صفحة 1
الكتاب: عقوق التراث لصالح ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] عقوق التراث
... صالح ابن ادريسو
...
الإشتغال بالتراث أو التحقيق، في الجزائر عموما وميزاب خصوصا، لم يكن يوما يرجى منه مادة أوتجارة، بل هو تضحية بالمال والوقت، فهو يستهلك ميزانية ضخمة. والباحث في هذا المجال عادة ما يكون تحت رحمة الأثرياء. وهنا عقدة الإشكال. لأن الذي يملك مفاتيح الخزائن هو الذي يملك التصرف في توجيه الذهنيات، يقبض يده عن من يشاء ويبسطها لمن يشاء. والذي يدر نعمه على باحث يكون قد أمن "مكره".
عندما كان يشتغل أستاذنا الشيخ إبراهيم طلاي بتحقيق التيسير رفقة طلبته الأساتذة الأوفياء في "حجرة" منزله، والذي أخذ منهم جهدا ألزمهم سنين مع الإمكانيات التقنية المتواضعة، كنت أتردد إليهم أحيانا متطفلا. وكان السبب الأساسي وراء تعطيل هذا المشروع طيلة هذه السنوات هو العامل المادي. إذ يستحيل مواصلة طباعة جميع المجلدات بينما لا تزال أجزاءه الأولى مكدسة. بعد ذلك تتبعه مرحلة الترويج والقيام بندوات، لأن كتب التراث المحققة لا تبشر نفسها بنفسها، ولا تقتنيها إلا شريحة معينة. ومنهم من لا يكون إقتناءه لتلك النسخة إلا تطييبا لخاطر مؤلفه.
المحقق لا يسألكم عليه أجرا إنما يسعى لأحياء تراث في حلة عصرية والذي هو ملكنا جميعا.
مثله يذكرني كذلك بتحقيق أستاذنا الشيخ بلحاج اشريفي لتفسير هود بن محكم، الذي أخذ منه زهاء عشرين سنة من البحث والتقصي، وكنا نحن الطلبة أثناءها نسأله تارة وأخرى عن مسيرة وخطى هذا التحقيق. ولما كمل كان قد راودته فكرة طرحه رسالة للنقاش، لكنه سرعان ما عدل عن ذلك لأنه اعتبر ذلك تنقيصا لهذا العمل، ... فاحتسبه.
وأكتفي بمثال آخر لصديق باحث لم يجد من يتكفل بطباعة نتاجه، فكان أن لجأ إلى ورثة المؤلف عنه، فتم الإتفاق لكن مقابل أن يتنازل عن حقوقه المادية. واليوم قد انصرف إلى التجارة لينفق على إنتاجه الفكري ويكفي نفسه ذل السؤال. (1/1)
صفحة 2
لكن هل هي حقا أزمة مالية أم أنها أزمة عقلية ؟ فالسيولة المادية عندنا لا تتجمد ولا تنقبض إلا في مثل هذه المشاريع رغم أنها إرث المجتمع كله. لكن لو كانت لدينا سياسة في توجيه وصرف الميزانيات ما كانت يوما عائقا. فهذه المادة إنما حاجتها أن تتكفل بها وترعاها أياد يوسفية.
ومن أمثلة النزيف المادي نذكر عدوى الملتقيات التي تصرف فيها ميزانيات خيالية دون أن تخرج بتوصيات أو متابعة الطبع لأعمال ذلك الملتقى، بينما لو صرف معشاره على ثلة من الباحثين لإخراج وتحقيق مخطوطات ذلك العلم بفتح العين الذي من أجله أقيم ذلك الملتقى لتذوقنا نحن والأجيال القادمة ثمرة تلك الجهود. لكن ما يحفز بعضنا على العمل هي عدسات الكميرا والتسابق نحو المكروفونات، ثم نختفي باختفائها. ... وهذا الموضوع سأعود إليه بالتفصيل في حديث آخر بحول الله.
وبعد ملحمتي التأليف والنشر تتلوهما مرحلة أخيرة هي قاصمة الظهر و هي إحدى "خصوصيات" جزائرنا في الميدان العلمي: إنها حقوق المؤلف.
فلا الكتب ولا الأشرطة ولا الأقراص سلمت من القرصنة. حتى أصبحت النسخ المصورة أكثر تداولا من الأصل. وهذا "التسيب" يقتل في الفرد روح الإبداع والإبتكار، لأن موهبته التي جعلها في خدمة غيره ستذهب سدى ولن يجني منها شيئا. وإذا لم يخضع قانون حقوق التأليف في الجزائر إلى تطبيقات صارمة و سياسية ردعية تجعل من هؤلاء "النصابين" المتاجرين بأدمغة الآخرين عبرة، فلن تقوم لها قائمة ولن يستثمر أحد في هذا الحقل. في انتظار ذلك بقي اللجوء إلى الوازع الأخلاقي والضمير المهني، لكن "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". (1/2)
صفحة 3
في حديث له مع جريدة الواحة يتحدث الشيخ طلاي عن قساوة مهمة النشر في الجزائر، فيذكرنا بكلمة قالها له السيد عمار طالبي عندما صدر كتاب طبقات مشايخ الإباضية بالمغرب، حيث نصحه بعدم إصداره في الجزائر مبررا ومشبها قوله بأن من يصدر كتابا في الجزائر كالذي يفتح حانوتا بالشارع الخلفي للسوق.
الواحة، 21 نوفمبر 2003
أما الحديث عن السرقات الأدبية، فهو مما عمت به البلوى فحدث دون حرج، فهي عدوى طالت المثقف والبسيط، الطالب والدكتور. حتى قال فيهم صاحب المقامات "وغيرتهم على بنات الأفكار أشد من غيرتهم على بنات الأبكار".
صالح ابن ادريسو ... ... (1/3)