صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم الحديث
------------------------------------------
العنوان: الأحاديث القدسية ومنزلتها من الوحي الإلهي
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1419ه/ 1998م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 7/99
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/392
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 18 جمادى الآخرة 1446ه/ 20 - شهر 12 - 2024م. أحمد بن سعود السيابي
الأحاديث القدسية ومنزلتها من الوحي الإلهي
الطبعة الأولى
1419 ه/ 1998 م (1/1)
صفحة 2
رقم الإيداع: 7/ 99 (1/2)
صفحة 3
تمهيد:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،
فإن السنة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي حيث أنها تأتي بعد القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع الإسلامي، فالسنة مصدر أصلي كالقرآن، فالقرآن والسنة مصدران أصليان.
والسنة في اللغة هي الطريقة والعادة)، وتطلق على الطريقة والمنهج، كما تطلق على الطبيعة والناموس وعلى حكم الله سبحانه وتدبيره (2)
أما في الإصطلاح فقد تجاذبتها اصطلاحات الفقهاء والمحدثين والأصوليين فعند فقهاء الإسلام نجد أن السنة معناها النافلة بين العبادات (3)، أما عند الأصوليين والمحدثين فهي كل ما أثر عن النبي العالم من قول أو فعل أو تقرير (4)
والسنة حجة للمسلم وعليه إذ هي أصل من أصول التشريع. في الإسلام وهي بعد كتاب الله في المرتبة الثانية، وهي أصل من
(1) السالمي، شرح طلعة الشمس، ج 2، ص 2، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة/ سلطنة عمان.
(2) شحاتة، عبد الله، مفتاح السنة، ص 5، مطبعة جامعة القاهرة.
(3) السالمي، نفس المصدر، ص 2.
(4) أنظر السالمي، المصدر السابق، ص 2، وعلي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي ص 41، ط 6، دار المثقف العربي. (1/3)
صفحة 4
أصول الدين وحجة على جميع المسلمين، (1) ويقول الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2) ويقول فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) (3)
ويقول عز من قائل: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله
ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا) (4).
وذلك معاذ بن جبل الصحابي الجليل لما أراد النبي علم أن يبعثه إلى اليمن قال له النبي عل العلم: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله عليم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله قال: اجتهد رأيي ولا آلو قال معاذ الله: فضرب رسول الله صدري، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول على رسول الله لما يرضي الله ورسوله (5) ولقد حفظت الأمة الإسلامية للسنة منزلتها وعرفت لها مكانتها وعملت بحجيتها وأجمعت الأمة الإسلامية على وجوب العمل بالسنة، ونقلها الخلف عن
(1) علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي، ص 44.
(2) سورة الحشر: آية 7
(3) سورة النساء: آية 65
(4) سورة الأحزاب: آية 36
(ه) سنن أبي داود رقم 3592. (1/4)
صفحة 5
السلف جيلاً بعد جيل، ورجعوا إليها في أمور دينهم، وعملوا بما فيها وتمسكوا بها وحافظوا عليها استجابة الله عز وجل وتأسياً برسوله صلى الله»، قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا استجيبوا الله
وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم {سورة الأنفال/ 24.
ونجد أمثلة على ذلكم التمسك بالسنة عن الصحابة والتابعين وعلماء الأمة الإسلامية عبر مسيرة تاريخ التشريع الإسلامي، منها أن الصحابي الجليل عمران بن حصين جاءه رجل فسأله عن شيء فحدثه، فقال الرجل: حدثوا عن كتاب الله ولا تحدثوا عن غيره، فقال: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله صلاة الظهر أربعا لا يجهر فيها، وعد الصلوات وعد الزكاة ونحوها، ثم قال: أتجد هذا مفسراً في كتاب الله؟ كتاب الله أحكم ذلك والسنة تفسر ذلك» (2)
كما أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من التابعين: «لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال مطرف والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا»، وهو الرسول لعالم الذي بين الكتاب الكريم وطبق تعاليمه، وشرح مقاصده وغاياته، وفصل أحكامه بسنته الطاهرة التي كانت ولا تزال قدوة المسلمين وسبيلهم ولذلك تمسكوا بها تمسكهم بالقرآن الكريم،
(1) شحاته عبدالله، مفتاح السنة، ص 14.
(2) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، ج 2، ص 191، دار الكتب العلمية، بيروت. (1/5)
صفحة 6
وحافظوا عليها محافظتهم عليه (1)
ولا تغيب عن بالنا العبارة المأثورة المضافة إلى كثير من العلماء، والقائلة كل من قوله مأخوذ ومردود إلا صاحب هذا
القبر، ويعنون به محمداً صلى الله، كما يقول الإمام السالمي وهو
واحد من كبار العلماء العمانيين في القرن الرابع عشر الهجري:
ولا تناظر بكتاب الله ولا كلام المصطفي الأواه (2)
معناه لا تجعل له نظيرا ولو يكون عالما خبيرا
ويقول أيضاً:
حسبك أن تتبع المختار وان يقولوا خالف الآثار (3) وكيف لا يكون ذلك موقف الأمة الإسلامية وعلمائها من صحابة وتابعين ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا، والله تعالى هو الذي بين أهميتها وأعلى قدرها ورفع من شأنها منبهاً بذلك عباده المؤمنين بقوله لنبيه وصفيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (4)، فإن هذه الآية الكريمة تنبيه من الله للمؤمنين إلى مكانة السنة في التشريع
(1) مفتاح السنة، ص 15.
(2) السالمي، جوهر النظام الجزء الأول، ص 6، ط 1.
(3) نفس المصدر
(4) سورة النحل، الآية 44 (1/6)
صفحة 7
الإسلامي فإن أقوال الرسول وأعماله تبين المراد من القرآن، إذ تفصل ما أجمله وتقيد ما أطلقه وتخصص فيه العموم، وتعين ما لم يعينه من المقادير والحدود والجزئيات، فللسنة أن تنفرد في التشريع حين يسكت القرآن عن التصريح، ولها أن تقوم بوظيفة التبيان حين يترك لها التفصيل والتوضيح» (1).
إزاء هذا كله من أهمية ومكانة للسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم لا غرو أن يصرح الإمام الشاطبي قائلاً كل أدلة القرآن تدل على أن ما جاء به الرسول، وكل ما أمر به ونهى عنه، فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن، فلا بد أن يكون زائداً عليه» (2).
(1) الصالح، صبحي علوم الحديث، ص 294.
(2) الصالح، صبحي، علوم الحديث ومصطلحه، ص 297. (1/7)
صفحة 8
أقسام الوحي
الوحي: الإشارة والكتابة والمكتوب، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك، والصوت يكون في الناس وغيرهم (1)، وأصل الوحي بمعنى الالقاء إلى الغير خيراً كان أو شراً، وقيل أصله الكلام الخفي، ثم صار في العرف العام مختصاً بالحال الذي يلقى إلى الأنبياء من جهة الرب عز وجل (2)
وللوحي في اللغة ثمانية أوجه هي:
(1) الإرسال، كقوله تعالى: انا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وأسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داؤد زبورا.
(2) الإلهام، كقوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون.
(3) الأمر، كقوله تعالى: {وأوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون
(1) القاموس المحيط، ترتيب ج 4، ص 585.
(2) السالمي، شرح المسند، ج 1، ص 12 (1/8)
صفحة 9
(4) البيان، كقوله تعالى: فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً.
(5) الوسوسة، كقوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف
القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون
(6) الإشارة، كقوله تعالى: فخرج على قومه من
المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا).
(7) الإقرار، كقوله تعالى: بأن ربك أوحى لها.
(8) القرآن، كقوله تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما يندرون.
هذه هي معاني الوحي من حيث اللغة)، بيد أنه أصبح أو استعمل حقيقة عرفية فيما يلقى إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من جهة الرب العظيم جل وعلا، فالوحي الإلهى أصبح حقيقة عرفية في ذلك إذا أطلق ولم يقيد بمعنى من
المعاني السابق ذكرها.
والوحي باعتبار كيفيته ينقسم إلى جلي وخفي، فالجلي هو
(1) السالمي، نفس المصدر، ص 112. (1/9)
صفحة 10
القرآن الكريم لأن لفظه ومعناه من عند الله تعالى، وأما الخفي ما يأتي كرؤيا نوم أو الإلقاء في الروع أو غير ذلك من الكيفيات.
على أنه من المناسب هنا أن نذكر حديث كيفية إثبات الوحي الذي أخرجه الإمامان الربيع بن حبيب والبخاري في صحيحيهما من طريق عائشة أم المؤمنين لها أنها قالت: «سأل الحارث بن هشام رسول الله علم كيف يأتيك الوحي يا رسول الله، قال أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، ويفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً، وقد فسر الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي الإنفصام بأنه الإنجلاء» (1).
وينقسم الوحي إلى ثلاثة أقسام:
الأول: القرآن وهو أشرفها قدراً وأعلاها منزلة، وقد عرفه الأصوليون والفقهاء وعلماء العربية فقالوا أنه الكلام المعجز المنزل على سيدنا محمد علم المنقول عنه بالتواتر،
المتعبد بتلاوته، وله أسماء كثيرة منها، القرآن، والكتاب
والفرقان، والذكر، والتنزيل، وهو كما وصفه منزله وهو الله عز وجل بقوله: ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (3).
(1) الربيع بن حبيب، المسند، ج 1، ص 7، مكتبة الاستقامة، سلطنة عُمان.
(2) الإسراء، الآية.19. (1/10)
صفحة 11
وقد وصفه النبي الكريم علم بأنه «كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ معه الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا انا سمعنا قرآنا عجبا من علم علمه سبق ومن قال به صدق، ومن حکم به عدل، ومن عمله به، أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم» (1) رواه الترمذي"
وهو الذروة في البلاغة والقمة في الفصاحة، تحدى الله
العرب وكانوا رافعين من البلاغة لواءها وممسكين من الفصاحة زمامها وتحداهم أن يأتوا بأقصر سورة من مثله فلم يستطيع وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله. وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولز تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (2)
(1) الترمذي، السنن، باب ما جاء في فضل القرآن.
(2) البقرة 2423 (1/11)
صفحة 12
يقول الإمام ابن بركه ان رسول الله جاء به قوماً كانوا هم الغاية في الفصاحة والعلم باللغة والمعرفة بأجناس الكلام جيده ورديئه فشتم آباءهم وأسلافهم، وقبح أديانهم وضعف أخبارهم وهم أهل الحمية والأنفة والخيلاء والعصبية، فقرعهم بالعجز لأن يأتوا بمثله ومكنهم من الفحص والبحث والاحتيال، وأمهلهم المدة الطويلة وأعلمهم أن في إتيانهم بمثل الذي أتى به في جنسه ونظمه مما يوجب أحقاقهم وابطاله ـ حاشا له من الباطل - فبذلوا في إطفاء نوره ودحض حجته، أموالهم وآباءهم وأبناءهم وأنفسهم، ولم يعارضوا ما احتج به عليهم من كتاب ربه بأرجوزة ولا قصيدة ولا خطبة ولا رسالة، فصح بهذا أنهم لو قدروا على ذلك ما تركوه إلى بذل الأموال والأنفس، وإن قال قائل: ما يدريك لعل العرب قارضت القرآن وأتت بمثله فخفي ذلك وانكتم قيل: لو جاز ذلك لجاز أن يكون النبي هزمه عدوه يوم بدر فستر ذلك عنا ونقل إلينا خلافه، ولجاز أن يكون النبي، قتل في بعض مغازيه فكتمنا ذلك، ونقل إلينا أنه مات على فراشه (1).
إلى أن قال: وقد طعن الملحدون في القرآن وألفوا في ذلك الكتب، ولو كانت العرب قد عارضته بمثل الذي أتى به فأبطلت حجته لاشتهر ذلك، ولكان أحق بالظهور لشهرته وعظم
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1، ص 52. (1/12)
صفحة 13
الخطب فيه من سائر ما ظهر لأنه أغرب وأعجب وأقطع وأشنع (1).
ومهما يقل المرء من بيان أو مهما يصف به من وصف كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (2) فإن البيان يعجز، والوصف يقصر عن إدراك كنهه وعظيم منزلته، وعلو شأنه، وسمو درجته لفظاً ومعنى.
الثاني: الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام:
وهي كما قيل جملتها، مائة كتاب وثلاثة كتب ما عدا
القرآن الكريم، منها:
- خمسون على شيث بن آدم.
ثلاثون على ادريس
عشرة على إبراهيم.
عشرة على موسى قبل التوراة.
التوراة على موسى.
- الإنجيل على عيسى.
الزبور على داود
(1) نفس المصدر.
(2) سورة فصلت الآية 42. (1/13)
صفحة 14
وقيل كل هذه الكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله أنزله مكتوبة في الألواح) (1).
أما القرآن فلم ينزل مكتوباً، وإنما أوحاه الله إلى نبيه محمد عام لفظاً ومعنى بواسطة الملك جبريل عليه السلام.
الثالث: السنة:
وهي من أقسام الوحي الإلهي أوحاها الله إلى عبده ورسوله محمد
لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى (3)، ولقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (3)، ولقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (4)، ولقول الرسول علم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (ه).
ولما روي أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ما يسمع من النبي علي العالم، فقال له بعض الناس، ان رسول الله يتكلم في الغضب فلا تكتب كل ما تسمع، فسأل النبي
(1) الثميني، معالم الدين، ج 2، ص 33، و ا.: " ... امان.
(2) سورة النجم، 43.
(3) سورة الحشر، الآية 7.
(4) سورة النحل، الآية 44.
(5) رواه أبو داود، الحديث رقم 4604. (1/14)
صفحة 15
عن ذلك، فقال: أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من
بينهما إلا حق يعني من بينهما أي من بين شفتيه (1).
وقد تقدم الكلام على السنة لفظاً ومعنى لغة واصطلاحاً
وهناك الحديث والأثر، والخبر.
وقد استعملت هذه الألفاظ الثلاثة مرادفة للسنة بغض النظر
عن مواردها الأصلية والاشتقاقية.
فالحديث هو إسم من التحديث، ويجمع على أحاديث، قال الفراء: واحد الأحاديث أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث، وفي الكشاف: الأحاديث اسم جمع ومنه حديث النبي (2).
والخبر، يقول الدكتور صبحي الصالح والخبر أجدر من السنة أن يرادف، الحديث فما التحديث إلا الاخبار، وما حديث النبي عليه السلام إلا الخبر المرفوع إليه، غير أن إطلاق اسم الاخباري على من يشتغل بالتواريخ ونحوها حمل بعض الفقهاء على تخصيص المشتغل بالسنة بلقب المحدث، لتمييزه عن الاخباري، وعلى تسمية ما جاء عنه حديثاً، لتمييزه عن الخبر الذي يجيء عن غيره وهذا يفسر قولهم، بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر ولا عكس، فلا ضير في
(1) القاسمي جمال الدين، قواعد التحديث ص 62.
(2) نفس المصدر، ص 61 (1/15)
صفحة 16
تسمية الحديث خبراً، والخبر حديثاً.
والأثر، فهو مرادف للسنة والخبر والحديث، يقال أثرت
الحديث بمعنى رويته ويسمى المحدث اثريا نسبة للاثر (1).
وقد جرى استعمال هذه الكلمات اصطلاحاً، بمعنى السنة وهي ما نقل عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، يقول الدكتور صبحي الصالح وهناك اصطلاحات في بيان الفرق بين كل من الخبر والأثر لن نخوض فيهما، ولن نماري فيها أصحابها فقد أخذنا برأي الجمهور في تساوي هذه المصطلحات جميعاً في إفادة التحديث والاخبار، وعليهما مدار البحث في علم أصول الحديث» (2).
وتنقسم السنة باعتبار سندها إلى ثلاثة أقسام:
(1) السنة المتواترة، وهي التي رواها عن رسول الله جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، لكثرتهم وأمانتهم
وجهاتهم وبيئاتهم، ورواها عن هذا الجمع جمع مثله، وعن هذا
الجمع جمع مثله حتى وصلت إلينا بسند كل طائفة من رواته
جم لا يتفقون على كذب من مبدأ التلقي عن الرسول إلى نهاية الوصول إلينا، ومن هذا القسم السنن العملية في أداء الصلاة وفي الصوم والحج والأذان وغير ذلك من شعائر الدين التي
(1) علوم الحديث ومصطلحه لصبحي الصالح، ص 10.
(2) نفس المصدر، ص 11. (1/16)
صفحة 17
تلقاها المسلمون عن الرسول بالمشاهدة، أو السماع، جموعاً عن
جموع من غير اختلاف في عصر عن عصر، أو قطر عن قطر، وقل أن يوجد في السنن القولية حديث متواتر، وقد مثلوا له بقوله من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (1).
(2) السنة المشهورة، وهي ما رواها عن رسول الله صحابي أو اثنان، أو جمع لم يبلغ حد جمع التواتر، ثم رواها عن هذا الجمع القليل أو الراوي الواحد أو الراويين جمع من جموع التواتر، ورواها عن هذا الجمع جمع مثله، وعن هذا الجمع جمع مثله حتى وصلت إلينا بسند أول طبقة فيه سمعوا
من الرسول قوله أو شاهدوا فعله فرد أو فردان أو افراد لم يصلوا إلى جمع التواتر، وسائر طبقاته جموع التواتر (2)
(3) سنة الآحاد وهي التي رواها عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام آحاد لم تبلغ جموع التوتر، كان يرويها عن الرسول واحد أو اثنان أو جمع لم يكن بحد التواتر، ورواها عن ذلك الراوي أو ذلكم الرواة مثله أومثلهم حتى وصلت إلينا بسند طبقاته آحاد لا جموع التوتر، وأكثر الأحاديث المروية في كتب السنة من هذا النوع، وتسمى خبر الواحد (3).
(1) مفتاح السنة ص 15.
(2) نفس المصدر ص 15.
(3) نفس المصدر، ص 16. (1/17)
صفحة 18
كما أن السنة باعتبار متنها تنقسم إلى قسمين:
(1) الأحاديث النبوية، نسبة إلى النبي
(2) الأحاديث القدسية: وتنسب إلى الرب عز وجل تقدست أسماؤه والرسول عالم يرويها ويحكيها عنه (1).
الأحاديث القدسية
في اللغة والاصطلاح
القدسي نسبة إلى القدس، وهي كلمة تدل على التعظيم والتنزيه والتطهير أو نسبة إلى إسم الله تعالى القدوس، ومعنى تقدس أي تطهر، ويقال في حق الله تقدست أسماؤه، وقال الله تعالى على لسان ملائكته ونحن نقدس لك» أي نظهر ذكرك عما لا يليق بك تعظيماً لك، وتمجيداً من التقديس بمعنى التطهير، ومنه الأرض المقدسة
وروح القدس واسمه تعالى القدوس (2)
وفي الإصطلاح: هو الكلام المضاف إلى الله تبارك وتعالى أي أن النبي عل العالم يضيفه إلى ربه، ويرويه النبي عليه
(1) نفس المصدر ص 42,41، القطان، مناع مباحث في علوم القرآن، ص 25، قواعد التحديث، للقاسمي، ص 65.
(2) مخلوف، حسنين محمد صفوة البيان. (1/18)
صفحة 19
الصلاة والسلام على أنه من كلام الله، فالرسول راو لكلام الله بلفظ من عنده (1)
كما تسمى أيضاً الأحاديث الربانية، نسبة إلى الرب عز وجل، وتسمى الأحاديث الإلهية نسبة إلى الإله جل وعلا، وكلها بمعنى واحد، وإنما الإختلاف في التسمية لفظي.
وتروى الأحاديث القدسية بصيغ منها:
(1) قال رسول الله فيما يروي عن ربه
(2) قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله
(3) قال رسول الله، قال الله تعالى
(4) قال رسول الله علم يقول الله تعالى.
لذلك جاءت تسميتها قدسية أو ربانية أو إلهية لأن الله هو
المتكلم بها والمنشئ لها أولاً.
وأما كونها أحاديث فلأن الرسول هو الحاكي لها عن ربه (2)
(1) مباحث في علوم القرآن، ص 25
(2) مفتاح السنة، ص 41. (1/19)
صفحة 20
عدد الأحاديث القدسية
اختلف العلماء في عدد الأحاديث القدسية، فبينما يقول ابن حجر الهيتمي، وهي أكثر من مائة (1)
نجد أن المحدث الشيخ عبد الرؤوف المناوي قد استطاع أن يجمع منها (272) حديثاً في
كتابه الذي أسماه الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية.
وأرى أن الأحاديث القدسية أكثر من ذلك فلو تتبع المرء جميع كتب الحديث لعله يجد أكثر من هذا العدد، وإنما أورد الشيخ المناوي في كتابه المذكور، ما تمكن من الوقوف عليه من
تلك الأحاديث، فقد قال في مقدمة الكتاب هذا الكتاب أوردت فيه ما وقفت عليه من الأحاديث القدسية الواردة على لسان خير البرية» (2).
وقد رتب المحدث المناوي تلك الأحاديث على حروف المعجم، مبتدئاً بحديث ابن آدم أنزلت سبع آيات ثلاث لي وثلاث لك وواحدة بيني وبينك فأما التي لي، فالحمد رب العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين، والتي بين وبينك، إياك نعبد وإياك نستعين، منك العبادة وعلي العون، وأما التي لك، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير
المغضوب عليهم ولا الضالين (3).
(1) الهيتمي ابن حجر، فتح المبين، ص 201، دار احياء الكتب العربية، القاهرة.
(2) الاتحافات السنية، ص 4.
(3) نفس المصدر نفس الصفحة، 367. (1/20)
صفحة 21
ومختتماً بحديث ينادي المنادي يا أهل التوحيد، ليعفو بعضكم عن بعض وعلي الثواب» (1).
وقد قام بشرح الأحاديث القدسية الواردة في كتاب الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية» الشيخ محمد منير الدمشقي في كتابه الذي سماه «النفحات السلفية، شرح الأحاديث القدسية» وجاء في مقدمة كتابه «فيقول: أفقر الورى إلى ربه الغني محمد منير بن عبده أغا الدمشقي الأزهري، طلب مني جماعة من طلبة العلم في المعاهد الدينية أن أختار لهم كتاباً في الأحاديث القدسية وأنشره كي ينتفعوا به مع بيان مخرج الحديث، فنقبت عن ذلك مدة فعثرت على رسالة للشيخ الولي المحدث عبد الرؤوف المناوي في دار الكتب المصرية، فندبت أحد علماء الأزهر إلى نقلها عن أصلها، وبعد أن تم ذلك قابلتها وصححتها ولما وجدت فيها بعض أحاديث يحتاج إلى شرح وإيضاح علقت عليه بقدر الحاجة الماسة لذلك» (2)، وعلى أنه من
الملاحظ أن الأحاديث القدسية لا تعتني بالأحكام وإنما جاءت معتنية بالإيمانيات والأخلاقيات.
(1) نفس المصدر.
(2) الدمشقي، محمد منير، ص 2، النفحات السلفية. (1/21)
صفحة 22
الفرق بين القرآن والحديث القدسي:
لما كانت الأحاديث القدسية معناها من عند الله عز وجل، وإنما الرسول كان راوياً لها من عند ربه ساور علماء الأمة الإسلامية الخوف من أن يكون هنالك اشتباه على الناس بين القرآن والحديث القدسي فيختلط فهمهم بينهما، لذلك وضعوا فروقاً تبين صفات كل من القرآن والحديث القدسي، والجدول التالي يوضح تلك الفروق (1).
القرآن الحديث القدسي
(1) لفظه ومعناه من عند الله تعالى (1) لفظه من النبي علم ومعناه من عند الرب عزوجل.
(2) معجز. (2) غير معجز.
(3) فيه تحد للعرب بيانياً. (3) غير متحدي به
(4) ينسب إلى الله عز وجل فقط. (4) ينسب إلى الله وتجوز نسبته إلى الرسول علم.
(5) منقول بالتواتر جميعه. (5) أكثر الأحاديث القدسية أحادية.
(6) قطعي الثبوت. (6) أكثرها ظنية الثبوت.
(1) ابن محمد الهيتمي فتح المبين، ص 201، جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث 65، عبد الله شحاته، مفتاح السنة، ص 41 هامش مناع القطان، مباحث في علوم القرآن ص 26. (1/22)
صفحة 23
القرآن الحديث القدسي
(7) متعبد بتلاوته. (7) غير متعبد بتلاوته.
(8) تتعين قراءته في الصلاة. (8) لا تجوز قراءته في الصلاة.
(9) يترتب على قراءته ثواب معين. (9) يترتب على قراءته الثواب العام.
(10) لا يحكم عليه بأحكام مصطلح علوم الحديث، فهو مقطوع بصحته. (10) تنطبق عليه أحكام مصطلح علوم الحديث، فهو قد يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً.
(11) تحرم روايته بالمعنى. (11) لا تحرم روايته بالمعنى.
(12) تسميته قرآناً. (12) لا يسمى قرآناً.
(13) يحرم على المحدث مسته. (13) لا يحرم على المحدث مسته.
(14) تحرم على الجنب تلاوته. (14) لا تحرم تلاوته للجنب.
(15) تحرم تلاوته للحائض والنفساء. (15) لا تحرم تلاوته للحائض والنفساء.
(16) لا يكون إلا بوحي جلي، أي لا يكون إلا على لسان الملك. (16) يكون بوحي جليه وغير جلي أي يكون على لسان الملك، كما يكون برؤيا نوم، أو بالإلقاء في الروع. (1/23)
صفحة 24
نماذج من الأحاديث القدسية
اخترنا عشرة أحاديث من الأحاديث القدسية كنماذج لها،
لنتعرف على كيفيتها وأسلوبها وسياقها، ونبدأ بحديث أبي ذر الغفاري الذي يقول فيه ابن حجر الهيتمي وحديث أبي ذر هذا من أجلها» (1)، ويقول محمد منير الدمشقي الأزهري «هذا الحديث شريف القدر عظيم المنزلة، جليل الموقع جامع لفوائد شتى قد تضمن من قواعد الدين العظيمة من العلوم والأعمال والأصول والفروع وغير ذلك مما لا يحصره قلم ولا يحصيه عاد (2).
والحديث هو:
عن أبي ذر الغفاري الله عن النبي علم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا
(1) فتح المبين، ص 201.
(2) النفحات السلفية، ص 39 (1/24)
صفحة 25
أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو ان أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» [رواه مسلم].
وعن أبي هريرة عن النبي علم قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا أغنى
الشركاء عن الشرك» [رواه الربيع].
وعن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله علم أنه صلى بأصحابه صلاة الصبح بالحديبية في اثر سماء كان من الليل فلما انصرف من صلاته أقبل على الناس فقال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال أصبح من عبادي مؤمن (1/25)
صفحة 26
وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر
بي ومؤمن بالكواكب» [رواه الربيع].
وعن أبي هريرة عن النبي لم يقول: «قال الله عز وجل: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب مما أفترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطيته وإن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن فيض المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» [رواه البخاري].
ومن طريق عائشة: «عباد لي يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم أمر من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، يختلون الناس بدينهم، أبي يغترون أم علي يجترؤن، فبي أقسمت لألسبنهم فتنة تذر الحليم حيران» [رواه ابن عساکر].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله عم يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: أين المتحابون لأجلي اليوم أظلهم في ظلي يوم
لا ظل إلا ظلي» [رواه الربيع].
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله: يقول الله (1/26)
صفحة 27
تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتدالين في [رواه الربيع].
وعن أبي هريرة عن النبي علم قال: «قال الله عز وجل: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره عبدي لقائي كرهت
لقاءه» [رواه الربيع]
وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزى به، والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا برفث ولا يصخب وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده الخلوف فم الصائم أطيب عند المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح
الله من ريح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه.
وجاء في حديث قدسي: ليس كل مصل يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضؤ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له علماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليه فأبره، أكلؤه بقوتي، واستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها. (1/27)
صفحة 28
الخاتمة
الأحاديث القدسية جزء هام وشريحة واسعة من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ويطلق عليها الأحاديث القدسية، والأحاديث الإلهية والأحاديث الربانية وكلها بمعنى، وتجوز نسبتها إلى الرب عز وجل وتجوزنسبتها إلى النبي الكريم، باعتبار أن معناها من عند الله ولفظها من الرسول عليه الصلاة والسلام، والأحاديث القدسية تخضع لعلوم مصطلح الحديث، فهي قد تكون صحيحة وقد تكون حسنة وقد تكون ضعيفة، وتأتي بوحي جلي وغير جلي أي قد تكون برؤيا نوم أو الإلقاء في الروع أو على لسان الملك.
والمستقرئ للأحاديث القدسية يجدها أنها لا تهتم بالأمور التشريعية وإنما يجدها تعتني بالإيمانيات والأخلاقيات الأمر الذي يجعل من سلوك المرء متصلاً بربه قوي الإيمان به، وقد بينت في البحث أهمية السنة من بين أقسام الوحي كما بينت أهمية ومنزلة الأحاديث القدسية من بين أقسام السنة المطهرة، وبأن السنة أصل من أصول التشريع الإسلامي ومصدر أصيل من مصادره، حيث أن السنة تأتي بعد القرآن الكريم مباشرة، فالقرآن في المرتبة الأولى والسنة في المرتبة الثانية، والجدير بالذكر أنه لا توجد أمة من الأمم (1/28)
صفحة 29
السابقة اعتنت بحفظ أقوال أنبيائها، كما اعتنى المسلمون بحفظ أقوال نبيهم محمد علم، فلا غرو أن يعتني المسلمون ويهتموا بخدمة السنة النبوية رواية ودراية، شرحاً وتفسيراً تلقياً وأداء، وهو
أمر جعل الأمة الإسلامية ترتبط بنبيها عام ارتباطاً وثيقاً لا يوجد له نظير في ارتباط الأمم الأخرى بأنبيائها.
ولهذا نشأ علم مصطلح الحديث لضبط رواية السنة متناً وسنداً وهو منهج تحقيقي لم تسبق إليه الأمة الإسلامية بل كانت هي الرائدة فيه لها سبق الريادة، وبذلك قطعت شوطاً كبيراً في معرفة الحديث الصحيح من الضعيف، والحديث الصحيح من الموضوع المكذوب، ولولا هذا المنهج ولولا هذا الضابط لصعب ذلك على المسلمين واختلط عليهم الحابل بالنابل، ولما استطاعوا التمييز بين الأحاديث المروية، نظراً للدسائس والمكائد والمؤمرات التي تعرضت لها هذه الأمة في فكرها وعقيدتها وفي مصادر تشريعها.
بيد أنه لما كان القرآن محفوظاً بعناية الله وحفظه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون لم يستطع أولئك المجرمون النيل من القرآن، فظل ساطعاً مشعاً بأنواره، ينير دروب هذه الأمة في مسيرتها الطويلة ويهديها للتي هي أقوم، وإنما لجأ أولئك المجرمون (1/29)
صفحة 30
إلى السنة، فوضعوا الأحاديث المكذوبة على النبي وهو
الصادق المصدوق كما كان من بين رواة السنة أشخاص ليسو على مستوى حملها حفظاً وإدراكاً وأداء، الأمر الذي أوجب على
العلماء المختصين أن يبينوا ذلك، حتى أصبح علم الحديث وأصوله و مصطلحه علماً شريفاً جليلاً، يشرف به حامله دنيا وأخرى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/30)
صفحة 31
المراجع
(1) ابن بركة، أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة السليمي العُماني، كتاب الجامع، ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة/ سلطنة عُمان.
(2) ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، جامع بيان العلم وفضله، دار الكتب العلمية، بيروت.
(3) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، سنن أبي داود، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(4) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسي، السنن
(5) الثميني، عبد العزيز بن إبراهيم الثميني المصعبي، معالم الدين، ط 1، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط / سلطنة عمان.
(6) حسب الله علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ط 6.
(7) الدمشقي، محمد منير الأزهري الدمشقي، النفحات السلفية،
الاتحافات السنية، المكتبة الشعبية، بيروت.
(8) الربيع بن حيب مسند «الجامع الصحيح، مكتبة الاستقامة،
مسقط / سلطنة عُمان.
(9) السالمي، عبدالله بن حميد السالمي: جوهر النظام. شرح المسند. طلعة الشمس. (1/31)
صفحة 32
(10) شحاته عبدالله محمود، مفتاح السنة.
(11) الصالح، صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه
(12) الفيروزآبادي، أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي، القاموس المحيط، بترتيب الطاهر الزاوي، ط 2، عيسى البابي وشركاه.
(13) القاسمي، محمد جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت.
(14) القطان، مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ط 7، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(15) مخلوف، حسنين محمد مخلوف، صفوة البيان لمعاني القرآن، ط 3 وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.
(16) المناوي، عبد الرؤوف بن علي الحدادي المناوي، الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية، المكتبة الشعبية بيروت
(17) الهيتمي، أحمد بن حجر الهيتمي، فتح المبين لشرح الأربعين، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه. (1/32)