية المائلة إلى حمرة والدرع الكلسي – وهما التشكيلتان الأساسيتان للظهر – زالا ومعهما الأس الطوروني الحامل لهما. (1/67)
صفحة 68
سطح الجبل : عموماً، نجد ما بين الظهر والجفارة سطح نتوءات صخرية سنسميها سطح الجبل وتتكون من عناصر عدة . فلنتفحص (الرسم 4) الذي يشخص رؤية عامة لجهة وادي شروس والهضبة الكبرى لتندميرة (في الأفق). على اليسار، يظهر من خلال رمزي ظI وظ ج سطح الظهر المائل قليلاً. أما السطح الأفقي لهضبة تندميرة وهو عنصر هام على مستوى سطح الجبل، فيوجد فوق الامتداد المتخيل للظهر ويكونان معا الزاوية الأكثر حدة ظI. ج. جII، على العكس وعلى مقربة منا يوجد سطح العقاب (أو النتوء الصخري) جI أسفل سطح الظهر ظI ذي الطبقات الرخوة (الطوروني الأعلى) التي تُشكل محلياً "ساحلاً" صغيراً ذا أشكال رخوة أيضاً. نحن هنا إزاء طريقتين في العبور أو الانتقال من سطح إلى آخر. فإما أن يتم الانتقال داخل الاستمرارية مع اختلاف زاوي طفيف أو من خلال انقطاع منحدري خفيف كفاية.
بديهي في الوضع الأول أننا لسنا إزاء سطح حقيقي بل إزاء خط ملتوي ناتج عن معاودة إلتقاء بين سفوح الأودية الصغيرة مع الأشكال المستديرة المعلقة فوق اللّحْج الكلسي ن-نI. هذا الذي يشكل مستوى قاعدياً محلياً متقارباً. ما يبدو واضحاً جلياً هنا نجده مجدداً في أماكن كثيرة حيث يتكون لدينا انطباع خاطىء عن سطح أسفل الظهر في حين أن الأمر لا يعدو أن يكون سطحاً دمادمياً مستديراً انحنى بفعل عوامل التعرية، في الحوامد، الحرابا والرحيبات باتجاه يفرن كذلك، تتمخض عن سطح النتوءات المنحنية تضاريس "ساحل" صغيرة متواصلة لكنها خفيفة دائماً كفاية قوامها مجاري كلسية صغيرة وطفلية من صنف الطوروني الأعلى والسينوني.
الوادي الأطول وهو وادي جادو الذي ينمي فروعه الرئسية بعيداً في اتجاه الجنوب، وهو بذلك يخفض سطح الجبل، الذي يظل مع ذلك أفقياً لكن يهيمن عليه "ساحل" شبه مستدير بشكل مبالغ فيه، بل إن أشكال هذا الأخير تكون حادة كفاية ناحية "تسومت زگراريت" المتواجدة خلف أم الگرب. (1/68)
صفحة 69
الأمور أقل وضوحاً كلما تعلق الأمر باستمرارية حقيقية، لكن مع اختلاف زاوي ضعيف، ما بين سطوح الظهر والجبل. غير أنه ها هنا أيضاً وفي معظم الحالات، لا وجود لسطح حقيقي بل فقط لمجموعة رُبَى مستديرة متساوية في الارتفاع ومتشكلة من سفوح أودية فرعية ذات أشكال لطيفة (صورة 15). وحيث أن المستوى الأساسي المحلي- اللّحْج الكلسي- ينحني في اتجاه الجنوب فإنه يترتب عن ذلك دائماً انحناء لمجمل خطوط تقاطع السفوح باتجاه الجنوب. على أية حال، نلاحظ بتواتر لافت ميلان سطح النتوءات باتجاه الجنوب، لكن، بما أن هذه النتوءات تزداد توسعاً على العموم من الشمال نحو الجنوب، فإن أهمية العمل الذي ينبغي إنجازه يعوض انخفاض المستوى القاعدي ويظل مركز الهضبة أفقياً تقريباً.
غير أن هذا الطابع الأفقي أو الشبه الأفقي غير ناتج دائماً عن تقاطع السفوح. ثمة سطوح حقيقية غير بنيوية ولا يمكنها أن تكون إلا شاهدة على سطح (أو أكثر من سطح؟) انجراف قديم. في جهة نالوت، تقع أعيننا على سطح يساوي الطوروني الأعلى ويمس سطح اللحج الكلسي (صورة 31). في منطقة الحرابا، وبخاصة على عقاب تندميرة وما بين بگيگلا وجريجن، نلاحظ أن السطح الكهل جداً والشبه أفقي مغطى بتربة حمراء صلصالية في معظمها تسميها الساكنة المحلية "طين". وقد رأينا أن هذه الأخيرة غنية بعناصر من أصل طميي (الصورة 8). ففي هذه التربة وتحت الذرع الكلسي الذي يغطيها نجد محفورات لأقدم مغارات وهي: خربة الشيخ عيسى، وخربة ماجر، غرب تندميرة، ومغارات جريجن شرق البلدة الحالية. (1/69)
صفحة 70
يضاف إلى ذلك أن فحصاً دقيقاً لرؤوس الأودية الصغيرة لا يسمح لنا بالقيام بخلاصات بسيطة. من المؤكد أن ثمة تقابلاً متواتراً تقريباً بين العضة النشطة لأودية الجفارة التي حفرت ولا زالت تصون رؤوس الأودية الصغرى المتخدة أحياناً شكل V من جهة، ووداعة أشكال الوديان الصحراوية المنفرجة من جهة أخرى. ومع ذلك من الصعوبة بمكان التمييز على الأرض بين خط تقسيم المياه، بل من الوارد خلط الأودية الصحراوية الصغيرة مع رؤوس مثيلاتها التابعة للجفارة.
في جهة نالوت، يستحيل أحياناً التمييز بينها إلا من خلال تباين كمية التربة الزراعية التي هي أقوى نسبياً على الدوام في الأودية الصغيرة للظهر. الشيء نفسه نجده جهة الشرق وبالضبط في منطقة تيركت وإذا توغلنا أكثر في الاتجاه ذاته. فعندما نقتفي أثر الطريق الصغيرة للظهر نندهش عندما نرى بأن رؤوس الأودية الصغيرة المنسابة من وادي طمژين هي بالكاد مختلفة عن مثيلاتها الصحراوية. فإذا كانت الأولى تُعري قليلاً الصخر فذلك ناتج أساساً عن المنحدر المضاد الذي تشكله الطبقات أكثر مما هو ناتج عن العضة الحية للانجراف الأرضي. أخيراً، على هضبة جادو، لوادي ئگناون الأعلى والأودية الصغيرة على اليسار والمتفرعة عن وادي الرجبان منحدر ملحوظ وجميعها كهلة بشكل خارق للعادة.
في جهة تيركت بالحوامد، على بعد بضع كيلومترات فقط من كوع الأسر العميق لوادي المجابرة الأعلى، بوسعنا، إعادة تشكيل العديد من عمليات الأسر القديمة للأودية الصحراوية من فعل أودية تابعة للجفارة والتي كانت تنساب في أودية فرعية منفرجة وكهلة بالقدر نفسه تقريباً. من الواضح جداً أن بعض الفروع العليا للأودية الأسيرة حافظت على منحدر غير محسوس لم تتمكن حملات تالية للتعرية من اختراقه. معنى ذلك أن عمليات الأسر تلك لم تحصل إلا على سطح كهل ولم تطل الموجة الأخيرة للتعرية الصاعدة للخط القديم لتقسيم المياه. (1/70)
صفحة 71
هذه الحالات المتعددة لا نجدها خارج تراب جادو. فمن المؤكد أن التعرية الحاصلة في عهود حديثة كانت أقوى ليس فقط بسبب الأمطار التي كانت دائماً غزيرة هنا بل أيضاً بفعل عمل نشط نسبياً لروافد وادي سوف الجين التابع للمستوى القاعدي للبحر المتوسط وهو معطى لا ينبغي نسيانه. غير أننا نجد هاهنا أيضاً مثالاً عن منعطفات حبيسة بعمق في وادي القلعة. يتعين التقريب بين المنعطفات الحبسية هذه ومثيلاتها في بگالا قرب بگيگلا. فهي على علو ضعيف جداً ما يجعلنا نستبعد أنها نتاج لاختراق من قبل أودية صحراوية قديمة ذات منعطفات وأسيرة المضادات للميل. لا يمكنها أن تكون بالتالي سوى نتاج لاختراق من قبل وديان متوسطية ذات انعطافات هائمة تشكلت في وادي قديم كهل.
من الممكن الطعن في صواب هذه الواقعة أو تلك من الوقائع التي نوردها هاهنا. إلا أنني أذكر بأنه في غياب خارطة ميدانية (طوبوغرافية) وفي غياب نقطة الإرتفاع من الصعب للغاية القيام بالمورفولوجيا (علم الأشكال). غير أن ثمة، فيما يبدو لي مجموعة من الحجج - أو مؤشرات بالأحرى- التي تقود إلى الخلاصة ذاتها وهي: توجد على سطح الجبل تعرية تقدر ب 600 متر. (1/71)
صفحة 72
صحيح أننا بحاجة إلى بحوث أخرى لتأكيد – أو تفنيد - ما أدافع عنه هاهنا. لكن الظاهر أن الدرجات الشاسعة المتنامية تحت وخلف غريان لها المصدر ذاته وواحدة منها بالضبط تتنامى لتصل إلى حوالي 600 متر من الإرتفاع. فالتربة الحمراء التي تخترقها رفوف مهمة من الصفاحات الكلسية هي في معظمها من أصل طميي. من جهة أخرى، ستتيح لنا جولة سريعة في أقصى شرق الجبل إمكانية الاعتراف والإقرار بأن تلال القصبة تشكل لوحدها منطقة ذات ارتفاع متطابق تقريباً على مستوى أسفل جبل ترهونة. أخيراً يجب البحث فيما إذا كانت التلال العديدة البارزة من السهل إلى شمال غريان لا تحمل حصي ملساء بنسب متفاوتة والحرص على التسجيل الدقيق عند الحاجة لمقادير العلو الحاصلة فيها. لا وجود له، على أية حال، في قبة العزيزية قرب [كاستيل دوبونو Castel de Bono] إذ شاهدت حصي بركانية دائرية ملساء على بعد 20 إلى 30 متر فوق مجرى وادي المجينين(1).
__________
(1) - للذكرى، فقط، نقول بأن الهضبة الصغيرة الواقعة جنوب الجوش يتراوح علوها ما بين 360 و 380م، هذا من جهة، من جهة أخرى، أشار [بيرفانكيير] منذ، مدة بخصوص تونس (30، ص409) إلى "حصي ملساء مستديرة ذوات زوايا ضعيفة و التي لا يبدو و أنها مجرد مهيلات لا غير" و ذلك على بعد خمسة أمتار فوق الهضبة على التلال الترياسية لجبل رحاش. (1/72)
صفحة 73
و كيفما كان الوضع المآلي للأبحاث حول هذا الموضوع فمن المؤكد أن تشكل "الساحل" الأكبر للجبل لم يكن سهلاً كما قد يبدو للوهلة الأولى. رأينا كيف أنه يتعين علينا قبل كل شيء الأخذ بالحسبان لدورتين مناخيتين على الأقل لأجل تفسير شكل الأودية. لكننا نتبين أيضاً أن انحفار الأودية الصغرى وبروز الكويستا لم يتحققا دفعة واحدة. لاشك أن ثمة تداخلاً بين الدورات المناخية ودورات التعرية التي كانت تتأثر بالتغيرات الحاصلة في المستوى القاعدي(1). لكن ليس بوسعنا إلا استشعار مدى تعقد هكذا تطور.
6 - مشكلة تشكل الجبل
نصل الآن إلى طرح مشكلة التشكل العام للجبلين الطرابلسي والتونسي. رأينا بأن الشكل الحالي لنفوسة يفسر، سواء في مجمله أو في تفاصيله، بانجراف "ساحل" بنية ذات طابع خاص نسبياً وبالأخذ في الحسبان لتغير مناخي قديم نسبياً كذلك. وقد توصل علماء الأرض والجغرافيون إلى الخلاصات ذاتها عند دراستهم للجنوب التونسي.
__________
(1) - لا ينبغي أن نندهش إذا لم نجد آثار في الوديان. فالسفوح ضعيفة المقاومة و جبهة "الساحل" تراجعت بسرعة كبيرة حتى يكون بمقدورها الاحتفاظ بأقل ذكرى عن هذه الأحداث. (1/73)
صفحة 74
غير أنه تم اقتراح حلول مختلفة فيما يتعلق بمنطقة طرابلس. افترضنا في الماضي أن الجرف الجبلي جرف انكساري. لكن لا شيء على مستوى الشكل العام يجيز هذه الفرضية فضلاً عن أن تواجد التلال (أو الأكمات) الشاهدة يناقض هكذا فرض. فالدراسة الجيولوجية للتلال الماقبل جبلية الممتدة، على عرض شاسع، من تونس بينت بوضوح استمرارية الآفاق وغياب الانكسارات. كما أن التلال الماقبل-غريانية تشير، فيما يبدو، إلى استمرارية دليل التطبق (ستراتيغرافية). غير أنه يتعين دراسة هذه التلال قبل الخلوص إلى أية نتيجة. وهنا يمكننا أن نفترض تواجد صخور بركانية في جهة غريان. فتواجدها سيجعل من تواجد الانكسارات أمراً بديهياً. عموما، لم يسبق أن شاهدنا هكذا انكسارات، وبالتالي فالفرضية إياها مجانية تماماً.
السيد [م. أهلمان M. Ahlman] وهو جغرافي سويدي يدافع عن الفرضية القائلة بوجود جرف ساحلي، وها هي مبرراته(1): "إن غياب وديان كبيرة بما فيه الكفاية يدفعنا إلى استبعاد فرضية التآكل النهري بصفته السبب الوحيد في وجود الجرف". ولأن التآكل الريحي لا يمكن، بدوره، أن يكون السبب، فالسيرورة التآكلية الوحيدة القادرة على إحداث هكذا جرف هي المتمثلة في البري البحري. كل الوقائع الطوبوغرافية تؤكد هذا الفرض ومنها: السطح الموحد للسهل، ارتفاعه البطيء انطلاقاً من الساحل حتى قدم الجرف، ووجهة هذا الأخير المنتصبة قبالة المتوسط وكذا عورة الجرف والأكمات الشاهدة على الأرض الموجودة قبالتها. بهذه الفرضية، سيكون سهلاً تفسير سعة مصبات الوديان القاضمة للجرف. فقد توسعت حتى صارت بمثابة جوينات ساحلية حقيقية بفضل البري البحري.
__________
(1) - يراجع : [م. أهلمان] ص11. (1/74)
صفحة 75
أعترف بأنني لست مقتنعاً بأية فرضية من هذه الفرضيات. فغياب الوديان الكبيرة يفسر، ببساطة، بالتراجع السريع لكويستا هشة على العموم لأنها لا تحتوي إلا على طبقة مقاومة رقيقة وواقعة بعلوٍ جد مرتفع. كما أن الجفارة، التي تبلغ درجة انحدارها 3%، كان من الممكن جداً أن تكون سهلاً لردم التراكمات السيْلية، الريحية والبحرية عوض سهل بري بحري. زد على ذلك أن هذا الأخير لا يتوافق أصلاً مع التلال الماقبل جبلية المتواجدة في منطقة تطاوين بتونس. أما وجهة الجرف فتفسر بتراجع كويستا تشكلت نتيجة انجراف قبة، وقد شرحنا سبب وعورتها وكذا وعورة الأكمات الشاهدة. أعتقد كذلك أنني شرحت بما فيه الكفاية أسباب توسع الأودية حتى لا نضطر إلى إرجاع ذلك لبري بحري مزعوم. على أية حال، فالسيد [أهلمان] لا يقدم شروحات حول الأسباب التي تجعلها واسعة في الغرب أكثر مما هي واسعة في الشرق. ولكي يفرض نظريته فقد اضطر تجويز فرضية الإرتفاع المفرط للجبل الطرابلسي، وهي ضرورية لتفسير كيف أن قاعدة الجرف اليوم هي على علو سائر نحو انخفاض كلما اتجهنا نحو الشرق. لكن يتعين البرهنة على ذلك. (1/75)
صفحة 76
يمكن الإشارة هنا إلى بروز الميوسيني(1) البحري بالقرب من الخمس وحضوره ضمن الزمن الرابع، في منطقتي طرابلس وبن گردان. لكن سيكون من الجسارة القيام بتعميم والقول بأن البحر الميوسيني طال حتى جنبات الجبل. فنحن لا نجد له رواسباً في أي مكان آخر إلا بالقرب من الساحل الحالي، لا نجدها لا في تونس ولا بجهة طرابلس. فهل من الوارد فعلاً أن يكون قد أخفته، في كل هذه الأماكن، مروحات انصباب؟ هذا احتمال ضعيف جداً ونحن نجده في أعماق بعض الآبار. أخيراً، فإن اعتبار الجرف الجبلي ومدخل الوديان نتاجاً للبحر الميوسيني القديم معناه عدم الأخذ في الحسبان بحداثة الأشكال الحالية.
الظاهر إذن، وبلا أدنى شك، بأن الجرف الجبلي التونسي والطرابلسي هو تضاريس "الساحل" الناتجة عن انجراف نهري، وقد مكنت دراسة سريعة للسيد [ويتشل] من الانتهاء إلى الخلاصة ذاتها(2).
__________
(1) - [الميوسيني Miocène] ويسمى أيضا ميساني : أحد عصور الحقبة الثالثة التي تعد أربعة. يقال أنه عصر ظهور القردة. الموسوعة رقم28203.
(2) - [ويتشل] ص27. (1/76)
صفحة 77
إذا كان ذلك كذلك فإننا في وضع يسمح لنا بإثارة مجموعة من الفرضيات حول أصل التعرية التي تعرضت لها القبة الشبهليجية الكبرى التي يوجد مركزها في عقر الجفارة. الراجح أن نشأة القبة تعود إلى الصدمة الارتدادية الناتجة عن تشكل أطلس الشمال الإفريقي، وطالت أصداءها جزءاً مهماً من سرت. سبق لـ [بيرفانكيير] أن افترض بأنها تتطابق مع حادثة هِرسينية(1) قديمة، والاكتشاف الأخير للبرمي(2) البحري في الجنوب التونسي يؤكد هذه الفرضية(3).
__________
(1) - [هرسينية Hercynien] : نعت تعريفي أو اسم يطلق على أقدم التغضينات التي حصلت في القشرة الأرضية وما نجم عنها من سلاسل جبلية. الموسوعة رقم31446.
(2) - [بِرمي Permien] نعت تعريفي يطلق على الحقبة الخامسة والاخيرة من الاباج القديم. فيقال العصر الربمي والاراضي البرمية. وكلمة برمي منسوبة الى بلدة "برم" الروسية الواقعة على نهر "كاما" الذي يصب في نهر "الفولغا"// تتميز هذه الفترة بانقراض الاسماك صفيحيات الجلود، وبكثرة الرخويات أخصها عضديات الأرجل، وبازدهار مستورات الزهر الوعائية وعريانات البذور. الموسوعة رقم3393.
(3) - [هـ. دوفيل H. Douvillé] [م.م سولينياك Solignac] et [ؤ. بركالف E. Berkallof] : Découverte du premier Marin au Djebel Tebaga (Extrême sud Tunisien). C.R. des séances de l’Acad. Des Séances، 1933، p 21. مؤخراً، الكتاب أنفسهم نشروا كتيباً بعنوان :
Le premier marin de l’Extrème sud tunisien، 1 vol. grand in-8 des Ms. Du service de la carte géol. De Tunisie، nv.série، n°1
يتعلق الأمر بجبل تباگا الذي يبعد مسافة 26 كلم عن أنو مدنين لا بالجبل المجانس المؤطر لشط فجج بالجنوب. (1/77)
صفحة 78
هل الانجراف النهري الوحيد الذي وقع على امتداد قرن أو أكثر هو الذي دفع تدريجياً بخط تفريق المياه إلى التراجع بعيداً عن التقبب؟ أو أن ثمة انكسارات دفعت بجزء معتبر من هذا التقبب إلى الاختفاء باتجاه الأعماق مخففة بذلك العمل الناتج عن التعرية؟ [بيرفانكيير] و[ويتشيل] يقولان بالإفتراض الأول في حين يدافع [راثينز Rathyens] و [بفلاتز]، بعد ملاحظات غير كافية في اعتقادي، عن الإفتراض الثاني. أما بالنسبة لـ [زاگانيا] فقد يكون الجزء الشمالي للقبة قد شق بفعل حركة البحر.
قد يكون أجدى، قبل مراكمة فرضيات جميلة تتجاوز على أية حال حدود هذه الدراسة- القيام بدراسة تفصيلية لجيولوجية الجبل الطرابلسي برمته وبخاصة جيولوجيا التلال الماقبل غريانية دون إغفال رُبى الجفارة. فالعلاقة بينهما لا يمكن أن تقوم إلا على تطبُّق دقيق جداً (ستراتيغرافيا). وسيكون لعلم دراسة الأشكال (المورفولوجيا) كلمته عندما تساعده في عمله الأساسي خرائط طبوغرافية، ذلك أن الانجراف الأرضي حصل، بكل تأكيد، على مراحل. وفي انتظار هكذا دراسات فإن الخلاصات المقترحة هنا ستتجاوز الملاحظات دائماً. (1/78)
صفحة 79
أيا كان مصدر جبل نفوسة وكيفما كان تشكله وتضاريسه "الساحلية" المتجهة صوب الشمال، قبالة التأثيرات البحرية فإن لمناخه ولزراعاته أهمية خاصة كما سيتضح لنا في الفصول اللاحقة. زد على ذلك أن التضاريس هي التي تهب لهذا البلد هيئته الخاصة ولسكانه خصوصياتهم كقاطني جبل (جباليون). فقد كيف هؤلاء اقتصادهم مع متطلبات مناخ قاس جداً وغالباً ما كيفوا زراعاتهم مع منحدرات قوية عملوا على تهيئتها حتى يستفيدوا أقصى استفادة من المياه المنسابة. في حين أنه، بأماكن أخرى، نجد أن توسع المزروعات على الهضبة يتطابق تماماً مع توسع تربة الحمري. وما كان لهم إلا أن يحاروا أمام العدد الوافر من الخيارات التي تهبها لهم النتوءات الضامرة وقمم نالوت الكلسية لأجل إقامة قراهم عالياً على عدد من المواقع الدفاعية.
إنها التضاريس، وإنه الجبل بالملاجئ التي يوفرها، هما الذين مكنوا أمازيغ نفوسة من المقاومة والمقاومة القوية.
الفصل الثاني: المناخ
1- خصائص عامة
تنتمي جهة طرابلس الشمالية إلى صنف المناخ المتوسطي- السهبي حسب التصنيف المناخي للسيد [م. دو مارتون M. de Martonne]. فهي تجمع في آن بين المناخ الصحراوي والمتوسطي. الأول: يغطي منطقة مترامية شبه مدارية وقارية تتميز بجفافها الكبير وتبايناتها الحرارية الهائلة، والثاني: بصفته حوضاً بحرياً حاملاً للأمطار والرطوبة يلطف من نسب الحرارة ويجذب طيلة الفصل البارد الضغوطات الجوية العابرة تواً للأطلسي الشمالي. من الاقتراب الشديد من هاتين الكتلتين؛ واحدة قارية والثانية بحرية يتولد عنهما عدم استقرار كبير وتغيرات فجائية في أحوال الجو. هو ذا، بلا شك، الطابع المهيمن على المناخ الطرابلسي. (1/79)
صفحة 80
زد على ذلك أن الجزء الشمالي من جهة طرابلس معروف أصلاً بقلة تساقطاته. نعرف بأن الرياح الشمالية الغربية سواء بالجزائر أو تونس هي الحاملة لأعلى نسب من التساقطات. والحال أن تونس تقف كحاجز بين الحوض الغربي للمتوسط وجهة طرابلس. تسبب المسافة التي تقطعها الضغوطات الجوية، من خلال الحركة الصاعدة للرياح، أمطاراً إعصارية مهمة جداً لعموم المغرب الكبير. غير أن هذه الضغوطات تتجه عموماً نحو الشمال؛ ما يجعلها دون تأثير، اللهم امتصاص الرياح الحامية والجافة للصحراء. في جهة طرابلس، يظل المضغاط على العموم مرتفعاً بشكل ميئوس منه. وحتى ينخفض، وبالتالي تمطر، يجب أن تمر الضغوطات بالقرب من الساحل عبر صقلية أو مالطة في اتجاه سرت أو غرب آسيا. لكن ما دام أن أغلب هذه الضغوطات تستقر لعدة أيام في غرب المتوسط فإن تلك التي تندس بعد صقيلية لا تعدو وأن تمر بسرعة والحال أن أغلبها في طريقها إلى الإنكباس وكثير منها سيختفي في سرت أو في الحدود الشرقية النائية لحوض المتوسط.
أخيراً، نشير إلى أن موجات حرارة الصيف كلها صحراوية. فدرجة الإرتفاع هي أصلاً منخفضة وخط العرض 32 الذي يمر من نفوسة الشرقية هو نفسه الذي يجاور، في اتجاه الغرب، غرداية في عقر بلاد المژاب. هذا من جهة، من جهة ثانية، نجد طرابلس الغرب مسيجة من الجهتين بالصحراء سواء في الغرب أو في الجنوب. ما يفسر كون الرياح التي تهب من هاتين الجهتين حارقة ومجففة. (1/80)
صفحة 81
غير أن تباينات جهوية معتبرة تبرز بالجهة الغربية لطرابلس. فالمناخ البحري لا يهم فيها سوى شريط ساحلي ضيق. ومباشرة خلفه تمتد السهوب المترامية الأطراف بل والشبه الصحراوية للجفارة والتي تخضع من أبريل إلى أكتوبر للتأثيرات الغربية خضوعاً كلياً. يدين الجبل الطرابلسي، وبخاصة جبل نفوسة، لتضاريسه وللشكل الذي عرض به، في طابعه المختلط وتعرضه، حتى أكثر من السهل الذي يعلو عليه، للتأثيرات الجيدة للمتوسط. زد على ذلك أن ارتفاعه يخفض بشكل ملموس درجة الحرارة فيه. لكن مباشرة خلف هذا المشهد تبدأ البلدان ذات المناخ الشبه صحراوي.
بفضل وجهة الجفارة وانكماشها أيضاً، يتوفر النصف الشرقي للجبل الطرابلسي، الذي يضم مرتفعات غريان، ترهونة ومسلاتة، على مناخ بحري زائد وتساقطات لا بأس بها وأكثر انتظاماً مقارنة مع الجبل الغربي أي نفوسة. فهذا الأخير سهوبي وقاري أكثر مما هو متوسطي.
من غريان إلى الحدود التونسية تزداد الجفارة اتساعاً وتغدو وجهة الجرف الجنوبية الغربية بالكاد إلى انقطاع وادي جادو، أقول تغدو شرقية غربية بشكل لا غبار عليه. نقترب أكثر من الحاجز التونسي السلبي جداً بالنسبة لنظام التساقطات في هذه الجهة. ففي الوقت الذي تبلغ فيه نسبة التساقطات السنوية بيفرن في نفوسة الشرقية 250 ملم فإنها لا تتعدى في نالوت، قلب المنطقة الشبه الصحراوية والقارية، في أحسن الحالات 124 ملم سنوياً.
2 - نظام الرياح(1)
__________
(1) - دراسة أنجزت اعتماداً على معالجة للمعطيات الواردة في الخرائط اليومية المتضمنة لأحوال الطقس للأعوام 1929، 1939، 1933 و(الأشهر الستة الأولى)، لعام 1935. وأنا مدين أيضا لإشارات مفيدة من لدن الدكتور [أ.فانتولي] بخصوص هذه النقطة. (1/81)
صفحة 82
في كل البلدان المتاخمة للمتوسط، تنقسم السنة إلى فصلين: فصل حار وجاف حيث يهيمن في كل مكان نظام الضغوطات العالية. وفصل بارد نسبيا ترتبط فيه تقلبات الجو والتساقطات بمرور ضغوطات جوية قادمة من الأطلس الشمالي.
الفصل الساخن : تخضع جهة طرابلس بالصيف منذ مايو إلى أكتوبر لنظام ضد إعصاري مستقر- فالجو هادئ وحار جداً. الساحل وحده ينعم ببعض البرودة المتسللة من نسيم البحر. غير أن هذا الأخير لا تصل نسائمه إلا لعمق يبعد بضع كيلومترات، أما الجفارة فحرارتها حارقة. غير أن نفوسة الشرقية وعلى غرار بقية الجبل الطرابلسي الشرقي يداعبه أحياناً هواء منعش آت من البحر وهو ما يحدث أيضاً في الغالب بيفرن وناذر الحدوث في جادو ولم يسبق أن سجل بنالوت المرتفعة عن مستوى الساحل بـ 150 كيلومتر.
غالباً ما تكون الحرارة المرتفعة جداً في المناطق الصحراوية وجنوب الجزائر سبباً في ضغوطات خفيفة جداً تجذب الرياح من الشمال نحو الشرق، ومن الشرق أثناء الربيع والصيف. وفي مايو ويونيو بإمكان هذه الرياح أن تحمل معها تساقطات إلى الجهة الساحلية؛ ومعها تحمل بعض الضباب إلى الجبل. في الصيف تطفو سحابات خفيفة تخفف من حرارة أشعة الشمس.
يحدث أيضاً أن يبعث المجال الإعصاري لصحاري سوريا والجزيرة العربية- والذي يشمل في الغالب الحدود الشرقية للمتوسط- امتداداً له باتجاه الغرب. هكذا تهب رياح شمالية وشمالية غربية يجذبها النتوء إلى مجال الضغوط المنخفضة على جهة طرابلس فتلطف نسبياً من حرارتها. وتستفيد منها نفوسة الشرقية أكثر من الغربية. غير أن القارة شديدة الحرارة على العموم كي يكون ممكنا حصول أدنى تكاثف. السحاب والرياح البحرية محببة هنا وبالقدر نفسه المثقلة به فترات الرياح الآتية من الجنوب والمسماة قبلي والتي عادة ما تكن في الربيع والصيف. (1/82)
صفحة 83
تهب الريح الساخنة جداً والحارقة أحياناً والجافة دوماً من الجنوب نحو الشرق بصفة خاصة، وكذلك من الجنوب نحو الغرب بل ومن الغرب أيضاً، كلما استقر ضغط جوي في المتوسط الغربي وتحرك باتجاه الشرق. لكن إذا كان الضغط بعيداً جداً وقليل العمق فلا أثر له على جهة طرابلس. أما إذا كان قريباً ويتوغل كثيراً في العمق فإنه يمتص بقوة أحياناً هواء الصحراء المفرط الحرارة.
كثيراً ما كانت هذه الرياح الصحراوية موضوعاً للوصف. ريح تهب بعنف ونَفَسُهَا الحارق وكذا الرمال والأتربة التي تحملها معاً وجفافها المبخر في الحال للعرق والمعذب للأغراس والمزروعات، وأخيراً تأثيره المنرفز على الإنسان والحيوان والمبالغ فيه على أية حال. لا فائدة من العودة إلى هذه النقطة. الأهم هو الوقوف عند الخصائص الفارقة نسبياً لهذا الريح في هذه المنطقة.
عندما تهب ريح القبلي، تفسر لنا هشاشة الأراضي بالظهر والقرب من "إيرگ الشرقي الكبير"، الكم الكبير واللافت من المواد التي تتركها الرياح العنيفة معلقة في الهواء. أما عندما تهب بضعف فالأتربة تظهر كسحابة خفيفة ومائلة إلى الصفرة. إذا كانت قوية يتطاير الرمل في كل الاتجاهات وقد تلفح أحياناً حباته الغليظة الوجوه. أما الرقيقة منها فتندفع باتجاه الشمال. غير أنها لا تبلغ أبداً درجة العنف التي تبلغها الرياح الشمالية والشمالية الغربية التي تهب أحياناً بالشتاء في شكل عواصف هوجاء ولو زعم خلاف ذلك.
ارتفاع الجبل يقيه من درجات الحرارة المرتفعة جداً. فهي لا تصل الدرجات المسجلة بالصحراء والجفارة حيث يهبط القبلي كـ "ريح الفون" ليرتفع المحر (المؤشر الحراري) إلى ما فوق °50 كل عام. ليس القبلي إذن حاراً بنفوسة بالقدر الذي هو عليه في الجهات المجاورة لها، غير أنه متواتر الحدوث لأن الصحراء تمتد نحو الغرب، كما تمتد نحو الجنوب وأسبابه كثيرة. (1/83)
صفحة 84
من المؤكد كقاعدة عامة أن القبلي يتولد عن ضغوطات المتوسط الغربي. غير أن هذه الريح يمكن أن تكون لها أسباب ثانوية في جهة طرابلس. أحياناً يكون عمق سرت مقراً لمضاد محلي للإعصار والذي غالباً ما لا يكون سوى نتوء للمضاد الإعصاري للآشور. وقد يكبت مؤقتاً هذه الضغوطات المرتفعة نسبياً. في جهة طرابلس الشرقية أو الوسطى تقدم المجال الإعصاري العربي-السوري. على يسار المضاد الإعصاري تهب إذن الريح في شكل عقارب ساعة من الجنوب نحو الجهة الغربية لطرابلس والجنوب التونسي وبالتالي يشطب القبلي نفوسة والجفارة التابعة لها.
من الوارد كذلك أن تهب رياح جنوبية وجنوبية غربية على جهة طرابلس عندما تكتسح ضغوطات صحراوية جنوب الجزائر. فضلاً عن ذلك، يمكن لهذه الوضعية أن تتعايش مع الوضعية التي سبق ذكرها.
قد تكون مدة القبلي إذن ناتجة أحياناً عن تعاقب وضعيات تؤثر في الاتجاه نفسه. وقد يهب القبلي طيلة أسبوع أو أسبوعين أو حتى قرابة ثلاثة أسابيع بشكل متواصل قريباً. وقد لا يهب إلا لبضع ساعات إذا تحرك بسرعة، على سبيل المثال ضغط آت من الصحراء الجزائرية، باتجاه الشرق مروراً بالقرب من الساحل.
الفصل البارد : يتميز الصيف باستقراره واستمراره حوالي خمسة أشهر ويتعارض بقوة مع التغيرات الجوية المتواترة والسريعة للأشهر السبعة المتبقية. غير أن الوضعية الجنوبية لجهة طرابلس تقصر من مدته بفضل تأثير الضغوطات المتمركزة كثيراً بالشمال. فهي تتعرض، بالأحرى لتأثير الضغوطات الصغيرة التي تمر بسرعة بالمتوسط الشرقي محدثة تغيرات طقسية خاطفة. هكذا تحل محل فترات من الأيام الجميلة، الهادئة والجافة أوقات تهب فيها رياح عنيفة وأحياناً تسقط فيها أمطار. لكن، بالنظر إلى الموقع الغربي جداً لجبل نفوسة لا تسود به سوى الرياح بلا أمطار. (1/84)
صفحة 85
عندما يتمركز ضغط بالقرب من صقلية أو غرب مالطة فإنه يمتص أول ما يمتص الرياح الجنوبية الشرقية ثم الجنوبية. وهذه الرياح القادمة من الصحراء شديدة البرودة في فصل الشتاء. وعندما يستقر الضغط الجوي بشرق مالطة في اتجاهه نحو سرت مثلاً فإن الرياح تدور أحياناً بسرعة مفاجئة باتجاه الغرب نفسه والشمال الغربي ثم نحو الشمال. لكن بينما يكون الساحل والنصف الشرقي للجبل الطرابلسي قد سقتهما الأمطار القادمة من الغرب ومن الشمال الغربي مدفوعة بالرياح الشمالية؛ فإن الجزء الغربي جداً من الجبل لا تسقط فيه من الأمطار أكثر مما قد يسقط بالجفارة التي يعلو عليها إذا لم يحدث ارتفاعه تكاثفاً كافيا لسقوط أمطار تضاريسية. على كل حال، ناذرة في هذا المكان الأمطار الإعصارية المميزة.
الأيام ... بغريان ... بيفرن ... بجادو ... بنالوت
يوم 10... ... 37 م/م 4 ... 12 م/م ... ؟ ... 5 م/م 5
يوم 11... ... 29 م/م 5 ... 40 م/م 4 ... 39 م/م ... 2 م/م 4
المجموع ... 66 م/م 9 ... 52 م/م 4 ... ؟ ... 9 م/م 7
هذا ما يفسر أن نسبة التساقطات تنخفض تدريجياً كلما اتجهنا من الشرق نحو الغرب. ها هنا مثال ملموس: من 8 إلى 11 يناير 1933. يتحرك ضغط جوي متمركز في جنوب إيطاليا باتجاه شرق مالطة ثم اتجه إلى عمق سرت حيث سَيتَكَبّس مثيراً في عموم جهة طرابلس رياحاً شمالية غربية فشمالية وأخيراً شمالية شرقية. فكانت كمية التساقطات المطرية المسجلة في الثامنة صباحاً كالآتي : (1/85)
صفحة 86
غريان هي المحطة الأولى التي استفادت من التساقطات. أما المحطات الأخرى فقد وصلتها التساقطات بشكل متأخر بفضل الرياح الشمالية والشمالية الشرقية أي أنها لم تحصل على تساقطات أوفر إلا في اليوم الثاني. أما نالوت فبالنظر إلى موقعها الغربي جداً فلم تسجل بها سوى 10 ميليمترات. عادة، لا تتجاوز التساقطات يفرن أو جادو في حين تحتفظ نالوت بسماء صافية(1). ينبغي أن يتبع الضغط الجوي مساراً خارقاً للعادة حتى تنال نالوت أولاً نصيباً من التساقطات من 14 إلى 18 مارس 1933، مر ضغط جوي قادم من الجزائر والجنوب التونسي بمحاذاة الجبل فهطلت بنالوت الأمطار الأولى. غير أن هذه الحالة ناذراً ما تحدث، فضلاً على أن المحطات الأخرى بالجبل، باستثناء جادو نالت من التساقطات في المجموع أكثر من نصيب نالوت منها.
بمقدور ضغط جوي بعيد جداً قد يكون متواجداً بشمال المتوسط الشرقي أو في عمق الأدرياتيكي أو حتى في أوروبا أن يجذب – إذا كان مجوفاً كفاية- رياحاً ليبية بالقطاع الجنوبي. أما إذا انتقل صوب البلقان أو بحر أسيا فبمقدوره امتصاص رياح غربية قابلة لأن تتحول إلى أمطار تسقي جهة الساحل لكن لا تسقي أبداً جبل نفوسة.
__________
(1) - هاكم مثال آخر من نفس النوع. إجتاز ضغط جوي يوما 13 و 14 يناير 1931 و تمركز وسط الجزائر العاصمة تمركز يوم 15 بمنطقة تمكوت. هكذا بدأت تهب رياح جنوبية شرقية ثم جنوبية باتجاه طرابلس يوم 16، طال الضغط الجوي مابين طرابلس ومالطة، ويوم 17 إبتعد باتجاه شرق المتوسط. فكانت التساقطات المسجلة في الثامنة صباحا كالآتي :
بغريان
بيفرن
بجادو
بنالوت
يوم 16
8 ملم 3
6 ملم
6 ملم 5
1 ملم 6
يوم 17
18 ملم 9
0 ملم
0 ملم
0 ملم
المجموع
27 ملم 2
6 ملم
6 ملم 5
1 ملم 6
نلاحظ هنا أيضاً أن كمية التساقطات أكثر أهمية في الشرق منه في الغرب وأنها دامت أطول. (1/86)
صفحة 87
أخيراً فإن سرت غالباً ما تكون مقراً لمجال إعصاري صغير، حتى أن أقل القليل من الضغوطات الجوية القوية كفاية على المغرب الكبير ستسبب اتجاهاً قوياً للرياح نحو الشمال لكن لن تمطر مع ذلك إلا ناذراً جداً.
يعرف فصل الشتاء كذلك في جهة طرابلس فترات طويلة من الضغوطات المرتفعة ومن الهدوء. بينما تعيش أوروبا بل المتوسط الشمالي اضطرابات بفعل مرور الضغوطات منها. الرياح ضعيفة جداً والجو جميل والبرد منعش على عموم الهضبة التي يبلغ ارتفاعها 600 إلى 800 متر.
و لا نسجل انقلاباً في درجات الحرارة إلا في فترات الهدوء التي تحدث في الشتاء. لم نقم للأسف بمعاينات في الأودية. لكن إن قمنا بمقارنة بين درجات حرارة الشتاء في جادو ومثيلاتها في الجوش الواقع أكثر باتجاه الغرب فإننا سنتبين أن محطة السهل (350 متر) تسود بها أحياناً درجات حرارية منخفضة انخفاضاً ملموسا مقارنة مع مثيلاتها في محطة الهضبة (660 متر). وهو ما حصل في نوفبر 1930.
خصائص الريح : إن الفترات التي يخضع فيها الجبل لنظام مضاد للإعصار، سواء شتاءً أو صيفاً، هي فترات هدوء جوي. لكن عندما تقترب أو تخترق الضغوط الجوية جهة طرابلس يكون التدرج الحراري قوياً جداً وكذلك رياح شمالية غربية. في حين أن الغربي وأحياناً الشمالي منه أيضاً، يهب في شكل عواصف. قد يتعلق الأمر بعواصف حقيقية مصحوبة بزوابع وتساقطات شديدة تنظف نفوسة عن آخرها. لا شيء يوقف الريح التي تهب على الهضبة دون أن يعترضها أدنى عائق مندفعة في اتجاه الوديان المتجهة صوب وجهتها في حين لا تطال الأخرى، وغالباً ما يغطي العام قمة الجرف. ولا تمر هذه الرياح العاصفة دون أن تلحق هي والرمال المتطايرة تلفاً بالصخور، غير أنها تلحق الضرر بشكل خاص بالزراعة من خلال إحداثها لتبخر قوي وطفرات حرارية متسارعة. (1/87)
صفحة 88
أخيراً، ثمة الإشارة إلى الريح المحلية التي لم تدرس بعد يمكن تسميتها "بريح الجبل". يتعلق الأمر بريح هوجاء جنوبية-شمالية تهب عادة في المساء بعد غروب الشمس وتظل أحياناً الليل كله في الوقت الذي يكون فيه يوم امس قد مر في هدوء كامل، في الصباح تتوقف بسرعة لتتولى الشمس عملية تسخين الجو، يتعلق الأمر بريح محلية جداً، إلا حاشية الجبل، والناتجة بطبيعة الحال عن التباين الحاصل في الحرارة وبالتالي في الضغط بين الهواء البارد والثقيل نسبياً في الهضبة، وذلك الدي يغطي السهل الأكثر انخفاضاً وحرارةً، هو إذن أقرب ما يكون إلى نسائم الجبل المعروفة في أوروبا. طبيعي أننا بحاجة ماسة إلى ملاحظة شتى الفصول، ومن ارتفاعات متفاوتة حتى نستخلص الخواص الفارقة لهذه الريح الجبلية التي لانحس بها إلا فترات من الهدوء الطقسي.
من الصعب تحديد الوجهة الغالبة للرياح ذلك أن المحطات تقع دائماً على حاشية الهضبة نفسها، فوق وادي يجري في اتجاه الرياح، هذا من جهة ومن جهة أخرى، من الوارد أن تنخدع الملاحظات الحاصلة في الصباح بريح الجبل. هاهنا تجد الوجهات المتوسطة المسجلة أثناء الفصول(1).
شتاء ... ربيع ... صيف ... خريف
نالوت ... So ... NNE ... NE ... ESE
جادو ... E.ENE ... N ... E.NE ... NE
يفرن ... O ... S ... S ... SSO
غريان ... O ... OSO ... N ... OSO
طبيعي تماماً أن تتعرض محطات معينة، وبخاصة جادو ويفرن، لتأثيرات محلية.
3- درجات الحرارة والأمطار
درجات الحرارة : نفهم كفاية ميكانيزم (طريقة استعاب) الطقس وأسباب الاضطرابات المناخية والجفاف السائد بجبل نفوسة. للأسف، إن الملاحظات الحاصلة حالياً هي حديثة جداً ومبتترة وبالتالي لا تسمح لنا بعقد مقارنات مثمرة سيما في منطقة تشهد تغيرات طقسية مفاجئة جداً. وعليه فالمعدلات التي يمكن الحصول عليها هاهنا لا تحمل دلالة كبيرة.
__________
(1) - يراجع : الدكتور [أ.فانتولي]، 32، ص 22. (1/88)
صفحة 89
بتفحصنا للأطلس المؤقت الذي طبعه الدكتور [فانتولي](1) يتبين أن جبل نفوسة يوجد بين خطي تساوي الحرارة السنوية 22 و23 درجة في يناير، اخترق خطا تساوي الحرارة 12 و10 درجة بشكل مائل هذه المنطقة من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي وأشار إلى انخفاض عام في درجة الحرارة باتجاه الغرب، بل إن جهة نالوت سجل فيها معدل يقل عن 10 درجة حرارية (و هو معدل يتقلص بطبيعة الحال على مستوى البحر). في يوليو يحدث العكس إذ يمر خط تساوي الحرارة 30 درجة بغريان وآخر ب 31 درجة ما بين جادو ويفرن وتصبح نالوت تقريباً على خط تساوي الحرارة 31.5 درجة.
يترتب عن ذلك أن التباينات الحرارية تزداد حدة ما بين الصيف والشتاء على مستوى نفوسة الغربية منها على مستوى نفوسة الشرقية والتي تبدو وهي على ذلك الحال أقل قارية. ودراسة البيانات اليومية لدرجات الحرارة يقر بهذه الخاصية.
سيكون القارئ فكرة عن درجات الحرارة باطلاعه على الجدول رفقته. لكن طيلة السنوات الخمس الممتدة من 1927 إلى 1931 لن نجد تباينات حرارية بين المحطات الأربع. على درجة كبيرة من الأهمية (غريان، نالوت، يفرن، وجادو) كما لن نجدها في الجدول المتضمن لآخر المعدلات المسجلة. يتعين القيام بملاحظات أكثر استفاضة وبفجوات أقل حتى نميز الفروقات الواقعية الدقيقة الموجودة بينها. وبعودة إلى الجداول اليومية على علاتها يتبين أن أيام الصيف التي يتجاوز فيها المحرار 40 درجة أكثر عدداً في نالوت منها بالمراكز الأخرى بالجبل لكنها أقل تواتراً من مثيلاتها في الجفارة والجوش على سبيل المثال.
درجات الحرارة من 1927 إلى 1931(2)
غريان
1927
1928
1929
1930
1931
الدرجة العليا
المعدل
- يناير
11°7
11°7
10°3
12°6
12°4
- يوليو
35°6
30°7
31°4
34°0
33°4
الدرجة الدنيا
المعدل
- يناير
2°2
3°7
4°3
__________
(1) - يراجع : [أ.فانتولي]، 32، ص3، 4، 5 و 9.
(2) - يراجع : [بوليتينوBolletino ] ، ص33 ، سنوات من 1927 إلى 1931 . (1/89)
صفحة 90
6°2
5°5
- يوليو
22°7
19°7
19°7
21°5
21°5
المدى الحراري
- يناير
9°5
8°0
6°0
6°4
6°9
- يوليو
21°9
13°2
11°7
12°5
11°9
المتوسط
- يناير
6°9
7°7
7°3
9°4
9°0
- يوليو
29°2
25°2
25°5
27°7
27°5
يفرن
1927
1928
1929
1930
1931
الدرجة العليا
المعدل
- يناير
11°7
11°0
9°9
?
?
- يوليو
36°2
36°4
34°4
36°0
35°7
الدرجة الدنيا
المعدل
- يناير
4°9
5°6
4°2
?
?
- يوليو
23°9
?
20°7
17°1
22°0
المدى الحراري
- يناير
6°8
5°4
5°7
?
?
- يوليو
12°3
?
13°3
16°5
13°7
المتوسط
- يناير
8°3
8°3
7°0
?
?
- يوليو
30°1
?
27°5
18°9
28°9
جادو
1927
1928
1929
1930
1931
الدرجة العليا
المعدل
- يناير
11°5
?
9°2
?
?
- يوليو
37°4
31°6
33°6
35°8
35°2
الدرجة الدنيا
المعدل
- يناير
4°4
?
3°5
7°0
4°4
- يوليو
26°3
?
?
19°1
21°1
المدى الحراري
- يناير
7°1
?
5°7
?
?
- يوليو
11°1
?
?
16°6
14°1
المتوسط
- يناير
7°9
?
6°4
?
?
- يوليو
31°9
?
?
27°5
28°2
نالوت
1927
1928
1929
1930
1931
الدرجة العليا
المعدل
- يناير
?
?
11°5
14°2
14°4
- يوليو
36°8
32°3
?
36°3
36°9
الدرجة الدنيا
المعدل
- يناير
?
3°2
-0°8
6°1
4°3
- يوليو
22°2
20°9
?
18°2
21°7
المدى الحراري
- يناير
?
?
12°3
8°1
10°1
- يوليو
14°6
12°3
?
18°2
15°8
المتوسط
- يناير
?
?
5°3
10°2
9°4
- يوليو
29°5
27°1
?
27°4
29°3
معدل التغير المناخي في يفرن جادو ونالوت.
الأشهر ... 1 ... 2 ... 3 ... 4 ... 5 ... 6 ... 7 ... 8 ... 9 ... 10 ... 11 ... 12 ... معدل
يفرن (إرتفاع 715)
أعلى ... 5°11 ... 4°12 ... 6°19 ... 7°25 ... 6°29 ... 7°34 ... 8°36 ... 0°36 ... 033 ... 2°27 ... 7°20 ... 5°14 ... 1°25
أدنى ... 8°4 ... 7°4 ... 3°8 ... 4°11 ... 1°15 ... 3°19 ... 8°21 ... 6°20 ... 11°9 ... 9°15 ... 9°10 ... 4°6 ... 2°13 (1/90)
صفحة 91
رطوبة ... 70 ... 70 ... 56 ... 50 ... 49 ... 42 ... 42 ... 42 ... 49 ... 55 ... 61 ... 67 ... 54,4
التغيُّم ... 5,0 ... 3,9 ... 4,2 ... 3,2 ... 2,7 ... 2,0 ... 0,6 ... 0,6 ... 1,9 ... 3,2 ... 3,8 ... 4,4 ... 3,0
مطر/ملم ... 79,3 ... 47,1 ... 36,9 ... 4,3 ... 2,1 ... 1,6 ... 0,0 ... 0,1 ... 4,9 ... 14,4 ... 27,7 ... 32,5 ... 251,9
أيام مطر ... 9 ... 6 ... 4 ... 1 ... 2 ... 1 ... 0 ... 0 ... 1 ... 2 ... 5 ... 6 ... 37
جادو (إرتفاع 659)
أعلى ... 9°10 ... 8°13 ... 6°19 ... 8°24 ... 5°28 ... 6°32 ... 7°34 ... 8°23 ... 7°30 ... 3°25 ... 7°19 ... 9°13 ... 0°24
أدنى ... 2°4 ... 8°4 ... 3°8 ... 0°11 ... 3°15 ... 3°19 ... 0°21 ... 4°19 ... 6°17 ... 6°13 ... 7°9 ... 8°5 ... 5°12
رطوبة ... 65 ... 64 ... 50 ... 50 ... 50 ... 42 ... 43 ... 43 ... 47 ... 51 ... 64 ... 67 ... 53
التغيُّم ... 5,0 ... 4,2 ... 4,2 ... 2,9 ... 3,4 ... 3,3 ... 1,5 ... 0,8 ... 2,4 ... 3,2 ... 4,6 ... 4,9 ... 3,35
مطر/ملم ... 77,4 ... 53,4 ... 26,6 ... 6,6 ... 5,2 ... 6,2 ... 0,0 ... 1,6 ... 10,5 ... 15,0 ... 15,4 ... 23,2 ... 241
أيام مطر ... 5 ... 4 ... 4 ... 1 ... 1 ... 1 ... 0 ... 0 ... 1 ... 2 ... 3 ... 3 ... 25
نالوت (إرتفاع 605)
أعلى ... 8°13 ... 9°14 ... 8°19 ... 5°24 ... 2°27 ... 5°33 ... 0°35 ... 1°34 ... 4°31 ... 9°25 ... 2°20 ... 7°14 ... 6°24
أدنى ... 7°3 ... 1°4 ... 5°8 ... 8°10 ... 3°14 ... 3°19 ... 4°20 ... 5°19 ... 6°18 ... 9°14 ... 9°9 ... 5°5 ... 6°12
رطوبة ... 66 ... 63 ... 49 ... 38 ... 43 ... 37 ... 34 ... 31 ... 38 ... 48 ... 52 ... 56 ... 46,2
التغيُّم ... 4,8 ... 3,7 ... 3,6 ... 2,8 ... 2,9 ... 2,7 ... 0,9 ... 0,9 ... 2,3 ... 2,7 ... 3,6 ... 3,6 ... 2,86 (1/91)
صفحة 92
مطر/ملم ... 36,0 ... 34,2 ... 21,5 ... 4,6 ... 3,2 ... 2,3 ... 0,8 ... 0,0 ... 3,6 ... 4,9 ... 6,5 ... 17,0 ... 124,6
أيام مطر ... 5 ... 4 ... 0 ... 1 ... 1 ... 1 ... 0 ... 0 ... 1 ... 1 ... 2 ... 3 ... 24
الدرجات العليا المطلقة هي بطبيعة الحال دائماً منخفضة بدرجات عديدة في الجبل منها في السهل. ففي 1930 مثلاً، يفرن الذي شهد أعلى درحات الحرارة المسجلة بالجبل ككل لم تتجاوز فيه الحرارة °44 في حين بلغت 1°50 في الجوش.
من المؤكد أن نالوت هي المحطة التي شهدت أكبر قدر من البرودة بالجبل. ففي الوقت الذي نزل فيه المحرار استثناء إلى ما تحت الصفر بيفرن وجادو فإن نالوت شهدت 19 يوماً من الجليد في يناير 1929 بدرجة دنيا وهي 6°3 يوم 17 من الشهر نفسه وأربعة أيام من الجليد على الأقل في يناير 1927. وسجل في يناير 1915 بعد تساقطات ثلجية غزيرة على الجبل °2 في يفرن و°5 في نالوت.
هكذا تتأكد بانتظام الخاصية القارية لنفوسة الغربية حيث تُحدث فيها التساقطات الضعيفة جداً جواً شبه صحراوي.
الأمطار : خريطة معدل التساقطات السنوية التي تجدها مرفقه حبلى بالمعلومات الدالة حتى ولو كان ضرورياً تصحيحها بمعطيات الجدول الثاني. فهي لا تشير فحسب إلى انقسام طرابلس الغربية إلى ثلاث مناطق : المنطقة الساحلية والجفارة والجبل بل تبين جيداً كيف تنخفص التساقطات من الشرق باتجاه الغرب وبصفة عامة في السهل كما في الجبل (الرسم 5). (1/92)
صفحة 93
نصيب الجفارة من التساقطات السنوية يقل عن 100 ملم. وبذلك فهي تندرج في هذا الذي أسماه [شوفاليي Chevalier] بـ "الصحراء الكاملة" التي تبدأ، بنظره، من خط التماطر هذا. بالرغم من ذلك لا زال لقربه من البحر بعض التأثير. بمقدورنا تسميته بمنطقة مقدمة الصحراء. الشيء نفسه ينطبق على الشريط الضيق جداً الذي لا تتجاوز فيه التساقطات 100 ملم، الواقع خلف الجبل والعابر بسرعة باتجاه "الصحراء الكاملة" المنطقة الضيقة للجبل محصورة إذن بين مقدمتين صحراويتين مع العلم أن نالوت وخصوصاً وازّن ليستا موزعتين بشكل أفضل على السهل. هنا وعلى غرار جبل الجنوب التونسي الأقصى يشمل المناخ الشبه الصحراوي عموم الجبل، والتباينات الوحيدة المسجلة تعزى إلى الدرجات الحرارية المتأثرة بالارتفاع.
يعم نفوسة برمتها معدل تساقطات سنوية لا يناهز إلا نادراً عتبة 250 ملم غير أن عموم نفوسة الغربية يشهد تساقطات تقل عن 150 ملم. والحال أن ما يزيد من حدة الجفاف التي تؤكدها هذه الأرقام هي الخاصية الطوفانية للأمطار. فالتربة الحروث حتى ولو هيئت جيداً عاجزة عن احتواء كل مياه الأمطار التي غالباً ما تكون في شكل وابل وتنساب بعيداً. يتعين التمكن من حساب المدة السنوية من التساقطات انطلاقاً من الساعات. فلا شك أننا سنحصل على مجموع منخفض بشكل لافت. وفي غياب هكذا تدقيقات المستحيل الحصول عليها تقريباً يمكن الإشارة على الأقل إلى عدد الأيام الممطرة على مدار السنة. ففي الوقت الذي تصل فيه إلى 40 حتى 50 يوماً بجبل غريان، ترهونة ومسلاتة وكذلك الجهة الساحلية، فإنها لا تتجاوز 37 يوماً بيفرن و25 بجادو و24 بنالوت وحوالي 15 يوماً بوازّن. (1/93)
صفحة 94
ونضيف أن هذه الأيام الماطرة على نذرتها تتوزع على فترة لا تتجاوز أبداً ستة أشهر وفي المتوسط أربعة أشهر ومن الممكن أن تنزل إلى ثلاثة أشهر أو شهرين. نادراً ما تنزل أمطار معتبرة على الجبل شهري ديسمبر ويناير فضلاً عن أنها تتمركز بالتواتر في مناطق بعينها ومن الوارد ألا تهم إلا جزءاً صغيراً من الجبل.
غير أن كل هذه الأرقام لا تعدو أن تكون معدلات. فما هي دلالاتها في بلد تتحول فيه القيم من البسيط إلى المضاعف ثلاث مرات وقد يعرف سنوات جيدة نسبياً وأخرى كارثية؟ لندع جانباً العبارة الشهيرة للبقرات السمان والبقرات العجاف فالبقر في هذا البلد يعد على رؤوس الأصابع ! هناك سنوات تأكل فيه الخرفان وأخرى تموت فيها جوعاً. سنوات فيها شعير وزيت وأخرى لا شيء فيها. سنوات يمكن فيها للساكن الأصلي أن يأكل حتى التخمة وأخرى ما عليه إلا أن يتحمل بؤساً فظيعاً. سقط من المطر بيفرن في ظرف 50 يوما عام 1925 404.3 ملم وفي ظرف 23 يوما عام 1927 لم يكن نصيبها منه سوى 134.4 ملم وجادو 337.2 ملم عام 1929 ولمدة 37 يوماً مقابل 100.4 ملم عام 1930 مدة 19 يوماً. أما نالوت فلم يسقط فيها من المطر إلا 73 ملم عام 1930 دامت 15 يوماً.
و مع ذلك، فانطلاقاً من فساطو أي من منطقة لا تتلقى من المطر سوى 24 سنتمتر سنوياً نجد أشجار زيتون كبيرة وجميلة تنمو بدون مياه جارية، وعلى امتداد مساحات شاسعة على الهضبة. ويعزى نصف المعجزة هذه، وهو ما سنعود إليه لاحقاً، إلى الهشاشة الكبيرة لتربة الحمري، وأيضاً، إلى السحب التي تظل عالقة بالجبل والتي نراها بجادو ويفرن حوالي 25 مرة في السنة. صحيح أن السحب تتبدد عموماً في اليوم نفسه، غير أن الاحتواء المباشر للرطوبة من قبل التربة المرملة أهم جداً مما نتصوره، ويوازي بضع عشرات من المليمترات المطرية. (1/94)
صفحة 95
من الوارد كذلك أن يكون للثلج مفعول ما – ولو نادراً – على رطوبة التربة. فنحن نعرف أنه غطى عموم الجبل عام 1915 وشوهد في جادو ويفرن في ديسمبر 1926 وفي جادو وحدها يوم 22 فبراير 1929 و20 فبراير 1930 لكنه ذاب في بضع ساعات ولم يتبق شيء من الطبقة البيضاء التي كانت تعطي مظهراً منفرداً للبلد.
أخيراً، ستؤكد ملاحظات كاملة وشاملة وممتدة على فترة طويلة، الانخفاض الكبير للرطوبة بالجبل مقارنة مع مثيلتها بالساحل، مقابل ارتفاعها البين على مثيلتها في الجفارة الداخلية وارتفاعاً أكبر على الموجودة في القبلى. فالمعدلات المعروفة في الجبل تشير بوضوح إلى تناقص في الرطوبة النسبية من الشرق باتجاه الغرب في نفوسة. علاوة على أن مؤشر القحولة المسجل. فحسب طريقة [مارتون] يؤكد على الطابع الشبه الصحراوي لنالوت (3.4) مقارنة مع جادو (4.8) ويفرن (8.9).
درجات حرارية منخفضة نسبياً جداً في الصيف، تساقطات معتبرة بالكاد، سحب متفرقة : هي ذي الخواص المناخية المميزة لنفوسة، السهوب الجذباء عن الجفارة الغربية والقبلى. فنفوسة مدينة لتضاريسها في عدم تحولها إلى صحراء قاحلة. غير أن الحرارة الطويلة والقوية، الإشماس الكبير لشمس صيفية أشعتها عمودية تقريباً في علاقتها بالسطح، شح المطر، وعدم انتظامه، وانحصاره في فترة قصيرة جداً؛ كل هذه العوامل تجعل من نفوسة سلفاً ملحقة صحراوية. (1/95)
صفحة 96
إن الهاجس المؤرق لساكنة هذه الجبال القاحلة هو الجفاف، ومشكلة الماء المترتبة عنه، ويمكن في بعض الأعوام أن يكون هذا الهاجس حقيقياً ومقلقاً للغاية. لا يخلو الجبل لا من العيون ولا من الآبار غير أن احتياطيها ضعيف. إذا لم تمطر تنضب الصهاريج ويتوقف جريان الماء على منحدرات الوديان، والسطيحات المرتبة فيها يصيبها جفاف شديد. أما الحبوب فلا تنمو، والأشجار تعاني الأمرين، والماشية تنفق. إن الزراعة الطبيعية تتأقلم مع كل الظروف المناخية. لكن، في غياب المطر لا وجود لا لقشة نبات ولا لورقة خضراء، بل فقط حطب للرعي. المناخ، الجفاف هو الذي يفرض على الناس التجمع حول مصادر الماء، وبالمقابل ترك ماشيتهم وقطعانهم تتيه بحثاً عشوائياً عن الكلأ.
كل حياة هؤلاء الرحل الصغار، قرويو نفوسة هي سعادتهم التي يجدونها في الأكل عند الإحساس بالجوع، وتعاستهم أي أفظع بؤس ممكن هو انتظارهم لعشرات من ميلمترات المطر الذي يتناقص يوماً بعد يوم، وتعرضهم لبضعة أيام من القبلي الذي يأتي على الأخضر واليابس من مزروعاتهم. في مثل هذه الظروف هامش مبادرة الإنسان ضيق جداً. فما سيعمل إذا لم تمطر لشهور وشهور وماشيته أمامه تنفق، والأشجار تهلك، والحبوب تجف؟... في هكذا أحوال، لا مناص من الإيمان بالقدر خيره وشره. فلقد تولى المناخ تعليم ساكنة هذا البلد العاق درس القضاء والقدر، حتى قبل نزول القرآن(1).
الفصل الثالث
المياه الجوفية والمياه الجارية
__________
(1) - عن قصد ، تركت جانبا المسألة الهامة المتعلقة بتغير المناخ والذي تولى دراسته بالنسبة لعموم شمال إفرقيا السيد : [گريباودي Gribaudi] ، [جزال Gsell]. يراجع أيضا بهذا الصدد : [نگرو Negro] Sul clima della Libia attraverso itempi storici. Mem.della Pontif Accad Nuovi Lincer،ser. p197 سنتناول التضاريس والنباتات في الفصول اللاحقة. (1/96)
صفحة 97
ترتبط جغرافية المياه في الجبل بشروط مناخية، جيولوجية ومورفولوجية (ما له صلة بالتشكل) كالتي أتينا عليها للتو.
نذرة وعدم انتظام التساقطات هما السبب الأول في الطابع العارض جداً للإنسياب، يضاعف سخي الأودية (أوسف بالأمازيغية) بيبوسة المنحدرات وبطبيعة تضاريس "الساحل" أيضاً. فهذه الأخيرة تضيق، بصفة خاصة، المنطقة التي تتغدى منها الأودية المضادة للميل(1) ذلك أن خط توزيع المياه السطحية متاخم للجرف. وحيث أن الطبقات الأرضية مائلة باتجاه الجنوب فإن نصيباً من المياه المتسربة- حتى قبل خط التوزيع- تنزع إلى الجريان في جوف الأرض منتحية ناحية الجنوب.
الجزء الأكبر من أراضي الجبل غير قابلة للإختراق المائي. غير أن كلس نالوت صخرة لا بأس بها في قدرتها على تخزين الماء، لأن الأراضي من صنف الطوروني الأعلى والسينوني التي تغطيها تمتص قدراً قليلاً من مياه المطر. لكن ثمة حالة تتسرب فيها كل المياه باتجاه الجنوب، وذلك حينما لا تقطع ثانية التعرية القوية لأودية الجفارة المستويات الهيدروستاتية(2) العديدة خالقة بذلك عددا لا بأس به من العيون (العين بالعربية ويستعمل أيضا في الأمازيغية ومعه تيط).
عموماً، ظروف الجغرافية المائية بالجبل جد سلبية. ففي حين ينساب القدر الأكبر من المياه المتسربة إلى سطح الجبل والظاهر أنسياباً بطيئاً نحو جوف الأرض باتجاه المناطق الجنوبية حيث تذهب بعيداً جداً لإرواء الآبار والعيون الفجارة، فإن معظم المياه الجارية تخترق كالإعصار الأودية العميقة والقصيرة في الجبل لتستقر وتتسرب على مستوى السهل.
1 – المياه الجوفية
__________
(1) - Obséquent
(2) - [الهيدروستاتيكا Hydrostatique] وتسمى أيضا الهدرسة : علم توازن الموائع وضغطها. الموسوعة رقم29736. (1/97)
صفحة 98
لا زال مستحيلاً معرفة المقدار المضبوط من مياه المطر "المتسرب" تحت الأرض. فصبيب العيون غير معروف بشكل دقيق، وسيكون ضرباً من وهم حساب مساحة حوض التغذية على خرائط غير كافية تماماً. زد على ذلك أنه يجب عدم إغفال أن خط توزيع المياه الجوفية لا يتطابق مع مثيله في المياه السطحية. لكننا متأكدون تماماً أن مقدار المياه المتسربة ضعيف.
لم يسمح غياب، أو بالأحرى السمك الصغير جداً للأراضي، وموقعها على أراضي قابلة عموماً للاختراق، بتشكل سديمة سطحية. يتعين التوغل في الظهر بل وحتى في القبلى لكي نعثر على آبار حفرت على غطاء غريني. ولا زالت هذه الآبار تتواجد عموماً في هذه المنخفضات الطويلة التي لا زالت هي أيضاً تحمل اسم الوادي علماً بأنه يمكن أن تمر سنة بكاملها دون أن تجري فيها قطرة واحدة. (1/98)
صفحة 99
المستويات المختلفة : تكشف العيون والآبار عن وجود أربع سديمات هيدروستاتية في كتلة الجبل(1). الأكثر ارتفاعاً من بينها في سلم التطبق (الستراتيغرافيا) تتماس مع الأرصفة الكلسية المنتمية للطوروني الأعلى والسينوني ذات طفل حثي متفاوت المقادير والأصفر في معظمه. لا نجدها إلا حيث هذه الطوابق سميكة والتساقطات كافية أيضاً بمعنى أنها محصورة في منطقتي يفرن وككلة. ويمكن أن تتميز العيون بالغزارة النسبية كعيون الرومية على سبيل المثال، غير أن نقطة ضعفها على العموم هو تأثرها الشديد بجفاف وقحط الصيف. تروي الخيوط المائية لهذا الطابق - ذلك أن الأمر لا يتعلق بسديمة حقيقية - العيون الأربعة الصغيرة لقصر القواليش وبئر خدمين في تخوم بلاد السباعيين وآبار وكذا عينا السوادنة وخصوصاً العينان الرئيسيتان للرومية. يفترض أن هاتين الأخيرتين ترويان ساكنة يفرن في العهد التركي، غير أن الأخطاء الحاصلة في بناء القناة وانخفاض الصبيب في الصيف كما تزايد استهلاك السكان دفعت بالإيطاليين إلى القيام بأعمال جديدة وإنشاء قناة تصريف بعيداً شيئاً ما باتجاه الغرب، هذه السديمة نفسها هي من كان وراء انبجاس العين الضعيفة للزرقان، وكذلك المجرى الجوفي الصغير اللذان تصل إليهما الآبار الثمانية للوادي الحامل للاسم نفسه. وغير بعيد عن هذا المكان، تروي هذه السديمة عيون الخلايفة. تذكرنا العين الأساسية في الخلايفة من خلال صبيبها بعين الرومية. فهي مصحوبة بعدة ابتراضات تجف في الصيف بل إن صبيبها في انخفاض متوسط خلال الصيف، وهذا لا يعدو إلا أن السديمة التي ترويها تتأثر بالجفاف فحسب، بل ولأن رعاة المنطقة الذين يتجمعون في الصيف مع قطعانهم بالقرب من الآبار
__________
(1) - استقينا الوثائق الخاصة بهذا الفصل منElenco ، لـ [فانتولي] ومن ملاحظاتي الميدانية، يراجع [زاكانيا]، 19 و[كروما Crema]، 41 وبخاصة [فانتولي]، 40 الذين يعطون كذلك جملة مؤشرات بهذا الخصوص. (1/99)
صفحة 100
الخمسة عشر الصغيرة في العوينية الواقعة على بعد بضع كيلومترات من أعلى النهر، هؤلاء الرعاة يغترفون منها كميات كبيرة من الماء يومياً.
من المفروض أن تصل الآبار المتفرقة على هضاب يفرن وككلة إلى هذه السديمة نفسها. يتعين الإشارة هنا إلى أن آبار جبل نفوسة وحدها هي الواقعة في الجزء الأعلى للهضبة. خارج ذلك، تجدها محفورة في أعماق الأودية وموقعها هو نفسه موقع العيون.
الطبقة المائية الوحيدة بالجبل، تلك التي يكشف عنها العدد الكبير من العيون والآبار، يرويها كلس نالوت. فهي في تماس مع هذه الصخرة والمجرى الرهيف للطفل الأصفر الحثي أو الجبسي والذي قد تعلوه أحياناً. بحكم توسعه حتى متاخمة السطح وبحكم سمكه اللافت أيضاً، بمقدور كلس نالوت ادخار كميات من المياه تفوق ما تقدر عليه أراضي أخرى، هذا علماً بأنه غير معروف بقابليته للإختراق. فهو سميك على مستوى القاعدة وقليل الشروخ. أما سطحه فعندما يكون عارياً فلن تجد به أشكالاً كارستية والمغارات التي يمكن أن نراها فيه سطحية تماماً. غير أن الدور الذي يضطلع به في جبل نفوسة هو هو في كل أرجائه. (1/100)
صفحة 101
على قاعدته تنحبس عيون عين غزاية- العيون الأخيرة قبل الوصول إلى الحدود التونسية- والعيون الأساسية لمجموعة نالوت وبصفة خاصة عين تاغليس وعين تالا اللذان يعطيان إثنا عشرة لترا في الدقيقة بالنسبة للأول و3 لترات بالنسبة للثاني وأخيراً بئران مجاوران يساهمان في إرواء مركز نالوت. على بعد بضع كيلومترات باتجاه الشرق ترشح العيون الثماني الصغيرة لوادي تيركت والتي لا تدل عليها سوى بضع باقات نخيل. أما قرية تيركت فيرويها "عينان" : واحدة تعطي 12م³ في اليوم وغير بعيد ثلاثة عيون أخرى تعلوها الخربة تعطي 10م³ في المعدل العام. آبار كاباو والعيون الصغرى وكذا الآبار المتاخمة للبلدات المنهارة لوادي الشيخ فلها كلها المستوى نفسه. الشيء نفسه يقال عن معظم آبار الحرابا وبخاصة عدد من آبار وادي بگيگلا والعيون الصغرى بالمنطقة التي تصب ستة إلى إثنا عشرة لتراً في الدقيقة.
في عمق وادي جادو، يتراءى لنا تمد أم الگرب عبارة عن بركة صغيرة تملأ حفرة عملاقة كلسية تقريباً يؤطرها بشكل محايث جداً جرف كلسي عمودي من الصنف الطوروني (الصورة 3). مستواها ثابت ويؤكد السكان هنا أن عمقها يناهز العشرين متراً وأن ماءها ينبجس من الأغوار.
لكن، وحيث أنها في تماس مع الكلس والطفل فلا شك أن روافدها ستكون بالضرورة جانبية سواء على مستوى السطح أو باتجاه الأسفل قليلاً. وعندما تمطر، تتكدر مياهها ذات الزرقة القاتمة الجميلة بأكوام طمي وحصي الوادي وقد تسقط فيها لساعات في شكل شلال.
كل عيون بلاد الرحيبات تقريباً. خصوصاً العينان التوأماتان الصغرى بولاد بوجديد (أو الندوة) والقطعا والتي تعطي الأولى منهما 25 لتراً في الدقيقة والثانية 50 لتراً وكذا عين الحاسي أسفل ونزيريف ذات الأربعين لتراً صبيباً وعين وأربعة آبار السلامات؛ كلها متشكلة في أساسها من كلس نالوت. (1/101)
صفحة 102
في دائرة فساطو، العين الزرگا هي عبارة عن تمد شبيه بأم الگرب وتقع في قمة وادي ئگناون (الصورة 11). لكن قلما تعطينا الابتراضات الصغيرة للطفل الأصفر مجتمعة ما يربو عن صبيب يقدر ب 15 لتراً في الدقيقة. على بعد 15 كيلومتر تقريباً باتجاه الشمال تنهال مياه عين تموگت في شكل شلال وهي اليوم بقنوات تصريف وتضخ منها كميات كبيرة لإرواء مركز جادو. صبيبها مهم نسبياً إذ يصل إلى 180 لتراً في الدقيقة. معظم آبار إقليم جادو تنهل من السديمة نفسها، كما هو حال الآبار المهمة لـ مزّو، وإينر، وجيطال، وويفات، والآبار السبعة حيث ينهل أناس تمزدة ورگرگ وكل الآبار الأخرى الموجودة أسفل قرى الرجبان.
باتجاه الشرق، يفقد هذا المستوى أهميته. فلن نجد في أحسن الحالات سوى عين مسالاكين عند آل الزنتان (5 لتر في الدقيقة) وثلة آبار عند آل الرياينة، وباتجاه يفرن وككلة، نجد أن عيون هذا الطابق ثانوية علماً بأنه من هذه الآبار الستة المحفورة في عمق الوادي التي شحها كلس نالوت للتو، ينهل أغلب ساكنة القلعة وعين گييو كما أن آباراً قليلة جداً تتزود من هذا المستوى.
في الأسفل القريب لهذا المستوى المائي الهام الذي يعتبر وجوده أساسياً بالنسبة لحياة الجبل يتواجد خط ثاني من العيون المتماسة مع الكلس الفليسي في الطوروني والأراضي المتغيرة- كلس طفلي- رملي أو طفلي حثي بنسب متفاوتة- الموجودة فوق.
الحق أن هذا المستوى هو أحياناً صعب التمييز عن سابقه الذي لا يقع سوى على بعد 15 أو 20 متراً باتجاه الأعلى. وحيث أن الأودية والآبار تتواجد في أعماق عقيق شديد الانحدار فمن الصعب معرفة ما إذا كان مصدر الماء الراشح من وسط الحصي والمهيلات هو هذا الطابق أو ذاك. من جهة ثانية، نجد أن هذا الطابق يكمل بطبيعة الحال الأول ذلك أن المجاري الطفلية التي تحمل كلس نالوت ليس لها دائماً المساكة الكبيرة ذاتها. (1/102)
صفحة 103
العديد من مجموعات العيون تشترك أو يبدو أنها تشترك في الطابقين معاً. ففي حين تنبجس بعين غزايا العيون الثلاثة الكبرى تحت كلس نالوت فإن الرابعة حيث تورد البهائم تبدو أكثر تغلغلاً من السديمة الثانية. في نالوت، تنشأ عين لتل (عين تاماريس) والعين التي يعلوها النالوتي تحت الكلس الفليسي بينما العيون الثلاثة الأكثر أهمية آتية من الكلس الطوروني. أما عين جادو عند آل الزنتان ولاد خليفة فهي مزدوجة : من جهة عين صغيرة تنبجس في المستوى الأعلى ومن جهة أخرى، تنشأ العين الأهم التي تعطي 20 لتراً في الدقيقة فوق الطفل السينوماني. الملاحظة نفسها صحيحة بالنسبة لأسفل بلدة ولاد مسعود (الرجبان) أو في ولاد علي ببلاد الرياينة حيث نجد عين مطير- الفقيرة والمطابقة للمستوى الأعلى- تعلو بئراً أكثر وفرة والمتواجد في العقيق نفسه. (1/103)
صفحة 104
غير أن هذه الطبقة الهيدروستاتيكية الثانوية تكون أحياناً مُفَرَدةُ إلى حد كبير. عليها تتوقف آبار حسيان نالوت وعين البالون الصغيرة المتاخمة لها وكذا العين الفقيرة والآبار الخمسة لولد محمود (الحوامد) وثلة من آبار مديريات كاباو، الحرابا والرحيبات. تكتسي أهميتها الكاملة شرق جادو، خط ينابيع حيث يفتقر المستوى الأعلى أي في دوائر الرجبان، الزنتان والرياينة. ولا بد من البحث عن الأسباب بكل تأكيد، في اللاقابلية غير الكافية للإختراق للطفل الحثي الحامل لكلس نالوت. أهم العيون السبع لوادي الرجبان تخرج من السينوماني خصوصاً العين الجميلة المدعاة شريشرا التي ومن تحت البلدة البئيسة ولاد براهمة تخرج في شكل فوارة قوية من فجوة واسعة في طفل حثي وتحت التجمع السكاني لتارديا توجد عين أوبيرا على المستوى نفسه وعند آل الزنتان، تنتمي عين مسالاكين التي تعطي خمس لترات في الدقيقة الواحدة لولاد بلهول للمستوى الأدنى، كما أنه عند آل الرياينة وعين العوينة أسفل البلدة القديمة لأولاد ريان تصدر عن العين المدعوة بالاسم نفسه والمتواجدة أسفل التجمعات السكنية لأهل العين، فوارة تعطي أكثر من عشر لترات كل دقيقة. وفي نواحي يفرن وككلة يختلط هذا المستوى الثانوي مع السابق على إثر تغيرات حادثة في التطبق الصخري (Stratigraphie ). (1/104)
صفحة 105
كثيرة هي العيون الأخرى المنبجسة على سفح الجبل المنتمية أصلاً إلى الجفارة. عموماً هي صغيرة غير أنها متقاربة. كلها تقريباً أجاجة قليلاً للأسف. لها مصدر مزدوج. بعضها وهو قليل نشأ انطلاقاً من "الساحل" البالدياني الصغير الذي رأينا امتداده وتفرعاته وتروي الواحات الضعيفة للإبط. يتعلق الأمر بعين قصر الحاج بما يناهز قليلاً عشر عيون صغيرة وعين شكشوك التي تعطي "عيونها" معدل عشر لترات في الدقيقة وعين الجوش التي تروى بلدتها ونخيلها بخمسة عشر عين تعطي خمس لترات في الدقيقة تقريباً. وقد يكون للعيون الضعيفة لتيجي المصدر ذاته.
أما الأخرى فقد نشأت من مخاريط انصباب أودية الجبل مماثلة، حسب الدكتور [فانتولي]، "للسهل المنخفض". يمكنها أن تكون بعيدة كفاية عن جرف الجبل وعديدة كما فقيرة في الأغلب الأعم. زد على أنها تتوقف كلية على حركة الإنسياب ولها صبيب غير منتظم. الشيء نفسه بالنسبة للآبار الوافرة نسبياً التي تنهل أكثر على مستوى السافلة من مياه الوادي المتسربة إلى عمق ما فتئ يزداد غوراً.
و حتى نكون جامعين مانعين لا ضير من إضافة هذه القائمة لجملة من آبار أودية مستعملة للمياه الجوفية. فهي أحياناً أكثر عمقاً وفقيرة على العموم.
عيون وآبار : إذا أخذنا بالاعتبار توزع العيون والآبار لا في علاقتها بالطبقة المائية التي ترويها هذه المرة بل على الخريطة الملحقة بهذا الكتاب فسنخرج ببعض الملاحظات. أولها أن الفقر المائي بغرب الجبل معطى يفقأ العين. فعين غزاية هي المجموعة الأخيرة من العيون ومنطقة وازّن خالية منها تماماً على غرار الجبل التونسي المجاور التي لا نجدها فيه على مسافات طويلة جداً. (1/105)
صفحة 106
عموماً، يزداد عدد آبار المياه كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق وهو معطى طبيعي تماماً بالنظر إلى ارتفاع نسبة التساقطات. ومسألة توزع الآبار غير ناتج عن عامل المبادرة البشرية بقدر ماهو ناتج عن التكيف الصارم جداً مع حركة الجريان الجوفي.
بحوزتنا بعض المعطيات على بدائيتها لا تخلو من فائدة حول صبيب العيون أشرت إليها أعلاه. عموماً، يتعلق الأمر بصبيب ضعيف: بضع لترات في الدقيقة فقط. ومع ذلك، فبعض هذه العيون مهمة كفاية حدّ جلبها التجمعات سكنية عدة كما هو شأن عين تموگت المجاورة لجادو. أما عيون الخلايفة وبصفة خاصة عيون الرومية فهي من الوفرة بحيث هي قادرة على إرواء أجزاء مجاري مياه صافية وإمتاع المسافر المفتون والمنبهر أمام خرير مياه مجهول في أمكنة أخرى وهو هنا يمتد طيلة الفصول الأربعة.
نظام العيون من الصنف الطوروني الأعلى يكون أحياناً غير منتظم. بالمقابل، كل تلك العيون الناشئة انطلاقاً من قاعدة كلس نالوت أو الكلس الفليسي السينوماني وكذلك تلك التي تسقي واحات سفح الجبل ذات صبيب قار وأحياناً يتسم بتواتر وانتظام ملحوظ. ولكونها لا تتأثر تقريباً على الاطلاق بالتغيرات الفصلية فإنها تبدو كما لو كانت تعكس، حسبما يزعمه السكان، الفترات السنوية القاحلة أو الممطرة نسبياً.
أما "خط ينابيع" السهل فيعتمد إلى حد كبير على نظام الأودية وبعضها يختفي كلية في الفصل الحار. وفي انتظار حصول تحاليل دقيقة تعرفنا بمواصفات مياه مختلف العيون، نسجل منذ الآن صلاحيتها اللافتة للشرب على مستوى كل عيون الجبل في حين أن مثيلاتها بالجفارة تحتوي كلها تقريباً على درجة من الملوحة مرتفعة نسبياً وتتباين حسب الفصول. (1/106)
صفحة 107
من المشروع أيضاً الحديث عن صبيب ونظام الآبار ولو أن دراستيهما عادة ما أهملتا فضلاً عن أن هكذا دراسة شائكة وصعبة. تتطابق معلومات الساكنة مع تلك التي نحصل عليها فيما يتعلق بهذه العيون وهذا طبيعي جداً إذا تذكرنا أن رفدها واحد.
معظم الآبار محفورة بشكل ناقص بل إن الكثير منها في طور بدايتها الأولى. الآبار الحقيقية (تانوت بالأمازيغية) مبنية بناء متوسطاً وهي الأعمق. العديد من الآبار تصطف على امتداد وادي وتصلح في سقي الحدائق المسماة بالعربية المحلية سواني (ئجيمان بالأمازيغية). آبار صغيرة وعميقة عمقاً يتراوح بين متر وثلاثة أمتار بلا مثابات ومهيئة بصبر تسمى حاسي. لكن على مستوى الممارسة عادة ما نخلط بين هذه التسميات الثلاث سيما وأن الآبار العميقة ناذرة لا تصل في الغالب إلا إلى سديمة أو خط مائي قريب جداً من سطح الأرض.
تتوفر الآبار على كمية من المياه تتراوح بين خمسين سنتيمترا ومترين ويتم إفراغها بسرعة في حين تملأ في ساعة أو ساعتين أحياناً في نصف ساعة وناذراً في مدة تتجاوز ساعتين ونصف.
قلما تكون آبار الجبل غائرة. نجد الماء دائماً تقريباً في هذه الأخيرة في عمق يتراوح ما بين ثلاثة وثمانية أمتار وقليلة جداً تلك التي يزيد غورها عن خمسة عشر متراً. نظامها متواترٌ ومماثلٌ لنظام العيون. على أية حال، ما الفرق في عُقيْقا الجبل بين العين والبئر المتعاوضين أحياناً. ومن السهل جداً الخلط بينهما؟ فالبئر لا يعدو أن يكون وسيلة ملائمة للوصول إلى الماء. فعوض دفع مياه العين وأسرها ببعض الأشغال الصغيرة يتم أسرها عمودياً وأحياناً باتجاه عمق غائر من ذاك الذي ستنبجس فيه طبيعيا ذات يوم. عادة ما لا يكون البئر سوى عين قمنا برفع مستوى مياهه بدل تركه تجري لحالها. هكذا يضطلع البئر بدور مماثل تماما لدور العين على بئر مزّو الغزير قرب جادو الذي يلبي لوحده حاجيات ساكنة قصر كبير من المياه كما يسقي بقعاً أرضية صغيرة. (1/107)
صفحة 108
في السهل، تُحفر الآبار أحياناً في أعماق أكبر للوصول إلى المياه الجوفية. غالباً ما تتجاوز عشرة أمتار وقد تصل إلى عشرين بل وثلاثين متراً. يزداد عمقها على العموم كلما ابتعدت عن الجبل. وعلى غرار العيون المجاورة وللأسباب عينها تتأثر بالتغيرات المناخية للفصول. في الصيف، تنخفض مياهها وتزداد ملوحتها ونجد أُجاجاً حقيقياً في غور الآبار عشية اجتفافها. الناس كما الماشية تعودوا على ملوحة معتدلة هنا.
تقع البلدات بالقرب من عيون وآبار الجبل رغم أن الانعدام المتواصل للأمن اضطر أهلها إلى الصعود إلى الأعالي. في السهل تتجمع حولها القطعان في المساء بعد نهارات صيفية حارقة في كل مكان، ها هنا يبحث الرجال عن قليل من الظل تحت باقة نخيل وتبحث النساء، إماء البيت، عن الماء والإغتسال. مهنة جلب المياه قاسية جداً بالنسبة للمرأة إذ تصيب جسدها بالاعوجاج وتهلك صحتها. ومع هذا فهي لا تتجاذب أطراف الحديث وتنفتح على العالم الخارجي إلا في العين أو البئر وهي تغسل الثياب أو تتملى إناءها الفخاري وهو يمتلأ رويداً رويداً. تنصرف أذهاننا ونحن أمام المشهد إلى دور الساقية في السرد الإنجيلي أو الأدب الكلاسيكي غير أن الواقع القاسي ها هنا خال من أية شاعرية.
2 – السيلان (1/108)
صفحة 109
الكمية الأكبر من مياه الأمطار المتساقطة على الجبل تسيل في الحال. تلك التي تجري عبر الأودية الواسعة للظهر تتوارى سريعاً تحت غلاف الطمي السميك الذي يغطي القاع. وحدها أمطار قوية جداً قادرة على إيقاظ هذه الأودية من "سباتها" لساعات فتصير مخيفة. غير أن الكمية الأكبر من المياه تسيل كيفما اتفق على المنحدرات الوعرة للأودية المضادة للميل. ولا يمكن أن يكون للتبخر هنا إلا تأثير ضعيف جداً سيما وأنها لا تمطر - باستثناء عواصف رعدية ناذرة - إلا في الفصل البارد. وحيث أن حركة التسرب (أو الإرتشاح) لا تمتص إلا جزءاً طفيفاً من مياه الأمطار يمكننا القول بأن "نسبة جريان" الأودية، أي العلاقة بين حجم الماء المنساب والتساقطات الفعلية نسبة كبيرة غير أنه يستحيل إعطاء رقم دقيق بهذا الخصوص ولو على سبيل التقريب.
ممطارية متقلبة، أراضي كتيمة في معظمها، منحدرات قوية: كل هذه الخصائص تساهم في جعل السيلان طوفانياً، مغالياً وعارضاً. هذا مع العلم أن السدود الصغيرة المجزئة في الغالب لعقائق الهضبة حيث المصطبات تقسم السفوح هنا وهناك إلى أدراج؛ أقول إن هذه السدود تحتفظ بالقليل من المياه وتلعب عموماً دور قلعات الغابات. تجري الأودية مرة أو عدة مرات في السنة. ويحدث أن يمر عام بأكمله في منطقة نالوت دون أن "يأتي" الوادي وهذا الأخير غالباً. ما لايتعدى جدولاً صغيراً يكاد يكون بلا معنى. ليس ثمة وادي بالجبل يبلغ البحر. (1/109)
صفحة 110
قلما يتجاوز السيلان بضع ساعات. إذا كانت الأمطار شديدة يبدأ بضع دقائق بعد هطول أولى القطرات وتجرف معها بسرعة التربة والأحجار. في أقل من نصف ساعة، تجري الأودية الممتلئة عن آخرها هذا إذا لم "تصل" فجأة جارفة كل ما تجده على طريقها من قطعان وبشر أحياناً. الماء محمل بمواد دقيقة متطايرة ويجري مصحوباً بقرقعة الحصي من مختلف الأحجام. قد تحمل الأمواج العاتية معها أدغالاً بكاملها أو شجرة أو جيفة. يحدث الوادي ضجيجاً رعدياً وتسمع شلال وادي ئگناون فوق تمد عين الزرگا من عند جادو البعيدة بأربعة كيلومترات تقريباً. على سفوح الأودية ترى الطفل والطين وقد اقتلعا من مكانيهما وينزلقان في شكل علب كبيرة والمهيلات ذات التوازن المتحرك دوماً قادرة على إعادة الكرة والتدحرج مجدداً. أسفل الجبل كتل بكاملها من التربة الحمراء والطين المقوضة الأسس تنهار في الوادي. الحقول الصغيرة على المصطبة المتزاحمة على امتداد الأودية الثانوية تمتلئ بالمياه غير ان سداً قد ينهار هنا أو هناك كما أن التربة الصالحة للحراثة تنحفر في الوقت نفسه. ما عاد ممكناً التحرك في الوادي والطريق المقتفية، لقرون، سفح الجبل مقطوعة بكل نقطة وثمة خطورة في أن يخرج أي وادي عن مروحة انصبابه، ويحدث لنفسه مجرى جديداً. (1/110)
صفحة 111
إذا توقف المطر يستمر الوادي في جريانه بغزارة وعنف لحوالي ساعة ثم يتراجع بسرعة شديدة. غير أن المياه تستمر في الجريان لساعات أخرى متعرجة في مجرى مليء بالحصي ومحفور وقد صار مجدداً أكثر اتساعاً. في اليوم الموالي أو يومان بعد لن تجد للماء أثراً. وعندئذ فقط يمكن الوقوف على حجم الخسائر: طرقات مقطوعة، مسالك مغطاة بالكامل بغلاف جديد من المهيلات، حيطان جرفتها المياه، حقول محفورة. لكن لا تهتم ! كل ذلك ينصلح بسرعة والكوارث قليلة الحدوث هنا. أمطرت، الحقول تفيض بالمياه ومتأكدون من الحصول هذه السنة على بعض الشعير والفلاح مسرور لأن أشجار زيتونه وتينه ستسبح لساعات في بركة مياه (الصورة 16). لا أحد كان يعلم بأن هذا الغيث كان سينزل هذا العام. فقد مضى أكثر من عام لربما والناس لم يعيشوا مثل هذا الفرح ولا حلموا بمثل هذا الأمل...
العين (أو البئر) التي تعطي بانتظام كمية قليلة من الماء ثم المياه التي تجري نادراً بعتو وتغرق الحقول والبساتين، الأولى تهب مياه الشرب للبهائم والناس والثانية تمد العوائل بالغذاء خصوصاً في المناطق الغربية، الأولى بخيلة نسبياً والثانية متقلبة، غريبة الأطوار؛ هذه كما تلك تمكن الإنسان من العيش في مرتفعات قاحلة بفعل الشمس والريح والتعرية تفعل بتربتها الأفاعيل.
3 – المحابيس والصهاريج
يجهد السكان أنفسهم للحصول على الماء الصالح للشروب من خلال استعانتهم بوسائل أخرى. فأمام عدم كفاية عيون وآبار بعض المناطق فإنهم يبحثون عن طرق تتيح لهم الحصول على بعض المياه الجارية التي هي تكملة ثمينة لمخزونهم المائي في السنوات القليلة التساقطات. ففي الكثير من البلدات، أغلب المياه المستهلكة من قبل الساكنة مياه صهاريج (تافسقيت بالأمازيغية) أكثر مما هي مياه عيون. فالتجمعات السكنية غالباً ما تشرف على النقاط المائية من علو خمسين متراً. (1/111)
صفحة 112
لكن ثمة الكثير من المناطق الشديدة الجفاف والفقر وهو ما لا يسمح بمضاعفة عدد الصهاريج للإستفادة منها. لذلك تستعمل مياه الغدير والگلتة وتمد وتهيئ المحابيس. معلوم أن الغدير مجرد بركة مائية بسيطة تبقى في مجرى الوادي أياماً أو حتى أسابيعاً بعد فيضه وتصلح بشكل خاص لإرواء عطش البهائم. التمد فيه أنواع، فقد شاهدناها في شكل برك صغيرة جداً ناتجة عن انحفار زائد لمجرى وادي بفعل الحركة اللولبية لشلال. في ظل النظام المناخي الحالي السائد بالجبل، لم تعد الشلالات تجري إلا لبضعة أيام بل وساعات فقط في السنة كلها، علماً بأن التزود المنتظم لتمدي الجبل بالماء وهما تمد عين الزرگا و أم الگرب ناتج عن تواجد العيون. ثمة تمد صغير يدعى گلتة ببلاد ككلة وگلتة بوموسى، وهي فرع تابع لأولاد سعيد، تقع في سفح كلس نالوت. للأسف، يتواجد تمد وگلته في موقع غائر جداً وبالتالي ففائدتهما ضعيفة.
المحابيس (بالأمازيغية هنا) هي خزانات صغيرة مفتوحة من فوق تتم تهيئتها بالقرب من بعض البلدات. نكتفي بسد شعب صغير مشرف على وادي ومحفور على الكلس الطوروني وفي أقرب نقطة ممكنة من تجمع سكني بعرمة صغيرة من الحجارة والتراب. يكفي أن لا تكون في البلاطات الكلسية الأفقية شقوقاً ظاهرة لتكون مسافة العمق كافية. هكذا لن تتجاوز أبداً كتلة مياه الأمطار المتراكمة - قرابة خمسمائة متر مكعب - فهي تبقى لبضعة أشهر وتزول تدريجياً بفعل التبخر أو استهلاك البشر أو البهائم لها. (1/112)
صفحة 113
لا توجد المحابيس إلا في الجزء الأكثر جفافاً بالجبل. ويعتبر محبس وازّن أكبرها على الإطلاق إذ تبلغ المساحة المائية فيه 8 إلى 10 أمتار على 15 إلى 20 وعمقه 3 إلى 4 أمتار. يُسدي اجلّ الخدمات عندما تمطر لسكان هذه البلدة المعلقة في أعلى الجبل التي تكون مجبرة في الصيف أو في العام القاحل لجلب الماء التي هي في حاجة إليه من الآبار المحفورة في أعماق الوادي. اما كاباو وهي أحد أهم قصور نفوسة الغربية فتتوفر على محبسين أقل صغراً من مثيلهما بوازّن. أحدهما خاص بالبشر والثاني للماشية. هذا الأخير ولسهولة امتلائه بأكوام من التراب فقد قسم إلى حوضين لا يصلح أحدهما إلا للتصفية. توجد كذلك محابيس صغيرة بالقرب من قصر غزايا وتندميرا وأم سوفار.
غير أن نقاوة ماء المحابيس مشكوك فيها. فلأنه يستعان به في كل شيء تقريباً وراكد لشهور وشهور ينتهي به الأمر إلى أن يكون يكون قذراً قذارة مُنَفِرَة. فآخر الأمتار المكعبة منه تكاد لا تستعمل بعد أن نالت منها حرارة الشمس وتوحلها.
معظم البلدات تتزود بالماء الصالح للشرب من الصهاريج (ماجن، أساغ بالأمازيغية). لا يتيح بناء المنازل إلا فيما ندر استعمال مياه المصطبات والصهاريج، وتتجمع عموماً في جانب البلدة على المساحة المنكشفة لكلس نالوت بحيث تستعملها كمطريات (بركة داخلية في فناء المنازل الرومانية القديمة لجمع مياه المطر - المترجم). أما الأخرى فتجدها متفرقة في الجبل بالقرب من الأغراس والمغارات المأهولة مؤقتاً. (1/113)
صفحة 114
في الخارج، الصهاريج هي تقريباً عينها في كل مكان (الصورة 7). تتواجد في أسفل نقطة لمنحدر هيء بالمِنْقَر أو بالمعول ولا تُظهر إلا الجدار الكلسي الصغير الذي يغلق فتحتها وأحياناً حوض تصفية صغير موجود قبل مدخل الماء يخترق قاعدة الجدار الكلسي تاركاً ثقباً جانبياً. يسد غطاء حديدي أو فقط حجرة فتحة البئر. وهناك بعض الصهاريج المخصصة للاستعمال الصيفي التي بنيت مؤقتاً. معظم الصهاريج متوازية المستطيلات ويتراوح عمقها ما بين أربعة إلى خمسة أمتار وعرضها ستة إلى عشرة أمتار. بعضها فقط ينفتح على مستوى الأرض. يستعان دائماً بالدلو وغالباً ما يكون عبارة عن قربة عتيقة أو علبة قصديرية قديمة مربوطة بخيط لجلب الماء من الصهريج.
يزداد عدد الصهاريج كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق. يزداد تبعا لازدياد السكان ونسبة التساقطات. العديد منها يوجد في حالة مزرية والكثير منها المحفورة على الصخر كما هو الحال في كاباو وطمژين غير قابلة للتدمير. تتضاعف بالقرب من عدد من البلدات. هكذا نجد منها 110 بجوار طمژين التي لا توجد بها لا عيون ولا آبار. أما البلدات الصغيرة فلا توجد بها إلا أعداد قليلة والكبرى تحتوي على عشرين إلى ثلاثين صهريجاً بل وأحياناً أكثر من ذلك. تتوفر بلدات إقليم يفرن التي توجد آبار بالقرب منها على الهضبة نفسها على أقل نسبه من هذه الأعداد المذكورة.
كما نجد صهاريج متفرقة هنا وهناك بالجبل وبخاصة قرب أشجار التين وفي الجفارة والظهر بالقرب من الأراضي التي تزرع بها الحبوب. لا تتضاعف أعداد الصهاريج المعزولة إلا في المجال الذي يضم بساتيناً جافة. الممتدة وراء يفرن. (1/114)
صفحة 115
هكذا، تجد الساكنة تجهد نفسها ليس فقط للبحث عن المياه الجوفية بل وكذلك لاستعمال مياه الأمطار متوسلين في ذلك بشتى الوسائل آبار بأسماء وأشكال متعددة (بير، حاسي، سواني) خزانات متفاوتة الجودة (غدير، كلتة، تمد، محبس)، صهاريج مختلفة الأنماط، بعضها مشيد والبعض الآخر محفورة ولو على الصخر الصلد: أمام كل هذا الشريط نجد أنفسنا إزاء تشكيلة منتخبة من الأعمال، صحيح أنها ريفية المنزع ولكنها شاهدة برمتها على الأهمية المركزية للماء في حياة ساكنة جبل نفوسة.
الفصل الرابع
المشهد النباتي
1 - المظاهر المتعددة
الخصائص العامة : بفضل مناخه الذي لا زال بحرياً نسبياً فإن جبل نفوسة يكسوه غطاء نباتي متوسطي، متموقع بين تعاشيب شبه مدارية، وشبه صحراوية في الجفارة، وتعاشيب شبه صحراوية وصحراوية في الهضبة الصحراوية. السيد [ر. مير R. Maire] يدرج الجزء الغربي في القطاع الليبي ضمن مرتفعات الجنوب التونسي(1).
__________
(1) - يراجع [ر. مير] خارطة. (1/115)
صفحة 116
في كل مكان بالجبل، أو على الأقل في العقائق وعلى امتداد الأودية، تجد جنبات متوسطية(1) تتخلل الرتابة القاتلة لغطاء نباتي تعاشيبه عجفاء بقدر ماهي كئيبة، وباتجاه الشرق يصير الغيل(2) عبارة عن مشهد متلاحق ذي أهمية أولى، كما أن ثمة تشابكاً حقيقياً بين التشكيلات والأجناس التعاشيبية البحرية والصحراوية. فالغيل يختلط بتعاشيب الحلفاء في نفوسة الوسطى والشرقية، وفي نفوسة الغربية تشكل الأجمات المتوسطية أشرطة من النباتات الجنبية ذات اللون الأخضر الداكن عبر تعاشيب شبه صحراوية رمادية عجفاء. ويمكن أن تقع أعيننا أيضاً على جنس صحراوي قح إسمه "الرِمث" جنباً إلى جنب مع نبتة الزعتر. قوام المشهد النباتي للجبل هو هذه التعارضات والتقابلات التي تخفف من حدتها عموماً جملة من الخواص البشرية. يتعلق الأمر بغلبة النجليات(3) والنباتات العشبية وبخاصة النجيل، جفافية لافتة، وأخيراً حالة من التدهور العام الذي يصل حد التلف.
قد نسير هنا لأيام دون مصادفة أي ظل وارف سوى ظلال الأشجار المزروعة: أشجار الزيتون، النخيل والتين. الطرفاء (أو الأثل) لا تنمو عموماً إلا أسفل الأودية والمروحيات الغرينية لمقدمة الجبل. أما نبتة السنط فتشكل بضعة تحريجات فاتحة ما بين شكشوك وقصر الحاج، أي على مستوى السهل نفسه. وحده "البطوم" قادر على مدنا بظل وارف شرط ألاّ يشرئب نحو الأعلى ليتعلق بالجرف الكلسي لنالوت، أو بمهيلات صعب الوصول إليها.
__________
(1) - جنبات /ج/ جنبة: وهي كل شجرة علوها متران إلى سبعة أمتار تظل صغيرة حتى وإن شاخت. المترجم
(2) - الغيل هي الأرض البائرة. المترجم
(3) - النجليات هي فصيلة من النباتات التي يغلب عليها الأعشاب الحولية أو المعمرة ونادراً ما تكون خشبية. (1/116)
صفحة 117
العناب (أو نبتة "السدر") والسماق الشائك لا يلتقيان هنا إلا في شكل أجم(1). قليلة هي الأنواع التي تتوفر فيها الخاصية الجنبية كالوزال الشائك المسمى محلياً القندول "گندول" وكذلك الإكليل، وأخيراً "الحلاب".
الغطاء النباتي المخشوشب هو غالباً من صنف القزميات- نظير الزعتر أو الشيح. ضمن الأغراس العُشبية نجد أيضاً قزميات كالشيح والشعال وكذلك جنس النقرة (تجويف صغير في سطح عضو نباتي) كالبروق والمسمى هنا "البلوس" وبعض اصناف جنس النقرة، خصوصاً البذريات والنباتات العشبية السنوية التي يطغى عليها النجيل. عموماً إذن، فالغطاء النباتي بالمنطقة زهيد وأعجف. عقب المناخ الجاف والبرد الشتوي والقبلي الباكر ينمو الغطاء النباتي نمواً بطيئاً، سريعاً وقصيراً، ولا تكسو الجبل حلة قشيبة من الأزهار الملونة النضرة التي تتحول في على مستوى السهب إلى فرحة حقيقية إلا ما بين 1 أبريل و15 مايو. وما تبقى من العام يكون الأخضر المائل إلى الرمادي والأصفر هما اللونان الغالبان على المنظر النباتي.
ينبغي على كل الألوان أن تتأقلم مع نسبة ضوء مرتفعة، وبخاصة مع جفاف شديد، أحياناً يجمع ما بين جفاف الهواء وجفاف الأرض. ينتج عن الحرارات المرتفعة والقبلي تبخر هائل. ومن جهة أخرى، يعطينا سطح الجبل والسفوح المكسوة بالمهيلات أرضاً كلسية في الأغلب الأعم. هكذا تتعمم الخاصية الجفيفية لتشمل كل النباتات.
تشكلت النباتات وفق ما يتيح لها مقاومة التبخر، وبصفة خاصة من خلال اختزال وحماية الأنسجة الخضراء. في كل الجنبيات، الأوراق صغيرة وضيقة والنجيل خيطي الشكل. أحياناً تتدحرج الأوراق فتصير يابسة. يحدث هذا، حسب الساكنة، للحلفاء وتسمى هنا "گديما" و"السبوت" و"الدرين" الجزائري و"الرتم" فأوراقها اختفت تقريباً كليةً. نجد أيضاً نباتات شائكة منها القندول والسدر.
__________
(1) - ومع ذلك ، فقد وقعت عيناي على شجرة عناب حقيقية[Zizuphus] على صدفة وادي تس تساتس. (1/117)
صفحة 118
"للكورضاب" ساق متصلبة وأوراق معظم الجنب لامعة وتكفي الإشارة هنا إلى السدر، والحلب، والعرقد الأوروبي(1). وثمة أخرى تحتمي بإفرازات زيتية كالشيح البيضاء المسماة "شيح محلياً" والخزامة والإكليل الجبلي والزعتر الذي تهب رائحته العطرة سحراً خاصاً لعموم الغيل. أما أوراق "المروبيا" فتكسوها زغيبات رخوة وصوفية. يقاوم الزعتر كذلك عنصر التبخر بفضل تشكله على هيئة كريات.
كل هذه النباتات تقريباً وحيث أنها مضطرة لنهل الرطوبة المنعدمة بالسطح وبالهواء من الأعماق، لها جذور طويلة، هذه الخاصية ملاحظة بخاصة في بعض أصناف النجيل كالحلفاء وبخاصة الضرير (الشفشوف)(2). وأخرى لها جذور عسقولية كالبروق أو جذور بصلية كالإشقيل (زهر من الفصيلة الزئبقية).
الجفافية أو عامل القتانة هو المسؤول عن هذا المظهر القاتم للغطاء النباتي سيما على مستوى السهوب، مظهر قوامه هزال، جفاف وفقر. غير أن هذه الخصائص هي أيضاً نتيجة للإتلاف الذي يمارسه الإنسان والحيوان على هكذا غطاء كما سنراه فيما بعد.
تنوعات المشهد النباتي من الغرب إلى الشرق : ليست الرتابة والشكل المتجانس للمشهد النباتي لافتين بكل مكان. كما أن الغطاء النباتي ليس فقيراً كله، فنقاط الترابط هي دائماً مفتوحة ذلك أن الفضاء الحر بين الأغراس يبقى الأكبر. غير أننا نلاحظ من الغرب باتجاه الشرق ومن نالوت إلى يفرن وككلة تباينات على قدر كبير من الأهمية. إن التغيرات تدريجية وبطيئة تتطلب تيقظنا لأجل تسجيلها أولاً بأول، وهي لا تقل عمقاً في كل الأحوال.
__________
(1) - اسمه العلمي هو : [ليسيوم أوروبيوم Lycium Europaeum].
(2) - اسمه العلمي هو : [أريستادا بونجن Aristada pungens]. (1/118)
صفحة 119
ننتقل من التعاشيب (أو السهوب) شبه الصحراوية إلى مثيلاتها البحرية ونرى بأم العين في البدء الغطاء النباتي المتوسطي، المحصور على امتداد الوديان، يزحف بالتدريج على السفوح وجزء من الهضبة. النباتات تبدو أكبر كماً، كثافتها في تزايد، زد على ذلك أن الأنواع تزداد تنوعاً بصفة لافتة.
لننطلق من الحدود التونسية ولنبدأ بتسجيل التغيرات الأساسية الملاحظة كلما تقدمنا باتجاه الشرق. فحوالي وازّن ونالوت، نادراً ما يقطع الجبل التعاشيب شبه الصحراوية للجفارة والظهر (الصورة 1، 2، 19 و20). "الرمث" و"الباگل" الذي يصاحبه أحياناً على الأرض الحصوية للأصداف وكذا "الأرفج" و"الرتم" على الأرض المرملة و"الشيح" على المنحدرات و"الهوسير"؛ كل هذه النبتات تنتمي لهذه التعاشيب العجفاء وشبه الصحراوية. السهل والهضبة لا تتخللهما سوى مزق من تعاشيب الحلفاء. يشكل الغطاء النباتي الأجمي خطاً ضيقاً على امتداد الشعاب والأودية. العنّاب والرتم عندما تكون التربة قليلة، والقندول والعرقد والحلب والزعتر والشيح بنوعيه في الشعاب الحصوية والصخرية.
حتى قبل وصولنا إلى كاباو سجلنا مجموعة من التغيرات. فمنذ عمق وادي تيرگت أي كيلومترات فقط قبل الوصول إلى شرق نالوت، نتبين أول ما نتبين "البطوم" حيث يتكاثر في عقيق وادي الشيخ، إذ تتعلق بقدم الجرف الكلسي الطوروني حيث تمتحُّ جذورها القوية قليلاً من الرطوبة. أما الرتم، والعرفج الغربي(1) فيؤشران على المستودعات الكبيرة الأولى من التربة الحمراء. أما الأزهار الصفراء الجميلة للوزال الشائك فتُمتع العين خارج مجاري الوديان.
__________
(1) - اسمه العلمي هو : [Rhantherium Suveolens / Rhanterium Suveolens]. (1/119)
صفحة 120
يزداد ميل الجنب للخروج من مجاري الوديان ببلاد الحرابا غير أنها لا تزال محصورة في الشعاب (صورة 12). يتضاعف البطوم ويصير كبيراً وتدل أوراقه الجميلة على الشعاب المتوارية بالكاد على السفوح بمعية القندول والجداري. إكليل الجبل يتكاثر في الأودية الصغيرة حيث يتميز بأزهاره الزرقاء الشاحبة. أخيراً، تبدأ حشيشة العصافير (امتسنان في اللغة المحلية) في التكاثر، وهي الهزيلة والنادرة بالغرب، على التربة الحمراء الصلصالية بعض الشيء لأودية زعرارة وبرساف. على الظهر، يتكاثر "الگورضاب(1) والشيح بنوعيه".
تظهر تغيرات لافتة أكثر في دائرة الرحيبات قرابة جادو. فالمتنان(2) والشيح تصبحان النبتتان الطابعتان لتربة الحمري في حين يتراجع الرتم ويختفي العرفج الغربي عن الأنظار تدريجياً. على الأرض الصخرية يصنع الزعتر (المحصور حتى الآن في الأودية الصغيرة، (عقائق))، بقعاً خضراء على غرار البروم(3) التي لم نراه بعد. على مستوى الظهر، يتقهقر الهوسير والرِمث باتجاه الجنوب. هكذا تتراجع التعاشيب شبه الصحراوية على مستوى الهضبة لتستمر في سفح الجبل حيث تغطي هذه الأغراس ممزوجة بالشيح مساحات كبيرة.
__________
(1) - اسمه العلمي هو : [Polygonum Equisetiforme].
(2) - اسمه العلمي : [Thymelea hirsuta].
(3) - اسمه العلمي : [Genista capitellata]. (1/120)
صفحة 121
بعد تسجيلنا ظهور تعاشيب صغيرة من الحلفاء اللازبة على أرض الزنتان نصل إلى مديرية الرياينة حيث تبدأ التعاشيب البحرية مع البروق(1) وتغطي مساحات كبيرة خلف يفرن وككلة. وفي أقصى نفوسة نسجل ظهور بوادر العنصل (فرعون)(2) في نقطتين، واحدة في ترهونة ومسلاتة على طريق غريان والثانية في السهل وغالباً ما تكون مصحوبة بالبروق(3). بعد الرياينة أيضاً، السفوح مغطاة عن آخرها بالنباتات شرط ألا تكون السفوح إياها متيبسة. الحلفاء، الزعتر، القندول والشيح تتناثر كلها فوق المنحدرات. هذا في حين تكون تعاشيب الحلفاء خاصة بقدم يفرن وتمتزج بحلفاء ما تحت ككلة. هكذا يتقوى التباين من الغرب باتجاه الشرق ما بين الغطاء النباتي السهلي ومثيله الجبلي.
2 - العشائر النباتية
إذا كانت التغيرات العامة في الغطاء النباتي رهينة بالتغيرات المناخية فإن التباينات المحلية تابعة تبعية قوية للطوبوغرافيا ولطبيعة الأرض بصفة خاصة. يمكن لتعاشيب الحلفاء والبروق والغيل المتوسطي أن يتواجد جنباً إلى جنب بل أن يتمازجوا في الكيلومتر المربع الواحد. ويبين تواجد تعاشيب الحلفاء باتجاه وازّن وخلف ككلة في آن أن العشائر النباتية في علاقة وثيقة جداً بالأرض والمناخ في الآن نفسه.
غير أن التباين الأساسي بين التعاشيب والغيل آت من المناخ وهو نفسه المسؤول عن تنوع تعاشيب الأراضي المرملة. وذاك معطى لا ينبغي نسيانه.
تعاشيب الأراضي المرملة : الخاصية الأساس لتربة الحمري كونها مرملة. ويمكن لمقدار الطين فيها، وهو مقدار ضعيف دائماً، أن يزداد زيادة طفيفة كلما انتقلنا من الغرب نحو الشرق وخصوصاً من الأعلى نحو الأسفل.
__________
(1) - نبات من الفصيلة الزئبقية
(2) - ]Squill, Urginea Maritima[ راجع الطب الشعبي ج1 ص79
(3) - ] Asphodèle[ البروق نبات من الفصيلة الزنبقية (1/121)
صفحة 122
في دائرة نالوت، تعاشيب التربة الحمراء مفردة قليلاً ذلك أن هذه الأراضي لا تعدو أن تكون عبارة عن صفائح ضيقة ونادرة. يتعين شد الرحال بعيداً عن الجبل وبالضبط إلى السهل وبخاصة بين نالوت وتيجي للوقوف على النمط شبه الصحراوي كـ الرتم والكتانية(1). أما حيث الأرض السبخاء(2) فنجد أن النباتات التي تصاحبها هي الأرطا(3) والعرفج.
في الجبل، لا نعاود العثور على الرتم سوى على مستوى الأودية أو العقائق الكهلة للجبل. وبما أن الظروف المناخية مشجعة نسبياً مقارنة مع السهل فإن هذه النبتة عادة ما يرافقها العرفج والشعال. إذا كانت التربة مرملة أساساً ستبرز فوقها باقات متيبسة من الشفشوف، أما إذا كانت صلصالية ولو قليلاً فإن "الكورضاب" هو الذي سنراه يتناسل. في كل الأعماق التي تكون فيها التربة متعمقة ورطبة تنتصب فروع العناب شائكة وحادة. أما المنخفضات الصلصالية نسبياً في الظهر خلف الحرابا فلم تعد توجد بها حتى نبتة الرتم بل فقط العناب والبطباطيات(4).
بعد ذلك، تأتي تعاشيب الشعال لتحل محل هذا النمط شبه الصحراوي لتغطي مساحات شاسعة من إقليم جادو حيث تعرف تربة الحمري انتشاراً كبيراً. التعاشيب غنية بالزعتر سيما إذا كانت التربة غير صلصالية كثيراً. البطبطيات وعباد الشمس (المسمى محلياً زفزاف) الذي يغطي الأراضي الكلسية هما جنسان فرعيان. عكس ذلك الرتم المميز للعشيرة السابقة وبخاصة العرفج الغربي فإنها تتناقص إلى أن تصبح ناذرة.
__________
(1) - الكتانية وإسمها العلمي [Limoniastrum Guyonanum] راجع الطب الشعبي ج1 ص80.
(2) - التي تحتوي على نسبة من الملوحة.
(3) - إسمها العلمي : [Calligonum Comosum] راجع الموسوعة. رقم949
(4) _ إسمها العلمي : [Polygonum] فصيلة نباتية من ذوات الفلقتين - مترجم (1/122)
صفحة 123
عندما نبارح الرياينة فقط تبدأ تعاشيب البروق المميزة لعموم المنطقة الساحلية لإقليم طرابلس. هذا النبات شديد المقاومة بالنظر لجذوره العسقولية والطويلة. في كل مكان تنتصب باقة أوراقه الرمحية والتي لا تلمسها الماشية إلا إن ذبلت ويبست، وكذا الشماريخ المثيرة لزهورها. البروق معروف بالجبل الأوسط باتجاه غريان وبالجبل الشرقي أيضاً. وهنا تجده جنباً إلى جنب مع الشعال ومع البطباطيات أما إذا كانت الأرض أكثر كلسية فستجده جوار عباد الشمس والعرقد الأوروبي. أما العنصل فلم نراه وهو المتطلِّنة كفاية للرطوبة إلا في أقصى الحدود الشرقية لنفوسة.
في كل مكان بالأعماق الرطبة نسبياً، تجد العناب يضرب بجذروه العميقة وسط البروق والشعال كما في التعاشيب الأكثر قحولة للرتم.
صحيح أن التعاشيب المرملة أزاحها الانسان، فوحدها التربة الحمراء مزروعة. هكذا نجد هنا النباتات البشرية الرئيسية. "الحرمل": تغزو هذه الباقات الصغيرة التي تظل خضراء لمدة طويلة الأراضي المزروعة بالحبوب في الأودية الغربية. بعيداً يقع ناظرك على الخشاش المنثور، فُجْل الخيل وزهرة الربيع بصفة خاصة، ليشذبا بألوانها الزاهية الغلل التي غالباً ما يكون ضعيفاً .
تعاشيب الأراضي الكلسية : تقابل التعاشيب المرملة، دائماً وبكل مكان، تعاشيب أراضي حصوية وصخرية وبخاصة، تعاشيب الحلفاء التي نصادفها في الجبل من أقصاه إلى أقصاه. (1/123)
صفحة 124
تعاشيب الحلفاء هي العشيرة التعاشيبية الأكثر انتشاراً وتمييزاً للجبل الطرابلسي سواء في شقه النفوسي أو في شقه الشرقي. تغطي الأراضي الحصوية أو الصخرية من الصنف الطوروني على حد سواء كما تغطي أيضاً كلس نالوت خصوصاً باتجاه الشرق ثم تنزل تدريجياً على السفوح لتصل إلى السهل. تعاشيب نفوسة أقل تدهوراً من مثيلاتها في أماكن أخرى ذلك أن المسافة التي تفصلها عن طرابلس جد طويلة حتى يتم التفكير في استغلالها صناعياً. فجهتا غريان وترهونة هما اللتان غذيتا صناعة الورق الإنجليزية. غير أن تعاشيب الحلفاء تالفة نسبياً بسبب اقتلاعها لاستعمالها كحطب أو لاستخدام النبات عموماً في الكلأ. يحتفظ بهكذا تعاشيب جيداً في منطقتين حيث لا زالت تنعم بالحياة وهما: ناحية الغرب بين خربة الحوامد وولاد محمود إذ تغطي مساحات شاسعة تنتصب في هيئة سديمة حقيقية تمتد حتى ضواحي نالوت ووازّن بل تتجاوز الحدود متخدة شكل مزق وتفاريق. ناحية أقصى الشرق، نجدها تمتد على مساحة كبيرة وراء ككلة وتتواصل شرقاً في اتجاه السبعة. وما بين هاتين المنطقتين (أو الإقليمين) نجدها حيث تكون الأرض صخرية متخذة أحياناً شكل بقع ممتدة كفاية كما هو الحال في عالية وادي الرجبان غير أنها غالباً ما تكون جد محصورة في أشرطة ضيقة أو مختلطة بالغيل. (1/124)
صفحة 125
التعاشيب النموذجية فقيرة الأنواع سواء هنا أو في مكان آخر خارج الأرض التي يوجد بها العشب التي تنمو في ظل باقتها بفصل الربيع. ومع ذلك، تقع أعيننا عند نهاية مجال امتدادها الطبيعي أو حيث هي تالفة على نباتات تصاحبها أو تحل محلها. فغالباً ما تصاحبها نبتة الهوسير والحرشة المثمرة والزريقة. هنا وهناك، نجد نبتة "راگما(1)" تظهر وريقاتها الخضراء ومختلف النباتات الشائكة فضلاً عن نبتة "الگوزة(2)" ساحبة على المشهد كله قليلاً من التنوع. إذا كانت الأرض مرملة، تختفي الحلفاء لتترك المكان للشعال أو للرتم في الغرب أو العرقد الأوروبي في الشرق. وفي العمق الرطب نسبياً تتراجع أمام الشيح بنوعيه. فوق المهيلات تراها نازلة مع الشيح الذي يصير غالباً.
في إقليم نالوت، يمكن أن نشاهد الحلفاء وقد غزتها أنواع صحراوية قح كالنفل والحرشة والرِمث بصفة خاصة. والسبب هو انتقالنا التدريجي إلى التعاشيب ما قبل الصحراوية وأن كل تلف يصيب تعاشيب الحلفاء جراء البشر أو الحيوان يقابله زحف لأنواع نباتية أخرى أكثر تكييفاً مع الجفاف. يلعب نوعان من هذه الأنواع وهما النفل والرِمث دوراً غاية في الأهمية.
تعاشيب النفل توجد بمقدمة الصحراء وتحيط بتعاشيب الحلفاء في الجنوب كما تغطي الظهر الحصوي وراء بگيگيلا من كاباو حتى نالوت (صورة 25). غالباً ما يتعلق الأمر بالعشيرة النموذجية للإيرگ الحصوي، والحرشة رفيقته التي ناذراً ما يفارقها. نلاحظ أيضاً تواجد الرِمث والزريقة والكليل وأحياناً راگما.
أما الرِمث فيغطي مساحات أكثر تصحراً وليس غالباً إلا في ثلة من الصدفات الغربية وفي سفح الجبل قرب الحدود. في القبلة وراء الظهر، تجده يتقاسم الإيرگ مع النفل الذي يصاحبه كثيراً بمعية العجرم والشيح والرِمث أحياناً.
__________
(1) - تسمى بالعربية الفصحة إبرة الراعي إسمها العلمي : [Erodium] .
(2) - إسمها العلمي : [Pithuranthos Tortuosus]. (1/125)
صفحة 126
الشيح نبات نصادفه في كل عشائر الأراضي الصخرية أو الحجرية. غير أنها تكون أحياناً في صدارة عشيرة أرضية مفردة سواء على المساحات الحصوية الممتدة على سفح الجبل وخاصة تحت يفرن أو على سفوح الجرف حيث باقات من الحلفاء والرمث والنفل وأحياناً نبتة الهامين(1) تحيط بها من كل جانب.
كما أن الحلفاء اللازبة(2)، الذي غالباً ما يبدو وكأنه لا يعدو أن يؤطر الحلفاء أو يغطي البقع المرملة نسبياً، بمقدوره الانتشار على مساحة كبيرة إلى حد ما ليشكل عشيرة يظهر فيها النفل والتيمول بشكل مبعثر ومتفرق. لكن يجب الخروج من هذا المجال باتجاه السبعة لمشاهدة أمساد أو نسج الحلفاء.
هكذا، فمهما كانت تنوعات العشائر الحلفائية فإنها تختزل في مجموعتين متمايزتين تعتمدان على أرضيتهما. الأولى كلسية والثانية صوانية. تتعايشان ولا تبحث إحداهما عن اقتحام الأخرى، غير أنه من الوارد أحياناً أن تقع أعيننا على صفاحة كلسية وهي تبرز على السطح أو بالقرب منه خالقة وسطاً كلسياً محلياً على التربة الصوانية الحمراء. في هذه الحالة، تختلط الأنواع وأقلها إقصاء هي التي تسود، الحلفاء اللازبة والشيح بنوعيه والأجرد(3). بالمقابل، نجد أن حلفاء الأراضي الحصوية والصخرية وبخاصة الحلفاء الريشية تمتزج بسهولة بالغيل.
__________
(1) - اسمها العلمي : [Trichodesma Africanum].
(2) - اسمها العلمي : [Lygeum Spartum].
(3) - اسمها العلمي : [Helianthemum]. (1/126)
صفحة 127
الغيل : يبدو لي أن هذا المصطلح مناسب جداً لنعت هذه العشيرة المتوسطية من الأجمات الصغيرة أو المتوسطة التي تنمو على الأراضي المتفاوتة في كلسيتها لسطح الهضبة وعلى سفوح نفوسة الشرقية. تحدثنا أحياناً كذلك عن الدغل أو الدغل الأسفل أو شبه دغل(1) فيما يخص التشكيلات المماثلة في جبل غريان وترهونة.
قلما يظهر الغيل- إذا استثنينا أعماق العقائق- إلا شرق الانقطاع الكبير لوادي جادو. يتميز بغطاء نباتي مخشوشب خفيض على العموم وزكي جداً. عند مبارحتنا للأماكن التي تتواجد فيها الحلفاء ذات الأزهار المتألقة الممتعة للأبصار في أبريل، يبدو لنا الغيل باهتا غير أن روائحه العطرة تملأ الأجواء تحت الشمس الحارة لفصل الربيع.
يختلف الغيل الأعجف للأراضي الصخرية للهضبة اختلافاً ضئيلاً عن الحلفاء التي يختلط بها بنسب متفاوتة. يعتبر نبات التيمول الأكثر تواجداً بالغيل والمميز له أكثر من غيره. يتعلق الأمر بالزعتر البري. تترك كراته ونباته الملموم بقعاً على سطح كلس نالوت. الخزامة والقندول والأجرد رفاق لا يفترقون إلا فيما ندر وأحياناً نرى النعناع المتوحش (أو ما يسميه السكان هنا "زيتا") ينمو. ونكاد نجد باستمرار بنسب متفاوتة أنواعاً من الحلفاء الحجرية كالنفل، الحرشة، الشيح، نباتات شوكية عدة وشيء من راگما. أحياناً تمتزج باقات الحلفاء بالغطاء النباتي فنمر دون أن نشعر إلى الزعتر البري أو الأرض المغطاة كلية بالحلفاء. قد يعوض الوزال في أماكن معينة أو على الأقل يصاحب التيمول، والزال ذو أزهار صفراء مذهبة جميلة يدعى "شديدا" أو "كسما" من قبل الساكنة المقيمة.
__________
(1) - يراجع : [تروترTrotter ] ص 218 حيث يقول "لا وجود له أي للبطوم في نفوسة الغربية" وقد ارتكب بذلك هذا الملاحظ الممتاز في هذه النقطة خطأً طفيفاً. (1/127)
صفحة 128
على الأراضي الحجرية أو الحصوية وبخاصة على السفوح المغطاة دوماً بالمهيلات الصغيرة أو الغليظة، نجد الغيل متنوعاً مقابل غياب نوع مهيمن على غرار التيمول. لكن، انطلاقاً من منطقة الحرابا يضاعف الإكليل أجماته ذات الأخضر القاتم. أما القندول والجداري فوافران باستمرار في حين أن الخزامة والتيمول والأجرد فنجدها تقريباً بكل مكان. قليلة هي نبتة الجولق(1) وبصفة خاصة المروبيا التي تؤثر التواجد بالقرب من الأنقاض وكذلك هو الأمر بالنسبة للهامين. تنويعة من النباتات الشائكة تختلط بالكل مثلما تختلط بعض النباتات المميزة للتعاشيب. الشيح متواجدة دائماً بوفرة على السفوح الوعرة وكذلك الحلفاء العملاقة. أما النجليات العالية فمتواترة الوجود في المهيلات ويسميها الناس "آدم" وغالباً ما تتواجد أيضاً الحلفاء الصلبة. تشهد سفوح يفرن وككلة خليطاً حميمياً بين الغيل والحلفاء حيث تهيمن أكثر الحلفاء والكليل والقندول والتيمول والشيح. وحيث أن الأراضي المنحدرة مرملة في بعض أماكنها فإننا نتبين أحياناً وسط الغيل منحدرات مغطاة عن آخرها بالشيح والبطباطيات بل وحتى الرتم أحياناً.
__________
(1) - اسمها العلمي : [Genista]. (1/128)
صفحة 129
الغطاء النباتي للأودية : يزداد الغيل جمالاً في الشعاب وقرب الأودية، فالقرب من الرطوبة يهب هيأة سامقة للنباتات الضامرة بطبيعتها. تكون مجاري وديان نفوسة الغربية أو مراوح الإنصباب مصحوبة على مستوى السهل بشريط ضيق من الغيل العالي يدل عليها من بعيد، فضلاً عن أن التعاشيب الصحراوية أحياناً تحيط بها من كل جانب (صورة 15). لكن حتى في نفوسة الشرقية حيث الغيل يكسو السفوح عادة فإن غطاءً نباتياً جمالياً يؤطر الشبكة المائية من الأسفل. تزدهر بصفة خاصة نباتات العرقد والحالب والعناب. أما البطوم فيهيمن من حين لآخر على عموم المشهد. تعتبر الأودية الرئيسية المليئة بالحصى الدائرية والحادة والتربة الرملية- الصلصالية مكاناً لالتقاء تعاشيب عدة: غيل وتشكيلات حلفائية. يظهر التيمول المكور وحيداً على الجنبات الحصوية لقاع الوادي. أما الشيح والرتم والعرفج وهي هنا كبيرة مقارنة مع المعتاد فتجدها تنمو فوق التربة الحمراء بينما تعلن الشيح من هنا عن مزيج من الحصي. الحرشة والنفل جهة الغرب والإكليل جهة الشرق تضرب بجذورها عميقاً في أرض حجرية. و تزدهر هنا وهناك أجمات غليظة من العناب والجداري والحالب والعرقد، لن نجد غطاءً نباتياً متنوعاً كما نجده هنا.
بالقرب من العيون، يكثر الغطاء النباتي في نقاط بعينها بشكل غير معهود (صورة 11). ووسط أنواع مزروعة قوامها أشجار خروب وتين ونخيل وعنب سامق ينمو وسط أكوام من المهيلات تنتصب العديد من أشجار البطوم. أما العرقد فتجده معلقاً بالسفوح في كل مكان وأحياناً ترمق "الگطاف" وبعض نباتات الگابر تتدلى من فوق الصخور. كزبرة البير تدل على تواجد ارتشاحات مائية. تجري المياه وسط الأسَلْ وأحياناً وسط القصب جهة الشرق، أما الطرفاء (أو الأثل) فمبثوتة هنا وهناك. (1/129)
صفحة 130
كل هذا الغطاء النباتي الوافر نسبياً، هذا الركام من النباتات المزروعة والأنواع المتوحشة التي تنمو وسط الصخور والظلال الوارفة قرب الماء ترتاح وجفونها متعبة بسبب شمس حارقة فوق غيل عادة ما يكون رمادياً وهزيلاً. فوق عيون الرومية والخلايفة حيث يجري بدون انقطاع فلج (ساقية صغيرة) تذكرنا أشجار الزيتون العملاقة بالخشب المقدس للعهود الكلاسيكية القديمة في حين يذكرنا القصب المراكم في وادي السوادنة الأعلى والذي تخلد فيه بضع بقرات للراحة بمشهد من مشاهد الشمال محذوفة منه السفوح الصخرية ذات الغيل الأعجف الذي يحيط بها. غير أن المفارقة الموجودة في كل مكان تقريباً بنفوسة تتمثل في تعاشيب أو غيل متفاوت في هزالته متواجد جنباً إلى جنب مع غطاء نباتي مزدهر قرب العيون. وهكذا مفارقة تعلن ذلك التضاد العنيف بين الصحراء والواحة والذي يمكن تبينه بجلاء أكبر كلما اقتربنا من الحدود التونسية وبالضبط في إقليمي نالوت ووازّن (صورة 17).
3 - تدهور الغطاء النباتي (1/130)
صفحة 131
إن الغطاء النباتي كما نراه اليوم جد متدهور. سوف نتأكد من المعطى إذا تسلقنا بعض الأماكن التي لا يتيسر للإنسان والحيوان الوصول إليها دائماً. لا تتردد القطعان على النتوء الصخري (أو العقاب) الحامل للقصر القديم الذي صار عبارة عن أطلال والموجود على الضفة اليسرى لوادي بورغوا كما أن الساكنة قلما تزور اليوم هذا الركن الوعر. في الجزء الأعلى تقع أعيننا في هذا السطيح الصغير المدفون تحت الأنقاض على نماذج من الرتم والجداري تضاعف ثلاث أو أربع مرات تلك التي تنمو بالوادي. كما أننا لما نتسلق الأكمة شبه المعزولة التي تهيمن على مصب وادي جادو في السهل شرق زرارت نلاحظ أن حجم النباتات مضاعف مقارنة مع ما هو موجود في الأسفل علماً بأن الظروف الطبيعية جد متردية على هذه الأكمة الصخرية التي تذروها الرياح، في العقائق النائية لأم الگرب وبرساف البعيدة عن كل التجمعات السكنية يكون الغطاء النباتي أجمل بشكل لافت مقارنة مع نظيره بأمكنة أخرى، أجمل، مثلاً، من نظيره الرافد بواد بگيگيلا.
لا داعي لجهد كبير حتى نعاين بالمقابل أن أرباض البلدات خاوية على عروشها وغطائها النباتي يكاد يكون ممسوحاً عن آخره. المتون الكلسية لأرباض نالوت جرداء بالكامل. ففي جادو يجب دفع ثمن باهظ للحصول على الحطب لأنه يجب قطع ثلاثة إلى أربعة كيلومترات بحثاً عنه. وبالإمكان الإسترسال في الأمثلة، غير أن المؤكد أن البلدة حتى قبل مشاهدتها تكشف عن نفسها من خلال التدهور المتزايد لغطائها النباتي.
إن المشهد النباتي الذي رأيناه بأم العين تبصمه بعمق بصمة الإتلاف الحيواني والبشري. (1/131)
صفحة 132
بهيمتان رهيبتان هنا بصفة خاصة : الماعزة والجمل. فالماعزة التي ترعى عموماً بالقرب من البلدة تلتهم كل ما تجده في طريقها. فقد رأيناها تقضم دغلاً صغيراً جداً لم يبق فيه سوى الخشب فما بالك بالنباتات الصغيرة التي تلتهمها بشره في فصل الربيع ولا تترك لها حتى ما يكفي من الوقت لنموها، لا منحدر يعتبر وعراً بالنسبة للماعزة، فهي تذهب بحثاً عن مرعاها في المهيلات المتحركة التي تخفي بضعة باقات عجفاء وفي كل مكان إن الماعزة مخربة كبيرة لبادية الجبل.
الجمل أقل خطورة، فهو غير مرتاح في المسالك الوعرة للجبل لذلك يبعث للرعي في جهة القبلة. غير أن نباتات قليلة جداً هي التي تفلت من قبضة فكيه القويين. يلتهم دفعة واحدة الحلفاء اللازبة والسبوث ويبحث عن الخزامة والسرمق (القطف). على جنبات الطرق الجبلية، نحت الجمل بفكيه أشكالاً عجيبة وغريبة في الحلب التي يقضمها أحياناً حتى يلامس الجذع. (1/132)
صفحة 133
الماعزة والجمل رهيبان غير أن الإنسان أسوأ منهما. فهو لا يكتفي بقطع الشجر والنبات بل يقتلعها وأحياناً يجثثهما اجتثاثاً من جذورهما. عندما نرى موكباً من الجمال والحمير والنسوان تعود إلى البلدة محملة بالحطب نتساءل ما هي هذه المنطقة النائية والمحظوظة التي ذهبوا إليها وأتوا منها بكل ذلك. إنهم لم يذهبوا أبعد مما نتصور، كل ما هنالك أن هؤلاء الرجال والنسوان اقتطعوا كل ذلك الحطب بفؤوسهم ومعاولهم. بالإكليل والقندول وبخاصة الجداري نتمكن من الحصول على فحم خشبي جيد يباع جزء منه في السهل، كما أن النباتات نفسها تمدنا مباشرةً أيضاً بحطب الوقود فضلاً عن التيمول والرتم والعناب. على أية حال، هل ثمة نبات لا يصلح للإيقاد خصوصاً بالصيف؟ في نالوت توقد النار بالحلفاء في أفران الجير. وهكذا وعلى ممر الأيام ومنذ سنوات وسنوات خلت تذهب نباتات الجبل مع الريح لأجل اعداد طبخ متواضع لبني البشر ومنذ ما يقرب نصف قرن إنضاف إلى ذلك إعداد الشاي، لمن يمتلك مال اقتنائه، والذي يتناوله السكان هنا في كل وقت وخصوصاً بالمساء أو عند قدوم ضيف. وعندما لا نجد بعد كل ذلك شيئاً نجتث الجذور بدورها لتقدم لألسنة النار. يبحث الناس هنا بصفة خاصة عن الجداري لأن لحائها يصلح للمدبغة وتعطي طلاء أحمر تطلى به الجلود أحياناً. هذه التي توفر لأصحابها تجارة حقيقية.
ذكرنا أعلاه بأنه تقطع النباتات الصغيرة ليستعان بها في العلف ونضيف أن الحلفاء والحلفاء اللازبة تقتلعان أيضاً لتُجدل منهما أشياء وحبال وسلل وطقم الفرس وما إلى ذلك. يُعِدُ القواليش خلف ككلة وآل السباع المجاورين لهم أكواخاً في الصيف يفرشونها بالحشفة والحلفاء. أما السدر فيمدهم بهذه الفروع المشوكة الرهيبة التي تحاط بها البساتين والخيام. كل نبات صالح لشيءٍ ما، لكن في غمرة ذلك نتناسى أنه صالح أيضاً للاحتفاظ بالتربة على هذه المنحدرات الوعرة والحد من التخديد الذي يسحق الجبل. (1/133)
صفحة 134
إغفال العنصر البشري أو الحيواني في دراسة الغطاء النباتي لا يقل خطورة عن إسقاط عامل المناخ والأرض من الحساب، لكن إلى حد ما عمل كل واحد منهم على تغيير المشهد النباتي؟ يتعلق الأمر، لا محالة، بمشكلة عصية على الحل في جزئها الأكبر لا نملك هنا إلا طرحها وذلك أضعف الإيمان. سنرى أن الجبل كان مأهولاً، دون أدنى شك، منذ العصور الغابرة الضاربة بالقدم وأن ساكنته كانت شاهدة عيان على العديد من التغيرات المناخية التي كان الجبل مسرحاً لها. فما هي إذن حصة العنصر البشري وحصة المناخ الجاف في تطور هذه العشائر النباتية؟ ... لا مناص من دراسة دقيقة للغاية تتمحور حول الغطاء النباتي في هذه المنطقة حتى ندّعي إمكان إيجاد حل لهذه المشكلة المزدوجة.
المؤكد الآن هو أن التردي الكبير للتعاشيب والغيل حقيقة لا تطالها ذرة شك. وهذا التردي الموغل في القدم تمخض عنه، بطبيعة الحال، تحول في العشائر النباتية. فقد رأينا كيف اكتسحت النباتات الدخيلة التعاشيب المرملة كما أن يد الإنسان ونمو شجيرات الزيتون أحدثتا تحولات في الغطاء النباتي ككل. فضلاً عن ذلك فنحن نعلم بأن الحلفاء العقيمة البذور تشير إلى درجة متقدمة من التردي، بل إن مساحات الحلفاء تبدو كما لو أنها تعرضت للقضم في نقاط منها بعينها سيما باتجاه الغرب من قبل أنواع نباتية أكثر قدرة على التأقلم مع المناخ شبه الصحراوي الحالي. وهنا كما في كل مكان يساعد المناخ الجاف البشر والحيوان في هجمتهما الشرسة على الغطاء النباتي منذ قرون وقرون علماً بأن المناخ إياه كان في زمان ولى لا يتوانى عن الإزدياد جفافاً وقحطاً.
الجزء الثاني
طرائق العيش
مقدمة (1/134)
صفحة 135
عندما نكون على علم بظروف العيش في جبل نفوسة، وبمناخه شبه الجاف على الخصوص، ونزوره وادي بواد وعقاب بعقاب، ونلمح زواياه نقطة بنقطة، نتفاجأ في هذه البلاد الوعرة بكل هذه الأعداد من البلدات وبالناس الذين يذهبون إلى أشغالهم، بعضهم بخطى حثيثة والمعول على أكتافهم، والبعض الآخر ممتطياً جحشاً صغيراً أو متراقصاً على سنام جمل.
نجد أحياناً بهذا الجبل الشبه الصحراوي تقريباً حياة ونشاطاً غير قابلين للفهم للوهلة الأولى، ونتساءل كيف يمكن لهؤلاء الناس من العيش، وكيف يمكن لأرض بهذا الجفاف، ولأودية وهضاب بهذه الفظاظة، أن تمد كل هؤلاء القرويين بالغذاء؟
إن إنطباعنا بالكثافة السكانية تصدقها الإحصائيات. هاكم أرقاما عن أعداد السكان في كل مديرية من مديريات الجبل(1)
المديريات
الساكنة
الملاحظات
نالوت
4.742
بما في ذلك ساكنة وازّن ورعاة القطعان وعوائلهم في نالوت والجوش 4.146 (على سبيل المقارنة)
كاباو
3.072
الحرابا
3.426
المجموع (نفوسة الغربية)
11.240
الرحيبات
3.912
المديريات أصغر من مثيلاتها في نفوسة الغربية خصوصا مديريتا الرجبان وككلة. أما مديرية رينتان فتنتهي للقبلة وليس لها إلا امتداد ضيق جدا بالجبل. منها 260 "إسرائيلي" (يهودي)
جادو
4.965
الرجبان
2.923
الزنتان
3.790
الرياينة
3.636
يفرن
7.098
ككلة
5.749
المجموع (نفوسة الشرقية)
32.073
المجموع العام
43.313
السبعة
6.992
غريان
21.871
على سبيل المقارنة. توجّب خصم العديد من العساكر في غريان.
__________
(1) - لم أر ضرورياً تعداد السكان حسب كل مشيخة، بالطبع فإحصاء عام 1931 المعتمد هنا إحصاء تقريبي سيما و أن جزءاً من الساكنة يتواجد دائماً خارج المنطقة. إن إعطاء عدد السكان حسب المشيخة سيكون من قبيل التدقيق الخاطئ في نظرنا. (1/135)
صفحة 136
يصعب مقارنة هذه الأرقام التقريبية فيما بينها. فالدوائر متفاوتة في امتدادها وتضم أطرافاً من الجفارة والظهر- بل وحتى القبلة. إلا أننا نلاحظ أن الساكنة تزداد ازدياداً ملحوظاً من الغرب باتجاه الشرق. والمقارنة هنا بين جزئي الجبل وجيهة. فنفوسة الشرقية المحظوظة بتساقطاتها وبمساحتها الواسعة من تربة الحمري تضم ثلاثة أضعاف ساكنة نفوسة الغربية. نظرة بسيطة في خريطة البلدات المرفقة بالكتاب بين يديك تكشف عن هذه الظاهرة فحتى وإن أخذنا بالاعتبار أن الساكنة أكثر تمركزاً في الغرب منها في الشرق فإن الارتفاع المتعاظم في عدد البلدات الممتدة من الحدود التونسية إلى تخوم جبل غريان يعبر عن تزايد جد ملحوظ في عدد الساكنة (الخريطة XIX).
من جهة أخرى، النفوسيون بدويون أساساً وهو لا يعني أنهم مستقرون تماماً. ففي هذا المنحى، يبدو الجبل كشريط ضيق تؤثته مساكن متكدسة ومستقرة نسبياً بين تعاشيب صحراوية وشبه صحراوية وشبه مهجورة من الساكنة إذ لا يمر منها سوى الرحل الذين يعيشون تحت الخيام. ينبغي اجتياز 100 كيلومتر لتقع عيناك على أولى الواحات الصغيرة (سيناون ومزدة) و100 إلى 150 كلم قبل الوصول إلى درج أو غدامس. وإذا أردت الوصول إلى التجمعات السكنية الصغيرة على الساحل فعليك بسفر على ظهر جواد ليومين أو ثلاثة أيام تطوي فيه ما بين 80 و120 كلم انطلاقاً من الجفارة(1).
__________
(1) - دراسو مصغرة تمت في الواحات الصغيرة للجوش وشكشوك. (1/136)
صفحة 137
كل النفوسيين يقطنون ببلدات الجبل. فإذا افترضنا أنه على امتداد طول 200 كلم تقريباً يكون متوسط عمق الجبل حوالي 20 كلم فإننا سنكون إزاء مساحة تقدر ب 4000كلم². بعد خصمنا للعساكر والموجودين بالخارج (المحسوبين في الاحصاء) من المجموع الكلي للسكان سنحصل بالضبط على 40.000 نسمة بمعدل كثافة كيلومترية عشرة: خمسة لنفوسة الغربية وخمسة لنفوسة الشرقية. إن هذه الكثافة السكانية المتمثلة في 5 سكان في الكيلومتر المربع في منطقة تستقل 80 إلى 150 ملم من مياه التساقطات سنوياً ( وهو معدل لا يعني الشيء الكثير كما رأيناه) و15 من السكان في منطقة مسقية بـ 150 إلى 220 ملم من مياه الأمطار سنوياً كذلك، أقول إن هذه الكثافة كثيرة بما فيه الكفاية. لكن إذا عدنا إلى إحصاء 1915(1) فإننا سنلاحظ أن القلاقل التي شهدها الجبل ما بين 1915 و1922 ساهمت إلى حد كبير في إفراغ الجبل من ساكنته خصوصاً نصفه الشرقي. هكذا صارت الكثافة تقترب من 7 بالغرب وتتجاوز 25 بالشرق. تعبر هذه الأرقام عن مفارقة حقيقية. فمعروف عن الجبل أنه ملاذ وأن عيونه الكثيرة على هزالتها تجذب الناس إليها دائماً.
__________
(1) - [أگوستيني] ص388-389. (1/137)
صفحة 138
غير أنه من المستحيل على قاطنيه العيش على ما توفره موارده فحسب. فالنفوسيون اجتهدوا كثيراً لأجل ترشيد استعمال المياه الجارية كلما جادت السماء بمطر على مرتفعاتهم، واجتهدوا أيضاً في استخلاص أكبر الفوائد من الغراسة في بلد عاق وجاف. ولولا ذلك ما كان بإمكان جبلهم اطعامهم. فهم في أمس الحاجة لأراضي يزرعون فيها الحبوب وأخرى للرعي من الجفارة إلى الظهر. عليهم ان يستعملوا المياه التي تجري بسرعة عبر الأودية، وزرع القمح والشعير في مجاريها وفي الگارا وبساتين السهل (باللغة الأمازيغية بحيرت) كما أنهم في أمس الحاجة للمساحات المتنامية الأطراف للظهر وجزء من القبلى لإطعام قطعان مواشيهم. ولا خلاص بدون توافر كل هذه العناصر سوى النزوح الجماعي أو الاستسلام لبؤس أسود.
يعيش النفوسيون إذن على الجبل حيث يمارسون الغراسة، والجفارة المجاورة حيث يزرعون القمح والشعير، وترتوي ماشيتهم من العيون والآبار في الصيف، وعلى الظهر وجزء من القبلى التي تهب مساحات شاسعة لقطعان الماشية في الشتاء والربيع مزروعة في معظمها بالحبوب. بصفتهم ممارسين للغراسة وزراعة الحبوب وتربية الماشية. يتميز اقتصاد أهل نفوسة بتعقد لا بأس به. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلكونهم يتوفرون على مسافات كبيرة للرعي تجدهم في الأغلب الأعم خارج بيوتاتهم. إنهم ريفيون رُحّل لا يستقرون إلا ليترحلوا.
الفصل الأول
1- الزراعات وتربية الماشية
الغِراسة : لوحظ منذ زمن طويل أن أهل الأرياف في شمال افريقيا كانوا دائماً يزاولون الغِراسة. وتلك في ظني واقعة مسترسلة لا استثناء فيها. (1/138)
صفحة 139
الفرق بين ساكني الجبل (الجباليين) وبدو الجفارة أو الظهر لا يكمن في نمط السكن والترحال- ذلك أن "الجبلي" يعرف بدوره الخيمة ويتنقل من مكان لآخر- بل الفرق تجده بينهما في الاقتصاد الفلاحي نفسه لكليهما. فالغرّاس (الفلاح) يظل متشبثاً بالأشجر القريبة من بلدته، وحتى إن كان يمارس الترحال قليلاً فإنه يظل دائماً فلاحاً. ما أن يبتعد عن أفقه المعتاد وبلدته وأشجاره حتى يحس بالغربة. الغرس والتضاريس هما قوام أصالة مشهد الجبل.
تجد الأشجار مبثوتة هنا وهناك. في أعماق الأودية وروافدها، على السفوح وفي الشعاب، حيث تتجمع حول العيون والآبار، على العقائق (ج: عقيق) الكهلة لسطح الجبل، بل وعلى الهضبة نفسها. يشهد توزع مختلف الأنواع تنوعاً لا بأس به من الغرب نحو الشرق، غير أن ريش النخيل هو الذي ينتصب عموماً فرادى وجماعات في الأودية والشعاب، في حين تمتد الأوراق الرمادية لأشجار الزيتون على الخط الملتوي لعقائق الهضبة أو تنتشر في شكل بقع على امتداد الأرض. أما أشجار التين الصغيرة فتظهر أوراقها الطرية على الإرتفاعات كلها سواء من فوق الهضبة أو على الأودية، أشجار الزيتون والنخيل والتين هي الأساسية بالجبل بل نكاد نقول هي الوحيدة فيه. ويلعب زيت الزيتون والتمر والتين دوراً رئيسياً في غذاء أهل نفوسة. (1/139)
صفحة 140
أنماط الزراعة : استعمال المياه الجارية : ليست الزراعة الجافة معممة بل ترتبط بنسبة معينة من التساقطات وبأرض بعينها. لا تغطي الزراعة المَسْقِيّة إلا بضعة هكتارات في المنطقة كلها. أما العيون ففقيرة جداً وتستعمل بصفة خاصة لمد الإنسان والماشية بالماء. كثيراً ما يتم البحث- سيما في الغرب المتميز بجفافه الكبير- عن طرق كفيلة باستغلال مياه التساقطات إلى أقصى حد ممكن من خلال استعمال المياه الجارية وتجميعها في مطرية أوسع (المطرية هي بركة داخلية في فناء المنازل لجمع مياه المطر). إنصب اهتمام الجغرافيين لمدة طويلة على السقي بمعناه الخالص، وقلّمَا التفتوا إلى استعمال المياه الجارية ذات الأهمية الخاصة في افريقيا الشمالية، وفي البلدان السهبية أو التعاشيبية بصفة عامة، والتي تتخد أشكالاً وأنماطاً متعددة حسب التساقطات والتضاريس وعبقرية الإنسان.
في كل مكان تقريباً، وبجبل نفوسة، وبخاصة في جزئه الغربي تجد المنحدرات وقد اخترقتها سطيحات وسدود صغيرة. أما عقائق سطح الجبل وكذا الشعاب فتخترقها جدران من أحجار يابسة أو من تراب، في حين أن السفوح اللينة الموجودة أسفل الوديان تتفكك إلى سطيحات نصف منهارة والأعماق تتقطع إلى أجزاء ممتدة ذات أشكال غير منتظمة. هنا نُحوّل مياه الأودية، وهناك نجتهد للاحتفاظ بالماء والتربة، وهما العنصران الناذران والغاليان في بلد القحط والحصي. يعتمد شكل ووظيفة السطيحات (أو المصطبات) على التضاريس بصفة خاصة:
1- تمثل العقائق الكهلة على مستوى سطح الجبل والظهر نمطان من الزراعة يتغيران بتغير نسبة التساقطات وكمية تربة الحمري. في الغرب، يغلب نمط السدود الطولية التي تخترق العقيق عمودياً في المنحدر. كل مياه المطر الجارية في التلال والقليل من التربة الموجودة فيها تتكدس خلف هذه السدود التي تقطع العقيق في شكل خطى متعاقبة تدعى الفگها. (1/140)
صفحة 141
في التربة المحتفظ بها بهذا الشكل والفائضة بالمياه حسب الفترات تجد، أشجار زيتون وتين مغروسة. فإذا كان المنحدر ضعيفاً فإن السد يبنى بالأحجار الجافة أو "الطابيا" وحائط من تربة مدكوكة بمقاطع الجذوع ولكنه على العموم سد حقيقي وضروري. يظل دائماً سداً ترابياً لكن يسند في الأسفل وأحياناً في الأعلى بجدار من الحجارة الجافة وفي مثل هذه الحالة تجده واسعاً سعة الفوق (الرسم 6 والصورتان 13 و16).
تطور هذه السدود و"الفگها" التي تَسنُد هو دائماً عينه. فبعد عقود تتراكم التربة لتصل إلى مستوى سطح السد الذي يرتفع جراء ذلك لكنه يفقد أيضاً صلابته. هكذا يتم تهيء مسكب أو "منفس" مقوى بالحجارة، يسمح للماء المراكم بالجريان على السطيحة (أو المصطبة) الموجودة بالأسفل، لكن عاجلاً أم آجلاً ينتهي الأمر بالسد إلى التراجع أمام قوة المياه والطمي بعد تساقطات طوفانية أو إلى أن تكسوه الحفر في أماكن بعينها بفعل المياه الفائضة. هكذا تندفع كل هذه الأخيرة في اتجاه الفجوة المفتوحة فتحفر المصطبة نفسها حيث كانت تتجمع التربة في شكل طبقات منذ قرن أو يزيد.
ولأجل توجيه المياه الجارية في سفوح العقيق تحفر أحياناً مسيلات مائلة تصل حتى السطيحة وتسمى "الجرايا" و"مسكا" بالساحل التونسي وبما أن البهائم هي العدو اللذوذ للأشجار، كثيراً ما نرى لفقها تحيط بها أسوار من حجر من كل جانب بها ثقوب خاصة بجريان مياه السفوح.
تزداد أهمية السد والسطيحة كلما كان العقيق عريضاً وعدد الأشجار، كما جاهِزِيَتها يتوقفان على هذا العرض. (1/141)
صفحة 142
بمقدار ما نتجه صوب الشرق تمتلأ العقائق (الأودية الصغيرة) بالتربة الحمراء، وبما أن كمية التساقطات تزداد بالتدريج، فإنه بإمكاننا استعمال عرض العقيق برمته بواسطة نظام المانكات، وتدريج سطيحات التربة الصغيرة سواء الطولية أو الجانبية، الدائرية أو المستطيلة، حيث تنمو شجرة أو أكثر. هذه السطيحات التي هي من نوع آخر ترابية دائماً لكن عندما يكون المنحدر قويا نسبياً فإننا نسندها بجدران من حجارة جافة. تتواصل هذه المانكات فيما بينها بما يتيح لها الإستفادة من المياه الجارية في العقيق وعلى السفوح. في المناطق ذات الزراعة الجافة تتبع النظام نفسه عندما يكون المنحدر قوياً بعض الشيء من أجل الحيلولة دون السيلان، وانجراف التربة والتحفر. وتمتاز منكات هضبة يفرن بالإعتناء الشديد بها.
2- في عمق الأودية، ثمة على العموم مكان للسطيحات المتواجدة بين الوادي وقدم السفوح وتسمى هنا "شيابا" وأحياناً "باطان". ويمكننا ترتيب "الشيابات" وفق أنماط متنوعة تبعاً لعرض الوادي ومصدر الماء المتدفق فيه.
فإذا كان الوادي عريضاً كفاية والعمق مسطحاً أيضا فإن أرضيته تكون مقسمة إلى مرتفعات ترابية صغيرة وحجارة مستطيلة متفاوتة الانسجام تمتد من قدم السفح إلى مجرى الواد. يأتي الماء الجاري على الجرف ليتراكم فيها والفائض منه يصب في الوادي. نجد هذا النمط بالذات في وادي جويبيا أو وادي نالوت.
غير أنه يمكننا أن نشاهد في عمق الصدفات العريضة للجبل الغربي عقائق صغيرة منفرجة نشأت في الصَدَفَة نفسها تصل إلى بستان صغير فيه بضع شجيرات تين وقليل من النخيل يسنده سد متواضع. هكذا يستفيد هذا البستان من مطرية في عين المكان وبقنوات تصريف بطبيعة الحال. وأحياناً أخرى، تجد العقيق يرتوي ارتواء إضافياً من ساقية صغيرة تقطر ببطء من سفح ما يجعله ينحفر أكثر ويتم تقطيعه إلى سدود متتالية نمت فوقها ثلة من الأشجار.
السطحيات الطولية لعمق الوادي (1/142)
صفحة 143
النموذج الأكثر تواتراً في أعماق الأودية هي السطيحة الطولية التي ترتوي من الوادي (الرسم 8 والصورة 20). تلة صغيرة من الحصى عرض الوادي تحمل معها عندما تمطر السماء كمية مائية كافية باتجاه الساقية (أساغ بالامازيغية) المسنودة بِسُور من الحجارة (الرقم 3) تقود الساقية إلى سطيحة مغروسة فتفيض منها المياه (رقم 1) يتم تفادي تسرب كمية كبيرة من الماء إلى البستان فيتم تقنينه في الساقية بواسطة نظام بسيط وبارع (رقم 5) وكذلك من خلال إعداد مسكب متين (منفس) (رقم 4). وللحيلولة دون اقتلاع النخيل يتم اللجوء أحياناً إلى حماية قاعدة الجذر بواسطة تلة ترابية يحيط بها سور صغيرة مبني بالحجارة الجافة (رقم 2). يمكننا الحصول بعين المكان على سطيحتين متراتبتين، ونادراً ما نحصل على ثلاث. تقع دائماً على الضفة المقعرة للأودية، وأبداً على مثيلتها المحدبة. جرفت التعرية الجانبية معها بسرعة كبيرة الجداول والسطائح.
3- غالبا ما تكون سفوح الأودية والنتوءات الصخرية محفورة بأودية صغيرة بالكاد محفورة، لكن تجري بها سيول طوفانية إذا أمطرت. إن الاحتفاظ بهذه المياه والتربة التي تجرفها معضلة حقيقية على منحدرات شديدة الوعورة. ففي الأغلب الأعم، لا توجد السدود والسطيحات إلا بالأسفل وتبدأ في النقطة الأعلى لمروحة الانصباب.
تمتد السطيحات في اتجاه خطوط الارتفاع. غير أن السدود المنذورة بالإحتفاظ بالمياه وتوزيعها على السطائح لا يمكنها أن تصمد دائماً أمام القوة الهوجاء للسيل الطوفاني. ويحدث أن يغير هذا الأخير مجراه فجأة ويقلب رأساً على عقب كل ما يصادفه على الطريق مدمراً الجدران والتبيات، حافراً التربة ومقتلعاً وجارفاً معه الأشجار وسطائح الشعاب هي دائماً عرضة لتهديد من هذا النوع. (1/143)
صفحة 144
4- إن السفوح ما بين سطح الجبل وعمق الوديان شديدة الوعورة وكثيرة الحركة، على الأقل في الجزء الأكبر من المنطقة المدروسة هنا، ما جعل التفكير لم يتجه إلى استغلالها زراعياً. هذا مع العلم أننا رأينا كيف يمكن للكلس من السيوماني الأعلى أن يشكل سطيحاً أو على الأقل أن يخفف من حدة هذه الوعورة الغالبة. تستقبل السطائح المعدة على هذه الأراضي الكلسية المياه الجارية على الجزء العلوي للسفح. وتقترب من واحد من الأنماط الموصوفة في عمق الأودية، إذا لم تكن ضيقة جداً ومتراتبة ومسنودة بأسوار من الحجارة الجافة. بعضها مهدد كلية بالزوال بفعل مهيلات متوسطة، والبعض الآخر مستقر نسبياً وصلب. يزداد هذا النوع من السطائح على السفوح الأقل وعورة والمسقية أحسن في الجبل الشرقي، ونمر منها مباشرة إلى السطائح ذات الزراعة الجافة بمديريتي يفرن وككلة. وها هنا نجد أيضاً سطائح تستفيد من المياه الجارية جنب الجبل.
عادة ما تسمى السطائح المتراتبة على السفوح أو فقط على المدرجات أو مراوح الانصباب أي الجسر بالعربية الفصحى.
ثمة إذن عدة طرق في استعمال المياه الجارية وأنماط من السطائح. لغتنا عاجزة عن تسميتها جميعاً ولا مناص من الاستعانة بالمدونة المحلية على الرغم من افتقارها بدورها للدقة والشمولية، إذ نجد الكلمة الواحدة تعبر عن أنماط مختلفة أو على العكس النمط ذاته بتسميات محلية عديدة. والمزج بين العربية والأمازيغية في هذه التسميات يزيد الأمر تعقيداً. التسميات التي استعملتها هنا هي الأكثر تداولاً وتتطابق مع الترتيب أو التصنيف الذي تبنيته دون أن يستنفذ تفصيلاته، وأدق جزئياته. (1/144)
صفحة 145
الري : استعمال المياه المنسابة شائع على نطاق واسع جداً، بينما الري بمعناه الخالص ذو أهمية ثانوية ومحدود في أماكن بعينها. العيون والآبار وافرة غير أن صبيبها ضعيف جداً على وجه العموم، مما يؤدي إلى عدم استعمال معظمها في المجالات الفلاحية. قد تتواجد بعض العيون القابلة للاستعمال في شعاب جد عميقة تتكدس فيها أكوام من المهيلات، وخالية من التربة التي تسمح بإعداد السطيحات الضرورية بها. فأم الگرب مثلاً غير مستعملة رغم سديمتها المائية الجميلة. الأماكن المحيطة بعين الزرگا أعدت نسبياً لكن بعد جهد جهيد. (صورة 3 و11). زد على ذلك كله ضرورة الأخذ بالحسبان أن كثرة كاثرة من ساكنة الجبل لا تهتم بالعمل الدقيق الذي تتطلبه الزراعة المسقية.
كل هذه الحيثيات الطبيعية والبشرية تفسر الإهمال الكلي لمعظم الواحات الصغيرة جداً التي تنتصب باقات نخيلها بالقرب من النقاط المائية. بعض اشجار نخيل ذات الجذوع المنبثقة وسط المهيلات، ثلة من أشجار التين، بالإضافة إلى أشجار قليلة جداً من الرمان المتخفي نصفها بين صخرتين، والممزوجة أصلاً بالبطوم والعرقد الأوروبي. هي ذي الزراعة المنتشرة أسفل العيون. فضلاً عن ذلك، غالباً ما نتبين آثار تهيئة للأرض متفاوتة في القدم كبعض السطائح المنهالة، وأحياناً قطعة من قناة ريّ. (صورة 17 و18).
تتضمّن تهيئة الواحة بناء بعض السطائح الضيقة والطويلة المسنودة بجدران من حجر قائمة على جوانب الشِعْب الذي تنبجِسُ منه العين، مهيلات كبيرة تصلح كنقاط دعم، مجموعة من القنوات الصغيرة، جداول ترابية بسيطة، وأحياناً فسقية أو فسقيتان (حوض من رخام وسط نافورة ماء) للري. بعض هذه الواحات الصغيرة يشهد على جهد فعلي بذل لأجل التأقلم مع ظروف صعبة، كما هو شأن عين تمگونت التي تتراتب سطائحها على منحدرات جد وعرة على جهتي لُحج كبير من طفل حثي أصفر (صورة 6 و14). (1/145)
صفحة 146
لا يستعمل الأهالي هنا أبدا كلمة واحة إذ يسمون دائماً البساتين المسقية، سواء كانت على سطيحة أم لا "السواني" وأحياناً بتسمية أكثر تعميماً وهي "جنان". تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الآبار الصغيرة العميقة التي تؤخذ منها المياه أحياناً تدعى كثيراً السواني. والاستعمال المزدوج هنا للكلمة وجيه تماماً ذلك أنه لا وجود لبستان دون ماء.
ثمة فرق مهم بين واحة ترويها العين، وواحة ترويها عدة آبار. فالثانية من الوارد أن تكون أكثر سعة وأقل ضيقاً. فلكل بستان بئره الخاصة، ويستخرج منه الماء بواسطة جمل أو بقرة أو حمار يجتذب قربة من جلد الثور وغالباً ما تم توضيف هذه الطريقة في جلب المياه من الآبار. كلما تكاثرت الآبار امتدت مساحة الواحة بقدر ما يسمح به المكان. بطبيعة الحال، فالواحة المرتوية بماء البئر ليست بنفس الكثافة والازدهار في الواحات ذات العيون.
فلنقارن على سبيل المثال بين البساتين المنفرجة لحسيان نالوت وبگيگلا، مع الغطاء النباتي الكثيف الذي ينمو حول عين تموگت، ليتبين الفرق الذي يفقأ العين. هو الفرق نفسه بصورة مصغرة الذي نجده بين الواحات ذات الآبار على الساحل الطرابلسي، وواحات الجنوب الغربي التونسي. فالأولى ممتدة جداً ومنفرجة، والثانية أكثر تكدساً وكثافة وغنى.
في الواحات الكبرى بالجنوب التونسي أو الجزائري ليست التربة هي التي تدل على الملكية الحقيقية بل الماء. فتقسيم الماء يكشف عن تقنين دقيق وقانون حقيقي لا تطاله سوى تغييرات طفيفة من واحة على واحة. لا شيء من ذلك كله هنا. فالناس قلما يهتمون بالواحة في حد ذاتها، ذلك أن الوظيفة الأساسية للعين عندهم هي إمدادهم بالماء الضروري للشرب والغسل. (1/146)
صفحة 147
تتفاهم العوائل القليلة المالكة لقطعة أرض بسهولة شديدة حول طريقة تقسيم ماء جدول منساب من العين، والذي غالباً ما يبقى دون استعمال. أما في الواحات المتوفرة على الآبار فالكل يتدبر حاجياتهم من الماء اعتماداً على آبارهم لسقي بستانهم.
و مع ذلك، لا نعدام من وجود واحات تتوفر أو كانت تتوفر على قانون دقيق لتقنين المياه وتنظيم توزيعها. فماء "العين" في الرياينة كان يُقسم بين العوائل المالكة المختلفة، إذ بإمكان كل عائلة أن تستعمله لمدة 24 ساعة بالتناوب. هذا ما تفيدنا به وثيقة قديمة، ذلك أن عدد المالكين الذين لا زالوا يشتغلون اليوم طفيف جداً، ولم يعد يعمل بهذا القانون لزوال الخوف من كثرة المتنافسين والمتهافتين على حصتهم من المياه.
على العكس من ذلك، ففي السوادنة خلف ككلة تحدث خناقات حول عين ضعيفة جداً، إذا لم يتم الاحتكام إلى قاعدة بسيطة تقول: كل "لحمة" من "اللحمات" الأربع للقبيلة لها الحق في الماء لمدة 24 ساعة كل أربعة أيام ("اللحمة" هما هي الفخدة)، والشيخ هو الذي يراقب توزيع الماء على مالكي "اللحمة" التي يحكمها. يتعلق الأمر للأسف بمراقبة سهلة جداً، ذلك أنه بالنظر إلى الصبيب الضعيف للعين لا يمكن أن يكون هناك إلا عدد صغير جداً من المالكين. (1/147)
صفحة 148
وحدها عين تموگت بالقرب من جادو تمثل قانونية خاصة، ففيها نميز -كما هو عليه الأمر في كل مكان- بين ماء الشرب والغسل، وهو بمتناول الجميع بدون تمييز يذكر- ففي البلدان القاحلة لا يرفض أبدا طلب طالب ماء- وماء الري. والحال أن هذا الأخير لا يتوفر عليه إلا بعض العوائل، قد تقارب ب 200 عائلة، تسكن بالبلدات المجاورة. فقبل حوالي 70 سنة، كانت هذه العوائل تشتري من الحكومة التركية مياه الري. لكل عائلة الحق في عدد الساعات المتناسبة مع المبلغ المدفوع، ويتناوب على الدور كل أربعة أيام. وحدهم الأغنياء يستفيدون لعدة مرات من عدد من الساعات طيلة هذه المدة. يتم السقي ليل نهار ويتولى حارس احتساب عدد الساعات حسب موقع الشمس من شروقها إلى غروبها مرورا بالزوال إلخ... هكذا نجد أن العديد من السطائح (ج. سطيحة) لا تحصل إطلاقاً على الماء وعدد قليل من سكان جادو على سبيل المثال، لديهم ماء. اليوم، تستعمل الحكومة الإيطالية جزءاً من هذا الماء الذي تضخه في الأسفل لتدفع به في اتجاه النافورة على السطيحة بجانب الحصن التركي القديم. وبما أن مياه العين لها قنوات تصريف ومغلقة داخل أنابيب معدنية تصل إلى مجموعة الفسقيات، فإن كمية المياه الضائعة أقل مما كانت عليه سابقاً، والكمية المضخة تعادل تقريباً الكمية التي تدخر في السابق. معنى ذلك أن التدخل الإرادي في الموضوع لم يحدث اضطراباً كبيرا في آلية توزيع المياه ولا خفض صبيبها بشكل ملحوظ.
غير أن الأمر يختلف في نالوت. ذلك أن تواجد حامية مهمة نسبياً فيها أحدث اضطراباً حقيقياً في النظام القديم لتوزيع المياه، إذ تستعمل كل مياه العيون تقريباً في البشر والبهائم. ما يترتب عنه موت الأشجار. مهما يكن فإن أهمية الري بالجبل ضعيفة جداً. للري أهمية أكبر نسبياً في الواحات الصغيرة الواقعة على بعد بضع كيلومترات أسفل الجبل في الجوش أو شكشوك البلدتان الوحيدتان الصغيرتان في الجفارة وليس في دجّي. (1/148)
صفحة 149
الزراعة الجافة : مقابل السقي والكثافة الزراعية المتولدة عنه، ثمة الزراعة الجافة المنتشرة هنا على أوسع نطاق، وهو ما لا يمكن أن يكون إلا كذلك. تظهر أولى البساتين الجافة في الأماكن المحظوظة أكثر ببلاد الحرابا غير أنها لا تنتشر في منطقة الرحيبات- فساطو على السطيحة وباتجاه يفرن فوق السفوح.
للزراعة الجافة علاقة وثيقة بكمية التساقطات-150 إلى 250 ملم في المتوسط. وبطبيعة الأرض كذلك، خفة تربة الحمري هي التي تفسر تواجد أشجار زيتون جميلة على أرض فساطو. الظاهر أن أشجاراً بهذا الجمال يمكنها أن تعيش داخل نطاق الزراعة الجافة، بتساقطات مطرية تتراوح ما بين 200 إلى 240 ملم سنوياً في المتوسط بعيداً عن رطوبة البحر بجانب الصحراء ووسط رياح متواصلة وعنيفة على العموم. (1/149)
صفحة 150
ومع ذلك، فتربة الحمري غير غنية. فنسبة الجير فيها غير كافية بصفة عامة ولا أثر فيها للدبال(1)، وفقيرة من حيث نسبة الأزوث والبوتاس والحامض الفوسفوري، زد على ذلك أن سطحها يجف بسرعة بالغة. غير أن هذه التربة الخفيفة والقابلة للاختراق تمتص مياه المطر والرطوبة المناخية في حدودها القصوى. أما المياه فتستقر في الأعماق لأن الجاذبية الشَعرِيّة(2) ضعيفة جداً، في حين يتنقل الهواء فيها في سعة. طالما أن تربة الحمري تغطي أرضاً سميكة نسبياً أو أكثر كلسية فلن يستطيع الماء النزول إلى ما لا نهاية وستطال جذور أشجار الزيتون طبقة رطبة دائماً. هو ذا التفسير الذي يمكن إعطائه لأشجار الزيتون الجميلة التي تنمو وتزدهر في وسط غير ملائم. غير أن الانتاجية ستكون ضعيفة وغير منتظمة بل منعدمة تماماً إذا لم يتم الاعتناء بالتربة واجتثات كل الحشائش الزائدة فوقها.
رأينا على مستوى الأودية كيف يمكن أن تكون تربة الحمري أقل خفة، بل قد تتحول في أماكن بعينها إلى "طين" أي تربة كلسية أكثر، وفي الوقت نفسه صلصالية وسميكة (أو كثيفة). وبالتالي تكون في هذه الحالة من الناحية الكيميائية أقل فقراً خصوصاً في مادة اليوتاس، غير أنها ثقيلة جداً بالنسبة للتساقطات المطرية. هكذا لا تنتشر الزراعة الجافة إلا في جهة الشرق بمديريتي يفرن وككلة حيث تزحف على سطائح السفوح.
__________
(1) - [الدبال L’humus] : مادة عضوية سمراء اللون، لاقياسية التركيب ونسبة العناصر الغذائية، تنجم عن انحلال المواد العضوية في التربة. يقال دبل التربة أوتربة مدبولة. الموسوعة رقم9803.
(2) - [الجاذبية الشعرية La capillarité] : ظاهرة طبيعية تجعل النسغ يصعد في النبات، وتجعل الماء يصعد في التربة من العمق الى السطح حيث يتبخر. الموسوعة رقم6252. (1/150)
صفحة 151
الطريقة الأكثر شيوعاً في الزراعة الجافة تتمثل في غرس الأشجار، وعادة ما تكون أشجار زيتون. يتعلق الأمر هنا بـ"الغابة" باللغة المحلية (الصورة 9). لا مجال للخلط هنا، فلا غابة إلا حيث الأشجار المغروسة. إلا أنها غابة منفرجة، ذلك أن الأشجار التي غرست في الأصل لربما حسب ترتيب معين هي اليوم متناثرة ومفصولة عن بعضها البعض، بشكل مضبوط كما لو كان ذلك كله بمحض الصدفة. مصطلح "الغابة" ليس اسماً محلياً فهو معروف ومنتشر أيضاً بمنطقة الساحل والسهول التونسية الكبرى، الشمالية الشرقية، وبمناطق أخرى. تشير كلمة غابة هنا إلى الأغراس الكبرى لأشجار الزيتون التي تغطي مساحة قطعة واحدة كما هو شأن غابة الرحيبات- فساطو- الرجبان والغابات المتناثرة للزنتان- الرياينة ويفرن- ككلة. لكن في هاتين المديريتين، نجد أن الكلمة نفسها تستعمل أيضاً للدلالة على أشجار زيتون، بما في ذلك تلك التي تهبط في شكل سطائح على سفوح الأودية.
يقابل الغابة ذات أشجار الزيتون - القديمة كلها تقريباً - ما يدعى هنا "بالغرس" وجمعها "غروس". "الغرس" هو بستان جاف تغرس فيه أشجار مثمرة، عادةً ما يكون التين غالباً عليها. نجد "الغابة" على سطيحة لحرابة وبالضبط على مقربة من جريجن. تتميز كلها بالصغر وتحيط بها جدر حجرية جافة ومرتفعة جداً ويراعى ترك فتحات أسفلها تدخل منها المياه الجارية. لا زال الأمر يتعلق هنا إذن بشكل انتقالي. اليوم تمتد البساتين الرئيسية وراء غابات أشجار الزيتون القديمة، ومعظمها فتي نسبياً ما يجعلها لا تصمد كثيراً في الفترات المضطربة. (1/151)
صفحة 152
ثمة دائماً حائط صغير أو "طابيا" من تراب يعلوهما شوك العنّاب(1) لأجل حماية بستان يحتوي على بعض أشجار اللوز. أخيراً، تدل كلمة "غرس" كذلك على المساحات الشاسعة المغروسة بأشجار التين وهي مساحات غير مسيجة تمتد حتى حدود صفّيت على الظهر وراء بلدتي يفرن وككلة، حيث نعد كذلك عدد لا بأس به من أقدام الكروم (صورة 10).
فضلاً عن ذلك، عادة ما يبذر القمح والشعير "بالغابة" و"الغرس"، وكذلك بسطائح الزراعة الجافة التي تتواجد بها أيضاً أشجار زيتون ونخيل. يطلق على هذه السطائح المغروسة الاسم نفسه "غرس" ولكن عادة ما تسمى بـ: "جسر". وتسمى السطيحة الخالية من الأشجار بـ"تاغردايت"، سواء كانت مهجورة أو تبذر فيها الحبوب لا غير. ها هنا نلاحظ كيف أن مدونة الأسماء أكثر دقة من السابق.
الأشجار المثمرة، أشجار الزيتون : ترى أسفله العدد التقريبي للأشجار المثمرة حسب كل مديرية على حدة:
المديريات ... الزيتون ... التين ... النخيل ... اللوز والكروم ... الرمان وآخرى
نالوت ... 6.919 ... 14.441 ... 4.041 ... 39 ... 32
كاباو ... 10.587 ... 13.962 ... 5.373 ... 24 ... 115
لحرابة ... 8.896 ... 17.423 ... 8.224 ... " ... "
مجموع نفوسة الغربية ... 26.402 ... 45.826 ... 17.638 ... " ... "
الرحيبات ... 15.542 ... 2.106 ... 8.610 ... 54 ... 320
جادو ... 40.291 ... 18.233 ... 9.642 ... 54 ... 226
الرجبان ... 16.963 ... 8.512 ... 6.654 ... 167 ... 176
الزنتان ... 15.727 ... 15.637 ... 1.765 ... 41 ... 406
الرياينة ... 28.161 ... 96.811 ... 3.978 ... 1.318 ... 790
يفرن ... 37.014 ... 110.050 ... 10.858 ... 3.196 ... 640
ككلة ... 20.995 ... 42.513 ... 7.438 ... 965 ... 246
مجموع نفوسة الشرقية ... 174.703 ... 295.862 ... 48.945 ... 5.795 ... 2.804
__________
(1) _ السدر وهو تازوگارت أو تينغت بالأمازيغية، [عُنّاب jujubier]. (1/152)
صفحة 153
المجموع ... 201.105 ... 341.688 ... 66.583 ... " ... "
على سبيل المقارنة
السبعة ... 1.114 ... 76.816 ... 9.032 ... 1.076 ... 80
غريان ... 46.505 ... 201.776 ... 3.220 ... 25.727 ... 4.319
الجوش ... 8 ... 41 ... 2.622 ... 16 ... 122
يدعونا هذا الجدول إلى إبداء التحفظات نفسها التي أبديناها بصدد الجدول المقارن عن الساكنة. لكننا نسجل منذ الآن ارتفاعاً قوياً على العموم في عدد الأشجار كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق. يكفي لبيان ذلك مقارنة، مجموع الأرقام لنصفي الجبل لنخلص إلى ما يلي: عدد الأشجار في نفوسة الشرقية يفوق ست مرات عددها في الغربية، ويعود ذلك بصفة خاصة إلى إمكانات الزراعة الجافة بالشرق، أضف إلى ذلك أن زراعة الكروم بدأت تظهر في مديرية الرياينة لتساير النمو النسبي لها في مديرية يفرن. وإذا حاولنا من جهة ثانية مقارنة أرقام المديريات الشرقية مع الأخذ بعين الاعتبار تبايناتها المساحية فإننا سنلاحظ أن أقوى الأرقام ذات صلة مباشرة بالمساحات التي تنتشر فيها تربة الحمري أكثر. لكن من الخطأ الاعتقاد بأن عدد الأشجار يتوقف على الظروف الطبيعية فحسب. ومن المؤكد أن تأثير هذه الأخيرة يحسب له ألف حساب، وبخاصة ما تعلق منها بالظروف المناخية، غير أنه لا مفر من الأخذ بالحسبان للعنصر لبشري الذي تتجاوز أهميته أحياناً العناصر الأخرى.
نتبين كذلك في الجدول أعلاه الأهمية النسبية للزراعات المختلفة. فالزراعة الأساسية هي زراعة أشجار الزيتون متبوعة مباشرة بأشجار التين. غير أنه لا ينبغي أن ننخدع بالأرقام، فأشجار التين صغيرة وعددها المرتفع جداً يمنحها أولوية خادعة. وخلف هاتين الشجرتين بدرجات كثيرة تقع زراعة النخيل، وما عاداها من الأشجار ليست له إلا أهمية ثانوية جداً.
المقارنة بين الأثمنة لا تخلو أيضاً من دلالة. للأثمنة أهمية ضئيلة في حد ذاتها، فهي تتغير حسب الجهات وبصفة خاصة حسب الأعوام. (1/153)
صفحة 154
و المقارنة هي التي تهم في هذا الباب. وهاكم المثال: في الرجبان تباع شجرة الزيتون في المعدل بـ 200 إلى 250 ليرة والنخلة بـ 80 إلى 190 ليرة وشجرة التين بـ 30 إلى 40 ليرة(1). وبوسعي أن أسترسل في إعطاء الأمثلة، فسوف نحصل على أثمنة متباينة قليلاً غير أن العلاقة فيما بينها تظل هي هي بشكل لافت، وهذا هو الأساسي. ففي كل مكان تقريباً ستجد أن ثمن شجرة الزيتون يعادل مرتان أو ثلاث ثمن النخلة، وثمن النخلة يعادل مرتان ونصف ثمن شجرة التين وبالتالي فشجرة الزيتون تساوي خمس أشجار تين. تترجم هذه المتوالية الحسابية بدقة الأهمية التي يعطيها الناس لمزروعاتهم المختلفة، أي في الجملة لمردودهم.
تقترب هذه الأرقام من معطيات مهمة ترجع إلى نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، أي في ظل الحكم العثماني. ففي عملية توزيع الضرائب يأخذ الأتراك بعين الاعتبار القيمة النسبية للأشجار والماشية على النحو التالي: "كل رجل وجمل يعادل رأساً، ثوران برأس، عشر نعاج برأس، عشرين من الماعز برأس، عشرون شجرة زيتون برأس، ثلاثون نخلة برأس، مئتا شجرة تين برأس"(2). وفي جادو، يقول [ماتويزيلو Mathuisieulx]: "يدفع الرجل والجمل وِحدة، أي الضريبة نفسها التي تدفعها بقرتان أو 10 نعاج أو 25 معزة أو 25 شجرة زيتون أو 5 نخلات أو 200 شجرة تين"(3). لا تختلف القيمة النسبية للأشجار المغروسة إلا قليلاً عن تلك التي تعكس أثمان الشراء الحالية عند قابضي الضرائب العثمانيين.
__________
(1) - الليرة تساوي في هذه الفترة فرنك و 30 سنتيما.
(2) - يراجع [موتيلنسكي]، ص108/109.
(3) - يراجع [ماتويزيلو]، ص43. (1/154)
صفحة 155
شجرة الزيتون (تازمورت بالأمازيغية) هي شجرة جبل نفوسة بامتياز. بها يتميز عن القبلى والجفارة المجاورتين واللتين لا ينمو فيهما إلا النخيل والتين. وتلك واحدة من النتائج الهامة لمناخه الذي لا زال يحافظ على طابعه المتوسطي. شجرة الزيتون الأغلى ثمناً، وتحظى بعناية فائقة من قبل الأهالي، ذلك أن زيت الزيتون لا يصلح فقط في التغذية المحلية، بل منتوج وازن في المبادلات التجارية.
تعتبر شجرة الزيتون أعرق شجرة بالجبل والظهر، ولا تهبط في اتجاه الأودية الصغيرة إلا عند الحدود الشرقية القصوى لهذه المنطقة. في كل الأمكنة الأخرى، لا نجدها أبداً تحت لحج كلس نالوت إلا إذا تواجدت به عين. وفي نالوت ووازّن، تتواجد ضمن حدود نطاقها الزراعي.
تقع أعيننا على أشجار الزيتون مفصولة عن بعضها البعض بمقادير مضبوطة، ومصطفة على امتداد الأودية الصغيرة للهضبة، ومتعقبة للمجرى المكتوي للأودية العليا (صورة 13 و16). يستحيل أن تعيش بدون السدود الصغرى التي تحتفظ لها بالتربة والمياه، ومع ذلك نشاهد أحياناً أشجاراً تموت بعد سنوات متتابعة من القحط والجفاف. غير أنها لا تموت بصفة نهائية إذ حدث أن تقع العين في أرومة شجرة زيتون طحنها الجفاف على ورقتين أو ثلاث أفلتت من عضة معزة أو جمل فتختلف شجرتها الأصيلة وتواصل المسير. تنبثق دائماً من أرومة الشجرة ثلاثة أو أربعة أو حتى سبعة أو ثمانية جذوع يتولى الطمي المراكم إقبارها بالتدريج. (1/155)
صفحة 156
يتعين شد الرحال إلى كاباو وبخاصة إلى بگيگلا والرحيبات لتنظر كيف تخرج أشجار الزيتون في مجرى الوادي نفسه لتشكل على امتداد العقائق أشرطة عريضة من الغطاء النباتي (صورة 8). وفي الآن ذاتها، ستجد الأشجار أجمل وأقل تهالكاً وتتدرج في مانكات من التربة الحمراء. أول "غابة" هي " غابة" الرحيبات وفساطو والرجبان (صورة 24)، وأهمها على الإطلاق إذ تضم 50 إلى 60.000 شجرة زيتون. ثمة أقوال مأثورة تخلذ هذا الغني فيها، من ذلك ما يقال عن ويفات: "أن لو يعد شعير في ديسير ولا زيت في ويفات فعلى الدنيا السلام"(1).
وعن وادي صغير قريب منها يقال: "من ليس له ؟ أشجار زيتون في أم طبّول فليس له إلا العدم"(2). الغابة الثانية هي غاية الزنتان والرياينة التي تحتوي على 30 إلى 35.000 شجرة (صورة 9). أما غابة يفرن وككلة ذات الأشجار الأجمل والتي تحظى بعناية أكبر، فتمثل غلافاً أقل استرسالاً، إذ تقطعه تضاريس جد متعرجة، تنزل قددها باتجاه الأودية، ولكنها تضم ما بين 40 إلى 50.000 شجرة زيتون.
في غرب ووسط جبل نفوسة لن تجد أشجار زيتون بالأودية إلا إذا كانت بمحاذاة عيون. فالوادي حار جداً وقليل التهوية، ما لا يسمح للأشجار بالعيش في سعة، أما النخيل والتين فينموان بشكل أفضل.
__________
(1) - يقول المثل الأمازيغي: "أل مّي أ يوقا طمژين سي دسير، د دي سي ويفا مل دّونيت تفات" ئغاسرا د ئبريدن دي درارن نـ ئنفوسن، طبع مؤسسة تاوالت الثقافية، ص136.
(2) - يراجع [موتيلنسكي]، ص91/92، يقول المثل بالأمازيغية: "ؤل غر ـسن تزمّورت دي ؤم طبّول، ؤل غرسن غير لهول" المصدر السابق ص135. (1/156)
صفحة 157
شجرة الزيتون نفيسة حتى تترك لحالها وتهجر. ومع ذلك تنبغي الإشارة إلى أن النفوسي يجهل طرق الاعتناء بأشجاره إذا ما قورن بزارع الزيتون الصفاقسي الممتاز. فأشجار الأول غير مشذبة أبداً، بما فيه الكفاية، هذا إذا شذبت أصلاً. فهي جميلة بشكل خطير، بأوراقها المرتفعة جداً وبخاصة السميكة والتي تشجع تبخراً يتعين بالأحرى تقليصه إلى حدوده الدنيا، وتمتص من النسخ أكثر مما تمتصه من الثمار. إن تشديباً صارماً، وحده الكفيل بأن يجعل هذه الأشجار تعطي غلة أقل هزالاً، وبصفة خاصة أقل انتظاماً. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ففي بلد يكون فيه من الضروري محاربة تبخر الأرض من خلال الإزالة الكاملة للأعشاب والاعتناء فيها بطبقة عليا سهلة الحراثة على الدوام، نجد أن عمليات الحرث شحيحة على العموم، بل وتكاد تنعدم أحياناً، إلى الحد الذي يجعل الشجرة تعاني أشد المعاناة. تكفي مقارنة أشجار زيتون الزنتان المهملة، بأشجار الرياينة المجاورة لإدراك أهمية وحتمية الاشتغال على الأرض والاعتناء بها(1).
__________
(1) - يشار هنا إلى غياب دراسة عن أنواع أشجار الزيتون بنفوسة في فساطو مثلاً، تمدنا الحبات الغليضة لنوع غراسي بزيتون المائدة. أما النوعان داكر وناب جمل (أنف الجمل) القليلا الانتشار وخصوصا شملالي المعروف جداً في صفاقس والغنية حباتة بالزيت فيغذي صناعة الزيوت. يتعين الكشف عن الأنواع الأخرى وهي كثيرة. وبالمناسبة من الواجب اتخاد الحذر عند التعامل مع الأسماء المحلية التي تتغير بتغير الجهات والقيام بدراسة مماثلة لتلك التي شرع فيها [مانتي Manetti] في الجبل الشرقي، يراجع : [فرانشيتي] ، ص441 و 11. (1/157)
صفحة 158
وحتى وإن كانت أشجار الزيتون موضع اعتناء متوسط فمنتوجها يكون غير منتظم، ويعتمد إلى حد كبير على الأحوال المناخية. في نالوت، يجني أهلها غلة جيدة من هذه الشجرة كل خمسة أو ستة أعوام وفي نفوسة كل ثلاثة أو أربعة أعوام. وتواجد حبات الزيتون على هذه الشجرة لعامين متتاليين كما هو الحال عامي 1932 و1933 فيدخل في باب الاستثناء الذي سيظل الناس هنا يتذكرونه لمدة طويلة.
تترك الكمية الأكبر من حبات الزيتون تسقط على الأرض فالرياح تتكفل بهذه العملية بكثافة منذ شهري اكتوبر ونوفمبر. بعد ذلك تقوم النساء بجمعها ووضعها في سلل من الحلفاء المفتولة أو تحميلها على ظهور الحمير والجِمال. في وقت لاحق، يتم قطف حبات الزيتون المتبقية باليد وتنتهي العملية بالاستعانة بعصا صغيرة. الخبط (أو الجني بالعصى) الذي يكسر الفروع الفتية، تلك التي ستثمر- إنشاء الله- في العام المقبل، ممنوع وهو ما لا يعني أن الامتناع عنه معمم.
توضع أكوام الزيتون المجمعة من نهاية أكتوبر حتى نهاية يناير داخل أكواخ تجف فيها إلى حدود شهر مارس. نعلم أن هكذا إجراء سيء، ذلك أنه من الأفضل أن تسحق حبات الزيتون الطرية في الحال، والإنتظار حتى يحدث لها تخمر خفيف نسبياً يهب زيت الزيتون مذاقا رديئاً.
في مارس تفتح معاصر الزيت (أندور بالأمازيغية) التي يعصر فيها الزيتون. يتعلق الأمر بمعاصر جد بدائية تقع في مغارات مشيدة واسعة. فبناء بناية كبيرة يتطلب أموالاً طائلة، في حين تضمن المغارات درجة حرارة قارة زد على ذلك أن الضوء والنظافة ستسيل لعاب الطامعين. الرئيس وقد يكون مالكاً أيضاً هو الذي يسير العمل الذي يقوم به أربعة أو خمسة عمال(1)
__________
(1) - يراجع التوصيف الدقيق للعملية, عملية عصر الزيتون عند [بگوينوت] ص200-201 , فهو أفضل من ذاك الذي أعطانا أياه السيد [موتيلنسكي]، ص110 – 111 . (1/158)
صفحة 159
. يرمى الزيتون في طاحونة حجرية مماثلة لتلك التي نجدها في الأنقاض القديمة بعموم المغرب الكبير، يقوم جمل معصوب العينين بتحريكها ليلاً في الأغلب الأعم. في الصباح الباكر، يملأ العمال سللاً من الحلفاء كبيرة بالعجينة المسحوقة ويكدسونها تحت عارضة ثقيلة من أشجار الزيتون أو النخيل التي ستصلح كمعصرة. يتم إنزال العارضة بحبل بواسطة آلة لرفع الأثقال مشدودة يدها إلى حجرة غليظة. تشغل الآلة حتى ترتفع مع الحجرة فتسحق بذلك أكوام السلل وينساب الزيت. وهذه الدفعة الأولى من الزيت المسحوق تنساب في جرات كبيرة مدفونة تحت الأرض ثم تفرغ في جرّات أخرى لتتخلص من الشوائب. أثناء هذه العملية يتم القيام بعملية سحق ثانية وثالثة. يحدث كل ذلك في شبه ظلمة يستعان فيها بالقناديل والمشاعل، بينما تتسرب من أجساد العمال الذين يحركون آلة رفع الأثقال روائح عرق فظة، والآخرون يشتغلون بأياديهم المتسخة. ونحن نعرف مدى حساسية الزيت لأقل القليل من الروائح والأوساخ. والخارجة من هذه الغيران ليست على الإطلاق من النوع الممتاز.
لكل بلدة على الأقل معصرة يعصر فيها الناس زيتونهم، والأهم من بينها قد تتوفر على ثماني إلى عشر معاصر، وكل واحدة لها مضغط حتى ثلاثة مضاغط. يدوم العمل في هذه المعاصر عدة أشهر وتتوقف المدة على حجم الغلة. وكثيرة هي السنون التي لا تفتح فيها أصلاً. (1/159)
صفحة 160
أشجار التين : تعتبر شجرة الزيتون وشجرة التين (لكرما بالعربية المحلية وتامديت بالأمازيغية) الشجرة الرئيسية في المناطق الجبلية لشمال إفريقيا. وتعتبر ثمارها المجففة في كل مكان المورد الرئيس لعيش المناطق المكتظة بالساكنة. خلافاً لأشجار الزيتون في نفوسة والمتميزة في الغالب بجمالها بل وبجمالها الفائق، فإن أشجار التين صغيرة وذات طابع أجم. سيئة التشذيب وأحياناً تقضمها الماشية، وقصيرة على العموم ومن الأرومة نفسها تختفي جذوع عديدة. عادة ما يكون منتوجها ضعيفاً ودائماً غير منتظم، لكن بما أن عدد أشجار التين حوالي 340.000 فإن كمية الثمار التي تعطيها على العموم جيدة.
إجمالاً ثمارها صغيرة وحلوة جداً وتتراوح جلدتها بين الألوان الآتية: الأصفر المائل إلى خضرة والأحمر الغامق أو الأسود حتى. والأنواع الأكثر انتشاراً سيما في منطقة الزراعة الجافة هي الجبلي والخضوري ذي الثمار الخضراء الصغيرة واللب الأحمر.
يؤكل التين جافاً أو طرياً. وفي الصيف انطلاقاً من منتصف شهر يوليو، يأكل الناس جزءاً من التين الناضج وغالباً ما يستقرون لأسابيع أو مدة شهرين بالقرب من شجرة التين إذا كانت بعيدة عن بلداتهم، غير أن الكمية الأكبر تستهلك وهي جافة.
تجف فاكهة التين وهي لا زالت بالشجرة قبل أن تسقط أرضاً. تجمع ثم تعرض لأشعة الشمس على حصير مصنوع من الحلفاء أو التبن ثلاثة إلى أربعة أيام. بعد ذلك توضع في سلل من الحلفاء تدعى "برسيل" حيث يضغط عليها بلطف. يحتفظ بها على هذه الحال لشهور طويلة. وتعتبر بضاعة مهمة في التجارة التي يمارسها النفوسيين مع أهل الساحل. (1/160)
صفحة 161
تمتد مساحات شاسعة من الأغراس خلف غابة أشجار الزيتون بمديريات ككلة، ويفرن والرياينة. التل الذي يعلوه الضريح الروماني لصوفيت نراها تمتد على دائرة من عدة كيلومترات عبر التموجات اللطيفة للظهر (صورة 10). الظاهر أن امتداد زراعة أشجار التين في منطقة الظهر ليست موغلة في القدم. فأولى هذه الأشجار وأكثرها عددا غرسها منذ مالا يربو عن قرنين أهل قصر القلعة. أما أغراس ولد عمران من نفس الشجرة- وهم الفخذة الرئيسية في ككلة فتعود إلى جيلين أو ثلاثة. لكن الثابت هو أن شجرة التين كانت دائماً وأبداً الشجرة الرئيسية في البساتين الجافة المحيطة بالبلدات.
تتناقص أعداد هذه الشجرة تناقصاً كبيراً غرب الزنتان. وتلعب دوراً هاماً جداً في الجبل الغربي المعروف بفقره. نجدها مبثوثة هنا وهناك، سواءً في الهضبة حيث تختلط بأشجار الزيتون أو في البطائح أو في أعمق أعماق الأودية حيث يعلوها النخيل.
تقاوم شجرة التين الحرارة جيداً بل إنها تزدهر وتثمر في الأودية الحارقة المجاورة للحدود وعلى جفارة حتى. وبطبيعة الحال، لا تخلو منها أبداً مختلف السطيحات التي تصلها مياه غزيرة "كفقها" و"جسر" و"شيابا" ومع ذلك، كل فترة من أعوام الجفاف المتتالية تحمل معها إلى حتفها الكثير من أشجار التين. وحتى إذا كانت تقاوم الجفاف بدرجة أقل من شجر الزيتون فإنها قادرة على إعطاء الثمار بعد ثلاث أو أربع سنوات فقط.
النخيل، الواحات : حتى وإن كان أهل نفوسة يستهلكون كميات مهمة من التمر فإن زراعة النخيل (تازدايت بالأمازيغية) ثانوية ومهملة جداً. عدد أشجار النخيل أقل بكثير من مثيلاتها من الزيتون والتين، مع الخصم من الحساب تلك التي تنمو في الجفارة . الظاهر أن عددها كان مرتفعاً بشكل ملحوظ منذ بضع سنوات، وان اختفاء الكثير منها ناتج عن الاضطرابات التي تلت جلاء الكتائب الإيطالية عام 1915م. (1/161)
صفحة 162
تتناثر أشجار النخيل على العديد من سطيحات السفوح وفي أعماق الأودية ولا تتجمع في شكل باقات إلا بالقرب من العيون. ناذرة أشجار النخيل التي تشرئب بقنبرتها على مستوى سطح الهضبة، ذلك أن الريح البارد يؤذيها كثيراً.
ليس النخيل عند أهل الجبل في وضع جيد، إذ يعاني أحياناً من الريح، ويحتمي أكثر ببعضه البعض، إذا كون واحات حقيقية، فالمناخ هنا ليس حاراً وجافاً بما فيه الكفاية حتى يكون الانتاج جيداً، ولو أن الجو العام السائد في الأودية والعقائق المتاخمة للحدود التونسية هو شبه صحراوي. أخيراً، كثيرة هي أنواعه الضعيفة المنتوج، وكلها تعطي ثماراً لا يمكن الاحتفاظ بها طويلاً، بفعل عامل المناخ لا محالة. (من الضروري القيام بدراسة خاصة لهذه الأنواع حتى نتبين حقيقة الأمر).
فرضت هذه الظروف غير الملائمة على النفوسيين دائماً جلب ثمار ألذ وقابلة للحفظ من فزان. نخيل الجبل لا يثمر إلا تمراً ضعيفاً ورديئاً. يحبذه ساكنة الواحات الصحراوية لتوفرها على مواصفات أخرى ولأنه يثمر نوعاً إسمه "لاگبي" أو "لاگمي" الملقب أحياناً بخمر النخل. يتعلق الأمر بنسغ الشجرة نفسها المقطوف من قمتها، وعى المخروط النباتي، ويعطينا سائلاً حلوا يتخمر بسرعة يحسن استهلاكه قبل مضي 24 ساعة. يتناوله الناس هنا بشرهٍ. في منطقة نالوت حيث العساكر كُثر ينظر إلى النخلة كمعطاء لـ "لاگمي" أكثر مما هي منتجة للتمور. منذ العهد التركي تم اتخاذ مجموعة من التدابير ضد الاستغلال السيء لشجرة في متناول الجميع.
تستعمل الأنسجة الصفراء وأزهار النخل بعد إخضاعها لتحضيرات متنوعة إما لعلاج أو كقوت. أما نوى التمر فتأكلها الجمال والأبقار بعد سحقها في أحجار مجوفة موضوعة قرب بعض المنازل. ويستخرج من جذعه بعد أن يقطع طولياً كعوارض طويلة ومستقيمة لا توفرها شجرة الزيتون بل إن النخيل يسهم في بناء المنازل وتشييد الدور. (1/162)
صفحة 163
أخيراً تخفف أوراقه وهج نور "السواني" أي الواحات الصغيرة المزروعة. من الناذر أن لا نجد تحت أشجار النخيل الدالة على وجود عين وسط المهيلات بضع أشجار تين وزيتون وشجيرات رمان معدودة على رؤوس الأصابع. غير أننا رأينا بأن الواحات المزروعة والمعتنى بها هي بمثابة الاستثناء هنا. في ظل النخيل تنمو بعض الأشجار المثمرة منها التين بادي ذي بدء ثم الرمان الموجود بكل مكان والمشمش والخوخ واللوز والتوت وثلة من الأجاص وقليل جداً من التفاح وأحياناً تجد كرمة تتسلق شجرة وشجرة خرّوب تغرس جذورها القوية في المهيلات وزيتونة تبسط أوراقها في هذا الإتجاه و ذاك. غير أن أشجار الزيتون التي تنمو بكثرة على امتداد الجداول الصافية لوادي الرومية والخلايفة ناذرة في الواحات الأخرى ذلك أن جذورها تُنهِكُ الأرض وظل أوراقها أكثر كثافة وسمكاً.
والحال، يتم اللجوء إلى أعمال بستنة ما بين الأشجار المثمرة. على الأرض المقسمة إلى مربعات صغيرة والفائضة موسمياً بالمياه يُزرع الفول والذرة والشعير والثوم والبصل (الكثير من البصل) واللفت والفلفل الحلو والفلفل الأحمر المر. وأحياناً تزرع الحلبة والحناء في فصل الصيف، والبطيخ الأحمر والأخضر. لا تكون للبستنة أهمية نسبية إلا بجانب جادو في واحة عين تموگت وئگناون (صورة 21)، وبصفة خاصة بالقرب من يفرن. فالواحة الصغيرة للسوادنة والبساتين ذات الآبار المتواجدة بجانب عين الرومية، تزود سوق يفرن بشتى الخضروات، منها تلك التي ذكرناها أعلاه إضافة إلى الطماطم والكوسى، بل وحتى السلاطة التي تعجب عدداً من الأسر الأوروبية المقيمة بالمركز. (1/163)
صفحة 164
غير أن الأمثلة المذكورة لا تعدو أن تكون استثناء. ذلك أن الأهالي لا يرون موجباً لتنويع أغذيتهم والكثير منهم يفضلون في الربيع التنقلات مع قطعانهم والاقتيات من الحليب على العمل الشاق للبستنة. أقصى ما يفعلونه هو زرع بضع بطيخات خضراء وحمراء في فصل الصيف، والاكتفاء بقطف ثمار ناضجة من أشجار متروكة على الدوام للإهمال.
إن الثقافة المسقية ترف لا طائل تحته بالنسبة للعديد من ساكنة الجبل وطبيعي ألا تشهد إلا نموا يكاد لا يعتد به.
إن زراعة الكروم موزعة بين الزراعة المسقية والزراعة الجافة، غير أنها ذات أهمية، ومع ذلك نلاحظ ان عدد أشجار الكروم يفوق مثيلاتها من التين في الرياينة ويفرن وككلة، وبصفة خاصة في منطقة صوفيت. فحتى وإن كانت الكرمة لا تشذب بالأسفل وتتخذ شكلاً أجماً. يؤكل العنب والتين وهما لا زالا يحتفظان بكامل طراوتهما. وحدهم يهود يفرن هم الذين يصنعون من عنب المنطقة خمراً والظاهر أنه خمر يمجّه الذوق.
في كل مكان، تتناثر أشجار الزيتون والتين والنخيل والمزروعات المسقية على مستوى الجبل والظهر وعلى السفوح وفي أعماق الأودية. تقطع البساتين المسقية بعض السطيحات الضيقة المسنودة بأسوار من حجارة صلدة. أما الأشجار الأخرى فتتواجد على قطع أرضية ذات أشكال متعددة. على السفوح وفي العقائق العليا لجبل نفوسة الغربي وفي الأودية أيضاً تناظر القطع الأرضية تام التناظر شكل السطيحات وكل مالك له قطعة أو أكثر قد تكون متجاورة أو لا، وناذراً ما تكون هذه السطائح -الضيقة والقصيرة نسبياً والتي تتطلب عناية دائمة- في ملك أكثر من عائلة. (1/164)
صفحة 165
في "الغابة" نجد أن شكل القطعة الأرضية متطابق مع طريقة توزيع الأشجار. فنحن نقدر مدى أهمية الملك تبعاً لعدد أشجار الزيتون أو التين وحتى ولو تباعدت المسافة بينها فإن الأرض التي تتواجد عليها ليس لها سوى أهمية ضئيلة، إذ يتم زرعها بالقرب من الجذوع، وأحياناً تبذر، وغالباً ما تهمل ليرعى فيها الرعاة مواشيهم. وحدها الأغراس الفتية والبساتين تحمى من أسنان البهيمة، وما عداها تستبيحه القطعان، علماً بأنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل التمييز بين مختلف القطع الأرضية.
و هذه الأخيرة، فضلاً عن ذلك، يمكنها أن تتوسع أو تتقلص أو تغير شكلها بفعل شراء أو بيع الأشجار. فهي لا تمتاز بالطابع القار لمثيلاتها على السفوح التي تزول إلا بالانهيار الكامل للسطيحات.
عموماً، كل رب عائلة يمتلك بضع شجيرات زيتون في العقائق الكهلة بالجبل أو في "الغابة" الممتدة على مستوى الظهر، وبضع شجيرات تين، ونخلتين أو ثلاث، وثلة سيقان كرمات في عمق الوادي المجاور أو على سطيحة أو سطيحتين معلقتين في خصر الجبل، وقد يمتلك أيضاً بضعة أمتار مربعة من الأرض، ومجموعة من الأشجار المثمرة في الواحة الصغيرة المجاورة. يترتب عن ذلك أن الملكية هنا شديدة التجزؤ، وتجزؤها أو بالأحرى تفتتها يزداد خطورة إذا علمنا أن كل الناس فقراء ويمتلكون قلة من الأشجار، وأنه بمقتضى عرف الملكية العائلية فإن كل شجرة زيتون كانت في ملكية جد مشترك تصير ملكاً لعدد كثير من العوائل. وما يزيد الطين بلة هو أنه في مناطق بعينها حيث يمكن زراعة الحبوب تحت الأشجار، من الوارد ألا يكون مالك أشجار الزيتون هو المالك نفسه للأرض. فقد تكون لرجل غني أحياناً أشجار وأراضي في عشرة أو خمسة عشر بل وعشرين مكانا متفرقاً. ناذراً ما نجد أملاكاً للأحباس(1)
__________
(1) - كانت نظرية الوقف (الأحباس) في المذهب الإباضي موضوع دراسة حديثة من المنظور القانوني وتطبيقاتها في مزاب قام بها :
- M. Mercier Etude sur le Waqf ibadite et ses applications au MZAB, Alger 1927. (1/165)
صفحة 166
، وحتى إن وجدت فلا تعدو وأن تكون بالأغلب الأعم أشجار زيتون متفرقة كغيرها من الأشجار.
بالجملة لو شئنا إنجاز تصميم تأريفي (أي سجل للمساحة) خاص بالجبل فسنحصل على فسيفساء لا تصدق، وسيكون ضرباً من الاستحالة القيام برسم شجرة زيتون معينة، كونها في ملك أربع عوائل دفعة واحدة، وقد تنمو على أرض في ملك عائلة خامسة.
ناذرة هي الحالات التي لا يخدم فيها المالكون بأنفسهم أراضيهم قلة من الميسورين في الجبل يشغلون مزارعين مقابل إطعامهم وكسوتهم، وبضع ليرات عند نهاية الأسبوع أو الشهر. والظاهر أن عقود التشارك تكاد تكون منعدمة في الزراعات الجنبية.
2- زراعة الحبوب وتربية الماشية
الجفارة والظهر : تعتبر الغِراسة المورد الرئيسي للجبل وليس الوحيد. ناذراً ما لا يبذر جزء من الأراضي التي غرست عليها الأشجار وكل ما تبقى من الفضاءات الصلدة تصلح للمرعى. لكننا لا نجد المساحات الشاسعة الضرورية لزراعة ممتدة للحبوب وتربية منتجعة للماشية إلا خارج الجبل نفسه، وأقصد بالضبط الجفارة والظهر. تبذر أولاً وتُقادُ البهائمُ حيث أمطرت سواء كان بعيداً أو قريباً في السهل أو على الهضبة. لا وجود هنا لقاعدة يمكنها أن تقف في وجه البحث عن الإيجابيات التي توفرها الأمطار المنتظرة دائماً على أحر من الجمر.
بطبيعة الحال، ثمة مناطق محظوظة أكثر من أخرى، وفي مقدمتها الأودية العريضة التي تهبط برفق في اتجاه القبلة والشرائط، حيث تتواجد صفائح طمي الوديان ومنخفضات الجفارة. وبما أن كل تحديد إداري يحد حصة من السهل وقطعة من الهضبة، فإن لكل دائرة أراضيها من الشعير ومراعيها المفضلة. يذهب جُل سكان البلدات تقريباً إلى الجفارة ليبذروا البذور وإلى الظهر لرعي مواشيهم. (1/166)
صفحة 167
على ضفتي شريط ساحلي جبلي يبلغ عرضه 20 كيلومتراً تتناثر عليه مجموعة من البلدات زرعت فيه أشجار بكثافة نسبية، تمتد منطقتان مسطحتان وواسعتان مكسوتان بالتعاشيب الشبه مدارية أو الشبه صحراوية، حيث يتيه الرعاة مع قطعانهم، ويسلّم الناس للسماء أمر ما بدوره من شعير وقمح. لكن مادامت الجفارة النفوسيين وبصفة خاصة أرضاً صالحة للحرث وناذراً ما تتجاوز 20 إلى 30 كيلومتر عرضاً فإن المساحات الشاسعة للظهر والقبلة الأكثر جفافاً وخُصوصاً من حيث المياه، توفر مراعي فقيرة بقدر ما هي شاسعة والتي تمتد على طول 30، 50 بل وأحياناً إلى 100 كيلومتر، من اللائق ضبط حدود هذه وتلك. لكن إذا أخذنا بالاعتبار اننا في بلد التعاشيب (الشبه الصحراوية منها تحديداً)، فإن الحد ليس هو الخط بل شريط واسع نسبياً والقابل على أية حال للتجاوز والاختراق عند الإقتضاء.
في نفوسة الغربية، تمتد أراضي ساكنة الجبل من الجنوب إلى منتصف طريق واحة سيناون، أي حوالي 50 إلى 60 كيلومتر. وحدهم الحرابا وهم رحل أكثر من غيرهم يذهبون أبعد من ذلك أحياناً مع قطعانهم ليصلوا حتى فزان، وإن كان ذلك لماماً. حيث تمطر قريب ولو كان بعيداً. في الشمال، يملك قاطنوا الجبل شريطاً في الجفارة يمتد حوالي 8 إلى 10 كيلومترات، غير أن القطعان تتجاوز أحياناً الحدود الإدارية حتى تلامس أراضي الواحات الساحلية. في أقصى الغرب، توجد وازّن في وضعية غريبة فعلاً. فقد اجتزأت منها الحدود جزءاً كبيراً من أراضيها، ومعظم أشجارها تتواجد في وادي مورطبة اللصيق بتونس، أما أراضي الزراعة والرعي فيها فتمتد إلى تخوم رمادة. وبجواز سفر سنوي مقداره عشر فرنكات يتمكن الوازّنيون من الوصول بأمان إلى أراضيهم. (1/167)
صفحة 168
للمديريات التابعة لجادو نصيب في الجفارة يمتد حوالي 35 كلم ويصل إلى قصور جادو وبئر الأحد؟. وعلى الهضبة، نجد العرض المستعمل غير قار. ناذراً ما يمضي أهل فساطو أكثر من نصف يوم طريقهم نحو الجنوب، وأبدا لا يمضون يومين، بينما الرحيبات الأكثر رحلاً يصلون حتى بئر ألاّغ، أي حوالي 100 كيلومتر، والرجبان يذهبون أكثر منهم فيصلون إلى بئر نصرة، الحمادة الحمراء. أما آل الزنتان -كبار رحل الجبل- فلا أحد يشك في أنهم يقطعون 450 كلم الفاصلة بين الجبل وفزان، ويسطون بالفعل على الجزء الأكبر من خلفية بلد الرياينة ويفرن.
قلما يبتعد سكان هذه المديريات وساكنة ككلة عن قراهم، غير أن قطعانهم ترعى لوحدها في نقاط أبعد بمعية رعاة رحل. يولون أهمية أكبر لأراضيهم الشاسعة في الجفارة، التي تمتد حتى خط موازي للجبل، يبعد بثلاثين كيلومتراً، ويمر من بئر البيضا وبالضبط من الأراضي الخصبة لقطّيس الغربية.
في الجبل حيث تكون الأشجار حدود الأراضي بدقة، حين هي أقل دقة في الجفارة وأقل منهما في الظهر والقبلة. يذهب الواحد عند جاره بدون أدنى مشكلة ليبذر عنده البذور إذا لم تمطر السماء حيث يقيم، فهناك فائض في الأمكنة ويتم التفاهم بشكل ودي حول هذه الأمور. بالسهولة نفسها ترعى المواشي في قطعة بالظهر أو القبلة في ملكية الأغيار. فالمراعي هنا غير مكتظة بالنبات، ويدرك الناس بأن الشمس سوف تحرق في بضعة أسابيع ما لم تلتهمه الدواب. لكن من حيث المبدأ، كل يلزم أرضه. غير أنه لا يفوتنا ملاحظة كيف تتغير قيمة الحد (الحدود) بالنسبة للأهالي تبعاً لطريقة استغلال الأرض. كثيراً ما نستعمل في كل مكان بالمعمور عبارتي الحدود، التخوم وما إلى ذلك، غير أنه ليس لهما الحمولة ذاتها في البلاد المعتدلة المناخ وبلاد السهوب والتعاشيب. (1/168)
صفحة 169
تجمع الجفارة بالظهر العديد من القواسم المشتركة، لكن تفرق بينها أيضاً أشياء كثيرة ولافتة، وهذه الأخيرة لا تفسر فقط بالظروف الطبيعية. فالجفارة تتوفر على أراضي قوية على العموم، ومناخ حار، ووفرة في المياه والمياه الجارية والعيون والآبار مقارنة مع الظهر. ثمة أيضاً اختلاف قانوني لافت. فالفضاءات المكشوفة في الظهر ذات قيمة ضعيفة جداً، فهي أراضي المنفعة العامة المملوكة للدولة، ويمكن لأي كان زراعتها.
على النقيض من ذلك فإن سكان الجب سعوا جاهدين لضمان ملكيتهم التامة لأراضي الشعير الثمينة في الجفارة. فقبل حوالي سبعين عاماً اشتروها شراء فردياً من الحكومة التركية، ويحافظون أشد الحفظ بشهادات الملكية. تتوقف مساحة الأراضي التي تمت حيازتها على المبالغ المالية المدفوعة دون الحصول أبدا على الملكيات الضيقة في الجبل. غير أن القطع الأرضية تكون أحياناً جد صغيرة في المجاري العريضة للأودية، أو في المنخفضات التي ترفع المياه الجارية من شأنها، والتي يحرص كل واحد على أن تكون له فيها بقعة أرضية. تزداد ظاهرة التقطيع الترابي حدة في مناطق بعينها، سيما تلك التي يشتد عليها الطلب والموزعة بين مجموعات عدة من الساكنة. فقطيس، على سبيل المثال تتوزع بين ساكنة يفرن- ككلة وغريان والزاوية. يمتزج أهل الساحل وأهل الجبل إذن في سفح الجبل على الأقل ناحية الشرق، كما أن أهل الجبل والرحل يتفرقون مع قطعانهم في المراعي المجاورة، بل إن نفوسيي الغرب مالكون لأراضي شعير تقع في النفوذ الترابي للصيعان. يتعلق الأمر بقلة من الرحل كلهم رعاة يتيهون وراء قطعانهم بين الجوش والحدود. (1/169)
صفحة 170
زراعة الحبوب : في كل البلدان السُهُبية، تعتبر زراعة الحبوب بمثابة مقامرة لنقل لعبة حظ. فسواء زُرِعَا على أراضي مُترعة بالمياه أو جافة فإن القمح والشعير(1) - وكلاهما من المزروعات السنوية ذوات الجذر الحزمي والعاجزة عن جلب الماء المخزون في الأعماق - يعتمدان كلية على ماء المطر وعلى توزيعه السنوي أكثر من مجموع الكميات المتساقطة منه. يستحيل زرع البذور على أرض جافة ومحروقة بفعل صيف طال واستطال، إلا إذا سبق للمطر أن رطبها حتى تنمو البذور وتتوالد.
والحال أن الجفاف يمتد أحياناً حتى شهر يناير، وبالتالي فعمليات البذر المتأخرة لا تمكن عموماً السنابل من النضج قبل أن تهب عليها أولى الهبات الحارقة للقبلي التي تعرض المحاصيل جدياً للخطر، إن لم تكن تهددها بالموت. نادراً ما نكون هنا شهود عيان على شعير وقمح يزرعان في يناير، ويستوي عودهما تدريجياً دون تعرضهما لمخاطر القبلي، وبمساعدة من أمطار ربيعية غزيرة إلا في حالات شاذة جداً كما هو الشأن لسنة 1933. عموماً، يمكن القول بأن أمطار الخريف هي التي تقرر المساحة المزروعة التي تتراوح تقريباً بين البسيط والمضاعف ثلاث مرات، بينما تقرر أمطار الربيع تاريخ جني المحاصيل. والحال أن الأمطار نادرة الحدوث، وفترة التساقطات تمتد كما نعلم من ديسمبر إلى مارس، وحتى هذا الشهر الأخير يمكن أن يكون هنا بلا مطر. والحال أن السنابل لا يمكنها أن تتكون بدون ماء والساق تجف حالاً.
إذا نَعِمَت الحبوب بالتساقطات الكافية، وخصوصاً في الربيع، فإن المحصول مضمون. هذا إذا لم تخفض رياح القبلي الباكرة والحارقة كمياته تخفيضاً كبيراً. لهذا السبب، يعمل الأهالي على استباق أوان البذر منذ التساقطات الأولى.
__________
(1) - يسمى الشعير بالأمازيغية طيمژين والقمح ئيردن. (1/170)
صفحة 171
في الغرب، على سبيل المثال، يحصل الناس على معدل محصول جيد أو متوسط كل خمس سنوات ومحصول ضعيف نسبياً كل سنتين ومحصول لا يعتبر كل سنتين أيضاً. أما في الشرق فيحصل الناس عموماً على غلة جيدة كل ثلاث سنوات وواحدة لا تعتبر وأخرى ضعيفة. وينبغي التذكير بان هذه الأوصاف هي من تقديرات الأهالي. فالزائر الأوروبي الجاهل بمعطيات المنطقة سيجد أن المحصول "الجيد" هنا ضعيف بالنسبة إليه وسيعتبر "الضعيف" منه هباء لا يعتد به. فماذا سنقول عن تعاقب سنتين أو ثلاث أو حتى أربع التي نجني فيها حتى البذرة المزروعة، ويحدث هذا على الأقل ناحية الغرب. من الندرة بمكان أن نشاهد غلتين جيدتين متتابعتين كما حدث ذلك عامي 1931-1932م و1932-1933م علماً بأن المساحة المزروعة في هاتين السنتين الأخيرتين صغيرة جداً لأن الخريف كان جافاً جفافاً مطلقاً. ويدخل في باب الشذوذ الوقوع على سنتين زراعيتين متتابعتين لم يتوقعهما الناس.
عادة ما تبذر البذور في الجبل وللظهر، غير أن الزراعة تتركز أكثر في الأعماق الطميية للأودية وفي "گرعا" و"تيبحيرين" الجفارة. ففي هاذين المكانين تتجمع المياه وتنتشر سديمات واسعة من الطمي، في مثل هذه البلاد التي لا تعرف فيها الزراعة إلا الأرض المستريحة (البائرة) بفعل الجفاف فإن الماء والطمي الجديد هما اللذان يحملان للأرض عناصر مخصبة قادرة على تغذية أجمل أنواع المحاصيل، أكثر مما أية قطعان مواشي.
إن الأودية الصغيرة للجبل الغربي لا تتوغل في السهل. ومع ذلك فوادي تسلتس يغرق بالمياه لمساحات صغيرة قرب بئر المبروك وأم الغار، وتنتشر مياه وادي نالوت باتجاه زگزاوْ وثمة بحيرات عدة مشهورة في تيجي والجوش داخل النفوذ الترابي للصيعان. لا تزرع الأرض في الظهر إلا إذا أمطرت السماء، وإذا لم تتوصل بعد الجفارة بنصيبها من الماء. ولا تبذر البذور في الأودية إلا إذا كان ثمة انسياب باكر وكافي. (1/171)
صفحة 172
يزرع، أهل فساطو وجيرانهم في الجفارة على وجه الخصوص. فالوديان أكثر أهمية فيها مما هي عليه في الغرب، إذ أن مجاريها أعرض، سيما وادي جادو وئگناون والرجبان التي تصب في سهول غرينية (طيمية) واسعة، في اتجاه تابحيرت نـ جادو وجنوب بئر الحوض، بالمقابل لا زراعة تقريباً في الأودية ذات التربة الثقيلة والمياه الجارية العابرة. في الظهر، من الوارد أن تمارس زراعة جافة، غير أن محاصيلها نادراً ما تكون متوسطة.
سكان الرياينة ويفرن وككلة محظوظون أكثر من غيرهم. إذ يتوفرون على الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى السهل، وهي المجاري الغرينية لأودية سكفل، ووادي لتل وزارات وگارت بن سترتّي حيث ملتقى أهل الرياينة والقرى المجاورة ليفرن، وگرعة الگيز وكرعة أم الآدم ولهنشير ونيس، وبصفة خاصة قطّيس الغربية، أفضل سهل لزرع الحبوب ويمتد على قدمي ككلة وغريان جهة الشرق.
تزرع سطائح أودية الظهر بصفة خاصة إذا ظهر أن العام سيكون ضعيفاً، وأن أراضي السهل القوية جداً لم يصلها ما يكفي من المياه. تقنع تربة الحمري الفقيرة والخفيفة بكميات أقل من الماء مقارنة مع التربة الغرينية، وبالتالي تقوى حظوظ جني المحاصيل من السنابل فيها.
يتأقلم الشعير جيداً، مقارنة مع القمح الصلب- وحده المعروف هنا- مع الظروف الطبيعية غير الملائمة بالمرة. يتلاءم الشعير أكثر مع الأراضي السليسية (الصوانية) الفقيرة من حيث الجير، ويجعله نموه الباكر محبباً أكثر عند الساكنة. فالشعير يكتمل نموه قبل القمح بعشرين يوماً، وهو ما يضمن غلة متوسطة منه كل سنة، في حين تكون غلة القمح دائما تحت رحمة القبلي. هكذا يزرع من الشعير ثماني إلى عشر مرات في نفوسة الشرقية مقارنة مع الغربية.
فالقمح نادراً ما يتلائم مع گرعات وبحيرات السهل، ومع ذلك تجد الأهالي يزرعون كيفما اتفق هذه الحبوب أو تلك في أي مكان وهم مخطئون في ذلك. (1/172)
صفحة 173
إذا أمطرت تزرع الأرض التي لم يبق على ظهرها أي عشب منذ الصيف، ويغطى البذر بزراعة واحدة. لا وجود هنا إلا للمحراث الخشبي الذي يحك الأرض، ولا يقلبها، وغالباً ما حظيب بتوصيف دقيق(1). المحراث والمنجل والفأس هي أدوات العمل الوحيدة هاهنا. يبذر دائماً بذراً خفيفاً لتقليص فرص إضاعة الحب والزيادة في فرص تفريخ (أو إشطاء) قوي. من غير المستبعد في الكثير من الحالات أن تقع الأعين على عشرات السنابل في النبات الواحد شريطة توافر الماء. فالمحاصيل الاستثنائية التي كانت تثير إعجاب القدماء ليست مستبعدة تماماً، غير أنها لا تشمل سوى نباتات معدودة على رؤوس الأصابع من بين آلاف.
من أوان البذر إلى فترة الحصاد تستريح الأرض وتنمو البذرة بإذن الله. وحدها القطع الأرضية المجاورة للقرية تنقى أحياناً من حشائشها. تبدأ عملية حصاد الشعير- إذا كان ثمة حصاد أصلاً- حوالي 10 إلى 15 أبريل في الجفارة وبداية مايو في الظهر ويترتب عن التباين في درجة الحرارة بالسهل إرجائها بحوالي 20 يوماً. وهذه التواريخ قابلة للتعديل حسب التاريخ التي تمت فيه عملية البذر. أما في الأودية فالحصاد يكون ما بين هذين التاريخين ويتغير أيضاً حسب الارتفاع.
__________
(1) - كان المحراث الخشبي يأنواعه موضوعاً لدراسات عدة، نذكر منها: [لاووست ]، ص275 – 301 وكذلك [مارسيي Mercier] Textes Arabes de Takrouna ص187 – 189 حيث تجد احالات مرجعية نفيسة. (1/173)
صفحة 174
إذا كان المحصول جيداً تطول فترة الحصاد، لأن الإشتغال بالمنجل المضرس يكون بطيئاً، وهو المستعمل في عموم افريقيا الشمالية، والسنابل المبعثرة لا تتجمع إلا ضمن كميات صغيرة جداً. على العموم، يترك عند الحصاد التبن المشرئب الذي تلتهمه الماشية في وقت لاحق. عندما تكون السنة جيدة، ترى أفراد العائلة يتسابقون بحماس لجني محصول زراعي قد يعتمدون عليه في عيشهم ثلاث سنوات متتالية. ترى الرجال والنساء والأطفال في وضعية انحناء مسلحون بالمنجل الصغير وهم منهمكون في العمل ببالغ السرور. للأسف، مثل هذه السنوات ناذرة جداً. فالغالب هو أن نرى الحاصد تائهاً في حقله الفارغ تقريباً، وقطع سنبلة من هنا وسنبلة من هناك ولا يجني من حقل مبذور إلا كمشات هزيلة من السيقان. وكثيرة هي السنون التي ليس فيها ما يحصد على الإطلاق.
بعد الانتهاء من الحصاد يبدأ الدرس. وتجد بجانب كل بلدة مكان أو عدة أمكنة تسمى "لمنضرة". لمنضرة هي مساحة من الأرض خالية من التراب، وسهل العثور عليها في منطقة نالوت الكلسية، وتحاط بأحجار ضخمة ذات الإنتصاب المتفاوت. توضع الحزم خارج هذه المساحة في شكل دائري لتدوسها الخيول والأبقار والحمير. وهذا هو نمط الدرس الوحيد المعروف في جبل نفوسة، ولا وجود فيه للجرار المستعمل من قبل المزارعين بالساحل. وبعد الدرس، يتبين أن الحب لا زال صلباً فيتم اللجوء إلى الدوس بالعصي في نهاية العملية.
توضع مؤونة الشعير والقمح في مخازن تدعى "غُرفة" (بالأمازيغية مارگين أو تماديلت) أو في مطمورات محفورة تحت الأرض. لا تطحن النساء من الحبوب في طاحونتهن اليدوية الصغيرة إلا بقدر ما تحتاجنه، وهو عمل طويل وشاق يقمن به كل يوم. يعتبر جلب الماء والطحن من أصعب الأشغال على الإطلاق. تماثل الطواحين المستعملة في جبل نفوسة الموصوفة عادة في بعض المؤلفات(1)
__________
(1) - يراجع الوصف والبيليوغرافيا في :
Textes Arabes de Takrouna, p/p 236-238 (1/174)
صفحة 175
. فهي مصنوعة من الكلس الصلب، وعادة من البزلت. وهذه الأخيرة يصنعها أهل أورفلة (بني وليد) حيث توجد الأراضي البركانية بكثرة. أما الطواحين الأخرى فتصنع في الرجبان وئگناون وكاباو.
كثيراً ما تصنع الأطباق الأساسية بدقيق الشعير، ويهيأ به "الخبز" ذو الشكل الدائري والمسطح. يطهى على الجانب الخارجي للفرن المعدني (طابونة) أو في تنور (فيرنو بالأمازيغية)، وعادة ما يبلل بالزيت المتبل (من التوابل) حيث تسبح قطع بيض مطهاة جيداً. إلا أن الطعام الممتاز هنا هو المسمى "عيش" أو "أبازين" وهي عصيدة من شعير أو قمح تؤكل بعد عجنها بالأصابع في الزيت. عندما يقدر لبعضهم الابتعاد عن بيته لمدة من الوقت يحمل في منديل أو فوطة- فالورق هنا غير معروف تماماً باستثناء ذاك الأصفر الذي يغلف الشاي أو السكر- ما يسمونه هنا "الزميطة" وهو دقيق من شعير مطهي وصلب معاً، يمكن تناوله في حالة مشي. أما دقيق القمح فيخصص في الغالب للكسكس الذي يعتبر هنا طبقاً كمالياً الذي لا يأكله الفقراء- وهم كل الناس تقريباً- إلا في الأعياد أو بمعية ضيف وافد.
لا يقدم الشعير والتبن إلا لبهيمتين تحظيان بالتقدير أكثر من غيرهما، وهما الحصان ذلك الحيوان النبيل، والجمل لإنه الحيوان الضروري.
إنتاج الحبوب يتم بشكل منتظم إى الحد الذي يعتبر سكان جبل نفوسة بالتناوب إما باعة لها أو مشترين. والكثير من الناس هنا ليس لهم من القدرة على التنبؤ ما يسمح لهم بادخار كميات كافية منه للأعوام المقبلة.
تربية الماشية : تعتبر تربية الماشية المورد الموثوق عند النفوسيين، بعد الغراسة، ويذهب البعض إلى اعتباره المصدر الرئيسي.
تجدون أسفله عدد الأغنام والماعز والأبقار والحمير والخيول:
المديريات ... خيول ... حمير ... بقر ... ماعز ... أغنام
نالوت ... 54 ... 274 ... 104 ... 16.423 ... 13.850
كاباو ... 51 ... 197 ... 274 ... 9.157 ... 7.749 (1/175)
صفحة 176
الحرابا ... 87 ... 145 ... 367 ... 10.745 ... 9.442
نفوسة الغربية – المجموع- ... 192 ... 616 ... 745 ... 36.325 ... 31.041
الرحيبات ... 30 ... 355 ... 231 ... 6.437 ... 5.493
جادو ... 82 ... 307 ... 263 ... 7.305 ... 7.848
الرجبان ... 31 ... 154 ... 134 ... 4.990 ... 4.123
الزنتان ... 30 ... 100 ... 50 ... 4.650 ... 4.529
الرياينة ... 63 ... 285 ... 287 ... 5.419 ... 4.900
يفرن ... 95 ... 598 ... 878 ... 9.138 ... 6.815
ككلة ... 52 ... 470 ... 696 ... 13.103 ... 7.346
نفوسة الشرقية – المجموع ... 383 ... 2.269 ... 2.559 ... 51.042 ... 41.054
المقارنة
الأصابعة ... 99 ... 390 ... 264 ... 6.281 ... 3.765
غريان ... 222 ... 1.637 ... 2.283 ... 20.812 ... 20.612
الجوش ... 46 ... 460 ... 2 ... 18.349 ... 27.547
يتعين التعامل مع هذا الجدول بحيطة وحذر أكبر من أمثاله السابقين. ذلك أن الأرقام التي يتضمنها تقريبية جداً ولا تنطبق إلا على سنة وسنة ممطرة. فبالنسبة للأغنام على سبيل المثال، من الوارد ان يتراوح عدد رؤوس القطيع بين عدد بسيط وثلاثة أضعافه، والمجازفة هنا بإعطاء متوسط العدد لا معنى له، نظراً لقلة الاحصاءات، ولأن القطيع في حد ذاته لا زال بالأغلب الأعم في طور التشكل، بعد الإضطرابات التي امتدت من 1915 و1923. ليس لهذه الأرقام إذن إلا قيمة مقارنة. (1/176)
صفحة 177
الأهمية الأساسية للماشية الصغيرة وبخاصة الماعز تفقأ العين لأول وهلة، في هذا الجدول، وهذا أمر طبيعي في بلد جاف وجبلي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فارتفاع عدد الأغنام والماعز كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق يفسره عامل المناخ ووفرة الغطاء النباتي، وللتأكد من ذلك، تكفي مقارنة المجموعين الجزئيين المتعلقين بنصفي الجهة قيد الدراسة هنا. ومع ذلك فهذه الزيادة أضعف بكثير من تلك التي وقفنا عندها سابقاً، بالنسبة لمختلف الأشجار. ويعتبر سكان الجبل الشرقي عموماً غرّاسُون أكثر مما هم مُربُو ماشية، حين يعتبر القطيع مصدر الغنى الرئيسي بالنسبة لسكان الجبل الغربي، فسواء هنا أو هناك إذن يكون لعامل المناخ أثر حاسم. غير أن المقارنة مع الدائرة المعروفة فقط بالنشاط الرعوي كالجفارة الغربية وكذلك دائرة الجوش حيث يتيه "الصيعان".
تبين بما لا يدع مجالاً للشك، بأن تربية الماشية لم تكن لها أبداً بالنسبة للنفوسيين الأهمية نفسها عند الرعاة الخلص.
الأرقام الأخرى أقل دلالة. نستخلص من الزيادة اللافتة في أعداد الأبقار اعتماد هذه الدواب على الغطاء النباتي بالدرجة الأولى. أما أعداد الحمير والخيول، وهي دواب الشغل، فلها صلة بعدد الساكنة، وهو ما سينطبق كذلك على الجمال لو كنا نتوفر بصددها على احصاءات دقيقة. (1/177)
صفحة 178
الماشية الصغيرة تعتبر القطعان وبصفة خاصة قطعان الأغنام بالنسبة للمالك رأسمالاً من شأنه أن يدر عليه أرباحاً طائلة. غير أنه بحاجة عقب الأزمات المتواترة المتمثلة في فترات الجفاف إلى إعادة تشكيلها. تعتبر النعجة (تيلي بالأمازيغية)(1)، ذوات الذنب الغليظ، دابة مقاومة بشكل خارق للعادة. إنها بمثابة العملة الأصلب التي يمكن تخيلها على البال، وتمثل الفصيلة الأمازيغية ضمن السلالة السريانية حسب تصنيف [سانسون Sanson](2). يصعب تخيل دواب أكثر قدرة على التأقلم مع وسط بهذه الرداءة. النعاج مشاءات ممتازات فهن قادرات على قطع الكيلومترات بحثاً عن مكان أمطرت فيه للتو، وقنوعات أيضاً، إذ تقنعن بالرعي في مراعي هزيلة، بل نتساءل ماذا سيجدون عند نهاية الصيف على أرض جرداء أتت الشمس الحارقة على كل عشبها. أخيراً، تنبغي الإشارة إلى أن ذنبها الغليظ هو احتاطيها الغذائي المماثل لسنام الجمل يمكنها من اجتيار الفترات الصعبة التي تكون بالنسبة لغيرها من الدواب فترات تراجيدية. ومع ذلك فالأعداد التي نفقت في السنوات العجاف هائلة ومرعبة حتى أن قطعاناً بكاملها زالت نهائياً.
__________
(1) - يراجع بالنسبة لهذه السلالة على سبيل المثال لا الحصر : Geoffroy Saint-Hilaire L élevage dans l Afrique du Nord Paris 1919 p250 et suivantes. سنجد في هذا المؤلف تفاصيل عن تربية الماشية في الجزء الإفريقي الشمال التابع لفرنسا، يراجع كذلك : Fr. Tuccci / Gli allevamenti del bestianne intripolitania. Roma E Ducros / Il problema Zootecinico in Tripolitania. Tripoli 1931 P 7.
(2) - نجد الخروف ذو الذنب الغليظ في تونس وليبيا ومصر وأسيا الصغرى وفي القوقاز بل وحتى في آسيا الوسطى. (1/178)
صفحة 179
يحبذ الأهالي هذا الصنف من الدواب المقاومة التي لا ملجأ لها ولا تتطلب إسعافات طبية. لحم النِعاج ألذ من لحم الغنم، وألذ ما فيها هو ذنبها الغليظ والمشحم، الذي تعادل لذته عند هؤلاء المسلمين الذين لا يأكلون لحم الخنزير شحم هذا الأخير. يتم جزُّ صُوفها بشكل منتظم وهو صوف خشن، مشحم وقذر. كل نعجة تعطي مع ذلك كيلو إلى اثنين من الصوف النقي وهو متوسط ضامن لثمن بيع مهم أو يسمح بإقامة صناعة عائلية صغيرة.
توجد الأغنام دائماً خارج الجبل، ترعى بعيداً في الظهر أو الجفارة ونادراً ما تتوقف في الجبل إلا في عمق وادي من الأودية البعيدة عن التجمعات السكنية كوادي أم الگرب ووادي برساف. تنتجع بعد قطعها المسافات متوسطة، غير أن تنقلاتها لا تتقيد بأية قاعدة ثابتة إلا في فصل الصيف. أهم شيء في هذه الرحلات هو البحث عن الماء، ففي غياب الكلأ وارتفاع درجة الحرارة تحتاج البهائم على الأقل إلى الشرب مرة في اليوم. أما في الجفارة فتجدها كلها بالقرب من الآبار والعيون، بينما تجد بعضها في الشرق بالقرب من الصهاريج- غير أن هذه تنضب بسرعة- وبصفة خاصة بالقرب من نقاط مائية كالحاسيات (ج: حاسي) الخمسة عشر في العوينية أو الرومية أو بئر خردمين حيث تتجمع كل القطعان مساء.
قلة من القطعان هي التي تلازم آبار القبلة البعيدة. بقية السنة، تتوزع القطعان بين الجفارة حيث يكون النبات والعشب في بداياتها والظهر حيث لا تقيد المساحات المزروعة حريتها في التنقل.
أسابيع قبل موسم الحصاد، تجبر القطعان على الابتعاد من حقول الشعير والقمح تحت طائلة غرامة مالية. يتعلق الأمر هنا بقانون قديم ومرن في آن، ذلك أنه يستحيل منع قطيع ما عاد أمامه إلا نبات قليل جداً وجاف من الاقتراب من حقل يكتمل فيه نمو سنابل من قمح أو شعير تسر الناظرين. فحتى الراعي لا يصمد أمام هكذا غواية. (1/179)
صفحة 180
في الجملة، المشكلة الوحيدة والرهيبة طيلة السنة هي العثور على الماء والكلأ للحيوانات التي لا يوفرها لها عادة أي احتياطي غذائي. فلو اتخذت بعض الاحتياطات من هذا القبيل لكانت تربية الماشية أقل عرضة للتقلبات المناخية. لكنها بالشكل الذي تتم بها حالياً تغري الفقراء لأنها السبيل الوحيد إلى الاغتناء بمعونة من الله، كما يقولون هنا. الناس يحذوهم دائماً أمل سنوات سمان تمكن القطعان من التزايد. وكثيراً ما نرى أناساً حققوا ثروة بفضل امتهانهم لتربية الماشية ليستثمروها بعد ذلك في الأشجار تاركين تماماً الماشية ومشكلاتها. فرغم أن أشجار الزيتون والتين لا توفر لصاحبها ثروة كبيرة غير أنها لا تموت إلا في ما ندر. يتعلق الأمر برأسمال غير منتج على الدوام لفوائد إلا أن الجفاف لا يجعله يتناقص. الحق أن المالك للعدد الأوفر من الشجر هو "الأصلب" من بين الناس جميعاً وسنرى في الفصل اللاحق الحمولة الكاملة التي تتضمنها وهكذا خلاصة.
يتولى الرعاة طيلة الفترة الأطول من السنة رعي الخرفان التي يختلط بها الماعز أحياناً. ينتسب الرعاة للقبائل المترحلة وهي: الحوامد، الحرابا، الرجبان، الزنتان، القواليش أو المشاشية. يقوم هؤلاء الرحل أحياناً برعي قطيع المالك صحبة قطيعهم مقابل نصف المنتوج، إذ يتعلق الأمر بنوع من الشراكة، وغالباً ما يكون الربح المستخلص من هذه الشراكة متدنياً. عموماً يقوم مالك القطيع بوضع دوابه تحت إمرة راعي.
يرعي الراعي قطيعاً أو قطيعين أو حتى ثلاثة أو أكثر لمالكيها حسب درجة غناهم. قلما تتجاوز القطعان مائتي رأس، وإلا سلمت القطعان الأخرى لراع ثان. عادة يتسلم الرعاة أجره طبيعة ومنها "الوزرة" أي قليل من الشعير، وأحياناً يسلمون النعال وقليلاً من النقود فضلاً عن خروف أو جدي عن كل 25 رأس محروسة. (1/180)
صفحة 181
في فصل الربيع يتجمع كل أفراد العائلة قرب البهائم تحت الخيمة في هذا الموسم الذي يدعى موسم الحليب، والكل لا يتغذى أساساً إلا من حليب العنزة والنعجة.
أما عن الاستعمالات الأخرى للقطيع. ففضلاً عن حليب النعاج الذي يستخلص منه الزبدة والجبن هناك اللحم الذي يكثر عليه إقبال الشراة أحياناً. أما صوفها فتنسج منه "الوزرة" (تلابة بالأمازيغية) وهي عبارة عن أثواب واسعة بيضاء أو بنية يتدثر بها وتحل محل البرنوس. تعرف الوُزر (ج:وزرة) نالوت وجادو إقبالاً شديداً وتخلق حركة تجارية صغيرة. يغزل الصوف بالمغزل، ومهنة الحياكة هنا لا زالت في أطوارها الخشبية البدائية يقذف فيها المكوك بواسطة اليد.
تحاك من الصوف كذلك أغطية بيضاء وبنية وبعض الأفرشة بل ثمة محاولات في جادو لمحاكاة البساط القيرواني المصنوع من الصوف الرفيع غير أنها محاكاة غير موفقة. للنعجة امتياز على العنزة بفضل الصوف الذي توجد به على الناس ما حذا بالترك إلى فرض ضريبة مضاعفة عليها.
يستعمل زغب الصوف أيضاً، حيث يمزج زغب النعاج بزغب الجمال في حياكة ما يسمى هنا: "فليج". يتعلق الأمر بشرائط طويلة وضيقة تحاك على الأرض ثم تخاط مجتمعة لتعطيينا خياماً. بالطريقة نفسها تحاك هذه الشرائط الطويلة المسماة "مركوم" وهي عبارة عن أفرشة أو بساط وتجتمع فيها الألوان الثلاثة: الأسود والبني والأبيض.
العنزة (تغاط بالأمازيغية): هي الممون الرئيس بالحليب واللحم، وهي شقيقة للماعز على امتداد افريقياً الشمالية(1). العنزة دابة صغيرة ذات زغب أسود، سريعة الحركة، ومتحملة، غير أنها لا تعطي سوى ربع لتر من الحليب في اليوم، غير أن لحم الجدي جيد للغاية.
__________
(1) - يراجع : Geoffroy Saint Hilaire p288 et suivantes , Ducros p8 (1/181)
صفحة 182
العنزة هي دابة الجبل بامتياز. ترعى قطعانها هنالك لمدة طويلة من السنة، وإن كانت تخلط بالنعاج حتى لا يكون مالكها في حاجة إلى أكثر من راع في الشتاء، يعتصم الماعز بالوديان لأنه لا يتحمل كثيراً الرياح القوية والباردة للظهر، وفي الصيف يهبط الكثير منه إلى الجفارة للاعتصام بالعيون والآبار. غير أن الكثير منها أيضاً يظل ملازماً لأماكن السكن تحت حراسة فتى. وبينما لا يلج الضان والخرفان أبداً تقريباً طرقات القرى، فإن الماعز والجدي يحرسون في باحة البيت.
الماشية الضخمة : تكاد تكون تربية الماشية الضخمة في الجزء الأكبر من الجبل غير ذات قيمة. فرغم جلادة الأبقار (تفوناست بالأمازيغية) إلا أنها لا تتأقلم مع الطبيعة القاحلة والصخرية للمنطقة ككل. البقر هنا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة في كل قرية، ومن خصائصها أنها لا تسرح بعيداً وتلازم مصادر المياه وترعى بقدر ما تستطيع في سطائح مختلفة: شيابا، لجسر تاغردايت، ولا تعطي إلا ثلاثة إلى أربعة ليترات من الحليب يومياً، ونجد من بينها من يجلب الماء من عمق الآبار. لا يرتفع عددها نسبياً إلا في مديريتي يفرن وككلة حيث الغطاء النباتي أحسن حالاً من مثيله في أمكنة أخرى.
يستهلك الأهالي بكثرة حليب النعاج والعنزة والبقرة إضافة إلى حليب الناقة(1)، ويستخلصون منه الزبدة والجبن الأبيض. لا توجد الزبدة في حالة جيدة تسمح بالمتاجرة فيها. يوضع الحليب الممخوض مساء في قربة من جلد الماعز خالية من الزغب توضع بدورها فوق الرماد منذ الصباح الباكر، تلتقط أسماعنا أصوات نساء يمخضن ويعجن هذه الممخضة الأصيلة. لا زال اللبن في هذه المرحلة غنيا بالكازيين وهي مادة بروتينية لذلك نتركه يختمر قبل أن يشرب بالصحة والعافية.
__________
(1) - تعطي النوق كالأبقار ثلاثة إلى أربع ليترات من الحليب في اليوم. (1/182)
صفحة 183
يهيأ الجبن الأبيض أيضاً بتخثيره في مكان دافئ والغريب أنه لا يتم تهيئ الجبن المطهي أو المطبوخ. ففي البلدان التي لا يتأكد فيها أهلها بأن ما لديهم من أطعمة سيكفيهم طيلة الناس، يتم اللجوء إلى تصبير، من بين ما يتم تصبيره، مشتقت الحليب، فهي ذات نفع كبير في مثل هذه الحالات.
أحياناً، يستعان بالأبقار في الأشغال، غير أن الدواب الرئيسية في هذه الباب هي الجمال والحمير (ژيط أو أغيول بالأمازيغيى) والخيول (أگمار) في بلد، يعتبر فيه الحدل (أو تحديل الأرض) شيئا مجهولاً لا مناص من الاستعانة بخدمات الإبل التي تحمل بسهولة على ظهورها حمولة تصل إلى 120 أو حتى إلى 150 كيلوغراماً. كان القابض التركي يعادل بين الجمل والرجل. الجمل معروف في عموم صحراء افريقيا والدائرة المحيطة بها، لكن كان عليه هنا أن يعود رجليه على المشي فوق الحصي والحجارة. على أية حال، يعمل الناس على تجنيبه المرور من المسالك الرديئة ونراه دائماً يتسلق المنحدرات الأشد وعورة بخطاه الوئيدة والمنتظمة على الدوام.
الجمل (ألغم بالأمازيغية) هو الدابة التي لا مفر منها. تلتهم كل شيء بما فيها الجنبة المشوكة. لكن لايجب أن ننخدع بعفتها المزعومة والأهالي يدركون جيداً أن الدابة التي تشتغل في حاجة إلى الأكل، فحتى في فصل الصيف حيث تنعدم النباتات الخضراء تسلم للجمال مقادير من التبن والشعير، وعلف الحلفاء، ونواة التمر. ترسل الجمال من حين لآخر إلى مراعي القبلة للرعي من السرمقيات التي تنبت على مساحات شاسعة بالقرب من المستنقعات المالحة والسبخات. لا يعتبر الجمل أحسن دابة لحمل الأشياء فحسب، إذ يحمل في خرجها المصنوع من الحلفاء التبن والبذر والخشب والحجارة بل يستخرج كذلك الماء من الآبار، كما يعتبر الدابة الرئيسية في عملية الحرث. فهو يحمل بمرح على ظهره الحارث و المحراث ذهاباً وإياباً. (1/183)
صفحة 184
يقوم الحمار بالخدمات نفسها التي يقوم بها الجمل، غير أن قواه أقل بكثير من قوى هذا الأخير. فهذه الجحوش الصغيرة ذات الطاقة الهائلة في التحمل رغم ما يقدم إليها من طعام مزري، هي دواب لا ينال منها التعب، وقادرة على حمل رجل. لا تترنح أبداً حتى في أردء المسالك. بالمقابل يضعف الحمار في جره للمحراث، علماً بأنه عادة يتم ربطه به.
الخيول أقل عدداً. فعلى الرغم من الجلادة التي يتسم به الخيل المغربي وخفة الحركة التي يتسلق بها المسالك الوعرة، فإن الخيول عموماً كائنات رقيقة ومكلفة من حيث الطعام، في بلد فقير وجبلي تنزلق في مسالكه بسهولة، وتكون معرضة في كل وقت لكسر في الساق وما شابه. عادة ما يشد وثاقها بالمحراث، ويستعملها الأشخاص الذين يتوفرون على ما يكفي من الإمكانيات لإطعام هذا الحيوان الكمالي.
ومن الغرابة فعلاً أن يكون البغل (أسردون بالأمازيغية) غير معروف هنا بالمرة، علماً بأنه الأكثر تأقلماً مع طبيعة جبل نفوسة. فالبغال الإريرتيرية غير المصفحة بالحديد والمستعملة من قبل العساكر وأصحاب القوافل الإيطالية رائعة جداً. فقد قطعت على ظهرها مئات الكيلومترات على مسالك رهيبة دون وقوع أدنى حادث أثناء الرحلة. إلا أن الأهالي لا يخفون احتقارهم لهذه الدابة الرديئة ونفورهم منها لأن الله جعلها عاقراً. ومع ذلك، لا بد أنهم في يوم أو آخر سيتبنون هذه الدابة، والعساكر بدأوا فعلاً في العثور على شراة لدواب أعيد إصلاحها.
الخاتمة
يرتكز الاقتصاد الفلاحي لجبل نفوسة على شراكة ما بين الجفارة والظهر والجبل. تلك حتمية جغرافية غير قابلة للمناقشة. ويتمخض عن هذه الشراكة بالضرورة نمط عيش شبه ترحالي سيكون موضوع دراسة ومقارنة فما يلي من سطور. (1/184)
صفحة 185
في منطقتنا إذن، للإقتصاد الفلاحي بل لكل مناحي الحياة البشرية ارتباط وثيق بالظروف الطبيعية. لم نتطرق في هذا الفصل لأية زراعة ولأي مورد دون التذكير المسهب بالتباينات الموجودة بين مختلف أجزاء الجبل: الهضبة، الأودية، السفوح والجبل الغربي والشرقي. وبالتالي صرنا أمام ما يشبه اللازمة في كل فقرة أو ما يماثل المعزوفة التي لا مفر منها طالما أنه يتملكنا انطباع مفاده أن الإقتصاد الفلاحي لا يمكنه أن يكون إلا ماهو فعلاً.
ومع ذلك...فلنتجشم عناء شد الرحال إلى جبل ترهونة الواقع بين جبل غريان المكتظ بدوره بالساكنة ولكنها مبعثرة والربى المبثوثة لقرى جبل مسلاتة، البلاد الخلفية للبدة (خارطة الرسم 1). سنفاجأ بغياب أي قرية، أي منزل، وأي شجرة تقريباً إلا في بساتين صغيرة جافة. لن نجد سوى الخيام والقطعان وموجات ترابية شاسعة مبذورة، هذا مع العلم أن جبل ترهونة لا يختلف إلا قليلاً عن بقية الجبل وبخاصة جبل نفوسة. فالتضاريس هي هي والمناخ ملائم جداً، كما أن ظروف العيش ميسرة أكثر، وبضعة عيون موجودة، وأرض جيدة قابلة للحرث. فلماذا لا نجد هنا ساكنة ريفية وكثيرة العدد تعيش على غرار النفوسيين الذين ألحقوا بالجبل شريطان واسعان من التعاشيب؟ لم جبل ترهونة غير مأهول إلا بالبدو، بدو السهوب الذين ألحقوا الجبل المجاور بكل عيونه بالسهوب؟
يحد هذا الاختلاف تفسيره في تواجد سكان رحل صاروا الأسياد، في حين يعتبر النفوسيون قرويون وجدوا ملاذهم في الجبل. وتنبغي الإشارة إلى هذا الاختلاف بشري تماماً وأن العكس كان يمكن أن يحصل كذلك.
لندع جانباً جبل ترهونة الذي يستحق لوحده دراسة خاصة. فهذا التقارب البسيط يكفي لوضع تأثير الظروف الطبيعية في حجمه الحقيقي، تأثير أحطنا به تواً بالدرس والتحليل وأبرزنا أهميته. وهي أهمية رئيسية لا ترقى إليها ذرة شك. لكن لا يمنع هذا من القول بأن نفوسة كان يمكن أن تصير ترهونة.
الفصل الثاني (1/185)
صفحة 186
أمازيغ و"عرب" تنقلات الساكنة
1- أمازيغ و"عرب"
تتجلى أهمية العنصر البشري أيضاً، والتي سبق وأن انكشف من خلال مقارنة بسيطة مع جبل ترهونة، في تباين ذوات ساكنتهما، فمكونات ساكنة جبل نفوسة هي إزاء الظروف الطبيعية نفسها التي هي هي بالنسبة للجميع. توجد بين الذين نسميهم ويسمون أنفسهم "أمازيغاً" أو "عرباً" تباينات لا يستهان بها، وقد تصل أحياناً إلى حد التضاد.
فواحدة من الخواص الأساسية لجبل نفوسة أن نصف ساكنته تتحدث الأمازيغية، فالجبل والقصر الساحلي لزوارة هي المنطقة الوحيدة الناطقة بالأمازيغية في إقليم طرابلس بل في عموم ليبيا الشمالية(1).
ستمكننا إطلالة بسيطة على خارطة توزع اللغات (خارطة الرسم 9) في المنطقة المعنية من التمييز توا بين أربع مجموعت ناطقة بالأمازيغية: يفرن، جادو، كاباو ونالوت- ووازّن تحيط بها وتعزلها بلاد ناطقة بالعربية أو مزدوجة اللغة.
وينضاف إلى هذا الاختلاف اللغوي الهام جداً، ولو أن الناطقين بالأمازيغية لديهم دراية عموماً بالعربية، اختلاف آخر لا يقل أهمية على مستوى الديني. ففي حين يعتبر كل سكان شمال إفريقيا مسلمون سنيون ومن أتباع المذهب المالكي، فإن أمازيغ نفوسة إباضيون وهو ما يعادل في السجل المسيحي بروتستانيو الإسلام أو طهرانيوه. كانوا دائماً على المذهب الإباضي (الخارجي) منذ اعتناقهم الإسلام في بداية القرن الثاني الهجري. هم إخوة في الدين والمذهب. لسكان زوارة وجزيرة جربة وجزائريي ورگلة ومژاب ولساكنة أخرى بعيدة في عمان وزنجيبار.
__________
(1) - في صحراء طرابلس، طوارق أزگر الذين يمتد وجودهم حتى غدامس، مرزق وتومو ناطقون بالأمازيغية أيضاً على غرار طوارق واحة أوجيلة جنوب برقة. الأمازيغية بطور الاختفاء في سوكنة حيث السكان يتذكرون أنهم كانوا في زمن مضى إباضيين، تراجع خارطة [بگوينوت Beguinot] ص29 . (1/186)
صفحة 187
يوجد بين الناطق بالأمازيغية الإباضي المذهب والناطق بالعربية الأرثودكسي (السني) المالكي المذهب، بين "الأمازيغي" و"العربي" كما نختصر المعادلة اختصاراً خطيراً، اختلاف في العقلية يشد إليه الملاحظ بسرعة فائقة، ويعبر عن نفسه في الحياة المادية اليومية. فالأول فلاح أكثر والثاني بدوي أكثر. إن هذا التعارض السيكولوجي والاجتماعي أساسي جداً في سياق دراسة تتمحور حول الجغرافيا البشرية لجبل نفوسة.
الماضي : من الضروري البحث عن الأسباب وتحليل طبيعة هكذا تعارض. كثيراً ما استعملت كلمتا "أمازيغ" و"عرب" كيفما اتفق وكانتا بذلك مصدراً لكثير من الهنات ومنطلقاً لكثير من المجادلات في افريقيا الشمالية والمستعمرة الإيطالية الفتية(1).
سوف نعمل على إظهار الحائق التي تخفيها هاتان التسميتان الخادعتان وإلى أي حد تعبران فعلا عن تباين إثني (أو سلالي)؟ أليستا بالأحرى نتاجاً لتعارض تاريخي، تباين قديم على مستوى نمط العيش؟ يتعلق الأمر هنا بمشكلات معقدة لا نزعم أننا نمتلك حلولاً نهائية لها، لكننا سنحاول الإحاطة بها قدر الإمكان.
__________
(1) - يراجع في مجلة Oltermare ذلك السجال الذي أثارته مقالة (غير مطبوعة) لـ: [أ. دوكاتي A. Ducati] ومقالات أخرى مقتضبة وملخصة للأولى في: Le Schiatte berbere net passato del Maghreb 1932, p412 وكذلك:id 1933 p37 Gli Arabi net Passato dell Africa meditterranea. (1/187)
صفحة 188
يعرف الجميع أن كل سكان شمال إفريقيا كانوا أمازيغاً قبل مجيء الإسلام. احتوى الأمازيغ المهاجرين الذين أتوا لتمدينهم وحكمهم ولم تكن أعدادهم وافرة نسبياً إلا في المرافئ والقرى المجاورة للساحل، سواء تعلق الأمر بالفينيقيين أو الرومان أو البيزنطيين. غير أن تسمية "أمازيغي" ماهو إلا تعبير اختزالي، إنها قناع يخفي جهلنا ويصلح للإحالة على مركب أنثربولوجي. خلصت الدراسات التي قام بها [برتولون وشانتر Bartholon et Chantre](1) حول شمال إفريقيا الشرقية، إلى أن هناك على الأقل ثلاثة أنماط من الأمازيغ: مستطيلو الرؤوس من أصحاب القامات القصيرة، المنتسبون للسلالة المتوسطية، وقصار الرؤوس من أصحاب القامات القصيرة أيضاً، وممثلوهم الرئيسيون هم أهل جربة الذين لهم صلات شبه مع أكراد آسيا الصغرى وبصفة خاصة مع ساكنة الجنوب الغربي لفرنسا، أخيراً مستطيلوا الرؤوس من أصحاب القامات الطويلة وكانوا في الأصل ذوو شعر أشقر وعيون زرقاء. ولهم صلات قرابة مع ساكنة أوربا الشمالية، كما أنهم نتاج سلالات مختلطة بهذا القدر أو ذاك. تحفظ الكثيرون من هذا الترتيب العام بأنه يعبر حقيقة عن تباينات أساسية. فقد بين [گوتيي Gautier] جيداً أن التاريخ الداخلي لشمال إفريقيا القديمة قابل للتفسير أساساً من خلال الاعتماد على التعارضات الجغرافية(2).
__________
(1) - يراجع: [برتولون وشانتر] ويراجع بخاصة الجزء الرابع منه.
(2) - أنظر : [گوتيي] ص79 يتعلق الأمر هنا بوحدات من الأفكار السائدة في القرون المظلمة. (1/188)
صفحة 189
تمخضت عن الغزو العسكري العربي لشمال إفريقيا في القرن الأول الهجري نتيجة نوعية تمثلت في ربط بلاد مسيحية ولاتينية بالشرق الإسلامي. غير أن وصول بضع عشرات آلاف من العساكر المشارقة المتبوعين بهجرة بورجوازية إلى المدن لم تكن له سوى أهمية إثنية ضعيفة على مستوى شمال إفريقيا لكنه أثار حركة معارضة ارتفعت وتيرتها مع تبني المذهب الإباضي بطرق جد عنيفة أحياناً في مواجهة الأمراء والعائلات المالكة الحاكمة لإفريقية. في البداية لم تكن هذه المعارضة محصورة في منطقة بعينها، علما بأن قبيلة نفوسة تمتد في اتجاه سهول جفارة الغربية بقدر ما تطول الجبل. غير أن الجبل على غرار البدعة، هو مناط قوة ساكنة مقاومة تعتبر في القرنين 9 و10 الميلاديين بمثابة الطليعة الشرقية للفيدرالية الإباضية الكبيرة لتيهرت.
فيدرالية تضم في الوقت نفسه رحل السهوب والقبائل الجبلية. إن الجبل والإباضية هما اللذان مكنا هؤلاء من الحفاظ على استقلالهم عن الفاطميين الذين نجحوا مع ذلك في القرن العاشر الميلادي في تسديد آخر ضرباتهم لفيدرالية تيهرت وتحقيق انتصاراً ساحقاً على أهل نفوسة(1).
غير أن العواقب الناتجة عن النزوح الكبير لمئات الالاف من الرحل المشارقة من خلال احتياجات القرن الحادي عشر الميلادي لافريقيا الشمالية- والتي استفاض [مارسيي] و[گوتيي] في بيان حمولاتها- أقول إن هذه العواقب كانت أكثر تأثيراً على النفوسيين من غزوات القرن السابع الميلادي. وقد دفع مرور القبائل الهلالية وبصفة خاصة استقرار بني زغبة في الجفارة الغربية بنفوسى السهل إلى التراجع في اتجاه الجبل، ومنذ ذلك الوقت إقترن اسم نفوسة والنفوسيين بالجبل وصارا لا يفترقان.
__________
(1) - حول كل هذه الأحداث، يراجع الجزء الرابع، الفصل الأول. (1/189)
صفحة 190
وانطلاقاً من القرن الثالث عشر، حل آل دبّاب محل بني زغبة وهم أهم جماعة في الفيدرالية الكبيرة لبني سليم. لكن لكل ذلك أهمية طفيفة. ففي مواجهة هؤلاء الرحل الكبار على ظهور الجمال المحتلين للسهل سواء كانوا من بني زغبة أو دبّاب أو حتى من الأمازيغ في معظمهم.
ظل النفوسيون دائماً في ذهن أولئك الذين دفعوا بهم إلى أقاصي الجبال وحرموهم من جزء كبير من مراعيهم والأراضي المزروعة بالحبوب، جبليون شرسون. فقد كان هؤلاء المزارعون يحتفظون في أنفسهم بحقد دفين على أولئك الرحل الناهبين والغاصبين، وبصفتهم أقلية مسلمة طهرانية، فقد كانوا يبغضونهم لإيمانهم الفاتر زد على ذلك أن اللغة الأمازيغية لهؤلاء الجبليين تنفث الروح في كل أشكال معارضتهم تلك.
في كل الأحوال، الجوار مع هؤلاء غير مأمون، فقد كانوا ينزلون عادة من الجبل وهم مسلحون لكنهم اعترفوا للرحل في نهاية الأمر بجزء من السيادة على السهل. فللحوامد والدباب الغربيين جبل دمّر، وللنفوسيين السيادة على أماكن تواجد أتباعهم، وللجوّاري بالشرق جبل غريان. تلك كانت الوضعية التي حكى عنها (ابن خلدون) في القرن الرابع عشر الميلادي. (1/190)
صفحة 191
بعد (ابن خلدون) انقطعت كل الأخبار عن مجريات الأمور في هذه المنطقة، لكن من المؤكد أن العلاقات بين أهل الجبل والرحل في السهل لم تنقطع أبداً. إبان الحماية الفرنسية في تونس واحتلال الجنوب التونسي بسط آل ودرانة، وهم الفصيل الأهم في آل ورغامة، سيطرتهم ليس على المستقرين بالجبل التونسي فحسب بل على قرى نفوسة أيضاً. هكذا أقام آل ورغامة في الجفارة التونسية صرح فيدرالية كبيرة وميالة للحروب(1). وكانوا في معظمهم من أمازيغ زناتة الذين ترعى قطعانهم قبل القرن 11م في سهول الجفارة الشمالية. وقد دفع بهم الغزاة الهلاليون نحو تخوم الجبل حيث امتزجوا بساكنته التي كانت تعيش حياة المستقرين. غير أنهم تمكنوا في القرن 15م من استرجاع أراضيهم بطريقة تدريجية وإخضاع ودمج المجموعات العربية المتبقية. كانت لآل ورغامة سيما أولئك الذين بقوا رحلاً ومحاربين من بينهم كـ آل ودرانة سمعة رهيبة ومروعة سواء بتونس أو بإقليم طرابلس الغرب. فأهل جبل نفوسة يخشون أكثر ما يخشون آل ودرانة. أما آل دباب فكانوا يبسطون سيادتهم على وازّن وآل شهيدة والزرگان على نالوت وآل أمرنة على كاباو، بل كان لآل شهيدة أتباع من أمازيغ تندميرة وويفات ومزغورا وجادو. وقد كانت أطماع هؤلاء الرحل تتطلع أيضاً إلى القبائل "العربية" لآل المحاميد والحرابا والرحيبات والرياينة لتصل إلى يفرن والجوش في بلاد ككلة.
__________
(1) - تجد ملحوظة وجيزة عن آل ورغامة في : La Tunisie / Histoire et Description. Paris 1896, pp 472-79 والجدير بالملاحظة هنا أن مشكلة أصل سكان الجنوب التونسي تعتريها الكثير من النقائص والإلتباسات. (1/191)
صفحة 192
هذا النوع من السيادة تتم ترجمته من خلال إتاوة يتعين على "مقطعي" الجبل (المقطع شخص يقطعه السيد الاقطاعي) أرضاً لقاء تعهده بتقديم خدمات له) أدائها على غرار أمثالهم في واحات سيناون، ودرج وغدامس عندما يحرثون الأراض التي يزعم آل ورغامة أنها لهم، أو عندما يرعون فيها قطعانهم. نظرياً لا يتوغل الرحل التونسيون في إقليم طرابلس إلا لإجبار هؤلاء "المقطعيين" على أداء الإتاوات. وقد كانوا يهددون، باستمرار، محاصيل ومواشي أهل الجبل ويبثون من الرعب ما يضطر القوافل في القرن التاسع عشر للمرور من جنوب جبل نفوسة والتوغل انطلاقاً من خط طول جادو لأجل الوصول إلى طرابلس وغدامس(1).
قامت الحماية الفرنسية، دون وعي منها بذلك، بثورة اجتماعية عميقة من خلال إرسائها لواقع المساواة بين آل ورغامة وقرويي جبل دمر، وتخليص ساكنة الجبل الطرابلسي من رعب هؤلاء الرحل الشرسين. ولا زالت آثار هذه الذكريات قائمة ومنها أن أهل وازّن لا زالوا يسجلون على خواصر إبلهم العلامة نفسها لأسيادهم الإقطاعيين.
وبعد أربعة قرون حسب (ابن خلدون) لا زال المقيمون بالسهل يسيطرون على معظم ساكنة الجبل منهم الأمازيغ أو المعربون. تنبغي الإشارة هنا إلى آل ورغامة يشكلون اليوم فيدرالية أمازيغية معربة احتوت العناصر العربية التي امتزجت معها، وإلى أن سيطرة آل ودرانة على النفوسيين، لا تعني في شيء سيطرة العرب على الأمازيغ بل سيطرة البدو على أهل الجبل. يتعلق الأمر بمواجهة بين عقليتين لا عرقين، مواجهة استمرت أربعمائة سنة.
__________
(1) - عن كل هذه الأشياء، يراجع : Goguyeer, p308 et suivantes Le Bœuf, p46 et 49 (1/192)
صفحة 193
غير أن هذا الجوار الذي دام لقرون تمخضت عنه نتيجة نوعية. إذ لم تكن لجبل نفوسة قوة المقاومة ذاتها التي كانت للقبايل أو للأطلس المغربي، فهو لا يعدو أن يكون شريطاً جبلياً ضيقاً ومتواضعاً محصوراً بين سهوب الظهر والجفارة وقابلاً للاختراق على الرغم ن المقاومة الشرسة لأهله الذين لا ينجحون دائماً في إيقاف مد اختراقات البدو الأعراب. وسواء كان ذلك بفعل كفاح طويل أو من خلال اختراق تدريجي ناتج عن جوار طال أمده فالحقيقة الثابتة هي أن رحلاً شرسين زحفوا على الجبل في فترة موغلة نسبياً في القدم. يتعلق الأمر بقبائل تدعي انتسابها للعرب الغزاة أو تحمل اسماء تدل في الظهر على انتسابها لهؤلاء. فأولاد الدويب في الزنتان وبعض الحرابا يدّعون انتسابهم لبني زغبة إلا أن بني سليم الذين استقرت غالبيتهم في إقليم طرابلس خلافا لبني هلال هم الذين خلفوا ورثة كثر، ومنهم أولاد بلهول وأولاد بلقاسم في الزنتان ينتسبون لمجموعة عوف. أما غالبية الحرابا والفياصلة والغزاية والحوامد وأولاد سباع فساطو فيدعون انتسابهم لآل المحاميد. ولا زالت جماعة تحمل الاسم نفسه تعيش بالسهل(1).
لهذه الأنساب "المزعومة" أهمية خاصة وموحية، غير أنها لا تمكننا من ضبط أعداد الوافدين على المنطقة ولو على سبيل التقريب. فليس لأن شخصاً يزعم انتسابه للحواميد أنه بالضرورة عربي. فمعلوم أن أسماء القبائل والفخذات قد تكون لمجموعات غير متجانسة الأصول وقد يكون يطلق الاسم الواحد على تجمعات بشرية ذات تركيبة متنوعة. فقد عودنا تاريخ شمال افريقيا على مثل هذه التغيرات بل يمكن اعتبارها، للأسف واحدة من أكبر من مصاعبه.
__________
(1) - أنظر [أگوستيني] صXI – XIV (1/193)
صفحة 194
ما هو في حكم المؤكد هو توزع الناطقين بالأمازيغية والناطقين بالعربية كما تدل عليه الخريطة رفقته. ومن خلالها، نلاحظ أن العربية اكتسحت نصف الجبل. وذاك معطى أساسي جداً لأن الأمازيغي هنا مرادف للأباضي والعربي مرادف للمالكي. فخريطة اللغات هي أيضاً خريطة الأديان بما أن العربية والمذهب المالكي نجحا في اكتساح نصف الجبل.
الدلالة الحالية لكلمتي "أمازيغي" و"عربي" : فإذا كان كل الناطقين بالعربية والمالكيي المذهب يدعون بأنهم كلهم "عرب" فكل الناطقين بالأمازيغية الإباضيي المذهب لا مناص من اعتبارهم "أمازيغاً".
لنعالج المسألة عن قرب باعتمادنا على العنصر الموثوق الأوحد الذي نتوفر عليه أي خريطة اللغات والديانات. فهذه الأخيرة تصلح كمنطلق متين للنقاش. سنوظف فيه أيضاً معطيات البحث الميداني الرصين والقيم الذي أنجزه الكولونيل [أگوستيني](1) عام 1915 (الرسم 9).
لا جدوى من البحث عن أسباب جغرافية مفترضة وراء توزع المجموعات الناطقة بالأمازيغية والأخرى الناطقة بالعربية داخل جبل نفوسة. فالظاهر أن هكذا توزع يعود إلى محض الصدفة. ومع ذلك، لا ضير من الإشارة إلى تواجد قرى يفرن الناطقة بالأمازيغية على "شبه جزيرة" في الجبل.
من بين أربع نقاط ناطقة بالأمازيغية، نلاحظ أن الأكثر غربية " أي تموقعاً جهة الغرب" هي نالوت وملحقتها وازّن، في حين أن المركز الصغير لقصر تكويت بالسهل مأهول بمنحدرين من نالوت، وكل هؤلاء إباضيون وواعون بانحدارهم من أسلاف نفوسيين، فهم أمازيغ بلا منازع.
الشيء نفسه ينطبق على سكان مجموعة كاباو والتي تضم مع فرسطا بضع قرى في الدائرة المجاورة وهي: طمژين، تملوشايت، تندميرة وجريجن البعيدة نسبياً ويفصل بين هاتين المجموعتين أولاد محمود والحوامد.
__________
(1) - المرجع نفسه، ص285-300-309 و 338. (1/194)
صفحة 195
وما بعد الرحيبات حيث يمتزج ناطقون بالأمازيغية وبالعربية نجد كتلة كثيفة في فساطو كل قراها، باستثناء تمزدا، ناطقة بالأمازيغية ومتشيعة للمذهب الإباضي على غرار جادو وما جاورها: الگصير، ؤشباري، تموگت، يوجلين وقرى نائية أخرى كمزغورا ويفات، رگرگ، جمّاري، تيندباس، ئگناون، مزّو وطرميسا.
تفصل مجموعة يفرن عن مجموعة فساطو 45 كيلومتراً مأهولة بساكنة ناطقة بالعربية وهي آل الرجبان والزنتان والرياينة. يتعلق الأمر بآخر قطب مقاوم للتعريب ناحية الشرق، ويشكل أيضاً مجموعة متماسكة من القرى هي يفرن، تاگربوست، القصبات الأربع، البخابخة، الگصير، والشگارنة، وفي نقاط أبعد نسبياً نجد القلعة، تازمرايت، تاغما وگصبة بن مانا. وهناك قلة قليلة جداً من الأمازيغ اليهود يسكنون في الشگارنة والقصير والقصبات، يتم التعامل معهم كأقنان محتقرين تحت حماية الإباضيين. كان عددهم قبل 20 سنة ألف (1000) أمازيغي يهودي، ولا يتعدى عددهم اليوم 250. (1/195)
صفحة 196
لا جدال إذن في أن هذه القرى جميعها أمازيغية إثنياً (سلالياً)، وقد استوعبوا عدداً قليلاً جداً من "العرب"، غير أنهم لا ينحدرون كلهم بالضرورة من الأسلاف النفوسيين. وهذا ما ينطبق على أهل مقاطعة يفرن الذين لا يسمون "نفوسيين" إلا منذ قرنين، وبعضهم ينحدر من بني يفرن من جماعة زناتة وآخرون من هوراة. وحدهم أولاد سلام وعددهم لا يتجاوز 2000 هم نفوسيون كابرا عن كابر. بالمقابل كلهم إباضيون (ما عدا اليهود منهم). كانت هذه ستكون القاعدة المطلقة لولا هذا الاستثناء الصغير المتمثل في القصر الضخم للقلعة في أقصى نقطة شرقية للتجمعات السكنية الناطقة بالأمازيغية حيث بدأ المذهب المالكي في التسرب إلى هذا القصر الإباضي وثمة حوالي 250 شخص اعتنقوا منذ بضعة عقود هذا التوجه الفقهي السلفي(1). أليست هذه أول فجوة في جدار التجمع البشري للقلعة، فبعد التخلي عن الأمازيغية يأتي التخلي عن الإباضية آجلاً أو عاجلاً؟ أليس كل ذلك نتاج طبيعي لسيرورة التعريب؟
و الحال أنه شرق القلعة تتناثر قرى ككلة التي لا زال بعضها يتذكر أن ساكنتها كانت تتكلم الأمازيغية وتتبع المذهب الإباضي. فساكنة المزايدة يتذكرون جيداً ذلك كما يقول أمثالهم من الجياش أنهم يتكلمون العربية ويتبعون المالكية منذ 180 عام، وكذلك أهل أم جرسان جنوب يفرن الذين تعربوا منذ حوالي قرن، ولا زلت نساؤهم يعتمرن الرأسية الضيقة للنساء الأمازيغيات. كل هؤلاء الذين بدلوا لغتهم وأحياناً مذهبهم الديني يعترفون تلقائياً بأصولهم الأمازيغية، التي لا ترقى إليها ذرة شك.
__________
(1) - يراجع : [موتيلنسكي] ص73 النص المترجم منذ نصف قرن لا يتحدث في ذلك الوقت إلا عن إباضيي القلعة. (1/196)
صفحة 197
نحن نعرف أنه في زمن مضى كانت غالبية قرى ككلة وغريان تتحدث الأمازيغية وتدين للمذهب الإباضي. غير أن تعريبها قديم جداً، كذلك فحتى وإن كان أهلها لا زالوا يعلنون أن أصولهم أمازيغية، فإن معضمهم ما عادوا يتذكرون ذلك الزمن الذي كانت فيه لغتهم ودينهم شيئاً آخر غير ماهما عليه الآن. بل إن بعضهم يقول بأنهم عرب أقحاح، والحال أنهم يخونون بذلك أنفسهم ووطنهم ولسان حالهم يقول: نبيل أكثر و"أنيق" أكثر أن تكون عربياً. من جهة أخرى، نجد أن أمازيغ نفوسة الإباضيين يعترفون دون عقدة ببسالتهم الأصلية.
بعد بحوث ميدانية متقاطعة يمكننا تأكيد الأصول الأمازيغية لثلاث ترى أولاد بوزيري (حيث أقر الأهالي بأنهم يتحدثون العربية منذ سبعة أجيال على أقل تقدير)، وأولاد عيسى، وأمزير، وأولاد عبد المولى، وأولاد سعيد، كما أن جزءاً مهماً من ساكنة البيات ذات أصول أمازيغية، وكذلك أولاد عمور وتاكبال والقصور، وفَصِيلٌ لا يستهان به من أولاد عمران المتفرق على عشرة فروع.
هكذا تكون بلاد ككلة، وبكل تأكيد، آخر البلاد التي أتى عليها طوفان التعريب، والآن يمتد مد هذا الطوفان إلى قرى يفرن. فقد مس أم الجرسان والقلعة. وواضح أن كل هؤلاء "العرب" الموزعين ما هم سوى أمازيغ معربين. سوف نتجاوز هنا معطيات الخريطة اللغوية وبكل أمان. (1/197)
صفحة 198
ليس التعريب دائماً حركة مد كاسحة، بل عادة ما يكون اختراقاً وتسللاً. فخريطة اللغات تبين لنا كيف أن الناطقين بالعربية والناطقين بالأمازيغية يتعايشون في عدد من قرى الحرابا والرحيبات. ففي الرحيبات، يقيم الناطقون بالأمازيغية الإباضيو المذهب في جزء لا بأس به من تمزدة،(1) وإينر، وجيطال، وونزيرف، والندوا، والكطعة. والفياصلة الدين كانوا يسمون في زمن مضى گتروس، وهو اسم لفخذة ناطقة بالأمازيغية لا زالوا بالمكان نفسه، جزء لا يستهان به إذن من ساكنة الرحيبات من أصول أمازيغية لا يرقى إليها الشك. الشيء نفسه ينطبق على الحرابا التي تضم ثلاث قرى ناطقة بالأمازيغية كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك، وأربع أخرى مختلطة وهي: أم صفّار وتينزغت وبگّالا ومرگس(2).
__________
(1) - تمزدة تابعة منذ مدة لمديرية يفرن.
(2) - يزعم ال بدارنة المتواجدون في زرارة ودجي أنهم " عرب " و[أكوستيني] يقول بأصولهم الأمازيغية، ص335، وهم ناطقون بالأمازيغية وتابعون للمذهب المالكي. (1/198)
صفحة 199
فلننظر الآن في جماعة "العرب" أو بالأحرى الناطقين بالعربية. رأينا أن معظم المتواجدين منهم بككلة أمازيغ. ففي عدد لا يستهان به من القرى لا يعترف بالأصول الأمازيغية إلا لمجموعات صغيرة جداً من الساكنة. غرب يفرن، نجد أن القرى الأربع للخلايفة مأهولة بساكنة مختلطة في حين ينحدر آل الزرگان المتفرعون من فخذة تحمل الاسم نفسه، من ورغامة في الجنوب التونسي. في الرياينة يدعي جزء من أولاد بوحسين أنهم ينحدرون من الساقية الحمراء بالجنوب الغربي للمغرب الذي تكثر فيه الزوايا الأمازيغية، وأولاد ريان من ثلة من الأسر الأمازيغية الشمانغة. أما آل الفاضل فيدعون أنهم أمازيغ ولو أنهم يتحدثون بالعربية، ويتبعون المذهب المالكي منذ زمن سحيق(1). وعند آل الزنتان "العرب" الأقحاح المزعومين تجد أولاد خليفة يقولون بانحدارهم من مجموعة من الأسر الأمازيغية المعربة بطبيعة الحال.
عند الرجبان، نجد قرية أمازيعية عن آخرها تدعة شفّي(2) والتي لا زال رجالها يتزوجون من الساكنة الناطقة بالأمازيغية في طرميسا. كما أن ما يقرب من نصف ساكنة تارديا (تارديت) وجزء من زعفران (أو أولاد عبد الجليل) حيث العديد من النسوة لا زلن يعتمرن الشاشية الأمازيغية، وثلاث أسر في أولاد عنان يقولون بأنهم أمازيغ أبا عن جد. وفي أولاد محمود أيضاً نجد خمس أسر أمازيغية.
هكذا يعترف عدد هائل من الناطقين بالعربية بأصولهم الأمازيغية، كل القرائن تحملنا على الاعتقاد بهذه الحقيقية، والحال أن الاتجاه العام عند المعربين من هؤلاء هو القول بأنهم عرب .
__________
(1) - يراجع [أكوستيني] الذي يصنف الساكنة هنا بصفتها عربية – أمازيغية، ص300.
(2) - يراجع [موتيلنسكي]، ص86، يتحدث عن شفي قائلا بأنها " كانت بحوزة الأمازيغ وهي الآن بحوزة العرب" أمامنا جملة من شأنها أن تشوش على كل المسائل المطروحة بهذا الصدد. (1/199)
صفحة 200
لكن هل ما تبقى من هؤلاء هم فعلا عرب؟ يستحيل إعطاء جواب دقيق عن هذا السؤال لكن لا بأس من إبداء بعض الملاحظات. نفترض أن الحرابا بما فيهم الفياصلا والغزاية و"أشقائهم" الحوامد وأولاد محمود والذهيبات هم من آل المحاميد أي آل دباب (بني سليم). ولأنهم قدموا إلى إقليم طرابلس من مصر العليا كما هو شأن عموم بنو سليم وبنو هلال، فليسو عرباً أقحاحاً. بعد ذلك أقاموا لمدة طويلة في الجفارة حيث خضعوا للأمازيغ الرحل المتواجدين هناك قبل أن يمتزجوا بهم. إن المحاميد المخضرمين إذن هم الذين امتزجوا بأمازيغ بگيگلة تحت تسمية الحرابا. وقد بسطوا سيطرتهم تحت تسميتي الحوامد وأولاد محمود على المنطقة المتواجدة بين كاباو ونالوت وأغلب الظن أنهم لم يطردوا كل الأمازيغ منه. نخلص إلى القول بأن ثمة من الأمازيغ أكثر من العرب ضمن هؤلاء "العرب" المزعومين من آل الحرابا والحوامد. (1/200)
صفحة 201
أصل الرحيبات مجهول وإن كان [أكوستيني] يميل إلى اعتبارهم من آل الدباب. ولو صدقنا جدلاً ذلك لانسحبت عليهم الملاحظات السابقة كما ستنسحب على آل الرجبان وآل الزنتان. يقول هؤلاء أنهم إخوة وإن كان الأوائل وصلوا حسب الرواية الشفوية قرناً قبل آل الزنتان، غير أنهم لا يقولون شيئاً من أصولهم. يدّعي آل الزنتان، كما رأينا ذلك أعلاه، بأنهم ينحدرون من آل الدباب وآل عوف (قبيلتان من بني سليم) ولا يمكن أن يكون "لإخوتهم" آل الزغبة أصل آخرى غير أصل آل الزنتان. وإذا كان الأمر خلاف ذلك، فإن هؤلاء وأولئك حطوا الرحال بالجبل، وقد امتزجوا قبل ذلك بالأمازيغ. لكن أليس من الغريب فعلا أن القبيلة "العربية" الأكثر والمترحلة من بين كل قبائل الجبل تحمل اسم الزنتان (آيت زناتة بالأمازيغية) وهي واحدة من أشهر وأهم القبائل الأمازيغية المعروفة بالترحال؟ من جهة أخرى، يزعم أن ساكنة السهل تتعرف على الأصول الأمازيغية لآل الزنتان من خلال طريقة نطقهم للعربية، إذا افترضنا صدق الأصول الأمازيغية لآل الزنتان ألا يجب أن نقر بالأصول نفسها لأشقائهم آل الرجبان؟ لندكر أيضاً في هذا السياق أن آل ورغامة كلهم تقريباً من آل زناتة ولو بدا هؤلاء البدو الشرسون "عرباً" أقحاحاً.
من هذه المناقشة التي تحتل فيه الافتراضات عموماً موقعاً ضعيفاً أرى أنه من الوجاهة اسنتاج بعض الخلاصات تتجاوز بما لا يقاس تلك المتضمنة في الخريطة اللغوية التي انطلقنا منها:
1- كل الناطقين بالأمازيغية أمازيغ.
2- كل الناطفين بالعربية الذين تخلوا حديثا عن اللغة الأمازيغية، وكل الذين يقولون بأن أصولهم أمازيغية، يجب اعتبارهم من الناحية السلالية أمازيغاً. (1/201)
صفحة 202
3- "العرب" القادمون من السهوب كانوا قبل ذلك أمازيغاً وعرباً في آن واحد، وقد استطاعوا طرد كل السكان الأمازيغ من المناطق الجبلية التي كانوا يتواجدون بها، (حتى وإن لم يعد يتواجد بها اليوم ناطقون بالأمازيغية)، وعربوها، وأعطوا لتلك المناطق أسماء قبائلهم.
يترتب عن ذلك أن عدد العرب المشارقة الذين حطوا الرحال بإقليم طرابلس ما بين القرنين 11 و13 الميلادي ضعيف جدا في جبل نفوسة. وللدقة نقول بأنه لا يتجاوز عشر المجموع. غير أنني في كل ما سبق لم أخذ بعين الاعتبار ما يسمى "البلعمية الأنثربولوجية"(1) التي هي بمثابة القاعدة الفاعلة في شمال افريقيا. إذ نستخلص من الدراسات التي أنجزها [برتولون وشانتر] عن شرقي إفريقيا الشمالية أننا نادراً جداً ما نلتقي بالعنصر العربي، وذلك يعود إلى الأنماط المتعددة من الأمازيغ تحتوي تدريجياً وبسرعة العناصر الغريبة.
صحيح أن هكذا خلاصات ليست نهائية سيما في إقليم طرابلس الذي لم يدرس بما فيه الكفاية. غير أنه إذا كان صحيح اليوم بأن ما يقارب نصف ساكنة جبل نفوسة معربة، فإن الأهمية السلالية للعرب جد ضعيفة.
بناء على ذلك فمعنى "العربي" هنا هو "المعرب". العربي هو ذلك الذي يتحدث اللهجة العربية المحلية، ويتبع المذهب المالكي، فالتضاد العربي الأمازيغي ليس تضاداً سلالياً، مهما ادعى المدعون في هذا الباب.
إنه نتيجة لشروط تاريخية وجغرافية واضحة وضوح الشمس، على الرغم من جهلنا بالكثير من الوقائع التاريخية حصراً. إنه قائم أساساً على اختلافات مهمة على مستوى اللغة والمذهب الديني. ونضيف إلى ذلك أن "العرب" القادمين من السهوب حملوا معهم عادات الترحال التي لم ينسوها كلية، وتساهم حتى الآن في تمييزهم عن "الأمازيغ". والآن، وبعد أن أحطنا علمناً بأسباب التضاد أو التقابل العربي الأمازيغي سنعرج على طبيعته وحمولته.
__________
(1) - بيولوجيا ابتلاع البلاعم الأجسام الغريبة والقضاء عليها. (1/202)
صفحة 203
التقابل "العربي- الأمازيغي" : يلقب الأمازيغي عادة بالجبالي، وإذا اشتبهنا في حقيقة شخص ما علينا إلا أن نسأله : "هل أنت جبالي؟". معنى ذلك أن الأمازيغي هو، فعلاً، قاطن الجبل، وأنه في بلده، والآخرون إنما أتوا من بلدان أخرى. وحدهم سكان السهل يخلطون بين عموم قاطني الجبل، فيسمونهم جبالية لأنهم يدرون بأنه يتواجد فيه عدد مهم من الناطقين بالأمازيغية، لكن عندما نطلبهم بتحري الدقة فإنهم يميزون بين الجبالي الحقيقي والآخرين. يلقب الأمازيغي كذلك بالنفوسي. وقد فقد هذا اللقب دلالته الأصلية، ذلك لأنه كان يدل على اسم قبيلة. أما اليوم فلقب نفوسي يرادف الإباضي الذي له دلالة دينية. فساكنة يفرن التي لم تكن أبداً تنتسب إلى قبيلة نفوسة كما سبق ذكره، يقول أفرادها مع ذلك بأنهم نفوسيون منذ حوالي قرنين، لا لشيء إلا لأنهم كذلك إباضيون وناطقون بالأمازيغية. قال لي أهل الجحيش (ككلة): "منذ حوالي قرنين، كنا لا نزال نفوسيين كأهل يفرن".
أما العربي أو المعرب فيطلق عليه لقب "عربي" أو عرب. ولا حاجة للتذكير بأنهم ناطقون بالعربية وتابعون للمذهب المالكي، ويميزون فقط من خلال أسماء قبائلهم. (1/203)
صفحة 204
اللغة والدين هما اللذان يضعان "الأمازيغ" و"العرب" في وضع تقابل على العموم، كل الأمازيغ يفهمون العربية، ومن الوارد جداً أن نجد نساء وأطفالاً لا يتكلمون العربية، لكن قلة فقط من الرجال ينطبق عليها ذلك. في كل الأحوال، فالأمازيغية، بالنسبة إليهم، هي اللغة الوطنية والمألوفة والمعبرة عن الجزء الحميمي للروح. أما العربية فهي لغة العلاقات الخارجية(1). يستطيع الأمازيغ إذن أو على الأقل الرجال منهم فهم جيرانهم، غير أن العكس غير صحيح. وعندما يبتغي الأمازيغ الانعزال عن سواهم فما عليهم إلا التحدث بلغتهم التي لا تلتقطها آذان المعربين إلا لماماً. والناس الذين لا يتفاهمون غرباء عن بعضهم البعض، والأخطر من ذلك أن هؤلاء الغرباء يدينون بدين مختلف. صحيح أنهم مسلمون لكنهم لا يصلون بالطريقة نفسها، ولا يذهبون إلى المساجد ذاتها، وأيام أعيادهم غير متطابقة تمام التطابق. فالإباضيون لا يمارسون عبادة الأولياء (التمسح بأضرحتهم)، والحال أن هذه الممارسة منتشرة في صفوف المالكيين.
أخيراً، نجد أن الإباضيين يعتبرون أنفسهم الورثة الوحيدون لماضي سحيق يعتزون بالانتماء إليه، ماضي الأمجاد- وهو متواضع في حقيقة الأمر- والواقع بين القرنين 9 و10 الميلادي حيث كان جبل نفوسة الحصن المنيع لإباضيي شمال افريقيا، ومركزاً للفقه والثقافة الأمازيغية.
__________
(1) - يراجع : [بگوينوت]، F. Beguinot .art. Berbere, Enciclopedia italiana VI, P 687. (1/204)
صفحة 205
نخلص مما سبق إلى أن الغرباء هم الذين يتساكنون في جبل نفوسة، فالشعور بالانتماء إلى عالمين مختلفين هو من القوة بحيث ييسر الاعتقاد بعدم الانحدار من السلالة عينها. فالمثير والمضحك في آن أن نكتشف معربين نعلم جيداً أنهم أمازيغ، يتفاخرون بانتسابهم إلى "العرق العربي"، وسماعهم وهم يتحدثون عن الأمازيغ الآخرين بحقد كبير. من جهتهم يكره هؤلاء الذين لا زالوا متمسكين بأمازيغيتهم أشد الكره إخوتهم المتنكرين والوافدين الجدد على حد سواء. "إخوتهم" الحقيقيون هم إباضيو جربة ومژاب، فهم يجهلون كل شيء تقريباً عن القبايليين ويعتبرونهم غرباء وبعيدون. في نهاية الأمر، نلاحظ أن الدين هو الذي يخلق الولاء أو العداء أكثر من اللغة.
في جبل نفوسة، يعيش الأمازيغ والعرب منفصلين عن بعضهم البعض ولا يتصاهرون بالمرة. فلئن تعربوا منذ زمن طويل فإن الأمازيغ غالباً ما يكونون مهمشين. ففي تارديا، على سبيل المثال، وهي مركز الرجبان تعرب جزء من الساكنة ذات الأصول الأمازيغية، منذ ثلاثة قرون ونصف، لكن لا زال يحتفظ بشيخه، ولا يتصاهر أفراده أبداً مع العرب، يقال الشيء ذاته عن القرية الصغيرة أولاد محمود في ككلة، حيث يعيش حوالي عشرين عائلة عربية متحدرة من المحاميد، وثلاث أسر متحدرة من كاباو. ها هنا كذلك لا وجود لزواج مختلط ولا زالت نساء الأسر الثلاث يحافظن على تصفيفة الشعر القديمة، ويقمن في بيوتات معزولة عن التجمع السكني.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن هذا التقابل الناتج عن الاختلاف اللغوي والديني والذي زادت من حدته قرون من العداء ونمط العيش المغاير، يعبر عن نفسه أيضاً على المستوى الاقتصادي، والطرائق التي تشتغل بها هاتان المجموعتان البشريتان في الوسط الجغرافي الواحد. (1/205)
صفحة 206
إن الأمازيغ الإباضيين الذين عاشوا قروناً من انعدام الأمن، ومن نصف العبودية والذين لم يتأكدوا أبدا من أنهم سيجنون محاصيل ما زرعوه في الجفارة والظهر، أو يحتفظوا فيهما بقطعانهم، هؤلاء الأمازيغ هم الجبليون الأقحاح، وبصفتهم تلك فهم ممتهنو الغراسة بحق. وحدهم على دراية بطرق الاعتناء بالأشجار، وعلى إدراك تام بأهميتها أيضاً. في زمن مضى، كانوا يمتلكون ماشية قليلة، وكان عليهم تكليف "العرب" برعيها، وحراسة الأشجار المثمرة أيضاً(1). أما اليوم فيمتلكون عدداً أكبر من الماعز، وبخاصة الأغنام، غير أن الرعاة هم دائماً "عرب"، لأن الجبليين على غير دراية بالمسالك السهبية، ولا يجدون راحتهم فيها. ومع ذلك، تجدهم يذهبون إليها كغيرهم في فترة الحليب لقضاء أربعة أشهر تحت الخيام، ويحرصون على عدم الإبتعاد عن القرية، وغالباً ما يقفلون عائدين للإعتناء بأشجار الغابة، والبساتين الجافة، ومختلف السطائح أو الواحات.
الأمازيغ يلهثون وراء الربح، لذلك تراهم يعملون ويعملون لأجل كسب المال، وللغرض نفسه يهاجرون ويقتصدون ويدخرون، حتى لا ينفقون، وتلك مسألة نادرة في افريقيا الشمالية. ولهذا السبب نفسه فهم مقلون في الضيافة، إنهم ببساطة فلاحون مزارعون.
__________
(1) - يزعم بعض "العرب" أن الأمازيغ لم يكونوا يمتلكون تقريباً أية رؤوس ماشية. ومع ذلك يقول المؤلف المترجم على يد [موتيلنسكي] في سياق حديثه عن أمازيغ فساطو : "السكان الإباضيون في كليتهم يحرثون كثيراً ويمتلكون أشجار زيتون والنعاج والماعز بأعداد كثيرة"، ص87. (1/206)
صفحة 207
"العربي" هو بالأحرى بدوي، ويختلف نمط عيشه قليلاً عن نمط الأمازيغي على الأقل ظاهرياً. يمتلك أشجاراً لكنه لا يعتني بها، يقيم بالقرى لكنه يفضل الخيمة. ففي الربيع مثلاً، تجد كل العرب خارج منازلهم وتبقى هذه فارغة تماماً. يفضل العربي الحياة الكسولة للراعي، على الحياة المرهقة للفلاح ،ولايعود إلى مسكنه لأجل الاعتناء بأشجار الزيتون والتين.
لا يكِدُّ "العربي" لتحسين وضعه ومآله. تعتمد حياته على تزايد أو تناقص عدد رؤوس قطيعه، الذي يعتمد بدوره على التقلبات المناخية. يرتضي أن يكون راعياً عند الأمازيغي، لكن لا يكون أبدا مكداً في الفلاحة. لكنهم على عدم تبصرهم وغفلتهم فإنهم مع ذلك أسياد كبار ومشتهرون بكرم الضيافة. إذا حل عندهم ضيف يقدمون له خروفاً مشوياً ويسخرون من الأمازيغ الذين لا يقدمون إلا دجاجة.
يحتقر العرب دائماً هؤلاء الأمازيغ الجبليين البخلاء، هؤلاء الذين كانوا في زمن مضى يخافون من الخروج من بلداتهم، ويخضعون لسيطرتهم، كما يخضع آل ورغامة بالسهل عموم ساكنة الجبل. "أشبه ما يكونون باليهود"، يقول عنهم العرب في احتقار بالغ، فقد كانوا يسبلونهم ممتلكاتهم، لذلك تجد الأمازيغي المسروق والمحتقر يشعر بالكراهية والخوف إزاء "العربي" ولا يغادر الجبل. لا يحصل اتفاق إلا على الغزوات الرهيبة لآل ورغامة الذين تعجب قوتهم وشجاعتهم الأمازيغي، الذي ينظر إليهم كحليف ولو ليوم. فآل ورغامة لا يميزون بين الجبليين وينهبون منهم أولئك الذين يملكون أكبر عدد من رؤوس الماشية، وهم "العرب" بطبيعة الحال. لكن ما أن يمر الخطر حتى تستقر الكراهية مجدداً بين مكونات الجبل، وآخر تجلياتها ذلك الانفجار المدوي الذي وقع قبل سنوات في فترة انتقال السلطة إلى الحكومة الإيطالية. (1/207)
صفحة 208
أما اليوم، فقد نجحت إيطاليا في تثبيت حالة السلم ولم يعد ممكنا اقتراف أفعال السلب والنهب والسرقة، وهكذا أخذ الفلاح المحتقر ثأره من البدوي السيد الكبير الذي كان يخيفه. فالنظام الذي لا يرضى اللص الشرير، هو لصالح العمل الهادئ للفلاح. والآن وبعد أن صار بإمكانهم الذهاب دونما خوف إلى السهوب، فإن الأمازيغ يزيدون تدريجياً من أعداد رؤوس مواشيهم، وكانت هذه الزيادة قد انطلقت قبل اندلاع شرارة الحرب. أما "العرب" فقد نالت منهم مقاومتهم للأيطاليين، وجردوا من مغانم غاراتهم، فتراجعت أعداد رؤوس مواشيهم. يغتني الأمازيغ بسرعة لأنهم يعملون كثيراً، ويشترون من "العرب" أشجارهم بمبالغ طائلة سرعان ما يبددها هؤلاء تبديداً.
يشتهي أمازيغ يفرن أشد الاشتهاء أشجار أولاد عطية، والرومية، ويحوز سكان جادو أشجار زيتون كثيرة في الرحيبات في انتظار اقتناء أخرى بالرجبان، هؤلاء الذين هم قطاع طرق قدامى، لا زال أهل جادو لا يتجاسرون على الدخول معهم في علاقات تجارية. أما أهل نالوت الذين بإمكانهم الاغتناء بفضل تواجد حامية عسكرية هامة على أراضيهم، فقد بادروا إلى شراء جزء من الأشجار والأراضي بأولاد محمود وغزاية. من جهتهم، أمازيغ جريحن يعملون على توسيع دائرة ممتلاكتهم على حساب آل بدرانة في زرارنة ودجّي. (1/208)
صفحة 209
أمام كل هذه الحيوية الأمازيغية، جُرد "العربي" من كل أسلحته، وبعد أن كان سيداً قديماً ها هو الآن في مواجهة قادة (سادة) أمازيغ. نحن إذاً شهود عيان إذن على لحظة يحقق فيها الفلاح هجوماً ساحقاً وثأراً ماحقاً من البدوي وانتصاره مؤكد. يقدم الأمازيغ على شراء الأرض وبصفة خاصة الأشجار ليراكموا بذلك الرأسمال الموثوق والصامد في وجه السنوات العجاف، رأسمال لا يعطي فوائداً ولكنه لا يفقد قيمته مع الزمن. أما العرب فيبيعون رأسمالهم الوحيد والثابت، ولن يمتلك الكثير منهم بعد ذلك إلا رأسمالاً هشاً قادراً على الزيادة السريعة بقدر ماهو قابل للذوبان كقطعة ثلج تحت أشعة الشمس. فمقابل الأمازيغ الذين يزداد رأسمالهم طراً بحيازتهم لمواقع متينة، نرى "العرب" وهم يلعبون دور المزايدين المحكوم عليهم بالإفلاس.
من المؤكد أن التطور بطيء، وقد ينقطع، لكن الظاهر منذ الآن أن جزءا على الأقل من "العرب" في الجبل سوف ينتهي أمرهم ويختفون ببطئ، لكن بلا شفقة ولا رحمة. ثأر مزارعوا نفوسة بطيء، وذو نفس طويل، لكنه مؤكد في كل الأحوال. يعتبر هذا التقابل الموصوف تواً بين الفلاح الإباضي الناطق بالأمازيغية، والبدوي المالكي الناطق بالعربية، إحدى أهم خصائص الجغرافيا البشرية بجبل نفوسة. لكن يتعين تفادي تعميم هكذا تقابل وتدقيقه نظراً لوجود استثناءات مهمة. ففي العديد من القرى المختلطة في الحرابا والرحيبات، الأمازيغ "العرب" ممتزجون على الأرض ويعيشون العيشة نفسها، ولهم عيوبهم ومحاسنهم. وفي كثير من التجمعات السكنية "العربية" التي تتواجد بها بعض الأسر الأمازيغية المعربة نلاحظ كيف أن هؤلاء ذابوا تماماً في الكتلة البشرية الأكبر. (1/209)
صفحة 210
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هناك من المعربين من يتصرف وتكون ردود أفعاله هي نفسها عند الناطقين بالأمازيغية، وهو شيء مفهوم تماماً في ككلة التي تعرب معظم سكانها في تاريخ قريب، غير أن الأمر غريب فعلاً عند الرياينة الذين باتوا ناطقين بالعربية منذ زمن طويل نسبياً. يعيش هؤلاء في ظروف العيش نفسها التي يعيش فيها غالبية الأمازيغ إذ يقيمون اليوم في الحافة نفسها للهضبة، وفي منطقة تتمتع بطبقة سميكة من تربة الحمري، وتساقطات مطرية كافية. فضلاً عن ذلك، فقد كانوا دائماً تحت طائلة تهديد أعدائهم المروعين آل الزنتان، وهم أسوأ رحل جبل نفوسة، ويحتلون منذ قرون عقر بلدهم حارمين إياهم من جزء من القبلة، بل وطرف من الظهر. كما أن الرياينة حلفاء تقليديون لأمازيغ جادو ويفرن، الذين يكافحون بدورهم ضد هؤلاء "الإخوة" الشرسين آل الزنتان والرجبان. عملت المصلحة المشتركة والظروف الجغرافية المتشابهة إذن على تقريب الشقة بين سكان جعلت منه اللغة والدين في كل مكان الأعداء أو الإخوة الأعداء.
2- التنقلات السنوية
على الرغم من الاختلافات المذكورة تواً بين الأمازيغ و"العرب"، فإن تأقلم هؤلاء وأولئك مع الوسط نفسه هو من الكبر والسعة بحيث يصعب وضع الخطاطة ذاتها، لتواجدهم السنوي ولتنقلاتهم على امتداد الفصول، لذا سنركز هنا على القواسم المشتركة بين هؤلاء بخصوص هذا الموضوع. (1/210)
صفحة 211
حرث وجمع الزيتون : تنطلق السنة الفلاحية في الخريف عند بداية التساقطات الأولى المنتظرة بفارغ الصبر. المراعي جفت عن آخرها بفعل الشمس الحارقة للشهور الخوالي. ما عادت هناك نبتة على وجه الأرض، بل إن الغطاء النباتي الأجم صار عبارة عن حطام من الخشب الذابل، والدواب هزيلة وأحياناً مريضة، فاقدة جلادتها التي كانت تقيها من خطر الموت جوعاً ونتساءل عما يمكن أن تجده على البسيطة لتقتات منه. صهاريج الظهر فارغة والماشية كلها يرعاها الرعاة في الجفارة في الوقت الذي تتضاءل فيه كميات المياه في الآبار والعيون وتزداد نسبة ملوحتها. الكل متواجد في القرية "عرب" وأمازيغ. ما على العديد من التجمعات السكنية التي تستعمل عادة ماء الصهريج إلا الاتجاه إلى ماء العين الأقرب التي تصعد إليها النساء بمشقة على امتداد المسالك الوعرة. الكل في حاجة إلى الغيث، الإنسان كما الحيوان. القطرات الأولى من الغيث تكون مصحوبة بالأعاصير وذات طابع محلي، في حين يتعين انتظار الغيث العميم في شهر يناير. (1/211)
صفحة 212
يبادر الرجال إلى حرث الأرض، ويبدأون بالأماكن التي شهدت تساقطات. فإذا كانوا يحرثون في الظهر أو في الأودية الجبلية يذهبون في الصبيحة رفقة الجمل والحمار والمحراث والبذور، وكمية قليلة من "الزميطة" يقتاتون منها طيلة اليوم، قبل أن يقفلوا عائدين إلى مساكنهم. في الغالب تفصل بين المساكن وأماكن الحرث أربع إلى ست ساعات، وأحياناً يوماً بالكامل. لذلك قد تستغرق رحلة الحرث هذه عدة أيام أو أسبوعاً إلى ثلاثة أسابيع، فالمحراث الخشبي لا يساعد على تقدم الأشغال بسرعة. يصطحب الرجال نسائهم أو قريبة مسنة لتتكفل بشؤون المطبخ على تواضعها. لكن جرت العادة أكثر أن يذهب الرجال لوحدهم، ويقتاتون من مؤونة "الزميطة"، ويجتمعون في المساء حول إبريق الشاي التقليدي الأزرق المصنوع من خزف. تتوقف مدة الحرث على كمية الأمطار والبذور المتوفرة، فإذا تأخرت الأمطار أو تباعدت فتراتها، فإن الحرث يمتد إلى متم شهر يناير.
في هذه الأثناء، تكون الأسر تحت إمرة الجد أو العم المسن الذي لم يعد يقوى على الحرث. أما الأطفال فبعضهم يرعى الأغنام بالقرب من البيوت، والبعض الآخر يكون بالوادي. أحياناً يتجشم الأطفال والنساء العناء الشديد وهم يجمعون حبات الزيتون، سيما وأن هذا العمل الطويل يدوم حتى شهر يناير. أما الأغنام فيرعاها الرعاة بحثاً عن الكلاء الجيد سواء في الجفارة حيث العشب في بدايته الأولى، أو في الظهر حيث تشتد البرودة نسبياً، غير أن العشب هنا يسيل له لعاب القطيع. (1/212)
صفحة 213
فترة الحليب : الحرث وجمع الزيتون -إذا كان هناك حرث وزيتون- هما الإنشغالان الكبيران في الخريف وبداية الشتاء. من فبراير وأحيانا من يناير حتى مايو، تسود فترة الحليب وهي فترة غالية عند معظم العوائل سيما "العربية" منها. تمتد من زمن الحرث إلى الحصاد. في هذه الفترة كل الناس تقريباً يغادرون القرية، تكاد العائلة بكل أفرادها تتحول إلى مجموعة من الرحل يقيمون تحت خيمة بالقرب من قطعان الماشية.
القرى خالية من نصف ساكنيها وبعضها خاو على عروشه. غير أننا نشاهد بالجبل خياماً سوداء متناثرة بين مجموعات صغيرة، وفي الليل نرمقها بفضل الأضواء المنبعثة من النيران ونباح الكلاب. أول من يغادر هو الأب الذي يتحسس المكان المناسب للتخيم قبل أن يعود ليرافق أهله، ويحمل معه الخيام والخزائن والمؤونة على ظهور الجمال في حين يتكفل الحمير بالباقي من الأمتعة، كالحصير المصنوع من الحلفاء، وبساط إلى بساطين، والأواني الفخارية، وجلود الماعز، وأخيراً الكلاب، وأفراد العائلة. أحياناً تحمل النساء على الإبل وهن يحملن رضيعاً أو جدياً حديث العهد بالولادة. يتعلق الأمر بقافلة عائلية متواضعة جداً وغالباً ما تكون بئيسة.
قلما يتجاوز عدد الخيام في نقطة تخييم ستة. هذا النوع من الإقامة مؤقت وعابر ومتناثر جداً، أما المجموعات فتكون عائلية بالمعنى الواسع بطبيعة الحال لكلمة العائلة. (1/213)
صفحة 214
تتوقف أماكن التخييم على الأمطار، وتطالها تغييرات لافتة تبعاً لأصحابها، إن كانوا من الأمازيغ أو "العرب"، فالأمازيغ ومعظمهم من ككلة والرياينة، لا يذهبون بعيداً عن قراهم وأشجارهم. ففي الجفارة على سبيل المثال لا يبتعدون أكثر من مسافة يوم عن مواطن إقامتهم، بل حتى في الظهر لا يذهبون بعيداً إلا إذا اضطرهم الجفاف لذلك. قلما تجد من بينهم من يعلم بوجود المساحات الشاسعة بالقبلة، ولا يحسون فيها بالأمان، فلا زال الخوف التاريخي من العرب عالقاً بذاكرتهم، ولا زالوا يتعرضون للسرقة من قبل الرحل من آل الزنتان، الذين لا يرجى صلاحهم، إذ يمتهنون سرقة الإبل ويعتبرونها مصدراً لا ينضب. على أية حال يفضل هؤلاء الأمازيغ عدم الابتعاد عن مساكنهم إلا لساعات معدودات سيما وأنهم مضطرون لترك عوائلهم لأجل الإعتناء بأغراسهم في الجبل. في الربيع، لا تخلو القرية الأمازيغية كلية من أهلها، إذ ينضاف إلى الغراسين الذين تركوا خيامهم لبضعة أيام أولئك الذين لا يملكون الماشية وهم كثر ببعض التجمعات السكنية.
أما "العرب" فيبتعدون بسهولة أكبر. يغادرون بيوتهم في أجواء من المرح تاركين ورائهم قراهم فارغة تماماً. لم أجد بـ تلات مخلوقاً واحداً عندما مررت بها في أبريل-وهي قرية صغيرة بالحوامد. يحس الحوامد والحرابا والرجبان وبصفة خاصة الزنتان أنهم في بيوتهم وهم يقيمون في هذه السهوب الصحراوية الممترامية الأطراف بالظهر والقبلة، والتي يترددون عليها منذ قرون خلت، يعرف كل آبارها وصهاريجها حتى جهة الحمادة الحمرة. الماء الأجاج لا يقرفهم، ولهم دراية دقيقة بالنبات والأعشاب التي يعتبرونها أفضل من مثيلاتها في الجفارة. قلما تجدهم يهتمون بالأشجار ويتركونها مهملة لأربعة أو خمسة شهور في الجفارة. (1/214)
صفحة 215
الحصاد - فترة التين : مع نهاية أبريل تنتهي الأسابيع الطويلة من التنقلات، وتخزن كميات كبيرة من الحليب، وإذا كانت ولادات النعاج جيدة، لا بأس أن توضع نعجة أو جدي في السفود والإزدراد باللحم المشوي، لا تختزن الماعز والنعاج إلا القليل من الحليب، سيما وأن موسم الحصاد انطلق. كثيراً من العوائل يقفل عائداً إلى القرية، وبخاصة العوائل الأمازيغية، والأخريات تبقى تحت الخيام أسابيعاً إضافية. الرجال وحدهم يذهبون إلى الحصاد، هذا إذا ساعد المطر الشعير والقمح على التكاثر. في السنة الجيدة، يكثر العمل، وعندما تبذر الأودية والجبل ينهمك الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً في العمل مزودين بمناجلهم المسننة. لكن عادة ما يكون المحصول الجيد مقصوراً على الجفارة. ينطلق الرجال إلى الحصاد لوحدهم أو بمعية بعض أفراد أسرهم، ويظلون هناك طيلة فترة الحصاد الاتي، تتراوح فترة الحصاد بين أيام معدودات أو عدة أسابيع قبل أن تقفل الإبل عائدة إلى القرية، وتكون الحزم المقطوعة جاهزة. يكون الدرس دائماً قرب المساكن وقد يتطلب وقتا أطول لبطء الخيول.
يعود بعض الماعز إلى الجبل رفقة الأسر، والبعض الآخر يهبط مع الأغنام في اتجاه الجفارة حيث الحشفة (أصل الزرع بعد الحصاد) الموجودة بالأعالي ترفدها بغداء سمين، وحيث العيون والآبار ترويها يومياً. في كل مكان، تقع العين على التين وهو ينضج في الوقت الذي لا تغفل فيه أعين العسس المقيم بالمغارات، والأكواخ الحجرية المشرفة على عموم الجهة، عن المحصول المقبل مخافة أن ينهبه اللصوص. (1/215)
صفحة 216
حوالي 15 يوليو، يبدأ التين في النضوج ويشارف الدرس نهايته إذا كانت السنة الفلاحية عادية، ينطلق موسم التين. تمكث الأسر في القرية إذا لم تكن أغراسها بعيدة، غير أن الكثير منها يغادر مجدداً المنازل لبضعة أيام أو أسابيع أو حتى شهر حسب ما تمتلكه كل أسرة من أشجار تين، وحسب ما يمتلكه أفرادها كذلك من ثروة. تتجه الأسر للإقامة في مغارات بدائية محفورة في كتل الطفل، أو الصاصال، وأحياناً في مغارات ضاربة في القدم، يكفي كنس مدخلها للولوج إليها، أو حتى أكواخ بدائية جداً، قوامها حجارة أو ورق الشجر. وبجانبها تجد دائماً صهريجاً أو أكثر مغلق بإحكام للحفاظ على نقاوة المياه بداخله.
يحدث إذن تنقل جديد للساكنة بمناسبة فترة نضوج التين. والحق أن هذا التنقل لا يتشابه كثيراً مع تنقل الربيع، إذ يستغرق وقتاً أقل، والمسافات المقطوعة فيه غير طويلة، وأقل كثافة بشرية سيما في اتجاه الغرب. ومع ذلك فإن "غروس" التين الكبيرة جنوب يفرن وككلة والتي تمتد في الأفق تبلغ ذروة نضوجها ما بيت خمسة إلى ثمانية أسابيع. هكذا يستهلك الأهالي جزءاً من التين الناضج والعنب في عين المكان في حين يجمع ويجفف الجزء الأكبر من محصول التين. أما الذين بقوا بالقرية، فقد زرعوا بطيخاً أخضراً وأحمراً بجانب العين والبئر. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الحركية البشرية في الصيف موقوفة على الأمازيغ، فهم الغراسون بامتياز. وقد نجد بشكل متواتر- حتى ولو بدا ذلك مفارقاً بعض الشيء- كيف يصير أمازيغي نفوسة الشرقية مترحلاً أكثر من الكثير من "العرب" أنفسهم، أو على الأقل نجده في الأغلب الأعم خارج قريته الأم. كثيرة هي الأسرة التي لا تهاجر قطعانها إلا للذهاب إلى أغراسها من أشجار التين، والرحل وحدهم هم من تكفل بأشغال الحصاد والدرس. لكن ما أن يصل سبتمبر حتى يقفل الجميع عائداً إلى بيته وانتظار أولى الأمطار الخريفية بالقرى. (1/216)
صفحة 217
القواليش والزنتان : في الجملة لا يوجد اختلاف نوعي بين نمط عيش الأمازيغ و"العرب" على الرغم من ميل الأوائل إلى الغراسة، وميل الآخرين إلى حياة الترحال. غير أن هناك مجموعتان "عربيتان" تتميز تميزاً لافتاً عن مثيلاتها، وتستحق التفاتة خاصة. يتعلق الأمر بآل القواليش وآل الزنتان الذين يعيشون نسبياً على هامش حياة الجبل.
يشكل القواليش قبيلة "عربية" تستقر فروعها الشمالية في جنوب بلدات ككلة، وعلى تخوم دائرة آل السبعة. وعلى غرار جيرانهم فإنهم يسكنون تحت الخيام. في زمن ولى، كانوا رحلاً حقيقيين إذ يتنقلون بمعية آل الزنتان في المساحات الشاسعة للقبلة. يملكون أعداد قليلة من رؤوس الماشية، ومنذ جيلين أو ثلاثة صاروا يملكون أيضاً أغراس تين على غرار جيرانهم الأمازيغ، دون أشجار زيتون. ما عادوا يتنقلون إلا في السنة الشديدة القحط، حيث يذهب الرجال للحرث والحصاد. يعيشون أساساً من مواشيهم التي تظل قريبة من خيامهم، وترتوي من ماء بئر خردامين في الصيف، ومن مواشي أهل يفرن وككلة الذين يشتغلون عندهم كرعاة. غير أن ما بحوزتهم من حبوب وتين هو بحد ذاته مورد نفيس لا يبتعدون عنه. واللافت أن هؤلاء "العرب" القاطنين بالخيام هم اليوم أكثر استقرارا من الأمازيغ القرويين المجاورين لهم. (1/217)
صفحة 218
أما آل الزنتان فهم الأكثر ترحالاً من عموم ساكنة الجبل. لا يذهبون إلى الجفارة حيث لا يملكون إلا قطعة صغيرة جداً، لكنهم أكثر الناس دراية بمسالك الظهر والقبلة. هم الذين ردوا على غارات ورغامة بغارات أشد وأقوى في زمن ولى. والحال أن آل الزنتان شديدو القرابة مع آل الزنتان الآخرين الذين هم كبار رحل القبلة الذين يلزمون الخيام طيلة العام ويزرعون سوف الجين العليا، ويلاحقون قطعانهم في تنقلاتهم، وبكلمة واحدة يعيشون ويموتون في السهوب الصحراوية، وفي الصحراء لا يتحولون عنهما قيد أنملة. لهم أشجار نخيل في مزدا، والقريات، ومدافن وأضرحة في كل النقاط الرئيسية: بئر ألاغ، بئر تلاكشين، سواني تراماح، بئر مورهان، بئر جديد، بئر فسّانو، سانية الذويب، بئر كلاب، بئر الغور، بئر النصارى، ملاحة وهلم جراً. وتوجد كلها في القبلة وبعيداً عن جنوب الجبل. صحراويون أقحاح، شجعان وبارعون في شن الغارات، وكانوا آخر من استطاع الإيطاليون كبح جماحه، لديهم علاقات دائمة مع الطوارق وتستعين بهم القوافل الذاهبة إلى غدامس وغات كمرشدين.
ويلتقي زنتان نفوسة بأشقائهم في القبلة، الذين غالباً ما يكونون آباءهم في فصل الربيع، الذي يرعون فيه قطعانهم، وأحياناً تجدهم يضربون في الأرض إلى أبعد نقطة، لا أحد من أهل الجبل تراوده فكرة الذهاب إليها. ليس ثمة فرق ظاهر وبارز بين هذين الصنفين من آل الزنتان. بعد أن اغتنى أحد الزنتانيين في الجبل، اشترى بهائماً واستقر تحت خيمته بالقبلة، وما عاد يرجع إلى موطنه السابق إلا عند بيعه لدواب قد تتراوح ما بين دابة إلى اثنين في العام. بل نجد منهم من لم يعد يتعرف على أشجار الزيتون التي تركها والده، ويحكى عن ورثة أتوا ليستفسروا الأعيان عن أشجار آبائهم. إذا ضاع لأحدهم قَطِيعُه من الوارد جداً أن يعود فجأة إلى الجبل. لكن، عموماً ما يمكن القول أن الزنتاني راعي بالقبلة أكثر مما هو مقيم بالجبل. (1/218)
صفحة 219
يهاجر الأمازيغي الفقير إلى تونس بحثاً عن العمل والمال، في حين يلوذ الزنتاني المعدم بالقبلة بحثا عن ثروة، إما بامتهان الرعي أو بالسطو على الإبل.
كثيراً ما يخلق تواجد هؤلاء الرحل الكبار في عقر الجبل الشرقي مشاكل حقيقية لأهل الرياينة ويفرن، يمثلون مشكلة للأوائل لأنهم يحرمونهم من أطراف فيه قد تكون مفيدة لهم. مثل هذه الوضعية المضطربة من المفروض أن تبحث لها الحكومة عن مخرج رغم صعوبة ذلك. فالمنازعات حول ملكية الأراضي أمر شائع جداً بالجبل. في السابق كانت تحل باللجوء إلى القوة، أما اليوم فإن الإدارة الإيطالية تفرض قراراتها بعد دراسة للموضوع، فقد ألحقت مؤخرا النتوءات الصخرية الواسعة في قريتي ئفاطمن وتنوتين المنهارتين والواقعتين بين وادي برساف وأم الغرب، بالنفوذ الترابي للرحيبات، واضعة بذلك حد للنزاع القديم بين قسم الحرابا والرحيبات. غير أن المشكل أعوص جنوب الرياينة، ذلك أن هؤلاء يدعون أن لهم الحق كباقي سكان الجبل في الاستفادة من الأراضي الممتدة جنوب منطقة سكناهم حتى الحمادة الحمرة. والحال أن هذه الأراضي يحتلها منذ قرون آل الزنتان. وبما أنه لا أحد كان يجرؤ على وضع قدمه على الأرضي التي كان يمر منها قطاع الطرق الشرسون هؤلاء (أي آل الزنتان) ذوو أسوأ سمعة اليوم بالمنطقة كلها، فإن الرياينة يدعون أن لهم الحق في الاستفادة من منطقة عاشوا فيها منذ قرون، وهو ما أكدته، فضلاً عن ذلك، الحكومة التركية. فرض آل الزنتان على هؤلاء أمراً واقعاً لمدة طويلة، ذلك أن حجة الأقوى- وهي هنا حجة المترحل- هي دائماً وأبداً الحجة الأفضل. (1/219)
صفحة 220
درجات الترحال : لندع جانباً آل الزنتان والقواليش. فمما لا شك فيه أن قرويي جبل نفوسة ما عادوا سكاناً مستقرين. فالكولونيل [أكوستيني] الذي اقترح في كتابه الشيق تصنيفاً مؤقتا لساكنة إقليم طرابلس تنقسم بمقتضاه إلى: مستقرين أشباه الرحل، والرحل، يدرجهم كلهم تقريباً في فئة المستقرين، ويتفادى بعناية إلصاق صفة المقيمين بهم. بالمقابل، تجده يصف مقيمي الواحات والقرى (القبائل الساحلية والجبلية) بالمستقرين، علماً بأن يتنقلون باستمرار لأجل زرع البذور، ولأجل الحصاد، والبحث عن الكلاء في الأراضي الواقعة تحت نفوذهم على بعد بضعة أيام من مسكنهم المعتاد. هذا التعريف صحيح بالنسبة لإقليم طرابلس الذي لا يتواجد فيه عموماً مقيمون بالمعنى الخالص للكلمة، ولو أن الكلمة مستعملة ومتداولة، إلا أنني غير مقتنع بنعت أهل الجبل بصفة المقيمين، ولا حتى المستقرين، فالناس الذين يمضون ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر خارج قراهم، وطيلة هذة المدة يقيمون تحت الخيام، ويضيفون أحياناً إلى هذا الغياب الطويل، إقامة تدوم أسابيع في المكان الذي تتواجد به أشجار التين، في ملكيتهم دون الحديث عن الحراثين والحصادين، الذين لا ينامون في بيوتهم لأسبوعين أو ثلاثة متتابعة - هؤلاء ليسو مقيمين بل رحلاً. رحل تماماً كنظائرهم القواليش على سبيل المثال، الذين يسكنون في الخيام طيلة العام، ذلك أن الترحال لا يتحدد بالسكن الذي لا يعدو أن يكون نتيجة، بل بتنقل الأسر بالمقام الأول والأخير. كل ساكنة الجبل اليوم هي عبارة عن رحل يمكن إدراجهم ضمن خانة "رحل المسافات القصيرة" كما تحدث عنهم [أوغستان برنارد]، وهم في ذلك مما تكون لعدد هائل من القبائل التونسية، وسكان الأطلس الصحراوي الجزائري"(1).
__________
(1) - علماً بأن الكاتب هنا لا يدعي أنه بصدد القيام بتصنيف جغرافي بل فقط بتمييز بسيط وعلمي – مؤقت- غايته إسداء خدمة للإدارة ص18. (1/220)
صفحة 221
أما الحرابا والرجبان والزنتان الجبليين فمعظمهم من أشباه الرحل(1). وحدهم الزنتان المتواجدين خارج الجبل هم فعلاً رحل وصحراويون، يمكن اعتبار الحرابا والرجبان- وبصفة خاصة الزنتان- غير متكيفين تماماً مع نمط عيش الجبل. فلقد احتفظوا من ماضيهم أو على الأقل من ماضي البعض منهم وماضي إقامتهم الطويلة في سهوب الجفارة والقبلة على عوائد الترحال، العصية على الاندثار، والتي لا تتلاءم مع محيطهم "الجديد"، وحيث أن الجبل مكتظ بالسكان فلا مناص من الإبقاء على الترحال الصغير، بصفته وسيلة العيش الوحيدة بجبل نفوسة. وسوف تؤكد دراسة الماضي هكذا رأي.
3- المبادلات، الهجرة
المبادلات : فرضت التجارة دوماً على أهالي نفوسة تنقلات إلى أماكن نائية، غير أن الأمر يتعلق بتجارة ضعيفة، ذلك أن اقتصاد الجبل معقد بما فيه الكفاية، حتى يمكّن الجبليون ذوو مستوى العيش بسيط للغاية، من الاكتفاء في معاشهم بمنتوجاتهم فقط. يتوفرون على الزيت والتين والحليب واللحم والبيض وكلها توفر أساس كل تغذية، وتمدهم مواشيهم بالصوف والزغب الضروريين لنسج وزراتهم وخيامهم ومفروشاتهم المتواضعة. بالجملة، يمكن القول أن قليلاً من الأشياء هي التي تنقصهم. يرتدون أقمشة قطنية بيضاء وهو اللباس التحتي للرجال عندهم وألبسة قطنية للنساء.
منذ قرون وهذه الألبسة تأتيهم من إقليم طرابلس حيث تصنع وقد يستوردونها منه، أما ألبسة النساء منها فلا زالت تحاك في المدينة ضمن الحرف القديمة المعروفة فيها على غرار الأثوبة الحريرية الزاهية الألوان التي تحب الناس الظهور بها في الأعياد. بعضها يأتي من بنغازي والبعض الآخر من تونس.
__________
(1) : يراجع - L évolution du Nomadisme en Algérie, p79 A.Bernard et N.LACROIX (1/221)
صفحة 222
يعتبر التمر من أهم المواد الغذائية المستوردة بصفة خاصة من فزّان، ذلك أن نخيل الساحل لا يلد إلا تمراً رديئاً من حيث الجودة والتعليب معاً. إذا كان محصول الحبوب ضعيفاً أو منعدماً، وهو شيء متواتر الحدوث، فإن أهل نفوسة يشترون الشعير لأن مؤونتهم تنفذ بسرعة ويحتاجون إلى البذور في الخريف. غير أن النفوسيين يحبون الشاهي حباً جماً، لذلك تراهم يخصصون جزءً مهماً من مواردهم الضعيفة أصلاً لآقتناء السكر والشاهي - الأخضر بصفة خاصة - القادم من طرابلس.
أخيرًا، يجدون دائماً في مختلف أسواق الساحل بعض حاجياتهم من بضائع البازار والخردة والأطباق المرصعة والأباريق وكؤوس الشاي وما إلى ذلك. وتتجه كل هذه البضائع إلى القضاء تدريجياً على المنتوجات من صنع محلي، وأشياء أخرى مخلوطة ومتنافرة، التي لا تكف عن مفاجئتنا، كونها غير معهودة.
ولكي يحصلوا على بعض البضائع البسيطة كالأقمشة القطنية والتمر والشعير والشاهي والسكر يلجأون إلى أسلوب المقايضة بعدد من المنتوجات التي يتوفرون عليها. ومن هذه الشعير الذي يبيعونه إذا كانت السنة جيدة وأهل نالوت وفساطو يربحون كثيراً من الوزرات الصوفية البيضاء، أو البنية التي يبيعونها في الساحل. غير أن الزيت المحفوظ في أواني فخارية والماشية هما الرأسمال الحقيقي - ولو كان متواضعاً - لأهل الجبل. (1/222)
صفحة 223
أسواق الساحل الأكثر رواجاً هي زوارة، العجيلات، صرمان، والزاوية وتبعد مسافة يومين أو ثلاثة عن الجبل. أما في الجبل نفسه فنجد فيما مضى سوقا يفرن وغريان. وكان أهل نفوسة يعتبرون هذين السوقين غريبين وشاذين. ضاعفت الإدارة الإيطالية من أعدادها دون جذب أهل الجبل إليها لأنهم ينتجون الأشياء نفسها وبالتالي قلما تكون هناك إمكانات التبادل التجاري بينهم. إذ لا يتبادلون إلا بعض رؤوس الماشية أو يشترونها من رحل القبلة. يتردد المشاشية وأولاد بوسيف والعواطة والزنتان الجنوبيون باستمرار على سوق يفرن(1) على سبيل المثال.
يؤثر سكان الجبل دائماً أسواق الساحل على غيرها لأنها تتيح لهم فرص أفضل للبيع. وبما أن مفهوم الزمان والمسافة غريبين عنهم، فلا مشكلة في رحلة عبور للجفارة الغربية، والأيام الطويلة على سنام الإبل إذا كانت ستجلب نقوداً أكثر من المجلوبة من الأسواق المحاذية. لا يجد النفوسيون، سيما " العرب" منهم صعوبة كبيرة في اجتياز سهوب الجفارة، غير أنهم يخاطرون بأن يكونوا عرضة للسطو من قبل ورغامة، لم يسجل عنهم بالمقابل أنهم خاطروا بالذهاب إلى القبلة وفزّان للبحث عن واحات التمر. رُحّل فزان هم الذين يأتون إليهم لمقايضة تمرهم بزيت النفوسيين أو حبوبهم أو حتى رؤوس ماشيتهم. ويلعب آل الزنتان أحياناً دور الوسيط بين هؤلاء، ونادراً ما يضطلع بهكذا دور آل الرجبان. على العموم، يمكن القول أن التجارة الضعيفة لأهل نفوسة لم تضطرهم أبداً إلى القيام بتنقلات تتجاوز بضعة أيام.
__________
(1) - ولو كانت لديهم قرى، يراجع : [أگوستيني] ص XVIII (1/223)
صفحة 224
الهجرة : أهم التنقلات هي الناتجة عن حركة الهجرة، وحتى إن كانت لا تعني إلا عدداً قليلاً من الأفراد، الرجال منهم بصفة خاصة، إلا أنها هجرة تتطلب قطع مسافات طويلة. ويقوم أهم تيار هجروي من سكان هذه المنطقة إلى مناطق متفرقة في تونس. تونس هي أرض الملاذ في الأوقات الحالكة من تاريخ هؤلاء. فقد ظلت تونس بالنسبة للنفوسيين وعموم الطرابلسيين ذلك البلد الذي يهرب إليه من شدة البؤس، والذي يتيح فرص كسب بعض المال. تتوفر تونس على ما ينقص إقليم طرابلس، أقصد بذلك أرضاً خصبة تجذب إليها بثرواتها والحركية النسبية للحياة فيها.
إن تعاون الظهر وجزء من الجفارة في الاقتصاد الفلاحي للجبل، وبخاصة في الصيف - في الوقت الذي لم تكن تسمح فيه الغارات المتواصلة إلا باستعمال ناقص للسهوب الساحلية - أبعد ما يكون حلاً شافياً لمعظلة الكثافة السكانية. البؤس ودائماً البؤس هو الذي يدفع الأمازيغي إلى هجران الجبل دون استثناء بعض الأسباب الثانوية كالشجارات العائلية وسوء الحظ وروح المغامرة التي تدفع أفرادا هنا وهناك إلى مغادرة الجبل. ننوه هنا إلى أن "العرب" لا يهاجرون لأنهم يمتلكون ما يكفي ويزيد من المجال، عكس الأمازيغ المخنوقين في مرتفاعتهم وهم أكثر نشاطاً ومبادرة من جيرانهم.
ماذا يبحث هؤلاء البؤساء وهم يستيقظون ذات صبيحة زادهم "زميطة" في قاع الكيس، وبخطاهم المسرعة الحثيثة يتجهون إلى تونس؟ هل يبحثون عما يسدون به الرمق أو عن المال يعودون به إلى البلد؟ لا تخلو بقعة في تونس من طرابلسيين غالبيتهم العظمى نفوسيون ويمتهنون شتى الحرف والمهن. بعضهم حديث العهد بالوصول، وآخرون مقيمون منذ قرون كما هو شأن مهاجري فرسطا وهي قرية صغيرة مجاورة لكاباو، وكانوا قد وصلوا إلى غرب التل الأعلى قبل حوالي قرنين، وتم تشغيلهم في مناجم القلعة، ويعرفون باسم "فرافرا" كما أنشأوا بساتين صغيرة. (1/224)
صفحة 225
يتعلق الأمر بحركة هجروية موغلة في التاريخ، وازدادت مع التحسن الذي أدخلته الحماية الفرنسية إلى تونس. لا يخلو نشاط اقتصادي من عمال طرابلسيين، ويزداد عددهم في المناجم وفي السكة الحديد والطرق إلخ... وتجد البعض منهم يعمل في المقاولات الفلاحية، والكثير منهم في المدن يزاول شتى الحرف، ومعظم حاملي الخبز في تونس العاصمة هم من أصول طرابلسية. لحسن حظهم يجدون في تونس العاصمة مكاتب تشغيل. يتجهون فور وصولهم إلى مقاهي ساحة باب السويقة حيث يلتقون مواطنيهم الذين يتولى بعضهم مهمة البحث عن شغل للوافدين الجدد. تنضاف إلى الباحثين عن الشغل طائفة من الشبان الذين يتابعون دروسهم في جامعة الزيتونة بالعاصمة، التي لا يضاهيها في الشمال الإفريقي إلا جامع الأزهر بالقاهرة، وقد يعودون إلى بلدهم في الصيف أو يمكثون في تونس إن كانوا ميسورين. ومن المفيد الإشارة إلى أن بعض الأشخاص في غرب الجبل وبخاصة في منطقة كاباو يشدون الرحال إلى المژاب لمتابعة دروسهم، في آخر مركز ثقافي إباضي بالشمال الإفريقي، حيث تعليم العقائد الخالصة للإباضية لا زال قائماً، كما استعادة الأمجاد الخوالي للكونفدرالية الإباضية في تيهرت. لا توجد بالجبل سوى زاوية صغيرة تدعى أولاد عبد المولى بككلة توفر لروادها الطرابلسيين تعليماً ضعيفاً باللغة العربية. (1/225)
صفحة 226
إن أهمية الهجرة الثقافية ثانوية. فما يبحث عنه النفوسيون بالدرجة الأولى في تونس هو المال، وثمرة عمل سواعدهم، وغالباً ما تكون الهجرة نهائية، فإما أن يغادر هؤلاء بلدهم دون نية العودة إليه، وإما أن تربطهم بالبلد المضيف روابط قوية كالزواج أو العمل وما إلى ذلك. غير أن الكثيرين منهم لا يهاجر إلا لبضع سنين، وما أن يستقر بتونس حتى يعود من حين لآخر إلى مسقط رأسه حاملاً معه بعض المال لعائلته، وأقصى ما يرغب فيه أغلبهم هو العودة إلى البلد الأصلي برأسمال مستقل، والعيش عيشة البسطاء، بعد اقتناء الأشجار وقطعة أرض وماعز ونعاج، ومن الوارد أن يكتسب الواحد من هؤلاء عادات سيئة في البلد المُضِيف، كروح الاستقلالية، والتدخين، وتناول الخمر، ومعاشرة النساء. لكن ما ان يعود إلى بلده حتى يتخلص منها بسرعة وهو سعيد بعودته إلى هذا الوسط الإباضي الزاهد الكفيل بإيصاله إلى الجنة.
حكى لي بعضهم باستياء بالغ كيف أن مهاجرين عائدين إلى البلد دوت فضائحهم بعد رفضهم التخلي عن عادة التدخين، وشهوات أخرى، فما كان لهذه الشياه الشاردة إلا أن تغادر مجدداً ذلك أن أرض جادو وكاباو طاهرة لا تقبل بمثل هؤلاء.
وحتى اليوم لا زالت الهجرة النفوسية جارية، وإن نسبة ضعيفة باتجاه تونس ذلك أن القليل من أهل المنطقة يذهب للعمل بسواحل طرابلس أو بطرابلس نفسها. ونجد آخرين يعملون في مجالات أخرى، والقليل من هؤلاء يشتغل في الأوراش الكثيرة التي فتحها الإيطاليون لأجل تجهيز مستعمرتهم، غير أن أكبر المستفيدين من هذه الأشغال هم أهل الساحل. لا يحب النفوسيون الاختلاط مع عامة طرابلس، ونادراً ما يشتغلون في بساتين الواحات، لأنه، حسب زعمهم، على غير دراية بتقنية "جلب المياه". لا يتواجدون بالبساتين تواجداً عابراً إلا في موسم جني التمور، أو عندما يقايضون منتوجاتهم بمنتوجات أخرى. (1/226)
صفحة 227
جرت العادة بأن تميل أفئدتهم إلى تونس حيث اعتادوا الذهاب منذ قرون. هناك يشعرون بأنهم أحرار ويمكنهم ربح المال لأن الرواتب مرتفعة، وتلك حجة قوية بالنسبة لأشخاص همهم الكبير هو جمع النقود الضرورية لعيش كريم.
قلما نجد قرية نفوسية لا يوجد على الأقل واحد من أفرادها بتونس، وهو شيء نادر في القرى الأخرى. "فالعرب" نادراً ما يهاجرون، وإن هاجروا كانت وجهتهم المفضلة هي الساحل الطرابلسي. وحتى عند الأمازيغ، تتخذ الهجرة طابعاً محلياً ولا نستطيع دائماً وضع اليد على علتها المخصوصة. نسبياً، نجد أن سكان فاساطو قليلاً ما يهاجرون في حين تزداد حركة الهجرة حوالي كاباو وفي منطقة يفرن وككلة ويمكن تسجيل تفاوتات في هذه الحركة من قرية إلى أخرى. في حكم المؤكد أن "الجحيش" هم التجمع السكاني الذي تأتى منه أعلى نسبة من المهاجرين باتجاه تونس. فنصف ساكنة هذا التجمع تتواجد حالياً بالبلد الجار، ولن تجد أسرة، حسبما قيل لي، لم تطأ أقدام أكثر من فرد فيها أرضه ولو مرة واحدة. ففي القرية المجاورة لتاكبال، يزاول الناس اختصاصاً لافتاً، واعتقد أنها القرية الوحيدة في الجبل المتخصصة في الهجرة، وهذا الاختصاص هو صناعة الخبز. هم كثر في طرابلس حيث فتحت مجموعة منهم متجراً صغيراً، وفي إقليم طرابلس ككل. أما بتونس فكلما صادفت بائع الخبز تأكد أنه من تاكبال، كل رجال هذه القرية الصغيرة ونصف عوائلها يعيشون بعيداً. فالرجال الثلاثة أو الأربعة الذين التقيتهم فيها سبق لهم أن صنعوا الخبز في مكان ما. (1/227)
صفحة 228
تتشابه هذه الهجرة القوية للنفوسيين مع هجرة قاطني الجنوب التونسي الذين يشدون بدورهم الرحال باتجاه شمال تونس، وأحياناً باتجاه الجزائر بحثاً عن موارد عيش إضافية تفرضها الكثافة السكانية والفقر المستشري في مواطن تواجدهم. ها هنا كذلك، تتميز حركة الهجرة بالقدم، وتكون تارة نهائية، وتارة أخرى مؤقتة، واللافت أن ساكنة كل قرية تتخصص، عموماً، في حِرفة بعينها فآل مطماطة حمّالون، أو يقيمون بأعمال سخرة، وآل شنيني معروفون بالطبخ، أما آل غمراسن فمنهم صناع أو مهيئو الفطائر (فطايري).
على أية حال، ننوه إلى أن حركة سكان الأراضي الجافة والفقيرة والمكتظة في البلاد المتاخمة للصحراء في اتجاه المناطق الشمالية الميسورة غير محصورة في شرق بلدان إفريقيا الشمالية. ذلك أن ظاهرة مماثلة نجدها عند الشلوح، الأطلس الكبير والأطلس الصغير بالمغرب الأقصى، والذين هاجروا باتجاه الشمال والتل الجزائري بحثاً عن الموارد المفقودة في موطنهم الأصلي، بينما امتهن المژابيون والجربيون - الذين ضاق بهم أرخبيل واحاتهم أو جزيرتهم - التجارة في المدن والقرى الشمالية.
النتائج نفسها هي التي تترتب عن هذه الهجرة حيثما حصلت، وتتمثل في فقدان المواطن الأصلية لرجالاتها مقابل اغتناء نسبي، لا يظهر ذلك جلياً في حالة النفوسيين لأنهم كثر، فالهجرة السنوية لعشرات من الفقراء لا يؤثر على الوزن العددي لهم، في مواجهة "العرب"، على أن مظاهر الاغتناء بادية للعيان من خلال البعثيات من تونس، أو بعد العودة منها، وتجعل النفوسيين في موقع قوة إزاء أندادهم "العرب".
الذين يهاجرون. عادة ما تصرف النقود المجلوبة من أرض الهجرة في شراء أشجار الزيتون والتين والأرض المشتراة من "العرب" فقط، ذلك أن الأمازيغ نادراً ما يبيعون أشجارهم. (1/228)
صفحة 229
لم أقع إلا على استثناء واحداً في أوساط "العرب" وهم أولا عطية جيران يفرن الذين يهاجرون أيضاً للحصول على المال، و"لا يضطرون" لبيع أشجارهم لأمازيغ ويهود منطقة يفرن.
تلك حالة فريدة وشاذة. بكل تأكيد، فالهجرة قوة بالنسبة للأمازيغ، ويعتبر المال المجلوب من تونس بالنسبة لهؤلاء دليل من أدلة نجاحهم في هذا الصراع المسالم والضروس الذي يخوضه القرويون الأمازيغ ضد "العرب" البدو.
الجزء الثالث
الفصل الأول
السكن الحالي والسكن القديم
السكنى : يجمع اقتصاد أهل نفوسة بين السهوب المجاورة والجبل، ويجعل منهم رحلاً أو شبه رحل. ومع ذلك فهم قرويون تتكدس منازلهم في تجمعات سكنية ضيقة قريبة من العيون والآبار. لكن بما أنه يتعين على هؤلاء القرويين العيش خارج منازلهم لعدة شهور فإنهم يتوفرون أيضاً على بيوتات "متنقلة" أو مؤقتة. فعندما نتجول في المنطقة، وبخاصة في الربيع، نرى كيف أن الجفارة والظهر على الخصوص مكسوة عن آخرها بمجموعات من الخيام السوداء الصغيرة التي تدك أوتادها بمنآى عن الرياح في المنخفضات أو خلف الأرض المتموجة.
وفي كل مكان، سواء بالتلال الصغيرة في السهل أو بربى الهضبة والفجاج الجانبية للأودية تنحفر مغارات هلامية (بلا شكل محدود) ومساكن كهفية مؤقتة قريبة على العموم من أشجار الزيتون والتين. ولأن النفوسيين يغيبون عن منازلهم ربع أو ثلث السنة فإنهم يودعون جزءاً من مؤنهم في مخازن محصنة وافرة، سيما في بعض قرى الجبل الغربي، في حين حلت محلها بأماكن أخرى مخازن مقببة مقفلة بإحكام في المنازل. (1/229)
صفحة 230
منازل من أصناف عديدة، مساكن كهفية من كل ضرب، خيام، مخازن محصنة، تلكم هي عينات من المساكن والبنايات التي نجدها بالجبل، ويقدمها لعين السياح والفضوليين. إنها عينات ذات صلة وثيقة بنمط عيش السكان، لكن، هل يمكن القول أنها نتيجة مباشرة لها؟ أليست بالأحرى نتاجاً كذلك لتقاليد ضاربة في القدم، وماضي طويل تعرض فيها اقتصاد المنطقة لتغيرات شتى؟
نروم هنا أساساً لتحليل البنية والوظيفة الحالية لهذه المساكن، إذ لا مجال للبحث في أصولها ودرجة تقادمها، علماً بأن دراسة العديد من القرى المتداعية قادرة على مدنا بمؤشرات لأجل صوغ فرضيات.
1- المخازن الحصينة
الظاهر أن الشروع في دراسة للمساكن تبدء أولاً بدراسة للمخازن الحصينة (قصر(1)، تميدلت بالأمازيغية)، هو ضرب من مجازفة ذلك أن أغلب هذه المخازن لم يتبق منها سوى أنقاض وحطام. هذا مع العلم بأنها لعبت دوراً كبيراً في حياة المجموعات القروية، كما أن خرابها كانت له نتائج مباشرة على طريقة بناء المنازل، والعديد من المساكن الكهفية، وهو ما يبرر البدء بها قبل غيرها. على أية حال تجدر الإشارة هنا إلى أن المنازل تتكدس حولها أو حول أنقاضها، كما أن كتلها وبقاياها لا زالت تتوج الجزء الأوعر والأكثر ارتفاعاً في الجبل. فقد كانت بمثابة العنصر الأساسي في التجمع السكاني، حتى أن التسمية نفسها كانت تطلق على المخازن الحصينة وعلى الكتل السكنية.
__________
(1) - أفضل استعمال لفظة قصر على لفظة غاسرو الاقرب إلى النطق المحلي والتي يتبناها [بگوينوت] في معجمه، ص283 قصر كلمة معروفة جيداً في شمال إفريقيا وقد أثرت تركها كما هي سواء في سياق المفرد أو الجمع، فحسب القاعدة التي ارتضيتها ليس هناك ما يكفي من الدواعي لاستعمال صيغة الجمع "كصور" التي ينطقها أمازيغ جبل نفوسة : ئغاسرا. (1/230)
صفحة 231
وصف "القصور" : (الصور 26، 27 و28) لن تجد قرية خالية من "قصر" منتصب، لكنه عبارة عن أنقاض. يتعلق الأمر بمجموعة من الغرف عبارة عن مخازن فردية، بعضها فوق بعض، تحيط بباحة ضيقة، بل ثمة أنقاض "قصور" معزولة على منحدر الأودية، في أقصى الجرف، أو وسط قرى قديمة منهارة بالكامل. لعبت المخازن إذن في مختلف العصور بهذه المنطقة دوراً رئيسياً في حياة ساكنة الجبل، وكانت ستستمر في لعب ذلك الدور - تنبغي الإشارة إلى ذلك حالاً - لولا أن السلطة العثمانية لم تقصفها بالمدافع، أو عملت على تفكيكها على إثر انتفاضة الجبل التي قادها (غومة) ضد الحكومة التركية. وقد توقفت حركة تدميرها في كاباو والجبل الغربي، لا زال يحتفظ ببعض من هذه "القصور" العجيبة، التي سنعمل لاحقاً على دراستها بنية ووظيفة.
الأكبر والأكثر شهرة من بينها هو قصر نالوت، الذي تتناثر أجزاءه بشكل عجيب فوق ركام من البيوتات الشبه منهارة، غير أنه يلاقي عناية أقل من نظيره في كاباو، الذي يهيمن بحجمه الثقيل على عموم التجمع السكاني. أما قصر وازّن قرب الحدود فيتواجد على قمة وعرة ومهدد بالتلاشي الكامل. قصور أولاد محمود والمجابرة أصغر حجماً، لكنها تحظى بعناية أفضل، في حين نجد قصر فرسطا شبه منهار. وفي نقطة بعيدة نسبياً في اتجاه الشرق، نجد القصر الصغير للقرية المتناهية في الصغر أولاد عنان. وعند الرجبان وفي قصر الحاج بالسهل، ثمة قصور صمدت في وجه حركة التدمير التركية التي كانت تستهدفها، إلا أنها منسية تماماً اليوم، هذا إن لم يتم التخلي عنها كلية.
سوف تمكننا هذه النماذج الثمانية التي نجت من الدمار العثماني من تكوين فكرة دقيقة عن طبيعة بناء واستعمال هذه المخازن الحصينة التي نجد بقايا لها في كل مكان. (1/231)
صفحة 232
يوحي القصر النفوسي بغرفه المتراتبة حول باحة مركزية بصورة النُخروب من شمع العسل الذي يضع فيه النحل العسل أو بصورة أخرى برج حمام ضخم. الباب الوحيد للغرف مفتوح على الباحة، وتشكل جدران الداخل مجتمعة الحائط الخارجي للبناية، وبها ثقوب صالحة للتهوية. للقصر من بعيد شكل قلعة بحيطانها السامقة والمكشوفة. أما القصور الصغيرة الموجودة بالمجابرة وأولاد محمود ذات الباحة المستديرة، فهي عبارة عن أبراج قصيرة، ومعظم القصور الأخرى ذات الأبعاد الصغيرة، والمتداعية، حالياً لها نفس الشكل. أما قصر كاباو - وهو الأكبر حجماً - فله أيضاً الشكل ذاته. تشبه القصور المتبقية ذات الغرف المفتوحة على باحة مربعة أو مستطيلة قلاعاً، على غرار قصر وازّن، والقصر المربع بالقلعة، اللذان لا زالت أنقاضهما الرومانسية تعلو فوق النتوءات الصخرية الكلسية الطورونية طولياً، والظاهر أنها تكيفت مع موقع شديد الخصوصية، ولها باحات جد ضيقة.
في نالوت، تتخد الغرف شكل طبقات على ضفتي زقاق مستطيل وعددها هو الأكبر هنا. في فرسطا، شيد القصر فوق منحدر، وتتراص المخازن على امتداد شارعين أفقيين يجمعهما ممر عمودي وصاعد. أما في قصر ولد عنان فإن الزقاق القصير جداً يتخذ شكل مشنقة. (1/232)
صفحة 233
أيا كان التصميم الذي هو في آن نتاج لطبيعة الموقع، ومهارة الإنسان، فإن للقصر البنية نفسها دائماً. يتعلق الأمر بعضوية حية عديمة الشكل، ولا فقارية إلى حد ما تتلاصق خلاياها وتتكدس في غير نظام، لا وجود فيها لهيكل جامع، كل ما في الأمر غرف مقببة (ذات قبب) بعضها فوق بعض بطريقة عشوائية حتى تلامس علواً مقلقاً. يبلغ عددها ما بين أربعة وستة طوابق في كاباو، حيث نجد حوالي 230 غرفة. يرتفع أحياناً قصر نالوت المنهار جزئياً عن سطح الأرض بحوالي عشرة أمتار. وحسب ما قاله الحارس، فقد كان يحتوي عندما كان كاملاً 515 غرفة، لم يتبق منها سوى 250 فالإنهيار هنا من الأشياء المتواترة الحدوث. ولئن كان كل مالك مجبراً على الاعتناء بمكانه في القصر، لكن يحدث مع ذلك أن تحدث تشققات فيه، وتتسع إلى أن تستدعي تدخلاً جماعياً. فقد حدث مرة أن انهار جزء بكامله من قصر نالوت فأتى على منازل مجاورة عن آخرها مخلفاً قتيلين، وأعيد بنائه بعد ذلك. واليوم أيضاً هناك جزء مهدد دائماً بالانهيار، لكن لا أحد من الناس يكثرت لذلك. (1/233)
صفحة 234
الارتفاع المبالغ فيه قياساً على نسبة المتانة في هذه القصور وانكشاف الجدران الخارجية والموقع المرتفع الوعر في الغالب وكذا تكدس المنازل حولها، كل هذه المواصفات تذكرنا بالقصر المولودي في بعض بلداتنا بالعصر الوسيط. والحال أن الأمر لا يعدو أن يكون مخازنا حصينة يودع فيها الناس أغلى ما لديهم، أي المؤن التي يقتاتون منها إلى موسم الحصاد القادم. وبما أن السكان يقضون عدة أشهر خارج بلداتهم، فمن الضروري أن تكون خيراتهم في مأمن وبمنأى عن يد تتلاعب بها. ولهذا السبب نفسه فإن "القصور" لا تتوفر إلا على مدخل ضيق مفتوح على أعلى نقطة على الأكمة المعلقة فيها، على غرار قصورنا الفيودالية(1) تماماً. يتوفر قصر نالوت الذي عبث به لفترة طويلة آل ورغامة على باب كثير الولوج من جهة الشمال، وقد أغلق بعد ذلك بجدار، وشق آخر من جهة الشرق، مفتوح على بلاطة ضيقة وناتئة لصخرة صغيرة، مما يضطر الناس إلى الاصطفاف على الطريقة الهندية في انتظار الدخول، ويمنع على من يمتطي ظهر جواد. في أنقاض قصر عيسى أكافر، المدخل عبارة عن زاوية مستقيمة تسهل عملية منع الولوج إلى داخل القصر.
__________
(1) - قصورمن العصر الوسيط في أوروبا كانت تبنى بباحة كبيرة وسطها. (1/234)
صفحة 235
أما إذا نجح اللصوص في تجاوز كل هذه الصعاب والموانع المتعلقة بالولوج فاقتحموا الباب ووصلوا إلى الباحة فإن عملية النهب والسرقة ليست بالأمر الهين، ذلك أن الأمر يتطلب تدريباً طويلاً لأجل تسلق هذه الحصون التي تنعدم فيها أبواب الغرف، ومهارة فائقة لأجل الصعود سبعة إلى إثنا عشرة متراً بدون درج ولا سلم. يستعان هنا فقط ببعض الأحجار الخشنة أو بعصي نادرة مغروسة في الجدار، أو بثقوب مهيئة لذلك، تتبث فيها الأيدي والأرجل. وعمليات السقوط أثناء محاولة الصعود هي من الأمور المتواترة حتى في صفوف المتعودين على هكذا تمرين. وما أن يصل المالك إلى الغرفة حتى يرفع أو ينزل مؤونته بواسطة حبل. يستعان كذلك بجذوع النخل ذات الفريضات المتنقلة لتلعب دور سلم أو درج متحرك شريطة عدم فقدان مستعمليها للتوازن أثناء تسلقها.
الغرف : (الرسم 10 و12) تتخذ الغرف أشكالاً وأبعاداً مختلفة جداً تبعاً لموقعها في البناية ككل، وتبعاً للبلدة التي تتواجد فيها، غير أنها تتشابه كلها. يتعلق الأمر بحجرات ضيقة، واطئة وطويلة أو بالأحرى بأروقة صغيرة يتراوح طولها بين ثلاثة إلى خمسة أمتار في المتوسط، أما علوها فنادراً ما يتجاور متراً إلى متر وعشرين سنتمتراً والعرض ما بين متر و20 سم إلى متر و50 سم.
معنى ذلك أننا نتحرك في داخلها بصعوبة، وندخل إليها عبر بوابات صغيرة وعالية يبلغ طولها حوالي 70 سم مصنوعة من ثلاثة إلى أربعة ألواح نخيل، يخترقها عرضاً خشب من شجر الزيتون مثبتة في محور خشبي من الشجر نفسه. لا قفل ولا مفصلة ولا مسمار، الكل مصنوع من خشب بما في ذلك المفتاح الضخم الدافع للمزلاج، وفي طرفيه وتدين أو ثلاثة، على غرار ما نجده في مژاب وعموم الصحراء. ومنذ مدة غير بعيدة نلاحظ أن بعض الأبوب تحتوي على قفل حديث الصنع نسبياً.
السكنى الحالية والسكنى القديمة
حواجز فاصلة من عود النخيل والتربة المسحوقة، وحده المدخل له شكل قبة. (1/235)
صفحة 236
النموذج البسيط بعارضات من عود الزيتون والنخيل والتربة المسحوقة وهو موجود بكثرة ويكون على العموم مقببا.
معظم الغرف مقببة، والإكثار من هذه القبب هو الضامن الوحيد لمتانة البناية، غير أنها غير منفصلة عن بعضها البعض أحياناً إلا بلوح نخيل أو عارضات من خشب شجر الزيتون عليها سعف (ج: سعفة) وتربة مسحوقة. ينقص عمقها كلما زاد ارتفاعها، لأنها متباعدة عن بعضها والأكثر ارتفاعاً من بينها هي الأصغر كذلك.
أغلب الغرف مقسمة إلى أجزاء، ونادراً ما لا نجد حائطاً يبلغ طوله بضع سنتمترات يقسمها على الأقل إلى شطرين. وغالباً ما يزداد ارتفاعها طرداً، وبصفة خاصة في المخازن السفلى المتواجدة فوق المنحدر. أما العمق فينقسم إلى طابقين. قد تكون للمخزن كذلك أبعاد ضخمة فنجده منقسماً، في حالات استثنائية، إلى أربع أو خمسة خانات كبرى، بل وحفرت في كاباو غرف تحت الأرض في الصخر الصلد. يتعلق الأمر بمغارات حقيقية يصعب الولوج إليها، وتنفتح في الأغلب الأعم على بئر يبلغ عمقها حوالي متر وخمسين سم إلى مترين. ومن الوارد أن تتواجد بها كذلك غرف كبيرة وقديمة منقسمة إلى نصفين على مستوى الطول ولها اليوم بابان. باختصار، فالمخازن تتشابه كلها وقد تكون لكل واحد بعض الخصوصيات المتماشية مع ذوق مالكه.
عادة ما تكون هذه الغرف مليئة إلى حد ما حسب الأعوام والمواسم. لا توضع جرات الزيت الوازنة إلا في الغرف المتواجدة في الطابق السفلي أو تحت الأرض. وفي الغرف الأخرى، نضطر للمشي منحنيي الظهر أو حتى على أربع وسط أكوام من الشعير والقمح مفصولة عن بعضها، ونرتطم بسلل حلفاء كبيرة ومفتولة تسمى "رونيا" بداخلها تمر أو تين وقد نرتطم أيضاً بجلود ماعز مملوءة عن آخرها بالدقيق ومتدلية من القبة، وقد تطأ أقدامنا كيساً مهترئاً أو قربة قديمة أو علبة متهالكة، باختصار كل بقايا الأواني عندنا والتي تكون لها هنا قيمة مؤكدة. (1/236)
صفحة 237
لكل مالك مفتاح مخزنه الخاص، وعادة ما يتركه لدى الحارس مقابل أجر عيني. تملك كل عائلة غرفة، غرفتان أو ثلاث أو حتى خمس غرف حسب طاقتها، أما المعدمة فلا تملك شيئاً من ذلك. تتكدس أحياناً بالباحة سلل حلفاء كثيرة تحتوي على الشعير والقمح وهما مؤونة من لا يملك مخزناً أو من يتخوف من الفئران أو خنفسة الحبوب.
كل واحد يتمتع بالملكية الكاملة لمخزنه الخاص على غرار منزله لكنه مجبر على الاعتناء به. وهذا أمر مفهوم لأن التقصير في هذا الباب قد يؤدي إلى انهيار جزء من البناية. يشكل هذا التجمع من المخازن الفردية، عضوية حية حقيقية تعجز لغتنا عن تصنيفها. فهو لا يعود إلى المجموعة ولا إلى الجماعة لأن كل واحد مالك لخانته فيه ولا يمكن اعتباره أيضاً تعاونية. القصر عبارة عن تجمع من الغرف كما أن القرية هي تجمع من البيوت(1).
وظيفة القصر : وظيفة القصر هي بالمقام الأول نتاج للاقتصاد الزراعي ونمط العيش الترحالي، إلى حد ما لعموم ساكنة الجبل. فالناس الذين يتغيبون لعدة أشهر عن منازلهم في أمس الحاجة إلى أن تكون أمتعتهم، وهي المؤونة في حالتنا، مأمونة ومحفوظة. في هذا الاتجاه، يمكن تشبيه وظيفة القصر بوظيفة القبو البنكي وصناديق حديدية. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن هذه المخازن الحصينة قد استعملت سواء من قبل المقيمين تحت الخيام، أو من لدن القرويين. فقد استعمل أحياناً رحل جهة بئر الغنم حلفاء أناس هذه المنطقة، القصر الكبير المتهدم بالبلدة الصغيرة تاكبال بككلة.
__________
(1) - يتواجد بأبو موسى وهو فرع من قرية أولاد سعيد (ككلة) نمودج لافت وفريد من نوعه من المخازن الكهفية. الغرف مبنية على الجرف الصضفة أفقياً وعمودياً وبعضها له حيطان ومقسم إلى خانات. نلجها باقتفاء أثر منحدرات نافرة التي تشكلها المجاري الأكثر صلابة في الصخر ما يعني أن الأمر لا يخلو من مخاطرة. الظاهر أن هذه المخازن كانت تستعمل كملاجئ في فترات بعينها. (1/237)
صفحة 238
تعتبر المخازن الحصينة إذن كما كانت دائماً وستكون، على الأقل حيث صمدت في وجه عمليات التفكيك الممنهجة، بمثابة العنصر الأكثر تمثيلية بل ورمز الجماعة القروية في الجبل. فالبلدة قد لا توفر كل هذه الإيجابيات الموجودة بالقصور بالنسبة للكثيرين من الناس، فهي مكان يملكون فيه بيتاً متواضعاً جداً يمكن التخلي عنه في أي وقت خلافاً للقصر الذي تودع فيه المؤن طيلة السنة بأمن وأمان. قد يغير النفوسي بيته لكنه لن يغير مخزنه، قد يغادر البلدة ولكنه يترك فيها كل مؤونته وزاده.
كان القصر ولا زال هنا يستجيب لحاجة لا يمكن لكثير من الناس أن يتصوروا بلدة بدونه. فقبل 250 عاماً، كانت مجموعة من الأسر بالقصير، وهي قصبة متاخمة ليفرن، قد أتت لبناء بلدة تازمرايت فوق وادي القلعة وكانت تشيد في الوقت نفسه المنازل والقصر. وبجهة الشمال، احتاج سكان تاغما إلى قصر ثان أكبر من الأول الذي كان صغيراً أو تعرض للتدمير إثر نشوب سلسلة نزاعات نجهل أسبابها ومصادرها. وحتى اليوم، عبر أهل غزاية، وهم فخذة من الحرابا بجهة نالوت، عن رغبتهم في بناء قصر ومدرسة بجانب المسجد الذي بناه أحدهم بالقرب من ماء العيون.
يتبين من ذلك أن القصر يضطلع بوظيفة الاقتصاد الزراعي بالدرجة الأولى. إلا أنه من المؤكد أيضاً أنه يعبر عن مدى رسوخ الشعور الدائم باللاأمان الذي عاش أهل المنطقة على الدوام. تحت كلكله رأينا تشابه هذه البنايات مع القصور سواء من حيث موقعها أو مظهرها العام. (1/238)
صفحة 239
ومن المؤكد أن الكثير منها استخدمه أهل القرية كملاذ. قطفو من أنقاض مخازن حصينة، والتي صارت اليوم عديمة الشكل، بقايا برج، نجد هذا في أنقاض قصر شواط (ولاد بورغوا) وفي تنوتين وتينزغت بقصبة بن مانا وبأماكن أخرى متفرقة. وأحياناً نجد صهاريجاً محفورة فيها كما هو الحال في قصر بورداد (أولاد الشيخ) وفي عويفات على سبيل المثال لا الحصر. وبالقرب من إينر، نجد قصراً معزولاً على حافة جرف بعد الهوة الطبيعية المتمخضة عن شقة عريضة على سطح كلس نالوت ويحيط به حصن يبدو أن قواعده رومانية أو بيزنطية. تقع أعيننا أيضاً على قصر حصين يمكن أن يرى على مقربة من جيطال، ويبعد عن الأول بضعة كيلومترات. على أية حال نماذج القصور أوفر من أن تحد، غير أن المؤكد هو أن المخازن الحصينة كانت تستعمل أحياناً كملاجئ وقلاع. وقد كان الأتراك يعتبرونها خطيرة على تواجدهم بالمنطقة، لذلك عملوا على تدميرها. ويستبعد جداً أنها كانت مساكن للإقامة، فغرفها صغيرة وضيقة جداً، وبالتالي لاتصلح عادة إلا للاحتماء بها من خطر عابر.
لايحتكر جبل نفوسة هذه الصروح العتيدة واللافتة، إذ نجدها كذلك في الجبال بالجنوب التونسي. ويذكرنا صرح بني إيخزن من بينها بنماذج نفوسة بطبقات غرفها الخمس أو الست المحيطة بباحة ضيقة. أما القصور الأخرى فهي على العموم أقل ارتفاعاً ونادراً ما تتعدى طابقين حسبما يستفاد مما أورده [بيرفانكيير] و[بلتيير Peltier] و[أرين Arin]، قصور الجفارة مختلفة نسبياً وقد وصفت مراراً سيما قصور مطمور ومدنين. (1/239)
صفحة 240
المبدأ هو عينه فيما يخص طريقة البناء رغم وجود اختلافات لايستهان بها من نموذج لآخر. يتعلق الأمر بقصور لرُحّل بنيت في السهل. أما باحاتها فهي من السعة بحيث تضم القطعان بفنائها. كل فخذة بالقبيلة تملك قصراً الذي هو عبارة عن حي لهذه التجمعات السكنية العجيبة، أما الغرف السفلى فتصلح للسكن أو تكون حانوتاً(1). توجد نظائر لها في قدم جبل نفوسة وفي الذهبيات بالتراب التونسي، وفي قدم جرف يفرن حيث يمتد قصر بن نيران الفسيح والحديث العهد بالنباء، والذي كان نموذج قصر البدو. وحول فناء دائري فسيح، والذي تشيد بوسطه جامع في زمن مضى، ينتصب صفان أو ثلاثة من الغرف المقببة، وغير بعيد، ضريح قديم وعين، وقد كانا في الماضي موطناً لسوق وملاذاً آمنا للمؤن والقطعان والبشر. وقد يكونا لعبا دوراً مهماً أيضاً إبان انتفاضة غومة. ويُحتمى به ضد غارات آل ورغامة.
قد تكون في زمن ولى الغرف الفسيحة نسبياً لقصر الجفارة وباحاتها أيضاً التي تضم قطعان الماشية من حين لآخر، إذ لا زال هنا من يقطن بالعديد من هذه الغرف، وعدد آخر تحول إلى حوانيت.
__________
(1) - يراجع : [بيرفانكيير] ص454 ، [بلتيير] و[أرين] ص50 وما بعدها. (1/240)
صفحة 241
كيفما كان النموذج الذي تمثله هذه القصور فإنها لاتتميز فعلا إلا من خلال قدرتها على التأقلم مع موقع نمط عيش مختلفين. الثابت أنها من اصل واحد وهذا الأصل أمازيغي وموغل في القدم. إذ لانجد أنقاضها في عدد من البلدات حتى يومنا هذا، بل من المستحيل ألا تكون موجودة منذ أزمنة غابرة. في سياق حديث [ديودور صقلية Diodore de Sicile] عن الليبيين الرحل دون تحديد مكان سكناهم للاسف الشديد، يقول في القرن الأول قبل الميلاد ما يلي : " لايقيم زعمائهم بالمدن بل لهم أبراج بالقرب من الأماكن التي يتواجد بها الماء، حيث يودعون ضمن غنائمهم احتياطي مؤنهم، وما قد يكونوا في حاجة إليه"(1). منذ ذلك التاريخ، يتعلق الأمر إذن يمخازن حصينة في ملكية القادة دون غيرهم. والراجح أنها لم تصبح مشاعة بين السكان إلا عندما، استقر هؤلاء في البلاد، وحل محل عوائد حياة الترحال، سلطة أعرق وأكثر ديمقراطية.
__________
(1) - يراجع في هذا الصدد كتاب نصوص ليبية ترجمة علي فهمي خشيم مع مراعات أن الفحوى هي نفسها غير أنها تختلف في ألفاظها عن هذه الترجمة. : [ديودور صقلية] ج3 ص493، [جزال] ص237. (1/241)
صفحة 242
يذهب بعض الكتاب إلى أن نمط البناء عند هؤلاء ينحدر من المساكن الكهفية. يقول [أوغست برنارد] في هذا الباب: "أغلب الظن أن الغرف تنحدر من المغارات الجوفية التي حافظوا على عمارتها وهم ينقلونها إلى الهواء الطلق"(1). استناداً إلى هذه الفرضية بالأماكن استحضار ذلك التناظر الحاصل بين تراتبية الغرف والمغارات المحفورة في صخر قصر نالوت. أعتقد أن تشابهاً صغيراً في الشكل لايعطي بالضرورة تفسيراً مقنعاً وبالإمكان افتراض أن المنزل آت أيضاً من المغارة. ثمة اختلاف جوهري بين العمل السهل المتمثل في حفر مغارة بواسطة ضربات "فأس" وبناء غرفة. فالغرف ذات قبب ولو متواضعة ولكنها تستلزم التوفر مسبقاً على تقنية. كل الغرف الفردية الموجودة فوق المنازل منذ عملية تدمير القصور تكون مقببة. فالقبة وحدها تضمن عدم القابلية للاختراق الضرورية للحفاظ على المؤونة أكثر مما تضمنها سطحية التربة المسحوقة. يشهد القصر كبناية متميزة على استعمال أصيل جداً للقبة، إلا أن الأمازيغ لم يكونوا يفعلون سوى تكديس الغرف بأغراضهم لا العمل على تأطيرها ضمن بنية عامة وإجمالية .
خارج القوس الجبلي التونسي – الطرابلسي، نجد قصورا مماثلة لهذه إلى حد كبير في بلاد المغرب. تُظهر الألواح المصورة التي نشرها [روبر مونتاني R. Montagne] والتي تعيد إنتاج "المخازن الجماعية" بالأطلس الكبير والصغير، أن ثمة تباينات معتبرة بين طريقة بناء الغرف بجهة طرابلس ومثيلتها بالمغرب، فالغرف المغربية أكثر اتساعاً ولاتتوفر على قبب، زد على ذلك أنها مفتوحة على فناء واسع. على العموم، يتعلق الأمر بغرف محصنة أكثر من نظيراتها في جنوب سرت.
__________
(1) - يراجع : [أوغست برنارد] ص149. وتجد عنده ذكرا لـ : Levainville, Les Troglodytes de Matmata مأخوذ من نشرة الجمعية النورماندية للجغرافيا، 1907, ص21. (1/242)
صفحة 243
أغلب الظن حسب [مونتاني] دائماً أن هذه القصور المسماة "إيغرم" أو "أگادير" والموجودة في أوساط رعاة الأطلس المتوسط والأطلس الصغير هي من "بقايا قرون وقرون كانت فيه كل القبائل بالجنوب المغربي تعيش على حياة الترحال"(1). إلا أن الملاحظ هو تأقلمها الجيد مع نمط عيش المزارعين الرحل الصغار بنفوسة الذين عاشوا باستمرار تحت تهديد رحل القبلة الكبار، ما يدفع إلى القول بأن نمط عيشهم اليوم لا يختلف كثيراً عن سابقه.
2- المنازل
تتشكل قرى جبل نفوسة من تجمع سكاني قوامه منازل متراصة، ومساكن كهفية، ومنازل مبنية بالحجارة تتخذ شكل طوابق على جانب الجرف، أو على أكمة وتعلوها الأنقاض وأسوار القصر التي لا زالت على حالتها الأولى (الصور من 34 إلى 38).
للوهلة الأولى، يتراءى لنا القرويون وهم يقيمون بمنازل أو دور (دار بالعربية، تادارت بالأمازيغية). غير أن نظرة بسيطة قاصرة على تمييز شكل هذه المنازل، فما السبيل إلى وضع اليد على تصميم لهذه البنايات المنهار نصفها والمتداخلة مع بعضها؟ ما السبيل إلى التمييز بين دار ومسكن كهفي عندما تقع أعيننا على خليط من المغارات وغرف مبنية وأنقاض مبثوثة؟
إن الملاحظة المتأنية تدلنا مع ذلك، على الأهمية الخاصة لعنصرين مختلفين أشد الاختلاف. يتعلق الأمر بالباحة التي تنتظم حولها عدة غرف، والمخزن المقبب (أو "الغرفة") الذي يستلزم بناء من نوع خاص حيث لا أثر لطوابق.
__________
(1) - عد إلى: [مونتاني] ص9 الفصل الرابع والألواح من ص34–41. (1/243)
صفحة 244
إن انتظام الغرف حول الباحة أو فناء البيت الموجود بالوسط هو من الأمور المعممة في شمال إفريقيا والبلدان الإسلامية. فهي عادة متحدرة من عهود قديمة جداً، ومن الرغبة في إخفاء الحياة العائلية، خصوصاً النساء عن أنظار الغرباء. وبفعل موقع القرى ورغبة أهلها في التلاحم درءا لكل المخاطر، فإن الباحة صغيرة بما فيه الكفاية، وتتخذ أشكالاً متعددة ونادراً ما تكون مسطحة الشكل. ذلك أن أغلب القرى تجثم على كلس نالوت وبالتالي فهذا الأخير بامنحداره الطبيعي وتراتبيته البارزة هو الذي يشكل الأرضية في هذه الدور. غرفتان إلى أربع مستطيلة الشكل نصفها متداعي وحائط يخترقه باب دخول يؤطرون الباحة.
لاتتواصل الغرف فيما بينها ولا منفذ لها سوى الباب، طويلة إلى حد ما لكنها ضيقة وواطئة (متران في المتوسط). الضيق آت من طبيعة السقف الذي غالباً ما يكون عوارضاً من أعواد الزيتون. إذا تعلق الأمر بسطيحة، أو القبة المصنوعة من الحجارة الغير منحوتة وكلها ذات وزن ضعيف. فالجدران المبنية بالحجارة الزَاوِيّة المشدودة إلى بعضها بشكل ردي بواسطة ملاط صلصالي غير قادرة على تحمل سقف وازن نسبياً، إلا إذا كانت مسنودة بدعامات من نوع خاص. لا نكاد نجد جدراناً مبنية بحجارة مسطحة متراكبة في شكل صفوف منتظمة ومائلة ميلاً متنوعاً على غرار حسكة السمك المنضودة، نحن إزاء جدران بعضها أصلب وأمتن من البعض الآخر. (1/244)
صفحة 245
غرف مقببة وذات سطحيات : (الصورتان 29 و32) ينبغي التمييز بين الغرف المقببة أو المرتفعة والغرف ذات السطائح المبنية بالتربة المدكوكة. كلاهما منتشر نسبياً على نطاق واسع. انتشار النموذج الأولى ناتج بالدرجة الأولى عن تدمير القصور من قبل الأتراك والتي دفعت ساكنة الجبل إلى بناء غرف خاصة على واحدة من غرف مساكنهم. والحال أننا رأينا كيف أن القبة وحدها عصية على الاختراق المائي، وقلما نجد غرفاً على سطح البيت. غير أن جدراناً مبنية بحجارة غير متماسكة لايمكنها أن تتحمل قبة متينة، فما بالك بمخزن مقبب دون إسناد من دعامات. لذلك تكون بأقواس خشنة ومكسورة قوامَ الجدار وهي مصنوعة من حجارة متماسكة ومخلوطة بالجير ومصبوغة بالجبص، وتُملأُ الفراغات بالحجارة والملاط الصلصالي، تبرز الأروقة بالداخل وهي عبارة عن زوايا قد تصل متراً في العمق. تتكئ القبة على الجزء الداخلي للدعامات ما يعني أنها أضيق من مجموع البناية كما أنها مبنية بمزيد من الجير مقارنة مع المنزل ككل (الرسم 13، 1).
لا تحمل الحيطان المدعومة بالضرورة قبة، فقد تعلوها فقط سطيحة بسيطة. لكن القبة تتطلب دائماً حيطاناً مشدودة بدعامات. من المؤكد أن الدار المقببة موجودة منذ القدم في جبل نفوسة، إذ نجد آثاراً لها في أطلال القرى منذ حوالي عشرة قرون، غير أنه من الوارد جداً أن هذا النموذج المعماري لم يكن منتشراً على نطاق واسع بين الساكنة لارتفاع تكلفته. وقد انتشر بعد ذلك بفضل تناسل الغرف الفردية (أو الخاصة) التي تبنى دائماً على إحدى غرف المسكن.
أبداً، لا يرتفع علو المنازل، ذلك أن العلو يعرض المتانة للخطر، وقلما تتجاوز الغرفة متران ونصف، وأحياناً لانستطيع حتى أن نقف فيها. أما الباب فينفتح على أحد الأروقة أو في نقطة قصية بالشكل المستطيل. (1/245)
صفحة 246
ندخل البيت من الخارج. ثمة باب صغير في طرف قصي مفتوح على الفناء تتسلقه قدر المستطاع ودون رياضة زائدة. غالباً ما تكون جدران الغرفة نسخة طبق الأصل لبنية الأروقة التي سنصف أسفله، غير أنها واطئة أكثر، أما ارتفاع القبة فلا يتعدى متر إلى متر وعشرين. وتفصل سقيفة من عيدان شجر الزيتون أو النخيل أو حتى قبة غرفة الإقامة عن المخزن.
في الجزء الشرقي من نفوسة، غالبا ما تخبأ قبة المخزن بسطيحة من التربة المدكوكة التي تقيها من التقلبات الجوية، وقد تنجح في إخفاء هيكل البناية عن الملاحظ الخارجي الغير النابه(1) (الرسم 13، 2 و3).
في بعض التجمعات السكانية بالجبل الغربي بنالوت وتيركت على سبيل المثال، تمدد الغرفة حجم المنزل والقبة عينها هي التي تحمي البناية ككل. للغرفة طابقين متناضدين: أحدهما هو المخزن حصراً والثاني هو المستودع، وكلاهما مفتوح على داخل غرفة الإقامة.
عموماً، يمكن القول أن ضرورة بناء غرفة دفعت الساكنة إلى بناء حجرة لائقة للإقامة. غير أن المخزن هو الأساسي في كل هذا. فعند آل الزنتان، مثلاً، وهم رحل أكثر من غيرهم، تكون الغرفة واطئة بدون باب حتى. لم تبن إلا لحمل المخزن المغلق بإحكام شديد.
النمط الثاني في الغرفة ذات السطيحة المهيأة بالتربة المدكوكة، غرفة أكثر مرونة من الغرف ذات القبب. غالباً ما تكون عبارة عن مستطيل قوامه أربعة جدران من حجارة غير متماسكة تحمل عوارض من أنصاف جذوع النخيل أو أعواد الزيتون وأحجار، وعادة ما يشد التبن وسعف النخيل سُمكاً متغيراً من التربة المدكوكة. أما السقف فلا يقل هشاشة عن الجدران، ما يفسر حدوث انهيارات متواترة للمنازل. سطح البيت لا يتعدى الجدران، كما نجده مثلاً في بيوتات بالأوراس والأطلس المغربي.
__________
(1) - تجدر الإشارة هنا إلى أن " الغرف " المجودة فوق أطراف الحجرات بزوارة وهي بلدة أمازيغية على الساحل، مسقفة بسطيحة بسيطة هي امتداد للبناية المجاورة. (1/246)
صفحة 247
ولأجل تقوية الحجرة أو توسيعها يتم إسناد السطح بأعمدة حاملة لروافد مركزية. ونجد هذه الأعمدة وسط الحجرة وعلى امتداد الجدران أيضاً مشكلة بذلك دعامة بسيطة. يتعلق الأمر بأعمدة خشنة قوامها حجارة عريضة منضودة أو حجارة صغيرة مخدومة، تخترقها عوارض خشب الزيتون أو النخيل. هو ذا الهيكل العام لغرف السطيحة. غالباً ما يتم تطبيق هذه الطريقة في البناء على المستودعات أو الاصطبلات البدائية التي ينفتح جزء منها على فناء المنزل.
لاتصمد هذه المنازل أمام العوادي لأنها مبنية بشكل رديء. فما أن تظهر شقوق على سطح الجدران حتى تنهار البناية ككل. لم تقع أعيننا إطلاقاً على تقنية ربط البناء وشده إلى بعضه من خلال استعمال الخشب، كما نجده عند أمازيغ الأطلس الكبير بالمغرب، أو في جبال الأوراس أو في منطقة وسلات بوسط تونس.
تصميم المنازل ووظيفتها : نخلص مما سبق إلى أن منازل جبل نفوسة هي عبارة عن حجرات متجاورة على جانبي باحة ذات شكل غير متجانس ينهيها حائط من الحجارة اليابسة. نادراً ما نجد أكثر من حجرتين في "غرفة" وهما الرئيسيتان. وقبالتهما أو بجانبهما حجرتان ثانويتان هما المطبخ أو حجرة ثانوية، ومن الوارد أن يكمل مخبأ بأعمدة أو مستودع المشهد في مجمله. وتبعاً لغلبة هذا النمط أو ذاك أو حدوث تغير في شكل الباحة أو تداعي حجرة إلى ثلاث، وبناء أخرى بجانبها فإننا سنحصل على منازل بمظاهر خارجية متباينة ولو كانت مبنية بالعناصر نفسها.
لايأوي المنزل أهله فحسب – بالمعنى الأوروبي الضيق لأهل – بل وأسرة ابن أو ابنين متزوجين أو حتى أسرة الأخ الاصغر، وفي هذه الحالة، يعمد الأهل إلى إضافة حجرة أو حجرتين على الجانب الأقل ازدحاماً للباحة. معنى ذلك أن تصميم البيت ككل عرضى لتعديلات وتغيرات مستمرة. (1/247)
صفحة 248
لم نشرح شكل المنازل إلا في علاقته بطرائق البناء، ونغفل كون هذه الأخيرة ذات صلة بالاقتصاد الزراعي السائد بالمنطقة على الأقل، في ما يتعلق ببناء المخزن أو حتى الاصطبل الخاص بالبهائم. للناس المنازل نفسها سواء كانوا غراسين أو مربي ماشية. لانجد هنا ما يوازي "المشتركات" في ضيعاتنا الأوربية. وبما أن وسائل النقل الحديثة المعتمدة على العجلات غير معروفة ها هنا فلا وجود للمآرب ولم يسبق أن شاهدنا عربات الساحل توضع في أمكنة مخبأة. يقطع القمح والشعير من أعلى وتترك الحشفات الطويلة للماشية التي ترعى بالمكان صيفاً. تُتْرك بقية التبن في ركنٍ مُنزوٍ بالباحة. وبما أن الناس لايخزنون العلف فلا حاجة لهم بمخزن للحشائش والتبن. كما أن هذه المنازل خالية من إصطبل علماً بأن قاطنيها يتوفرون، عموماً، على قطعان. كل ما نجده – مخبأ - هذا إذا كان موجوداً – يأوي الدواب وصغار الماعز في فترات من السنة، أما الأغنام فلا تعود أبداً إلى البيت.
الغرف جرداء إلا من دكة عريضة من حجارة يصلح عموماً للنوم، وكوّاة صغيرة على الجدران توضع فيها بعض الأغراض، لكن في أغلب الأعم، نجد أشياء مختلطة ومتنافرة تتدلى من عيدان مثبتة على الجدران أو من مسامير مغروسة في الروافد المركزية، أشياء من قبيل الصحون وجرات طينية، قرب مملوءة بالدقيق وأحياناً تقع العين على قطعة لحم مملحة وما إلى ذلك، واضح أن الأواني والأدوات الزراعية الصغيرة كالمقص والمنجل والنقار وحتى المحراث ليس لها مكان خاص ومضبوط، فالغرفة المحتوية على المؤونة كلها وبعض الأركان المنزوية هي العنصر الوحيد في البيت المتكيف مع الحياة الفلاحية. (1/248)
صفحة 249
هل هناك أفضليات جهوية حيال هذا النموذج في البناء أو ذاك؟ هل ثمة اختلاف بين المنازل (الأمازيغية) والمنازل (العربية)؟ عموماً: لا. ومع ذلك يمكن إبداء مجموعة من الملاحظات. فقد لاحظنا على سبيل المثال أن الغرف المبنية كامتداد للحجرات موجودة أكثر في الجبل الغربي، فيما أن الغرف المغطاة بسطيحة لا توجد إلا في الجبل الشرقي، ويعود ذلك لامحالة إلى تأثير الساحل، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، الظاهر أن الأمازيغ والعرب الذين يعيشون وفق نمطهم يبنون بشكل أفضل من رحل الجبل، علماً بأن هذا الاختلاف غير بارز كفاية، بالنظر إلى أن العديد من البلدات خربها جزئيا المنتفضون "العرب" قبل حوالي 15 سنة، من المؤكد أن الوافدين الجدد وجدوا في الجبل نماذج معمارية أقدم منهم فعملوا على تبنيها، هذا إن لم يكتفوا بالترامي على مكان السكان الأوائل. إننا نجد بالفعل من بين أنقاض القرى القديمة والتي يعود بعضها، بكل تأكيد، إلى ما قبل غزو القرن الحادي عشر، النموذجين الذين وصفناهما للتو.
غير أن مصدريهما لا زالا غامضين. فالسكان الحاليون للجبل لايفسرون استدانة هاذين النموذجين إلا لتأقلمهما مع المحيط وظروف العيش. يقولون مثلاً القبة غير قابلة للاختراق ومتينة وندية. إذا ما قورنت بالسطيحة غير أنها تتطلب حيطاناً قوية، والكثير من الجبص، بالإضافة على طول مدة بنائها، ما يجعل تكلفتها باهضة، أمام غرف السطيحة فأسهل من حيث البناء وأقل كلفة ويمكن تغيير أبعادها بسهولة، صحيح أنها تنهار بسرعة لكن يعاد بناؤها بأقل تكلفة ممكنة.
ثمة اسباب أخرى بطبيعة الحال. فالقبة مثلاً يمكن تفسيرها بالخصاص الحاصل في الخشب. فقد قلنا عنها بأنها رومانية الأصل في حين نميل إلى اعتبار السطيحة ذات أصول شرقية ولو أننا نميل أيضاً إلى الاعتقاد بأن وضع الأخشاب الطويلة على حائطين متوازيين هي من الأمور التي يمكن أن نجدها في أكثر من مكان بالعالم. (1/249)
صفحة 250
إن دعامات الأروقة معروفة جداً في غدامس. فهل هي طريقة صحراوية في البناء؟ أليست صحراوية أيضاً وسودانية هذه الطريقة المتمثلة في حمل إفريز من الأغصان المقطوعة أو سطيحة صغيرة بواسطة بضعة أعمدة؟ بطبيعة الحال، نحن هنا لانعدو أن نطرح فرضيات تروم البرهنة على أن التأثيرات المتوسطية والصحراوية تتقاسم الجبل، وهذا لعمري أمر طبيعي .
لن أشير إلا إلى المنازل الحديثة العهد بالبناء، وهي في الواقع حضرية، في التجمع السكاني التركي بيفرن. فهذه المساكن ذات الغرف المستطيلة والمتوفرة على السطيحة وبحيطانها المصبوغة بالجير هي من النمط الساحلي الطرابلسي والسهلي التونسي. الأسلوب نفسه في بناء هذه المساكن نجده متبعاً في بناء حوانيت المراكز حيث يقيم الإيطاليون، بالمقابل، نجد مساكن حديثة في جادو، بعضها مقبباً وحيطانها مسودة بدعامات الأروقة. أما الأقواس فصارت ديكوراً خالصاً يقتصر وجوده على الجدار المفتوح على الباحة والمؤطر للباب. غالباً ما تكون هناك غرفة مقببة كذلك مبنية على السطيحة في الطرف الأقصى فوق الجزء المرتفع الحامل لسرير الزوجية.
كل هذه الخصائص تؤكد الطابع الحضري بكل من جادو ويفرن.
3- المساكن الكهفية
إن عدد وتنوع المساكن الكهفية (داموس بالعربية، أرجان بالأمازيغية) وتناسل المخازن الحصينة هي واحدة من عجائب جبل نفوسة. لا أعتقد أنه يوجد بمكان آخر هذا التنوع الكبير في نماذج المغارات. أسهب المتخصصون في وصف المساكن الكهفية لمطماطة(1) وجبل الجنوب التونسي ومثيلاتها في غريان التي استقطبت بسرعة اهتمام الإيطاليين(2) غير أنها تنتمي كلها إلى النمط نفسه الذي نجد نظائره في منطقتنا.
__________
(1) - يراجع : [بيرفانكيير] ص52 وما بعدها، وأيضاً ببليوغرافيا [برنار] ص50 وما تلاها، و[بلتيير وأرين] ص4.
(2) - يراجع : [برنارد]ص1، و[فرانشيتي] ص278 وما بعدها. (1/250)
صفحة 251
يمتاز جبل نفوسة بالنماذج الأكثر تنوعاً واختلافاً من هذه المغارات، يتعلق الأمر بحفر بسيطة في الصخر والمغارات هنا تتناسل وتنفتح على باحة بالهواء الطلق، أما في أمكنة أخرى فتختفي الباحة والمغارة في الأعماق وبالتالي تخفي عن العابر تصميمها وموقع غرفها، تتغير أشكالها تبعاً لطبيعة الأرض، والحال أنه، كما أن تصميم البيت هو الذي ينبغي أن يعطينا أساساً للترتيب والتصنيف أكثر من أدوات البناء، فإن التصميم نفسه لا طبيعى، الصخر هو الذي سيرشدنا في خضم هذا التناسل والتكاثر للأشكال التي نصادفها.
المغارات البدائية : نميز بين أربعة أنماط. الأول بدائي وهو عبارة عن مغارة بسيطة، مجرد حفرة في الصخر أو الطمي ولا بناء من أي نوع. هذا النمط شائع جداً بالقرب من الأراضي الصالحة للحرث والمراعي وبمحاذاة الأغراس. إنه بمثابة مأوى لمن لاخيمة له أو لمن يتهرب من الازدحام. يتعلق الأمر بمساكن مؤقتة تسمى عموماً "عزيب" يقام "العزيب" على أرض رخوة ذلك أن الأمر يتطلب وقتاً أطول إذا كان الصخر صلباً، والاشتغال يكون بواسطة الفأس. تحمل الأتربة والحجارة المستخرجة أثناء الحفر في سلل حلفاء أو تدفع بعيداً بواسطة كشاطة من خشب وحلفاء تجرها دابة. تتوقف أشكال وأبعاد المغارة في المقام الأول على طبيعة الأرض ودرجة مقاومتها. (1/251)
صفحة 252
مساكن كهفية ذات التصميم الأفقي : (الرسم 14 والصورة 30) المسكن الكهفي الدائم هو عبارة عن تجاور عدد من المغارات الأساسية التي تحظى ببعض العناية ويغلق بعضها بباب. إذا كان المنحدر لافتاً فإن المغارات تحفر في جانب الجبل أو الربوة، الباحة مفتوحة على السماء وتتم إحاطتها بجدران من الجهات الأربع. الباحة الأفقية نسبيا تقريباً بصفتها امتداداً لمستوى المغارات، هكذا نحصل على مسكن كهفي وفق تصميم أفقي. مثل هذه النماذج من المساكن شائعة كثيراً في نفوسة وفي الجنوب التونسي بغمراسن وشنّني والدويرت. ويحتمل أن المغارات في هذه المناطق محفورة أسفل فناء البيت.
أما إذا كانت الأرض متربة سواء تعلق الأمر بتربة الحمري أو بالطفل السينوماني فإن شكل المغارات يكون مستطيلاً. في حالة ما إذا كانت التربة هشة يعمد البُنَاة إلى إقامة عمود أو عمودين عريضين وسط المغارات تفادياً للإنهيار. ما بين الغرف المحفورة بهذه الطريقة يترك سمك ترابي كبير ذلك أن الاكتفاء بالفصل بينها بواسطة حاجز رقيق يشكل خطورة مؤكدة. تحيط بفناء البيت طابيا تعلوها أغصان العنّاب ومدخلها عبارة عن فتحة نادراً ما تكون مغلقة بباب.
أما إذا كانت المجاري الصخرية المقاومة تتخلل الكتلة فإن الغرف تكون واسعة ومتينة، بل نجد من بينها غرفاً كبيرة (6أمتار×7م) على سبيل المثال. نادراً ما تتعرض هذه المغارات الشديدة المقاومة لخطر الإنهيار. الباحة تكون محاطة بحائط من الحجارة الجافة. وقد نجد مسكناً مغموراً بالكامل تحت أنقاض إنهيار ضخم كتلك التي بأعلى الربوة حيث ينتصب القصر القديم لتيركت (الحوامد) الذي صار عبارة عن حطام. (1/252)
صفحة 253
تضم المساكن الكهفية ذات المخطط الأفقي غرفتين إلى أربع. واحدة أو اثنتان تصلحان للسكن. الأولى للنساء والمطبخ والثانية للرجال والأغراب تغلقان بباب واطئ وتبقى حجرة أو حجرتان بلا باب، وتستعمل كمرآب أو إصطبل. عادة ما تمطط الغرف المسكونة بمغارات ثانوية مرتفعة السطح نسبياً حيث يخلد الساكن إلى الراحة أو يستسلم للنوم، يتعلق الأمر بمخدع للمنام. الدولاب يكون عبارة عن حفر بالجدار الترابي أو الصخري. أما العيدان المركوزة في الحيطان أو المتدلية من القبة فتعلق فيها أغراض شتى كتلك التي عددناها فوق. من الوارد أن نجد مخزناً أرضياً بباب صغير في عمق المغارة، يتعلق الأمر بغرفة من نوع خاص عيبها افتقادها للتهوية. (1/253)
صفحة 254
النمط الغائر بباحة أصغر : (الرسم 15 و16 والصورة 31) نالوت الجديدة هي عبارة عن مغارات يمكن تسميتها بالنمط الغائر بباحة أصغر. كما يمكن إعطاءها تسمية محلية تصنفها كنمط نالوت أو نموذج نالوت ولو أننا نجدها في أمكنة أخرى. إذا كانت الأرض أفقية نسبياً فمن الضروري الغوص أعمق في أغوارها. لكن بما أن المطماطيين وسكان غريان قد أبدعوا أو تبنوا نمطاً متوسط الإتقان فإن أهل نالوت ونفوسيين آخرين يقومون بعملية الحفر في ظروف مزرية جداً. يحفرون رواقاً نازلاً مفتوحاً على السماء ويكون واسعاً اتجاه الأسفل. وهذا الجزء الواسع الذي يستعمل كباحة قد يكون مدفوناً تحت سطح الأرض. لذلك فإن الغرفتين أو الغرف الأربع المفتوحة عليه تكون شديدة العتمة وقليلة التهوية. في نالوت الجديدة حيث المساكن الكهفية محفورة في المجاري الصلصالية المتفاوتة في نسبة المقاومة نجد دكة صلبة تصلح دائماً كسقف للمغارات وأخرى تخبئ أحياناً نصف الرواق النازل وعموم الباحة ولاتسمح بتسرب الهواء إلا من مدخل ضيق. عادة ما يتسرب بعض الهواء والضوء من فتحة مخصصة لذلك في سقف الباحة(1). نتصور أن العدد الهائل من مثل هذه المساكن سيكون العيش بداخلها مزرياً جداً سيما بالنسبة للنساء اللائي لايغادرن المغارات أو الباحة المغمور نصفها تحت الأرض في حالة سقوط أمطار غزيرة تتحول الباحة إلى بالوعة مروعة إذ يستحيل إفراغها من المياه. قلما يقيم القاطنون في الباحة الخارجية المحاطة بجدار يبنى في نالوت بواسطة قلعة ترابية يسندها حائطان من الحجارة المكومة، أما الحجارة نفسها والتراب فآتية من عمليات حفر المغارات.
وما يزيد من قذارة هكذا مساكن هو ولوج بعض البهائم إليها كالحمير والخيول والأبقار. ولحسن الحظ أن الإبل والماشية الصغيرة تلزم الباحة الخارجية.
__________
(1) - تذكرنا هذه الفتحة بـ : "تازنوت" بالبيوت في وسط المغرب كما وصفها [لاووست] ص131 و 135. (1/254)
صفحة 255
النمط الغائر بباحة كبيرة : (الرسم 17) هذه البيوتات البئيسة والمزرية هي على النقيض تماما من نمط غريان أو النمط الغائر بباحة كبيرة المسماة عند المطماطيين غار. يرتبط هذا النمط بكثافة تربة الحمري أو الطين الوافرة في مطماطة وغريان.
هاكم الطريقة التي تحفر بها هذه المساكن في الأرض. نبدأ بإفراغ بئر كبير مربعة وبعمق 5 إلى 6 أمتار من الجنب حتى اختراق الصفاح الكلسي الذي سيتحول إلى سقف إجمالي، بمعنى أن أعمال الحفر تصل إلى حوالي مترين تحت الأرض. بعد ذلك، تهيأ ردهة جوفية طويلة تصلح كممر يؤدي إلى الدخول. وعلى امتداد جدران الباحة المربعة الكبيرة نحفر ما طاب لنا من المغارات وتكون على العموم وافرة نظراً لسعة المكان. بداخلها، نجد ست إلى ثماني غرف للإقامة، وإصطبل ومرآب يوضع به التبن والمحراث وأدوات أخرى. فوق الغرف المأهولة ، يحفر في كتلة التراب مخزنان أو ثلاثة ترتبط بسطح الأرض من خلال ثقب ضيق وفيه تفرغ الحبوب بشكل مباشر وفي الوقت نفسه تتسرب مقادير من الهواء.
هذا النمط من المساكن الكهفية ليس مزرياً نظراً للحجم الكبير نسبياً للباحة، وللفاصل البين بين البهائم والبشر. بل إن إبل غريان تعودت الإقامة في الردهات الضيقة المظلمة والملتوية النازلة باتجاه فناء البيت. في الوسط، تقع العين على بئر لاستقبال المياه. هذه المساكن مريحة إلى حد كبير غير أن عملية الحفر التي تتطلبها مكلفة نسبياً بالنظر إلى المكعب الهائل من التراب الذي يجب سحبه. (1/255)
صفحة 256
هذا النمط الغائر بباحة كبيرة غير شائع بكثرة في جبل نفوسة. نصادفه في عدة بلدات في الجزء الشرقي وبخاصة في الرجبان والزنتان. الظاهر أنه تم بنيه حديثاً علماً بأنه من غير المستبعد أن تقع أعيننا على عينات قديمة منه(1). المؤكد أنه مُفضَّل على غيره في الأمكنة المعروف فيها. غير أن عملية حفر هذه المساكن لاتخلو من بعض المصاعب، لأننا لانصادف دائماً تربة حمراء طميية كتلك الموجودة في مطماطة وغريان. فالأرض المرملة جداً، وغياب الصفائح الكلسية زد على ذلك مقر الساكنة دفعت إلى تكييف نمط غريان مع الخصوصية المحلية.
هنا، تكون النماذج أصغر : فالباحة أقل شساعةً وعمقاً والمغارات أصغر عرضاً. ثمة تخوف من المهيلات والناس لا يتوفرون على ما يكفي من المال، غير أن هشاشة الأرض تتطلب أحياناً أعمالاً باهضة لأجل تقوية وإسناد جدران فناء البيت، دعامات قوية لها شكل أعمدة أو حيطان تحمل أغصان زيتون صلبة تمتد أفقياً فوق المستوى الأعلى للأبواب. تسند هذه الأغصان وتكسية من الحجارة الجافة الصاعدة حتى مستوى الأرضية الخارجية. الباحة محصنة على غرار ما يصنع بالآبار. تنبغي الإشارة هنا إلى أن بناء هذا النوع من المساكن مستحيل تماماً في جبل نفوسة حيث الهضبة فقيرة من حيث نسبة الطمي. وحيث هذا الأخير نفسه مرمل كثيراً. فبينما تتأقلم أنماط المساكن الكهفية الأخرى بسهولة مع أنواع الأرضيات الأخرى فإن نمط غريان يعتمد كثيراً على طبيعة الأرض. ممكن نظرياً تطبيقه في الطوروني الأعلى، لكن أي مبلغ مالي لن يكفي لكسر الدكات الصخرية الشديدة الصلابة.
__________
(1) - النص الذي ترجمه [موتيلنسكي] ص82 يصف طريقة حفر هذه المساكن الكاهفة عند أولاد دويب. (1/256)
صفحة 257
عرفنا حتى الآن أنماطاً من المساكن الجوفية متباينة بما فيه الكفاية. إثنان أفقيان والآخران غائران. الحق أن الأول مؤقت. غير أننا لا نملك إلا أن نندهش في الآن نفسه أمام تشابه كل هذه المساكن الجوفية وعلاقتها الوثيقة بتصميم المنازل. يتعلق الأمر دائما بحجرات مفتوحة على باحة ضيقة نسبياً، الغرف لا تتواصل مع بعضها بل تنفتح فقط على الباحة من خلال باب، وأخيراً نجد أن الحياة العائلية بداخلها محجوبة عن أنظار العابرين. أما الأثاث فهو عينه بكل منزل إذا صح الحديث فعلاً عن أثاث: حصائر من حلفاء، أفرشة صوفية أو من زغب الإبل، صندوق أو صندوقان للخزن، طاحونة الحبوب الصغيرة. وباختصار كل الأغراض التي يمكن نقلها من البيت إلى المغارة إلى الخيمة والعكس. ومع ذلك، فحفر مغارة أسهل وأقل كلفة من بناء جرة وغالباً ما تحتوي المساكن الكهفية على ملحقة هي عبارة عن غرفة مهملة يودع بها التبن ولا نجدها بالمنازل.
التكاثر الحالي للمساكن الكهفية : من الصعب بمكان إعطاء تفسير لظاهرة تخلي سكان معظم البلدات في جبل نفوسة عن منازلهم اليوم والتوجه للإقامة بالمغارات. يتعلق الأمر بتطور عام وسريع في ذات الوقت. لاحظنا ذلك في نالوت(1) وفي معظم البلدات. ففي الوقت الذي تتداعى فيه أغلب المنازل التي تخلى عنها سكانها نعاين بكل اندهاش عملاً مبذولاً على قدم وساق تحت سطح الأرض تشهد عليه على مستوى السطح هذه النتوءات الصغيرة من التربة الندية. يعاود مشهد تغيرات نالوت للظهور بكل مكان وإن بشكل أكثر تواضعاً. وهكذا تطور معاكس تماماً عن الذي لاحظناه منذ سنوات طويلة في منطقة مطماطة.
__________
(1) - يراجع : [بگوينوت]، ص236. (1/257)
صفحة 258
الأشياء الغير مناسبة في المغارة بديهية تماماً. لن نتحدث عن المهيلات الأقل حدوثاً فيها مقارنة مع المنازل. فغياب الضوء والهواء يخلقان جواً خانقاً إلى الحد الذي يستحيل فيه أحياناً استنشاق دخان "الكانون". زد على ذلك أن الحشرات وخاصة القمل تنتشر بكل مكان داخلها. صحيح أن هكذا سلبيات، والتي تبدو لنا معتبرة عندما نضطر لقبول ضيافة أهلها، قليلة جداً بالنسبة لهؤلاء. مع ذلك، تجدهم يفضلون المغارات على المنازل. فهي باردة في الصيف ودافئة في الشتاء ولا تصلها البثة مياه المطر، كلها بالنسبة لهم إيجابيات حقيقي. لكن، هناك سبب أساسي وراء هذا التفضيل يجمع عليه الكل ويضعونه في المقدمة وهو أن تكلفة المغارة تقل عن تكلفة البيت. والحال أن الساكنة شديدة الفقر وزاد من فقرها حالياً سنوات عديدة من الفوضى.
لبناء منزل، نجد الحجارة في كل مكان، أما الخشب فيجب شراؤه، وكذلك الجير والجبص، فضلاً عن أجور العمال. عموماً يتطلب الأمر ما بين 500 إلى 1000 ليرة والمال نادر جداً هنا. بالمقابل، كل فرد مزود بفأس قادر على حفر مغارة وإعطائها الشكل الذي يراه، وحتى توسيعها إذا خامرته الفكرة بعدئذ. ويضيف البعض قائلاً: المغارة لا تنهار ولا تحترق، فقد أقمنا بمغارات هجرت لقرون اكتفينا بكنس مدخلها. بالمقابل، أنظروا إلى المنازل التي بناها أجدادنا، فقد خربها "العرب" إبان الانتفاضة الأخيرة". غير أن هؤلاء لا يضيفون بأن المستقبل لا زال غير مضمون وأنهم يعيشون تحت كابوس عودة مثل تلك الأحداث بين الفينة والأخرى، وأن الإيطاليين تخلوا مرة عن الجبل وأن المستقبل بيد الله. (1/258)
صفحة 259
إفترض أحدهم بأن المساكن الكهفية تستجيب لحاجات دفاعية. هكذا يقول [م. أوغست برنارد] : "الغاية الأساسية لمثل هذه البيوتات الجوفية هو درء المخاطر الخارجية الآتية من الرحل والفرسان"(1). بطبيعة الحال، فالردهات النازلة ليست للفرسان. لكنني لا أعتقد بأن هكذا تفسير ينطبق على الأقل على جبل نفوسة. تتجمع المنازل حول "القصور" وتعلق البلدات فوق المرتفعات في زمن مضى لضرورات دفاعية تتمثل في الوقوف وقفة رجل واحد في وجه الغازي. أما اليوم فتحفر المغارات في عز السلم وتتكاثر خلف البلدات القديمة أي خلف النتوءات الصخرية. فالعائلات لا تتفرق ولا تنعزل في جحورها إلا إذا كانت في مأمن من أعمال السلب والنهب. يفسر الأهالي مغادرتهم لمنازلهم بالتغيرات الحادثة على الوضع العام للبلد. إذ لم يعودوا بحاجة للإقامة فيها لأنهم غير مدعوين لرد أي عدوان خارجي غادر. والتخلي عن البيت معناه أيضاً التخلي عن المخزن المبني، وهو أمر لا يخلو من سلبيات. ما يدفع الناس إلى حفر المطمورات على الأرض؟ يتعلق الأمر بنظام شائع بشمال إفريقيا وموغل في القدم. وميزته الحفاظ على الحبوب سيما إذا طليت جدران المطمورة بطبقة من التبن السميك. تجدر الإشارة إلى أنّ تكاثر المغارات السائر اليوم على قدم وساق قد بدأ، على الأرجح، قبيل الغزوة الإيطالية الأولى. فقد كان الأهالي يتكالبون على حفر المغارات حتى عمت عمليات الحفر كل المرتفعات، حيث تجد في أغوارها العديد من المساكن الضاربة في القدم. الظاهر أنه تم التخلي عن هذا النموذج السكني، والذي كان شائعاً بالجبل لعدة قرون عمت فيها القلاقل والإضطرابات، وتجمع فيها السكن في منازل ضيقة محيطة بالقصر دفاعاً عن أنفسهم، واليوم تراهم يعودون إلى نموذج عريق وعتيق من المساكن. ليس معنى بطبيعة الحال أن هذا النموذج نادر أو يخص منطقة دون أخرى فمن المؤكد أنه تقاسم دائماً الجبل مع رديفه التي هي
__________
(1) - يراجع : [برنارد] ص55. (1/259)
صفحة 260
المنازل.
أصل المساكن الكهفية : لا مناص من طرح مسألة أصل المساكن الكهفية، لا يجب إغفال الشروط الجغرافية ذلك أن سطحية الأراضي ومعظم أراضي الجبل مهيأة أصلا لحفر المغارات عليها. كما أن المناخ يفسر بدوره إلى حد ما اختيار هذا النمط السكني الأصيل، فالإيجابيات "المناخية" للمغارات هي موضع إجماع، لكن من جهة أخرى قلما نستطيع العيش تحت الأرض في بلاد رطبة حيث يرشح الماء من كل مكان. غير أن هذه الظروف المناخية بالإضافة إلى الشروط الجيولوجية توجد في العديد من البلدان. وهذا ما يجعلنا نعتقد أن ثمة أيضاً أسباباً بشرية وراء هذه المساكن والتي لا نلتفت إليها للأسف. ولاشك أن هذه الأسباب ذات طابع محلي. فحتى إن صادفنا عينة من المساكن الكهفية في تونس في منطقة مكتار والكاف وبجاية بالجزائر بالقرب من تلمسان والسلسلة الجبلية للأوراس فإن شيوعها على نطاق واسع محصور في القوس الدائري المتمثل في مرتفعات دمر، نفوسة وغريان. يتعلق الأمر بكل تأكيد بنموذج معماري أمازيغي قح موغل في القدم ذي صبغة محلية أكثر من المخازن الحصينة. (1/260)
صفحة 261
مما لا شك فيه أن المساكن الكهفية ضاربة في القدم فالراجح أنها من بقايا عرف يعود إلى ما قبل التاريخ. لا زلنا نجهل كل شيء عن أعمار حجارة جبل نفوسة. غير أن هناك عدداً لابأس به من المغارات المحفورة في الجدران الكلسية الطولية في نالوت. من الوارد جداً أن نجد فيها صناعات صخرية، وقد استعملت هذه المغارات في زمن مضى كمخازن. ومع الجفاف الذي طال الحالة المناخية فقد عمد السكان إلى حفر بيوتهم على أراضي أقل صلابة، وبعضهم تعود على العيش في المغارات. نحن هنا أمام فرضية خالصة. غير أنه منذ القرن الخامس قبل الميلاد، كانت المساكن الكهفية الأثيوبية، على الضفة الأخرى للصحراء، تؤثث مرتفعات تيبستي. معنى ذلك أن توسع هكذا مساكن نتاج لواقعة عامة وعريقة في البلدان الصحراوية أو المحيطة بالصحراء(1). في هذا المنحى دائماً، يمكن استحضار كون المساكن الجوفية من النمط الغرياني الحديثة العهد نسبياً محفورة على العموم حتى اليوم بفضل سواعد عمال قادمين من فزان. وهو ما يثير الاستغراب فعلاً، لأن هذا النمط من المغارات غير معروف في فزان نفسها، غير أن تواجد هذه المساكن الكهفية في المنطقة هي من الأمور التي أكدها نص لـ [سينيكا Sénèque] وقد فسرها بالرغبة في بناء مآوي تقي الساكنة من مغبة الحرارة المرتفعة(2).
__________
(1) - يراجع : [جزال]، ص152-153.
(2) - يراجع : [سينيكا] ص17، وذكره [جزال] ص214. (1/261)
صفحة 262
بالإمكان كذلك تشبيه طريقة توزيع المخازن المحصنة بالمساكن الكهفية إذ يتلاقى الصنفان جيداً في غرب تونس، ولو أن المخازن إياها نجدها أيضاً في الجفارة، بل هي شائعة حتى بالجبال المغربية، حيث لا أثر فيها يظهر لمساكن جوفية. فهل ثمة علاقة بين النموذجين في البناء؟ أشرت أعلاه إلى الأسباب التي تجعلني لاأتفق مع العلاقة التي يربطها [برنارد] بين المغارة و"الغرفة". لكن المؤكد أن التساكن والتعايش العريق في هذا الصقع من بلاد الأمازيغ بين نموذجين معماريين بذات القدر من الأصالة ليس محض صدفة .
4- أشكال الإنتقال من المنزل إلى المسكن الكهفي
في حكم المؤكد أن تجاور المنازل والمغارات هي من الأمور العريقة بجبل نفوسة. إذ نجدها معاً في البلدات التي باتت مجرد أطلال حتى الأكثر قدماً من بينها. وتفضيل هذا النموذج السكني على الآخر شهد تغيرات عبر القرون، لا شك أن عنصر اللاأمن وازنٌ في هذه التغيرات. ومن المتعذر ربط هذا التفضيل بتباينات عرقية.
وقد ترتب عن هذا التعايش الألفي إحداث أشكال انتقالية عديدة بين المنزل والمسكن الكهفي. ففي مواجهة خليط من المباني والمغارات نتردد في إعطاء هذه الصفة أو تلك، ذلك أن لكل شكل قيمته الخاصة ضمن المشهد السكني العام. في البادية، يلفت انتباهنا شكل أساسي ضمن هذه الأشكال، يتعلق الأمر بكوخ من حجارة، أو إن شئت خص ملتصق بجدار ترابي محفور في الأرض إلى حد ما. قد تقع أعيننا على عدة نماذج منه سواء فوق عين غزاية أو بالقرب من أشجار التين حيث يقيم الحراس الذين يحرسون الأشجار في بداية نضج ثمارها. (1/262)
صفحة 263
وبطبيعة الحال نجد أنفسنا أمام أشكال معقدة بصفة خاصة، أما تنوع نماذجها فسببه اختلاف الوظيفة التي يقوم بها كل نموذج على حدة. عادة ما تبنى المنازل فوق المغارات، وتقتصر المغارات على جوف الأرض، وينحصر دورها في مرأب أو إصطبل. حجرتان إلى ثلاث تبنى فوق، والباحة المركزية إما أن تكون في مستوى المغارات نفسها أو في مستوى سطح الأرض. يتعلق الأمر بشكل ضارب في القدم كان مرشحاً لا محالة للانتشار أو التكاثر إذا انطلقنا من شكل العديد من البلدات المتداعية، نجد ضمنها مغارات صمدت في وجه الدمار والخراب في الوقت الذي لم يتبق من البنايات القديمة سوى أكوام مكومة من الحجارة والحصي. وقد أعيد بناء بعض التجمعات السكنية كمزغورا وتاريديا على موقع البلدات القديمة نفسها. حينما قدم الوافدون الجدد وجدوا المغارات العريقة غير ممسوسة بسوء فكنسوها ورتبوها وبنوا عليها حجرة أو حجرتين للسكن. وبما أن المغارات حفرت تحت صفاح كلسي سطحي فإن هذا البناء الفوقي تم دونما صعوبة وعند الضرورة تتم تقوية الطابق الجوفي بعمود أو عدة أعمدة.
عادة ما نجد ترابطاً جانبياً بين المغارات والغرف المبنية المحيطة بالباحة المركزية للبيت. تكون المغارات عموماً عبارة عن ملحقات: إصطبلات، مرائب، مطبخ. وأحياناً يكون العكس، فنجد المغارات مرتبة جيداً، وتبنى مآوي بسيطة للبهائم وأحياناً حجرة صغيرة في فناء البيت نفسه. وفي هذه الحالة، نجد أنفسنا أمام سطيحة ترابية عادية مسنودة بأعمدة من حجارة وروافد من شجر النخيل أو الزيتون. والعديد من المساكن في البلدات الأشد فقراً بنيت من خلال تجاوز حجرة أو حجرتين ذات سطيحة وأعمدة مسنودة إلى التراب وممدة بمغارة أو مغارتين، بالإمكان تخيل التوليفات الأكثر تنوعاً والتي يمكن رؤيتها جميعهاً. (1/263)
صفحة 264
النوع الثاني وهو شائع أيضاً هو المسكن الكهفي الذي تلتصق به حجرة مبنية تعلوها "غرفة" مقببة باتت ضرورية لكل من أراد أن يعوض قصره المُخرب، بمكان يخزن فيه مؤونته.
البعض عاقد العزم على بناء حجرة مستطيلة تعلوها غرفة في الباحة نفسها، والبعض الآخر يعملون من أجل تقليص النفقات فيبنون المخزن فوق حجرة ذات طابع مختلط. بناء جيد من جانب، ومن الجانب الآخر يلصق بالتراب أو الصخر، ويسند بحائط أو فقط بأعمدة. غير أن المخزن هنا مقبب دائماً، ويبنى جيداً، ذلك أن محل المؤونة يتطلب عناية أكبر من المحل الذي تقطنه العائلة.
أخيراً، من الوارد أن نجد بيوتاً قديمة في حالة مزرية وفي عقرها حفرت. حديثاً مغارات وبيوتاً أخرى تنتمي إلى زمن مضى، عبارة عن حجرات متراكبة مبنية ومغارات هجر جزءها الأعلى المتداعي بالكامل.
نخلص إلى القول بأن الأشكال الانتقالية المقصودة هنا شديدة التنوع، يتحقق التطور من المغارة إلى البيت ومن البيت إلى المغارة، وعادة ما يتوقف التطور على الطريق سواء بطريقة إرادية أو لا شعورية، فنراوح بذلك النمط المختلط. لكن عموماً، تميل الساكنة إلى هجر البيت المبني باستثناء "الغرفة" فوق الحجرة التي تستجيب لحاجيات وظروف خاصة. إن الحركة التي تدفع حالياً ساكنة الجبل إلى هجر بيوتاتها في اتجاه المغارات، تتواجد مجدداً في هذه الأشكال الانتقالية وللاسباب والدواعي نفسها.
5 – الخيام والأكواخ
يضاف إلى مختلف نماذج البيوت والمساكن الكهفية وإلى الأنماط المختلطة الجامعة بين البيت والمغارة الخيمة (بيت الشعر بالعربية المحلية وبرگن بالأمازيغية) التي لا تعدو أن تكون سكناً مؤقتا بالنسبة لأهل جبل نفوسة. فالقواليش وخاصة آل الزنتان المتواجدين بالقبلة والذين يعيشون طيلة العام تحت الخيام هم أصلاً على هامش الجبل. لا يوجد فرق بين خيام هؤلاء وخيام القرويين المجاورين الذين يستعملونها لبضعة أشهر. (1/264)
صفحة 265
لا يمكن التمييز بين الخيام التي نجدها في كل مكان تقريباً في فصل الربيع سواء في الجفارة وبصفة خاصة في الظهر وخيام البدو التي نصادفها في إقليم طرابلس أو في تونس والتي جلبها العرب إلى هذه الأمكنة (الصورة 23). وسأسارع إلى القيام بوصف دقيق لها وسأترك بعض الخصائص الصغيرة المميزة لبعضها والتي ليست ذات أهمية بالنسبة لنا، يتعلق الأمر على غرار ما هو حاصل بأمكنة أخرى، بخيمة مصنوعة من زغب الماعز والإبل، علما بأن الزغب الأسود للماعز أكثر استعمالاً من الزغب البني إلى حد ما للإبل. ويكون اللون الإجمالي للخيمة داكناً. أما الأشرطة الضيقة المسماة "فليج" المنسوجة من قبل النساء فطولها يتوقف على عرض الخيمة. تخاط هذه الشرائط مع بعضها البعض خياطة متينة. ترفع أوتاد مركوزة في الأرض ومرفوعة في شكل × وسط الخيمة بينما ترفع عصي أقل ارتفاعاً جوانبها حتى لاترتطم بالأرض. الكتان معلّق من حبال مشدودة بقوة إلى أوتاد. وأحياناً نجد غطاءً مثبتاً على امتداد الأوتاد الكبيرة للوسط وهو يقسم الخيامة إلى نصفين متساويين.
الخيمة المنتشرة هنا متوسطة الأبعاد. يتعين التوجه إلى القبلة عند آل الزنتان بالجنوب للوقوف على خيام كبيرة، وخاصة بالزرابي في ملكية هؤلاء الرحل الأثرياء. عند هؤلاء، لا وجود لمثل هذه الخيام الصغيرة والمرقعة المنتشرة في أماكن أخرى. لا يملك المعدمون ماشية ويسكنون مغارات بدائية. عرض خيمة جبل نفوسة يتراوح ما بين ثلاثة إلى ستة أمتار. إذا كانت الأسرة ميسورة، وكثيرة الأنفس تحمل معها خمس إلى ست خيام ولن تثقل كاهلها أبدا خيمة فسيحة ثقيلة وصعبة الحمل. إن الخيمة الكبيرة باهضة الثمن والنموذج السكني الذي تجسده ليس أبداً بالنسبة لقرويي الجبل ثانوياً أو من قبيل الكماليات. (1/265)
صفحة 266
لسوء الحظ، ترتفع الحرارة داخل الخيمة أثناء الصيف، زد على ذلك أن لونها الداكن يحتفظ بحرارة الشمس. يقيم سكان الجبل في منازلهم أو بالمغارات ابتداءاً من يوليو. وحدهم القواليش – حتى لا نتحدث عن آل زنتان القبلة البعيدين عن منطقتنا – لا يمتلكون سكناً قاراً. ومع ذلك، تراهم في الصيف يحزمون خيامهم ويتجهون إلى الأكواخ البسيطة التي يبنونها بسرعة فائقة. أكواخ قوامها أغصان وأوتاد وسقف من قصب أو حلفاء يغطي كل شيء. في جانبي أو ثلاثة جوانب الكوخ تهيأ جدران من ظفائر التبن. وتحد أغصان العناب وأكوام من حجارة فضاء ضيقاً هو عبارة عن باحة. عموماً، يتعلق الأمر بأكواخ خفيفة يعاد "بناؤها" كل سنة وحيث الهواء يسري جيداً. يفعل جيران القواليش الذين هم آل السبع الشيء نفسه عند قدوم موسم الحرارة الخانقة. لا يمكن أن تكون "الزريبة" – وهو الإسم المحلي لهذه الأكواخ – إلا من صنيع أناس لا يتنقلون في الصيف، وهو ما ينطبق على معظم أفخاذ هاتين القبيلتين التي تلازم شجيرات التين في يوليو – أغسطس وتلازم بهائمهم النقاط المائية المتاخمة لها. قد تكون "الزريبة" أول مؤشر على التخلي القادم عن الخيمة من قبل البدو الذين باتوا أكثر استقراراً.
إن التغير في المساكن متأخر عن التطور الحاصل في نمط العيش، كما تأخرت أشياء أخرى عند هؤلاء. لاشك أن هذا النمط من الأكواخ المصنوعة من الخشب وظفائر نباتية هو من بقايا مساكن قابلة للحمل والنقل، وقد أدرجها عدد من المؤلفين القدامى تحت اسم [ماباليا Mabalia](1). لكن بناء هذه الأكواخ هو، على الأقل هنا، مؤشراً على الثبات وإرادة الاستقرار.
6- المساجد والمنشآت الدفاعية
__________
(1) - يراجع : [جزال]، ص217 و 218. (1/266)
صفحة 267
البلدات هي عبارة عن تجمعات تضم منازلاً أو منازلا ومغارات وقلة من المساكن الكهفية وتنعدم فيها الخيام. غير أن ثمة بنايات أخرى تكمل المشهد وتعطي للبلدة مظهرها الخاص. كل البلدات تقريباً يعلوها قصر بغرفة وفيها مسجد سيحظى بعناية دينية خاصة. فالكثير من المساجد بالبلدات المتداعية لا زالت تحظى بالعناية، وبالخصوص في البلاد الأمازيغية، والبعض منها تحول إلى مزارات. نشر [باسي] لائحة بأسماء اضرحة نفوسة تعود إلى القرن السادس عشر تلعب دور المرشد للحجيج الإباضيين، ولا زال بعض الإباضيين حتى يومنا هذا يتمنون زيارة ما تبقى من البقاع المقدسة في الجبل العزيز على نفوسهم.
يعود أمر دراسة هذه المساجد الريفية إلى علماء الآثار والحفريات التي كان بعضها كنائس مسيحية قديمة والتي ستكون للعناصر المؤثتة لها هندسية أم رمزية أهمية مؤكدة. الظاهر أنه تم دائماً بناء المساجد بطريقة صلبة من خلال تواتر استعمال القبة والحيطان المسنودة بدعامات هي عبارة عن أقواس. تكون المساجد دائماً صغيرة وواطئة، مربعة أو مستطيلة الشكل، ومقسمة إلى تسعة أجنحة. كل جناح تغطيه قبة وعمودان يرفعان الجزء الأوسط. أحياناً، نجد خمسة أجنحة كما هو الشأن في أطلال مسجد بومعروف أو نالوت العريقة. في مسجد مركز الزنتان يتعلق الأمر بستة أجنحة. أما المحراب وهي عبارة عن الجزء المقوى من الجدار فيشير إلى اتجاه القبلة وبالتالي يتجه بالمسجد كله وجهة الشرق، غير أن المساجد الإباضية تتجه وجهة الجنوب – الشرقي. ليس لأي مسجد من هذه المساجد مئذنة أو صومعة. (1/267)
صفحة 268
قد نصادف أيضاً مساجد كهفية كما هو حال مع مسجد تاملوشايت الذي عمره يناهز 1200 سنة، ومساجد أخرى مهجورة اليوم، وبلا عمر محدد، مثل: مسجد لقصير قرب زعرارة بإيفاطمن وهي بلدة كبيرة تقع بين وادي برساف وأم الگرب، ومسجد بورغوا عند مصب الوادي الحامل لنفس الاسم قرب كاباو، والذي تعلوه صومعة مبنية بحجارة حديثة نسبياً. أما في تينزغت، فلا زالت الصلوات تقام في مسجدكهفي موغل، على ما يبدو، في القدم.
يرمز المسجد والقصر المتجاوران في العادة إلى قلب القرية، ومآثرهما هي وحدها التي تهم الجماعة من بين الأطلال المتراكمة، وقد يضاف إليهما أحياناً برج دفاعي منتصب إما فوق القصر نفسه أو وسط البلدة، ويتراوح عددها بين اثنين إلى ثلاثة أبراج. لا يتجاوز طول أسوار البرج عشرة أمتار تنطلق من قاعدة مربعة لترتفع في اتجاه الأعلى. سطيحة صغيرة وتحتها ثلة من المرامي، وأنواع من المقاذف الصغيرة والمتواضعة تصلح لقذف الأحجار أو لأي رمي في مأمن (الرسم 11). تذكرنا هذه الأبراج بالتجمعات السكنية الصحراوية، فهي من صنيع ثلة من الأثرياء الحريصين على أن تكون مؤونتهم في مأمن والعثور على مأوى وطيد في حالة الخطر المحدق بعائلاتهم وجيرانهم. فالابراج شاهدة على حالة اللاأمن التي كانت القاعدة في حياة أهل الجبل. تنتصب أبراج أخرى في الجبل تصلح لحراسة المحاصيل الزراعية وإطلاق النذير بقرب العدو (بخاصة آل ورغامة الأعداء والخصوم الشرسون) من خلال إشعال النار. كما أحصيت أبراج أخرى بالقرب من جادو. نشير إلى أن هذه الأبراج والقصور هي المنشآت الدفاعية الوحيدة على مستوى الجبل، تضاف إليها حيطان تتناثر أطلالها في كل مكان بالجبل، والتي استعملت في عهود قديمة نسبياً للدود عن جزء من التراب؟ القرى لاتُحَصَّن، ذلك أن موقعها وتكدس البيوتات فيها وتداخلها كفيلان بالدفاع عنها ضد كل متربص. تعتبر بلدة وازّن المهددة باستمرار من قبل آل ورغامة البلدة الوحيدة التي (1/268)
صفحة 269
لجأت إلى هذا الأسلوب من الحماية. فعلى جانب النتوء الصخري أحاطت نفسها بقلعة سميكة مبنية بالحجر الضخم توقعاً لأي عدوان.
فسواء تعلق الأمر بالمساكن بمعناها الخالص وبالمآثر التي تحظى بعناية خاصة من قبل جماعة القرويين أو بالمخازن الحصينة أو حتى بالأبراج والجوامع يلفت انتباهنا دائماً عبر هذه الاشكال المعمارية الإلتزام بنفس طرق البناء وبنفس النماذج والصيغ. يتملكنا انطباع مفاده أن قرية اليوم بنيت بالعناصر ذاتها التي تشكلت منها قبل 1200 عام، والتي لا زال بإمكاننا دراسة أطلالها وأنقاضها. تبقى نقطة أساسية لا مجال لإغفالها وهي أن المساكن ونماذج البنيان لم يطلها إلا تغيير طفيف على الرغم من "تعريب" نصف الساكنة، وتوافد عناصر بشرية أخرى إلى الجبل. فالمساهمة الوحيدة للعرب في هذا الباب هي الخيمة ذات الأهمية الثانوية، العارضة والمؤقتة.
الفصل الثاني
السكن الحالي
السكن الحالي السائد بجبل نفوسة هو نتاج لشروط بشرية وتاريخية أكثر مما هو نتاج لأسباب طبيعية أو للإقتصاد الزراعي، فالموقع الجاثم والطابع التجمعي. للقرى هما بالأحرى لقرون وقرون من مقاومة هجمات الجيران الرحل. وكلاهما مرتبط أشد الارتباط بالجغرافية المحلية، خلافاً لما قد نظن للوهلة الأولى.
1- موقع القرى (1/269)
صفحة 270
مواقع دفاعية وأخرى غير دفاعية : في الجبل، لا يفسر الموقع الجاثم للقرى دائماً بعامل انعدام الأمان. لكن لا شك إطلاقاً في حقيقة هذا المعطى فيما يتعلق بجبل نفوسة. فعندما نرى تجمعات سكنية معلقة على منحدرات وعرة، أو على رأس الجبل الصخري الصعب الولوج على ارتفاع أربعين أو خمسين متراً من نقطة مائية، وعندما نرى المنازل تتزاحم وتتداخل حول "قصر" أو حول برج أو برجين فلا شك إطلاقا أننا إزاء قرى كانت تدافع عن نفسها اعتماداً على موقعها ضد أي خطر خارجي. لابد أن تكون هناك أسباباً جدية لقبول الإقامة معلقاً في أعالي الجبل والإضطرار إلى تسلق مسالك وعرة شبيهة بسلم، وحمل المياه من العيون أو الآبار باتجاه المرتفعات عندما تجف الصهاريج. فَقُرَويّو الجبل عانوا الأمرين منذ تسعة قرون في دفاعهم عن أنفسهم وممتلكاتهم ضد هجمات وغارات الرحل. ولقد ساعدتهم في ذلك الظروف الطبيعية المواتية التي يوفرها الجبل وبصفة خاصة تضاريسه.
فكل شيء يؤهل جبل نفوسة ليكون مثالاً للجبل الملاذ: وديانه العميقة، وتعرجات أوديته الصغيرة، ومنحدراته الوعرة، والتقطيع الحاذق لنتوءاته الصخرية. ولا يجب أن يغرب عن البال أنه إذا كان من الصعب تسلق المنحدرات الشمالية فمن السهل التسلل إليها من الخلف عبر الهضبة السهبية للظهر. هكذا نجد العديد من القرى قد شيدت فوق نتوءات صخرية تبعدها شدة الضيق نسبياً عن الهضبة. لكن واضح للعيان أن الخطر آت أساساً من السهل. فلن تجد قرية تسيطر عليه سيطرة مباشرة إلا إذا كان موقعه أصلاً صعب الولوج كما هو حال سهل طرميسا، فعندما نكون قادمين من الجفارة ونتسلق الأودية الرئيسية لا نجد أثرا لتجمع سكاني واحد. إذ تختفي كل التجمعات السكانية فوق الأودية الصغيرة الجانبية، كما لو أن الأمر يتعلق بالاحتماء من أي خطر خارجي يتهدد السهل، هذه الملاحظة تنطبق أساساً على الجزء الغربي من الجبل. (1/270)
صفحة 271
تقع ثلاثة أرباع القرى، خصوصاً جهة الغرب، على حافة الإكليلية نفسها المقطوعة من الهضبة بشكل خارق للعادة. أما ناحية يفرن وككلة فنجد أن الدكات الصخرية الصلصالية والكلسية المتناوبة هي القواعد أو الأسس التي تقوم عليها البلدات، وفي كل مكان بالمنطقة يحمل كلس نالوت نتوءاته الصخرية الثمينة التجمعات السكنية ويحميها أيضاً، نصف البلدات حوالي 60 بلدة تتشابك مع النتوء الكلسي لنالوت.
يكفي أن يُنَضَدّ شِعبُ بلاطة كلسية بموازاة جرف أو بميل نسبي عنه حتى نحصل على نتوء صخري وعر يكون موقعاً مثمناً جداً. والعديد من البلدات ترسو على موقع مماثل ومنها طمژين، الگنافيد، جمّاري، وأغلب بلدات الرجبان والبلدات الغربية للرياينة خصوصاً أولاد ريان تاگربوست، الشگارنة وغيرها كثير. وهناك بلدات يعزلها شِعبان. نالوت، جريجين (الصورة 32)، أولاد عطية في الرجبان وبگّالا في بلاد الحرابا، ونواة البلدة الضخمة للقلعة (الصورة 35)، شرق يفرن، كل هذه البلدات تحميها الهوة الطبيعية لوادي متعمق. اختارت بلدات أخرى ذروة ضيقة أو شعفة (رأس الجبل) مفصولة عن الهضبة حيث تجثم مخازنها الحصينة. أما منازلها فنجدها ملتصقة قدر الإمكان بالنتوء الصخري الذي لا تخف حدته إلا مع بداية الكلس الأعلى السينوماني. المغارات محفورة على الدكة الصلصالية الحثية تحت كلس نالوت وبعضها الآخر يتغلغل في أعماق مهيلات ضخمة. يتمخض عن ذلك في وازّن وتيركت (الحوامد) وفي فرسطا مشهد من أروع ما يكون. الجحيش (بككلة) تجثم على قمة كلسية تجسم فجاً ناتئاً، (الصورة 36). (1/271)
صفحة 272
القرى نادرة أسفل كلس نالوت، والمنحدرات قوية ومليئة بالمهيلات، في حين أن الأراضي ليست بالصلابة الكافية التي تسمح بأن تقام عليها مجموعة من المنازل. البلدات التي تمكنت من الإقامة على المنحدرات هي : المجابرة، بگيگلة وتملوشايت. تشبه المجابرة كثيراً (الصورة 34)، وازّن بمغاراتها ومنازلها المتراكبة كيفما اتفق. ونلاحظ تمكن السينوماني الأعلى بدكاته الحثيى – الكلسية من توفير سطيحات لنتوءات متفاوتة صالحة لتكون أرضية لتجمعات سكنية قريبة من ماء العيون كالشايب، وهي قرية فقيرة وصغيرة (الرحيبات)، وتموگت، واولاد براهمة (الرجبان)، وأهل العين (الرياينة)، والقرى المجاورة، كالقصور وأولاد عبد المولى بككلة تتواجد أسفل الجرف الكلسي الكبير.
لانجد بعد ذلك في اتجاه الأسفل إلا تجمعات سكنية تعد على رؤوس الاصابع وهي: أولاد عمور (الصورة 38)، تاكبال والمزايدة. وعلى سينوماني أودية ككلة، ئگناون (صورة 21)، أسفل جادو هي البلدة الوحيدة المتواجدة في عمق الوادي، أما الزرارة ودجّي فتجثمان على عارضة معزولة من الكلس السينوماني في أعلى الجوش وفي سفح نالوت يغطي قصر تكوت شعفة (راس الجبل) من الحث الفيدالي. (1/272)
صفحة 273
هذا النمط من القرى الملتصقة بالمواقع الأكثر نتوءاً غير معمم. ففي منطقتي يفرن وككلة حيث الطوروني الأعلى سميك جداً، نجد كيف أن القرى منتشرة على عموم الهضبة وبعضها لا زال يبحث عن موقع مرتفع وناتئاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، كما هو حال أولاد سعيد بككلة، والعلاونا التابعة للقلعة، أما القرى فتقنع بمرتفعات متواضعة، وأحياناً نتساءل إن كان عامل الخوف أو الرغبة في عدم عرقلة انسياب الأنهار المليئة بالتربة الخصبة هي التي دفعت بها إلى اختيار المكان وبخاصة حوالي يفرن. على كل حال، فالتجمعات السكنية الممتدة على طول الهضبة نفسها ليست بالأمر النادر وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر خربة الرحيبات ومزغورا وتارديا تضاف إليها قرى من مجموعة يفرن أوككلة.
تبقى الإشارة إلى أن طبيعة التضاريس تقدم لساكنة جبل نفوسة مجالاً واسعاً من الإختيارات بصدد المواقع التي يريدون أن يقيموا عليها بلداتهم بمنآى عن كل تربص أوتهديد.
القرب من مصادر المياه : غير أن هذا الهامش من الاختيار ضيق جداً بفعل ضرورة القرب من بئر أو عين قادرين على إعطاء المياه في السنوات الأكثر جفافاً، السنوات التي تكون فيها الصهاريج فارغة لشهور بكاملها حتى وإن كانت كثيرة. فقد تجد نتوءات صخرية من أجمل ما يكون مهيئة أصلاً لبناء قرية – ملاذ- عليها لكنها لم تستعمل لتلك الغاية بالنظر لبعدها عن مصادر المياه. (1/273)
صفحة 274
ومع ذلك، ففي هذا البلد الشديد الجفاف حيث يتحكم سلفاً موقع العيون والآبار في الأماكن الصالحة للبناء لا نجد إلا نقطة مائية واحدة في ئگناون الواقعة تحت عين. وذاك معطى غير مألوف إلى الحد الذي ورد في قولة مأثورة هنا ما يلي: "في كل مكان يذهب الناس للبحث عن الماء، أما أت ئگناون فالماء هو الذي يذهب عندهم"(1). فالانطلاق بحثاً عن الماء بات بديهياً وعكسه هو الذي يدهش. في كل مكان هنا نجد أن غريرة الدفاع والمنافحة غالبة على الميل إلى الدعة والسهولة والراحة(2).
في غياب قرب مباشر فإن مصادر المياه لا تبتعد أبدا عن القرى، بل إن العيون الكبرى كانت وراء قيام مجموعة من القرى، توجد خمسة تجمعات سكانية بما فيها القصر الضخم لجادو حول عين تموگت وثلاث قرى واحدة كبيرة متاخمة لعين الرياينة. أما عين الخلايفة فتربط بين أربع قرى صغيرة. ويمر واد الرومية أسفل خمس ضيعات صغيرة لها الاسم نفسه ثم يعبر الضيعات الثماني لأولاد عيطة.
ويمثل الماء مشكلة خطيرة جداً بالنسبة لعدد من القرى. فوازّن تسقي من آبار عميقة ومتردية، ومحبسها لا يمتلئ كل عام، والزيادة في عدد الصهاريج لن يفيد شيئاً في المجال الصحراوي عن آخره. وفي طمژين ناحية الشرق لا وجود إلا لصهاريج، وعندما تفرغ تشد الرحال إلى مناطق بعيدة بحثاً عن الماء. المشاكل نفسها نجدها في أم صوفار التي تعاني من قلة عدد المحابس. وعلى أهل طرميسا السفر مدة ساعة للوصول إلى عين صغيرة، أما كاباو فحاولت أن تتدارك خصاصها المائي بزيادة محبسين، وتكفي العيون الخمسة في نالوت بالكاد لإرواء ساكنة القرية و1000 من الرعاة ومواشيهم، أما بعض البساتين التي كانت تروى إلى عهد قريب بمياهها فقد ماتت اليوم نظراً للخصاص المائي.
__________
(1) - ذكره [موتيلينسكي] ص87. يقول المثل: "يودان ؤگّورن ئن أمن، د أت ئكناون د تاسون اسن ـد أمن".
(2) - لا أتحدث هنا عن الواحات الصغيرة للجوش وشكشوك الموجودة أصلاً في الجفارة. (1/274)
صفحة 275
في الشرق، مشكلة الماء أقل حدة ذلك أن العيون كثيرة والصهاريج لا تملأ بشكل منتظم، كما أن تواجد سديمة مائية في الطوروني الأعلى ساعد على تزايد أعداد الآبار.
إن مواقع القرى إذن هي التي يتحكم فيها كما قلنا عامل انعدام الأمن، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالشروط التضاريسية وجغرافية المياه بالمنطقة، والسؤال المطروح الآن هو: إلى أي حد تكيف هذه المواقع مع مقتضيات الاقتصاد الزراعي؟
الوقع والاقتصاد الزراعي : تقع كل القرى بالمجال الشجري في منتصف الطريق بين أراضي الجفارة والظهر وعلى مقربة من الأراضي المزروعة بالحبوب في السهل، معنى ذلك أن تموقعها منطقي ومعقول على العموم.
فماذا عن موقعها؟ بادئ ذي بدء ينبغي أن نتساءل والتساؤل معقول، ماذا كان سيكون موقعها العادي؟ والجواب بطبيعة الحال بالقرب من العيون والآبار أي بعيداً عن المواقع الحالية، ولكن على أماكن غير ملائمة في الأغلب الأعم إما لانحدارها أو لضيقها. لن يكون الموقع العادي إذن – إذا صح الحديث عن موقع كهذا – مشجعاً أكثر من الموقع الحالي بل إن عدداً من القرى متموقعة جيداً حيث هي الآن – إذا استثنينا بطبيعة الحال مشكلة الماء – لأنها تتواجد بالقرب من الأراضي المغروسة، أو المزروعة لسطح الجبل، وأراضي الأودية، وعلى أرض صلبة دفعة واحدة. ففي الغرب حيث مصلحة الملاك تتوزع بين أنهار الهضبة والأودية العميقة، وحيث اللاأمن يبلغ ذروته، نجد أن كل القرى تقع في الجرف الكلسي لنالوت. أما في الشرق الذي يفضل أهله تربة الحمري المتواجدة في الهضبة. أما في أحواز يفرن وككلة حيث الزراعة الجافة ممكنة على سطحيات الوديان فإن القرى نازلة. (1/275)
صفحة 276
معنى ذلك أن الموقع كالتموقع أكثر تكيفاً مما قد نتصوره للوهلة الأولى مع الاقتصاد الزراعي، والسبب غاية في البساطة وهو أن الاقتصاد الزراعي ناتج، في جزئه الأكبر على الأقل، من موقع وتموقع القرى. فقد كيف النفوسيون تدريجياً – وهم المحاصرون بالجبل، والمضطرون إلى العيش بأعداد كبيرة في قرى جاثمة خصوصاً جهة الغرب حيث المخاطر أشد – إمكانات البلد مع تواضعها لم يكونوا قادرين على تغييرها. وقد عانوا جراء ذلك لأن الكثير من القرى تأثرت بهذا الموقع الدفاعي فيما هو عليه تموقعها المنحرف.
الهضبة الخصبة لفساطو - الرجبان المكسوة بغابة جميلة من أشجار الزيتون والممتدة ببساتين جافة وأحياناً مزروعة بالشعير خالية تماماً من اية تجمعات سكنية، غير أن هذه تحاصرها في شكل تاج على النتوءات الكلسية. هناك قرى على ارتفاع يبلغ مئات الأمتار بل ويطال أحياناً الكيلومتر بعيداً عن أية قطعة أرض قابلة للزراعة. فطرميسا اليوم هجرها تقريباً كل سكانها، وجارتها شفي هاجرت منذ حوالي قرن، وتقع شفي الجديدة التي بناها سكان الاولى كيلومترين إلى الخلف في مجال تربة الحمري. وفي تخوم المساحة المزروعة باشجار الزيتون. أولاد ريان خاوية على عروشها منذ سنوات فقد هجرها سكانها 500 متر باتجاه الخلف طمعاً في العثور على أرض ملائمة لتحفر عليها مساكن كهفية، وحدها الضرورة هي التي تجبر الناس هنا على الإقامة في قرية جاثمة بعيداً عن القطع الصغيرة القابلة للزراعة بـ 500 إلى 1000 متر من الصحراء الصخرية.
2- القرى والضيعات
لأسباب أمنية ومائية مساكن جبل نفوسة مأهولة. غير أن نسبة الاكتظاظ أو الكثافة السكانية ليست دائماً نسبة كبيرة، ونصادف كل نماذج السكن فيه من القرية المأهولة جداً إلى مجموعة من الضيعات. (1/276)
صفحة 277
ابداً لن تقع عينك على تشتت حقيقي للسكان إلا في الحالة الخاصة للسكن المؤقت. فمجموعات الخيام الموجودة بكل مكان بالربيع في الظهر والجفارة شاهدة على تشتت مؤقت للساكنة على غرار المغارات أو مجموعة من المغارات الغير المأهولة إلا في موسم نضج فاكهة التين. لا ينبغي أن نمر مرور الكرام على هذه الحالات الخاصة لأن سكان عدد من القرى يعيشون ما يقارب نصف العام خارج قراهم ويقدمون بذلك شهادة حية على أن السكن المركز الدائم غير متكيف تماماً مع خصوصيات البلد.
يشار أيضاً إلى أن السكن يعتمد إلى حد ما على النماذج السكنية المتوفرة. فالتجمع السكاني المقيم في مغارات غائرة يظهر كما لو كان مشتتاً، في حين أن مجموعة من المنازل والمساكن الكهفية ذات التصميم الأفقي والمتراكبة تعطيك انطباع القرية بصفة أكثر. فنماذج البناء هي المسؤولة عن الفروقات الدقيقة بين التجمع السكني والتشتت من عدمه، ولا فائدة من الاستعانة بها كأداة أو كقاعدة لتصنيف القرى كما أن تصنيفاً ينطلق من الموقع الخارجي خالص ولا دلالة له.
بالمقابل، يمكن تعريف أنماط القرى تبعاً لدرجة أو نسبة الكثافة. فهذه الطريقة في التصنيف ستسمح لنا بتسليط الضوء على وقائع شديدة التعقيد وطرح بله ربما حل مشكلة أصل القرى.
القرى ذات البنية المنسجمة : الأكثر عدداً هي القرى ذات البنية المنسجمة، فكلها مأهولة جداً، والمنازل فيها تتزاحم وتندس في بعضها البعض من فوضى كاملة. لا جدوى من البحث عن تصميم عقلاني. تتداخل الأزقة الضيقة والملتوية مع المنازل مُمَدِّة الطبقات العليا لكلس نالوت، أو متسلقة إياها بعناء إذا كان الموقع مسطحاً يتملكنا انطباع أننا إزاء متاهة. لا وجود لساحة عمومية ولا لحوانيت إلا بائع أو بائعي السكر والشاهي (وأحياناً بعض المواد الغذائية)، يقيمان في أي مسكن ولا وجود لصناع أيضاً. في هذا البلد ذي الاقتصاد الفلاحي، كل واحد يعيش مما لديه، وكل واحد هو صانع. (1/277)
صفحة 278
يظل القصر والمسجد هما قلب التجمع السكاني داخل هذا الخليط من المنازل. القصر هو المركز الاقتصادي، والمسجد الذي يتواجد فيه أحياناً ضريح لشيخ مبجل هو المركز الروحي، وكلاهما يرمز إلى النواة الأصلية للتجمع السكاني، المنازل المجاورة هي الأكثر قدماً ولم تتبق منها سوى أكوام من الأنقاض. ما أن نبتعد عن المركز حتى نجد أنفسنا في قلب الأحياء الأقل قدماً أو القديمة نسبياً، وقد تمتد أحياناً خارج النتوء الصخري حيث يجثم الجزء الأعرق من القرية، وتقتفي أثر الهضبة أو تتمدد على قاعدة الربوة التي تعلوها أنقاض القصر، في الجملة لا يمكن أن نتبين سوى التصميم الكرونولوجي.
عادة ما تمتزج المنازل والمساكن الكهفية ذات التصميم الأفقي أو تشكل مجموعتين متلاصقتين دون الظهور بمظهر حيَّيّن مختلفين أو متفرقيت. ففي وازّن على سبيل المثال، يجثم القصر والمنازل القديمة على نقطة مرتفعة ووعرة في كلس نالوت، بينما تعلو المغارات على بعضها البعض على امتداد المنحدر. غير أننا نمر من نموذج سكني إلى آخر دون أن نحس بذلك، فالمنازل الموجودة في الأعلى تتوفر عادة على مغارة تحت الأرض، والمساكن الكهفية على المنحدر تضيف حجرة أو مأوى يبنى في الباحة.
إن تراكب المغارات على سفح من الأراضي الضعيفة المقاومة والمغطاة بالمهيلات دفع السكان إلى إسناد التربة بحيطان من حجارة جافة ما جعل الأزقة خطيرة بعض الشيء (الرسم 19). ذلك أن الحوادث الناتجة عن المهيلات وسقوط الأحجار متواترة سيما في الأيام الماطرة. أصلاً تعطي هذه المغارات انطباعاً أقل كبراً عن نسبة الكثافة السكانية. ويعود ذلك بالمقام الأول إلى أن مغارات تالات (كاباو)، أو قرية أولاد خليفة (الزنتان). وكذلك المساكن الكهفية تتوغل في الأرض وتعطي مساحة شاسعة. ومع ذلك فالأمر يتعلق فعلاً بتجمع سكاني حقيقي. (1/278)
صفحة 279
إن القرى ذات البنية المنسجمة مأهولة دائماً بساكنة منسجمة أيضاً، أو بساكنة ذات أصول مختلفة لكنها امتزجت بعد ذلك. ففي العديد من القرى نجد ناطقين بالأمازيغية وناطقين بالعربية يسكنون البيت نفسه على الرغم من اختلافهم المذهبي، فالتعارض هنا لم يصمد أمام قرون من العيش المشترك وأمام الاتحاد الناتج عن المخاطر التي واجهها الجميع كرجل واحد.
القرى ذات الأحياء المترابطة : تشبه كثير النمط الذي وصفناه للتو، لا فرق بين النمطين ولهما الشكل الممزوج نفسه. ويتناهى إلى أسماعنا أنه تسكن عوائل على يمين ويسار الزقاق المتعرج نفسه لا يخالطون أبداً على الرغم من تجاورهم منذ قرنين أو ثلاثة قرون. يتقابل الحيان لكن وعلى غرار اللوز داخل القشرة نفسها فإنهما يتماسان ولا يتداخلان.
هكذا يعبر حيان متمايزان في تينزغت (الحرابا) التي يعود تجمعها السكاني إلى أزيد من 60 سنة عن هذا الصراع الخفي "العربي – الأمازيغي". ففي تارديا وهو حي "عربي" يتعايش مع حي "أمازيغي" ولو أن أهل هذا الأخير تعربوا منذ ثلاثة قرون ونصف. بلغ إلى علمنا أيضاً أن ثلة من الأسر اليهودية تعيش بالقرب من يفرن في قرية المعانيين (الگصبات) والگصير وخصوصاً الشگارنة، وتسكن في مجموعة من المنازل تكون حياً صغيراً معزولاً لكنه غير متمايز عن الكتلة السكانية ككل، ولايسمّى أبداً بالحارة. يسكن اليهود في الشگارنة أسفل القرية داخل بيوتات مزدوجة: نصفها مغارات ونصفها الآخر منازل. (1/279)
صفحة 280
يعود التجمع السكاني لجادو إلى حوالي 3 قرون، ويتكون من جزءين تأسسا على الأرجح على يد مجموعتين أمازيغيتين مختلفتين فوق ربوتين متجاورتين. وفي المكان الفاصل بينهما يبنى مسجد وبعد ذلك سوق. هكذا تم الربط بين حيين كانا متباعدين بحوالي 30 متراً. أهل جادو الأمازيغ نسوا كلهم تقريباً أصولهم الأولى. كما أن الناس في قرية السلامات (الرحيبات) لا زالو يتذكرون أنهم كانوا منقسمين إلى أربعة أحياء، أي بلغة زمن مضى أربع فخدات، لكل منها قائدها غير أن الأسر اليوم متمازجة وما عاد للتقسيم القديم عندهم أي معنى، وسوف ينسى نهائياً بعد جيلين أو ثلاثة أجيال. إن تمازج الأسر من أصول متنوعة يتم بسرعة إذا كان يجمع بينها الدين واللغة وتفقد أحيائها الأصلية بذلك تفردها الأول.
تشهد القرى ذات الأحياء المترابطة على الأصول المتعددة للساكنة وليس بالضرورة على تعارضات عميقة. وقد تكون في حالات كثيرة نتاجاً لتغير في النمط السكني. فعندما يهجر القرويون منازلهم تدريجياً لأجل حفر مساكن كهفية غائرة فإنهم يخرجون إلى الوجود حياً يختلف تمام الاختلاف عن الحي القديم. الاختلاف ظاهر للعيان لكنه بدون دلالة حقيقية. هكذا خرج حي شاسع إلى الوجود منذ سنوات في نالوت وثمة العديد من القرى التي حدث فيها تغيير مماثل ما أن أخذت بنمط المغارات.
القرى ذات الأحياء المنفصلة : من الوارد أن تكون للأسباب نفسها أثاراً متباينة، فالقرى ذات الأحياء المنفصلة والدالة على تخلي لافت عن المسكن المتكدس لها الأصل ذاته الذي للأوائل. يتعلق الأمر بشقيقين غير متشابهين. (1/280)
صفحة 281
لا يتعلق الأمر بعد بضيعات لأن المجموعات العديدة من المنازل تتجاوز كثيراً وعادة ما لا تكون لها أسماء محدودة ولا يفصل فيها بينها إلا حوالي 100 متر. وقد تعود عملية الفصل كما هو الحال في السابق إلى النموذج السكني ذلك أنه على القرويين أن يذهبوا بعيداً نسبياً عن منازلهم بحثاً عن سمك ترابي كاف يمكنهم من حفر المغارات، وهو ما ينطبق على أولاد ريان، وعدة قرى معزولة جداً في جرفها الصخري. غير أنه يعبر كذلك عن اختلاف الأصول وكثيراً عن تنافس حقيقي.
تتناثر أحياء مزغورا على هضبة الرحيبات وكل قاطنيها ناطقون بالأمازيغية ومنذ مدة طويلة والسكان متمازجون في هذه الأحياء بغض النظر عن خصوصياتهم. ومن غير المستبعد أن هذا التقسيم يعود إلى اسباب نجهل عنها كل شيء. ففي أولاد عمور وهي قرية صغيرة بككلة لا زالت الأسر "الأمازيغية" الثلاث أو الأربع تعيش في مجموعة من البيوت المنعزلة رغم أنها تعربت منذ مدة. كما أننا نجد انفصالاً بيّناً بين حيي الندوة (الرحيبات) حيث يعيش أولاد بوجديد، وهم أمازيغ إباضيون، بمعزل عن "العرب".
تمثل قرية جيطال (الرحيبات) حالة معقدة بعض الشيء، حيث تفصل بين أحيائها الثلاثة حوالي 50 إلى 100 متر. والحي المتواجد جهة الشمال هو على الأرجح أقدمها، ويقطنه أمازيغ عزابا إباضيون وهم مجموعة من الأسر المعروفة بتمكنها من العلوم الشرعية، والراجح أن أجدادها قدموا من جادو، ولا زال بيتهم الأول يشار إليه بالأصبع. أما الحي الجنوبي فيقطنه أمازيغ زناتة المعربون. والحي المتواجد جهة الشرق هو حي "عربي" تقطنه الفخذة الفرعية لآل بحرين من أولاد شبل. تقدم لنا إذن جيطال مشهداً بشرياً متنوعاً قوامه أمازيغ إباضيون، وأمازيغ معربون و"عرب"، فلن نجد أحسن منه في هذا الباب. (1/281)
صفحة 282
كل ساكنة أهل العين (الرياينة) الذين تمتد أحيائهم فوق عين مهمة من "العرب"، غير أن انفصال الأحياء يفسر إلى اختلاف أصول الفخذات الأربع الوافدة إلى هذا المكان قبل "ما يربو عن 750 سنة" حسبما يقوله أهل البلد. العيابية أتوا من الساحل (أولاد جابر)، وأولاد عمور من الساحل الشمالي الشرقي لإقليم طرابلس، وأولاد عنان المنحدرين من قبيلة أولاد شبل. زد على ذلك أن جيطال لا تتوفر على أي قصر من شأنه ربط الصلات بين هذه الأحياء.
يتكون مركز الزنتان الذي تعلوه ثكنة قادة القوافل الإيطاليين من ثلاثة أحياء من المغارات المحفورة على امتداد الأنهار الثلاثة المتلاقية عند قدم جامع كبير وقديم. تقطنها فخذات مختلفة: أولاد الذويب في الشرق، أولاد دلالات في الشمال وأولاد عيسى في الجنوب. يعلو مسجد بتسع أجنحة على المشهد كله ويحقق له حدة روحية.
مجموعات الضيعات : تعتبر القرى ذات الأحياء المنفصلة محطة انتقالية بين التجمعات السكنية ومجموعات الضيعات. عموما، الضيعات عبارة عن أحياء متباعدة، كل حي هو بمثابة تجمع سكني صغير بموقعه الخاص. لا زال مجموع هذه الضيعات يحمل اسماً مشتركاً ولكل ضيعة إسمها الخاص، زد على ذلك أن كل ضيعة تقيم وسط أراضيها، بل قد تذهب الفردية الاقتصادية أبعد من ذلك بامتلاك كل ضيعة لقصرها الخاص. (1/282)
صفحة 283
تنتمي قرية أولاد عطية (الرجبان)، وهي تيركت بالأمازيغية العريقة التي لا زالت أنقاضها ظاهرة للعيان على شعفة معزولة(1)، أقول تنتمي دفعة واحدة إلى صنف القرى ذات الأحياء المنفصلة وإلى مجموعات الضيعات (الرسم 20). يقول قاطنوها بأنهم عرب وتتوفر على مركز مهم نسبياً حيث تسكن وتتمازج الفخذات الأربع للكليات وأولاد بن ناصر وأولاد عبدالرحمن وأولاد راشد، والمجموعات الأربع من الضيعات الجاثمة على جرف كلسي والحاملة لاسم نصف الفخذة أو الجد الأول أو المكان وهي: علي النجاح، بوحامد، لُگرين والجوابة. وتقع هذه المجموعات الخمس من المنازل فوق رأس النهر نفسه وتغترف حاجياتها من المياه من نفس البئرين.
يشبه تجمع الضيعات وحدة طبيعية صغيرة: عمق وادي صغير، قطعة من الوادي، إلخ… يخلق تجاور الأشجار والمساحات المتجاورة المزروعة بالحبوب في الجفارة وعادة الرعي في الحقل نفسه بالظهر وكذلك امتلاك النقطة المائية عينها، يخلق كل ذلك وسطاً اقتصادياً مشتركاً يتحول إلى بوثقة تنصهر فيها الساكنة ذات الأصول المتنافرة. يقطن ضيعات الزرگان الصغيرة الثلاث المتداعية أمازيغاً مُعربين، المتحدرين من آل ورغامة بالجنوب التونسي. والوادي الحامل لنفس الإسم حيث ثلة آبار تسمح ببعض البستنة هو المكان الذي يجمعهم.
__________
(1) - هناك إذن تيركت هذه وتيركت الحوامد. [موتيلينسكي] ينسبهما معاً إلى قصر تيركت الوارد في السير بسبب قلة التحري. يراجع 83 و ص106، الملحوظة 1. والظاهر أنه ينسب الثانية إلى تلك الواردة في السير والتي هزم بالقرب منها الكُتاميون. (1/283)
صفحة 284
مجموعة الضيعات الثماني لأولاد عطية بيفرن أكثر تمييزاُ. فهي تتوزع على صدفية رائعة هي النموذج الأصلي للوحدة الطبيعية الصغيرة، يتعلق الأمر بوادي متوسط متقرع عن واد الرومية أسفل الجرف الكلسي الطوروني. الصدفية محفورة على الطفل والحث السينوماني ومغلقة من الجهات الثلاث بالنتوء الكلسي. تتوج الضيعات الثماني الحاملة لاسم فخذات فرعية.
هناك ضيعتان أخريتان مهحورتان اليوم. يزعم أولاد عطية أنهم إخوة ينحدرون من آل المحاميد. فهل هذا صحيح؟ أو أن العيش المشترك في هذه الصدفية الطرية المسقية جزئياً بمياه وادي الرومية، والامتلاك المشترك لقصر متداع اليوم، هما اللذان ساهما أيما إسهام في هذه القرابة المزعومة بين أولاد عطية؟ ألا ينطبق الشيء نفسه على سكان الرومية الغامضي الأصول، والتي تسيطر ضيعاتهم الخمس على المجرى المائي الصافي، والظلال الوارفة للوادي المتفرع عن واد الرومية؟ على أي فالقرب من الوادي محفوف بالمخاطر بسبب موجات الحمى، حتى أن الضيعات الخمس تم هجرها وحفر أهلها مساكن كاهفة في اتجاه الأعلى. ذهبت أربع فخذات إلى هناك للإقامة في تجمع من المغارات، والخامسة وهي من أولاد بني نوافي بقيت لوحدها.
تتناثر الضيعات الأربع للمزايدة كذلك على أودية ككلة حيث يمتلك أصحابها أراضي باستثناء الذين يتواجدون في الأعلى قرب ضيعة بوموسى التي يقطنها أولاد سعيد، وتتوفر ضيعتان من هذه الأربع على مخازن حصينة. أما السكان وهم أمازيغ تعربوا حديثاً فيعيشون في وسط طبيعي جد محصور. إلى جهة الجنوب، نجد آل الخروب وآل القصبة، وقصر الجديد وهم أقرباء أولاد بوزيري ويتواجدون على الهضبة وعبثاً بحثنا لهم عن إطار طبيعي. (1/284)
صفحة 285
في المنطقة نفسها، يتوفر أولاد عمران على سكن أكثر تعقداً، فهم يسكنون بخمس ضيعات(1) متجمعة في الوادي الفرعي نفسه المحفور برخاوة في الطوروني الأعلى. ضيعتان منهما فقط تتوفران على قصر وأربعة آبار ترفدهما بحاجياتهما من المياه. كل السكان هنا يزعمون أنهم من اصول عربية وهو أمر مشكوك فيه إذ نتساءل: أليست هذه الوحدة المزعومة نتيجة هنا أيضاً للتواجد في نفس الوسط الجغرافي؟ ويزعم أولاد عمران أيضاً بأنهم أقرباء لأهل القرى الصغيرة أو الضيعات الغير المتجاورة جداً، والتي يظهر أن أصولها غير مشكوك إطلاقاً في أمازيغيتها. يتعلق الأمر بآل إنزو وهي ضيعة ملتصقة بالقصر القديم فوق وادي السوادنة، وملحقتها الصغيرة ناگور، جارفات، المعايفة بل وحتى السودانة. يتعلق الأمر في الواقع بسيطرة قديمة وتكون "صوف" حقيقي يجمع كل هذه التجمعات السكنية في جبهة واحدة ضد القرى الأخرى لككلة وخصوصاً أولاد بوزيري وأولاد سعيد والقلعة. والحال أن هذا التحالف السياسي تمخض عنه إحساس بالقرابة العرقية. ندرك بالملموس الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها إذا نحن ثقنا ثقة عمياء بتقاليد الأهالي.
يمكن ايضاً إدراج القرى الكهفية الثلاث للزنتان ضمن مجموعات الضيعات. فأولاد بهلول تتكون من عدة مجموعات من المغارات محفورة بجانب عدة أودية صغيرة منفرجة في الطوروني الأعلى، والقرية الأخرى المختلطة بثلة من المنازل تحيط بجامع قديم يقع بالقرب من المركز. أما أولاد عميان فتضم مجموعة من المغارات بالقرب من جامع، في حين أن ضيعات أولاد القصر تتجاوز فيما بينها. فكيفما كانت مجموعات مغارات الزنتان فإنها لا تمثل نمطاً خاصاً ومنسجماً بل هي عبارة عن تنويعات قليلة التكثف، أنماط نصادفها في كل مكان، وتلك نتيجة كما قلنا آنفا للنموذج السكني السائد.
__________
(1) - أولاد سعيد، خليفة، الافي، علي، بياض، أحمد، محمود وخلف الله. (1/285)
صفحة 286
مجموعات القرى : أخيراً، يتشكل النمط الخامس من عدة مجموعات من القرى، لا من مجموعة من الضيعات والتقارب الحاصل بينها لا يستثني تفرد كل واحدة بخصوصياتها.
تتكون الخلايفة في جنوب غرب يفرن من الترابط الجغرافي بين أربع قرى مأهولة بساكنة ذات أصول متباينة وغامضة (الرسم 21). الراجح أن أولاد منصور المستقرين على ربوة طورونية على السفح الشرقي للوادي وهم من أصول مختلطة، هم أصحاب أقدم قرية. أما ورجين على الجرف الذي يفترض أنهم من آل لواتة. وأحدث قرية هي أولاد الصغير المأهولة بـ "العرب".
فما هي القواسم المشتركة بين هذه القرى التي تمتلك كل واحدة منها فيما مضى مخزنها المحصن سوى القرب وتلاقي الأودية الفرعية حيث توجد أراضيها ومياهها الصافية المنبجسة من عين قوية مجاورة، والتي تسقى أشجار زيتون رائعة وعدة أشجار نخيل؟ فما الذي وهب هذه التجمعات السكنية المختلفة إحساساً بالانتماء إلى الجماعة سوى هذا الوسط الجغرافي الذي تتواجد فيه؟
لاشك أن الشيء نفسه ينطبق على أولاد علي شرق أراضي الرياينة، التي تضم قراها حوالي 800 نسمة. ما عاد الناس هنا يتذكرون أصولاً غير متجانسة ينحدرون منها. فآل قوايدة وآل منعة يعيشون في التجمع السكني الرئيسي الذي يتواجد به. جامع دون باقي التجمعات وتبعد عنه قرى آل هلالبة والمغاربة ببضع مئات الأمتار. (1/286)
صفحة 287
من الوارد جداً أن يكون هذا التجمع السكني أو ذاك من تجمعات الخلايفة وأولاد علي قد تأسس في وقت لاحق على يد مجموعة من العوائل المتحدرة من أحد أقدم القرى وبالتالي فإنها تندرج ضمن ما يمكن تسميته بالقرى التابعة المنتشرة على نطاق واسع بالجبل. فسواء كان الأمر بفعل كثافة بشرية زائدة فوق موقع شديد الضيق، أو نتيجة خصومات أو طموحات رجل نافذ، أو فقط بفعل نزوة زعيم عائلة يبادر نفر من الناس إلى بناء منازل على موقع مجاور ويصبح ذلك أمراً واقعاً. ففي حالات كثيرة تحدث تنقلات من مكان لآخر ومعها يتم فصل جزء من السكان عن الكتلة العامة. على غرار فرق النحل ليضرب في مناكب الأرض بحثا عن وسط أفضل.
تنامت القلعة تدريحياً حول القصر والجامع القديم اللذان هما نواتها الأصلية، ثم جاء دور العلاونة وأخيراً أولاد عبدالله بحيث يتكون المجموع اليوم من كتلة بشرية قوامها 3000 ساكن. السلامات في أقصى غرب هضبة الرحيبات تضاعف عددهم إذ أنشأوا تجمعاً سكنياً قديماً ثانياً بجانب التجمع الأول على الضفة الأخرى للشعب. أما گصبة بن مانا، في شمال يفرن، فكل الدلائل تشير إلى أنها منشأة قديمة لـ تاغما وتازمرايت تم إنشاؤها، كما رأينا، قبل قرنين ونصف على يد مجموعة من العوائل المتحدرة من الگصير. وفي اتجاه الحنوب، نجد أم الجرسان وقد تضاعفت بضيعتين، وبككلة فإن أولاد سعيد القاطنين بقرية جاثمة كانوا يعيشون أيضاً منذ زمن بعيد في ضيعة بوموسى. وقد أسس المركز الرئيسي في الرجبان (تارديا) تجمعان سكنيان متجاوران يدعيان الگصبة والخربة. بعيداً إلى جهة الغرب نجد مرة أخرى واقعة مماثلة للتي صادفناها عند الحوامد. ذلك أن جزءاً من سكان تيركت القديمة هاجر القرية التي كانت مسقط راس أبناءه منذ حوالي قرن في اتجاه إحداث مداشر تابعة لتالات والخربة بالقرب من اشجار الزيتون. أخيراً، نشير إلى أن أهل نالوت هم الذين سكنوا مؤخراً ومجدداً قصر تكوت. (1/287)
صفحة 288
في البدايات الأولى يحتفظ بعلاقات وثيقة بين القرية الوليدة والتجمع السكني للأم إلى أن يحدث بينهما انفصال عنيف ناتج عن الافتقاد التدريجي لأية آصرة مشتركة سوى ذكرى قرابة موغلة في القدم، ذلك أن التجمع السكني الجديد ينجح في توفير قصره الخاص وحياة اقتصادية مستقلة. بالقرب من يفرن، القرى المتجاورة القراديين والمشوشيين والمعانيين عبارة عن ثلاثة إخوة لهم الاسم العائلي نفسه الگصبات ونجهل كل شيء عن أصل القرابة بينهم.
يصعب إدراج تجمعي مرگس ببلاد الحرابا ضمن الفئة نفسها ذلك أن الأمر يتعلق على الأرجح بإخوة أعداء قدامى. أحدهما وهو الأقدم أمازيغي الأصل ويعلو وادي بگيگيلا، وعلى ربوة مجاورة بنيت قرية صغيرة "عربية" هذه المرة. أما اليوم فسكان القريتين متمازجون وكل صراع زال بينهم ولم تعد موجودة بينهم سوى أربع إلى خمس عوائل إباضية، وناطقة بالأمازيغية.
توزع أنماط السكن : قرى ذات تجمعات سكنية متداخلة بلا أحياء (ضيعات / مجموعة بلدات)؛ هكذا نجد أنفسنا في جبل نفوسة أمام كل أشكال السكن المتجمع إلى هذا الحد أو ذاك دون تشتت حقيقي إلا في حالة السكن المؤقت. الحد الأدنى من التمركز السكاني نجده في مجموعة مغارات الزنتان. فلنحاول توضيح وتفسير توزع هذه الأنماط من السكن.
توجد بمنطقتنا 114 قرية (وهو رقم قد يزيد أن ينقص ببعض وحدات ذلك أن التمييز بين الضيعة الضخمة والقرية الصغيرة قابل للنقاش عادة). والحال أننا إذا تمعنا في الخارطة الملحقة هنا (اللوحة XIX) فإننا سنلاحظ أن عدد القرى يتزايد بنسبة كبيرة من الغرب باتجاه الشرق. هذا فقط قبل 22 سنة في الجزء الغربي من هذه المنطقة، وكل القرى الأخرى تتناثر في شرق نهر وادي جادو. (1/288)
صفحة 289
تضم نفوسة الشرقية من القرى إذن خمس مرات ما يوجد في مثيلتها الغربية، ومن الساكنة 3 مرات ما يوجد أيضاً في هذه الأخيرة، يزداد عدد التجمعات السكانية بوثيرة أسرع من عدد السكان، ومن البديهي أن يكون هؤلاء أقل تمركزاً مع مرور الوقت. هذا الاختلاف قابل للتفسير بأسباب عديدة وفي مقدمتها الأسباب الجغرافية. ويكفي هنا استحضار تزايد عدد العيون من الغرب باتجاه الشرق، وإمكانية مضاعفة الآبار خصوصاً في الطوروني الأعلى للهضبة لبيان ذلك، زد على ذلك اتساع مساحة الأراضي القابلة للزراعة، وإمكانية مزاولة الزراعة الجافة على مساحات تزداد طراً. فتواجد القرى على الهضبة إلى الشرق من الإنقطاع الكبير لوادي جادو له علاقة مباشرة مع اتساع رقعة تربة الحمري. كما ينبغي الأخذ بعين الاعتبار عامل انعدام الأمن الحاضر بقوة أكبر في الغرب منه في الشرق على الأقل في القرون الأخيرة.
لا تتواجد في الجزء الغربي من الجبل إلا القرى المتجمعة بأحياء متمايزة أو بدونها. فهذا النمط من القرية سائد تقريباً بكل مكان، ولا تبدأ سلسلة القرى ذات الأحياء المنفصلة إلا انطلاقاً من هضبة الرحيبات، ولا تقع أعيننا على مجموعة ضيعات إلا بعد اجتيازنا لوادي الرجبان. فهل يعود أمر تواجد هذا النمط السكني في الربع الشرقي من المنطقة دون غيره إلى شروط جغرافية وغياب أكبر للأمان فقط؟ يغرينا أمر الاقتراب من هذه النقطة القصية لمدار التوسع القديم لبلاد نفوسة التي لا تتجاوز بلدة الزنتان الحاليين حيث سيتضح لنا أن السكن المتجمع كثيراً لم يكن دائماً هو القاعدة في القرون الماضية. (1/289)
صفحة 290
مشكل تكون القرى : إن الدراسة الدقيقة لأشكال السكن الحالي والمشكلات التي يطرحها تحمل معها صدى للاضطرابات العميقة الناتجة عن استقرار الوافدين الجدد إلى حد ما مقارنة مع السكان الأصليين، حيث نجحوا في إيجاد موطئ قدم لهم في الجبل فأنشأوا قرى استقروا فيها مكان الأصليين، وأغلب الظن أنهم اقاموا بجانبهم في قرية مجاورة، ضيعة وحي منفصل بالكاد عن التجمع السكني، ومجموعة من المنازل في القرية ذاتها. هكذا نلاحظ كيف أن التعايش يسبق دائماً التمازج، ورأينا كيف أن هذا الأخير لا زال بعيد المنال في أكثر من مكان.
يترجم السكن الحالي في الأغلب الأعم العوائد الترحالية القديمة للوافدين الجدد. لدينا انطباع وأحياناً اقتناع بأن مجموعة من الأحياء أو الضيعات ماهي إلا نتيجة لعملية تثبيت فخذة من فخذات القبيلة، علماً بأن الفخذات الفرعية المسماة لحمة أنشأت ضيعتها الخاصة. فضيعة أو ضيعتان قد تكونا نتيجة للاستقرار السابق أو حتى اللاحق لمجموعة من الأسر الوافدة. يحمل الكل اسم الفخذة وكل ضيعة تحمل إسم اللحمة إلا إذا تمكن اسم مكان من تعويضه وفرض نفسه.
لكن مع مرور الوقت تنمحي تدريجياً هذه البقايا من نمط العيش تحت تأثير الوسط الجغرافي. فسواء بواسطة القوة أو بواسطة وسيلة أخرى يصبح الوافدون الجدد مالكين للأشجار وآجلاً أم عاجلاً يصبحون غراسون. وقد نجحت الغراسة في تثبيتهم جزئياً بأماكنهم بمقتضى القانون الذي يبدو أنه عام بالشمال الإفريقي. (1/290)
صفحة 291
وقد انتهى بهم الأمر إلى تبني نفس نمط عيش الأمازيغ. فمما لا شك فيه أنهم بقوا لمدة طويلة يتصرفون كأهل سهوب أكثر مما هم غراسون، وأكبر دليل على ذلك الزنتان. غير أن الاختلافات تنمحي تدريجياً بينهم وبين السكان الاصليين في الجبل. بل يمكننا أن نتساءل إن لم يكن هؤلاء الوافدون الجدد قد دفعوا الأمازيغ إلى تبني اقتصاد زراعي يجمع بين السهب والجبل إذا لم يكن هكذا اقتصاد يعود فعلاً إلى تاريخ موغل في القدم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لن يفوت هؤلاء القرويين الوافدين تأثرهم بنظام الوحدات الطبيعية الصغيرة في الوسط الذي كانوا يعيشون فيه وقد رأينا كيف أن الجوار ونمط العيش المماثل والملكية المشتركة لأراضي الحبوب وعين أو مجموعة آبار يساهمون جميعاً في خلق روابط أقوى من رابطة الدم. أكثر من ذلك، فقد تأكد أن ثمة قرابات من نوع آخر قد تخلفت بين مجموعات متجاورة وأجنبية عن بعضها البعض غير أن العقلية المعطوبة للرحل القدامى لا تتصور تفاهماً ووفاقاً إلا انطلاقاً من الرابطة الدموية.
نميل إلى الاعتقاد بأن سكن الضيعات أو ذي الأحياء المنفصلة أدخله الرحل مؤخراً إلى جبل نفوسة عند استقرارهم فيه منذ ستة أو ثمانية قرون، أو على الأقل فضّلوه على أنواع السكن الأخرى. لم يكن في الجبل شيء إلا مجموعة من الضيعات القديمة تسكنها أسر أمازيغية ومنها المزايدة على سبيل المثال. لا شك أن الأمر يتعلق – كما سنرى – بعادة قديمة جداً. غير أننا نتساءل في معرض ذلك إن لم يشجع توسع هذا النمط السكني في شرق نفوسة عملية التعريب، ذلك أن هذه الأخيرة ستتقدم بسهولة أكثر من ضيعة إلى ضيعة منها من قرية إلى قرية. ولقد سجلنا بالضبط نسبة أكبر من التعريب مؤخراً في جهة الشرق. من المؤكد أن الرحل الذين استقروا تدريجياً في الجبل تكيفوا مع هذا النمط السكني القديم أو ذاك كما أنهم تبنوا طرائق البناء السائدة بالبلد بصفتهم سكان خيام. (1/291)
صفحة 292
آن الأوان إذن، أن نبحث في الماضي، في التاريخ عن التفاسير التي تنقصنا لفهم الحاضر وللأسف الشديد، لانجد أمامنا إلا وثائق شديدة الفقر. فالمؤرخون العرب لم يهتموا بهذه المنطقة إلا في إطار المعارك التي خاضتها الحكومات المتعددة ضد النزعة الاستقلالية للسكان المعروفين بتميزهم المذهبي الإباضي. والظاهر أن هؤلاء الإباضيين كرسوا معظم نشاطهم الفكري لتأليف كتب الفقه والشريعة التي اختفت كلها عن الأنظار، وآخرها فقد مع الاضطرابات والقلاقل المندلعة قبل حوالي 12 سنة ولاتكتسي إلا أهمية قليلة بالنسبة لما نحن فيه.
لحسن الحظ أنه لا زال بإمكاننا مساءلة الأنقاض. وبعضها لا زال يخاطب ذكرى ساكنة القرى المجاورة، ويمكن أن نلتقط من أقوالها (وقائع في غاية الأهمية). بالمقابل، نجد أخرى ماتت فعلاً ولم تترك أي رواية شفوية. ومع ذلك، من الوارد جداً استخراج بعض الدروس والعبر من هذه الأكوام المكومة من الحجارة.
الفصل الثالث
تنقلات القرى
أتاحت لنا اليوم دراسة السكن القروي تفسير بنية القرى، وتشتت الضيعات، بل ومكنتنا من معرفة كيفية تشكل بعض القرى والتحولات التي تعرضت لها، ناهيك عن استمرار تغييرها عن حركات الساكنة التالية لوصول الوافدين الجدد من الرحل. الفحص المتأني للكثير من أنقاض القرى سيمكننا، بما لا يقاس، من تسليط الضوء على تطور السكن وضبط العواقب المباشرة والبعيدة المدى للهجرات الكبيرة لبني هلال وبني سليم بالنسبة لجبل نفوسة.
كثيرة هي أنقاض القرى إذ يتجاوز عدده (في بعض الجهات) عدد التجمعات السكنية الحالية. موقعها وطريقة تجمعها حاملة لأكثر من دلالة، غير أن دراستها تتطلب الكثير من الحيطة والحذر. (1/292)
صفحة 293
نبدأ بمساءلة الأنقاض "القريبة" من القرى الحالية التي لا زال سكانها حتى اليوم يحتفظون بذكريات وروايات. من شأنها أن تكشف لنا عن العديد من تنقلات القرى. ذلك أن هذه المشكلة تطرح في علاقة مع القرب من هذه الأنقاض، غير أنها غير قابلة للحل إلا بمساعدة الساكن التي ينقل فيها الآباء للأبناء بعض المعطيات عن ماضيهم، تختلط بها حكايات يسهل وضعها جانباً. فأهل الجبل هنا لا يتوفرون على الخيال الخصب الذي يتوفر عليه "العرب" وهم من كبار الرحل، كما أن عبادة الماضي والأطلال هو بالنسبة إليهم عنصر تماسك وقوة. وتؤكد رسوم الملكية القديمة التي تتضمن أحياناً تفاصيل عن الوضع القديم للمنطقة دقة ما لا زالو يحتفظون به من ذكريات. واثق أن دراسة دقيقة لهذه الرسوم كفيلة بسد فراغات المعطيات التي تتوفر عليها حول ماضي النفوسيين.
1- نزوح القرى باتجاه مواقع محصنة
لأسباب أمنية شهد السكن تطوراً ابتداءاً من القرن 11 إذ انطلقت معظم القرى بحثاً عن موقع جاثم ومحصن. فالتجمعات السكنية المجاورة للعيون على سفوح الوديان تنقلت إلى الأعلى، أما الأخرى المتناثرة على الهضبة (وهي أكثر عدداً) فقد تنقلت في اتجاه أفقي، والنوع الثالث شهد تطوراً أعقد ناتج عن التركيب بين هاتين الحركتين.
تنقلات نحو الأعلى : صعود القرى القديمة المتواجدة بالسفح كان دائماً ضعيفاً جداً نظراً لتواجد معظمها بالقرب من العيون، فماء هذه الأخيرة يرشح تحت الكلس الطوروني أو أسفل منه بقليل، لكنه نادراً ما يرشح أبعد من 60 متراً تحت سطح الأحراش التي تعلوه. صحيح أن التنقلات تتخذ شكلاً مائلاً افقياً بالكامل. (1/293)
صفحة 294
هي ذي حالة نالوت أو لالوت التي يغطي تجمعها السكني ذي النصف المتداعي جرفاً كلسياً يخترقه شعبان عميقان (الرسم 23). نجد موقعه الأول بالقرب من العيون الرئيسية على سطيحة من السينوماني على بعد حوالي 500 متر إلى الجنوب الشرقي(1). وسط أكوام من الحجارة لا زالت تنتصب بقايا قصر قديم جداً ممتد من القلعة إلى المخازن المحصنة المسماة قصر. يحيط بهذه الأخيرة حصن من الحجر الضخم والمستطيل الشكل منضود تنضيداً عشوائياً حتى أن أحجامها التي تثير دهشة الأهالي اليوم قيل عنها الكثير من القصص والخرافات. غرب القصر لا زال هناك مسجداً بثماني أجنحة بعد خراب 200 منها. يعلو المسجد والقصر على التجمع السكني المدعى "نالوت القديمة"، وامتداداً هو التجمع السكني الحالي مع بعض التغييرات الطفيفة اللاحقة به. بل إن هذا الأخير نفسه صار مهجوراً. الظاهر أنه كان فارها في زمانه بمنازله المتداخلة فوق جرف ضيق وشموخ وهيبة مخازنه المحصنة. فقد كان لامحالة قادراً على ردع التهديدات الرهيبة لرحل ورغامة، الذين كانوا يرعون في سهول الجنوب التونسي الحالي دون أن يضطر سكان هذا التجمع إلى الابتعاد عن العيون التي توجد فوقه.
أما اليوم فالقصر مهدد في كل لحظة بالانهيار، والمنازل تتداعى الواحدة تلو الأخرى، وهجر معظمها، ونالوت بصدد النشوء على الهضبة نفسها إلى الشمال الغربي من الحي الإيطالي والقلعة التركية. تشبه بمساكنها الكهفية "الغائرة" وبلا باحة تقريباً خلداً عملاقاً. المغارات القديمة ذات التصميم الأفقي والمحفورة في خاصرة الطوروني الأعلى هي همزة وصل مع القرية القديمة.
__________
(1) - سبق لـ [بگوينوت] أن لفت الانتباه إلى هذا التغيير الموقع نالوت، ص234. (1/294)
صفحة 295
تطور نالوت واضح وضوح الشمس غير أن المشكل العالق يكمن في معرفة تاريخ التنقلات التي شهدتها هذه القرية. يميل [بگوينوت] إلى أن نالوت (رقم 2 في الرسم 23) دامت حوالي أربعة قرون، ودامت الأولى حوالي سبعة إلى ثمانية قرون. غير أن طريقة بناء القصر القديم تدفعني إلى القول بأكثر من ذلك. الظاهر أن هذه الحجارة العملاقة والمستطيلة شاهدة على طرق البناء عند الرومان أو عند البيزنطيين والتي لايخلو البلد من بعض شواهدها. يشار هنا إلى النصوص التي تؤكد أن نالوت موجودة في القرنين الثامن والتاسع(1).
__________
(1) - يراجع : [باسي] ص436 وقد أشار إلى شخصية من نالوت في هذه الفترة ويدعى، أبو زكريا يحيى اللالوتي النفوسي. (1/295)
صفحة 296
تطور مماثل شهدته تاگربوست، وهي قرية مجاورة ليفرن، وتقع في الماضي على سفح النتوء الصخري الذي تطوقه منذ قرون خلت، وشهدته أيضاً قرية جمّاري وهي عبارة عن تجمع سكني جاثم على حافة الجرف الكلسي الذي يعلو الضفة اليسرى لوادي ئگناون إلى الجنوب الغربي من جادو. ثمة تجمعان سكنيان لا زالت أنقاضهما على سفوح الوادي: الأول تحت مزّو، والثانية بعيد نسبياً في اتجاه سافلة الوادي. قد يكون سكان هذين التجمعين التجأوا إلى إحدى المرتفعات وأسسوا قرية قبل زهاء أربعة قرون على النتوء الصخري الذي لا زالت تطوقه بقايا قصر قديم ثم بعد ذلك توسعت تدريجياً. وقد تمخض عن القلاقل الناتجة عن جلاء القوات الإيطالية عام 1915 خراب الجزء الأكبر من القرية، ما دفع أهلها إلى الاختباء بالمغارات المختلفة على غرار أهل نالوت. وللقرى الغربية للرياينة (أولاد ريان، العقيبة والفضلة)، وكلها جاثمة على نتوء صخري كلسي طوروني، تاريخاً موازياً ومشتركاً لا يخلو تحليله من فائدة. تعلو هذه القرى سطيحة واسعة مكسوة عن آخرها بأنقاض متعددة الأشكال، وبعض المساحات المزروعة تضاف إليها عينان مائيتان: عين العوينية وعين البيت، تدل عليهما باقتا النخيل. كان موقع هذه الأنقاض عادياً تماماً على غرار انقاض قرية صغيرة تدعى الخربة المتواجدة بعيداً نسبياً في عمق الوادي والتي لا تهمنا بهذا المقام. (1/296)
صفحة 297
في سفح أولاد ريان حيث يعيش أمازيغ معربين، نجد مجموعتان من الأنقاض تحيطان بعين العوينة (الرسم 24). الأولى توجد جهة الشرق وتدعى خربة بن فضيلة وهي حسب مزاعم بعض السكان قرية أمازيغية قديمة، والأخرى تدعى صافْحَة، ويقال أن "العرب" هم بناتها – لا ينبغي أن نستغرب لهذا التجاور بين قريتين، واحدة قديمة والثانية بناها الوافدون الجدد، وكلتاهما على ضفتي العين نفسها. بعد ذلك، وفي لحظة غير محددة، هجر هذان التجمعان السكنيان من قبل الساكنة، التي نزح جزء منها باتجاه الموقع الحصين للنتوء الصخري الذي يعلو الموقع إياه. تقع العين في هذا الأخير على منازل ضيقة جداً تحيط بمخازن متهاوية، وهوة محفورة حتى الصخر تحمي ساكنته من جهة الهضبة. تجاوزت حدود القرية تلك الهوة منذ قرن فقط. غير أن هذا الموقع المتواجد على نتوء صخري أجرد لا شيء يجذب فيه. فنذ 25 سنة وبعض السكان يحفرون المغارات بعمق يتراوح ما بين 500 إلى 1000 في اتجاه الخلف، وتسارعت وثيرة هذه العملية في السنوات الأخيرة إلى الحد الذي لم نعد نجد أسرة واحدة في بيتها حتى الوافدة منها والأقل قدماً.
للتجمع السكاني العكيبة البعيد عن أولاد ريان بكيلومترٍ واحدٍ تقريباً التاريخ نفسه، والمسار ذاته. إذ يعلو أنقاض أم الحويشات المجاورة لعين البيت وأسوة بأولاد ريان، شَرَعَ سكان العقيبة في ترك منازلهم بحثاً عن أرض أخرى بعيدة مئات الأمتار إلى الجنوب الشرقي. (1/297)
صفحة 298
القرية الثالثة وتدعى الفضل جاثمة على نتوء صخري كلسي إلى الشمال قليلاً من القريتين السابقتين، وتعلو وادياً صغيراً يوجد به بئران. يدّعِي سكانه وهم أمازيغ معربون، أنهم قدموا من خربة بن فضيلة، ومن المنصورة وهي القرية الرابعة في هذا المكان التي لم يبق منها إلا الأطلال، وتقع في منتصف الطريق بين القرية والعقيبة. من المحتمل جداً أن سكان المنصورة، حيث لا زلنا نشاهد قصراً جميلاً، ومدفناً إباضياً، ومعصرة زيت تحت الأرض، وبقايا منازل وبيوت كهفية، أتوا من هذا الجيل الأول من القرى الواقعة 50 متراً في اتجاه الأسفل. غير أن المنصورة لم تقوَ على مقاومة القلاقل اللاحقة وهجرها سكانها كما هو شأن أولاد ريان العيبة والفضل.
كل هذه الأمثلة على قلتها تقدم براهين ساطعة على ما نقول. فمن المؤكد أن القرى ابتعدت عن العيون تحت ضغط الضرورة القصوى. على اية حال، فالسرعة التي هجر بها الأهالي الموقع الجاثم منذ سنوات برهان ساطع على عدم ملاءمته لمتطلباتهم المعيشية.
التنقلات الأفقية : الأمثلة وافرة عن النزوح الأفقي لقرى الهضبة التي تنقلت باتجاه الموقع الحصين الأكثر قرباً. هكذا تنقلات تهم بالدرجة الأولى الجزء الشرقي للجبل الذي تتواجد به حتى اليوم قرى على الهضبة. غير أن قرية جريجن الأمازيغية في بلاد الحرابا قد شهدت التطور ذاته. فقد عاش سكانها في السابق بقصبة بوكريس الواقعة عل الهضبة يفصلها عن التجمع السكاني الحالي كيلومتر ونصف. عند قدوم "العرب"، حسبما ادعوا، هاجر جزء من السكان باتجاه تونس والباقي استقر على موقع حصين مجاور فوق شعب حفر عليه بئران، وهذا الموقع هو اليوم جريجن، (الصورتان 8 و32). (1/298)
صفحة 299
إلى الشرق عند الانقطاع العميق لوادي غادّو، نجد القطروس وهم أمازيغ الفياصلة والذين كانوا يقيمون في مساكن التي لا زالت بقاياها تشاهد من فوق الهضبة. كما أن السلامات حلت محل التجمع السكني المهم لخربة گترس الذي لم يكن بعيداً. القرابة نفسها موجودة لا محالة بين خربة العزابي يونس وتيندباس وهي قرية مجاورة للجمّاري وبين خربة أرجان ومزّو. ونميل إلى افتراض صلات مماثلة بين أنقاض معمورة وبلاكم وقرية تاغما غير أن هذه الأخيرة أكثر قدماً إذا صح ما يروى من أن مسجدها كان كنيسة قديمة(1).
__________
(1) - يراجع : [موتيلنسكي] ص75. (1/299)
صفحة 300
شهدت أولى قرى جادو تطورا مماثلاً وهي: تمزدا، رگرگ، وويفات المشرفة على الوادي وطابيبا وكل ساكنتها أمازيغ كابرا عن كابر. وقد تكون ساكنة تمزدا قد استقرت قبل ذلك في خربة الشيخ أبو منصور ولربما في التجمعين السكنيين المتداعيين المسميين حواريات(1). أما ساكنة رگرگ، قرية بمحاذاة تمزدا على الجانب الآخر لشعب به سبعة آبار، فيفترض أنها كانت تقيم بأنقاض بوگار وتايساگوت ودمّي الواقعة إلى الشرق أو إلى الشمال الشرقي، في حين يفترض أن أهل ويفات ينحدرون من خربة تارگ وخربة ميدل، وأنقاض الوادي الخصب الصغير أم طبول. وأغلب الظن أن ويفات ضاربة ايضاً في القدم حيث يقوم قصر ويفات على صرح مبني بناءً متقناً وبه قواعد برج متين وصهريج مغطى بالإسمنت لم يعد يبنى نظيره بالمنطقة منذ عدة قرون. يشار إلى أن التجمع السكني لويفات الذي كان يمتد على سطيحة سينومانية عليا بالقرب من بئرين غاصّتين بالمياه تمركز حول الشعفة الكلسية التي يشرف عليها القصر وقد بدأ اليوم في النزول مجدداً والجلاء عن المنحدرات التي كانت تقيم على الهضبة. تتحدث الروايات في كل مكان عن هجرة كثيفة إلى تونس وهو ما يؤكده حيازة أناس من جربة، تلك الجزيرة الأمازيغية الإباضية العديد من رسوم الملكية ذات الصلة بهذه المنطقة(2).
إن القرى التي وجدت أفضل المواقع الحصينة هي غالباً تلك المستعدة في وقت لمغادرتها بعد ذلك وهو ما ينطبق على القريتين الصغيرتين المتجاورتين طرميسا وشفي اللتان كانتا تتقاطعان على نتوأين صخريين، أشبه بالصراط، وغاية في الوعورة، ينقذفان انقذافا فوق الجفارة.
__________
(1) - كان مسجد تمزدا كنيسة حسب [موتيلنسكي] ص93، لكن ألم يخلط الرسول الأعظم (؟) وهذا المسجد، ورد عند [باسي]، ص91.
(2) - معلومة مستقاة من محمد الباروني في جادو وقد ذهب إلى جربه حاملا معه لمرات رسومه. (1/300)
صفحة 301
قد تكون طرميسا حلت محل القرية القديمة أم عيسى التي توجد أنقاض المعتبرة وسط غابة اشجار الزيتون(1) وهي اليوم مهجورة بدورها كذلك، سكان شفي غادروا قبل حوالي قرن موقعهم الرائع، لكن الغير الملائم للاقتراب من مجال الأغراس.
كل قرى هضبة الرجبان توجد في مواقع غريبة وشاذة، والحال أن هذه الهضبة تتناثر عليها تجمعات سكنية صغيرة متداعية منها إثنان يشدان انتباهنا لجهة سعتهما، والذكريات التي خلفاها، ويتعلق الأمر بميري وخربة إيدرف(2). والقرى الحالية انبثقت جميعها من هذه. فعلى سبيل المثال فقط، نشير إلى أن ميري أمدت أولاد عبد الجليل (زعفران) بثلث ساكنتها. كان أولاد مسعودة (زنتوت) يسكنون في خربة مسعود الزنتوتي الواقعة فقط على مسافة 400 متر وراء النتوء الصخري الذي تنتصب فيه منذ مدة طويلة مخازن محصنة هي اليوم عبارة عن حطام ومسجد. كانت القرية في جزءها الأعظم مسكناً كهفياً ويعود السكان الحاليون إلى عادات قديمة من خلال حفرهم للمغارات حيث بنى أسلافهم مغاراتهم في زمن مضى.
__________
(1) - مما لا شك فيه أن مسجد طرميسا كان فعلاً كنيسة. نقرأ عند [ موتيلنسكي] ما يلي : "طرميسا حيث يتواجد مسجد الرُسل وهو الأقدم في فساطو". جائز أن تكون طرميسا وأمي عيسى متعايشتين في الابداية، بعد ذلك صارت الأولى ملاذاً لجزء من ساكنة الثانية. الظاهر أن موقعها الذي يتخذ شكل مقدم السفينة ستكون له قيمة أكبر في زمن القلاقل منه في الأزمنة العادية.
(2) - يتعلق الأمر بإيدرف عند [موتيلنسكي] ص84 الملحوظة 2، وعند [باسي] ص106. (1/301)
صفحة 302
من الوارد جداً أن الأمثلة الدالة على القرابة بين القرى والأنقاض بجانبها عديدة ووافرة. لكن يجب الحذر من افتراض القرابة حيث الجوار ومن الوارد جداً أن الأهالي أنفسهم سقطوا أحياناً في هكذا فخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ليس ثمة بالضرورة تعاقباً مباشراً من قرية إلى قرية. ليس فقط لأنه من الوارد أن تكون القرية – الملاذ قد وجدت قبل ذلك، كما هو حال ويفات ولربما تاغما، بل لأنه من المحتمل جداً كذلك أن تكون القرية جارتها. لكن مهما قلنا عن مواطن النقص في كرونولوجيا نسبية، بكل الأحوال – بل ونسبية بشكل مفرط – فإن انزلاقات القرية المتواجدة على الهضبة نحو موقع حصين مجاور متواترة ومتكاثرة.
حالات من التطور المعقد : نجد أنفسنا أحياناً أمام تجمعات سكنية ذات تاريخ أشد تعقيداً وتينزغت مثالاً لافتاً عنها، فهي قرية صغيرة، ساكنتها مختلطة، وتشرف على إحدى الأودية الصغيرة لبلاد الحرابا. إنها شاهدة على جملة من التكيفات مع موقع شديد الخصوصية. على الهضبة وعلى بعد 500 متر جنوب التجمع السكني الحالي تمتد أنقاض "تينزغت القديمة"(1). في حين يشهد مسجد قديم تحت الأرض وبعض المغارات إلى الغرب على تواجد مركز صغير متاخم (الرسم 25).
__________
(1) - تينزغت القديمة مذكورة في "السير" نهاية القرن التاسع، راجع : [موتيلنسكي] ص102 الملحوظة 2. (1/302)
صفحة 303
في عصر يستحيل تحديده، شعر هذان المركزان بالحاجة إلى الانعزال على موقع حصين. والحال أن الكتلتان الضخمتان اللتان انفصلتا عن الجرف الكلسي للنتوء الصخري المجاور لا توفران موقعاً اقبل للولوج، وإحداهما لا زالت تعلوها أنقاض قصر وبرج مربع. تنغرس المنازل في المنحدر الشديد النازل باتجاه الشرق وتتسلق الكتلة الثانية، وأخيراً نجد مغارات محفورة في أعماق الصخر بسفح القرية الحالية. يحكي المسنون هنا بأنهم يجمعون الماشية مساء في الردهة الضيقة والعميقة العازلة بين الكتلتين المنفصلتين والجرف، لدينا هنا نمطاً لموقع حصين سواء إزاء الهضبة أو الوادي. لكن منذ نصف قرن صار البلد أكثر هدوءاً ولم يعد الناس يخافون من الغارات الرهيبة لآل ورغامة وشيد السكان على حافة الهضبة تينزغت ثالثة روعي فيها الفصل بين الأمازيغ و"العرب". أما اليوم فقد اقتصروا فيها على بناء المغارات في اتجاه المسجد القديم الموجود تحت الأرض على غرار معظم قرى الجبل.
شهدت ونزيرف على سطيحة هضبة الرحيبات تطوراً مماثلاً. فقد كانت في البداية قرية هضبة(1)، ثم التصقت بنتوء صخري كلسي معزول فوق وادي صغير. منذ حوالي قرنين شيدت على حافة الهضبة فوق موقع أكثر ملاءمة، غير أن السكان اليوم ميّالون فقط إلى بناء المغارات بنماذجها المتعددة خلف البيوت (الرسم 26).
في أيامنا، تتكون قرية أولاد عطية الرجبان من ضيعات متقاربة: تيركت القديمة، وهي الاسم السابق للقرية الحالية، تتسلق منحدرات كتلة منفصلة عن هضبة لا زالت تطوقها أنقاض المخازن المحصنة من كل جانب.
__________
(1) - كذلك ونزيرف مذكورة في "السير" وتعود إلى أواخر القرن التاسع أيضاً، يراجع : [موتيلنسكي] ص102 الملحوظة 1. (1/303)
صفحة 304
أما حالة قرية الجحيش فمعقدة ومتنوعة في آن. يتعلق الأمر بقرية جاثمة على نتوء صخري ضيق عبارة عن فج بين واديين صغيرين من أودية ككلة. يدّعي الأهالي أن أجدادهم اقاموا قبل ذلك في سندرال، وهي قرية قديمة بالشمال بها مخازن محصنة وصهريج فوق نتوء صخري يشرف على السهل.
بعد ذلك، اتجهوا للاستقرار في بلدتين جارتين على سفح وفي عمق الوادي الغربي بالقرب من بئرين (خربة مغروگ). بعد ذلك، احتاج السكان إلى ملاذ آمن فهجروا هاتان القريتان في اتجاه النتوء الصخري بالفج الجنوبي حيث تقع أعيننا على أنقاض المنازل. وأخيراً، تبين لهم أن الموقع الحصين جد ضيق فبنوا "جحيش" أخرى على النتوء الصخري بالشمال أكثر اتساعاً واستيعاباً لتجمعات سكنية إضافية. مما لاشك فيه أن الأهالي يخطئون عندما يزعمون أن أجدادهم قدموا من سندرال ذلك أن هذه القرية هي أصلاً من صنف القرى الملاذ على غرار الجحيش 1، والجحيش 2. والظاهر أن ناتجة عن الأسباب نفسها التي دفعت بساكنة الوادي إلى الصعود إلى الجحيش الأولى. في مطلق الأحوال فإن تنقلات القرى تتم دائماً في اتجاه الوادي الصغير نفسه المتاخم للمساحات المزروعة للأشجار (الرسم 27).
2- تشتت أو تمركز السكن؟
يصاحب نزوح القرى من موقع طبيعي إلى حد ما في اتجاه موقع دفاعي أساساً حركة واسعة للساكنة. فعادة ما يدل تنقل قرية على تنقل موازي سريع نسبياً لأسرها من موقع لآخر. وقد رأينا كيف أن تجمعات سكنية عدة ورثت من ساكنة العديد من القرى المتداعية، والباقي هاجر إلى مناطق نائية أو اندمج في مجموعات متمازجة. معنى ذلك أنه من الصعوبة بمكان، على الأقل الآن، التأكد مما إذا كان السكن مطبوعاً بالتشتت أو بالتمركز على كل حال، سجلنا أمثلة نافذة عن ظاهرة التشتت السكني في جادو، يفرن وككلة، والقريتان الأولتان تستحقان دراسة متأنية. (1/304)
صفحة 305
جادو ويفرن وككلة : تتجمع حول عين تموگت مجموعة من التجمعات السكنية وهي: جادو، والقصير، وأوشباري، ويوجلين وتموگت دون ذكر ئگناون التي بنيت في اتجاه الأسفل. والحال أن هذه القرى الخمس حلت محل التجمع السكني الهام جداً المسمى "جادو القديمة" التي تمتد أنقاضها إلى الخلف على هضبة قوامها كلس طوروني أعلى وطفل. تغطي هذه الأنقاض مساحة شاسعة نسبياً وهي عبارة عن أكوام من الحجارة والمغارات المخبئة لحقول صغيرة من الشعير وغطاء نباتي هزيل. غير أن ذوي الخبرة بالمكان يتبينون تصميمها الأصلي(1). في المركز، يشرئب مسجد مهيب وبجانبه حي تجاري (سوق) لا زالت أجزاءه ظاهرة للعيان، وفي الوسط بقايا منازل ومغارات كانت عبارة عن طابق جوفي، صهاريج لا زال واحد أو إثنان منهما مستعملان، بقايا أثر طريقين (شارعين) وأخيراً، أنقاض منزلين كانت تقيم بهما أسرتين من جادو الحالية بالقرب من السوق، موقع الحي اليهودي والبيعة والمقبرة الاسرائيلية المنفصلة عن مقابر المسلمين. باتجاه الشمال، يمتد حي خاص به مسجد يدعى جامع يوجلين وهو اسم نجده كذلك في إحدى القرى الخمس الحالية. أخيراً وعلى بعد 500 متر إلى الشمال الغربي تقع أعيننا على ضاحيتين صغيرتين هما: الگارة وهي تسمية دالة ولميالا. وقد كان هذا التجمع السكني لـ "جادو القديمة" اشهر من نار على علم قبل حوالي 12 قرناً.
__________
(1) - زرتها بمعية السيد محمد الباروني الذي يشهد له الجميع بغزارة علمه والذي أمدني بمعلومات وافرة عن فساطو. ذكر البكري جادو وسوقها وسكانها من اليهود، ص25. (1/305)
صفحة 306
للاسف، لا نعرف أي شيء عن دواعي وزمان التخلي عنه، كل ما نعرفه هو الآتي: تشرف على جادو الحالية أنقاض قصر ومسجد قديم لا زال المصلون يترددون عليه، وعلى أطرافه تتكدس المنازل الأقدم في القرية برمتها، ويعود تاريخ كل ذلك إلى نحو أربعة قرون. أما الحيان اللذان يشكلان أساسي التجمع فحديثان نسبياً وقد كانا منفصلان أصلاً. في التاريخ نفسه تقريباً، كان سكان يوجلين منهمكين في البحث عن ملاذ آمن في أقصى النتوء الصخري الوعر المشرف على ئگناون. غير أن هذه القرية الجديدة بعيدة عن مياه عين تموگت وهجرت منذ حوالي 150 عاماً في اتجاه موقع مجاور. كما أن القرى الصغيرة الأخرى وهي: الگصير، تموگت، وأوشباري تتحدر بشكل مباشر أو غير مباشر من جادو القديمة معنى ذلك أن انزلاق التجمع السكني القديم باتجاه حافة الهضبة كان مصحوباً بتشتت حقيقي.
القرى القريبة جداً من منطقة يفرن تحدرت بدورها، أو على الأقل بعضها، من "يفرن القديمة" التي كانت تغطي مساحة شاسعة ولا زالت آثارها شاهدة في القصير والبخابخا والقراديين والمعانيين وگصبة بن مادي وعلى الفضاءات الوسيطة. لا يتحدث التاريخ حسب علمي عن هذا التجمع السكني العريق، ويقول السكان بأن كل الوثائق ذات الصلة بالمنطقة تم إحراقها في العهد التركي، أو في تاريخ قريب جداً بل حتى الاسم اختفى وزال على ما يبدو(1).
__________
(1) - مافتئ النص الذي ترجمه [موتيلنسكي] عن قرى المنطقة يردد بأنها "وسط أكوام من الأنقاض" دون إضافة أي تدقيق آخر، كذلك القرويون يتحدثون عنها ويسمونها المدينة، [موتيلنسكي] ص76، أمدني الحاج سعيد الباروني قاضي يفرن وعلامتها بمعلومات عن المنطقة وجبل نفوسة عموماً فأنا له من الشاكرين. (1/306)
صفحة 307
تقع أعيننا على مكان قصر قديم وسوق ومسجد تبدل اسمها ثلاث مرات، وكذلك على بقايا بئر قديم ذي قطر كبير وهو نوع صار نادراً، وصهاريج، وبقايا حيطان قديمة، ومغارات عريقة تؤثث الأرض، والظاهر أن هذه الأخيرة كانت تصلح كطابق تحت الأرض أو كقبو. أسفل القصير، توجد بيعة قديمة منتصبة لا تزال وتدل على مكان الحارة القديمة. فالبيعة والمسجد هما همزة الوصل الوحيدة مع الماضي(1). كانت يفرن القديمة هي تقريباً التجمع السكني الوحيد بالمنطقة، أما اليوم فتنتشر فيها القرى كالفطر ولاتقع ابصارنا سوى على أنقاض بن داو الأقل أهمية على بعد بضع كيلومترات إلى الجنوب.
لا زالت أسماء من قبيل الگصير، الشگارنة وتاگربوست تدل على مجموعة من الأسر القادمة من يفرن القديمة ولا شك أن هناك أسرا أخرى في قرى عديدة. لم تغادر مجموعة من اليهود المكان والأسر اليهودية الوحيدة بجبل نفوسة هي التي تقيم في القرى المجاورة للگصير والمعانيين والشگارنة.
__________
(1) - يتحدث [ماتويزيلو] عن "مقبرة يهودية قديمة وجدت بها أدوات ,اشياء لها علاقة بالصياغة" ويضيف بأنها تعود إلى 800 عام، ص220. (1/307)
صفحة 308
لاشك أننا سنصادف تاريخاً مماثلاً في ككلة لو رفعت الحجب عن معطيات التاريخ. يقول الناس هنا بأن أهالي ككلة كانوا يقيمون جميعهم في خربة محاسنة، وهي تجمع سكني كبير لم يبق منه إلا حطام ممتد على الربوة الجنوبية للوادي الصغير لأولاد عمران، وهم اليوم موزعون على عدة ضيعات أو على قرى صغيرة. ما عاد في المنطقة كلها إلا آثار ثلاث مجموعات من الأنقاض. مجموعتان في وادي السوادنة والثالثة في الظهرة التي تدعى "هنشير". من المؤكد أن أهل ككلة جميعاً منحدرون من تجمع سكني واحد، ومن المحتمل جداً أن جماعات من أهل الضيعات لم تتحرك من مكانها منذ قرون عديدة. ومع ذلك نجد أنفسنا هنا إزاء تشتت سكني لا غبار عليه مماثل لنظيره في يفرن وجادو. لكن، وعلى غرار يفرن، لا يسعنا القول بأن الضيعات أو القرى الحالي هي نتيجة مباشرة دائمة لهجران التجمع السكني القديم.
حالات التمركز : نخلص انطلاقاً من هذه الأمثلة الثلاثة إلى الإقرار بتواجد تشتت سكني عام. من المؤكد أن التجمعات السكنية القوية الثلاثة، وإثنتان منها على الأقل كانت مدناً، حل محلها عدد هائل من القرى والضيعات. ومع ذلك، فقد رأينا قبل قليل كيف ورثت القرى الحالية من جزء على الاقل من الساكنة عدداً من التجمعات السكنية المتداعية. من الوارد أيضاً أن نجد أمثلة نادرة عن انصهار القرى فيما بينها.
نفترض أن عمر ئگناون هو 12 قرناً والتجمع السكني الحالي الحامل للإسم نفسه هو وريث القرية الأولى التي كانت متواجدة بجواره، وقد استقبل حديثاً أي منذ حوالي قرن ساكنة ضيعة مجاورة بعيدة عن العيون المائية وتدعى لگلنديا التي أنشأها بجورها آل ئگناون. (1/308)
صفحة 309
كان سكان تاكبال بككلة يقيمون في البداية بضيعات ويمتلكون قصرين، وقد قربهم إحساسهم بالخطر فبنوا قصراً وقرية مشتركة على الربوة التي لا زالوا يتواجدون بها حتى اليوم. على بعد كيلومترات، نجد القصور التي هي عبارة عن انصهار لثلاث مجموعات من الساكنة على موقع محصن وقد كانت فيما مضى منفصلة، لكل واحدة منها قصرها.
توجد هذه الأمثلة الثلاثة القليلة الأهمية واثنان منهما على هامش نفوسة في حالة يرثى لها بجانب الحالات الثلاث المذكورة فوق. أكيد أن ثمة أخرى وأخرى فعدد القرى المتداعية من كاباو إلى الرياينة يفوق بما لا يقاس عدد القرى الحالية. سوف نعمل على مقاربتها لاحقاً(1) وفي انتظار ذلك نمتنع هنا عن الإدلاء بأية خلاصات عامة.
3- قرى أعيد بنائها في عين المكان
__________
(1) - أنظر الفصل الموالي. (1/309)
صفحة 310
في الأخير، لايمكن أن نضرب صفحاً عن أربع قرى أعيد بناءها في مكان التجمعات السكنية القديمة نفسها والتي تتميز بكونها قرى-هضبة مبنية على الطوروني الأعلى فوق مرتفع غير محصن إطلاقاً. من المؤكد أن القرى الأربع أتت بعد مدة متوسطة من هجران الأنقاض التي تغطيها. فالخربة وهي المركز الرئيسي للرحيبات بنيت على موقع "أمسين القديمة"(1) والتي تضم أنقاضها، من بين ما تضم، بقايا مسجد وصهاريج ولا زال الناس يتذكرون فيها مكان السوق والحي اليهودي. تدل تسمية الخربة على أن التجمع السكني الجديد الذي أسسه المدعو الحاج من بني زوغبة، حسب ادعاءات الأهالي، كان قد هُجِر منذ زمن معين. الشيء نفسه يصح بالنسبة لمزغورا وهي واحدة من مديريات جادو. تقول الرواية الشفوية بأن سكان التجمع الأول انصرفوا وبعضهم لجأ إلى ويفات وتضيف بأنه قبل 700 عام قدم الأمازيغ الذين خرجوا من يوجلين (عن أي يوجلين يتحدثون؟) إلى البلد وسكنوا في المغارات التي لم تتهدم وزادو عليها منازلاً. لاتتطابق هذه الرواية جيداً مع المعطيات المأخوذة من أماكن أخرى غير أنها تؤكد غياب الاستمرارية بين القرى(2).
__________
(1) - يكتبها [موتيلنسكي] في نصه المترجم (مسين) ص96، وفي السير (ماسين)، المرجع نفسه، ملحوظة 1 ص96. فهل يتعلق الأمر ب "ماسيف" الواردة عند بن حوقل ص245.
(2) - المسجد القديم يسمى باسم أبو منصور إلياس وهو شخصية مهمة بجبل نفوسة في العصر الرستمي في القرنين 8 و 9، [موتيلنسكي] يكتبها (مذكور)، ص91 والملحوظة 3. (1/310)
صفحة 311
تطور تارديا مؤكد أكثر من غيره ويستحق منا معالجة دقيقة. يتعلق الأمر بمركز الرجبان، وتقع على غرار مزغورا على الهضبة وبمحاذاة الجرف الذي يشرف مباشرة على السهل. توجد كذلك عند نهاية غابة من أشجار الزيتون التي ينمو مجملها على تربة مرملة خفيفة. هذا الموقع الطبيعي هو موقع تجمع سكني كثيف تتواجد بقاياه في مكان تارديا اليوم بملحقاته ذات الإسم الدال (الگصبة) وبخربته أيضاً وما جاورهما حتى الوصول إلى المديرية الجديدة. تحت المسجد الحالي، نجد مجدداً القاعدة المستطيلة للمسجد الإباضي القديم المتجه وجهات شتى، وفي كل مكان بقايا بيوتات وصهاريج ومغارات شبه متداعية. أما السوق فيدل عليه رسم ملكية قديم، بل يؤكد البعض إمعاناً في الدقة بأنهم وجدوا مسامير كانت تعلق منها قطع اللحم.
خلف تارديا القديمة تجمع سكني متكدس حول قصر على نتوء صخري مجاور هو الموقع الحصين الذي حل محل الموقع العادي. وقد توسع هذا التجمع رويداً رويداً إلى أن طال الهضبة. وأحدث هذه التجمعات لا زال مأهولاً بجماعة ناطقة بالأمازيغية من المنطقة نفسها، بينما يغطي تجمع أحدث منه جزءاً من الموقع الأول، يسكنه المعربون ويعود تاريخه إلى حوالي ثلاثة قرون وفي كل هذه الأمثلة، يواجهنا الميل نفسه عند الكثير من القرى التي تعود إلى موقعها الأول بعد إقامة طويلة نسبياً في الموقع الدفاعي أو الحصين. وتبرز معالم هذا التطور حسب الظروف المحلية لكل حالة أو مجموعة من الحالات.
بنيت تازمرايت وهي قرية قديمة تابعة للقصير ويبلغ عمرها قرنان ونصف فقط على موقع لتجمع سكني قديم ومهجور منذ زمن طويل لا زال يشار فيه إلى المسجد وقصرين وبئر "رومانية" محفورة بالصخر(1).
4- خلاصة
__________
(1) - ميتر وهو اسم البئر وكتاب السير يتحدث عن "مكان في الجبل يدعى أميتيرن أو ميتيرن" أنظر : [موتيلنسكي] ص74، ملحوظة 2. المسجد هو مسجد الرسول أو الرسالة (؟). (1/311)
صفحة 312
من الأمثلة المحللة أعلاه، نستخلص بأن التجمعات السكنية تنقلت بسهولة لافتة، بل العديد منها بدل موقعه لثلاث مرات. فكيفما كانت الظروف التي دفعتها إلى ذلك – غزوات، غارات، انعدام الأمن ثماني سنوات متوالية – لا يفوتنا ملاحظة كيف أن الأهالي غير مشتبثين كثيراً بقراهم ومنازلهم.
هي ذي الحقيقة. لا شك في أن سكان جبل نفوسة لم يكونوا أبداً مستقرين بالمعنى الكامل للإستقرار، والأكيد أنهم لم يتشبثوا أبداً بزيادة عن اللزوم ببيوتاتهم. والدليل الناصع هو الغياب الكلي للحصون في هذا البلد الذي كان يعيش دائماً تحت طائلة التهديد، ويفضل أهله تغيير أماكن قراهم على تحصينها.
قد يبدو غياب الحصن مفارقة غير قابلة للتفسير وعبثية. لكن المنزل، في أعين الرحل أو اشباه الرحل، مسألة قليلة الأهمية إذ يعاد بناءه بسهولة، وإذا استحال ذلك تحفر حفرة في الأرض ونحصل على مسكن كهفي. ما تجب حمايته ليس هو البيت بل القوت، لذلك تحصن المخازن. يقع القصر دائماً في النقطة الأكثر وعورة والموقع الدفاعي "الحصين" بقي المنازل إلى حد ما. غير أن المنازل عاجزة عن حماية القصر بتكدسها حوله(1).
__________
(1) - بل تجد أمثلة عن قرى هُجِرَت مباشرة بعد الشروع في بنائها، من الأهمية بمكان معرفة الأسباب، فقد شرع سكان الفضل (الرياينة) في زمن ولى في بناء قرية على نتوء صخري يقع في الشمال، غير أنهم اختاروا بعد ذلك الموقع الحالي بسبب إشكال له علاقة إما بالزاوية (الضريح) أو الزعيم، كذلك بدأت أسر الگصير التي أسست تاغما، في تشييد مباني على ربوة مجاورة وتوقفت الأشغال بعد ذلك. (1/312)
صفحة 313
فرضية الاعتداءات الهمجية غير واردة تماماً ولا تفسر تنقلات السكان. صحيح أنه سجلت حالات تخريب عديدة تشهد عليها هذه الأكوام المتراكمة من الأنقاض بفعل اندلاع الاضطرابات حوالي عام 1920، غير أن الانعدام المتواصل للأمن بفعل الغارات المتكررة كاف لمغادرة المنازل – ولانقول الإقامة - لأنها تخص المستقرين في حين يحمل الرحل معهم "إقامتهم" حيثما ذهبوا سواء كانت بيتاً أو خيمةً أو مغارةً.
بطبيعة الحال، فالقرويون الممارسون للغرس لا يريدون الابتعاد عن أشجارهم، ولامناص من بقائهم بالقرب من مصادر المياه، فإذا لم يجبروا على الهروب أو النزوح المتواتر كما راينا تواً فإنه يتجهون إلى الموقع الدفاعي الأقرب للإستقرار فيه سواء كان نتوءاً صخرياً منقذفاً فوق الفراغ على ارتفاع مئات الأمتار أو الربوة الأقرب التي تشرف على الهضبة.
تمت تنقلات القرى وهي عديدة طبقاً للطرق المتنوعة التي اجتهدنا في التمييز بينها. عموماً، ترسيمة التطور بسيطة ويمكن اختصارها في كلمات. كان لمعظم التجمعات السكنية القديمة موقعاً طبيعياً بالقرب من العيون أو بمحاذاة مساحات قابلة للزراعة على الهضبة وكانت تزخر بالمساكن الكهفية. دفع انعدام الأمن أو قلته والاضطرابات إلى البحث عن أماكن محصنة فجثمت القرى على نتوءات صخرية شديدة الوعورة وأشرف القصر دائماً على المساكن حيث كان للمغارات أشكالاً استثنائية. تمخض عن الهدوء النسبي السائد منذ نصف قرن والسكنية الكاملة منذ 1924 هجران للمنازل وإقبال منقطع النظير على المساكن الكهفية بأنواعها المتعددة. عادة ما يكون مكان المغارات محايثاً للموقع الأول والمساكن متكدسة ومتحلِّقة حول المواقع الجاثمة وبدأ التخلي عنها منذ مغادرة السكان نتوءات الجبل وإقبالهم الشديد على المساكن الكهفية. (1/313)
صفحة 314
الآن اتضح لنا وضوحاً كاملاً التطور العام للقرى. يبقى أنه من الصعب جداً تحديد زمان هذه التنقلات بدقة. لذلك استعنا بالروايات الشفوية التي تؤكد أن البحث عن موقع ناتئ لم يحصل في كل مكان، وفي الوقت نفسه في حين بدا لنا أن عمر القرى الجاثمة المتحدرة من التجمعات المجاورة للموقع الطبيعي يربو عن ثلاثة قرون أي منذ نهاية القرن 16 على أبعد تقدير. وبما أن غزوات بني هلال وبني سليم وصلت اصداءها الأولى منذ القرن 11. فقد تطلب الأمر حوالي 400 سنة لتتنقل القرى بحثاً عن موقع مأمون. صحيح أن الحركة الحالية هجران المواقع الجاثمة حديثة نسبياً، غير أنها انطلقت بشكل خجول منذ حوالي نصف قرن وليس قبل ذلك إلا فيما ندر.
نحن بصدد البحث عن إطار لهذه الملاحظات فلجأنا إلى عملية جرد لتطور الحياة في جبل نفوسة استناداً على المعطيات التاريخية الفقيرة المتوفرة لدينا. تبقى مساءلة الأنقاض المتناثرة هنا وهناك على امتداد البلد وكلنا أمل في أن الأخلاط المتبقية منها والمجهولة الأصل والمصدر ليست بالجمود الذي نتصوره.
الفصل الرابع
السكن القديم
1- مشكلة الأنقاض
وقفنا على خصائص السكن الحالي الذي هو، في جزءه الأعظم، نتاج للإضطرابات المتعاقبة التالية لوصول موجة جديدة من الرحل، ولثماني قرون من غياب الأمن واشتداد المواجهات. واستوعبنا في حالات معينة أسباب ودواعي الانتقال من سكن سابق إلى الوضعية الحالية الماثلة للأعين. بقيت الإشارة إلى خصائص السكن القديم، الذي سبق لدراسة تنقلات القرى أن أبان عن أهميته، وهو ما سنقوم به من خلال مقاربة الأنقاض المتناثرة على امتداد أراضي المنطقة. (1/314)
صفحة 315
ملاحظات أولية : يظهر توزع التجمعات السكنية المتداعية على الخريطة للوهلة الأولى أعدادها الكبيرة (اللوحة XX)؛ فهناك من القرى المتداعية بقدر المساكن المأهولة، ونضيف إلى ذلك أن العديد من التجمعات السكنية الحالية قديمة جداً، يعود تاريخها إلى الجيل الأول من السكن الذي لم يتبق منه إلا هذه الأكوام من الأنقاض.
وبالمقابل، تنبغي الإشارة أيضاً إلى أن القرى المتداعية لاتعود كلها إلى فترة واحدة، وبأن خرابها وهجرانها من الوارد أن يحصلا قبل أو بعد اجتياحات القرن 11. فالسهولة التي كانت التجمعات السكنية تتنقل بها طيلة ثمانية قرون، والصراعات بين القرى التي تحكي عنها النصوص في وقت لم تصل فيه بعد الساكنة الجديدة، أو الوافدون الجدد، واستحالة كرونولوجيا تسمح بمعالجة الأنقاض المتراكمة والمتناظرة؛ كل هذه العوامل تدعونا إلى المزيد من الحذر وإلى عدم التعامل المسبق مع كل القرى على أنها معاصرة، والتي لا يشهد على وجودها القديم إلا هذه الأكوام من الحجارة.
فعندما نستفسر سكان نفوسة نتوصل دائماً بالأجوبة نفسها. بعضها يقول: خربت القرى "عند وصول العرب" ودون تحديد التاريخ يضيف: "منذ زمن بعيدّ. لكن كل الأهالي متفقون على أن كل القرى المتداعية اليوم كانت موجودة قبل القرن 11 إلا بعض الاستثناءات القليلة جداً.
بطبيعة الحال، من الواجب الاحتراس من الرواية الشفوية. فالوقائع تبسط وتختزل في عقول الريفيين. غير أنني فوجئت بالتطابق الكامل بين معلومات الريفيين وتلك المتضمنة في الوثائق التاريخية بين يدي. (1/315)
صفحة 316
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أرى أنه من الأهمية بمكان تقصي موقع القرى وهذا ما سلط عليه الفصل السابق أضواء كاشفة. فمما لا شك فيه أن القرى الجاثمة تعود إلى تاريخ قديم إذ لا تنتمي كل القرى الجاثمة اليوم للجيل الثاني المتمخض عن الاضطرابات المتلاحقة التالية لقدوم قبائل بني هلال وبني سليم إلى إقليم طرابلس. غير أن الرواية الشفوية والنصوص تتطابقان مع الحفريات في البرهنة على أن المواقع القديمة للتجمعات السكنية تتواجد عموماً وسط الأشجار، سواء على امتداد منحدرات الأودية بالغرب أو على الهضبة نفسها بالشرق.
هناك إذن جيلان من القرى وإن كان من المتعذر معرفة ما إذا كانت بعض قرى الجيل الأول قد تحولت أصلاً إلى أنقاض عقب تناحرات داخلية وخصوصاً منها تلك الهجمات المدعومة ضد قوات الأغالبة والفاطميين بالقرنين التاسع والعاشر. نفترض بحذر أن ثمة بعضاً من مثل هذه القرى.
أخيراً، سنرى، وقد سبق أن راينا مثالاً عن ذلك في غرب الرياينة، كيف أن قرى من الجيل الثاني دمرت قبل بضعة قرون فقط، بل إن مجموعة من أنقاض بلاد الزنتان تعود فقط إلى القرن الماضي، بعد أن قام العساكر الأتراك بقمع انتفاضة القائد غوما. هذه الملاحظات الأولية ضرورية قبل الإقدام الحذر على دراسة مسألة توزع القرى المتداعية، واستخلاص النتائج الفائقة الأهمية منها.
التوزع العام للقرى المتداعية : الأنقاض نادرة على طرفي المنطقة المدروسة. تكاد تكون غير موجودة في مديرتي نالوت ووازّن ولانجدها إلا بالقرب من القرى الحالية كنالوت وغزاية. بالأمس كما باليوم، لا نستطيع العيش بأعداد كبيرة في هذه المنطقة الشبه صحراوية، وكل تجمع سكني، في بلد لا تمتلئ صهاريجه بمياه الأمطار دائماً، لن يستغني عن محاذاة مصادر المياه النادرة أصلاً من قبيل العيون والآبار. (1/316)
صفحة 317
تفسر ندرة الأنقاض بالحدود الشرقية لجبل نفوسة في منطقتي يفرن وككلة بأسباب مختلفة. الظاهر أن هذه المناطق عانت أقل من حالة انعدام الأمن وشيوع القلاقل مقارنة مع الجزء الغربي للجبل. ونتذكر بأن حقول الأنقاض بالجهة الشرقية شاسعة فعلاً، لكنها قليلة بالنظر إلى أن السكن القديم كان على العموم أكثر تركزاً.
بالمقابل، تتناسل أكوام الحجارة الشاهدة إلى حد ما عن وضع قديم من وادي المجابرة غرب كاباو إلى وادي الخلايفة جنوب غرب يفرن، إذ أن أعدادها تفوق أحياناً عدد القرى الحالية. غير أن تفحصها يظهر مباشرة تمايزات أساسية ناتجة عن اختلافات بين المواقع لا تسمح نواقص الملحقة بمشاهدتها في كل قوتها. فالجزء الغربي من الجبل هو أساساً في بلاد قرى الأودية، في حين أن الجزء الشرقي هو بالدرجة الأولى موطن قرى بالهضبة. الحدود بارزة بين الجزءين من خلال الانقطاع العميق لوادي جادو وما يفرض القيام بدراسة محلية.
2- القرى المتداعية لنفوسة الغربية
يتمركز الجزء الأكبر من القرى في النصف الغربي للجبل في هذه الوحدات الطبيعية التي تمثلها الأودية العميقة والعريضة في آن واحد. مساحة قليلة جداً قابلة للاستعمال على الهضبة، والأشجار المثمرة لا تورق إلا على امتداد الأودية الصغرة، وفي كل مكان لاتقع أعيننا إلا على مراعي هزيلة، لا عيون ولا آبار بل حتى الصهاريج لا تمتلئ دائماً. بالمقابل، تتوفر الأودية على بعض العيون، ومن السهل نسبياً حفر آبار فيها سيما وأن انسياب مياه الأمطار وتهيئة الصفوح والأعماق يسمحان باستخلاص أكبر الفوائد في بلد تحول طبيعة أرضه ومناخه دون الزراعة الجافة. فحيثما تحيط التجمعات السكنية اليوم بالنتوءات الكلسية فإن قرى الأمس الوافرة تحتل السفوح وسطيحات الأودية. (1/317)
صفحة 318
وادي شروس : (الرسم 28) لنبدأ بعبور وادي شروس المهم بالجبل بعد وادي غادّو، وادي عريض على الأقل في سافلته ويمتد على مسافة 20 كيلومترا، حيث تختفي أقل السطائح واسفل السفوح، وكذلك العمق تحت سمك لافت من التربة الحمراء. تعتبر هذه المنطقة الصغيرة خالية من السكان اليوم، ذلك أن أم صوفار التي تنغرس بعض منازلها على الضفة اليمنى لمنحدرات كلس نالوت والطفل اسفله، وكذلك تندمّيرا التي تختفي في واد صغير الرافد لا تضمان إلا عشرات العوائل، والحال أن الوادي نفسه يحتوي على أنقاض شروس (بومعروف اليوم) الذي كان بالأمس المركز الأكثر شهرة بجبل نفوسة(1) وكذلك بقايا ست قرى صغيرة وعدة قصور.
تماثل أنقاض شروس الممتدة نظيرتها في جادو ويفرن القديم، يتعلق الأمر بمدينة صغيرة أو بالأحرى ببلدة. تغطي أطلالها نتوءاً صخرياً واسعاً ومسطحاً قوامه طفل وكلس سينوماني يشرف نسبياً على ملتقى وادي شروس والوادي الصغير وسانية القصبة. الموقع طبيعي برمته. كان من الممكن أن تكون المشكلة الوحيدة هنا هي المياه بالنظر إلى خلو المنطقة من العيون، غير أن آبار سانية القصبة غير بعيدة عن المكان هي وآبار أخرى في عمق الوادي. فضلاً عن ذلك، نجد آباراً وصهاريج مغطاة بالرمال والتربة الحمراء بكل مكان، كما أن الصهاريج كثيرة وأحياناً كبيرة جداً مدفونة تحت أنقاض المنازل.
__________
(1) - راجع ما سيأتي : الجزء الرابع، الفصل الأول. (1/318)
صفحة 319
وبما أن شروس بعيدة عن المراكز المأهولة فقد حافظت على نفسها من التقلبات والتغيرات، ومن السهولة بمكان إعادة تشكيل تصميمها. قصر ومسجد يرمزان إلى المركز كما هو معتاد. القصر جاثم على شعفة كلسية تشرف على نتوء صخري طفلي، ولا ضير من الإشارة إلى أن شروس هي البلدة القديمة والضخمة الوحيدة المتوفرة على مخازن محصنة، إذ لا تتوفر عليهما لا جادو القديمة ولا يفرن القديمة. وهذا الاختلاف يؤكد جيداً أن المخازن المحصنة غير ناتجة عن انعدام الأمن بل تلبي حاجيات السكان في التنقل المتواصل.
والحال أن سكان شروس يتواجدون أصلاً في بلد أكثر جفافاً من جادو القديمة، وسنرى لاحقاً كيف أنهم اضطروا لاستعمال الموارد المائية للظهر والجفارة أكثر من أهالي اليوم. بمحاذاة القصر ينتصب الجامع الأكبر الذي يدل علوه وأجنحته الخمسة عن ما كان له من أهمية في زمن مضى. يمتد جهة الشرق حي الأشغال، وثلة من صفوف الحجارة وحدها، في شكل مستطيل وحدها الدالة على تواجد السوق. وبالقرب منها، لا زال الناس يشيرون بالأصبع إلى الحي اليهودي ذي المنازل المقببة الجيدة البناء والأكثر تماسكاً. في كل مكان، نجد الأكوام الحجرية للتجمعات السكنية المنهارة، ومن خلالها نتبين هنا وهناك بقايا قبب. تمتد المنازل حتى الجرف الطفلي – الحثي المشرف على هضبة شروس، وهنا تجد المساكن الكهفية المغطاة في معظمها بالمهيلات وقد حفر لها على الدكة الحثية الكلسية الحاملة للقصر على مسافة بعيدة من هنا. أما المغارات ذات السقف الدائري والمقبب فتتخذ شكل منازل تحت سطح الأرض.
تتحدث الرواية الشفوية عن 10.000 نسمة في شروس القديمة، أما إذا قارنا مساحتها بمساحة القرى الحالية – وهو إجراء بدائي في كل الأحوال – فإننا نميل إلى ترجيح أقل من 6000 نسمة. يكفي الانطلاق من حجم المسجد والسوق والقصر للتأكد من أهمية شروس قديماً في غياب مؤشرات دقيقة للمؤرخين. (1/319)
صفحة 320
تضاف إلى هذه المدينة القديمة حوالي ست قرى صغيرة تتراكم بقاياها على راس ربوة فوق سطيحة من السينوماني الأعلى أو بالقرب من العمق جهة الأسفل بدءاً، نجد أم زرگين التي لم تكن سوى ضاحية شروس، بعدها باتجاه عالية الوادي نجد تيدغت المحاط قصرها المنهار ببقايا منازل وعلى قمة نتوء صخري مجاور تنتصب مخلفات قصر يحمل الاسم نفسه.
في سافلة شروس وعلى الضفة اليمنى، أول ما نصادفه هو التجمع السكني لوگبيل ومخلفاً قصرين، وبعده ززيرا التي كانت قرية مهمة، وتقع على سفح شبه جزيرة صخرية، ولا زلنا نشاهد فيها مسجدين(1) على الضفة اليسرى، نجد هنشير، ودرومن وغتّارا، وهي تجمعات سكنية متواضعة جداً تقع أسفل الصفح الغربي.
ثم هناك ايضاً كلس نالوت الذي لا زال يحمل أنقاض قصر تيدغت المومأ إليه فوق، وإلى الشمال من شروس أنقاض قصر ويلم وقصر التير المتميزة بالكاد عن الصخور الضيقة التي تشرف عليها (أي الأنقاض)، وأنقاض الأول محاطة ببعض المساكن. الظاهر أن هذه "القصور" والمنازل الجاثمة على نتوءات صخرية رهيبة ووعرة هي عبارة عن ملاذات آمنة، وقد شيدت بعد التجمعات السكنية المذكورة. فقد التجأ أهل تيدغت إلى قصر تيدغت وكان قصر ويلم نعم الملاذ لساكنة شروس. وإذا أردنا كشف النقاب عن السكن القديم بالوادي ما علينا إلا تقويض هذه القصور.
__________
(1) - [موتيلنسكي] ص102 يقول في الملاحظة الرابعة (تدرج كنيسة الجزيرة ضمن البقاع المقدسة بجبل نفوسة) وكذلك [باسي] ص453. غير أن هنالك جزيرتين مفترضتين كلتاهما مجاورة للأخرى. ززيرا التي يتعلق بها الأمر هنا وبگالا الحاثمة على صخرة محاطة بمنعطف حبيس وتسمى أزازيرا وهي تحريف للجزيرة، خلافا لـ [موتيلنسكي] أعتقد أن الجزيرة وززيرا شيء واحد، وأن المسجد الذي لا زال قائماً هو الكنيسة القديمة المقصودة هنا،. نشير أيضاً إلى خطأ وارد في النص لذي ترجمه [موتيلنسكي] إذ وضع بگلا مكان مرگس والعكس بالعكس. (1/320)
صفحة 321
والوادي الذي كان بالأمس مدينة مأهولة بـ 7000 نسمة، وحوالي عشر قرى تضم ما يربو عن 1000 نسمة، لايتجاوز عدد سكانه اليوم 500 نسمة موزعين بين بلدتين. 7000 بالأمس و500 اليوم، لا شك أن الفرق الشاسع حتى وإن افترضنا حسبما يشاع أن قرية إلى ثلاث قرى صارت قاعاً صفصفاً قبل القرن الخادي عشر.
يعتبر وادي شروس الحي المكاني الذي يمكن أن نقيس فيه الفارق الحاصل بين ساكنة أمس وساكنة اليوم، علماً بأنه ليس الوحيد إذ توجد ثلاث تجمعات أخرى حديثة العهد لامحالة في الوادي الواقع أسفل قرية طمژين(1) الحالية، وتصلح أيضاً لهكذا قياس. فالوادي الذي تشرف عليه فرسطا كان يضم خمس قرى فوق سطيحة أو شعفة من السينوماني الأعلى(2) صار اليوم مجرد تجمع سكني صغير. الملاحظات نفسها تصدق على واديي بورغوا والشيخ الممتدين إلى الغرب من كاباو وهما مفيدان أيضاً من زاوية أخرى.
واديا بورغوا والشيخ : (الرسم 29) عندما تنزل من قرية كاباو المهمة في اتجاه الوادي الصغير المحفور عند قدميها نستطيع قطع كيلومترات وكيلومترات دون مصادفة أي تجمع سكاني مهما قل شأنه. فسواء هبطنا على امتداد وادي بورغوا أو صعدنا إلى وادي الشيخ لا شيء تقع عليه العين سوى الأنقاض بعضها فوق البعض. في غمرة ذلك، نتساءل ما هذه الريح الصرصر التي أتت هنا على الأخضر واليابس إلا من رجل من كاباو يعتني بأشجاره أو من باقات نخيل وثلة من بساتين تين تعطي بعض الخضرة لهذا المشهد القاحل والمتوحش.
__________
(1) - خربة زملة لغنم، الحاج محمد راندوش.
(2) - خربة تبرس الشرماش ، ززيرا الجارون. (1/321)
صفحة 322
بوادي بورغوا نمطان من المساكن المتداعية. المساكن الأولى توجد في عقر الوادي نفسه، والثانية تتسلق الجرف الكلسي الذي يشرف عليها من كل جانب بنتوءه الممتد. في مصب الوادي على السهل تقع العين على مخلفات قرية بورغوا قوامها أكوام من الحجارة ومغارات قديمة، أنقاض قصر ومسجد كهفي عتيق يضم بقايا جثمان شيخ مبجل يدعى الشيخ بورغوا. هذا كل ما تبقى من بورغوا القديمة التي لم تكن تذوق طعم الحياة إلا اسابيع سنوياً عند مقدم أهل كاباو للإستقرار مؤقتاً في مغاراتهم. مزروعات اليوم قليلة جداً مقارنة مع مثيلاتها بالأمس ولا زال بمقدور العين أن تتملى صفوفاً من القطع المزروعة وتحتفظ بالمياه الجارية. ويؤكد الأهالي تواجد مئات الآبار بالمكان – 101 توخياً للدقة – لم يتبق منها سوى أربعة والباقي متهدم أو مملوء عن آخره بالحجارة وما شابه.
عند ملتقى الوادي الصغير لكاباو والوادي الرئيسي تتراكم ثلاثة أنواع من الأنقاض أسفلها أنقاض لوبارين المتناثرة على مقربة من الآبار على امتداد سطيحة عريضة من التربة الحمراء مزروعة جزئياً اليوم. الموقع طبيعي وعلى نتوء طفلي رخو نسبياً يقتفي أثر مسلك صاعد متعرج ووعر توجد مخلفات خربة بن عين قوامها قصران ومسجد ما يزال قائم البنيان وبقايا منازل متعاقبة على السطيحة من السينوماني الأعلى العريضة نسبياً. وباتجاهنا نحو الأعلى، نجد قصراً متهاوياً مشرفاً على النتوء الكلسي لنالوت الواقع فوق، ملتقى الواديين ومغارات محفورة على مستوى الصخر وبقايا حيطان منازل في مراحل انهيارها الأخيرة. إننا هنا إزاء جيلين من القرى بله ثلاثة. فالقصر والمساكن العليا كانت عبارة عن ملاذ آمن لسكان القرى المتواجدة بالأسفل، بل من الوارد جداً أن يكون أهل لوبارين قد احتموا بـ بن عين لتوفره على قصرين. يدفعنا صمت النصوص والروايات الشفوية إلى افتراض فرضيات كثيرة. (1/322)
صفحة 323
يحمل السفح الأيسر لوادي بورغوا على سطيحتين صغيرتين خربة مماسين المحاط قصره بأنقاض البيوت، وقصر شواط الذي هو عبارة عن ركام من الأنقاض التي لا زالت تشرف عليها مخلفات جُرج مربع.
يحمل كلس نالوت أيضاً مجموعة من الأنقاض. يؤطر نتوءان فوقهما قصران متهاويان مصب الوادي على مستوى السهل. القصر على اليمين يدعى أتارشو، ومحاط بمجموعة من المغارات والمنازل المتداعية، والذي على الشمال يدعى عبد الغني أو الأنگار وهو جاثم على قمة ذات شكل زاوي يتعين للوصول إليها استعمال اليدين نظراً لانعدام مسلك أو سُلّم، القصر الذي تنغرس مخازنه واحداً فوق الآخر في صخرٍ منيعٍ جداً، وإذا توفر فيه صهريج فبالإمكان العيش بداخله لمدة طويلة. مجموعة من المغارات محفورة في دواخل الكلس، والمنازل متدلية بالكامل من الصخر. عش النسر هنا هو الملاذ النموذجي، ويعلو فوق سطيحة صغيرة قابلة للزراعة، غير أنها مهجورة اليوم، كما نجد بداخله قناة صغيرة كانت تحمل الماء الجاري. اصعب خربة يمكن الولوج إليها هي خربة بلتاشين وهي عبارة عن تجمع سكني على حافة الجرف على بعد 8 كيلومتر من عالية الوادي. (1/323)
صفحة 324
يدهشنا عدد التجمعات السكنية المتداعية وكلها كانت متواضعة. غير أننا في واقع الأمر إزاء جيلين من القرى على الأقل. قرى الأعلى هي قرى – ملاذات على غرار تلك التي لا زالت موجودة حتى اليوم، موقعها جاثم وأحياناً طريقها غير سالك، وبعدها عن العيون لا يسمح بإعطاء شروحات أخرى عنها. كان بالأمس سكان العمق أو سفوح الوادي يلوذون بهذا المكان القريب من الآبار والسطائح المزروعة. ومما لا شك فيه أنه كان يعيش كثافة سكانية نسبياً حتى وإن لم تكن كل الأنقاض المشاهدة حتى اليوم في الأغوار والسفوح بالضرورة معاصرة. الظاهر أن جزءاً مهماً من السكان شد الرحال إلى كاباو ومعناه بالأمازيغية ملاذ (كاوبو). فوادي بورغوا الذي يكتسي أهمية خاصة بفضل جيليه (مثنى جيل) من القرى المتهاوية لا يظهر أنه شهد هجرة لافتة لساكنته على غرار ما شهده وادي شروس.
الشيء ذاته يصدق على وادي الشيخ إذ يتجلى فيه جيلان من القرى وقد استعان سكان الجيل الأول بقرى الجيل الثاني على سبيل الملاذ. (1/324)
صفحة 325
تتوافر في خربة السيد على الضفة اليمنى كل خصائص قرية السطيحة وهي: المسجد والقصر المربع بغرفه الكبيرة والمغارات والمنازل المتداعية المتكدسة على هضبة صغيرة هن صنف السينوماني الأعلى على مقربة من عين ترشح تحت كلس نالوت، باتجاه السافلة، نجد بقايا مماثلة في خربة نملل تضاف إليها مقبرة. تقع أعيننا كذلك على مغارات ضخمة، مرتبة بشكل لافت بسقوفها المقببة وجدرانها المقوسة، على الضفة الأخرى للوادي الصغير، نجد خربة شعتان القريبة من عين وخربة كمزين المطلة على بئرين وكلتهما قائمتان على موقع مماثل عند السافلة، وعلى الضفة اليمنى، نجد خربة أمّي الشيخ وخربة گوبلسّيد الواقعتين على سفح الوادي، واحدة قريبة من بئر والأخرى قريبة من عين صغيرة. ومن المفيد الإشارة إلا أن القرى هنا، كما في أمكنة أخرى، لم تكن تحاذي أبداً الوادي ذلك أن جميع الأماكن التي تجري فيها المياه هي شديدة الخطورة على المساكن ومفيدة للزراعة في آن واحد.
أما بالنسبة للتجمعات السكنية الجاثمة على حافة الجرف الكلسي الطوروني فهي، هنا كما في أمكنة أخرى، نتاج للصعود المعمم للسكان باتجاه المواقع المحصنة، تنتصب حيطان قصر وروري المتداعية على ربوة للطوروني الأعلى، على الضفة اليمنى للوادي وبجانبها مسجد لا زال قائماً، وحقل لدرس الحبوب، فضلاً عن أكوام الحجارة المعتادة المتبقية من مجموعة من المنازل. على امتداد 300 متر يمتد جدار كبير تخترقه أبواب زاحفة على نتوء صخري هو ذا الجدار الكبير الوحيد الذي صادفته ولا شك أنه جدار دفاعي هو هنا إما لحماية الساكنة أو الأراضي المجاورة لها. من المرجح أنه معاصر للقصر. على الهضبة، نجد مخلفات بورداد (الصورة 33) وقصر معدين ولا زالت مخلفات بورداد والقلعة هي الغالبة ضمن أنقاض المساكن والمغارات. (1/325)
صفحة 326
هكذا نجد أنفسنا أمام جيلين من القرى سواء في وادي الشيخ أو وادي بورغوا. الجيل الثاني له علاقة، بطبيعة الحال، مع القرى الجاثمة المتواجدة حتى اليوم. الاختلاف الوحيد هو عجز هذه الأخيرة عن الصمود في وجه الاضطرابات والقلاقل التي يتعذر الحصول على معلومات دقيقة حولها، غير أنها نجحت بكل تأكيد في إفراغ هذين الواديين كلياً من سكانه.
أنقاض قرى أخرى : الأودية الثلاثة التي أحطنا بها تواً هي الأهم والأكثر تميزاً. غير أن الصورة عن هجر الساكنة هذه المنطقة لن تكتمل في أذهاننا، وكذلك ماله صلة بالسكن القديم إذا لم نشر إلى تواجد بعض التجمعات السكنية المتداعية في أودية أخرى أو على الهضبة بصفة خاصة. سنكتفي بالإشارة إلى ثلاث قرى في منطقة دجّي – تينزغت(1) وقريتين في الوادي الصغير بـ بگيگيلا(2) وسأضع جانباً الأنقاض التي انطلقت منها قرية حالية، ذكرناها في الفصل السابق.
__________
(1) - تولغام وغفصوف ولگصير ونضيف إليها دجّي التي كانت موجودة في القرنين 9/10 راجع [باسي] ص448
(2) - خربة الوادي وخربة سلومات. (1/326)
صفحة 327
كانت قرى الهضبة تظهر بأعداد وافرة في منطقة الحرابا علماً بأننا نجد قريتين صغيرتين في الحوامد (هنشير ونومات) وقريتين غرب فرسطا (لحوارين وتاغليس)(1). غير أن التجمعات السكنية الرئيسية المتداعية تبدأ من الغرب. ومنها، على سبيل المثال، خربة بوساما على الهضبة البعيدة بمئات الأمتار من تندميرا علماً بأن هذه الأخيرة أقدم منها تاريخياً. وهناك أيضاً بين تملوشايت وتيندميرا خربة الشيخ عيسى، وخربة ماجر، وهما تجمعان سكنيان مهمان بدون قصر. الأول يضم ثلاثة مساجد والثاني لا زال مشهوراً بفضل مسجد الشيخ بوناصر(2). في كل مكان، تجد صهاريجاً والعديد من المغارات محفورة على الحجر الجيري والتربة الحمراء لأرض الجبل الشديدة الكهولة. ما وراء وادي شروس، توجد القرية العريقة جريجين ذات الأنقاض المترامية على امتداد السطح. أخيراً، نصل إلى التجمعات السكنية المهمة الثلاثة فوق الهضبة والتي كانت بالأمس تبث النشاط والحيوية في منطقة راكدة وخالية من أودية جادو وروافده وأم الگرب وبرساف، ويتعلق الأمر بالتجمعات الآتية: ويغو(3) وإيفاطمان وتنوتين المترامية الأطراف كلها. الظاهر أن المساكن الكهفية لعبت دوراً أساسياً سيما في التجمعين الأولين اللذين لا زالا يضمان مسجدين تحت الأرض. لهذا السبب فإن السكن المتجمع (أو المتكدس) قليل هنا نسبياً على غرار ماهو حاصل اليوم في القرى ذات المساكن الكهفية عند الزنتان في تنوتين وهي القرية الوحيدة التي لا زالت تحتفظ بأنقاض قصر، وتغطي بها المنازل
__________
(1) - فرسطا نفسها موجودة بالقرنين 9 والعاشر، ويراجع [باسي] ص448.
(2) - عاش الشيخ في القرن 13، [موتيلنسكي] ص103 الملحوظة 2 معنى ذلك أن تدمير القرية حدث بعد ذلك.
(3) - لا يجب الخلط بين ويغو غريمة شروس الرئسية والقرية الصغيرة ولاد محمود المسماة أيضاً ويغو [موتيلنسكي] ص106 الملحوظة 2 تجده يخلك بينهما. ورد ذكر أنقاض إيفاطمن في "السير" راجع [موتيلنسكي] ص67. (1/327)
صفحة 328
والمغارات مساحات أرضية متموجة؛ وغير بعيد، تقع العين على اصطفاف أحجار ضخمة تحد المساحات المزروعة، وحيطان تسند السطيحات المهجورة منذ قرون.
أما ضيعة إيفاطمان وتنوتين التان كانتا تضجان بالحياة فهما اليوم معزولتين تماماً، لا نجد فيها أحداً ولا نسمع فيها صوتاً. أشجار زيتون وحدها ظلت صامدة لقرون على سطائح الوادي الصغير التي لم تنل منها قوة الإنهيارات. أهل الفياصلة (الرحيبات) باتجاه الشرق هم من يمتلك بعض الأشجار والمغروسات، المنطقة المغروسة بين وادي برساف ووادي أم الگرب عانت كثيراً من التناحرات الموغلة في القدم بين الحرابا والرحيبات إذ يدّعي كل طرف أنه المالك الشرعي للمنطقة.
أما وادي غادّو وروافده فلم يسبق أن كانت له قرية. لا نجد به سوى الأماكن المحصنة (الدفاعية) كقصري عيسي كافر الجاثمين في هيئة رائعة، وتوضع بهما المؤونة، بل وتعتصم بهما مجموعات من سكانة إيفاطمان. والقصور الثلاثة المتعاقبة على نتوء صخري سينوماني عند مصب وادي غادّو على مستوى السهل، وأحدهما كان قلعة رومانية أو بيزنطية. تتشابه المنطقة من حيث طريقة إعمارها مع هضبة الرحيبات. (1/328)
صفحة 329
الخلاصة : نستنتج من الملاحظات السابقة أن العمران البشري كان أكثر كثافة بالأمس منه باليوم في الجزء الأكبر من نفوسة الغربية على الأقل. فمن وادي المجابرة إلى وادي أم الگرب نعد 15 قرية مقابل حوالي 40 تجمع سكني منهار. ومن الأربعين يجب خصم حوالي عشر قرى "ملاذات" المتحدرة من جيل القرى الجاثمة، ولا نتوفر على اي ضمانة على أن الثلاثين المتبقية كلها معاصرة. بالمقابل، لا ينبغي أن يغيب عن البال أن ثلة من التجمعات السكنية الحالية الموغلة في القدم كاباو وتندميرا وتملوشايت كانت موجودة أصلاً في عصر قرى الوادي. وعلى فرض أن الأرقام يعوض بعضها بعضاً فإن المنطقة التي كانت تتوفر بالأمس على حوالي 30 قرية لا تتوفر اليوم على 15 قرية، والحال أن خمساً من بينها فقط تضم 500 نسمة بما فيها كاباو التي تضم ما مجموعه 2000 نسمة. بالمقابل نجد أن شروس كانت تضم على الأقل 6000 نسمة وخمسة إلى ستة مجاميع سكنية بما مجموعه 1000 نسمة. نخلص إلى أن المنطقة كانت تضم في زمن مضى ضعف أو ثلاثة أضعاف الساكنة الحالية.
بالمقابل، لم يشهد نمط العمارة تغيراً كبيراً، فهي دائماً عبارة عن مجاميع سكنية. أما اليوم، فبينما يتجمع الناس في شكل قرى متوسطة أو صغيرة تشكل كاباو الإستثناء. فبالأمس كانت الساكنة تقيم في قرى ضخمة تضاف إليها بلدة شروس أو في مجاميع صغيرة أو في ضيعات لا تتجاوز في كل الأحوال عشرات الأسر.
كان الموقع متنوعاً. فقبل انتشار الفلتان الأمني واندلاع القلاقل وما ترتب عن ذلك من تفضيل الساكنة للمواقع الحصينة في المرتفعات الوعرة، كانت معظم القرى تجمع مساكنها على سطيحة أو شعفة من السينوماني الأعلى، أو على قدم السفوح الوعرة للأودية، وقلة فقط من القرى كانت تشيد على الهضبة. عموماً، يمكن القول أن حركة السكن تنقلت بالاتجاه العمودي أكثر من الاتجاه الأفقي هي ذي الخلاصة التي تفرض نفسها عليها بعد دراستنا للحالات الثلاث في الفصل السابق. (1/329)
صفحة 330
3- القرى المتداعية في نفوسة الشرقية
يعرف الجزء الشرقي من نفوسة بزراعته الجافة. للهضبة فيه قيمة كبيرة مقارنة مع نظيره الغربي نظراً لتربته الحمراء والخفيفة القادرة على الاستفادة أكثر من مياه الامطار والرطوبة المناخية. بالمقابل، تتوفر الأودية القصيرة في معظمها على تربة ثقيلة عصية على الاستعمال دون مساعدة من حركة الانسياب المائي. لذلك، هجرها السكان اليوم واتجهوا نحو الهضبة والزراعة الجافة علماً بأن المساحات المزروعة لا تعم سوى الأودية المتواجدة أقصى الشرق في بلاد يفرن وككلة. أضف إلى ذلك أن التساقطات غير المنتظمة تدفع الساكنة إلى الاستعانة بمياه الصهاريج وهو: ما لا يجبرهم على التواجد بالقرب من بئر أو عين.
أكيد أن الأمور كانت على هذه الشاكلة بالأمس اًيضاً. فكل القرى المتداعية تقع على الهضبة خلف التجمعات السكنية المتدرجة الحالية على امتداد تعرج مقطوع من النتوء الصخري المطل على الأودية. فقد سبق أن أشرت إلى أن التنقلات للقرى كانت أكثر تواتراً من التنقلات العمودية.
بالأمس، تتناثر القرى على سطح الهضبة وسط المزروعات وخصوصاً غابة أشجار الزيتون، ونادراً ما تجد لها مواقع حصينة هنا، وإن كانت لا تبحث عنها أصلاً فيما يظهر. لا فائدة من دراسة تفصيلية لهذه النقطة إذ ستقودنا إلى دوامة من الكلام المكرر وبالتالي لن نجد أحسن من الادلاء بملاحظات عامة. (1/330)
صفحة 331
ألححنا آنفا على تواجد بلدات قديمة وضخمة في نفوسة الشرقية فجادو ويفرن القديمتان كانتا عموماً مدينتين صغيرتين ومحاسْنا (ككلة) أي تارديا سابقاً، وأمسين (خربة الرحيبات) كانتا قريتن ضخمتين. ونضيف إلى هتين البلدتين قديمتين في التراب الحالي للرجبان، وتدعى ميري المذكورة آنفاً، وقد كانت بني زمّور غير بعيدة عن إيدرف(1) ذات الأنقاض المترامية الأطراف. وأخيراً، تيغرمين في الحدود الشرقية لأرض النفوسيين القدامى ذات الأنقاض المتوسطة الأهمية. بالجملة، كانت التجمعات السكنية أكثر عدداً مما هي عليه اليوم.
بالمقابل، فإن مجاميع الأنقاض التي نصادفها عندما نطوف بالغابة أو السهوب والغيل المجاورة على العموم. صحيح أننا نستمر في مصادفة قرى ممتدة نسبياً كخربة المسعودي وخربة النفوسية اللتان تعتبران واحدة في الزنتان أو حتى خربة البنيا في الرياينة. غير أن كل أنقاض هذه المنطقة تغطي مساحة صغيرة، كما أن أكوام مخلفات المنازل والمغارات يختفي نصفها تحت طبقة كثيفة نسبيا من تربة الحمري التي تذروها الرياح والمغطاة بحقول من الشعير أو من العشب أو النباتات المتوحشة. يتعلق الأمر هنا عادة بضيعات بسيطة لاتأوي إلا مجموعة من الأسر.
عموماً، يمكن القول بأن السكن القديم لا يختلف كثيراً عن الحالي. فبالأمس كما اليوم، نجد تجمعات سكنية ومجموعة ضيعات. والظاهر أن هذا الشكل الأخير من السكن يفضله الرحل الوافدون، لأنه يحافظ على وحدة الفخذات الفرعية (أو اللحمات) لكنه ليس من صنيعهم ولا من الأشياء التي حملوها معهم بالأمس كما اليوم، لا زالت هناك تجمعات سكنية قوية أو على الأقل في الأماكن التي تتوفر فيها ظروف مائية وزراعية حسنة.
__________
(1) - حول ميري أنظر ما سيأتي، يراجع [موتيلنسكي] ص84 ملحوظة 2. (1/331)
صفحة 332
من غير المؤكد أن التعمير القديم أقوى، بشكل ملحوظ من التعمير الحالي(1) حتى وإن كان يتملكنا انطباع مفاده أن الكثافة السكانية كانت أكبر في السابق، غير أنه تتعذر البرهنة على ذلك. لا ينبغي أن يخدعنا العدد الهائل من الأنقاض لأنه من المستحيل تماماً التأكد من العصر أو العصور التي تعود إليها. أخيراً، من الوارد جداً أن الجزء الشرقي من الجبل شهد اضطرابات أقل من الجزء الغربي. تغيرت مواقع معظم القرى إذ شهدت حركة السكن تنقلات عمودية في الغرب وأفقية في الشرق.
4- خلاصات
الوضعية القديمة : الآن، بإمكاننا استنتاج بعض الخلاصات العامة من هذه الملاحظات حول القرى المتداعية لجبل نفوسة. ذلك أن مقارنة الوضعية السابقة عن وصول الرحل منذ أزيد من ثمانية قرون، مع الوضع الناتج عن وصولهم والقلاقل الدائمة التي سببوها هي مقارنة تهم الجغرافيا أكثر من التاريخ.
بداية، نشير إلى أن نمط العمران القديم أكثر تكيفاً مع الظروف الجغرافية من النمط الحالي. فقرى اليوم، سواء بشرق أو بغرب نفوسة، يجثم أغلبها على مواقع دفاعية بقدر ما هي غير ملائمة. بالأمس، يتغير نمط العمران بتغير الوسط، ففي الغرب حيث الأودية تمنح إمكانات أكثر من الهضبة نجد قرى الأودية بصفة خاصة وفي الشرق حيث الزراعة الجافة والتساقطات الغزيرة تهبان التفوق للهضبة، فإننا لانجد إلا قرى الهضبة، إلا في أقصى الحدود الشرقية حيث نجد بعض التجمعات السكنية نازلة في اتجاه الوادي كذلك إلى اليوم.
__________
(1) - أذكر بأن الساكنة الحالية لنفوسة الشرقية لا تتداوز ثلثي ماكنت عليه قبل سنة 1915 راجع فيما سيأتي : الجزء الرابع الفصل الثالث. (1/332)
صفحة 333
بطبيعة الحال، فإننا سنبالغ إذا قلنا بأن موقع القرى الحالية "غير عادي" وموقع القرى القديمة "طبيعي". فهاتان الصفتان فضفاضتان جداً، فضلاً عن وفرة الاستثناءات. فالقرى الجاثمة كتندميرا، كاباو، تملوشايت، تنتمي أصلاً إلى الجيل الأول من القرى وبالمقابل، من الوارد جداً أن نجد اليوم قرى قديمة على موقع غير محصن (أو دفاعي). تزداد هذه الاستثناءات كلما اتجهنا نحو التخوم الشرقية لنفوسة.
لا ننسى، فضلاً عن ذلك، أن عدداً كبيراً من القرى الجاثمة من الجيل الثاني هي اليوم محض أنقاض، وترفدنا وديان الشيخ وبرگوا وشروس في هذا الصدد بأمثلة متنوعة، كما أن حالتها قد تكون نتيجة لواقع هجرانها، أو لوضعية سادتها القلاقل، فعلى سبيل المثال. واضح بأن القمة الوعرة للأنگار لم تكن على الاطلاق مناسبة لإقامة مساكن تنتمي لعدة أجيال، فقد هجرت طرميسا وشفي ولا زالتا لأنهما غير مريحتين.
إجمالاً، نجد أنفسنا أمام لحظتين ومرحلتين مهمتين في تاريخ السكن القروي بالجبل. المرحلة الأولى سابقة على الغزو العربي في القرن الحادي عشر وهي نتاج لماضي طويل نجهل الكثير منه، والمرحلة الثانية التي بوسعنا ملاحظتها اليوم وهي حصيلة تطور – بل ثورة- ناتج عن الاستقرار المداهم أو المتدرج للرحل بالمنطقة ومجاورتهم. بوسعنا تصور العبور من المرحلة الأولى إلى الثانية، بل ودققنا في حالات كثيرة.
تكشف المرحلة الأولى عن تواجد سكنة أكثر عدداً من ساكنة اليوم سيما في الجزء الغربي من الجبل الذي كانت تفوق ساكنة اليوم بضعفين أو ثلاثة أضعاف. من المؤكد إذن أن الكثافة السكانية ودور الملاذ الذي يضطلع به الجبل خاصيتان مائزتان للمنطقة قبل وصول عرب بني هلال وبني سليم، بل عمل وصول هؤلاء واستقرارهم التدريجي على الإفراغ الجزئي للجبل من ساكنته الأصلية. وهذه الخلاصة تعاكس إقرارات المؤرخين الحديثين، علماً بأنها واضحة وضوح الشمس انطلاقاً من البيانات التي أدلينا بها. (1/333)
صفحة 334
لا زال الجبل مكتظاً بساكنته وهذا الاكتظاظ هو الذي فرض عليها الجمع بين الاقتصاد الجنبي للجبل والاستغلال المتزايد للمراعي وأراضي الحرث في الظهر وفي شريط متنوع بالجفارة. غير أن نفوسة كانت أكثر اكتظاظاً في الماضي، ونتساءل كيف كانوا السكان يعيشون فيها حتى ولو افترضنا أنهم يستغلون خيرات الجبل استغلالاً عقلانياً ومكثفاً. لا يختلف عيشهم بالأمس عن عيشهم اليوم بلا أدنى شك. فقد كان الظهر والسهل ملحقتان ضروريتان للجبل. فالرعاة العارفون بأدق تفاصيل السهوب الشبه صحراوية للظهر والقبلة يعلمون جيداً بأن عدداً كبيراً من الصهاريج وبعض الآبار المتداعية تعود إلى تاريخ قديم لا يستطيعون تحديده وتشهد على الإستغلال الكلي للمراعي. هذا من جهة ومن جهة أخرى فنحن نعلم أن أرض النفوسيين تمتد على مستوى السهل حتى الساحل قبل القرن الحادي عشر، كما أن للجفارة أيضاً صهاريجها وآبارها المتداعية أو المغطاة بأكوام من الرمل، والتي تدل مرة أخرى على أحسن استغلال لبلد ضعيف، غير أنه قابل للاستعمال والاستغلال في كل الأحوال.. لم يكن بامكان الجبل أن يكتفي يوماً بما لديه، فقد احتاج دوماً إلى إلحاق أو استتباع أجزاء من الظهر والجفارة المترامية الأطراف والكثيرة الساكنة.
كشفت لنا دراسة الأنقاض كذلك أنه إذا كان الجبل يتوفر على الكثير من البلدات والقرى الصغيرة مقارنة مع ما يتوفر عليه اليوم فإن السكن المتجمع كان دائماً بالأمس واليوم، بمثابة القاعدة الثابتة، وهو ما يعنيان الأسباب وراء ذلك لا زالت فاعلة ومستمرة. من الوارد جداً أن القرب من السهوب والصحاري المأهولة بالرحل خالق لحالة من الهلع في هذا الملاذ الجنوبي للحياة القروية. (1/334)
صفحة 335
زد على ذلك أن التمركز السكاني بالقرب من مصادر المياه يفرض نفسه تقريباً في كل مكان خصوصاً باتجاه الغرب على اعتبار أن الصهاريج لا يمكن أن تكون كافية لكل الحاجيات كما أن اعداد وصيانة الصهريج ليس بمتناول كل العوائل.
نتساءل إذن عن الاسباب الثانوية وراء تشتيت الساكنة. فالتشتت يستجيب لحاجة المزارعين إلى العيش في أحضان أراضيهم. غير أن النفوسيين كانوا دائماً يمتلكون أشجاراً متناثرة في الجبل، هنا أشجار زيتون، وهناك بعض أشجار التين، وكانت مراعيهم وأراضيهم الصالحة للحرث تبعد دائماً عن أغراسهم بعشرين إلى خمسين كيلومتراً. فليس هنا داع لتشتت سكني، والمساكن المنعزلة كانت بالأمس واليوم عبارة عن مساكن عابرة أو مؤقتة.
"القصر" والمساكن حتى وإن تنوعت المساكن على امتداد القرون فإن أهميتها النسبية لم تكن دائماً هي هي.
حاليا، القرى بدون قصر – كامل أو متداع – نادرة جداً. إذا كان غياب القصر حالة نادرة في التجمعات السكنية المتداعية بالجبل الغربي، فهو بمثابة القاعدة في أنقاض قرى الجبل الشرقي. فلم هذا الاختلاف الذي زاد اشتداداً في ايامنا بين نصفي الجبل؟ السبب هو أن نفوسيي الغرب وهم أكثر عدداً في بلد جاف، رحل أكثر من نفوسيي الشرق وبحاجة أكثر من هؤلاء إلى هذه "المخازن المتداعية" المفيدة لإيداع المؤن. لا شك أن التبني المتأخر لأهل الشرق للقصر ناتج عن تزايد حالة الفلتان الأمني بعد غزوات القرن العاشر. هكذا صارت "المخازن المتجمعة" مخازنا محصنة أيضاً. (1/335)
صفحة 336
لايبدو أن أنماط المنازل التي وصفناها آنفاً تختلف عن الأنماط المشيدة قبل عدة قرون، إذ تقع أعيننا على قطع من القبب وأطراف من الحيطان ذات الأروقة بين الأنقاض، خصوصاً في شروس. لا شك أن المنازل ذات السطوح كانت منتشرة جداً حتى وإن تعذر التعرف عليها بين أكوام الحجارة والمتراكمة على أرضية القرى القديمة. هنا وهناك وخصوصاً في خربة غزيگا ما بين القرى الصغيرة الحالية الكروما والگرابات، نشاهد حيطاناً من حجارة مسطحة مائلة إلى الاتجاه المعاكس وهو ما لم يعد متداولاً اليوم.
من السهل أيضاً أن ترمق أنماطاً قديمة من المغارات التي اتكسحتها كلياً أو جزئيا مهيلات. إلا أن المساكن الكهفية القديمة لا زالت تلعب دور المساكن المؤقتة بالنسبة لأهالي اليوم الذين يرتاحون فيها. بل إن مجموعة من السكان في قصر تكوت قدمت من نالوت قبل حوالي 10 سنوات، استقرت في المغارات القديمة المحفورة على الفيالدي واكتفت بكنس مداخلها وإصلاح أبوابها. فكل النماذج القابلة للملاحظة اليوم هي عبارة عن أنقاض باستثناء نموذج غريان(1). والأكثر انتشاراً هو النموذج الأفقي الذي لا زال بالإمكان مشاهدة عينتين منه. أكثر من ذلك، نجد في شروس وخربة نملل سقف المغارة يتخذ شكل قبة عادية، والجدران كما حيطان المنازل مصممة على هيئة أروقة، وغرفة إلى غرفتين مفتوحتين في عقر البيت، والكل مغطى بالجبص الذي لا زال لاصقاً. نحن إزاء منازل جوفية حقيقية لكن لنحذر من القيام بربط معكوس لأننا في هذه الحالة لن نتبين الجدوى من وجود أروقة. وواضح أن هذه لن تشد القبة لأنها محفورة وليست مشيدة.
__________
(1) - نموذج غريان هو الأحدث إذن، غير أنه أكثر هشاشة على المدى الطويل ويمكن أن يترك آثارا ويعود ذلك إلى أنه محفور فوق التربة لا الصخر. (1/336)
صفحة 337
كانت النماذج المختلطة، أي تلك التي نصفها مغارات ونصفها الآخر منازل موجودة أيضاً. والتوليفة الأكثر انتشاراً هي تلك التي تجمع بين المغارة والمنزل فوقها، وتلعب المغارة دور السكن الجوفي والمشترك. من خلال الكثير من التجمعات السكنية المتداعية، قد نعتقد للوهلة الأولى أن السكان كانوا كلهم يقيمون في مساكن كهفية، لكن عندما نتمعن جيداً سنجد أن الحجارة المتناثرة بكل مكان أتية من بقايا حجرات مبنية فوق المغارات.
لن نفاجأ اليوم إذا هاجر الأهالي منازلهم في اتجاه المساكن الكهفية، فبالإضافة إلى السببين الآنفين اللذين يبينا ميولاتهم في هذا الباب، هناك غريزة قديمة وعادات عريقة تعود إلى قرون. فلم يكن وارداً على العموم حفر المغارات على مواقع حصينة لأن الأرض تكاد تكون كلخاً صخرياً كما أن المنازل المتزاحمة حول القصر كانت بحد ذاتها عنصراً دفاعياً ووقائي. اليوم، تغيرت ظروف العيش وتتم أحياناً العودة إلى الموقع الأصلي ليندس الأهالي في المغارات، كما كان اسلافهم يفعلون. فالتطور الحالي لا يعدو أن يكون شكلاً من العودة إلى الماضي.
تعايشت المغارات والمنازل إذن على الدوام في هذه البقعة من العالم، غير أن أهميتها تفاوتت بتفاوت ظروف السكن وشروطه.
الانحطاط العام : تمكننا دراسة الأنقاض في نهاية المطاف من قياس مقدار التطور الحاصل في جبل نفوسة منذ وصول الوافدين الجدد واستقرارهم عموماً، تمخض عن هذا الحدث انحطاط مؤكد إذ لم يتقلص عدد السكان ولا صارت ظروف العيش أكثر صعوبة فحسب، بل اضطر السكان الأصليون إلى العيش في قرى جاثمة بالمرتفعات وبعيدة جداً عن المغروسات، زد على ذلك مظاهر انحطاط أخرى تمثلت في عدد من طرق البناء، واستغلال أقل لموارد الجبل والسهوب المجاورة له. (1/337)
صفحة 338
تكشف المقارنة بين بعض أنقاض القرى القديمة والمباني الحالية انحطاطاً مؤكداً طال طرق البناء. توسع الباحث المتميز المتخصص في الأمازيغية السيد [بگوينوت] في هذه الفكرة من خلال مقارنة ضخامة وصلابة قصر نالوت القديمة، مع بنايات نالوت الثانية، وكذلك من خلال حركة هجران المنازل باتجاه المغارات المزرية. كما يقارن بين الصروح الوطيدة للقصر المتداعي في منطقة جادو وبصفوف الحجارة المرتفعة الفاصلة بين الأراضي أو الواقية للحقول المزروعة(1).
بإمكاننا إضافة وقائع أخرى إلى هذه الملاحظات. فقصر مالگ قرب إينر يضم فناءً وساعاً تسنده حجارة جميلة ومربعة، كما أن مثيله في ويفات قد شيد على صرح متين حيث نشاهد الأسس القوية لبرج مربع عتيد، وصهريج متماسك. شاهدت أيضاً بالقرب من عين أولاد ميلان بالزنتان أحجاراً صغيرة واقفة تدل على حدود الأراضي المزروعة ومناطق الكلأ. كما يمكن مشاهدتها في نالوت باتجاه كاباو وبالقرب من أنقاض قريتي إيفاطمان وتنوتين، كما أشرت إلى ذلك فوق. صحيح أنه من الممكن أن نجد استعمال الحجارة الضخمة في بناء حيطان حديثة بوازّن وجريجن على سبيل المثال، غير أنها كتل من الحجارة المأخوذة من عين المكان وغير منضدة.
__________
(1) - يراجع [بگوينوت] ص235 وماتلاها. (1/338)
صفحة 339
إن انحطاط طرق البناء أمر مسلم به. أغلب الظن أن الكتل الضخمة من الحجر المستعمل – وهو ما قلته آنفاً – مأخوذة من الأضرحة والقلاع الصغيرة الرومانية والبيزنطية المتواجدة بالمنطقة، غير أنها لم تستعمل منذ زمن طويل. من الصعب معرفة مدى مساهمة هذا الانحطاط في انحطاط اقتصادي مفترض، سيما إذا علمنا أن تزايد أعداد القلع الصغيرة الرومانية أو البيزنطية الجميلة تزامن مع فترة كثرت فيها الاضطرابات، مع ما يصاحبها عادة من ركود اقتصادي. بالمقابل، لا نجد إلا الحجارة الرديئة في كل الأنقاض، حتى في أنقاض جادو وشروس اللتان شهدتا رفاهية نسبية. يعود ازدياد المساكن الكهفية حالياً في جزءه الأكبر إلى التدهور الناتج عن اضطرابات 1920، غير أن وثيرته ارتفعت لأن السكان لم يعودوا بحاجة إلى الدفاع عن أنفسهم كما كان الأمر في السابق، وقد تزامن ذلك مع انتعاش النشاط الاقتصادي لعموم الأمازيغ. فرضية التوازي بين الانحطاط المعماري والانحطاط الاقتصادي هي إذن غير متماسكة وصعب البرهنة عليها.
هذا مع العلم أن الانحطاط الاقتصادي لا تحوم حوله ذرة شك. الظهر والجفارة شاهدتان على ذلك، إذ تكشفان من خلال الصهاريج والآبار المتداعية عن استغلال أقل سطحية في الماضي. سجلنا كذلك كيف أن الجبل كان مرتباً بكامله وبشكل جيد خصوصاً في الأودية الغربية، حيث كانت المياه المنسابة تستعمل جيداً. في كل مكان، نجد بقايا الجدران الصغيرة الداعمة أو السدود، سواء في الأعماق أو في الشعاب الطولية، كذلك على الهضبة ما لا يعد ولا يحصى من السطيحات، من "لفگها" هجرت من قرون خلت. (1/339)
صفحة 340
أشجار الزيتون هي وحدها التي لا زالت صامدة رغم غياب العناية. ورأينا تواً أنه ليس نادراً أن نصادف صفوفاً من الحجارة وحدوداً لمساحات مزروعة لم يطأها المحراث منذ مئات السنين، بل إن جهة بكاملها هي وادي برساف وأم الگرب قد تحولت إلى صحراء بشرية حقيقية، على الرغم من خصوبتها. إلا أنه عليك أن تقطع الكيلومترات لتشاهد شجرة مزروعة، والصمت المطبق الطويل للبلد لم يتوقف إلا قبل بضعة اشهر، عند خروج الحرابا والرحيبات من خيامهم لرعي مواشيهم. هذه القطعة من الجبل أيضاً غير مستعملة بشكل جيد، كما ليست مستعملة أجزاء من الظهر والجفارة.
نخلص إلى السكن الحالي في جبل نفوسة يختلف نسبياً عن مثيله القديم، ويعكس انحطاطاً مؤكداً وهجرة نسبية للساكنة. لن تتضح جيداً الوضعية الحالية للجبل، خصوصاً ما يتعلق منها بالسكن، دون الاستعانة بالتوثيق المعتمد على الحفريات بصفة خاصة، والذي مكننا من إعادة تشكيل حالة سابقة بأقصى ما يمكن من الدقة. أتاح لنا تأويل هكذا توثيق زيادة على الوثائق التاريخية المتوفرة إعادة رسم التغيرات السكنية والبشرية للجبل، والقيام بمحاولة تركيب للنتائج الجزئية المتمخضة عن التحليل المتعمق قدر الإمكان على امتداد الفصول الثلاثة السابقة.
الجزء الرابع
التغيرات الاقتصادية وحركة الساكنة
الفصل الأول
من الأصول إلى القرن الحادي عشر (نفوسة في فجر العصر الوسيط)
1- العهد القديم
معرفتنا بالوضعية العامة لجبل نفوسة حوالي القرن التاسع تطالها نواقص وثغرات إذ من المؤكد أنها عصارة لتاريخ طويل لايخلو من أهمية إلا أننا، للاسف، لانعرف عنه إلا أقل القليل الذي لا يعتد به.
ما قبل التاريخ : جهلنا بما قبل تاريخ المنطقة مطلق. لم نجد فيها إلا شواهد قليلة جداً عن صناعة صخرية خصوصاً بعض العينات من العصر الحجري في المخروطيات الغرينية الممتدة في قدم الجبل(1).
__________
(1) - يراجع : [فانتولي]، ص64. (1/340)
صفحة 341
غير أننا لا نثق كثيراً في الزعم القائل بأن سكان ما قبل التاريخ لم يكونوا يبحثون لهم عن موطئ قدم في الجبل(1). يعتبر ما بين الساحل والواحات الصحراوية المنطقة الوحيدة التي نحظى فيها بملاقاة العيون مهما كان المناخ السائد في العصرين الحجري والنيوليتي (الحجري الأخير). يتعلق الأمر بعيون ضعيفة لكنها وافرة لا يمكنها إلا أن تجذب الساكنة إلى هذه المنطقة إما للعيش في الهواء الطلق أو في مغارات محفورة على الأرض.
فضلاً عن ذلك، فإن اراضي الجبل والظهر زاخرة بمساحات مليئة بالطرائف، ومغطاة بالدغل في وقت كانت فيه جبال شمال إفريقيا تختفي تحت غلاف غابوي كثيف بفضل التساقطات المطرية الجيدة نسبياً. وفي العصور الجافة جداً تجذب عيونه ساكنة السهوب. وفي كل الأزمنة، كان الجبل يتوفر على صوانات بعض الدكات من الطوروني الأدنى، ويتيح إمكانات حفر المغارات على أراضيه، واستكشاف دقيق كفيل ببيان ما إذا كانت المغارات المفتوحة على جنب الجرف الكلسي تحت مزّو، وقرب يفرن، بمحاذاة الشگارنة، وبأمكنة أخرى هي فعلاً أقدم المآوي البشرية على الإطلاق.
__________
(1) - يراجع : [أسكاري Ascari]، ص758 ومايليها. (1/341)
صفحة 342
من السلبي جداً أن لا نعرف شيئاً عن حياة ساكنة ما قبل التاريخ لبلد كان دائماً مأهولاً. يتعلق الأمر لا محالة بماضي سحيق هذا الذي تضيع فيه أصول الكثير من العادات والأعراف الحالية(1). فالصحراء غنية جداً ببقايا العصر الحجري والنيوليتي وتؤكد أحدث الدراسات حول الصحراء الليبية تأكيداً تاماً الخلاصات التي انتهى إليها في أماكن أخرى علماء ما قبل التاريخ(2). فهل كان الجبل مأوى؟ على غرار الواحات ووادي النيل والوديان الصحراوية. يأوي إليه سكان العصر النيوليتي الذين دفعهم الجفاف السائد في العصر الحجري إلى هجرة المساحات الكبيرة المستعملة؟ ليس هذا مستبعداً وقد يعود الاكتظاظ السكاني في الجبل إلى هذا العصر الغابر وفي هذه الحالة سيكون الجبل بمثابة مجال دفع مناخي للعصر النيوليتي. لكن هل هذه الساكنة المدفوعة أو المطرودة باتجاه الجبل كانت بيضاء أو سوداء، "ليبية" أو "إثيوبية"؟ يصعب الإجابة على السؤالين السابقين إجابة موثوقة إلا أنه لا يفوتنا أن نلاحظ ما يلي: لو كان السود يقطنون بالجبل فإن السكان الحاليين لن يكونوا كلهم بيضاً.
__________
(1) - سلط [برتولي] الضوء على الأهمية لماقبل التاريخ الصحراوي في : L’Afrique saharienne et soudanaise, 1927, p111.
(2) - مختلف أعمال [برتولي] و [فانتولي] الأنفة الذكر. (1/342)
صفحة 343
نجهل أيضا كل شيء عن القرون التي كانوا فيها الفينقيون يحتلون بعض الموانئ على الساحل وهي تيباسا، لبدة، أويا، صبراتة، گيگتيس، تاكاباس. [سترابون Strabon] يتحدث من جهته في القرن الأول عن الليبيين الفينقيين قاصداً ساكنة الجفارة. أربعة قرون قبل ذلك، قال [هيرودوت Herodote] بتواجد اللوطوفاجيين والجيندان(1) في الجفارة ذاتها، وفي فزان عاش الگارامنيون وهم أقوام "أثيوبية" أي ذوو بشرة مائلة إلى السواد(2). وما بين المنطقتين أي في القبلة والظهر لا محالة، يتواجد الرحل الجيتال فهل هؤلاء هم الذين استعملوا عيون الجبل الطرابلسي حيث كانت لهم علاقات بأهل الجبل المستقرين نسبيا؟ لا تقول النصوص شيئاً عن ذلك(3).
__________
(1) - [هيرودوت]، ص176 وراجع [جيزال] ص130-131.
(2) - أحدث البحوث حول فزان والصحراء الجزائرية نؤكد الاصول الأمازيغية للگرمنت (الجرمنتيون) فهم طوارق لا حبشاً.
(3) - يراجع : [سترابون] فص2 ف5، يراجع كذلك [فانتولي] ص52 ملحوظة2. (1/343)
صفحة 344
من المحتمل أن تكون لساكنة الجبل، جيطال أو غيرهم، علاقات مع صبرا التي تعتمد تجارتها بالدرجة الأولى على التجارة مع الداخل. ومن الصعب عدم القبول بوجود الطريق التجارية الرابطة بين صبراتة وغدامس في هذا العصر(1) ومنها إلى غات وأعماق السودان. والحال أن هذه الطريق ستمر بالضرورة من نفوسة الحالية. وحتى إن كان الرحل الصحراويون في ذلك العهد هم الذين يقودون القوافل لا أهل الجبل، كما هو الحال اليوم، فمن الصعب استبعاد حصول علاقة مباشرة وسهلة بل وتطورها كذلك بين الجبل والساحل بفضل هذه الحركية الطرقية والتجارية. ومن الأهمية بمكان معرفة مدى التأثير الفينيقي على ظهور أول محاولات الغراسة في منطقة توجد فيها شجرة الزيتون والكروم في حالة بدائية. من المغري كذلك سحب النص الصغير لـ [ديودور] المذكور أعلاه، على أسلاف النفوسيين باعتبارهم المؤسسين الأوائل للقصور بالمنطقة الدالة على استقرار الساكنة(2). غير أننا في كل هذا نراوح دائرة الفرضيات المثيرة للأعصاب.
القرون الميلادية الأولى : من المحتمل أن الحياة المستقرة تعود إلى القرون الميلادية الأولى في هذه المنطقة، أي إلى العهد الروماني مع ازدهار الغراسة. لكن هنا أيضا تعوزنا الحجج والنصوص، نادرة جداً أو عصية على الشرح، فمن المستحيل تماماً أن نضع على الخريطة الأقوام التي أحصاها [بطليموسPtolémée ](3).
__________
(1) - يراجع : [جزال]، ص139.
(2) - يراجع : [ديودور الصقلي] فص3 ف49، 3. ذكره [جزال] ص237.
(3) - [بطليموس] ج4 فق3، و[فانتولي] ص73. من المستحيل القول بأن على سبيل المثال أن [الأستاكور Astacures] (سكان جهة طرابلس حسب بكليموس) كانوا من سكان الجبل. (1/344)
صفحة 345
تتكئ الحدود الرومانية ابتداءً من القرن الثالث على القوس الجبلي الممتد من قابس إلى الخمس ويحد، كما هو الشأن في عموم إفريقيا، ما بين بلاد المستقرين وبلاد اشباه الرحل، كما أن المناطق الصحراوية الشاسعة التي يجتازها الرعاة تقع خارج نطاقه، وقد عمق الليمس الرومانيون الفاصل (الشرخ) بين كبار الرحل من الأمازيغ الذين أتاح لهم استعمالهم المعمم للإبل والأسلحة الحديدية مرونة أكبر في الحركة، ورد الأثيوبيين على اعقابهم والأمازيغ الخاضعين لروما. هذا الشرخ الذي عمل على تثبيت النمو الزراعي على الأقل محلياً. بعض المحطات العسكرية (غريات الغربية، بونجم) تتولى حراسة المسالك المتوغلة في اتجاه الجنوب، كما أن حامية تحتل غدامس(1).
__________
(1) - يراجع [كاگنات Cagnat] ص100-101، وحسب [ماتويزيلو] فإن هذا الجزء من دراسة الأول تجدها في : « Nouvelle archives des mission » xii p15-16, [جزال] ص161-165. (1/345)
صفحة 346
لا شك أن الطريق الممتد على طول الليمس الروماني، وهي عبارة عن مسلك على امتداد الظهر، هي نفسها الطريق التي ذكرها [أنطوان] والدالة على المحطات إنه النص الوحيد الذي تحدث عن هذه الطريق الرابطة ربطاً غير مباشر واحة تاكاياس (قابس) والميناء الكبير (لبدة) عبر الظهر التونسي والطرابلسي تشمل هذه الطريق [تاهابوماتي Thabumati] (نالوت لامحالة) و[تارماسدوسيني Thramusdusini] و [تاماسكالتين Thamascaltin] التي يقول [ماثويسليوس Mathuisieuls]) بأنها طمژين (؟) والسلامات (؟) و[وتنتس Tenthes] وقد تكون الزنتان الحالية، وأخيراً [أورا Auru] المجهول مكانها(1). قد تكون هذه الأماكن أسماء لمراكز أو حتى أماكن مفترضة بجبل نفوسة.
في غياب بعض المؤشرات. في هذا الصدد، يسجل القبطان [كورو Coro] ويصف الأنقاض الرومانية في نفوسة الغربية(2). سهل التعرف عليها من خلال أحجارها ذات الصنعة الجميلة يتعلق الأمر بقلاع صغيرة على امتداد الليمات والأضرحة ومدافن شتى. يزعم السيد [كورو] أنه على علم ببعض المزارع ومجموعات منها قد تم تحصينها، ومنها مزرعة صفّيت المحصنة خلف يفرن، والمجاورة لضريح قائد روماني.
فسواء كانت هذه المزارع المحصنة رومانية أو تعود إلى أهالي ترومنوا فإنها – على قلتها – شاهدة على درجة معينة من استقرار الساكنة. فأهل الجبل المحميون طيلة قرنين من اعتداءات رحل القبلة كانوا يعيشون حياة هادئة ومسالمة ولا شك أنه في هذه الفترة ذاتها ازدهرت الغراسة.
__________
(1) - [تارماسدوسيني] و[تاماسكالتين] في نظري تتوافق مع موضعي طمژين والسلامات، كل ذلك حسب موقعمها فالأولى على بعد 10 والثاني 20 كيلومترات من الظهر الذي يحوم حول رأس الوادي، ومن الممكن أن يكون الطريق الموصوف قديما يصل حتى سطح الجبل، ومع ماذكرت يجب التنبيه أن القريتين المكورتين حديثي العهد نسبياً ولا أثر لقرى أثارية في مكانهما
(2) - أنظر [كورو] ص75. (1/346)
صفحة 347
غير أن الغياب الكامل لأنقاض المعاصر (ج : معصرة) حتى بالقرب من المزارع الرومانية ينحو إلى دحض هكذا فرضية. وفي هذه النقطة، تختلف نفوسة اختلافاً بيناً عن جب ترهونة وبخاصة جبل مسلاتة حيث أنقاض المعاصر وافرة وشاهدة عن ازدهار زراعة أشجار الزيتون في العهد القديم(1). ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن المناطق الخالية من أنقاض المعاصر كجبل غريان ونفوسة تزدهر فيها المساكن الكهفية، والحال أن كل معاصر زيت الزيتون اليوم، كما كان عليه الحال بالأمس، تقع تحت الأرض(2) ومن المحتمل جداً أن استعمال المعاصر الكهفية ضارب في القدم. معنى ذلك أن غياب أنقاض المعاصر لا يقوم دليلاً على غياب زراعة الزيتون. فقد تنهار المعاصر الجوفية، وتنهار معها نحو الأعماق العصّارة البدائية، والطاحونة الحجرية، الموصوفتين أعلاه، وأخرى لا زالت مستعملة، وبما أن الأدوات لم يطلها تغيير فمن المتعذر معرفة تاريخها. نميل أيضاً إلى افتراض أن الرومان القلائل في المنطقة احتضنوا الممارسات المحلية، أو أن الأهالي عصروا زيوتهم وهو معطى وارد جداً.
__________
(1) - [تروتر] ص248.
(2) - وهي كذلك في الجزء الشرقي من الجبل الطرابلسي، راجع : [فرانشيتي] ص445 ومابعده. (1/347)
صفحة 348
ومن المرجح جداً كذلك أن العلاقات مع الساحل تضاعفت. فبما أن أهل الجبل مفصولين عن القبلة فقد اتجهت عيونهم نحو الجفارة والساحل كما أن صبراتة (صبرة) ظلت هي ميناء الجزء الغربي من إقليم طرابلس، ونقطة وصول قوافل غدامس. أكيد أن طريق غدامس لها أبداً أهمية الطريق التي تربط فزان ببونجم، وسوكنة عبر لبدة والتي أدرت الثروة على المرفاء الفينيقي، قبل أن يستفيد منها أكثر الميناء الروماني. وقد كانت لبدة أيضاً على رأسي الطريق المباشرة أكثر والصعبة في آن والتي قام [فالريوس فيستوس Valerius Festus] بفتحها والموصلة إلى مرزق عبر مزدا والحمادة الحمراء. غير أن غدامس ظلت هي ملتقى العديد من مسالك القوافل، وكانت تحت حراسة حامية عسكرية رومانية. فمن هنا نتجه صوب سيناون وسواء عبر نالوت(1) أو عبر نقطة تقع إلى الشرق فإن الطريق تصل إلى صبراتة.
__________
(1) - أنظر [كورو] « La strada romana da Tabunacti a cydamus , Atti del primo congresso coloniale, ii, Firenze, 1932 p35 ». (1/348)
صفحة 349
اختفت حسنات حماية الليمس مع زوال الامبراطورية الرومانية. ففي الوقت الذي كان فيه الوندال يحتلون المغرب الكبير، كان رحل القبلة قد غدوا هم الأسياد، وكان البيزنطيون المستقرون بتونس يقاتلون بصعوبة. ليس مؤكداً أن السلطة البيزنطية، وهي الباسطة لسيادتها على الساحل، قد نجحت في بسطها أيضاً على المنطقة التي ندرسها، إذ لم تهتدي إلى ذلك إلا بعد أن انتشرت المسيحية فيها، وهي المأهولة أصلاً بعدد لا يستهان من أتباع الديانة اليهودية(1). لاشك أن صبراتة مارست جاذبية أكبر على أهل جبل نفوسة وقد كانت أهميتها تتعاظم على حساب لبدة التي زحفت عليها الرمال. حصل ذلك على الأقل في الفترات التي لم يكن فيها إقليم طرابلس منتفضاً(2). على أية حال، فعند وصول الموجة الأولى من الغزاة العرب كانت أرض النفوسيين تمتد إلى هذه المدينة وتضم الجفارة الغربية.
2- نفوسة في فجر العصر الوسيط
إلى حدود القرن السابع، لا نتبين جيداً حقيقة تطور حياة النفوسيين وهو ما يدفعنا باستمرار إلى الاستنجاد بصوغ فرضيات. ولحسن الحظ أن معرفتنا بالعصر الوسيط أحسن نسبياً مما يسمح لنا بتمثل خارطة عامة للمنطقة في عصر رفاهيتنا الأكبر، أي عندما كانت جزءاً لا يتجزأ من الكونفدرالية الإباضية لتيهرت، في بداية القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. بحوزتنا بعض الوثائق سنعمل على مقارنتها مع الملاحظات الأركيولوجية (علم الحفريات) التي خضنا في تفاصيلها آنفاً.
__________
(1) - الشاهد على مرور المسيحية من هنا في غياب الوثائق المضبوطة، تواجد كنائس حولت في فجر العصر الوسيط إلى مساجد، أنظر كتاب السير الذي يحصي 11 كنيسة ، [موتيلنسكي] ص74، ملحوظة 2.
(2) - في الانتفاضة الكبرى لعام 546 يشار إلى [إيفوراك Ifuraces] وهم جنود مشاة شرسون الذين يقاتلون بجانب اللواتين، يراجع : [يهل Diehl] ص301-302، هؤلاءالمشاة هم لا محالة سكان جبل الجنوب التونسي والجنوب الطرابلسي. (1/349)
صفحة 350
عالم قائم بذاته : منذ وصول الجحافل الأولى للغزاة العرب وسط القرن السابع، والنفوسيون يثبتون ما هم دائماً وما سيكونونه بعد ذلك أي جبليون شرسون رافضون لكل هيمنة أجنبية على السهل الممتد تحت أقدامهم. فاستيلاء الحكومة على الجفارة، على الأقل ابتداء من القرن السابع لم يكونوا ينظرون إليه فقط كتهديد لاستقلالهم بل كاحتلال أجنبي – قد يكون من فعل الرحل – لأرضهم الممتدة من الساحل، حيث صبراتة وريثة صبرة وكضياع للسهوب الضرورية لاستمرار ساكنة وافرة في الحفاظ على الموارد الهزيلة للجبل، بالنظر لما كانت تتوفر عليه هذه السهوب من مراعي شاسعة وأرض صالحة للحراثة.
لذلك، تجد النفوسيين يقفون بالمرصاد في وجه كل قادة العساكر سواء قدموا من الشرق أو من الغرب(1). ما كان اعتناقهم للمذهب الإباضي إلا وسيلة لإشهار المعارضة، كما هو شأن اعتناق المذاهب الخارجية في عموم الشمال الإفريقي. وكما كان التشيع للدوناتية في نوميديا بصفة خاصة. غير أن حكام إفريقية (تونس) كانوا بحاجة إلى أن تكون الطريق البرية إلى الشرق حرة على الدوام، والحال أن النفوسيين يعترضون على مستوى الجزء الغربي من إقليم طرابلس، الحكام بحاجة إلى الطريق، والنفوسيين بحجاة إلى المراعي والأراضي الصالحة لزراعة الحبوب، فكانت أسباب هذا التقابل جغرافية بالدرجة الأولى.
تتحدث اليوميات عن مواجهات ضاربة بين حكام القيروان وأهل الجبل الطرابلسي. فجبل نفوسة كان يتمتع باستقلال شبه كامل دام إلى حين وصول بني هلال، رغم انهيار كنفدرالية تيهرت، عام 911م، وهزيمة النفوسيين عام 923م على يد الفاطمي علي بن أبي سليمان(2).
__________
(1) - انضموا إلى أهل طرابلس بسبب "اعتناقهم المشترك للدين المسيحي"، يقول البيان ص3 في محاولة للتصدي للغازي العربي عمرو، ورفضوا الاعتراف بسلطة أمراء القيروان والأغالبة بعدهم.
(2) - يراجع أبو زكريا ص93، ذكره [فنرهيدن Vonderheyden] ص40. (1/350)
صفحة 351
كان سكان نفوسة على امتداد قرن "أشد المساندين للعائلة الرستمية ضمن هذه التشكيلة الغريبة التي تضم رحل السهول وساكنة جبال الأوراس وطرابلس الغربية والتي كان يجمع المذهب الإباضي بين مكوناتها. فقد كان النفوسيون المقاتلون البواسل، وأشهر فقهاء الفرقة على رأس الطليعة المشرقية؟ كانت جبالهم معقلاً انتشرت منه الإباضية في اتجاه عموم السهوب المغاربية. وقد كانت هزيمة 923م والاستيلاء على تيهرت إعلان بداية نهاية قوة الإباضيين، والبداية الفعلية لانحطاط فرقتهم. لايتدخل النفوسيون في شؤون بلاد الأمازيغ الشرقية إلا لأجل الدفاع عن استقلالهم والدود على ملكيتهم لسهوب الجفارة؛ لكن "عينهم دائماً على تيهرت" فسواء من خلال كثافة الحياة الدينية المهيجة للتدافع الفرقي والشقاق المذهبي أو من خلال كثافة دفاعهم عن أراضيهم وحمايتهم لمعتقداتهم، كان النفوسيون يظهرون دوماً ثباتاً وروحاً قتالية. (1/351)
صفحة 352
كان الجبل يمتد من الحدود التونسية إلا بلاد الزنتان ومن نالوت إلى تيغرمين. فهي ثلاثة ايام حسب (إبن حوقل) وستة أيام حسب (البكري) وسبعة أيام حسب (ابن خلدون). مدة ابن حوقل قليلة ومدة ابن خلدون مبالغ فيها غير أنها تشمل لا محالة مركز الجبل الطرابلسي لأنه يضيف جبل "مسلاتة" شرق نفوسة. فقد كانت تلحق بالجبل منطقة الجفارة حتى البحر والظهر حتى الصحراء(1). يشكل النفوسيون كونفدرالية أمازيغية كبيرة من أهم مجموعاتها بني زمور وأحد مراكزها ميري على أرض الرجبان وبني مسكورة وآل ماطوسا(2). وأغلب الظن أن بني تادرميت المذكورة عند البكري هي فخذة من آل نفوسة. كما يضم الجبل أيضاً زناتة – الماغاوا – وبعض الأسر من سدراتة، ويتعذر ضبط موقع كل هذه المجموعات البشرية. وجبل دمّر إلى الغرب من نفوسة بتونس تابع للواتة.
الاقتصاد والسكن : لا شك أن اقتصاد المنطقة بالأمس يختلف قليلاً عن اقتصادها الحالي، غير أن الجبل والسهوب التابعة له عرضة لاستغلال أكبر مقارنة مع اليوم(3). فقد تحدث (ابن حوقل) عن "العنب الجيد" و"التين اليانع" والشعير الشهير النابت في جهات شروس (حيث الكروم اليوم) ومسيف (؟). ويقول (البكري): "نجد في مركز نفوسة أشجار التمر والزيتون وأشجار أخرى تثمر أضعافاً مضاعفة"(4). كما أن زراعة أشجار الزيتون منتشرة بكثرة، وقد اشتهرت بها مناطق بعينها كوادي أم طبول وأحواز الزنتان(5). بالأمس كما اليوم إذن، يقوم اقتصاد الجبل على الغراسة وبصفة خاصة على زراعة أشجار الزيتون.
__________
(1) - يمتد تراب نفوسة حسب اليعقوبي إلى تخوم طرابلس ومن الجهة الأخرى إلى القيروان المجاورة، ص56. الحقيقة أن القيروان تبعد بـ 500 كلم! ابن حوقل ص245، البكري ص25، ابن خلدون ج1 ص280.
(2) - أنظر أعلاه الجزء الثالث الفصل الثاني.
(3) - ابن خلدون ج2 ص226.
(4) - ابن حوقل ص245 ماسيف قد يكون هو أمسين، البكري ص26.
(5) - [موتيلنسكي] ص91/82 ملحوظة 2. (1/352)
صفحة 353
كان السكان يعيشون في بلدات وبصفة خاصة في قرى صغيرة ومجموعات ضيعات تقع بالقرب من العيون والسطيحات المزروعة على الأودية الغربية وعلى الهضبة الشرقية(1). وقد كانت الآبار والصهاريج أكثر عددا مما هي عليه اليوم. وكانت القرى التي هي عبارة عن منازل ومساكن كهفية تتحلق حول مسجد مبجل. وفي الغرب، قصر بغرفة يشرف على المشهد كله، وهو ما يؤكد – على الأقل في هذه النقطة – أن نمط العيش لم يكن مختلفاً كثيرا عن نظيره اليوم. وبالقرب من المسجد أو خارج القرية، تمتد المقبرة، وغير بعيد عن التجمع السكني خصص مكان للدرس. المنازل لها قبب وسطوح، والمساكن الكهفية من نماذج متعددة، والكثير منها يمتاز بالجمال الأخاذ، أما معاصر زيت الزيتون فقد كانت كلها تحت الأرض. المغارات المتناثرة على السهوب وقرب الأغراس يستعان بها كمساكن مؤقتة.
سبق لقرى عديدة أن بحثت عن ملاذ على قمم النتوءات الوعرة أو على شعف معزولة. لم تكن الحياة هنا تنعم أبداً بهدوء طويل. فالتناحرات الدينية تؤدي إلى مواجهات بين قبيلة وأخرى ولأن النفوسيين كانوا مقاتلين أشداء فقد كانوا مهابي الجانب، ولو أنهم انهزموا أحياناً شر هزيمة، ولا نتحدث عن الرحل الصحراويين الذين لم تكن العلاقات معهم دائماً على أحسن ما يرام. يروي (البكري) أن بني زمور يملكون "قصراً" يدعى تيركت، وهي "مكان حصين عصي عن الأخذ"(2). لا شك أن تحصينات نالوت القديمة ضاربة في القدم وأغلب القرى الجاثمة اليوم كانت موجودة في هذه الفترة ومنها: كاباو، وتملوشايت وتندميرا وتمزدا وطرميسا وتاغمة لأن كتاب "السير" يشير إلى تواجد "كنائس" فيها. أما فرسطا وونزيرف وتينزغت وجادو فقد غيرت كلها مكانها الأصلي.
__________
(1) - راجع الجزء الثالث، الفصل الرابع من هذا الكتاب.
(2) - على ضفاف وادي عطية في الرجبان الحالية، يراجع البكري ص25. (1/353)
صفحة 354
تستفيد القرى الصغيرة التي تتمركز فيها التجارة وتشهد درجة من الرفاه الاقتصادي من النشاط الزراعي، يقول (البكري): "شروس هي عاصمة البلدات بجبل نفوسة. شروس مدينة جميلة، كبيرة وكثيرة السكان" قبل أن يضيف: "غالبية سكانها متشيعون للمذهب الإباضي"؛ والآخرون، كما نعرف، هم من اليهود. أما جادو، فيتابع قائلاً عنها: "تضم بازارات وساكنة يهودية لا يستهان بها" فضلا عن أنها "مركز اجتماع فقهاء الفرقة"(1). أكيد أن هذه المقتطفات من النصوص الفقيرة ومقتضبة غير أنها تؤكد بعض النتائج التي استخلصناها من ملاحظتنا للأنقاض.
لا يشك إثنان في أن الأهمية العددية لليهود إلى حدود القرن العاشر على الأقل. فكل تجمع سكني يضم حياً يهودياً بالقرب من السوق. ولا نعدم ذكريات عن هذا التواجد البشري اليهودي إذ نجد قرب جيطال قصر اليهودي، وغالباً ما يتردد ذكر اسم اليهودي واليهود في القصص والحكايات التي ترد على ألسنة النفوسيين الحاليين.
يتواجد حي الأعمال والسوق في قلب التجمع السكني غير بعيد عن المسجد، وإلى الغرب ثمة مخازن محصنة. لا نعرف موقع مكتبة شروس ولا المكان المفضل الذي كان يقيم فيه فقهاء العلوم الشرعية المحترمين من قبل الجميع، والتي لا زالت مدافنهم بالمساجد تحظى بالتوقير. شروس، جادو ويفرن القديمة كانت كلها مراكز اقتصادية ودينية، غير أن البازارات كانت لا محالة قليلة التموين، يقتنع السكان الفقراء والمتدينون بمنتوجات البلد، وأخرى تأتيهم من الساحل، وقد خلقت العلاقات السياسية والدينية مع المغرب الأوسط حركة تجارية متواضعة بين أطراف الامبراطورية الكبرى لتيهرت.
__________
(1) - البكري ص25، يخطئ حين قال ص26، لا يوجد مسجد واحد بشروس ولا في البلدات المحيطة بها، فهذه الجملة تكذبها الحفريات، يراجع أيضاً [فاگانا Fagnan] ص55. (1/354)
صفحة 355
بالمقابل، كانت القوافل الصحراوية تداوم على المرور من الجبل. طريق تمر من جادو وأخرى من شروس وتيدغت ولا زال يشار بالأصبع إلى طريق في وادي شروس تتجه صوب غدامس وتدعى "طريق السودان". كانت المبادلات التجارية منتظمة بين السودان ونفوسة والساحل حيث كانت البضائع تشحن، وقد كان النفوسيون بحاجة (بالأمس كما اليوم) لتمور فزان، ويفترض أن تربطهم بهذا البلد علاقات مستقلة ومستقرة.
كان الجبل إذن، خصوصاً في فترة كونفدرالية تيهرت طيلة العصر الوسيط، منطقة أصيلة جداً، وضاجّة بالحيوية والنشاط، وتتوفر على اقتصاد متكيف مع الظروف الطبيعية والكثافة السكانية. فالحالة العامة التي وصفناها تواً ضاربة لا محالة في القدم وناتجة عن قرون وعصارة لتطور طويل. فقد حاولنا بيان وجود استمرارية معينة في نمط العيش منذ العصر الروماني رغم القلاقل الطابعة بميسمها الحقبة الوندالية والحقبة البيزنطية. كما أن جهلنا بما قبل تاريخ هذه المنطقة لا يسمح لنا بالادعاء بأن هكذا وضعية تعود إلى عصور غابرة. (1/355)
صفحة 356
واقعة واحدة تشد انتباهنا. فقد استخلصنا من الفحص الدقيق للأنقاض معطى مفاده أن نفوسة العصر الذهبي تتميز بارتفاع عدد ساكنتها مقارنة مع اليوم والنصوص تؤكد هذا المعطى. يتحدث (البكري) من جهته عن التجمعات السكنية المحيطة بشروس: "بلدات تربو عن ثلاثمائة مأهولة عن آخرها"(1). علينا أن لا نتمسك حرفياً بهذه المعلومة، ذلك أن الأنقاض القابلة للمعاينة في عموم الجبل تصل بالكاد إلى نصف عددها الإجمالي. كما أننا عندما يقال بأن النفوسيين فقدوا 30.000 رجل في معركة 723م ضد يزيد بن حاتم وقد أعقبتها مذبحة(2) أو عندما يقال بأن 20.000 من المقاتلين النفوسيين المشاة شاركوا في المعركة الآئلة إلى هزيمة مانوا عام 896م وتم الإجهاز على معظمهم(3) فلا ينبغي أن نأخذها مأخذ الجد مثل هذه الأرقام، غير أنها شاهدة ودالة على عدد السكان المفترضين في هذه الفترة.
كان بودنا ضبط الفترة التي شهدت بدايات الكثافة السكانية بالجبل وهو أمر متعذر. نفترض أنها الفترة النيوليتية - وفي هذه الحالة ستكون نتيجة للظروف المناخية – كما يجوز أن تكون نتيجة لأسباب تاريخية فتعود إلى فترة متأخرة كالفترة الوندالية أو البيزنطية.
__________
(1) - البكري ص26.
(2) - ابن الأثير ص116.
(3) - ابن عذاري ص172-173. (1/356)
صفحة 357
ساهم المناخ والتاريخ إذن في الوصول إلى النتيجة نفسها. على أية حال، من الأهمية بمكان البرهنة على أن الكثافة السكانية بجبل نفوسة لم تكن نتيجة لغزوات القرن الحادي عشر إذ كانت سابقة على هذه الأخيرة، وعلى العكس فقد كانت هكذا غزوات وراء افراغ تدريجي للمنطقة من ساكنتها. والظاهر أن هذا ثابت أيضاً بالنسبة لجبل الجنوب التونسي(1). قد يكون من المفيد أيضاً البحث فيما إذا كانت الجبال الملاذات الأخرى بالشمال الإفريقي قد شهدت كثافة سكانية ضاربة في القدم وبالتالي لم تكن بالكثافة نفسها بعد الغزوات الكبرى للقرن الحادي عشر خلافاً للرأي الشائع حول هذه النقطة.
الفصل الثاني
من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين (نتائج غزوات بني هلال وبني سليم)
1- الفترات المتعاقبة
برهن [م. كوتيي] بوضوح على أن القطيعة الكبرى في شمال إفريقيا طبعتها، بقوة، الغزوات الكبيرة للقرن الحادي عشر(2). وصفنا للتو وضعية ناتجة عن تطور طويل شهدته الحياة في جبل نفوسة. فوصول الغزاة الهلايين والسليميين أحدث اضطراباً عميقاً في حياة النفوسيين وقلب راساً على عقب حركة الساكنة والوضع الاقتصادي(3).
__________
(1) - راجع : [منويلارد Menouillard] ، Menouillard, Contribution à l’étude de l’origine de la poplation des montagnes de Matmata, Revue tunisienne, xix, p25 . وما بعدها
(2) - راجع : [گوتيي] ص79 وهي أحد الأفكار الرئيسية في الكتاب.
(3) - حول مجيء العرب راجع : [مارسيي] ص80 ومابعدها. (1/357)
صفحة 358
من الأهمية بمكان العمل على تحليل دقيق لمضاعفات وصول هذه المعطيات من البدو الأعراب إلى مرتفعات إقليم طرابلس، والنتائج المترتبة عن تسلل هؤلاء الوافدين الجدد الذين تماهوا مع كل عناصر الفوضى المتواجدة في البلد، وعواقب استقرارهم بجانب أو مكان السكان الاصليين. فكل هذه القضايا تطرح مشكلة جغرافية وتاريخية حبلى بالفائدة. قادتنا الفصول السابقة إلى خلاصات جزئية لكنها بالغة الأهمية. من الضروري تجميعها الآن ووضعها على محك المعطيات التاريخية. لكن، للأسف الشديد تتسم هذه الأخيرة بالضحالة الشديدة، وتكتنفها ثغرات لا تمكننا من متابعة خط التطور التاريخي. لكن لا يكون بوسعنا هنا إلا التمهيد له ورسم الأطر الكرونولوجية لفترة طويلة تمتد من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين شهدت فيها الحياة بالجبل اضطرابات عنيفة.
كانت نفوسة طيلة هذه القرون الثمانية تتمتع باستقلال فعلي وبلا أطر سياسية حتى استثباب الهيمنة التركية أواسط القرن التاسع عشر. ومن القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر مر الجبل بفترة عصيبة وتراجيدية من تاريخه. فقد كانت حيازة النفوسيين مختلفة كثيراً عن مثيلتها في طرابلس وفي تونس حيث كان الحفصيون يحكمون طيلة ثلاثة قرون (من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر).
يتصدى أمازيغ جبل نفوسة وحدهم للهجمات المتلاحقة للرحل، ويرفضون كل محاولة للسيطرة عليهم من قبل غير الإباضيين، على غرار ما فعله بنو غانية الذين ألبوا وحرضوا إقليم طرابلس ضد الإمارة الموحدية لأفريقيا(1). يتعلق الأمر بفترة شهدت هجرات قوية، وحركة متدافعة للساكنة لا نملك إلا تصورها، لا مشاهدتها بأم العين، وكذلك حركة تنقل كاملة للمساكن، وانقلاب كلي في بنية الاقتصاد.
__________
(1) - راجع : [بل Bel] ص83 ومابعدها (1/358)
صفحة 359
ومن القرن السادس عشر إلى أواسط القرن التاسع عشر حدث نوع من الاستقرار في حالة الفلتان الأمني، وظل الجبل غريباً عن تاريخ الأتراك، والقرامنليين في طرابلس. ظل النفوسيون يتصدون لوحدهم لجحافل الرحل الذين غلبوهم، قبل أن يعملوا تدريجياً على تعريبهم بعد الاختلاط بهم. اعتادوا على العيش المشترك في قرى جاثمة سهل الدفاع عنها نسبياً. وقد التحق أقدم المستقرين من الوافدين الجدد بالسكان الأصليين للتصدي لغارات رحل الجفارة أو القبلة. أما الآخرون فآثروا البقاء بالقرب من موارد الجبل، على اعتبار أنه من الصعب الاستفادة من السهوب المجاورة والشديدة الخطورة التي يعيش فيها البدو.
في أواسط القرن التاسع عشر، ووجِهَ الوصول التركي بثلاث انتفاضات كبرى، آخرها قادها الثائر الشهير غومة(1). غير أن الجبل لم يجد بُدّاً من القبول ببعض الموظفين الأتراك، والحاميات التركية، ذلك أن كل القصور التي كانت ملاذات للنفوسيين في أوقات الشدة، تم تفكيكها وبنيت قلاعاً. صارت يفرن مركز "سنجقية" الجبل الغربي، الذي قسم إلى ثلاثة أجزاء: يفرن، فساطو، ونالوت وأحدثت محطات أخرى في وازّن وكاباو وبگيگيلا وفي الزنتان والرياينة وككلة.
كانت الإدارة التركية متساهلة وأقل إزعاجاً، وقد شهدت الحياة تحسناً ملحوظاً، وقامت الحكومة بتحديد الأراضي وتوزيعها بالجفارة، ووضعت حداً للنزاعات التاريخية بين سكان الجبل وسكان السهل، كما أن الاستقرار الفرنسي في الجنوب التونسي، وضع حداً للهجمات المشؤومة لآل ورغامة. وكانت الحياة بالجبل أكثر هدوءاً، وسكينة، عندما نزل العساكر الإيطاليون بطرابلس عام 1911م.
في خضم هذه الفترات الثلاث وخصوصاً الفترتين الأوليتين تزايدت آثار ومضاعفات غزوات القرن الحادي عشر.
2- هجرة ونزوح الأمازيغ
__________
(1) - يراجع : [فراود Féraud] ص373-82 و ص402-12. (1/359)
صفحة 360
الهجرة إلى تونس وبلاد المغارب : ترتب مباشرة عن وصول بني هلال إلى المنطقة: نزوح جزئي لساكنة الجفارة باتجاه الجبل. الظاهر أن هذا الانكفاء أقل أهمية بكثير مما نتصوره عادة إذا كان صحيحاً فعلاً بأن الجفارة الغربية كانت عبارة عن ملحقة لنفوسة. على أية حال، فهو لا يقاس بالمرة مع الهجرة الناتجة عن التجاور، ثم استقرار البدو في أطراف وبداخل الجبل نفسه. الظاهر أن النزوح البشري كان ضخماً باتجاه الغرب والشمال الغربي، وقد استقبلت تونس لحمة مهمة من قدامى النفوسيين على امتداد قرون.
وهذا ما تؤكده دلائل عديدة. فحسب ما تحكيه الروايات غدت نفوسة خالية من الأمازيغ واحتلها "العرب". رأينا فيما سبق كيف ينبغي التعامل مع هكذا تفسير.
لجأت الغالبية العظمى من النفوسيين إلى تونس، من الصعب اليوم العثور على آثار دالة على ذلك سيما وأن الهجرة الطوعية أو الاضطرارية لم تتوقف أبداً. فمنذ القرن السادس عشر، شد النفوسيون الرحال إلى تونس وبالضبط إلى العاصمة بحثاً عن فرص العيش التي لا يوفرها لهم جبلهم، إذ مارسوا ثمة حرفاً معظمها بسيط ومتواضع. راينا أيضاً كيف أن ساكنة فرسطا استقرت بالتل الأعلى التونسي منذ قرنين. يجمع النفوسيون على قدم حركة الهجرة في صفوفهم إما فراراً من غزو أو جوار البدو الأجلاف أو لكسب رغيف العيش في بلد أكثر ثراءً ورفاهاً، غير أن الثابت هو أن النفوسيين أمدوا منذ زمن طويل جارتهم تونس بأعداد متفاوتة من المهاجرين، لكنها لم تنضب يوماً ما. (1/360)
صفحة 361
لا يشك أحد بتونس في الأصول الطرابلسية لهذه المجموعات المهاجرة، ونكاد لا نجد قيادة تخلو من مجموعتها الطرابلسية، ولو أنها لم تعد تتذكر تاريخ هجرتها، وبالتالي يصعب تمييز النفوسيين عن غيرهم من المهاجرين. المجموعات التي فرت من بطش الرحل استقرت منذ زمن طويل بتونس، واختلطت بالقبائل واللحمات المحلية – أما الذين أتوا بحثاً عن العمل في تونس فهم غالباً أناس منعزلون يذوبون بسرعة في الوسط الذي يعيشون فيه. ومع ذلك، من الممكن العثور على مجموعات نفوسية ومنها على سبيل المثال تامزرت بالجنوب التونسي والتي تقطنها جزئياً أسر قادمة من وازّن وكاباو، كما أننا نجد في إقليم تونس العاصمة نفوسيين متحدرين من نالوت وفساطو. لكن، ماهي طبيعة العلاقة الموجودة بين المجابرة في إقليم القيروان، وأولاد جديدي قرب سليمان في [الرأس الطيب Cap bon] وأولاد بن فضل بالوديان (إقليم توزر) ونظير هذه الأسماء في جبل نفوسة؟ فإذا كانوا حقاً من نفوسة فمتى قدموا إلى تونس؟ عموماً من الصعوبة بمكان ضبط المناطق التي هاجر إليها الأمازيغ.
لكن في حكم المؤكد أن بعضهم، وبفعل شنآن بين السكان، ذهب إلى المغرب حتى. على اية حال، لانعرف حتى الآن حقيقة العلاقة بين بني زمور في المغرب وبني زمور الذين كانوا يقيمون بالأمس في الرجبان الحالية. فـ [مارمول Marmol] يقول صراحة بأن ثمة قرى نفوسية في الأطلس الكبير ويخص بالذكر منها "جماعة الرگراگة والهسكور ولنفاص، وأمازيغ من قبيلة مصمودة"(1) وكلها تعيش حياة الجبلي البسيط(2).
__________
(1) - [مارمول]، ص96.
(2) - نشير إلى تواجد أناس في الجزائر لهم أسماء نفوسية بما فيهم اليهود، راجع مثلاً : [م. روبلين M. Roblin] Les Juifs d’Algérie,La Geographie, LXI 1934, p131 (1/361)
صفحة 362
اختلاط الساكنة : لا يتعلق الأمر فقط بهجرة جماعات مهمة من ساكنة هذه المنطقة باتجاه الغرب، بل هناك أيضاً امتزاج حقيقي للساكنة، وأحياناً نجد أمازيغاً أتوا أو عادوا من مختلف جهات المغرب الكبير. فعندما نسأل سكان القرى الإباضية الحالية عن اصولهم نفاجأ بتنوعها.
ففي نالوت على سبيل المثال، ينحدر أهل الدار من أولاد داوود من فساطو، وأولاد بن عون الله أتوا من تونس، ولهم اقرباء قرب بن قردان وآل عسكرا ينحدرون من الجحيش (ككلة)، ويزعم آل الزكارا أنهم ينحدرون من أولاد سليمان في سوكنة.
أما منطقة فساطو التي يعتبر كل سكانها أمازيغاً وإباضيين بعضهم من الساكنة الأصلية وبخاصة ساكنة جادو القديمة التي هي نفوسية اصلية. وهناك أعداداً أخرى مهمة من الساكنة تزعم أنها أتت من الساقية الحمراء بالجنوب المغربي، وتتكون من: أولاد عمور، جادو، ومزّو، وتمزدا،و آت لحارت في المراكز نفسها، وفي جمّاري وأولاد سلطان في جادو ونواحيها وطرميسا ومزغورا. بل يزعم الزاعمون أن الوافدين الجدد فرضوا سلطتهم على القدامى ويسمونهم "إيرقيقن" أي الضعفاء والخدم. في المنطقة نفسها، تتشكل ساكنة قرية ئگناون الصغيرة من خليط من الأسر ذات الأصول المتنوعة أقدمهم العزابة، وأولاد بوراس، ثم الگلالة – زواغة القدامى – والمساهل من قرية إيخافرن قرب طرميسا وهي الآن عبارة عن أنقاض والدرواجيون الذين نزلوا من ملاذهم بقصر يدرج قرب مزغورا، وأخيراً، أولاد علي المتحدرين من منطقة ككلة وقبل قرن فقط، غادرت بعض العوائل القرية الصغيرة المجاورة (لگلينديت) وأتت للاستقرار قرب العين.
أما ساكنة يفرن، فحتى إن لم تكن أصولها بالتنوع نفسه فهي غير متجانسة. فقد انضاف لمجموعات أمازيغية قديمة تزعم أنها نفوسية ولو أنها لم تكن أبداً كذلك، أولاد ورسطّيف القادمين من فرسطا بالقرب من كاباو وبني يفرن وزناتة الذين كانوا مستقرين قبل ذلك في نواحي تلمسان، وسموا مكان إقامتهم باسمهم. (1/362)
صفحة 363
معنى ذلك أنه حدثت هجرة لابأس بها لأمازيغ أتوا من المغرب الكبير وخصوصاً من هذه المنطقة المجاورة لتيهرت التي كانت بالأمس عاصمة الكنفدرالية الإباضية. إن قدوم بني يفرن ومطماطة من الجبل التونسي، ومجيء أجداد لحمة مهمة من ساكنة فساطو يقدمان الدليل على حدوث هجرة لا يستهان بها ملأت الفراغات الناتجة عن هجرة أعداد كبيرة من النفوسيين الأصليين.
حلت التجمعات السكنية التي سميتها آنفاً الجيل الثاني من السكن محل القرى أو البلدات القديمة، غير أن ساكنتها تبدلت في الأغلب الأعم، ولو أن أياً من الرحل "العرب" لم يأت للاستقرار بجانب السكان الاصليين أو معهم.
انشاء القرى : غير أن مجموعات أمازيغية عمدت أحياناً إلى إقامة قرى على مواقع جديدة وجاثمة، إما للانهيار الكامل الذي طال التجمعات السكنية القديمة بالمنطقة، أو لأن الوافدين الجدد رفضوا الاختلاط بالسكان الآخرين. وحسب الروايات الشفوية، فطمژين تأسست منذ القرن الحادي عشر ومأهولة بالأمازيغ الوافدين من منطقة الرجبان، وآخرين قادمين من زاريزرا وهي قرية متداعية قبالة فرسطا، وجزء ثالث أتى من تيجي، ونفر من الجنوب التونسي (تطاوين)، بعد ذلك بكثير. قد تكون الگنافيد القرية الأحدث من بين قرى جبل نفوسة، وتسمى أيضاً القصر الجديد، والظاهر أنها تأسست على يد بدو بدارنة وهم أمازيغ (؟) يعيشون تحت الخيام في منطقة الجوش قبل حوالي 150عام. (1/363)
صفحة 364
ويعتبر تاريخ القصر الضخم للقلعة مثقلاً بالعبر – وهو في جزء منه عبارة عن أساطير وأحاكي – علماً بأنه آخر مركز ناطق بالأمازيغية وإباضي شرق يفرن. يرجح أنه تاسس قبل حوالي 750 سنة في الوادي المتوسط للسودانة، حيث ثلاث قرى متداعية شاهدة على عمران قديم وهي: تزروين المطلة على الوادي من الضفة اليسرى والتي يقال أن ساكنتها فرت إلى تونس، وگنطرار التي تقع هي والقصر على ربوة يالضفة اليسرى ويعتبر جزء من گنطرار مزدا أحفاد هؤلاء (؟)، دائماً حسب المزاعم، وأخيراً وعلى الظهر نفسه أم العدوم الذين سكن جزء منهم على الأقل بالقرى المجاورة ليفرن، وعادوا بعد ذلك إلى القلعة الجديدة. وقبل سبعة قرون ونصف كان قطعان "عرب" أولاد بوسعد المقيمين تحت الخيام ترعى بالمنطقة.
عندما جاء مؤسسا القرية من يفرن وهما هيوب الزابي والحاج خليفة المتحدر من الجنوب المغربي واقاما في الوادي وجدوا فيه أولاد بوسعد يسقون بهائمهم من مياه الآبار المتواجدة في عمق الوادي. تروي الحكاية أن الأمازيغيان اشتريا مساحة من الأرض يمكن أن يغطيها جلد جمل، غير أن العرب المخادعين قطعوا الجلد أطرافاً قدر ما مكنهم من الاستيلاء على شبه الجزيرة الصخرية التي يضمها كلها تقريباً منعطف حبيس ولا زال يطل عليها المسجد العتيق وأنقاض القصر. ومن اللافت فعلاً أن نجد الحكاية نفسها معدلة قليلاً في الجبل الطرابلسي وهي تفسر لحظة تأسيس قرطاج. يتواجد القصر والمسجد في قلب التجمع السكني الجديد الذي تنامى تدريجياً خصوصاً بعد طرد أولاد بوسعيد من البلد. فقد يكون أولاد بحور والبودّن والخزاميين وهم أحفاد الحاج خليفة – حسب المزاعم – أقدم سكان القلعة، وبعدهم بكثير أتى آل الملديان وأولاد عبد الله من فرسطا وقد أنشأ الأواخر ضيعة في سافلة المركز الرئيسي (الرسم 22). (1/364)
صفحة 365
على ما في تاريخ تأسيس القلعة من جوانب خرافية فإنه يبين بوضوح، أكثر من تاريخ طمژين، أن الأمازيغ أنشأوا بأنفسهم قرى جديدة اعتماداً على عناصر كثيرة، بل إنهم استعادوا بعض أراضيهم من الرحل الغزاة، والظاهر أن مثال القلعة ليس الوحيد.
غير أن الأمازيغ أنفسهم كانوا أحياناً، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وراء دمار العديد من التجمعات السكنية، ولا شك أن التناحرات بين القرى والمدن التي صعدتها الخلافات الدينية ساهمت في إضعاف النفوسيين. فبعد أن كانت شروس غريمة تندميرا قبل القرن الحادي عشر، صارت غريمة ويغو التي نجد أنقاض قريتهم فوق الهضبة على بعد كيلومترات، ويروى أن ويغو استنجدت بـ "العرب" عند نهاية القرن الحادي عشر لوضع حد للقوة المتنامية لجارتها، فنهبت ثم دكت دكاً مع الأرض. ويحكى أيضاً بأن جزء من ساكنتها لجأت إلى قصر ويلم الذي تحيط أنقاضه الرومانية بنتوء كلسي رقيق، وبأنه تم ترحيل خزانة هذه المدينة المعروفة بعلمائها جزئياً إلى مكان آخر. كما أن الحرابا الرحيبات لا زالو يتذكرون الصراع الطويل بين بلدتي إيفاطمان وتنوتين، وكتاب السير يقول بأن 1000 فارس زناتي زحفوا على إيدرف في بلاد الرجبان ودمروها تدميراً. وقد استغل "العرب" الصراعات الداخلية بين الفصائل الأمازيغية فتسللوا مراراً إلى الجبل.
نخلص إلى أن إحدى النتائج الرئيسية لعلاقات الجوار ووصول البدو المختلطين بالعرب المشارقة في الجبل تمثلت في نزوح قلص الكثافة السكانية بالمنطقة، وفي هجرة وتمازج حقيقي بين المجموعات الأمازيغية التي لم تغادر الجبل.
تقترب هذه الخلاصة من نتائج بحث أجري في بلاد مطماطة ومفادها أن الجبال التي كان الأمازيغ يسكنونها قد خلت جزئياً من هؤلاء وآل مطماطة الحاليون يتحدرون من أمازيغ أتوا من الجزائر.
3- استقرار الوافدين الجدد (1/365)
صفحة 366
لم تملأ الفراغات الناتجة عن حركة النزوح إلا جزئياً من قبل الهجرة الأمازيغية، والاستقرار التدريجي للرحل المعربين. غير أن المسألة المطروحة هي معرفة حيثيات استقرار هؤلاء الوافدين الجدد بالبلد. هنا نتأسف مرة أخرى لغياب الوثائق التاريخية. وإن كانت الروايات المستفادة من عين المكان والملاحظة ترفدنا بمثالين موحيين ودالّين.
أهل الزنتان وأهل غزاية : الأول يهم أهل الزنتان وهي قبيلة ظلت وفية للترحال وصاحبة أسوأ سمعة، هي وجيرانها "إخوتها" آل الرجبان، في صفوف "عرب" الجبل أنقاض القرى القديمة تتناثر بكل مكان في منطقة الزنتان ومنها: شيداو المطلة على عين حاملة للاسم نفسه، المسعودي ونفوسة المختلطة أنقاضهما في الجنوب الغربي، المعايفة قرب المركز الحالي لأولاد بلهول، يشرفون على ربوة غرب مركز الزنتان وتيغرمين الممتدة أنقاضهما قرب ملتقى طريق غريان، والطريق المؤدية إلى ثكنة تجار القوافل. يفترض أن "العرب" الأوائل الذين استقروا بالمنطقة هم أولاد سعادة الذين، على ما يبدو، هم أنفسهم أولاد سعد الذين أتينا على ذكرهم في وادي القلعة، وقد استولوا على جزء الجبل الواقع شرق جادو. بعدهم جاء آل الرجبان وقرناً بعد ذلك آل الزنتان، ويعتبر أولاد بلهول أقدم الزنتانيين الذين وصلوا إلى الجبل. ويزعمون بأن آل عوف (سليم) هم أجدادهم. وقد طردوا بمساعدة الرجبان أولاد سعد. بعد ذلك، العميان وأولاد عيسى وأولاد الذويب الذين تعود أصولهم، أيضاً حسب زعهم، إلى آل سليم عبر الزوغبة. بدأ هؤلاء الرحل القادمين من فزان في شراء الأراضي وأشجار الزيتون في أولاد بلهول ويدّعون بأن عمليات الشراء تؤكدها رسوم عقارية. وأخيراً، وصل أولاد خليفة ذوو الأصول المتنوعة. معنى ذلك أن كل هؤلاء المواليد الجدد العرب في الظهر فقط هم رحل صحراويون تدفقوا على الجبل في شكل موجات متتابعة. استقرت مجموعات كثيرة منهم في الجبل وفضل الآخرن مع بهائمهم الجري وراء مساحات (1/366)
صفحة 367
القبلة الجرداء.
يملك هؤلاء الرحل مخازن حصينة بالقرب من العيون. ثلاثة قصور تطل على رأس شعب وادي العين (أولاد ميلاد) وهو رافد صغير على يمين وادي الرجبان، وهذه القصور هي: أولاد الذويب شمالاً وقصر العميان الواقع على فجوة يفصلها خط عن الشعب، وقصر القواسم جنوباً. هذا الأخير على الأقل يمكن اعتباره أمازيغياً أي عريقاً كما تشهد على ذلك الرواية المحلية، ومخلفات مقبرة مجاورة وصفوف قديمة من الحجارة. قصران آخران يشرفان على عين مسالكين وهما: قصر أولاد بلهول، وأولاد خليفة. فالمخازن المحصنة والعيون هي إذن بالنسبة لرجال الخيمة، هؤلاء الشرطان الأساسيان لكل استقرار، كما كانا كذلك في الزمن الغابر الذي عاش فيه رحل الجيتول. تدريجياً، تخلى هؤلاء عن الخيام إلا في فترة الحليب التي يتم فيها دائماً رعي الماشية بحثاً عن الكلاء واندس بعد ذلك آل الزنتان الجبل في مغارات أو قاموا ببناء منازل. وعلى إثر انتفاضة غومة قبل ثلث قرن دمر الأتراك مخازنهم ومنازلهم وعملوا على إعادة بنائها وعوضوا مخازنهم الحصينة بمخازن فردية وتطل هذه المخازن المقببة اليوم على حجرات سكنية رديئة أو مغارات مسنودة بأعمدة وحيطان. وأثناء اضطرابات 1920م أعيد تدمير هذه المنازل. حالياً، تتناسل المساكن الكهفية والميسورون فقط هم الذين يبنون غرفة إلى غرفتين بالحجارة. (1/367)
صفحة 368
المثال الثاني وهو أكثر دقة وثقة كونه لا زال قابلاً للمعاينة، نجده في آل غزاية وهي فخذة متفرعة عن آل الحرابا. فهؤلاء اليوم هم "عرب" رحل مستقرون في صدفية كبيرة بوادي تسلتس على بعد كيلومترين من الحدود التونسية. يتذكرون هم وحرابة آخرون أنهم طردوا الأمازيغ من الصدفية إياها، وخصوصاً من القرية – المأوى الصغيرة التي تطل عليها أنقاض قصر غزاية. تحولت هذه القرية الصغيرة الجاثمة القريبة من عين فقيرة ومحبس إلى عش كعش النسر يضع فيه آل غزاية ما سلبوه من غيرهم. لا زالت بعض الأسر تعيش بها اليوم مدفونة في مغارات بعضها فوق بعض على منحدر شديد وتحول البدو إلى اسياد بساتين عين غزاية والمياه الغالية التي تسقى منها البهائم.
منذ حوالي نصف قرن، ضاعف آل غزاية في الوادي أعداد مغروساتهم من التين، وأغلبهم حفر مغارات قريبة حيث يقضون معظم فترات السنة. تخلى هؤلاء تدريجياً عن الخيام وطالهم الفقر بعد أن منعهم الإيطاليون من القيام بغاراتهم المعهودة، ووقفوا بذلك إلى جانب الأمازيغ. إلا أن الاتجاه العام هو الاستقرار بمحاذاة العيون والبساتين التي تسقيها، وعلى مكان يتواجد به مسجد جديد أو حتى مدرسة قرآنية أو على الأقل قصر جيد باعتبارهم القلب النابض لكل قرية.
تبدو غزاية بمغاراتها المحفورة في جنبات الجبل والأخرى المتناثرة في الصدفية الكبيرة، ومنازلها البدائية المجاورة أو المطلة على العين، كما لو كانت النمط الوحيد للقرية المشتتة في جبل نفوسة. إلا أنها لا تعدو أن تكون قرية في طور التشكل. (1/368)
صفحة 369
من الأهمية بمكان عقد مقارنة بين هذين المثالين على ما بينهما من تباين. ففي الحالة الأولى أو الثانية يكون الاستقرار البشري قرب العين وبمحاذاة القصر بعد أن يطرد منه مالكوه الأوائل، فمن المستبعد جداً أن آل الزنتان بنوا قصوراً أخرى غير تلك التي وجدوها واستولوا عليها بالقوة. نتساءل هنا إن لم يكن عامل البعد والخوف من الابتعاد عن القصر والعين هما اللذان منعا آل غزاية من التمركز في القرية. وفي الحالتين معاً، تأكد أنه تم طرد جزء من الساكنة الأصلية مقابل استقرار وتثبيت البدو لأقدامهم رويداً رويداً وتخليهم عن الخيمة مسكنهم الدائم، ليكتمل بذلك استقرارهم النهائي. ليس معنى ذلك أن الخيمة اختفت نهائياً عن الأنظار فهي ضرورية في فصل الربيع، والمستقرون بكل معنى الكلمة لاوجود لهم في جبل نفوسة.
طرق استقرار الوافدين الجدد : مهما كانت أهمية هذين المثالين فإنهما لا يسمحان لنا بتكوين فكرة كاملة ومتكاملة عن الاستقرار التدريجي للوافدين الجدد، إذا لم يتح لنا تحليل مفصل للأشكال الحالية للسكن ودراسة القرى تصور الطرق التي استقرت بها، في معظم الحالات، مجموعات الرحل. مما لا شك فيه أنه تم اللجوء باسترسال إلى طرد السكان الأصليين أو مغادرتهم القرى بعد أن تبين لهم استحالة المكوث بها، وكانت النتيجة هي تدمير البيوت المتخلى عنها أو تداعيها التدريجي. تتناثر بغرب جبل نفوسة بصفة خاصة أنقاض قرى من الجيلين لم يتم تعويضهما منذ ذلك الحين. (1/369)
صفحة 370
إلا أنه غالباً ما كان تسلل واستقرار العرب والمعربين باتفاق مع السكان الأصليين أنفسهم. نشير فقط إلى أن هذا التساكن، الذي كان مقدمة لغموض لا زال قائماً، يعبر عن نفسه من خلال التصاق الأحياء الجديدة بالقرى القديمة أو من خلال ضم ضيعة أو ضيعات إلى مجموعة من الضيعات القائمة. وآخر المستقرين هم الأسياد الحقيقيون إذا كانوا أقوياء، والظاهر أنهم وضعوا اليد، أول ما وضعوها، على المخازن الحصينة. فإذا كانوا كثيري العدد فإن الآخرين يقبلون بتواجدهم. أغلب الظن – وهو ما يؤكده نسبياً مثال الزنتان وغزاية – أن الرحل كانوا يستقرون بالقرب من التجمعات السكنية للاستفادة من خدمات القصر والمياه قبل إقدامهم على بناء منازل.
وتحت تأثير الوافدين الجدد ومسلسل التعريب زالت الكثير من الاسماء الأمازيغية، أو اتخذت شكلاً معرباً (أو عربياً). غالباً ما يستمر الأمازيغي تحت عباءة الألقاب العربية. هكذا نجد أن كل قرى الرجبان تقريباً لها اسم مزدوج وأغلبها قرى – ملاذات فالكولت صارت أولاد عنان، وشارن أولاد جابر، كما أن الزعفران صارت تلقب أكثر بأولاد عبد الجليل، والزنتات بأولاد مسعود، وتيركت بأولاد عطية، وحزام بأولاد براهمة. وفي الرحيبات تسمى قرية قطروس (وهو اسم الفخذة الأمازيغية المقيمة فيها). الفياصلة وهو اسم مجموعة من الحرابا التي جاءت للإقامة فيما بعد ذلك. ويوشك عموم الحوامد أن ينسوا الاسم القديم لقريتهم وهو تيغيت. حدث إذن تعريب كاسح لأسماء الأماكن تحت تأثير إما الاستقرار القديم نسبياً للمجموعات المعربة أو التعريب الذي مس بعض المجموعات الأمازيغية. (1/370)
صفحة 371
ثمة حالات أخرى نجح فيها الرحل المستقرون نسبياً في تأسيس قرى على مواقع جديدة ودفاعية، أو على أنقاض القرى القديمة. فالزنتان وغزاية استقر جزء منهم في أماكن جديدة، في حين أعيد بناء خربة الرحيبات على الأنقاض القديمة لأمسين على يد المدعو الحاج من بني زغبة من مجموعة سليم، والأصل العربي للقائد ليس معناه أن كل الأسر المرافقة لها أتت من جزيرة العرب، استعمل الوافدون الجدد لمدة طويلة قصر القرية الحالية المسماة أولاد بوجديد التي لا زال جزء من سكانها أمازيغ إباضيون. أكثر من ذلك، يرجح أن الرحيبات أقاموا بالقرب من هذا القصر والعيون المجاورة قبل بنائهم لمنازل على أنقاض أمسين القديمة.
4- التغيرات الاقتصادية
تمخضت عن الاضطرابات الناتجة عن وصول واستقرار الرحل المعربين تغيرات عميقة في الاشكال السكنية واقتصاد الجبل. لا داعي لتكرار ما قيل آنفاً عن تنقلات القرى واستحضار جزئيات التباينات المهمة بين السكن الحالي المتحدر من قرون وقرون من الفلتان الأمني، والسكن القديم الأكثر تاقلماً مع المتطلبات الطبيعية (طبيعة من نوع خاص). (1/371)
صفحة 372
تشهد على الانحطاط الاقتصادي، كما رأينا كذلك، هذه الأكوام من أنقاض الآبار والصهاريج المتناثرة فوق أرض الجفارة والظهر، بل والقبلة أيضاً، وحتى أودية الجبل كما تشهد عليه هذه الصفوف من الحجارة المنتصبة الواقية لحقول مهجورة اليوم، والسدود المنهارة التي لم تعد تشد تربه الشعاب، وبكلمة واحدة كل هذه الأنقاض الدالة على استعمال أقصى للإمكانيات المتواضعة التي تتوفر عليها البلاد. هكذا انحطاط تؤكده أيضاً مقاطع من جملة نصوص حاملة، لا ريب، للكثير من الدلالات. جاء في كتاب السير، مثلاً، أن امرأة صالحة بالجبل كانت ترجو ثلاثة أمور، أحدها رؤية أشجار زيتون تيغرمين وهي قرية ضخمة متداعية في منطقة الزنتان وكانت هذه الأشجار مشهورة بجمال مظهرها. والحال أن هذه المنطقة مهجورة اليوم، واشجار الزيتون العريقة بها ما عادت تثمر، على النقيض تماماً من مثيلاتها المجاورة في بلاد الرياينة. والسبب بسيط، فآل الزنتان لا يزالون بدوا أكثر مما هم مزارعون، يربون الماشية أكثر مما تستهويهم زراعة أشجار الزيتون، كل عنايتهم تنصب على بهائمهم ويقنعون بقطف حبات الزيتون من اشجار لا هم زرعوها ولا شذبوها. ونقرأ في مكان آخر بالكتاب نفسه بأن عين ئگناون (أي عين تموگت) كانت تسقي 12.000 شجرة زيتون. وحتى إن بولغ في هذا الرقم إلا أنه دال على الفرق الموجود بينه وبين مئات أشجار الزيتون المتبقية اليوم، وهو ما يؤكد حصول انحطاط اقتصادي جادّ. (1/372)
صفحة 373
لم يستطع الاقتصاد القديم للجبل الصمود في وجه قرون من الفوضى، والتي ساهم التفوق "العربي" أي تفوق البدو بحظ وافر في إطالة أمدها إلى السنوات القليلة الماضية. في كل مكان تقريباً، نجد أهل الجبل محميين من قبل "العرب" ولذلك فغالباً ما يكونون أيضاً ضحاياهم. يعتصم القرويون بالصبر والعمل ولا شيء غير العمل في مواجهة غارات وتجاوزات البدو، ولا يجرأون على مبارحة قراهم وترك ثلة رؤوس ماشية لأعدائهم وأسيادهم أو على الأقل بعض من يملكونها منها. إن زيادة رؤوس الأغنام والماعز عند الأمازيغ حديثة العهد زاد من وثيرتها استثباب الأمن على يد الإيطاليين. ما الفائدة أيضاً من زراعة السهوب المجاورة بالبذور إذا كانت دائماً تحت رحمة الرجبان والزنتان، وأحياناً الرحيبات والحرابا والحوامد الذين لا يكفون عن التهديد بالسطو على المحاصيل الزراعية في حين يتكفل آل ورغامة المشهورين بشن الغارات تلو الغارات على الجفارة؟ فالأمازيغ مضطرون إلى البقاء في المجال الضيق للجبل والعيش البائس على ما توفره الغراسة وبعض الشعير والقمح المزروع في الأودية أو المناطق المجاورة للقرى والحليب ولحم قلة من رؤوس الماعز والجدي. النزوح بالنسبة لهؤلاء هو صمام أمان غير أنه محفوف بالمخاطر إذا حصل باتجاه مناطق خارجة عن سلطة الحكومة. بالمقابل، يضيف "العرب" إلى منتوجات قطعانهم ما حصلوا عليه من السرقات وعمليات السطو التي يقومون بها ضد "محمييهم" الأمازيغ. رأينا كيف أن الأمازيغ بدأوا في الثأر سلمياً ولكن بخطى ثابتة من هؤلاء تحت حماية السلطات الإيطالية. (1/373)
صفحة 374
لم تفرغ تسعة قرون من القلاقل ومن الصراع بين "العرب" والأمازيغ، والبدو وأهل الجبل، هذا الأخير من ساكنته الكثيفة فحسب، بل عملت على إلحاق تغييرات عميقة بالسكان وقلبت الاقتصاد رأساً على عقب. لا زال النفوسيون يتذكرون الرفاهية التي كانت ترفل فيها بلادهم، والعصر الذهبي لكونفدرالية تيهرت التي دمرها "العربي" شر تدمير. فقد وضعوا جانباً الصراعات الداخلية والتناحرات والحروب، وكرسوا جهودهم للنشاط الاقتصادي والإشعاع الديني اللذين صنعا مجدهم. كيف يمكن الصفح والعفو على "العربي" الذي خلق كل هذا الدمار ومظاهر البؤس المتوارثة؟ وكيف يمكن الصفح والعفو على تعريب طال نصف الإخوة القدامى في الدين بعد تركهم للإباضية وتخليهم عن لغة أجدادهم؟ قرون من التعايش بين الأمازيغ و"العرب" لم تنجح في ردم الهوة الفاصلة بينهم.
فهل ستساهم السيطرة الإيطالية في ردم هكذا هوة أم ستعمقها؟ على أية حال، فقد شرعت منذ الآن، في حفرها مجدداً.
الفصل الثالث
الإيطاليون وجبل نفوسة
1- الصراع "العربي – الأمازيغي" الأخير
الوقائع : استقر الإيطاليون الذين نزلوا بإقليم طرابلس خريف 1911م في نفوسة لعدة أشهر بعد سلام أوشي (مارس – أبريل 1913م). لكن بعد احتلال فزّان والجلاء عنها 1914م، وعلى إثر تكاثر انتفاضات القبائل، ومشاركة إيطاليا في الحرب الكونية اضطر العساكر الإيطاليون إلى التخلي عن نفوسة وقروييها والانكفاء في بعض نقاط الساحل 1915م. (1/374)
صفحة 375
ترك الجبل وشأنه طيلة سبع سنوات حتى عام 1922م. ولأن الأمازيغ هادنوا الاحتلال الإيطالي وظلوا مخلصين له، فإنه كان عليهم بعد إجلائه أن يواجهوا الانتقام الهمجي لعصابات المتمردين البدو "العرب" منهم. فقد أحس هؤلاء بأنهم صاروا أسياداً فعاقبوا هؤلاء الممقوتين الأمازيغ الذين خذلوهم ولم تتأتى الإغارة عليهم منذ سنتين. فمنذ نهاية 1916م، بدأ طرد سكان منطقة فاساطو وقرى أخرى من أرضهم، فما كان لهم إلا أن يلجأوا إلى الواحات الساحلية التي لا زالت خاضعة لإيطاليا حتى عام 1919م. (1/375)
صفحة 376
وعندما اهتم الإيطاليون مجدداً بإقليم طرابلس عند نهاية الحرب الأوروبية، فإنهم فضلوا التفاهم مع كبار القادة، كـ سليمان الباروني الذي كان متواجداً بالعزيزية في السهل، وخليفة بن عسكر المقيم بنالوت. كان خليفة بن عسكر يظهر وسط السكان العرب المنتفضين كقائد الإباضيين، مقابل القادة المالكيين بإقليم طرابلس، وحتى إن كان وراء مغادرة بعض ضباط وعساكر الجزيرة، نالوت، التي استقروا بها، فإنه تقرب من الإيطاليين في صيف عام 1920م. كانت الفرق الإيطالية تقدم مساعدة غير مباشرة للنفوسيين إبان حربهم ضد بدو الزنتان والرجبان، والتي خرجوا منها منتصرين، غير أن مجرد الاشتباه بأنهم دخلوا في تحالف مع النصارى جلب عليهم كراهية "العرب"، فقام الزنتان والرجبان والحرابا والمشابا وأولاد بوصف من القبلة بطرد هؤلاء التعساء من الأمازيغ الإباضيين من يفرن وفاساطو، ثم من كاباو وأخيراً من نالوت (صيف – خريف 1921م)، وأحجمت الفرق الإيطالية عن التدخل إلى جانبهم. قتل مئات الأشخاص وأحرقت القرى وتم السطو على كل ما في الجبل. بعد أن تم نفيهم من بلادهم لجأ الجبليون إلى منطقة زوارة وهي قرية إباضية وناطقة بالأمازيغية تتواجد على الساحل، وحطو الرحال جنوب الجفارة بين العسة والوطيا. وعندما هجم الإيطاليون أخيراً عام 1922م سلحوا وأطّروا الأمازيغ واستعيدت نفوسة الوسطى والغربية بعد معارك الجوش والسلامات، (يونيو – يوليو 1922م) وبعد ذلك بقليل حررت يفرن بعد قتال ضروس (31 أكتوبر) ثم ككلة، وأخيراً غريان (نوفمبر). سحقت انتفاضتان في المهد. واحدة قام بها الزنتان والثانية انطلقت من نالوت (خريف) 1923م. ولم يستتب الأمن إلا في الأشهر الأولى من عام 1924م بعد الهجوم على القبلة الذي أسفر عن الهزيمة القاضية لرحل الزنتان وساهم في ضمانة احتلال غدامس ومزدا. (1/376)
صفحة 377
نتائجها ودلالاتها : لم أُذكّر بإيجاز شديد بهذه الوقائع إلا لكونها تكتسي أهمية مزدوجة في هذا المقام. تعتبر ردة الفعل العنيفة لـ "العرب" المتمردين في معظمهم ضد الأمازيغ القرويين الأخيرة من نوعها، والأكثر هولاً، والتي أوقد نيرانها التناحر "العربي – الأمازيغي" في الجبل، وقد أتت هذه القلاقل على الأخضر واليابس فيه. وعندما نتفقد مختلف أطراف الجبل وادياً وادياً، وقرية قرية، فإننا نقف في كل نقطة على الآثار المشؤومة لهذه الحقبة، على الرغم من العمل الذي أنجز في السنوات الأخيرة. بل من الصعب جداً الاستغناء عنها في معرفة الأشياء العارضة والعابرة في الوضع الحالي لعموم المنطقة.
في كل مكان. تقدم القرى لنظر العابر نصف منازلها المتداعية. بعضها كطمژين مثلاً التي هي أول قرية نهبت وأصابها الخراب، وأخرى كجماري دكت مع الأرض. وعندما عاد الزنتان إلى قراهم وجدوا الكثير من منازلهم وقد استوت مع الأرض وأقام عليها الأمازيغ المسرورون بأخذ الثأر منهم. هنا وهناك أعيد بناء المنازل، غير أن الناس أصابهم فقر شديد أو إفلاس فدفنوا أنفسهم في مساكن كهفية متنوعة النماذج، إذ ساهمت أحداث 1915-1922 بقوة في عودة الحياة إلى السكن الكهفي في جبل نفوسة.
عانت القرية بدورها الأمرين من هذه السنوات التي تحول فيها البدو إلى أسياد المنطقة بلا منازع. سطا البدو بلا شفقة ولا رحمة على قطعان الماعز والخرفان التي يمتلكها الأمازيغ، والحال أن بعض هؤلاء كسكان طمژين مثلاً أعادوا بالكاد تكوين جزء صغير من ماشيتهم. وقد كان من جهة أخرى لقمع التمرد أثر بالغ على ماشية "العرب". لكن لحسن الحظ أن القطيع ثروة يعاد بنائها في بضع سنين، فالظهر وبعد 10سنوات من عودة السلم أن عدد القطعان ما عاد متأثرا اليوم بالسنوات السوداء التي لا زالت ذكراها حية في النفوس والعقول. (1/377)
صفحة 378
الأمر يختلف مع الغراسة خصوصاً زراعة النخيل. فعندما كان البدو أسياد الجبل عمدوا إلى قطع رؤوس أكبر عدد من أشجار النخيل وشبعوا من "الاگمي" بدون اكتراث، وبلذة فائقة على اعتبار أن هذه الأشجار في ملك غيرهم وانتزعوها منهم. وقد تأثر نخيل وادي ئگناون أكثر من غيره، حيث كان وافراً على السطيحات المتراكبة في عمقه، وصار بعض أهل مزّو الذين كانوا يملكون 8000 نخلة ما عاد بحوزتهم إلا بضع مئات منها.
أشجار الزيتون صمدت في كل بقعة تتواجد بها، إلا في منطقة نالوت، حيث ماتت بضعة أشجار جراء غياب العناية بالسطيحات وتوقفت الزراعة. وبالمقابل التهمت إبل الزنتان ورحل القبلة البساتين الجافة التي تضم التين والكروم المتكاثرة خلف يفرن، ومعظم الكرمات التي ماتت، والتين المكسور والمتهالك بأن يعود إلى شكله الطبيعي نسبياً.
أخيرا لا نشك دقيقة واحدة أن الاضطرابات التي أعقبت جلاء الإيطاليين عام 1915م من الجبل وغزو المنطقة من جديد قلصا كثيراً عدد الساكنة. فبين الإحصاء التركي لعام 1911م والبحث الذي أنجزه الكولونيل [أگوستيني] عام 1915م لم يفقد الجبل أكثر من 3000 نسمة، لكن الاختلاف الضخم مابين أرقام 1915م و1931م. إذ تراجع عدد الساكنة من 67475 إلى 43313 أي فقدان أكثر من 24000 نسمة أكثر من ثلث مجموع الساكنة . ظلت نفوسة الغربية بمنأ نسبياً عن هذا التراجع السكاني، إذ تراجع عدد سكانها من 13735 إلى 11240 نسمة اليوم، أي بفقدان ما مجموعه 2500 نسمة، في حين فقدت نفوسة الشرقية أكثر من 21000 نسمة. من 53740 عام 1915م إلى 32073 عام 1931م. وإذا فضلت بعض الأسر الأمازيغية وخصوصاً اليهودية منها البقاء في الساحل، فإن المتمردين القدامى قفلوا كلهم عائدين. لا شك في أن عدد السكان لم يزدد بوتيرة سريعة مع استتباب الأمن وعودة السكينة، كما ازداد في كل مكان بالشمال الإفريقي منذ الاستعمار الفرنسي، غير أن ثمة أصلاً فراغات كبيرة يتعين ملئها. (1/378)
صفحة 379
لا شك أن اضطرابات 1916-1922م لا تعدو أن تكون صفحة – من أحلك الصفحات لا محالة- في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للجبل، إذ تتيح لنا نتائجها ومرتباتها والتي تمكنا من الإحاطة بها على الطبيعة سنوات فقط بعد نهايتها. فهما أفضل لظاهرة الأفول الاقتصادي والتراجع السكاني الناتج عن قرون من القلاقل.
أكيد أن الأزمات العميقة من قبيل تلك التي انفجرت مؤخراً قليلة الحدوث. لكن لا ينبغي أن يغرب عن بالنا أنه طيلة تسعة قرون وبخاصة منذ أربعة قرون ساد فلتان أمني مطلق. مما لا شك فيه أن المظهر الحالي لجبل نفوسة يعبر أحسن ما يكون التعبير عن فكرة الانحطاط.
2- شبكة الطرق
نجحت عشر سنوات من الاحتلال إلى حد كبير في محو النتائج الرهيبة لإخفاق الحملة الإيطالية الأولى، إذ لم يعد اليوم المهاجرون إلى مواطنهم الأولى، ولا عاد العمل إلى سابق عهده، خصوصاً في صفوف الأمازيغ فحسب، بل تراجع الفقر الناتج عن الأزمة تراجعاً كبيراً. إنها إحدى ثمرات السلم، وإدارة نظامية، وتهيئة أفضل أنواع الطرق، وحضور بضع مئات من العساكر والأسر الإيطالية بالجبل.
اكتفى الإيطاليون – على الأقل إلى يومنا هذا- بتزويد المنطقة بالأطر الإدارية والعسكرية – تشبه الدوائر الإدارية التي أحدثوها إلى حد كبير الدوائر التركية – قطع الجبل إلى نصفين : الغرب تابع لنالوت الخاضعة لسلطة عقيد في انتظار أن يحل محله حاكم مدني. والشرق تابع لغريان وخاضع لسلطة حاكم، والعقيد الذي يترأس العساكر لا يتوفر على سلطة إدارية. أما نوابه فيقيمون في كل يفرن وجادو. تم الاحتفاظ في كل مكان بالتقسيم القديم للمديريات وكل مديرية هي مركز [للكرابينيين الإيطاليين]. تتقاطع الحدود الفاصلة بين الدوائر الإدارية لنالوت ومثيلاتها بغريان مع الانقطاع الكبير لوادي جادو، كما كان عله الأمر في الفترة التركية، والدال على الأهمية الجغرافية لهذه الحدود الطبيعية الفاصلة بين شطري نفوسة. (1/379)
صفحة 380
شبكة الطرق القديمة : مع استتباب الأمن والهدوء. كانت أول حسنات الاحتلال الإيطالي هو تحسين طرق المواصلات التي كانت واحدة من المعضلات التي تواجه اقتصاد الجبل.
بالأمس كما اليوم. يتم التنقل من قرية إلى أخرى ومن وادي إلى آخر عبر مسالك ضيقة ومتعرجة. في عمق الأودية تراها وهي تتلوى على امتداد متاهة من الشعاب المحفورة في التربة الحمراء والمهيلات، وعند حدوث أقل امتطاح تنقطع، وعلى امتداد السفوح، تتسلق منعرجات متقطعة فوق منحدرات متحركة قوامها طفل وطمي، وعبر ستائر هشة من المهيلات تتهدد أقل التساقطات بالانجراف أو الإنحفار، ثم تبحث عن عيوب النتوء الصخري الكلسي لتنغمس في أول شعب، وتمتد على طول لحج كلسي ضيق وتنتهي أخيراً بتسلق الطبقات المنضودة. عندما يقود الأهالي جمالهم يفضلون المرور من المنعرج الطويل للمسالك المحيطة برؤوس الأودية. أما بالنسبة لبدو السهل فالجبل هو أساساً منطقة نضطر فيها إلى الترجل عن ظهور الخيول، ولا تكون فيه البهائم في كل لحظة عرضة لأن تتكسر حوافرها.
ولأجل اجتياز المسافات الكبيرة الممتدة من الشرق إلى الغرب. يضطر الأهالي دائماً إلى المرور من سفح الجبل أو من الظهر، علماً بأن المسلكين لا يخلوان من سلبيات حقيقية. فالمسلك الأول تخترقه مراوح الانصباب التي تراكمها سيول الجبل. محفور دائماً. منجرف ومتحول عن مكانه، وما أن تمطر حتى تكون مضطراً للتوقف لساعات تتملى فيها السيول الهائجة للأودية. أما الثاني فأقل صعوبة من الأول غير أنه شديد التعرج، ويمر بعيداً عن القرى لأنه يلتف حول رؤوس الوديان التي يتجاوز عمقها ابتداء من جبهة الجرف 10 إلى 20 كيلومتر. (1/380)
صفحة 381
لا شك أن هذان المسلكان ضاربان في القدم. مسلك الظهر متماهي مع الطريق الرومانية (الليمس) التي قام [أنطوان Antonin] بتوصيفها في القرن الثاني. وبما أن هذه الطرق لا تعدو أن تكون مسالك – إذ لا توجد "طريق رومانية" جديرة بهذا الاسم بالبلد - فإن لكل واحدة شكلها الخاص، وإن كانت المسافة العامة هي هي دائماً.
لا يتصل هذان الطريقان السالكان إلى الجبل. ففي الأولى. لابد من الصعود إلى مسالك ردئة حتى القرى الجاثمة التي نصل إليها بسهولة. إذا اقتفينا أثر الثانية مقابل المرور من منعرجات طويلة. ليست هذه المسالك الطولية التي تخترق الجبل من شماله إلى جنوب في الأغلب الأعم سوى قطع رديئة من الطرقات المحفورة المتغلغلة في السهوب المتصخرة للقبلة أو المقتفية للجزء الجنوبي من الجفارة. والعديد منها يلتحق بالواحات الساحلية خصوصاً ناحية الشرق وتمكن بالتالي أهل الجبل من التردد على الأسواق الساحلية. بمحاداة الحدود، تكون نادرة وشاقة وغالباً مقطوعة أو مغطاة بالكثبان الرملية، والطريق الرئيسية من بينها تقود إلى المركز الأمازيغي والإباضي، زوارة المتواجدة بالساحل. باتجاه الواحات الصحراوية لا زالت الطرقات المحفورة هي هي منذ قرون، وعلى امتدادها محطات مائية نادرة، كما أن وظيفتها لم تتغير أبداً، إذ تمر منها القواقل الصحراوية أو أخرى أكثر تواضعاً كتلك التي تتولى مبادلة تمر فزان بزيت وحبوب الجبل. (1/381)
صفحة 382
المشكلة الحالية لشبكة الطرق : ما أن استقر الإيطاليون بالمنطقة حتى برزت فجأة المشكلات المرتبطة بالطريق وحركة المرور، لم تشغل أبداً مشكلة ومصاعب التنقل والمواصلات بال الأهالي الذين يجهلون كل شئ عن العجلات ويعملون كل شئ على ظهور البهائم كالحمير والخيول وبصفة خاصة الإبل. لا أثر هناك لـ "العربة" ذات العجلتين والتي تقطع ببطء طرقات عموم الشمال الإفريقي والمشرق، ولا وجود حالياً لمرحلة انتقالية أو وسيطة بين الجمل والشاحنة، وفي هذه النقطة يستوي الجبل والصحراء.
غير أن الاستعانة هنا بخدمات الشاحنات والسيارات ومرورها من شتى مراكز الجبل وربطها بطرابلس يقتضي أشغالاً ضخمة لن تقوم بها إلا التقنية الحديثة.
اكتفى الإيطاليون في البداية بتهيئة الطريقين الكبيرين المتواجدين أصلاً (طريق الظهر وطريق الجفارة)، بمعنى أننا لا زلنا بصدد طرقات تعود إلى ما قبل التاريخ، ونحن في أوج القرن العشرين. هذا المعطى معروف في الجغرافيا الاستعمارية، ومفاده أن الطريق الحديثة. لا تحل عموماً إلا محل مسلك فضفاض يمر منه الأهالي منذ قرون خلت. ثم بسهولة تحويل مسلك الظهر إلى طريق غريان، وهي المركز الإداري لنصف نفوسة وفي جادو. أي من جادو إلى نالوت. تم إحداث تحسينات على المسلك القديم، وصار بإمكان الشاحنات المرور منه. أما الثاني فقد أيئس القيمين على الأشغال العمومية، إذ تم تحويلة إلى طريق غير معبدة تمكن السياقة فيها بسهولة، غير أن مقاطع فيها وهي ذاتها منذ أن وجدت، تقطعها الأودية. وهي تربط الآن نالوت بطريق طرابلس غريان عبر دجي. شكشوك وبئر الغنم. (1/382)
صفحة 383
من السهل بمكان ربط مراكز الجبل بطريق الظهر. هكذا نجد طريقين صغيرين يؤديان إلى يفرن بالرومية، وطرق غير معبدة تصل إلى ثكنة [الكرابينين]، غير أن الصعوبات تتفاقم إذا أردنا الصعود على امتداد السفوح. فقد كانت أولى الطرق غير المعبدة للسيارات الصاعدة إلى نالوت وجادو والمحدثة إبان الحرب تفرض على السائقين وضعيات بهلوانية حقيقية، وعلى الرغم من أنه أعيد إصلاحها وتحسينها فلا زالت صعبة للغاية، بل خطيرة بفعل منحدراتها الشديدة، وضعف سمك الأراضي وكثرة المهيلات. يتطلب الأمر أشغالاً مكلفة ذات فنية عالية، وبصفة خاصة مضاعفة الحيطان الداعمة لنجد أنفسنا أمام طرق صالحة. تتسلق الطريق الرابطة بين طرابلس وغريان النتوء الصخري فوق بوغيلان عبر منحنيات عديدة ومعقدة على غرار الطريق التي فرغنا منها تواً، والرابطة مباشرة بين يفرن وطرابلس. لن يكون صعباً على التكنولوجيا الحديثة شق طريق على جنبات النتوء الصخري الآئلة للسقوط، وأيضاً على سفوح الأودية.
إن النتيجة المباشرة لبناء هكذا شرايين ستكون تقليص المسافات إلى حدودها الدنيا. تكفي بعض الأرقام لتثبيت الفكرة على إيقاع الخطى الوئيدة للقوافل. تستغرق الرحلة بين طرابلس ونالوت أسبوعاً ومن نالوت إلى غدامس سبعة أيام مروراً بسيناون، وبالإنعطاف على درج يتطلب الأمر يوميين إضافيين والمراحل هي الاتية : ثلاثة أيام من نالوت إلى سيناون، ونظيرها من سيناون إلى درج، ونظيرها من درج إلى غدامس. أما الآن فتستغرق الرحلة على شاحنة محملة من طرابلس إلى غدامس يومان ونصف إلى ثلاثة أيام، وعلى متن سيارة خاصة يومان فقط، بل يمكن ضبط الوقت الذي ستستغرقه الرحلة من طرابلس إلى "جوهرة الصحراء". (1/383)
صفحة 384
نشير أيضاً أن الطريق طرابلس – نالوت غدامس ليست الأقصر فالطرق القديمة غير المعبدة كانت تمر من وادي شروس أو جادو. غير أن بناء طريق عسكرية موازية على الحدود التونسية حول حركة المرور – على الأقل بالنسبة للشاحنات- عن الطريق المعتادة. فالطريق القديمة غير المعبدة نالوت – غدامس لم تكن لها إلا قيمة ثانوية وأعطتها الضرورات العسكرية لمرحلة ما أهمية قد تدوم لقرون.
صحيح أن التجارة الصحراوية فقدت الكثير من أهميتها. فبتحويل المستعمر الفرنسي والإنجليزي حركة المرور من السودان باتجاه بوابة الأطلسي يكون قد أصاب في المقتل النشاط الطرقي العابر للصحراء، إذ لم يعد مثلاً رحل فزان يحملون معهم سوى التمر. فإذا توقف تزويد المحطات العسكرية للصحراء الإيطالية بالمؤن فعلى تجارة الصحراء السلام.
إن الشاحنة التي تسير بسرعة تفوق سرعة القوافل بخمس إلى ست مرات، والقادرة على حمل 10 مرات ما تحمله الجمال، هي أكثر عملية، غير أن النقل الحديث مكلف نسبياً، إذ يعتمده أحياناً أهالي الجبل في تنقلاتهم، لكن لا يعتمدونه في نقل البضائع.
الشاحنات القادمة من ساحل الجبل تكون محملة بالمواد الغدائية ومواد البناء التي يحتاجها الإيطاليون العسكريون أو المدنيون المقيمون بالمنطقة. إضافة إلى أشياء البازار واواني البيت المجلوبة من إيطاليا إلى طرابلس و"البراكانيات" القطنية التي تلبسها النسوة و"البلغات" أو النعال الجلدية وأثوبة حريرية ذات الألوان الطرابلسية أو البنغازية الزاهية وزرابي مصراتة. فكل هذه السلع نجدها في الأسواق أو في المتاجر. (1/384)
صفحة 385
لكن غالباً ما تعود الشاحنات إلى الساحل وهي فارغة تماماً، فالعساكر والموظفون الأوروبيون يستهلكون ولا ينتجون. أما المنتوجات التي يبيعها الأهالي. فمعظمها آت من الزراعة ومشتقاتها. فلا تطيق تكلفة النقل المرتفعة. يستمر الجبليون الذين لا يعتبرون الوقت من ذهب في تحميل جمالهم زيتاً وبعض "الوزارات" وتين جاف وحبوب لأجل بيعها في أسواق الساحل. يحمل رحل فزان تمورهم على ظهور الجمال ويستعينون بها في كل مبادلاتهم النشطة أكثر في الغرب النفوسي مع أسواق الجنوب التونسي ورمادة وفم تطاوين.
حاولت السلطات الإيطالية تنظيم وزيادة عدد أسواق الجبل غير أن الأهالي لا يملكون أشياء كثيرة تصلح للبيع والشراء فيها باستثناء الماشية. معنى ذلك أن العديد من هذه الأسواق لا توجد إلا على الورق وأخرى ائلة للسقوط. وسوق جادو بصفته المركز الأكثر نشاطاً في الجبل لا يتجاوز رقم معاملاته السنوية 300000 ليرة. فأهل الجبل فقيرون جداً ولا ينتجون إلا ماهم في أمس الحاجة إليه، وبالتالي فالمبادلات بينهم لا تشهد أبداً حركية خارقة للعادة. كل ما يشتريه النفوسيون منذ أمد بعيد ينحصر في تمر فزان، وبعض المنتوجات الفلاحية للساحل، وأشياء من البازار، وبعض الأواني. الأواني ذاتها والسكر والشاي وأحسن ما يوجد في الخردة.
3- التغيرات (1/385)
صفحة 386
المراكز : تمخض عن تقدم الحركية الطرقية واستقرار مئات من العساكر والمدنيين الإيطاليين بالجبل تغير لافت في بنية المراكز الرئيسية. شهدت نالوت وجادو ويفرن ميلاد وتنامي حي جديد ونظيف. أبيض ومهوى، متاخم للقلعة التركية التي تحيط بنيتها الضخمة أعلى المرتفع. هذا. بطبيعة الحال. بمحاذاة المنازل القديمة المتكدسة على امتداد أزقة ملتوية. المبنى الجديد متواضع ويحتوي بصفة خاصة على البنايات الإدارية كالبريد والمدرسة والمستوصف وأحياناً فندق إقليمي صغير، كما تم إحداث سوق دائم تنفتح حوانيته على فناء كبير بالقرب من هذا المبنى – في هذا السوق المحيط بساحة تتوقف فيه الشاحنات الحاملة للبضائع والقادمة من طرابلس، ومن هذا المكان يقتحم الوافدون الجدد الحياة العصرية. (1/386)
صفحة 387
تعتبر نالوت حالياً المركز الأكثر نشاطاً وبحاميتها لا شك أنها الأكثر روعة. وبمحاذاة التجمع السكني المتداعي والقرية الجديدة التي تضم مساكن كهفية يمتد الحي الإيطالي الذي تتراص بناياته على جانب من الطريق قبالة القلعة التركية الموسعة والمعدلة. وتضيف مخيمات مجموعات من الأهالي بالقرب من العيون وعلى سفح الكلس الطوروني مظهراً لافتاً رائعاً لهذا التجمع المركب. إن الفرقة (المجموعة) هي التي تهب الحياة بصفة خاصة للمركز. إذ تنزل الخيول والحمير والإبل في شكل صف مرتين في اليوم باتجاه السقاية وفي المساء. ينشط العساكر والضباط الساحة والطريق. لهؤلاء بنيت الحوانيت ولهم. بصفة خاصة. تأتي الشاحنات، وهي مليئة عن آخرها بالبضائع متسلقة في ضجيج المسالك المتعرجة لأخر مقطع في الطريق ونافثة دخانها. كما أن نالوت هي بمثابة الشوط الضروري بين طرابلس وغدامس، ذلك أن الشاحنات التي تحمل المؤونة الضرورية إلى المحطات الصحراوية تتوقف دائماً هنا للتزود بالوقود والزيت، وغالباً ما يكون ذلك بالليل. أما السواح الذين تنقلهم سيارات خاصة إلى المكان للتمتع بواحة غدامس، فإنهم يقضون الليل في نالوت. لا تعد نالوت إذن أكبر تجمع سكاني في الجبل الغربي فحسب بل ومركز عسكري وإداري، والمحطة الضرورية لكل من أراد أن يتوغل في شعاب ووهاد القبلة.
تبدو جادو وهي التجمع الأهلي الأنشط أكثر ركوداً، فالحي الأوروبي الذي بني في مدخل القلعة التركية بها لا زالت في بداياتها الأولى. يعوزها المركز العسكري الذي ينفخ مظاهر الحياة في نالوت والذي كان يلعب. بالأمس. هو والحامية التركية دورا مهما. (1/387)
صفحة 388
يفرن صغيرة وهي مركز حديث العهد بالنشوء. أنها ضيعة تركية. كانت بالأمس مركز الجبل الغربي وتسمى "قصر الجبل" أو قلعة الجبل. إجتذبت الحامية التركية فيها نفر من أمازيغ ويهود القرى المجاورة الذين شيدوا حوانيتاً وبيوتاً في سفح القلعة التركية المشيدة عام 1842م. أما المنازل البيضاء ذات المظهر الحضري فتغطي نتوءاً صخرياً مقابلاً لمثيله في تاگربوست. ظهر إلى الوجود فيها حي جديد رائق إلى حد ما وملتصق بالمركز التركي منذ بضع سنوات. غير أن يفرن الجديدة تعاني من خلوها من الفرق وبخاصة من منافسة غريان التي صارت العاصمة الإدارية والعسكرية للمنطقة، كما أن يفرن تبعد حوالي 12 كلم من الظهر ومعزولة في شبه جزيرتها الرائعة تجلب إليها طريقها الجديدة النازلة عند قدميها في شكل مسالك رائقة، وتجعلها قريبة من طرابلس لبعض السياح.
فضلاً عن هذه المراكز الثلاثة فإن التواجد الإيطالي يتجلى أيضاً في الثكنة [الكرابينين] المحصنة، ومدرسة المديرية، وكتل بيضاء متراصة تُطوِّق ربوة مجاورة لتلك التي تقوم عليها المنازل الآئلة للسقوط في المحافظات المتواضعة للمديرية. لا يوجد هنا أي إيطالي باستثناء المعلم وعنصرين أو ثلاثة من [الكرابينين] القادمين من العاصمة. (1/388)
صفحة 389
فهل سيحدث التأطير العسكري والإداري الإيطالي للجبل تغييراً عميقاً فيه؟ الاحتمال ضعيف. لا شك أن الإيطاليين يتأملون بفخر مشروع الأشغال الطرقية والأحياء الجديدة التي أنشئوها بمحاذاة المباني القديمة. ولا شك أيضاً أن المجهودات المبذولة في المجال الطرقي سيستفيد منها الأهالي، وأن أمازيغ نالوت وجادو ويفرن اغتنواً قليلاً جراء علاقتهم بالفرق. لكن أليس هذا في معظمه وهماً؟ فحياة المراكز تعتمد على عدد العساكر فيها وقد رأينا كيف راوحت التجارة بيفرن مكانها منذ مغادرة الحامية العسكرية لترابها. كيف ستكون نالوت بدون حوالي 1000 عسكري وضابط المقيمين فيها؟ فعندما تنتهي المباني الإدارية فإن الأحياء الإيطالية ستتوقف عن التزايد. فبعد حمى البدايات تحل فترة ركود قد تدوم طويلاً. على أية حال. الموظفون والعساكر يعيشون على هامش البلد ويلتقون مِنهم من طرابلس والأهالي الذين يستفيدون من تواجدهم هم الذين يقعون بالقرب منهم ويقدمون لهم بيضاً وحليباً ودجاجاً وخرفاناً.
الاقتصاد : من الممكن جداً أن يحدث تغير في الاقتصاد. لا شك أن الساكنة الوافرة بالجبل والمرشحة للتزايد مع استتباب الأمن ستستمر في العيش عيشة قاسية وضحلة ولكنها ستكون أكثر تكيفاً مع الظروف الطبيعية الصعبة.
قد يكون اكتشاف معدني كبير هو الكفيل بإحداث تغيير محلياً في حياة الساكنة، والحال أن الجبل زاخر بالمناجم. وآثار المعادن قرب نالوت والزنتان هي من الأشياء التي نصادفها. لكن إذا صح بأن بالجبل شئ من كل شئ. فليس هناك حتى الآن معدناً خالص يستحق كلفة التنقيب عنه على امتداد مسافة تمتد حوالي 100 كلم وهي الفاصلة بين الجبل والساحل. (1/389)
صفحة 390
في الظروف الحالية. استقرار معمرين إيطالين في أقصى الشرق النفوسي هو الكفيل بإحداث تغيير جاد وخطير في الوقت نفسه في بنية الاقتصاد التقليدي. لم ير سكان قرى الشرق دائماً بعين راضية استقرار الإيطاليين على أراضي مغروسة وكثيفة الساكنة بجبل غريان. ألا يتعين عليهم أيضاً أن يوفروا المكان لقرويي الجزيرة مقابل بضع أوراق مالية من فئة ليرة ستيذرها أيديهم في بضعة شهور من الصعب التنبؤ بالمستقبل. فالسياسة الإيطالية الحالية تسعى إلى إعطاء الامتياز والحظوة لأهل الجبل الذين ظلوا أوفياء لهم، والظاهر أن الظروف الطبيعية بالبلد. بما في ذلك شرقه. هي من الهشاشة ومن الكثافة السكانية بحيث أنه لا فائدة ترجى من استقرار أسر طرابلسية على أرضه.
لا شك أن القرويين الأمازيغ بالجبل سيستمرون في الاستفادة من فوائد "الاستعمار التأطيري" لكي يضمنوا تفوقهم على "العرب". والأكيد أن هؤلاء الذين دام اضطهادهم تسعة قرون ما انفكوا يحلمون بقلق بالعصر الذهبي لكونفدرالية تيهرت، هم الآن في بداية نهضة اقتصادية متواضعة. لكن هل يمكن للغتهم الأمازيغية ومذهبهم الإباضي الذين يحتفظون لهما بمكانة عزيزة في قلوبهم أن يسترجعا ما فقداه من إشعاع وامتداد أمام الزحف الكاسح للتعريب؟ ما يحدث أمام ناظرينا اليوم في الشمال الإفريقي يدفع إلى القول بأن أقصى ما يمكن التطلع إليه النهضة الاقتصادية مع تراجع بطيء للغة الأمازيغية والإباضية.
عموماً. سيحافظ الجبل على طبعه وعلى جماله المتوحش، والتقاليد الألفية التي أمدته دائماً بروح المقاومة والصمود. فهل سيجلب إليه المسافرون الذين تستهويهم. أنقاض لبدة أو السحر الخلاب لواحة غدامس؟ الأكيد حتى الآن أنه سيستفيد من موقعه على طريق غدامس، هذا إذا اهتدى السياح الذين تزداد أعدادهم إلى فهم وتذوق السحر الزاهد والأصالة الكبيرة. لهذا الجبل المتوحش والوعر.
الخاتمة (1/390)
صفحة 391
تكيف وثيق : سجلنا على امتداد هذه الدراسة سواء في شقها المتعلق بالجغرافيا الطبيعية أو البشرية أو في شقها المرتبط بالحاضر أو بالماضي جملة من السمات المميزة للمشاهد والخاصية المائزة للمناطق التي مررنا منها وتجولنا فيها من جبل نفوسة على الحدود التونسية إلى تخوم جبل غريان.
من تخوم المشاهد البشوشة ليفرن واختلاط ساكنتها إلى الهضاب الجرداء والوديان النائية الصامتة والفارغة على مشارف نالوت، أي تقابل هذا بين طبيعة متوسطة وبلاد صحراوية أو شبه صحراوية. لكن في الشرق كما في الغرب يداهمنا التأقلم الصارم للساكنة والعمارة مع الظروف الطبيعية. فالحياة البشرية تتغير جذرياً من مكان لآخر بالجبل، حتى تتألقم مع خصوصيات الجغرافيا الطبيعية. يتساوق عدد الأشجار المزروعة وأعداد السكان مع نسبة التساقطات ودرجة انتشار تربة الحمري، كما أن الزراعة الجافة التي أهلت الهضبة في نفوسة الشرقية عصية على التفسير بدون الأخذ بالاعتبار هشاشة التربة القادرة على استيعاب كل رطوبة مناخ شره للأمطار.
يتجلى هذا التأقلم أكثر من خلال دراسة إجمالية كالتي بين يديك، علماً بأنه قابل للاستيعاب مع فروقات دقيقة في مختلف مناطق الجبل. يتبدى إلحاق سهوب الظهر والجفارة بالاقتصاد الجبلي كضرورة قصوى، كما أن تفوق السهل على الجبل والتي جعلت منه المجال الرئيسي لزرع الحبوب بنفوسة ناتج عن تدفق المياه الجارية في الجبل.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى فالوظيفة الغراسية في هذا الأخير تعتمد أساساً على جريان المياه في نفوسة الغربية، واتساع دائرة تربة الحمري في نفوسة الشرقية، كما أن الغراسة تعتمد أيضاً على القرب من القرى التي لم تظهر إلى الوجود إلا على مقربة من مصادر المياه أي في الجبل نفسه. (1/391)
صفحة 392
وأخيراً. هذا القرب الاضطراري بين السكن والماء هو الذي يجبر القروي النفوسي على القيام بتنقلات سنوية وتجعل منه مترحلاً صغيراً. لكن أياً كانت العوامل المتحكمة في المياه فكل شئ ينقاد هنا لمقتضى المقاومة الشرسة والكفاح الثابت ضد الجفاف والمؤثرات الصحراوية. فالطقس والأمطار والقبلي هم المادة التي لا تنضب لمناقشات الناس ومذاكرتهم، وتعود على ألسنتهم كل عام وكل فصل. تصور هذا القلق الضاغط الذي ينتظر به الناس الغيث الذي بدونه لا حبوب ولا زيت ولا زيتون ولا ماشية. لكن تصور بالمقابل ذلك الحماس الذي يتوجهون به إلى الله شاكرين حامدين إذا حدث اضطراب جوي فأنقذ في آخر لحظة غلة الحبوب والفواكه وكسا المراعي بالخضرة وجرت المياه رقراقة. منسابة على طول السفوح أو توغلت في شعاب الأرض السلسة.
إرث الماضي : وعلى الرغم من تأقلم وثيق يغري بالتسليم بحثمية صارمة لو لم يكن مثال جبل ترهونة يبرهن على العكس. فإن شكل واقتصاد وسكن نفوسة هم أيضاً في علاقة وثيقة مع واقعتين أساسيتين وهما : إرث الماضي المتمثل في الكثافة السكانية وغزوت القرن الحادي عشر.
أما الكثافة فضاربة في القدم وإن تراجعت اليوم عما كانت عليه بالعصر الوسيط. فقد عاشت ساكنة كثيفة على مر العصور بجبل نفوسة، وكان الإقتصاد الزراعي أكثر تكيفاً مما هو عليه اليوم مع الظروف الطبيعية التي لم تتبدل. هذه الكثافة هي التي أجبرت النفوسيين على إلحاق مساحات متفاوتة من السهوب لاقتصادهم. وهي التي جعلت مقاوتهم للبدو شرسة ودفعتهم إلى الهجرة إلى تونس بصفته مورداً إضافيا للعيش. ضلت الكثافة السكانية ولا زالت عصب حياة النفوسيين.
لكننا لن نفهم شيئاً في المظهر الخارجي للمنطقة ولا في سكنه الحالي إذا لم نعتبرهما في جزئهما الأكبر على الأقل. كنتاج لهذا الحدث الكبير الذي عاشته شمال إفريقيا والمتمثل في غزو بني هلال وبني سليم. (1/392)
صفحة 393
جبل نفوسة بلد عانى طويلاً واقتصاد آيل إلى السقوط مقارنة مع ما كان عليه قبل حوالي 10 قرون. إنه بلد الأنقاض. أنقاض الصهاريج والسطائح والزراعات. إنه بلد القرى الجاثمة. أكيد أن القرى قريبة كلها من عين أو بئر غير أن موقعها الدفاعي غير العادي وغير الملائم نتاج لتاريخ طويل من المواجهات والقلاقل. وتعتبر ظاهرة التنقل السكني في القرون الأخيرة الأكثر لفتاً للانتباه في الجغرافيا البشرية للمنطقة.
أما الغزو الذي انطلق في القرن الحادي عشر فقد كان كارثياً بجميع المقاييس، إذ طالت آثاره واستطالت. لا تعود أهميته إلى العناصر الجديدة التي قد يكون أدخلها إلى الجبل، وهي قليلة على كل حال، بل إلى بعثه الحياة في حياة الترحال التي ضمنت لبدو السهوب الشرسين تفوقاً دام ثمانية قرون على جبال تعتمد أساساً على الغراسة.
أما الحركية المنبعثة في أهل الجبل بفضل حالة السلم التي فرضها الإيطاليون فقد استفاد منها الجبليون على حساب فلول البدو غير المستقرين وغير المتكيفين. وهكذا حركية ليست إلا بداية المسعى الهادف إلى جعل نفوسة بلداً للقرويين الذين يعيشون على الغراسة قبل أن يحولهم المناخ إلى رحل صغار، علماً بأن عقليتهم أقرب إلى المستقر منها إلى المترحل الخالص. (1/393)
صفحة 394
الأصالة الحققية لجبل نفوسة : رغم التغيرات التي حملتها معها غزوات القرن الحادي عشر، ورغم ثمانية قرون من الاضطرابات والصراعات وامتزاج فعلي للساكنة فإننا نندهش فعلاً أمام قدرة نمط حياة الجبليين وتقاليدهم وأعرافهم على الاستمرار على مدار التاريخ. فمشهد الحياة في القرن الحادي عشر هو تقريباً نفسه اليوم. فالإقتصاد هو هو كل ما زاد عنه هو تكيفه الأفضل مع الظروف الطبيعية وكثافة سكانية مطردة. الترابط هو هو بين الجفارة والظهر وبين زراعة الحبوب وتربية الماشية والغراسة. صحيح أن القرى مختلفة المواقع لكنها قريبة من العيون والآبار نفسها، ولها المظهر عينة الذي للمنازل والمساكن الكهفية والقصور والمساجد والعصارات هي هي بالأمس كما اليوم.
لو أنه لا تعوزنا النصوص حول ما قبل العصر الوسيط بالمنطقة لوجدنا لا محالة تجليات عن الفترة الرومانية، بل وعن السمات الاقتصادية والسكنية الممتدة حتى أيامنا هذه. فالثقب الأسود لما قبل تاريخ المنطقة (أو التاريخ القديم) يجعل من المستحيل القيام بأبحاث عن مصادر الأعراف الضاربة في أعماق التاريخ.
كيفما كانت الظروف الطبيعية فما على الناس هنا إلا الانقياد لمقتضيات المناخ والتضاريس. من المفروض أن يكون جبل نفوسة مرصداً للعوائد ومتحفاً للأعراف العتيدة، على غرار كل التجمعات السكنية الجبلية المحيطة بالمتوسط وخصوصاً الإفريقية الشمالية منها. غير أن طبيعة مناخه تجعله أقرب إلى مجموعة المرتفعات شبه الصحراوية التي تعتبر الأوراس والأطلس الكبير بالمغرب النمطين المميزين من بينها.
هذا مع العلم أن ارتفاع جبل نفوسة. الجزء الأوسط للهلالية الجبلية الممتدة بين قابس ولبدة. ليس خارقاً للعادة (600 إلى 800 متر) ولا يمثل سوى شريط طويل وضيق – 20 كلم على أكثر تقدير- يكاد لا يبين بين السهوب القاحلة للجفارة والمساحات المترامية الأطراف للقبلة. (1/394)
صفحة 395
تتمثل أصالته في حفاظه على بكارة ساكنته من القرويين الأشداء الذين يعيشون على الغراسة وحفاظ معظمهم ليس فقط على لغته الأم، بل وعلى مذهبه الديني المتبع منذ القرن الثاني الهجري. نجحوا في ذلك وسط عصابات من الرحل تطوقهم من كل جانب وضدّا على قرون من القلاقل. يتعلق الأمر بحضارة خاصة دافع عنها أهلها بالنفس والنفيس ضد البدو الأعراب المتواجدين في السهوب. عرب لغة ومالكيون مذهباً. امتزج تشبث النفوسيين بلغتهم بتشبثهم بدينهم وبجبلهم.
هناك أكثر من علاقة عابرة بين محافظة هؤلاء على لهجتهم الصعبة، وعلى تدينهم الزاهد من جهة، وشراسة بلدهم الذي يعيشون فيه عيشة من أوعر ما يكون.
غير أن اللغة والمذهب الديني تراجعا على الأرض أمام التعريب، لكن الجبلي بالمقابل ظل هو هو وقد نجح الجبل في احتواء البدوي (الأعرابي) كذلك منذ قرون خلت. يقف ساكن هذه الحافة بالهضبة الصحراوية في وجه الرعاة البدو بالسهوب المحيطة، وأشباه رحل الجفارة وخصوصاً كبار رحل القبلة بصفته جبلياً. قروياً وغراسياً. إن طبع الجبلي – حتى وإن كان الأمر لا يتجاوز تضاريساً متواضعة وضيقة – هو الذي يصنع أصالته وقوة مقاومة نفوسة أكثر من التاريخ والدين واللغة حتى.
فهرس عام
مقدمة الناشر ... 3
كلمة لا بد منها ... 7
صور فوتوغرافية التقطها جون ديبوا ... 11
1- جبل نفوسة وتلال ما قبل الجبل، مشاهدات من قصر تكويت (جهة نالوت). ... 13
2- وادي بورُكبة وهضبة الحوامد مشاهدان من قصر درج.… ... 14
3 - أم الگرب (الگرب). ... 15
4 - النتوء الصخري السينوماني عند مصب وادي غادّو. ... 15
5 - التعرية في السينوماني بجانب دجّي. ... 16
6 - الطريق فوق جادو. ... 16
7 - صهريج الرحيبات. ... 17
8 - سطح الجبل بالقرب من جريجن (لحرابة). ... 17
9 - سطح ظهر الرياينة. ... 18
10 - الظهر والبساتين الجافة في الجنوب الشرقي ليفرن. ... 18
11 - عين الزرگا (الزرگا). ... 19 (1/395)
صفحة 396
12- نباتات مجرى مائي يتدفق من وادي برساف. ... 20
13 - أشجار زيتون وحلفاء فوق الجبل قرب لخربة (الحوامد). ... 20
14 - فوق عين تموگت (فساطو). ... 21
15 - المجرى الأدنى لوادي (بقيقلة) بگيگلا. ... 21
16 - الوادي الصغير على الجبل غرب نالوت. ... 22
17 - وادي صغير عند سافلة نهر حسيان نالوت. ... 23
18- بساتين عين غزايا (بين وازّن ونالوت). ... 23
19 - مجرى وادي الدهيبات (قرب الحدود). ... 24
20 - وادي صغير ومزروعات غرب وازّن. ... 24
21 - ئگناون (جناون) وبساتينها. ... 25
22 - الوادي الصغير المزايدة (ككلة). ... 26
23 - أمازيغيّ من جريجن (لحرابة). ... 26
24 - أشجار الزيتون في الرجبان. ... 27
25 - أشجار الزيتون خلف كاباو. ... 27
26 - ولاد محمود وقصرهم. ... 27
27 - داخل قصر ولاد محمود. ... 28
28 - قصر نالوت ومركز التجمع السكني. ... 29
29 - منازل نالوت. ... 29
30 - مساكن/كهوف "أفقية الشكل" بنالوت. ... 30
31 - مساكن/كهوف "بعمق" حديثة العهد بنالوت. ... 30
32 - بلدة جريجن (لحرابة). ... 31
33 - قصر القلعة، أنقاض غالبة على مشهد وادي الشيخ. ... 31
34 - المجابرا (كاباو). ... 32
35 - القلعة (يفرن). ... 32
36 - الجحيش (ككلة). ... 33
37 - ويفات (فساطو). ... 33
38 - ولاد عمور (ككلة). ... 34
المقدمة ... 35
…موقع جبل نفوسة : ... 35
…الخصائص العامة لجبل نفوسة : ... 38
…تصميم الكتاب : ... 40
الجزء الأول ... 43
الفصل الأول ... 45
1- الأراضي وأشكال التضاريس ... 45
…المنظر العام : ... 45
2- الأراضي والأشكال البنيوية ... 49
…التلال في مقدمة الجبل : ... 49
…"ساحل" الجبل : ... 52
مقاطع الجرف الأساسي بجبل نفوسة ... 53
…تلال الجبل والظهر : ... 60
3- أشكال السطح ... 61
…تربة "الحمري" : ... 61
…التربة "الطين" والدرع الجبسي – الكلسي : ... 65
4- الوديان ... 66
…رسم عام (حركة الخطوط) : ... 66
…المقطع الطولي : ... 69 (1/396)
صفحة 397
…المقاطع المستعرضة : ... 71
…جبل نفوسة والجبل التونسي : ... 73
5 - سطح الظهر والجبل ... 74
…سطح الظهر : ... 74
…سطح الجبل : ... 76
6 - مشكلة تشكل الجبل ... 80
الفصل الثاني / المناخ ... 84
1- خصائص عامة ... 84
2 - نظام الرياح ... 86
…الفصل الساخن : ... 86
…الفصل البارد : ... 88
…خصائص الريح : ... 90
3- درجات الحرارة والأمطار ... 92
…درجات الحرارة : ... 92
…درجات الحرارة من 1927 إلى 1931 . ... 93
…معدل التغير المناخي في يفرن جادو ونالوت. ... 95
…الأمطار : ... 96
الفصل الثالث / المياه الجوفية والمياه الجارية ... 101
1 – المياه الجوفية ... 102
…المستويات المختلفة : ... 102
…عيون وآبار : ... 107
2 – السيلان ... 109
3 – المحابيس والصهاريج ... 111
الفصل الرابع / المشهد النباتي ... 114
1 - المظاهر المتعددة ... 114
…الخصائص العامة : ... 114
…تنوعات المشهد النباتي من الغرب إلى الشرق : ... 116
2 - العشائر النباتية ... 119
…تعاشيب الأراضي المرملة : ... 119
…تعاشيب الأراضي الكلسية : ... 120
…الغيل : ... 123
…الغطاء النباتي للأودية : ... 124
3 - تدهور الغطاء النباتي ... 125
الجزء الثاني ... 130
…طرائق العيش ... 132
…مقدمة ... 132
الفصل الأول ... 136
1- الزراعات وتربية الماشية ... 136
…الغِراسة :… ... 136
…أنماط الزراعة. استعمال المياه الجارية : ... 136
…الري : ... 142
…الزراعة الجافة : ... 145
…الأشجار المثمرة، أشجار الزيتون : ... 147
…أشجار التين : ... 153
…النخيل، الواحات : ... 155
2- زراعة الحبوب وتربية الماشية ... 158
…الجفارة والظهر : ... 158
…زراعة الحبوب : ... 161
…تربية الماشية : ... 165
…الماشية الضخمة : ... 170
…الخاتمة ... 172
الفصل الثاني / أمازيغ و"عرب" تنقلات الساكنة ... 174
…1- أمازيغ و"عرب" ... 174
…الماضي : ... 175
…الدلالة الحالية لكلمتي "أمازيغي" و"عربي" : ... 179 (1/397)
صفحة 398
…التقابل "العربي- الأمازيغي" : ... 186
2- التنقلات السنوية ... 191
…حرث وجمع الزيتون : ... 191
…فترة الحليب : ... 192
…الحصاد - فترة التين : ... 193
…درجات الترحال : ... 197
3- المبادلات، الهجرة ... 198
…المبادلات : ... 198
…الهجرة : ... 200
الجزء الثالث ... 205
الفصل الأول / السكن الحالي والسكن القديم ... 207
…السكنى : ... 207
1- المخازن الحصينة ... 208
…وصف "القصور" : ... 208
…الغرف : ... 211
…وظيفة القصر : ... 214
2- المنازل ... 218
…غرف مقببة وذات سطحيات : ... 219
…تصميم المنازل ووظيفتها : ... 221
3- المساكن الكهفية ... 224
…المغارات البدائية : ... 224
…مساكن كهفية ذات التصميم الأفقي : ... 224
…النمط الغائر بباحة أصغر : ... 226
…النمط الغائر بباحة كبيرة : ... 228
…التكاثر الحالي للمساكن الكهفية : ... 230
…أصل المساكن الكهفية : ... 232
4- أشكال الإنتقال من المنزل إلى المسكن الكهفي ... 233
5 – الخيام والأكواخ ... 236
6- المساجد والمنشآت الدفاعية ... 237
الفصل الثاني / السكن الحالي ... 240
1- موقع القرى ... 240
…مواقع دفاعية وأخرى غير دفاعية : ... 240
…القرب من مصادر المياه : ... 242
…الوقع والاقتصاد الزراعي : ... 244
2- القرى والضيعات ... 245
…القرى ذات البنية المنسجمة : ... 245
…القرى ذات الأحياء المترابطة : ... 247
…القرى ذات الأحياء المنفصلة : ... 248
…مجموعات الضيعات : ... 249
…مجموعات القرى : ... 252
…توزع أنماط السكن : ... 255
…مشكل تكون القرى : ... 256
الفصل الثالث / تنقلات القرى ... 259
1- نزوح القرى باتجاه مواقع محصنة ... 259
…تنقلات نحو الأعلى : ... 260
…التنقلات الأفقية : ... 264
…حالات من التطور المعقد : ... 266
2- تشتت أو تمركز السكن؟ ... 269
…جادو ويفرن وككلة : ... 269
…حالات التمركز : ... 272
3- قرى أعيد بنائها في عين المكان ... 272
4- خلاصة ... 274 (1/398)
صفحة 399
الفصل الرابع / السكن القديم ... 277
1- مشكلة الأنقاض ... 277
…ملاحظات أولية : ... 277
…التوزع العام للقرى المتداعية : ... 278
2- القرى المتداعية لنفوسة الغربية ... 279
…وادي شروس : ... 279
…واديا بورغوا والشيخ : ... 283
…أنقاض قرى أخرى : ... 287
…الخلاصة : ... 288
3- القرى المتداعية في نفوسة الشرقية ... 289
4- خلاصات ... 291
…الوضعية القديمة : ... 291
…الانحطاط العام : ... 295
الجزء الرابع ... 299
التغيرات الاقتصادية وحركة الساكنة ... 299
الفصل الأول / من الأصول إلى القرن الحادي عشر (نفوسة في فجر العصر الوسيط) ... 301
1- العهد القديم ... 301
…ما قبل التاريخ : ... 301
…القرون الميلادية الأولى : ... 301
2- نفوسة في فجر العصر الوسيط ... 306
…عالم قائم بذاته : ... 307
…الاقتصاد والسكن : ... 308
الفصل الثاني / من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين ... 313
1- الفترات المتعاقبة ... 313
2- هجرة ونزوح الأمازيغ ... 315
…الهجرة إلى تونس وبلاد المغارب : ... 315
…اختلاط الساكنة : ... 316
…انشاء القرى : ... 317
3- استقرار الوافدين الجدد ... 319
…أهل الزنتان وأهل غزاية : ... 319
…طرق استقرار الوافدين الجدد : ... 321
4- التغيرات الاقتصادية ... 323
الفصل الثالث / الإيطاليون وجبل نفوسة ... 325
1- الصراع "العربي – الأمازيغي" الأخير ... 325
…الوقائع : ... 325
…نتائجها ودلالاتها : ... 326
2- شبكة الطرق ... 328
…شبكة الطرق القديمة : ... 328
…المشكلة الحالية لشبكة الطرق : ... 330
3- التغيرات ... 332
…المراكز : ... 332
…الاقتصاد : ... 334
الخاتمة ... 335
…تكيف وثيق : ... 335
…إرث الماضي : ... 337
…الأصالة الحققية لجبل نفوسة : ... 339
الفهرس العام ... 341 (1/399)