صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - عقيدة - علوم الحديث
------------------------------------------
العنوان: الحقيقة الدامغة
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مكتبة مسقط
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5264&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/174
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 شعبان 1446ه/ 07 - شهر 02 - 2025م. الحقيقة الدامغة
تأليف سَمَاحَةِ الشَّيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المُفْتِي العَامِ لِسَلْطَنَةِ عُمان (1/1)
صفحة 2
مسقط
مكتبة مسقط
00968 - 99340835
00968 - 96967570
فرع الحيل: 24537092 - 00968
فرع روي: 24835533 - 00968
E-mail: mctbooks@muscatbookshop.com
mctbook@hotmail.com
الطبعة الأولى 1436 هـ ـ 2015 م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من الناشر. (1/2)
صفحة 3
فة الرامية
نوميدي
تأليف سَماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لِسَلْطَنَةِ عُمان
مكتبة مسقط
مَسْقَط عُمان (1/3)
صفحة 4
I (1/4)
صفحة 5
ثم انه الحَنَ الرَّحَة
الحمد لله الذي يقول الحق ويهدي السبيل، وأشهد أن لا إله إلا الله، نصب معالم الحقيقة وهدى إلى سواء، الطريقة بإرساله رسله تترى وإنزاله كتبه تتلى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بعد فترة من رسله، وانقطاع من وحيه، وتنكب عباده عن اتباع الحق، وإعراضهم عن سبيله، فاستنفد جهده في الدعوة إليه، وصدع بالحق وقد أحيط بجنود الباطل من خلفه وبين يديه حتى تدكدكت معاقل الباطل ووضحت معالم الحقيقة، فأشرقت الأرض بنور ربها بوضوح صراطه المستقيم وبزوغ شمس ذكره الحكيم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا نجوم هداية في الخلق ومعالم دالة على الحق وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم وضع موازين القسط للفصل بين حزب الرحمن وحزب الشيطان.
أما
بعد؛
؛ فإن الحق والحقيقة صنوان متلازمان فحيثما وجدت الحقيقة فتم الحق، وإن فقدت فقد معها، لذلك كان أعداء الحق حراصا دائما على طمس الحقيقة وتغيير معالمها وتشويه صورتها، وهذا واضح في مجادلات الأمم التي كفرت بربها وكذبت رسله، ووصفت ما جاءتهم به الرسل من جميع عند الله بالإفك والسحر والأساطير، كما قال تعالى في الذين اعترضوا القرآن وجادلوا فيه وحاولوا إطفاء نوره وتشويه جماله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إفك أَفْتَرَتَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ وَاَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 4 - 5].
وكم تجد في مجادلات هؤلاء تصامما عن نداء الفطرة الذي يصخ (1/5)
صفحة 6
6
الحقيقة الدامغة
الأسماع، وتعاميا عن أنوار الحقيقة التي تملأ الوجود، وتدهش بجمالها وطاقتها البصائر والأبصار كما صور القرآن هذه المواقف الجدلية ببيانه
المعجز في قوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَن جَاءَ هُم تُنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَابُ أَجَعَلَ الألمةَ إلهَا وَمِنَّا إِنَّ هَذَا لَشَى عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى الهَنكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ الا مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا أَخْلَق [ص: 4 - 7]، فتراهم يُسَفِّهُونَ دعوتهم إلى توحيد الله تعالى بإخلاص العبودية والعبادة له، وأمرهم بإقصاء ومفارقة ما يعبدونه من دونه تعالى من معبودات يصنعونها بأيديهم ويصورونها كما شاءوا، ويشاهدون حالها أنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل ولا تفكر ولا تنفع ولا تضر، ولا تحيي ولا تميت، ولا تطوي ولا تنشر ولكنهم يتمسكون بها وبعبادتها وإشراكها مع الله الواحد القهار الذي: وتُسَيحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا تفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].
،
ومثل ذلك مجادلتهم في بعث الأجساد بعد أن تفارقها الحياة، وقد صوّرها القرآن أيضا في العديد من الآيات كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلَقَهُ، قَالَ مَن يُحْيِ
الْعِظَمَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَزَةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يَخلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَنَ الَّذِي بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: 77 - 83].
وكم تجد فيما يقصه القرآن في مجادلات هؤلاء ومجادلات من قبلهم من الأمم البائدة التي كذبت الرسل وارتكست حتى هوت إلى غير قرار - مما يعكس أحوالهم ويجسد أفكارهم من العناد ومكابرة الحق وإنكار (1/6)
صفحة 7
الله بسم الرحمن الرحيم
الحقيقة، حتى يكاد العقل لا
أن يتصور يهوي إنسان إلى هذا الحضيض
Y
الأسفل من الضلال مع ما أوتي من الفهم والإدراك ووَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ [النور: 40].
وإذا كان الإنسان يحار من أمر هؤلاء كيف يجادلون في الحقيقة مع وضوحها إلى حدّ أن تفضَحَ الشَّمْسَ بإشراق سناها؛ فإن هذه الحيرة تتضاعف عندما تصدر المجادلات بالباطل لإدحاض الحق مِنْ قوم يرفعون راية القرآن، وينتمون إلى أمة الإسلام ويتدثرون بعباءة سنة النبي الخاتم عليه أفضل الصلاة و السلام، ومع ذلك لا يستحيون أن يكابروا ـ على علم - - حقيقةً تخفق راياتها على هضبات الكون، ويجلجل صوتها في جنبات الوجود، فيحاولون - عن قصد وإصرار - طيَّ راياتها الخفاقة، وإسكات صوتها المجلجل من غير أن يحسبوا حسابا لافتضاحهم أمام الرأي العام، عندما تزداد - بمكابرتهم وإصرارهم ـ الحقيقة جلاء ووضوحا، ويزداد وجهها إشراقا وبهاء وصوتها قوة وشيوعا.
قبل برهة من الوقت أطلعني أحد طلبة العلم على تحذير بثه أحد الحشوية المغرضين عبر وسائل الاتصال الحديثة ينذر فيه أصحابه خطورة الاتصال بالإباضية أهل الحق والاستقامة؛ خشية التأثر بهم في معتقداتهم، ولم يجد ما يبرر به هذا التحذير إلا أن يفتري عليهم الكذب، ويعزو إليهم براء منه من الضلالات كزعم أنهم لا يأخذون بالسنة لأنهم غير
ما
هم
مؤمنين بها!!!.
وهذا من أكبر الإفك وأفضح الباطل، وإن حاول مَنْ حاول من مجادلة الحشوية تبرير هذه الدعوى بمحاولته أن يلصق بالإباضية فئة مارقة، كانت قبل ظهور مروقها وانكشاف طواياها وتعرّي فضائحها محسوبة على الإباضية، لأنها نشأت في محيطهم، وهَبْ أنهم كانوا قبل إباضيين صدقا، (1/7)
صفحة 8
الحقيقة الدامغة
فما الذي يبرر إلصاق ضلالاتهم بالإباضية بعد أن مرقوا، وخلعوا ربقة الإيمان من أعناقهم، وتنكروا للدين وتحالفوا مع الملحدين، فعادوا معهم
في خندق واحد يرمون الإسلام وقيمه وفضائله عن قوس واحدة؟!. على أن علماء الإباضية كانوا أول من اعترض على هؤلاء عندما شرعوا في طريق الضلال بتنكرهم لسنة النبي عليه الصلاة والسلام وتشكيكهم في الثابت الصحيح منها، وكانت هذه هي الخطوة الأولى في انحرافهم عن الحق الذي أوغل بهم في بوادي الضلال، حتى هاموا في متاهاته المظلمة، فارتكسوا في مهاوي الإلحاد، وانغمسوا في أرجاس الفساد، ولم يبق بينهم وبين الإسلام خيط يصلهم به، بعدما نبذوا كل ما جاء به من اعتقاد أو عبادة أو حكم أو خلق.
وهم كغيرهم ممن يحمل هذا الفكر الضال ويهيم في متاهات هذا الانحراف ممن ينتسبون إلى العقلانية - وما هم من العقل في شيء - تجمعوا من أرجاء شتى وانفصلوا عن أفكار متباينة، ومن بينهم مَنْ خرج من عباءة السلفية التي هي شعار الفكر الحشوي.
انفصلت
وكما لا يمكن أن ينسب هذا الشتيتُ إلى جماعة ما من الجماعات المتعددة التي أفرزتهم فإنه من المتعذر عقلا الممتنع شرعا أن يؤاخذ الإباضية بجرائرهم، ويُلَنَّ بهم معهم في قرن بسبب أن فئة منهم عن الإباضية، وقد وضح موقف الإباضية من هذه الفئة منذ وضحت خطوتهم الأولى في سبيل الانحراف، فكيف يدانون بما هم براء منه؟! وقد أعلنوا الحرب عليهم من أول الأمر عندما جهروا بتشكيكهم في السنة النبوية واجترأوا على تحقير الحضرة المصطفوية بما عزوه إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام من النقائص التي يترفع عنها مقام النبوة.
ولما كانت محاولة نسبة مخازيهم إلى الإباضية من قبل الحشوية - (1/8)
صفحة 9
بسم
الله الرحمن الرحيم
ليتخذوا ذلك ذريعة إلى التنفير منهم وتشويه سمعتهم - من الفجور في الخصومة، وهي من شعب النفاق كما جاء في الحديث، كانت ضرورة جلاء (الحقيقة الدامغة) في هذا الأمر قائمة وكان القيام بذلك واجبًا دينيا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقد رأيتُ ضرورة أن لا أقتصر على بيان موقف الإباضية من السنة فحسب، بل رأيت ـ أيضا ـ أنه لا بد من بيان موقف الحشوية أنفسهم منها حتى يدرك الناس أي الفئتين تتعامل مع السنة وفق هواها، فتعزو إليها ما هي بريئة منه عندما يستدعي هواها ذلك!! وتنفي عنها ما هو ثابت منها - وإن وصل إلى حد التواتر ـ عندما تعاكس هواها!! «وبضدها تتبين الأشياء» (1).
لذلك؛ جعلت هذه المحاولة في أربعة محاور:
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية.
:
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية.
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها.
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية.
(1) البيت للمتنبي من الكامل: وَنَذِيمُهُم وَبِهِم عَرَفنَا فَضلَهُ وَيضِدّها نَتَبَيَّنُ الأشياء. (1/9)
صفحة 10
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية |
المحور الأول
في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
اعلم أن السنة النبوية هي مصدر من مصادر التشريع، وهي تأتي في ترتيبها الثاني بعد الكتاب العزيز، لقول الله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، ومن المعلوم أن الرد لا يكون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بالرجوع إلى سنته عليه أفضل الصلاة والسلام، لاستلهام الحق واستبانة الحقيقة، والتحكيم فيما اختلف فيه، كما أن الرد إلى الله لا يكون إلا بالرجوع إلى كتابه، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عنك صُدُودًا} [النساء: 61]، وهو نص صريح في استقلال السنة النبوية بالتشريع، إذ لو كانت مجرد بيان للكتاب العزيز لاكتفي بدعوتهم إلى ما أنزل الله، وهو ما تفيده أيضا الآية التي سبق ذكرها، ويقوي ذلك الأمر بطاعته طاعة مطلقة، وترتيب الفوز والسعادة عليها، والخسران والبوار
على تركها كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقوله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَفِرِينَ} [آل عمران: 31 - 32] وقوله: وقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمَلْتُةٌ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، وقوله:
11 (1/11)
صفحة 11
12
الحقيقة الدامغة
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132]، وقوله: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور: 54]، وقوله: ومَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن
تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا [النساء: 80]، وقوله: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضُأَ قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةً أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ} [النساء: 64]، وقوله: {وَمَا ءَانَنكُم
الرسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]. وقد ثبت بنص قرآني أن التشريع الصادر عن السنة النبوية هو تشريع رباني جاء من عنده تعالى فقد قال تعالى في استقبال بيت المقدس قبل الأمر بالتوجه إلى الكعبة المشرفة: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]، مع أنه لم يشرع بنص القرآن، وإنما شرع بسنة مصطفوية، وقد أسند الله تعالى جعل ذلك ـ أي تشريعه - إلى نفسه.
،
وعليه؛ فلا مناص لمسلم من اتباع سنته و والاعتماد عليها بجانب القرآن فإنها أساس للهداية ومصدر للتشريع ومنارة للحق، ولم يختلف الإباضية عن غيرهم من المسلمين في اعتماد السنة والرجوع إليها بعد كتاب الله تعالى في استلهام الحق وتشخيص الحقيقة، حسبك أنهم خصصوا بها عمومات من القرآن ولو ثبتت بطرق الآحاد بناء على ما أصلوه من أن العام الدلالة ولو كان قطعي المتن والخاص قطعي الدلالة، فإن كان ثبوته ظنيا انجبر ضعف ثبوته بقوة دلالته فكان حريا أن يقدم على العام الثابت
ظني
بالقطع؛ نظرًا إلى كثرة ما يَرِدُ على العموم من المخصصات.
أمثلة من تخصيص أخبار الآحاد لعمومات القرآن:
نص علماء الإباضية المتقدمون والمتأخرون منذ القرن الأول الهجري (1/12)
صفحة 12
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
على التمسك بالسنة، ووجوب الأخذ بها في التشريع، فكم للإمام أبي الشعثاء
ه من نصوص تؤكد وجوب التمسك بالسنة، فعندما سئل عن بعض
ما يعرض للمصلي أجاب بقوله: يعيد ما خالف فيه السنة من صلاته، ولا يستقيم للناس ما خالفوا فيه السنة» (1) وأجاب عمن لم يقرأ في صلوات المغرب والعشاء والصبح شيئاً من القرآن بقوله: «فَإِنَّ أَحَبَّ ذلك إليَّ أَنْ يُعيد صلاته فيقرأ فيها، فإنه قد ترك السنة فيها» (2). وسئل عن نبيذ الجر، فقال: نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حرام، قال: وقد قال تعالى: {وَمَا ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: ((3)، ونجد سالم بن ذكوان من علماء آخر القرن الأول وأول القرن الثاني ينص على ذلك في مواضع عديدة من سيرته المشهورة، ومن ذلك قوله: فإن الله إنما أرسل رسوله ليطاع، وأنزل كتابه ليتبع، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64]، {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] (4).
وقال: وعليكم بالسمت الحسن والسيرة المعروفة في الإسلام التي سار عليها نبي الله وأولياء الله، واعلموا أنه لن يهتدي أحد بخلافهم، قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115] (5).
وأطال في بيان ما أوضحه النبي يا اللي بتطبيقه من انقسام الناس إلى
(1) رسائل الإمام جابر بن زيد (نسخة مرقونة بالآلة الكاتبة) ص 14.
(2) رسائل الإمام جابر، ص 14.
(3) الضياء، للعوتبي 176/ 4.
(4) سيرة سالم بن ذكوان، ص 42. (5) نفس المصدر، ص 48.
13 (1/13)
صفحة 13
14
الحقيقة الدامغة
أصناف، منهم من لا تقبل منهم الجزية إن عتوا عن قبول الإسلام وهم مشركو العرب وسائر عبدة الأوثان، ومنهم من تقبل منهم الجزية ويدخلون في ذمة الله ورسوله ولو لم يستجيبوا لداعي، الله، وتحل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وهم أهل الكتاب، ومنهم من تقبل منهم الجزية كأهل الكتاب، ولكن لا تحل نساؤهم ولا ذبائحهم للمسلمين ما لم يسلموا وهم المجوس
(1)
وقال في بيان ما خالف فيه الخوارج جماعة المسلمين: «وكفروا بالرجم، وقد رجم رسول الله هو رجلا من أسلم، ومضت به السنة» (2). وكم تجد في مدونة أبي غانم الله من نصوص لأبي عبيدة الله وتلامذته تدل على التمسك بالسنة وعدم العدول عنها مع ثبوتها كقول أبي عبيدة عندما سئل عن حكم النبيذ المتخذ في بعض الأوعية، فأجاب: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حرام» (3). وقول بعض تلامذته: «ولو نعلم أن النبي ما فعل ذلك لأخذنا به» (4)، وقولهم: وما قاله رسول الله فهو حق (5).
وقال ابن عبد العزيز ـ وهو أحد تلامذته -: «لو اتفق الناس على هذا الحديث من رسول الله لم يخالفه أحد من الفقهاء ولم يجاوزه إلى القياس ولا الرغبة عنه، لأن كل ما كان من رسول الله فلا ينبغي لأحد أن يخالفه» (6)، وقال أيضا: «لا نقيس عن النبي، بل نقبل ذلك عنه لو
(1) نفس المصدر، ص 68 - 72.
(2) نفس المصدر، ص 102.
(3) مدونة أبي غانم الخراساني، 1/ ص 353.
(4) المرجع السابق، 1 ص 151.
(5) المرجع السابق، 1 ص 499.
(6) المرجع السابق، 1 ص.
290 (1/14)
صفحة 14
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
(Y),
نعلم أنه قاله» (1)، ومثله قوله: وما قاله النبي الله فهو حق، والسنة أحق أن تتبع إن كانت سنة من النبي (2)، وكذلك قوله: «فلولا ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرقة المتلاعنين فرقة لا اجتماع لهما بعدها ما فرقنا بينهما» (3)، وقال: أنا أخالف أبا عبيدة في هذه المسألة وآخذ بالحديث الذي بلغني عن غير واحد من العلماء والتابعين وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يروونه أنه قال: إذا رأت المرأة في منامها ما يرى الرجل في منامه فأنزلت فإن عليها من ذلك ما على الرجل من الجنابة» (4). وقال أبو المؤرج ـ وهو أحد تلامذة أبي عبيدة أيضاً: ولو نعلم أد النبي الا فعل ذلك لأخذنا به» (ه).
أن
وفي المدونة الكبرى: السنة في هذا لو أن قوما حال لهم دونه سحاب أو هبوة أو ظلمة أن يكملوا العدة عدة شهرهم الذي فيه ثلاثون
يوما، لأن النبي أمرهم بذلك) (6).
و درج علماء الإباضية في جميع العصور على الاستدلال بالسنة والتعويل عليها بجانب القرآن الكريم في الأحكام الشرعية، ولو أخذتُ في نقل نصوص أئمتهم المتقدمين لطال هذا المؤلف، ولكني أقتصر على بعض
ما ورد عنهم، فمن ذلك ما نجده في كتاب (المحاربة) لبشير بن محمد بن وهو من علماء القرن الثالث الهجري، ومن ذلك
محبوب - رحمهم
الله.
-
قوله: والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رد في بعض غزواته ابن أربع عشرة
(1) المرجع السابق، 1 ص 350.
(2) المرجع السابق، 1 ص 572. (3) المرجع السابق، 1/ ص 542. (4) المدونة الكبرى، 2/ 120. (5) المدونة الكبرى، 1 ص 353.
(6) المدونة الكبرى 58/ 2. (1/15)
صفحة 15
16
الحقيقة الدامغة
سنة وأجاز ابن خمس عشرة سنة وفعل ذلك بعبد الله بن عمر، رده يوم أحد
وأجازه يوم الخندق
(2) (1)
وقال أيضا: «وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا حرب إلا بعد دعوة (3)، ونهى عن الغلول (4)، والمثلة (5)، وعن قتل الشيخ الفاني والنساء والصبيان (6)، ورسل
(1) الحديث أخرجه البخاري (177/ 3 رقم: (2664) وعبد الرزاق (310/ 5، رقم 9716) وابن أبي شيبة (12/ 7، رقم 33865).
(2) كتاب المحاربة لبشير بن محمد بن محبوب، صه.
حي
(3) الحديث أخرجه الربيع (1/ 300 - 301 رقم: (792 قال: أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا في سرية، فقال: يا علي لا تقاتل القوم حتى تدعوهم وتنذرهم فبذلك أمرت»، قال: وجيء بأسارى من. أحياء العرب فقالوا: يا رسول من الله، ما دعانا أحد ولا بلغنا؟ فقال: «الله». فقالوا: الله. فقال: «خلوا سبيلهم»، فخلوا سبيلهم، ثم قال: حتى تصل اليهم دعوتي فإن دعوتي تامة لا تنقطع إلى يوم القيامة»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْوَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ إِلى آخر
الآية. ورواه بمعناه من طريق علي ابن راهويه ينظر كنز العمال رقم: (11428). (4) أخرجه الربيع عن عبادة بن الصامت (269/ 1 رقم: (694 بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله. يوم القيامة». ورواه عنه البيهقي ((103/ 9، رقم (17998) بلفظ: ألا إن هذا من غنائمكم وليس لي منه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وأصغر من ذلك وأكبر فإن الغلول عار على أهله في الدنيا والآخرة». وبلفظ آخر أخرجه أحمد (316/ 5، رقم 22751)، وابن ماجه (2 950، رقم 2850)، وابن عساكر (176/ 26). (0) أخرجه البخاري (3/ 135 رقم: 2474 قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، وهو جده أبو أمه ـ قال: نهى النبي عن النهبي والمثلة».
(6) أخرجه الربيع (300/ 1 رقم: (791): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم وقتل ذراري المشركين ونسائهم إلا من قاتل منهن فإنها تقتل»
10:
وأخرجه البخاري (4 61 رقم: 3015 بلفظ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قلت لأبي أسامة حدثكم عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر الله لها، قال: وجدت امرأة مقتولة = (1/16)
صفحة 16
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية ||
أهل الحرب من دخل منهم ما لم ينقض الرسول منهم ومن لا عندهم عهد الأمان له بعدوان، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجير على المسلمين أدناهم (1) (2).
ولأبي أيوب وائل بن أيوب الله كلام في (سيرته) يشبه ما قاله بشير (3)
ولابن محبوب الله نصوص عديدة تؤكد وجوب اتباع السنة كما يتبع الكتاب، وكان يعزو ذلك إلى من تلقى عنهم من علماء المسلمين المتمسكين بالحق، وكان مما قاله في ذلك: فالذي بلغنا وقبلناه عن أوائل المسلمين وفقهائهم الذين تمسكوا بدين الله واستقاموا على سنة نبيه محمد واعتصموا بحبل ربهم وأنكروا المنكر حين حدثت الأحداث من أهل التبديل بعد نبيهم ففارقوا أهلها على أحداثهم بإنزاله إياهم بحيث أنزلهم في كتابه وسنة نبيه. . .». إلى أن قال: «وأمروهم بالتوبة والرجعة إلى حكم كتاب الله وسنة نبيه الله (4)
وقال في الحاكم: إذا ورد عليه أمر نظر أمره من كتاب الله، فإن وجد
فيه حكما من الله حكم به وإن لم يكن له حكم في كتاب الله ووجده في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم به» (ه)
في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان»، وأخرجه ابن أبي شيبة (483/ 6 رقم: (33122) أثرا منسوبا إلى مجاهد قال فيه: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن ليث عن مجاهد قال: لا يقتل في الحرب الصبي ولا إمرأة ولا الشيخ الفاني ولا يحرق الطعام ولا النخل ولا تخرب البيوت ولا يقطع الشجر المثمر وفي رواية أخرى. عن الحسن.
(1) أخرجه الربيع بمعناه حديث طويل، (260/ 1 رقم:
في
(2) كتاب المحاربة، ص 6.
(3) السير والجوابات لعلماء
(4) المرجع السابق، ج 2 ص 4
وأئمة عمان، ج 2 ص 56 -
224 - 225
(5) المرجع السابق، 233/ 2.
17 (1/17)
صفحة 17
18
الحقيقة الدامغة
وقال الإمام أبو المؤثر - في حديث أبي بردة وإجازة النبي صلى الله عليه وسلم له دون غيره أن يضحي بالعناق -: فإن قال قائلون: أيجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجيز لبعض شيئاً ولا يجيزه لبعض؟! قيل له: إن الله تبارك وتعالى قال: {وَمَا النكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، والله ورسوله أعلم (1).
وقال الإمام عمروس بن فتح الله: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق، وهما واجبتان لا يسع تركهما ولا تجوز الصلاة إلا
بهما» (2)
واتفق
جميع
علماء المذهب على أن السنة النبوية ولو أتت من طريق الآحاد تخصص عمومات القرآن قال الإمام أبو يعقوب الوارجلاني - الله -: «وأما تخصيص العموم بالسنة، قول الله تعالى: {وَالسَارِقُ وَالسَارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ الله [المائدة: 38]، ثم خصت السنة من السارق من سرق ما دون ربع دينار لقوله: (لا يقطع السارق في أقل من ربع دينار) (3).
وقال: {وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةُ} [التوبة: 36]، فخصت السنة النساء والصبيان والرهبان وأهل العهد، لقوله: «لا تقتلوا امرأة ولا صبيا» (4)،
(1) جامع ابن جعفر 3/ 394.
(2) الدينونة الصافية، ص 92.
دينار
(3) أخرجه مسلم (1312/ 3، رقم 1684) بلفظ: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع. فصاعدا»، والنسائى (81/ 8، رقم 4936)، وابن ماجه (862/ 2، رقم 2585)، وابن حبان (315/ 10، رقم 4464) وأحمد (104/ 6، رقم 24769)، وأبو عوانة (4/ 112، رقم 6209، والدارقطني (1893، رقم (315) والبيهقي (254/ 8، رقم
(16938
6
(4) أخرجه مالك (447/ 2، رقم 965، وعبد الرزاق (199/ 5، رقم 9375)، وابن أبي شيبة (483/ 6، رقم (33121)، والبيهقي (89/ 9، رقم 17927). (1/18)
صفحة 18
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
ونهى أبو بكر الصديق الله عليه عن قتل الرهبان فقال: دعوهم وما حبسوا إليه (1). وقال: (لا يقتل ذو عهد في عهده) (2) (3).
أنفسهم " لهذا عولوا في تخصيص عموم قوله تعالى بعد تعداد المحرمات من النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ الله [النساء: 24] بالعديد من المخصصات، منها تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها؛ لما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا المرأة وخالتها» (4)، بين، وهو عند غير الربيع بلفظ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (ه)، وجاء بلفظ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت، أختها ولا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» (6) وبناء على ما أفاده قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 23]، وما جاءت به هذه الروايات ذهب أصحابنا
(1) أخرجه البيهقي (85/ 9، رقم (17904، وابن عساكر (76/ 2). (2) أخرجه الربيع (260/ 1 رقم 664) وأخرجه بلفظ قريب البيهقي (30/ 8، رقم 15694)، وابن ماجه (888/ 2، رقم (2660)، والطبراني، (206/ 20، رقم 471) وغيرهم.
(3) العدل والإنصاف 155/ 1.
(4) أخرجه الربيع، (209/ 1 رقم: 517).
(5) أخرجه من طريق أبي هريرة النسائي (98/ 6، رقم (3295)، وابن ماجه (621/ 1، 1929)، وأحمد (2/ 255، رقم (7456)، ومسلم (1029/ 2، رقم 1408)، وابن حبان (376/ 9، رقم (4068)، والبيهقي (1657، رقم (13724)، ومن طريق جابر بن عبد الله الله أخرجه النسائي (98/ 6، رقم (3297). وأخرجه أيضا: عبد الرزاق (6/ 262، رقم 10759)، وأحمد (3383، رقم (14674)، ومن طريق أبي موسى أخرجه ابن ماجه (621/ 1، رقم (1931)، ومن طريق أبي سعيد أخرجه ابن ماجه (621/ 1، رقم 1930)، ومن طريق سمرة أخرجه الطبراني (218/ 7، رقم 6908). (6) أخرجه أبو داود (224/ 2، رقم (2065، والبيهقي (166/ 7، رقم 13726).
19 (1/19)
صفحة 19
20
الحقيقة الدامغة
الإباضية) باتفاق إلى حرمة الجمع بين كل امرأتين بينهما من علاقة النسب أو الرضاع ما لو كانت إحداهما ذكرا لحرم على الأنثى. قال الإمام ضياء الدين الثميني الله في كتاب (النيل): «فإن الجمع بين محرمتين حرام». وأضاف شارحه قطب الأئمة رحمه الله: «ولو بتزوج إحداهما أو خطبتها قبل تمام عدتها منه إلا إن كان الطلاق لا تصح فيه الرجعة، وقيل: أو كان يصح ولكن لا يملكه» (1).
وقال العلامة الشقصي الله في منهج الطالبين وبلاغ الراغبين): «وأما بنات الأخ وبنات الإخوة، وبنو بني الإخوة، ما كانوا وتناسلوا من صلب ذكر، كان النسل من ذكر أو أنثى، فلا يحل له أن يجمع بين المرأة وبين أحد من بنات أخواتها ولا من بنات إخوتها ولا بنات بنيهم، ما كانوا
،
،
وتناسلوا. وذلك حرام وهي بمنزلة ابنة الأخ وابنة الأخت.
وكذلك لا يحل للرجل أن ينكح أحداً من بنات أخواته، ولا بنات إخوته. ولا بني بنيهم، ما كانوا وتناسلوا أبداً.
وكذلك لا يحل له أن ينكح أحداً من جداته من قبل أبيه، ولا من قبل
أمه أبداً، ما كانوا.
ولا يحل له أن ينكح امرأة خرجت من بطن هذه له أبداً، ما كان
،
وعلا، بالغاً ما بلغ حرام بمنزلة خالته وعمته في النسب.
هذا كله
ويحرم من من الرضاع ما يحرم من النسب.
ومكروه تزويج الرجل بزوجة ربيبه، وتزويج المرأة بزوج ربيبتها، وتزويج الأب بربيبة ابنه، وتزويج الابن بربيبة أبيه، وتزويج المرأة بزوج
(1) شرح النيل 137/ 10. (1/20)
صفحة 20
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
عمتها امرأة أبيها، وتزويج الرجل بامرأة عمه زوج أمه، التي هي غير أمه. وليس هذا بحرام. وحرام على الرجل: الجمع بين المرأة وعمتها وأم عمتها وخالتها وأم خالتها، ما كانوا وعلوا في النسب، وكذلك بين امرأة وبنت أخيها، وبنت ابنتها، وبنت بنتها ما كانوا وسفلوا» (1).
،
يجمع بين
وقال الإمام نور الدين السالمي الله في شرح الحديث: «لا المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها: لا بالتزويج ولا بالتسري، وحيث حرم الجمع فلو نكحهما معًا بطل نكاحهما، إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان بأولى من الأخرى، فإن نكحهما مرتبا بطل نكاح الثانية، لأنَّ الجمع حصل بها، وقد بين ذلك في رواية أبي داود والترمذي، وقال: حسن صحيح من وجه آخر عن أبي هريرة، وفيه: (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على ابنة أخيها، لا المرأة على خالتها، ولا الخالة على ابنة أختها، لا تنكح الصُّغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى)، والكبرى: العمة والخالة، والصغرى: بنت الأخ وبنت الأخت، وهو من عطف التفسير على جهة التأكيد، والبيان، ولذا لم يجئ بينهما بالعاطف. وقيل: إن دخل بالثانية حرمتا معا ولفظ العمَّة والخالة يصدق على عمتها وخالتها وعلى عمة أبيها وخالة أبيها وهكذا وإن علون. والتحريم شامل
،
للجمع بينها وبين عمتها القريبة أو البعيدة.
وقال النووي: العمة حقيقةٌ إِنَّمَا هي أخت الأب، وتطلق ـ أي مجازا. على أخت الجد أو أب الجد وإن علا والخالة أخت الأم وتطلق على
أخت أم الأم أو أمّ الجدة سواء كانت الجدة لأم أو لأب» (2).
(1)
منهج الطالبين 33/ 14.
(2) شرح الجامع الصحيح/ج 3.
21 (1/21)
صفحة 21
22
الحقيقة الدامغة
6
وكذلك خصصوا هذا العموم بإلحاق الرضاع بالنسب في جميع أصناف المحارم مع أن آية النساء إنما ذكرت فيما يحرم بالرضاع الأخوات والأمهات، وحدهن ولكن دل الحديث على التعميم، وذلك في قوله: «فإن الرضاع مثل النسب (1)، وقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (2)، وسياق الحديث إنما هو في انتشار الحرمة بسبب الرضاع بين الرضيع ومحارمه من قبل زوج المرأة التي أرضعته لأنه بمنزلة أبيه في حكم الرضاع، وقد نص على ذلك علماؤنا، قال الإمام السالمي الله: والحديث يدلُّ أنَّ لبن الفحل يُحرِّمُ، فتثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن كما ثبتت في جانب المرضعة، وأنَّ زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرضيع، وأخاه بمنزلة العم، فإنَّه لا أثبت عمومةَ الرضاع وألحقها بالنسب، لأنَّ سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معا، فوجب أن يكون الرضاع منهما معا، هذا مذهبنا ومذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار» (3).
وفي النيل وشرحه ما نصه: (والرضاع (كالنسب) فمرضعة طفل كأمه، وما فوقها كجده وجدته، وما ولدت كأخيه وأخته، وما ولد ما ولدت كولد أخيه وولد أخته، وهكذا، فعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس عمي من الرضاعة استأذن علي بعد أن نزل الحجاب، فأبيت أن أذن له فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ائذني له فإن الرضاع مثل النسب، وبذلك السند قالت: كنت قاعدة أنا
(1) الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب (210/ 1 رقم: 523). (2) الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب (210/ 1 رقم 524)، أحمد (6/ 102، رقم 24756)، وأخرجه الطبراني بلفظ قريب (291/ 10، رقم 10697) وأحمد
(275/ 1، رقم 2491)، والنسائى فى الكبرى (296/ 3، رقم 5440).
(3) شرح الجامع الصحيح، 45/ 3. (1/22)
صفحة 22
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
ورسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمعت صوت إنسان يستأذن في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال: أراه فلانا؛ لعم حفصة من الرضاع، فقلت: يا رسول الله لو كان عمي فلان حيا دخل علي؛ لعم لها
من الرضاع قال: (نعم)؛ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)» (1). وقال العلامة أبو الحسن: وحرام الأمهات من الرضاعة وبناتهن، والأخوات من الرضاعة وبناتهن وإن سفلوا وأمهات الأمهات من الرضاعة وإن علون، وبنات الآباء من الرضاعة» (2).
وفي (منهج الطالبين ويحرم من هذا كله من الرضاع ما يحرم من النسب» (3).
ومثله تخصيص عموم قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، فقد عولوا في تخصيصه بتحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير على ما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي الله أنه قال: «أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخالب من الطير حرام (4)، قال الإمام السالمي: والتنصيص على التحريم مقدَّم على عموم التحليل وعلى القياس» (5).
(1) شرح النيل وشفاء العليل، 125/ 10.
(2) جامع أبي الحسن، 72/ 2.
(3) منهج الطالبين، 34/ 14.
(4) أخرجه الربيع (153/ 1 رقم: 387)، وأخرجه أحمد (89/ 4، رقم 16862)، وأبو داود (356/ 3، رقم (3806 بلفظ: أيها الناس إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
(5) شرح الجامع الصحيح، 182/ 3.
23 (1/23)
صفحة 23
24
الحقيقة الدامغة
وقال العلامة ابن بركة: والنظر عندي يوجب صحة الخبر لأن إسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين وقولهم به كالمشهور فيهم، وعندي أن لحم جميع السباع حرام وسؤرها نجس، إلَّا السنور، فإن سؤره ليس بنجس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّها من الطوافين عليكم والطوافات (1)، فخص السنّور من جميع السباع، وإنه كان ليصغي إليه بالإناء ليشرب) (2).
وقال الإمام أبو سعيد الله في قوله تعالى: وَقُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ محرما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيْزِيرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطَرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 145]: فكل ما خرج من التحريم بالنص في البهائم وخرج من التحليل بالنص من البهائم مما عدا هذه الآية فهو مباح في الحكم، إلا ما خصه شيء من دين الله بضد ذلك، أو أشبه الحلال من المحلل بالنص، فهو حلال بالسنة، وما أشبه المحرم بالنص فهو محرم بالسنة (3). وقال العلامة أبو الحسن في (جامعه): سؤر السباع، وكل ما لا يؤكل
(1) الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب من طريق أبي قتادة، (72/ 1 رقم: 159)، وأخرجه من طريقه مالك (22/ 1، رقم (42)، والشافعي (9/ 1)، وعبد الرزاق (1/ 100، رقم (352) وابن أبي شيبة (36/ 1 رقم 325)، وأحمد (296/ 5، رقم 22581)، والدارمي (203/ 1، رقم (736)، وأبو داود (19/ 1، رقم 75)، والترمذي (153/ 1، رقم (92) والنسائي (55/ 1، رقم (68)، وابن ماجه (131/ 1،، رقم 367)، وابن الجارود (ص 26، رقم (60)، والطحاوى ((18/ 1)، وابن خزيمة (1/ 55، رقم 104)، وابن حبان (115/ 4، رقم (1299 والدارقطني (70/ 1)، والحاكم (263/ 1، رقم 567، ومن طريق أم المؤمنين عائشة أخرجه أبو داود (20/ 1، رقم
76)، والبيهقي (246/ 1، رقم 1099).
(2) جامع ابن بركة، 279/ 1.
(3) الاستقامة، 137/ 3. (1/24)
صفحة 24
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
لحمه من
سباع حرام نجس، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من
6
السباع ومخلب من الطير وما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حرام عند الله، لأنه تعالى قال: {وَمَا ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: ((1).
وقال في (مختصره): وجاء النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وكل سبع حرام أكل لحمه لهذا الخبر، إلا ما قام بهذا دليله في أنه جائز وحرام أكل كل ذي مخلب من الطير بهذا الخبر
(2)
وتؤكد نصوص الإباضية على أن السنة النبوية هي قسيم للقرآن يجب العمل بها كما يجب العمل به، ومن ذلك قول ابن بركة: «فإن قال قائل لم منعتم من التطهر بالماء المضاف، وقد أجمع الناس على التطهر بماء البحر؟ قيل له: التطهر بماء البحر مخصوص بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: الطهور ماؤه الحل ميتته» (3) فأخذنا في هذا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا في الأول بكتاب الله)
(4)
وهو يشير بهذا إلى نصوص القرآن الدالة على أن الماء المطلق هو المطهر كقوله: {وَيُنزِلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاهُ لِيُظْهِرَكُم بِهِ} [الأنفال: 11]،
(1) جامع أبي الحسن، 20/ 2.
(2) مختصر البسوي، 166/ 1.
(3) أخرجه الربيع (72/ 1 رقم: (161)، وابن أبي شيبة (122/ 1، رقم 1392)، وابن ماجه (1081/ 2، رقم 3246. وأخرجه أيضا: الديلمي (34/ 2 رقم 2215)، وجاء بلفظ قريب عند البخارى فى التاريخ الكبير (478/ 3)، والحاكم (238/ 1، رقم 493)، والبيهقي في معرفة السنن (226/ 1، رقم 475) وأخرجه أيضا في السنن الكبرى (1)
، رقم 2). (4) جامع ابن بركة، 257/ 1.
25 (1/25)
صفحة 25
26
الحقيقة الدامغة
وقوله: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وقال أيضاً: والاستنشاق واجب بالسنة كوجوب سائر الأعضاء بالقرآن (1).
وقال العلامة ابن خلفون: الغسل عندهم أصحابنا) للجنابة والحيض شرط لصحة الصوم والصلاة، أما الصلاة فبالكتاب، وأما الصوم فبالسنة» (2).
تحفظ
وقال العلامة العوتبي: وليس النكاح كغيره من البيوع والإجارات وغيرهما من العقود التي متى عقدت على مجهول فسدت؛ لأن هذا أصل بنفسه ثبت بالسنة الدليل على صحة ما قلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: «أعندك شيء ء تصدقه إياها؟ قال: لا يا رسول الله، قال: فما من القرآن؟ قال: أحفظ سورة كذا وسورة كذا فعقد عليه بما يحفظ من القرآن» (3)، وروي أنه قال: «زوجتكها على ما تحفظ من القرآن» (4) (5). وقال العلامة أبو ستة: وأما ما يرجع إلى الأمر والنهي والتحليل والتحريم فيجوز ورود الأحاديث المخالفة لظاهر الكتاب في ذلك، فتجعل ناسخة أو مخصصة كما تقدم، وكقوله: (أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير (حرام بعد قول الله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ محرما على طَاعِهِ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْنَةٌ أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير
(1) المرجع السابق، 269/ 1.
(2) أجوبة ابن خلفون، ص 76. (3) لم أجده.
(4) لم أجده بهذا اللفظ، ورواه الربيع بلفظ: زوجتها لك بما معك. من القرآن) (1/ 208 رقم: 515) والبخارى (1920/ 4، رقم (4742)، ومسلم (1040/ 2،، رقم 1425)، والنسائي (113/ 6، رقم 3339)، وأبو يعلى (532/ 13، رقم 7539)، والطبراني
(173/ 6، رقم 5907) وغيرهم.
(0) الضياء، 306/ 5. (1/26)
صفحة 26
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
[الأنعام: 145]، فإن ذلك محمول على ما كان قبل نزول بقية المحرمات، والحديث محمول على ما كان بعد ذلك لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبيثَ [الأعراف: 157] (1).
وأنت تراه ـ الله ـ قيد مجيء الروايات ناسخة لما في الكتاب أو مخصصة لعموماته بما إذا كان ذلك في الأمر والنهي والتحليل والتحريم وهو كلام دقيق جدا فإن النسخ لا يعتري العقائد ولا الأخلاق، إذ لا يعقل أن يخبر الله سبحانه في شيء من كتبه بحقيقة غيبية تتعلق بذاته أو صفاته أو أفعاله ثم ينسخ هذا الخبر بنص في شيء من كتبه أو على ألسنة رسله وإلا لانقلبت المفاهيم رأسا على عقب، وتبدل الحق باطلا والباطل حقا والإيمان كفرا والكفر إيمانا، وكيف يتصور أن ينسخ الله سبحانه ما أخبر به من صفات وحدانيته وقداسته عن مشابهة مخلوقاته أو ما يتعلق بوعده أو وعيده، فإنه ـ بلا ريب - لو كان لاستوجب اتصاف كلامه الله بالكذب والتناقض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فمن هنا استحال النسخ في أخباره تعالى وفي صفاته، وكذلك يمتنع تخصيص أي نص دل على كماله، فلا يسوغ عقلا ولا شرعا تخصيص
قوله تعالى: لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكَ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيُّ مِنَ الدُّلَّ [الإسراء: (111)، وقوله: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقدِيرًا} [الفرقان: 2]، وقوله: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا ولدا [الجن: 3]، وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، وقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 3 - 4]، وقوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49]، وقوله: لا
(1) حاشية الترتيب، 1/ 48 - 49.
27 (1/27)
صفحة 27
28
الحقيقة الدامغة
تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْم} [البقرة: 255]، وأمثالها من الآيات التي دلت براهين العقل ونصوص النقل على أنها لا يعتريها التخصيص بحال، إذ لو جاز تخصيص شيء من ذلك لجاز في حقه تعالى أن يتصف بأضدادها فيجوز في حقه الاتصاف بالوالدية والمولودية ووجود الشريك له والمثيل والكفؤ الله والصاحبة وكذلك اتصافه بالسنة والنوم وبالظلم تعالى ذلك كله عن علوا كبيرا.
وبهذا تدرك أن العمومات ليست ظنية على الإطلاق، فكم من عموم دلالته على ما احتواه قطعية كدلالة الخاص كالآيات التي ذكرناها لأن إجراء حكم عمومها على أي فرد من أفراد مدلولاتها يستوجب حصر
کمالاته وجواز أن تجامعها النقائص وهو ما يستحيل عقلا وشرعا.
عدم
وقد يكون امتناع التخصيص لانعقاد الإجماع على سريان العموم في جميع أفراد مدلولاته، بحيث يمتنع إخراج أي منها من حكم العموم، وذلك كقوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتَكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأَمَهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِن الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَايِكُمْ وَرَبِّكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَا بِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 22 - 23]، فإنه لا يسوغ شرعا تخصيص أي شيء من هذه العمومات بإباحة نكاح شيء مما نكحه الآباء من النساء أو أي واحدة من الأمهات أو البنات أو الأخوات أو العمات أو الخالات أو
غيرهن مما ذكر إلا ما استثني من حكم الربائب غير المدخول بأمهاتهن. على أن النسخ لما في الكتاب من الأمر والنهي والحلال والحرام (1/28)
صفحة 28
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
والوجوب والندب لا بد من أن يكون بنص قطعي الدلالة والمتن، فلا ينسخ ما في القرآن بالروايات الآحادية بخلاف التخصيص كما سبق، فإنه يكون بما دون المتواتر كالمستفيض والآحاد.
الله وذكر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم في كتاب (الرصف) ضروبا من السنة وأن منها ما يكون زيادة على الفروض التي جاءت في القرآن، بل نص على أنها قد تكون أيضا ناسخة لبعض أحكام القرآن، وهذا بعض ما قاله: «والوجه الآخر من فرائض السنن ما زاد الله به أهل الإسلام فروضا وأحكاما على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، نحو رجم الزناة المحصنين، وفي حد قاذف المحصنين من المؤمنين وقد قيل أيضا بوجه ثالث إن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو لأحكام القرآن ناسخ نحو قوله: لا وصية لوارث) (1) بعد نطق الكتاب بها للوالدين والأقربين، وما سنه فيمن أسلم من نساء المشركين أنهن لا عوض لمن حل منهن للمسلمين بعد قوله: فَكَانُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا} [الممتحنة: 11]. اهـ
(2)
(1) أخرجه الربيع في باب المواريث من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس. (2) كتاب الرصف لبشير بن محمد بن محبوب، ص 6 - 7. واضح أن آية الممتحنة التي أوردها لا تدل على تعويض المشركين عما فاتهم من نسائهم بانقلابهن إلى المسلمين وإعلانهن الإسلام، وإنما هي فيما فات المسلمين من نسائهم بارتدادهن وانقلابهن إلى المشركين، فإن نصها: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَكَانُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا) [الممتحنة 11]، وإنما الذي يدل على ذلك ما سبقها من قوله تعالى: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَاجِرَاتِ فَامْتَحَنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِايَتِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتِ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلَّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَمَاتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا مَا لَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسَتَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهُ يَحْكُمُ بيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيرٌ [الممتحنة: 10]، فإن في هذه النص بتعويض المشركين ما أنفقوا عليهن كتعويض المؤمنين على ما أنفقوا عليهن قبل ارتدادهن. والتحقيق أيضا أن قول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ =
29 (1/29)
صفحة 29
الحقيقة الدامغة
وبالجملة؛ فإن الإباضية يعولون على السنة النبوية في فهم الشريعة
سواء كانت بيانا لمجملات القرآن، أو كانت أتت
،
بتشريع
مبتدأ لم يتعرض
له القرآن، ولذلك إذا ثبتت السنة أخذوا بها ولو كان النظر والقياس يقتضيان خلافها، وكم نصوا على ذلك ومنه قول ابن بركة: «وقد غلط من ذهب إلى إجازة القرآن للجنب والحائض من حيث تأوله الروايات والمنع لهما من ذلك، ولعمري؛ لولا الخبر الوارد بذلك لكان الاستكثار من ذكر الله بالقرآن في كل الأحوال أفضل لمن فعله، ولكن لا حظ للنظر الخبر، والله أن يتعبد عباده بما شاء» (1).
مع ورود
وقوله: «ولا حظ للنظر مع وجود السنة (2)، وقال أيضا: «ولكن لا حظ للنظر مع النص وثبوت السنة به ((3)، وقرر أنه: «ليس للعقول مجال عند ورود الشرع (4)، وبين أن من ضرورات الدين امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وسلم
يمنع
للْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، ليس منسوخا بحديث: «لا وصية لوارث» وإنما هو مبين به، فإن امتناع الوصية للوارث لا يقضي بمنع الوصية للوالدين غير الوارثين عندما اختلاف الدين التوارث بينهما وبين ولدهما، فلو كانا مشركين لكان لهما حق الوصية وهو من برهما بعد الموت كما يؤمر ببرهما في الحياة، ولا يمنعهما الشرك من حقهما في البر ولو كانا داعيين إليه، كما نص عليه قوله تعالى: {وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: 15]، ومثلهما الوالدان المملوكان، فإن رقهما لا يحول دون حقهما من الوصية وإن منع إرثهما، فالحديث إذا مقيد لإطلاق الآية وليس ناسخا لها وهو الذي عول عليه الضحاك وطاوس والحسن من مفسري السلف واعتمده الطبري ونص عليه ابن بركة 24/ 1، وهو الظاهر من كلام أبي الحسن البسيوي في جامعه،505/ 2، وسمعته من شيخنا أبي إسحاق إطفيش في
دروس التفسير التي كنت أحضرها له إبان زيارته لزنجبار سنة 1380 هـ.
(1) جامع ابن بركة، 371/ 1.
(2) نفس المرجع، 237/ 2.
(3) نفس المرجع، 393/ 2.
(4) نفس المرجع، 294/ 1. (1/30)
صفحة 30
المحور الأول في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
حيث قال: الواجب على المرء امتثال ما أمر به من فرض وندب في الصلاة وغيرها» (1)، ولا ريب أن الوجوب إنما هو في الأوامر الجازمة، أما ما كان غير جازم فهو محمول على الندب وفي امتثاله فضل كبير، لكن تركه لا يثلم دين التارك، وهذا إنما هو فيما دلت القرينة على أنه محمول على الندب دون الوجوب وإلا فالأصل في أمره صلى الله عليه وسلم أن يحمل على الوجوب كأمر الله تعالى.
وقال أيضا: «وإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس إلا اتباعه» (2)، وعلى هذا المعنى يحمل قول العلامة العوتبي: «وإذا تعارض الأثر والنظر كان الحكم للأثر وسقط اعتبار النظر» (3)، وهو يعني ـ بلا ريب ـ الأثر المرفوع دون غيره.
• نصوص علماء الإباضية في جعل السنة النبوية مصدرا مستقلا
للتشريع:
تواترت نصوص علماء الإباضية قديما وحديثا على تأكيد اعتماد السنة في التشريع، وجعلها أصلا ثانيا بعد الكتاب العزيز، وأن حجية السنة النبوية أصلها من القرآن كيف وقد توالت آيات الكتاب مؤكدة وجوب اتباعه، ومعلقة صحة الإيمان والنجاة في الدار الآخرة على طاعته فيما أمر به أو نهى عنه، وعلى حسن التأسي بفعله صلوات الله وسلامه عليه، لذلك قال علماؤنا بأن كل ما جاء في السنة النبوية فإنه في حكم ما جاء به القرآن لأمر الله تعالى باتباعه صلوات الله وسلامه عليه. قال العلامة
(1) نفس المرجع، 506/ 1. (2) نفس المرجع، 357/ 1. (3) الضياء، 14/ 3.
31 (1/31)
صفحة 31
32
الحقيقة الدامغة
عثمان بن عبد الله الأصم: والدليل على أن السنة حجة: قوله تعالى: وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}) (1).
وقال العلامة الشقصي: وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين وقال الله تعالي: اتَّبِعُوا
مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُره، وقال: {وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وقال: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وقال: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله وقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَى يُوحَى، فوجب اتباع السنة بكتاب الله تعالى» (2).
ومن
وقال أيضاً: وأصول الدين هو ما جاء فيه حكم من كتاب الله تعالى
سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو من إجماع المهتدين من علماء الأمة» (3). وقال العلامة ابن أبي نبهان: لا يفسر القرآن فيما وردت فيه السنة على خلاف السنة، بل يفسر القرآن بالشريعة الصحيحة التي وردت بها السنة؛ لأن النبي هو موضح لما أبهمه التنزيل، ومفصل لما أجمله القرآن
العظيم. والمعنى في ذلك: ما نهاكم عنه تحريماً فحرموه واجتنبوه، وما نهاكم عنه كراهية فلا تحكموا بحرمته؛ لأنه لم يحرمه بل احكموا كحكمه، وخذوا ما آتاكم به من حكم واجب فاحكموا به كذلك وأدوه، كما لزم وما حكم به أنه من الوسائل والمباح، فضعوا كل شيء في محله وأصحابه أعلم بما يحكم به في الشيء على أي وجه حكم به» (4).
(1) النور لعثمان الأصم، 1/ 97.
(2) منهج الطالبين لخميس الرستاقي، 1/ 61.
(3) المرجع السابق، 60/ 1.
(4) قاموس الشريعة لجميل بن خميس السعدي 232/ 13. (1/32)
صفحة 32
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
وقال قطب الأئمة في تفسير قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام: 38]: «فإن كل ما يحتاج إليه من أمر الدين قد اشتمل عليه القرآن بتصريح أو تضمين وتفصيل أو إجمال، مع أن التفريط هو التقصير فيما لا بد منه، فلا يشكل بما لا يحتاج إليه من مسائل الدين التي لا تقع البلية بها، والإجماع حجة وخبر الواحد حجة، والقياس حجة أثبتها القرآن، وكل ما دل عليه أحد الثلاثة، فمن القرآن قال له: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى) (1) وقال الله تعالى: {وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وكان ابن مسعود يقول: مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه، يعني الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة.
وروى أن امرأة قرأت جميع القرآن ثم أنته فقالت: يا ابن أم عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الله الواشمة؟ فقال: لو تلوتيه لوجدتيه؟ قال الله تعالى: {وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهْنَكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ومما به رسول الله الا هو أنه قال: (لعن الله الواشمة والمستوشمة))
أتانا
(3) (2)
وقال أيضاً: «والشرع ما ثبت بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، والكتاب أصل السنة لقوله: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى الله وهو وما الكم الرسولُ فَخُذُوهُ} الآيتين، والسنة أصل للإجماع لقوله: «لا تجتمع أمتي
(1) أخرجه بمعناه أحمد (126/ 4، رقم 17184)، وأبو داود (200/ 4، رقم 4607)، والترمذي (44/ 5، رقم (2676) وقال: حسن صحيح وابن ماجه (15/ 1، رقم 42)، والحاكم (174/ 1، رقم (329) وقال: صحيح ليس له علة والبيهقي (114/ 10، رقم
20125). وابن حبان (178/ 1، رقم (5)، والدارمي (57/ 1، رقم 95). (2) أخرجه الربيع (371/ 1 رقم: (5): 975) والبخاري (2218/ 5) رقم 5598)، ومسلم (3) 1677 رقم 2124).
(3) هميان الزاد إلى دار المعاد للقطب امحمد اطفيش - (5/ 2). (1/33)
صفحة 33
34
الحقيقة الدامغة
على ضلالة»، والإجماع أصل للقياس لأنه ما يثبت إلا بالإجماع ولا يعتد بنفي نافيه» (1).
قلت: الإجماع ثابت بالكتاب كما أنه ثابت بالسنة، فحجته من الكتاب قول الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115].
"
والقياس: ثابت بالسنة لا بالإجماع ودليله منها ما رواه الربيع الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال كان الفضل ابن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه؟» قالت: نعم، قال: فذاك ذاك» (2).
وأخرجه الطبراني في كبيره عن حصين بن عوف الخثعمي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حجه عن أبيه؟ فقال له: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى» (3). ويظهر من
هذا أنه تكرر السؤال عن ذلك من رجل وامرأة، كلاهما من خثعم.
(1) الجامع الصغير، 16/ 1. (2) أخرجه الربيع (159/ 1 رقم: 392)، والطبراني (26/ 4، رقم 3550)، و (258/ 1، رقم (748)، أخرجه الطيالسي (طبعة دار هجر 347/ 4، رقم 2743)، ومسلم (2) 804، رقم (1148)، والترمذى (95/ 3، رقم (716)، وابن ماجه (559/ 1، رقم
(1758
(3) أخرجه الطبراني (26/ 4، رقم 3550). (1/34)
صفحة 34
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
وعن ابن عباس: أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي عن ذلك فقال: أرأيت لو كان على أختك دين، أكنت قاضيه؟»
فسأله
قال: نعم، قال: «فالله أحق بالوفاء» (1).
وعنه قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم، امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن أمي نذرت أن تصوم شهراً، وإنها توفيت قبل أن تصوم. قال: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟»، قالت: نعم. قال: «دين الله أحق أن يقضى» (2).
وعنه أيضا: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا دين الله فالله أحق بالوفاء» (3).
وعن عمر بن الخطاب صل الله: أنه قال هششت يوما فقبلت، وأنا صائم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما؛ قبلت وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟» فقلت: لا بأس بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففيم؟» (4).
وعن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، أن زيدا أبا عياش، مولى لبني زهرة، أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص، عن اشتراء البيضاء
(1) أحمد (239/ 1، رقم 2140)، والبخارى (2464/ 6، رقم 6321)، والنسائي في الكبرى (3222، رقم (3612، وابن خزيمة (346/ 4، رقم 3041)، وابن الجارود
(237/ 1، رقم 944).
(2) أخرجه الطبراني (25/ 12 رقم: 12364). (3) أخرجه البخاري (18/ 3 رقم: 1852). (4) أخرجه أحمد (225/ 1 رقم: 137).
35 (1/35)
صفحة 35
36
الحقيقة الدامغة
بالسلت فقال له: سعد أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاني عنه، وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن
ذلك (1).
فهذه الأحاديث كلها دالة على مشروعية القياس في الحكم، وذلك بحمل مجهول الحكم على معلومه عندما يشتركان في العلة التي ينشأ عنها الحكم، فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وعمل به أصحابه كما كان من سعد ه، ولم يقع الإجماع على القياس بل الأمة مختلفة فيه منذ الرعيل الأول، وأشهر من عارضه الظاهرية، فقد اشتد نكيرهم عليه وعلى من أخذ به وأقصوه عن الاستدلال به في مجال البحث والاجتهاد.
هذا؛ وقد اشتد نكير المحقق الخليلي رحمه الله تعالى على من عارض فتواه التي استدل عليها بحديث ثابت عن النبي، فاعترضه هذا المعترض بما يذكره من رأي علماء بيضة الإسلام ـ أي نزوى ـ وكان مما أجابه به: ومن العجب أن أنص لك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تعارضني بعلماء بيضة الإسلام بغير دليل ولا واضح سبيل، أليس هذا في العيان، نوعاً من الهذيان؟! (2).
بن عبد الله
ومثله قول حفيده العلامة المحقق الإمام محمد رحمه الله: «قول بخلاف الحديث يُضْرَبُ به عرض الحائط» (3).
الخليلي
(1) أخرجه مالك (624/ 2، رقم (1293)، وابن أبي شيبة (297/ 7، رقم 36245)، وأبو داود (251/ 3 رقم (3359، والترمذي (5283، رقم (1225)، والنسائي (268/ 7،
رقم 4545)، وابن ماجه (761/ 2، رقم 2264). (2) فتاوى المحقق الخليلي، 125/ 7، ط 1، مكتبة الجيل الواعد. (3) الفَتْحُ الجَلِيل مِنْ أَجْوِبَةِ الإِمَامِ أَبِي خَلِيل؛ للإِمَامِ مُحَمَّد الخليلي. ط 1: 1385 هـ / 1965 م. المطبعة العمومية بدمشق سورية. صم
بن عبد الله
بن سعيد بن
خَلْفَان (1/36)
صفحة 36
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
وقد سبق إلى مثل هذا العلامة ابن بركة في قوله: واتباع السنة أولى من اتباع عبد الله بن عمرو (1)، وقال أيضا: «والصواب ما قالت هذه الفرقة إذ السنة وردت بصحة قولها» (2).
وقال العلامة أبو الحسن البسيوي في قوله تعالى: {وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا: وهو إعلام من الله تعالى أن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام، وقد قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ? أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةً أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيرُ (3).
وقال العلامة العوتبي: ولا يجوز لأحد ردُّ ما أتى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار بنص الكتاب، وبما ورد عنه الله من التضييق في ذلك. أما الكتاب فقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ... الآية، وقوله تعالى: {وَمَا النكم الرسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، وما روي عنه من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أنه قال: (لا ألفين أحدكم متكنا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت أنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) (4). فقد ضيق على أحد أتاه عنه أمر مخالفته وترك العمل به» (5).
(1) جامع ابن بركة، 163/ 1.
(2) المرجع السابق، 206/ 1.
(3) جامع أبي الحسن البسيوي، 180/ 3.
(4) أخرجه الشافعي (151/ 1)، وأحمد (8/ 6، رقم (23912)، وأبو داود (200/ 4، رقم 4605)، والترمذي (37/ 5، رقم (2663) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (6/ 1، رقم 13)، وابن حبان (1/ 190، رقم (13)، والطبراني (316/ 1، رقم 934)، والحاكم (1901، رقم (368) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (76/ 7، رقم 13219). وأخرجه أيضا: الروياني (473/ 1، رقم 716). (5) الضياء، 471/ 1 - 472. (1/37)
صفحة 37
38
الحقيقة الدامغة
وبين الإمام نور الدين السالمي الله أن الفقه في الدين ينبع من ثلاثة
أصول أصيلة وهي الكتاب والسنة والإجماع وذلك في قوله: والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار والاجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا (1) وقال أيضا:
وما أتى عن الرسول يقبل وهو صحيح مرة ومرسل والكل حجة فأما الأول فهو الذي إلى النبي يصل
من ثقة لثقة والمرسل فهو الذي منه الصحابي يهمل
(2)
(3)
وقال: وفعله صلى عليه الله يلزم أن نفعله كما هو وإن يكن ندبا فذاك يندب أو جهل الوصف فليس يجب وكل هذا أسوة مستحسن وليس كالتأسي عندي حسنه نقدم الحديث مهما جاء على قياسنا ولا مراء وقال في رد قول خالف حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: المصطفى يعتبر الأوصافا ونحن نحـکـي بعده خلافا لا نقبل الخلاف فيما وردا فيه عن المختار حكم أسندا ونعذر القائل حيث قالا لعله لم يسمع المقالا
أو أنه ضعف ماقد سمعا أو أنه أوله أو ادعى
(4)
(1) أنوار العقول؛ طبعت في أول شرحها المسمى بهجة الأنوار)؛ مطابع النهضة/ سلطنة
عمان. د. ت. ص 6.
(2) جوهر النظام، 18/ 1.
(3) المرجع السابق.
(4) المرجع السابق، 21/ 3. (1/38)
صفحة 38
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية
قاله
وقال في هذا:
هو
حسبك ان تتبع المختارا وان يقولوا خالف الآثارا (1) وأطال الله في بيان حجية السنة الآحادية في جانب العمل، وكان مما في ذلك: ووجوب العَمَلِ بخبر الواحد ثابت بالعقل والنقل، أما ثبوته بالعقل فهو أن من أحضر إليه طعام وأخبَرَه من يغلب في ظنّه صدقه أن فيه سما فإنه إذا أقدم عليه مع غلبة ظنّه أنه مسموم استحَقَّ الذَّم قطعا وذَلِكَ معنى الوجوب وأما ثبوته من جهة النقل فإنه قد علم من تواتر الأخبار عن النبي أنه قد يبعث السعاة والعمال إلى الجهات النازحة ليرووا عنه ما يجب عليهم في أموالهم وألزمهم قبول أخبارهم وأيضًا فالصَّحَابَةُ والتابعون قد أجمعوا على الأخذ بخبر الآحاد وعلى العمل به، وبَيَانُ ذَلِكَ أن الصَّحَابَةَ كانوا يرجعون إلى خبر الواحد فيحكمون به، كخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس فإنهم تحيَّروا في حكمهم حتى قال عمر: ما أدري ما أصنع في أمر المجوس وكثر سؤاله عن ذَلِكَ حتى روى عبد الرحمن بن عوف عنه أنه قال: (سُنُّوا سُنَّة أهل الكتاب غير
بهم
آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم) (2).
(1) المرجع السابق، 25/ 3.
(2) الحديث رواه عبد الرحمن بن عوف بلفظ: سنوا بهم سنة أهل الكتاب) من غير زيادة أخرجه عنه مالك في الموطأ (289/ 1 رقم: (742)، والشافعي في مسنده 209/ 1، وعبدالرزاق في مصنفه (68/ 6 رقم: (10025 وابن أبي شيبة في مصنفه (435/ 2 رقم: 10765) والبيهقي في سننه (280/ 7 رقم: (13986)، والبغوي في شرح السنة (169/ 11) رقم: (2751)، وقوله: (غَير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم)، زيادة مدرجة في الحديث لأجل الشرح والبيان، فإن جماهير العلماء حملوه على أنهم كأهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون حل ذبائحهم أو نسائهم، وقد نص على ذلك غير واحد، قال البيهقي (السنن الكبرى ((280): فحمله أهل العلم مع الاستدلال برواية بحالة على الجزية فهم ملحقون بهم في حقن الدم بالجزية دون غيرها.
39 (1/39)
صفحة 39
الحقيقة الدامغة
وقد كان
عمر لا يُسَوِّي بين
الأصابع في الدية فترك مذهبه في تفضيل بعض الأصابع على بعض في الدية لأجل كتاب عمرو بن حزم، وكذلِكَ عمل بكتاب عمرو بن حزم في زكاة المواشي وتفاصيلها وكذلك اختلفوا في الجنين فكان عمر يقول إنَّهُ لا شيء إذا خرج ميتا حتى ورد خبر حمل ابن مالك في أن الجنين فيه الغرّة فأطبقوا عليه وكذلك اختلفوا في توريث المرأة من دية زوجها حتى روى الضحاك بن سفيان خبره الذي في توريث المرأة من دية زوجها فعملوا به وأطبقوا عليه وأيضا فقد روي عن أبي بكر له أنه كان يرجع إلى أخبار الصَّحَابَةِ وكَذَلِكَ عثمان وكذلِكَ علي وقد عمل بحديث عمر والمقداد في حكم المذي وعملت الصَّحَابَةُ بخبر أبي بكر أن الأنبياء يدفنون في المنزل الذي يموتون فيه فحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع فراشه.
وعملوا بخبر عبد الرحمن في الطاعون وهو أنه نهى من كان خارجا عن ذلك البلدِ أن يدخُله حتى يرتفع، ونهى من كان داخلا أن من غَيرِ إنكار من بعضهم بل كان منهم
يخرج فرارا منه وكان ذلِكَ
جميع
العامل بذلك ومنهم القابل له والمصوب عليه فكان إجماعا على وجوب العمل بخبر الواحد وكذَلِكَ أيضًا قد أطبق التابعون وفقهاء الأمصار على
قبول الأخبار التي ترويها الآحاد فكان إجماعًا من التابعين أيضًا» (1). والخلاصة؛ أن الإباضية جميعا يعولون على الكتاب والسنة في عقيدتهم وفقههم وكل ما يتصل بدينهم ولا يعدلون عنهما إلى غيرهما، وإنما يفرقون بين العقيدة والفقه، ففي العقيدة يعولون على القطعي وحده، لذلك يعتمدون فيها الكتاب العزيز وما تواتر من السنة النبوية دون آحادها، الفقه في فهم يعتمدون الأحادي كالمتواتر لأنه ميدان للنظر والاجتهاد،
أما
(1) طلعة الشمس، 19/ 2 - 20. (1/40)
صفحة 40
المحور الأول: اعتماد الإباضية على السنة النبوية
ولكنهم يتركون الآحادي إن عارضه المتواتر، كما أنهم لا يقطعون عذر من خالف الروايات الأحادية لترجيح ما يتصوره أقوى منها أو لقدحه في
صحتها.
41 (1/41)
صفحة 41
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
المحور الثاني
منهج الإباضية في الحكم على الرواية
نظرًا إلى أن الرواية إن أسندت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مصدرًا من مصادر الدين؛ اعتنى الإباضية بنقد الروايات وتمحيصها للتمييز بين الثابت وغيره منها، ولم يقتصروا في النقد على الأسانيد دون المتون، وإنما اهتموا بالنظر في المتون كالأسانيد لأنها أوعية الهداية التي تأتي من قبله صلوات الله وسلامه عليه لأجل ذلك لم يتقبلوا ما جاء من الروايات الأحادية مخالفا لما دل عليه القرآن، إلا أن يكون مخصصا لعموماته فيما يسوغ فيه التخصيص، وكذلك ما تواتر يمكن أن يكون ناسخا لما في القرآن فيما يسوغ فيه النسخ، وهم في هذا مستهدون بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائرون على نهج أصحابه الله، فقد روى الإمام الربيع بن حبيب الله في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي قال: «إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني» (1).
وعلى هذا جرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمر وعائشة وابن عباس، ففي مسند أحمد ما نصه: حدثنا علي بن عاصم، قال حصين بن عبد الرحمن حدثنا، عامر عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا،
،
(1) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب (36/ 1 رقم: 40).
43 (1/43)
صفحة 42
44
الحقيقة الدامغة
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه، فلم يجعل لها سكنى ولا نفقة. قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب الله وسنة نبيه لقول امرأة لعلها نسيت» (1).
وعند الشيخين بإسناديهما إلى ابن جريج، أخبرني عبد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان، بمكة قال: فجئنا لنشهدها، قال: فحضرها ابن عمر وابن عباس قال: وإني لجالس بينهما، قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله، قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».
6
فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه قال: وقالت: عائشة حسبكم القرآن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]، قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله أَضْحَكَ وَأَنكَى [النجم: 43]، قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء
(2)
وعن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله نهى عن حمر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو
(1) أخرجه أحمد (415/ 6 رقم (27379)، وينظر مصنف عبد الرزاق (24/ 7 رقم: 12027) وابن أبي شيبة (136/ 4 رقم: (18659)، ومسند إسحاق بن راهويه (5/ 225 رقم: (2367)، ومسند أبي عوانة (183/ 3 رقم: 4164)، وصحيح ابن حبان (63/ 10 رقم: (4250، وسنن أبي داود (475/ 2 رقم: (1180)، والدارقطني (45/ 5 رقم: 3959)، والبيهقي (1903 رقم: 2891). (2) أخرجه البخاري (79/ 2) رقم: 6 1286 و 1288) ومسلم (2/ 640 - 642 رقم: 927
و 929). (1/44)
صفحة 43
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
الغفاري، عندنا بالبصرة ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس، وقرأ: قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَر ما (1).
مع أن النهي عن أكل الحمر الأهلية روي بطرق متعددة ولم يكن من طريق الحكم بن عمرو وحده، وهذا يدل على أن الصحابة التي كانوا حراصا على نقد الروايات وردها ولو أتتهم من طرق صحابة عدول عندما يلحظون فيها أدنى مخالفة لما في القرآن الكريم، ولم يكن ذلك تجريحا لرواتها، ولكن لما يتصورونه من احتمال الالتباس عند حمل الرواية أو عروض النسيان، وهذا ما يدل عليه قول عائشة لا يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها (2).
وإذا كان هذا في عهد الصحابة مع تلقي الرواية عن الصحابي الذي تلقاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة سواه، وما عرف به الصحابة من الضبط في الرواية وإتقان التلقي والدقة في الأداء، فما بالك بما تناقله الرواة راو بعد آخر مع تقادم العهد وكثرة الوسائط، وما حدث في الأمة من زوابع الأهواء التي محت رسوم الدين وبلبلت الأفكار وحيرت البصائر، أفلا يكون الاحتياط بعرض الحديث على القرآن هو المنهج أسلم والميزان الأعدل؟ ناهيك أنه منهج رسمه النبي صلى الله عليه وسلم وسار عليه الصحابة وهم خير القرون، وقد كانوا أورع وأدق وأحوط وأخبر
الأسد
بطرق النقد.
على أن علماء المصطلح لم يكونوا عازفين عن ذلك، فهذا البغدادي
(1) أخرجه البخاري (96/ 7 رقم: 5529). (2) أخرجه الربيع (1951) رقم: (483)، وموطأ مالك (29/ 2 رقم: 803)، ومسلم (2) 643 رقم: (923)، والنسائي (17/ 4 رقم: (1856) والبيهقي (121/ 4 رقم: 7175).
45 (1/45)
صفحة 44
46
الحقيقة الدامغة
يقول في كتابه (الفقيه والمتفقه): وإذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور:
أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يَرِدُ بمجوزات العقول، أما بخلاف العقول فلا.
والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل
له أو منسوخ.
والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ، أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه. والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل ذلك على أنه لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم. والخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر، فلا
يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية» (1).
وعليه فأي غرابة فيما أخرجه الربيع الله من حديث عرض الحديث على القرآن حتى يتطاول المتطاولون فينسبوا هذا الكلام إلى الزنادقة والملاحدة أو من تأثر بهم واستجاب لضلالتهم كما يزعم ذلك الألباني ومن قال قوله ممن سبقوه أو تأخروا عنه (2).
وليت شعري؛ أين يضع الألباني ومن قال قوله عُمر بن الخطاب وعائشة وابن عباس الله الذين عملوا بهذا؟ هل يصنفونهم مع الزنادقة أو الملاحدة أو مع الذين تأثروا بهم واستجابوا لضلالتهم؟ فإن هذا هو
(1) الفقيه والمتفقه؛ 1/ 132 - 133.
(2) ينظر ما قاله الألباني في كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة)، (1/46)
صفحة 45
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
صنيعهم في نقد الروايات ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، ولو كان لاشتهر وتناقله الرواة، وإذا كان هذا منهج خير القرون فمن أولى بالاتباع منهم مع أنهم نشأوا في كنف النبوة فاقتبسوا من أنوارها وارتووا بمعينها وساروا على هداها؟!.
على أن الألباني ناقض نفسه بنفسه عندما أصر في كتابه المسمى (آداب الزفاف في السنة المطهرة على نقض الإجماع الذي حكاه غير واحد على أن الذهب حل للنساء بدعواه أنه حرام عليهن كحرمته على الرجال، فقد عول فيما ذهب إليه على قول ابن القيم: «ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة» (1).
فأنت ترى أن ابن القيم يقول بأنه لم يزل أئمة الإسلام يقدمون الكتاب على السنة والسنة على الإجماع، فليت شعري أوليس هذا هو الذي يقتضيه الحديث المشار إليه؟!!.
وقد أجاد في هذا السيد رشيد رضا حيث قال: «وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة: مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة
القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه» (2).
ولا
ريب
وهذا مما يتبادر للعقول، فإن الأدلة يجب مراعاة مراتبها في القوة أن الدليل من القرآن هو أعلى مرتبة في القوة إذ لا يشك في أي كلمة في القرآن، فقد روته الأمة بأسرها جيلا بعد جيل كل جيل تلقاه عمن قبله من غير تحريف ولا تبديل حتى انتهت السلسلة إلى خير القرون ثم إلى
(1) آداب الزفاف في السنة المطهرة، 242/ 1، وينظر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين:
2/ 175
(2) تفسير المنار 71/ 1.
47 (1/47)
صفحة 46
الحقيقة الدامغة
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تلقاه أصحابه الله عنه كما تلقاه هو عن الله تعالى بواسطة أمينه جبريل.
أما السنة فإن المتواتر منها هو نزر يسير بجانب ما تلقي بطرق الآحاد، على أن غير المتواتر أكثره فيه الخلاف والتضعيف والرد من قبل علماء الحديث أنفسهم، فلا غرو أن يرد ما خالف القرآن من هذه الروايات ولو كان سنده سليما من النقد، فإن علماء الحديث أنفسهم يعولون في الروايات إذا تعارضت على ما هو أقوى ويردون ما كان أضعف، مع أن قوة الحديث مهما كانت لا تضاهي قوة القرآن، فكيف لا يرد ما كانت
مخالفته للقرآن ظاهرة.
على أن علماءنا
الله
رحمهم صر رحوا بأن ذلك إنما هو في غير
ما احتمل نسخه أو تخصيصه كما تقدم.
هذا؛
ومن
المغالطة الفاضحة هذا الحديث بدعوى أنه بنفسه مخالف
رد
لما جاء في القرآن، كما ذكره ابن عبد البر في قوله: «وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء، ونعتمد على ذلك. قالوا فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله، لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال» (1).
وتابعه الألباني (2)، وصورة المغالطة فيه أن الحديث لا يشير من قريب ولا بعيد إلى مخالفة الرسول الله فيما أمر به أو نهى عنه، وإنما يبين منهجا صحيحا يميز به بين الثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه وغير الثابت،
(1) جامع بيان العلم وفضله، 191/ 2.
(2) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، 590/ 3. (1/48)
صفحة 47
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
49
فليس كل ما يعزى إليه عليه أفضل الصلاة والسلام حكمه الثبوت، وإلا لما كان داع إلى نقد الروايات والنظر في الأسانيد والمتون، ولم يأمرنا الله تعالى بقبول كل ما عزي إلى النبي صلى الله عليه وسلم صح أو لم يصح، وإنما أمرنا
عنه.
بالتبين وقبول ما صح. وليت شعري هل يتصور هؤلاء أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين ردوا الروايات التي أخبر بها صحابة عدول عندما تصوروها مخالفة لما في الكتاب - كما كان من عائشة في ردها ما رواه عمر وابنه ومن عمر في رده ما روته فاطمة بنت قيس ومن ابن عباس في رده ما رواه الحكم بن عمرو الغفاري الله أجمعين - كانوا غافلين عن هذا الذي أدركوه من الحق؟! كلا.
فإنهم
أعمق فهما وأغزر علما وأنور بصيرة وأسلم فكرا وأصح عقيدة. هذا؛ وقد ناقض الألباني نفسه إذ عول هو نفسه في رد كثير من الروايات على مخالفتها للقرآن فقد رد حديث: «إذا كان القيامة أنبت يوم الله لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حسابا. فتقول لهم: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطا. فتقول لهم: هل رأيتم جهنم؟ فيقولون ما رأينا شيئا. فتقول لهم الملائكة: من أمة من أنتم؟ فيقولون: من أمة محمد. فتقول: ناشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا فينا فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا، فتقول الملائكة: يحق لكم هذا واستند في رده على ما قاله الحافظ العراقي: «والحديث منكر مخالف للقرآن وللأحاديث الصحيحة في الورود وغيره (1).
(1) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، 4/ 2. (1/49)
صفحة 48
10
50
الحقيقة الدامغة
وكذلك حكم على حديث أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمر الا الله أنه باطل، موضوع وكان مما قاله فيه: «ثم إن فيه ما مخالف للقرآن هو الكريم في موضعين منه:
الأول: قوله في إبليس: كان من الملائكة والله لا يقول فيه: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله: من الجن أي من خزان الجنان وأن إبليس كان من الملائكة، فمما لا إسناده عنه، ومما يبطله أنه خلق من نار كما ثبت في القرآن الكريم،
فكيف
يصح
أن يكون منهم.
يصح
والملائكة خلقت من نور كما في (صحيح مسلم) عن عائشة مرفوعا، خلقة، وإنما دخل معهم في الأمر بالسجود لآدم عليه السلام لأنه كان قد تشبه بهم وتعبد وتنسك، كما قال الحافظ ابن كثير، وقد صح عن الحسن البصري أنه قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم عليه السلام أصل
البشر.
الموضع الثاني: قوله: (ابتلي به هاروت وماروت). فإن فيه إشارة إلى ما ذكر في بعض كتب التفسير أنهما أنزلا إلى الأرض، وأنهما شربا الخمر وزنيا وقتلا النفس بغير حق، فهذا مخالف لقول الله تعالى في حق الملائكة: لا يعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، ولم يرد ما يشهد لما
ذكر، إلا في بعض الإسرائيليات التي لا ينبغي أن يوثق بها» (1).
وأنت تدري أن حديث الرد إلى القرآن الذي أخرجه الربيع الله صريح أنه في الأمور المتنازع فيها بدليل قوله: «إنكم ستختلفون من بعدي»، وهو دليل أن ذلك لا ينطبق على ما هو مجمع عليه بين الأمة.
(1) المرجع السابق، 313/ 2. (1/50)
صفحة 49
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
أمثلة مما يُرد من الروايات بسبب مخالفتها للقرآن: امتلأت كتب الحديث بروايات عجيبة تأبى قبولها العقول السليمة، وعندما تعرض على نصوص القرآن تناقضها كل المناقضة، كثير منها فيه وصف الله تعالى بالنقائص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومنها ما يقتضي التشكيك في صحة كتابه ومنها ما يقدح في أخلاق رسوله الكريم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم أو في جميع أصحابه، وقد رفض أهل الحق والاستقامة قبول شيء من ذلك تمسكا بهدي كتاب الله تعالى وإنكارا لأن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالفه.
1 ـ ما كان فيه وصف الله تعالى بنقائص خلقه:
كم تجد في تضاعيف الروايات التي عول عليها الحشوية وصف الله تعالى بأخس ما يكون في عباده من النقائص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، سواء ما عزوه من ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى أصحابه أو إلى من بعدهم، وسيأتي - إن شاء الله ـ في المحور الثالث من هذا الكتاب ذكر طائفة من هذه الروايات وإنما أقتصر هنا على مثال واحد. جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق أبي سعيد الخدري وأبي هريرة
،
: قال أناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل
تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله، القيامة كذلك، قال: «فإنكم ترونه يوم الله الناس، فيقول: من كان يجمع يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا
51 (1/51)
صفحة 50
52
الحقيقة الدامغة
عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه (1).
فإن هذه الرواية كل من أمعن فيها نظره وجد في متنها ما تأباه الفطرة وتشمئز منه النفس من تشبيه الله تعالى بخلقه المنافي لما وصف به نفسه في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى) [الشورى: (11]، وقوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أحد [الإخلاص: 4]، وقوله: وهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم 65]:، وهذا كاف في الحكم عليها بالبطلان بغض النظر عن إسنادها، فإن النقد يجب أن لا يحصر في الأسانيد دون المتون ومن تدبر ما كان عليه السلف الصالح وجد أنهم كانوا أحرص على النظر في المتون منهم في الأسانيد، وكم من في متن هذه الرواية.
طامة
أ - نسبة الصورة إلى الله تعالى مع أن الصورة هي دليل الخلق والحدوث، فإنها لغة من صار يصور بمعنى صوّر والتصوير هو إحداث
فعْلَة الصورة، فهي بمعنى مَفْعُولة، وفي اللغة العديد من الشواهد على أن وزن فُعْلَة يأتي بمعنى مفعولة كالهُمْزَة، واللمزة بمعنى المهموزة والملموزة، وقد نص اللغويون على أن صوَّرَ يخفف فيأتي بلفظ صار، قال إمام اللغة الخليل بن أحمد في العين وصَوَّرتُ صُورةً، وتجمع على صُورٍ، وصُورٌ لغة فيه، وقال الأعشى: وما أَيبلي على هَيْكَل بَناهُ وصَلبَ فيه وصارا بمعنى صَوَّر، وهي لغةٌ» (2).
(1) من طريق أبي هريرة أخرجه أحمد (533/ 2، رقم 10919)، والبخاري (277/ 1، رقم 773)، ومسلم (2279/ 4، رقم 2968)، ومن طريق أبي سعيد: أخرجه أحمد (16/ 3،
رقم 11143)، والبخارى (16714، رقم (305)، ومسلم (167/ 1، رقم 183).
(2) العين، 150/ 7 (1/52)
صفحة 51
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
وفي اللسان: «صارَ: صَوَّرَ عَنْ أَبي عَلِيِّ الْفَارِسِيّ) (1).
ومن
أسمائه تعالى: المصور؛ وهو شاهد على أن الصورة لا تكون إلا
مخلوقة حادثة كما قال تعالى: وفِي أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَبَكَ [الانفطار:]. ب ـ أن فيه وصف الله سبحانه بأنه يتحول من صورة إلى صورة، فيأتي خلقه تارة بصورة، وتارة بغيرها، وهو أمر يجب أن ينزه الله عنه فإن العقول قاضية باستحالة أن يوصف بالتغير، فإن التغير من المخلوقات الحادثة، إذ التغير أثر لا بد له من مؤثر، فإما أن يكون هو سبحانه بنفسه يغير ذاته من صورة إلى صورة وإما أن يكون ذلك من أثر غيره وكلا الأمرين مستحيل.
شان
أما تغييره لنفسه؛ فإنه مستحيل لما فيه من إثبات أن الله تجري على ذاته، قدرته فتحولها من حال إلى حال، وذلك عين المحال، لأنه لو جاز لأمكن أن يحول نفسه من الوجود إلى العدم ومن القدرة إلى العجز، ومن العلم إلى الجهل ومن الكبرياء إلى الصغار.
وأما تغيير غيره له؛ فهو أشد استحالة لما يقتضيه من نفاذ إرادة غيره عليه وتأثير قدرته، وهذا يعني أن الغير أقدر عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد دل القرآن الكريم على أن كل تحول دليل الحدوث وأن من تجري عليه الأحوال لا يصلح أن يكون إلها، وذلك فيما حكاه الله تعالى من احتجاج إبراهيم على قومه في قوله عز من قائل: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَهَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَل قَالَ لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَين لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَمَا الشَّمْسَ بَارِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذا
(1) لسان العرب، 529/ 1.
53 (1/53)
صفحة 52
54
الحقيقة الدامغة
أكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَت قَالَ يَنقَومِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 75 - 78]، فأنت ترى أن إبراهيم وأبطل ألوهية الكوكب والقمر والشمس بما بدا من أفولها، مع أن أقولها لم يكن انعداما لذواتها، وإنما هو أثر لمواراة الأفق لها سواء كانت بسبب انتقال هذه الأجرام عن أماكنها كما كان الناس يتصورون أو حركة الأرض واحتجاب هذه الأجرام وراء الأفق كما كشفت
کانت بسبب حرد عنه الحقائق العلمية.
ومن المستحيل قطعا أن يتصف الله الا الله بالصفات التي أبطل بها إبراهيم ألوهية هذه الأجرام، كيف وقد عزز الله الله حجته بقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا
انَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَفَعُ دَرَجَتٍ مِّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83].
فكل من تجري عليه الأحوال ويتقلب فيها من حال إلى حال يستحيل أن يكون إله الخلق ومصرف الكون، إذ ما يجري عليه نفسه لا بد أن يكون تصريفا من مصرف فأنى يكون رب السموات والأرض الذي ليس كمثله شيء متصفا بشيء من ذلك؟!.
وهذا ما نص عليه المفسرون قال القرطبي: «فلما أفل النجم قرر
الحجة وقال: ما تغير لا يجوز أن يكون رَبَّا» (1).
وقال البقاعي: {فَلَمَّا أَفَلَ أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) لأن الأفول حركة، والحركة تدل على
عن
حدوث المتحرك وإمكانه ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً اعتقاد ربوبية الكواكب، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً، فأسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه أتم،
(1) تفسير القرطبي، 26/ 7. (1/54)
صفحة 53
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان، فالخواص يفهمون من الأقول الإمكان، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم: 42] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الاستناد إلى قديم والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير، فإذا
كان نازلاً إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من لا يتغير» (1).
وقال السيد محمد رشيد رضا: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ} أي فلما غرب هذا الكوكب واحتجب قال: لا أحب من يغيب ويحتجب،
،
ويحول بينه وبين محبه الأفق أو غيره من الحجب، وأشار بقوله (الآفلين) إلى أن هذا الكوكب فرد من أفراد جنس كله يغيب ويأفل، والعاقل السليم الفطرة والذوق لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه ويوحشه فقد جماله وكماله، حتى في الحب الذي هو دون حب العبادة، فإن أحب شيئا من ذلك بجاذب الشهوة دون الاختيار فلا يلبث أن يسلو عنه بنزوح الدار والاحتجاب عن الأبصار، إلا أن يصير حبه من هوس الخيال، وفنون الجنون والخبال، وأما حب العبادة الذي هو أعلى الحب وأكمله - لأنه من مقتضى الفطرة السليمة والعقل الصحيح - فلا يجوز إلا أن يكون للرب الحاضر القريب، السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يأفل، ولا ينسى ولا يذهل، الظاهر في كل شيء بآياته وتجليه الباطن في كل شيء بحكمته ولطفه الخفي فيه لا
(1) نظم الدرر، 659/ 2.
55 (1/55)
صفحة 54
??
الحقيقة الدامغة
،
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ولكن تشاهده البصائر بآثار صفاته في الخلق والتقدير وسلطانه في التصرف والتدبير، وما كان ليخفى على الخليل الأول ما قاله الخليل الثاني في مقام الإحسان، وما ملته إلا عين ملته في الإسلام والإيمان، وهو (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فكيف يعبد هذه الكواكب التي تأفل وتحجب عن عابديها، ويخفى حالهم عليها؟!.
وقد فسر بعض النظار وعلماء الكلام الأفول بالانتقال من مكان إلى مکان وجعلوا هذا هو المنافي للربوبية لدلالته على الحدوث أو الإمكان، وهو تفسير الشيء بما قد يباينه، فإن المحفوظ عن العرب أنها استعملت الأفول في غروب القمرين، والنجوم وفي استقرار الحمل، وكذا اللقاح في الرحم، فعلم أن مرادها من الأول عين مرادها من الثاني، وهو الغيوب والخفاء. وقد يتحول الشيء وينتقل من مكان إلى آخر وهو ظاهر غير محتجب وفسره بعضهم بالتغير ليجعلوه علة الحدوث المنافي للربوبية أيضا، وهو غلط كسابقه، فإن الشمس والقمر والنجوم لا تتغير بأفولها، ومذهب المتأخرين من علماء الفلك - وهو الصحيح ـ أن أقولها إنما يكون حركة الأرض لا بحركتها هي، وأن حركتها على محاورها وحركة
بسبب
السيارات من المغرب إلى المشرق ليس من سبب أفولها المشاهد في شيء، وفي الكلام تعريض لطيف بجهل قومه في عبادة الكواكب بأنهم يعبدون ما يحتجب عنهم، ولا يدري شيئا من أمر عبادتهم، وهو يقرب من قوله لأبيه بعد ذلك: ولِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: 42] ولا يظهر هذا التعريض على قول النظار في تفسير الأفول؛ فإن قوم إبراهيم لم يكونوا على شيء من هذه النظريات الكلامية، بل كانوا يعبدون الأفلاك قائلين بربوبيتها، وبقدمها مع حركتها وما زال الفلاسفة والفلكيون يقولون (1/56)
صفحة 55
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
بقدم الحركة وأزليتها، وعلماء الكون في هذا العصر يعدون الحركة مبدأ وجود كل شيء. وأنها ملازمة للوجود المطلق من الأزل إلى الأبد. وقد كان الزمخشري من أولئك النظار، وقد قال بعد ما يأتي في القمر والشمس: (فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر؛ لأنه انتقال خفاء واحتجاب انتهى وقال ابن المنير: إنه من عيون نكته ووجوه حسناته. انتهى. والصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا، لا برهانا نظريا جليا، وأن وجه منافاة الربوبية فيه هو الخفاء والاحتجاب والتعدد، وأن البزوغ والظهور لم يجعل فيه مما ينافي الربوبية، بل بني عليه القول بها، فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا وإن لم يكن ظهورا كظهور غيره من
مع
خلقه كما
علم.
مما تقدم آنها» (1) اهـ.
ج ـ ما فيه من وصفه تعالى بالانتقال من مكان إلى مكان بحيث يأتي عباده إلى المحشر بعد أن كان المحشر خاليا منه وهو يستحيل لأنه من
الأحوال التي لا تعرض إلا للخلق وتستحيل أن تكون للخالق كما تقدم.
د - ما تضمنه من أن أهل المحشر عرفوا الله تعالى بصورته التي رأوها من قبل، فلذلك عندما يأتيهم في صورة أخرى ينكرونه حتى يقولوا: نعوذ بالله منك، لست ربنا، لن نبرح مكاننا حتى يأتينا ربنا. وهو يعني أنهم شاهدوه من قبل وحددوا معالمه وعرفوا سماته فلذلك أنكروه عندما أتاهم في غير تلك الصورة التي عهدوها.
أما ما قيل من
أن الصورة تحمل على الصفة كما يقال: «صورة هذا
أمر فهو مردود بأمور:
(1) تفسير المنار، 465/ 7 - 466.
57 (1/57)
صفحة 56
الحقيقة الدامغة
||
أولها: أن الصفة لا ترى بالأبصار وإنما تعرف بالبصائر إلا إن كانت صفة حسية كالطول والعرض والبياض والسواد.
ثانيها: أن صفات الله تعالى لا يعتريها التبديل حتى تختلف وتتناقض. ثالثها: أنه ليس من صفات الله تعالى ما يمكن جحده ويجوز إنكاره حتى يقولوا: «لست ربنا»!!.
وقد تعرض غير واحد لهذه الرواية فنقد متنها وبين ما فيها من إشكال. ومن ذلك قول العلامة الكوثري في تعليقه على كتاب (الأسماء والصفات للبيهقي: اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان، كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين، وجامع الترمذي وتوحيد ابن خزيمة وسنن الدارمي ولم يسبق أن عرفوه على
صورة فعلم أنه قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما فعلت» (1). ومثله قول الشيخ الغزالي الداعية المشهور - بعد أن أورد الحديث، وذكر ما جاء في بعض رواياته أنهم يقال لهم: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق. . إلخ» ـ ما نصه: «هذا سياق غامض مضطرب مبهم، وجمهور العلماء يرفضه، وقد حاول القاضي عياض القول بأن الذي جاء المؤمنين في صورة أنكروها أول الأمر هو أحد الملائكة، وكان ذلك اختبارا من الله لهم، وهو آخر اختبار يلقاه المؤمنون!!.
،
ومحاولة القاضي عياض لا تقدم ولا تؤخر، فليس الآخرة دار اختبار إن الاختبار تم في الدنيا كما جاء في البخاري: (اليوم عمل ولا جزاء، وغدا جزاء ولا عمل) (2).
(1) الأسماء والصفات للبيهقي، ص 279 تعليق الكوثري رقم 2. (2) أخرجه ابن المبارك (1/ 86، رقم (255)، وأحمد في كتاب الزهد (130/ 1)، وهناد في الزهد (1/ 290، رقم (509، والبيهقي في الزهد الكبير (2/ 192، رقم 463)، =
58 (1/58)
صفحة 57
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
ثم لماذا يقوم أحد الملائكة بهذه التمثيلية المزعجة؟ وبإذن من؟ وما جدواها؟ وإذا تركنا كلام عياض لنتأمل في الوقائع نفسها وجدنا ما يستحيل عقلا ونقلا أن يقبل، فإن الله لا يجيء في صورة تنقص عظمته وجلاله، ثم يبدو في صورة حقيقية بعد ذلك مهما قلنا إن المقصود بالصورة الصفة!!.
الحديث كله معلول، وإلصاقه بالآية - أي بقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ـ خطأ وبعض المرضى بالتجسيم هو الذي يشيع هذه المرويات، وإن المسلم الحق ليستحيي أن ينسب إلى رسوله هذه الأخبار.
سلف الأمة وخلفها متفقون على تنزيه الله سبحانه، وعلى أنه أهل الثناء والحمد والمجد والسلف والخلف يستنكرون ما جاء في كتب
اليهود والنصارى مفيدا للتجسيد، أو ناسبا إلى الذات الأقدس ما لا يليق بجلاله وجماله تباركت أسماؤه». اهـ
(1)
وقال السيد حسن السقاف: وهذا الحديث شاذ عندنا بمرة، لأن فيه إشكالات تعارض القرآن والسنة الصحيحة المتواترة والمشهورة وغيرها والقواعد الثابتة في الكتاب والسنة، وقد ذكرت له ستة عشر إشكالا في الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) أذكر بعضها:
كتابي 1 - فيه أن الله يتشكل، فيأتي أحيانا بصورته الحقيقية المزعومة وأحيانا بغير صورته.
2 - فيه إثبات الصورة الله تعالى، وذلك محال.
وابن عساكر (42) / (494، وابن الجوزى فى العلل المتناهية (813/ 2، رقم 1361) موقوفا على علي بلفظ: «اليوم» عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل».
(1) السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 153، دار الشروق.
59 (1/59)
صفحة 58
الحقيقة الدامغة
- فيه أن المنافقين يرون الله تعالى وهذا معارض لقوله سبحانه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَذٍ مَحْجُوبُونَ).
ـ
4 - فيه أنهم يرونه سبحانه في أرض المحشر، مع أن الأحاديث الصحيحة تثبت أن الرؤية هى الزيادة الواردة في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وذلك يتم لهم في الجنة، وفي هذا الحديث أن الرؤية قبل الصراط، وهذا باطل بلا شك.
ه - أن لفظ الصورة لم يثبت في جميع روايات الصحيحين، ففي رواية
البخاري في الأذان فتح (2932 ليس فيها ذكر للصورة البتة. 6 ـ أين رأوه سبحانه قبل ذلك حتى يصح ما ورد في هذا الحديث قوله: «فيأتيهم بالصورة التي يعرفون». اهـ (1).
وكان تعقيبه على هذا الحديث إبان اعتقاده رؤية الله تعالى في الدار الآخرة قبل رجوعه عن هذا المعتقد كما هو واضح.
وقال في موضع آخر تعليقا على رواية مشابهة لهذه جاءت من طريق الأشعري ما نصه: تعالى الله جل جلاله عن هذا الهراء
أبي موسى الإسرائيلي (2).
وقال السيد عبد الله بن حمود العزي اليمني - بعد ذكره هذا الحديث: إن المسلم الحق ليستحيي أن ينسب مثل هذه الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيها من مخالفة صريحة للقرائن العقلية والدلائل النقلية القاضية بتوحيد الله وتنزيهه عن مشابهة خلقه (3). وإذا كانت هذه الرواية بهذا القدر من الاضطراب ومصادمة مقتضيات
(1) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص 157 - 158، تعليق رقم (87).
(2) مسألة الرؤية، ص 23.
(3) رؤية الله تعالى بين العقل والنقل، ص 116. (1/60)
صفحة 59
61
السند
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
العقل وأدلة الشرع فأنى يسوغ التمسك بها، والاعتماد عليها في إثبات معتقد يتعلق بالله، ولو قيل بصحة إسنادها، فإن العلة لا تكون في وحده بل كثيرا ما تكون في المتن ولو صح السند، وقد سبق فيما ذكرته عن البغدادي أن الحديث يرد ولو ثبت سنده إن خالف الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع أو مقتضيات العقل، وقد رأيت بنفسك أن هذه الرواية فيها ما يخالف ما هو ثابت بالكتاب العزيز والسنة المتواترة وإجماع الأمة ودلالات العقل، فكيف يصح التعلق بها؟! ونحن نرى في تأصيلات علماء الحديث ما يقتضي رد مثل هذه الرواية ومن ذلك قول ابن تيمية نفسه: كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان فرب زيادة لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك ومن مارس هذا الفن لم يكد يخفى عليه مواقع ذلك ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل وطرق تسلك ومسالك تطرق اهـ (1).
وقال ابن كثير: والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه
الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً) اهـ (2).
وقال القسطلاني: «لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما هو معروف عند أهل هذا الشأن، فقد يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو
علة تقدح في صحته اهـ
(3)
وقال السيوطي: لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث؛ لاحتمال أن الإسناد ويكون في المتن شذوذ وعلة يصح
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية علوم الحديث، ج 4 ص 46.
(2) الباعث الحثيث اختصار علوم الحديث)، ابن تيمية، ج 1 ص 139.
(3) أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، صديق حسن القنوجي، دار الكتب
العلمية، بيروت، 1978، ج 1 ص 441. (1/61)
صفحة 60
62
الحقيقة الدامغة
تمنع صحته، وإذا تبين ضعف الحديث أغنى ذلك عن التأويل لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة اهـ)
(1)
وقال العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار): «ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحا، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع اهـ
(2)
قلت: مما لا خلاف فيه بين علماء المصطلح أن الحديث لا يرقى إلى درجة الصحة حتى يبرأ من الشذوذ والعلل، فقد اتفقوا: أن الحديث الصحيح هو المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً (3).
وأي شذوذ أشد من مخالفة مقتضيات العقول ومصادمته لنصوص
القرآن ومعارضته لما هو من مسلمات الدين كما تجد في هذه الرواية؟!. وبالجملة؛ فإن هذه الرواية فيها الكثير من الإشكال حتى أن الذين استمسكوا بها في إثبات رؤية الله تعالى حاروا في دفع ما يكتنفها من إشكال فجاؤا بحلول لا أشك أنهم بأنفسهم غير مقتنعين بها، وقد أطلت
(1) الحاوي للفتاوى، ج 1 ص 372. (2) تفسير المنار، ج 10 ص 580.
(3) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث دار الكتاب العلمية - بيروت، ص 7 - 8 الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث ابن كثير مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض، ج 1 ص 99، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي؛ السيوطي، دار الحديث، القاهرة، ص 45. قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث؛ محمد جمال
الدين القاسمي، دار النفائس، ص 81. (1/62)
صفحة 61
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية 63
القول في هذا في كتابي برهان الحق الذي أرجو أن يبرز قريبا ويكون في
متناول كل قارئ بمشيئة الله تعالى وفضله.
والروايات التي تحار الألباب في توجيه مراميها وحل مشكلاتها فيما يتعلق بذات الله تعالى كثيرة جدا، وإنما أردت أن أذكر هنا مثالا مما اتفق على إخراجه الشيخان مع ما فيه من الإشكال البين، وسيأتي إن شاء الله في المحور الآتي ذكر جانب منها.
2 ـ ما كان مشتملا على ما يقتضي التشكيك في ثبوت القرآن إن القرآن الكريم هو كتاب الله المعجز الذي أخذ بمجامع الألباب، وحارت فيه عقول جاحديه وهامت في محاولة نقضه أفكار مناوئيه، وقد نقل بالتواتر القطعي قرنا بعد قرن فلم يشذ حرف منه عن هذه القاعدة إذ تلقته هذه الأمة عبر حلقات أجيالها المتسلسلة فحمله في كل جيل ما لا يمكن حصره عددا من البشر كل جيل يحمله عمن قبله متواصل
"
لسان
الحلقات حتى انتهى إلى خير القرون وأولئك تلقوه غضا طريا من النبي، فلا يمكن أن يشوبه الشك أو تلابسه الريب، لذلك أجمعت الأمة على أن كل من رده أو رد شيئا منه ولو حرفا واحدا كان مرتدا عن الإسلام خالعا ربقته من عنقه وتنطبق عليه أحكام الارتداد من كل ناحية، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ
في مريقو مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17].
وجاء فيه النص الصريح بأنه محفوظ بحفظ الله تعالى كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]، وقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جمعه، وَقُرْهَانَهُ} [القيامة: 17]، فلا يتصور أن يكون قد أضيف إليه ما ليس منه أو نقص منه ما هو منه فلا تقبل أي رواية تشكك فيه أو في شيء منه أو تعزو إلى أي أحد من السلف الصالح شيئا من ذلك، إذ لو ثبت عن أحد (1/63)
صفحة 62
الحقيقة الدامغة
منهم نحو هذا لهاجت الأمة كلها استنكارا لما جاء به وأنزلته حيث أنزل نفسه وأقصته عن نظامها، لأجل هذا نقطع ببطلان ما روي عن عبد الرحمن بن يَزِيدَ قال: كان عبد الله - ابن مسعود ـ يحك المعوذتين مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ إنهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى (1). من
منه
فإن هذا كلام باطل نقطع أن ابن مسعود لهلهلهلهلهلهله لم يقله وإلا لكان في حكم المرتدين، فكل من أنكر شيئا من القرآن صدق عليه حكم الارتداد كما تقدم، ومما يعجب أن صحيح البخاري لم يسلم من هذا الإفك وإن كان أورده بالتلميح لا بالتصريح، ففيه: «حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش، ح وحدثنا عاصم عن زر، قال: سألت أبي بن كعب قلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال أبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: قيل لي فقلت قال: فنحن نقول كما قال رسول الله)
(2)
وهو يومي بهذا إلى ما روي عن ابن مسعود من إنكاره أن تكون المعوذتان من القرآن كما أطبق على ذلك الشراح، ويدل على ذلك ما جاء في روايته الأخرى ولفظها: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عاصم، وعبدة، عن زر بن حبيش قال سألت أبي بن كعب عن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قيل لي فقلت» فنحن نقول كما قال رسول الله (3).
(3)
(1) أخرجه أحمد (129/ 5) رقم: (21226) والبزار (29/ 5 رقم: 1586) وابن حبان (10/ 274 رقم: 4429) والطبراني في الكبير (234/ 9 رقم: 9148 و 9149 و 9150
و 9151 و 9152)، والشافعي في الأم (189/ 7).
(2) أخرجه البخاري (181/ 6 رقم 4976). (3) نفس المصدر (181/ 6 رقم 4977). (1/64)
صفحة 63
بين
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
وقد كان حريا به أن يجرد صحيحه من هذه الأباطيل، فإن الأمر يدور ثلاثة وجوه لا يعدوهن:
أولها: ثبوت الرواية عن ابن مسعود وكونها حقا، وهذا يعني التشكيك في ثبوت القرآن الكريم، فإن فتح باب الشك في شيء منه يفتحه على جميعه، وهو مخالف للإيمان بما أنزل الله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ومخالف لمقتضيات العقول القاطعة بصدق القرآن كله الحمد إلى خاتمة الناس، ومخالف للتواتر القطعي في تلقي جميع بالقبول والإذعان من غير تشكيك في أي حرف منه، فقد ثبت بالتواتر القطعي إجماع الأمة على ذلك.
من فاتحة
القرآن
ثانيها: ثبوتها عن ابن مسعود مع كونها باطلا مردودا بالقطع ومفاد ذلك أن ابن مسعود كان مرتدا عن الإسلام بإنكاره ما علم من الدين بالضرورة أنه من القرآن.
ثالثها بطلان هذه الرواية من أساسها وردها قطعا ـ ولو قيل بصحة أسانيدها ـ وهو الذي يجب التعويل عليه، فإنه ـ بلا ريب ـ أسلم من فتح باب الشك في القرآن، ومن نسبة الردة إلى أحد من خيار أصحاب النبي مع أنه مرضي بالإجماع عند الجميع.
وقد تنبه لهذا جماعة من العلماء فقطعوا ببطلان هذه الرواية عنه، منهم ابن حزم والرازي والنووي والزركشي والباقلاني وابن عبدالشكور وابن نظام الدين الأنصاري، فقد قال ابن حزم وكل ما روي عن ابن مسعود أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه فكذب موضوع لا يصح؛ وإنما صحت عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود وفيها أم القرآن والمعوذتان (1).
من
(1) المحلى 32/ 1. وفي الأصل: والمعوذتين. (1/65)
صفحة 64
الحقيقة الدامغة
وقال قبل ذلك: «وأن القرآن الذي في المصاحف بأيدي المسلمين شرقا وغربا فما بين ذلك من أول أم القرآن إلى آخر المعوذتين كلام الله ووحيه أنزله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من كفر بحرف منه فهو كافر (1). وذكر الرازي ما نسب إلى ابن مسعود وأتبعه بقوله: «واعلم أن هذا في غاية الصعوبة لأنا إن قلنا إن النقل المتواتر كان حاصلا في الصحابة عصر يكون سورة الفاتحة من القرآن فحينئذ كان ابن مسعود عالما بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل وإن قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلا في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة (2).
وقال النووي: «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن وأن من جحد شيئا منه كفر وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح
عنه)) (3)
وشدد القاضي الباقلاني الإنكار على من عزا إلى ابن مسعود له أن المعوذتين ليستا من القرآن واتهمه بالجهل، وكان مما قاله في ذلك: وأما المعوذتان فكل من ادعى أن عبد الله بن مسعود أنكر أن تكونا من القرآن، فقد جهل وبعد عن التحصيل، لأن سبيل نقلهما سبيل نقل القرآن ظاهرا مشهورا وفيهما الإيجاز الذي لا خفاء لذي فهم عنه، فكيف يحمل علي ابن مسعود إنكار كونهما قرآنا مع ما ذكرنا من النقل والإعجاز؟!!
(1) نفس المصدر.
(2) التفسير الكبير 178/ 1.
(3) المجموع شرح المهذب 3/ 396. (1/66)
صفحة 65
67
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
هذا غاية الغباوة من مضيفيه إليه وكيف ينكر كونها قرآنا منزلا ولا ينكر عليه الصحابة؟!! ـ واستطرد إلى أن قال ـ وكيف يصح ذلك وقد كان مشهورا بإتقان القراءة منصبا للإقراء، فلو أنكرها لم يستبعد ممن قرأ عليه أن يروي ذلك عنه و يذكره فلما لم يرو عنه ولم ينقل مع جريان العادة دل على بطلانه وفساده (1).
وقال الزركشي: «قال القاضي ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو إلى أبي بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحد من ولده أو عترته جحد آية أو حرف من كتاب الله وتغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الآحاد وأن ذلك لا يحل ولا يسمع بل لا تصلح إضافته إلى أدنى المؤمنين في عصرنا فضلا عن إضافته إلى رجل من الصحابة (2).
وأطال ابن نظام الدين الأنصاري في فواتح الرحموت الرد على من عزا ذلك إلى ابن مسعود الله حاذيا حذو أصله ابن عبدالشكور في (مسلم الثبوت) وسيأتي إن شاء الله بعض ما قاله (3).
والعجب من الحافظ ابن حجر كيف ذهل - مع سعة علمه ودقة فهمه - عن هذا كله إذ تعقب ما قاله ابن حزم والرازي والنووي بقوله: «والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل بل الرواية صحيحة والتأويل
(1) نكت الانتصار لنقل القرآن للإمام أبي بكر الباقلاني، ت 403 هـ، ص 90، تحقيق الدكتور محمد زغلول، سلام، أستاذ اللغة العربية وآدابها كلية الآداب، جامعة الاسكندرية، منشأة المعارف بالإسكندرية، جلال حزى وشركائه.
،
(2) البرهان في علوم القرآن، 127/ 2. (3) انظر فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، للعلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين محمد السهالوي الأنصاري اللكنوي، ت 1225 هـ، 11/ 2 - 13، ضبطه وصححه عبد الله
محمود محمد عمر منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. (1/67)
صفحة 66
الحقيقة الدامغة
عصر
محتمل، والإجماع الذي نقله - يعني الرازي - إن أراد شموله لكل فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول، وقد قال ابن الصباغ في الكلام على مانعي الزكاة وإنما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة ولم يقل إنهم كفروا بذلك، وإنما لم يكفروا لأن الإجماع لم يكن استقر، قال: ونحن الآن نكفر من جحدها قال وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال: إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر، قال: وهذه عقدة صعبة، وأجيب: باحتمال أنه كان متواترا في عصر ابن مسعود لكن لم يتواتر عند ابن مسعود فانحلت العقدة بعون الله تعالى اهـ
(1)
قلت: العقدة لم تنحل بهذا وإنما ازداد تعقدها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد أنزل الله عليه قبل أن يقبضه إليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكم الإسلام دينا [المائدة: 3]، وقد كان القرآن الكريم متواترا عند الصحابة كتواتره عند من بعدهم، وقد قرأوه في صلواتهم وفي سائر أحوالهم أن يجحد أحدهم شيئا منه على أن الجاهل لشيء منه لا يعذر
فيستحيل بجهله إن جحده ولا يبرئه ذلك من الردة فهب أن أحدا من العوام اليوم جحد بجهله سورة البقرة أو آل عمران أو النساء أو المائدة أو غيرها لأنه لم يصل إليه علمها، أتراه يسلم بذلك من حكم الارتداد ويبرأ حتى من
(1) فتح الباري، 743/ 8. (1/68)
صفحة 67
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
يتصور
تبعة جحده وإنكاره كيف وقد أنكر الله سبحانه على الكفرة الذين جحدوه أنهم أنكروا ما لم يحيطوا بعلمه، فالإنكار أصعب من الإقرار، إذ ليس لأحد أن يقدم على إنكار أمر حتى يحيط بعلمه من جميع وجوهه، فكيف أن ابن مسعود الله يقدم على إنكار قرآنية المعوذتين، مع أن أصوات الصحابة من حوله تعج بقرآنيتهما وهم يتلونهما في الصلوات وفي غيرها، وقد دونتا في مصاحفهم، ثم كيف يجرؤ على حكهما من المصاحف وهما لم تكتبا إلا بأيدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقنين بقرآنيتهما؟!! ثم لو قدرنا أنه لم يتلقهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا يكون في إجماع الصحابة من حوله أنهما من القرآن وأنهم تلقوهما من النبي عليه أفضل الصلاة والسلام حجة تقطع دابر شكه وتفرض عليه اعتقاد ما. متواتر مما يقال حوله؟!!.
هو
وهل لا يكون ثبوت أنهما من القرآن إلا بتلقيهما من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؟!! فإنه لو كان كذلك لما ثبتت حجية القرآن على أحد من بعد جيل الصحابة، كيف وابن مسعود نفسه ممن تلقي عنهم القرآن فإن قراءة عاصم جاءت من طريقه ـ كما سبق ـ وهي شاملة لجميع القرآن الحمد إلى خاتمة الناس.
6
من
فاتحة
قال ابن نظام الدين الأنصاري: سند عاصم» هكذا أنه قرأ على أبي عبدالرحمن عبد الله بن حبيب وقرأ على أبي مريم زر بن حبيش الأسدي وعلى سعيد بن عياش الشيباني، وقرأ هؤلاء على عبد الله بن مسعود، وقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعاصم سند آخر أيضا هو أنه قرأ سعيد وزر على أمير المؤمنين عثمان، وعلى أمير المؤمنين علي، وعلى أبي بن كعب، وهم قرأوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظهر بهذا السند الصحيح الذي اتفق
هو
69 (1/69)
صفحة 68
الحقيقة الدامغة
على صحته الأمة أن ابن مسعود أقرأ أصحابه المذكورين قراءة عاصم وفيها المعوذتان والفاتحة» (1).
نضلة
هذا؛ ولم تكن رواية القرآن عن ابن مسعود به محصورة في قراءة عاصم وحده، فهناك من القراء السبعة وسائر العشرة من جاءت قراءته مروية أيضا من طريقه، قال ابن نظام الدين الأنصاري: «ثم اعلم أن سند حمزة أيضا ينتهي إلى ابن مسعود وفي قراءته أيضا المعوذتان والفاتحة وسنده أنه قرأ إلى الأعمش أبي محمد سليمان بن مهران، وأخذ الأعمش عن يحيى بن وثاب وأخذ يحيى عن علقمة والأسود وعبيد بن الخزاعي وزر بن حبيش وأبي عبدالرحمن السلمي، وهم أخذوا عن ابن مسعود عن النبي، سند آخر: قرأ حمزة على أبي إسحاق السبيعي، وعلى محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى وعلى الإمام جعفر الصادق، وهؤلاء قرأوا على علقمة بن قيس وعلى زر بن حبيش وعلى زيد بن وهب وعلى مسروق وهم قرأوا على المنهال وغيرهم وهم على ابن مسعود وأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه».
ثم قال: «واعلم أيضا أن سند الكسائي ينتهي إلى ابن مسعود لأنه قرأ على حمزة ومثله ينتهي سند خلف الذي من العشرة إلى ابن مسعود فإنه قرأ على سليم وهو على حمزة وإسناد القراء العشرة أصح الأسانيد بإجماع الأمة وتلقي الأمة له بقبولها، وقد ثبت بالأسانيد الصحاح أن قراءة عاصم وقراءة حمزة وقراءة الكسائي وقراءة خلف كلها تنتهي إلى ابن مسعود وفي هذه القراآت المعوذتان والفاتحة جزء من القرآن وداخل فيه، فنسبة إنكار كونها من القرآن إليه غلط فاحش ومن أسند الإنكار إلى ابن مسعود فلا يعباً بسنده عند معارضة هذه الأسانيد الصحيحة بالإجماع والمتلقاة بالقبول عند
(1) فواتح الرحموت، 11/ 2 - 12. (1/70)
صفحة 69
71
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
العلماء الكرام، بل والأمة كلها كافة فظهر أن نسبة الإنكار إلى ابن مسعود باطل، وأيضا ظهر من هذا أن الترتيب الذي يقرأ عليه القرآن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن القراء العشرة بأسانيدهم الصحاح المجمع على صحتها نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قراآتهم وقرأوا على هذا الترتيب، ونقلوا أن شيوخهم أقرأوهم هكذا، وشيوخ شيوخهم أقرأوهم هكذا إلى رسول الله
اهـ
(1)
وعزز ابن نظام الدين إنكاره على من نسب إلى ابن مسعود هذا الباطل أنه كان يقتدي في كل شهر رمضان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم في صلاة التراويح والإمام يقرؤهما ولم ينكر عليه قط،
فنسبة الإنكار غلط - قال: - وهذا شاهد قوي على عدم الصحة (2). وبالجملة؛ فإن براهين العقل وأدلة النقل متضافرة على براءة ابن
مسعود مما عزي إليه، وما ذكره الحافظ وعزاه إلى ابن الصباغ من أن حكم الكفر يدرأ عمن أنكر شيئا من القرآن في وقت الصحابة لعدم استقرار الإجماع، كما أن أبا بكر الله قاتل مانعي الزكاة لأجل منعهم إياها لا لأجل أنهم كفروا، لأن الإجماع لم يكن مستقرا بعد، هو كلام عجيب لأنه يقتضي أن الدين لم يتم بالوحي وإنما كان تمامه موقوفا على استقرار الإجماع، كأنما الإجماع هو أصل الدين ولم يكن أصله الوحي، مع أنه من المعلوم أن انعقاد الإجماع إنما هو مبني على ثبوت ما ثبت بالوحي المنزل فالإجماع تابع للوحي لا العكس، وإلا لم يكن معنى لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا} [المائدة: 3]، فوجوب الزكاة مثلا إنما هو بنصوص القرآن والسنة الثابتة، وقد جاء إجماع
(1) المرجع السابق، 11/ 2 - 12.
(2) المرجع السابق، 11/ 2. (1/71)
صفحة 70
v
72
الحقيقة الدامغة
ومن
هذا
الأمة مبنيا عليها، فمنكر وجوبها منكر لما ثبت بالقرآن بنصه القطعي فلا وجه لدرء الكفر عنه ما لم يستقر على ذلك الإجماع، وإنما الناس بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم انقسموا إلى طوائف، منهم من ارتد عن الدين رأسا الصنف الذين أنكروا وجوب الزكاة، ومنهم من منعها تمردا وعصيانا من غير إنكار لفرضها، وقد أنزل الصديق رضوان الله عليه كل واحد منزله وأجرى عليه حكمه.
وكذلك تلقى الصحابة اللي جميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيقنوا أنه تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإنكار أي شيء منه بعد ثبوت إنزاله من عند الله على النبي صلى الله عليه وسلم نقض للدين ولو لم يستقر الإجماع على ذلك، على أن استقرار الإجماع إنما هو باجتماع كلمة الجميع على ما أجمع عليه، وهذا أمر حاصل في عهد الصحابة، إذ لا قائل منهم بإنكار شيء مما نزل به الوحي وإلا لكان المنكر نفسه واقعا في الكفر والعياذ بالله.
القصة
هذا؛ وأنت ترى أن ما في صحيح البخاري من الإشارة إلى هذه أن إنكار ابن مسعود القرآنيتهما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم!!
يوحي
ففيه عن أبي إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال أبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: قيل لي فقلت» وهو يعني ـ بلا ريب ـ أن أبيا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم إنكار ابن مسعود، فرد عليه بذلك.
وقد انساق الألباني مع الذين اغتروا بالإسناد فادعى صحة ما رواه ابن حبان عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن ابن مسعود لا يكتب في مصحفه المعوذتين فقال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: قل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) فقلتها وقال لي: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فقلتها، فنحن نقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/72)
صفحة 71
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
فقد أتبعه قوله: «صحيح).
وكذلك صحح رواية: عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: لقيت أبي بن كعب فقلت له: إن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول: إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه، قال أبي: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا، فنحن نقول كم تعدون سورة الأحزاب من آية؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين قال أبي: والذي يحلف به إن كانت لتعدل سورة البقرة ولقد قرأنا فيها آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا الله من والله عزيز حكيم» (2).
وقد سبق مما ذكرته عن أئمة الحديث أنفسهم أن الحديث ولو صح سنده إذا تراءت علة في متنه يرد إذ العلة لا تنحصر في الأسانيد وحدها كيف وهاتان الروايتان مناقضتان لما أجمعت الأمة عليه من أن ما حوى المصحف الإمام بين دفتيه هو كله، قرآن وتلقت ذلك بالقبول في جميع الأمصار والأعصار، بل هما مناقضتان لما رواه أئمة القراءات الذين أجمعت الأمة على الأخذ بقراآتهم وعدها من المتواتر، وقد علمت أن قراآتهم إلى ابن مسعود ومنه إلى النبي، فكيف يسوغ
طائفة منهم تنتهي تصحيح هاتين الروايتين؟!!.
على أن إسناد أولى الروايتين غير خال من علة، ففيه حماد بن سلمة، وما أدراك ما حماد بن سلمة، فقد روى روايات في تشبيه الله تعالى تقشعر منها الجلود وتجف منها القلوب، وقد نقده غير واحد من أهل الاختصاص في هذا الشأن.
(1) فتح التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 2/ 190 - 191.
(2) فتح التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 6/ 426.
73 (1/73)
صفحة 72
74
الحقيقة الدامغة
قال الحافظ ابن حجر: حماد بن سلمة ذكر فيمن تغير حفظه (1) وقال أيضا: حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخرة» (2)، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال فيه: كان حماد بن سلمة يخطئ وأومى أحمد خطأ كبيرا» (3)، بيده
لحماد بن
، وقال
أيضا: وقال حنبل عن أحمد أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه (4)، وقال أيضا: وقال الحاكم لم يخرج مسلم سلمة في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد خرج له في الشواهد عن طائفة وقال البيهقي هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما منه قبل تغيره» (ه). سمع
وقال السيوطي في (الحاوي للفتاوي): «فإن حماداً تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت قال الحاكم في المدخل: ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد خرج له في
الشواهد عن طائفة» (6).
(1) هدي الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، ج 1 461، دار المعرفة بيروت، 1379 هـ.
ص
(2) تقريب التهذيب ابن حجر العسقلاني الشافعي، ج 1 ص 178، دار الرشيد - سوريا -
1406 هـ - 1986
م،
طا.
(3) تهذيب التهذيب ابن حجر العسقلاني الشافعي، ج 7 ص 303، دار الفكر - بيروت -
1404 هـ ـ 1984?
طا.
(4) المرجع السابق، ج 3 ص 11. (5) المرجع السابق، ج 3 ص 13. (6) الحاوي للفتاوي، ج 2 ص 114. (1/74)
صفحة 73
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
Vo
(1).
وقال العلامة الكوثري في تقديمه لكتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي ما نصه: فدونك مرويات حماد بن سلمة في الصفات تجدها تحوي على كثير من الأخبار التالفة يتناقلها الرواة طبقة عن طبقة، مع أنه قد تزوج نحو مائة مرة (1)،، من غير أن يولد له ولد، منهن، وقد فعل هذا التزاوج والتناكح في الرجل فعله، بحيث أصبح في غير حديث ثابت البناني لا يميز بين مروياته الأصلية وبين ما دسه في كتبه أمثال ربيبه ابن أبي العوجاء، وربيبه زيد المدعو بابن حماد بعد أن كان جليل القدر بين الرواة، قويا في اللغة، وضل بمروياته الباطلة كثير من بسطاء الرواة، ويجد المطالع الكريم نماذج شتى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال، وإن حاول أناس الدفاع عنه بدون جدوى وشرع الله أحق بالدفاع من الدفاع عن شخص، ولا سيما عند تركب التهمة القاطعة لكل عذر». اهـ)
الآخر
(2)
وأما الرواية الثانية ففي إسنادها محمد بن الحسن بن مكرم، والألباني نفسه ضعف حديثا جاء من طريقه وقال: محمد بن الحسن بن مكرم هذا لم أجد له ترجمة (3).
فكيف يقبل رواية جاءت من طريقه تعزو إلى أحد أصحاب رسول الله الطعن في سورتين من الكتاب العزيز بأنهما ليستا منه في شيء، مع أن القرآن كله تلقي من طريقه كما تلقي من طرق سائر الصحابة، من
فاتحة
(1) ذكر المزي في تهذيب الكمال ج 7 ص 264 أن شهاب بن معمر البلخي حكى أن حماد بن سلمة تزوج سبعين مرة ولم يولد له وعد ذلك دليلا على أنه من الأبدال. (2) تقديم الكوثري لكتاب (الأسماء والصفات)، للبيهقي، ص 3، المكتبة الأزهرية للتراث، 9 درب الأتراك خلف جامع الأزهر الشريف.
(3) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (13/ 507). (1/75)
صفحة 74
76
الحقيقة الدامغة
الحمد إلى خاتمة الناس وهذه الرواية مصادمة لذلك كله، أوليس في هذا فرار من الواضح إلى المشكل، وعدول عن المحجة إلى قفراء منطمسة المعالم دارسة الصوى؟.
على أن دعوى الألباني أن محمد بن الحسن بن مكرم لم يجد له ترجمة هي إحدى غفلاته التي آخذه بها خصومه فقد وثقه الدارقطني كما في (سؤالات حمزة) ففيها: وسألته عن محمد بن الحسن بن مكرم أبي بكر البغدادي بالبصرة فقال ثقة» (1) ولكن إن لم تكن العلة في سند الحديث فهي في متنه، وقد علمت أن سلامة المتون أهم من سلامة الأسانيد، لأن الغاية من نقد الأسانيد محاولة التثبت من صحة المتون، وذلك يعني أن دراسة الإسناد وسيلة إلى معرفة ثبوت المتن أو عدمه، ولا تقاس الوسيلة بالغاية،
على أن ما في هذا المتن من شذوذ وعلة كاف للحكم عليه بعدم الصحة. ولا يخفى أن في الذي قالوه اتهاما خطيرا لابن مسعود ه أنه كان جاهلا جهلا مركبا حمله على إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة وارتكاب ما لو تلبس به عامي من أخس العوام لنودي عليه بالخزي والضلال بين الجهلة قبل أهل العلم وعند العوام قبل الخواص، فكيف ينسب ذلك إلى أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تلقت الأمة
يصح
أن
عنهم دينها وأثنى الله عليهم في كتابه وتعطر الوجود بشذى أخبارهم الطيبة، مع أنه ـ بلا ريب ـ كان مشهودا له بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بغزارة علمه وتثبته في أقواله وأعماله، واتفقت جميع فئات الأمة على تبوئه مكانا رفيعا وقدرا عاليا في ذلك.
(1) سؤالات حمزة بن يوسف السهمي، أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي، القرشي الجرجاني (المتوفى: 427 هـ)، ص 82 تحقيق موفق بن عبد الله بن
عبد القادر مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى، 1404 - 1984.
، (1/76)
صفحة 75
VV
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
وإليك هذه الشهادة له من ابن تيمية الذي كثيرا ما احتج بكلامه المنتسبون إلى مدرسة أهل الحديث، فقد قال فيه: «ابن مسعود به من
أجلاء الصحابة وأكابرهم حتى كان يقول فيه عمر بن الخطاب: كنيف ملئ علما وقال أبو موسى ما كنا نعد عبد الله بن مسعود إلا من أهل بيت
:
6
رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة ما نرى دخوله وخروجه وقال له: (إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تسمع بسوادي حتى أنهاك) (1) وفي السنن: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر وتمسكوا بهدي ابن أم عبد) (2)، وفي الصحيح:: (من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد) (3)، ولما فتح العراق بعثه عليهم ليعلمهم الكتاب والسنة فهو أعلم الصحابة الذين بعثهم إلى العراق وقال فيه أبو موسى: لا تسألوني عن
(4)
شيء ما دام هذا الحبر فيكم وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته (5) وهو أحد الثلاثة الذين سماهم
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (383/ 6، رقم (32225)، وأحمد (388/ 1، رقم 3684) ومسلم (4/ 170، رقم (2169، وابن ماجه (49/ 1، رقم (139) وأخرجه أيضا: الطبراني (77/ 9، رقم 8449)، وابن حبان (545/ 15، رقم (7068)، وأبو يعلى (241/ 9، رقم 5356). (2) أخرجه بلفظ: «إني لا أدرى ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر وتمسكوا بهدى عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه أحمد (5/ 385، رقم 23324)، والترمذي (668/ 5، رقم (3799 وقال حسن وابن ماجه (37/ 1، رقم 97)، وابن حبان (327/ 15، رقم 6902).
(3) أخرجه أحمد (7/ 1) رقم (35)، والبزار (66/ 1، رقم (13)، والطبراني (67/ 9، رقم
8414)، وأبو يعلى (26/ 1، رقم (16)، وابن حبان (542/ 15، رقم 7066). (4) أحمد (463/ 1 رقم: 4420)، الموطأ (607/ 2) رقم: 1267)، والطيالسي (49/ 1 رقم: (375) ومصنف عبد الرزاق (463/ 7 رقم: (13895 وانظر أيضا سنن ابن منصور
(59/ 1 رقم: 28)، الأم 29/ 5.
(5) الطبراني في الكبير (72/ 9):رقم: 8428 و 8429 و 8430 و 8431). (1/77)
صفحة 76
VA
الحقيقة الدامغة
معاذ بن جبل عند موته لما بكى مالك بن يخامر السكسكي فقال له معاذ بن جبل: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي على رحم بيني وبينك ولا على دنيا أصيبها منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة فإن أعياك هؤلاء؛ فسائر أهل الأرض أعجز فسمى له: ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وأظن الرابع أبا الدرداء. وسئل علي عن علماء الناس؟ فقال: واحد بالعراق ابن مسعود وابن مسعود في العلم من طبقة عمر وعلي وأبي ومعاذ. اهـ (1).
وإذا كانت هذه مرتبته العلمية بشهادة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يظن به أن يجهل المعوذتين من القرآن وهما من أول ما يتعلمه الطفل عندنا؟!!. وكذلك نقطع ببطلان ما روي من أن سورة الأحزاب كانت مشتملة على آية (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما (البتة) مع قولنا بمشروعية الرجم، فنحن نقول بأنه مشروع بالسنة النبوية وهي مخصصة لعموم قوله تعالى: الزانية والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَصِيرٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة [النور: 2]، لثبوت الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وانعقاد الإجماع عليه والسنة تخصص عمومات القرآن كما هو واضح، فالآية تحمل على ما إذا لم يحصنا.
أما دعوى أن ثبوته بآية من القرآن نسخت تلاوتها وبقي حكمها ـ وهي التي ذكرناها - فهو غير مسلم، وإن كان ذلك عند الشيخين وغيرهما، ووجه بطلان ذلك ما ذكره المحقق الخليلي رحمه الله أنه لكان منسيا غير باق في الأذهان فإن ما نسخ لفظه لا يبقى له ذكر، لأن الله ينسيه عباده كما قال: {مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِيهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا
(1) مجموع الفتاوى 530/ 4.
لفظه لو كان من نسخ (1/78)
صفحة 77
79
المحور الثاني منهج الإباضية الحكم على الرواية |
[البقرة: 106]، ولأن هذا اللفظ لا يشبه عبارات القرآن في شيء، فهو خال من الإعجاز البياني الذي هو سمة للقرآن وبه أدركت العرب أنه ليس من كلام البشر، وإنما هو من كلام فاطر السموات والأرض الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويقول للشيء كن فيكون، وكذلك مباينة هذا اللفظ لمناط حكم الرجم فإنه نيط بوقوع الزنا من محصن ذكرا أو أنثى شابا كان أو شيخا ولم ينط بالشيخوخة وإلا لكان الشيخ يرجم وإن لم يحصن، والشاب يدرأ عنه الرجم ولو أحصن. اهـ (1).
،
وأضيف إلى ما ذكر أن الروايات التي جاءت بذلك فيها اضطراب كبير، ناهيك أنهم رووا عن عمر الا الله أنه قال: «لولا أن يقول قائل أحدث عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها ولقد قرأناها الشيخ والشيخة فارجموهما البتة» (2).
عنه
نه لأنه يوحي بأن القرآن كانوا
وهو مما نقطع بتنزيه عمر الله يتصرفون فيه إثباتا ومحوا بحسب ما يتراءى لهم فهو كان يجنح إلى إثبات
يتهم
في
کتاب الله ما ليس منه،
ذلك في القرآن وإنما خشي أن بأنه أحدث فليت شعري هل كان عمر الله الله يعتقد أن في القرآن نقصا يحتاج إلى إتمام لولا اعتراض الناس عليه إن كان يعتقد أن هذا النص قرآني؟! وإن كان لا يعتقد ذلك فهل يرى أنه يسوغ أن يضيف إلى القرآن ما ليس منه؟!! (وحسبك من أمرين أحلاهما مر).
وأنت تدري أن النص القرآني صريح وقاطع بأن القرآن محفوظ بعناية
(1) ينظر أجوبة المحقق الخليلي، 1/ 364 - 365. (2) أخرجه عن سعيد بن المسيب مالك (2/ 824، رقم 1506)، والشافعي (163/ 1)، والبيهقي (211/ 8، رقم (16687)، وابن سعد (3 (334)، والحاكم (98/ 3، رقم
4513)، وأخرجه أيضا: أحمد عن عبدالرحمن بن عوف (23/ 1، رقم 156). (1/79)
صفحة 78
11.
الحقيقة الدامغة
الله تعالى من أن يتلاعب به العابثون، فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ) [الحجر: 9]، وقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمعَهُ وَقُرْهَانَهُ، فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَاتَّبَعْ قرءانه [القيامة: 17 - 18].
:
ومثله ما روي عن كثير بن الصلت: قال كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان في المصاحف فمرا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فقال عمر: لما أنزلت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبنيها فكأنه كره ذلك (1). ففيه ما يدل على أنها كانت مكتوبة من قبل لأنهما مرا عليها وإنما أمسك عمر ه عن كتابتها لأن رسول الله وكره ذلك، وهو كلام منتقض، إذ كيف يسوغ لابن العاص وزيد بن ثابت أن يتركا شيئا مما هو مدون في القرآن الكريم على عهد النبي؟! ومن ناحية أخرى كيف يتصور أن يكره النبي صلى الله عليه وسلم كتابة شيء مما أنزل عليه؟!.
ومن ناحية ثالثة يشكل كونهما مرا بها في أثناء كتابتهما للقرآن، إذ لا يتصور مرورهما بها إلا وهي مكتوبة فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم كره كتابتها فكيف كتبت بدون إذنه؟!.
وبالجملة؛ فإن قبول هذه الروايات يؤدي بلا شك إلى فتح الثغرات لأصحاب الأهواء بأن يطعنوا في القرآن الكريم، ويشككوا في ثبوته وحفظه. وكذلك يقال فيما روي عن عمر أنه قال: إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: «أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم،
أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم (3).
(1) رواه أحمد (183/ 5، رقم (21636)، والنسائي في الكبرى (271/ 4، رقم 7148)، والحاكم (400/ 4، رقم (8071)، والدارمي (234/ 2، رقم 2323).
(2) أخرجه البخاري (169/ 8 رقم: 6830). (1/80)
صفحة 79
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
إذ لو كان ذلك مما يقرأ في القرآن الكريم فكيف يتصور أن تخلو منه
المصاحف ويقر الصحابة لالالاله حذفه من القرآن، وكيف يتفق ذلك تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ [الحجر: 9]؟!!.
مع قوله
وكم تجد من بون بين هذه العبارة وعبارات القرآن الكريم التي تسيل عذوبة وتفيض بلاغة وتتجلى إعجازا يمتلك نواصي الألباب وتحار منه العقول؟.
ـ ما كان مشتملا على الطعن في شمائل الحضرة النبوية
لا يرتاب من عرف النبي صلى الله عليه وسلم من خلال ثناء الله تعالى عليه في كتابه أو من خلال ما دون من سيرته الطاهرة أنه كان متحليا بأجمل صفات الخلق الحسية والمعنوية ومتخلقا بأرقى ما يتصور أن يصل إليه البشر من الكمالات الفطرية والكسبية ناهيك ثناء الله عليه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وامتنانه سبحانه به على المؤمنين في قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] وامتنانه به على العالمين بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وهو بيان يقصر عن بلوغ شاوه أي بيان فلو اجتمعت أدمغة البشر جميعا على أن تفكر في عبارة تفي بمضمون هذه الآية لأعياها الأمر وجمد بها الفكر وتبلد بها الطبع وعادت خائبة خاسرة، فإنه بيان إلهي معجز كشف عن طبع هذا الرسول الكريم وعظيم فضائله وفواضله التي تميز بها بين جميع الخلق.
وكان من
رأفته عليه الصلاة والسلام بخلق الله حرصه على هدايتهم
لينتشلهم من الضلالة وليصونهم من العذاب بالهداية ولذلك كان يتحمل من هموم دعوتهم وأحزانه على صدودهم ما يكاد يذهب بحياته وقد عاتبه الله تعالى على ذلك عتابا لطيفا في قوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاشَرِهِمْ إِن لَّمْ
81 (1/81)
صفحة 80
82
الحقيقة الدامغة
يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: 6]، وقوله: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا
مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 3].
ولا
ريب
أن هذا الخلق الرفيع والشمائل الرقيقة والمعاملة اللطيفة
كانت سببا لالتفاف المؤمنين حوله وارتباطهم به كما هو واضح في قوله تعالى: {فَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]، فقد كان حانيا على جميع الناس دمث الأخلاق رقيق الحاشية لطيف المعشر أرعى لمن عاشره من الأب الحاني وأرق من الأم الرؤم وكان مع أهله أبلغ في الرقة وأحرص على اللطف كما كان يوصي بذلك أصحابه فكان من قوله: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي
(1) « ..
وقد اعترف بخلقه الرفيع كل من درس سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام حتى أعداؤه الألدون ومباينوه الأبعدون فكم غير مؤمن به ولا برسالته سجل من الثناء عليه ما لا يتصور إلا أن يكون من أقوى الناس إيمانا به وأكثرهم اتباعا له سواء معاصروه وغيرهم لا فرق في ذلك أبناء جلدته وغيرهم من الشعوب والأمم فكم تجد فيما أثره فلاسفة الغرب من الثناء العاطر على شخصه الكريم وأخلاقه السامية ولكن تجد ذلك - وياللأسف - من حملة سنته - فيما لزوه بما حملوه ـ من أنبائه ما يصوره أنه كان من أشرس الناس أخلاقا وأحطهم قدرا وأقلهم اتزانا وأعجلهم إلى الانتقام وأبعدهم عن الفطرة السوية.
بين
مع
ونحن لا نرتاب أن كل ذلك إنما هو من دسائس أعدائه لاسيما اليهود
(1) أخرجه الترمذي (709/ 5، رقم 3895 وقال: حسن غريب صحيح. وابن ماجه (1/ 636، رقم (1977)، وابن حبان (484/ 9، رقم (4177)، والبيهقي في شعب الإيمان (415/ 6، رقم (8718)، والدارمي (212/ 2، رقم (2260)، وابن سعد (205/ 8)، والخطيب (13/ 7). (1/82)
صفحة 81
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
الذين كانوا أجرأ الناس على الأنبياء في تشويه صورتهم والحط من أقدارهم بما ألبسوهم من الدنايا وعزوا إليهم من الرذائل كما تجد ذلك في توراتهم المحرفة ولكننا نأسف كل الأسف أن ينساق أهل الحديث وراء مؤامراتهم الدنيئة وكيدهم للنبي الخاتم عليه الصلاة والسلام فهم عندما عجزوا عن تحريف القرآن كما حرفوا التوراة والإنجيل من قبل عمدوا إلى الروايات الباطلة فروجوا لها بين هذه الأمة وتلقفها منهم الوضاعون وصدقهم في الذين غروا بهم فظنوهم الأمناء الصادقين واندست أكاذيبهم في تضاعيف كتب الحديث ولم تخل منها حتى الصحاح وإليك هذه الشواهد:
حماد بن
ذلك
أ ـ قال مسلم في (صحيحه) حدثني زهير بن حرب حدثنا عفان حدثنا سلمة أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: اذهب فاضرب عنقه». فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها فقال له علي اخرج فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر.
تأمل أيها القارئ الكريم ما عزي في هذه الرواية إلى حضرة صاحب الرسالة العظمى أتراه ينسجم مع خلقه الرفيع وعقله الحصيف وقلبه الرحيم وتجاربه في الحياة أم أنك تراه لا يليق إلا بمن كان شرش الأخلاق مظلم العقل قاسي القلب غمرا لا يدري ما هي الدروس المستفادة من تجارب الحياة؟!
كيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل رجل مصون الدم بمجرد اتهام باطل يلصق به من غير أن يتثبت ويتروى حتى يصل إلى عين اليقين؟! أولم ينزل عليه القرآن ليبصره بمواطئ أقدامه ويرشده إلى الاحتراز والتثبت حتى يتبين الحق من الباطل ويميز بين المين والصدق؟ أولم ينزل عليه قوله تعالى:
83 (1/83)
صفحة 82
??
الحقيقة الدامغة
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ شک ماين [الحجرات: 6]؟؟!.
وكم نزل عليه من آيات بينات تنص على ما لحياة الإنسان من قيمة في موازين شرع الله، وما يترتب على التسبب لإتلافها من العقاب الشديد، ومن ذلك قوله تعالى: ومِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِ بِلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32] وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَضَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: 151]، وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ، سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا) [الإسراء: 33] وقوله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدٌ فيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69]، فأنت ترى كيف قرن قتل النفس بالشرك بالله الذي هو أكبر الكبائر، وجعلت عقوبتهما واحدة، وإذا كانت النفس مؤمنة كانت أغلى قيمة وأعظم قدرا، قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93]، فليت شعري؛ هل يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم نسي جميع هذه الآيات وعزب عنه كل ما فيها من النذر، أو أنه تناساها عندما استفزه
خبر ما له من أصل حبكه بعض المغرضين؟!!! حاشاه عن ذلك كله.
على أنه لو لم يكن نبيا مرسلا يسدده الوحي ويبصره نور الحق فيدله على ما يأتيه ويذره لكان في عقله الواسع الجم الذي ارتفع به فوق أقدار جميع الخلق ما يبصره ويسدده ويقيه الوقوع في هذه المزالق والانحدار إلى هذه الدركات كيف وقد كان عليه أفضل الصلاة والسلام بجانب ذلك ـ له من تجارب في حياته ما يكفيه درسا وعبرة؛ أولم تمر به (1/84)
صفحة 83
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
قصة الإفك التي هي - بلا ريب ـ أشد وقعا في نفسه لأنها ألصق عارها بحليلته التي هي أحب نسائه إليه وأحظاهن عنده وبنت أحب الرجال إليه؟ ذلك كان عليه الصلاة والسلام في تصرفه فيها مثالا للحلم والرزانة ورجاحة العقل وحسن الروية فقد تحكم في عواطفه ولم تتحكم فيه إذ لم تدفعه إلى الهم بمثل هذه الحماقة النكراء.
ومع
فكيف يعقل أن لا يأخذ هذه القصة من
درسا وعبرة مع أن ذلك لا يليق
حتى بالشخص العادي من الناس كما قال الشاعر:
ن لم تفده عبرا أيامه كان العمى أولى به من الهدى أم كيف يعقل أن يغار على أم ولده غيرة لم يغرها على السيدة عائشة لنا فليت شعري هل استأثرت بقلبه وهام في هواها حتى فقد رشده وهم بحماقة لا تصدر إلا عن أرعن هزيل لا يفرق بين في ورشد وجبار عنيد لم تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلا؟؟؟! حاشاه عن ذلك.
وليت شعري ألم يكن له في زواجر القرآن ما ينهنهه عن هذه التصرفات الهوجاء ويبصره بما يجب عليه اتباعه في مثل هذه المواقف؟! أولم ينزل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكُ مُّبِينٌ لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَيْكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَتَكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنا أَن نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا يُبْتَنُ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ} [النور: 11 - 18]، فكم في هذه الآيات من هدايات ونذر وتشريع لأحكام تصون
(15)
85 (1/85)
صفحة 84
الحقيقة الدامغة
الأعراض وتمنع الألسن عن قالة السوء وتحذر من سوء الظن بالمؤمنين والمؤمنات وتجنب المجتمع المسلم آفات الشائعات التي تستهوي مراض القلوب وتقطع بكذبها حكما إلا أن يشهد على صدقها أربعة شهداء فضلا عما سبقها من الحكم على كل من ولغ لسانه في الأعراض بمثل هذا بجلده ثمانين جلدة ومنع قبول شهادته وعده من فريق الفساق إلا إن تاب توبة نصوحا وما تبعها من توعد هؤلاء بشر الوعيد في الدار الآخرة؟؟؟! أوليس في هذه النذر والتوجيهات ما يبصر حتى ذوي القلوب الغلف والآذان الصم والأعين العمي ويقيهم الوقوع في هذه المزالق ويجنبهم ما يرديهم في هذه المهالك فكيف يعقل أن يكون أعقل البشر وأفضل الخلق وأرحم الناس بالناس هو الذي يتردى في مهاويها؟؟
على أنه من المعلوم قطعا أن ما نسج في هذه الرواية وألبسه نبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه لو قيل بوقوعه فهو لا يحتمل أن يكون سابقا على قصة الإفك التي كانت في العام الخامس من هجرته على أثر رجوعه عليه أفضل الصلاة والسلام من غزوة أوطاس لأن أم ولده عليه الصلاة والسلام لم تدخل في كنفه إلا في العام السابع عندما أهداها إليه المقوقس حاكم مصر بعدما وصله كتاب النبي هو الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، مع أنه قطعا لو كان هاما بشيء من هذا لهم به قبل أن تنزل عليه تلك النذر وتمر به هاتيك العبر، وذلك عندما أشيعت أحبوكة الإفك، فكيف يعقل أن يتصرف قبل تلك النذر والعبر بما يليق برجاحة عقله وحسن تدبيره وسلامة فطرته ونقاء طبعه وعلو قدره، ثم بعد أن جاءته النذر والعبر يهملها جانبا ويتصرف بما ينافي خصائصه الكمالية تصرفا لا يدل إلا على حماقة لا تدانيها حماقة وعنجهية لا تكون إلا في ذوي الطبائع الخسيسة وجهالة لا يهوي إلى
دركاتها إلا أشد الناس غرورا وأجفاهم طبعا وأقلهم اعتبارا وادكارا؟!. (1/86)
صفحة 85
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية |
ممن
أوليس هذا تناقضا ترفض تَقَبُّلَهُ العقول بالفطرة، فكيف يمكن صدوره
كان أوفر البشر عقلا وأسلمهم فطرة وأزكاهم طبعا وأكثرهم حلما؟!. أما ما ذكره شراح الحديث مما يعود بطائل ومن ذلك ذلك فهو لا يبرر ما ذكره القاضي عياض في شرحه عن المازري ونصه: «قال الإمام: الظاهر أن هذا الحديث فيه حذف بسط السبب فلعله ثبت عنده بالبينة ما أوجب قتله، فلما رأى علي كونه مجبوبا أبقاه ليراجع النبي فيه، ولم يذكر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، ولو ذكر السبب الموجب لقتله وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لعلم منه وجه الفقه، ولعل الرجل - أيضا ـ كان منافقا ممن يحل، قتله فيكون هذا السبب محركا على قتله» (1).
فإن هذا وأمثاله يرد بوجوه:
أولها: أنه مجرد رجم بالغيب من غير استناد إلى حجة تقتضيه ولا يسوغ الأخذ بالظنون وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: 28]. ثانيها: أن الرواية تفيد أن الأمر بقتله كان مرتبا على اتهامه بما اتهم به
فقال
كما هو واضح في هذا النص: أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي اذهب فاضرب عنقه»، فقد ترتب أمره بضرب عنقه على اتهامه، حيث عطف بالفاء التي تقتضي ترتيب ما بعدها على ما قبلها وهو يفيد تعليل الحكم بنفس اتهامه.
ثالثها: أنه لم يعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل منافقا قط، وكان يتفادى ذلك ويقول: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه (2)، على أنه
ص
152
(1) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، ج 8، (2) أخرجه البخاري (1861/ 4، رقم (4622)، ومسلم (1998/ 4، رقم 2584). وأحمد (3/ 392، رقم 15260)، والحميدي (519/ 2، رقم (1239)، والترمذي (417/ 5، رقم 3315) وقال: حسن صحيح.
AV (1/87)
صفحة 86
M
88
الحقيقة الدامغة
لو كان قاتلا أحدا من المنافقين لقتل رأسهم عبد الله بن أبي الذي كان أشد ضررا ونكاية بالنبي وبالمؤمنين، ولم يعمد إلى قتل صعلوك لا أثر له على شيء، ولا يتقى منه ضرر.
رابعها: أنه لو كان أمره بقتله ناشئا عن سبب موجب للقتل لما الله كان لعلي كرم وجهه أن يتخلف عن تنفيذ ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا فرق فيمن كان متلبسا بموجب القتل بين كونه رجلا كامل الخلقة أو مجبوبا، فإن الجب لا يؤثر في سبب القتل شيئا.
وقد وجدت لأبي العباس القرطبي محاولة لدرء الإشكال في هذه الرواية من خلال رواية أخرى تصورها مفيدة لحقيقة ملابسات هذه القضية، وإليك نص مقاله: ويزول هذا الإشكال: بأن هذا الحديث رواه أبو بكر البزار، بمساق أكمل من هذا، وأوضح فقال فيه: عن علي بن أبي طالب له عنه قال: كثر على مارية في قبطي ابن عم لها كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذ هذا السيف فانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله)؛ قال: قلت: يا رسول الله! أكون في أمرك كالسكة المحماة، لا يثنيني شيء، حتى أمضي لما أمرتني، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؛ فقال: (بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب)، وذكر الحديث بنحو ما تقدم فهذا يدل على أن أمره بقتله إنما كان بشرط أن يجده عندها على حالة تقتضي قتله. ولما فهم عنه علي منه ذلك سأله، فبين له بيانا شافيا فزال ذلك الإشكال، والحمد لله ذي الجلال. ويحتمل أن يقال: إن ذلك خرج من النبي - مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر على موجب الغيرة الجبلية والأول أليق وأسلم». اهـ (1).
قلت: الإشكال باق لم يحل، إذ غاية ما تدل عليه هذه الرواية أنه
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 64/ 16. (1/88)
صفحة 87
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
كان يندفع بتأثير ما يقال له حتى يتسرع إلى الأمر بقتل من لا يستحق القتل،
مع
كان
ولا يتثبت إلا بعد المراجعة من غيره!! أنه عليه الصلاة والسلام أكمل الناس أوصافا وأرقهم قلبا وأحبهم للرفق وأبغضهم للعنف، فيبعد كل البعد أن يكون صلوات الله وسلامه عليه غير متصور لما يقتضيه الاحتياط في الدين لاسيما قضايا الدماء، فإن حرمات البشر تفوق كل ما يتصور من حرمات المخلوقات، فكيف يمكن أن يأمر عليه الصلاة والسلام بهتك حرمة إنسانية إبان اتقاد الغضب حتى يجد من يسدده ويذكره؟!.
هذا بالنظر إلى متن هذه الرواية، أما من حيث السند فقد قال البزار نفسه: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه متصل عنه إلا هذا الوجه بهذا الإسناد» (1). من
وبإلقاء نظرة على رجال سنده نجد أنه لا أن يعتمد عليه، ففيه يصح محمد بن إسحاق، وقد قدح فيه كثير من رجال النقد، بل الطاعنون فيه أكثر ممن اعتمدوا روايته، فقد قال فيه الذهبي في (السير): «وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء منها تشيعه ونسب إلى القدر ويدلس في حديثه، وقال أيضا: وقال أبو إسحاق الجوزجاني: ابن إسحاق الناس يشتهون حديثه وكان يرمى بغير نوع من البدع، وقال كذلك أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان ابن إسحاق يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه.
وقال أيضا: وقال أحمد قدم ابن إسحاق بغداد فكان لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وعن غيره، وقال ليس هو بحجة، قال أبو العباس بن عقدة: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي يتبع حديث ابن
(1) مسند البزار، 304/ 2.
89 (1/89)
صفحة 88
الحقيقة الدامغة
إسحاق فيكتبه كثيرا بالعلو والنزول ويخرجه في المسند، وما رأيته أبقى حديثه قط، قيل له: يحتج به؟ قال: لم يكن يحتج به في السنن.
وقال أيوب بن إسحاق بن سافري: سألت أحمد بن حنبل فقلت: إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا.
وقال أيضا: يحيى مرة أخرى يقول هو عندي سقيم ليس بقوي، وقال الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن إسحاق ضعيف، وروى المفضل الغلابي عن ابن معين: هو ثبت في الحديث، وروى أبو زرعة النصري عن يحيى: ثقة وليس بحجة إنما الحجة عبيد الله
وذكر جماعة.
،
بن عمر ومالك
وقال يعقوب السدوسي: قلت ليحيى: في نفسك من صدقه شيء؟ قال: لا، هو صدوق وروى عباس بن محمد عن يحيى: ثقة وليس
:
بحجة وقال العجلي مدني ثقة، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: هو صدوق، وقال أبو حاتم يكتب حديثه، وقال أيضا العقيلي:: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي حدثنا سليمان بن داود حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا وهيب سمعت هشام بن عروة يقول: ابن إسحاق كذاب، وقال أيضا: قال الهيثم بن خلف حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا أبو داود حدثني من سمع هشام بن عروة، وقيل له: إن ابن إسحاق حدث بكذا وكذا عن فاطمة فقال: كذب الخبيث وقال أيضا الفلاس: سمعت يحيى بن سعيد يقول لعبيد الله: إلى أين تذهب؟ قال: أذهب إلى وهب بن أكتب السيرة، قال: يكتب كذبا كثيرا (1). جرير
(1) الذهبي،، سير أعلام النبلاء، ج 7، ص 33 - 55. (1/90)
صفحة 89
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
91
فأنت ترى أن منهم من صرح بكذبه بينما الذين قبلوه منهم من وثقه وقال ليس بحجة، ومعنى ذلك أن روايته غير مقبولة، وإذا تعارض التجريح والتعديل قدم التجريح لأن المجرح لا يجرح إلا بما ثبت عنده من اليقين بأسباب التجريح، بينما التعديل قد يكون بما يظهر من حال الرجل من غير اطلاع على خفاياه، قال الموصلي: اعلم أن الجرح مقدم على التعديل، بأن الجارح اعتمد دليلاً وهو العيان لارتكابه محظور دينه، والمعدل شهد بالظاهر ولم يعتمد على دليل
(1) «
وقد درج على التعويل على هذه القاعدة أهل الحديث والأصوليون
وغيرهم
(2)
، قال العلامة ابن عاشور: وقد استقر عند علماء الحديث
(1) الاختيار لتعليل المختار عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي الوفاة: 683 هـ 2/ 160 دار الكتب العلمية - بيروت لبنان - 1426 هـ ـ 2005 م، الطبعة: الثالثة، تحقيق: عبد اللطيف محمد عبد الرحمن.
(2) أنظر كشف المشكل من حديث الصحيحين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الوفاة: 597 هـ، 317/ 2 دار النشر: دار الوطن الرياض، 1418 هـ ـ 1997 م، تحقيق: علي حسين البواب وإيثار الإنصاف في آثار الخلاف، سبط ابن الجوزي الوفاة: 654 هـ، 251/ 1، دار السلام، القاهرة 1408 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق:
6
ناصر العلي الناصر الخليفي، وشرح فتح القدير كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي الوفاة: 681 هـ، 158/ 1 دار الفكر بيروت الطبعة الثانية، والاختيار لتعليل المختار عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي الوفاة: 683 هـ، 2/ 160، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1426 هـ ـ 2005 م، الطبعة: الثالثة، تحقيق: عبد اللطيف محمد عبد الرحمن واللباب في الجمع بين السنة والكتاب، الامام جمال الدين أبو محمد علي بن أبي يحيى زكريا بن مسعود. الأنصاري الخزرجي المنبجي الوفاة: 686 هـ، 91/ 1، دار النشر: دار القلم - الدار الشامية، سوريا / دمشق - لبنان بيروت - 1414 هـ ـ 1994 م، الطبعة الثانية، تحقيق: د. محمد فضل عبد العزيز المراد ومختصر خلافيات البيهقي، أحمد بن فرج اللخمي الإشبيلي الشافعي الوفاة: 699 هـ، 291/ 1، دار النشر: مكتبة الرشد ـ السعودية / الرياض - = (1/91)
صفحة 90
92
الحقيقة الدامغة
=
وأصول الفقه أن الجرح إذا صدر من أهل المعرفة مقدم على التعديل الصادر منهم فيقدم الجرح ولدى غير الطائفتين المجرحين والمعدلين، أي: لدى من يعتمد على أقول أئمة هذا العلم وهذه القاعدة مسلمة معمول
بها» (1)
والذي رواه عنه يونس بن بكير هو أيضا لم يسلم من النقد، فقد قال
1417 هـ ـ 1997 م، الطبعة الأولى، تحقيق د. ذياب عبد الكريم ذياب عقل، الجوهر النقي، علاء الدين علي بن عثمان الشهير بابن التركماني (المتوفى: 750 هـ) 202/ 2 هـ، ونصب الراية لأحاديث الهداية، عبد الله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي (الوفاة: (762 هـ 1/ 184 هـ، دار النشر: دار الحديث - مصر - 1357، تحقيق: محمد يوسف البنوري، والنكت على مقدمة ابن الصلاح، بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جمال الدين عبد الله بن بهادر الوفاة: 794 هـ، 58/ 2، دار النشر: أضواء السلف - الرياض - 1419 هـ - 1998 م، الطبعة الأولى، تحقيق: د. زين العابدين بن محمد بلا فريج وذيل طبقات الحنابلة عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (المتوفى: (795 هـ الوفاة: 795 هـ 269/ 1، ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الوفاة: 852 هـ، 232/ 1، دار النشر: دار إحياء التراث العرب / بيروت تحقيق ضمن كتاب سبل السلام وعمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين محمود بن أحمد العيني الوفاة: 855 هـ، 305/ 1 دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت والشرح الكبير، سيدي أحمد الدردير أبو البركات الوفاة: 1201، 171/ 4 دار النشر: دار الفكر - بيروت، تحقيق: محمد عليش وإرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني الوفاة: 1250، 120/ 1، دار النشر: دار الفكر / بيروت - 1412 هـ ـ 1992 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد سعيد البدري أبو مصعب وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، محمد جمال الدين القاسمي الوفاة: 1332 هـ، 189/ 10، دار النشر: دار الكتب العلمية / بيروت - 1399 هـ ـ 1979 م، الطبعة: الأولى.
،
(1) تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة، تأليف فضيلة الشيخ/ محمد الطاهر بن عاشور، ص 58 - 59، دار سحنون للنشر والتوزيع تونس دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع
،،
والترجمة / جمهورية مصر العربية. (1/92)
صفحة 91
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
عنه الذهبي في (الكاشف): قال ابن معين صدوق وقال أبو داود ليس بحجة يوصل كلام ابن إسحاق بالأحاديث» (1).
وقال المزي في التهذيب: وَقَال أبو عُبَيد الآجري، عن أبي داود: ليس هو عندي حجة يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث، سمع من محمد بن إسحاق بالري، وَقَال النَّسَائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر ضعيف» (2).
هذا؛ وإذا جئنا إلى رواية أنس الله له عند مسلم وجدنا أيضا في سندها علة ظاهرة، ففيه حماد بن أبي سلمة، وقد تقدم ما قيل فيه، ولا يغني أن
هذه الرواية رواها عن ثابت فإنها إن صحت سندا فقد أعلت متنا. ب ـ جاء في صحيح البخاري: حدثنا عُثْمَانُ حدثنا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورٍ عن إبراهيم عن الْأَسْوَدِ عن عَائِشَةَ نَا خَرَجْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نُرَى إلا أَنَّهُ الْحَجُّ فلما قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ فَأَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم من لم يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ فَحَلَّ من لم يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَم يَسُفْنَ فَأَحْلَلْنَ قالت عَائِشَةُ ما فَحِضْتُ فلم أطفْ بِالْبَيْتِ فلما كانت لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قالت يا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ الناس بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أنا بِحَجَّةٍ، قال: وما طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قلت: لا قال: فَاذْهَبِي مع أَخِيكِ إِلى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا قالت صَفِيَّةُ ما أَرَانِي إِلا حَابِسَتَهُمْ، قَالَ: عَقْرَى حَلْقَى أَوَ ما طُفْتِ يوم النَّحْرِ؟ قالت: قلت: بَلَى قال: لَا بَأْسَ انْفِرِي. قالت عَائِشَةُ فَلَقِيني النبي هو وهو مُضعِدٌ من مَكَّةَ وأنا مُنْهَبِطَةٌ عليها أو أنا مُصْعِدَةٌ
مُنْهَبِطُ منها (3).
(1) الكاشف، 402/ 2.
(2) تهذيب الكمال، 498/ 32.
(3) صحيح البخاري، (566/ 2 رقم 148).
93 (1/93)
صفحة 92
94
الحقيقة الدامغة
هذه الرواية فيها ما ينافي ما طبع عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الرفق واللطف والحنان مع جميع الناس لا سيما أهله كيف وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي))
فكيف
(1) «
أن يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى نسائه بهذه الشدة في يتصور
المعاملة والغلظة في التعبير على أمر ليس لها فيه اختيار وإنما هو ابتلاء من الله!! أنه من المعلوم أن مقتضى هذه العبارة الدعاء على من مع
خوطب بها بالعقر والحلق كما قال الحافظ ابن حجر: ثم معنى عقرى عقرها الله أي جرحها وقيل جعلها عاقرا لا تلد وقيل عقر قومها ومعنى حلقى حلق شعرها وهو زينة المرأة أو أصابها وجع في حلقها أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم (2)، فيا ترى أيتصور أن يقول نبي الرحمة ذلك أحوج ما تكون فيه إلى ما يسليها ويذهب بما
(Y),
لإحدى نسائه في موقف هي! في نفسها من الأسى والحسرة؟؟؟!!.
أولم يكن له عليه الصلاة والسلام موقف آخر مع إحدى نسائه في مثل هذا الظرف أيضا بدا في حانيا لطيفا يتدفق حنانا ويفيض رفقا، ألم يكن هو الذي قال لأم المؤمنين عائشة): «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم (3) ليسليها ويذهب بما علق بها من الحسرة والأسى، فبالله عليكم كيف يتصور أن يكون خطابه لإحدى نسائه مثالا للرقة والرحمة
(1) سبق تخريجه. (2) فتح الباري 589/ 3.
(3) أخرجه البخاري: (113/ 1 رقم: (29) و (5/ 2110، رقم: (522)، ومسلم: (873/ 2 رقم: (121)، وأبو داود (153/ 2 رقم: 178)، وابن ماجة (2/ 988 رقم: 296)، والنسائي (127/ 1) رقم: (28)، أحمد (309/ 3 رقم: (1435) و (245/ 6، رقم: 2611) وعبد بن حميد (318/ 1 رقم: 104) وآخرون. (1/94)
صفحة 93
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
ولغيرها مثالا للغلظة والقسوة، ألم تكن كل واحدة منهما من أهله،، وهو
خير
الرجال لأهله جميعا؟!.
وهو عليه الصلاة والسلام أولى الناس جميعا باتباع توجيهات القرآن، وقد أمر الله في القرآن الرجال أن يعاشروا النساء بالرفق والمودة جميع والحنان في قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِير انه [النساء: 19]، وقد أدرك أبو العباس القرطبي التباين السحيق بين موقفه الله من السيدة عائشة، وهذا الموقف الذي يعزى إليه في خطابه للسيدة أم المؤمنين صفية و هيات انا. أن مع قضيتهما واحدة فقد قال: وقوله: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)؛ يعني: الحيض. وكتبه عليهن؛ أي: جبلهن عليه وثبته عليهن وهو تأنيس لها، وتسلية، وهو دليل على ميله لها، وحنوه عليها. وكم بين من يؤنس ويسترضى، وبين من يقال له: (عقرى حلقي؟!)» (1).
6
وإن عجبت فاعجب أن يدرك القرطبي التباين بين الموقفين والتفاوت بين العبارتين ويفوته مع ذلك أن النبي الا الله أعظم وأجل من أن يميل به حب إحدى نسائه إلى هضم غيرها، أليس هو صلى الله عليه وسلم الذي كان يحرص على العدل بينهن في كل ما يملكه من العشرة وحسن المعاملة، ثم يعتذر إلى الله بأنه استفرغ وسعه فيما يقدر عليه من قسم ويسأل الله العفو عما هو ليس بمقدوره، وهو المشاعر الباطنة والأحاسيس الخفية، بحيث كان يقول:
«اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (2)؟. هذا؛ وتعقب الحافظ ابن حجر كلام أبي العباس القرطبي بقوله:
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 10/ 62.
(2) أخرجه الحاكم، (204/ 2 رقم: 2761)، وأبو داود (242/ 2 رقم: 2134)، والدارمي
(1416/ 3 رقم:
(2253:
95 (1/95)
صفحة 94
الحقيقة الدامغة
وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفا على ما فاتها من النسك فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله فأبدت المانع
فناسب كلا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة» (1).
6
ذلك
وهو لا يدفع ما يلابس الرواية من إشكال فإن قضيتهما واحدة وسببها واحد وكل واحدة منهما لا تملك من الأمر شيئا، على أنه لو كان السبب فيما قاله لصفية منها أنها اعتذرت إليه مما أراده منها لبدا من أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان أسير شهوته إن لم يتمكن من قضائها ممن أراد من نسائه ضاق وأبدى من القول ما لا يليق بذوي الأحلام الراجحة من الرجال فضلا عن مقام الأنبياء ـ حاشاه عن ذلك على أنها باعتذارها إليه كانت مطيعة لأمر الله مؤدية لما يجب عليها، فهب أنها طاوعته أولا تكون بذلك عاصية غاشة له، بحيث لم تخبره بحالها،
فكيف يكون جزاؤها التقريع والعبارة الجافة الغليظة؟!.
6 -
وأنت تدري أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان بخلقه الرفيع ومعاملته اللطيفة يأسر حتى قلوب ألد خصومه، فكيف يتصور أن يعامل بهذه الجفوة أي واحدة من نسائه اللائي محضنه الود واخترنه على الدنيا وما فيها وآثرن معه شظف العيش ولأواء الحياة على ما يتصور من النعيم الذي ينلنه عندما يملن إلى الدنيا وزينتها؟!.
ونحن إذا قارنا بين وضع السيدتين الجليلتين أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين صفية لها وجدنا أن صفية أولى بأن يغمرها النبي صلى الله عليه وسلم بحنانه ولطفه ويسعها برفقه وعطفه، كيف وقد خرجت عن محيط أسرتها وقومها
(1) فتح الباري، 589/ 3. (1/96)
صفحة 95
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
فآمنت به حق الإيمان، وقد كانت رزئت بقتل أبيها وزوجها وغيرهم من قرابتها على يديه صلوات الله وسلامه عليه أولا تكون مع هذا حرية بأن تجد في كنفه من الرعاية الرقيقة ما يأسو جراح قلبها وينسيها همومها وأحزانها، أوتَظن أنه صلى الله عليه وسلم - مع سعة قلبه وقوة مداركه ودماثة
أخلاقه،
ومع
ما آتاه الله من النبوة التي زادته بصيرة وصقلت أخلاقه وزگت
فطرته ـ يفوته أن يلحظ ذلك؟!.
على أنه مما يشهد لرفقه بها ما روي عنها نا قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: يا بنت حيي ما يبكيك؟» قلت: بلغني أن حفصة وعائشة ينالان مني ويقولان: نحن خير منها، نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه قال: ألا: قلت كيف تكونان خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلوات الله وسلامه عليهم
(1)
أخلاق النبي
فهذه الرواية مهما قيل في إسنادها هي التي تنسجم مع العالية، ومناقبه الزكية وعقله الراجح وقلبه الكبير. وبعد؛ أفيبقى في نفسك شك - أيها القارئ الكريم ـ أن ما لز به في قصة صفية وحجها إنما هو طعنة يهودية في خاصرة الإسلام وخلق نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام لأجل تصويره عنصريا يُحَفِّر بني إسرائيل ولو أسلموا واتبعوه وآثروه على أهليهم وذويهم، وهو غير غريب على اليهود ومكائدهم للأنبياء وافترائهم الكذب عليهم كما هو واضح في توراتهم المحرفة فيما نسبوه إلى أنبيائهم من عظائم الجرائم وكبائر الموبقات - حاشاهم جميعا عن ذلك - ومما يؤكد هذا خلو كثير من الروايات التي تعرضت لقصة حجها
(1) أخرجه الطبراني في الأوسط (236/ 8 رقم: 8503) والحاكم (31/ 4 رقم: 6790).
97 (1/97)
صفحة 96
98
الحقيقة الدامغة
وخطاب النبي الله لها من هذه الفقرة التي هي واضحة البطلان، فعن أبي سلمة وعروة أن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحابستنا هي؟» قالت: فقلت: يا رسول الله إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلتنفر»
عائشة
فأنت ترى خلو هذه الرواية من تلك الفقرة بل تراها تدل على أن هي التي أخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم بحيض صفية ولم يزد صلى الله عليه وسلم في رده على قوله: «أحابستنا هي؟» فأين ما ذكروه من أنه أراد أن يقضي وطره منها، فلما أجابته بتعذر ذلك لما اعتراها من المحيض كانت ردة فعله تلك الفظاظة والغلظة؟!!.
وقد تعززت هذه الرواية بروايات تعضدها أولا يكون ذلك دليلا على أن الزيادة التي ذكروها ليست من الصحة في شيء؟.
،
ج - روى البخاري في صحيحه قال حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله، قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق، فقال: إزاري إزاري فشد عليه إزاره». وعند مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن حاتم بن ميمون جميعا عن محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج ح، وحدثني إسحاق بن منصور، ومحمد بن رافع،
(1) أخرجه البخاري (625/ 2 رقم: (1670) و (4/ 1598 رقم: 4140) ومسلم، (2/ 964 رقم: 1211) وابن ماجة (2/ 1021 رقم: 3072)، وسنن الترمذي (280/ 3 رقم: 943) والنسائي (464/ 2 رقم: 4186) وغيرهم. (1/98)
صفحة 97
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الروابـ
واللفظ لهما قال: إسحاق، أخبرنا وقال ابن رافع.، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله،
يقول: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان حجارة. فقال العباس للنبي الله اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: «إزاري إزاري» فشد عليه إزاره قال ابن رافع في روايته على رقبتك، ولم يقل: على عاتقك.
:
هذه الرواية لا يخفى على لبيب يطلع عليها ما فيها من التجني على مقام حضرة صاحب الرسالة العظمى عليه الصلاة والسلام، ففيها نسبة أمر - تأباه الفطرة السليمة في أي بشر - إلى مقامه الرفيع، وهو التجرد من ثوبه الذي يستر سوأته!!.
فليت شعري؛ كيف يتصور أن يرضى من هيأه الله تعالى لحمل أعظم رسالات الله إلى العالمين أن ينحط إلى هذا الدرك الهابط ويهوي إلى هذا الحضيض الأسفل مع أن الله سبحانه حلاه بالخلق العظيم وأدبه فأحسن تأديبه وزكي فطرته فكانت أطيب الفطر وأنقاها من كل ما عسى أن يشوب طبائع البشر من الأخلاق الذميمة، فهل يا ترى يتصور أن يعزب عن ذهن الرسول ما الذي يترتب على حل إزاره بين الناس وأمام البيت الحرام من الحياء الذي يعتري كل ذي فطرة سوية منذ مراحل الطفولة ولو لم يسمع بدين ولم يترب على الأخلاق، فكيف يمكن أن يقبله ذلك الرجل الذي كان في العقد
سفاسف
الرابع من عمره مشرفا على تحمل أعباء رسالة يشرق نورها على العالمين. والنبي عليه الصلاة والسلام اختاره الله تعالى من أكرم معدن وأشرف ضئضئ وأطيب عنصر، فكانت بيئته - بلا ريب ـ مترفعة عن الأخلاق ورذائل العادات تعشق معالي الأمور وتترفع عن دناياها، فما بال عمه العباس يأمره بأن يحل إزاره ليتقي به أثر الحجارة على رقبته، فهل
99 (1/99)
صفحة 98
الحقيقة الدامغة
كان قومه يسوغون مثل هذا الفعل الدنيء أو أنهم كانوا لا يرون حرجا في
هم الحمس الذين كانت لهم مزايا بين العرب
إبداء العورات؟ مع أن قريشا لشرفهم بخدمة البيت العتيق وجواره، فهل يتقبل أن يأمر ابن أخيه بهذا
الفعل الشنيع؟!.
فلو قدر أن أحدا
6
من أبناء زماننا أقدم على مثل هذا ـ ولو أتى من بيئة بعيدة عن الدين والأخلاق تنزل بأبنائها إلى الحضيض الأدنى من العادات المذمومة - أولا يكون هذا مثار استنكار من حوله لصنيعه واستهجانهم لطبعه واستخفافهم بأحلامه فكيف يقع ذلك لرسول كريم صنع على عين الله وأحيط برعايته فنشأ منذ طفولته الأولى على المكارم والمحامد؟؟!. د - روى البخاري في صحيحه حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل عن حذيفة، قال: «رأيتني أنا والنبي صلى الله عليه وسلم نتماشي، فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، فبال، فانتبذت منه، فأشار إلي فجئته، فقمت عند عقبه حتى فرغ». ومثله عند مسلم وغيره (1). لا يخفى على لبيب ما في هذه الرواية من النكارة، فكيف يمكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أشد حياء من البكر في خدرها (2)، أن يخالف مقتضى الفطرة وأن يبول قائما ويدعو مرافقه إلى أن يكون معه حول عقبه!! هو الذي سن لمن ذهب في حاجته أن يبعد المذهب، فعن
مع
أنه
(1) أخرجه البخاري (54/ 1 رقم: 224 و 225) و (وانظر 135/ 3 رقم: 2471) ومسلم: (228/ 1 رقم: 73 و 74) والنسائي (19/ 1 رقم: 18)، والبيهقي (163/ 1 رقم: 486)
وعبد الرزاق (193/ 1، رقم (751)، وابن أبى شيبة (115/ 1، رقم 1309). (2) أخرجه أحمد (3/ 71 رقم: (1170) و (79/ 3 رقم: 1176)، وعبد بن حميد (302/ 1 رقم: (97)، والطيالسي (295/ 1) رقم (222) وابن أبي شيبة (213/ 5 رقم: 2534)،
وابن الجعد (156/ 1 رقم: (99) وعبد الرزاق (143/ 11 رقم: 2014). (1/100)
صفحة 99
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية | 101
المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وكان إذا
(1)
ذهب أبعد في المذهب (1).
وذلك يرجع إلى حيائه وهو من شعب الإيمان كما ثبت في الحديث، فكيف يتصور أن يخالف مقتضى الحياء، فيدعو أحدا إلى أن يكون عند عقبه في حالة بوله؟!! فضلا عن ما في البول قياما مما يخل بالآداب والأخلاق وقد نفت أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها بشدة أن يكون عليه الصلاة والسلام بال قياما، حيث قالت: من حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُهُ أنا رَأَيْته يَبُولُ قَاعِدًا (3). وهي بلا ريب أخبر بأحواله وأكثر اطلاعا على ما يأتي منه، وما كان استنكارها لنسبة البول قياما إليه إلا لاستهجانها هذا العمل الذي لا يليق بذوي الحياء
كانت
والأخلاق فضلا عن أن يليق بمقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه. وقد قال الترمذي: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَصَحُ (3). وقال أيضا: «وقد روى عن عبد الله بن مَسْعُودٍ أنه قال: إن من الْجَفَاءِ أَنْ تبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ» (4).
،
وقد اختلف العلماء في تبرير ما عُزيَ إليه صلوات الله وسلامه عليه من البول قياما، فمنهم من قال: «لأنه لم يجد مكانا يصلح للقعود فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليا فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله. وقيل: لأن السباطة رخوة يتخللها البول فلا يرتد إلى البائل منه شيء. وقيل إنما بال قائما لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت ففعل ذلك لكونه
(1) أخرجه أحمد (106/ 30 رقم: 18170).
(2) مصنف ابن أبي شيبة (116/ 1).
(3)
سنن الترمذي (18/ 1).
(4) نفس المصدر (19/ 1). (1/101)
صفحة 100
102
الحقيقة الدامغة
قريبا من الديار ويؤيده ما رواه عبد الرازق عن عمر الله قال البول قائما أحصن للدبر وقيل السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك فلعله كان به وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال إنما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما لجرح كان في مأبضه والمأبض بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة باطن الركبة فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي».
قال الحافظ: «والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر أحواله البول عن قعود، والله أعلم، وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكا آخر فزعما أن البول عن قيام منسوخ واستدلا عليه بحديث عائشة الذي قدمناه (ما) بال قائما منذ أنزل عليه (القرآن وبحديثها أيضا: (من حدثكم أنه كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا)، والصواب أنه غير منسوخ والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن» (1).
وأنت ترى أن هذه الوجوه كلها لم تكن مبنية على أصل يعتمد عليه، وإنما هي مجرد ظنون، والظن لا يغني من الحق شيئا، ولا يخفى أن الأماكن لم تضق به حتى لا يجد إلا هذه السباطة ليبول عليها، فبإمكانه أن يعدل إلى غيرها إن كان يتعسر أو يتعذر أن يقعد فيها، وما ذكر من عذره فهو غير ثابت كما نص عليه الحافظ ابن حجر نفسه، على أنه لو
(1) فتح الباري (330/ 1). (1/102)
صفحة 101
103
كان له عذر يبرر
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية.
ذلك لأبان عن ذلك العذر حتى ينجلي الأمر ولا يبقى الناس في عمى من أمرهم وحيرة تبلبل آراءهم باتباعهم الظنون ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
حال
وما قيل من أن نفي السيدة أم المؤمنين وهنا إنما هو خاص بالبيوت حسب اطلاعها يرد عليه أنه صلوات الله وسلامه عليه إن التزم في بيته البول قعودا، فهو في غير بيته ينبغي أن يكون أكثر التزاما لذلك، لما في البيوت من الستر بخلاف الأماكن الأخرى، وأشد من نسبتهم إليه القيام بوله ما ذكروه من أنه دعا مرافقه ليقف على عقبه إلى أن يفرغ، وهذا أمر عجيب فما هو المبرر لهذا؟!! وهل يمكن أن يتصور في وقتنا هذا أن يفعل ذلك رجل سوي الفطرة مطبوع على الحياء والأخلاق الرفيعة، فإن الفطرة تأبى ذلك وتستنكره فلو أقدم عليه أحد لانهال الناس عليه توبيخا وتقريعا، فكيف يتصور أن يكون ذلك من صاحب الخلق العظيم والمقام الذي لا يدرك شأوه ولا يسامى في علاه.
فمن الواضح بداهة أن هذا أمر ألصق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منه براء. هـ ـ روي أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والحاكم في مستدركه - وصححه وتابعه الذهبي - والطحاوي في مشكل الآثار) عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة عنها قالت له: يا ابن أختي، لقد رأيت من تعظيم رسول الله له علمه أمرا عجيبا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه الخاصرة فيشتد به جدا، فكنا نقول: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرق الكلية، لا نهتدي أن نقول الخاصرة، ثم أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فاشتدت به جدا حتى أغمي عليه وخفنا عليه وفزع الناس إليه، فظننا أن به ذات الجنب، فلددناه، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفاق، فعرف أنه قد لد، ووجد أثر اللدود، فقال: «ظننتم أن الله صلى الله عليه وسلم سلطها علي، ما كان الله (1/103)
صفحة 102
104
الحقيقة الدامغة
ليسلطها علي، والذي نفسي بيده لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي»، فرأيتهم يلدونهم رجلا رجلا قالت عائشة: ومن في البيت يومئذ، فتذكر فضلهم؟ فلد الرجال أجمعون، وبلغ اللدود أزواج النبي، فلددن امرأة امرأة، حتى بلغ اللدود امرأة منا قال ابن أبي الزناد: لا أعلمها، إلا ميمونة، قال: وقال بعض الناس: أم سلمة قالت: إني والله صائمة، فقلنا: بئسما ظننت أن نتركك، وقد أقسم رسول الله، فلددناها والله يا ابن أختي، وإنها لصائمة» (1).
،
هذه الرواية بموجب متنها عند هؤلاء لا يمكن بحال أن تنطبق على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أرحم الناس بالناس وكان مثالا في التسامح والعفو، كيف وهو الذي عفا عام الفتح عن الذين كانوا أشد الناس قسوة عليه ونكاية به، فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (2)، أيتصور أن يكون مع تسامحه هذا يشتد على أهل بيته ومن حضر معهم فيعاقبهم هذا العقاب الصارم مع أنهم ما أرادوا به إلا خيرا فهم محسنون بالنظر إلى ما كانوا منطوين عليه من القصد لأنهم أرادوا بالعلاج التخفيف عنه صلى الله عليه وسلم مما تصوروه أنه ملم به من الأسقام وقد قال تعالى: {وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سبيل [التوبة: 91]، فهل يعقل أن يؤاخذهم بهذه الشدة وهو صاحب
الخلق العظيم والرأفة بكل الخلق والتسامح حتى مع ألد الأعداء؟؟؟!.
نعم؛ جاءت هذه الرواية عند الشيخين بكيفية محتملة ففيهما من طريق هشام عن عروة عن عائشة ل ل لنا أنها قالت: لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا: «أن لا تلدوني»، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال:
(1) أخرجه الحاكم (225/ 4، رقم (7447) وقال: صحيح الإسناد، وأحمد (118/ 6، رقم
(24914
(2) سبق تخريجه. (1/104)
صفحة 103
المحور الثاني منهج الإباضية في الحكم على الرواية
من
هذه
ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: «لا يبقى في البيت أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس، فإنه لم يشهدكم (1). فحسب هذه الرواية تقدم النبي الله على من لدوه بالنهي عن لده، فخالفوه في ذلك، فكانوا أحرياء بالزجر، وتدل على أن استثناء العباس نه إنما هو من أجل أنه لم يشاركهم في الله، فلم تتعلق به تبعة. الناحية، ولكن ذلك مخالف لما جاء في الرواية المتقدمة، ففيها عن عائشة نا أنها قالت: «لقد رأيت من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أمرا عجيبا»، فإنه يوحي إلى أن عدم لد العباس إنما كان بسبب ما في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم من تعظيمه، وأنه مشارك للحاضرين في لده عليه الصلاة والسلام، وفيها أنهم لدوه في غيبوبته، بينما تدل هذه الرواية أنهم لدُّوه في حال صخوه، وهذا مما يدل على أن الرواة تصرفوا في الرواية وحرفوها حتى التبس
معناها
ومع
ذلك فإن اللائق بمقامه العظيم وخلقه الرفيع وما وصفه الله به من الرفق واللين أن لا يؤاخذ من أراد به خيرا ولو أخطأ فإن قصد التسبب لشفائه أو التخفيف عنه يشفع لخطئهم فيبعد أن يشتد هذه الشدة، كيف وقد تجاوز عن الذين أساؤا إليه عن قصد وآذوه لما كان يدعوهم إلى الحق ناهيك قوله للذين كانوا أشد الناس قسوة عليه: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (2). فلا ريب أنه يستبعد جدا أن يأمر الله بلدهم عقوبة مع أن لدهم له كان من أجل ابتغاء العافية له.
وبالجملة؛ فإن مقام النبي الله مقام عظيم فهو يمثل الكمال البشري بأعلى ما يتصور، فيجب تنزيه مقامه الرفيع عن هنات الأمور فضلا عن
(1) أخرجه البخارى: (1618/ 4، رقم 4189)، ومسلم (1733/ 4، رقم 2213).
(2) أخرجه البيهقي (199/ 9 رقم: 18276).
1.0 (1/105)
صفحة 104
1.7
الحقيقة الدامغة
سفاسفها ودناياها، فلذلك نقبل أي رواية تخدش من هذا المقام كيفما كانت عدالة رواتها والغيرة على مقامه الأولى من الغيرة على كتاب صنفه أحد من الناس، فيجب عرض ما في كتب الرواة على الأصول الثابتة لأجل إقراره أو رده.
4 - ما يؤدي إلى اتهام أصحابه الله أنهم كانوا يتمردون على أوامره: من المعلوم أن أصحاب النبي الله كانوا أبر الأمة به وأسرعهم إلى طاعته وأحرصهم على الائتمار بأوامره والازدجار عن نواهيه، لذلك أثنى الله تعالى عليهم في كتابه كما في قوله: تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَبِّهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَيَةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ فَتَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّزَاعَ لِبَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29]، وقوله: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيكَ هُمُ الصَّدِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ فَأُوْلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8 - 9].
ولا يخفى على لبيب أنه يبعد كل البعد أن يتجرأ في محيط أصحابه أحد على رد أوامره ولا ينزل به من العقاب ما يستحقه فضلا عن أن يجترئ على تسفيه ما يصدر عنه صلوات الله وسلامه عليه، ووصفه بما لا يليق أن يوصف به ما يصدر من ذوي الأحلام والرشد، ولست بهذا أدعي العصمة للصحابة، فقد وجد من بينهم من أخذ بالعقاب وأقيم عليه الحد الشرعي، ولا عصمة لأحد من الأمة إلا لنبيها عليه الصلاة والسلام، ولكنني أقطع بأنهم كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم جنودا مستعدين لتنفيذ (1/106)
صفحة 105
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
كل ما يلقى إليهم من قائدهم البصير الأمين، ولو قدرنا أن أحدهم هم بالتمرد عن هذا النظام للقي من سائرهم ما يستحقه مما يعاقب به أمثاله،
،
ويستحيل عليهم إهماله فإن الغيرة على الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام كانت تمتزج بدمائهم ولحومهم وأعصابهم، وكم لذلك من شاهد، ناهيك أن ابن عبد الله بن أبي رأس النفاق عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بقتل أبيه لتلبسه بالنفاق وكيده للنبي عليه الصلاة والسلام ولدينه الإسلام. لأجل هذا لا يمكن أن نتقبل ما رووه عن ابن عباس أنه قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم العلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط، قال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس
يقول: إن الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه» (1). فإن هذا إن دل على شيء فهو يدل على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجترئون على مخالفة أوامره ونبذها والحيلولة دون تنفيذها، ولو كان ذلك في أعظم أمر يعقد عليه مصير الأمة والمحافظة على نظامها، وهل يعقل أن يكون عمر له الذي كان أغير ما يكون على الإسلام وأحرص على طاعة نبيه عليه الصلاة والسلام هو الذي يعلن التمرد على أمره وأن يسكت عن ذلك سائر الصحابة؟! فليت شعري أين ذهبت حميتهم للدين وحرصهم على استقامة أمر الأمة وانتظام مستقبلها؟! ولو قدر أن. عمر كان منطويا - حاشاه - على دخيلة في نفسه بعثته إلى أن يقول ما قال، فأين سائر المهاجرين والأنصار؟! بل أين عترة النبي صلى الله عليه وسلم كالعباس وبنيه وعلي ومن حوله من بني هاشم، كيف يسكتون عن مثل هذا الأمر، وقد كانوا أسود الشرى الذين
تهابهم الأبطال ولا يهابونهم، ما بالهم سكتوا عن هذا الأمر؟؟!.
(1) أخرجه البخارى: (34/ 1 رقم: 114).
107 (1/107)
صفحة 106
08
الحقيقة الدامغة
وإنما
إن هذه القصة التي حبكت في هذه الرواية ليست طعنة في عمر وحده،
هي
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ ومن بينهم عترته
-
طعنة موجهة إلى جميع الطاهرة الكريمة - إن كانوا جميعا تخاذلوا عن نصرة الحق وتنفيذ ما أمر به عليه الصلاة والسلام، على أن الرواية لم تقف عند هذا القدر من نسبة الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بل تجاوزت ذلك إلى زعم أنهم اتهموه بأنه يهجر! .. حاشاه وحاشاهم، فقد جاء عن ابن عباس ا - أيضا -: أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم و وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع،
،
فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه» (1). وأنت ترى أن هذه الرواية أبلغ من تلك في اتهام أصحابه بعصيان أمره والتمرد على طاعته والحط من قدره الرفيع، كيف وقد جاء فيها أنهم اتهموه بأنه يهجر - حاشا وكلا ـ وأنهم تنازعوا بين يديه ما مع عرفوا به من التأدب أمامه وحرصهم البالغ على خفض أصواتهم عنده حذرا أن تحبط أعمالهم وامتثالا لقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أَوَلَيْكَ الَّذِينَ آمَتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم [الحجرات: 2 - 3]، فكيف يتصور أنهم في حال مرضه يجترئون على إزعاجه بتنازعهم مع ما في ذلك من إيذائه، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مهينا الله [الأحزاب: 57]، آذاه آذى الله، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61]، وتجد
ومن
(1) أخرجه البخاري: (69/ 4 رقم: 3053). (1/108)
صفحة 107
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
أن هذه الرواية عزت القول بأنه لا يهجر إليهم جميعا وهو اتهام خطير لمقامه العالي يؤدي ـ بلا ريب - إلى عدم الثقة بما يصدر عنه من أوامر وما يبلغهم إياه من وحي ونسبة قول ذلك إليهم اتهام لهم بأنهم كانوا يحقرونه ولا يبالون في مخالفة أوامره كأنهم لم يطرق مسامعهم قول الله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ: أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابُ اليه} [النور: 63]، فكيف يتصور أن يكون ذلك من قوم خلد الله تعالى لهم طيب الذكر بما أثنى عليهم به في كتابه العزيز كما سبق ذكره؟!. على أنه مهما كان أثر الكتاب الذي أراد النبي ما أن يمليه عليهم فإنه
لن يكون أعمق أثرا وأبلغ معنى وأحفظ لهم من الاختلاف والشقاق من كتاب الله تعالى فكتاب الله فيه تبيان كل شيء والهداية إلى كل حق ومع ذلك اختلفت الأمة ووقعت في شقاق عظيم، فلا يتصور من النبي صلى الله عليه وسلم أن أن لا يختلفوا بإملاء كتاب منه عليهم.
يعدهم
هو
والخلاصة؛ أن الروايات يجب تمحيصها والمقارنة بينها وبين ما قطعي الثبوت وهو نصوص القرآن والأحاديث المتواترة، فالأحاديث الأحادية وإن بلغت من صحة أسانيدها ما بلغت لا يتجاوز ثبوتها مرتبة الظن، فلا تعارض اليقينيات الثابتة بالتواتر القطعي، ومن ناحية أخرى فإن هذه الأحاديث مهما قيل من صحة سندها يجب أن لا تقبل إذا عارضت ثوابت الاعتقاد التي تلقتها الأمة من قواطع الأدلة، كتنزيه الله له عن خلقه، وسلامة كتابه (القرآن) من كل ما يمكن أن يكون قادحا في
مشابهة
صحته وثبوته، وتحلي نبيه بمكارم الأخلاق وتفوقه فيها على الناس كلهم، وكونه عليه أفضل الصلاة والسلام قد بلغ كل ما أنزل إليه من ربه ولم يقبضه الله إليه إلا وقد كمل الدين وأتم الله به النعمة على عباده، وأن
109 (1/109)
صفحة 108
110
الحقيقة الدامغة
أصحابه عليه الصلاة والسلام كانوا أكثر الناس توقيرا له وامتثالا لأمره واستجابة لندائه فلم يعترضوا في يوم من الأيام إبلاغه الدعوة، وقيامه بجميع الوسائل التي تحفظ لهم دينهم وتقيهم شرور الفتن والشقاق بينهم.
وعليه؛ فإن كل رواية تخالف هذا هي مردودة لأنها مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإذا كانت الروايات تطرح بسبب القوادح في أسانيدها فكيف لا تطرح عندما يعتري متونها من القوادح ما هو أوضح من الشمس في رابعة النهار، على أن المحافظة على سلامة الأسانيد إنما هو من أجل المحافظة على سلامة المتون فإن المتون هي مصادر الهداية وينابيع العلم والحجة التي يعول عليها في أصول الدين وفروعه فلا يكون ما يراد لغيره كالذي يراد لذاته وبهذا يتبين أن نقد المتون بموجب الأسس الدينية المعلومة أهم من نقد الأسانيد، وإن كان ذلك لا يقلل من أهمية نقدها.
هي
وقد علمت مما تقدم أن هذه طريقة أصحاب النبي، فكم أنكروا أحاديث رواها من الصحابة من هم في ذروة العدالة والاستقامة والصلاح والتقوى، ولم يكن في ردها تكذيب لرواتها، كما قالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ» (1)، وإذا كان الخطأ والنسيان محتملين في الطبقة الأولى التي تلقت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فكيف لا يحتملان فيمن بعدها مع كثرة الوسائط وتقادم الزمن وقلة الحفظ والضبط والدراية بالقياس إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله، ومع ما عصف بالأمة من الأهواء والفتن، فكيف لا ترد الروايات المتلبسة بالأسباب التي ردت بها تلك الروايات في الرعيل الأول؟.
(1) سبق تخريجه. (1/110)
صفحة 109
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
ومع
ذلك كله فإن الإباضية حرصوا على تطبيق السنة والعمل بها
والتعويل عليها في الأصول والفروع بحسب مراتبها، ففي الأصول عولوا على ما تواتر من السنة بجانب القرآن الكريم وفي الفروع أخذوا بالآحاد، ولكنهم كانوا محترزين عن تقبل جميع الروايات بعجرها وبجرها، وكان أهم ميزان عندهم للتمييز بين مقبولها ومردودها الرجوع إلى القرآن الكريم كما تقدم، ولم يكونوا في ذلك شاذين عن الأمة، فجميع طوائف الأمة كان لها آراء محفوظة في التعامل مع الروايات قبولا وردا وإن اختلفت المناهج في ذلك، وسيتبين لك إن شاء الله في المحور الآتي ما يدلك على صحة هذا الذي ذكرناه.
111 (1/111)
صفحة 110
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها.
المحور الثالث
في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها
إن اتهام الحشوية للإباضية بأنهم ينكرون السنة ويردُّونها اتهام غير مبني على أساس يمكن أن يُعَوَّلَ عليه، وإنما هو قائم على الهوى والفجور في الخصومة كما هو شأن المنافقين كما ثبت في حديثه عليه الصلاة والسلام، وقد رأيت في المحور الأول ما يوصلك إلى الحق اليقين في هذا، فالإباضية أحرص الناس على اتباع السنة والتكيف بحسب مقتضياتها عملا وتركا، فكرا وتطبيقا، وإنما نهجوا نهج أصحاب النبي ا لل في وزن ما يُلقى إليهم من الروايات بموازين العدل لسبر أحوالها من ثبوتها وعدمه.
وليست دعوى الحشوية أن الإباضية لا يأخذون بالسنة إلا من باب رَمَتْنِي بِدَائها وانْسَلت)، فلو تتبعنا المنهج الذي سار عليه الحشوية في هذا لرأينا منه العجب العجاب كيف ينكرون الروايات الصحيحة الثابتة عندما تكون غير ملائمة لهواهم، ويعوّلون على ما هو باطل بحسب معايير أهل الحديث أنفسهم عندما ينسجم مع أهوائهم،، وقد يصل بهم الأمر إلى إنكار السنة المتواترة أو حملها على غير محملها الصريح البادي للعيان بتأثير
أهوائهم عليهم.
ولربما عوّلوا على أثر باطل متنا وسندا مناقض للقرآن ولدلائل العقول وللصحيح الثابت عن النبي، حتى جعلوا من ذلك الأثر الباطل حجة قطعية بنوا عليها تضليل وتكفير مَنْ خالفه تحرّيا للحق واتباعا للحقيقة!!.
113 (1/113)
صفحة 111
114
الحقيقة الدامغة
ولستُ في شيء مما أقول - بحمد الله - متأثرا بهوى في النفس أو رغبة في إدانة الخصم ولو بالباطل، وإنما الأدلة من نصوص كلامهم هي التي
تفيد ذلك.
وإليك أيها القارئ الكريم ما سنح للخاطر بيانه في هذه العجالة
مُلخصا
في مبحثين:
مع
القرآن
دلالة
المبحث الأول: في ردهم للأحاديث الصحيحة أنكر الحشوية كثيرًا من الأحاديث الصحاح عندما أتت غير موافقة لهواهم، ومن ذلك إنكار ابن تيمية - وهو من كبار أئمتهم ـ حديثا صحيحا ثابتا عن رسول الله بالسند الصحيح، ومعتضدا بنصوص وبمقتضيات العقول وبإجماع الأمة، فقد أنكر حديث «كان الله ولا شيء غيره» (1)، مع أنه تعززه براهين العقل وقواطع النقل، فإنه يتفق قوله تعالى: وخَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تقديرا} [الفرقان: 2]، وقوله: {قُلِ اللهُ يَبْدُوا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس: 34]، وقوله: أمَن يَبْدُوا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النمل: (64)، وقوله: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29]، فإن هذه النصوص كلها دالة دلالة قاطعة على أن سبحانه سابق على وجود كل ما سواه، فكل ما في الكون مخلوق له، ومِنْ مُسلّمات العقل أن كل مخلوق مسبوق بخالقه في الوجود، لأن خلقه إخراج له من العدم إلى الوجود ولا يمكن إلا أن يكون ذلك في زمان والخالق وحده هو المنفرد بالوجود في الأزل من غير أن يكون معه غيره، ولكن ابن تيمية أبى ذلك واختلق من عنده خلافا وتناقضا بين رواية «كان
وجود
د الله
(1) الطبراني في الكبير (204/ 18 رقم: (497 والنسائي في سننه الكبرى: (6/ 363 رقم: 11240)، وابن حبان في صحيحه (14/ 8 رقم: (6140)، والحاكم في مستدركه
(372/ 2 رقم: (3307)، والبيهقي في سننه الكبرى (9/ 3 رقم: 17480). (1/114)
صفحة 112
الله
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها.
ولا شيء قبله وروايتي كان الله ولا شيء غيره» و «كان الله ولا شيء أنه بنفسه يعزو الروايات الثلاث إلى البخاري (1).
معه)، مع
وأنتَ تدري أنه لا تعارض بين هذه الروايات الثلاث، فالله سابق على كل شيء ولم يكن مسبوقا بشيء، فهو كان ولا شيء قبله ولا شيء معه في الأزل ولا شيء غيره، وقد انعقد الإجماع على ذلك، وحكى غير واحد كفرَ مَنْ أنكر شيئا من هذا غير أن ابن تيمية بجدله أخذ يماحك في هذا وينتصر لمقولة ملاحدة الفلاسفة أن العالم قديم بالنوع!! وهي مقولة مردودة بنصوص الشرع وبراهين العقل وشواهد العلم الحديث، فإنه دل على أن الحرارة الديناميكية في الكون تنقص باطراد، وذلك شاهد على فناء الكون عندما تصل هذه الحرارة إلى درجة الصفر المطلق، وهو أيضا شاهد على أن لهذا الكون بداية، فلو كان أزليا مع اطراد نقصان هذه
الحرارة لكان قد وصل إلى هذه الدرجة وفني منذ آماد لا يعلمها إلا الله. هذا؛ وقد حكى ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع على أن الأمة متفقة على هذا وأن من خالفه كفر بإجماعها، وذلك في قوله: «باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع». ثم قال: «اتفقوا أن الله ل وحده شريك له، خالق كل شيء غيره، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلها كما
شاء، وأن النفس مخلوقة والعرش مخلوق والعالم كله مخلوق (3). ولم يرق ذلك لابن تيمية إذ تعقبه بقوله: «أما اتفاق السلف وأهل السنة والجماعة على أن الله وحده خالق كل شيء فهذا حق، ولكنهم لم
يتفقوا على كفر من خالف ذلك.
(1) نقد مراتب الإجماع، 304.
(2) مراتب الإجماع، ص 167.
115 (1/115)
صفحة 113
116
الحقيقة الدامغة
فإن القدرية الذين يقولون: إن أفعال الحيوان لم يخلقها الله أكثر من أن يمكن ذكرهم، من حين ظهرت القدرية في أواخر عصر الصحابة إلى هذا التاريخ والمعتزلة كلهم قدرية وكثير من الشيعة، بل عامة الشيعة المتأخرين، وكثير من المرجئة والخوارج، وطوائف من أهل الحديث والفقه، نسبوا إلى ذلك، طائفة منهم من رجال الصحيحين، ولم يجمعوا
6
على تكفير هؤلاء، بل هو نفسه قد ذكر في أول كتابه: أنه لا يكفر هؤلاء. والمنصوص عن مالك والشافعي وأحمد في القدرية أنهم إن جحدوا
العلم كفروا، وإذا لم يجحدوه لم يكفروا.
وأيضا: فقد ذكر في كتابه الملل والنحل أن الصحابة وأئمة الفتيا مسألة في في الاعتقاد ولا فتيا، وإن كان أراد بقوله:
أخطأ لا يكفرون من (اتفق المسلمون على هذا) فهذا أبلغ.
من
أظهر
خالف
ومعلوم أن مثل هذا النقل للإجماع لم ينقله عن معرفته بأقوال الأئمة، لكن لما علم أن القرآن أخبر بأن الله خالق كل شيء، وأن هذا الأمور عند الأمة حكى الإجماع على هذا، ثم اعتقد أن. من الإجماع كفر بإجماع، فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية على هاتين المقدمتين اللتين ثبت النزاع في كل منهما. وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه (لم
يزل وحده، ولا شيء غيره معه،، ثم خلق الأشياء كما شاء). ومعلوم أن هذه العبارة ليست في كتاب الله، ولا تنسب إلى رسول الله، بل الذي في (الصحيح عنه حديث عمران بن حصين له عن النبي كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض وفي لفظ: (ثم خلق السماوات والأرض).
وروي هذا الحديث في البخاري بثلاثة ألفاظ: (1/116)
صفحة 114
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها | | 17
روي:: (كان الله ولا شيء قبله).
وروي: (ولا شيء غيره).
وروي: (ولا شيء معه).
والقصة واحدة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال واحدا من هذه الألفاظ، والآخران رُوِيَا بالمعنى، وحينئذ فالذي يناسب لفظ ما ثبت عنه في الحديث الآخر الصحيح أنه كان يقول في دعائه: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).
فقوله في هذا: (أنت الأول فليس قبلك شيء) يناسب قوله: (كان الله ولا شيء قبله وقد بسط الكلام على هذا الحديث وغيره في غير هذا
الموضع. والمقصود هنا الكلام على ما يظنه بعض الناس من الإجماعات، فهذا اللفظ ليس في كتاب الله، وهذا الحديث لو كان نصا فيما ذكر فليس هو متواترا، فكم من حديث صحيح ومعناه فيه نزاع كثير، فكيف ومقصود الحديث غير ما ذكر؟ ولا نعرف في هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فكيف يدعى فيها إجماع ويدعى الإجماع على كفر من
خالف ذلك!
ولكن الإجماع المعلوم. ما علمت الأمة أن الله بينه في القرآن، هو وهو أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر الله بذلك في القرآن في غير موضع، فإذا ادعى المدعي الإجماع على هذا وتكفير من خالف هذا كان قوله، متوجها وليس في خبر الله ـ أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام - ما ينفي وجود مخلوق قبلهما، ولا ينفي أنه خلقهما من مادة كانت، قبلهما، كما أنه أخبر أنه خلق (1/117)
صفحة 115
118
الحقيقة الدامغة
الإنسان وخلق الجن وإنما خلق الإنسان من كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار.
مادة، وهي
الصلصال
فكيف وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ـ الذي لا يعلم فيه نزاع ـ أن الله لما خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء قبل ذلك فكان العرش موجودا قبل ذلك، وكان الماء موجودا قبل ذلك.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء). وقد أخبر سبحانه أنه واسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَابِعِينَ
علماء
وثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من المسلمين أنه خلق السماء من بخار الماء، ونحو ذلك من النقول التي يصدقها ما يخبر به أهل الكتاب عن التوراة وما عندهم من العلم الموروث عن الأنبياء، وشهادة أهل الكتاب الموافقة لما في القرآن أو السنة مقبولة، كما في قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ. ونظائر ذلك في القرآن.
وهذا الموضع أخطأ فيه طائفتان طائفة من أهل الكلام من اليهود والمسلمين وغيرهم، ظنوا أن إخبار الله بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما
يقتضى أنهما لم يخلقا من شيء، بل لم يكن قبلهما موجود إلا الله.
ومعلوم أن خبر الله مخالف لذلك، والله قد أخبر أنه خلق الإنسان والجان من مادة ذكرها والذين يثبتون الجوهر الفرد من هؤلاء وغيرهم
يعتقدون أن خلق الإنسان وغيره مما يخلقه في هذا العالم ليس
هو
خلقا (1/118)
صفحة 116
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها
لجوهر قائم بنفسه، بل هو إحداث أعراض يحول بها الجواهر المنفردة من حال إلى حال.
وهذا مخالف للشرع والعقل ـ كما قد بسط في موضعه ـ فإن هؤلاء يقولون: إنا لم نشهد خلق عين من الأعيان بل الرب أبدع الجواهر المنفردة، ثم الخلق بعد ذلك إنما هو إحداث أعراض قائمة بها.
وطائفة أخرى أبعد عن الشرع والعقل من هؤلاء: يتأولون خلق السماوات والأرض بمعنى التولد والتعليل والإيجاب بالذات، ويقولون: إن الفلك قديم أزلي معلول للرب، وأنه يوجب بذاته، لم يزل ولا يزال، وقولهم بالإيجاب هو معنى القول بالتولد فإنما حصل عن غيره بغير اختيار منه، فقد تولد عنه، لا سيما إن كان حيا.
وهؤلاء يقولون بقدم عين الفلك، وأنه لم يزل ولا يزال، فهؤلاء إذا قيل: إن المسلمين أجمعوا على نقيض قولهم أو على كفر من قال بقولهم كان متوجها، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول أنه أخبر بخلق السماوات والأرض بعد أن لم تكن مخلوقة بخلاف من ادعى أن الصانع لم يزل معطلا، والفعل والكلام عليه ممتنعا بغير سبب حدث أوجب انتقاله من الامتناع إلى الإمكان وأوجب أن يصير الرب قادرا على الفعل، أو الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا على ذلك». اهـ (1)
ولا يخفى ما في كلامه هذا من التلبيس والمجادلة بالباطل لإدحاض الحق، فإنه من المعلوم لدى الجميع أن الله تعالى في أزله قبل بدء الخلق لم يكن معطلا ـ تعالى الله عن ذلك - بل كان قادرا على كل شيء، فإن القدرة لم تحدث له، وإلا كان متصفا بضدها وهو العجز قبل أن يتصف
(1) نقد مراتب الإجماع، ص 304 - 306
119 (1/119)
صفحة 117
120
الحقيقة الدامغة
بها، ولكن لم تكن إرادته متوجهة بَعْدُ إلى إنشاء الكون، وليس عدم فعل الله تعالى لشيء يعني عجزه عنه تعالى الله عن ذلك، فبَعْثُ الموتى
ذلك
وحسابهم وثواب المطيعين منهم وعقاب العاصين حدد الله تعالى لكل منها ميقاتا بعد فناء هذا الكون وإعادة خلقه كما بدأه أول مرة، ولا بحال أنه الآن عاجز عنه.
يعني
ولست هنا بصدد تتبع الأخطاء الجسام التي وقع فيها ابن تيمية في كتابه هذا وفي غيره من الكتب التي نص فيها على قدم العالم قدما نوعيا كما تقوله الفلاسفة، فإن محل ذلك هو كتابنا برهان الحق)، فقد فصَّلْتُ فيه ـ والحمد الله ـ القول في الجزء الثاني منه، وإنما أردتُ أن أنبه على أن الحشوية لا يتورعون عن رد السنن عندما لا توافق هواهم، ولم تكن مقولة ابن تيمية هذه خاصة بهذا الكتاب، بل صرح بها في كتب متعددة، ككتابه المسمى بـ (منهاج السنة)، وكتابه المسمى بـ (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول)، أو (درء) تعارض العقل والنقل)، وفي (شرح حديث عمران ابن حصين).
ولا يخفى على ذي بصيرة أنّ ما أشار إليه من التعارض بين الروايات الثلاث ليس هو بشيء، فإنها تفيد أن الله تعالى غير مسبوق بشيء، وأنه كان أزليا ولم يكن معه شيء، وهو معنى أوليته سبحانه، ولو كان لغيره وجود في الأزل لما كانت الأولية خاصة به هذا وقد جاء في صحيح البخاري ما يعزز الذي أنكره من رواية كان الله ولا شيء غيره»، ففيه ما نصه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين، قال: دخلت على النبي، وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم»، قالوا: قد بشرتنا (1/120)
صفحة 118
121
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها 21
فأعطنا، مرتين. ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك. عن هذا الأمر؟ قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض» (1). هذا؛ ولم ينفرد ابن حزم بنقل الإجماع في هذه القضية بل نقله غيره،
ففي (فتح الباري) ما نصه: «قال شيخنا ـ يعني الحافظ العراقي ـ في «شرح الترمذي: الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر، ومنه القول بحدوث العالم، وقد حكى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم. وقال ابن دقيق العيد وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة، فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع، وتمسك بقولنا إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع.
قال: وهو
تمسك ساقط؛ إما عن عمى في البصيرة أو تعام، لأن حدوث
العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل (2).
وكلام ابن دقيق العيد إنما هو إشارة إلى ابن تيمية الذي خالف هذا الإجماع. وعلق الكوثري على ما قاله ابن تيمية في نقد مراتب الإجماع في هذه القضية بقوله: «لا عجب في القول بإجماع الأمة على كفر مَنْ أثبت خالقا سواه تعالى بالمعنى الذي سبق ولا في إكفار من ينكر أنه سبحانه لم يزل وحده، ولا شيء غيره معه، وإنما العجب كل العجب اجتراء ابن تيمية هنا على القول بحوادث لا أول لها، والقول بالقدم النوعي في
(1)
صحيح البخاري (105/ 4 رقم: 3191). (2) فتح الباري، 202/ 12. (1/121)
صفحة 119
122
الحقيقة الدامغة
العالم وبقيام الحوادث به سبحانه متعاميا عن حجة إبراهيم المذكورة في القرآن الكريم، ومنكرا لما يعزوه لصحيح البخاري (كان الله ولا شيء أنه هو القائل بأن ما في الصحيحين يفيد العلم ـ يعني اليقين مع
معه)،
إجراء له مجرى الخبر المتواتر - ومخالفا للإجماع اليقيني في ذلك، وأنى يتصور قدم للنوع الذي لا وجود له إلا في الذهن؟ وعدم تناهي ما دخل بالفعل تحت الوجود لا يتصوره عقل عليل، وعلى فرض وجود النوع في الخارج لا يكون موجودا إلا في ضمن أفراده، وأنى يكون للنوع قدم مع حدوث أفراده؟!!!.
الله
ودعوى أن الله لم يزل ومعه شيء تُوازِنُ في البشاعة القول بقدم شيء بعينه سواه تعالى، بل القول بالقدم النوعي كالقول بالقدم الشخصي في البطلان، بل ذاك أسقط هذا، من ا، وكلاهما يستلزم نفي الإرادة عن سبحانه، ولا شأن للسلف الصالح في الخوض في مثل هذه البحوث، وأما استغلال بعض الكلمات المجملة المروية عنهم بتأويلها على معنى لا يتصور خطوره على بالهم فتقويل لهم بما لم يقولوا اهـ (1).
(1)
وهو كلام بَيِّن حقه وصوابه تعضده النصوص القاطعة وبدهيات العقول، كما يعضده العلم الحديث بنتائجه القطعية أن الكون كله حادث بعد عدم له بداية يعلمها الله تعالى كما أن له نهاية ينتهي إليها، وماذا عسى أن يقال في حكم من يكابر ذلك وينكر أن تكون بداية لخلق الله تعالى
الكائنات؟ فإنه إنكار لما علم من الدين بالضرورة، فالله المستعان. ومن أمثلة ردّهم للروايات الصحيحة عندما تعارض ما يهوون: ما ذكره أحمد بن حنبل عن أبيه أنه أمره في مرضه الذي مات فيه أن
عبد
الله
بن
(1) نقد مراتب الإجماع تعليق رقم 4 ص 168 - 169. (1/122)
صفحة 120
123
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها
يضرب على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش قالوا: ما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «لو أن الناس اعتزلوهم»، بدعوى أنه خلاف الأحاديث عن النبي، يعني قوله: اسمعوا وأطيعوا واصبروا (1).
ومثله إنكاره حديث ابن مسعود صل الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (2).
فقد حكى عنه القاضي عياض في إكماله والنووي في «شرحه» أنه قال: «هذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وابن مسعود يقول: اصبروا حتى تلقوني» (3).
فتراه ينكر هذين الحديثين مع صحة إسناديهما وقوة متنيهما؛ لا لشيء إلا لأنهما على خلاف ما يهواه من الرضوخ للظالمين والاستكانة لهم ومخالطتهم على رغم ظلمهم وفسادهم في الأرض، وأنت تدري أن القرآن والسنة دالة على صحة هذين الحديثين، فكم في كتاب الله من التحذير من موالاة الظلمة ووجوب الإنكار عليهم، ناهيك بقوله تعالى:
نصوص
(1) أخرجه أحمد (2/ 301، رقم (7992، والبخارى (1319/ 3، رقم 3409)، ومسلم (2236/ 4، رقم 2917).
(2) أخرجه أحمد (458/ 1، رقم 4379)، ومسلم (69/ 1، رقم 50). والبيهقي (90/ 10، رقم (19965)، وابن منده (345/ 1، رقم 183).
(3) إكمال المعلم،292/ 1، وانظر المفهم، 28/ 2. (1/123)
صفحة 121
124 الحقيقة الدامغة
،
و ولا تركنوا إلى الذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تصرون} [هود: 113]، فإذا كان مجرد الركون بالقلب إليهم موجبا لمس النار ومبعدا عن نصرة الله تعالى فما بالك بما زاد على ذلك؟ وكيف لا يكون جهادهم باليد وباللسان وبالقلب قربة إلى الله؟ وبناء على كلامه في إنكاره الحديث الثاني فإنه يحرم حتى الإنكار القلبي عليهم، وهو أمر غريب كيف لا ينكر المؤمن ما يرتكبه الطغاة من الظلم والفساد في أن الله سبحانه فرض ولاية المؤمنين والمؤمنات للذين
6
الأرض، مع يجمعون خصال البر وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله وذلك واضح في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ الله [التوبة: 71]، وهو يفيد أنه لا يستحق الولاية إلا من كان جامعا لهذه الخصال فكيف يندرج في الولاية الظلمة المجرمون؟!! مع أن الله تعالى رماهم بسخطه وتوعدهم بعقابه، وبين أن فسوقهم حاجز أن يصلهم شيء من رضاه كما هو صريح قوله: {فَإِن تَرْضَوا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96].
وأنت ترى أنه لم يقل تعالى فإن الله لا يرضى عنهم)، وإنما عدل عن ذلك إلى الإتيان بالاسم الظاهر بدلا من الضمير فقال: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، وما ذلك إلا للتنصيص على أن أي فاسق ليس له نصيب من رضى الله تعالى فإن الحكم على المشتق يؤذن بأن أصل ذلك الاشتقاق علة لذلك الحكم
(1)
(1) المستصفى في علم الأصول، 32/ 19، المحصول في علم الأصول، محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت: 606 هـ)، ج 2 ص 90، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، = (1/124)
صفحة 122
المحور
الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها
125
ولا يشك ذو بصيرة أن الظلمة هم في مقدمة الفساق، فإن الفسوق إنما هو بمعنى الخروج، وهم بظلمهم خرجوا عن طاعة الله تعالى. وفي اللسان
772 هـ)،
ص
الرياض، 1400 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: طه جابر فياض العلواني رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب تاج الدين أبي النصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، (ت: 646 هـ)، ج 3 ص 135، عالم الكتب، لبنان، بيروت. 1419 هـ / 1999 م، الطبعة الأولى تحقيق علي محمد معوض عادل أحمد عبد الموجود. الفروق أو أنوار البروق، ج 3 ص 356، والإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي علي بن عبد الكافي السبكي، (ت: 756 هـ)، ج 1 ص 374، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: جماعة من العلماء والكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد، (ت: 772 هـ)، ص 308، دار عمار، عمان، الأردن، 1405 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق د. محمد حسن عواد التمهيد في تخريج الفروع على الأصول عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد، (ت: 285، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد حسن هيتو حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج، عبد الحميد الشرواني، ج 1 ص 20، دار الفکر بيروت شرح فتح القدير كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (ت: 681 هـ)، ج 2 ص 358، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية الكليات؛ معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء أيوب ابن موسى الحسيني الكفومي (ت: 1094 هـ)، ج 1 ص 1053، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419 هـ / 1998 م، تحقيق: عدنان، درويش محمد المصري. حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه أبي حنيفة ابن عابدين، (ت: 1252 هـ)، ج 6 120، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1421 هـ / 2000 م. البحر المحيط، ج 4 ص 295. حاشية العطار حسن ابن محمد العطار (ت: 1250 هـ)، ج 2 ص 443.روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت: 1270 هـ)، ج 23 ص 248، دار إحياء التراث العربي، بيروت إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، خليل بن كيكلدي العلائي، ص 61، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، الطبعة الأولى، 1407 هـ، تحقيق: د. محمد سليمان الأشقر طلعة الشمس، عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ج 2 ص 273.
ص
" (1/125)
صفحة 123
126
الحقيقة الدامغة
ما نصه: «الفسق: العصيان والترك لأمر الله والخروج عن طريق الحق. فَسَقَ يَفْسِقُ ويَفْسُقُ فِسْقاً وفُسوقاً وفَسُقَ الضم عن اللحياني)، أي فجر، قال: رواه عنه الأحمر قال: ولم يعرف الكسائي الضم، وقيل: الفسوق
،
الخروج عن الدين وكذلك الميل إلى المعصية كما فسق إبليس عن أمر ربه. وفسق عن أمر ربه أي جار ومال عن طاعته قال الشاعر: فواسقا عن أمره جوائرا، الفراء في قوله: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، خرج من طاعة ربه، والعرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها قد فسقت الرطبة من قشرها، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس. والفسق الخروج عن الأمر. وفسق عن أمر ربه أي خرج (1).
،
من
أن
وأما السنة النبوية فإن تأييدها لما في هذين الحديثين أشهر يحتاج إلى بيان وهو يفوت الإحصاء. وإليك طائفة من الأحاديث التي جاءت بهذا، فمن ذلك:
قوله: «اسمعوا، هل سمعتم؟ إنه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ على ظُلْمِهِمْ؛ فليس مِنِّي ولست منه، وليس بوَارِدٍ على الحوض ومن لم يدخل عليهم، ولم يُعِنْهُمْ على ظلمهم
ولم يُصَدِّقُهُمْ بِكَذِبِهِمْ؛ فهو مِنّي وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوض (2).
وقوله: «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون بعدي؛ فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست
(1) لسان العرب، 308/ 10. (2) أخرجه النسائي (160/ 7، رقم (4208، والترمذي (525/ 4، رقم 2259) وقال: صحيح غريب. وابن حبان (512/ 1، رقم 279). (1/126)
صفحة 124
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها
منه ولا يَرِدُ على الحوض، ومن غشي أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم،
ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا
منه،
وسيَرِدُ عليَّ الحوض
وقوله: «إنه سيكون عليكم أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يَرِدُ على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض» (2).
وقوله: «إنها ستكون عليكم أمراء من بعدي، يعظون بالحكمة على منابر، فإذا نزلوا اختلست منهم وقلوبهم أنتن من الجيف، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيَرِدُ عليَّ الحوض» (3).
وقوله: «أيما راع استرعي، رعية فلم يحطها بالأمانة والنصيحة؛
ضاقت عليه رحمة الله التي وسعت كل شيء» (4).
وقوله: «أيما راع استرعي رعية فغشها فهو في النار» (5). وقوله: «من ولى ذا قرابة محاباة، وهو يجد خيرا منه؛ لم يجد رائحة الجنة» (6).
فأنت ترى هذا الكم الهائل من الروايات يدل على ما يدل عليه ذانك
(1) أخرجه الترمذي (512/ 2، رقم (614) وقال: حسن غريب والطبراني (105/ 19، رقم
(212
(2) أخرجه أحمد (384/ 5، رقم (23308، والطبراني (167/ 3، رقم 3020). (3) أخرجه الطبراني (160/ 19، رقم 356). قال الهيثمي (238/ 5): رجاله ثقات.
(4) أخرجه الخطيب (126/ 10).
(0) أخرجه أحمد (25/ 5). (6) أخرجه ابن عساکر (245/ 65).
127 (1/127)
صفحة 125
128
الحقيقة الدامغة
الحديثان، مع أن كثيرا من هذه الروايات أخرجها أحمد نفسه، ووراء ذلك روايات أخرى تعززهما، فأي غرابة فيهما حتى يردهما أو يأمر بالضرب عليهما؟ أولا يعد ذلك اتباعا للهوى وعُدولا عن الكتاب والسنة ورغبة في الطاعة للظالمين حتى لا يستنكر أحد ظلمهم؟!.
ترسيخ
الهوى، ومن
أمثلة ذلك:
هذا؛ وقد ينكرون أحاديث متواترة بدافع من ما حكاه ابن الجوزي في العلل المتناهية عن الخلال أنه: ذكر أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا خيثمة والمعيطي ذكروا حديث «تقتل عمارا الفئة الباغية، فقالوا فيه: ما فيه حديث صحيح، وأن أحمد قال: قد روي في عمار تقتله الفئة الباغية ثمانية وعشرون حديثا ليس فيها
حديث صحيح
قتادة
(1)
مع أن هذا الحديث جاء من طرق شتى وبأسانيد صحيحة، ونص على تواتره غير واحد من نقاد علماء الحديث من ذلك قول الحافظ ابن حجر: روى حديث: تقتل عمارًا الفئة الباغية جماعة من الصحابة؛ منهم بن النعمان كما تقدم وأم سلمة عند مسلم وأبو هريرة عند الترمذي وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه وكلها عند الطبراني وغيره وغالب طرقها صحيحة أو حسنة وفيه عن جماعة آخرين يطول عدهم
ونقل عن الحافظ ابن عبد البر، أنه قال فيه: «تواترت الأخبار بذلك
(1) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت: 597 هـ)، ج 2 ص 848، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ، الطبعة: الأولى،
تحقيق: خليل الميس. (2) فتح الباري، 543/ 1. (1/128)
صفحة 126
129
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها
وهو من أصح الحديث» (1)، وكذلك قال الذهبي: «وفي الباب عن عدة من الصحابة فهو متواتر (2)، ومثله قول السيوطي: «هذا الحديث متواتر رواه من الصحابة بضعة عشر كما بينت ذلك في الأحاديث المتواترة» (3)، ونص على تواتره أيضا الصنعاني في (توضيحه) (4).
ومع
ذلك
كابر فيه مَنْ كابر لأنه لم يكن وفق هواهم فادعوا عدم صحته!! وقد جرى ابن تيمية أيضا هذا المجرى، فقد تردد بين رده رده أو تأويله بما يخالف معناه! (5).
على أن الإعراض عن السنة عند الحشوية لم ينحصر في القضايا العقدية، ففي الجانب العملي هجروا أيضا كثيرًا من الأحاديث، وقدموا عليها الآراء، كإباحة ابن تيمية لطواف الحائض مع أنه من المعلوم أن النبي الله لم يبح لها أن تطوف بل أمرها أن تؤدي جميع المناسك ما عدا الطواف بالبيت: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
(1) تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني (ت: 852 هـ)، ج 4 ص 43، المدينة المنورة، 1384 هـ/ 1964 م، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.
(2)
سير أعلام النبلاء، محمد بن
أحمد عثمان
بن بن قايماز الذهبي أبو عبد الله (ت:
748 هـ)، جاص،421 مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 هـ، الطبعة: التاسعة، تحقيق شعيب الأرناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي.
(3) الخصائص الكبرى، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: 911 هـ)، ج 2 ص 239، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ / 1985 م.
(4) توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني (ت: 1182 هـ)، ج 2 ص 411: المكتبة السلفية المدينة المنورة، تحقيق: محمد محي
الدين عبد الحميد.
(5) ينظر كتابه المسمى (منهاج السنة)، 405/ 4. (1/129)
صفحة 127
الحقيقة الدامغة
هذا؛ وترى الحشوية لا يقتصرون على الإعراض عن السنة بل هم أجرأ الناس على الإعراض عن القرآن أيضًا، ناهيك منهم أنهم يقدمون عليه الآثار المروية، كما هو واضح في كلام البربهاري ـ وهو أحد أئمتهم - حيث قال: وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقُم من عنده ودعه (1).
وهو كلام غني عن التعليق، فقد عَدَّ التمسك بالقرآن الكريم والإعراض عما خالفه من كلام الناس زندقة كأن القرآن عنده منشأ الزندقة - والعياذ بالله -، ومع طول العهد وجدنا أن الحشوية لا يزالون مستمسكين بهذا الفكر، فقد سمعنا أحد حشوية العصر يحاضر في الملأ ويقول في محاضرته: لا خير في قرآن بغير سنة، ولا خير في سنة بغير فهم سلفنا الصالح (2).
وإن عجبت فاعجب ممن ينتحل الإسلام ويدعي إيمانه بالقرآن وبالنبي عليه الصلاة والسلام وهو يجترئ على سلب الخير من القرآن إلا أن يكون مقرونا بغيره - وهو السنة - ولا يلبث بعد ذلك أن يسلب السنة أيضا الخير إلا أن يتبع فيها رأي قوم سلفوا!! فليت شعري أين موضع هذا الكلام من الحق؟ أوليس أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد، فلماذا يحكم الناس في كلام الله تعالى وفي هدي رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام؟؟!!.
(1) شرح السنة للبربهاري، 119/ 1.
(2)
هو الدكتور/ عبد الرحيم الطحان قال ذلك في محاضرة ألقاها بدولة الإمارات العربية المتحدة يرد فيها على كتابنا الحق الدامغ)، ولا تزال محاضرته موجودة عندنا بصوته، وقد أعجبت محاضرته الحشوية خواصهم وعوامهم فأخذوا يتناقلونها ويفاخرون بها، وهو دليل على اتفاقهم
معه
في هذا المعتقد. (1/130)
صفحة 128
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها
إننا بحمد الله لا نبغي بكتاب الله تعالى بدلا، ولا نؤثر على هدي رسوله قول أحد من الناس، ولو تبوأ في العلم والفضل مكانا عليا، فإن الناس يقاس فضلهم ويوزن رأيهم بالكتاب والسنة لا العكس، ولنسمع إلى كلام الله
تعالى وما قاله فيما أنزل، فهو القائل: {ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]، والقائل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْوَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتِ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، والقائل: وتِلْكَ ايْتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 1 - 2]، والقائل: تِلْكَ ايَتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 2 - 3]، والقائل: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ بُرْهَنُ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: 174 - 175]، والقائل: تَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تَكُم مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، والقائل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يَبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، والقائل: {وَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقوم} [الإسراء: 9]، والقائل: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، والقائل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِها مَّثَانِيَ نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 23]، والقائل: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، والقائل: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122].
وقد بين تعالى عاقبة الإعراض عن القرآن في قوله: وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذكْرًا له مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْراً} [طه: 99 - 100]، وقوله وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَنتَكَ ايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه: 124 - 126]. وحذر نبيه من طاعة الذين أغفلت قلوبهم عما أنزل الله تعالى من
131 (1/131)
صفحة 129
132
الحقيقة الدامغة
ذكر حيث قال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَا [الكهف: 28]، فلَيْتَ شعري من أين جاء هؤلاء بهذا الإفك الذي أفكوا به عن القرآن؟ فانصرفت عنه قلوبهم وعميت عن نوره أبصارهم وبصائرهم، حتى قدموا عليه ما يُروى عن الناس مِنْ آثار بادٍ تهافتها واضح ضلالها؛ كما سيأتي في المبحث الآتي إن شاء الله.
أما السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فهي تأتي بعد القرآن في ترتيبها، وقد سبق بيان مكانة هذه السنة فيما تقدم ذكره، فلا مسوغ للعدول عنها بعد ثبوتها، ولا يقدم عليها رأي أحد من الناس سواء من السلف أو الخلف كيف والله تعالى أمر أن يكون الاحتكام إليه وإلى نبيه عليه الصلاة والسلام عند الاختلاف والتنازع كما هو واضح في قوله: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
كان
المبحث الثاني: في تمسك الحشوية بالروايات الباطلة وتقديمها على نصوص الشرع وبراهين العقل
عضد الحشوية معتقداتهم بروايات باطلة بادٍ تهافتها، منها ما يُعزى إلى رسول الله، ومنها ما يُعزى إلى أصحابه، ومنها ما يعزى إلى التابعين، وقد عدلوا عن براهين العقل ونصوص القرآن والسنة الثابتة إليها، فاكتفوا بها عنها، ولم ينظروا إلى ضعف أسانيدها ولا إلى بطلان متونها، وقد غلوا في ذلك غلوا عظيما، حتى بلغ بهم الأمر إلى الحكم بالكفر والزندقة على مَنْ رَدَّ هذه الروايات وتمسك بالقرآن الكريم كما وجدته واضحا في كلام البربهاري. وإليك بعض هذه الروايات المعزوّة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقد عزوا إليه أنه قال: رأيت ربي، في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر. وهو حديث باطل أخرجه القاضي أبو يعلى (1/132)
صفحة 130
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها 3
الفراء في كتابه (إبطال التأويلات) (1) من طريق عكرمة عن ابن عباس نا، وفي إسناده حماد بن سلمة، وقد علمت ما قيل فيه، وقد اشتهر بهذه الروايات التي فيها اجتراء على مقام الربوبية بتشبيهه تعالى بخلقه بعد ذهابه إلى عبادان، قال الإمام البيهقي في (الأسماء والصفات): «أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، نا ابن حماد، ثنا محمد بن شجاع الثلجي، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث حتى خرج خرجة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر فألقاها إليه. قال أبو عبد الله الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول: إن حماد بن سلمة كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دست في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه وكان يدس في كتبه هذه الأحاديث» (2).
ومهما يكن؛ فإن هذا الحديث ظاهر بطلانه لا يماري فيه إلا من في قلبه مرض، فإن واضعه لم يكتف بوصف الله تعالى بالصورة حتى ضم إلى ذلك أن صورته صورة شاب وأن عليه تاجاً يلمع منه البصر!! ولا يخفى على ذي بصيرة أن التاج حلية يتزين بها الإنسان من أجل نقصه، كما قال الشاعر:
وما الحلي إلا حيلة لنقيصة تتمم من حسن إذا الحسن قصرا وليس لحلي في الجميلة منظراً جمال ولكن في القبيحة منظرا وقد برأ الله تعالى ملائكته أن يكونوا من جنس ما يحتاج إلى التحلي، رد على المشركين الذين قالوا بأنوثة الملائكة بقوله: {أَوَمَن يُنَشَؤُا فِي
فقد
(1) إبطال التأويلات لأخبار الصفات القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، ص 135، دار إيلاف الدولية - الكويت.
(2) الأسماء والصفات، ج 2 ص 474.
133 (1/133)
صفحة 131
134
الحقيقة الدامغة
الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18]، فكيف يمكن أن يكون الله
الله كذلك؟!.
وذكر الدارمي في كتابه (النقض) هذا الحديث بلفظ: «دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد في ثوبين (أخضرين» (1). ومع ظهور بطلانه نجد الحشوية يغلون في التمسك به لإثبات معتقدهم في الله، فنجد السماري في تحقيقه لكتاب النقض المذكور يجلب بخيله ورجله لأجل تقوية هذا الكلام الباطل، فقد عزا روايته إلى كثير من المصنفين في الحديث ممن لم نجده في مصنفاتهم، وأضاف إلى ذلك أن صدقة الحافظ قال بأن من لم يؤمن به فهو من الزنادقة» (2)، مع أن الدارمي غلوه في التشبيه ـ أشكل عليه الحديث لمنافاته لحديث عائشة: «من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» (3).
نفسه
- مع
وإن عجبت فاعجب أن يقال بزندقة من لم يؤمن بهذا الحديث، ولا يقال بزندقة مَنْ رَدّ: حديث: كان الله ولم يكن شيء غيره» الذي يعتضد ببراهين العقل ونصوص القرآن؟!.
وتجد كتب الحشوية مملوءة بهذه الترهات ولا يستحيون في عزوها إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ففي الكتاب المسمى بـ (السنة) لعبد الله بن أحمد ما نصه: ثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا يحيى بن بكير ثنا ابراهيم بن طهمان ثنا سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجلى لي في أحسن صورة فسألني: فيم يختصم
(1) نقض الدارمي، ص 438.
(2) ينظر التعليق ص 441 فما بعدها من كتاب نقض الدارمي.
(3) نقض الدارمي، ص 447. (1/134)
صفحة 132
135
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها.
الملأ الأعلى؟ قال: قلت ربي لا أعلم به، قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو وضعهما بين ثديي حتى وجدت بردها بين كتفي فما سألني عن شيء إلا علمته». ورواه أيضا من طرق أبي أمامة وعبد الرحمن بن عائش وابن عباس وثوبان (1).
عطية عن
مع أن أحمد بن حنبل نفسه أبطل هذه الرواية، فقد ذكر عنه ابن الجوزي في درء شبه التشبيه أن أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة يرويه معاذ عن رسول الله و لكل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح، ورواه قتادة عن أنس واختلف على قتادة فرواه يوسف بن قتادة ووهم فيه، ورواه هشام عن قتادة عن أبي قلابة عن خارج بن اللجلاج عن ابن عباس ووهم في قوله عن ابن عباس وإنما رواه خالد عن عبد الرحمن بن عائش وعبد الرحمن لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما رواه عن مالك بن يخامر عن معاذ.
قال ابن الجوزي: «قد ذكرنا أنه يصح، وقال أبو بكر البيهقي: فقد روي من أوجه كلها ضعيفة وأحسن طرقه تدل على أن ذلك كان في النوم». اهـ
(2)
وقد ذكر هذه الرواية ونظائرها أيضا في (العلل المتناهية) وقال: «هذا الحديث لا يثبت، وطرقه كلها على حماد بن سلمة. قال ابن عدي: قد قيل إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث (3).
(1) السنة لعبد الله أحمد، ص 72 ـ 73، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب
بن
العلمية بيروت لبنان.
-
(2) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص 149.
(3) العلل المتناهية، لابن الجوزي، ج 1 ص 36، دار الكتب العلمية - بيروت ـ 1403 هـ، ط 1. (1/135)
صفحة 133
136
الحقيقة الدامغة
وحكى عن الدارقطني أنه قال: كل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح (1).
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): وهو خبر منكر ـ نسأل الله السلامة في الدين ـ فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم، ورواته ـ وإن كانوا غير متهمين - فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان. اهـ
وقد رووه
مختلفة،
(2)
بألفاظ مختلفة كلها تمجها العقول وتتقزز منها الفطر السليمة. فقد ذكره الحافظ ابن الجوزي في (الموضوعات) من طرق عدة وبألفاظ، وختم القول فيه بهذا النص: ومثل هذا الحديث لا يخفى أنه موضوع، وأنه يثبت البعضية، ويشير إلى التشبيه، فكافأ الله من عمل» (3). وقال أيضا: «والعجب - مع اضطراب هذه الأحاديث وكون مثلها لا يثبت فيه حكم في الوضوء ـ كيف يحتجون بها في أصول الدين والعقائد؟!!» (4). وقد بسطت القول في هذه الأحاديث وبَيَّنْتُ عللها في الجزء السادس من كتاب برهان الحق فارجع إليه تظفر بمزيد من الفائدة.
-
هذا؛ ولربما أدرك الحشوية شناعة قولهم وقبح فضيحتهم فيما يستدلون به لضلالهم من الروايات الباطلة، فاختزلوا منها ما حسبوه أنه يمكنهم به دعم بدعتهم، وسكتوا عن سائرها، لما فيه من فضائح الإفك ما لا يمكن إخفاؤه، ومن ذلك ما ذكر في العديد من كتبهم من الاستدلال لإثبات الوجه
(1) المصدر السابق، ج 1 ص 34. سير أعلام النبلاء، ج 10 ص 113 - 114.
(2)
(3) الموضوعات لأبي الفرج ابن الجوزي، ج 1 ص 72 - 73، دار الكتب العلمية،
بيروت، 1415 هـ ـ 1995 م، ط 1.
(4) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص 151. (1/136)
صفحة 134
137
وهو
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها |
الله تعالى بمعنى الجارحة المعهودة بالأثر المروي عن ابن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه (1). أثر باطل متنا وسندا، لا يدل استدلالهم به إلا على أنهم يفتشون عن الضلالات التي تأتيهم عن اليهود فيتقبلونها بكل ترحيب، ويروجون لها بين الناس، ويلبسونها من حلل الدعايات ما يحاولون به ستر ما فيها من القبائح، ونحن نقطع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم براء من هذا الإفك، وإنما مصدره مستنقعات الفكر اليهودي القذر، ودُونَكَ نص هذا الأثر كما في (المعجم الكبير للطبراني قال: حدثنا بشر بن موسى، ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي عبد السلام، عن
(1) ينظر توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، أحمد بن إبراهيم بن عيسى (ت: (1329 هـ (3022 دار النشر: المكتب الإسلامي - بيروت - 1406، الطبعة: الثالثة، تحقيق: زهير الشاويش، وانظر الفوائد، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي الوفاة: 751 هـ 1،/ 182، دار الكتب العلمي بيروت - 1393 - 1973، الطبعة: الثانية، الوابل الصيب من الكلم الطيب، اسم المؤلف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي الوفاة: 751 ها،،73، دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1405 - 1985، الطبعة الأولى تحقيق محمد عبد الرحمن عوض، اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية اسم المؤلف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي الوفاة: 751 هـ، 11/ 1، دار الكتب العلمية - بيروت - 1404 - 1984، الطبعة: الأولى، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله الوفاة: 751، 131/ 3، دار الكتاب العربي - بيروت - 1393 - 1973، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد حامد الفقي، طريق الهجرتين وباب السعادتين، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله الوفاة: 751، 278/ 1، دار ابن القيم - الدمام - 1414 - 1994، الطبعة: الثانية، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر مختصر الصواعق المرسلة، 422/ 1. دار
الكتب العلمية. (1/137)
صفحة 135
138
الحقيقة الدامغة
عبيد بن مكرز قال: قال عبد الله بن مسعود: إن
عبد الله مكرز أو الله
بن
"
ربكم تعالى ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور
(1)
وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده اثنتي عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك، وأول من يعلم غضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون، وسائر الملائكة، ثم ينفخ جبريل بالقرن فلا يبقى شيء إلا سمع صوته، فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات، ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله في كتابه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَنَا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَنَا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قدير، فتلك تسع ساعات، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات قوله في كتابه: هو يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، قال: هذا من شأنكم وشأن ربكم» (2).
(49)
،
ورواه البيهقي في (الأسماء والصفات وقال: «هذا موقوف، وراويه غير معروف (3)، ورواه من طريق حماد بن سلمة بالإسناد المتقدم أيضا أبو داود في (الزهد) وأبو نعيم في حلية الأولياء)، والطبري في (تاريخه) (4).
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه الطبراني في الكبير، وفيه
(1) كذا في الأصل.
(2) أخرجه الطبراني (179/ 9 رقم: 8886).
(3) الأسماء والصفات، 217/ 2
(4) الزهد (157/ 1) رقم: (158)، وحلية الأولياء،137/ 1، تاريخ الطبري 145/ 1. (1/138)
صفحة 136
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها | 139
أبو عبدالسلام، قال أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات،
وعبد الله
وهو
بن مكرز أو عبيد الله على الشك، لم أر من ذكره (1).
لا
يصح سندا ولا متنا، أما سنده ففيه حماد بن سلمة وقد سبق القول فيه بما يدل على عدم الوثوق بما رواه، وهو رواه عن الزبير أبي عبد السلام وقد ذكره البخاري في (تاريخه) فقال: «الزبير أبو عبد السلام روى عنه حماد بن سلمة مراسيل (2).
وقال أبو حاتم في (المجروحين): «أبو عبد السلام شيخ يروي عن
ابن عمر
مالا يشبه حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج به» (3).
وقال ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين «أبو عبد السلام يروي عن ابن عمر، قال الدارقطني مجهول، وقال في موضع آخر: الزبير أبو عبد السلام يروي عنه حماد بن سلمة يحدث عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن ابن مسعود بالمنكرات، قال الدارقطني: وقد ذكره ابن حبان فقال: أيوب بن عبد السلام لا يجوز الاحتجاج به» (4).
وقال ابن حجر في (تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة): «الزبير بن جواتشير أبو عبد السلام بصري روى عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن وابصة حديثا في البر والاثم روى عنه حماد بن سلمة، ذكره الحاكم أبو أحمد في الكنى وسمى أباه، ولم أره لغيره، وهو اسم فارسي مضمومة وبعد الألف مثناة فوقانية مفتوحة ومعجمة مكسورة،
أوله
جيم
،
ونقل عن ابن معين أنه ذكر برواية حماد بن سلمة فقط ولم يذكر فيه جرحا،
(1)
الزوائد، 85/ 1. مجمع
(2) التاريخ الكبير، ج 3 ص 413.
(3) كتاب المجروحين، ج 3 ص 153.
(4) كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، ج 3 ص 234. (1/139)
صفحة 137
140
الحقيقة الدامغة
وذكره ابن حبان في الثقات، وأورده في المسند عقب حديث حماد عنه رواية معاوية بن صالح نحوه لكن قال عن أبي عبد الله سمعت وابصة» (1). وذكره الذهبي في (المغني) فقال: «لا يعرف (2) أما ما ذُكِرَ مِنْ أَنْ ابن حبان ذكره في (الثقات) فإنه ذكره من غير أن يوثقه وإنما سَكَتَ عنه، وقد علمت أنه نص في (المجروحين) على أنه لا يجوز الاحتجاج به، وذكره في (الجرح والتعديل فحكى عن أبيه أنه قال فيه مجهول (3).
وذكره الحافظ في (لسان الميزان وحكى عن ابن حبان أنه قال: «كأنه كان زنديقا، يروي عن أبي بكرة عن ابن مسعود لها أن الله إذا غضب انتفخ على العرش حتى يثقل على حملته رواه حماد بن سلمة وكان كذابا». ثم قال الحافظ: بئس ما فعل حماد بن سلمة براوية مثل هذا الضلال فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إنما أن يحدث بكل ما سمع) (4).
ورواه الزبير عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، وقد أعله غير واحد، فقد قال الذهبي في (المغني): أيوب بن عبد الله بن مكرز تابعي قديم لا يعرف، قال ابن عدي: له حديث ولا يتابع عليه».وقال كذلك في (ميزان الاعتدال) (5).
وأطال المزي القول فيه وحكى عن ابن المديني أنه مجهول وأيد قوله (6). وأما متنه فحَسْبُكَ ما فيه من الطامات الكبرى التي تدل على براءة
(1) تعجيل المنفعة لابن حجر، ص 135 دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، طا.
(2) المغني في الضعفاء، ج 2 ص 795.
(3) الجرح والتعديل، ج 9 ص 406.
(4) لسان الميزان، ج 1 ص 485.
(5) المغني في الضعفاء، ج 1 ص 97، ميزان الاعتدال، ج 1 ص 460. (6) تهذيب الكمال، ج 3 ص 479 - 482، وينظر تهذيب التهذيب، ج 1 ص 356. (1/140)
صفحة 138
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها | 141
ساحة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو هذا القول، منها قوله: «نور السموات من نور وجهه، وأنت تدري أنه إن أريد بالنور هنا النور الحسي كما هو ظاهر قولهم - لزم من ذلك أن يكون ما يشرق في فضاء السموات هو من نور وجه الله تعالى فيكون نور الشمس والنجوم من نور وجهه تعالى، وأنت تدري أن الشمس والقمر والنجوم والكواكب وكل شيء في الكون إنما هو من خلق الله تعالى، وهذه الأنوار التي تسطع منها لا شك في خلقها، فإن كانت هي من نور وجهه تعالى لزم أن يكون نور وجهه حادثا مخلوقا كسائر مخلوقاته، ومعنى ذلك أنه لم يكن لوجهه نور في الأزل، أو أن تكون هذه الأنوار كلها أزلية غير حادثة، وذلك لا يقل ضلالا عما قبله.
ومنها قوله: «فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار فينظر فيها ثلاث ساعات، فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك، ومعنى هذا أنه تعالى لم يكن قبل هذا العرض عليما بأعمالهم، وإنما يطلع عليها بعد عرضها عليه، ويستغرق في مطالعتها ثلاث ساعات، فإذا اطلع على ما يكره ثار غضبه! كأنه وهل هذا إلا تشبيه منهم الله تعالى بخلقه، وتجهيل له تعالى عندهم لا يعلم شيئا مما يكون من الناس إلا بعد عرض ذلك عليه من الملائكة؟! وأين هذا من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 5 - 6]
وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ق: (16]، وقوله: هو إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119]، وقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، وقوله: {وَمَا يَعْرُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا في السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61]، وقوله: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: (1/141)
صفحة 139
| | 142
الحقيقة الدامغة
133، وقوله: {يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [الحديد،4]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، إلى غير ذلك من الآيات، على أن ما تعلمه الملائكة إنما هو بتعليم الله تعالى لهم، فهم الذين: {وَقَالُوا سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32].
ومنها قوله: «فيسبحونه ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة» فإنه يدل على أن الله عندهم وعاء يمتلئ تارة غضبا وتارة رحمة بحسب ما يكون من تأثير خلقه عليه!! وما أبعد ذلك عن العقل والشرع، إذ كيف يكون للمخلوق تأثير على خالقه تعالى وهو سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؟! وكل مخلوق وما صنع إنما هو من خلق الله سبحانه الذي هو خالق كل شيء و مصرفه، وإنما هذه الرواية وأمثالها من أقوى الأدلة وأوضحها، على أن هؤلاء تلقفوا هذه الضلالات من اليهود فروجوا لها بين الناس، وعزوها إلى رسول الله لها تارة وإلى أصحابه تارة أخرى وحملوا حملة شعواء على كل من ردها مستهديا ببصيرة القرآن، والله المستعان.
هذه
هي
الآثار التي يبني عليها الحشوية اعتقادهم في الله تعالى،
ويشتدون على مَنْ عدل عنها إلى القرآن فيحكمون عليه بالزندقة كما نص عليه البربهاري وغيره، وهل يبقى في خلدك ـ أيها القارئ الكريم ـ بعد هذا كله ريب في كون فكرهم مستمداً من ضلالات اليهود، وأن السنة التي ما تلقفوه ره من اليهود وأتباعهم من الإفك البين، وأن
يدعون اتباعها إنما
هي
ما يعزونه إلى رسول الله الله وأصحابه من ذلك ليس هو إلا مما افتري (1/142)
صفحة 140
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها
143
عليهم من اليهود الذين تقمصوا الإسلام فأشاعوا فيه تلك الضلالات التي
ورثوها من الوثنية القديمة.
هذا؛ وكم تجد الحشوية يملأون الدنيا ضجيجا في الترويج لرواية
خالف من
يعزونها إلى أحد التابعين ويعدونها حجة قاطعة يكفرون بسببها مضمونها، ويستبيحون بمخالفته لها دمه وماله وهي من أساسها باطلة، ما جاءت إلا من طريق من لا تقبل له رواية مع أنها لو ثبتت لم تكن حجة بحال، فإن قول التابعي لا يرتقي إلى أن يكون حجة ظنية فضلا عن عده في القطعيات، إذ الحجة إنما هي في كلام الله تعالى وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وكل ما نسب إلى غير الله ورسوله إنما يحاكم إلى قولهما ولا يحتكم إليه، وذلك واضح في كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب: 36].
وإن من التناقضات البيئة والمفارقات الفاضحة أن يجعلوا من قول يُنسب إلى تابعي ـ مع عدم صحته عنه - حجة قاطعة يقطع فيها عذر المخالف، ولا يرون حرجا في مخالفة القرآن والعدول عن نصوصه القطعية، وخذ مثالا لذلك ما رواه ابن أبي شيبة وابن جرير في تفسيره) والخلال في (سنته) عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَعَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: 79]، أن الله تعالى يقعد النبي على العرش، أي: بجانبه (1). فقد بالغوا في التمسك بهذا الأثر الباطل ومنابذة كل من خالفه، ففي كتاب الخلال
(1) مصنف ابن أبي شيبة (305/ 6 رقم: (31652 والسنة للخلال، 214/ 1، و 217/ 1 و 1/ 218. تفسير الطبري 311/ 10. (1/143)
صفحة 141
2003/ 144
الحقيقة الدامغة
ما نصه: وسمعت أبا بكر بن صدقة يقول حدثنا أبو القاسم بن الجبلي عن إبراهيم الزهري قال سمعت هارون بن معروف يقول ليس ينكر حديث ابن فضيل عن ليث عن مجاهد إلا الجهمية» (1).
«أخبرنا يحيى بن أبي طالب قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودَ الله [الإسراء: 79] قال: يقعده معه على العرش قال أبو بكر بن أبي طالب من رده فقد رد على الله ومن كذب بفضيلة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالله العظيم. وأخبرني أحمد بن أصرم المزني بهذا الحديث وقال من رد هذا فهو متهم على الله ورسوله وهو عندنا كافر وزعم أن من قال لا تحدث بهذا الحديث أو أظهر إنكاره تراه كان يخرج من ثم إلا وقد قتل قال أبو بكر بن صدقة وصدق ما حكمه عندي إلا القتل (2).
فتراهم حكموا بكفر من أنكر هذه الرواية وحكموا عليه بالقتل مع أنها معزوة إلى تابعي وإسنادها، باطل، فإن الراوي عن مجاهد ليث بن أبي سليم، وهم بأنفسهم حكموا ببطلان رواياته وعدم ثقته، فقد ذكره ابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) وقال فيه: ليث بن أبي سليم بن زنيم الليثي الكوفي، واسم أبي سليم أنس، روى عن مجاهد وطاوس وابن سيرين، ضعفه ابن عيينة والنسائي، وقال أحمد مضطرب الحديث ولكن قد حدث عنه الناس، وقال السعدي: يضعف حديثه، وقال أبو حاتم الرازي وأبو زرعة: لا يشتغل به وهو مضطرب الحديث، وقال ابن حبان اختلط في آخر عمره فكان
(1) السنة للخلال، 219/ 1
(2) المصدر السابق، 219/ 1 - 220. (1/144)
صفحة 142
المحور
الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها
يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم تركه القطان ويحيى بن معين وابن مهدي وأحمد» (1).
يحيى
وقال المزي في تهذيب الكمال): «قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ليث بن أبي سليم مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس، وقال أيضا: سمعت أبي يقول: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيا في أحد منه في ليث، ومحمد بن إسحاق، وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم، وقال أيضا: سمعت عثمان بن أبي شيبة، قال: سألت جريرا عن ليث، وعن عطاء بن السائب،،، وعن يزيد بن أبي زياد، فقال: كان يزيد أحسنهم استقامة في الحديث ثم عطاء، وكان ليث أكثر تخليطا، قال عبد الله: وسألت أبي عن هذا، فقال: أقول كما قال جرير. وقال أيضا: قلت ليحيى بن معين ليث بن أبي سليم أضعف من يزيد بن أبي زياد، وعطاء بن السائب؟ قال: نعم، قال: وقال لي يحيى مرة أخرى: ليث أضعف من يزيد بن أبي زياد ويزيد فوقه في الحديث، وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف إلا أنه يكتب حديثه.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا يحيى بن معين، عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان لا يحدث عن ليث بن أبي سليم، وقال عمرو بن علي:: كان يحيى لا يحدث عن ليث بن أبي سليم، ولا عن حجاج بن أرطاة، وكان عبد الرحمن يحدث عن سفيان وغيره عنهما. وقال محمد بن
المثنى نحو ذلك إلا أنه لم يذكر حجاجا.
ثم قال: ما جلست إلى ليث بن أبي سليم إلا سمعت منه ما لم أسمع
(1) ابن الجوزي الضعفاء والمتروكين، ج 3، ص 29.
145 (1/145)
صفحة 143
187
الحقيقة الدامغة
منه، وقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم قال قال شعبة لليث بن أبي سليم: أين اجتمع لك هؤلاء الثلاثة: عطاء، وطاوس، ومجاهد؟ فقال: سل عن هذا خف أبيك، وقال محمد بن خلف التيمي عن قبيصة: قال شعبة لليث بن أبي سليم: أين اجتمع لك عطاء، وطاوس، ومجاهد؟ فقال: إذ أبوك يضرب بالخف ليلة عرسه.
قال قبيصة: فقال رجل كان جالسا لسفيان فما زال متقيا لليث مذ يومئذ، وقال عبدالملك بن عبدالحميد الميموني: سمعت يحيى ذكر ليث بن أبي سليمان فقال: ضعيف الحديث عن طاوس، فإذا جمع طاوس وغيره، فالزيادة هو ضعيف.
وقال أحمد بن سليمان الرهاوي عن مؤمل بن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس: لم لم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: قد رأيته وكان قد اختلط، وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليث ابن أبي سليم أحب إليَّ من يزيد بن أبي زياد، كان أبرأ ساحة يكتب حديثه، وكان ضعيف الحديث، قال: فذكرت له قول جرير بن عبد الحميد فيه فقال: أقول كما قال جرير، وقال أيضا: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث، وقال أيضا: سمعت أبا زرعة يقول: ليث بن أبي سليم لين الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث» (1).
،
ولينظر العاقل كيف يتشبثون بهذه الروايات الباطلة ويعدونها قواطع يحكمون على من خالفها بالزندقة والكفر ولا يرون جزاء له إلا القتل، و هم مع ذلك يتهمون من تمسك بالقرآن دونها وعض عليه بالنواجذ أنه
(1) المزي، تهذيب الكمال، ج 24، ص 282 - 286، وابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 8، ص 417 - 419. (1/146)
صفحة 144
المحور الثالث. تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها
من
هو
زنديق كما في كلام البربهاري السابق، وبهذا تدرك أخي القارئ الكريم أن عقيدتهم مبنية على منابذة القرآن والإعراض عنه والتشبث بهذه الأوهام التي ورثوها من أهل الكتاب، فإنه لا يرتاب من اطلع على ما عند أهل الكتاب الضلالات التي لفقوها فألصقوها بالتوراة والإنجيل، في أن ما قالوه أصل لهذا الذي تقوله المجسمة، فكم في التوراة والإنجيل المُحَرَّفَيْنِ من نصوص دالة على ذلك، ومما جاء فيها أنه يقعد المسيح عن يمينه ففي التوراة المزمور 1: 110: قال الرب لربي: اجلس عن يميني أضع أعداءك موطئا لقدميك. وفي الإنجيل سفر أعمال الرسل:2 24 وإذ ارتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الأب سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه لأن داود لم يصعد إلى السماوات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك.
وفي إنجيل متى الإصحاح 16: 19 ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع
الله. إلى السماء وجلس عن يمين
ومن العجيب زعمهم أن
رد
هذه
الرواية هو إنكار لفضيلة النبي صلى الله عليه وسلم،
فمن أين لهم أن فضيلة النبي عليه الصلاة والسلام هي في تشبيه الله بخلقه واعتقاد أنه متصف بأوصاف الإنسان من القعود على مستقر والتنقل
والتبعض والحصر؟!! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وإذا كانت هذه الرواية بينا بطلانها واضحا اختلاقها بالنظر إلى إسنادها، فإن الأدلة النظرية أيضا تعزز عدم صحتها، وقد أجاد الواحدي نقدها من حيث النظر فقد نقل عنه الرازي قوله: وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه: الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث،
147 (1/147)
صفحة 145
148
الحقيقة الدامغة
ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير
للضد بالضد وهو فاسد
والثاني: أنه تعالى قال (مقاما محمودا) ولم يقل مقعدا، والمقام موضع القيام لا موضع القعود.
والثالث: لو كان تعالى جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدودا، متناهيا ومن كان كذلك فهو محدث. والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز؛ لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى، وإنهم يجلسون معه، وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة.
والخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلانا؛ فُهِمَ منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم، ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه، فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين» (1). وقد أشجى هذا الذي قاله القاسمي لتشبثه بمقولة الحشوية، فتعقبه بما لا طائل تحته (2).
مع أن معظم المفسرين منذ عهود السلف فسروا المقام المحمود بالشفاعة العظمى التي تكون للنبي الله يوم القيامة، وقد جاء بذلك حديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
هذا؛ وشنع الحشوية القول في الترمذي بسبب رده هذه الرواية،
(1) الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج 21، ص 27.
(2) ينظر القاسمي، محاسن التأويل، ج 10، ص 3970 - 3973. (1/148)
صفحة 146
149
المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردها |
وكتبوا فيه وثيقة شنوا عليه فيها حربًا عوانا أجلبوا فيها بخيلهم ورجلهم
ودعوا الناس إلى مقاطعته ونبذه وكان مما جاء فيها: «والذي حمل هذا العدو الله المسلوب ـ أن رد هذا الحديث وخالف الأئمة وأهل العلم وانسلخ من الدين - اللجاجُ والكبرُ كي يقال فلان، فنعوذ بالله من الكبر والنفاق والغلو في الدين والذي حملنا - أكرمكم الله ـ على الكتاب إليكم ما حدث ببلدكم من رد حديث مجاهد الله ومخالفتهم من قد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم)، فمال أولو الزيغ والنفاق إلى قول الملحدين وبدعة المضلين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وما سبيل هؤلاء إلا النفي عن البلد الذي هم فيه، كما أن صاحبهم المبتدع منفي عن الجامع مطرود منه، ليس إلى دخوله سبيل، وذلك بتوفيق الله ومنه، ومنع السلطان أيده الله إياه عن ذلك معمما أنه مسلوب عقله ملزوم بيته، يصيح به الصبيان في كل وقت، وهذا قليل لأهل البدع والأهواء والضلال في جنب الله، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن، وسلمنا وإياكم من الأهواء المضلة بمنه وقدرته، وثبتنا وإياكم على السنة والجماعة واتباع الشيخ أبي عبد الله رحمة الله عليه ورضوانه، فقد كان اضمحل ذكر هذا الترمذي واندرس، وإنما هذا ضرب من التعريض والخوض بالباطل، فانتهوا حيث انتهى الله بكم، وأمسكوا عما لم تكلفوا النظر فيه، وضعوا عن أنفسكم ما وضعه الله عنكم، ولا تتخذوا آيات الله هزوا فمن تكلم في شيء من هذا فإنما يتحكك بدينه ويتولع بنفسه ويتكلف مالم يتعبده الله به» (1).
،
وجاء فيها أيضا: «فأما ما قال العباس بن محمد الدوري عند سؤالهم
(1) السنة للخلال، 226/ 1 - 227. (1/149)
صفحة 147
10.
الحقيقة الدامغة
إياه عنه ورده حديث مجاهد ذكر أن هذا الترمذي الذي رد حديث مجاهد ما رآه قط عند محدث ولا يعرفه بالطلب وإن هذا الحديث لا ينكره إلا مبتدع جهمي، فنحن نسأل الله العافية من بدعته وضلالته، فما أعظم ما جاء من الضلالة والبدع! عمد إلى حديث فيه فضيلة للنبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يزيله ويتكلم في من رواه (1).
هذا به
وحسبك ـ أيها القارئ الكريم - هذا الذي أوردته شاهدا ودليلا؛ على أن الحشوية - الذين يدعون التمسك بالسنة والغيرة عليها والدفاع عنها ويتهمون الإباضية أهل الحق والاستقامة بنبذها - هم أسرع الناس إلى إنكار السنة ولو تواترت عندما تخالف هواهم وإنما يصرون على التمسك بالروايات الباطلة المكذوبة عندما توافق هواهم ولو كانت معزوة إلى من لا يعد قوله حجة بحال، بل يؤثرون ما عزي إليه على نصوص القرآن ويعدون التمسك بالقرآن والعدول عن هذه الآثار الباطلة من معالم الزندقة!!! وكفى بهذا شاهدا و دليلا على بعدهم عن الحق وتنكبهم سواء الصراط.
ولو أخذتُ في تتبع الروايات الباطلة التي بنوا عليها اعتقادهم لأمكنني أن أحشر مئات منها، ولكني رأيت الاقتصار على ما ذكرته، وكفى به حجة
ودليلا.
(1) نفس المصدر، 231/ 1. (1/150)
صفحة 148
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية 151
المحور الرابع
العقلانية ومباينتها للإباضية
العقلانية مدرسة ناشئة من جديد لا ترتبط بمدرسة من المدارس الإسلامية، حتى تلك المدارس التي ترجح جانب العقل على الشرع كالمعتزلة، فمهما يكن من خلاف بيننا وبين المعتزلة من هذه الناحية فإننا نعلم يقينا أنهم كانوا حريصين على تأييد الإسلام والذب عن عقائده والحفاظ على قيمه، كما أنهم كانوا حريصين على تطبيق شرعه واتباع أحكامه، أما هؤلاء المنتسبون إلى العقل فقد باينوا عقيدة الإسلام وخ وخالفوا أحكامه ونقضوا عراه، فلا يُلَزِّ بهم مع الإباضية في قَرَنٍ، كيف والإباضية هم أحرص
الناس على عقيدة الإسلام وشرعه وتكييف الحياة كلها وفق أحكامه؟.
على أن من هؤلاء العقلانيين من بَدَا من أقوالهم وأعمالهم ودعواتهم أنهم يؤثرون الإلحاد على الإيمان، ولذلك انخرطوا في سلك الملحدين، وكانوا معهم في خندق واحد في حرب شعواء على الإسلام، وما تقمصهم للإسلام وادعاؤهم أنهم يغارون عليه ويأخذون به إلا شراك نصبوه لاقتناص ذوي العقول المأفونة بادئ ذي بدء حتى يتمكنوا من غسل أدمغتهم وانتزاع كل ما يمت إلى الإسلام بصلة من فكرهم وسلوكهم، وإذا كان بعض من يتبع هؤلاء لم يصلوا في ارتكاسهم إلى هذا الحضيض الأسفل من الإلحاد فإنهم - ولا ريب - مأخوذون في طريق ذلك من حيث لا يدرون، وهو شاهد على غبائهم وعدم احترازهم لأنفسهم، وما كان (1/151)
صفحة 149
152
الحقيقة الدامغة
داعيهم إلى ذلك إلا ما في نفوسهم من حب البروز والشهرة بين الناس من خلال ما يطرحونه من أفكار يتصور كل منهم أنه أبو عذرتها وأنه جاء بما لم يسبقه إليه أهل العقول، وذلك داء قتال يعمي ويصم عن كل ما فيه هلاك النفس وبوارها والعياذ بالله وليتهم إذ ابتلوا بحب الشهرة طلبوا هذه الشهرة بمعالي الأمور دون سفاسفها، ولكن الهوى إن امتلك النفس قادها إلى هوانها، فهؤلاء يسعون إلى الشهرة باتباع الشيطان وحزبه وإسلاسهم القياد لمن يجرونهم إلى المهالك جرا.
ومما هو واضح بداهة أنهم تقف وراءهم الصهيونية العالمية، فهي التي تخطط لهم وتملي عليهم، وهم يَسْبَحُون في فلكها وينفذون خططها، ومن كان منهم غير مدرك لذلك فإن عدم إدراكه إنما يرجع إلى غباوته وانطماس بصيرته، وإلا فالأمر أوضح من الشمس في رابعة النهار. وإذا كان من بين هؤلاء مَنْ كانوا في يوم من الأيام معدودين في الإباضية ومحسوبين على فكرها فإنهم باتباعهم هذا النهج فارقوا الإباضية، بل ناصبوا هذا المذهب الشريف العداء، وسعوا إلى نقض أسسه وهَدٌ بنيانه، كما أنهم ساعون في نقض الإسلام كله بأي صورة كان وفي أي
مذهب تمثل.
أما ما كان من بعض الحشوية من عَد هؤلاء إباضية وإدانة الإباضية بأقوالهم الباطلة؛ فإنه لا يعدو أن يكون من الفجور في الخصومة، وإلا فالأمر بين وقد وضح الصبح لذي عينين، فقد ارتفعت أصوات الإنكار لبدع هؤلاء وضلالاتهم من حناجر الإباضية حتى بحت بذلك حلوقهم، وإذا كان هؤلاء الموجودون بيننا نشأوا أولا على الفكر الإباضي وكانوا محسوبين على الإباضية؛ فإننا نجد أيضًا ممن هو على شاكلتهم مَنْ كان معدودا أيضا من أتباع المذاهب الأخرى، بل منهم من كان على العقيدة (1/152)
صفحة 150
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية 153
الحشوية، فهل يسوغ لذلك أن يُلزّوا في قرن مع أصحاب المذاهب التي
كانوا عليها؟!!.
ونحن بإمعاننا النظر في مراحل دعوتهم تبين لنا زيف ما كانوا يفعلونه؛ مِنْ رفع شعار المذهب والتظاهر بالغيرة عليه وإنكارهم على علماء المذهب ما كانوا يقومون به من اجتهاد في الفروع الفقهية، وترجيح بعض الأقوال التي تخالف رأي جمهور علمائنا بحسب ما رأوه من الأدلة المرجحة لما عولوا عليه من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وذلك أنهم كانوا يدعون أن هذا مما يسرع في المذهب حتى لا يبقى منه شيء، وهذا كله ما كان إلا تمويها وخداعا لدهماء الناس، شأنهم في ذلك شأن المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم: إذا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لكَذِبُونَ} [المنافقون: (وقال: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14].
منهم
وهم تقمّصوا في هذا الأمر مظاهر شتى، فقد مرت بهم مرحلة كانوا فيها يتظاهرون بإجلال علماء المذهب الغابرين ويدعون المحافظة على أقوالهم، ثم وليتها مرحلة أخرى كانوا يدعون فيها التمسك بما كان عليه أئمة المذهب في عهد التابعين وتابعيهم كجابر وأبي عبيدة والربيع، وكانوا يدعون أنهم منتمون إلى المدرسة الجابرية، ويعدون تلك الفترة هي فترة التوهج الأولى، ولكن لم يلبثوا أن خلعوا أغشية النفاق كلها، وجاهروا بعدائهم للإسلام ونبذهم له، كما جاهروا بالحط من أقدار علماء المذهب جميعا، ومن بينهم أولئك الذين كانوا يتظاهرون بالانتماء إليهم وسيرهم على خطاهم، حتى أنهم سووا مسند الإمام الربيع بن حبيب الله بكتب
الرواية التي تتهم القرآن الكريم أن فيه تحريفا وتبديلا وحذفا وزيادة. (1/153)
صفحة 151
104
الحقيقة الدامغة
وقد بدأوا في بث ضلالتهم بجحد حجية السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - لا سيما الأحادية منها، وكانوا يدعون الغيرة على القرآن وحرصهم عليه في القول والاعتقاد والعمل، وبلغ بهم التوقح وسوء الأدب في مقام حضرة صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه أن عدوه كسائر الناس وتطاولوا حتى أعربوا عن المجاهرة بمخالفته وتصويب رأيهم على قوله!!.
وقد بدا جليا مما كانوا يقولونه أنهم يسيرون على خطى الكافر الضليل: رشاد خليفة، الذي تطاول على مقام النبي العظيم وحط من قدره وكفر بسنته، ولم يلبث بعد ذلك أن ادعى أنه رسول الله!! أخزاه الله تعالى وأنزله المكان الذي يستحقه في دركات النيران.
وقد كانوا على نهج رشاد خليفة يدعون أنهم بهذا يغارون على القرآن، ويحرصون على أن لا يزاحم بغيره، ولكنهم ما لبثوا أن جاهروا بكفرهم بالقرآن الكريم من خلال ما جاؤوا به من الأفكار التي تناقض صريح القرآن وما أنكروه من حقائق نص عليها القرآن.
وقد بدأنا إسداء النصح إليهم وكشف خطورة ما يأتون به منذ أمد بعيد، وصبرنا على ذلك رجاء ارعوائهم عن غيّهم ورجوعهم إلى رشدهم، ولكنهم كانوا في كل يوم يأتون بجديد من الكفر والإلحاد، ثم لم يلبثوا أن انضموا إلى الملحدين الذين يفاخرون بإلحادهم ويعلنون عداوتهم للإسلام ومنابذتهم لكل ما يسمى دينا، فشكلوا معهم جبهة واحدة تحارب ما يعادونه جميعا من عقيدة الإسلام وقيمه وفضائله، فهُمْ لا هَمَّ لهم إلا أن يصرفوا الناس عن الدين، وأن يدفعوهم إلى الإلحاد والفساد، ويردوهم في دركات الموبقات.
ولا زالوا يتبارون في ابتكار الضلالات التي يقدمونها إلى الناس، ففي (1/154)
صفحة 152
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية |
كل يوم يأتون بجديد، ولخبثهم وفسادهم يحاولون أن يلبسوا على ضعفاء العقول، أمرهم فيوارون أحيانا مكائدهم بستار الدين.
أنواع الضلالات التي أعلنوها:
هم لا يزالون مطردين في ابتكار الضلالات التي يخدعون بها العقول
6
ويشيعونها بين الناس ولستُ في هذه العجالة بصدد استقصاء ما جاؤا به من الضلال وما بثوه من الفساد وإنما أعرض بعض الأمثلة التي يتبين منها
القارئ الكريم إلى أي هاوية من الكفر والضلال تردوا:
-1
- دعوى تبرئة الشيطان من تبعة إضلال بني آدم
لقد عقد هؤلاء حلفًا بينهم وبين الشيطان لأنهم من حزبه المخلصين له، ه، ولذلك حرصوا أن يصوّروه أنه غير عدو للجنس البشري، فزعموا أنه لا يتحمل تبعة إغواء بني آدم لأنه أغوى آدَمَ وحده!! وإنما سرت الغواية إلى بنيه من خلال جيناتهم!! وهذا القول كفر صراح، لأنه رد لنصوص القرآن القاطعة ومخالف لما استقر في عقول الناس جميعا، وكم نجد في نصوص القرآن ما يهدم هذه الفكرة من أساسها.
وإليك طائفة من
هذه النصوص:
قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169]، فما وجه التحذير من اتباع خطواته لو كان إضلاله لهم يسري في جيناتهم؟ وقال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء) [البقرة: 268] وليس أمره بالفحشاء إلا من خلال وسوسته، وهو خطاب لبني آدم وليس خطابا لآدم، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155]، وليس استزلالهم إلا بوسوسته لهم وقال: إن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَّنَا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا
155 (1/155)
صفحة 153
??
الحقيقة الدامغة
IIV
شَيْطَنًا مَّرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَهُمْ وَلَأُمَيْيَنَّهُمْ وَلَا مُرَنَّهُمْ فَلَيُبيكُنَّ وَإِذَا الْأَنْعَامِ وَلَا مُرَتَهُمْ فَلَيُغَيرنَ خَلْفَ اللَّهِ وَمَن يتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 117 ـ 120]، وأنت ترى ما حكاه الله تعالى عنه في هذه الآيات من أنه توعد بإضلالهم وتمنيتهم وأمرهم بتبتيك آذان الأنعام وتغيير خلق الله وأنه يعدهم ويُمنّيهم، وهل هذا إلا وسوسة منه؟.
وقال: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ [الأنفال: 48]، وهل التزيين إلا بالوسوسة؟! والمُزَيَّنُ لهم هم كفار قريش، وهم من بني آدم.
وقال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَ بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لمشركونَ} [الأنعام: 121]، وقال تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ هُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَابِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شكرين} [الأعراف: 16 - 17]، وقال: {يَنبَنِي ءَادَمَ لَا يَفْيُنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: 27]، ويا ترى كيف يتصور فتنته الحذر من أن ضلالته تسري في جيناتهم كما يزعم هذا الزاعم الأفاك؟!.
مع
وقال: {وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُكُمْ فَأَخْلَفتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَنٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِف إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ [إبراهيم: 22] وقال: {قَالَ رَبِّ مَا أَغْوَيْنَنِي لَأَزَتِنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَطُ عَلَى مُسْتَقِيمُ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 39 - 42]، وقال: {وَقَالَ فَبِعِزَّيْكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُ وَالْحَقِّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ
(AT (1/156)
صفحة 154
157
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية |
جهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: 82 - 85]، وهو نص على أن أهل النار إنما وردوها باتباعهم الشيطان والعياذ بالله.
وقال: قَالَ أَرَهَ يُنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَى لَنْ أَخَرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيِّمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءُ مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكُهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدُهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَنُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء: 62 - 64].
وكل ذلك يدل على أنه مصممٌ من أول الأمر على إغواء ذرية آدم، وأنه يدعوهم إلى الشر باستفزازه، لهم، ويجلب عليهم بما يقدر عليه من وسائل ويغرهم بوعده لهم.
وقال تعالى تحذيرًا منه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوا إِنَّمَا يَدْعُوا حَرْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَب السَّعِيرِ [فاطر: 6]، ومَنْ هُم حزبه الذين يدعوهم فيستجيبون له إلا الغواة من بني آدم؟!!، وقال تعالى: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [النور: 21]. وأخبر تعالى أن ضلال من ضل من الأمم السابقة إنما كان بإضلال الشيطان، وذلك في قوله سبحانه: {تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ هُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63]، وذلك يعني بلا ريب أن الشيطان هو الذي صرفهم عن اتباع الرسل، كما زين لهؤلاء الذين يجادلون اليوم ما هم فيه من الجدل الباطل والدعوة إلى مسلك الشيطان
وموالاته.
وقد أمر تعالى بالاستعاذة منه وهي اللجوء إليه تعالى من شره ليكفي اللاجئ وسوسته وغوايته، قال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَيْنِ نَزْعُ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم تُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) [الأعراف: (1/157)
صفحة 155
158
الحقيقة الدامغة
200 - 202]، وقال: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العليم [فصلت: 36]، وفي هذه الآيات نص صريح على أنه ينزغ بني آدم بفتنته وضلالته، وهل يكون ذلك إلا بوسوسته لهم وتزيين الكفر والشرك والفحشاء لهم؟!.
وقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يحضرون} [المؤمنون: 97 - 98]، وحكى عن يوسف قوله: مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَنِ} [يوسف: 100]، وقال أيضا: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَنُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَبُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشركون الله [النحل: 98 - 100]. وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنبَنِى ءَادَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمُ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 61 - 62]، وهو نص صريح على أن ضلال من ضل من بني آدم إنما هو بإضلاله إياهم.
وقال: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَهُمْ ذِكرَ اللهِ أُوْلَيْكَ حِرْبُ الشَّيْطَنِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ} [المجادلة 19] وقال: {وَكَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16]، وهذه النصوص كلها صريحة في أن غواية بني آدم إنما هي باتباعهم الشيطان عندما يدعوهم إلى الباطل، ويزين لهم الكفر، ويحرضهم على معصية الله تعالى، ويوقع بينهم الفتن.
فيا ترى هل هذا الذي يبرئ الشيطان من تبعة إضلال بني آدم ويتعامى ويتصامم عن هذه الآيات كلها يُعَدُّ في المسلمين؟! كيف والمسلم لا يتصور منه إلا أن يسلم تسليما بكل ما أخبر الله تعالى به أو شرعه من أمره؟ فأنى يجتمع الإسلام مع جحد ما دلت عليه هذه النصوص بعبارة تستعصي على (1/158)
صفحة 156
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية و 159
التأويل، وهل يعد هذا لو حصل من مسلم صحيح الإسلام إلا ردة عن الإسلام وتكذيبا لما أخبر الله تعالى به؟!!! والعياذ بالله تعالى.
و يا ترى هل هذه التبرئة ناشئة عن حمية متأصلة للشيطان من هذا القائل بسبب ما بينهما من علاقة حميمة ومودة راسخة، حتى حرص على تبرئة الشيطان مما اعترف به بنفسه كما هو واضح في الآيات السالفة الذكر؟ أو أنّ مرد ذلك إلى أن هذا الموالي للشيطان رأى أنه بلغ في مراتب الغواية ودركات الكفر ما لم يبلغه الشيطان نفسه، فلذلك رأى أنه لفتنة الشيطان مع وجوده لأنه صار أقدر منه على الإغواء وأخبر
لا داعي.
بطرقه ومسالكه كيف وقد بلغ من ذلك ما قاله القائل:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى بي الأمر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن مثله صنائع فسق ليس يحسنها بعدي ولذلك حرص على أن يمنح الشيطان تقاعدًا مُبكرًا، ويكفيه إغواء بني آدم؟! أما دعواه أن الغواية تسري في جنس البشر بتأثير الجينات منذ أغوى الشيطان أصل البشر آدم وحواء عليهما السلام، فهي دعوى لا تصدر إلا ممن أظلم فكره وانطمست بصيرته، فإن براهين العقل تدحضها فضلا عن النصوص الشرعية القاطعة إذ لو كانت هذه الغواية سارية إلى الناس من خلال الجينات لكان البشر كلهم على وتيرة واحدة فيها، إذ ما من أحد منهم إلا وفيه من الجينات مثل ما في غيره وعليه فيتعذر التفاوت بين الناس في قدر الغواية ولا يكون مِنْ بينهم مَنْ عصمه الله منها، وأنت تدري أن مِنْ بين الناس مَنْ هم معصومون من أن يكون للشيطان سلطان عليهم وهم عباد الله المخلصون، كما نص عليه قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِي لَأُزَتِنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَتَهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هذا صِرَاطٌ عَلَى مُسْتَقِيمُ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
(41) (1/159)
صفحة 157
الحقيقة الدامغة
الْفَاوِينَ} [الحجر: 39 - 42]، فأنت ترى أن الشيطان نفسه يستثني ممن تهددهم بالغواية عباد الله المخلصين، فهو - وإن كان لا يألو جهدا في
محاولة الوسوسة لهم - تَحُولُ دون مبتغاه فيهم عناية الله تعالى بهم.
على أن أولئك الذين يتسلط عليهم هم مختلفون في تأثيره عليهم،
فمنهم من يستحوذ عليه حتى لا يبقى له ما يبصره بما يحدق به من الخطر، فيستسلم له في كل شيء، ومنهم من توقظه الفطرة فيسعى إلى التحرر من ربقته أحيانا، ومنهم من يجاهد في التخلص من آثار هذه الغواية، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}
[الأعراف: 200 - 201].
وتختلف كذلك أنواع الغواية، فمنهم مَنْ يزين له الشهوات فينغمس فيها حتى لا يمكنه التحرر منها فيظل دائما أسير شهوته لا فكاك له عنها ولا يفكر في غيرها، ومنهم من يزين له العدوان على الغير، فيظل حياته كلها لا يهدأ له بال ولا تهنأ له نفس إلا بسفك الدماء وإزهاق الأرواح وإهلاك الحرث والنسل، ومنهم من يأتيه من حب المال فيزين له جمعه من الوجوه المحرمة، فلا يبالي بالسرقة أو الاحتيال أو الغش وسائر أنواع الظلم، لأنه بتأثيره عليه يظل في سعار لا يطفئه شيء، فكلما ازداد جمعا للمال اشتد سعاره إليه، ومنهم من يأتيه من قبل المناصب وحب التسلط على الناس والرغبة في الاستعلاء، ومنهم من يأتيه من قبل الاستخفاف بالواجبات والإعراض عما يعود بالمصلحة عليه أو على أسرته أو على مجتمعه أو على أمته ومنهم من يزين له الباطل ويكره إليه الحق، حتى
يظل في حياته كلها حربا على الحق وأهله، نصيرا للباطل وحزبه. (1/160)
صفحة 158
المحور الرابع: العقلانية ومبايفتها للإباضية | | 161 ??
وما هذا التفاوت إلا دليل بيّن على أن الشيطان هو الذي يوزع أدوار الفساد بين حزبه، ليقوم كلّ منهم بدور لا يقوم به الآخرون، ولو كان مرد ذلك إلى الجينات لاتحد مشربهم جميعا وتساووا في التأثر بها.
ومما هو بدهي لا يعزب عنه ذهن أن وظيفة الجينات تعود إلى طبائع الأجسام ولا صلة لها بالجانب الروحاني، ولذلك يكون التباين بين الأصول والفروع في الهداية والضلال فكم من أب غوي كان ابنه على النقيض منه كما هو واضح في إبراهيم وأبيه، وكذلك العكس كما حصل لابن نوح الذي كان شاذا عما كان عليه أبوه، ومعنى ذلك أن الهداية والغواية لا تحصلان بطريق التوريث من الأصول للفروع، وهو يدل قطعا على أن هذه الفكرة لا تستحق أن تكون نظرية فضلا عن كونها
حقيقة مسلمة.
مما
هذا؛ ولو كانت الغواية أمرًا ساريًا إلى الناس من خلال جيناتهم لكانت جزءًا من طبيعتهم، فلا يكون لهم منها فكاك وعليه فلا يبقى معنى لمؤاخذتهم من قبل الله تعالى على ما يترتب عليها من فعل محارمه وترك أوامره، كيف وقد أنبأنا الله تعالى أنه لا يؤاخذ أحدًا بما لا طاقة له به، فهو القائل: لَا يُكَلِّفُ
اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، والقائل: ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنَهَا [الطلاق: 7]، كما أنبأنا أن الفطرة التي فطر الناس عليها هي منسجمة مع ما شرعه لهم من الدين، وأن خروج الناس عن ذلك هو تمرد على الفطرة ومكابرة لها، كما هو واضح في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وهو الذي دل عليه صريح السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في قوله: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت (1/161)
صفحة 159
162
الحقيقة الدامغة
عليهم
عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (1). وبالجملة؛ فإن دعوى أن الشيطان بريء من إضلال بني آدم هي صيحة من صيحات الكفر والضلال وهي صورة مما تمجه أفواه هذه الطائفة من أنواع الإلحاد. أعاذنا الله من شرهم وشر غوايتهم.
2 ـ تفسير أحد أوتاد هذه المدرسة نعيم الجنة تفسيرا حضاريا - حسب تعبيره ـ يتضمن إنكار ما علم من الدين بالضرورة
مما هو
معلوم للناس جميعا أن الله سبحانه أمر ونهى ووعد وتوعد
وبشر وأنذر، وناط استقامة عباده على التقوى واتباعهم لما أمر به بتأثرهم بتبشيره وإنذاره وتصديقهم بوعده ووعيده، فقد قال تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ له [الأنعام: 51]، وقال: {وَذَكَرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعُ وَإِن تَعْدِلُ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَبِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70]، وقال: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةِ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11]، وقال: إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَمَن تَزَكَ فَإِنَّمَا يَتَزَكَى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ [فاطر: (18] وقال: {فَذَكَرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45]، وقال: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) [الأعلى: 10]، وامتلأت آيات القرآن بتبشير أوليائه بأنواع النعيم في الدار الآخرة، وأثبت أن ما أعده لهم لا تتصوره الألباب ولا تتخيله الأوهام ولا تحيط به العقول، فقد قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ
(1) أخرجه أحمد (162/ 4 رقم 17519) ومسلم (2197/ 4 رقم 2865) وأخرجه أيضا: الطبراني (358/ 17 رقم (987)، وبلفظ آخر أخرجه الطبرانى (358/ 17، رقم 987)
والنسائي في الكبرى (26/ 5، رقم (8070)، والبزار (419/ 8، رقم 3491). (1/162)
صفحة 160
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية 163
لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]. وكذلك أنذر أعداءه بعذاب فوق ما يتصور، كما في قوله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بطونهم وَالْجُلُودُ وَلَمْ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَدٍ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 19 - 22]، وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نار جهنم لا يُقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُونُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِجُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرَكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
[فاطر: 36 - 37].
ولكن هؤلاء أبوا إلا أن يهونوا من هذا الأمر، ويصوروا وعد الله تعالى تصويرا ماديا لا يتعدى ما تطمح إليه نفس الإنسان المغرور بالحياة الدنيا من متاعها الفاني وزخرفها الخلاب، فقد حولوه إلى ما يدعو إلى التفاني في خدمة الدنيا والعناية بحطامها، وما ذلك إلا ليصدوا الناس عن الدين ويلهوهم عنه بحب الدنيا، ويشغلوهم عن التفكير في الدار الآخرة، وما أعد الله تعالى فيها لأوليائه من النعيم ولأعدائه من الجحيم، فقد زعم زاعمهم أن القراءة الحضارية لنعيم الجنة تبعث إلى العناية بنعيم الدنيا والبحث عن أسبابه، فما ذكر من جنان الخلد وما فيها من الفواكه والزينة يراد منه أن يعتني الناس بزراعة الأرض واستخراج المياه منها، وتحويلها إلى واحات ناضرة وأفياء ظليلة وجنان فيها أنواع الفاكهة والثمار.
وهذا لا يعني إلا الصد عن التعلق بالدار الآخرة والتفكير في نعيمها الأبدي الخالد الذي تعجز مدارك البشر عن تصوره أو تخيله، وأنت تدري أن القرآن الكريم لم يأت حاضًا على التعلق بالدنيا وجعلها هي غاية الأمل (1/163)
صفحة 161
الحقيقة الدامغة
|
164
ومعقد الاهتمام، فكم ترى في آياته البينات من التحذير البالغ عن الركون إليها وإيثارها على الدار الآخرة، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَعْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]، وقد
أتبعه الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم [يونس: 25] لتنهض الهمم إلى العمل الذي يقرب العبد من ربه، ويجعل الدار الآخرة هي مطمح بصره والغاية التي يسعى إليها بعمله بجانب رضوان الله تعالى ومثل ذلك قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْتَهُ مِنَ
السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذَرُوهُ الرِّيحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا [الكهف: 45]، وما وليه من قوله: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُ أَمَلا} [الكهف: (46]، وكذلك قوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الحيوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَو وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نباته ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَكَهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]، فأنت تراه لم يعد الحياة الدنيا إلا متاع، غرور، وما ذلك إلا لحقارتها عنده وكونها تصد مَنْ رَكَنَ إليها ومال إلى إيثارها عن القيام بواجب الطاعة الله، وأتبع ذلك الحض على التنافس في السعي إلى الدار الآخرة حيث أتبعه قوله: سَابِقُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، وقال
E
تعالى: {وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنعام: 32)، ونحوه قوله: {إِنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْتَلَكُمْ أَمْوَلَكُمْ} [محمد: 36]، فكيف يكون مع هذا ما جاء من (1/164)
صفحة 162
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية |
بشرى بالنعيم المقيم في الدار الآخرة يُراد به شحذ الهمم من أجل التفاني في خدمة الدنيا الفانية؟.
على أننا نجد في كتاب الله التباين في المصير بين من كانت الدنيا مستأثرة بهمومه وهممه، ومن أخلصها في طلب الدار الآخرة، فقد قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16]، وقال سبحانه: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَبِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا [الإسراء: 18 - 19]، وقال عز من قائل: ومَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُونِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20]، وقال: {فَأَمَّا مَن طَغَى وَاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْقَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 37 - 41].
وهذه كلها نصوص واضحة دلالتها على أن ذوي الكياسة والفطنة لا يكون مطمحهم إلا الدار الآخرة، وأما الذين حرموا البصيرة والتمييز فهم الذين يروق لهم بريق هذه الحياة فيصرفون إليها جهدهم ويُنْضُونَ من أجلها أنفسهم ولا يحسبون حسابا للدار الآخرة، وقد بين الله سبحانه أن نصيب كل واحدة من الطائفتين ما شغل بالها وصرفت من أجله عنايتها، فما لطلاب الدنيا في الآخرة من نصيب وإنما لهم النار والعياذ بالله لأنهم أهملوها، إذ لم يعدوا لها عدتها ولم يفنوا من أجلها طاقاتهم وملكاتهم
بخلاف الذين صرفوا عنايتهم للآخرة، فإنهم يبوأون فيها الدرجات العلى. وهذا لا يعني بحال أن السعداء البررة لا يأخذون نصيبهم من الدنيا، فإنهم مخلوقون فيها، ولا بد لهم من تحصيل ما لا بد لهم منه من متاعها، (1/165)
صفحة 163
166
الحقيقة الدامغة
ولكنهم لا يؤثرونها على ضرتها الدار الآخرة، فهم ينزلونها منزلتها وهي أنها وسيلة للوصول إلى مبتغاهم في الدار الآخرة، ويأبون كل الإباء أن يجعلوها غاية يحصرون سعيهم إليها.
وهذا هو الميزان القسط في التمييز بينهما، إذ الدنيا لا تساوي شيئا بجانب الآخرة، فلو كانت الآخرة ترابا رخيصا وكانت الدنيا جوهرا نفيسا لكان الأولى الاعتناء بالآخرة الباقية والعزوف عن الدنيا الفانية، فكيف أرخص من التراب والآخرة هي أغلى من كل نفيس؟!.
والدنيا
هي
وعليه؛ فلا يُعد قولُ مَنْ فسّر البشارة بنعيم الآخرة ذلك التفسير العقيم إلا محاولة لصد الناس عن العناية بأخراهم وجعلهم أسارى شهواتهم ورغباتهم في الدار الدنيا، وذلك مما يدخل في المؤامرة على الدين وتلبيس الحق بالباطل وتزيين الشهوات للنفوس وقطعها عما فيه سعادتها في عقباها ولا يقوم بذلك إلا من هو من حزب الشيطان الصاد عن الحق الداعي إلى الجحيم.
،
- عدم تمييز الإسلام عن الأديان الباطلة:
إن الدين صلة بين العباد وبين ربهم تعالى وهو الذي ينظم الحياة ويرتقي بالأفكار، ويصل بين الخلق والخالق وبين الدنيا والآخرة، وبين
،
الملك والملكوت، وبين المسير والمصير ويربط بين العمل والجزاء،
وينظم
والأمة،
،
العلاقة بين الفرد والأسرة، وبين الأسرة والمجتمع، وبين المجتمع
وبين الأمة والجنس البشري، وبين الجنس البشري وسائر خلق الله،، وهو استجابة لفطرة الله التي فطر الله عباده عليها، فلا يمكن أن يكون اختراعا من إنسان مهما رقى في فكره واستقام في نهجه، واتسعت مداركه واستنارت بصيرته، وإنما الدين يرجع إلى الله تعالى، فهو وحده يشرع لعباده من الدين ما يهذب نفوسهم ويزكي فطرهم ويعطي لكل شيء في (1/166)
صفحة 164
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
حياتهم. حكمه، ويقوي صلتهم به وصلتهم بعالم الغيب، وبالعالم كله ماديه وروحيه، ويقيم علاقاتهم على البر والتقوى ويبوئ كل أمر مبوّأه، ويعطي لكل شيء حكمه.
وقد اختار الله تعالى لعباده الإسلام دينا فجاءت به رسله جميعا إلى الناس جميعا، كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] وقال تعالى: وإنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ} [آل عمران: 19]، وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85].
ج
وقد فرض سبحانه الإيمان بجميع رسله واتباع الحق الذي جاؤوا به، وأتم على عباده النعمة وأكمل لهم الدين بإرساله مسك ختامهم وبدر تمامهم عليه الصلاة والسلام الذي جاء بالحق وفرض على الكل اتباعه والإيمان به وبما أنزل عليه من الكتاب الذي جعله مهيمنا على ما أنزل قبل من كتاب وتوعد بأشد الوعيد كل من خالف ذلك حيث قال: أَفَمَن كانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَتَبَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن ربك وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17]، وقال عز من قائل: وقُولُوا وَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ} [البقرة: 136]، وأتبعه قوله: وفَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ) [البقرة: 137] وقال أيضا: قُلْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران 84] وأتبعه قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا
167 (1/167)
صفحة 165
168
الحقيقة الدامغة
فلن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَيْكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينا [النساء: 150 - 151].
،
ذلك لأن الكفر بأحد الرسل أو أحد الكتب يُعَدُّ كفرًا بجميع الرسل الكتب، فلا يغني الإيمان ببعضهم مع الكفر بالآخرين، ولذلك وجميع توعد الله تعالى بوعيده الشديد كُلَّ من كفر، كما في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أُوْلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة [البينة: 6]. وقد صَمَّ هؤلاء العقلانيون أو تصامموا عن هذه الآيات وغيرها وعَمُوا أو تعاموا عنها، فادعوا إفكا وزورا أن الجنة موئل جميع أصحاب الديانات كيف ما كان، اختلافها ورفعوا عقيرتهم بالدعاء بالجنة لمن مات على غير الإسلام، سواء كان يعتنق دينا أو كان خاليا من كل دين، وما هذه إلا فكرة ماسونية يُروّجون لها في المجتمع، وهي دليل ارتباطهم بالصهيونية العالمية، فإن الله سبحانه شرع لعباده الدين وفرض عليهم اتباعه، وتوعد كل من خالفه بأشد الوعيد، كما في قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ وَكُتُبِهِ. وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنبَنِي إِسْرَويلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
فكار [المائدة: 72].
وبين سبحانه أن
،
رحمته - وإن وسعت كل شيء ـ هي خاصة بالمؤمنين
المتقين الذين يؤمنون بالنبي الأمي عليه الصلاة والسلام، ويتبعونه فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، كما هو صريح قوله: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِايَنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ (1/168)
صفحة 166
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُتِيَ الَّذِى يَجِدُونَهُ، مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَنَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْتَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَعْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أَوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156 ـ 157]، وهذا يعني أن كل من كفر برسالته عليه الصلاة والسلام فهو محروم من رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء وإنْ آمَنَ بغيره من رسله تعالى، إذ لا يغنيه إيمانه ببعض الرسل مع كفره بأي منهم، فكيف إن كفر بخاتم رسله الذي جاءت رسالته متوجة لرسالات من سبقه، وجاء الكتاب الذي أنزل عليه مهيمنا على ما سبقه من كتاب؟ على أن الكل مأمورون باتباعه ومتعبدون بشريعته بعدما جاءت ناسخة للشرائع التي تقدمتها، كيف وقد أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يتبعوه ويؤمنوا به؟ كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيشَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا وَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ
الشَّهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: 81 - 82].
وقد جاء القرآن بكلمة الفصل في بيان الرابح من الخاسر من الناس جميعا في قوله عز من قائل: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ امَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3)، فقد حكم الله تعالى على جنس البشر كله بالخسران ولم يستثن منهم إلا الذين جمعوا بين أربع خصال؛ هي: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فمن أخل بشيء منها فقد ارتكس في الخسران وباء بالبوار والعياذ بالله.
هذا؛ وقد أمر الله تعالى بالمفاصلة بين المؤمنين والكفار، فلا يحل لمؤمن أن يتولى الذين كفروا كما في قوله تعالى: وَلَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ
169 (1/169)
صفحة 167
170
الحقيقة الدامغة
أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَنَةٌ وَيُعَذِرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] وبيَّن أن الذين يتولونهم إنما هم مصابون بأمراض نفسية من سوء الاعتقاد، إذ أتبع ذلك قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مرَضٌ يُسْرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ) وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَسِرِينَ} [المائدة: 52 - 53]، وأتبع ذلك تحذيرا من الارتداد وقرر أن المرتد وحده هو الذي يبوء بالخسران، والله يغني عنه، فقد يأتي بغيره ممن يقيمون دين الله ويجاهدون في سبيله، وذلك في قوله: ويَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَا بِرٍ ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ} [المائدة: 54]، وفي هذا إشارة لطيفة إلى خطورة موالاة الذين كفروا وأنها تستدرج الذين وقعوا فيها ولا تقف بهم فيما دون الارتداد ـ والعياذ بالله - وأتبعه بيان من يجب على المسلم أن يحصر فيه ولاءه، حيث قال: إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] ثم أتبعه ما يدل على أن من يجعل الله ولرسوله ولعباده المؤمنين ولايته فهو من حزب الله الذي يبوء بالنجاح والفلاح، وينقلب إلى الفوز والسعادة، وذلك في قوله: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ} [المائدة: 56].
وحذر من موالاة جميع الذين كفروا في قوله تعالى: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَانِي يَسِرُّونَ إِلَيْهِم (1/170)
صفحة 168
171
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية | 71
بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَتُم وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة: 1]، وبيَّن أن للمؤمنين أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه حيث قال: قد كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَ وُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن. دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاهُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَولَ إِبْرَاهِيمَ
لأبيه لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: 4]، ومعنى ذلك أن كل ما كان أولئك بين وبين قومهم الكافرين يجب أن يكون بين المؤمنين والذين كفروا، فهم مطالبون بالتأسي بهم فيه، وإنما استثنى من ذلك استغفار إبراهيم لأبيه، فلا يحق لمؤمن أن يستغفر لكافر، وإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه لوعد كان بينهما، فليس للمؤمنين أن يتأسوا به فيه.
وأكد تعالى على هذه المفاصلة في قوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَبِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِنْةٌ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أَوَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، وحَسْبُكم في هذا حكما صارما ما أجاب الله الله به نوحا الذي نادى ابنه أن ينضم إلى فريق المؤمنين الذين آووا إلى سفينة النجاة، فتثبط عن ذلك واعتذر بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، ولم يُجْدِهِ خطاب أبيه شيئا، بل ظل على إصراره فهلك مع الهالكين، وأخذت نوح تجاهه عاطفة أبوية: {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِمِينَ} [هود: 45]، فما كان إلا أن أتاه من الجواب ما يستأصل هذا الطمع ويقطع دابر هذه الأمنية التي شغلت باله: وَقَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ} [هود: 46]، فما كان من نوح إلا أن أذعن لأمر (1/171)
صفحة 169
172
الحقيقة الدامغة
ربه وأخلص له ولاءه معترفا بخطئه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ} [هود: 47].
وأنت ترى أن كونه من غير أهله - مع أنه ناشئ عنه لأنه ابنه كما نص
القرآن ـ إنما سببه عمله غير الصالح، فإن قوله تعالى: {إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِح. مع أن نوحا ل لم
أنه ليس من
أهله، هذا
تعليل للحكم الذي سبقه وهو يأل جهدا في إبلاغ رسالة الله تعالى فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يواصل فيها الليل بالنهار في دعوتهم إلى الله، وتذكيرهم بحقه، وتعريفهم بآياته، وترغيبهم في ثوابه وترهيبهم من عقابه، ولم يكن شيء من ذلك مفيدا لابنه الشقي، فكان مع الخاسرين.
وتعليل ذلك الحكم بعمله غير الصالح دليل على أن كل من عمل عملا غير صالح ولم يتب منه لم يكن لأحد حق أن يتولاه ويدعو له بالرحمة، فكيف بمن كان مجاهرا بكفره ومصرا على رفضه للإسلام؟!.
4 - تطاولهم على شرائع الله وانتقادهم لأحكامه:
التطاول
كم تطاول هؤلاء العقلانيون على شريعة الله تعالى المحكمة فأوسعوها نقدا وردا، مشايعين بذلك إخوانهم المجاهرين بالإلحاد، ناهيك أن يَعْجَبَ أحدهم من تحريم مباشرة امرأة أجنبية برضاها مع إباحة الوطء بملك اليمين ولو لم تكن الموطوءة راضية به، ولا يخفى ما في هذا من على ما أنزله الله فإن الله حرم الزنا تحريما لا هوادة فيه، ولو كان الزانيان متراضيين، فقد حذر حتى من الاقتراب منه إذ قال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَ إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32]، وأمر بإغلاق كل نافذة تفضي إليه بما فرضه من قيود وآداب في حياة الناس الاجتماعية رجالا ونساء، كما في قوله: {وَقُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا
(20 (1/172)
صفحة 170
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
يبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ مَابَا بِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
[النور: 30 - 31].
ورفع سبحانه الملامة عمن وطئ بملك اليمين عندما قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون 5 - 6]، وحكم على كل من ابتغى قضاء شهوة الفرج من وراء ذلك بالعدوان كما هو صريح في قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 7]، وكم ترى من بون شاسع بين الزنا ولو كان بتراض بين المتزانيين وبين الوطء بملك اليمين إن أطر في الإطار الصحيح واستوفي شرائطه، ولكن هؤلاء في ضلالهم يعمهون لأنهم فقدوا الإيمان، فخيم الظلام على ألبابهم، ولو كانوا مؤمنين لأذعنوا لحكم الله، وأيقنوا أن له سبحانه في كل حكم حكمة بالغة، سواء أدركها الناس أو تقاصرت عنها مداركهم، وما على المؤمن إلا أن يسلم ويخضع في كل ما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله عليه الصلاة والسلام وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ: أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مبينا} [الأحزاب: 36].
يزعم
وتجد منهم من يجهر بكلمة الكفر علانية عندما أن النصوص إنما هي لمرحلة زمنية غابرة، وأن مَنْ يتمسك بها فهو يعيش مع التأريخ لا مع الواقع!! وما هذه إلا مجاهرة بالكفر بالله وما أنزل، وارتكاس في دركات شعلة ولو بقيت في نفوسهم من الإيمان لأيقنوا
الضلال ـ والعياذ بالله.
6 -
173 (1/173)
صفحة 171
174
الحقيقة الدامغة
عمدة
حي
6
أن كل ما ينوء به العالم من مشكلات تؤرق أهله لو رُدّت إلى القرآن لوسعها حلا وفرجا، وقد اعترف كثير من فلاسفة الغرب ومفكريهم بهذا، فقد سمعتُ ذلك من بعضهم ومن بينهم اللورد/ ألدرمان روجر جيفور؛ المال والأعمال بمدينة لندن عاصمة المملكة المتحدة، عندما زارني قبل أقل من عام من الآن وقال: إن المصارف في لندن أخذت بقوة تستمد من النظام الإسلامي المالي لأنها وجدت فيه الحل الأمثل للمشكلات الاقتصادية المعاصرة، ولا يبعد أن تتحول كلها إلى النظام الإسلامي». وقد أجبته بأن مشكلتهم ليست محصورة في الجانب المالي وحده، وإنما هم يَنُوؤُونَ بضروب من المشكلات التي لا حل لها، وهي ترجع إلى جوانب متعددة منها الفكر والأخلاق والاجتماع والثقافة، فهم أحوج ما يكونون إلى الاستبصار ببصيرة القرآن والاستصباح بنوره الذي يُبَدِّدُ كل ظلام. واعترف بهذه الحقيقة غير أنه اعتذر بأن هذه أمور راسخة في حياتهم لا يمكنهم التخلي عنها إلا بعد زمن طويل عندما يقتنع الناس
بذلك.
وفي هذا العصر الذي أدرك فيه العالم مضار الربا وخطره على الاقتصاد وما يؤول إليه من دمار وخراب تصديقا لقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ الله [البقرة: 278 - 279]، تجد من هؤلاء ء من ينادي بحلية الربا إن اتفق عليه بين الطرفين، زاعماً أن المحرم منه إنما هو الزيادة غير المنضبطة على الأصل، وهذا كفر بما أنزله في قوله: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ الله، فمعنى ذلك أن أي زيادة هي ربا محرم تترتب عليه لعنة الله وإلا فلا معنى لتعليق التوبة على أخذ رؤوس الأموال فحسب.
الله (1/174)
صفحة 172
175
المحور الرابع العقلانية ومباينتها للإباضية
وبالجملة؛ فإن ما تمجّه أفواههم المسمومة كله دعوة إلى التحلل من الدين، والارتكاس في الضلال والانغماس في الرذائل، وشيوع الإباحية بين الناس، ولا غرو فإنهم لم يدعوا أن الشيطان متقاعد عن مهمته إلا لأنهم رأوا أنهم قادرون على أن يسدوا مسدّه، ويؤدوا دوره كاملا غير منقوص، فلذلك لا يفتأون يدعون إلى الباطل ويشجعون على الفساد، وقد اتصفوا بكل ما هو موصوف به، فالله سبحانه وصفه بقوله: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وهكذا شأنهم، فإنهم مع دعوتهم الدائبة إلى التحلل من قيم الإسلام ونبذه وراء الظهور واتباع الشهوات؛ يَدْعُون أيضًا إلى القول على الله بغير علم، ولمن اتبعه في ذلك أسوة سيئة، فإنهم مع غرقهم في الجهل إلى نواصيهم يخوضون في أمر الشريعة خوضا، ويسفهون الحق ويروجون الباطل، فأي دور
للشيطان لم يقوموا به، وأي فتنة شعواء في الأمة لم يوقدوا نارها؟!!. . إغراق العقلانيين في الضلالة أدى بهم إلى إنكار بدهيات العقول: لم يقتصر العقلانيون على إنكار ما دَلَّتْ عليه نصوص الشرع من القرآن والسنة، وإنما تجاوزوا ذلك إلى إنكار الحس ومكابرة العقل، وجحد الواقع الذي لا يكابر فيه إلا المبرسمون، وبهذا تدرك أن انتسابهم إلى العقل لا يعدو أن يكون شعارا ضد الواقع فإنهم ألصق بالجهلانية منهم بالعقلانية، فكم أنكروا من حقائق مسلمة من كل الناس مؤمنهم وجاحدهم، وعاقلهم وجاهلهم وذكيهم، وغبيهم، فهم في سباق مستعر لجحد الواقع، يتفننون فيه بقدر ما يمليه على كل منهم خيالهم المأفون، وقد انتهى الأمر بأحدهم أن ينكر الزمان زاعما أنه مجرد وهم، وأن الناس سيكتشفون أنهم واقعون من اعتقاد وجوده في وهم ولو بعد حين.
وما أشبه هذا الزعم بزعم السير جميس جينز) الذي ادعى أن الكون (1/175)
صفحة 173
176
الحقيقة الدامغة
بأسره لا يعدو أن يكون وهما لا وجود له، وقد نسي أنه بناء على ذلك ينكر وجود نفسه، بل وينكر وجود الواهم الذي توهّم وجود الكون، وعليه فأنى يكون الوهم من غير أن يكون ثمّ واهم وكيف يكون تصحيح هذا الوهم بزعم أن الكون لا وجود له من غير وجود لمصحح؟؟!!.
6
ومثله إنكار الزمن وادعاء أنه خيال ووَهُم، وهو لا يدل إلا على مرض أصاب عقل هذا المدعي، فلم يَعُدْ يفرّق بين صبحه ومسائه وبين ليله ونهاره وبين يومه وأمسه وبين ماضيه وحاضره ومستقبله، ولا يميز بين ساعة وأخرى ولا بين يوم وغيره ولا بين شهر وشهر، ولا بين سنة وسنة، ولا بين حقبة من الزمن، وغيرها لأن الزمن كله في نظره لا يعدو أن يكون وهما، وينجر ذلك إلى اعتقاد أن الله سبحانه سرى أيضا إليه هذا الوهم ـ تعالى الله عما يقول الأفاكون علوا كبيرا، فإنه سبحانه أقسم بالليل والنهار والفجر والضحى والعصر وناط أحكاما بمواقيت يومية كالغدو والعشي، كما ناط أحكاما ببعض الشهور كما في قوله: شهر رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْوَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن
شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَبَاءٍ أَخَر [البقرة: 185]، وقوله: (الْحَةُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَت} [البقرة: 197]، وقوله: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبٍ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ منها أَربَعَةٌ حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ [التوبة: 36]، وقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وقوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]، وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة: 234]، وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةُ لِأَزْوَاجِهِم مَّتَنَعًا إِلَى الْحَوْلِ (1/176)
صفحة 174
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
غير إخراج: [البقرة: 240]، وقوله: {وَالَّتِي بِإِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَابِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: 4].
وحكى أمورا قيدها بأزمان، محددة، كما في قوله: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، قَالَ كَمْ لَبِنْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامِ) [البقرة: 259]، وقوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا يعام [الكهف: 25]، وقال في اليهود: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمرُ أَلْفَ سَنَة [البقرة: 96]، وقال في شانه: تَعْرُجُ الْمَلَتبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أن يكون هذا كله إن كان الزمن جميعه وَهْما؟!.
[المعارج:: 4]، فماذا عسى ثم ماذا يقول هذا الزاعم المأفون في أبَوَيْهِ وسائر آبائه وأمهاته الأقدمين، ألم يعش كل منهم زمنا محددا ثم انطوى بانطواء زمنه؟! وهل ينكر الليل والنهار وتعاقبهما المطرد وطيهما الأعمار بدورانهما المستمر، وهل يأتي الليل إلا بانقضاء النهار الذي قبله، وكذا العكس؟! ولا تأتي ساعة إلا بانقضاء الساعة التي سبقتها، وكل ساعة تأتي بأحداثها، وكل حدث يقع في ساعته ويومه في ليله أو نهاره وفي شهره وعامه، فأين مكان الإنكار للزمن وادعاء أنه مجرد وهم؟! إن هذا لهو الضلال.
• عزوف العقلانيين عن ذكر الله:
إن أعظم حرمان رزي به هؤلاء صدودهم عن ذكر الله تعالى، فإنهم - بانغماسهم في الإلحاد واتحادهم مع الشيطان وتحول نفوسهم إلى نفوس خبيثة شيطانية همها نشر الفساد والإلحاد - تضيق صدورهم من ذكر الله تعالى، وتنشرح لذكر الملاحدة وأئمة الكفر، فتجد أحدهم يُحَرِّر مقالا يتجاوز عشر صفحات لا تجد فيه ذكرًا الله تعالى قط!! ولا لرسوله، ولا رمزا إلى آية من كتاب الله ولا إشارة إلى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
6
177 (1/177)
صفحة 175
178
الحقيقة الدامغة
وإنما تجد فيه تكرارًا لذكر أئمة الكفر ورادة الإلحاد، والترويج لنظرياتهم
والاعتداد بالاطلاع على ما عندهم.
وإنه لَمِمَّا يُغني عن طلب الدليل أنه لا يضيق بذكر الله قلب يؤمن بالله،
،
ولا تنفر منه نفس موصولة به تعالى ولا يسأم منه لسان نطق بالشهادتين صدقا وإخلاصا، فإنَّ ذكره تعالى هو الذي تحيا به النفوس، وتسكن إليه القلوب، وتستنير به البصائر وتطمئن به الحياة ولذلك دعا الله إليه عباده المؤمنين حيث قال: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَة وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِى يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَتيكتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 41 - 43]، ووصفهم بقوله: (الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَينُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وبشر الذاكرين فيمن بشرهم بقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ والْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَنِنِينَ والْقَيْنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِرِينَ وَالصَّبِرَاتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ والْمُتَصَدِقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّمِينَ وَالصَّمَتِ وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ والذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35].
وأمر عند الانفلات من العبادات باستدامة ذكر الله تعالى كما في قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَةٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) [البقرة: 198] وقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مِّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ [البقرة: 200]، وقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء: 103]، وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وابتغوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
فأي حرمان من الخير أعظم من حرمان مَنْ حُرِمَ ذكر الله تعالى ولذته، فضاق به صدره واستوحش منه قلبه ونفرت منه نفسه، وصار يأنس إلى ذكر (1/178)
صفحة 176
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
الشيطان وحزبه ويردّد ما فاهوا به من الباطل ويسخر قواه وملكاته لإضلال عباد الله، وشن الحرب على دينه الإسلام، ويبتكر الأساليب في لبس الحق بالباطل، ويملأ الدنيا سخرية من الحق وأهله!!.
ومن خصومة هؤلاء لذكر الله تعالى: تفسيرهم قيام الليل المرغب فيه في كتاب الله - والذي هو سمة عباد الله الصالحين المقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنه الخروج إلى الأسواق للاتجار والضرب فيها، وزعمهم أن تفسيره بالصلاة تفسير سلبيّ، وهو كلام تضحك منه الثكالى، ويسخر منه الحمقى والمجانين، فإنه لا يدل إلا على أن قائله يهرف بما لا يعرف، ولا يبالي أن تصدر منه النوادر المخزية في سبيل صده عن ذكر الله، وشنه حرباً على دينه وإرضائه لشيطانه.
فليت شعري؛ أنى يكون قيام الليل هو الضرب في الأسواق، وهل الليل هو للضرب والتردد أو أنه للهجوع والاستقرار والراحة؟!!! فالله تعالى يقول: {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشَاء [النبأ: 10 - 11]، ويقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47]، ويقول: قُلْ أَرَوَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيِّمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جعل اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [القصص: 71 - 72]، وأتبع ذلك قوله: {وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73]، فالليل من طبعه السكون بخلاف النهار، فهو الذي تكون فيه الحركة والكسب والابتغاء من فضل الله تعالى.
وجعل الله في الليل الساجي أنسا للعابدين في مناجاتهم لربهم سبحانه، وخضوعهم بين يديه وإخباتهم إليه، ولكن أنى يدرك ذلك الكفرة
179 (1/179)
صفحة 177
180
الحقيقة الدامغة
الملحدون، الذين تكاثفت ظلمات الكفر والإلحاد على نفوسهم، فاسودت قلوبهم واحلولكت بصائرهم، فلم يعد للنور منفذ إلى ألبابهم، ولم ينفذ من الإيمان شعاع إليهم فتستيقظ به مداركهم ويميزوا بين الحقيقة والوهم؟! ولو آمنوا بالكتاب لشعّ لهم هذا النور الوقاد من آياته البينات، فالله عندما وصف فيه عباد الرحمن لم يصفهم أنهم يقضون سواد ليلهم بين كيل ووزن
وتسليم وقبض، وإنما وصفهم بقوله: {وَالَّذِينَ يَبيثُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيمَا [الفرقان: 64]، وقال فيهم: آمَنْ هُوَ فَنِتُ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَابِمَا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ [الزمر: 9] ولا غرو فإنما يتذكر أولو الألباب.
وأين هؤلاء من الذكرى وقد غرقوا في ظلمات الغفلة، وأين هم من العلم وقد طمت عليهم بحار الجهل؟! كالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسلِمَ لرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 71]، وإن عجبت فاعجب من هذه المجادلة بالباطل لإزهاق الحق في حقائق لا تحتمل الجدل لوضوحها كالشمس في رابعة النهار، ولا يستحيون أن ينادى عليهم بالجهل والغباء لدى العامة قبل الخاصة، فإن ما يجادلون فيه هو من الظهور بمكان كمن يجادل في طلوع الشمس وإشراقها وهي في كبد السماء والجو صحو لا يحجبها عن الأبصار غيم ولا قتر، وقد رضوا لأنفسهم في سبيل هواهم أن يكونوا كمن هو من نطاته لا يميز بين يغمى على المرء في أيام محنته حتى يرى الخير في طعن وفي جدل ومَن يُرد شهرةً يضحى الخلاف له أقوى معين على المقصودِ من حيل فالمرتجي منه طول الدهر منفعةٌ كالمستقي من فضول الظَّلِّ والبَلل إن الجهول لِجُهّال غدا عَضُداً يُؤلف الحزب للأضرار والنكل
لطاته وقطاته. (1/180)
صفحة 178
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
?
إن التغالي في الأشياء مفسدَةٌ منها الأغاليط والأوهام في هطل إن الضلال بأهواء لها فِرَقُ وفي الحديث أتى ذمّ لمنتحلِ هذا؛ وقد نشر قبل بضع سنين في موقع أحد الضلال الذين يُمجدون تمجيدا من قبل هؤلاء العقلانيين تضليل للعقول في أمر الصلاة، تضمن أن الصلوات المشروعة هما صلاتان بكرةً وأصيلا، وبينهما صلاة وسطى، وينكر صاحب المقال أن تكون الصلوات خمسا أو أن تكون صلاة خاصة الجمعة، وزعم أن صلاة الجمعة المذكورة في القرآن إنما هي الصبح، وقد أطال الجدل في هذا بكلام يؤذن أنه لا يبالي بالكفر، ولا يفكر في مصيره يوم القيامة، فهذه هي أفكار العقلانيين، وبمثل هذا يحاربون الشرائع الدينية ويصدون عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل بقي بعد هذا كله ريب لمرتاب في ردة هؤلاء المجاهرين بهذه الأفكار الضالة عن الدين وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم؟!.
بيوم
• ارتباط العقلانيين بالمؤسسة الصهيونية
صلاة
لا يماري ذو نهية في كون هؤلاء ينفذون خطة خطها لهم أعداء الإسلام، محاولة منهم لنسف الإسلام من داخله و يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32 - 33]، ومن الواضح بداهة أن هذه الخطة تقف وراءها الصهيونية العالمية، وهي من حربها المبطنة ضد الإسلام والمسلمين، وقد كشف هؤلاء عن هويتهم، وأسقطوا ما يوارون به سماتهم من براقع النفاق، من خلال تصريحاتهم عندما يشاع عن الصهيونية أنها رزئت بأمر، فإن الدنيا، فلا يملكون إلا أن يبوحوا بما في طواياهم من تأييد الصهيونية
تضيق بهم،
والتنديد
بمن يناوئها.
181 (1/181)
صفحة 179
182
الحقيقة الدامغة
ينتصر
وشاهِدُ ذلك ما كان من أحد رادتهم عندما أشيع أن بعض شباب المسلمين تمكنوا من اختراق الشبكات ووصلوا إلى المواقع السرية للمؤسسات الصهيونية، فقد جنّ جنونه بهذه الإشاعة، ومج فوه من قذارة العبارات في حق هؤلاء الشباب؛ ما يشهد عليهم بأنهم منخرطون في المنظومة الصهيونية، وأنهم مناوِؤُون للإسلام، يزعجهم أن المسلمون على الصهيونيين أي انتصار، فقد ملأ متحدثهم الدنيا ضجيجا بأن هؤلاء المخترقين إنما هم لصوص قراصنة دخلوا بمحاولتهم هذه حمى محظورا، وأوسعهم سبابا، قاذعا، وخلع عليهم من الأوصاف الباطلة ما لا يُخْلَع إلا على أكابر المجرمين، مع محاولته تبرئة الصهيونيين من الجرائم، متجاهلا أنهم هم اللصوص الذين سرقوا أرض الإسلام واعتدوا على مقدساته وانتهكوا أجلّ حرماته، إذ دنسوا المسجد الأقصى المبارك بأرجاسهم، وسفكوا حوله دماء المسلمين والمسلمات، وأزهقوا أرواح الصغار والكبار، واغتصبوا الأرض وما عليها، فأخرجوا الناس من دورهم قهرا، ودمروا مساكنهم وأخرجوهم إلى العراء من غير أن يرقوا لشكوى شاك أو بكاء باك، وملأوا سجونهم بالأبرياء من الرجال والنساء والأطفال شبابا وعجزة، ولم يروا في شيء من ذلك ظلما أو عدوانا، وإنما رأوا الظلم والعدوان في محاولة اختراق شبكاتهم كأنهم أبرياء مسالمون لم يرتكبوا جرما ولم يقارفوا ظلما!!.
ومن تضامنهم مع الصهيونية وشدهم لأزرها ما أخذوا يشيعونه من أن المسجد الأقصى الذي ذكر في القرآن أنه كان مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ليس هو بأرض فلسطين، وإنما هو بمكة المكرمة أو بمكان قريب منها، ولا يعني هذا منهم إلا محاولتهم سلب المسلمين حقهم الديني والتأريخي في المسجد الأقصى المبارك؛ ليسوغوا لليهود تملكه والتصرف فيه كما (1/182)
صفحة 180
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية | | 183
شاءوا، وأي شك يبقى بعد هذا كله في انتماء هؤلاء عقيدة وفكرا وسياسة ومنهجا إلى المنظومة الصهيونية، وتفانيهم في خدمتها وتنفيذ مخططاتها؟.
وإنّ من مخططاتها ما يدعون إليه من ذوبان الفكر وميوعة الأخلاق، وتحطيم القيم وانتزاع الغيرة من قلوب الرجال، والحياء من وجوه النساء، حتى يعم المسخ الجميع، ولا تبقى للأمة قيمة تعتز بها، ولا فضيلة تتحلى بها.
وما هذه إلا قطرات من بحرهم الثجاج الزاخر بالضلال والفساد، فضلا عن إنكارهم سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتهميشها عن الحجية في دائرة التشريع، وقد ذكرتُ طائفة من ضلالاتهم هذه في كتابي (العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع)، الذي هو في الأصل محاضرة ألقيتها في الرد عليهم، وقد تعقب كثيرًا من بدعهم وضلالاتهم وفضح كثيرا من مخازيهم الكاتب اللبيب الموفق الشيخ عبدالملك بن سالم بن حمود السيابي في كتابه العقلانية بين الثقافة الإسلامية والمادية المستوردة)، ولا يزال أهل الإيمان يذبون عن إيمانهم بتتبع مؤامرات هؤلاء المجرمين تحت المجهر، ليكون الناس على بينة من أمرهم وإدراك
ووضعهم
لمؤامراتهم، وتلك
هي
سنة الله تعالى في الصراع بين الحق والباطل والعراك بين الهدى والضلال، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، فنحن واثقون بأنهم سيطويهم الدهر في طواياه وسيبقى تاريخهم صفحات سوداء قاتمة تتوالى عليها وعلى أصحابها لعنات القراء والمستمعين، كما كان ذلك من قبل لإخوانهم الذين سبقوهم إلى الضلال من فئات الزنادقة وأحزاب الشيوعية وأنصارها منهم ببعيد.
الفساد، وما مصير
وبعد؛ فأي جامع يمكن أن يجمع هؤلاء بالإباضية حتى يلز بهم معهم (1/183)
صفحة 181
| 2013 | 1 AE
الحقيقة الدامغة
في قرن؟! وكيف يجتمع الحق والباطل والهدى والضلال والصدق والإفك والنور والظلمة والرحمة والعذاب؟!.
إن الإباضية عرفوا في أدوار تأريخهم بالمحافظة على الحق والذب عنه، وتطبيق السنة النبوية والانتصار لها، ورفع منار العدل، فهم كما يقول
واصفهم:
ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثنى عزمهم نفس وشيطان فجاهدوا واستقاموا في طريقته عزومهم لصروح الدين أركان وسلطوا بحدود الله حكمهم حتى استقام لحكم الله سلطان
إلى أن قال:
من عهد بدر وأحد لا تزعزعهم عن موقف الحق أزمات وأزمان حقيقة الحق ما دانوا به وأتوا وما عداه أخاليط وخمان إن يشرف الناس في الدنيا بثروتهم فثروة القوم إخلاص وإيقان الله ما جمعوا لله ما تركوا الله إن قربوا الله إن بانوا أزكى الصنيعين ما كان الهدى معه لديهم وله في الحق رجحان تراهم في ضمير الليل صيرهم مثل الخيالات تسبيح وقرآن هم الأباضية الزهر الكرام لهم بعزة الله فوق الخلق سلطان وأين هذه الأوصاف من هؤلاء الذين لا يروق لهم ذكر الله،
ولا يطمئنون إليه، ولا يدعون فضيلة إلا حاولوا تشويهها، ولا مكرمة إلا حطوا من قدرها، صدق عليهم وَصْفُ الله تعالى مَنْ كان قبلهم على شاكلتهم، حيث قال فيهم: خَلَفَ مِن بَعدِهِمْ خَلَفُ أَضَاعُوا الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا [مريم: 59] وأين ما كانوا يتباكون عليه في بادئ أمرهم (1/184)
صفحة 182
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية |
من مزايا أهل الحق والاستقامة عندما يجتهد مجتهد فيرجح رأيا على رأي
أقدار من
اتباعا للدليل؟؟!!. ولم يكن ذلك إلا تمويها وإضلالا للعقول ومحاولة للحط العلماء الراسخين كما هو شأن السفهاء دائما. ومنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه من الفقيه فهذا زاهد في قرب هذا وهذا منه أزهد منه فيه إذا غلب الشقاء على سفيه تنطع في مخالفة الفقيه وقد سبق القرآن الكريم إلى بيان هذا كله كما هو في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا أَنقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقلبوا فكينَ الله وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [المطففين: 29 - 32].
185 (1/185)
صفحة 183
الخاتمة
الخاتمة
خلدك
بعد هذا البيان المشرق بالبراهين الطافح بالأدلة هل يبقى في أخي القارئ الكريم - ما يلبس عليك الحقيقة أو يواري عنك الحق فيما اشتملت عليه هذه العجالة من بيان؟! فهل بقيت في حيرة مما أثاره ذلك الحشوي من شبهات في تمسك الإباضية بالسنة المحمدية وعضهم عليها بالنواجذ؟ أو أنك تمثلت الحقيقة بين يديك بنورها الوضاء ووجهها المشرق وجلالها المهيب فأدركت أنهم أكثر الناس تمسكا بالسنة، وعضًا عليها بالنواجذ، وأقواهم حجة وأنورهم بصيرة في التمييز بين ما هو ثابت منها وما هو لصيق بها من افتراءات المفترين واختلاق الدجالين؟.
،
وهل أنت في ريب من كون الحشوية أنفسهم لا يقيمون قدرا للسنة ولا يبالون بردها عندما تعاكس أهواءهم وتفند ضلالاتهم، بل لا يقيمون قدرا للقرآن، إذ يرون أن التمسك به والحرص عليه من علامات الزندقة وصفات الزنادقة، بينما يتهالكون على الروايات الباطلة ويعدونها حجة يردون بها قواطع النصوص، ويفندون بها براهين العقول، ولو عزيت إلى من لا يكون قوله حجة بحال ويبنون على ذلك تكفير وتضليل واستباحة دماء الذين أنكروها؟!.
قاطعة
وهل بقي في نفسك ريب في البعد السحيق والتناقض البين بين الإباضية والعقلانية، بعدما اكتشفت أن العقلانية لم يبق بينها وبين الإسلام خيط يصلها به ولو كان أوهن من نسج العنكبوت، واتضح لك كيف الملاحدة جنبا إلى جنب، تحارب بسلاحهم تحارب الله ورسوله وتقف مع
JAY (1/187)
صفحة 184
188
الحقيقة الدامغة
وترمي بقذائفهم دين الله تعالى الحق لزعزعته من النفوس، وإثارة الريب حوله، والقدح في أصوله، والطعن في ثوابته؟! وقد كان الإباضية هم أول المستهدفين من قبل هؤلاء المارقين الذين يتدثرون عباءة العقلانية ويرفعون شعارها، فكم طعنوا في عقيدتهم وقدحوا في أئمتهم وسفهوا أحلامهم، وحاولوا أن يشتتوا جماعتهم وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32 - 33]، وقد تبين لك من خلال هذه الدراسة المتواضعة البون السحيق بينهم وبين الإباضية في العقيدة والأخلاق والأقوال والأعمال، فلا يمكن أن يلز بهم معهم في قرن، ولا أن يدانوا بشيء مما تمجه أفواههم أو تسطره أقلامهم أو تمليه أفكارهم.
ولو جاز أن يُعَدَّ مَنْ كان منهم ينتحل الإباضية إباضيا لساغ أن يعد منهم من كان قبلُ على مذهب آخر محسوبا عليه ولو تبرأ من فكره وتحول إلى أشرس عدو يسعى إلى نقضه، على أن هؤلاء جميعا كانوا ينتحلون الإسلام، فهل يسوغ بحال أن تنسب ضلالاتهم إلى الإسلام ويُدان بها، مع ما ثبت من ردتهم عنه وعدائهم له، ولا يشفع لهم أن منهم من درس دراسة شرعية، وفئة منهم كانت تتزيى بزي العلم الشريف إذ كانوا معممين، ومنهم من لا يزال معمما إلى وقتنا هذا، فكم من معمم يصدق عليه قول شاعر النيل:
يمشي وقد نصبت عليه عمامة كالبرج لكن فوق تل نفاق وكم من متبحر في العلوم الشرعية لم يغن عنه علمه من الله شيئا، كمن قال الله تعالى فيه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى مَاتَيْنَهُ وَايَنَيْنَا فَأَنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأَوَلَيكَ هُمُ (1/188)
صفحة 185
الخاتمة
الخسِرُونَ الله وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أعين لا يُبْصِرُونَ بها وَلَهُمْ وَاذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَيكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَيكَ هُمُ العفلُونَ [الأعراف: 175 - 179].
فإذا كان مِنْ هؤلاء مَنْ قرأ القرآن يوما ما فإن مثله لا يعدو أن يكون كما ذكر الله تعالى في هذه الآيات؛ شأن من يؤتيه آياته ثم ينسلخ منها، أو كما قال في الذين أوتوا التوراة: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَبُوا بِثَابَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5].
وبالجملة؛ فإن تمَسُّحَ هؤلاء بأي مذهب إسلامي لا يخرج عن أسلوب المنافقين في خداعهم للمؤمنين، ومحاولة تخديرهم ليدفعوا عن أنفسهم ما يترتب على ظهور طواياهم من الأحكام، وليتمكنوا من حرب الإسلام من داخله، وتلك حرب ألأم وألْعَنُ من الحرب المكشوفة، ولذلك كان التحذير من المنافقين في القرآن أبلغ من التحذير من أهل الكفر الصراح، فقد ذكر الله تعالى في أوائل سورة البقرة الذين كفروا في آيتين اثنتين، وأتبعهما ثلاث عشرة آية كلها تصب قوارعها على المنافقين، وتعري دخائلهم، وتكشف أساليبهم، وتلفحهم بسعير وعيدها اللاهب، وما ذلك إلا لخطورة النفاق واستطارة شره وعموم بلواه.
على أن هذا كله لم يكن من أجل فئة رزئ بها الإسلام في طلعته الأولى، وإنما هو درس للأمة على مر القرون وأدوار التأريخ، فالنفاق هو النفاق، سواء كان في طلعة الإسلام الأولى أو كان بعدها بقرون، وطبيعة المنافقين لا تزال كما كانت، ونزعتهم إلى الفساد والشر تتجدد في جميع فئاتهم وإن تباعدوا في العصور، وسجاياهم تطفح على أقوالهم وأعمالهم في كل الأوقات، فمهما تنوع ما يحبكونه من الإفك لستر سوآتهم، فإن تلكم السوآت هي عينها كما كانت في أسلافهم الأولين، وقد قدر الله
189 (1/189)
صفحة 186
190
الحقيقة الدامغة
تعالى ألا يواريها إفكهم وإن حاولوا إتقان حبكه، إذ لا يلبث أن ينكشف عن أقبح ما يواريه كما قال الشاعر:
ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك عار وكثيرا ما كان ويكون كشفها بما يصدر عنهم من فلتات ألسنتهم التي تنم عن خبث دخائلهم ورجس خباياهم، كما قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول [محمد: 30]، فكم تجد فيما تمجه أفواه هؤلاء المسمومة ويسيل من أقلامهم المسعورة ما هو أقوى شهادة وأبلغ في الدلالة على طواياهم،. كزعمهم أن الذين كفروا كالذين آمنوا أو أنهم أهدى منهم سبيلا، ونفيهم عداوة الشيطان للإنسان ووسوسته له إلا ما كان لأبي البشر!! وزعمهم أن التبشير بنعيم الجنة إنما هو لحفز الهمم من أجل العناية بالحياة الدنيا!! وتثبيطهم الناس عن العبادات وتزيين الشهوات لهم وتحبيب المنكرات إليهم، ومحضهم الولاء للذين كفروا، إلى غير ذلك مما سبق ذكره أو لم نذكره، فإن
ذلك كله كفيل بتمزيق كل ما نسجوه من الزور لستر ما يحاولون إخفاءه. ناهيك تلك الوقفة العدائية التي يقفونها من الحق وأهله ليشدوا بها أزر الإلحاد وحزبه هل يمكن أن تتصور ممن لامس الإيمان شغاف قلبه أو عرف سبيلا إلى سره؟!.
والخلاصة أن الحقائق وحدها هي التي تأتي بالقول الفصل والحق اليقين، وحسبك هذه الحقيقة الدامغة حجة لا تُدْمَعَ، وبينة لا تُرَدّ، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟.
اللهم وفقنا لاتباع الحق وثبتنا عليه وأعنا على نصرته، ووفقنا لاجتناب الباطل وباعدنا عنه وأعنا على هتك ستره واستئصال شأفته، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحمد
بن
حمد الخليلي
مسقط 17 ربيع الثاني
1435 هـ (1/190)
صفحة 187
أهم المصادر والمراجع | 191
أهم المصادر والمراجع
1 - أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، صديق حسن القنوجي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978.
2 - إبطال التأويلات لأخبار الصفات القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن خلف الفراء، دار إيلاف الدولية - الكويت.
محمد بن
3 ـ الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول؛ للبيضاوي، علي بن عبد الكافي السبكي الوفاة: 756، دار الكتب العلمية - بيروت ـ 1404 هـ، الطبعة: الأولى.
4 - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، اسم المؤلف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي الوفاة: 751 هـ. دار الكتب العلمية - بيروت - 1404 - 1984، الطبعة: الأولى.
ه ـ إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، خليل بن كيكلدي العلائي، جمعية إحياء التراث الإسلامي - الكويت، الطبعة الأولى، 1407، تحقيق: د. محمد سليمان الأشقر.
6 - أجوبة المحقق الخليلي، سعيد بن خلفان الخليلي. مكتبة الجيل الواعد/
V
سلطنة عمان.
- آداب الزفاف في السنة المطهرة، ناصر الألباني. المكتب الإسلامي - بيروت لبنان.
ـ الأسماء والصفات للبيهقي، المكتبة الأزهرية للتراث، 9 درب الأتراك خلف جامع الأزهر الشريف. تقديم الكوثري.
9 - فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، عبدالعلي محمد بن نظام الدين (1/191)
صفحة 188
15199
192
الحقيقة الدامغة
محمد السهالوي الأنصاري، اللكنوي ت 1225 هـ ضبطه وصححه عبد الله محمود محمد عمر منشورات محمد علي، بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
10 - أنوار العقول؛ للإمام السالمي. طبعت في أول شرحها المسمى (بهجة الأنوار)؛ مطابع النهضة/ سلطنة عمان. د. ت.
11 - الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، ابن كثير، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.
12 - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الوفاة 911 مكتبة الرياض الحديثة - الرياض، تحقيق:
عبد الوهاب عبد اللطيف.
13 - تعجيل المنفعة لابن حجر، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، طا. 14 - تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية - لبنان بيروت - 1422 هـ ـ 2001 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض، شارك في التحقيق: د. زكريا عبد المجيد النوقي/ د. أحمد النجولي
الجمل. 15 - تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354 هـ)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990 م.
16 ـ التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي الوفاة: 604، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1421 هـ ـ 2000 م، الطبعة: الأولى. 17 ـ تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار الرشيد - سوريا - 1406 - 1986، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد
عوامة.
18 - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير أحمد بن علي بن حجر أبو (1/192)
صفحة 189
193
أهم المصادر والمراجع |
الفضل العسقلاني الوفاة: 852، المدينة المنورة، 1384 تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.
،1964 -
19 ـ التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد، (ت: 772 هـ مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق د. محمد حسن هيتو.
20 - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار الفكر - بيروت - 1404 هـ ـ 1984 م، الطبعة: الأولى. 21 ـ تهذيب الكمال، يوسف بن الزكي عبدالرحمن أبو الحجاج المزي الوفاة: 742، مؤسسة الرسالة - بيروت - 1400 - 1980 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. بشار عواد معروف.
22 - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني الوفاة: 1182 هـ، المكتبة السلفية - المدينة المنورة، تحقيق:
محمد
محي الدين عبد الحميد.
المقاصد 23 - توضيح أحمد بن إبراهيم بن عيسى (ت: 1329 هـ) دار النشر: المكتب الإسلامي
وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم،
ـ بيروت ـ 1406، الطبعة الثالثة، تحقيق: زهير الشاويش. 24 ـ الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري، دار الحكمة، مكتبة الاستقامة - بيروت، سلطنة عمان -
1415 هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف.
الله
بن
25 - جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام نور الدين أبي محمد عبد حميد بن سلوم السالمي العماني تحقيق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، دار الفاروق للطباعة والنشر والتوزيع. 26 - حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه أبي حنيفة، ابن عابدين. الوفاة: 1252، دار الفكر للطباعة والنشر. - بيروت.
- 1421 هـ ـ 2000 م.
27 - الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو (1/193)
صفحة 190
194
الحقيقة الدامغة
والإعراب وسائر الفنون جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الوفاة: 911 هـ دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1421 هـ - 2000 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن. 28 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الوفاة: 430، دار الكتاب العربي - بيروت - 1405، الطبعة: الرابعة. 29 - حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج، عبد الحميد الشرواني دار الفكر - بيروت.
30 - الخصائص الكبرى، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي الوفاة: 911 هـ، دار الكتب العلمية - بيروت - 1405 هـ -
1985 م. 31 - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب تاج الدين أبي النصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الوفاة: 646 هـ، عالم الكتب - لبنان، بيروت - 1999 م - 1419 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود.
32 - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي الوفاة: 1270 هـ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
33 - رؤية الله تعالى بين العقل والنقل عبد الله بن حمود العزي.
34 - السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث محمد الغزالي. دار الشروق.
بن أحمد، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب
35 - السنة لعبد الله العلمية بيروت لبنان.
36 - سؤالات حمزة بن يوسف السهمي، أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي القرشي الجرجاني (المتوفى: 427 هـ). تحقيق: موفق بن بن عبدالقادر، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة: الأولى،
37
عبد الله
1404 - 1984
- سير أعلام النبلاء، محمد أحمد بن
بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو (1/194)
صفحة 191
195
أهم المصادر والمراجع |
عبد الله الوفاة،748 مؤسسة الرسالة - بيروت - 1413، الطبعة:
التاسعة، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي.
38 - السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة. 39 - شرح فتح القدير كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي الوفاة: 681 هـ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية.
:
40 - صحيح مسلم بشرح النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي الوفاة: 676، دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1392، الطبعة الثانية. 41 - طريق الهجرتين وباب السعادتين اسم المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله الوفاة: 751 دار ابن القيم - الدمام - 1414 - 1994، الطبعة الثانية، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر 42 - طلعة الشمس، عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي. وزارة التراث القومي
والثقافة.
:
43 - العدل والإنصاف؛ أبو يعقوب الوارجلاني. وزارة التراث القومي والثقافة.
طا.
44 ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الوفاة: 597، دار الكتب العلمية - بيروت - 1403، الطبعة: الأولى، تحقيق: خليل الميس.
45 - فتح الباري شرح صحيح البخاري أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الوفاة: 852، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محب الدين الخطيب.
46
- الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، جمع وترتيب سالم بن حمد الحارثي، طبع بإشراف عز الدين التنوخي مجمع العلمي العربي بدمشق 1385 هـ ـ 1965 م، الطبعة العمومية بدمشق.
47 - الفقيه والمتفقه؛ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي؛ دار الكتب العلمية -
بيروت.
48 - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، محمد جمال الدين القاسمي (1/195)
صفحة 192
196
الحقيقة الدامغة
الوفاة: 1332 هـ، دار الكتب العلمية - بيروت - 1399 هـ ـ 1979 م،
الطبعة: الأولى.
49 ـ كتاب الضعفاء والمتروكين، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، دار الوعي - حلب ـ 1396 هـ ـ، الطبعة الأولى، تحقيق: محمود إبراهيم
زايد.
:
50 ـ كتاب الضعفاء والمتروكين، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1406 هـ، الطبعة: الأولى، تحقيق: عبد الله القاضي.
51 - كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس مكتبة ابن تيمية: الطبعة الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي.
52 ـ الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي الوفاة: 538، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: عبد الرزاق المهدي.
53 - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفومي الوفاة: 1094، مؤسسة الرسالة - بيروت - 1419 هـ ـ 1998 م تحقيق عدنان درويش - محمد المصري. 54 - الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد الوفاة: 772 هـ، دار عمار - عمان - الأردن - 1405، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد حسن
عواد.
:
55 - لسان العرب محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى.
56 - لسان الميزان أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الوفاة: 852، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - 1406 - 1986،
الطبعة الثالثة، تحقيق: دائرة المعرف النظامية - الهند. (1/196)
صفحة 193
197
أهم المصادر والمراجع |
57 ـ المحصول في علم الأصول، محمد بن عمر بن الحسين الرازي الوفاة: 5606، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض - 1400، الطبعة الأولى، تحقيق: طه جابر فياض العلواني.
:
5 ـ مختصر البسيوي، لأبي الحسن البسيوي. وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان.
59 - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، اسم المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله الوفاة: 751، دار الكتاب العربي - بيروت - 1393 - 1973، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد حامد
الفقي.
بن
60 - مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، علي بن أحمد سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد الوفاة: 456 هـ. دار الكتب العلمية -
بيروت.
61 - المستصفى في علم الأصول، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الوفاة: 505، دار الكتب العلمية - بيروت - 1413، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي.
62 - المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني الوفاة: 211، المكتب الإسلامي - بيروت - 1403، الطبعة الثانية، تحقيق: حبيب الرحمن
الأعظمي.
63 - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، المكتبة الشاملة. 64 - مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث دار الكتاب العلمية - بيروت. 65 - منهاج السنة النبوية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس الوفاة،728 مؤسسة قرطبة - 1406، الطبعة: الأولى، تحقيق: د.
محمد رشاد سالم.
66 - الموضوعات لأبي الفرج ابن الجوزي دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 هـ ـ 1995 م، ط 1.
67 ـ نكت الانتصار لنقل القرآن للإمام أبي بكر الباقلاني، ت 403 هـ. تحقيق (1/197)
صفحة 194
1519
198
الحقيقة الدامغة
الدكتور محمد زغلول، سلام، أستاذ اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، جامعة الاسكندرية، منشأة المعارف بالإسكندرية جلال حزى وشركائه. 68 - نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، محمد بن علي بن محمد الشوكاني الوفاة: 1255، دار الجيل - بيروت - 1973. 69 - هدي الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حج العسقلاني، دار المعرفة بيروت، 1379 هـ.
70 - هميان الزاد إلى دار المعاد؛ للقطب امحمد اطفيش. 71 - الوابل الصيب من الكلم الطيب اسم المؤلف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي الوفاة: 751 هـ. دار الكتاب العربي - بيروت - 1405 - 1985، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض. (1/198)
صفحة 195
فهرس المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
فهرس المحتويات
المحور الأول: في اعتماد الإباضية على السنة النبوية تخصيص أخبار الآحاد لعمومات القرآن من
أمثلة
نصوص.
11 12
علماء الإباضية في جعل السنة النبوية مصدرا مستقلا للتشريع 31
المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية أمثلة مما يُرد من الروايات بسبب مخالفتها للقرآن
1 ـ ما كان فيه وصف الله تعالى بنقائص خلقه
ما كان مشتملا على ما يقتضي التشكيك في ثبوت القرآن. 63 3 ـ ما كان مشتملا على الطعن في شمائل الحضرة النبوية - ما يؤدي إلى اتهام أصحابه أنهم كانوا يتمردون على أوامره 106 • المحور الثالث: في تخبط الحشوية في قبول الروايات وردّها. 113 المبحث الأول: في ردهم للأحاديث الصحيحة
المبحث الثاني: في تمسك الحشوية بالروايات الباطلة وتقديمها على نصوص الشرع وبراهين العقل
المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية
أنواع الضلالات التي أعلنوها
1 - دعوى تبرئة الشيطان من تبعة إضلال بني آدم
2. تفسير أحد أوتاد هذه المدرسة نعيم الجنة تفسيرا حضاريا - حسب تعبيره - يتضمن إنكار ما علم من الدين بالضرورة 162 - عدم تمييز الإسلام عن الأديان الباطلة
199 (1/199)
صفحة 196
الحقيقة الدامغة
4 - تطاولهم على شرائع الله وانتقادهم لأحكامه
172
إغراق العقلانيين في الضلالة أدى بهم إلى إنكار بدهيات العقول .. 175
عزوف العقلانيين عن ذكر الله
ارتباط العقلانيين بالمؤسسة الصهيونية
الخاتمة
أهم المصادر والمراجع
، فهرس المحتويات
177
181
187
191
199 (1/200)